الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مغنى اللبيب - ابن هشام الانصاري ج 2

مغنى اللبيب

ابن هشام الانصاري ج 2


[ 337 ]

مغنى اللبيب عن كتب الاعاريب تأليف الامام أبى محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف ابن أحمد بن عبد الله بن هشام، الانصاري، المصرى المتوفى في سنة 761 من الهجرة حققه، وفصله، وضبط غرائبه محمد محيى الدين عبد الحميد عفا الله تعالى عنه منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - ايران 1404 ه‍ ق الجزء الثاني

[ 338 ]

يطلب من ناشره المكتبة التجارية الكبرى بمصر مطبعة المدنى 68 شارع العباسية - القاهرة

[ 339 ]

بسم الله الرحمن الرحيم حرف النون النون المفردة - تأتى على أربعة أوجه: أحدها: نون التوكيد، وهى خفيفة وثقيلة، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: (ليسجنن وليكونا) وهما أصلان عند البصريين، وقال الكوفيون: الثقيلة أصل، ومعناهما التوكيد، قال الخليل: والتوكيد بالثقيلة أبلغ، ويختصان بالفعل، وأما قوله: 554 - [ أريت إن جاءت به أملودا * مرجلا ويلبس البرودا ] * أقائلن أحضروا الشهودا * فضرورة سوغها شبه الوصف بالفعل. ويؤكد بهما صيغ الامر مطلقا، ولو كان دعائيا كقوله: 555 - فأنزلن سكينة علينا [ وثبت الاقدام إن لاقينا ] إلا أفعل في التعجب، لان معناه كمعنى الفعل الماضي، وشذ قوله: 556 - [ ومستبدل من بعد غضيى صريمة ] * فأحربه بطول فقر وأحريا ولا يؤكد بهما الماضي مطلقا، وشذ قوله: 557 - دامن سعدك لو رحمت متيما * لولاك لم يك للصبابة جانحا والذى سهله أنه بمعنى أفعل، وأما المضارع فإن كان حالا لم يؤكد بهما، وإن كان مستقبلا أكد بهما وجوبا في نحو قوله تعالى (وتالله لاكيدن أصنامكم) وقريبا من الوجوب بعد إما في نحو (وإما تخافن من قوم) (وإما ينزغنك) وذكر ابن جنى أنه قرئ (فإما ترين) بياء ساكنة بعدها نون الرفع على حد قوله: * يوم الصليفاء لم يوفون بالجار * [ 448 ]

[ 340 ]

ففيها شذوذان: ترك نون التوكيد، وإثبات نون الرفع مع الجازم. وجوازا كثيرا بعد الطلب نحو (ولا تحسبن الله غافلا) وقليلا في مواضع كقولهم: 558 - [ إذا مات منهم سيد سرق ابنه ] * ومن عضة ما ينبتن شكيرها الثاني: التنوين، وهو نون زائدة ساكنة تلحق الآخر لغير توكيد، فخرج نون حسن لانها أصل، ونون ضيفن للطفيلي لانها متحركة، ونون منكسر وانكسر لانها غير آخر، ونون (لنسفعا) لانها للتوكيد. وأقسامه خمسة: تنوين التمكين، وهو: اللاحق للاسم المعرب المنصرف إعلاما ببقائه على أصله وأنه لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع الصرف، ويسمى تنوين الا مكنية أيضا، وتنوين الصرف، وذلك كزيد ورجل ورجال. وتنوين التنكير، وهو: اللاحق لبعض الاسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها، ويقع في باب اسم الفعل بالسماع كصه ومه وإيه، وفى العلم المختوم بويه بقياس نحو " جاءني سيبويه وسيبويه آخر ". وأما تنوين رجل ونحوه من المعربات فتنوين تمكين، لا تنوين تنكير، كما قد يتوهم بعض الطلبة، ولهذا لو سميت به رجلا بقى ذلك التنوين بعينه مع زوال التنكير. وتنوين المقابلة، وهو: اللاحق لنحو " مسلمات " جعل في مقابلة النون في " مسلمين " وقيل: هو عوض عن الفتحة نصبا، ولو كان كذلك لم يوجد في الرفع والجر، ثم الفتحة قد عوض عنها الكسرة، فما هذا العوض الثاني ؟ وقيل: هو تنوين التمكين، ويرده ثبوته مع التسمية به كعرفات كما تبقى نون مسلمين مسمى به، وتنوين التمكين لا يجامع العلتين، ولهذا لو سمى بمسلمة

[ 341 ]

أو عرفة زال تنوينهما، وزعم الزمخشري أن عرفات مصروف، لان تاءه ليست للتأنيث، وإنما هي والالف للجمع، قال: ولا يصح أن يقدر فيه تاء غيرها، لان هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث تأبى ذلك، كما لا تقدر التاء في بنت مع أن التاء المذكورة مبدلة من الواو، ولكن اختصاصها بالمؤنث يأبى ذلك، وقال ابن مالك: اعتبار تاء نحو عرفات في منع الصرف أولى من اعتبار تاء نحو عرفة ومسلمة، لانها لتأنيث معه جمعية، ولانها علامة لا تتغير في وصل ولا وقف. وتنوين العوض، وهو: اللاحق عوضا من حرف أصلى، أو زائد، أو مضاف إليه: مفردا، أو جملة. فالاول كجوار وغواش، فإنه عوض من الياء وفاقا لسيبويه والجمهور، لا عوض من ضمة الياء وفتحتها النائبة عن الكسرة خلافا للمبرد، إذ لو صح لعوض عن حركات نحو حبلى، ولا هو تنوين التمكين والاسم منصرف خلافا للاخفش، وقوله لما حذفت الياء التحق الجمع بأوزان الآحاد كسلام وكلام فصرف مردود، لان حذفها عارض للتخفيف، وهى منوية، بدليل أن الحرف الذى بقى أخيرا لم يحرك بحسب العوامل، وقد وافق على أنه لو سمى يكتف امرأة ثم سكن تخفيفا لم يجز صرفه كما جاز صرف هند، وأنه إذا قيل في جيال علما لرجل جيل بالنقل لم ينصرف انصراف قدم علما لرجل، لان حركة تاء كتف وهمزة جيل منويا الثبوت، ولهذا لم تقلب ياء جيل ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والثانى: كجندل، فإن تنوينه عوض من ألف جنادل، قاله ابن مالك، والذى يظهر خلافه، وأنه تنوين الصرف، ولهذا يجر بالكسرة، وليس ذهاب الالف التى هي علم الجمعية كذهاب الياء من نحو جوار وغواش. والثالث: تنوين كل وبعض إذا قطعتا عن الاضافة نحو (وكلا ضربنا له

[ 342 ]

الامثال) (فضلنا بعضهم على بعض) وقبل: هو تنوين التمكين، رجع لزوال الاضافة التى كانت تعارضه. والرابع: اللاحق لاذ في نحو (وانشقت السماء فهى يومئذ واهية) والاصل فهى يوم إذ انشقت واهية، ثم حذفت الجملة المضاف إليها للعلم بها، وجئ بالتنوين عوضا عنها، وكسرت الذال للساكنين. وقال الاخفش: التنوين تنوين التمكين والكسرة إعراب المضاف إليه. وتنوين الترنم، وهو: اللاحق للقوافي المطلقة بدلا من حرف الاطلاق، وهو الالف والواو والياء، وذلك في إنشاد بنى تميم، وظاهر قولهم أنه [ تنوين ] محصل للترنم وقد صرح بذلك ابن يعيش كما سيأتي، والذى صرح به سيبويه وغيره من المحققين أنه جئ به لقطع الترنم، وأن الترنم وهو التغني يحصل بأحرف الاطلاق لقبولها لمد الصوت فيها، فإذا أنشدوا ولم يترنموا جاءوا بالنون في مكانها ولا يختص هذا التنوين بالاسم، بدليل قوله: 559 - [ أقلى اللوم عاذل والعتابن ] * وقولى إن أصبت لقد أصابن وقوله: [ أفد الترحل غير أن ركابنا ] * لما تزل برحالنا وكأن قدن [ 286 ] وزاد الاخفش والعروضيون تنوينا سادسا، وسموه الغالى، وهو: اللاحق لآخر القوافى المقيدة، كقول رؤبة: 560 - وقاتم الاعماق خاوى المخترقن * [ مشتبه الاعلام لماع الخفقن ] [ ص 361 ] وسمى غاليا لتجاوزه حد الوزن، ويسمى الاخفش الحركة التى قبله غلوا، وفائدته الفرق بين الوقف والوصل، وجعله ابن يعيش من نوع تنوين الترنم، زاعما أن الترنم يحصل بالنون نفسها، لانها حرف أغن، قال: وإنما سمى المغنى مغنيا "

[ 343 ]

لانه يغنن صوته: أي يجعل فيه غنة، والاصل عنده مغنن بثلاث نونات فأبدلت الاخيرة ياء تخفيفا، وأنكر الزجاج والسيرافى ثبوت هذا التنوين البتة، لانه يكسر الوزن، وقالا: لعل الشاعر كان يزيد " إن " في آخر كل بيت، فضعف صوته بالهمزة، فتوهم السامع أن النون تنوين، واختار هذا القول ابن مالك، وزعم أبو الحجاج ابن معزوز أن ظاهر كلام سيبويه في المسمى تنوين الترنم أنه نون عوض من المدة، وليس بتنوين، وزعم ابن مالك في التحفة أن تسمية اللاحق للقوافي المطلقة والقوافي المقيدة تنوينا مجاز، وإنما هو نون أخرى زائدة، ولهذا لا يختص بالاسم، ويجامع الالف واللام، ويثبت في الوقف. وزاد بعضهم تنوينا سابعا، وهو تنوين الضرورة، وهو: اللاحق لمالا ينصرف كقوله: 561 - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة [ فقالت: لك الويلات، إنك مرجلى ] وللمنادى المضموم كقوله: 562 - سلام الله يا مطر عليها * [ وليس عليك يا مطر السلام ] وبقوله أقول في الثاني دون الاول، لان الاول تنوين التمكين، لان الضرورة أباحت الصرف، وأما الثاني فليس تنوين تمكين، لان الاسم مبنى على الضم. وثامنا، وهو التنوين الشاذ، كقول بعضهم " هؤلاء قومك " حكاه أبو زيد، وفائدته مجرد تكثير اللفظ، كما قيل في ألف قبعثرى، وقال ابن مالك: الصحيح أن هذا نون زيدت في آخر الاسم كنون ضيفن، وليس بتنوين، وفيما قاله نظر، لان الذى حكاه سماه تنوينا، فهذا دليل منه على أنه سمعه في الوصل دون الوقف، ونون ضيفن ليست كذلك. وذكر ابن الخباز في شرح الجزولية أن أقسام التنوين عشرة، وجعل كلا من

[ 344 ]

تنوين المنادى وتنوين صرف ما لا ينصرف قسما برأسه، قال: والعاشر تنوين الحكاية، مثل أن تسمى رجلا بعاقلة لبيبة، فإنك تحكى اللفظ المسمى به، وهذا اعتراف منه بأنه تنوين الصرف، لان الذى كان قبل التسمية حكى (1) بعدها. الثالث: نون الاناث، وهى اسم في نحو " النسوة يذهبن " خلافا للمازني، وحرف في نحو " يذهبن النسوة " في لغة من قال " أكلوني البراغيث " خلافا لمن زعم أنها اسم وما بعدها بدل منها، أو مبتدأ مؤخر والجملة قبله خبره. الرابع: نون الوقاية، وتسمى نون العماد أيضا، وتلحق قبل ياء المتكلم المنتصبة بواحد من ثلاثة: أحدها: الفعل، متصرفا كان نحو " أكرمنى " أو جامدا نحو " عساني، وقاموا ما خلانى وما عدانى وحاشانى " إن قدرت فعلا، وأما قوله: [ عددت قومي كعديد الطيس ] إذ ذهب القوم الكرام ليسى [ 283 ] فضرورة، ونحو (تأمرونني) يجوز فيه الفك، والادغام، والنطق بنون واحدة، وقد قرئ بهن في السبعة، وعلى الاخيرة فقيل: النون الباقية نون الرفع، وقيل: نون الوقاية، وهو الصحيح. الثاني: اسم الفعل نحو " دراكنى " و " تراكنى " و " عليكنى " بمعنى أدركني وأتركني والزمنى. الثالث: الحرف نحو " إننى " وهى جائزة الحذف مع إن وأن ولكن وكأن، وغالبة الحذف مع لعل، وقليلته مع ليت. وتلحق أيضا قبل الياء المخفوضة بمن وعن إلا في الضرورة، وقبل المضاف إليها لدن أو قد أو قط إلا في القليل (2) من الكلام، وقد تلحق في غير ذلك شذوذا كقولهم " بجلنى " بمعنى حسبى.


(1) في نسخة " يحكى بعدها " (2) في نسخة " إلا في قليل الكلام ". (*)

[ 345 ]

وقوله: 563 - [ وما أدرى وظني كل ظن ] * أمسلمنى إلى قومي شراحي يريد شراحيل، وزعم هشام أن الذى في " أمسلمنى " ونحوه تنوين لا نون، وبنى ذلك على قوله في ضاربني إن الياء منصوبة، ويرده قول الشاعر: 564 - وليس الموافينى ليرفد خائبا * [ فإن له أضعاف ما كان أملا ] وفى الحديث " غير الدجال أخوفني عليكم " والتنوين لا يجامع الالف واللام ولا اسم التفضيل لكونه غير منصرف، وما لا ينصرف لا تنوين فيه، وفى الصحاح أنه يقال " بجلى " ولا يقال " بجلنى " وليس كذلك. (نعم) بفتح العين، وكنانة تكسرها، وبها قرأ الكسائي، وبعضهم يبدلها حاء، وبها قرأ ابن مسعود، وبعضهم بكسر النون إتباعا لكسرة العين تنزيلا لها منزلة الفعل في قولهم نعم وشهد بكسرتين، كما نزلت بلى منزلة (الفن) ؟ في الامالة، والفارسي لم يطلع على هذه القراءة وأجازها بالقياس وهى حرف تصديق ووعد وإعلام، فالاول بعد الخبر كقام زيد، وما قام زيد. والثانى بعد افعل ولا تفعل وما في معناهما نحو هلا تفعل وهلا لم تفعل، وبعد الاستفهام في نحو هل تعطيني، ويحتمل أن تفسر في هذا بالمعنى الثالث والثالث بعد الاستفهام في نحو هل جاءك زيد، ونحو (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) (أئن لنا لاجرا) وقول صاحب المقرب " إنها بعد الاستفهام للوعد " غير مطرد، لما بيناه قبل. قيل: وتأتى للتوكيد إذا وقعت صدرا نحو " نعم هذه أطلالهم " والحق أنها في ذلك حرف إعلام، وأنها جواب لسؤال مقدر، ولم يذكر سيبويه معنى الاعلام البتة، بل قال: وأما نعم فعدة وتصديق، وأما بلى فيوجب بها بعد النفى، وكأنه رأى أنه إذا قيل " هل قام زيد " فقيل نعم فهى لتصديق ما بعد الاستفهام والاولى

[ 346 ]

ما ذكرناه من أنها للاعلام، إذ لا يصح أن تقول لقائل ذلك: صدقت، لانه إنشاء لا خبر. واعلم أنه إذا قيل " قام زيد " فتصديقه نعم، وتكذيبه لا، ويمتنع دخول بلى لعدم النفى. وإذا قيل " ما قام زيد " فتصديقه نعم، وتكذيبه بلى، ومنه (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى) ويمتنع دخول لا، لانها لنفى الاثبات لا لنفى النفى. وإذا قيل " أقام زيد " فهو مثل قام زيد، أعنى أنك تقول إن أثبت القيام: نعم، وإن نفيته: لا، ويمتنع دخول بلى، وإذا قيل " ألم يقم زيد " فهو مثل لم يقم زيد، فتقول إذا أثبت القيام: بلى، ويمنع دخول لا، وإن نفيته قلت: نعم، قال الله تعالى (ألم يأتكم نذير قالوا بلى) (ألست بربكم قالوا بلى) (أو لم تؤمن قال بلى) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه لو قيل نعم في جواب (ألست بربكم) لكان كفرا. والحاصل أن " بلى " لا تأتى إلا بعد نفى، وأن " لا " لا تأتى إلا بعد إيجاب، وأن " نعم " تأتى بعدهما، وإنما جاز (بلى قد جاءتك آياتى) مع أنه لم يتقدم أداة نفى لان (لو أن الله هداني) يدل على نفى هدايته، ومعنى الجواب حينئذ بلى قد هديتك بمجئ الآيات، أي قد أرشدتك لذلك (1)، مثل (وأما ثمود فهديناهم). وقال سيبويه، في باب النعت، في مناظرة جرت بينه وبين بعض النحويين: فيقال له: ألست تقول كذا وكذا، فإنه لا يجد بدا من أن يقول: نعم، فيقال له: أفلست تفعل كذا ؟ فإنه قائل: نعم، فزعم ابن الطراوة أن ذلك لحن. وقال جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم الشلوبين: إذا كان قبل النفى استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفى المجرد، وإن كان مرادا به التقرير فالاكثر أن يجاب بما يجاب به النفى رعيا للفظه، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الايجاب


(1) في نسخة " قد أرشدتك بذلك " وكلاهما صحيح، ولكل وجه. (*)

[ 347 ]

رعيا لمعناه، ألا ترى أنه لا يجوز بعده دخول أحد، ولا الاستثناء المفرغ، لا يقال: أليس أحد في الدار، ولا أليس في الدار إلا زيد، وعلى ذلك قول الانصار رضى الله تعالى عنهم للنبى صلى الله عليه وسلم - وقد قال لهم: ألستم ترون لهم ذلك - نعم، وقول جحدر: 565 - أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا، فذاك بنا تدانى نعم، وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علانى وعلى ذلك جرى كلام سيبويه، والمخطئ مخطئ. وقال ابن عصفور: أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفى المحض وإن كان إيجابا في المعنى، فإذا قيل " ألم أعطك درهما " قيل في تصديقه: نعم، وفى تكذيبه: بلى، وذلك لان المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك، فإذا قال نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطنى على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى، فلذلك أجابوه على اللفظ، ولم يلتفتوا إلى المعنى، وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور، وهو ما قدره في اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو، وجاز ذلك لامن اللبس، لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه وأم عمرو، أو هو جواب لقوله " وأرى الهلال - البيت " وقدمه عليه. قلت: أو لقوله: " فذاك بنا تدانى " وهو أحسن. وأما قول الانصار فجاز لزوال اللبس، لانه قد علم أنهم يريدون نعم نعرف لهم ذلك، وعلى هذا يحمل استعمال سيبويه لها بعد التقرير، اه‍. ويتحرر على هذا أنه لو أجيب (ألست بربكم) بنعم لم يكف في الاقرار، لان الله سبحانه وتعالى أوجب في الاقرار بما يتعلق بالربوبية العبارة التى لا تحتمل غير المعنى المراد من المقر، ولهذا لا يدخل في الاسلام بقوله " لا إله إلا الله " برفع إله: لاحتماله لنفى الوحدة فقط، ولعل ابن عباس رضى الله عنهما إنما قال إنهم لو قالوا نعم

[ 348 ]

لم يكن إقرارا كافيا، وجوز الشلوبين أن يكون مراده أنهم لو قالوا نعم جوابا للملفوظ به على ما هو الافصح لكان كفرا، إذ الاصل تطابق الجواب والسؤال لفظا، وفيه (نظر) ؟، لان التكفير لا يكون بالاحتمال. حرف الهاء الهاء المفردة - على خمسة أوجه: أحدها: أن تكون ضميرا للغائب، وتستعمل في موضعي الجر والنصب، نحو (قال له صاحبه وهو يحاوره). والثانى: أن تكون حرفا للغيبة، وهى الهاء في " إياه " فالحق (1) أنها حرف لمجرد معنى الغيبة، وأن الضمير " إيا " وحدها. والثالث: هاء السكت، وهى اللاحقة لبيان حركة أو حرف نحو (ماهيه) ونحو " ها هناه، ووازيداه " وأصلها أن يوقف عليها، وربما وصلت بنية الوقف. والرابع: المبدلة من همزة الاستفهام كقوله: 566 - وأتى صواحبها فقلن: هذا الذى * منح المودة غيرنا وجفانا ؟ والتحقيق أن لا تعد هذه، لانها ليست بأصلية، على أن بعضهم زعم أن الاصل " هذا " فحذفت الالف. والخامس: هاء التأنيث، نحو " رحمه " في الوقف، وهو قول الكوفيين. زعموا أنها الاصل، وأن التاء في الوصل بدل منها، وعكس ذلك البصريون، والتحقيق أن لا تعد ولو قلنا بقول الكوفيين، لانها جزء كلمة لا كلمة.


(1) في نسخة " والتحقيق أنها - إلخ ". (*)

[ 349 ]

(ها) على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون اسما لفعل، وهو خذ، ويجوز مد ألفها، ويستعملان بكاف الخطاب وبدونها، ويجوز في الممدودة أن يستغنى عن الكاف بتصريف همزتها تصاريف الكاف، فيقال " هاء " للمذكر بالفتح و " هاء " للمؤنث بالكسر، و " هاؤما " و " هاؤن " و " هاؤم " ومنه (هاؤم اقرأوا كتابيه). والثانى: أن تكون ضميرا للمؤنث، فتستعمل مجرورة الموضع ومنصوبته نحو (فألهمها فجورها وتقواها). والثالث: أن تكون للتنبيه، فتدخل على أربعة، أحدها: الاشارة غير المختصة بالبعيد نحو " هذا " بخلاف ثم وهنا بالتشديد وهنالك. والثانى: ضمير الرفع المخبر عنه باسم إشارة نحو (ها أنتم أولاء) وقيل: إنما كانت داخلة على الاشارة فقدمت، فرد بنحو (ها أنتم هؤلاء) فأجيب بأنها أعيدت توكيدا، والثالث: نعت أي في النداء نحو " يا أيها الرجل " وهى في هذا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء، قيل: وللتعويض عما تضاف إليه أي، ويجوز في هذه في لغة بنى أسد أن تحذف ألفها، وأن تضم هاؤها إتباعا، وعليه قراءة ابن عامر (أيه المؤمنون) (أيه الثقلان) (أيه الساحر) بضم الهاء في الوصل، والرابع: اسم الله تعالى في القسم عند حذف الحرف، يقال (ها الله) بقطع الهمزة ووصلها، وكلاهما مع إثبات ألف " ها " وحذفها. (هل): حرف موضوع لطلب التصديق الايجابي، دون التصور، ودون التصديق السلبي، فيمتنع نحو " هل زيدا ضربت " لان تقديم الاسم يشعر بحصول التصديق بنفس النسبة، ونحو " هل زيد قائم أم عمرو " إذا أريد بأم المتصلة، و " هل لم يقم زيد " ونظيرها في الاختصاص بطلب التصديق أم المنقطعة، وعكسهما أم المتصلة، وجميع أسماء الاستفهام فإنهن لطلب التصور لا غير، وأعم من الجميع الهمزة فإنها مشتركة بين الطلبين.

[ 350 ]

وتفترق هل من الهمزة من عشرة أوجه: أحدها: اختصاصها بالتصديق. والثانى: اختصاصها بالايجاب، تقول " هل زيد (قائم) ؟ " ويمتنع " هل لم يقم " بخلاف الهمزة، نحو (ألم نشرح) (ألن يكفيكم) (أليس الله بكاف عبده) وقال: * ألا طعان ألا فرسان عادية * [ 100 ] والثالث: تخصيصها المضارع بالاستقبال، نحو " هل تسافر ؟ " بخلاف الهمزة نحو " أتظنه قائما " وأما قول ابن سيده في شرح الجمل: لا يكون الفعل المستفهم عنه إلا مستقبلا، فسهو، قال الله سبحانه وتعالى (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) وقال زهير: 567 - فمن مبلغ الاحلاف عنى رسالة * وذبيان هل أقسمتم كل مقسم والرابع والخامس والسادس: أنها لا تدخل على الشرط، ولا على إن، ولا على اسم بعده فعل، في الاختيار، بخلاف الهمزة، بدليل (أفإن مت فهم الخلدون) (أئن ذكرتم، بل أنتم قوم مسرفون) (أئنك لانت يوسف) (أبشرا منا واحدا نتبعه). والسابع والثامن: أنها تقع بعد العاطف، لا قبله وبعد أم نحو (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) وفى الحديث " وهل ترك لنا عقيل من رباع " وقال: 568 - ليت شعرى هل ثم هل آتينهم * أو يحولن دون ذاك حمام ؟ وقال تعالى (قل هل يستوى الاعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور) التاسع: أنه يراد بالاستفهام بها النفى، ولذلك دخلت على الخبر بعدها إلا في نحو (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) والباء في قوله:

[ 351 ]

569 - [ يقول إذا اقلولى عليها وأقردت ]: * ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم ؟ وصح العطف في قوله: 570 - وإن شفائى عبرة مهراقة * وهل عند رسم دارس من معول [ ص 483 ] إذ لا يعطف الانشاء على الخبر. فإن قلت: قد مر لك في صدر الكتاب أن الهمزة تأتى لمثل ذلك مثل (أفاصفاكم ربكم بالبنين) ألا ترى أن الواقع أنه سبحانه لم يصفهم بذلك ؟. قلت: إنما مر أنها للانكار على مدعى ذلك، ويلزم من ذلك الانتفاء، لا أنها للنفي ابتداء، ولهذا لا يجوز " أقام إلا زيد " كما يجوز " هل قام إلا زيد " (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (هل ينظرون إلا الساعة) وقد يكون الانكار مقتضيا لوقوع الفعل، على العكس من هذا، وذلك إذا كان بمعنى ما كان ينبغى لك أن تفعل، نحو أتضرب زيدا وهو أخوك ؟ ويتلخص أن الانكار على ثلاثة أوجه: إنكار على من ادعى وقوع الشئ، ويلزم من هذا النفى وإنكار على من أوقع الشئ، ويختصان بالهمزة وإنكار لوقوع الشئ، وهذا هو معنى النفى، وهو الذى تنفرد به هل عن الهمزة. والعاشر: أنها تأتى بمعنى قد، وذلك مع الفعل، وبذلك فسر قوله تعالى (هل أتى على الانسان حين من الدهر) جماعة منهم ابن عباس رضى الله عنهما والكسائي والفراء والمبرد قال في مقتضبه: هل للاستفهام نحو هل جاء زيد، وقد تكون بمنزلة قد نحو قوله جل اسمه (هل أتى على الانسان) اه‍. وبالغ الزمخشري فزعم أنها أبدا بمعنى قد، وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدرة معها، ونقله في المفصل عن سيبويه، فقال: وعند سيبويه أن هل بمعنى

[ 352 ]

قد، إلا أنهم تركوا الالف قبلها، لانها لا تقع إلا في الاستفهام، وقد جاء دخولها عليها في قوله: 571 - سائل فوارس يربوع بشدتنا * أهل رأونا بسفح القاع ذى الاكم اه‍ ولو كان كما زعم لم تدخل إلا على الفعل كقد، وثبت في كتاب سيبويه رحمه الله ما نقله عنه، ذكره في باب أم المتصلة، ولكن فيه أيضا ما قد يخالفه، فإنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم ما نصه: وهل هي للاستفهام، ولم يزد على ذلك. وقال الزمخشري في كشافه (هل أتى) أي قد أتى، على معنى التقرير والتقريب جميعا، أي أتى على الانسان قبل زمان قريب طائفة من الزمان الطويل الممتد لم يكن فيه شيئا مذكورا، بل شيئا منسيا نطفة في الاصلاب، والمراد بالانسان الجنس بدليل (إنا خلقنا الانسان من نطفة) ه‍. وفسرها غيره بقد خاصة، ولم يحملوا قد على معنى التقريب، بل على معنى التحقيق، وقال بعضهم: معناها التوقع، وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر عما أتى على الانسان وهو آدم عليه الصلاة والسلام، قال: والحين زمن كونه طينا، وفى تسهيل ابن مالك أنه يتعين مرادفة هل لقد إذا دخلت عليها الهمزة يعنى كما في البيت، ومفهومه أنها لا تتعين لذلك إذا لم تدخل عليها، بل قد تأتى لذلك كما في الآية، وقد لا تأتى له، وقد عكس قوم ما قاله الزمخشري، فزعموا أن هل لا تأتى بمعنى قد أصلا. وهذا هو الصواب عندي، إذ لا متمسك لمن أثبت ذلك إلا أحد ثلاثة أمور: أحدها: تفسير ابن عباس رضى الله عنهما، ولعله إنما أراد أن الاستفهام في الآية للتقرير، وليس باستفهام حقيقي، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، فقال بعضهم: هل هنا للاستفهام التقريرى، والمقرر به من أنكر البحث، (وقد) ؟ علم أنهم يقولون: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال لهم: فالذي أحدث الناس

[ 353 ]

بعد أن لم يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم ؟ وهو معنى قوله تعالى: (ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون) أي فهلا تذكرون فتعلمون أنه من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن قادر على إعادته بعد عدمه ؟ انتهى. وقال آخر مثل ذلك، إلا أنه فسر الحين بزمن التصوير في الرحم، فقال: المعنى ألم يأت على الناس حين من الدهر كانوا فيه نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى أن صاروا شيئا مذكورا. وكذا قال الزجاج، إلا أنه حمل الانسان على آدم عليه الصلاة والسلام، فقال: المعنى ألم يأت على الانسان حين من الدهر كان فيه ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح ؟ اه‍. وقال بعضهم: لا تكون هل للاستفهام التقريرى، وإنما ذلك من خصائص الهمزة، وليس كما قال، وذكر جماعة من النحويين أن هل تكون بمنزلة إن في إفادة التوكيد والتحقيق، وحملوا على ذلك (هل في ذلك قسم لذى حجر) وقدروه جوابا للقسم، وهو بعيد. والدليل الثاني: قول سيبويه الذى شافه العرب وفهم مقاصدهم، وقد مضى أن سيبويه لم يقل ذلك. والثالث: دخول الهمزة عليها في البيت، والحرف لا يدخل على مثله في المعنى، وقد رأيت عن السيرافى أن الرواية الصحيحة " أم هل " وأم هذه منقطعة بمعنى بل، فلا دليل، وبتقدير ثبوت تلك الرواية فالبيت شاذ، فيمكن تخريجه على أنه من الجمع بين حرفين لمعنى (1) واحد على سبيل التوكيد، كقوله: * ولا للما بهم أبدا دواء * [ 299 ] بل الذى في ذلك البيت أسهل، لاختلاف اللفظين، وكون أحدهما على حرفين فهو كقوله:


(1) في نسخة " بمعنى واحد ". (*)

[ 354 ]

572 - فأصبح لا يسألنه عن بما به * أصعد في علو الهوى أم تصوبا (هو) وفروعه: تكون أسماء وهو الغالب، وأحرفا في نحو " زيد هو الفاضل " إذا أعرب فصلا وقلنا: لا موضع له من الاعراب، وقيل: هي مع القول بذلك أسماء كما قال الاخفش في نحو صه ونزال: أسماء لا محل لها، وكما في الالف واللام في نحو " الضارب " إذا قدرناهما اسما. حرف الواو (الواو المفردة) انتهى مجموع ما ذكر من أقسامها إلى أحد عشر: الاول: العاطفة، ومعناها مطلق الجمع، فتعطف الشئ على مصاحبه نحو (فأنجيناه وأصحاب السفينة) وعلى سابقه نحو (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم) وعلى لاحقه نحو (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك)، وقد اجتمع هذان في (ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) فعلى هذا إذا قيل " قام زيد وعمرو " احتمل ثلاثة معان، قال ابن مالك: وكونها للمعية راجح، وللترتيب كثير، ولعكسه قليل، اه‍. ويجوز أن يكون بين متعاطفيها تقارب أو تراخ نحو (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) فإن الرد بعيد إلقائه في اليم والارسال على رأس أربعين سنة، وقول بعضهم " إن معناها الجمع المطلق " غير سديد، لتقييد الجمع بقيد الاطلاق، وإنما هي للجمع لا بقيد، وقول السيرافى " إن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب " مردود، بل قال بإفادتها إياه قطرب والربعى والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي، ونقل الامام في البرهان عن بعض الحنفية أنها للمعية

[ 355 ]

