الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح ابن عقيل - ابن عقيل الهمداني ج 1

شرح ابن عقيل

ابن عقيل الهمداني ج 1


[ 1 ]

شرح ابن عقيل قاضي القضاة بآهاء الدين عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني المصري المولود في سنة 698 والمتوفى في سنة 769 من الهجرة على ألفية الامام الحجة الثبت: أبي عبد الله محمد جمال الدين بن مالك المولود في سنة 600 والمتوفى في سنة 672 من الهجرة " ما تحت أديم السماء " " أتحى من ابن عقيل " أبو حبان ومعه كتاب منحة الجليل، بتحقيق شرح ابن عقيل تأليف محمد محيي الدين عبد الحميد غفر الله تعالى له ولوالديه ! وجميع حق الطبع محفوظ له الجزء الاول

[ 2 ]

مقدمة الطبعة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنعوت بجميل الصفات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات، المبعوث بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وعلى آله وصحبه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن بيضة الدين حتى رفع الله بهم مناره، وأعلى كلمته، وجعله دينه المرضي، وطريقه المستقيم. وبعد، فقد كان مما جرى به القضاء أني كتبت منذ أربع سنوات كتاب تعليقات على كتاب الخلاصة (الالفية) الذي صنفه إمام النحاة، أبو عبد الله جمال الدين محمد ابن مالك المولود بجيان سنة ستمائة من الهجرة، والمتوفى في دمشق سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وعلى شرحه الذي صنفه قاضي القضاة بهاء الدين عبد الله بن عقيل، المصري، الهاشمي، المولود في سنة ثمان وتسعين وستمائة، والمتوفى في سنة تسع وستين وسبعمائة من الهجرة، ولم يكن يدور بخلدي - علم الله - أن تعليقاتي هذه ستحوز قبول الناس ورضاهم، وأنها ستحل من أنفسهم المحل الذي حلته، بل كنت أقول في نفسي: " إنه أثر يذكرني به الاخوان والابناء، ولعله يجلب لي دعوة رجل صالح فأكون بذلك من الفائزين ". ثم جرت الايام بغير ما كنت أرتقب، فإذا الكتاب يروق قراءه، وينال منهم الاعجاب كل الاعجاب، وإذا هم يطلبون إلي في إلحاح أن أعيد طبعه، ولم يكن قد مضى على ظهوره سنتان، ولم أشأ أن أجيب هذه الرغبة إلا بعد أن أعيد النظر فيه، فأصلح ما عسى أن يكون قد فرط مني، أو أتمم بحثا، أو أبدل عبارة بعبارة أسهل منها وأدنى إلى القصد، أو أضبط مثالا أو كلمة غفلت عن

[ 3 ]

الطبعة الرابعة عشرة: تمتاز بدقة الضبط، وزيادة الشروح والتعليقات وبالتوسع في التكملة التي وضعناها في تصريف الافعال جمادى الاولى 1384 ه‍ أكتوبر 1964 م يطلب من ناشره المكتبة التجارية الكبرى بمصر بميدان العتبة الخضراء، وبأول شارع القلعة م. السعادة بمصر

[ 4 ]

ضبطها، أو ما أشبه ذلك من وجوه التحسين التي أستطيع أن أكافئ بها هؤلاء الذين رأوا في عملي هذا ما يستحق التشجيع والتنويه به والاشادة بذكره، وما زالت العوائق تدفعني عن القيام بهذه الامنية الشريفة وتذودني عن العمل لتحقيقها، حتى أذن الله تعالى، فسنحت لي الفرصة، فلم أتأخر عن أهتبالها، وعمدت إلى الكتاب، فأعملت في تعليقاتي يد الاصلاح والزيادة والتهذيب، كما أعملت في أصله يد التصحيح والضبط والتحرير، وسيجد كل قارئ أثر ذلك واضحا، إن شاء الله. والله سبحانه وتعالى ! المسئول أن يوفقني إلى مرضاته، وأن يجعل عملي خالصا لوجهه، وأن يكتبني ويكتبه عنده من المقبولين، آمين. كتبه المعتز بالله تعالى محمد محيي الدين عبد الحميد

[ 5 ]

مقدمة الطبعة الاولى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمائه، وصلاته وسلامه على خاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه وأوليائه اللهم إني أحمدك أرضى الحمد لك، وأحب الحمد إليك، وأفضل الحمد عندك، حمدا لا ينقطع عدده، ولا يفنى مدده. وأسألك المزيد من صلواتك وسلامك على مصدر الفضائل، الذي ظل ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أضاء الطريق للخابط، وهدى الله به القلوب، وأقام به موضحات الاعلام: سيدنا محمد بن عبد الله أفضل خلق الله، وأكرمهم عليه، وأعلاهم منزلة عنده، صلى الله عليه وعلى صحابته الاخيار، وآله الابرار. ثم أما بعد، فلعلك لا تجد مؤلفا - ممن صنفوا في قواعد العربية - قد نال من الحظوة عند الناس، والاقبال على تصانيفه: قراءة، وإقراء، وشرحا، وتعليقا، مثل أبي عبد الله محمد جمال الدين بن عبد الله بن مالك، صاحب التآليف المفيدة، والتصنيفات الممتعة، وأفضل من كتب في علوم العربية من أهل طبقته علما، وأوسعهم اطلاعا، وأقدرهم على الاستشهاد لما يرى من الآراء بكلام العرب، مع تصون، وعفة، ودين، وكمال خلق. فلابن مالك مؤلفات في العربية كثيرة متعددة المشارب، مختلفة المناحي، وقل أن تجد من بينها كتابا لم يتناوله العلماء منذ زمنه إلى اليوم: بالقراءة، والبحث، وبيان معانيه: بوضع الشروح الوافية والتعليقات عليه. ومن هذه المؤلفات كتابه " الخلاصة " الذي اشتهر بين الناس باسم " الالفية " (1)


(1) تسمية " الالفية " مأخوذة من قوله في أولها: وأستعين الله في ألفيه مقاصد النحو بها محويه وتسمية " الخلاصة " مأخوذة من قوله في آخرها: حوى من الكافية الخلاصه كما اقتضى رضا بلا خصاصه (*)

[ 6 ]

والذي جمع فيه خلاصة علمي النحو والتصريف، في أرجوزة ظريفة، مع الاشارة إلى مذاهب العلماء، وبيان ما يختاره من الآراء، أحيانا. وقد كثر إقبال العلماء على هذا الكتاب من بين كتبه بنوع خاص، حتى طويت مصنفات أئمة النحو من قبله، ولم ينتفع من جاء بعده بأن يحاكوه أو يدعوا أنهم يزيدون عليه وينتصفون منه، ولو لم يشر في خطبته إلى ألفية الامام العلامة يحيى زين الدين بن عبد النور الزواوي الجزائري، المتوفى بمصر في يوم الاثنين آخر شهر ذي القعدة من سنة 627 ه‍. والمعروف بابن معط - لما ذكره الناس، ولا عرفوه. * * * وشروح هذا الكتاب أكثر من أن تتسع هذه الكلمة الموجزة لتعدادها، وبيان مزاياها، وما انفرد به كل شرح، وأكثرها لاكابر العلماء ومبرزيهم: كالامام أبي محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الانصاري الشافعي الحنبلي، المتوفى ليلة الجمعة، الخامس من شهر ذي القعدة من سنة 761 ه‍، والذي يقول عنه ابن خلدون: " مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية - يقال له ابن هشام - أنحى من سيبويه " اه‍. وقد شرح ابن هشام الخلاصة مرتين: إحداهما في كتابه " أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك (1) "، والثانية في كتاب سماه " دفع الخصاصة، عن قراء الخلاصة " ويقال: إنه أربع مجلدات، ويقول السيوطي بعد ذكر هذين الكتابين " وله عدة حواش على الالفية والتسهيل " اه‍. وممن شرح الخلاصة العلامة محمد بدر الدين بن محمد بن عبد الله بن مالك، المتوفى بدمشق في يوم الاحد، الثامن من شهر المحرم، سنة 686 ه‍، وهو ابن الناظم..


(1) قد أخرجنا هذا الكتاب إخراجا جيدا، وشرحناه ثلاثة شروح أخرجنا منها الوجيز والوسيط، ونسأل الله أن يوفق لاخراج البسيط، فقد أودعناه مالا يحتاج طالب علم العربية إلى ما وراءه.

[ 7 ]

ومنهم العلامة الحسن بدر الدين بن قاسم بن عبد الله بن عمر، المرادي، المصري المتوفى في يوم عيد الفطر سنة 849 ه‍. ومنهم الشيخ عبد الرحمن زين الدين أبو بكر المعروف بابن العيني الحنفي المتوفى سنة 849 ه‍ ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي، المتوفى بمدينة فاس سنة 801 ه‍ ومنهم أبو عبد الله محمد شمس الدين بن أحمد بن علي بن جابر، الهواري، الاندلسي، المرسيني، الضرير. ومنهم أبو الحسن علي نور الدين بن محمد المصري، الاشموني، المتوفى في حدود سنة 900 ه‍ (1). ومنهم الشيخ إبراهيم برهان الدين بن موسى بن أيوب، الا بناسي، الشافعي، المتوفى في شهر المحرم من سنة 802 ه‍. ومنهم الحافظ عبد الرحمن جلال الدين بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة 911 ه‍ ومنهم الشيخ محمد بن قاسم الغزي، أحد علماء القرن التاسع الهجري. ومنهم أبو الخير محمد شمس الدين بن محمد، الخطيب، المعروف بابن الجزري، المتوفى في سنة 833 ه‍. ومنهم قاضي القضاة عبد الله بهاء الدين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عقيل، القرشي، الهاشمي، العقيلي - نسبة إلى عقيل بن أبي طالب - الهمداني الاصل، ثم البالسي، المصري، المولود في يوم الجمعة، التاسع من شهر المحرم من سنة 698، والمتوفى بالقاهرة في ليلة الاربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الاول 769 ه‍، وشرحه هو الذي نعاني إخراجه للناس اليوم..


(1) قد أخرجنا هذا الكتاب إخراجا دقيقا، وشرحناه شرحا شاملا جامعا لاشتات الفن وأدلة مسائله، وظهر منه - منذ عهد بعيد - أربع مجلدات ضخام، والله المسئول أن يوفق لاكمال إظهاره بمنه وفضله. (*)

[ 8 ]

وقد شرح الكتاب - غير هؤلاء - الكثير من العلماء، ولست تجد شرحا من هذه الشروح لم يتناوله العلماء: بالكتابة عليه، وبيان ما فيه من إشارات، وإكمال ما عسى أن يشتمل عليه من نقص، وكل ذلك ببركة صاحب الاصل المشروح، وبما ذاع له بين أساطين العلم من شهرة بالفقه في العربية وسعة الباع. * * * وهذه الشروح مختلفة، ففيها المختصر، وفيها المطول، فيها المتعقب صاحبه للناظم يتحامل عليه، ويتلمس له المزالق، وفيها المتحيز له، والمصحح لكل ما يجئ به، وفيها الذي اتخذ صاحبه طريقا وسطا بين الايجاز والاطناب، والتحامل والتحيز. ومن هؤلاء الذين سلكوا طريقا بين الطريقين بهاء الدين بن عقيل، فإنه لم يعمد إلى الايجاز حتى يترك بعض القواعد الهامة، ولم يقصد إلى الاطناب، فيجمع من هنا ومن هنا، ويبين جميع مذاهب العلماء ووجوه استدلالهم، ولم يتعسف في نقد الناظم: بحق، وبغير حق، كمالم ينحز له بحيث يتقبل كل ما يجئ به: وافق الصواب، أو لم يوافقه. ولصاحب هذا الشرح من الشهرة في الفن والبراعة فيه، ومن البركة والاخلاص ما دفع علماء العربية إلى قراءة كتابه والاكتفاء به عن أكثر شروح الخلاصة. * * * وقد أردت أن أقوم لهذا الكتاب بعمل أتقرب به إلى الله تعالى، فرأيت - في أول الامر - أن أتمم ما قصر فيه من البحث: فأبين اختلاف النحويين واستدلالاتهم ثم نظرت فإذا ذلك يخرج بالكتاب عن أصل الغرض منه، وقد يكون الاطناب باعثا على الازورار عنه، ونحن في زمن أقل ما فيه من عاب أنك لا تجد راغبا في علوم العرب إلا في القليل النادر، لانهم قوم ذهبت مدنيتهم، ودالت دولتهم، وأصبحت الغلبة لغيرهم. فاكتفيت بما لا بد منه، من إعراب أبيات الالفية، وشرح الشواهد شرحا وسطا بين الاقتصار والاسهاب، وبيان بعض المباحث التي أشار إليها الشارح أو أغفلها بتة في عبارة واضحة وفي إيجاز دقيق، والتذييل بخلاصة مختصرة في تصريف الافعال، فإن ابن

[ 9 ]

مالك قد أغفل ذلك في " ألفيته "، ووضع له لامية خاصة، سماها " لامية الافعال ". * * * وأريد أن أنبهك إلى أنني وفقت في تصحيح هذه المطبوعة تصحيحا دقيقا، فإن نسخ الكتاب التي في أيدي الناس - رغم كثرتها، وتعدد طبعها - ليس فيها نسخة بلغت من الاتقان حدا ينفي عنك الريب والتوقف، فإنك لتجد في بعضها زيادة ليست في بعضهما الآخر، وتجد بينها تفاوتا في التعبير، وقد جمع الله تعالى لي بين اثنتى عشرة نسخة مختلفة، في زمان الطبع، ومكانه، ويسر لي - سبحانه ! - معارضة بعضها ببعض، فاستخلصت لك من بينها أكملها بيانا، وأصحها تعبيرا، وأدناها إلى ما أحب لك، فجاءت فيما أعتقد خير ما أخرج للناس من مطبوعات هذا الكتاب. وقد وضعنا زيادات بعض النسخ بين علامتين هكذا [ ]. والله سبحانه ! المسئول أن ينفع بهذا العمل على قدر العناء فيه، وأن يجعله في سبيل الاخلاص فيه لوجهه، إنه الرب المعين، وعليه التكلان ؟ محمد محيي الدين عبد الحميد

[ 10 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال محمد هو ابن مالك: أحمد ربي الله خير مالك (1) مصليا على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا (2).


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، وصلاته وسلامه على من لا نبي بعده. (1) " قال " فعل ماض " محمد " فاعل " هو " مبتدأ " ابن " خبره " مالك " مضاف إليه، وكان حق " ابن " أن يكون نعتا لمحمد، ولكنه قطعه عنه، وجعله خبرا لضميره، والاصل أن ذلك إنما يجوز إذا كان المنعوت معلوما بدون النعت حقيقة أو ادعاء، كما أن الاصل أنه إذا قطع النعت عن إتباعه لمنعوته في إعرابه ينظر، فإن كان النعت لمدح أو ذم وجب حذف العامل، وإن كان لغير ذلك جاز حذف العامل وذكره، والجملة هنا وهي قوله هو ابن مالك ليست للمدح ولا للذم، بل هي للبيان، فيجوز ذكر العامل وهو المبتدأ، وإذا فلا غبار على عبارة الناظم حيث ذكر العامل وهو المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب معترضة بين القول وقوله " أحمد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " ربي " رب منصوب على التعظيم، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال آخر الكلمة بحركة المناسبة، ورب مضاف وياء المتكلم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " الله " عطف بيان لرب، أو بدل منه، منصوب بالفتحة الظاهرة " خير " منصوب بعامل محذوف وجوبا تقديره أمدح، وقيل: حال لازمة، وخير مضاف و " مالك " مضاف إليه، والجملة من أحمد وفاعله وما تعلق به من المعمولات في محل نصب مفعول به لقال ويقال لها: مقول القول. (2) " مصليا " حال مقدرة، ومعنى كونها مقدرة أنها تحدث فيما بعد، وذلك لانه لا يصلى على النبي صلوات الله عليه في وقت حمده لله، وإنما تقع منه الصلاة بعد الانتهاء من الحمد، وصاحبها الضمير المستتر وجوبا في أحمد " على النبي " جار ومجرور متعلق بالحال " المصطفى " نعت للنبي، وهو مجرور بكسرة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر " وآله " الواو عاطفة، آل: معطوف على النبي، وآل مضاف، والهاء مضاف = (*)

[ 11 ]

وأستعين الله في ألفيه مقاصد النحو بها محويه (1) نقرب الاقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز (2) وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معط (3).


= إليه، مبني على الكسر في محل جر " المستكملين " نعت لآل، مجرور بالياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها، لانه جمع مذكر سالم، وفيه ضمير مستتر هو فاعله " الشرفا " بفتح الشين: مفعول به للمستكملين، منصوب بالفتحة الظاهرة، والالف للاطلاق، أو بضم الشين نعت ثان للآل، مجرور بكسرة مقدرة على الالف، إذ هو مقصور من الممدود - وأصله " الشرفاء " جمع شريف ككرماء وظرفاء وعلماء في جمع كريم وظريف وعليم - وعلى هذا الوجه يكون مفعول قوله المستكملين محذوفا، وكأنه قد قال: مصليا على الرسول المصطفى وعلى آله المستكملين أنواع الفضائل الشرفاء. (1) " وأستعين " الواو حرف عطف، أستعين: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " الله " منصوب على التعظيم، والجملة من الفعل وفاعله وما تعلق به من المعمولات في محل نصب معطوفة على الجملة السابقة الواقعة مفعولا به لقال " في ألفيه " جار ومجرور متعلق بأستعين " مقاصد " مبتدأ، ومقاصد مضاف و " النحو " مضاف إليه " بها " جار ومجرور متعلق بمحوية " محويه " خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر نعت أول لالفية. (2) " تقرب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ألفية " الاقصى " مفعول به لتقرب " بلفظ " جار ومجرور متعلق بتقرب " موجز " نعت للفظ " وتبسط " الواو حرف عطف، تبسط: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ألفية أيضا " البذل " مفعول به لتبسط " بوعد " جار ومجرور متعلق بتبسط " منجز " نعت لوعد، وجملتا الفعلين المضارعين اللذين هما " تقرب " و " تبذل " مع فاعليهما الضميرين المستترين وما يتعلق بكل منهما في محل جر عطف على الجملة الواقعة نعتا لالفية، والجملتان نعتان ثان وثالث لالفية. (3) " وتقتضي " الواو حرف عطف، تقتضي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ألفية " رضا " مفعول به لتقتضي " بغير " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لرضا، وغير مضاف و " سخط " مضاف إليه " فائقة " = (*)

[ 12 ]

وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا (1) والله يقضي بهبات وافره لي وله في درجات الآخره (2).


= حال من الضمير المستتر في تقتضي، وفاعل فائقة ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " ألفية " مفعول به لاسم الفاعل، وألفية مضاف و " ابن " مضاف إليه، وابن مضاف و " معط " مضاف إليه، وجملة " تقتضي " مع فاعله وما تعلق به من المعمولات في محل جر عطف على الجملة الواقعة نعتا لالفية أيضا. (1) " وهو " الواو للاستئناف، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " بسبق " جار ومجرور متعلق بحائز الآتي بعد، والباء للسببية " حائز " خبر المبتدأ " تفضيلا " مفعول به لحائز، وفاعله ضمير مستتر فيه " مستوجب " خبر ثان لهو، وفاعله ضمير مستتر فيه " ثنائي " ثناء: مفعول به لمستوجب، وثناء مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " الجميلا " نعت لثناء، والالف للاطلاق. (2) " والله " الواو للاستئناف، ولفظ الجلالة مبتدأ " يقضي " فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الله، والجملة من الفعل الذي هو يقضي والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ " بهبات " جار ومجرور متعلق بيقضي " وافره " نعت لهبات " لي، وله، في درجات " كل واحد منهن جار ومجرور وكلهن متعلقات بيقضي، ودرجات مضاف و " الاخرة مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وسكنه لاجل الوقوف، وكان من حق المسلمين عليه أن يعمهم بالدعاء، ليكون ذلك أقرب إلى الاجابة. تنبيه: ابن معط هو الشيخ زين الدين، أبو الحسين، يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور - الزواوي نسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة كانت تسكن بظاهر بجاية من أعمال إفريقيا الشمالية - الفقيه الحنفي. ولد في سنة 564، وأقرأ العربية مدة بمصر ودمشق، وروى عن القاسم بن عساكر وغيره، وهو أجل تلامذة الجزولي، وكان من المتفردين بعلم العربية، وهو صاحب الالفية المشهورة وغيرها من الكتب الممتعة، وقد طبعت ألفيته في أوربا، وللعلماء عليها عدة شروح. وتوفى في شهر ذي القعدة من سنة 628 بمصر، وقبره قريب من تربة الامام الشافعي رضي الله عنهم جميعا (انظر ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد 5 / 129، وفي بغية الوعاة للسيوطي ص 416، وانظر النجوم الزاهرة 6 / 278. (*)

[ 13 ]

الكلام وما يتألف منه (1) كلامنا لفظ مفيد: كاستقم واسم، وفعل، ثم، حرف - الكلم (2) واحده كلمة، والقول عم، وكلمة بها كلام قد يؤم (3).


(1) " الكلام " خبر لمبتدأ محذوف على تقدير مضافين، وأصل نظم الكلام " هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه " فحذف المبتدأ - وهو اسم الاشارة - ثم حذف الخبر وهو الباب، فأقيم " شرح " مقامه، فارتفع ارتفاعه، ثم حذف " شرح " أيضا وأقيم " الكلام " مقامه، فارتفع كما كان الذي قبله " وما " الواو عاطفة و " ما " اسم موصول معطوف على الكلام بتقدير مضاف: أي شرح ما يتألف، و " يتألف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الكلام، و " منه " جار ومجرور متعلق بيتألف، والجملة من الفعل الذي هو يتألف والفاعل لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (2) " كلامنا " كلام: مبتدأ، وهو مضاف ونا مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " لفظ " خبر المبتدأ " مفيد " نعت للفظ، وليس خبرا ثانيا " كاستقم " إن كان مثالا فهو جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كاستقم وإن كان من تمام تعريف الكلام فهو جار ومجرور أيضا متعلق بمحذوف نعت لمفيد " واسم " خبر مقدم " وفعل، ثم حرف " معطوفان عليه الاول بالواو والثاني بثم " الكلم " مبتدأ مؤخر، وكأنه قال: كلام النحاة هو اللفظ الموصوف بوصفين أحدهما الافادة والثاني التركيب المماثل لتركيب استقم، والكلم ثلاثة أنواع أحدها الاسم وثانيها الفعل وثالثها الحرف، وإنما عطف الفعل على الاسم بالواو لقرب منزلته منه حيث يدل كل منهما على معنى في نفسه، وعطف الحرف بثم لبعد رتبته. (3) " واحده كلمة " مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة لا محل لها من الاعراب " والقول " مبتدأ " عم " يجوز أن يكون فعلا ماضيا، وعلى هذا يكون فاعله ضميرا مستترا فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القول، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون " عم " اسم تفضيل - وأصله أعم - حذفت همزته كما = (*)

[ 14 ]

الكلام المصطلح عليه عند النحاه عبارة عن " اللفظ المفيد فائدة يحسن السك‍ عليها " فاللفظ: جنس يشمل الكلام، والكلمة، والكلم، ويشمل المهمل ك‍ " ديز " والمستعمل ك‍ " عمرو "، ومفيد: أخرج المهمل، و " فائدة يحسن السكوت عليها " أخرج الكلمة، وبعض الكلم وهو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر ولم يحسن السكوت عليه - نحو: إن قام زيد. ولا يتركب الكلام إلا من اسمين، نحو " زيد قائم "، أو من فعل واسم ك‍ " قام زيد " وكقول المصنف " استقم " فإنه كلام مركب من فعل أمر وفاعل مستتر، والتقدير: استقم أنت، فاستغنى بالمثال عن أن يقول " فائدة يحسن السكوت عليها " فكأنه قال: " الكلام هو اللفظ المفيد فائدة كفائدة استقم ". وإنما قال المصنف " كلامنا " ليعلم أن التعريف إنما هو للكلام في اصطلاح النحويين، لا في اصطلاح اللغويين، وهو في اللغة: اسم لكل ما يتكلم به، مفيدا كان أو غير مفيد..


= حذفت من خير وشر لكثرة استعمالهما وأصلهما أخير وأشر، بدليل مجيئهما على الاصل أحيانا، كما في قول الراجز: * بلال خير الناس وابن الاخير * وقد قرئ (سيعلمون غدا من الكذاب الاشر) بفتح الشين وتشديد الراء، وعلى هذا يكون أصل " عم " أعم كما قلنا، وهو على هذا الوجه خبر للمبتدأ " وكلمة " مبتدأ أول " بها " جار ومجرور متعلق بيؤم الآتي " كلام " مبتدأ ثان " قد " حرف تقليل " يؤم " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على كلام، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، ومعنى " يؤم " يقصد، وتقدير البيت: ولفظ كلمة معنى الكلام قد يقصد بها، يعني أن لفظ الكلمة قد يطلق ويقصد بها المعنى الذي يدل عليه لفظ الكلام، ومثال ذلك ما ذكر الشارح من = (*)

[ 15 ]

والكلم: اسم جنس (1) واحده كلمة، وهي: إما اسم، وإما فعل، وإما حرف، لانها إن دلت على معنى في نفسها غير مقترنة بزمان فهي الاسم، وإن اقترنت بزمان فهي الفعل، وإن لم تدل على معنى في نفسها بل في غيرها - فهي الحرف. والكلم: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، كقولك: إن قام زيد. والكلمة: هي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد، فقولنا " الموضوع لمعنى " أخرج المهمل كديز، وقولنا " مفرد " أخرج الكلام، فإنه موضوع لمعنى غير مفرد.


= أنهم قالوا " كلمة الاخلاص " وقالوا " كلمة التوحيد " وأرادوا بذينك قولنا: " لا إله إلا الله " وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: " أفضل كلمة قالها شاعر كلمة لبيد " وهو يريد قصيدة لبيد بن ربيعة العامري التي أولها: ألا كل شئ ما خلا الله باطل * * وكل نعيم لا محالة زائل (1) اسم الجنس على نوعين: أحدهما يقال له اسم جنس جمعي، والثاني يقال له اسم جنس إفرادي، فأما اسم الجنس الجمعي فهو " ما يدل على أكثر من اثنين، ويفرق بينه وبين واحده بالتاء "، والتاء غالبا تكون في المفرد كبقرة وبقر وشجرة وشجر، ومنه كلم وكلمة، وربما كانت زيادة التاء في الدال على الجمع مثل كم ء للواحد وكمأة للكثير، وهو نادر. وقد يكون الفرق بين الواحد والكثير بالياء، كزنج وزنجي، وروم ورومي، فأما اسم الجنس الافرادي فهو " ما يصدق على الكثير والقليل واللفظ واحد " كماء وذهب وخل وزيت. فإن قلت: فإني أجد كثيرا من جموع التكسير يفرق بينها وبين مفردها بالتاء كما يفرق بين اسم الجنس الجمعي وواحده، نحو قرى وواحدة قرية، ومدى وواحدة مدية، فبماذا أفرق بين اسم الجنس الجمعي وما كان على هذا الوجه من الجموع ؟. فالجواب على ذلك أن تعلم أن بين النوعين اختلافا من وجهين، الوجه الاول: أن الجمع لابد أن يكون على زنة معينة من زنات الجموع المحفوظة المعروفة، فأما اسم الجنس الجمعي فلا يلزم فيه ذلك، أفلا ترى أن بقرا وشجرا وثمرا لا يوافق زنة من زنات الجمع ! والوجه الثاني: أن الاستعمال العربي جرى على أن الضمير وما أشبهه يرجع إلى اسم الجنس الجمعي مذكرا كقول الله تعالى: (إن البقر تشابه علينا) وقوله جل شأنه: (إليه = (*)

[ 16 ]

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى ! أن القول يعم الجميع، والمراد أنه يقعلى الكلام أنه قول، ويقع أيضا على الكلم والكلمة أنه قول، وزعم بعضهم أن الاصل استعماله في المفرد. ثم ذكر المصنف أن الكلمة قد يقصد بها الكلام، كقولهم في " لا إله إلا الله ": " كلمة الاخلاص ". وقد يجتمع الكلام والكلم في الصدق، وقد ينفرد أحدهما. فمثال اجتماعهما " قد قام زيد " فإنه كلام، لافادته معنى يحسن السكوت عليه، وكلم، لانه مركب من ثلاث كلمات. ومثال انفراد الكلم " إن قام زيد " (1). ومثال انفراد الكلام " زيد قائم " (2). * * * بالجر والتنوين والندا، وأل ومسند للاسم تمييز حصل (3) ذكر - المصنف رحمه الله تعالى ! - في هذا البيت علامات الاسم..


= يصعد الكلم الطيب) فأما الجمع فإن الاستعمال العربي جرى على أن يعود الضمير إليه مؤنثا، كما تجد في قوله تعالى: (لهم غرف من فوقها غرف مبنية) وقوله سبحانه: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الانهار)، وكقول الشاعر: في غرف الجنة العليا التي وجبت لهم هناك بسعي كان مشكور (1) لم يكن هذا المثال ونحوه كلاما لانه لا يفيد معنى يحسن السكوت عليه. (2) لم يكن هذا المثال ونحوه كلما لانه ليس مؤلفا من ثلاث كلمات. (3) " بالجر " جار ومجرور متعلق بقوله " حصل " الآتي آخر البيت، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف خبر مقدم مبتدؤه المؤخر هو قوله " تمييز " الآتي " والتنوين، والندا، وأل، ومسند " كلهن معطوفات على قوله الجر " للاسم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم إن جعلت قوله بالجر متعلقا بحصل، فإن جعلت بالجر خبرا مقدما - وهو الوجه الثاني - كان هذا متعلقا بحصل " تمييز " مبتدأ مؤخر، وقد عرفت أن خبره واحد = (*)

[ 17 ]

فمنها الجر، وهو يشمل الجر بالحرف والاضافة والتبعية، نحو " مررت بغلام زيد الفاضل " فالغلام: مجرور بالحرف، وزيد: مجرور بالاضافة، والفاضل: مجرور بالتبعية، وهو أشمل من قول غيره " بحرف الجر "، لان هذا لا يتناول الجر بالاضافة، ولا الجر بالتبعية. ومنها التنوين، وهو على أربعة أقسام: تنوين التمكين، وهو اللاحق للاسماء المعربة، كزيد، ورجل، إلا جمع المؤنث السالم، نحو " مسلمات " وإلا نحو " جوار، وغواش " وسيأتي حكمهما. وتنوين التنكير، وهو اللاحق للاسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها، نحو " مررت بسيبويه وبسيبويه آخر ". وتنوين المقابلة، وهو اللاحق لجمع الآمؤنث السالم، نحو " مسلمات " فإنه في مقابلة النون في جمع المذكر السالم كمسلمين. وتنوين العوض، وهو على ثلاثة أقسام: عوض عن جملة، وهو الذي يلحق " إذ " عوضا عن جملة تكون بعدها، كقوله تعالى: (وأنتم حينئذ تنظرون) أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم، فحذف " بلغت الروح الحلقوم " وأتى بالتنوين عوضا عنه، وقسم يكون عوضا عن اسم، وهو اللاحق ل‍ " كل " عوضا عما تضاف إليه، نحو " كل قائم " أي: " كل إنسان قائم " فحذف " إنسان " وأتى بالتنوين عوضا عنه (1)،.


= من اثنين " حصل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تمييز، والجملة في محل رفع نعت لتمييز، وتقدير البيت: التمييز الحاصل بالجر والتنوين والندا وأل والاسناد كائن للاسم، أو التمييز الحاصل للاسم عن أخويه الفعل والحرف كائن بالجر والتنوين والنداء وأل والاسناد: أي كائن بكل واحد من هذه الخمسة. (1) في نسخة " وهو أقسام " بدون ذكر العدد، والمراد - على ذكر العدد - أن المختص بالاسم أربعة أقسام. (2) ومنه قول الله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) وقوله جل شأنه: (كل له قانتون) وقوله تباركت كلماته: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك)، ومثل = (2 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 18 ]

وقسم يكون عوضا عن حرف، وهو اللاحق ل‍ " جوار، وغواش " ونحوهما رفعا وجرا، نحو " هؤلاء جوار، ومررت بجوار " فحذفت الياء وأتى بالتنوين عوضا عنها. وتنوين الترنم (1)، وهو الذي يلحق القوافي المطلقة بحرف علة، كقوله: 1 - أقلي اللوم - عاذل - والعتابن وقولي - إن أصبت -: لقد أصابن.


= كل في هذا الموضوع كلمة " بعض " ومن شواهد خذف المفرد الذي من حق " بعض " أن يضاف إليه والاتيان بالتنوين عوضا عنه قول رؤية بن العجاج في مطلع أرجوزة طويلة يمدح فيها تميما: داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضا وأدت بعضا يريد فمطلت بعض الدين وأدت بعضه الآخر. (1) هذا النوع خامس وقد ذكره وما بعده استطرادا. 1 - هذا بيت من الطويل، لجرير بن عطية بن الخطفى، أحد الشعراء المجيدين، وثالث ثلاثة ألقيت إليهم مقادة الشعراء في عصر بني أمية، وأولهم الفرزدق، وثانيهم الاخطل. اللغة: " أقلي " أراد منه في هذا البيت معنى اتركي، والعرب تستعمل القلة في معنى النفي بتة، يقولون: قل أن يفعل فلان كذا، وهم يريدون أنه لا يفعله أصلا " اللوم " العذل والتعنيف " عاذل " اسم فاعل مؤنث بالتاء المحذوفة للترخيم، وأصله عاذلة، من العذل وهو اللوم في تسخط، و " العتاب " التقريع على فعل شئ أو تركه. المعنى: اتركي أيتها العاذلة هذا اللوم والتعنيف، فإني لن أستمع لما تطلبين: من الكف عما آتى من الامور، والفعل لما أذر منها، وخير لك أن تعترفي بصواب ما أفعل الاعراب: " أقلي " فعل أمر - من الاقلال - مسند للياء التي لمخاطبة الواحدة مبني على حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل، مبني على السكون في محل رفع " اللوم " مفعول به لاقلي " عاذل " منادى مرخم حذفت منه ياء النداء، مبني على ضم الحرف المحذوف في محل نصب، وأصله يا عاذلة " والعتابا " الواو عاطفة، العتابا: معطوف على اللوم " وقولي " فعل أمر، والياء فاعله " إن " حرف شرط " أصبت " (*)

[ 19 ]

فجئ بالتنوين بدلا من الالف لاجل الترنم، وكقوله: 2 - أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قدن.


= فعل ماض فعل الشرط، وتاء المتكلم أو المخاطبة فاعله. وهذا اللفظ يروى بضم الياء على أنها للمتكلم، وبكسرها على أنها للمخاطبة " لقد أصابا " جملة في محل نصب مقول القول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: إن أصبت فقولي لقد أصابا، وجملة الشرط وجوابه لا محل لها معترضة بين القول ومقوله. الشاهد فيه: قوله: " والعتابن، وأصابن " حيث دخلهما، في الانشاد، تنوين الترنم، وآخرهما حرف العلة، وهو هنا ألف الاطلاق، والقافية التي آخرها حرف علة تسمى مطلقة. 2 - هذا البيت للنابغة الذبياني، أحد فحول شعراء الجاهلية، وثالث شعراء الطبقة الاولى منهم، والحكم في سوق عكاظ، من قصيدة له يصف فيها المنجردة زوج النعمان ابن المنذر، ومطلعها: من آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود ؟ اللغة: " رائح " اسم فاعل من راح يروح رواحا، إذا سار في وقت العشى " مغتدى " اسم فاعل من اغتدى الرجل يغتدى، إذا سار في وقت الغداة، وهي من الصبح إلى طلوع الشمس، وأراد بالزاد في قوله " عجلان ذا زاد " ما كان من تسليم مية عليه أوردها تحيته " أزف " دنا وقرب، وبابه طرب، ويروى " أفد " وهو بوزنه ومعناه " الترحل " الارتحال " تزل " - مضموم الزاي - مضارع زال، وأصله - تزول، فحذفت الواو - عند الجزم للتخلص من التقاء الساكنين. المعنى: يقول في البيت الذي هو المطلع: أتمضي أيها العاشق مفارقا أحبابك اليوم مع العشى أو غدا مع الغداة ؟ وهل يكون ذلك منك وأنت عجلان، تزودت منهم أو لم تنزود، ثم يقول في البيت الشاهد: لقد قرب موعد الرحيل، إلا أن الركاب لم تغادر مكان أحبابنا بما عليها من الرحال، وكأنها قد زالت لقرب موعد الفراق. الاعراب: " أزف " فعل ماض " الترحل " فاعل " غير " نصب على الاستثناء " أن " حرف توكيد ونصب " ركابنا " ركاب: اسم أن، والضمير المتصل مضاف إليه " لما " حرف نفي وجزم " تزل " فعل مضارع مجزوم بلما " برحالنا " برحال: جار = (*)

[ 20 ]

والتنوين الغالي - وأثبته الاخفش - وهو الذي يلحق القوافي المقيدة، كقوله: * وقاتم الاعماق خاوي المخترقن *.


= ومجرور متعلق بتزول، ورحال مضاف و " نا " مضاف إليه " كأن " حرف تشبيه ونصب، واسمها ضمير الشأن، وخبرها جملة محذوفة تقديرها " وكأن قد زالت " فحذف الفعل وفاعله المستتر فيه، وأبقى الحرف الذي هو قد. الشاهد فيه: في هذا البيت شاهدان للنحاة، أولهما دخول التنوين الذي للترنم على الحرف، وهو قد، فذلك يدل على أن تنوين الترنم لا يختص بالاسم، لان الشئ إذا اختص بشئ لم يجئ مع غيره، والثاني في تخفيف " كأن " التي للتشبيه، ومجئ اسمها ضمير الشأن، والفصل بينها وبين خبرها بقد، لان الكلام إثبات. ولو كان نفيا لكان الفصل بلم، كما في قوله تعالى: (كأن لم يغنوا فيها) ومثل هذا البيت في الاستشهاد على ذلك قول الشاعر: لا يهولنك اصطلاء لظى الحرب، فمحذورها كأن قد ألما وسيأتي شرح ذلك في باب إن وأخواتها. 3 - هذا البيت لرؤبة بن العجاج، أحد الرجاز المشهورين، وأمضغهم للشيح والقيصوم، والذي أخذ عنه العلماء أكثر غريب اللغة، وكان في عصر بني أمية، وبعده: * مشتبه الاعلام لماع الخفقن * اللغة: " القاتم " كالاقتم: الذي تعلوه القتمة، وهي لون فيه غبرة وحمرة، و " أعماق " جمع عمق - بفتح العين، وتضم - وهو: ما بعد من أطراف الصحراء. و " الخاوى " الخالى، و " المخترق " مهب الرياح، وهو اسم مكان من قولهم: خرق المفازة واخترقها، إذا قطعها ومر فيها، و " الاعلام " علامات كانوا يضعونها في الطريق للاهتداء بها، واحدها علم بفتح العين واللام جميعا، و " الخفق " اضطراب السراب، وهو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء، وأصله بسكون الفاء، فحركها بالفتح ضرورة. المعنى: كثير من الامكنة التي لا يهتدى أحد إلى السير فيها لشدة التباسها وخفأئها قد أعملت فيها ناقتي وسرت فيها، يريد أنه شجاع شديد الاحتمال، أو أنه عظيم الخبرة بمسالك الصحراء. = (*)

[ 21 ]

وظاهر كلام المصنف أن التنوين كله من خواص الاسم، وليس كذلك، بل الذي يختص به الاسم إنما هو تنوين التمكين، والتنكير، والمقابلة، والعوض، وأما تنوين الترنم والغالي فيكونان في الاسم والفعل والحرف (1). ومن خواص الاسم النداء، نحو " يا زيد "، والالف واللام، نحو " الرجل " والاسناد إليه، نحو " زيد قائم ". فمعنى البيت: حصل للاسم تمييز عن الفعل والحرف: بالجر، والتنوين، والنداء، والالف واللام، والاسناد إليه: أي الاخبار عنه. واستعمل المصنف " أل " مكان الالف واللام، وقد وقع ذلك في عبارة بعض المتقدمين وهو الخليل واستعمل المصنف " مسند " مكان " الاسناد له ". * * * .


= الاعراب: " وقاتم " الواو واو رب، قاتم: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقاتم مضاف و " الاعماق " مضاف إليه " خاوى " صفة لقاتم، وخاوى مضاف و " المخترق " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكنه لاجل الوقف، وخبر المبتدأ جملة من فعل ماض وفاعل في محل رفع، وذلك في قوله بعد أبيات: * تنشطته كل مغلاة الوهق * الشاهد فيه: قوله " المخترقن " و " الخفقن " حيث أدخل عليهما التنوين مع اقتران كل واحد منهما بأل، ولو كان هذا التنوين مما يختص بالاسم لم يلحق الاسم المقترن بأل، وإذا كان آخر الكلمة التي في آخر البيت حرفا صحيحا ساكنا كما هنا تسمى القافية حينئذ " قافية مقيدة ". (1) هذا الاعتراض لا يرد على الناظم، لان تسمية نون الترنم والنون التي تلحق القوافي المطلقة تنوينا إنما هي تسمية مجازية، وليست من الحقيقة التي وضع لها لفظ التنوين، فأنت لو أطلقت لفظ التنوين على المعنى الحقيقي الذي وضع له لم يشملهما، والاصل أن يحمل اللفظ على معناه الحقيقي، ولذلك نرى أنه لا غبار على كلام الناظم. (*)

[ 22 ]

بتا فعلت وأتت، ويا افعلي، ونون أقبلن - فعل ينجلي (1) ثم ذكر المصنف أن الفعل يمتاز عن الاسم والحرف بتاء " فعلت " والمراد بها تاء الفاعل، وهي المضمومة للمتكلم، نحو " فعلت " والمفتوحة للمخاطب، نحو " تباركت " والمكسورة للمخاطبة، نحو " فعلت ". ويمتاز أيضا بتاء " أتت "، والمراد بها تاء التأنيث الساكنة، نحو " نعمت " و " بئست " فاحترزنا بالساكنة عن اللاحقة للاسماء، فإنها تكون متحركة بحركة الاعراب، نحو " هذه مسلمة، ورأيت مسلمة، ومررت بمسلمة " ومن اللاحقة للحرف، نحو " لات، وربت، وثمت (1) " وأما تسكينها مع رب وثم فقليل، نحو " ربت وثمت "..


(1) " بتا " جار ومجرور متعلق بينجلى الواقع هو وفاعله الضمير المستتر فيه في محل رفع خبرا عن المبتدأ، فإن قلت: يلزم تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ وهو لا يجوز، قلت: إن ضرورة الشعر هي التي ألجأته إلى ذلك، وإن المعمول لكونه جارا ومجرورا يحتمل فيه ذلك التقدم الذي لا يسوغ في غيره، وتا مضاف و " فعلت " قصد لفظه: مضاف إليه " وأتت " الواو حرف عطف، أتت: قصد لفظه أيضا: معطوف على فعلت " ويا " معطوف على تاء، ويا مضاف و " افعلي " مضاف إليه، وهو مقصود لفظه أيضا " ونون " الواو حرف عطف، نون: معطوف على تاء، وهو مضاف و " أقبلن " قصد لفظه: مضاف إليه " فعل " مبتدأ " ينجلى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (2) أما دخول التاء على " لا " فأشهر من أن يستدل عليه، بل قد استعملت " لات " حرف نفي بكثرة، وورد استعماله في فصيح الكلام، ومن ذلك قوله تعالى: (ولات حين مناص) وأما دخولها على رب ففي نحو قول الشاعر: وربت سائل عني حفي أعارت عينه أم لم تعارا ونحو قول الآخر: ماوي يا ربتما غارة شعواء كاللذعة بالميسم = (*)

[ 23 ]

ويمتاز أيضا بياء " أفعلي " والمراد بها ياء الفاعلة، وتلحق فعل الامر، نحو " اضربي " والفعل المضارع، نحو " تضربين " ولا تلحق الماضي. وإنما قال المصنف " يا افعلي "، ولم يقل " ياء الضمير " لان هذه تدخل فيها ياء المتكلم، وهي لا تختص بالفعل، بل تكون فيه نحو " أكرمني " وفي الاسم نحو " غلامي " وفي الحرف نحو " إني " بخلاف ياء " أفعلي " فإن المراد بها ياء الفاعلة على ما تقدم، وهي لا تكون إلا في الفعل. ومما يميز الفعل نون " أقبلن " والمراد بها نون التوكيد: خفيفة كانت، أو ثقيلة، فالخفيفة نحو قوله تعالى: (لنسفعا بالناصية) والثقيلة نحو قوله تعالى: (لنخرجنك يا شعيب). فمعنى البيت: ينجلى الفعل بتاء الفاعل، وتاء التأنيث الساكنة، وياء الفاعلة، ونون التوكيد. * * * سواهما الحرف كهل وفي ولم فعل مضارع يلي لم كيشم (1).


= وأما دخولها على ثم ففي نحو قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني (1) " سواهما " سوى: خبر مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر، وسوى مضاف والضمير مضاف إليه " الحرف " مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس، لكن الاولى ما قدمناه " كهل " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير " وذلك كهل " " وفي ولم " معطوفان على هل " فعل " مبتدأ " مضارع " نعت له " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فعل مضارع، والجملة خبر المبتدأ " لم " مفعول به ليلى، وقد قصد لفظه " كيشم " جار ومجرور متعلق بمحذوف يقع خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كيشم، وتقدير البيت كله: الحرف سوى الاسم والفعل، وذلك كهل وفي ولم، والفعل المضارع يلي لم، وذلك كائن = (*)

[ 24 ]

وماضي الافعال بالتامز، وسم بالنون فعل الامر، إن أمر فهم (1) يشير إلى أن الحرف يمتاز عن الاسم والفعل بخلوه عن علامات الاسماء، وعلامات الافعال، ثم مثل ب‍ " هل وفي ولم " منبها على أن الحرف ينقسم إلى قسمين: مختص، وغير مختص، فأشار بهل إلى غير المختص، وهو الذي يدخل على الاسماء والافعال، نحو " هل زيد قائم " و " هل قام زيد "، وأشار بفي ولم إلى المختص، وهو قسمان: مختص بالاسماء كفى، نحو " زيد في الدار "، ومختص بالافعال كلم، نحو " لم يقم زيد ". ثم شرع في تبيين أن الفعل ينقسم إلى ماض ومضارع وأمر، فجعل علامة.


= كيشم، ويشم فعل مضارع ماضيه قولك: شممت الطيب ونحوه - من باب فرح - إذا نشقته، وفيه لغة أخرى من باب نصر ينصر حكاها الفراء. (1) " وماضي " الواو للاستئناف، ماضي: مفعول به مقدم لقوله مز الآتي، وماضي مضاف و " الافعال " مضاف إليه " بالتا " جار ومجرور متعلق بمز " مز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وسم " الواو عاطفة أو للاستئناف سم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالنون " جار ومجرور متعلق بسم " فعل " مفعول به لسم، وفعل مضاف و " الامر " مضاف إليه " إن " حرف شرط " أمر " نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وتقديره: إن فهم أمر " فهم " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على أمر، والجملة من الفعل ونائب فاعله لا محل لها من الاعراب تفسيرية، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور. وتقديره " إن فهم أمر فسم بالنون إلخ ". وتقدير البيت: ميز الماضي من الافعال بقبول التاء التي ذكرنا أنها من علامات كون الكلمة فعلا، وعلم فعل الامر بقبول النون إن فهم منه الطلب. ومز: أمر من ماز الشئ يميزه ميزا مثل باع يبيع بيعا إذا ميزه، وسم: أمر من وسم الشئ يسمه وسما مثل وصفه يصفه وصفا إذا جعل له علامة يعرفه بها، والامر قوله " إن أمر فهم " هو الامر اللغوي، ومعناه الطلب الجازم على وجه الاستعلاء. (*)

[ 25 ]

المضارع صحة دخول " لم " عليه، كقولك في يشم: " لم يشم " وفي يضرب: " لم يضرب "، وإليه أشار بقوله: " فعل مضارع يلي لم كيشم ". ثم أشار إلى ما يميز الفعل الماضي بقوله: " وماضي الافعال بالتامز " أي: ميز ماضي الافعال بالتاء، والمراد بها تاء الفاعل، وتاء التأنيث الساكنة، وكل منهما لايدخل إلا على ماضي اللفظ، نحو " تباركت يا ذا الجلال والاكرام " و " نعمت المرأة هند " و " بئست المرأة دعد ". ثم ذكر في بقية البيت أن علامة فعل الامر: قبول نون التوكيد، والدلالة على الامر بصيغته، نحو " اضربن، واخرجن ". فإن دلت الكلمة على الامر ولم تقبل نون التوكيد فهي أسم فعل (1)، وإلى ذلك أشار بقوله: والامر إن لم يك للنون محل فيه هو أسم نحو صه وحيهل (2).


(1) وكذا إذا دلت الكلمة على معنى الفعل المضارع ولم تقبل علامته وهي لم فإنها تكون اسم فعل مضارع، نحو أوه وأف، بمعنى أتوجع وأتضجر، وإن دلت الكلمة على معنى الفعل الماضي وامتنع قبولها علامته امتناعا راجعا إلى ذات الكلمة فإنها تكون اسم فعل ماض، نحو هيهات وشتان، بمعنى بعد وافترق، فإن كان امتناع قبول الكلمة الدالة على الماضي لا يرجع إلى ذات الكلمة، كما في فعل التعجب نحو: " ما أحسن السماء " وكما في " حبذا الاجتهاد " فإن ذلك لا يمنع من كون الكلمة فعلا. (2) " والامر " الواو عاطفة أو للاستئناف، الامر: مبتدأ " إن " حرف شرط " لم " حرف نفي وجزم " يك " فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، وأصله يكن " للنون " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يك مقدما " محل " اسمها مرفوع بالضمة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف " فيه " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لمحل " هو اسم " مبتدأ وخبر، والجملة منهما في محل جزم جواب الشرط، وإنما لم يجئ بالفاء للضرورة. والجملة من الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، أو تجعل جملة " هو اسم " في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله = (*)

[ 26 ]

فصه وحيهل: اسمان وإن دلا على الامر، لعدم قبولهما نون التوكيد، فلا تقول: صهن ولا حيهلن، وإن كانت صه بمعنى اسكت، وحيهل بمعنى أقبل، فالفارق (1) بينهما قبول نون التوكيد وعدمه، نحو " اسكتن، وأقبلن "، ولا يجوز ذلك في " صه، وحيهل ". * * *.


= الامر في أول البيت، وتكون جملد جواب الشرط محذوفة دلت عليها جملة المبتدأ وخبره، والتقدير على هذا: والدال على الامر هو اسم إن لم يكن فيه محل للنون فهو اسم، وحذف جواب الشرط عندما لا يكون فعل الشرط ماضيا ضرورة أيضا، فالبيت لا يخلو من الضرورة " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك نحو، ونحو مضاف و " صه " مضاف إليه، وقد قصد لفظه " وحيهل " معطوف على صه. (1) ثلاثة فوائد - الاولى: أسماء الافعال على ثلاثة أنواع، النوع الاول: ما هو واجب التنكير، وذلك نحو ويها وواها، والنوع الثاني: ما هو واجب التعريف، وذلك نحو نزال وتراك وبابهما، والثالث: ما هو جائز التنكير والتعريف، وذلك نحو صه ومه، فما نون وجوبا أو جوازا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة. والفائدة الثانية: توافق أسماء الافعال الافعال في ثلاثة أمور، أولها: الدلالة على المعنى، وثانيها: أن كل واحد من أسماء الافعال يوافق الفعل الذي يكون بمعناه في التعدي واللزوم غالبا، وثالثها: أنه يوافق الفعل الذي بمعناه في إظهار الفاعل وإضماره، ومن غير الغالب في التعدي نحو " آمين " فإنه لم يحفظ في كلام العرب تعديه لمفعول، مع أنه بمعنى استجب وهو فعل متعد، وكذا " إيه " فإنه لازم مع أن الفعل الذي بمعناه وهو زدني متعد، وتخالفها في سبعة أمور، الاول: أنه لا يبرز معها ضمير، بل تقول " صه " بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع المذكر والمؤنث، بخلاف " اسكت " فإنك تقول: اسكتي، واسكتا، واسكتوا، واسكتن، والثاني أنها لا يتقدم معمولها عليها، فلا تقول: " زيدا عليك " كما تقول: " محمدا الزم " والثالث أنه يجوز توكيد الفعل توكيدا لفظيا باسم الفعل، تقول: انزل نزال، وتقول: اسكت صه، كما تقول: انزل انزل، واسكت اسكت، ولا يجوز توكيد اسم الفعل بالفعل، والرابع: أن الفعل إذا دل على الطلب جاز نصب = (*)

[ 27 ]

.


= المضارع في جوابه، فتقول: انزل فأحدثك، ولا يجوز نصب المضارع في جواب اسم الفعل ولو كان دالا على الطلب كصه ونزال، والخامس: أن أسماء الافعال لا تعمل مضمرة، بحيث تحذف ويبقى معمولها، ولا متأخرة عن معمولها، بل متى وجدت معمولا تقدم على اسم فعل تعين عليك تقدير فعل عامل فيه، فنحو قول الشاعر: يأيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا يقدر: خذ دلوى، ولا يجعل قوله: " دلوي " معمولا لدونكا الموجود، ولا لآخر مثله مقدر، على الاصح. والسادس: أن أسماء الافعال غير متصرفة، فلا تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، بخلاف الافعال. والسابع: أنها لا تقبل علامات الافعال كالنواصب والجوازم ونون التوكيد وياء المخاطبة وتاء الفاعل، وهو ما ذكره الشارح في هذا الموضع، فاحفظ هذا كله، وكن منه على ثبت، والله يتولاك. الفائدة الثالثة، اختلف النحاة في أسماء الافعال، فقال جمهور البصريين: هي أسما قامت مقام الافعال في العمل، ولا تتصرف تصرف الافعال بحيث تختلف أبنيتها لاختلاف الزمان، ولا تصرف الاسماء بحيث يسند إليها إسنادا معنويا فتقع مبتدأ وفاعلا، وبهذا فارقت الصفات كأسماء الفاعلين والمفعولين، وقال جمهور الكوفيين: إنها أفعال، لانها تدل على الحدث والزمان، كل ما في الباب أنها جامدة لا تتصرف، فهي كليس وعسى ونحوهما، وقال أبو جعفر بن صابر: هي نوع خاص من أنواع الكلمة، فليست أفعالا وليست أسماء، لانها لا تتصرف تصرف الافعال ولا تصرف الاسماء، ولانها لا تقبل علامة الاسماء ولا علامة الافعال، وأعطاها أبو جعفر اسما خاصا بها حيث سماها " خالفة ". (*)

[ 28 ]

المعرب والمبني (1) والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني (2) يشير إلى أن الاسم ينقسم إلى قسمين: أحدهما المعرب، وهو: ما سلم من شبه الحروف، والثاني المبني، وهو: ما أشبه الحروف، وهو المعني بقوله: " لشبه من الحروف مدني " أي: لشبه مقرب من الحروف، فعلة البناء منحصرة عند المصنف - رحمه الله تعالى ! - في شبه الحرف، ثم نوع المصنف وجوه الشبه في البيتين اللذين بعد هذا البيت، وهذا قريب من مذهب أبي علي الفارسي حيث جعل البناء منحصرا في شبه الحرف أو ما تضمن معناه، وقد نص سيبويه - رحمه الله ! - على أن علة البناء كلها ترجع إلى شبه الحرف،.


(1) أي: هذا باب المعرب والمبني، وإعرابه ظاهر. (2) " والاسم " الواو للاستئناف، الاسم: مبتدأ أول " منه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " معرب " مبتدأ مؤخر، والجملة منه ومن خبره خبر المبتدأ الاول، " ومبني " مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير " ومنه مبني " ولا يجوز أن تعطف قوله مبني على معرب، لانه يستلزم أن يكون المعنى أن بعض الاسم معرب ومبني في آن واحد، أو يستلزم أن بعض الاسم معرب ومبني وبعضه الآخر ليس بمعرب ولا مبني، وهو قول ضعيف أباه جمهور المحققين من النحاة " لشبه " جار ومجرور متعلق بمبني، أو متعلق بخبر محذوف مع مبتدئه والتقدير: " وبناؤه ثابت لشبه " " من الحروف " جار ومجرور متعلق بشبه أو بمدني " مدني " نعت لشبه، وتقدير البيت: والاسم بعضه معرب وبعضه الآخر مبني، وبناء ذلك المبني ثابت لشبه مدن له من الحرف ومدني: اسم فاعل فعله أدنى، تقول: أدنيت الشئ من الشئ، إذا قربته منه، والياء فيه هنا ياء زائدة للاشباع، وليست لام الكلمة، لان ياء المنقوص المنكر غير المنصوب تحذف وجوبا. (*)

[ 29 ]

وممن ذكره ابن أبي الربيع (1). * * *.


(1) اعلم أنهم اختلفوا في سبب بناء بعض الاسماء: أهو شئ واحد يوجد في كل مبني منها أو أشياء متعددة يوجد واحد منها في بعض أنواع المبنيات وبعض آخر في نوع آخر، وهكذا ؟ فذهب جماعة إلى أن السبب متعدد، وأن من الاسباب مشابهة الاسم في المعنى للفعل المبني، ومثاله - عند هؤلاء - من الاسم: " نزال وهيهات " فإنهما لما أشبها " انزل وبعد " في المعنى بنيا، وهذا السبب غير صحيح، لانه لو صح للزم بناء نحو " سقيا لك " و " ضربا زيدا " فإنهما بمعنى فعل الامر وهو مبني. وأيضا يلزمه إعراب نحو " أف " و " أوه " ونحوهما من الاسماء التي تدل على معنى الفعل المضارع المعرب، ولم يقل بذلك أحد، وإنما العلة التي من أجلها بني " نزال " و " شتان " و " أوه " وغيرها من أسماء الافعال هي مشابهتها الحرف في كونها عاملة في غيرها غير معمولة لشئ، ألا ترى أنك إذا قلت نزال كان اسم فعل مبنيا على الكسر لا محل له من الاعراب، وكان له فاعل هو ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وهذا الفاعل هو المعمول لاسم الفعل، ولا يكون اسم الفعل أبدا متأثرا بعامل يعمل فيه، لا في لفظه ولا في محله. وقال قوم منهم ابن الحاجب: إن من أسباب البناء عدم التركيب، وعليه تكون الاسماء قبل تركيبها في الجمل مبنية، وهو ظاهر الفساد، والصواب أن الاسماء قبل تركيبها في الجمل ليست معربة ولا مبنية، لان الاعراب والبناء حكمان من أحكام التراكيب، ألا ترى أنهم يعرفون الاعراب بأنه: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، أو يعرفونه بأنه: تغير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة عليها، والبناء ضده، فما لم يكن تركيب لا يجوز الحكم بإعراب الكلمة ولا ببنائها. وقال آخرون: إن من أسباب البناء أن يجتمع في الاسم ثلاثة أسباب من موانع الصرف، وعللوه بأن السببين يمنعان من صرف الاسم، وليس بعد منع الصرف إلا ترك الاعراب بالمرة، ومثلوا لذلك ب‍ " حذام، وقطام " ونحوهما، وادعوا أن سبب بناء هذا الباب اجتماع العلمية، والتأنيث، والعدل عن حاذمة وقاطمة، وهو فاسد، فإنا وجدنا من الاسماء ما اجتمع فيه خمسة أسباب من موانع الصرف، وهو مع ذلك معرب، ومثاله " آذربيجان " فإن فيه العلمية والتأنيث والعجمة والتركيب وزيادة الالف والنون، = (*)

[ 30 ]

كالشبه الوضعي في اسمى جئتنا والمعنوي في متى وفي هنا (1) وكنيابة عن الفعل بلا تأثر، وكافتقار أصلا (2) ذكر في هذين البيتين وجوه شبه الاسم بالحرف في أربعة مواضع: (فالاول) شبهه له في الوضع، كأن يكون الاسم موضوعا على حرف.


= وليس بناء حذام ونحوه لما ذكروه، بل لمضارعته في الهيئة نزال ونحوه مما بنى لشبهه بالحرف في نيابته عن الفعل وعدم تأثره بالعامل. وقال قوم منهم الذين ذكرهم الشارح: إنه لا علة للبناء إلا مشابهة الحرف، وهو رأي الحذاق من النحويين، كل ما في الامر أن شبه الحرف على أنواع. (1) " كالشبه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كالشبه " الوضعي " نعت للشبه " في اسمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للوضعي، واسمى مضاف و " جئتنا " قصد لفظه: مضاف إليه " والمعنوي " معطوف على الوضعي " في متى، وفي هنا " جاران ومجروران متعلقان بمحذوف نعت للمعنوي، وتقدير البيت: والشبه المدني من الحروف مثل الشبه الوضعي الكائن في الاسمين الموجودين في قولك " جئتنا " وهما تاء المخاطب و " نا " ومثل الشبه المعنوي الكائن في " متى " الاستفهامية والشرطية وفي " هنا " الاشارية. (2) " وكنيابة " الواو عاطفة، والجار والمجرور معطوف على كالشبه " عن الفعل " جار ومجرور متعلق بنيابة " بلا تأثر " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور بالباء، وظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لنيابة، ولا مضاف، وتأثر: مضاف إليه، مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية التي يقتضيها ما قبله " وكافتقار " الواو حرف عطف والجار والمجرور معطوف على كنيابة " أصلا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على افتقار، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل جر نعت لافتقار، وتقدير البيت: ومثل النيابة عن الفعل في العمل مع أنه لا يتأثر بالعامل، ومثل الافتقار المتأصل، والافتقار المتأصل: هو الافتقار اللازم له الذي لا يفرقه في حالة من حالاته. (*)

[ 31 ]

[ واحد ]، كالتاء في ضربت، أو على حرفين ك‍ " نا " في " أكرمنا "، وإذلك أشار بقوله: " في أسمى جئتنا " فالتاء في جئتنا اسم، لانه فاعل، وهو مبني، لانه أشبه الحرف في الوضع في كونه على حرف واحد، وكذلك " نا " اسم، لانها مفعول، وهو مبني، لشبهه بالحرف في الوضع في كونه على حرفين (1). (والثاني) شبه الاسم له في المعنى، وهو قسمان: أحدهما ما أشبه حرفا موجودا، والثاني ما أشبه حرفا غير موجود، فمثال الاول " متى " فإنها مبنية لشبهها..


(1) الاصل في وضع الحرف أن يكون على حرف هجاء واحد كباء الجر ولامه وكافه وفاء العطف وواوه وألف الاستفهام وما شاكل ذلك، أو على حرفي هجاء ثانيهما لين كلا وما النافيتين، والاصل في وضع الاسم أن يكون على ثلاثة أحرف فصاعدا كما لا يحصى من الاسماء، فما زاد من حروف المعاني على حرفين من حروف الهجاء مثل إن وليت وإلا وثم ولعل ولكن فهو خارج عن الاصل في نوعه، وما نقص من الاسماء عن ثلاثة الاحرف كتاء الفاعل ونا وأكثر الضمائر فهو خارج عن الاصل في نوعه، وما خرج من الحروف عن الاصل في نوعه قد أشبه الاسماء، وما خرج من الاسماء عن الاصل في نوعه أشبه الحروف، وكلا الشبهين راجع إلى الوضع، وكان ذلك يقتضى أن يأخذ المشبه حكم المشبه به في الموضعين، إلا أنهم أعطوا الاسم الذي يشبه الحرف حكم الحرف وهو البناء، ولم يعطوا الحرف الذي أشبه الاسم حكم الاسم وهو الاعراب لسببين، أولهما أن الحرف حين أشبه الاسم قد أشبهه في شئ لا يخصه وحده، فإن الاصل في وضع الفعل أيضا أن يكون على ثلاثة أحرف، بخلاف الاسم الذي قد أشبه الحرف، فإنه قد أشبهه في شئ يخصه ولا يتجاوزه إلى نوع آخر من أنواع الكلمة، والسبب الثاني: أن الحرف لا يحتاج في حالة ما إلى الاعراب، لان الاعراب إنما يحتاج إليه من أنواع الكلمة ما يقع في مواقع متعددة من التراكيب بحيث لا يتميز بعضها عن بعض بغير الاعراب، والحرف لا يقع في هذه المواقع المتعددة، فلم يكن ثمة ما يدعو إلى أن يأخذ حكم الاسم حين يشبهه، ومعنى هذا الكلام أن في مشابهة الحرف للاسم قد وجد المقتضى ولكن لم ينتف المانع، فالمقتضى هو شبه الاسم، والمانع هو عدم توارد المعاني المختلفة عليه، وشرط تأثير المقتضى أن ينتفى المانع. (*)

[ 32 ]

الحرف، في المعنى، فإنها تستعمل للاستفهام، نحو " متى تقوم ؟ " وللشرط، نحو " متى تقم أقم " وفي الحالتين هي مشبهة لحرف موجود، لانها في الاستفهام كالهمزة، وفي الشرط كإن، ومثال الثاني " هنا " فإنها مبنية لشبهها حرفا كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع، وذلك لان الاشارة معنى من المعاني، فحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها، كما وضعوا للنفي " ما " وللنهي " لا " وللتمني " ليت " وللترجي " لعل " ونحو ذلك، فبنيت أسماء الاشارة لشبهها في المعنى حرفا مقدرا (1). (والثالث) شبهه له في النيابة عن الفعل وعدم التأثر بالعامل، وذلك كأسماء الافعال، نحو " دراك زيدا " فدراك: مبني، لشبهه بالحرف في كونه يعمل ولا يعمل فيه غيره (2) كما أن الحرف كذلك..


(1) نقل ابن فلاح عن أبي علي الفارسي أن أسماء الاشارة مبنية لانها من حيث المعنى أشبهت حرفا موجودا، وهو أل العهدية، فإنها تشير إلى معهود بين المتكلم والمخاطب، ولما كانت الاشارة في هنا ونحوها حسية وفي أل العهدية ذهنية لم يرتض المحققون ذلك، وذهبوا إلى ما ذكره الشارح من أن أسماء الاشارة بنيت لشبهها في المعنى حرفا مقدرا. ونظير " هنا " فبما ذكرناه " لدى " فإنها دالة على الملاصقة والقرب زيادة على الظرفية، والملاصقة والقرب من المعاني التي لم تضع العرب لها حرفا، وأيضا " ما " التعجبية، فإنها دالة على التعجب، ولم تضع العرب للتعجب حرفا، فيكون بناء كل واحد من هذين الاسمين لشبهه في المعنى حرفا مقدرا، فافهم ذلك. (2) اسم الفعل ما دام مقصودا معناه لا يدخل عليه عامل أصلا، فضلا عن أن يعمل فيه، وعبارة الشارح كغيره توهم أن العوامل قد تدخل عليه ولكنها لا تؤثر فيه، فكان الاولى به أن يقول " ولا يدخل عليه عامل أصلا " بدلا من قوله " ولا يعمل فيه غيره " وقولنا " ما دام مقصودا منه معناه " نريد به الاشارة إلى أن اسم الفعل إذا لم يقصد به معناه - بأن يقصد لفظه مثلا - فإن العامل قد يدخل عليه، وذلك كما في قول زهير ابن أبي سلمى المزني: = (*)

[ 33 ]

واحترز بقوله: " بلا تأثر " عما ناب عن الفعل وهو متأثر بالعامل، نحو " ضربا زيدا " فإنه نائب مناب " أضرب " وليس بمبني، لتأثره بالعامل، فإنه منصوب بالفعل المحذوف، بخلاف " دراك " فإنه وإن كان نائبا عن " أدرك " فليس متأثرا بالعامل. وحاصل ما ذكره المصنف أن المصدر الموضوع موضع الفعل وأسماء الافعال اشتركا في النيابة مناب الفعل، لكن المصدر متأثر بالعامل، فأعرب لعدم مشابهته الحرف، وأسماء الافعال غير متأثرة بالعامل، فبنيت لمشابهتها الحرف في أنها نائبة عن الفعل وغير متأثرة به. وهذا الذي ذكره المصنف مبني على أن أسماء الافعال لامحل لها من الاعراب والمسألة خلافية (1)، وسنذكر ذلك في باب أسماء الافعال.


ولنعم حشو الدرع أنت إذا دعيت نزال ولج في الذعر فنزال في هذا البيت مقصود بها اللفظ، ولذلك وقعت نائب فاعل، فهي مرفوعة بضمة مقدرة على آخرها منع من ظهوها اشتغال المحل بحركة البناء الاصلي، ومثله قول زيد الخيل: وقد علمت سلامة أن سيفي كريه كلما دعيت نزال ونظيرهما قول جريبة الفقعسي: عرضنا نزال فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أطم (1) إذا قلت " هيهات زيد " مثلا فللعلماء في إعرابه ثلاثة آراء: الاول وهو مذهب الاخفش، وهو الصحيح الذي رجحه جمهور علماء النحو أن هيهات اسم فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، وزيد: فاعل مرفوع بالضمة، وهذا الرأي هو الذي يجري عليه قول الناظم إن سبب البناء في أسماء الافعال كونها نائبة عن الفعل غير متأثرة بعامل لا ملفوظ به ولا مقدر، والثاني - وهو رأي سيبويه - أن هيهات مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، فهو متأثر بعامل معنوي وهو الابتداء، وزيد: فاعل سد مسد الخبر، والثالث - وهو رأي المازني - أن هيهات مفعول مطلق = (3 - ابن عقيل 1) (*)

[ 34 ]

(والرابع) شبه الحرف في الافتقار اللازم، وإليه أشار بقوله: " وكافتقار أصلا " وذلك كالاسماء الموصولة، نحو " الذي " فإنها مفتقرة في سائر أحوالها إلى الصلة، فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار، فبنيت (1). وحاصل البيتين أن البناء يكون في ستة أبواب: المضمرات، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الاشارة، وأسماء الافعال، والاسماء الموصولة. * * *.


= لفعل محذوف من معناه، وزيد: فاعل به، وكأنك قلت: بعد بعدا زيد، فهو متأثر بعامل لفظي محذوف من الكلام، ولا يجري كلام الناظم على واحد من هذين القولين، الثاني والثالث، وعلة بناء اسم الفعل على هذين القولين تضمن أغلب ألفاظه - وهي الالفاظ الدالة على الامر منه - معنى لام الامر، وسائره محمول عليه، يعني أن اسم الفعل أشبه الحرف شبها معنويا، لا نيابيا. (1) زاد ابن مالك في شرح الكافية الكبرى نوعا خامسا سماه الشبه الاهمالي، وفسره بأن يشبه الاسم الحرف في كونه لا عاملا ولا معمولا. ومثل له بأوائل السور نحو " ألم، ق، ص " وهذا جار على القول بأن فواتح السور لا محل لها من الاعراب، لانها من المتشابه الذي لا يدرك معناه، وقيل: إنها في محل رفع على أنها مبتدأ خبره محذوف، أو خبر مبتدؤه محذوف، أو في محل نصب بفعل مقدر كاقرأ ونحوه، أو في محل جر بواو القسم المحذوفة، وجعل بعضهم من هذا النوع الاسماء قبل التركيب، وأسماء الهجاء المسرودة، وأسماء العدد المسرودة، وزاد ابن مالك أيضا نوعا سادسا سماه الشبه اللفظي، وهو: أن يكون لفظ الاسم كلفظ حرف من حروف المعاني، وذلك مثل " حاشا " الاسمية، فإنها أشبهت " حاشا " الحرفية في اللفظ. واعلم أنه قد يجتمع في اسم واحد مبني شبهان فأكثر، ومن ذلك المضمرات، فإن فيها الشبه المعنوي، إذ التكلم والخطاب والغيبة من المعاني التي تتأدى بالحروف، وفيها الشبه الافتقاري، لان كل ضمير يفتقر افتقارا متأصلا إلى ما يفسره، وفيها الشبه الوضعي، فإن أغلب الضمائر وضع على حرف أو حرفين، وما زاد في وضعه على ذلك فمحمول عليه، طردا للباب على وتيرة واحدة. (*)

[ 35 ]

ومعرب الاسماء ما قد سلما من شبه الحرف كأرض وسما (1) يريد أن المعرب خلاف المبني، وقد تقدم أن المبني ما أشبه الحرف، فالمعرب ما لم يشبه الحرف، وينقسم إلى صحيح - وهو: ما ليس آخره حرف علة كأرض، وإلى معتل - وهو: ما آخره حرف علة كسما - وسما: لغة في الاسم، وفيه ست لغات: اسم بضم الهمزة وكسرها، وسم بضم السين وكسرها، وسما - بضم السين وكسرها أيضا. وينقسم المعرب أيضا إلى متمكن أمكن - وهو المنصرف - كزيد وعمرو، وإلى متمكن غير أمكن - وهو غير المنصرف - نحو: أحمد ومساجد ومصابيح،.


(1) " ومعرب " مبتدأ، ومعرب مضاف و " الاسماء " مضاف إليه " ما " اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ " قد سلما " قد: حرف تحقيق، وسلم: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، والالف في " سلما " للاطلاق " من شبه " جار ومجرور متعلق بقوله سلم، وشبه مضاف و " الحرف " مضاف إليه " كأرض " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كأرض " وسما " الواو حرف عطف، سما: معطوف على أرض، مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، وهو - بضم السين مقصورا - إحدى اللغات في اسم كما سيذكره الشارح، ونظيره في الوزن هدى وعلا وتقى وضحا. وههنا سؤال، وهو - أن الناظم في ترجمة هذا الباب بدأ بالمعرب وثنى بالمبني فقال " المعرب والمبني " وحين أراد التقسيم بدأ بالمعرب أيضا فقال " والاسم منه معرب ومبني " ولكنه حين بدأ في التفصيل وتعريف كل واحد منهما بدأ بالمبني وأخر المعرب، فما وجهه ؟ والجواب عن ذلك أنه بدأ في الترجمة والتقسيم بالمعرب لكونه أشرف من المبني بسبب كونه هو الاصل في الاسماء. وبدأ في التعريف بالمبني لكونه منحصرا، والمعرب غير منحصر، ألا ترى أن خلاصة الكلام في أسباب البناء قد أنتجت أن المبني من الاسماء ستة أبواب ليس غير ؟ ! (*)

[ 36 ]

فغير المتمكن هو المبني، والمتمكن: هو المعرب، وهو قسمان: متمكن امكن، ومتمكن غير أمكن (1). * * * وفعل أمر ومضي بنيا وأعربوا مضارعا: إن عريا (2) من نون توكيد مباشر، ومن نون إناث: كير عن من فتن (3).


(1) والمتمكن الامكن هو الذي يدخله التنوين، إذا خلا من أل ومن الاضافة، ويجر بالكسرة، ويسمى المنصرف، والمتمكن غير الامكن هو الذي لا ينون، ولا يجر بالكسرة إلا إذا اقترن بأل أو أضيف، ويسمى الاسم الذي لا ينصرف. (2) " وفعل " مبتدأ، وفعل مضاف و " أمر " مضاف إليه " ومضى " يقرأ بالجر على أنه معطوف على أمر، ويقرأ بالرفع على أنه معطوف على فعل " بنيا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف التي فيه للتثنية، وهي نائب فاعل، وذلك إذا عطفت " مضى " على " فعل " فإن عطفته على " أمر " فالالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فعل " أعربوا " فعل وفاعل " مضارعا " مفعول به " إن " حرف شرط " عريا " فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألفه للاطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجواب الشرط محذوف يدل عليه السابق من الكلام، أي: إن عرى الفعل المضارع من النون أعرب، وعرى من باب رضى بمعنى خلا، وبأتى من باب قعد بمعنى آخر، تقول: عراه يعروه عروا - مثل سما يسمو سموا - إذا نزل به، ومنه قول أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بلله القطر (3) " من نون " جار ومجرور متعلق بعرى، ونون مضاف و " توكيد " مضاف إليه، " مباشر " صفة لنون " ومن نون " جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور السابق، ونون مضاف و " إناث " مضاف إليه " كيرعن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: وذلك كائن كيرعن " من " اسم موصول مفعول به ليرعن، باعتباره فعلا قبل أن يقصد لفظه مع سائر التركيب، مبني على السكون في محل نصب، فأما بعد أن قصد لفظ الجملة فكل كلمة منها كحرف من = (*)

[ 37 ]

لما فرغ من بيان المعرب والمبني من الاسماء شرع في بيان المعرب والمبني من الافعال، ومذهب البصريين أن الاعراب أصل في الاسماء، فرع في الافعال (1)، فالاصل في الفعل البناء عندهم، وذهب الكوفيون إلى أن الاعراب أصل في الاسماء وفي الافعال، والاول هو الصحيح، ونقل ضياء الدين بن العلج في البسيط أن بعض النحويين ذهب إلى أن الاعراب أصل في الافعال، فرع في الاسماء. والمبني من الافعال ضربان:.


= حروف زيد مثلا " فتن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (1) لما كان الاصل عند البصريين في الاسماء الاعراب فإن ما كان منها معربا لا يسأل عن علة إعرابه، لان ما جاء على أصله لا يسأل عن علته، وما جاء منها مبنيا يسأل عن علة بنائه، وقد تقدم للناظم والشارح بيان علة بناء الاسم، وأنها مشابهته للحرف، ولما كان الاصل في الافعال عندهم أيضا البناء فإن ما جاء منها مبنيا لا يسأل عن علة بنائه، وإنما يسأل عن علة إعراب ما أعرب منه وهو المضارع، وعلة إعراب الفعل المضارع عند البصريين أنه أشبه الاسم في أن كل واحد منهما يتوارد عليه معان تركيبية لا يتضح التمييز بينها إلا بالاعراب، فأما المعاني التي تنوارد على الاسم فمثل الفاعلية والمفعولية والاضافة في نحو قولك: ما أحسن زيد، فإنك لو رفعت زيدا لكان فاعلا وصار المراد نفى إحسانه، ولو نصبته لكان مفعولا به وصار المراد التعجب من حسنه، ولو جررته لكان مضافا إليه، وصار المراد الاستفهام عن أحسن أجزائه، وأما المعاني التي تتوارد على الفعل فمثل النهي عن الفعلين جميعا أو عن الاول منهما وحده أو عن فعلهما متصاحبين في نحو قولك: لا تعن بالجفاء وتمدح عمرا، فإنك لو جزمت " تمدح " لكنت منهيا عنه استقلالا، وصار المراد أنه لا يجوز لك أن تعن بالجفاء ولا أن تمدح عمرا، ولو رفعت " تمدح " لكان مستأنفا غير داخل في حكم النهي، وصار المراد أنك منهى عن الجفاء مأذون لك في مدح عمرو، ولو نصبته لكان معمولا لان المصدرية وصار المراد أنك منهى عن الجمع بين الجفاء ومدح عمرو، وأنك لو فعلت أيهما منفردا جاز. (*)

[ 38 ]

(أحدهما) ما اتفق على بنائه، وهو الماضي، وهو مبني على الفتح (1) نحو " ضرب وانطلق " ما لم يتصل به واو جمع فيضم، أو ضمير رفع متحرك فيسكن. (والثاني) ما اختلف في بنائه والراجح أنه مبني، وهو فعل الامر نحو " اضرب " وهو مبني عند البصريين، ومعرب عند الكوفيين (2). والمعرب من الافعال هو المضارع، ولا يعرب إلا إذا لم تتصل به نون التوكيد أو نون الاناث، فمثال نون التوكيد المباشرة " هل تضربن " والفعل معها مبني على الفتح، ولا فرق في ذلك بين الخفيفة والثقيلة (3) فإن لم تتصل به لم يبن، وذلك كما إذا.


(1) بنى الفعل الماضي لان البناء هو الاصل، وإنما كان بناؤه على حركة - مع أن الاصل في البناء السكون - لانه أشبه الفعل المضارع المعرب في وقوعه خبرا وصفة وصلة وحالا، والاصل في الاعراب أن يكون بالحركات، وإنما كانت الحركة في الفعل الماضي خصوص الفتحة لانها أخف الحركات، فقصدوا أن تتعادل خفتها مع ثقل الفعل بسبب كون معناه مركبا، لئلا يجتمع ثقيلان في شئ واحد، وتركيب معناه هو دلالته على الحدث والزمان. (2) عندهم أن نحو " اضرب " مجزوم بلام الامر مقدرة، وأصله لتضرب، فحذفت اللام تخفيفا، فصار " تضرب " ثم حذف حرف المضارعة قصدا للفرق بين هذا وبين المضارع غير المجزوم عند الوقف عليه، فاحتيج بعد حذف حرف المضارعة إلى همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن - وهو الضاد - فصار " اضرب " وفي هذا من التكلف ما ليس تخفى. (3) لا فرق في اتصال نون التوكيد بالفعل المضارع ومباشرتها له بين أن تكون ملفوظا بها كما مثل الشارح، وأن تكون مقدرة كما في قول الشاعر، وهو الاضبط بن قريع لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه فإن أصل قوله لا تهين لا تهينن بنونين أولاهما لام الكلمة والثانية نون التوكيد الخفيفة، فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقى الفعل بعد حذفها مبنيا على الفتح في محل جزم بلام النهي، ولو لم تكن نون التوكيد مقدرة في هذا الفعل لوجب عليه أن يقول لا تهن، (*)

[ 39 ]

فصل بينه وبينها ألف اثنين نحو " هل تضربان "، وأصله، هل تضربانن، فاجتمعت ثلاث نونات، فحذفت الاولى - وهي نون الرفع - كراهة توالي الامثال، فصار " هل تضربان (1) ". وكذلك يعرب الفعل المضارع إذا فصل بينه وبين نون التوكيد واو جمع أو ياء مخاطبة، نحو " هل تضربن يا زيدون " و " هل تضربن يا هند " وأصل " تضربن " تضربونن، فحذفت النون الاولى لتوالي الامثال، كما سبق، فصار تضربون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصار تضربن، وكذلك " تضربن " أصله تضربينن، ففعل به ما فعل بتضربونن. وهذا هو المراد بقوله: " وأعربوا مضارعا إن عريا من نون توكيد مباشر " فشرط في إعرابه أن يعرى من ذلك، ومفهومه أنه إذا لم يعر منه يكون مبنيا. فعلم أن مذهبه أن الفعل المضارع لا يبنى إلا إذا باشرته نون التوكيد، نحو " هل تضربن يا زيد " فإن لم تباشره أعرب، وهذا هو مذهب الجمهور. وذهب الاخفش إلى أنه مبني مع نون التوكيد، سواء اتصلت به نون التوكيد أو لم تتصل، ونقل عن بعضهم أنه معرب وإن اتصلت به نون التوكيد. ومثال ما اتصلت به نون الاناث " الهندات يضربن " والفعل معها مبني على السكون، ونقل المصنف - رحمه الله تعالى ! - في بعض كتبه أنه لا خلاف في.


= بحذف الياء التي هي عين الفعل تخلصا من التقاء الساكنين - وهما الياء وآخر الفعل - ثم يكسر آخر الفعل تخلصا من التقاء ساكنين آخرين هما آخر الفعل ولام التعريف التي في أول " الفقير " لان ألف الوصل لا يعتد بها، إذ هي غير منطوق بها، فلما وجدناه لم يحذف الياء علمنا أنه قد حذف نون التوكيد وهو ينوبها. (1) أي: بعد أن حرك نون التوكيد بالكسر بعد أن كانت مفتوحة، فرقا بينها وبين نون التوكيد التي تتصل بالفعل المسند لواحد، في اللفظ، فإن ألف الاثنين تظهر في النطق كحركة مشبعة، فلو لم تكسر النون في المثنى التبس المسند للاثنين في اللفظ بالمسند إلى المفرد. (*)

[ 40 ]

بناء الفعل المضارع مع نون الاناث، وليس كذلك، بل الخلاف موجود، وممن نقله الاستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرح الايضاح (1). * * * وكل حرف مستحق للبنا والاصل في المبني أن يسكنا (2) ومنه ذو فتح، وذو كسر، وضم كأين أمس حيث، والساكن كم (3) الحروف كلها مبنية، إذ لا يعتورها ما تفتقر في دلالتها عليه إلى إعراب، نحو " أخذت من الدراهم " فالتيعيض مستفاد من لفظ " من " بدون الاعراب. والاصل في البناء أن يكون على السكون، لانه أخف من الحركة، ولا يحرك المبني إلا لسبب كالتخلص من التقاء الساكنين، وقد تكون الحركة فتحة، كأين وقام وإن، وقد تكون كسرة، كأمس وجير، وقد تكون ضمة، كحيث، وهو اسم، و " منذ " وهو حرف [ إذا جررت به ]، وأما السكون فنحو " كم، واضرب، وأجل "..


(1) ممن قال بإعرابه السهيلي وابن درستويه وابن طلحة، ورأيهم أنه معرب بإعراب مقدر منع من ظهوره شبهه بالماضي في صيرورة النون جزءا منه، فتقول في نحو (والوالدات يرضعن): يرضعن فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع ظهورها شبه يرضعن بأرضعن في أن النون قد صارت فيه جزء ا منه. (2) " كل " مبتدأ، وكل مضاف و " حرف " مضاف إليه " مستحق " خبر المبتدأ " للبنا " جار ومجرور متعلق بمستحق " والاصل " مبتدأ " في المبني " جار ومجرور متعلق بالاصل " أن " مصدرية " يسكنا " فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المبني، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ، والتقدير: والاصل في المبنى تسكينه، والمراد كونه ساكنا. (3) " ومنه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " ذو " مبتدأ مؤخر، مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لانه من الاسماء الستة، وذو مضاف و " فتح " مضاف إليه " وذو " معطوف على ذو السابق " كسر " مضاف إليه " وضم " معطوف على كسر بتقدير مضاف: أي وذو ضم " كأين " متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " أمس، حيث " معطوفان على أين بحرف عطف محذوف " والساكن الواو عاطفة أو للاستئناف، الساكن: مبتدأ " كم " خبره، ويجوز العكس. (*)

[ 41 ]

وعلم مما مثلنا به أن البناء على الكسر والضم لا يكون في الفعل، بل في الاسم والحرف، وأن البناء على الفتح أو السكون: يكون في الاسم، والفعل، والحرف (1). * * * والرفع والنصب اجعلن إعرابا لاسم وفعل، نحو: لن أهابا (2) والاسم قد خصص بالجر، كما قد خصص الفعل بأن ينجز ما (3).


(1) ذكر الناظم والشارح أن من المبنيات ما يكون بناؤه على السكون، ومنه ما يكون بناؤه على حركة من الحركات الثلاث. واعلم أنه ينوب عن السكون في البناء الحذف، والحذف يقع في موضعين: الاول الامر المعتل الآخر، نحو: اغز وارم واسع، والثاني: الامر المسند إلى ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء مخاطبة، نحو اكتبا واكتبوا واكتبي، وأنه ينوب عن الفتح في البناء شيآن: أولهما الكسر، وذلك في جمع المؤنث السالم إذا وقع اسما للا النافية للجنس، نحو لا مسلمات، وثانيهما الياء وذلك في جمع المذكر السالم والمثنى إذا وقع أحدهما اسما للا النافية للجنس أيضا، نحو: لا مسلمين، وأنه ينوب عن الضم في البناء شيآن: أحدهما الالف وذلك في المثنى إذا وقع منادى نحو: يا زيدان، وثانيهما الواو، وذلك في جمع المذكر السالم إذا وقع منادى أيضا، نحو: يا زيدون. (2) " والرفع " مفعول به أول لاجعلن مقدم عليه " والنصب " معطوف عليه " اجعلن " فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إعرابا " مفعول ثان لاجعلن " لاسم " جار ومجرور متعلق بإعرابا " وفعل " معطوف على اسم " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك نحو " لن " حرف نفي ونصب واستقبال " أهابا " فعل مضارع منصوب بلن، والالف للاطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، ونحو مضاف وجملة الفعل والفاعل في قوة مفرد مضاف إليه. (3) " والاسم " مبتدأ " قد " حرف تحقيق " خصص " فعل ماض، مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم، والجملة في محل رفع = (*)

[ 42 ]

فارفع بضم، وانصبن فتحا، وجر كسرا: كذكر الله عبده يسر (1) واجزم بتسكين، وغير ما ذكر ينوب، نحو: جا أخو بني نمر (2).


= خبر المبتدأ " بالجر " جار ومجرور متعلق بخصص " كما " الكاف حرف جر، وما: مصدرية " قد " حرف تحقيق " خصص " فعل ماض مبني للمجهول " الفعل " نائب فاعله، وما مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف: أي ككون الفعل مخصصا " بأن " الباء حرف جر، وأن حرف مصدري ونصب " ينجز ما " فعل مضارع منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، وأن ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالباء: أي بالانجزام، والجار والمجرور متعلق بخصص. (1) " فارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بضم " جار ومجرور متعلق بارفع " وانصبن " الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وهو معطوف على ارفع " فتحا " منصوب على نزع الخافض أي بفتح " وجر " الواو عاطفة، جر: فعل أمر معطوف على ارفع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كسرا " مثل قوله فتحا منصوب على نزع الخافض " كذكر الله عبده يسر " الكاف حرف جر ومجروره محذوف، والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: وذلك كائن كقولك، وذكر: مبتدأ، وذكر مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وعبد: مفعول به لذكر منصوب بالفتحة الظاهرة، وعبد مضاف والضمير مضاف إليه، ويسر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذكر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (2) " واجزم " الواو عاطفة، اجزم: فعل أمر معطوف على ارفع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بتسكين " جار ومجرور متعلق باجزم " وغير " الواو للاستئناف، غير: مبتدأ، وغير مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " ذكر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة " ينوب " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك نحو " جا " فعل ماض قصر للضرورة " أخو " فاعل مرفوع بالواو لانه من الاسماء الستة، وأخو مضاف و " بني " مضاف إليه = (*)

[ 43 ]

أنواع الاعراب أربعة: الرفع، والنصب، والجر، والجزم، فأما الرفع والنصب فيشترك فيهما الاسماء والافعال نحو " زيد يقوم، وإن زيدا لن يقوم " وأما الجر فيختص بالاسماء، نحو " زيد " وأما الجزم فيختص بالافعال، نحو " لم يضرب ". والرفع يكون بالضمة، والنصب يكون بالفتحة، والجر يكون بالكسرة، والجزم يكون بالسكون، وما عدا ذلك يكون نائبا عنه، كما نابت الواو عن الضمة في " أخو " والياء عن الكسرة في " بني " من قوله: " جا أخو بني نمر " وسيذكر بعد هذا مواضع النيابة. * * * وارفع بواو، وانصبن بالالف، واجرر بياء - مامن الاسما أصف (1) شرع في بيان ما يعرب بالنيابة عما سبق ذكره، والمراد بالاسماء التي سيصفها.


= مجرور بالياء لانه جمع مذكر سالم، وبني مضاف و " نمر " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف، والجملة من الفعل وفاعله في قوة مفرد مجرور بإضافة نحو إليه. (1) " وارفع " الواو للاستئناف، ارفع فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بواو " متعلق بارفع " وانصبن " الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وهو معطوف على ارفع " بالالف " جار ومجرور متعلق بانصب " واجرر " الواو عاطفة، اجرر: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وهو معطوف على ارفع " بياء " جار ومجرور متعلق باجرر " ما " اسم موصول تنازعه الافعال الثلاثة " من الاسما " جار ومجرور متعلق بأصف الآتي، أو بمحذوف حال من ما الموصولة " أصف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الاعراب، والعائد ضمير محذوف منصوب المحل بأصف، أي: الذي أصفه. (*)

[ 44 ]

الاسماء الستة، وهي أب، وأخ، وحم، وهن، وفوه، وذو مال، فهذه ترفع بالواو نحو " جاء أبو زيد " وتنصب بالالف نحو " رأيت أباه " وتجر بالياء نحو " مررت بأبيه " والمشهور أنها معربة بالحروف، فالواو نائبة عن الضمة، والالف نائبة عن الفتحة، والياء نائبة عن الكسرة، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: " وارفع بواو إلى آخر البيت "، والصحيح أنها معربة بحركات مقدرة على الواو والالف والياء، فالرفع بضمة مقدرة على الواو، والنصب بفتحة مقدرة على الالف، والجر بكسرة مقدرة على الياء، فعلى هذا المذهب الصحيح لم ينب شئ عن شئ مما سبق ذكره (1)..


(1) في هذه المسألة أقوال كثيرة، وأشهر هذه الاقوال ثلاثة، الاول: أنها معربة من مكان واحد، والواو والالف والياء هي حروف الاعراب، وهذا رأي جمهور البصريين وإليه ذهب أبو الحسن الاخفش في أحد قوليه، وهو الذي ذكره الناظم هنا ومال إليه. والثاني: أنها معربة من مكان واحد أيضا، وإعرابها بحركات مقدرة على الواو والالف والياء، فإذا قلت " جاء أبوك " فأبوك: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، وهذا مذهب سيبويه، وهو الذي ذكره الشارح وزعم أنه الصحيح، ورجحه الناظم في كتابه التسهيل، ونسبه جماعة من المتأخرين إلى جمهور البصريين، والصحيح أن مذهب هؤلاء هو الذي قدمنا ذكره، قال أتباع سيبويه: إن الاصل في الاعراب أن يكون بحركات ظاهرة أو مقدرة فمتى أمكن هذا الاصل لم يجز العدول عنه إلى الفروع، وقد أمكن أن نجعل الاعراب بحركات مقدرة، فيجب المصير إليه، والقول الثالث: قول جمهور الكوفيين، وحاصله أنها معربة من مكانين، قالوا: إن الحركات تكون إعرابا لهذه الاسماء في حال إفرادها: أي قطعها عن الاضافة، فتقول: هذا أب لك وقد رأيت أخا لك، ومررت بحم، فإذا قلت في حال الاضافة، " هذا أبوك " فالضمة باقية على ما كانت عليه في حال الافراد، فوجب أن تكون علامة إعراب، لان الحركة التي تكون علامة إعراب للمفرد في حالة إفراده هي بعينها التي تكون علامة لاعرابه في حال إضافته، ألا ترى أنك تقول " هذا غلام " فإذا قلت " هذا غلامك " لم يتغير الحال ؟ فكذا هنا. وكذا الواو والالف والياء بعد هذه الحركات في حال إضافة الاسماء الستة تجري مجرى الحركات في كونها إعرابا، بدليل أنها تتغير في حال الرفع = (*)

[ 45 ]

من ذاك " ذو ": إن صحبة أبانا والفم، حيث الميم منه بانا (1) أي: من الاسماء التي ترفع بالواو، وتنصب بالالف، وتجر بالياء ذو، وفم، ولكن يشترط في " ذو " أن تكون بمعنى صاحب، نحو " جاءني ذو مال " أي: صاحب مال، وهو المراد بقوله: " إن صحبة أبانا " أي: إن أفهم صحبة، واحترز بذلك عن " ذو " الطائية، فإنها لا تفهم صحبة، بل هي بمعنى الذي، فلا تكون مثل " ذي " بمعنى صاحب، بل تكون مبنية، وآخرها الواو رفعا، ونصبا، وجرا، ونحو " جاءني ذو قام، ورأيت ذو قام، ومررت بذو قام "، ومنه قوله: 4 - فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا.


= والنصب والجر، فدل ذلك على أن الضمة والواو جميعا علامة للرفع، والفتحة والالف جميعا علامة للنصب، والكسرة والياء جميعا علامة للجر، وإنما ألجأ العرب إلى ذلك قلة حروف هذه الاسماء، فرفدوها في حال الاضافة التي هي من خصائص الاسم - بحروف زائدة، تكثيرا لحروفها. (1) " من ذاك " من ذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " ذو " مبتدأ مؤخر " إن " حرف شرط " صحبة " مفعول به مقدم لابان " أبانا " أبان: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو، وألفه للاطلاق وهو فعل شرط مبني على الفتح في محل جزم، والجواب محذوف، والتقدير: إن أبان ذو صحبة فارفعه بالواو " والفم " معطوف على ذو " حيث " ظرف مكان " الميم " مبتدأ " منه " جار ومجرور متعلق ببان " بانا " فعل ماض بمعنى انفصل، مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الميم، وألفه للاطلاق وجملته في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله الميم، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر بإضافة " حيث " إليها. 4 - هذا بيت من الطويل، وهو من كلام منظور بن سحيم الفقعسي، وقد = (*)

[ 46 ]

.


استشهد به ابن هشام في أوضح المسالك (ش 7) في مبحث الاسماء الخمسة، وفي باب الموصول، كما فعل الشارح هنا، واستشهد به الاشموني (ش 155) مرتين أيضا. وقبل البيت المستشهد به قوله: ولست بهاج في القرى أهل منزل على زادهم أبكي وأبكي البواكيا فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذو عندهم. البيت وإما كرام معسرون عذرتهم وإما لئام فادخرت حيائيا وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة وبطني أطويه كطي ردائيا اللغة: " هاج " اسم فاعل من الهجاء، وهو الذم والقدح، تقول: هجاه يهجوه هجوا وهجاء " القرى " - بكسر القاف مقصورا - إكرام الضيف، و " في " هنا دالة على السببية والتعليل، مثلها في قوله صلى الله عليه وسلم: " دخلت امرأة النار في هرة " أي بسبب هرة ومن أجل ما صنعته معها، يريد أنه لن يهجو أحدا ولن يذمه ويقدح فيه بسبب القرى على أية حال، وذلك لان الناس على ثلاثة أنواع: النوع الاول كرام موسرون، والنوع الثاني كرام معسرون غير واجدين ما يقدمونه لضيفانهم، والنوع الثالث لئام بهم شح وبخل وضنانة، وقد ذكر هؤلاء الانواع الثلاثة، وذكر مع كل واحد حاله بالنسبة له " كرام " جمع كريم، وأراد الطيب العنصر الشريف الآباء، وقابلهم باللئام " موسرون " ذوو ميسرة وغنى، وعندهم ما يقدمونه للضيفان " معسرون " ذوو عسرة وضيق لا يجدون ما يقدمونه مع كرم نفوسهم وطيب عنصرهم. الاعراب: " إما " حرف شرط وتفصيل، مبني على السكون لا محل له من الاعراب " كرام " فاعل بفعل محذوف يفسره السياق، وتقدير الكلام: إما لقيني كرام، ونحو ذلك، مرفوع بذلك الفعل المحذوف، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة " موسرون " نعت لكرام، ونعت المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لانه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد " لقيتهم " لقى: فعل ماض مبني على فتح مقدر لا محل له من الاعراب، والتاء ضمير المتكلم فاعل لقى، مبني على الضم في محل رفع، وضمير الغائبين العائد إلى كرام، مفعول به مبني على السكون في محل نصب، وجملة الفعل الماضي وفاعله = (*)

[ 47 ]

.


ومفعوله لا محل لها من الاعراب تفسيرية " فحسبي " الفاء واقعة في جواب الشرط، حرف مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، حسب: اسم بمعنى كاف خبر مقدم، وهو مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، مبني على الفتح في محل جر " من " حرف جر مبني على السكون لا محل له " ذو " اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بمن، وإن رويت " ذي " فهو مجرور بمن، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة، والجار والمجرور متعلق بحسب " عندهم " عند: ظرف متعلق بمحذوف يقع صلة للموصول الذي هو ذو بمعنى الذي، وعند مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " ما " اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ مؤخر مبني على السكون في محل رفع " كفانيا " كفى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الالف منع من ظهوره التعذر، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول الذي هو ما، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به مبني على الفتح في محل نصب، والالف للاطلاق، وجملة كفى وفاعله ومفعوله لا محل صلة ما. الشاهد فيه: قوله " فحسبي من ذو عندهم " فإن " ذو " في هذه العبارة اسم موصول بمعنى الذي، وقد رويت هذه الكلمة بروايتين، فمن العلماء من روى " فحسبي من ذي عندهم " بالياء، واستدل بهذه الرواية على أن " ذا " الموصولة تعامل معامل " ذي " التي بمعنى صاحب والتي هي من الاسماء الخمسة، فترفع بالواو، وتنصب بالالف، وتجر بالياء كما في هذه العبارة على هذه الرواية، ومعنى ذلك أنها معربة ويتغير آخرها بتغير التراكيب. ومن العلماء من روى " فحسبي من ذو عندهم " بالواو، واستدل بها على أن " ذو " التي هي اسم موصول مبنية، وأنها تجئ بالواو في حالة الرفع وفي حالة النصب وفي حالة الجر جميعا وهذا الوجه هو الراجح عند النحاة، وسيذكر الشارح هذا البيت مرة أخرى في باب الموصول، وينبه على الروايتين جميعا، وعلى أن رواية الواو تدل على البناء ورواية الياء تدل على الاعراب، لكن على رواية الياء يكون الاعراب فيها بالحروف نيابة عن الحركات على الراجح، وعلى رواية الواو تكون الكلمة فيها مبنية على السكون، فاعرف ذلك ولا تنسه. قال ابن منظور في لسان العرب: " وأما قول الشاعر: * فإن بيت تميم ذو سمعت به * = (*)

[ 48 ]

وكذلك يشترط في إعراب الفم بهذه الاحرف زوال الميم منه، نحو " هذا فوه، ورأيت فاه، ونظرت إلى فيه "، وإليه أشار بقوله: " والفم حيث الميم منه بانا " أي: انفصلت منه الميم، أي زالت منه، فإن لم تزل منه أعرب بالحركات، نحو " هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فم ". * * * أب، أخ، حم كذاك، وهن والنقص في هذا الاخير أحسن (1) وفي أب وتالييه يندر وقصرها من نقصهن أشهر (2) يعني أن " أبا، وأخا، وحما " تجري مجرى " ذو، وفم " اللذين سبق ذكرهما، .


= فإن " ذو " هنا بمعنى الذي، ولا يكون في الرفع والنصب والجر إلا على لفظ واحد، وليست بالصفة التي تعرب نحو قولك: مررت برجل ذي مال، وهو ذو مال، ورأيت رجلا ذا مال، وتقول: رأيت ذو جاءك، وذو جاءاك، وذو جاءوك، وذو جاءتك، وذو جئنك، بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، ومن أمثال العرب: أتى عليه ذو أتى على الناس، أي الذي أتى عليهم، قال أبو منصور: وهي لغة طيئ، وذو بمعنى الذي " اه‍. وفي البيت الذي أنشده في صدر كلامه شاهد كالذي معنا على أن " ذو والتي بمعنى الذي تكون بالواو ولو كان موضعها جرا أو نصبا، فإن قول الشاعر " ذو سمعت به " نعت لبيت تميم المنصوب على أنه اسم إن، ولو كانت " ذو " معربة لقال: فإن بيت تميم ذا سمعت به، فلما جاء بها بالواو في حال النصب علمنا أنه يراها مبنية، وبناؤها كما علمت على السكون (1) " أب " مبتدأ " أخ حم " معطوفان على أب مع حذف حرف العطف " كذاك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر تنازعه كل من أب وما عطف عليه " وهن " الواو عاطفة، هن: مبتدأ، وخبره محذوف، أي: وهن كذا ك " والنقص " مبتدأ " في هذا " جار ومجرور متعلق بالنقص، أو بأحسن " الاخير " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة أو هو نعت له " أحسن " خبر المبتدأ. (2) " وفي أب " جار ومجرور متعلق بيندر الآتي " وتالييه " معطوف على أب " يندر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النقص " وقصرها " الواو عاطفة، قصر: مبتدأ، وقصر مضاف والضمير مضاف إليه " من نقصهن " من نقص: جار ومجرور متعلق بأشهر، ونقص مضاف والضمير مضاف إليه " أشهر " خبر المبتدأ. (*)

[ 49 ]

فترفع بالواو، وتنصب بالالف، وتجر بالياء، نحو " هذا أبوه وأخوه وحموها، ورأيت أباه وأخاه وحماها، ومررت بأبيه وأخيه وحميها " وهذه هي اللغة المشهورة في هذه الثلاثة، وسيذكر المصنف في هذه الثلاثة لغتين أخريين. وأما " هن " فالفصيح فيه أن يعرب بالحركات الظاهرة على النون، ولا يكون في آخره حرف علة، نحو " هذا هن زيد، ورأيت هن زيد، ومررت بهن زيد (1) " وإليه أشار بقوله: " والنقص في هذا الاخير أحسن " أي: النقص في " هن " أحسن من الاتمام، والاتمام جائز لكنه قليل جدا، نحو " هذا هنوه، ورأيت هناه، ونظرت إلى هنيه " وأنكر الفراء جواز إتمامه، وهو محجوج بحكاية سيبويه الاتمام عن العرب، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وأشار المصنف بقوله: " وفي أب وتالييه يندر - إلى آخر البيت " إلى اللغتين الباقيتين في " أب " وتالييه - وهما " أخ، وحم " - فإحدى اللغتين النقص، وهو حذف الواو والالف والياء، والاعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم، نحو " هذا أبه وأخه وحمها، ورأيت أبه وأخه وحمها، ومررت بأبه وأخه وحمها " وعليه قوله:.


(1) ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا " وتعزى بعزاء الجاهلية معناه دعا بدعائها فقال: يا لفلان، ويا لفلان، والغرض أنه يدعو إلى العصبية القبلية التي جهد النبي صلى الله عليه وسلم جهده في محوها. ومعنى " أعضوه بهن أبيه " قولوا له: عض أير أبيك، ومعنى " ولا تكنوا " قولوا له ذلك بلفظ صريح، مبالغة في التشنيع عليه، ومحل الاستشهاد قوله صلوات الله عليه: " بهن أبيه " حيث جر لفظ الهن بالكسرة الظاهرة، ومن ذلك قولهم في المثل: " من يطل هن أبيه ينتطق به " يريدون من كثر إخوته اشتد بهم ظهره وقوى بهم عزه (وانظره في مجمع الامثال رقم 4015 في 2 / 300 بتحقيقنا) (4 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 50 ]

5 - بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم وهذه اللغة نادرة في " أب " وتالييه، ولهذا قال: " وفي أب وتالييه يندر " أي: يندر النقص، واللغة الاخرى في " أب " وتاليه أن يكون بالالف: رفعا، ونصبا، وجرا، ونحو " هذا أباه وأخاه وحماها، ورأيت أباه وأخاه وحماها، ومررت بأباه وأخاه وحماها، وعليه قول الشاعر:.


5 - ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، من كلمة يزعمون أنه مدح فيها عدي بن حاتم الطائي، وقبله قوله: أنت الحليم والامير المنتقم تصدع بالحق وتنفي من ظلم اللغة: " عدي " أراد به عدي بن حاتم الطائي الجواد المشهور " اقتدى " يريد أنه جعله لنفسه قدوة فسار على نهج سيرته " فما ظلم " يريد أنه لم يظلم أمه، لانه جاء على مثال أبيه الذي ينسب إليه، وذلك لانه لو جاء مخالفا لما عليه أبوه من السمت أو الشبه أو من الخلق والصفات لنسبه الناس إلى غيره، فكان في ذلك ظلم لامه واتهام لها (انظر مجمع الامثال رقم 4020 في 2 / 300 بتحقيقنا). الاعراب: " بأبه " الجار والمجرور متعلق باقتدى، وأب مضاف والضمير مضاف إليه " اقتدى عدي " فعل ماض وفاعله " في الكرم " جار ومجرور بالكسرة الظاهرة متعلق باقتدى أيضا، وسكن المجرور للوقف " ومن " اسم شرط مبتدأ " يشابه " فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من " أبه " مفعول به ليشابه، ومضاف إليه " فما " الفاء واقعة في جواب الشرط، وما: نافية " ظلم " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الشرط، وهذا أحد ثلاثة أقوال، وهو الذي نرجحه من بينها، وإن رجح كثير من النحاة غيره. الشاهد فيه: قوله " بأبه يشابه أبه " حيث جر الاول بالكسرة الظاهرة، ونصب الثاني بالفتحة الظاهرة. وهذا يدل على أن قوما من العرب يعربون هذا الاسم بالحركات الظاهرة على أواخره، ولا يجتلبون لها حروف العلة لتكون علامة إعراب.

[ 51 ]

6 - إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها.


6 - نسب العيني والسيد المرتضى في شرح القاموس هذا البيت لابي النجم العجلي، ونسبه الجوهري لرؤبة بن العجاج، وذكر العيني أن أبا زيد نسبه في نوادره لبعض أهل اليمن. وقد بحثت النوادر فلم أجد فيها هذا البيت، ولكني وجدت أبا زيد أنشد فيها عن أبي الغول لبعض أهل اليمن: أي قلوص راكب تراها طاروا عليهن فشل علاها واشدد بمثنى حقب حقواها ناجية وناجيا أباها وفي هذه الابيات شاهد للمسألة التي معنا، وقافيتها هي قافية بيت الشاهد، ومن هنا وقع السهو للعيني، فأما الشاهد في هذه الابيات ففي قوله: " وناجيا أباها " فإن " أباها " فاعل بقوله: " ناجيا " وهذا الفاعل مرفوع بضمة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر، وهذه لغة القصر، ولو جاء به على لغة التمام لقال: " وناجيا أبوها ". الاعراب: " إن " حرف توكيد ونصب " أباها " أبا: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على الالف، ويحتمل أن يكون منصوبا بالالف نيابة عن الفتحة كما هو المشهور، وأبا مضاف والضمير مضاف إليه " وأبا " معطوف على اسم إن، وأبا مضاف وأبا من " أباها " مضاف إليه، وهو مضاف والضمير مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " بلغا " فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة في محل رفع خبر إن " في المجد " جار ومجرور متعلق بالفعل قبله وهو بلغ " غايتاها " مفعول به لبلغ على لغة من يلزم المثنى الالف، أي منصوب بفتحة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر، وغايتا مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه، وهذا الضمير عائد على المجد، وإنما جاء به مؤنثا ومن حقه التذكير لانه اعتبر المجد صفة أو رتبة، والمراد بالغايتين المبدأ والنهاية، أو نهاية مجد النسب ونهاية مجد الحسب، وهذا الاخير أحسن. الشاهد فيه: الذي يتعين الاستشهاد به في هذا البيت لما ذكر الشارح هو قوله: " أباها " الثالثة لان الاولى والثانية يحتملان الاجراء على اللغة المشهورة الصحيحة كما رأيت في الاعراب، فيكون نصبهما بالالف، أما الثالثة فهي في موضع الجر بإضافة = (*)

[ 52 ]

فعلامة الرفع والنصب والجر حركة مقدرة على الالف كما تقدر في المقصور، وهذه اللغة أشهر من النقص. وحاصل ما ذكره أن في " أب، وأخ، وحم " ثلاث لغات: أشهرها أن تكون بالواو والالف والياء، والثانية أن تكون بالالف مطلقا (1)، والثالثة أن تحذف منها الاحرف الثلاثة، وهذا نادر، وأن في " هن " لغتين: إحداهما النقص، وهو الاشهر، والثانية الاتمام، وهو قليل. * * * وشرط ذا الاعراب: أن يضفن لا لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا (2).


= ما قبلها إليها، ومع ذلك جاء بها بالالف، والارجح إجراء الاوليين كالثالثة، لانه يبعد جدا أن يجئ الشاعر بكلمة واحدة في بيت واحد على لغتين مختلفتين. (1) هذه لغة قوم بأعيانهم من العرب، واشتهرت نسبتها إلى بني الحارث وخثعم وزبيد، وكلهم ممن يلزمون المثنى الالف في أحواله كلها، وقد تكلم بها في الموضعين النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: " ما صنع أبا جهل ؟ "، وقوله: " لا وتران في ليلة " وعلى هذه اللغة قال الامام أبو حنيفة رضي الله عنه: " لا قود في مثقل ولو ضربه بأبا قبيس " وأبو قبيس: جبل معروف. (2) " وشرط " الواو للاستئناف، شرط: مبتدأ، وشرط مضاف و " ذا " مضاف إليه " الاعراب " بدل أو عطف بيان أو نعت لذا " أن " حرف مصدري ونصب " يضفن " فعل مضارع مبني للمجهول وهو مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل نصب بأن، وأن مدخولها في تأويل مصدر خبر المبتدأ، أي: شرط إعرابهن بالحروف كونهن مضافات، و " لا " حرف عطف " لليا " معطوف على محذوف، والتقدير: لكل اسم لا للياء " كجا " الكاف حرف جر، ومجروره محذوف والجار والمجرور متعلق بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كقولك، وجا: أصله جاء: فعل ماض " أخو " فاعل جاء، وأخو مضاف وأبي من " أبيك " مضاف إليه مجرور بالياء، وأبي مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " ذا " حال منصوب = (*)

[ 53 ]

ذكر النحويون لاعراب هذه الاسماء بالحروف شروطا أربعة: (أحدها) أن تكون مضافة، واحترز بذلك من ألا تضاف، فإنها حينئذ تعرب بالحركات الظاهرة، نحو " هذا أب، ورأيت أبا، ومررت بأب ". (الثاني) أن تضاف إلى غير ياء المتكلم، نحو " هذا أبو زيد وأخوه وحموه "، فإن أضيفت إلى ياء المتكلم أعربت بحركات مقدرة، نحو " هذا أبي، ورأيت أبي، ومررت بأبي "، ولم تعرب بهذه الحروف، وسيأتي ذكر ما تعرب به حينئذ. (الثالث) أن تكون مكبرة، واحترز بذلك من أن تكون مصغرة، فإنها حينئذ تعرب بالحركات الظاهرة، نحو: " هذا أبي زيد وذوي مال، ورأيت أبي زيد وذوي مال، ومررت بأبي زيد وذوي مال ". (الرابع): أن تكون مفردة، واحترز بذلك من أن تكون مجموعة أو مثناة، فإن كانت مجموعة أعربت بالحركات الظاهرة (1)، نحو " هؤلاء آباء .


= بالالف نيابة عن الفتحة، وهو مضاف، و " اعتلا " مضاف إليه. وأصله اعتلاء فقصره للاضطرار، وتقدير البيت: وشرط هذا الاعراب (الذي هو كونها بالواو رفعا وبالالف نصبا وبالياء جرا) في كل كلمة من هذه الكلمات كونها مضافة إلى أي اسم من الاسماء لا لياء المتكلم، ومثال ذلك قولك: جاء أخو أبيك ذا اعتلاء، فأخو: مثال للمرفوع بالواو وهو مضاف لما بعده، وأبيك: مثال للمجرور بالياء، وهو مضاف لضمير المخاطب، وذا: مثال للمنصوب بالالف، وهو مضاف إلى " اعتلا "، وكل واحد من المضاف إليهن اسم غير ياء المتكلم كما ترى. (1) المراد جمع التكسير كما مثل، فأما جمع المذكر السالم فإنها لا تجمع عليه إلا شذوذا، وهي - حينئذ - تعرب إعراب جمع المذكر السالم شذوذا: بالواو رفعا، وبالياء المكسور ما قبلها نصبا وجرا، ولم يجمعوا منها جمع المذكر إلا الاب وذو. فأما الاب فقد ورد جمعه في قول زياد بن واصل السلمي: فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالابينا = (*)

[ 54 ]

الزيدين، ورأيت آباءهم، ومررت بآبائهم "، وإن كانت مثناة أعربت أعراب المثنى: بالالف رفعا، وبالياء جرا ونصبا، نحو: " هذان أبوا زيد، ورأيت أبويه، ومررت بأبويه ". ولم يذكر المصنف - رحمه الله تعالى ! - " من هذه الاربعة سوى الشرطين الاولين، ثم أشار إليهما بقوله: " وشرط ذا الاعراب أن يضفن لا لليا " أي: شرط إعراب هذه الاسماء بالحروف أن تضاف إلى غير ياء المتكلم، فعلم من هذا أنه لابد من إضافتها، وأنه لابد أن تكون [ إضافتها ] إلى غير ياء المتكلم. ويمكن أن يفهم الشرطان الآخران من كلامه، وذلك أن الضمير في قوله " يضفن " راجع إلى الاسماء التي سبق ذكرها، وهو لم يذكرها إلا مفردة مكبرة، فكأنه قال: " وشرط ذا الاعراب أن يضاف أب وإخوته المذكورة إلى غير ياء المتكلم ". واعلم أن " ذو " لا تستعمل إلا مضافة، ولا تضاف إلى مضمر، بل إلى اسم جنس ظاهر غير صفة، نحو: " جاءني ذو مال "، فلا يجوز " جاءني ذو قائم " (1) * * *.


= وأما " ذو " فقد ورد جمعه مضافا مرتين: إحداهما إلى اسم الجنس، والاخرى إلى الضمير شذوذا، وذلك في قول كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني: صبحنا الخزرجية مرهفات أبار ذوي أرومتها ذووها ففي " ذووها " شذوذ من ناحيتين: إضافته إلى الضمير، وجمعه جمع المذكر السالم (1) اعلم أن الاصل في وضع " ذو " التي بمعنى صاحب أن يتوصل بها إلى نعت ما قبلها بما بعدها، وذلك يستدعي شيئين، أحدهما: أن يكون ما بعدها مما لا يمتنع أن يوصف به، والثاني: أن يكون ما بعدها مما لا يصلح أن يقع صفة من غير حاجة إلى توسط شئ ومن أجل ذلك لازمت الاضافة إلى أسماء الاجناس المعنوية كالعلم والمال والفضل والجاه = (*)

[ 55 ]

بالالف ارفع المثنى، وكلا إذا بمضمر مضافا وصلا (1).


= فتقول: محمد ذو علم، وخالد ذو مال، وبكر ذو فضل، وعلى ذو جاه، وما أشبه ذلك لان هذه الاشياء لا يوصف بها إلا بواسطة شئ، ألا ترى أنك لا تقول " محمد فضل " إلا بواسطة تأويل المصدر بالمشتق، أو بواسطة تقدير مضاف، أو بواسطة قصد المبالغة، فأما الاسماء التي يمتنع أن تكون نعتا - وذلك الضمير والعلم - فلا يضاف " ذو " ولا مثناه ولا جمعه إلى شئ منها، وشذ قول كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني الذي سبق إنشاده: صبحنا الخزرجية مرهفات أبار ذوي أرومتها ذووها كما شذ قول الآخر: إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه وشذ كذلك ما أنشده الاصمعي قال: أنشدني أعرابي من بني تميم ثم من بني حنظلة لنفسه: أهنأ المعروف ما لم تبتذل فيه الوجوه إنما يصطنع المعروف في الناس ذووه وإن كان اسم أو ما يقوم مقامه مما يصح أن يكون نعتا بغير حاجة إلى شئ - وذلك الاسم المشتق والجملة - لم يصح إضافة " ذو " إليه، وندر نحو قولهم: اذهب بذي تسلم، والمعنى: اذهب بطريق ذي سلامة، فتلخص أن " ذو " لا تضاف إلى واحد من أربعة أشياء: العلم، والضمير، والمشتق، والجملة، وأنها تضاف إلى اسم الجنس الجامد، سواء أكان مصدرا أم لم يكن. (1) " بالالف " جار ومجرور متعلق بارفع التالي " ارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المثنى " مفعول به لا رفع، منصوب بفتحة مقدرة على الالف " وكلا " معطوف على المثنى " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " بمضمر " جار ومجرور متعلق بوصل الآتي " مضافا " حال من الضمير المستتر في وصل " وصلا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف، والتقدير: إذا وصل كلا بالضمير حال كون كلا مضافا إلى ذلك الضمير فارفعه بالالف. (*)

[ 56 ]

كلتا كذاك، اثنان واثنتان كابنين وابنتين يجريان (1) وتخلف اليا في جميعها الالف جرا ونصبا بعد فتح قد ألف (2) ذكر المصنف - رحمه الله تعالى ! - أن مما تنوب فيه الحروف عن الحركات الاسماء الستة، وقد تقدم الكلام عليها، ثم ذكر المثنى، وهو مما يعرب بالحروف. وحده: " لفظ دال على اثنين، بزيادة في آخره، صالح للتجريد، وعطف مثله عليه " فيدخل في قولنا " لفظ دال على اثنين " المثنى نحو " الزيدان " والالفاظ الموضوعة لاثنين نحو " شفع "، وخرج بقولنا (3) " بزيادة " نحو.


(1) " كلنا " مبتدأ " كذاك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، والكاف حرف خطاب " اثنان " مبتدأ " واثنتان " معطوف عليه " كابنين " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير الذي هو ألف الاثنين في قوله يجريان الآتي " وابنتين " معطوف على ابنين " يجريان " فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه. (2) " وتخلف " فعل مضارع " اليا " فاعله " في جميعها " الجار والمجرور متعلق بتخلف، وجميع مضاف والضمير مضاف إليه " الالف " مفعول به لتخلف " جرا " مفعول لاجله " ونصبا " معطوف عليه " بعد " ظرف متعلق بتخلف، وبعد مضاف و " فتح " مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " ألف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فتح، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل جر نعت لفتح. (3) وخرج بقوله " دال على اثنين " الاسم الذي تكون في آخره زيادة المثنى وهو مع ذلك لا يدل على اثنين، وإنما يدل على واحد أو على ثلاثة فصاعدا، فأما ما يدل على الواحد مع هذه الزيادة فمثاله من الصفات: رجلان، وشبعان، وجوعان، وسكران وندمان، ومثاله من الاعلام، عثمان، وعفان، وحسان، وما أشبه ذلك، وأما ما يدل على الثلاثة فصاعدا فمثاله: صنوان، وغلمان، وصردان، ورغفان، وجرذان وإعراب هذين النوعين بحركات ظاهرة على النون، والالف ملازمة لها في كل حال، لانها نون الصيغة، وليست النون القائمة مقام التنوين. (*)

[ 57 ]

" شفع "، وخرج بقولنا " صالح للتجريد " نحو " اثنان " فإنه لا يصلح لاسقاط الزيادة منه، فلا تقول " اثن " وخرج بقولنا " وعطف مثله عليه " ما صلح للتجريد وعطف غيره عليه، كالقمرين، فإنه صالح للتجريد، فتقول: قمر، ولكن يعطف عليه مغايره لا مثله، نحو: قمر وشمس، وهو المقصود بقولهم: " القمرين ". وأشار المصنف بقوله: " بالالف ارفع المثنى وكلا " إلى أن المثنى يرفع بالالف، وكذلك شبه المثنى، وهو: كل ما لا يصدق عليه حد المثنى، وأشار إليه المصنف بقوله " وكلا "، فما لا يصدق عليه حد المثنى مما دل على اثنين بزيادة أو شبهها، فهو ملحق بالمثنى، فكلا وكلتا واثنان واثنتان ملحقة بالمثنى، لانها لا يصدق عليها حد المثنى، لكن لا يلحق كلا وكلتا بالمثنى إلا إذا أضيفا إلى مضمر، نحو " جاءني كلاهما، ورأيت كليهما، ومررت بكليهما، وجاءتني كلتاهما، ورأيت كلتيهما، ومررت بكلتيهما " فإن أضيفا إلى ظاهر كانا بالالف رفعا ونصبا وجرا، نحو " جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ورأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين "، فلهذا قال المصنف: " وكلا إذا بمضمر مضافا وصلا (1) "..


(1) هذا الذي ذكره الشارح تبعا للناظم - من أن لكلا وكلنا حالتين: حالة يعاملان فيها معاملة المثنى، وحالة يعاملان فيها معاملة المفرد المقصور، فيكونان بالالف في الاحوال الثلاثة كالفتى والعصا - هو مشهور لغة العرب، والسر فيه - على ما ذهب إليه نحاة البصرة - أن كلا وكلتا لفظهما لفظ المفرد ومعناهما معنى المثنى، فكان لهما شبهان شبه بالمفرد من جهة اللفظ، وشبه بالمثنى من جهة المعنى، فأخذا حكم المفرد تارة وحكم المثنى تارة أخرى، حتى يكون لكل شبه حظ، في الاعراب. وفي إعادة الضمير عليهما أيضا. ومن العرب من يعاملهما معاملة المقصور في كل حال، فيغلب جانب اللفظ، وعليه جاء قول الشاعر: = (*)

[ 58 ]

ثم بين أن اثنين واثنتين يجريان مجرى ابنين وابنتين، فاثنان واثنتان ملحقان بالمثنى [ كما تقدم ]، وابنان وابنتان مثنى حقيقة. ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى ! أن الياء تخلف الالف في المثنى والملحق به في حالتي الجر والنصب، وأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحا، نحو: " رأيت الزيدين كليهما، ومررت بالزيدين كليهما " واحترز بذلك عن ياء الجمع، فإن ما قبلها لا يكون إلا مكسورا، نحو: " مررت بالزيدين " وسيأتي ذلك. وحاصل ما ذكره أن المثنى وما ألحق به يرفع بالالف، وينصب ويجر بالياء، وهذا هو المشهور، والصحيح أن الاعراب في المثنى والملحق به بحركة مقدرة على الالف رفعا والياء نصبا وجرا. وما ذكره المصنف من أن المثنى والملحق به يكونان بالالف رفعا والياء نصبا وجرا هو المشهور في لغة العرب، ومن العرب (1) من يجعل المثنى والملحق به.


= نعم الفتى عمدت إليه مطيتي في حين جد بنا المسير كلانا ومحل الشاهد في قوله " كلانا " فإنه توكيد للضمير المجرور محلا بالباء في قوله " بنا " وهو مع ذلك مضاف إلى الضمير، وقد جاء به بالالف في حالة الجر. وقد جمع في عود الضمير عليهما بين مراعاة اللفظ والمعنى الاسود بن يعفر في قوله: إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي فتراه قال " يوفي المخارم " بالافراد، ثم قال " يرقبان " بالتثنية، فأما الاعراب فإن جعلت " كلاهما " توكيدا كان كإعراب المقصور، ولكن ذلك ليس بمتعين، بل يجوز أن يكون " كلاهما " مبتدأ خبره جملة المضارع بعده، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن، وعلى هذا يكون اللفظ كإعراب المثنى جاريا على اللغة الفصحى. (1) هذه لغة كنانة وبني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني هجيم وبطون من ربيعة = (*)

[ 59 ]

بالالف مطلقا: رفعا، ونصبا، وجرا، فيقول: " جاء الزيدان كلاهما، ورأيت الزيدان كلاهما، ومررت بالزيدان كلاهما ". * * * وارفع بواو وبيا اجرر وانصب سالم جمع " عامر، ومذنب " (1).


= بكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة. وخرج عليه قوله تعالى: (إن هذان لساحران) وقوله صلى الله عليه وسلم: " لاوتران في ليلة " وجاء عليها قول الشاعر: تزود منا بين أذناه طعنة دعته إلى هابي التراب عقيم فإن من حق " هذان، ووتران، وأذناه " لو جرين على اللغة المشهورة أن تكون بالياء: فإن الاولى اسم إن، والثانية اسم لا، وهما منصوبان، والثالثة في موضع المجرور بإضافة الظرف قبلها، وفي الآية الكريمة تخريجات أخرى تجريها على المستعمل في لغة عامة العرب: منها أن " إن " حرف بمعنى " نعم " مثلها في قول عبد الله بن قيس الرقيات: بكر العواذل في الصبوح يلمنني وألومهنه ويقلن: شيب قد علاك وقد كبرت، فقلت: إنه يريد فقلت نعم، والهاء على ذلك هي هاء السكت، و " هذان " في الآية الكريمة حينئذ مبتدأ، واللام بعده زائدة، و " ساحران " خبر المبتدأ. ومنها أن " إن " مؤكدة ناصبة للاسم رافعة للخبر، واسمها ضمير شأن محذوف، و " هذان ساحران " مبتدأ وخبر كما في الوجه السابق، والجملة في محل رفع خبر إن، والتقدير: إنه (أي الحال والشأن) هذان لساحران. (1) " وارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بواو " جار ومجرور متعلق بارفع " وبيا " جار ومجرور متعلق باجرر الآتي، ولقوله انصب معمول مثله حذف لدلالة هذا عليه، أي: اجرر بياء وانصب بياء " اجرر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، وهو معطوف بالواو على اجرر " سالم " مفعول به تنازعه كل من ارفع واجرر وانصب = (*)

[ 60 ]

ذكر المصنف قسمين يعربان بالحروف: أحدهما الاسماء الستة، والثاني المثنى، وقد تقدم الكلام عليهما، ثم ذكر في هذا البيت القسم الثالث، وهو جمع المذكر السالم وما حمل عليه، وإعرابه: بالواو رفعا، وبالياء نصبا وجرا. وأشار بقوله: " عامر ومذنب " إلى ما يجمع هذا الجمع، وهو قسمان: جامد، وصفة. فيشترط في الجامد: أن يكون علما، لمذكر، عاقل، خاليا من تاء التأنيث، ومن التركيب، فإن لم يكن علما لم يجمع بالواو والنون، فلا يقال في " رجل " رجلون، نعم إذا صغر جاز ذلك نحو: " رجيل، ورجيلون " لانه وصف (1)، وإن كان علما لغير مذكر لم يجمع بهما، فلا يقال في " زينب " زينبون، وكذا إن كان علما لمذكر غير عاقل، فلا يقال في لاحق - اسم فرس - لاحقون، وإن كان فيه تاء التأنيث فكذلك لا يجمع بهما، فلا يقال في " طلحة " طلحون، وأجاز ذلك الكوفيون (2)، وكذلك إذا كان مركبا، فلا يقال في " سيبويه " سيبويهون، وأجازه بعضهم..


= وسالم مضاف و " جمع " مضاف إليه، وجمع مضاف إليه و " عامر " مضاف إليه، و " مذنب " معطوف على عامر. (1) وجاء من ذلك قول الشاعر: زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الاصاغر خلتي محل الشاهد في قوله " أبينوها " فإنه جمع مصغر " ابن " جمع مذكر سالما ورفعه بالواو نيابة عن الضمة، ولولا التصغير لما جاز أن يجمعه هذا الجمع، لان ابنا اسم جامد وليس بعلم، وإنما سوغ التصغير ذلك لان الاسم المصغر في قوة الوصف، ألا ترى أن رجيلا في قوة قولك: رجل صغير، أو حقير، وأن أبينا في قوة قولك: ابن صغير ؟ (2) ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز جمع العلم المذكر المختوم بتاء التأنيث كطلحة وحمزة جمع مذكر سالما بالواو والنون أو الياء والنون بعد حذف تاء التأنيث التي في = (*)

[ 61 ]

ويشترط في الصفة: أن تكون صفة، لمذكر، عاقل، خالية من تاء التأنيث، ليست من باب أفعل فعلاء، ولا من باب فعلان فعلى، ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، فخرج بقولنا " صفة لمذكر " ما كان صفة لمؤنث، فلا يقال في حائض حائضون، وخرج بقولنا " عاقل " ما كان صفة لمذكر غير عاقل، فلا يقال في سابق صفة فرس سابقون، وخرج بقولنا " خالية من تاء التأنيث " ما كان صفة لمذكر عاقل، ولكن فيه تاء التأنيث، نحو علامة، فلا يقال فيه: علامون، وخرج بقولنا " ليست من باب أفعل فعلاء " ما كان كذلك، نحو " أحمر " فإن مؤنثه حمراء، فلا يقال فيه: أحمرون، وكذلك ما كان من باب فعلان فعلى، نحو " سكران، وسكرى " فلا يقال: سكرانون، وكذلك إذا استوى في الوصف المذكر والمؤنث، نحو " صبور، وجريح " فإنه يقال: رجل صبور، وامرأة صبور، ورجل جريح، وامرأة جريح، فلا يقال في جمع المذكر السالم: صبورون، ولا جريحون. وأشار المصنف رحمه الله إلى الجامد للشروط التي سبق ذكرها بقوله: " عامر " فإنه علم لمذكر عاقل خال من تاء التأنيث ومن التركيب، فيقال فيه: عامرون..


= المفرد، ووافقهم على ذلك أبو الحسن بن كيسان، وعلى ذلك يقولون: جاء الطلحون والحمزون، ورأيت الطلحين والحمزين، ولهم على ذلك ثلاثة أدلة، الاول: أن هذا علم على مذكر وإن كان لفظه مؤنثا، والعبرة بالمعنى لا باللفظ، والثاني: أن هذه التاء في تقدير الانفصال بدليل سقوطها في جمع المؤنث السالم في قولهم: طلحات، وحمزات، والثالث: أن الاجماع منعقد على جواز جمع العلم المذكر المختوم بألف التأنيث جمع مذكر سالما، فلو سمينا رجلا بحمراء أو حبلى جاز جمعه على حمراوين وحبلين ولا شك أن الاسم المختوم بألف التأنيث أشد تمكنا في التأنيث من المختوم بتاء التأنيث، وإذا جاز جمع الاسم الاشد تمكنا في التأنيث جمع مذكر سالما فجواز جمع الاسم الاخف تمكنا في التأنيث هذا الجمع جائز من باب أولى. (*)

[ 62 ]

وأشار إلى الصفة المذكورة أولا بقوله: " ومذنب " فإنه صفة لمذكر عاقل خالية من تاء التأنيث وليست من باب أفعل فعلاء ولا من باب فعلان فعلى ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيقال فيه: مذنبون. * * * وشبه ذين، وبه عشرونا وبابه ألحق، والاهلونا (1) أولو، وعالمون، عليونا وأرضون شذ، والسنونا (2) وبابه، ومثل حين قد يرد ذا الباب، وهو عند قوم يطرد (3).


(1) " وشبه " الواو حرف عطف، شبه: معطوف على عامر ومذنب، وشبه مضاف و " ذين " مضاف إليه مبني على الياء في محل جر " وبه " جار ومجرور متعلق بقوله ألحق الآتي " عشرونا " مبتدأ " وبابه " الواو عاطفة، باب: معطوف على قوله عشرون، وباب مضاف والهاء ضمير الغائب العائد إلى قوله عشرونا مضاف إليه " ألحق " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قوله عشرونا، والجملة في محل رفع خبر المتبدأ " والاهلون " معطوف على قوله عشرون. (2) " أولو " و " عالمون " و " عليون " و " أرضون ": كلهن معطوف على قوله عشرون " شذ " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المتعاطفات كلها، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها، لانها استئنافية، وقيل: بل الجملة في محل رفع خبر عن المتعاطفات، والمتعاطفات مبتدأ، وعلى هذا يكون قد أخبر عن الاخير منها فقط " والسنون " و " بابه " معطوفان على قوله عشرون. (3) " ومثل " الواو عاطفة أو للاستئناف، مثل: نصب على الحال من الفاعل المستتر في قوله يرد الآتي، ومثل مضاف، و " حين " مضاف إليه " قد " حرف تقليل " يرد " فعل مضارع " ذا " اسم إشارة فاعل يرد " الباب " بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الاشارة " وهو " مبتدأ " عند " ظرف متعلق بيطرد، وعند مضاف و " قوم " مضاف إليه " يطرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الضمير المنفصل الواقع مبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وتقدير = (*)

[ 63 ]

أشار المصنف - (رحمه الله ! - بقوله: " وشبه ذين " إلى شبه عامر، وهو كل علم مستجمع للشروط السابق ذكرها كمحمد وإبراهيم، فتقول: محمدون وإبراهيمون، وإلى شبه مذنب، وهو كل صفة اجتمع فيها الشروط، كالافضل والضراب ونحوهما، فتقول: الافضلون والضرابون، وأشار بقوله: " وبه عشرون " إلى ما ألحق بجمع المذكر السالم في إعرابه: بالواو رفعا، وبالياء جرا ونصبا. وجمع المذكر السالم هو: ما سلم فيه بناء الواحد، ووجد فيه الشروط التي سبق ذكرها، فمالا واحد له من لفظه، أو له واحد غير مستكمل للشروط - فليس بجمع مذكر سالم، بل هو ملحق به، فعشرون وبابه - وهو ثلاثون إلى تسعين - ملحق بجمع المذكر السالم، لانه لا واحد له من لفظه، إذ لا يقال: عشر، وكذلك " أهلون " ملحق به، لان مفرده - وهو أهل - ليس فيه الشروط المذكورة (1)، لانه اسم جنس جامد كرجل، وكذلك " أولو "، لانه لا واحد له من لفظه، و " عالمون " جمع عالم، وعالم كرجل اسم جنس جامد، وعليون: اسم لاعلى الجنة، وليس فيه الشروط المذكورة، لكونه لما لا يعقل، وأرضون: جمع أرض، وأرض: اسم جنس جامد مؤنث، والسنون: جمع سنة، والسنة: اسم جنس مؤنث، فهذه كلها ملحقة بالجمع المذكر، لما سبق من أنها غير مستكملة للشروط..


= البيت: وقد يرد هذا الباب (وهو باب سنين) معربا بحركات ظاهرة على النون مع لزوم الياء، مثل إعراب " حين " بالضمة رفعا والفتحة نصبا والكسرة جرا، والاعراب بحركات ظاهرة على النون مع لزوم الياء يطرد في كل جمع المذكر وما ألحق به عند قوم من النحاة أو من العرب. (1) وقد جمع لفظ " أهل " جمع مذكر سالما شذوذا، وذلك كقول الشنفري: ولي دونكم أهلون: سيد عملس، وأرقط ذهلول، وعرفاء حبأل (*)

[ 64 ]

وأشار بقوله " وبابه " إلى باب سنة، وهو: كل اسم ثلاثي، حذفت لامه، وعوض عنها هاء التأنيث، ولم يكسر: كمائة ومئين وثبة وثبين. وهذا الاستعمال شائع في هذا ونحوه، فإن كسر كشفة وشفاه لم يستعمل كذلك إلا شذوذا، كظبة، فإنهم كسروه على ظباة وجمعوه أيضا بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا، فقالوا: ظبون، وظبين. وأشار بقوله: " ومثل حين قد يرد ذا الباب " إلى أن سنين (1) ونحوه قد.


(1) اعلم أن إعراب سنين وبابه إعراب الجمع بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا هي لغة الحجاز وعلياء قيس. وأما بعض بني تميم وبني عامر فيجعل الاعراب بحركات على النون ويلتزم الياء في جميع الاحوال، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله " ومثل حين " وقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللغة، وذلك في قوله يدعو على المشركين من أهل مكة: " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " وقد روى هذا الحديث برواية أخرى على لغة عامة العرب: " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فإما أن يكون عليه الصلاة والسلام قد تكلم باللغتين جميعا مرة بهذه ومرة بتلك، لان الدعاء مقام تكرار للمدعو به، وهذا هو الظاهر، وإما أن يكون قد تكلم بإحدى اللغتين، ورواه الرواة بهما جميعا كل منهم رواه بلغة قبيلته، لان الرواية بالمعنى جائزة عند المحدثين، وعلى هذه اللغة جاء الشاهد رقم 7 الذي رواه الشارح، كما جاء قول جرير: أرى مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال وقول الشاعر: ألم نسق الحجيج سلي معدا سنينا ما تعد لنا حسابا وقول الآخر: سنيني كلها لاقيت حربا أعد مع الصلادمة الذكور ومن العرب من يلزم هذا الباب الواو، ويفتح النون في كل أحواله، فيكون إعرابه بحركات مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، ومنهم من يلزمه الواو ويجعل الاعراب بحركات على النون كإعراب زيتون ونحوه، ومنهم من يجري الاعراب الذي = (*)

[ 65 ]

تلزمه الياء ويجعل الاعراب على النون، فتقول: هذه سنين، ورأيت سنينا، ومررت بسنين، وإن شئت حذفت التنوين، وهو أقل من إثباته، واختلف في اطراد هذا، والصحيح أنه لا يطرد، وأنه مقصور على السماع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " في إحدى الروايتين، ومثله قول الشاعر: 7 - دعاني من نجد، فإن سنينه لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا.


= ذكرناه أولا في جميع أنواع جمع المذكر وما ألحق به، إجراء له مجرى المفرد، ويتخرج على هذه اللغة قول ذي الاصبع العدواني: إني أبي أبي ذو محافظة وابن أبي أبي من أبيين ويجوز في هذا البيت أن تخرجه على ما خرج عليه بيت سحيم (ش 9) الآتي قريبا فتلخص لك من هذا أن في سنين وبابه أربع لغات، وأن في الجمع عامة لغتين. 7 - البيت للصمة بن عبد الله، أحد شعراء عصر الدولة الاموية، وكان الصمة قد هوى ابنة عم له اسمها ريا، فخطبها، فرضي عمه أن يزوجها له على أن يمهرها خمسين من الابل، فذكر ذلك لابيه، فساق عنه تسعة وأربعين، فأبى عمه إلا أن يكملها له خمسين وأبى أبوه أن يكملها، ولج العناد بينهما، فلم ير الصمة بدا من فراقهما جميعا، فرحل إلى الشام، فكان وهو بالشام يحن إلى نجد أحيانا ويذمه أحيانا أخرى، وهذا البيت من قصيدة له في ذلك. اللغة: " دعاني " أي اتركاني، ويروى في مكانه " ذراتي " وهما بمعنى واحد " نجد " بلاد بعينها، أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام، و " الشيب " - بكسر الشين - جمع أشيب، وهو الذي وخط الشيب شعر رأسه، و " المرد " - بضم فسكون - جمع أمرد، وهو من لم ينبت بوجهه شعر. الاعراب: " دعاني " دعا: فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعل والنون للوقاية، والياء مفعول به، مبني على الفتح في محل نصب " من نجد " جار ومجرور متعلق بدعاني " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " سنينه " سنين: اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة - وهو محل الشاهد - وسنين مضاف والضمير = (*)

[ 66 ]

[ الشاهد فيه إجراء السنين مجرى الحين، في الاعراب بالحركات وإلزام النون مع الاضافة ]. * * * ونون مجموع وما به التحق فافتح، وقل من بكسره نطق (1).


العائد إلى نجد مضاف إليه، وجملة " لعبن " من الفعل وفاعله في محل رفع خبر إن " بنا " جار ومجرور متعلق بلعبن " شيبا " حال من الضمير المجرور المحل بالباء في بنا، وجملة " شيبننا " من الفعل وفاعله ومفعوله معطوفة بالواو على جملة لعبن " مردا " حال من المفعول به في قوله شيبننا. الشاهد فيه: قوله " فإن سنينه " حيث نصبه بالفتحة الظاهرة، بدليل بقاء النون مع الاضافة إلى الضمير، فجعل هذه النون الزائدة على بنية الكلمة كالنون التي من أصل الكلمة في نحو مسكين وغسلين، ألا ترى أنك تقول: هذا مسكين، ولقد رأيت رجلا مسكينا، ووقعت عيني على رجل مسكين، وتقول: هذا الرجل مسكينكم، فتكون حركات الاعراب على النون سواء أضيفت الكلمة أم لم تضف، لان مثلها مثل الميم في غلام والباء في كتاب، ولو أن الشاعر اعتبر هذه النون زائدة مع الياء للدلالة على أن الكلمة جمع مذكر سالم لوجب عليه هنا أن ينصبه بالياء ويحذف النون فيقول " فإن سنيه " ومثل هذا البيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " والابيات التي أنشدناها (في ص 58) وتقدم لنا ذكر ذلك. (1) " ونون " مفعول مقدم لا فتح، ونون مضاف و " مجموع " مضاف إليه " وما " الواو عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على مجموع، مبني على السكون في محل جر " به " جار ومجرور متعلق بالتحق الآتي " التحق " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " فافتح " الفاء زائدة لتزيين اللفظ، وافتح: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وقل " فعل ماض " من " اسم موصول في محل رفع فاعل بقل " بكسره " الجار والمجرور متعلق بنطق، وكسر مضاف والضمير العائد على النون مضاف إليه " نطق " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود ألى من، والجملة = (*)

[ 67 ]

ونون ما ثني والملحق به بعكس ذاك استعملوه، فانتبه (1) حق نون الجمع وما ألحق به الفتح، وقد تكسر شذوذا، ومنه قوله: 8 - عرفنا جعفرا وبني أبيه وأنكرنا زعانف آخرين.


= لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وتقدير البيت: افتح نون الاسم المجموع والذي التحق به، وقل من العرب من نطق بهذه النون مسكورة: أي في حالتي النصب والجر أما في حالة الرفع فلم يسمع كسر هذه النون من أحد منهم. (1) " ونون " الواو عاطفة، نون: مبتدأ، ونو مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " ثنى " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة ما " والملحق " معطوف على ما " به " جار ومجرور متعلق بالملحق " بعكس " جار ومجرور متعلق باستعملوه، وعكس مضاف وذا من " ذاك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " استعملوه " فعل ماض، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " نون " في أول البيت " فانتبه " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، يريد أن لغة جمهور العرب جارية على أن ينطقوا بنون المثنى مكسورة، وقليل منهم من ينطق بها مفتوحة. 8 - هذا البيت لجرير بن عطية بن الخطفي، من أبيات خاطب بها فضالة العرني، وقبله قوله: عرين من عرينة، ليس منا برئت إلى عرينة من عرين المفردات: " جعفر " اسم رجل من ولد ثعلبة بن يربوع " وبني أبيه " إخوته، وهم عرين وكليب وعبيد " زعانف " جمع زعنفة - بكسر الزاي والنون بينهما عين مهملة ساكنة - وهم الاتباع، وفي القاموس " الزعنفة - بالكسر والفتح - القصير والقصيرة، وجمعه زعانف، وهي أجنحة السمك، وكل جماعة ليس أصلهم واحدا " ه‍. والزعانف أيضا: أهداب الثوب التي تنوس منه، أي تتحرك، ويقال للئام الناس ورذالهم: الزعانف. الاعراب: " عرفنا " فعل وفاعل " جعفرا " مفعوله " وبني " معطوف على جعفر وبني مضاف وأبي من " أبيه " مضاف إليه، وأبي مضاف وضمير الغائب العائد إلى جعفر مضاف إليه " وأنكرنا " الواو حرف عطف، أنكرنا: فعل وفاعل " زعانف " = (*)

[ 68 ]

وقوله: 9 - أكل الدهر حل وارتحال أما يبقي علي ولا يقيني ؟ ! وماذا تبتغي الشعراء مني وقد جاوز ت حد الاربعين ؟ وليس كسرها لغة، خلافا لمن زعم ذلك..


= مفعول به " آخرين " صفة له منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لانه جمع مذكر سالم، وجملة أنكرنا ومعمولاته معطوفة على جملة عرفنا ومعمولاته. الشاهد فيه: كسر نون الجمع في قوله " آخرين " بدليل أن القصيدة مكسورة حرف القافية، وقد روينا البيت السابق على بيت الشاهد ليتضح لك ذلك، وأول الكلمة قوله: أتوعدني وراء بني رياح ؟ كذبت، لتقصرن يداك دوني 9 - هذان البيتان لسحيم بن وثيل الرياحي، من قصيدة له يمدح بها نفسه ويعرض فيها بالابيرد الرياحي ابن عمه، وقبلهما: عذرت البزل إن هي خاطرتني فما بالي وبال ابني لبون ؟ وبعدهما قوله: أخو خمسين (مجتمع) ؟ أشدي ونجذني مداورة الشؤون المفردات: " يبتغي " معناه يطلب، ويروى في مكانه " يدرى " بتشديد الدال المهملة، وهو مضارع ادراه، إذا ختله وخدعه. المعنى: يقول: كيف يطلب الشعراء خديعتي ويطمعون في ختلي وقد بلغت سن التجربة والاختبار التي تمكنني من تقدير الامور ورد كيد الاعداء إلى نحورهم ؟ يريد أنه لا تجوز عليه الحيلة، ولا يمكن لعدوه أن يخدعه. الاعراب: " أكل " الهمزة للاستفهام، وكل: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وكل مضاف و " الدهر " مضاف إليه " حل " مبتدأ مؤخر " وارتحال " معطوف عليه " أما " أصل الهمزة للاستفهام، وما نافية، وأما هنا حرف استفتاح " يبقى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الدهر " على " جار ومجرور متعلق بيبقى " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " يقيني " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والنون للوقاية، والياء مفعول به " وماذا " ما: اسم استفهام مبتدأ. وذا: اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر = (*)

[ 69 ]

وحق نون المثنى والملحق به الكسر، وفتحها لغة، ومنه قوله: 10 - على أحوذيين استقلت عشية فما هي إلا لمحة وتغيب.


= " تبتغي " فعل مضارع " الشعراء " فاعله " مني " جار ومجرور متعلق بتبتغي، والجملة من الفعل وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، والعائد ضمير منصوب بتبتغي، وهو محذوف: أي تبتغيه " وقد " الواو حالية، قد: حرف تحقيق " جاوزت " فعل وفاعل " حد " مفعول به لجاوز، وحد مضاف و " الاربعين " مضاف إليه، مجرور بالياء المكسور ما قبلها تحقيقا المفتوح ما بعدها تقديرا، وقيل: مجرور بالكسرة الظاهرة، لانه عومل معاملة حين في جعل الاعراب على النون، وسنوضح ذلك في بيان الاستشهاد بالبيت. الشاهد فيه: قوله " الاربعين " حيث وردت الرواية فيه بكسر النون كما رأيت في أبيات القصيدة، فمن العلماء من خرجه على أنه معرب بالحركات الظاهرة على النون على أنه عومل معاملة المفرد من نحو حين ومسكين وغسلين ويقطين، ومنهم من خرجه على أنه جمع مذكر سالم معرب بالياء نيابة عن الكسرة، ولكنه كسر النون، وعليه الشارح هنا. ونظيره بيت ذي الاصبع العدواني الذي رويناه لك (ص 65) وقول الفرزدق: ما سد حي ولا ميت مسدهما إلا الخلائف من بعد النبيين 10 - البيت لحميد بن ثور الهلالي الصحابي، أحد الشعراء المجيدين، وكان لا يقاربه شاعر في وصف القطاة، وهو من أبيات قصيدة له يصف فيها القطاة، وأول الابيات التي يصف فيها القطاة قوله: كما انقبضت كدراء تسقي فراخها بشمظة رفها والمياه شعوب غدت لم تصعد في السماء، وتحتها إذا نظرت أهوية ولهوب فجاءت وما جاء القطا، ثم قلصت بمفحصها، والواردات تنوب اللغة: " الاحوذيان " مثنى أحوذي، وهو الخفيف السريع، وأراد به هنا جناح القطاة، يصفها بالسرعة والخفة، و " استقلت " ارتفعت وطارت في الهواء، و " العشية " ما بين الزوال إلى المغرب، و " هي " ضمير غائبة تعود إلى القطاة على تقدير مضافين، وأصل الكلام: فما زمان رؤيتها إلا لمحة وتغيب. = (*)

[ 70 ]

وظاهر كلام المصنف - رحمه الله تعالى ! - أن فتح النون في التثنية ككسر نون الجمع في القلة، وليس كذلك، بل كسرها في الجمع شاذ وفتحها في التثنية لغة، كما قدمناه، وهل يختص الفتح بالياء أو يكون فيها وفي الالف ؟ قولان، وظاهر كلام المصنف الثاني (1).


= المعنى: يريد أن هذه القطاة قد طارت بجناحين سريعين، فليس يقع نظرك عليها حين تهم بالطيران إلا لحظة يسيرة ثم تغيب عن ناظريك فلا تعود تراها، يقصد أنها شديدة السرعة. الاعراب: " على أحوذيين " جار ومجرور متعلق باستقلت " استقلت " استقل: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على القطاة التي تقدم وصفها " عشية " ظرف زمان منصوب على الظرفية متعلق باستقلت " فما " الفاء عاطفة، ما: نافية " هي " مبتدأ بتقدير مضافين، والاصل: فما زمان مشاهدتها إلا لمحة وتغيب بعدها " إلا " أداة استثناء ملغاة لا عمل لها " لمحة " خبر المبتدأ " وتغيب " الواو عاطفة، وتغيب فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على القطاة، والجملة من الفعل والفاعل معطوفة عآلى جملة المبتدأ والخبر. الشاهد فيه: فتح نون المثنى من قوله " أحوذيين " وهي لغة، وليست بضرورة، لان كسرها يأتي معه الوزن ولا يفوت به غرض. (1) اعلم أنهم اتفقوا على زيادة نون بعد ألف المثنى ويائه وبعد واو الجمع ويائه، واختلف النحاة في تعليل هذه الزيادة على سبعة أوجه، الاول - وعليه ابن مالك - أنها زيدت دفعا لتوهم الاضافة في " رأيت بنين كرماء " إذ لو قلت " رأيت بني كرماء " لم يدر السامع الكرام هم البنون أم الآباء ؟ فلما جاءت النون علمنا أنك إن قلت " بني كرماء " فقد أردت وصف الآباء بالكرم وأن بني مضاف وكرماء مضاف إليه، وإن قلت " بنين كرماء " فقد أردت وصف الابناء أنفسهم بالكرم وأن كرماء نعت لبنين، وبعدا عن توهم الافراد في " هذان " ونحو " الخوزلان " و " المهتدين "، إذ لولا النون لالتبست الصفة بالمضاف إليه على ما علمت أولا ولالتبس المفرد بالمثنى أو بالجمع، الثاني أنها زيدت عوضا عن الحركة في الاسم المفرد، وعليه الزجاج، والثالث: أن زيادتها عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وعليه ابن كيسان، وهو الذي يجري على ألسنة المعربين، والرابع: أنها عوض عن الحركة والتنوين معا، وعليه ابن ولاد والجزولي، = (*)

[ 71 ]

ومن الفتح مع الالف قول الشاعر: 11 - أعرف منها الجيد والعينانا ومنخرين أشبها ظبيانا.


= والخامس: أنها عوض عن الحركة والتنوين فيما كان التنوين والحركة في مفرده كمحمد وعلي، وعن الحركة فقط فيما لا تنوين في مفرده كزينب وفاطمة، وعن التنوين فقط فيما لا حركة في مفرده كالقاضي والفتى، وليست عوضا عن شئ منهما فيما لا حركة ولا تنوين في مفرده كالحبلى، وعليه ابن جنى، والسادس: أنها زيدت فرقا بين نصب المفرد ورفع المثنى، إذ لو حذفت النون من قولك " عليان " لاشكل عليك أمره، فلم تدر أهو مفرد منصوب أم مثنى مرفوع، وعلى هذا الفراء، والسابع: أنها نفس التنوين حرك للتخلص من التقاء الساكنين. ثم المشهور الكثير أن هذه النون مكسورة في المثنى مفتوحة في الجمع، فأما مجرد حركتها فيهما فلاجل التخلص من التقاء الساكنين، وأما المخالفة بينهما فلتميز كل واحد من الآخر، وأما فتحها في الجمع فلان الجمع ثقيل لدلالته على العدد الكثير والمثنى خفيف، فقصدت المعادلة بينهما، لئلا يجتمع ثقيلان في كلمة، وورد العكس في الموضعين وهو فتحها مع المثنى وكسرها مع الجمع، ضرورة لا لغة، وقيل: ذلك خاص بحالة الياء فيهما، وقيل لا، بل مع الالف والواو أيضا. وذكر الشيباني وابن جنى أن من العرب من يضم النون في المثنى، وعلى هذا ينشدون قول الشاعر: يا أبتا أرقني القذان فالنوم لا تطعمه العينان وهذا إنما يجئ مع الالف، لا مع الياء. وسمع تشديد نون المثنى في تثنية اسم الاشارة والموصول فقط، وقد قرئ بالتشديد في قوله تعالى: (فذانك برهانان) وقوله: (واللذان يأتيانها) وقوله: (إحدى ابننى هاتين) وقوله سبحانه: (ربنا أرنا اللذين). 11 - البيت لرجل من ضبة كما قال المفضل، وزعم العيني أنه لا يعرف قائله، وقيل: هو لرؤبة، والصحيح الاول، وهو من رجز أوله: إن لسلمى عندنا ديوانا يخزي فلانا وابنه فلانا كانت عجوزا عمرت زمانا وهي ترى سيئها إحسانا = (*)

[ 72 ]

وقد قيل: إنه مصنوع (1)، فلا يحتج به. * * *.


= اللغة: " الجيد " العنق " منخرين " مثنى منخر، بزنة مسجد، وأصله مكان النخير وهو الصوت المنبعث من الانف، ويستعمل في الانف نفسه لانه مكانه، من باب تسمية الحال باسم محله، كإطلاق لفظ القرية وإرادة سكانها " ظبيان " اسم رجل، وقيل: مثنى ظبي، قال أبو زيد " ظبيان: اسم رجل، أراد أشبها منخرى ظبيان "، فحذف، كما قال الله عز وجل: (واسأل القرية) يريد أهل القرية " اه‍، وتأويل أبي زيد في القرية على أنه مجاز بالحذف، وهو غير التأويل الذي ذكرناه آنفا. الاعراب: " أعرف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " منها " جار ومجرور متعلق بأعرف " الجيد " مفعول به لاعرف " والعينانا " معطوف على الجيد منصوب بفتحة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر " ومنخرين " معطوف على الجيد أيضا، منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لانه مثنى " أشبها " أشبه: فعل ماض، وألف الاثنين فاعل " ظبيانا " مفعول به، منصوب بالفتحة الظاهرة على أنه مفرد كما هو الصحيح، فأما على أنه مثنى فهو منصوب بفتحة مقدرة على الالف كما في قوله " والعينانا " السابق، وذلك على لغة من يلزم المثنى الالف، والجملة من الفعل وفاعله في محل نصب صفة لمنخرين. الشاهد فيه: قوله " والعينانا " حيث فتح نون المثنى، وقال جماعة منهم الهروي: الشاهد فيه في موضعين: أحدهما ما ذكرنا، وثانيهما قوله " ظبيانا "، ويتأتى ذلك على أنه تثنية ظبي، وهو فاسد من جهة المعنى، والصواب أنه مفرد، وهو اسم رجل كما قدمنا لك عن أبي زيد، وعليه لا شاهد فيه، وزعم بعضهم أن نون " منخرين " مفتوحة، وأن فيها شاهدا أيضا، فهو نظير قول حميد بن ثور " على أحوذيين " الذي تقدم (ش رقم 10). (1) حكى ذلك ابن هشام رحمه الله، وشبهة هذا القيل أن الراجز قد جاء بالمثنى بالالف في حاله النصب، وذلك في قوله " والعينانا " وفي قوله " ظبيانا " عند الهروي وجماعة، ثم جاء به بالياء في قوله " منخرين " فجمع بين لغتين من لغات العرب في بيت واحد، وذلك قلما يتفق لعربي، ويرد هذا الكلام شيئان، أولهما: أن أبا زيد رحمه الله قد روى هذه الابيات، ونسبها لرجل من ضبة، وأبو زيد ثقة ثبت حتى إن = (*)

[ 73 ]

وما بتا وألف قد جمعا يكسر في الجر وفي النصب معا (1) لما فرغ من الكلام على الذي تنوب فيه الحروف عن الحركات شرع في ذكر ما نابت فيه حركة عن حركة، وهو قسمان، أحدهما: جمع المؤنث السالم، نحو مسلمات، وقيدنا ب‍ " السالم " احترازا عن جمع التكسير، وهو: ما لم يسلم فيه بناء الواحد، نحو: هنود، وأشار إليه المصنف - رحمه الله تعالى ! - بقوله: " وما بتا وألف قد جمعا " أي جمع بالالف والتاء المزيدتين، فخرج نحو قضاة (2)، فإن ألفه غير زائدة، بل هي منقلبة عن أصل وهو الياء، لان أصله.


= سيبويه رحمه الله كان يعبر عنه في كتابه بقوله " حدثني الثقة " أو " أخبرني الثقة " ونحو ذلك، وثانيهما: أن الرواية عند أبي زيد في نوادره: * ومنخران أشبها ظبيانا * بالالف في " منخرين " أيضا، فلا يتم ما ذكروه من الشبهة لادعاء أن الشاهد مصنوع، فافهم ذلك وتدبره. (1) " وما " الواو للاستئناف، ما: اسم موصول مبتدأ " بتا " جار ومجرور متعلق بجمع الآتي " وألف " الواو حرف عطف، ألف: معطوف على تا " قد " حرف تحقيق " جمعا " جمع: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة من الفعل ونائب الفاعل لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " يكسر " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول الواقع مبتدأ، والجملة من الفعل المضارع ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ " في الجر " جار ومجرور متعلق بيكسر " وفي النصب " الواو حرف عطف، في النصب: جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور الاول " معا " ظرف متعلق بمحذوف حال. (2) مثل قضاة في ذلك: بناة، وهداة، ورماة، ونظيرها: غزاة، ودعاة، وكساة، فإن الالف فيها منقلبة عن أصل، لكن الاصل في غزاة ودعاة وكساة واو لا ياء. (*)

[ 74 ]

قضية، ونحو أبيات (1) فإن تاءه أصلية، والمراد [ منه ] ما كانت الالف والتاء سببا في دلالته على الجمع، نحو " هندات "، فاحترز بذلك عن نحو " قضاة، وأبيات "، فإن كل واحد منهما جمع ملتبس بالالف والتاء، وليس مما نحن فيه، لان دلالة كل واحد منهما على الجمع ليس بالالف والتاء، وإنما هو بالصيغة، فاندفع بهذا التقرير الاعتراض على المصنف بمثل " قضاة، وأبيات " وعلم أنه لا حاجة إلى أن يقول: بألف وتاء مزيدتين، فالباء في قوله " بتا " متعلقة بقوله: " جمع ". وحكم هذا الجمع أن يرفع بالضمة، وينصب ويجر بالكسرة، نحو: " جاءني هندات، ورأيت هندات، ومررت بهندات " فنابت فيه الكسرة عن الفتحة، وزعم بعضهم أنه مبني في حالة النصب، وهو فاسد، إذ لا موجب لبنائه (2). * * *.


(1) ومثل أبيات في ذلك: أموات، وأصوات، وأثبات، وأحوات جمع حوت، وأسحات جمع سحت بمعنى حرام. (2) اختلف النحويون في جمع المؤنث السالم إذا دخل عليه عامل يقتضي نصبه، فقيل: هو مبني على الكسر في محل نصب مثل هؤلاء وحذام ونحوهما، وقيل: هو معرب، ثم قيل: ينصب بالفتحة الظاهرة مطلقا: أي سواء كان مفرده صحيح الآخر نحو زينبات وطلحات في جمع زينب وطلحة، أم كان معتلا نحو لغات وثبات في جمع لغة وثبة، وقيل: بل ينصب بالفتحة إذا كان مفرده معتلا، وبالكسرة إذا كان مفرده صحيحا، وقيل: ينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة مطلقا، حملا لنصبه على جره، كما حمل نصب جمع المذكر السالم - الذي هو أصل جمع المؤنث - على جره فجعلا بالياء، وهذا الاخير هو أشهر الاقوال، وأصحها عندهم، وهو الذي جرى عليه الناظم هنا. (*)

[ 75 ]

كذا أولات، والذي اسما قد جعل - كأذرعات - فيه ذا أيضا قبل (1) أشار بقوله: " كذا أولات " إلى أن " أولات " تجري مجرى جمع المؤنث السالم في أنها تنصب بالكسرة، وليست بجمع مؤنث سالم، بل هي ملحقة به، وذلك لانها لا مفرد لها من لفظها. ثم أشار بقوله: " والذي اسما قد جعل " إلى أن ما سمي به من هذا الجمع والملحق به، نحو: " أذرعات " ينصب بالكسرة كما كان قبل التسمية به، ولا يحذف منه التنوين، نحو: " هذه أذرعات، ورأيت أذرعات، ومررت بأذرعات "، هذا هو المذهب الصحيح، وفيه مذهبان آخران، أحدهما: أنه يرفع بالضمة، وينصب ويجر بالكسرة، ويزال منه التنوين، نحو: " هذه أذرعات، ورأيت أذرعات، ومررت بأذرعات " والثاني: أنه يرفع بالضمة،.


(1) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " أولات " مبتدأ مؤخر " والذي " الواو للاستئناف، الذي: اسم موصول مبتدأ أول " اسما " مفعول ثان لجعل الآتي " قد " حرف تحقيق " جعل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل - وهو المفعول الاول - ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، والجملة لا محل لها صلة الموصول " كأذرعات " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كأذرعات " فيه " جار ومجرور متعلق بقبل الآتي " ذا " مبتدأ ثان " أيضا " مفعول مطلق حذف عامله " قبل " فعل ماض، مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وهو الذي، أي: وقد قبل هذا الاعراب في الجمع الذي جعل اسما - كأذرعات، والتقدير الاعرابي للبيت: وأولات كذلك، أي كالجمع بالالف والتاء، والجمع الذي جعل اسما أي سمي به بحيث صار علما، ومثاله أذرعات - هذا الاعراب قد قبل فيه أيضا، وأذرعات في الاصل: جمع أذرعة الذي هو جمع ذراع، كما قالوا: رجالات وبيوتات وجمالات، وقد سمي بأذرعات بلد في الشام كما ستسمع في الشاهد رقم 12. (*)

[ 76 ]

وينصب ويجر بالفتحة، ويحذف منه التنوين، نحو: " هذه أذرعات، ورأيت أذرعات، ومررت بأذرعات "، ويروى قوله: 12 - تنورتها من أذرعات، وأهلها بيثرب، أدنى دارها نظر عالي.


12 - البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، من قصيدة مطلعها: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي اللغة: " تنورتها " نظرت إليها من بعد، وأصل التنور: النظر إلى النار من بعد، سواء أراد قصدها أم لم يرد، و " أذرعات " بلد في أطراف الشام، و " يثرب " اسم قديم لمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم " أدنى " أقرب " عال " عظيم الارتفاع والامتداد. الاعراب: " تنورتها " فعل وفاعل ومفعول به " من " حرف جر " أذرعات " مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، إذا قرأته بالجر منونا أو من غير تنوين، فإن قرأته بالفتح قلت: وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لانه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتأنيث، والجار والمجرور متعلق بتنور " وأهلها " الواو للحال، وأهل: مبتدأ، وأهل مضاف والضمير مضاف إليه " بيثرب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال " أدنى " مبتدأ، وأدنى مضاف ودار من " دارها " مضاف إليه، ودار مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه " نظر " خبر المبتدأ " عال " نعت لنظر. الشاهد فيه: قوله " أذرعات " فإن أصله جمع، كما بينا في تقدير بيت الناظم، ثم نقل فصار اسم بلد، فهو في اللفظ جمع، وفي المعنى مفرد، ويروى في هذا البيت بالاوجه الثلاثة التي ذكرها الشارح: فأما من رواه بالجر والتنوين فإنما لاحظ حاله قبل التسمية به، من أنه جمع بالالف والتاء المزيدتين، والذين يلاحظون ذلك يستندون إلى أن التنوين في جمع المؤنث السالم تنوين المقابلة، إذ هو في مقابلة النون التي في جمع المذكر السالم، وعلى هذا لا يحذف التنوين ولو وجد في الكلمة ما يقتضي منع صرفها، لان التنوين الذي يحذف عند منع الصرف هو تنوين التمكين، وهذا عندهم كما قلنا تنوين المقابلة، وأما من رواه بالكسر من غير تنوين - وهم جماعة منهم المبرد والزجاج - فقد لاحظوا فيه أمرين: أولهما أنه جمع بحسب أصله، وثانيهما: أنه علم على مؤنث، = (*)

[ 77 ]

بكسر التاء منونة كالمذهب الاول، وبكسرها بلا تنوين كالمذهب الثاني، وبفتحها بلا تنوين كالمذهب الثالث. * * * وجر بالفتحة ما لا ينصرف ما لم يضف أو يك بعد " أل " ردف (1) أشار بهذا البيت إلى القسم الثاني مما ناب فيه حركة عن حركة، وهو الاسم الذي لا ينصرف، وحكمه أنه يرفع بالضمة، نحو، " جاء أحمد " وينصب بالفتحة، نحو: " رأيت أحمد " ويجر بالفتحة أيضا، نحو: " مررت بأحمد "، فنابت الفتحة عن الكسرة. هذا إذا لم يضف أو يقع بعد الالف واللام، فإن أضيف جر بالكسرة، نحو: " مررت بأحمدكم " وكذا إذا دخله الالف واللام، .


= فأعطوه من كل جهة شبها، فمن جهة كونه جمعا نصبوه بالكسرة نيابة عن الفتحة، ومن جهة كونه علم مؤنث حذفوا تنوينه، وأما الذين رووه بالفتح من غير تنوين - وهم جماعة منهم سيبويه وابن جنى - فقد لاحظوا حالته الحاضرة فقط، وهي أنه علم مؤنث. (1) " وجر " الواو للاستئناف، جر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالفتحة " جار ومجرور متعلق بجر " ما " اسم موصول مفعول به لجر، مبني على السكون في محل نصب " لا " نافية " ينصرف " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وسكن للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " ما " مصدرية ظرفية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يضف " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه، والجملة صلة ما المصدرية " أو " عاطفة " يك " معطوف على يضف، مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف، وهو متصرف من كان الناقصة، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " بعد " ظرف متعلق بمحذوف خبر يك، وبعد مضاف و " أل " مضاف إليه مقصود لفظه " ردف " فعل = (*)

[ 78 ]

نحو " مررت بالاحمد (1) "، فإنه يجر بالكسرة (2). * * * واجعل لنحو " يفعلان " النونا رفعا، وتدعين وتسألونا (3).


= ماض مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، وسكن للوقف، والفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب حال من الاسم الموصول وهو ما: أي اجرر بالفتحة الاسم الذي لا ينصرف مدة عدم إضافته وكونه غير واقع بعد أل. (1) قد دخلت أل على العلم إما للمح الاصل وإما لكثرة شياعه بسبب تعدد المسمى بالاسم الواحد وإن تعدد الوضع، وقد أضيف العلم لذلك السبب أيضا، فمن أمثلة دخول أل على العلم قول الراجز: باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبواب على قصورها ومن أمثلة إضافة العلم قول الشاعر: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان (2) سواء أكانت " أل " معرفة، نحو " الصلاة في المساجد أفضل منها في المنازل " أو موصولة كالاعمى والاصم، واليقظان، أو زائدة كقول ابن ميادة يمدح الوليد بن يزيد: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله فأن الاسم مع كل واحد منها يجر بالكسرة. (3) " واجعل " الواو للاستئناف، اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لنحو " جار ومجرور متعلق باجعل، ونحو مضاف، و " يفعلان " قصد لفظه: مضاف إليه " النونا " مفعول به لاجعل " رفعا " مفعول لاجله، أو منصوب على نزع الخافض " وتدعين " الواو عاطفة، وتدعين: معطوف على يفعلان، وقد قصد لفظه أيضا " وتسألونا " الواو عاطفة، تسألون: معطوف على يفعلان، وقد قصد لفظه أيضا، وأراد من " نحو يفعلان " كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين، وأراد من نحو تدعين كل فعل مضارع اتصلت به ياء المؤنثة المخاطبة، ومن نحو تسألون كل فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة. (*)

[ 79 ]

وحذفها للجزم والنصب سمه كلم تكوني لترومي مظلمه (3) لما فرغ من الكلام على ما يعرب من الاسماء بالنيابة شرع في ذكر ما يعرب من الافعال بالنيابة، وذلك الامثلة الخمسة، فأشار بقوله " يفعلان " إلى كل فعل اشتمل على ألف اثنين: سواء كان في أوله الياء، نحو " يضربان " أو التاء، نحو " تضربان " وأشار بقوله: " وتدعين " إلى كل فعل اتصل به ياء مخاطبة، نحو " أنت تضربين " وأشار بقوله " وتسألون " إلى كل فعل اتصل به واو الجمع، نحو " أنتم تضربون " سواء كان في أوله التاء كما مثل، أو الياء، نحو " الزيدون يضربون ". فهذه الامثلة الخمسة - وهي: يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين - ترفع بثبوت النون، وتنصب وتجزم بحذفها، فنابت النون فيه عن الحركة التي هي الضمة، نحو " الزيدان يفعلان " فيفعلان: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، وتنصب وتجزم بحذفها، نحو " الزيدان لن.


(1) " وحذفها " الواو للاستئناف، حذف: مبتدأ، وحذف مضاف، وها: مضاف إليه " للجزم " جار ومجرور متعلق بسمة الآتي " والنصب " معطوف على الجزم " سمة " خبر المبتدأ، والسمة - بكسر السين المهملة - العلامة، وفعلها وسم يسم سمة على مثال وعد يعد عدة ووصف يصف صفة وومق يمق مقة " كلم " الكاف حرف جر، والمجرور بها محذوف، والتقدير: وذلك كائن كقولك، ولم: حرف نفي وجزم وقلب " تكوني " فعل مضارع متصرف من كان الناقصة مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة اسم تكون، مبني على السكون في محل رفع " لترومي " اللام لام الجحود، وترومي فعل مضارع منصوب بأن المضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وعلامة نصبه حذف النون، والياء فاعل " مظلمة " مفعول به لترومي، والمظلمة - بفتح اللام - الظلم، وأن المصدرية المضمرة مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، واللام ومجرورها يتعلقان بمحذوف خبر تكوني، وجملة تكون واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول الذي قدرناه. (*)

[ 80 ]

يقوما، ولم يخرجا " فعلامة النصب والجزم سقوط النون من " يقوما، ويخرجا " ومنه قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار). * * * وسم معتلا من الاسماء ما كالمصطفى والمرتقي مكارما (1) فالاول الاعراب فيه قدرا جميعه، وهو الذي قد قصرا (2).


(1) " وسم " الواو للاستئناف، سم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " معتلا " مفعول ثان لسم مقدم على المفعول الاول " من الاسماء " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما " ما " اسم موصول مفعول أول لسم، مبني على السكون في محل نصب " كالمصطفى " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " والمرتقي " معطوف على المصطفى " مكارما " مفعول به للمرتقي، والمعنى: اسم ما كان آخره ألفا كالمصطفى، أو ما كان آخره ياء كالمرتقي، حال كونه من الاسما، لا من الافعال معتلا. (2) " فالاول " مبتدأ أول " الاعراب " مبتدأ ثان " فيه " جار ومجرور متعلق بقدر الآتي " قدرا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الاعراب، والالف للاطلاق " جميعه " جميع: توكيد لنائب الفاعل المستتر، وجميع مضاف والهاء مضاف إليه، والجملة من الفعل ونائب الفاعل خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، ويجوز أن يكون " جميعه " هو نائب الفاعل لقدر، وعلى ذلك لا يكون في " قدر " ضمير مستتر، كما يجوز أن يكون " جميعه " توكيدا للاعراب ويكون في " قدر " ضمير مستتر عائد إلى الاعراب أيضا " هو الذي " مبتدأ وخبر " قد " حرف تحقيق " قصرا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الذي، والالف للاطلاق، والجملة لا محل لها صلة الذي، والمعنى: فالاول - وهو ما آخره ألف من الاسماء كالمصطفى - الاعراب جميعه: أي الرفع والنصب والجر، قدر على آخره الذي هو الالف، وهذا النوع هو الذي قد قصرا: أي سمي مقصورا، من القصر بمعنى الحبس، وإنما سمي بذلك لانه قد حبس ومنع من جنس الحركة. (*)

[ 81 ]

والثان منقوص، ونصبه ظهر ورفعه ينوى، كذا أيضا يجر (1) شرع في ذكر إعراب المعتل من الاسماء والافعال، فذكر أن ما كان مثل " المصطفى، والمرتقي " يسمى معتلا، وأشار " بالمصطفى " إلى ما في آخره ألف لازمة قبلها فتحة، مثل " عصا، ورحى "، وأشار " بالمرتقي " إلى ما في آخره ياء مكسور ما قبلها، نحو " القاضي، والداعي ". ثم أشار إلى أن ما في آخره ألف مفتوح ما قبلها يقدر فيه جميع حركات الاعراب: الرفع، والنصب، والجر، وأنه يسمى المقصور، فالمقصور هو: الاسم المعرب الذي في آخره ألف لازمة، فاحترز ب‍ " الاسم " من الفعل، نحو يرضى، وب‍ " المعرب " من المبني، نحو إذا، وب‍ " الالف " من المنقوص، نحو القاضي كما سيأتي، وب‍ " لازمة " من المثنى في حالة الرفع، نحو الزيدان، فإن ألفه لا تلزمه إذ تقلب ياء في الجر والنصب، نحو [ رأيت ] الزيدين. وأشار بقوله " والثان منقوص " إلى المرتقي، فالمنقوص هو: الاسم المعرب الذي آخره ياء لازمة قبلها كسرة نحو المرتقي، فاحترز ب‍ " الاسم " عن الفعل نحو يرمي، وب‍ " المعرب " عن المبني، نحو الذي، وبقولنا " قبلها كسرة " عن.