وتنفرد عن سائر أحرف العطف بخمسة عشر حكما: أحدها: احتمال معطوفها للمعانى الثلاثة السابقة. والثانى: اقترانها بإما نحو (إما شاكرا وإما كفورا). والثالث: اقترانها بلا إن سبقت بنفى ولم تقصد المعية نحو " ما قام زيد ولا عمرو " ولتفيد أن الفعل منفى عنهما في حالتى الاجتماع والافتراق، ومنه (وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى) والعطف حينئذ من عطف الجمل عند بعضهم على إضمار العامل، والمشهور أنه من عطف المفردات، وإذا فقد أحد الشرطين امتنع دخولها، فلا يجوز نحو " قام زيد ولا عمرو " وإنما جاز (ولا الضالين) لان في (غير) معنى النفى، وإنما جاز قوله: 573 - فاذهب فأى فتى في الناس أحرزه * من حتفه ظلم دعج ولا حيل لان المعنى لا فتى أحرزه، مثل (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون)، ولا يجوز " ما اختصم زيد ولا عمرو " لانه للمعية لا غير، وأما (وما يستوى الاعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوى الاحياء ولا الاموات) فلا الثانية والرابعة والخامسة زوائد لامن اللبس. والرابع: اقترانها بلكن نحو (ولكن رسول الله). والخامس: عطف المفرد السببي على الأجنبي عند الاحتياج إلى الربط ك‍ " - مررت برجل قائم زيد وأخوه " ونحو " زيد قائم عمرو وغلامه " وقولك في باب الاشتغال " زيدا ضربت عمرا وأخاه ". والسادس: عطف العقد على النيف، نحو أحد وعشرون. والسابع: عطف الصفات المفرقة مع اجتماع منعوتها كقوله:

[ 356 ]

574 - بكيت، وما بكا رجل حزين ؟ * على ربعين مسلوب وبالى والثامن: عطف ما حقه التثنية أو الجمع نحو قول الفرزدق: 575 - إن الرزية لا رزية مثلها * فقدان مثل محمد ومحمد وقول أبى نواس: 576 - أقمنا بها يوما ويوما وثالثا * ويوما له يوم الترحل خامس وهذا البيت يتسأل عنه أهل الادب، فيقولون: كم أقاموا ؟ والجواب: ثمانية لان يوما الاخير رابع، وقد وصف بأن يوم الترحل خامس له، وحينئذ فيكون يوم الترحل هو الثامن بالنسبة إلى أول يوم. التاسع: عطف ما لا يستغنى عنه كاختصم زيد وعمرو، واشترك زيد وعمرو. وهذا من أقوى الادلة على عدم إفادتها الترتيب، ومن ذلك: جلست بين زيد وعمرو، ولهذا كان الاصمعي يقول الصواب: [ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى ] بين الدخول وحومل [ 266 ] لا فحومل، وأجيب بأن التقدير: بين نواحى الدخول، فهو كقولك: " جلست بين الزيدين فالعمرين " أو بأن الدخول مشتمل على أماكن وتشاركها في هذا الحكم أم المتصلة في نحو " سواء أقمت أم قعدت " فإنها عاطفة ما لا يستغنى عنه. والعاشر والحادي عشر: عطف العام على الخاص، وبالعكس، فالاول نحو (رب اغفر لى ولوالدي ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) والثانى نحو

[ 357 ]

(وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية. ويشاركها في هذا الحكم الاخير حتى ك‍ " مات الناس حتى (1) العلماء وقدم الحجاج حتى المشاة "، فإنها عاطفة خاصا على عام. والثانى عشر: عطف عامل حذف وبقى معموله على عامل آخر مذكور يجمعهما معنى واحد، كقوله: 577 - [ إذا ما الغانيات برزن يوما ] * وزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن العيون، والجامع بينهما التحسين، ولولا هذا التقييد لورد " اشتريته بدرهم فصاعدا " إذ التقدير فذهب الثمن صاعدا. والثالث عشر: عطف الشئ على مرادفه نحو (إنما أشكو بثى وحزني إلى الله) ونحو (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) ونحو (عوجا ولا أمتا) وقوله عليه الصلاة والسلام " ليلنى منكم ذوو الاحلام والنهى " وقول الشاعر: 578 - [ وقددت الاديم لراهشيه ] * وألفى قولها كذبا ومينا وزعم بعضهم أن الرواية " كذبا مبينا " فلا عطف ولا تأكيد، ولك أن تقدر الاحلام في الحديث جمع حلم بضمتين فالمعنى ليلنى البالغون العقلاء، وزعم ابن مالك أن ذلك قد يأتي في أو، وأن منه (ومن يكسب خطيئة أو إثما). والرابع عشر: عطف المقدم على متبوعه للضرورة كقوله: 579 - ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة الله السلام [ ص 659 ] والخامس عشر: عطف المخفوض على الجوار كقوله تعالى (وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) فيمن خفض الارجل، وفيه بحث سيأتي. تنبيه - زعم قوم أن الواو قد تخرج عن إفادة مطلق الجمع، وذلك على أوجه:


(1) في نسخة " حتى الانبياء " وهو المشهور في أمثلة النحاة. (*)

[ 358 ]

أحدها: أن تستعمل بمعنى أو، وذلك على ثلاثة أقسام، أحدها: أن تكون بمعناها في التقسيم كقولك " الكلمة اسم وفعل وحرف " وقوله: * كما الناس مجروم عليه وجارم * [ 95 ] وممن ذكر ذلك ابن مالك في التحفة، والصواب أنها في ذلك على معناها الاصلى، إذ الانواع مجتمعة في الدخول تحت الجنس، ولو كانت " أو " هي الاصل في التقسيم لكان استعمالها فيه أكثر من استعمال الواو. والثانى: أن تكون بمعنى (1) أو في الاباحة، قاله الزمخشري، وزعم أنه يقال " جالس الحسن وابن سيرين " أي أحدهما، وأنه لهذا قيل (تلك عشرة كاملة) بعد ذكر ثلاثة وسبعة، لئلا يتوهم إرادة الاباحة، والمعروف من كلام النحويين أنه لو قيل " جالس الحسن وابن سيرين " كان أمرا بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقا بين العطف بالواو والعطف بأو. والثالث: أن تكون بمعناها في التخيير، قاله بعضهم في قوله: 580 - وقالوا: نأت فاختر لها الصبر والبكا * فقلت: البكا أشفى إذا لغليلي قال: معناه أو البكاء، إذ لا يجتمع مع الصبر. ونقول: يحتمل أن [ يكون ] الاصل فاختر من الصبر والبكاء، أي أحدهما، ثم حذف من كما في (واختار موسى قومه) ويؤيده أن أبا على القالى رواه بمن، وقال الشاطبي رحمه الله في باب البسملة " وصل واسكتا " فقال شارحو كلامه: المراد التخيير، ثم قال محققوهم: ليس ذلك من قبل الواو، بل من جهة أن المعنى وصل إن شئت واسكتن إن شئت، وقال أبو شامة: وزعم بعضهم أن الواو تأتى للتخيير مجازا. والثانى: أن تكون بمعنى باء الجر كقولهم " أنت أعلم ومالك " و " بعت الشاء شاة ودرهما " قاله جماعة، وهو ظاهر.


(1) في نسخة " أن تكون بمعناها ". (*)

[ 359 ]

والثالث: أن تكون بمعنى لام التعليل، قاله الخارزنجى، وحمل عليه الواوات الداخلة على الافعال المنصوبة في قوله تعالى (أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين) (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون) والصواب أن الواو فيهن للمعية كما سيأتي. والثانى والثالث من أقسام الواو: واوان يرتفع ما بعدهما. إحداهما: واو الاستئناف نحو (لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء) ونحو " لا تأكل السمك وتشرب اللبن " فيمن رفع، ونحو (من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم) فيمن رفع أيضا، ونحو (واتقوا الله ويعلمكم الله) إذ لو كانت واو العطف لانتصب (نقر) ولانتصب أو انجزم " تشرب " ولجزم (يذر) كما قرأ الآخرون، وللزم عطف الخبر على الامر، وقال الشاعر: 581 - على الحكم المأتى يوما إذا قضى * قضيته أن لا يجور ويقصد وهذا متعين للاستئناف، لان العطف يجعله شريكا في النفى، فيلزم التناقض وكذلك قولهم " دعني ولا أعود " لانه لو نصب كان المعنى ليجتمع تركك لعقوبتي وتركي لما تنهانى عنه، وهذا باطل (1)، لان طلبه لترك العقوبة إنما هو في الحال، فإذا تقيد ترك المنهى عنه بالحال لم يحصل غرض المؤدب، ولو جزم فإما بالعطف ولم يتقدم جازم، أو بلا على أن تقدر ناهية، ويرده أن المقتضى لترك التأديب إنما هو الخبر عن نفى العود، لا نهيه نفسه عن العود، إذ لا تناقض بين النهى عن العود وبين العود بخلاف العود والاخبار بعدمه، ويوضحه أنك تقول " أنا أنهاه وهو يفعل " ولا تقول " أنا لا أفعل وأنا أفعل معا ". والثانية: واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية، نحو " جاء زيد والشمس طالعة " وتسمى واو الابتداء، ويقدرها سيبويه والاقدمون بإذ، ولا يريدون أنها بمعناها،


(1) في نسخة " وهو باطل ". (*)

[ 360 ]

إذ لا يرادف الحرف الاسم، بل إنها وما بعدها قيد للفعل السابق كما أن إذ كذلك، ولم يقدرها بإذا لانها لا تدخل على الجمل الاسمية، ووهم أبو البقاء في قوله تعالى (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) فقال: الواو للحال، وقيل: بمعنى إذ، وسبقه إلى ذلك مكى، وزاد عليه فقال: الواو للابتداء، وقيل: للحال، وقيل: بمعنى إذ، اه‍. والثلاثة بمعنى واحد، فإن أراد بالابتداء الاستئناف فقولهما سواء. ومن أمثلتها داخلة على الجملة الفعلية قوله: 582 - بأيدى رجال لم يشيموا سيوفهم * ولم تكثر القتلى بها حين سلت [ ص 411 ] ولو قدرتها عاطفة (1) لا نقلب المدح ذما. وإذا سبقت بجملة حالية احتملت - عند من يجيز تعدد الحال - العاطفة والابتدائية نحو (اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر). الرابع والخامس: واوان ينتصب ما بعدهما، وهما واو المفعول معه كسرت والنيل، وليس النصب بها خلافا للجرجاني، ولم يأت في التنزيل بيقين، فأما قوله تعالى (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) في قراءة السبعة (فأجمعوا) بقطع الهمزة و (شركاءكم) بالنصب، فتحتمل الواو فيه ذلك، وأن تكون عاطفة مفردا على مفرد بتقدير مضاف أي وأمر شركائكم، أو جملة على جملة بتقدير فعل أي وأجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة، وموجب التقدير في الوجهين أن " أجمع " لا يتعلق بالذوات، بل بالمعاني، كقولك: أجمعوا على قول كذا، بخلاف جمع فإنه مشترك، بدليل (فجمع كيده) (الذى جمع مالا وعدده) ويقرأ (فاجمعوا) بالوصل فلا إشكال، ويقرأ برفع الشركاء عطفا على الواو للفصل بالمفعول. والواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول، فالاول كقوله:


(1) في نسخة " ولو قدرت عاطفة ". (*)

[ 361 ]

ولبس عباءة وتقر عينى * أحب إلى من لبس الشفوف [ 424 ] والثانى شرطه أن يتقدم الواو نفى أو طلب، وسمى الكوفيون هذه الواو واو الصرف، وليس النصب بها خلافا لهم، ومثالها (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) وقوله: 583 - لا تنه عن خلق وتأتى مثله * [ عار عليك إذا فعلت عظيم ] والحق أن هذه واو العطف كما سيأتي. السادس والسابع: واوان ينجر ما بعدهما. إحداهما: واو القسم، ولا تدخل إلا على مظهر، ولا تتعلق إلا بمحذوف، نحو (والقرآن الحكيم) فإن تلتها واو أخرى نحو (والتين والزيتون) فالتالية واو العطف، وإلا لاحتاج كل من الاسمين إلى جواب. الثانية: واو رب كقوله: 584 - وليل كموج البحر أرخى سدوله [ على بأنواع الهموم ليبتلى ] ولا تدخل إلا على منكر، ولا تتعلق إلا بمؤخر، والصحيح أنها واو العطف، وأن الجر برب محذوفة خلافا للكوفيين والمبرد، وحجتهم افتتاح القصائد بها كقول رؤبة: * وقاتم الاعماق خاوى المخترق * [ 560 ] وأجيب بجواز تقدير العطف على شئ في نفس المتكلم، ويوضح كونها عاطفة أن واو العطف لا تدخل عليها كما تدخل على واو القسم، قال: 585 - ووالله لولا تمره ما حببته * [ ولا كان أدنى من عبيد ومشرق ] (1)


(1) يروى في صدر هذا البيت " فأقسم ولا تمره - إلخ ". (*)

[ 362 ]

والثامن: واو دخولها كخروجها، وهى الزائدة، أثبتها الكوفيون والاخفش. وجماعة، وحمل على ذلك (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) بدليل الآية الاخرى، وقيل: هي عاطفة، والزائدة الواو في (وقال لهم خزنتها) وقيل: هما عاطفتان، والجواب محذوف أي كان كيت وكيت، وكذا البحث في (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) الاولى أو الثانية زائدة على القول الاول، أو هما عاطفتان والجواب محذوف على القول الثاني، والزيادة ظاهرة في قوله: 586 - فما بال من أسعى لاجبر عظمه * حفاظا وينوى من سفاهته كسرى وقوله: 587 - ولقد رمقتك في المجالس كلها * فإذا وأنت تعين من يبغينى والتاسع، واو الثمانية، ذكرها جماعة من الادباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة، سبعة، وثمانية، إيذانا بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات: إحداها (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) إلى قوله سبحانه (سبعة وثامنهم كلبهم) وقيل: هي في ذلك لعطف جملة على جملة، إذ التقدير هم سبعة، ثم قيل: الجميع كلامهم، وقيل: العطف من كلام الله تعالى، والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم، وإن هذا تصديق لهذه المقالة كما أن (رجما بالغيب) تكذيب لتلك المقالة، ويؤيده قول ابن عباس رضى الله عنهما: حين جاءت الواو انقطعت العدة، أي لم تبق عدة عاد يلتفت إليها.

[ 363 ]

فإن قلت: إذا كان المراد التصديق فما وجه مجئ (قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) ؟. قلت: وجه الجملة الاولى توكيد صحة التصديق بإثبات علم المصدق، ووجه الثانية الاشارة إلى أن القائلين تلك المقالة الصادقة قليل، أو أن الذى قالها منهم عن يقين قليل، أو لما كان التصديق في الآية خفيا لا يستخرجه إلا مثل ابن عباس قيل ذلك، ولهذا كان يقول: أنا من ذلك القليل، هم سبعة وثامنهم كلبهم. وقيل: هي واو الحال وعلى هذا فيقدر المبتدأ اسم إشارة أي هؤلاء سبعة، ليكون في الكلام ما يعمل في الحال، ويرد ذلك أن حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع، ولهذا ردوا على المبرد قوله في بيت الفرزدق: [ فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم * إذ هم قريش ] وإذا ما مثلهم بشر [ 120 ] إن مثلهم حال ناصبها خبر محذوف، أي وإذ ما في الوجود بشر مماثلا لهم. الثانية: آية الزمر، إذ قيل (فتحت) في آية النار لان أبوابها سبعة، (وفتحت) في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية، وأقول: لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها، إذ ليس فيها ذكر عدد ألبتة، وإنما فيها ذكر الابواب، وهى جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها، وقد مر أن الواو في (وفتحت) مقحمة عند قوم وعاطفة عند آخرين، وقيل: هي واو الحال، أي جاؤها مفتحة أبوابها كما صرح بمفتحة حالا في (جنات عدن مفتحة لهم الابواب) وهذا قول المبرد والفارسي وجماعة، وقيل: وإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراما لهم عن أن يقفوا حتى تفتح لهم. الثالثة: (والناهون عن المنكر) فإنه الوصف الثامن، والظاهر أن العطف

[ 364 ]

في هذا الوصف بخصوصه إنما كان من جهة أن الامر والنهى من حيث هما أمر ونهى متقابلان، بخلاف بقية الصفات، أو لان الآمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف، والناهي عن المنكر آمر بالمعروف، فأشير إلى الاعتداد بكل منهما (1) وأنه لا يكتفى فيه بما يحصل في ضمن الآخر، وذهب أبو البقاء على إمامته في هذه الآية مذهب الضعفاء فقال: إنما دخلت [ الواو ] في الصفة الثامنة إيذانا بأن السبعة عندهم عدد تام، ولذلك قالوا: سبع في ثمانية، أي سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دخلت الواو على ذلك لان وضعها على مغايرة ما بعدها لما قبلها. الرابعة: (وأبكارا) في آية التحريم، ذكرها القاضى الفاضل، وتبجح باستخراجها، وقد سبقه إلى ذكرها الثعلبي، والصواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة، فلا يصح إسقاطها، إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة، وواو الثمانية عند القائل بها صالحة للسقوط، وأما قول الثعلبي إن منها الواو في قوله تعالى: (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) فسهو بين، وإنما هذه واو العطف، وهى واجبة الذكر، ثم إن (أبكارا) صفة تاسعة لا ثامنة: إذ أول الصفات (خيرا منكن) لا (مسلمات)، فإن أجاب بأن مسلمات وما بعده تفصيل لخيرا منكن فلهذا لم تعد قسيمة لها، قلنا: وكذلك (ثيبات وأبكارا) تفصيل للصفات السابقة فلا نعدهما معهن. والعاشرة: الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها وإفادتها أن اتصافه بها أمر ثابت، وهذه الواو أثبتها الزمخشري ومن قلده، وحملوا على ذلك مواضع لواو فيها كلها واو الحال نحو (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) الآية (سبعة وثامنهم كلبهم) (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها) (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) والمسوغ لمجئ


(1) في نسخة " بكل من الوصفين ". (*)

[ 365 ]

الحال من النكرة في هذه الآية أمران: أحدهما خاص بها، وهو تقدم النفى، والثانى عام في بقية الآيات وهو امتناع الوصفية، إذ الحال متى امتنع كونها صفة جاز مجيئها من النكرة، ولهذا جاءت منها عند تقدمها عليها نحو " في الدار قائما رجل " وعند جمودها نحو " هذا خاتم حديدا، ومررت بماء قعدة رجل " ومانع الوصفية في هذه الآية أمران، أحدهما خاص بها، وهو اقتران الجملة بإلا، إذ لا يجوز التفريغ في الصفات، لا تقول " ما مررت بأحد إلا قائم " نص على ذلك أبو على وغيره، والثانى عام في بقية الآيات، وهو اقترانها بالواو. والحادي عشر: واو ضمير الذكور، نحو " الرجال قاموا " وهى اسم، وقال الاخفش والمازني: حرف، والفاعل مستتر، وقد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلوا منزلتهم، نحو قوله تعالى: (يأيها النمل أدخلوا مساكنكم) وذلك لتوجيه الخطاب إليهم، وشذ قوله: 588 - شربت بها والديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا والذى جرأه على ذلك قوله " بنو " لا بنات، والذى سوغ ذلك أن ما فيه من تغيير نظم الواحد شبهه بجمع التكسير، فسهل مجيئه لغير العاقل، ولهذا اجاز تأنيث فعله نحو (إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل) مع امتناع " قامت الزيدون ". الثاني عشر: واو علامة المذكرين في لغة طئ أو أزدشنوأة أو بلحارث، ومنه الحديث " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " وقوله: 589 - يلومونني في اشتراء النخيل أهلى فكلهم ألوم وهى عند سيبويه حرف دال على الجماعة كما أن التاء في " قالت " حرف دال على التأنيث، وقيل: هي اسم مرفوع على الفاعلية، ثم قيل: إن ما بعدها

[ 366 ]

بدل منها، وقيل: مبتدأ والجملة خبر مقدم، وكذا الخلاف في نحو " قاما أخواك " و " قمن نسوتك " وقد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلوا منزلتهم، قال أبو سعيد: نحو " أكلوني البراغيث " إذ وصفت بالاكل لا بالقرص، وهذا سهو منه، فإن الاكل من صفات الحيوانات عاقلة وغير عاقلة، وقال ابن الشجرى: عندي أن الاكل هنا بمعنى العدوان والظلم كقوله: 590 - أكلت بنيك أكل الضب حتى * وجدت مرارة الكلا الوبيل أي ظلمتهم، وشبه الاكل المعنوي بالحقيقي، والاحسن في الضب في البيت أن لا يكون في موضع نصب على حذف الفاعل أي مثل أكلك الضب، بل في موضع رفع على حذف المفعول: أي مثل أكل الضب أولاده، لان ذلك أدخل في التشبيه، وعلى هذا فيحتمل الاكل الثاني أن يكون معنويا، لان الضب ظالم لاولاده بأكله إياهم، وفى المثل (1) " أعق من ضب " وقد حمل بعضهم على هذه اللغة (ثم عموا وصموا كثيرا منهم) (وأسروا النجوى الذين ظلموا) وحملهما على غير هذه اللغة أولى لضعفها، وقد جوز في (الذين ظلموا) أن يكون بدلا من الواو في (وأسروا) أو مبتدأ خبره إما (وأسروا) أو قول محذوف عامل في جملة الاستفهام، أي يقولون هل هذا، وأن يكون خبرا لمحذوف: أي هم الذين، أو فاعلا بأسروا والواو علامة كما قدمنا، أو بيقول محذوفا، أو بدلا من واو (استمعوه) وأن يكون منصوبا على البدل من مفعول (يأتيهم) أو على إضمار أذم أو أعنى، وأن يكون مجرورا على البدل من (الناس) في (اقترب للناس حسابهم) أو من الهاء والميم في (لاهية قلوبهم) فهذه أحد عشر وجها، وأما الآية الاولى فإذا قدرت الواوان فيها علامتين فالعلاملان قد تنازعا الظاهر، فيجب حينئذ أن


(1) في نسخة " ففى المثل ". (*)

[ 367 ]

تقدر في أحدهما ضميرا مستترا راجعا إليه، وهذا من غرائب العربية، أعنى وجوب استتار الضمير في فعل الغائبين، ويجوز كون (كثير) مبتدأ وما قبله خبرا، وكونه بدلا من الواو الاولى مثل " اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم " فالواو الثانية حينئذ عائدة على متقدم رتبة، ولا يجوز العكس، لان الاولى حينئذ لا مفسر لها. ومنع أبو حيان أن يقال على هذه اللغة " جاءوني من جاءك " لانها لم تسمع إلا مع ما لفظه جمع، وأقول: إذا كان سبب دخولها بيان أن الفاعل الآتى جمع كان لحاقها هنا أولى، لان الجمعية خفية وقد أوجب الجميع علامة التأنيث في " قامت هند " كما أوجبوها في " قامت امرأة " وأجازوها في " غلت القدر، وانكسرت القوس " كما أجازوها في " طلعت الشمس، ونفعت الموعظة ". وجوز الزمخشري في (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) كون (من) فاعلا والواو علامة. وإذا قيل " جاؤا زيد وعمرو وبكر " لم يجز عند ابن هشام (1) أن يكون من هذه اللغة، وكذا تقول في " جاآ زيد وعمرو " وقول غيره أولى، لما بينا من أن المراد بيان المعنى، وقد رد عليه بقوله: 591 - [ تولى قتال المارقين بنفسه ] * وقد أسلماه مبعد وحميم [ ص 371 ] وليس بشئ: لانه إنما يمنع التخريج لا التركيب، ويجب القطع بامتناعها في نحو " قام زيد أو عمرو " لان القائم واحد، بخلاف " قام أخواك أو غلاماك " لانه اثنان، وكذلك تمتنع في " قام أخواك أو زيد " وأما قوله تعالى: (إما يبلغان عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) فمن زعم أنه من ذلك فهو غالط، بل الالف ضمير الوالدين في (وبالوالدين إحسانا) وأحدهما أو كلاهما بتقدير يبلغه أحدهما


(1) هو ابن هشام الحضراوى. (*)

[ 368 ]

أو كلاهما، أو أحدهما بدل بعض، وما بعده بإضمار فعل، ولا بكون معطوفا، لان بدل الكل لا يعطف على بدل البعض، لا تقول " أعجبني زيد وجهه وأخوك " على أن الاخ هو زيد، لانك لا تعطف المبين على المخصص. فإن قلت " قام أخواك وزيد " جاز " قاموا " بالواو، إن قدرته من عطف المفردات، و " قاما " بالالف إن قدرته من عطف الجمل، كما قال السهيلي في (لا تأخذه سنة ولا نوم) إن التقدير ولا يأخذه نوم. والثالث عشر: واو الانكار، نحو " آلرجلوه " بعد قول القائل قام الرجل والصواب أن لا تعد هذه، لانها إشباع للحركة بدليل " آلرجلاه " في النصب و " آلرجليه " في الجر، ونظيرها الواو في " منو " في الحكاية، وفى " أنظور " من قوله: 592 - [ وأنني حيثما يثنى الهوى بصرى ] * من حوثما سلكوا أدنو فأنظور وواو القوافى كقوله: 593 - [ متى كان الخيام بذى طلوح ] * سقيت الغيث أيتها الخيامو الرابع عشر: واو التذكر، كقول من أراد أن يقول " يقوم زيد " فنسى زيد، فأراد مد الصوت ليتذكر، إذ لم يرد قطع الكلام " يقومو " والصواب أن هذه كالتى قبلها. الخامس عشر: الواو المبدلة من همزة الاستفهام المضموم ما قبلها كقراءة قنبل (وإليه النشور وأمنتم) (قال فرعون وآمنتم به) والصواب أن لا تعد هذه أيضا، لانها مبدلة، ولو صح عدها لصح عد الواو من أحرف الاستفهام (1).


(1) وليست الواو من أحرف الاستفهام قطعا، وإذا بطل كونها من أحرف الاستفهام يبطل عد الواو المبدلة من حرف الاستفهام. (*)

[ 369 ]

(وا) على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصا بباب الندبة، نحو " وازيداه " وأجاز بعضهم استعماله في النداء الحقيقي: والثانى: أن تكون اسما لاعجب، كقوله: 594 - وا، بأبى أنت وفوك الاشنب * كأنما ذر عليه الزرنب * أو زنجبيل، وهو عندي أطيب * وقد يقال " واها " كقوله: 595 - واها لسلمى ثم واها واها * [ هي المنى لو أننا نلناها ] ووى كقوله: 596 - وى، كأن من يكن له نشب يحبب، ومن يفتقر يعش عيش ضر وقد تلحق هذه كاف الخطاب كقوله: 597 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس: ويك عنتر، أقدم وقال الكسائي: أصل ويك ويلك فالكاف ضمير مجرور، وأما (وى كأن الله) فقال أبو الحسن: وى اسم فعل، والكاف حرف خطاب، وأن على إضمار اللام، والمعنى أعجب لان الله، وقال الخليل: وى وحدها كما قال * وى كأن من يكن * البيت [ 596 ]، وكأن للتحقيق، كما قال: 598 - كأننى حين أمسى لا تكلمني * متيم يشتهى ما ليس موجود أي إننى حين أمسى على هذه الحالة.

[ 370 ]

حرف الالف والمراد (به) هنا الحرف الهاوى الممتنع الابتداء به، لكونه لا يقبل الحركة، فأما الذى يراد به الهمزة فقد مر في صدر الكتاب. وابن جنى يرى أن هذا الحرف اسمه " لا " وأنه الحرف الذى يذكر قبل الياء عند عد الحروف، وأنه لما لم يمكن أن يتلفظ به في أول اسمه كما فعل في أخواته إذ قيل صاد جيم توصل إليه باللام كما توصل إلى اللفظ بلام التعريف بالالف حين قيل في الابتداء " الغلام " ليتقارضا، وأن قول المعلمين لام ألف خطأ لان كلا من اللام والالف قد مضى ذكره، وليس الغرض بيان كيفية تركيب الحروف، بل سرد أسماء الحروف البسائط. ثم اعترض على نفسه بقول أبى النجم: 599 - أقبلت من عند زياد كالخرف * تخط رجلاى بخط مختلف * تكتبان في الطريق لام ألف * وأجاب بأنه لعله تلقاه من أفواه العامة، لان الخط ليس له تعلق بالفصاحة وقد ذكر للالف تسعة أوجه: أحدها: أن تكون للانكار، نحو " أعمراه " لمن قال: رأيت عمرا (1). والثانى: أن تكون للتذكر كرأيت الرجلا. وقد مضى أن التحقيق أن لا يعد هذان. الثالث: أن تكون ضمير الاثنين نحو " الزيدان قاما " وقال المازنى: هي حرف، والضمير مستتر.


(1) في نسخة " لقيت عمرا " والخطب هين. (*)

[ 371 ]

الرابع: أن تكون علامة الاثنين كقوله: 600 - ألفيتا عيناك عند القفا * [ أولى فأولى لك ذا واقيه ] وقوله: * وقد أسلماه مبعد وحميم * [ 591 ] وعليه قول المتنبي: 601 - ورمى، وما رمتا يداه، فصابني * سهم يعذب، والسهام تريح الخامس: الالف الكافة كقوله: فبينا نسوس الناس والامر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف [ 517 ] وقيل: الالف بعض ما الكافة، وقيل: إشباع، وبين مضافة إلى الجملة، ويؤيده أنها قد أضيفت إلى المفرد في قوله: 602 - بينا تعانقه الكماة وروغه * يوما أتيح له جرى سلفع [ ص 522 ] السادس: أن تكون فاصلة بين الهمزتين نحو (أأنذرتهم) ودخولها جائز، لا واجب، ولا فرق بين كون الهمزة الثانية مسهلة أو محققة. السابع: أن تكون فاصلة بين النونين نون النسوة ونون التوكيد نحو " اضربنان " وهذه واجبة. الثامن: أن تكون لمد الصوت بالمنادى المستغاث، أو المتعجب منه، أو المندوب، كقوله: 603 - يا يزيدا لآمل نيل عز * وغنى بعد فاقة وهوان

[ 372 ]

وقوله: 604 - يا عجبا لهذه الفليقه * هل تذهبن القوباء الريقه وقوله: 605 - حملت امرا عظيما فاصطبرت له * وقمت فيه بأمر الله يا عمرا التاسع: أن تكون بدلا من نون ساكنة، وهى إما نون التوكيد أو تنوين المنصوب، فالاول نحو (لنسفعا - وليكونا) وقوله: 606 - [ وإياك والميتات لا تقربنها ] * ولا تعبد الشيطان، والله فاعبدا ويحتمل أن تكون هذه النون من باب " يا حرسي اضربا عنقه ". والثانى كرأيت زيدا، في لغة غير ربيعة. ولا يجوز أن تعد الالف المبدلة من نون إذن، ولا ألف التكثير كألف قبعثرى، ولا ألف التأنيث كألف حبلى، ولا ألف الالحاق كألف أرطى، ولا ألف الاطلاق كالالف في قوله: 607 - [ ما هاج أشواقا وشجوا قد شجا ] * من طلل كالاتحمى أنهجا ولا ألف التثنية كالزيدان، ولا ألف الاشباع الواقعة في الحكاية نحو " منا " أو في غيرها في الضرورة، كقوله: 608 - أعوذ بالله من العقراب * [ الشائلات عقد الاذناب ] ولا الالف التى تبين بها الحركة في الوقف وهى ألف " أنا " عند البصريين، ولا ألف التصغير نحو ذيا واللذيا، لما قدمنا.

[ 373 ]

حرف الياء (الياء المفردة) تأتى على ثلاثة أوجه، وذلك أنها تكون ضميرا للمؤنثة نحو " تقومين، وقومي " وقال الاخفش والمازني: هي حرف تأنيث والفاعل مستتر، وحرف إنكار نحو " أزيد نيه " وحرف تذكار نحو (قدمى) ؟، وقد تقدم البحث فيهما، والصواب أن لا يعدا كما لا تعد ياء التصغير، وياء المضارعة، وياء الاطلاق، وياء الاشباع، ونحوهن، لانهن أجزاء للكلمات، لا كلمات. (يا): حرف موضوع لنداء البعيد حقيقة أو حكما، وقد ينادى بها القريب توكيدا، وقيل: هي مشتركة بين القريب والبعيد، وقيل: بينهما وبين المتوسط، وهى أكثر أحرف النداء استعمالا، ولهذا لا يقدر عند الحذف سواها نحو (يوسف أعرض عن هذا) ولا ينادى اسم الله عز وجل، ولاسم المستغاث، وأيها وأيتها، إلا بها، ولا المندوب إلا بها أو بوا، وليس نصب المنادى بها، ولا بأخواتها أحرفا، ولا بهن أسماء لادعو متحملة لضمير الفاعل، خلافا لزاعمي ذلك، بل بأدعو محذوفا لزوما، وقول ابن الطراوة: النداء إنشاء، وأدعو خبر، سهو منه، بل أدعو المقدر إنشاء كبعت وأقسمت. وإذا ولى " يا " ما ليس بمنادي كالفعل في (ألا يا اسجدوا) وقوله: 609 - ألا يا اسقياني بعد غارة سنجال * وقبل منايا عاديات وأوجال والحرف في نحو (يا ليتني كنت معهم فأفوز) " يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة " والجملة الاسمية كقوله: 610 - يالعنة الله والاقوام كلهم * والصالحين على سمعان من جار

[ 374 ]

فقيل: هي للنداء والمنادى محذوف، وقيل: هي لمجرد التنبيه، لئلا يلزم الاجحاف بحذف الجملة كلها، وقال ابن مالك: إن وليها دعاء كهذا البيت أو أمر نحو (ألا يا اسجدوا) فهى للنداء، لكثرة وقوع النداء قبلهما نحو (يا آدم اسكن) (يا نوح اهبط) ونحو (يا مالك ليقض علينا ربك) وإلا فهى للتنبيه، والله أعلم. الباب الثاني من الكتاب في تفسير الجملة، وذكر أقسامها، وأحكامها شرح الجملة، وبيان أن الكلام أخص منها، لا مرادف لها الكلام: هو القول المفيد بالقصد. والمراد بالمفيد: ما دل على معنى يحسن السكوت عليه. والجملة عبارة عن الفعل وفاعله ك‍ " قام زيد " والمبتدأ وخبره ك‍ " زيد قائم " وما كان بمنزلة أحدهما نحو " ضرب اللص " و " أقائم الزيدان " و " كان زيد قائما " و " ظننته قائما ". وبهذا يظهر لك أنهما ليسا بمترادفين كما يتوهمه كثير من الناس، وهو ظاهر قول صاحب المفصل، فإنه بعد أن فرغ من حد الكلام قال: ويسمى جملة، والصواب أنها أعم منه، إذ شرطه الافادة، بخلافها، ولهذا تسمعهم يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة، وكل ذلك ليس مفيدا، فليس بكلام وبهذا التقرير يتضح لك صحة قول ابن مالك في قوله تعالى (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، أفأمن

[ 375 ]

أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون) إن الزمخشري حكم بجواز الاعتراض بسبع جمل، إذ زعم أن (أفأمن) معطوف على (فأخذناهم) ورد عليه من ظن أن الجملة والكلام مترادفان فقال: إنما اعترض بأربع جمل، وزعم أن من عند (ولو أن أهل القرى) إلى (والارض) جملة، لان الفائدة إنما تتم بمجموعه. وبعد، ففى القولين نظر. أما قول ابن مالك فلانه كان من حقه أن يعدها ثمان جمل، إحداها (وهم لا يشعرون) وأربعة في حيز لو - وهى (آمنوا، واتقوا، وفتحنا) والمركبة من أن وصلتها مع ثبت مقدرا أو مع ثابت مقدرا، على الخلاف في أنها فعلية أو اسمية، والسادسة (ولكن كذبوا) والسابعة (فأخذناهم) والثامنة (بما كانوا يكسبون) فإن قلت: لعله بنى ذلك على ما اختاره ونقله عن سيبويه من كون أن وصلتها مبتدأ لا خبر له، وذلك لطوله وجريان الاسناد في ضمنه. قلت: إنما مراده أن يبين ما لزم على إعراب الزمخشري، والزمخشري يرى أن أن وصلتها هنا فاعل بثبت. واما قول المعترض فلانه كان من حقه أن يعدها ثلاث جمل، وذلك لانه لا يعد (وهم لا يشعرون) جملة، لانها حال مرتبطة بعاملها، وليست مستقلة برأسها، وبعد لو وما في حيزها جملة واحدة: إما فعلية إن قدر ولو ثبت أن أهل القرى آمنوا واتقوا، أو اسمية إن قدر ولو أن إيمانهم وتقواهم ثابتان، ويعد (ولكن كذبوا) جملة، و (فأخذناهم بما كانوا يكسبون) كله جملة، وهذا هو التحقيق، ولا ينافى ذلك ما قدمناه في تفسير الجملة، لان الكلام هنا ليس في مطلق الجملة، بل في الجملة بقيد كونها جملة اعتراض، وتلك لا تكون إلا كلاما تاما.

[ 376 ]

انقسام الجملة إلى اسمية وفعلية وظرفية فالاسمية هي: التى صدرها اسم، كزيد قائم، وهيهات العقيق، وقائم الزيدان، عند من جوزه وهو الاخفش والكوفيون. والفعلية هي: التى صدرها فعل، كقام زيد، وضرب اللص، وكان زيد قائما، وظننته قائما، ويقوم زيد، وقم. والظرفية هي: المصدرة بظرف أو مجرور، نحو: أعندك زيد، وأفى الدار زيد، إذا قدرت زيدا فاعلا بالظرف والجار والمجرور، لا بالاستقرار المحذوف، ولا مبتدأ مخبرا عنه بهما، ومثل الزمخشري لذلك بفى الدار من قولك " زيد في الدار " وهو مبنى على أن الاستقرار المقدر فعل لا اسم، وعلى أنه حذف وحده وانتقل الضمير إلى الظرف بعد أن عمل فيه. وزاد الزمخشري وغيره الجملة الشرطية، والصواب أنها من قبيل الفعلية لما سيأتي. تنبيه - مرادنا بصدر الجملة المسند أو المسند إليه، فلا عبرة بما تقدم عليهما من الحروف، فالجملة من نحو " أقائم الزيدان، وأزيد أخوك، ولعل أباك منطلق، وما زيد قائما " اسمية، ومن نحو " أقام زيد، وإن قام زيد، وقد قام زيد، وهلا قمت " فعلية. والمعتبر أيضا ما هو صدر في الاصل، فالجملة من نحو " كيف جاء زيد " ومن نحو (فأى آيات الله تنكرون) ومن نحو (فريقا كذبتم وفريقا تقتلون) و (خشعا ابصارهم يخرجون) فعلية، لان هذه الاسماء في نية التأخير وكذا الجملة في نحو " يا عبد الله " ونحو (وإن أحد من المشركين استجارك) (والانعام خلقها) (والليل إذا يغشى) [ فعلية ] لان صدورها في الاصل أفعال، والتقدير: أدعو زيدا، وإن استجارك أحد، وخلق الانعام، وأقسم والليل.

[ 377 ]

باب ما يجب على المسئول في المسئول عنه أن يفصل فيه لاحتماله الاسمية والفعلية، لاختلاف التقدير، أو لاختلاف النحويين ولذلك أمثلة: أحدها: صدر الكلام من نحو " إذا قام زيد فأنا أكرمه " وهذا مبنى على الخلاف السابق في عامل إذا، فإن قلنا جوابها فصدر الكلام جملة اسمية، وإذا مقدمة من تأخير، وما بعد إذا متمم لها، لانه مضاف إليه، ونظير ذلك قولك " يوم يسافر زيد أنا مسافر " وعكسه قوله: 611 - فبينا نحن نرقبه أتانا * [ معلق وفضة وزناد راع ] إذا قدرت ألف بينا زائدة وبين مضافة للجملة الاسمية، فإن صدر الكلام جملة فعلية، والظرف مضاف إلى جملة اسمية، وإن قلنا العامل في إذا فعل الشرط، وإذا غير مضافة، فصدر الكلام جملة فعلية قدم ظرفها كما في قولك " متى تقم فأنا أقوم ". الثاني: نحو " أفى الدار زيد، وأعندك عمرو " فإنا إن قدرنا المرفوع مبتدأ أو مرفوعا بمبتدأ محذوف تقديره كائن أو مستقر، فالجملة اسمية ذات خبر في الاولى وذات فاعل مغن عن الخبر في الثانية، وإن قدرناه فاعلا باستقر ففعلية، أو بالظرف فظرفية. الثالث: نحو " يومان " في نحو " ما رأيته مذ يومان " فإن تقديره عند الاخفش ولزجاج: بينى وبين لقائه يومان، وعند أبى بكر وأبى على: أمد انتفاء الرؤية يومان، وعليهما فالجملة اسمية لا محل لها، ومنذ خبر على الاول ومبتدأ على الثاني، وقال الكسائي وجماعة: المعنى منذ كان يومان، فمنذ ظرف لما قبلها، وما بعدها جملة فعلية فعلها ماض حذف فعلها، وهى في محل خفض، وقال آخرون:

[ 378 ]

المعنى من الزمن الذى هو يومان، ومنذ مركبة من حرف الابتداء وذو الطائية واقعة على الزمن، وما بعدها جملة اسمية حذف مبتدؤها، ولا محل لها لانها صلة. الرابع: " ماذا صنعت " فإنه يحتمل معنيين، أحدهما: ما الذى صنعته ؟ فالجملة اسمية قدم خبرها عند الاخفش ومبتدؤها عند سيبويه، والثانى: أي شئ صنعت، فهى فعلية قدم مفعولها، فإن قلت " ماذا صنعته " فعلى التقدير الاول الجملة بحالها، وعلى الثاني تحتمل الاسمية بأن تقدر " ماذا " مبتدأ، و " صنعته " الخبر، والفعلية بأن تقدره مفعولا لفعل محذوف على شريطة التفسير، ويكون تقديره بعد ماذا، لان الاستفهام له الصدر. الخامس: نحو (أبشر يهدوننا) فالارجح تقدير بشر فاعلا ليهدى محذوفا، والجملة فعلية، ويجوز تقديره مبتدأ، وتقدير الاسمية في (أأنتم تخلقونه) أرجح منه في (أبشر يهدوننا) لمعادلتها للاسمية، وهى (أم نحن الخالقون) وتقدير الفعلية في قوله: * فقلت: أهى سرت أم عادني حلم ؟ * [ 53 ] أكثر رجحانا من تقديرها في (أبشر يهدوننا) لمعادلتها الفعلية. السادس: نحو " قاما أخواك " فإن الالف إن قدرت حرف تثنية كما أن التاء حرف تأنيث في " قامت هند " أو اسما وأخواك بدل منها فالجملة فعلية، وإن قدرت اسما وما بعدها مبتدأ فالجملة اسمية قدم خبرها. السابع: نحو " نعم الرجل زيد " فإن قدر " نعم الرجل " خبرا عن زيد فاسمية، كما في " زيد نعم الرجل " وإن قدر زيد خبرا لمبتدأ محذوف فجملتان فعلية واسمية. الثامن: جملة البسملة، فإن قدر ابتدائى باسم الله فاسمية، وهو قول البصريين،

[ 379 ]

أو أبدأ باسم الله ففعلية، وهو قول الكوفيين، وهو المشهور في التفاسير والاعاريب، ولم يذكر الزمخشري غيره، إلا أنه يقدر الفعل مؤخرا ومناسبا لما جعلت البسملة مبتدأ له، فيقدر باسم الله أقرأ، باسم الله أحل، باسم الله أرتحل، ويؤيده الحديث " باسمك ربى وضعت جنبى ". التاسع: قولهم " ما جاءت حاجتك " فإنه يروى برفع حاجتك فالجملة فعلية، وبنصبها فالجملة اسمية، وذلك لان جاء بمعنى صار، فعلى الاول " ما " خبرها، و " حاجتك " اسمها، وعلى الثاني ما مبتدأ واسمها ضمير ما، وأنث حملا على معنى ما، وحاجتك خبرها. ونظير ما هذه ما في قولك " ما أنت وموسى " فإنها أيضا تحتمل الرفع والنصب، إلا أن الرفع على الابتدائية أو الخبرية، على خلاف بين سيبويه والاخفش، وذلك إذا قدرت موسى عطفا على أنت، والنصب على الخبرية أو المفعولية، وذلك إذا قدرته مفعولا معه، إذ لابد من تقدير فعل حينئذ، أي ما تكون، أو ما تصنع. ونظير ما هذه في [ هذين ] الوجهين على اختلاف التقديرين كيف في نحو " كيف أنت وموسى " إلا أنها لا تكون مبتدأ ولا مفعولا به، فليس للرفع إلا توجيه واحد، وأما النصب فيجوز كونه على الخبرية أو الحالية. العاشر: الجملة المعطوفة من نحو " قعد عمرو وزيد قام " فالارجح الفعلية للتناسب، وذلك لازم عند من يوجب توافق الجملتين المتعاطفتين. ومما يترجح فيه الفعلية نحو " موسى أكرمه " ونحو " زيد ليقم، وعمرو لا يذهب " بالجزم، لان وقوع الجملة الطلبية خبرا قليل، وأما نحو " زيد قام " فالجملة اسمية لا غير، لعدم ما يطلب الفعل. هذا قول الجمهور، وجوز المبرد وابن العريف وابن مالك فعليتها على الاضمار والتفسير، والكوفيون على التقديم والتأخير

[ 380 ]

فإن قلت: " زيد قام وعمرو قعد عنده " فالاولى اسمية عند الجمهور، والثانية (مشتملة) ؟ لهما على السواء عند الجميع. انقسام الجملة إلى صغرى وكبرى الكبرى هي: الاسمية التى خبرها جملة نحو " زيد قام أبوه، وزيدا أبوه قائم " والصغرى هي: المبنية على المبتدأ، كالجملة المخبر بها في المثالين. وقد تكون الجملة صغرى وكبرى باعتبارين، نحو " زيد أبوه غلامه منطلق " فمجموع هذا الكلام جملة كبرى لا غير، و " غلامه منطلق " صغرى لا غير، لانها خبر، و " أبوه غلامه منطلق " كبرى باعتبار " غلامه منطلق " وصغرى باعتبار جملة الكلام، ومثله (لكنا هو الله ربى) إذ الاصل لكن أنا هو الله ربى، ففيها أيضا ثلاث مبتدآت إذا لم يقدر (هو) ضميرا له سبحانه ولفظ الجلالة بدل منه أو عطف بيان عليه كما جزم به ابن الحاجب، بل قدر ضمير الشأن وهو الظاهر، ثم حذفت همزة أنا حذفا اعتباطيا، وقيل: حذفا قياسيا بأن نقلت حركتها ثم حذفت، ثم أدغمت نون لكن في نون أنا. تنبيهان الاول: ما فسرت به الجملة الكبرى هو مقتضى كلامهم، وقد يقال: كما تكون مصدرة بالمبتدأ تكون مصدرة بالفعل نحو " ظننت زيدا يقوم أبوه ". الثاني: إنما قلت صغرى وكبرى موافقة لهم، وإنما الوجه استعمال فعلى أفعل بأل أو بالاضافة، ولذلك لحن من قال: 612 - كأن صغرى وكبرى من فقاقعها * حصباء در على أرض من الذهب وقول بعضهم إن من زائدة وإنهما مضافان على حد قوله: 613 - [ يا من رأى عارضا أسر به ] * بين ذراعي وجبهة الاسد يرده أن الصحيح أن " من " لا تقحم في الايجاب، ولا مع تعريف المجرور،

[ 381 ]

ولكن ربما استعمل أفعل التفضيل الذى لم يرد به المفاضلة مطابقا مع كونه مجردا قال: 614 - إذا غاب عنكم أسود العين كنتم * كراما، وأنتم ما أقام ألائم أي لئام، فعلى هذا يتخرج البيت، وقول النحويين [ جملة ] صغرى وكبرى وكذلك قول العروضيين: فاصلة صغرى، وفاصلة كبرى. وقد يحتمل الكلام الكبرى وغيرها. ولهذا النوع أمثله: أحدها: نحو (أنا آتيك به) إذا يحتمل (آتيك) أن يكون فعلا مضارعا ومفعولا، وأن يكون اسم فاعل ومضافا إليه مثل (وإنهم آتيهم عذاب) (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) ويؤيده أن أصل الخبر الافراد، وأن حمزة يميل الالف من (آتيك) وذلك ممتنع على تقدير انقلابها من الهمزة. الثاني: نحو " زيد في الدار " إذ يحتمل تقدير استقر وتقدير مستقر. الثالث: نحو " إنما أنت سيرا " إذ يحتمل تقدير تسير وتقدير سائر، وينبغى أن يجرى هنا الخلاف الذى في المسألة قبلها. الرابع: " زيد قائم أبوه " إذ يحتمل أن يقدر أبوه مبتدأ، وأن يقدر فاعلا بقائم. تنبيه يتعين في قوله: * ألا عمر ولى مستطاع رجوعه * [ 102 ] تقدير رجوعه مبتدأ ومستطاع خبره والجملة في محل نصب على أنها صفة لا في محل رفع على أنها خبر، لان " ألا " التى للتمني لا خبر لها عند سيبويه لا لفظا ولا تقديرا، فإذا قيل " ألا ماء " كان ذلك كلاما مؤلفا من حرف واسم، وإنما تم

[ 382 ]

الكلام بذلك حملا على معناه وهو أتمنى ماء، وكذلك يمتنع تقدير مستطاع خبرا ورجوعه فاعلا لما ذكرنا، ويمتنع أيضا تقدير مستطاع صفة على المحل، أو تقدير " مستطاع رجوعه " جملة في موضع رفع على أنها صفة على المحل إجراء لالا مجرى ليت في امتناع مراعاة محل اسمها، وهذا أيضا قول سيبويه في الوجهين، وخالفه في المسألتين المازنى والمبرد. انقسام الجملة الكبرى إلى ذات وجه، وإلى ذات وجهين ذات الوجهين: هي اسمية الصدر فعلية العجز، نحو " زيد يقوم أبوه " كذا قالوا، وينبغى أن يراد (1) عكس ذلك في نحو " ظننت زيدا أبوه قائم " بناء على ما قدمنا. وذات الوجه نحو " زيد أبوه قائم " ومثله على ما قدمنا نحو " ظننت زيدا يقوم أبوه ". الجمل التى لا محل لها من الاعراب وهى سبع، وبدأنا بها لانها لم تحل محل المفرد، وذلك هو الاصل في الجمل. فالاولى: الابتدائية، وتسمى أيضا المستأنفة، وهو أوضح، لان الجملة الابتدائية تطلق أيضا على الجملة المصدرة بالمبتدأ، ولو كان لها محل، ثم الجمل المستأنفة نوعان: أحدهما: الجملة المفتتح بها النطق، كقولك ابتداء " زيد قائم " ومنه الجمل لتفتتح بها السور. والثانى: الجملة المنقطعة عما قبلها نحو " مات فلان، رحمه الله " وقوله تعالى (قل سأتلو عليكم منه ذكرا، إنا مكنا له في الارض) ومنه جملة العامل اللمغى لتأخره نحو " زيد قائم أظن " فأما العامل الملغى لتوسطه نحو " زيد أظن قائم " فجملته أيضا لا محل لها، إلا أنها من باب جمل الاعتراض.


(1) في عدة نسخ " يزاد " بالزاى، وهى صحيحة، والمقصود واحد. (*)

[ 383 ]

ويخص البيانيون الاستئناف بما كان جواب لسؤال مقدر نحو قوله تعالى (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون) فإن جملة القول الثانية جواب لسؤال مقدر تقديره: فماذا قال لهم ؟ ولهذا فصلت عن الاولى فلم تعطف عليها، وفى قوله تعالى (سلام قوم منكرون) جملتان حذف خبر الاولى ومبتدأ الثانية، إذ التقدير سلام عليكم، أنتم قوم منكرون، ومثله في استئناف جملة القول الثانية (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون) وقد استؤنفت جملتا القول في قوله تعالى (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام) ومن الاستئناف البيانى أيضا قوله: 615 - زعم العواذل أننى في غمرة * صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي فإن قوله " صدقوا " جواب لسؤال [ مقدر ] تقديره: أصدقوا أم كذبوا ؟ ومثله قوله تعالى (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) فيمن فتح باء (يسبح) تنبيهات - الاول: من الاستئناف ما قد يخفى، وله أمثلة كثيرة. أحدها: (لا يسمعون) من قوله تعالى (وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملا الاعلى) فإن الذى يتبادر إلى الذهن أنه صفة لكل شيطان أو حال منه، وكلاهما باطل، إذ لا معنى للحفظ من شيطان لا يسمع، وإنما هي للاستئناف النحوي، ولا يكون استئنافا بيانيا لفساد المعنى أيضا، وقيل: يحتمل أن الاصل " لئلا يسمعوا " ثم حذفت اللام كما في " جئتك أن تكرمني " ثم حذفت أن فارتفع الفعل كما في قوله: 616 - ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى * [ وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى ] [ ص 641 ] فيمن رفع " أحضر " واستضعف الزمخشري، الجمع بين الحذفين.

[ 384 ]

فإن قلت: اجعلها حالا مقدرة، أي وحفظا من كل شيطان مارد مقدرا عدم سماعه، أي بعد الحفظ. قلت: الذى يقدر وجود معنى الحال هو صاحبها، كالممرور به في قولك " مررت برجل معه صقر صائدا به غدا " أي مقدرا حال المرور به أن يصيد به غدا، والشياطين لا يقدرون عدم السماع ولا يريدونه. الثاني: (إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) بعد قوله تعالى (فلا يحزنك قولهم) فإنه [ ربما [ يتبادر إلى الذهن أنه محكى بالقول، وليس كذلك، لان ذلك ليس مقولا لهم الثالث: (إن العزة لله جميعا) بعد قوله تعالى (فلا يحزنك قولهم) وهى كالتى قبلها، وفى جمال القراء للسخاوي أن الوقف على قولهم في الآيتين واجب، والصواب أنه ليس في جميع القرآن وقف واجب. الرابع: (ثم يعيده) بعد (أو لم يروا كيف يبدأ الله الخلق) لان إعادة الخلق لم تقع بعد فيقرروا برؤيتها، ويؤيد الاستئناف فيه قوله تعالى على عقب ذلك (قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) الخامس: زعم أبو حاتم أن من ذلك (تثير الارض) فقال: الوقف على (ذلول) جيد، ثم يبتدئ (تثير الارض) على الاستئناف، ورده أبو البقاء بأن (ولا) إنما تعطف على النفى، وبأنها لو أثارت الارض كانت ذلولا. ويرد اعتراضه الاول صحة " مررت برجل يصلى ولا يلتفت " والثانى أن أبا حاتم زعم أن ذلك من عجائب هذه البقرة، وإنما وجه الرد أن الخبر لم يأت بأن ذلك من عجائبها، وبأنهم إنما كلفوا بأمر موجود، لا بأمر خارق للعادة، وبأنه كان يجب تكرار " لا " في " ذلول " إذ لا يقال " مررت برجل لا شاعر " حتى تقول " ولا كاتب " لا يقال قد تكررت بقوله تعالى (ولا تسقى الحرث) لان ذلك واقع بعد الاستئناف على زعمه التنبيه الثاني: قد يحتمل اللفظ الاستئناف وغيره، وهو نوعان:

[ 385 ]

أحدهما: ما إذا حمل على الاستئناف احتيج إلى تقدير جزء يكون معه كلاما نحو " زيد " من قولك " نعم الرجل زيد ". والثانى: ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، لكونه جملة تامة، وذلك كثير جدا نحو الجملة المنفية وما بعدها في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر) قال الزمخشري: الاحسن والابلغ أن تكون مستأنفات على وجه التعليل للنهى عن اتخاذهم بطانة من دون المسلمين، ويجوز أن يكون لا يألونكم وقد بدت صفتين، أي بطانة غير ما نعتكم فسادا بادية بغضاؤهم. ومنع الواحدى هذا الوجه، لعدم حرف العطف بين الجملتين، وزعم أنه لا يقال " لا تتخذ صاحبا يؤذيك أحب مفارقتك " والذى يظهر أن الصفة تتعدد بغير عاطف وإن كانت جملة كما في الخبر نحو (الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان) وحصل للامام فخر الدين في تفسير هذه الآية سهو، فإنه سأل ما الحكمة في تقديم " من دونكم " على " بطانة " وأجاب بأن محط النهى هو " من دونكم " لا بطانة، فلذلك قدم الاهم، وليست التلاوة كما ذكر، ونظير هذا أن أبا حيان فسر في سورة الانبياء كلمة (زبرا) بعد قوله تعالى (وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا) وإنما هي في سورة المؤمنين، وترك تفسيرها هناك، وتبعه على هذا السهو رجلان لخصا من تفسيره إعرابا. التنبيه الثالث: من الجمل ما جرى فيه خلاف، هل هو مستأنف أم لا ؟ وله أمثلة أحدها: " أقوم " من نحو قولك " إن قام زيد أقوم " وذلك لان المبرد يرى أنه على إضمار الفاء، وسيبويه يرى أنه مؤخر من تقديم، وأن الاصل أقوم إن قام زيد، وأن جواب الشرط محذوف، ويؤيده التزامهم في مثل ذلك كون الشرط ماضيا.

[ 386 ]

وينبنى على هذا مسألتان: إحداهما: أنه هل يجوز " زيدا إن أتانى أكرمه " بنصب زيدا ؟ فسيبويه يجيزه كما يجيز " زيدا أكرمه إن أتانى " والقياس أن المبرد يمنعه، لانه في سياق أداة الشرط فلا يعمل فيما تقدم على الشرط، فلا يفسر عاملا فيه. والثانية: أنه إذا جئ بعد هذا الفعل المرفوع بفعل معطوف، هل يجزم أم لا ؟ فعلى قول سيبويه لا يجوز الجزم، وعلى قول المبرد ينبغى أن يجوز الرفع بالعطف على لفظ الفعل والجزم بالعطف على محل (1) الفاء المقدرة وما بعدها. الثاني (2): مذ ومنذ وما بعدهما في نحو " ما رأيته مذ يومان " فقال السيرافى: في موضع نصب على الحال، وليس بشئ، لعدم الرابط، وقال الجمهور: مستأنفة جوابا لسؤال تقديره عند من قدر مذ مبتدأ: ما أمد ذلك، وعند من قدرها خبرا: ما بينك وبين لقائه. الثالث: جملة أفعال الاستثناء ليس ولا يكون وخلا وعدا وحاشا، وقال السيرافى: حال، إذ المعنى قام القوم خالين عن زيد، وجوز الاستئناف، وأوجبه ابن عصفور، فإن قلت " جاءني رجال ليسوا زيدا " فالجملة صفة، ولا يمتنع عندي أن يقال " جاءني ليسوا زيدا " على الحال. الرابع: الجملة بعد حتى الابتدائية كقوله: * حتى ماء دجلة أشكل * [ 195 ] فقال الجمهور: مستأنفة، وعن الزجاج وابن درستويه أنها في موضع جربحتى، وقد تقدم. الجملة الثانية: المعترضة بين شيئين لافادة الكلام تقوية وتسديدا أو تحسينا، وقد وقعت في مواضع.


(1) التحقيق أن المحل للجملة التى بعد الفاء، وليس للفاء مدخل في ذلك. (2) الثاني من أمثلة الجملة التى اختلف في كونها مستأنفة. (*)

[ 387 ]

أحدها: بين الفعل ومرفوعه كقوله: 617 - شجاك أظن ربع الظاعنينا * [ ولم تعبأ بعذل العاذلينا ] ويروى بنصب ربع على أنه مفعول أول، و " شجاك " مفعوله الثاني، وفيه ضمير مستتر راجع إليه، وقوله: 618 - وقد أدركتني والحوادث جمة * أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل وهو الظاهر في قوله: ألم يأتيك والانباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد [ 154 ] على أن الباء زائدة في الفاعل، ويحتمل أن يأتي وتنمى تنازعا ما فأعمل الثاني وأضمر الفاعل في الاول، فلا اعتراض ولا زيادة، ولكن المعنى على الاول أوجه، إذ الانباء من شأنها أن تنمى بهذا وبغيره. الثاني: بينه وبين مفعوله كقوله: 629 - وبدلت والدهر ذو تبدل * هيفا دبورا بالصبا والشمأل والثالث: بين المبتدأ وخبره كقوله: 620 - وفيهن والايام يعثرن بالفتى * نوادب لا يمللنه ونوائح ومنه الاعتراض بجملة الفعل الملغى في نحو " زيد أظن قائم " وبجملة الاختصاص في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " نحن معاشر الانبياء لا نورث " وقول الشاعر 621 - نحن بنات طارق * نمشي على النمارق وأما الاعتراض بكان الزائدة في نحو قوله " أو نبى كان موسى " فالصحيح أنها لا فاعل لها، فلا جملة.

[ 388 ]

والرابع: بين ما أصله المبتدأ والخبر كقوله: 622 - وإنى لرام نظرة فبل التى * لعلى وإن شطت نواها - أزورها [ ص 391 و 585 ] وذلك على تقدير أزورها خبر لعل، وتقدير الصلة محذوفة، أي التى أقول لعلى، وكقوله: 623 - لعلك والموعود حق لقاؤه * بدا لك في تلك القلوص بداء وقوله: 624 - يا ليت شعرى والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع إذا قيل بأن جملة الاستفهام خبر على تأويل شعرى بمشعورى، لتكون الجملة نفس المبتدأ فلا تحتاج إلى رابط، وأما إذا قيل بأن الخبر محذوف أي موجود، أو إن ليت لا خبر لها ههنا إذ المعنى ليتنى أشعر، فالاعتراض بين الشعر ومعموله الذى علق عنه بالاستفهام، وقول الحماسي: 625 - إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان [ ص 396 ] وقول ابن هرمة: 626 - إن سليمى والله بكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها [ ص 396 ] وقول رؤية: 627 - إنى وأسطار سطرن سطرا * لقائل يا نصر نصر نصرا [ ص 396 و 457 ]

[ 389 ]

وقول كثير: 328 - وإنى وتهيامى بعزة بعدما * تخليت مما بيننا وتخلت لكالمرتجى ظل الغمامة كلما * تبوأ منها للمقيل اضمحلت قال أبو على: تهيامى بعزة جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، وقال أبو الفتح: يجوز أن تكون الواو للقسم كقولك " إنى وحبك لضنين بك " فتكون الباء متعلقة بالتهيام لا بخبر محذوف. الخامس: بين الشرط وجوابه، نحو (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) ونحو (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار) ونحو (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى) قاله جماعة منهم ابن مالك، والظاهر أن الجواب (فالله أولى بهما (1)) ولا يرد ذلك تثنية الضمير كما توهموا لان أو هنا للتنويع، وحكمها حكم الواو في وجوب المطابقة، نص عليه الابدي، وهو الحق، أما قول ابن عصفور إن تثنية الضمير في الآية شاذة فباطل كبطلان قوله مثل ذلك في إفراد الضمير في (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وفى ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن (أحق) خبر عنهما، وسهل إفراد الضمير أمران: معنوى وهو أن إرضاء الله سبحانه إرضاء لرسوله عليه الصلاة والسلام، وبالعكس (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) ولفظي وهو تقديم إفراد أحق، ووجه ذلك أن اسم التفضيل المجرد من أل والاضافة واجب الافراد نحو (ليوسف وأخوه أحب) (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم) إلى قوله (أحب إليكم).