(1) " والثان منقوص " مبتدأ وخبر " ونصبه " الواو عاطفة، نصب: مبتدأ، ونصب مضاف والهاء ضمير الغائب العائد على الثاني مضاف إليه " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على نصب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو نصب " ورفعه " الواو عاطفة، ورفع: مبتدأ، ورفع مضاف والهاء مضاف إليه " ينوى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على رفع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو رفع " كذا " جار ومجرور متعلق بيجر " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " يجر " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المنقوص. (*)

[ 82 ]

التي قبلها سكون، نحو ظبي ورمي، فهذا معتل جار مجرى الصحيح، في رفعه بالضمة، ونصبه بالفتحة، وجره بالكسرة. وحكم هذا المنقوص أنه يظهر فيه النصب (1)، نحو " رأيت القاضي "، وقال الله تعالى: (يا قومنا أجيبوا داعي الله) ويقدر فيه الرفع والجر لثقلهما على الياء (2).


(1) من العرب من يعامل المنقوص في حالة النصب معاملته إياه في حالتي الرفع والجر، فيقدر فيه الفتحة على الياء أيضا، إجراء للنصب مجرى الرفع والجر، وقد جاء من ذلك قول مجنون ليلى: ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضر موت اهتدى ليا وقول بشر بن أبي خازم، وهو عربي جاهلي: كفى بالنأي من أسماء كافي وليس لنأيها إذ طال شافي فأنت ترى المجنون قال " أن واش " فسكن الياء ثم حذفها مع أنه منصوب، لكونه اسم أن، وترى بشرا قال " كافي " مع أنه حال من النأي أو مفعول مطلق. وقد اختلف النحاة في ذلك، فقال المبرد: هو ضرورة، ولكنها من أحسن ضرورات الشعر، والاصح جوازه في سعة الكلام، فقد قرئ (من أوسط ما تطعمون أهاليكم) بسكون الياء. (2) من العرب من يعامل المنقوص في حالتي الرفع والجر كما يعامله في حالة النصب، فيظهر الضمة والكسرة على الياء كما يظهر الفتحة عليها، وقد ورد من ذلك قول جرير ابن عطية: فيوما يوافين الهوى غير ماضي ويوما ترى منهن غولا تغول وقول الآخر: لعمرك ما تدري متى أنت جائي ولكن أقصى مدة الدهر عاجل وقول الشماخ بن ضرار الغطفاني: كأنها وقد بدا عوارض وفاض من أيديهن فائض وقول جرير أيضا: وعرق الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كابي الازند = (*)

[ 83 ]

نحو " جاء القاضي، ومررت بالقاضي "، فعلامة الرفع ضمة مقدرة على الياء، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء. وعلم مما ذكر أن الاسم لا يكون في آخره واو قبلها ضمة، نعم إن كان مبنيا وجد ذلك فيه، نحو هو، ولم يوجد ذلك في المعرب إلا في الاسماء الستة في حالة الرفع نحو " جاء أبوه " وأجاز ذلك الكوفيون في موضعين آخرين، أحدهما: ما سمي به من الفعل، نحو يدعو، ويغزو، والثاني: ما كان أعجميا، نحو سمندو، وقمندو. * * * وأي فعل آخر منه ألف، أو واو، أو ياء، فمعتلا عرف (1).


= ولا خلاف بين أحد من النحاة في أن هذا ضرورة لا تجوز في حالة السعة، والفرق بين هذا والذي قبله أن فيما مضى حمل حالة واحدة على حالتين، ففيه حمل النصب على حالتي الرفع والجر، فأعطينا الاقل حكم الاكثر، ولهذا جوزه بعض العلماء في سعة الكلام، وورد في قراءة جعفر الصادق رضي الله عنه: (من أوسط ما تطعمون أهاليكم) أما هذا ففيه حمل حالتين وهما حالة الرفع وحالة الجر على حالة واحدة وهي حالة النصب، وليس من شأن الاكثر أن يحمل على الاقل، ومن أجل هذا اتفقت كلمة النحاة على أنه ضرورة يغتفر منها ما وقع فعلا في الشعر، ولا ينقاس عليها. (1) " أي " اسم شرط مبتدأ، وأي مضاف و " فعل " مضاف إليه " آخر " مبتدأ " منه " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لآخر، وهو الذي سوغ الابتداء به " ألف " خبر المبتدأ الذي هو آخر، والجملة مفسرة لضمير مستتر في كان محذوفا بعد أي الشرطية: أي فهذه الجملة في محل نصب خبر كان المحذوفة مع اسمها، وكان هي فعل الشرط، وقيل: آخر اسم لكان المحذوفة، وألف خبرها، وإنما وقف عليه بالسكون مع أن المنصوب المنون بوقف عليه بالالف على لغة ربيعة التي تقف على المنصوب المنون بالسكون، ويبعد هذا الوجه كون قوله " أو واو أو ياء " مرفوعين، وإن أمكن جعلهما خبرا لمبتدأ محذوف وتكون " أو " قد عطفت جملة على جملة " أو واو أو ياء " معطوفان على ألف " فمعتلا " الفاء واقعة في جواب الشرط، و " معتلا " = (*)

[ 84 ]

أشار إلى أن المعتل من الافعال هو ما كان في آخره واو قبلها ضمة، نحو: يغزو، أو ياء قبلها كسرة، نحو: يرمي، أو ألف قبلها فتحة، نحو: يخشى. * * * فالالف انو فيه غير الجزم وأبد نصب ما كيدعو يرمي (1) والرفع فيهما انو، واحذف جازما ثلاثهن، تقض حكما لازما (2).


= حال من الضمير المستتر في عرف مقدم عليه " عرف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فعل، وخبر " أي " هو مجموع جملة الشرط والجواب على الذي نختاره في أخبار أسماء الشرط الواقعة مبتدأ، والتقدير: أي فعل مضارع كان هو - أي الحال والشأن - آخره ألف أو واو أو ياء فقد عرف هذا الفعل بأنه معتل، يريد أن المعتل من الافعال المعربة هو ما آخره حرف علة ألف أو واو أو ياء. (1) " فالالف " مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده، وهو على حذف " في " توسعا، والتقدير: ففي الالف انو " انو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فيه " جار ومجرور متعلق بانو " غير " مفعول به لانو، وغير مضاف و " الجزم " مضاف إليه " وأبد " الواو حرف عطف، أبد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " نصب " مفعول به لابد، ونصب مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " كيدعو " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لما " يرمي " معطوف على يدعو مع إسقاط حرف العطف، يريد أن ما كان من الافعال المعربة آخره ألف يقدر فيه الرفع والنصب اللذان هما غير الجزم، وما كان من الافعال المعربة آخره واو كيدعو أو ياء كيرمي يظهر فيه النصب. (2) " والرفع " الواو حرف عطف، الرفع: مفعول به مقدم على عامله وهو انو الآتي " فيهما " جار ومجرور متعلق بانو " انو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " واحذف " فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " جزما " حال من فاعل احذف المستتر فيه " ثلاثهن " مفعول به لا حذف بتقدير مضاف، ومعمول جازما محذوف، والتقدير: واحذف أواخر ثلاثهن حال كونك جازما = (*)

[ 85 ]

ذكر في هذين البيتين كيفية الاعراب في الفعل المعتل، فذكر أن الالف يقدر فيها غير الجزم - وهو الرفع والنصب - نحو " زيد يخشى " فيخشى: مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الالف، و " لن يخشى " فيخشى: منصوب، وعلامة النصب فتحة مقدرة على الالف، وأما الجزم فيظهر، لانه يحذف له الحرف الآخر، نحو " لم يخش ". وأشار بقوله: " وأبد نصب ما كيدعو يرمي " إلى أن النصب يظهر فيما آخره واو أو ياء، نحو " لن يدعو، ولن يرمي ". وأشار بقوله " والرفع فيهما انو " إلى أن الرفع يقدر في الواو والياء، نحو " يدعو، ويرمي " فعلامة الرفع ضمة مقدرة على الواو والياء. وأشار بقوله: " واحذف جازما ثلاثهن " إلى أن الثلاث وهي الالف، والواو، والياء تحذف في الجزم، نحو " لم يخش، ولم يغز، ولم يرم " فعلامة الجزم حذف الالف والواو والياء. وحاصل ما ذكره: أن الرفع يقدر في الالف والواو والياء، وأن الجزم يظهر في الثلاثة بحذفها، وأن النصب يظهر في الياء والواو، ويقدر في الالف. * * *.


الافعال، أو يكون " ثلاثهن " مفعولا لجازما، ومعمول احذف هو المحذوف، والتقدير: واحذف أحرف العلة حال كونك جازما ثلاثهن " تقض " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر الذي هو احذف، وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حكما " مفعول به لتقض على تضمينه معنى تؤدى " لازما " نعت لحكما. (*)

[ 86 ]

النكرة والمعرفة نكرة: قابل أل، مؤثرا، أو واقع موقع ما قد ذكرا (1) النكرة: ما يقبل " أل " وتؤثر فيه التعريف، أو يقع موقع ما يقبل " أل " (2) فمثال ما يقبل " أل " وتؤثر فيه التعريف " رجل " فتقول: الرجل، واحترز بقوله " وتؤثر فيه التعريف " مما يقبل " أل " ولا تؤثر فيه التعريف، كعباس علما، فإنك تقول فيه: العباس، فتدخل عليه " أل " لكنها لم تؤثر فيه التعريف: لانه معرفة قبل دخولها [ عليه ] ومثال ما وقع موقع ما يقبل " أل " ذو: التي بمعنى صاحب، نحو " جاءني ذو مال " أي: صاحب مال، فذو: نكرة، وهي لا تقبل " أل " لكنها واقعة موقع صاحب، وصاحب يقبل " أل " نحو الصاحب. * * *.


(1) " نكرة " مبتدأ، وجاز الابتداء بها لانها في معرض التقسيم، أو لكونها جارية على موصوف محذوف، أي: اسم نكرة، ويؤيد ذلك الاخير كون الخبر مذكرا " قابل " خبر المبتدأ، ويجوز العكس، لكن الاول أولى، لكون النكرة هي المحدث عنها، وقابل مضاف، و " أل " مضاف إليه، مقصود لفظه " مؤثرا " حال من أل " أو " عاطفة " واقع " معطوف على قابل، و " موقع " مفعول فيه ظرف مكان، وموقع مضاف و " ما " اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " ذكرا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قابل أل، والالف للاطلاق، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (2) اعترض قوم على هذا التعريف بأنه غير جامع، وذلك لان لنا أسماء نكرات لا تقبل أل ولا تقع موقع ما يقبل أل، وذلك الحال في نحو " جاء زيد راكبا " والتمييز = (*)

[ 87 ]

وغيره معرفة: كهم، وذي وهند، وابني، والغلام، والذي (1) أي: غير النكرة المعرفة، وهي ستة أقسام: المضمر كهم، واسم الاشارة كذي، والعلم كهند، والمحلى بالالف واللام كالغلام، والموصول كالذي، وما أضيف إلى واحد منها كابني، وسنتكلم على هذه الاقسام. * * *.


= في نحو " اشتريت رطلا عسلا " واسم لا النافية للجنس في نحو " لا رجل عندنا " ومجرور رب في نحو " رب رجل كريم لقيته ". والجواب أن هذه كلها تقبل أل من حيث ذاتها، لا من حيث كونها حالا أو تمييزا أو اسم لا. واعترض عليه أيضا بأنه غير مانع، وذلك لان بعض المعارف يقبل أل نحو يهود ومجوس، فإنك تقول: اليهود، والمجوس، وبعض المعارف يقع موقع ما يقبل أل، مثل ضمير الغائب العائد إلى نكرة، نحو قولك: لقيت رجلا فأكرمته، فإن هذا الضمير واقع موقع رجل السابق وهو يقبل أل. والجواب أن يهود ومجوس اللذين يقبلان أل هما جمع يهودي ومجوسي، فهما نكرتان، فإن كانا علمين على القبيلين المعروفين لم يصح دخول أل عليهما، وأما ضمير الغائب العائد إلى نكرة فهو عند الكوفيين نكرة، فلا يضر صدق هذا التعريف عليه، والبصريون يجعلونه واقعا موقع " الرجل " لا موقع رجل، وكأنك قلت: لقيت رجلا فأكرمت الرجل، كما قال تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول) وإذا كان كذلك فهو واقع موقع ما لا يقبل أل، فلا يصدق التعريف عليه. (1) " وغيره " غير: مبتدأ، وغير مضاف والهاء العائد على النكرة مضاف إليه " معرفة " خبر المبتدأ " كهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كهم " وذي، وهند، وابنى، والغلام، والذي " كلهن معطوفات على هم، وفي عبارة المصنف قلب، وكان حقه أن يقول: والمعرفة غير ذلك، لان المعرفة هي المحدث عنها. وهذه العبارة تنبئ عن انحصار الاسم في النكرة والمعرفة، وذلك هو الراجح عند = (*)

[ 88 ]

فما لذي غيبة أو حضور - كأنت، وهو - سم بالضمير (1) يشير إلى أن الضمير: ما دل على غيبة كهو، أو حضور، وهو قسمان: أحدهما ضمير المخاطب، نحو أنت، والثاني ضمير المتكلم، نحو أنا. * * * وذو اتصال منه ما لا يبتدا ولا يلي إلا اختيارا أبدا (2).


= علماء النحو، ومنهم قوم جعلوا الاسم على ثلاثة أقسام: الاول النكرة، وهو ما يقبل أل كرجل وكريم، والثاني: المعرفة، وهو ما وضع ليستعمل في شئ بعينه كالضمير والعلم، والثالث: اسم لا هو نكرة ولا هو معرفة، وهو ما لا تنوين فيه ولا يقبل أل كمن وما، وهذا ليس بسديد. (1) " فما " اسم موصول مفعول به أول اسم، مبني على السكون في محل نصب " لذي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما، وذي مضاف و " غيبة " مضاف إليه " أو " عاطفة " حضور " معطوف على غيبة " كأنت " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أو متعلق بمحذوف حال من ما " وهو " معطوف على أنت " سم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالضمير " جار ومجرور متعلق بسم، وهو المفعول الثاني لسم. (2) " وذو " مبتدأ، وذو مضاف و " اتصال " مضاف إليه " منه " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لذي اتصال " ما " اسم موصول خبر المبتدأ، مبني على السكون في محل رفع " لا " نافية " يبتدا " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة لا محل صلة الموصول، والعائد محذوف، أي: لا يبتدأ به، كذا قال الشيخ خالد، وهو عجيب غاية العجب، لان نائب الفاعل إذا كان راجعا إلى ما كان هو العائد، وإن كان راجعا إلى شئ آخر غير مذكور فسد الكلام، ولزم حذف العائد المجرور بحرف جر مع أن الموصول غير مجرور بمثله، وذلك غير جائز، والصواب أن في قوله يبتدأ ضميرا مستترا تقديره هو يعود إلى ما هو العائد، وأن أصل الكلام ما لا يبتدأ به، فالجار والمجرور نائب فاعل، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير فاستتر فيه، فتدبر ذلك وتفهمه " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية = (*)

[ 89 ]

كالياء والكاف من " ابني أكرمك " والياء والها من " سليه ما ملك " (1) الضمير البارز ينقسم إلى: متصل، ومنفصل، فالمتصل هو: الذي لا يبتدأ به كالكاف من " أكرمك " ونحوه، ولا يقع بعد " إلا " في الاختيار (2)، فلا يقال: ما أكرمت إلاك، وقد جاء شذوذا في الشعر، كقوله: 13 - أعوذ برب العرش من فئة بغت علي، فما لي عوض إلاه ناصر.


= " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة معطوفة على جملة الصلة " إلا " قصد لفظه: مفعول به ليلى " اختيارا " منصوب على نزع الخافض، أي: في الاختيار " أبدا " ظرف زمان متعلق بيلي. (1) " كالياء " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كالياء " والكاف " معطوف على الياء " من " حرف جر " ابني " مجرور بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الياء " أكرمك " أكرم: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ابني، والكاف مفعول به، والجملة في محل نصب حال من قوله " الكاف " بإسقاط العاطف الذي يعطفها على الحال الاولى " والياء والهاء " معطوفان على الياء السابقة " من " حرف جار لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي والياء والهاء حال كونهما من قولك إلخ " سليه " سل: فعل أمر، وياء المخاطبة فاعل، والهاء مفعول أول " ما " اسم موصول مفعول ثان لسلي " ملك " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة ما. (2) أجاز جماعة - منهم ابن الانباري - وقوعه بعد إلا اختيارا، وعلى هذا فلا شذوذ في البيتين ونحوهما. 13 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف لها قائل. اللغة: " أعوذ " ألتجئ وأتحصن، و " الفئة " الجماعة، و " البغي " العدوان والظلم، و " عوض " ظرف يستغرق الزمان المستقبل مثل " أبدا " إلا أنه مختص بالنفي، وهو مبني على الضم كقبل وبعد. (*)

[ 90 ]

وقوله: 14 وما علينا - إذا ما كنت جارتنا - أن لا يجاورنا إلاك ديار * * *.


= المعنى: إني ألتجئ إلى رب العرش وأتحص بحماه من جماعة ظلموني وتجاوزوا معي حدود النصفة، فليس لي معين ولا وزر سواه. الاعراب: " أعوذ " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " برب " جار ومجرور متعلق بأعوذ، ورب مضاف و " العرش " مضاف إليه " من فئة " جار ومجرور متعلق بأعوذ " بغت " بغي: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى فئة، والتاء للتأنيث، والجملة في محل جر صفة لفئة " على " جار ومجرور متعلق ببغي " فما " نافية " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " عوض " ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب متعلق بناصر الآتي " إلاه " الا: حرف استثناء، والهاء ضمير وضع للغائب، وهو هنا عائد إلى رب العرش، مستثنى مبني على الضم في محل نصب " ناصر " مبتدأ مؤخر. الشاهد فيه: قوله " إلاه " حيث وقع الضمير المتصل بعد إلا، وهو شاذ لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، إلا عند ابن الانباري ومن ذهب نحو مذهبه، فإن ذلك عندهم سائغ جائز في سعة الكلام، ولك عندهم أن تحذو على مثاله. 14 - وهذا البيت أيضا من الشواهد التي لا يعرف قائلها. اللغة: " وما علينا " يروى في مكانه " وما نبالي " من المبالاة بمعنى الاكتراث بالامر والاهتمام له والعناية به، وأكثر ما تستعمل هذه الكلمة بعد النفي كما رأيت في بيت الشاهد، وقد تستعمل في الاثبات إذا جاءت معها أخرى منفية، وذلك كما في قول زهير بن أبي سلمى المزني: لقد باليت مظعن أم أوفى ولكن أم أوفى لا تبالي و " ديار " معناه أحد، ولا يستعمل إلا في النفي العام، تقول: ما في الدار من ديار، وما في الدار ديور، تريد ما فيها من أحد، قال الله تعالى: (وقال نوح رب = (*)

[ 91 ]

.


= لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) يريد لا تذر منهم أحدا، بل استأصلهم وأفنهم جميعا. المعنى: إذا كنت جارتنا فلا نكترث بعدم مجاورة أحد غيرك، يريد أنها هي وحدها التي يرغب في جوارها ويسر له. الاعراب: " وما " نافية " نبالي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن " إذا " ظرف متضمن معنى الشرط " ما " زائدة " كنت " كان الناقصة واسمها " جارتنا " جارة: خبر كان، وجارة مضاف ونا: مضاف إليه، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل جر بإضافة إذا إليها " أن " مصدرية " لا " نافية " يجاورنا " يجاور: فعل مضارع منصوب بأن، ونا: مفعول به ليجاور " إلاك " إلا: أداة استثناء، والكاف مستثنى مبني على الكسر في محل نصب، والمستثنى منه ديار الآتي " ديار " فاعل يجاور، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لنبالي، ومن رواه " وما علينا " تكون ما نافية أيضا، وعلينا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وأن المصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع يقع مبتدأ مؤخرا، ويجوز أن تكون ما استفهامية بمعنى النفي مبتدأ، وعلينا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، والمصدر المؤول من أن وما دخلت عليه منصوب على نزع الخافض، وكأنه قد قال: أي شئ كائن علينا في عدم مجاورة أحد لنا إذا كنت جارتنا، ويجوز أن تكون ما نافية، وعلينا: متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، والمصدر منصوب على نزع الخافض أيضا والتقدير على هذا: وما علينا ضرر في عدم مجاورة أحد لنا إذا كنت أنت جارتنا. الشاهد فيه: قوله " إلاك " حيث وقع الضمير المتصل بعد إلا شذوذا. وقال المبرد: ليست الرواية كما أنشدها النحاة " إلاك " وإنما صحة الرواية: * ألا يجاورنا سواك ديار * وقال صاحب اللب: رواية البصريين: * ألا يجاورنا حاشاك ديار * فلا شاهد فيه على هاتين الروايتين، فتفطن لذلك. (*)

[ 92 ]

وكل مضمر له البنا يجب، ولفظ ما جر كلفظ ما نصب (1) المضمرات كلها مبنية، لشبهها بالحروف في الجمود (2)، ولذلك لا تصغر.


(1) " وكل " مبتدأ أول، وكل مضاف و " مضمر " مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بيجب الآتي " البنا " مبتدأ ثان " يجب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى البنا، والجملة من الفعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول " ولفظ " مبتدأ ولفظ مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " جر " فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة " كلفظ " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ولفظ مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " نصب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما المجرورة محلا بالاضافة، والجملة من الفعل ونائب فاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (2) قد عرفت - فيما مضى أول باب المعرب والمبني - أن الضمائر مبنية لشبهها بالحروف شبها وضعيا، بسبب كون أكثرها قد وضع على حرف واحد أو حرفين، وحمل ما وضع على أكثر من ذلك عليه، حملا للاقل على الاكثر، وقد ذكر الشارح في هذا الموضع وجها ثانيا من وجوه شبه الضمائر بالحروف، وهو ما سماه بالشبه الجمودي، وهو: كون الضمائر بحيث لا تتصرف تصرف الاسماء، فلا تثنى ولا تصغر، وأما نحو " هما وهم وهن وأنتما وأنتم وأنتن "، فهذه صيغ وضعت من أول الامر على هذا الوجه، وليست علامة المثنى والجمع طارئة عليها. ونقول: قد أشبهت الضمائر الحروف في وجه ثالث، وهي أنها مفتقرة في دلالتها على معناها البتة إلى شئ، وهو المرجع في ضمير الغائب، وقرينة التكلم أو الخطاب في ضمير الحاضر، وأشبهته في وجه رابع، وهو أنها استغنت بسبب اختلاف صيغها عن أن تعرب فأنت ترى انهم قد وضعوا للرفع صيغة لا تستعمل في غيره، وللنصب صيغة أخرى ولم يجيزوا إلا أن تستعمل فيه، فكان مجرد الصيغة كافيا لبيان موقع الضمير، فلم يحتج للاعراب ليبين موقعه، فأشبه الحروف في عدم الحاجة إلى الاعراب، وإن كان سبب عدم الحاجة مختلفا فيهما (وانظر ص 28، 32). (*)

[ 93 ]

ولا تثنى ولا تجمع، وإذا ثبت أنها مبنية: فمنها ما يشترك فيه الجر والنصب، وهو: كل ضمير نصب أو جر متصل، نحو: أكرمتك، ومررت بك، وإنه وله، فالكاف في " أكرمتك " في موضع نصب، وفي " بك " في موضع جر، والهاء في " إنه " في موضع نصب، وفي " له " في موضع جر. ومنها ما يشترك فيه الرفع والنصب والجر، وهو " نا "، وأشار إليه بقوله: للرفع والنصب وجر " نا " صلح كاعرف بنا فإننا نلنا المنح (1) أي: صلح لفظ " نا " للرفع، نحو نلنا، وللنصب، نحو فإننا، وللجر، نحو بنا. ومما يستعمل للرفع والنصب والجر: الياء، فمثال الرفع نحو " اضربي " ومثال النصب نحو " أكرمني " ومثال الجر نحو " مر بي ". ويستعمل في الثلاثة أيضا " هم "، فمثال الرفع " هم قائمون " ومثال النصب " أكرمتهم " ومثال الجر " لهم ". وإنما لم يذكر المصنف الياء وهم لانهما لا يشبهان " نا " من كل وجه، لان " نا " تكون للرفع والنصب والجر والمعنى واحد، وهي ضمير متصل.


(1) " للرفع " جار ومجرور متعلق بصلح الآتي " والنصب وجر " معطوفان على الرفع و " نا " مبتدأ، وقد قصد لفظه " صلح " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نا، والجملة من صلح وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " كاعرف " الكاف حرف جر، والمجرور محذوف، والتقدير: كقولك، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، واعرف: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بنا " جار ومجرور متعلق باعرف " فإننا " الفاء تعليلية، وإن حرف توكيد ونصب، ونا: اسمها " نلنا " فعل وفاعل، والجملة من نال وفاعله في محل رفع خبر إن " المنح " مفعول به لنال، منصوب بالفتحة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف. (*)

[ 94 ]

في الاحوال الثلاثة، بخلاف الياء، فإنها - وإن استعملت للرفع والنصب والجر، وكانت ضميرا متصلا في الاحوال الثلاثة - لم تكن بمعنى واحد في الاحوال الثلاثة، لانها - في حالة الرفع للمخاطب، وفي حالتي النصب والجر للمتكلم، وكذلك " هم "، لانها وإن كانت بمعنى واحفي الاحوال الثلاثة - فليست مثل " نا "، لانها في حالة الرفع ضمير منفصل، وفي حالتي النصب والجر ضمير متصل. * * * وألف والواو والنون لما غاب وغيره، كقاما واعلما (1) الالف والواو والنون من ضمائر الرفع المتصلة، وتكون للغائب وللمخاطب، فمثال الغائب " الزيدان قاما، والزيدون قاموا، والهندات قمن " ومثال المخاطب " اعلما، واعلموا، واعلمن "، ويدخل تحت قول المصنف " وغيره " المخاطب والمتكلم، وليس هذا بجيد، لان هذه الثلاثة لا تكون للمتكلم أصلا، بل إنما تكون للغائب أو المخاطب كما مثلنا. * * *.


(1) " ألف " مبتدأ - وهو نكرة، وسوغ الابتداء به عطف المعرفة عليها " والواو، والنون " معطوفان على ألف " ما " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " غاب " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما، والجملة لا محل لها صلة ما " وغيره " الواو حرف عطف، غير: معطوف على ما، وغير مضاف والضمير مضاف إليه " كقاما " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور يتعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن كقولك، وقاما: فعل ماض وفاعل " واعلما " الواو عاطفة، واعلما: فعل أمر، وألف الاثنين فاعله، والجملة معطوفة بالواو على جملة قاما. (*)

[ 95 ]

ومن ضمير الرفع ما يستتر كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر (1) ينقسم الضمير إلى مستتر وبارز (2)، والمستتر إلى واجب الاستتار وجائزة،.


(1) " من ضمير، جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وضمير مضاف، و " الرفع " مضاف إليه " ما " اسم موصول مبتدأ مؤخر، مبني على السكون في محل رفع " يستتر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة ما " كافعل " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور يتعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كقولك، وافعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أوافق " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " نغتبط " بدل من أوافق " إذ " ظرف وضع للزمن الماضي، ويستعمل مجازا في المستقبل، وهو متعلق بقوله " نغتبط " مبني على السكون في محل نصب " تشكر " فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها. (2) المنقسم هو الضمير المتصل لا مطلق الضمير، والمراد بالضمير البارز ماله صورة في اللفظ حقيقة نحو التاء والهاء في أكرمته، والياء في ابني، أو حكما كالضمير المتصل المحذوف من اللفظ جوازا في نحو قولك: جاء الذي ضربت، فإن التقدير جاء الذي ضربته، فحذفت التاء من اللفظ، وهي منوبة، لان الصلة لابد لها من عائد يربطها بالموصول. ومن هنا تعلم أن البارز ينقسم إلى قسمين: الاول المذكور، والثاني المحذوف، والفرق بين المحذوف والمستتر من وجهين، الاول: أن المحذوف يمكن النطق به، وأما المستتر فلا يمكن النطق به أصلا، وإنما يستعيرون له الضمير المنفصل حين يقولون: مستتر جوازا تقديره هو، أو يقولون: مستتر وجوبا تقديره أنا أو أنت وذلك لقصد التقريب على المتعلمين، وليس هذا هو نفس الضمير المستتر على التحقيق، والوجه الثاني: أن الاستتار يختص بالفاعل الذي هو عمدة في الكلام، وأما الحذف فكثيرا ما يقع في الفضلات، كما في المفعول به في المثال السابق، وقد يقع في العمد في غير الفاعل كما في المبتدأ، وذلك كثير في العربية، ومنه قول سويد بن أبي كاهل اليشكري، في وصف امرئ يضمر بغضه: مستسر الشن ء، لو يفقدني لبدا منه ذباب فنبع = (*)

[ 96 ]

والمراد بواجب الاستتار: مالا يحل محله الظاهر، والمراد بجائز الاستتار: ما يحل محله الظاهر. وذكر المصنف في هذا البيت من المواضع التي يجب فيها الاستتار أربعة: الاول: فعل الامر للواحد المخاطب كافعل، التقدير أنت، وهذا الضمير لا يجوز إبرازه، لانه لا يحل محله الظاهر، فلا تقول: افعل زيد، فأما " افعل أنت " فأنت تأكيد للضمير المستتر في " افعل " وليس بفاعل لافعل، لصحة الاستغناء عنه، فتقول: افعل، فإن كان الامر لواحدة أو لاثنين أو لجماعة برز الضمير، نحو اضربي، واضربا، واضربوا، واضربن. الثاني: الفعل المضارع الذي في أوله الهمزة، نحو " أوافق " والتقدير أنا، فإن قلت " أوافق أنا " كان " أنا " تأكيدا للضمير المستتر. الثالث: الفعل المضارع الذي في أوله النون، نحو " نغتبط " أي نحن. الرابع: الفعل المضارع الذي في أوله التاء لخطاب الواحد، نحو " تشكر " أي أنت، فإن كان الخطاب لواحدة أو لاثنين أو لجماعة برز الضمير، نحو أنت تفعلين، وأنتما تفعلان، وأنتم تفعلون، وأنتن تفعلن. هذا (1) ما ذكره المصنف من المواضع التي يجب فيها استتار الضمير..


= يريد هو مستسر البغض، فحذف الضمير، لانه معروف ينساق إلى الذهن، ومثل ذلك أكثر من أن يحصى في كلام العرب. (1) وبقيت مواضع أخرى يجب فيها استتار الضمير، الاول: اسم فعل الامر، نحو صه، ونزال، ذكره في التسهيل، والثاني: اسم فعل المضارع، نحو أف وأوه، ذكره أبو حيان، والثالث: فعل التعجب، نحو ما أحسن محمدا، والرابع: أفعل التفضيل، نحو محمد أفضل من علي، والخامس: أفعال الاستثناء، نحو قاموا ماخلا عليا، أو ما عدا بكرا، أو لا يكون محمدا. زادها ابن هشام في التوضيح تبعا لابن مالك في باب الاستثناء من التسهيل، وهو حق، السادس: المصدر النائب عن فعل الامر، = (*)

[ 97 ]

ومثال جائز الاستتار: زيد يقوم، أي هو، وهذا الضمير جائز الاستتار، لانه يحل محله الظاهر، فتقول: زيد يقوم أبوه، وكذلك كل فعل أسند إلى غائب أو غائبة، نحو هند تقوم، وما كان بمعناه، نحو زيد قائم، أي هو. * * * وذو ارتفاع وانفصال: أنا، هو، وأنت، والفروع لا تشتبه (1) تقدم أن الضمير ينقسم إلى مستتر وإلى بارز، وسبق الكلام في المستتر، والبارز ينقسم إلى: متصل، ومنفصل، فالمتصل يكون مرفوعا، ومنصوبا، ومجرورا، وسبق الكلام في ذلك، والمنفصل يكون مرفوعا ومنصوبا، ولا يكون مجرورا. وذكر المصنف في هذا البيت المرفوع المنفصل، وهو اثنا عشر: " وأنا " للمتكلم وحده، و " نحن " للمتكلم المشارك أو المعظم نفسه، و " أنت " للمخاطب، و " أنت " للمخاطبة، و " أنتما " للمخاطبين أو المخاطبتين، و " أنتم " للمخاطبين، و " أنتن " للمخاطبات، و " هو " للغائب،.


= نحو قول الله تعالى (فضرب الرقاب) وأما مرفوع الصفة الجارية على من هي له فجائز الاستتار قطعا. وذلك نحو " زيد قائم " ألا ترى أنك تقول في تركيب آخر " زيد قائم أبوه " وقد ذكره الشارح في جائز الاستتار، وهو صحيح، وكذلك مرفوع نعم وبئس، نحو " نعم رجلا أبو بكر، وبئست امرأة هند "، وذلك لانك تقول في تركيب آخر " نعم الرجل زيد، وبئست المرأة هند ". (1) " وذو " مبتدأ، وذو مضاف و " ارتفاع " مضاف إليه " وانفصال " معطوف على ارتفاع " أنا " خبر المبتدأ " هو، وأنت " معطوفان على أنا " والفروع " مبتدأ " لا " نافية " تشتبه " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الفروع، والجملة من الفعل المضارع المنفي وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، الذي هو الفروع. (7 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 98 ]

و " هي " للغائبة، و " هما " للغائبين أو الغائبتين، و " هم " للغائبين، و " هن " للغائبات. * * * وذو انتصاب في انفصال جعلا: إياي، والتفريع ليس مشكلا (1) أشار في هذا البيت إلى المنصوب المنفصل، وهو اثنا عشر: " إياي " للمتكلم وحده، و " إيانا " للمتكلم المشارك أو المعظم نفسه، و " إياك " للمخاطب، و " إياك " للمخاطبة، و " إياكما " للمخاطبين أو المخاطبتين، و " إياكم " للمخاطبين، و " إياكن " للمخاطبات، و " إياه " للغائب، و " إياها " للغائبة، و " إياهما " للغائبين أو الغائبتين، و " إياهم " للغائبين، و " إياهن " للغائبات (2). * * *.


(1) " وذو " مبتدأ، وذو مضاف و " انتصاب " مضاف إليه " في انفصال " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في جعل الآتي " جعلا " فعل ماض، مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو " إياي " مفعول ثان لجعل، والجملة من جعل ومعموليه في محل رفع خبر المبتدأ " والتفريع " مبتدأ " ليس " فعل ماض ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر واسمها ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على التفريع " مشكلا " خبر ليس، والجملة من ليس واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ. (2) اختلف في هذه اللواحق التي بعد " إيا " فقيل: هي حروف تبين الحال وتوضح المراد من " إيا " متكلما أو مخاطبا أو غائبا، مفردا أو مثنى أو مجموعا، ومثلها مثل الحروف التي في أنت وأنتما وأنتن، ومثل اللواحق في أسماء الاشارة نحو تلك وذلك وأولئك، وهذا مذهب سيبويه والفارسي والاخفش، قال أبو حيان: وهو الذي صححه أصحابنا وشيوخنا. = (*)

[ 99 ]

وفي اختيار لا يجئ المنفصل إذا تأتى أن يجئ المتصل (1) كل موضع أمكن أن يؤتى فيه بالضمير المتصل لا يجوز العدول عنه إلى المنفصل، إلا فيما سيذكره المصنف، فلا تقول في أكرمتك " أكرمت إياك " لانه يمكن الاتيان بالمتصل فتقول: أكرمتك..


= وذهب الخليل والمازني، واختاره ابن مالك، إلى أن هذه اللواحق أسماء، وأنها ضمائر أضيفت إليها " إيا " زاعمين أن " إيا " أضيفت إلى غير هذه اللواحق في نحو " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب " فيكون في ذلك دليل على أن اللواحق أسماء. وذلك باطل لوجهين، الاول: أن هذا الذي استشهدوا به شاذ، ولم تعهد إضافة الضمائر. والثاني أنه لو صح ما يقولون لكانت " إيا " ونحوها ملازمة للاضافة، وقد علمنا أن الاضافة من خصائص الاسماء المعربة، فكان يلزم أن تكون إيا ونحوها معربة، ألست ترى أنهم أعربوا " أي " الموصولة والشرطية والاستفهامية لما لازمها من الاضافة ؟ وقال الفراء: إن " إيا " ليست ضميرا، وإنما هي حرف عماد جئ به توصلا للضمير، والضمير هو اللواحق، ليكون دعامة يعتمد عليها، لتمييز هذه اللواحق عن الضمائر المتصلة. وزعم الزجاج أن الضمائر هي اللواحق موافقا في ذلك للفراء، ثم خالفه في " إيا " فادعى أنها اسم ظاهر مضاف إلى الكاف والياء والهاء. وقال ابن درستويه: إن هذا اسم ليس ظاهرا ولا مضمرا، وإنما هو بين بين. وقال الكوفيون: المجموع من " إيا " ولواحقها ضمير واحد. (2) " وفي اختيار " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل يجئ الآتي " لا " نافية " يجئ " فعل مضارع " المنفصل " فاعل يجئ " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " تأتى " فعل ماض " أن " حرف مصدري ونصب " يجئ " فعل مضارع منصوب بأن " المتصل " فاعل يجئ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل تأتى، والتقدير: تأتى مجئ المتصل، والجملة من تأتى وفاعله في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: إذا تأتى مجئ المتصل فلا يجئ المنفصل. (*)

[ 100 ]

فإن لم يمكن الاتيان بالمتصل تعين المنفصل، نحو إياك أكرمت (1)، وقد.


(1) اعلم أنه يتعين انفصال الضمير، ولا يمكن المجئ به متصلا، في عشرة مواضع: الاول: أن يكون الضمير محصورا، كقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) وكقول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي إذ التقدير: لا يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي ومن هذا النوع قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا الثاني: أن يكون الضمير مرفوعا بمصدر مضاف إلى المنصوب به، نحو " عجبت من ضربك هو " وكقول الشاعر: بنصركم نحن كنتم فائزين، وقد أغرى العدى بكم استسلامكم فشلا الثالث: أن يكون عامل الضمير مضمرا، نحو قول السموأل: وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل وكقول لبيد بن ربيعة: فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الاوائل الرابع: أن يكون عامل الضمير متأخرا عنه، كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) وهذا هو الموضع الذي أشار إليه الشارح. الخامس: أن يكون عامل الضمير معنويا، وذلك إذا وقع الضمير مبتدأ، نحو " اللهم أنا عبد أثيم، وأنت مولى كريم " ومنه " أنا الذائد " في بيت الفرزدق السابق. السادس: أن يكون الضمير معمولا لحرف نفي، كقوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين) (ما هن أمهاتهم) (وما أنا بطارد المؤمنين) (إن أنا إلا نذير مبين) وكقول الشاعر: إن هو مستوليا على أحد إلا على أضعف المجانين السابع: أن يفصل بين الضمير وعامله بمعمول آخر، كقوله تعالى: (يخرجون الرسول وإياكم) وكقول الشاعر: = (*)

[ 101 ]

جاء الضمير في الشعر منفصلا مع إمكان الاتيان به متصلا، كقوله: 15 - بالباعث الوارث الاموات قد ضمنت إياهم الارض في دهر الدهارير * * *.


= مبرأ من عيوب الناس كلهم فالله يرعى أبا حفص وإيانا الثامن: أن يقع الضمير بعد واو المعية، كقول أبي ذؤيب الهذلي: فآليت لا أنفك أحذو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي التاسع: أن يقع بعد " أما " نحو " أما أنا فشاعر، وأما أنت فكاتب، وأما هو فنحوي ". العاشر: أن يقع بعد اللام الفارقة، نحو قول الشاعر: إن وجدت الصديق حقا لاياك، فمرني فلن أزال مطيعا وسيأتي موضع ذكر تفصيله المصنف والشارح. 15 - البيت من قصيدة للفرزدق، يفتخر فيها، ويمدح يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقبله: يا خير حي وقت نعل له قدما وميت بعد رسل الله مقبور إني حلفت، ولم أحلف على فند، فناء بيت من الساعين معمور اللغة: " الباعث " الذي يبعث الاموات ويحييهم بعد موتهم " الوارث " هو الذي ترجع إليه الاملاك بعد فناء الملاك " ضمنت " - بكسر الميم مخففة - بمعنى تضمنت، أي اشتملت أو بمعنى تكفلت يهم " الدهارير " الزمن الماضي، أو الشدائد، وهو جمع لا واحد له من لفظه. الاعراب: " يا لباعث " جار ومجرور متعلق بقوله " حلفت " في البيت الذي أنشدناه قبل هذا البيت، والاموات: يجوز فيه وجهان، أحدهما: جره بالكسرة الظاهرة على أنه مضاف إليه، والمضاف هو الباعث والوارث على مثال قوله: يا من رأى عارضا أسر له بين ذراعي وجبهة الاسد = (*)

[ 102 ]

وصل أو افصل هاء سلنيه، وما أشبهه، في كنته الخلف انتمى (1).


= وقولهم " قطع الله يد ورجل من قالها " والوجه الثاني: نصب الاموات بالفتحة الظاهرة على أنه مفعول به (تنازعه) ؟ الوصفان فأعمل فيه الثاني وحذف ضميره من الاول لكونه فضلة " ضمنت " فعل ماض، والتاء للتأنيث " إياهم " مفعول به تقدم على الفاعل " الارض " فاعل ضمن " في دهر " جار ومجرور متعلق بضمنت، ودهر مضاف و " الدهارير " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " ضمنت إياهم " حيث عدل عن وصل الضمير إلى فصله، وذلك خاص بالشعر، ولا يجوز في سعة الكلام، ولو جاء به على ما يستحقه الكلام لقال " قد ضمنتهم الارض ". ومثل هذا البيت قول زياد بن منقذ العدوي التميمي من قصيدة له يقولها في تذكر أهله والحنين إلى وطنه، وكان قد نزل صنعاء فاستوبأها، وكان أهله بنجد في وادي أشى - بزنة المصغر (وانظر 1 / 65 من كتابنا هداية السالك إلى أوضح المسالك): وما أصاحب من قوم فأذكرهم إلا يزيدهم حبا إلي هم فقد جاء بالضمير منفصلا - وهو قوله " هم " في آخر البيت - وكان من حقه أن يجئ به متصلا بالعامل - وهو قوله " يزيد " - ولو جاء به على ما يقتضيه الاستعمال لقال " إلا يزيدونهم حبا إلى ". ومثل ذلك قول طرفة بن العبد البكري: أصرمت حبل الوصل، بل صرموا يا صاح، بل قطع الوصال هم وكان من حقه أن يقول: " بل قطعوا الوصال " لكنه اضطر ففصل. (1) " وصل " الواو للاستئناف، صل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أو " حرف عطف دال على التخيير " افصل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وجملة افصل معطوفة على جملة صل " هاء " مفعول تنازعه الفعلان، فأعمل فيه الثاني، وهاء مضاف و " سلنيه " قصد لفظه: مضاف إليه " وما " الواو حرف عطف، ما: اسم موصول معطوف على سلنيه " أشبهه " أشبه: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والهاء مفعول به، والجملة لا محل = (*)

[ 103 ]

كذاك خلتنيه، واتصالا * أختار، غيري اختار الانفصالا (1) أشار في هذين البيتين إلى المواضع التي يجوز أن يؤتى فيها بالضمير منفصلا مع إمكان أن يؤتى به متصلا. فأشار بقوله: " سلنيه " إلى ما يتعدى إلى مفعولين الثاني منها ليس خيرا ؟ في الاصل، وهما ضميران، نحو: " الدرهم سلنيه " فيجوز لك في هاء " سلنيه " الاتصال نحو سلنيه، والانفصال نحو سلني إياه، وكذلك كل فعل أشبهه، نحو الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه. وظاهر كلام المصنف أنه يجوز في هذه المسألة الانفصال والاتصال على السواء، وهو ظاهر كلام أكثر النحويين، وظاهر كلام سيبويه أن الاتصال فيها واجب، وأن الانفصال مخصوص بالشعر. وأشار بقوله: " في كنته الخلف انتمى " إلى أنه إذا كان خبر " كان " وأخواتها ضميرا، فإنه يجوز اتصاله وانفصاله، واختلف في المختار منهما، فاختار المصنف .


= لها صلة ما " في كنته " جار ومجرور متعلق بانتمى " الخلف " مبتدأ " انتمى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخلف، والجملة من انتمى وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وانتمى معناه انتسب، والمراد أن بين العلماء خلافا في هذه المسألة وأن هذا الخلاف معروف، وكل قول فيه معروف النسبة إلى قائله. (1) " كذاك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " خلتنيه " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " واتصالا " الواو عاطفة، اتصالا: مفعول مقدم لاختار " أختار " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " غيري، غير: مبتدأ، وغير مضاف والياء التي للمتكلم مضاف إليه " اختار " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود لغيري، والجملة من اختار وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " الانفصالا " مفعول به لاختار، والالف للاطلاق. (*)

[ 104 ]

الاتصال، نحو كنته، واختار سيبويه الانفصال، نحو كنت إياه (1)، [ تقول، الصديق كنته، وكنت إياه ]. وكذلك المختار عند المصنف الاتصال في نحو " خلتنيه " (2) وهو: كل فعل تعدى إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الاصل، وهما ضميران، ومذهب سيبويه أن المختار في هذا أيضا الانفصال، نحو خلتني إياه، ومذهب سيبويه أرجح، لانه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم وهو المشافه لهم، قال الشاعر:.


(1) قد ورد الامران كثيرا في كلام العرب، فمن الانفصال قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد، والانسان قد يتغير وقول الآخر: ليس إياي وإياك، ولا نخشى رقيبا ومن الاتصال قول أبي الاسود الدؤلي يخاطب غلاما له كان يشرب النبيذ فيضطرب شأنه وتسوء حاله: فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها وقول رسول الله صلى عليه وسلم لعمر بن الخطاب في شأن ابن الصياد: " إن يسكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه فلا خير لك في قتله " ومنه الشاهد رقم 17 الآتي في ص 109. (2) قد ورد الامران في فصيح الكلام أيضا، فمن الاتصال قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا، ولو أراكهم كثيرا) وقول الشاعر: بلغت صنع امرئ بر إخالكه إذ لم تزل لا كتساب الحمد معتذرا ومن الانفصال قول الشاعر: أخي حسبتك إياه، وقد ملئت أرجاء صدرك بالاضغان والاحن (*)

[ 105 ]

16 - إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام * * *.


16 - هذا البيت قيل إنه لديسم بن طارق أحد شعراء الجاهلية، وقد جرى مجرى المثل، وصار يضرب لكل من يعتد بكلامه، ويتمسك بمقاله، ولا يلتفت إلى ما يقول غيره، وفي هذا جاء به الشارح، وهو يريد أن سيبويه هو الرجل الذي يعتد بقوله، ويعتبر نقله، لانه هو الذي شافه العرب، وعنهم أخذ، ومن ألسنتهم استمد. المفردات: " حذام " اسم امرأة، زعم بعض أرباب الحواشي أنها الزباء، وقال: وقيل غيرها، ونقول: الذي عليه الادباء أنها زرقاء اليمامة، وهي امرأة من بنات لقمان بن عاد، وكانت ملكة اليمامة، واليمامة اسمها، فسميت البلد باسمها، زعموا أنها كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام، وهي التي يشير إليها النابغة الذبياني في قوله: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد الاعراب: " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " قالت " قال: فعل ماض، والتاء للتأنيث " حذام " فاعل قال، مبني على الكسر في محل رفع " فصدقوها " الفاء واقعة في جواب إذا، وصدق: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وها: مفعول به " فإن " الفاء للعطف، وفيها معنى التعليل، وإن: حرف توكيد ونصب " القول " اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة " ما " اسم موصول خبر إن، مبني على السكون في محل رفع " قالت " قال: فعل ماض، والتاء للتأنيث " حذام " فاعل قالت، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، والعائد محذوف، أي ما قالته حذام. التمثيل به: قد جاء الشارح بهذا البيت وهو يزعم أن مذهب سيبويه أرجح مما ذهب إليه الناظم، وكأنه أراد أن يعرف الحق بأن يكون منسوبا إلى عالم جليل كسيبويه، وهي فكرة لا يجوز للعلماء أن يتمسكوا بها، ثم إن الارجح في المسألة ليس هو ما ذهب إليه سيبويه والجمهور، بل الارجح ما ذهب إليه ابن مالك، والرماني، وابن الطراوة من أن الاتصال أرجح في خبر كان وفي المفعول الثاني من معمولي ظن وأخواتها، وذلك = (*)

[ 106 ]

وقدم الاخص في اتصال وقدمن ما شئت في انفصال (1) ضمير المتكلم أخص من ضمير المخاطب، وضمير المخاطب أخص من ضمير الغائب، فإن اجتمع ضميران منصوبان أحدهما أخص من الآخر، فإن كانا متصلين وجب تقديم الاخص منهما، فتقول: الدرهم أعطيتكه وأعطيتنيه، بتقديم الكاف والياء على الهاء، لانها أخص من الهاء، لان الكاف للمخاطب، والياء للمتكلم، والهاء للغائب، ولا يجوز تقديم الغائب مع الاتصال، فلا تقول: أعطيتهوك، ولا أعطيتهوني، وأجازه قوم، ومنه ما رواه ابن الاثير في غريب الحديث من قول عثمان رضي الله عنه: " أراهمني الباطل شيطانا "، فإن فصل أحدهما كنت بالخيار، فإن شئت قدمت الاخص، فقلت: الدرهم أعطيتك إياه، وأعطيتني إياه، وإن شئت قدمت غير الاخص، فقلت: أعطيته إياك،.


= من قبل أن الاتصال في البابين أكثر ورودا عن العرب، وقد ورد الاتصال في خبر " كان " في الحديث الذي رويناه لك، وورد الاتصال في المفعول الثاني من باب ظن في القرآن الكريم فيما قد تلونا من الآيات، ولم يرد في القرآن الانفصال في أحد البابين أصلا، وبحسبك أن يكون الاتصال هو الطريق الذي استعمله القرآن الكريم باطراد. (1) " وقدم " الواو عاطفة، قدم: فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الاخص " مفعول به لقدم " في اتصال " جار ومجرور متعلق بقدم " وقدمن " الواو عاطفة، قدم: فعل أمر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ما " اسم موصول مفعول به لقدم المؤكد، مبني على السكون في محل نصب " شئت " فعل وفاعل، وجملتهما لا محل لها صلة ما الموصولة، والعائد محذوف، والتقدير: وقدمن الذي شئنه " في انفصال " جار ومجرور متعلق بقدمن. (*)

[ 107 ]

وأعطيته إياي، وإليه أشار بقوله: " وقدمن ما شئت في انفصال " وهذا الذي ذكره ليس على إطلاقه، بل إنما يجوز تقديم غير الاخص في الانفصال عند أمن اللبس، فإن خيف لبس لم يجز، فإن قلت: زيد أعطيتك إياه (1)، لم يجز تقديم الغائب، فلا تقول: زيد أعطيته إياك، لانه لا يعلم هل زيد مأخوذ أو آخذ. * * * وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا وقد يبيح الغيب فيه وصلا (2) إذا اجتمع ضميران، وكانا منصوبين، واتحدا في الرتية - ؟ كأن يكونا لمتكلمين، أو مخاطبين، أو غائبين - فإنه يلزم الفصل في أحدهما، فتقول: أعطيتني إياي، وأعطيتك إياك، وأعطيته إياه، ولا يجوز اتصال الضميرين، فلا تقول: أعطيتنيني، ولا أعطيتكك، ولا أعطيتهوه، نعم إن كانا غائبين واختلف لفظهما فقد يتصلان، نحو الزيدان الدرهم أعطيتهماه، وإليه أشار بقوله في الكافية:.


(1) إنما يقع اللبس فيما إذا كان كل من المفعولين يصلح أن يكون فاعلا كما ترى في مثال الشارح، ألست ترى أن المخاطب وزيدا يصلح كل منهما أن يكون آخذا ويصلح أن يكون مأخوذا، أما نحو " الدرهم أعطيته إياك " أو " الدرهم أعطيتك إياه " فلا لبس لن المخاطب آخذ تقدم أو تأخر، والدرهم مأخوذ تقدم أو تأخر. (2) " وفي اتحاد " الواو حرف عطف، والجار والمجرور متعلق بالزم الآتي، واتحاد مضاف و " الرتبة " مضاف إليه " الزم " فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فصلا " مفعول به لا لزم " وقد " الواو عاطفة، قد: حرف دال على التقليل " يبيح " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة " الغيب " فاعل يبيح " فيه " جار ومجرور متعلق بيبيح " وصلا " مفعول به ليبيح. (*)

[ 108 ]

مع اختلاف ما، ونحو " ضمنت إياهم الارض " الضرورة اقتضت وربما أثبت هذا البيت في بعض نسخ الالفية، وليس منها، وأشار بقوله: " ونحو ضمنت - إلى آخر البيت " إلى أن الاتيان بالضمير منفصلا في موضع يجب فيه اتصاله ضرورة، كقوله: بالباعث الوارث الاموات قد ضمنت إياهم الارض في دهر الدهارير (1) [ 15 ] وقد تقدم ذكر ذلك. * * * وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية، و " ليسي " قد نظم (2) إذا اتصل بالفعل ياء المتكلم لحقته لزوما نون تسمى نون الوقاية، وسميت بذلك لانها تقي الفعل من الكسر، وذلك نحو " أكرمني، ويكرمني، وأكرمني " وقد جاء حذفها مع " ليس " شذوذا، كما قال الشاعر:.


(1) مضى شرح هذا البيت قريبا (ص 101) فارجع إليه هناك، وهو الشاهد رقم 15 (2) " وقبل " الواو حرف عطف، قبل ظرف زمان متعلق بالتزم الآتي، وقبل مضاف و " يا " مضاف إليه، ويا مضاف و " النفس " مضاف إليه " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من يا النفس، ومع مضاف و " الفعل " مضاف إليه " التزم " فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، وسكن لاجل الوقف " نون " نائب فاعل لالتزم مرفوع بالضمة، ونون مضاف و " قاية " مضاف إليه " وليسي " الواو عاطفة، ليسي: قصد لفظه مبتدأ " قد " حرف تحقيق " نظم " فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح لا محل له من الاعراب. وسكنه لاجل الوقف، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ليسي، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 109 ]

17 - عددت قومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي.


17 - هذا البيت نسبه جماعة من العلماء ومنهم ابن منظور في العرب (ط ى س) - لرؤبة بن العجاج، وليس موجودا في ديوان رجزه، ولكنه موجود في زيادات الديوان. اللغة: " كعديد " العديد كالعدد، يقال: هم عديد الثرى، أي عددهم مثل عدده، و " الطيس " - بفتح الطاء المهملة، وسكون الياء المثناة من تحت، وفي آخره سين مهملة - الرمل الكثير، وقال ابن منظور: " واختلفوا في تفسير الطيس، فقال بعضهم: كل من على ظهر الارض من الانام فهو من الطيس، وقال بعضهم: بل هو كل خلق كثير النسل نحو النمل والذباب والهوام، وقيل: يعني الكثير من الرمل " اه‍ " ليسي " أراد غيري، استثنى نفسه من القوم الكرام الذين ذهبوا، هذا ويروى صدر الشاهد: * عهدي بقومي كعديد الطيس * وهي الرواية الصحيحة المعنى. المعنى: يفخر بقومه، ويتحسر على ذهابهم، فيقول: عهدي بقومي الكرام الكثيرين كثرة تشبه كثرة الرمل حاصل، وقد ذهبوا إلا إياي، فإنني بقيت بعدهم خلفا عنهم. الاعراب: " عددت " فعل وفاعل " قومي " قوم: مفعول به، وقوم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " كعديد " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عددتهم عدا مثل عديد، وعديد مضاف و " الطيس " مضاف إليه " إذ " ظرف دال على الزمان الماضي، متعلق بعددت " ذهب " فعل ماض " القوم " فاعله " الكرام " صفة له، والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها " ليسي " ليس: فعل ماض ناقص دال على الاستثناء، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من القوم، والياء خبره مبني على السكون في محل نصب. الشاهد فيه: في هذا البيت شاهدان، وكلاهما في لفظ " ليسي " أما الاول فإنه أتى بخبره ضميرا متصلا ولا يجوز عند جمهرة النحاة أن يكون إلا منفصلا، فكان يجب عليه - على مذهبهم هذا - أن يقول: ذهب القوم الكرام ليس إياي. والثاني - وهو = (*)

[ 110 ]

واختلف في أفعل التعجب: هل تلزمه نون الوقاية أم لا ؟ فتقول: ما أفقرني إلى عفو الله، وما أفقري إلى عفو الله، عند من لا يلتزمها فيه، والصحيح أنها تلزم (1). * * * " ليتني " فشا، و " ليتي " ندرا * ومع " لعل " اعكس، وكن مخبرا (2) في الباقيات، واضطرارا خففا * مني وعني بعض من قد سلفا (3).


= الذي جاء الشارح بالبيت من أجله هنا - حيث حذف نون الوقاية من ليس مع اتصالها بياء المتكلم، وذلك شاذ عند الجمهور الذين ذهبوا إلى أن " ليس " فعل، وانظر ما ذكرناه في ص 104. (1) الخلاف بين البصريين والكوفيين في اقتران نون الوقاية بأفعل في التعجب مبني على اختلافهم في أنه هو اسم أو فعل، فقال الكوفيون: هو اسم، وعلى هذا لا تتصل به نون الوقاية، لانها إنما تدخل على الافعال لتقيها الكسر الذي ليس منها في شئ، وقال البصريون: هو فعل، وعلى هذا يجب اتصاله بنون الوقاية لتقيه الكسر. (2) " وليتني " الواو عاطفة، ليتني قصد لفظه: مبتدأ " فشا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ليتني، والجملة من فشا وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وليتي " قصد لفظه أيضا: مبتدأ " ندرا " فعل ماض، والالف للاطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ليتي، والجملة من ندر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " ومع " الواو عاطفة، مع: ظرف متعلق باعكس الآتي، ومع مضاف و " لعل " قصد لفظه: مضاف إليه " اعكس " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله محذوف، والتقدير: واعكس الحكم مع لعل " وكن " الواو عاطفة، كن: فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مخيرا " خبره. (3) " في الباقيات " جار ومجرور متعلق بمخير في البيت السابق " واضطرارا " الواو عاطفة، اضطرارا: مفعول لاجله " خففا " فعل ماض، والالف للاطلاق " مني " قصد لفظه: مفعول به لخفف " وعني " قصد لفظه أيضا: معطوف على مني = (*)

[ 111 ]

ذكر في هذين البيتين حكم نون الوقاية مع الحروف، فذكر " ليت " وأن نون الوقاية لا تحذف منها، إلا ندورا، كقوله: 18 - كمنية جابر إذ قال: ليتي أصادفه وأتلف جل مالي.


= " بعض " فاعل خفف، وبعض مضاف، و " من " اسم موصول: مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " قد " حرف تحقيق " سلفا " فعل ماض، والالف للاطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على من الموصولة، والجملة من سلف وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول الذي هو من. 18 - هذا البيت لزيد الخير الطائي، وهو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم، وكان اسمه في الجاهلية قبل هذه التسمية زيد الخيل، لانه كان فارسا. اللغة: " المنية " بضم فسكون اسم للشئ الذي تتمناه، وهي أيضا اسم للتمني، والمنية المشبهة بمنية جابر تقدم ذكرها في بيت قبل بيت الشاهد، وذلك في قوله: تمنى مزيد زيدا فلاقى أخا ثقة إذا اختلف العوالي كمنية جابر، إذ قال: ليتي أصادفه وأفقد جل مالي تلاقينا، فما كنا سواء ولكن خر عن حال لحال ولولا قوله: يا زيد قدني، لقد قامت نويرة بالمآلي شككت ثيابه لما التقينا بمطرد المهزة كالخلال " مزيد " بفتح الميم وسكون الزاي: رجل من بني أسد، وكان يتمنى لقاء زيد ويزعم أنه إلى لقيه نال منه، فلما تلاقيا طعنه زيد طعنة فولى هاربا " أخا ثقة " أي صاحب وثوق في نفسه واصطبار على منازلة الاقران في الحرب " العوالي " جمع عالية، وهي ما يلي موضع السنان من الرمح، واختلافها: ذهابها في جهة العدو ومجيئها عند الطعن " جابر " رجل من غطفان، كان يتمنى لقاء زيد، فلما تلاقيا قهره زيد وغلبه " وأتلف " يروى " وأفقد ". الاعراب: " كمنية " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، والتقدير: تمنى مزيد تمنيا مشابها لمنية جابر، ومنية مضاف و " جابر " مضاف إليه " إذ " ظرف للماضي من الزمان " قال " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا = (*)

[ 112 ]

والكثير في لسان العرب ئبوتها، وبه ورد القرآن، قال الله تعالى: (يا ليتني كنت معهم). وأما " لعل " فذكر أنها بعكس ليت، فالفصيح تجريدها من النون كقوله تعالى - حكاية عن فرعون - (لعلي أبلغ الاسباب) ويقل ثبوت النون، كقول الشاعر:.


= تقديره هو يعود إلى جابر، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها " ليتي " ليت: حرف تمن ونصب، والياء اسمه، مبني على السكون في محل نصب " أصادف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر ليت " وأفقد " الواو حالية، وأفقد: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: وأنا أفقد، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال " جل " مفعول به لا فقد، وجل مضاف ومال من " مالي " مضاف إليه، ومال مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " ليتي " حيث حذف نون الوقاية من ليت الناصبة لياء المتكلم، وظاهر كلام المصنف والشارح أن هذا الحذف ليس بشاذ، وإنما هو نادر قليل، وهذا الكلام على هذا الوجه هو مذهب الفراء من النحاة، فإنه لا يلزم عنده أن تجئ بنون الوقاية مع ليت، بل يجوز لك في السعة أن تتركها، وإن كان الاتيان بها أولى، وعبارة سيبويه تفيد أن ترك النون ضرورة حيث قال: " وقد قالت الشعراء " ليتي " إذا اضطروا كأنهم شبهوه بالاسم حيث قالوا: " الضاربي " اه‍، وانظر شرح الشاهد (21) الآتي. ومثل هذا الشاهد - في حذف نون الوقاية مع ليت - قول ورقة بن نوفل الاسدي: فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ولجت وكنت أولهم ولوجا وقد جمع بين ذكر النون وتركها حارثة بن عبيد البكري أحد المعمرين في قوله: ألا يا ليتتي أنضيت عمري وهل يجدي علي اليوم ليتي ؟ (*)

[ 113 ]

19 فقلت: أعيراني القدوم، لعلني أخط بها قبرا لابيض ماجد.


19 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها. اللغة: " أعيراني " ويروى " أعيروني " وكلاهما أمر من العارية، وهي أن تعطى غيرك ما ينتفع به مع بقاء عينه ثم يرده إليك " القدوم " بفتح القاف وضم الدال المخففة الآلة التي ينجر بها الخشب " أخط بها " أي أنحت بها، وأصل الخط من قولهم: خط بأصبعه في الرمل " قبرا " المراد به الجفن، أي القراب، وهو الجراب الذي يغمد فيه السيف " لابيض ماجد " لسيف صقيل. الاعراب: " فقلت " فعل وفاعل " أعيراني " أعيرا: فعل أمر مبني على حذف النون، والالف ضمير الاثنين فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول لاعيرا " القدوم " مفعول ثان لاعيرا " لعلني " لعل: حرف تعليل ونصب، والنون للوقاية، والياء اسمها " أخط " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، وجملة المضارع وفاعله في محل رفع خبر لعل " بها " جار ومجرور متعلق بأخط " قبرا " مفعول به لاخط " لابيض " اللام حرف جر، وأبيض مجرور بها، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لانه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصفية ووزن الفعل، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لقبر " ماجد " صفة لابيض، مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " لعلني " حيث جاء بنون الوقاية مع لعل، وهو قليل. ونظيره قول حاتم الطائي يخاطب امرأته، وكانت قد لامته على البذل والجود: أريني جوادا مات هزلا لعلني أرى ما ترين، أو بخيلا مخلدا والكثير في الاستعمال حذف النون مع " لعل " وهو الذي استعمله القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (لعلي أبلغ الاسباب) وقوله سبحانه: (لعلي أعمل صالحا)، ومنه قول الفرزدق: وإني لراج نظرة قبل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها وقول الآخر: ولي نفس تنازعني إذا ما أقول لها: لعلي أو عساني (8 - شرح ابن عقيل - 1) (*)

[ 114 ]

ثم ذكر أنك بالخيار في الباقيات، أي: في باقي أخوات ليت ولعل - وهي: إن، وأن، وكأن، ولكن - فتقول: إني وإنني، وأني وأنني، وكأني وكأنني، ولكني ولكنني. ثم ذكر أن " من، وعن " تلزمهما نون الوقاية، فتقول: مني وعني - بالتشديد - ومنهم من يحذف النون، فيقول: مني وعني - بالتخفيف - وهو شاذ، قال الشاعر: 20 - أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني * * *.


20 - وهذا البيت أيضا من الشواهد المجهول قائلها، بل قال ابن الناظم: إنه من وضع النحويين، وقال ابن هشام عنه " وفي النفس من هذا البيت شئ " ووجه تشكك هذين العالمين المحققين في هذا البيت أنه قد اجتمع الحرفان " من " و " عن " وأتى بهما على لغة غير مشهورة من لغات العرب، وهذا يدل على قصد ذلك وتكلفه. اللغة: " قيس " هو قيس عيلان أبو قبيلة من مضر، واسمه الناس - بهمزة وصل ونون - ابن مضر بن نزار، وهو أخو إلياس - بياء مثناة تحتية - وقيس هنا غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، لانه بمعنى القبيلة، وبعضهم يقول: قيس ابن عيلان. الاعراب: " أيها " أي: منادى حذف منه ياء النداء، مبني على الضم في محل نصب، وها للتنبيه " السائل " صفة لاي " عنهم " جار ومجرور متعلق بالسائل " وعني " معطوف على عنهم " لست " ليس: فعل ماض ناقص، والتاء اسمها " من قيس " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس " ولا " الواو عاطفة، ولا نافية " قيس " مبتدأ " مني " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهذه الجملة معطوفة على جملة ليس واسمها وخبرها. الشاهد فيه: قوله " عني " و " مني " حيث حذف نون الوقاية منهما شذوذا للضرورة. (*)

[ 115 ]

وفي لدني لدني قل، وفي قدني وقطني الحذف أيضا قد يفي (1) أشار بهذا إلى أن الفصيح في " لدني " إثبات النون، كقوله تعالى: (قد بلغت من لدني عذرا) ويقل حذفها، كقراءة من قرأ (من لدني) بالتخفيف والكثير في " قد، وقط " ثبوت النون، نحو: قدني وقطني، ويقل الحذف نحو: قدي وقطي، أي حسبي، وقد اجتمع الحذف والاثبات في قوله: 21 - قدني من نصر الخبيبين قدي [ ليس الامام بالشحيح الملحد ] * * *.


(1) " في لدنى " جار ومجرور متعلق بقل " لدنى " قصد لفظه: مبتدأ " قل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على لدنى المخففة، والجملة من قل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وفي قدني " جار ومجرور متعلق بيفي الآتي " وقطني " معطوف على قدني " الحذف " مبتدأ " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " قد " حرف تقليل " يفي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الحذف، والجملة من يفي وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " الحذف " والجملة معطوفة على جملة المبتدأ والخبر السابقة. 21 - هذا البيت لابي نخيلة حميد بن مالك الارقط، أحد شعراء عصر بني أمية، من أرجوزة له يمدح بها الحجاج بن يوسف الثقفي، ويعرض بعبد الله بن الزبير. اللغة: أراد بالخبيبين عبد الله بن الزبير - وكنيته أبو خبيب - (ومصعبا أخاه، وغلبه لشهرته، ويروى " الخبيبين " - بصيغة الجمع - يريد أبا خبيب وشيعته، ومعنى " قدني " حسبي وكفاني " ليس الامام إلخ " أراد بهذه الجملة التعريض بعبد الله بن الزبير، لانه كان قد نصب نفسه خليفة بعد موت معاوية بن يزيد، وكان - مع ذلك - مبخلا لا تبض يده بعطاء. الاعراب: " قدني " قد: اسم بمعنى حسب مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع، والنون للوقاية، وقد مضاف والياء التي للمتكلم مضاف إليه مبني على السكون في = (*)

[ 116 ]

.


= محل جر " من نصر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ونصر مضاف و " الخبيبين " مضاف إليه " قدى " يجوز أن يكون قد هنا اسم فعل، وقد جعله ابن هشام اسم فعل مضارع بمعنى يكفيني، وجعله غيره اسم فعل ماض بمعنى كفاني، وجعله آخرون اسم فعل أمر بمعنى ليكفني، وهذا رأي ضعيف جدا، وياء المتكلم على هذه الآراء مفعول به، ويجوز أن يكون قد اسما بمعنى حسب مبتدأ، وياء المتكلم مضاف إليه، والخبر محذوف، وجملة المبتدأ وخبره مؤكدة لجملة المبتدأ وخبره السابقة " ليس " فعل ماض ناقص " الامام " اسمها " بالشحيح " الباء حرف جر زائد، الشحيح: خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد " الملحد " صفة للشحيح. الشاهد فيه: قوله " قدني " و " قدى " حيث أثبت النون في الاولى وحذفها من الثانية وقد اضطربت عبارات النحويين في ذلك، فقال قوم: إن الحذف غير شاذ، ولكنه قليل، وتبعهم المصنف والشارح، وقال سيبويه: " وقد يقولون في الشعر قطى وقدى فأما الكلام فلا بد فيه من النون، وقد اضطر الشاعر فقال قدى شبهه بحسبي لان المعنى واحد " اه‍. وقال الاعلم: " وإثباتها (النون) في قد وقط هو المستعمل، لانهما في البناء ومضارعة الحروف بمنزلة من وعن، فتلزمهما النون المكسورة قبل الياء، لئلا يغير آخرهما عن السكون " اه‍ وقال الجوهري: " وأما قولهم قدك بمعنى حسب فهو اسم، وتقول: قدى، وقدني أيضا بالنون على غير قياس، لان هذه النون إنما تزاد في الافعال وقاية لها، مثل ضربني وشتمني " وقال ابن (بري) ؟ يرد على الجوهري " وهم الجوهري في قوله إن النون في قدني زيدت على غير قياس " وجعل النون مخصوصا بالفعل لا غير، وليس كذلك، وإنما تزاد وقاية لحركة أو سكون في فعل أو حرف، كقولك في من وعن إذا أضفتهما لنفسك: مني وعني، فزدت نون الوقاية لتبقى نون من وعن على سكونها، وكذلك في قد وقط، وتقول: قدني وقطني، فتزيد نون الوقاية لتبقى الدال والطاء على سكونها، وكذلك زادوها في ليت، فقالوا: ليتني، لتبقى حركة التاء على حالها، وكذلك قالوا في ضرب: ضربني، لتبقى الباء على فتحها، وكذلك قالوا في اضرب: اضربني، أدخلوا نون الوقاية لتبقى الباء على سكونها " اه‍.

[ 117 ]

.


ولابن هشام ههنا كلام كثير وتفريعات طويلة لم يسبقه إليها أحد من قدامى العلماء وهي في مغنى اللبيب، وقد عنينا بذكرها والرد عليها في حواشينا المستفيضة على شرح الاشموني فارجع إليها هناك إن شئت (وانظر الابيات التي أنشدناها في شرح الشاهد رقم 18 ففيها شاهد لهذه المسألة، وهو رابع تلك الابيات). هذا، ولم يتكلم المصنف ولا الشارح عن الاسم المعرب إذا أضيف لياء المتكلم. واعلم أن الاصل في الاسم المعرب ألا تتصل به نون الوقاية، نحو ضاربي ومكرمي وقد ألحقت نون الوقاية باسم الفاعل المضاف إلى ياء المتكلم في قوله صلى الله عليه وسلم: " فهل أنتم صادقوني " وفي قول الشاعر: وليس الموافيني ليرفد خائبا فإن له أضعاف ما كان أملا وفي قول الآخر: ألا فتى من بني ذبيان يحملني وليس حاملني إلا ابن حمال وفي قول الآخر: وليس بمعييني وفي الناس ممتع صديق إذا أعيا علي صديق كما لحقت أفعل التفضيل في قوله صلى الله عليه وسلم " غير الدجال أخوفني عليكم " لمشابهة أفعل التفضيل لفعل التعجيب. (*)

[ 118 ]

العلم (1) اسم يعين المسمى مطلقا علمه: كجعفر، وخرنقا (2) وقرن، وعدن، ولاحق، وشذقم، وهيلة، وواشق (3) العلم هو: الاسم الذي يعين مسماه مطلقا، أي بلا قيد التكلم أو الخطاب أو الغيبة، فالاسم: جنس يشمل النكرة والمعرفة، و " يعين مسماه ": فصل أخرج النكرة، و " بلا قيد " أخرج بقية المعارف، كالمضمر، فإنه يعين مسماه بقيد التكلم ك‍ " أنا " أو الخطاب ك‍ " أنت " أو الغيبة ك‍ " هو "، ثم مثل الشيخ بأعلام الاناسي وغيرهم، تنبيها على أن مسميات الاعلام العقلاء وغيرهم من المألوفات، فجعفر: اسم رجل، وخرنق: اسم امرأة من شعراء العرب (4)،.


(1) هو في اللغة مشترك لفظي بين معان، منها الجبل، قال الله تعالى: (وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام) أي كالجبال، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا: وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار ومنها الراية التي تجعل شعارا للدولة أو الجند، ومنها العلامة، ولعل المعنى الاصطلاحي مأخوذ من هذا الاخير، وأصل الترجمة " هذا باب العلم " فحذف المبتدأ، ثم الخبر، وأقام المضاف إليه مقامه، وليس يخفى عليك إعرابه. (2) " اسم " مبتدأ " يعين " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم " المسمى " مفعول به ليعين، والجملة من يعين وفاعله ومفعوله في محل رفع صفة لاسم " مطلقا " حال من الضمير المستتر في يعين " علمه " علم: خبر المبتدأ، وعلم مضاف والضمير مضاف إليه، ويجوز العكس، فيكون " اسم يعين المسمى " خبرا مقدما، و " علمه " مبتدأ مؤخرا " كجعفر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وتقدير الكلام: وذلك كائن كقولك جعفر إلخ. (3) " وخرنقا، وقرن، وعدن، ولاحق، وشذقم، وهيلة، وواشق " كلهن معطوفات على جعفر. (4) لعل الاولى - بل الاصوب - أن يقول " من شواعر العرب ". (*)

[ 119 ]

وهي أخت طرفة بن العبد لامه، وقرن: اسم قبيلة، وعدن: اسم مكان، ولاحق: اسم فرس، وشذقم: اسم جمل، وهيلة: اسم شاة، وواشق: اسم كلب. * * * واسما أتى، وكنية، ولقبا وأخرن ذا إن سواه صحبا (1) ينقسم العلم إلى ثلاثة أقسام: إلى اسم، وكنية، ولقب، والمراد بالاسم هنا ما ليس بكنية ولا لقب، كزيد وعمرو، وبالكنية: ما كان في أوله أب أو أم، كأبي عبد الله وأم الخير، وباللقب: ما أشعر بمدح كزين العابدين، أو ذم كأنف الناقة. وأشار بقوله " وأخرن ذا - إلخ " إلى أن اللقب إذا صحب الاسم وجب تأخيره، كزيد أنف الناقة، ولا يجوز تقديمه على الاسم، فلا تقول: أنف الناقة زيد، إلا قليلا، ومنه قوله:.


(1) " واسما " حال من الضمير المستتر في أتى " أتى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى العلم " وكنية، ولقبا " معطوفان على قوله اسما " وأخرن " الواو حرف عطف، أخر: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذا " مفعول به لاخر، وهو اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب " إن " حرف شرط " سواه " سوى: مفعول به مقدم لصحب، وسوى مضاف، وضمير الغائب العائد إلى اللقب مضاف إليه " صحبا " صحب: فعل ماض فعل الشرط، مبني على الفتح في محل جزم، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اللقب، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن صحب اللقب سواه فأخره. (*)

[ 120 ]

22 - بأن ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا ببطن شريان يعوي حوله الذيب.


22 - البيت لجنوب أخت عمرو ذي الكلب بن العجلان أحد بني كاهل، وهو من قصيدة لها ترثيه بها، وأولها: كل امرئ بمحال الدهر مكذوب وكل من غالب الايام مغلوب اللغة: " محال الدهر " بكسر الميم، بزنة كتاب - كيده أو مكره، وقيل: قوته وشدته " شريان " - بكسر أوله وسكون ثانيه - موضع بعينه، أو واد، أو هو شجر تعمل منه القسى " يعوى حوله الذيب " كناية عن موته، والباء من قولها " بأن " متعلقة بأبلغ في بيت قبل بيت الشاهد، وهو قوله: أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلغهم عني حديثا، وبعض القول تكذيب الاعراب: " بأن " الباء حرف جر، وأن: حرف توكيد ونصب " ذا " بمعنى صاحب اسم أن، منصوب بالالف نيابة عن الفتحة لانه من الاسماء الستة، وذا مضاف و " الكلب " مضاف إليه " عمرا " بدل من ذا " خيرهم " خير: صفة لعمرا، وخير مضاف والضمير مضاف إليه " حسبا " تمييز " ببطن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أن، وبطن مضاف و " شريان " مضاف إليه " يعوى " فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل " حوله " حول: ظرف متعلق بيعوى، وحول مضاف وضمير الغائب العائد إلى عمرو مضاف إليه " الذيب " فاعل يعوى، والجملة في محل نصب حال من عمرو، ويجوز أن يكون قولها " ببطن " جارا ومجرورا متعلقا بمحذوف حال من عمرو، وتكون جملة " يعوى إلخ " في محل رفع خبر أن، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بأبلغ في البيت الذي أنشدناه. الشاهد فيه: قولها " ذا الكلب عمرا " حيث قدمت اللقب - وهو قولها " ذا الكلب " - على الاسم - وهو قولها " عمرا " - والقياس أن يكون الاسم مقدما على اللقب، ولو جاءت بالكلام على ما يقتضيه القياس لقالت " بأن عمرا ذا الكلب ". وإنما وجب في القياس تقديم الاسم وتأخير اللقب لان الاسم يدل على الذات وحدها واللقب يدل عليها وعلى صفة مدح أو ذم كما هو معلوم، فلو جئت باللقب أولا لما كان = (*)

[ 121 ]

وظاهر كلام المصنف أنه يجب تأخير اللقب إذا صحب سواه، ويدخل تحت قوله " سواه " الاسم والكنية، وهو إنما يجب تأخيره مع الاسم، فأما مع الكنية فأنت بالخيار (1) بين أن تقدم الكنية على اللقب، فتقول: أبو عبد الله زين


= لذكر الاسم بعده فائدة، بخلاف ذكر الاسم أولا، فإن الاتيان بعده باللقب يفيد هذه الزيادة. ومثل هذا البيت في تقديم اللقب على الاسم قول أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم الانصاري الخزرجي: أنا ابن مزيقيا عمرو، وجدي أبوه عامر ماء السماء والشاهد في قوله " مزيقيا عمرو " فإن " مزيقيا " لقب، و " عمرو " اسم صاحب اللقب، وقد قدم هذا اللقب على الاسم كما ترى، أما قوله " عامر ماء السماء " فقد جاء على الاصل، (1) هذا الذي ذكره الشارح هو ما ذكره كبار النحويين من جواز تقديم الكنية على اللقب أو تأخيرها عنه، والذي نريد أن ننبه عليه أن الشارح وغيره - كصاحب التوضيح ابن هشام الانصاري - ذكروا أن قول ابن مالك * وأخرن ذا إن سواه صحبا * موهم لخلاف المراد، معتمدين في ذلك على مذهب جمهرة النحاة، لكن قال السيوطي في همعه: إن كان (أي اللقب) مع الكنية فالذي ذكروه جواز تقدمه عليها، وتقدمها عليه، ومقتضى تعليل ابن مالك امتناع تقديمه عليها، وهو المختار، وهذا يفيد أن الذي يوهمه كلام المصنف مقصود له، وأن مذهبه وجوب تأخير اللقب على ما عداه، سواء أكان اسما أم كنية، وكنت قد كتبت على هامش نسختي تصحيحا لبيت المصنف هذا نصه: " وأخرن هذا إن اسما صحبا " ثم ظهر لي أن لا يجوز تصحيح العبارة بشئ مما ذكرناه وذكره الشارح أو غيره، وعبارة ابن هشام في أوضح المسالك تفيد أن هذه العبارة التي اعترضها الشارح قد وردت على وجه صحيح في نظر الجمهور، قال ابن هشام: " وفي نسخة من الخلاصة ما يقتضي أن اللقب يجب تأخيره عن الكنية كأبي عبد الله أنف الناقة، وليس كذلك " اه‍. ومعنى ذلك أنه قد وردت في النسخة المعتمدة عنده على الوجه الصحيح في نظر الجمهور، وقد ذكر الشارح هنا نص هذه النسخة. (*)

[ 122 ]

العابدين، وبين أن تقدم اللقب على الكنية، فتقول: زين العابدين أبو عبد الله، ويوجد في بعض النسخ بدل قوله: * " وأخرن ذا إن سواه صحبا " *: * " وذا اجعل آخرا إذا اسما صحبا " * وهو أحسن منه، لسلامته مما ورد على هذا، فإنه نص في أنه إنما يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم، ومفهومه أنه لا يجب ذلك مع الكنية، وهو كذلك، كما تقدم، ولو قال: " وأخرن ذا إن سواها صحبا " لما ورد عليه شئ، إذ يصير التقدير: وأخر اللقب إذا صحب سوى الكنية، وهو الاسم، فكأنه قال: وأخر اللقب إذا صحب الاسم. * * * وإن يكونا مفردين فأضف حتما، وإلا أتبع الذي ردف (1) إذا اجتمع الاسم واللقب: فإما أن يكونا مفردين، أو مركبين، أو الاسم مركبا واللقب مفردا، أو الاسم مفردا واللقب مركبا..


(1) " إن " حرف شرط " يكونا " فعل مضارع متصرف من كان الناقصة فعل الشرط مجزوم بإن، وعلامة جزمه حذف النون، والالف اسمها مبني على السكون في محل رفع " مفردين " خبر يكون منصوب بالياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها لانه مثنى " فأضف " الفاء واقعة في جواب الشرط، وأضف: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط " حتما " مفعول مطلق " وإلا " الواو عاطفة، إلا: هو عبارة عن حرفين أحدهما إن، والآخر لا، فأدغمت النون في اللام، وإن حرف شرط، ولا: نافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه الكلام السابق: أي وإن لم يكونا مفردين " أتبع " فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وحذف الفاء منها للضرورة، لان جملة جواب الشرط إذا كانت طلبية وجب اقترانها بالفاء فكان عليه أن يقول: وإلا فأتبع " الذي " اسم موصول مفعول به لاتبع، مبني على السكون في محل نصب " ردف " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، وجملة ردف وفاعله المستتر فيه لا محل لها من الاعراب صلة الموصول وهو " الذي ". (*)

[ 123 ]

فإن كانا مفردين وجب عند البصريين الاضافة (1)، نحو: هذا سعيد كرز، ورأيت سعيد كرز، ومررت بسعيد كرز، وأجاز الكوفيون الاتباع، فتقول: هذا سعيد كرز، ورأيت سعيدا كرزا، ومررت بسعيد كرز، ووافقهم المصنف على ذلك في غير هذا الكتاب. وإن لم يكونا مفردين - بأن كانا مركبين، نحو عبد الله أنف الناقة، أو مركبا ومفردا، نحو عبد الله كرز، وسعيد أنف الناقة - وجب الاتباع، فتتبع الثاني الاول في إعرابه، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب، نحو مررت بزيد أنف الناقة، وأنف الناقة، فالرفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: هو أنف الناقة، والنصب على إضمار فعل، والتقدير: أعني أنف الناقة، فيقطع مع المرفوع إلى النصب، ومع المنصوب إلى الرفع، ومع المجرور إلى النصب أو الرفع، نحو هذا زيد أنف الناقة، ورأيت زيدا أنف الناقة، ومررت بزيد أنف الناقة، وأنف الناقة. * * *.


(1) وجوب الاضافة عندهم مشروط بما إذا لم يمنع منها مانع: كأن يكون الاسم مقترنا بأل، فإنه لا تجوز فيه الاضافة، فتقول: جاءني الحارث كرز، بإتباع الثاني للاول بدلا أو عطف بيان، إذ لو أضفت الاول للثاني للزم على ذلك أن يكون المضاف مقرونا بأل والمضاف إليه خاليا منها ومن الاضافة إلى المقترن بها، وذلك لا يجوز عند جمهور النحاة. قال أبو رجاء غفر الله تعالى له ولوالديه: بقي أن يقال: كيف أوجب البصريون هنا إضافة الاسم إلى اللقب إذا كانا مفردين ولا مانع، مع أن مذهبهم أنه لا يجوز أن يضاف اسم إلى ما اتحد به في المعنى كما سيأتي في باب الاضافة ؟ ويمكن أن يجاب عن هذا بأن امتناع إضافة الاسم إلى ما اتحد به في المعنى إنما هو في الاضافة الحقيقية التي يعرف فيها المضاف بالمضاف إليه، وإضافة الاسم إلى اللقب من قبيل الاضافة اللفظية على ما اختاره الزمخشري. (*)

[ 124 ]

ومنه منقول: كفضل وأسد وذو ارتجال: كسعاد، وأدد (1) وجملة، وما بمزج ركبا، ذا إن بغير " ويه " تم أعربا (2) وشاع في الاعلام ذو الاضافة كعبد شمس وأبي قحافه (3).


(1) " ومنه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " منقول " مبتدأ مؤخر " كفضل " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كفضل " وأسد " معطوف على فضل " وذو " الواو عاطفة، وذو: معطوف على قوله منقول وذو مضاف و " ارتجال " مضاف إليه " كسعاد " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كائن كسعاد " وأدد " معطوف على سعاد. (2) " وجملة " مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: ومنه جملة، وجملة المبتدأ والخبر معطوفة بالواو على جملة " ومنه منقول "، " وما " الواو عاطفة، وما اسم موصول معطوف على جملة، مبني على السكون في محل رفع " بمزج " جار ومجرور متعلق بقوله ركب الآتي " ركبا " ركب: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والالف للاطلاق، والجملة من الفعل ونائب الفاعل لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " ذا " اسم إشارة مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع " إن " حرف شرط " بغير " جار ومجرور متعلق بقوله تم الآتي، وغير مضاف و " ويه " قصد لفظه: مضاف إليه " تم " فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط " أعرب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ذا، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه خبر المبتدأ، وتقدير الكلام: هذا أعرب، إن تم بغير لفظ ويه أعرب. (3) " وشاع " فعل ماض " في الاعلام " جار ومجرور متعلق بقوله شاع " ذو " فاعل شاع، وذو مضاف، و " الاضافة " مضاف إليه " كعبد " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كعبد، وعبد مضاف و " شمس " مضاف إليه " وأبي " الواو عاطفة، وأبي: معطوف على عبد، مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لانه من الاسماء الخمسة، وأبي مضاف " وقحافه " مضاف إليه. (*)

[ 125 ]

ينقسم العلم إلى: مرتجل، وإلى منقول، فالمرتجل هو: ما لم يسبق له استعمال قبل العلمية في غيرها، كسعاد، وأدد، والمنقول: ما سبق له استعمال في غير العلمية، والنقل إما من صفة كحارث، أو من مصدر كفضل، أو من اسم جنس كأسد، وهذه تكون معربة، أو من جملة: كقام زيد، وزيد قائم (1)، وحكمها أنها تحكى، فتقول: جاءني زيد قائم، ورأيت زيد قائم، ومررت بزيد قائم، وهذه من الاعلام المركبة. ومنها أيضا: ما ركب تركيب مزج، كبعلبك، ومعدي كرب، وسيبويه. وذكر المصنف أن المركب تركيب مزج: إن ختم بغير " ويه " أعرب، ومفهومه أنه إن ختم ب‍ " ويه " لا يعرب، بل يبنى، وهو كما ذكره، فتقول: جاءني بعلبك، ورأيت بعلبك، ومررت ببعلبك، فتعربه إعراب ما لا ينصرف، ويجوز فيه أيضا البناء على الفتح، فتقول: جاءني بعلبك، ورأيت بعلبك، ومررت ببعلبك، ويجوز [ أيضا ] أن يعرب أيضا إعراب المتضايفين، فتقول: جاءني حضر موت، ورأيت حضر موت، ومررت بحضر موت. وتقول [ فيما ختم بويه ]: جاءني سيبويه، ورأيت سيبويه، ومررت بسيبويه، فتبنيه على الكسر، وأجاز بعضهم إعرابه إعراب ما لا ينصرف، نحو جاءني سيبويه، ورأيت سيبويه، ومررت بسيبويه..


(1) الذي سمع عن العرب هو النقل من الجمل الفعلية، فقد سموا " تأبط شرا " وسموا " شاب قرناها " ومنه قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بني شاب قرناها تصر وتحلب وسموا " ذرى حبا " ويشكر، ويزيد، وتغلب، فأما الجملة الاسمية فلم يسموا بها، وإنما قاسها النحاة على الجملة الفعلية. (*)

[ 126 ]

ومنها: ما ركب تركيب إضافة: كعبد شمس، وأبي قحافة، وهو معرب، فتقول: جاءني عبد شمس وأبو قحافة، ورأيت عبد شمس وأبا قحافة، ومررت بعبد شمس وأبي قحافة. ونبه بالمثالين على أن الجزء الاول، يكون معربا بالحركات، ك‍ " عبد "، وبالحروف، ك‍ " أبي "، وأن الجزء الثاني، يكون منصرفا، ك‍ " شمس "، وغير منصرف، ك‍ " قحافة ". * * * ووضعوا لبعض الاجناس علم كعلم الاشخاص لفظا، وهو عم (1) من ذاك: أم عريط للعقرب، وهكذا ثعالة للثعلب (2).


(1) " ووضعوا " الواو عاطفة، ووضع: فعل ماض، والواو ضمير الجماعة فاعل مبني على السكون في محل رفع " لبعض " جار ومجرور متعلق بوضعوا، وبعض مضاف، و " الاجناس " مضاف إليه " علم " مفعول به لوضعوا، وأصله منصوب منون فوقف عليه بالسكون على لغة ربيعة " كعلم " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لعلم، وليس حالا منه لانه نكرة وصاحب الحال إنما يكون معرفة، وعلم مضاف، و " الاشخاص " مضاف إليه " لفظا " تمييز لمعنى الكاف، أي: مثله من جهة اللفظ " وهو " ضمير منفصل مبتدأ " عم " يجوز أن يكون فعلا ماضيا، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الضمير العائد إلى علم الجنس، وعلى هذا تكون الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون عم أفعل تفضيل وأصله أعم فسقطت همزته لكثرة الاستعمال كما سقطت من خير وشر، ويكون أفعل التفضيل على غير بابه، وهو خبر عن الضمير الواقع مبتدأ. (2) " من " حرف جر " ذاك " ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بمن، والكاف حرف خطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " أم " مبتدأ مؤخر، وأم مضاف و " عريط " مضاف إليه " للعقرب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر، والتقدير: أم عريط كائن من ذاك حال كونه علما للعقرب " وهكذا " الواو عاطفة، وها: حرف تنبيه، والكاف حرف جر، وذا: اسم =

[ 127 ]

ومثله برة للمبره، كذا فجار علم للفجره (1) العلم على قسمين: علم آشخص، وعلم جنس. فعلم الشخص له حكمان: معنوي، وهو: أن يراد به واحد بعينه: كزيد، وأحمد، ولفظي، وهو صحة مجئ الحال متأخرة عنه، نحو " جاءني زيد ضاحكا " ومنعه من الصرف مع سبب آخر غير العلمية، نحو " هذا أحمد ومنع دخول الالف واللام عليه، فلا تقول " جاء العمرو " (2)..


= إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " ثعالة " مبتدأ مؤخر " للثعلب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر كما تقدم فيما قبله. (1) " ومثله " الواو عاطفة، مثل: خبر مقدم، ومثل مضاف والهاء ضمير غائب عائد على المذكور قبله من الامثلة مضاف إليه، مبني على الضم في محل جر " برة " مبتدأ مؤخر " للمبرة " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الخبر، لانه في تقدير مشتق " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " فجار " مبتدأ مؤخر، مبني على الكسر في محل رفع " علم " مبتدأ خبره محذوف " للفجرة " جار ومجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف، والتقدير: فجار كذا علم موضوع للفجرة، ويجوز أن يكون قوله " للفجرة " جارا ومجرورا في محل الوصف لعلم، ويجوز غير هذين الاعرابين لعلم أيضا، فتأمل. (2) اعلم أن العلم بحسب الاصل لا تدخله الالف واللام، ولا يضاف، وذلك لانه معرفة بالعلمية، وأل والاضافة وسيلتان للتعريف، ولا يجوز أن يجتمع على الاسم الواحد معرفان، إلا أنه قد يحصل الاشتراك الاتفاقي في الاسم العلم، فيكون لك صديقان اسم كل واحد منهما زيد أو عمرو، مثلا. وفي هذه الحالة يشبه العلم اسم الجنس، فتصل به أل، وتضيفه، كما تفعل ذلك برجل وغلام، وقد جاء ذلك عنهم، فمن دخول " أل " على علم الشخص قول أبي النجم العجلي: باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبواب على قصورها = (*)

[ 128 ]

وعلم الجنس كعلم الشخص في حكمه [ اللفظي ]، فتقول: " هذا أسامه مقبلا " فتمنعمن الصرف، وتأتي بالحال بعده، ولا تدخل عليه الالف واللام، فلا تقول: " هذا الاسامة " (1)..


= وقول الاخطل التغلبي: وقد كان منهم حاجب وابن أمه أبو جندل والزيد زيد المعارك وفي هذا البيت اقتران العلم بأل، وإضافته. ومن مجئ العلم مضافا قولهم: ربيعة الفرس، وأنمار الشاة، ومضر الحمراء، وقال رجل من طيئ: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان وقال ربيعة الرقي: لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والاغر ابن حاتم وقال الراجز يخاطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يا عمر الخير جزيت الجنه اكس بنياتي وأمهنه * أقسمت بالله لتفعلنه * والشواهد على ذلك كثيرة، وانظر ص 87 السابقة. (1) ذكر الشارح من أحكام العلم اللفظية ثلاثة أحكام يشترك فيها النوعان، وترك ثلاثة أخرى: (الاول) أنه يبتدأ به بلا احتياج إلى مسوغ، تقول: أسامة مقبل: وثعالة هارب، كما تقول: علي حاضر، وخالد مسافر. (الثاني) أنه لا يضاف بحسب أصل وضعه، فلا يجوز أن تقول: أسامتنا، كما يمتنع أن تقول: محمدنا، فإن حصل فيه الاشتراك الاتفاقي صحت إضافته على ما علمت في علم الشخص. (الثالث) أنه لا ينعت بالنكرة، لانه معرفة، ومن شرط النعت أن يكون مثل المنعوت في تعريفه أو تنكيره كما هو معلوم. (*)

[ 129 ]

وحكم علم الجنس في المعنى كحكم النكرة: من جهة أنه لا يخص واحدا بعينه، فكل أسد يصدق عليه أسامة، وكل عقرب يصدق عليها أم عريط، وكل ثعلب يصدق عليه ثعالة. وعلم الجنس: يكون للشخص، كما تقدم، ويكون للمعنى كما مثل بقوله: " برة للمبرة، وفجار للفجرة ". * * * (9 - شرح ابن عقيل - 1) (*)

[ 130 ]

اسم الاشارة بذا لمفرد مذكر أشر بذي وذه تي تا على الانثى اقتصر (1) يشار إلى المفرد المذكر ب‍ " ذا " ومذهب البصريين أن الالف من نفس الكلمة، وذهب الكوفيون إلى أنها زائدة (2)..


(1) " بذا " جار ومجرور متعلق بقوله " أشر " الآتي " لمفرد " جار ومجرور متعلق بأشر كذلك " مذكر " نعت لمفرد " أشر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بذي " جار ومجرور متعلق بقوله اقتصر الآتي " وذه " الواو عاطفة، وذه: معطوف على ذي " تي تا " معطوفان على ذي بإسقاط حرف العطف " على الانثى " جار ومجرور متعلق بقوله اقتصر الآتي أيضا " اقتصر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وجملة " اقتصر " معطوفة على جملة " أشر " بإسقاط العاطف. (2) ههنا ثلاثة أمور، أولها: أن الشارح لم يذكر - تبعا للمصنف - في هذا الكتاب من ألفاظ الاشارة إلى المفرد المذكر سوى " ذا " وقد ذكر العلماء أربعة ألفاظ أخرى: الاول " ذاء " بهمزة مكسورة بعد الالف، والثاني " ذائه " بهاء مكسورة بعد الهمزة المكسورة، والثالث " ذاؤه " بهمزة مضمومة وبعدها هاء مضمومة، الرابع " آلك " بهمزة ممدودة بعدها لام ثم كاف، وممن ذكر ذلك الناظم في كتابه التسهيل. الامر الثاني: أن " ذا " إشارة للمفرد، وهذا المفرد إما أن يكون مفردا حقيقة أو حكما، فالمفرد الحقيقي نحو: هذا زيد، وهذا خالد، وهذا الكتاب، والمفرد حكما نحو: هذا الرهط، وهذا الفريق، ومنه قول الله تعالى: (عوان بين ذلك) أي بين المذكور من الفارض والبكر، وربما استعمل " ذا " في الاشارة إلى الجمع، كما في قول لبيد بن ربيعة العامري: ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد ؟ الامر الثالث: أن الاصل في " ذا " أن يشار به إلى المذكر حقيقة، كما في الامثلة التي ذكرناها، وقد يشار به إلى المؤنث إذا نزل منزلة المذكر، كما في قول الله تعالى: = (*)

[ 131 ]

ويشار إلى المؤنثة ب‍ " ذي "، و " ذه " بسكون الهاء، و " تي "، و " تا "، و " ذه " بكسر الهاء: باختلاس، وبإشباع، و " ته " بسكون الهاء، وبكسرها، باختلاس، وإشباع، و " ذات ". * * * وذان تان للمثنى المرتفع وفي سواه ذين تين اذكر تطع (1) يشار إلى المثنى المذكر في حالة الرفع ب‍ " ذان " وفي حالة النصب والجر ب‍ " ذين " وإلى المؤنثتين ب‍ " تان " في الرفع، و " تين " في النصب والجر. * * * وبأولى أشر لجمع مطلقا، والمد أولى، ولدى البعد انطقا (2).


= (فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي) أشار إلى الشمس وهي مؤنثة بدليل قوله (بازغة) - بقوله: (هذا ربي) لانه نزلها منزلة المذكر، ويقال: بل لانه أخبر عنها بمذكر، ويقال: بل لان لغة إبراهيم - عليه السلام ! - الذي ذكر هذا الكلام على لسانه لا تفرق بين المذكر والمؤنث. (1) " وذان " الواو عاطفة، ذان: مبتدأ " تان " معطوف عليه بإسقاط حرف العطف " للمثنى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " المرتفع " نعت للمثنى، وجملة المبتدأ وخبره معطوفة على ما قبلها " وفي سواه " الجار والمجرور متعلق بقوله " اذكر " الآتي، وسوى مضاف والهاء ضمير الغائب العائد إلى المثنى المرتفع مضاف إليه، وقد أعمل الحرف في " سوى " لانها عنده متصرفة " ذين " مفعول به مقدم على عامله وهو قوله " اذكر " الآتي " تين " معطوف على ذين بإسقاط حرف العطف " اذكر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وجملة " اذكر " معطوفة بالواو على ما قبلها. (2) " وبأولى " الواو عاطفة، والباء حرف جر، و " أولى " مجرور المحل بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله " أشر " الآتي " أشر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لجمع " جار ومجرور متعلق بقوله " أشر " السابق " مطلقا " حال من قوله " جمع " " والمد " مبتدأ " أولى " خبره " ولدى " الواو = (*)

[ 132 ]

بالكاف حرفا: دون لام، أو معه واللام - إن قدمت ها - ممتنعه (1) يشار إلى الجمع - مذكرا كان أو مؤنثا - ب‍ " أولى " ولهذا قال المصنف: " أشر لجمع مطلقا "، ومقتضى هذا أنه يشار بها إلى العقلاء وغيرهم، وهو كذلك، ولكن الاكثر استعمالها في العاقل، ومن ورودها في غير العاقل قوله: 23 - ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الايام.


= عاطفة، لدى: ظرف بمعنى عند متعلق بقوله انطق الآتي، ولدى مضاف و " البعد " مضاف إليه " انطقا " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف للاطلاق، ويجوز أن تكون الالف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة للوقف. (1) " بالكاف " جار ومجرور متعلق بقوله انطق في البيت السابق " حرفا " حال من " الكاف " " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال ثان من " الكاف " ودون مضاف و " لام " مضاف إليه " أو " حرف عطف " معه " مع: ظرف معطوف على الظرف الواقع متعلقه حالا وهو دون، ومع مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه " واللام " مبتدأ " إن " حرف شرط " قدمت " قدم: فعل ماض مبني على الفتح المقدر في محل جزم على أنه فعل الشرط، وتاء المخاطب فاعله، و " ها " مفعول به لقدم " ممتنعه " خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف دل عليه المبتدأ وخبره، والتقدير: واللام ممتنعة إن قدمت ها فاللام ممتنعة، وجملة الشرط وجوابه لا محل لها، لانها (معترضة) ؟ بين المبتدأ وخبره. 23 - البيت لجرير بن عطية بن الخطفي، من كلمة له يهجو فيها الفرزدق، وقبله - وهو المطلع - قوله: سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهموم يروم كل مرام اللغة: " ذم " فعل أمر من الذم، ويجوز لك في الميم تحريكها بإحدى الحركات الثلاث: الكسر، لانه الاصل في التخلص من التقاء الساكنين، فهو مبني على السكون وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف، لان الفتحة = (*)

[ 133 ]

وفيها لغتان: المد، وهي لغة أهل الحجاز، وهي الواردة في القرآن العزيز، والقصر، وهي لغة بني تميم. وأشار بقوله: " ولدى البعد انطقا بالكاف - إلى آخر البيت " إلى أن المشار إليه له رتبتان: القرب، والبعد، فجميع ما تقدم يشار به إلى القريب،.


= أخف الحركات، وهذه لغة بني أسد، والضم، لاتباع حركة الذال، وهذا الوجه أضعف الوجوه الثلاثة " المنازل " جمع منزل، أو منزلة، وهو محل النزول، وكونه ههنا جمع منزلة أولى، لانه يقول فيما بعد " منزلة اللوى " - واللوى - بكسر اللام مقصورا موضع بعينه " العيش " أراد به الحياة. المعنى: ذم كل موضع تنزل فيه بعد هذا الموضع الذي لقيت فيه أنواع المسرة، وذم أيام الحياة التي تقضيها بعد هذه الايام التي قضيتها هناك في هناءة وغبطة. الاعراب: " ذم " فعل أمر، مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وهو مفتوح الآخر للخفة أو مكسوره على الاصل في التخلص من التقاء الساكنين أو مضمومه للاتباع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المنازل " مفعول به لذم " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال من المنازل، وبعد مضاف و " منزلة " مضاف إليه، ومنزلة مضاف، و " اللوى " مضاف إليه " والعيش " الواو عاطفة، العيش: معطوف على المنازل " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال من العيش، وبعد مضاف وأولاء من " أولائك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الايام " بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان عليه. الشاهد فيه: قوله " أولئك " حيث أشار به إلى غير العقلاء، وهي " الايام " ومثله في ذلك قول الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وقد ذكر ابن هشام عن ابن عطية أن الرواية الصحيحة في بيت الشاهد * والعيش بعد أولئك الاقوام * وهذه هي رواية النقائض حين جرير والفرزدق، وعلى ذلك لا يكون في البيت شاهد، لان الاقوام عقلاء، والخطب في ذلك سهل، لان الآية الكريمة التي تلوناها كافية أعظم الكفاية للاستشهاد بها على جواز الاشارة بأولاء إلى الجمع من غير العقلاء. (*)

[ 134 ]

فإذا أريد الاشارة إلى البعيد أتي بالكاف وحدها، فتقول: " ذاك " أو الكاف واللام نحو " ذلك ". وهذه الكاف حرف خطاب، فلا موضع لها من الاعراب، وهذا لا خلاف فيه. فإن تقدم حرف التنبيه الذي هو " ها " على اسم الاشارة أتيت بالكاف وحدها، فتقول " هذاك " (1) وعليه قوله: 24 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد.


(1) إذا كان اسم الاشارة لمثنى أو لجمع فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز أن يؤتى بالكاف مع حرف التنبيه حينئذ، وذهب أبو حيان إلى أن ذلك قليل لا ممتنع، ومما ورد منه قول العرجي، وقيل: قائله كامل الثقفي: ياما أميلح غزلانا شدن لنا من هؤليائكن الضال والسمر الشاهد فيه هنا: قوله " هؤليائكن " فإنه تصغير " أولاء " الذي هو اسم إشارة إلى الجمع، وقد اتصلت به " ها " التنبيه في أوله، وكاف الخطاب في آخره. 24 - هذا البيت لطرفة بن العبد البكري، من معلقته المشهورة التي مطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقبل بيت الشاهد قوله: وما زال تشرابي الخمور ولذتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد اللغة: " خولة " اسم امرأة " أطلال " جمع طلل، بزنة جبل وأجبال، والطلل: ما شخص وظهر وارتفع من آثار الديار (كالاثافي) ؟ " برقة " بضم فسكون - هي كل رابية فيها رمل وطين أو حجارة، وفي بلاد العرب نيف ومائة برقة عدها صاحب القاموس، = (*)

[ 135 ]

ولا يجوز الاتيان بالكاف واللام، فلا تقول " هذالك ". وظاهر كلام المصنف أنه ليس للمشار إليه إلا رتبتان: قربى، وبعدي، كما قررناه، والجمهور على أن له ثلاث مراتب: قربى، ووسطى، وبعدي، فيشار إلى من في القربى بما ليس فيه كاف ولا لام: كذا، وذي، وإلى من في الوسطى بما فيه الكاف وحدها نحو ذاك، وإلى من في البعدى بما فيه كاف ولام، نحو " ذلك ". * * *.


= وألف فيها غير واحد من علماء اللغة، ومنها برقة ثهمد " تلوح " تظهر " الوشم " أن يغرز بالابرة في الجلد ثم يذر عليه الكحل أو دخان الشحم فيبقى سواده ظاهرا " البعير المعبد " الاجرب " بني غبراء " الغبراء هي الارض، سميت بهذا لغبرتها، وأراد ببني الغبراء الفقراء الذين لصقوا بالارض لشدة فقرهم، أو الاضياف، أو اللصوص " الطراف " بكسر الطاء بزنة الكتاب - البيت من الجلد، وأهل الطراف الممدد: الاغنياء. المعنى: يريد أن جميع الناس - من غير تفرقة بين فقيرهم وغنيهم - يعرفونه، ولا ينكرون محله من الكرم والمواساة للفقراء وحسن العشرة وطيب الصحبة للاغنياء وكأنه يتألم من صنبع قومه معه. الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " بني " مفعول به، وبني مضاف، و " غبراء " مضاف إليه، ثم إذا كانت رأى بصربة فجملة " لا ينكرونني " من الفعل وفاعله ومفعوله في محل نصب حال من بني غبراء، وإذا كانت رأى علمية وهو أولى فالجملة في محل نصب مفعول ثان لرأى " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " أهل " معطوف على الواو الذي هو ضمير الجماعة في قوله " لا ينكرونني " وأهل مضاف واسم الاشارة من " هذاك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الطراف " بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان عليه " الممدد " نعت للطراف. الشاهد فيه: قوله " هذاك " حيث جاء بها التنبيه مع الكاف وحدها، ولم يجئ باللام، ولم يقع لي - مع طويل البحث وكثرة الممارسة - نظير لهذا البيت مما اجتمعت فيه " ها " التنبيه مع كاف الخطاب بينهما اسم إشارة للمفرد، ولعل العلماء الذين قرروا = (*)

[ 136 ]

وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكان، وبه الكاف صلا (1) في البعد، أو بثم فه، أو هنا أو بهنالك انطقن، أو هنا (2) يشار إلى المكان القريب ب‍ " هنا " ويتقدمها هاء التنبيه، فيقال " ههنا "، ويشار إلى البعيد على رأي المصنف ب‍ " هناك، وهنالك، وهنا " بفتح الهاء وكسرها مع تشديد النون، وب‍ " ثم " و " هنت "، وعلى مذهب غيره " هناك " للمتوسط، وما بعده للبعيد. * * *


= هذه القواعد قد حفظوا من شواهد هذه المسألة ما لم يبلغنا، أو لعل قداماهم الذين شافهوا العرب قد سمعوا ممن يوثق بعربيته استعمال مثل ذلك في أحاديثهم في غير شذوذ ولا ضرورة تحوج إليه، فلهذا جعلوه قاعدة. (1) " وبهنا " الواو عاطفة، بهنا: جار ومجرور متعلق بقوله " أشر " الآتي، " أو " حرف عطف " ههنا " معطوف على هنا " أشر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إلى " حرف جر يتعلق بأشر " داني " مجرور بإلى، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وداني مضاف و " المكان " مضاف إليه " وبه " الواو عاطفة، به: جار ومجرور متعلق بقوله صلا الآتي " الكاف " مفعول به مقدم على عامله وهو صلا الآتي " صلا " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف للاطلاق، ويجوز أن تكون هذه الالف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة للوقف. (2) " في البعد " جار ومجرور متعلق بقوله " صلا " في البيت السابق " أو " حرف عطف معناه هنا التخيير " بثم " جار ومجرور متعلق بقوله " فه " الآتي " فه " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أو " حرف عطف " هنا " معطوف على قوله " ثم " السابق " أو " حرف عطف " بهنالك " جار ومجرور متعلق بقوله انطق الآتي " انطقن " انطق: فعل أمر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد الخفيفة حرف لا محل له من الاعراب " أو " حرف عطف " هنا " معطوف على قوله " هنالك ". (*)

[ 137 ]

الموصول موصول الاسماء الذي، الانثى التي، واليا إذا ما ثنيا لا تثبت (1) بل ما تليه أوله العلامه، والنون إن تشدد فلا ملامه (2).


(1) " موصول " مبتدأ أول، وموصول مضاف و " الاسماء " مضاف إليه " الذي " مبتدأ ثان، وخبر المبتدأ الثاني محذوف تقديره: منه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول " الانثى " مبتدأ " التي " خبره، والجملة معطوفة على الجملة الصغرى السابقة - وهي جملة المبتدأ الثاني وخبره - بحرف عطف مقدر، والرابط للجملة المعطوفة بالمبتدأ الاول مقدر وكان أصل الكلام: موصول الاسماء أنثاه التي، ويجوز أن يكون قوله " الانثى " مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: كائنة منه، فيكون على هذا قوله " التي " بدلا من الانثى " واليا " مفعول مقدم لقوله " لا تثبت " الآتي " إذا " ظرف ضمن معنى الشرط " ما " زائدة " ثنيا " ثنى: فعل ماض مبني للمجهول وألف الاثنين نائب فاعل، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها، وهي جملة الشرط " لا " ناهية " تثبت " فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى والوزن، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام، والتقدير: ولا تثبت الياء، إذا ثنيتهما - أي الذي والتي - فلا تثبتها. (2) " بل " حرف عطف معناه الانتقال " ما " اسم موصول مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والتقدير: بل أول - إلخ، فهو مبني على السكون في محل نصب " تليه " تلي: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هي يعود إلى الياء، والهاء ضمير الغائب العائد إلى ما مفعول به مبني على الكسر في محل نصب، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " أوله " أول: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت والضمير الذي للغائب مفعول أول " العلامه " مفعول ثان لاول " والنون " مبتدأ " إن " شرطية " تشدد " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على المبتدأ الذي هو النون " فلا " الفاء لربط الشرط = (*)

[ 138 ]

والنون من ذين وتين شددا أيضا، وتعويض بذاك قصدا (1) ينقسم الموصول إلى اسمي، وحرفي ولم يذكر المصنف الموصولات الحرفية، وهي خمسة أحرف: أحدها: " أن " المصدرية، وتوصل بالفعل المتصرف: ماضيا، مثل " عجبت من أن قام زيد " ومضارعا، نحو " عجبت من أن يقوم زيد " وأمرا، نحو " أشرت إليه بأن قم "، فإن وقع بعدها فعل غير متصرف - نحو قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وقوله تعالى: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) - فهي مخففة من الثقيلة. ومنها: " أن " وتوصل باسمها وخبرها، نحو " عجبت من أن زيدا قائم " ومنه قوله تعالى: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا) وأن المخففة كالمثقلة، وتوصل باسمها وخبرها، لكن اسمها يكون محذوفا، واسم المثقلة مذكورا. ومنها: " كي " وتوصل بفعل مضارع فقط، مثل " جئت لكي تكرم زيدا "..


= بالجواب، ولا: نافية للجنس " ملامه " اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، وسكونه للوقف، وخبر " لا " محذوف، وتقديره: فلا ملامة عليك، مثلا، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ. (1) " والنون " مبتدأ " من ذين " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه ضمير مستتر في " شددا " الآتي " وتين " معطوف على " ذين " " شددا " شدد: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النون، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " أيضا " مفعول مطلق حذف فعله العامل فيه " وتعويض " مبتدأ " بذاك " جار ومجرور متعلق بقوله قصد الآتي " قصدا " قصد: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تعويض، والجملة من قصد ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله تعويض. (*)

[ 139 ]

ومنها: " ما " وتكون مصدرية ظرفية، نحو " لا أصحبك ما دمت منطلقا " [ أي: مدة دوامك منطلقا ] وغير ظرفية، نحو " عجبت مما ضربت زيدا " وتوصل بالماضي، كما مثل، وبالمضارع، نحو " لا أصحبك ما يقوم زيد، وعجبت مما تضرب زيدا " ومنه (1): (بما نسوا يوم الحساب) وبالجملة الاسمية، نحو " عجبت مما زيد قائم، ولا أصحبك ما زيد قائم " وهو قليل (2)، وأكثر ما توصل الظرفية المصدرية بالماضي أو بالمضارع المنفي بلم، نحو " لا أصحبك ما لم تضرب زيدا " وبقل وصلها أعني المصدرية بالفعل المضارع الذي ليس منفيا بلم، نحو " لا أصحبك ما يقوم زيد " ومنه قوله: 25 - أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع.


(1) أي من وصلها بالفعل، بقطع النظر عن كونه ماضيا أو مضارعا. (2) اختلف النحويون فيما إذا وقع بعد " ما " هذه جملة اسمية مصدرة بحرف مصدري نحو قولهم: لا أفعل ذلك ما أن في السماء نجما، ولا أكلمه ما أن حراء مكانه فقال جمهور البصريين: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير على هذا: لا أكلمه ما ثبت كون نجم في السماء، وما ثبت كون حراء مكانه، فهو حينئذ من باب وصل " ما " المصدرية بالجملة الفعلية الماضوية، ووجه ذلك عندهم أن الاكثر وصلها بالافعال، والحمل على الاكثر أولى، وذهب الكوفيون إلى أن " أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع أيضا، إلا أن هذا المصدر المرفوع مبتدأ خبره محذوف، والتقدير على هذا الوجه: لا أفعل كذا ما كون حراء في مكانه ثابت، وما كون نجم في السماء موجود، فهو من باب وصل " ما " بالجملة الاسمية، لان ذلك أقل تقديرا. 25 - اشتهر أن هذا البيت للحطيئة - واسمه جرول - بهجو امرأته، وهو بيت مفرد ليس له سابق أو لاحق، وقد نسبه ابن السكيت في كتاب الالفاظ (ص 73 ط بيروت) - وتبعه الخطيب التبريزي في تهذيبه - إلى أبي غريب النصري. اللغة: " أطوف " أي أكثر التجوال والتطواف والدوران، ويروى " أطود " = (*)

[ 140 ]

ومنها: " لو " وتوصل بالماضي، نحو " وددت لو قام زيد " والمضارع، نحو " وددت لو يقوم زيد ". فقول المصنف " موصول الاسماء " احتراز من الموصول الحرفي - وهو..


= بالدال المهملة مكان الفاء والمعنى واحد " آوى " مضارع أوى - من باب ضرب - إلى منزله، إذا رجع إليه وأقام به " قعيدته " قعيدة البيت: هي المرأة. وقيل لها ذلك لانها تطيل القعود فيه " لكاع " يريد أنها متناهية في الخبث. المعنى: أنا أكثر دوراني وارتيادي الاماكن عامة النهار في طلب الرزق وتحصيل القوت، ثم أعود إلى بيتي لاقيم فيه، فلا تقع عيني فيه إلا على امرأة شديدة الخبث متناهية في الدناءة واللؤم. الاعراب: " أطوف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و " ما " مصدرية " أطوف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا و " ما " مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول مطلق عامله قوله " أطوف " الاول " ثم " حرف عطف " آوى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " إلى بيت " جار ومجرور متعلق بقوله " آوى " " قعيدته " قعيدة: مبتدأ، وقعيدة مضاف والضمير مضاف إليه " لكاع " خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جر نعت لقوله " بيت "، وهذا هو الظاهر، وأحسن من ذلك أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، ويكون قوله " لكاع " منادى بحرف نداء محذوف، وجملة النداء في محل نصب مفعول به للخبر، وتقدير الكلام على ذلك الوجه: قعيدته مقول لها: يالكاع. الشاهد فيه: في هذا البيت شاهدان للنحاة، أولهما في قوله " ما أطوف " حيث أدخل " ما " المصدرية الظرفية على فعل مضارع غير منفي بلم، وهو الذي عناه الشارح من إتيانه بهذا البيت ههنا، والشاهد الثاني يذكر في أواخر باب النداء في ذكر أسماء ملازمة النداء، وهو في قوله " لكاع " حيث يدل ظاهره على أنه استعمله خبرا للمبتدأ فجاء به في غير النداء ضرورة، والشائع الكثير في كلام العرب أن ما كان على زنة فعال - بفتح الفاء والعين - مما كان سبا للاناث لا يستعمل إلا منادى، فلا يؤثر فيه عامل غير حرف النداء، تقول: يالكاع ويادفار، ولا يجوز أن تقول: رأيت دفار، ولا أن تقول: مررت بدفار، ومن أجل هذا يخرج قوله " لكاع " هنا على حذف خبر المبتدأ وجعل " لكاع " منادى بحرف نداء محذوف كما قلنا في إعراب البيت. (*)

[ 141 ]

" أن وأن وكي وما ولو " وعلامته صحة وقوع المصدر موقعه، نحو " وددت لو تقوم " أي قيامك، و " عجبت مما تصنع، وجئت لكي أقرأ، ويعجبني أنك قائم، وأريد أن تقوم " وقد سبق ذكره. وأما الموصول الاسمي ف‍ " الذي " للمفرد المذكر (1)، و " التي " للمفردة المؤنثة. فإن ثنيت أسقطت الياء وأتيت مكانها: بالالف في حالة الرفع، نحو " اللذان، واللتان " وبالياء في حالتي الجر والنصب، فتقول: " اللذين، واللتين ". وإن شئت شددت النون - عوضا عن الياء المحذوفة - فقلت: " اللذان واللتان " وقد قرئ: (واللذان يأتيانها منكم) ويجوز التشديد أيضا مع الياء - وهو مذهب الكوفيين - فتقول: " اللذين، واللتين " وقد قرئ: (ربنا أرنا اللذين) - بتشديد النون - وهذا التشديد يجوز أيضا في تثنية " ذا، وتا " اسمى الاشارة، فتقول: " ذان، وتان " وكذلك مع الياء، فتقول: " ذين وتين " وهو مذهب الكوفيين - والمقصود بالتشديد أن يكون عوضا عن الالف المحذوفة كما تقدم في " الذي، والتي ". * * * جمع الذي الالى الذين مطلقا وبعضهم بالواو رفع‍ نطقا (2).


(1) لا فرق بين أن يكون المفرد مفردا حقيقة، كما تقول: زيد الذي يزورنا رجل كريم، وأن يكون مفردا حكما كما تقول: الفريق الذي أكون فيح فريق مخلص نافع، كما أنه لا فرق بين أن يكون عاقلا كما مثلنا، وأن يكون غير عاقل كما تقول: اليوم آالذي سافرت فيه كان يوما ممطرا. (2) " جمع " مبتدأ، وجمع مضاف و " الذي " مضاف إليه " الاولى " خبر المبتدأ " الذين " معطوف على الخبر بتقدير حرف العطف " مطلقا " حال من الذين " وبعضهم " الواو عاطفة، بعض: مبتدأ، وبعض مضاف والضمير العائد إلى العرب = (*)

[ 142 ]

باللات واللاء - التي قد جمعا واللاء كالذين نزرا وقعا (1) يقال في جمع المذكر " الالى " مطلقا: عاقلا كان، أو غيره، نحو " جاءني الالى فعلوا " وقد يستعمل في جمع المؤنث، وقد اجتمع الامران في قوله: 26 - وتبلي الالى يستلئمون على الالى تراهن يوم الروع كالحدإ القبل.


= مضاف إليه " بالواو " جار ومجرور متعلق بقوله نطق الآتي " رفعا " يجوز أن يكون حالا، وأن يكون منصوبا بنزغ الخافض، وأن يكون مفعولا لاجله " نطقا " نطق: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " بعضهم " والالف للاطلاق، والجملة من نطق وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو بعضهم. (1) " باللات " جار ومجرور متعلق بقوله جمع الآتي " واللاء " معطوف على اللات " التي " مبتدأ " قد " حرف تحقيق " جمعا " جمع: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على التي، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " واللاء " الواو حرف عطف، اللاء: مبتدأ " كالذين " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير المستتر في " وقع " الآتي " نزرا " حال ثانية من الضمير المستتر في وقع " وقعا " وقع: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " اللاء " والالف للاطلاق، والجملة من وقع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله اللاء. 26 - هذا البيت من كلام أبي ذؤيب - خويلد بن خالد الهذلي، وقبله: وتلك خطوب قد تملت شبابنا قديما، فتبلينا المنون، وما نبلي اللغة: " خطوب " جمع خطب، وهو الامر العظيم " تملت شبابنا " استمتعت بهم " تبلينا " تفنينا " المنون " المنية والموت " يستلئمون " يلبسون اللامة، وهي الدرع، و " يوم الروع " يوم الخوف والفزع، وأراد به يوم الحرب " الحدأ " جمع حدأة، وهو طائر معروف، ووزنه عنبة وعنب، وأراد بها الخيل على التشبيه " القبل " جمع قبلاء، وهي التي في عينها القبل - بفتح القاف والباء جميعا - وهو الحور. المعنى: إن حوادث الدهر والزمان قد تمتعت بشبابنا قديما، فتبلينا المنون ونبليها، = (*)

[ 143 ]

.


= وتبلي من بيننا الدارعين والمقاتلة فوق الخيول التي تراها يوم الحرب كالحدأ في سرعتها وخفتها. الاعراب: " وتبلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على المنون في البيت الذي ذكرناه في أول الكلام على البيت " الالى " مفعول به لتبلي " يستلئمون " فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة فاعله، والجملة لا محل لها صلة الموصول، " على " حرف جر " الالى " اسم موصول مبني على السكون في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه " الالى " الواقع مفعولا به لتبلي " تراهن " ترى: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والضمير البارز مفعول أول " يوم " ظرف زمان متعلق بقوله ترى، ويوم مضاف و " الروع " مضاف إليه " كالحدأ " جار ومجرور متعلق بترى، وهو المفعول الثاني " القبل " صفة للحدإ، وجملة ترى وفاعله ومفعوليه لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: قوله " الاولى يستلئمون "، وقوله " الالى تراهن " حيث استعمل لفظ الاولى في المرة الاولى في جمع المذكر العاقل، ثم استعمله في المرة الثانية في جمع المؤنث غير العاقل، لان المراد بالاولى تراهن إلخ الخيل كما بينا في لغة البيت، والدليل على أنه استعملها هذا الاستعمال ضمير جماعة الذكور في " يستلئمون " وهو الواو، وضمير جماعة الاناث في " تراهن " وهو " هن ". ومن استعمال " الالى " في جمع الاناث العاقلات قول مجنون بني عامر: محا حبها حب الالى كن قبلها وحلت مكانا لم يكن حل من قبل وقول الآخر: فأما الالى يسكن غور تهامة فكل فتاة تترك الحجل أقصما وهذا البيت يقع في بعض نسخ الشرح، ولا يقع في أكثرها، ولهذا أثبتناه ولم تشرحه، ومن استعماله في الذكور العقلاء قول الشاعر: فإن الالى بالطف من آل هاشم تآسوا فسنوا للكرام التآسيا ومن استعماله في الذكور غير العقلاء وإن كان قد أعاد الضمير عليه كما يعيده على جمع المؤنثات قول الاخر: تهيجني للوصل أيامنا الالى مررن علينا والزمان وريق (*)

[ 144 ]

فقال: " يستلئمون " ثم قال: " تراهن ". ويقال للمذكر العاقل في الجمع " الذين " مطلقا - أي: رفعا، ونصبا، وجرا - فتقول: " جاءني الذين أكرموا زيدا، ورأيت الذين أكرموه، ومررت بالذين أكرموه ". وبعض العرب يقول: " الذون " في الرفع، و " الذين " في النصب والجر، وهم بنو هذيل، ومنه قوله: 27 - نحن الذون صبحوا الصباحا يوم النخيل غارة ملحاحا.


27 - اختلف في نسبة هذا البيت إلى قائله اختلافا كثيرا، فنسبه أبو زيد (النوادر 47) إلى رجل جاهلي من بني عقيل سماه أبا حرب الاعلم، ونسبه الصاغاني في العباب إلى ليلى الاخيلية، ونسبه جماعة إلى رؤبة بن العجاج، وهو غير موجود في ديوانه، وبعد الشاهد في رواية أبي زيد: نحن قتلنا الملك الجحجاحا ولم ندع لسارح مراحا إلا ديارا أو دما مفاحا نحن بنو خويلد صراحا * لا كذب اليوم ولا مزاحا * اللغة: " نحن الذون " هكذا وقع في رواية النحويين لهذا البيت، والذي رواه الثقة أبو زيد في نوادره " نحن الذين " على الوجه المشهور في لغة عامة العرب، وقوله " صبحوا " معناه جاءوا بعددهم وعددهم في وقت الصباح مباغتين للعدو، وعلى هذا يجري قول الله تعالى: (فأخذتهم الصيحة مصبحين) " النخيل " - بضم النون وفتح الخاء - اسم مكان بعينه " غارة " اسم من الاغارة على العدو " ملحاحا " هو مأخوذ من قولهم " ألح المطر " إذا دام، وأراد أنها غارة شديدة تدوم طويلا " مفاحا " بضم الميم - مرافا حتى يسيل " صراحا " يريد أن نسبهم إليه (صريح) ؟ خالص لا شبهة فيه ولا ظنة وهو بزنة غراب، وجعله العيني - وتبعه البغدادي - بكسر الصاد جمع صريح مثل كريم وكرام. الاعراب: " نحن " ضمير منفصل مبتدأ " الذون " اسم موصول خبر المبتدأ " صبحوا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة " الصباحا، يوم " ظرفان = (*)

[ 145 ]

ويقال في جمع المؤنث: " اللات، واللاء " بحذف الياء، فتقول " جاءني اللات فعلن، واللاء فعلن " ويجوز إثبات الياء، فتقول " اللاتي، واللائي " وقد ورد " اللاء " بمعنى الذين، قال الشاعر: 28 - فما آباؤنا بأمن منه علينا اللاء قد مهدوا الحجورا [ كما قد تجئ " الاولى " بمعنى " اللاء " كقوله: فأما الاولى يسكن غور تهامة فكل فتاة تترك الحجل أقصما ] * * *.


= يتعلقان بقوله " صبحوا " ويوم مضاف و " النخيل " مضاف إليه " غارة " مفعول لا جله، ويجوز أن يكون حالا بتأويل المشتق - أي مغيرين - وقوله " ملحاحا " نعت لغارة. الشاهد فيه: قوله " الذون " حيث جاء به بالواو في حالة الرفع، كما لو كان جمع مذكر سالما، وبعض العلماء قد اغتر بمجئ " الذون " في حالة الرفع ومجئ " الذين " في حالتي النصب والجر، فزعم أن هذه الكلمة معربة، وأنها جمع مذكر سالم حقيقة، وذلك بمعزل عن الصواب، والصحيح أنه مبني جئ به على صورة المعرب، والظاهر أنه مبني على الواو والياء. 28 - البيت لرجل من بني سليم، ولم يعينه أحد ممن اطلعنا على كلامهم من العلماء اللغذ: " أمن " أفعل تفضيل من قولهم: من عليه، إذا أنعم عليه " مهدوا " بفتح الهاء مخففة من قولك: مهدت الفراش مهدا، إذا بسطته ووطأته وهيأته، ومن هنا سمي الفراش مهادا لوثارته، وقال الله تعالى: (فلانفسهم يمهدون) أي: يوطئون، ومن ذلك تمهيد الامور، أي تسويتها وإصلاحها " الحجور " جمع حجر - بفتح الحاء أو كسرها أو ضمها - وهو حضن الانسان، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان - بكسر الحاء أو فتحها - يريدون في حفظه وستره ورعايته. المعنى: ليس آباؤنا - وهم الذين أصلحوا شأننا، ومهدوا أمرنا، وجعلوا لنا حجورهم كالمهد - بأكبر نعمة علينا وفضلا من هذا الممدوح. الاعراب: " ما " نافية بمعنى ليس " آباؤنا " آباء: اسم ما، وآباء مضاف والضمير مضاف إليه " بأمن " الباء زائدة، وأمن: خبر ما " منه، علينا " كلاهما جار ومجرور متعلق بقوله أمن، وقوله " اللاء " اسم موصول صفة لآباء " قد " حرف تحقيق = (*)

[ 146 ]

ومن، وما، وأل - تساوي ما ذكر وهكذا " ذو " عند طيئ شهر (1) وكالتي - أيضا - لديهم ذات، وموضع اللاتي أتى ذوات (2).


= " مهدوا " مهد: فعل ماض، وواو الجماعة فاعله " الحجورا " مفعول به لمهد، والالف للاطلاق، وجملة الفعل الماضي - الذي هو مهد - وفاعله ومفعوله لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: قوله " اللاء " حيث أطلقه على جماعة الذكور، فجاء به وصفا لآباء. وقد استعملوا " الالاء " اسما موصولا وأصله اسم إشارة، وأطلقوه على جمع الذكور كما في قول خلف بن حازم: إلى النفر البيض الالاء كأنهم صفائح يوم الروع أخلصها الصقل وقول كثير بن عبد الرحمن المشهور بكثير عزة: أبى الله للشم الالاء كأنهم سيوف اجاد القين يوما صقالها (1) " ومن " مبتدأ " وما، وأل " معطوفان على من " تساوي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الالفاظ الثلاثة من وما وأل، والجملة من تساوي وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " ما " اسم موصول مفعول به لقوله " تساوي " وقوله " ذكر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " الواقع مفعولا به، والجملة لا محل لها صلة الموصول " وهكذا " ها: حرف تنبيه، كذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير في قوله " شهر " الآتي " ذو " مبتدأ " عند " ظرف متعلق بقوله " شهر " الآتي، وعند مضاف و " طيئ " مضاف إليه " شهر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ذو " والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ذو. (2) " كالتي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " أيضا " مفعول مطلق فعله محذوف " لديهم " لدى: ظرف متعلق بما تعلق به الجار والمجرور السابق، ولدى مضاف والضمير مضاف إليه " ذات " مبتدأ مؤخر " وموضع " منصوب على الظرفية المكانية ناصبه قوله " أتى " الآتي، وموضع مضاف و " اللاتي " مضاف إليه " أتى ذوات " فعل ماض وفاعله. (*)

[ 147 ]

أشار بقوله: " تساوي ما ذكر " إلى أن " من، وما " والالف واللام، تكون بلفظ واحد: للمذكر، والمؤنث - [ المفرد ] والمثنى، والمجموع - فتقول: جاءني من قام، ومن قامت، ومن قاما، ومن قامتا، ومن قاموا، ومن قمن، وأعجبني ما ركب، وما ركبت، وما ركبا، وما ركبتا، وما ركبوا، وما ركبن، وجاءني القائم، والقائمة، والقائمان، والقائمتان، والقائمون، والقائمات. وأكثر ما تستعمل " ما " في غير العاقل، وقد تستعمل في العاقل (1)، ومنه قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى) وقولهم: " سبحان ما سخركن لنا " و " سبحان ما يسبح الرعد بحمده ". و " من " بالعكس، فأكثر ما تستعمل في العاقل، وقد تستعمل في غيره (2)،.


(1) تستعمل " ما " في العاقل في ثلاثة مواضع، الاول: أن يختلط العاقل مع غير العاقل نحو قوله تعالى: (يسبح لله ما في السموات وما في الارض) فإن ما يتناول ما فيهما من إنس وملك وجن وحيوان وجماد، بدليل قوله: (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) والموضع الثاني: أن يكون أمره مبهما على المتكلم، كقولك - وقد رأيت شبحا من بعيد -: انظر ما ظهر لي، وليس منه قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) لان إبهام ذكورته وأنوثته لا يخرجه عن العقل، بل استعمال " ما " هنا في ما لا يعقل لان الحمل ملحق بالجماد، والموضع الثالث: أن يكون المراد صفات من يعقل، كقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم) وهذا الموضع هو الذي ذكره الشارح بالمثال الاول من غير بيان. (2) تستعمل " من " في غير العاقل في ثلاثة مواضع، الاول: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل في عموم فصل بمن الجارة، نحو قوله تعالى: (فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع) ومن المستعملة فيما لا يعقل مجاز مرسل علاقته المجاورة في هذا الموضع، والموضع الثاني: أن يشبه غير العاقل بالعاقل فيستعار له لفظه، نحو قوله تعالى: (من لا يستجيب له تعالى) وقول الشاعر * أسرب القطا هل من يعير جناحه * وهو الذي استشهد به المؤلف = (*)

[ 148 ]

كقوله تعالى: (ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء) ومنه قول الشاعر: 29 - بكيت على سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبسكاء جدير: أسرب القطا، هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير ؟.


= فيما يلي، وسنذكر معه نظائره، واستعمال من فيما لا يعقل حينئذ استعارة، لان العلاقة المشابهة، والموضع الثالث: أن يختلط من يعقل بما لا يعقل نحو قول الله تعالى: (ولله يسجد من في السموات ومن في الارض) واستعمال من فيما لا يعقل - في هذا الموضع - من باب التغليب، واعلم أن الاصل تغليب من يعقل على ما لا يعقل، وقد يغلب ما لا يعقل على من يعقل، لنكتة، وهذه النكت تختلف باختلاف الاحوال والمقامات. 29 - هذان البيتان للعباس بن الاحنف، أحد الشعراء المولدين، وقد جاء بهما الشارح تمثيلا لا استشهادا، كما يفعل المحقق الرضي ذلك كثيرا، يمثل بشعر المتنبي والبحتري وأبي تمام، وقيل: قائلهما مجنون ليلى، وهو ممن يستشهد بشعره، وقد وجدت بيت الشاهد ثابتا في كل ديوان من الديوانين: ديوان المجنون، وديوان العباس، وذلك من خلط الرواة. اللغة: " السرب " جماعة الظباء والقطا ونحوهما، و " القطا " ضرب من الطير قريب الشبه من الحمام " جدير " لائق وحقيق " هويت " بكسر الواو - أي أحببت. الاعراب: " بكيت " فعل وفاعل " على سرب " جار ومجرور متعلق ببكيت، وسرب مضاف و " القطا " مضاف إليه " إذ " ظرف زمان متعلق ببكيت مبني على السكون في محل نصب " مررن " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها، أي بكيت وقت مرورهن بي " بي " جار ومجرور متعلق بمر " فقلت " فعل وفاعل " ومثلي " الواو للحال، مثل: مبتدأ، ومثل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " بالبكاء " جار ومجرور متعلق بقوله جدير الآتي " جدير " خبر المبتدأ " أسرب " الهمزة حرف نداء، وسرب: منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، وسرب مضاف، و " القطا " مضاف إليه " هل " استفهامية " من " اسم موصول مبتدأ " يعير " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، والجملة من يعير وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، هكذا قالوا، وعندي أن جملة " يعير جناحه " لا محل لها من الاعراب صلة الموصول الذي هو من، وأما خبر المبتدأ فمحذوف، وتقدير الكلام: هل الذي يعير جناحه = (*)

[ 149 ]

وأما الالف واللام فتكون للعاقل، ولغيره، نحو " جاءني القائم، والمركوب " واختلف فيها، فذهب قوم إلى أنها اسم موصول، وهو الصحيح، وقيل: إنها حرف موصول، وقيل: إنها حرف تعريف، وليست من الموصولية في شئ. وأما من وما غير المصدرية فاسمان اتفاقا، وأما " ما " المصدرية فالصحيح أنها حرف، وذهب الاخفش إلى أنها اسم. ولغة طيئ استعمال " ذو " موصولة، وتكون للعاقل، ولغيره، وأشهر لغاتهم فيها أنها تكون بلفظ واحد: للمذكر، والمؤنث، مفردا، ومثنى، ومجموعا (1)،.


= موجود " جناحه " جناح: مفعول به ليعير، وجناح مضاف والضمير مضاف إليه " لعلي " لعل: حرف ترج ونصب، والياء ضمير المتكلم اسمها " إلى " حرف جر " من " اسم موصول مبني على السكون في محل جر بإلى، والجار والمجرور متعلق بقوله أطير الآتي " قد " حرف تحقيق " هويت " فعل ماض وفاعله، والجملة لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: إلى الذي قد هويته " أطير " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل رفع خبر " لعل ". الشاهد فيه: قوله " أسرب القطا " وقوله " من يعير جناحه " والنداء معناه طلب إقبال من تناديه عليك، ولا يتصور أن تطلب الاقبال إلا من العاقل الذي يفهم الطلب ويفهم الاقبال، أو الذي تجعله بمنزلة من يفهم الطلب ويفهم الاقبال، فلما تقدم بندائه استساغ أن يطلق عليه اللفظ الذي لا يستعمل إلا في العقلاء بحسب وضعه، وقد تمادى في معاملته معاملة ذوي العقل، فاستفهم منه طالبا أن يعيره جناحه، والاستفهام وطلب الاعارة إنما يتصور توجيههما إلى العقلاء. ومثل ذلك قول امرئ القيس بن حجر الكندي: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي (1) لا فرق بين أن يكون ما استعمل فيه " ذو " الموصولة عاقلا أو غير عاقل، = (*)

[ 150 ]

فتقول: " جاءني ذو قام، وذو قامت، وذو قاما، وذو قامتا، وذو قاموا، وذو قمن "، ومنهم من يقول في المفرد المؤنث: " جاءني ذات قامت "، وفي جمع المؤنث: " جاءني ذوات قمن " وهو المشار إليه بقوله: " وكالتي أيضا - البيت " ومنهم من يثنيها ويجمعها فيقول: " ذوا، وذوو " في الرفع و " ذوي، وذوي " في النصب والجر، و " ذواتا " في الرفع، و " ذواتي " في الجر والنصب، و " ذوات " في الجمع، وهي مبنية على الضم، وحكى الشيخ بهاء الدين ابن النحاس أن إعرابها كإعراب جمع المؤنث السالم. والاشهر في " ذو " هذه - أعني الموصولة - أن تكون مبنية، ومنهم من يعربها: بالواو رفعا، وبالالف نصبا، وبالياء جرا، فيقول: " جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام " فتكون مثل " ذي " بمعنى صاحب، وقد روى قوله: فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا [ 4 ] (1).


= فمن استعمالها في المفرد المذكر العاقل قول منظور بن سحيم الذي سيستشهد الشارح به، وقول قوال الطائي: فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا: هلم فإن المشرفي الفرائض يريد فقولا لهذا المرء الذي جاء ساعيا ومن استعمالها في المفرد المؤنث غير العاقل قول سنان بن الفحل الطائي: فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت يريد: وبئري التي حفرتها والتي طويتها، لان البئر مؤنثة بدون علامة تأنيث. ومن استعمالها في المفرد المذكر غير العاقل قول قوال الطائي أيضا: أظنك دون المال ذو جئت طالبا ستلقاك بيض للنفوس قوابض (1) قد مضى شرح هذا البيت في باب " المعرب والمبني " (ش رقم 4) شرحا = (*)

[ 151 ]

بالياء على الاعراب، وبالواو على البناء. وأما " ذات " فالفصيح فيها أن تكون مبنية على الضم رفعا ونصبا وجرا، مثل " ذوات "، ومنهم من يعربها إعراب مسلمات: فيرفعها بالضمة، وينصبها ويجرها بالكسرة (1). * * * ومثل ما " ذا " بعد ما استفهام أو من، إذا لم تلغ في الكلام (2) .


= وافيا لا تحتاج معه إلى إعادة شئ منه هنا، وقد ذكرنا هناك أن المؤلف سينشده مرة أخرى في باب الموصول، وأنه سيذكر فيه روايتين، وقد بينا ثمة تخريج كل واحدة منهما، ووجه الاستدلال بهما. (1) قال ابن منظور: " قال شمر: قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله بها، فيجعلون مكان الذي ذو، ومكان التي ذات، ويرفعون التاء على كل حال، ويخلطون في الاثنين والجمع، وربما قالوا: هذا ذو تعرف، وفي التثنية: هذان ذوا تعرف، وهاتان ذوا تعرف، وأنشد الفراء: * وبئري ذو حفرت وذو طويت * ومنهم من يثني، ويجمع، ويؤنث، فيقول: هذان ذوا قالا، وهؤلاء ذوو قالوا، وهذه ذات قالت، وأنشد: جمعتها من أينق موارق ذوات ينهضن بغير سائق " اه‍ كلام ابن منظور، وهو في الاصل كلام الفراء. (2) " ومثل " خبر مقدم، ومثل مضاف و " ما " مضاف إليه " ذا " مبتدأ مؤخر " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال من ذا، وبعد مضاف و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه، وما مضاف و " استفهام " مضاف إليه " أو " حرف عطف " من " معطوف على ما " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " لم " حرف نفي وجزم وقلب " تلغ " فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بحذف الالف والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ذا، والجملة في محل جر = (*)

[ 152 ]

يعني أن " ذا " اختصت من بين سائر أسماء الاشارة بأنها تستعمل موصولة، وتكون مثل " ما " في أنها تستعمل بلفظ [ واحد ]: للمذكر، والمؤنث - مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا - فتقول: " من ذا عندك " و " ماذا عندك " سواء كان ما عنده مفردا مذكرا أو غيره. وشرط استعمالها موصولة أن تكون مسبوقة ب‍ " ما " أو " من " الاستفهاميتين، نحو " من ذا جاءك، وماذا فعلت " فمن: اسم استفهام، وهو مبتدأ، و " ذا " موصولة بمعنى الذي، وهو خبر من، و " جاءك " صلة الموصول، والتقدير " من الذي جاءك " ؟ وكذلك " ما " مبتدأ، و " ذا " موصول [ بمعنى الذي ]، وهو خبر ما، و " فعلت " صلته، والعائد محذوف، تقديره " ماذا فعلته " ؟ أي: ما الذي فعلته. واحترز بقوله: " إذا لم تلغ في الكلام " من أن تجعل " ما " مع " ذا " أو " من " مع " ذا " كلمة واحدة للاستفهام، نحو " ماذا عندك ؟ " أي: أي شئ عندك ؟ وكذلك " من ذا عندك ؟ " فماذا: مبتدأ، و " عندك " خبره [ وكذلك: " من ذا " مبتدأ، و " عندك " خبره ] فذا في هذين الموضعين ملغاة، لانها جزء كلمة، لان المجموع استفهام. * * * وكلها يلزم بعده صله على ضمير لائق مشتمله (2).


= بإضافة إذا إليها، وهي فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، وتقديره: ذا مثل ما حال كونها بعدما أو من الاستفهاميتين، إذا لم تلغ في الكلام فهي كذلك، وقوله " في الكلام " جار ومجرور متعلق بقوله تلغ. (2) " وكلها " الواو للاستئناف، كل: مبتدأ، وكل مضاف والضمير مضاف إليه ومرجعه الموصولات الاسمية وحدها، خلافا لتعميم الشارح، لانه نعت الصلة بكونها مشتملة على عائد، وهذا خاص بصلة الموصول الاسمي، ولان المصنف لم يتعرض للموصول الحرفي هنا أصلا، بل خص كلامه بالاسمي، ألا ترى أنه بدأ الباب بقوله " موصول = (*)

[ 153 ]

الموصولات كلها - حرفية كانت، أو اسمية - يلزم أن يقع بعدها صلة تبين معناها. ويشترط في صلة الموصول الاسمي أن تشتمل على ضمير لائق بالموصول: إن كان مفردا فمفرد، وإن كان مذكرا فمذكر، وإن كان غيرهما فغيرهما، نحو " جاءني الذي ضربته " وكذلك المثنى والمجموع، نحو " جاءني اللذان ضربتهما، والذين ضربتهم " وكذلك المؤنث، تقول: " جاءت التي ضربتها، واللتان ضربتهما، واللاتي ضربتهن ". وقد يكون الموصول لفظه مفردا مذكرا ومعناه مثنى أو مجموعا أو غيرهما، وذلك نحو " من، وما " إذا قصدت بهما غير المفرد المذكر، فيجوز حينئذ مراعاة اللفظ، ومراعاة المعنى، فتقول: " أعجبني من قام، ومن قامت، ومن قاما، ومن قامتا، ومن قاموا، ومن قمن " على حسب ما يعنى بهما. * * * وجملة أو شبهها الذي وصل به، كمن عندي الذي ابنه كفل (1).


= الاسماء " ؟ و " يلزم " فعل مضارع " بعده " بعد: ظرف متعلق بقوله يلزم، وبعد مضاف والضمير العائد على كل مضاف إليه " صلة " فاعل يلزم " على ضمير " جار ومجرور متعلق بقوله " مشتملة " الآتي " لائق " نعت لضمير " مشتملة " نعت لصلة. (1) " وجملة " خبر مقدم " أو شبهها " أو: حرف عطف، شبه: معطوف على جملة، وشبه مضاف والضمير مضاف إليه " الذي " اسم موصول مبتدأ مؤخر " وصل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على قوله " كلها " في البيت السابق " به " جار ومجرور متعلق بقوله " وصل " وتقدير الكلام على هذا الوجه: والذي وصل به كل واحد من الموصولات السابق ذكرها جملة أو شبه جملة، وقيل: قوله " جملة " مبتدأ، وقوله " الذي " خبره، ونائب فاعل وصل ليس ضميرا مستترا، بل هو الضمير المجرور بالباء في قوله " به " وليس هذا = (*)

[ 154 ]

صلة الموصول لا تكون إلا جملة أو شبه جملة، ونعني بشبه الجملة الظرف والجار والمجرور، وهذا في غير صلة الالف واللام، وسيأتي حكمها. ويشترط في الجملة الموصول بها ثلاثة شروط، أحدها: أن تكون خبرية (1)، الثاني: كونها خالية من معنى التعجب (2)، الثالث: كونها غير مفتقرة إلى كلام.


الاعراب بجيد " كمن " الكاف جارة لمحذوف تقديره: كقولك، ومن اسم موصول مبتدأ " عندي " عند: ظرف متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة، وعند مضاف والضمير مضاف إليه " الذي " خبر المبتدأ " ابنه " ابن: مبتدأ، وابن مضاف والضمير مضاف إليه " كفل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ابن " والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله ابنه، والجملة من المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب صلة الذي. (1) ذهب الكسائي إلى أنه يجوز أن تكون صلة الموصول جملة إنشائية، واستدل على ذلك بالسماع، فمن ذلك قول الفرزدق: وإني لراج نظرة قبل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها وقول جميل بن معمر العذري المعروف بجميل بثينة: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق وزعم الكسائي أن جملة " لعلي أزورها " من لعل واسمها وخبرها صلة التي، كما زعم أن " ما " في قول جميل " وماذا " اسم استفهام مبتدأ، و " ذا " اسم موصول خبره، وجملة عسى واسمها وخبرها صلة. والجواب أن صلة التي في البيت الاول محذوفة، والتقدير: قبل التي أقول فيها لعلي إلخ، وماذا (..) ؟ ؟ البيت الثاني اسم استفهام مبتدأ، وليس ثمة اسم موصول أصلا. (2) اختلف العلماء في جملة التعجب: أخبرية هي أم إنشائية ؟ فذهب قوم إلى أنها جملة إنشائية، وهؤلاء جميعا قالوا: لا يجوز أن يوصل بها الاسم الموصول، وذهب فريق إلى أنها خبرية، وقد اختلف هذا الفريق في جواز وصل الموصول بها، فقال ابن خروف: يجوز، وقال الجمهور: لا يجوز، لان التعجب، إنما يتكلم به عند = (*)

[ 155 ]

قبلها، واحترز ب‍ " الخبرية " من غيرها، وهي الطلبية والانشائية، فلا يجوز " جاءني الذي اضربه " خلافا للكسائي، ولا " جاءني الذي ليته قائم " خلافا لهشام، واحترز ب‍ " خالية من معنى التعجب " من جملة التعجب، فلا يجوز " جاءني الذي ما أحسنه " وإن قلنا إنها خبرية، واحترز " بغير مفتقرة إلى كلام قبلها " من نحو: " جاءني الذي لكنه قائم "، فإن هذه الجملة تستدعي سبق جملة أخرى، نحو: " ما قعد زيد لكنه قائم ". ويشترط في الظرف والجار والمجرور أن يكونا تامين، والمعنى بالتام: أن يكون في الوصل به فائدة، نحو: " جاء الذي عندك، والذي في الدار " والعامل فيهما فعل محذوف وجوبا، والتقدير: " جاء الذي استقر عندك " أو " الذي استقر في الدار " فإن لم يكونا تامين لم يجز الوصل بهما، فلا تقول " جاء الذي بك " ولا " جاء الذي اليوم ". * * * وصفة صريحة صلة أل وكونها بمعرب الافعال قل (1).


= خفاء سبب ما يتعجب منه، فإن ظهر السبب بطل العجب، ولاشك أن المقصود بالصلة إيضاح الموصول وبيانه، وكيف يمكن الايضاح والبيان بما هو غير ظاهر في نفسه ؟ فلما تنافيا لم يصح ربط أحدهما بالآخر، ويؤيد هذا التفصيل قول الشارح فيما بعد: " فلا يجوز جاءني الذي ما أحسنه وإن قلنا إنها خبرية " فإن معنى هذه العبارة: لا يجوز أن تكون جملة التعجب صلة إن قلنا إنها إنشائية وإن قلنا إنها خبرية، فلا تلتفت لما قاله الكاتبون في هذا المقام مما يخالف هذا التحقيق. (1) " وصفة " الواو للاستئناف، صفة: خبر مقدم " صريحة " نعت لصفة " صلة " مبتدأ مؤخر، وصلة مضاف و " أل " مضاف إليه " وكونها " كون: مبتدأ، وهو من جهة الابتداء يحتاج إلى خبر، ومن جهة كونه مصدرا لكان الناقصة يحتاج إلى اسم وخبر، فالضمير المتصل به اسمه، و " بمعرب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبره من = (*)

[ 156 ]

الالف واللام لا توصل إلا بالصفة الصريحة، قال المصنف في بعض كتبه: وأعني بالصفة الصريحة اسم الفاعل نحو: " الضارب " واسم المفعول نحو: " المضروب " والصفة المشبهة نحو: " الحسن الوجه " فخرج نحو: " القرشي، والافضل " وفي كون الالف واللام الداخلتين على الصفة المشبهة موصولة خلاف، وقد اضطرب اختيار الشيخ أبي الحسن بن عصفور في هذه المسألة، فمرة قال: إنها موصولة، ومرة منع ذلك (1). وقد شذ وصل الالف واللام بالفعل المضارع، وإليه أشار بقوله: " وكونها بمعرب الافعال قل " ومنه قوله:.


= حيث النقصان، ومعرب مضاف، و " الافعال " مضاف إليه " قل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه الواقع مبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (1) للعلماء خلاف طويل في جواز وصل أل بالصفة المشبهة، فجمهورهم على أن الصفة المشبهة لا تكون صلة لال، فأل الداخلة على الصفة المشبهة عند هؤلاء معرفة لا موصولة، والسر في ذلك أن الاصل في الصلات للافعال، والصفة المشبهة بعيدة الشبه بالفعل من حيث المعنى، وذلك لان الفعل يدل على الحدوث، والصفة المشبهة لا تدل عليه، وإنما تدل على اللزوم، ويؤيد هذا أنهم اشترطوا في اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة التي تقع صلة لال أن يكون كل واحد منها دالا على الحدوث، ولو دل أحدها على اللزوم لم يصح أن يكون صلة لال، بل تكون أل الداخلة عليه معرفة، وذلك كالمؤمن والفاسق والكافر والمنافق، وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تكون الصفة المشبهة صلة لال، لانها أشبهت الفعل من حيث العمل - وإن خالفته في المعنى -، أفلست ترى أنها ترفع الضمير المستتر، والضمير البارز، والاسم الظاهر، كما يرفعها الفعل جميعا ؟ وأجمعوا على أن أفعل التفضيل لا يكون صلة لال، لانه لم يشبه الفعل لا من حيث المعنى ولا من حيث العمل، أما عدم مشابهته الفعل من حيث المعنى فلانه يدل على الاشتراك مع الزيادة والفعل يدل على الحدوث، وأما عدم شبهه بالفعل من حيث العمل فلان الفعل يرفع الضمير المستتر والبارز، ويرفع الاسم الظاهر، أما أفعل التفضيل فلا يرفع باطراد إلا الضمير المستتر، ويرفع الاسم الظاهر في مسألة واحدة هي المعروفة بمسألة الكحل. (*)

[ 157 ]

30 - ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الاصيل ولا ذي الرأي والجدل.


30 - هذا البيت للفرزدق، من أبيات له يهجو بها رجلا من بني عذرة، وكان هذا الرجل العذري قد دخل على عبد الملك بن مروان يمدحه، وكان جرير والفرزدق والاخطل عنده، والرجل لا يعرفهم، فعرفه بهم عبد الملك، (فعاعتم) ؟ العذري أن قال: فحيا الاله أبا حزرة وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ودق خياشيمه الجندل و " أبو حزرة ": كنية جرير، و " أرغم أنفك ": يدعو عليه بالذل والمهانة حتى يلصق أنفه بالرغام وهو التراب و " الجد " الحظ والبخت، وفي قوله " وجد الفرزدق أتعس به " دليل على أنه يجوز أن يقع خبر المبتدأ جملة إنشائية، وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه ابن الانباري، وسنذكر في ذلك بحثا في باب المبتدأ والخبر فأجابه الفرزدق ببيتين ثانيهما بيت الشاهد، والذي قبله قوله: يا أرغم الله أنفا أنت حامله يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل اللغة: " الخنى " - بزنة الفتى - هو الفحش، و " الخطل " - بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة - هو المنطق الفاسد المضطرب، والتفحش فيه " الحكم " - بالتحريك - الذي يحكمه الخصمان كي يقضي بينهما، ويفصل في خصومتهما " الاصيل " ذو الحسب، و " الجدل " شدة الخصومة. المعنى: يقول: لست أيها الرجل بالذي يرضاه الناس للفصل في أقضيتهم، ولا أنت بذي حسب رفيع، ولا أنت بصاحب عقل وتدبير سديد، ولا أنت بصاحب جدل، فكيف نرضاك حكما ؟ !. الاعراب: " ما " نافية، تعمل عمل ليس " أنت " اسمها " بالحكم " الباء زائدة الحكم: خبر ما النافية " الترضى " أل: موصول اسمي نعت للحكم، مبني على السكون في محل جر " ترضى " فعل مضارع مبني للمجهول " حكومته " حكومة: نائب فاعل لترضى، وحكومة مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة لا محل لها صلة الموصول " ولا " الواو حرف عطف، لا: زائدة لتأكيد النفي " الاصيل " معطوف على الحكم " ولا " = (*)

[ 158 ]

وهذا عند جمهور البصريين مخصوص بالشعر، وزعم المصنف - في غير هذا الكتاب - أنه لا يختص به، بل يجوز في الاختيار، وقد جاء وصلها بالجملة الاسمية، وبالظرف شذوذا، فمن الاول قوله: 31 - من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد.


= مثل السابق " ذي " معطوف على الحكم أيضا، وذي مضاف و " الرأي " مضاف إليه، " والجدل " معطوف على الرأي. الشاهد فيه: قوله " الترضى حكومته " حيث أنى بصلة " أل " جملة فعلية فعلها مضارع، ومثله قول ذي الخرق الطهوي: يقول الخنى، وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع فيستخرج اليربوع من نافقائه ومن جحره بالشيخة اليتقصع 31 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها، قال العيني: " أنشده ابن مالك للاحتجاج به، ولم يعزه إلى قائله " اه‍، وروى البغدادي بيتا يشبه أن يكون هذا البيت، ولم يعزه أيضا إلى قائل، وهو: بل القوم الرسول الله فيهم هم أهل الحكومة من قصي اللغة: " دانت " ذلت، وخضعت، وانقادت " معد " هو ابن عدنان، وبنو قصي هم قريش، وبنو هاشم قوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم. الاعراب: " من القوم الرسول الله ": الجار والمجرور متعلق بمحذوف يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، ويكون تقدير الكلام: هو من القوم إلخ، والالف واللام في كلمة " الرسول " موصول بمعنى الذين صفة للقوم مبني على السكون في محل جر، ورسول مبتدأ، ورسول مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه " منهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة أل الموصولة " لهم " جار ومجرور متعلق بقوله دانت الآتي " دانت " دان: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " رقاب " فاعل دان، ورقاب مضاف و " بني " مضاف إليه، وبني مضاف و " معد " مضاف إليه. = (*)

[ 159 ]

.


= الشاهد فيه: قوله " الرسول الله منهم " حيث وصل أل بالجملة الاسمية، وهي جملة المبتدأ والخبر، وذلك شاذ. ومن العلماء من يجيب عن هذا الشاهد ونحوه بأن " أل " إنما هي هنا بعض كلمة، وأصلها " الذين " فحذف ما عدا الالف واللام، قال هؤلاء: ليس حذف بعض الكلمة وإبقاء بعضها بعجب في العربية، وهذا لبيد بن ربيعة العامري يقول: * درس المنا بمتالع فأبان * أراد " المنازل " فحذف حرفين لغير ترخيم. وهذا رؤبة يقول: * أو الفا مكة من ورق الحمى * أراد " الحمام " فحذف الميم ثم قلب فتحة الميم كسرة والالف ياء، وقد قال الشاعر، وهو أقرب شئ إلى ما نحن بصدده: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد أراد " وإن الذين " بدليل ضمير جماعة الذكور في قوله " دماؤهم " وقوله فيما بعد " هم القوم " وعليه خرجوا قول الله تعالى: (وخضتم كالذي خاضوا) أي كالذين خاضوا - وفي الآية تخريجان آخران، أحدهما: أن الذي موصول حرفي كما، أي وخضتم كخوضهم، وثانيهما: أن الذي موصول اسمي صفة لموصوف محذوف، والعائد إليه من الصلة محذوف أي: وخضتم كالخوض الذي خاضوه قالوا: وربما حذف الشاعر الكلمة كلها، فلم يبق منها إلا حرفا واحدا، ومن ذلك قول الشاعر: نادوهم: أن ألجموا، ألاتا، قالوا جميعا كلهم: ألافا فإن هذا الراجز أراد في الشطر الاول " ألا تركبون " فحذف ولم يبق إلا التاء، وحذف من الثاني الذي هو الجواب فلم يبق إلا حرف العطف، وأصله " ألا فاركبوا ". وبعض العلماء يجعل الحروف التي تفتتح بها بعض سور القرآن - نحو ألم، حم، ص - من هذا القبيل، فيقولون: ألم أصله: أنا الله أعلم، أو ما أشبه ذلك، وانظر مع هذا ما ذكرناه في شرح الشاهد رقم 31 6 الآتي في باب الترخيم. قلت: وهذا الذي ذهبوا إليه ليس إلا قياما من ورطة للوقوع في ورطة أخرى أشد = (*)

[ 160 ]

ومن الثاني قوله: 32 - من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشة ذات سعه * * *.


منها وأنكى، فهو تخلص من ضرورة إلى ضرورة أصعب منها مخلصا وأعسر نجاء، ولا يشك أحد أن هذا الحذف بجميع أنواعه التي ذكروها من الضرورات التي لا يسوغ القياس عليها، ولذلك استبعد كثير تخريج الآية الكريمة التي تلوناها أولا على هذا الوجه كما (استبعد) ؟ كثيرون تخريجها على أن " الذي " موصول حرفي. 32 - وهذا البيت - أيضا - من الشواهد التي لم ينسبوها إلى قائل معين. اللغة: " ألمعه " يريد الذي معه " حر " حقيق، وجدير، ولائق، ومستحق " سعة " بفتح السين، وقد تكسر - اتساع ورفاهية ورغد. المعنى: من كان دائم الشكر لله تعالى على ما هو فيه من خير فإنه يستحق الزيادة ورغد العيش، وهو مأخوذ من قوله تعالى: (لئن شكرتم لازيدنكم). الاعراب: " من " اسم موصول مبتدأ " لا يزال " فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المبتدأ " شاكرا " خبر لا يزال، والجملة من يزال واسمه وخبره لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " على " حرف جر " المعه " هو عبارة عن " أل " الموصولة بمعنى الذي، وهي مجرورة المحل بعلى، والجار والمجرور متعلق بشاكر، ومع: ظرف متعلق بمحذوف واقع صلة لال، ومع مضاف والضمير مضاف إليه " فهو حر " الفاء زائدة، و " هو " ضمير منفصل مبتدأ، و " حر " خبره، والجملة منهما في محل رفع خبر المبتدأ، وهو " من " في أول البيت، ودخلت الفاء على جملة الخبر لشبه المبتدأ بالشرط " بعيشة " جار ومجرور متعلق بقوله " حر " الواقع خبرا لهو " ذات " صفة لعيشة، وذات مضاف و " سعة " مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، ولكنه سكنه للوقف. الشاهد فيه: قوله " المعه " حيث جاء بصلة " أل " ظرفا، وهو شاذ على خلاف القياس. ومثل هذا البيت - في وصل أل بالظرف شذوذا قول الآخر: = (*)

[ 161 ]

أي كما، وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف (1) يعني أن " أيا " مثل " ما " في أنها تكون بلفظ واحد: للمذكر، والمؤنث - مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا - نحو: " يعجبني أيهم هو قائم ". ثم إن " أيا " لها أربعة أحوال، أحدها: أن تضاف ويذكر صدر صلتها، نحو: " يعجبني أيهم هو قائم " الثاني: أن لا تضاف ولا يذكر صدر صلتها، نحو: " يعجبني أي قائم " الثالث: أن لا تضاف ويذكر صدر صلتها، نحو: " يعجبني أي هو قائم " وفي هذه الاحوال الثلاثة تكون معربة بالحركات الثلاث، نحو: " يعجبني أيهم هو قائم، ورأيت أيهم هو قائم، ومررت بأيهم هو قائم " وكذلك: " أي قائم، وأيا قائم، وأي قائم " وكذا، " أي.


= وغيرني ما غال قيسا ومالكا وعمرا وحجرا بالمشقر ألمعا يريد: الذين معه، فاستعمل أل موصولة بمعنى الذين، وهو أمر لا شئ فيه، وأنى بصلتها ظرفا، وهو شاذ، فإن أل بجميع ضروبها وأنواعها مختصة بالاسماء، وقال الكسائي في هذا البيت: إن الشاعر يريد " معا " فزاد أل (1) " أي " مبتدأ " كما " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " وأعربت " الواو عاطفة، أعرب: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " أي " " ما " مصدرية ظرفية " لم " حرف نفي وجزم " تضف " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " أي " " وصدر " الواو واو الحال، صدر: مبتدأ، وصدر مضاف ووصل من " وصلها " مضاف إليه، ووصل مضاف والضمير مضاف إليه " ضمير " خبر المبتدأ والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال صاحبه الضمير المستتر في تضف العائد على أي " انحذف " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ضمير " والتقدير: أي مثل ما - في كونها موصولا صالحا لكل واحد من المفرد والمثنى والجمع مذكرا كان أو مؤنثا - وأعربت هذه الكلمة مدة عدم إضافتها في حال كون صدر صلتها ضميرا محذوفا. (11 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 162 ]

هو قائم، وأيا هو قائم، وأي هو قائم " الرابع، أن تضاف ويحذف صدر الصلة، نحو: " يعجبني أيهم قائم " ففي هذه الحالة تبنى على الضم، فتقول: " يعجبني أيهم قائم، ورأيت أيهم قائم، ومررت بأيهم قائم " وعليه قوله تعالى: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا) وقول الشاعر: 33 - إذا ما لقيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل.


33 - هذا البيت ينسب لغسان بن وعلة أحد الشعراء المخضرمين من بني مرة بن عباد، وأنشده أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف، وابن الانباري في كتاب الانصاف، وقال قبل إنشاده: " حكى أبو عمرو الشيباني عن غسان وهو أحد من تؤخذ عنهم اللغة من العرب - أنه أنشد " وذكر البيت. الاعراب: " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " لقيت " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها، وهي جملة الشرط " بني " مفعول به للقى، وبني مضاف و " مالك " مضاف إليه " فسلم " الفاء داخلة في جواب الشرط، وسلم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " على " حرف جر " أيهم " يروى بضم " أي " وبجره، وهو اسم موصول على الحالين، فعلى الضم هو مبني، وهو الاكثر في مثل هذه الحالة، وعلى الجر هو معرب بالكسرة الظاهرة، وعلى الحالين هو مضاف والضمير مضاف إليه " أفضل " خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو أفضل، والجملة من المبتدأ وخبره لا محل لها صلة الموصول الذي هو أي. الشاهد فيه: قوله " أيهم أفضل " حيث أتى بأي مبنيا على الضم - على الرواية المشهورة الكثيرة الدوران على ألسنة الرواة - لكونه مضافا، وقد حذف صدر صلته وهو المبتدأ الذي قدرناه في إعراب البيت، وهذا هو مذهب سيبويه وجماعة من البصريين في هذه الكلمة، يذهبون إلى أنها تأتى موصولة، وتكون مبنية إذا اجتمع فيها أمران، أحدهما أن تكون مضافة لفظا، والثاني: أن يكون صدر صلتها محذوفا، فإذا لم تكن مضافة أصلا، أو كانت مضافة لكن ذكر صدر صلتها، فإنها تكون معربة، وذهب الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب - وهما شيخان من شيوخ سيبويه - إلى أن = (*)

[ 163 ]

وهذا مستفاد من قوله: " وأعربت ما لم تضف - إلى آخر البيت " أي: وأعربت أي إذا لم تضف في حالة حذف صدر الصلة، فدخل في هذه الاحوال الثلاثة السابقة، وهي ما إذا أضيفت وذكر صدر الصلة، أو لم تضف ولم يذكر صدر الصلة، أو لم تضف وذكر صدر الصلة، وخرج الحالة الرابعة، وهي: ما إذا أضيفت وحذف صدر الصلة، فإنها لا تعرب حينئذ. * * * وبعضهم أعرب مطلقا، وفي ذا الحذف أيا غير أي يقتفي (1) إن يستطل وصل، وإن لم يستطل فالحذف نزر، وأبوا أن يختزل (2).


= أيا لا تجئ موصولة، بل هي إما شرطية وإما استفهامية، لا تخرج عن هذين الوجهين، وذهب جماعة من الكوفيين إلى أنها قد تأتى موصولة، ولكنها معربة في جميع الاحوال، أضيفت أو لم تضف، حذف صدر صلتها أو ذكر. (1) " وبعضهم " الواو للاستئناف، بعض: مبتدأ، وبعض مضاف والضمير مضاف إليه " أعرب " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى بعض، والجملة من أعرب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو بعضهم " مطلقا " حال من مفعول به لاعرب محذوف، والتقدير: وبعضهم أعرب أيا مطلقا " وفي ذا " جار ومجرور متعلق بقوله " يقتفي " الآتي " الحذف " بدل من اسم الاشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له " أيا " مفعول به لقوله " يقتفي " الآتي " غير " مبتدأ، وغير مضاف و " أي " مضاف إليه " يقتفي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ومعنى الكلام: وبعض النحاة حكم بإعراب أي الموصولة في جميع الاحوال، وغير أي يقتفي ويتبع أيا في جواز حذف صدر الصلة، أذا كانت الصلة طويلة. (2) " إن " شرطية " يستطل " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط " وصل " نائب فاعل ليستطل، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، وتقديره: إن يستطل = (*)

[ 164 ]

إن صلح الباقي لوصل مكمل والحذف عندهم كثير منجلي (1) في عائد متصل إن انتصب بفعل، أو وصف: كمن نرجو يهب (2) يعني أن بعض العرب أعرب " أيا " مطلقا، أي: وإن أضيفت وحذف.


= وصل فغير أي يقتفي أيا " وإن " الواو عاطفة، إن شرطية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يستطل " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وجملته فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " وصل " " فالحذف " الفاء واقعة في جواب الشرط، والحذف: مبتدأ " نزر " خبره، والجملة في محل جزم جواب الشرط " وأبوا " فعل وفاعل " أن " مصدرية " يختزل " فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، وسكن للوقف، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " وصل " والمراد أنهم امتنعوا عن تجويز الحذف، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لابوا. (1) " إن " شرطية " صلح " فعل ماض فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: إن صلح الباقي بعد الحذف للوصل فقد أبوا الحذف " الباقي " فاعل صلح " لوصل " جار ومجرور متعلق بصلح " مكمل " نعت لوصل " والحذف " مبتدأ " عندهم " عند: ظرف متعلق بالحذف أو بكثير أو بمنجلي، وعند مضاف والضمير العائد إلى العرب أو النحاة مضاف إليه " كثير " خبر المبتدأ " منجلي " خبر ثان، أو نعت للخبر. (2) " في عائد " جار ومجرور متعلق بكثير أو بمنجل في البيت السابق " متصل " نعت لعائد " إن " شرطية " انتصب " فعل ماض فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم، وسكن للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يرجع إلى عائد " بفعل " جار ومجرور متعلق بانتصب " أو وصف " معطوف على فعل " كمن " الكاف جارة، ومجرورها محذوف، ومن: اسم موصول مبتدأ " نرجو " فعل مضارع، مرفوع بضمة مقدرة على الواو، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، ومفعوله محذوف، وهو العائد، والتقدير كمن نرجوه، والجملة لا محل لها صلة " يهب " فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وسكن للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " من " والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 165 ]

صدر صلتها، فيقول: " يعجبني أيهم قائم، ورأيت أيهم قائم، ومررت بأيهم قائم " وقد قرئ (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) بالنصب، وروى * فسلم على أيهم أفضل * [ 33 ] بالجر. * * * وأشار بقوله: " وفي ذا الحذف - إلى آخره " إلى المواضع التي يحذف فيها العائد على الموصول، وهو: إما أن يكون مرفوعا، أو غيره، فإن كان مرفوعا لم يحذف، إلا إذا كان مبتدأ وخبره مفرد [ نحو (وهو الذي في السماء إله) وأيهم أشد ]، فلا تقول: " جاءني اللذان قام " ولا " اللذان ضرب "، لرفع الاول بالفاعلية والثاني بالنيابة، بل يقال: " قاما، وضربا " وأما المبتدأ فيحذف مع " أي " وإن لم تطل الصلة، كما تقدم من قولك: " يعجبني أيهم قائم " ونحوه، ولا يحذف صدر الصلة مع غير " أي " إلا إذا طالت الصلة، نحو " جاء الذي هو ضارب زيدا " فيجوز حذف " هو " فتقول " جاء الذي ضارب زيدا " ومنه قولهم " ما أنا بالذي قائل لك سواءا " التقدير " بالذي هو قائل لك سوءا " فإن لم تطل الصلة فالحذف قليل، وأجازه الكوفيون قياسا، نحو " جاء الذي قائم " التقدير " جاء الذي هو قائم " ومنه قوله تعالى: (تماما على الذي أحسن) في قراءة الرفع، والتقدير " هو أحسن " (1)..


(1) ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز حذف العائد المرفوع بالابتداء مطلقا، أي سواء أكان الموصول أيا أم غيره، وسواء أطالت الصلة أم لم تطل، وذهب البصريون إلى جواز حذف هذا العائد إذا كان الموصول أيا مطلقا، فإن كان الموصول غير أي لم يجيزوا الحذف إلا بشرط طول الصلة، فالخلاف بين الفريقين منحصر فيما إذا لم تطل الصلة وكان الموصول غير أي، فأما الكوفيون فاستدلوا بالسماع، فمن ذلك قراءة يحيى بن يعمر: (تماما على الذي أحسن) قالوا: التقدير على الذي هو أحسن، ومن ذلك قراءة مالك ابن دينار وابن السماك: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) قالوا: التقدير: مثلا الذي هو بعوضة فما فوقها، ومن ذلك قول الشاعر: = (*)

[ 166 ]

وقد جوزوا في " لا سيما زيد " إذا رفع زيد: أن تكون " ما " موصولة، وزيد: خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير " لا سي الذي هو زيد " فحذف العائد الذي هو المبتدأ - وهو قولك هو - وجوبا، فهذا موضع حذف فيه صدر الصلة مع غير " أي " وجوبا ولم تطل الصلة، وهو مقيس وليس بشاذ (1)..


= لا تنو إلا الذي خير، فما شقيت إلا نفوس الالى للشر ناوونا قالوا: التقدير لا تنو إلا الذي هو خير، ومن ذلك قول الآخر: من يعن بالحمد لم ينطق بما سفه ولا يحد عن سبيل المجد والكرم قالوا: تقدير هذا البيت: من يعن بالحمد لم ينطق بالذي هو سفه، ومن ذلك قول عدي بن زيد العبادي: لم أر مثل الفتيان في غبن الايام يدرون ما عواقبها قالوا: ما موصولة، والتقدير: يدرون الذي هو عواقبها. وبعض هذه الشواهد يحتمل وجوها من الاعراب غير الذي ذكروه، فمن ذلك أن " ما " في الآية الثانية يجوز أن تكون زائدة، وبعوضة خبر مبتدأ محذوف، ومن ذلك أن " ما " في بيت عدي بن زيد يحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبر، والجملة في محل نصب مفعول به ليدرون، وقد علق عنها لانها مصدرة بالاستفهام، والكلام يطول إذا نحن تعرضنا لكل واحد من هذه الشواهد، فلنجتزئ لك بالاشارة. (1) الاسم الواقع بعد " لا سيما " إما معرفة، كأن يقال لك: أكرم العلماء لا سيما الصالح منهم، وإما نكرة، كما في قول امرئ القيس: ألا رب يوم صالح لك منهما ولا سيما يوم بدارة جلجل فإن كان الاسم الواقع بعد " لاسيما " نكرة جاز فيه ثلاثة أوجه: الجر، وهو أعلاها، والرفع وهو أقل من الجر، والنصب، وهو أقل الاوجه الثلاثة. فأما الجر فتخريجه على وجهين، أحدهما: أن تكون " لا " نافية للجنس و " سي " اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة، و " ما " زائدة، وسي مضاف، و " يوم " مضاف = (*)

[ 167 ]

.


= إليه، وخبر لا محذوف، والتقدير: ولا مثل يوم بدارة جلجل موجود، والوجه الثاني أن تكون " لا " نافية للجنس أيضا، و " سي " اسمها منصوب بالفتحة الظاهر، وهو مضاف و " ما " نكرة غير موصوفة مضاف إليه مبني على السكون في محل جر، و " يوم " بدل من ما. وأما الرفع فتخريجه على وجهين أيضا، أحدهما: أن تكون " لا " نافية للجنس أيضا و " سي " اسمها، و " ما " نكرة موصوفة مبني على السكون في محل جر بإضافة " سي " إليها، و " يوم " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو يوم، وخبر لا محذوف، وكأنك قلت: ولا مثل شئ عظيم هو يوم بدارة جلجل موجود، والوجه الثاني، أن تكون " لا " نافية للجنس أيضا، و " سي " اسمها، و " ما " موصول اسمي بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بإضافة " سي " إليه، و " يوم " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو يوم، والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وخبر " لا " محذوف، وكأنك قلت: ولا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل موجود. وهذا الوجه هو الذي أشار إليه الشارح. وأما النصب فتخريجه على وجهين أيضا، أحدهما: أن تكون " ما " نكرة غير موصوفة وهو مبني على السكون في محل جر بإضافة " سي " إليها، و " يوما " مفعول به لفعل محذوف، وكأنك قلت: ولا مثل شئ أعني يوما بدارة جلجل، وثانيهما: أن تكون " ما " أيضا نكرة غير موصوفة وهو مبني على السكون في محل جر بالاضافة، و " يوما " تمييز لها. وإن كان الاسم الواقع بعدها معرفة كالمثال الذي ذكرناه فقد أجمعوا على أنه يجوز فيه الجر والرفع، واختلفوا في جواز النصب، فمن جعله بإضمار فعل أجاز كما أجاز في النكرة، ومن جعل النصب على التمييز وقال إن التمييز لا يكون إلا نكرة منع النصب في المعرفة، لانه لا يجوز عنده أن تكون تمييزا، ومن جعل نصبه على التمييز وجوز أن يكون التمييز معرفة كما هو مذهب جماعة الكوفيين جوز نصب المعرفة بعد " سيما ". والحاصل أن نصب المعرفة بعد " لاسيما " لا يمتنع إلا بشرطين: التزام كون المنصوب تمييزا، والتزام كون التمييز نكرة. (*)

[ 168 ]

وأشار بقوله " وأبوا أن يختزل * إن صلح الباقي لوصل مكمل " إلى أن شرط حذف صدر الصلة أن لا يكون ما بعده صالحا لان يكون صلة، كما إذا وقع بعده جملة، نحو " جاء الذي هو أبوه منطلق "، أو " هو ينطلق " أو ظرف، أو جار ومجرور، تامان، نحو " جاء الذي هو عندك " أو " هو في الدار "، فإنه لا يجوز في هذه المواضع حذف صدر الصلة، فلا تقول " جاء الذي أبوه منطلق " تعني " الذي هو أبوه منطلق "، لان الكلام يتم دونه، فلا يدرى أحذف منه شئ أم لا ؟ وكذا بقية الامثلة المذكورة، ولا فرق في ذلك بين " أي " وغيرها، فلا تقول في " يعجبني أيهم هو يقوم ": " يعجبني أيهم يقوم " لانه لا يعلم الحذف، ولا يختص هذا الحكم بالضمير إذا كان مبتدأ، بل الضابط أنه متى احتمل الكلام الحذف وعدمه لم يجز حذف العائد، وذلك كما إذا كان في الصلة ضمير - غير ذلك الضمير المحذوف - صالح لعوده على الموصول، نحو " جاء الذي ضربته في داره "، فلا يجوز حذف الهاء من ضربته، فلا تقول: " جاء الذي ضربت في داره " لانه لا يعلم المحذوف. وبهذا يظهر لك ما في كلام المصنف من الايهام، فإنه لم يبين أنه متى صلح ما بعد الضمير لان يكون صلة لا يحذف، سواء أكان الضمير مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، وسواء أكان الموصول أيا أم غيرها، بل ربما يشعر ظاهر كلامه بأن الحكم مخصوص بالضمير المرفوع، وبغير أي من الموصولات، لان كلامه في ذلك، والامر ليس كذلك، بل لا يحذف مع " أي " ولا مع غيرها متى صلح ما بعدها لان يكون صلة كما تقدم، نحو " جاء الذي هو أبوه منطلق، ويعجبني أيهم هو أبوه منطلق " وكذلك المنصوب والمجرور، نحو " جاءني الذي ضربته في داره، ومررت بالذي مررت به في داره "، و " يعجبني أيهم ضربته في داره، ومررت (بأبيهم) ؟ مررت به في داره ". * * * (*)

[ 169 ]

وأشار بقوله: " والحذف عندهم كثير منجلى - إلى آخره " إلى العائد (المنصوب) ؟. وشرط جواز حذفه أن يكون: متصلا منصوبا، بفعل تام أو بوصف، نحو " جاء الذي ضربته، والذي أنا معطيكه درهم ". فيجوز حذف الهاء من " ضربته " فتقول " جاء الذي ضربت " ومنه قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا) وقوله تعالى: (أهذا الذي بعث الله رسولا) التقدير " خلقته، وبعثه " (1). وكذلك يجوز حذف الهاء من " معطيكه "، فتقول " الذي أنا معطيك درهم " ومنه قوله: 34 - ما الله موليك فضل فاحمدنه به فما لدى غيره نفع ولا ضرر تقديره: الذي الله موليكه فضل، فحذفت الهاء..


(1) لم يذكر الشارح شيئا من الشواهد من الشعر العربي على جواز حذف العائد المنصوب بالفعل المتصرف، بل اكتفى بذكر الآيتين الكريمتين، لان مجيئه في القرآن دليل على كثرة استعماله في الفصيح، ومن ذلك قول عروة بن حزام: وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب وأصرف عن (وجهي) ؟ الذي كنت أرتئي وأنسى الذي أعددت حين أجيب أراد أن يقول: أصرف عن وجهي الذي كنت أرتئيه، وأنسى الذي أعددته، فحذف العائد المنصوب بأرتئي وبأعددت، وكل منهما فعل تام متصرف: 34 - هذا البيت من الشواهد التي ذكروها ولم ينسبوها إلى قائل معين. اللغة: " موليك " اسم فاعل من أولاه النعمة، إذا أعطاه إياها " فضل " إحسان. المعنى: الذي يمنحك الله من النعم فضل منه عليك، ومنة جاءتك من عنده من غير = (*)

[ 170 ]

.


= أن تستوجب عليه سبحانه شيئا من ذلك، فاحمد ربك عليه، واعلم أنه هو الذي ينفعك ويضرك، وأن غيره لا يملك لك شيئا من نفع أو ضر. الاعراب: " ما " أسم موصول مبتدأ " الله " مبتدأ " موليك " مولى: خبر عن لفظ الجلالة، وله فاعل مستتر فيه عائد على الاسم الكريم، والكاف ضمير المخاطب مبني على الفتح في محل جر بالاضافة، وهو المفعول الاول، وله مفعول ثان محذوف وهو العائد على الموصول، والتقدير: موليكه، والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " خير " خبر عن " ما " الموصولة " فاحمدنه " الفاء عاطفة، احمد: فعل أمر. وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون نون التوكيد، والضمير البارز المتصل مفعول به " به " جار ومجرور متعلق باحمد " فما " الفاء للتعليل، وما: نافية تعمل عمل ليس " لدى " ظرف متعلق بمحذوف خبر " ما " مقدم على اسمها، وجاز تقديمه لانه ظرف يتوسع فيه، ولدى مضاف وغير من " غيره " مضاف إليه، وغير مضاف وضمير الغائب العائد على الله مضاف إليه " نفع " اسم " ما " مؤخر " ولا " الواو عاطفة، ولا: نافية " ضرر " معطوف على نفع، ويجوز أن تكون " ما " نافية مهملة، و " لدى " متعلق بمحذوف خبر مقدم، و " نفع " مبتدأ مؤخر. الشاهد فيه: قوله: " ما الله موليك " حيث حذف الضمير العائد على الاسم الموصول لانه منصوب بوصف، وهذا الوصف اسم فاعل، وأصل الكلام: ما الله موليكه، أي: الشئ الذي الله تعالى معطيكه هو فضل وإحسان منه عليك. واعلم أنه يشترط في حذف العائد المنصوب بالوصف ألا يكون هذا الوصف صلة لال فإن كان الوصف صلة لال كان الحذف شاذا، كما في قول الشاعر: ما المستفز الهوى محمود عاقبة ولو أتيح له صفو بلا كدر كان ينبغي أن يقول: ما المستفزة الهوى محمود عاقبة، فحذف الضمير المنصوب مع أن ناصبه صلة لال، ومثله قول الآخر: في المعقب البغي أهل البغي ما ينهى امرأ حازما أن يسأما أراد أن يقول: في المعقبه البغي، فلم يتسع له. وإنما يمتنع حذف المنصوب بصلة أل إذا كان هذا المنصوب عائدا على أل نفسها، لانه هو الذي يدل على اسمية أل، فإذا حذف زال الدليل على ذلك. (*)

[ 171 ]

وكلام المصنف يقتضي أنه كثير، وليس كذلك، بل الكثير حذفه من الفعل المذكور، وأما [ مع ] الوصف فالحذف منه قليل. فإن كان الضمير منفصلا (1) لم يجز الحذف، نحو " جاء الذي إياه ضربت " فلا يجوز حذف " إياه " وكذلك يمتنع الحذف إن كان متصلا منصوبا بغير فعل أو وصف - وهو الحرف - نحو " جاء الذي إنه منطلق " فلا يجوز حذف.


(1) الذي لا يجوز حذفه هو الضمير الواجب الانفصال، فأما الضمير الجائز الانفصال فيجوز حذفه، وإنما يكون الضمير واجب الانفصال إذا كان مقدما على عامله كما في المثال الذي ذكره الشارح، أو كان مقصورا عليه كقولك: جاء الذي ما ضربت إلا إياه، والسر في عدم جواز حذفه حينئذ أن غرض المتكلم يفوت بسبب حذفه، ألا ترى أنك إذا قلت " جاء الذي إياه ضربت " كان المعنى: جاء الذي ضربته ولم أضرب سواه، فإذا قلت " جاء الذي ضربت " صار غير دال على أنك لم تضرب سواه، وكذلك الحال في قولك " جاء الذي ما ضربت إلا إياه " فإنه يدل على أنك قد ضربت هذا الجائي ولم تضرب غيره، فإذا قلت: " جاء الذي ما ضربت " دل الكلام على أنك لم تضرب هذا الجائي فحسب. فأما المنفصل جوازا فيجوز حذفه، والدليل على ذلك قول الشاعر: * ما الله موليك فضل فاحمدنه به * فإن التقدير يجوز أن يكون " ما الله موليكه " ويجوز أن يكون " ما الله موليك إياه " وقد عرفت فيما سبق (في مباحث الضمير) السر في جواز الوجهين، ومما يدل على جواز حذف الجائز الانفصال قول الله تعالى: (فاكهين بما آتاهم ربهم) فإنه يجوز أن يدون التقدير " بالذي آتاهموه ربهم " وأن يكون التقدير " بالذي آتاهم إياه ربهم " والثاني أولى، فيحمل عليه تقدير الآية الكريمة، وكذلك قول الله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) فإنه يجوز أن يكون التقدير " ومن الذي رزقناهموه " كما يجوز أن يكون التقدير " ومن الذي رزقناهم إياه ". (*)

[ 172 ]

الهاء (1)، وكذلك يمتنع الحذف إذا كان منصوبا [ متصلا ] بفعل ناقص، نحو " جاء الذي كانه زيد ". * * * كذاك حذف ما بوصف خفضا كأنت قاض بعد أمر من قضى (2) كذا الذي جر بما الموصول جر ك‍ " مر بالذي مررت فهو بر " (3).


(1) إنما قال الشارح " فلا يجوز حذف الهاء " إشارة إلى أن الممنوع هو حذف الضمير المنصوب بالحرف مع إبقاء الحرف، فأما إذا حذفت الضمير والحرف الناصب له جميعا فإنه لا يمتنع، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (أين شركائي الذين كنتم تزعمون) هذا إذا قدرت أصل الكلام: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي، على حد قول كثير: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ؟ فإن قدرت الاصل " الذين كنتم تزعمونهم شركائي " لم يكن من هذا النوع. (2) " كذاك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " حذف " مبتدأ مؤخر، وحذف مضف و " ما " اسم موصول مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " بوصف " جار ومجرور متعلق بقوله " خفض " الآتي " خفضا " خفض: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " والجملة لا محل لها من الاعراب صلة " كأنت " الكاف جارة لقول محذوف، أي كقولك، أنت: مبتدأ " قاض " خبر المبتدأ " بعد " ظرف متعلق بمحذوف نعت للقول الذي قدرناه مجرورا بالكاف، وبعد مضاف و " أمر " مضاف إليه " من قضى " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لامر، أي: بعد فعل أمر مشتق من مادة قضى، يشير إلى قوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض) كما قال الشارح. (3) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " الذي " اسم موصول مبتدأ مؤخر " جر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " الذي " والجملة لا محل لها صلة " بما " جار ومجرور متعلق = (*)

[ 173 ]

لما فرغ من الكلام على الضمير المرفوع والمنصوب شرع في الكلام على المجرور، وهو إما أن يكون مجرورا بالاضافة، أو بالحرف. فإن كان مجرورا بالاضافة لم يحذف، إلا إذا كان مجرورا بإضافة اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، نحو " جاء الذي أنا ضاربه: الآن، أو غدا "، فتقول: جاء الذي أنا ضارب، بحذف الهاء. وإن كان مجرورا بغير ذلك لم يحذف، نحو " جاء الذي أنا غلامه، أو أنا مضروبه، أو أنا ضاربه أمس " وأشار بقوله: " كأنت قاض " إلى قوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض) التقدير " ما أنت قاضيه " فحذفت الهاء، وكأن المصنف استغنى بالمثال عن أن يقيد الوصف بكونه اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال. وإن كان مجرورا بحرف فلا يحذف إلا إن دخل على الموصول حرف مثله: لفظا ومعنى، واتفق العامل فيهما مادة، نحو: " مررت بالذي مررت به، أو أنت مار به " فيجوز حذف الهاء، فتقول: " مررت بالذي مررت " قال الله تعالى: (ويشرب مما تشربون) أي: منه، وتقول: " مررت بالذي أنت مار " أي به، ومنه قوله:.


= بالفعل الذي قبله " الموصول " مفعول مقدم لجر الآتي " جر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " والجملة لا محل لها صلة " كمر " الكاف جارة لقول محذوف، وهي ومجرورها يتعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كقولك، مر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالذي " جار ومجرور متعلق بمر السابق " مررت " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها صلة، والعائد محذوف تقديره " به " وقوله: " فهو بر " الفاء واقعة في جواب شرط محذوف، وهو: ضمير منفصل مبتدأ، بر: خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم جواب ذلك الشرط المحذوف. (*)

[ 174 ]

35 - وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي أنت بائح أي: أنت بائح به..


35 - هذا البيت لعنترة بن شداد العبسي، الشاعر المشهور والفارس المذكور، من كلمة مطلعها: طربت وهاجتك الظباء السوانح غداة غدت منها سنيح وبارح تغالت بي الاشواق حتى كأنما بزندين في جوفي من الوجد قادح اللغة: " طربت " الطرب: خفة تعتريك من سرور أو حزن " هاجتك " أثارت همك، وبعثت شوقك " الظباء " جمع ظبى " السوانح " جمع سانح، وهو ما أتاك عن يمينك فولاك مياسره من ظبى أو طير أو غيرهما، ويقال له: سنيح " بارح " هو ضد السانح، وهو ما أتاك عن يسارك فولاك ميامنه " قادح " اسم فاعل من قدح الزند قدحا، إذا ضربه لتخرج منه النار " حقبة " - بكسر فسكون - في الاصل تطلق على ثمانين عاما، وقد أراد بها المدة الطويلة " فبح " أمر من " باح بالامر يبوح به ": أي أعلنه وأظهره " لان " أي الآن، فحذف همزة الوصل والهمزة التي بعدم اللام، ثم فتح اللام لمناسبة الالف، وقيل: بل هي لغة في الآن، ومثله قول جرير بن عطية: ألان وقد نزعت إلى نمير فهذا حين صرت لهم عذابا وقول الآخر: ألا يا هند هند بني عمير أرث لان وصلك أم جديد ؟ وقول أشجع السلمي: ألان استرحنا واستراحت ركابنا وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي وروى الاعلم بيت الشاهد: تعزيت عن ذكرى سمية حقبة فبح عنك منها بالذي أنت بائح وأنشده الاخفش كما في الشرح، وهو كذلك في المشهور من شعر عنترة. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " كنت " كان: فعل ماض ناقص، وتاء = (*)

[ 175 ]

فإن اختلف الحرفان لم يجز الحذف، نحو: " مررت بالذي غضبت عليه " فلا يجوز حذف " عليه " وكذلك " مررت بالذي مررت به على زيد " فلا يجوز حذف " به " منه، لاختلاف معنى الحرفين، لان الباء الداخلة على الموصول للالصاق، والداخلة على الضمير للسببية، وإن اختلف العاملان لم يجز الحذف أيضا، نحو: " مررت بالذي فرحت به " فلا يجوز حذف " به ". وهذا كله هو المشار إليه بقوله: " كذا الذي جر بما الموصول جر " أي كذلك يحذف الضمير الذي جر بمثل ما جر الموصول به (1)، نحو: " مررت.


= المخاطب اسمه مبني على الفتح في محل رفع " تخفي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة من تخفي وفاعله خبر " كان " في محل نصب " حب " مفعول به لتخفي، وحب مضاف و " سمراء " مضاف إليه " حقبة " ظرف زمان متعلق بتخفي " فبح " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لان " ظرف زمان متعلق ببح " بالذي " جار ومجرور متعلق ببح أيضا " أنت بائح " مبتدأ وخبر، والجملة منهما لا محل لها صلة الموصول المجرور محلا بالباء، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: فبح الآن بالذي أنت بائح به. الشاهد فيه: قوله " بالذي أنت بائح " حيث استساغ الشاعر حذف العائد المجرور على الموصول من جملة الصلة، لكونه مجرورا بمثل الحرف الذي جر الموصول وهو الباء والعامل في الموصول متحد مع العامل في العائد مادة: الاول " بح " والثاني " بائح " ومعنى: لانهما جميعا من البوح بمعنى الاظهار والاعلان. (1) ومثله أن يكون الموصول وصفا لاسم، وقد جر هذا الموصوف بحرف مثل الذي مع العائد، ومنه قول كعب بن زهير: إن تعن نفسك بالامر الذي عنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا لا تركنن إلى الامر الذي ركنت أبناء يعصر حين اضطرها القدر = (*)

[ 176 ]

بالذي مررت فهو بر " أي: " بالذي مررت به " فاستغنى بالمثال عن ذكر بقية الشروط التسبق ذكرها. * * *.


= ففي كل بيت من هذين البيتين شاهد لما ذكرناه. أما البيت الاول فإن الشاهد فيه قوله " بالامر الذي عنيت " فإن التقدير فيه: بالامر الذي عنيت به، فحذف المجرور ثم الجار، لكون الموصوف بالموصول مجرورا بمثل الذي جر ذلك العائد. وأما البيت الثاني فالشاهد فيه قوله " إلى الامر الذي ركنت " فإن تقدير الكلام: إلى الامر الذي ركنت إليه، فحذف المجرور، ثم حذف الجار، لكون الموصوف - وهو الامر - مجرورا بحرف مماثل للحرف الذي جر به ذلك العائد. * * * (*)

[ 177 ]

المعرف بأداة التعريف أل حرف تعريف، أو اللام فقط، فنمط عرفت قل فيه: " النمط " (1) اختلف النحويون في حرف التعريف في " الرجل " ونحوه، فقال الخليل المعرف هو " أل "، وقال سيبويه: هو اللام وحدها، فالهمزة عند الخليل همزة قطع، وعند سيبويه همزة وصل اجتلبت للنطق بالساكن (2)..


(1) " أل " مبتدأ " حرف " خبر المبتدأ، وحرف مضاف و " تعريف " مضاف إليه " أو " عاطفة " اللام " مبتدأ، وخبره محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: أو اللام حرف تعريف " فقط " الفاء حرف زائد (لتزيين) ؟ اللفظ، وقط: اسم بمعنى حسب - أي كاف - حال من " اللام " وتقدير الكلام: أو اللام حال كونه كافيك، أو الفاء داخلة في جواب شرط محذوف و " قط " على هذا إما اسم فعل أمر بمعنى انته، وتقدير الكلام " إذا عرفت ذلك فانته " وإما اسم بمعنى كاف خبر لمبتدأ محذوف، أي إذا عرفت ذلك فهو كافيك، وقوله " نمط " مبتدأ " عرفت " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع نعت لنمط " قل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " فيه " جار ومجرور متعلق بقل " النمط " مفعول به لقل، لانه مقصود لفظه، وقيل: إن " عرفت " فعل شرط حذفت أداته، وجملة " قل " جواب الشرط حذفت منه الفاء، والتقدير: نمط إن عرفته فقل فيه النمط، أي إن أردت تعريفه، وجملة الشرط وجوابه على هذا خبر المبتدأ، وهو تكلف لا داعي له. (2) ذهب الخليل إلى أن أداة التعريف هي " أل " برمتها، وأن الهمزة همزة أصلية، وأنها همزة قطع، بدليل أنها مفتوحة، إذ لو كانت همزة وصل لكسرت، لان الاصل في همزة الوصل الكسر، ولا تفتح أو تضم إلا لعارض، وليس هنا عارض يقتضي ضمها أو فتحها، وبقي عليه أن يجيب عما دعا إلى جعلها في الاستعمال همزة وصل، = (12 - شرح ابن عقيل 1)

[ 178 ]

والالف واللام المعرفة تكون للعهد، كقولك: " لقيت رجلا فأكرمت الرجل " وقوله تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول) ولاستغراق الجنس، نحو: (إن الانسان لفي خسر) وعلامتها أن يصلح موضعها " كل " ولتعريف الحقيقة، نحو: " الرجل خير من المرأة " أي: هذه الحقيقة خير من هذه الحقيقة. و " النمط " ضرب من البسط، والجمع أنماط مثل سبب وأسباب والنمط أيضا الجماعة من الناس الذين أمرهم واحد، كذا قاله الجوهري. * * * وقد تزاد لازما: كاللات، والآن، والذين، ثم اللات (1) ولاضطرار: كبنات الاوبر كذا، " وطبت النفس يا قيس " السري (2).


= والجواب عنده أنها إنما صارت همزة وصل في الاستعمال، لقصد التخفيف الذي اقتضاه كثرة استعمال هذا اللفظ. وذهب سيبويه رحمه الله إلى أن أداة التعريف هي اللام وحدها، وأن الهمزة زائدة، وأنها همزة وصل أتى بها توصلا إلى النطق بالساكن، فإن قيل: فلماذا أتى بالهمزة ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ولم تتحرك اللام ؟ أجيب عن ذلك بأنها لو حركت لكانت إما أن تحرك بالكسر فتلتبس بلام الجر، أو بالفتح فتلتبس بلام الابتداء، أو بالضم فتكون مما لا نظير له في العربية، فلاجل ذلك عدل عن تحريك اللام، وأبقيت على أصل وضعها، وجئ بهمزة الوصل قبلها. (1) " قد " حرف تقليل " تزاد " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى " أل " " لازما " حال من مصدر الفعل السابق، وتقديره: تزاد حال كون الزيد لازما، وقيل: هو مفعول مطلق، وهو وصف لمصدر محذوف: أي زيدا لازما، وأنكر هذا ابن هشام على المعربين " كاللات " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كاللات " والآن، والذين، ثم اللات " معطوفات على اللات. (2) " لاضطرار " جار ومجرور متعلق بتزاد " كبنات " الكاف جارة لقول = (*)

[ 179 ]

ذكر المصنف في هذين البيتين أن الالف واللام تأتي زائدة، وهي - في زيادتها - على قسمين: لازمة، وغير لازمة. ثم مثل الزائدة اللازمة ب‍ " اللات " (1) وهو اسم صنم كان بمكة، وب‍ " الآن " وهو ظرف زمان مبني على الفتح (2)، واختلف في الالف واللام الداخلة عليه،.


= محذوف، وهي ومجرورها يتعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كقولك إلخ، وبنات مضاف و " الاوبر " مضاف إليه " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ من مادة القول محذوف أيضا " طبت " فعل وفاعل " النفس " تمييز " يا " حرف نداء " قيس " منادى مبني على الضم في محل نصب " السري " نعت له، وتقدير الكلام: وقولك: " طبت النفس يا قيس " كذلك. (1) مثل اللات كل علم قارنت " أل " وضعه لمعناه العلمي، سواء أكان مرتجلا أم كان منقولا، فمثال المرتجل من الاعلام التي فيها " أل " وقد قارنت وضعه: السموأل، وهو اسم شاعر جاهلي مشهور يضرب به المثل في الوفاء، ومثال المنقول من الاعلام التي فيها " أل " وقد قارنت وضعه للعلمية أيضا: العزى، وهو في الاصل مؤنث الاعز وصف من العزة، ثم سمى به صنم أو شجرة كانت غطفان تعبدها، ومنه اللات، وهو في الاصل اسم فاعل من لت السويق بلته، ثم سمى به صنم، وأصله بتشديد التاء، فلما سمى به خففت تاؤه، لان الاعلام كثيرا ما يغير فيها، ومنه " اليسع " فإن أصله فعل مضارع ماضيه وسع ثم سمى به. (2) أكثر النحاة على أن " الآن " مبني على الفتح، ثم اختلفوا في سبب بنائه ؟ فذهب قوم إلى أن علة بنائه تضمنه معنى " أل " الحضورية، وهذا الرأي هو الذي نقله الشارح عن المصنف وجماعة، وهؤلاء يقولون: إن " أل " الموجودة فيه زائدة، وبناؤه لتضمنه معنى " أل " أخرى غير موجودة، ونظير ذلك بناء " الامس " في قول نصيب بن رباح: وإني وقفت اليوم والامس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب فإنهم جعلوا بناءه في هذا وما أشبهه لتضمنه معنى " أل " غير الموجودة فيه، وهذا = (*)

[ 180 ]

فذهب قوم إلى أنها لتعريف الحضور كما في قولك: " مررت بهذا الرجل "، لان قولك: " الآن " بمعنى هذا الوقت، وعلى هذا لا تكون زائدة، وذهب قوم - منهم المصنف - إلى أنها زائدة، وهو مبني لتضمنه معنى الحرف، وهو لام الحضور. ومثل - أيضا - ب‍ " الذين "، و " اللات " والمراد بهما ما دخل عليه " أل " من الموصولات، وهو مبني على أن تعريف الموصول بالصلة، فتكون الالف واللام زائدة، وهو مذهب قوم، واختاره المصنف، وذهب قوم إلى أن تعريف الموصول ب‍ " أل " إن كانت فيه نحو: " الذي " فإن لم تكن فيه فبنيتها نحو: " من، وما " إلا " أيا " فإنها تتعرف بالاضافة، فعلى هذا المذهب لا تكون الالف واللام زائدة، وأما حذفها في قراءة من قرأ: (صراط الذين أنعمت عليهم) فلا يدل على أنها زائدة، إذ يحتمل أن تكون حذفت شذوذا وإن كانت معرفة، كما حذفت من قولهم: " سلام عليكم " من غير تنوين يريدون " السلام عليكم ". وأما الزائدة غير اللازمة فهي الداخلة اضطرارا على العلم، كقولهم في " بنات أوبر " علم لضرب من الكمأة " بنات الاوبر " ومنه قوله:.


= عجيب منهم، لانهم ألغوا الموجود، واعتبروا المعدوم، وقال قوم: بني " الآن " لضمنه معنى الاشارة، فإنه بمعنى هذا الوقت، وهذا قول الزجاج، وقيل: بني " الآن " لشبهه بالحرف شبها جموديا، ألا ترى أنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر ؟ بخلاف غيره من أسماء الزمان كحين ووقت وزمن وساعة، ومن الناس من يقول: الآن اسم إشارة إلى الزمان، كما أن هنا اسم إشارة إلى المكان، فبناؤه على هذا لتضمنه معنى كان حقه أن يؤدى بالحرف، ومن النحاة من ذهب إلى أنه معرب، وأنه ملازم للنصب على الظرفية وقد يخرج عنها إلى الجر بمن، فيقال: سأحالفك من الآن، بالجر، ويقول صاحب النكت: " وهذا قول لا يمكن القدح فيه، وهو الراجح عندي، والقول ببنائه لا توجد له علة صحيحة " اه‍. (*)

[ 181 ]

36 - ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الاوبر.


36 - هذا البيت من الشواهد التي لم يعرفوا لها قائلا، وممن استشهد به أبو زيد في النوادر. اللغة: " جنيتك " معناه جنيت لك، ومثله - في حذف اللام وإيصال الفعل إلى ما كان مجرورا - قوله تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم) و (يبغونها عوجا) و (والقمر قدرناه منازل) " أكمؤا " جمع كم ء - بزنة فلس - ويجمع الكم ء على كمأة، أيضا، فيكون المفرد خاليا من التاء وهي في جمعه، على عكس تمرة وتمر، وهذا من نوادر اللغة، " وعساقلا " جمع عسقول - بزنة عصفور - وهو نوع من الكمأة، وكان أصله عساقيل، فحذفت الياء كما حذفت في قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب) فإنه جمع مفتاح، وكان قياسه مفاتيح، فحذفت الياء، ويقال: المفاتح جمع مفتح، وليس جمع مفتاح، فلا حذف، وكذا يقال: العساقل جمع عسقل بزنة منبر و " بنات الاوبر " كمأة صغار مزغبة كلون التراب، وقال أبو حنيفة الدينوري: بنات أوبر كمأة كأمثال الحصي صغار، وهي رديئة الطعم. الاعراب: " ولقد " الواو للقسم، واللام للتأكيد، وقد: حرف تحقيق " جنيتك " فعل وفاعل ومفعول أول " أكمؤا " مفعول ثان " وعساقلا " معطوف على قوله أكمؤا " ولقد " الواو عاطفة، واللام موطئة للقسم، و " قد " حرف تحقيق " نهيتك " فعل وفاعل ومفعول " عن " حرف جر " بنات " مجرور بعن، وبنات مضاف و " الاوبر " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " بنات الاوبر " حيث زاد " أل " في العلم مضطرا، لان " بنات أوبر " علم على نوع من الكمأة ردئ، والعلم لا تدخله " أل "، فرارا من اجتماع معرفين، وهما حينئذ العلمية وأل، فزادها هنا ضرورة، قال الاصمعي: " وأما قول الشاعر: * ولقد نهيتك عن بنات الاوبر * فإنه زاد الالف واللام للضرورة، وكقول الراجز: باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبواب لدى قصورها = (*)

[ 182 ]

والاصل " بنات أوبر " فزيدت الالف واللام، وزعم المبرد أن " بنات أوبر " ليس بعلم، فالالف واللام - عنده - غير زائدة. ومنه الداخلة اضطرارا على التمييز، كقوله: 37 - رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت، وطبت النفس يا قيس عن عمرو .


(وقد سبق لنا ذكر هذا البيت في باب العلم، ونسبناه هناك لابي النجم العجلي) وقول آخر: يا ليت أم العمرو كانت صاحبي مكان من أشتى على الركائب قال: وقد يجوز أن أوبر نكرة فعرفه باللام، كما حكى سيبويه أن عرسا من ابن عرس قد نكره بعضهم فقال: هذا ابن عرس مقبل " اه‍ كلام الاصمعي. 37 - البيت لرشيد بن شهاب اليشكري، وزعم التوزي - نقلا عن بعضهم - أنه مصنوع لا يحتج به، وليس كذلك، لان العلماء عرفوا قائله ونسبوه إليه. اللغة: " رأيتك " الخطاب لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد اليشكري، وهو المذكور في آخر البيت " وجوهنا " أراد بالوجوه ذواتهم، ويروى " لما أن عرفت جلادنا " أي: ثباتنا في الحرب وشدة وقع سيوفنا " صددت " أعرضت ونأيت " طبت النفس " يريد أنك رضيت " عمرو " كان صديقا حميما لقيس، وكان قوم الشاعر قد قتلوه. المعنى: يندد بقيس، لانه فر عن صديقه لما رأى وقع أسيافهم، ورضي من الغنيمة بالاياب، فلم يدافع عنه، ولم يتقدم للاخذ بثأره بعد أن قتل. الاعراب: " رأيتك " فعل وفاعل ومفعول، وليس بحاجة لمفعول ثان، لان " رأى " هنا بصرية " لما " ظرفية بمعنى حين تتعلق برأى " أن " زائدة " عرفت " فعل وفاعل " وجوهنا " وجوه: مفعول به لعرف، ووجوه مضاف والضمير مضاف إليه " صددت " فعل وفاعل، وهو جواب " لما " و " طبت " فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة صددت " النفس " تمييز نسبة " يا قيس " يا: حرف نداء، و " قيس " منادى، وجملة النداء لا محل لها معترضة بين العامل ومعموله " عن عمرو " جار ومجرور متعلق بصددت، أو بطبت على أنه ضمنه معنى تسليت. = (*)

[ 183 ]

والاصل " وطبت نفسا " فزاد الالف واللام، وهذا بناء على أن التمييز لا يكون إلا نكرة، وهو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى جواز كونه معرفة، فالالف واللام عندهم غير زائدة. وإلى هذين البيتين اللذين أنشدناهما أشار المصنف بقوله: " كبنات الاوبر "، وقوله: " وطبت النفس يا قيس السرى ". * * * وبعض الاعلام عليه دخلا للمح ما قد كان عنه نقلا (1)


= الشاهد فيه: قوله " طبت النفس " حيث أدخل الالف واللام على التمييز الذي يجب له التنكير - ضرورة، وذلك في اعتبار البصريين، وقد ذكر الشارح أن الكوفيين لا يوجبون تنكير التمييز، بل يجوز عندهم أن يكون معرفة وأن يكون نكرة، وعلى ذلك لا تكون " أل " زائدة، بل تكون معرفة. ومن العلماء من قال: " النفس " مفعول به لصددت، وتمييز طبت محذوف، والتقدير على هذا: صددت النفس وطبت نفسا يا قيس عن عمرو، وعلى هذا لا يكون في البيت شاهد، ولكن في هذا التقدير من التكلف مالا يخفى. (1) " وبعض " مبتدأ، وبعض مضاف و " الاعلام " مضاف إليه " عليه " جار ومجرور متعلق بدخل الآتي " دخلا " دخل فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على أل، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " للمح " جار ومجرور متعلق بدخل، ولمح مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " كان " فعل ماض، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على بعض الاعلام " عنه " جار ومجرور متعلق بقوله نقل الآتي " نقلا " نقل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على بعض الاعلام، والالف للاطلاق، والجملة في محل نصب خبر كان، والجملة من كان ومعموليها لا محل لها صلة الموصول. (*)

[ 184 ]

كالفضل، والحارث، والنعمان، فذكر ذا وحذفه سيان (1) ذكر المصنف - فيما تقدم - أن الالف واللام تكون معرفة، وتكون زائدة، وقد تقدم الكلام عليهما، ثم ذكر في هذين البيتين أنها تكون للمح الصفة، والمراد بها الداخلة على ما سمي به من الاعلام المنقولة، مما يصلح دخول " أل " عليه، كقولك في " حسن ": " الحسن " وأكثر ما تدخل على المنقول من صفة، كقولك في " حارث ": " الحارث " وقد تدخل على المنقول من مصدر، كقولك في " فضل ": " الفضل " وعلى المنقول من اسم جنس غير مصدر، كقولك في " نعمان ": " النعمان " وهو في الاصل من أسماء الدم (2)، فيجوز دخول " أل " في هذه الثلاثة نظرا إلى الاصل، وحذفها نظرا إلى الحال. وأشار بقوله " للمح ما قد كان عنه نقلا " إلى أن فائدة دخول الالف واللام الدلالة على الالتفات إلى ما نقلت عنه من صفة، أو ما في معناها..


(1) " كالفضل " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كالفضل " والحارث والنعمان " معطوفان على الفضل " فذكر " مبتدأ، وذكر مضاف و " ذا " اسم إشارة مضاف إليه " وحذفه " الواو حرف عطف، حذف: معطوف على المبتدأ، وحذف مضاف والضمير مضاف إليه " سيان " خبر المبتدأ وما عطف عليه، مرفوع بالالف نيابة عن الضمة لانه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد: (2) هنا شيئان: الاول أن الذي تلمحه حين تدخل " أل " على نعمان هو وصف الحمرة التي يدل عليها لفظه بحسب الاصل الاول التزاما، لان الحمره لازمة للدم. والثاني: أن الناظم في كتاب التسهيل جعل " نعمان " من أمثلة العلم الذي قارنت " أل " وضعه كاللات والعزى والسموأل، وهذه لازمة، بدليل قوله هناك " وقد تزاد لازما " وهنا مثل به لما زيدت عليه " أل " بعد وضعه للمح الاصل، وهذه ليست بلازمة على ما قال " فذكر ذا وحذفه سيان " والخطب في هذا سهل، لانه يحمل على أن العرب سمت " النعمان " أحيانا مقرونا بأل، فيكون من النوع الاول، وسمت أحيانا أخرى " نعمان " بدون أل، فيكون من النوع الثاني. (*)

[ 185 ]

وحاصله: أنك إذا أردت بالمنقول من صفة ونحوه أنه إنما سمى به تفاؤلا بمعناه أتيت بالالف واللام للدلالة على ذلك، كقولك: " الحارث " نظرا إلى أنه إنما سمى به للتفاؤل، وهو أنه يعيش ويحرث، وكذا كل ما دل على معنى وهو مما يوصف به في الجملة، كفضل ونحوه، وإن لم تنظر إلى هذا ونظرت إلى كونه علما لم تدخل الالف واللام، بل تقول: فضل، وحارث، ونعمان، فدخول الالف واللام أفاد معنى لا يستفاد بدونهما، فليستا بزائدتين، خلافا لمن زعم ذلك، وكذلك أيضا ليس حذفهما وإثباتهما على السواء كما هو ظاهر كلام المصنف، بل الحذف والاثبات ينزل على الحالتين اللتين سبق ذكرهما، وهو أنه إذا لمح الاصل جئ بالالف واللام، وإن لم يلمح لم يؤت بهما. * * * وقد يصير علما بالغلبة مضاف أو مصحوب أل كالعقبه (1) وحذف أل ذي إن تناد أو تضف أوجب، وفي غيرهما قد تنحذف (2).


(1) " وقد " الواو للاستئناف، قد: حرف تقليل " يصير " فعل مضارع ناقص " علما " خبر يصير مقدم على اسمه " بالغلبة " جار ومجرور متعلق بيصير " مضاف " اسم يصير مؤخر عن خبره " أو مصحوب " أو: حرف عطف، مصحوب معطوف على مضاف، ومصحوب مضاف، و " أل " قصد لفظه: مضاف إليه " كالعقبة " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وتقدير الكلام: وذلك كائن كالعقبة. (2) " وحذف " الواو للاستئناف، حذف: مفعول به مقدم على عامله وهو " أوجب " الآتي، وحذف مضاف، و " أل " قصد لفظه: مضاف إليه " ذي " اسم إشارة نعت لال " إن " شرطية " تناد " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحذف الياء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أو " عاطفة " تضف " معطوف على " تناد " مجزوم = (*)

[ 186 ]

من أقسام الالف واللام أنها تكون للغلبة، نحو: " المدينة "، و " الكتاب "، فإن حقهما الصدق على كل مدينة وكل كتاب، لكن غلبت " المدينة " على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، و " الكتاب " على كتاب سيبويه رحمه الله تعالى، حتى إنهما إذا أطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما. وحكم هذه الالف واللام أنها لا تحذف إلا في النداء أو الاضافة، نحو " يا صعق " في الصعق (1)، و " هذه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وقد تحذف في غيرهما شذوذا، سمع من كلامهم: " هذا عيوق طالعا " (2)، والاصل العيوق (2)، وهو اسم نجم. وقد يكون العلم بالغلبة أيضا مضافا: كابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود،.


= بالسكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أوجب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت، وجواب الشرط محذوف لدلالة هذا عليه، أو جملة أوجب وفاعله في محل جزم جواب الشرط، وحذف الفاء منها - مع أنها جملة طلبية - ضرورة " وفي " الواو حرف عطف، في: حرف جر " غيرهما " غير: مجرور بفي، وغير مضاف والضمير - الذي يعود على النداء والاضافة - مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بتنحذف الآتي " قد " حرف تقليل " تنحذف " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " أل " وتقدير البيت: إن تناد أو تضف فأوجب حذف أل هذه، وقد تنحذف أل في غير النداء والاضافة. (1) الصعق - في أصل اللغة - اسم يطلق على كل من رمى بصاعقة، ثم اختص بعد ذلك بخويلد بن نفيل، وكان من شأنه أنه كان يطعم الناس بتهامة، فعصفت الربح التراب في جفانه، فسبها، فرمى بصاعقة، فقال الناس عنه: الصعق. (2) العيوق - في أصل الوضع - كلمة على زنة فيعول من قولهم: عاق فلان فلانا يعوقه، إذا حال بينه وبين غرضه، ومعناه عائق، وهو بهذا صالح للاطلاق على كل معوق لغيره، وخصوا به نجما كبيرا قريبا من نجم الثريا ونجم الدبران، زعموا أنهم سموه بذلك لان الدبران يطلب الثريا والعيوق يحول بينه وبين إدراكها. (*)

[ 187 ]

فإنه غلب على العبادلة (2) دون غيرهم من أولادهم، وإن كان حقه الصدق عليهم، لكن غلب على هؤلاء، حتى إنه إذا أطلق " ابن عمر " لا يفهم منه غير عبد الله، وكذا " ابن عباس " و " ابن مسعود " رضي الله عنهم أجمعين، وهذه الاضافة لا تفارقه، لا في نداء، ولا في غيره، نحو: " يا ابن عمر ". * * *


(1) العبادلة: جمع عبدل، بزنة جعفر، وعبدل يحتمل أمرين: أولهما أن يكون أصله " عبد " فزيدت لام في آخره، كما زيدت في " زيد " حتى صار زيدلا، والثاني أن يكونوا قد نحتوه من " عبد الله " فاللام هي لام لفظ الجلالة، والنحت باب واسع، فقد قالوا: عبشم، من عبد شمس، وعبدر، من عبد الدار، ومرقس، من امرئ القيس، وقالوا: حمدلة، من الحمد لله، وسبحلة، من سبحان الله، وجعفده، من قولهم: جعلت فداءك، وطلبقة، من قولهم: أطال الله بقاءك - وأشباه لهذا كثيرة. وقال الشاعر، وينسب لعمر بن أبي ربيعة، فجاء بالفعل واسم فاعله على طريق النحت: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها * فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل ولكثرة ما ورد من هذا النحو نرى أنه يجوز لك أن تقيس عليه، فتقول " مشأل مشألة " إذا قال: ما شاء الله، وتقول " سبحر سبحرة " إذا قال: سبحان ربي، وتقول " نعمص نعمصة " إذا قال: نعم صباحك، وتقول " نعمس نعمسة " إذا قال: نعم مساؤك، وهكذا، وقدامي العلماء يرون باب النحت مقصورا على ما سمع منه عن العرب وهو من تحجير الواسع، فتدبر هذا، ولا تكن أسير التقليد، وانظر القسم الاول من كتابنا دروس التصريف (ص 22 طبعة ثانية). (*)

[ 188 ]

الابتداء مبتدأ زيد، وعاذر خبر، إن قلت " زيد عاذر من اعتذر " (1) وأول مبتدأ، والثاني فاعل اغنى في " أسار ذان " (2) وقس، وكاستفهام النفي، وقد يجوز نحو " فائز أولو الرشد " (3).


(1) " مبتدأ " خبر مقدم " زيد " مبتدأ مؤخر " وعاذر " الواو عاطفة، وعاذر مبتدأ " خبر " خبر المبتدأ " إن " شرطية " قلت " قال: فعل ماض فعل الشرط، وتاء المخاطب فاعل " زيد " مبتدأ " عاذر " خبره، وفاعله - من جهة كونه اسم فاعل - ضمير مستتر فيه، والجملة من المبتدأ والخبر مقول القول " من " اسم موصول مفعول به لعاذر " اعتذر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، والجملة لا محل لها صلة الموصول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام وتقدير الكلام: إن قلت زيد عاذر من اعتذر فزيد مبتدأ وعاذر خبره. (2) " وأول " مبتدأ " مبتدأ " خبره " والثاني " مبتدأ " فاعل " خبر " أغنى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هو يعود إلى فاعل، والجملة في محل رفع صفة لفاعل " في " حرف جر، ومجروره قول (..) ؟ " أسار " الهمزة للاستفهام، وسار: مبتدأ، و " ذان " فاعل سد مسد الخبر، والجملة من المبتدأ وفاعله مقول القول المحذوف، وتقدير الكلام: وأول اللفظين مبتدأ وثانيهما فاعل أغنى عن الخبر في قولك: أسار ذان. (3) " وقس " الواو عاطفة، قس: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله ومتعلقه محذوفان، والتقدير: وقس على ذلك ما أشبهه " وكاستفهام " الواو حرف عطف، والكاف حرف جر، واستفهام: مجرور بها، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " النفي " مبتدأ مؤخر " وقد " الواو حرف، قد حرف تقليل " يجوز " فعل مضارع " نحو " فاعل يجوز " فائز " مبتدأ " أولو " فاعل بفائز سد مسد الخبر، وأولو مضاف و " الرشد " مضاف إليه، والجملة من المبتدأ وفاعله المغنى عن الخبر مقول قول محذوف، والتقدير: وقد يجوز نحو قولك فائز أولو الرشد، والمراد بنحو هذا المثال: كل وصف وقع بعده مرفوع يستغنى به ولم تتقدمه أداة استفهام ولا أداة نفي. (*)

[ 189 ]

ذكر المصنف أن المبتدأ على قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له فاعل سد مسد الخبر، فمثال الاول " زيد عاذر من اعتذر " والمراد به: ما لم يكن المبتدأ فيه وصفا مشتملا على ما يذكر في القسم الثاني، فزيد: مبتدأ، وعاذر: خبره، ومن اعتذر: مفعول لعاذر، ومثال الثاني " أسار ذان " فالهمزة: للاستفهام، وسار: مبتدأ، وذان: فاعل سد مسد الخبر، ويقاس على هذا ما كان مثله، وهو: كل وصف اعتمد على استفهام، أو نفي - نحو: أقائم الزيدان، وما قائم الزيدان - فإن لم يعتمد الوصف لم يكن مبتدأ، وهذا مذهب البصريين إلا الاخفش - ورفع (1) فاعلا ظاهرا، كما مثل، أو ضميرا منفصلا، نحو: " أقائم أنتما " وتم الكلام به (1)، فإن لم يتم به [ الكلام ] لم يكن مبتدأ، نحو: " أقائم أبواه زيد " فزيد: مبتدأ مؤخر، وقائم: خبر مقدم، وأبواه: فاعل بقائم، ولا يجوز أن يكون " قائم " مبتدأ، لانه لا يستغنى بفاعله حينئذ، إذ لا يقال " أقائم أبواه " فيتم الكلام، وكذلك لا يجوز أن يكون الوصف مبتدأ إذا رفع ضميرا مستترا، فلا يقال في " ما زيد قائم ولا قاعد ": إن " قاعدا " مبتدأ، والضمير المستتر فيه فاعل أغنى عن الخبر، لانه ليس بمنفصل، على أن في المسألة خلافا (2)، ولا فرق بين أن يكون الاستفهام بالحرف، كما مثل،.


(1) " ورفع " هذا الفعل معطوف بالواو على " اعتمد " في قوله " وهو كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي " وكذلك قوله " وتم الكلام به " ويتحصل من ذلك أنه قد اشترط في الوصف الذي يرفع فاعلا بغنى عن الخبر ثلاثة شروط، أولها: أن يكون معتمدا على استفهام أو نفي - عند البصريين - والثاني أن يكون مرفوعه اسما ظاهرا أو ضميرا منفصلا، وفي الضمير المنفصل خلاف سنذكره، والثالث أن يتم الكلام بمرفوعه المذكور. (2) سنبسط القول في هذه المسألة قريبا (انظر ص 192 من هذا الجزء). (*)

[ 190 ]

أو بالاسم كقولك: كيف جالس العمران (1) ؟ وكذلك لا فرق بين أن يكون النفي بالحرف، كما مثل، أو بالفعل كقولك: " ليس قائم الزيدان " فليس: فعل ماض [ ناقص ]، وقائم: اسمه، والزيدان: فاعل سد مسد خبر ليس، وتقول: " غير قائم الزيدان " فغير: مبتدأ، وقائم: مخفوض بالاضافة، والزيدان: فاعل بقائم سد مسد خبر غير، لان المعنى " ما قائم الزيدان " فعومل " غير قائم " معاملة " ما قائم " ومنه قوله: 38 - غير لاه عداك، فاطرح اللهو، ولا تغترر بعارض سلم.


(1) " كيف " اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من " العمران " الآتي و " جالس " مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، و " العمران " فاعل بجالس أغنى عن الخبر، مرفوع بالالف نيابة عن الضمة لانه مثنى. 38 - لم أقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين. اللغة: " لاه " اسم فاعل مأخوذ من مصدر لها يلهو، وذلك إذا ترك وسلا وروح عن نفسه بما لا تقتضيه الحكمة، ولكن المراد هنا لازم ذلك، وهو الغفلة " اطرح " - بتشديد الطاء - أي - اترك " سلم " بكسر السين أو فتحها - أي صلح وموادعة، وإضافة عارض إليه من إضافة الصفة للموصوف. المعنى: إن أعداءك ليسوا غافلين عنك، بل يتربصون بك الدوائر، فلا تركن إلى الغفلة، ولا تغتر بما يبدو لك منهم من المهادنة وترك القتال، فإنهم يأخذون في الاهبة والاستعداد. الاعراب: " غير " مبتدأ، وغير مضاف و " لاه " مضاف إليه " عداك " عدى: فاعل لاه سد مسد خبر غير، لان المضاف والمضاف إليه كالشئ الواحد، وعدى مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " فاطرح " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " اللهو " مفعول به لاطرح " ولا " الواو عاطفة، لا: ناهية " تغترر " = (*)

[ 191 ]

فغير: مبتدأ، ولاه: مخفوض بالاضافة، وعداك: فاعل بلاه سد مسد خبر غير، ومثل قوله: 39 - غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن.


= فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بعارض " جار ومجرور متعلتى بتغترر، وعارض مضاف، و " سلم " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " غير لاه عداك " حيث استغنى بفاعل " لاه " عن خبر المبتدأ وهو غير، لان المبتدأ المضاف لاسم الفاعل دال على النفي، فكأنه " ما " في قولك " ما قائم محمد " فالوصف مخفوض لفظا بإضافة المبتدأ إليه وهو في قوة المرفوع بالابتداء وللكلام بقية تأتى في شرح الشاهد التالي لهذا الشاهد. 39 - البيت لابي نواس - الحسن بن هاني بن عبد الاول، الحكمي - وهو ليس ممن يستشهد بكلامه، وإنما أورده الشارح مثالا للمسألة، ولهذا قال " ومثله قوله " وبعد هذا البيت بيت آخر، وهو: إنما يرجو الحياة فتى عاش في أمن من المحن اللغة: " مأسوف " اسم مفعول من الاسف، وهو أشد الحزن، وفعله من باب فرح، وزعم ابن الخشاب أنه مصدر جاء على صيغة اسم المفعول مثل الميسور، والمعسور، والمجلود، والمحلوف، بمعنى اليسر والعسر والجلد والحلف، ثم أريد به اسم الفاعل، وستعرف في بيان الاستشهاد ما ألجأه إلى هذا التكلف ووجه الرد عليه. المعنى: إنه لا ينبغي لعاقل أن يأسف على زمن ليس فيه إلا هموم تتلوها هموم، وأحزان تأتي من ورائها أحزان، بل يجب عليه أن يستقبل الزمان بغير مبالاة ولا اكتراث. الاعراب: " غير " مبتدأ، وغير مضاف " مأسوف " مضاف إليه " على زمن " جار ومجرور متعلق بمأسوف، على أنه نائب فاعل سد مسد خبر المبتدأ " ينقضي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " زمن " والجملة من ينقضي وفاعله في محل جر صفة لزمن " بالهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في ينقضي " والحزن " الواو حرف عطف، الحزن: معطوف على الهم. = (*)

[ 192 ]

فغير: مبتدأ، ومأسوف: مخفوض بالاضافة، وعلى زمن: جار ومجرور في موضع رفع بمأسوف لنيابته مناب الفاعل، وقد سد مسد خبر غير. وقد سأل أبو الفتح بن جنى ولده عن إعراب هذا البيت، فارتبك في إعرابه. ومذهب البصريين - إلا الاخفش - أن هذا الوصف لا يكون مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام (1)، وذهب الاخفش والكوفيون إلى عدم اشتراط.


= التمثيل به: في قوله " غير مأسوف على زمن " حيث أجرى قوله " على زمن " النائب عن الفاعل مجرى الزيدين في قولك " ما مضروب الزيدان في أن كل واحد منهما سد مسد الخبر، لان المتضايفين بمنزلة الاسم الواحد، فحيث كان نائب الفاعل يسد مع أحدهما مسد الخبر فإنه يسد مع الآخر أيضا، وكأنه قال " ما مأسوف على زمن " على ما بيناه في الشاهد السابق. هذا أحد توجيهات ثلاثة في ذلك ونحوه، وإليه ذهب ابن الشجري في أماليه. والتوجيه الثاني لابن جنى وابن الحاجب، وحاصله أن قوله " غير " خبر مقدم، وأصل الكلام: " زمن ينقضي بالهم غير مأسوف عليه " وهو توجيه ليس بشئ ؟ لما يلزم عليه من التكلفات البعيدة، لان العبارة الواردة في البيت لا تصير إلى هذا إلا بتكلف كثير. والتوجيه الثالث لابن الخشاب، وحاصله أن قوله " غير " خبر لمبتدأ محذوف تقديره " أنا غير - إلخ " وقوله " مأسوف " ليس اسم مفعول، بل هو مصدر مثل " الميسور والمعسور، والمجلود، والمحلوف " وأراد به هنا اسم الفاعل، فكأنه قال " أنا غير آسف - إلخ " وانظر ما فيه من التكلف والمشقة والجهد. ومثل هذا البيت والشاهد السابق قول المتنبي يمدح بدر بن عمار: ليس بالمنكر أن برزت سبقا غير مدفوع عن السبق (العراب) ؟ (1) مذهب جماعة من النحاة أنه يجب أن يكون الفاعل الذي يرفعه الوصف المعتمد اسما ظاهرا، ولا يجوز أن يكون ضميرا منفصلا، فإن سمع ما ظاهره ذلك فهو محمول على أن الوصف خبر مقدم والضمير مبتدأ مؤخر، وعند هؤلاء أنك إذا قلت " أمسافر = (*)

[ 193 ]

ذلك، فأجازوا " قائم الزيدان " فقائم: مبتدأ، والزيدان: فاعل سد مسد الخبر...


أنت " صح هذا الكلام عربية، ولكن يجب أن يكون " مسافر " خبرا مقدما، و " أنت " مبتدأ مؤخرا، والجمهور على أنه يجوز أن يكون الفاعل المغنى عن الخبر ضميرا بارزا كما يكون اسما ظاهرا، ولا محل لانكار ذلك عليهم بعد وروده في الشعر العربي الصحيح، وفي القرآن الكريم عبارات لا يجوز فيها عربية أن تحمل على ما ذكروا من التقديم والتأخير، فمن ذلك قوله تعالى: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) إذ لو جعلت " راغب " خبرا مقدما و " أنت " مبتدأ مؤخرا للزم عليه الفصل بين " راغب " وما يتعلق به وهو قوله " عن آلهتي " بأجنبي وهو أنت، لان المبتدأ بالنسبة للخبر أجنبي منه، إذ لا عمل للخبر فيه على الصحيح، ولا يلزم شئ من ذلك إذا جعلت " أنت " فاعلا، لان الفاعل بالنظر إلى العامل فيه ليس أجنبيا منه ونظير الآية الكريمة في هذا وعدم صحة التخريج على التقديم والتأخير قول الشاعر " فخير نحن " في الشاهد رقم 40 الآتي. ومن ذلك أيضا قول الشاعر: أمنجز أنتم وعدا وثقت به أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب ؟ ومثله قول الآخر: خليلي ما واف بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على من أقاطع وقول الآخر: فما باسط خيرا ولا دافع أذى عن الناس إلا أنتم آل دارم ولا يجوز في بيت من هذه الابيات الثلاثة أن تجعل الوصف خبرا مقدما والمرفوع بعده مبتدأ مؤخرا، كما لا يجوز ذلك في الشاهد الآتي على ما ستعرفه، لانه يلزم على ذلك أن يفوت التطابق بين المبتدأ وخبره، وهو شرط لا بد منه، فإن الوصف مفرد والضمير البارز للمثنى أو للمجموع، أما جعل الضمير فاعلا فلا محظور فيه، لان الفاعل يجب إفراد عامله. (13 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 194 ]

وإلى هذا أشار المصنف بقوله: " وقد يجوز نحو: (فائر) ؟ أولو الرشد " أي: وقد يجوز استعمال هذا الوصف مبتدأ من غير أن يسبقه نفي أو استفهام. وزعم المصنف أن سيبويه يجيز ذلك على ضعف، ومما ورد منه قوله: 40 - فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثوب قال: يالا.


40 - هذا البيت لزهير بن مسعود الضبى. اللغة: " الناس " هكذا هو بالنون في كافة النسخ، ويروى " البأس " بالباء والهمزة وهو أنسب بعجز البيت " المثوب " من التثويب، وأصله: أن يجئ الرجل مستصرخا فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، ثم سمى الدعاء تثويبا لذلك " قال يالا " أي: قال يالفلان، فحذف فلانا وأبقى اللام، وانظر ص 159 السابقة. الاعراب: " فخير " مبتدأ " نحن " فاعل سد مسد الخبر " عند " ظرف متعلق بخير، وعند مضاف و " والناس " أو " البأس " مضاف إليه " منكم " جار ومجرور متعلق بخير أيضا " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان " الداعي " فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، والتقدير: إذا قال الداعي، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله في محل جر بإضافة إذا إليها " المثوب " نعت للداعي " قال " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الداعي، والجملة من قال المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب مفسرة " يالا " مقول القول، وهو على ما عرفت من أن أصله يالفلان. الشاهد فيه: في البيت شاهدان لهذه المسألة، وكلاهما في قوله " فخير نحن "، أما الاول فإن " نحن " فاعل سد مسد الخبر، ولم يتقدم على الوصف - وهو " خير " - نفي ولا استفهام وزعم جماعة من النحاة - منهم أبو علي وابن خروف - أنه لا شاهد في هذا البيت، لان قوله " خير " خبر لمبتدأ محذوف، تقديره " نحن خير - إلخ " وقوله " نحن " المذكور في البيت تأكيد للضمير المستتر في خير، وانظر كيف يلجأ إلى تقدير شئ وفي الكلام ما يغنى عنه ؟ وأما الشاهد الثاني فإن " نحن " الذي وقع فاعلا أغنى عن الخبر هو ضمير منفصل، فهو دليل للجمهور على صحة ما ذهبوا إليه من جواز كون فاعل الوصف المغنى عن الخبر ضميرا منفصلا، ولا يجوز في هذا البيت أن يكون قوله " نحن " مبتدأ مؤخرا ويكون " خير " خبرا مقدما، إذ يلزم على ذلك الفصل بين " خير " وما يتعلق به - وهو قوله " عند الناس " وقوله " منكم " - بأجنبي، على ما قررناه في قوله تعالى: = (*)

[ 195 ]

فخير: مبتدأ، ونحن: فاعل سد مسد الخبر، ولم يسبق " خير " نفي ولا استفهام، وجعل من هذا قوله: 41 - خبير بنو لهب، فلا تك ملغيا * مقالة لهب إذا الطير مرت فخبير: مبتدأ، وبنو لهب: فاعل سد مسد الخبر. * * *.


= (أراغب أنت عن آلهتي) (في ص 193)، فهذا البيت يتم به استدلال الكوفيين على جواز جعل الوصف مبتدأ وإن لم يعتمد على نفي أو استفهام، ويتم به استدلال الجمهور على جواز أن يكون مرفوع الوصف المغنى عن خبره ضميرا بارزا. 41 - هذا البيت ينسب إلى رجل طائي، ولم يعين أحد اسمه فيما بين أيدينا من المراجع. اللغة: " خبير " من الخبرة، وهي العلم بالشئ " بنو لهب " جماعة من بني نصر ابن الازد، يقال: إنهم أزجر قوم، وفيهم يقول كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثيرة عزة: تيممت لهبا أبتغي العلم عندهم * وقد صار علم العائفين إلى لهب المعنى: إن بني لهب عالمون بالزجر والعيافة، فإذا قال أحدهم كلاما فاستمع إليه، ولا تلغ ما يذكره لك إذا زجر أو عاف حين تمر الطير عليه. الاعراب: " خبير " مبتدأ، والذي سوغ الابتداء به - مع كونه نكرة - أنه عامل فيما بعده " بنو " فاعل بخبير سد مسد الخبر، وبنو مضاف، و " لهب " مضاف إليه " فلا " الفاء عاطفة، لا: ناهية " تك " فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ملغيا " خبرتك، وهو اسم فاعل فيحتاج إلى فاعل، وفاعله ضمير مستتر فيه " مقالة " مفعول به لملغ، ومقالة مضاف و " لهبي " مضاف إليه " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان ويجوز أن يكون مضمنا معنى الشرط " الطير " فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والتقدير: إذا مرت الطير، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله في محل جر = (*)

[ 196 ]

والثان مبتدا، وذا الوصف خبر إن في سوى الافراد طبقا استقر (1).


= بإضافة " إذا " إليها، وهي جملة الشرط، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إذا مرت الطير فلاتك ملغيا. إلخ " مرت " مر: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " الطير " والجملة من مرت المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب مفسرة. الشاهد فيه: قوله " خبير بنو لهب " حيث استغنى بفاعل خبير عن الخبر، مع أنه لم يتقدم على الوصف نفي ولا استفهام، هذا توجيه الكوفيين والاخفش للبيت، ومن ثم لم يشترطوا تقدم النفي أو نحوه على الوصف استنادا إلى هذا البيت ونحوه. ويرى البصريون - ما عدا الاخفش - أن قوله " خبير " خبر مقدم، وقوله " بنو " مبتدأ مؤخر، وهذا هو الراجح الذي نصره العلماء كافة، فإذا زعم أحد أنه يلزم على هذا محظور - وإيضاحه أن شرط المبتدأ والخبر أن يكونا متطابقين، إفرادا وتثنية وجمعا، وهنا لا تطابق بينهما لان " خبير " مفرد، و " بنو لهب " جمع، فلزم على توجيه البصريين الاخبار عن الجمع بالمفرد - فالجواب على هذا أيسر مما تظن، فإن " خبير " في هذا البيت يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، بسبب كونه على زنة المصدر مثل الذميل والصهيل، والمصدر يخبر به عن الواحد والمثنى والجمع بلفظ واحد، تقول: محمد عدل، والمحمدان عدل، والمحمدون عدل، ومن عادة العرب أن يعطوا الشئ الذي يشبه شيئا حكم ذلك الشئ، تحقيقا لمقتضى المشابهة، وقد وردت صيغة فعيل مخبرا بها عن الجماعة، والدليل على أنه كما ذكرناه وروده خبرا ظاهرا عن الجمع في نحو قوله تعالى: (والملائكة بعد ذلك ظهير) وقول الشاعر: * هن صديق للذي لم يشب * (1) " والثان " مبتدأ " مبتدأ " خبر " وذا " الواو عاطفة، ذا اسم إشارة مبتدأ " الوصف " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة " خبر " خبر المبتدأ الذي هو اسم الاشارة " إن " شرطية " في سوى " جار ومجرور متعلق باستقر الآتي، وسوى مضاف، و " الافراد " مضاف إليه " طبقا " حال من الضمير المستتر في " استقر " الآتي وقيل: هو تمييز محول عن الفاعل " استقر " فعل ماض فعل الشرط، وفاعله ضمير = (*)

[ 197 ]

الوصف مع الفاعل: إما أن يتطابقا إفرادا أو تثنية أو جمعا، أو لا يتطابقا، وهو قسمان: ممنوع، وجائز. فإن تطابقا إفرادا - نحو " أقائم زيد " - جاز فيه وجهان (1)، أحدهما: أن.


= مستتر فيه جوازا تقديره هو، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام " إن في سوى الافراد طبقا استقر فالثان مبتدأ - إلخ ". (1) ههنا ثلاثة أمور نحب أن ننبهك إليها، الاول: أنه لا ينحصر جواز الوجهين في أن (يتطابق) ؟ الوصف والمرفوع إفرادا، بل مثله ما إذا كان الوصف مما يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع وكان المرفوع بعده واحدا منها، نحو أقتيل زيد، ونحو أجريح الزيدان، ونحو أصديق المحمدون ؟ وقد اختلفت كلمة العلماء فيما إذا كان الوصف جمع تكسير والمرفوع بعده مثنى أو مجموعا، فذكر قوم أنه يجوز فيه الوجهان أيضا، وذلك نحو: أقيام أخواك ؟ ونحو أقيام إخوتك ؟ وعلى هذا تكون الصور التي يجوز فيها الامران ست صور: أن يتطابق الوصف والمرفوع إفرادا، وأن يكون الوصف مما يستوي فيه المفرد وغيره والمرفوع مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، وأن يكون الوصف جمع تكسير والمرفوع مثنى، أو جمعا، وذهب قوم منهم الشاطبي إلى أنه يجب في الصورتين الاخيرتين كون الوصف خبرا مقدما. والامر الثاني: أنه مع جواز الوجهين فيما ذكرنا من هذه الصور فإن جعل الوصف مبتدأ والمرفوع بعده فاعلا أغنى عن الخبر أرجح من جعل الوصف خبرا مقدما، وذلك لان جعله خبرا مقدما فيه الحمل على شئ مختلف فيه، إذ الكوفيون لا يجوزون تقديم الخبر على المبتدأ أصلا، ومع هذا فالتقديم والتأخير خلاف الاصل عند البصريين. والامر الثالث: أن محل جواز الوجهين فيما إذا لم يمنع من أحدهما مانع، فإذا منع من أحدهما مانع تعين الآخر، ففي قوله تعالى (أراغب أنت عن آلهتي) وفي قولك " أحاضر اليوم أختك " يمتنع جعل الوصف خبرا مقدما، أما في الآية فقد ذكر الشارح وجه ذلك فيها، وإن يكن قد ذكره بعبارة يدل ظاهرها على أنه مرجح لا موجب، وأما المثال فلانه يلزم على جعل الوصف خبرا مقدما الاخبار بالمذكر عن المؤنث، وهو لا يجوز أصلا، والفصل بين الفاعل والعامل فيه يجوز ترك علامة التأنيث من العامل إذا كان الفاعل مؤنثا، وفي قولك " أفي داره أبوك " يمتنع جعل " أبوك " = (*)

[ 198 ]

يكون الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد الخبر، والثاني: أن يكون ما بعده مبتدأ مؤخرا، ويكون الوصف خبرا مقدما، ومنه قوله تعالى (1): (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) فيجوز أن يكون " أراغب " مبتدأ، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويحتمل أن يكون " أنت " مبتدأ مؤخرا، و " أراغب " خبرا مقدما. والاول - في هذه الآية - أولى، لان قوله: " عن آلهتي " معمول ل‍ " راغب "، فلا يلزم في الوجه الاول الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، لان " أنت " على هذا التقدير فاعل ل‍ " راغب "، فليس بأجنبي، منه، وأما على الوجه الثاني فيلزم [ فيه ] الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، لان " أنت " أجنبي من " راغب " على هذا التقدير، لانه مبتدأ، فليس ل‍ " راغب " عمل فيه، لانه خبر، والخبر لا يعمل في المبتدأ على الصحيح. وإن تطابقا تثنية نحو " أقائمان الزيدان " أو جمعا نحو " أقائمون الزيدون " فما بعد الوصف مبتدأ، والوصف خبر مقدم، وهذا معنى قول المصنف: " والثان مبتدا وذا الوصف خبر - إلى آخر البيت " أي: والثاني - وهو ما بعد الوصف - مبتدأ، والوصف خبر عنه مقدم عليه، إن تطابقا في غير الافراد.


= فاعلا، لانه يلزم عليه عود الضمير من " في داره " على المتأخر لفظا ورتبة، وهو ممتنع. (1) قد عرفت (ص 193 و 195) أن هذه الآية الكريمة لا يجوز فيها إلاوجه واحد، لان فيها ما يمنع من تجويز الوجه الثاني، وعلى هذا فمراد الشارح أنه مما يجوز فيه الوجهان في حد ذاته مع قطع النظر عن المانع العارض الذي يمنع أحدهما، فإذا نظرنا إلى ذلك المانع لم يجز إلا وجه واحد، ومن هنا تعلم أن قول الشارح فيما بعد " والاول في هذه الآية أولى " ليس دقيقا، والصواب أن يقول " والاول في هذه الآية واجب لا يجوز غيره ". (*)

[ 199 ]

- وهو التثنية والجمع - هذا على المشهور من لغة العرب، ويجوز على لغة " أكلوني البراغيث " أن يكون الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل أغنى عن الخبر. وإن لم يتطابقا - وهو قسمان: ممتنع، وجائز، كما تقدم - فمثال الممتنع " أقائمان زيد " و " أقائمون زيد " فهذا التركيب غير صحيح، ومثال الجائز " أقائم الزيدان " و " أقائم الزيدون " وحينئذ يتعين أن يكون الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد الخبر (1). * * *.


(1) أحب أن أجلى لك حقيقة هذه المسألة، وأبين لك عللها وأسبابها بيانا لا يبقى معه لبس عليك في صورة من صورها، وذلك البيان يحتاج إلى شرح أمرين، الاول: لم جاز في الوصف الذي يقع بعده مرفوع أن يكون الوصف مبتدأ والمرفوع بعده فاعلا، وأن يكون الوصف خبرا مقدما والمرفوع مبتدأ مؤخرا، والثاني: على أي شئ يستند تعين أحد هذين الوجهين وامتناع الآخر منهما ؟. أما عن الامر الاول فنقول لك: إن اسم الفاعل واسم المفعول ونحوهما من الاوصاف قد أشبهت الفعل نوع شبه من حيث المعنى، لدلالتها على الحدث الذي يدل عليه الفعل، وهي في طبيعتها أسماء تقبل علامات الاسم، فتردد أمرها بين أن تعامل معاملة الاسماء بالنظر إلى لفظها وبين أن تعامل معاملة الافعال فتسند إلى ما بعدها بالنظر إلى دلالتها على معنى الفعل، ثم ترجح ثاني هذين الوجهين بسبب دخول حرف النفي أو حرف الاستفهام عليها، وذلك لان الاصل في النفي وفي الاستفهام أن يكونا متوجهين إلى أوصاف الذوات، لا إلى الذوات أنفسها، لان الذوات يقل أن تكون مجهولة، والموضوع للدلالة على أوصاف الذوات وأحوالها هو الفعل، لا جرم كان الاصل في النفي والاستفهام أن يكونا عن الفعل وما هو في معناه، ومن هنا تفهم السر في اشتراط البصريين - في جعل الوصف مبتدأ والمرفوع بعده فاعلا أغنى عن الخبر - تقدم النفي والاستفهام عليه. وأما عن الامر الثاني فإنا نقرر لك أن النحاة بنوا تجويز الوجهين وتعين أحدهما وامتناعه جميعا على أصول مقررة ثابتة، فبعضها يرجع إلى حكم الفاعل ورافعه، وبعضها يرجع إلى حكم المبتدأ وخبره، وبعضها إلى حكم عام للعامل والمعمول. = (*)

[ 200 ]

ورفعوا مبتدأ بالابتدا كذاك رفع خبر بالمبتدا (1) مذهب سيبويه وجمهور البصريين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ..


= فالفاعل يجب أن يكون عامله مجردا من علامة التثنية والجمع على أفصح اللغتين، فمتى كان الوصف مثنى أو مجموعا لم يجز أن يكون المرفوع بعده فاعلا في الفصحى. والمبتدأ مع خبره تجب مطابقتهما في الافراد والتثنية والجمع، فمتى كان الوصف مفردا والمرفوع بعده مثنى أو مجموعا لم يجز أن تجعل الوصف خبرا والمرفوع بعده مبتدأ. وإذا كان الوصف مفردا والمرفوع بعده مفردا كذلك فقد اجتمع شرط الفاعل مع رافعه وشرط المبتدأ مع خبره، فيجوز الوجهان. ثم إن كان الوصف مفردا مذكرا والمرفوع مفردا مؤنثا فإذا لم يكن بينهما فاصل امتنع الكلام، لان مطابقة المبتدأ وخبره والفاعل ورافعه في التأنيث واجبة حينئذ، وإن كان بينهما فاصل صح جعل المرفوع فاعلا ولم يصح جعله مبتدأ، فإن وجوب المطابقة بين المبتدأ والخبر لا تزول بالفصل بينهما، وصح جعل المرفوع فاعلا، لان الفصل يبيح فوات المطابقة في التأنيث بين الفاعل المؤنث الحقيقي التأنيث ورافعه. وإن كان الوصف والمرفوع مفردين مذكرين وقد وقع بعدهما معمول للوصف جاز أن يكون المرفوع فاعلا ولم يجز أن يكون مبتدأ، إذ يترتب على جعله مبتدأ أن يفصل بين العامل والمعمول بأجنبي. وإذا كان الوصف مثنى أو مجموعا والمرفوع مفرد لم يصح الكلام بتة، لا على اللغة الفصحى، ولا على غير اللغة الفصحى من لغات العرب، لان شرط المبتدأ والخبر - وهو التطابق - غير موجود، وشرط الفاعل وعامله - وهو تجرد العامل من علامة التثنية والجمع غير موجود، وغير الفصحى لا تلحقها مع الفاعل المفرد. (1) " ورفعوا " الواو للاستئناف، رفعوا: فعل وفاعل " مبتدأ " مفعول به رفعوا " بالابتدا " جار ومجرور متعلق برفعوا " كذاك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " رفع " مبتدأ مؤخر، ورفع مضاف و " خبر " مضاف إليه " بالمبتدا " جار ومجرور متعلق برفع. (*)

[ 201 ]

فالعامل في المبتدأ معنوي - وهو كون الاسم مجردا عن العوامل اللفظية غير الزائدة، وما أشبهها - واحترز بغير الزائدة من مثل " بحسبك درهم " فيحسبك: مبتدأ، وهو مجرد عن العوامل اللفظية غير الزائدة، ولم يتجرد عن الزائدة، فإن الباء الداخلة عليه زائدة، واحترز " بشبهها " من مثل " رب رجل قائم " فرجل: مبتدأ، وقائم: خبره، ويدل على ذلك رفع المعطوف عليه، نحو " رب رجل قائم وامرأة ". والعامل في الخبر لفظي، وهو المبتدأ، وهذا هو مذهب سيبويه رحمه الله !. وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، فالعامل فيهما معنوي. وقيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدإ. وقيل: ترافعا، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ، وأن المبتدأ رفع الخبر. وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه [ وهو الاول ]، وهذا الخلاف [ مما ] لا طائل فيه. * * * والخبر: الجزء المتم الفائدة، كالله بر، والايادي شاهده (1) عرف المصنف الخبر بأنه الجزء المكمل للفائدة، ويرد عليه الفاعل، نحو " قام زيد " فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتم للفائدة، وقيل في تعريفه: إنه الجزء المنتظم منه مع المبتدأ جملة، ولا يرد الفاعل على هذا التعريف، لانه لا ينتظم منه مع المبتدأ جملة، بل ينتظم منه مع الفعل جملة، وخلاصة هذا أنه.


(1) " والخبر " الواو للاستئناف، الخبر: مبتدأ " الجزء " خبر المبتدأ " المتم " نعت له، والمتم مضاف و " الفائدة " مضاف إليه " كالله " الكاف جارة لقول محذوف، ولفظ الجلالة مبتدأ " بر " خبر المبتدأ " والايادي شاهده " الواو عاطفة، وما بعدها مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة بالواو على الجملة السابقة. (*)

[ 202 ]

عرف الخبر بما يوجد فيه وفي غيره، والتعريف ينبغي أن يكون مختصا بالمعرف دون غيره. * * * ومفردا يأتي، ويأتي جمله حاوية معنى الذي سيقت له (1) وإن تكن إياه معنى اكتفى بها: كنطقي الله حسبي وكفى (2) ينقسم الخبر إلى: مفرد، وجملة، وسيأتي الكلام على المفرد. فأما الجملة فإما أن تكون هي المبتدأ في المعنى أو لا..


(1) " ومفردا " حال من الضمير في " يأتي " الاول " يأتي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الخبر " ويأتي " الواو عاطفة، ويأتي فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الخبر أيضا، والجملة معطوفة على جملة " يأتي " وفاعله السابقة " جملة " حال من الضمير المستتر في " يأتي " الثاني منصوب بالفتحة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف " حاوية " نعت لجملة، وفيه ضمير مستتر هو فاعل " معنى " مفعول به لحاوية. ومعنى مضاف و " الذي " مضاف إليه " سيقت " سيق: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقدير هي يعود إلى جملة، والجملة من سيق ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " له " جار ومجرور متعلق بسيق. (2) " وإن " شرطية " تكن " فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على قوله جملة " إياه " خبر تكن " معنى " منصوب بنزع الخافض أو تمييز " اكتفى " فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الالف في محل جزم جواب الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر " بها " جار ومجرور متعلق باكتفى " كنطقي " الكاف جارة لقول محذوف، نطق: مبتدأ أول، ونطق مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " الله " مبتدأ ثان " وحسبي " خبر المبتدأ الثاني ومضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول " وكفى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، وأصله وكفى به، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير واستتر. (*)

[ 203 ]

فإن لم تكن هي المبتدأ في المعنى فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ (1)، وهذا معنى قوله: " حاوية معنى الذي سيقت له " والرابط: (1) إما ضمير يرجع إلى المبتدأ، نحو " زيد قام أبوه " وقد يكون الضمير مقدرا، نحو " السمن منوان بدرهم " التقدير: منوان منه بدرهم (2) أو إشارة إلى المبتدأ،.


(1) يشترط في الجملة التي تقع خبرا ثلاثة شروط، الاول: أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، وقد ذكر الشارح هذا الشرط، وفصل القول فيه، والشرط الثاني: ألا تكون الجملة ندائية، فلا يجوز أن تقول: محمد يا أعدل الناس، على أن يكون محمد مبتدأ وتكون جملة " يا أعدل الناس " خبرا عن محمد، الشرط الثالث: ألا تكون جملة الخبر مصدرة بأحد الحروف: لكن، وبل، وحتى. وقد أجمع النحاة على ضرورة استكمال الخبر لهذه الشروط الثلاثة، وزاد ثعلب شرطا رابعا، وهو ألا تكون جملة الخبر قسمية، وزاد ابن الانباري خامسا وهو ألا تكون إنشائية، والصحيح عند الجمهور صحة وقوع القسمية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد والله إن قصدته ليعطينك، كما أن الصحيح عند الجمهور جواز وقع الانشائية خبرا عن المبتدأ، كأن تقول: زيد اضربه، وذهب ابن السراج إلى أنه إن وقع خبر المبتدأ جملة طليبة فهو على تقدير قول، فالتقدير عنده في المثال الذي ذكرناه: زيد مقول فيه اضربه، تشبيها للخبر بالنعت، وهو غير لازم عند الجمهور (،) ؟ وفرقوا بين الخبر والنعت بأن النعت يقصد منه تمييز المنعوت وإيضاحه، فيجب أن يكون معلوما للمخاطب قبل التكلم، والانشاء لا يعلم إلا بالتكلم، وأما الخبر فإنه يقصد منه الحكم، فلا يلزم أن يكون معلوما من قبل، بل الاحسن أن يكون مجهولا قبل التكلم ليفيد المتكلم المخاطب ما لا يعرفه، وقد ورد الاخبار بالجملة الانشائية في قول العذري (انظر شرح الشاهد رقم 30). وجد الفرزدق أتعس به ودق خياشيمه الجندل وكل النحاة أجاز رفع الاسم المشغول عنه قبل فعل الطلب، وأجاز جعل المخصوص بالمدح مبتدأ خبره جملة نعم وفاعلها، وهي إنشائية، وسيمثل المؤلف في هذا الموضوع بمثال منه، فاحفظ ذلك كله، وكن منه على ثبت. (*)

[ 204 ]

كقوله تعالى: (ولباس التقوى ذلك خير) (1) في قراءة من رفع اللباس (3) أو تكرار المبتدأ بلفظه، وأكثر ما يكون في مواضع التفخيم كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) و (القارعة ما القارعة)، وقد يستعمل في غيرها، كقولك: " زيد ما زيد " (4) أو عموم يدخل تحته المبتدأ، نحو " زيد نعم الرجل ". وإن كانت الجملة الواقعة خبرا هي المبتدأ في المعنى لم تحتج إلى رابط، وهذا معنى قوله: " وإن تكن - إلى آخر البيت " أي: وإن تكن الجملة إياه - أي المبتدأ - في المعنى اكتفى بها عن الرابط، كقولك: " نطقي الله حسبي "، فنطقي: مبتدأ [ أ ول ]، والاسم الكريم: مبتدأ ثان، وحسبي: خبر عن المبتدإ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدإ الاول، واستغنى عن الرابط، لان قولك " الله حسبي " هو معنى " نطقي " وكذلك " قولي لا إله إلا الله ". * * *.


(1) هذه الآية الكريمة أولها: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) وقد قرئ فيها في السبعة بنصب " لباس التقوى " وبرفعه، فأما قراءة النصب فعلى العطف على " لباسا يواري " ولا كلام لنا فيها الآن، وأما قراءة الرفع فيجوز فيها عدة وجوه من الاعراب، الاول: أن يكون " لباس التقوى " مبتدأ أول، و " ذلك " مبتدأ ثانيا، و " خير " خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وهذا هو الوجه الذي خرج الشارح وغيره من النحاة الآية عليه، والوجه الثاني: أن يكون " ذلك " بدلا من " لباس التقوى "، والثالث: أن يكون " ذلك " نعتا للباس التقوى على ما هو مذهب جماعة و " خير " خبر المبتدأ الذي هو " لباس التقوى " وعلى هذين لا شاهد في الآية لما نحن بصدده في هذا الباب. (*)

[ 205 ]

والمفرد الجامد فارغ، وإن يشتق فهو ذو ضمير مستكن (1) تقدم الكلام في الخبر إذا كان جملة، وأما المفرد: فإما أن يكون جامدا، أو مشتقا. فإن كان جامدا فذكر المصنف أنه يكون فارغا من الضمير، نحو " زيد أخوك " وذهب الكسائي والرماني وجماعة إلى أنه يتحمل الضمير، والتقدير عندهم: " زيد أخوك هو " وأما البصريون فقالوا: إما أن يكون الجامد متضمنا معنى المشتق، أولا، فإن تضمن معناه نحو " زيد أسد " - أي شجاع - تحمل الضمير، وإن لم يتضمن معناه لم يتحمل الضمير كما مثل. وإن كان مشتقا فذكر المصنف أنه يتحمل الضمير، نحو " زيد قائم " أي: هو، هذا إذا لم يرفع ظاهرا.


(1) " والمفرد " مبتدأ " الجامد " نعت له " فارغ " خبر المبتدأ " وإن " شرطية " يشتق " فعل مضارع فعل الشرط مبني للمجهول، مجزوم بإن الشرطية، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالفتح تخلصا من التقاء الساكنين وطلبا للخفة، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على قوله المفرد " فهو " الفاء واقعة في جواب الشرط، والضمير المنفصل مبتدأ " ذو " اسم بمعنى صاحب خبر المبتدأ وذو مضاف و " ضمير " مضاف إليه " مستكن " نعت لضمير، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، ويجوز أن يكون قوله " المفرد " مبتدأ أول، وقوله " الجامد " مبتدأ ثانيا، وقوله " فارغ " خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، والرابط بين جملة الخبر والمبتدأ الاول محذوف، وتقدير الكلام على هذا: والمفرد الجامد منه فارغ، والشاطبي يوجب هذا الوجه من الاعراب، لان الضمير المستتر في قوله " يشتق " في الوجه الاول عاد على " المفرد " الموصوف بقوله " الجامد " بدون صفته، إذا لو عاد على الموصوف وصفته لكان المعنى: إن يكن المفرد الجامد مشتقا، وهو كلام غير مستقيم، وزعم أن عود الضمير على الموصوف وحده - دون صفته - خطأ، وليس كما زعم، لا جرم جوزنا الوجهين في إعراب هذه العبارة. (*)

[ 206 ]

وهذا الحكم إنما هو للمشتق الجاري مجرى الفعل: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، فأما ما ليس جاريا مجرى الفعل من المشتقات فلا يتحمل ضميرا، وذلك كأسماء الآلة، نحو " مفتاح " فإنه مشتق من " الفتح " ولا يتحمل ضميرا، فإذا قلت: " هذا مفتاح " لم يكن فيه ضمير، وكذلك ما كان على صيغة مفعل وقصد به الزمان أو المكان ك‍ " مرمى " فإنه مشتق من " الرمي " ولا يتحمل ضميرا، فإذا قلت " هذا مرمى زيد " تريد مكان رميه أو زمان رميه كان الخبر مشتقا ولا ضمير فيه. وإنما يتحمل المشتق الجاري مجرى الفعل الضمير إذا لم يرفع ظاهرا، فإن رفعه لم يتحمل ضميرا، وذلك نحو " زيد قائم غلاماه " فغلاماه: مرفوع بقائم، فلا يتحمل ضميرا. وحاصل ما ذكر: أن الجامد يتحمل الضمير مطلقا عند الكوفيين، ولا يتحمل ضميرا عند البصريين، إلا إن أول بمشتق، وأن المشتق إنما يتحمل الضمير إذا لم يرفع ظاهرا وكان جاريا مجرى الفعل، نحو: " زيد منطلق " أي: هو، فإن لم يكن جاريا مجرى الفعل لم يتحمل شيئا، نحو: " هذا مفتاح "، و " هذا مرمى زيد ". * * * وأبرزنه مطلقا حيث تلا ما ليس معناه له محصلا (1).


(1) " وأبرزنه " الواو للاستئناف، أبرز: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت، ونون التوكيد حرف مبني على السكون لا محل له من الاعراب، والضمير المتصل البارز مفعول به لابرز " مطلقا " حال من الضمير البارز، ومعناه سواء أمنت اللبس أم لم تأمنه " حيث " = (*)

[ 207 ]

إذا جرى الخبر المشتق على من هو له استتر الضمير فيه، نحو: " زيد قائم " أي هو، فلو أتيت بعد المشتق ب‍ " هو " ونحوه وأبرزته فقلت: " زيد قائم هو " فقد جوز سيبويه فيه وجهين، أحدهما: أن يكون " هو " تأكيدا للضمير المستتر في " قائم " والثاني أن يكون فاعلا ب‍ " قائم ". هذا إذا جرى على من هو له. فإن جرى على غير من هو له - وهو المراد بهذا البيت - وجب إبراز الضمير، سواء أمن اللبس، أو لم يؤمن، فمثال ما أمن فيه اللبس: " زيد هند ضاربها هو " ومثال ما لم يؤمن فيه اللبس لولا الضمير " زيد عمرو ضاربه هو " فيجب إبراز الضمير في الموضعين عند البصريين، وهذا معنى قوله: " وأبرزنه مطلقا " أي سواء أمن اللبس، أو لم يؤمن. وأما الكوفيون فقالوا: إن أمن اللبس جاز الامران كالمثال الاول - وهو:


= ظرف مكان متعلق بأبرز " تلا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر المشتق، والجملة من تلا وفاعله في محل جر بإضافة حيث إليها " ما " اسم موصول مفعول به لتلا، مبني على السكون في محل نصب " ليس " فعل ماض ناقص " معناه " معنى: اسم ليس، ومعنى مضاف والضمير مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بقوله " محصلا " الآتي " محصلا " خبر ليس، والجملة من ليس ومعموليها لا محل لها من الاعراب صلة الموصول الذي هو " ما "، وتقدير البيت: وأبرز ضمير الخبر المشتق مطلقا إن تلا الخبر مبتدأ ليس معنى ذلك الخبر محصلا لذلك المبتدأ، وقد عبر الناظم في الكافية عن هذا المعنى بعبارة سالمة من هذا الاضطراب والقلق، وذلك قوله: وإن تلا غير الذي تعلقا به فأبرز الضمير مطلقا في المذهب الكوفي شرط ذاك أن لا يؤمن اللبس، ورأيهم حسن وقد أشار الشارح إلى اختيار الناظم في غير الالفية من كتبه لمذهب الكوفيين في هذه المسألة، وأنت تراه يقول في آخر هذين البيتين عن مذهب الكوفيين " ورأيهم حسن ". (*)

[ 208 ]

" زيد هند ضاربها هو " - فإن شئت أتيت ب‍ " هو " وإن شئت لم تأت به، وإن خيف اللبس وجب الابراز كالمثال الثاني، فإنك لو لم تأت بالضمير فقلت: " زيد عمرو ضاربه " لاحتمل أن يكون فاعل الضرب زيدا، وأن يكون عمرا، فلما أتيت بالضمير فقلت: " زيد عمرو ضاربه هو " تعين أن يكون " زيد " هو الفاعل. واختار المصنف في هذا الكتاب مذهب البصريين، ولهذا قال: " وأبرزنه مطلقا " يعني سواء خيف اللبس، أو لم يخف، واختار في غير هذا الكتاب مذهب الكوفيين، وقد ورد السماع بمذهبهم، فمن ذلك قول الشاعر: 42 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان التقدير: بانوها هم، فحذف الضمير لا من اللبس. * * *.


42 - هذا الشاهد غير منسوب إلى قائل معين فيما بين أيدينا من المراجع. اللغة: " ذرا " بضم الذال - جمع ذروة، وهي من كل شئ أعلاه " المجد " الكرم " بانوها " جعله العيني فعلا ماضيا بمعنى زادوا عليها (وتميزوا) ؟، ويحتمل أن يكون جمع " بان " جمعا سالما مثل قاض وقاضون وغاز وغازون، وحذفت النون للاضافة كما حذفت النون في قولك " قاضو المدينة ومفتوها " وهو عندنا أفضل مما ذهب إليه العيني " كنه " كنه كل شئ: غايته، ونهايته، وحقيقته. الاعراب: " قومي " قوم: مبتدأ أول، وقوم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " ذرا " مبتدأ ثان، وذرا مضاف و " المجد " مضاف إليه " بانوها " بانو: خبر المبتدأ الثاني، وبانو مضاف وضمير الغائبة العائد إلى ذرا المجد مضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الاول " وقد " الواو واو الحال، قد: حرف تحقيق " علمت " علم: فعل ماض، والتاء للتأنيث " بكنه " جار ومجرور متعلق بعلمت، = (*)

[ 209 ]

وأخبروا بظرف أو بحرف جر ناوين معنى " كائن " أو " استقر " (1).


= وكنه مضاف واسم الاشارة في " ذلك " مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب " عدنان " فاعل علمت " وقحطان " معطوف عليه. الشاهد فيه: قوله " قومي ذرا المجد بانوها " حيث جاء بخبر المبتدأ مشتقا ولم يبرز الضمير، مع أن المشتق ليس وصفا لنفس مبتدئه في المعنى، ولو أبرز الضمير لقال: " قومي ذرا المجد بانوهاهم " وإنما لم يبرز الضمير ارتكانا على انسياق المعنى المقصود إلى ذهن السامع من غير تردد، فلا لبس في الكلام بحيث يفهم منه معنى غير المعنى الذي يقصد إليه المتكلم، فإنه لا يمكن أن يتسرب إلى ذهنك أن " بانوها " هو في المعنى وصف للمبتدأ الثاني الذي هو " ذرا المجد " لان ذرا المجد مبنية وليست بانية، وإنما الباني هو القوم. وهذا الذي يدل عليه هذا البيت - من عدم وجوب إبراز الضمير إذا أمن الالتباس، وقصر وجوب إبرازه على حالة الالتباس - هو مذهب الكوفيين في الخبر والحال والنعت والصلة، قالوا في جميع هذه الابواب: إذا كان واحد من هذه الاشياء جاريا على غير من هو له ينظر، فإذا كان يؤمن اللبس ويمكن تعين صاحبه من غير إبراز الضمير فلا يجب إبرازه، وإن كان لا يؤمن اللبس واحتمل عوده على من هو له وعلى غير من هو له وجب إبراز الضمير، والبيت حجة لهم في ذلك. والبصريون يوجبون إبراز الضمير بكل حال، ويرون مثل هذا البيت غير موافق للقياس الذي عليه أكثر كلام العرب، فهو عندهم شاذ. ومنهم من زعم أن " ذرا المجد " ليس مبتدأ ثانيا كما أعربه الكوفيون، بل هو مفعول به لوصف محذوف، والوصف المذكور بعده بدل من الوصف المحذوف، وتقدير الكلام: قومي بانون ذرا المجد بانوها، فالخبر محذوف، وهو جار على من له، وفي هذا من التكلف ما ليس يخفى. (1) " وأخبروا " الواو للاستئناف، وأخبروا: فعل وفاعل " بظرف " جار ومجرور متعلق بأخبروا " أو " عاطفة " بحرف " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور السابق، وحرف مضاف، و " جر " مضاف إليه " ناوين " حال من الواو = (*)

[ 210 ]

تقدم أن الخبر يكون مفردا، ويكون جملة، وذكر المصنف في هذا البيت أنه يكون ظرفا أو [ جارا و ] مجرورا (1)، نحو: " زيد عندك "، و " زيد في الدار " فكل منهما متعلق بمحذوف واجب الحذف (2)، وأجاز قوم منهم -.


= في قوله " أخبروا " منصوب بالياء نيابة عن الفتحة، وفاعله ضمير مستتر فيه " معنى " مفعول به لناوين، ومعنى مضاف، و " كائن " مضاف إليه " أو " عاطفة " استقر " قصد لفظه، وهو معطوف على كائن. (1) يشترط لصحة الاخبار بالظرف والجار والمجرور: أن يكون كل واحد منهما تاما، ومعنى التمام أن يفهم منه متعلقه المحذوف، وإنما يفهم متعلق كل واحد منهما منه في حالتين: أولاهما: أن يكون المتعلق عاما، نحو: زيد عندك، وزيد في الدار. وثانيهما: أن يكون المتعلق خاصا وقد قامت القرينة الدالة عليه، كأن يقول لك قائل: زيد مسافر اليوم وعمرو غدا، فتقول له: بل عمرو اليوم وزيد غدا، وجعل ابن هشام في المغنى من هذا الاخير قوله تعالى: (الحر بالحر والعبد بالعبد) أي الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد. (2) ههنا أمران، الاول: أن المتعلق يكون واجب الحذف إذا كان عاما، فأما إذا كان خاصا ففيه تفصيل، فإن قامت قرينة تدل عليه إذا حذف جاز حذفه وجاز ذكره، وإن لم تكن هناك قرينة ترشد إليه وجب ذكره، هذا مذهب الجمهور في هذا الموضوع، وسنعود إليه في شرح الشاهد رقم 43 الآتي قريبا. الامر الثاني: اعلم أنه قد اختلف النحاة في الخبر: أهو متعلق الظرف والجار والمجرور فقط، أم هو نفس الظرف والجار والمجرور فقط، أم هو مجموع المتعلق والظرف أو الجار والمجرور ؟ فذهب جمهور البصريين إلى أن الخبر هو المجموع، لتوقف الفائدة على كل واحد منهما، والصحيح الذي ترجحه أن الخبر هو نفس المتعلق وحده، وأن الظرف أو الجار والمجرور قيد له، ويؤيد هذا أنهم أجمعوا على أن المتعلق إذا كان خاصا فهو الخبر وحده، سواء أكان مذكورا أم كان قد حذف لقرينة تدل عليه، وهذا الخلاف إنما هو في المتعلق العام، فليكن مثل الخاص، طردا للباب على وتيرة واحدة. (*)

[ 211 ]

المصنف - أن يكون ذلك المحذوف اسما أو فعلا نحو: " كائن " أو " استقر " فإن قدرت " كائنا " كان من قبيل الخبر بالمفرد، وإن قدرت " استقر " كان من قبيل الخبر بالجملة. واختلف النحويون في هذا، فذهب الاخفش إلى أنه من قبيل الخبر بالمفرد، وأن كلا منهما متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف اسم فاعل، التقدير " زيد كائن عندك، أو مستقر عندك، أو في الدار " وقد نسب هذا لسيبويه. وقيل: إنهما من قبيل الجملة، وإن كلا منهما متعلق بمحذوف هو فعل، والتقدير " زيد استقر - أو يستقر - عندك، أو في الدار " ونسب هذا إلى جمهور البصريين، وإلى سيبويه أيضا. وقيل: يجوز أن يجعلا من قبيل المفرد، فيكون المقدر مستقرا ونحوه، وأن يجعلا من قبيل الجملة، فيكون التقدير " استقر " ونحوه، وهذا ظاهر قول المصنف " ناوين معنى كائن أو استقر ". وذهب أبو بكر بن السراج إلى أن كلا من الظرف والمجرور قسم برأسه، وليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة، نقل عنه هذا المذهب تلميذه أبو علي الفارسي في الشيرازيات. والحق خلاف هذا المذهب، وأنه متعلق بمحذوف، وذلك المحذوف واجب الحذف، وقد صرح به شذوذا، كقوله: 43 - لك العز إن مولاك عز، وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن.


43 - هذا البيت من الشواهد التي لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين. اللغة: " مولاك " يطلق المولى على معان كثيرة، منها السيد، والعبد، والحليف، والمعين، والناصر، وابن العم، والمحب، والجار، والصهر " يهن " يروى بالبناء = (*)

[ 212 ]

. = للمجهول كما قاله العيني وتبعه عليه كثير من أرباب الحواشي، ولا مانع من بنائه للمعلوم بل هو الواضح عندنا، لان الفعل الثلاثي لازم، فبناؤه للمفعول مع غير الظرف أو الجار والمجرور ممتنع، نعم يجوز أن يكون الفعل من أهنته أهينه، وعلى هذا يجئ ما ذكره العيني، ولكنه ليس بمتعين، ولا هو مما يدعو إليه المعنى، بل الذي اخترناه أقرب، لمقابلته بقوله: " عز " الثلاثي اللازم، وقوله: " بحبوحة " هو بضم فسكون، وبحبوحة كل شئ: وسطه " الهون " الذل والهوان. الاعراب: " لك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " العز " مبتدأ مؤخر " إن " شرطية " مولاك " مولى: فاعل لفعل محذوف يقع فعل الشرط، يفسره المذكور بعده، ومولى مضاف والكاف ضمير خطاب مضاف إليه " عز " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك، والجملة لا محل لها مفسرة، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، أي: إن عز مولاك فلك العز " وإن " الواو عاطفة، وإن: شرطية " يهن " فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة مجزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مولاك " فأنت " الفاء واقعة في جواب الشرط، أنت: ضمير منفصل مبتدأ " لدى " ظرف متعلق بكائن الآتي، ولدى مضاف و " بحبوحة " مضاف إليه، وبحبوحة مضاف و " الهون " مضاف إليه " كائن " خبر المبتدأ، والجلمة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط. الشاهد فيه: قوله " كائن " حيث صرح به - وهو متعلق الظرف الواقع خبرا - شذوذا، وذلك لان الاصل عند الجمهور أن الخبر - إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا - أن يكون كل منهما متعلقا بكون عام، وأن يكون هذا الكون العام واجب الحذف، كما قرره الشارح العلامة، فإن كان متعلقهما كونا خاصا وجب ذكره، إلا أن تقوم قرينة تدل عليه إذا حذف، فإن قامت هذه القرينة جاز ذكره وحذفه، وذهب ابن جنى إلى أنه يجوز ذكر هذا الكون العام لكون الذكر أصلا، وعلى هذا يكون ذكره في هذا البيت ونحوه ليس شاذا، كذلك قالوا. والذي يتجه للعبد الضعيف - عفا الله تعالى عنه - ! وذكره كثير من أكابر =

[ 213 ]

وكما يجب حذف عامل الظرف والجار والمجرور - إذا وقعا خبرا - كذلك يجب حذفه إذا وقعا صفة، نحو: " مررت برجل عندك، أو في الدار " أو حالا، نحو: " مررت بزيد عندك، أو في الدار " أو صلة، نحو: " جاء الذي عندك، أو في الدار " لكن يجب في الصلة أن يكون المحذوف فعلا، التقدير: " جاء الذي استقر عندك، أو في الدار " وأما الصفة والحال فحكمهما حكم الخبر كما تقدم. * * * ولا يكون اسم زمان خبرا عن جثة، وإن يفد فأخبرا (1).


= العلماء أن " كائنا، واستقر " قد يراد بهما مجرد الحصول والوجود فيكون كل منهما كونا عاما واجب الحذف، وقد يراد بهما حصول مخصوص كالثبات وعدم قبول التحول والانتقال ونحو ذلك فيكون كل منهما كونا خاصا، وحينئذ يجوز ذكره، و " ثابت " و " ثبت " بهذه المنزلة، فقد يراد بهما الوجود المطلق الذي هو ضد الانتقال فيكونان عامين، وقد يراد بهما القرار وعدم قابلية الحركة مثلا، وحينئذ يكونان خاصين، وبهذا يرد على ابن جنى ما ذهب إليه، وبهذا - أيضا - يتجه ذكر " كائن " في هذا البيت وذكر " مستقر " في نحو قوله تعالى: (فلما رآه مستقرا عنده)، لان المعنى أنه لما رآه ثابتا كما لو كان موضعه بين يديه من أول الامر. (1) " ولا " الواو للاستئناف، ولا: نافية " يكون " فعل مضارع ناقص " اسم " هو اسم يكون، واسم مضاف و " زمان " مضاف إليه " خبرا " خبر يكون " عن جثة " جار ومجرور متعلق بقوله خبرا، أو بمحذوف صفة لخبر " وإن " الواو للاستئناف، إن: شرطية " يفد " فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كون الخبر اسم زمان " فأخبرا " الفاء واقعة في جواب الشرط، أخبر فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة من فعل الامر وفاعله في محل جزم جواب الشرط. (*)

[ 214 ]

ظرف المكان يقع خبرا عن الجثة، نحو: " زيد عندك " وعن المعنى نحو: " القتال عندك " وأما ظرف الزمان فيقع خبرا عن المعنى منصوبا أو مجرورا بفي، نحو: " القتال يوم الجمعة، أو في يوم الجمعة " ولا يقع خبرا عن الجثة، قال المصنف: إلا إذا أفاد نحو " الليلة الهلال، والرطب شهري ربيع " فإن لم يفد لم يقع خبرا عن الجثة، نحو: " زيد اليوم " وإلى هذا ذهب قوم منهم المصنف، وذهب غير هؤلاء إلى المنع مطلقا، فإن جاء شئ من ذلك يؤول، نحو قولهم: الليلة الهلال، والرطب شهري ربيع، التقدير: طلوع الهلال الليلة، ووجود الرطب شهري ربيع، هذا مذهب جمهور البصريين، وذهب قوم - منهم المصنف - إلى جواز ذلك من غير شذوذ [ لكن ] بشرط أن يفيد (1)، كقولك: " نحن في يوم طيب، وفي شهر كذا "،.


(1) هنا أمران يحسن بنا أن نبينهما لك تبيينا واضحا، الاول: أن الاسم الذي يقع مبتدأ، إما أن يكون اسم معنى كالقتل والاكل والنوم، وإما أن يكون اسم جثة، والمراد بها الجسم على أي وضع كان، كزيد والشمس والهلال والورد، والظرف الذي يصح أن يقع خبرا، إما أن يكون اسم زمان كيوم وزمان وشهر ودهر، وإما أن يكون اسم مكان نحو عند ولدى وأمام وخلف، والغالب أن الاخبار باسم المكان يفيد سواء أكان المخبر عنه اسم جثة أم كان المخبر عنه اسم معنى، والغالب أن الاخبار باسم الزمان يفيد إذا كان المخبر عنه اسم معنى، فلما كان الغالب في هذه الاحوال الثلاثة حصول الفائدة أجاز الجمهور الاخبار بظرف المكان مطلقا وبظرف الزمان عن اسم المعنى بدون شرط إعطاء للجميع حكم الاغلب الاكثر، ومن أجل أن الاخبار بالظرف المكاني مطلقا وبالزمان عن اسم المعنى مفيد غالبا لا دائما، ومعنى هذا أن حصول الفائدة ليس بواجب في الاخبار حينئذ، من أجل ذلك استظهر جماعة من المحققين أنه لا يجوز الاخبار إلا إذا حصلت الفائدة به فعلا، فلو لم تحصل الفائدة من الاخبار باسم الزمان عن المعنى نحو " القتال زمانا " أو لم تحصل من الاخبار باسم المكان نحو " زيد مكانا " ونحو " القتال مكانا " لم يجز الاخبار، وإذن فالمدار عند هذا الفريق على حصول الفائدة في الجميع، والغالب أن الاخبار باسم الزمان عن الجثة لا يفيد، وهذا هو السر في تخصيص الجمهور هذه الحالة بالنص عليها. = (*)

[ 215 ]

وإلى هذا أشار بقوله: " وإن يفد فأخبرا " فإن لم يفد امتنع، نحو: " زيد يوم الجمعة ". * * * ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفد: كعند زيد نمره (1) وهل فتى فيكم ؟ فما خل لنا، ورجل من الكرام عندنا (2).


= الامر الثاني: أن الفائدة من الاخبار باسم الزمان عن اسم الجثة تحصل بأحد أمور ثلاثة، أولها: أن يتخصص اسم الزمان بوصف أو بإضافة، ويكون مع ذلك مجرورا بفي، نحو قولك: " نحن في يوم قائظ، ونحن في زمن كله خير وبركة " ولا يجوز في هذا إلا الجر بفي، فلا يجوز أن تنصب الظرف ولو أن نصبه على تقدير في، وثانيها أن يكون الكلام على تقدير مضاف هو اسم معنى، نحو قولهم: الليلة الهلال فإن تقديره الليلة طلوع الهلال، ونحو قول امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه: اليوم خمر، وغدا أمر، فإن التقدير عند النحاة في هذا المثل: اليوم شرب خمر، وثالثها: أن يكون اسم الجثة مما يشبه اسم المعنى في حصوله وقتا بعد وقت، نحو قولهم: " الرطب شهري ربيع، والورد أيار، ونحو قولنا: القطن سبتمبر، ويجوز في هذا النوع أن تجره بفي، فتقول: الرطب في شهري ربيع، والورد في أيار وهو شهر من الشهور الرومية يكون زمن الربيع. (1) " لا " نافية " يجوز " فعل مضارع " الابتدا " فاعل يجوز " بالنكرة " جار ومجرور متعلق بالابتدا " ما " مصدرية ظرفية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " تفد " فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على النكرة " كعند " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وعند ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعند مضاف و " زيد " مضاف إليه " نمرة " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مقول القول المحذوف، وتقدير الكلام: وذلك كائن كقولك عند زيد نمرة. (2) " هل " حرف استفهام " فتى " مبتدأ " فيكم " جار ومجرور متعلق = (*)

[ 216 ]

ورغبة في الخير خير، وعمل بر يزين، وليقس ما لم يقل (1) الاصل في المبتدأ أن يكون معرفة (2) وقد يكون نكرة، لكن بشرط أن تفيد، وتحصل الفائدة بأحد أمور ذكر المصنف منها ستة: أحدها: أن يتقدم الخبر عليها، وهو ظرف أو جار ومجرور (3)، نحو: " في.


= بمحذوف خبر المبتدأ " فما " نافية " خل " مبتدأ " لنا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " ورجل " مبتدأ " من الكرام " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لرجل " عندنا " عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وعند مضاف والضمير مضاف إليه. (1) " رغبة " مبتدأ " في الخير " جار ومجرور متعلق به " خير " خبر المبتدأ " وعمل " مبتدأ، وعمل مضاف و " بر " مضاف إليه " يزين " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عمل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " وليقس " الواو عاطفة أو للاستئناف، واللام لام الامر، يقس: فعل مضارع مجزوم بلام الامر، وهو مبني للمجهول " ما " اسم موصول نائب فاعل يقس " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يقل " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " والجملة من الفعل المبني للمجهول ونائب فاعله لا محل لها من الاعراب صلة. (2) المبتدأ محكوم عليه، والخبر حكم، والاصل في المبتدأ أن يتقدم على الخبر، والحكم على المجهول لا يفيد، لان ذكر المجهول أول الامر يورث السامع حيرة، فتبعثه على عدم الاصغاء إلى حكمه، ومن أجل هذا وجب أن يكون المبتدأ معرفة حتى يكون معينا، أو نكرة مخصوصة. ولم يجب في الفاعل أن يكون معرفة ولا نكرة مخصصة، لان حكمه - وهو المعبر عنه بالفعل - متقدم عليه البتة، فيتقرر الحكم أولا في ذهن السامع ثم يطلب له محكوما عليه أيا كان، ومن هنا تعرف الفرق بين المبتدأ والفاعل، مع أن كل واحد منهما محكوم عليه، وكل واحد منهما معه حكمه، ومن هنا تعرف أيضا السر في جواز أن يكون المبتدأ نكرة إذا تقدم الخبر عليه. (3) مثل الظرف والجار والمجرور الجملة، نحو قولك: قصدك غلامه لرجل، فرجل مبتدأ مؤخر، وجملة " قصدك غلامه " من الفعل وفاعله في محل رفع خبر مقدم، لسوغ للابتداء بالنكرة، هو تقديم خبرها وهو جملة، واعلم أنه لابد - مع تقديم = (*)

[ 217 ]

الدار رجل "، و " عند زيد نمرة " (1)، فإن تقدم وهو غير ظرف ولا جار ومجرور لم يجز، نحو: " قائم رجل ". الثاني: أن يتقدم على النكرة استفهام (2)، نحو: " هل فتى فيكم ". الثالث: أن يتقدم عليها نفي (3)، نحو: " ما خل لنا ". .


= الخبر وكونه أحد الثلاثة: الجملة، والظرف، والجار والمجرور - من أن يكون مختصا، وذلك بأن يكون المجرور أو ما أضيف إليه والمسند إليه في الجملة مما يجوز الاخبار عنه، لو قلت: في دار رجل رجل، أو قلت عند رجل رجل، أو قلت ولد له ولد رجل - لم يصح. (1) النمرة - بفتح النون وكسر الميم - كساء مخطط تلبسه الاعراب، وجمعه نمار. (2) اشترط جماعة من النحويين - منهم ابن الحاجب - لجواز الابتداء بالنكرة بعد الاستفهام شرطين، الاول: أن يكون حرف الاستفهام الهمزة، والثاني: أن يكون بعده " أم " نحو أن تقول: أرجل عندك أم امرأة ؟ وهذا الاشتراط غير صحيح، فلهذا بادر الناظم والشارح بإظهار خلافه بالمثال الذي ذكراه، فإن قلت: فلماذا كان تقدم الاستفهام على النكرة مسوغا للابتداء بها ؟ فالجواب: أن نذكرك بأن الاستفهام إما إنكاري وإما حقيقي، أما الاستفهام الانكاري فهو بمعنى حرف النفي، وتقدم حرف النفي على النكرة يجعلها عامة، وعموم النكرة عند التحقيق هو المسوغ للابتداء بها، إذ الممنوع إنما هو الحكم على فرد مبهم غير معين، فأما الحكم على جميع الافراد فلا مانع منه، وأما الاستفهام الحقيقي فوجه تسويغه أن المقصود به السؤال عن فرد غير معين بطلب بالسؤال تعيينه، وهذا الفرد غير المعين شائع في جميع الافراد، فكأن السؤال في الحقيقة عن الافراد كلهم، فأشبه العموم، فالمسوغ إما العموم الحقيقي وإما العموم الشبيه به. (3) قد عرفت مما ذكرناه في وجه تسويغ الاستفهام الابتداء بالنكرة أن الاصل فيه هو النفي، لان النفي هو الذي يجعل النكرة عامة متناولة جميع الافراد، وحمل الاستفهام الانكاري عليه لانه بمعناه، وحمل الاستفهام الحقيقي عليه لانه شبيه بما هو بمعنى النفي، فالوجه في النفي هو صيرورة النكرة عامة. (*)

[ 218 ]

الرابع: أن توصف (1)، نحو: " رجل من الكرام عندنا ". الخامس: أن تكون عاملة (2)، نحو: " رغبة في الخير خير ". السادس: أن تكون مضافة، نحو: " عمل بر يزين ". هذا ما ذكره المصنف في هذا الكتاب، وقد أنهاها غير المصنف إلى نيف وثلاثين موضعا [ وأكثر من ذلك (3) ]، فذكر [ هذه ] الستة المذكورة..


(1) يشترط في الوصف الذي يسوغ الابتداء بالنكرة أن يكون مخصصا للنكرة فإن لم يكن الوصف مخصصا للنكرة - نحو أن تقول: رجل من الناس عندنا لم يصح الابتداء بالنكرة، والوصف على ثلاثة أنواع، النوع الاول: الوصف اللفظي، كمثال الناظم والشارح، والنوع الثاني: الوصف التقديري، وهو الذي يكون محذوفا من الكلام لكنه على تقدير ذكره في الكلام، كقوله تعالى (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) فإن تقدير الكلام: وطائفة من غيركم، بدليل ما قبله، وهو قوله تعالى (يغشى طائفة منكم) والنوع الثالث: الوصف المعنوي، وضابطه ألا يكون مذكورا في الكلام ولا محذوفا على نية الذكر، ولكن صيغة النكرة تدل عليه، ولذلك موضعان، الموضع الاول: أن تكون النكرة على صيغة التصغير، نحو قولك: رجيل عندنا، فإن المعنى رجل صغير عندنا، والموضع الثاني: أن تكون النكرة دالة على التعجب، نحو " ما " التعجبية في قولك: ما أحسن زيدا، فإن الذي سوغ الابتداء بما التعجبية وهي نكرة كون المعنى: شئ عظيم حسن زيدا، فهذا الامر الواحد وهو كون النكرة موصوفة - يشتمل على أربعة أنواع. (2) قد تكون النكرة عاملة الرفع، نحو قولك: ضرب الزيدان حسن - بتنوين ضرب، لانه مصدر - وهو مبتدأ، والزيدان: فاعل المصدر، وحسن: خبر المبتدأ، وقد تكون عاملة النصب كما في مثال الناظم والشارح، فإن الجار والمجرور في محل نصب على أنه مفعول به للمصدر، وقد تكون عاملة الجر، كما في قوله عليه الصلاة والسلام " خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة " ومن هذا تعلم أن ذكر الامر الخامس يغني عن ذكر السادس، لان السادس نوع منه. (3) قد علمت أن بعض الامور الستة يتنوع كل واحد منها إلى أنواع، فالذين = (*)

[ 219 ]

والسابع: أن تكون شرطا، نحو: " من يقم أقم معه ". الثامن: أن تكون جوابا، نحو أن يقال: من عندك ؟ فتقول: " رجل "، التقدير " رجل عندي ". التاسع: أن تكون عامة، نحو: " كل يموت ". العاشر: أن يقصد بها التنويع، كقوله: 44 - فأقبلت زحفا على الركبتين فثوب لبست، وثوب أجر [ فقوله " ثوب " مبتدأ، و " لبست " خبره، وكذلك " ثوب أجر " ]..


= عدوا أمورا كثيرة لم يكتفوا بذكر جنس يندرج تحته الانواع المتعددة، وإنما فصلوها تفصيلا لئلا يحوجوا المبتدئ إلى إجهاد ذهنه، وستري في بعض ما يذكره الشارح زيادة على الناظم أنه مندرج تحت ما ذكره كالسابع والتاسع والثاني عشر والرابع عشر وسنبين ذلك. 44 - هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس أثبتها له أبو عمرو الشيباني، والمفضل الضبي، وغيرهما، وأول هذه القصيدة قوله: لا، وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر وزعم الاصمعي - في روايته عن أبي عمرو بن العلاء - أن القصيدة لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له ربيعة بن جشم، وأولها عنده: أحار ابن عمرو كأني خمر ويعدو على المرء ما يأتمر ويروى صدر البيت الشاهد هكذا: * فلما دنوت تسديتها * اللغة: " تسديتها " تخطيت إليها، أو علوتها، والباقي ظاهر المعنى، ويروى " فثوب نسيت ". الاعراب: " فأقبلت " الفاء عاطفة، أقبلت: فعل ماض مبني على فتح مقدر وفاعل " زحفا " يجوز أن يكون مصدرا في تأويل اسم الفاعل فيكون حالا من التاء في " أقبلت " ويجوز بقاؤه على مصدريته فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، = (*)

[ 220 ]

الحادي عشر: أن تكون دعاء، نحو: (سلام على آل ياسين). الثاني عشر: أن يكون فيها معنى التعجب (1)، نحو: " ما أحسن زيدا ! "..


= تقديره: أزحف زحفا " على الركبتين " جار ومجرور متعلق بقوله " زحفا " " فثوب " مبتدأ " نسيت " أو " لبست " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر، والرابط ضمير محذوف، والتقدير نسيته، أو لبسته " وثوب " الواو عاطفة، ثوب: مبتدأ " أجر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل رفع خبر، والرابط ضمير منصوب محذوف، والتقدير: أجره، والجملة من المبتدأ وخبره معطوفة بالواو على الجملة السابقة. الشاهد فيه: قوله " ثوب " في الموضعين، حيث وقع كل منهما مبتدأ - مع كونه نكرة - لانه قصد التنويع، إذ جعل أثوابه أنواعا، فمنها نوع أذهله حبها عنه فنسيه، ومنها نوع قصد أن يجره على آثار سيرهما ليعفيها حتى لا يعرفهما أحد، وهذا توجيه ما ذهب إليه العلامة الشارح. وفي البيت توجيهان آخران ذكرهما ابن هشام وأصلهما للاعلم، أحدهما: أن جملتي " نسيت، وأجر " ليستا خبرين، بل هما نعتان للمبتدأين، وخبراهما محذوفان، والتقدير: فمن أثوابي ثوب منسى وثوب مجرور، والتوجيه الثاني: أن الجملتين خبران ولكن هناك نعتان محذوفان، والتقدير: فثوب لي نسيته وثوب لي أجره، وعلى هذين التوجيهين فالمسوغ للابتداء بالنكرة كونها موصوفة، وفي البيت رواية أخرى، وهي * فثوبا نسيت وثوبا أجر * بالنصب فيهما، على أن كلا منهما مفعول للفعل الذي بعده، ولا شاهد في البيت على هذه الرواية، ويرجح هذه الرواية على رواية الرفع أنها لا تحوج إلى تقدير محذوف، وأن حذف الضمير المنصوب العائد على المبتدأ من جملة الخبر مما لا يجيزه جماعة من النحاة منهم سيبويه إلا لضرورة الشعر. (1) قد عرفت أن هذا الموضع والذي بعده داخلان في الموضع الرابع، لاننا بينا لك أن الوصف إما لفظي وإما تقديري، والتقديري: أعم من أن يكون المحذوف هو الوصف أو الموصوف، ومثل هذا يقال في الموضع الرابع عشر، وكذلك في الموضع الخامس عشر على ثاني الاحتمالين، وكان على الشارح ألا يذكر هذه المواضع، تيسيرا للامر على الناشئين، وقد سار ابن هشام في أوضحه على ذلك. (*)

[ 221 ]

الثالث عشر: أن تكون خلفا من موصوف، نحو: " مؤمن خير من كافر ". الرابع عشر: أن تكون مصغرة، نحو: " رجيل عندنا "، لان التصغير فيه فائدة معنى الوصف، تقديره " رجل حقير عندنا ". الخامس عشر: أن تكون في معنى المحصور، نحو: " شر أهر ذا ناب، وشئ جاء بك " التقدير " ما أهر ذا ناب إلا شر، وما جاء بك إلا شئ ". على أحد القولين، والقول الثاني [ أن التقدير ] " شر عظيم أهر ذا ناب، وشئ عظيم جاء بك "، فيكون داخلا في قسم ما جاز الابتداء به لكونه موصوفا، لان الوصف أعم من أن يكون ظاهرا أو مقدرا، وهو ها هنا مقدر. السادس عشر: أن يقع قبلها واو الحال، كقوله: 45 - سرينا ونجم قد أضاء، فمذ بدا محياك أخفى ضوؤه كل شارق .


45 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها. اللغة: " سرينا " من السري - بضم السين - وهو السير ليلا " أضاء " أنار " بدا " ظهر " محياك " وجهك. المعنى: شبه الممدوح بالبدر تشبيها ضمنيا، ولم يكتف بذلك حتى جعل ضوء وجهه أشد من نور البدر وغيره من الكواكب المشرقة. الاعراب: " سرينا " فعل وفاعل " ونجم " الواو للحال، نجم: مبتدأ " قد " حرف تحقيق " أضاء " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نجم، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " فمذ " اسم دال على الزمان في محل رفع مبتدأ " بدا " فعل ماض " محياك " محيا: فاعل بدا، ومحيا مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه، والجملة في محل جر بإضافة مذ إليها، وقيل: مذ مضاف إلى زمن محذوف، والزمن مضاف إلى الجملة " أخفى " فعل ماض " ضوؤه " ضوء: فاعل أخفى، وضوء مضاف والضمير مضاف إليه " كل " مفعول به لاخفى، وكل مضاف و " شارق " مضاف إليه، والجملة من الفعل - الذي هو أخفى - والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ وهو مذ. الشاهد فيه: قوله " ونجم قد أضاء " حيث أتى بنجم مبتدأ - مع كونه نكرة - = (*)

[ 222 ]

السابع عشر: أن تكون معطوفة على معرفة، نحو: " زيد ورجل قائمان ". الثامن عشر: أن تكون معطوفة على وصف، نحو: " تميمي ورجل في الدار ". التاسع عشر: أن يعطف عليها موصوف، نحو: " رجل وامرأة طويلة في الدار ". العشرون: أن تكون مبهمة، كقول امرئ القيس: 46 - مرسعة بين أرساغه به عسم يبتغي أرنبا.


= لسبقه بواو الحال، والذي نريد أن ننبهك إليه ها هنا أن المدار في التسويغ على وقوع النكرة في صدر الجملة الحالية، سواء أكانت مسبوقة بواو الحال كهذا الشاهد، أم لم تكن مسبوقة به، كقول شاعر الحماسة (انظر شرح التبريزي 4 / 130 بتحقيقنا): تركت ضأني تود الذئب راعيها وأنها لا تراني آخر الابد الذئب يطرقها في الدهر واحدة وكل يوم تراني مدية بيدي الشاهد فيهما قوله " مدية " فإنه مبتدأ مع كونه نكرة، وسوغ الابتداء به وقوعه في صدر جملة الحال، لان جملة " مدية بيدي " في محل نصب حال من ياء المتكلم في قوله " تراني ". ويجوز أن يكون مثل بيت الشاهد قول الشاعر: عندي اصطبار، وشكوى عند فاتنتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا ؟ فإن الواو في قوله " وشكوى عند فاتنتي " يجوز أن تكون واو الحال، وشكوى مبتدأ وهو نكرة، وعند ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، فإذا أعربناه على هذا الوجه كان مثل بيت الشاهد تماما. 46 - اتفق الرواة على أن هذا البيت لشاعر اسمه امرؤ القيس، كما قاله الشارح العلامة، لكن اختلفوا فيما وراء ذلك، فقيل: لامرئ القيس بن حجر الكندي الشاعر المشهور، وقال أبو القاسم الكندي: ليس ذلك بصحيح، بل هو لامرئ القيس = (*)

[ 223 ]

.


= ابن مالك الحميري، لكن الثابت في نسخة ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي - برواية أبي عبيدة والاصمعي وأبي حاتم والزيادي، وفيما رواه الاعلم الشنتمري من القصائد المختارة - نسبة هذا البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، وقال السيد المرتضى في شرح القاموس، نقلا عن العباب، مانصه: " هو لامرئ القيس بن مالك الحميري، كما قاله الآمدي، وليس لابن حجر كما وقع في دواوين شعره، وهو موجود في أشعار حمير " اه‍، ومهما يكن من شئ فقد روى الرواة قبل بيت الشاهد قوله: أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا اللغة: " بوهة " هو بضم الباء - الرجل الضعيف الطائش، وقيل: هو الاحمق " عقيقته " العقيقة الشعر الذي يولد به الطفل " أحسبا " الاحسب من الرجال: الرجل الذي ابيضت جلدته. وقال القتيبي: أراد بقوله " عليه عقيقته " أنه لا يتنظف، وقال أبو علي: معناه أنه لم يعق عنه في صغره فما زال حتى كبر وشابت معه عقيقته " مرسعة " هي التميمة يعلقها مخافة العطب على طرف الساعد فيما بين الكوع والكرسوع، وقيل: هي مثل المعاذة، وكان الرجل من جهلة العرب يشد في يده أو رجله حرزا لدفع العين أو مخافة أن يموت أو يصيبه بلاء " بين أرساغه " الارساغ جمع رسغ - بوزن قفل - يعني أنه يجعلها في هذا المكان، ويروى " بين أرباقه " والارباق: جمع ربق - بكسر فسكون - وهو الحبل فيه عدة عرى، ومعناه أنه يجعل تميمته في حبال " عسم " اعوجاج في الرسغ ويبس " أرنبا " حيوان معروف، وإنما طلب الارنب دون الظباء ونحوها لما كانت تزعمه العرب من أن الجن تجتنبها، فمن اتخذ كعبها تميمة لم يقربه جن، ولم يؤذه سحر، كذا كانوا يزعمون وأراد أنه جبان شديد الخوف. المعنى: يخاطب هندا أخته - فيما ذكر الرواة - ويقول لها: لا تتزوجي رجلا من جهلة العرب: يضع التمائم، ويقعد عن الخروج للحروب، وفي رسغه اعوجاج ويبس، لا يبحث إلا عن الارانب ليتخذ كعوبها تمائم جبنا وفرقا. الاعراب: " مرسعة " مبتدأ " بين " ظرف منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وبين مضاف وأرساغ من " أرساغه " مضاف إليه، وأرساغ مضاف والضمير مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب نعت لبوهة في البيت السابق، = (*)

[ 224 ]

الحادي والعشرون: أن تقع بعد " لولا "، كقوله: 47 - لولا اصطبار لاودى كل ذي مقة لما استقلت مطاياهن للظعن.


= والرابط بين جملة الصفة والموصوف هو الضمير المجرور محلا بالاضافة في قوله أرساغه " به " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " عسم " بمتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب صفة ثانية لبوهة " يبتغي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى بوهة، وجملة الفعل وفاعله في محل نصب صفة لبوهة أيضا " أرنبا " مفعول به ليبتغي، فقد وصف البوهة في هذين البيتين بخمس صفات: الاولى قوله " عليه عقيقه " والثانية قوله " أحسبا " والثالثة جملة " مرسعة بين أرساغه "، والرابعة جملة " به عسم "، والخامسة جملة " يبتغي أرنبا ". الشاهد فيه: قوله " مرسعة " فإنها نكرة وقعت مبتدأ، وقد سوغ الابتداء بها إبهامها، ومعنى ذلك أن المتكلم قصد الابهام بهذه النكرة، ولم يكن له غرض في البيان والتعيين أن تقليل الشيوع، وأنت خبير بأن الابهام قد يكون من مقاصد البلغاء ألا ترى أنه لا يريد مرسعة دون مرسعة، وهذا معنى قصد الابهام الذي ذكره الشارح. واعلم أن الاستشهاد بهذا البيت لا يتم إلا على رواية مرسعة بتشديد السين مفتوحة، وبرفعها وتفسيرها بما ذكرنا، وقد رويت بتشديد السين مكسورة، ومعناها الرجل الذي فسد موق عينه، وعلى هذا تروى بالرفع والنصب، فرفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو مرسعة، أي البوهة السابق مرسعة، ونصبها على أنها صفة لبوهة في البيت السابق من باب الوصف بالمفرد، ولا شاهد في البيت لما نحن فيه الآن على إحدى هاتين الروايتين. 47 - لم ينسبوا هذا الشاهد إلى قائل معين. اللغة: " أودى " فعل لازم معناه هلك " مقة " حب، وفعله ومقه يمقه مقة كوعده يعده عدة - والتا، في مقة عوض عن فاء الكلمة - وهي الواو - كعدة وزنة ونحوهما " استقلت " نهضت وهمت بالمسير " الظعن " الرحيل والسفر، وهو بفتح العين هنا. المعنى: يقول: إنه صبر على سفر أحبابه، وتجلد حين اعتزموا الرحيل، ولولا ذلك الصبر الذي أبداه وتمسك به لظهر منه ما يهلك بسببه كل من يحبه ويعطف عليه. = (*)

[ 225 ]

الثاني والعشرون: أن تقع بعد فاء الجزاء، كقولهم: " إن ذهب عير فعير في الرباط " (1). الثالث والعشرون: أن تدخل على النكرة لام الابتداء، نحو " لرجل قائم "..


= الاعراب: " لولا " حرف يدل على امتناع الجواب لوجود الشرط " اصطبار " مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا تقديره: موجود، وقوله " لاودى " اللام واقعة في جواب لولا، وأودى: فعل ماض " كل " فاعل أودى، وكل مضاف، و " ذي " مضاف إليه، وذي مضاف و " مقة " مضاف إليه " لما " ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بقوله أودى " استقلت " استقل: فعل ماض، والتاء للتأنيث " مطاياهن " مطايا: فاعل استقل، ومطايا مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة في محل جر بإضافة لما إليها " للظعن " جار ومجرور متعلق باستقلت. الشاهد فيه: قوله " اصطبار " فإنه مبتدأ - مع كونه نكرة - والمسوغ لوقوعه مبتدأ وقوعه بعد " لولا ". وإنما كان وقوع النكرة بعد " لولا " مسوغا للابتداء بها لان " لولا " تستدعي جوابا يكون معلقا على جملة الشرط التي يقع المبتدأ فيها نكرة، فيكون ذلك سببا في تقليل شيوع هذه النكرة. (1) هذا من أمثال العرب، والعير بفتح فسكون - هو الحمار، والرباط - بزنة كتاب - ما تشد به الدابة، ويقال: قطع الظبي رباطه، ويريدون قطع حبالته، يضرب للرضا بالحاضر وعدم الاسف على الغائب، والاستشهاد به في قوله " فعير " حيث وقع مبتدأ مع كونه نكرة لكونه واقعا بعد الفاء الواقعة في جواب الشرط، وانظر هذا المثل في مجمع الامثال للميداني (1 / 21 طبع بولاق، رقم 82 في 1 / 25 بتحقيقنا) وانظره في جمهرة الامثال لابي هلال العسكري (1 / 81 بهامش مجمع الامثال طبع الخيرية) ورواه هناك " إن هلك عير فعير في الرباط " وقال بعد روايته: يضرب مثلا للشئ يقدر على العوض منه فيستخف بفقده، ونحو هذا المثل في المعنى قول كثير عزة: هل وصل عزة إلا وصل غانية في وصل غانية من وصلها بدل (15 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 226 ]

الرابع والعشرون: أن تكون بعد " كم " الخبرية، نحو قوله: 48 - كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري.


48 - البيت للفرزدق بهجو جريرا، وقبله قوله: كم من أب لي يا جرير كأنه قمر المجرة أو سراج نهار ورث المكارم كابرا عن كابر ضخم الدسيعة كل يوم فخار اللغة: " المجرة " باب السماء، وقيل: هي الطريق التي تسير منها الكواكب " الدسيعة " الجفنة، أو المائدة الكبيرة، وضخامتها: كناية عن الكرم، لان ذلك يدل على كثرة الاكلة الذين يلتفون حولها " فدعاء " هي المرأة التي اعوجت إصبعها من كثرة حلبها، ويقال: الفدعاء هي التي أصاب رجلها الفدع من كثرة مشيها وراء الابل، والفدع: زيغ في القدم بينها وبين الساق، وقال ابن فارس: الفدع اعوجاج في المفاصل كأنها قد زالت عن أماكنها " عشاري " العشار: جمع عشراء - بضم العين المهملة وفتح الشين - وهي الناقة التي أتى عليها من وضعها عشرة أشهر، وفي التنزيل الكريم: (وإذا العشار عطلت). الاعراب: " كم " يجوز أن تكون استفهامية، وأن تكون خبرية " عمة " يجوز فيها وفي " خالة " المعطوفة عليها الحركات الثلاث: أما الجر فعلى أن " كم " خبرية في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة " حلبت " وعمة: تمييز لها، وتمييز كم الخبرية مجرور كما هو معلوم، وخالة: معطوف عليها، وأما النصب فعلى أن " كم " استفهامية في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة " حلبت " أيضا، وعمة: تمييز لها، وتمييز كم الاستفهامية منصوب كما هو معلوم، وخالة معطوف عليها، وأما الرفع فعلى أن كم خبرية أو استفهامية في محل نصب ظرف متعلق بحلبت أو مفعول مطلق عامله " حلبت " الآتي، وعلى هذين يكون قوله " عمة " مبتدأ، وقوله " لك " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت له، وجملة " قد حلبت " في محل رفع خبره، وتمييز " كم " على هذا الوجه محذوف، وهي - على ما عرفت - يجوز أن تكون خبرية فيقدر تمييزها مجرورا، ويجوز أن تكون استفهامية فيقدر تمييزها منصوبا، و " فدعاء " صفة لخالة، وقد حذف صفة لعمة ممائلة لها كما حذف صفة لخالة ممائلة لصفة عمة، وأصل الكلام قبل الحذفين " كم عمة لك فدعاء، وكم خالة لك فدعاء " فحذف من الاول كلمة فدعاء وأثبتها في الثاني، وحذف من الثاني كلمة = (*)

[ 227 ]

وقد أنهى بعض المتأخرين ذلك إلى نيف وثلاثين موضعا، وما لم أذكره منها أسقطته، لرجوعه إلى ما ذكرته، أو لانه ليس بصحيح. * * * والاصل في الاخبار أن تؤخرا وجوزوا التقديم إذ لا ضررا (1) الاصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر، وذلك لان الخبر وصف في المعنى للمبتدأ، فاستحق التأخير كالوصف، ويجوز تقديمه إذا لم يحصل بذلك لبس أو نحوه، على ما سيبين، فتقول " قائم زيد، وقائم أبوه زيد، وأبوه منطلق زيد، وفي الدار زيد، وعندك عمرو " وقد وقع في كلام بعضهم أن مذهب.


= لك وأثبتها في الاول، فحذف من كل مثل الذي أثبته في الآخر، وهذا ضرب من البديع يسميه أهل البلاغة " الاحتباك ". الشاهد فيه: قوله " عمة " على رواية الرفع حيث وقعت مبتدأ - مع كونها نكرة لوقوعها بعد " كم " الخبرية، كذا قال الشارح العلامة، وأنت خبير بعد ما ذكرناه لك في الاعراب أن " عمة " على أي الوجوه موصوفة بمتعلق الجار والمجرور وهو قوله " لك " وبفدعاء المحذوف الذي يرشد إليه وصف خالة به، وعلى هذا لا يكون المسوغ في هذا البيت وقوع النكرة بعد " كم " الخبرية، وإنما هو وصف النكرة، وبحثت عن شاهد فيه الابتداء بالنكرة بعد كم الخبرية، ولا مسوغ فيه سوى ذلك، فلم أوفق للعثور عليه. (1) " والاصل " مبتدأ " في الاخبار " جار ومجرور متعلق به " أن " مصدرية " تؤخرا " فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الاخبار، والالف للاطلاق، و " أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ " وجوزوا " فعل وفاعل " التقديم " مفعول به لجوزوا " إذ " ظرف زمان متعلق بجوزوا " لا " نافية للجنس " ضررا " اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، والالف للاطلاق، وخبر لا محذوف، أي: لا ضرر موجود، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل جر بإضافة إذ إليها. (*)

[ 228 ]

الكوفيين منع تقدم الخبر الجائز التأخير [ عند البصريين ] وفيه نظر (1)، فإن بعضهم نقل الاجماع - من البصريين، والكوفيين - على جواز " في داره زيد " فنقل المنع عن الكوفيين مطلقا ليس بصحيح، هكذا قال بعضهم، وفيه بحث (1)، نعم منع الكوفيون التقديم في مثل " زيد قائم، وزيد قام أبوه،.


(1) في كلام الشارح في هذا الموضوع قلق وركاكة لا تكاد تتبين منهما غرضه واضحا فهو أولا ينقل عن بعضهم أنه ذكر أن الكوفيين لم يجوزوا تقديم الخبر على المبتدأ. ثم يعترض على هذا النقل بقوله " وفيه نظر " وينقل عن بعض آخر أن الكوفيين يجوزون عبارة ظاهر أمرها أنها من باب تقديم الخبر، فيكون كلام الناقل الاول على إطلاقه باطلا، وكان ينبغي - على ذلك - تخصيصه بما عدا هذه الصورة. ثم يعترض على النقل الثاني بقوله: " وفيه بحث "، وظاهر المعنى من ذلك أن هذه العبارة التي ظنها ناقل المثال الثاني من باب تقديم الخبر ليست منه على وجه الجزم والقطع، لانه يجوز فيها أن يكون " زيد " من قوله " في داره زيد " فاعلا بالجار والمجرور، ولو لم يعتمد على نفي أو استفهام، لان الاعتماد ليس شرطا عند الكوفيين، فيكون تجويز الكوفيين هذه العبارة ليس دليلا على أنهم يجوزون تقديم الخبر في صورة من الصور، فقد رجع الشارح على أول كلامه بالنقض، هذا من حيث تعبيره. فأما من حيث الموضوع في ذاته، فقد ذكر أبو البركات بن الانباري في كتابه " الانصاف، في مسائل الخلاف " (ص 46 طبعة ثالثة بتحقيقنا) أن علماء الكوفة يرون أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على المبتدأ، مفردا كان أو جملة، وعقد في ذلك مسألة خاصة، وعلى هذا لا يجوز أن يكون قولك " في الدار زيد " من باب تقديم الخبر على المبتدأ عندهم. فإن قلت: فهذا الخبر جار ومجرور، والذي نقلته عنهم عدم تجويز التقديم إذا كان الخبر مفردا أو جملة. فالجواب أن الجار والمجرور - عند الجمهور، خلافا لابن السراج الذي جعله قسما يرأسه - لا يخلو حاله من أن يكون في تقدير المفرد، أو في تقدير الجملة، وأيضا فقد عللوا عدم تجويز التقديم بأن الخبر اشتمل على ضمير يعود على المبتدأ، فلو قدمناه لتقدم الضمير على مرجعه، وذلك لا يجوز عندهم، وهذه العلة نفسها موجودة في الجار والمجرور سواء أقدرت متعلقه اسما مشتقا أم قدرته فعلا. (*)

[ 229 ]

وزيد أبوه منطلق " والحق الجواز، إذ لا مانع من ذلك، وإليه أشار بقوله " وجوزوا التقديم إذ لا ضررا " فتقول: " قائم زيد " ومنه قولهم: " مشنوء من يشنؤك " فمن: مبتدأ ومشنوء: خبر مقدم، و " قام أبوه زيد " ومنه قوله: 49 - قد ثكلت أمه من كنت واحده وبات منتشبا في برثن الاسد ف‍ " من كنت واحده " مبتدأ مؤخر، و " قد ثكلت أمه ": خبر مقدم، و " أبوه منطلق زيد "، ومنه قوله:.


49 - البيت لشاعر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت الانصاري اللغة: " ثكلت أمه " هو من الثكل، وهو فقد المرأة ولدها " منتشبا " عالقا داخلا " برثن الاسد " مخلبه، وجمعه براثن، مثل برقع وبراقع، والبراثن للسباع بمنزلة الاصابع للانسان، وقال ابن الاعرابي: البرثن: الكف بكمالها مع الاصابع. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " ثكلت " ثكل: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " أمه " أم: فاعل ثكلت، وأم مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من الفعل وفاعله في محل رفع خبر مقدم " من " اسم موصول مبتدأ مؤخر " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسمه مبني على الفتح في محل رفع " واحده " واحد خبر كان، وواحد مضاف، والضمير مضاف إليه، والجملة من " كان " واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول الذي هو من " وبات " الواو عاطفة، بات: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من " منتشبا " خبر بات " في برثن " جار ومجرور متعلق بمنتشب، وبرئن مضاف و " الاسد " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " قد ثكلت أمه من كنت واحده " حيث قدم الخبر، وهو جملة " ثكلت أمه " على المبتدأ وهو " من كنت واحده " وفي جملة الخبر المتقدم ضمير يعود على المبتدأ المتأخر، وسهل ذلك أن المبتدأ - وإن وقع متأخرا - بمنزلة المتقدم في اللفظ، فإن رتبته التقدم على الخبر كما ترى في بيت الناظم وفي مطلع شرح المؤلف لهذا الموضوع. (*)

[ 230 ]

50 - إلى ملك ما أمه من محارب أبوه، ولا كانت كليب تصاهره ف‍ " أبوه ": مبتدأ [ مؤخر ]، و " ما أمه من محارب ": خبر مقدم..


50 - هذا البيت من كلمة للفرزدق يمدح بها الوليد بن عبد الملك بن مروان. اللغة: " محارب " ورد في عدة قبائل: أحدها من قريش، وهو محارب بن فهر ابن مالك بن النضر، والثاني من قيس عيلان، وهو محارب بن خصفة بن قيس عيلان، والثالث من عبد القيس، وهو محارب بن عمر بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس " كليب " بزنة التصغير - اسم ورد في عدة قبائل أيضا: أحدها في خزاعة، وهو كليب بن حبشية بن سلول، والثاني في تغلب بن واثل، وهو كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير، والثالث في تميم، وهو كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك، والرابع في النخع، وهو كليب بن ربيعة بن خزيمة بن معد بن مالك بن النخع، والخامس في هوازن، وهو كليب بن ربيعة بن صعصعة. الاعراب: " إلى ملك " جار ومجرور متعلق بقوله " أسوق مطيتي " في بيت سابق على بيت الشاهد، وهو قوله: رأوني، فنادوني، أسوق مطيتي بأصوات هلال صعاب جرائره " ما " نافية تعمل عمل ليس " أمه " أم: اسم ما، وأم مضاف والضمير مضاف إليه " من محارب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " ما " وجملة " ما " ومعموليها في محل رفع خبر مقدم " أبوه " أبو: مبتدأ مؤخر، وأبو مضاف والضمير مضاف إليه وجملة المبتدأ وخبره في محل جر صفة لملك " ولا " الواو عاطفة، لا نافية " كانت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء تاء التأنيث " كليب " اسم كان " تصاهره " تصاهر: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى كليب، والضمير البارز مفعول به، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل نصب خبر " كان " وجملة كان واسمها وخبرها في محل جر معطوفة على جملة الصفة. الشاهد فيه: في هذا البيت شاهد للنحاة وشاهد لعلماء البلاغة، فأما النحاة فيستشهدون به على تقديم الخبر - وهو جملة " ما أمه من محارب " على المبتدأ - وهو قوله " أبوه " والتقدير: إلى ملك أبوه ليست أمه من محارب، وأما علماء البلاغة فيذكرونه شاهدا على = (*)

[ 231 ]

ونقل الشريف أبو السعادات هبة الله بن الشجري الاجماع من البصريين والكوفيين على جواز تقديم الخبر إذا كان جملة، وليس بصحيح، وقد قدمنا نقل الخلاف في ذلك عن الكوفيين. * * * فامنعه حين يستوي الجزآن: عرفا، ونكرا، عادمي بيان (1) كذا إذا ما الفعل كان الخبرا، أو قصد استعماله منحصرا (2).


= التعقيد اللفظي الذي سببه التقديم والتأخير، ومثله في ذلك قول الفرزدق أيضا يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي وهو خال هشام بن عبد الملك بن مروان: وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه التقدير: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه. (1) " فامنعه " امنع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والضمير البارز العائد على تقديم الخبر - مفعول به لا منع " حين " ظرف زمان متعلق بامنع " يستوي " فعل مضارع " الجزآن " فاعل يستوي، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة " حين " إليها " عرفا " تمييز " ونكرا " معطوف عليه " عادمي " حال من " الجزآن " وعادمي مضاف و " بيان " مضاف إليه، والتقدير: فامنع تقديم الخبر في وقت استواء جزءي الجملة - وهما المبتدأ والخبر - من جهة التعريف والتنكير، بأن يكونا معرفتين أو نكرتين كل منهما صالحة للابتداء بها، حال كونهما عادمي بيان، أي لا قرينة معهما تعين المبتدأ منهما من الخبر. (2) " كذا " جار ومجرور متعلق بامنع " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " الفعل " اسم لكان محذوفة تفسرها المذكورة بعدها، والخبر محذوف أيضا، والجملة من كان المحذوفة واسمها وخبرها في محل جر بإضافة إذا إليها " كان " فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل " الخبرا " الخبر: خبر " كان " والالف للاطلاق، والجملة لا محل = (*)

[ 232 ]

أو كان مسندا: لذي لام ابتدا، أو لازم الصدر، كمن لي منجدا (1) ينقسم الخبر - بالنظر إلى تقديمه على المبتدأ أو تأخيره عنه - ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه التقديم والتأخير، وقد سبق ذكره، وقسم يجب فيه تأخير الخبر، وقسم يجب فيه تقديم الخبر. فأشار بهذه الابيات إلى الخبر الواجب التأخير، فذكر منه خمسة مواضع: الاول: أن يكون كل من المبتدأ والخبر معرفة أو نكرة صالحة لجعلها مبتدأ، ولا مبين للمبتدأ من الخبر، نحو " زيد أخوك، وأفضل من زيد أفضل من عمرو " ولا يجوز تقديم الخبر في هذا ونحوه، لانك لو قدمته فقلت " أخوك زيد، وأفضل من عمرو أفضل من زيد " لكان المقدم مبتدأ (2)، وأنت.


= لها مفسرة " أو " عاطفة " قصد " فعل ماض مبني للمجهول " استعماله " استعمال: نائب فاعل قصد، واستعمال مضاف والضمير مضاف إليه " منحصرا " حال من المضاف إليه لان المضاف عامل فيه. (1) " أو " عاطفة " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر " مسندا " خبر كان " لذي " جار ومجرور متعلق بمسند، وذي مضاف، و " لام " مضاف إليه، ولام مضاف، و " ابتدا " مضاف إليه " أو " عاطفة " لازم " معطوف على ذي، ولازم مضاف، و " الصدر " مضاف إليه " كمن " الكاف جارة لقول محذوف كما تقدم مرارا " من " اسم استفهام مبتدأ " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " منجدا " حال من الضمير المستتر في الخبر الذي هو الجار والمجرور، وذلك الضمير عائد على المبتدأ الذي هو اسم الاستفهام. (2) إذا كانت الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، وكانا جميعا معرفتين، فللنحاة في إعرابها أربعة أقوال، أولها: أن المقدم مبتدأ والمؤخر خبر، سواء أكانا متساويين في درجة التعريف أم كانا متفاوتين، وهذا هو الظاهر من عبارة الناظم والشارح، وثانيها أنه يجوز جعل كل واحد منهما مبتدأ، لصحة الابتداء بكل واحد منهما، والثالث: أنه إن كان أحدهما مشتقا والآخر جامدا فالمشتق هو الخبر، سواء أتقدم أم تأخر، وإلا = (*)

[ 233 ]

تريد أن يكون خبرا، من غير دليل يدل عليه، فإن وجد دليل يدل على أن المتقدم خبر جاز، كقولك " أبو يوسف أبو حنيفة " فيجوز تقدم الخبر وهو أبو حنيفة - لانه معلوم أن المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، لا تشبيه أبي حنيفة بأبي يوسف، ومنه قوله: 51 - بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد.


- بأن كانا جامدين، أو كان كلاهما مشتقا - فالمقدم مبتدأ، والرابع: أن المبتدأ هو الاعرف عند المخاطب سواء أتقدم أم تأخر، فإن تساويا عنده فالمقدم هو المبتدأ. 51 - نسب جماعة هذا البيت للفرزدق، وقال قوم: لا يعلم قائله، مع شهرته في كتب النحاة وأهل المعاني والفرضيين. الاعراب: " بنونا " بنو: خبر مقدم، وبنو مضاف والضمير مضاف إليه " بنو " مبتدأ مؤخر، وبنو مضاف وأبناء من " أبنائنا " مضاف إليه، وأبناء مضاف والضمير مضاف إليه " وبناتنا " الواو عاطفة، بنات: مبتدأ أول، وبنات مضاف والضمير مضاف إليه " بنوهن " بنو: مبتدأ ثان، وبنو مضاف والضمير مضاف إليه " أبناء " خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وأبناء مضاف و " الرجال " مضاف إليه " الاباعد " صفة للرجال. الشاهد فيه: قوله " بنونا بنو أبنائنا " حيث قدم الخبر وهو " بنونا " على المبتدأ وهو " بنو أبنائنا " مع استواء المبتدأ والخبر في التعريف، فإن كلا منهما مضاف إلى ضمير المتكلم - وإنما ساغ ذلك لوجود قرينة معنوية تعين المبتدأ منهما، فإنك قد عرفت أن الخبر هو محط الفائدة، فما يكون فيه أساس التشبيه وهو الذي تذكر الجملة لاجله - فهو الخبر. وبعد، فقد قال ابن هشام يعترض على ابن الناظم استشهاده بهذا البيت: " قد يقال إن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وإنه جاء على التشبيه - المقلوب، كقول ذي الرمة: * ورمل كأوراك العذارى قطعته * = (*)

[ 234 ]

فقوله " بنونا " خبر مقدم، و " بنو أبنائنا " مبتدأ مؤخر، لان المراد الحكم على بني أبنائهم بأنهم كبنيهم، وليس المراد الحكم على بنيهم بأنهم كبني أبنائهم. والثاني: أن يكون الخبر فعلا رافعا لضمير المبتدأ مستترا، نحو " زيد قام " فقام وفاعله المقدر (1): خبر عن زيد، ولا يجوز التقديم، فلا يقال " قام زيد " على أن يكون " زيد " مبتدأ مؤخرا، والفعل خبرا مقدما، بل يكون " زيد " فاعلا لقام، فلا يكون من باب المبتدأ والخبر، بل من باب الفعل والفاعل، فلو كان الفعل رافعا لظاهر - نحو " زيد قام أبوه " - جاز التقديم، فتقول.


= فكان ينبغي أن يستشهد بما أنشده في شرح التسهيل من قول حسان بن ثابت: قبيلة ألام الاحياء أكرمها وأغدر الناس بالجيران وافيها إذ المراد الاخبار عن أكرمها بأنه ألام الاحياء، وعن وافيها بأنه أغدر الناس، (") ؟ لا العكس " اه‍ كلام ابن هشام. والجواب عنه من وجهين، أحدهما: أن التشبيه المقلوب من الامور النادرة، والحمل على ما يندر وقوعه لمجرد الاحتمال مما لا يجوز أن يصار إليه، وإلا فإن كل كلام يمكن تطريق احتمالات بعيدة إليه، فلا تكون ثمة طمأنينة على إفادة غرض المتكلم بالعبارة، وثانيهما: أن ما ذكره في بيت حسان من أن الغرض الاخبار عن أكرم هذه القبيلة بأنه ألام الاحياء وعن أوفى هذه القبيلة بأنه أغدر الاحياء، هذا نفسه يجري في بيت الشاهد فيقال: إن غرض المتكلم الاخبار عن أبناء أبنائهم بأنهم يشبهون أبناءهم، وليس الغرض أن يخبر عن بنيهم بأنهم يشبهون بني أبنائهم، فلما صح أن يكون غرض المتكلم معينا للمبتدأ صح الاستشهاد ببيت الشاهد. ومثل بيت الشاهد قول الكميت بن زيد الاسدي: كلام النبيين الهداة كلامنا وأفعال أهل الجاهلية نفعل فإن الغرض تشبيه كلامهم بكلام النبيين الهداة، لا العكس. (1) أراد بالمقدر ههنا المستتر فيه. (*)

[ 235 ]

" قام أبوه زيد "، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك (1)، وكذلك يجوز التقديم إذا رفع الفعل ضميرا بارزا، نحو " الزيدان قاما " فيجوز أن تقدم الخبر فتقول " قاما الزيدان " ويكون " الزيدان " مبتدأ مؤخرا، و " قاما " خبرا مقدما، ومنع ذلك قوم. وإذا عرفت هذا فقول المصنف: " كذا إذا ما الفعل كان الخبر " يقتضي [ وجوب ] تأخير الخبر الفعلي مطلقا، وليس كذلك، بل إنما يجب تأخيره إذا رفع ضميرا للمبتدأ مستترا، كما تقدم. الثالث: أن يكون الخبر محصورا بإنما، نحو " إنما زيد قائم " أو بإلا، نحو " ما زيد إلا قائم " وهو المراد بقوله " أو قصد استعماله منحصرا "، فلا يجوز تقديم " قائم " على " زيد " في المثالين، وقد جاء التقديم مع " إلا " شذوذا، كقول الشاعر: 52 - فيارب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم ؟ وهل إلا عليك المعول ؟.


(1) يريد خلاف البصريين والكوفيين، حيث جوز البصريون التقديم، ومنعه الكوفيون (واقرأ الهامشة رقم 1 في ص 228). 52 - البيت للكميت بن زيد الاسدي، وهو الشاعر المقدم، العالم بلغات العرب، الخبير بأيامها، وأحد شعراء مضر المتعصبين على القحطانية، والبيت من قصيدة له من قصائد تسمى الهاشميات قالها في مدح بني هاشم، وأولها قوله: ألا هل عم في رأيه متأمل ؟ وهل مدبر بعد الاساءة مقبل ؟ اللغة: " عم " العمى ذهاب البصر من العينين جميعا، ولا يقال عمى إلا على ذلك، ويقال لمن ضل عنه وجه الصواب: هو أعمى، وعم، والمرأة عمياء وعمية " مدبر " هو في الاصل من ولاك قفاه، ويراد منه الذي يعرض عنك ولا يباليك " المعول " تقول: عولت على فلان، إذا جعلته سندك الذي تلجأ إليه، وجعلت أمورك كلها بين يديه، والمعول ههنا مصدر ميمي بمعنى التعويل. = (*)

[ 236 ]

الاصل " وهل المعول إلا عليك " فقدم الخبر. الرابع: أن يكون خبرا لمبتدإ قد دخلت عليه لام الابتداء، نحو " لزيد قائم " وهو المشار إليه بقوله: " أو كان مسندا لذي لام ابتدا " فلا يجوز تقديم الخبر.


= الاعراب: " يا رب " يا: حرف نداء، رب: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها " هل " حرف استفهام إنكاري دال على النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " بك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " النصر " مبتدأ مؤخر " يرتجى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " النصر " ويجوز أن يكون " بك " متعلقا بقوله يرتجى، وجملة يرتجى مع نائب فاعله المستتر فيه في محل رفع خبر " عليهم " جار ومجرور متعلق في المعنى بالنصر ولكن الصناعة تأباه، لما يلزم عليه من الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، لهذا يجعل متعلقا بيرتجى " وهل " حرف استفهام تضمن معنى النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " عليك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " المعول " مبتدأ مؤخر. الشاهد فيه: قوله " بك النصر " و " عليك المعول " حيث قدم الخبر المحصور بإلا في الموضعين شذوذا، وقد كان من حقه أن يقول: هل يرتجى النصر إلا بك، وهل المعول إلا عليك، وأنت خبير بأن الاستشهاد بقوله: " بك النصر " لا يتم إلا على اعتبار أن الجار والمجرور خبر مقدم، والنصر مبتدأ مؤخر، فأما على اعتبار أن الخبر هو جملة " يرتجى " فلا شاهد في الجملة الاولى من البيت لما نحن فيه، ويكون الشاهد في الجملة الثانية وحدها. وعبارة الشارح تفيد ذلك، فإنه ترك ذكر الاستشهاد بالجملة الاولى لاحتمالها وجها آخر، وقد علمت أن الدليل إذا احتمل وجها آخر سقط الاستدلال به، والحكم بشذوذ هذا التقديم إطلاقا - كما ذكره الشارح - هو رأي جماعة النحاة، فأما علماء البلاغة فيقولون: إن كانت أداة القصر هي " إنما " لم يسغ تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه، وإن كانت إداة القصر " إلا " فإن قدمت الخبر وقدمت معه إلا كما في هذه العبارة صح التقديم، لان المعنى المقصود لا يضيع، إذ تقديم " إلا " معه يبين المراد. (*)

[ 237 ]

على اللام، فلا تقول: " قائم لزيد " لان لام الابتداء لها صدر الكلام، وقد جاء التقديم شذوذا، كقول الشاعر: 53 - خالي لانت، ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الاخوالا ف‍ " لانت " مبتدأ [ مؤخر ] و " خالي " خبر مقدم..


53 - البيت من الشواهد التي لم يعرف قائلها. اللغة: " جرير " يروى في مكانه " تميم "، ويروى أيضا عويف " العلاء " بفتح العين المهملة ممدودا - الشرف والرفعة، وقيل: هو مصدر على في المكان يعلى، مثل رضى يرضى، وأما في المرتبة فيقال: علا يعلو، مثل سما يسمو سموا. الاعراب: " خالي لانت " يجوز فيه إعرابان أحدهما أن يكون " خال " مبتدأ، وهو مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، واللام للابتداء، و " أنت " خبر المبتدأ، وفيه - على هذا الوجه من الاعراب - شذوذ من حيث دخول اللام على الخبر، مع أنها خاصة بالدخول على المبتدأ، وثانيهما أن يكون " خالي " خبرا مقدما، و " لانت " مبتدأ مؤخرا، وهذا الوجه هو الذي قصد الشارح الاستشهاد بالبيت من أجله، وليس شاذا من الجهة التي ذكرناها أولا، وإن كان فيه الشذوذ الذي ذكره الشارح، وسنبينه عند الكلام على الاستشهاد " ومن " الواو للاستئناف، من: اسم موصول مبتدأ " جرير " مبتدأ " خاله " خال: خبر المبتدأ الذي هو جرير، وخال مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من جرير وخبره لا محل لها صلة الموصول " ينل " فعل مضارع تشبيها للموصول بالشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من " العلاء " مفعول به لينل، وجملة الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر المبتدأ، وهو من " ويكرم " الواو عاطفة، يكرم: فعل مضارع معطوف على " ينل " وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من " الاخوالا " قال العيني: هو مفعول به، وهو بعيد كل البعد، ولا يسوغ إلا على أن يكون يكرم مضارع أكرم مبنيا للمجهول، والاولى أن يكون قوله: " يكرم " مضارع كرم ويكون قوله " الاخوالا " تمييزا: إما على مذهب الكوفيين الذين يجوزون دخول " أل " المعرفة على التمييز، وإما على أن تكون أل زائدة على ما قاله البصريون في قول الشاعر: * وطبت النفس يا قيس عن عمرو * = (*)

[ 238 ]

الخامس: أن يكون المبتدأ له صدر الكلام: كأسماء الاستفهام، نحو " من لي منجدا ؟ " فمن: مبتدأ، ولي: خبر، ومنجدا: حال، ولا يجوز تقديم الخبر على " من "، فلا تقول " لي من [ منجدا ] ". * * *.


= الشاهد فيه: في هذا البيت ثلاثة شواهد للنحاة: الاول: في قوله " ينل العلاء " فإن هذا فعل مضارع لم يسبقه ناصب ولا جازم، وقد كان من حقه أن يجئ به الشاعر مرفوعا فيقول " ينال العلاء " ولكنه جاء به مجزوما، فحذف عين الفعل كما يحذفها في " لم بخف " ونحوه، والحامل له على الجزم تشبيه الموصول بالشرط كما شبهه الشاعر به حيث يقول: كذاك الذي يبغي على الناس ظالما تصبه على رغم عواقب ما صنع وليس لك أن تزعم أن من في قوله " من جرير خاله " شرطية، فلذلك جزم المضارع في جوابها، لان ذلك يستدعي أن تجعل جملة " جرير خاله " شرطا، وهو غير جائز عند أحد من النحاة، لان جملة الشرط لا تكون اسمية أصلا (وانظر - مع ذلك - شرح الشاهد رقم 58 الآتي). والشاهد الثاني: في قوله " ويكرم الاخوالا " فإنه تمييز، وقد جاء به معرفة، وهذا يدل للكوفيين الذين يرون جواز مجئ التمييز معرفة، والبصريون يقولون: أل في هذا زائدة لا معرفة، والشاهد الثالث: - وهو الذي من أجله أنشد الشارح هذا البيت هنا - في قوله " خالي لانت " حيث قدم الخبر مع أن المبتدأ متصل بلام الابتداء، شذوذا، وفي البيت توجيهات أخرى أشرنا إلى أحدها في الاعراب، والثاني: أنه أراد " لخالي أنت " فأخر اللام إلى الخبر ضرورة، والثالث: أن يكون أصل الكلام " خالي لهو أنت " فخالي: مبتدأ أول، والضمير مبتدأ ثان، وأنت: خبر الثاني، فحذفت الضمير، فاتصلت اللام بخبره مع أنها لا تزال في صدر ما ذكر من جملتها. ومثل هذا البيت في هذين التوجيهين قول الراجز: أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبه (*)

[ 239 ]

ونحو عندي درهم، ولي وطر، ملتزم فيه تقدم الخبر (1) كذا إذا عاد عليه مضمر مما به عنه مبينا يخبر (2) كذا إذا يستوجب التصديرا: كأين من علمته نصيرا (3).


(1) " ونحو " مبتدأ " عندي " عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعند مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " درهم " مبتدأ مؤخر " ولي " الواو عاطفة، لي: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " وطر " مبتدأ مؤخر " ملتزم " اسم مفعول: خبر المبتدأ الذي هو قوله " نحو " في أول البيت " فيه " جار ومجرور متعلق بملتزم " تقدم " نائب فاعل لقوله " ملتزم " وتقدم مضاف و " الخبر " مضاف إليه. (2) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما قبله، أي: يلتزم تقدم الخبر التزاما كذا الالتزام " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط " عاد " فعل ماض " عليه " جار ومجرور متعلق بعاد " مضمر " فاعل عاد " مما " جار ومجرور متعلق بعاد أيضا، وما اسم موصول " به، عنه " متعلقان بيخبر الآتي " مبينا " حال من المجرور في " به " " يخبر " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة لا محل لها صلة " ما " وجملة " عاد عليه مضمر " في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي شرط إذا، وجوابها محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقدير البيت: يلتزم تقدم الخبر التزاما كذلك الالتزام السابق إذا عاد على الخبر ضمير من المبتدأ الذي يخبر بذلك الخبر عنه حال كونه مبينا - أي مفسرا - لذلك الضمير. قال ابن غازي: وهذا البيت مع تعقده وتشتيت ضمائره كان يغنى عنه وعما بعده أن يقول: كذا إذا عاد عليه مضمر من مبتدا، وما له التصدر (3) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف مثل سابقه في أول البيت السابق " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " يستوجب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر " التصديرا " مفعول به ليستوجب، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " كأين " الكاف جارة لقول محذوف، أين: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم " من " اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر " علمته " فعل وفاعل ومفعول أول " نصيرا " مفعول ثان لعلم، والجملة لا محل لها صلة. (*)

[ 240 ]

وخبر المحصور قدم أبدا: كما لنا إلا اتباع أحمدا (1) أشار في هذه الابيات إلى القسم الثالث، وهو وجوب تقديم الخبر، فذكر أنه يجب في أربعة مواضع: الاول: أن يكون المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ إلا تقدم الخبر، والخبر ظرف أو جار ومجرور، نحو " عندك رجل، وفي الدار امرأة "، فيجب تقديم الخبر هنا، فلا تقول: " رجل عندك "، ولا " امرأة في الدار " وأجمع النحاة والعرب على منع ذلك، وإلى هذا أشار بقوله: " ونحو عندي درهم، ولي وطر البيت "، فإن كان للنكرة مسوغ جاز الامران، نحو " رجل ظريف عندي "، و " عندي رجل ظريف ". الثاني: أن يشتمل المبتدأ على ضمير يعود على شئ في الخبر، نحو " في الدار صاحبها " فصاحبها: مبتدأ، والضمير المتصل به راجع إلى الدار، وهو جزء من الخبر، فلا يجوز تأخير الخبر، نحو " صاحبها في الدار "، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. وهذا مراد المصنف بقوله: " كذا إذا عاد عليه مضمر - البيت " أي: كذلك يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه مضمر مما يخبر بالخبر عنه، وهو المبتدأ، فكأنه قال: يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ، وهذه عبارة ابن عصفور في بعض كتبه، وليست بصحيحة، لان الضمير في قولك " في الدار.


(1) " وخبر " مفعول مقدم لقدم الآتي، وخبر مضاف و " المحصور " مضاف إليه " قدم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أبدا " منصوب على الظرفية متعلق بقدم " كما " الكاف جارة لقول محذوف، و " ما " نافية " لنا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " إلا " أداة استثناء ملغاة " اتباع " مبتدأ مؤخر، واتباع مضاف و " أحمدا " مضاف إليه، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، لانه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والالف للاطلاق. (*)

[ 241 ]

صاحبها " إنما هو عائد على جزء من الخبر، لا على الخبر، فينبغي أن تقدر مضافا محذوفا في قول المصنف " عاد عليه " التقدير " كذا إذا عاد على ملابسه " ثم حذف المضاف - الذي هو ملابس - وأقيم المضاف إليه - وهو الهاء - مقامه، فصار اللفظ " كذا إذا عاد عليه ". ومثل قولك " في الدار صاحبها " قولهم: " على التمرة مثلها زبدا " وقوله: 54 - أهابك إجلالا، ما بك قدرة علي، ولكن مل ء عين حبيبها.


54 - هذا البيت قد نسبه قوم منهم أبو عبيد البكري في شرحه على الامالي (ص 401) - لنصيب بن رياح الاكبر، ونسبه آخرون - ومنهم ابن نباتة المصري في كتابه " سرح العيون " (ص 191 بولاق) إلى مجنون بني عامر من أبيات أولها قوله: وناديت يا رباه أول سؤلتي لنفسي ليلى، ثم أنت حسيبها دعا المحرمون الله يستغفرونه بمكة يوما أن تمحى ذنوبها اللغة: " أهابك " من الهيبة، وهي المخافة " إجلالا " إعظاما لقدرك. المعنى: إني لاهابك وأخافك، لا لاقتدارك علي، ولكن إعظاما لقدرك، لان العين تمتلئ بمن تحبه فتحصل المهابة، وهو معنى أكثر الشعراء منه، انظر إلى قول بن الدمينة: وإني لاستحييك حتى كأنما علي بظهر الغيب منك رقيب الاعراب: " أهابك " أهاب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والضمير البارز المتصل مفعول به، مبني على الكسر في محل نصب " إجلالا " مفعول لاجله " وما " الواو واو الحال، وما: نافية " بك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " قدرة " مبتدأ مؤخر " علي " جار ومجرور متعلق بقدرة، أو بمحذوف نعت لقدرة " ولكن " حرف استدراك " مل ء " خبر مقدم، ومل ء مضاف و " عين " مضاف إليه " حبيبها " حبيب: مبتدأ مؤخر، وحبيب مضاف والضمير مضاف إليه. = (16 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 242 ]

فحبيبها: مبتدأ [ مؤخر ] ومل ء عين: خبر مقدم، ولا يجوز تأخيره، لان الضمير متصل بالمبتدأ - وهو " ها " - عائد على " عين " وهو متصل بالخبر، فلو قلت " حبيبها مل ء عين " عاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة. وقد جرى الخلاف في جواز " ضرب غلامه زيدا (1) " مع أن الضمير فيه عائد على متأخر لفظا ورتبة، ولم يجر خلاف - فيما أعلم - في منع " صاحبها في الدار " فما الفرق بينهما ؟ وهو ظاهر، فليتأمل، والفرق [ بينهما ] أن ما عاد عليه الضمير وما اتصل به الضمير اشتركا في العامل في مسألة " ضرب غلامه زيدا " بخلاف مسألة " في الدار صاحبها " فإن العامل فيما اتصل به الضمير وما عاد عليه الضمير مختلف (2)..


= الشاهد فيه: قوله " مل ء عين حبيبها " فإنه قدم الخبر وهو قوله " مل ء عين " على المبتدأ - وهو قوله " حبيبها " - لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إليه، فلو قدمت المبتدأ - مع أنك تعلم أن رتبة الخبر التأخير - لعاد الضمير الذي اتصل بالمبتدأ على متأخر لفظا ورتبة، وذلك لا يجوز، لكنك بتقديمك الخبر قد رجعت الضمير على متقدم لفظا وإن كانت رتبته التأخير، وهذا جائز، ولا إشكال فيه. (1) مثل ذلك المثال: كل كلام اتصل فيه ضمير بالفاعل المتقدم، وهذا الضمير عائد على المفعول المتأخر، نحو مثال ابن مالك في باب الفاعل من الالفية " زان نوره الشجر " ونحو قول الشاعر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار ونحو قول الشاعر الآخر: كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد وسيأتي بيان ذلك وإيضاحه في باب الفاعل. (2) وأيضا فإن المفعول قد تقدم على الفاعل كثيرا في سعة الكلام، حتى ليظن أن رتبته قد صارت التقدم، بخلاف الخبر، فإنه - وإن تقدم على المبتدأ أحيانا - لا يتصور أحد أن رتبته التقدم، لكونه حكما، والحكم في مرتبة التأخر عن المحكوم عليه البتة، = (*)

[ 243 ]

الثالث: أن يكون الخبر له صدر الكلام، وهو المراد بقوله: " كذا إذا يستوجب التصديرا " نحو " أين زيد " ؟ فزيد: مبتدأ [ مؤخر ]، وأين: خبر مقدم، ولا يؤخر، فلا تقول: " زيد أين "، لان الاستفهام له صدر الكلام، وكذلك " أين من علمته نصيرا " ؟ فأين: خبر مقدم، ومن: مبتدأ مؤخر، و " علمته نصيرا " صلة من. الرابع: أن يكون المبتدأ محصورا، نحو " إنما في الدار زيد، وما في الدار إلا زيد " ومثله " ما لنا إلا اتباع أحمد ". * * * وحذف ما يعلم جائز، كما تقول " زيد " بعد " من عند كما " (1).


= وأيضا فإن الفاعل والفعل المتعدي جميعا يشعران بالمفعول، فكان المفعول كالمتقدم، بخلاف الخبر المتصل بمبتدئه ضمير يعود على ملابسه، فإن المبتدأ إن أشعر بالخبر لم يشعر لما يلابس الخبر الذي هو مرجع الضمير. (1) " وحذف " مبتدأ، وحذف مضاف، و " ما " اسم موصول مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " يعلم " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول الذي هو ما " جائز " خبر المبتدأ " كما " الكاف جارة، وما مصدرية " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وما مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، أي: كقولك، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن كقولك، و " زيد " مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: زيد عندنا " بعد " منصوب على الظرفية متعلق بتقول " من " اسم استفهام مبتدأ " عندكما " عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر عن اسم الاستفهام، وعند مضاف والضمير الذي للمخاطب مضاف إليه، والميم حرف عماد، والالف حرف دال على التثنية، والجملة في محل جر بإضافة بعد إليها. (*)

[ 244 ]

وفي جواب " كيف زيد " قل " دنف " فزيد استغني عنه إذ عرف (1) يحذف كل من المبتدأ والخبر إذا دل عليه دليل: جوازا، أو وجوبا، فذكر في هذين البيتين الحذف جوازا، فمثال حذف الخبر أن يقال: " من عندكما " ؟ فتقول: " زيد " التقدير " زيد عندنا " ومثله - في رأي - " خرجت فإذا السبع " التقدير (2) " فإذا السبع حاضر " قال الشاعر: 55 - نحن بما عندنا، وأنت بما عندك راض، والرأي مختلف التقدير " نحن بما عندنا راضون "..


(1) " وفي جواب " جار ومجرور متعلق بقل " كيف " اسم استفهام خبر مقدم " زيد " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر مقصود لفظها فهي في محل جر بإضافة " جواب " إليها " قل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " دنف " خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: زيد دنف " فزيد " الفاء للتعليل، زيد: مبتدأ " استغنى " فعل ماض مبني للمجهول " عنه " نائب فاعل لاستغنى، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ " إذ " ظرف متعلق باستغنى، أو حرف دال على التعليل " عرف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد المستغنى عنه في الجواب، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها. (2) " إذا " في هذا المثال ونحوه تسمى " إذا الفجائية " وللعلماء فيها خلاف: أهي حرف أم ظرف ؟ والذين قالوا هي ظرف اختلفوا: أهي ظرف زمان أم ظرف مكان ؟ فمن قال هي ظرف جعلها خبرا مقدما، وجعل الاسم المرفوع بعدها مبتدأ مؤخرا، وكأن القائل قد قال - على تقدير أنها ظرف زمان - خرجت ففي وقت خروجي الاسد، أو قال - على تقدير أنها ظرف مكان - خرجت ففي مكان خروجي الاسد، ولا حذف على هذا الوجه بشقيه، ومن قال: هي حرف جعل الاسم المرفوع بعدها مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: خرجت فإذا الاسد موجود، أو حاضر، أو نحو ذلك. وهذا الوجه هو الذي عناه الشارح بقوله: " في رأي ". 55 - هذا البيت نسبه ابن هشام اللخمي وابن بري إلى عمرو بن امرئ القيس = (*)

[ 245 ]

.