(1) التحقيق أن الجواب محذوف، والتقدير: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة رأفة به لان الله أولى - إلخ. (*)

[ 390 ]

والثانى: أن (أحق) خبر عن اسم الله سبحانه، وحذف مثله خبرا عن اسمه عليه الصلاة والسلام، أو بالعكس. والثالث: أن (أن يرضوه) ليس في موضع جر أو نصب بتقدير بأن يرضوه، بل في موضع رفع بدلا عن أحد الاسمين، وحذف من الآخر مثل ذلك، والمعنى وإرضاء الله وإرضاء رسوله أحق من إرضاء غيرهما. والسادس: بين القسم وجوابه كقوله: 329 - لعمري وما عمرى على بهين * لقد نطقت بطلا على الاقارع وقوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول لاملان) الاصل أقسم بالحق لاملان وأقول الحق، فانتصب الحق الاول - بعد إسقاط الخافض - بأقسم محذوفا، والحق الثاني بأقول، واعترض بجملة " أقول الحق " وقدم معمولها للاختصاص، وقرئ برفعهما بتقدير فالحق قسمي والحق أقوله، وبجرهما على تقدير واو القسم في الاول والثانى توكيدا كقولك " والله والله لافعلن "، وقال الزمخشري: جر الثاني على أن المعنى وأقول والحق، أي هذا اللفظ، فأعمل القول في لفظ واو القسم مع مجرورها على سبيل الحكاية، قال: وهو وجه حسن دقيق جائز في الرفع والنصب، اه‍. وقرئ برفع الاول ونصب الثاني، قيل: أي فالحق قسمي أو فالحق منى أو فالحق أنا، والاول أولى، ومن ذلك قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم) الآية. والسابع: بين الموصوف وصفته كالآية فإن فيها اعتراضين: اعتراضا بين الموصوف وهو (قسم) وصفته وهو (عظيم) بجملة (لو تعلمون)، واعتراضا بين (أقسم بمواقع النجوم) وجوابه وهو (إنه لقرآن كريم) بالكلام الذى بينهما، وأما قول ابن عطية ليس فيها إلا اعتراض واحد وهو (لو تعلمون) لان (وإنه لقسم عظيم) توكيد لا اعتراض

[ 391 ]

فمردود، لان التوكيد والاعتراض لا يتنافيان، وقد مضى ذلك في حد جملة الاعتراض. والثامن: بين الموصول وصلته كقوله: 630 - ذاك الذى وأبيك يعرف مالكا * [ والحق يدمغ ترهات الباطل ] ويحتمله قوله: وإنى لرام نظرة قبل التى * لعلى وإن شطت نواها أزورها [ 622 ] وذلك على أن تقدر الصلة " أزورها " وتقدر خبر لعل محذوفا، أي لعلى أفعل ذلك. والتاسع: بين أجزاء الصلة نحو (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة) الآيات، فإن جملة (وترهقهم ذلة) معطوفة على (كسبوا السيئات) فهى من الصلة، وما بينهما اعتراض بين به قدر جزائهم، وجملة (ما لهم من الله من عاصم) خبر، قاله ابن عصفور، وهو بعيد، لان الظاهر أن (ترهقهم) لم يؤت به لتعريف الذين فيعطف على صلته، بل جئ به للاعلام بما يصيبهم جزاء على كسبهم السيئات، ثم إنه ليس بمتعين، لجواز أن يكون الخبر (جزاء سيئة بمثلها) فلا يكون في الآية اعتراض، ويجوز أن يكون الخبر جملة النفى كما ذكر، وما قبلها جملتان معترضتان، وأن يكون الخبر (كأنما أغشيت) فالاعتراض بثلاث جمل، أو (أولئك أصحاب النار) فالاعتراض بأربع جمل، ويحتمل - وهو الاظهر - أن (الذين) ليس مبتدأ، بل معطوف على الذين الاولى، أي للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، فمثلها هنا في مقابلة الزيادة هناك، ونظيرها في المعنى قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى

[ 392 ]

الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) وفى اللفظ قولهم " في الدار زيد والحجرة عمرو " وذلك من العطف على معمولي عاملين مختلفين عند الاخفش، وعلى إضمار الجار عند سيبويه والمحققين، ومما يرجح هذا الوجه أن الظاهر أن الباء في (بمثلها) متعلقه بالجزاء، فإذا كان جزاء سيئة مبتدأ احتيج إلى تقدير الخبر، أي واقع، قاله أبو البقاء، أولهم، قاله الحوفى، وهو أحسن، لاغنائه عن تقدير رابط بين هذه الجملة ومبتدئها وهو (الذين) وعلى ما اخترناه يكون جزاء عطفا على الحسنى، فلا يحتاج إلى تقدير آخر، وأما قول أبى الحسن وابن كيسان إن بمثلها هو الخبر، وإن الباء زيدت في الخبر كما زيدت في المبتدأ في " بحسبك درهم " فمردود عند الجمهور، وقد يؤنس قولهما بقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها). والعاشر: بين المتضايفين كقولهم " هذا غلام والله زيد " و " لا أخا فاعلم لزيد " وقيل: الاخ هو الاسم والظرف الخبر، وإن الاخ حينئذ جاء على لغة القصر، كقوله " مكره أخاك لا بطل " فهو كقولهم " لا عصا لك ". الحادى عشر: بين الجار والمجرور كقوله " اشتريته بأرى ألف درهم ". الثاني عشر: بين الحرف الناسخ وما دخل عليه كقوله: 631 - كأن وقد أتى حول كميل * أثافيها حمامات مثول كذا قال قوم، ويمكن أن تكون هذه الجملة حالية تقدمت على صاحبها، وهو اسم كأن، على حد الحال في قوله: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالى [ 365 ] الثالث عشر: بين الحرف وتوكيده كقوله:

[ 393 ]

632 - لبت وهل ينفع شيئا ليت * ليت شبابا بوع فاشتريت الرابع عشر: بين حرف التنفيس والفعل كقوله: وما أدرى وسوف إخال أدرى * أقوم آل حصن أم نساء [ 51 ] وهذا الاعتراض في أثناء اعتراض آخر، فإن سوف وما يعدها اعتراض بين أدرى وجملة الاستفهام. الخامس عشر: بين قد والفعل كقوله: * أخالد قد والله أوطأت عشوة * [ 284 ] السادس عشر: بين حرف النفى ومنفيه كقوله: 633 - ولا أراها تزال ظالمة * [ تحدث لى نكبة وتنكؤها ] وقوله: 634 - فلا وأبى دهماء زالت عزيزة * [ على قومها ما دام للزند قادح ] السابع عشر: بين جملتين مستقلتين نحو (فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، نساؤكم حرث لكم) فإن (نساؤكم حرث لكم) تفسير لقوله تعالى (من حيث أمركم الله) أي أن المأتى الذى أمركم الله به هو مكان الحرث، ودلالة على أن الغرض الاصلى في الاتيان طلب النسل لا محض الشهوة، وقد تضمنت هذه الآية الاعتراض بأكثر من جملة، ومثلها في ذلك قوله تعالى (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لى ولوالديك) وقوله تعالى (رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وإنى سميتها مريم) فيمن قرأ بسكون تاء (وضعت) إذ الجملتان المصدرتان بإنى من قولها عليها السلام، وما بينها اعتراض، والمعنى: وليس الذكر الذى طلبته كالانثى التى وهبت لها، وقال الزمخشري:

[ 394 ]

هنا جملتان معترضتان كقوله تعالى (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) انتهى، وفى التنظير نظر، لان الذى في الآية الثانية اعتراضان كل منهما بجملة، لا اعتراض واحد بجملتين. وقد يعترض بأكثر من جملتين كقوله تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا يحرفون الكلم) إن قدر (من الذين هادوا) بيانا للذين أوتوا وتخصيصا لهم إذا كان اللفظ عاما في اليهود والنصارى والمراد اليهود، أو بيانا لاعدائكم، والمعترض به على هذا التقدير جملتان، وعلى التقدير الاول ثلاث جمل، وهى والله أعلم وكفى بالله مرتين، وأما يشترون ويريدون فجملتا تفسير لمقدر، إذ المعنى ألم تر إلى قصة الذى أوتوا، وإن علقت من بنصيرا مثل (ونصرناه من القوم) أو بخبر محذوف على أن (يحرفون) صفة لمبتدأ محذوف، أي قوم يحرفون كقولهم " منا ظعن ومنا أقام " أي منا فريق فلا اعتراض البتة، وقد مر أن الزمخشري أجاز في سورة الاعراف الاعتراض بسبع جمل على ما ذكر ابن مالك. وزعم أبو على أنه لا يعترض بأكثر من جملة، وذلك لانه قال في قول الشاعر: 635 - أرانى ولا كفران لله أية * لنفسي قد طالبت غير منيل إن أية وهى مصدر " أويت له " إذا رحمته ورفقت به لا ينتصب بأويت محذوفة، لئلا يلزم الاعتراض بجملتين، قال: وإنما انتصابه باسم " لا " أي ولا أكفر الله رحمة منى لنفسي، ولزمه من هذا ترك تنوين الاسم المطول، وهو قول البغداديين أجازوا " لا طالع جبلا " أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أجرى مجراه في الاعراب، وعلى قولهم يتخرج الحديث " لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما

[ 395 ]

منعت " وأما على قول البصريين فيجب تنوينه، ولكن الرواية إنما جاءت بغير تنوين. وقد اعترض ابن مالك قول أبى على بقوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) وبقول زهير: 636 - لعمري والخطوب مغيرات * وفى طول المعاشرة التقالى لقد باليت مظعن أم أوفى * ولكن أم أوفى لا تبالي وقد يجاب عن الآية بأن جملة الامر دليل الجواب عند الاكثرين ونفسه عند قوم: فهى مع جملة الشرط كالجملة الواحدة، وبأنه يجب أن يقدر للباء متعلق محذوف، أي أرسلناهم بالبينات، لانه لا يستثنى بأداة واحدة شيئان، ولا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها إلا إذا كان مستثنى نحو " ما قام إلا زيد " أو مستثنى منه نحو " ما قام إلا زيدا أحد " أو تابعا له نحو " ما قام أحد إلا زيدا فاضل ". مسألة - كثيرا ما تشتبه المعترضة بالحالية، ويميزها منها أمور: أحدها: أنها تكون غير خبرية كالامرية في (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله، أن يؤنى أحد مثل ما أوتيتم) كذا مثل ابن مالك وغيره، بناء على أن (أن يؤتى أحد) متعلق بتؤمنوا، وأن المعنى ولا تظهروا تصديقكم بأن أحدا يؤتى من كتب الله مثل ما أوتيتم، وبأن ذلك الاحد يحاجونكم عند الله يوم القيامة بالحق فيغلبونكم، إلا لاهل دينكم لان ذلك لا يغير اعتقادهم بخلاف المسلمين، فإن ذلك يزيدهم ثباتا، وبخلاف المشركين، فإن ذلك يدعوهم إلى الاسلام، ومعنى الاعتراض حينئذ أن الهدى بيد الله، فإذا قدره لاحد لم يضره مكرهم.

[ 396 ]

والآية محتملة لغير ذلك، وهى أن يكون الكلام قد تم عند الاستثناء، والمراد ولا تظهروا الايمان الكاذب الذى توقعونه وجه النهار وتنقضونه آخره إلا لمن كان منكم كعبد الله بن سلام ثم أسلم، وذلك لان إسلامهم كان أغيظ لهم ورجوعهم إلى الكفر كان عندهم أقرب، وعلى هذا ف‍ (أن يؤتى) من كلام الله تعالى، وهو متعلق بمحذوف مؤخر، أي لكراهية أن يؤتى أحد دبرتم هذا الكيد، وهذا الوجه أرجح لوجهين: أحدهما: أنه الموافق لقراءة ابن كثير (أأن يؤتى) بهمزتين، أي لكراهية أن يؤتى قلتم ذلك. والثانى: أن في الوجه الاول عمل ما قبل إلا فيما بعدها، مع أنه ليس من المسائل الثلاث المذكورة آنفا. وكالدعائية في قوله: إن الثمانين وبلغتها * قد أحوجت سمعي إلى ترجمان [ 625 ] وقوله: إن سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها [ 626 ] وكالقسمية في قوله: * إنى وأسطار سطرن سطرا * [ 627 ] البيت [ ص 457 ] وكالتنزيهية في قوله تعالى (ويجعلون لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون) كذا مثل بعضهم. وكالاستفهامية في قوله تعالى (فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا) كذا مثل ابن مالك.

[ 397 ]

فأما الاولى فلا دليل فيها إذا قدر لهم خبرا، وما مبتدأ، والواو للاستئناف لا عاطفة جملة على جملة، وقدر الكلام تهديدا كقولك لعبدك: لك عندي ما تختار، تريد بذلك إيعاده أو التهكم به، بل إذا قدر (لهم) معطوفا على (لله) وما معطوفة على البنات، وذلك ممتنع في الظاهر، إذ لا يتعدى فعل الضمير المتصل إلى ضميره المتصل إلا في باب ظن وفقد وعدم نحو (فلا يحسبنهم بمفازة من العذاب) فيمن ضم الباء، ونحو (أن رآه استغنى) ولا يجوز مثل " زيد ضربه " تريد ضرب نفسه، وإنما يصح في الآية العطف المذكور إذا قدر أن الاصل ولانفسهم ثم حذف المضاف، وذلك تكلف، ومن العجب أن الفراء والزمخشري والحوفى قدروا العطف المذكور ولم يقدروا المضاف المحذوف، ولا يصح العطف إلا به. وأما الثانية فنص هو وغيره على أن الاستفهام فيها بمعنى النفى، فالجملة خبرية. وقد فهم مما أوردته من أن المعترضة تقع طلبية أن الحالية لا تقع إلا خبرية، وذلك بالاجماع، وأما قول بعضهم في قول القائل: 637 - اطلب ولا تضجر من مطلب * [ فآفة الطالب أن يضجرا ] [ ص 586 ] إن الواو للحال، وإن لا ناهية، فخطأ، وإنما هي عاطفة إما مصدرا يسبك من أن والفعل على مصدر متوهم من الامر السابق، أي ليكن منك طلب وعدم ضجر، أو جملة على جملة، وعلى الاول ففتحة تضجر إعراب، ولا نافية، والعطف مثله في قولك " ائتنى ولا أجفوك " بالنصب وقوله: 638 - فقلت ادعى وأدعو إن أندى * لصوت أن ينادى داعيان وعلى الثاني فالفتحة للتركيب، والاصل ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة فحذفت للضرورة، ولا ناهية، والعطف مثله في قوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا).

[ 398 ]

الثاني: أنه يجوز تصديرها بدليل استقبال كالتنفيس في قوله: * وما أدرى وسوف إخال أدرى * [ 51 ] وأما قول الحوفى في (إنى ذاهب إلى ربى سيهدين): إن الجملة حالية فمردود، وكلن في (ولن تفعلوا) وكالشرط في (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض) (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا) (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) (إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) (فكيف تنقون إن كفرتم يوما) (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها) وإنما جاز " لاضربنه إن ذهب وإن مكث "، لان المعنى لاضربنه على كل حال، إذ لا يصح أن يشترط وجود الشئ وعدمه لشئ واحد. والثالث: أنه يجوز اقترانها بالفاء كقوله: 639 - وأعلم فعلم المرء ينفعه * أن سوف يأتي كل ما قدرا وكجملة (فالله أولى بهما) في قول وقد مضى، وكجملة (فبأى آلاء ربكما تكذبان) الفاصلة بين (فإذا انشقت السماء فكانت وردة) وبين الجواب وهو (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس) والفاصلة بين (ومن دونهما جنتان) وبين (فيهن خيرات حسان) وبين صفتيهما، وهى (مدهامتان) في الاولى (وحور مقصورات) في الثانية، ويحتملان تقدير مبتدأ، فتكون الجملة إما صفة وإما مستأنفة. الرابع: أنه يجوز اقترانها بالواو مع تصديرها بالمضارع المثبت كقول المتنبي: 640 - يا حاديى عيرها، وأحسبنى * أوجد ميتا قبيل أفقدها

[ 399 ]

قفا قليلا بها على، فلا * أقل من نظرة أزودها قوله " أفقدها " على إضمار أن، وقوله " أقل " يروى بالرفع والنصب. تنبيه - للبيانيين في الاعتراض اصطلاحات مخالفة لاصطلاح النحويين، ولزمخشري يستعمل بعضها كقوله في قوله تعالى: (ونحن له مسلمون): يجوز أن يكون حالا من فاعل (نعبد) أو من مفعوله، لاشتمالها على ضميريهما، وأن تكون معطوفة على (نعبد) وأن تكون اعتراضية مؤكدة، أي من حالنا أنا مخلصون له التوحيد، ويرد عليه مثل ذلك من لا يعرف هذا العلم كأبى حيان توهما منه أنه لا اعتراض إلا ما يقوله النحوي وهو الاعتراض بين شيئين متطالبين. الجملة الثالثة: التفسيرية، وهى الفضلة الكاشفة لحقيقة ما تليه، وسأذكر لها أمثلة توضحها: أحدها: (وأسروا النجوى الذين ظلموا: هل هذا إلا بشر مثلكم) فجملة الاستفهام مفسرة للنجوى، وهل هنا للنفي، ويجوز أن تكون بدلا منها إن قلنا إن ما فيه معنى القول يعمل في الجمل، وهو قول الكوفيين، وأن تكون معمولة لقول محذوف، وهو حال مثل (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم). الثاني: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فخلقه وما بعده تفسير لمثل آدم، لا باعتبار ما يعطيه ظاهر لفظ الجملة من كونه قدر جسدا من طين ثم كون، بل باعتبار المعنى، أي إن شأن عيسى كشأن آدم في الخروج عن مستمر العادة وهو التولد بين أبوين. والثالث: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله) فجملة تؤمنون تفسير للتجارة، وقيل: مستأنفة معناها الطلب، أي آمنوا،

[ 400 ]

بدليل (يغفر) بالجزم كقولهم " اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه " أي ليتق الله وليفعل يثب، وعلى الاول فالجزم في جواب الاستفهام، تنزيلا للسبب وهو الدلالة منزلة المسبب وهو الامتثال. الرابع: (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا) وجوز أبو البقاء كونها حالية على إضمار قد، والحال لا تأتى من المضاف إليه في مثل هذا. الخامس: (حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا) إن قدرت " إذا " غير شرطية فجملة القول تفسير ليجادلونك، وإلا فهى جواب إذا، وعليهما فيجادلونك حال. تنبيه - المفسرة ثلاثة أقسام: مجردة من حرف التفسير كما في الامثلة السابقة، ومقرونة بأى كقوله: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * [ وتقليننى لكن إياك لا أقلى ] [ 114 ] ومقرونة بأن (فأوحينا إليه أن أصنع الفلك) وقولك " كتبت إليه أن افعل " إن لم تقدر الباء قبل أن. السادس: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) فجملة ليسجننه قيل: هي مفسرة للضمير في بدا الراجع إلى البداء المفهوم منه، والتحقيق أنها جواب لقسم مقدر، وأن المفسر مجموع الجملتين، ولا يمنع من ذلك كون القسم إنشاء: لان المفسر هنا إنما هو المعنى المتحصل من الجواب، وهو خبرى لا إنشائى، وذلك المعنى هو سجنه عليه الصلاة والسلام، فهذا هو البداء الذى بدا لهم. ثم أعلم أنه لا يمتنع كون الجملة الانشائية مفسرة بنفسها، ويقع ذلك في موضعين:

[ 401 ]

أحدهما: أن يكون المفسر إنشاء أيضا، نحو " أحسن إلى زيد أعطه ألف دينار ". والثانى: أن يكون مفردا مؤديا معنى جملة نحو (وأسروا النجوى الذين ظلموا) الآية. وإنما قلنا فيما مضى إن الاستفهام مراد به النفى تفسيرا لما اقتضاه المعنى وأوجبته الصناعة لاجل الاستثناء المفرغ، لا أن التفسير أوجب ذلك. ونظيره " بلغني عن زيد كلام والله لافعلن كذا ". ويجوز أن يكون (ليسجننه) جوابا لبدا، لان أفعال القلوب لافادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، قال: 641 - ولقد علمت لتأتين منيتى * [ إن المنايا لا تطيش سهامها ] [ ص 407 ] وقال الكوفيون: الجملة فاعل، ثم قال هشام وثعلب وجماعة: يجوز ذلك في كل جملة نحو " يعجبنى تقوم " وقال الفراء وجماعة: جوازه مشروط بكون المسند إليها قلبيا، وباقترانها بأداة معلقة نحو " ظهر لى أقام زيد، وعلم هل قعد عمرو " وفيه نظر، لان أداة التعليق بأن تكون مانعة أشبه من أن تكون مجوزة، وكيف تعلق الفعل عما هو منه كالجزء ؟ وبعد فعندي أن المسألة صحيحة، ولكن مع الاستفهام خاصة دون سائر المعلقات، وعلى أن الاسناد إلى مضاف محذوف لا إلى الجملة الاخرى، ألا ترى أن المعنى ظهر لى جواب أقام زيد، أي جواب قول القائل ذلك ؟ وكذلك في " علم أقعد عمرو " وذلك لابد من تقديره دفعا للتناقض، إذ ظهور الشئ والعلم به منافيان للاستفهام المقتضى للجهل به. فإن قلت: ليس هذا مما تصح فيه الاضافة إلى الجمل. قلت: قد مضى [ لنا ] عن قريب أن الجملة التى يراد بها اللفظ يحكم لها بحكم المفردات.

[ 402 ]

السابع: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض) زعم ابن عصفور أن البصريين يقدرون نائب الفاعل [ في قيل ] ضمير المصدر، وجملة النهى مفسرة لذلك الضمير، وقيل: الظرف نائب [ عن ] الفاعل، فالجملة في محل نصب، ويرد بأنه لا تتم الفائدة بالظرف، وبعدمه في (وإذا قيل إن وعد الله حق) والصواب أن النائب الجملة، لانها كانت قبل حذف الفاعل منصوبة بالقول، فكيف انقلبت مفسرة ؟ والمفعول به متعين للنيابة، وقولهم الجملة لا تكون فاعلا ولا نائبا عنه جوابه أن التى يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ نحو " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وفى المثل " زعموا مطية الكذب " ومن هنا لم يحتج الخبر إلى رابط في نحو " قولى لا إله إلا الله " كما لا يحتاج إليه الخبر المفرد الجامد. الثامن: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم) لان وعد يتعدى لاثنين، وليس الثاني هنا (لهم مغفرة)، لان ثانى مفعولي كسالا يكون جملة، بل هو محذوف، والجملة مفسرة له، وتقديره خيرا عظيما أو الجنة، وعلى الثاني فوجه التفسير إقامة السبب مقام المسبب، إذ الجنة مسببة عن استقرار الغفران والاجر. وقولى في الضابط " الفضلة " احترزت به عن الجملة المفسرة لضمير الشأن، فإنها كاشفة لحقيقة المعنى المراد به، ولها موضع بالاجماع، لانها خبر في الحال أو في الاصل، وعن الجملة المفسرة في باب الاشتغال [ في نحو " زيدا ضربته " ] فقد قيل: إنها تكون ذات محل كما سيأتي، وهذا القيد أهملوه ولا بد منه. مسألة - قولنا إن الجملة المفسرة لا محل لها خالف فيه الشلوبين، فزعم أنها بحسب ما تفسره، فهى في نحو " زيدا ضربته " لا محل لها، وفى نحو (إنا كل شئ

[ 403 ]

خلقناه بقدر) ونحو " زيد الخبز يأكله " بنصب الخبز - في محل رفع، ولهذا يظهر الرفع إذا قلت آكله، وقال: 642 - فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن * [ ومن لا نجره يمس منا مفزعا ] فظهر الجزم، وكأن الجملة المفسرة عنده عطف بيان أو بدل، ولم يثبت الجمهور وقوع البيان والبدل جملة، وقد بينت أن جملة الاشتغال ليست من الجمل التى تسمى في الاصطلاح جملة مفسرة وإن حصل فيها تفسير، ولم يثبت جواز حذف المعطوف عليه عطف البيان، واختلف في المبدل منه، وفى البغداديات لابي على أن الجزم في ذلك بأداة شرط مقدرة، فإنه قال ما ملخصه: إن الفعل المحذوف والفعل المذكور في نحو قوله: * لا تجزعي إن منفسا أهلكته * [ 273 ] مجزومان في التقدير، وإن انجزام الثاني ليس على البدلية، إذ لم يثبت حذف المبدل منه، بل على تكرير إن، أي إن أهلكت منفسا إن أهلكته، وساغ إضمار إن وإن لم يجز إضمار لام الامر إلا ضرورة لاتساعهم فيها، بدليل إيلائهم إياها الاسم، ولان تقدمها مقو للدلالة عليها، ولهذا أجاز سيبويه " بمن تمرر أمرر " ومنع " من تضرب أنزل " لعدم دليل على المحذوف، وهو عليه، حتى تقول " عليه " وقال فيمن قال " مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح " بالخفض: إنه أسهل من إضمار رب بعد الواو، ورب شئ يكون ضعيفا ثم يحسن للضرورة كما في " ضرب غلامه زيدا " فإنه ضعيف جدا، وحسن في نحو " ضربوني وضربت قومك " واستغنى بجواب الاولى عن جواب الثانية كما استغنى في نحو " أزيدا ظننته قائما " بثاني مفعولي ظننت المذكورة عن ثانى مفعولي ظننت المقدرة. الجملة الرابعة: المجاب بها القسم نحو (والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين)

[ 404 ]

ونحو (وتالله لاكيدن أصنامكم) ومنه (لينبذن في الحطمة) (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) يقدر لذلك ولما أشبهه القسم. ومما يحتمل جواب القسم (وإن منكم إلا واردها) وذلك بأن تقدر الواو عاطفة على (ثم لنحن أعلم) فإنه وما قبله أجوبة لقوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين) وهذا مراد ابن عطية من قوله: هو قسم، والواو تقتضيه، أي هو جواب قسم والواو هي المحصلة لذلك لانها عاطفة (1)، وتوهم أبو حيان عليه ما لا يتوهم على صغار الطلبة، وهو أن الواو حرف قسم، فرد عليه بأنه يلزم منه حذف المجرور وبقاء الجار وحذف القسم مع كون الجواب منفيا بإن. تنبيه - من أمثلة جواب القسم ما يخفى نحو (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون) (وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله) (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) وذلك لان أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، قاله كثيرون منهم الزجاج، ويوضحه (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) وقال الكسائي والفراء ومن وافقهما: التقدير بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن لا تسفكوا، ثم حذف الجار، ثم أن فارتفع الفعل، وجوز الفراء أن يكون الاصل النهى، ثم أخرج مخرج الخبر، ويؤيده أن بعده (وقولوا) (وأقيموا) (وآتوا). ومما يحتمل الجواب وغيره قول الفرزدق: 643 - تعش فإن عاهدتني لا تخوننى * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فجملة النفى إما جواب لعاهدتني. كما قال: 644 - أرى محرزا عاهدته ليوافقن * فكان كمن أغريته بخلاف


(1) في نسخة " عطفت ". (*)

[ 405 ]

فلا محل لها، أو حال من الفاعل أو المفعول أو كليهما فمحلها النصب، والمعنى شاهد للجوابية، وقد يحتج للحالية بقوله أيضا: 645 - ألم ترنى عاهدت ربى، وإنني * لبين رتاج قائما ومقام على حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من في زور كلام وذلك أنه عطف " خارجا " على محل جملة " لا أشتم " فكأنه قال " حلفت غير شاتم ولا خارجا " والذى عليه المحققون أن " خارجا " مفعول مطلق، والاصل ولا يخرج خروجا، ثم حذف الفعل وأناب الوصف عن المصدر، كما عكس في قوله تعالى (إن أصبح ماؤكم غورا) لان المراد أنه حلف بين باب الكعبة وبين مقام إبراهيم أنه لا يشتم مسلما في المستقبل ولا يتكلم بزور، لا أنه حلف في حال اتصافه بهذين الوصفين على شئ آخر. مسألة - قال ثعلب: لا تقع جملة القسم خبرا، فقيل في تعليله: لان نحو " لافعلن " لا محل له، فإذا بنى على مبتدأ فقيل " زيد ليفعلن " صار له موضع، وليس بشئ، لانه إنما منع وقوع الخبر جملة قسمية، لا جملة هي جواب القسم، ومراده أن القسم وجوابه لا يكونان خبرا، إذ لا تنفك إحداهما عن الاخرى، وجملتا القسم والجواب يمكن أن يكون لهما محل من الاعراب كقولك: " قال زيد أقسم لافعلن " وإنما المانع عنده إما كون جملة القسم لا ضمير فيها فلا تكون خبرا، لان الجملتين ههنا ليستا كجملتي الشرط والجزاء، لان الجملة الثانية ليست معمولة لشئ من الجملة الاولى، ولهذا منع بعضهم وقوعها صلة، وإما كون الجملة - أعنى

[ 406 ]

جملة القسم - إنشائية، والجملة الواقعة خبرا لابد من احتمالها للصدق والكذب، ولهذا منع قوم من الكوفيين - منهم ابن الانباري - أن يقال: " زيد اضربه، وزيد هل جاءك ! ". وبعد فعندي أن كلا من التعليلين ملغى. أما الاول فلان الجملتين مرتبطتان ارتباطا صارتا به كالجملة [ الواحدة ] وإن لم يكن بينهما عمل، وزعم ابن عصفور أن السماع قد جاء بوصل الموصول بالجملة القسمية وجوابها، وذلك قوله تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم) قال: فما موصولة لا زائدة، وإلا لزم دخول اللام على اللام، انتهى. وليس بشئ، لان امتناع دخول اللام على اللام إنما هو لامر لفظي، وهو ثقل التكرار، والفاصل يزيله ولو كان زائدا، ولهذا اكتفى بالالف فاصلة بين النونات في " اذهبنان " وبين الهمزتين في (أأنذرتهم) وإن كانت زائدة، وكان الجيد أن يستدل بقوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن) فإن قيل: تحتمل من الموصوفية، أي لفريقا ليبطئن، قلنا: وكذا ما في الآية، أي لقوم ليوفينهم، ثم إنه لا يقع صفة إلا ما يقع صلة، فالاستدلال ثابت وإن قدرت صفة، فإن قيل: فما وجهه والجملة الاولى إنشائية ؟ قلت: جاز لانها غير مقصودة، وإنما المقصود جملة الجواب، وهى خبرية، ولم يؤت بجملة القسم إلا لمجرد التوكيد، لا للتأسيس. وأما الثاني فلان الخبر الذى شرطه احتمال الصدق والكذب الخبر الذى هو قسيم الانشاء، لا خبر المبتدأ، للاتفاق على أن أصله الافراد، واحتمال الصدق والكذب إنما هو من صفات الكلام، وعلى جواز " أين زيد ؟ وكيف عمرو ؟ " وزعم ابن مالك أن السماع ورد بما منعه ثعلب وهو قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم) وقوله:

[ 407 ]

646 - جشأت فقلت: اللذ خشيت ليأتين * [ وإذا أتاك فلات حين مناص ] وعندي لما استدل به تأويل لطيف، وهو أن المبتدأ في ذلك كله ضمن معنى الشرط، وخبره منزل منزلة الجواب، فإذا قدر قبله قسم كان الجواب له، وكان خبر المبتدأ المشبه لجواب الشرط محذوفا، للاستغناء بجواب القسم المقدر قبله، ونظيره في الاستغناء بجواب القسم المقدر قبل الشرط المجرد من لام التوطئة نحو (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن) التقدير: والله ليمس لئن لم ينتهوا يمسن. تنبيه - وقع لمكى وأبى البقاء وهم في جملة الجواب فأعرباها إعرابا يقتضى أن لها موضعا. فأما مكى فقال في قوله تعالى (كتب ربكم على نفسه الرحمة ليجمعنكم) إن ليجمعنكم بدل من الرحمة، وقد سبقه إلى هذا الاعراب غيره، ولكنه زعم أن اللام بمعنى أن المصدرية وأن من ذلك (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) أي أن يسجنوه، ولم يثبت مجئ اللام مصدرية، وخلط مكى فأجاز البدلية مع قوله إن اللام لام جواب القسم، والصواب أنها لام الجواب، وأنها منقطعة مما قبلها إن قدر قسم أو متصلة به اتصال الجواب بالقسم إن أجرى " بدا " مجرى أقسم كما أجرى علم في قوله: * ولقد علمت لتأتين منيتى * [ 641 ] وأما أبو البقاء فإنه قال في قوله (لما آتيتكم من كتاب وحكمة - الآية) من فتح اللام ففى ما وجهان: أحدهما: أنها موصولة مبتدأ، والخبر إما (من كتاب) أي للذى آتيتكموه من الكتاب، أو (لتؤمنن به)، واللام جواب القسم، لان أخذ الميثاق قسم، و (جاءكم) عطف على (آتيتكم)، والاصل ثم جاءكم به، فحذف عائد ما، أو الاصل

[ 408 ]

مصدق له، ثم ناب الظاهر عن المضمر، أو العائد ضمير " استقر " الذى تعلقت به مع. والثانى: أنها شرطية، واللام موطئة، وموضع " ما " نصب بآتيت، والمفعول الثاني ضمير المخاطب، و (من كتاب) مثل من آية في (ما ننسخ من آية) اه‍. ملخصا، وفيه أمور: أحدها: أن إجازته كون (من كتاب) خبرا فيه الاخبار عن الموصول قبل كمال صلته، لان (ثم جاءكم) عطف على الصلة. الثاني: أن تجويزه كون (لتؤمنن) خبرا مع تقديره إياه جوابا لاخذ الميثاق يقتضى أن له موضعا، وأنه لا موضع له، وإنما كان حقه أن يقدره جوابا لقسم محذوف، ويقدر الجملتين خبرا، وقد يقال: إنما أراد بقوله " اللام جواب القسم لان أخذ الميثاق قسم " أن أخذ الميثاق دال على جملة قسم مقدرة، ومجموع الجملتين الخبر، وإنما سمى (لتؤمنن) خبرا، لانه الدال على المقصود بالاصالة، لا أنه وحده هو الخبر بالحقيقة وأنه لا قسم مقدر، بل أخذ الله ميثاق النبيين هو جملة القسم، وقد يقال: لو أراد هذا لم يحصر الدليل فيما ذكره، للاتفاق على أن وجود المضارع مفتتحا بلام مفتوحة مختتما بنون موكدة دليل قاطع على القسم، وإن لم يذكر معه أخذ الميثاق أو نحوه. والثالث: أن تجويزه كون العائد ضمير استقر يقتضى عود ضمير مفرد إلى شيئين معا، فإنه عائد إلى الموصول. والرابع: أنه جوز حذف العائد المجرور مع أن الموصول غير مجرور، فإن قيل: اكتفى بكلمة به الثانية فيكون كقوله: 647 - ولو أن ما عالجت لين فؤادها * فقسا استلين به للان الجندل قلنا: قد جوز على هذا الوجه عود به المذكورة إلى الرسول، لا إلى ما.