= الانصاري، ونسبه غيرهما - ومنهم العباسي في معاهد التنصيص (ص 99 بولاق) - إلى قيس بن الخطيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية، وهو الصواب، وهو من قصيدة له، أولها قوله: رد الخليط الجمال فانصرفوا ماذا عليهم لو أنهم وقفوا ؟ وقيس بن الخطيم - بالخاء المعجمة - هو صاحب القصيدة التي أولها قوله: أتعرف رسما كاطراد المذاهب لعمرة وحشا غير موقف راكب ؟ اللغة: " الرأي " أراد به هنا الاعتقاد، وأصل جمعه أرآء، مثل سيف وأسياف وثوب وأثواب، وقد نقلوا العين قبل الفاء، فقالوا: آراء، كما قالوا في جمع بئر آبار وفي جمع رئم آرام، ووزن آراء وآبار وآرام أعفال. الاعراب: " نحن " ضمير منفصل مبتدأ، مبني على الضم في محل رفع، وخبره محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير: نحن راضون " بما " جار ومجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف " عندنا " عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة " ما " المجرورة محلا بالباء، وعند مضاف والضمير مضاف إليه " وأنت " مبتدأ " بما " جار ومجرور متعلق بقوله " راض " الآتي " عندك " عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة " ما " المجرورة محلا بالباء، وعند مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " راض " خبر المبتدأ الذي هو " أنت " و " الرأي مختلف " مبتدأ وخبره. الشاهد فيه: قوله " نحن بما عندنا " حيث حذف الخبر - احترازا عن العبث وقصدا للاختصار مع ضيق المقام - من قوله " نحن بما عندنا " والذي جعل حذفه سائغا سهلا دلالة خبر المبتدأ الثاني عليه. واعلم أولا أن الحذف من الاول لدلالة الثاني عليه شاذ، والاصل الغالب هو الحذف من الثاني لدلالة الاول عليه. واعلم ثانيا أن بعض العلماء أراد أن يجعل هذا البيت جاريا على الاصل المذكور، فزعم أن " راض " في الشطر الثاني من البيت ليس خبرا عن " أنت " بل هو خبر عن " نحن " الذي في أول البيت، وذلك بناء على أن " نحن " للمتكلم المعظم نفسه = (*)

[ 246 ]

ومثال حذف المبتدأ أن يقال: " كيف زيد " ؟ فتقول " صحيح " أي: " هو صحيح ". وإن شئت صرحت بكل واحد منهما فقلت: " زيد عندنا، وهو صحيح ". ومثله قوله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها) أي: " من عمل صالحا فعمله لنفسه، ومن أساء فإساءته عليها ". قيل: وقد يحذف الجزآن - أعني المبتدأ والخبر - للدلالة عليهما، كقوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن) أي: " فعدتهن ثلاثة أشهر " فحذف المبتدأ والخبر - وهو " فعدتهن ثلاثة أشهر " لدلالة ما قبله عليه، وإنما حذفا لوقوعهما موقع مفرد، والظاهر أن المحذوف مفرد، والتقدير: " واللائي لم يحضن كذلك " وقوله: (واللائي لم يحضن) معطوف على (واللائي يئسن) والاولى أن يمثل بنحو قولك: " نعم " في جواب " أزيد قائم " ؟ إذ التقدير " نعم زيد قائم ". * * * وبعد لولا غالبا حذف الخبر حتم، وفي نص يمين ذا استقر (1).


= وهذا كلام غير سديد، لان نحن - وإن كانت كما زعم المتمحل للمتكلم المعظم لنفسه فمعناها حينئذ مفرد - تجب فيها المطابقة بالنظر إلى لفظها، فيخبر عنها بالجمع، كما في قوله تعالى: (ونحن الوارثون) وما أشبهه. (1) " بعد " ظرف متعلق بقوله حتم الآتي، وبعد مضاف، و " لولا " مضاف إليه، مقصود لفظه " غالبا " منصوب على نزع الخافض " حذف " مبتدأ، وحذف مضاف و " الخبر " مضاف إليه " حتم " خبر المبتدأ " وفي نص " الواو عاطفة، في نص: جار ومجرور متعلق باستقر الآتي، ونص مضاف و " يمين " مضاف إليه " ذا " اسم إشارة، = (*)

[ 247 ]

وبعد واو عينت مفهوم مع كمثل " كل صانع وما صنع " (1) وقبل حال لا يكون خبرا عن الذي خبره قد أضمرا (2) كضربي العبد مسيئا، وأتم تبيني الحق منوطا بالحكم (3).


= مبتدأ " استقر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من استقر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وتقدير البيت: وحذف الخبر حتم بعد لولا في غالب أحوالها، وهذا الحكم قد استقر في نص يمين: أي إذا كان المبتدأ يستعمل في اليمين نصا، بحيث لا يستعمل في غيره إلا مع قرينة. (1) " وبعد " الواو عاطفة، بعد ظرف متعلق باستقر في البيت السابق، وبعد مضاف و " واو " مضاف إليه " عينت " عين: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى واو، والجملة من عين وفاعله في محل جر صفة لواو " مفهوم " مفعول به لعين، ومفهوم مضاف، و " مع " مضاف إليه، مقصود لفظه " كمثل " الكاف زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك مثل " كل " مبتدأ، وكل مضاف و " صانع " مضاف إليه " و " عاطفة " ما " يجوز أن تكون موصولا اسميا معطوفا على كل، ويجوز أن تكون حرفا مصدريا هي ومدخولها في تأويل مصدر معطوف على كل، وجملة " صنع " وفاعله المستتر فيه على الوجه الاول لا محل لها صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف وجوبا. (2) " وقبل " الواو عاطفة، وقبل: ظرف متعلق باستقر في البيت الاول، وقبل مضاف و " حال " مضاف إليه " لا " نافية " يكون " فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حال " خبرا " خبر كان، والجملة من يكون واسمه وخبره في محل جر صفة لحال " عن الذي " جار ومجرور متعلق بخبر " خبره " خبر: مبتدأ، وخبر مضاف والضمير البارز المتصل مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " أضمرا " أضمر: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى خبر، والالف للاطلاق، والجملة من أضمر ونائب الفاعل في محل رفع خبر، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها صلة الذي. (3) " كضربي " الكاف جارة لقول محذوف، ضرب: مبتدأ، وضرب مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، وهي فاعل المصدر " العبد " مفعول المصدر " مسيئا " حال من فاعل كان المحذوفة العائد على العبد، وخبر المبتدأ جملة محذوفة، والتقدير: إذا كان = (*)

[ 248 ]

حاصل ما في هذه الابيات أن الخبر يجب حذفه في أربعة مواضع: الاول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد " لولا "، نحو " لولا زيد لاتيتك " التقدير " لولا زيد موجود لاتيتك " واحترز بقوله " غالبا " عما ورد ذكره فيه شذوذا، كقوله: 56 - لولا أبوك ولولا قبله عمر ألقت إليك معد بالمقاليد ف‍ " عمر " مبتدأ، و " قبله " خبر..


= (أي وجد، هو: أي العبد) مسيئا " وأتم " الواو عاطفة، أتم: مبتدأ، وأتم مضاف وتبيين من " تبييني " مضاف إليه، وتبيين مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وهي فاعل له " الحق " مفعول به لتبيين " منوطا " حال من فاعل كان المحذوفة العائد على الحق، على غرار ما قدرناه في العبارة الاولى " بالحكم " جار ومجرور متعلق بقوله منوطا. والتقدير: أتم تبييني الحق إذا كان (أي وجد، هو: أي الحق) حال كونه منوطا بالحكم. 56 - البيت - لابي عطاء السندي - واسمه مرزوق (وقيل: أفلح) بن يسار - مولى بني أسد، وهو من مخضرمي الدولتين الاموية والعباسية، من كلمة يمدح فيها ابن يزيد بن عمر بن هبيرة، وانظر قصة ذلك في الاغاني (16 / 84 بولاق) وقبل البيت المستشهد به قوله: أما أبوك فعين الجود نعرفه وأنت أشبه خلق الله بالجود ويروى صدر البيت " لولا يزيد ولولا إلخ " ويزيد أبو الممدوح، وبعد لشاهد قوله: ما ينبت العود إلا في أرومته ولا يكون الجنى إلا من العود اللغة: " معد " هو أبو العرب، وهو معد بن عدنان، وكان سيبويه يقول: إن الميم من أصل الكلمة، لقولهم " تمعدد " بمعنى اتصل بمعد بنسب أو حلف أو جوار، أو بمعنى قوى وكمل، قال الراجز: ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا لقلة تمفعل في الكلام، ولكن العلماء خالفوه في ذلك، وذهبوا إلى أن الميم في = (*)

[ 249 ]

.


= معد زائد بدليل إدغام الدال في الدال، والتزموا أن يكون تمعدد على زنة تمفعل مع قلته، وانظر الجزء الثاني من كتابنا دروس التصريف " المقاليد ": هو جمع لا مفرد له من لفظه، وقبل: مفرده إقليد - على غير قياس - وهو المفتاح، وقد كنى الشاعر بإلقاء المقاليد عن الخضوع والطاعة وامتثال أمر الممدوح. المعنى: يقول: أنت خليق بأن يخضع لك بنو معد كلهم، لكفايتك وعظم قدرك وإنما تأخر خضوعهم لك لوجود أبيك ووجود جدك من قبل أبيك. الاعراب: " لولا " حرف يدل على امتناع الثاني لوجود الاول، مبني على السكون لا محل له من الاعراب " أبوك " أبو: مبتدأ، وأبو مضاف والكاف مضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا " ولولا " الواو عاطفة كالاول، لولا: حرف امتناع لوجود " قبله " قبل: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقبل مضاف والضمير البارز مضاف إليه " عمر " مبتدأ مؤخر " ألقت " ألقى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " إليك " جار ومجرور متعلق بألقت " معد " فاعل ألقت، والجملة من الفعل الماضي وفاعله لامحل لها جواب لولا " بالمقاليد " جار ومجرور متعلق بألقت. الشاهد فيه: قوله " ولولا قبله عمر " حيث ذكر فيه خبر المبتدأ وهو قوله " قبله " مع كون ذلك المبتدأ واقعا بعد لولا التي يجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها لانه قد عوض عنه بجملة الجواب، ولا يجمع في الكلام بين العوض والمعوض عنه. وفي البيت توجيه آخر، وهو أن " قبله " ظرف متعلق بمحذوف حال، والخبر محذوف، وعلى هذا تكون القاعدة مستمرة، ولا شاهد في البيت لما أتى به الشارح من أجله. ومثله في كل ذلك قول الزبير بن العوام رضي الله عنه: ولولا بنوها حولها لخبطتها كخبطة عصفور ولم أتلعثم فإن " لولا " حرف امتناع لوجود، و " بنوها " مبتدأ مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لكونه جمع مذكر سالما، والضمير البارز مضاف إليه، و " حول " ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وحول مضاف والضمير البارز مضاف إليه، وعلى هذا يكون فيه شاهد لما جاء الشارح ببيت أبي عطاء من أجله، ويجوز أن يكون " حول " متعلقا بالخبر المحذوف على رأي الجمهور، وعلى ذلك لا يكون شاهدا لما ذكره الشارح. (*)

[ 250 ]

وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الكتاب - من أن الحذف بعد " لولا " واجب إلا قليلا - هو طريقة لبعض النحويين، والطريقة الثانية: أن الحذف واجب [ دائما (1) ] وأن ما ورد من ذلك بغير حذف في الظاهر مؤول، والطريقة الثالثة أن الخبر: إما أن يكون كونا مطلقا، أو كونا مقيدا، فإن كان كونا مطلقا وجب حذفه، نحو: " لولا زيد لكان كذا " أي: لولا زيد موجود، وإن كان كونا مقيدا، فإما أن يدل عليه دليل، أو لا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، نحو: " لولا زيد محسن إلي ما أتيت " وإن دل عليه [ دليل ] جاز إثباته وحذفه، نحو أن يقال: هل زيد محسن إليك ؟ فتقول: " لولا زيد لهلكت " أي: " لولا زيد محسن إلي "، فإن شئت حذفت الخبر، وإن شئت أثبته، ومنه قول أبي العلاء المعري، .


(1) ههنا شيآن نحب أن ننبهك إليهما، الاول أن الطريقة الثانية من الطرق الثلاث التي ذكرها الشارح هي طريقة جمهور النحاة، والفرق بينها وبين الطريقة الاولى أن أهل الطريقة الاولى يقولون: إن ذكر الخبر عندهم بعد " لولا " قليل، وليس شاذا، وذلك بخلاف طريقة الجمهور، فإن ذكر الخبر عندهم بعد " لولا " إن كان صادرا عمن لا يستشهد بكلامه كما في بيت المعري الآتي فهو لحن، وإن كان صادرا عمن يستشهد بكلامه فإن أمكن تأويله كالشاهد 56 وما أنشدناه معه فهو مؤول، وإن لم يمكن تأويله فهو شاذ، ولا شك أن القليل غير الشاذ. والامر الثاني: أن الشارح قد حمل كلام الناظم على الطريقة الاولى، وذلك مخالف لما حمله من عداه من الشروح فإنهم جميعا حملوا كلام الناظم على الحالة الثالثة، بدليل أنه اختارها في غير هذا الكتاب، وهو الذي أشرنا إليه عند إعراب البيت، وتلخيصه أن تحمل قوله " غالبا " على حالات " لولا " وذلك لان لولا إما أن يليها كون عام وهو أغلب الامر فيها، وإما أن يليها كون خاص وهو قليل، ثم تحمل قوله " حتم " على الحكم النحوي، وكأنه قد قال: إن كان خبر المبتدأ الواقع بعد لولا كونا عاما وهو الغالب فإنه لا يجوز ذكر ذلك الخبر، وهذا هو - كما ذكرنا - الطريقة الثالثة، فتدبر. (*)

[ 251 ]

57 - يذيب الرعب منه كل عضب فلولا الغمد يمسكه لسالا. * (هامش) 57 - البيت لابي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، نادرة الزمان، وأوحد الدهر حفظا وذكاء وصفاء نفس، وهو من شعراء العصر الثاني من الدولة العباسية، فلا يحتج بشعره على قواعد النحو والتصريف، والشارح إنما جاء به للتمثيل، لا للاحتجاج والاستشهاد به. اللغة: " يذيب " من الاذابة، وهي إسالة الحديد ونحوه من الجامدات " الرعب " الفزع والخوف " عضب " هو السيف القاطع " الغمد " قراب السيف (وجفنه) ؟. الاعراب: " يذيب " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة " الرعب " فاعل يذيب " منه " جار ومجرور متعلق بقوله يذيب " كل " مفعول به ليذيب، وكل مضاف و " عضب " مضاف إليه " فلولا " حرف امتناع لوجود " الغمد " مبتدأ " يمسكه " يمسك: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الغمد، والهاء - التي هي ضمير الغائب العائد إلى السيف - مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وستعرف ما في هذا الاعراب من المقال وتوجيهه في بيان الاستشهاد " لسالا " اللام واقعة في جواب " لولا " وسال: فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى السيف، وجملة سال وفاعله لا محل لها من الاعراب جواب لولا. التمثيل به: في قوله " فلولا الغمد يمسكه " حيث ذكر خبر المبتدأ الواقع بعد لولا - وهو جملة " يمسك " وفاعله ومفعوله - لان ذلك الخبر كون خاص قد دل عليه الدليل وخبر المبتدأ الواقع بعد لولا يجوز ذكره كما يجوز حذفه إذا كان كونا خاصا وقد دل عليه الدليل عند قوم، كما ذكره الشارح العلامة، والجمهور على أن الحذف واجب، وذلك بناء منهم على ما اختاروه من أن خبر المبتدأ الواقع بعد " لولا " لا يكون إلا كونا عاما، وحينئذ لا يقال إما أن يدل عليه دليل أو لا، وعندهم أن بيت المعري هذا لحن لذكر الخبر بعد لولا. وفي البيت توجيه آخر يصح به على مذهب الجمهور، وهو أن " يمسك " في تأويل = (*)

[ 252 ]

وقد اختار المصنف هذه الطريقة في غير هذا الكتاب. الموضع الثاني: أن يكون المبتدأ نصا في اليمين (1)، نحو: " لعمرك لافعلن " التقدير " لعمرك قسمي " فعمرك: مبتدأ، وقسمي: خبره، ولا يجوز التصريح به. قيل: ومثله " يمين الله لافعلن " التقدير " يمين الله قسمي " وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف فيه خبرا (1)، لجواز كونه مبتدأ، والتقدير " قسمي يمين..


= مصدر بدل اشتمال من الغمد، وأصله " أن يمسكه " فلما حذف " أن " ارتفع الفعل، كقولهم " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " فيمن رواه برفع " تسمع " من غير " أن ". وحاصل القول في هذه المسألة أن النحاة اختلفوا، هل يكون خبر المبتدأ الواقع بعد لولا كونا خاصا أو لا ؟ فقال الجمهور: لا يكون كونا خاصا ألبتة، بل يجب كونه كونا عاما ويجب مع ذلك حذفه، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما فهو لحن أو مؤول، وقال غيرهم، يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا، لكن الاكثر أن يكون كونا عاما، فإن كان الخبر كونا عاما وجب حذفه كما يقول الجمهور، وإن كان الخبر كونا خاصا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، وإن دل عليه دليل جاز ذكره وجاز حذفه، فلخبر المبتدأ الواقع بعد لولا حالة واحدة عند الجمهور، وهي وجوب الحذف، وثلاثة أحوال عند غيرهم، وهي: وجوب الحذف، ووجوب الذكر، وجواز الامرين، وقد قدمنا لك أن الواجب حمل كلام الناظم على هذا، لانه صرح باختياره في غير هذا الكتاب، وقد ذكر الشارح نفسه أن هذا هو اختيار المصنف. (1) المراد بكون المبتدأ نصا في اليمين: أن يغلب استعماله فيه، حتى لا يستعمل في غيره إلا مع قرينة، ومقابل هذا ما ليس نصا في اليمين وهو: الذي يكثر استعماله في غير القسم حتى لا يفهم منه القسم إلا بقرينة ذكر المقسم عليه، ألا ترى أن " عهد الله " قد كثر استعماله في غير القسم نحو قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله) وقولهم: عهد الله يجب الوفاء به، ويفهم منه القسم إذا قلت: عهد لافعلن كذا، لذكرك المقسم عليه. (2) إن كان من غرض الشارح الاعتراض على الذين ذكروا هذا المثال لحذف الخبر وجوبا لكون المبتدأ نصا في اليمين فلا محل لاعتراضه عليهم بأن ذلك يحتمل أن يكون = (*)

[ 253 ]

الله " بخلاف " لعمرك " فإن المحذوف مع يتعين أن يكون خبرا، لان لام الابتداء قد دخلت عليه، وحقها الدخول على المبتدأ. فإن لم يكن المبتدأ نصا في اليمين لم يجب حذف الخبر، نحو " عهد الله لافعلن " التقدير " عهد الله علي " فعهد الله: مبتدأ، وعلي: خبره، ولك إثباته وحذفه. الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية، نحو " كل رجل وضيعته " فكل: مبتدأ، وقوله " وضيعته " معطوف على كل، والخبر محذوف، والتقدير " كل رجل وضيعته مقترنان " ويقدر الخبر بعد واو المعية. وقيل: لا يحتاج إلى تقدير الخبر، لان معنى " كل رجل وضيعته " كل رجل مع ضيعته، وهذا كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر، واختار هذا المذهب ابن عصفور في شرح الايضاح. فإن لم تكن الواو نصا في المعية لم يحذف الخبر وجوبا (2)، نحو " زيد وعمرو قائمان ". الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدرا، وبعده حال سد [ ت ] مسد الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرا، فيحذف الخبر وجوبا، لسد الحال مسده، وذلك نحو " ضربي العبد مسيئا " فضربي: مبتدأ، والعبد: معمول.


= المحذوف هو المبتدأ، وذلك من وجهين، أولهما: أن المثال يكفي فيه صحة الاحتمال الذي جئ به من أجله، ولم يقل أحد إنه يجب أن يتعين فيه الوجه الذي جئ به له، وثانيهما: أن الغرض من كلامهم أنا إن جعلنا هذا المذكور مبتدأ كان خبره محذوفا وجوبا، أما حذفه فلكون ذلك المبتدأ نصا في اليمين، وأما الوجوب فلان جواب اليمين عوض عنه، ولا يجمع بين العوض والمعوض منه. (1) بل إن دل عليه دليل جاز حذفه، وإلا وجب ذكره. (*)

[ 254 ]

له، ومسيئا: حال سد [ ت ] مسد الخبر، والخبر محذوف وجوبا، والتقدير " ضربي العبد إذا كان مسيئا " إذا أردت الاستقبال، وإن أردت المضي فالتقدير " ضربي العبد إذ كان مسيئا " فمسيئا: حال من الضمير المستتر في " كان " المفسر بالعبد [ و " إذا كان " أو " إذ كان " ظرف زمان نائب عن الخبر ]. ونبه المصنف بقوله: " وقبل حال " على أن الخبر المحذوف مقدر قبل الحال التي سدت مسد الخبر كما تقدم تقريره. واحترز بقوله: " لا يكون خبرا " عن الحال التي تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ المذكور، نحو ما حكى الاخفش - رحمه الله ! - من قولهم " زيد قائما " فزيد: مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير " ثبت قائما " وهذه الحال تصلح أن تكون خبرا، فتقول " زيد قائم " فلا يكون الخبر واجب الحذف، بخلاف " ضربي العبد مسيئا " فإن الحال فيه لا تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ الذي قبلها، فلا تقول: " ضربي العبد مسئ " لان الضرب لا يوصف بأنه مسئ. والمضاف إلى هذا المصدر حكمه كحكم المصدر، نحو " أتم تبييني الحق منوطا بالحكم " فأتم: مبتدأ، وتبييني: مضاف إليه، والحق: مفعول لتبييني، ومنوطا: حال سد [ ت ] مسد خبر أتم، والتقدير: " أتم تبييني الحق إذا كان - أو إذ كان - منوطا بالحكم ". * * * ولم يذكر المصنف المواضع التي يحذف فيها المبتدأ، وجوبا، وقد عدها في غير هذا الكتاب أربعة (1):.


(1) بقي عليه موضعان آخران مما يجب فيه حذف المبتدأ (الاول) مبتدأ الاسم = (*)

[ 255 ]

الاول: النعت المقطوع إلى الرفع: في مدح، نحو: " مررت بزيد الكريم " أو ذم، نحو: " مررت بزيد الخبيث " أو ترحم، نحو: " مررت بزيد المسكين " فالمبتدأ محذوف في هذه المثل ونحوها وجوبا، والتقدير " هو الكريم، وهو الخبيث، وهو المسكين ". الموضع الثاني: أن يكون الخبر مخصوص " نعم " أو " بئس " نحو: " نعم.


= المرفوع بعد " لا سيما " سواء كان هذا الاسم المرفوع بعدها نكرة كما في قول امرئ القيس بن حجر الكندي الذي أنشدناه في مباحث العائد في باب الموصول (ص 166)، وهو: ألا رب يوم صالح لك منهما * ولا سيما يوم بدارة جلجل أم كان معرفة كما في قولك: أحب النابهين لا سيما علي، فإن هذا الاسم المرفوع خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، والتقدير: ولا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل، ولا مثل الذي هو علي، وليس يخفى عليك أن هذا إنما يجري على تقدير رفع الاسم بعد " لا سيما " فأما على جره أو نصبه فلا (الثاني) بعد المصدر النائب عن فعله الذي بين فاعله أو مفعوله بحرف جر، فمثال ما بين حرف الجر فاعل المصدر قولك: سحقا لك، وتعسا لك، وبؤسا لك، التقدير: سحقت وتعست وبؤست، هذا الدعاء لك، فلك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، ولم يجعل هذا الجار والمجرور متعلقا بالمصدر لان التعدي باللام إنما يكون إلى المفعول لا إلى الفاعل، والتزموا حذف المبتدأ ليتصل الفاعل بفعله، ومثال ما بين حرف الجر المفعول قولك: سقيا لك، ورعيا لك، والتقدير: اسق اللهم سقيا وارع اللهم رعيا، هذا الدعاء لك يا زيد، مثلا، فلك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف وجوبا، ولم يجعل الجار والمجرور متعلقا بالمصدر في هذا لئلا يلزم عليه وجود خطابين لاثنين مختلفين في جملة واحدة، ولهذا لو كان المصدر نائبا عن فعل غير الامر، أو كانت اللام جارة لغير ضمير المخاطب، نحو " شكرا لك ": أي شكرت لك شكرا، ونحو " سقيا لزيد ": أي اسق اللهم زيدا - لم يمتنع جعل الجار والمجرور متعلقا بالمصدر، ويصير الكلام جملة واحدة حينئذ، والتزموا حذف المبتدأ في هذا الموضع أيضا ليتصل العامل بمعموله. (*)

[ 256 ]

الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو " فزيد وعمرو: خبران لمبتدإ محذوف وجوبا، والتقدير " هو زيد " أي الممدوح زيد " وهو عمرو " أي المذموم عمرو. الموضع الثالث: ما حكى الفارسي من كلامهم " في ذمتي لافعلن " ففي ذمتي: خبر لمبتدإ محذوف واجب الحذف، والتقدير " في ذمتي يمين " وكذلك ما أشبهه، وهو ما كان الخبر فيه صريحا في القسم. الموضع الرابع: أن يكون الخبر مصدرا نائبا مناب الفعل، نحو: " صبر جميل " التقدير " صبري صبر جميل " فصبري: مبتدأ، وصبر جميل: خبره، ثم حذف المبتدأ - الذي هو " صبري " - وجوبا (1). * * * وأخبروا باثنين أو بأكثرا عن واحد كهم سراة شعرا (2).


(1) وقد ورد من هذا قول الله تعالى: (فصبر جميل) وقول الشاعر: عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وقول الراجز: شكا إلي جملي طول السرى صبر جميل فكلانا مبتلى لكن كون هذا مما حذف فيه المبتدأ ليس بلازم، بل يجوز أن يكون مما حذف فيه الخبر، وكون الحذف واجبا ليس بلازم أيضا، فقد جوزوا أن يكون " عجب " مبتدأ و " لتلك " خبره. (2) " وأخبروا " فعل ماض وفاعله " باثنين " جار ومجرور متعلق بأخبر " أو " حرف عطف " بأكثرا " جار ومجرور معطوف بأو على الجار والمجرور السابق " عن واحد " جار ومجرور متعلق بأخبر " كهم " الكاف جارة لقول محذوف، وهي ومجرورها تتعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وهم: مبتدأ " سراة " خبر أول = (*)

[ 257 ]

اختلف النحويون في جواز تعدد خبر المبتدأ الواحد بغير حرف عطف، نحو: " زيد قائم ضاحك " فذهب قوم - منهم المصنف - إلى جواز ذلك، سواء (1) كان الخبران في معنى خبر واحد، نحو: " هذا حلو حامض " أي مز، أم لم يكونا كذلك، كالمثال الاول، وذهب بعضهم إلى أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان الخبران في معنى خبر واحد، فإن لم يكونا كذلك تعين العطف، فإن جاء من لسان العرب شئ بغير عطف قدر له مبتدأ آخر، كقوله تعالى: (وهو الغفور الودود ذو العش المجيد) وقل الشاعر: 58 - من يك ذا بت فهذا بتي مقيظ مصيف مشتي.


= " شعرا " أصله شعراء فقصره للضرورة، وهو خبر ثان، والجملة من المبتدأ وخبريه في محل نصب مقول القول المقدر. (1) الذي يستفاد من كلام الشارح - وهو تابع فيه للناظم في شرح الكافية - أن تعدد الخبر على ضربين (الاول) تعدد في اللفظ والمعنى جميعا، وضابطه: أن يصح الاخبار بكل واحد منهما على انفراده، كالآية القرآنية التي تلاها، وكمثال النظم، وكالبيتين اللذين أنشدهما. وحكم هذا النوع عند من أجاز التعدد أنه يجوز فيه العطف وتركه، وإذا عطف أحدهما على الآخر جاز أن يكون العطف بالواو وغيرها، فأما عند من لم يجز التعدد فيجب أن يعطف أو يقدر لما عدا الاول مبتدآت (الثاني) التعدد في اللفظ دون المعنى، وضابطه: ألا يصح الاخبار بكل واحد منهما على انفراده، نحو قولهم: الرمان حلو حامض، وقولهم: فلان أعسر أيسر، أي يعمل بكلتا يديه، ولهذا النوع أحكام: منها أنه يمتنع عطف أحد الاخبار على غيره، ومنها أنه لا يجوز توسط المبتدأ بينها، ومنها أنه لا يجوز تقدم الاخبار كلها على المبتدأ، فلا بد في المثالين من تقدم المبتدأ عليهما، والاتيان بهما بغير عطف، لانهما عند التحقيق كشئ واحد، فكل منهما يشبه جزء الكلمة. 58 - ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وهو من شواهد سيبويه (ج 1 ص 258) ولم ينسبه ولا نسبه الاعلم، وروى ابن منظور هذا البيت في اللسان أكثر من مرة ولم ينسبه في إحداها، وقد روى بعد الشاهد في أحد المواضع قوله: = (17 - شرح ابن عقيل 1)

[ 258 ]

.


= * أخذته من نعجات ست * وزاد على ذلك كله في موضع آخر قوله: * سود نعاج كنعاج الدشت * اللغة: بت " قال ابن الاثير: البت الكساء الغليظ المربع، وقيل: طيلسان من خز، وجمعه بتوت، وقوله " مقيظ، مصيف، مشتي " أي: يكفيني للقيظ وهو زمان اشتداد الحر، ويكفيني للصيف، وللشتاء " الدشت " الصحراء، وأصله فارسي، وقد وقع في شعر الاعشى ميمون بن قيس، وذلك قوله: قد علمت فارس وحمير والاعراب بالدشت أيكم نزلا قال أهل اللغة: " وهو فارسي معرب، ويجوز أن يكون مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة الفرس ". المعنى: هذا البيت في وصف كساء من صوف كما قال الجوهري وغيره، ويريد الشاعر أن يقول: إذا كان لاحد من الناس كساء فإن لي كساء أكتفى به في زمان حمارة القيظ وزمان الصيف وزمان الشتاء، يعني أنه يكفيه الدهر كله، وأنه قد أخذ صوفه الذي نسج منه من نعجات ست سود كنعاج الصحراء. الاعراب: " من " يجوز أن يكون اسما موصولا، وهو مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، ويجوز أن تكون اسم شرط مبتدأ أيضا، وهو مبني على السكون في محل رفع أيضا " يك " فعل مضارع ناقص مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف، فإن قدرت " من " شرطية فهذا فعل الشرط، واسم يك على الحالين ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " من " ولا إشكال في جزمه حينئذ، وإن قدرتها موصولة فإنما جزم - كما أدخل الفاء في " فهذا بتي " لشبه الموصول بالشرط " ذا " خبريك، منصوب بالالف نيابة عن الفتحة لانه من الاسماء الستة، وذا مضاف و " بت " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، والجملة من " يك " واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول إذا قدرت " من " موصولة " فهذا " الفاء واقعة في جواب الشرط إذا قدرت " من " اسم شرط، وإن قدرتها موصولة فالفاء زائدة في خبر المبتدأ لشبهه بالشرط في عمومه، = (*)

[ 259 ]

وقوله: 59 - ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى المنايا، فهو يقظان نائم.


= وها: حرف تنبيه، وذا: اسم إشارة مبتدأ " بتي " بت: خبر المبتدأ، وبت مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مقيظ، مصيف، مشتي " أخبار متعددة لمبتدأ واحد، وهو اسم الاشارة، والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " من " إن قدرت " من " موصولة، وفي محل جزم جواب الشرط إن قدرتها شرطية، وجملة الشرط وجوابه جميعا في محل رفع خبر المبتدأ على تقدير من شرطية. الشاهد فيه: قوله " فهذا بتي، مقيظ، مصيف، مشتي " فإنها أخبار متعددة لمبتدأ واحد من غير عاطف، ولا يمكن أن يكون الثاني نعتا للاول، لاختلافهما تعريفا وتنكيرا، وتقدير كل واحد مما عدا الاول خبرا لمبتدأ محذوف خلاف الاصل، فلا يصار إليه. 59 - البيت لحميد بن ثور الهلالي، من كلمة يصف فيها الذئب. اللغة: " مقلتيه " عينيه " المنايا " جمع منية، وهي في الاصل فعيلة بمعنى مفعول من منى الله الشئ يمنيه - على وزن رمى يرمي - بمعنى قدره، وذلك لان المنية من مقدرات الله تعالى على عباده، وقوله " فهو يقظان نائم " هكذا وقع في أكثر كتب النحاة، والصواب في إنشاد هذا البيت " فهو يقظان هاجع "، لانه من قصيدة عينية مشهورة لحميد بن ثور، وقبله قوله: إذا خاف جورا من عدو رمت به قصائبه والجانب المتواسع وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع الاعراب: " ينام " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذئب " بإحدى " جار ومجرور متعلق بقوله ينام، وإحدى مضاف، ومقلتي من " مقلتيه " مضاف إليه، ومقلتي مضاف والضمير مضاف إليه " ويتقي " الواو عاطفة، يتقي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذئب، والجملة معطوفة على جملة " ينام " السابقة " بأخرى " جار ومجرور متعلق بقوله يتقي " المنايا " مفعول به ليتقي " فهو " مبتدأ " يقظان " خبره " نائم " أو " هاجع " خبر بعد خبر. = (*)

[ 260 ]

وزعم بعضهم أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان من جنس واحد، كأن يكون الخبران مثلا مفردين، نحو: " زيد قائم ضاحك " أو جملتين نحو: " زيد قام ضحك " فإما إذا كان أحدهما مفردا والآخر جملة فلا يجوز ذلك، فلاتقول: " زيد قائم ضحك " هكذا زعم هذا القائل، ويقع في كلام المعربين للقرآن الكريم وغيره تجويز ذلك كثيرا، ومنه قوله تعالى: (فإذا هي حية تسعى) جوزوا كون " تسعى " خبرا ثانيا، ولا يتعين ذلك، لجواز كونه حالا (1). * * *.


= الشاهد فيه: قوله " فهو يقظان نائم " أو قوله " فهو يقظان هاجع " حيث أخبر عن مبتدأ واحد وهو قوله " هو " بخبرين وهما قوله " يقظان هاجع " أو قوله " يقظان نائم " من غير عطف الثاني منهما على الاول. والشواهد على ذلك كثيرة في كلام من يحتج بكلامه شعره ونثره، فلا معنى لجحده ونكرانه. ومما استشهد به المجيز قوله تعالى: (كلا إنها لظى نزاعة للشوى) وقوله سبحانه في قراءة ابن مسعود: (وهذا بعلي شيخ) ومنه قول علي بن أبي طالب أمير المؤمنين: إنا الذي سمتن أمي حيدره كليث غابات غليظ القصره * أكيلكم بالسيف كيل السندره * فإن قوله " أنا " مبتدأ، والاسم الموصول بعده خبره، ويجوز أن يكون " كليث " جارا ومجرورا يتعلق بمحذوف خبر ثان، وقوله " أكيلكم " جملة فعلية في محل رفع خبر ثالث، وهذا دليل لمن أجاز تعدد الخبر مع اختلاف الجنس، وهو ظاهر بعد ما بيناه. (1) إذا لم تجعل جملة (تسعى) خبرا ثانيا كما يقول المعربون فهي في محل رفع صفة لحية، وليست في محل نصب حالا من حية كما زعم الشارح، وذلك لان (حية) نكرة لا مسوغ لمجئ الحال منها، وصاحب الحال لا يكون إلا معرفة أو نكرة معها مسوغ، اللهم إلا أن تتمحل للشارح فتزعم أن الجملة حال من الضمير الواقع مبتدأ على رأي سيبويه الذي يجيز مجئ الحال من المبتدأ. (*)

[ 261 ]

كان وأخواتها ترفع كان المبتدا اسما، والخبر تنصبه، ككان سيدا عمر (1) ككان ظل بات أضحى أصبحا أمسى وصار ليس، زال برحا (2) فتئ، وانفك، وهذي الاربعة لشبه نفي، أو لنفي، متبعه (3) ومثل كان دام مسبوقا ب‍ " ما " كأعط ما دمت مصيبا درهما (4).


(1) " ترفع " فعل مضارع " كان " قصد لفظه: فاعل ترفع " المبتدا " مفعول به لترفع " اسما " حال من قوله المبتدأ " والخبر " الواو عاطفة، الخبر مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، والتقدير: وتنصب الخبر " تنصبه " تنصب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " كان "، والضمير البارز المتصل مفعول به، والجملة من تنصب وفاعله ومفعوله لا محل لها تفسيرية " ككان " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كقولك، كان: فعل ماض ناقص " سيدا " خبر كان مقدم " عمر " اسمها مؤخر، مرفوع بالضمة الظاهرة، وسكن للوقف. (2) " ككان " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و " كان " هنا قصد لفظه " ظل " قصد لفظه أيضا: مبتدأ مؤخر " بات، أضحى، أصبحا، أمسى، وصار ليس، زال، برحا " كلهن معطوفات على ظل بإسقاط حرف العطف مما عدا الخامس. (3) " فتئ، وانفك " معطوفان أيضا على " ظل " بإسقاط حرف العطف في الاول " وهذي " الواو للاستئناف، ها: حرف تنبيه، مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وذي: اسم إشارة مبتدأ " الاربعة " بدل من اسم الاشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له، " لشبه " جار ومجرور متعلق بقوله " متبعة " الآتي، وشبه مضاف، و " نفي " مضاف إليه " أو " حرف عطف " لنفي " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور السابق " متبعه " خبر المبتدأ الذي هو اسم الاشارة. (4) " ومثل " خبر مقدم، ومثل مضاف و " كان " قصد لفظه: مضاف إليه " دام " قصد لفظه أيضا: مبتدأ مؤخر " مسبوقا " حال من دام " بما " الباء حرف جر، وما = (*)

[ 262 ]

لما فرغ من الكلام على المبتدأ والخبر شرع في ذكر نواسخ الابتداء، وهي قسمان: أفعال، وحروف، فالافعال: كان وأخواتها، وأفعال المقاربة، وظن وأخواتها، والحروف: ما وأخواتها، ولا التي لنفي الجنس، وإن وأخواتها. فبدأ المصنف بذكر كان وأخواتها، وكلها أفعال اتفاقا، إلا " ليس "، فذهب الجمهور إلى أنها فعل، وذهب الفارسي - في أحد قوليه - وأبو بكر بن شقير - في أحد قوليه - إلى أنها حرف (1)..


= قصد لفظه مجرور محلا بالباء، والجار والمجرور متعلق بمسبوقا " كأعط " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارا، أعط: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله الاول محذوف، والتقدير " أعط المحتاج " مثلا " ما " مصدرية ظرفية " دمت " دام: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسم دام " مصيبا " خبر دام " درهما " مفعول ثان لاعط، وتلخيص البيت: ودام مثل كان - في العمل الذي هو رفع الاسم ونصب الخبر - لكن في حالة معينة، وهي حالة ما إذا سبقت دام بما المصدرية الظرفية الواقعة في نحو قولك " أعط المحتاج درهما ما دمت مصيبا " أي مدة دوامك مصيبا، والمراد ما دمت تحب أن تكون مصيبا. (1) أول من ذهب من النحاة إلى أن ليس حرف، هو ابن السراج وتابعه على ذلك أبو علي الفارسي في " الحلبيات " وأبو بكر بن شقير، وجماعة. واستدلوا على ذلك بدليلين: الدليل الاول، أن " ليس " أشبه الحرف من وجهين: الوجه الاول: أنه يدل على معنى يدل عليه الحرف، وذلك لانه يدل على النفي الذي يدل عليه " ما " وغيرها من حروف النفي. الوجه الثاني: أنه جامد لا يتصرف، كما أن الحرف جامد لا يتصرف. والدليل الثاني: أنه خالف سنن الافعال عامة، وبيان ذلك أن الافعال بوجه عام مشتقة من المصدر للدلالة على الحدث دائما والزمان بحسب الصيغ المختلفة، وهذه الكلمة لا تدل على الحدث أصلا، وما فيها من الدلالة على الزمان مخالف لما في عامة الافعال، فإن عامة الافعال الماضية تدل على الزمان الذي انقضى، وهذه الكلمة تدل على نفي = (*)

[ 263 ]

وهي ترفع المبتدأ، وتنصب خبره، ويسمى المرفوع بها اسما لها، والمنصوب بها خبرا لها. وهذه الافعال قسمان: منها ما يعمل هذا العمل بلا شرط، وهي: كان، وظل، وبات، وأضحى، وأصبح، وأمسى، وصار، وليس، ومنها ما لا يعمل هذا العمل إلا بشرط، وهو قسمان: أحدهما ما يشترط في عمله أن يسبقه نفي لفظا أو تقديرا، أو شبه نفي، وهو أربعة: زال، وبرح، وفتئ، وانفك، فمثال النفي لفظا " ما زال زيد قائما " ومثاله تقديرا قوله تعالى: (قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف) أي: لا تفتؤ، ولا يحذف النافي معها قياسا إلا بعد القسم كالآية الكريمة، وقد شذ الحذف بدون القسم، كقول الشاعر:.


= الحدث الذي دل عليه خبرها في الزمان الحاضر، إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضي أو المستقبل، فإذا قلت: " ليس خلق الله مثله " فليس أداة نفي، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة الفعل الماضي - وهو خلق - وفاعله في محل نصب خبرها. وفي هذا المثال قرينة - وهي كون الخبر ماضيا - على أن المراد نفي الخلق في الماضي، وقوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) يشتمل على قرينة تدل على أن المراد نفي صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان، ومن أجل ذلك كله قالوا: هي حرف. ويرد ذلك عليهم قبولها علامات الفعل، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل عليها، فتقول: ليست هند مفلحة، وأن تاء الفاعل تدخل عليها، فتقول: لست، ولست، ولستما، ولستم، ولستن. وأما عدم دلالتها على الحدث كسائر الافعال فإنه منازع فيه، لان المحقق الرضي ذهب إلى أن " ليس " دالة على حدث - وهو الانتفاء - ولئن سلمنا أنها لا تدل على حدث - كما هو الراجح، بل الصحيح عند الجمهور - فإنا نقول: إن عدم دلالتها على حدث - ليس هو بأصل الوضع، ولكنه طارئ عليها وعارض لها بسبب دلالتها على النفي، والمعتبر إنما هو الدلالة بحسب الوضع وأصل اللغة، وهي من هذه الجهة دالة عليه، فلا يضرها أن يطرأ عليها ذلك الطارئ فيمنعها. = (*)

[ 264 ]

60 - وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقا مجيدا.


60 - البيت لخداش بن زهير. اللغة: " منتطقا " قد فسره الشارح العلامة تفسيرا، ويقال: جاء فلان منتطقا فرسه، إذا جنبه - أي جعله إلى جانبه ولم يركبه - وقال ابن فارس: هذا البيت يحتمل أنه أراد أنه لا يزال يجنب فرسا جوادا، ويحتمل أنه أراد أنه يقول قولا مستجاذا في الثناء على قومه، أي: ناطقا " مجيدا " بضم الميم: يجري على المعنيين اللذين ذكرناهما في قوله " منتطقا "، وهو وصف للفرس على الاول، ووصف لنفسه على الثاني. المعنى: يريد أنه سيبقى مدى حياته فارسا، أو ناطقا بماثر قومه، ذاكرا ممادحهم، لانها كثيرة لا تفنى، وسيكون جيد الحديث عنهم، بارع الثناء عليهم، لان صفاتهم الكريمة تنطق الالسنة بذكرهم. الاعراب: " أبرح " فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " ما " مصدرية ظرفية " أدام " فعل ماض " الله " فاعل أدام " قومي " قوم: مفعول به لادام، وقوم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " بحمد " جار ومجرور متعلق بقوله " أبرح " أو هو متعلق بفعل محذوف، والتقدير " أحمد بحمد " وحمد مضاف، و " الله " مضاف إليه " منتطقا " اسم فاعل فعله انتطق، وهو خبر " أبرح " السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه " مجيدا " مفعول به لمنتطق على المعنى الاول، وأصله صفة لموصوف محذوف، فلما حذف الموصوف أقيمت الصفة مقامه، وأصل الكلام: لا أبرح جانبا فرسا مجيدا، وهو خبر بعد خبر على المعنى الثاني، وكأنه قال: لا أبرح ناطقا بمحامد قومي مجيدا في ذلك، لان مآثر قومي تنطق الالسنة بجيد المدح. الشاهد فيه: قوله " أبرح " حيث استعمله بدون نفي أو شبه نفي، مع كونه غير مسبوق بالقسم، قال ابن عصفور: وهذا البيت فيه خلاف بين النحويين، فمنهم من قال: إن أداة النفي مرادة، فكأنه قال " لا أبرح " ومنهم من قال: إن " أبرح " غير منفي، لا في اللفظ ولا في التقدير، والمعنى عنده: أزول بحمد الله عن أن أكون منتطقا مجيدا، أي: صاحب نطاق وجواد لان قومي يكفونني هذا، فعلى الوجه الاخير في كلام ابن عصفور لا استشهاد فيه. ومثل هذا البيت قول خليفة بن براز: = (*)

[ 265 ]

أي: لا أبرح منتطقا مجيدا، أي: صاحب نطاق وجواد، ما أدام الله قومي، وعنى بذلك أنه لا يزال مستغنيا ما بقي له قومه، وهذا أحسن ما حمل عليه البيت. ومثال شبه النفي - والمراد به النهي - كقولك: " لا تزل قائما " ومنه قوله: 61 - صاح شمر ولا تزل ذاكر الموت، فنسيانه ضلال مبين والدعاء، كقولك: " لا يزال الله محسنا إليك "، وقول الشاعر:.


تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه واعلم أن شروط جواز حذف حرف النفي مطلقا ثلاثة: الاول: أن يكون هذا الحرف " لا " دون سائر أخواته من حروف النفي. الثاني: أن يكون المنفى به مضارعا كما في الآية، وكما في قول امرئ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي وقول عبد الله بن قيس الرقيات: والله أبرح في مقدمة أهدي الجيوش علي شكتيه حتى أفجعهم بإخوتهم وأسوق نسوتهم بنسوتيه وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: تالله أنسى حبها حياتنا أو أقبرا وقول نصيب من مرثية له في أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان: تالله أنسى مصيبتي أبدا ما أسمعتني حنينها الابل الثالث: أن يكون ذلك في القسم كما في الآية الكريمة من سورة يوسف، وبيت امرئ القيس، وبيت عبد الله بن قيس الرقيات، وبيت عمر، وبيت نصيب، وشذ الحذف بدون القسم كما في بيت خداش، وبيت خليفة بن براز. 61 - البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها. = (*)

[ 266 ]

62 - ألا يا اسلمي، يا دارمي، على البلى، ولا زال منهلا بجرعائك القطر.


= المعنى: يا صاحبي اجتهد، واستعد للموت، ولا تنس ذكره، فإن نسيانه ضلال ظاهر. الاعراب: " صاح " مناد حذفت منه ياء النداء، وهو مرخم ترخيما غير قياسي، لانه نكرة، والقياس ألا برخم مما ليس آخره تاء إلا العلم " شمر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ولا " الواو عاطفة، لا: ناهية " تزل " فعل مضارع ناقص مجزوم بحرف النهي، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذاكر " خبر تزل، وذاكر مضاف، و " الموت " مضاف إليه " فنسيانه " الفاء حرف دال على التعليل، نسيان: مبتدأ، ونسيان مضاف والهاء العائدة إلى الموت مضاف إليه " ضلال " خبر المبتدأ " مبين " نعت لضلال. الشاهد فيه: قوله " ولا تزل ذاكر الموت " حيث أجرى فيه مضارع " زال " مجرى " كان " في العمل، لكونها مسبوقة بحرف النهي، والنهي شبيه بالنفي. 62 - البيت لذي الرمة غيلان بن عقبة يقوله في صاحبته مية. اللغة: " البلى " من بلى الثوب يبلي على وزن رضى يرضي أي: خلق ورث " منهلا " منسكبا منصبا " جرعائك " الجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئا " القطر " المطر. المعنى: يدعو لدار حبيبته بأن تدوم لها السلامة على مر الزمان من طوارق الحدثان وأن يدوم نزول الامطار بساحتها، وكنى بنزول الامطار عن الخصب والنماء بما يستتبع من رفاهية أهلها، وإقامتهم في ربوعها، وعدم المهاجرة منها لانتجاع الغيث والكلا. الاعراب: " ألا " أداة استفتاح وتنبيه " يا " حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير " يادارمية " " اسلمي " فعل أمر مقصود منه الدعاء، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل " يادار " يا: حرف نداء، ودار: منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، ودار مضاف، و " مي " مضاف إليه " على البلى " جار ومجرور متعلق باسلمي " ولا " الواو حرف عطف، لا: حرف دعاء " زال " فعل ماض ناقص " منهلا " خبر زال مقدم " بجرعائك " الجار والمجرور متعلق بقوله " منهلا " وجرعاء مضاف وضمير المخاطبة مضاف إليه " القطر " اسم زال مؤخر. = (*)

[ 267 ]

وهذا [ هو ] الذي أشار إليه المصنف بقوله: " وهذي الاربعة - إلى آخر البيت ". القسم الثاني: ما يشترط في عمله أن يسبقه " ما " المصدرية الظرفية، وهو " دام " كقولك: " أعط ما دمت مصيبا درهما " أي: أعط مدة دوامك مصيبا درهما، ومنه قوله تعالى: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) أي: مدة دوامي حيا..


= الشاهد فيه: للنحاة في هذا البيت شاهدان، الاول: في قوله " يا اسلمي " حيث حذف المنادى قبل فعل الامر فاتصل حرف النداء بالفعل لفظا، ولكن التقدير على دخول " يا " على المنادى المقدر، ولا يحسن في مثل هذا البيت أن تجعل " يا " حرف تنبيه، لان " ألا " السابقة عليها حرف تنبيه، ومن قواعدهم المقررة أنه لا يتوالى حرفان بمعنى واحد لغير توكيد، ومثل هذا البيت في ما ذكرنا قول الشماخ. يقولون لي: يا احلف، ولست بحالف أخادعهم عنها لكيما أنالها فقد أراد: يقولون لي يا هذا احلف، ومثله قول الاخطل: ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ولا زال حيانا عدى آخر الدهر أراد: ألا يا هند اسلمي يا هند بني بكر، ومثله قول الآخر: ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد وذات الثنايا الغر والفاحم الجعد أراد: ألا يا ذات الدماليج اسلمي ذات الدماليج إلخ، ومثل الامر الدعاء كما في قول الفرزدق: يا أرغم الله أنفا أنت حامله يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل يريد: يا هذا أرغم الله أنفا إلخ، ومثله قول الآخر: يا لعنة الله والاقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار فيمن رواه برفع " لعنة الله ". والشاهد الثاني في قوله " ولا زال إلخ " حيث أجرى " زال " مجرى " كان " في رفعها الاسم ونصب الخبر، لتقدم " لا " الدعائية عليها، والدعاء شبه النفي. (*)

[ 268 ]

ومعنى ظل: اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا، ومعنى بات: اتصافه به ليلا، وأضحى: اتصافه به في الضحى، وأصبح: اتصافه به في الصباح، وأمسى: اتصافه به في المساء، ومعنى صار: التحول من صفة إلى [ صفة ] أخرى، ومعنى ليس: النفي، وهي عند الاطلاق لنفي الحال، نحو: " ليس زيد قائما " أي: الآن وعند التقييد بزمن على حسبه، نحو: " ليس زيد قائما غدا " ومعنى ما زال وأخواتها، ملازمة الخبر المخبر عنه على حسب ما يقتضيه الحال نحو: " ما زال زيد ضاحكا، وما زال عمرو أزرق العينين " ومعنى دام: بقى واستمر. * * * وغير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماض منه استعملا (1) هذه الافعال على قسمين (2): أحدهما ما يتصرف، وهو ما عدا ليس ودام..


(1) " وغير " مبتدأ، وغير مضاف، و " ماض " مضاف إليه " مثله " مثل: حال مقدم على صاحبها، وصاحبها هو فاعل " عمل " الآتي، ومثل مضاف والضمير مضاف إليه، ومثل من الالفاظ المتوغلة في الابهام فلا تفيدها الاضافة تعريفا، فلهذا وقعت حالا " قد " حرف تحقيق " عملا " عمل: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير الماضي، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " إن " شرطية " كان " فعل ماض ناقص، فعل الشرط " غير " اسم كان، وغير مضاف، و " الماضي " مضاف إليه " منه " جار ومجرور متعلق باستعمل " استعملا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى غير الماضي، والجملة في محل نصب خبر كان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إن كان غير الماضي مستعملا فإنه يعمل مشابها الماضي. (2) هي على قسمين إجمالا، ولكنها على ثلاثة أقسام تفصيلا (الاول) ما لا يتصرف أصلا فلم يأت منه إلا الماضي، وهو فعلان: ليس، ودام، فإن قلت: فإنه قد سمع: يدوم، ودم، ودائم، ودوام، قلت: هذه تصرفات دام التامة التي ترفع فاعلا فقط، والكلام = (*)

[ 269 ]

والثاني ما لا يتصرف، وهو ليس ودام، فنبه المصنف بهذا البيت على أن ما يتصرف من هذه الافعال يعمل غير الماضي منه عمل الماضي، وذلك هو المضارع، نحو: " يكون زيد قائما " قال الله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) والامر، نحو: (كونوا قوامين بالقسط) وقال الله تعالى: (قل كونوا حجارة أو حديدا)، واسم الفاعل، نحو: " زيد كائن أخاك " وقال الشاعر: 63 - وما كل من يبدي البشاشة كائنا أخاك، إذا لم تلفه لك منجدا.


= إنما هو في دام الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر (الثاني) ما يتصرف تصرفا ناقصا، بأن يكون المستعمل منه الماضي والمضارع واسم الفاعل، وهو أربعة أفعال: زال، وفتئ، وبرح، وانفك (الثالث) ما يتصرف تصرفا تاما بأن تجئ منه أنواع الفعل الثلاثة: الماضي، والمضارع، والامر، ويجئ منه المصدر واسم الفاعل، وهو الباقي، وقد اختلف النحاة في مجئ اسم المفعول من القسم الثالث، فمنعه قوم منهم أبو علي الفارسي، فقد سأله تلميذه ابن جنى عن قول سيبويه " مكون فيه " فقال: ما كل داء يعالجه الطبيب !. وأجازه غير أبي علي، فاحفظ ذلك. 63 - البيت من الشواهد التي لم نقف لها على نسبة إلى قائل معين. اللغة: " يبدي " يظهر " البشاشة " طلاقة الوجه " تلفه " تجده " منجدا " مساعدا. المعنى: ليس كل أحد يلقاك بوجه ضاحك أخاك الذي تركن إليه، وتعتمد في حاجتك عليه، ولكن أخوك هو الذي تجده عونا لك عند الحاجة. الاعراب: " ما " نافية تعمل عمل ليس " كل " اسمها، وكل مضاف، و " من " اسم موصول مضاف إليه " يبدي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " من " والجملة لا محل لها صلة الموصول " البشاشة " مفعول به ليبدي " كائنا " خبر ما النافية، وهو اسم فاعل متصرف من كان الناقصة، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل " أخاك " أخا: خبر كائن منصوب بالالف نيابة عن الفتحة لانه من الاسماء الستة، وأخا مضاف والكاف مضاف إليه " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " لم " حرف نفي وجزم " تلفه " تلف: فعل مضارع مجزوم بلم، = (*)

[ 270 ]

والمصدر كذلك، واختلف الناس في " كان " الناقصة: هل لها مصدر أم لا ؟ والصحيح أن لها مصدرا، ومنه قوله: 64 - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير.


= وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول لتلفى " لك " جار ومجرور متعلق بقوله منجدا الآتي " منجدا " مفعول ثان لتلفى، وقال العيني: هو حال وذلك مبني على أن " ظن " وأخواتها تنصب مفعولا واحدا، وهو رأي ضعيف لبعض النحاة. الشاهد فيه: قوله " كائنا أخاك " فإن " كائنا " اسم فاعل من كان الناقصة وقد عمل عملها، فرفع اسما ونصب خبرا: أما الاسم فهو ضمير مستتر فيه، وأما الخبر فهو قوله " أخاك " على ما بيناه في إعراب البيت. 64 - وهذا البيت - أيضا - من الشواهد التي لم ينسبوها إلى قائل معين. اللغة: " بذل " عطاء " ساد " من السيادة، وهي الرفعة وعظم الشأن. المعنى: إن الرجل يسود في قومه وينبه ذكره في عشيرته ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إن أردت أن تكون ذلك الرجل. الاعراب: " ببذل " جار ومجرور متعلق بساد، " وحلم " معطوف على بذل " ساد " فعل ماض " في قومه " الجار والمجرور متعلق أيضا بساد، وقوم مضاف والضمير مضاف إليه " الفتى " فاعل ساد " وكونك " كون: مبتدأ، وهو مصدر كان الناقصة، فمن حيث كونه مبتدأ يحتاج إلى خبر، وهو قوله " يسير " الآتي، ومن حيث كونه مصدر كان الناقصة يحتاج إلى اسم وخبر، فأما اسمه فالكاف المتصلة به، فلهذه الكاف محلان أحدهما جر بالاضافة، والثاني رفع على أنها الاسم، وأما خبرها فقوله " إيا " وقوله " عليك " جار ومجرور متعلق بيسير، وقوله " يسير " هو خبر المبتدأ، على ما تقدم ذكره. الشاهد فيه: قوله " وكونك إياه " حيث استعمل مصدر كان الناقصة وأجراه مجراها في رفع الاسم ونصب الخبر، وقد بينت لك اسمه وخبره في إعراب البيت. (*)

[ 271 ]

وما لا يتصرف منها - وهو دام، وليس (1) - وما كان النفي أو شبهه شرطا فيه - وهو زال وأخواتها - لا يستعمل منه أمر ولا مصدر. (* * *) ؟ وفي جميعها توسط الخبر أجز، وكل سبقه دام حظر (2) .


= فهذا الشاهد يدل على شيئين: أولهما أن " كان " الناقصة قد جاء لها مصدر في كلام العرب، فهو رد على من قال لا مصدر لها. وثانيهما أن غير الماضي من هذه الافعال سواء أكان اسما، أم كان فعلا غير ماض يعمل العمل الذي يعمله الفعل الماضي، وهو رفع الاسم ونصب الخبر. (1) رجح العلامة (الصبان) ؟ أن الناقصة لها مصدر، ودليله على ذلك شيئان: الاول أنها تستعمل البتة صلة لما المصدرية الظرفية، ووجه الاستدلال بهذا الوجه أن ما المصدرية مع صلتها تستوجب التقدير بمصدر، فاستعمالهم هذا الفعل بعد ما يشير إلى أنهم يعتقدون أن لها مصدرا، والثاني أن العلماء جروا على تقدير ما دام في نحو قوله تعالى: (مادمت حيا) بقولهم: مدة دوامي حيا، ولو أننا التزمنا أن هذا مصدر لدام التامة، أو أن العلماء اخترعوا في هذا التقدير مصدرا لم يرد عن العرب، لكنا بذلك جائرين مسيئين بمن قام على العربية وحفظها الظن كل الاساءة، فلزم أن يكون هذا المصدر مصدر الناقصة فتتم الدعوى. (2) " وفي جميعها " الجار والمجرور متعلق بتوسط، وجميع مضاف، وها مضاف إليه " توسط " مفعول به لاجز مقدم عليه، وتوسط مضاف، و " الخبر " مضاف إليه " أجز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كل " مبتدأ " سبقه " سبق: مفعول به مقدم على عامله وهو حظر، وسبق مضاف وضمير الغائب العائد إلى الخبر مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " دام " قصد لفظه مفعول به لسبق " حظر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ وهو كل. (*)

[ 272 ]

مراده أن أخبار هذه الافعال إن لم يجب تقديمها على الاسم، ولا تأخيرها عنه - يجوز توسطها بين الفعل والاسم (2)، فمثال وجوب تقديمها على الاسم قولك: " كان في الدار صاحبها "، فلا يجوز ههنا تقديم الاسم على الخبر، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، ومثال وجوب تأخير الخبر عن الاسم.


(2) حاصل القول في هذا الموضوع أن لخبر كان وأخواتها ستة أحوال: الاول: وجوب التأخير، وذلك في مسألتين، إحداهما: أن يكون إعراب الاسم والخبر جميعا غير ظاهر، نحو: كان صديقي عدوي، وثانيتهما: أن يكون الخبر محصورا نحو قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق. الثاني: وجوب التوسط بين العامل واسمه، وذلك في نحو قولك: يعجبني أن يكون في الدار صاحبها، فلا يجوز في هذا المثال تأخير الخبر عن الاسم، لئلا يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، كما لا يجوز أن يتقدم الخبر على أن المصدرية لئلا يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، فلم يبق إلا توسط هذا الخبر على ما ذكرنا. الثالث: وجوب التقدم على الفعل واسمه جميعا، وذلك فيما إذا كان الخبر مما له الصدارة كاسم الاستفهام، نحو " أين كان زيد " ؟ الرابع: امتناع التأخر عن الاسم، مع جواز التوسط بين الفعل واسمه أو التقدم عليهما، وذلك فيما إذا كان الاسم متصلا بضمير يعود على بعض الخبر، ولم يكن ثمة مانع من التقدم على الفعل، نحو " كان في الدار صاحبها، وكان غلام هند بعلها " يجوز أن تقول ذلك، ويجوز أن تقول: " في الدار كان صاحبها، وغلام هند كان بعلها " - بنصب غلام - ولا يجوز في المثالين التأخير عن الاسم. الخامس: امتناع التقدم على الفعل واسمه جميعا، مع جواز توسطه بينهما أو تأخره عنهما جميعا، نحو " هل كان زيد صديقك " ؟ ففي هذا المثال يجوز هذا، ويجوز " هل كان صديقك زيد " ولا يجوز تقديم الخبر على هل، لان لها صدر الكلام، ولا توسيطه بين هل والفعل، لان الفصل بينهما غير جائز. السادس: جواز الامور الثلاثة، نحو " كان محمد صديقك " يجوز فيه ذلك كما يجوز أن تقول: صديقك كان محمد، وأن تقول: كان صديقك محمد، بنصب الصديق. (*)

[ 273 ]

قولك: " كان أخي رفيقي " فلا يجوز تقديم رفيقي - على أنه خبر - لانه لا يعلم ذلك، لعدم ظهور الاعراب، ومثال ما توسط فيه الخبر قولك: " كان قائما زيد " قال الله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وكذلك سائر أفعال هذا الباب - من المتصرف، وغيره - يجوز توسط أخبارها بالشرط المذكور، ونقل صاحب الارشاد خلافا في جواز تقديم خبر " ليس " على اسمها، والصواب جوازه، قال الشاعر: 65 - سلي - إن جهلت - الناس عنا وعنهم فليس سواء عالم وجهول.


65 - البيت - من قصيدة للسموأل بن عادياء الغساني، المضروب به المثل في الوفاء ومطلع قصيدته التي منها بيت الشاهد قوله: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل اللغة: " يدنس " الدنس بفتح الدال المهملة والنون هو الوسخ والقذر، والاصل فيه أن يكون في الامور الحسية، والمراد ههنا الدنس المعنوي " اللؤم " اسم جامع للخصال الدنيئة ومقابح الصفات " رداء " هو في هذا الموضع مستعار للخصلة من الخصال: أي إذا نظف عرض المرء فلم يتصف بصفة من الصفات الدنيئة فإن له بعد ذلك أن يتصف بما يشاء، يريد أن له أن يختار من المكارم وخصال البر الخصلة التي يرغبها " ضيمها " الضيم: الظلم. المعنى: يقول لمن يخاطبها: سلي الناس عنا وعمن تقارنينهم بنا إن لم تكوني عالمة بحالنا، مدركة للفرق العظيم الذي بيننا وبينهم لكي يتضح لك الحال، فإن العالم بحقيقة الامر ليس كمن جهلها. الاعراب: " سلي " فعل أمر، وياء المخاطبة فاعله " إن " شرطية " جهلت " فعل ماض فعل الشرط، وتاء المخاطبة فاعل، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله " عنا " جار ومجرور متعلق بقوله سلي " وعنهم " جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور قبله " فليس " الفاء حرف دال على التعليل، وليس: فعل ماض ناقص " سواء " خبر ليس مقدم " عالم " اسم ليس مؤخر " وجهول " معطوف على عالم. = (18 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 274 ]

وذكر ابن معط أن خبر " دام " لا يتقدم على اسمها، فلا تقول: " لا أصاحبك مادام قائما زيد " والصواب جوازه، قال الشاعر: 66 - لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم.


= الشاهد فيه: قوله " فليس سواء عالم وجهول " حيث قدم خبر ليس وهو " سواء " على اسمها وهو " عالم " وذلك جائز سائغ في الشعر وغيره، خلافا لمن نقل المنع عنه صاحب الارشاد. 66 - البيت من الشواهد التي لم يعين أحد ممن اطلعنا على كلامه قائلها. اللغة: " طيب " المراد به اللذة وما ترتاح إلى النفس وتهفو نحوه " منغصة " اسم مفعول من التنغيص وهو التكدير " بادكار " تذكر وأصله " اذتكار " فقلبت تاء الافتعال دالا، ثم قلبت الذال دالا، ثم أدغمت الدال في الدال، ويجوز فيه " اذكار " بالذال المعجمة، على أن تقلب المهملة معجمة بعكس الاول ثم تدغم، ويجوز فيه بقاء كل من المعجمة والمهملة على حاله فتقول " اذدكار " وبالوجه الاول ورد قوله تعالى: (فهل من مدكر) أصله مذتكر فقلبت التاء دالا ثم أدغمتا على ما ذكرناه أولا. المعنى: لا يرتاح الانسان إلى الحياة ولا يستطيب العيش ما دام يتذكر الايام التي تأتي عليه بأوجاعها وآلامها، وما دام لا ينسى أنه مقبل لا محالة على الشيخوخة والموت ومفارقة أحبائه وملاذه. الاعراب: " لا " نافية للجنس " طيب " اسمها مبني على الفتح في محل نصب " للعيش " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، أو متعلق بطيب، وخبر لا حينئذ محذوف " ما " مصدرية ظرفية " دامت " دام: فعل ماض ناقص، والتاء تاء التأنيث " منغصة " خبر دام مقدم على اسمها " لذاته " لذات: اسم دام مؤخر، ولذات مضاف والهاء العائدة إلى العيش مضاف إليه " بادكار " جار ومجرور متعلق بقوله منغصة، وادكار مضاف، و " الموت " مضاف إليه " والهرم " معطوف بالواو على الموت. الشاهد فيه: قوله " مادامت منغصة لذاته " حيث قدم خبر دام وهو قوله " منغصة " على اسمها وهو قوله " لذاته ". (*)

[ 275 ]

وأشار بقوله: " وكل سبقه دام حظر " إلى أن كل العرب أو كل النحاة منع سبق خبر " دام " عليها، وهذا إن أراد به أنهم منعوا تقديم خبر دام على " ما " المتصلة بها، نحو: " لا أصحبك قائما مادام زيد " فمسلم، وإن أراد أنهم منعوا تقديمه على " دام " وحدها، نحو " لا أصحبك ما قائما دام زيد " - وعلى ذلك حمله ولده في شرحه - ففيه نظر، والذي يظهر أنه لا يمتنع تقديم خبر.


= هذا توجيه كلام الشارح العلامة كغيره من النحاة، ردا على ابن معط. وفيه خلل من جهة أنه ترتب عليه الفصل بين " منغصة " ومتعلقه وهو قوله " بادكار " بأجنبي عنهما وهو " لذاته ". وفي البيت توجيه آخر، وهو أن يكون اسم " دام " ضميرا مستترا، وقوله " منغصة " خبرها، وقوله " لذاته " نائب فاعل لقوله " منغصة "، لانه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبني للمجهول، وعلى هذا يخلو البيت من الشاهد، فلا يكون ردا على ابن معط ومن يرى رأيه. ومن الشواهد التي يستدل بها للرد على ابن معط قول الشاعر: مادام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبا أبدا فإن قوله " حافظ سري " خبر دام، وقوله " من وثقت به " اسمها، وقد تقدم الخبر على الاسم، ولا يرد عليه الاعتراض الذي ورد على البيت الشاهد، ولكنه يحتمل التأويل، إذ يجوز أن يكون اسم دام ضميرا مستترا يعود إلى " من وثقت به " ويكون خبرها هو " حافظ سري "، ويكون قوله " من وثقت به " فاعلا بحافظ، لانه اسم فاعل. فإن قلت: فقد عاد الضمير على متأخر. قلت: هو كذلك، ولكنه مغتفر ههنا، لان الكلام على هذا يصير من باب الاشتغال لتقدم عاملين وهما: دام، وحافظ سري وتأخر معمول واحد وهو " من وثقت به " فلما أعمل العامل الثاني أضمر في الاول المرفوع، وهو جائز عند البصريين كما ستعرفه في باب الاشتغال، إن شاء الله. (*)

[ 276 ]

دام على دام وحدها، فتقول: " لا أصحبك ما قائما دام زيد " كما تقول: " لا أصحبك ما زيدا كلمت ". * * * كذاك سبق خبر ما النافية فجئ بها متلوة، لا تاليه (1) يعني أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على ما النافية، ويدخل تحت هذا قسمان، أحدهما: ما كان النفي شرطا في عمله، نحو " ما زال " وأخواتها، فلا تقول: " قائما ما زال زيد " وأجاز ذلك ابن كيسان والنحاس، والثاني: ما لم يكن النفي شرطا في عمله، نحو " ما كان زيد قائما " فلا تقول: " قائما ما كان زيد "، وأجازه بعضهم (2). ومفهوم كلامه أنه إذا كان النفي بغير " ما " يجوز التقديم، فتقول: " قائما لم يزل زيد، ومنطلقا لم يكن عمرو " ومنعهما بعضهم (3)..


(1) " كذاك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " سبق " مبتدأ مؤخر، وسبق مضاف، و " خبر " مضاف إليه، وهو من جهة أخرى فاعل لسبق " ما " مفعول به لسبق " النافية " صفة لما " فجئ " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بها " جار ومجرور متعلق بجئ " متلوة " حال من الضمير المجرور محلا بالباء " لا " عاطفة " تالية " معطوف على متلوة. (2) أصل هذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو: هل تستوجب " ما " النافية أن تكون في صدر الكلام ؟ ذهب جمهور البصريين إلى أنها لا تستوجب التصدير، وعلى هذا أجازوا أن يتقدم خبر الناسخ المنفى بها عليها مطلقا، ووافقهم ابنا كيسان والنحاس على جواز تقديم خبر الناسخ عليها إذا كان من النواسخ التي يشترط فيها النفي، لان نفيها حينئذ إيجاب فكأنه لم يكن، بخلاف النوع الثاني. (3) ذكر ابن مالك في شرح التسهيل أن الذي منع ذلك هو الفراء، وهذا المنع مردود بقول الشاعر: = (*)

[ 277 ]

ومفهوم كلامه أيضا جواز تقديم الخبر على الفعل وحده إذا كان النفي بما، نحو " ما قائما زال زيد " و " ما قائما كان زيد " ومنعه بعضهم. * * * ومنع سبق خبر ليس اصطفي، وذو تمام ما برفع يكتفي (1) وما سواه ناقص، والنقص في فتئ ليس زال دائما قفي (2) اختلف النحويون في جواز تقديم خبر " ليس " عليها، فذهب الكوفيون .


= مه عاذلي فهائما لن أبرحا بمثل أو أحسن من شمس الضحى وقال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: إن ذلك جائز عند الجميع. (1) " ومنع " مبتدأ، ومنع مضاف، و " سبق " مضاف إليه، وسبق مضاف و " خبر " مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " ليس " قصد لفظه: مفعول به لسبق " اصطفى " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى منع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " وذو " الواو للاستئناف، ذو: مبتدأ، وذو مضاف و " تمام " مضاف إليه " ما " اسم موصول خبر المبتدأ " برفع " جار ومجرور متعلق بيكتفي الآتي " يكتفي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما الموصولة، وجملة يكتفي وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (2) " وما " اسم موصول مبتدأ " سواه " سوى: ظرف متعلق بمحذوف صلة ما، وسوى مضاف والهاء مضاف إليه " ناقص " خبر المبتدأ " والنقص " مبتدأ " في فتئ " جار ومجرور متعلق بقوله " قفى " الآتي " ليس، زال " معطوفان على " فتئ " بإسقاط حرف العطف " دائما " حال من الضمير المستتر في قوله " قفى " الآتي " قفى " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على النقص، والجملة من قفى ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وهو " النقص ". وتقدير البيت: وما سوى ذي التمام ناقص، والنقص قفى - أي اتبع - حال كونه مستمرا في فتئ وليس وزال. (*)

[ 278 ]

والمبرد والزجاج وابن السراج وأكثر المتأخرين - ومنهم المصنف - إلى المنع وذهب أبو علي [ الفارسي ] وابن برهان إلى الجواز، فتقول: " قائما ليس زيد " واختلف النقل عن سيبويه، فنسب قوم إليه الجواز، وقوم المنع، ولم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها، وإنما ورد من لسانهم ما ظاهره تقدم معمول خبرها عليها، كقوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) وبهذا استدل من أجاز تقديم خبرها عليها، وتقريره أن " يوم يأتيهم " معمول الخبر الذي هو " مصروفا " وقد تقدم على " ليس " قال: ولا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل (1). * * *.


(1) هذه القاعدة ليست مطردة تمام الاطراد، وإن كان العلماء قد اتخذوها دليلا في كثير من المواطن، وجعلوها كالشئ المسلم به الذي لا يتطرق إليه النقض، ونحن نذكر لك عدة مواضع أجازوا فيها تقديم المعمول، ولم يجيزوا فيها تقديم العامل: الموضع الاول: إذا كان خبر المبتدأ فعلا، لم يجز البصريون تقديمه على المبتدأ، لئلا يلتبس المبتدأ بالفاعل، فلا يقولون " ضرب زيد " على أن يكون في ضرب ضمير مستتر، وجملته خبر مقدم، لكن أجازوا تقديم معمول هذا الخبر على مبتدئه في نحو " عمرو ضرب زيدا ". فيقولون " زيدا عمرو ضرب ". الموضع الثاني: خبر إن - إذا لم يكن ظرفا أو جارا ومجرورا - لم يجيزوا تقديمه على اسمها، فلا يقولون: " إن جالس زيدا "، وأجازوا تقديم معموله على الاسم، فيقولون: " إن عندك زيدا جالس ". الموضع الثالث: الفعل المنفى بلم أو لن - نحو " لم أضرب، ولن أضرب " - لم يجيزوا تقديمه على النفي، وأجازوا تقديم معموله عليه، نحو " زيدا لن أضرب، وعمرا لم أصاحب ". الموضع الرابع: الفعل الواقع بعد إما الشرطية، لم يجيزوا إيلاءه لاما، وأجازوا إيلاء معموله لها، نحو قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر). = (*)

[ 279 ]

وقوله: " وذو تمام - إلى آخره " معناه أن هذه الافعال انقسمت إلى قسمين، أحدهما: ما يكون تاما وناقصا، والثاني ما لا يكون إناقصا، والمراد بالتام: ما يكتفي بمرفوعه، وبالناقص: ما لا يكتفي بمرفوعه، بل يحتاج معه إلى منصوب. وكل هذه الافعال يجوز أن تستعمل تامة، إلا " فتئ "، و " زال " التي مضارعها يزال، لا التي مضارعها يزول فإنها تامة، نحو " زالت الشمس " و " ليس " فإنها لا تستعمل إلا ناقصة. ومثال التام قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) أي: إن وجد ذو عسرة، وقوله تعالى: (خالدين فيها ما دامت السموات والارض) وقوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون). * * * ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر (1)


= والغرض من القاعدة التي أصلها هذا المستند: أن الغالب والكثير والاصل هو ألا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز أن يتقدم العامل فيه، فلا يضر أن يجوز تقديم المعمول في بعض الابواب لنكتة خاصة به حيث لا يتقدم عامله، ولكل موضع من المواضع الاربعة نكتة لا تتسع هذه العجالة لشرحها. (1) " ولا " نافية " يلي " فعل مضارع " العامل " مفعول به ليلي مقدم على الفاعل " معمول " فاعل يلي، ومعمول مضاف و " الخبر " مضاف إليه " إلا " أداة استثناء " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " ظرفا " حال مقدم على صاحبه، وهو الضمير المستتر في أتى " أتى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " معمول الخبر " السابق " أو " حرف عطف " حرف " معطوف على قوله " ظرفا " وحرف مضاف و " جر " مضاف إليه، وجملة = (*)

[ 280 ]

يعني أنه لا يجوز أن يلي " كان " وأخواتها معمول خبرها الذي ليس بظرف ولا جار ومجرور، وهذا يشمل حالين: أحدهما: أن يتقدم معمول الخبر [ وحده على الاسم ] ويكون الخبر مؤخرا عن الاسم، نحو " كان طعامك زيد آكلا " وهذه ممتنعة عند البصريين، وأجازها الكوفيون. الثاني: أن يتقدم المعمول والخبر على الاسم، ويتقدم المعمول على الخبر، نحو " كان طعامك آكلا زيد " وهي ممتنعة عند سيبويه، وأجازها بعض البصريين. ويخرج من كلامه أنه إذا تقدم الخبر والمعمول على الاسم، وقدم الخبر على المعمول جازت المسألة، لانه لم يل " كان " معمول خبرها، فتقول " كان آكلا طعامك زيد " ولا يمنعها البصريون. فإن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا جاز إيلاؤه " كان " عند البصريين والكوفيين، نحو " كان عندك زيد مقيما، وكان فيك زيد راغبا ". * * * ومضمر الشأن اسما انو إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع (1).


= " أتى " وفاعله في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف يفصح عنه الكلام، وتقديره: فإنه يليه، وهذه الجملة كلها في موضع الاستثناء من مستثنى منه محذوف، وهو عموم الاوقات، وكأنه قال: لا يلي معمول الخبر العامل في وقت ما من الاوقات إلا في وقت مجيئه ظرفا أو حرف جر. (1) " مضمر " مفعول به مقدم على عامله وهو قوله " انو " الآتي، ومضمر مضاف و " الشأن " مضاف إليه " اسما " حال من مضمر " انو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " وقع " فعل ماض فعل الشرط، = (*)

[ 281 ]

يعني أنه إذا ورد من لسان العرب ما ظاهره أنه ولي " كان " وأخواتها معمول خبرها فأوله على أن في كان " ضميرا مستترا هو ضمير الشأن، وذلك نحو قوله: 67 - قنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطيه عودا.


= مبني على الفتح في محل جزم، وسكن للوقف " موهم " فاعل وقع، وموهم مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر " استبان " فعل ماض " أنه " أن: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الغائب اسمها مبني على الضم في محل نصب " امتنع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر فاعل لاستبان، وتقديره: استبان امتناعه، وجملة " استبان " وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. وتقدير البيت: وانو مضمر الشأن حال كونه اسما لكان إن وقع في بعض الكلام ما يوهم الامر الذي وضح امتناعه، وهو إيلاء كان معمول خبرها. 67 - البيت للفرزدق، من كلمة يهجو فيها جريرا وعبد القيس، وهي من النقائض بين جرير والفرزدق، وأولها قوله: رأى عبد قيس خفقة شورت بها يدا قابس ألوى بها ثم أخمدا اللغة: " قنافذ " جمع قنفذ، وهو بضمتين بينهما سكون، أو بضم القاف وسكون النون وفتح الفاء، وآخره ذال معجمة أو دال مهملة حيوان يضرب به المثل في السرى، فيقال: هو أسرى من القنفذ، وقالوا أيضا " أسرى من أنقد " وأنقد: اسم للقنفذ، ولا ينصرف ولا تدخله الالف واللام، كقولهم للاسد: أسامة، وللذئب: ذؤالة، قاله الميداني (1 / 239 الخيرية) ثم قال: " والقنفذ لا ينام الليل، بل يجول ليله أجمع " اه‍، ويقال في مثل آخر " بات فلا بليل أنقد " وفي مثل آخر " اجعلوا ليلكم ليل أنقد " وذكر مثله العسكري في جمهرة الامثال (بهامش الميداني 2 / 7) " هداجون " جمع هداج وهو صيغة مبالغة من الهدج أو الهدجان، والهدجان بفتحات - ومثله الهدج - بفتح فسكون - مشية الشيخ، أو مشية فيها = (*)

[ 282 ]

.


= ارتعاش، وباب فعله ضرب، ويروى " قنافذ دراجون " والدراج: صيغة مبالغة أيضا من " درج الصبي والشيخ " - من باب دخل - إذا سار سيرا متقارب الخطو " عطية " هو أبو جرير. المعنى: يريد وصفهم بأنهم خونة فجار، يشبهون القنافذ حيث يسيرون بالليل طلبا للسرقة أو للدعارة والفحشاء، وإنما السبب في ذلك تعويد أبيهم إياهم ذلك. الاعراب: " قنافذ " خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم قنافذ، وأصله هم كالقنافذ، فحذف حرف التشبيه مبالغة " هداجون " صفة لقنافذ، مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لانه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد " حول " ظرف مكان متعلق بهداجون، وحول مضاف، وبيوت من " بيوتهم " مضاف إليه، وبيوت مضاف والضمير مضاف إليه " بما " الباء حرف جر، وما: يحتمل أن تكون موصولا اسميا، والاحسن أن تكون موصولا حرفيا " كان " فعل ماض ناقص " إياهم " إيا: مفعول مقدم على عامله، وهو عود، وستعرف ما فيه، وقوله " عطية " اسم كان " عودا " فعل ماض، مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عطية، وجملة الفعل والفاعل في محل نصبخبر " كان ". وهذا الاعراب إنما هو بحسب الظاهر، وهو الذي يعرب الكوفيون البيت عليه ويستدلون به، وهو إعراب غير مرضي عند جمهرة علماء النحو من البصريين، وستعرف الاعراب المقبول عندهم عند بيان الاستشهاد بالبيت. الشاهد فيه: قوله " بما كان إياهم عطية عودا " حيث إن ظاهره يوهم أن الشاعر قد قدم معمول خبر كان وهو " إياهم " على اسمها وهو " عطية " مع تأخير الخبر وهو جملة " عود " عن الاسم أيضا، فلزم أن يقع معمول الخبر بعد الفعل ويليه، هذا هو ظاهر البيت، والقول بجواز هذا الظاهر هو مذهب الكوفيين، وهم يعربون البيت على الوجه غير المرضي الذي ذكرناه في الاعراب، والبصريون يأبون ذلك ويمنعون أن يكون " عطية " اسم كان، ولهم في البيت ثلاثة توجيهات: أحدها: وهو الذي ذكره الشارح العلامة تبعا للمصنف، أن اسم كان ضمير الشأن وقوله " عطية " مبتدأ، وجملة " عودا " في محل رفع خبر المبتدأ، وإياهم: = (*)

[ 283 ]

فهذا ظاهره أنه مثل " كان طعامك زيد آكلا " ويتخرج على أن في " كان " ضميرا مستترا هو ضمير الشأن [ وهو اسم كان ].


= مفعول به لعود، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب خبر كان، فلم يتقدم معمول الخبر على الاسم لان اسم كان مضمر يلي العامل. والتوجيه الثاني: أن " كان " في البيت زائدة، و " عطية عود " مبتدأ وخبر، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وهو " ما "، أي بالذي عطية عود هموه. والثالث: أن اسم " كان " ضمير مستتر يعود على " ما " الموصولة، وجملة عطية عود من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر كان، وجملة كان ومعموليها لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. والعائد - على هذا التوجيه والذي قبله محذوف تقديره هنا: بما كان عطية عود هموه ومنهم من يقول: هذا البيت من الضرورات التي تباح للشاعر، ولا يجوز لاحد من المتكلمين أن يقيس في كلامه عليها. قال المحققون من العلماء: والقول بالضرورة متعين في قول الشاعر، ولم نقف على اسمه: باتت فؤادي ذات الخال سالبة فا لعيش إن حم لي عيش من العجب فذات الخال: اسم بات، وسالبة: خبره، وفيه ضمير مستتر هو فاعله يعود على ذات الخال، وفؤادي: مفعول به مقدم على عامله الذي هو قوله سالبة، وزعموا أنه لا يمكن في هذا البيت أن يجري على إحدى التوجيهات السابقة، ومثله قول الآخر: لئن كان سلمى الشيب بالصد مغريا لقد هون السلوان عنها التحلم فالشيب: اسم كان، ومغريا خبره، وفيه ضمير مستتر يعود على الشيب هو فاعله وسلمى مفعول به لمغريا تقدم على اسم كان، ولا تتأتى فيه التوجيهات السابقة. ومن العلماء من خرج هذين البيتين تخريجا عجيبا، فزعم أن " فؤادي " منادى بحرف نداء محذوف، وكذلك " سلمى " وكأن الشاعر قد قال: باتت يا فؤادي ذات الخال سالبة إياك، ولئن كان يا سلمى الشيب مغريا إياك بالصد، وجملة النداء في البيتين لا محل لها معترضة بين العامل ومعموليه. (*)

[ 284 ]

ومما ظاهره أنه مثل " كان طعامك آكلا زيد " قوله: 68 - فأصبحوا والنوى عالي معرسهم وليس كل النوى تلقي المساكين


68 - البيت لحميد الارقط، وكان بخيلا، فنزل به أضياف، فقدم لهم تمرا، والبيت من شواهد كتاب سيبويه (ج 1 ص 35) وقبله قوله: باتوا وجلتنا الصهباء بينهم كأن أظفارهم فيها السكاكين اللغة: " جلتنا " بضم الجيم وتشديد اللام مفتوحة - وعاء يتخذ من الخوص يوضع فيه التمر يكنز فيه، وجمعه جلل - بوزن غرفة وغرف - ويجمع أيضا على جلال، وهي عربية معروفة " الصهباء " يريد أن لونها الصهبة، قال الاعلم في شرح شواهد سيبويه: الجلة قفة التمر تتخذ من سعف النخل وليفه، فلذلك وصفها بالصهبة، اه‍، " فأصبحوا " دخلوا في الصباح " معرسهم " اسم كان من " عرس بالمكان " - بتشديد الراء مفتوحة - أي نزل به ليلا. المعنى: يصف أضيافا نزلوا به فقراهم تمرا، يقول: لما أصبحوا ظهر على مكان نزولهم نوى التمر كومة مرتفعة، مع أنهم لم يكونوا يرمون كل نواة يأكلون تمرتها، بل كانوا يلقون بعض النوى ويبلعون بعضا، إشارة إلى كثرة ما قدم لهم منه، وكثرة ما أكلوا، ووصفهم بالشره. الاعراب: " فأصبحوا " فعل وفاعل " و " حالية " النوى " مبتدأ " عالي " خبره، وعالي مضاف ومعرس من " معرسهم " مضاف إليه، ومعرس مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال من الواو في أصبحوا " ليس " فعل ماض ناقص، واسمها ضمير الشأن " كل " مفعول به مقدم لقوله " تلقي " وكل مضاف، و " النوى " مضاف إليه " تلقي " فعل مضارع " المساكين " فاعل تلقي، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، وهذا الاعراب جار على الذي اختاره العلماء كما ستعرف. الشاهد فيه: قوله " وليس كل النوى تلقي المساكين " ولكي يتضح أمر الاستشهاد بهذا البيت تمام الاتضاح نبين لك أولا أنه يروى برفع كل وبنصبه، ويروى " يلقي المساكين " بياء المضارعة كما يروى " تلقي المساكين " بالتاء، فهذه أربع روايات. = (*)

[ 285 ]

.


= أما رواية رفع " كل " - سواء أكانت " وليس كل النوى يلقي المساكين " - أم كانت " وليس كل النوى تلقي المساكين " فليس فعل ماض ناقص، وكل: اسم ليس، وكل مضاف، والنوى: مضاف إليه، ويلقي أو تلقي: فعل مضارع، والمساكين: فاعله، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، ولا شاهد في هذا البيت على هاتين الروايتين لما نحن فيه، وليس فيه إيهام لامر غير جائز، غير أن الكلام يحتاج إلى تقدير ضمير يربط جملة خبر ليس باسمها، وأصل الكلام: وليس كل النوى يلقيه المساكين، أو تلقيه المساكين. فإن قلت: كيف جاز أن يروى " تلقيه المساكين " بتأنيث الفعل مع أن فاعله مذكر، إذ المساكين جمع مسكين. فالجواب عن ذلك: أن المساكين جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز في فعله التذكير والتأنيث بإجماع النحاة بصريهم وكوفيهم، سواء أكان مفرد جمع التكسير مذكرا أم كان مفرده مؤنثا، ومن ورود فعله مؤنثا - مع أن مفرده مذكر - قول الله تعالى: (قالت الاعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا) فإن مفرد الاعراب أعرابي. وأما رواية نصب كل والفعل " يلقي " بياء المضارعة، فليس: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير شأن محذوف، وكل مفعول مقدم ليلقي، وكل مضاف والنوى: مضاف إليه، ويلقي: فعل مضارع، والمساكين: فاعله، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، ولا يجوز في البيت على هذه الرواية غير هذا الوجه من الاعراب، نعني أنه لا يجوز أن يكون قوله المساكين اسم ليس مؤخرا، ويلقي فعلا مضارعا فاعله ضمير مستتر يعود إلى المساكين، وجملة يلقي وفاعله في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها. فإن قلت: فلم لا يجوز أن يكون المضارع مسندا إلى ضمير مستتر يعود إلى المساكين إذا روى البيت " وليس كل النوى يلقي المساكين " بنصب كل ؟ فالجواب أن ننبهك إلى أن الفعل المسند إلى ضمير يعود إلى جمع التكسير لا يجوز أن يكون كفعل الواحد المذكر، فأنت لا تقول: الاعراب قال، ولا تقول: المساكين يلقي، وإنما يجوز فيه حينئذ أن يكون ضمير الجماعة: فتقول: الاعراب قالوا، وتقول = (*)

[ 286 ]

.


المساكين يلقون، ويجوز فيه أن يكون مثل فعل الواحد المؤنث، فتقول: الاعراب قالت: أو تقول: المساكين ألقت أو تلقي، وكذا إذا تقدم الفعل وأسند إلى ضمير جمع التكسير المؤخر عنه يجب أن تقول: يلقون المساكين، أو تقول: تلقون المساكين، أو يقول تلقي المساكين، فلما لم يقل شيئا من ذلك علمنا أنه أسنده إلى الاسم الظاهر بعده. وأما رواية نصب " كل " والفعل " تلقي " بالتاء الفوقية فالكوفيون يعربونها هكذا - كل: مفعول مقدم لتلقي، وكل مضاف والنوى: مضاف إليه، وتلقي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المساكين، والجملة من الفعل وفاعله المستتر فيه في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمه، والمساكين: اسم ليس تأخر عن خبره، ويستدل الكوفيون بهذا البيت - على هذا الاعراب - على أنه يجوز أن يقع بعد ليس وأخواتها معمول خبرها إذا كان خبرها مقدما على اسمها، كما في البيت. والبصريون يقولون: إن هذا الاعراب غير لازم في هذا البيت، وعلى هذا لا يكون البيت دليلا على ما زعمتم، والاعراب الذي نراه هو أن يكون ليس فعلا ناقصا، واسمه ضمير شأن محذوف، وكل: مفعول مقدم لتلقي، والنوى: مضاف إليه، وتلقي فعل مضارع، والمساكين: فاعله، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، والتقدير: وليس (هو: أي الحال والشأن) كل النوى تلقي المساكين، فلم يقع بعد ليس معمول خبرها عند التحقيق، بل الواقع بعدها هو اسمها المحذوف وموضعه بعدها وإذا علمت هذا فاعلم أن ابن الناظم قد استشهد بهذا البيت لمذهب الكوفيين على الوجه الذي ذكرناه عنهم من الاعراب، فأنكر العيني عليه ذلك، وقال: وهذا وهم منه، لانه لو كان المساكين اسم ليس لقال " يلقون المساكين " كما تقول: قاموا الزيدون، على أن الجملة من الفعل وفاعله خبر مقدم، والاسم بعدها مبتدأ مؤخر، والبيت لم يرو إلا " يلقي المساكين " بالياء التحتية، واسم ليس في هذا البيت ضمير الشأن عند الكوفيين والبصريين، اه‍ كلامه بحروفه. والعبد الضعيف غفر الله له ولوالديه ! - يرى أن في كلام العيني هذا تحاملا على ابن الناظم لا يقره الانصاف، وأن فيه خللا من عدة وجوه. = (*)

[ 287 ]

- إذا قرئ بالتاء المثناة من فوق - فيخرج البيتان على إضمار الشأن: والتقدير في الاول " بما كان هو " أي: الشأن، فضمير الشأن اسم كان،.


= الاول: أن قوله " والبيت لم يرو إلا يلقي المساكين بالياء التحتية " غير صحيح، فقد علمت أنه يروى بالياء التحتية والتاء الفوقية، وهذه عبارة الشارح العلامة تنادي بأنه قد روى بالتاء، وأن الاستشهاد بالبيت لمذهب الكوفيين إنما يتجه على رواية التاء، فكان عليه أن يمسك عن تخطئته في الرواية، لان الرواية ترجع إلى الحفظ لا إلى العقل، ولا شك أنه اطلع على كلام شارحنا لانه شرح شواهده. الثاني: في قوله " ولو كان المساكين اسم ليس لقال يلقون المساكين " ليس بصواب، إذ لا يلزم على كون المساكين اسم ليس أن يقول الشاعر: يلقون المساكين، بل يجوز له أن يقول ذلك، وأن يقول: تلقي المساكين، كما بينا لك، وقد قال العبارة الثانية على رواية الجماعة من أثبات العلماء. الثالث: أن تنظيره بقوله " كما تقول قاموا الزيدون، على أن الجملة خبر مقدم والاسم بعدها مبتدأ مؤخر " ليس تنظيرا صحيحا، لان الاسم في الكلام الذي نظر به جمع مذكر سالم، ومذهب البصريين أنه لا يجوز في فعله إلا التذكير، فلم يتم له التنظير، والله يغفر لنا وله ! ! ومن مجموع ما قدمنا ذكره من الكلام على هذا البيت تتبين لك خمسة أمور: الاول: أن ثلاث روايات لا يجوز على كل رواية منها في البيت إلا وجه واحد من وجوه الاعراب. الثاني: أنه لا شاهد في البيت لمذهب الكوفيين على كل رواية من هذه الروايات الثلاث. الثالث: أن استشهاد الكوفيين بالبيت على ما ذهبوا إليه لا يجوز إلا على الرواية الرابعة، وهي " وليس كل النوى تلقي المساكين ". الرابع: أن البيت يحتمل على الرواية الرابعة وجها من الاعراب غير ما أعربه عليه الكوفيون. الخامس: أن استدلال الكوفيين بالبيت لم يتم، لان الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وأنت خبير أن الاستدلال والاستشهاد غير التمثيل. (*)

[ 288 ]

وعطية: مبتدأ، وعود: خبره، وإياهم: مفعول عود، والجملة من المبتدأ وخبره خبر كان، فلم يفصل بين " كان " واسمها معمول الخبر، لان اسمها مضمر قبل المعمول. والتقدير في البيت الثاني " وليس هو " أي: الشأن، فضمير الشأن اسم ليس، وكل [ النوى ] منصوب بتلقي، وتلقي المساكين: فعل وفاعل [ والمجموع ] خبر ليس، هذا بعض ما قيل في البيتين. * * * وقد تزاد كان في حشو: كما كان أصح علم من تقدما (1) كان على ثلاثة أقسام، أحدها: الناقصة، والثاني: التامة، وقد تقدم ذكرهما والثالث: الزائدة، وهي المقصودة بهذا البيت، وقد ذكر ابن عصفور أنها تزاد بين الشيئين المتلازمين: كالمبتدأ وخبره، نحو " زيد كان قائم " والفعل ومرفوعه، نحو " لم يوجد كان مثلك " والصلة والموصول، نحو " جاء الذي كان أكرمته " والصفة والموصوف، " مررت برجل كان قائم " وهذا يفهم أيضا من إطلاق قول المصنف " وقد تزاد كان في حشو " وإنما تنقاس زيادتها بين " ما ".


(1) " وقد " حرف تقليل " تزاد " فعل مضارع مبني للمجهول " كان " قصد لفظه: نائب فاعل تزاد " في حشو " جار ومجرور متعلق بتزاد " كما " الكاف جارة لقول محذوف " ما " تعجبية، وهي نكرة تامة مبتدأ، وسوغ الابتداء بها ما فيها من معنى التعجب " كان " زائدة " أصح " فعل ماض فعل تعجب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على ما التعجبية " علم " مفعول به لاصح، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر المبتدأ، وعلم مضاف و " من " اسم موصول مضاف إليه " تقدما " فعل ماض، والالف للاطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، والجملة من تقدم وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (*)

[ 289 ]

وفعل التعجب، نحو " ما كان أصح علم من تقدما (1) " ولا تزاد في غيره إلا سماعا. وقد سمعت زيادتها بين الفعل ومرفوعه، كقولهم (2): ولدت فاطمة بنت الخرشب الانمارية الكملة من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم. و [ قد ] سمع أيضا زيادتها بين الصفة والموصوف كقوله: 69 - فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كرام .


(1) مما ورد من زيادتها بين " ما " التعجبية وفعل التعجب قول الشاعر: لله در أنو شروان من رجل ما كان أعرفه بالدون والسفل ونظيره قول الحماسي (انظر شرح التبريزي 3 / 22 بتحقيقنا): أبا خالد ما كان أوهى مصيبة أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا وقول امرئ القيس بين حجر الكندي (وهو الشاهد رقم 249 الآتي في هذا الكتاب): أرى أم عمر ودمعها قد تحدرا بكاء على عمرو، وما كان أصبرا إذا قدرت الكلام وما كان أصبرها، وقول عروة ابن أذينة: ما كان أحسن فيك العيش مؤتنفا غضا، وأطيب في آصالك الاصلا (2) قائل هذا الكلام هو قيس بن غالب، في فاطمة بنت الخرشب، من بني أنمار ابن بغيض بن ريث بن غطفان، وأولادها هم: أنس الفوارس، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ وربيع الكامل، وأبوهم زياد العبسي، وكان كل واحد منهم نادرة أقرانه شجاعة وبسالة ورفعة شأن. 69 - البيت للفرزدق، من قصيدة له يمدح فيها هشام بن عبد الملك - وقيل: يمدح سليمان بن عبد الملك - وقد أنشده سيبويه (ج 1 ص 189) ببعض تغيير. الاعراب: " كيف " اسم استفهام أشرب معنى التعجب، وهو مبني على الفتح في = (*)

[ 290 ]

.


= محل نصب حال من فاعل هو ضمير مستتر في فعل محذوف، وتقدير الكلام: كيف أكون، مثلا " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " مررت " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " بدار " جار ومجرور متعلق بمررت، ودار مضاف و " قوم " مضاف إليه " وجيران " معطوف على دار قوم " لنا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لجيران " كانوا " زائدة وستعرف ما فيه " كرام " صفة لجيران مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره. الشاهد فيه: قوله " وجيران لنا كانوا كرام " حيث زيدت " كانوا " بين الصفة وهي قوله " كرام " والموصوف وهو قوله " جيران ". هذا مقتضى كلام الشارح العلامة، وهو ما ذهب إليه إمام النحاة سيبويه، لكن قال ابن هشام في توضيحه: إن شرط زيادة " كان " أن تكون وحدها، فلا تزاد مع اسمها، وأنكر زيادتها في هذا البيت، وهو تابع في هذا الكلام لابي العباس محمد بن يزيد المبرد، فإنه منع زيادة كان في هذا البيت، على زعمه أنها إنما تزاد مفردة لا اسم لها ولا خبر، وخرج هذا البيت على أن قوله " لنا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان مقدم عليها، والواو المتصلة بها اسمها، وغاية ما في الباب أن الشاعر فصل بين الصفة وموصوفها بجملة كاملة من كان واسمها وخبرها، وقدم خبر كان على اسمها، وتقدير الكلام - على هذا - وجيران كرام كانوا لنا. والذي ذهب إليه سيبويه أولى بالرعاية، لان اتصالها باسمها لا يمنع من زيادتها، ألا ترى أنهم يلغون " ظننت " متأخرة ومتوسطة، ولا يمنعهم إسنادها إلى اسمها من إلغائها، ثم المصير إلى تقديم خبر " كان " عليها والفصل بين الصفة وموصوفها عدول عما هو أصل إلى شئ غيره. قال سيبويه: " وقال الخليل: إن من أفضلهم كان زيدا، على إلغاء كان، وشبهه بقوله الشاعر: * وجيران لنا كانوا كرام * " اه‍ وقال الاعلم: " الشاهد فيه إلغاء كان وزيادتها توكيدا وتبيينا لمعنى المضي، والتقدير وجيران لنا كرام كانوا كذلك " اه‍. = (*)

[ 291 ]

وشذ زيادتها بين حرف الجر ومجروره، كقوله: 70 - سراة بني أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب.


= هذا، ومن شواهد زيادة " كان " بين الصفة وموصوفها - من غير أن تكون متصلة باسمها - قول جابر الكلابي (وانظر معجم البلدان مادة كتيفة): وماؤكما العذب الذي لو شربته شفاء لنفس كان طال اعتلالها فإن جملة " طال اعتلالها " في محل جر صفة لنفس، وقد زاد بينهما " كان ". 70 - أنشد الفراء هذا البيت، ولم ينسبه إلى قائل، ولم يعرف العلماء له قائلا، ويروى المصراع الاول منه: * جياد بني أبي بكر تسامى * اللغة: " سراة " جمع سرى، وهو جمع عزيز، فإنه يندر جمع فعيل على فعلة، والجياد: جمع جواد، وهو الفرس النفيس " تسامى " أصله تتسامى - بتاءين - فحذف إحداهما تخفيفا " المسومة " الخيل التي جعلت لها علامة ثم تركت في المرعى " العراب " هي خلاف البراذين والبخاتي، ويروى: * على كان المطهمة الصلاب * والمطهمة: البارعة التامة في كل شئ، والصلاب: جمع صلب، وهو القوي الشديد. المعنى: من رواه " سراة بني أبي بكر - إلخ " فمعناه: إن سادات بني أبي بكر يركبون الخيول العربية التي جعلت لها علامة تتميز بها عما عداها من الخيول. ومن رواه " جياد بني أبي بكر - إلخ " فمعناه: إن خيول بني أبي بكر لتسمو قيمتها ويرتفع شأنها على جميع ما عداها من الخيول العربية، يريد أن جيادهم أفضل الجياد وأعلاها. الاعراب: " جياد " مبتدأ، وجياد مضاف، و " بني " مضاف إليه، وبني مضاف و " أبي " مضاف إليه، وأبي مضاف، و " بكر " مضاف إليه " تسامى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى جياد، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " على " حرف جر " كان " زائدة " المسومة " مجرور بعلى " العراب " نعت للمسومة، والجار والمجرور متعلق بقوله تسامى. = (*)

[ 292 ]

وأكثر ما تزاد بلفظ الماضي، وقد شذت زيادتها بلفظ المضارع في قول أم عقيل بن أبي طالب: 71 - أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل * * *.


= الشاهد فيه: قوله " على كان المسومة " حيث زاد " كان " بين الجار والمجرور، ودليل زيادتها أن حذفها لا يخل بالمعنى. 71 - البيت - كما قال الشارح - لام عقيل بن أبي طالب، وهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي زوج أبي طالب بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تقوله وهي ترقص ابنها عقيلا، ويروى بيت الشاهد مع ما قبله هكذا: إن عقيلا كاسمه عقيل وبيبي الملفف المحمول أنت تكون السيد النبيل إذا تهب شمأل بليل * يعطي رجال الحي أو ينيل * اللغة: " ماجد " كريم " نبيل " فاضل شريف " تهب " مضارع هبت الريح هبوبا وهبيبا، إذا هاجت " شمأل " هي ريح تهب من ناحية القطب " بليل " رطبة ندية. الاعراب: " أنت " ضمير منفصل مبتدأ " تكون " زائدة " ماجد " خبر المبتدأ " نبيل " صفة لماجد " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " تهب " فعل مضارع " شمأل " فاعل تهب " بليل " نعت لشمأل، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة " إذا " إليها، وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إذا تهب شمأل بليل فأنت ماجد نبيل حينئذ. الشاهد فيه: قولها " أنت تكون ماجد " حيث زادت المضارع من " كان " بين المبتدأ وخبره، والثابت زيادته إنما هو الماضي دون المضارع، لان الماضي لما كان مبنيا أشبه الحرف، وقد علمنا أن الحروف تقع زائدة، كالباء، وقد زيدت الباء في المبتدأ في نحو " بحسبك درهم " وزيدت في خبر ليس في نحو قوله تعالى (أليس الله = (*)

[ 293 ]

ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر (1) تحذف " كان " مع اسمها ويبقى خبرها كثيرا بعد إن، كقوله:.


= بكاف عبده) ونحو ذلك، فأما المضارع فهو معرب، فلم يشبه الحرف، بل أشبه الاسم، فتحصن بذلك عن أن يزاد، كما أن الاسماء لا تزاد إلا شذوذا، وهذا إيضاح كلام الشارح وتخريج كلامه وتعليله. والقول بزيادة " تكون " شذوذا في هذا البيت قول ابن الناظم وابن هشام وتبعهما من جاء بعدهما من شراح الالفية، وهما تابعان في ذلك لابن السيد وأبي البقاء. ومما استدل به على زيادة " تكون " بلفظ المضارع قول حسان بن ثابت: كأنه سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء روياه برفع " مزاجها عسل وماء " على أنها جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع صفة لسبيئة وزعما أن " يكون " زائدة. والرد على ذلك أن الرواية بنصب " مزاجها " على أنه خبر يكون مقدما، ورفع " عسل وماء " على أنه اسم يكون مؤخر، ولئن سلمنا رواية رفعهما فليس يلزم عليها زيادة يكون، بل هي عاملة، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب خبرها. وكذلك بيت الشاهد، ليست " تكون " فيه زائدة، بل هي عاملة، واسمها ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وخبرها محذوف، والجملة لا محل لها معترضة بين المبتدأ وخبره، والتقدير: أنت ماجد نبيل تكونه. (1) " يحذفونها " فعل مضارع، وواو الجماعة فاعله، وها العائد على كان مفعول به " ويبقون " الواو حرف عطف، يبقون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة فاعله " الخبر " مفعول به ليبقون " وبعد " ظرف متعلق بقوله اشتهر الآتي، وبعد مضاف و " إن " قصد لفظه مضاف إليه " ولو " معطوف على إن " كثيرا " حال من الضمير المستتر في اشتهر " ذا " اسم إشارة مبتدأ " اشتهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " ذا " الواقع مبتدأ، والجملة من اشتهر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 294 ]

72 - قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا ؟.


72 - البيت للنعمان بن المنذر ملك العرب في الحيرة، من أبيات يقولها في الربيع ابن زياد العبسي، وهو من شواهد سيبويه (1 / 131) ونسب في الكتاب لشاعر يقوله للنعمان، ولم يتعرض الاعلم في شرح شواهده إلى نسبته بشئ، والمشهور ما ذكرنا أولا من أن قائله هو النعمان بن المنذر نفسه في قصة مشهورة تذكر في أخبار لبيد. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " قيل " فعل ماض مبني للمجهول " ما " اسم موصول نائب فاعل " قيل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " والجملة لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " إن " شرطية " صدقا " خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والتقدير " إن كان المقول صدقا " " وإن كذبا " مثل قوله " إن صدقا " وكان المحذوفة في الموضعين فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف في الموضعين لدلالة سابق الكلام عليه " فما " اسم الاستفهام مبتدأ " اعتذارك " اعتذار: خبر المبتدأ، واعتذار مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " من قول " جار ومجرور متعلق باعتذار " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " قيلا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قول، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب " إذا " محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقديره: إذا قيل قول فما اعتذارك منه. الشاهد فيه: قوله " إن صدقا، وإن كذبا " حيث حذف " كان " مع اسمها وأبقى خبرها بعد " إن " الشرطية، وذلك كثير شائع مستساغ، ومثله قول ليلى الاخيلية (انظره في أمالي القالي 1 / 248 ثم انظر اعتراضا عليه في التنبيه 88): لا تقربن الدهر آل مطرف إن ظالما - أبدا - وإن مظلوما وقول النابغة الذبياني: حدبت علي بطون ضنة كلها إن ظالما فيهم وإن مظلوما وقول ابن همام السلولي: وأحضرت عذري عليه الشهود إن عاذرا لي وإن تاركا = (*)

[ 295 ]

التقدير: " إن كان المقول صدقا، وإن كان المقول كذبا " وبعد لو (1)، كقولك: " ائتني بداب ولو حمارا " أي: " ولو كان الماتي به حمارا ". وقد شذ حذفها بعد لدن، كقوله: 73 - * من لد شولا فإلى إتلائها * [ التقدير: من لد أن كانت شولا ]. * * *.


= وكذا يكثر حذفها مع اسمها بعد " لو " كما قرره الشارح العلامة، وعليه قول الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل (1) ومن ذلك ما ورد في الحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " التمس ولو خاتما من حديد " التقدير: ولو كان ملتمسك خاتما من حديد، والبيت الذي أنشدناه في آخر شرح الشاهد رقم 72. 73 - هذا كلام تقوله العرب، ويجري بينها مجرى المثل، وهو يوافق بيتا من مشطور الرجز، وهو من شواهد سيبويه (1 / 134) ولم يتعرض أحد من شراحه إلى نسبته لقائله بشئ. اللغة: " شولا " قيل: هو مصدر " شالت الناقة بذنبها " أي رفعته للضراب، وقيل: هو اسم جمع لشائلة - على غير قياس - والشائلة: الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها " إتلائها " مصدر " أتلت الناقة " إذا تبعها ولدها، الاعراب: " من لد " جار ومجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: ربيتها من لد - مثلا " شولا " خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والتقدير " من لد أن كانت الناقة شولا " " فإلى " الفاء حرف عطف، وإلى: حرف جر " إتلائها " إتلاء: مجرور بإلى، وإتلاء مضاف وها مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف معطوف بالفاء على متعلق الجار والمجرور الاول، وتقدير الكلام: رببت هذه الناقة من لد كانت شولا فاستمر ذلك إلى إتلائها. = (*)

[ 296 ]

وبعد " أن " تعويض " ما " عنها ارتكب كمثل " أما أنت برا فاقترب " (1) ذكر في هذا البيت أن " كان " تحذف بعد " أن " المصدرية ويعوض عنها " ما " ويبقى اسمها وخبرها، نحو " أما أنت برا فاقترب " والاصل " أن كنت برا فاقترب " فحذفت " كان " فانفصل الضمير المتصل بها وهو التاء، فصار " أن أنت برا " ثم أتى ب‍ " ما " عوضا عن " كان "، فصار.


= الشاهد فيه: قوله " من لد شولا " حيث حذف " كان " واسمها وأبقى خبرها وهو " شولا " بعد لد، وهذا شاذ، لانه إنما يكثر هذا الحذف بعد " إن، ولو " كما سبق، هذا بيان كلام الشارح العلامة وأكثر النحويين، وهو المستفاد من ظاهر كلام سيبويه. وفي الكلام توجيه آخر، وهو أن يكون قولهم " شولا " مفعولا مطلقا لفعل محذوف، والتقدير " من لد شالت الناقة شولا " وبعض النحويين يذكر فيه إعرابا ثالثا وهو أن يكون نصب " شولا " على التمييز أو التشبيه بالمفعول به، كما ينتصب لفظ " غدوة " بعد " لدن " وعلى هذين التوجيهين لا يكون في الكلام شاهد لما نحن فيه، وراجع هذه المسألة وشرح هذا الشاهد في شرحنا على شرح أبي الحسن الاشموني في (ج 1 ص 386 الشاهد رقم 206) تظفر ببحث ضاف واف. (1) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " ارتكب " الآتي، وبعد مضاف، و " أن " قصد لفظه: مضاف إليه " تعويض " مبتدأ، وتعويض مضاف، و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه " عنها " جار ومجرور متعلق بتعويض " ارتكب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تعويض، والجملة من ارتكب ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، " كمثل " الكاف زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف " أما " هي أن المصدرية المدغمة في ما الزائدة المعوض بها عن كان المحذوفة " أنت " اسم كان المحذوفة " برا " خبر كان المحذوفة " فاقترب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (*)

[ 297 ]

" أن ما أنت برا " [ ثم أدغمت النون في الميم، فصار " أما أنت برا " ]، ومثله قول الشاعر: 74 - أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع.


74 - البيت للعباس بن مرداس يخاطب خفاف بن ندبة أبا خراشة، وهو من شواهد سيبويه (ج 1 ص 148) وخفاف - بزنة غراب - شاعر مشهور، وقارس مذكور، من فرسان قيس، وهو ابن عم صخر ومعاوية وأختهما الخنساء الشاعرة المشهورة، وندبة - بضم النون أو فتحها - أمه، واسم أبيه عمير. اللغة: " ذا نفر " يريد ذا قوم تعتز بهم وجماعة تمتلئ بهم فخرا " الضبع " أصله الحيوان المعروف، ثم استعملوه في السنة الشديدة المجدبة، قال حمزة الاصفهاني: إن الضبع إذا وقعت في غنم عاثت، ولم تكتف من الفساد بما يكتفي به الذئب، ومن إفسادها وإسرافها فيه استعارت العرب اسمها للسنة المجدبة، فقالوا: أكلتنا الضبع. المعنى: يا أبا خراشة، إن كنت كثير القوم، وكنت تعتز بجماعتك فإن قومي موفورون كثيرو العدد لم تأكلهم السنة الشديدة المجدبة، ولم يضعفهم الحرب ولم تنل منهم الازمات الاعراب: " أبا " منادى حذفت منه ياء النداء، وأبا مضاف، و " خراشة " مضاف إليه " أما " هي عبارة عن أن المصدرية المدغمة في " ما " الزائدة النائبة عن " كان " المحذوفة " أنت " اسم لكان المحذوفة، " ذا " خبر كان المحذوفة، وذا مضاف و " نفر " مضاف إليه " فإن " الفاء تعليلية، إن حرف توكيد ونصب " قومي " قوم اسم إن، وقوم مضاف والياء ضمير المتكلم مضاف إليه " لم " حرف نفي وجزم وقلب " تأكلهم " تأكل: فعل مضارع مجزوم بلم والضمير مفعول به لتأكل " الضبع " فاعل تأكل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر " إن ". الشاهد فيه: قوله " أما أنت ذا نفر " حيث حذف " كان " التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وعوض عنها " ما " الزائدة وأدغمها في نون أن المصدرية وأبقى اسم " كان " وهو الضمير البارز المنفصل، وخبرها وهو قوله " ذا نفر ". وأصل الكلام عند البصريين: فخرت على لان كنت ذا نفر، فحذفت لام التعليل ومتعلقها، فصار الكلام: أن كنت ذا نفر، ثم حذفت كان لكثرة الاستعمال قصدا إلى التخفيف، فانفصل الضمير الذي كان متصلا بكان لانه لم يبق في الكلام عامل يتصل به هذا الضمير = (*)

[ 298 ]

فأن: مصدرية، وما: زائدة عوضا عن " كان "، وأنت: اسم كان المحذوفة، وذا نفر: خبرها، ولا يجوز الجمع بين كان وما، لكون " ما " عوضا عنها، ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوض، وأجاز ذلك المبرد، فيقول " أما كنت منطلقا انطلقت " (1). ولم يسمع من لسان العرب حذف " كان " وتعويض " ما " عنها وإبقاء اسمها وخبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثل به المصنف، ولم يسمع مع ضمير المتكلم، نحو " أما أنا منطلقا انطلقت " والاصل " أن كنت منطلقا " ولا مع الظاهر، نحو " أما زيد ذاهبا انطلقت " والقياس جوازهما كما جاز مع المخاطب، والاصل " أن كان زيد ذاهبا انطلقت " وقد مثل سيبويه رحمه الله في كتابه ب‍ " أما زيد ذاهبا ". * * * ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون، وهو حذف ما التزم (2).


= ثم عوض من كان بما الزائدة، فالتقى حرفان متقاربان - وهما نون أن المصدرية وميم ما الزائدة - فأدغمهما، فصار الكلام: أما أنت ذا نفر. هذا، وقد روى ابن دريد وأبو حنيفة الدينوري في مكان هذه العبارة " إما كنت ذا نفر " وعلى روايتهما لا يكون في البيت شاهد لما نحن فيه الآن. ومن شواهد المسألة قول الشاعر: إما أقمت وأما أنت مرتحلا فالله يكلا ما تأتي وما تذر (1) ادعاء أنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض منه لا يتم على الاطلاق، بل قد جمعوا بينهما في بعض الاحايين، فهذا الحكم أغلبي، ولهذا أجاز المبرد أن يقال " إما كنت منطلقا انطلقت ". (2) " ومن مضارع " جار ومجرور متعلق بقوله " تحذف " الآتي " لكان " = (*)

[ 299 ]

إذا جزم الفعل المضارع من " كان " قيل: لم يكن، والاصل يكون، فحذف الجازم الضمة التي على النون، فالتقى ساكنان: الواو، والنون، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، فصار اللفظ " لم يكن " والقياس يقتضي أن لا يحذف منه بعد ذلك شئ آخر، لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفا لكثرة الاستعمال (1)، فقالوا: " لم يك " وهو حذف جائز، لا لازم، ومذهب سيبويه ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن، فلا تقول: " لم يك الرجل قائما " وأجاز ذلك يونس، وقد قرئ شاذا (لم يك الذين.


= جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمضارع " منجزم " صفة ثانية لمضارع " تحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " نون " نائب فاعل تحذف " وهو " مبتدأ " حذف " خبر المبتدأ " ما " نافية " التزم " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، والجملة من التزم ونائب الفاعل في محل رفع صفة لحذف، وتقدير البيت: وتحذف نون من مضارع منجزم آت من مصدر كان وهو حذف لم تلتزمه العرب، يريد أنه جائز لا واجب. (1) قد جاء هذا الحذف كثيرا جدا في كلام العرب نثره ونظمه، فمن أمثالهم " إن لم يك لحم فنفش " والنفش: الصوف، ويروى " إن لم يكن " وهذه الرواية تدل على أن الحذف جائز لا واجب، ومن شواهد ذلك قول علقمة الفحل: ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقا كل هذا التجنب وقول عروة بن الورد العبسي: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا يغرر ويطرح نفسه كل مطرح وقول مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليب بن ربيعة: فإن يك بالذنائب طال ليلي فقد أبكي من الليل القصير وقول عميرة بن طارق اليربوعي: وإن أك في نجد - سقى الله أهله بمنانة منه ! - فقلبي على قرب وقول الحطيئة العبسي: ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والاخاء

[ 300 ]

كفروا) وأما إذا لاقت متحركا فلا يخلو: إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرا متصلا، أولا، فإن كان ضميرا متصلا لم تحذف النون اتفاقا، كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في ابن صياد: " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه فلا خير لك في قتله " (1)، فلا يجوز حذف النون، فلا تقول: " إن يكه، وإلا يكه "، وإن كان غير [ ضمير ] متصل جاز الحذف والاثبات، نحو " لم يكن زيد قائما، ولم يك زيد قائما " وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين " كان " الناقصة والتامة، وقد قرئ: (وإن تك حسنة يضاعفها) برفع حسنة وحذف النون، وهذه هي التامة. * * *..


(1) روى هذا الحديث بهذه الالفاظ الامام مسلم بن الحجاج في باب ذكر ابن صياد من كتاب الفتن وأشراط الساعة من صحيحه، ورواه الامام البخاري في باب كيف يعرض الاسلام على الصبي من كتاب الجهاد من صحيحه، ورواه الامام أحمد بن حنبل في مسنده (رقم 636) بلفظ " إن يكن هو، وإن لا يكن هو ". (*)

[ 301 ]

فصل في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس إعمال " ليس " أعملت " ما " دون " إن " مع بقا النفي، وترتيب زكن (1) وسبق حرف جر أو ظرف ك‍ " ما بي أنت معنيا " أجاز العلما (2) تقدم في أول باب " كان " وأخواتها أن نواسخ الابتداء تنقسم إلى أفعال.


(1) " إعمال " مفعول مطلق منصوب بقوله " أعملت " الآتي، وإعمال مضاف و " ليس " قصد لفظه: مضاف إليه " أعملت " أعمل: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث " ما " قصد لفظه: نائب فاعل أعملت " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال من " ما " ودون مضاف، وقوله " إن " قصد لفظه: مضاف إليه " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من " ما " أيضا، ومع مضاف، و " بقا " مقصور من ممدود للضرورة: مضاف إليه، وبقا مضاف، و " النفي " مضاف إليه " وترتيب " معطوف على " بقا " السابق " زكن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ترتيب، والجملة من زكن ونائب فاعله في محل جر صفة لترتيب، وحاصل البيت: أعملت ما النافية إعمال ليس، حال كونها غير مقترنة بإن الزائدة، وحال كون نفيها باقيا، وكون اسمها مقدما على خبرها. (2) " وسبق " مفعول به مقدم على عامله وهو قوله " أجاز " الآتي، وسبق مضاف، و " حرف " مضاف إليه، وحرف مضاف، و " جر " مضاف إليه " أو ظرف " معطوف على حرف جر " كما " الكاف جارة لقول محذوف، ما: نافية حجازية " بي " جار ومجرور متعلق بقوله معنيا الآتي " أنت " اسم ما " معنيا " خبر ما منصوب بالفتحة الظاهرة " أجاز " فعل ماض " العلما " مقصور من ممدود ضرورة: فاعل أجاز. وحاصل البيت: وأجاز النحاة العالمون بما يتكلم العرب به تقدم معمول الخبر على اسم ما، بشرط أن يكون ذلك المعمول جارا ومجرورا أو ظرفا، لانه يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، وذلك نحو " ما بي أنت معنيا " أصله ما أنت معنيا بي، تقدم الجار والمجرور على الاسم مع بقاء الخبر مؤخرا عن الاسم، ومعنى: هو الوصف من " عنى فلان بفلان " - بالبناء للمجهول - إذا اهتم بأمره. (*)

[ 302 ]

وحروف، وسبق الكلام على " كان " وأخواتها، وهي من الافعال الناسخة، وسيأتي الكلام على الباقي، وذكر المصنف في هذا الفصل من الحروف [ الناسخة ] قسما يعمل عمل " كان " وهو: ما، ولا، ولات، وإن. أما " ما " فلغة بني تميم أنها لا تعمل شيئا، فتقول: " ما زيد قائم " فزيد: مرفوع بالابتداء، وقائم: خبره، ولا عمل لما في شئ منهما، وذلك لان " ما " حرف لا يختص، لدخوله على الاسم نحو: " ما زيد قائم " وعلى الفعل نحو: " ما يقوم زيد " وما لا يختص فحقه ألا يعمل، ولغة أهل الحجاز إعمالها كعمل " ليس " لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الاطلاق، فيرفعون بها الاسم، وينصبون بها الخبر، نحو: " ما زيد قائما " قال الله تعالى (ما هذا بشرا) وقال تعالى: (ما هن أمهاتهم) وقال الشاعر: 75 - أبناؤها متكنفون أباهم حنقو الصدور، وما هم أولادها.


75 - البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها، وقد أنشده أبو علي ولم ينسبه، وقبله قوله: وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها اللغة: " النذير " المعلم الذي يخوف القوم بما يدهمهم من عدو ونحوه " بحرة " أصله الارض ذات الحجارة السود، وأراد منه هنا الكتيبة السوداء لكثرة ما تحمل من الحديد " أقوادها " جمع قود، وهي الجماعة من الخيل " أبناؤها " أي أبناء هذه الكتيبة التي ينذرهم بها، وأراد رجالها، وأباهم: القائد " متكنفون " أي: قد احتاطوا به، والتفوا حوله، ويروى " متكنفو آبائهم " بالاضافة. الاعراب: " أبناؤها " أبناء: مبتدأ، وأبناء مضاف وضمير الغائبة العائد إلى الحرة مضاف إليه " متكنفون " خبر المبتدأ " أباهم " أبا: مفعول به لقوله " متكنفون " لانه جمع اسم فاعل، وأبا مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه " حنقو " خبر ثان، وحنقو مضاف، و " الصدور " مضاف إليه " وما " نافية حجازية " هم " اسم ما مبني = (*)

[ 303 ]

لكن لا تعمل عندهم إلا بشروط ستة، ذكر المصنف منها أربعة: الاول: ألا يزاد بعدها " إن " فإن زيدت بطل عملها، نحو: " ما إن زيد قائم " برفع قائم، ولا يجوز نصبه، وأجاز ذلك بعضهم (1). الثاني: ألا ينتقض النفي بإلا، نحو: " ما زيد إلا قائم "، فلا يجوز نصب " قائم " و [ كقوله تعالى: (ما أنتم إلا بشر مثلنا) وقوله: (وما أنا إلا نذير) ] خلافا لمن أجازه (2)..


= على الضم في محل رفع " أولادها " أولاد: خبر " ما " منصوب بالفتحة الظاهرة، وأولاد مضاف وها ضمير الحرة مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " وما هم أولادها " حيث أعمل " ما " النافية عمل " ليس " فرفع بها الاسم محلا، ونصب خبرها لفظا، وذلك لغة أهل الحجاز. (1) أجاز يعقوب بن السكيت، إعمال " ما " عمل ليس مع زيادة " إن " بعدها واستدل على ذلك بقول الشاعر: بني غدانة ما إن أنتم ذهبا ولا صريفا، ولكن أنتم الخزف وزعم أن الرواية بالنصب، وأن " ما " نافية، و " أنتم " اسمها، و " ذهبا " خبرها، وجمهور العلماء يروونه " ما إن أنتم ذهب " بالرفع على إهمال " ما "، ومع تسليم صحة الرواية بالنصب فإنا لا نسلم أن " إن " زائدة، ولكنها نافية مؤكدة لنفي ما. (2) ذهب يونس بن حبيب شيخ سيبويه - وتبعه الشلوبين - إلى أنه يجوز إعمال " ما " عمل ليس مع انتقاض نفي خبرها بإلا، وقد استدل على ذلك بقول الشاعر: وما الدهر إلا منجنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبا فزعم أن " ما " نافية، و " الدهر " اسمها، و " منجنونا " خبرها، وأن " ما " في الشطر الثاني نافية كذلك، و " صاحب الحاجات " اسمها، و " معذبا " خبرها، وبقول الشاعر: وما حق الذي يعثو نهارا ويسرق ليله إلا نكالا = (*)

[ 304 ]

الثالث: ألا يتقدم خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، فإن تقدم وجب رفعه، نحو: " ما قائم زيد "، فلا تقول: " ما قائما زيد " وفي ذلك خلاف (1)..


= فما: نافية، وحق: اسمها، ونكالا: خبرها، وقد جاء به منصوبا مع كونه مسبوقا بإلا. وجمهور البصريين لا يقبلون دلالة هذه الشواهد، ويؤولونها، فمما أولوا به البيت الاول أن " منجنونا " مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يشبه منجنونا، وجملة الفعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وكذلك قوله " معذبا " في الشطر الثاني: أي وما صاحب الحاجات إلا يشبه معذبا، وبعضهم يقول: منجنونا مفعول مطلق لفعل محذوف على تقدير مضاف، ومعذبا ليس اسم مفعول، بل هو مصدر ميمي بمعنى التعذيب، فهو أيضا مفعول مطلق لفعل محذوف، ونكالا في البيت الثاني اسم مصدر، فهو كذلك مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دوران منجنون، وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبا أي تعذيبا، وما حق الذي يفسد إلا ينكل به نكالا أي تنكيلا، وهذه الجمل الفعلية كلها في محل رفع أخبار للمبتدآت الواقعة بعد ما النافية في المواضع الثلاثة. (1) ذهب بعض النحاة إلى أنه يجوز إعمال ما إعمال ليس مع تقدم خبرها على اسمها، واستدل على ذلك بقول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر قالوا: ما نافية عاملة عمل ليس، ومثل: خبرها مقدم منصوب، والضمير مضاف إليه، وبشر: اسمها تأخر عن خبرها، وزعموا أن الرواية بنصب مثل. والجمهور يأبون ذلك، ولا يقرون هذا الاستشهاد، ولهم في الرد على هذا البيت ثلاثة أوجه: الاول: إنكار أن الرواية بنصب مثل، بل الرواية عندهم برفعه على أنه خبر مقدم، وبشر: مبتدأ مؤخر. والثاني: أنه على فرض تسليم نصب " مثل " فإن الشاعر قد أخطأ في هذا، = (*)

[ 305 ]

فإن كان ظرفا أو جارا ومجرورا فقدمته فقلت: " ما في الدار زيد "، و " عندك عمرو " فاختلف الناس في " ما " حينئذ: هل هي عاملة أم لا ؟ فمن جعلها عاملة قال: إن الظرف والجار والمجرور في موضع نصب بها، ومن لم يجعلها عاملة قال: إنهما في موضع رفع على أنهما خبران للمبتدأ الذي بعدهما، وهذا الثاني هو ظاهر كلام المصنف، فإنه شرط في إعمالها أن يكون المبتدأ والخبر بعد " ما " على الترتيب الذي زكن، وهذا هو المراد بقوله: " وترتيب زكن " أي: علم، ويعني به أن يكون المبتدأ مقدما والخبر مؤخرا، ومقتضاه أنه متى تقدم الخبر لا تعمل " ما " شيئا، سواء كان الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا، أو غير ذلك، وقد صرح بهذا في غير هذا الكتاب. الشرط الرابع: ألا يتقدم معمول الخبر على الاسم وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، فإن تقدم بطل عملها، نحو: " ما طعامك زيد آكل " فلا يجوز نصب " آكل " ومن أجاز بقاء العمل مع تقدم الخبر يجيز بقاء العمل مع تقدم المعمول بطريق الاولى، لتأخر الخبر، وقد يقال: لا يلزم ذلك، لما في.


= والسر في ذلك الخطأ أنه تميمي، وأراد أن يتكلم بلغة أهل الحجاز، فلم يعرف أنهم لا يعملون " ما " إذا تقدم الخبر على الاسم، ولعله وجد خبر ليس قد جاء متقدما على اسمها، فتوهم أن ما - لكونها بمعنى لبس - تعطي حكمها، ولم يلتفت إلى أن " ما " فرع من ليس في العمل، وأن الفرع ليس في قوة الاصل. والثالث: سلمنا أن الرواية كما يذكرون، وأن الشاعر لم يخطئ. ولكنا لا نسلم أن " مثل " منصوب، بل هو مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم، وبشر: مبتدأ مؤخر، وإنما بنيت " مثل " لانها اكتسبت البناء من المضاف إليه، وجاز ذلك البناء ولم يجب، ولهذا شواهد كثيرة منها قوله تعالى: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) فمثل في هذه الآية الكريمة صفة لحق مع أن حقا مرفوع ومثل مفتوح، فوجب أن يكون مبنيا على الفتح في محل رفع. (20 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 306 ]

الاعمال مع تقدم المعمول من الفصل بين الحرف ومعموله، وهذا غير موجود مع تقدم الخبر. فإن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا لم يبطل عملها، نحو: " ما عندك زيد مقيما، وما بي أنت معنيا "، لان الظروف والمجرورات يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها. وهذا الشرط مفهوم من كلام المصنف، لتخصيصه جواز تقديم معمول الخبر بما إذا كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا. الشرط الخامس: ألا تتكرر " ما "، فإن تكررت بطل عملها، نحو: " ما ما زيد قائم " [ فالاولى نافية، والثانية نفت النفي، فبقي إثباتا ] فلا يجوز نصب " قائم " وأجازه بعضهم (1). الشرط السادس: ألا يبدل من خبرها موجب، فإن أبدل بطل عملها، نحو: " ما زيد بشئ إلا شئ لا يعبأ به " فبشئ: في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي.


(1) إذا رأيت " ما " متكررة في كلام فالثانية: إما أن تكون نافية لنفي الاولى، وإما أن تكون نافية مؤكدة لنفي الاولى، وإما أن تكون زائدة، فإذا كانت الثانية نافية لنفي الاولى صار الكلام إثباتا، لان نفي النفي إثبات، ووجب إهمالهما جميعا، وإذا كانت الثانية زائدة وجب إهمال الاولى أيضا عند من يهمل " ما " إذا اقترنت بها " إن " الزائدة، وإن كانت " ما " الاولى نافية والثانية مؤكدة لنفي الاولى جاز لك حينئذ الاعمال، وعلى هذا ورد قول الراجز: لا ينسك الاسى تأسيا، فما مامن حمام أحد مستعصما فما الاولى هنا: نافية، والثانية مؤكدة لها، وأحد: اسمها، ومستعصما: خبرها، ومن حمام: جار ومجرور متعلق بمستعصم، وأصل الكلام: فما أحد مستعصما من حمام. وبعد، فإنه يجب أن يحمل كلام من أجاز إعمال " ما " عند تكررها على أنه اعتبر الثانية مؤكدة لنفي الاولى، فيكون الخلاف في هذا الموضوع غير حقيقي. (*)

[ 307 ]

هو " زيد " ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرا عن " ما "، وأجازه قوم، وكلام سيبويه - رحمه الله تعالى ! - في هذه المسألة محتمل للقولين المذكورين - أعني القول باشتراط ألا يبدل من خبرها موجب، والقول بعدم اشتراط ذلك - فإنه قال بعد ذكر المثال المذكور - وهو " ما زيد بشئ، إلى آخره ": استوت اللغتان، يعني لغة الحجاز ولغة تميم، واختلف شراح الكتاب فيما يرجع إليه قوله: " استوت اللغتان " فقال قوم: هو راجع إلى الاسم الواقع قبل " إلا " والمراد أنه لا عمل ل‍ " ما " فيه، فاستوت اللغتان في أنه مرفوع، وهؤلاء هم الذين شرطوا في إعمال " ما " ألا يبدل من خبرها موجب، وقال قوم: هو راجع إلى الاسم الواقع بعد " إلا "، والمراد أنه يكون مرفوعا (1) سواء جعلت " ما " حجازية، أو تميمية، وهؤلاء هم الذين لم يشترطوا في إعمال " ما " ألا يبدل من خبرها موجب، وتوجيه كل من القولين، وترجيح المختار منهما وهو الثاني لا يليق بهذا المختصر. * * * ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب بما الزم حيث حل (2).


(1) ظاهر هذا الكلام ليس بسديد، بل يجوز في " شئ " الواقع بعد " إلا " الرفع والنصب، أما النصب فعلى أحد وجهين: الاول الاستثناء، سواء أعملت ما أم أهملتها، الثاني على أنه بدل من شئ المجرور بالباء الزائدة بشرط أن تكون ما عاملة، وأما الرفع فعلى أحد وجهين: الاول أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، وكأنه قيل: إلا هو شئ لا يعبأ به، ولا فرق على هذا الوجه بين أن تكون ما عاملة، أو مهملة، والثاني أن يكون بدلا من شئ الاول بشرط أن تكون ما مهملة. (2) " ورفع " مفعول به مقدم على عامله، وهو قوله " الزم " الآتي، ورفع مضاف و " معطوف " مضاف إليه " لكن " جار ومجرور متعلق بمعطوف " أو ببل " = (*)

[ 308 ]

إذا وقع بعد خبر " ما " عاطف فلا يخلو: إما أن يكون مقتضيا للايجاب، أولا. فإن كان مقتضيا للايجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده وذلك نحو " بل، ولكن " - فتقول: " ما زيد قائما لكن قاعد " أو " بل قاعد "، فيجب رفع الاسم على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير " لكن هو قاعد، وبل هو قاعد " ولا يجوز نصب " قاعد " عطفا على خبر " ما "، لان " ما " لا تعمل في الموجب. وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للايجاب - كالواو ونحوها - جاز النصب والرفع، والمختار النصب، نحو " ما زيد قائما ولا قاعدا " ويجوز الرفع، فتقول: " ولا قاعد " وهو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير " ولا هو قاعد ". ففهم من تخصيص المصنف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد " بل، ولكن " أنه لا يجب الرفع بعد غيرهما. * * * وبعد ما وليس جر البا الخبر وبعد لا ونفي كان قد يجر (1)


= معطوف على قوله " بلكن " السابق " من بعد " جار ومجرور متعلق برفع، وبعد مضاف و " منصوب " مضاف إليه " بما " جار ومجرور متعلق بمنصوب " الزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حيث " ظرف متعلق بالزم، مبني على الضم في محل نصب " حل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة من حل وفاعله في محل جر بإضافة حيث إليها. (1) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " جر " الآتي، وبعد مضاف، و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه " وليس " قصد لفظه أيضا: معطوف على ما " جر " فعل = (*)

[ 309 ]

تزاد الباء كثيرا في الخبر بعد " ليس، وما " نحو قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده) و (أليس الله بعزيز ذي انتقام) و (وما ربك بغافل عما يعملون) و (وما ربك بظلام للعبيد) ولا تختص زيادة الباء بعد " ما " بكونها حجازية خلافا لقوم، بل تزاد بعدها وبعد التميمية، وقد نقل سيبويه والفراء - رحمهما الله تعالى ! - زيادة الباء بعد " ما " عن بني تميم، فلا التفات إلى من منع ذلك، وهو موجود في أشعارهم (1). وقد اضطرب رأي الفارسي في ذلك، فمرة قال: لا تزاد الباء إلا بعد الحجازية، ومرة قال: تزاد في الخبر المنفي. وقد وردت زيادة الباء قليلا في خبر " لا " كقوله:.


= ماض " البا " قصر للضرورة: فاعل جر " الخبر " مفعول به لجر " وبعد " ظرف متعلق بقوله " يجر " الآتي، وبعد مضاف، و " لا " قصد لفظه: مضاف إليه " ونفي " معطوف على لا، ونفي مضاف، و " كان " قصد لفظه: مضاف إليه " قد " حرف تقليل " يجر " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر. (1) من ذلك قول الفرزدق يمدح معن بن أوس، والفرزدق تميمي كما قلنا لك آنفا (305): لعمرك ما معن بتارك حفه ولا منسئ معن ولا متيسر ثم إن الباء قد دخلت في خبر " ما " غير العاملة بسبب فقدان شرط من شروط عملها، وذلك كما في قول المتنخل الهذلي: لعمرك ما إن أبو مالك بواه، ولا بضعيف قواه فأبو مالك مبتدأ، ولا عمل لما فيه، لكونه قد جاء مسبوقا بإن الزائدة بعد ما ؟ وقد أدخل الباء في خبر هذا المبتدأ - وهو قوله " بواه " فدل ذلك على أن كون " ما " عاملة أو حجازية ليس بشرط لدخول الباء على خبرها. (*)

[ 310 ]

76 - فكن لي شفيفا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب وفي خبر [ مضارع ] " كان " المنفية ب‍ " لم " كقوله: 77 - وإن مدت الايدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجل * * *.


76 - البيت لسواد بن قارب الاسدي الدوسي - يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبله قوله: فأشهد أن الله لا شئ غيره وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الاكرمين الاطا يب فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل وإن كان فيما جئت شيب الذوائب اللغة: " فتيلا " هو الخيط الرقيق الذي يكون في شق النواة. الاعراب: " فكن " فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لي " جار ومجرور متعلق بقوله " شفيعا " الآتي " شفيعا " خبر كان " يوم " منصوب على الظرفية الزمانية ناصبه قوله شفيعا " لا " نافية تعمل عمل ليس " ذو " اسمها مرفوع بالواو نيابة عن الضمة، وذو مضاف، و " شفاعة " مضاف إليه " بمغن " الباء زائدة، مغن خبر لا، وهو اسم فاعل - فعله متعد - يرفع فاعلا وينصب مفعولا، وفاعله ضمير مستتر فيه، و " فتيلا " مفعوله " عن سواد " جار ومجرور متعلق بمغن " ابن " صفة لسواد، وابن مضاف، و " قارب " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " بمغن " حيث أدخل الباء الزائدة على خبر لا النافية كما تدخل على خبر ليس وعلى خبر ما. (*) 77 - البيت للشنفري الازدي، وأكثر الرواة على أن اسمه هو لقبه، والبيت من قصيدته المشهورة بين المتأدبين باسم " لامية العرب " وأولها قوله: أقيمو بني أمي صدور مطيسكم فإني إلى قوم سواكم لاميل = (*)

[ 311 ]

في النكرات أعملت كليس " لا " وقد تلي " لات " و " إن " ذا العملا (1).


= اللغة: أقيموا صدور مطيكم " هذه كناية عن طلب الاستعداد لعظائم الامور والجد في طلب المعالي، يقول: جدوا في أمركم وانتبهوا من رقدتكم " فإني إلى قوم سواكم إلخ " يؤذن قومه بأنه مرتحل عنهم ومفارقهم، وكأنه يقول ! إن غفلتكم توجب الارتحال عنكم، وإن ما أعاين من تراخيكم وإقراركم بالضيم لخليق بأن يزهدني في البقاء بينكم " أجشع القوم " الجشع - بالتحريك - أشد الطمع " أعجل " هو صفة مشبهة بمعنى عجل، وليس أفعل تفضيل، لان المعنى يأباه، إذ ليس مراده أن الاشد عجلة هو الجشع، ولكن غرضه أن يقول: إن من يحدث منه مجرد العجلة إلى الطعام هو الجشع، فافهم ذلك. الاعراب: " إن " شرطية " مدت " مد: فعل ماض فعل الشرط، مبني للمجهول، مبني على الفتح في محل جزم، والتاء تاء التأنيث " الايدي " نائب فاعل لمد " إلى الزاد " جار ومجرور متعلق بقوله " مدت " السابق " لم " حرف نفي وجزم وقلب " أكن " فعل مضارع ناقص، وهو جواب الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " بأعجلهم " الباء زائدة، أعجل: خبر أكن، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأعجل مضاف والضمير مضاف إليه " إذ " كلمة دالة على التعليل قيل: هي حينئذ حرف، وقيل: هي ظرف، وعليه فهو متعلق بقوله " أعجل " السابق، و " أجشع " مبتدأ، وأجشع مضاف، و " القوم " مضاف إليه " أعجل " خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " بأعجلهم " حيث أدخل الباء الزائدة على خبر مضارع كان المنفى بلم. واستشهاد الشارح بهذا البيت يدل على أنه فهم أن مراد المصنف بقوله " نفي كان " نفي هذه المادة أعم من أن تكون بلفظ الماضي أو بلفظ المضارع، وأعم من هذه العبارة التي في الالفية قول المصنف في كتابه التسهيل " وبعد نفي فعل ناسخ "، لان الفعل الناسخ يشمل كان وأخواتها، وظن وأخواتها، بأي صيغة كانت هذه الافعال. (1) " في النكرات " جار ومجرور متعلق بقوله " أعملت " الآتي " أعملت " أعمل: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث " كليس " جار ومجرور متعلق = (*)

[ 312 ]

وما ل‍ " لات " في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا، والعكس قل (1) تقدم أن الحروف العاملة عمل " ليس " أربعة، وقد تقدم الكلام على " ما " وذكر هنا " لا " و " لات " و " إن ". أما " لا " فمذهب الحجازيين إعمالها عمل " ليس "، ومذهب تميم إهمالها (2). * (هامش) = بمحذوف حال من " لا " أو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: إعمالا مماثلا إعمال ليس " لا " قصد لفظه: نائب فاعل أعملت " وقد " حرف تقليل " تلي " فعل مضارع " لات " فاعل تلي " وإن " معطوف على لات " ذا " اسم إشارة مفعول به لتلي " العملا " بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الاشارة، وتقدير البيت: أعملت في النكرات " لا " إعمالا مماثلا لاعمال ليس، وقد تلي لات وإن هذا العمل. (1) " ما " نافية " للات " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " في سوى " جار ومجرور متعلق بقوله عمل الآتي، و " سوى " مضاف، و " حين " مضاف إليه " عمل " مبتدأ مؤخر " وحذف " مبتدأ، وحذف مضاف، و " ذي " بمعنى صاحب: مضاف إليه، وذي مضاف و " الرفع " مضاف إليه " فشا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف ذي الرفع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " والعكس " مبتدأ " قل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى العكس، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو العكس. وتقدير البيت: وما للات عمل في غير لفظ حين وما كان بمعناه، وحذف صاحب الرفع من معموليها مع بقاء المنصوب فاش كثير، والعكس - وهو حذف المنصوب وإبقاء المرفوع - قليل. (2) قال أبو حيان: " لم يصرح أحد بأن إعمال لا عمل ليس بالنسبة إلى لغة مخصوصة إلا صاحب المغرب ناصر المطرزي، فإنه قال فيه: بنو تميم يهملونها، وغيرهم يعملها، وفي كلام الزمخشري: أهل الحجاز يعملونهما دون طيئ، وفي البسيط: القياس عند تميم عدم إعمالها، ويحتمل أن يكونوا وافقوا أهل الحجاز على إعمالها " وانظر هذا مع كلام الشارح. (*)

[ 313 ]

ولا تعمل عند الحجازيين إلا بشروط ثلاثة (1): أحدها: أن يكون الاسم والخبر نكرتين، نحو " لا رجل أفضل منك "، ومنه قوله: 78 - تعز فلا شئ على الارض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا.


(1) وبقي من شروط إعمال " لا " عمل ليس شرطان، أولهما: ألا تكون لنفي الجنس نصا، فإن كانت لنفي الجنس نصا عملت عمل إن المؤكدة التي تنصب الاسم وترفع الخبر، وبنى اسمها حينئذ على الفتح إن لم يكن مضافا ولا شبيها به، والشرط الثاني: ألا يتقدم معمول الخبر على اسمها، فإن تقدم نحو " لا عندك رجل مقيم ولا امرأة " أهملت. 78 - هذا البيت من الشواهد التي لم يذكروا لها قائلا معينا. اللغة: " تعز " أمر من التعزي، وأصله من العزاء، وهو التصبر والتسلي على المصائب " وزر " هو الملجأ، والواقي، والحافظ " واقيا " اسم فاعل من الوقاية، وهي الرعاية والحفظ. المعنى: اصبر على ما أصابك، وتسل عنه، فإنه لا يبقى على وجه الارض شئ، وليس للانسان ملجأ يقيه ويحفظه مما قضاه الله تعالى. الاعراب: " تعز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فلا " الفاء تعليلية، ولا: نافية تعمل عمل ليس " شئ " اسمها " على الارض " جار ومجرور متعلق بقوله " باقيا " الآتي، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لشئ " باقيا " خبر لا " ولا " نافية " وزر " اسمها " مما " من: حرف جر، وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلق بقوله " واقيا " الآتي " قضى الله " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: مما قضاه الله، و " واقيا " خبر لا. الشاهد فيه: قوله " لا شئ باقيا، ولا وزر واقيا " حيث أعمل " لا " في الموضعين عمل ليس، واسمها وخبرها نكرتان. هذا، وقد ذهب أبو الحسن الاخفش إلى أن " لا " ليس لها عمل أصلا، لا في = (*)

[ 314 ]

وقوله: 79 - نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل فبوئت حصنا بالكماة حصينا.


= الاسم ولا في الخبر، وأن ما بعدها مبتدأ وخبر، وذهب الزجاج إلى أن " لا " تعمل الرفع في الاسم ولا تعمل شيئا في الخبر، والخبر بعدها لا يكون مذكورا أبدا، وكلا المذهبين فاسد، وبيت الشاهد رد عليهما جميعا، فالخبر مذكور فيه فكان ذكره ردا لما ذهب إليه الزجاج، وهو منصوب، فكان نصبه ردا لما زعمه الاخفش. 79 - هذا الشاهد قد أنشده أبو الفتح بن جنى، ولم ينسبه إلى قائل، وكذا كل من وقفنا على كلام له ذكر فيه هذا البيت ممن جاء بعد أبي الفتح. اللغة: " بوئت " فعل ماض مبني للمجهول، من قولهم: بوأه الله منزلا، أي أسكنه إياه " الكماة " جمع كمى، وهو الشجاع المتكمى في سلاحه، أي: المستتر فيه المتغطى به، وكان من عادة الفرسان المعدودين أن يكثروا من السلاح وعدد الحرب، ويلبسوا الدرع والبيضة والمغفر وغيرهن، لاحد أمرين، الاول: الدلالة على شجاعتهم الفائقة، والثاني: لانهم قتلوا كثيرا من فرسان أعدائهم، فلكثير من الناس عندهم ثارات، فهم يتحرزون من أن يأخذهم بعض ذوي الثارات على غرة. الاعراب: " نصرتك " فعل وفاعل ومفعول به " إذ " ظرف للماضي من الزمان متعلق بنصر " لا " نافية تعمل عمل ليس " صاحب " اسمها " غير " خبر لا، وغير مضاف، و " خاذل " مضاف إليه " فبوثت " الفاء عاطفة، بوئ: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المخاطب نائب فاعل، وهو مقعول أول لبوئ " حصنا " مفعول ثان " بالكماة " جار ومجرور جعله العيني متعلقا بقوله " نصرتك " في أول البيت، وعندي أنه يجوز أن يتعلق بقوله " حصينا " الذي بعده، بل هو أولى وأحسن " حصينا " نعت لقوله حصنا السابق. الشاهد فيه: قوله " لا صاحب غير خاذل " حيث أعمل لا مثل عمل ليس، فرفع بها ونصب، واسمها وخبرها نكرتان، وهو أيضا كالبيت السابق رد لمذهبي الاخفش والزجاج. (*)

[ 315 ]

وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة، وأنشد للنابغة: 80 - بدت فعل ذي ود، فلما تبعتها تولت، وبقت حاجتي في فؤاديا وحلت سواد القلب، لا أنا باغيا سواها، ولا عن حبها متراخيا.


80 - البيتان للنابغة الجعدي، أحد الشعراء المعمرين، أدرك الجاهلية، ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنشده من شعره، فدعا له، والبيتان من مختار أبي تمام. اللغة: " فعل ذي ود " أراد أنها تفعل فعل صاحب المودة، فحذف الفعل وأبقى المصدر، والود - بتثليث الواو - المحبة، ومثله الوداد " تولت " أعرضت ورجعت " بقت حاجتي " بتشديد القاف - تركتها باقية " سواد القلب " سويداؤه وهي حبته السوداء " باغيا " طالبا " متراخيا " متهاونا فيه. الاعراب: " بدت " بدا: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " فعل " قال العيني: منصوب بنزغ الخافض، أي: كفل، وعندي أنه منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: تفعل فعل مضاف إلخ، وفعل مضاف، و " ذي " مضاف إليه، وذي مضاف، و " ود " مضاف إليه " فلما " ظرف بمعنى حين ناصبه قوله " تولت " الذي هو جوابه " تبعتها " فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل جر بإضافة لما إليها " تولت " تولى: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " وبقت " مثله " حاجتي " حاجة: مفعول به لبقت، وحاجة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " في فؤاديا " الجار والمجرور متعلق بقوله " بقت " السابق " وحلت " حل: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " سواد " مفعول به لحلت، وسواد مضاف، و " القلب " مضاف إليه " لا " نافية تعمل عمل ليس " أنا " اسمها " باغيا " خبرها، وفاعله ضمير مستتر فيه " سواها " سوى: مفعول به لباغ، وسوى مضاف والضمير مضاف إليه " ولا " الواو عاطفة، ولا: نافية " عن حبها " الجار والمجرور متعلق بقوله متراخيا الآتي، وحب مضاف وضمير المؤنثة الغائبة مضاف إليه " متراخيا " معطوف على قوله باغيا السابق. الشاهد فيه: قوله " لا أنا باغيا " حيث أعمل " لا " النافية عمل " ليس " مع أن اسمها معرفة، وهو " أنا "، وهذا شاذ، وقد تأول النحاة هذا البيت ونحوه - كما =

[ 316 ]

واختلف كلام المصنف في [ هذا ] البيت، فمرة قال: إنه مؤول، ومرة قال: إن القياس عليه سائغ (1). الشرط الثاني: ألا يتقدم خبرها على اسمها، فلا تقول " لا قائما رجل ". الشرط الثالث: ألا ينتقض النفي بإلا، فلا تقول: " لا رجل إلا أفضل من زيد " بنصب " أفضل "، بل يجب رفعه. ولم يتعرض المصنف لهذين الشرطين. * * *.


= أشار إليه الشارح العلامة، نقلا عن المصنف بتأويلات كثيرة، أحدها: أن قوله " أنا " ليس اسما للا، وإنما هو نائب فاعل لفعل محذوف، وأصل الكلام على هذا " لا أرى باغيا " فلما حذف الفعل، وهو " أرى " برز الضمير المستتر، وانفصل أو يكون الضمير مبتدأ، وقوله " باغيا " حال من نائب فاعل فعل محذوف، والتقدير " لا أنا أرى باغيا "، وجملة الفعل المحذوف مع نائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، ويكون قد استغنى بالمعمول وهو الحال الذي هو قوله " باغيا " عن العامل فيه الذي هو الفعل المحذوف، وزعموا أنه ليس في هذا التأويل ارتكاب شطط ولا غلو في التقدير، فإن من سنن العربية الاستغناء بالمعمول عن العامل كما في الحال السادة مسد الخبر المفصحة عنه، كما اتضح لك ذلك في باب المبتدأ والخبر، فافهم ذلك، والله يرشدك ويتولاك. (1) الذي ذهب إلى أن القياس على هذا البيت سائغ، هو أبو حيان، شارح كتاب التسهيل لابن مالك، فإن ابن مالك قال في التسهيل، " ورفعها معرفة نادر " فقال أبو حيان في شرح هذه العبارة ما نصه: " قال المصنف في الشرح (يريد ابن مالك): وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي * وحلت سواد القلب لا أنا باغيا * البيت اه‍، وقد حذا المتنبي حذو النابغة فقال: إذا الجود لم يرزق خلاصا من الاذى فلا الحمد مكسوبا، ولا المال باقيا والقياس على هذا سائغ عندي (والمتكلم هو أبو حيان) وقد أجاز ابن جنى إعمال لا في المعرفة، وذكر ذلك في كتاب التمام " اه‍ كلام أبي حيان بحروفه. (*)

[ 317 ]

وأما " إن " النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئا، ومذهب الكوفيين - خلا الفراء - أنها تعمل عمل " ليس "، وقال به من البصريين أبو العباس المبرد، وأبو بكر بن السراج، وأبو علي الفارسي، وأبو الفتح بن جنى، واختاره المصنف، وزعم أن في كلام سيبويه - رحمه الله تعالى ! - إشارة إلى ذلك، وقد ورد السماع به، قال الشاعر: 81 - إن هو مستوليا على أحد إلا على أضعف المجانين.


81 - يكثر استشهاد النحاة بهذا البيت، ومع هذا لم يذكره أحد منهم منسوبا إلى قائل معين. اللغة والرواية: يروى عجز هذا البيت في صور مختلفة: إحداها: الرواية التي رواها الشارح. والثانية: * إلا على حزبه الملاعين * والثالثة: * إلا على حزبه المناحيس * " مستوليا " هو اسم فاعل من استولى، ومعناه كانت له الولاية على الشئ وملك زمام التصرف فيه " المجانين " جمع مجنون، وهو من ذهب عقله، وأصله عند العرب من خبله الجن، والمناحيس في الرواية الاخرى: جمع منحوس، وهو من حالفه سوء الطالع. المعنى: ليس هذا الانسان بذي ولاية على أحد من الناس إلا على أضعف المجانين. الاعراب: " إن " نافية تعمل عمل ليس " هو " اسمها " مستوليا " خبرها " على أحد " جار ومجرور متعلق بقوله " مستوليا " السابق " إلا " أداة استثناء " على أضعف " جار ومجرور يقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق، وأضعف مضاف، و " المجانين " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " إن هو مستوليا " حيث أعمل " إن " النافية عمل " ليس " فرفع بها الاسم الذي هو الضمير المنفصل، ونصب خبرها الذي هو قوله " مستوليا ". = (*)

[ 318 ]

وقال آخر: 82 - إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا.


= وهذا الشاهد يرد على الفراء وأكثر البصريين الذين ذهبوا إلى أن " إن " النافية لا تعمل شيئا، لا في المبتدأ ولا في الخبر، ووجه الرد من البيت ورود الخبر اسما مفردا منصوبا بالفتحة الظاهرة، ولا ناصب له في الكلام إلا " إن "، وليس لهم أن يزعموا أن النصب بها شاذ، لوروده في الشعر كثيرا، ولوروده في النثر في نحو قول أهل العالية " إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية "، وقد قرأ بهذه اللغة سعيد بن جبير - رضي الله عنه ! - في الآية الكريمة التي تلاها الشارح. ويؤخذ من هذا الشاهد - زيادة على ذلك - أن " إن " النافية مثل " ما " في أنها لا تختص بالنكرات كما تختص بها " لا ": فإن الاسم في البيت ضمير، وقد نص الشارح على هذا، ومثل له. ويؤخذ منه أيضا أن انتقاض النفي بعد الخبر بإلا لا يقدح في العمل، لانه استثنى بقوله " إلا على أضعف. إلخ ". 82 - وهذا البيت أيضا من الشواهد التي لا يعلم قائلها. المعنى: ليس المرء ميتا بانقضاء حياته، وإنما يموت إذا بغى عليه باغ فلم يجد عونا له، ولا نصيرا يأخذ بيده، وينتصف له ممن ظلمه، يريد أن الموت الحقيقي ليس شيئا بالقياس إلى الموت الادبي. الاعراب: " إن " نافية " المرء " اسمها " ميتا " خبرها " بانقضاء " جار ومجرور متعلق بقوله " ميتا " وانقضاء مضاف، وحياة من " حياته " مضاف إليه، وحياة مضاف والضمير مضاف إليه " ولكن " حرف استدراك " بأن " الباء جارة، وأن مصدرية " يبغى " فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الالف منع من ظهورها التعذر " عليه " جار ومجرور نائب عن الفاعل ليبغي، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء، أي بالبغي عليه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير " ولكن يموت بالبغي عليه " وقوله " فيخذلا " الفاء = (*)

[ 319 ]

وذكر ابن جنى - في المحتسب - أن سعيد بن جبير - رضي الله عنه ! - قرأ (إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم) بنصب العباد. ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين، بل تعمل في النكرة والمعرفة، فتقول: " إن رجل قائما، [ وإن زيد القائم ]، وإن زيد قائما ". * * * وأما " لات " فهي " لا " النافية زيدت عليها تاء التأنيث مفتوحة، ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل " ليس "، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معا، بل [ إنما ] يذكر معها أحدهما، والكثير في لسان العرب حذف اسمها وبقاء خبرها، ومنه قوله تعالى: (ولات حين مناص) بنصب الحين، فحذف الاسم وبقى الخبر، والتقدير " ولات الحين حين مناص " فالحين: اسمها، وحين مناص خبرها، وقد قرئ شذوذا (ولات حين مناص) برفع الحين على أنه اسم " لات " والخبر محذوف، والتقدير " ولات حين مناص لهم " أي: ولات حين مناص كائنا لهم، وهذا هو المراد بقوله: " وحذف ذي الرفع إلى آخر البيت ". وأشار بقوله: " وما للات في سوى حين عمل " إلى ما ذكره سيبويه من أن.


= عاطفة، ويخذل: فعل مضارع مبني للمجهول، معطوف على يبغى، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على المرء، والالف للاطلاق. الشاهد فيه: قوله " إن المرء ميتا " حيث أعمل " إن " النافية عمل " ليس " فرفع بها ونصب، وفي هذا الشاهد مثل ما في الشاهد السابق من وجوه الاستنباط التي ذكرناها.

[ 320 ]

" لات " لا تعمل إلا في الحين، واختلف الناس فيه، فقال قوم: [ المراد ] أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين، ولا تعمل فيما رادفه كالساعة ونحوها، وقال قوم: المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان، فتعمل في لفظ الحين وفيما رادفه من أسماء الزمان، ومن عملها فيما رادفه قول الشاعر: 83 - ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم


83 - قيل: إن هذا الشاهد لرجل من طيئ، ولم يسموه، وقال العيني: قائله محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، ويقال: مهلهل بن مالك الكناني، واستشهد الفراء بقوله " ولات ساعة مندم " ثم قال: ولا أحفظ صدره. اللغة: " البغاة " جمع باغ، مثل قاض وقضاة وداع ودعاة ورام ورماة، والباغي: الذي يتجاوز قدره " مندم " مصدر ميمي بمعنى الندم " مرتع " اسم مكان من قولهم: رتع فلان في المكان يرتع - من باب فتح - إذا جعله ملهى له وملعبا، ومنه قوله تعالى (نرتع ونلعب) " وخيم " أصله أن يقال: وخم المكان، إذا لم ينجع كلؤه، أو لم يوافقك مناخه. الاعراب: " ندم " فعل ماض " البغاة " فاعل ندم " ولات " الواو واو الحال، ولات: نافية تعمل عمل ليس، واسمها محذوف " ساعة " خبرها، والجملة في محل نصب حال، أي: ندم البغاة والحال أن الوقت ليس وقت الندم، لان وقته قد فات، وساعة مضاف و " مندم " مضاف إليه " والبغي " مبتدأ أول مرفوع بالضمة الظاهرة " مرتع " مبتدأ ثان مرفوع بالضمة الظاهرة، ومرتع مضاف ومبتغي من " مبتغيه " مضاف إليه ومبتغي مضاف والهاء مضاف إليه " وخيم " خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول. الشاهد فيه: قوله " ولات ساعة مندم " حيث أعمل " لات " في لفظ " ساعة " وهي بمعنى الحين، وليست من لفظه، وهو مذهب الفراء - فيما نقله عنه جماعة منهم الرضي - إذ ذهب إلى أن " لات " لا يختص عملها بلفظ الحين، بل تعمل فيما دل = (*)

[ 321 ]

وكلام المصنف محتمل للقولين، وجزم بالثاني في التسهيل، ومذهب الاخفش أنها لا تعمل شيئا، وأنه إن وجد الاسم بعدها منصوبا فناصبه فعل مضمر، والتقدير " لات أرى حين مناص " وإن وجد مرفوعا فهو مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير " لات حين مناص كائن لهم " والله أعلم. * * *.


= على الزمان كساعة ووقت وزمان وأوان ونحو ذلك، وفي المسألة كلام طويل لا يليق بسطه بهذه العجالة. ومثل البيت الشاهد ما أنشده ابن السكيت في كتاب الاضداد، وهو: ولتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمن ولات ساعة مندم (21 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 322 ]

أفعال المقاربة ككان كاد وعسى، لكن ندر غير مضارع لهذين خبر (1) هذا هو القسم الثاني من الافعال الناسخة [ للابتداء ]، وهو " كاد " وأخواتها، وذكر المصنف منها أحد عشر فعلا، ولا خلاف في أنها أفعال، إلا عسى، فنقل الزاهد عن ثعلب أنها حرف، ونسب أيضا إلى ابن السراج (2)،.


(1) " ككان " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " كاد " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " لكن " حرف استدراك " ندر " فعل ماض " غير " فاعل ندر، وغير مضاف و " مضارع " مضاف إليه " لهذين " جار ومجرور متعلق بقوله خبر الآتي " خبر " حال من فاعل ندر، وقد وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة التي تقف على المنصوب المنون بالسكون، كما يقف سائر العرب على المرفوع والمجرور المنونين. (2) نص ابن هشام في أكثر كتبه على أن القول بأن " عسى " حرف هو قول الكوفيين، وتبعهم على ذلك ابن السراج، ونص في المغنى وشرح الشذور على أن ثعلبا يرى هذا، وثعلب أحد شيوخ الكوفيين، وملخص مذهبهم أنهم قالوا: عسى حرف ترج، واستدلوا على ذلك بأنها دلت على معنى لعل، وبأنها لا تتصرف كما أن لعل كذلك لا تتصرف، ولما كانت لعل حرفا بالاجماع وجب أن تكون عسى حرفا مثلها، لقوة التشابه بينهما. ومن العلماء من ذهب إلى أن " عسى " على ضربين (انظر ص 345 الآتية): الضرب الاول ينصب الاسم ويرفع الخبر مثل إن وأخواتها، وهذه حرف ترج، ومن شواهدها قول صخر بن العود الحضرمي: فقلت: عساها نار كأس، وعلها تشكى فآتي نحوها فأعودها والضرب الثاني: يرفع المبتدأ وينصب الخبر - وهو الذي نتحدث عنه في هذا الباب، وهو من أفعال المقاربة - وهذا فعل ماض، بدليل قبوله علامة الافعال الماضية كتاء الفاعل في نحو قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض) وأما جمودها ودلالتها على معنى يدل عليه حرف فلا يخرجانها عن الفعلية، وكم من فعل يدل على معنى يدل عليه حرف، وهو مع ذلك جامد، ولم يخرجه ذلك عن فعليته، أليست = (*)

[ 323 ]

والصحيح أنها فعل، بدليل اتصال تاء الفاعل وأخواتها بها، نحو " عسيت " وعسيت، وعسيتما، وعسيتم، وعسيتن ". وهذه الافعال تسمى أفعال المقاربة، وليست كلها للمقاربة، بل هي على ثلاثة أقسام: أحدها: ما دل على المقاربة، وهي: كاد، وكرب، وأوشك. والثاني: ما دل على الرجاء، وهي: عسى، وحرى، واخلولق. والثالث: ما دل على الانشاء، وهي: جعل، وطفق، وأخذ، وعلق، وأنشأ. فتسميتها أفعال المقاربة من باب تسمية الكل باسم البعض. وكلها تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ اسما لها، ويكون خبره خبرا لها في موضع نصب، وهذا هو المراد بقوله: " ككان كاد وعسى " لكن الخبر في.


= حاشا وعدا وخلا دالة على الاستثناء وهي جامدة، وقد جاءت حروف بألفاظها ومعانيها، فلم يكن ذلك موجبا لحرفيتها ؟ وهذا الذي ذكرناه - من أن " عسى " على ضربين، وأنها في ضرب منهما فعل، وفي الضرب الآخر حرف - هو مذهب شيخ النحاة سيبويه (وانظر كتابنا على شرح الاشموني ج 1 ص 463 وما بعدها في الكلام على الشاهد رقم 252). ومن هذا كله يتضح لك: أن في " عسى " ثلاثة أقوال للنحاة، الاول: أنها فعل في كل حال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أو ضمير النصب أم لم يتصل بها واحد منهما، وهو قول نحاة البصرة ورجحه المتأخرون، والثاني: أنها حرف في جميع الاحوال، سواء اتصل بها ضمير الرفع أو النصب أم لم يتصل بها أحدهما، وهو قول جمهرة الكوفيين ومنهم ثعلب، وابن السراج. والثالث: أنها حرف إذا اتصل بها ضمير نصب كما في البيت الذي أنشدناه، وفعل فيما عدا ذلك، وهو قول سيبويه شيخ النحاة، ولا تتسع هذه العجالة السريعة إلى الاحتجاج لكل رأي وتخريج الشواهد على كل مذهب. (*)

[ 324 ]

هذا الباب لا يكون إلا مضارعا، نحو " كاد زيد يقوم، وعسى زيد أن يقوم " وندر مجيئه اسما بعد " عسى، وكاد " كقوله: 84 - أكثرت في العذل ملحا دائما لا تكثرن إني عسيت صائما.


84 - قال أبو حيان: " هذا البيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلى أحد " اه‍، قال ابن هشام: " طعن في هذا البيت عبد الواحد في كتابه بغية الآمل ومنية السائل، فقال: هو بيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت عرف قائلوها وخمسين بيتا مجهولة القائلين " اه‍، وقيل: إنه لرؤبة بن العجاج، وقد بحثت ديوان أراجيز رؤبة فلم أجده في أصل الديوان، وهو مما وجدته في أبيات جعلها ناشره ذيلا لهذا الديوان مما وجده في بعض كتب الادب منسوبا إليه، وذلك لا يدل على صحة نسبتها إليه أكثر مما تدل عليه عبارة المؤلف لكتاب الادب الذي نقل عنه. اللغة: " العذل " الملامة " ملحا " اسم فاعل من " ألح يلح إلحاحا " أي أكثر. الاعراب: " أكثرت " فعل وفاعل " في العذل " جار ومجرور متعلق بأكثر " ملحا " حال من التاء في أكثرت مؤكدة لعاملها " دائما " صفة للحال " لا تكثرن " لا: ناهية، والفعل المضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة في محل جزم بلا، ونون التوكيد حرف مبني على السكون لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إني " إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " عسيت " عسى: فعل ماض ناقص، وتاء المتكلم اسمه " صائما " خبره، والجملة من عسى واسمها وخبرها في محل رفع خبر " إن ". الشاهد فيه: قوله " عسيت صائما " حيث أجرى " عسى " مجرى " كان " فرفع بها الاسم ونصب الخبر، وجاء بخبرها اسما مفردا، والاصل أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع، ومثل هذا البيت قولهم في المثل " عسى الغوير أبؤسا ". وفي البيت توجيه آخر، وهو أن " عسى " هنا فعل تام يكتفي بفاعل، وهو هنا = (*)

[ 325 ]

وقوله: 85 - فأبت إلى فهم، وما كدت آئبا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر.


= تاء المتكلم، بدليل وقوع جملتها خبرا لان الناصبة للاسم الرافعة للخبر، وذلك لان عسى للترجي، والترجي إنشاء، وأيضا فإن الافعال الناقصة جملتها إنشائية، والجمل الانشائية لا تقع خبرا لان، عند الجمهور الذين يجوزون وقوع الانشائية خبرا للمبتدأ غير المنسوخ، وإذا كان ذلك كذلك فلابد أن تكون الجملة خبرية، فلا تكون " عسى " ناقصة، وأما قوله " صائما " على هذا فهو خبر " لكان " محذوفة مع اسمها، وتقدير الكلام: إني رجوت أن أكون صائما. 85 - هذا البيت لتأبط شرا - ثابت بن جابر بن سفيان - من كلمة مختارة، اختارها أبو تمام في حماسته (انظر شرح التبريزي 1 / 85 بتحقيقنا) وأولها قوله: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضا، وقاسى أمره وهو مدبر اللغة: " أبت " رجعت " فهم " اسم قبيلته، وأبوها فهم بن عمرو بن قيس عيلان " تصفر " أراد تتأسف وتتحزن على إفلاتي منها، بعد أن ظن أهلها أنهم قد قدروا على. وقصة ذلك أن قوما من بني لحيان - وهم حي من هذيل - وجدوا تأبط شرا يشتار عسلا من فوق جبل، ورآهم يترصدونه، فخشى أن يقع في أيديهم، فانتحى من الجبل ناحية بعيدة عنهم، وصب ما معه من العسل فوق الصخر، ثم انزلق عليه حتى انتهى إلى الارض، ثم أسلم قدميه للريح، فنجا من قبضتهم. المعنى: يقول: إني رجعت إلى قومي بعد أن عز الرجوع إليهم، وكم مثل هذه الخطة فارقتها، وهي تتأسف وتتعجب مني كيف أفلت منها. الاعراب: " فأبت " الفاء عاطفة، آب: فعل ماض، وتاء المتكلم فاعله " إلى فهم " جار ومجرور متعلق بأبت " وما " الواو حالية، ما: نافية " كدت " كاد: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " آئبا " خبر كاد، والجملة في محل نصب حال " وكم " الواو حالية، كم: خبرية بمعنى كثير مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع " مثلها " مثل: تمييز لكم مجرور بالكسرة الظاهرة، ومثل مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه " فارقتها " فعل وفاعل ومفعول به " وهي " الواو للحال، هي: مبتدأ " تصفر " = (*)

[ 326 ]

وهذا هو مراد المصنف بقوله: " لكن ندر - إلى آخره " لكن في قوله " غير مضارع " إيهام، فإنه يدخل تحته: الاسم، والظرف، والجار والمجرور، والجملة الاسمية، والجملة الفعلية بغير المضارع، ولم يندر مجئ هذه كلها خبرا عن " عسى، وكاد " بل الذي ندر مجئ الخبر اسما، وأما هذه فلم يسمع مجيئها خبرا عن هذين. * * * وكونه بدون " أن " بعد عسى نزر، وكاد الامر فيه عكسا (1).


= فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " وما كدت آئبا " حيث أعمل " كاد " عمل " كان " فرفع بها الاسم ونصب الخبر، ولكنه أتى بخبرها اسما مفردا، والقياس في هذا الباب أن يكون الخبر جملة فعلية فعلها مضارع، ولهذا أنكر بعض النحاة هذه الرواية، وزعم أن الرواية الصحيحة هي " وما كنت آئبا ". (1) " وكونه " الواو عاطفة، وكون: مبتدأ وهو مصدر كان الناقصة فيحتاج إلى اسم وخبر سوى خبره من جهة الابتداء وكون مضاف والضمير مضاف إليه وهو اسمه، وخبره محذوف، أي: وكونه واردا " بدون " جار ومجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف، ودون مضاف و " أن " قصد لفظه: مضاف إليه " بعد " ظرف متعلق أيضا بذلك الخبر المحذوف، وبعد مضاف، و " عسى " قصد لفظه: مضاف إليه " نزر " خبر المبتدأ الذي هو قوله كونه " وكاد " الواو عاطفة، وكاد قصد لفظه: مبتدأ أول " الامر " مبتدأ ثان " فيه " جار ومجرور متعلق بقوله " عكس " الآتي " عكسا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الامر، والجملة من عكس ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول. (*)

[ 327 ]

أي: اقتران خبر " عسى " ب‍ " أن " كثير (1)، وتجريده من " أن " قليل، وهذا مذهب سيبويه ومذهب جمهور البصريين أنه لا يتجرد خبرها من " أن " إلا في الشعر، ولم يرد في القرآن إلا مقترنا ب‍ " أن " قال الله تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح)، وقال عزوجل: (عسى ربكم أن يرحمكم). ومن وروده بدون " أن " قوله: 86 - عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب.


(1) أنت إذا قلت " عسى زيد أن يقوم " فزيد: اسم عسى، وأن والفعل في تأويل مصدر خبره، ويلزم على ذلك الاخبار باسم المعنى وهو المصدر عن اسم الذات وهو زيد، وهو غير الاصل والغالب في كلام العرب. وللعلماء في الجواب عن ذلك أربعة وجوه: أولها: أن الكلام حينئذ على تقدير مضاف، إما قبل الاسم وكأنك قلت: عسى أمر زيد القيام، وإما قبل الخبر وكأنك قلت: عسى زيد صاحب القيام، فعلى الاول تكون قد أخبرت باسم معنى عن اسم معنى، وعلى الثاني تكون قد أخبرت باسم يدل على الذات عن اسم ذات، لان اسم الفاعل يدل على الذات التي وقع منها الحدث أو قام بها. وثانيها: أن هذا المصدر في تأويل الصفة، وكأنك قد قلت: عسى زيد قائما. وثالثها: أن الكلام على ظاهره، والمقصود المبالغة في زيد حتى كأنه هو نفس القيام. وهذه الوجوه الثلاثة جارية في كل مصدر صريح أو مؤول يخبر به عن اسم الذات، أو يقع نعتا لاسم ذات، أو يجئ حالا من اسم الذات. ورابعها: أن " أن " ليست مصدرية في هذا الموضع، بل هي زائدة، فكأنك قلت: عسى زيد يقوم، وهذا وجه ضعيف، لانها لو كانت زائدة لم تعمل النصب، ولسقطت من الكلام في السعة أحيانا، وهي لا تسقط إلا نادرا لضرورة الشعر. 86 - البيت لهدبة بن خشرم العذري، من قصيدة قالها وهو في الحبس، وقد = (*)

[ 328 ]

.


روى أكثر هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه، وروى أبو السعادات ابن الشجري في حماسته منها أكثر مما رواه أبو علي، وأول هذه القصيدة قوله: طربت، وأنت أحيانا طروب وكيف وقد تعلاك المشيب ؟ يجد النأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت على النأي القلوب يؤرقني اكتئاب أبي نمير فقلبي من كآبته كئيب فقلت له: هداك الله ! مهلا وخير القول ذو اللب المصيب عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب اللغة: " طربت " الطرب: خفة تصيب الانسان من فرح أو حزن " النأي " البعد " الكرب " الهم والغم " أمسيت " قال ابن المستوفى: يروى بضم التاء وفتحها، والنحويون إنما يروونه بضم التاء، والفتح عند أبي حنيفة أولى، لانه يخاطب ابن عمه أبا نمير كما هو ظاهر من الابيات التي رويناها، وكان أبو نمير معه في السجن. الاعراب: " عسى " فعل ماض ناقص " الكرب " اسم عسى مرفوع به " الذي " اسم موصول صفة للكرب " أمسيت " أمسى: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " فيه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أمسى، والجملة من أمسى واسمه وخبره لا محل لها صلة الموصول " يكون " فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه " وراءه " وراء: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ووراء مضاف والهاء مضاف إليه " فرج " مبتدأ مؤخر " قريب " صفة لفرج، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر " يكون " والجملة من " يكون " واسمها وخبرها في محل نصب خبر " عسى ". الشاهد فيه: قوله " يكون وراءه - إلخ " حيث وقع خبر " عسى " فعلا مضارعا مجردا من " أن " المصدرية، وذلك قليل، ومثله الشاهد الذي بعده (ش 87) وقول الآخر: عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب (المنهمر: أراد به المطر الكثير، والجون: الاسود، والرباب: السحاب، والسحاب الاسود دليل على أنه حافل بالمطر) ومثل هذه الابيات قول الآخر: فأما كيس فنجا، ولكن عسى يغتر بي حمق لئيم (*)

[ 329 ]

وقوله: 87 - عسى فرج يأتي به الله، إنه له كل يوم في خليقته أمر وأما " كاد " فذكر المصنف أنها عكس " عسى "، فيكون الكثير في.


87 - البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها، وألفاظه كلها ظاهرة المعنى. الاعراب: " عسى " فعل ماض ناقص " فرج " اسمه " يأتي " فعل مضارع " به " جار ومجرور متعلق بيأتي " الله " فاعل يأتي، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر عسى " إنه " إن: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير الشأن اسمه " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " كل " منصوب على الظرفية الزمانية لاضافته إلى اسم الزمان متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، وكل مضاف، و " يوم " مضاف إليه " في خليقته " الجار والمجرور يتعلق بما تعلق به الجار والمجرور السابق، وخليقة مضاف والضمير الموضوع للغائب العائد إلى الله تعالى مضاف إليه " أمر " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر " إن ". الشاهد فيه: قوله: " يأتي به الله " حيث جاء خبر " عسى " فعلا مضارعا مجردا من أن المصدرية، وهذا قليل، ومثله سوى ما ذكرناه مع الشاهد 86 - قول الفرزدق: وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد وفي بيت الفرزدق هذا شاهد آخر، وحاصله: أنه يجوز في الفعل المضارع الذي يقع خبرا لعسى خاصة أن يرفع اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير يعود إلى اسم عسى. فأما غير " عسى " من أفعال هذا الباب فلا يجوز في الفعل المضارع الواقع خبرا لها إلا أن يكون رافعا لضمير يعود على الاسم، وأما قول ذي الرمة: وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه فظاهره أن المضارع الواقع خبرا لكاد وهو " تكلمني " رفع اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير الاسم وهو " أحجاره " فهذا ونحوه شاذ أو مؤول. أما بيت الشاهد (رقم 87) فقد رفع المضارع فيه اسما أجنبيا من اسم عسى، فلا هو ضمير الاسم، ولا هو اسم ظاهر مضاف إلى الاسم، وذلك شاذ أيضا. (*)

[ 330 ]

خبرها أن يتجرد (1) من " أن " ويقل اقترانه بها، وهذا بخلاف ما نص عليه الاندلسيون من أن اقتران خبرها ب‍ " أن " مخصوص بالشعر، فمن تجريده من " أن " قوله تعالى: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) وقال: (من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم) (1) ومن اقترانه ب‍ " أن " قوله صلى الله عليه وسلم: " ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب " وقوله: 88 - كادت النفس أن تفيض عليه إذ غدا حشو ريطة وبرود * * *.


(1) ومثل الآيتين الكريمتين قول أحد أصحاب مصعب بن الزبير، يرثيه وهو الشاهد (رقم 149) الآتي في باب الفاعل: لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا وكاد - لو ساعد المقدور - ينتصر الشاهد فيه: قوله " كاد ينتصر " فإن الفعل المضارع الواقع خبرا لكاد لم يقترن بأن. 88 - هذا البيت من الشواهد التي يذكرها كثير من النحاة وعلماء اللغة غير منسوبة إلى قائل معين، وقد عثرنا بعد طويل البحث على أنه من كلمة لمحمد بن مناذر، أحد شعراء البصرة يرثي فيها رجلا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وقبله: إن عبد المجيد يوم توفي هد ركنا ما كان بالمهدود ليت شعري، وهل درى حاملوه ما على النعش من عفاف وجود ؟ اللغة: " تفيض " من قولهم " فاضت نفس فلان " ويرى في مكانه " تفيظ " وكل الرواة يجيزون أن تقول " فاضت نفس فلان " إلا الاصمعي فإنه أبي إلا أن تقول " فاظت نفس فلان " بالظاء، وكلام غير الاصمعي أسد، فهذا البيت الذي نشرحه دليل على صحته، وكذلك قول الآخر: تفيض نفوسها ظمأ، وتخشى حماما، فهي تنظر من بعيد قول الراجز: تجمع الناس، وقالوا: عرس ففقئت عين، وفاضت نفس = (*)

[ 331 ]

وكعسى حرى، ولكن جعلا خبرها حتما ب‍ " أن " متصلا (1)


= وقول الشاعر في بيت الشاهد " ريطة " بفتح الراء وسكون الياء المثناة - الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، وأراد هنا الاكفان التي يلف فيها الميت. الاعراب: " كادت " كاد: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث " النفس " اسم كاد " أن " مصدرية " تفيض " فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود للنفس، والجملة خبر " كاد " في محل نصب " عليه " جار ومجرور متعلق بقوله تفيض السابق " إذ " ظرف للماضي من الزمان متعلق بقوله " تفيض " أيضا " غدا " فعل ماض بمعنى صار، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عبد المجيد المرثى " حشو " خبر غدا، وحشو مضاف و " ريطة " مضاف إليه " وبرود " معطوف على ريطة. الشاهد فيه: قوله " أن تفيض " حيث أنى بخبر " كاد " فعلا مضارعا مقترنا بأن، وذلك قليل، والاكثر أن يتجرد منها، ومثل هذا البيت قول الشاعر: أبيتم قبول السلم منا، فكدتم لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل وقول رؤبة بن العجاج: ربع عفاه الدهر طولا فامحى قد كاد من طول البلى أن يمصحا ومنه قول جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه ! - " كاد قلبي أن يطير " ومع ورود المضارع الواقع خبرا لكاد مقترنا بأن - في الشعر والنثر نرى أن قول الاندلسيين: إن اقترانه بأن مع كاد ضرورة لا يجوز ارتكابها إلا في الشعر، غير سديد، والصواب ما ذكره الناظم وهو في هذا تابع لسيبويه. (1) " كعسى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " حرى " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " ولكن " حرف استدراك " جعلا " جعل: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق " خبرها " خبر: نائب فاعل جعل وهو مفعول أول وخبر مضاف والضمير مضاف إليه " حتما " صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا، أي: اتصالا حتما " بأن " جار ومجرور متعلق بقوله متصلا الآتي " متصلا " مفعول ثان لجعل. (*)

[ 332 ]

وألزموا اخلولق " أن " مثل حرى وبعد أوشك انتفا " أن " نزرا (1) يعني أن " حرى " مثل " عسى " في الدلالة على رجاء الفعل، لكن يجب اقتران خبرها ب‍ " أن "، نحو " حرى زيد أن يقوم " ولم يجرد خبرها من " أن " لا في الشعر ولا في غيره، وكذلك " اخلولق " تلزم " أن " خبرها نحو " اخلولقت السماء أن تمطر " وهو من أمثلة سيبويه، وأما " أوشك " فالكثير اقتران خبرها ب‍ " أن " ويقل حذفها منه، فمن اقترانه بها قوله: 89 - ولو سئل الناس التراب لاوشكوا - إذا قيل هاتوا - أن يملوا ويمنعوا.


(1) " وألزموا " فعل وفاعل " اخلولق " قصد لفظه: مفعول أول لالزم " أن " قصد لفظه أيضا: مفعول ثان لالزم " مثل " حال صاحبه قوله " اخلولق " السابق، ومثل مضاف و " حرى " قصد لفظه: مضاف إليه " وبعد " ظرف متعلق بقوله " انتفا " الآتي، وبعد مضاف، و " أوشك " قصد لفظه: مضاف إليه " انتفا " قصر للضرورة: مبتدأ، وانتفا مضاف و " أن " قصد لفظه: مضاف إليه " نزرا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى انتفا، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو انتفا، وتقدير البيت: وألزم العرب اخلولق أن حال كونه مشبها في ذلك حرى، وانتفاء أن بعد أوشك قد قل. 89 - هذا البيت أنشده ثعلب في أماليه (ص 433) عن ابن الاعرابي، ولم ينسبه إلى أحد، ورواه الزجاجي في أماليه أيضا (ص 126) وقبله: أبا مالك، لا تسأل الناس، والتمس بكفيك فضل الله، والله أوسع المعنى: إن من طبع الناس أنهم لو سئلوا أن يعطوا أتفه الاشياء، وأهونها خطرا، وأقلها قيمة لما أجابوا، بل إنهم ليمنعون السائل ويملون السؤال. الاعراب: " ولو " شرطية غير جازمة " سئل " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " الناس " نائب فاعل سئل، وهو المفعول الاول " التراب " مفعول ثان لسئل " لاوشكوا " اللام واقعة في جواب " لو " وأوشك: فعل ماض ناقص، = (*)

[ 333 ]

ومن تجرده منها قوله: 90 - يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها * * *.


= وواو الجماعة اسمه " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان " قيل " فعل ماض مبني للمجهول " هاتوا " فعل أمر وفاعله، وجملتهما في محل رفع نائب فاعل لقيل، وجملة قيل ونائب فاعله في محل جر بإضافة " إذا " إليها، وجواب الشرط محذوف، وجملة الشرط وجوابه لا محل لها معترضة بين أوشك مع مرفوعها وخبرها " أن " مصدرية " يملوا " فعل مضارع منصوب بأن، وواو الجماعة فاعل، والجملة في محل نصب خبر أوشك " ويمنعوا " معطوف على يملوا. الشاهد فيه: يستشهد النحاة بهذا البيت ونحوه على أمرين، الاول: في قوله " لاوشكوا " حيث ورد " أوشك " بصيغة الماضي، وهو يرد على الاصمعي وأبي علي اللذين أنكرا استعمال " أوشك " وزعما أنه لم يستعمل من هذه المادة إلا " يوشك " المضارع وسيأتي للشارح ذكر هذا، والاستشهاد له بهذا البيت (ص 338)، والامر الثاني: في قوله " أن يملوا " حيث أتي بخبر " أوشك " جملة فعلية فعلها مضارع مقترن بأن، وهو الكثير. ومن الشواهد على هذين الامرين قول جرير يهجو العباس بن يزيد الكندي: إذا جهل الشقي ولم يقدر ببعض الامر أوشك أن يصابا وقول الكلحبة اليربوعي: إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا 90 - البيت لامية بن أبي الصلت، أحد شعراء الجاهلية، وزعم صاعد أن البيت لرجل من الخوارج، وليس ذلك بشئ، وهو من شواهد سيبويه (ج 2 ص 479). اللغة: " منيته " المنية الموت " غراته " جمع غرة بكسر الغين وهي الغفلة " يوافقها " يصيبها ويقع عليها. المعنى: إن من فر من الموت في الحرب لقريب الوقوع بين برائنه في بعض غفلاته، = (*)

[ 334 ]

ومثل كاد في الاصح كربا وترك " أن " مع ذي الشروع وجبا (1) كأنشأ السائق يحدو، وطفق، كذا جعلت، وأخذت، وعلق (2).


= والغرض تشجيع المخاطبين على اقتحام أهوال الحروب وخوض معامعها، إذ كان الموت ولا بد نازل بكل أحد. الاعراب: " يوشك " فعل مضارع ناقص " من " اسم موصول اسم يوشك " فر " فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الاسم الموصول والجملة لا محل لها صلة " من منيته " الجار والمجرور متعلق بفر، ومنية مضاف والهاء مضاف إليه " في بعض " الجار والمجرور متعلق بقوله " يوافقها " الآتي، وبعض مضاف وغرات من " غراته " مضاف إليه، وغرات مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " يوافقها " يوافق: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والضمير البارز الذي هو للغائبة مفعول به، وجملة يوافقها في محل نصب خبر " يوشك ". الشاهد فيه: قوله " يوافقها " حيث أتى بخبر " يوشك " جملة فعلية فعلها مضارع مجرد من " أن " وهذا قليل. (1) " مثل " خبر مقدم، ومثل مضاف، و " كاد " قصد لفظه: مضاف إليه " في الاصح " جار ومجرور متعلق بقوله مثل لتضمنه معنى المشتق " كربا " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " وترك " مبتدأ، وترك مضاف و " أن " قصد لفظه: مضاف إليه " مع " ظرف متعلق بترك، ومع مضاف و " ذي " مضاف إليه، وذي مضاف و " الشروع " مضاف إليه " وجبا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ترك الواقع مبتدأ، والجملة من وجب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (2) " كأنشأ " الكاف جارة لقول محذوف، أنشأ: فعل ماض ناقص " السائق " اسمه " يحدو " فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة من الفعل المضارع وفاعله في محل نصب خبر أنشأ " وطفق " معطوف على أنشأ " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " جعلت " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " وأخذت، وعلق " معطوفان على جعلت. (*)

[ 335 ]

لم يذكر سيبويه في " كرب " إلا تجرد خبرها من " أن "، وزعم المصنف أن الاصح خلافه، وهو أنها مثل " كاد "، فيكون الكثير فيها تجريد خبرها من " أن " ويقل اقترانه بها، فمن تجريده قوله: 91 - كرب القلب من جواه يذوب حين قال الوشاة: هند غضوب وسمع من اقترانه بها قوله: 92 - سقاها ذوو الاحلام سجلا على الظما وقد كربت أعناقها أن تقطعا .


91 - قيل: إن هذا البيت لرجل من طيئ، وقال الاخفش: إنه للكلحبة اليربوعي أحد فرسان بني تميم وشعرائهم المجيدين. اللغة: " جواه " الجوى: شدة الوجد " الوشاة " جمع واش، وهو التمام الساعي بالافساد بين المتوادين، والذي يستخرج الحديث بلطف، ويروى " حين قال العذول " وهو اللائم " غضوب " صفة من الغضب يستوي فيها المذكر المؤنث كصبور. المعنى: لقد قرب قلبي أن يذوب من شدة ما حل به من الوجد والحزن، حين أبلغني الوشاة الذين يسعون بالافساد بيني وبين من أحبها أنها غاضبة علي. الاعراب: " كرب " فعل ماض ناقص " القلب " اسمه " من جواه " الجار والمجرور متعلق بقوله " يذوب " الآتي، أو بقوله " كرب " السابق، وجوى مضاف وضمير الغائب العائد إلى القلب مضاف إليه " يذوب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القلب، والجملة من يذوب وفاعله في محل نصب خبر كرب " حين " منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بقوله يذوب السابق " قال " فعل ماض " الوشاة " فاعل قال " هند " مبتدأ " غضوب " خبره، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول، وجملة قال وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة " حين " إليها. الشاهد فيه: قوله " يذوب " حيث أتى بخبر " كرب " فعلا مضارعا مجردا من أن. 92 - البيت لابي يزيد الاسلمي، من كلمة له يهجو فيها إبراهيم بن هشام = (*)

[ 336 ]

.


= ابن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، والى المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان وكان قد مدحه من قبل فلم ترقه مدحته، ولم يعطه، ولم يكتف بالحرمان، بل أمر به فضرب بالسياط، وأول هذه الكلمة قوله: مدحت عروقا للندى مصت الثرى حديثا، فلم تهمم بأن تترعرعا نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى وحلبت الايام والدهر أضرعا اللغة: " مصت الثرى حديثا " أراد أنهم حديثو عهد بنعمة، فكنى عن ذلك المعنى بهذه العبارة، ولما عبر عنهم أولا بالعروق جعل الكناية من جنس ذلك الكلام " بأن تترعرعا " يروى براءين مهملتين بينهما عين مهملة، ويروى " تتزعزها " بزاءين معجمتين بينهما عين مهملة كذلك، ومعناه تتحرك، يريد أنهم حدثت لهم النعمة بعد البؤس والضيق، فليس لهم في الكرم عرق ثابت، فهم لا يتحركون للبذل، ولا تهش نفوسهم للعطاء " نقائذ " جمع نقيذ، بمعنى اسم المفعول، يريد أن ذوي قرابة هؤلاء أنقذوهم من البؤس والفقر " أضرع " هو جمع ضرع، والعبارة مأخوذة من قول العرب: حلب فلان الدهر أشطره، يريدون ذاق جلوه ومره " ذوو الاحلام " أصحاب العقول، ويروى " ذوو الارحام " وهم الاقارب من جهة النساء " سجلا " - بفتح فسكون - الدلو ما دام فيها ماء قليلا كان ما فيها من الماء أو كثيرا، وجمعه سجال، فإن لم يكن فيها ماء أصلا فهي دلو لا غير. ولا يقال حينئذ سجل، والغرب - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة، وكذلك الذنوب - بفتح الذال المعجمة - مثل السجل، يريد أن الذي منحه ذوو أرحام هؤلاء إياهم شئ كثير لو وزع على الناس جميعا لوسعهم وكفاهم، ولكنهم قوم بخلاء ذوو أثرة وأنانية، فلا يجودون وإن كثر ما بأيديهم وزاد عن حاجتهم. المعنى: إن هذه العروق التي مدحتها فردتني إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت، ويقصد بذوي أرحامها بني مروان. = (*)

[ 337 ]

والمشهور في " كرب " فتح الراء، ونقل كسرها أيضا. ومعنى قوله " وترك أن مع ذي الشروع وجبا " أن ما دل على الشروع في الفعل لا يجوز اقتران خبره ب‍ " أن " لما بينه وبين " أن " من المنافاة، لان المقصود به الحال، و " أن " للاستقبال، وذلك نحو " أنشأ السائق يحدو، وطفق زيد يدعو، وجعل يتكلم، وأخذ ينظم، وعلق يفعل كذا ". * * * واستعملوا مضارعا لاوشكا وكاد لا غير، وزادوا موشكا (1).


= الاعراب: " سقاها " سقى: فعل ماض، وضمير الغائبة مفعوله الاول " ذوو " فاعل سقى، وذوو مضاف، و " الاحلام " مضاف إليه " سجلا " مفعول ثان لسقى " على الظما " جار ومجرور متعلق بسقاها " وقد " الواو واو الحال، قد: حرف تحقيق " كربت " كرب: فعل ماض ناقص، والتاء تاء التأنيث " أعناقها " أعناق اسم كرب، وأعناق مضاف والضمير مضاف إليه " أن " مصدرية " تقطعا " فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتقطعا منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أعناق، والجملة في محل نصب خبر كرب، والجملة من كرب واسمها وخبرها في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " أن تقطعا " حيث أنى بخبر " كرب " فعلا مضارعا مقترنا بأن وهو قليل، حتى إن سيبويه لم يحك فيه غير التجرد من " أن "، وفي هذا البيت (و) ؟ عليه، ومثله قول الراجز، وهو العجاج بن رؤبة: قد برت أو كربت أن تبورا لما رأيت ييهسا مثبورا ومن ورود خبر " كرب " مضارعا غير مقترن بأن سوى الشاهد السابق (رقم 91) قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: فلا تحرمي نفسا عليك مضيقة وقد كربت من شدة الوجد تطلع (1) " واستعملوا " فعل وفاعل " مضارعا " مفعول به لاستعمل " لاوشكا " جار = (22 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 338 ]

أفعال هذا الباب لا تتصرف، إلا " كاد، وأوشك "، فإنه قد استعمل منهما المضارع، نحو قوله تعالى: (يكادون يسطون) وقول الشاعر: * يوشك من فر من منيته (1) * [ 90 ] وزعم الاصمعي أنه لم يستعمل " يوشك " إلا بلفظ المضارع [ ولم تستعمل " أوشك " بلفظ الماضي ] وليس بجيد، بل قد حكى الخليل استعمال الماضي، وقد ورد في الشعر، كقوله: ولو سئل الناس التراب لاوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا (2) [ 89 ] نعم الكثير فيها استعمال المضارع [ وقل استعمال الماضي ] وقول المصنف: " وزادوا موشكا " معنا أنه قد ورد أيضا استعمال اسم الفاعل من " أوشك " كقوله: 93 - فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الانيس وحوشا يبابا.


= ومجرور متعلق بقوله استعملوا " وكاد " معطوف على أوشك " لا " عاطفة " غير " معطوف على أوشك، مبني على الضم لقطعه عن الاضافة في محل جر " وزادوا " فعل وفاعل " موشكا " مفعول به لزاد. (1) هذا هو الشاهد رقم (90) وقد سبق شرحه قريبا، فانظره (ص 333) ومحل الشاهد فيه هنا قوله " يوشك " حيث استعمل فعلا مضارعا لاوشك، كما بيناه في الموضع الذي أحلناك عليه. (2) هذا هو الشاهد رقم (89) وقد سبق شرحه قريبا، فانظره في (ص 332) والاستشهاد به ههنا لقوله " أوشكوا " حيث استعمل الفعل الماضي، وفيه رد على الاصمعي وأبي علي حيث أنكرا استعمال الفعل الماضي وصيغة المضارع المبني للمجهول، على ما حكاه ابن مالك عنهما، وقد بينا ذلك في الموضع الذي أحلناك عليه. 93 - هذا البيت لابي سهم الهذلي، وبعده قوله: = (*)

[ 339 ]

وقد يشعر تخصيصه " أوشك " بالذكر أنه لم يستعمل اسم الفاعل من " كاد "، وليس كذلك، بل قد ورد استعماله في الشعر، كقوله: 94 - أموت أسى يوم الرجام، وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد وقد ذكر المصنف هذا في غير هذا الكتاب..


= وتوحش في الارض بعد الكلام ولا تبصر العين فيه كلابا اللغة: " خلاف الانيس " أي بعد المؤانس " وحوشا " قفرا خاليا، وقد ضبطه بعض العلماء بضم الواو على أنه جمع وحش، والوحش: صفة مشبهة، تقول: أرض وحش، تريد خالية، وضبطه آخرون بفتح الواو على أنه صفة كصبور " يبابا " قال ابن منظور في اللسان: " اليباب عند العرب: الذي ليس فيه أحد، قال عمر بن أبي ربيعة: ما على الرسم بالبليين لو بين رجع الجواب أو لو أجابا ؟ فإلى قصر ذي العشيرة فالصالف أمسى من الانيس يبابا معناه خاليا لا أحد به " اه‍. الاعراب: " فموشكة " خبر مقدم وهو اسم فاعل من أوشك، ويحتاج إلى اسم وخبر، واسمه ضمير مستتر فيه " أرضنا " أرض: مبتدأ مؤخر، وأرض مضاف والضمير مضاف إليه " أن " مصدرية " تعود " فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أرض " خلاف " منصوب على الظرفية، وناصبه " تعود " وخلاف مضاف، و " الانيس " مضاف إليه " وحوشا " حال من الضمير المستتر في تعود، وقوله " يبابا " حال ثانية، وقيل: تأكيد لانه بمعناه، وقيل: معطوف عليه بحرف عطف مقدر، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر موشك. الشاهد فيه: قوله " فموشكة " حيث استعمل اسم الفاعل من أوشك، ومثله قول كثير بن عبد الرحمن الشهير بكثير عزة: فإنك موشك ألا تراها وتعدو دون غاضرة العوادي 94 - هذا البيت لكثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة، وهو من قصيدة له = (*)

[ 340 ]

وأفهم كلام المصنف أن غير " كاد، وأوشك " من أفعال هذا الباب لم يرد منه المضارع ولا اسم الفاعل وحكى غيره خلاف ذلك، فحكى صاحب.


= طويلة يقولها في رثاء عبد العزيز بن مروان أبي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الاموي العادل، وقبل بيت الشاهد قوله: وكدت وقد سالت من العين عبرة سها عاند منها وأسبل عاند قذيت بها والعين سهو دموعها وعوارها في بان الجفن زائد فإن تركت للكحل لم يترك البكى وتشرى إذا ما حثحثتها المراود اللغة: " سها عاند " يقال: عرق عاند، إذا سال فلم يكد يرقأ، وسئل ابن عباس عن المستحاضة فقال: إنه عرق عاند " قذيت بها " أصابني القذى بسببها " سهو دموعها " ساكنة لينة " عوارها " قذاها " تشرى " تلح " حثحثتها " حركتها " المراود " جمع مرود بزنة منبر وهو ما يحمل به الكحل إلى العين " أسى " حزنا وشدة لوعة " الرجام " بالراء المهملة المكسورة والجيم موضع بعينه، ويصحفه جماعة بالزاي والحاء المهملة. الاعراب: " أموت " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " أسى " مفعول لاجله، ويجوز أن يكون حالا بتقدير " آسيا " أي حزينا " يوم " منصوب على الظرفية الزمانية، وناصبه " أموت " ويوم مضاف و " الرجام " مضاف إليه " وإنني " إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " يقينا " مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أوقن يقينا " لرهن " اللام مؤكدة، ورهن: خبر إن " بالذي " جار ومجرور متعلق برهن " أنا " مبتدأ " كائد " خبره، والجملة لا محل لها صلة الموصول، والعائد إلى الموصول ضمير محذوف منصوب بفعل محذوف تقع جملته في محل نصب خبرا لكائد من حيث نقصانه، واسمه ضمير مستتر فيه، وتقدير الكلام: بالذي أنا كائد ألقاه، مثلا. الشاهد فيه: قوله " كائد " بهمزة بعد ألف فاعل منقلبة عن واو حيث استعمل الشاعر اسم الفاعل من " كاد " هذا توجيه كلام الشارح العلامة، وقد تبع فيه قوما من النحاة، وقيل: إن الصواب في الرواية " كابد " بالباء الموحدة من المكابدة، فلا شاهد فيه. (*)

[ 341 ]

الانصاف استعمال المضارع واسم الفاعل من " عسى " قالوا: عسى يعسي فهو عاس، وحكى الجوهري مضارع " طفق "، وحكى الكسائي مضارع " جعل ". * * * بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد غنى ب‍ " أن يفعل " عن ثان فقد (1) اختصت " عسى، واخلولق، وأوشك " بأنها تستعمل ناقصة وتامة. فأما الناقصة فقد سبق ذكرها. وأما التامة فهي المسندة إلى " أن " والفعل، نحو " عسى أن يقوم، واخلولق أن يأتي، وأوشك أن يفعل " ف‍ " أن " والفعل في موضع رفع فاعل " عسى، واخلولق، وأوشك " واستغنت به عن المنصوب الذي هو خبرها. وهذا إذا لم يل الفعل الذي بعد " أن " اسم ظاهر يصح رفعه به، فإن وليه نحو " عسى أن يقوم زيد " فذهب الاستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعا بالفعل الذي بعد " أن " ف‍ " أن " وما بعدها فاعل لعسى، وهي تامة، ولا خبر لها، وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز


(1) " بعد " ظرف متعلق بقوله يرد الآتي، وبعد مضاف، و " عسى " قصد لفظه مضاف إليه " اخلولق، أوشك " معطوفان على " عسى " بعاطف مقدر " قد " حرف تحقيق " يرد " فعل مضارع " غنى " فاعل يرد " بأن يفعل " جار ومجرور متعلق بقوله " غنى " ومثله قوله " عن ثان " وقوله " فقد " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ثان، والجملة من فقد ونائب فاعله في محل جر صفة لثان. (*)

[ 342 ]

ما ذكره الشلوبين وتجويز وجه آخر، وهو: أن يكون ما بعد الفعل الذي بعد " أن " مرفوعا بعسى اسما لها، و " أن " والفعل في موضع نصب بعسى، وتقدم على الاسم، والفعل الذي بعد " أن " فاعله ضمير يعود على فاعل " عسى " وجاز عوده عليه - وإن تأخر - لانه مقدم في النية. وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول - على مذهب غير الشلوبين - " عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون، وعسى أن يقمن الهندات " فتأتي بضمير في الفعل، لان الظاهر ليس مرفوعا به، بل هو مرفوع ب‍ " عسى " وعلى رأي الشلوبين يجب أن تقول: " عسى أن يقوم الزيدان، وعسى أن يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم الهندات " فلا تأتي في الفعل بضمير، لانه رفع الظاهر الذي بعده. * * * وجردن عسى، أو ارفع مضمرا بها، إذا اسم قبلها قد ذكرا (1).


(1) " وجردن " جرد: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " عسى " قصد لفظه: مفعول به لجرد " أو " حرف عطف معناه التخيير " ارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مضمرا " مفعول به لارفع " بها " جار ومجرور متعلق بارفع " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط " اسم " نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، أي: إذا ذكر اسم " قبلها " قبل: ظرف متعلق بذكر الآتي، وقبل مضاف وها: مضاف إليه " قد " حرف دال على التحقيق مبني على السكون لا محل له من الاعراب " ذكرا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم، والجملة من ذكر ونائب فاعله المستتر فيه لا محل لها تفسيرية. (*)

[ 343 ]

اختصت " عسى " من بين سائر أفعال هذا الباب بأنها إذا تقدم عليها اسم جاز أن يضمر فيها ضمير يعود على الاسم السابق، وهذه لغة تميم، وجاز تجريدها عن الضمير، وهذه لغة الحجاز، وذلك نحو " زيد عسى أن يقوم " فعلى لغة تميم يكون في " عسى " ضمير مستتر يعود على " زيد " و " أن يقوم " في موضع نصب بعسى، وعلى لغة الحجاز لا ضمير في " عسى " و " أن يقوم " في موضع رفع بعسى. وتظهر فائدة ذلك في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول - على لغة - تميم: " هند عست أن تقوم، والزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، والهندان عستا أن تقوما، والهندات عسين أن يقمن " وتقول - على لغة الحجاز: " هند عسى أن تقوم، والزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، والهندان عسى أن تقوما، والهندات عسى أن يقمن ". وأما غير " عسى " من أفعال هذا الباب فيجب الاضمار فيه، فتقول: " الزيدان جعلا ينظمان " ولا يجوز ترك الاضمار، فلا تقول: " الزيدان جعل ينظمان " كما تقول: " الزيدان عسى أن يقوما ". * * * والفتح والكسر أجز في السين من نحو " عسيت "، وانتقا الفتح زكن (1).


(1) " والفتح " مفعول به مقدم على عامله وهو قوله " أجز " الآتي " والكسر " معطوف على الفتح " أجز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في السين " جار ومجرور متعلق بأجز " من نحو " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من السين، ونحو مضاف وقوله " عسيت " قصد لفظه: مضاف إليه " وانتقا " الواو = (*)

[ 344 ]

إذا اتصل ب‍ " عسى " ضمير موضوع للرفع، وهو لمتكلم، نحو " عسيت " أو لمخاطب، نحو " عسيت، وعسيت، وعسيتما، وعسيتم، وعسيتن " أو لغائبات، نحو " عسين " جاز كسر سينها وفتحها، والفتح أشهر، وقرأ نافع: (فهل عسيتم إن توليتم) - بكسر السين - وقرأ الباقون بفتحها. * * *.


= عاطفة، انتقا: مبتدأ: وانتقا مضاف و " الفتح " مضاف إليه " زكن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى انتقا الفتح، والجملة من زكن ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 345 ]

إن وأخواتها لان، أن، ليت، لكن، لعل، كأن عكس ما لكان من عمل (1) كإن زيدا عالم بأني كف ء، ولكن ابنه ذو ضغن (2) هذا هو القسم الثاني من الحروف الناسخة للابتداء، وهي ستة أحرف (3):.


(1) " لان " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " أن، ليت، لكن، لعل، كأن " كلهن معطوف على المجرور بعاطف مقدر " عكس " مبتدأ مؤخر، وعكس مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " لكان " جار ومجرور متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة الموصول: أي عكس الذي استقر لكان " من عمل " جار ومجرور متعلق بما تعلق به الاول. (2) " كإن " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق غير مرة، إن: حرف توكيد ونصب " زيدا " اسمها " عالم " خبرها " بأني " الباء جارة، وأن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " كف ء " خبرها، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله " عالم " السابق " ولكن " حرف استدراك ونصب " ابنه " ابن: اسم لكن، وابن مضاف والهاء مضاف إليه " ذو " خر لكن، وذو مضاف و " ضغن " مضاف إليه. (3) قد عرفت مما قدمنا لك ذكره في أول الكلام على أفعال المقاربة (ص 322) أن سيبويه رحمه الله يرى أن " عسى " قد تكون حرفا دالا على الترجي مثل لعل وأنها على مذهبه تكون عاملة عمل إن، فتنصب الاسم، وترفع الخبر، وذلك في حالة واحدة، وهي أن يتصل بها ضمير نصب، نحو قول الشاعر: * فقلت عساها نار كأس وعلها * وقد تقدم إنشاده كاملا في الموضع الذي أحلناك عليه، ومثله قول الراجز: تقول بنتي: قد أنى أناكا، يا أبتا علك أو عساكا ومثله قول عمران بن حطان الخارجي: = (*)

[ 346 ]

إن، وأن، وكأن، ولكن، وليت، ولعل، وعدها سيبويه خمسة، فأسقط " أن " المفتوحة لان أصلها " إن " المكسورة، كما سيأتي. ومعنى " إن، وأن " التوكيد، ومعنى " كأن " التشبيه، و " لكن " للاستدراك، وليت " للتمني، و " لعل " للترجي والاشفاق، والفرق بين الترجي والتمني أن التمني يكون في الممكن، نحو: " ليت زيدا قائم " وفي غير الممكن، نحو: " ليت الشباب يعود يوما " (1)، وأن الترجي لا يكون إلا في الممكن، فلا تقول: " لعل الشباب يعود " والفرق بين الترجي والاشفاق أن الترجي يكون في المحبوب، نحو: " لعل الله يرحمنا " والاشفاق في المكروه نحو: " لعل العدو يقدم ". وهذه الحروف تعمل عكس عمل " كان " فتنصب الاسم، وترفع الخبر (2).


= ولي نفس أقول لها إذا ما تنازعني: لعلي أو عساني ولهذا تجد ابن هشام عد هذه الحروف سبعة: الستة التي عدها الناظم والشارح، والسابع عسى، عند سيبويه وجماعة من النحاة، فاعرف ذلك. (1) قد وردت هذه الجملة في بيت لابي العتاهية، وهو قوله: ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب (2) ههنا أمران يجب أن تتنبه لهما: الاول: أن هذه الحروف لا تدخل على جملة يجب فيها حذف المبتدأ، كما لا تدخل على مبتدأ لا يخرج عن الابتدائية، مثل " ما " التعجبية، كما لا تدخل على مبتدأ يجب له التصدير - أي الوقوع في صدر الجملة كاسم الاستفهام، ويستثنى من هذا الاخير ضمير الشأن، فإنه مما يجب تصديره، وقد دخلت عليه إن في قول الاخطل التغلبي: إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظباء فإن: حرف توكيد ونصب، واسمها ضمير شأن محذوف، ومن: اسم شرط مبتدأ وخبره جملة الشرط وجوابه أو إحداهما، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن، ولا يجوز أن تجعل اسم الشرط اسما لان، لكونه مما يجب له التصدير، وقد حمل على = (*)

[ 347 ]

.


= ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " فإن: حرف توكيد ونصب، واسمها ضمير شأن محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والمصورون: مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن، وهذا هو الراجح في إعراب هذا الحديث على هذه الرواية، ومنهم من جعل من في قوله " من أشد " زائدة على مذهب الكسائي الذي يجيز زيادة من الجارة في الايجاب، ويجعل " أشد " اسم إن. و " المصورون " خبرها وهو مبني على رأي ضعيف، ولا تدخل هذه الحروف على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا، فأما قوله تعالى (إنهم ساء ما كانوا يعملون) وقوله سبحانه (إن الله نعما يعظكم به) وقول الشاعر: إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما فإنها على تقدير قول محذوف يقع خبرا لان، وتقع هذه الجمل الانشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، والتقدير: إن الذين قتلتم سيدهم مقول في شأنهم لا تحسبوا إلخ، وكذلك الباقي، هكذا قالوا، وهو عندي تكلف والتزام ما لا لزوم له. ويستثنى من ذلك عند هم أن المفتوحة، فإنها انفردت بجواز وقوع خبرها جملة إنشائية، وهو مقيس فيما إذا خففت نحو قوله تعالى (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) وقوله جل شأنه: (والخامسة أن غضب الله عليها). الامر الثاني: أن جماعة من العلماء - منهم ابن سيده - قد حكوا أن قوما من العرب ينصبون بإن وأخواتها الاسم والخبر جميعا، واستشهدوا على ذلك بقول (وينسب إلى عمر بن أبي ربيعة، ولم أجده في ديوانه): إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا، إن حراسنا أسدا ويقول محمد بن ذؤيب العماني الفقيمي الراجز يصف فرسا: كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلما محرفا ويقول ذي الرمة: كأن جلودهن مموهات على أبشارها ذهبا زلالا ويقول الراجز: = (*)

[ 348 ]

نحو: " إن زيدا قائم "، فهي عاملة في الجزءين، وهذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها لا عمل لها في الخبر، وإنما هو باق على رفعه الذي كان له قبل دخول " إن " وهو خبر المبتدأ. * * * وراع ذا الترتيب، إلا في الذي كليت فيها - أو هنا - غير البذي (1) أي: يلزم تقديم الاسم في هذا الباب وتأخير الخبر، إلا إذا كان الخبر ظرفا، أو جارا ومجرورا، فإنه لا يلزم تأخيره، وتحت هذا قسمان: أحدهما: أنه يجوز تقديمه وتأخيره، وذلك نحو: " ليت فيها غير البذي ".


= * يا ليت أيام الصبا رواجعا * وزعم ابن سلام أن لغة جماعة من تميم - هم قوم رؤبة بن العجاج - نصب الجزأين بإن وأخواتها، ونسب ذلك أبو حنيفة الدينوري إلى تميم عامة. وجمهرة النحاة لا يسلمون ذلك كله، وعندهم أن المنصوب الثاني منصوب بعامل محذوف، وذلك العامل المحذوف هو خبر إن، وكأنه قال: إن حراسنا يشبهو ن أسدا، ياليت أيام الصبا تكون رواجع. (1) " وراع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذا " اسم إشارة مفعول به لراع " الترتيب " يدل، أو عطف بيان، أو نعت لاسم الاشارة " إلا " أداة استثناء " في الذي " جار ومجرور يقع موقع المستثنى من محذوف. والتقدير: راع هذا الترتيب في كل تركيب إلا في التركيب الذي إلخ - " كليت " الكاف جارة لقول محذوف، وهي ومجرورها متعلقان بفعل محذوف تقع جملته صلة الذي وليت: حرف تمن ونصب " فيها " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليت مقدم على اسمها " أو " عاطفة، معناه التخيير " هنا " ظرف مكان معطوف على قوله " فيها " " غير " اسم " ليت " مؤخر، وغير مضاف، و " البذي " مضاف إليه، والمراد بالتركيب الذي كليت فيها - إلخ: كل تركيب وقع فيه خبر إن ظرفا أو جارا ومجرورا (*)

[ 349 ]

أو " ليت هنا غير البذي " أي الوقح، فيجوز تقديم " فيها، وهنا " على " غير " وتأخيرهما عنها. والثاني: أنه يجب تقديمه، نحو: " ليت في الدار صاحبها " فلا يجوز تأخير " في الدار " لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. ولا يجوز تقديم معمول الخبر على الاسم إذا كان غير ظرف ولا مجرور، نحو: " إن زيدا آكل طعامك " فلا يجوز " إن طعامك زيدا آكل " وكذا إن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا، نحو: " إن زيدا واثق بك " أو " جالس عندك " فلا يجوز تقديم المعمول على الاسم، فلا تقول: " إن بك زيدا واثق " أو " إن عندك زيدا جالس " وأجازه بعضهم، وجعل منه قوله: 95 - فلا تلحني فيها، فإن بحبها أخاك مصاب القلب جم بلابله * * * .


95 - هذا البيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لم ينسبوها إلى قائل معين (انظر كتاب سيبويه 1 / 280). اللغة: " لا تلحني " - من باب فتح - أي: لا تلمني ولا تعذلني " جم " كثير، عظيم " بلابله " أي وساوسه، وهو جمع بلبال، وهو الحزن واشتغال البال. المعنى: قال الاعلم في شرح شواهد سيبويه " يقول لا تلمني في حب هذه المرأة فقد أصيب قلبي بها، واستولى عليه حبها، فالعذل لا يصرفني عنها " اه‍. الاعراب: " فلا " ناهية " تلحني " تلح: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به " فيها " جار ومجرور متعلق بتلحني " فإن " الفاء تعليلية، إن: حرف توكيد ونصب " بحبها " الجار والمجرور متعلق بقوله " مصاب " الآتي، وحب مضاف، وها: ضمير الغائبة مضاف إليه " أخاك " أخا: اسم إن، وأخا مضاف والكاف مضاف إليه " مصاب " خبر إن، ومصاب مضاف و " القلب " مضاف إليه " جم " خبر ثان لان " بلابله " بلابل: فاعل لجم، مرفوع بالضمة الظاهرة، وبلابل مضاف وضمير الغائب العائد إلى " أخاك " مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر. = (*)

[ 350 ]

وهمز إن افتح لسد مصدر مسدها، وفي سوى ذاك اكسر (1) " إن " لها ثلاثة أحوال: وجوب الفتح، ووجوب الكسر، وجواز الامرين: فيجب فتحها إذا قدرت بمصدر، كما إذا وقعت في موضع مرفوع فعل (2)،.


= الشاهد فيه: تقديم معمول خبر " إن " وهو قوله " بحبها " على اسمها وهو قوله " أخاك " وخبرها وهو قوله " مصاب القلب " وأصل الكلام " إن أخاك مصاب القلب بحبها " فقدم الجار والمجرور على الاسم، وفصل به بين إن واسمها، مع بقاء الاسم مقدما على الخبر، وإجازة هذا هو ما رآه سيبويه شيخ النحاة (انظر الكتاب 1 / 280). (1) " وهمز " مفعول مقدم على عامله، وهو قوله " افتح " الآتي، وهمز مضاف و " إن " قصد لفظه: مضاف إليه " افتح " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لسد " جار ومجرور متعلق بافتح، وسد مضاف و " مصدر " مضاف إليه " مسدها " مسد: مفعول مطلق، ومسد مضاف والضمير مضاف إليه " وفي سوى " جار ومجرور متعلق بقوله " اكسر " الآتي، وسوى مضاف واسم الاشارة من " ذاك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " اكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (2) شمل قول الشارح " مرفوع فعل " ما إذا وقعت أن في موضع الفاعل كالمثال الذي ذكره، ومنه قوله تعالى: (أو لم يكفهم أنا أنزلنا) أي: أو لم يكفهم إنزالنا، وما إذا وقعت في موضع النائب عن الفاعل، نحو قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن) أي: قل أوحي إلي استماع نفر من الجن، ولا فرق بين أن يكون الفعل ظاهرا كما في هذه الامثلة، وبين أن يكون الفعل مقدرا، وذلك بعد " ما " المصدرية نحو قولهم: " لا أكلمه ما أن في السماء نجما " وقولهم: " لا أفعل هذا ما أن حراء مكانه " التقدير: لا أكلمه ما ثبت كون نجم في السماء، ولا أفعله ما ثبت كون حراء في مكانه، وبعد " لو " الشرطية في مذهب الكوفيين، وذلك كما في نحو قوله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم) أي لو ثبت صبرهم. (*)

[ 351 ]

نحو: " يعجبني أنك قائم " أي: قيامك، أو منصوبه، نحو: " عرفت أنك قائم " أي: قيامك، أو في موضع مجرور حرف، نحو: " عجبت من أنك قائم " أي: من قيامك (1)، وإنما قال: " لسد مصدر مسدها " ولم يقل: " لسد مفرد مسدها " لانه قد يسد المفرد مسدها ويجب كسرها، نحو: " ظننت زيدا إنه قائم "، فهذه يجب كسرها وإن سد مسدها مفرد، لانها في موضع المفعول الثاني، ولكن لا تقدر بالمصدر، إذ لا يصح " ظننت زيدا قيامه ". فإن لم يجب تقديرها بمصدر لم يجب فتحها، بل تكسر: وجوبا، أو جوازا، على ما سنبين، وتحت هذا قسمان، أحدهما: وجوب الكسر، والثاني: جواز الفتح والكسر، فأشار إلى وجوب الكسر بقوله:.


(1) ذكر المؤلف ضابطا عاما للمواضع التي يجب فيها فتح همزة " إن " وهو أن يسد المصدر مسدها - وقد ذكر الشارح ثلاثة منها، وبقيت عليه خمسة مواضع أخرى: الاول: أن تقع في موضع مبتدأ مؤخر، نحو قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الارض) أي ومن آياته رؤيتك الارض. الثاني: أن تقع في موضع خبر مبتدأ، بشرط أن يكون ذلك المبتدأ غير قوله، وبشرط ألا يكون خبر أن صادقا على ذلك المبتدأ، نحو قولك: ظني أنك مقيم معنا اليوم، أي ظني إقامتك معنا اليوم. الثالث: أن تقع في موضع المضاف إليه نحو قوله تعالى: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) أي مثل نطقكم، فما: صلة، ومثل مضاف وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالاضافة. الرابع: أن تقع في موضع المعطوف على شئ مما ذكرناه، نحو قوله تعالى: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأني فضلتكم على العالمين) أي: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم. الخامس: أن تقع في موضع البدل من شئ مما ذكرناه، نحو قوله تعالى: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) أي: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين كونها لكم، فهو بدل اشتمال من المفعول به. (*)

[ 352 ]

فاكسر في الابتدا، وفي بدء صله وحيث " إن " ليمين مكمله (1) أو حكيت بالقول، أو حلت محل حال، كزرته وإني ذو أمل (2) وكسروا من بعد فعل علقا باللام، كاعلم إنه لذو تقى (3).


(1) " فاكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في الابتدا " جار ومجرور متعلق باكسر " وفي بدء " جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور السابق، وبدء مضاف و " صله " مضاف إليه " وحيث " الواو عاطفة، حيث: ظرف معطوف على الجار والمجرور " إن " قصد لفظه: مبتدأ " ليمين " جار ومجرور متعلق بقوله " مكمله " الآتي " مكمله " خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة " حيث " إليها. (2) " أو " حرف عطف " حكيت " حكى: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى إن، والجملة معطوفة على جملة المبتدأ والخبر السابقة " بالقول " جار ومجرور متعلق بحكيت " أو " حرف عطف " حلت " حل: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى إن " محل " مفعول فيه، ومحل مضاف، و " حال " مضاف إليه " كزرته " الكاف جارة لقول محذوف، كما سلف مرارا، زرته: فعل وفاعل ومفعول " وإني " الواو واو الحال، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " ذو " خبرها، وذو مضاف، و " أمل " مضاف إليه، والجملة من إن واسمها وخبرها في محل نصب حال صاحبه ناء المتكلم في " زرته ". (3) " وكسروا " الواو عاطفة، وكسروا: فعل وفاعل " من بعد " جار ومجرور متعلق بكسروا، وبعد مضاف، و " فعل " مضاف إليه " علقا " علق: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل والجملة في محل جر نعت لفعل " باللام " جار ومجرور متعلق بعلق " كاعلم " الكاف جارة لقول محذوف، اعلم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إنه " إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها " لذو " اللام هي لام الابتداء، وهي المعلقة، ذو: خبر إن مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لانه من الاسماء الستة، وذو مضاف، و " تقى " مضاف إليه. (*)

[ 353 ]

[ فذكر أنه ] يجب الكسر في ستة مواضع: الاول: إذا وقعت " إن " ابتداء، أي: في أول الكلام، نحو: " إن زيدا قائم " ولا يجوز وقوع المفتوحة ابتداء، فلا تقول: " أنك فاضل عندي " بل يجب التأخير، فتقول: " عندي أنك فاضل " وأجاز بعضهم الابتداء بها. الثاني: أن تقع " إن " صدر صلة، نحو: " جاء الذي إنه قائم "، ومنه قوله تعالى: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء). الثالث: أن تقع جوابا للقسم وفي خبرها اللام، نحو: " والله إن زيدا لقائم " وسيأتي الكلام على ذلك. الرابع: أن تقع في جملة محكية بالقول، نحو: " قلت إن زيدا قائم " [ قال تعالى: (قال إني عبد الله) ]، فإن لم تحك - به بل أجرى القول مجرى الظن - فتحت، نحو: " أتقول أن زيدا قائم " أي: أتظن. الخامس: أن تقع في جملة في موضع الحال، كقوله: " زرته وإني ذو أمل " ومنه قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) وقول الشاعر: 96 - ما أعطياني ولا سألتهما إلا وإني لحاجزي كرمي.


96 - البيت لكثير عزة، وهو كثير بن عبد الرحمن، من قصيدة له يمدح فيها عبد الملك بن مروان بن الحكم وأخاه عبد العزيز بن مروان، وأول هذه القصيدة قوله: دع عنك سلمى إذ فات مطلبها واذكر خليليك من بني الحكم اللغة: " مطلبها " يجوز أن يكون ههنا مصدرا ميميا بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون اسم زمان بمعنى وقت الطلب، والثاني أقرب " إلا " رواية سيبويه - رحمه الله - على أنها أداة استثناء مكسورة الهمزة مشددة اللام، ورواية أبي العباس المبرد بفتح الهمزة وتخفيف اللام على أنها أداة استفتاح، ورواية سيبويه أعرف وأشهر وأصلح من جهة = (23 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 354 ]

السادس: أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علق عنها باللام، نحو: " علمت إن زيدا لقائم " وسنبين هذا في باب " ظن " فإن لم في خبرها اللام فتحت، نحو: " علمت أن زيدا قائم ". هذا ما ذكره المصنف، وأورد عليه أنه نقص مواضع يجب كسر إن " فيها: الاول: إذا وقعت بعد " ألا " الاستفتاحية، نحو: " ألا إن زيدا قائم ". ومنه قوله تعالى: (ألا إنهم هم السفهاء)..


= المعنى " حاجزي " أي مانعي، وتقول: حجزه يحجزه من باب ضرب - إذا منعه وكفه. الاعراب: " ما " نافية " أعطياني " أعطي: فعل ماض، وألف الاثنين فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: ما أعطياني شيئا " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " سألتهما " فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، وتقديره كالسابق " إلا " أداة استثناء، والمستثنى منه محذوف، أي: ما أعطياني ولا سألتهما في حالة من الاحوال " وإني " الواو واو الحال، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " لحاجزي " اللام للتأكيد، حاجز: خبر إن، وحاجز مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله " كرمي " كرم: فاعل بحاجز، وكرم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب حال، وهذه الحال في المعنى مستثناة من عموم الاحوال، وكأنه قال: ما أعطياني ولا سألتهما في حالة إلا هذه. الشاهد فيه: قوله " إلا وإني - إلخ " حيث جاءت همزة " إن " مكسورة لانها وقعت موقع الحال، وثمت سبب آخر في هذه العبارة يوجب كسر همزة " إن " وهو اقتران خبرها باللام، وقال الاعلم (ج 1 ص 472): الشاهد فيه كسر إن، لدخول اللام في خبرها، ولانها واقعة موقع الجملة النائبة عن الحال، ولو حذف اللام لم تكن إلا مكسورة لذلك " اه‍. ومثل هذا البيت قول الله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق) فإن في هذه الآية الكريمة مكسورة الهمزة وجوبا لسببين كل واحد منهما يقتضي ذلك على استقلاله: وقوعها موقع الحال، واقتران خبرها باللام. (*)

[ 355 ]

الثاني: إذا وقعت بعد " حيث "، نحو: " اجلس حيث إن زيدا جالس ". الثالث: إذا وقعت في جملة هي خبر عن اسم عين، نحو: " زيد إنه قائم ". ولا يرد عليه شئ من هذه المواضع، لدخولها تحت قوله: " فاكسر في الابتدا " لان هذه إنما كسرت لكونها أول جملة مبتدأ بها. * * * بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي (1) مع تلو فا الجزا، وذا يطرد في نحو " خير القول إني أحمد " (2).


(1) " بعد " ظرف متعلق بقوله " نمي " في آخر البيت، وبعد مضاف، و " إذا " مضاف إليه، وإذا مضاف و " فجاءة " مضاف إليه، وهي من إضافة الدال إلى المدلول " أو " حرف عطف " قسم " معطوف على إذا " لا " نافية للجنس " لام " اسمها " بعده " بعد: ظرف متعلق بمحذوف خبر لا، وبعد مضاف والهاء مضاف إليه، وجملة لا واسمها وخبرها في محل جر نعت لقسم " بوجهين " جار ومجرور متعلق بقوله " نمي " الآتي " نمي " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى همز إن. (2) " مع " ظرف معطوف على قوله " بعد " السابق بعاطف مقدر، ومع مضاف و " تلو " مضاف إليه، وتلو مضاف و " فا " قصر للضرورة: مضاف إليه، وفا مضاف و " الجزا " قصر للضرورة أيضا: مضاف إليه " ذا " اسم إشارة مبتدأ " يطرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على اسم الاشارة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " في نحو " جار ومجرور متعلق بيطرد " خير " مبتدأ، وخير مضاف و " القول " مضاف إليه " إني " إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " أحمد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، وجملة المضارع وفاعله في محل رفع خبر إن، وجملة إن ومعموليها في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر بإضافة " نحو " إليه. (*)

[ 356 ]

يعني أنه يجوز فتح " إن " وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية، نحو " خرجت فإذا إن زيدا قائم " فمن كسرها جعلها جملة، والتقدير: خرجت فإذا زيد قائم، ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدرا، وهو مبتدأ خبره إذا الفجائية، والتقدير " فإذا قيام زيد " أي ففي الحضرة قيام زيد، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، والتقدير " خرجت فإذا قيام زيد موجود " (1)، ومما جاء بالوجهين قوله: 97 - وكنت أرى زيدا - كما قيل - سيدا إذا أنه عبد القفا واللهازم.


(1) هذان الوجهان اللذان جوزهما المؤلف على تقدير فتح همز أن بعد إذا الفجائية مبنيان على الخلاف في إذا الفجائية: أهي حرف أم ظرف ؟ (انظر ص 244 وما بعدها) فمن قال هي ظرف مكاني أو زماني جعلها الخبر، وفتح الهمزة، ومن قال هي حرف أجاز جعل إن واسمها وخبرها جملة أو جعلها في تأويل مفرد، وهذا المفرد إما أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، وإما أن يكون مبتدأ والخبر محذوفا، فإن جعلتها جملة كسرت الهمزة، وإن جعلتها مفردا فتحت الهمزة. والحاصل أن من قال " إذا حرف مفاجأة " وهو ابن مالك - جاز عنده كسر همزة إن بعدها على تقدير أن ما بعدها جملة تامة، وجاز عنده أيضا فتح الهمزة على تقدير أن ما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف، وأما من جعل إذا ظرفا زمانيا أو مكانيا فقد أوجب فتح همزة أن على أنها في تأويل مصدر مبتدأ خبره الظرف قبله. ومن هنا يتبين لك أن كلام الناظم وجعله " إن " بعد " إذا " ذات وجهين لا يتم إلا على مذهبه أن إذا الفجائية حرف، أو على التلفيق من المذهبين: بأن يكون الفتح على مذهب من قال بظرفيتها والكسر على مذهب من قال بحرفيتها، مع أن من قال بحرفيتها يجوز فيها الفتح أيضا. 97 - هذا البيت من شواهد سيبويه التي لم ينسبوها، وقال سيبويه قبل أن ينشده (472 1): " وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به " اه‍. اللغة: " اللهازم " جمع لهزمة - بكسر اللام والزاي - وهي طرف الحلقوم، ويقال: هي عظم ناتئ تحت الاذن، وقوله " عبد القفا واللهازم " كناية عن الخسة والدناءة والذلة، وذلك لان القفا موضع الصفع، واللهزمة موضع اللكز، فأنت إذا = (*)

[ 357 ]

.


نظرت إلى هذين الموضعين منه اتضح لك أنه يضرب على قفاه ولهزمته، وليس أحد يضرب على قفاه ولهزمته غير العبد، فتعرف من ذلك عبوديته وذلته ودناءته. المعنى: كنت أظن زيدا سيدا كما قيل لي عنه، فإذا هو ذليل خسيس لا سيادة له ولا شرف. الاعراب: " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أرى " بزنة المبني للمجهول ومعناه أظن - فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " زيدا " مفعوله الاول " كما " الكاف جارة، وما: مصدرية " قيل " فعل ماض مبني للمجهول وما المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف: أي كقول الناس، والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، والتقدير: ظنا موافقا قول الناس " سيدا " مفعول ثان لارى، والجملة من " أرى " وفاعلها ومفعوليها في محل نصب خبر كان " إذا " فجائية " إنه " إن: حرف توكيد ونصب، والهاء اسمه " عبد " خبر إن، وعبد مضاف و " القفا " مضاف إليه " واللهازم " معطوف على القفا. الشاهد فيه: قوله " إذا أنه " حيث جاز في همزة " إن " الوجهان، فأما الفتح فعلى أن تقدرها مع معموليها بالمفرد الذي هو مصدر، وإن كان هذا المفرد محتاجا إلى مفرد آخر لتتم بهما جملة، وهذا الوجه يتأتى على الراجح عند الناظم من أن إذا حرف لا ظرف، كما أنه يتأتى على القول بأنها ظرف، وأما الكسر فلتقديرها مع مفعوليها جملة، وهي في ابتدائها، قال سيبويه: " فحال إذا ههنا كحالها إذا قلت: مررت فإذا أنه عبد، تريد مررت به فإذا العبودية واللؤم، كأنك قلت: مررت فإذا أمره العبودية واللؤم، ثم وضعت أن في هذا الموضع جاز " اه‍، وقال الاعلم: " الشاهد فيه جواز فتح إن وكسرها يعد إذا، فالكسر على نية وقوع المبتدأ، والاخبار عنه بإذا، والتقدير فإذا العبودية، وإن شئت قدرت الخبر محذوفا على تقدير: فإذا العبودية شأنه " اه‍. والمحصل من وجوه الاعراب الجائز في هذا الاسلوب أن نقول لك: أما من ذهب إلى أن إذا الفجائية ظرف فأوجب فتح همزة إن، وجعل أن وما دخلت = (*)

[ 358 ]

روى بفتح " أن " وكسرها، فمن كسرها جعلها جملة [ مستأنفة ]، والتقدير " إذا هو عبد القفو اللهازم " ومن فتحها جعلها مصدرا مبتدأ، وفي خبره الوجهان السابقان، والتقدير على الاول " فإذا عبوديته " أي: ففي الحضرة عبوديته، وعلى الثاني " فإذا عبوديته موجودة ". وكذا يجوز فتح " إن " وكسرها إذا وقعت جواب قسم، وليس في خبرها اللام، نحو " حلفت أن زيدا قائم " بالفتح والكسر، وقد روي بالفتح والكسر قوله: 98 - لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبي.


= عليه في تأويل مصدر، ويجوز لك - حينئذ - ثلاثة أوجه من الاعراب: الاول أن يكون المصدر مبتدأ خبره إذا نفسها، والثاني أن يكون المصدر مبتدأ خبره محذوف، أي فإذا العبودية شأنه، أو فإذا العبودية موجودة، وهذا تقدير الشارح كغيره، والثالث أن تجعل المصدر خبر مبتدأ محذوف، والتقدير فإذا شأنه العبودية، وهذا تقدير سيبويه كما سمعت في عبارته. وأما من ذهب إلى أن إذا الفجائية حرف فأجاز فتح همزة إن وأجاز كسرها، فإن فتحتها فهي ومدخولها في تأويل مصدر، ولك وجهان من الاعراب، الاول أن تجعل المصدر مبتدأ خبره محذوف، والثاني: أن تجعل المصدر خبر مبتدأ محذوف، وليس لك على هذا أن تجعل " إذا " نفسها خبر المبتدأ، لان إذا حينئذ حرف وليست ظرفا، وإن كسرتها فليس لك إلا الاعراب الظاهر، إذ ليس في الكلام تقدير، فاحفظ هذا والله تعالى يرشدك. 98 - البيتان ينسبان إلى رؤبة بن العجاج، وقال ابن برى: " هما لاعرابي قدم من سفر فوجد امرأته وضعت ولدا فأنكره ". اللغة: " القصي " البعيد النائي " ذي القاذورة " المراد به الذي لا يصاحبه الناس لسوء خلقه، ويقال: هذا رجل قاذورة، وهذا رجل ذو قاذورة، إذا كان الناس = (*)

[ 359 ]

.


يتحامون صحبته لسوء أخلاقه ودنئ طباعه " المقلي " المكروه، اسم مفعول مأخوذ من قولهم: قلاه يقليه، إذا أبغضه واجتواه، ويقال في فعله أيضا: قلاه يقلوه، فهو يائي واوي، إلا أنه ينبغي أن يكون اسم المفعول الذي معنا في هذا الشاهد مأخوذا من اليائي، لانه لو كان من الواوي لقال: مقلو، كما تقول: مدعو ومغزو، من دعا يدعو، وغزا يغزو. الاعراب: " لتقعدن " اللام واقعة في جواب قسم محذوف، تقعدن: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الامثال، وياء المؤنثة المخاطبة المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين فاعل، والنون للتوكيد، وأصله " نقعدينن " فحذفت نون الرفع فرارا من اجتماع ثلاث نونات، فلما حذفت التقى ساكنان، فحذفت ياء المؤنثة المخاطبة للتخلص من التقائهما وهي كالثابتة، لكون حذفها لعلة تصريفية، وللدلالة عليها بكسر ما قبلها " مقعد " مفعول فيه أو مفعول مطلق، ومقعد مضاف و " القصي " مضاف إليه " مني " جار ومجرور متعلق بتقعدن، أو بالقصي، أو بمحذوف حال " ذي " نعت للقصي، وذي مضاف و " القاذورة " مضاف إليه " المقلي " نعت ثان للقصي " أو " حرف عطف بمعنى إلا " تحلفي " فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد أو، وعلامة نصبه حذف النون، وياء المخاطبة فاعل " بربك " الجار والمجرور متعلق بتحلفي، ورب مضاف والكاف مضاف إليه " العلي " صفة لرب " أني " أن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمه " أبو " خبر أن، وأبو مضاف وذيا من " ذيالك " اسم إشارة مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب " الصبي " بدل من اسم الاشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. الشاهد فيه: قوله " أني " حيث يجوز في همزة " إن " الكسر والفتح، لكونها واقعة بعد فعل قسم لا لام بعده. أما الفتح فعلى تأويل أن مع اسمها وخبرها بمصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: أو تحلفي على كوني أبا لهذا الصبي. وأما الكسر فعلى اعتبار إن واسمها وخبرها جملة لا محل لها من الاعراب جواب القسم. ووجه جواز هذين الوجهين في هذا الموضع أن القسم يستدعي جوابا لابد أن = (*)

[ 360 ]

ومقتضى كلام المصنف أنه يجوز فتح " إن " وكسرها بعد القسم إذا لم يكن في خبرها اللام، سواء كانت الجملة المقسم بها فعلية، والفعل فيها ملفوظ به، نحو " حلفت إن زيدا قائم " أو غير ملفوظ به، نحو " والله إن زيدا قائم " أو اسمية، نحو " لعمرك إن زيدا قائم " (1)..


= يكون جملة، ويستدعي محلوفا عليه يكون مفردا ويتعدى له فعل القسم بعلي، فإن قدرت " أن " بمصدر كان هو المحلوف عليه وكان مفردا مجرورا بعلي محذوفة، وإن قدرت أن جملة فهي جواب القسم، فتنبه لهذا الكلام. (1) اعلم أن ههنا أربع صور: الاولى: أن يذكر فعل القسم، وتقع اللام في خبر إن، نحو قولك: حلفت بالله إنك لصادق، ومنه قوله تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) وقوله جل شأنه: (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم). والثانية: أن يحذف فعل القسم، وتقع اللام أيضا في خبر إن، نحو قولك: والله إنك لمؤدب، ومنه قوله تعالى: (والعصر إن الانسان لفي خسر). ولا خلاف في أنه يتعين كسر همزة إن في هاتين الصورتين، لان اللام لا تدخل إلا على خبر إن المكسورة. والصورة الثالثة: أن يذكر فعل القسم، ولا تقترن اللام بخبر إن، كما في البيت الشاهد السابق (رقم 98). ولا خلاف أيضا في أنه يجوز في هذه الصورة وجهان: كسر همزة إن، وفتحها، على التأويلين اللذين ذكرهما الشارح، وذكرناهما في شرح الشاهد السابق. والصورة الرابعة: أن يحذف فعل القسم، ولا تقترن اللام بخبر إن، نحو قولك، والله إنك عالم، ومنه قوله تعالى: (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه). وفي هذه الصورة خلاف، والكوفيون يجوزون فيها الوجهين، والبصريون لا يجوزون فتح الهمزة، ويوجبون كسرها، والذي حققه أثبات العلماء أن مذهب الكوفيين في هذا الموضع غير صحيح، فقد نقل ابن هشام إجماع العرب على الكسر، وقال السيوطي في جمع الجوامع: " وما نقل عن الكوفيين من جواز الفتح فيها غلط، لانه لم يسمع " اه‍. = (*)

[ 361 ]

وكذلك يجوز الفتح والكسر إذا وقعت " إن " بعد فاء الجزاء، نحو " من يأتني فإنه مكرم " فالكسر على جعل " إن " ومعموليها جملة أجيب بها الشرط، فكأنه قال: من يأتني فهو مكرم، والفتح على جعل " أن " وصلتها مصدرا مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير " من يأتني فإكرامه موجود " ويجوز أن يكون خبرا والمبتدأ محذوفا، والتقدير " فجزاؤه الاكرام ". ومما جاء بالوجهين قوله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) قرئ (فإنه غفور رحيم) بالفتح [ والكسر، فالكسر على جعلها جملة جوابا لمن، والفتح ] على جعل أن وصلتها مصدرا مبتدأ خبره محذوف، والتقدير " فالغفران جزاؤه " أو على جعلها خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير " فجزاؤه الغفران ". وكذلك يجوز الفتح والكسر إذا وقعت " أن " بعد مبتدأ هو في المعنى قول وخبر " إن " قول، والقائل واحد، نحو " خير القول إني أحمد [ الله ] " فمن فتح جعل " أن " وصلتها مصدرا خبرا عن " خير "، والتقدير " خير القول حمد لله " ف‍ " خير ": مبتدأ، و " حمد الله ": خبره، ومن كسر جعلها جملة خبرا عن " خير " كما تقول " أول قراءتي (سبح اسم ربك الاعلى) " فأول: مبتدأ، و " سبح اسم ربك الاعلى " جملة خبر عن " أول " وكذلك " خير القول " مبتدأ، و " إني أحمد الله " خبره، ولا تحتاج هذه.


= وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام الناظم، فيكون تجويز الوجهين مخصوصا بذكر فعل القسم مع عدم اقتران الخبر باللام، وهي الصورة التي أجمعوا فيها على جواز الوجهين. (*)

[ 362 ]

الجملة إلى رابط، لانها نفس المبتدأ في المعنى، فهي مثل " نطقي الله حسبي " ومثل سيبويه هذه المسألة بقوله: " أول ما أقول أني أحمد الله " وخرج الكسر على الوجه الذي تقدم ذكره، وهو أنه من باب الاخبار بالجمل، وعليه جرى جماعة من المتقدمين والمتأخرين: كالمبرد، والزجاج، والسيرافي، وأبي بكر بن طاهر، وعليه أكثر النحويين. * * * وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء، نحو: إني لوزر (1) يجوز دخول لام الابتداء على خبر " إن " المكسورة (2)، نحو " إن زيدا لقائم "..


(1) " بعد " ظرف متعلق بقوله تصحب الآتي، وبعد مضاف، و " ذات " مضاف إليه، وذات مضاف، و " الكسر " مضاف إليه " تصحب " فعل مضارع " الخبر " مفعول به لتصحب مقدم على الفاعل " لام " فاعل مؤخر عن المفعول، ولام مضاف و " ابتداء " مضاف إليه " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك نحو " إني " إن: حرف توكيد ونصب، والياء التي هي ضمير المتكلم اسمها " لوزر " اللام لام الابتداء، وهي للتأكيد، وزر: خبر إن، ومعناه الملجأ الذي يستعان به. (2) يشترط في خبر إن الذي يجوز اقتران اللام به ثلاثة شروط. ذكر المصنف منها شرطين فيما يأتي: الاول: أن يكون مؤخرا عن الاسم، فإن تقدم على الاسم لم يجز دخول اللام عليه نحو قولك: إن في الدار زيدا، ولافرق في حالة تأخره على الاسم بين أن يتقدم معموله عليه وأن يتأخر عنه، وزعم ابن الناظم أن معمول الخبر لو تقدم عليه امتنع دخول اللام على الخبر، وهو مردود بنحو قوله تعالى: (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) فقد دخلت اللام على الخبر في أفصح الكلام مع تقدم معموليه وهما " بهم " و " يومئذ ". الثاني: أن يكون الخبر مثبتا غير منفي، فإن كان منفيا امتنع دخول اللام عليه. الثالث: أن يكون الخبر غير جملة فعلية فعلها ماض متصرف غير مقترن بقد، وذلك = (*)

[ 363 ]

وهذه اللام حقها أن تدخل على أول الكلام، لان لها صدر الكلام، فحقها أن تدخل على " إن " نحو " لان زيدا قائم " لكن لما كانت اللام للتأكيد، وإن للتأكيد، كرهوا الجمع بين حرفين بمعنى واحد، فأخروا اللام إلى الخبر. ولا تدخل هذه اللام على خبر باقي أخوات " إن "، فلا تقول " لعل زيدا لقائم " وأجاز الكوفيون دخولها في خبر " لكن "، وأنشدوا: 99 - يلومونني في حب ليلى عواذلي ولكنني من حبها لعميد.


= بأن يكون واحدا من خمسة أشياء، أولها: المفرد نحو " إن زيدا لقائم "، وثانيها: الجملة الاسمية نحو " إن أخاك لوجهه حسن "، والثالث: الجملة الفعلية التي فعلها مضارع نحو " إن زيدا ليقوم "، والرابع: الجملة الفعلية التي فعلها ماض جامد نحو " إن زيدا لعسى أن يزورنا "، والخامس: الجملة الفعلية التي فعلها ماض متصرف مقترن بقد، نحو " إن زيدا لقد قام ". ثم إذا كان الخبر جملة اسمية جاز دخول اللام على أول جزءيها نحو " إن زيدا لوجهه حسن "، وعلى الثاني منهما نحو " إن زيدا وجهه لحسن "، ودخولها على أول الجزءين أولى، بل ذكر صاحب البسيط أن دخولها على ثانيهما شاذ. 99 - هذا البيت مما ذكر النحاة أنه لا يعرف له قائل، ولم أجد أحدا ذكر صدره قبل الشارح العلامة، بل وقفت على قول ابن النحاس: " ذهب الكوفيون إلى جواز دخول اللام في خبر لكن، واستدلوا بقوله: * ولكنني من حبها لعميد * والجواب أن هذا لا يعرف قائله ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم ينشده أحد ممن وثق في العربية، ولا عزى إلى مشهور بالضبط والاتقان " اه‍ كلامه، ومثله للانباري في الانصاف (214)، وقال ابن هشام في مغنى اللبيب: " ولا يعرف له قائل، ولا تتمة، ولا نظير " اه‍. ولا ندري أرواية الصدر على هذا الوجه مما نقله الشارح العلامة أم وضعه من عند = (*)

[ 364 ]

.


= نفسه أم مما أضافه بعض الرواة قديما لتكميل البيت غير متدبر لما يجره هذا الفعل من عدم الثقة، وإذا كان الشارح هو الذي رواه فمن أي المصادر ؟ مع تضافر العلماء من قبله ومن بعده على ما ذكرنا. اللغة: " عميد " من قولهم: عمده العشق، إذا هذه، وقيل: إذا انكسر قلبه من المودة. الاعراب: " يلومونني " فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر مقدم، وهذا إذا جرينا على اللغة الفصحى، وإلا فالواو حرف دال على الجمع، وعواذلي: هو فاعل يلوم، وقوله " في حب " جار ومجرور متعلق بيلوم، وحب مضاف، و " ليلى " مضاف إليه " عواذلي " مبتدأ مؤخر على الفصحى " ولكنني " لكن: حرف استدراك ونصب، والنون للوقاية، والياء اسمه " من حبها " الجار والمجرور متعلق بقوله عميد الآتي، وحب مضاف، وها: مضاف إليه " لعميد " اللام لام الابتداء، أو هي زائدة على على ما ستعرف في بيان الاستشهاد، وعميد خبر لكن. الشاهد فيه: قوله " لعميد " حيث دخلت لام الابتداء - في الظاهر - على خبر لكن، وجواز ذلك هو مذهب الكوفيين. والبصريون يأبون هذا وينكرونه، ويجيبون عن هذا البيت بأربعة أجوبة. أحدها: أن هذا البيت لا يصح، ولم ينقله أحد من الاثبات. الثاني: ما ذكره الشارح العلامة من أن اللام زائدة، وليست لام الابتداء. الثالث: سلمنا صحة البيت، وأن اللام فيه للابتداء، ولكنها ليست داخلة على خبر " لكن " وإنما هي داخلة على خبر " إن " المكسورة الهمزة المشددة النون، وأصل الكلام " ولكن إنني من حبها لعميد " فحذفت همزة " إن " تخفيفا، فاجتمع أربع نونات إحداهن نون " ولكن " واثنتان نونا " إن " والرابعة نون الوقاية، فحذفت واحدة منهن، فبقي الكلام على ما ظننت. الرابع: سلمنا أن هذا البيت صحيح، وأن اللام هي لام الابتداء، وأنها داخلة على خبر لكن، ولكننا لا نسلم أن هذا مما يجوز القياس عليه، بل هو ضرورة وقعت في هذا البيت بخصوصه، والبيت المفرد والبيتان لا تبنى عليهما قاعدة. = (*)

[ 365 ]

وخرج على أن اللام زائدة، كما شذ زيادتها في خبر " أمسى " نحو قوله: 100 - مروا عجالى، فقالوا: كيف سيدكم ؟ فقال من سألوا: أمسى لمجهودا.


= والتخريجان الثالث والرابع متحتمان فيما ذكره الشارح من الشواهد (100، 101) وما نذكره من قول كثير في شرح الشاهد الآتي، وكذلك في قول الآخر: أمسى أبان ذليلا بعد عزته وما أبان لمن أعلاج سودان 100 - حكى العيني أن هذا البيت من أبيات الكتاب، ولم ينسبوه إلى أحد، وأنشده أبو حيان في التذكرة مهملا أيضا، وأنشده ثعلب في أماليه، وأنشده أبو علي الفارسي، وأنشده أبو الفتح ابن جنى، ولم ينسبه أحد منهم إلى قائل معين، وقد راجعت كتاب سيبويه لاحقق ما قاله العيني فلم أجده بين دفتيه. اللغة: " عجالى " جمع عجلان - كسكران وسكارى - ومن العلماء من يرويه " عجالا " بكسر العين على أنه جمع عجل - بفتح فضم مثل رجل ورجال - ومنهم يرويه " سراعا " على أنه جمع سريع " كيف سيدكم " روى في مكانه " كيف صاحبكم " وقوله " من سألوا " يروى هذا الفعل بالبناء للمعلوم، على أن جملة الفعل وفاعله لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: فقال الذي سألوه ويروى ببناء الفعل للمجهول، على أن الجملة صلة، والعائد للموصول هو واو الجماعة، وكأنه قال: فقال الذين سئلوا " مجهودا " نال منه المرض والعشق حتى أجهداه وأتعباه. الاعراب: " مروا " فعل وفاعل " عجالى " حال " فقالوا " فعل وفاعل " كيف " اسم استفهام خبر مقدم " سيدكم " سيد: مبتدأ مؤخر، وسيد مضاف، والضمير مضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول " قال " فعل ماض " من " اسم موصول فاعل قال " سألوا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، أي سألوه، وقد بينا أنه يروى بالبناء للمجهول، وعليه يكون العائد هو واو الجماعة التي هي نائب الفاعل، ويكون الشاعر قد راعى معنى من = (*)

[ 366 ]

أي: أمسى مجهودا، وكما زيدت في خبر المبتدأ شذوذا، كقوله: 101 - أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبه.


= " أمسى " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى سيدكم " لمجهودا " اللام زائدة، مجهودا: خبر أمسى، وجملة أمسى ومعموليها مقول القول في محل نصب. الشاهد فيه: قوله " لمجهودا " حيث زيدت اللام في خبر " أمسى " وهي زيادة شاذة، ومثل هذا قول كثير عزة: وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكل سبيل حيث زاد اللام في خبر " زال " - وهو قوله لكالهائم - زيادة شاذة. وفي ذلك رد لما زعم الكوفيون من أن اللام الداخلة في خبر لكن في قول الشاعر: * ولكنني من حبها لعميد * هي لام الابتداء، وحاصل الرد عليهم بهذين الشاهدين أنا لا نسلم أن اللام التي في خبر لكن هي - كما زعمتم - لام الابتداء، بل هي لام زائدة مقحمة اقترنت بخبر لكن بدليل أن مثل هذه اللام قد دخلت على أخبار قد وقع الاجماع منا ومنكم على أن لام الابتداء لا تقترن بها كخبر أمسى وخبر زال في البيتين. 101 - نسب جماعة هذا البيت - ومنهم الصاغاني - إلى عنترة آبن عروس مولى بني ثقيف، ونسبه آخرون إلى رؤبة بن العجاج، والاول أكثر وأشهر، ورواه الجوهري. اللغة: " الحليس " هو تصغير حلس، والحلس - بكسر فسكون - كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وهذه الكنية في الاصل كنية الانان - وهي أنثى الحمار - أطلقها الراجز على امرأة تشبيها لها بالانان " شهربة " بفتح الشين والراء بينهما هاء ساكنة، والمراد بها ههنا الكبيرة الطاعنة في السن " ترضى من اللحم " من هنا بمعنى البدل مثلها في قوله تعالى (لجعلنا منكم ملائكة) أي بدلكم، وإذا قدرت مضافا تجره بالباء، وجعلت أصل الكلام: ترضى من اللحم بلحم عظم الر قبة - كانت من دالة على التبعيض. = (*)

[ 367 ]

وأجاز المبرد دخولها في خبر أن المفتوحة، وقد قرئ شاذا: (إلا أنهم ليأكلون الطعام) بفتح " أن "، وبتخرج أيضا على زيادة اللام. * * * ولا يلي ذي اللام ما قد نفيا ولا من الافعال ما كرضيا (1).


= الاعراب: " أم " مبتدأ، وأم مضاف، و " الحليس " مضاف إليه " لعجوز " خبر المبتدأ " شهربة " صفة لعجوز " ترضى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أم الحليس، والجملة صفة ثانية لعجوز " من اللحم " جار ومجرور متعلق بترضى " بعظم " مثله، وعظم مضاف و " الرقبة " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " لعجوز " حيث زاد اللام في خبر المبتدأ، والذهاب إلى زيادة اللام أحد تخريجات في هذا البيت، ومنها أن " عجوز " خبر لمبتدأ محذوف كانت اللام مقترنة - به وأصل الكلام على هذا: أم الحليس لهي عجوز - إلخ. فحذف المبتدأ، فاتصلت اللام بخبره، وهي في صدر المذكور من جملتها وقد مضى بحث ذلك في باب المبتدأ والخبر (انظر ما تقدم لنا ذكره في شرح الشاهد رقم 53) ومثل هذا البيت قول أبي عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد امتن عليه يوم بدر: فإنك من حاربته لمحارب شقي، ومن سالمته لسعيد الشاهد في قوله: " من حاربته لمحارب " وفي قوله " من سالمته لسعيد " فإن " من " اسم موصول مبتدأ في الموضعين، وقد دخلت اللام على خبره في كل منهما. (1) " ولا " نافية " يلي " فعل مضارع " ذي " اسم إشارة مفعول به ليلي مقدم على الفاعل " اللام " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة، أو نعت له " ما " اسم موصول فاعل يلي " قد " حرف تحقيق " نفيا " نفي: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " من الافعال " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما الآتية " ما " اسم موصول معطوف على " ما " = (*)

[ 368 ]

وقد يليها مع قد، كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا (1) إذا كان خبر " إن " منفيا لم تدخل عليه اللام، فلا تقول " إن زيدا لما يقوم " وقد ورد في الشعر، كقوله: 102 - وأعلم إن تسليما وتركا للامتشابهان ولا سواء .


= الاولى " كرضيا " قصد لفظه: جار ومجرور متعلق بفعل محذوف، تقع جملته صلة " ما " الثانية، وتقدير البيت: ولا يلي هذه اللام اللفظ الذي تقدمته أداة نفي، ولا الماضي الذي يشبه رضى حال كونه من الافعال. (1) " وقد " حرف تقليل " يليها " يلي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الماضي المعبر عنه بقوله " ما كرضى " وها: ضمير عائد إلى اللام مفعول به ليلي " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل يلي، ومع مضاف و " قد " قصد لفظه مضاف إليه " كإن " الكاف جارة لقول محذوف، إن: حرف تأكيد ونصب " ذا " اسم إشارة: اسم إن " لقد " اللام لام التأكيد، وقد: حرف تحقيق " سما " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة خبر إن في محل رفع " على العدا " جار ومجرور متعلق بسما " مستحوذا " حال من الضمير المستتر في " سما ". 102 - البيت لابي حزام - غالب بن الحارث - العكلي. اللغة: " إن " إذا جريت على ما هو الظاهر فالهمزة مكسورة، لان اللام في خبر، وإذا جعلت اللام زائدة فتحت الهمزة، والاول أقرب، لان الذي يعلق " أعلم " عن العمل هو لام الابتداء، لا الزائدة " تسليما " أراد به التسليم على الناس، أو تسليم الامور إلى ذويها وعدم الدخول فيما لا يعني " تركا " أراد به ترك ما عبر عنه بالتسليم. الاعراب: " أعلم " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " إن " حرف توكيد ونصب " تسليما " اسمه " وتركا " معطوف عليه " للامتشابهان " اللام لام الابتداء أو زائدة على ما ستعرف، ولا: نافية، ومتشابهان: خبر إن " ولا " الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي " سواء " معطوف على خبر إن. = (*)

[ 369 ]

وأشار بقوله: " ولا من الافعال ما كرضيا " إلى أنه إذا كان الخبر ماضيا متصرفا غير مقرون بقد لم تدخل عليه اللام، فلا تقول " إن زيدا لرضي " وأجاز ذلك الكسائي، وهشام، فإن كان الفعل مضارعا دخلت اللام.


= الشاهد فيه: قوله " للامتشابهان " حيث أدخل اللام في الخبر المنفي بلا، وهو شاذ. وقد اختلف العلماء في رواية صدر هذا البيت، فظاهر كلام الرضي وهو صريح كلام ابن هشام أن همزة إن مكسورة، لوجود اللام في خبرها. قال ابن هشام: " إن بالكسر لدخول اللام على الخبر " اه‍، وهذا مبني على ما هو الظاهر من أن اللام لام الابتداء، كما ذكرنا لك في لغة البيت. وذهب ابن عصفور - تبعا للفراء - إلى أن الهمزة مفتوحة، ومجازه عندنا أنه اعتبر اللام زائدة، وليست لام الابتداء. فإذا جعلت همزة إن مكسورة - على ما هو كلام ابن هشام، وهو الذي يجري عليه كلام الشارح ههنا - كان في البيت شذوذ واحد، وهو دخول اللام على خبر إن المنفي. وإذا جريت على كلام ابن عصفور، فإن اعتبرت اللام لام الابتداء كان في هذا الشاهد شذوذان: أحدهما دخول اللام على خبر أن المفتوحة، وثانيهما: دخولها على خبر أن المنفي. ويخلص من هذا كله أن نعتبر اللام زائدة كما اعتبروها كذلك في الشواهد السابقة. وقال ابن جنى: " إنما أدخل اللام وهي للايجاب على لا وهي للنفي من قبل أنه شبه لا بغير، فكأنه قال: لغير متشابهين، كما شبه الآخر ما التي للنفي بما التي بمعنى الذي في قوله: لما أغفلت شكرك فاجتنبني فكيف ومن عطائك جل مالي ؟ ولم يكن سبيل اللام الموجبة أن تدخل على ما النافية لولا ما ذكرت لك من الشبه " انتهى كلامه. (24 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 370 ]

عليه، ولا فرق بين المتصرف نحو " إن زيدا ليرضى " وغير المتصرف، نحو " إن زيدا ليذر الشر " هذا إذا لم تقترن به السين أو سوف، فإن اقترنت به ]، نحو " إن زيدا سوف يقوم " أو " سيقوم " ففي جواز دخول اللام عليه خلاف، [ فيجوز إذا كان " سوف " على الصحيح، وأما إذا كانت السين فقليل ]. وإن كان ماضيا غير متصرف فظاهر كلام المصنف [ جواز ] دخول اللام عليه، فتقول: " إن زيدا لنعم الرجل، وإن عمرا لبئس الرجل " وهذا مذهب الاخفش والفراء، والمنقول أن سيبويه لا يجيز ذلك. فإن قرن الماضي المتصرف ب‍ " قد " جاز دخول اللام عليه، وهذا هو المراد بقوله: " وقد يليها مع قد " نحو " إن زيدا لقد قام ". * * * وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل، واسما حل قبله الخبر (1) تدخل لام الابتداء على معمول الخبر إذا توسط بين اسم إن والخبر، نحو " إن زيدا لطعامك آكل " وينبغي أن يكون الخبر حينئذ مما يصح دخول اللام عليه كما مثلنا (2) فإن كان الخبر لا يصح دخول اللام عليه لم يصح دخولها.


(1) " وتصحب " الواو عاطفة، تصحب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى اللام " الواسط " مفعول به لتصحب " معمول " بدل منه، أو حال منه، ومعمول مضاف، و " الخبر " مضاف إليه " والوصل " معطوف على الواسط " واسما " معطوف على الواسط أيضا " حل " فعل ماض " قبله " قبل: ظرف متعلق بحل، وقبل مضاف والضمير الذي للغائب العائد إلى قوله " اسما " مضاف إليه " الخبر " فاعل لحل، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب نعت لقوله " اسما ". (2) يشترط لدخول اللام على معمول الخبر أربعة شروط: الاول: أن يكون هذا المعمول متوسطا بين ما بعد إن، سواء أكان التالي لان هو = (*)

[ 371 ]

على المعمول، كما إذا كان [ الخبر ] فعلا ماضيا متصرفا غير مقرون ب‍ " قد " لم يصح دخول اللام على المعمول، فلا تقول " إن زيدا لطعامك أكل " وأجاز ذلك بعضهم، وإنما قال المصنف: " وتصحب الواسط " أي: المتوسط تنبيها على أنها لا تدخل على المعمول إذا تأخر، فلا تقول " إن زيدا آكل لطعامك ". وأشعر قوله بأن اللام إذا دخلت على المعمول المتوسط لا تدخل على الخبر، فلا تقول " إن زيدا لطعامك لآكل "، وذلك من جهة أنه خصص دخول اللام بمعمول الخبر المتوسط، وقد سمع ذلك قليلا، حكى من كلامهم " إني لبحمد الله لصالح "..


= اسمها كما في مثال الشارح، أم كان التالي لان هو خبرها الظرف أو الجار والمجرور، نحو " إن عندي لفي الدار زيدا " أم كان التالي لها معمولا آخر للخبر المؤخر، نحو " إن عندي لفي الدار زيدا جالس " ويشمل كل هذه الصور قول الناظم " الواسط معمول الخبر "، وإن كان تفسير الشارح قد قصره على صورة واحدة منها. الشرط الثاني: أن يكون الخبر مما يصح دخول اللام عليه، وهذا يستفاد من قول الناظم " معمول الخبر " فإن أل في الخبر للعهد الذكرى، والمعهود هو الخبر الذي تدخل اللام عليه، والذي بينه وذكر شروطه فيها قبل ذلك. الشرط الثالث: ألا تكون اللام قد دخلت على الخبر، وهو الشرط الذي بين الشارح أن كلام الناظم يشعر به، وقد بين أيضا وجه إشعار كلامه به. الشرط الرابع: ألا يكون المعمول حالا ولا تمييزا، فلا يصح أن تقول " إن زيدا لراكبا حاضر " ولا تقول " إن زيدا لعرقا يتصبب " وقد نص الشارح على الحال، ونص غيره على التمييز، وزاد أبو حيان ألا يكون المعمول مفعولا مطلقا ولا مفعولا لاجله، فعنده لا يجوز أن تقول " إن زيدا لركوب الامير راكب " ولا أن تقول " إن زيدا لتأديبا ضارب ابنه " واستظهر جماعة عدم صحة دخول اللام على المستثنى من الخبر، ولا على المفعول معه، وإن كان المتقدمون لم ينصوا على هذين. (*)

[ 372 ]

وأشار بقوله: " والفصل (1) " إلى أن لام الابتداء تدخل على ضمير الفصل، نحو " إن زيدا لهو القائم " وقال الله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق) ف‍ " هذا " اسم " إن "، و " هو " ضمير الفصل، ودخلت عليه اللام، و " القصص " خبر " إن ". وسمى ضمير الفصل لانه يفصل بين الخبر والصفة، وذلك إذا قلت " زيد هو القائم " فلو لم تأت ب‍ " هو " لاحتمل أن يكون " القائم " صفة لزيد، وأن يكون خبرا عنه، فلما أتيت ب‍ " هو " تعين أن يكون " القائم " خبرا عن زيد. وشرط ضمير الفصل أن يتوسط بين المبتدأ والخبر (2)، نحو " زيد هو القائم " أو بين ما أصله المبتدأ والخبر، نحو " إن زيدا لهو القائم "..


(1) البصريون يسمونه " ضمير الفصل " ووجه تسميته بذلك ما ذكره الشارح، ومن العلماء من يسميه " الفصل " كما قال الناظم " والفصل " والكوفيون يسمونه " عمادا " ووجه تسميتهم إياه بذلك أنه يعتمد عليه في تأدية المعنى المراد، وقد اختلفوا فيه: أهو حرف أم اسم وإذا كان اسما فهل له محل من الاعراب أم لا محل له من الاعراب وإذا كان له محل من الاعراب فهل محله هو محل الاسم الذي قبله أم محل الاسم الذي بعده ؟ فالاكثرون على أنه حرف وضع على صورة الضمير وسمي " ضمير الفصل " ومن النحاة من قال: هو اسم لا محل له من الاعراب، ومنهم من قال: هو اسم محله محل الاسم المتقدم عليه، فهو في محل رفع إذا قلت " زيد هو القائم " أو قلت " كان زيد هو القائم "، وفي محل نصب إذا قلت " إن زيدا هو القائم " ومنهم من قال: هو اسم محله محل الاسم المتأخر عنه، فهو في محل رفع في المثالين الاول والثالث، وفي محل نصب في نحو قوله تعالى: (كنت أنت الرقيب عليهم). (2) يشترط في ضمير الفصل بقطع النظر عن كونه بين معمولي إن أربعة شروط: الاول: أن يقع بين المبتدأ والخبر أو ما أصلهما ذلك، وقد ذكر الشارح هذا الشرط. = (*)

[ 373 ]

وأشار بقوله: " واسما حل قبلة الخبر " إلى أن لام الابتداء تدخل على الاسم إذا تأخر عن الخبر، نحو " إن في الدار لزيدا " قال الله تعالى: (وإن لك لاجرا غير ممنون). وكلامه يشعر [ أيضا ] بأنه إذا دخلت اللام على ضمير الفصل أو على الاسم المتأخر لم تدخل على الخبر، وهو كذلك، فلا تقول: " إن زيدا لهو لقائم "، ولا " إن لفي الدار لزيدا ". ومقتضى إطلاقه في قوله: إن لام الابتداء تدخل على المعمول المتوسط بين الاسم والخبر - أن كل معمول إذا توسط جاز دخول اللام عليه، كالمفعول الصريح، والجار والمجرور، والظرف، والحال، وقد نص النحويون على منع دخول اللام على الحال، فلا تقول: " إن زيدا لضاحكا راكب ". * * * ووصل " ما " بذي الحروف مبطل إعمالها، وقد يبقى العمل (1).


= الشرط الثاني: أن يكون الاسمان اللذان يقع بينهما معرفتين نحو " إن محمدا هو المنطلق " أو أولهما معرفة حقيقة وثانيهما يشبه المعرفة في عدم قبوله أداة التعريف كأفعل التفضيل المقترن بمن، نحو " محمد أفضل من عمرو ". الشرط الثالث: أن يكون ضمير الفصل على صيغة ضمير الرفع كما في هذه الامثلة. الشرط الرابع: أن يطابق ما قبله في الغيبة أو الحضور، وفي الافراد أو التثنية أو الجمع، نحو قوله تعالى: (كنت أنت الرقيب عليهم) فأنت للخطاب، وهو في الخطاب وفي الافراد كما قبله، ونحو (وإنا لنحن الصافون) فنحن للتكلم كما قبله. (1) " ووصل " مبتدأ، ووصل مضاف، و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه " بذي " جار ومجرور متعلق بوصل " الحروف " بدل أو عطف بيان من ذي " مبطل " = (*)

[ 374 ]

إذا اتصلت " ما " غير الموصولة بإن وأخواتها كفتها عن العمل، إلا " ليت " فإنه يجوز فيها الاعمال [ والاهمال ] فتقول: " إنما زيد قائم " ولا يجوز نصب " زيد " وكذلك أن [ وكأن ] ولكن ولعل، وتقول: " ليتما زيد قائم " وإن شئت نصبت " زيدا " فقلت: " ليتما زيدا قائم " وظاهر كلام المصنف - رحمه الله تعالى ! - أن " ما " إن اتصلت بهذه الاحرف كفتها عن العمل، وقد تعمل قليلا، وهذا مذهب جماعة من النحويين (1) [ كالزجاجي، وابن السراج ]، وحكى الاخفش والكسائي " إنما.


= خبر المبتدأ، وفاعله ضمير مستتر فيه " إعمالها " إعمال: مفعول به لمبطل، وإعمال مضاف وها مضاف إليه " وقد " حرف تقليل " يبقى " فعل مضارع مبني للمجهول " العمل " نائب فاعل يبقى. (1) ذهب سيبويه إلى أن " ما " غير الموصولة إذا اقترنت بهذه الادوات أبطلت عملها، إلا ليت، فإن إعمالها مع ما جائز، وعللوا ذلك بأن هذه الادوات قد أعملت لاختصاصها بالاسماء ودخول " ما " عليها يزيل هذا الاختصاص، ويهيئها للدخول على جمل الافعال نحو قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) وقوله سبحانه: (كأنما يساقون إلى الموت) ونحو قول امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وتسمى " ما " هذه ما الكافة، أو ما المهيئة، ووجه هاتين التسميتين ظاهر بعد الذي ذكرناه لك من شأنها، وتسمى أيضا ما الزائدة، ولكون " ما " هذه لا تزيل اختصاص " ليت " بالجمل الاسمية، بل هي باقية معها على اختصاصها بالاسماء، لم تبطل عملها، وقد جاء السماع معضدا لذلك، كما في قول النابغة الذبياني: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد فإنه يروى بنصب " الحمام " ورفعه، فأما النصب فعلى إعمال ليت في اسم الاشارة والحمام بدل منه أو عطف بيان عليه أو نعت له، وأما الرفع فعلى إهمال ليت، وذهب الزجاج في كتابه " الجمل " إلى أن جميع هذه الادوات بمنزلة واحدة، وأنها إذا اقترنت بها " ما " لم يجب إهمالها، بل يجوز فيها الاعمال والاهمال، غير أن الاهمال أكثر في = (*)

[ 375 ]

زيدا قائم " والصحيح المذهب الاول، وهو أنه لا يعمل منها مع " ما " إلا " ليت "، وأما ما حكاه الاخفش والكسائي فشاذ، واحترزنا بغير الموصولة من الموصولة، فإنها لا تكفها عن العمل، بل تعمل معها، والمراد من الموصولة التي بمعنى " الذي "، نحو " إن ما عندك حسن " [ أي: إن الذي عندك حسن ]، والتي هي مقدرة بالمصدر، نحو " إن ما فعلت حسن " أي: إن فعلك حسن. * * * وجائز رفعك معطوفا على منصوب " إن "، بعد أن تستكملا (1) أي: إذا أتي بعد اسم " إن " وخبرها بعاطف جاز في الاسم الذي بعده وجهان، أحدهما: النصب عطفا على اسم " إن " نحو " إن زيدا قائم وعمرا ".


= الجميع، أما الاعمال فعلى اختصاصها الاصلي، وأما الاهمال فلما حدث لها من زوال الاختصاص وذكر الزجاج أن ذلك مسموع في الجميع، قال: " من العرب من يقول: إنما زيدا قائم، ولعلما بكرا جالس، وكذلك أخواتها: ينصب بها، ويلغى ما " اه‍، وتبعه على ذلك تلميذه الزجاجي، وابن السراج، وهو الذي يفيده كلام الناظم. (1) " وجائز " خبر مقدم " رفعك " رفع: مبتدأ مؤخر، ورفع مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " معطوفا " مفعول به للمصدر " على منصوب " جار ومجرور متعلق بمعطوف، ومنصوب مضاف وقوله " إن " قصد لفظه: مضاف إليه " بعد " ظرف متعلق برفع " أن " مصدرية " تستكملا " فعل مضارع منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى إن، و " أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بإضافة " بعد " إليه، وثمة مفعول لتستكمل محذوف، والتقدير: بعد استكمالها معموليها. (*)

[ 376 ]

والثاني: الرفع نحو " إن زيدا قائم وعمرو " واختلف فيه (1)، فالمشهور أنه معطوف على محل اسم " إن " فإنه في الاصل مرفوع لكونه مبتدأ، وهذا يشعر به [ ظاهر ] كلام المصنف، وذهب قوم إلى أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: وعمرو كذلك، وهو الصحيح. فإن كان العطف قبل أن تستكمل " إن " - أي قبل أن تأخذ خبرها - تعين النصب عند جمهور النحويين، فتقول: إن زيدا وعمرا قائمان، وإنك وزيدا ذاهبان، وأجاز بعضهم الرفع..


(1) مما لا يستطيع أن يجحده واحد من النحاة أنه قد ورد عن العرب - في جملة صالحة من الشعر، وفي بعض النثر - وقوع الاسم المرفوع مسبوقا بالواو بعد اسم إن المنصوب وقبل خبرها، ومنه قول ضابئ بن الحارث البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب ومنه ما أنشده ثعلب، ولم يعزه إلى قائل معين: خليلي هل طب فإني وأنتما - وإن لم تبوحا بالهوى - دنفان ! وقد ورد في القرآن الكريم آيتان ظاهرهما كظاهر هذن البيتين، الاولى قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) والثانية قراءة بعضهم: (إن الله وملائكته يصلون) برفع " ملائكته ". وقد اختلف النحاة في تخريج ذلك، فذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع معطوف على اسم إن باعتباره مبتدأ قبل دخول إن، وذهب الجمهور من البصريين إلى أن هذا الاسم المرفوع مبتدأ خبره محذوف، أو خبره المذكور فيما بعد وخبر إن هو المحذوف وجملة المبتدأ وخبره معطوفة على جملة إن واسمها وخبرها، وذهب المحقق الرضي إلى أن جملة المبتدأ والخبر حينئذ لا محل لها معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو حسن، لما يلزم على جعلها معطوفة على جملة إن واسمها وخبرها من تقديم المعطوف على بعض المعطوف عليه، لان خبر إن متأخر في اللفظ أو في التقدير عن جملة المبتدأ والخبر، وخبر إن جزء من الجملة المعطوف عليها. (*)

[ 377 ]

وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن (1) حكم " أن " المفتوحة و " لكن " في العطف على اسمهما حكم " إن " المكسورة، فتقول: " علمت أن زيدا قائم وعمرو " برفع " عمرو " ونصبه، وتقول: " علمت أن زيدا وعمرا قائمان " بالنصب فقط عند الجمهور، وكذلك تقول: " ما زيد قائما، لكن عمرا منطلق وخالدا " بنصب خالد ورفعه، و " ما زيد قائما لكن عمرا وخالدا منطلقان " بالنصب فقط. وأما " ليت، ولعل، وكأن " فلا يجوز معها إلا النصب. [ سواء تقدم المعطوف، أو تأخر، فتقول: " ليت زيدا وعمرا قائمان، وليت زيدا قائم وعمرا " بنصب " عمرو " في المثالين، ولا يجوز رفعه، وكذلك " كأن، ولعل "، وأجاز الفراء الرفع فيه - متقدما ومتأخرا - مع الاحرف الثلاثة. * * * وخففت إن فقل العمل وتلزم اللام إذا ما تهمل (2).


(1) " وألحقت " الواو عاطفة، ألحق: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث " بإن " جار ومجرور متعلق بألحق " لكن " قصد لفظه: نائب فاعل لالحق " وأن " معطوف على لكن " من دون " جار ومجرور متعلق بألحق أيضا، ودون مضاف و " ليت " قصد لفظه: مضاف إليه " ولعل، وكأن " معطوفان على ليت. (2) " وخففت " الواو عاطفة، خفف: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث " إن " نائب فاعل خفف " فقل " الفاء عاطفة، قل: فعل ماض معطوف بالفاء على خفف " العمل " فاعل لقل " وتلزم " فعل مضارع " اللام " فاعل تلزم " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " تهمل " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى أن المخففة، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إذا ما تهمل إن التي خففت لزمتها اللام. (*)

[ 378 ]

وربما استغني عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا (1) إذا خففت " إن " فالاكثر في لسان العرب إهمالها، فتقول: " إن زيد لقائم " وإذا أهملت لزمتها اللام فارقة بينها وبين " إن " النافية، ويقل إعمالها فتقول: " إن زيدا قائم " وحكى الاعمال سيبويه، والاخفش، رحمهما الله تعالى (2)، فلا تلزمها حينئذ اللام، [ لانها لا تلتبس - والحالة هذه -.


(1) " وربما " الواو عاطفة، رب حرف تقليل، وما كافة " استغنى " فعل ماض مبني للمجهول " عنها " جار ومجرور نائب عن الفاعل لاستغنى، والضمير المجرور محلا عائد على اللام المحدث عنها بأنها تلزم عند تخفيف إن في حالة إهمالها " إن " شرطية " بدا " فعل ماض فعل الشرط " ما " اسم موصول فاعل بدا " ناطق " مبتدأ، وهو فاعل في المعنى، فلذا جاز أن يبتدأ به مع كونه نكرة " أراده " أراد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ناطق، والهاء مفعول به، والجملة من أراد وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة الموصول " معتمدا " حال من الضمير المستتر في " أراد ". (2) على الاعمال في التخفيف ورد قوله تعالى (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) في قراءة من قرأ بسكون نون " إن " وتخفيف ميم " لما "، وفي هذه الآية - على هذه القراءة - إعرابان: أولهما أن " إن " مؤكدة مخففة من الثقيلة " كلا " اسم إن المخففة " لما " اللام لام الابتداء، وما اسم موصول بمعنى الذين خبر إن المؤكدة المخففة " ليوفينهم " اللام واقعة في جواب قسم محذوف، يوفى: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب، وضمير الغائبين العائد على الذين مفعول أول، و " ربك " رب فاعل يوفى، ورب مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه، وأعمال: مفعول ثان ليوفى، وأعمال مضاف وضمير الغائبين العائد على الذين مضاف إليه، وجملة الفعل المضارع وفاعله ومفعوليه لا محل لها من الاعراب جواب القسم المحذوف، وتقدير الكلام: وإن كلا للذين والله ليوفينهم ربك أعمالهم، والجملة القسمية لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، ويرد على هذا الاعراب أن جملة القسم إنشائية، وجملة الصلة يجب أن تكون خبرية معهودة، وقد = (*)

[ 379 ]

بالنافية ] لان النافية لا تنصب الاسم وترفع الخبر، وإنما تلتبس بإن النافية إذا أهملت ولم يظهر المقصود [ بها ] فإن ظهر المقصود [ بها ] فقد يستغنى عن اللام، كقوله: 103 - ونحن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن.


= أجاب ابن هشام عن هذا في كتابه المغنى بأن صلة الموصول في الحقيقة هي جملة جواب القسم لا جملة القسم، وجملة جواب القسم خبرية لا إنشائية، والاعراب الثاني أن " إن " مؤكدة مخففة " كلا " اسم إن " لما " اللام لام الابتداء، وما زائدة " ليوفينهم " اللام مؤكدة للام الاولى، ويوفى فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والضمير مفعول به أول " ربك " فاعل، ومضاف إليه، و " أعمالهم " مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة من الفعل المضارع ومفعوليه في محل رفع خبر إن المؤكدة المخففة. 103 - البيت للطرماح - الحكم بن حكيم - وكنيته " أبو نفر "، وهو شاعر طائي، وستعرف نسبه في بيان لغة البيت. اللغة: " ونحن أباة الضيم " يروى في مكانه " أنا ابن أباة الضيم " وأباة: جمع آب اسم فاعل من أبى يأبى - أي امتنع - تقول: أمرت فلانا أن يفعل كذا فأبى، تريد أنه امتنع أن يفعله والضيم: الظلم " مالك " هو اسم قبيلة الشاعر، فإن الطرماح هو الحكم بن حكيم بن نفر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضا بن مالك بن أبان ابن عمرو بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ " كرام المعادن " طيبة الاصول شريفة المحتد. الاعراب: " ونحن " مبتدأ " أباة " خبر المبتدأ، وأباة مضاف، و " الضيم " مضاف إليه " من آل " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان، أو حال من الخبر، وآل مضاف و " مالك " مضاف إليه " وإن " مخففة من الثقيلة مهملة " مالك " مبتدأ " كانت " كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى مالك باعتبار القبيلة، والتاء تاء التأنيث " كرام " خبر كان، وكرام مضاف و " المعادن " مضاف إليه، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو مالك. =

[ 380 ]

التقدير: وإن مالك لكانت، فحذفت اللام، لانها لا تلتبس بالنافية، لان المعنى على الاثبات، وهذا هو المراد بقوله: " وربما استغنى عنها إن بدا إلى آخر البيت ". واختلف النحويون في هذه اللام: هل هي لام الابتداء أدخلت للفرق بين " إن " النافية و " إن " المخففة من الثقيلة، أم هي لام أخرى اجتلبت للفرق ؟ وكلام سيبويه يدل على أنها لام الابتداء دخلت للفرق. وتظهر فائدة هذا الخلاف في مسألة جرت بين ابن أبي العافية وابن الاخضر، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: " قد علمنا إن كنت لمؤمنا " فمن جعلها لام الابتداء أوجب كسر " إن " ومن جعلها لا ما أخرى اجتلبت للفرق فتح أن، وجرى الخلاف في هذه المسألة قبلهما بين أبي الحسن علي بن سليمان البغدادي الاخفش الصغير، وبين أبي علي الفارسي، فقال الفارسي: هي لام غير.


= الشاهد فيه: قوله " وإن مالك كانت إلخ " حيث ترك لام الابتداء التي تجتلب في خبر " إن " المكسورة الهمزة المخففة من الثقيلة عند إهمالها، فرقانا بينها وبين " إن " النافية، وإنما تركها هنا اعتمادا على انسياق المعنى المقصود إلى ذهن السامع، وثقة منه بأنه لا يمكن توجيهه إلى الجحد، بقرينة أن الكلام تمدح وافتخار، وصدر البيت واضح في هذا، والنفي يدل على الذم، فلو حمل عجز البيت عليه لتناقض الكلام واضطرب، ألا ترى أنك لو حملت الكلام على أن " إن " نافية لكان معنى عجز البيت: وليست مالك كرام المعادن، أي فهي قبلة دنيئة الاصول، فيكون هذا ذما ومتناقضا مع ما هو بصدده، فلما كان المقام مانعا من جواز إرادة النفي ارتكن الشاعر عليه، فلم يأت باللام، فالقرينة ههنا معنوية. ومثل هذا البيت - في اعتماد الشاعر على القرينة المعنوية - قول الشاعر: إن كنت قاضي نحبي يوم بينكم لو لم تمنوا بوعد غير مكذوب ألا ترى أنه في مكان إظهار الالم وشكوى ما نزل به من فراق أحبابه ؟ فلو حملت " إن " في صدر البيت على النفي فسد المعنى على هذا، ولم يستقم الكلام. (*)

[ 381 ]

لام الابتداء اجتلبت للفرق، وبه قال ابن أبي العافية، وقال الاخفش الصغير: انما هي لام الابتداء أدخلت للفرق، وبه قال ابن الاخضر (1). * * * والفعل إن لم يك ناسخا فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصلا (2).


(1) قد علمت فيما مضى أن لام الابتداء لا تدخل إلا على المبتدأ، أو على ما أصله المبتدأ، وأنها تدخل في باب إن على الخبر أو معموله أو ضمير الفصل، وعلمت أيضا أنها لا تدخل على خبر إن إلا إذا كان مثبتا متأخرا غير ماض متصرف خال من قد، ولو أنك نظرت في شواهد هذه المسألة لوجدت هذه اللام الفارقة بين " إن " النافية والمخففة من الثقيلة تدخل على مفعول ليس أصله مبتدأ ولا خبرا كما في قول عاتكة بنت زيد بن عمرو، وسيأتي شرحه: شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد وهو الشاهد رقم 104 ويأتي قريبا جدا. وتدخل على الماضي المتصرف الذي لم يسبقه " قد " نحو قولك: إن زيد لقام، وتدخل على المنصوب المؤخر عن ناصبه نحو قوله تعالى: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)، فلما كان شأن اللام التي تدخل لاجل الفرق بين المخففة المؤكدة والنافية غير شأن لام الابتداء كان القول بأن إحداهما غير الاخرى أصح نظرا وأقوم حجة، فمذهب أبي علي الفارسي الذي أخذ به ابن أبي العافية مذهب مستقيم في غاية الاستقامة. (2) " والفعل " مبتدأ " إن " شرطية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يك " فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وهو فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل " ناسخا " خبر يك " فلا " الفاء لربط الجواب بالشرط، ولا: نافية " تلفيه " تلفي: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول لتلفي، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فأنت لا تلفيه، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط " غالبا " حال من الهاء في " تلفيه " السابق " بإن " جار ومجرور متعلق بقوله " موصلا " الآتي " ذي " نعت لان " موصلا " مفعول ثان لتلفي. (*)

[ 382 ]

إذا خففت " إن " فلا يليها من الافعال إلا الافعال الناسخة للابتداء، نحو كان وأخواتها، وظن وأخواتها، قال الله تعالى: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)، وقال الله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم)، وقال الله تعالى: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) ويقل أن يليها غير الناسخ، وإليه أشار بقوله: " غالبا " ومنه قول بعض العرب: " إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه " وقولهم: " إن قنعت كاتبك لسوطا " وأجاز الاخفش " إن قام لانا (1) ". ومنه قول الشاعر: 104 - شلت يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد * * *.


(1) ههنا أربع مراتب، أولاها: أن يكون الفعل ماضيا ناسخا، نحو (وإن كانت لكبيرة) ونحو (إن كدت لتردين) والثانية: أن يكون الفعل مضارعا ناسخا، نحو (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك)، ونحو (وإن نظنك لمن الكاذبين) والثالثة: أن يكون ماضيا غير ناسخ، نحو قول عاتكة " إن قتلت لمسلما " والرابعة: أن يكون الفعل مضارعا غير ناسخ نحو قول بعض العرب " إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه " وهي مرتبة على هذا الترتيب الذي سقناها به، ويجوز القياس على كل واحدة منها عند الاخفش، ومنع جمهور البصريين القياس على الثالثة والرابعة. 104 - البيت لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القريشية العدوية، ترثي زوجها الزبير بن العوام رضي الله عنه، وتدعو على عمرو بن جرموز قاتله. اللغة: " شلت " بفتح الشين، وأصل الفعل شللت - بكسر العين التي هي اللام الاولى - والناس يقولونه بضم الشين على أنه مبني للمجهول، وذلك خطأ " حلت عليك " أي نزلت، ويروى مكانه " وجبت عليك ". = (*)

[ 383 ]

وإن تخفف أن فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن (1) إذا خففت أن [ المفتوحة ] بقيت على ما كان لها من العمل، لكن لا يكون اسمها إلا ضمير الشأن محذوفا (2)، وخبرها لا يكون إلا جملة، وذلك نحو " علمت أن زيد قائم " ف‍ " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهو محذوف، والتقدير [ " أنه "، و " زيد قائم " في جملة في موضع رفع خبر " أن " والتقدير ] " علمت أنه زيد قائم " وقد يبرز اسمها وهو غير ضمير الشأن، كقوله:.


= الاعراب: " شلت " شل: فعل ماض، والتاء للتأنيث " يمينك " يمين: فاعل شل، ويمين مضاف والكاف مضاف إليه " إن " مخففة من الثقيلة " قتلت " فعل وفاعل " لمسلما " اللام فارقة، مسلما: مفعول به لقتل " حلت " حل: فعل ماض، والتاء للتأنيث " عليك " جار ومجرور متعلق بحل " عقوبة " فاعل لحل، وعقوبة مضاف و " المتعمد " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " إن قتلت لمسلما " حيث ولى " إن " المخففة من الثقيلة فعل ماض غير ناسخ وهو " قتلت " وذلك شاذ لا يقاس عليه إلا عند الاخفش. (1) " وإن " شرطية " تخفف " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط " أن " قصد لفظه: نائب فاعل لتخفف " فاسمها " الفاء لربط الجواب بالشرط، اسم: مبتدأ، واسم مضاف والضمير مضاف إليه " استكن " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسمها، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط " والخبر " مفعول مقدم على عامله وهو قوله " اجعل " الآتي " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " جملة " مفعول ثان لاجعل " من بعد " جار ومجرور متعلق باجعل، وبعد مضاف و " أن " قصد لفظه: مضاف إليه. (2) الذي اشترط في أن المخففة أن يكون اسمها ضمير شأن محذوفا من النحاة هو ابن الحاجب، فأما الناظم والجمهور فلم يشترطوا فيه ذلك، لانهم رأوا أن ضمير الشأن خارج عن القياس، فلا يحمل الكلام عليه ما وجد له وجه آخر، ومن أجل ذلك قدر سيبويه - رحمه الله ! - في قوله تعالى: (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أنك يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. (*)

[ 384 ]

105 - فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق * * *. * (هامش) 105 - البيت مما أنشده الفراء، ولم يعزه إلى قائل معين: اللغة: " أنك " بكسر كاف الخطاب لان المخاطب أنثى، بدليل ما بعده، والتاء في " سألتني " مكسورة أيضا لذلك " صديق " يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول فيكون تذكيره مع أن المراد به أنثى قياسا، لان فعيلا بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد وغيره غالبا كجريح وقتيل، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى فاعل، ويكون تذكيره مع المؤنث جاريا على غير القياس، والذي سهل ذلك فيه أنه أشبه في اللفظ فعيلا بمعنى مفعول، أو أنهم حملوه على " عدو " الذي هو ضده في المعنى، لان من سننهم أن يحملوا الشئ على ضده كما يحملونه على مثله وشبيهه. المعنى: لو أنك سألتني إخلاء سبيلك قبل إحكام عقدة النكاح بيننا لم أمتنع من ذلك ولبادرت به مع ما أنت عليه من صدق المودة لي، وخص يوم الرخاء لان الانسان قد لا يعز عليه أن يفارق أحبابه في يوم الكرب والشدة. الاعراب: " فلو " لو: شرطية غير جازمة " أنك " أن: مخففة من الثقيلة، والكاف اسمها " في يوم " جار ومجرور متعلق بقوله " سألتني " الآتي، ويوم مضاف و " الرخاء " مضاف إليه " سألتني " فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " فراقك " فراق: مفعول ثان لسأل، وفراق مضاف والكاف مضاف إليه " لم " حرف نفي وجزم وقلب " أبخل " فعل مضارع مجزوم بلم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة جواب الشرط غير الجازم، فلا محل لها من الاعراب " وأنت " الواو واو الحال، أنت: ضمير منفصل مبتدأ " صديق " خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " أنك " حيث خففت " أن " المفتوحة الهمزة وبرز اسمها وهو الكاف، وذلك قليل، والكثير عند ابن الحاجب الذي جرى الشارح على رأيه أن يكون اسمها ضمير الشأن واجب الاستتار، وخبرها جملة. (*)

[ 385 ]

وإن يكن فعلا ولم يكن دعا ولم يكن تصريفه ممتنعا (1) فالاحسن الفصل بقد، أو نفي، أو تنفيس، أو لو، وقليل ذكر لو (2).


= واعلم أن الاسم إذا كان محذوفا - سواء أكان ضمير شأن أم كان غيره فإن الخبر يجب أن يكون جملة. أما إذا كان الاسم مذكورا شذوذا كما في هذا الشاهد، فإنه لا يجب في الخبر أن يكون جملة، بل قد يكون جملة كما في البيت، وقد يكون مفردا، وقد اجتمع مع ذكر الاسم كون الخبر مفردا وكونه جملة، في قول جنوب بنت العجلان من كلمة ترثي فيها أخاها عمرو بن العجلان: لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبر أفق وهبت شمالا بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا ألا ترى أنه خفف " أن " وجاء بها مرتين مع اسمها، وخبرها في المرة الاولى مفرد، وذلك قوله " بأنك ربيع " وخبرها في المرة الثانية جملة، وذلك قوله " وأنك تكون الثمالا ". (1) " وإن " شرطية " يكن " فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الخبر " فعلا " خبر يكن " ولم " الواو واو الحال لم: حرف نفي وجزم وقلب " يكن " فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، أو إلى الخبر " دعا " قصر للضرورة: خبر يكن المنفي بلم، والجملة من يكن المنفي بلم واسمه وخبره في محل نصب حال " ولم " الواو عاطفة، لم: حرف نفي وجزم وقلب " يكن " فعل مضارع ناقص مجزوم بلم " تصريفه " تصريف: اسم يكن، وتصريف مضاف، والهاء مضاف إليه " ممتنعا " خبر يكن الاخير. (2) " فالاحسن " الفاء واقعة في جواب الشرط الواقع في أول البيت السابق، الاحسن: مبتدأ " الفصل " خبر المبتدأ " بقد " جار ومجرور متعلق بقوله " الفصل " " أو نفي، أو تنفيس، أو لو " كل واحد منها معطوف على " قد " " وقليل " الواو عاطفة، وقليل خبر مقدم " ذكر " مبتدأ مؤخر، وذكر مضاف و " لو " قصد لفظه مضاف إليه. (25 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 386 ]

إذا وقع خبر " أن " المخففة جملة اسمية لم يحتج إلى فاصل، فتقول: " علمت أن زيد قائم " من غير حرف فاصل بين " أن " وخبرها، إلا إذا قصد النفي، فيفصل بينهما بحرف [ النفي ] كقوله تعالى: (وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون). وإن وقع خبرها جملة فعلية، فلا يخلو: إما أن يكون الفعل متصرفا، أو غير متصرف، فإن كان غير متصرف لم يؤت بفاصل، نحو قوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) وقوله تعالى: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) وإن كان متصرفا، فلا يخلو: إما أن يكون دعاء، أو لا، فإن كان دعاء لم يفصل، كقوله تعالى: (والخامسة أن غضب الله عليها) في قراءة من قرأ (غضب) بصيغة الماضي، وإن لم يكن دعاء فقال قوم: يجب أن يفصل بينهما إلا قليلا، وقالت فرقة منهم المصنف: يجوز الفصل وتركه (1) والاحسن الفصل، والفاصل .


(1) مما ورد فيه الخبر جملة فعلية فعلها متصرف غير دعاء ولم يفصل بفاصل من هذه الفواصل - سوى ما سينشده الشارح - قول النابغة الذبياني: فلما رأى أن ثمر الله ماله وأثل موجودا وسد مفاقره أكب على فأس يحد غرابها مذكرة من المعاول باتره فأن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وثمر: فعل ماض، والله: فاعل، ومال: مفعول به لثمر، ومال مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، وجملة الفعل الماضي وفاعله في محل رفع خبر أن، وهذا الفعل: ماض متصرف غير دعاء ولم يفصل وممن قال بوجوب الفصل الفراء وابن الانباري. وقد اختلف العلماء في السبب الذي دعا إلى هذا الفصل، فذهب الجمهور إلى أن هذا الفصل يكون للتفر قة بين أن المخففة من الثقيلة وأن المصدرية. وعلى هذا ينبغي أن يقسم الفصل إلى قسمين: واجب، وغير واجب، فيجب إذا كان الموضع يحتملهما، ولا يجب إذا كان مما تتعين فيه إحداهما كما فيما بعد العلم غير المؤول = (*)

[ 387 ]

أحد أربعة أشياء. الاول: " قد " كقوله تعالى: (ونعلم أن قد صدقتنا). الثاني: حرف التنفيس، وهو السين أو سوف، فمثال السين قوله تعالى: (علم أن سيكون منكم مرضى) ومثال " سوف " قول الشاعر: 106 - واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا.


= بالظن، فإن هذا الموضع يكون لان المخففة لا غير، إلا عند الفراء وابن الانباري، فليس عندهما موضع تتعين فيه المخففة، ولذلك أوجبا الفصل بواحد من هذه الاشياء للتفرقة دائما. وقال قوم: إن المقصود بهذا الفصل جبر الوهن الذي أصاب أن المؤكدة بتخفيفها ويشكل على هذا أن الوهن موجود إذا كان الخبر جملة اسمية، أو جملة فعلية فعلها جامد أو دعاء، فلماذا لم يجبر الوهن مع شئ من ذلك ؟ ! 106 - هذا البيت أنشده أبو علي الفارسي وغيره، ولم ينسبه أحد منهم إلى قائل معين، والبيت من الكامل، وقد وهم العيني رحمه الله في زعمه أنه من الرجز المسدس. الاعراب: " واعلم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فعلم " مبتدأ، وعلم مضاف، و " المرء " مضاف إليه " ينفعه " ينفع: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " علم " والهاء مفعول به لينفع، والجملة من ينفع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف وجوبا " سوف " حرف تنفيس " يأتي " فعل مضارع " كل " فاعل يأتي، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر أن، وكل مضاف، و " ما " اسم موصول مضاف إليه " قدرا " قدر: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " والجملة من قدر ونائب فاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. الشاهد فيه: قوله " أن سوف يأتي " حيث أتى بخبر " أن " المخففة من الثقيلة جملة فعلية، وليس فعلها دعاء، وقد فصل بين " أن " وخبرها بحرف التنفيس، وهو " سوف ". = (*)

[ 388 ]

الثالث: النفي، كقوله تعالى: (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا) وقوله تعالى: (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه) وقوله تعالى: (أيحسب أن لم يره أحد). الرابع: " لو " - وقل من ذكر كونها فاصلة من النحويين ومنه قوله [ تعالى: (وأن لو استقاموا على الطريقة) وقوله ] تعالى: (أو لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم). ومما جاء بدون فاصل قوله: 107 - علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل.


= ومثل هذا البيت قول الفرزدق: أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها 107 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. الاعراب: " علموا " فعل وفاعل " أن " مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف " يؤملون " فعل مضارع مبني للمجهول، وواو الجماعة نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر " أن " المخففة " فجادوا " الفاء عاطفة، وجادوا: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة علموا " قبل " ظرف متعلق بجاد " أن " مصدرية " يسألوا " فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن المصدرية، وواو الجماعة نائب فاعل، وقبل مضاف و " أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مضاف إليه " بأعظم " جار ومجرور متعلق بجاد، وأعظم مضاف، و " سؤل " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " أن يؤملون " حيث استعمل فيه " أن " المخففة من الثقيلة، وأعملها في الاسم الذي هو ضمير الشأن المحذوف، وفي الخبر الذي هو جملة " يؤملون " ومع أن جملة الخبر فعلية فعلها متصرف غير دعاء لم يأت بفاصل بين " أن " وجملة الخبر. والاستشهاد بهذا البيت إنما يتم على مذهب الجمهور الذين يذهبون إلى أن " أن " الواقعة بعد علم غير مؤول بالظن تكون مخففة من الثقيلة لا غير، فأما على مذهب الفراء وابن الانباري اللذين لا يريان للمخففة موضعا يخصها وأوجبا الفصل بواحد من الامور التي ذكرها الشارح للتفرقة، فإنهما ينكران أن تكون " أن " في هذا البيت = (*)

[ 389 ]

وقوله تعالى: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) في قراءة من رفع (يتم) في قول، والقول الثاني: أن " أن " ليست مخففة من الثقيلة، بل هي الناصبة للفعل المضارع، وارتفع (يتم) بعده شذوذا (1). * * * وخففت كأن أيضا فنوي منصوبها، وثابتا أيضا روي (2).


= مخففة من الثقيلة، ويزعمان أنها هي المصدرية التي تنصب المضارع، وأنها لم تنصبه في هذا البيت كما لم تنصبه في قول الشاعر: أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام، وأن لا تشعرا أحدا وكما لم تنصبه في قوله تعالى: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) في قراءة من قرأ برفع " يتم " وكما لم تنصبه في حديث البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها (6 / 120 الطبعة السلطانية) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها " وما منعك أن تأذنين له ؟ عمك "، إلا أنه قد يقال: إنه لا يجوز على مذهبهما أيضا أن تكون " أن " في البيت الشاهد مصدرية مهملة، من قبل أن الشاعر قد قال بعد ذلك " قبل أن يسألوا " فنصب الفعل بحذف النون، فدل ذلك على أن لغة هذا القائل النصب بأن المصدرية، فيكون هذا قرينة على أن " أن " الاولى مخففة من الثقيلة، فإن من البعيد أن يجمع الشاعر بين لغتين في بيت واحد. (1) قد ذكر العلماء أن هذه لغة لجماعة من العرب، يهملون " أن " المصدرية كما أن عامة العرب يهملون " ما " المصدرية فلا ينصبون بها، وأنشدوا على ذلك شواهد كثيرة، وتحقيق هذا الموضوع على الوجه الاكمل مما لا تتسع له هذه العجالة، ولكنا قد ذكرنا لك في شرح الشاهد السابق بعض شواهد من القرآن الكريم ومن الحديث الصحيح ومن الشعر. (2) " وخففت " الواو عاطفة، خفف: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث " كأن " قصد لفظه: نائب فاعل لخفف " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " فنوى " الفاء عاطفة، نوى: فعل ماض مبني للمجهول " منصوبها " منصوب: نائب فاعل نوى، ومنصوب مضاف والضمير مضاف إليه " وثابتا " الواو عاطفة، وثابتا: حال مقدم = (*)

[ 390 ]

إذا خففت " كأن " نوي اسمها، وأخبر عنها بجملة اسمية (1)، نحو " كأن زيد قائم " أو جملة فعلية مصدرة ب‍ " لم (2) " كقوله تعالى: (كأن لم تغن بالامس) أو مصدرة ب‍ " قد " كقول الشاعر: أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا، وكأن قد [ 2 ] (3).


= على صاحبه وهو الضمير المستتر في قوله " روى " الآتي، و " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " روى " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى منصوبها. (1) لم يستشهد الشارح هنا لمجئ خبر " كأن " جملة اسمية، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (ش 108) في رواية أخرى غير التي ذكرها الشارح في إنشاد البيت، ولكنه أشار إليها بعد: وصدر مشرق اللون كأن ثدياه حقان فكأن: حرف تشبيه ونصب، واسمها ضمير شأن محذوف، وثدياه. مبتدأ ومضاف إليه، وحقان: خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر كأن. (2) إذا كانت جملة خبر " كأن " المخففة فعلية، فإن قصد بها الثبوت اقترنت حتما بقد كبيت النابغة الذي أنشده الشارح (رقم 2)، وكقول الآخر: لا يهولنك اصطلاء لظى الحرب فمحذورها كأن قد ألما وإن قصد بها النفي اقترنت بلم كما في الآية الكريمة، وكما في قول الخنساء: كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عزبزا وكقول شاعر من غطفان (انظره في معجم البلدان 6 / 18). كأن لم يدمنها أنيس، ولم يكن لها بعد أيام الهدملة عامر (3) هذا هو الشاهد رقم (2) وقد شرحنا هذا البيت في مبحث التنوين أول الكتاب، فانظره هناك، والاستشهاد به هنا في قوله " وكأن قد " حيث خففت " كأن " وحذف اسمها وأخبر عنها بجملة فعلية مصدرة بقد، والتقدير: وكأنه (أي الحال والشأن) قد زالت، ثم حذفت جملة الخبر، لانه قد تقدم في الكلام ما يرشد إليها ويدل عليها، وهو قوله " لما تزل برحالنا ". (*)

[ 391 ]

أي: " وكأن قد زالت " فاسم " كأن " في هذه الامثلة محذوف، وهو ضمير الشأن، والتقدير " كأنه زيد قائم، وكأنه لم تغن بالامس، وكأنه قد زالت " والجملة التي بعدها خبر عنها، وهذا معنى قوله: " فنوي منصوبها " وأشار بقوله " وثابتا أيضا روي " إلى أنه قد روي إثبات منصوبها، ولكنه قليل، ومنه قوله: 108 - وصدر مشرق النحر كأن ثدييه حقان


108 - هذا الشاهد أحد الابيات التي استشهد بها سيبويه (ج 1 ص 281) ولم ينسبوها. اللغة: " وصدر " قد روى سيبويه في مكان هذه الكلمة " ووجه " وروى غيره في مكانها " ونحر " وعلى هاتين الروايتين تكون الهاء في قوله " ثدييه " عائدة إلى " وجه " أو " نحر " بتقدير مضاف، وأصل الكلام: كأن ثديي صاحبه، فحذف المضاف وهو الصاحب وأقام المضاف إليه مقامه " مشرق اللون " مضئ لانه ناصع البياض، وهذا هو الثابت، وقد رواه الشارح كما ترى " حقان " تثنية حقة، وحذفت التاء التي في المفرد من التثنية كما حذفت في تثنية " خصية، وألية " فقالوا: خصيان، وأليان، هكذا قالوا، وليس هذا الكلام بشئ، بل حقان تثنية حق بضم الحاء وبدون تاء وقد ورد في فصيح شعر العرب بغير تاء، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم التغلبي: وصدرا مثل حق العاج رخصا حصانا من أكف اللامسينا والعرب تشبه الثديين بحق العاج كما في بيت الشاهد وكما في بيت عمرو، ووجه التشبيه أنهما مكتنزان ناهدان. الاعراب: " وصدر " بعضهم يرويه بالرفع فهو مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: ولها صدر، والاكثرون على روايته بالجر، فالواو واو رب، وصدر: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد " مشرق " صفة لصدر، ومشرق مضاف و " اللون " مضاف إليه " كأن " مخففة من الثقيلة " ثدييه " ثديي: اسمها، وثديي مضاف والضمير مضاف إليه = (*)

[ 392 ]

ف‍ " ثدييه " اسم كأن، وهو منصوب بالياء لانه مثنى، و " حقان " خبر كأن، وروى " كأن ثدياه حقان " فيكون اسم " كأن " محذوفا وهو ضمير الشأن، والتقدير " كأنه ثدياه حقان " و " ثدياه حقان ": مبتدأ وخبر في موضع رفع خبر كأن، ويحتمل أن يكون " ثدياه " اسم " كأن " وجاء بالالف على لغة من يجعل المثنى بالالف في الاحوال كلها. * * *.


= " حقان " خبر كأن، ومن روى " ثدياه حقان " وهي الرواية التي أنشدنا البيت عليها في تعليقة سبقت قريبا (ص 390) فهي جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع خبر كأن، واسمها محذوف، والتقدير: كأنه - أي الحال والشأن - ثدياه حقان، وجملة كأن واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ، وقد ذكر الشارح - رحمه الله ! - الروايتين جميعا، وبين وجه كل واحدة منهما بما لا يخرج عما ذكرناه. الشاهد فيه: قوله " كأن ثدييه حقان " حيث روى بنصب " ثدييه " بالياء المفتوح ما قبلها: على أنه اسم " كأن " المخففة من الثقيلة، وهذا قليل، بالنظر إلى حذف اسمها ومجئ خبرها جملة، ولهذا يروى برفع ثدييه على ما ذكرناه في إعراب البيت، فيكون البيت على هذه الرواية جاريا على ا لكثير الغالب. ولا داعي لما أجازه الشارح على رواية " كأن ثدياه " من أن يكون " ثدياه " اسم كأن أتى به الشاعر على لغة من يلزم المثنى الالف، فإن في ذلك شيئين كل واحد منهما خلاف الاصل، أحدهما: أن مجئ المثنى في الاحوال كلها بالالف لغة مهجورة قديمة لبعض العرب. ثانيهما: أن فيه حمل البيت على القليل النادر - وهو ذكر اسم كأن - مع إمكان حمله على الكثير المشهور، والذي يتعين على المعربين ألا يحملوا الكلام على وجه ضعيف متى أمكن حمله على وجه صحيح راجح. (*)

[ 393 ]

لا التي لنفي الجنس عمل إن اجعل للا في نكره * مفردة جاءتك أو مكرره (1) هذا هو القسم الثالث من الحروف الناسخة للابتداء، وهي " لا " التي لنفي الجنس، والمراد بها " لا " التي قصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله. وإنما قلت " التنصيص " احترازا عن التي يقع الاسم بعدها مرفوعا، نحو: " لا رجل قائما "، فإنها ليست نصا في نفي الجنس، إذ يحتمل نفي الواحد ونفي الجنس، فبتقدير إرادة نفي الجنس لا يجوز " لا رجل قائما بل رجلان " وبتقدير إرادة نفي الواحد يجوز " لا رجل قائما بل رجلان "، وأما " لا " هذه فهي لنفي الجنس ليس إلا، فلا يجوز " لا رجل قائم بل رجلان ". وهي تعمل عمل " إن "، فتنصب المبتدأ اسما لها، وترفع الخبر خبرا لها، ولا فرق في هذا العمل بين المفردة - وهي التي لم تتكرر - نحو " لا غلام رجل قائم " وبين المكررة، نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " (2)..


(1) " عمل " مفعول أول مقدم على عامله وهو قوله " اجعل " الآتي، وعمل مضاف و " إن " قصد لفظه: مضاف إليه " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " للا " جار ومجرور متعلق باجعل، وهو المفعول الثاني لاجعل " في نكره " جار ومجرور متعلق باجعل " مفردة " حال من الضمير المستتر في " جاءتك " الآتي " جاءتك " جاء: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " لا " والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به لجاء " أو " عاطفة " مكررة " معطوف على مفردة. (2) ومع أنها تعمل مفردة ومكررة فعملها بعد استيفاء شروطها وهي مفردة واجب، وعملها مكررة جائز. (*)

[ 394 ]

ولا يكون اسمها وخبرها إلا نكرة (1)، فلا تعمل في المعرفة، وما ورد من ذلك مؤول بنكرة، كقولهم " قضية ولا أبحسن لها " فالتقدير: ولا مسمى بهذا الاسم لها (2) ويدل على أنه معامل معاملة النكرة وصفه بالنكرة كقولك " لا أبا حسن حلالا لها " ولا يفصل بينها وبين اسمها، فإن فصل بينهما ألغيت، كقوله تعالى: (لا فيها غول). فانصب بها مضافا، أو مضارعه وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه (3).


(1) الشروط التي يجب توافرها لاعمال " لا " عمل إن ستة، وهي: أن تكون نافية، وأن يكون المنفي بها الجنس، وأن يكون النفي نصا في ذلك، وألا يدخل عليها جار كما دخل عليها في نحو قولهم: جئت بلا زاد، وقولهم: غضبت من لا شئ، وأن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وألا يفصل بينها وبين اسمها فاصل أي فاصل ولا خبرها، وقد صرح الشارح هنا بشرطين وهما الخامس والسادس، وأشار في صدر كلامه إلى الثلاثة الاولى، وترك واحدا، وهو ألا يدخل عليها جار. (2) هكذا أوله الشارح، وليس تأويله بصحيح، لان المسمى بأبي حسن موجود وكثيرون، فالنفي غير صادق. وقد أوله العلماء بتأويلين آخرين، أحدهما أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: ولا مثل أبي حسن لها، ومثل كلمة متوغلة في الابهام لا تتعرف بالاضافة، ونفي المثل كناية عن نفي وجود أبي الحسن نفسه، والثاني: أن يجعل " أبا حسن " عبارة عن اسم جنس وكأنه قد قيل: ولا فيصل لها، وهذا مثل تأويلهم في باب الاستعارة نحو " حاتم " بالمتناهي في الجود، ونحو " مادر " بالمتناهي في البخل، ونحو " يوسف " بالمتناهي في الحسن، وضابطه: أن يؤول الاسم العلم بما اشتهر به من الوصف. (3) " فانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بها " جار ومجرور متعلق بانصب " مضافا " مفعول به لانصب " أو " عاطفة " مضارعه " مضارع بمعنى: مشابه: معطوف على قوله " مضافا " ومضارع مضاف والهاء العائدة إلى قوله " مضافا " مضاف إليه " وبعد " ظرف متعلق بقوله " اذكر " الآتي، وبعد مضاف، =

[ 395 ]

وركب المفرد فاتحا: كلا حول ولا قوة، والثاني اجعلا (1) مرفوعا، أو منصوبا، أو مركبا، وإن رفعت أولا لا تنصبا (2).


= و " ذا " من " ذاك " اسم إشارة: مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الخبر " مفعول به لاذكر الآتي " اذكر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " رافعة " رافع: حال من الضمير المستتر في " اذكر " ورافع مضاف والهاء مضاف إليه، من إضافة الصفة لمعمولها، وهي لا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، ولذلك وقع هذا المضاف حالا. (1) " وركب " الواو عاطفة، ركب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المفرد " مفعول به لركب " فاتحا " حال من الضمير المستتر في " ركب " ومتعلقه محذوف، والتقدير: فاتحا له " كلا " الكاف جارة لقول محذوف على ما سبق غيره مرة، ولا: نافية للجنس " حول " اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، والتقدير: لا حول موجود " ولا " الواو عاطفة، ولا: نافية للجنس أيضا " قوة " اسمها، وخبرها محذوف، وهذه الجملة معطوفة بالواو على الجملة السابقة " والثاني " مفعول أول قدم على عامله، وهو قوله اجعلا الآتي " اجعلا " اجعل: فعل أمر، مبني على السكون لا محل له من الاعراب، وحرك بالفتح لاجل مناسبة الالف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف للاطلاق، أو هو فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف لامحل له من الاعراب، ونون التوكيد المنقلبة ألفا حرف لا محل له من الاعراب. (2) " مرفوعا " مفعول ثان لاجعل في البيت السابق " أو منصوبا " أو: حرف عطف، منصوبا: معطوف على مرفوع " أو مركبا " معطوف على قوله " مرفوعا " السابق " وإن " الواو عاطفة، إن: شرطية " رفعت " رفع: فعل ماض فعل الشرط مبني على الفتح المقدر في محل جزم، وتاء المخاطب فاعل " أولا " مفعول به لرفعت " لا " ناهية " تنصبا ": فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة = (*)

[ 396 ]

لا يخلو اسم " لا " [ هذه ] من ثلاثة أحوال، الحال الاول: أن يكون مضافا [ نحو " لا غلام رجل حاضر " ]. الحال الثاني: أن يكون مضارعا للمضاف، أي مشابها له، والمراد به: كل اسم له تعلق بما بعده: إما بعمل، نحو " لا طالعا جبلا ظاهر، ولا خيرا من زيد راكب "، وإما بعطف نحو: " لا ثلاثة وثلاثين عندنا " ويسمى المشبه بالمضاف: مطولا، وممطولا، أي: ممدودا، وحكم المضاف والمشبه به النصب لفظا، كما مثل، والحال الثالث: أن يكون مفردا، والمراد به - هنا - ما ليس بمضاف، ولا مشبه بالمضاف، فيدخل فيه المثنى والمجموع، وحكمه البناء على ما كان ينصب به، لتركبه مع " لا " وصيرورته معها كالشئ الواحد، فهو معها كخمسة عشر، ولكن محله النصب بلا، لانه اسم لها، فالمفرد الذي ليس بمثنى ولا مجموع يبنى على الفتح، لان نصبه بالفتحة نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " والمثنى وجمع المذكر السالم يبنيان على ما كانا ينصبان به وهو الياء نحو " لا مسلمين لك، ولا مسلمين " فمسلمين ومسلمين مبنيان، لتركبهما مع " لا " كما بنى " رجل " [ لتركبه ] معها. وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن " رجل " في قولك: " لا رجل " معرب، وأن فتحته فتحة إعراب، لا فتحة بناء، وذهب المبرد إلى أن " مسلمين " و " مسلمين " معربان (1)..


= المنقلبة ألفا لاجل الوقف في محل جزم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وحذف منها الفاء ضرورة، وكان حقه أن يقول: وإن رفعت أولا فلا تنصبا. (1) ذهب أبو العباس المبرد إلى أن اسم " لا " إذا كان مثنى أو مجموعا جمع مذكر سالما فهو معرب منصوب بالياء، وليس مبنيا كما ذهب إليه جمهور النحاة، واحتج لما ذهب إليه بأن التثنية والجمع من خصائص الاسماء، وقد علمنا أن من شرط بناء الاسم لشبهه = (*)

[ 397 ]

وأما جمع المؤنث السالم فقال قوم: مبني على ما كان ينصب به وهو الكسر، فتقول: " لا مسلمات لك " بكسر التاء، ومنه قوله: 109 - إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ، ولا لذات للشيب.


= بالحرف في وجه من وجوه الشبه التي تقدم بيانها: ألا يعارض هذا الشبه شئ من خصوصيات الاسماء، والجواب على هذه الشبهة من وجهين: أولهما وهو وجه عقلي أن ما كان من خصائص الاسماء إنما يقدح في بناء الاسم ويعارضه إذا طرأ على الاسم بعد كونه مبنيا، فأما إذا كان ما هو من خصائص الاسماء موجودا في الاسم ثم عرض لهذا الاسم ما يقتضي شبهه بالحرف من بعد ذلك فإنه لهذا لا يعارض سبب البناء ولا يمنع منه، ونحن ندعي أن الاسم كان مثنى أو مجموعا، ثم دخلت عليه لا فتركب معها تركب خمسة عشر، فوجد سبب البناء طارئا على ما هو من خصائص الاسم، الثاني - وهو نقض لمذهبه بعدم الاطراد - أن المبرد نفسه قد اتفق مع الجمهور على بناء اسم لا المجموع جمع تكسير، ولم يعبأ معه بما هو من خصائص الاسم وهو الجمع، كما اتفق مع الجمهور على بناء المنادى المثنى أو المجموع جمع المذكر السالم على ما يرفع به، ولم يعبأ بما هو من خصائص الاسماء. 109 - البيت لسلامة بن جندل السعدي، من قصيدة له مستجادة، وأولها قوله أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب أودى، وذلك شأو غير مطلوب ولى حثيثا، وذاك الشيب يتبعه لو كان يدركه ركض اليعاقيب اللغة: " أودى " ذهب وفنى، وكرر هذه الكلمة تأكيدا لمضمونها، لانه إنما أراد إنشاء التحسر والتحزن على ذهاب شبابه " حميدا " محمودا " التعاجيب " العجب، وهو جمع لا واحد له من لفظه، ويروى في مكانه " الاعاجيب " وهو جمع أعجوبة، وهي الامر الذي يتعجب منه " شأو " هو الشوط " حثيثا " سريعا " اليعاقيب " جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل " مجد عواقبه " المراد أن نهايته محمودة " الشيب " بكسر الشين جمع أشيب وهو الذي ابيض شعره، وروى صدر البيت المستشهد به هكذا: * أودى الشباب الذي مجد. إلخ * = (*)

[ 398 ]

وأجاز بعضهم الفتح، نحو " لا مسلمات لك " (1)..


= الاعراب: " إن " حرف توكيد ونصب " الشباب " اسم إن " الذي " اسم موصول: نعت للشباب " مجد " يجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو مجد، وعواقبه على هذا نائب فاعل مجد، لانه مصدر بمعنى اسم المفعول كما فسرناه ويجوز أن يكون " مجد " خبرا مقدما، و " عواقبه " مبتدأ مؤخرا، وجاز الاخبار بالمفرد وهو مجد عن الجمع وهو عواقب لان الخبر مصدر، والمصدر يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد، لانه لا يثنى ولا يجمع، وعلى كل حال فجملة " مجد عواقبه " سواء أقدرت مبتدأ أم لم تقدر لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " فيه " جار ومجرور متعلق بقوله نلذ الآتي " نلذ " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن " ولا " نافية للجنس " لذات " اسم لا، مبني على الكسرة نيابة عن الفتحة لانه جمع مؤنث سالم في محل نصب " للشيب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " الشاهد فيه: قوله " ولا لذات للشيب " حيث جاء اسم لا - وهو لذات - جمع مؤنث سالما، ووردت الرواية ببنائه على الكسرة نيابة عن الفتحة، كما كان ينصب بها لو أنه معرب. (1) اعلم أن للعلماء في اسم " لا " إذا كان جمع مؤنث سالما أربعة مذاهب: الاول: أن يبنى على الكسرة نيابة عن الفتحة من غير تنوين، وهذا مذهب جمهرة النحاة. الثاني: أن يبنى على الكسرة نيابة عن الفتحة لكن يبقى له تنوينه، وهذا مذهب صححه ابن مالك صاحب الالفية، وجزم به في بعض كتبه، ونقله عن قوم، وحجتهم في عدم حذف التنوين أنه قد تقرر أن تنوين جمع المؤنث السالم هو تنوين المقابلة، وهو لا ينافي البناء، فلا يحذف. الثالث: أنه مبني على الفتح، وهذا مذهب المازني والفارسي، ورجحه ابن هشام في المغنى والمحقق الرضي في شرح الكافية وابن مالك في بعض كتبه. الرابع: أن يجوز فيه البناء على الكسرة نيابة عن الفتحة، والبناء على الفتح. وزعم كل شراح الالفية أن بيت سلامة بن جندل (الشاهد رقم 109) يروى بالوجهين جميعا، فإذا صح ذلك لم يكن لايجاب أحد الامرين بعينه وجه وجيه، ويؤخذ = (*)

[ 399 ]

وقول المصنف: " وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه " معناه أنه يذكر الخبر بعد اسم " لا " مرفوعا، والرافع له " لا " عند المصنف وجماعة [ وعند سيبويه الرافع له لا ] إن كان اسمها مضافا أو مشبها بالمضاف، وإن كان الاسم مفردا فاختلف في رافع الخبر، فذهب سيبويه إلى أنه ليس مرفوعا ب‍ " لا " وإنما هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ، لان مذهبه أن " لا " واسمها المفرد في موضع رفع بالابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر عن ذلك المبتدأ، ولم تعمل " لا " عنده في هذه الصورة إلا في الاسم، وذهب الاخفش إلى أن الخبر مرفوع ب‍ " لا " فتكون " لا " عاملة في الجزءين كما عملت فيهما مع المضاف والمشبه به. وأشار بقوله: " والثاني اجعلا " إلى أنه إذا أتى بعد " لا " والاسم الواقع بعدها بعاطف ونكرة مفردة وتكررت " لا " نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " يجوز فيهما خمسة أوجه، وذلك لان المعطوف عليه: إما أن يبنى مع " لا " على الفتح، أو ينصب، أو يرفع. فإن بنى معها على الفتح جاز في الثاني ثلاثة أوجه: الاول: البناء على الفتح، لتركبه مع " لا " الثانية، وتكون [ لا ] الثانية عاملة عمل إن، نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " (1).


= من كلام ابن الانباري أن بيت سلامة يروى بالفتح دون الكسر، فيكون تأييدا لمذهب المازني ومن معه، ولكنا لا نستطيع أن نرد رواية الكسر بمجرد كون ابن الانباري لم يحفظها. (1) وعلى تركيب الثانية مع اسمها كتركيب الاولى مع اسمها قرأ أبو عمرو وابن كثير في قوله سبحانه: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بفتح بيع وخلة وشفاعة، و " لا " في المواضع الثلاثة نافية للجنس عاملة عمل إن، والاسم المفتوح بعدها اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها - فيما عدا الاول - محذوف لدلالة ما قبله عليه. ومن شواهد ذلك قول الراجز (وقد أنشدناه في شرح الشاهد رقم 27 السابق): نحن بنو خويلد صراحا لا كذب اليوم ولا مزاحا (*)

[ 400 ]

الثاني: النصب عطفا على محل اسم " لا "، وتكون " لا " الثانية زائدة بين العاطف والمعطوف، نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " ومنه قوله: 110 - لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع.


110 - البيت لانس بن العباس بن مرداس، وقيل: بل هو لابي عامر جد العباس ابن مرداس، ويروى عجز البيت كما رواه الشارح العلامة من كلمة عينية، وبعده: كالثوب إذ أنهج فيه البلى أعيا على ذي الحيلة الصانع وروى أبو علي القالي صدر هذا البيت مع عجز آخر، وهو: * اتسع الخرق على الراتق * من كلمة قافية، وقبله: لا صلح بيني فاعلموه ولا بينكم، ما حملت عاتقي سيفي، وما كنا بنجد، وما قرقر قمر الواد بالشاهق اللغة: " خلة " بضم الخاء وتشديد اللام هي الصداقة، وقد تطلق الخلة على الصديق نفسه، كما في قول رجل من بني عبد القيس، وهو أحد شعراء الحماسة. ألا أبلغا خلتي راشدا وصنوي قديما إذا ما تصل " الراقع " ومثله " الراتق " الذي يصلح موضع الفساد من الثوب " أنهج " أخذ في البلى " أعيا " صعب، وشق، واشتد " العاتق " موضع الرداء من المنكب " قرقر قمر " قرقر: صوت، وصاح، و " قمر " يجوز أن يكون جمع أقمر، فوزانه وزان أحمر وحمر وأصفر وصفر، ويجوز أن يكون جمع قمري، كروم في جمع رومي " الشاهق " الجبل المرتفع. الاعراب: " لا " نافية للجنس " نسب " اسمها، مبني على الفتح في محل نصب " اليوم " ظرف متعلق بمحذوف خبر لا " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " خلة " معطوف على نسب، بالنظر إلى محل اسم " لا " الذي هو النصب " اتسع " فعل ماض " الخرق " فاعل لاتسع " على الراقع " جار ومجرور متعلق بقوله " اتسع ". = (*)

[ 401 ]

الثالث: الرفع، وفيه ثلاثة أوجه، الاول: أن يكون معطوفا على محل " لا " واسمها، لانهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وحينئذ تكون " لا " زائدة، الثاني: أن تكون " لا " الثانية عملت عمل " ليس "، الثالث: أن يكون مرفوعا بالابتداء، وليس للاعمل فيه، وذلك نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله " ومنه قوله: 111 - هذا - لعمركم - الصغار بعينه لا أم لي - إن كان ذاك - ولا أب .


= الشاهد فيه: قوله " ولا خلة " حيث نصب على تقدير أن تكون " لا " زائدة للتأكيد، ويكون " خلة " معطوفا بالواو على محل اسم " لا " وهو قوله " نسب " عطف مفرد على مفرد، وهذا هو الذي حمله الشارح تبعا لجمهور النحاة عليه. وقال يونس بن حبيب: إن " خلة " مبني على الفتح في محل نصب، ولكنه نونه للضرورة، وبناؤه على الفتح عنده على أن " لا " الثانية عاملة عمل " إن " مثل الاولى، وخبرها محذوف يرشد إليه خبر الاولى، والتقدير " ولا خلة اليوم " والواو قد عطفت جملة " لا " الثانية مع اسمها وخبرها على جملة لا الاولى، وهو كلام لا متمسك له، بل يجب ألا يحمل عليه الكلام، لان الحمل على وجه يستتبع الضرورة لا يجوز متى أمكن الحمل على وجه سائغ لا ضرورة معه. وقال الزمخشري في مفصله: إن " خلة " منصوب بفعل مضمر، وليس معطوفا على لفظ اسم لا، ولا على محله، والتقدير عنده: لانسب اليوم ولا تذكر خلة، وهو تكلف لا مقتضى له، ويلزم عليه عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية، والافضل في العطف توافق الجملة المعطوفة مع الجملة المعطوف عليها في الفعلية والاسمية ونحوهما. 111 - اختلف العلماء في نسبة هذا البيت، فقيل: هو لرجل من مذحج، وكذلك نسبوه في كتاب سيبويه، وقال أبو رياش: هو لهمام بن مرة أخي جساس بن مرة قاتل كليب، وقال ابن الاعرابي: هو لرجل من بني عبد مناف، وقال الحاتمي: هو لابن أحمر، وقال الاصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة، وقال بعضهم: إنه من الشعر القديم جدا، ولا يعرف له قائل. = (26 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 402 ]

.


= اللغة: " هذا لعمركم " العمر بفتح فسكون الحياة، وقد فصل بين المبتدأ الذي هو اسم الاشارة وخبره، بجملة القسم وهي قوله " لعمركم " مع خبره المحذوف ويروى " هذا وجدكم " والجد: الحظ والبخت، وهو أيضا أبو الاب " الصغار " بزنة سحاب الذل، والمهانة، والحقارة " بعينه " يزعم بعض العلماء أن الباء زائدة، وكأنه قد قال: هذا الصغار عينه، ولا داعي لذلك. الاعراب: " هذا " اسم اشارة مبتدأ " لعمركم " اللام لام الابتداء، وعمر: مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير: لعمركم قسمي، وعمر مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة معترضة بين المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب " الصغار " خبر المبتدأ الذي هو اسم الاشارة " بعينه " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، وقيل: الباء زائدة، وعليه يكون قوله عين تأكيدا للصغار، وعين مضاف والهاء مضاف إليه " لا " نافية للجنس " أم " اسم لا مبني على الفتح في محل نصب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا " إن " شرطية " كان " فعل ماض ناقص فعل الشرط، مبني على الفتح في محل جزم " ذاك " ذا: اسم كان، وخبرها محذوف، والتقدير: إن كان ذاك محمودا، أو نحوه " ولا " الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي " أب " بالرفع - معطوف على محل لا واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وفيه إعرابان آخران ستعرفهما في بيان الاستشهاد بالبيت. الشاهد فيه: قوله " ولا أب " حيث جاء مرفوعا على واحد من ثلاثة أوجه: إما على أن يكون معطوفا على محل " لا " مع اسمها كما ذكرناه، أو على أن " لا " الثانية عاملة عمل ليس، و " أب " اسمها، وخبرها محذوف، أو على أن تكون " لا " غير عاملة أصلا، بل هي زائدة، ويكون " أب " مبتدأ خبره محذوف، وقد ذكر ذلك الشارح العلامة. ومثله قول جرير بن عطية: بأي بلاء يا نمير بن عامر وأنتم ذنابى، لا يدين ولا صدر ؟ وقد ورد على غرار ذلك قول المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

[ 403 ]

وإن نصب المعطوف عليه جاز في المعطوف الاوجه الثلاثة المذكورة - أعني البناء، والرفع، والنصب - نحو: لا غلام رجل ولا امرأة، ولا امرأة، ولا امرأة. وإن رفع المعطوف عليه جاز في الثاني وجهان، الاول البناء على الفتح، نحو " لا رجل ولا امرأة، ولا غلام رجل ولا امرأة " ومنه قوله: 112 - فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدا مقيم.


112 - البيت لامية بن أبي الصلت، ولكن الشارح - كغيره من النحاة - قد لفق صدر بيت من أبيات كلمة أمية على عجز بيت آخر منها، وصواب إنشاد البيتين هكذا: ولا لغو ولا تأثيم فيها ولا حين ولا فيها مليم وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به أبدا مقيم اللغة: " لغو " أي. قول باطل، وما لا يعتد به من الكلام " تأثيم " هو مصدر أثمته - بتشديد الثاء - بمعنى نسبته إلى الاثم بأن قلت له: يا آثم، يريد أن بعضهم لا ينسب بعضا إلى الاثم، لانهم لا يفعلون ما يصحح نسبتهم إليه " حين " هلاك وفناء " مليم " بضم الميم وهو الذي يفعل ما يلام عليه " ساهرة " هي وجه الارض، يريد أن في الجنة لحم حيوان البر. الاعراب: " فلا " نافية ملغاة " لغو " مبتدأ، مرفوع بالضمة الظاهرة " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية للجنس تعمل عمل إن " تأثيم " اسم لا مبني على الفتح في محل نصب " فيها " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " وخبر المبتدأ محذوف يدل عليه خبر لا هذا، ويجوز عكس ذلك على ضعف فيه فيكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ، ويكون خبر لا هو المحذوف، وعلى أية حال فإن الواو قد عطفت جملة لا مع اسمها وخبرها على جملة المبتدأ والخبر " وما " اسم موصول مبتدأ " فاهوا " فعل وفاعل، والجملة من فاه وفاعله لا محل لها صلة الموصول " به " جار ومجرور متعلق بفاهوا " أبدا " منصوب على الظرفية ناصبه فاهوا أو مقيم " مقيم " خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون لا الاولى نافية عاملة عمل ليس، ولغو: اسمها، وخبرها محذوف يدل عليه خبر لا الثانية العاملة عمل إن أو خبر لا الاولى هو = (*)

[ 404 ]

والثاني: الرفع، نحو " لا رجل ولا امرأة، ولا غلام رجل ولا امرأة (1) ". ولا يجوز النصب للثاني، لانه إنما جاز بها تقدم للعطف على [ محل ] اسم " لا " و " لا " هنا ليست بناصبة، فيسقط النصب، ولهذا قال المصنف: " وإن رفعت أولا لا تنصبا ". * * * ومفردا نعتا لمبني يلي فافتح، أو انصبن، أو ارفع، تعدل (2).


= المذكور بعد، وخبر الثانية محذوف يدل عليه خبر الاولى، وتكون الواو قد عطفت جملة لا الثانية العاملة عمل إن على جملة لا الاولى العاملة عمل ليس، ولكن الوجه الثاني من وجهي الخبر ضعيف، لما يلزم عليه من العطف قبل استكمال المعطوف عليه. الشاهد فيه: قوله " فلا لغو ولا تأثيم " حيث ألغى لا الاولى، أو أعملها عمل ليس، فرفع الاسم بعدها، وأعمل " لا " الثانية عمل " إن " على ما بيناه في إعراب البيت. ومثل هذا الشاهد قول عامر بن جوين الطائي، وهو الشاهد رقم 146 الآتي في باب الفاعل: فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها الرواية فيه برفع " مزنة " بالضمة الظاهرة وبفتح " أرض " والقول فيهما كالقول في " لا لغو ولا تأثيم ". (1) من شواهد هذا الوجه قول الله تعالى: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) يرفع الثلاثة في قراءة غير أبي عمرو وابن كثير، وقول عبيد بن حصين الراعي: وما هجرتك حتى قلت معلنة: لا ناقة لي في هذا ولا جمل وقد نسج عليه أبو الطيب المتنبي في قوله: بم التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن ؟ (2) " ومفردا نعتا " يجوز أن يكون مفردا مفعولا مقدما تنازعه العوامل الثلاثة = (*)

[ 405 ]

إذا كان اسم " لا " مبنيا، ونعت بمفرد يليه - أي لم يفصل بينه وبينه بفاصل - جاز في النعت ثلاثة أوجه: الاول: البناء على الفتح، لتركبه مع اسم " لا "، نحو " لا رجل ظريف ". الثاني: النصب، مراعاة لمحل اسم " لا " نحو " لا رجل ظريفا ". الثالث: الرفع، مراعاة لمحل " لا " واسمها، لانهما في موضع رفع عند سيبويه كما تقدم، نحو " لا رجل ظريف ". * * * وغير ما يلي، وغير المفرد لا تبن، وانصبه، أو الرفع اقصد (1).


= الآتية ويكون نعتا بدلا منه، ويجوز أن يكون مفردا حالا من نعتا، وجاز مجئ الحال من النكرة لتقدمه عليها ولتخصصه بالمتعلق أو بالوصف، ويكون نعتا مفعولا تنازعه العوامل الثلاثة " لمبني " جار ومجرور متعلق بقوله نعتا، أو بمحذوف صفة له " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نعت، والجملة في محل نصب صفة لقوله نعتا " فافتح " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، " أو " عاطفة " انصبن " فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب " أو " حرف عطف " ارفع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تعدل " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى. (1) " وغير " مفعول مقدم على عامله، وهو قوله " لا تبن " الآتي، وغير مضاف و " ما " اسم موصول: مضاف إليه " يلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة ما " وغير " الواو عاطفة، غير: معطوف على غير السابقة، وغير مضاف، و " المفرد " مضاف إليه " لا " = (*)

[ 406 ]

تقدم في البيت الذي قبل هذا أنه إذا كان النعت مفردا، والمنعوت مفردا، ووليه النعت، جاز في النعت ثلاثة أوجه، وذكر في هذا البيت أنه إن لم يل النعت المفرد المنعوت المفرد، بل فصل بينهما بفاصل، لم يجز بناء النعت، فلا تقول " لا رجل فيها ظريف " ببناء ظريف، بل يتعين رفعه، نحو " لا رجل فيها ظريف " أو نصبه، نحو " لا رجل فيها ظريفا " وإنما سقط البناء على الفتح لانه إنما جاز عند عدم الفصل لتركب النعت مع الاسم، ومع الفصل لا يمكن التركيب، كما لا يمكن التركيب إذا كان المنعوت غير مفرد، نحو " لا طالعا جبلا ظريفا " ولا فرق في امتناع البناء على الفتح في النعت عند الفصل بين أن يكون المنعوت مفردا، كما مثل، أو غير مفرد. وأشار بقوله: " وغير المفرد " إلى أنه إن كان النعت غير مفرد كالمضاف والمشبه بالمضاف تعين رفعه أو نصبه، فلا يجوز بناؤه على الفتح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنعوت مفردا أو غير مفرد، ولا بين أن يفصل بينه وبين النعت أو لا يفصل، وذلك نحو " لا رجل صاحب بر فيها، ولا غلام رجل فيها صاحب بر ". وحاصل ما في البيتين: أنه إن كان النعت مفردا، والمنعوت مفردا، ولم يفصل بينهما، جاز في النعت ثلاثة أوجه، نحو " لا رجل ظريف، وظريفا، وظريف " وإن لم يكن كذلك تعين الرفع أو النصب، ولا يجوز البناء. * * *.


= ناهية " تبن " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وانصبه " الواو عاطفة، انصب: فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الاعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به لا نصب " أو " عاطفة " الرفع " مفعول به مقدم لا قصد " اقصد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (*)

[ 407 ]

والعطف إن لم تتكرر " لا " احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى (1) تقدم أنه إذا عطف على اسم " لا " نكرة مفردة، وتكررت " لا " يجوز في المعطوف ثلاثة أوجه: الرفع، والنصب، والبناء على الفتح، نحو " لا رجل ولا امرأة، ولا امرأة، ولا امرأة " وذكر في هذا البيت أنه إذا لم تتكرر " لا " يجوز في المعطوف ما جاز في النعت المفصول، وقد تقدم [ في البيت الذي قبله ] أنه يجوز فيه: الرفع، والنصب (2)، ولا يجوز فيه البناء على الفتح،.


(1) " والعطف " مبتدأ " إن " شرطية " لم " حرف نفي وجزم وقلب " تتكرر " فعل مضارع فعل الشرط " لا " قصد لفظه: فاعل تتكرر " احكما " فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف، ونون التوكيد المنقلبة ألفا حرف لا محل له من الاعراب، وفاعل احكم ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وحذفت منه الفاء ضرورة، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ " له، بما " جاران ومجروران يتعلقان باحكم، وما: اسم موصول " للنعت " جار ومجرور متعلق بقوله انتمى الآتي " ذي " نعت للنعت، وذي مضاف، و " الفصل " مضاف إليه " انتمى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ما " الموصولة، والجملة من انتمى وفاعله لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. وحاصل البيت: والعطف إن لم تتكرر لا فاحكم له بالحكم الذي انتمى للنعت صاحب الفصل من منعوته، وذلك الحكم هو امتناع البناء وجواز ما عداه من الرفع والنصب. (2) من شواهد هذه المسألة قول رجل من بني مناة بن كنانة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك: فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا فأنت تراه قد عطف " ابنا " على اسم لا الذي هو " أب " وأتى بالمعطوف = (*)

[ 408 ]

فتقول: " لا رجل وامرأة، وامرأة " ولا يجوز البناء على الفتح، وحكى الاخفش " لا رجل وامرأة " بالبناء على الفتح، على تقدير تكرر " لا " فكأنه قال: " لا رجل ولا امرأة " ثم حذفت " لا ". وكذلك إذا كان المعطوف غير مفرد لا يجوز فيه إلا الرفع والنصب، سواء تكررت " لا " نحو " لا رجل ولا غلام امرأة " أو لم تتكرر، نحو " لا رجل وغلام امرأة " (1). هذا كله إذا كان المعطوف نكرة، فإن كان معرفة لا يجوز فيه إلا الرفع، على كل حال، نحو " لا رجل ولا زيد فيها "، أو " لا رجل وزيد فيها ". * * * وأعط " لا " مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام (2).


= منصوبا، وقد كان يجوز له أن يأتي به مرفوعا بالعطف على محل " لا " مع اسمها، فإن محلهما رفع بالابتداء عند سيبويه، كما تقدم ذكره مرارا. (1) ذكر الناظم والشارح حكم العطف على اسم لا، وحكم نعته، ولم يذكر واحد منهما حكم البدل منه. وحاصله أن البدل إما أن يكون نكرة كاسم لا، وإما أن يكون معرفة، فإذا كان البدل نكرة جاز فيه الرفع والنصب، فتقول: لا أحد رجلا وامرأة فيها، وتقول: لا أحد رجل وامرأة فيها، وإن كان البدل معرفة لم يجز فيه إلا الرفع، فتقول: لا أحد زيد وعمرو فيها. وأما التوكيد فلا يأتي منه المعنوي، لان ألفاظه معارف، واسم " لا " نكرة، ولا تؤكد النكرة توكيدا معنويا على ما ستعرف في باب التوكيد إن شاء الله. (2) " وأعط " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لا " قصد لفظه: مفعول أول لاعط " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من " لا " ومع مضاف، و " همزة " مضاف إليه، وهمزة مضاف، و " استفهام " مضاف إليه " ما " = (*)

[ 409 ]

إذا دخلت همزة الاستفهام على " لا " النافية للجنس بقيت على ما كان لها من العمل، وسائر الاحكام التي سبق ذكرها، فتقول: " ألا رجل قائم، وألا غلام رجل قائم، وألا طالعا جبلا ظاهر " وحكم المعطوف والصفة - بعد دخول همزة الاستفهام - كحكمهما قبل دخولها. هكذا أطلق المصنف - رحمه الله تعالى ! - هنا، وفي كل ذلك تفصيل. وهو: أنه إذا قصد بالاستفهام التوبيخ، أو الاستفهام عن النفي، فالحكم كما ذكر، من أنه يبقى عملها وجميع ما تقدم ذكره: من أحكام العطف، والصفة، وجواز الالغاء. فمثال التوبيخ قولك: " ألا رجوع وقد شبت ؟ " ومنه قوله: 113 - ألا ارعواء لمن ولت شبيبته وآذنت بمشيب بعده هرم ؟.


= اسم موصول: مفعول ثان لاعط " تستحق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على " لا " ومفعوله ضمير محذوف يعود على " ما " الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال من " لا " ودون مضاف و " الاستفهام " مضاف إليه. وحاصل البيت: وأعط " لا " النافية حال كونها مصاحبة الهمزة الدالة على الاستفهام نفس الحكم الذي كانت " لا " هذه تستحقه حال كونها غير مصحوبة بأداة الاستفهام. 113 - هذا البيت لم ينسبه أحد ممن استشهد - به فيما بين أيدينا من المراجع - إلى قائل معين. اللغة: " ارعواء " أي: انتهاء، وانكفاف، وانزجار، وهو مصدر ارعوى يرعوي: أي كف عن الامر وتركه " آذنت " أعلمت " ولت " أدبرت " مشيب " شيخوخة وكبر " هرم " فناء للقوة وذهاب للفتاء ودواعي الصبوة. = (*)

[ 410 ]

ومثال الاستفهام عن النفي قولك: " ألا رجل قائم ؟ " ومنه قوله: 114 - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد ؟ إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي.


= المعنى: أفما يكف عن المقابح ويدع دواعي النزق والطيش هذا الذي فارقه الشباب وأعلمته الايام أن جسمه قد أخذ في الاعتلال، وسارعت إليه أسباب الفناء والزوال ؟ ! الاعراب: " ألا " الهمزة للاستفهام، ولا: نافية للجنس، وقصد بالحرفين جميعا التوبيخ والانكار " ارعواء " اسم لا " لمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " ومن: اسم موصول " ولت " ولى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " شبيبته " شبيبة: فاعل ولت، وشبيبة مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من ولت وفاعله لا محل لها صلة الموصول " وآذنت " الواو عاطفة، آذن: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى شبيبة " بمشيب " جار ومجرور متعلق بآذنت " بعده " بعد: ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبعد مضاف والهاء ضمير المشيب مضاف إليه " هرم " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل جر صفة لمشيب. الشاهد فيه: قوله " ألا ارعواه " حيث أبقى للا النافية عملها الذي تستحقه مع دخول همزة الاستفهام عليها، لانه قصد بالحرفين جميعا التوبيخ والانكار. 114 - نسب هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح، ويروى في صدره اسمها هكذا: * ألا اصطبار لليلى أم لها جلد * اللغة: " اصطبار " تصبر، وتجلد، وسلوان، واحتمال " لاقاه أمثالي " كناية عن الموت. المعنى: ليت شعري إذا أنا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت أيمتنع الصبر على سلمى أم يبقى لها تجلدها وصبرها ؟. الاعراب: " ألا " الهمزة للاستفهام، ولا: نافية للجنس " اصطبار " اسم " لا " مبني على الفتح في محل نصب " لسلمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر " لا " =

[ 411 ]

وإذا قصد بألا التمني: فمذهب المازني أنها تبقى على جميع ما كان لها من الاحكام، وعليه يتمشى إطلاق المصنف، ومذهب سيبويه أنه يبقى لها عملها في الاسم، ولا يجوز إلغاؤها، ولا الوصف أو العطف بالرفع مراعاة للابتداء. ومن استعمالها للتمني قولهم: " ألا ماء ماء باردا " وقول الشاعر: 115 ألا عمر ولى مستطاع رجوعه فيرأب ما أثأت يد الغفلات * * *.


= " أم " عاطفة " لها " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " جلد " مبتدأ مؤخر. والجملة معطوفة على جملة " لا " واسمها وخبرها " إذا " ظرفية " ألاقي " فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " الذي " اسم موصول: مفعول به لالاقي " لاقاه " لاقى: فعل ماض، والهاء مفعول به للاقى تقدم على فاعله " أمثالي " أمثال: فاعل لاقى، وأمثال مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: قوله " ألا اصطبار " حيث عامل " لا " بعدد دخول همزة الاستفهام مثل ما كان يعاملها به قبل دخولها، والمراد من الهمزة هنا الاستفهام، ومن " لا " النفي، فيكون معنى الحرفين معا الاستفهام عن النفي، وبهذا البيت يندفع ما ذهب إليه الشلوبين من أن الاستفهام عن النفي لا يقع، وكون الحرفين (معا) ؟ دالين على الاستفهام عن النفي في هذا البيت مما لا يرتاب فيه أحد، لان مراد الشاعر أن يسأل: أينتفي عن محبوبته الصبر إذا مات، فتجزع عليه، أم يكون لها جلد وتصبر ؟ 115 - احتج بهذا البيت جماعة من النحاة ولم ينسبه أحد منهم - فيما نعلم - إلى قائل معين. اللغة: " ولى " أدبر، وذهب " فيرأب " (يجبر) ؟ ويصلح " أثأت " فتقت، وصدعت = (*)

[ 412 ]

وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر (1).


= وشعبت، وأفسدت، تقول: رأب فلان الصدع، ورأب فلان الاناء، إذا أصلح ما فسد منهما، وقال الشاعر: يرأب الصدع والثأي برصين من سجايا آرائه ويغير (يغير - بفتح باء المضارعة - بمعنى يمير: أي يمون الناس). الاعراب: " ألا " كلمة واحدة للتمني، ويقال: الهمزة للاستفهام، وأريد بها التمني ولا: نافية للجنس، وليس لها خبر لا لفظا ولا تقديرا " عمر " اسمها " ولى " فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عمر، والجملة في محل نصب صفة لعمر " مستطاع " خبر مقدم " رجوعه " رجوع: مبتدأ مؤخر، ورجوع مضاف والضمير العائد إلى العمر مضاف إليه، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب صفة ثانية لعمر " فيرأب " الفاء للسببية، يرأب: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية في جواب التمني، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عمر " ما " اسم موصول: مفعول به ليرأب " أثأت " أثأى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " يد " فاعل أثأت، ويد مضاف و " الغفلات " مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة الموصول، والعائد ضمير منصوب محذوف تقديره " أثأته ". الشاهد فيه: قوله " ألا عمر " حيث أريد بالاستفهام مع " لا " مجرد التمني، وهذا كثير في كلام العرب، ومما يدل على كون " ألا " للتمني في هذا البيت نصب المضارع بعد فاء السببية في جوابه. (1) " وشاع " فعل ماض " في " حرف جر " ذا " اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلق بشاع " الباب " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة " إسقاط " فاعل شاع، وإسقاط مضاف و " الخبر " مضاف إليه " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " المراد " فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وتقديره: إذا ظهر المراد " مع " ظرف متعلق بقوله " ظهر " الآتي، ومع مضاف وسقوط من " سقوطه " مضاف إليه، وسقوط مضاف والهاء مضاف إليه " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المراد، والجملة من ظهر لا محل لها من الاعراب مفسرة. (*)

[ 413 ]

إذا دل دليل على خبر " لا " النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين والطائيين، وكثر حذفه عند الحجازيين، ومثاله أن يقال: هل من رجل قائم ؟ فتقول: " لا رجل " وتحذف الخبر - وهو قائم - وجوبا عند التميميين والطائيين، وجوازا عند الحجازيين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور، كما مثل، أو ظرفا أو جارا ومجرورا، نحو أن يقال: هل عندك رجل ؟ أو هل في الدار رجل ؟ فتقول: " لا رجل ". فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: " لا أحد أغير من الله " وقول الشاعر: 116 * ولا كريم من الولدان مصبوح *.