[ 409 ]

والخامس: أنه سمى ضمير (آتيتكم) مفعولا ثانيا، وإنما هو مفعول أول. مسألة - زعم الاخفش في قوله: إذا قال: قدنى، قال: بالله حلفة * لتغنى عنى ذا إنائك أجمعا [ 344 ] أن " لتغنى " جواب القسم، وكذا قال في (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) لان قبله (وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا) الآية، وليس فيه ما يكون (ولتصغى) معطوفا عليه، والصواب خلاف قوله، لان الجواب لا يكون إلا جملة، ولام كى وما بعدها في تأويل المفرد، وأما ما استدل به فمتعلق اللام فيه محذوف، أي لتشربن لتغنى عنى، وفعلنا ذلك لتصغى. الجملة الخامسة: الواقعة جوابا لشرط غير جازم مطلقا، أو جازم ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية، فالاول جواب لو ولولا ولما وكيف، والثانى نحو " إن تقم أقم " وإن قمت قمت " أما الاول فلظهور الجزم في لفظ الفعل، وأما الثاني فلان المحكوم لموضعه بالجزم الفعل، لا الجملة بأسرها. الجملة السادسة: الواقعة صلة لاسم أو حرف، فالاول نحو " جاء الذى قام أبوه " فالذي في موضع رفع، والصلة لا محل لها، وبلغني عن بعضهم أنه كان يلقن أصحابه أن يقولوا: إن الموصول وصلته في موضع كذا، محتجا بأنهما ككلمة واحدة، والحق ما قدمت لك، بدليل ظهور الاعراب في نفس الموصول في نحو " ليقم أيهم في الدار، ولالزمن أيهم عندك، وامرر بأيهم هو أفضل " وفى التنزيل (ربنا أرنا اللذين أضلانا) وقرئ (أيهم أشد) بالنصب، وروى * فسلم على أيهم أفضل * [ 117 ] بالخفض، وقال الطائى:

[ 410 ]

648 - [ فإما كرام موسرون لقيتهم ] * فحسبي من ذى عندهم ما كفانيا وقال العقيلى: 649 - نحن الذون صبحوا الصباحا * [ يوم النخيل غارة ملحاحا ] وقال الهذلى: 650 - هم اللاؤن فكوا الغل عنى * والثانى نحو " أعجبني أن قمت، أو ما قمت " إذا قلنا بحرفية ما المصدرية، وفى هذا النوع يقال: الموصول وصلته في موضع كذا، لان الموصول حرف فلا إعراب له لا لفظا ولا محلا، وأما قول أبى البقاء في (بما كانوا يكذبون): إن ما مصدرية وصلتها (يكذبون) وحكمه مع ذلك بأن يكذبون في موضع نصب خبرا لكان، فظاهره متناقض، ولعل مراده أن المصدر إنما ينسبك من ما ويكذبون، لا منها ومن كان، بناء على قول أبى العباس وأبى بكر وأبى على وأبى الفتح وآخرين: إن كان الناقصة لا مصدر لها. الجملة السابعة: التابعة لما لا محل له نحو " قام زيد ولم يقم عمرو " إذا قدرت الواو عاطفة، لا واو الحال. الجمل التى لها محل من الاعراب وهى أيضا سبع: الجملة الاولى: الواقعة خبرا، وموضعها رفع في بابى المبتدأ وإن، ونصب في بابى كان وكاد، واختلف في نحو " زيد اضربه، وعمرو هل جاءك " فقيل: محل الجملة التى بعد المبتدأ رفع على الخبرية، وهو صحيح، وقيل: نصب بقول مضمر هو الخبر، بناء على أن الجملة الانشائية لا تكون خبرا، وقد مر إبطاله. الجملة الثانية: الواقعة حالا، وموضعها نصب، نحو (ولا تمنن تستكثر)

[ 411 ]

ونحو (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) (قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون) ومنه (ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) فجملة استمعوه حال من مفعول يأتيهم، أو من فاعله، وقرئ (محدثا) لان الذكر مختص بصفته مع أنه قد سبق بالنفى، فالحالان على الاول - وهو أن يكون استمعوه حالا من مفعول يأتيهم - مثلهما في قولك " ما لقى الزيدين عمر ومصعدا إلا منحدرين " وعلى الثاني - وهو أن يكون جملة استمعوه حالا من فاعل يأتيهم - مثلهما في قولك " ما لقى الزيدين عمرو راكبا إلا ضاحكا " وأما (وهم يلعبون) فحال من فاعل (استمعوه) فالحالان متداخلتان، ولاهية حال من فاعل (يلعبون) وهذا من التداخل أيضا، أو من فاعل (استمعوه) فيكون من التعدد لا من التداخل. ومن مثل الحالية أيضا قوله عليه الصلاة والسلام " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " وهو من أقوى الادلة على أن انتصاب " قائما " في " ضربي زيدا قائما " على الحال، لا على أنه خبر لكان محذوفة، إذ لا يقترن الخبر بالواو، وقولك " ما تكلم فلان إلا قال خيرا " كما تقول " ما تكلم إلا قائلا خيرا "، وهو استثناء مفرغ من أحول عامة محذوفة، وقول الفرزدق: بأيدى رجال لم يشيموا سيوفهم * ولم تكثر القتلى بها حين سلت [ 582 ] لان تقدير العطف مفسد للمعنى، وقول كعب رضى الله عنه: 651 - [ شجت بذى شبم من ماء محنية ] * صاف بأبطح أضحى وهو مشمول وأضحى تامة.

[ 412 ]

الجملة الثالثة: الواقعة مفعولا، ومحلها النصب إن لم تنب عن فاعل، وهذه النيابة مختصة بباب القول نحو (ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون) لما قدمناه من أن الجملة التى يراد بها لفظها تنزل منزلة الاسماء المفردة. قيل: وتقع أيضا في الجملة المقرونة بمعلق، نحو " علم أقام زيد " وأجاز هؤلاء وقوع هذه فاعلا، وحملوا عليه (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) (أولم يهد لهم كم أهلكنا) (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) والصواب خلاف ذلك، وعلى قول هؤلاء فيزاد في الجمل التى لها محل الجملة الواقعة فاعلا. فإن قلت: وينبغى زيادتها على ما قدمت اختياره من جواز ذلك مع الفعل القلبى المعلق بالاستفهام فقط نحو " ظهر لى أقام زيد ". قلت: إنما أجزت ذلك على أن المسند إليه مضاف محذوف، لا الجملة. وتقع الجملة مفعولا في ثلاثة أبواب. أحدها: باب الحكاية بالقول أو مرادفه، فالاول نحو (قال إنى عبد الله) وهل هي مفعول به أو مفعول مطلق نوعي كالقرفصاء في " قعد القرفصاء " إذ هي دالة على نوع خاص من القول ؟ فيه مذهبان، ثانيهما اختيار ابن الحاجب، قال: والذى غر الاكثرين أنهم ظنوا أن تعلق الجملة بالقول كتعلقها بعلم في " علمت لزيد منطلق " وليس كذلك، لان الجملة نفس القول والعلم غير المعلوم فافترقا، اه‍. والصواب قول الجمهور: إذ يصح أن يخبر عن الجملة بأنها مقولة كما يخبر عن زيد من " ضربت زيدا " بأنه مضروب، بخلاف القرفصاء في المثال فلا يصح أن يخبر عنها بأنها مقعودة، لانها نفس القعود، وأما تسمية النحويين الكلام قولا فكتسمينهم إياه لفظا، وإنما الحقيقة أنه مقول وملفوظ.

[ 413 ]

والثانى: نوعان: ما معه حرف التفسير كقوله: وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * وتقليننى، لكن إياك لا أقلى [ 114 ] وقولك " كتبت إليه أن افعل " إذا لم تقدر باء الجر، والجملة في هذا النوع مفسرة للفعل فلا موضع لها. وما ليس معه حرف التفسير، نحو (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفى لكم الدين) ونحو (ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا) وقراءة بعضهم (فدعا ربه إنى مغلوب) بكسر الهمزة، وقوله: 652 - رجلان من مكة أخبرانا * إنا رأينا رجلا عريانا روى بكسر " إن " فهذه الجمل في محل نصب اتفاقا، ثم قال البصريون: النصب بقول مقدر، وقال الكوفيون: بالفعل المذكور، ويشهد للبصريين التصريح بالقول في نحو (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلى) ونحو (إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إنى وهن العظم منى) وقول أبى البقاء في قوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) إن الجملة الثانية في موضع نصب بيوصى، قال: لان المعنى يفرض لكم أو يشرع لكم في أمر أولادكم، وإنما يصح هذا على قول الكوفيين، وقال الزمخشري: إن الجملة الاولى إجمال، والثانية تفصيل لها، وهذا يقتضى أنها عنده مفسرة ولا محل لها، وهو الظاهر. تنبيهات - الاول: من الجمل المحكية ما قد يخفى، فمن ذلك في المحكية بعد القول (فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون) والاصل إنكم لذائقون عذابي، ثم عدل إلى التكلم، لانهم تكلموا بذلك عن أنفسهم، كما قال:

[ 414 ]

653 - ألم تر أنى يوم جو سويقة * بكيت فنادتني هنيدة ماليا والاصل مالك، ومنه في المحكية بعد ما فيه معنى القول (أم لكم كتاب فيه تدرسون، إن لكم فيه لما تخيرون) أي تدرسون فيه هذا اللفظ، أو تدرسون فيه قولنا هذا الكلام، وذلك إما على أن يكونوا خوطبوا بذلك في الكتاب على زعمهم، أو الاصل إن لهم لما يتخيرون، ثم عدل إلى الخطاب عند مواجهتهم، وقد قيل في قوله تعالى (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) إن يدعو في معنى يقول مثلها في قول عنترة: 654 - يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الادهم فيمن رواه " عنتر " بالضم على النداء، وإن (من) مبتدأ، و (لبئس المولى) خبره، وما بينهما جملة اسمية صلة، وجملة (من) وخبرها محكية بيدعو، أي أن الكافر يقول ذلك في يوم القيامة، وقيل: من مبتدأ حذف خبره: أي إلهه، وإن ذلك حكاية لما يقول في الدنيا، وعلى هذا فالاصل يقول: الوثن إلهه، ثم عبر عن الوثن بمن ضره أقرب من نفعه، تشنيعا على الكافر. الثاني: قد يقع بعد القول ما يحتمل الحكاية وغيرها نحو " أتقول موسى في الدار " فلك أن تقدر موسى مفعولا أول وفى الدار مفعولا ثانيا على إجراء القول مجرى الظن، ولك أن تقدرهما مبتدأ وخبرا على الحكاية كما في قوله تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) الآية، ألا ترى أن القول قد استوفى شروط إجرائه مجرى الظن ومع هذا جئ بالجملة بعده محكية.

[ 415 ]

الثالث: قد يقع بعد القول جملة محكية ولا عمل للقول فيها، وذلك نحو " أول قولى إنى أحمد الله " إذا كسرت إن، لان المعنى أول قولى هذا اللفظ، فالجملة خبر لا مفعول، خلافا لابي على، زعم أنها في موضع نصب بالقول، فبقى المبتدأ بلا خبر فقدر موجود أو ثابت، وهذا المقدر يستغنى عنه، بل هو مفسد للمعنى، لان " أول قولى إنى أحمد الله " باعتبار الكلمات إن وباعتبار الحروف الهمزة، فيفيد الكلام على تقديره الاخبار بأن ذلك الاول ثابت، ويقتضى بمفهومه أن بقية الكلام غير ثابت، اللهم إلا أن يقدر أول زائدا، والبصريون لا يجيزونه، وتبع الزمخشري أبا على في التقدير المذكور، والصواب خلاف قولهما، فإن فتحت فالمعنى حمد الله، يعنى بأى عبارة كانت. الرابع: قد تقع الجملة بعد القول غير محكية به، وهى نوعان: محكية بقول آخر محذوف كقوله تعالى (فماذا تأمرون) بعد (قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم) لان قولهم تم عند قوله (من أرضكم) ثم التقدير: فقال فرعون، بدليل (قالوا أرجه وأخاه) وقول الشاعر: 655 - قالت له وهو بعيش ضنك * لا تكثري لومى وخلى عنك التقدير قالت له: أتذكر قولك لى إذ ألومك في الاسراف في الانفاق، لا تكثري لومى، فحذف المحكية بالمذكور، وأثبت المحكية بالمحذوف. وغير محكية، وهى نوعان: دالة على المحكية، كقولك " قال زيد لعمرو في حاتم أتظن حاتما بخيلا " فحذف المقول، وهو " حاتم بخيل " مدلولا عليه بجملة الانكار التى هي من كلامك دونه، وليس من ذلك قوله تعالى: (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا) وإن كان الاصل والله أعلم

[ 416 ]

أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر، ثم حذفت مقالتهم مدلولا عليها بجملة الانكار، لان جملة الانكار هنا محكية بالقول الاول، وإن لم تكن محكية بالقول الثاني، وغير دالة عليه نحو (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا)، وقد مر البحث فيها. الخامس: قد يوصل بالمحكية غير محكى، وهو الذى يسميه المحدثون مدرجا، ومنه (وكذلك يفعلون) بعد حكاية قولها، وهذه الجملة ونحوها مستأنفة لا يقدر لها قول. الباب الثاني من الابواب التى تقع فيها الجملة مفعولا: باب ظن وأعلم، فإنها تقع مفعولا ثانيا لظن وثالثا لاعلم، وذلك لان أصلهما الخبر، ووقوعه جملة سائغ كما مر، وقد اجتمع وقوع خبرى كان وإن والثانى من مفعولي باب ظن جملة في قول أبى ذؤيب: 656 - فإن تزغمينى كنت أجهل فيكم * فإنى شريت الحلم بعدك بالجهل الباب الثالث: باب التعليق، وذلك غير مختص بباب ظن، بل هو جائز في كل فعل قلبى، ولهذا انقسمت هذه الجملة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون في موضع مفعول مقيد بالجار، نحو (أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة) (فلينظر أيها أزكى طعاما) (يسألون أيان يوم الدين) لانه يقال: فكرت فيه، وسألت عنه، ونظرت فيه، ولكن علقت هنا بالاستفهام عن الوصول في اللفظ إلى المفعول، وهى من حيث المعنى طالبة له على معنى ذلك الحرف. وزعم ابن عصفور أنه لا يعلق فعل غير علم وظن حتى يضمن معناهما، وعلى هذا فتكون هذه الجملة سادة مسد المفعولين.

[ 417 ]

واختلف في قوله تعالى: (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) فقيل: التقدير ينظرون أيهم يكفل مريم، وقيل: يتعرفون، وقيل. يقولون: فالجملة على التقدير الاول مما نحن فيه، وعلى الثاني في موضع المفعول به المسرح، أي غير مقيد بالجار، وعلى الثالث ليست من باب التعليق البتة. والثانى: أن تكون في موضع المفعول المسرح، نحو " عرفت من أبوك " وذلك لانك تقول: عرفت زيدا، وكذا " علمت من أبوك " إذا أردت علم بمعنى عرف، ومنه قول بعضهم " أما ترى أي برق ههنا " لان رأى البصرية وسائر أفعال الحواس إنما تتعدى لواحد بلا خلاف، إلا " سمع " المعلقة باسم عين نحو " سمعت زيدا يقرأ " فقيل: (سمع) متعدية لاثنين ثانيهما الجملة، وقيل: إلى واحد والجملة حال، فإن علقت بمسموع فمتعدية لواحد اتفاقا، نحو (يوم يسمعون الصيحة بالحق). وليس من الباب (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) خلافا ليونس، لان " ننزع " ليس بفعل قلبى، بل أي موصولة لا استفهامية، وهى المفعول، وضمتها بناء لا إعراب، وأشد: خبر لهو محذوفا، والجملة صلة. والثالث: أن تكون في موضع المفعولين، نحو (ولتعلمن أينا أشد عذابا) (لنعلم أي الحزبين أحصى) ومنه (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) لان أيا مفعول مطلق لينقلبون، لا مفعول به ليعلم، لان الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ومجموع الجملة الفعلية في محل نصب بفعل العلم. ومما يوهمون في إنشاده وإعرابه: 657 - ستعلم ليلى أي دين تداينت * وأى غريم للتقاضى غريمها [ ص 515 ]

[ 418 ]

والصواب فيه نصب " أي " الاولى على حد انتصابها في (أي منقلب) إلا أنها مفعول به، لا مفعول مطلق، ورفع " أي " الثانية مبتدأ، وما بعدها الخبر، والعلم معلق عن الجملتين المتعاطفتين الفعلية والاسمية. واختلف في نحو " عرفت زيدا من هو " فقيل: جملة الاستفهام حال، ورد بأن الجمل الانشائية لا تكون حالا، وقيل: مفعول ثان على تضمين عرف معنى علم، ورد بأن التضمين لا ينقاس، وهذا التركيب مقيس، وقيل: بدل من المنصوب، ثم اختلف، فقيل: بدل اشتمال، وقيل: بدل كل، والاصل عرفت شأن زيد، وعلى القول بأن عرف بمعنى علم فهل يقال: إن الفعل معلق أم لا ؟ قال جماعة من المغاربة: إذا قلت " علمت زيدا لابوه قائم " أو " ما أبوه قائم " فالعامل معلق عن الجملة، وهو عامل في محلها النصب على أنها مفعول ثان، وخالف في ذلك بعضهم، لان الجملة حكمها في مثل هذا أن تكون في موضع نصب، وأن لا يؤثر العامل في لفظها وإن لم يوجد معلق، وذلك نحو " علمت زيدا أبوه قائم " واضطرب في ذلك كلام الزمخشري فقال في قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) في سورة هود: إنما جاز تعليق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم، لانه طريق إليه، فهو ملابس له، كما تقول " أنظر أيهم أحسن وجها، واستمع أيهم أحسن صوتا " لان النظر والاستماع من طرق العلم، اه‍. ولم أقف على تعليق النظر البصري والاستماع إلا من جهته، وقال في تفسير الآية في سورة الملك: ولا يسمى هذا تعليقا، وإنما التعليق أن يوقع بعد العامل ما يسد مسد منصوبيه جميعا ك‍ " - علمت أيهما عمرو " ألا ترى أنه لا يفترق الحال - بعد تقدم أحد المنصوبين - بين مجئ ماله الصدر وغيره ؟ ولو كان تعليقا لافترقا كما افترقا في " علمت زيدا منطلقا، وعلمت أزيد منطلق ". تنبيه - فائدة الحكم على محل الجملة في التعليق بالنصب ظهور ذلك في التابع، فتقول " عرفت من زيد وغير ذلك من أموره " واستدل به ابن عصفور بقول كثير:

[ 419 ]

658 - وما كنت أدرى قبل عزة ما البكى * ولا موجعات القلب حتى تولت بنصب " موجعات " ولك أن تدعى أن البكى مفعول، وأن " ما " زائدة، أو أن الاصل " ولا أدرى موجعات " فيكون من عطف الجمل، أو أن الواو للحال وموجعات اسم لا، أي وما كنت أدرى قبل عزة والحال أنه لا موجعات للقلب موجودة ما البكاء، ورأيت بخط الامام بهاء الدين بن النحاس رحمه الله: أقمت مدة أقول: القياس جواز العطف على محل الجملة المعلق عنها بالنصب، ثم رأيته منصوصا، اه‍. وممن نص عليه ابن مالك، ولا وجه للتوقف فيه مع قولهم: إن المعلق عامل في المحل. الجملة الرابعة: المضاف إليها، ومحلها الجر، ولا يضاف إلى الجملة إلا ثمانية: أحدها: أسماء الزمان، ظروفا كانت أو أسماء، نحو (والسلام على يوم ولدت) ونحو (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) ونحو (لينذر يوم التلاق يومهم بارزون) ونحو (هذا يوم لا ينطقون) ألا ترى أن اليوم ظرف في الاولى، ومفعول ثان في الثانية، وبدل منه في الثالثة، وخبر في الرابعة، ويمكن في الثالثة أن يكون ظرفا ليخفى من قوله تعالى (لا يخفى على الله منهم شئ). ومن أسماء الزمان ثلاثة إضافتها إلى الجملة واجبة: إذ باتفاق، وإذا عند الجمهور ولما عند من قال باسميتها، وزعم سيبويه أن اسم الزمان المبهم إن كان مستقبلا فهو كإذا في اختصاصه بالجمل الفعلية، وإن كان ماضيا فهو كإذ في الاضافة إلى الجملتين فتقول " آتيك زمن يقدم الحاج " ولا يجوز " زمن الحاج قادم " وتقول " أتيتك زمن قدم الحاج، وزمن الحاج قادم " ورد عليه دعوى اختصاص المستقبل بالفعلية بقوله تعالى (يومهم بارزون) وبقول الشاعر: 659 - وكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب [ ص 582 ]

[ 420 ]

وأجاب ابن عصفور عن الآية بأنه إنما يشترط حمل الزمان المستقبل على إذا إذا كان ظرفا، وهى في الآية بدل من المفعول به لا ظرف، ولا يأتي (1) هذا الجواب في البيت، والجواب الشامل لهما أن يوم القيامة لما كان محقق الوقوع جعل كالماضي، فحمل على إذ، لا على إذا، على حد (ونفخ في الصور). الثاني: حيث، وتختص بذلك عن سائر أسماء المكان، وإضافتها إلى الجملة لازمة، ولا يشترط لذلك كونها ظرفا، وزعم المهدوى شارح الدريدية - وليس بالمهدوى المفسر المقرئ - أن حيث في قوله: 660 - ثمت راح في الملبين إلى * حيث تحجى المأزمان ومنى لما خرجت عن الظرفية بدخول إلى عليها خرجت عن الاضافة إلى الجمل، وصارت الجملة بعدها صفة لها، وتكلف تقدير رابط لها، وهو فيه، وليس بشئ، لما قدمنا في أسماء الزمان. الثالث: آية بمعنى علامة، فإنها تضاف جوازا إلى الجملة الفعلية المتصرف فعلها مثبتا أو منفيا بما، كقوله: 661 - بآية يقدمون الخيل شعثا * [ كأن على سنابكها مداما ] [ ص 638 ] وقوله: 662 - [ الكنى إلى قومي السلام رسالة ] * بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا [ ص 421 ] وهذا قول سيبويه، زعم أبو الفتح أنها إنما تضاف إلى المفرد نحو (آية ملكه أن يأتيكم التابوت) وقال الاصل بآية ما يقدمون، أي بآية إقدامكم كما قال: 663 - [ ألا من مبلغ عنى تميما ] * بآية ما تحبون الطعاما [ ص 638 ] اه‍ وفيه حذف موصول حرفي غير أن وبفاء صلته، ثم هو غير متأت في قوله:


(1) في نسخة " ولا يتأتى ". (*)

[ 421 ]

* بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا * [ 662 ] الرابع: ذو في قولهم " اذهب بذى تسلم " والباء في ذلك ظرفية، وذى صفة لزمن محذوف، ثم قال الاكثرون: هي بمعنى صاحب، فالموصوف نكرة، أي أذهب في وقت صاحب سلامة، أي في وقت هو مظنة السلامة، وقيل: بمعنى الذى فالموصوف معرفة، والجملة صلة فلا محل لها، والاصل: اذهب في الوقت الذى تسلم فيه، ويضعفه أن استعمال ذى موصولة مختص بطيئ، ولم ينقل اختصاص هذا الاستعمال بهم، وأن الغالب عليها في لغتهم البناء، ولم يسمع هنا إلا الاعراب وأن حذف العائد المجرور هو والموصول بحرف متحد المعنى مشروط باتحاد المتعلق نحو (ويشرب مما تشربون) والمتعلق هنا مختلف، وأن هذا العائد لم يذكر في وقت، وبهذا الاخير يضعف قول الاخفش في (يا أيها الناس) إن أيا موصولة والناس خبر لمحذوف، والجملة صلة وعائد، أي يا من هم الناس، على أنه قد حذف العائد حذفا لازما في نحو * ولا سيما يوم * [ 219 ] فيمن رفع، أي لا مثل الذى هو يوم، ولم يسمع في نظائره ذكر العائد، ولكنه نادر، فلا يحسن الحمل عليه. والخامس، والسادس: لدن وريث، فإنهما يضافان جوازا إلى الجملة الفعلية التى فعلها متصرف، ويشترط كونه مثبتا، بخلافه مع آية. فأما لدن فهى اسم لمبدأ الغاية، زمانية كانت أو مكانية، ومن شواهدها قوله: 664 - لزمنا لدن سألتمونا وفاقكم * فلا يك منكم للخلاف جنوح وأما ريث فهى مصدر راث إذا أبطأ، وعوملت معاملة أسماء الزمان في الاضافة إلى الجملة، كما عوملت المصادر معاملة أسماء الزمان في التوقيت كقولك " جئتك صلاة العصر " قال: 665 - خليلي رفقا رث أقضى آية * من العرصات المذكرات عهودا

[ 422 ]

وزعم ابن مالك في كافيته وشرحها أن الفعل بعدهما على إضمار أن، والاول قوله في التسهيل وشرحه، وقد يعذر في ريث، لانها ليست زمانا، بخلاف لدن، وقد يجاب بأنها لما كانت لمبدأ الغايات مطلقا لم تخلص للوقت، وفى الغرة لابن الدهان أن سيبويه لا يرى جواز إضافتها إلى الجملة، ولهذا قال في قوله: 666 - * من لد شولا [ فإلى إتلائها ] * إن تقديره من لد أن كانت شولا، ولم يقدر من لد كانت. والسابع والثامن: قول وقائل كقوله: 667 - قول يا للرجال ينهض منا * مسرعين الكهول والشبانا وقوله: 668 - وأجبت قائل كيف أنت بصالح * حتى مللت وملنى عوادى والجملة الخامسة: الواقعة بعد الفاء أو إذا جوابا لشرط جازم، لانها لم تصدر بمفرد يقبل الجزم لفظا كما في قولك " إن تقم أقم " ومحلا كما في قولك " إن جئتني أكرمتك " مثال المقرونة بالفاء (من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم) ولهذا قرئ بجزم يذر عطفا على المحل، ومثال المقرونة بإذا (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) والفاء المقدرة كالموجودة كقوله: * من يفعل الحسنات الله يشكرها * [ 81 ] ومنه عند المبرد نحو " إن قمت أقوم " وقول زهير: 669 - وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالى ولا حرم

[ 423 ]

وهذا أحد الوجهين عند سيبويه، والوجه الآخر أنه على التقديم والتأخير: فيكون دليل الجواب لا عينه، وحينئذ فلا يجزم ما عطف عليه، ويجوز أن يفسر ناصبا لما قبل الاداة، نحو " زيدا إن أتانى أكرمه " ومنع المبرد تقدير التقديم، محتجا بأن الشئ إذا حل في موضعه لا ينوى به غيره، وإلا لجاز " ضرب غلامه زيدا " وإذا خلا الجواب الذى لم يجزم لفظه من الفاء وإذا نحو " إن قام زيد قام عمرو " فمحل الجزم محكوم به للفعل لا للجملة، وكذا القول في فعل الشرط، قيل: ولهذا جاز نحو " إن قام ويقعدا أخواك " على إعمال الاول، ولو كان محل الجزم للجملة بأسرها لزم العطف على الجملة قبل أن تكمل. تنبيه - قرأ غير أبى عمرو (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن) بالجزم، فقيل: عطف على ما قبله على تقدير إسقاط الفاء، وجزم (أصدق) ويسمى العطف على المعنى، ويقال له في غير القرآن العطف على التوهم، وقيل: عطف على محل الفاء وما بعدها وهو (أصدق) ومحله الجزم، لانه جواب التحضيض، ويجزم بإن مقدرة وإنه كالعطف على (من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم) بالجزم، وعلى هذا فيضاف إلى الضابط المذكور أن يقال: أو جواب طلب، ولا تقيد هذه المسألة بالفاء: لانهم أنشدوا على ذلك قوله: 670 - فأبلوني بليتكم لعلى * أصالحكم وأستدرج نويا (1) [ ص 477 ] وقال أبو على: عطف " أستدرج " على محل الفاء الداخلة في التقدير على لعلى وما بعدها، قلت: فكأن هذا [ هنا ] بمنزلة: * من يفعل الحسنات الله يشكرها * [ 81 ] في باب الشرط، وبعد فالتحقيق أن العطف في الباب من العطف على المعنى،


(1) أبلوني: أعطوني، والبلية: الناقة يربطونها على قبر صاحبها حتى تموت، ونويا أي نواى، قلب الالف ياء وأدغمها في باء المتكلم على لغة هذيل. ومعناه الجهة التى ينويها. (*)

[ 424 ]

لان المنصوب بعد الفاء في تأويل الاسم، فكيف يكون هو والفاء في محل الجزم ؟ وسأوضح ذلك في باب أقسام العطف. الجملة السادسة: التابعة لمفرد، وهى ثلاثة أنواع: أحدها: المنعوت بها، فهى في موضع رفع في نحو (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) ونصب في نحو (واتقوا يوما ترجعون فيه) وجر في نحو (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) ومن مثل المنصوبة المحل (ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا) (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) الآية، فجملة (تكون لنا عيدا) صفة لمائدة، وجملة (تطهرهم وتزكيهم) صفة لصدقة، ويحتمل أن الاولى حال من ضمير مائدة المستتر في (من السماء) على تقديره صفة لها لا متعلقا بأنزل، أو من (مائدة) على هذا التقدير، لانها قد وصفت، وأن الثانية حال من ضمير (خذ) ونحو (فهب لى من لدنك وليا يرثنى) أي وليا وارثا، وذلك فيمن رفع (يرث) وأما من جزمه فهو جواب للدعاء، ومثل ذلك (أرسله معى ردا يصدقني) قرئ برفع يصدق وجزمه. والثانى: المعطوفة بالحرف نحو " زيد منطلق وأبوه ذاهب " إن قدرت الواو عاطفة على الخبر، فان قدرت العطف على الجملة فلا موضع لها، أو قدرت الواو واو الحال فلا تبعية والمحل نصب. وقال أبو البقاء في قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة): الاصل فهى تصبح، والضمير للقصة، و (تصبح) خبره، أو (تصيح) بمعنى أصبحت، وهو معطوف على (أنزل) فلا محل له إذا، اه‍. وفيه إشكالان: أحدهما أنه لا محوج في الظاهر لتقدير ضمير القصة، والثانى تقديره الفعل المعطوف على الفعل المخبر به لا محل له.

[ 425 ]

وجواب الاول أنه قد يكون قدر الكلام مستأنفا، والنحويون يقدرون في مثل ذلك مبتدأ كما قالوا في " وتشرب اللبن " فيمن رفع: إن التقدير: وأنت تشرب اللبن، وذلك إما لقصدهم إيضاح الاستئناف، أو لانه لا يستأنف إلا على هذا التقدير، وإلا لزم العطف الذى هو مقتضى الظاهر. وجواب الثاني أن الفاء نزلت الجملتين منزلة الجملة الواحدة، ولهذا اكتفى فيهما بضمير واحد، وحينئذ فالخبر مجموعهما كما في جملتي الشرط والجزاء الواقعتين خبرا، والمحل لذلك المجموع، وأما كل منهما فجزء الخبر، فلا محل له، فافهمه فإنه بديع. ويجب على هذا أن يدعى أن الفاء في ذلك وفى نظائره من نحو " زيد يطير الذباب فيغضب " قد أخلصت لمعنى السببية، وأخرجت عن العطف، كما أن الفاء كذلك في جواب الشرط، وفى نحو " أحسن إليك فلان فأحسن إليه " ويكون ذكر أبى البقاء للعطف تجوزا أو سهوا. ومما يلحق بهذا البحث أنه إذا قيل: " قال زيد عبد الله منطلق وعمرو مقيم " فليست الجملة الاولى في محل نصب والثانية تابعة لها، بل الجملتان معا في موضع نصب، ولا محل لواحدة منهما، لان المقول مجموعهما، وكل منهما جزء للمقول، كما أن جزأى الجملة الواحدة لا محل لواحد منهما باعتبار القول، فتأمله. الثالث: المبدلة كقوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم) فإن وما عملت فيه بدل من ما وصلتها، وجاز إسناد يقال إلى الجملة كما جاز في (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها) هذا كله إن كان المعنى ما يقول الله لك إلا ما قد قيل، فأما إن كان المعنى ما يقول لك كفار قومك من الكلمات المؤذية إلا مثل ما قد قال الكفار الماضون لانبيائهم، وهو الوجه الذى بدأ به الزمخشري، فالجملة استئناف.