116 - نسب الزمخشري في المفصل (1 / 89 بتحقيقنا) هذا الشاهد لحاتم الطائي، ونسبه الجرمي - مع صدره - لابي ذؤيب الهذلي، والصواب أنه كما قال - الاعلم لرجل جاهلي من بني النبيت بن قاسط (وصوابه ابن مالك) - وهو حي من اليمن - وكان قد اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند امرأة يقال لها ماوية بنت عفزر يخطبونها، فآثرت حاتما عليهما، وصدر هذا الشاهد: * إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها * وبعض النحاة - كسيبويه، والاعلم، وتبعهم الاشموني - يجعل صدر هذا الشاهد قوله: * ورد جازرهم حرفا مصرمة * وهذا من تركيب صدر بيت على عجز بيت آخر، وهاك ثلاثة أبيات منها البيت الشاهد لتعلم صحة الانشاد. هلا سألت النبيتيين ما حسبي عند الشتاء إذا ما هبت الريح ورد جازرهم حرفا مصرمة في الرأس منها وفي الاصلاء تمليح = (*)

[ 414 ]

وإلى هذا أشار المصنف بقوله: " إذا المراد مع سقوطه ظهر " واحترز بهذا مما لا يظهر المراد مع سقوطه، فإنه لا يجوز حينئذ الحذف كما تقدم. * * *


= إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها ولا كريم من الولدان مصبوح اللغة: " اللقاح " جمع لقوح، وهي الناقة الحلوب " أصرتها " جمع صرار، وهو خيط يشد به رأس الضرع لئلا يرضعها ولدها، وإنما تلقى الاصرة حين لا يكون در، وذلك في سني القحط " مصبوح " اسم مفعول من صبحته - بتخفيف الباء - إذا سقيته الصبوح، وهو - بفتح الصاد وضم الباء الموحدة - الشرب بالغداة، والغداة: الوقت ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس. الاعراب: " إذا " ظرف للزمان المستقبل تضمن معنى الشرط " اللقاح " اسم لغدا محذوفا يدل عليه المذكور بعده، وخبره محذوف يدل عليه ما بعده أيضا، والتقدير: إذا غدت اللقاح ملقى أصرتها " غدت " غدا: فعل ماض ناقص بمعنى صار، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على اللقاح " ملقى " خبر غدا، وهو اسم مفعول " أصرتها " أصرة: نائب فاعل لملقى، وأصرة مضاف والضمير العائد إلى اللقاح مضاف إليه " ولا " نافية للجنس " كريم " اسمها " من الولدان " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لكريم " مصبوح " خبر لا. الشاهد فيه: قوله " ولا كريم من الولدان مصبوح " حيث ذكر خبر لا، وهو قوله " مصبوح " لكونه ليس يعلم إذا حذف، ولو أنه حذفه فقال " ولا كريم من الولدان " لفهم منه أن المراد ولا كريم من الولدان موجود، لان الذي يحذف عند عدم قيام قرينة هو الكون العام، ولا شك أن هذا المعنى غير المقصود له. هذا تخريج البيت على ما يريد الشارح والناظم تبعا لسيبويه شيخ النحاة. وقد أجاز الاعلم الشنتمري وأبو علي الفارسي وجار الله الزمخشري أن يكون الخبر محذوفا، وعليه يكون قوله " مصبوح " نعتا لاسم لا، باعتبار أصله، وهو المعبر عنه بأنه تابع على محل لا واسمها معا، لانهما في التقدير مبتدأ عند سيبويه، كما تقدم بيانه. = (*)

[ 415 ]

.


قال الاعلم: " ويجوز أن يكون نعتا لاسمها محمولا على الموضع، ويكون الخبر محذوفا لعلم السامع، وتقديره موجود ونحوه " اه‍. وقال الزمخشري: " وقول حاتم * ولا كريم إلخ * يحتمل أمرين: أحدهما أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية، والثاني ألا يجعل مصبوح خبرا، ولكن صفة محمولة على محل لا مع المنفي " اه‍. ويريد بترك طائيته أنه ذكر خبر لا، لانك قد علمت أن لغة الطائيين حذف خبر لا مطلقا، أعني سواء أكان ظرفا أو جارا ومجرورا أم كان غيرهما، متى فهم ودلت عليه قرينة، أو كان كونا مطلقا، ويكون حاتم قد تكلم في هذا البيت على لغة أهل الحجاز الذين يذكرون خبر لا، عند عدم قيام القرينة على حذفه، أو عند تعلق الغرض بذكره لداعية من الدواعي، لكن الذي يقرره العلماء أن العربي لا يستطيع أن يتكلم بغير لغته التي درب عليها لسانه، فإذا نحن راعينا ذلك وجب أن نصير إلى الوجه الآخر وهو أن نقدر قوله " مصبوح " نعتا لقوله " لا كريم " أي نعتا على محل لا مع اسمها وهو الرفع حتى يكون كلامه جاريا على لغة قومه، فاعرف هذا، والله يرشدك ويبصرك. (*)

[ 416 ]

ظن وأخواتها انصب بفعل القلب جزءي ابتدا أعني: رأى، خال، علمت، وجدا (1) ظن، حسبت، وزعمت، مع عد حجا، درى، وجعل اللذ كاعتقد (2) وهب، تعلم، والتي كصيرا أيضا بها انصب مبتدا وخبرا (3) هذا هو القسم الثالث من الافعال الناسخة للابتداء، وهو ظن وأخواتها. وتنقسم إلى قسمين، أحدهما: أفعال القلوب، والثاني: أفعال التحويل. فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين، أحدهما: ما يدل على اليقين، وذكر المصنف منها خمسة: رأى، وعلم، ووجد، ودرى، وتعلم، والثاني منهما:.


(1) " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير ه أنت " بفعل " جار ومجرور متعلق بانصب، وفعل مضاف، و " القلب " مضاف إليه " جزءي " مفعول به لانصب، وجزءي مضاف، و " ابتدا " مضاف إليه " أعني " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " رأى " قصد لفظه: مفعول به لاعني " خال، علمت، وجدا " كلهن معطوفات على رأى بعاطف مقدر. (2) " ظن، حسبت، وزعمت " كلهن معطوفات على " رأى " المذكور في البيت السابق بعاطف مقدر فيما عدا الاخير " مع " ظرف متعلق بأعني، ومع مضاف، و " عد " قصد لفظه: مضاف إليه " حجا، درى، وجعل " معطوفات على عد بعاطف مقدر فيما عدا الاخير " اللذ " اسم موصول وهو لغة في الذي صفة لجعل " كاعتقد " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول. (3) " وهب، تعلم " معطوفان على " عد " بعاطف محذوف من الثاني " والتي " اسم موصول: مبتدأ " كصيرا " جار ومجرور متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة التي " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " بها " جار ومجرور متعلق بقوله انصب الآتي " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مبتدا " مفعول به لانصب " وخبرا " معطوف على مبتدا، وجملة انصب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 417 ]

ما يدل على الرجحان، وذكر المصنف منها ثمانية: خال، وظن، وحسب، وزعم، وعد، وحجا، وجعل، وهب. فمثال رأى قول الشاعر: 117 - رأيت الله أكبر كل شئ محاولة، وأكثرهم جنودا فاستعمل " رأى " فيه لليقين، وقد تستعمل " رأى " بمعنى " ظن " (1)، كقوله تعالى: (إنهم يرونه بعيدا) أي: يظنونه..


117 - البيت لخداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة بن بكر ابن هوازن. اللغة: " محاولة " تطلق المحاولة على القوة والقدرة، وتطلق على طلب الشئ بحيلة، والمعنى الثاني من هذين لا يليق بجانب الله تعالى " وأكثرهم جنودا " قد لفق الشارج العلامة - تبعا لكثير من النحاة - هذه اللفظة من روايتين: إحداهما رواها أبو زيد، وهي * وأكثرهم عديدا * والثانية رواها أبو حاتم، وهي * وأكثره جنودا *. الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " الله " منصوب على التعظيم، وهو المفعول الاول " أكبر " مفعول ثان لرأى، وأكبر مضاف، و " كل " مضاف إليه، وكل مضاف و " شئ " مضاف إليه " محاولة " تمييز " وأكثرهم " الواو عاطفة، أكثر: معطوف على " أكبر "، وأكثر مضاف والضمير مضاف إليه " جنودا " تمييز أيضا. الشاهد فيه: قوله " رأيت الله أكبر. إلخ " فإن رأى فيه دالة على اليقين، وقد نصبت مفعولين، أحدهما لفظ الجلالة، والثاني قوله " أكبر " على ما بيناه في الاعراب. (1) تأتي رأى بمعنى علم، وبمعنى ظن، وقد ذكرهما الشارح هنا، وتأتي كذلك بمعنى حلم، أي رأى في منامه وتسمى الحلمية وسيذكرها الناظم بعد، وهي بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعولين، وتأتي بمعنى أبصر نحو " رأيت الكواكب "، وبمعنى اعتقد نحو " رأى أبو حنيفة حل كذا " وتأتي بمعنى أصاب رئته وتقول " رأيت محمدا " = (37 - شح ابن عقيل 1) (*)

[ 418 ]

ومثال " علم " " علمت زيدا أخاك " وقول الشاعر: 118 - علمتك الباذل المعروف، فانبعثت إليك بي واجفات الشوق والامل.


= تريد ضربته فأصبت رئته، وهي بهذه المعاني الثلاثة تتعدى لمفعول واحد، وقد تتعدى التي بمعنى اعتقد إلى مفعولين، كقول الشاعر: رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه خوارج تراكين قصد المخارج وقد جمع الشاعر في هذا البيت بين تعديتها لواحد وتعديتها لاثنين، فأما تعديتها لواحد ففي قوله " رأى مثل رأيه " وأما تعديتها لاثنين ففي قوله " رأى الناس خوارج " هكذا قيل، ولو قلت إن خوارج حال من الناس لم تكن قد أبعدت. 118 - هذا البيت من الشواهد التي لم ينسبوها لقائل معين. اللغة: " الباذل " اسم فاعل من البذل، وهو الجود والاعطاء، وفعله من باب نصر " المعروف " اسم جامع لكل ما هو من خيري الدنيا والآخرة، وفي الحديث " صنائع المعروف تقى مصارع السوء "، " فانبعثت " ثارت ومضت ذاهبة في طريقها " واجفات " أراديها دواعي الشوق وأسبابه التي بعثته على الذهاب إليه، وهي جمع واجفة، وهي مؤنث اسم فاعل من الوجيف، وهو ضرب من السير السريع، وتقول: وجف البعير يجف وجفا - بوزان وعد يعد وعدا - ووجيفا، إذا سار، وقد أوجفه صاحبه، وفي الكتاب العزيز (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب). الاعراب: " علمتك " فعل وفاعل ومفعول أول " الباذل " مفعول ثان لعلم " المعروف " يجوز جره بالاضافة، ويجوز نصبه على أنه مفعول به للباذل " فانبعثت " الفاء عاطفة، وانبعث: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إليك، بي " كل منهما جار ومجرور متعلق بانبعث " واجفات " فاعل بانبعث، وواجفات مضاف و " الشوق " مضاف إليه " والامل " معطوف على الشوق. الشاهد فيه: قوله " علمتك الباذل. إلخ) فإن علم في هذه العبارة فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين: أحدهما الكاف، والثاني قوله الباذل، على ما بيناه في الاعراب. = (*)

[ 419 ]

ومثال " وجد " قوله تعالى: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). ومثال " درى " قوله: 119 - دريت الوفي العهد يا عرو فاغتبط فإن اغتباطا بالوفاء حميد.


= والذي يدل على أن " علم " في هذا البيت بمعنى اليقين أن المقصود مدح المخاطب واستجداؤه، وذلك يستدعي أن يكون مراده إني أيقنت بأنك جواد كريم تعطي من سألك، فلهذا أسرعت إليك مؤملا جدواك. وقد تأتي " علم " بمعنى ظن، ويمثل لها العلماء بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار). وهي - إذا كانت بمعنى اليقين أو الظن - تتعدى إلى مفعولين. وقد تأتي بمعنى عرف فتتعدى الواحد، وقد تأتي بمعنى صار أعلم أي مشقوق الشفة العليا فلا تتعدى أصلا. 119 - وهذا الشاهد - أيضا - لم ينسبوه إلى قائل معين. اللغة: " دريت " بالبناء للمجهول - من درى - إذا علم " فاغتبط " أمر من الغبطة، وهي أن تتمنى مثل حال الغير من غير أن تتمنى زوال حاله عنه، وأراد الشاعر بأمره بالاغتباط أحد أمرين، أولهما: الدعاء له بأن يدوم له ما يغبطه الناس من أجله، والثاني: أمره بأن يبقى على اتصافه بالصفات الحميدة التي تجعل الناس يغبطونه. المعنى: إن الناس قد عرفوك الرجل الذي يفي إذا عاهد، فيلزمك أن تغتبط بهذا، وتقربه عينا، ولا لوم عليك في الاغتباط به. الاعراب: " دريت " درى: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الاول " الوفي " مفعول ثان " العهد " يجوز جره بالاضافة، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، ورفعه على الفاعلية، لان قوله " الوفي " صفة مشبهة، والصفة يجوز في معمولها الاوجه الثلاثة المذكورة " يا عرو " يا: حرف نداء، وعرو: منادى مرخم بحذف التاء، وأصله عروة " فاغتبط " الفاء عاطفة، اغتبط: فعل = (*)

[ 420 ]

ومثال " تعلم " - وهي التي بمعنى اعلم (1) - قوله: 120 تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر.


= أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " اغتباطا " اسم إن " بالوفاء " جار ومجرور متعلق باغتباط، أو بمحذوف صفة لاغتباط " حميد " خبر " إن " مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " دريت الوفي العهد " فإن " درى " فعل دال على اليقين، وقد نصب به مفعولين، أحدهما: التاء التي وقعت نائب فاعل، والثاني هو قوله " الوفي " على ما سبق بيانه. هذا، واعلم أن " درى " يستعمل على طريقين، أحدهما: أن يتعدى لواحد بالباء نحو قولك: دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة تعدى بها لواحد ولثان بالباء كما في قوله تعالى: (ولا أدراكم به) والثاني: أن ينصب مفعولين بنفسه كما في بيت الشاهد، ولكنه قليل. (1) احترز بقوله " وهي التي بمعنى اعلم " عن التي في نحو قولك: تعلم النحو، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه، أحدها: أن قولك " تعلم النحو " أمر بتحصيل العلم في المستقبل، وذلك بتحصيل أسبابه، وأما قولك " تعلم أنك ناجح " فإنه أمر بتحصيل العلم بما يذكر مع الفعل من المتعلقات في الحال، وثانيهما: أن التي من أخوات ظن تتعدى إلى مفعولين، والاخرى تتعدى إلى مفعول واحد، وثالثها: أن التي من أخوات ظن جامدة غير متصرفة، وتلك متصرفة، تامة التصرف، تقول: تعلم الحساب يتعلمه وتعلمه أنت. 120 - البيت لزياد بن سيار بن عمرو بن جابر. اللغة: " تعلم " اعلم واستيقن " شفاء النفس " قضاء مأربها " لطف " رفق " التحيل " أخذ الاشياء بالحيلة. المعنى: اعلم أنه إنما يشفى نفوس الرجال أن يستطيعوا قهر أعدائهم والتغلب عليهم، فيلزمك أن تبالغ في الاحتيال لذلك، لكي تبلغ ما تريد. الاعراب: " تعلم " فعل بمعنى اعلم، وهو فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " شفاء " مفعول أول لتعلم، وشفاء مضاف، و " النفس " مضاف إليه " قهر " مفعول ثان لتعلم، وقهر مضاف، وعدو من " عدوها " مضاف إليه، وعدو = (*)

[ 421 ]

وهذه مثل الافعال الدالة على اليقين. ومثال الدالة على الرجحان قولك: " خلت زيدا أخاك " وقد تستعمل " خال " لليقين، كقوله: 121 دعاني الغواني عمهن، وخلتني لي اسم، فلا أدعى به وهو أول.


= مضاف، وها مضاف إليه " فبالغ " الفاء للتفريع، بالغ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجولا تقديره أنت " بلطف " جار ومجرور متعلق ببالغ " في التحيل " جار ومجرور متعلق بلطف، أو بمحذوف صفة له " والمكر " معطوف على التحيل. الشاهد فيه: قوله " تعلم شفاء النفس قهر عدوها " حيث ورد فيه " تعلم " بمعنى اعلم، ونصب به مفعولين، على ما ذكرناه في الاعراب. ثم اعلم أن هذه الكلمة أكثر ما تتعدى إلى " أن " المؤكدة ومعموليها، كما في قول النابغة الذبياني: تعلم أنه لا طير إلا على متطير، وهو الثبور وقول الحارث بن ظالم المرئ: تعلم - أبيت اللعن ! - أني فاتك من اليوم أو من بعده بابن جعفر وكذلك قول الحارث بن عمرو، وينسب لعمرو بن يكرب: تعلم أن خير الناس طرا قتيل بين أحجار الكلاب ويندر أن تنصب مفعولين كل منهما اسم مفرد غير جملة كما في بيت الشاهد. 121 - هذا البيت للنمر بن تولب العكلي، من قصيدة له مطلعها قوله: تأبد من أطلال جمرة مأسل فقد أقفرت منها سراء فيذبل اللغة: " دعاني الغواني " الغواني: جمع غانية، وهي التي استغنت بجمالها عن الزينة أو هي التي استغنت ببيت أبيها عن الازواج، أو هي اسم فاعل من " غنى بالمكان " أي أقام به، ويروى: " دعاني العذارى " والعذارى: جمع عذراء، وهي الجارية البكر، ويروى: " دعاء العذارى " ودعاء - في هذه الرواية - مصدر دعا مضاف إلى فاعله، وعمهن مفعوله. = (*)

[ 422 ]

و " ظننت زيدا صاحبك " وقد تستعمل لليقين كقوله تعالى: (وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه) و " حسبت زيدا صاحبك " وقد تستعمل لليقين، كقوله: 122 - حسبت التقى والجود خير تجارة رباحا، إذا ما المرء أصبح ثاقلا.


= الاعراب: " دعاني " دعا: فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " الغواني " فاعل دعا " عمهن " عم: مفعول ثان لدعا، وعم مضاف والضمير مضاف إليه " وخلتني " فعل وفاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول أول، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول في كونهما ضميرين متصلين لمسمى واحد وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " اسم " مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لخال " فلا " نافية " أدعى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وهو " الواو واو الحال، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " أول " خبر للمبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " وخلتني لي اسم " فإن " خال " فيه بمعنى فعل اليقين، وليس هو بمعنى فعل الظن، لانه لا يظن أن لنفسه اسما، بل هو على يقين من ذلك، وقد نصب بهذا الفعل مفعولين، أولهما ضمير المتكلم، وهو الياء، وثانيهما جملة " لي اسم " من المبتدأ والخبر، على ما بيناه في الاعراب. 122 - هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، من قصيدة طويلة عدتها اثنان وتسعون بيتا، وأولها قوله: كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا وكانت له خبلا على النأى خابلا تربعت الاشراف ثم تصيفت حساء البطاح وانتجعن المسايلا اللغة: " كبيشة " على زنة التصغير اسم امرأة " عاقلا " بالعين المهملة والقاف: اسم جبل، قال ياقوت: " الذي يقتضيه الاشتقاق أن يكون عاقل اسم جبل، والاشعار التي قيلت فيه بالوادي أشبه، ويجوز أن يكون الوادي منسوبا إلى الجبل، لكونه من = (*)

[ 423 ]

ومثال " زعم " قوله: 123 - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل


= لحفه " اه‍ " خبلا " الخبل: فساد العقل، ويروى " وكانت له شغلا على النأى شاغلا " وقوله " تربعت الاشراف " معناه: نزلت به في وقت الربيع، والاشراف: اسم موضع، ولم يذكره ياقوت " تصيفت حساء البطاح " نزلت به زمان الصيف، وحساء البطاح: منزل لبني يربوع، وهو بضم باء البطاح كما قال ياقوت، ووهم العيني في ضبطه بكسر الباء لظنه أنه جمع بطحاء " رباحا " بفتح الراء الربح " ثاقلا " ميتا، لان البدن يكون خفيفا ما دامت الروح فيه، فإذا فارقته ثقل. المعنى: لقد أيقنت أن أكثر شئ ربحا إذا اتجر فيه الانسان إنما هو تقوى الله تعالى والجود، وإنه ليعرف الربح إذا مات، حيث يرى جزاء عمله حاضرا عنده. الاعراب: " حسبت " فعل وفاعل " التقى " مفعول أول " والجود " معطوف على التقى " خير " مفعول ثان لحسبت، وخير مضاف، و " تجارة " مضاف إليه " رباحا " تييز " إذا " ظرف لما يستقبل من الزمان " ما " زائدة " المرء " اسم لاصبح محذوفة تفسرها المذكورة بعد، وخبرها محذوف أيضا، والتقدير إذا أصبح المرء ثاقلا، والجملة من أصبح المحذوفة ومعموليها في محل جر بإضافة " إذا " إليها " أصبح " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المرء " ثاقلا " خبر أصبح، وهذه الجملة لا محل لها مفسرة. الشاهد فيه: قوله " حسبت التقى خبر تجارة إلخ " حيث استعمل الشاعر فيه " حسبت " بمعنى علمت، ونصب به مفعولين، أولهما قوله " التقى " وثانيهما قوله " خير تجارة " على ما بيناه في الاعراب. 123 - هذا البيت لابي ذؤيب الهذلي اللغة: " أجهل " الجهل هو الخفة والسفه " الحلم " التؤدة والرزانة. المعنى: لئن كان يترجح لديك أنى كنت موصوفا بالنزق والطيش أيام كنت أقيم بينكم، فإنه قد تغير عندي كل وصف من هذه الاوصاف، وتبدلت بها رزانة وخلقا كريما. =

[ 424 ]

.


= الاعراب: " إن " شرطية " تزعميني " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول أول " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أجهل " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة من أجهل وفاعله في محل نصب خبر كان، والجملة من " كان " واسمها وخبرها في محل نصب مفعول ثان لتزعم " فيكم " جار ومجرور متعلق بأجهل " فإني " الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " شريت " فعل وفاعل، والجملة من شرى وفاعله في محل رفع خبر " إن " والجملة من إن ومعموليها في محل جزم جواب الشرط " الحلم " مفعول به لشريت " بعدك " بعد: ظرف متعلق بشريت، وبعد مضاف والكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه " بالجهل " جار ومجرور متعلق بشريت. الشاهد فيه: قوله " تزعميني كنت أجهل " حيث استعمل المضارع من " زعم " بمعنى فعل الرجحان، ونصب به مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، والثاني جملة " كان " ومعموليها، على ما ذكرناه في إعراب البيت. واعلم أن الاكثر في " زعم " أن تتعدى إلى معموليها بواسطة " أن " المؤكدة، سواء أكانت مخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا)، وقوله سبحانه: (بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) أم كانت مشددة كما في قول عبيد الله بن عتبة: فذق هجرها، قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم وكما في قول كثير عزة: وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ؟ وهذا الاستعمال مع كثرته ليس لازما، بل قد تتعدى " زعم " إلى المفعولين بغير توسط " أن " بينهما، فمن ذلك بيت الشاهد الذي نحن بصدده، ومنه قول أبي أمية الحنفي، واسمه أوس: زعمتني شيخا، ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا =

[ 425 ]

ومثال " عد " قوله: 124 - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم.


= وزعم الازهري أي " زعم " لا تتعدى إلى مفعوليها بغير توسط " أن " وعنده أن ما ورد مما يخالف ذلك ضرورة من ضرورات الشعر لا يقاس عليها، وهو محجوج بما روينا من الشواهد، وبأن القول بالضرورة خلاف الاصل. 124 - هذا البيت للنعمان بن بشير، الانصاري، الخزرجي. اللغة: " لا تعدد " لا تظن " المولى " يطلق - في الاصل - على عدة معان سبق بيانها (ص 211) والمراد منه هنا الحليف، أو الناصر " العدم " هو هنا بضم العين وسكون الدال الفقر، ويقال: عدم الرجل يعدم - بوزن علم يعلم - وأعدم فهو معدم، إذا افتقر. المعنى: لا تظن أن صديقك هو الذي يشاطرك المودة أيام غناك، فإنما الصديق الحق هو الذي يلوذ بك ويشاركك أيام فقرك وحاجتك. الاعراب: " فلا " ناهية " تعدد " فعل مضارع مجزوم بلا، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المولى " مفعول أول لتعدد " شريكك " شريك: مفعول ثان لتعدد، وشريك مضاف، والكاف مضاف إليه " في الغنى " جار ومجرور متعلق بشريك " ولكنما " الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك، وما: كافة " المولى " مبتدأ " شريكك " شريك: خبر المبتدأ، وشريك مضاف والكاف مضاف إليه " في العدم " جار ومجرور متعلق بشريك. الشاهد فيه: قوله " فلا تعدد المولى شريكك " حيث استعمل المضارع من " عد " بمعنى تظن، ونصب به مفعولين، أحدهما قوله " المولى " والثاني قوله " شريك " على ما سبق بيانه في الاعراب. ومثل بيت الشاهد في ذلك قول أبي دواد جارية بن الحجاج: لا أعد الاقتار عدما، ولكن فقد من قد فقدته الاعدام فقوله " أعد " بمعنى أظن، والاقتار: مصدر أقتر الرجل، إذا افتقر، وهو مفعوله الاول، وعدما: مفعول الثاني، ومثله أيضا قول جرير بن عطية: (*) =

[ 426 ]

ومثال " حجا " قوله: 125 - قد كنت أحجو أبا عمر وأخا ثقة حتى ألمت بنا يوما ملمات.


= تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا فتعدون: بمعنى تظنون، وعقر النيب: مفعوله الاول، وأفضل مجدكم: مفعوله الثاني 125 - هذا البيت نسبه ابن هشام إلى تميم [ بن أبي ] بن مقبل، ونسبه صاحب المحكم إلى أبي شنبل الاعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له القنان، ورواه ياقوت في معجم البلدان (1657) أول أربعة أبيات، وبعده قوله: فقلت، والمرء تخطيه عطيته: أدنى عطيته إياي ميئات اللغة: " أحجو " أظن " ألمت " نزلت، والملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر المعنى: لقد كنت أظن أبا عمرو صديقا يركن إليه في النوازل، ولكني قد عرفت مقدار مودته، إذ نزلت بي نازلة فلم يكن منه إلا أن نفر مني وأعرض عني ولم يأخذ بيدي فيها. الاعراب: " قد " حرف تحقيق " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " أحجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " أبا " مفعول أول لاحجو، وأبا مضاف و " عمرو " مضاف إليه " أخا " مفعول ثان لاحجو، وجملة أحجو ومعموليه في محل نصب خبر كان " ثقة " يقرأ بالنصب منونا مع تنوين أخ، فهو حينئذ صفة له، ويقرأ بالجر منونا، فأخا - حينئذ - مضاف، و " ثقة " مضاف إليه، وعلى الاول هو معرب بالحركات، وعلى الثاني هو معرب بالحروف لاستيفائه شروط الاعراب بها " حتى " حرف غاية " ألمت " ألم: فعل ماض، والتاء للتأنيث " بنا " جار ومجرور متعلق بألم " يوما " ظرف زمان متعلق بألم " ملمات " فاعل ألم. الشاهد فيه: قوله " أحجو أبا عمرو أخا " حيث استعمل المضارع من " حجا " بمعنى ظن، ونصب به مفعولين، أحدهما " أبا عمرو " والثاني " أخا ثقة ". هذا، واعلم أن العيني صرح بأنه لم ينقل أحد من النحاة أن " حجا يحجر " ينصب مفعولين غير ابن مالك رحمه الله. (*) =

[ 427 ]

ومثال " جعل " قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا). وقيد المصنف " جعل " بكونها بمعنى اعتقد احترازا من " جعل " التي بمعنى " صير " فإنها من أفعال التحويل، لا من أفعال القلوب. ومثال " هب " قوله: 126 - فقلت: أجرني أبا مالك، وإلا فهبني امرأ هالكا.


= واعلم أيضا أن " حجا " تأتي بمعنى غلب في المحاجاة، وهي: أن تلقى على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى الكلمة أحجية وأدعية، وتأتي حجا أيضا بمعنى قصد، ومنه قول الاخطل: حجونا بني النعمان إذ عص ملكهم وقبل بني النعمان حاربنا عمرو (عص ملكهم: أي صلب واشتد) وتأتي أيضا بمعنى أقام، ومنه قول عمارة ابن يمن: * حيث تحجى مطرق بالفالق * وقول العجاج: فهن يعكفن به إذا حجا عكف النبيط يلعبون الفنزجا والتي بمعنى غلب في المحاجاة أو قصد تتعدى إلى مفعول واحد، والتي بمعنى أقام في المكان لا تتعدى بنفسها، وإنما تتعدى بالباء، كما رأيت في الشواهد. 126 - البيت لابن همام السلولي. اللغة: " أجرني " اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه، هذا أصله، ثم أريد منه لازم ذلك، وهو الغياث والدفاع والحماية " أبا مالك " يروى في مكانه " أبا خالد " " هبني " أي عدني واحسبني. المعنى: فقلت أغثني يا أبا مالك، فإن لم تفعل فظن أني رجل من الهالكين. الاعراب: " فقلت " فعل وفاعل " أجرني " أجر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به لاجر " أبا " منادى = (*)

[ 428 ]

ونبه المصنف بقوله: " أعني رأى " على أن أفعال القلوب منها ما ينصب مفعولين وهو " رأى " وما بعده مما ذكره المصنف في هذا الباب، ومنها ما ليس كذلك، وهو قسمان: لازم، نحو " جبن زيد " ومتعد إلى واحد، نحو " كرهت زيدا ". هذا ما يتعلق بالقسم الاول من أفعال هذا الباب، وهو أفعال القلوب. وأما أفعال التحويل وهي المرادة بقوله: " والتي كصيرا إلى آخره " فتتعدى أيضا إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وعدها بعضهم سبعة: " صير " نحو " صيرت الطين خزفا " و " جعل " نحو قوله تعالى: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) و " وهب " كقولهم " وهبني الله.


= بحرف نداء محذوف، وأبا مضاف، و " مالك " مضاف إليه " وإلا " هي إن الشرطية مدغمة في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله من الكلام، وتقديره: وإن لا تفعل، مثلا " فهبني " الفاء واقعة في جواب الشرط، هب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول أول " امرأ " مفعول ثان لهب " هالكا " نعت لامرئ. الشاهد فيه: قوله " فهبني امرأ " فإن " هب " فيه بمعنى فعل الظن، وقد نصب مفعولين، أحدهما ياء المتكلم، وثانيهما قوله " امرأ " على ما أوضحناه في الاعراب. واعلم أن " هب " بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف، فلا يجئ منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الامر، فإن كان من الهبة وهي التفضل بما ينفع الموهوب له كان متصرفا تام التصرف، قال الله تعالى: (ووهبنا له إسحاق) وقال سبحانه: (يهب لمن يشاء إناثا) وقال: (هب لي حكما). واعلم أيضا أن الغالب على " هب " أن يتعدى إلى مفعولين صريحين كما في البيت الشاهد، وقد يدخل على " أن " المؤكدة ومعموليها، فزعم ابن سيده والجرمي أنه لحن، وقال الاثبات من العلماء المحققين: ليس لحنا، لانه واقع في فصيح العربية، وقد روى (.) ؟ حديث عمر " هب أن أبانا كان حمارا "، وهو مع فصاحته قليل.

[ 429 ]

فداك " أي صيرني، و " تخذ " كقوله تعالى: (لتخذت عليه أجرا) و " اتخذ " كقوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) و " ترك " كقوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) وقول الشاعر: 127 - وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه.


127 - البيت لفرعان بن الاعرف - ويقال: هو فرعان بن الاصبح بن الاعرف أحد بني مرة، ثم أحد بني نزار بن مرة، من كلمة له يقولها في ابنه منازل، وكان له عاقا، والبيت من أبيات رواها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي: 4 - 18 بتحقيقنا) وأول ما رواه صاحب الحماسة منها قوله: جزت رحم بيني وبين منازل جزاء كما يستنزل الدر حالبه لربيته حتى إذ آض شيظما يكاد يساوي غارب الفحل غاربه فلما رآني أبصر الشخص أشخصا قريبا، وذا الشخص البعيد أقاربه تغمط حقي باطلا، ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه اللغة: " واستغنى عن المسح شاربه " كناية عن أنه كبر، واكتفى بنفسه، ولم تعد به حاجة إلى الخدمة. الاعراب: " ربيته " فعل وفاعل ومفعول " حتى " ابتدائية " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " تركته " فعل ماض وفاعله ومفعوله الاول، والجملة في محل جر بإضافة " إذا " إليها " أخا " مفعول ثان لترك، وأخا مضاف، و " القوم " مضاف إليه " واستغنى " فعل ماض " عن المسح " جار ومجرور متعلق باستغنى " شاربه " شارب: فاعل استغنى، وشارب مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " تركته أخا القوم " حيث نصب فيه ب‍ " ترك " مفعولين، لانه في معنى فعل التصيير، أحدهما الهاء التي هي ضمير الغائب، وثانيهما قوله " أخا القوم "، وقد أوضحناهما في الاعراب، هذا، وقد قال الخطيب التبريزي في شرح الحماسة: إن " أخا القوم " حال من الهاء في " تركته " وساغ وقوعه حالا مع كونه معرفة، لانه مضاف إلى المحلى بأل والحال لا يكون إلا نكرة، لانه لا يعني قوما بأعيانهم، ولا (*) =

[ 430 ]

و " رد " كقوله: 128 - رمى الحدثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا * * *


= يخص قوما دون قوم، وإنما عنى أنه تركه قويا مستغنيا لاحقا بالرجال، اه‍ بإيضاح، وعليه لا استشهاد في البيت، ولكن الذي عليه الجماعة أولى بالنظر والاعتبار. 128 - البيتان لعبد الله بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء الاسدي، وهما مطلع كلمة له اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة، وقد رواها أبو علي القالي في ذيل أماليه (ص 151) ولكنه نسبها إلى الكميت بن معروف الاسدي، وروى ابن قتيبة في عيون الاخبار (2 / 676) البيتين اللذين استشهد بهما الشارح ونسبهما إلى فضالة ابن شريك، والمعروف المشهور هو ما ذكره أبو تمام (انظر التبريزي 2 / 494) وبعد البيتين قوله: فإنك لو رأيت بكاء هند ورملة إذ تصكان الخدودا سمعت بكاء باكية وباك أبان الدهر واحدها الفقيدا اللغة: " الحدثان " جعله العيني عبارة عن الليل والنهار، وكأنه حسبه مثنى، وإنما الحدثان - بكسر فسكون - نوازل الدهر وحوادثه " سمدن " من باب قعد - أي حزن وأقمن متحيرات، وتوهمه العيني مبنيا للمجهول " فرد وجوههن إلخ " يريد أنه قد صير شعورهن بيضا من شدة الحزن ووجوههن سودا من شدة اللطم، ويشبه هذا ما روى أن العريان بن الهيثم دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن حاله، فقال: ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض. يريد ابيض شعره وكبرت سنه وذهبت نضارة وجهه ورونق شبابه، فصار أسود كابيا. الاعراب: " رمى " فعل ماض " الحدثان " فاعل رمى " نسوة " مفعول به لرمي، ونسوة مضاف و " آل " مضاف إليه، وآل مضاف، و " حرب " مضاف إليه " بمقدار " جار ومجرور متعلق برمى " سمدن " فعل وفاعل " له " جار ومجرور (*) =

[ 431 ]

وخص بالتعليق والالغاء ما من قبل هب، والامر هب قد ألزما (1) كذا تعلم، ولغير الماض من سواهما اجعل كل ماله زكن (2).


= متعلق بسمد " سمودا " مفعول مطلق مؤكد لعامله " فرد " الفاء عاطفة، رد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الحدثان " شعورهن " شعور: مفعول به أول لرد، وشعور مضاف وضمير النسوة مضاف إليه " السود " صفة لشعور " بيضا " مفعول ثان لرد، ورد وجوههن البيض سودا " مثل الجملة السابقة. الشاهد فيه: قوله " فرد شعورهم إلخ "، وقوله " ورد وجوههن إلخ " حيث استعمل " رد " في معنى التصيير والتحويل، ونصب به في كل واحد من الموضعين مفعولين. (1) " وخص " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بالتعليق " جار ومجرور متعلق بخص " والالغاء " معطوف على التعليق " ما " اسم موصول: مفعول به لخص، مبني على السكون في محل نصب، ويجوز أن يكون خص فعلا ماضيا مبنيا للمجهول، وعليه يكون " ما " اسما موصولا مبنيا على السكون في محل رفع نائب فاعل لخص، ولعل هذا أولى، لان الجملة المعطوفة على هذه الجملة خبرية " من قبل " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما، وقبل مضاف و " هب " قصد لفظه: مضاف إليه " والامر " الواو حرف عطف، الامر - بالنصب - مفعول ثان مقدم على عامله. وهو " ألزم " الآتي " هب " قصد لفظه: مبتدأ " قد " حرف تحقيق " ألزما " ألزم: فعل ماض مبني للمجهول. والالف للاطلاق، ونائب الفاعل - وهو مفعوله الاول - ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على هب، والجملة من ألزم ومعمولاته في محل رفع خبر المبتدأ. (2) كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " تعلم " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " ولغير " الواو عاطفة، لغير: جار ومجرور متعلق بقوله " اجعل " الآتي، وغير مضاف، و " الماض ": مضاف إليه " من سواهما " الجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لغير، وسوى مضاف، والضمير مضاف إليه " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كل " مفعول به لاجعل، وكل مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بزكن الآتي " زكن " (*) =

[ 432 ]

تقدم أن هذه الافعال قسمان، أحدهما: أفعال القلوب، والثاني: أفعال التحويل. فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى: متصرفة، وغير متصرفة. فالمتصرفة: ما عدا " هب، وتعلم " فيستعمل منها الماضي، نحو " ظننت زيدا قائما " وغير الماضي - وهو المضارع، نحو " أظن زيدا قائما " والامر، نحو " ظن زيدا قائما " واسم الفاعل، ونحو " أنا ظان زيدا قائما " واسم المفعول، نحو " زيد مظنون أبوه قائما " فأبوه: هو المفعول الاول، ارتفع لقيامه مقام الفاعل، و " قائما " المفعول الثاني، والمصدر، نحو " عجبت من ظنك زيدا قائما " - ويثبت لها كلها من العمل وغيره ما ثبت للماضي. وغير المتصرف اثنان - وهما: هب، وتعلم، بمعنى اعلم - فلا يستعمل منهما إلا صيغة الامر، كقوله: تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطف في التحيل والمكر [ 120 ] (1) وقوله: فقلت: أجرني أبا مالك وإلا فهبني امرأ هالكا [ 126 ] (2) واختصت القلبية ا لمتصرفة بالتعليق والالغاء (3)، فالتعليق هو: ترك العمل.


= فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من زكن ونائب نائب فاعله لا محل لها صلة الموصول. (1) ارجع إلى شرح هذا البيت في (ص 420) وهو الشاهد 12 ؟. (2) قد شرحنا هذا الشاهد آنفا، فارجع إليه في (ص 427) وهو الشاهد 126. (3) هذه العبارة موهمة " أن التعليق والالغاء لا يجري واحد منهما في غير أفعال القلوب إلا ما استثناه، وليس كذلك، بل يجري التعليق في أنواع من الافعال سنذكرها لك فيما بعد، وعلى هذا يكون معنى كلام الناظم والشارح أن الالغاء والتعليق معا مما (*) =

[ 433 ]

لفظا دون معنى لمانع، نحو " ظننت لزيد قائم "، فقولك " لزيد قائم " لم تعمل فيه " ظننت " لفظا، لاجل المانع لها من ذلك، وهو اللام، ولكنه في موضع نصب، بدليل أنك لو عطفت عليه لنصبت، نحو " ظننت لزيد قائم وعمرا منطلقا "، فهي عاملة في " لزيد قائم " في المعنى دون اللفظ (1). والالغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى، لا لمانع، نحو " زيد ظننت قائم " فليس ل‍ " ظننت " عمل في " زيد قائم ": لا في المعنى، ولا في اللفظ. ويثبت للمضارع وما بعده من التعليق وغيره ما ثبت للماضي، نحو " أظن لزيد قائم " و " زيد أظن قائم " وأخواتها..


= يختص بأفعال القلوب دون جميع ما عداها من الافعال، وهذا لا ينافي أن واحدا منهما بمفرده قد يجري في غير أفعال هذا الباب، وهو التعليق. ثم إن التعليق يجري في أربعة أنواع من الفعل: (الاول) كل فعل شك لا ترجيح فيه لاحد الجانبين على الآخر، نحو: شككت أزيد عندك أم عمرو، ونسيت أإبراهيم مسافر أم خالد، وترددت أكان معي خالد أمس أم لم يكن (والثاني) كل فعل يدل على العلم، نحو: تبينت أصادق أنت أم كاذب، واتضح لي أمجتهد أنت أم مقصر (النوع الثالث) كل فعل يطلب به العلم نحو: فكرت أتقيم أم تسافر، وامتحنت عليا أيصبر أم يجزع، وبلوت إبراهيم أيشكر الصنيعة أم يكفرها، وسألت أتزورنا غدا أم لا، واستفهمت أمقيم أنت أم راحل (الرابع) كل فعل من أفعال الحواس الخمس، نحو: لمست، وأبصرت، واستمعت، وشممت، وذقت. (1) مثل ذلك قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة: وما كنت أدري قبل عزة ما البكى ولا موجعات القلب حتى نولت فأنت ترى أنه عطف " موجعات القلب " بالواو على جملة " ما البكى " التي علق عنها " أدري " بسبب " ما " الاستفهامية. وقد أتى بالمعطوف منصوبا بالكسرة نيابة عن الفتحة لانه جمع مؤنث سالم. (*)

[ 434 ]

وغير المتصرفة لا يكون فيها تعليق ولا إلغاء، وكذلك أفعال التحويل، نحو " صير " وأخواتها. * * * وجوز الالغاء، لا في الابتدا، وانو ضمير الشأن، أو لام ابتدا (1) في موهم إلغاء ما تقدما والتزم التعليق قبل نفي " ما " [ (2) ] ؟ و " إن " و " لا "، لام ابتداء، أو قسم، كذا، والاستفهام ذا له انحتم (2).


(1) " وجوز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الالغاء " مفعول به لجوز " لا " حرف عطف " في الابتدا " جار ومجرور معطوف على محذوف، والتقدير: جوز الالغاء في التوسط وفي التأخر لا في الابتداء " وانو " الواو حرف عطف، انو: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ضمير " مفعول به لانو، وضمير مضاف، و " الشأن " مضاف إليه " أو " عاطفة " لام " معطوف على ضمير، ولام مضاف، و " ابتدا " مضاف إليه وقد قصره للضرورة. (2) " في موهم " جار ومجرور متعلق بانو في البيت السابق، وفاعل " موهم " ضمير مستتر فيه " إلغاء " مفعول به لموهم، وإلغاء مضاف، وما اسم موصول مضاف إليه " تقدما " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة والجملة من تقدم وفاعله لامحل لها صلة ما الموصولة " والتزم " فعل ماض مبني للمجهول " التعليق " نائب فاعل لالتزم " قبل " ظرف متعلق بالتزم، وقبل مضاف و " نفي " مضاف إليه، ونفي مضاف، و " ما " قصد لفظه مضاف إليه. (3) " وإن، ولا " معطوفان على " ما " في البيت السابق " لام " مبتدأ، ولام مضاف و " ابتداء " مضاف إليه " أو " عاطفة " قسم " معطوف على ابتداء " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " والاستفهام " مبتدأ أول " ذا " اسم إشارة: مبتدأ ثان " له " جار ومجرور متعلق بانحتم الآتي " انحتم " فعل ماض، (*) =

[ 435 ]

يجوز إلغاء هذه الافعال المتصرفة إذا وقعت في غير الابتداء، كما إذا وقعت وسطا، نحو " زيد ظننت قائم " أو آخرا، نحو " زيد قائم ظننت " (1)، وإذا توسطت، فقيل: الاعمال والالغاء سيان، وقيل: الاعمال أحسن من الالغاء، وإن تأخرت فالالغاء أحسن، وإن تقدمت امتنع الالغاء عند البصريين، فلا تقول: " ظننت زيد قائم " بل يجب الاعمال، فتقول: " ظننت زيدا قائما " فإن جاء من لسان العرب ما يوهم إلغاءها متقدمة أول على إضمار ضمير الشأن، كقوله: 129 - أرجو وآمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل.


= وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من انحتم وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول. (1) ظاهر هذه العبارة أن الالغاء جائز في كل حال، ما دام العامل متوسطا أو متأخرا، وليس كذلك، بل للالغاء - مع ذلك - ثلاثة أحوال: حال يجب فيه، وحال يمتنع فيه، وحال يجوز فيه، فأما الحال الذي يجب فيه الالغاء فله موضعان: أحدهما أن يكون العامل مصدرا مؤخرا نحو قولك: عمرو مسافر ظني، فلا يجوز الاعمال ههنا، لان المصدر لا يعمل متأخرا، وثانيهما: أن يتقدم المعمول وتقترن به أداة تستوجب التصدير، نحو قولك: لزيد قائم ظننت، وأما الحال الذي يمتنع فيه الالغاء فله موضع واحد، وهو: أن يكون العامل منفيا، نحو قولك: زيدا قائما لم أظن، فلا يجوز هنا أن تقول: زيد قائم لم أظن، لئلا يتوهم أن صدر الكلام مثبت، ويجوز الالغاء والاعمال فيما عدا ذلك. 129 - هذا البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، من قصيدته التي يمدح بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، متيم إثرها، لم يفد مكبول (وما) ؟ سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول = (*)

[ 436 ]

فالتقدير " وما إخاله لدينا منك تنويل " فالهاء ضمير الشأن، وهي المفعول الاول، و " لدينا منك تنويل " جملة في موضع المفعول الثاني، وحينئذ فلا إلغاء، أو على تقدير لام الابتداء، كقوله:.


= اللغة: " بانت " بعدت، وفارقت " متبول " اسم مفعول من تبله الحب: أي أضناه وأسقمه " متيم " اسم مفعول من تيمه الحب بالتضعيف إذا ذلله وقهره وعبده " إثرها " بعدها، وهو ظرف متعلق بمتيم " يفد " أصله من قولهم: فدى فلان الاسير يفديه فداء، إذا دفع لآسريه جزاء إطلاقه " مكبول " اسم مفعول مأخوذ من قولهم: كبل فلان الاسير، إذا وضع فيه الكبل، وهو القيد " تدنو " تقرب " تنويل " عطاء. الاعراب: " أرجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " وآمل " مثله " أن " مصدرية " تدنو " فعل مضارع منصوب بأن، وسكنت الواو ضرورة " مودتها " مودة: فاعل تدنو، ومودة مضاف وها: مضاف إليه " وما " نافية " إخال " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " لدينا " لدى: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولدى مضاف ونا مضاف إليه " منك " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه تنويل " تنويل " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثان لاخال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف. الشاهد فيه: قوله " وما إخال لدينا منك تنويل " فإن ظاهره أنه ألغى " إخال " مع كونها متقدمة، وليس هذا الظاهر مسلما، فإن مفعولها الاول مفرد محذوف هو ضمير الشأن ومفعولها الثاني جملة " لدينا تنويل منك " كما قررناه في إعراب البيت. وهذا أحد توجيهات في البيت، وهو الذي ذكره الشارح، وفيه توجيه ثان، وحاصله أن " ما " موصولة مبتدأ، وقوله " تنويل " خبرها، و " إخال " عاملة في مفعولين أحدهما ضمير غيبة محذوف، وهو العائد على " ما " والثاني هو متعلق قوله " لدينا " والتقدير: والذي إخاله كائنا لدينا منك هو تنويل. وفيه توجيهات أخرى لا تتسع لها هذه العجالة. (*)

[ 437 ]

130 - كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الادب التقدير: " أني وجدت لملاك الشيمة الادب " فهو من باب التعليق، وليس من باب الالغاء في شئ.. *


130 - هذا البيت مما اختاره أبو تمام في حماسته، ونسبه إلى بعض الفزاريين ولم يعينه (وانظر شرح التبريزي على الحماسة 3 / 147 بتحقيقنا). اللغة: " كذاك أدبت " الكاف في مثل هذا التعبير اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، واسم الاشارة يراد به مصدر الفعل المذكور بعده، وتقدير الكلام: تأديبا مثل ذلك التأديب، وذلك التأديب هو الذي ذكره في البيت السابق عليه، وهو قوله: أكنيه حين أناديه لاكرمه ولا ألقبه، والسوأة اللقب " ملاك " بزنة كتاب - قوام الشئ وما يجمعه " الشيمة " الخلق، وجمعها شيم كقيمة وقيم. الاعراب: " كذاك " الكاف اسم بمعنى مثل نعت لمحذوف، واسم الاشارة مضاف إليه، أو الكاف جارة لمحل اسم الاشارة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف يقع نعتا لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا لادبت، والتقدير على كل حال: تأديبا مثل هذا التأديب أدبت " أدبت " أدب: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء ضمير المتكلم نائب فاعل " حتى " ابتدائية " صار " فعل ماض ناقص " من خلقي " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر صار مقدم، وخلق مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " أني " أن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها " وجدت " فعل وفاعل، والجملة من وجد وفاعله في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر اسم صار " ملاك " مبتدأ، وملاك مضاف و " الشيمة " مضاف إليه " الادب " خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب سدت مسد مفعولي وجد، على تقدير لام ابتداء علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأى هذه الجملة، والاصل: وجدت لملاك الشيمة الادب، أو الجملة في محل نصب مفعول ثان لوجد، ومفعوله الاول ضمير شأن محذوف، وأصل الكلام: وجدته (أي الحال والشأن) ملاك الشيمة الادب. (*) =

[ 438 ]

وذهب الكوفيون - وتبعهم أبو بكر الزبيدي وغيره - إلى جواز إلغاء المتقدم، فلا يحتاجون إلى تأويل البيتين. وإنما قال المصنف: " وجوز الالغاء " لينبه على الالغاء ليس بلازم، بل هو جائز، فحيث جاز الالغاء جاز الاعمال كما تقدم، وهذا بخلاف التعليق [ فإنه لازم، ولهذا قال: " والتزم التعليق " ] فيجب التعليق إذا وقع بعد الفعل " ما " النافية، نحو " ظننت ما زيد قائم ". أو " إن " النافية، نحو " علمت إن زيد قائم " ومثلوا له بقوله تعالى: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا)، وقال بعضهم: ليس هذا من باب التعليق في شئ، لان شرط التعليق أنه إذا حذف المعلق تسلط العامل على ما بعده فينصب مفعولين، نحو " ظننت ما زيد قائم "، فلو حذفت " ما " لقلت: " ظننت زيدا قائما " والآية الكريمة لا يتأتى فيها ذلك، لانك لو حذفت المعلق - وهو " إن " - لم يتسلط " تظنون " على " لبثتم "، إذ لا يقال: وتظنون لبثتم، هكذا زعم هذا القائل، ولعله مخالف لما هو كالمجمع عليه من أنه لا يشترط في التعليق هذا الشرط الذي ذكره وتمثيل النحويين للتعليق بالآية الكريمة وشبهها يشهد لذلك.


= الشاهد فيه: قوله " وجدت ملاك الشيمة الادب " فإن ظاهره أنه ألغى " وجدت " مع تقدمه، لانه لو أعمله لقال " وجدت ملاك الشيمة الادبا " بنصب " ملاك " و " الادب " على أنهما مفعولان، ولكنه رفعهما، فقال الكوفيون: هو من باب الالغاء والالغاء جائز مع التقدم مثل جوازه مع التوسط والتأخر، وقال البصريون: ليس كذلك، بل هو إما من باب التعليق، ولام الابتداء مقدرة الدخول على " ملاك " وإما من باب الاعمال، والمفعول الاول ضمير شأن محذوف، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مفعول ثان، على ما بيناه في إعراب البيت، والمنصف الذي يعرف مواطن الحق يدرك ما في هذين التأويلين من التكلف. (*)

[ 439 ]

وكذلك يعلق الفعل إذا وقع بعده " لا " النافية، نحو " ظننت لا زيد قائم ولا عمرو " أو لام الابتداء، نحو " ظننت لزيد قائم " أو لام القسم، نحو " علمت ليقومن زيد " ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات (1)، أو الاستفهام، وله صور ثلاث، أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام، نحو " علمت أيهم أبوك "، الثانية: أن يكون مضافا إلى اسم استفهام، نحو " علمت غلام أيهم أبوك "، الثالثة: أن تدخل عليه أداة الاستفهام، نحو " علمت أزيد عندك أم عمرو " ؟ و " علمت هل زيد قائم أم عمرو " ؟. * * *.


(1) قد ذهب إلى أن لام القسم معلقة للفعل عن العمل في لفظ الجملة - مع بقاء الفعل على معناه - قوم: منهم الاعلم الشنتمري، وتبعه الناظم، وابنه، وابن هشام الانصاري في أغلب كتبه، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق) وبقول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي لا بعدها خوف علي ولا عدم وبقول لبيد بن ربيعة: ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها وذهب سيبويه - رحمه الله ! - وتبعه المحقق الرضي، وجمهرة النحاة، إلى أن " علم " في هذه الشواهد كلها قد خرجت عن معناها الاصلي، ونزلت منزلة القسم، وما بعدها جملة لا محل لها من الاعراب جواب القسم الذي هو علمت، وحينئذ تخرج عما نحن بصدده، فلا تقتضي معمولا، ولا تتصف بإلغاء ولا تعليق ولا إعمال، قال سيبويه (ج 1 ص 256 254) " هذا باب الافعال في القسم. وقال لبيد * ولقد علمت لتأتين * كأنه قال: والله لتأتين منيتي، كما قال: لقد علمت لعبد الله خير منك " اه‍. وقال المحقق الرضي (ج 2 ص 261: " وأما قوله * ولقد علمت لتأتين * فإنما أجرى لقد علمت معنى التحقيق " اه‍. (*)

[ 440 ]

لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد ملتزمه (1) إذا كانت " علم " بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد، كقولك: " علمت زيدا " أي: عرفته، ومنه قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا). وكذلك إذا كانت " ظن " بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد، كقولك: ظننت زيدا " أي: اتهمته، ومنه قوله تعالى: (وما هو على الغيب بظنين) أي: بمتهم. * * * ولرأى الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى (2) إذا كانت رأى حلمية (3) - أي: للرؤيا في المنام - تعدت إلى المفعولين كما تتعدى إليهما " علم " المذكورة من قبل، وإلى هذا أشار بقوله: " ولرأى.


(1) " لعلم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعلم مضاف و " عرفان " مضاف إليه " وظن " معطوف على علم، وظن مضاف و " تهمة " مضاف إليه " تعدية " مبتدأ مؤخر " لواحد " جار ومجرور متعلق بتعدية " ملتزمة " نعت لتعدية. (2) " لرأى " جار ومجرور متعلق بانم، ورأى المقصود لفظه مضاف و " الرؤيا " مضاف إليه " انم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ما " اسم موصول: مفعول به لانم " لعلما " جار ومجرور متعلق بانتمى " طالب " حال من علم، وطالب مضاف و " مفعولين " مضاف إليه " من قبل " جار ومجرور متعلق بانتمى " انتمى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من انتمى وفاعله ومتعلقاته لا محل لها صلة الموصول: أي انسب لرأى الرؤيا ما انتسب لعلم حال كونه طالب مفعولين. (3) " حلمية " هو بضم الحاء وسكون اللام أو ضمها - نسبة إلى الحلم - بوزان قفل أو عنق - وهو مصدر حلم يحلم، مثل قتل يقتل إذا رأى في منامه شيئا. (*)

[ 441 ]

الرؤيا انم " أي: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين، فعبر عن الحلمية بما ذكر، لان " الرؤيا " وإن كانت تقع مصدرا لغير " رأى " الحلمية، فالمشهور كونها مصدرا لها (1)، ومثال استعمال " رأى " الحلمية متعدية إلى اثنين قوله تعالى: (إني أراني أعصر خمرا)، فالياء مفعول أول، و " أعصر خمرا " جملة في موضع المفعول الثاني، وكذلك قوله: 131 - أبو حنش يؤرقني، وطلق، وعمار، وآونة أثالا أراهم رفقتي، حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا إذا أنا كالذي يجري لورد إلى آل، فلم يدرك بلالا فالهاء والميم في " أراهم ": المفعول الاول، و " رفقتي " هو المفعول الثاني. * * *.


(1) المشهور عند علماء اللغة أنك تقول: رأيت رؤيا صالحة، إذا كنت تريد أنك أبصرت بعينك في حال يقظتك، وبعض أهل اللغة يوجبون ذلك، ولا يجيزون خلافه، وبعضهم يجيز أن تقول: رأيت رؤيا - بالالف - وأنت تريد معنى أبصرت في حال اليقظة ويستشهدون على صحة ذلك بقول الراعي: فكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلبا كان جما بلابله ومع أنهم جوزوا ذلك، واستدلوا لصحته، ليس في مكنتهم أن يدعوا كثرته، بل الكثير المشهور المتعارف هو ما ذكرناه أولا، ولهذا كان قول الناظم: " ولرأى الرؤيا " إشارة إلى رأى الحلمية. 131 - هذه الابيات لعمرو بن أحمر الباهلي، من قصيدة له يندب فيها قومه ويبكيهم، وأولها قوله: أبت عيناك إلا أن تلحا وتحتالا بما بهما احتيالا كأنهما سعينا مستغيث يرجي طالعا بهما ثقالا وهي خرزاهما، فالماء يجري خلالهما، وينسل انسلالا = (*)

[ 442 ]

...


= على حيين في عامين شتى فقد عنى طلابهما وطالا فأية ليلة تأتيك سهوا فتصبح لا ترى فيهم خيالا والبيت الاول من ثلاثة الابيات التي رواها الشارح قد استشهد به سيبويه (ج 1 ص 243) في باب الترخيم في غير النداء للضرورة، وستعرف وجه ذلك فيما يلي في الاعراب. اللغة: " تلحا " من قولهم " ألح السحاب " إذا دام مطره، يريد أن تدوما على البكاء " سعينا مستغيث " سعينا: مثنى سعين، وهو تصغير سعن - بوزن قفل - وهي القربة تقطع من نصفها لينبذ فيها، وربما اتخذت دلوا يستقى بها، والمستغيث: طالب الغيث وهو المطر " على حيين " متعلق بقوله تلحا، يقول: امتنعت عيناك عن كل شئ إلا أن يدوم بكاؤهما على حيين " وهي " ضعف أو انشق " أبو حنش، وطلق، وعمار، وأثالا " أعلام رجال " تجافى الليل وانخزل انخزالا " كنايتان عن الظهور، وبيان ما كان مبهما من أمر هؤلاء " آل " هو السراب وما تراه وسط النهار كأنه ماء وليس بماء " بلالا " - بزنة - كتاب - ما تبل به حلقك من الماء وغيره " آونة " جمع أوان، مثل زمان وأزمنة ومكان وأمكنة، والاوان والزمان بمعنى واحد " رفقتي " بضم الراء أو كسرها جمع رفيق " لورد " بكسر الواو وسكون الراء إتيان الماء. الاعراب: " أبو حنش " مبتدأ، وجملة " يؤرقني " في محل رفع خبر المبتدأ " وعمار " وسائر الاعلام معطوفات على " أبو حنش "، وقد رخم " أثال " في غير النداء ضرورة، وأصله أثالة ولم يكتف بترخيمه بحذف آخره، بل جعل إعرابه على الحرف المحذوف، وأبقى الحرف الذي قبله على ما كان عليه، فهو مرفوع بضمة ظاهرة على الحرف المحذوف للترخيم " أراهم " أرى: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والضمير المتصل البارز مفعول أول " رفقتي " رفقة: مفعول ثان لارى، ورفقة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " أراهم رفقتي " حيث أعمل " أرى " في مفعولين أحدهما الضمير البارز المتصل به، والثاني قوله " رفقتي " ورأى بمعنى حلم: أي رأى في منامه، وقد أجريت مجرى " علم "، وإنما عملت مثل عملها لان بينهما تشابها، لان الرؤيا إدراك بالحس الباطن، فلذا أجريت مجراه. (*)

[ 443 ]

ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول (1) لا يجوز في هذا الباب سقوط المفعولين، ولا سقوط أحدهما، إلا إذا دل دليل على ذلك. فمثال حذف المفعولين للدلالة أن يقال: " هل ظننت زيدا قائما " ؟ فتقول: " ظننت "، التقدير: " ظننت زيدا قائما " فحذفت المفعولين لدلالة ما قبلهما عليهما، ومنه قوله: 132 - بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارا علي وتحسب ؟ أي: " وتحسب حبهم عارا علي " فحذف المفعولين - وهما: " حبهم "، و " عارا على " - لدلالة ما قبلهما عليهما..


(1) " ولا " ناهية " تجز " فعل مضارع مجزوم بلا، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " هنا " ظرف مكان متعلق بتجز " بلا دليل " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير ظهر إعرابه على ما بعده، بطريق العارية، وهو مجرور محلا بالباء، والجار والمجرور متعلق بتجز، ولا مضاف و " دليل " مضاف إليه " سقوط " مفعول به لتجز، وسقوط مضاف و " مفعولين " مضاف إليه " أو مفعول " معطوف على مفعولين. 132 - البيت للكميت بن زيد الاسدي، من قصيدة هاشمية يمدح فيها آل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولها قوله: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب، ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب ؟ ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب اللغة: " ترى حبهم " رأى ههنا من الرأى بمعنى الاعتقاد، مثل أن تقول: رأى أبو حنيفة حل كذا، ويمكن أن تكون رأى العلمية بشئ من التكلف " عارا " العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة، وتقول: عيرته كذا، ولا تقل: عيرته بكذا، فهو يتعدى إلى المفعولين بنفسه وفي لامية السموأل قوله، وفيه دلالة غير قاطعة: = (*)

[ 444 ]

ومثال حذف أحدهما للدلالة أن يقال: " هل ظننت أحدا قائما " ؟ فتقول: " ظننت زيدا " أي: ظننت زيدا قائما، فتحذف الثاني للدلالة عليه، ومنه قوله: 133 - ولقد نزلت - فلا تظني غيره - مني بمنزلة المحب المكرم أي: " فلا تظني غيره واقعا " ف‍ " غيره " هو المفعول الاول، و " واقعا " هو المفعول الثاني..


= تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها: إن الكرام قليل ومن نقله اللغة من أجاز أن تقول: عيرته بكذا، ولكنه قليل " وانظر شرح الحماسة 1 - 232 بتحقيقنا) " وتحسب " أي تظن، من الحسبان. الاعراب: " بأي " جار ومجرور متعلق بقوله " ترى " الآتي، وأي مضاف و " كتاب " مضاف إليه " أم " عاطفة " بأية " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور الاول، وأية مضاف، و " سنة " مضاف إليه " ترى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حبهم " حب: مفعول أول لترى، وحب مضاف وهم: مضاف إليه " عارا " مفعول ثان لترى، سواء أجعلت رأى اعتقادية أم جعلتها علمية، ويجوز على الاول جعله حالا " علي " جار ومجرور متعلق بعار، أو بمحذوف صفة له " وتحسب " الواو عاطفة، تحسب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعولاه محذوفان يدل عليهما الكلام السابق، والتقدير " وتحسب حبهم عارا علي ". الشاهد فيه: قوله " وتحسب " حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما كما أوضحناه في الاعراب، وبينه الشارح. 133 - هذا البيت لعنترة بن شداد العبسي، من معلقته المشهورة التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم ؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم ؟ اللغة: " غادر " ترك " متردم " بزنة اسم المفعول وهو في الاصل اسم مكان = (*)

[ 445 ]

وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحويين. فإن لم يدل دليل على الحذف لم يجز: لا فيهما، ولا في أحدهما، فلا تقول: " ظننت "، ولا " ظننت زيدا "، ولا " ظننت قائما " تريد " ظننت زيدا قائما ". * * * وكتظن اجعل " تقول " إن ولي مستفهما به ولم ينفصل (1)


= من قولك: ردمت الشئ، إذا أصلحته، ويروى " مترنم " بالنون - وهو صوت خفي ترجعه بينك وبين نفسك، يريد هل أبقى الشعراء معنى إلا سبقوك إليه ؟ ! وهل يتهيأ لك أو لغيرك أن تجئ بشئ جديد ؟ " المحب " اسم مفعول من أحب، وهو القياس، ولكنه قليل في الاستعمال، والاكثر أن يقال في اسم المفعول: محبوب، أو حبيب، مع أنهم هجروا الفعل الثلاثي، وفي اسم الفاعل قالوا: محب، من الفعل المستعمل الذي هو المزيد فيه. المعنى: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم، فلا تظني غير ذلك حاصلا. الاعراب: " ولقد " الواو للقسم، واللام للتأكيد، وقد: حرف تحقيق " نزلت " فعل وفاعل " فلا " ناهية " تظني " فعل مضارع مجزوم بحذف النون، وياء المخاطبة فاعل " غيره " غير: مفعول أول لتظني، وغير مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف " مني " جار ومجرور متعلق بقوله نزلت " بمنزلة " جار ومجرور متعلق أيضا بنزلت، ومنزلة مضاف، و " المحب " مضاف إليه " المكرم " نعت للمحب. الشاهد فيه: قوله " فلا تظني غيره " حيث حذف المفعول الثاني اختصارا، وذلك جائز عند جمهرة النحاة، خلافا لابن ملكون. (1) " كتظن " جار ومجرور متعلق باجعل " اجعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تقول " قصد لفظه: مفعول به لاجعل " إن " شرطية " ولي " فعل ماض، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى = (*)

[ 446 ]

بغير ظرف، أو كظرف، أو عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل (1) القول شأنه إذا وقعت بعده جملة أن تحكى، نحو " قال زيد عمرو منطلق "، و " تقول زيد منطلق " لكن الجملة بعده في موضع نصب على المفعولية. ويجوز إجراؤه مجرى الظن، فينصب المبتدأ والخبر مفعولين، كما تنصبهما " ظن ". والمشهور أن للعرب في ذلك مذهبين، أحدههما - وهو مذهب عامة العرب - أنه لا يجرى القول مجرى الظن إلا بشروط - ذكرها المصنف - أربعة، وهي التي ذكرها عامة النحويين، الاول: أن يكون الفعل مضارعا، الثاني: أن يكون للمخاطب، وإليهما أشار بقوله: " اجعل نقول " فإن " تقول " مضارع، وهو للمخاطب، الشرط الثالث: أن يكون مسبوقا باستفهام،.


= تقول " مستفهما " مفعول به لولي " به " جار ومجرور في موضع نائب فاعل لمستفهم، لانه اسم مفعول " ولم ينفصل " الواو للحال، ولم: حرف نفي وجزم وقلب، ينفصل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لاجل الروى. وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى تقول، وجملة لم ينفصل وفاعله في محل نصب حال. (1) " بغير " جار ومجرور متعلق بينفصل في البيت السابق. وغير مضاف و " ظرف " مضاف إليه " أو " عاطفة " كظرف " الكاف اسم بمعنى مثل معطوف على غير، والكاف مضاف، وظرف: مضاف إليه " أو " عاطفة " عمل " معطوف على غير " وإن " شرطية " ببعض " جار ومجرور متعلق بفصلت الآتي. وبعض مضاف، و " ذي " مضاف إليه " فصلت " فصل: فعل ماض، فعل الشرط، والتاء ضمير المخاطب فاعل " يحتمل " فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بالسكون، لانه جواب الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفصل المفهوم من قوله فصلت. (*)

[ 447 ]

وإليه أشار بقوله: " إن ولي مستفهما به "، الشرط الرابع: أن لا يفصل بينهما - أي بين الاستفهام والفعل - بغير ظرف، ولا مجرور، ولا معمول الفعل، فإن فصل بأحدها لم يضر، وهذا هو المراد بقوله: " ولم ينفصل بغير ظرف - إلى آخره ". فمثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك: " أتقول عمرا منطلقا "، فعمرا: مفعول أول، ومنطلقا: مفعول ثان، ومنه قوله: 134 - متى تقول القلص الرواسما يحملن أم قاسم وقاسما.


134 البيت لهدبة بن خشرم العذري، من أرجوزة رواها غير واحد من حملة الشعر، ومنهم التبريزي في شرح الحماسة (2 / 46) ولكن رواية التبريزي للبيت المستشهد به على غير الوجه الذي يذكره النحاة، وروايته: لقد أراني والغلام الحازما نزجى المطي ضمرا سواهما متى يقود الذبل الرواسما والجلة الناجية العواهما اللغة: " القلص " بزنة كتب وسرر جمع قلوص، وهي الشابة الفتية من الابل، وهي أول ما يركب من إناث الابل خاصة " الرواسم " المسرعات في سيرهن، مأخوذ من الرسيم، وهو ضرب من سير الابل السريع " يحملن " يروى في مكانه " يدنين " ومعناه يقربن " أم قاسم " هي كنية امرأة، وهي أخت زيادة بن زيد العذري. المعنى: متى تظن النوق المسرعات يقربن مني من أحب أن يحملنه إلي ؟ الاعراب: " متى " اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، وعامله تقول " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " القلص " مفعول به أول لتقول " الرواسما " نعت للقلص " يحملن " يحمل: فعل مضارع، ونون الاناث فاعل، والجملة في محل نصب مفعول ثان لتقول " أم " مفعول به ليحملن، وأم مضاف و " قاسم " مضاف إليه " وقاسما " معطوف على أم قاسم. الشاهد فيه: قوله " تقول القلص يحملن " حيث أجرى تقول مجرى تظن، فنصب به مفعولين الاول قوله " القلص " والثاني جملة " يحملن " كما قررناه = (*)

[ 448 ]

فلو كان الفعل غير مضارع، نحو " قال زيد عمرو منطلق " لم ينصب القول مفعولين عند هؤلاء، وكذا إن كان مضارعا بغير تاء، نحو " يقول زيد عمرو منطلق " أو لم يكن مسبوقا باستفهام، نحو " أنت تقول عمرو منطلق " أو سبق باستفهام ولكن فصل بغير ظرف، ولا [ جار و ] مجرور، ولا معمول له، نحو " أأنت تقول زيد منطلق " فإن فصل بأحدها لم يضر، نحو " أعندك تقول زيدا منطلقا "، و " أفي الدار تقول زيدا منطلقا "، و " أعمرا تقول منطلقا "، ومنه قوله: (*) 135 - أجهالا تقول بني لؤي لعمر أبيك أم متجاهلينا فبني [ لؤي ]: مفعول أول، وجهالا: مفعول ثان..


= في الاعراب، وذلك لاستيفائه الشروط، ويرويه بعضهم * متى تظن.. إلخ * فلا شاهد فيه، ولكنه دليل على أن " تقول " يجري مجرى تظن، لانه إذا وردت روايتان في بيت واحد، وجاءت كلمة في إحدى الروايتين مكان كلمة في الرواية الاخرى، دل ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد، إذ لو اختلف معناهما لم يسغ لراو ولا لشاعر آخر أن يضع إحداهما مكان الاخرى، لئلا يفسد المعنى الذي قصد إليه قائل البيت، لان شرط الرواية بالمعنى ألا تغير المراد. 135 - هذا البيت للكميت بن زيد الاسدي. اللغة: " أجهالا " الجهال: جمع جاهل، ويروى في مكانه " أنواما " وهو جمع نائم " بنو لؤي " أراد بهم جمهور قريش وعامتهم، لان أكثرهم ينتهي نسبه إلى لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وهو أبو قريش كلها " متجاهلينا " المتجاهل: الذي يتصنع الجهل ويتكلفه وليس به جهل، والذين رووا في صدر البيت " أنواما " يروون هنا " متناومينا " والمتناوم: الذي يتصنع النوم، والمراد تصنع الغفلة عما يجري حولهم من الاحداث. المعنى: أتظن قريشا جاهلين حين استعملوا في ولاياتهم اليمنيين وآثروهم على المصريين أم تظنهم عالمين بحقيقة الامر مقدرين سوء النتائج غير غافلين عما ينبغي العمل به. ولكنهم يتصنعون الجهل ويتكلفون الغفلة لمأرب لهم في أنفسهم ؟. = (*)

[ 449 ]

وإذا اجتمعت الشروط المذكورة جاز نصب المبتدأ والخبر مفعولين لتقول، نحو " أتقول زيدا منطلقا " وجار رفعهما على الحكاية، نحو " أتقول زيد منطلق ". * * * وأجري القول كظن مطلقا عند سليم، نحو " قل ذا مشفقا " (1) أشار إلى المذهب الثاني للعرب في القول، وهو مذهب سليم، فيجرون القول مجرى الظن في نصب المفعولين، مطلقا، أي: سواء كان مضارعا، أم غير مضارع، وجدت فيه الشروط المذكورة، أم لم توجد، وذلك.


= الاعراب " أجهالا " الهمزة للاستفهام، جهالا: مفعول ثان مقدم على عامله وعلى المفعول الاول " تقول " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بني " مفعول أول لتقول، وبني مضاف، و " لؤي " مضاف إليه " لعمر " اللام لام الابتداء، عمر، مبتدأ، والخبر محذوف وجوبا، وعمر مضاف، وأبي من " أبيك " مضاف إليه، وأبي مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " أم " عاطفة " متجاهلينا " معطوف على قوله " جهالا ". الشاهد فيه: قوله " أجهالا تقول بني لؤي " حيث أعمل " تقول " عمل " تظن " فنصب به مفعولين، أحدهما قوله " جهالا " والثاني قوله " بني لؤي " مع أنه فصل بين أداة الاستفهام - وهي الهمزة والفعل. بفاصل - وهو قوله " جهالا " - وهذا الفصل لا يمنع الاعمال، لان الفاصل معمول للفعل، إذ هو مفعول ثان له. (1) " أجرى " فعل ماض مبني للمجهول " القول " نائب فاعل لاجرى " كظن " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القول " مطلقا " حال ثان من القول " عند " ظرف متعلق بأجرى، وعند مضاف و " سليم " مضاف إليه " نحو " خبر لمبتدأ محذوف " قل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ذا " مفعول أول لقل " مشفقا " مفعول ثان. (29 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 450 ]

نحو " قل ذا مشفقا " ف‍ " ذا " مفعول أول، و " مشفقا " مفعول ثان، ومن ذلك قوله: 136 قالت وكنت رجلا فطينا: هذا لعمر الله إسرائينا ف‍ " هذا ": مفعول أول لقالت، و " إسرائينا ": مفعول ثان. * * *.


136 - البيت لاعرابي صاد ضبا فأتى به أهله، فقالت له امرأته " هذا لعمر الله إسرائيل " أي: هو ما مسخ من بني إسرائيل، ورواه الجواليقي في كتابه " المعرب " هكذا: وقال أهل السوق لما جينا: هذا لعمر الله إسرائينا اللغة: " فطينا " وصف من الفطنة، وتقول: فطن الرجل يفطن - بوزان علم يعلم، فطنة - بكسر فسكون - وفطانة، وفطانية - بفتح الفاء فيهما - وتقول أيضا: فطن يفطن بوزان قعد يقعد، والفطنة: الفهم، والوصف المشهور من هذه المادة فطن - بفتح فكسر - " جينا " أصله جئنا - بالهمزة - فلينه بقلب الهمزة الساكنة حرف مد من جنس حركة ما قبلها " إسرائين " لغة في إسرائيل، كما قالوا: جبرين، وإسماعين. يريدون: جبريل، وإسماعيل. الاعراب: " قالت " قال: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " وكنت " الواو واو الحال، كان: فعل ماض ناقص. والتاء اسمه " رجلا " خبر كان " فطينا " صفة لرجل، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل نصب حال " هذا " ها: حرف تنبيه، واسم الاشارة مفعول أول لقالت، بمعنى ظننت " لعمر " اللام لام الابتداء، عمر: مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير لعمر الله يميني، وعمر مضاف و " الله " مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها من الاعراب معترضة بين المفعول الاول والثاني " إسرائينا " مفعول ثان لقالت. الشاهد فيه: قوله " قالت. هذا. إسرائينا " حيث أعمل " قال " عمل " ظن " فنصب به مفعولين، أحدهما: اسم الاشارة - وهو " ذا " من " هذا " = (*)

[ 451 ]

.


والثاني " إسرائينا " هكذا قالوا. والذي حملهم على هذا أنهم وجدوا " إسرائينا " منصوبا. وأنت لو تأملت بعض التأمل لوجدت أنه يمكن أن يكون " هذا " مبتدأ، " إسرائينا " مضاف إلى محذوف يقع خبرا، وتقدير الكلام " هذا ممسوخ إسرائينا " فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره بالفتحة نيابة عن الكسرة، لانه لا ينصرف للعلمية والعجمة. وحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره جائز، وإن كان قليلا في مثل ذلك، وقد قرئ في قوله تعالى: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) بجر الآخرة على تقدير مضاف محذوف يقع منصوبا مفعولا به ليريد، والاصل: والله يريد ثواب الآخرة. وهكذا خرجه ابن عصفور، وتخريج الجماعة أولى، لان الاصل عدم الحذف، لان حذف المضاف وبقاء المضاف إليه على حاله قليل في هذه الحالة، ونصب المفعولين بالقول مطلقا لغة لبعض العرب كما قرره الناظم والشارح. (*)

[ 452 ]

أعلم وأرى إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا، إذا صارا أرى وأعلما (1) أشار بهذا الفصل إلى ما يتعدى من الافعال إلى ثلاثة مفاعيل، فذكر سبعة أفعال: منها " أعلم، وأرى " فذكر أن أصلهما " علم، ورأى "، وأنهما بالهمزة يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل، لانهما قبل دخول الهمزة عليهما كانا يتعديان إلى مفعولين، نحو " علم زيد عمرا منطلقا، ورأى خالد بكرا أخاك " فلما دخلت عليهما همزة النقل زادتهما مفعولا ثالثا، وهو الذي كان فاعلا قبل دخول الهمزة، وذلك نحو: " أعلمت زيدا عمرا منطلقا " و " أريت خالدا بكرا أخاك "، فزيدا، وخالدا: مفعول أول، وهو الذي كان فاعلا حين قلت: " علم زيد، ورأى خالد ". وهذا هو شأن الهمزة، وهو: أنها تصير ما كان فاعلا مفعولا، فإن كان الفعل قبل دخولها لازما صار بعد دخولها متعديا إلى واحد، نحو: " خرج زيد، وأخرجت زيدا " وإن كان متعديا إلى واحد صار بعد دخولها متعديا إلى اثنين، نحو: " لبس زيد جبة " فتقول: " ألبست زيدا جبة " وسيأتي الكلام عليه، وإن كان متعديا إلى اثنين صار متعديا إلى ثلاثة، كما تقدم في " أعلم، وأرى ". * * *.


(1) " إلى ثلاثة " جار ومجرور متعلق بعدوا " رأى " مفعول به مقدم لعدوا " وعلما " معطوف على رأى " عدوا " فعل وفاعل " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " صارا " صار: فعل ماض ناقص. وألف الاثنين اسمه " رأى " قصد لفظه: خبر صار " وأعلما " معطوف على أرى، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي فعل الشرط، والجواب محذوف يدل عليه سابق الكلام، والاصل: إذا صارا أرى وأعلما فقد عدوهما إلى ثلاثة مفاعيل. (*)

[ 453 ]

وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضا حققا (1) أي: يثبت للمفعول الثاني والمفعول الثالث من مفاعيل " أعلم، وأرى " ما ثبت لمفعولي " علم، ورأى ": من كونهما مبتدأ وخبرا في الاصل، ومن جواز الالغاء والتعليق بالنسبة إليهما، ومن جواز حذفهما أو حذف أحدهما إذا دل على ذلك دليل، ومثال ذلك " أعلمت زيدا عمرا قائما " فالثاني والثالث من هذه المفاعيل أصلهما المبتدأ والخبر - وهما " عمرو قائم " - ويجوز إلغاء العامل بالنسبة إليهما، نحو: " عمرو أعلمت زيدا قائم " ومنه قولهم: " البركة أعلمنا الله مع الاكابر " ف‍ " نا ": مفعول أول، و " البركة ": مبتدأ، و " مع الاكابر " ظرف في موضع الخبر، وهما اللذان كانا مفعولين، والاصل: " أعلمنا الله البركة مع الاكابر "، ويجوز التعليق عنهما، فتقول: " أعلمت زيدا لعمرو قائم " ومثال حذفهما للدلالة أن يقال: هل أعلمت أحدا عمرا قائما ؟ فتقول: أعلمت زيدا، ومثال حذف أحدهما للدلالة أن تقول في هذه الصورة: " أعلمت زيدا عمرا " أي: قائما، أو " أعلمت زيدا قائما " أي: عمرا قائما. * * * وإن تعديا لواحد بلا همز فلاثنين به توصلا (2).


(1) " وما " اسم موصول مبتدأ " لمفعولي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما، ومفعولي مضاف و " علمت " قصد لفظه: مضاف إليه " مطلقا " حال من الضمير المستتر في الصلة " للثان " جار ومجرور متعلق بحقق الآتي " والثالث " معطوف على الثاني " أيضا " مفعول مطلق لفعل محذوف " حققا " حقق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة الواقعة مبتدأ، والجملة من حقق ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (2) " وإن " شرطية " تعديا " فعل ماض فعل الشرط، وألف الاثنين فاعل، = (*)

[ 454 ]

والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا (1) تقدم أن " رأى، وعلم " إذا دخلت عليهما همزة النقل تعديا إلى ثلاثة مفاعيل، وأشار في هذين البيتين إلى أنه إنما يثبت لهما هذا الحكم إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى مفعولين، وأما إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى واحد كما إذا كانت " رأى " بمعنى أبصر، نحو " رأى زيد عمرا " و " علم " بمعنى عرف نحو " علم زيد الحق " فإنهما يتعديان بعد الهمزة إلى مفعولين، نحو: " أريت زيدا عمرا " و " أعلمت زيدا الحق " والثاني من هذين المفعولين كالمفعول الثاني من مفعولي " كسا " و " أعطى " نحو " كسوت زيدا جبة ".


= " لواحد " جار ومجرور متعلق بقوله تعديا " بلا همز " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده على طريق العارية، والجار والمجرور متعلق بتعديا أيضا، ولا مضاف و " همز " مضاف إليه " فلاثنين " الفاء واقعة في جواب الشرط، لاثنين: جار ومجرور متعلق بقوله توصلا الآتي " به " جار ومجرور متعلق بتوصلا أيضا " توصلا " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، ويجوز أن يكون توصلا فعلا ماضيا مبنيا للمعلوم، والالف ضمير الاثنين عائد إلى رأى وعلم وهو فاعل توصل. (1) " والثان " مبتدأ " منهما " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال صاحبه الضمير المستكن في الخبر الآتي " كثاني " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وثاني مضاف و " اثنى " مضاف إليه، واثنى مضاف، و " كسا " قصد لفظه: مضاف إليه " فهو " مبتدأ " به " جار ومجرور متعلق بائتسا الآتي " في كل " جار ومجرور متعلق بائتسا أيضا، وكل مضاف و " حكم " مضاف إليه " ذو " خبر المبتدأ، وذو مضاف، و " ائتسا " مضاف إليه، وأصله ممدود فقصره للضرورة، والائتساء أصله بمعنى الاقتداء، والمراد به هنا أنه مثله في كل حكم. (*)

[ 455 ]

و " أعطيت زيدا درهما ": في كونه لا يصح الاخبار به عن الاول، فلا تقول [ زيد الحق، كما لا تقول ] " زيد درهم "، وفي كونه يجوز حذفه مع الاول، وحذف الثاني وإبقاء الاول، وحذف الاول وإبقاء الثاني، وإن لم يدل على ذلك دليل، فمثال حذفهما " أعلمت، وأعطيت "، ومنه قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى) ومثال حذف الثاني وإبقاء الاول " أعلمت زيدا، وأعطيت زيدا " ومنه قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومثال حذف الاول وإبقاء الثاني نحو: " أعلمت الحق، وأعطيت درهما " ومنه قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وهذا معنى قوله: " والثاني منهما - إلى آخر البيت (1) ". * * * وكأرى السابق نبا أخبرا حدث، أنبأ، كذاك خبرا (2).


(1) عبارة الناظم وهي قوله " فهو به في كل حكم ذو ائتسا " - عامة، ولم يتعرض الشارح - رحمه الله ! - في كلامه إلى نقد هذا العموم كعادته، فهذا العموم يعطى أن رأى البصرية وعلم العرفانية إذا اتصلت بهما همزة النقل فصارا يتعديان إلى مفعولين، فشأن مفعولهما الثاني كشأن المفعول الثاني من مفعولي كسا، ومن شأن المفعول الثاني من مفعولي كسا أنه لا يعلق عنه العامل، ولكن المفعول الثاني من مفعولي رأى البصرية وعلم العرفانية يعلق عنه العامل، ومن التعليق عنه قوله تعالى: (رب أرني كيف تحيي الموتى) فأرني هنا بصرية، لان إبراهيم عليه السلام كان يطلب مشاهدة كيفية إحياء الله تعالى الموتى. ومفعولها الاول ياء المتكلم، ومفعولها الثاني جملة (كيف تحيي الموتى) وقد علق العامل عنها باسم الاستفهام، ومن التعليق قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ؟). (2) " وكأرى " الواو عاطفة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " السابق " نعت لارى " نبأ " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " أخبرا، حدث، أنبأ " = (*)

[ 456 ]

تقدم أن المصنف عد الافعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل سبعة، وسبق ذكر " أعلم، وأرى " وذكر في هذا البيت الخمسة الباقية، وهي: " نبأ " كقولك: " نبأت زيدا عمرا قائما " ومنه قوله: 137 - نبئت زرعة - والسفاهة كاسمها - يهدي إلي غرائب الاشعار.


= معطوفات على نبأ بحرف عطف مقدر " كذاك " الكاف حرف جر، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والكاف بعده حرف خطاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " خبرا " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. 137 - هذا البيت للنابغة الذبياني، من كلمة له يهجو فيها زرعة بن عمرو بن خويلد، وكان قد لقيه في سوق عكاظ، فأشار زرعة على النابغة الذبياني بأن يحمل قومه على معاداة بني أسد وترك محالفتهم، فأبى النابغة ذلك، لما فيه من الغدر، فتركه زرعة ومضى، ثم بلغ النابغة أن زرعة يتوعده، فقال أبياتا يهجوه فيها، وهذا البيت الشاهد أولها. اللغة: " نبئت " أخبرت، والنبأ كالخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر، لان النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن وخطر من الاخبار " والسفاهة كاسمها " السفاهة: الطيش وخفة الاحلام، وأراد أن السفاهة في معناها قبيحة كما أن اسمها قبيح " غرائب الاشعار " الغرائب: جمع غريبة، وأراد بها ما لا يعهد مثله، ويروى مكانه " أوابد الاشعار " والاوابد: جمع آبدة، وأصلها اسم فاعل من " أبدت الوحوش " إذا نفرت ولم تأنس. الاعراب: " نبئت " نبئ: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء التي للمتكلم نائب فاعل، وهو المفعول الاول " زرعة " مفعول ثان " والسفاهة كاسمها " الواو واو الحال، وما بعده جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب حال " يهدي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زرعة، والجملة من يهدي وفاعله في محل نصب مفعول ثالث لنبئ " إلى " جار ومجرور متعلق بيهدي " غرائب " مفعول به ليهدي، وغرائب مضاف و " الاشعار " مضاف إليه. = (*)

[ 457 ]

و " أخبر " كقولك: " أخبرت زيدا أخاك منطلقا " ومنه قوله: 138 - وما عليك - إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما - أن تعوديني ؟ !..


= الشاهد فيه: قوله " نبئت زرعة. يهدي " حيث أعمل " نبأ " في مفاعيل ثلاثة، أحدها النائب عن الفاعل وهو التاء، والثاني " زرعة " والثالث جملة يهدي مع فاعله ومفعوله. 138 - هذا البيت لرجل من بني كلاب، وهو من مختار أبي تمام في ديوان الحماسة، ولكن رواية الحماسة هكذا: وما عليك إذا خبرتني دنفا رهن المنية يوما أن تعودينا أو تجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقينا وانظر شرح التبريزي على الحماسة 3 - 353 بتحقيقنا. اللغة: " دنفا " بزنة كتف هو الذي لازمه مرض العشق، وهو وصف من الدنف بفتح الدال والنون جميعا وهو المرض الملازم الذي ينهك القوى " وغاب بعلك " بعل المرأة: زوجها، وقد رأيت أن رواية الحماسة في مكان هذه العبارة " رهن المنية " والمنية: الموت، وفلان رهن كذا: أي مقيد به، يريد أنه في حال من المرض الشديد تجعله في سياق الموت، وقوله " أن تعوديني " العيادة: زيارة المريض خاصة، ولا تقال في زيارة غيره. الاعراب: " وما " اسم استفهام مبتدأ " عليك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " أخبرتني " أخبر: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الاول، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول ثان لا خبر " دنفا " مفعول ثالث، والجملة من الفعل وفاعله ومفعولاته الثلاث في محل جر بإضافة إذا إليها " وغاب بعلك " الواو واو الحال، وما بعده جملة من فعل وفاعل في محل نصب حال، وهي - عند أبي العباس المبرد - على تقدير " قد " أي: وقد غاب بعلك، ويجوز أن تكون الواو للعطف، والجملة في محل جر بالعطف على جملة " أخبرتني دنفا " المجرورة محلا بإضافة إذا إليها " أن تعوديني " في تأويل = (*)

[ 458 ]

و " حدث " كقولك " حدثت زيدا بكرا مقيما " ومنه قوله: 139 - أو منعتم ما تسألون، فمن حد ثتموه له علينا الولاء ؟.


= مصدر مجرور بفي محذوفة، والتقدير: في عيادتي، وحذف حرف الجر ههنا قياس، والجار والمجرور متعلق بخبر. الشاهد فيه: قوله " أخبرتني دنفا " حيث أعمل " أخبر " في ثلاثة مفاعيل: أحدها نائب الفاعل وهو تاء المخاطبة، والثاني ياء المتكلم، والثالث قوله " دنفا ". 139 - البيت للحارث بن حلزة اليشكري، من معلقته المشهورة التي مطلعها: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء اللغة: " منعتم ما تسألون " معناه: إن منعتم عنا ما نسألكم أن تعطوه من النصفة والاخاء والمساواة فلاي شئ كان ذلك منكم مع ما تعلمون من عزنا ومنعتنا ؟ " فمن حدثتموه له علينا الولاء " يقول: من الذي بلغكم عنه أنه قد صارت له علينا الغلبة في سالف الدهر، وأنتم تمنون أنفسكم بأن تكونوا مثله ؟ والاستفهام بمعنى النفي، يريد لم يكن لاحد سلطان في الزمن الغابر علينا، ويروى " له علينا العلاء " بالعين المهملة، من العلو، وهو الرفعة، ويروى " الغلاء " بالغين المعجمة، وهو الارتفاع أيضا. الاعراب: " منعتم " فعل وفاعل " ما " اسم موصول: مفعول به لمنع " تسألون " جملة من فعل ونائب فاعل لا محل لها صلة الموصول " فمن " اسم استفهام مبتدأ " حدثتموه " حدث: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المخاطبين نائب فاعل، وهاء الغائب مفعول ثان، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " له، علينا " يتعلقان بمحذوف خبر مقدم " الولاء " مبتدأ مؤخر، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثالث لحدث. الشاهد فيه: قوله " حدثتموه. له علينا الولاء " حيث أعمل " حدث " في ثلاثة مفاعيل: أحدها نائب الفاعل، وهو ضمير المخاطبين، والثاني هاء الغائب، والثالث جملة " له علينا الولاء " كما أوضحناه في الاعراب. (*)

[ 459 ]

و " أنبأ " كقولك: " أنبأت عبد الله زيدا مسافرا " ومنه قوله: 140 - وأنبئت قيسا ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن و " خبر " كقولك: " خبرت زيدا عمرا غائبا " ومنه قوله: 141 - وخبرت سوداء الغميم مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها .


140 - هذا البيت للاعشى ميمون بن قيس، من كلمة يمدح بها قيس بن قيس بن معديكرب، وأولها قوله: لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معن اللغة: " معن " هو اسم فاعل من عناه - بتشديد النون - إذا أورثه العناء والمشقة " ولم أبله " تقول: بلوته أبلوه، إذا اختبرته، ويروى في مكانه " ولم آته " ويذكر الرواة أن قيسا حين سمع هذا البيت قال: أو شك ؟ ثم أمر بحبسه. الاعراب: " وأنبئت " أنبئ: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المتكلم نائب فاعل وهو المفعول الاول " قيسا " مفعول ثان " ولم أبله " الواو واو الحال، وما بعده جملة من فعل مضارع مجزوم بلم، وفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، ومفعول، في محل نصب حال " كما " الكاف جارة، وما: يحتمل أن تكون موصولة مجرورة المحل بالكاف، وأن تكون مصدرية، وعلى الاول فجملة " زعموا " لا محل لها صلة، وعلى الثاني تكون " ما " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف أي كزعمهم " خير " مفعول ثالث لانبئت، وخير مضاف و " أهل " مضاف إليه، وأهل مضاف و " اليمن " مضاف إليه مجرور بالكسرة، وسكن لاجل الوقف. الشاهد فيه: قوله " وأنبئت قيسا. خير أهل اليمن " حيث أعمل أنبأ في مفاعيل ثلاثة، الاول تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، والثاني قوله " قيسا "، والثالث قوله " خير أهل اليمن ". 141 - هذا البيت للعوام بن عقبة بن كعب بن زهير، وكان قد عشق امرأة من بني عبد الله بن غطفان، وكلف بها، وكانت هي تجد به أيضا، فخرج إلى مصر في = (*)

[ 460 ]

.


ميرة، فبلغه أنها مريضة، فترك ميرته، وكر نحوها راجعا، وهو يقول أبياتا أولها بيت الشاهد، وبعده قوله: فيا ليت شعري هل تغير بعدنا ملاحة عيني أم يحيى وجيدها ؟ وهل أخلقت أثوابها بعد جدة ألا حبذا أخلاقها وجديدها ؟ ولم يبق يا سوداء شئ أحبه وإن بقيت أعلام أرض وبيدها (وانظر شرح التبريزي على الحماسة 3 / 344 بتحقيقنا)، اللغة: " الغميم " بفتح الغين المعجمة وكسر الميم - اسم موضع في بلاد الحجاز، ويقال: هو بضم الغين على زنة التصغير، ويروى " ونبئت سوداء الغميم " ويروى أيضا " ونبئت سوداء القلوب " فيجوز أن اسمها سوداء ثم أضافها إلى القلوب كما فعل ابن الدمينة في قوله: قفي يا أميم القلب نقض لبانة ونشك الهوى، ثم افعلي ما بدا لك ويجوز أن يكون أراد أنها تحل من القلوب محل السويداء، ويجوز أن يكون قد أراد أنها قاسية القلب، ولكنه جمع لانه أراد القلب وما حوله، أو أراد أن لها مع كل محب قلبا، ويروون عجز البيت " فأقبلت من مصر إليها أعودها "، الاعراب: " خبرت " خبر: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المتكلم نائب فاعل وهو المفعول الاول " سوداء " مفعول ثان، وسوداء مضاف و " الغميم " مضاف إليه " مريضة " مفعول ثالث لخبر " فأقبلت " فعل وفاعل " من أهلي " الجار والمجرور متعلق بأقبل، وأهل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " بمصر " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أو حال من أهل المضاف لياء المتكلم " أعودها " أعود: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، وهاء: مفعول به، والجملة في محل نصب حال من التاء في " أقبلت ". الشاهد فيه: قوله " وخبرت سوداء الغميم مريضة " حيث أعمل " خبر " في ثلاثة مفاعيل، أحدها تاء المتكلم الواقعة نائب فاعل، والثاني قوله " سوداء الغميم "، والثالث قوله " مريضة " كما اتضح لك في إعراب البيت. هذا، وأنت لو تأملت في جميع هذه الشواهد التي جاء بها الشارح لهذه المسألة = (*)

[ 461 ]

وإنما قال المصنف: " وكأرى السابق " لانه تقدم في هذا الباب أن " أرى " تارة تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وتارة تتعدى إلى اثنين، وكان قد ذكر أولا [ أرى ] المتعدية إلى ثلاثة، فنبه على أن هذه الافعال الخمسة مثل " أرى " السابقة، وهي المتعدية إلى ثلاثة، لا مثل " أرى " المتأخرة، وهي المتعدية إلى اثنين. * * *.


= لوجدت الافعال فيها كلها مبنية للمجهول، وقد تعدت إلى مفعولين بعد نائب الفاعل، وبعضها تجد المفعول الثاني والمفعول الثالث فيه مفردين، وبعضها تجد فيه المفعول الثالث جملة كبيت الحارث بن حلزة (رقم 139) وشأن ما لم يذكره الشارح من الشواهد كشأن ما ذكره منها، حتى قال شيخ الاسلام زكريا الانصاري: " ولم يسمع تعديها إلى ثلاثة صريحة " اه‍. (*)

[ 462 ]

الفاعل الفاعل الذي كمرفوعي " أتى زيد " " منيرا وجهه " " نعم الفتى " (1) لما فرغ من الكلام على نواسخ الابتداء شرع في ذكر ما يطلبه الفعل التام من المرفوع وهو الفاعل، أو نائبه وسيأتي الكلام على نائبه في الباب الذي يلي هذا الباب. فأما الفاعل فهو: الاسم، المسند إليه فعل، على طريقة فعل، أو شبهه، وحكمه الرفع (2)، والمراد بالاسم: ما يشمل الصريح، نحو: " قام زيد " والمؤول.


(1) " الفاعل " مبتدأ " الذي " اسم موصول: خبر المبتدأ " كمرفوعي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " أتى زيد " فعل وفاعل، ومرفوعي مضاف، وجملة الفعل والفاعل بمتعلقاتها في محل جر مضاف إليه " منيرا " حال، وهو اسم فاعل " وجهه " وجه: فاعل بمنير، ووجه مضاف والضمير مضاف إليه " نعم الفتى " فعل وفاعل. (2) وقد ينصب الفاعل ويرفع المفعول إذا أمن اللبس، وقد ورد عن العرب قولهم خرق الثوب المسمار، وقولهم: كسر الزجاج الحجر. وقال الاخطل: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ألم تسأل الاطلال والمتربعا ببطن حليات دوارس أربعا إلى الشرى من وادي المغمس بدلت معالمه وبلا ونكباء زعزعا وربما نصبوا الفاعل والمفعول جميعا، كما قال الراجز: قد سالم الحيات منه القدما الافعوان والشجاع الشجعما وربما رفعوهما جميعا، كما قال الشاعر: إن من صاد عقعقا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم = (*)

[ 463 ]

به، نحو: " يعجبني أن تقوم " أي: قيامك. فخرج ب‍ " المسند إليه فعل " ما أسند إليه غيره، نحو: " زيد أخوك " أو جملة، نحو: " زيد قام أبوه " أو " زيد قام " أو ما هو في قوة الجملة، نحو: " زيد قائم غلامه " أو " زيد قائم " أي: هو وخرج - بقولنا " على طريقة فعل " ما أسند إليه فعل على طريقة فعل، وهو النائب عن الفاعل، نحو: " ضرب زيد ".


= وسيشير الشارح في مطلع باب المفعول به إلى هذه المسألة. ونتعرض هناك للكلام عليها مرة أخرى، إن شاء الله تعالى. والمبيح لذلك كله اعتمادهم على انفهام المعنى، وهم لا يجعلون ذلك قياسا، ولا يطردونه في كلامهم. وقد يجر لفظ الفاعل بإضافة المصدر، نحو قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس) أو بإضافة اسم المصدر، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " من قبلة الرجل امرأته الوضوء ". وقد يجر الفاعل بالباء الزائدة. وذلك واجب في أفعل الذي على صورة فعل الامر في باب التعجب، نحو قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) ونحو قول الشاعر: أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للابواب أن يلجا وهو كثير غالب في فاعل " كفى " نحو قوله تعالى: (كفى بالله شهيدا) ومن القليل في فاعل كفى تجرده من الباء، كما في قول سحيم الرياحي: عميرة ودع إن تجهزت غازيا كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا فقد جاء بفاعل " كفى " وهو قوله " الشيب " غير مجرور بالباء. ويشذ جر الفاعل بالباء فيما عدا أفعل في التعجب وفاعل كفى، وذلك نحو قول الشاعر: ألم ياتيك والانباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد فالباء في " بما " زائدة، وما: موصول اسمي فاعل يأتي، في بعض تخريجات هذا البيت. وقد يجر الفاعل بمن الزائدة إذا كان نكرة بعد نفي أو شبهه، نحو قوله تعالى: (ما جاءنا من بشير) والفاعل حينئذ مرفوع بضمة مقدرة على الراجح، فاحفظ ذلك كله. (*)

[ 464 ]

والمراد بشبه الفعل المذكور: اسم الفاعل، نحو: " أقائم الزيدان "، والصفة المشبهة، نحو: " زيد حسن وجهه والمصدر، نحو: " عجبت من ضرب زيد عمرا " واسم الفعل، نحو: " هيهات العقيق " والظرف والجار والمجرور، نحو: " زيد عندك أبوه " أو " في الدار غلاماه " وأفعل التفضيل، نحو: " مررت بالافضل أبوه " فأبوه: مرفوع بالافضل، وإلى ما ذكر أشار المصنف بقوله: " كمرفوعي أتى - إلخ ". والمراد بالمرفوعين ما كان مرفوعا بالفعل أو بما يشبه الفعل، كما تقدم ذكره، ومثل للمرفوع بالفعل بمثالين: أحدهما ما رفع بفعل متصرف، نحو: " أتى زيد " والثاني ما رفع بفعل غير متصرف، نحو: " نعم الفتى " ومثل للمرفوع بشبه الفعل بقوله: " منيرا وجهه ". * * * وبعد فعل فاعل، فإن ظهر فهو، وإلا فضمير استتر (1).


(1) " وبعد " ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وبعد مضاف، و " فعل " مضاف إليه " فاعل " مبتدأ مؤخر " فإن " شرطية " ظهر " فعل ماض، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فاعل " فهو " الفاء لربط الجواب بالشرط، هو: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير " فإن ظهر فهو المطلوب " مثلا، والجملة في محل جزم جواب الشرط " وإلا " الواو عاطفة، وإن: شرطية، ولا: نافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: وإلا يظهر " فضمير " الفاء لربط الجواب بالشرط، ضمير: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو ضمير، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، وجملة " استتر " مع فاعله المستتر فيه في محل رفع صفة لضمير. وهذا البيت يشير إلى حكمين من أحكام الفاعل، أولهما أن الفاعل يجب أن يكون بعد الفعل، فلا يجوز عنده تقديم الفاعل، وهذا هو الذي ذكره الشارح = (*)

[ 465 ]

حكم الفاعل التأخر عن رافعه - وهو الفعل أو شبهه - نحو " قام الزيدان، وزيد قائم غلاماه، وقام زيد " ولا يجوز تقديمه على رافعه، فلا تقول: " الزيدان قام " ولا " زيد غلاماه قائم "، ولا " زيد قام " على أن يكون " زيد " فاعلا مقدما، بل على أن يكون مبتدأ، والفعل بعده رافع لضمير مستتر، والتقدير " زيد قام هو " وهذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فأجازوا التقديم في ذلك كله (2)...


= بقوله: " حكم الفاعل التأخر عن رافعه - إلخ " وثاني الحكمين أنه لا يجوز حذف الفاعل، بل إما أن يكون ملفوظا به، وإما أن يكون ضميرا مستترا، وهذا هو الذي ذكره الشارح بقوله: " وأشار بقوله فإن ظهر - إلخ، إلى أن الفعل وشبهه لابد له من مرفوع " وليس هذا الحكم مطردا، بل له استثناء سنذكره فيما بعد (اقرأ الهامشة 1 ص 466). (2) استدل الكوفيون على جواز تقديم الفاعل على رافعه، بوروده عن العرب في نحو قول الزباء: ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا في رواية من روى " مشيها " مرفوعا، قالوا: ما: اسم استفهام مبتدأ، وللجمال: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، مشى: فاعل تقدم على عامله وهو وئيدا الآتي ومشى مضاف والضمير العائد إلى الجمال مضاف إليه، ووئيدا: حال من الجمال منصوب بالفتحة الظاهرة، وتقدير الكلام: أي شئ ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها. واستدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين، أحدهما: أن الفعل وفاعله كجزأين لكلمة واحدة متقدم أحدهما على الآخر وضعا، فكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها لا يجوز تقديم الفاعل على فعله، وثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ، وذلك أنك إذا قلت " زيد قام " وكان تقديم الفاعل جائزا لم يدر السامع أأردت الابتداء بزيد والاخبار عنه بجملة قام وفاعله المستتر، أم أردت إسناد قام المذكور إلى زيد على أنه فاعل، وقام حينئذ خال من الضمير ؟ ولا = (30 - شرح ابن عقيل 1)

[ 466 ]

وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الاخيرة وهي صورة الافراد نحو " زيد قام "، فتقول على مذهب الكوفيين: " الزيدان قام، والزيدون قام " وعلى مذهب البصريين يجب أن تقول: " الزيدان قاما، والزيدون قاموا "، فتأتى بألف وواو في الفعل، ويكونان هما الفاعلين، وهذا معنى قوله: " وبعد فعل فاعل ". وأشار بقوله: " فإن ظهر - إلخ " إلى أن الفعل وشبهه لا بد له من مرفوع (1)، فإن ظهر فلا إضمار، نحو " قام زيد " وإن لم يظهر فهو ضمير، نحو " زيد قام " أي: هو. * * *.


= شك أن بين الحالتين فرقا، فإن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث القيام بعد أن لم يكن، وجملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على الثبوت وعلى تأكيد إسناد القيام لزيد، ولا يجوز إغفال هذا الفرق بادعاء أنه مما لا يتعلق به المقصود من إفادة إسناد القيام لزيد على جهة وقوعه منه، وأنه مما يتعلق به غرض أهل البلاغة الذين يبحثون عن معان للتراكيب غير المعاني الاولية التي تدل عليها الالفاظ مع قطع النظر عن التقديم والتأخير ونحوهما. وأجابوا عما استدل به الكوفيون بأن البيت يحتمل غير ما ذكروا من وجوه الاعراب، إذا يجوز أن يكون " مشى " مبتدأ، والضمير مضاف إليه، و " وئيدا " حال من فاعل فعل محذوف، والتقدير: مشيها يظهر وئيدا، وجملة الفعل المحذوف وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، ومتى كان البيت محتملا لم يصلح دليلا. (1) بعض الافعال لا يحتاج إلى فاعل، فكان على الشارح أن يستثنيه من هذا العموم، ونحن نذكر لك ثلاثة مواضع من هذه القبيل: (الاول) الفعل المؤكد في نحو قول الشاعر: * أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس * = (*)

[ 467 ]

وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع ك‍ " فاز الشهدا " (1) وقد يقال: سعدا، وسعدوا، والفعل للظاهر - بعد - مسند (2) مذهب جمهور العرب أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر - مثنى، أو مجموع - وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع، فيكون كحاله إذا أسند إلى مفرد، فتقول: " قام الزيدان، وقام الزيدون، وقامت الهندات "، كما تقول: " قام زيد " ولا تقول على مذهب هؤلاء: " قاما الزيدان "،.


(الثاني) " كان " الزائدة في نحو قول الشاعر، وقد أنشدناه مع نظائره في باب كان وأخواتها عند الكلام على مواضع زيادتها. لله در أنو شروان من رجل ما كان أعرفه بالدون والسفل بناء على الراجح عند المحققين من أن كان الزائدة لا فاعل لها. (الثالث) الفعل المكفوف بما، نحو قلما، وطالما، وكثر ما، بناء على ما ذهب إليه سيبويه. ومن العلماء من يزعم أن " ما " في نحو " طالما نهيتك " مصدرية سابكة لما بعدها بمصدر هو فاعل طال، والتقدير: طال نهيي إياك. (1) " وجرد " الواو عاطفة، جرد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الفعل " مفعول به لجرد " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ما " زائدة " أسندا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والجملة من أسند ونائب فاعله في محل جر بإضافة " إذا " إليها " لاثنين " جار ومجرور متعلق بأسند " أو جمع " معطوف على اثنين " كفاز الشهدا " الكاف جارة لقول محذوف، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب بذلك المجرور المحذوف، وأصل الكلام: وذلك كائن كقولك فاز الشهداء. (2) " وقد " حرف تقليل " يقال " فعل مضارع مبني للمجهول " سعدا وسعدوا " قصد لفظهما: نائب عن الفاعل ومعطوف عليه " والفعل " الواو للحال، والفعل: مبتدأ " للظاهر، بعد " متعلقان بمسند الآتي " مسند " خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال. (*)

[ 468 ]

ولا " قاموا الزيدون "، ولا " قمن الهندات " فتأتي بعلامة في الفعل الرافع للظاهر، على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعا به، وما اتصل بالفعل - من الالف، والواو، والنون - حروف تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأ مؤخرا، والفعل المتقدم وما اتصل به اسما في موضع رفع به، والجملة في موضع رفع خبرا عن الاسم المتأخر. ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعا به كما تقدم، وما بعده بدل مما اتصل بالفعل من الاسماء المضمرة - أعني الالف، والواو، والنون - ومذهب طائفة من العرب - وهم بنو الحارث بن كعب، كما نقل الصفار في شرح الكتاب أن الفعل إذا أسند إلى ظاهر - مثنى، أو مجموع - أتي فيه بعلامة تدل على التثنية أو الجمع (1)، فتقول: " قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وقمن الهندات " فتكون الالف والواو والنون حروفا تدل على التثنية والجمع، كما كانت التاء في " قامت هند " حرفا تدل على التأنيث عند جميع العرب (2)، والاسم الذي بعد الفعل المذكور مرفوع به، كما ارتفعت " هند " ب‍ " قامت "، ومن ذلك قوله:.


(1) وليس الاتيان بعلامة التثنية إذا كان الفاعل مثنى أو بعلامة الجمع إذا كان الفاعل مجموعا واجبا عند هؤلاء، بل إنهم ربما جاءوا بالعلامة، وربما تركوها. (2) الفرق بين علامة التأنيث وعلامة التثنية والجمع من ثلاثة أوجه: الاول: أن إلحاق علامة التثنية والجمع لغة لجماعة من العرب بأعيانهم - يقال: هم طيئ، ويقال: هم أزدشنوءة - وأما إلحاق تاء التأنيث فلغة جميع العرب. الثاني: أن إلحاق علامة التثنية والجمع عند من يلحقها جائز في جميع الاحوال، ولا يكون واجبا أصلا، فأما إلحاق علامة التأنيث فيكون واجبا إذا كان الفاعل = (*)

[ 469 ]

142 تولى قتال المارقين بنفسه وقد أسلماه مبعد وحميم.


= ضميرا متصلا لمؤنث مطلقا، وإذا كان الفاعل اسما ظاهرا حقيقي التأنيث، على ما سيأتي بيانه وتفصيله في هذا الباب. الثالث: أن احتياج الفعل إلى علامة التأنيث أقوى من احتياجه إلى علامة التثنية والجمع، لان الفاعل قد يكون مؤنثا بدون علامة ويكون الاسم مع هذا مشتركا بين المذكر والمؤنث كزيد وهند، فقد سمى بكل من زيد وهند مذكر وسمى بكل منهما مؤنث، فإذا ذكر الفعل بدون علامة التأنيث لم يعلم أمؤنث فاعله أم مذكر، فأما المثنى والجمع فإنه لا يمكن فيهما احتمال المفرد. 142 - البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، يرثي مصعب بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، وكان عبيد الله بن قيس هذا من شيعة الزبيريين، وكان مصعب قد خرج على الخلافة الاموية مع أخيه عبد الله بن الزبير، وعبيد الله بن قيس الرقيات هو الذي يقول: كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء ؟ تذهل الشيخ عن بنيه، وتبدي عن براها العقيلة العذراء ولما قتل مصعب بن الزبير قال كلمة يرثيه بها، منها بيت الشاهد، وأول رثائها قوله: لقد أورث المصرين حزنا وذلة قتيل بدير الجاثليق مقيم اللغة: " المارقين " الخارجين عن الدين كما يخرج السهم من الرمية " مبعد " أراد به الاجنبي " وحميم " الصديق الذي يهتم لامر صديقه " أسلماه " خذلاه، ولم يعيناه. الاعراب: " تولى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على مصعب " قتال " مفعول به لتولى، وقتال مضاف، و " المارقين " مضاف إليه " بنفسه " جار ومجرور متعلق بتولى، أو الباء زائدة، ونفس: تأكيد للضمير المستتر في تولى، ونفس مضاف وضمير الغائب العائد إلى مصعب مضاف إليه " وقد " الواو للحال، قد: حرف تحقيق " أسلماه " أسلم: فعل ماض، والالف حرف دال على التثنية، والهاء ضمير الغائب العائد إلى مصعب مفعول به لاسلم " مبعد " فاعل أسلم " وحميم " الواو حرف عطف، حميم: معطوف على مبعد. =

[ 470 ]

وقوله: 143 - يلومونني في اشتراء النخيل أهلي، فكلهم يعذل.


= الشاهد فيه: قوله " وقد أسلماه مبعد وحميم " حيث وصل بالفعل ألف التثنية مع أن الفاعل اسم ظاهر. وكان القياس على الفصحى أن يقول " وقد أسلمه مبعد وحميم ". وسيأتي لهذا الشاهد نظائر في شرح الشاهدين الآتيين رقم 143 و 144. 143 - هذا البيت من الشواهد التي لم يعينوا قائلها، وبعده قوله: وأهل الذي باع يلحونه كما لحي البائع الاول اللغة: " يلومونني " تقول: لام فلان فلانا على كذا يلومه لوما - بوزان قال يقول قولا - ولومة، وملامة، وإذا أردت المبالغة قلت: لومه - بتشديد الواو " يعذل " العذل - بفتح فسكون - هو اللوم، وفعله من باب ضرب " يلحونه " تقول: لحا فلان فلانا يلحوه - مثل دعاه يدعوه - ولحاه يلحاه - مثل نهاه ينهاه - إذا لامه وعذله. الاعراب: " يلومونني " فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو حرف دال على الجماعة، والنون للوقاية، والياء مفعول به ليلوم " في اشتراء " جار ومجرور متعلق بيلوم، واشتراء مضاف، و " النخيل " مضاف إليه " أهلي " أهل: فاعل يلوم، وأهل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " فكلهم " كل: مبتدأ، وكل مضاف، وهم: مضاف إليه " يعذل " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كل الواقع مبتدأ، والجملة من يعذل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " يلومونني. أهلي " حيث وصل واو الجماعة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعد الفعل، وهذه لغة طيئ، وقيل: لغة أزدشنوءة. وبذكر النحاة مع هذا الشاهد والذي قبله قول الشاعر (وهو أبو فراس الحمداني): نتج الربيع محاسنا ألقحنها غر السحائب ومثله قول " تميم " وهو من شعراء اليتيمة: إلى أن رأيت النجم وهو مغرب وأقبلن رايات الصباح من الشرق فقد وصل كل منهما نون النسوة بالفعل، مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده، = (*)

[ 471 ]

وقوله: 144 - رأين الغواني الشيب لاح بعارضي فأعرضن عني بالخدود النواضر.


= وهو قوله " غر السحائب " في الاول، و " رايات الصباح " في الثاني، وكذلك قول عمرو بن ملقط: ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه فقد وصل ألف الاثنين بالفعل في قوله " ألفيتا " مع كونه مسندا إلى المثنى الذي هو قوله " عيناك " وكذلك قول عروة بن الورد: وأحقرهم وأهونهم عليه وإن كانا له نسب وخير فقد ألحق ألف الاثنين بالفعل في قوله " كانا " مع كونه مسندا إلى اثنين قد عطف أحدهما على الآخر، وذلك قوله " نسب وخير " ومثله قول الاخر: نسيا حاتم وأوس لدن فاضت عطاياك يا ابن عبد العزيز ومحل الاستشهاد في قوله " نسيا حاتم وأوس " وهذا مع ما أنشدناه من بيت عمرو بن ملقط يدل على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل، وسيأتي لهذه المسألة شواهد أخرى في شرح الشاهد 144 الآتي. 144 - البيت لابي عبد الرحمن محمد بن عبد الله العتبي، من ولد عتبة بن أبي سفيان. اللغة: " الغواني " جمع غانية، وهي هنا التي استغنت بجمالها عن الزينة " لاح " ظهر " النواضر " الجميلة، مأخوذ من النضرة، وهي الحسن والرواء، والنواضر: جمع ناضر. الاعراب: " رأين " رأى: فعل ماض، وهي هنا بصرية، والنون حرف دال على جماعة الاناث " الغواني " فاعل رأى " الشيب " مفعول به لرأى " لاح " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الشيب " بعارضي " الباء حرف جر، وعارض: مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بلاح، وعارض مضاف، = (*)

[ 472 ]

ف‍ " مبعد وحميم " مرفوعان بقوله " أسلماه " والالف في " أسلماه " حرف يدل على كون الفاعل اثنين، وكذلك " أهلي " مرفوع بقوله " يلومونني " والواو حرف يدل على الجمع، و " الغواني " مرفوع ب‍ " رأين " والنون حرف يدل على جمع المؤنث، وإلى هذه اللغة أشار المصنف بقوله: " وقد يقال سعدا وسعدوا إلى آخر البيت ". ومعناه أنه قد يؤتى في الفعل المسند إلى الظاهر بعلامة تدل على التثنية، أو الجمع، فأشعر قوله " وقد يقال " بأن ذلك قليل، والامر كذلك. وإنما قال: " والفعل للظاهر بعد مسند " لينبه على أن مثل هذا التركيب.


= وياء المتكلم مضاف إليه " فأعرضن " فعل وفاعل " عني، بالخدود " جاران ومجروران متعلقان بأعرض " النواضر " صفة للخدود. الشاهد فيه: قوله " رأين الغواني " فإن الشاعر قد وصل الفعل بنون النسوة في قوله " رأين " مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو قوله " الغواني " كما أوضحناه في الاعراب، ومثله قول الآخر: فأدركنه خالاته فخذلنه ألا إن عرق السوء لا بد مدرك ومن شواهد المسألة الشاهد رقم 99 الذي سبق في باب إن وأخواتها وقول الشاعر: نصروك قومي، فاعتززت بنصرهم ولو انهم خذلوك كنت ذليلا فقد ألحق علامة جمع الذكور - وهي الواو - بالفعل في قوله " نصروك " مع أن هذا الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله " قومي ". وقد ورد في الحديث كثير على هذه اللغة، فمن ذلك ما جاء في حديث وائل بن حجر " ووقعتا ركبتاه قبل أن تقعا كفاه " وقوله " يخرجن العواتق وذوات الخدود " وقوله " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " وسنتكلم على هذا الحديث الاخير بعد هذا كلاما خاصا (انظر الهامشة 1 في ص 473)، لان ابن مالك يسمي هذه اللغة " لغة يتعاقبون فيكم الملائكة ". (*)

[ 473 ]

إنما يكون قليلا إذا جعلت الفعل مسندا إلى الظاهر الذي بعده، وأما إذا جعلته مسندا إلى المتصل به - من الالف، والواو، والنون - وجعلت الظاهر مبتدأ، أو بدلا من الضمير، فلا يكون ذلك قليلا، وهذه اللغة القليلة هي التي يعبر عنها النحويون بلغة " أكلوني البراغيث "، ويعبر عنها المصنف في كتبه بلغة " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " (1)، ف‍ " البراغيث " فاعل " أكلوني " و " ملائكة " فاعل " يتعاقبون " هكذا زعم المصنف. * * * ويرفع الفاعل فعل أضمرا كمثل " زيد " في جواب " من قرا " ؟ (2).


(1) قد استشهد ابن مالك على هذه اللغة بهذا الحديث، وذلك على اعتبار أن الواو في " يتعاقبون " علامة جمع الذكور، و " ملائكة " وهو الفاعل مذكور بعد الفعل المتصل بالواو. وقد تكلم على هذا الاستدلال قوم، من المؤلفين، وقالوا: إن هذه الجملة قطعة من حديث مطول، وقد روى هذه القطعة مالك رضي الله عنه في الموطأ، وأصله " إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار " فإذا نظرت إلى الحديث المطول كانت الواو في " يتعاقبون " ليست علامة على جمع الذكور، ولكنها ضمير جماعة الذكور، وهي فاعل، وجملة الفعل وفاعله صفة لملائكة الواقع اسم إن، و " ملائكة " المرفوع بعده ليس فاعلا، ولكنه من جملة مستأنفة القصد منها تفصيل ما أجمل أولا، فهو خبر مبتدأ محذوف، ولورود هذا الكلام على هذا الاستدلال تجد الشارح يقول في آخر تقريره: " هكذا زعم المصنف " يريد أن يبرأ من تبعته، ولقائل أن يقول: إن الاستدلال بالقطعة التي رواها مالك بن أنس في الموطأ، بدون التفات إلى الحديث المطول المروى في رواية أخرى. (2) " ويرفع " فعل مضارع " الفاعل " مفعول به ليرفع " فعل " فاعل يرفع " أضمرا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، والجملة من أضمر ونائب فاعله في محل رفع صفة لفعل " كمثل " الكاف = (*)

[ 474 ]

إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه، وإبقاء فاعله، كما إذا قيل لك: " من قرأ " ؟ فتقول: " زيد " التقدير: " قرأ زيد " وقد يحذف الفعل وجوبا، كقوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) ف‍ " أحد " فاعل بفعل محذوف وجوبا، والتقدير " وإن استجارك [ أحد استجارك ] "، وكذلك كل اسم مرفوع وقع بعد " إن " أو " إذا " فإنه مرفوع بفعل محذوف وجوبا، ومثال ذلك في " إذا " قوله تعالى: (إذا السماء انشقت) ف‍ " السماء " فاعل بفعل محذوف، والتقدير " إذا انشقت السماء انشقت " وهذا مذهب جمهور النحويين (1)، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب الاشتغال، إن شاء الله تعالى. * * *.


= زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف " زيد " فاعل بفعل محذوف، والتقدير: قرأ زيد " في جواب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من زيد " من " اسم استفهام مبتدأ " قرا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الاستفهامية الواقعة مبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (1) خلاصة القول في هذه المسألة أن فيها ثلاثة مذاهب: أولها: مذهب جمهور البصريين، وحاصله أن الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين فاعل بفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور بعده، وهو الذي قرره الشارح. والمذهب الثاني: مذهب جمهور النحاة الكوفيين، وحاصله أن هذا الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين فاعل بنفس الفعل المذكور بعده، وليس في الكلام محذوف يفسره. المذهب الثالث: مذهب أبي الحسن الاخفش، وحاصله أن الاسم المرفوع بعد إن وإذا الشرطيتين مبتدأ، وأن الفعل المذكور بعده مسند إلى ضمير عائد على ذلك الاسم، والجملة من ذلك الفعل وفاعله المضمر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، فلا حذف ولا تقديم ولا تأخير. = (*)

[ 475 ]

وتاء تأنيث تلي الماضي، إذا كان لانثى، ك‍ " أبت هند الاذى " (1).


= فأما سبب هذا الاختلاف فيرجع إلى أمرين: الامر الاول: هل يجوز أن تقع الجملة الاسمية بعد أدوات الشرط، فالجمهور من الكوفيين والبصريين على أنه لا يجوز ذلك، ولو وقع في الكلام ما ظاهره ذلك فهو مؤول بتقدير الفعل متصلا بالاداة، غير أن البصريين قالوا: الفعل المقدر اتصاله بالاداة، فعل محذوف يرشد إليه الفعل المذكور، وأما الكوفيون فقالوا: الفعل المقدر اتصاله بالاداة هو نفس الفعل المذكور بعد الاسم. وذهب أبو الحسن الاخفش إلى أنه يجوز في إن وإذا خاصة من دون سائر أدوات الشرط - أن تقع بعدهما الجمل الاسمية، وعلى هذا لسنا في حاجة إلى تقدير محذوف، ولا إلى جعل الكلام على التقديم والتأخير. والامر الثاني: هل يجوز أن يتقدم الفاعل على فعله ؟ فذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، ولهذا جعلوا الاسم المرفوع بعد الاداتين فاعلا بذلك الفعل المتأخر، وذهب جمهور البصريين إلى أن الفاعل لا يجوز أن يتقدم على رافعه - فعلا كان هذا الرافع أو غير - فعل فلهذا اضطروا إلى تقدير فعل محذوف يفسره الفعل المذكور ليرتفع به ذلك الاسم. وقد نسب جماعة من متأخري المؤلفين - كالعلامة الصبان - مذهب الاخفش إلى الكوفيين. والصواب ما قدمنا ذكره. وبعد، فانظر ما يأتي لنا تحقيقه في شرح الشاهد 157 (1) " وتاء " مبتدأ، وتاء مضاف، و " تأنيث " مضاف إليه " تلي " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى تاء تأنيث، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " الماضي " مفعول به لتلي " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " كان " فعل ماض، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الماضي، وخبره محذوف " لانثى " جار ومجرور متعلق بخبر " كان " المحذوف، أي إذا كان مسندا لانثى " كأبت هند الاذى " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كاتن كقولك، وما بعد الكاف فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل نصب بذلك المقول المحذوف. (*)

[ 476 ]

إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث لحقته تاء ساكنة تدل على كون الفاعل مؤنثا، ولا فرق في ذلك بين الحقيقي والمجازي، نحو " قامت هند، وطلعت الشمس "، لكن لها حالتان: حالة لزوم، وحالة جواز، وسيأتي الكلام على ذلك. * * * وإنما تلزم فعل مضمر متصل، أو مفهم ذات حر (1) تلزم تاء التأنيث الساكنة الفعل الماضي في موضعين: أحدهما: أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل، ولا فرق في ذلك بين المؤنث الحقيقي والمجازي، فتقول: " هنا قامت، والشمس طلعت "، ولا تقول: " قام " ولا " طلع " فإن كان الضمير منفصلا لم يؤت بالتاء، نحو " هند ما قام إلا هي ". الثاني: أن يكون الفاعل ظاهرا حقيقي التأنيث، نحو " قامت هند " وهو المراد بقوله " أو مفهم ذات حر " وأصل حر حرح، فحذفت لام الكلمة. وفهم من كلامه أن التاء لا تلزم في غير هذين الموضعين، فلا تلزم في المؤنث.


(1) " وإنما " حرف دال على الحصر " تلزم " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على تاء التأنيث " فعل " مفعول به لتلزم، وفعل مضاف، و " مضمر " مضاف إليه " متصل " نعت لمضمر " أو مفهم " معطوف على مضمر، وفاعل مفهم ضمير مستتر فيه، لانه اسم فاعل " ذات " مفعول به لمفهم، وذات مضاف، و " حر " مضاف إليه. (*)

[ 477 ]

المجازي الظاهر، فتقول: " طلع الشمس، وطلعت الشمس " ولا في الجمع، على ما سيأتي تفصيله. * * * وقد يبيح الفصل ترك التاء، في نحو " أتى القاضي بنت الواقف " (1) إذا فصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي بغير " إلا " جاز إثبات التاء وحذفها، والاجود الاثبات، فتقول: " أتى القاضي بنت الواقف " والاجود " أتت " وتقول: " قام اليوم هند " والاجود " قامت ". * * * والحذف مع فصل بإلا فضلا، ك‍ " ما زكا إلا فتاة ابن العلا " (2) وإذا فصل بين الفعل والفاعل المؤنث ب‍ " إلا " لم يجز إثبات التاء عند الجمهور، فتقول: " ما قام إلا هند، وما طلع إلا الشمس " ولا يجوز.


(1) " وقد " حرف تقليل " يبيح " فعل مضارع " الفصل " فاعل يبيح " ترك " مفعول به ليبيح، وترك مضاف، و " التاء " مضاف إليه " في نحو " جار ومجرور متعلق بيبيح " أتى " فعل ماض " القاضي " مفعول به مقدم على الفاعل " بنت " فاعل أتى مؤخر عن المفعول، وبنت مضاف، " الواقف " مضاف إليه، وجملة الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة نحو إليها. (2) " والحذف " مبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في " فضلا " الآتي، ومع مضاف، و " فصل " مضاف إليه " بإلا " جار ومجرور متعلق بفصل " فضلا " فضل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحذف، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " كما " الكاف جارة لقول محذوف، وما: نافية " زكا " فعل ماض " إلا " أداة استثناء ملغاة " فتاة " فاعل زكا، وفتاة مضاف و " ابن " مضاف إليه، وابن مضاف، و " العلا " مضاف إليه. (*)

[ 478 ]

" ما قامت إلا هند "، ولا " ما طلعت إلا الشمس "، وقد جاء في الشعر كقوله: 145 - * وما بقيت إلا الضلوع الجراشع *.


145 هذا عجز بيت لذي الرمة - غيلان بن عقبة - وصدره: * طوى النحز والاجراز ما في غروضها * وهذا البيت من قصيدة له طويلة، أولها قوله: أمنزلتي مي، سلام عليكما ! هل الا زمن اللائي مضين رواجع ؟ وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الاثافي والديار البلاقع ؟ اللغة: " النحز " - بفتح فسكون - الدفع، والنخس، والسوق الشديد " والاجراز " جمع: جرز - بزنة سبب أو عنق - وهي الارض اليابسة لانبات فيها " غروضها " جمع غرض - بفتح أوله - وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج، والبطان للقتب، وأراد هنا ما تحته، وهو بطن الناقة وما حوله، بعلاقة المجاورة " الجراشع " جمع جرشع - بزنة قنفذ - وهو المنتفخ. المعنى: يصف ناقته بالكلال والضمور والهزال مما أصابها من توالي السوق، والسير في الارض الصلبة، حتى دق ما تحت غرضها، ولم يبق إلا ضلوعها المنتفخة، فكأنه يقول: أصاب هذه الناقة الضمور والهزال والطوى بسبب شيئين: أولهما استحثاثي لها على السير بدفعها وتخسها، والثاني أنها تركض في أرض يابسة صلبة ليس بها نبات، وهي مما يشق السير فيه. الاعراب: " طوى " فعل ماض " النحز " فاعل " والاجراز " معطوف على الفاعل " ما " اسم موصول: مبني على السكون في محل نصب مفعول به لطوى " في غروضها " الجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، وغروض مضاف، وها: ضمير عائد إلى الناقة مضاف إليه " فما " نافية " بقيت " بقي: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إلا " أداة استثناء ملغاة " الضلوع " فاعل بقيت " الجراشع " صفة للضلوع. الشاهد فيه: قوله " فما بقيت إلا الضلوع " حيث أدخل تاء التأنيث على الفعل، = (*)

[ 479 ]

فقول المصنف: " إن الحذف مفضل على الاثبات " يشعر بأن الاثبات - أيضا - جائز، وليس كذلك (1)، لانه إن أراد به أنه مفضل عليه باعتبار أنه ثابت في النثر والنظم، وأن الاثبات إنما جاء في الشعر، فصحيح، وإن أراد أن الحذف أكثر من الاثبات فغير صحيح، لان الاثبات قليل جدا. * * * والحذف قد يأتي بلا فصل، ومع ضمير ذي المجاز في شعر وقع (2).


= لان فاعله مؤنث، مع كونه قد فصل بين الفعل والفاعل بإلا، وذلك - عند الجمهور - مما لا يجوز في غير الشعر. ومثل هذا الشاهد قول الراجز: ما برئت من ريبة وذم في حربنا إلا بنات العم (1) إن الذي ذكره الشارح تجن على الناظم، وإلزام له بمذهب معين قد لا يكون ذهب إليه في هذا الكتاب، وذلك بأن هذه المسألة خلافية بين علماء النحو، فمنهم من ذهب إلى أن لحاق تاء التأنيث وعدم إلحاقها جائزان إذا فصل بين الفعل وفاعله المؤنث بإلا، ومع جواز الامرين حذف التاء أفضل، وهذا هو الذي يصح أن يحمل عليه كلام الناظم، لانه صريح الدلالة عليه. ومن العلماء من ذهب إلى أن حذف التاء في هذه الحالة أمر واجب لا يجوز العدول عنه إلا في ضرورة الشعر، من أجل أن الفاعل على التحقيق ليس هو الاسم الواقع بعد إلا، ولكنه اسم مذكر محذوف، وهو المستثنى منه، فإذا قلت " لم يزرني إلا هند " فإن أصل الكلام: لم يزرني أحد إلا هند، وأنت لو صرحت بهذا المحذوف على هذا التقدير لم يكن لك إلا حذف التاء، لان الفاعل مذكر، وهذا هو الذي يريد الشارح أن يلزم به الناظم، لانه مذهب الجمهور، وهو إلزام ما لا يلزم، على أن لنا في هذا التعليل وفي ترتيب الحكم عليه كلاما لا تتسع له هذه العجالة. (2) " والحذف " مبتدأ، وجملة " قد يأتي " وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " بلا فصل " جار ومجرور متعلق بيأتي " ومع " الواو عاطفة أو للاستئناف، مع ظرف متعلق بوقع الآتي، ومع مضاف، و " ضمير " مضاف إليه، وضمير مضاف و " ذي " بمعنى صاحب: مضاف إليه، وذي مضاف و " المجاز " مضاف إليه " في شعر " جار ومجرور متعلق بوقع الآتي " وقع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود = (*)

[ 480 ]

قد تحذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقي من غير فصل، وهو قليل جدا، حكى سيبويه: " قال فلانة "، وقد تحذف التاء من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازي، وهو مخصوص بالشعر، كقوله: 146 - فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها * * * .


= إلى الحذف، وتقدير البيت: وحذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى مؤنث قد يجئ في كلام العرب من غير فصل بين الفعل وفاعله، وقد وقع ذلك الحذف في الشعر مع كون الفاعل ضميرا عائدا إلى مؤنث مجازي التأنيث. 146 - البيت لعامر بن جوين الطائي، كما نسب في كتاب سيبويه (1 - 240) وفي شرح شواهده للاعلم الشنتمري. اللغة: " المزنة " السحابة المثقلة بالماء " الودق " المطر، وفي القرآن الكريم (فترى الودق يخرج من خلاله) " أبقل " أنبت البقل، وهو النبات. الاعراب: " فلا " نافية تعمل عمل ليس " مزنة " اسمها، وجملة " ودقت " وفاعله المستتر العائد إلى مزنة في محل نصب خبر لا " ودقها " ودق: منصوب على المفعولية المطلقة، وودق مضاف وها: مضاف إليه " ولا " الواو عاطفة لجملة على جملة، ولا: نافية للجنس تعمل عمل إن " أرض " اسم لا، وجملة " أبقل " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبرها " إبقالها " إبقال: مفعول مطلق، وإبقال مضاف وضمير الغائبة في محل جر مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " ولا أرض أثقل " حيث حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، وهذا الفعل هو " أبقل " وهو مسند إلى ضمير مستتر يعود إلى الارض، وهي مؤنثة مجازية التأنيث، ويروى: * ولا أرض أبقلت ابقالها * بنقل حركة الهمزة من " إبقالها " إلى التاء في " أبقلت " وحينئذ لا شاهد فيه. ومثل هذا البيت قول الاعشى ميمون بن قيس: فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها = (*)

[ 481 ]

والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء مع إحدى اللبن (1) والحذف في " نعم الفتاة " استحسنوا لان قصد الجنس فيه بين (2).


= ومحل الاستشهاد منه قوله " أودى بها " حيث لم يلحق تاء التأنيث بالفعل الذي هو قوله " أودى " مع كونه مسندا إلى ضمير مستتر عائد إلى اسم مؤنث وهو الحوادث الذي هو جمع حادثة، وقد عرفت أن الفعل إذا أسند إلى ضمير راجع إلى مؤنث وجب تأنيثه، سواء أكان مرجعه حقيقي التأنيث، أم كان مرجع الضمير مجازي التأنيث، وترك التاء حينئذ مما لا يجوز ارتكابه إلا في ضرورة الشعر، فلما اضطر الشاعر في بيت الشاهد وفيما أنشدناه من قول الاعشى على الرواية المشهورة حذف علامة التأنيث من الفعل. (1) " والتاء " مبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال منه، أو من الضمير المستتر في خبره، ومع مضاف، و " جمع " مضاف إليه " سوى " نعت لجمع، وسوى مضاف و " السالم " مضاف إليه " من مذكر " جار ومجرور متعلق بالسالم " كالتاء " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " مع " ظرف متعلق بمحذوف حال من التاء المجرور بالكاف، ومع مضاف و " إحدى " مضاف إليه، وإحدى مضاف و " اللبن " مضاف إليه. (2) " والحذف " بالنصب: مفعول مقدم لاستحسنوا " في نعم الفتاة " جار ومجرور بقصد اللفظ متعلق بالحذف أو باستحسنوا " استحسنوا " فعل وفاعل " لان " اللام حرف جر، أن: حرف توكيد ونصب " قصد " اسم أن، وقصد مضاف و " الجنس " مضاف إليه " فيه " جار ومجرور متعلق بقوله بين الآتي " بين " خبر " أن " وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بقوله استحسنوا، وتقدير الكلام: استحسنوا الحذف في " نعم الفتاة " لظهور قصد الجنس فيه، ويجوز أن يكون الحذف بالرفع مبتدأ، وجملة " استحسنوا " خبره، والرابط محذوف، والتقدير: الحذف استحسنوه إلخ، وهذا الوجه ضعيف، لاحتياجه إلى التقدير، وسيبويه يأبى مثله. (*)

[ 482 ]

إذا أسند الفعل إلى جمع: فإما أن يكون جمع سلامة لمذكر، أولا، فإن كان جمع سلامة لمذكر لم يجز اقتران الفعل بالتاء، فتقول: " قام الزيدون "، ولا يجوز " قامت الزيدون " (1)، وإن لم يكن جمع سلامة لمذكر - بأن كان.


(2) الاشياء التي تدل على معنى الجمع ستة أشياء، الاول: اسم الجمع نحو قوم ورهط ونسوة، والثاني: اسم الجنس الجمعي نحو روم وزنج وكلم، والثالث: جمع التكسير لمذكر نحو رجال وزيود، والرابع: جمع التكسير لمؤنث نحو هنود وضوارب، والخامس: جمع المذكر السالم نحو الزيدين والمؤمنين والبنين، والسادس: جمع المؤنث السالم نحو الهندات والمؤمنات والبنات، وللعلماء في الفعل المسند إلى هذه الاشياء ثلاثة مذاهب: المذهب الاول: مذهب جمهور الكوفيين، وهو أنه يجوز في كل فعل أسند إلى شئ من هذه الاشياء الستة أن يؤتى به مؤنثا وأن يؤتى به مذكرا، والسر في هذا أن كل واحد من الاشياء الستة يجوز أن يؤول بالجمع فيكون مذكر المعنى، فيؤتى بفعله خاليا من علامة التأنيث، وأن يؤول بالجماعة فيكون مؤنث المعنى، فيؤتى بفعله مقترنا بعلامة التأنيث، فنقول على هذا: جاء القوم، وجاءت القوم، وفي الكتاب العزيز (وقال نسوة في المدينة) وتقول: زحف الروم، وزحفت الروم، وفي الكتاب الكريم: (غلبت الروم) وتقول: جاء الرجال، وجاءت الرجال، وتقول: جاء الهنود، وجاءت الهنود، وتقول جاء الزينبات، وجاءت الزينبات، وفي التنزيل: (إذا جاءك المؤمنات) وقال عبدة بن الطييب من قصيدة له: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي، ثم تصدعوا وتقول: جاء الزيدون، وجاءت الزيدون، وفي التنزيل: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) وقال قريط بن أنيف أحد شعراء الحماسة: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا والمذهب الثاني: مذهب أبي علي الفارسي، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في جميع هذه الانواع، إلا نوعا واحدا، وهو جمع المذكر السالم، فإنه لا يجوز في الفعل الذي يسند إليه إلا التذكير، وأنت لو تأملت في كلام الناظم لوجدته بحسب ظاهره مطابقا لهذا المذهب، لانه لم يستثن إلا السالم من جمع المذكر. = (*)

[ 483 ]

جمع تكسير لمذكر كالرجال، أو لمؤنث كالهنود، أو جمع سلامة لمؤنث كالهندات - جاز إثبات التاء وحذفها، فتقول: " قام الرجال، وقامت الرجال، وقام الهنود، وقامت الهنود، وقام الهندات، وقامت الهندات "، فإثبات التاء لتأوله بالجماعة، وحذفها لتأوله بالجمع. وأشار بقوله: " كالتاء مع إحدى اللبن " إلى أن التاء مع جمع التكسير، وجمع السلامة لمؤنث، كالتاء مع [ الظاهر ] المجازي التأنيث كلبنة، فكما تقول: " كسرت اللبنة، وكسر اللبنة " تقول: " قام الرجال، وقامت الرجال " وكذلك باقي ما تقدم. وأشار بقوله: " والحذف في نعم الفتاة - إلى آخر البيت " إلى أنه يجوز في " نعم " وأخواتها - إذا كان فاعلها مؤنثا - إثبات التاء وحذفها، وإن كان مفردا مؤنثا حقيقيا، فتقول: " نعم المرأة هند، ونعمت المرأة هند " وإنما جاز ذلك لان فاعلها مقصود به استغراق الجنس، فعومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها، لشبهه به في أن المقصود به متعدد، .


= والمذهب الثالث: مذهب جمهور البصريين، وخلاصته أنه يجوز الوجهان في أربعة أنواع، وهي: اسم الجمع، واسم الجنس الجمعي، وجمع التكسير لمذكر، وجمع التكسير لمؤنث، وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز في فعله إلا التذكير، وأما جمع المؤنث السالم فلا يجوز في فعله إلا التأنيث، وقد حاول جماعة من الشراح كالاشموني أن يحملوا كلام الناظم عليه، فزعموا أن الكلام على نية حذف الواو والمعطوف بها، وأن أصل الكلام " سوى السالم من جمع مذكر ومن جمع مؤنث " ولكن شارحنا رحمه الله لم يتكلف هذا التكلف، لانه رأى أن لظاهر الكلام محملا حسنا، وهو أن يوافق مذهب أبي علي الفارسي، فاحفظ هذا التحقيق واحرص عليه، فإنه نفيس دقيق قلما تعثر عليه مشروحا مستدلا له في يسر وسهولة. (*)

[ 484 ]

ومعنى قوله " استحسنوا " أن الحذف في هذا ونحوه حسن، ولكن الاثبات أحسن منه. * * * والاصل في الفاعل أن يتصلا والاصل في المفعول أن ينفصلا (1) وقد يجاء بخلاف الاصل، وقد يجي المفعول قبل الفعل (2) الاصل أن يلي الفاعل الفعل من غير أن يفصل بينه وبين الفعل فاصل، لانه كالجزء منه، ولذلك يسكن له آخر الفعل: إن كان ضمير متكلم، أو مخاطب، نحو " ضربت، وضربت "، وإنما سكنوه كراهة توالي أربع متحركات، وهم إنما يكرهون ذلك في الكلمة الواحدة، فدل ذلك على أن الفاعل مع فعله كالكلمة الواحدة. والاصل في المفعول أن ينفصل من الفعل: بأن يتأخر عن الفاعل، ويجوز تقديمه على الفاعل إن خلا مما سيذكره، فتقول " ضرب زيدا عمرو "، وهذا معنى قوله: " وقد يجاء بخلاف الاصل "..


(1) " والاصل " مبتدأ " في الفاعل " جار ومجرور متعلق بالاصل " أن " مصدرية " يتصلا " فعل مضارع منصوب بأن، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الفاعل، و " أن " ومنصوبها في تأويل مصدر مرفوع خبر المبتدأ " والاصل في المفعول أن ينفصلا " مثل الشطر السابق تماما، وتقدير الكلام: والاصل في الفاعل اتصاله بالفعل، والاصل في المفعول انفصاله من الفعل بالفاعل. (2) " وقد " حرف تقليل " يجاء " فعل مضارع مبني للمجهول " بخلاف " جار ومجرور في موضع نائب فاعل ليجاء، وخلاف مضاف، و " الاصل " مضاف إليه " وقد " حرف تقليل " يجي " فعل مضارع " المفعول " فاعل يجي " قبل " ظرف متعلق بمحذوف حال من المفعول، وقبل مضاف، و " الفعل " مضاف إليه. (*)

[ 485 ]

وأشار بقوله: " وقد يجي المفعول قبل الفعل " إلى أن المفعول قد يتقدم على الفعل، وتحت هذا قسمان: أحدهما: ما يجب تقديمه، وذلك (1) كما إذا كان المفعول اسم شرط، نحو " أيا تضرب [ أضرب ] " أو اسم استفهام، نحو " أي رجل ضربت ؟ " أو ضميرا منفصلا لو تأخر لزم اتصاله، نحو (إياك نعبد) فلو أخر المفعول لزم الاتصال، وكان يقال: " نعبدك " فيجب التقديم، بخلاف قولك " الدرهم إياه أعطيتك " فإنه لا يجب تقديم " إياه " لانك لو أخرته لجاز اتصاله وانفصاله، على ما تقدم في باب المضمرات، فكنت تقول: " الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه "..


(1) يجب تقديم المفعول به على الفعل العامل فيه في ثلاثة مواضع، وقد ذكر الشارح موضعين منها من غير ضبط. الموضع الاول: أن يكون المفعول واحدا من الاشياء التي يجب لها التصدر، وذلك بأن يكون اسم شرط أو اسم استفهام، أو يكون المفعول " كم " الخبرية، نحو: كم عبيد ملكت، أو مضافا إلى واحد مما ذكر، نحو غلام من تضرب أضرب، ونحو غلام من ضربت ؟ ونحو مال كم رجل غصبت. الموضع الثاني: أن يكون المفعول ضميرا منفصلا في غير باب " سلنيه " و " خلتنيه " اللذين يجوز فيهما الفصل والوصل مع التأخر، نحو قوله تعالى: (إياك نعبد، وإياك نستعين). الموضع الثالث: أن يكون العامل في المفعول واقعا في جواب " أما " وليس معنا ما يفصل بين " أما " والفعل من معمولاته سوى هذا المفعول، سواء أكانت " أما " مذكورة في الكلام نحو قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) أم كانت مقدرة نحو قوله سبحانه (وربك فكبر) فإن وجد ما يكون فاصلا بين " أما " والفعل سوى المفعول لم يجب تقديم المفعول على الفعل، نحو قولك: أما اليوم فأد واجبك، والسر في ذلك أن " ما " يجب أن يفصل بينها وبين الفاء بمفرد، فلا يجوز أن تقع الفاء بعدها مباشرة، ولا أن يفصل بينها وبين الفاء بجملة، كما سيأتي بيانه في بابها. (*)

[ 486 ]

والثاني: ما يجوز تقديمه وتأخيره، نحو " ضرب زيد عمرا "، فتقول: " عمرا ضرب زيد " (1). * * * وأخر المفعول إن لبس حذر، أو أضمر الفاعل غير منحصر (2).


(1) بقيت صورة أخرى، وهي أنه قد يجب تأخير المفعول عن الفعل، وذلك في خمسة مواضع: الاول: أن يكون المفعول مصدرا مؤولا من أن المؤكدة ومعموليها، مخففة كانت " أن " أو مشددة، نحو قولك: عرفت أنك فاضل، ونحو قوله تعالى " علم أن لن تحصوه " إلا أن تتقدم عليه " أما " نحو قولك: أما أنك فاضل فعرفت. الموضع الثاني: أن يكون الفعل العامل فيه فعل تعجب، نحو قولك: ما أحسن زيدا، وما أكرم خالدا. الموضع الثالث: أن يكون الفعل العامل فيه صلة لحرف مصدري ناصب وذلك أن وكي نحو قولك: يعجبني أن تضرب زيدا، ونحو قولك: جئت كي أضرب زيدا فإن كان الحرف المصدري غير ناصب لم يجب تأخير المفعول عن العامل فيه، نحو قولك: وددت لو تضرب زيدا، يجوز أن تقول: وددت لو زيدا تضرب، ونحو قولك يعجبني ما تضرب زيدا، فيجوز أن تقول: يعجبني ما زيدا تضرب. الموضع الرابع: أن يكون الفعل العامل فيه مجزما بجازم ما، وذلك كقولك لم تضرب زيدا، لا يجوز أن تقول: لم زيدا تضرب، فإن قدمت المفعول على الجازم - فقلت زيدا لم تضرب - جاز. الموضع الخامس: أن يكون الفعل العامل منصوبا بلن عند الجمهور أو بإذن عند غير الكسائي، نحو قولك: لن أضرب زيدا، ونحو قولك: إذن أكرم المجتهد، فلا يجوز أن تقول: لن زيدا أضرب: كما لا يجوز عند الجمهور أن تقول: إذن المجتهد أكرم، وأجاز الكسائي أن تقول: إذا المجتهد أكرم. (2) " وأخر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المفعول " = (*)

[ 487 ]

يجب تقديم الفاعل على المفعول، إذا خيف التباس أحدهما بالآخر، كما إذا خفي الاعراب فيهما، ولم توجد قرينة تبين الفاعل من المفعول، وذلك نحو " ضرب موسى عيسى " فيجب كون " موسى " فاعلا، و " عيسى " مفعولا، وهذا مذهب الجمهور، وأجاز بعضهم تقديم المفعول في هذا ونحوه، قال: لان العرب لها غرض في الالتباس كما لها غرض في التبيين (1)..


= مفعول به لاخر " إن " شرطية " لبس " نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده " حذر " فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى لبس، والجملة من حذر المذكور ونائب فاعله لا محل لها تفسيرية " أو " عاطفة " أضمر " فعل ماض مبني للمجهول " الفاعل " نائب فاعل أضمر " غير " حال من قوله الفاعل، وغير مضاف، و " منحصر " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف. (1) الذي ذكر ذلك هو ابن الحاج، وقد أخطأ الجادة، فإن العرب لا يمكن أن يكون من أغراضها الالباس، إذ من شأن الالباس أن يفهم السامع غير ما يريد المتكلم ولم توضع اللغة إلا للافهام، وما ذكره ابن الحاج لتدعيم حجته مما جاء عن العرب كله ليس من الالباس في شئ، وإنما هو من باب الاجمال، فلما التبس عليه الفرق بين الالباس والاجمال لم يفرق بين حكمهما، والفرق بينهما أن الاجمال هو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر من غير أن يسبق أحد المعنيين إلى ذهن السامع، ألا ترى أنك لو سمعت كلمة " عمير " - بزنة التصغير - لاحتمل عندك أن يكون تصغير عمر كما يحتمل أن يكون تصغير عمرو، بدون أن يكون أحدهما أسبق إلى ذهنك من الآخر، فأما الالباس فهو احتمال اللفظ لمعنيين أو أكثر مع تبادر غير المقصود منهما إلى ذهن السامع، وذلك كما في المثال الذي ذكره الشارح، ألا ترى أنك لو قلت " ضرب موسى عيسى " لاحتمل هذا الكلام أن يكون موسى مضروبا ولكنه يسبق إلى ذهنك أنه ضارب، بسبب أن الاصل أن يكون الفاعل واليا لفعله، ولا يمكن أن يكون هذا من مقاصد البلغاء، فافهم ذلك وتدبره. (*)

[ 488 ]

فإذا وجدت قرينة تبين الفاعل من المفعول جاز تقديم المفعول وتأخيره، فتقول: " أكل موسى الكمثرى، وأكل الكمثرى موسى (1) " وهذا معنى قوله: " وأخر المفعول إن لبس حذر ". ومعنى قوله: " أو أضمر الفاعل غير منحصر " أنه يجب - أيضا - تقديم الفاعل وتأخير المفعول إذا كان الفاعل ضميرا غير محصور، نحو " ضربت زيدا " فإن كان ضميرا محصورا وجب تأخيره، نحو " ما ضرب زيدا إلا أنا " (2) * * * وما بإلا أو بإنما انحصر أخر، وقد يسبق إن قصد ظهر (3).


(1) قد تكون القرينة الدالة على الفاعل معنوية، وقد تكون لفظية، فالقرينة المعنوية كما في مثال الشارح، وقولك: أرضعت الصغرى الكبرى، إذ لا يجوز أن يكون الارضاع قد حصل من الصغرى للكبرى، كما لا يجوز أن يكون موسى مأكولا والكمثرى هي الآكل، والقرينة اللفظية ثلاثة أنواع، الاول: أن يكون لاحدهما تابع ظاهر الاعراب كقولك: ضرب موسى الظريف عيسى، فإن " الظريف " تابع لموسى فلو رفع كان موسى مرفوعا، ولو نصب كان موسى منصوبا كذلك، الثاني: أن يتصل بالسابق منهما ضمير يعود على المتأخر نحو قولك: ضرب فتاه موسى، فهنا يتعين أن يكون " فتاه " مفعولا، إذ لو جعلته فاعلا لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة وهو لا يجوز، بخلاف مالو جعلته مفعولا فإن الضمير حينئذ عائد على متأخر لفظا متقدم رتبة وهو جائز الثالث: أن يكون أحدهما مؤنثا وقد اتصلت بالفعل علامة التأنيث، وذلك كقولك: ضربت موسى سلمى، فإن اقتران التاء بالفعل دال على أن الفاعل مؤنث، فتأخره حينئذ عن المفعول لا يضر. (2) ومن ذلك قول عمرو بن معد يكرب وأنشدناه في مباحث الضمير. قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا (3) " وما " اسم موصول: مفعول مقدم لاخر " بإلا " جار ومجرور متعلق = (*)

[ 489 ]

يقول: إذا انحصر الفاعل أو المفعول ب‍ " إلا " أو ب‍ " إنما " وجب تأخيره، وقد يتقدم المحصور من الفاعل أو المفعول على غير المحصور، إذا ظهر المحصور من غيره، وذلك كما إذا كان الحصر ب‍ " إلا " فأما إذا كان الحصر ب‍ " إنما " فإنه لا يجوز تقديم المحصور، إذ لا يظهر كونه محصورا إلا بتأخيره، بخلاف المحصور ب‍ " إلا " فإنه يعرف بكونه واقعا بعد " إلا "، فلا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر. فمثال الفاعل المحصور ب‍ " إنما " قولك: " إنما ضرب عمرا زيد " ومثال المفعول المحصور بإنما " إنما ضرب زيد عمرا " ومثال الفاعل المحصور ب‍ " إلا " " ما ضرب عمرا إلا زيد " ومثال المفعول المحصور بإلا " ما ضرب زيد إلا عمرا " ومثال تقدم الفاعل المحصور ب‍ " إلا " قولك: " ما ضرب إلا عمرو زيدا " ومنه قوله: 147 - فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا عشية آناء الديار وشامها.


= بانحصر الآتي " أو " عاطفة " بإنما " جار ومجرور معطوف على " بإلا " " انحصر " فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من الفعل وفاعله لامحل لها صلة ما الموصولة " أخر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وقد " حرف دال على التقليل " يسبق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما " إن " شرطية " قصد " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن ظهر قصد " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى قصد، والجملة من ظهر المذكور وفاعله لا محل لها تفسيرية. 147 - هذا البيت من الشواهد التي لم ينسبها أحد ممن احتج به من أئمة النحو، وهو من شواهد سيبويه (1 - 270) وقد عثرت بعد طويل البحث على أنه من قصيدة طويلة لذي الرمة غيلان بن عقبة، وأولها قوله: = (*)

[ 490 ]

.


= مررنا على دار لمية مرة وجاراتها، قد كاد يعفو مقامها وبعده بيت الشاهد، ثم بعده قوله: وقد زودت مي على النأي قلبه علاقات حاجات طويل سقامها فأصبحت كالهيماء: لا الماء مبرد صداها، ولا يقضي عليها هيامها اللغة: " آناء " من الناس من يرويه بهمزة ممدودة كآبار وآرام، ومنهم من يرويه بهمزة في أوله غير ممدودة وهمزة بعد النون ممدودة بوزن أعمال، وقد جعله العيني جمع نأي - بفتح النون - ومعناه البعد، وعندي أنه جمع نؤي - بزنة قفل أو صرد أو ذئب أو كلب وهو الحفيرة تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر. ويجوز أن تكون الهمزة في أوله ممدودة على أنه قدم الهمزة التي هي العين على النون فاجتمع في الجمع همزتان متجاورتان وثانيتهما ساكنة فقلبها ألفا من جنس حركة الاولى كما فعلوا بآبار وآرام جمع بئر ورئم. كما يجوز أن تكون المدة في الهمزة الثانية على الاصل. وقد جعله الشيخ خالد بكسر الهمزة الاولى على أنه مصدر بزنة الابعاد ومعناه، وهو بعيد فلا تلتفت إليه " وشامها " ضبطه غير واحد بكسر الواو بزنة جبال على أنه جمع وشم، وهو ما تجعله المرأة على ذراعها ونحوه: تغرز ذراعها بالايرة ثم تحشوه بدخان الشحم. وليس ذلك بصواب أصلا. وقد تحرف الكلام عليهم فانطلقوا يخرجونه ويتمحلون له والواو مفتوحة، وهي واو العطف، والشام: جمع شامة، وهي العلامة، وشام: معطوف إما على آناء وإما على عشية على ما سنبينه لك في الاعراب. هذا، ورواية الديوان هكذا: فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا أهلة آناء الديار وشامها المعنى: لا يعلم إلا الله تعالى مقدار ما هيجته فينا من كوامن الشوق هذه العشية التي قضيناها بجوار آثار دار المحبوبة. وعلامات هذه الدار، الاعراب: " فلم " الفاء حرف عطف، لم: حرف نفي وجزم وقلب " يدر " فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الياء " إلا " أداة استثناء ملغاة " الله " فاعل يدري " ما " اسم موصول مفعول به ليدري، وجملة " هيجت " مع فاعله الآتي لا محل لها صلة = (*)

[ 491 ]

ومثال تقديم المفعول المحصور بإلا قولك: " ما ضرب إلا عمرا زيد "، ومنه قوله: 148 - تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها.


= الموصول " لنا " جار ومجرور متعلق بهيجت " عشية " يجوز أن يكون فاعل لهيجت، وعيشة مضاف و " آناء " مضاف إليه، وآناء مضاف، و " الديار " مضاف إليه " وشامها " الواو حرف عطف، وشام: معطوف على عشية إن جعلته فاعل هيجت، وشام مضاف وضمير الغائبة العائد على الديار مضاف إليه، ولا تلتفت لغير هذا من أعاريب، ويجوز نصب عشية على الظرفية، ويكون " آناء " فاعلا لهيجت، ويكون قد حذف تنوين عشية للضرورة أو ألقى حركة الهمزة من آناء على تنوين عشية ثم حذف الهمزة، ويكون " شامها " معطوفا على آناء الديار. الشاهد فيه: قوله " فلم يدر إلا الله ما - إلخ " حيث قدم الفاعل المحصور بإلا، على المفعول، وقد ذهب الكسائي إلى تجويز ذلك استشهادا بمثل هذا البيت، والجمهور على أنه ممنوع، وعندهم أن " ما " اسم موصول مفعول به لفعل محذوف. والتقدير: فلم يدر إلا الله، درى ما هيجت لنا، وسيذكر ذلك الشارح. 148 - نسب كثير من العلماء هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح، ولم أعثر عليه في ديوانه، ولعل السر في نسبتهم البيت له ذكر " ليلى " فيه. الاعراب: " تزودت " فعل ماض وفاعل " من ليلى، بتكليم " متعلقان بتزود وتكليم مضاف، و " ساعة " مضاف إليه " فما " نافية " زاد " فعل ماض " إلا " أداة استثناء ملغاة " ضعف " مفعول به لزاد، وضعف مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " بي " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " كلامها " كلام: فاعل زاد، وكلام مضاف، وضمير الغائبة العائد إلى ليلى مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها " حيث قدم المفعول به، وهو قوله " ضعف " على الفاعل، وهو قوله " كلامها " مع كون المفعول منحصرا " بإلا " وهذا جائز عند الكسائي وأكثر البصريين، وبقية البصريين يتأولون ذلك البيت = (*)

[ 492 ]

هذا معنى كلام المصنف، واعلم أن المحصور ب‍ " إنما " لا خلاف في أنه لا يجوز تقديمه، وأما المحصور بإلا ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها - وهو مذهب أكثر البصريين، والفراء، وابن الانباري - أنه لا يخلو: إما أن يكون المحصور بها فاعلا، أو مفعولا، فإن كان فاعلا امتنع تقديمه، فلا يجوز " ما ضرب إلا زيد عمرا " فأما قوله: * فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا (1) * [ 147 ] فأول على أن " ما هيجت " مفعول بفعل محذوف، والتقدير: " درى ما هيجت لنا " فلم يتقدم الفاعل المحصور على المفعول، لان هذا ليس مفعولا للفعل المذكور، وإن كان المحصور مفعولا جاز تقديمه، نحو " ما ضرب إلا عمرا زيد " الثاني - وهو مذهب الكسائي - أنه يجوز تقديم المحصور ب‍ " إلا ": فاعلا كان، أو مفعولا. الثالث - وهو مذهب بعض البصريين، واختاره الجزولي، والشلوبين أنه لا يجوز تقديم المحصور ب‍ " إلا ": فاعلا كان، أو مفعولا. * * * وشاع نحو " خاف ربه عمر " وشذ نحو " زان نوره الشجر " (2).


= ونحوه بأن في " زاد " ضميرا مستترا يعود على تكليم ساعة، وهو فاعله، وقوله " كلامها " فاعل بفعل محذوف، والتقدير: زاده كلامها، وهو تأويل مستبعد، ولا مقتضى له. (1) قدمنا ذكر الكلام على هذا الشاهد، وهو الشاهد رقم 147. (2) " وشاع " فعل ماض " نحو " فاعل شاع " خاف " فعل ماض " ربه " رب: منصوب على التعظيم، ورب مضاف وضمير الغائب العائد إلى عمر المتأخر لفظا مضاف إليه " عمر " فاعل خاف، والجملة من خاف وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة نحو إليها " وشذ " فعل ماض " نحو " فاعل شذ " زان " فعل ماض " نوره " نور: فاعل زان، ونور مضاف، وضمير الغائب العائد إلى الشجر المتأخر لفظا ورتبة مضاف إليه " الشجر " مفعول به لزان، وجملة زان وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة = (*)

[ 493 ]

أي: شاع في لسان العرب تقديم المفعول المشتمل على ضمير يرجع إلى الفاعل المتأخر (1)، وذلك نحو " خاف ربه عمر " ف‍ " ربه " مفعول، وقد اشتمل على ضمير يرجع إلى " عمر " وهو الفاعل، وإنما جاز ذلك - وإن كان فيه عود الضمير على متأخر لفظا - لان الفاعل منوي التقديم على المفعول، لان الاصل في الفاعل أن يتصل بالفعل، فهو متقدم رتبة، وإن تأخر لفظا. فلو اشتمل المفعول على ضمير يرجع إلى ما اتصل بالفاعل، فهل يجوز تقديم المفعول على الفاعل ؟ في ذلك خلاف، وذلك نحو " ضرب غلامها جار هند " فمن أجازها وهو الصحيح وجه الجواز بأنه لما عاد الضمير على ما اتصل بما رتبته التقديم كان كعوده على ما رتبته التقديم، لان المتصل بالمتقدم متقدم. وقوله: " وشذ إلى آخره " أي شذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على المفعول المتأخر، وذلك نحو " زان نوره الشجر " فالهاء المتصلة بنور الذي هو الفاعل عائدة على " الشجر " وهو المفعول، وإنما شذ ذلك لان فيه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، لان " الشجر " مفعول، وهو متأخر لفظا، والاصل فيه أن ينفصل عن الفعل، فهو متأخر رتبة، وهذه المسألة ممنوعة عند جمهور النحويين وما ورد من ذلك تأولوه، وأجازها أبو عبد الله الطوال من الكوفيين، وأبو الفتح بن جنى، وتابعهما المصنف (2)، ومما ورد من ذلك قوله:.


= نحو إليها، والمراد بنحو " خاف ربه عمر ": كل كلام اتصل فيه ضمير الفاعل المتأخر بالمفعول المتقدم، والمراد بنحو " زان نوره الشجر ": كل كلام اتصل فيه ضمير المفعول المتأخر بالفاعل المتقدم. (1) من ذلك قول الاعشى ميمون: كناطح صخرة يوما ليوهنها * فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل (2) ذهب إلى هذا الاخفش أيضا، وابن جنى تابع فيه له. وقد أيدهما في ذلك = (*)

[ 494 ]

149 - لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا وكاد، لو ساعد المقدور، ينتصر.


= المحقق الرضي، قال: والاولى تجويز ما ذهبا إليه، ولكن على قلة، وليس للبصرية منعه مع قولهم في باب التنازع بما قالوا، اه‍، وهو يشير إلى رأى البصريين في التنازع من تجويزهم إعمال العامل الثاني المتأخر في لفظ المعمول، وإعمال المتقدم من العاملين في ضميره، إذ فيه عود الضمير على المتأخر. 149 - البيت لاحد أصحاب مصعب بن الزبير - رضي الله عنهما ! - يرثيه. اللغة: " طالبوه " الذين قصدوا قتاله " ذعروا " أخذهم الخوف " كاد ينتصر " لان خوفهم منه أعظم وسيلة لانتصاره عليهم، وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم " نصرت بالرعب ". الاعراب: " لما " ظرف بمعنى حين مبني على السكون في محل نصب بذعر الآتي " رأى " فعل ماض " طالبوه " طالبو: فاعل رأى، وطالبو مضاف والضمير العائد إلى مصعب مضاف إليه، والجملة من رأى وفاعله في محل جر بإضافة لما الظرفية إليها " مصعبا " مفعول به لرأى " ذعروا " فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعل " وكاد " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب " لو " شرطية غير جازمة " ساعد المقدور " فعل وفاعل، وهو شرط لو " ينتصر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصعب، والجملة من ينتصر وفاعله في محل نصب خبر " كاد " وجواب لو محذوف يدل عليه خبر كاد، وجملة الشرط والجواب لا محل لها اعتراضية بين كاد واسمها وبين خبرها. الشاهد فيه: قوله " رأى طالبوه مصعبا " حيث أخر المفعول عن الفاعل، مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول، فعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة. ومن شواهد هذه المسألة مما لم يذكره الشارح - قول الشاعر: لما عصى أصحابه مصعبا أدى إليه الكيل صاعا بصاع وقول الآخر: ألا ليت شعري هل يلومن قومه زهيرا على ما جر من كل جانب = (*)

[ 495 ]

وقوله: 150 - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد.


= وسننشد في شرح الشاهد رقم 153 الآتي بعض شواهد لهذه المسألة، ونذكر لك ما نرجحه من أقوال العلماء. 150 - البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " كسا " فعل يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، تقول: كسوت محمدا جبة، كما تقول: ألبست عليا قميصا " حلمه " الحلم: الاناة والعقل، وهو أيضا تأخير العقوبة وعدم المعاجلة فيها " سؤدد " هو السيادة " ورقى " بتضعيف القاف أصل معناه جعله يرقى: أي يصعد، والمرقاة: السلم الذي به تصعد من أسفل إلى أعلى، والمراد رفعه وأعلى منزلته من بين نظرائه " الندى " المراد به الجود والكرم " ذرى " بضم الذال - جمع ذروة، وهي أعلى الشئ. الاعراب: " كسا " فعل ماض " حلمه " حلم: فاعل كسا، وحلم مضاف والضمير مضاف إليه " ذا الحلم " ذا: مفعول أول لكسا، وذا مضاف والحلم مضاف إليه " أثواب سؤدد " أثواب: مفعول ثان لكسا، وأثواب مضاف وسؤدد مضاف إليه " ورقى " فعل ماض " نداه " فاعل ومضاف إليه " ذا الندى " مفعول به ومضاف إليه " في ذرى " جار ومجرور متعلق برقى. وذرى مضاف، و " المجد " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " كسا حلمه ذا الحلم، ورقى نداه ذا الندى " فإن المفعول فيهما متأخر عن الفاعل مع أن مع الفاعل ضميرا يعود على المفعول، فيكون فيه إعادة الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة جميعا، وذلك لا يجوز عند جمهور البصريين، خلافا لابن جنى - تبعا للاخفش - وللرضي، وابن مالك في بعض كتبه. كذا قالوا، ونحن نرى أنه لا يبعد - في هذا البيت أن يكون الضمير في " حلمه، ونداه " عائدا على ممدوح ذكر في أبيات تقدمت البيت الشاهد، فيكون المعنى أن حلم هذا الممدوح هو الذي أثر فيمن تراهم من أصحاب الحلم، إذ ائتسوا به وجعلوه قدوة لهم، واستمر تأثيره فيهم حتى بلغوا الغاية من هذه الصفة، وأن ندى هذا الممدوح أثر كذلك فيمن تراهم من أصحاب الجود، فافهم وأنصف. *

[ 496 ]

وقوله: 151 - ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما وقوله: 152 - جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل.


151 - البيت لشاعر الانصار سيدنا حسان بن ثابت، يرثي مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، أحد أجواد مكة، وأول هذه القصيدة قوله: أعين ألا ابكي سيد الناس، واسفحي بدمع، فإن أنزفته فاسكبي الدما اللغة: " أعين " أراد يا عيني، فحذف ياء المتكلم اكتفاء بالكسرة التي قبلها " اسفحي " أسيلي وصبي " أنزفته " أنفدت دمعك فلم يبق منه شئ " أخلد " كتب له الخلود، ودوام البقاء. المعنى: يريد أنه لا بقاء لاحد في هذه الحياة مهما يكن نافعا لمجموع البشر. الاعراب: " لو " شرطية غير جازمة " أن " حرف توكيد ونصب " مجدا " اسم أن، وجملة " أخلد " مع فاعله المستتر فيه في محل رفع خبر أن، وأن مع دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع على أنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت إخلاد مجد صاحبه، وهذا الفعل هو فعل الشرط " الدهر " منصوب على الظرفية الزمانية، وعامله أخلد " واحدا " مفعول به لاخلد " من الناس " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لواحد " أبقى " فعل ماض " مجده " مجد: فاعل أبقى، ومجد مضاف وضمير الغائب العائد إلى مطعم المتأخر مضاف إليه، والجملة من أبقى وفاعله ومفعوله لا محل لها من الاعراب جواب " لو " " مطعما " مفعول به لابقى. الشاهد فيه: قوله " أبقى مجده مطعما " حيث أخر المفعول وهو قوله مطعما عن الفاعل، وهو قوله " مجده " مع أن الفاعل مضاف إلى ضمير يعود على المفعول، فيقتضى أن يرجع الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة. 152 - البيت لابي الاسود الدؤلي، يهجو عدي بن حاتم الطائي، وقد نسبه ابن = (*)

[ 497 ]

وقوله: 153 - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار


= جنى إلى النابغة الذبياني، وهو انتقال ذهن من أبي الفتح، وسببه أن للنابغة الذبياني قصيدة على هذا الروى. اللغة: " جزاء الكلاب العاويات " هذا مصدر تشبيهي، والمعنى: جزاه الله جزاء مثل جزاء الكلاب العاويات، ويروى " الكلاب العاديات " بالدال بدال الواو وهو جمع عاد، والعادي: اسم فاعل من عدا يعدو، إذا ظلم وتجاوز قدره " وقد فعل " يريد أنه تعالى استجاب فيه دعاءه، وحقق فيه رجاءه. المعنى: يدعو على عدي بن حاتم بأن يجزيه الله جزاء الكلاب، وهو أن يطرده الناس وينبذوه ويقذفوه بالاحجار، ثم يقول: إنه سبحانه قد استجاب دعاءه عليه. الاعراب: " جزى " فعل ماض " ربه " فاعل، ومضاف إليه " عني " جار ومجرور متعلق بجزى " عدي " مفعول به لجزى " ابن " صفة لعدي، وابن مضاف و " حاتم " مضاف إليه " جزاء " مفعول مطلق مبين لنوع عامله وهو جزى، وجزاء مضاف، و " الكلاب " مضاف إليه " العاويات " صفة للكلاب " وقد " الواو للحال، قد: حرف تحقيق " فعل " فعل ماض مبني على الفتح لا محل له، وسكن لاجل الوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ربه، والجملة في محل نصب حال. الشاهد فيه: قوله " جزى ربه. عدي " حيث أخر المفعول، وهو قوله " عدي " وقدم الفاعل، وهو قوله " ربه "، مع اتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول. 153 - نسبوا هذا البيت لسليط بن سعد، ولم أقف له على سابق أو لاحق. اللغة: " أبا الغيلان " كنية لرجل لم أقف على تعريف له " سنمار " بكسر السين والنون بعدهما ميم مشددة اسم رجل رومي، يقال: إنه الذي بنى الخورنق وهو القصر الذي كان بظاهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة، وإنه لما فرغ من بنائه ألقاه النعمان من أعلى القصر، لئلا يعمل مثل لغيره، فخر ميتا، وقد ضربت به العرب المثل في سوء المكافأة، يقولون: " جزاني جزاء سنمار " قال الشاعر (انظر المثل رقم 828 في مجمع الامثال 1 / 159 بتحقيقنا): جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا جزاء سنمار، وما كان ذانب = (32 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 498 ]

فلو كان الضمير المتصل [ بالفاعل ] المتقدم عائدا على ما اتصل بالمفعول المتأخر امتنعت المسالة، وذلك نحو " ضرب بعلها صاحب هند "، وقد نقل بعضهم في هذه المسالة أيضا خلافا، والحق فيها المنع. * * *.


= الاعراب: " جزى " فعل ماض " بنوه " فاعل، ومضاف إليه " أبا الغيلان " مفعول به ومضاف إليه " عن كبر " جار ومجرور متعلق بجزى " وحسن فعل " الواو عاطفة، وحسن: معطوف على كبر، وحسن مضاف وفعل مضاف إليه " كما " الكاف للتشبيه، وما: مصدرية " يجزى " فعل مضارع مبني للمجهول " سنمار " نائب فاعل يجزى، و " ما " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يقع مفعولا مطلقا مبينا لنوع " جزى "، وتقدير الكلام: جزى بنوه أبا الغيلان جزاء مشابها لجزاء سنمار. الشاهد فيه: قوله " جزى بنوه أبا الغيلان " حيث أخر المفعول، وهو قوله " أبا الغيلان " عن الفاعل، وهو قوله " بنوه "، مع أن الفاعل متصل بضمير عائد على المفعول. هذا، ومن شواهد هذه المسألة مما لم ينشده الشارح - زيادة على ما ذكرناه في شرح الشاهد رقم 149 - قول الشاعر: وما نفعت أعماله المرء راجيا جزاء عليها من سوى من له الامر حيث قدم الفاعل وهو قوله " أعماله " - على المفعول - وهو قوله " المرء " مع أنه قد اتصل بالفاعل ضمير يعود إلى المفعول، فجملة ما أنشده الشارح وأنشدناه لهذه المسألة ثمانية شواهد. ولكثرة شواهد هذه المسألة نرى أن ما ذهب إليه الاخفش - وتابعه عليه أبو الفتح ابن جنى، والامام عبد القاهر الجرجاني، وأبو عبد الله الطوال، وابن مالك، والمحقق الرضي من جواز تقديم الفاعل المتصل بضمير يعود إلى المفعول، هو القول الخليق بأن تأخذ به وتعتمد عليه، ونرى أن الانصاف واتباع الدليل يوجبان علينا أن نوافق هؤلاء الائمة على ما ذهبوا إليه وإن كان الجمهور على خلافه، لان التمسك بالتعليل مع وجود النص على خلافه مما لا يجوز، وأحكام العربية يقضى فيها على وفق ما ورد عن أهلها. (*)

[ 499 ]

النائب عن الفاعل ينوب مفعول به عن فاعل فيما له، كنيل خير نائل (1) يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه، فيعطى ما كان للفاعل: من لزوم الرفع، ووجوب التأخر عن رافعه، وعدم جواز حذفه (2)، وذلك نحو " نيل خير نائل ".


(1) " ينوب " فعل مضارع " مفعول " فاعل ينوب " به " جار ومجرور متعلق بمفعول " عن فاعل " جار ومجرور متعلق بينوب أيضا " فيما " مثله، وما اسم موصول " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول " كنيل " الكاف جارة لقول محذوف، نيل: فعل ماض مبني للمجهول " خير نائل " نائب فاعل، ومضاف إليه. (2) الاغراض التي تدعو المتكلم إلى حذف الفاعل كثيرة جدا، ولكنها - على كثرتها - لا تخلو من أن سببها إما أن يكون شيئا لفظيا أو معنويا. فأما الاسباب اللفظية فكثيرة: منها القصد إلى الايجاز في العبارة نحو قوله تعالى: (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ومنها المحافظة على السجع في الكلام المنثور نحو قولهم: من طابت سريرته حمدت سيرته، إذ لو قيل " حمد الناس سيرته " لاختلف إعراب الفاصلتين، ومنها المحافظة على الوزن في الكلام المنظوم، كما في قول الاعشى ميمون ابن قيس: علقتها عرضا، وعلقت رجلا غيري، وعلق أخرى غيرها الرجل فأنت ترى الاعشى قد بنى " علق " في هذا البيت ثلاث مرات للمجهول، لانه لو ذكر الفاعل في كل مرة منها أو في بعضها لما استقام له وزن البيت، والتعليق ههنا: المحبة، وعرضا: أي من غير قصد منى، ولكن عرضت لي فهويتها. وأما الاسباب المعنوية فكثيرة: منها كون الفاعل معلوما للمخاطب حتى لا يحتاج إلى ذكره له، وذلك نحو قوله تعالى: (خلق الانسان من عجل) ومنها كونه مجهولا للمتكلم فهو لا يستطيع تعيينه للمخاطب وليس في ذكره بوصف مفهوم من الفعل فائدة وذلك كما تقول: سرق متاعي، لانك لا تعرف ذات السارق، وليس في قولك " سرق اللص متاعي " فائدة زائدة في الافهام على قولك " سرق متاعي " ومنها رغبة المتكلم = (*)

[ 500 ]

فخير نائل: مفعول قائم مقام الفاعل، والاصل: " نال زيد خير نائل " فحذف الفاعل - وهو " زيد " - وأقيم المفعول به مقامه - وهو " خير نائل " ولا يجوز تقديمه، فلا تقول: " خير نائل نيل " على أن يكون مفعولا مقدما، بل على أن يكون مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده وهي " نيل "، والمفعول القائم مقام الفاعل ضمير مستتر والتقدير: " [ نيل ] هو "، وكذلك لا يجوز حذف " خير نائل فتقول: " نيل ". * * * فأول الفعل اضممن، والمتصل بالآخر اكسر في مضي كوصل (1).


= في الابهام على السامع، كقولك: تصدق بألف دينار، ومنها رغبة المتكلم في إظهار تعظيمه للفاعل: بصون اسمه عن أن يجري على لسانه، أو بصونه عن أن يقترن بالمفعول به في الذكر، كقولك: خلق الخنزير، ومنها رغبة المتكلم في إظهار تحقير الفاعل بصون لسانه عن أن يجري بذكره، ومنها خوف المتكلم من الفاعل فيعرض عن ذكره لئلا يناله منه مكروه، ومنها خوف المتكلم على الفاعل فيعرض عن اسمه لئلا يمسه أحد بمكروه. (1) " فأول " مفعول مقدم، والعامل فيه " اضممن " الآتي، وأول مضاف و " الفعل " مضاف إليه " اضممن " اضمم: فعل أمر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " والمتصل " الواو حرف عطف، المتصل: مفعول مقدم، والعامل فيه " اكسر " الآتي " بالآخر " جار ومجرور متعلق بالمتصل " اكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في مضي " جار ومجرور يتعلق باكسر أو بمحذوف حال " كوصل " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كقولك إلخ، ووصل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة مقول القول المحذوف. (*)

[ 501 ]

واجعله من مضارع منفتحا كينتحي المقول فيه: ينتحى (1) يضم أول الفعل الذي لم يسم فاعله مطلقا، أي: سواء كان ماضيا، أو مضارعا ويكسر ما قبل آخر الماضي، ويفتح ما قبل آخر المضارع. ومثال ذلك في الماضي قولك في وصل: " وصل " وفي المضارع قولك في " ينتحي ": " ينتحى ". * * * والثاني التالي تا المطاوعة كالاول اجعله بلا منازعه (2) وثالث الذي بهمز الوصل كالاول اجعلنه كاستحلي (3).


(1) " واجعله " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " من مضارع " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء " منفتحا " مفعول ثان لاجعل " كينتحي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " المقول " نعت لينتحي الذي قصد لفظه " فيه " جار ومجرور متعلق بالمقول " ينتحى " قصد لفظه: محكى بالقول، فهو نائب فاعل للمقول. (2) " والثاني " مفعول أول لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: واجعل الثاني " التالي " نعت للثاني " تا " قصر للضرورة مفعول به للتالي، وفاعله ضمير مستتر فيه، وتا مضاف، و " المطاوعة " مضاف إليه " كالاول " جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لاجعل الآتي " اجعله " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " بلا منازعة " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، والجار والمجرور متعلق باجعل، ولا مضاف، ومنازعة: مضاف إليه، مجرور بالكسرة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية، وسكن لاجل الوقف. (3) " وثالث " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، وثالث مضاف و " الذي " مضاف إليه " بهمز " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الذي، وهمز مضاف، = (*)

[ 502 ]

إذا كان الفعل المبني للمفعول مفتتحا بتاء المطاوعة ضم أوله وثانيه، وذلك كقولك في " تدحرج ": " تدحرج " وفي " تكسر "، " تكسر " وفي " تغافل ": " تغوفل ". وإن كان مفتتحا بهمزة وصل ضم أوله وثالثه، ذلك كقولك في " استحلى ": " استحلي " وفي " اقتدر ": " اقتدر " وفي " انطلق ": " انطلق ". * * * واكسر أو اشمم فاثلاثي أعل عينا، وضم جا ك‍ " بوع " فاحتمل (1) إذا كان الفعل المبني للمفعول ثلاثيا معتل العين سمع في فائه ثلاثة أوجه: (1) إخلاص الكسر، نحو " قيل، وبيع " ومنه قوله: 154 - حيكت على نيرين إذ تحاك تختبط الشوك ولا تشاك.


= " الوصل " مضاف إليه " كالاول " جار ومجرور في موضع المفعول الثاني لاجعل مقدما عليه " اجعلنه " اجعل: فعل أمر، والنون للتوكيد، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول أول " كاستحلي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف على النحو الذي سبق مرارا. (1) " واكسر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أو اشمم " مثله، والجملة معطوفة على الجملة السابقة " فا " مفعول به تنازعه العاملان، وفا مضاف، و " ثلاثي " مضاف إليه " أعل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ثلاثي، والجملة في محل جر نعت لثلاثي " عينا " تمييز " وضم " مبتدأ " جا " أصله جاء، وقصره للضرورة: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ضم، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " كبوع " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال " فاحتمل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " ضم ". 154 - البيت لراجز لم يعينوه. اللغة: " حيكت " نسجت، وتقول: حاك الثوب يحوكه حوكا وحياكة " نيرين " = (*)

[ 503 ]

(2) وإخلاص الضم، نحو " قول، وبوع " ومنه قوله: 155 - ليت، وهل ينفع شيئا ليت ؟ ليت شبابا بوع فاشتريت وهي لغة بني دبير وبني فقعس [ وهما من فصحاء بني أسد ]..


= تثنية نير بكسر النون بعدها ياء مثناة وهو علم الثوب أو لحمته، فإذا نسج الثوب على نيرين فذلك أصفق له وأبقى، وإذا أرادوا أن يصفوا ثوبا بالمتانة والاحكام قالوا: هذا ثوب ذو نيرين، وقد قالوا من ذلك أيضا: هذا رجل ذو نيرين، وهذا رأى ذو نيرين، وهذه حرب ذات نيرين، يريدون أنها شديدة، وقالوا: هذا ثوب منير على زنة معظم إذا كان منسوجا على نيرين، وقد روى في موضع هذه العبارة " حوكت على نولين " ونولين: مثنى نول بفتح النون وسكون الواو وهو اسم للخشبة التي يلف عليها الحاثك الشقة حين يريد نسجها " تختبط الشوك " تضربه بعنف " ولا تشاك " لا يدخل فيها الشوك ولا يضرها. المعنى: وصف ملفحة أو حلة بأنها محكمة النسج، تامة الصفاقة، وأنها إذا اصطدمت بالشواك لم يؤذها ولم يعلق بها. الاعراب: " حيكت " حيك: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " على نيرين " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في حيكت " إذ " ظرف للزمان الماضي مبني على السكون في محل نصب يتعلق بحيك، وجملة " تحاك " ونائب الفاعل المستتر فيه في محل جر بإضافة " إذ " إليها " تختبط " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " الشوك " مفعول به لتختبط " ولا " نافية " تشاك " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي. الشاهد فيه: قوله " حيكت " حيث إنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص كسر فائه، ويروى " حوكت على نيرين " بالواو ساكنة، وعلى هذا يكون شاهدا للوجه الثاني، وهو إخلاص ضم الفاء. 155 - ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقد راجعت ديوان أراجيزه فوجدت في زياداته أبياتا منها هذا البيت، وهي قوله: =

[ 504 ]

.


= يا قوم قد حوقلت أو دنوت وبعض حيقال الرجال الموت مالي إذا أجذبها صأيت أكبر قد عالني أو بيت ليت، وهل ينفع شيئا ليت ؟ ليت شبابا.... وقد روى أبو علي القالي في أماليه (1 - 20 طبع الدار) البيتين السابقين على بيت الشاهد، ولم ينسبهما، وقال أبو عبيد البكري في التنبيه (97): " هذا راجز يصف جذبه للدلو " اه‍، ولم يعينه أيضا. اللغة: " حوقلت " ضعفت وأصابني الكبر " دنوت " قربت " حيقال " هو مصدر حوقل " أجذبها " أراد أنزع الدلو من البئر " صأيت " صحت، مأخوذ من قولهم: صأي الفرخ، إذا صاح صياحا ضعيفا، وأراد بذلك أنينه من ثقل الدلو عليه " قد عالني " غلبني وقهرني وأعجزني، وفي رواية أبي علي القالي * أكبر غيرني. * " أم بيت " يريد أم زوجة، وذلك لان العزب أقوى وأشد " ينفع شيئا ليت " قد قصد لفظ ليت هذه قصيرها اسما وأعربها وجعلها فاعلا، ومثل هذا في " ليت " - قول الشاعر: ليت شعري، وأين مني ليت ؟ إن ليتا وإن لوا عناء ومثله قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ليت شعري، وهل يردن ليت ؟ هل لهذا عند الرباب جزاء ؟ وقول الآخر: ليت شعري مسافر بن أبي عمرو، وليت يقولها المحزون ونظيره في " لو " إذ قصد لفظها وجعلت اسما قول الآخر: ألام على لو، ولو كنت عالما بأذناب لو لم تفتني أوائله الاعراب: " ليت " حرف تمن ونصب " وهل " حرف استفهام المقصود منه النفي " ينفع " فعل مضارع " شيئا " مفعول به لينفع " ليت " قصد لفظه: فاعل ينفع، والجملة لا محل لها معترضة " ليت " حرف تمن مؤكد للاول " شبابا " اسم ليت الاول " بوع " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره =

[ 505 ]

(3) والاشمام وهو الاتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر ولا يظهر ذلك إلا في اللفظ، ولا يظهر في الخط، وقد قرئ في السبعة قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء) بالاشمام في " قيل، وغيض ". * * * وإن بشكل خيف لبس يجتنب وما لباع قد يرى لنحو حب (1) إذا أسند الفعل الثلاثي المعتل العين بعد بنائه للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب: فإما أن يكون واويا، أو يائيا. فإن كان واويا نحو " سام " من السوم وجب عند المصنف كسر الفاء أو الاشمام، فتقول: " سمت "، [ ولا يجوز الضم،.


= هو يعود على شباب، والجملة في محل رفع خبر ليت الاول " فاشتريت " فعل وفاعل، وجملتهما معطوفة بالفاء على جملة بوع. الشاهد فيه: قوله " بوع " فإنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص ضم فائه، وإخلاص ضم الفاء لغة جماعة من العرب منهم من حكى الشارح، ومنهم بعض بني تميم، ومنهم ضبة، وحكيت عن هذيل. (1) " وإن " شرطية " بشكل " جار ومجرور متعلق بخيف " خيف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " لبس " نائب فاعل خيف " يجتنب " فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شكل " وما " اسم موصول: مبتدأ " لباع " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما الموصولة " قد " حرف تقليل " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " لنحو " جار ومجرور متعلق بيرى، ونحو مضاف، و " حب " قصد لفظه: مضاف إليه. (*)

[ 506 ]

فلا تقول: " سمت " ]، لئلا يلتبس بفعل الفاعل، فإنه بالضم ليس إلا، نحو " سمت العبد " وإن كان يائيا - نحو " باع " من البيع - وجب - عند المصنف أيضا - ضمه أو الاشمام، فتقول: " بعت يا عبد " ولا يجوز الكسر، فلا تقول: " بعت "، لئلا يلتبس بفعل الفاعل، فإنه بالكسر فقط، نحو " بعت الثوب ". وهذا معنى قوله: " وإن بشكل خيف لبس يجتنب " أي: وإن خيف اللبس في شكل من الاشكال السابقة - أعني الضم، والكسر، والاشمام عدل عنه إلى شكل غيره لا لبس معه. هذا ما ذكره المصنف، والذي ذكره غيره أن الكسر في الواوي، والضم في اليائي، والاشمام، هو المختار، ولكن لا يجب ذلك، بل يجوز الضم في الواوي، والكسر في اليائي. وقوله: " وما لباع قد يرى لنحو حب " معناه أن الذي ثبت لفاء " باع " - من جواز الضم، والكسر، والاشمام - يثبت لفاء المضاعف، نحو " حب "، فتقول: " حب "، و " حب " وإن شئت أشممت. * * * وما لفا باع لما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي (1).


(1) " وما " اسم موصول مبتدأ " لفا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما الموصولة، وفا مضاف و " باع " قصد لفظه: مضاف إليه " لما " اللام جارة، وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " العين " مبتدأ، وجملة " تلي " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة " ما " المجرورة باللام " في اختار " جار ومجرور متعلق بتلي " وانقاد، وشبه " معطوفان على اختار " ينجلي " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شبه، والجملة في محل جر نعت لشبه. (*)

[ 507 ]

أي: يثبت عند البناء للمفعول لما تليه العين من كل فعل يكون على وزن " افتعل " أو " انفعل " وهو معتل العين ما يثبت لفاء " باع ": من جواز الكسر، والضم، وذلك نحو " اختار، وانقاد " وشبههما، فيجوز في التاء والقاف ثلاثة أوجه: الضم، نحو " اختور "، و " انقود " والكسر، نحو " اختير "، و " انقيد " والاشمام، وتحرك الهمزة بمثل حركة التاء والقاف. * * * وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حري (1) تقدم أن الفعل إذا بني لما لم يسم فاعله أقيم المفعول به مقام الفاعل، وأشار في هذا البيت إلى أنه إذا لم يوجد المفعول به أقيم الظرف أو المصدر أو الجار والمجرور مقامه، وشرط في كل [ واحد ] منها أن يكون قابلا للنيابة، أي: صالحا لها، واحترز بذلك مما لا يصلح للنيابة، كالظرف الذي لا يتصرف، والمراد به: ما لزم النصب على الظرفية (2)، نحو " سحر " إذا أريد به سحر.


(1) " وقابل " مبتدأ، وخبره قوله " حري " في آخر البيت " من ظرف " جار ومجرور متعلق بقابل " أو من مصدر " معطوف على الجار والمجرور السابق " أو حرف جر " معطوف على مصدر ومضاف إليه " بنيابة " جار ومجرور متعلق بجر " جر " خبر المبتدأ الذي هو قابل في أول البيت كما ذكرنا من قبل. (2) الظروف على ثلاثة أنواع: النوع الاول: ما يلزم النصب على الظرفية، ولا يفارقها أصلا، ولا إلى الجر بمن، وذلك مثل قط، وعوض، وإذا، وسحر. والنوع الثاني: ما يلزم أحد أمرين: النصب على الظرفية، والجر بمن، وذلك مثل عند، وثم، بفتح الثاء. = (*)

[ 508 ]

يوم بعينه، ونحو " عندك " فلا تقول: " جلس عندك " ولا " ركب سحر "، لئلا تخرجهما عما استقر لهما في لسان العرب من لزوم النصب، وكالمصادر التي لا تتصرف، نحو " معاذ الله " فلا يجوز رفع " معاذ الله "، لما تقدم في الظرف، وكذلك ما لا فائدة فيه: من الظرف، والمصدر، [ والجار ] والمجرور، فلا تقول: " سير وقت "، ولا " ضرب ضرب "، ولا " جلس في دار " لانه لا فائدة في ذلك. ومثال القابل من كل منها قولك: " سير يوم الجمعة، وضرب ضرب شديد، ومر بزيد " (1). * * *.


= وهذان النوعان يقال لكل منهما: " ظرف غير متصرف "، والفرق بينهما ما علمت. والنوع الثالث: ما يخرج عن النصب على الظرفية وعن الجر بمن، إلى التأثر بالعوامل المختلفة: كزمن، ووقت، وساعة، ويوم، ودهر، وحين، وهذا هو الظرف المتصرف. (1) حاصل الذي أومأ إليه الشارح في هذه المسألة أنه يشترط في صحة جواز إنابة كل واحد من الظرف والمصدر شرطان، أحدهما: أن يكون كل منهما متصرفا، وثانيهما: أن يكون كل واحد منهما مختصا، فإن فقد أحدهما واحدا من هذين الشرطين لم تصح نيابته. فالمتصرف من الظروف هو: ما يخرج عن النصب على الظرفية والجر بمن إلى التأثر بالعوامل، كما علمت مما أوضحناه لك قريبا. وأما المتصرف من المصادر فهو: ما يخرج عن النصب على المصدرية إلى التأثر بالعوامل المختلفة، وذلك كضرب وقتل، وما لا يخرج من المصدر عن النصب على المصدرية كمعاذ الله فإنه مصدر غير متصرف لا يقع إلا منصوبا على المفعولية المطلقة. وأما المختص من الظروف فهو: ما خص بإضافة، أو وصف، أو نحوهما. = (*)

[ 509 ]

ولا ينوب بعض هذي، إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد (1) مذهب البصريين إلا الاخفش أنه إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله: مفعول به، ومصدر، وظرف، وجار ومجرور تعين إقامة المفعول به مقام الفاعل، فتقول: ضرب زيد ضربا شديدا يوم الجمعة أمام الامير في داره، ولا يجوز إقامة غيره [ مقامه ] مع وجوده، وما ورد من ذلك شاذ أو مؤول. ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره وهو موجود: تقدم، أو تأخر، فتقول: " ضرب ضرب شديد زيدا، وضرب زيدا ضرب شديد " وكذلك في الباقي، واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر (ليجزى قوما بما كانوا يكسبون) وقول الشاعر:.


= وأما المختص من المصادر فهو: ما كان دالا على العدد، أو على النوع، أما نحو " ضرب ضرب " فهو غير مختص، ولا يجوز نيابته عن الفاعل. ويشترط في نيابة الجار والمجرور ثلاثة شروط، أولها: أن يكون مختصا بأن يكون المجرور معرفة أو نحوها وثانيها: ألا يكون حرف الجر ملازما لطريقة واحدة، كمذ ومنذ الملازمين لجر الزمان، وكحروف القسم الملازمة لجر المقسم به، وثالثها: ألا يكون حرف الجر دالا على التعليل كاللام، والباء، ومن، إذا استعملت إحداها في الدلالة على التعليل، ولهذا امتنعت نيابة المفعول لاجله. (1) " ولا " نافية " ينوب " فعل مضارع " بعض " فاعل ينوب، وبعض مضاف، واسم الاشارة في " هذي " مضاف إليه " إن " شرطية " وجد " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " في اللفظ " جار ومجرور متعلق بوجد " مفعول " نائب فاعل لوجد " به " متعلق بمفعول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن وجد في اللفظ مفعول به فلا ينوب بعض هذه الاشياء " وقد " حرف تقليل " يرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نيابة بعض هذه الاشياء مناب الفاعل مع وجود المفعول به في اللفظ المستفاد من قوله " ولا ينوب إلخ ". (*)

[ 510 ]

156 - لم يعن بالعلياء إلا سيدا ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى.


156 - نسبوا هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقد راجعت ديوان أراجيزه فوجدت هذا البيت في زيادات الديوان، لا في أصله، وقبله قوله: وقد كفى من بدئه ما قد بدا وإن ثنى في العود كان أحمدا اللغة: " بدئه " مبتدأ أمره وأول شأنه " بدا " ظهر " ثنى " عاد، تقول: ثنى يثني بوزن رمى يرمي وأصل معناه جمع طرفي الحبل فصير ما كان واحدا اثنين " كان أحمدا " مأخوذ من قولهم: عود أحمد، يريدون أنه محمود " يعن " فعل مضارع ماضيه عنى، وهو من الافعال الملازمة للبناء للمفعول، ومعناه على هذا أولع أو اهتم، تقول: عنى فلان بحاجتي وهو معني بها، إذا كان قد أولع بقضائها واهتم لها " العلياء " هي خصال المجد التي تورث صاحبها سموا ورفعة قدر " شفى " أبرأ، وأراد به ههنا هدى، مجازا " الغي " الجري مع هوى النفس والتمادي في الاخذ بما يوبقها ويهلكها " هدى " بضم الهاء وهو الرشاد وإصابة الجادة. المعنى: لم يشتغل بمعالي الامور، ولم يولع بخصال المجد، إلا أصحاب السيادة والطموح، ولم يشف ذوي النفوس المريضة والاهواء المتأصلة من دائهم الذي أصيبت به نفوسهم إلا ذوو الهداية والرشد. الاعراب: " لم " حرف نفي وجزم وقلب " يعن " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الالف، والفتحة قبلها دليل عليها " بالعلياء " جار ومجرور نائب عن الفاعل " إلا " أداة استثناء ملغاة " سيدا " مفعول به ليعن " ولا " الواو عاطفة، ولا نافية " شفى " فعل ماض " ذا " مفعول لشفى مقدم على الفاعل، وذا مضاف، و " الغي " مضاف إليه " إلا " أداة استثناء ملغاة " ذو " فاعل شفى، وذو مضاف، و " هدى " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " لم يعن بالعلياء إلا سيدا " حيث ناب الجار والمجرور وهو قوله " بالعلياء " عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو قوله " سيدا ". والدليل على أن الشاعر أناب الجار والمجرور، ولم ينب المفعول به، أنه جاء بالمفعول به منصوبا، ولو أنه أنابه لرفعه، فكان يقول: لم يعن بالعلياء إلا سيد، = (*)

[ 511 ]

ومذهب الاخفش أنه إذا تقدم غير المفعول به عليه جاز إقامة كل [ واحد ] منهما، فتقول: ضرب في الدار زيد، وضرب في الدار زيدا، وإن لم يتقدم تعين إقامة المفعول به، نحو " ضرب زيد في الدار "، فلا يجوز " ضرب زيدا في الدار ". * * * وباتفاق قد ينوب الثان من باب " كسا " فيما التباسه أمن (1).


= والداعي لذلك أن القوافي كلها منصوبة، فاضطراره لتوافق القوافي هو الذي دعاه وألجأه إلى ذلك. ومثل هذا البيت قول الراجز: وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيا بذكر قلبه ومحل الاستشهاد في قوله " معنيا بذكر قلبه " حيث أناب الجار والمجرور - وهو قوله " بذكر " - عن الفاعل، مع وجود المفعول به في الكلام وهو قوله " قلبه " - بدليل أنه أتى بالمفعول به منصوبا بعد ذلك كما هو ظاهر. والبيتان حجة للكوفيين والاخفش جميعا، لان النائب عن الفاعل في البيتين متقدم في كل واحد منهما عن المفعول به، والبصريون يرون ذلك من الضرورة الشعرية. (1) " وباتفاق " الواو للاستئناف، باتفاق: جار ومجرور متعلق بينوب الآتي " قد " حرف تقليل " ينوب " فعل مضارع " الثان " فاعل ينوب " من باب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الثاني، وباب مضاف، و " كسا " قصد لفظه: مضاف إليه " فيما " جار ومجرور متعلق بينوب " التباسه " التباس: مبتدأ، والتباس مضاف والهاء مضاف إليه " أمن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى التباس، والجملة من أمن ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب صلة " ما " المجرورة محلا بفي. (*)

[ 512 ]

إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين لما لم يسم فاعله: فإما أن يكون من باب " أعطى "، أو من باب " ظن (1) "، فإن كان من باب " أعطى " - وهو المراد بهذا البيت - فذكر المصنف أنه يجوز إقامة الاول منهما وكذلك الثاني، بالاتفاق، فتقول: " كسي زيد جبة، وأعطي عمرو درهما "، وإن شئت أقمت الثاني، فنقول: " أعطي عمرا درهم، وكسي زيدا جبة ". هذا إن لم يحصل لبس بإقامة الثاني، فإذا حصل لبس وجب إقامة الاول، [ وذلك نحو " أعطيت زيدا عمرا " فتتعين إقامة الاول ] فتقول: " أعطي زيد عمرا " ولا يجوز إقامة الثاني حينئذ: لئلا يحصل لبس، لان كل واحد منهما يصلح أن يكون آخذا، بخلاف الاول. ونقل المصنف الاتفاق على أن الثاني من هذا الباب يجوز إقامته عند أمن.


(1) قد ينصب فعل من الافعال مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، نحو ظننت زيدا قائما وعلمت أخاك مسافرا، ولا ينصب المفعولين اللذين أصلهما المبتدأ والخبر إلا ظن وأخواتها، وهذا هو مراد الشارح هنا بقوله " باب ظن "، ومراد الناظم بقوله " في باب ظن وأرى " لان " أرى " تنصب ثلاثة مفاعيل: أصل الثاني والثالث منها مبتدأ وخبر، على ما علمت. وقد ينصب فعل من الافعال مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وهذا النوع على ضربين، لان نصبه لاحد هذين المفعولين إما أن يكون على نزع الخافض، كما في قولك: اخترت الرجال محمدا، وكما في قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) الاصل اخترت من الرجال محمدا، واختار موسى من قومه سبعين رجلا، وإما أن يكون نصبه للمفعولين لانه من طبيعته متعد إلى اثنين، وذلك نحو قولك: منحت الفقير درهما، وأعطيت إبراهيم دينارا، وكسوت محمدا جبة. وهذا الضرب الاخير هو مراد الناظم والشارح بباب كسا، فهو: كل فعل تعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وكان تعديه إليهما بنفسه، لا بواسطة حذف حرف الجر من أحدهما وإيصال الفعل إلى المجرور. (*)

[ 513 ]

اللبس، فإن عنى به أنه اتفاق من جهة النحويين كلهم فليس بجيد، لان مذهب الكوفيين أنه إذا كان الاول معرفة والثاني نكرة تعين إقامة الاول، فتقول: " أعطي زيد درهما "، ولا يجوز عندهم إقامة الثاني، فلا تقول: " أعطي درهم زيدا ". * * * في باب " ظن، وأرى " المنع اشتهر ولا أرى منعا إذا القصد ظهر (1) يعني أنه إذا كان الفعل متعديا إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الاصل، كظن وأخواتها، أو كان متعديا إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها - فالاشهر عند النحويين أنه يجب إقامة الاول، ويمتنع إقامة الثاني في باب " ظن " والثاني والثالث في باب " أعلم "، فتقول: " ظن زيد قائما " ولا يجوز " ظن زيدا قائم " وتقول: " أعلم زيد فرسك مسرجا " ولا يجوز إقامة الثاني، فلا تقول: " أعلم زيدا فرسك مسرجا " ولا إقامة الثالث، فتقول: " أعلم زيدا.


(1) " في باب " جار ومجرور متعلق باشتهر الآتي، وباب مضاف، و " ظن " قصد لفظه: مضاف إليه " وأرى " معطوف على ظن " المنع " مبتدأ، وجملة " اشتهر " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ " ولا " نافية " أرى " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " منعا " مفعول به لارى " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " القصد " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إذا ظهر القصد، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور في مجل جر بإضافة إذا إليها " ظهر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى القصد، والجملة من ظهر المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب تفسيرية. (*)

[ 514 ]

فرسك مسرج " ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثالث، ونقل الاتفاق - أيضا - ابن المصنف. وذهب قوم - منهم المصنف - إلى أنه لا يتعين إقامة الاول، لا في باب " ظن " ولا باب " أعلم " لكن يشترط ألا يحصل لبس، فتقول: " ظن زيدا قائم، وأعلم زيدا فرسك مسرجا ". وأما إقامة الثالث من باب " أعلم " فنقل ابن أبي الربيع وابن المصنف الاتفاق على منعه، وليس كما زعما، فقد نقل غيرهما الخلاف في ذلك (1)، فتقول: " أعلم زيدا فرسك مسرج ". فلو حصل لبس تعين إقامة الاول في باب " ظن، وأعلم " فلا تقول: " ظن زيدا عمرو " على أن " عمرو " هو المفعول الثاني، ولا " أعلم زيدا خالد منطلقا ". * * * وما سوى النائب مما علقا بالرافع النصب له محققا (2).


(1) حاصل الخلاف الذي نقله غيرهما أن بعض النحاة أجازه بشرط ألا يوقع في لبس كما مثل الشارح، وحكاية الخلاف هو ظاهر كلام الناظم في كتابه التسهيل، بل يمكن أن يكون مما يشير إليه كلامه في الالفية لان ثالث مفاعيل أعلم هو ثاني مفعولي علم، وقد ذكر اختلاف النحاة في ثاني مفعولي علم. (2) " وما " اسم موصول: مبتدأ أول " سوى النائب، مما " متعلقان بمحذوف صلة " ما " الواقع مبتدأ " علقا " علق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود لما، والجملة لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بمن " بالرافع " متعلق بقوله علق " النصب " مبتدأ ثان " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وهو " ما " في أول البيت " محققا " حال من الضمير المستكن في الخبر. (*)

[ 515 ]

حكم المفعول القائم مقام الفاعل حكم الفاعل، فكما أنه لا يرفع الفعل إلا فاعلا واحدا، كذلك لا يرفع الفعل إلا مفعولا واحدا (1)، فلو كان للفعل معمولان فأكثر أقمت واحدا منها مقام الفاعل، ونصبت الباقي، فتقول: " أعطي زيد درهما، وأعلم زيد عمرا قائما، وضرب زيد ضربا شديدا يوم الجمعة أمام الامير في داره ". * * *.


(1) يريد لا يرفع على أنه نائب فاعل إلا واحد من المفاعيل التي كان الفعل ناصبا لها وهو مبني للمعلوم. (*)

[ 516 ]

اشتغال العامل عن المعمول (1).


(1) أركان الاشتغال ثلاثة: مشغول عنه، وهو الاسم المتقدم، ومشغول، وهو الفعل المتأخر، ومشغول به، وهو الضمير الذي تعدى إليه الفعل بنفسه أو بالواسطة، ولكل واحد من هذه الاركان الثلاثة شروط لابد من بيانها. فأما شروط المشغول عنه - وهو الاسم المتقدم في الكلام - فخمسة: الاول: ألا يكون متعددا لفظا ومعنى: بأن يكون واحدا، نحو زيدا ضربته، أو متعددا في اللفظ دون المعنى، نحو زيدا وعمرا ضربتهما، لان العطف جعل الاسمين كالاسم الواحد، فإن تعدد في اللفظ والمعنى - نحو زيدا درهما أعطيته - لم يصح. الثاني: أن يكون متقدما، فإن تأخر - نحو ضربته - ؟ لم يكن من باب الاشتغال، بل إن نصبت زيدا فهو بدل من الضمير، وإن رفعته فهو مبتدأ خبره الجملة قبله. الثالث: قبوله الاضمار، فلا يصح الاشتغال عن الحال، والتمييز، ولا عن المجرور بحرف يختص بالظاهر كحتى. الرابع: كونه مفتقرا لما بعده، فنحو " جاءك زيد فأكرمه " ليس من باب الاشتغال لكون الاسم مكتفيا بالعامل المتقدم عليه. الخامس: كونه صالحا للابتداء به، بألا يكون نكرة محضة، فنحو قوله تعالى: (ورهبانية ابتدعوها) ليس من باب الاشتغال، بل (رهبانية) معطوف على ما قبله بالواو، وجملة (ابتدعوها) صفة. وأما الشروط التي يجب تحققها في المشغول - وهو الفعل الواقع بعد الاسم - فاثنان: الاول: أن يكون متصلا بالمشغول عنه، فإن انفصل منه بفاصل لا يكون لما بعده عمل فيما قبله - كأدوات الشرط، وأدوات الاستفهام، ونحوهما - لم يكن من باب الاشتغال، وسيأتي توضيح هذا الشرط في الشرح. الثاني: كونه صالحا للعمل فيما قبله: بأن يكون فعلا متصرفا، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، فإن كان حرفا، أو اسم فعل، أو صفة مشبهة، أو فعلا جامدا كفعل التعجب - وكل هذه العوامل لضعفها لا تعمل فيما تقدم عليها - لم يصح. وأما الذي يجب تحققه في المشغول به - وهو الضمير - فشرط واحد، وهو: ألا يكون أجنبيا من المشغول عنه، فيصح أن يكون ضمير المشغول عنه، نحو زيدا ضربته، أو مررت به، = (*)

[ 517 ]

إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه: بنصب لفظه، أو المحل (1) فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما، موافق لما قد أظهرا (2) الاشتغال: أن يتقدم اسم، ويتأخر عنه فعل، [ قد ] عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببيه - وهو المضاف إلى ضمير الاسم السابق - فمثال المشتغل بالضمير " زيدا ضربته، وزيدا مررت به " ومثال المشتغل بالسببي " زيدا ضربت غلامه " وهذا هو المراد بقوله: " إن مضمر اسم إلى آخره " والتقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن ذلك الاسم بنصب المضمر لفظا نحو " زيدا ضربته " أو بنصبه محلا، نحو " زيدا مررت به " فكل واحد من " ضربت، ومررت " اشتغل بضمير " زيد " لكن " ضربت " وصل إلى.


= ويصح أن يكون اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير المشغول عنه، نحو زيدا ضربت أخاه، أو مررت بغلامه. (1) " إن " شرطية " مضمر " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن شغل مضمر، ومضمر مضاف، و " اسم " مضاف إليه " سابق " نعت لاسم " فعلا " مفعول به لشغل مقدم عليه " شغل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " عنه، بنصب " متعلقان بشغل، ونصب مضاف، ولفظ من " لفظه " مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، ولفظ مضاف، والهاء مضاف إليه " أو " حرف عطف " المحل " معطوف على لفظ. (2) " فالسابق " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: فانصب السابق " انصبه " انصب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " بفعل " جار ومجرور متعلق بانصب، وجملة " أضمر " ونائب الفاعل المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، في محل جر نعت لفعل " حتما " مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: حتم ذلك ذلك حتما " موافق " نعت ثان لفعل " لما " جار ومجرور متعلق بموافق " قد " حرف تحقيق، وجملة " أظهرا " ونائب الفاعل المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، لا محل لها من الاعراب صلة " ما " المجرورة محلا باللام. (*)

[ 518 ]

الضمير بنفسه، و " مررت " وصل إليه بحرف جر، فهو مجرور لفظا ومنصوب محلا، وكل من " ضربت، ومررت " لو لم يشتغل بالضمير لتسلط على " زيد " كما تسلط على الضمير، فكنت تقول: " زيدا ضربت " فتنصب " زيدا " ويصل إليه الفعل بنفسه كما وصل إلى ضميره، وتقول: " بزيد مررت " فيصل الفعل إلى زيد بالباء كما وصل إلى ضميره، ويكون منصوبا محلا كما كان الضمير. وقوله " فالسابق انصبه - إلى آخره " معناه أنه إذا وجد الاسم والفعل على الهيئة المذكورة، فيجوز لك نصب الاسم السابق، واختلف النحويون في ناصبه: فذهب الجمهور إلى أن ناصبه فعل مضمر وجوبا، [ لانه لا يجمع بين المفسر والمفسر ] ويكون الفعل المضمر موافقا في المعنى لذلك المظهر، وهذا يشمل ما وافق لفظا ومعنى نحو قولك في " زيدا ضربته ": إن التقدير " ضربت زيدا ضربته " وما وافق معنى دون لفظ كقولك في " زيدا مررت به ": إن التقدير " جاوزت زيدا مررت به " (1) وهذا هو الذي ذكره المصنف. (هامش) * (1) اعلم أن الفعل المشغول قد يكون متعديا ناصبا للمشغول به بلا واسطة، وقد يكون لازما ناصبا للمشغول به معنى وهو مجرور بحرف جر، وعلى كل حال إما أن يكون المشغول به ضمير الاسم المتقدم، وإما أن يكون سببيه، فهذه أربعة أحوال: فيكون تقدير العامل في الاسم المتقدم المشغول عنه من لفظ العامل المشغول ومعناه في صورة واحدة، وهي أن يجتمع في العامل المشغول شيئان هما: كونه متعديا بنفسه، وكونه ناصبا لضمير الاسم المتقدم - نحو قولك: زيدا ضربته. ويكون تقدير العامل في الاسم المتقدم المشغول عنه من معنى العامل المشغول دون لفظه، في ثلاث صور: = (*)

[ 519 ]

والمذهب الثاني: أنه منصوب بالفعل المذكور بعده، وهذا مذهب كوفي، واختلف هؤلاء، فقال قوم: إنه عامل في الضمير وفي الاسم معا، فإذا قلت: " زيدا ضربته " كان " ضربت " ناصبا ل‍ " زيد " وللهاء، ورد هذا المذهب بأنه لا يعمل عامل واحد في ضمير اسم ومظهره، وقال قوم: هو عامل في الظاهر، والضمير ملغى، ورد بأن الاسماء لا تلغى بعد اتصالها بالعوامل. * * * والنصب حتم، إن تلا السابق ما يختص بالفعل: كإن وحيثما (1).


= الاولى: أن يكون العامل في المشغول به لازما، والمشغول به ضمير الاسم المتقدم، نحو قولك: أزيدا مررت به، فإن التقدير: أجاوزت زيدا مررت به. الثانية: أن يكون العامل لازما، والمشغول به اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير الاسم السابق، نحو قولك: زيدا مررت بغلامه، فإن التقدير: لابست زيدا مررت بغلامه، ولا تقدره: " جاوزت زيدا مررت بغلامه " كما قدرت في الصورة الاولى، لان المعنى على هذا التقدير هنا غير مستقيم، لانك لم تجاوز زيدا ولم تمرر به، وإنما جاوزت غلامه ومررت به، وجاوز من معنى مر، وليس من لفظه كما هو ظاهر. الثالثة: أن يكون العامل متعديا، ولكنه نصب اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير عائد إلى الاسم السابق، نحو قولك: زيدا ضربت أخاه، فإن التقدير: أهنت زيدا ضربت أخاه. وهكذا تقدر في كل صورة من هذه الصور الثلاث فعلا ينصب بنفسه، ويصح معه المعنى. (1) " والنصب " مبتدأ " حتم " خبر المبتدأ " إن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام: إن تلا السابق ما يختص بالفعل فالنصب واجب " السابق " فاعل لتلا " ما " اسم موصول: مفعول به لتلا = (*)

[ 520 ]

ذكر النحويون أن مسائل هذا الباب على خمسة أقسام، أحدها: ما يجب فيه النصب، والثاني: ما يجب فيه الرفع، والثالث: ما يجوز فيه الامران والنصب أرجح، والرابع: ما يجوز فيه الامران والرفع أرجح، والخامس: ما يجوز فيه الامران على السواء. فأشار المصنف إلى القسم الاول بقوله: " والنصب حتم - إلى آخره " ومعناه أنه يجب نصب الاسم السابق إذا وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل، كأدوات الشرط (1) نحو إن، وحيثما، فتقول: " إن زيدا أكرمته أكرمك، وحيثما زيدا تلقه فأكرمه "، فيجب نصب " زيدا " في المثالين وفيما أشبههما، ولا يجوز الرفع على أنه مبتدأ، إذ لا يقع [ الاسم ] بعد هذه.


= " يختص " فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة من يختص وفاعله لا محل لها صلة الموصول " بالفعل " جار ومجرور متعلق بيختص " كإن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كائن كإن - إلخ، " وحيثما " معطوف على " إن " المجرورة محلا بالكاف. (1) الادوات التي تختص بالفعل أربعة أنواع: الاول: أدوات الشرط كإن، وحيثما، نحو ما مثل به الشارح، واعلم أن الاشتغال إنما يقع بعد أدوات الشرط في ضرورة الشعر، فأما في النثر فلا يقع الاشتغال إلا بعد أداتين منهما: الاولى " إن " بشرط أن يكون الفعل المشغول ماضيا، نحو: إن زيدا لقيته فأكرمه، والثانية: " إذا " مطلقا، نحو إذا زيدا لقيته - أو تلقاه - فأكرمه. النوع الثاني: أدوات التحضيض، نحو هلا زيدا أكرمته. النوع الثالث: أدوات العرض، نحو ألا زيدا أكرمته. النوع الرابع: أدوات الاستفهام غير الهمزة، نحو هل زيدا أكرمته، فأما الهمزة فلا تختص بالفعل، بل يجوز أن تدخل على الاسماء كما تدخل على الافعال، وإن كان دخولها على الافعال أكثر. (*)

[ 521 ]

الادوات، وأجاز بعضهم وقوع الاسم بعدها، فلا يمتنع عنده الرفع على الابتداء، كقول الشاعر: 157 - لا تجزعي إن منفس أهلكته فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي


157 - هذا البيت ساقط من أكثر النسخ، ولم نشرحه في الطبعة الاولى لهذه العلة، وهو من كلمة للنمر بن تولب يجيب فيها امرأته وقد لامته على التبذير، وكان من حديثه أن قوما نزلوا به في الجاهلية، فنحر لهم أربع قلائص، واشترى لهم زق خمر، فلامته امرأته على ذلك، ففي هذا يقول: قالت لتعذلني من الليل: اسمع، سفه تبيتك الملامة فاهجعي لا تجزعي لغد، وأمر غد له، أتعجلين الشر ما لم تمنعي قامت تبكي أن سبات لفتية زقا وخابية بعود مقطع اللغة: " لا تجزعي " لا تحزني، والجزع هو: ضعف المرء عن تحمل ما ينزل به من بلاء، وهو أيضا أشد الحزن " منفس " هو المال الكثير، وهو الشئ النفيس الذي يضن أهله به " أهلكته " أذهبته وأفنيته " هلكت " مت. الاعراب: " لا " ناهية " تجزعي " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل " إن " شرطية " منفس " فاعل لفعل محذوف هو فعل الشرط، وقوله " أهلكته " جملة من فعل وفاعل ومفعول لا محل لها تفسيرية " فإذا " الفاء عاطفة، إذا: ظرفية تضمنت معنى الشرط " هلكت " فعل وفاعل، وجملتهما في محل جر بإضافة " إذا " إليها " فبعد " الفاء زائدة، وبعد: ظرف متعلق بقوله " اجزعي " في آخر البيت، وبعد مضاف واسم الاشارة من " ذلك " مضاف إليه، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب " فاجزعي " الفاء واقعة في جواب إذا، وما بعدها فعل أمر، وياء المخاطبة فاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها من الاعراب. الشاهد فيه: قوله " إن منفس " حيث وقع الاسم المرفوع بعد أداة الشرط التي هي " إن " والاكثر أن يلي هذه الاداة الفعل. = (*)

[ 522 ]

تقديره: " إن هلك منفس " (1)، والله أعلم. * * *.


= وقبل: أن نقرر لك ما في هذا البيت نخبرك أنه يروى بنصب " منفس " يروى برفعه. فأما رواية النصب فهي التي رواها سيبويه وجمهور البصريين (انظر كتاب سيبويه 1 - 68، ومفصل الزمخشري 1 - 149 بتحقيقنا) ولا إشكال على هذه الرواية، لان " منفسا " حينئذ منصوب بفعل محذوف مفسر بفعل من لفظ الفعل المذكور بعده، والتقدير: إن أهلكت منفسا أهلكته. والرواية الثانية برفع " منفس " وهي رواية الكوفيين، وأعربوها على أن " منفس " مبتدأ، وجملة " أهلكته " خبره، وهذا هو صريح عبارة الشارح قبل إنشاده البيت، واستدلوا به وبمثله على جواز وقوع الجملة الاسمية بعد " إن " و " إذا " الشرطيتين، وقالوا: إن الاسم المرفوع بعد هاتين الاداتين مبتدأ، والجملة بعده في محل رفع خبر، ومنهم من يجعل هذا الاسم المرفوع فاعلا لنفس الفعل المذكور بعده في نحو " إن زيد يزورك فأكرمه " بناء على مذهبهم من جواز تقديم الفاعل على الفعل الرافع له، فأما البصريون فلا يسلمون أولا رواية الرفع، ثم يقولون: إن صحت هذه الرواية فإنها لا تدل على جواز وقوع الجمل الاسمية بعد أداة الشرط، ولا تدل على جواز تقدم الفاعل على فعله، لان واحدا من هذين الوجهين غير متعين في إعراب الاسم المرفوع بعد أداة الشرط، بل هذا الاسم فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، ويقدر المحذوف من لفظ المذكور إن كان الذي بعده قد رفع الضمير على الفاعلية، ومن معنى الفعل المتأخر إن كان قد نصب ضمير الاسم كما في هذا البيت المستشهد به، ومن الاول قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) وهذا هو الراجح، وهو الذي قدره الشارح بعد إنشاد البيت، ثم ارجع إلى ما ذكرناه في تقدير العامل في المشغول عنه (في ص 518)، ثم انظر ما ذكرناه في باب الفاعل (1) هذا التقدير هو تقدير البصريين، ولا يتفق ذكره هنا بهذا الشكل مع ما ذكره الشارح قبل إنشاد البيت، ولو أنه قال: " وتقديره عند البصريين إن هلك منفس " لاستقام الكلام. (*)

[ 523 ]

وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا (1) كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد (2) أشار بهذين البيتين إلى القسم الثاني، وهو ما يجب فيه الرفع (3)، فيجب رفع.


(1) " وإن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط " السابق " فاعل تلا " ما " اسم موصول: مفعول به لتلا " بالابتدا " جار ومجرور متعلق بيختص الآتي " يختص " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة " فالرفع " الفاء لربط الجواب بالشرط، الرفع: مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: فالتزم الرفع التزمه، والجملة في محل جزم جواب الشرط " التزمه " التزم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " أبدا " منصوب على الظرفية، والجملة من فعل الامر وفاعله المستتر فيه لا محل لها مفسرة. (2) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف يقع نعتا لمصدر محذوف منصوب على المفعولية المطلقة بفعل مدلول عليه بالسابق، والتقدير: والتزم الرفع التزاما مشابها لذلك الالتزام إذا تلا الفعل إلخ " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " الفعل " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إذا تلا الفعل " تلا " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والجملة لا محل لها من الاعراب تفسيرية " ما " اسم موصول مفعول به لتلا " لم يرد " مضارع مجزوم بلم " ما " اسم موصول فاعل يرد، والجملة لا محل لها صلة ما الواقع مفعولا به لتلا " قبل " ظرف متعلق بمحذوف صلة " ما " الواقع فاعلا " معمولا " حال من فاعل يرد " لما " جار ومجرور متعلق بمعمول " بعد " ظرف متعلق بوجد " وجد " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة المجرورة محلا باللام، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا باللام. (3) للمؤلفين اختلاف في اعتبار هذا القسم برمته من باب الاشتغال، فابن الحاجب لم يذكره أصلا، وابن هشام ينص على أنه ليس من باب الاشتغال، ولا يصدق ضابطه عليه، وذلك لاننا اشترطنا في ضابط الاشتغال: أن العامل في المشغول به لو تفرغ من الضمير وسلط على الاسم السابق المشغول عنه لعمل فيه (انظر كلام الشارح في ص 518) = (*)

[ 524 ]

الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعد أداة تختص بالابتداء، كإذا التي للمفاجأة، فتقول: " خرجت فإذا زيد يضربه عمرو " برفع " زيد " - ولا يجوز نصبه، لان " إذا " هذه لا يقع بعدها الفعل: لا ظاهرا، ولا مقدرا. وكذلك يجب رفع الاسم السابق إذا ولى الفعل المشتغل بالضمير أداة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كأدوات الشرط، والاستفهام، و " ما " النافية، نحو " زيد إن لقيته فأكرمه، وزيد هل تضربه، وزيد ما لقيته " فيجب رفع " زيد " في هذه الامثلة ونحوها (1)، ولا يجوز نصبه، لان ما لا يصلح أن يعمل.


= وفي هذا القسم لا يتم ذلك، ألا ترى أن نحو قولك: " خرجت فإذا زيد يضربه عمرو " لو حذفت الضمير لم يعمل " يضرب " في " زيد " المتقدم، لان المتقدم مرفوع، والمتأخر يطلب منصوبا لا مرفوعا، ولان الفعل المتأخر لا يصح أن يقع بعد " إذا ". ومن الناس من عده من باب الاشتغال غير مكترث بهذا الضابط، والحق هو الاول لما ذكرنا. (1) الاشياء التي لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عشرة أنواع: (الاول) أدوات الشرط جميعها، نحو زيد إن لقيته فأكرمه، وزيد حيثما تلقه فأكرمه. (الثاني) أدوات الاستفهام جميعها، نحو زيد هل أكرمته، وعلى أسلمت عليه. (الثالث) أدوات التحضيض جميعها، نحو زيد هلا أكرمته، وخالد ألا تزوره. (الرابع) أدوات العرض جميعها، نحو زيد ألا تكرمه، وبكر أما تجيبه. (الخامس) لام الابتداء، نحو زيد لانا قد ضربته، وخالد لانا أحبه حبا جما. (السادس) " كم " الخبرية، نحو زيدكم ضربته، وإبراهيم كم نصحت له. (السابع) الحروف الناسخة، نحو زيد إني ضربته، وبكر كأنه السيف مضاء عزيمة. (الثامن) الاسماء الموصولة، نحو زيد الذي تضربه، وهند التي رأيتها. (التاسع) الاسماء الموصوفة بالعامل المشغول، نحو زيد رجل ضربته. (العاشر) بعض حروف النفي، وهي " ما " مطلقا، نحو زيد رجل ما ضربته، و " لا " بشرط أن تقع في جواب قسم، نحو زيد والله لا أضربه، فإن كان حرف = (*)

[ 525 ]

فيما قبله لا يصلح أن يفسر عاملا فيما قبله، وإلى هذا أشار بقوله: " كذا إذا الفعل تلا - إلى آخره ". أي: كذلك يجب رفع الاسم السابق إذا تلا الفعل شيئا لا يرد ما قبله معمولا لما بعده، ومن أجاز عمل ما بعد هذه الادوات فيما قبلها، فقال: " زيدا ما لقيت " أجاز النصب مع الضمير بعامل مقدر، فيقول: " زيدا ما لقيته ". * * * واختير نصب قبل فعل ذي طلب وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب (1) وبعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا (2).


= النفي غير " ما " و " لا " نحو زيد لم أضربه أو كان حرف النفي هو " لا " وليس في جواب القسم، نحو زيد لا أضربه فإنه يترجح الرفع ولا يجب، لانها حينئذ لا تفصل ما بعدها عما قبلها. (1) " واختير " فعل ماض مبني للمجهول " نصب " نائب فاعل لاختير " قبل " ظرف متعلق باختير، وقبل مضاف و " فعل " مضاف إليه " ذي طلب " نعت لفعل، ومضاف إليه " وبعد " معطوف على قبل، وبعد مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " إيلاؤه " إيلاء: مبتدأ، وإيلاء مضاف والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لاحد مفعوليه " الفعل " مفعول ثان للمصدر " غلب " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى إيلاء، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بالاضافة. (2) " وبعد " معطوف على بعد في البيت السابق، وبعد مضاف و " عاطف " مضاف إليه " بلا فصل " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لعاطف " على معمول " متعلق بعاطف، ومعمول مضاف و " فعل " مضاف إليه " مستقر " نعت لفعل " أولا " ظرف متعلق بمستقر. (*)

[ 526 ]

هذا هو القسم الثالث، وهو ما يختار فيه النصب. وذلك إذا وقع بعد الاسم فعل دال على طلب - كالامر، والنهي، والدعاء - نحو " زيدا اضربه، وزيدا لا تضربه، وزيدا رحمه الله "، فيجوز رفع " زيد " ونصبه، والمختار النصب (1). وكذلك يختار النصب إذا وقع الاسم بعد أداة يغلب أن يليها الفعل (2)، كهمزة الاستفهام، نحو " أزيدا ضربته " بالنصب والرفع، والمختار النصب. وكذلك يختار النصب إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة فعلية ولم يفصل بين العاطف والاسم، نحو " قام زيد وعمرا أكرمته " ؟ فيجوز رفع " عمرو " ونصبه، والمختار النصب، لتعطف جملة فعلية على جملة فعلية، فلو فصل بين العاطف والاسم كان الاسم كما لو لم يتقدمه شئ، نحو " قام زيد وأما عمرو فأكرمته " فيجوز رفع " عمرو " ونصبه، والمختار الرفع كما سيأتي، وتقول: " قام زيد وأما عمرا فأكرمه " فيختار النصب كما تقدم، لانه وقع قبل فعل دال على طلب. * * *.


(1) إنما اختبر نصب الاسم المشغول عنه إذا كان الفعل المشغول طلبيا مع أن الجمهور يجيزون الاخبار عن المبتدأ بالجملة الطلبية لان الاخبار بها خلاف الاصل، لكونها لا تحتمل الصدق والكذب. (2) الادوات التي يغلب وقوع الفعل بعدها أربعة (الاولى) همزة الاستفهام (الثانية) " ما " النافية، ففي نحو " ما زيدا لقيته " يترجح النصب (الثالثة) " لا " النافية، ففي نحو " لا زيدا ضربته ولا عمرا " يترجح النصب (الرابعة) " إن " النافية، ففي نحو " إن زيدا ضربته " بمعنى ما زيدا ضربته - يترجح النصب أيضا. (*)

[ 527 ]

وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا به عن اسم، فاعطفن مخيرا (1) أشار بقوله: " فاعطفن مخيرا " إلى جواز الامرين على السواء، وهذا هو الذي تقدم أنه القسم الخامس، وضبط النحويون ذلك بأنه إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة ذات وجهين، جاز الرفع والنصب على السواء، وفسروا الجملة ذات الوجهين بأنها جملة: صدرها اسم، وعجزها فعل، نحو " زيد قام وعمرو أكرمته " فيجوز رفع " عمرو " مراعاة للصدر، ونصبه مراعاة للعجز. * * * والرفع في غير الذي مر رجح فما أبيح افعل، ودع ما لم يبح (2).


(1) " إن " شرطية " تلا " فعل ماض، فعل الشرط " المعطوف " فاعل لتلا " فعلا " مفعول به لتلا " مخبرا " نعت لفعل " به، عن اسم " متعلقان بمخبر " فاعطفن " الفاء لربط الجواب بالشرط، اعطف: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مخيرا " حال من الضمير المستتر في " اعطفن ". (2) " والرفع " مبتدأ " في غير " جار ومجرور متعلق برجح الآتي، وغير مضاف و " الذي " اسم موصول: مضاف إليه " مر " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، والجملة من مر وفاعله لا محل لها صلة " رجح " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الرفع الواقع مبتدأ، والجملة من رجح وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " فما " الفاء للتفريع، وما: اسم موصول به مقدم لافعل " أبيح " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أبيح ونائب فاعله لا محل لها صلة " افعل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ودع " مثله " ما " اسم موصول مفعول به لدع " لم يبح " مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لا محل لها صلة الموصول. (*)

[ 528 ]

هذا هو الذي تقدم أنه القسم الرابع، وهو ما يجوز فيه الامران ويختار الرفع، وذلك: كل اسم لم يوجد معه ما يوجب نصبه، ولا ما يوجب رفعه، ولا ما يرجح نصبه، ولا ما يجوز فيه الامرين على السواء، وذلك نحو " زيد ضربته " فيجوز رفع " زيد " ونصبه، والمختار رفعه، لان عدم الاضمار أرجح من الاضمار، وزعم بعضهم أنه لا يجوز النصب، لما فيه من كلفة الاضمار، وليس بشئ، فقد نقله سيبويه وغيره من أئمة العربية، وهو كثير، وأنشد أبو السعادات ابن الشجري في أماليه على النصب قوله: 158 - فارسا ما غادروه ملحما غير زميل ولا نكس وكل ومنه قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها) بكسر تاء " جنات ". * * *.


158 - البيت لامرأة من بني الحارث بن كعب، وهو أول ثلاثة أبيات اختارها أبو تمام في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي 3 - 121 بتحقيقنا) ونسبها قوم إلى علقمة بن عبدة، وليس ذلك بشئ، وبعد بيت الشاهد قولها: لو يشا طار به ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل غير أن الباس منه شيمة وصروف الدهر تجري بالاجل اللغة: " فارسا " هذه الكلمة تروى بالرفع وبالنصب، وممن رواها بالرفع أبو تمام في ديوان الحماسة، وممن رواها بالنصب أبو السعادات ابن الشجري كما قال الشارح " ما " زائدة " غادروه " تركوه في مكانه، وسمي الغدير غديرا لانه جزء من الماء يتركه السيل، فهو فعيل بمعنى مفعول في الاصل. ثم نقل إلى الاسمية " ملحم " بزنة المفعول: الذي ينشب في الحرب فلا يجد له مخلصا " الزميل " بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحا: الضعيف الجبان " النكس " بكسر أوله وسكون ثانيه: الضعيف الذي يقصر عن النجدة وعن غاية المجد والكرم " الوكل " بزنة كتف - الذي يكل أمره إلى غيره عجزا " لو يشا - إلخ " معناه أنه لو شاء النجاة لانجاه فرس له نشاط وسرعة جرى وحدة، والنهد: الغليظ، والخصل: جمع خصلة، وهي ما يتدلى من أطراف العشر = (*)

[ 529 ]

وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري (1) يعني أنه لا فرق في الاحوال الخمسة السابقة بين أن يتصل الضمير بالفعل المشغول به نحو " زيد ضربته " أو ينفصل منه: بحرف جر، نحو " زيد مررت به " أو بإضافة، نحو " زيد ضربت غلامه "، [ أو غلام صاحبه ]، أو مررت بغلامه، [ أو بغلام صاحبه ] "، فيجب النصب في نحو " إن زيدا مررت به أكرمك " كما يجب في " إن زيدا لقيته أكرمك " وكذلك يجب الرفع في " خرجت فإذا زيد مر به عمر و " ويختار النصب في " أزيدا مررت.


= " غير أن البأس - إلخ " الشيمة: الطبيعة والسجية والخليقة، وصروف الدهر: أحواله وأهواله وأحداثه وغيره ونوازله، واحدها صرف. الاعراب: " فارسا " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، وتقدير الكلام: غادروا فارسا " ما " حرف زائد لقصد التفخيم، ويجوز أن يكون اسما نكرة بمعنى عظيم، فهو حينئذ نعت لفارس " غادروه " فعل وفاعل ومفعول به " ملحما " حال من الضمير المنصوب في غادروه، ويقال: مفعول ثان، وليس بذاك " غير " حال ثان، وغير مضاف و " زميل " مضاف إليه " ولا نكس " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي، ونكس: معطوف على زميل " وكل " صفة لنكس. الشاهد فيه: قوله " فارسا ما غادروه " حيث نصب الاسم السابق، وهو قوله " فارسا " المشتغل عنه، بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، ولا مرجح للنصب في هذا الموضع ولا موجب له، فلما نصب " فارسا " مع خلو الكلام مما يوجب النصب أو يرجحه دل على أن النصب حينئذ جائز، وليس ممتنعا. (1) " فصل " مبتدأ، وفصل مضاف و " مشغول " مضاف إليه " بحرف " جار ومجرور متعلق بفصل، وحرف مضاف و " جر " مضاف إليه " أو " عاطفة " بإضافة " جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور السابق " كوصل " جار ومجرور متعلق بيجري الآتي " يجري " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على فصل الواقع مبتدأ في أول البيت، والجملة من يجري وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (34 - شرح ابن عقيل) (*)

[ 530 ]

به ؟ " ويختار الرفع في " زيد مررت به " ويجوز الامران على السواء في " زيد قام وعمرو مررت به " وكذلك الحكم في " زيد [ ضربت غلامه، أو ] مررت بغلامه ". * * * وسو في ذا الباب وصفا ذا عمل بالفعل، إن لم يك مانع حصل (1) يعني أن الوصف العامل في هذا الباب يجري مجرى الفعل فيما تقدم، والمراد بالوصف العامل: اسم الفاعل، واسم المفعول. واحترز بالوصف مما يعمل عمل الفعل وليس بوصف كاسم الفعل، نحو " زيد دراكه " فلا يجوز نصب " زيد "، لان أسماء الافعال لا تعمل فيما قبلها، فلا تفسر عاملا فيه. واحترز بقوله " ذا عمل " من الوصف الذي لا يعمل، كاسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، نحو " زيد أنا ضاربه أمس "، فلا يجوز نصب " زيد "، لان ما لا يعمل لا يفسر عاملا. ومثال الوصف العامل " زيد أنا ضاربه: الآن، أو غدا، والدرهم أنت معطاه " فيجوز نصب " زيد، والدرهم " ورفعهما كما كان يجوز ذلك مع الفعل..


(1) " وسو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في ذا " جار ومجرور متعلق بسو " الباب " بدل من اسم الاشارة أو عطف بيان عليه أو نعت له " وصفا " مفعول به لسو " ذا " بمعنى صاحب: نعت لوصف، وذا مضاف، و " عمل " مضاف إليه " بالفعل " جار ومجرور متعلق بسو " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يك " فعل مضارع تام مجزوم بلم، فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف " مانع " فاعل يك " حصل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مانع، والجملة في محل رفع نعت لمانع، وجواب الشرط محذوف، وتقديره: إن لم يكن مانع حاصل وموجود فسو وصفا ذا عمل بالفعل. (*)

[ 531 ]

واحترز بقوله: " إن لم يك مانع حصل " عما إذا دخل على الوصف مانع يمنعه من العمل فيما قبله، كما إذا دخلت عليه الالف واللام، نحو " زيد أنا الضاربه "، فلا يجوز نصب " زيد "، لان ما بعد الالف واللام لا يعمل فيما قبلهما، فلا يفسر عاملا فيه، والله أعلم (1). * * * وعلقة حاصلة بتابع كعلقة بنفس الاسم الواقع (2) تقدم أنه لا فرق في هذا الباب بين ما اتصل فيه الضمير بالفعل، نحو " زيدا ضربته " وبين ما انفصل بحرف جر، نحو " زيدا مررت به "، أو بإضافة، نحو " زيدا ضربت غلامه "..


(1) تلخيص ما أشار إليه الناظم والشارح أن العامل المشغول إذا لم يكن فعلا اشترط فيه ثلاثة شروط (الاول) أن يكون وصفا، وذلك يشمل اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة، ويخرج به اسم الفعل والمصدر، فإن واحدا منهما لا يسمى وصفا (الثاني) أن يكون هذا الوصف عاملا النصب على المفعولية باطراد، فإن لم يكن بهذه المنزلة لم يصح، وذلك كاسم الفاعل بمعنى الماضي والصفة المشبهة واسم التفضيل (الثالث) ألا يوجد مانع، فإن وجد ما يمنع من عمل الوصف فيما قبله لم يصح في الاسم السابق نصبه على الاشتغال، ومن الموانع كون الوصف اسم فاعل مقترنا بأل، لان " أل " الداخلة على اسم الفاعل موصولة، وقد عرفت أن الموصولات تقطع ما بعدها عما قبلها، فيكون العامل غير الفعل في هذا الباب منحصرا في ثلاثة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، بشرط أن يكون كل واحد منها بمعنى الحال أو الاستقبال، وألا يقترن بأل. (2) " وعلقة " مبتدأ " حاصلة " نعت لعلقة " بتابع " جار ومجرور متعلق بحاصلة " كعلقة " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ " بنفس " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لعلقة المجرور بالكاف، ونفس مضاف، و " الاسم " مضاف إليه " الواقع " نعت للاسم. (*)

[ 532 ]

وذكر في هذا البيت أن الملابسة بالتابع كالملابسة بالسببي، ومعناه أنه إذ عمل الفعل في أجنبي، وأتبع بما اشتمل على ضمير الاسم السابق: من صفة، نحو " زيدا ضربت رجلا يحبه " أو عطف بيان، نحو " زيدا ضربت عمرا أباه " أو معطوف بالواو خاصة نحو " زيدا ضربت عمرا وأخاه " حصلت الملابسة بذلك كما تحصل بنفس السببي، فينزل " زيدا ضربت رجلا يحبه " منزلة " زيدا ضربت غلامه " وكذلك الباقي. وحاصله أن الاجنبي إذا أتبع بما فيه ضمير الاسم السابق جرى مجرى السببي، والله أعلم. * * *

[ 533 ]

تعدى الفعل، ولزومه علامة الفعل المعدى أن تصل " ها " غير مصدر به، نحو عمل (1) ينقسم الفعل إلى متعد، ولازم، فالمتعدي: هو الذي يصل إلى مفعوله بغير حرف جر، [ نحو " ضربت زيدا " ] واللازم: ما ليس كذلك، وهو: ما لا يصل إلى مفعوله إلا بحرف جر (2) نحو " مررت بزيد " أولا مفعول له،.


(1) " علامة " مبتدأ، وعلامة مضاف، و " الفعل " مضاف إليه " المعدى " نعت للفعل " أن " مصدرية " تصل " فعل مضارع منصوب بأن، وسكن للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و " أن " وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع خبر المبتدأ، والتقدير: علامة الفعل المعدى وصلك به ها إلخ " ها " مفعول به لتصل، وها مضاف و " غير " مضاف إليه، وغير مضاف، و " مصدر " مضاف إليه " به " جار ومجرور متعلق بتصل " نحو " خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك نحو، ونحو مضاف، و " عمل " قصد لفظه: مضاف إليه. (2) أكثر النحاة على أن الفعل من حيث التعدي واللزوم ينقسم إلى قسمين: المتعدي، واللازم، ولا ثالث لهما، وعبارة الناظم والشارح تدل على أنهما يذهبان هذا المذهب، ألا ترى أن الناظم يقول " ولازم غير المعدى " والشارح يقول " واللازم ما ليس كذلك " وذلك يدل على أن كل فعل ليس بمتعد فهو لازم، فيدل على انحصار التقسيم في القسمين. ومن العلماء من ذهب إلى أن الفعل من هذه الجهة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الاول المتعدي، والثاني اللازم، والثالث ما ليس بمتعد ولا لازم، وجعلوا من هذا القسم الثالث الاخير " كان " وأخواتها، لانها لاتنصب المفعول به ولا تتعدى إليه بحرف الجر، كما مثلوا له ببعض الافعال التي وردت تارة متعدية إلى المفعول به بنفسها وتارة أخرى متعدية إليه بحرف الجر، نحو شكرته وشكرت له ونصحته ونصحت له وما أشبههما وقد يقال: إن " كان " ليست خارجة عن القسمين، بل هي متعدية، وحينئذ يكون = (*)

[ 534 ]

نحو " قام زيد " ويسمى ما يصل إلى مفعوله بنفسه: فعلا متعديا، وواقعا، ومجاوزا، وما ليس كذلك يسمى: لازما، وقاصرا، وغير متعد، و [ يسمى ] متعديا بحرف جر. وعلامة الفعل المتعدي أن تتصل به هاء تعود على غير المصدر، وهي هاء المفعول به، نحو " الباب أغلقته ". واحترز بهاء غير المصدر من هاء المصدر، فإنها تتصل بالمتعدي واللازم، فلا تدل على تعدي الفعل، فمثال المتصلة بالمتعدي " الضرب ضربته زيدا " أي ضربت الضرب [ زيدا ] ومثال المتصلة باللازم " القيام قمته " أي: قمت القيام. * * * فانصب به مفعوله إن لم ينب عن فاعل، نحو تدبرت الكتب (1).


= المراد من المفعول به هو أو ما أشبهه كخبر كان، أو يقال: إن المقسم هو الافعال التامة، فليست " كان " وأخواتها من موضع التقسيم حتى يلزم دخولها في أحد القسمين، كما انه قد يقال: إن نحو شكرته وشكرت له لم تخرج عن القسمين، بل هي إما متعدية، وحرف الجر في شكرت له زائد، أو لازمة، ونصبها للمفعول به في شكرته على نزع الخافض. (1) " فانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " به " جار ومجرور متعلق بانصب " مفعوله " مفعول: مفعول به لانصب، ومفعول مضاف والهاء مضاف إليه " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " ينب " فعل مضارع، فعل الشرط، مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مفعوله، (.) ؟ الشرط محذوف، والتقدير: إن لم ينب مفعوله عن فاعل فانصبه به " عن فاعل " (.) ؟ مجرور متعلق بينب " نحو " خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك نحو " تدبرت " (.) ؟ فاعل " الكتب " مفعول به، ونحو مضاف، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله = (*)

[ 535 ]

شأن الفعل المتعدي أن ينصب مفعوله إن لم ينب عن فاعله، نحو " تدبرت الكتب " فإن ناب عنه وجب رفعه كما تقدم، نحو " تدبرت الكتب ". وقد يرفع المفعول وينصب الفاعل عند أمن اللبس، كقولهم: " خرق الثوب المسمار " ولا ينقاس ذلك، بل يقتصر فيه على السماع (1)..


= في محل جر مضاف إليه، والمراد بالمفعول في قوله " فانصب به مفعوله " هو المفعول به، لامرين، أحدهما: أن المفعول عند الاطلاق هو المفعول به، وأما بقية المفاعيل فلابد فيها من التقييد، تقول: المفعول معه، والمفعول لاجله، والمفعول فيه، والمفعول المطلق. وثانيهما: أن الذي يختص به الفعل المتعدي هو المفعول به، فأما غيره من المفاعيل فيشترك في نصبه المتعدي واللازم، تقول: ضربت ضربا، وقمت قياما، وتقول: ذاكرت والمصباح، وسرت والنيل، وتقول: ضربت ابني تأديبا، وقمت إجلالا للامير، وتقول: لعبت الكرة أصيلا، وخرجت من الملعب ليلا. (1) قال السيوطي في همع الهوامع (1 / 186): وسمع رفع المفعول به ونصب الفاعل، حكوا: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، وقال الشاعر: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر فإن السوآت هي البالغة، وسمع أيضا رفعهما، قال: [ إن من صاد عقعقا لمشوم ] كيف من صاد عقعقان وبوم وسمع نصبهما، قال: قد سالم الحيات منه القدما [ الافعوان والشجاع الشجعما ] والمبيح لذلك كله فهم المعنى وعدم الالباس، ولا يقاس على شئ من ذلك " اه‍ وقال ابن مالك في شرح الكافية: " وقد يحملهم ظهور المعنى على إعراب كل واحد من الفاعل والمفعول به بإعراب الآخر، كقولهم: خرق الثوب المسمار، ومنه قول الاخطل * مثل القنافذ. البيت " اه‍. والظاهر من هذه العبارات كلها أن الاسم المنصوب في هذه المثل التي ذكروها هو الفاعل، والاسم المرفوع هو المفعول، وأن التغير لم يحصل إلا في حركات الاعراب، لكن ذهب الجوهري إلى أن المنصوب هو المفعول به، والمرفوع هو الفاعل، والتغيير = (*)

[ 536 ]

والافعال المتعدية على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتعدى إلى مفعولين، وهي قسمان، أحدهما: ما أصل المفعولين فيه المبتدأ والخبر، كظن وأخواتها، والثاني: ما ليس أصلهما ذلك، كأعطى وكسا. والقسم الثاني: ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، كأعلم وأرى. والقسم الثالث: ما يتعدى إلى مفعول واحد، كضرب، ونحوه. * * * ولازم غير المعدى، وحتم لزوم أفعال السجايا، كنهم (1) كذا افعلل، والمضاهي اقعنسسا، وما اقتضى: نظافة، أو دنسا (2) أو عرضا، أو طاوع المعدى لواحد، كمده فامتدا (3).


= إنما حصل في المعنى، وهذا رأي لجماعة من النحاة، وقد اختاره الشاطبي، وانظر ما ذكرناه واستشهدنا له في مطلع باب الفاعل. (1) " ولازم " خبر مقدم " غير " مبتدأ مؤخر، وغير مضاف و " المعدى " مضاف إليه " وحتم " فعل ماض مبني للمجهول " لزوم " نائب فاعل لحتم، ولزوم مضاف، و " أفعال " مضاف إليه، وأفعال مضاف، و " السجايا " مضاف إليه " كنهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كنهم. (2) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " افعلل " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " والمضاهي " معطوف على قوله " افعلل " السابق، وهو اسم فاعل، وفاعله ضمير مستتر فيه، وقوله " اقعنسسا " مفعوله، وقد قصد لفظه " وما " اسم موصول: معطوف على المضاهي " اقتضى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " نظافة " مفعول به لا قتضى " أو دنسا " معطوف على قوله نظافة. (3) " أو عرضا " معطوف على قوله نظافة في البيت السابق " أو طاوع " أو: = (*)

[ 537 ]

اللازم هو: ما ليس بمتعد، وهو: ما لا يتصل به هاء [ ضمير ] غير المصدر، ويتحتم اللزوم لكل فعل دال على سجية - وهي الطبيعة - نحو: " شرف، وكرم، وظرف، ونهم " وكذا كل فعل على وزن افعلل، نحو: " اقشعر، واطمأن " أو على وزن افعنلل، نحو: " اقعنسس، واحرنجم " أو دل على نظافة ك‍ " طهر الثوب، ونظف " أو على دنس ك‍ " دنس الثوب، ووسخ " أو دل على عرض نحو: " مرض زيد، واحمر " أو كان مطاوعا لما تعدى إلى مفعول واحد نحو: " مددت الحديد فامتد، ودحرجت زيدا فتدحرج " واحترز بقوله: " لواحد " مما طلوع المتعدي إلى اثنين، فإنه لا يكون لازما، بل يكون متعديا إلى مفعول واحد، نحو: " فهمت زيدا المسألة ففهمها، وعلمته النحو فتعلمه ". * * * وعد لازما بحرف جر وإن حذف فالنصب للمنجر (1).


= حرف عطف، وطاوع: فعل ماض معطوف على اقتضى، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " المعدى " مفعول به لطاوع " لواحد " جار ومجرور متعلق بالمعدى " كمده " متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كمده " فامتدا " الفاء عاطفة، امتد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جواز تقديره هو. (1) " وعد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لازما " مفعول به لعد " بحرف " جار ومجرور متعلق بعد، وحرف مضاف و " جر " مضاف إليه " وإن " شرطية " حذف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حرف جر " فالنصب " الفاء لربط الجواب بالشرط، النصب: مبتدأ " للمنجر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط. (*)

[ 538 ]

نقلا، وفي " أن " " وأن " يطرد مع أمن لبس: كعجبت أن يدوا (1) تقدم أن الفعل المتعدي يصل إلى مفعوله بنفسه، وذكر هنا أن الفعل اللازم يصل إلى مفعوله بحرف جر، نحو: " مررت بزيد " وقد يحذف حرف الجر فيصل إلى مفعوله بنفسه، نحو: " مررت زيدا " قال الشاعر: 159 - تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذا حرام.


(1) " نقلا " مفعول مطلق، أو حال صاحبه اسم المفعول المفهوم من قوله " حذف " وتقديره منقولا " وفي أن " جار ومجرور متعلق بيطرد الآتي " وأن " معطوف على أن " يطرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحذف المفهوم من حذف " مع " ظرف متعلق بيطرد، ومع مضاف و " أمن " مضاف إليه، وأمن مضاف و " لبس " مضاف إليه " كعجبت " الكاف جارة لقول محذوف، عجبت: فعل وفاعل " أن " مصدرية " يدوا " فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعله، و " أن " ومنصوبها في تأويل مصدر مجرور بمن المحذوفة، والتقدير: عجبت من وديهم أي إعطائهم الدية والجار والمجرور متعلق بعجب. 159 - البيت لجرير بن عطية بن الخطفي. اللغة: " تعوجوا " يقال: عاج فلان بالمكان يعوج عوجا ومعاجا - كقال يقول قولا ومقالا - إذا أقام به، ويقال: عاج السائر بمكان كذا، إذا عطف عليه، أو وقف به، أو عرج عليه وتحول إليه، ورواية الديوان * أتمضون الرسوم ولا نحيا *. الاعراب: " تمرون " فعل وفاعل " الديار " منصوب على نزع الخافض، وأصله: تمرون بالديار " ولم تعوجوا " الواو للحال، ولم: نافية جازمة، تعوجوا: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة فاعل، والجملة في محل نصب حال " كلامكم " كلام: مبتدأ، وكلام مضاف وضمير المخاطبين مضاف إليه " على " جار ومجرور متعلق بحرام " حرام " خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " تمرون الديار " حيث حذف الجار، وأوصل الفعل اللازم إلى الاسم الذي كان مجرورا، فنصبه، وأصل الكلام " تمرون بالديار " ويسمى ذلك: = (*)

[ 539 ]

أي: تمرون بالديار. ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس حذف حرف الجر مع غير " أن " و " أن " بل يقتصر فيه على السماع، وذهب [ أبو الحسن علي ابن سليمان البغدادي وهو ] الاخفش الصغير إلى أنه يجوز الحذف مع غيرهما قياسا، بشرط تعين الحرف، ومكان الحذف، نحو: " بريت القلم بالسكين " فيجوز عنده حذف الباء، فتقول: " بريت القلم السكين " فإن لم يتعين الحرف لم يجز الحذف، نحو: " رغبت في زيد " فلا يجوز حذف " في "، لانه لا يدرى حينئذ: هل التقدير " رغبت عن زيد " أو " في زيد " وكذلك إن لم يتعين مكان الحذف لم يجز، نحو " اخترت القوم من بني تميم " فلا يجوز الحذف، فلا تقول: " اخترت القوم بني تميم "، إذ لا يدرى: هل الاصل " اخترت القوم من بني تميم " أو " اخترت من القوم بني تميم ". وأما " أن، وأن " فيجوز حذف حرف الجر معهما قياسا مطردا، بشرط أمن اللبس، كقولك " عجبت أن يدوا " والاصل " عجبت من أن يدوا " أي: من أن يعطوا الدية، ومثال ذلك مع أن بالتشديد " عجبت من أنك قائم " فيجوز حذف " من " فتقول: " عجبت أنك قائم "، فإن حصل لبس لم يجز.


= " الحذف والايصال " وهذا قاصر على السماع، ولا يجوز ارتكابه في سعة الكلام، إلا إذا كان المجرور مصدرا مؤولا من " أن " المؤكدة مع اسمها وخبرها، أو من " أن " المصدرية مع منصوبها. ومثل هذا الشاهد قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: غضبت أن نظرت نحو نساء ليس يعرفنني مررن الطريقا ومحل الاستشهاد قوله " مررن الطريقا " حيث حذف حرف الجر ثم أوصل الفعل اللازم إلى الاسم الذي كان مجرورا فنصبه، وأصل الكلام: مررن بالطريق، وفيه شاهد آخر للقياسي من هذا الباب، وذلك في قوله " غضبت أن نظرت " وأصله: غضبت من أن نظرت. (*)

[ 540 ]

الحذف، نحو " رغبت في أن تقوم " أو " [ رغبت ] في أنك قائم " فلا يجوز حذف " في " لاحتمال أن يكون المحذوف " عن " فيحصل اللبس. واختلف في محل " أن، وأن " - عند حذف حرف الجر - فذهب الاخفش إلى أنهما في محل جر، وذهب الكسائي إلى أنهما في محل نصب (1)، وذهب سيبويه إلى تجويز الوجهين..


(1) أما الذين ذهبوا إلى أن المصدر المنسبك من الحرف المصدري ومعموله في محل نصب بعد حذف حرف الجر الذي كان يقتضى جره فاستدلوا على ذلك بشيئين: أولهما: أن حرف الجر عامل ضعيف، وآية ضعفه أنه مختص بنوع واحد هو الاسم، والعامل الضعيف لا يقوى على العمل إلا إذا كان مذكورا، فمتى حذف من الكلام زال عمله. وثاني الدليلين: أن حرف الجر إذا حذف من الكلام وكان مدخوله غير " أن " و " أن " فنحن متفقون على أن الاسم الذي كان مجرورا به ينصب كما في بيت عمر وبيت جرير السابق (رقم 159) وكما في قول ساعدة بن جؤية الهذلي: لدن بهز الكف يعسل متنه فيه، كما عسل الطريق الثعلب وكما في قول المتلمس جرير بن عبد المسيح يخاطب عمرو بن هند ملك الحيرة: آليت حب العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السوس أراد الاول: كما عسل في الطريق، وأراد الثاني: آليت على حب العراق، فلما حذفا حرف الجر نصبا الاسم الذي كان مجرورا، فيجب أن يكون هذا هو الحكم مع أن وأن. وأما الذين ذهبوا إلى أن المصدر في محل جر بعد حذف حرف الجر فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالسماع عن العرب. فمن ذلك قول الفرزدق من قصيدة يمدح فيها عبد المطلب بن عبد الله المخزومي: وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي، ولا دين بها أنا طالبه فقوله " ولا دين " مروى بجر دين المعطوف على المصدر المنسبك من " أن تكون إلخ " = (*)

[ 541 ]

وحاصله: أن الفعل اللازم يصل إلى المفعول بحرف الجر، ثم إن كان المجرور غير " أن، وأن " لم يجز حذف حرف الجر إلا سماعا، وإن كان " أن، وأن " جاز [ ذلك ] قياسا عند أمن اللبس، وهذا هو الصحيح. * * * والاصل سبق فاعل معنى كمن من " ألبسن من زاركم نسج اليمن " (1) إذا تعدى الفعل إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبرا في الاصل، فالاصل تقديم ما هو فاعل في المعنى، نحو " أعطيت زيدا درهما " فالاصل تقديم " زيد " .


= وذلك يدل على أن هذا المصدر مجرور، لوجوب تطابق المعطوف والمعطوف عليه في حركات الاعراب. وقد حذف الفرزدق حرف الجر وأبقى الاسم مجرورا على حاله قبل الحذف، وذلك في قوله. إذا قيل: أي الناس شر قبيلة ؟ أشارت كليب بالاكف الاصابع أصل الكلام: أشارت إلى كليب، فلما حذف " إلى " أبقى " كليب " على جره. فلما رأى سيبويه - رحمه الله ! - تكافؤ الادلة، وأن السماع ورد بالوجهين، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر، جوز كل واحد منهما. (1) " والاصل " مبتدأ " سبق " خبر المبتدأ، وسبق مضاف، و " فاعل " مضاف إليه " معنى " منصوب على نزع الخافض، أو تمييز " كمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن كمن - إلخ " من " حرف جر، ومجروره قول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال " ألسن " فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " من " اسم موصول: مفعول أول لالبس " زاركم " زار: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، وضمير المخاطبين مفعول به، والجملة لا محل لها صلة " نسج " مفعول ثان لالبس، ونسج مضاف و " اليمن " مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف. (*)

[ 542 ]

على " درهم " لانه فاعل في المعنى، لانه الآخذ للدرهم، وكذا " كسوت زيدا جبة " و " ألبسن من زاركم نسج اليمن " ف‍ " من ": مفعول أول، و " نسج ": مفعول ثان، والاصل تقديم " من " على " نسج اليمن " لانه اللابس، ويجوز تقديم ما ليس فاعلا معنى، لكنه خلاف الاصل. * * * ويلزم الاصل لموجب عرى وترك ذاك الاصل حتما قد يرى (1) أي: يلزم الاصل - وهو تقديم الفاعل في المعنى - إذا طرأ ما يوجب ذلك، وهو خوف اللبس، نحو " أعطيت زيدا عمرا " فيجب تقديم الآخذ منهما، ولا يجوز تقديم غيره، لاجل اللبس، إذ يحتمل أن يكون هو الفاعل. وقد يجب تقديم ما ليس فاعلا في المعنى، وتأخير ما هو فاعل في المعنى، نحو " أعطيت الدرهم صاحبه " فلا يجوز تقديم صاحبه وإن كان فاعلا في المعنى، فلا تقول: " أعطيت صاحبه الدرهم " لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة [ وهو ممتنع ] والله أعلم (2). * * *.


(1) " ويلزم الاصل " فعل وفاعل " لموجب " جار ومجرور متعلق بيلزم " عرى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى موجب، والجملة في محل جر نعت لموجب " وترك " مبتدأ، وترك مضاف واسم الاشارة من " ذاك " مضاف إليه، والكاف حرف خطاب " الاصل " بدل أو عطف بيان من اسم الاشارة " حتما " حال من نائب الفاعل المستتر في " يرى " الآتي، وتقديره باسم مفعول: أي محتوما " قد " حرف تقليل " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ترك، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (2) تلخيص ما أشار إليه الشارح والناظم في هذه المسألة أن للمفعول الاول مع المفعول الثاني - اللذين ليس أصلهما المبتدأ والخبر - ثلاثة أحوال، الحالة الاولى يجب = (*)

[ 543 ]

وحذف فضلة أجز، إن لم يضر كحذف ما سيق جوابا أو حصر (1) الفضلة: خلاف العمدة، والعمدة: ما لا يستغنى عنه كالفاعل، والفضلة: ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به، فيجوز حذف الفضلة إن لم يضر، كقولك.


= فيها تقديم الفاعل في المعنى، والحالة الثانية يجب فيها تقديم المفعول في المعنى، والحالة الثالثة يجوز فيها تقديم أيهما شئت، وسنبين لك مواضع كل حالة منها تفصيلا. أما الحالة الاولى فلها ثلاثة مواضع، أولها: أن يخاف اللبس، وذلك إذا صلح كل من المفعولين أن يكون فاعلا في المعنى، وذلك نحو " أعطيت زيدا عمرا " وثانيهما: أن يكون المفعول في المعنى محصورا فيه، نحو قولك " ما كسوت زيدا إلا جبة، وما أعطيت خالدا إلا درهما " وثالثها: أن يكون الفاعل في المعنى ضميرا والمفعول في المعنى اسما ظاهرا نحو " أعطيتك درهما ". وأما الحالة الثانية فلها ثلاثة مواضع أيضا، أولها: أن يكون الفاعل في المعنى متصلا بضمير يعود على المفعول في المعنى نحو " أعطيت الدرهم صاحبه "، إذ لو قدم لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وثانيها: أن يكون الفاعل في المعنى منهما محصورا فيه، نحو قولك " ما أعطيت الدرهم إلا زيدا " وثالثها: أن يكون المفعول في المعنى منهما ضميرا والفاعل في المعنى اسما ظاهرا، نحو قولك " الدرهم أعطيته بكرا " وأما الحالة الثالثة ففيما عداما ذكرناه من مواضع الحالتين، ومنها قولك " أعطيت زيدا ماله " يجوز أن تقول فيه: أعطيت ماله زيدا، فالضمير إن عاد على متأخر لفظا فقد عاد على متقدم رتبة. (1) " وحذف " مفعول به مقدم لاجز، وحذف مضاف و " فضلة " مضاف إليه " أجز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " لم " جازمة نافية " يضر " فعل مضارع مجزوم بلم، وجملته فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام: إن لم يضر حذف الفضلة فأجزه " كحذف " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي وذلك كائن كحذف و " ما " اسم موصول: مضاف إليه " سيق " فعل ماض مبني " للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " جوابا " مفعول ثان لسيق " أو " عاطفة " حصر " فعل ماض مبني للمجهول معطوف على سيق. (*)

[ 544 ]

في " ضربت زيدا ": " ضربت " بحذف المفعول به، وكقولك في " أعطيت زيدا درهما ": " أعطيت "، ومنه قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى)، و " أعطيت زيدا "، ومنه قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى)، و " أعطيت درهما " قيل: ومنه قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية) التقدير - والله أعلم - حتى يعطوكم الجزية، فإن ضر حذف الفضلة لم يجز حذفها، كما إذا وقع المفعول به في جواب سؤال، نحو أن يقال: " من ضربت ؟ " فتقول: " ضربت زيدا " أو وقع محصورا، نحو " ما ضربت إلا زيدا "، فلا يجوز حذف " زيدا " في الموضعين، إذ لا يحصل في الاول الجواب، ويبقى الكلام في الثاني دالا على نفي الضرب مطلقا، والمقصود نفيه عن غير " زيد "، فلا يفهم المقصود عند حذفه. * * * ويحذف الناصبها، إن علما، وقد يكون حذفه ملتزما (1) يجوز حذف ناصب الفضلة إذا دل عليه دليل، نحو أن يقال: " من ضربت ؟ " فتقول: " زيدا " التقدير: " ضربت زيدا " فحذف " ضربت "، لدلالة ما قبله عليه، وهذا الحذف جائز، وقد يكون واجبا كما تقدم في باب الاشتغال، نحو " زيدا ضربته " التقدير: " ضربت زيدا ضربته " فحذف " ضربت " وجوبا كما تقدم، والله أعلم.


(1) " ويحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " الناصبها " الناصب: نائب فاعل يحذف، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه، و " ها " ضمير الغائب العائد إلى الفضلة مفعول به " إن " شرطية " علما " فعل ماض مبني للمجهول، فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الناصب " وقد " حرف تقليل " يكون " فعل مضارع ناقص " حذفه " حذف: اسم يكون وحذف مضاف وضمير الغائب العائد إلى الناصب مضاف إليه " ملتزما " خبر يكون (*)

[ 545 ]

التنازع في العمل إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل (1) والثان أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره (2) التنازع عبارة عن توجه عاملين إلى معمول واحد (3)، نحو " ضربت


(1) " إن " شرطية " عاملان " فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن اقتضى عاملان " اقتضيا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الاعراب مفسرة " في اسم " جار ومجرور متعلق باقتضى " عمل " مفعول به لاقتضى، وقد وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة " قبل " ظرف متعلق باقتضى، أو بمحذوف يقع حالا من قوله عاملان: أي حال كون هذين العاملين واقعين قبل الاسم، وقبل مبني على الضم في محل نصب " فللواحد " الفاء لربط الجواب بالشرط، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " منهما " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الواحد " العمل " مبتدأ مؤخر (2) " والثاني " مبتدأ " أولى " خبر المبتدأ " عند " ظرف متعلق بأولى، وعند مضاف، و " أهل " مضاف إليه، وأهل مضاف، و " البصرة " مضاف إليه " واختار " فعل ماض " عكسا " مفعول به لاختار " غيرهم " غير: فاعل اختار، وغير مضاف، وضمير الغائبين مضاف إليه " ذا " حال من غيرهم، وذا مضاف و " أسره " مضاف إليه، وهو بضم الهمزة والمراد به ذا قوة، وأصله - بضم الهمزة - الدرع الحصينة، أو قوم الرجل ورهطه الاقربون، ويجوز فتح الهمزة، والاسرة - بالفتح - الجماعة القوية. (3) قد يكون العاملان المتنازعان فعلين، ويشترط فيهما حينئذ: أن يكونا متصرفين نحو قوله تعالى: (آتوني أفرغ عليه قطرا)، وقد يكونان اسمين، ويشترط فيهما حينئذ أن يكونا مشبهين للفعل في العمل، وذلك بأن يكونا اسمي فاعلين، نحو قول الشاعر: * عهدت مغيثا مغنيا من أجرته * فمن: اسم موصول تنازعه كل من مغيث ومغن، أو بأن يكونا اسمي مفعول كقول كثير: = (*)

[ 546 ]


= قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها أو بأن يكونا مصدرين كقولك: عجبت من حبك وتقديرك زيدا، أو بأن يكونا اسمي تفضيل كقولك: زيد أضبط الناس وأجمعهم للعلم، أو بأن يكونا صفتين مشبهتين نحو قولك: زيد حذر وكريم أبوه، أو بأن يكونا مختلفين، فمثال الفعل واسم الفعل قوله تعالى (هاؤم اقرءوا كتابيه) ومثال الفعل والمصدر قول الشاعر: لقد علمت أولى المغيرة أنني لقيت فلم أنكل عن الضرب مسمعا فقوله " مسمعا " اسم رجل، وقد تنازعه من حيث العمل كل من " لقيت " و " الضرب ". ومنه تعلم أنه لا تنازع بين حرفين، ولا بين فعلين جامدين، ولا بين اسمين غير عاملين، ولا بين فعل متصرف وآخر جامد، أو فعل متصرف واسم غير عامل. ويشترط في العاملين - سوى ما فصلن - شرط ثان، وهو: أن يكون بينهما ارتباط، فلا يجوز أن تقول " قام قعد أخوك " إذ لا ارتباط بين الفعلين: والارتباط يحصل بواحد من ثلاثة أمور: (الاول) أن يعطف ثانيهما على أولهما بحرف من حروف العطف، كما رأيت (الثاني) أن يكون أولهما عاملا في ثانيهما، نحو قوله تعالى: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله) العاملان هما ظنوا وظننتم، والمعمول المتنازع فيه هو (أن لن يبعث الله) و " كما ظننتم " معمول لظنوا، لانه صفة لمصدر يقع مفعولا مطلقا ناصبه ظنوا. (الثالث) أن يكون جوابا للاول، نحو قوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) ونحو قوله جل شأنه: (آتوني أفرغ عليه قطرا). ويشترط في العاملين أيضا: أن يكون كل واحد منهما موجها إلى المعمول من غير فساد في اللفظ أو في المعنى، فخرج بذلك نحو قول الشاعر: * أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس * (*)

[ 547 ]

وأكرمت زيدا " فكل واحد من " ضربت " و " أكرمت " يطلب " زيدا " بالمفعولية، وهذا معنى قوله: " إن عاملان - إلى آخره ". وقوله: " قبل " معناه أن العاملين يكونان قبل المعمول كما مثلنا، ومقتضاه أنه لو تأخر العاملان لم تكن المسألة من باب التنازع. وقوله: " فللواحد منهما العمل " معناه أن أحد العاملين يعمل في ذلك الاسم الظاهر، والآخر يهمل عنه ويعمل في ضميره، كما سيذكره.


= فليس كل واحد من " أتاك أتاك " موجها إلى قوله " اللاحقون "، إذ لو توجه كل واحد إليه لقال: أتوك أتاك اللاحقون، أو لقال: أتاك أتوك اللاحقون، بل المتوجه إليه منهما هو الاول، والثاني تأكيد له، وخرج قول امرئ القيس بن حجر الكندي ولو أن ما أسعى لادنى معيشة كفاني، ولم أطلب، قليل من المال وذلك لان كلا من " كفاني " و " لم أطلب " ليس متوجها إلى قوله " من المال " إذ لو كان كل منهما متوجها إليه لصار حاصل المعنى: كفاني قليل من المال ولم أطلب هذا القليل، وكيف يصح ذلك وهو يقول بعد هذا البيت: ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وإنما قوله " قليل من المال " فاعل كفى، وهو وحده المتوجه إلى العمل فيه، وأما قوله " ولم أطلب " فله معمول محذوف يفهم من مجموع الكلام، والتقدير: كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك. ويشترط في العاملين أيضا: أن يكونا متقدمين على المعمول كالامثلة التي ذكرناها والتي ذكرها الشارح، فإن تقدم المعمول فإما أن يكون مرفوعا وإما أن يكون منصوبا فإن تقدم وكان مرفوعا نحو قولك " زيد قام وقعد " فلا عمل لاحد العاملين فيه، بل كل واحد منهما عامل في ضميره، وإن كان منصوبا نحو قولك " زيدا ضربت وأهنت " فالعامل فيه هو أول العاملين، وللثاني منهما معمول محذوف يدل عليه المذكور، أولا معمول له أصلا، وإن توسط المعمول بين العاملين نحو قولك " ضربت زيدا وأهنت " فهو معمول للسابق عليه منهما، وللمتأخر عنه معمول محذوف بدل عليه المذكور، وقد أشار الشارح إشارة وجيزة إلى هذا الشرط. (*)

[ 548 ]

ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أنه يجوز إعمال كل واحد من العاملين في ذلك الاسم الظاهر، ولكن اختلفوا في الاولى منهما (1). فذهب البصريون إلى أن الثاني أولى به، لقربه منه، وذهب الكوفيون إلى أن الاول أولى به، لتقدمه. * * * وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه، والتزم ما التزما (2) .


(1) رأى البصريون أن إعمال ثاني العاملين أولى من إعمال الاول منهما لثلاث حجج: الاولى: أنه أقرب إلى المعمول، وهي العلة التي ذكرها الشارح. الثانية: أنه يلزم على إعمال الاول منهما الفصل بين العامل - وهو المتقدم - ومعموله - وهو الاسم الظاهر - بأجنبي من العامل، وهو ذلك العامل الثاني، ومع أن الفصل بين العامل والمعمول مغتفر في هذا الباب للضرورة التي ألجات إليه، فهو خلاف الاصل على الاقل. الثالثة: أنه يلزم على إعمال العامل الاول في لفظ المعمول أن تعطف على الجملة الاولى - وهي جملة العامل الاول مع معموله - قبل تمامها، والعطف قبل تمام المعطوف عليه خلاف الاصل. ورأى الكوفيون أن إعمال الاول أولى من إعمال الثاني لعلتين: الاولى: أنه أسبق وأقدم ذكرا، وهي التي ذكرها الشارح. والثانية: أنه يترتب على إعمال العامل الثاني في لفظ المعمول المذكور أن تضمر ضميرا في العامل الاول منهما، فيكون في الكلام الاضمار قبل الذكر، وهو غير جائز عندهم، وخلاف الاصل عند البصريين. ولكل فريق من الفريقين مستند من السماع عن العرب. ثم إنه قد يوجد في الكلام ما يوجب إعمال الثاني كما في قولك: ضربت بل أكرمت زيدا، وقد يوجد فيه ما يوجب إعمال الاول كما في قولك: لا أكرمت ولا قدمت زيدا. (2) " وأعمل " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " المهمل " = (*)

[ 549 ]

كيحسنان ويسئ ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا (1) أي: إذا أعملت أحد العاملين في الظاهر وأهملت الآخر عنه، فأعمل المهمل في ضمير الظاهر، والتزم الاضمار إن كان مطلوب العامل مما يلزم ذكره ولا يجوز حذفه، كالفاعل، وذلك كقولك: " يحسن ويسئ ابناك " فكل واحد من " يحسن " و " يسئ " يطلب " ابناك " بالفاعلية، فإن أعملت الثاني وجب أن تضمر في الاول فاعله، فتقول " يحسنان ويسئ ابناك " وكذلك إن أعملت الاول وجب الاضمار في الثاني، فتقول: " يحسن ويسيئان ابناك " ومثله " بغى واعتديا عبداك " وإن أعملت الثاني في هذا المثال قلت: " بغيا واعتدى عبداك " ولا يجوز ترك الاضمار، فلا تقول " يحسن ويسئ ابناك " ولا " بغى واعتدى عبداك " لان تركه (2) يؤدي إلى حذف الفاعل، والفاعل


= مفعول به لاعمل " في ضمير " جار ومجرور متعلق بأعمل، وضمير مضاف، و " ما " اسم موصول: مضاف إليه " تنازعاه " فعل ماض وفاعل ومفعول، والجملة لا محل لها صلة الموصول " والتزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقدير أنت " ما " اسم موصول مفعول به لالتزم " التزما " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة لامحل لها صلة. (1) " كيحسنان " الكاف جارة لقول محذوف، يحسنان: فعل وفاعل " ويسئ " فعل مضارع " ابناكا " ابنا: فاعل يسئ مرفوع بالالف لانه مثنى، وابنا مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " وقد " حرف تحقيق " بغى " فعل ماض " واعتديا " فعل وفاعل " عبداكا " فاعل بغى، ومضاف إليه. (2) يريد أن ترك الاضمار يؤدي إلى حذف الفاعل، وهذا كلام قاصر، ولابد من تقدير ليصح، فإ ترك الاضمار لا يؤدي إلى حذف الفاعل فقط، لجواز أن يظهر مع كل عامل معموله، والكلام التام أن يقال: إن ترك الاضمار يلزم منه أحد أمرين، الاول التكرار إذا أظهرت مع كل عامل معموله، والثاني حذف الفاعل، وكلاهما محظور. (*)

[ 550 ]

ملتزم الذكر، وأجاز الكسائي ذلك على الحذف، بناء على مذهبه في جواز حذف الفاعل، وأجازه الفراء على توجه العاملين معا إلى الاسم الظاهر، وهذا بناء منهما على منع الاضمار في الاول عند إعمال الثاني، فلا تقول: " يحسنان ويسئ ابناك " وهذا الذي ذكرناه عنهما هو المشهور من مذهبهما في هذه المسألة. * * * ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أو هلا (1) بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر (2)


(1) " ولا " ناهية " تجئ " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مع " ظرف متعلق بتجئ، ومع مضاف و " أول " مضاف إليه " قد " حرف تحقيق " أهملا " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى أول، والجملة في محل جر صفة لاول " بمضمر " جار ومجرور متعلق بتجئ " لغير " جار ومجرور متعلق بأوهل الآتي، وغير مضاف، و " رفع " مضاف إليه " أو هلا " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر، والجملة في محل جر صفة لمضمر. (2) " بل " حرف عطف، ومعناه - هنا - الانتقال " حذفه " حذف: مفعول مقدم لالزم، وحذف مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " الزم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " يكن " فعل مضارع ناقص، فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " غير " خبر يكن. وغير مضاف و " خبر " مضاف إليه " وأخرنه " الواو عاطفة، أخر: فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لامحل له من الاعراب، والهاء مفعول به لاخر " إن " شرطية " يكن " فعل = (*)

[ 551 ]

تقدم أنه إذا أعمل أحد العاملين في الظاهر وأهمل الآخر عنه أعمل في ضميره، ويلزم الاضمار إن كان مطلوب الفعل مما يلزم ذكره: كالفاعل، أو نائبه، ولا فرق في وجوب الاضمار - حينئذ - بين أن يكون المهمل الاول أو الثاني، فتقول: " يحسنان ويسئ ابناك، ويحسن ويسيئان ابناك ". وذكر هنا أنه إذا كان مطلوب الفعل المهمل غير مرفوع فلا يخلو: إما أن يكون عمدة في الاصل - وهو مفعول " ظن " وأخواتها، لانه مبتدأ في الاصل أو خبر، وهو المراد بقوله: " إن يكن هو الخبر " - أولا، فإن لم يكن كذلك: فإما أن يكون الطالب له هو الاول، أو الثاني، فإن كان الاول لم يجز الاضمار، فتقول " ضربت وضربني زيد، ومررت ومر بي زيد " ولا تضمر فلا تقول: " ضربته وضربني زيد " ولا " مررت به ومر بي زيد " وقد جاء في الشعر، كقوله: 160 - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب جهارا فكن في الغيب أحفظ للعهد وألغ أحاديث الوشاة، فقلما يحاول واش غير هجران ذي ود


= مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضمر " هو " ضمير فصل لا محل له من الاعراب " الخبر " خبر يكن، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن يكن مضمر غير الرفع هو الخبر فأخرنه. 160 - البيتان من الشواهد التي لم نقف لاحد على نسبتها لقائل معين. اللغة: " جهارا " بزنة كتاب - أي عيانا ومشاهدة، وتقول: رأيته جهرا وجهارا وكلمت فلانا جهرا وجهارا. وجهر فلان بالقول جهرا، كل ذلك في معنى العلن، قال الله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به) وقال الاخفش في قوله تعالى: (حتى نرى الله جهرة) أي عيانا يكشف عنا ما بيننا وبينه " الغيب " أصله ما استتر عنك ولم = (*)

[ 552 ]


= تره، ويريد به ههنا ما لم يكن الصاحب حاضرا " أحفظ للعهد " يروى في مكانه " أحفظ للود " والود بضم الواو في المشهور، وقد تكسر الواو، أو تفتح - المحبة " ألغ " يريد لا تجعل لكلام الوشاة سبيلا إلى قلبك " الوشاة " جمع واش، وهو الذي ينقل إليك الكلام عن خلانك وأحبائك بقصد إفساد ما بينكم من أواصر المحبة " يحاول " هو مضارع من المحاولة، وأصلها إرادة الشئ بحيلة. المعنى: إذا كانت بينك وبين أحد صداقة، وكان كل واحد منكما يعمل في العلن على إرضاء صاحبه، فتمسك بأواصر هذه المحبة في حال غيبة صديقك عنك، ولا تقبل في شأنه أقوال الوشاة، فإنهم إنما يريدون إفساد هذه الصداقة وتعكير صفوها. الاعراب: " إذا " ظرف زمان تضمن معنى الشرط، مبني على السكون في محل نصب " كنت " كان: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسمه، وجملة " ترضيه " من الفعل مع فاعله المستتر ومفعوله في محل نصب خبر كان، والجملة من كان ومعموليها في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي جملة الشرط " ويرضيك " فعل ومفعول به " صاحب " فاعل يرضيك، وجملة يرضيك وفاعله ومفعوله في محل نصب معطوفة على جملة ترضيه التي قبلها " جهارا " منصوب على الظرفية تنازعه كل من الفعلين السابقين " فكن " الفاء لربط الجواب بالشرط، كن: فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " في الغيب " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال " أحفظ " خبر كن " للعهد " جار ومجرور متعلق بأحفظ. الشاهد فيه: قوله " ترضيه ويرضيك صاحب " فقد تقدم في هذه العبارة عاملان - وهما " ترضي " و " يرضي " - وتأخر عنهما معمول واحد - وهو قوله " صاحب " - وقد تنازع كل من " ترضي " و " يرضي " ذلك الاسم الذي بعدهما وهو " صاحب " والاول يطلبه مفعولا به، والثاني يطلبه فاعلا، وقد أعمل الشاعر فيه الثاني وأعمل الاول في ضميره الذي هو الهاء، والجمهور يرون أنه كان يجب على الشاعر ألا يعمل الاول في الضمير، لان هذا الضمير فضلة يستغنى الكلام عنه، وذكر الضمير مع العامل الاول يترتب عليه الاضمار قبل الذكر، والاضمار قبل الذكر لا يجوز، وقد ارتكبه الشاعر، من غير ضرورة ملجئة إلى ارتكاب هذا المحظور، فإنهم إنما أجازوا في = (*)

[ 553 ]

وإن كان الطالب له هو الثاني وجب الاضمار، فتقول: " ضربني وضربته زيد، ومر بي ومررت به زيد " ولا يجوز الحذف، فلا تقول " ضربني وضربت زيد " ولا " مر بي ومررت زيد "، وقد جاء في الشعر، كقوله: 161 - بعكاظ يعشي الناظرين - إذا هم لمحوا - شعاعه والاصل " لمحوه " فحذف الضمير ضرورة، وهو شاذ، كما شذ عمل المهمل الاول في المفعول المضمر الذي ليس بعمدة في الاصل.


= هذا الباب - الاضمار قبل الذكر، إذا كان الضمير فاعلا، مثلا، لانه لا يستغنى الكلام عنه، ولا يجوز حذفه، والضرورة يجب أن تتقدر بقدرها، ومنهم من منع الاضمار قبل الذكر مطلقا. 161 - البيت لعاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، من كلمة رواها أبو تمام حبيب بن أوس في ديوان الحماسة (انظر شرح التبريزي: 2 / 256 بتحقيقنا) وقبل هذا البيت قولها: سائل بنا في قومنا وليكف من شر سماعه قيسا، وما جمعوا لنا في مجمع باق شناعه فيه السنور والقنا والكبش ملتمع قناعه اللغة: " عكاظ " بزنة غراب - موضع كانت فيه سوق مشهورة، يجتمع فيها العرب للتجارة، والمفاخرة " يعشي " مضارع من الاعشاء، وأصله العشا، وهو ضعف البصر ليلا " لمحوا " ماض من اللمح، وهو سرعة إبصار الشئ " شعاعه " بضم الشين - ما تراه من الضوء مقبلا عليك كأنه الحبال، والضمير الذي أضيف الشعاع إليه يجوز أن يكون عائدا على عكاظ، لانه موضع الشعاع، ويجوز أن يكون عائدا على القناع الذي ذكرته في البيت السابق على هذا البيت. المعنى: تريد أن أشعة سلاح قومها مما تضعف أبصار الناظر إليها، تكنى بذلك عن كثرة السلاح وقوة بريقه ولمعانه. الاعراب: " بعكاظ " جار ومجرور متعلق بقولها " جمعوا " في البيت السابق = (*)

[ 554 ]

هذا كله إذا كان غير المرفوع ليس بعمدة في الاصل، فإن كان عمدة في الاصل فلا يخلو: إما أن يكون الطالب له هو الاول، أو الثاني، فإن كان الطالب له هو الاول وجب إضماره مؤخرا، فتقول: " ظنني وظننت زيدا قائما إياه " وإن كان الطالب له هو الثاني أضمرته: متصلا كان، أو منفصلا، فتقول: " ظننت وظننيه زيدا قائما، وظننت وظنني إياه زيدا قائما ". ومعنى البيتين أنك إذا أهملت الاول لم تأت معه بضمير غير مرفوع - وهو المنصوب والمجرور - فلا تقول: " ضربته وضربني زيد "، ولا مررت به ومر بي زيد " بل يلزم الحذف، فتقول: " ضربت وضربني زيد، ومررت ومر بي زيد " إلا إذا كان المفعول خبرا في الاصل، فإنه لا يجوز حذفه، بل يجب الاتيان به مؤخرا، فتقول " ظنني وظننت زيدا قائما إياه ".


= " يعشي " فعل مضارع " الناظرين " مفعول به ليعشي " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " هم " تأكيد لضمير متصل بفعل محذوف، والتقدير: إذا لمحواهم " لمحوا " فعل ماض وفاعله، والجملة لا محل لها من الاعراب مفسرة " شعاعه " شعاع: فاعل يعشي مرفوع بالضمة الظاهرة، وشعاع مضاف وضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " يعشي. لمحوا شعاعه " حيث تنازع كل من الفعلين " شعاعه " فالفعل الاول وهو " يعشي " يطلبه فاعلا له، والفعل الثاني وهو " لمحوا " يطلبه مفعولا، وقد أعمل فيه الاول، بدليل أنه مرفوع، وأعمل الثاني في ضميره، ثم حذف ذلك الضمير ضرورة، وأصل الكلام قبل تقديم العاملين " يعشي الناظرين شعاعه إذا لمحوه " ثم صار بعد تقديمهما " يعشي الناظرين إذا لمحوه شعاعه " ثم حذفت الهاء من " لمحوه " فصار كما ترى في البيت. ومذهب الجمهور أن ذلك الحذف لا يجوز لغير الضرورة وذلك من قبل أن ذكره لا يترتب عليه محظور الاضمار قبل الذكر، وفي حذفه فساد، وهو تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عنه من غير علة ولا سبب موجب له. وذهب قوم إلى أن حذف الضمير في مثل هذه الحال جائز في سعة الكلام، وذلك لان هذا الضمير فضلة لا يجب ذكرها. (*)

[ 555 ]

ومفهومه أن الثاني يؤتى معه بالضمير مطلقا: مرفوعا كان، أو مجرورا، أو منصوبا، عمدة في الاصل أو غير عمدة. * * * وأظهر ان يكن ضمير خيرا لغير ما يطابق المفسرا (1) نحو أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين في الرخا (2) أي: يجب أن يؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهرا إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسره، لكونه خبرا في الاصل عما لا يطابق المفسر، كما إذا كان في الاصل خبرا عن مفرد ومفسره مثنى، نحو " أظن ويظناني زيدا وعمرا أخوين " ف‍ " زيدا ": مفعول أول لاظن، و " عمرا ": معطوف عليه، و " أخوين ": مفعول ثان لاظن، والياء: مفعول أول ليظنان، فيحتاج إلى مفعول ثان، فلو أتيت به ضميرا فقلت: " أظن ويظناني إياه زيدا وعمرا أخوين "


(1) " أظهر " فعل أمر مبني على السكون، وكسر للتخلص من التقاء الساكنين وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " يكن " فعل مضارع ناقص فعل الشرط " ضمير " اسم يكن " خبرا " خبر يكن " لغير " جار ومجرور متعلق بخبر، وغير مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " يطابق " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " المفسرا " مفعول به ليطابق، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها من الاعراب صلة الموصول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: إن يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسر فأظهره: أي جئ به اسما ظاهرا. (2) " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك نحو " أظن " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " ويظناني " فعل وفاعل ومفعول أول " أخا " مفعول ثان ليظناني " زيدا " مفعول أول لاظن " وعمرا " معطوف عليه " أخوين " مفعول ثان لاظن " في الرخا " تنازع فيه كل من " أظن " و " يظناني ". (*)

[ 556 ]

لكان " إياه " مطابقا للياء، في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو " أخوين "، لانه مفرد، و " أخوين " مثنى، فتفوت مطابقة المفسر للمفسر، وذلك لا يجوز، وإن قلت " أظن ويظناني إياهما زيدا وعمرا أخوين " حصلت مطابقة المفسر للمفسر، [ وذلك ] لكون " إياهما " مثنى، و " أخوين " كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني - الذي هو خبر في الاصل - للمفعول الاول - الذي هو مبتدأ في الاصل، لكون المفعول الاول مفردا، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد، وهو " إياهما "، ولا بد من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذرت [ المطابقة ] مع الاضمار وجب الاظهار، فتقول: " أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين "، ف‍ " زيدا وعمرا أخوين ": مفعولا أظن، والياء مفعول يظنان الاول، و " أخا " مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة - حينئذ - من باب (1) التنازع، لان كلا من العاملين عمل في ظاهر، وهذا مذهب البصريين. وأجاز الكوفيون الاضمار مراعى به جانب المخبر عنه، فتقول: " أظن ويظناني إياه زيدا وعمرا أخوين " وأجازوا أيضا الحذف، فتقول: " أظن ويظناني زيدا وعمرا أخوين ". * * *


(1) القول بأن هذه المسألة حينئذ ليست من باب التنازع هو الذي ذكره ابن هشام ووجه ذلك بأن العاملين بالنسبة للمفعول الثاني لم يعمل أحدهما في لفظه والآخر في ضميره بل لم تتوجه مطالبة كل واحد منهما إليه، وهو شرط باب التنازع، وذلك لان " أخوين " معمول لاظن، ولم يتوجه إليه يظناني، لعدم مطابقته لمفعوله الاول، فإنه لا يطلب مفعولا ثانيا إلا بشرط مطابقته لمفعوله الاول. ونازع في هذا قوم من المتأخرين منهم ابن القاسم وقالوا: إن اشتراط صحة توجه كل من العاملين إلى المعمول إنما هو بالنظر إلى المعنى لا بالنظر إلى الافراد والتثنية، ولا بالنظر إلى نوع العمل، أفلا ترى أنك لو قلت " ضربني وضربت زيدا " لم يكن ليصح أن يتوجه الاول إلى " زيدا " المنصوب، ولو قلت " ضربني وضربته زيد " لم يكن يصح توجه الثاني إليه وهو مرفوع ؟ (*)

[ 557 ]

المفعول المطلق المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن (1) الفعل يدل على شيئين: الحدث، والزمان، ف‍ " قام " يدل على قيام في في زمن ماض، و " يقوم " يدل على قيام في الحال أو الاستقبال، و " قم " يدل على قيام في الاستقبال، والقيام هو الحدث - وهو أحد مدلولي الفعل - وهو المصدر، وهذا معنى قوله: " ما سوى الزمان من مدلولي الفعل " فكأنه قال: المصدر اسم الحدث كأمن، فإنه أحد مدلولي أمن. والمفعول المطلق هو: المصدر، المنتصب: توكيدا لعامله، أو بيانا لنوعه، أو عدده، نحو " ضربت ضربا، وسرت سير زيد، وضربت ضربتين ". وسمى مفعولا مطلقا لصدق " المفعول " عليه غير مقيد بحرف جر ونحوه، بخلاف غيره من المفعولات، فإنه لا يقع عليه اسم المفعول إلا مقيدا، كالمفعول به، والمفعول فيه، والمفعول معه، والمفعول له. * * * بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلا لهذين انتخب (2)


(1) " المصدر " مبتدأ " اسم " خبر المبتدأ، واسم مضاف، و " ما " اسم موصول مضاف إليه " سوى " ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، وسوى مضاف، و " الزمان " مضاف إليه " من مدلولي " جار ومجرور متعلق بما تعلق به سوى، ومدلولي مضاف، و " الفعل " مضاف إليه " كأمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، أي: وذلك كأمن " من أمن " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لامن المصدر. (2) " بمثله " الجار والمجرور متعلق بنصب الآتي، ومثل مضاف والضمير مضاف إليه " أو فعل، أو وصف " معطوفان على مثل " نصب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل = (*)

[ 558 ]

ينتصب المصدر بمثله، أي بالمصدر، نحو: عجبت من ضربك زيدا ضربا شديدا " أو بالفعل (1)، نحو " ضربت زيدا ضربا " أو بالوصف (2)، نحو " أنا ضارب زيدا ضربا ".


= ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " وكونه " الواو عاطفة، كون: مبتدأ، وكون مضاف والضمير مضاف إليه من إضافة مصدر الفعل الناقص إلى اسمه " أصلا " خبر الكون من جهة النقصان " لهذين " جار ومجرور متعلق بقوله أصلا أو بمحذوف صفة له " انتخب " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه أصلا، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو كونه أصلا، وهذا خبره من جهة الابتداء. (1) يشترط في الفعل الذي ينصب المفعول المطلق ثلاثة شروط، الاول: أن يكون متصرفا، والثاني: أن يكون تاما، والثالث: ألا يكون ملغى عن العمل، فإن كان الفعل جامدا كعسى وليس وفعل التعجب ونعم وبئس، أو كان ناقصا ككان وأخواتها أو كان ملغى كظن وأخواتها إن توسطت بين المفعولين أو تأخرت عنهما - فإنه لا ينصب المفعول المطلق. (2) يشترط في الوصف الذي ينصب المفعول المطلق شرطان، أحدهما: أن يكون متصرفا وثانيهما أن يكون إما اسم فاعل وإما اسم مفعول وإما صيغة مبالغة، فإن كان اسم تفصيل لم ينصب المفعول المطلق بغير خلاف فيما نعلم، وأما قول الشاعر: أما الملوك فأنت اليوم الامهم لؤما، وأبيضهم سر بال طباخ فإن قوله " لؤما " مفعول مطلق، لكن ناصبه ليس هو قوله " الامهم " الذي هو أفعل تفضيل، ولكن ناصبه محذوف يدل عليه " الامهم " وتقدير الكلام - على هذا -: فأنت اليوم الامهم تلؤم لؤما، واختلفوا في الصفة المشبهة، فحملها قوم على أفعل التفضيل ومنعوا من نصبها المفعول المطلق، وذهب ابن هشام إلى جواز نصبها إياه مستدلا بقول النابغة الذبياني: وأراني طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل فإن قوله " طرب الواله " مفعول مطلق، وزعم أن ناصبه قوله " طربا " الذي = (*)

[ 559 ]

ومذهب البصريين أن المصدر أصل، والفعل والوصف مشتقان منه، وهذا معنى قوله: " وكونه أصلا لهذين انتخب " أي: المختار أن المصدر أصل لهذين، أي: الفعل، والوصف. ومذهب الكوفيين أن الفعل أصل، والمصدر مشتق منه. وذهب قوم إلى أن المصدر أصل، والفعل مشتق منه، والوصف مشتق من الفعل. وذهب ابن طلحة إلى أن كلا من المصدر والفعل أصل برأسه، وليس أحدهما مشتقا من الآخر. والصحيح المذهب الاول، لان كل فرع يتضمن الاصل وزيادة، والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك، لان كلا منهما يدل على المصدر وزيادة، فالفعل يدل على المصدر والزمان، والوصف يدل على المصدر والفاعل. * * * توكيدا أو نوعا يبين أو عدد كسرت سيرتين سير ذي رشد (1)


= هو صفة مشبهة، وغيره يجعل هذه الصفة المشبهة دليلا على العامل، وليست هي العامل، والتقدير: أراني طربا في إثرهم أطرب طرب الواله إلخ، على نحو ما قالوه في أفعل التفصيل. (1) " توكيدا " مفعول به مقدم ليبين " أو نوعا " معطوف عليه " يبين " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " أو عدد " معطوف على قوله " نوعا " السابق، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة " كسرت " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارا، سرت: فعل وفاعل " سيرتين " مفعول مطلق يبين العدد " سير " مفعول مطلق يبين النوع، وسير مضاف، و " ذي " بمعنى صاحب مضاف إليه، وذي مضاف، و " رشد " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكنه للوقف. (*)

[ 560 ]

المفعول المطلق يقع على ثلاثة أحوال كما تقدم: أحدها: أن يكون مؤكدا، نحو " ضربت ضربا ". الثاني: أن يكون مبينا للنوع (1)، نحو " سرت سير ذي رشد "، و " سرت سيرا حسنا ". الثالث: أن يكون مبينا للعدد، نحو " ضربت ضربة، وضربتين، وضربات ". * * * وقد ينوب عنه ما عليه دل كجد كل الجد، وافرح الجذل (2)


(1) المفعول المطلق الذي يبين نوع عامله هو: ما يكون على واحد من ثلاثة أحوال الاول: أن يكون مضافا، نحو قولك: اعمل عمل الصالحين، وجد جد الحريص على بلوغ الغاية، وهذا النوع من باب النيابة عن مصدر الفعل نفسه، لاستحالة أن يفعل إنسان فعل غيره، وإنما يفعل فعلا (مماثلا) ؟ لفعل غيره، فالحقيقة في هذين المثالين أن تقول: اعمل عملا مشابها لعمل الصالحين، وجد جدا مماثلا لجد الحريص. الثاني: أن يكون موصوفا، نحو قولك: اعمل عملا صالحا، وسرت سيرا وئيدا، وليس هذا من باب النيابة قطعا. الثالث: أن يكون مقرونا بأل العهدية، نحو قولك: اجتهدت الاجتهاد، وجددت الجد، وهذا يحتمل الامرين جميعا، فإذا كان المعهود بين المتكلم والمخاطب فعل شخص آخر كان من باب النيابة، وكأن المتكلم يقول: اجتهدت اجتهادا مثل ذلك الاجتهاد الذي تعلم أن فلانا قد اجتهده، وإن كان المعهود بينهما هو اجتهاد المتكلم نفسه، وأنه قصد بدخول أل عليه استحضار صورته لم يكن من باب النيابة، لانه فعله. (2) " وقد " هنا حرف تحقيق " ينوب " فعل مضارع " عنه " جار ومجرور متعلق بينوب " ما " اسم موصول: فاعل ينوب " عليه " جار ومجرور متعلق بدل الآتي " دل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، = (*)

[ 561 ]

قد ينوب عن المصدر ما يدل عليه، ككل وبعض، مضافين إلى المصدر، نحو " جد كل الجد " (1)، وكقوله تعالى: (فلا تميلوا كل الميل)، و " ضربته بعض الضرب ". وكالمصدر المرادف لمصدر الفعل المذكور (2)، نحو " قعدت جلوسا، وافرح الجذل " فالجلوس: نائب مناب القعود لمرادفته له، والجذل: نائب مناب الفرح لمرادفته له.


= والجملة لا محل لها صلة ما " كجد " الكاف جارة لقول محذوف، جد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كل " مفعول مطلق، نائب عن المصدر، منصوب بالفتحة الظاهرة، وكل مضاف و " الجد " مضاف إليه " وافرح " الواو حرف عطف، افرح: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " الجذل " مفعول مطلق. (1) ومنه قول مجنون بني عامر قيس بن الملوح: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا (2) اعلم أنه إذا وقع المصدر المنصوب بعد فعل من معناه لا من لفظه فلك في إعرابه ثلاثة أوجه: الاول: أن تجعله مفعولا مطلقا، والنحاة في هذا الوجه من الاعراب على مذهبين فذهب المازني والسيرافي والمبرد إلى أن العامل فيه هو نفس الفعل السابق عليه، واختار ابن مالك هذا القول، وذهب سيبويه والجمهور إلى أن العامل فيه فعل آخر من لفظ المصدر، وهذا الفعل المذكور دليل على المحذوف. الثاني: أن تجعل المصدر مفعولا لاجله إن كان مستكملا لشروط المفعول لاجله، الثالث: أن تجعل المصدر حالا بتأويل المشتق، فإذا قلت " فرحت جذلا " فجذلا: عند المازني ومن معه مفعول مطلق منصوب بفرحت، وعند سيبويه مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف، وتقدير الكلام على هذا: فرحت وجذلت جذلا، وعلى الوجه الثاني هو مفعول لاجله بتقدير فرحت لاجل الجذل، وعلى الوجه الثالث حال بتقدير: فرحت حال كوني جذلان. (*)

[ 562 ]

وكذلك ينوب مناب المصدر اسم الاشارة، نحو " ضربته ذلك الضرب " وزعم بعضهم أنه إذا ناب اسم الاشارة مناب المصدر فلا بد من وصفه بالمصدر، كما مثلنا، وفيه نظر، فمن أمثلة سيبويه " ظننت ذاك " أي: ظننت ذاك الظن، فذاك إشارة إلى الظن، ولم يوصف به. وينوب عن المصدر - أيضا - ضميره، نحو " ضربته زيدا " أي: ضربت الضرب، ومنه قوله تعالى: (لا أعذبه أحدا من العالمين) أي: لا أعذب العذاب. وعدده، نحو " ضربته [ عشرين ] ضربة " ومنه قوله تعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدة). والآلة، نحو " ضربته سوطا " والاصل: ضربته ضرب سوط، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والله تعالى أعلم. * * * وما لتوكيد فوحد أبدا وثن واجمع غيره وأفردا (1) لا يجوز تثنية المصدر المؤكد لعامله، ولا جمعه، بل يجب إفراده، فتقول: " ضربت ضربا "، وذلك لانه بمثابة تكرر الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع.


(1) " وما " اسم موصول مفعول مقدم على عامله وهو وحد الآتي " لتوكيد " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة ما " فوحد " الفاء زائدة، ووحد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أبدا " منصوب على الظرفية " وثن " فعل أمر، وفيه ضمير مستتر وجوبا هو فاعله " واجمع " معطوف على ثن " غيره " تنازعه كل من ثن واجمع " وأفردا " الواو حرف عطف، وأفرد: فعل أمر مؤكد بالنون الخفيفة، وقلبت نون التوكيد ألفا للوقف، وفيه ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت هو فاعله. (*)

[ 563 ]

وأما غير المؤكد - وهو المبين للعدد، والنوع - فذكر المصنف أنه يجوز تثنيته وجمعه. فأما المبين للعدد فلا خلاف في جواز تثنيته وجمعه، نحو: ضربت ضربتين، وضربات. [ وأما المبين للنوع فالمشهور أنه يجوز تثنيته وجمعه، إذا اختلفت أنواعه، نحو " سرت سيري زيد الحسن والقبيح ] ". وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز تثنيته ولا جمعه قياسا، بل يقتصر فيه على السماع، وهذا اختيار الشلوبين. * * * وحذف عامل المؤكد امتنع وفي سواه لدليل متسع (1) المصدر المؤكد لا يجوز حذف عامله، لانه مسوق لتقرير عامله وتقويته، والحذف مناف لذلك. وأما غير المؤكد فيحذف عامله للدلالة عليه: جوازا، ووجوبا. فالمحذوف جوازا، كقولك: " سير زيد " لمن قال: " أي سير سرت " و " ضربتين " لمن قال: " كم ضربت زيدا ؟ " والتقدير: سرت سير زيد، وضربته ضربتين. وقول ابن المصنف: إن قوله " وحذف عامل المؤكد امتنع " سهو منه، لان


(1) " وحذف " مبتدأ، وحذف مضاف، و " عامل " مضاف إليه، وعامل مضاف، و " المؤكد " مضاف إليه " امتنع " فعل ماض، وفعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى حذف، والجملة من امتنع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وفي سواه " الواو حرف عطف، وما بعدها جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وسوى مضاف والضمير مضاف إليه " لدليل " جار ومجرور متعلق بمتسع " متسع " مبتدأ مؤخر. (*)

[ 564 ]

قولك " ضربا زيدا " مصدر مؤكد، وعامله محذوف وجوبا، كما سيأتي ليس بصحيح (1)، وما استدل به على دعواه من وجوب حذف عامل المؤكد [ بما سيأتي ] ليس منه، وذلك لان " ضربا زيدا " ليس من التأكيد في شئ، بل هو أمر خال من التأكيد، بمثابة " اضرب زيدا " لانه واقع موقعه، فكما أن " اضرب زيدا " لا تأكيد فيه كذلك " ضربا زيدا " وكذلك جميع الامثلة التي ذكرها ليست من باب التأكيد في شئ، لان المصدر فيها نائب مناب العامل، دال على ما يدل عليه، وهو عوض منه، ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولا شئ من المؤكدات يمتنع الجمع بينها وبين المؤكد. ومما يدل أيضا على أن " ضربا زيدا " ونحوه ليس من المصدر المؤكد لعامله أن المصدر المؤكد لا خلاف في أنه لا يعمل، واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل: هل يعمل أو لا ؟ والصحيح أنه يعمل، ف‍ " زيدا " في قولك " ضربا زيدا " منصوب ب‍ " ضربا " على الاصح، وقيل: إنه منصب بالفعل المحذوف، وهو " اضرب "، فعلى القول الاول ناب " ضربا " عن " اضرب " في الدلالة على معناه وفي العمل، وعلى القول الثاني ناب عنه في الدلالة على المعنى دون العمل. * * * والحذف حتم مع آت بدلا من فعله، كندلا اللذ كاندلا (2)


(1) جملة " ليس بصحيح " خبر المبتدأ الذي هو قوله " وقول ابن المصنف ". (2) " والحذف حتم " مبتدأ وخبر " مع " ظرف منصوب على الطرفية، وهو متعلق بالخبر، ومع مضاف، و " آت " مضاف إليه " بدلا " حال من الضمير المستتر في آت " من فعله " الجار والمجرور متعلق بقوله بدلا، وفعل مضاف والضمير مضاف = (*)

[ 565 ]

يحذف عامل المصدر وجوبا في مواضع: منها: إذا وقع المصدر بدلا من فعله، وهو مقيس في الامر والنهي، نحو " قياما لا قعودا " أي: قم [ قياما ] ولا تقعد [ قعودا ]، والدعاء، نحو " سقيا لك " أي: سقاك الله. وكذلك يحذف عامل المصدر وجوبا إذا وقع المصدر بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ، نحو " أتوانيا وقد علاك المشيب ؟ " أي: أتتوانى وقد علاك (1). ويقل حذف عامل المصدر وإقامة المصدر مقامه في الفعل المقصود به الخبر، نحو " أفعل وكرامة " أي: وأكرمك. فالمصدر في هذه الامثلة ونحوها منصوب بفعل محذوف وجوبا، والمصدر نائب منابه في الدلالة على معناه.


= إليه " كندلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أو حال من الضمير المستتر في آت " اللذ " اسم موصول صفة لندلا " كاندلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف في " كندلا " وفي " كاندلا " داخلة على مقصود فلظه، فكل منهما مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية. (2) اعلم أن المصدر الآتي بدلا من فعل على ضربين، أحدهما: المراد به طلب، وثانيهما: المراد به خبر، فأما المراد به طلب فأربعة أنواع، الاول: ما كان المراد به الامر كبيت الشاهد الآتي (رقم 162)، والثاني ما كان المراد به النهي كقولك: قياما لا قعودا، والثالث: ما كان المراد به الدعاء نحو: سقيا لك. والرابع ما كان المراد به التوبيخ كقولهم " أتوانيا وقد جد الجد ". وأما المراد به خبر فعلى ضربين: سماعي، ومقيس، فأما السماعي فنحو قولهم: لا أفعل ولا كرامة، وأما المقيس فهو أنواع كثيرة: منها ما ذكر تفصيلا لعاقبة جملة قبله. ومنها ما كان مكررا. أو محصورا، ومنها ما جاء مؤكدا لنفسه، أو لغيره، وقد تكفل الشارح ببيان ذلك النوع بيانا وافيا. (*)

[ 566 ]

وأشار بقوله: " كندلا " إلى ما أنشده سيبويه، وهو قول الشاعر: 162 - يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب


162 - البيتان لاعشى همدان. من كلمة يهجو فيها لصوصا. اللغة: " الدهنا " يقصر ويمد - موضع معروف لبني تميم " عيابهم " العياب: جمع عيبة، وهي وعاء الثياب " دارين " قرية بالبحرين مشهورة بالمسك. وفيه سوق " بجر " بضم فسكون - جمع بجراء، وهي الممتلئة، والحقائب: جمع حقيبة، وهي - هنا - العيبة أيضا " ألهى الناس " شغلهم وأورثهم الغفلة " جل أمورهم " بضم الجيم وتشديد اللام - معظمها وأكثرها " ندلا " خطفا في خفة وسرعة. المعنى: هؤلاء اللصوص يمرون بالدهناء في حين ذهابهم إلى دارين، وقد صفرت عيابهم من المتاع فلا شئ فيها. ولكنهم عندما يعودون من دارين يكونون قد ملاوا هذه العياب حتى انتفخت وعظمت. وذلك ناشئ من أنهم يختلسون غفلة الناس بمهامهم وبمعظم أمورهم فيسطون على ما غفلوا عنه من المتاع وينادي بعضهم بعضا: اخطف خطفا سريعا، وكن خفيف اليد سريع الروغان. الاعراب: " يمرون " فعل وفاعل " بالدهنا " جار ومجرور متعلق بيمر " خفافا " حال من الفاعل " عيابهم " عياب فاعل لخفاف. وعياب مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه " ويرجعن " فعل وفاعل، والتعبير بنون الاناث لتأويلهم بالجماعات. أو لقصد تحقيرهم " من دارين " جار ومجرور متعلق بيرجع " بجر " حال من الفاعل، وبجر مضاف و " الحقائب " مضاف إليه " على " حرف جر " حين " ظرف زمان مبني على الفتح في محل جر، أو مجرور بالكسرة الظاهرة " ألهى " فعل ماض " الناس " مفعول به لالهى تقدم على فاعله " جل " فاعل ألهى، وجل مضاف. وأمور من " أمورهم " مضاف إليه، وأمور مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه " فندلا " مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف " زريق " منادى بحرف نداء محذوف " المال " مفعول به = (*)

[ 567 ]

ف‍ " ندلا " نائب مناب فعل الامر، وهو اندل، والندل: خطف الشئ بسرعة، و " زريق " منادى، والتقدير: ندلا يا زريق [ المال ]، وزريق اسم رجل، وأجاز المصنف أن يكون مرفوعا بندلا، وفيه نظر (1)، لانه إن جعل " ندلا " نائبا مناب فعل الامر للمخاطب، والتقدير " اندل " لم يصح أن يكون مرفوعا به، لان فعل الامر إذا كان للمخاطب لا يرفع ظاهرا، فكذلك ما ناب منابه، وإن جعل نائبا مناب فعل الامر للغائب، والتقدير " ليندل " صح أن يكون مرفوعا به، لكن المنقول أن المصدر لا ينوب مناب فعل الامر للغائب، وإنما ينوب مناب فعل الامر للمخاطب، نحو " ضربا زيدا " أي: اضرب زيدا، والله أعلم. * * * وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا (2)


= لقوله ندلا السابق " ندل " مفعول مطلق، مبين للنوع، وندل مضاف، و " الثعالب " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فندلا " حيث ناب مناب فعله، وهو مصدر، وعامله محذوف وجوبا، على ما تبين لك في الاعراب. (1) ولو كان " زريق " فاعلا لجاء به منونا، لانه اسم رجل كما علمت، فلما جاء به غير منون علمنا أنه منادى بحرف نداء محذوف، ومن هنا تعلم أنه لا داعي لمناقشة الشارح التي رد بها على المصنف زعمه أن " زريق " فاعل. (2) " ما " اسم موصول: مبتدأ أول " لتفصيل " جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة " كإما " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لتفصيل " منا " مفعول مطلق حذف عامله وجوبا " عامله " عامل: مبتدأ ثان، وعامل مضاف والضمير مضاف إليه " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى = (*)

[ 568 ]

يحذف أيضا عامل المصدر وجوبا إذا وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه (1)، كقوله تعالى: (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد، وإما فداء) فمنا، وفداء: مصدران منصوبان بفعل محذوف وجوبا، والتقدير - والله أعلم - فإما تمنون منا، وإما تفدون فداء، وهذا معنى قوله: " وما لتفصيل - إلى آخره " أي: يحذف عامل المصدر المسوق للتفصيل، حيث عن، أي: عرض. * * * كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استند (2)


= عامل، والجملة من يحذف ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول " حيث " ظرف متعلق بيحذف مبني على الضم في محل نصب " عنا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل، والجملة من عن وفاعله في محل جر بإضافة حيث إليها (1) يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع ثلاثة شروط، الاول: أن يكون المقصود به تفصيل عاقبة، أي بيان الفائدة المترتبة على ما قبله والحاصلة بعده، والشرط الثاني: أن يكون ما يراد تفصيل عاقبته جملة، سواء أكانت طلبية كالآية الكريمة التي تلاها الشارح، أم كانت الجملة خبرية كقول الشاعر: لاجهدن: فإما رد واقعة تخشى، وإما بلوغ السؤل والامل فإن كان ما يراد بيان الفائدة المترتبة عليه مفردا - نحو أن تقول: لزيد سفر فإما صحة وإما اغتنام - مال لم يجب حذف العامل، بل يجوز حذفه ويجوز ذكره، والشرط الثالث: أن تكون الجملة المراد بيان عاقبتها متقدمة عليه، فإن تأخرت مثل أن تقول: إما إهلاكا وإما تأديبا فاضرب زيدا لم يجب حذف العامل أيضا. (2) " كذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " مكرر " مبتدأ مؤخر " وذو " معطوف على " مكرر " وذو مضاف، و " حصر " مضاف إليه، وجملة = (*)

[ 569 ]

أي: كذلك يحذف عامل المصدر وجوبا، إذا ناب المصدر عن فعل استند لاسم عين، أي: أخبر به عنه، وكان المصدر مكررا أو محصورا (1)، فمثال المكرر: " زيد سيرا سيرا " والتقدير: زيد يسير سيرا، فحذف " يسير " وجوبا لقيام التكرير مقامه، ومثال المحصور " ما زيد إلا سيرا "، و " إنما زيد سيرا " والتقدير: ما زيد إلا يسير سيرا، وإنما زيد يسير سيرا، فحذف " يسير " وجوبا لما في الحصر من التأكيد القائم مقام التكرير، فإن لم يكرر ولم يحصر لم يجب الحذف، نحو " زيد سيرا " التقدير: زيد يسير سيرا، فإن شئت حذفت " يسير "، وإن شئت صرحت به، والله أعلم. * * * ومنه ما يدعونه مؤكدا لنفسه، أو غيره، فالمبتدا (2)


= " ورد " وفاعله المستتر فيه في محل رفع نعت للمبتدأ وما عطف عليه " نائب " حال من الضمير المستتر في ورد، ونائب مضاف. و " فعل " مضاف إليه " لاسم " جار ومجرور متعلق باستند الآتي، واسم مضاف، و " عين " مضاف إليه " استند " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فعل، والجملة من استند وفاعله في محل جر نعت لفعل. (1) يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع أربعة شروط، الاول: أن يكون العامل فيه خبرا لمبتدأ أو لما أصله المبتدأ، والثاني: أن يكون المخبر عنه اسم عين، والثالث: أن يكون الفعل متصلا إلى وقت التكلم، لا منقطعا، ولا مستقبلا، والرابع أحد أمرين: أولهما أن يكون المصدر مكررا أو محصورا، كما مثل الشارح، أو معطوفا عليه، نحو: أنت أكلا وشربا، وثانيهما: أن يكون المخبر عنه مقترنا بهمزة الاستفهام نحو: أأنت سيرا ؟. (2) " ومنه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " ما " اسم وصول: مبتدأ مؤخر " يدعونه " فعل وفاعل ومفعول أول " مؤكدا " مفعول ثان = (*)

[ 570 ]

نحو " له علي ألف عرفا " والثان ك‍ " ابني أنت حقا صرفا " (1) أي: من المصدر المحذوف عامله وجوبا ما يسمى: المؤكد لنفسه، والمؤكد لغيره. فالمؤكد لنفسه هو: الواقع بعد جملة لا تحتمل غيره، نحو " له علي ألف [ عرفا " أي: ] اعترافا، فاعترافا: مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا، والتقدير: " أعترف اعترافا " ويسمى مؤكدا لنفسه، لانه مؤكد للجملة قبله، وهي نفس المصدر، بمعنى أنها لا تحتمل سواه، وهذا هو المراد بقوله: " فالمبتدا " أي: فالاول من القسمين المذكورين في البيت الاول. والمؤكد لغيره هو: الواقع بعد جملة تحتمله وتحتمل غيره، فتصير بذكره نصا فيه، نحو " أنت ابني حقا " فحقا: مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا، والتقدير: " أحقه حقا " وسمي مؤكدا لغيره، لان الجملة قبله تصلح له ولغيره، لان قولك " أنت ابني " يحتمل أن يكون حقيقة، وأن يكون مجازا


= والجملة من يدعو وفاعله ومفعوليه لا محل لها من الاعراب صلة الموصول " لنفسه " الجار والمجرور متعلق بيدعو، ونفس مضاف والهاء ضمير الغائب مضاف إليه " أو غيره " أو: حرف عطف، غير: معطوف على نفسه، وغير مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " فالمبتدأ " مبتدأ. (3) " نحو " خبر للمبتدأ في آخر البيت السابق " له " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " على " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور السابق " ألف " مبتدأ مؤخر " عرفا " مفعول مطلق، وجملة المبتدأ وخبره في محل جر بإضافة نحو إليها " والثان " مبتدأ " كابني " الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " ابني " ابن خبر مقدم، وابن مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه " أنت " مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مقول لذلك القول المحذوف " حقا " مفعول مطلق " صرفا " نعت لقوله حقا. (*)

[ 571 ]

على معنى أنت عندي في الحنو بمنزلة ابني، فلما قال " حقا " صارت الجملة نصا في أن المراد البنوة حقيقة، فتأثرت الجملة بالمصدر، لانها صارت به نصا، فكان مؤكدا لغيره، لوجوب مغايرة المؤثر للمؤثر فيه. * * * كذاك ذو التشبيه بعد جمله ك‍ " لي بكا بكاء ذات عضله " (1) أي: كذلك يجب حذف عامل المصدر إذا قصد به التشبيه بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى (2)، نحو " لزيد صوت صوت حمار،.


(1) " كذاك " كذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف حرف خطاب " ذو " اسم بمعنى صاحب: مبتدأ مؤخر، وذو مضاف و " التشبيه " مضاف إليه " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال، وبعد مضاف، و " جملة " مضاف إليه " كلي " الكاف جارة لقول محذوف. لي: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " بكا " قصر للضرورة مبتدأ مؤخر " بكاء " مفعول مطلق، وبكاء مضاف و " ذات " مضاف إليه، وذات مضاف و " عضلة " مضاف إليه. (2) الشروط التي تشترط في هذا الموضوع سبعة شروط ثلاثة منها تشترط في المفعول المطلق نفسه، والاربعة الباقية في الكلام الذي يسبقه: فأما الثلاثة التي يجب أن تتحقق في المفعول المطلق فهي: أن يكون مصدرا، وأن يكون مشعرا بالحدوث، وأن يكون المراد به التشبيه. وأما الاربعة التي يجب أن تتحقق فيما يتقدمه فهي: أن يكون السابق عليه جملة، وأن تكون هذه الجملة مشتملة على فاعل المصدر، وأن تكون أيضا مشتملة على معنى المصدر، وأن يكون في هذه الجملة ما يصلح للعمل في المصدر. فإن لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث نحو قولك: لفلان ذكاء ذكاء الحكماء، أو لم تتقدمه جملة، بل تقدمه مفرد، كقولك: صوت فلان صوت حمار، أو تقدمته جملة ولكنها لم تشتمل على فاعل المصدر، كقولك: دخلت الدار فإذا فيها نوح نوح الحمام - ففي كل هذا المثل وما أشبهها لا يكون المصدر مفعولا مطلقا والعامل فيه محذوف وجوبا، بل هو فيما ذكرنا - مما تقدمته جملة - من الامثلة بدل مما قبله. (*)

[ 572 ]

وله بكاء بكاء الثكلى " ف‍ " صوت حمار " مصدر تشبيهي، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبا، والتقدير: يصوت صوت حمار، وقبله جملة وهي " لزيد صوت " وهي مشتملة على الفاعل في المعنى، وهو " زيد " وكذلك " بكاء الثكلي " منصوب بفعل محذوف وجوبا، والتقدير: يبكي بكاء الثكلى. فلو لم يكن قبل هذا المصدر جملة وجب الرفع، نحو " صوته صوت حمار، وبكاؤه بكاء الثكلى "، وكذا لو كان قبله جملة [ و ] ليست مشتملة على الفاعل في المعنى، نحو " هذا بكاء بكاء الثكلي، وهذا صوت صوت حمار ". ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط، ولكنه مفهوم من تمثيله. * * * (*)

[ 573 ]

المفعول له ينصب مفعولا له المصدر، إن أبان تعليلا، ك‍ " جدشكرا، ودن " (1) وهو بما يعمل فيه متحد: وقتا وفاعلا، وإن شرط فقد (2) فاجرره بالحرف، وليس يمتنع مع الشروط: كلزهد ذا قنع (3)


(1) " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول " مفعولا " حال من نائب الفاعل " له " جار ومجرور متعلق بقوله مفعولا " المصدر " نائب فاعل لينصب " إن " شرطية " أبان " فعل ماض فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المصدر " تعليلا " مفعول به لابان " كجد " الكاف جارة لقول محذوف، جد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " شكرا " مفعول لاجله " ودن " الواو عاطفة، دن: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ويحتمل أن يكون له مفعول مطلق محذوف لدلالة الاول عليه. (2) " وهو " مبتدأ " بما " جار ومجرور متعلق بمتحد الآتي " يعمل " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لامحل لها صلة " فيه " جار ومجرور متعلق بيعمل " متحد " خبر المبتدأ " وقتا " تمييز، أو منصوب بنزع الخافض " وفاعلا " معطوف على قوله وقتا " وإن " شرطية " شرط " نائب فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: وإن فقد شرط، والفعل المحذوف هو فعل الشرط " فقد " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى شرط، والجملة من فقد المذكور وفاعله لا محل لها من الاعراب تفسيرية، وجواب الشرط في البيت التالي. (3) " فاجرره " الفاء لربط الجواب بالشرط، اجرر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط في البيت السابق " بالحرف " جار ومجرور متعلق باجرر " وليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الجر بالحرف " يمتنع " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الجر بالحرف، والجملة في محل نصب = (*)

[ 574 ]

المفعول له هو: المصدر، المفهم علة، المشارك لعامله: في الوقت، والفاعل، نحو " جد شكرا " فشكرا: مصدر، وهو مفهم للتعليل، لان المعنى جد لاجل الشكر، ومشارك لعامله وهو " جد ": في الوقت، لان زمن الشكر هو زمن الجود، وفي الفاعل، لان فاعل الجود هو المخاطب وهو فاعل الشكر. وكذلك " ضربت ابني تأديبا " فتأديبا: مصدر، وهو مفهم للتعليل، إذ يصح أن يقع في جواب " لم فعلت الضرب ؟ " وهو مشارك لضربت: في الوقت، والفاعل. وحكمه جواز النصب إن وجدت فيه هذه الشروط الثلاثة أعني المصدرية، وإبانة التعليل، واتحاده مع عامله في الوقت والفاعل. فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين جره بحرف التعليل، وهو اللام، أو " من " أو " في " أو الباء، فمثال ما عدمت فيه المصدرية قولك " جئتك للسمن " ومثال ما لم يتحد مع عامله في الوقت " جئتك اليوم للاكرام غدا " ومثال ما لم يتحد مع عامله في الفاعل " جاء زيد لاكرام عمرو له ". ولا يمتنع الجر بالحرف مع استكمال الشروط، نحو " هذا قنع لزهد ". وزعم قوم أنه لا يشترط في نصبه إلا كونه مصدرا، ولا يشترط اتحاده مع عامله في الوقت ولا في الفاعل، فجوزوا نصب " إكرام " في المثالين السابقين، والله أعلم. * * *.


= خبر ليس " مع " ظرف متعلق بيمتنع ومع مضاف، و " الشروط " مضاف إليه " كلزهد " الكاف جارة لقول محذوف. زهد: جار ومجرور متعلق بقنع الآتي " ذا " اسم إشارة مبتدأ " قنع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى اسم الاشارة، والجملة من قنع وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 575 ]

وقل أن يصحبها المجرد والعكس في مصحوب " أل " وأنشدوا (1) لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الاعداء [ (2) ] ؟ المفعول له المستكمل للشروط المتقدمة له ثلاثة أحوال، أحدها: أن يكون مجردا عن الالف واللام والاضافة، والثاني: أن يكون محلى بالالف واللام، والثالث: أن يكون مضافا، وكلها يجوز أن تجر بحرف التعليل، لكن الاكثر فيما تجرد عن الالف واللام والاضافة النصب، نحو " ضربت ابني تأديبا "، ويجوز جره، فتقول: " ضربت ابني لتأديب "، وزعم الجزولي أنه لا يجوز جره، وهو خلاف ما صرح به النحويون، وما صحب الالف واللام بعكس المجرد، فالاكثر جره، ويجوز النصب، ف‍ " ضربت ابني للتأديب " أكثر من " ضربت ابني التأديب "، ومما جاء فيه منصوبا ما أنشده المصنف: 163 - * لا أقعد الجبن عن الهيجاء *


(1) " وقل " فعل ماض " أن " مصدرية " يصحبها " يصحب: فعل مضارع منصوب بأن، وها: مفعول به ليصحب " المجرد " فاعل يصحب، و " أن " ومدخولها في تأويل مصدر فاعل قل، " والعكس " مبتدأ " في مصحوب " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ومصحوب مضاف و " أل " قصد لفظه: مضاف إليه " وأنشدوا " فعل وفاعل. [ (2) ] ؟ " لا " نافية " أقعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، " الجبن " مفعول لاجله " عن الهيجاء " جار ومجرور متعلق بأقعد " ولو " شرطية غير جازمة " توالت " توالى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " زمر " فاعل توالت، وزمر مضاف و " الاعداء " مضاف إليه. 163 - لم أقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين، والبيت كما ورد في كلام الناظم، فهذا صدره، وعجزه قوله: = (*)

[ 576 ]

.


= * ولو توالت زمر الاعداء * اللغة: " أقعد " أراد لا أنكل ولا أتوانى عن اقتحام المعارك، وتقول: قعد فلان عن الحرب، إذا تأخر عنها ولم يباشرها " الجبن " بضم فسكون هو الهيبة والفزع وضعف القلب والخوف من العاقبة " الهيجاء " الحرب، وهي تقصر وتمد، فمن قصرها قول لبيد: * يا رب هيجا هي خير من دعه * ومن مدها قول الآخر: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند " توالت " تتابعت وتكاثرت وأتى بعضها تلو بعض وتبعه " زمر " جمع زمرة، وهي الجماعة " الاعداء " جمع عدو. الاعراب: " لا " نافية " أقعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " الجبن " مفعول لاجله " عن الهيجاء " جار ومجرور متعلق بقوله أقعد " ولو " الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: لو لم تتوال زمر الاعداء، ولو توالت زمر الاعداء، لو: حرف شرط غير جازم " توالت " توالى: فعل ماض، والتاء حرف دال على تأنيث الفاعل " زمر " فاعل توالت، وزمر مضاف، و " الاعداء " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد فيه: قوله " الجبن " حيث وقع مفعولا لاجله، ونصبه مع كونه محلى بأل وقد اختلف النحاة في جواز مجئ المفعول لاجله معرفا، فذهب سيبويه - وتبعه الزمخشري - إلى جواز ذلك، مستدلين على هذا بمجيئه عن العرب في نحو بيت الشاهد الذي نحن بصدد شرحه والبيتين (رقم 164 و 165) وقول شاعر الحماسة: كريم يغض الطرف فضل حيائه ويدنو وأطراف الرماح دوانى فقوله " فضل حيائه " مفعول لاجله، وهو معرف بالاضافة، إذ هو مضاف إلى مضاف إلى الضمير. وذهب الجرمي إلى أن المفعول لاجله يجب أن يكون نكرة، لانه فيما زعم = (*)

[ 577 ]

البيت، ف‍ " الجبن " مفعول له، أي: لا أقعد لاجل الجبن، ومثله قوله: 164 - فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنوا الاغارة فرسانا وركبانا.


كالحال والتمييز، وكل منهما لا يكون إلا نكرة، فإن جاء المفعول لاجله مقترنا بأل، فأل هذه زائدة لا معرفة، وإن جاء مضافا إلى معرفة فإضافته لفظية لا تفيد تعريفا. والصحيح ما ذهب إليه سيبويه رحمه الله في هذه المسألة، لورود الشواهد الكثيرة في النظم والنثر، ومما يدل على صحته وروده في قول الله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) والقول بزيادة الحرف أو بأن الاضافة لفظية خلاف الاصل، فلا يصار إليه. 164 - البيت من مختار أبي تمام في أوائل ديوان الحماسة، وهو من كلمة لقريط ابن أنيف أحد بني العنبر. اللغة: " شنوا " أراد: فرقوا أنفسهم لاجل الاغارة " الاغارة " الهجوم على العدو والايقاع به " فرسانا " جمع فارس، وهو راكب الفرس " ركبانا " جمع راكب، وهو أعم من الفارس، وقيل: هو خاص براكبي الابل. المعنى: يتمنى بدل قومه قوما آخرين من صفتهم أنهم إذا ركبوا للحرب تفرقوا لاجل الهجوم على الاعداء والايقاع بهم، ما بين فارس وراكب. الاعراب: " فليت " حرف تمن ونصب " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليت مقدم " قوما " اسم ليت مؤخر " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " ركبوا " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها " شنوا " فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الاعراب جواب إذا، وله مفعول به محذوف، والتقدير: شنوا أنفسهم أي فرقوها لاجل الاغارة " الاغارة " مفعول لاجله " فرسانا " حال من الواو في " شنوا " " وركبانا " معطوف عليه. الشاهد فيه: قوله " الاغارة " حيث وقع مفعولا لاجله منصوبا مع اقترانه بأل، وهو يرد على الجرمي الذي زعم أن المفعول لاجله لا يكون إلا نكرة، وادعاؤه أن أل في " الاغارة " ونحوها زائدة لا معرفة خلاف الاصل فلا يلتفت إليه. وبما قيل: إنه لا شاهد في البيت، لان الاغارة مفعول به: أي فرقوا إغارتهم على عدوهم، وليست مفعولا لاجله. (37 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 578 ]

وأما المضاف فيجوز فيه الامران - النصب، والجر - على السواء، فتقول: " ضربت ابني تأديبه، ولتأديبه " وهذا [ قد ] يفهم من كلام المصنف، لانه لما ذكر أنه يقل جر المجرد ونصب المصاحب للالف واللام علم أن المضاف لا يقل فيه واحد منهما، بل يكثر فيه الامران، ومما جاء منصوبا [ قوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) ومنه ] قوله: 165 - وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما.


165 البيت لحاتم الطائي، الجواد المشهور. اللغة: " العوراء " الكلمة القبيحة " ادخاره " استبقاء لمودته " وأعرض " وأصفح. الاعراب: " وأغفر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عوراء " مفعول به لاغفر، وعوراء مضاف و " الكريم " مضاف إليه " ادخاره " ادخار: مفعول لاجله، وادخار مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " وأعرض " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عن شتم " جار ومجرور متعلق بأعرض، وشتم مضاف و " اللئيم " مضاف إليه " تكرما " مفعول لاجله. الشاهد فيه: قوله " ادخاره " حيث وقع مفعولا لاجله منصوبا مع أنه مضاف للضمير ولو جره باللام فقال " لادخاره " لكان سائغا مقبولا، وهو يرد على الجرمي الذي زعم أن المفعول لاجله لا يكون معرفة لا بإضافة ولا بأل، وما زعمه من أن إضافة المفعول لاجله لفظية لا تفيد التعريف غير صحيح. وفي قوله " تكرما " شاهد آخر لهذا الباب، فإن قوله " تكرما " مفعول لاجله، وهو منكر غير معرف لا بإضافة ولا بأل، وقد جاء به منصوبا لاستيفائه الشروط، ولا يختلف أحد من النحاة في صحة ذلك. * * * (*)

[ 579 ]

المفعول فيه، وهو المسمى ظرفا الظرف: وقت، أو مكان، ضمنا " في " باطراد، كهنا امكث أزمنا (1) عرف المصنف الظرف بأنه: زمان - أو مكان - ضمن معنى " في " باطراد، نحو " امكث هنا أزمنا " فهنا: ظرف مكان، وأزمنا: ظرف زمان، وكل منهما تضمن معنى " في "، لان المعنى: امكث في هذا الموضع [ و ] في أزمن. واحترز بقوله: " ضمن معنى في " مما لم يتضمن من أسماء الزمان أو المكان معنى " في " كما إذا جعل اسم الزمان أو المكان مبتدأ، أو خبرا، نحو: " يوم الجمعة يوم مبارك، ويوم عرفة يوم مبارك، والدار لزيد " فإنه لا يسمى ظرفا والحالة هذه، وكذلك ما وقع منهما مجرورا، نحو: " سرت في يوم الجمعة " و " جلست في الدار " على أن في هذا ونحوه خلافا في تسميته ظرفا في الاصطلاح، وكذلك ما نصب منهما مفعولا به، نحو: " بنيت الدار، وشهدت يوم الجمل ". واحترز بقوله: " باطراد " من نحو: " دخلت البيت، وسكنت الدار، وذهبت الشأم " فإن كل واحد من " البيت، والدار، والشأم " متضمن معنى " في " ولكن تضمنه معنى " في " ليس مطردا، لان أسماء المكان المختصة لا يجوز حذف " في " معها، فليس " البيت، والدار، والشأم " في المثل.


(1) " الظرف " مبتدأ " وقت " خبر المبتدأ " أو مكان " معطوف على وقت " ضمنا " فعل ماض مبني للمجهول، وألف الاثنين نائب فاعل، وهو المفعول الاول " في " قصد لفظه: مفعول ثان لضمن " باطراد " جار ومجرور متعلق بضمن " كهنا " الكاف جارة لقول محذوف، هنا: ظرف مكان متعلق بامكث " امكث " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " أزمنا " ظرف زمان متعلق بامكث أيضا. (*)

[ 580 ]

منصوبة على الظرفية، وإنما هي منصوبة على التشبيه بالمفعول به، لان الظرف هو: ما تضمن معنى " في " باطراد، وهذه متضمنة معنى " في " لا باطراد. هذا تقرير كلام المصنف، وفيه نظر، لانه إذا جعلت هذه الثلاثة ونحوها منصوبة على التشبيه بالمفعول به لم تكن متضمنة معنى " في "، لان المفعول به غير متضمن معنى " في "، فكذلك ما شبه به، فلا يحتاج إلى قوله: " باطراد " ليخرجها، فإنها خرجت بقوله " ما ضمن معنى في "، والله تعالى أعلم. * * * فانصبه بالواقع فيه: مظهرا كان، وإلا فانوه مقدرا (1) حكم ما تضمن معنى " في " من أسماء الزمان والمكان النصب، والناصب له ما وقع فيه، وهو المصدر، نحو: " عجبت من ضربك زيدا، يوم الجمعة، عند الامير " أو الفعل، نحو: " ضربت زيدا، يوم الجمعة، أمام الامير " أو الوصف، نحو: " أنا ضارب زيدا، اليوم، عندك ". وظاهر كلام المصنف أنه لا ينصبه إلا الواقع فيه فقط، وهو المصدر، وليس كذلك، بل ينصبه هو وغيره: كالفعل، والوصف (2)..


(1) " فانصبه " انصب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " بالواقع " جار ومجرور متعلق بانصب " فيه " جار ومجرور متعلق بالواقع " مظهرا " خبر لكان الآتي مقدم عليه " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الواقع " وإلا " إن: شرطية، ولا: نافية، وفعل الشرط محذوف: أي وإلا يظهر " فانوه " الفاء واقعة في جواب الشرط، انو: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط " مقدرا " حال من الهاء في " انوه ". (2) اعلم أن الذي يقع في الظرف هو الحدث، فإذا قلت " جلست أمامك " = (*)

[ 581 ]

والناصب له إما مذكور كما مثل، أو محذوف: جوازا، نحو أن يقال: " متى جئت ؟ " فتقول: " يوم الجمعة "، و " كم سرت ؟ " فتقول: " فرسخين، والتقدير " جئت يوم الجمعة، وسرت فرسخين " أو وجوبا، كما إذا وقع الظرف صفة، نحو: " مررت برجل عندك " أو صلة، نحو: " جاء الذي عندك " أو حالا، نحو: " مررت بزيد عندك " أو خبرا في الحال أو في الاصل، نحو " زيد عندك، وظننت زيدا عندك "، فالعامل في هذه الظروف محذوف وجوبا في هذه المواضع كلها، والتقدير في غير الصلة " استقر " أو " مستقر " وفي الصلة " استقر "، لان الصلة لا تكون إلا جملة، والفعل مع فاعله جملة، واسم الفاعل مع فاعله ليس بجملة (1)، والله أعلم. * * *.


= فالجلوس - وهو الحدث - هو الذي وقع أمامك، وكذلك إذا قلت " أنا جالس أمامك " وكذلك إذا قلت " كان جلوسي أمامك " واعلم أيضا أن المصدر يدل على الحدث بدلالة المطابقة، لان كل معناه هو الحدث، والفعل والصفة يدلان على الحدث بدلالة التضمن، لان الفعل معناه الحدث والزمان، والصفة معناها الذات والحدث القائم بها أو الواقع منها أو عليها أو الثابت لها، والناظم لم يصرح بأنه أراد أن الذي ينصب الظرف هو اللفظ الدال على الحدث بالمطابقة، بل كلامه يصح أن يحمل على ما يدل بالمطابقة أو بالتضمن، فيكون شاملا للمصدر والفعل والوصف، وعلى هذا لا يرد اعتراض الشارح أصلا. (1) ذكر الشارح أربعة مواضع يجب فيها حذف العامل في الظرف، وهي: أن يكون صفة، أو صلة، أو خبرا، أو حالا، وبقى عليه موضعان آخران: (الاول) أن يكون الظرف مشغولا عنه، كقولك: يوم الجمعة سافرت فيه. والتقدير: سافرت يوم الجمعة سافرت فيه، ولا يجوز إظهار هذا العامل، لان المتأخر عوض عنه، ولا يجمع بين العوض والمعوض في الكلام (الثاني) أن يكون الكلام قد سمع بحذف العامل، نحو = (*)

[ 582 ]

وكل وقت قابل ذاك، وما يقبله المكان إلا مبهما (1) نحو الجهات، والمقادير، وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى (2) يعني أن اسم الزمان يقبل النصب على الظرفية (3): مبهما كان، نحو " سرت.


= قولك لمن يذكر أمرا قد قدم عليه العهد: حينئذ الآن، وتقدير الكلام: قد حدث ما تذكر حين إذ كان كذا واسمع الآن، فناصب " حين " عامل، وناصب " الآن " عامل آخر، فهما من جملتين لا من جملة واحدة، والمقصود نهي المخاطب عن الخوض فيما يذكره، وأمره بالاستماع إلى جديد. (1) " وكل " مبتدأ، وكل مضاف، و " وقت " مضاف إليه " قابل " خبر المبتدأ، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه " ذاك " ذا: اسم إشارة مفعول به لقابل، والكاف حرف خطاب " وما " نافية " يقبله " يقبل: فعل مضارع، والهاء مفعول به ليقبل " المكان " فاعل يقبل " إلا " حرف استثناء دال على الحصر " مبهما " حال، والتقدير: لا يقبل النصب على الظرفية اسم المكان في حال من الاحوال إلا في حال كونه مبهما. (2) " نحو " خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك نحو، ونحو مضاف، و " الجهات " مضاف إليه " والمقادير " معطوف على الجهات " ما " الواو عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على الجهات " صيغ " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، والجملة من الفعل ونائب الفاعل لا محل لها صلة " من الفعل " جار ومجرور متعلق بصيغ " كمرمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف " من رمى " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من مرمى، وتقدير الكلام: وذلك كائن كمرمى حال كونه مأخوذا من مصدر رمي. (3) أنت تعلم أن الفعل يدل بالوضع على شيئين، أحدهما الحدث، وثانيهما الزمن، ويدل على المكان بدلالة الالتزام، لان كل حدث يقع في الخارج لابد أن يكون وقوعه في مكان ما، فلما كانت دلالة الفعل على الزمان لانه أحد جزءي معناه الوضعي قوى على نصب ظرف الزمان بنوعيه المبهم والمختص، ولما كانت دلالته على المكان بالالتزام لا بالوضع لم يقو على نصب جميع الاسماء الدالة على المكان، بل تعدى إلى المبهم منه لكونه دالا عليه في الجملة، وإلى اسم المكان المأخوذ من مادته، لكونه بالنظر إلى المادة قوى الدلالة على هذا النوع. (*)

[ 583 ]

لحظة، وساعة " أو مختصا: إما بإضافة، نحو " سرت يوم الجمعة "، أو بوصف نحو " سرت يوما طويلا " أو بعدد، نحو " سرت يومين ". وأما اسم المكان فلا يقبل النصب منه إلا نوعان، أحدهما: المبهم، والثاني: ما صيغ من المصدر بشرطه الذي سنذكره، والمبهم كالجهات [ الست ]، نحو: " فوق، وتحت، [ ويمين، وشمال ] وأمام، وخلف " ونحو هذا، كالمقادير، نحو " غلوة، وميل، وفرسخ، وبريد " (1) تقول: " جلست فوق الدار، وسرت غلوة " فتنصبهما على الظرفية. وأما ما صيغ من المصدر، نحو " مجلس زيد، ومقعده " فشرط نصبه - قياسا - أن يكون عامله من لفظه، نحو " قعدت مقعد زيد، وجلست مجلس عمرو " فلو كان عامله من غير لفظه تعين جره بفي، نحو: " جلست في مرمى زيد "، فلا تقول: " جلست مرمى زيد " إلا شذوذا. ومما ورد من ذلك قولهم: " هو مني مقعد القابلة، ومزجر الكلب، ومناط الثريا " (2) أي: كائن مقعد القابلة، ومزجر الكلب، ومناط الثريا، والقياس " هو مني في مقعد القابلة، وفي مزجر الكلب، وفي مناط الثريا " ولكن نصب شذوذا، ولا يقاس عليه، خلافا للكسائي، وإلى هذا أشار بقوله:.


(1) الغلوة - بفتح الغين المعجمة وسكون اللام - فسرها المتقدمون بالباع مائة باع، والباع: مقدار ما بين أصابع يديك إذا مددتهما محاذيتين لصدرك، ومنهم من قدر الغلوة برمية سهم، ومنهم من قدرها بثلثمائة ذراع، والميل: عشر غلوات، فهو ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ. (2) يقول العرب " فلان مني مقعد القابلة " يريدون أنه قريب كقرب مكان قعود القابلة عند ولادة المرأة من المرأة، ويقولون " فلان مني مزجر الكلب " يريدون أنه بعيد كبعد المكان الذي تزجر إليه الكلب، ويراد بهذا الذم، ويقولون " فلان مني مناط الثريا " يريدون أنه في مكان بعيد كبعد الثريا عمن يروم أن يتصل بها، وهذا كناية عن عدم إدراكه في الشرف والرفعة، يعني أنه فريد في شرفه ورفعة قدره. (*)

[ 584 ]

وشرط كون ذا مقيسا أن يقع * ظرفا لما في أصله معه اجتمع (1) أي: وشرط كون نصب ما اشتق من المصدر مقيسا: أن يقع ظرفا لما اجتمع معه في أصله، أي: أن ينتصب بما يجامعه في الاشتقاق من أصل واحد، كمجامعة " جلست " ب‍ " مجلس " في الاشتقاق من الجلوس، فأصلهما واحد، وهو " الجلوس ". وظاهر كلام المصنف أن المقادير وما صيغ من المصدر مبهمان، أما المقادير فمذهب الجمهور أنها من الظروف المبهمة، لانها - وإن كانت معلومة المقدار - فهي مجهولة الصفة، وذهب الاستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنها ليست من [ الظروف ] المبهمة، لانها معلومة المقدار، وأما ما صيغ من المصدر فيكون مبهما، نحو " جلست مجلسا " ومختصا، نحو " جلست مجلس زيد ". وظاهر كلامه أيضا أن " مرمى " مشتق من رمى، وليس هذا على مذهب البصريين، فإن مذهبهم أنه مشتق من المصدر، لا من الفعل. وإذا تقرر أن المكان - المختص وهو: ما له أقطار تحويه - لا ينتصب ظرفا، فاعلم أنه سمع نصب كل مكان مختص مع " دخل، وسكن " ونصب.


(1) " وشرط " مبتدأ، وشرط مضاف، و " كون " مضاف إليه، وكون مضاف، و " ذا " مضاف إليه، من إضافة المصدر الناقص إلى اسمه " مقيسا " خبر الكون الناقص " أن " مصدرية " يقع " فعل مضارع منصوب بأن، وسكنه للوقف، وفاعله ضمير مسنتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذا الذي هو إشارة للمأخوذ من مصدر الفعل، و " أن " ومنصوبها في تأويل مصدر خبر المبتدأ " ظرفا " حال من فاعل يقع المستتر فيه " لما " جار ومجرور متعلق بقوله " ظرفا " أو بمحذوف صفة له " في أصله، معه " جار ومجرور وظرف، متعلقان باجتمع الآتي " اجتمع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من إجتمع وفاعله لا محل لها صلة " ما " المجرور محلا باللام. (*)

[ 585 ]

" الشأم " مع " ذهب "، نحو " دخلت البيت، وسكنت الدار، وذهبت الشأم " واختلف الناس في ذلك، فقيل: هي منصوبة على الظرفية شذوذا، وقيل: منصوبة على إسقاط حرف الجر، والاصل " دخلت في الدار " فحذف حرف الجر، فانتصب الدار، نحو " مررت زيدا " وقيل: منصوبة على التشبيه بالمفعول به (1). * * *.


(1) في هذه المسألة أربعة أقوال للنحاة ذكر الشارح منها ثلاثة: (الاول) أن هذه الظروف المختصة منصوبة على الظرفية كما انتصب الظرف المكاني المبهم عليها، إلا أن ذلك شاذ لا يقاس عليه، وهو مذهب المحققين من النحاة، ونسبه الشلوبين للجمهور، وصححه ابن الحاجب. (الثاني) أن هذه الاسماء منصوبة على إسقاط حرف الجر، يعني على الحذف والايصال، كما انتصب " الطريق " في قول الشاعر (وانظر الشاهد رقم 159): لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب وهذا مذهب الفارسي، ومن العلماء من ينسبه إلى سيبويه، وقد اختاره ابن مالك. (الثالث) أن هذه الاسماء منصوبة على التشبيه بالمفعول به، وذلك لانهم شبهوا الفعل القاصر بالفعل المتعدي، كما نصبوا الاسم بعد الصفة المشبهة التي لا تؤخذ إلا من مصدر الفعل القاصر، وهذا إنما يتم لو أن الافعال التي تنصب بعدها هذه الاسماء كانت كلها قاصرة. (الرابع) أن هذه الاسماء منصوبة على أنها مفعول به حقيقة، وعللوا هذا القول بأن نحو " دخل " يتعدى بنفسه تارة وبحرف الجر تارة أخرى، وكثرة الامرين فيه تدل على أن كل واحد منهما أصل، وهذا أيضا يتجه لو أن جميع الافعال التي تنصب بعدها هذه الاسماء كانت من هذا النوع، إلا أن يخص هذا القول بنحو " دخل " مما له حالتان تساوتا في كثرة الورود، بخلاف نحو " ذهب ". (*)

[ 586 ]

وما يرى ظرفا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف (1) وغير ذي التصرف: الذي لزم ظرفية أو شبهها من الكلم (2) ينقسم اسم الزمان واسم المكان إلى: متصرف، وغير متصرف، فالمتصرف من ظرف الزمان أو المكان: ما استعمل ظرفا وغير ظرف، ك‍ " يوم، ومكان ".