[ 426 ]

ومن ذلك (وأسروا النجوى) ثم قال الله تعالى: (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتاتون السحر) قال الزمخشري: هذا في موضع نصب بدلا من النجوى، ويحتمل التفسير: وقال ابن جنى في قوله: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة * وبالشأم أخرى كيف يلتقيان ؟ [ 339 ] جملة الاستفهام بدل من حاجة وأخرى، أي إلى الله أشكو حاجتى (1) تعذر التقائهما الجملة السابعة: التابعة لجملة لها محل، ويقع ذلك في بابى النسق والبدل خاصة فالاول نحو " زيد قام أبوه وقعد أخوه " إذا لم تقدر الواو للحال، ولا قدرت العطف على الجملة الكبرى. والثانى شرطه كون الثانية أوفى من الاولى بتأدية المعنى المراد، نحو (واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون) (فإن دلالة الثانية على نعم الله مفصلة، بخلاف الاولى، وقوله: 671 - أقول له ارحل لا تقيمن عندنا * [ وإلا فكن في السر والجهر مسلما ] [ ص 456 ] فإن دلالة الثانية على ما أراده من إظهار الكراهية لاقامته بالمطابقة، بخلاف الاولى. قيل: ومن ذلك قوله: 672 - ذكرتك والخطى يخطر بيننا * وقد نهلت منا المثقفة السمر فإنه أبدل " وقد نهلت " من قوله " والخطى يخطر بيننا " بدل اشتمال، اه‍. وليس متعينا، لجواز كونه من باب النسق، على أن تقدر الواو للعطف، ويجوز أن تقدر واو الحال، وتكون الجملة حالا، إما من فاعل ذكرتك على المذهب


(1) في نسخة " أشكو حاجتين ". (*)

[ 427 ]

الصحيح في جواز ترادف الاحوال، وإما من فاعل يخطر فتكون الحالان متداخلتين، والرابط على هذا الواو، وإعادة صاحب الحال بمعناه، فإن المثقفة السمر هي الرماح. ومن غريب هذا الباب قولك " قلت لهم قوموا أولكم وآخركم " زعم ابن مالك أن التقدير: ليقم أولكم وآخركم، وأنه من باب بدل الجملة من الجملة لا المفرد من المفرد، كما قال في العطف في نحو (اسكن أنت وزوجك الجنة) و (لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) و (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده). تنبيه - هذا الذى ذكرته - من انحصار الجمل التى لها محل في سبع - جار على ما قرروا، والحق أنها تسع، والذى أهملوه: الجملة المستثناة، والجملة المسند إليها. أما الاولى فنحو (لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله) قال ابن خروف: من مبتدأ، ويعذبه الله الخبر، والجملة في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وقال الفراء في قراءة بعضهم (فشربوا منه إلا قليل منهم): إن (قليل) مبتدأ حذف خبره أي لم يشربوا، وقال جماعة في (إلا امرأتك) بالرفع: إنه مبتدأ والجملة بعده خبر، وليس من ذلك نحو " ما مررت بأحد إلا زيد خير منه " لان الجملة هنا حال من أحد باتفاق، أو صفة له عند الاخفش، وكل منهما قد مضى ذكره، وكذلك الجملة في (إلا إنهم ليأكلون الطعام) فإنها حال، وفى نحو " ما علمت زيدا إلا يفعل الخير " فإنها مفعول، وكل ذلك قد ذكر. وأما الثانية فنحو (سواء عليهم أأنذرتهم) الآية إذا أعرب سواء خبرا، وأنذرتهم مبتدأ، ونحو " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " إذا لم تقدر الاصل أن تسمع، بل يقدر تسمع قائما مقام السماع كما أن الجملة بعد الظرف في نحو (ويوم نسير الجبال) وفى نحو (أأنذرتهم) في تأويل المصدر، وإن لم يكن معها (1) حرف سابك


(1) في نسخة " معهما " بالتثنية - ولها وجه. (*)

[ 428 ]

واختلف في الفاعل ونائبه هل يكونان جملة أم لا، فالمشهور المنع مطلقا، وأجازه هشام وثعلب مطلقا نحو " يعجبنى قام زيد " وفصل الفراء وجماعة ونسبوه لسيبويه فقالوا: إن كان الفعل قلبيا ووجد معلق عن العمل نحو " ظهر لى أقام زيد " صح، وإلا فلا، وحملوا عليه (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين) ومنعوا " يعجبنى يقوم زيد " وأجازهما هشام وثعلب، واحتجا بقوله: 673 - وما راعني إلا يسير بشرطة * [ وعهدي به قينا يسير بكير ] ومنع الاكثرون ذلك كله، وأولوا ما ورد مما يوهمه، فقالوا: في بدا ضمير البداء، وتسمع ويسير على إضمار أن. وأما قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض) وقوله عليه الصلاة والسلام " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة " وقول العرب " زعموا مطية الكذب " فليس من باب الاسناد إلى الجملة، لما بينا في غير هذا الموضع. حكم الجمل بعد المعارف وبعد النكرات يقول المعربون على سبيل التقريب: الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال. وشرح المسألة مستوفاة أن يقال: الجمل الخبرية التى لم يستلزمها ما قبلها: إن كانت مرتبطة بنكرة محضة فهى صفة لها، أو بمعرفة محضة فهى حال عنها، أو بغير المحضة منهما فهى محتملة لهما، وكل ذلك بشرط وجود المقتضى وانتفاء المانع. مثال النوع الاول - وهو الواقع صفة لا غير لوقوعه بعد النكرات المحضة - قوله تعالى (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم) (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) ومنه (حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) وإنما أعيد ذكر الاهل لانه لو قيل استطعماهم مع أن المراد وصف القرية لزم

[ 429 ]

خلو الصفة من ضمير الموصوف، ولو قيل استطعماها كان مجازا، ولهذا كان هذا الوجه أولى من أن تقدر الجملة جوابا لاذا، لان تكرار الظاهر يعرى حينئذ عن هذا المعنى، وأيضا فلان الجواب في قصة الغلام (قال أقتلت) لا قوله (فقتله) لان الماضي. المقرون بقد لا يكون جوابا، فليكن (قال) في هذه الآية أيضا جوابا. ومثال النوع الثاني - وهو الواقع حالا لا غير لوقوعه بعد المعارف المحضة - (ولا تمنن تستكثر) (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى). ومثال النوع النوع الثالث - وهو المحتمل لهما بعد النكرة - (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) فلك أن تقدر الجملة صفة للنكرة وهو الظاهر، ولك أن تقدرها حالا منها لانها قد تخصصت بالوصف وذلك يقربها من المعرفة، حتى إن أبا الحسن أجاز وصفها بالمعرفة فقال في قوله تعالى (فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان) إن الاوليان صفة لآخران لوصفه بيقومان، ولك أن تقدرها حالا من المعرفة وهو الضمير في (مبارك) إلا أنه قد يضعف من حيث المعنى وجها الحال، أما الاول فلان الاشارة إليه لم تقع في حالة الانزال كما وقعت الاشارة إلى البعل في حالة الشيخوخة في (وهذا بعلى شيخا) وأما الثاني فلاقتضائه تقييد البركة بحالة الانزال، وتقول " ما فيها أحد يقرأ " فيجوز الوجهان أيضا، لزوال الابهام عن النكرة بعمومها (1) ومثال النوع الرابع - وهو المحتمل لهما بعد المعرفة - (كمثل الحمار يحمل أسفارا) فإن المعرف الجنسى يقرب في المعنى من النكرة، فيصح تقدير (يحمل) حالا أو وصفا ومثله (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) وقوله: * ولقد أمر على اللئيم يسبنى * [ 142 ] وقد اشتمل الضابط المذكور على قيود: أحدها: كون الجملة خبرية، واحترزت بذلك من نحو " هذا عبد بعتكه "


(1) في نسخة " لعمومها ". (*)

[ 430 ]

تريد بالجملة الانشاء، و " هذا عبدى بعتكه " كذلك، فإن الجملتين مستأنفتان، لان الانشاء لا يكون نعتا ولا حالا، ويجوز أن يكونا خبرين آخرين إلا عند من منع تعدد الخبر مطلقا، وهو اختيار ابن عصفور، وعند من منع تعدده مختلفا بالافراد والجملة، وهو أبو على، وعند من منع وقوع الانشاء خبرا، وهم طائفة من الكوفيين. ومن الجمل ما يحتمل الانشائية والخبرية فيختلف الحكم باختلاف التقدير، وله أمثلة: منها: قوله تعالى (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) فإن جملة (أنعم الله عليهما) تحتمل الدعاء فتكون معترضة، والاخبار فتكون صفة ثانية، ويضعف من حيث المعنى أن تكون حالا، ولا يضعف في الصناعة لوصفها بالظرف. ومنها: قوله تعالى (أو جاءوكم حصرت صدورهم) فذهب الجمهور إلى أن (حصرت صدورهم) جملة خبرية، ثم اختلفوا فقال جماعة منهم الاخفش: هي حال من فاعل جاء على إضمار قد، ويؤيده قراءة الحسن (حصرة صدورهم) وقال آخرون: هي صفة، لئلا يحتاج إلى إضمار قد، ثم اختلفوا فقيل: الموصوف منصوب محذوف، أي قوما حصرت صدورهم، ورأوا أن إضمار الاسم أسهل من إضمار حرف المعنى، وقيل: مخفوض مذكور وهم قوم المتقدم ذكرهم، فلا إضمار البتة، وما بينهما اعتراض، ويؤيده أنه قرئ بإسقاط (أو) وعلى ذلك فيكون (جاءوكم) صفة لقوم، ويكون (حصرت) صفة ثانية، وقيل: بدل اشتمال من (جاءوكم) لان المجئ مشتمل على الحصر، وفيه بعد، لان الحصر من صفة الجائين، وقال أبو العباس المبرد: الجملة إنشائية معناها الدعاء، مثل (غلت أيديهم) فهى مستأنفة، ورد بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجه. ومن ذلك قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)

[ 431 ]

فإنه يجوز أن تقدر لا ناهية ونافية، وعلى الاول فهى مقولة لقول محذوف هو الصفة. أي فتنة مقولا فيها ذلك، ويرجحه أن توكيد الفعل بالنون بعد لا الناهية قياس نحو (ولا تحسبن الله غافلا) وعلى الثاني فهى صفة لفتنة، ويرجحه سلامته من تقدير. القيد الثاني: صلاحيتها للاستغناء عنها، وخرج بذلك جملة الصلة، وجملة الخبر، والجملة المحكية بالقول، فإنها لا يستغنى عنها، بمعنى أن معقولية القول متوقفة عليها وأشباه ذلك. القيد الثالث: وجود المقتضى، واحترزت بذلك عن نحو (فعلوه) من قوله تعالى (وكل شئ فعلوه في الزبر) فإنه صفة لكل أو لشئ، ولا يصح أن يكون حالا من كل مع جواز الوجهين في نحو " أكرم كل رجل جاءك " لعدم ما يعمل في الحال، ولا يكون خبرا، لانهم لم يفعلوا كل شئ، ونظيره قوله تعالى (لولا كتاب من الله سبق) يتعين كون (سبق) صفة ثانية، لا حالا من الكتاب، لان الابتداء لا يعمل في الحال، ولا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، لان أبا الحسن حكى أن الحال لا يذكر بعد لولا كما لا يذكر الخبر، ولا يكون خبرا، لما أشرنا إليه، ولا ينقض الاول بقوله " لولا رأسك مدهونا " ولا الثاني بقول الزبير رضى الله عنه: 674 - ولولا بنوها حولها لخبطتها * [ كخبطة عصفور ولم أتلعثم ] لندورهما، وأما قول ابن الشجرى في (ولولا فضل الله عليكم): إن عليكم خبر، فمردود، بل هو متعلق بالمبتدأ، والخبر محذوف. القيد الرابع: انتفاء المانع، والمانع أربعة أنواع، أحدها: ما يمنع حالية كانت متعينة لولا وجوده، ويتعين حينئذ الاستئناف نحو " زارني زيد سأكافئه " أو

[ 432 ]

" لن أنسى له ذلك " فإن الجملة بعد المعرفة المحضة حال، ولكن السين ولن مانعان، لان الحالية لا تصدر بدليل استقبال، وأما قول بعضهم في (وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين): إن (سيهدين) حال كما تقول " سأذهب مهديا " فسهو. والثانى: ما يمنع وصفية كانت متعينة لولا وجود المانع، ويمتنع فيه الاستئناف، لان المعنى على تقييد المتقدم، فتتعين الحالية بعد أن كانت ممتنعة، وذلك نحو (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية) وقوله: 675 - مضى زمن والناس يستشفعون بى * [ فهل لى إلى ليلى الغداة شفيع ] والمعارض فيهن الواو، فإنها لا تعترض بين الموصوف وصفته، خلافا للزمخشري ومن وافقه. والثالث: ما يمنعهما معا، نحو (وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون) وقد مضى البحث فيها، والرابع: ما يمنع أحدهما دون الآخر ولولا المانع لكانا جائزين، وذلك نحو " ما جاءني أحد إلا قال خيرا " فإن جملة القول كانت قبل وجود إلا محتمله للوصفية والحالية، ولما جاءت إلا امتنعت الوصفية ومثله: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) وأما (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) فللوصفية مانعان الواو وإلا، ولم ير الزمخشري وأبو البقاء واحدا منهما مانعا، وكلام النحويين بخلاف ذلك، وقال الاخفش: لا تفصل إلا بين الموصوف وصفته، فإن قلت " ما جاءني رجل إلا راكب " فالتقدير إلا رجل راكب، يعنى أن راكبا صفة لبدل محذوف، قال وفيه قبح، لجعلك الصفة كالاسم، يعنى في إيلائك إياها العامل، وقال الفارسى: لا يجوز " ما مررت بأحد إلا قائم " فإن قلت " إلا قائما " جاز، ومثل ذلك قوله: 676 - وقائله تخشى على: أظنه * سيؤدى به ترحاله وجعائله (1)


(1) قرأ الدسوقي " أظنه " بوزن أعزة، وجعله جمع ظن، كما قرأ " سيردى به " وليس بشئ (*)

[ 433 ]

فإن جملة " تخشى على " حال من الضمير في قائلة، ولا يجوز أن يكون صفة لها، لان اسم الفاعل لا يوصف قبل العمل، والله أعلم. الباب الثالث من الكتاب في ذكر أحكام ما يشبه الجملة، وهو الظرف والجار والمجرور. ذكر حكمها في التعلق لابد من تعلقهما بالفعل، أو ما يشبهه، أو ما أول بما يشبهه، أو ما يشير إلى معناه، فإن لم يكن شئ من هذه الاربعة موجودا قدر، كما سيأتي. وزعم الكوفيون وابنا طاهر وخروف أنه لا تقدير في نحو " زيد عندك " وعمرو في الدار " ثم اختلفوا، فقال ابنا طاهر وخروف: الناصب المبتدأ، وزعما أنه يرفع الخبر إذا كان عينه نحو " زيد أخوك " وينصبه إذا كان غيره، وأن ذلك مذهب سيبويه، وقال الكوفيون: الناصب أمر معنوى، وهو كونهما مخالفين للمبتدأ. ولا معول على هذين المذهبين. مثال التعلق بالفعل وما يشبهه (1) قوله تعالى (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) وقول ابن دريد: 677 - واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جزل الغضا [ ص 652 ] وقد تقدر " في " الاولى متعلقة بالمبيض، فيكون تعلق الجارين بالاسم، ولكن تعلق الثاني بالاشتعال يرجح تعلق الاول بفعله، لانه أتم لمعنى التشبيه، وقد يجوز تعلق " في " الثانية بكون محذوف حالا من النار، ويبعده أن الاصل عدم الحذف.


(1) في نسخة " بالفعل وشبهه ". (*)

[ 434 ]

ومثال التعلق بما أول بمشبه الفعل قوله تعالى (وهو الذى في السماء إله وفى الارض إله) أي وهو الذى هو إله في السماء، ففى متعلقة بإله، وهو اسم غير صفة، بدليل أنه يوصف فتقول " إله واحد " ولا يوصف به لا يقال " شئ إله " وإنما صح التعلق به لتأوله بمعبود، وإله خبر لهو محذوفا، ولا يجوز تقدير إله مبتدأ مخبرا عنه بالظرف أو فاعلا بالظرف، لان الصلة حينئذ خالية من العائد، ولا يحسن تقدير الظرف صلة وإله بدلا من الضمير المستتر فيه، وتقدير (وفى الارض إله) معطوفا كذلك، لتضمنه الابدال من ضمير العائد مرتين، وفيه بعد، حتى قيل بامتناعه، ولان الحمل على الوجه البعيد ينبغى أن يكون سببه التخلص به من محذور، فأما أن يكون هو موقعا فيما يحتاج (1) إلى تأويلين فلا، ولا يجوز على هذا الوجه أن يكون (وفى الارض إله) مبتدأ وخبرا، لئلا يلزم فساد المعنى إن استؤنف، وخلو الصلة من عائد إن عطف. ومن ذلك أيضا قوله: 678 - وإن لساني شهدة يشتفى بها * وهو على من صبه الله علقم أصله " علقم عليه " فعلى المحذوفة متعلقة بصبه،، والمذكورة متعلقة بعلقم، لتأوله بصعب، أو شاق، أو شديد. ومن هنا كان الحذف شاذا، لاختلاف متعلقي جار الموصول وجار العائد. ومثال التعلق بما فيه رائحته قوله: 679 - * أنا أبو المنهال بعض الاحيان * [ ص 514 ] وقوله: 680 - أنا ابن ماوية إذ جد النقر * [ وجاءت الخيل أثافى زمر ] فتعلق بعض وإذ بالاسمين العلمين، لا لتأولهما باسم يشبه الفعل، بل لما فيهما من


(1) في نسخة " موقعا فيما يحوج - إلخ. (*)

[ 435 ]

معنى قولك الشجاع أو الجواد. وتقول " فلان حاتم في قومه " فتعلق الظرف بما في حاتم من معنى (1) الجود، ومن هنا رد على الكسائي في استدلاله على إعمال اسم الفاعل المصغر بقول بعضهم " أظنني مرتحلا وسويرا فرسخا " وعلى سيبويه في استدلاله على إعمال فعيل بقوله: 681 - حتى شآها كليل موهنا عمل * [ باتت طرابا وبات الليل لم ينم ] وذلك أن " فرسخا " ظرف مكان و " موهنا " ظرف زمان، والظرف يعمل فيه روائح الفعل، بخلاف المفعول به، ويوضح كون الموهن ليس مفعولا به أن كليلا من كل، وفعله لا يعدى، واعتذر عن سيبويه بأن كليلا بمعنى مكل، وكأن البرق يكل الوقت بدوامه فيه، كما يقال " أتعبت يومك " أو بأنه إنما استشهد به على أن فاعلا يعدل إلى فعيل للمبالغة، ولم يستدل به على الاعمال، وهذا أقرب، فإن في الاول حمل الكلام على المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة، وقال ابن مالك في قول الشاعر: * ونعم من هو في سر وإعلان * [ 535 ] يجوز كون من موصولة فاعلة بنعم، وهو: مبتدأ خبره هو أخرى مقدرة، وفى: متعلقة بالمقدرة، لان فيها معنى الفعل، أي الذى هو مشهور، انتهى: والاولى أن يكون المعنى الذى هو ملازم لحالة واحدة في سر وإعلان، وقدر أبو على من هذه تمييزا، والفاعل مستتر، وقد أجيز في قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفى الارض) نعلقه باسم الله تعالى وإن كان علما، على معنى وهو المعبود، وهو المسمى بهذا الاسم، وأجيز تعلقه بيعلم، وبسركم وجهركم، وبخبر محذوف قدره الزمخشري بعالم، ورد الثاني بأن فيه تقديم معمول المصدر وتنازع عاملين في متقدم، وليس بشئ لان المصدر هنا ليس مقدرا بحرف مصدري وصلته، ولانه قد جاء نحو (بالمؤمنين


(1) العبارة الدقيقة " فتعلق الظرف بحاتم لما فيه من معنى الجواد ". (*)

[ 436 ]

رؤوف رحيم) والظرف متعلق بأحد الوصفين قطعا، فكذا هنا، ورد أبو حيان الثالث بأن " في " لا تدل على عالم ونحوه من الاكوان الخاصة، وكذا رد على تقديرهم (فطلقوهن لعدتهن) مستقبلات لعدتهن، وليس بشئ، لان الدليل ما جرى في الكلام من ذكر العلم، فإن بعده (يعلم سركم وجهركم) وليس الدليل حرف الجر، ويقال له: إذا كنت تجيز الحذف للدليل المعنوي مع عدم ما يسد مسده فكيف تمنعه مع وجود ما يسد ؟ وإنما اشترطوا الكون المطلق لوجوب الحذف، لا لجوازه. ومثال التعلق بالمحذوف (وإلي ثمود أخاهم صالحا) بتقدير وأرسلنا ولم يتقدم ذكر الارسال، ولكن ذكر النبي والمرسل إليهم يدل على ذلك، ومثله (في تسع آيات إلى فرعون) ففى وإلى متعلقان باذهب محذوفا (وبالوالدين إحسانا) أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا مثل (وقد أحسن بى) أو وصيناهم بالوالدين إحسانا مثل (ووصينا الانسان بوالديه حسنا) ومنه باء البسملة. هل يتعلقان بالفعل الناقص ؟ من زعم أنه لا يدل على الحدث منع من ذلك، وهم المبرد فالفارسي فابن جنى فالجرجاني فابن برهان ثم الشلوبين، والصحيح أنها كلها دالة عليه إلا ليس. واستدل لمثبتي ذلك التعلق بقوله تعالى: (أكان للناس عجبا أن أوحينا) فإن اللزم لا تتعلق بعجبا، لانه مصدر مؤخر، ولا بأوحينا لفساد المعنى، ولانه صلة لان، وقد مضى عن قريب أن المصدر الذى ليس في تقدير حرف موصول ولا صلته لا يمتنع التقديم عليه، ويجوز أيضا أن تكون متعلقة بمحذوف هو حال من عجبا على حد قوله: لمية موحشا طلل * [ يلوح كأنه خلل ] [ 125 ]

[ 437 ]

هل يتعلقان بالفعل الجامد ؟ زعم الفارسى في قوله: ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه * ونعم من هو في سر وإعلان [ 535 ] أن من نكرة تامة تمييز لفاعل نعم مستترا، كما قال هو وطائفة في " ما " من نحو (فنعما هي) إن الظرف متعلق بنعم، وزعم ابن مالك أنها موصولة فاعل، وأن هو مبتدأ خبره هو أخرى مقدرة على حد * شعرى شعرى * [ 536 ] وإن الظرف متعلق بهو المحذوفة لتضمنها معنى الفعل، أي ونعم الذى هو باق على وده في سره وإعلانه، وإن المخصوص محذوف، أي بشر بن مروان، وعندي أن يقدر المخصوص هو، لتقدم ذكر بشر في البيت قبله، وهو: 682 - وكيف أرهب أمرا أو أراع به * وقد زكأت إلى بشر بن مروان ؟ فيبقى التقدير حينئذ هو هو هو. هل يتعلقان بأحرف المعاني ؟ المشهور منع ذلك مطلقا، وقيل بجوازه مطلقا، وفصل بعضهم فقال: إن كان نائبا عن فعل حذف جاز ذلك على طريق (1) النيابة لا الاصالة، وإلا فلا، وهو قول أبى على وأبى الفتح، زعما في نحو " يا لزيد " أن اللام متعلقة بيا، بل قالا في " يا عبد الله " إن النصب بيا، وهو نظير قولهما في قوله: * أبا خراشة أما أنت ذا نفر * [ 44 ] إن " ما " الزائدة هي الرافعة الناصبة، لا كان المحذوفة.


(1) في نسخة " على " سبيل النيابة. (*)

[ 438 ]

وأما الذين قالوا بالجواز مطلقا فقال بعضهم في قول كعب بن زهير رضى الله تعالى عنه: 683 - وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول غداة البين: ظرف للنفي، أي انتفى كونها في هذا الوقت إلا كأغن. وقال ابن الحاجب في (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) إذ بدل من اليوم، واليوم إما ظرف للنفع المنفى، وإما لما في لن من معنى النفى، أي انتفى في هذا اليوم النفع، فالمنفى نفع مطلق، وعلى الاول نفع مقيد باليوم. وقال أيضا: إذا قلت " ما ضربته للتأديب " فإن قصدت نفى ضرب معلل بالتأديب فاللام متعلقة بالفعل، والمنفى ضرب مخصوص، وللتأديب: تعليل للضرب المنفى، وإن قصدت نفى الضرب كل حال فاللام متعلقة بالنفى والتعليل له، أي أن انتفاء الضرب كان لاجل التأديب، لانه قد يؤدب بعض الناس بترك الضرب، ومثله في التعلق بحرف النفى " ما أكرمت المسئ لتأديبه، وما أهنت المحسن لمكافأته "، إذ لو علق هذا بالفعل فسد المعنى المراد، ومن ذلك قوله تعالى (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) الباء متعلقة بالنفى، إذ لو علقت بمجنون لافاد نفى جنون خاص، وهو الجنون الذى يكون من نعمة الله تعالى، وليس في الوجود جنون هو نعمة، ولا المراد نفى جنون خاص، اه‍ ملخصا. وهو كلام بديع، إلا أن جمهور النحويين لا يوافقون على صحة التعلق بالحرف، فينبغي على قولهم أن يقدر أن التعلق بفعل دل عليه النافي، أي انتفى ذلك بنعمة ربك. وقد ذكرت في شرحي لقصيدة كعب رضى الله تعالى عنه أن المختار تعلق الظرف بمعنى التشبيه الذى تضمنه البيت، وذلك على أن الاصل: وما كسعاد إلا ظبى أغن، على التشبيه المعكوس للمبالغة، لئلا يكون الظرف متقدما في التقدير على اللفظ الحامل لمعنى التشبيه، وهذا الوجه هو اختيار ابن عمرون، وإذا جاز لحرف التشبيه أن يعمل في الحال في نحو قوله:

[ 439 ]

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالى [ 465 ] مع أن الحال شبيهة بالمفعول به، فعمله في الظرف أجدر. فإن قلت: لا يلزم من صحة إعمال المذكور [ صحة ] إعمال المقدر، لانه أضعف. قلت: قد قالوا " زيد زهير شعرا وحاتم جودا " وقيل في المنصوب فيهما: إنه حال أو تمييز، وهو الظاهر، وأيا كان فالحجة قائمة [ به ]، وقد جاء أبلغ من ذلك، وهو إعماله في الحالين، وذلك في قوله: 684 - تعيرنا أننا عالة * ونحن صعاليك أنتم ملوكا إذ المعنى تعيرنا أننا فقراء، ونحن في حال صعلكتنا مثلكم في حال ملككم. فإن قلت: قد أوجبت في بيت كعب بن زهير رضى الله عنه أن يكون من عكس التشبيه لئلا يتقدم الحال على عاملها المعنوي، فما الذى سوغ تقدم صعاليك هنا عليه ؟ قلت: سوغه الذى سوغ تقدم بسرا في " هذا بسرا أطيب منه رطبا " وإن كان معمول اسم التفضيل لا يتقدم عليه في نحو " لهو أكفؤهم ناصرا " وهو خشية اختلاط المعنى، إلا أن هذا مطرد ثم لقوة التفضيل. ونادر هنا لضعف حرف التشبيه. وهذا الذى ذكرته في البيت أجود ما قيل فيه، وفيه قولان آخران، أحدهما: ذكره السخاوى في كتابه سفر السعادة، وهو أن عالة من " عالنى الشئ " إذا اثقلني، و " ملوكا " مفعول: أي أننا نثقل الملوك بطرح كلنا عليهم، ونحن أنتم أي مثلكم في هذا الامر، فالاخبار هنا مثله في (وأزواجه أمهاتهم) والثانى قاله الحريري وقد سئل عن البيت، وهو أن التقدير: إنا عالة صعاليك نحن وأنتم، وقد خطئ في ذلك، وقيل: إنه كلام لا معنى له، وليس كذلك، بل هو متجه على

[ 440 ]

بعد فيه، وهو أن يكون صعاليك مفعول عالة، أي إنا نعول صعاليك، ويكون نحن توكيدا لضمير عالة، وأنتم توكيد لضمير مستتر في صعاليك، وحصل في البيت تقديم وتأخير للضرورة، ولم يتعرض لقوله " ملوكا " وكأنه عنده حال من ضمير عالة، والاولى على قوله أن يكون صعاليك حالا من محذوف، أي نعولكم صعاليك ويكون الحالان بمنزلتهما في " لقيته مصعدا منحدرا " فإنهم نصوا على أنه يكون الاول للثاني والثانى للاول، لان فصلا أسهل من فصلين، ويكون أنتم توكيدا للمحذوف، لا لضمير صعاليك لانه ضمير غيبة، وإنما جوزناه أولا لان الصعاليك هم المخاطبون، فيحتمل كونه راعى المعنى. ذكر ما لا يتعلق من حروف الجر يستثنى من قولنا " لابد لحرف الجر من متعلق " ستة أمور: أحدها: الحرف الزائد كالباء ومن في (كفى بالله شهيدا) (هل من خالق غير الله) وذلك لان معنى التعلق الارتباط المعنوي، والاصل أن أفعالا قصرت عن الوصول إلى الاسماء فأعينت على ذلك بحروف الجر، والزائد إنما دخل في الكلام تقوية له وتوكيدا، ولم يدخل للربط. وقول الحوفى إن الباء في (أليس الله بأحكم الحاكمين) متعلقة وهم، نعم يصح في اللام المقوية أن يقال إنها متعلقة بالعامل المقوى نحو (مصدقا لما معهم) و (فعال لما يريد) و (إن كنتم للرؤيا تعبرون) لان التحقيق أنها ليست زائدة محضة، بل لما تخيل في العامل من الضعف الذى نزله منزلة القاصر، ولا معدية محضة لاطراد صحة إسقاطها، فلها منزلة بين المنزلتين. الثاني: لعل في لغة عقيل، لانها بمنزلة الحرف الزائد، ألا ترى أن مجرورها في موضع رفع على الابتداء، بدليل ارتفاع ما بعده على الخبرية، قال:

[ 441 ]

* لعل أبى المغوار منك قريب * [ 470 ] ولانها لم تدخل لتوصيل عامل، بل لافادة معنى التوقع، كما دخلت " ليت " لافادة معنى التمنى، ثم إنهم جروا بها منبهة على أن الاصل في الحروف المختصة بالاسم أن تعمل الاعراب المختص به كحروف الجر. الثالث: لولا فيمن قال " لولاى، ولولاك، ولولاه " على قول سيبويه: إن لولا جارة للضمير، فإنها أيضا بمنزلة لعل في أن ما بعدها مرفوع المحل بالابتداء، فإن لولا الامتناعية تستدعى جملتين كسائر أدوات التعليق. وزعم أبو الحسن أن لولا غير جارة، وأن الضمير بعدها مرفوع، ولكنهم استعاروا ضمير الجر مكان ضمير الرفع، كما عكسوا في قولهم " ما أنا كأنت " وهذا كقوله في " عساى " ويردهما أن نيابة ضمير عن ضمير يخالفه في الاعراب إنما تثبت [ في الكلام ] في المنفصل، وإنما جاءت النيابة في المتصل بثلاثة شروط: كون المنوب عنه منفصلا، وتوافقهما في الاعراب، وكون ذلك في الضرورة، كقوله: 685 - [ وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ] * أن لا يجاورنا إلاك ديار وعليه خرج أبو الفتح قوله: 686 - نحن بغرس الودى أعلمنا * منا بركض الجياد في السدف فادعى أن " نا " مرفوع مؤكد للضمير في أعلم، وهو نائب عن نحن، ليتخلص بذلك من الجمع بين إضافة أفعل وكونه بمن، وهذ البيت أشكل على أبى على حتى جعله من تخليط الاعراب. والرابع: رب في نحو " رب رجل صالح لقيته، أو لقيت "، لان مجرورها

[ 442 ]

مفعول في الثاني، ومبتدأ في الاول، أو مفعول على حد " زيدا ضربته " ويقدر الناصب بعد المجرور لا قبل الجار، لان رب لها الصدر من بين حروف الجر، وإنما دخلت في المثالين لافادة التكثير أو التقليل، لا لتعدية عامل. هذا قول الرماني وابن طاهر. وقال الجمهور: هي فيهما حرف جر معد، فإن قالوا إنها عدت العامل المذكور فخطأ، لانه يتعدى بنفسه، ولاستيفائه معموله في المثال الاول، وإن قالوا عدت محذوفا تقديره حصل أو نحوه كما صرح به جماعة ففيه تقدير لما معنى الكلام مستغن عنه ولم يلفظ به في وقت. الخامس: كاف التشبيه، قاله الاخفش وابن عصفور، مستدلين بأنه إذا قيل " زيد كعمرو " فإن كان المتعلق استقر فالكاف لا تدل عليه، بخلاف نحو في من " زيد في الدار " وإن كان فعلا مناسبا للكاف - وهو أشبه - فهو متعد بنفسه لا بالحرف. والحق أن جميع الحروف الجارة الواقعة في موضع الخبر ونحوه تدل على الاستقرار. السادس: حرف الاستثناء، وهو خلا وعدا وحاشا، إذا خفضن، فإنهن لتنحية الفعل عما دخلن عليه، كما أن إلا كذلك، وذلك عكس معنى التعدية الذى هو إيصال معنى الفعل إلى الاسم، ولو صح أن يقال إنها متعلقة لصح ذلك في إلا، وإنما خفض بهن المستثنى ولم ينصب كالمستثنى بإلا لئلا يزول الفرق بينهن أفعالا وأحرفا. حكمهما بعد المعارف والنكرات حكمهما بعدهما حكم الجمل، فهما صفتان في نحو " رأيت طائرا فوق غصن،

[ 443 ]

أو على غصن "، لانهما بعد نكرة محضة، وحالان في نحو " رأيت الهلال بين السحاب، أو في الافق " لانهما بعد معرفة محضة، ومحتملان لهما في نحو " يعجبنى الزهر في أكمامه، والثمر على أغصانه "، لان المعرف الجنسى كالنكرة، وفى نحو " هذا ثمر يانع على أغصانه " لان النكرة الموصوفة كالمعرفة. حكم المرفوع بعدهما إذا وقع بعدهما مرفوع، فإن تقدمهما نفى أو استفهام أو موصوف أو موصول أو صاحب خبر أو حال نحو " ما في الدار أحد " و " أفى الدار زيد " و " مررت برجل معه صقر " و " جاء الذى في الدار أبوه " و " زيد عندك أخوه " و " مررت بزيد عليه جبة " ففى المرفوع ثلاثة مذاهب: أحدهما: أن الارجح كونه مبتدأ مخبرا عنه بالظرف أو المجرور، ويجوز كونه فاعلا. والثانى: أن الارجح كونه فاعلا، واختاره ابن مالك، وتوجيهه أن الاصل عدم التقديم والتأخير. والثالث: أنه يجب كونه فاعلا، نقله ابن هشام عن الاكثرين. وحيث أعرب فاعلا فهل عامله الفعل المحذوف أو الظرف أو المجرور لنيابتهما عن استقر وقربهما من الفعل لاعتمادهما ! فيه خلاف، والمذهب المختار الثاني، لدليلين: أحدهما امتناع تقديم الحال في نحو " زيد في الدار جالسا " ولو كان العامل الفعل لم يمتنع، ولقوله: 687 - [ فإن يك جثمانى بأرض سواكم ] * فإن فؤادى عندك الدهر أجمع فأكد الضمير المستتر في الظرف، والضمير لا يستتر إلا في عامله، ولا يصح أن