(1) " وما " اسم موصول مبتدأ أول " يرى " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما، وهو المفعول الاول " ظرفا " مفعول ثان ليرى، والجملة لا محل لها صلة الموصول " وغير " معطوف على قوله " ظرفا " " السابق " وغير مضاف، و " ظرف " مضاف إليه " فذاك " الفاء زائدة، واسم الاشارة مبتدأ ثان " ذو " خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول، وزيدت الفاء في جملة الخبر لان المبتدأ موصول يشبه الشرط في عمومه، وذو مضاف، و " تصرف " مضاف إليه " في العرف " جار ومجرور متعلق بتصرف. (2) " وغير " مبتدأ، وغير مضاف، و " ذي " مضاف إليه، وذي مضاف، و " التصرف " مضاف إليه " الذي " اسم موصول: خبر المبتدأ " لزم " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الذي، والجملة من لزم وفاعله لا محل لها صلة الذي " ظرفية " مفعول به للزم " أو شبهها " معطوف على مفعول لفعل محذوف تقديره: أو لزم ظرفية أو شبهها، وليس يجوز أن يكون معطوفا على قوله " ظرفية " المذكور في البيت، إذ يصير حاصل المعنى أن من الظرف ما يلزم الظرفية وحدها، ومنه الذي لزم شبه الظرفية وحدها، والقسم الاول صحيح، والقسم الثاني على هذا الذي يفيده ظاهر البيت غير صحيح، وإنما الصحيح أن الظرف ينقسم إلى قسمين، أحدهما: الذي يلزم الظرفية وحدها ولا يفارقها، وهو نوع من غير المتصرف، وثانيهما: الذي يلزم الامرين الظرفية وشبهها، نعني أنه إذا فارق الظرفية لم يفارق شبهها، وهو النوع الآخر من غير المتصرف " من الكلم " جار ومجرور متعلق بلزم أو بشبه أو بمحذوف حال من " غير ذي التصرف ". (*)

[ 587 ]

فإن كل واحد منهما يستعمل ظرفا، نحو " سرت يوما وجلست مكانا "، ويستعمل مبتدأ، نحو " يوم الجمعة يوم مبارك، ومكانك حسن " وفاعلا، نحو " جاء يو الجمعة، وارتفع مكانك ". وغير المتصرف هو: ما لا يستعمل إلا ظرفا أو شبهه نحو " سحر " إذا أردته من يوم بعينه (1)، فإن لم ترده من يوم بعينه فهو متصرف، كقوله تعالى: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر)، و " فوق " نحو " جلست فوق الدار " فكل واحد من " سحر: وفوق " لا يكون إلا ظرفا [ (2) ] ؟. والذي لزم الظرفية أو شبهها " عند [ ولدن ] " والمراد بشبه الظرفية أنه لا يخرج عن الظرفية إلا باستعماله مجرورا ب‍ " من "، نحو " خرجت من عند زيد " ولا تجر " عند " إلا ب‍ " من " فلا يقال " خرجت إلى عنده "، وقول العامة: " خرجت إلى عنده " خطأ (3).


(1) مثل الشارح للظرف الذي لا يفارق النصب على الظرفية بمثالين: أحدهما " سحر " إذا أردت به سحر يوم معين، وهذا صحيح، وثانيهما " فوق " والتمثيل به لهذا النوع من الظرف غير صحيح، بل الصواب أنه من النوع الثاني الذي لزم الظرفية أو شبهها، بدليل مجيئه مجرورا بمن في قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم) وفي آيات أخر. (2) ومن الظروف التي لا تفارق النصب على الظرفية " قط " و " عوض " ظرفين للزمان أولهما للماضي وثانيهما للمستقبل، وهما خاصان بالوقوع بعد النفي أو شبهه، ومنها أيضا " بدل " إذا استعملته بمعنى مكان، كما تقول: خذ هذا بدل هذا، ومنها أيضا الظروف المركبة كقولك: أنا أزورك صباح مساء، ومنزلتك عندنا بين بين، ومنها أيضا " بينا " و " بينما " ومنها " مذ، ومنذ " إذا رفعت ما بعدهما وجعلتهما خبرين عنه، فهما مبنيان على الضم أو السكون في محل نصب كقط وعوض. (3) قد قال العرب الموثوق بعربيتهم: " حتى، ومتى " فأدخلوا حتى على ظرف = (*)

[ 588 ]

وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر (1) ينوب المصدر عن ظرف المكان قليلا، كقولك " جلست قرب زيد " أي: مكان قرب زيد، فحذف المضاف وهو " مكان " وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه، وهو النصب على الظرفية، ولا ينقاس ذلك، فلا تقول " آتيك جلوس زيد " تريد مكان جلوسه. ويكثر إقامة المصدر مقام ظرف الزمان، نحو " آتيك طلوع الشمس، وقدوم الحاج، وخروج زيد " والاصل: وقت طلوع الشمس، ووقت قدوم الحاج، ووقت خروج زيد، فحذف المضاف، وأعرب المضاف إليه بإعرابه، وهو مقيس في كل مصدر (2)..


= الزمان وقالوا: " إلى أين " و " إلى متى " فأدخلوا " إلى " الجارة على ظرف الزمان والمكان، وهذا شاذ من جهة القياس، ومعنى هذا أنه يصح لنا إدخال " حتى " الجارة على لفظ " متى " من بين أسماء الزمان، وإدخال " إلى " الجارة على لفظ " متى " ولفظ " أين " من بين جميع الظروف، اتباعا لهم، ولا يجوز القياس على شئ من ذلك. (1) " وقد " حرف تقليل " ينوب " فعل مضارع " عن مكان " جار ومجرور متعلق بينوب " مصدر " فاعل ينوب " وذاك " الواو للاستئناف، واسم الاشارة مبتدأ، والكاف حرف خطاب " في ظرف " جار ومجرور متعلق بيكثر الآتي، وظرف مضاف، و " الزمان " مضاف إليه " يكثر " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذاك، والجملة من يكثر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (2) ذكر الشارح - تبعا للناظم - واحدا مما ينوب عن الظرف، وهو المصدر، وبين أن نيابة المصدر عن ظرف الزمان مقيسة بحيث يجوز لك أن تنيب ما شئت من المصادر عن ظرف الزمان وأن نيابته عن ظرف المكان سماعية يجب ألا تستعمل منه إلا ما ورد عن العرب، وقد بقى عليه أشياء تنوب عن الظرف زمانيا أو مكانيا: = (*)

[ 589 ]

.


= الاول: لفظ " بعض " ولفظ " كل " مضافين إلى الظرف، نحو " بحثت عنك كل مكان، وسرت كل اليوم " وذلك من جهة أن كلمتي بعض وكل بحسب ما تضافان إليه، وقد مضى في باب المفعول المطلق أنهما ينوبان عن المصدر في المفعولية المطلقة. الثاني: صفة الظرف، نحو " سرت طويلا شرقي القاهرة ". الثالث: اسم العدد المميز بالظرف، نحو " صمت ثلاثة أيام، وسرت ثلاثة عشر فرسخا ". الرابع: ألفاظ معينة تنوب عن اسم الزمان، نحو " أحقا " في قول الشاعر: أحقا عباد الله أن لست صادرا ولا واردا إلا علي رقيب وفي نحو قول الآخر: أحقا أن جيرتنا استقلوا فنيتنا ونيتهم فريق وفي نحو قول الآخر: أحقا بني أبناء سلمى بن جندل تهددكم إياي وسط المجالس وفي نحو قول الآخر: أحقا أن أخطلكم هجاني * * * (*)

[ 590 ]

المفعول معه ينصب تالي الواو مفعولا معه في نحو " سيري والطريق مسرعه " (1) بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب، لا بالواو في القول الاحق (2) المفعول معه هو: الاسم، المنتصب، بعد واو بمعنى مع. والناصب له ما تقدمه: من الفعل، أو شبهه. فمثال الفعل " سيري والطريق مسرعة " أي: سيري مع الطريق، فالطريق منصوب بسيري. ومثال شبه الفعل " زيد سائر والطريق "، و " أعجبني سيرك والطريق " فالطريق: منصوب بسائر وسيرك. وزعم قوم أن الناصب للمفعول معه الواو، وهو غير صحيح، لان كل حرف اختص.


(1) " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول " تالي " نائب فاعل ينصب، وتالي مضاف و " الواو " مضاف إليه " مفعولا " حال من نائب الفاعل " معه " مع: ظرف متعلق بقوله " مفعولا " ومع مضاف والضمير مضاف إليه " في نحو " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وذلك كائن في نحو " سيري " فعل أمر، وياء المخاطبة فاعل، والجملة في محل جر بإضافة نحو إليها " والطريق " مفعول معه " مسرعة " حال من ياء المخاطبة في قوله سيري. (2) " بما " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " من الفعل " جار ومجرور متعلق بقوله سبق الآتي " وشبهه " الواو عاطفة، وشبه: معطوف على الفعل، وشبه مضاف والضمير مضاف إليه " سبق " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا بالباء " ذا " اسم إشارة مبتدأ مؤخر " النصب " بدل أو عطف بيان أو نعت لاسم الاشارة " لا " حرف عطف " بالواو " جار ومجرور معطوف على بما " في القول " جار ومجرور متعلق بقوله النصب السابق " الاحق " نعت للقول. (*)

[ 591 ]

بالاسم ولم يكن كالجزء منه، لم يعمل إلا الجر، كحروف الجر، وإنما قيل " ولم يكن كالجزء منه " احترازا من الالف واللام، فإنها اختصت بالاسم ولم تعمل فيه شيئا، لكونها كالجزء منه، بدليل تخطي العامل لها، نحو " مررت بالغلام " ويستفاد من قول المصنف " في نحير سيري والطريق مسرعة " أن المفعول معه مقيس فيما كان مثل ذلك، وهو: كل اسم وقع بعد واو بمعنى مع، وتقدمه فعل أو شبهه، و [ هذا ] هو الصحيح من قول النحويين (1). وكذلك يفهم من قوله: " بما من الفعل وشبهه سبق " أن عامله لابد أن يتقدم عليه، فلا تقول: " والنيل سرت " وهذا باتفاق، أما تقدمه على مصاحبه - نحو " سار والنيل زيد " - ففيه خلاف، والصحيح منعه (2)..


(1) يريد الشارح بالممائلة في قوله " مقيس فيما كان مثل ذلك إلخ " المشابهة فيما ذكر، وفي كون الاسم الذي بعد الواو مما لا يصح عطفه على ما قبل الواو. وقد اختلف النحاة في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى أن كل اسم وقع بعد واو المعية وسبقته جملة ذات فعل أو شبهه، ولم يصح عطفه على ما قبله، فإنه يكون مفعولا معه، وذهب ابن جنى إلى أنه لا يجوز أن يكون مفعولا معه إلا إذا كان بحيث يصح عطفه على ما قبله من جهة المعنى، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لانه قد ورد عنهم ما لا يحصى من الشواهد نثرا ونظما، وقولهم: سرت والطريق، واستوى الماء والخشبة - بمعنى ارتفع الماء حتى صار الماء مع الخشبة في مستوى واحد - من غير ضرورة ولا ملجئ ما، يقطع بذلك. (2) اختلف النحاة في تقديم المفعول معه على مصاحبه: أيجوز أم لا يجوز ؟ فذهب ابن جنى إلى أن ذلك جائز، والذي يؤخذ من كلامه في كتابه " الخصائص " وغيره أنه استدل على جوازه بأمرين، أولهما أن المفعول معه يشبه المعطوف بالواو، والمعطوف بالواو يجوز تقديمه على المعطوف عليه، فتقول: جاء وزيد عمرو، كما قال الشاعر: ألا يا نخلة من ذات عرق عليك - ورحمة الله - السلام = (*)

[ 592 ]

وبعد " ما " استفهام أو " كيف " نصب بفعل كون مضمر بعض العرب (1) حق المفعول [ معه ] أن يسبقه فعل أو شبهه، كما تقدم تمثيله، وسمع من كلام العرب نصبه بعد " ما " و " كيف " الاستفهاميتين من غير أن يلفظ بفعل،.


= والشئ إذا أشبه الشئ أخذ حكمه، وثاني الاستدلالين أنه ورد عن العرب المحتج بكلامهم تقديم المفعول معه على مصاحبه كما في قول يزيد بن الحكم الثقفي من قصيدة يعاتب فيها ابن عمه: جمعت وفحشا غيبة ونميمة ثلاث خصال لست عنها بمرعوي فزعم أن الواو في قوله " وفحشا " واو المعية، والاسم بعده منصوب على أنه مفعول معه، ومن ذلك أيضا قول بعض الفزاريين، وهو من شعراء الحماسة: أكنيه حين أناديه لاكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبا فزعم أن الواو في قوله " والسوءة " واو المعية، والاسم بعدها منصوب على أنه مفعول معه تقدم على مصاحبه وهو قوله " اللقبا " وأصل الكلام عنده: ولا ألقبه اللقبا والسوءة. وليس ما ذهب إليه ابن جنى بسديد، ولا ما استدل به صحيح، أما تشبيه المفعول معه بالمعطوف فلئن سلمنا له شبهه به لم نسلم أن المعطوف يجوز أن يتقدم على المعطوف عليه، بل كونه تابعا ينادى بأن ذلك ممتنع، فأما البيت الذي أنشده شاهدا على تقديم المعطوف فضرورة أو مؤول، وأما البيتان اللذان أنشدهما على جواز تقديم المفعول معه على مصاحبه فبعد تسليم صحة الرواية يجوز أن تكون الواو فيهما للعطف وقدم المعطوف ضرورة. (1) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " نصب " الآتي، وبعد مضاف، و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه، وما مضاف و " استفهام " مضاف إليه من إضافة الدال إلى المدلول " أو " عاطفة " كيف " معطوف على " ما " السابق " نصب " فعل ماض " بفعل " جار ومجرور متعلق بنصب، وفعل مضاف، و " كون " مضاف إليه " مضمر " نعت لفعل " بعض " فاعل نصب، وبعض مضاف، و " العرب " مضاف إليه. (*)

[ 593 ]

نحو " ما أنت وزيدا (1) " و " كيف أنت وقصعة من ثريد " فخرجه النحويون على أنه منصوب بفعل مضمر مشتق من الكون، والتقدير: ما تكون وزيدا، وكيف تكون وقصعة من ثريد، فزيدا وقصعة: منصوبان ب‍ " تكون " المضمرة. * * * والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق (2).


(1) ومن ذلك قول أسامة بن الحارث بن حبيب الهذلي: ما أنت والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط الشاهد في قوله " ما أنت والسير " حيث نصب " السير " على أنه مفعول معه من غير أن يتقدمه فعل، ومن ذلك قول الآخر، وهو من شواهد سيبويه: أتوعدني بقومك يابن حجل أشابات يخالون العبادا بما جمعت من حضن وعمرو وما حضن وعمرو والجيادا ؟ الشاهد في قوله " وما حضن والجيادا " حيث نصب " الجياد " على أنه مفعول معه من غير أن يتقدم عليه فعل أو شبهه. ومع ورود ذلك في كلام العرب المحتج به فإنه قليل، والكثير في مثل ذلك رفع ما بعد الواو على أنه معطوف على ما قبله، كما قال زياد الاعجم: تكلفني سويق التمر جرم وما جرم وما ذاك السويق ؟ وكما قال أوس بن حجر: عددت رجالا من قعين تفجسا فما ابن لبينى والتفجس والفخر ؟ وكما قال المخبل يهجو الزبرقان بن بدر: يا زبرقان أخا بني خلف ما أنت - ويب - أبيك والفخر ؟ (2) " والعطف " مبتدأ " إن " شرطية " يمكن " فعل مضارع فعل الشرط، = (38 - شرح اين عقيل 1) (*)

[ 594 ]

والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب (1) الاسم الواقع بعد هذه الواو: إما أن يمكن عطف على ما قبله، أولا، فإن أمكن عطفه فإما أن يكون بضعف، أو بلا ضعف. فإن أمكن عطفه بلا ضعف فهو أحق من النصب، نحو " كنت أنا وزيد كالاخوين " فرفع " زيد " عطفا على المضمر المتصل أولى من نصبه مفعولا معه، لان العطف ممكن للفصل، والتشريك أولى من عدم التشريك، ومثله " سار زيد وعمرو " فرفع " عمرو " أولى من نصبه. وإن أمكن العطف بضعف فالنصب على المعية أولى من التشريك (2)،.


= وجواب الشرط محذوف " بلا ضعف " الباء حرف جر، ولا: اسم بمعنى غير مجرور بالباء، وقد ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية، ولا مضاف وضعف: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية، والجار والمجرور متعلق بيمكن " أحق " خبر المبتدأ، وجملة الشرط وجوابه معترضة بين المبتدأ وخبره " والنصب مختار " مبتدأ وخبره " لدى " ظرف متعلق بمختار، ولدى مضاف و " ضعف " مضاف إليه، وضعف مضاف، و " النسق " مضاف إليه. (1) " النصب " مبتدأ " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يجز " فعل مضارع فعل الشرط " العطف " فاعل يجز، وجواب الشرط محذوف " يجب " فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النصب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " أو اعتقد " أو: عاطفة، اعتقد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إضمار " مفعول به لاعتقد، وإضمار مضاف و " عامل " مضاف إليه " تصب " فعل مضارع مجزوم في جواب الامر الذي هو اعتقد، ويجوز أن يكون يجب جواب الشرط، وتكون جملة الشرط وجوابه - على هذا - في محل رفع خبر المبتدأ. (2) الضعف الذي لا يتأتى معه العطف إما أن يكون لفظيا: أي عائدا إلى اللفظ بحسب ما تقتضيه صناعة الاعراب، وإما أن يكون معنويا. وقد مثل الشارح للضعف اللفظي، ولم يمثل للضعف المعنوي: أي الذي يرجع إلى ما يريد المتكلم من المعنى، ومن أمثلته قولهم " لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها " وبيانه أنك لو عطفت الفصيل = (*)

[ 595 ]

لسلامته من الضعف، نحو " سرت وزيدا "، فنصب " زيد " أولى من رفعه، لضعف العطف على المضمر المرفوع المتصل بلا فاصل. وإن لم يمكن عطفه تعين النصب: على المعية، أو على إضمار فعل [ يليق به ]، كقوله: 166 - * علفتها تبنا وماء باردا *


= على الناقة لصار المعنى أن رضاع الفصيل للناقة متسبب عن مجرد تركك إياهما، وليس كذلك، فيلزمك أن تجعل التقدير على العطف: لو تركت الناقة وتركت فصيلها يرضعها تعني يتمكن من رضاعها لرضعها، فأما نصب هذا على أنه مفعول معه فيصير به المعنى: لو تركت الناقة مع فصيلها لرضعها، وهذا صحيح مؤد إلى المقصود، لان المعية يراد بها المعية حسا ومعنى، فالتكلف الذي استوجبه العطف لتصحيح المعنى هو الذي جعله ضعيفا، ومثله قول الشاعر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه وواكل أمره واللياليا إذ لو عطفت " الليالي " على " أمره " لكنت محتاجا إلى تقدير: واكل أمره لليالي وواكل الليالي لامره، فأما جعل الواو بمعنى مع ونصب الاسم على أنه مفعول معه فلا يحوج إلى شئ. 166 - هذا البيت من الشواهد التي لم يذكر العلماء نسبتها إلى قائل معين، وقد اختلفوا في تتمته، فيذكر بعضهم أن الشاهد صدر بيت، وأن تمامه: * حتى شتت همالة عيناها * ويرويه العلامة الشيرازي عجز بيت، ويروي له صدرا هكذا: * لما حططت الرحل عنها واردا * اللغة: " شتت " يروى في مكانه " بدت " وهما بمعنى واحد " همالة " اسم مبالغة من هملت العين، إذا انهمرت بالدموع. الاعراب: " علفتها " فعل وفاعل ومفعول أول " تبنا " مفعول ثان " وماء " ظاهره أنه معطوف على ما قبله، وستعرف ما فيه " باردا " صفة للمعطوف. = (*)

[ 596 ]

فماء: منصوب على المعية، أو على إضمار فعل يليق به، والتقدير " وسقيتها ماء باردا " وكقوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) فقوله " وشركاءكم " لا يجوز عطفه على " أمركم "، لان العطف على نية تكرار العامل، إذ لا يصح أن يقال " أجمعت شركائي " وإنما يقال " أجمعت أمري، وجمعت شركائي " فشركائي: منصوب على المعية، والتقدير - والله أعلم - فأجمعوا أمركم مع شركائكم، أو منصوب بفعل يليق به، والتقدير " فأجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم ". * * *.


= الشاهد فيه قوله " وماء " فإنه لا يمكن عطفه على ما قبله، لكون العامل في المعطوف عليه لا يتسلط على المعطوف، إذ لا يقال " علفتها ماء " ومن أجل ذلك كان نصبه على أحد ثلاثة أوجه: إما بالنصب على المعية، وإما على تقدير فعل يعطف على " علفتها " والتقدير: علفتها تبنا وسقيتها ماء، وإما على أن تضمن " علفتها " معنى " أنلتها " أو " قدمت لها " ونحو ذلك ليستقيم الكلام، وقد ذكر الشارح في البيت والآية الكريمة وجهين من هذه الثلاثة. وسيأتي لهذا نظائر نذكرها مع شرح الشاهد (رقم 299) في مباحث عطف النسق، إن شاء الله تعالى. (*)

[ 597 ]

الاستثناء ما استثنت " الا " مع تمام ينتصب وبعد نفي أو كنفي انتخب (1) إتباع ما اتصل، وانصب ما انقطع وعن تميم فيه إبدال وقع (2) حكم المستثنى ب‍ " إلا " النصب، إن وقع بعد تمام الكلام لموجب، سواء كان متصلا أو منقطعا، نحو " قام القوم إلا زيدا، وضربت القوم إلا زيدا، ومررت بالقوم إلا زيدا، وقام القوم إلا حمارا، وضربت القوم إلا حمارا،.


(1) " ما " اسم موصول مبتدأ " استثنت " استثنى: فعل ماض، والتاء للتأنيث " إلا " قصد لفظه: فاعل استثنت، والجملة من استثنت وفاعله لا محل لها صلة، والعائد إلى الموصول محذوف، والتقدير: ما استثنته إلا " مع " ظرف متعلق باستثنت، ومع مضاف و " تمام " مضاف إليه " ينتصب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة الواقعة مبتدأ، والجملة من ينتصب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " وبعد " ظرف متعلق بقوله " انتخب " الآتي، وبعد مضاف، و " نفي " مضاف إليه " أو " حرف عطف " كنفي " الكاف اسم بمعنى مثل معطوف على نفي، والكاف مضاف ونفي مضاف إليه " انتخب " فعل ماض مبني للمجهول. (2) " إتباع " نائب فاعل لانتخب في آخر البيت السابق، وإتباع مضاف، و " ما " اسم موصول: مضاف إليه، وجملة " اتصل " وفاعله المستتر العائد إلى ما لا محل لها صلة " وانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ما " اسم موصول: مفعول به لانصب، وجملة " انقطع " وفاعله المستتر فيه العائد إلى ما لا محل لها صلة " وعن تميم " جار ومجرور متعلق بقوله " وقع " الآتي " فيه " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " إبدال " مبتدأ مؤخر، وجملة " وقع " من الفعل الماضي وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى إبدال في محل رفع نعت لابدال، والتقدير: إبدال كائن في المنقطع وقع عن تميم، ويجوز أن تجعل جملة " وقع " وفاعله المستتر فيه العائد إلى إبدال خبرا عن المبتدأ، وعلى هذا يكون قوله " عن تميم " وقوله " فيه " جارين ومجرورين يتعلق كل منهما بوقع، والتقدير: وإبدال واقع في المنقطع عن تميم. (*)

[ 598 ]

ومررت بالقوم إلا حمارا " ف‍ " زيدا " في هذه المثل منصوب على الاستثناء، وكذلك " حمارا ". والصحيح من مذاهب النحويين أن الناصب له ما قبله بواسطة " إلا "، واختار المصنف - في غير هذا الكتاب - أن الناصب له " إلا " وزعم أنه مذهب سيبويه (1) وهذا معنى قوله " ما استثنت إلا مع تمام ينصب " أي: أنه ينتصب الذي استثنته " إلا " مع تمام الكلام، إذا كان موجبا..


(1) للنحاة في ناصب الاسم الواقع بعد " إلا " خلاف طويل، غير أن أشهر مذاهبهم في ذلك تتلخص في أربعة أقوال: الاول: أن الناصب له هو الفعل الواقع في الكلام السابق على " إلا " بواسطتها، فيكون عمل " إلا " هو تعدية ما قبلها إلى ما بعدها، كحرف الجر الذي يعدى الفعل إلى الاسم، غير أن هذه التعدية بالنظر إلى المعنى، وهذا مذهب السيرافي، ونسبه قوم منهم ابن عصفور وغيره إلى سيبويه، وقال الشلوبين: إنه مذهب المحققين. الثاني: أن الناصب له هو نفس " إلا " وهو مذهب ابن مالك الذي صرح به في غير هذا الكتاب، وعبارته في الالفية تشير إليه، أفلا ترى أنه يقول في مطلع الباب " ما استثنت إلا " ثم يقول بعد أبيات " وألغ إلا " وهي عبارة يدل ظاهرها على أن المراد إلغاؤها عن العمل. الثالث: أن الناصب له هو الفعل الواقع قبل " إلا " باستقلاله، لا بواسطتها كالمذهب الاول. الرابع: أن الناصب له فعل محذوف تدل عليه " إلا " والتقدير: أستثنى زيدا مثلا ويرد على المذهبين الاول والثالث أنه قد لا يكون في الكلام المتقدم على " إلا " ما يصلح لعمل النصب من فعل أو نحوه، تقول: إن القوم إخوتك إلا زيدا، فكيف تقول: إن العامل الذي قبل " إلا " هو الناصب لما بعدها ؟ سواء أقلنا: إنه ناصبه على الاستقلال أم قلنا: إنه ناصبه بواسطة " إلا ". ويمكن أن يجاب على ذلك بأننا في هذا المثال وما أشبهه نلتزم تأويل ما قبل " إلا " بما يصلح لعمل النصب، وهذا الجواب مع إمكانه ضعيف، للتكلف الذي يلزمه. (*)

[ 599 ]

فإن وقع بعد تمام الكلام الذي ليس بموجب - وهو المشتمل على النفي، أو شبهه، والمراد بشبه النفي: النهي، والاستفهام - فإما أن يكون الاستثناء متصلا، أو منقطعا، والمراد بالمتصل: أن يكون المستثنى بعضا مما قبله، وبالمنقطع: ألا يكون بعضا مما قبله. فإن كان متصلا، جاز نصبه على الاستثناء، وجاز إتباعه لما قبله في الاعراب، وهو المختار (1)، والمشهور أنه بدل من متبوعه، وذلك نحو " ما قام أحد إلا زيد، وإلا زيدا، ولا يقم أحد إلا زيد وإلا زيدا، وهل قام أحد إلا زيد ؟ وإلا زيدا، وما ضربت أحدا إلا زيدا، ولا تضرب أحدا إلا زيدا، وهل ضربت أحدا إلا زيدا ؟ "، فيجوز في " زيدا " أن يكون منصوبا على الاستثناء، وأن يكون منصوبا على البدلية من " أحد "، وهذا هو المختار،.


(1) أطلق الشارح - رحمه الله ! - اختيار إتباع المستثنى منه إذا كان الكلام تاما منفيا، وليس هذا الاطلاق بسديد، بل قد يختار النصب على الاستثناء، ولذلك ثلاثة مواضع: الاول، وسيأتي في كلامه: أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو قولك: ما زارني إلا زيدا أحد، فالنصب على الاستثناء هنا أرجح من الرفع على البدلية، لئلا يلزم تقدم التابع على المتبوع، أو تغير الحال، فيصير التابع متبوعا، والمتبوع تابعا. الثاني: أن يفصل بين المستثنى والمستثنى منه بفاصل طويل، نحو أن تقول: لم يزرني أحد أثناء مرضي مع انقضاء زمن طويل إلا زيدا، واختيار النصب على الاستثناء في هذا الموضع لان الاتباع إنما يختار للتشاكل بين التابع والمتبوع، وهذا التشاكل لا يظهر مع طول الفصل بينهما، ونازع في هذا أبو حيان. الثالث: أن يكون الكلام جوابا لمن أتى بكلام آخر يجب فيه نصب المستثنى، وذلك كأن يقول لك قائل: نجح التلاميذ إلا عليا، فتقول له " ما نجحوا إلا عليا " وإنما اختير النصب على الاستثناء ههنا ليتم به التشاكل بين الكلام الاول وما يراد الجواب به عنه. (*)

[ 600 ]

وتقول: " ما مررت بأحد إلا زيد، وإلا زيدا، ولا تمرر بأحد إلا زيد، وإلا زيدا، وهل مررت بأحد إلا زيد ؟ وإلا زيدا ". وهذا معنى قوله: " وبعد نفي أو كنفي انتخب إتباع ما اتصل " أي: اختير إتباع الاستثناء المتصل، إن وقع بعد نفي أو شبه نفي. وإن كان الاستثناء منقطعا تعين النصب عند جمهور العرب، فتقول: " ما قام القوم إلا حمارا "، ولا يجوز الاتباع، وأجازه بنو تميم، فتقول: " ما قام القوم إلا حمار، وما ضربت القوم إلا حمارا، وما مررت بالقوم إلا حمار ". وهذا هو المراد بقوله: " وانصب ما انقطع " أي: انصب الاستثناء المنقطع إذا وقع بعد نفي أو شبهه عند غير بني تميم، وأما بنو تميم فيجيزون إتباعه. فمعنى البيتين أن الذي استثنى ب‍ " إلا " ينتصب، إن كان الكلام موجبا ووقع بعد تمامه، وقد نبه على هذا التقييد بذكره حكم النفي بعد ذلك، وإطلاق كلامه يدل على أنه ينتصب، سواء كان متصلا أو منقطعا. وإن كان غير موجب - وهو الذي فيه نفي أو شبه نفي - انتخب - أي: اختير إتباع ما اتصل، ووجب نصب ما انقطع عند غير بني تميم، وأما بنو تميم فيجيزون إتباع المنقطع. * * * وغير نصب سابق في النفي قد يأتي، ولكن نصبه اختر إن ورد (1).


(1) " وغير " مبتدأ، وغير مضاف و " نصب " مضاف إليه، ونصب مضاف و " سابق " مضاف إليه " في النفي " جار ومجرور متعلق بقوله " يأتي " الآتي " قد " حرف دال على التقليل، وجملة " يأتي " وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى = (*)

[ 601 ]

إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه فإما أن يكون الكلام موجبا أو غير موجب فإن كان موجبا وجب نصب المستثنى، نحو " قام إلا زيدا القوم " وإن كان غير موجب فالمختار نصبه، فتقول: " ما قام إلا زيدا القوم "، ومنه قوله: 167 - فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مذهب الحق مذهب وقد روي رفعه، فتقول " ما قام إلا زيد القوم " قال سيبويه: " حدثني.


= " غير نصب " في محل رفع خبر المبتدأ " ولكن " حرف استدراك " نصبه " نصب: مفعول مقدم لاختر، ونصب مضاف والهاء مضاف إليه " اختر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إن " شرطية " ورد " فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقديره: إن ورد فاختر نصبه. 167 - البيت للكميت بن زيد الاسدي، من قصيدة هاشمية، يمدح فيها آل النبي صلى الله عليه وسلم، وأولها قوله: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب ؟ اللغة: " طربت " الطرب: استخفاف القلب من حزن أو فرح أو لهو " البيض " جمع بيضاء، وهي المرأة النقية " وذو الشيب يلعب " جعله بعض النحاة ومنهم ابن هشام في المغنى على تقدير همزة الاستفهام، وكأنه قد قال: أو ذو الشيب يلعب ؟ ودليل صحته أنه يروى في مكانه " أذو الشيب يلعب " " شيعة " أشياع وأنصار " مذهب الحق " يروى في مكانه " مشعب الحق " والمراد: أنه لا قصد له إلا طريق الحق. الاعراب: " وما " نافية " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " إلا " أداة استثناء " آل " مستثنى، وآل مضاف، و " أحمد " مضاف إليه " شيعة " مبتدأ مؤخر، وهو المستثنى منه، " وما لي إلا مذهب الحق مذهب " مثل الشطر الاول في الاعراب تماما. الشاهد فيه: قوله " إلا آل أحمد " وقوله " إلا مذهب الحق " حيث نصب المستثنى بإلا في الموضعين، لانه متقدم على المستثنى منه، والكلام منفي، وهذا هو المختار. (*)

[ 602 ]

يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون: ما لي إلا أخوك ناصر " وأعربوا الثاني بدلا من الاول [ على القلب ] [ لهذا السبب ] ومنه قوله: 168 فإنهم يرجون منه شفاعة إذا لم يكن إلا النبيون شافع فمعنى البيت: إنه قد ورد في المستثنى السابق غير النصب وهو الرفع.


168 - البيت لحسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، من قصيدة يقولها في يوم بدر، وأولها قوله: ألا يا لقومي هل لما حم دافع ؟ وهل ما مضى من صالح العيش راجع ؟ اللغة: " حم " تقول: حم الامر - بالبناء للمجهول - ومعناه قدر، وتقول: قد حمه الله، وأحمه، تريد قدره وهيأ أسبابه " يرجون " يترقبون ويأملون، والمراد بالشفاعة شفاعته صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى في قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). الاعراب: " فإنهم " إن: حرف توكيد ونصب، هم: اسمه " يرجون " فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر إن " منك " جار ومجرور متعلق بيرجون " شفاعة " مفعول به ليرجون " إذا " ظرفية " لم " نافية جازمة " يكن " فعل مضارع تام مجزوم بلم " إلا " أداة استثناء " النبيون " مستثنى، وستعرف ما فيه " شافع " فاعل يكن، وهو المستثنى منه. الشاهد فيه: قوله " إلا النبيون " حيث رفع المستثنى مع تقدمه على المستثنى منه، والكلام منفي، والرفع في مثل ذلك غير المختار، وإنما المختار نصبه، هذا هو الظاهر. وقد خرجه بعض النحاة على غير ظاهره، ليطابق المختار عندهم، فذهبوا إلى أن قوله " النبيون " معمول لما قبل إلا، أي أنه فاعل يكن، فيكون الكلام استثناء مفرغا: أي لم يذكر فيه المستثنى منه، وقوله " شافع " بدل كل مما قبله، ويكون الامر على عكس الاصل، فالذي كان بدلا صار مبدلا منه، والذي كان مبدلا منه قد صار بدلا، وتغير نوع البدل فصار بدل كل بعد أن كان بدل بعض. (*)

[ 603 ]

وذلك إذا كان الكلام غير موجب، نحو " ما قام إلا زيد القوم " ولكن المختار نصبه. وعلم من تخصيصه ورود غير النصب بالنفي أن الموجب يتعين فيه النصب، نحو " قام إلا زيدا القوم ". * * * وإن يفرغ سابق " إلا " لما بعد يكن كما لو " الا " عدما (1) إذا تفرغ سابق " إلا " لما بعدها - أي: لم يشتغل بما يطلبه - كان الاسم الواقع بعد " إلا " معربا بإعراب ما يقتضيه ما قبل " إلا " قبل دخولها، وذلك نحو " ما قام إلا زيد، وما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد " ف‍ " زيد ": فاعل مرفوع بقام، و " زيدا ": منصوب بضربت، و " بزيد ": متعلق بمررت، كما لو لم تذكر " إلا ".


(1) " وإن " شرطية " يفرغ " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط " سابق " نائب فاعل ليفرغ، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل، وفاعله ضمير مستتر فيه " إلا " قصد لفظه: جعله الشيخ خالد مضافا إليه، وليس هذا الاعراب بشئ، بل هو مفعول به لسابق، لانه اسم فاعل منون وترك تنوينه يخل بوزن البيت " لما " جار ومجرور متعلق بيفرغ " بعد " ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا في محل نصب، وهو متعلق بمحذوف صلة " ما " المجرورة محلا باللام " يكن " فعل مضارع ناقص مجزوم لانه جواب الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا " كما " الكاف جارة، ما زائدة " لو " مصدرية " الا " قصد لفظه: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده " عدما " فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على إلا، و " لو " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر " يكن "، وتقدير الكلام: يكن هو كائنا كعدم إلا في الكلام. (*)

[ 604 ]

وهذا هو الاستثناء المفرغ (1) ولا يقع في كلام موجب (2) فلا تقول " ضربت إلا زيدا ". وألغ " إلا " ذات توكيد: كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا (3) إذا كررت " إلا " لقصد التوكيد لم تؤثر فيما دخلت عليه شيئا، ولم تفد.


(1) يجوز تفريغ العامل المتقدم على إلا بالنظر إلى جميع المعمولات كالفاعل ونائبه والمفعول به، ويستثنى من ذلك: المفعول معه، والمصدر المؤكد لعامله، والحال المؤكدة، فلا يجوز أن تقول: ما سرت إلا والنيل، ولا أن تقول: ما ضربت إلا ضربا، ولا أن تقول: لا تعث إلا مفسدا، وذلك لان الكلام مع هذه المثل ونحوها يتناقض صدره مع عجزه. (2) أطلق الشارح القول بعدم وقوع الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب، ولم يفرق بين أن يكون ما بعد إلا فضلة وأن يكون عمدة، وللنحاة في هذا الموضوع مذهبان: أحدهما: أنه لا يقع بعد الايجاب مطلقا كما يقتضيه إطلاق الشارح، وهو مذهب الجمهور، واختاره الناظم، والسر في ذلك أنك لو كنت تقول " ضربت إلا زيدا " لكان المعنى أنك ضربت جميع الناس إلا زيدا، وهذا مستحيل، وقيام قرينة تدل على أنك تريد بالناس جماعة مخصوصة، أو أنك قصدت إلى المبالغة - بجعل الفعل الواقع على بعض الناس واقعا على كلهم، تنزيلا لهذا البعض منزلة الكل، لعدم الاعتداد بما عدا هذا البعض - أمر نادر، فلا يجعل له حكم. والمذهب الثاني لابن الحاجب، وخلاصته أنه يجوز وقوع الاستثناء بعد الايجاب بشرطين، الاول: أن يكون ما بعد إلا فضلة، والثاني: أن تحصل فائدة، وذلك كقولك: قرأت إلا يوم الجمعة، فإن كان عمدة أو لم تحصل فائدة لم يجز. (3) " وألغ " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " إلا " قصد لفظه: مفعول به لالغ " ذات " حال من " إلا "، وذات مضاف، و " توكيد " مضاف إليه " كلا " الكاف جارة لقول محذوف، لا: ناهية " تمرر " فعل مضارع مجزوم بلا، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بهم " جار ومجرور متعلق بتمرر " إلا " حرف استثناء " الفتى " مستثنى، والمستثنى منه الضمير المجرور محلا بالباء " إلا " توكيد لالا السابقة " العلا " بدل من " الفتى "، بدل كل من كل. (*)

[ 605 ]

غير توكيد الاولى، وهذا معنى إلغائها، وذلك في البدل والعطف، نحو " ما مررت بأحد إلا زيد إلا أخيك " ف‍ " أخيك " بدل من " زيد " ولم تؤثر فيه " إلا " شيئا، أي لم تفد فيه استثناء مستقلا، وكأنك قلت: ما مررت بأحد إلا زيد أخيك، ومثله " لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا " [ والاصل: لا تمرر بهم إلا الفتى العلا ] ف‍ " العلا " بدل من الفتى، وكررت " إلا " توكيدا، ومثال العطف " قام القوم إلا زيدا وإلا عمرا " والاصل: إلا زيدا وعمرا، ثم كررت " إلا " توكيدا، ومنه قوله: 169 - هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها والاصل: وطلوع الشمس، وكررت " إلا " توكيدا..


169 - البيت لابي ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، والبيت مطلع قصيدة له، وبعده قوله: أبي القلب إلا أم عمرو، وأصبحت تحرق ناري بالشكاة ونارها وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها اللغة: " غيارها " بزنة قيام - هو مصدر بمعنى الغياب " تحرق " بالبناء للمجهول - توقد، وتذكى، وتشعل " بالشكاة " بفتح الشين أراد ما يكون من كلام الواشين من النمائم " عيرها الواشون " نسبوها إلى العار، وهو كل ما يوجب الذم. الاعراب: " هل " حرف استفهام بمعنى النفي " الدهر " مبتدأ " إلا " أداة استثناء ملغاة " ليلة " خبر المبتدأ " ونهار ها " الواو عاطفة، نهار: معطوف على ليلة، ونهار مضاف والضمير مضاف إليه " وإلا " الواو عاطفة، وإلا زائدة للتوكيد " طلوع " معطوف على ما قبله، وطلوع مضاف و " الشمس " مضاف إليه " ثم " عاطفة " غيارها " غيار: معطوف على طلوع، وغيار مضاف وها مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " وإلا طلوع الشمس " حيث تكررت " إلا " ولم تفد غير مجرد التوكيد، فألغيت، وعطف ما بعدها على ما قبلها، ونظير زيادة " إلا " في هذا = (*)

[ 606 ]

وقد اجتمع تكرارها في البدل والعطف في قوله: 170 - مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله.


= الموضع زيادة " لا " في نحو قولك: مررت برجل لا كريم ولا شجاع، فالواو عاطفة لما بعد " لا " الثانية على ما بعد " لا " الاولى، وليست " لا " الثانية إلا زائدة لمجرد تأكيد أن ما بعدها معطوف على مدخول الاولى. 170 - البيت لراجز لم يسمه أحد ممن اطلعنا على أقوالهم، وهو من شواهد سيبويه (1 / 374). اللغة: " شيخك " هكذا يقرأه الناس قديما وحديثا بالياء المثناة بعدها خاء معجمة، ويشتهر على ألسنة الجميع أنه الجمل، ولكنا لم نقف على هذا المعنى لهذا اللفظ في كتب اللغة الموثوق بها، والمنصوص عليه أن الشيخ هو الرجل المسن، وعلى هذا يفسر الرسيم كما قال الاعلم بالسعي بين الصفا والمروة، ويفسر الرمل بالسعي في الطواف، وكأنه قال: لا منفعة في ولا عمل عندي أفوق فيه غيري إلا هذان، وزعم بعض الناس أن الصواب في رواية هذه الكلمة " شنجك " بالنون والجيم الموحدتين، وهو الجمل، وأصل نونه متحركة فسكنها لاقامة الوزن، وكأن الذي دعاه إلى ادعاء التصحيف ثم إلى هذا التفسير ذكر الرسيم والرمل، ولكن الذي عليه الرواة الاثبات من المتقدمين أولى بالاتباع، إذ كانت اللغة لا تثبت إلا بالنقل، و " رسيمه ورمله " على هذه الرواية الاخيرة ضربان من السير. المعنى: المراد على الوجه الاخير: لا منفعة لك من جملك إلا في نوعين من سيره، وهما الرسيم والرمل وقد بينا لك المعنى على الرواية الاصيلة التي اخترناها وصوبناها. الاعراب: " ما " نافية " لك " جار ومجرور، ومثله " من شيخك " ويتعلقان بمحذوف خبر مقدم، وشيخ مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " إلا " أداة استثناء " عمله " عمل: مبتدأ مؤخر، وعمل مضاف والضمير مضاف إليه " إلا " زائدة للتوكيد " رسيمه " رسيم: بدل من عمل، بدل بعض من كل، ورسيم مضاف والضمير مضاف إليه " وإلا " الواو عاطفة، إلا: زائدة للتوكيد " رمله " رمل: معطوف على رسيمه، ورمل مضاف وضمير الغائب العائد إلى شيخك مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " إلا رسيمه وإلا رمله " حيث تكررت " إلا " في البدل والعطف، ولم تفد غير مجرد التوكيد، وقد ألغيت. (*)

[ 607 ]

والاصل: إلا عمله رسيمه ورمله، ف‍ " رسيمه ": بدل من عمله، " ورمله " معطوف على " رسيمه "، وكررت " إلا " فيهما توكيدا. * * * وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع (1) في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني (2) إذا كررت " إلا " لغير التوكيد - وهي: التي يقصد بها ما يقصد بما قبلها من الاستثناء، ولو أسقطت لما فهم ذلك - فلا يخلو: إما أن يكون الاستثناء مفرغا، أو غير مفرغ..


(1) " وإن " شرطية " تكرر " فعل مضارع مبني للمجهول، فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود على إلا " لا " عاطفة " لتوكيد " معطوف على جار ومجرور محذوف، والتقدير: وإن تكرر إلا لتأسيس لا لتوكيد " فمع " الفاء لربط الجواب بالشرط، مع: ظرف متعلق بدع الآتي، ومع مضاف، و " تفريغ " مضاف إليه " التأثير " مفعول به لدع مقدم عليه " بالعامل " جار ومجرور متعلق بالتأثير " دع " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (2) " في واحد " جار ومجرور متعلق بدع في البيت السابق " مما " جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لواحد " بإلا " جار ومجرور متعلق باستثني الآتي " استثني " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على ما الموصولة المجرورة محلا بمن، والجملة من استثني ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " وليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى واحد " عن نصب " جار ومجرور متعلق بمغني الآتي، ونصب مضاف وسوى من " سواه " مضاف إليه، وسوى مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " مغني " خبر ليس، ووقف عليه كلغة ربيعة، ويجوز أن يكون مغني اسم ليس، وخبرها محذوف، أي وليس مغن عن نصب سواه موجودا. (*)

[ 608 ]

فإن كان مفرغا شغلت العامل بواحد ونصبت الباقي، فتقول: " ما قام إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا " ولا يتعين واحد منها لشغل العامل، بل أيها شئت شغلت العامل به، ونصبت الباقي، وهذا معنى قوله: " فمع تفريغ - إلى آخره " أي: مع الاستثناء المفرغ اجعل تأثير العامل في واحد مما استثنيته بإلا، وانصب الباقي. وإن كان الاستثناء غير مفرغ - وهذا هو المراد بقوله: - ودون تفريغ: مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم (1) وانصب لتأخير، وجئ بواحد منها كما لو كان دون زائد (2) كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الاول (3).


(1) " ودون " ظرف متعلق باحكم، ودون مضاف و " تفريغ " مضاف إليه " مع التقدم " مثله " نصب " مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده، ونصب مضاف و " الجميع " مضاف إليه " احكم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " به " جار ومجرور متعلق باحكم " والتزم " الواو عاطفة، التزم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ومفعوله محذوف: أي التزم ذلك الحكم. (2) " وانصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لتأخير " جار ومجرور متعلق بانصب " وجئ " الواو عاطفة، جئ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بواحد " جار ومجرور متعلق بجئ " منها " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لواحد " كما " الكاف جارة، وما: زائدة " لو " مصدرية " كان " فعل ماض تام، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى واحد " دون " ظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل " كان " و " لو " ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل جر صفة ثانية لواحد، أو في محل نصب حال منه، لانه تخصص بالوصف. (3) " كلم " الكاف جارة لقول محذوف، لم: نافية جازمة " يفوا " فعل مضارع مجزوم بلم، وواو الجماعة فاعله " إلا " أداة استثناء " امرؤ " بدل من واو الجماعة = (*)

[ 609 ]

فلا يخلو: إما أن تتقدم المستثنيات على المستثنى منه، أو تتأخر. فإن تقدمت المستثنيات وجب نصب الجميع، سواء كان الكلام موجبا أو غير موجب، نحو " قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم، وما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا القوم " وهذا معنى قوله: " ودون تفريغ - البيت ". وإن تأخرت فلا يخلو: إما أن يكون الكلام موجبا، أو غير موجب، فإن كان موجبا وجب نصب الجميع، فتقول: " قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا " وإن كان غير موجب عومل واحد منها بما كان يعامل به لو لم يتكرر الاستثناء: فيبدل مما قبله وهو - المختار - أو ينصب - وهو قليل - كما تقدم، وأما باقيها فيجب نصبه، وذلك نحو " ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا " ف‍ " زيد " بدل من أحد، وإن شئت أبدلت غيره من الباقين، ومثله قول المصنف " لم يفوا إلا امرؤ إلا علي " ف‍ " امرؤ " بدل من الواو في " يفوا " وهذا معنى قوله " وانصب لتأخير - إلى آخره " أي: وانصب المستثنيات كلها إذا تأخرت عن المستثنى منه إن كان الكلام موجبا، وإن كان غير موجب فجئ بواحد منها معربا بما كان يعرب به لو لم يتكرر المستثنى، وانصب الباقي. ومعنى قوله " وحكمها في القصد حكم الاول " أن ما يتكرر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم المستثنى الاول، فيثبت له ما يثبت للاول: من الدخول والخروج، ففي قولك " قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا " الجميع..


= بدل بعض من كل " إلا " حرف دال على الاستثناء " علي " مستثنى منصوب، ووقف عليه بالسكون كلغة ربيعة " وحكمها " الواو عاطفة أو للاستئناف، حكم: مبتدأ، وحكم مضاف والضمير مضاف إليه " في القصد " جار ومجرور متعلق بحكم " حكم " خبر المبتدأ، وحكم مضاف، و " الاول " مضاف إليه. (39 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 610 ]

مخرجون، وفي قولك " ما قام القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا " الجميع داخلون، وكذا في قولك: " ما قام أحد إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا " [ الجميع داخلون ]. * * * واستثن مجرورا بغير معربا بما لمستثنى بإلا نسبا (1) استعمل بمعنى " إلا " - في الدلالة على الاستثناء - ألفاظ: منها ما هو اسم، وهو " غير، وسوى، وسوى، وسواء " ومنها ما هو فعل، وهو " ليس، ولا يكون " ومنها ما يكون فعلا وحرفا، وهو " عدا، وخلا، وحاشا " وقد ذكرها المصنف كلها. فأما " غير، وسوى، وسوى، وسواء " فحكم المستثنى بها الجر، لاضافتها إليه وتعرب " غير " بما كان يعرب به المستثنى مع " إلا "، فتقول: " قام القوم غير زيد " بنصب " غير " كما تقول " قام القوم إلا زيدا " بنصب " زيد "، وتقول " ما قام أحد غير زيد، وغير زيد " بالاتباع والنصب، والمختار الاتباع، كما تقول " ما قام أحد إلا زيد، وإلا زيدا " وتقول: " ما قام غير زيد " فترفع " غير " وجوبا كما تقول: " ما قام إلا زيد " برفعه.


(1) " استثن " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مجرورا " مفعول به لاستثن " بغير " جار ومجرور متعلق باستثن " معربا " حال من غير " بما " جار ومجرور متعلق بمعرب " لمستثنى " جار ومجرور متعلق بنسب الآتي " بإلا " جار ومجرور متعلق بمستثنى " نسبا " نسب: فعل ماض مبني للمجهول، والالف للاطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة " ما " المجرورة محلا بالباء، وتقدير البيت: استثن بلفظ غير اسما مجرورا بإضافة غير إليه حال كون لفظ غير معربا بالاعراب الذي نسب للمستثنى بإلا.

[ 611 ]

وجوبا، وتقول: " ما قام أحد غير حمار " بنصب " غير " عند غير بني تميم، وبالاتباع عند بني تميم، كما تفعل في قولك " ما قام أحد إلا حمار، وإلا حمارا ". وأما " سوى " فالمشهور فيها كسر السين والقصر، ومن العرب من يفتح سينها ويمد، ومنهم من يضم سينها ويقصر، ومنهم من يكسر سينها ويمد، وهذه اللغة لم يذكرها المصنف، وقل من ذكرها، وممن ذكرها الفاسي في شرحه للشاطبية. ومذهب سيبويه والفراء وغيرهما أنها لا تكون إلا ظرفا، فإذا قلت " قام القوم سوى زيد " ف‍ " سوى " عندهم منصوبة على الظرفية، وهي مشعرة بالاستثناء، ولا تخرج عندهم عن الظرفية إلا في ضرورة الشعر. واختار المصنف أنها ك‍ " غير " فتعامل بما تعامل به " غير ": من الرفع، والنصب، والجر، وإلى هذا أشار بقوله: ولسوى سوى سواء اجعلا على الاصح ما لغير جعلا (1) فمن استعمالها مجرورة قوله صلى الله عليه وسلم: " دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسها " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ما أنتم في سواكم من الامم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الاسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الابيض " وقول الشاعر:.


(1) " لسوى " جار ومجرور متعلق باجعل على أنه مفعول ثان له " سوى، سواء " معطوفان على سوى بعاطف مقدر في كل منهما " اجعلا " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والالف منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة " على الاصح " جار ومجرور متعلق بجعل " ما " اسم موصول: مفعول أول لاجعل " لغير " جار ومجرور متعلق بجعل الآتي على أنه المفعول الثاني " جعلا " جعل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، وهو المفعول الاول، والجملة لا محل لها من الاعراب صلة، والالف للاطلاق. (*)

[ 612 ]

171 - ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا.


171 - البيت للمرار بن سلامة العقيلي، وهو من شواهد سيبويه، وقد أنشده في كتابه مرتين: إحداهما في (1 / 3) ونسبه للمرار بن سلامة، والثانية في (1 / 302) ونسبه لرجل من الانصار، ولم يعينه. اللغة: " الفحشاء " الشئ القبيح، وتقول: أفحش الرجل في كلامه، وفحش تفحيشا، وتفحش، إذا أردت أنه يتكلم بقبيح الكلام. الاعراب: " لا " نافية " ينطق " فعل مضارع " الفحشاء " منصوب على نزع الخافض " من " اسم موصول فاعل ينطق " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة " منهم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان، والجملة من كان ومعموليها لا محل لها من الاعراب صلة " إذا " ظرفية " جلسوا " فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها " منا " جار ومجرور متعلق بجلسوا، ومن الجارة هنا بمعنى مع " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " من سوائنا " الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور السابق، وسواء مضاف والضمير مضاف إليه، وقيل: منا ومن سوائنا يتعلقان بقوله ينطق، وجواب إذا محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إذا جلسوا فلا ينطق الفحشاء إلخ. الشاهد فيه: قوله " من سوائنا " حيث خرجت فيه سواء عن الظرفية، واستعملت مجرورة بمن، متأثرة به، وهو عند سيبويه وأتباعه من ضرورات الشعر. قال الاعلم في شرح شواهد سيبويه عند الكلام على هذا البيت: " أراد غيرنا، فوضع سواء موضع غير ضرورة، وكان ينبغي ألا يدخل من عليها، لانها لا تستعمل في الكلام إلا ظرفا، ولكنه جعلها بمنزلة غير في دخول من عليها، لان معناها كمعناها " اه‍. ومثل هذا البيت في استعمال سوى مجرورة للضرورة قول الاعشى ميمون ابن قيس: تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما عدلت عن أهلها لسوائكا وقول عثمان بن صمصامة الجعدي: على نعمنا، لانعم قوم سوائنا، هي الهم والاحلام لو يقع الحلم (*)

[ 613 ]

ومن استعمالها مرفوعة قوله: 172 - وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشتري وقوله: 173 - ولم يبق سوى العدوان دناهم كما دانوا.


172 - البيت لمحمد بن عبد الله المدني، يخاطب يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وقد روى أبو تمام في الحماسة عدة أبيات من هذه الكلمة، أولها بيت الشاهد (انظر شرح التبريزي 4 / 274 بتحقيقنا) وبعده قوله: وإذا توعرت المسالك لم يكن منها السبيل إلى نداك بأوعر اللغة: " تباع " أراد بالبيع ههنا الزهد في الشئ، والانصراف عنه، وذهاب الرغبة في تحصيله، كما أراد بالشراء الحرص على الشئ، والكلف به، وشدة الرغبة في الحصول عليه، و " أو " ههنا بمعنى الواو " كريمة " أي خصلة كريمة، أي نفيسة حسنة يتسابق الكرام إليها. المعنى: إذا رغب قوم في تحصيل المكارم وتأثيل المجد وانصرف آخرون عن ذلك، فأنت الراغب في المجد المحصل للمكارم، وغيرك المنصرف عنه الزاهد فيه. الاعراب: " إذا " ظرف تضمن معنى الشرط " تباع " فعل مضارع مبني للمجهول " كريمة " نائب فاعل تباع، والجملة من تباع ونائب فاعله في محل جر بإضافة إذا إليها " أو " عاطفة " تشترى " فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على تباع، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى كريمة " فسواك " الفاء لربط الجواب بالشرط، سوى: مبتدأ، وسوى مضاف والكاف مضاف إليه " بائعها " بائع: خبر المبتدأ، وبائع مضاف، وها: مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها من الاعراب جواب إذا " وأنت " مبتدأ " المشتري " خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة السابقة. الشاهد فيه: قوله " فسواك " فإن " سوى " قد خرجت عن الظرفية، ووقعت مبتدأ متأثرا بالعامل، وهذا العامل معنوي، وهو الابتداء، وهو يرد على ما ذهب إليه سيبويه والجمهور من أن " سوى " لا تخرج عن النصب على الظرفية. 173 - البيت للفند الزماني من كلمة يقولها في حرب البسوس، واسم الفند شهل ابن شيبان بن ربيعة، وقد روى أبو تمام في مطلع ديوان الحماسة أبياتا من هذه الكلمة = (*)

[ 614 ]

ف‍ " سواك " مرفوع بالابتداء، و " سوى العدوان " مرفوع بالفاعلية. ومن استعمالها منصوبة على غير الظرفية قوله: 174 - لديك كفيل بالمنى لمؤمل وإن سواك من يؤمله يشقى.


= يقع بيت الشاهد رابعها، وقبله وقوله: صفحنا عن بني ذهل وقلنا: القوم إخوان عسى الايام أن يرجعن قوما كالذي كانوا فلما صرح الشر وأمسى وهو عريان اللغة: " صفحنا " عفونا، والصفح: العفو، وأصله من قولهم: أعرضت صفحا عن هذا الامر، إذا تركته ووليته جانبك " بني ذهل " يروى في مكانه " بني هند " وهي هند بنت مر ابن أخت تميم، وهي أم بكر وتغلب ابني وائل " العدوان " الظلم الصريح " دناهم " جازيناهم وفعلنا بهم مثل الذي فعلوا بنا من الاساءة، وجملة " دناهم " هذه جواب " لما " في قوله " فلما صرح الشر ". الاعراب: " ولم " نافية جازمة " يبق " فعل مضارع مجزوم بحذف الالف " سوى " فاعل يبق، وسوى مضاف، و " العدوان " مضاف إليه " دناهم " فعل ومفعول به " كما " الكاف جارة، وما: يجوز أن تكون موصولا اسميا، وأن تكون حرفا مصدريا " دانوا " فعل وفاعل، فإذا كانت " ما " موصولا اسميا فالجملة لا محل لها من الاعراب صلة، والعائد محذوف، والتقدير: دناهم كالدين الذي دانوه، وإذا كانت ما مصدرية فهي ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، وعلى كل حال فإن الكاف ومجرورها متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يدل عليه قوله دناهم، والتقدير: دناهم دينا كائنا كالدين الذي دانوه، أو دناهم دينا مثل دينهم إيانا. الشاهد فيه: قوله " سوى العدوان " حيث وقعت " سوى " فاعلا، وخرجت عن الظرفية. 174 - البيت من الشواهد التي لم ينسبوها لقائل معين، ولم أقف له على سابق أو لاحق. = (*)

[ 615 ]

ف‍ " سواك " اسم " إن "، هذا تقرير كلام المصنف. ومذهب سيبويه والجمهور أنها لا تخرج عن الظرفية، إلا في ضرورة الشعر، وما استشهد به على خلاف ذلك يحتمل التأويل. * * *.


= اللغة: [ " كفيل " ] ؟ ضامن " المنى " الرغبات والآمال، واحدها منية بوزان مدية وغرفة " لمؤمل " اسم فاعل من أمل فلان فلانا تأميلا، إذا رجاه " يشقى " مضارع من الشقاء وهو العناء والشدة. المعنى: إن عندك من مكارم الاخلاق وشريف السجايا ما يضمن لمن يرجو نداك أن يبلغ قصده وينال عندك ما يؤمل، فأما غيرك ممن يظن بهم الناس الخير فإن آمال الراجين فيهم تنقلب خيبة وشقاء. الاعراب: " لديك " لدى: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولدى مضاف والكاف مضاف إليه " كفيل " مبتدأ مؤخر " بالمنى، لمؤمل " جاران ومجروران يتعلقان بكفيل " إن " حرف توكيد ونصب " سواك " سوى: اسم إن، وسوى مضاف والكاف مضاف إليه " من " اسم موصول مبتدأ " يؤمله " يؤمل: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها صلة الموصول " يشقى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من الموصولة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو من الموصولة، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن. الشاهد فيه: قوله " وإن سواك " حيث فارقت " سوى " الظرفية ووقعت اسما لان فتأثرت بالعامل الذي هو إن المؤكدة. ومثل هذا البيت - في وقوع سوى منصوبة بالعامل - الشاهد رقم 175 الآتي (ص 618) وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي (البيت 17 من الكلمة 114): وصرمت حبلك إذ صرمت، لانني أخبرت أنك قد هويت سوانا = (*)

[ 616 ]

واستثن ناصبا بليس وخلا وبعدا، وبيكون بعد " لا " (1) أي: استثن ب‍ " ليس " وما بعدها ناصبا المستثنى، فتقول: " قام القوم ليس زيدا، وخلا زيدا، وعدا زيدا، ولا يكون زيدا " ف‍ " زيدا " في قولك: " ليس زيدا، ولا يكون زيدا " منصوب على أنه خبر " ليس، ولا يكون "، واسمهما ضمير مستتر، والمشهور أنه عائد على البعض المفهوم من القوم (2)،.


= وكل هذه الشواهد دالة على أن هذه الكلمة ليست ملازمة للنصب على الظرفية كما ذهب إليه سيبويه، والخليل، وجمهور البصريين، وادعاؤهم أن ذلك خاص بضرورة الشعر مع كثرة ما ورد منه - مما لا يجوز أن يلتفت إليه أو يؤخذ به، وتأويل هذه الشواهد الكثيرة مما لا تدعو إليه ضرورة، ولا يمكن ارتكابه إلا مع التمحل والتكلف، ولئن ذهبنا إلى ارتكابه لم يبق تأصيل قواعد النحو ممكنا. (1) " واستئن " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " ناصبا " حال من الفاعل المستتر في استثن " بليس " جار ومجرور متعلق باستثن " وخلا " معطوف على ليس " وبعدا، وبيكون " جاران ومجروران معطوفان على بليس " بعد " ظرف متعلق بمحذوف حال من يكون، وبعد مضاف، و " لا " قصد لفظه: مضاف إليه. (2) للنحاة في مرجع الضمير المستكن في يكون من قولك " قام القوم لا يكون زيدا " والمستكن في ليس من قولك " قام القوم ليس زيدا " ثلاثة أقوال معروفة: (الاول) أن مرجعه هو البعض المفهوم من الكل السابق الذي هو المستثنى منه، فتقدير الكلام: قام القوم لا يكون هو (أي بعض القوم) زيدا، فهو مثل قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء) وهذا أشهر المذاهب في هذه المسألة. (الثاني) أن مرجعه اسم فاعل مأخوذ من الفعل العامل في المستثنى منه، فتقدير الكلام: قام القوم لا يكون هو (أي القائم) زيدا. (الثالث) أن مرجعه هو مصدر الفعل السابق العامل في المستثنى منه، والمستثنى نفسه على تقدير مضاف، وتقدير الكلام على هذا: قام القوم لا يكون هو (أي القيام) قيام زيد. = (*)

[ 617 ]

والتقدير: " ليس بعضهم زيدا [ ولا يكون بعضهم زيدا ] "، وهو مستتر وجوبا، وفي قولك: " خلا زيدا، وعدا زيدا " منصوب على المفعولية، " خلا، وعدا " فعلان فاعلهما - في المشهور - ضمير عائد على البعض المفهوم من القوم كما تقدم، وهو مستتر وجوبا، والتقدير: خلا بعضهم زيدا، وعدا بعضهم زيدا. ونبه بقوله: " ويكون بعد لا " - وهو قيد في " يكون " فقط - على أنه لا يستعمل في الاستثناء من لفظ الكون غير " يكون " وأنها لا تستعمل فيه إلا بعد " لا " فلا تستعمل فيه بعد غيرها من أدوات النفي، نحو: لم، وإن، ولن، ولما، وما. * * * واجرر بسابقي يكون إن ترد وبعد " ما " انصب، وانجرار قد يرد (1).


= ويضعف الوجهين - الثاني والثالث - أن الكلام قد لا يكون مشتملا على فعل، نحو قولك: القوم إخوتك لا يكون زيدا. (1) " واجرر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بسابقي " جار ومجرور متعلق باجرر، وسابقي مضاف، و " يكون " قصد لفظه: مضاف إليه " إن " شرطية " ترد " فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بإن، وعلامة جزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: إن ترد فاجرر إلخ " وبعد " الواو عاطفة، بعد: ظرف متعلق بانصب الآتي، وبعد مضاف، و " ما " قصد لفظه: مضاف إليه " انصب " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " وانجرار " مبتدأ " قد " حرف تقليل " يرد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى انجرار، والجملة من يرد وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 618 ]

أي: إذا لم تتقدم " ما " على، " خلا، وعدا " فاجرر بهما إن شئت، فتقول: " قام القوم خلا زيد، وعدا زيد " فخلا، وعدا: حرفا جر، ولم يحفظ سيبويه الجر بهما، وإنما حكاه الاخفش، فمن الجر ب‍ " خلا " قوله: 175 - خلا الله لا أرجو سواك، وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكا.


175 - البيت من الشواهد التي لم يعينوا قائلها، ولم أقف له على سابق أو لاحق. اللغة: " أرجو " مضارع من الرجاء، وهو ضد اليأس من الشئ الذي هو قطع الطماعية في الوصول إليه، وتقول: رجا الانسان الشئ يرجوه رجاء، إذا أمله وتوقع حصوله " سواك " غيرك، وهو دليل على أن هذه الكلمة تستعمل غير ظرف، لوقوعها مفعولا به، وتقدمت هذه المسألة مشروحة مستدلا لها (ص 611 وما بعدها) " أعد " أي أحسب " عيالي " العيال: هم أهل بيت الانسان ومن يمونهم " شعبة " طائفة. المعنى: إنني لا أؤمل أن يصلني الخير من أحد إلا منك، وأنا واثق كل الثقة من أنك لا تدخر وسعا في التفضل علي والاحسان إلي، لان أهلي ومن تلزمني مؤنهم في اعتباري فريق من أهلك ومن تلزمك مؤنهم. - في اعتباري - فريق من وأهلك ومن تلزمك مؤنهم الاعراب: " خلا " حرف جر " الله " مجرور بخلا، والجار والمجرور متعلق بأرجو الآتي " لا " نافية " أرجو " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " سواك " سوى: مفعول به لارجو، وسوى مضاف والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه " إنما " أداة حصر " أعد " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا " عيالي " عيال: مفعول أو لاعد، وعيال مضاف وياء المتكلم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر " شعبة " مفعول ثان لاعد " من عيالكا " من عيال: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لشعبة، وعيال مضاف والكاف مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " خلا الله " وفي هذه الكلمة وحدها شاهدان للنحاة: أما الاول فحيث استعمل الشاعر " خلا " حرف جر، فجر به لفظ الجلالة، وذكر الشارح = (*)

[ 619 ]

ومن الجر ب‍ " عدا " قوله: 176 - تركنا في الحضيض بنات عوج عواكف قد خضعن إلى النسور أبحنا حيهم قتلا وأسرا عدا الشمطاء والطفل الصغير.


= أن هذا مما نقله الاخفش، وأن سيبويه لم يحفظ من العرب الجر بخلا، وهذا نقل غير صحيح، بل نقله سيبويه في كتابه صريحا (1 / 377) حيث يقول " أما حاش فليس باسم، ولكنه حرف يجر ما بعده كما تجر حتى ما بعدها، وفيه معنى الاستثناء، وبعض العرب يقول: ما أنا من القوم خلا عبد الله (بالجر) فجعلوا خلا بمنزلة حاشا، فإذا قلت: ما خلا فليس فيه إلا النصب، لان ما اسم، ولا تكون صلتها إلا للفعل هنا " اه‍، وأما الشاهد الثاني فحيث قدم الاستثناء فجعله أول الكلام قبل المستثنى منه وقبل العامل فيه، وذلك جائز عند الكوفيين، نص عليه الكسائي، وإليه ذهب أبو إسحاق الزجاج، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز، وأجاز الفريقان جميعا تقديم المستثنى على المستثنى منه، بشرط أن يتقدم العامل في المستثنى منه أو بعض جملة المستثنى منه. وفي قوله " لا أرجو سواك " شاهد ثالث، وحاصله أن " سوى " قد تفارق النصب على الظرفية فتتأثر بالعوامل، وقد وقعت هنا مفعولا به، وهذا هو الذي نبهناك إليه في ص 611. 176 - وهذان البيتان من الابيات التي لم نقف على نسبتها إلى قائل معين. اللغة: " الحضيض " قرار الارض عند منقطع الجبل " بنات عوج " أراد بها الخيل التي ينسبونها إلى فرس مشهور يسمونه " أعوج " ويقال: خيل أعوجيات " عواكف " جمع عاكفة، والعكوف: ملازمة الشئ والمواظبة عليه " خضعن " ذللن وخشعن " أبحنا حيهم " أراد أهلكنا واستأصلنا، والحي: القبيلة " أسرا " الاسر: أن يأخذ الرجل الرجل في الحرب ملقيا بيديه معترفا بالعجز عن الدفاع عن نفسه " الشمطاء " هي العجوز التي يخالط سواد شعرها بياض. الاعراب: " تركنا " فعل وفاعل " في الحضيض " جار ومجرور متعلق بتركنا " بنات " مفعول به لتركنا، وبنات مضاف، و " عوج " مضاف إليه " عواكف " حال من بنات عوج " قد " حرف تحقيق " خضعن " فعل وفاعل، والجملة في محل = (*)

[ 620 ]

فإن تقدمت عليهما " ما " وجب النصب بهما، فتقول: " قام القوم ماخلا زيدا، وما عدا زيدا " ف‍ " ما ": مصدرية، و " خلا، وعدا ": صلتها، وفاعلهما ضمير مستتر يعود على البعض كما تقدم تقريره، و " زيدا ": مفعول، وهذا معنى قوله: " وبعد ما انصب " هذا هو المشهور. وأجاز الكسائي الجر بهما بعد " ما " على جعل " ما " زائدة، وجعل " خلا، وعدا " حرفي جر، فتقول: " قام القوم ما خلا زيد، وما عدا زيد " وهذا معنى قوله: " وانجرار قد يرد " وقد حكى الجرمي في الشرح الجر بعد " ما " عن بعض العرب. * * * وحيث جرا فهما حرفان كما هما إن نصبا فعلان (1).


= نصب صفة لعواكف " إلى النسور " جار ومجرور متعلق بخضعن " أبحنا " فعل وفاعل " حيهم " حي: مفعول به لاباح، وحي مضاف والضمير مضاف إليه " قتلا " تمييز " وأسرا " معطوف على قوله قتلا " عدا " حرف جر " الشمطاء " مجرور بعدا " والطفل " معطوف على الشمطاء " الصغير " صفة للطفل. الشاهد فيه: قوله " عدا الشمطاء " حيث استعمل " عدا " حرف جر، فجر الشمطاء به، ولم يحفظ سيبويه الجر بعدا، ولا ذكره أبو العباس المبرد، أما الجر بخلا فقد عرفت أن الصحيح في النقل عن سيبويه أنه قد رواه عن بعض العرب (انظر شرح الشاهد رقم 175 السابق) فقد نقلنا لك فيه نص عبارة سيبويه، ودللناك على موضعه من كتابه. (1) " وحيث " اسم شرط عند الفراء الذي لا يشترط في المجازاة به اقترانه بما، وعند غيره هو ظرف يتعلق بقوله " حرفان " الآتي، لانه في قوة المشتق " جرا " فعل ماض، وهو فعل الشرط على القول الاول، وألف الاثنين فاعل " فهما حرفان " = (*)

[ 621 ]

أي: إن جررت ب‍ " خلا، وعدا " فهما حرفا جر، وإن نصبت بهما فهما فعلان، وهذا مما لا خلاف فيه. * * * وكخلا حاشا، ولا تصحب " ما " وقيل " حاش، وحشا " فاحفظهما (1) المشهور أن " حاشا " لا تكون إلا حرف جر، فتقول: " قام القوم حاشا زيد " بجر " زيد " وذهب الاخفش والجرمي والمازني والمبرد وجماعة منهم المصنف إلى أنها مثل " خلا ": تستعمل فعلا فتنصب ما بعدها، وحرفا فتجر ما بعدها، فتقول: " قام القوم حاشا زيدا، وحاشا زيد " وحكى جماعة منهم الفراء، وأبو زيد الانصاري، والشيباني النصب بها، ومنه: " اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان وأبا الاصبع " وقوله:.


= الفاء لربط الجواب بالشرط، وهي زائدة على القول الثاني، وما بعدها جملة من مبتدأ وخبر في محل جزم جواب الشرط " كما " جار ومجرور متعلق بقوله " فعلان " الآتي، لانه في قوة المشتق " هما " ضمير منفصل مبتدأ " إن " شرطية " نصبا " فعل ماض، فعل الشرط، وألف الاثنين فاعل، وجواب الشرط محذوف، وجملة الشرط وجوابه لا محل لها معترضة بين المبتدأ وخبره " فعلان " خبر المبتدأ. (1) " كخلا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " حاشا " قصد لفظه: مبتدأ مؤخر " ولا " نافية " تصحب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى حاشا " ما " قصد لفظه: مفعول به لتصحب " وقيل " فعل ماض مبني للمجهول " حاش " قصد لفظه: نائب فاعل قيل " وحشا " معطوف عليه " فاحفظهما " احفظ: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، وهما: مفعول به لاحفظ. (*)

[ 622 ]

177 - حاشا قريشا، فإن الله فضلهم على البرية بالاسلام والدين وقول المصنف: " ولا تصحب ما " معناه أن " حاشا " مثل " خلا " في أنها تنصب ما بعدها أو تجره، ولكن لا تتقدم عليهما " ما " كما تتقدم على " خلا "، فلا تقول: " قام القوم ما حاشا زيدا "، وهذا الذي ذكره هو الكثير، وقد صحبتها " ما " قليلا، ففي مسند أبي أمية الطرسوسي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أسامة أحب الناس إلي ما حاشا فاطمة " (1). .


177 - هذا البيت من كلام الفرزدق همام بن غالب. الاعراب: " حاشا " فعل ماض دال على الاستثناء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق " قريشا " مفعول به لحاشا " فإن " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب " الله " اسم إن " فضلهم " فضل: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على الله، هم: مفعول به لفضل، والجملة من فضل وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر " إن " " على البرية، بالاسلام " جاران ومجروران متعلقان بفضل " والدين " عطف على الاسلام. الشاهد فيه: قوله " حاشا قريشا " فإنه استعمل " حاشا " فعلا، ونصب به ما بعده. (1) توهم النحاة أن قوله " ما حاشا فاطمة " من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا " حاشا " استثنائية، واستدلوا به على أن حاشا الاستثنائية يجوز أن تدخل عليها ما، وذلك غير متعين، بل يجوز أن يكون هذا الكلام من كلام الراوي يعقب به على قول الرسول صلى الله عليه وسلم " أسامة أحب الناس إلي " يريد الراوي بذلك أن يبين أنه عليه الصلاة والسلام لم يستثن أحدا من أهل بيته لا فاطمة ولا غيرها، فما: نافية، وحاشى: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النبي، وفاطمة: مفعول به، وليست حاشا هذه هي الاستثنائية، بل هي فعل متصرف تام تكتب ألفه ياء لكونها رابعة، ومضارعه هو الذي ورد في قول النابغة الذبياني: = (*)

[ 623 ]

وقوله: 178 - رأيت الناس ما حاشا قريشا فإنا نحن أفضلهم فعالا ويقال في " حاشا ": " حاش، وحشا ". * * *.


= ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه وما أحاشي من الاقوام من أحد والفرق بين حاشا الاستثنائية وهذا الفعل من ستة أوجه، الاول: أن الاستثنائية تكون حرفا وتكون فعلا، وهذه لا تكون إلا فعلا، والثاني أن الاستثنائية إن كانت فعلا غير متصرفة، وهذه متصرفة، الثالث أن فاعل الاستثنائية مستتر وجوبا، وهذه كغيرها من الافعال ماضيها فاعله مستتر جوازا، والرابع أن ألف الاستثنائية تكتب ألفا، وهذه تكتب ألفها ياء، والخامس: أن الاستثنائية يتعين فيها أن تكون من كلام صاحب الكلام الاول السابق عليها، وهذه ليست كذلك، بل لو تكلم بها صاحب الكلام الاول لقال: ما أحاشي، أو قال: ما حاشيت، كما قال النابغة الذبياني " وما أحاشي " السادس: أن " ما " التي تسبق الاستثنائية مصدرية أو زائدة، وأما التي تسبق هذه فهي نافية، فاعرف ذلك وكن حريصا عليه، والله ينفعك به. 178 - نسب العيني هذا البيت للاخطل غوث بن غياث، وقد راجعت ديوان شعره فوجدت له قطعة على هذا الوزن والروى يهجو فيها جرير بن عطية، وليس فيها بيت الشاهد. اللغة: " رأيت " زعم العيني أن " رأى " ههنا من الرأى، مثل التي في قولهم: رأى أبو حنيفة حرمة كذا، وعلى هذا تكون متعدية إلى مفعول واحد، وليس الذي زعمه بسديد، بل هي بمعنى العلم، وتتعدى إلى مفعولين، وقد ذكر الشاعر مفعولها الاول وحذف الثاني، وتقديره: رأيت الناس دوننا أو أقل منا في المنزلة، ونحو ذلك ويجوز أن تكون جملة " فإنا نحن أكثرهم فعالا " في محل نصب مفعولا ثانيا لرأى، وزيدت الفاء فيها كما زيدت في خبر المبتدأ في نحو قولهم: الذي يزورني فله جائزة = (*)

[ 624 ]

.


= سنية " فعالا " هو بفتح الفاء - الكرم، ويجوز أن تكون الفاء مكسورة على أنه جمع فعل. الاعراب: " رأيت " فعل وفاعل " الناس " مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه، وتقدير الكلام: رأيت الناس أقل منا، أو دوننا، مثلا " ما حاشا " ما: مصدرية، حاشا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على البعض المفهوم من الكل السابق " قريشا " مفعول به لحاشا " فإنا " الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب، نا: اسمه " نحن " توكيد للضمير المتصل الواقع اسما لان " أفضلهم " أفضل: خبر إن، وأفضل مضاف وهم مضاف إليه " فعالا " تمييز، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، وتكون جملة " إن " واسمها وخبرها في محل نصب مفعولا ثانيا لرأى، ولا عجب أن تزاد الفاء في المفعول الثاني، فإن أصله خبر، والفاء تزاد في خبر المبتدأ كثيرا. الشاهد فيه: قوله " ما حاشا قريشا " حيث دخلت " ما " المصدرية على " حاشا " وذلك قليل، والاكثر أن تتجرد منها. * * * (*)

[ 625 ]

الحال الحال وصف، فضلة، منتصب، مفهم في حال كفردا أذهب (1) عرف الحال (2) بأنه، الوصف، الفضلة، المنتصب، للدلالة على هيئة، نحو: " فردا أذهب " ف‍ " فردا ": حال، لوجود القيود المذكورة فيه. وخرج بقوله: " فضلة " الوصف الواقع عمدة، نحو: " زيد قائم " وبقوله " للدلالة على الهيئة " التمييز المشتق، نحو: " لله دره فارسا " فإنه تمييز لا حال على الصحيح، إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة، بل التعجب من فروسيته، فهو لبيان المتعجب منه، لا لبيان هيئته، وكذلك " رأيت رجلا راكبا " فإن " راكبا " لم يسق للدلالة على الهيئة، بل لتخصيص الرجل، وقول المصنف " مفهم في حال " هو معنى قولنا " للدلالة على الهيئة ". * * *.


(1) " الحال " مبتدأ " وصف " خبره " فضلة، منتصب، مفهم " نعوت لوصف " في حال " جار ومجرور متعلق بمفهم " كفردا " الكاف جارة لقول محذوف كما سبق غير مرة، فردا: حال من فاعل أذهب الآتي " أذهب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا. (2) الحال في اللغة: ما عليه الانسان من خير أو شر، وهو في اصطلاح علماء العربية ما ذكره الشارح العلامة، ويقال: حال، وحالة، فيذكر لفظه ويؤنث، ومن شواهد تأنيث لفظه قول الشاعر: على حالة لو أن في القوم حاتما على جوده ضنت به نفس حاتم ومن شواهد تذكير لفظه قول الشاعر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه، وواكل أمره واللياليا (40 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 626 ]

وكونه منتقلا مشتقا يغلب، لكن ليس مستحقا (1) الاكثر في الحال أن تكون: منتقلة، مشتقة. ومعنى الانتقال: ألا تكون ملازمة للمتصف بها، نحو " جاء زيد راكبا " ف‍ " راكبا ": وصف منتقل، لجواز انفكاكه عن " زيد " بأن يجئ ماشيا. وقد تجئ الحال غير منتقلة (2)، أي وصفا لازما، نحو " دعوت الله سميعا " و " خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها "، وقوله: 179 - فجاءت به سبط العظام، كأنما عمامته بين الرجال لواء ف‍ " سميعا، وأطول، وسبط " أحوال، وهي أوصاف لازمة..


(1) " وكونه " الواو للاستئناف، وكون: مبتدأ، وكون مضاف والهاء مضاف إليه، من إضافة المصدر الناقص إلى اسمه " منتقلا " خبر المصدر الناقص " مشتقا " خبر ثان " يغلب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه منتقلا، والجملة من يغلب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " لكن " حرف استدراك " ليس " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى كونه منتقلا إلخ " مستحقا " خبر ليس. (2) تجئ الحال غير منتقلة في ثلاث مسائل: الاولى: أن يكون العامل فيها مشعرا بتجدد صاحبها، نحو قوله تعالى: (وخلق الانسان ضعيفا) ونحو قولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، ونحو قول الشاعر * فجاءت به سبط العظام * البيت الذي أنشده الشارح رحمه الله (رقم 179). الثانية: أن تكون الحال مؤكدة: إما لعاملها نحو قوله تعالى: (فتبسم ضاحكا) وقوله سبحانه: (ويوم أبعث حيا) وإما مؤكدة لصاحبها، نحو قوله سبحانه: (لآمن من في الارض كلهم جميعا) وإما مؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو قولهم: زيد أبوك عطوفا. الثالثة: في أمثلة مسموعة لا ضابط لها، كقولهم: دعوت الله سميعا، وقوله تعالى: (أنزل إليكم الكتاب مفصلا) وكقوله جل ذكره: (قائما بالقسط). 179 - البيت لرجل من بني جناب لم أقف على اسمه. = (*)

[ 627 ]

وقد تأتي الحال جامدة، ويكثر ذلك في مواضع ذكر المصنف بعضها بقوله: ويكثر الجمود: في سعر، وفي مبدي تأول بلا تكلف (1) كبعه مدا بكذا، يدا بيد، وكر زيد أسدا، أي كأسد (2) .


= اللغة: " سبط العظام " أراد أنه سوى الخلق حسن القامة " لواء " هو ما دون العلم، وأراد أنه تام الخلق طويل، فكنى بهذه العبارة عن هذا المعنى. الاعراب: " فجاءت " جاء: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " به " جار ومجرور متعلق بجاءت " سبط " حال من الضمير المجرور محلا بالباء، وسبط مضاف و " العظام " مضاف إليه " كأنما " كأن: حرف تشبيه ونصب، وما: كافة " عمامته " عمامة: مبتدأ، وعمامة مضاف والضمير مضاف إليه " بين " منصوب على الظرفية، وبين مضاف، و " الرجال " مضاف إليه " لواء " خبر المبتدأ. الشاهد فيه: قوله " سبط العظام " حيث ورد الحال وصفا ملازما، على خلاف الغالب فيه من كونه وصفا منتقلا، وإضافة سبط لا تفيده تعريفا ولا تخصيصا، لانه صفة مشبهة، وإضافة الصفة المشبهة إلى معمولها لا تفيد التعريف ولا التخصيص، وإنما تفيد رفع القبح على ما سيأتي بيانه في باب الاضافة إن شاء الله تعالى. (1) " يكثر " فعل مضارع " الجمود " فاعل يكثر " في سعر " جار ومجرور متعلق بيكثر " وفي مبدي " جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور الاول، ومبدي مضاف و " تأول " مضاف إليه " بلا تكلف " جار ومجرور متعلق بتأول، ولا اسم بمعنى غير مضاف وتكلف: مضاف إليه. (2) " كبعه " الكاف جارة لقول محذوف، بع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " مدا " حال من المفعول " بكذا " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمد، وقال سيبويه: هو بيان لمد " وكر زيد " فعل وفاعل " أسدا " حال من الفاعل " أي " حرف تفسير " كأسد " الكاف اسم بمعنى مثل عطف بيان على قوله " أسدا " الواقع حالا، والكاف الاسمية مضاف وأسد مضاف إليه. (*)

[ 628 ]

يكثر مجئ الحال جامدة إن دلت على سعر، نحو " بعه مدا بدرهم (1) " فمدا: حال جامدة، وهي في معنى المشتق، إذ المعنى " بعه مسعرا كل مد بدرهم " ويكثر جمودها - أيضا - فما دل على تفاعل، نحو " بعته يدا بيد (2) " أي: مناجزة، أو على تشبيه، نحو " كر زيد أسدا ": أي مشبها الاسد، ف‍ " يدا، وأسدا " جامدان، وصح وقوعهما حالا لظهور تأولهما بمشتق، كما تقدم، وإلى هذا أشار بقوله: " وفي مبدي تأول " أي: يكثر مجئ الحال جامدة حيث ظهر تأولها بمشتق. وعلم بهذا وما قبله أن قول النحويين " إن الحال يجب أن تكون منتقلة مشتقة " معناه أن ذلك هو الغالب، لا أنه لازم، وهذا معنى قوله فيما تقدم " لكن ليس مستحقا " (3)..


(1) يجوز في هذا المثال وجهان: أحدهما رفع مد، وثانيهما نصبه، فأما رفع مد فعلى أن يكون مبتدأ، والجار والمجرور بعده متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لان لها وصفا محذوفا، وتقدير الكلام: بع البر (مثلا) مد منه بدرهم، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال، والرابط هو الضمير المجرور محلا بمن، ولا يكون المثال - على هذا الوجه - مما نحن بصدده، لان الحال جملة لا مفرد جامد، أما نصب مد فعلى أن يكون حالا، والجار والمجرور بعده متعلق بمحذوف صفة له، ويكون المثال حينئذ مما نحن بصدده، والمشتق المؤول به ذلك الحال يكون مأخوذا من الحال وصفته جميعا، وتقديره: مسعرا. ويجوز أن يكون هذا الحال حالا من فاعل بعه، فيكون لفظ " مسعرا " الذي تؤوله به بكسر العين مشددة اسم فاعل، ويجوز أن يكون حالا من المفعول، فيكون قولك " مسعرا " بفتح العين مشددة اسم مفعول. (2) هذا المثال كالذي قبله، يجوز فيه رفع " يد " ونصبه، وإعراب الوجهين هنا كإعرابهما في المثال السابق، والتقدير على الرفع: يد منه على يد مني، والتقدير على النصب: يدا كائنة مع يد. (3) ذكر الشارح ثلاثة مواضع تجئ فيها الحال جامدة وهي في تأويل المشتق، = (*)

[ 629 ]

.


= وهي: أن تدل الحال على سعر، أو على تفاعل ومنه دلالتها على مناجزة أو على تشبيه، وقد بقيت خمسة مواضع أخرى: الاول: أن تدل الحال على ترتيب، كقولك: ادخلوا الدار رجلا رجلا، وقولك: سار الجند رجلين رجلين، تريد مرتبين، وضابط هذا النوع: أن يذكر المجموع أولا ثم يفصل هذا المجموع بذكر بعضه مكررا، فالمجموع في المثال الاول هو الذي تدل الواو عليه، وفي المثال الثاني هو الجند، والحال عند التحقيق هو مجموع اللفظين، ولكنه لما تعذر أن يكون المجموع حالا جعل كل واحد منهما حالا، كما في الخبر المتعدد بغير عاطف في نحو قولك: الرمان حلو حامض، وذهب ابن جنى إلى أن الحال هو الاول، والثاني معطوف عليه بعاطف مقدر. الموضع الثاني: أن تكون الحال موصوفة، نحو قوله تعالى: (قرآنا عربيا) وقوله: (فتمثل لها بشرا سويا) وتسمى هذه الحال: " الحال الموطئة ". الموضع الثالث: أن تكون الحال دالة على عدد، نحو قوله تعالى (فتم ميقات ربه أربعين ليلة). الموضع الرابع: أن تدل الحال على طور فيه تفصيل، نحو قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا. الموضع الخامس: أن تكون الحال نوعا من صاحبها، كقولك: هذا مالك ذهبا، أو تكون الحال فرعا لصاحبها، كقولك: هذا حديدك خاتما، وكقوله تعالى: (وتنحتون الجبال بيوتا) أو تكون الحال أصلا لصاحبها، كقولك: هذا خاتمك حديدا، وكقوله تعالى: (أأسجد لمن خلقت طينا). وقد أجمع النحاة على أن المواضع الاربعة الاولى - وهي الثلاثة التي ذكرها الشارح والموضع الاول مما ذكرناه يجب تأويلها بمشتق، ليسر ذلك، وعدم التكلف فيه، ثم اختلفوا في المواضع الاربعة الباقية، فذهب قوم منهم ابن الناظم إلى وجوب تأويلها أيضا، ليكون الحال على ما هو الاصل فيها، وذهب قوم إلى أنه لا يجب تأويلها بمشتق لان في تأويلها بالمشتق تكلفا، وفي ذلك من التحكم ما ليس يخفى. (*)

[ 630 ]

والحال إن عرف لفظا فاعتقد تنكيره معنى، كوحدك اجتهد (1) مذهب جمهور النحويين أن الحال لا تكون إلا نكرة، وأن ما ورد منها معرفا لفظا فهو منكر معنى، كقولهم: جاءوا الجماء الغفير. 180 - و * أرسلها العراك. *.


(1) " الحال " مبتدأ " إن " شرطية " عرف " فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط " لفظا " تمييز محول عن نائب الفاعل " فاعتقد " الفاء لربط الجواب بالشرط، اعتقد: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " تنكيره " تنكير: مفعول به لاعتقد، وتنكير مضاف والهاء مضاف إليه " معنى " تمييز " كوحدك " الكاف جارة لقول محذوف، وحد: حال من الضمير المستتر في " اجتهد " الآتي، ووحد مضاف والكاف مضاف إليه " اجتهد " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة في محل نصب مقول لقول محذوف، والتقدير: وذلك كائن كقولك اجتهد وحدك، والحال في تأويل " منفردا ". 180 - هذه قطعة من بيت للبيد بن ربيعة العامري يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب، وهو بنمامه: فأرسلها العراك، ولم يذدها، ولم يشفق على نغص الدخال اللغة: " العراك " ازدحام الابل أو غيرها حين ورود الماء " يذدها " يطردها " يشفق " يرحم " نغص " مصدر نغص الرجل - بكسر الغين - إذا لم يتم مراده، ونغص البعير إذا لم يتم شربه " الدخال " أن يداخل بعيره الذي شرب مرة مع الابل التي لم تشرب حتى يشرب معها ثانية، وذلك إذا كان البعير كريما، أو شديد العطش، أو ضعيفا. الاعراب: " فأرسلها " أرسل: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحمار الوحشي المذكور في أبيات سابقة، والضمير البارز المتصل الذي يرجع إلى الابن مفعول به لارسل " العراك " حال " ولم يذدها " الواو عاطفة، لم: نافية جازمة، يذد: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى فاعل أرسل، وها: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة فأرسلها، = (*)

[ 631 ]

واجتهد وحدك، وكلمته فاه إلى في، ف‍ " الجماء، والعراك، ووحدك، وفاه ": أحوال، وهي معرفة، لكنها مؤولة بنكرة، والتقدير: جاءوا جميعا، وأرسلها معتركة، واجتهد منفردا، وكلمته مشافهة. وزعم البغداديون ويونس أنه يجوز تعريف الحال مطلقا، بلا تأويل، فأجازوا " جاء زيد الراكب ". وفصل الكوفيون، فقالوا: إن تضمنت الحال معنى الشرط صح تعريفها، وإلا فلا، فمثال ما تضمن معنى الشرط " زيد الراكب أحسن منه الماشي " ف‍ " الراكب والماشي ": حالان، وصح تعريفهما لتأولهما بالشرط، إذ التقدير: زيد إذا ركب أحسن منه إذا مشى، فإن لم تتقدر بالشرط لم يصح تعريفها، فلا تقول: " جاء زيد الراكب " إذ لا يصح " جاء زيد إن ركب ". * * * ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع (1).


= ومثلها جملة " ولم يشفق " وقوله " على نغص " جار ومجرور متعلق بيشفق، ونغص مضاف، و " الدخال " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " العراك " حيث وقع حالا مع كونه معرفة والحال لا يكون إلا نكرة وإنما ساغ ذلك لانه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة، يعني مزدحمة. (1) " مصدر " مبتدأ " منكر " نعت " حالا " منصوب على الحال، وصاحبه الضمير المستتر في " يقع " الآتي " يقع " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مصدر منكر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " بكثرة " جار ومجرور متعلق بيقع " كبغتة " الكاف جارة لقول محذوف، بغتة: حال من الضمير المستتر في " طلع " الآتي " زيد " مبتدأ " طلع " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (*)

[ 632 ]

حق الحال أن يكون وصفا - وهو: ما دل على معنى وصاحبه: كقائم، وحسن، ومضروب - فوقوعها مصدرا على خلاف الاصل، إذ لا دلالة فيه على صاحب المعنى. وقد كثر مجئ الحال مصدرا نكرة، ولكنه ليس بمقيس، لمجيئه على خلاف الاصل، ومنه " زيد طلع بغتة " ف‍ " بغتة ": مصدر نكرة، وهو منصوب على الحال، والتقدير: زيد طلع باغتا، هذا مذهب سيبويه والجمهور. وذهب الاخفش والمبرد إلى أنه منصوب على المصدرية، والعامل فيه محذوف، والتقدير: طلع زيد يبغت بغتة، ف‍ " يبغت " عندهما هو الحال، لا " بغتة ". وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على المصدرية كما ذهبا إليه، ولكن الناصب له عندهم الفعل المذكور [ وهو طلع ] لتأويله بفعل من لفظ المصدر، والتقدير في قولك: " زيد طلع بغتة " " زيد بغت بغتة "، فيؤولون " طلع " ببغت، وينصبون به " بغتة ". * * * ولم ينكر غالبا ذو الحال، إن لم يتأخر، أو يخصص، أو يبن (1).


(1) " ولم " نافية جازمة " ينكر " فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بلم " غالبا " حال من نائب الفاعل " ذو " نائب فاعل ينكر، وذو مضاف، و " الحال " مضاف إليه " إن " شرطية " لم " نافية جازمة " يتأخر " فعل مضارع مجزوم بلم فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ذو الحال، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إن لم يتأخر ذو الحال إلخ فلا ينكر " أو يخصص، أو يبن " معطوفان على يتأخر. (*)

[ 633 ]

من بعد نفي أو مضاهيه، ك‍ " لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا " (1) حق صاحب الحال أن يكون معرفة، ولا ينكر في الغالب إلا عند وجود مسوغ، وهو أحد أمور (2):.


(1) " من بعد " جار ومجرور متعلق بيبن في البيت السابق، وبعد مضاف، و " نفي " مضاف إليه " أو " عاطفة " مضاهيه " مضاهي: معطوف على نفي، ومضاهي مضاف وضمير الغائب العائد إلى نفي مضاف إليه " كلا " الكاف جارة لقول محذوف، لا: ناهية " يبغ " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية " امرؤ " فاعل يبغ " على امرئ " جار ومجرور متعلق بيبغ " مستسهلا " حال من قوله " امرؤ " الفاعل. (2) ذكر الشارح - تبعا للناظم - من مسوغات مجئ الحال من النكرة ثلاثة مسوغات: أولها تقدم الحال، وثانيها تخصص صاحبها بوصف أو بإضافة، وثالثها وقوع النكرة بعد النفي أو شبهه، وبقي من المسوغات ثلاثة أخرى لم يصرح بها. الاول: أن تكون الحال جملة مقترنة بالواو، كما في قولك: زارنا رجل والشمس طالعة، والسر في ذلك أن وجود الواو في صدر الجملة يرفع توهم أن هذه الجملة نعت للنكرة، إذ النعت لا يفصل بينه وبين المنعوت بالواو، ففي قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) مسوغان، بل ثلاثة، وهي تقدم النفي، ووقوع الواو في صدر جملة الحال، والثالث اقتران الجملة بإلا، لان الاستثناء المفرغ لا يقع في النعوت (انظر ص 604 السابقة و 638 الآتية) وأما قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) فالمسوغ وقوع الواو في صدر جملة الحال. الثاني: أن تكون الحال جامدة، نحو قولك: هذا خاتم حديدا، والسر في ذلك أن الوصف بالجامد على خلاف الاصل، فلا يذهب إليه ذاهب، وقد ساغ في مثل هذا أن تكون الحال جامدة كما علمت (انظر ص 628 وما بعدها). الثالث: أن تكون النكرة مشتركة مع معرفة أو مع نكرة يصح أن تجئ الحال منها، كقولك: زارني خالد ورجل راكبين، أو قولك: زارني رجل صالح وامرأة مبكرين. (*)

[ 634 ]

منها: أن يتقدم الحال على النكرة، نحو " فيها قائما رجل "، وكقول الشاعر، وأنشده سيبويه: 181 - وبالجسم مني بينا لو عملته شحوب، وإن تستشهدي العين تشهد وكقوله: 182 - وما لام نفسي مثلها لي لائم ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي.


181 - البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " شحوب " هو مصدر شحب جسمه يشحب شحوبا - بوزن قعد يقعد قعودا - وقد جاء على لغة أخرى، شحب يشحب شحوبة - مثل سهل الامر يسهل سهولة - إذا تغير لونه " بينا " ظاهرا، وهو فيعل من بان يبين، إذ ظهر ووضح. المعنى: إن بجسمي من آثار حبك لشحوبا ظاهرا، لو أنك علمته لاخذتك الشفقة علي، وإذا أحببت أن ترى الشاهد فانظري إلى عيني فإنهما تحدثانك حديثه. الاعراب: " وبالجسم " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " مني " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الجسم " بينا " حال من شحوب الآتي على رأي سيبويه الذي يجيز مجئ الحال من المبتدأ، وهو عند الجمهور حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا " لو " شرطية غير جازمة " علمته " فعل وفاعل ومفعول به، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله شرط لو، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: لو علمته لاشفقت علي، والجملة من الشرط وجوابه لامحل لها معترضة بين الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر " شحوب " مبتدأ مؤخر " وإن " شرطية " تستشهدي " فعل مضارع فعل الشرط، وياء المخاطبة فاعل " العين " مفعول به " تشهد " جواب الشرط. الشاهد فيه: قوله " بينا " حيث وقعت الحال من النكرة، التي هي قوله " شحوب " على ما هو مذهب سيبويه، كما قررناه في الاعراب، والمسوغ لذلك تقدم الحال على صاحبها، فإذا جريت على ما ذهب الجمهور إليه خلا البيت من الشاهد. 182 - وهذا البيت - أيضا من الشواهد التي لا يعلم قائلها، = (*)

[ 635 ]

ف‍ " قائما ": حال من " رجل "، و " بينا " حال من " شحوب "، و " مثلها " حال من " لائم ". ومنها: أن تخصص النكرة بوصف، أو بإضافة، فمثما تخصص بوصف قوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا) (1)..


= اللغة: " لام " عذل، وتقول: لام فلان فلانا لوما وملاما وملامة، إذا عاتبه ووبخه " سد فقري " أراد أغناني عن الحاجة إلى الناس وسؤالهم، شبه الفقر بباب مفتوح يأتيه من ناحيته مالا يجب، فهو في حاجة لايصاده. المعنى: إن اللوم الذي يكون له الاثر الناجع في رجوع الانسان عما استوجب اللوم عليه هو لوم الانسان نفسه، لان ذلك يدل على شعوره بالخطأ، وإن ما في يد الانسان من المال لاقرب منالا له مما في أيدي الناس. الاعراب: " وما " نافية " لام " فعل ماض " نفسي " نفس: مفعول به تقدم على الفاعل، ونفس مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثلها " مثل: حال من " لائم " الآتي، ومثل مضاف وها مضاف إليه، و " مثل " من الالفاظ التي لا تستفيد بالاضافة تعريفا " لي " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من لائم الآتي " لائم " فاعل لام " ولا " الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي " سد " فعل ماض، " فقري " فقر: مفعول به لسد تقدم على الفاعل، وفقر مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " مثل " فاعل لسد، ومثل مضاف، و " ما " اسم موصول مضاف إليه " ملكت " ملك: فعل ماض، والتاء للتأنيث " يدي " يد: فاعل ملكت، ويد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من ملك وفاعله لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: مثل الذي ملكته يدي. الشاهد فيه: قوله " مثلها لي لائم " حيث جاءت الحال - وهي قوله " مثلها "، و " لي " - من النكرة - وهي قوله " لائم " - والذي سوغ ذلك تأخر النكرة عن الحال. (1) الامر الاول الوارد في هذه الآية واحد الامور، والامر الثاني واحد الاوامر وقد أعرب الناظم وابنه " أمرا " على أنه حال من أمر الاول، وسوغ مجئ الحال منه تخصيصه بحكيم بمعنى محكم، أي حال كونه مأمورا به من عندنا. واعترض قوم على هذا الاعراب بأن الحال لا يجئ من المضاف إليه إلا إذا وجد = (*)

[ 636 ]

وكقول الشاعر: 183 - نجيت يا رب نوحا، واستجبت له في فلك ماخر في اليم مشحونا وعاش يدعو بآيات مبينة في قومه ألف عا غير خمسينا.


= واحد من الامور الثلاثة التي يأتي بيانها في هذا الباب، وليس واحد منها بموجود هنا. وأجيب بأنا لا نسلم أن الامور الثلاثة غير موجودة في هذا المثال، بل المضاف الذي هو لفظ " كل " كالجزء من المضاف إليه الذي هو لفظ " أمر " في صحة الاستغناء به عنه، وذلك لان لفظ كل بمعنى الامر، إذ المعلوم أن لفظ كل بحسب ما يضاف إليه. ومن العلماء من جعل أمرا الثاني حالا من كل، وتصلح الآية للاستدلال بها لما نحن بصدده، لان " كل أمر " نكرة، إذ المضاف إليه نكرة، ومنهم من جعل أمرا حالا من الضمير المستتر في حكيم، ومنهم من جعله حالا من الضمير الواقع مفعولا، أي مأمورا به. 183 - البيتان من الشواهد التي لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين. اللغة: " الفلك " أصله بضم فسكون - السفينة، ولفظه للواحد والجمع سواء، وقد تتبع حركة عينه التي هي اللام حركة الفاء كما في بيت الشاهد " ماخر " اسم فاعل من مخرت السفينة - من بابي قطع ودخل - إذا جرت تشق الماء مع صوت " اليم " البحر، أو الماء " مشحونا " اسم مفعول من شحن السفينة: أي ملاها " آيات مبية " ظاهرة واضحة، أو أنها تبين حاله وتدل على صدق دعواه. الاعراب: " نجيت " فعل وفاعل " يا رب " يا: حرف نداء، رب: منادى، وجملة النداء لا محل لها معترضة بين الفعل مع فاعله ومفعوله " نوحا " مفعول به لنجيت " واستجبت " الواو عاطفة، وما بعدها فعل وفاعل " له " جار ومجرور متعلق باستجبت " في فلك " جار ومجرور متعلق بنجيت " ما خر " صفة لفلك " في اليم " جار ومجرور متعلق بما خر " مشحونا " حال من فلك " وعاش " الواو = (*)

[ 637 ]

ومثال ما تخصص بالاضافة قوله تعالى: (في أربعة أيام سواء للسائلين). ومنها: أن تقع النكرة بعد نفي أو شبهه، وشبه النفي هو الاستفهام والنهي، وهو المراد بقوله: " أو يبن من بعد نفي أو مضاهيه " فمثال ما وقع بعد النفي قوله: 184 - ما حم من موت حمى واقيا ولا ترى من أحد باقيا.


= عاطفة، عاش: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نوح " يدعو " فعل مضارع، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى نوح فاعل، والجملة في محل نصب حال " بآيات " جار ومجرور متعلق بيدعو " مبينة " صفة لآيات " في قومه " الجار والمجرور متعلق بعاش، وقوم مضاف والضمير العائد إلى نوح مضاف إليه " ألف " مفعول فيه ناصبه عاش، وألف مضاف و " عام " مضاف إليه " غير " منصوب على الاستثناء أو على الحال، وغير مضاف و " خمسينا مضاف إليه، مجرور بالياء لانه ملحق بجمع المذكر السالم، والالف في آخره للاطلاق. الشاهد فيه: قوله " مشحونا " حيث وقع حالا من النكرة، وهي قوله " فلك " والذي سوغ مجئ الحال من النكرة أنها وصفت بقوله " ماخر " فقربت من المعرفة. 184 - البيت لراجز لم يعينه أحد ممن استشهد به. اللغة: " حم " بالبناء للمجهول أي قدر، وهيئ، وتقول: أحم الله تعالى هذا الامر وحمه، إذا قدر وقوعه، وهيأ له أسبابه (انظر ص 602 و 638) " واقيا " اسم فاعل من " وقى يقي " بمعنى حفظ يحفظ. المعنى: إن الله تعالى لم يقدر شيئا يحمي من الموت، كما أنه سبحانه لم يجعل لاحد من خلقه الخلود، فاستعد للموت دائما. الاعراب: " ما " نافية " حم " فعل ماض مبني للمجهول " من موت " جار ومجرور متعلق بقوله " واقيا " الآتي " حمى " نائب فاعل لحم " واقيا " حل من حمى " ولا " الواو عاطفة، ولا: زائدة لتأكيد النفي " ترى " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " من " زائدة " أحد " مفعول به لترى " باقيا " حال من أحد، وهذا مبني على أن " ترى " بصرية، فإذا جريت على أن ترى علمية كان قوله " باقيا " مفعولا ثانيا لترى. = (*)

[ 638 ]

ومنه قوله تعالى (1): (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ف‍ " لها كتاب " جملة في موضع الحال من " قرية "، وصح مجئ الحال من النكرة لتقدم النفي عليها، ولا يصح كون الجملة صفة لقرية، خلافا للزمخشري، لان الواو لا تفصل بين الصفة والموصوف، وأيضا وجود " إلا " مانع من ذلك، إذ لا يعترض ب‍ " إلا " بين الصفة والموصوف، وممن صرح بمنع ذلك: أبو الحسن الاخفش في المسائل، وأبو علي الفارسي في التذكرة. ومثال ما وقع بعد الاستفهام قوله: 185 - يا صاح هل حم عيش باقيا فترى لنفسك العذر في إبعادها الاملا ؟ .


= الشاهد فيه: قوله " واقيا " و " باقيا " حيث وقع كل منهما حالا من النكرة، وهي " حمى " بالنسبة ل‍ " واقيا " و " أحد " بالنسبة ل‍ " باقيا " والذي سوغ ذلك أن النكرة مسبوقة بالنفي في الموضعين. وإنما يكون الاستشهاد بقوله باقيا إذا جعلنا " ترى " بصرية، لانها تحتاج حينئذ إلى مفعول واحد، وقد استوفته، فالمنصوب الآخر يكون حالا، أما إذا جعلت " ترى " علمية فإن قوله " باقيا " يكون مفعولا ثانيا، كما بيناه في الاعراب. (1) انظر ما كتبناه عن هذه الآية في ص 633. 185 - أكثر ما قيل في نسبة هذا البيت إنه لرجل من طيئ، ولم يعينه أحد ممن استشهد بالبيت أو تكلم عليه. اللغة: " صاح " أصله صاحبي، فرخم بحذف آخره ترخيما غير قياسي، إذ هو في غير علم، وقياس الترخيم أن يكون في الاعلام، وهو أيضا مركب إضافي " هل حم عيش " (انظر ص 602 و 637) والاستفهام ههنا إنكاري بمعنى النفي، فكأنه قال: ما قدر الله عيشا باقيا " العذر " هو كل ما تذكره لتقطع عنك ألسنة العتاب واللوم. الاعراب: " يا " حرف نداء " صاح " منادى مرخم " هل " حرف استفهام = (*)

[ 639 ]

ومثال ما وقع بعد النهي قول المصنف: " لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا " وقول قطري بن الفجاءة: 186 - لا يركنن أحد إلى الاحجام يوم الوغى متخوفا لحمام.


= " حم " فعل ماض مبني للمجهول " عيش " نائب فاعل حم " باقيا " حال من عيش " فترى " الفاء فاء السببية، ترى: فعل مضارع منصوب تقديرا بأن مضمرة بعد الفاء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " لنفسك " الجار والمجرور متعلق بترى وهو المفعول الثاني قدم على المفعول الاول، ونفس مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه " العذر " مفعول أول لترى " في إبعادها " الجار والمجرور متعلق بالعذر، وإبعاد مضاف، وها: مضاف إليه، وهي من إضافة المصدر إلى فاعله " الاملا " مفعول به للمصدر. الشاهد فيه: قوله " باقيا " حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله " عيش " والذي سوغ مجئ الحال منها وقوعها بعد الاستفهام الانكاري الذي يؤدي معنى النفي. 186 - البيت كما قال الشارح العلامة لابي نعامة قطرى بن الفجاءة، التميمي، الخارجي، وقد نسبه ابن الناظم إلى الطرماح بن حكيم، ولهذا صرح الشارح بنسبته إلى قطرى، قصدا إلى الرد عليه، وقطري: بفتح القاف والطاء جميعا، والفجاءة: بضم الفاء. اللغة: " الاحجام " التأخر والنكول عن لقاء العدو، والركون إليه: الميل إليه، والاعتماد عليه " الوغى " الحرب " الحمام " بكسر الحاء الموت. المعنى: لا ينبغي لاحد أن يميل إلى الاعراض عن اقتحام الحرب، ويركن إلى التواني خوفا من الموت. الاعراب: " لا " ناهية " يركنن " يركن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة في محل جزم بلا الناهية " أحد " فاعل يركن " إلى الاحجام " جار ومجرور متعلق بيركن " يوم " ظرف زمان متعلق بيركن أيضا، ويوم مضاف، و " الوغى " مضاف إليه " متخوفا " حال من أحد " لحمام " جار ومجرور متعلق بمتخوف. الشاهد فيه: قوله " متخوفا " حيث وقع حالا من النكرة التي هي قوله " أحد "، والذي سوغ مجئ الحال من النكرة هنا هو وقوعها في حيز النهي بلا، ألا ترى أن قوله " أحد " فاعل يركن المجزوم بلا الناهية ؟ (*)

[ 640 ]

واحترز بقوله: " غالبا " مما قل مجئ الحال فيه من النكرة بلا مسوغ من المسوغات المذكورة، ومنه قولهم: " مررت بماء قعدة رجل (1) "، وقولهم: " عليه مائة بيضا " (2)، وأجاز سيبويه " فيها رجل قائما "، وفي الحديث: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا، وصلى وراءه رجال قياما " (3). * * * وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا، ولا أمنعه، فقد ورد (4).


(1) قعدة رجل - بكسر القاف وسكون العين المهملة - أي مقدار قعدته. (2) بيضا - بكسر الباء الموحدة - جمع بيضاء، وهو حال من مائة، ولا يجوز أن يكون تمييزا، إذ لو كان تمييزا لوجب أن يكون مفردا لا جمعا، وأن يكون مجرورا لا منصوبا، لان تمييز المائة يكون كذلك. (3) اختلف النحاة في مجئ الحال من النكرة إذا لم يكن للنكرة مسوغ من المسوغات التي سبق بيانها في كلام الشارح وفي زياداتنا عليه، فذهب سيبويه - رحمه الله إلى أن ذلك مقيس لا يوقف فيه على ما ورد به السماع، وذهب الخليل بن أحمد ويونس ابن حبيب - وهما شيخا سيبويه - إلى أن ذلك مما لا يجوز أن يقاس عليه، وإنما يحفظ ما ورد منه. ووجه ما ذهب إليه سيبويه أن الحال إنما يؤتى بها لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها. (4) " وسبق " مفعول به مقدم على عامله، وهو أبوا الآتي، وسبق مضاف، و " حال " مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله " ما " اسم موصول: مفعول به للمصدر " بحرف " جار ومجرور متعلق بقوله جر الآتي " جر " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من جر ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " قد " حرف تحقيق " أبوا " فعل وفاعل " ولا " الواو عاطفة، لا: نافية " أمنعه " أمنع: فعل مضارع، وفاعله = (*)

[ 641 ]

مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف (1) فلا تقول في " مررت بهند جالسة " مررت جالسة بهند. وذهب الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان، إلى جواز ذلك، وتابعهم المصنف، لورود السماع بذلك، ومنه قوله: 187 - لئن كان برد الماء هيمان صاديا إلي حبيبا، إنها لحبيب.


= ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والهاء مفعول به " فقد " الفاء للتعليل، وقد: حرف تحقيق " ورد " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى سبق حال، وتقدير البيت: وقد أبى النحاة أن يسبق الحال صاحبه الذي جر بالحرف، ولا أمنع ذلك، لانه وارد في كلام العرب. (1) اعلم أن صاحب الحال قد يكون مجرورا بحرف جر غير زائد، كقولك: مررت بهند جالسة، وقد يكون مجرورا بحرف جر زائد، كقولك: ما جاء من أحد راكبا، فراكبا: حال من أحد المجرور لفظا بمن الزائدة. ولا خلاف بين أحد من النحاة في أن صاحب الحال إذا كان مجرورا بحرف جر زائد جاز تقديم الحال عليه وتأخيره عنه، فيصح أن تقول: ما جاء من أحد راكبا، وأن تقول: ما جاء راكبا من أحد. والخلاف بينهم منحصر في تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي. 187 - البيت لعروة بن حزام العذري، وقبله: حلفت برب الراكعين لربهم خشوعا، وفوق الراكعين رقيب وبعده بيت الشاهد، وبعده قوله: وقلت لعراف اليمامة: داوني فإنك - إن أبرأتني - لطبيب اللغة: " هيمان " مأخوذ من الهيام بضم الهاء وهو في الاصل: أشد العطش " صاديا " اسم فاعل فعله " صدى " من باب تعب إذا عطش. الاعراب: " لئن " اللام موطئة للقسم، إن: شرطية " كان " فعل ماض ناقص، فعل الشرط " برد " اسم كان، وبرد مضاف، و " الماء " مضاف إليه " هيمان، صاديا " = (41 - شرح ابن عقيل 1) (*)

[ 642 ]

ف‍ " هيمان، وصاديا ": حالان من الضمير المجرور بإلى، وهو الياء، وقوله: 188 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال ف‍ " فرغا " حال من قتل..


= حالان من ياء التكلم المجرورة محلا بإلى " إلى " جار ومجرور متعلق بقوله حبيبا الآتي " حبيبا " خبر كان " إنها " إن: حرف توكيد ونصب، وها: اسمه " لحبيب " اللام لام الابتداء، حبيب: خبر إن، والجملة من إن واسمها وخبرها جواب القسم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم. الشاهد فيه: قوله " هيمان صاديا " حيث وقعا حالين من الياء المجرورة محلا بإلى، وتقدما عليها كما أوضحناه في الاعراب. 188 - البيت لطليحة بن خويلد الاسدي المتنبي، وبعد البيت المستشهد به قوله: وما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم أليسوا وإن لم يسلموا برجال ؟ عشية غادرت ابن أرقم ثاويا وعكاشة الغنمي عنه بحال اللغة: " أذواد " جمع ذود، وهو من الابل ما بين الثلاث إلى العشر " فرغا " أي هدرا لم يطلب به " حبال " بزنة كتاب وهو ابن الشاعر، وقيل: ابن أخيه، وكان المسلمون قد قتلوه في حرب الردة، فقتل به منهم عكاشة بن محصن وثابت بن أرقم، كما ذكر هو في البيت الثاني من البيتين اللذين أنشدناهما. المعنى: يقول: لئن كنتم قد ذهبتم ببعض إبل أصبتموها وبجماعة من النساء سبيتموهن فلم أقابل صنيعكم هذا بمثله في ذلك، فالامر فيه هين والخطب يسير، والذي يعنيني أنكم لم تذهبوا بقتل حبال كما ذهبتم بالابل والنساء، ولكني شفيت نفسي ونلت ثأري منكم، فلم يضع دمه هدرا. الاعراب: " فإن " شرطية " تك " فعل مضارع ناقص فعل الشرط، مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف " أذواد " اسم تك " أصبن " فعل ماض مبني للمجهول، ونون النسوة نائب فاعل، والجملة من أصيب ونائب فاعله في محل نصب خبر تك " ونسوة " معطوف على أذواد " فلن " الفاء واقعة في جواب الشرط، لن: نافية = (*)

[ 643 ]

وأما تقديم الحال على صاحبها المرفوع والمنصوب فجائز، نحو " جاء ضاحكا زيد، وضربت مجردة هندا " * * * ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله (1) أو كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه، فلا تحيفا (2)..


ناصبة " يذهبوا " فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعل " فرغا " حال من " قتل " الآتي " بقتل " جار ومجرور متعلق بيذهب، وقتل مضاف، و " حبال " مضاف إليه. الشاهد فيه: قوله " فرغا " حيث وقع حالا من " قتل " المجرور بالباء وتقدم عليه. (1) " ولا " ناهية " تجز " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " حالا " مفعول به لتجز " من المضاف " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقوله " حالا " وقوله " له " جار ومجرور متعلق بالمضاف " إلا " أداة استثناء " إذا " ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط " اقتضى " فعل ماض " المضاف " فاعل اقتضى " عمله " عمل: مفعول به لاقتضى، وعمل مضاف، والهاء مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر بإضافة " إذا " إليها، والجواب محذوف يدل عليه سابق الكلام. (2) " أو " عاطفة " كان " فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المضاف له " جزء " خبر كان، وجزء مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " له " جار ومجرور متعلق بأضيف الآتي " أضيف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أضيف ونائب فاعله لا محل لها صلة الموصول " أو " عاطفة " مثل " معطوف على جزء السابق، ومثل مضاف، وجزء من " جزئه " مضاف إليه، وجزء مضاف والهاء مضاف إليه " فلا " ناهية " تحيفا " فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لاجل الوقف في محل جزم، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (*)

[ 644 ]

لا يجوز مجئ الحال من المضاف إليه (1)، إلا إذا كان المضاف مما يصح عمله في الحال: كاسم الفاعل، والمصدر، ونحوهما مما تضمن معنى الفعل، فتقول: هذا ضارب هند مجردة، وأعجبني قيام زيد مسرعا، ومنه قوله تعالى: (إليه مرجعكم جميعا) ومنه قول الشاعر: 189 - تقول ابنتي: إن انطلاقك واحدا إلى الروع يوما تاركي لا أباليا.


(1) اختلف النحاة في مجئ الحال من المضاف إليه، فذهب سيبويه - رحمه الله ! - إلى أنه يجوز أن يجئ الحال من المضاف إليه مطلقا: أي سواء أتوفر له واحد من الامور الثلاثة المذكورة أم لم يتوفر، وذهب غيره من النحاة إلى أنه إذا توفر له واحد من الامور الثلاثة جاز، وإلا لم يجز، والسر في هذا الخلاف أنهم اختلفوا في: هل يجب أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحب الحال، أم لا يجب ذلك ؟ فذهب سيبويه إلى أنه لا يجب أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، بل يجوز أن يكون العامل فيهما واحدا وأن يكون مختلفا، وعلى ذلك أجاز أن يجئ الحال من المضاف إليه مطلقا، وذهب غيره إلى أنه لا بد من أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحبها، وترتب على ذلك ألا يجوزوا مجئ الحال من المضاف إليه إلا إذا توفر له واحد من الامور الثلاثة التي ذكرها الناظم والشارح، وذلك لان المضاف إن كان عاملا في المضاف إليه بسبب شبهه للفعل لكونه مصدرا أو اسم فاعل كان كذلك عاملا في الحال فيتحد العامل في الحال والعامل في صاحبه الذي هو المضاف إليه، وإن كان المضاف جزء المضاف إليه أو مثل جزئه كان المضاف والمضاف إليه جميعا كالشئ الواحد، فيصير في هاتين الحالتين كأن صاحب الحال هو نفس المضاف، فالعامل فيه هو العامل في الحال، فاحفظ هذا التحقيق النفيس، واحرص عليه. 189 - البيت لمالك بن الريب، أحد بني مازن بن مالك، من قصيدة له، وأولها قوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه وليت الغضى ماشى الركاب لياليا = (*)

[ 645 ]

وكذلك يجوز مجئ الحال من المضاف إليه: إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه، أو مثل جزئه في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه، فمثال ما هو جزء من المضاف إليه قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا) ف‍ " إخوانا ": حال من الضمير المضاف إليه " صدور "، والصدور: جزء من المضاف إليه، ومثال ما هو مثل جزء المضاف إليه - في صحة الاستغناء بالمضاف إليه عنه - قوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم


= اللغة: " الروع " الفزع، والمخافة، وأراد به ههنا الحرب، لان الخوف يتسبب عنها، فهو من باب إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب " تاركي " اسم فاعل من ترك بمعنى صير. المعنى: إن ابنتي تقول لي: إن ذهابك إلى القتال منفردا يصيرني لا محالة بلا أب، لانك تقتحم لظاها فتموت. الاعراب: " تقول " فعل مضارع " ابنتي " ابنة: فاعل تقول، وابنة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " إن " حرف توكيد ونصب " انطلاقك " انطلاق: اسم إن، وانطلاق مضاف والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله " واحدا " حال من الكاف التي هي ضمير المخاطب " إلى الحرب " جار ومجرور متعلق بانطلاق " تاركي " تارك: خبر إن، وتارك مضاف وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى أحد مفعوليه، وفيه ضمير مستتر فاعل " لا " نافية للجنس " أبا " اسمها " ليا " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، والجملة من لا ومعموليها في محل نصب مفعول ثان لتارك، ويجوز أن يكون " أبا " اسم لا منصوبا بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، واللام في " ليا " زائدة، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر لا محذوف، وكأنه قال: لا أبي موجود. الشاهد فيه: قوله " واحدا " حيث وقع حالا من المضاف إليه - وهو الكاف في قوله " انطلاقك " - والذي سوغ هذا أن المضاف إلى الكاف مصدر يعمل عمل الفعل، فهو يتطلب فاعلا كما يتطلبه فعله الذي هو انطلق، وهذه الكاف هي الفاعل، فكان المضاف عاملا في المضاف إليه، ويصح أن يعمل في الحال لانه مصدر على ما علمت. (*)

[ 646 ]

حنيفا) ف‍ " حنيفا ": حال من " إبراهيم " والملة كالجزء من المضاف إليه، إذ يصح الاستغناء بالمضاف إليه عنها، فلو قيل في غير القرآن: " أن اتبع إبراهيم حنيفا " لصح. فإن لم يكن المضاف مما يصح أن يعمل في الحال، ولا هو جزء من المضاف إليه، ولا مثل جزئه - لم يجز أن يجئ الحال منه، فلا تقول: " جاء غلام هند ضاحكة " خلافا للفارسي، وقول ابن المصنف رحمه الله تعالى: " إن هذه الصورة ممنوعة بلا خلاف " ليس بجيد، فإن مذهب الفارسي جوازها، كما تقدم، وممن نقله عنه الشريف أبو السعادات ابن الشجري في أماليه. * * * والحال إن ينصب بفعل صرفا * أو صفة أشبهت المصرفا (1) فجائز تقديمه: ك‍ " مسرعا * ذا راحل، ومخلصا زيد دعا (2)


(1) " الحال " مبتدأ " إن " شرطية " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الحال " بفعل " جار ومجرور متعلق بينصب " صرفا " صرف: فعل ماض مبني للمجهول، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى فعل نائب فاعل، والجملة من صرف ونائب فاعله في محل جر نعت لفعل " أو " عاطفة " صفة " معطوف على فعل " أشبهت " أشبه: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى صفة " المصرفا " مفعول به لاشبه، والجملة من أشبهت وفاعله ومفعوله في محل جر صفة لقوله " صفة ". (2) " فجائز " الفاء لربط الجواب بالشرط، جائز: خبر مقدم " تقديمه " تقديم: مبتدأ مؤخر، وتقديم مضاف والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والجملة = (*)

[ 647 ]

يجوز تقديم الحال على ناصبها إن كان فعلا متصرفا، أو صفة تشبه الفعل المتصرف، والمراد بها: ما تضمن معنى الفعل وحروفه، وقبل التأنيث، والتثنية والجمع: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة (1)، فمثال تقديمها على الفعل المتصرف " مخلصا زيد دعا " [ فدعا: فعل متصرف، وتقدمت عليه الحال ]، ومثال تقديمها على الصفة المشبهة له: " مسرعا ذا راحل ". فإن كان الناصب لها فعلا غير متصرف لم يجز تقديمها عليه، فتقول: " ما أحسن زيدا ضاحكا " ولا تقول: " ضاحكا ما أحسن زيدا "، لان فعل التعجب غير متصرف في نفسه، فلا يتصرف في معموله، وكذلك إن كان


= في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو " الحال " في أول البيت السابق " كمسرعا " الكاف جارة لقول محذوف، مسرعا: حال مقدم على عامله وهو " راحل " الآتي " ذا " مبتدأ " راحل " خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر جوازا تقديره هو فاعل، وهو صاحب الحال " ومخلصا " حال مقدم على عامله، وهو " دعا " الآتي " زيد " مبتدأ، وجملة " دعا " وفاعله المستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى زيد في محل رفع خبر. (1) أطلق الشارح كالناظم القول إطلاقا في أنه يجوز تقديم الحال على عاملها إذا كان هذا العامل فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف، وليس هذا الاطلاق بسديد بل قد يعرض أمر يوجب تأخير الحال على عاملها ولو كان فعلا متصرفا أو صفة تشبه الفعل المتصرف، وذلك في أربعة مواضع: الاول: أن يكون العامل مقترنا بلام الابتداء، كقولك: إني لازورك مبتهجا. الثاني: أن يقترن العامل بلام القسم، كقولك: لاصومن معتكفا، وقولهم: لاصبرن محتسبا. الثالث: أن يكون العامل صلة لحرف مصدري، كقولك: إن لك أن تسافر راجلا، وإن عليك أن تنصح مخلصا. الرابع: أن يكون العامل صلة لال الموصولة، كقولك: أنت المصلى فذا، وعلى المذاكر متفهما. (*)

[ 648 ]

الناصب لها صفة لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل لم يجز تقديمها عليه، وذلك لانه لا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فلم يتصرف في نفسه، فلا يتصرف في معموله، فلا تقول: " زيد ضاحكا أحسن من عمرو "، بل يجب تأخير الحال، فتقول: " زيد أحسن من عمرو ضاحكا " (1). * * * وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه مؤخرا لن يعملا (2) ك‍ " تلك، ليت، وكأن " وندر نحو " سعيد مستقرا في هجر " (3) لا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي، وهو: ما تضمن معنى الفعل دون حروفه: كأسماء الاشارة، وحروف التمني، والتشبيه، والظرف، والجار


(1) سيأتي للمصنف في هذا الباب والشارح الاستثناء من عدم عمل أفعل التفضيل في حال متقدمة، وذلك المستثنى نحو قوله " زيد مفردا أنفع من عمرو معانا " وسيذكر هناك (ص 650) ضابط هذا المثال. (2) " وعامل " مبتدأ " ضمن " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة من ضمن ونائب فاعله في محل رفع صفة لعامل " معنى " مفعول ثان لضمن، ومعنى مضاف، و " الفعل " مضاف إليه " لا " عاطفة " حروفه " حروف: معطوف على " معنى الفعل " وحروف مضاف وضمير الغائب مضاف إليه " مؤخرا " حال من الضمير المستتر في " يعمل " الآتي " لن " نافية ناصبة " يعملا " يعمل: فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل الواقع مبتدأ، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. (3) " كتلك " الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك كائن كتلك " ليت، وكأن " معطوفان على تلك " وندر " فعل ماض " نحو " فاعل ندر " سعيد " مبتدأ " مستقرا " حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الآتي " في هجر " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. (*)

[ 649 ]

والمجرور (1) نحو " تلك هند مجردة، وليت زيدا أميرا أخوك، وكأن زيدا راكبا أسد، وزيد في الدار - أو عندك - قائما "، فلا يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي في هذه المثل ونحوها، فلا تقول " مجردة تلك هند " ولا " أميرا ليت زيدا أخوك " ولا " راكبا كأن زيدا أسد ". وقد ندر تقديمها على عاملها الظرف [ نحو زيد قائما عندك ] والجار والمجرور


(1) اعلم أن ههنا أمرين لا بد من بيانهما حتى تكون على ثبت من الامر: الاول: أن العامل المعنوي قد يطلق ويراد به ما يقابل اللفظي، وهو شيئان: الابتداء العامل في المبتدأ، والتجرد من الناصب والجازم العامل في الفعل المضارع، وليس هذا المعنى مرادا في هذا الموضع، لان العامل المعنوي بهذا المعنى لا يعمل غير الرفع، فالابتداء يعمل في المبتدأ الرفع، والتجرد يعمل في الفعل المضارع الرفع أيضا، وحينئذ فالمراد بالعامل المعنوي ههنا: اللفظ الذي يعمل بسبب ما يتضمنه من معنى الفعل أفلا ترى أن " تلك " وغيرها من ألفاظ الاشارة إنما عملت في الحال لانها متضمنة معنى أشير ؟ وهكذا. الثاني: العوامل المعنوية بالمعنى المراد هنا كثيرة، وقد ذكر الشارح منها خمسة، وهي: أسماء الاشارة، وحروف التمني، وأدوات التشبيه، والظروف، والجار والمجرور، وقد بقي خمسة أخرى، أولها: حرف الترجي كلعل، نحو قولك: لعل زيدا أميرا قادم، وثانيها: حروف التنبيه مثل " ها " في قولك: ها أنت زيد راكبا، فراكبا: حال من زيد، والعامل في الحال هو " ها "، وثالثها: أدوات الاستفهام الذي يقصد به التعجب كقول الاعشى: * يا جارتا ما أنت جاره *، عند من جعل " جاره " الاخرى حالا لا تمييزا، رابعها: أدوات النداء نحو " يا " في قولك: يأيها الرجل قائما، وخامسها: " أما " نحو قولهم: أما علما فعالم، عند من جعل تقدير الكلام: مهما يذكر أحد في حال علم فالمذكور عالم، فعلما على هذا التقدير حال من المرفوع بفعل الشرط الذي نابت عنه أما. (*)

[ 650 ]

نحو " سعيد مستقرا في هجر " ومنه قوله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه) (1) في قراءة من كسر التاء، وأجازه الاخفش قياسا. * * * ونحو " زيد مفردا أنفع من عمرو معانا " مستجاز لن يهن (2) تقدم أن أفعل التفضيل لا يعمل في الحال متقدمة، واستثنى من ذلك هذه المسألة، وهي: ما إذا فضل شئ في حال على نفسه أو غيره في حال أخرى، فإنه يعمل في حالين إحداهما متقدمة عليه، والاخرى متأخرة عنه، وذلك نحو: " زيد قائما أحسن منه قاعدا " و " زيد مفردا أنفع من عمرو معانا " ف‍ " قائما، ومفردا " منصوبان بأحسن وأنفع، وهما حالان، وكذا " قاعدا، ومعانا " وهذا مذهب الجمهور.


(1) القراءة المشهورة برفع السموات على الابتداء ورفع " مطويات " على أنه خبر المبتدأ، والجار والمجرور - وهو " بيمينه " - متعلق بمطويات، والقراءة التي يستدل بها الشارح برفع السموات على أنه مبتدأ، ونصب مطويات بالكسرة نيابة عن الفتحة على أنه حال صاحبه الضمير المستكن في الجار والمجرور، والجار والمجرور - وهو قوله (بيمينه) متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. (2) " ونحو " مبتدأ " زيد " مبتدأ " مفردا " حال من الضمير المستتر في " أنفع " الآتي " أنفع " خبر المبتدأ الذي هو زيد " من عمرو " جار ومجرور متعلق بأنفع " معانا " حال من عمرو، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة نحو إليها " مستجاز " خبر المبتدأ الذي هو " نحو " في أول البيت " لن " نافية ناصبة " يهن " بمعنى يضعف: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وسكن لاجل الوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى " نحو " وجملة يهن وفاعله في محل رفع خبر ثان، أو صفحة للخبر السابق. (*)

[ 651 ]

وزعم السيرافي أنهما خبران منصوبان بكان المحذوفة، والتقدير: " زيد إذا كان قائما أحسن منه إذا كان قاعدا، وزيد إذا كان مفردا أنفع من عمرو إذا كان معانا ". ولا يجوز تقديم هذين الحالين على أفعل التفضيل، ولا تأخيرهما عنه، فلا تقول " زيد قائما قاعدا أحسن منه " ولا [ تقول ] " زيد أحسن منه قائما قاعدا ". * * * والحال قد يجئ ذا تعدد لمفرد - فاعلم - وغير مفرد (1) يجوز تعدد الحال وصاحبها مفرد (2)، أو متعدد. فمثال الاول " جاء زيد راكبا ضاحكا " ف‍ " راكبا، وضاحكا ": حالان من " زيد " والعامل فيهما " جاء ". ومثال الثاني " لقيت هندا مصعدا منحدرة " ف‍ " مصعدا ": حال من التاء، و " منحدرة ": حال من " هند " والعامل فيهما " لقيت " ومنه قوله: 190 - لقي ابني أخويه خائفا منجديه، فأصابوا مغنما


(1) " الحال " مبتدأ، وجملة " يجئ " وفاعله المستتر فيه في محل رفع خبر " ذا " حال من الضمير المستتر في يجئ، وذا مضاف و " تعدد " مضاف إليه " لمفرد " جار ومجرور متعلق يتعدد أو بمحذوف نعت لتعدد " فاعلم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والجملة لا محل لها اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، " وغير " الواو عاطفة، غير: معطوف على مفرد، وغير مضاف، و " مفرد " مضاف إليه. (2) ترك الشارح بيان المواضع التي يجب فيها تعدد الحال، ولوجوب ذلك موضعان، أولهما أن يقع بعد " إما " نحو قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) وثانيهما: أن يقع بعد " لا " النافية كقولك: رأيت بكرا لا مستبشرا ولا جذلان. 190 - البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها = (*)

[ 652 ]

ف‍ " خائفا " حال من " ابني "، و " منجديه " حال من " أخويه " والعامل فيهما " لقي ". فعند ظهور المعنى ترد كل حال إلى ما تليق به، وعند عدم ظهوره يجعل أول الحالين لثاني الاسمين، وثانيهما لاول الاسمين، ففي قولك: " لقيت زيدا مصعدا منحدرا " يكون " مصعدا " حالا من زيد، و " منحدرا " حالا من التاء. * * * وعامل الحال بها قد أكدا في نحو: " لا تعث في الارض مفسدا " (1) = اللغة: " منجديه " مغيثيه، وهو مثنى منجد، ومنجد: اسم فاعل ماضيه أنجد، وتقول: أنجد فلان فلانا، إذا أغاثه وعاونه ودفع عنه المكروه " أصابوا " نالوا وأدركوا " مغنما " غنيمة. الاعراب: " لقي " فعل ماض " ابني " ابن: فاعل لقي، وابن مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " أخويه " مفعول به للقي، والهاء مضاف إليه " خائفا " حال من ابني " منجديه " حال من أخويه " فأصابوا " الفاء عاطفة، أصابوا: فعل وفاعل " مغنما " مفعول به لاصابوا، والجملة من أصاب وفاعله ومفعوله معطوفة بالفاء على جملة لقي ومعمولاته. الشاهد فيه: قوله " خائفا منجديه " فإن الحال متعددة لمتعدد، والنظرة الاولى تدل على صاحب كل حال فترده إليه، فإن واحدا من الحالين مفرد والآخر مثنى، وكذلك صاحباهما، فلا لبس عليك في أن تجعل المفرد للمفرد والمثنى للمثنى. (1) " وعامل " مبتدأ، وعامل مضاف، و " الحال " مضاف إليه " بها " جار ومجرور متعلق بأكد الآتي " قد " حرف تحقيق " أكدا " أكد: فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى عامل الحال، والالف للاطلاق، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " في نحو " جار ومجرور متعلق بأكد " لا " ناهية " تعث " فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه = (*)

[ 653 ]

تنقسم الحال إلى مؤكدة، وغير مؤكدة، فالمؤكدة على قسمين، وغير المؤكدة ما سوى القسمين. فالقسم الاول من المؤكدة: ما أكدت عاملها، وهي المراد بهذا البيت، وهي: كل وصف دل على معنى عامله، وخالفه لفظا، وهو الاكثر، أو وافقه لفظا، وهو دون الاول في الكثرة، فمثال الاول " لا تعث في الارض مفسدا " ومنه قوله تعالى: (ثم وليتم مدبرين) وقوله تعالى: (ولا تعثوا في الارض مفسدين)، ومن الثاني قوله تعالى: (وأرسلناك للناس رسولا) وقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره). * * * وإن تؤكد جملة فمضمر عاملها، ولفظها يؤخر (1) هذا هو القسم الثاني من الحال المؤكدة، وهي: ما أكدت مضمون الجملة،


= وجوبا تقديره أنت " في الارض " جار ومجرور متعلق بتعث " مفسدا " حال من الضمير المستتر في " تعث " وهو حال مؤكدة للعامل وهو " تعث " وجملة " تعث في الارض مفسدا " في محل جر بإضافة نحو إليها. (1) " وإن " شرطية " تؤكد " فعل مضارع، فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الحال " جملة " مفعول به لتؤكد " فمضمر " الفاء لربط الجواب بالشرط، مضمر: خبر مقدم " عاملها " عامل: مبتدأ مؤخر، وعامل مضاف وها: مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط " ولفظها " الواو عاطفة، لفظ: مبتدأ، ولفظ مضاف وها: مضاف إليه، وجملة " يؤخر " من الفعل المضارع المبني للمجهول ونائب الفاعل المستتر فيه في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم معطوفة بالواو على جملة جواب الشرط. (*)

[ 654 ]

وشرط الجملة: أن تكون اسمية، وجزاها معرفتان، جامدان، نحو: " زيد أخوك عطوفا، وأنا زيد معروفا " ومنه قوله: 191 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي وهل بدارة يا للناس من عار ؟ ف‍ " عطوفا، ومعروفا " حالان، وهما منصوبان بفعل محذوف وجوبا، والتقدير في الاول " أحقه عطوفا " وفي الثاني " أحق معروفا ". ولا يجوز تقديم هذه الخال على هذه الجملة، فلا تقول " عطوفا زيد أخوك " ولا " معروفا أنا زيد " ولا توسطها بين المبتدأ والخبر، فلا تقول " زيد عطوفا أخوك ". * * *


191 - البيت لسالم بن دارة، من قصيدة طويلة يهجو فيها فزارة، وقد أوردها التبريزي في شرحه على الحماسة، وذكر لهذه القصيدة قصة، فارجع إليها هناك. اللغة: " دارة " الاكثرون على أنه اسم أمه، وقال أبو رياش: هو لقب جده، واسمه يربوع، ويجاب - هلى هذا القول - عن تأنيث الضمير الراجع إلى دارة في قوله " معروفا بها نسبي " بأنه عنى به القبيلة. المعنى: أنا ابن هذه المرأة، ونسبي معروف بها، وليس فيها من المعرة ما يوجب القدح في النسب، أو الطعن في الشرف. الاعراب: " أنا " ضمير منفصل مبتدأ " ابن " خبر المبتدأ، وابن مضاف، " ودارة " مضاف إليه " معروفا " حال " بها " جار ومجرور متعلق بمعروف " نسبي " نائب فاعل لمعروف لانه اسم مفعول " وهل " حرف دال على الاستفهام الانكاري " بدارة " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم " من " زائدة " عار " مبتدأ مؤخر، مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله " يا للناس " اعتراض بين المبتدأ والخبر، وياء: للنداء، واللام للاستغاثة. الشاهد فيه: قوله " معروفا " فإنه حال أكدت مضمون الجملة التي قبلها. (*)

[ 655 ]

وموضع الحال تجئ جمله ك‍ " جاء زيد وهو ناو رحله " (1) الاصل في الحال والخبر والصفة الافراد، وتقع الجملة موقع الحال، كما تقع موقع الخبر والصفة، ولابد فيها من رابط، وهو في الحالية: إما ضمير، نحو " جاء زيد يده على رأسه " أو واو - وتسمى واو الحال، وواو الابتداء، وعلامتها صحة وقوع " إذ " موقعها - نحو " جاء زيد وعمرو قائم " التقدير: إذ عمرو قائم، أو الضمير والواو معا، نحو " جاء زيد وهو ناو رحلة ". * * *


(1) " موضع " ظرف مكان متعلق بتجئ، وموضع مضاف و " الحال " مضاف إليه " تجئ " فعل مضارع " جملة " فاعل تجئ " كجاء زيد " الكاف جارة لقول محذوف، كما سبق مرارا، وما بعدها فعل وفاعل " وهو " الواو واو الحال، وهو: ضمير منفصل مبتدأ " ناو " خبر المبتدأ، وفيه ضمير مستتر فاعل " رحله " مفعول به لناو، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال. (2) يشترط في الجملة التي تقع حالا أربعة شروط، وقد ذكر الشارح تبعا للناظم من هذه الشروط واحدا، وهو: أن تكون الجملة مشتملة على رابط يربطها بالحال إما الواو، وإما الضمير، وإما هما معا والشرط الثاني: أن تكون الجملة خبرية، فلا يجوز أن تكون الحال جملة إنشائية، والشرط الثالث: ألا تكون جملة الحال تعجبية، والشرط الرابع: ألا تكون مصدرة بعلم استقبال، وذلك نحو " سوف " و " لن " وأدوات الشرط، فلا يصح أن تقول: جاء محمد إن يسأل يعط، فإن أردت تصحيح ذلك فقل: جاء زيد وهو إن يسأل يعط، فتكون الحال جملة اسمية خبرية. ومن هذا الكلام - مع ما سبق في مبحث مجئ خبر المبتدأ جملة - تعرف أن الخبر والحال جميعا اشتركا في ضرورة وجود رابط يربط كلا منهما بصاحبه واختلفا في الشروط الثلاثة الباقية، فجملة الخبر تقع إنشائية وتعجبية على الاصح عند النحاة، وتصدر بعلم الاستقبال، وقد رأيت أن تصحيح المثال يكون بجعل جملة الشرط وجوابه خبرا، فتنبه لذلك كله، والله يوفقك ويرشدك. (*)

[ 656 ]

وذات بدء بمضارع ثبت * حوت ضميرا، ومن الواو خلت (1) وذات واو بعدها انو مبتدا * له المضارع اجعلن مسندا (2) الجملة الواقعة حالا: إن صدرت بمضارع مثبت لم يجز أن تقترن بالواو، بل لا تربط إلا بالضمير، نحو " جاء زيد يضحك، وجاء عمرو تقاد الجنائب بين يديه " ولا يجوز دخول الواو، فلا تقول " جاء زيد ويضحك " فإن جاء من لسان العرب ما ظاهره ذلك أول على إضمار مبتدأ بعد الواو، ويكون المضارع خبرا عن [ ذلك ] المبتدأ، وذلك نحو قولهم " قمت وأصك عينه " وقوله: 192 - فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنهم مالكا


(1) " وذات " مبتدأ، وذات مضاف، و " بدء " مضاف إليه " بمضارع " جار ومجرور متعلق ببدء " ثبت " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مضارع، والجملة في محل جر صفة لمضارع " حوت " حوى: فعل ماض، والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ذات بدء، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ " ضميرا " مفعول به لحوت " ومن الواو " الواو عاطفة، وما بعدها جار ومجرور متعلق بخلت " خلت " خلا: فعل ماض، والتاء لتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ذات بدء بمضارع، والجملة معطوفة على جملة الخبر. (2) " وذات " مبتدأ، وذات مضاف و " واو " مضاف إليه " بعدها " بعد: ظرف متعلق بانو الآتي، وبعد مضاف، وها: مضاف إليه " انو " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مبتدا " مفعول به لانو " له " جار ومجرور متعلق باجعل الآتي " المضارع " مفعول أول لاجعل تقدم عليه، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة " اجعلن " اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والنون نون التوكيد الثقيلة " مسندا " مفعول ثان لاجعل. 192 - البيت لعبد الله بن همام السلولي. = (*)

[ 657 ]

ف‍ " أصك، وأرهنهم " خبران لمبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا أصك، وأنا أرهنهم. * * * وجملة الحال سوى ما قدما بواو، أو بمضمر، أو بهما (1)


= اللغة: " أظافيرهم " جمع أظفور بزنة عصفور والمراد هنا منه الاسلحة " نجوت " أراد تخلصت منهم. الاعراب: " فلما " الفاء للعطف على ما قبله، لما: ظرف بمعنى حين متعلق بنجوت الآتي، وهو متضمن معنى الشرط " خشيت " فعل وفاعل " أظافيرهم " أظافير: مفعول به لخشيت، وأظافير مضاف وهم: مضاف إليه، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة " لما " الظرفية إليها " نجوت " فعل وفاعل، والجملة جواب " لما " الظرفية بما تضمنته من معنى الشرط " وأرهنهم " الواو واو الحال، أرهن: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، هم: مفعول أول لارهن، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا أرهنهم، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال " مالكا " مفعول ثان لارهن. الشاهد فيه: قوله " وأرهنهم " حيث إن ظاهره ينبئ عن أن المضارع المثبت تقع جملته حالا، وتسبق بالواو، وذلك الظاهر غير صحيح، ولهذا قدرت جملة المضارع خبرا لمبتدأ محذوف كما فصلناه في الاعراب. (1) " وجملة " مبتدأ، وجملة مضاف، و " الحال " مضاف إليه " سوى " منصوب على الاستثناء أو على الظرفية، وسوى مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " قدما " قدم: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والالف للاطلاق، والجملة من قدم ونائب فاعله لامحل لها صلة الموصول " بواو " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وهو قوله " جملة الحال " في أول البيت، وقوله " أو بمضمر، أو بهما " معطوفان على قوله بواو. (*)

[ 658 ]

الجملة الحالية: إما أن تكون اسمية، أو فعلية، والفعل [ إما ] مضارع، أو ماض، وكل واحدة من الاسمية والفعلية: إما مثبتة، أو منفية، وقد تقدم أنه إذا صدرت الجملة بمضارع مثبت لا تصحبها الواو، بل لا تربط إلا بالضمير فقط (1)، وذكر في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوز فيه أن يربط بالواو


(1) قد ذكر الشارح أن الجملة الحالية إذا كانت فعلية فعلها مضارع مثبت وجب أن تخلو هذه الجملة من الواو، وأن يكون رابطها الضمير، وقد بقي عليه بعض شروط يجب تحققها في هذه الجملة: منها ألا يتقدم بعض معمولات المضارع عليه، فلو تقدم معموله عليه اقترنت الجملة بالواو، ولهذا جوز القاضي البيضاوي في قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) أن تكون جملة (وإياك نستعين) حالا من الضمير المستتر وجوبا في (نعبد) ومن الشروط أيضا: ألا تكون جملة المضارع المذكور مقترنة بقد، فإن اقترنت بها وجب أن تقترن بالواو، نحو قوله تعالى (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)، فجملة ما يشترط لخلو هذه الجملة من الواو أربعة شروط: أن تكون مضارعية، وأن تكون مثبتة، وأن يتقدم المضارع على كل ما يذكر معه من معمولاته، وألا يقترن بقد. وقد ذكر الشارح بعد قليل أن الجملة المضارعية المنفية بلا تمتنع معها الواو، كما في قوله تعالى: (مالي لا أرى الهدهد) وبقي بعد ذلك خمس جمل يجب ألا تقترن بالواو، فيصير مجموع ما لا يجوز اقترانه بالواو من الحال الواقعة جملة سبعا ذكرنا لك اثنتين منها. (والثالثة) أن تكون مضارعية منفية بما، كقول الشاعر: عهدتك ما تصبو، وفيك شبيبة فمالك بعد الشيب صبا متيما ؟ (الرابعة) الجملة المعطوفة على حال قبلها، نحو قوله تعالى: (فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون) فجملة " هم قائلون " معطوفة على " بياتا ". (الخامسة) الجملة المؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو قولك: هو الحق لا شك فيه، وقوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) فجملة " لا ريب فيه " حال مؤكدة لمضمون جملة " ذلك الكتاب " في بعض أعاريب يحتملها هذا الكلام. = (*)

[ 659 ]

وحدها، أو بالضمير وحده، أو بهما، فيدخل في ذلك الجملة الاسمية: مثبتة، أو منفية، والمضارع المنفي، والماضي: المثبت، والمنفي. فتقول: " جاء زيد وعمرو قائم، وجاء زيد يده على رأسه، وجاء زيد ويده على رأسه " وكذلك المنفي، وتقول: " جاء زيد لم يضحك، أو ولم يضحك، أو ولم يقم عمرو، وجاء زيد وقد قام عمرو، وجاء زيد قد قام أبوه، وجاء زيد وقد قام أبوه " وكذلك المنفي، نحو " جاء زيد وما قام عمرو، وجاء زيد ما قام أبوه، أو وما قام أبوه ". ويدخل تحت هذا أيضا المضارع المنفي بلا، فعلى هذا تقول: " جاء زيد ولا يضرب عمرا " بالواو. وقد ذكر المصنف في غير هذا الكتاب أنه لا يجوز اقترانه بالواو كالمضارع المثبت، وأن ما ورد مما ظاهره ذلك يؤول على إضمار مبتدأ، كقراءة


= (السادسة) الجملة التي تقع بعد " إلا " سواء أكانت الجملة اسمية نحو قولك: ما صاحبت أحدا إلا زيد خير منه، أم كانت فعلية فعلها ماض نحو قولك: ما أرى رأيا إلا رأيت صوابا، ونحو قوله تعالى: (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) وقد ورد في الشعر اقتران الفعلية التي فعلها ماض والواقعة بعد " إلا " بالواو كما في قوله. نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع لها وزرا فقيل: هو شاذ والقياس أن تخلو من الواو، وقيل: هو قليل لا شاذ. (السابعة) الجملة الفعلية التي فعلها ماض مسبوق بأو العاطفة، نحو قولك: لاضربنه حضر أو غاب، وقول الشاعر: كن للخليل نصيرا جار أو عدلا ولا تشح عليه جاد أو بخلا (*)

[ 660 ]

ابن ذكوان: (فاستقيما ولا تتبعان) بتخفيف النون، والتقدير: وأنتما تتبعان، ف‍ " لا تتبعان " خبر لمبتدأ محذوف. * * * والحال قد يحذف ما فيها عمل وبعض ما يحذف ذكره حظل (1) يحذف عامل الحال: جوازا، أو وجوبا. فمثال ما حذف جوازا أن يقال: " كيف جئت " فتقول: " راكبا "، [ تقديره " جئت راكبا " ]، وكقولك: " بلى مسرعا " لمن قال لك: " لم تسر " والتقدير: " بلى سرت مسرعا "، ومنه قوله تعالى: (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه ؟ بلى قادرين على أن نسوي بنانه) التقدير - والله أعلم -: بلى نجمعها قادرين. ومثال ما حذف وجوبا قولك: " زيد أخوك عطوفا " ونحوه من الحال المؤكدة لمضمون الجملة، وقد تقدم ذلك، وكالحال النائبة مناب الخبر،


(1) " والحال " مبتدأ " قد " حرف تحقيق " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول " ما " اسم موصول نائب فاعل ليحذف، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ " فيها " جار ومجرور متعلق بعمل الآتي " عمل " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول " وبعض " مبتدأ أول، وبعض مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " يحذف " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا، والجملة لامحل لها صلة الموصول " ذكره " ذكر: مبتدأ ثان، وذكر مضاف والهاء مضاف إليه " حظل " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا، والجملة من حظل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الاول. (*)

[ 661 ]

نحو " ضربي زيدا قائما " التقدير: إذا كان قائما، وقد سبق تقرير ذلك في باب المبتدأ والخبر (1). ومما حذف فيه عامل الحال وجوبا قولهم: " اشتريته بدرهم فصاعدا، وتصدقت بدينار فسافلا " ف‍ " صاعدا، وسافلا ": حالان، عاملهما محذوف


(1) هنا أمران نحب أن ننبهك إليهما: الاول: أن عامل الحال على ثلاثة أنواع: نوع يجب ذكره ولا يجوز حذفه، ونوع يجب حذفه ولا يجوز ذكره، ونوع يجوز لك ذكره ويجوز لك حذفه. فأما النوع الذي يجب ذكره ولا يجوز حذفه فهو العامل المعنوي كالظرف واسم الاشارة، فلا يحذف شئ من هذه العوامل، سواء أعلمت أم لم تعلم، لان العامل المعنوي ضعيف، فلا يقوى على أن يعمل وهو محذوف. وأما النوع الذي يجب حذفه فقد بين الشارح ثلاثة مواضع من مواضعه وهي الحال المؤكدة لمضمون جملة، والحال النائبة مناب الخبر، والحال الدالة على زيادة أو نقص بتدريج وبقي موضعان آخران، أولهما: أن ينوب عنه الحال كقولك لمن شرب: هنيئا، ومن ذلك قول كثير: هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت وثانيهما: أن تدل الحال على توبيخ، كقولك: أقاعدا وقد جد الناس ؟. وأما النوع الذي يجوز ذكره وحذفه فهو ما عدا هذين النوعين. الامر الثاني: أن الاصل في الحال نفسه - بسبب كونه فضلة - أنه يجوز حذفه، وقد يجب ذكره، وذلك في خمسة مواضع، أولها: أن يكون الحال مقصورا عليه، نحو قولك: ما سافرت إلا راكبا، وما ضربت عليا إلا مذنبا، وثانيها: أن يكون الحال نائبا عن عامله كقولك: هنيئا مريئا، تريد كل ذلك هنيئا مريئا، وثالثها: أن تتوقف عليه صحة الكلام كقوله سبحانه وتعالى: (وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين) أو يتوقف عليه مراد المتكلم، نحو قوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) ورابعها: أن يكون الحال جوابا، كقولك: بلى مسرعا، جوابا لمن قال لك: لم تسر، وخامسها: أن يكون الحال نائبا عن الخبر، نحو قولك: ضربي زيدا مسيئا. (*)

[ 662 ]

وجوبا، والتقدير: " فذهب الثمن صاعدا، وذهب المتصدق به سافلا " وهذا معنى قوله: " وبعض ما يحذف ذكره حظل " أي بعض ما يحذف من عامل الحال منع ذكره (1). * * *


(1) قد بقي الكلام على صاحب الحال من ناحية الذكر والحذف - بعد أن أتينا على ما يتعلق بالحال، وبالعامل فيها من هذه الناحية - فنقول: الاصل في صاحب الحال أن يكون مذكورا، وقد يحذف جوازا، وقد يحذف وجوبا بحيث لا يجوز ذكره. فيحذف جوازا إذا حذف عامله، نحو قولك: راشدا، أي تسافر راشدا، ويجوز أن تقول تسافر راشدا. ويحذف وجوبا مع الحال التي تفهم ازديادا أو نقصا بتدريج، نحو قولهم: اشتريت بدينار فصاعدا، أي: فذهب الثمن صاعدا، ففي هذا حذف صاحب الحال وعامله. (*)

[ 663 ]

التمييز اسم، بمعنى " من " مبين، نكره، ينصب تمييزا بما قد فسره (1) كشبر ارضا، وقفيز برا، ومنوين عسلا وتمرا (2) تقدم من الفضلات: المفعول به، والمفعول المطلق، والمفعول له، والمفعول فيه، والمفعول معه، والمستثنى، والحال، وبقي التمييز وهو المذكور في هذا الباب - ويسمى مفسرا، وتفسيرا، ومبينا، وتبيينا، ومميزا، وتمييزا. وهو: كل اسم، نكرة، متضمن معنى " من "، لبيان ما قبله من إجمال، نحو " طاب زيد نفسا، وعندي شبر أرضا ". واحترز بقوله: " متضمن معنى من " من الحال، فإنها متضمنة معنى " في ". وقوله: " لبيان ما قبله " احتراز مما تضمن معنى " من " وليس فيه بيان لما قبله: كاسم " لا " التي لنفي الجنس، نحو " لا رجل قائم " فإن التقدير: " لا من رجل قائم ".


(1) " اسم " خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو اسم " بمعنى " جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم، ومعنى مضاف و " من " قصد لفظه: مضاف إليه " مبين " نعت آخر لاسم " نكرة " نعت ثالث لاسم " ينصب " فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة مستأنفة لا محل لها من الاعراب " تمييزا " حال من نائب الفاعل المستتر في قوله ينصب " بما " جار ومجرور متعلق بينصب، و " قد فسره " فسر: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، وضمير الغائب مفعوله، والجملة لا محل لها صلة ما المجرورة محلا بالباء. (2) " كشبر " جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما الموصولة " أرضا " تمييز لشبر " وقفيز " معطوف على شبر " برا " تمييز لقفيز " ومنوين عسلا " مثله " وبرا " معطوف على قوله عسلا. (*)

[ 664 ]

وقوله: " لبيان ما قبله من إجمال " يشمل نوعي التمييز، وهما: المبين إجمال ذات، والمبين إجمال نسبة. فالمبين إجمال الذات هو: الواقع بعد المقادير - وهي الممسوحات، نحو " له شبر أرضا " والمكيلات، نحو " له قفيز برا " والموزونات، نحو " له منوان عسلا وتمرا " - والاعداد (1)، نحو " عندي عشرون درهما ". وهو منصوب بما فسره، وهو: شبر، وقفيز، ومنوان، وعشرون. والمبين إجمال النسبة هو: المسوق لبيان ما تعلق به العامل: من فاعل، أو مفعول، نحو " طاب زيد نفسا "، ومثله: (اشتعل الرأس شيبا)، و " غرست الارض شجرا "، ومثله (وفجرنا الارض عيونا). ف‍ " نفسا " تمييز منقول من الفاعل، والاصل " طابت نفس زيد "، و " شجرا " منقول من المفعول، والاصل " غرست شجر الارض " فبين


(1) قول الشارح " والاعداد " عطف على قوله " المقادير " فأما ما بينهما فهو بيان لانواع المقادير، وعلى هذا يكون الشارح قد ذكر شيئين يكون تمييز إجمال الذات بعدهما - وهما المقادير، والاعداد - وبقي عليه شيئان آخران. أولها: ما يشبه المقادير، مما أجرته العرب مجراها لشبهه بها في مطلق المقدار، وإن لم يكن منها، كقولك: قد صببت عليه ذنوبا ماء، واشتريت نحيا سمنا، وقولهم: على التمرة مثلها زبدا. وثانيهما: ما كان فرعا للتمييز، نحو قولك: أهديته خاتما فضة، على ما هو مذهب الناظم تبعا للمبرد في هذا المثال من أن فضة ليس حالا، لكونه جامدا، وكون صاحبه نكرة، وكونه لازما، مع أن الغالب في الحال أن تكون منتقلة. وذهب سيبويه إلى أن فضة في المثال المذكور حال، وليس تمييزا، لانه خص التمييز بما يقع بعد المقادير وما يشبهها. (*)

[ 665 ]

" نفسا " الفاعل الذي تعلق به الفعل، وبين " شجرا " المفعول الذي تعلق به الفعل. والناصب له في هذا النوع [ هو ] العامل الذي قبله. * * * وبعد ذي وشبهها اجرره إذا أضفتها، ك‍ " مد حنطة غذا " (1) والنصب بعد ما أضيف وجبا إن كان مثل " مل ء الارض ذهبا " (2) أشار ب‍ " ذي " إلى ما تقدم ذكره في البيت من المقدرات وهو: ما دل على مساحة، أو كيل، أو وزن فيجوز جر التمييز بعد هذه


(1) " بعد " ظرف متعلق باجرر، وبعد مضاف و " ذي " اسم إشارة مضاف إليه " وشبهها " الواو عاطفة، شبه: معطوف على ذي، وشبه مضاف، وها: مضاف إليه " اجرره " اجرر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، والهاء مفعول به " إذا " ظرف أشرب معنى الشرط " أضفتها " فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جر بإضافة إذا الظرفية إليها " كمد " الكاف جارة لقول محذوف، مد: مبتدأ، ومد مضاف و " حنطة " مضاف إليه " غذا " خبر المبتدأ. (2) " والنصب " مبتدأ " بعد " ظرف متعلق به، وبعد مضاف و " ما " اسم موصول مضاف إليه " أضيف " فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، والجملة من أضيف ونائب فاعله لا محل لها صلة " وجبا " فعل ماض، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى النصب، والجملة من وجب وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ " إن " شرطية " كان " فعل ماض ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما أضيف " مثل " خبر كان " مل ء " مبتدأ، ومل ء مضاف و " الارض " مضاف إليه، والخبر محذوف تقديره: لي، مثلا، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر بإضافة مثل إليها " ذهبا " تمييز. (*)

[ 666 ]

بالاضافة إن لم يضف إلى غيره، نحو " عندي شبر أرض، وقفيز بر، ومنوا عسل وتمر ". فإن أضيف الدال على مقدار إلى غير التمييز وجب نصب التمييز، نحو " ما في السماء قدر راحة سحابا "، ومنه قوله تعالى: (فلن يقبل من أحدهم مل ء الارض ذهبا). وأما تمييز العدد فسيأتي حكمه في باب العدد. * * * والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلا: ك‍ " أنت أعلى منزلا " (1) التمييز الواقع بعد أفعل التفضيل: إن كان فاعلا في المعنى وجب نصبه، وإن لم يكن كذلك وجب جره بالاضافة. وعلامة ما هو فاعل في المعنى: أن يصلح جعله فاعلا بعد جعل أفعل التفضيل فعلا، نحو " أنت أعلى منزلا، وأكثر مالا " ف‍ " منزلا، ومالا " يجب نصبهما، إذ يصح جعلهما فاعلين بعد جعل أفعل التفضيل فعلا، فتقول: أنت علا منزلك، وكثر مالك. ومثال ما ليس بفاعل في المعنى (2) " زيد أفضل رجل، وهند أفضل امرأة "


(1) " والفاعل " مفعول مقدم على عامله - وهو قوله انصبن الآتي - " المعنى " منصوب على نزع الخافض، أو مفعول به للفاعل، أو مجرور تقديرا بإضافة الفاعل إليه " انصبن " انصب: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد حرف لا محل له من الاعراب " بأفعلا " جار ومجرور متعلق بانصبن " مفضلا " حال من الفاعل المستتر وجوبا في انصبن " كأنت " الكاف جارة لقول محذوف، أنت: مبتدأ " أعلى " خبر المبتدأ " منزلا " تمييز. (2) ضابط ما ليس بفاعل في المعنى: أن يكون أفعل التفضيل بعضا من جنس التمييز، = (*)

[ 667 ]

[ فيجب جره بالاضافة، إلا إذا أضيف " أفعل " إلى غيره، فإنه ينصب حينئذ، نحو " أنت أفضل الناس رجلا " ] (1). * * * وبعد كل ما اقتضى تعجبا ميز، ك‍ " أكرم بأبي بكر أبا " (2) يقع التمييز بعد كل ما دل على تعجب، نحو " ما أحسن زيدا رجلا،


= ويعرف ذلك بصحة حذف أفعل التفضيل، ووضع لفظ بعض موضعه، فنحو " زيد أفضل رجل " تجد أفعل التفضيل - وهو أفضل - باعتبار الفرد الذي يتحقق فيه واحدا من جنس الرجل، وكذلك نحو " هند أفضل امرأة " تجد أفعل التفضيل بعض الجنس، ويمكن أن تحذف أفعل التفضيل في المثالين وتضع مكانه لفظ " بعض " فتقول: زيد بعض جنس الرجل، أي بعض الرجال، وهند بعض جنس المرأة، أي بعض النساء. (1) من تقرير هذه المسألة تعلم أن تمييز أفعل التفضيل يجب جره في صورة واحدة، وهي: أن يكون التمييز غير فاعل في المعنى، وأفعل التفضيل ليس مضافا لغير تمييزه، ويجب نصبه في صورتين اثنتين، أولاهما: أن يكون التمييز فاعلا في المعنى - سواء أضيف أفعل التفضيل إلى غير التمييز، نحو أنت أعلى الناس منزلا، أم لم يضف إلى غير التمييز، نحو أنت أعلى منزلا - وثانيتهما: أن يكون التمييز غير فاعل في المعنى، بشرط أن يكون أفعل مضافا إلى غير التمييز، نحو أنت أفضل الناس بيتا، لانه يتعذر حينئذ إضافة أفعل التفضيل مرة أخرى. (2) " وبعد " ظرف متعلق بقوله " ميز " الآتي، وبعد مضاف، و " كل " مضاف إليه، وكل مضاف، و " ما " اسم موصول: مضاف إليه " اقتضى " فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة " تعجبا " مفعول به لاقتضى، والجملة من اقتضى وفاعله ومفعوله لا محل لها صلة الموصول " ميز " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " كأكرم " الكاف جارة لقول محذوف، أكرم: فعل ماض جاء على صورة الامر " بأبي " الباء زائدة، أبي: فاعل أكرم، وأبي مضاف، و " بكر " مضاف إليه " أبا " تمييز. (*)

[ 668 ]

وأكرم بأبي بكر أبا، ولله درك عالما، وحسبك بزيد رجلا، وكفى به عالما " (1). 193 - و * يا جارتا ما أنت جاره * * * *


(1) ذهب ابن هشام إلى أن التمييز في كل هذه الامثلة من تمييز النسبة، وليس بسديد، بل في الكلام تفصيل، وتلخيصه أنه إن كان في الكلام ضمير غائب، ولم يبين مرجعه، كما في قولهم " لله دره فارسا " كان من تمييز المفرد، لان افتقاره إلى بيان عينه في هذه الحال أشد من افتقاره لبيان نسبة التعجب إليه، فإن لم يكن ضمير أصلا، نحو لله در زيد فارسا، أو كان ضمير خطاب، نحو لله درك فارسا، أو كان ضمير غائب علم مرجعه نحو زيد لله دره فارسا فهو من تمييز النسبة، وتلخيص هذا أنه يكون تمييز مفرد في صورة واحدة، ويكون تمييز نسبة في ثلاث صور. 193 - هذا عجز بيت للاعشى ميمون بن قيس، وصدره قوله: * بانت لتحزننا عفاره * اللغة: " بانت " بعدت، وفارقت " لتحزننا " لتدخل الحزن إلى قلوبنا، وتقول: حزنني هذا الامر يحزنني، من باب نصر، وأحزنني أيضا، وفي التنزيل العزيز: (إني ليحزنني أن تذهبوا به) " عفارة " اسم امرأة. الاعراب: " يا " حرف نداء مبني على السكون لا محل له من الاعراب " جارتا " منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا، وجارة مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا مضاف إليه " ما " اسم استفهام مقصود به التعظيم مبتدأ، مبني على السكون في محل رفع " أنت " خبر المبتدأ " جاره " تمييز يقصد به بيان جنس ما وقع عليه التعجب وهو الجوار. الشاهد فيه: قوله " جاره " حيث وقع تمييزا بعد ما اقتضى التعجب، وهو قوله: " ما أنت ". فإن قلت: أهو تمييز نسبة أم تمييز ذات ؟ = (*)

[ 669 ]

واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى: ك‍ " طب نفسا تفد " (1) يجوز جر التمييز بمن إن لم يكن فاعلا في المعنى، ولا مميزا لعدد، فتقول: " عندي شبر من أرض، وقفيز من بر، ومنوان من عسل وتمر، وغرست الارض من شجر " ولا تقول: " طاب زيد من نفس " ولا " عندي عشرون من درهم ". * * * وعامل التمييز قدم مطلقا والفعل ذو التصريف نزرا سبقا (2)


= قلت: لا خلاف بين أحد من العلماء الذين جعلوا " جاره " تمييزا في أنه من قبيل تمييز النسبة، أما ابن هشام فالامر عنده ظاهر، لانه جعل هذا النوع كله من تمييز النسبة، وأما على ما ذكرناه قريبا من الفرق بين بعض المثل وبعضها الآخر فهو أيضا من تمييز النسبة، لان الضمير المذكور في الكلام ضمير مخاطب، فهو معلوم ما يراد به. فإن قلت: فهل يجوز أن أجعل " جارة " شيئا غير التمييز ؟ قلت: قد ذهب جمهرة عظيمة من العلماء إلى أنه حال، وأرى لك أن تأخذ به. (1) " واجرر " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " بمن " جار ومجرور متعلق باجرر " إن " شرطية " شئت " فعل ماض فعل الشرط، وضمير المخاطب فاعله " غير " مفعول به لا جرر، وغير مضاف و " ذي " مضاف إليه، وذي مضاف، " العدد " مضاف إليه " والفاعل " معطوف على ذي " المعنى " منصوب بنزع الخافض أو مضاف إليه، أو مفعول به للفاعل، وهو مجرور تقديرا بالاضافة أو منصوب تقديرا على المفعولية أو على نزع الخافض " كطب " الكاف جارة لقول محذوف، طب: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " نفسا " تمييز " تفد " فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم في جواب الامر، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت. (2) " وعامل " مفعول به مقدم لقوله " قدم " الآتي، وعامل مضاف، و " التمييز " = (*)

[ 670 ]

مذهب سيبويه - رحمه الله ! - أنه لا يجوز تقديم التمييز على عامله، سواء كان متصرفا أو غير متصرف، فلا تقول: " نفسا طاب زيد "، ولا " عندي درهما عشرون ". وأجاز الكسائي، والمازني، والمبرد، تقديمه على عامله المتصرف، فتقول: " نفسا طاب زيد، وشيبا اشتعل رأسي " ومنه قوله: 194 - أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ؟ وما كان نفسا بالفراق تطيب


= مضاف إليه " قدم " فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت " مطلقا " منصوب على الحال من " عامل التمييز " " والفعل " مبتدأ " ذو " نعت للفعل، وذو مضاف، و " التصريف " مضاف إليه " نزرا " حال من الضمير المستتر في قوله سبق الآتي " سبقا " سبق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفعل، والالف للاطلاق، والجملة من سبق ونائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ. 194 - ينسب هذا البيت للمخبل السعدي، وقيل: هو لاعشى همدان، وقيل: هو لقيس بن الملوح العامري. المعنى: ما ينبغي لليلى أن تهجر محبها وتتباعد عنه، وعهدي بها والشأن أن نفسها لا تطيب بالفراق ولا ترضى عنه. الاعراب: " أتهجر " الهمزة للاستفهام الانكاري، تهجر: فعل مضارع " ليلى " فاعل " بالفراق " جار ومجرور متعلق بتهجر " حبيبها " حبيب: مفعول به لتهجر، وحبيب مضاف وها: مضاف إليه " وما " الواو واو الحال، ما: نافية " كان " فعل ماض ناقص، واسمها ضمير الشأن " نفسا " تمييز متقدم على العامل فيه، وهو قوله " تطيب " الآتي " بالفراق " جار ومجرور متعلق بتطيب " تطيب " فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ليلى، والجملة من تطيب وفاعله في محل نصب خبر " كان ". = (*)

[ 671 ]

وقوله: 195 - ضيعت حزمي في إبعادي الاملا، وما ارعويت، وشيبا رأسي اشتعلا ووافقهم المصنف في غير هذا الكتاب على ذلك، وجعله في هذا الكتاب قليلا.


= الشاهد فيه: قوله " نفسا " فإنه تمييز، وعامله قوله " تطيب ". وقد تقدم عليه والاصل " تطيب نفسا " وقد جوز ذلك التقدم الكوفيون والمازني والمبرد، وتبعهم ابن مالك في بعض كتبه، وهو في هذا البيت ونحوه عند الجمهور ضرورة، فلا يقاس عليه. وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الرواية في بيت الشاهد: * وما كان نفسي بالفراق تطيب * ونقل أبو الحسن أن الرواية في ديوان الاعشى هكذا: أتؤذن سلمى بالفراق حبيبها ولم تك نفسي بالفراق تطيب وعلى هاتين الروايتين لا شاهد في البيت. وقال أبو رجاء عفا الله تعالى عنه: والذي وجدته في ديوان أعشى همدان رواية البيت كما رواه الشارح وأكثر النحاة، ففيه الشاهد الذي يساق من أجله. 195 - البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها. اللغة: " الحزم " ضبط الرجل أمره، وأخذه بالثقة " ارعويت " رجعت إلى ما ينبغي لي، والارعواء: الرجوع الحسن. الاعراب: " ضيعت " فعل وفاعل " حزمي " حزم: مفعول به لضيع، وحزم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " في إبعادي " الجار والمجرور متعلق بضيع، وإبعاد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله " الاملا " مفعول به للمصدر " وما " الواو عاطفة، ما: نافية " ارعويت " فعل وفاعل " وشيبا " تمييز متقدم على عامله وهو قوله " اشتملا " الآتي " رأسي " رأس: مبتدأ، وياء المتكلم مضاف إليه " اشتملا " فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الرأس، والالف للاطلاق، والجملة من اشتعل وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ. = (*)

[ 672 ]

فإن كان العامل غير متصرف، فقد منعوا التقديم (1): سواء كان فعلا، نحو " ما أحسن زيدا رجلا " أو غيره، نحو " عندي عشرون درهما ". وقد يكون العامل متصرفا، ويمتنع تقديم التمييز عليه عند الجميع، وذلك نحو " كفى بزيد رجلا "، فلا يجوز تقديم " رجلا " على " كفى " وإن كان


= الشاهد فيه: قوله " شيبا " حيث تقدم - وهو تمييز - على عامله المتصرف، وهو قوله اشتعل، وقد احتج به من أجاز ذلك كالمبرد، والكسائي، والمازني، وابن مالك في غير الالفية، ولكنه في الالفية قد نص على ندرة هذا، ومثله قول الشاعر: أنفسا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا ؟ وقول الآخر: ولست، إذا ذرعا أضيق، بضارع ولا يائس - عند التعسر - من يسر وقول ربيعة بن مقروم الضبي: رددت بمثل السيد نهد مقلص كميش إذا عطفاه ماء تحلبا وجعل بعض النحاة من شواهد هذه المسألة قول الشاعر: إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا ولم يعن بالاحسان كان مذمما والاستشهاد بهذا البيت الاخير إنما يتم على مذهب بعض الكوفيين الذين يجعلون " المرء " مبتدأ وجملة " قر عينا " في محل رفع خبره، فأما على مذهب جمهور البصريين الذين يجعلون " المرء " فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده فلا شاهد فيه، لان التقدير على هذا المذهب: إذا قر المرء عينا بالعيش، فالعامل في التمييز متقدم عليه وهو الفعل المقدر، إلا أن يدعى هؤلاء أن تأخير مفسر العامل بمنزلة تأخير العامل نفسه. (1) وربما تقدم على عامله وهو اسم جامد، وذلك ضرورة من ضرورات الشعر اتفاقا، كقول الراجز: ونارنا لم ير نارا مثلها قد علمت ذاك معد كلها (*)

[ 673 ]

فعلا متصرفا، لانه بمعنى فعل غير متصرف، وهو فعل التعجب، فمعنى قولك: " كفى بزيد رجلا " ما أكفاه رجلا (1) ! * * *


(1) من القواعد المقررة أن الشئ إذا أشبه الشئ أخذ حكمه، ويجري ذلك في كثير من الابواب، ونحن نذكر لك ههنا بعض هذه المتشابهات لتعرف كيف كان العرب يجرون في كلامهم، ثم لتعرف كيف ضبط أئمة هذه الصناعة قواعدها، ثم لتعود بذاكرتك إلى ما سبق لك أن قرأته في هذا الكتاب وغيره من كتب الفن لجمع أشباه ما نذكره لك. أ - المشتقات - كلها من اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة أشبهت ال