[ 444 ]

يكون توكيدا لضمير محذوف مع الاستقرار، لان التوكيد والحذف متنافيان، ولا لاسم إن على محله من الرفع بالابتداء، لان الطالب للمحل قد زال. واختار ابن مالك المذهب الاول، مع اعترافه بأن الضمير مستتر في الظرف وهذا تناقض، فإن الضمير لا يستكن إلا في عامله. وإن لم يعتمد الظرف أو المجرور نحو " في الدار - أو عندك - زيد " فالجمهور يوجبون الابتداء، والاخفش والكوفيون يجيزون الوجهين، لان الاعتماد عندهم ليس بشرط، ولذا يجيزون في نحو " قائم زيد " أن يكون قائم مبتدأ وزيد فاعلا وغيرهم يوجب كونهما على التقديم والتأخير. تنبيهات - الاول: يحتمل قول المتنبي يذكر دار المحبوب: 688 - ظلت بها تنطوى على كبد * نضيجة فوق خلبها يدها أن تكون اليد فيه فاعلة بنضيجة، أو بالظرف، أو بالابتداء، والاول أبلغ، لانه أشد للحرارة، والخلب: زيادة الكبد، أو حجاب القلب، أو ما بين الكبد والقلب، وأضاف اليد إلى الكبد للملابسة بينهما، فإنهما في الشخص. ولا خلاف في تعين الابتداء في نحو " في داره زيد " لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. فإن قلت " في داره قيام زيد " لم يجزها الكوفيون ألبتة، أما على الفاعلية فلما قدمنا، وأما على الابتدائية فلان الضمير لم يعد على المبتدأ، بل على ما ضيف إليه المبتدأ، والمستحق للتقديم إنما هو المبتدأ، وأجازه البصريون على أن يكون المرفوع مبتدأ لا فاعلا، كقولهم " في أكفانه درج الميت " وقوله:

[ 445 ]

689 - * بمسعاته هلك الفتى أو نجاته * وإذا كان الاسم في نية التقديم كان ما هو من تمامه كذلك. والارجح تعين الابتدائية في نحو " هل أفضل منك زيد " لان اسم التفضيل لا يرفع الفاعل الظاهر عند الاكثر على هذا الحد، وتجوز الفاعلية في لغة قليلة. ومن المشكل قوله: فخير نحن عند الناس منكم * [ إذا المثوب قال يالا ] [ 366 ]. لان قوله " نحن " إن قدر فاعلا لزم إعمال الوصف غير معتمد، ولم يثبت، وعمل أفعل في الظاهر في غير مسألة الكحل وهو ضعيف، وإن قدر مبتدأ لزم الفصل به وهو أجنبي بين أفعل ومن، وخرجه أبو على - وتبعه ابن خروف - على أن الوصف خبر لنحن محذوفة، وقدر نحن المذكورة توكيدا للضمير في أفعل. ما يجب فيه تعلقهما بمحذوف وهو ثمانية: أحدها: أن يقعا صفة نحو (أو كصيب من السماء) الثاني: أن يقعا حالا نحو (فخرج على قومه في زينته) وأما قوله سبحانه وتعالى: (فلما رآه مستقرا عنده) فزعم ابن عطية أن (مستقرا) هو المتعلق الذى يقدر في أمثاله قد ظهر، والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره من أن هذا الاستقرار معناه عدم التحرك، لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص. الثالث: أن يقعا صلة نحو (وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون). الرابع: أن يقعا خبرا، نحو " زيد عندك، أو في الدار " وربما ظهر في الضرورة كقوله:

[ 446 ]

690 - لك العز إن مولاك عز، وإن يهن * فأنت لدى بحبوبة الهون كان وفى شرح ابن يعيش: متعلق الظرف الواقع خبرا، صرح ابن جنى بجواز إظهاره، وعندي أنه إذا حذف ونقل ضميره إلى الظرف لم يجز إظهاره، لانه قد صار أصلا مرفوضا، فأما إن ذكرته أولا فقلت " زيد استقر عندك " فلا يمنع مانع منه، اه‍. وهو غريب. الخامس: أن يرفعا الاسم الظاهر نحو (أفى الله شك) ونحو (أو كصيب من السماء فيه ظلمات) ونحو " أعندك زيد ". والسادس: أن يستعمل محذوفا في مثل أو شبهه، كقولهم لمن ذكر أمرا قد تقادم عهده " حينئذ الآن " أصله: كان ذلك حينئذ واسمع الآن، وقولهم للمعرس " بالرفاء والبنين " بإضمار أعرست. والسابع: أن يكون المتعلق محذوفا على شريطة التفسير نحو " أيوم الجمعة صمت فيه " ونحو " بزيد مررت به " عند من أجازه مستدلا بقراءة بعضهم (وللظالمين أعد لهم) والاكثرون يوجبون في [ مثل ] ذلك إسقاط الجار، وأن يرفع الاسم بالابتداء أو ينصب بإضمار جاوزت أو نحوه، وبالوجهين قرئ في الآية، والنصب قراءة الجماعة، ويرجحها العطف على الجملة الفعلية، وهل الاولى أن يقدر المحذوف مضارعا، أي ويعذب، لمناسبة يدخل، أو ماضيا، أي وعذب، لمناسبة المفسر ؟ فيه نظر. والرفع بالابتداء، وأما القراءة بالجر فمن توكيد الحرف بإعادته داخلا على ضمير ما دخل عليه المؤكد، مثل " إن زيدا إنه فاضل " ولا يكون الجار والمجرور توكيدا للجار والمجرور، لان الضمير لا يؤكد الظاهر، لان الظاهر أقوى، ولا يكون المجرور بدلا من المجرور بإعادة الجار، لان العرب لم تبدل مضمرا من مظهر، لا يقولون " قام زيد هو " وإنما جوز ذلك بعض النحويين بالقياس.

[ 447 ]

والثامن: القسم بغير الباء نحو (والليل إذا يغشى) (وتالله لاكيدن أصنامكم) وقولهم " لله لا يؤخر الاجل " ولو صرح بالفعل في نحو ذلك لوجبت الباء. هل المتعلق الواجب الحذف فعل أو وصف ؟ لا خلاف في تعيين الفعل في باب (1) القسم والصلة، لان القسم والصلة لا يكونان إلا جملتين. قال ابن يعيش: وإنما لم يجز في الصلة أن يقال إن نحو " جاء الذى في الدار " بتقدير مستقر على أنه خبر لمحذوف على حد قراءة بعضهم (تماما على الذى أحسن) بالرفع، لقلة ذاك واطراد هذا، اه‍. وكذلك يجب في الصفة في نحو " رجل في الدار فله درهم " لان الفاء تجوز في نحو " رجل يأتيني فله درهم " وتمتنع في نحو " رجل صالح فله درهم " فأما قوله: 691 - كل أمر مباعد أو مدان * فمنوط بحكمة المتعالى فنادر. واختلف في الخبر والصفة والحال، فمن قدر الفعل - وهم الاكثرون - فلانه الاصل في العمل، ومن قدر الوصف فلان الاصل في الخبر والحال والنعت الافراد، ولان الفعل في ذلك لابد من تقديره بالوصف، قالوا: ولان تقليل المقدر أولى، وليس بشئ، لان الحق أنا لم نحذف الضمير، بل نقلناه إلى الظرف، فالمحذوف فعل أو وصف، وكلاهما مفرد. وأما في الاشتغال فيقدر بحسب المفسر، فيقدر الفعل في نحو " أيوم الجمعة تعتكف فيه " والوصف في نحو " أيوم الجمعة أنت معتكف فيه " والحق عندي أنه لا يترجح تقديره اسما ولا فعلا، بل بحسب المعنى كما سأبينه.


(1) في نسخة " في بابى - إلخ ". (*)

[ 448 ]

كيفية تقديره باعتبار المعنى أما في القسم فتقديره أقسم، وأما في الاشتغال فتقديره كالمنطوق به نحو " يوم الجمعة صمت فيه ". وأعلم أنهم ذكروا في باب الاشتغال أنه يجب أن لا يقدر مثل المذكور إذا حصل مانع صناعي كما في " زيدا مررت به " أو معنوى كما في " زيدا ضربت أخاه " إذ تقدير المذكور يقتضى في الاول تعدى القاصر بنفسه، وفى الثاني خلاف الواقع، إذ الضرب لم يقع بزيد، فوجب أن يقدر جاوزت في الاول، وأهنت في الثاني، وليس المانعان مع كل متعد بالحرف، ولا مع كل سببي، ألا ترى أنه لا مانع في نحو " زيدا شكرت له " لان شكر يتعدى بالجار وبنفسه، وكذلك الظرف نحو " يوم الجمعة صمت فيه " لان العامل لا يتعدى إلى ضمير الظرف بنفسه، مع أنه يتعدى إلى ظاهره بنفسه، وكذلك لا مانع في نحو " زيدا أهنت أخاه " لان إهانة أخيه إهانة له، بخلاف الضرب. وأما في المثل فيقدر بحسب (1) المعنى، وأما في البواقى نحو " زيد في الدار " فيقدر كونا مطلقا وهو كائن أو مستقر أو مضارعهما إن أريد الحال أو الاستقبال نحو " الصوم اليوم " أو " في اليوم " و " الجزلة غدا " أو " في الغد " ويقدر كان أو استقر أو وصفهما إن أريد المضى، هذا هو الصواب، وقد أغفلوه مع قولهم في نحو " ضربي زيدا قائما ": إن التقدير إذ كان إن أريد المضى أو إذا كان إن أريد المستقبل، ولا فرق، وإذا جهلت المعنى فقدر الوصف فإنه صالح في الازمنة كلها، وإن كانت حقيقته الحال، وقال الزمخشري في قوله تعالى (أفأنت تنقذ من في النار) إنهم جعلوا في النار الآن لتحقق الموعود به، ولا يلزم ما ذكره، لانه لا يمتنع تقدير المستقبل، ولكن ما ذكره أبلغ وأحسن. ولا يجوز تقدير الكون الخاص كقائم وجالس إلا لدليل، ويكون الحذف حينئذ جائزا لا واجبا، ولا ينتقل ضمير من المحذوف إلى الظرف والمجرور، وتوهم


(1) انظر الامر السادس في ص 446 فقد ذكر المثل وشبهه ومثالا لكل منهما (*)

[ 449 ]

جماعة امتناع حذف الكون الخاص، يبطله أنا متفقون على جواز حذف الخبر عند وجود الدليل، وعدم وجود معمول، فكيف يكون وجود المعمول مانعا من الحذف مع أنه إما أن يكون هو الدليل أو مقويا للدليل ؟ واشتراط النحويين الكون المطلق إنما هو لوجوب الحذف، لا لجوازه. ومما يتخرج على ذلك قولهم " من لى بكذا " أي من يتكفل لى به ؟ وقوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) أي مستقبلات لعدتهن، كذا فسره جماعة من السلف، وعليه عول الزمخشري، ورده أبو حيان توهما منه أن الخاص لا يحذف، وقال: الصواب أن اللام للتوقيت، وأن الاصل لاستقبال عدتهن، فحذف المضاف، اه‍. وقد بينا فساد تلك الشبهة، ومما يتخرج على التعلق بالكون الخاص قوله تعالى: (الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى) التقدير مقتول أو يقتل، لا كائن، اللهم إلا أن تقدر مع ذلك مضافين، أي قتل الحر كائن بقتل الحر، وفيه تكلف تقدير ثلاثة الكون والمضافان، بل تقدير خمسة، لان كلا من المصدرين لابد له من فاعل، ومما يبعد ذلك أيضا أنك لا تعلم معنى المضاف الذى تقدره مع المبتدأ إلا بعد تمام الكلام، وإنما حسن الحذف أن يعلم عند موضع تقديره نحو (واسأل القرية) ونظير هذه الآية قوله تعالى (أن النفس بالنفس) الآية، أي أن النفس مقتولة بالنفس، والعين مفقوءة بالعين، والانف مجدوع بالانف، والاذن مصلومة بالاذن، والسن مقلوعة بالسن، هذا هو الاحسن، وكذلك الارجح في قوله تعالى (الشمس والقمر بحسبان) أن يقدر يجريان، فإن قدرت الكون قدرت مضافا، أي جريان الشمس والقمر كائن بحسبان، وقال ابن مالك في قوله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله): إن الظرف ليس متعلقا بالاستقرار، لاستلزامه إما الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الظرفية المستفادة من (في) حقيقة بالنسبة

[ 450 ]

إلى غير الله سبحانه وتعالى ومجاز بالنسبة إليه تعالى، وإما حمل قراءة السبعة على لغة مرجوحة، وهى إبدال المستثنى المنقطع كما زعم الزمخشري، فإنه زعم أن الاستثناء منقطع، والمخلص من هذين المحذورين أن يقدر: قل لا يعلم من يذكر في السموات والارض، ومن جوز اجتماع الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة واحتج بقولهم " القلم أحد اللسانين " ونحوه لم يحتج إلى ذلك، وفى الآية وجه آخر، وهو أن يقدر من مفعولا به، والغيب بدل اشتمال، والله فاعل، والاستثناء مفرغ. تعيين موضع التقدير الاصل أن يقدر مقدما عليهما كسائر العوامل مع معمولاتها، وقد يعرض ما يقتضى ترجيح تقديره مؤخرا، وما يقتضى إيجابه. فالاول نحو " في الدار زيد " لان المحذوف هو الخبر، وأصله أن يتأخر عن المبتدأ. والثانى نحو " إن في الدار زيدا " لان إن لا يليها مرفوعها. ويلزم من قدر المتعلق فعلا أن يقدره متأخرا (1) في جميع المسائل، لان الخبر إذا كان فعلا لا يتقدم على المبتدأ. تنبيه - رد جماعة منهم ابن مالك على من قدر الفعل بنحو قوله تعالى: (إذا لهم مكر في آياتنا) وقولك " أما في الدار فزيد " لان " إذا " الفجائية لا يليها الفعل، و " أما " لا يقع بعدها فعل إلا مقرونا بحرف الشرط نحو (فأما إن كان من المقربين)، وهذا على ما بيناه غير وارد، لان الفعل يقدر مؤخرا.


(1) في نسخة أن " يقدره مؤخرا ". (*)

[ 451 ]

الباب الرابع من الكتاب في ذكر أحكام يكثر دورها، ويقبح بالمعرب جهلها، وعدم معرفتها على وجهها. فمن ذلك ما يعرف به المبتدأ من الخبر. يجب الحكم بابتدائية المقدم من الاسمين في ثلاث مسائل: إحداها: أن يكونا معرفتين، تساوت رتبتهما نحو " الله ربنا " أو اختلفت نحو " زيد الفاضل، والفاضل زيد " هذا هو المشهور، وقيل: يجوز تقدير كل منهما مبتدأ وخبرا مطلقا، وقيل: المشتق خبر وإن تقدم نحو " القائم زيد ". والتحقيق أن المبتدأ ما كان أعرف كزيد في المثال، أو كان هو المعلوم عند المخاطب كأن يقول: من القائم ؟ فتقول " زيد القائم " فإن علمهما وجهل النسبة فالمقدم المبتدأ. الثانية: أن يكونا نكرتين صالحتين للابتداء بهما نحو " أفضل منك أفضل منى ". الثالثة: أن يكونا مختلفين تعريفا وتنكيرا ولاول هو المعرفة " كزيد قائم " وأما إن كان هو النكرة فإن لم يكن له ما يسوغ الابتداء به فهو خبر اتفاقا نحو " خز ثوبك " و " ذهب خاتمك " وإن كان له مسوغ فكذلك عند الجمهور، وأما سيبويه فيجعله المبتدأ نحو " كم مالك " و " خير منك زيد " و " حسبنا الله " ووجهه أن الاصل عدم التقديم والتأخير، وأنهما شبيهان بمعرفتين تأخر الاخص منهما نحو " الفاضل أنت " ويتجه عندي جواز الوجهين إعمالا للدليلين، ويشهد لابتدائية النكرة قوله تعالى: (فإن حسبك الله) (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة) وقولهم " إن قريبا منك زيد "

[ 452 ]

وقولهم " بحسبك زيد " والباء لا تدخل في الخبر في الايجاب، ولخبريتها قولهم " ما جاءت حاجتك " بالرفع. والاصل ما حاجتك، فدخل الناسخ بعد تقدير لمعرفة مبتدأ، ولولا هذا التقدير لم يدخل، إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله، وأما من نصب فالاصل ما هي حاجتك، بمعنى أي حاجة هي حاجتك، ثم دخل الناسخ على الضمير فاستتر فيه، ونظيره أن تقول " زيد هو الفاضل " وتقدر هو مبتدأ ثانيا لا فصلا ولا تابعا، فيجوز لك حينئذ أن تدخل عليه كان فتقول " زيد كان الفاضل ". ويجب الحكم بابتدائية المؤخر في نحو " أبو حنيفة أبو يوسف ". و 692 - بنونا بنو أبنائنا [ وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الاباعد ] رعيا للمعنى، ويضعف (1) أن تقدر الاول مبتدأ بناء على أنه من التشبيه المعكوس للمبالغة، لان ذلك نادر الوقوع، ومخالف للاصول، اللهم إلا أن يقتضى المقام المبالغة، والله أعلم. ما يعرف به الاسم من الخبر اعلم أن لهما ثلاث حالات: احداها: أن يكونا معرفتين، فإن كان المخاطب يعلم أحدهما دون الآخر فالمعلوم الاسم والمجهول الخبر، فيقال " كان زيد أخا عمرو " لمن علم زيدا وجهل أخوته لعمرو، و " كان أخو عمرو زيدا " لمن يعلم أخا لعمرو ويجهل أن اسمه زيد، وإن كان يعلمهما ويجهل انتساب أحدهما إلى الآخر فإن كان أحدهما أعرف فالمختار جعله الاسم، فتقول " كان زيد القائم " لمن كان قد سمع بزيد وسمع برجل قائم، فعرف كلا منهما بقلبه، ولم يعلم أن أحدهما هو الآخر، ويجوز قليلا " كان القائم زيدا ". وإن لم يكن أحدهما أعرف فأنت مخير نحو " كان زيد أخا عمرو "


(1) في نسخة " ويضعفه - إلخ ". (*)

[ 453 ]

وكان أخو عمرو زيدا " ويستثنى من مختلفى الرتبة نحو " هذا " فإنه يتعين للاسمية لمكان التنبيه المتصل به، فيقال " كان هذا أخاك، وكان هذا زيدا " إلا مع الضمير، فإن الافصح في باب المبتدأ أن تجعله المبتدأ وتدخل التنبيه عليه، فتقول " ها أنذا " ولا يتأتى ذلك في باب الناسخ، لان الضمير متصل بالعامل، فلا يتأتى دخول التنبيه عليه، على أنه سمع قليلا في باب المبتدأ " هذا أنا ". واعلم أنهم حكموا لان وأن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير، لانه لا يوصف كما أن الضمير كذلك، فلهذا قرأت السبعة (ما كان حجتهم إلا أن قالوا) (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) والرفع ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف. الحالة الثانية: أن يكونا نكرتين، فإن كان لكل منهما مسوغ للاخبار عنها فأنت مخير فيما تجعله منهما الاسم وما تجعله الخبر، فتقول " كان خير من زيد شرا من عمرو " أو تعكس، وإن كان المسوغ لاحداهما فقط جعلتها الاسم نحو " كان خير من زيد امرأة ". الحالة الثالثة: أن يكونا مختلفين، فتجعل المعرفة الاسم والنكرة الخبر، نحو " كان زيد قائما " ولا يعكس إلا في الضرورة كقوله: 693 - [ قفى قبل التفرق يا ضباعا ] * ولا يك موقف منك الوداعا وقوله: 694 - [ كأن سبيئة من بيت رأس ] * يكون مزاجها عسل وماء [ ص 695 ] وأما قراءة ابن عامر (أولم تكن لهم آية أن يعلمه) بتأنيث تكن ورفع آية، فإن قدرت تكن تامة فاللام متعلقة بها وآية فاعلها، و (أن يعلمه) بدل من آية، أو خبر لمحذوف أي هي أن يعلمه، وإن قدرتها ناقصة فاسمها ضمير القصة، و (أن يعلمه) مبتدأ، وآية خبره، والجملة خبر كان، أو آية اسمها،

[ 454 ]

ولهم خبرها، و (أن يعلمه) بدل أو خبر لمحذوف، وأما تجويز الزجاج كون آية اسمها و (أن يعلمه) خبرها فردوه لما ذكرنا، واعتذر له بأن النكرة قد تخصصت بلهم. ما يعرف به الفاعل من المفعول وأكثر ما يشتبه ذلك إذا كان أحدهما اسما ناقصا والآخر اسما تاما. وطريق معرفة ذلك أن تجعل في موضع التام إن كان مرفوعا ضمير المتكلم المرفوع، وإن كان منصوبا ضميره المنصوب، وتبدل من الناقص اسما بمعناه في العقل وعدمه، فإن صحت المسألة بعد ذلك فهى صحيحة قبله، وإلا فهى فاسدة، فلا يجوز " أعجب زيد ما كره عمرو " إن أوقعت " ما " على ما لا يعقل، فإنه لا يجوز " أعجبت الثوب " ويجوز النصب، لانه يجوز " أعجبني الثوب " فإن أوقعت " ما " على أنواع من يعقل جاز، لانه يجوز " أعجبت النساء " وإن كان الاسم الناقص من أو الذى جاز الوجهان أيضا. فروع - تقول " أمكن المسافر السفر " بنصب المسافر، لانك تقول " أمكننى السفر " ولا تقول " أمكنت السفر " وتقول " ما دعا زيدا إلى الخروج " و " ما كره زيد من الخروج " بنصب زيد في الاولى مفعولا والفاعل ضمير " ما " مستترا، وبرفعه في الثانية فاعلا والمفعول ضمير ما محذوفا، لانك تقول " ما دعاني إلى الخروج " و " ما كرهت منه " ويمتنع العكس، لانه لا يجوز " دعوت الثوب إلى الخروج " و " كره من الخروج " (1) وتقول " زيد في رزق عمرو عشرون دينارا " برفع العشرين لا غير، فإن قدمت عمرا فقلت " عمرو زيد في رزقه عشرون " جاز رفع العشرين ونصبه، وعلى الرفع فالفعل خال من الضمير، فيجب توحيده مع المثنى والمجموع، ويجب ذكر الجار والمجرور لاجل الضمير الراجع إلى


(1) الاولى أن يقول " وكرهني الثوب من الخروج " تطبيقا للقاعدة التى أصلها. (*)

[ 455 ]

المبتدأ، وعلى النصب فالفعل محتمل للضمير، فيبرز في التثنية، والجمع، ولا يجب ذكر الجار والمجرور. ما افترق فيه عطف البيان والبدل وذلك ثمانية أمور: أحدها: أن العطف لا يكون مضمرا ولا تابعا لمضمر، لانه في الجوامد نظير النعت في المشتق، وأما إجازة الزمخشري في (أن اعبدوا الله) أن يكون بيانا للهاء من قوله تعالى (إلا ما أمرتنى به) فقد مضى رده، نعم أجاز الكسائي أن ينعت الضمير بنعت مدح أو ذم أو ترحم، فالاول نحو " لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " ونحو (قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب) وقولهم " اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم " والثانى نحو " مررت به الخبيث " والثالث نحو قوله: 695 - [ قد أصبحت بقرقرى كوانسا ] * فلا تلمه أن ينام البائسا [ ص 492 ] وقال الزمخشري في (جعل الله الكعبة البيت الحرام): إن (البيت الحرام) عطف بيان على جهة المدح كما في الصفة، لا على جهة التوضيح، فعلى هذا لا يمتنع مثل ذلك في عطف البيان على قول الكسائي. وأما البدل فيكون تابعا للمضمر بالاتفاق نحو (ونرثه ما يقول) (ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) وإنما امتنع الزمخشري من تجويز. كون (أن اعبدوا الله) بدلا من الهاء في (به) توهما منه أن ذلك يخل بعائد الموصول، وقد مضى رده. وأجاز النحويون أن يكون البدل مضمرا تابعا لمضمر ك‍ " رأيته إياه " أو لظاهر ك‍ " رأيت زيدا إياه " وخالفهم ابن مالك فقال: إن الثاني لم يسمع، وإن الصواب في الاول قول الكوفيين إنه توكيد كما في " قمت أنت ". الثاني: أن البيان لا يخالف متبوعه، في تعريفه وتنكيره، وأما قول الزمخشري:

[ 456 ]

إن (مقام إبراهيم) عطف على (آيات بينات) فسهو، وكذا قال في (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا): إن (أن تقوموا) عطف على (واحدة) ولا يختلف في جواز ذلك في البدل، نحو (إلى صراط مستقيم صراط الله) ونحو (بالناصية ناصية كاذبة). الثالث: أنه لا يكون جملة، بخلاف البدل نحو (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم) ونحو (وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم) وهو أصح الاقول في " عرفت زيدا أبو من هو " وقال: 696 - لقد أذهلتني أم عمرو بكلمة * أتصبر يوم البين أم لست تصبر ؟ الرابع: أنه لا يكون تابعا لجملة، بخلاف البدل، نحو (اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا) ونحو (أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين) وقوله: * أقول له أرحل لا تقيمن عندنا * [ 671 ] الخامس: أنه لا يكون فعلا تابعا لفعل، بخلاف البدل، نحو قوله تعالى (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب). السادس: أنه لا يكون بلفظ الاول، ويجوز ذلك في البدل بشرط أن يكون مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها) بنصب كل الثانية، فإنها قد اتصل بها ذكر سبب الجثو، وكقول الحماسي: 697 - رويد بنى شيبان بعض وعيدكم * تلاقوا غدا خيلى على سفوان

[ 457 ]

تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى * إذا ما غدت في المأزق المتدانى تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم * على ما جنت فيهم يد الحدثان وهذا الفرق إنما هو على ما ذهب إليه ابن الطراوة من أن عطف البيان لا يكون من لفظ الاول، وتبعه على ذلك ابن مالك وابنه، وحجتهم أن الشئ لا يبين نفسه، وفيه نظر من أوجه، أحدها: أنه يقتضى أن البدل ليس مبينا للمبدل منه، وليس كذلك، ولهذا منع سيبويه " مررت بى المسكين، وبك المسكين " دون " به المسكين " وإنما يفارق البدل عطف البيان في أنه بمنزلة جمله استؤنفت للتبيين، والعطف تبيين بالمفرد المحض. والثانى: أن اللفظ المكرر إذا اتصل به ما لم يتصل بالاول كما قدمنا اتجه كون الثاني بيانا بما فيه من زيادة الفائدة، وعلى ذلك أجازوا الوجهين في نحو قوله: 698 - يا زيد زيد اليعملات الذبل * [ تطاول الليل عليك فانزل ] [ ص 621 و 622 ] و... 699 - يا تيم تيم عدى [ لا أبالكم * لا يلقينكم في سوأة عمر ] إذا ضممت المنادى فهما. والثالث: أن البيان يتصور مع كون المكرر مجردا، وذلك في مثل قولك " يا زيد زيد " إذا قلته وبحضرتك اثنان اسم كل منهما زيد، فإنك لما تذكر الاول يتوهم كل منهما أنه المقصود، فإذا كررته تكرر خطابك لاحدهما وإقبالك عليه فظهر المراد، وعلى هذا يتخرج قول النحويين في قوله رؤبة: * لقائل يا نصر نصر نصرا * [ 627 ] إن الثاني والثالث عطفان على اللفظ وعلى المحل، وخرجه هؤلاء على التوكيد اللفظى فيهما أو في الاول فقط، فالثاني إما مصدر دعائي مثل " سقيا لك " أو مفعول

[ 458 ]

به بتقدير عليك، على أن المراد إغراء نصر بن سيار بحاجب له اسمه نصر على ما نقل أبو عبيدة، وقيل: لو قدر أحدهما توكيدا لضما بغير تنوين كالمؤكد. السابع: أنه ليس في نية إحلاله محل الاول، بخلاف البدل، ولهذا امتنع البدل وتعين البيان في نحو " يا زيد الحارث " وفى نحو " يا سعيد كرز " بالرفع أو " كرزا " بالنصب، بخلاف " يا سعيد كرز " بالضم فإنه بالعكس، وفى نحو " أنا الضارب الرجل زيد " وفى نحو " زيد أفضل الناس الرجال والنساء، أو النساء والرجال " وفى نحو " يا أيها الرجل غلام زيد " وفى نحو " أي الرجلين زيد وعمرو جاءك " وفى نحو " جاءني كلا أخويك زيد وعمرو ". الثامن: أنه ليس في التقدير من جملة أخرى، بخلاف البدل، ولهذا امتنع أيضا البدل وتعين البيان في نحو قولك " هند قام عمرو أخوها " ونحو " مررت برجل قام عمرو أخوه " ونحوه " زيد ضربت عمرا أخاه ". ما افترق فيه اسم الفاعل والصفة المشبهة وذلك أحد عشر أمرا: أحدها: أنه يصاغ من المتعدى والقاصر كضارب وقائم ومستخرج ومستكبر، وهى لا تصاغ إلا من القاصر كحسن وجميل. الثاني: أنه يكون للازمنة الثلاثة، وهى لا تكون إلا للحاضر، أي الماضي المتصل بالزمن الحاضر. الثالث: أنه لا يكون إلا مجاريا للمضارع في حركاته وسكناته كضارب ويضرب ومنطلق وينطلق، ومنه يقوم وقائم، لان الاصل يقوم، بسكون القاف وضم الواو، ثم نقلوا، وأما توافق أعيان الحركات فغير معتبر، بدليل ذاهب ويذهب وقاتل ويقتل، ولهذا قال ابن الخشاب: وهو وزن عروضى لا نصر يفى، وهى تكون

[ 459 ]

مجارية له كمنطلق اللسان ومطمئن النفس وطاهر العرض وغير مجارية وهو الغالب نحو ظريف وجميل، وقول جماعة " إنها لا تكون إلا غير مجارية " مردود باتفاقهم على أن منها قوله: 700 - من صديق أو أخى ثقة * أو عدو شاحط دارا الرابع: أن منصوبه يجوز أن يتقدم عليه نحو " زيد عمرا ضارب " ولا يجوز " زيد وجهه حسن ". الخامس: أن معموله يكون سببيا وأجنبيا نحو " زيد ضارب غلامه وعمرا " ولا يكون معمولها إلا سببيا تقول " زيد حسن وجهه " أو " الوجه " ويمتنع " زيد حسن عمرا ". السادس: أنه لا يخالف فعله في العمل، وهى تخالفه، فإنها تنصب مع قصور فعلها، تقول " زيد حسن وجهه " ويمتنع " زيد حسن وجهه " بالنصب، خلافا لبعضهم، فأما الحديث " أن امرأة كانت تهراق الدماء " فالدماء تمييز على زيادة أل، قال ابن مالك: أو مفعول على أن الاصل تهريق ثم قلبت الكسرة فتحة والياء ألفا كقولهم جاراة وناصاة وبقا، وهذا مردود، لان شرط ذلك تحرك الياء كجارية وناصية وبقى. السابع: أنه يجوز حذفه وبقاء معموله، ولهذا أجازوا " أنا زيد ضاربه " و " هذا ضارب زيد وعمرا " بخفض زيد ونصب عمرو بإضمار فعل أو وصف منون، وأما العطف على محل المخفوض فممتنع عند من شرط وجود المحرز كما سيأتي، ولا يجوز " مررت برجل حسن الوجه والفعل " بخفض الوجه ونصب الفعل ولا " مررت برجل وجهه حسنه " بنصب الوجه وخفض الصفة، لانهما لا تعمل محذوفة، ولان معمولها لا يتقدمها، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. الثامن: أنه لا يقبح حذف موصوف اسم الفاعل وإضافته إلى مضاف إلى ضميره. نحو " مررت بقاتل أبيه " ويقبح " مررت بحسن وجهه ".

[ 460 ]

التاسع: أنه يفصل مرفوعه ومنصوبه، ك‍ " زيد ضارب في الدار أبوه عمرا " ويمتنع عند الجمهور " زيد حسن في الحرب وجهه " رفعت أو نصبت. العاشر: أنه يجوز إتباع معموله بجميع التوابع، ولا يتبع معمولها بصفة، قاله الزجاج ومتأخرو المغاربة، ويشكل عليهم الحديث في صفة الدجال " أعور عينه اليمنى ". الحادى عشر: أنه يجوز إتباع مجروره على المحل عند من لا يشترط المحرز، ويحتمل أن يكون منه (وجاعل الليل سكنا والشمس) ولا يجوز " هو حسن الوجه والبدن " بجر الوجه ونصب البدن، خلافا للفراء، أجاز " هو قوى الرجل واليد " برفع المعطوف، وأجاز البغداديون إتباع المنصوب بمجرور في البابين كقوله: 701 - فظل طهاة اللحم ما بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجل [ ص 474 ] التقدير: المطبوخ في القدر، وهو عندهم عطف على صفيف، وخرج على أن الاصل " أو طابخ قدير " ثم حذف المضاف وأبقى جر المضاف إليه كقراءة بعضهم (والله يريد الآخرة) بالخفض، أو أنه عطف على صفيف ولكن خفض على الجوار، أو على توهم أن الصفيف مجرور بالاضافة كما قال: * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا * [ 135 ] ما افترق فيه الحال والتمييز، وما اجتمعا فيه اعلم أنهما قد اجتمعا في خمسة، وافترقا في سبعة. فأوجه الاتفاق أنهما اسمان، نكرتان، فضلتان، منصوبتان، رافعتان للابهام.

[ 461 ]

وأما أوجه الافتراق فأحدها: أن الحال يكون جملة ك‍ " جاء زيد يضحك " وظرفا نحو " رأيت الهلال بين السحاب " وجارا ومجرورا نحو (فخرج على قومه في زينته) والتمييز لا يكون إلا اسما. والثانى: أن الحال قد يتوقف معنى الكلام عليها كقوله تعالى: (ولا تمش في الارض مرحا) (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) وقال: 702 - إنما الميت من يعيش كئيبا * كآسفا باله قليل الرجاء بخلاف التمييز. والثالث: أن الحال مبينة للهيئات، والتمييز مبين للذوات. والرابع: أن الحال يتعدد كقوله: 703 - على إذا ما زرت ليلى بخفية * زيارة بيت الله رجلان حافيا بخلاف التمييز، ولذلك كان خطأ قول بعضهم في: 704 - * تبارك رحمانا رحيما وموثلا * إنهما تمييزان، والصواب أن رحمانا بإضمار أخص أو أمدح، ورحيما حال منه، لا نعت له، لان الحق قول الاعلم وابن مالك: إن الرحمن ليس بصفة بل علم، وبهذا أيضا يبطل كونه تمييزا، وقول قوم إنه حال. وأما قول الزمخشري: إذا قلت " الله رحمن " أتصرفه أم لا، وقول ابن الحاجب: إنه اختلف في صرفه، فخارج عن كلام العرب من وجهين: لانه لم يستعمل صفة ولا مجردا من أل، وإنما حذفت في البيت للضرورة، وينبنى على علميته أنه في البسملة ونحوها بدل لا نعت، وأن الرحيم بعده نعت له، لا نعت لاسم

[ 462 ]

الله سبحانه وتعالى، إذ لا يتقدم البدل على النعت، وأن السؤال الذى سأله الزمخشري وغيره لم قدم الرحمن مع أن عادتهم تقديم غير الابلغ كقولهم: عالم نحرير، وجواد فياض، غير متجه. ومما يوضح لك أنه غير صفة مجيئه كثيرا غير تابع نحو (الرحمن علم القرآن) (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن). والخامس: أن الحال تتقدم على عاملها إذا كان فعلا متصرفا، أو وصفا يشبهه نحو (خاشعا أبصارهم يخرجون (1)) وقوله: 705 - [ عدس ما لعياد عليك إمارة * نجوت ] وهذا تحملين طليق أي وهذا طليق محمولا لك، ولا يجوز ذلك في التمييز على الصحيح، فأما استدلال ابن مالك على الجواز بقوله: 706 - رددت بمثل السيد نهد مقلص * كميش إذا عطفاه ماء تحلبا وقوله: 707 - إذا المرء عينا قر بالعيش مثريا * ولم يعن بالاحسان كان مذمما فسهو، لان عطفاه والمرء مرفوعان بمحذوف يفسره المذكور، والناصب للتمييز هو المحذوف، وأما قوله: 708 - [ ضيعت حزمى في إبعادى الاملا ] * وما ارعويت وشيبا رأسي اشتعلا


(1) هذه قراءة أبى عمرو وحمزة والكسائي. (*)

[ 463 ]

وقوله: 709 - أنفسا تطيب بنيل المنى * وداعي المنون ينادى جهارا فضرورتان. السادس: أن حق الحال الاشتقاق، وحق التمييز الجمود، وقد يتعاكسان فتقع الحال جامدة نحو " هذا مالك ذهبا " (وتنحتون الجبال بيوتا) ويقع التمييز مشتقا نحو " لله دره فارسا " وقولك " كرم زيد ضيفا " إذا أردت الثناء على ضيف زيد بالكرم، فإن كان زيد هو الضيف احتمل الحال والتمييز، والاحسن عند قصد التمييز إدخال من عليه، واختلف لى المنصوب بعد " حبذا " فقال الاخفش والفارسي والربعى: حال مطلقا، وأبو عمرو بن العلاء: تمييز مطلقا، وقيل: الجامد تمييز والمشتق حال، وقيل: الجامد تمييز والمشتق إن أريد تقييد المدح به كقوله. 710 - * يا حبذا المال مبذولا بلا سرف * فحال، وإلا فتمييز نحو " حبذا راكبا زيد ". السابع: أن الحال تكون مؤكدة لعاملها نحو (ولى مدبرا) (فتبسم ضاحكا) (ولا تعثوا في الارض مفسدين) ولا يقع التمييز كذلك، فأما (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) فشهرا: مؤكد لما فهم من (إن عدة الشهور) وأما بالنسبة إلى عامله وهو اثنا عشر فمبين، وأما ما اختاره المبرد ومن وافقه من " نعم الرجل رجلا زيد " فمردود، وأما قوله: 711 - تزود مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزاد زاد أبيك زادا

[ 464 ]

فالصحيح أن " زادا " معمول لتزود: إما مفعول مطلق إن أريد به التزود، أو مفعول به إن أريد به الشئ الذى يتزوده من أفعال البر، وعليهما فمثل نعت له تقدم فصار حالا، وأما قوله: 712 - نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت * رد التحية نطقا أو بإيماء ففتاة: حال مؤكدة. أقسام الحال تنقسم باعتبارات: الاول: انقسامها باعتبار انتقال معناها ولزومه إلى قسمين: منتقلة وهو الغالب، وملازمة، وذلك واجب في ثلاث مسائل: إحداها: الجامدة غير المؤولة بالمشتق، نحو " هذا مالك ذهبا " و " هذه جبتك خزا " بخلاف نحو " بعته يدا بيد " فإنه بمعنى متقابضين، وهو وصف منتقل، وإنما لم يؤول في الاول، لانها مستعملة في معناها الوضعي، بخلافها في الثاني، وكثير يتوهم أن الحال الجامدة لا تكون إلا مؤولة بالمشتق، وليس كذلك. الثانية: المؤكدة نحو (ولى مدبرا) قالوا: ومنه (هو الحق مصدقا) لان الحق لا يكون إلا مصدقا، والصواب أنه يكون مصدقا ومكذبا، وغيرهما، نعم إذا قيل (هو الحق صادقا) فهى مؤكدة. الثالثة: التى دل عاملها على تجدد صاحبها، نحو (وخلق الانسان ضعيفا) ونحو " خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها " الحال أطول، ويديها:

[ 465 ]

بدل بعض، قال ابن مالك بدر الدين: ومنه (وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا) وهذا سهو منه، لان الكتاب قديم. وتقع الملازمة في غير ذلك بالسماع، ومنه (قائما بالقسط) إذا أعرب حالا، وقول جماعة إنها مؤكدة وهم، لان معناها غير مستفاد مما قبلها. الثاني: انقسامها - بحسب قصدها لذاتها وللتوطئة بها - إلى قسمين: مقصودة وهو الغالب، وموطئة وهى الجامدة الموصوفة نحو (فتمثل لها بشرا سويا) فإنما ذكر بشرا توطئة لذكر سويا، وتقول " جاءني زيد رجلا محسنا ". الثالث: انقسامها - بحسب الزمان - إلى ثلاثة: مقارنة، وهو الغالب، نحو (وهذا بعلى شيخا) ومقدرة، وهى المستقبلة كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي مقدرا ذلك، ومنه (ادخلوها خالدين) (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) ومحكية، وهى الماضية نحو " جاء زيد أمس راكبا ". الرابع: انقسامها - بحسب التبيين والتوكيد - إلى قسمين: مبينة، وهو الغالب، وتسمى مؤسسة أيضا، ومؤكدة، وهى التى يستفاد معناها بدونها، وهى ثلاثة: مؤكدة لعاملها نحو (ولى مدبرا) ومؤكدة لصاحبها نحو " جاء القوم طرا " ونحو (لامن من في الارض كلهم جميعا) ومؤكدة لمضمون الجملة نحو " زيد أبوك عطوفا " وأهمل النحويون المؤكدة لصاحبها، ومثل ابن مالك وولده بتلك الامثلة للمؤكدة لعاملها، وهو سهو. ومما يشكل قولهم في نحو " جاء زيد والشمس طالعة ": إن الجملة الاسمية حال، مع أنها لا تنحل إلى مفرد، ولا تبين هيئة فاعل ولا مفعول، ولا هي حال مؤكدة، فقال ابن جنى: تأويلها جاء زيد طالعة الشمس عند مجيئه، يعنى فهى

[ 466 ]

كالحال والنعت السببين " كمررت بالدار قائما سكانها، وبرجل قائم غلمانه " وقال ابن عمرون: هي مؤولة بقولك مبكرا، ونحوه، وقال صدر الافاضل تلميذ الزمخشري: إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجئ المفعول معه جملة، وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) في قراءة من رفع البحر: هو كقوله: 713 - وقد أغتدى والطير في وكناتها * [ بمنجرد قيد الاوابد هيكل ] و " جئت والجيش مصطف " ونحوهما من الاحوال التى حكمها حكم الظرف، فلذلك عريت عن ضمير ذى الحال، ويجوز أن يقدر " وبحرها " أي وبحر الارض. إعراب أسماء الشرط والاستفهام ونحوها اعلم أنها إن دخل عليها جار أو مضاف فمحلها الجر نحو (عم يتساءلون) ونحو " صبيحة أي يوم سفرك " و " غلام من جاءك " وإلا فإن وقعت على زمان نحو (أيان يبعثون) أو مكان نحو (فأين تذهبون) أو حدث نحو (أي منقلب ينقلبون) فهى منصوبة مفعولا فيه ومفعولا مطلقا، وإلا فإن وقع بعدها اسم نكرة نحو " من أب لك " فهى مبتدأ، أو اسم معرفة نحو " من زيد " فهى خبر أو مبتدأ على الخلاف السابق، ولا يقع هذان النوعان في أسماء الشرط، وإلا فإن وقع بعدها فعل قاصر فهى مبتدأة نحو " من قام " ونحو " من يقم أقم معه " والاصح أن الخبر فعل الشرط لا فعل الجواب، وإن وقع بعدها فعل متعد فإن كان واقعا عليها فهى مفعول به نحو (فأى آيات الله تنكرون) ونحو (أياما تدعوا) ونحو (من يضلل الله فلا هادى له) وإن كان واقعا على ضميرها

[ 467 ]

نحو " من رأيته " أو متعلقها نحو " من رأيت أخاه " فهى مبتدأة أو منصوبة بمحذوف مقدر بعدها يفسره المذكور. تنبيه - وإذا وقع اسم الشرط مبتدأ فهل خبره فعل الشرط وحده لانه اسم تام، وفعل الشرط مشتمل على ضميره، فقولك " من يقم " لو لم يكن فيه معنى الشرط لكان بمنزلة قولك " كل من الناس يقوم " أو فعل الجواب لان الفائدة به تمت، ولالتزامهم عود ضمير منه إليه على الاصح، ولان نظيره وهو الخبر في قولك " الذى يأتيني فله درهم " أو مجموعهما لان قولك " من يقم أقم معه " بمنزلة قولك " كل من الناس إن يقم أقم معه " ؟ والصحيح الاول، وإنما توقفت الفائدة على الجواب من حيث التعلق فقط، لا من حيث الخبرية. مسوغات الابتداء بالنكرة لم يعول المتقدمون في ضابط ذلك إلا على حصول الفائدة، ورأى المتأخرون أنه ليس كل أحد يهتدى إلى مواطن الفائدة، فتتبعوها، فمن مقل مخل، ومن مكثر مورد ما لا يصلح أو معدد لامور متداخلة، والذى يظهر لى أنها منحصرة في عشرة أمور: أحدها: أن تكون موصوفة لفظا أو تقديرا أو معنى، فالاول نحو (وأجل مسمى عنده) (ولعبد مؤمن خير من مشرك) وقولك " رجل صالح جاءني " ومن ذلك قولهم " ضعيف عاذ بقرملة " إذ الاصل: رجل ضعيف، فالمبتدأ في الحقيقة هو المحذوف، وهو موصوف، والنحويون يقولون: يبتدأ بالنكرة إذا كانت موصوفة أو خلفا من موصوف، والصواب ما بينت. وليست كل صفة تحصل الفائدة، فلو قلت " رجل من الناس جاءني " لم يجز، والثانى

[ 468 ]

نحو قولهم: " السمن منوان بدرهم " أي منوان منه، وقولهم: " شر أهر ذا ناب ". و.. 714 - قدر أحلك ذا المجاز [ وقد أرى * وأبى مالك ذو المجاز بدار ] إذ المعنى شر أي شر، وقدر لا يغالب، والثالث نحو " رجيل جاءني " لانه في معنى رجل صغير وقولهم " ما أحسن زيدا " لانه في معنى شئ عظيم حسن زيدا، وليس في هذين النوعين صفة مقدرة فيكونان من القسم الثاني. والثانى: أن تكون عاملة: إما رفعا نحو " قائم الزيدان " عند من أجازه، أو نصبا نحو " أمر بمعروف صدقة " و " أفضل منك جاءني " إذ الظرف منصوب المحل بالمصدر والوصف، أو جرا نحو " غلام امرأة جاءني " و " خمس صلوات كتبهن الله " وشرط هذه: أن يكون المضاف إليه نكرة كما مثلنا، أو معرفة والمضاف مما لا يتعرف بالاضافة نحو " مثلك لا يبخل " و " غيرك لا يجود " وأما ما عدا ذلك فإن المضاف إليه فيه معرفة لا نكرة. والثالث: العطف بشرط كون المعطوف أو المعطوف عليه مما يسوغ الابتداء به نحو (طاعة وقول معروف) أي أمثل من غيرهما، ونحو (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) وكثير منهم أطلق العطف وأهمل الشرط، منهم ابن مالك، وليس من أمثلة المسألة ما أنشده من قوله: 715 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي * فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا ؟ إذ يحتمل أن الواو هنا للحال، وسيأتى أن ذلك مسوغ، وإن سلم العطف فثم صفة مقدرة يقتضيها المقام، أي وشكوى عظيمة، على أنا لا نحتاج إلى شئ من هذا كله، فإن الخبر هنا ظرف مختص، وهذا بمجرده مسوغ كما قدمنا، وكأنه توهم أن

[ 469 ]

التسويغ مشروط بتقدمه على النكرة، وقد أسلفنا أن التقديم إنما كان لدفع توهم الصفة، وإنما لم يجب هنا لحصول الاختصاص بدونه، وهو ما قدمناه من الصفة المقدرة، أو الوقوع بعد واو الحال، فلذلك جاز تأخر الظرف كما في قوله تعالى (وأجل مسمى عنده). فإن قلت: لعل الواو للعطف، ولا صفة مقدرة: فيكون العطف هو المسوغ. قلت: لا يسوغ ذلك، لان المسوغ عطف النكرة، والمعطوف في البيت الجملة لا النكرة. فإن قيل: يحتمل أن الواو عطف اسما وظرفا على مثليهما، فيكون من عطف المفردات. قلنا: يلزم العطف على معمولي عاملين مختلفين، إذ الاصطبار معمول للابتداء، والظرف معمول للاستقرار. فإن قيل: قدر لكل من الظرفين استقرارا، واجعل التعاطف بين الاستقرارين لا بين الظرفين. قلنا: الاستقرار الاول خبر، وهو معمول للمبتدأ نفسه عند سيبويه، واختاره ابن مالك، فرجع الامر إلى العطف على معمولي عاملين. والرابع: أن يكون خبرها ظرفا أو مجرورا، قال ابن مالك: أو جملة، نحو (ولدينا مزيد) (ولكل أجل كتاب) و " قصدك غلامه رجل " وشرط الخبر فيهن الاختصاص، فلو قيل " في دار رجل " لم يجز، لان الوقت لا يخلو عن أن يكون فيه رجل ما في دار ما، فلا فائدة في الاخبار بذلك، قالوا: والتقديم، فلا يجوز " رجل في الدار " وأقول: إنما وجب التقديم هنا لدفع توهم الصفة، واشتراطه هنا يوهم أن له مدخلا في التخصيص، وقد ذكروا المسألة فيما يجب فيه تقديم الخبر، وذاك موضعها.

[ 470 ]

والخامس: أن تكون عامة: إما بذاتها كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام، أو بغيرها نحو " ما رجل في الدار " و " هل رجل في الدار ؟ " و (أإله مع الله) وفى شرح منظومة ابن الحاجب له أن الاستفهام المسوغ للابتداء هو الهمزة المعادلة بأم نحو " أرجل في الدار أم امرأة ؟ " كما مثل به في الكافية، وليس كما قال. والسادس: أن تكون مرادا بها صاحب الحقيقة من حيث هي، نحو " رجل خير من امرأة " و " تمرة خير من جرادة ". والسابع: أن تكون في معنى الفعل، وهذا شامل لنحو " عجب لزيد " وضبطوه بأن يراد بها التعجب، ولنحو (سلام على آل يس) و (ويل للمطففين) وضبطوه بأن يراد بها الدعاء، ولنحو (قائم الزيدان) عند من جوزها، وعلى هذا ففى نحو " ما قائم الزيدان " مسوغان كما في قوله تعالى (وعندنا كتاب حفيظ) مسوغان، وأما منع الجمهور لنحو " قائم الزيدان " فليس لانه لا مسوغ فيه للابتداء، بل إما لفوات شرط العمل وهو الاعتماد، أو لفوات شرط الاكتفاء بالفاعل عن الخبر وهو تقدم النفى أو الاستفهام، وهذا أظهر لوجهين، أحدهما: أنه لا يكفى مطلق الاعتماد: فلا يجوز في نحو " زيد قائم أبوه " كون قائم مبتدأ وإن وجد الاعتماد على المخبر عنه، والثانى: أن اشتراط الاعتماد وكون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال إنما هو للعمل في المنصوب، لا لمطلق العمل بدليلين: أحدهما أنه يصح " زيد قائم أبوه أمس " والثانى: أنهم لم يشترطوا لصحة نحو " أقائم الزيدان " كون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال. والثامن: أن يكون ثبوت ذلك الخبر للنكرة من خوارق العادة نحو " شجرة سجدت " و " بقرة تكلمت " إذ وقوع ذلك من أفراد هذا الجنس غير معتاد، ففى الاخبار به عنها فائدة، بخلاف نحو " رجل مات " ونحوه.

[ 471 ]

والتاسع: أن تقع بعد إذا الفجائية نحو " خرجت فإذا أسد " أو " رجل بالباب "، إذ لا توجب العادة أن لا يخلو الحال من أن يفاجئك عند خروجك أسد أو رجل. والعاشر: أن تقع في أول جملة حالية كقوله: 716 - سرينا ونجم قد أضاء، فمذ بدا * محياك أخفى ضوءه كل شارق وعلة الجواز ما ذكرناه في المسألة قبلها، ومن ذلك قوله: 717 - الذئب يطرقها في الدهر واحدة * وكل يوم تراني مدية بيدى وبهذا يعلم أن اشتراط النحويين وقوع النكرة بعد واو الحال ليس بلازم. ونظير هذا الموضع قول ابن عصفور في شرح الجمل: تكسر إن إذا وقعت بعد واو الحال، وإنما الضابط أن تقع في أول جملة حالية، بدليل قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) ومن روى " مدية " بالنصب فمفعول لحال محذوفة، أي حاملا أو ممسكا، ولا يحسن أن يكون بدلا من الياء، ومثل ابن مالك بقوله تعالى: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) وقول الشاعر: 718 - عرضنا فسلمنا فسلم كارها * علينا، وتبريح من الوجد خانقه ولا دليل فيهما، لان النكرة موصوفة بصفة مذكورة في البيت ومقدرة في الآية، أي: وطائفة من غيركم، بدليل (يغشى طائفة منكم).

[ 472 ]

ومما ذكروا من المسوغات: أن تكون النكرة محصورة نحو " إنما في الدار رجل " أو للتفصيل نحو " الناس رجلان رجل أكرمته ورجل أهنته " وقوله: 719 - فأقبلت زحفا على الركبنين * فثوب نسيت وثوب أجر [ ص 633 ] وقولهم " شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى " أو بعد فاء الجزاء نحو " إن مضى عير فعير في الرباط ". وفيهن نظر، أما الاولى فلان الابتداء فيها بالنكرة صحيح قبل مجئ إنما، وأما الثانية فلاحتمال رجل الاول للبدلية والثانى عطف عليه، كقوله: 720 - وكنت كذى رجلين رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلت ويسمى بدل التفصيل، ولاحتمال شهر الاول الخبرية، والتقدير: أشهر الارض الممطورة شهر ذو ثرى، أي ذو تراب ند، وشهر ترى فيه الزرع، وشهر ذو مرعى، ولاحتمال نسيت وأجر للوصفية والخبر محذوف، أي فمنها ثوب نسيته ومنها ثوب أجره، ويحتمل أنهما خبران وثم صفتان مقدرتان، أي فثوب لى نسيته وثوب لى أجره، وإنما نسى ثوبه لشغل قلبه كما قال: 721 - [ ومثلك بيضاء العوارض طفلة ] * لعوب تنسينى إذا قمت سربالى وإنما جر الآخر ليعفى الاثر عن القافة، ولهذا زحف على ركبتيه، وأما الثالثة فلان المعنى فعير آخر، ثم حذفت الصفة، ورأيت في كلام محمد بن حبيب. - وحبيب ممنوع من الصرف لانه اسم أمه - قال يونس: قال رؤبة: المطر شهر ثرى إلخ، وهذا دليل على أنه خبر، ولابد من تقدير مضاف قبل المبتدأ لتصحيح الاخبار عنه بالزمان.

[ 473 ]

أقسام العطف وهى ثلاثة: أحدها: العطف على اللفظ، وهو الاصل نحو " ليس زيد بقائم ولا قاعد " بالخفض، وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف، فلا يجوز في نحو " ما جاءني من امرأة ولا زيد " إلا الرفع عطفا على الموضع، لان من الزائدة لا تعمل في المعارف وقد يمتنع العطف على اللفظ وعلى المحل جميعا، نحو " ما زيد قائما لكن - أو بل - قاعد " لان في العطف على اللفظ إعمال " ما " في الموجب، وفى العطف على المحل أعتبار الابتداء مع زواله بدخول الناسخ، والصواب الرفع على إضمار مبتدأ. والثانى: العطف على المحل، " نحو ليس زيد بقائم ولا قاعدا " بالنصب، وله عند المحققين ثلاثة شروط: أحدها: إمان ظهوره في الفصيح، ألا ترى أنه يجوز في " ليس زيد بقائم " و " ما جاءني من امرأة " أن تسقط الباء فتنصب، ومن فترفع، فعلى هذا فلا يجوز " مررت بزيد وعمرا " خلافا لابن جنى، لانه لا يجوز " مررت زيدا " وأما قوله: تمرون الديار ولم تعوجوا * [ كلامكم على إذن حرام ] [ 143 ] فضرورة، ولا تختص مراعاة الموضع بأن يكون العامل في اللفظ زائدا كما مثلنا، بدليل قوله: 722 - فإن لم تجد من دون عدنان والدا * ودون معد فلتزعك العواذل (1) وأجاز الفارسى في قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) ان يكون (يوم القيامة) عطفا على محل هذه [ لان محله النصب ].


(1) دون معد: منصوب، وهو معطوف على محل " من دون عدنان " وظهر النصب في المعطوف لان العامل وهو وجد كما يتعدى إلى ثانى مفعوليه بمن يتعدى إليه بنفسه. (*)

[ 474 ]

الثاني: أن يكون الموضع بحق الاصالة، فلا يجوز " هذا ضارب زيدا وأخيه " لان الوصف المستوفى لشروط العمل الاصل إعماله لا إضافته لالتحاقه بالفعل، وأجازه البغداديون تمسكا بقوله: [ فظل طهاة اللحم ما بين ] منضج * صفيف شواء أو قدير معجل [ 701 ] وقد مر جوابه. والثالث: وجود المحرز، أي الطالب لذلك المحل، وابتنى على هذا امتناع مسائل. إحداها: " إن زيدا وعمرو قائمان " وذلك لان الطالب لرفع زيد هو الابتداء والابتداء هو التجرد، والتجرد قد زال بدخول إن. والثانية: " إن زيدا قائم وعمرو " إذا قدرت عمرا معطوفا على المحل، لا مبتدأ، وأجاز هذه بعض البصريين، لانهم لم يشترطوا المحرز، وإنما منعوا الاولى لمانع آخر، وهو توارد عاملين إن والابتداء على معمول واحد وهو الخبر، وأجازهما الكوفيون، لانهم لا يشترطون المحرز، ولان إن لم تعمل عندهم في الخبر شيئا، بل هو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، ولكن شرط الفراء لصحة الرفع قبل مجئ الخبر خفاء إعراب الاسم، لئلا يتنافر اللفظ، ولم يشترطه الكسائي، كما أنه ليس لشرط بالاتفاق في سائر مواضع العطف على اللفظ، وحجتهما قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) الآية، وقولهم " إنك وزيد ذاهبان " وأجيب عن الآية بأمرين: أحدهما: أن خبر إن محذوف أي مأجورون أو آمنون أو فرحون، والصابئون مبتدأ، وما بعده الخبر، ويشهد له قوله:

[ 475 ]

723 - خليلي هل طب، فإنى وأنتما * وإن لم تبوحا بالهوى دنفان ؟ [ ص 622 ] ويضعفه أنه حذف من الاول لدلالة الثاني عليه، وإنما الكثير العكس، والثانى: أن الخبر المذكور لان، وخبر (الصابئون) محذوف، أي كذلك، ويشهد له قوله: 724 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنى وقيار بها لغريب [ ص 622 ] إذ لا تدخل اللام في خبر المبتدأ حتى يقدم، نحو " لقائم زيد " ويضعفه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها، وعن المثال بأمرين: أحدهما أنه عطف على توهم عدم ذكر إن، والثانى أنه تابع لمبتدأ محذوف، أي إنك أنت وزيد ذاهبان، وعليهما خرج قولهم " إنهم أجمعون ذاهبون ". المسألة الثالثة: " هذا ضارب زيد وعمرا " بالنصب. المسألة الرابعة: " أعجبني ضرب زيد وعمرو " بالرفع أو " وعمرا " بالنصب، منعهما الحذاق: لان الاسم المشبه للفعل لا يعمل في اللفظ حتى يكون بأل أو منونا أو مضافا، وأجازهما قوم تمسكا بظاهر قوله تعالى (وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) وقول الشاعر: 725 - [ هويت ثناء مستطابا مجددا ] * فلا تخل من تمهيد مجد وسوددا وأجيب بأن ذلك على إضمار عامل يدل عليه المذكور، أي وجعل الشمس، ومهدت سوددا، أو يكون سوددا مفعولا معه، ويشهد للتقدير في الآية أن الوصف فيها بمعنى الماضي، والماضي المجرد من أل لا يعمل النصب، ويوضح لك مضيه قوله تعالى (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) الآية، وجوز

[ 476 ]

الزمخشري كون (الشمس) معطوفا على محل الليل، وزعم مع ذلك أن الجعل مراد منه فعل مستمر في الازمنة لا في الزمن الماضي بخصوصيته مع نصه في (مالك يوم الدين) على أنه إذا حمل على الزمن المستمر كان بمنزلته إذا حمل على الماضي في أن إضافته محضة، وأما قوله: 726 - قد كنت داينت بها حسانا * مخافة الافلاس والليانا فيجوز أن يكون " الليانا " مفعولا معه، وأن يكون معطوفا على " مخافة " على حذف مضاف، أي ومخافة الليان، ولو لم يقدر المضاف لم يصح، لان الليان فعل لغير المتكلم، إذ المراد أنه داين حسان خشية من إفلاس غيره ومطله، ولابد في المفعول له من موافقته لعامله في الفاعل. ومن الغريب قول أبى حيان: إن من شرط العطف على الموضع أن يكون للمعطوف عليه لفظ وموضع: فجعل صورة المسألة شرطا لها، ثم إنه أسقط الشرط الاول الذى ذكرناه، ولابد منه. والثالث: العطف على التوهم نحو " ليس زيدا قائما ولا قاعدا " بالخفض على توهم دخول الباء في الخبر، وشرط جوازه صحة دخول ذلك العامل المتوهم، وشرط حسنه كثرة دخوله هناك، ولهذا حسن قول زهير: بدالى أنى لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا [ 125 ] وقول الآخر: 727 - ما الحازم الشهم مقداما ولا بطل * إن لم يكن للهوى بالحق غلابا ولم يحسن قول الآخر:

[ 477 ]

728 - وما كنت ذا نيرب فيهم * ولا منمش فيهم منمل لقلة دخول الباء على خبر كان، بخلاف خبرى ليس وما، والنيرب: النميمة، والمنمل: الكثير النميمة، والمنمش: المفسد ذات البين. وكما وقع هذا العطف في المجرور وقع في أخيه المجزوم، ووقع أيضا في المرفوع اسما، وفى المنصوب اسما وفعلا، وفى المركبات. فأما المجزوم فقال به الخليل وسيبويه في قراءة غير أبى عمرو (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن) فإن معنى لولا أخرتني فأصدق ومعنى إن أخرتني أصدق واحد، وقال السيرافى والفارسي: هو عطف على محل فأصدق كقول الجميع في قراءة الاخوين (من يظلل الله فلا هادى له ويذرهم) بالجزم، ويرده أنهما يسلمان أن الجزم في نحو " ائتنى أكرمك " بإضمار الشرط، فليست الفاء هنا وما بعدها في موضع جزم، لان ما بعد الفاء منصوب بأن مضمرة، وأن والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم مما تقدم، فكيف تكون الفاء مع ذلك في موضع الجزم ؟ وليس بين المفردين المتعاطفين شرط مقدر، ويأتى القولان في قول الهذلى: فأبلوني بليتكم لعلى * أصالحكم وأستدرج نويا [ 670 ] أي نواى، وكذلك اختلف في نحو " قام القوم غير زيد وعمرا " بالنصب، والصواب أنه على التوهم، وأنه مذهب سيبويه، لقوله لان " غير زيد " في موضع " إلا زيدا " ومعناه، فشبهوه بقولهم: 729 - [ معاوى إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقد استنبط من ضعف فهمه من إنشاد هذا البيت هنا أنه يراه عطفا على المحل ولو أراد ذلك لم يقل إنهم شبهوه به.

[ 478 ]

رجع القول إلى المجزوم - وقال به الفارسى في قراءة قنبل: (إنه من يتقى ويصبر فإن الله) بإثبات الياء في (يتقى) وجزم (يصبر) فزعم أن من موصلة، فلهذا ثبتت ياء يتقى، وأنها ضمنت معنى الشرط، ولذلك دخلت الفاء في الخبر، وإنما جزم (يصبر) على توهم معنى من، وقيل: بل وصل (يصبر) بنية الوقف كقراءة نافع (ومحياى ومماتي) بسكون ياء (محياى) وصلا، وقيل: بل سكن لتوالى الحركات في كلمتين كما في (يأمركم) و (يشعركم) وقيل: من شرطية، وهذه الياء إشباع، ولام الفعل حذفت للجازم، أو هذه الياء لام الفعل، وأكتفى بحذف الحركة المقدرة. وأما المرفوع فقال سيبويه: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون " إنهم أجمعين ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان " وذلك على أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال هم، كما قال: * بدا لى أنى لست مدرك ما مضى * البيت اه‍ [ 135 ] ومراده بالغلط ما عبر عنه غيره بالتوهم، وذلك ظاهر من كلامه، ويوضحه إنشاده البيت، وتوهم ابن مالك أنه أراد بالغلط الخطأ فاعترض عليه بأنا متى جوزنا ذلك عليهم زالت الثقة بكلامهم، وامتنع أن نثبت شيئا نادرا لامكان أن يقال في كل نادر: إن قائله غلط. وأما المنصوب اسما فقال الزمخشري في قوله تعالى (ومن وراء إسحاق يعقوب) فيمن فتح الباء. كأنه قيل: ووهبنا له إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: 730 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابها [ ص 553 ] اه‍، وقيل: على إضمار وهبنا، أي ومن وراء إسحاق وهبنا يعقوب، بدليل

[ 479 ]

(فبشرناها) لان البشارة من الله تعالى بالشئ في معنى الهبة، وقيل: هو مجرور عطفا على بإسحاق، أو منصوب عطفا على محله، ويرد الاول أنه لا يجوز الفصل بين العاطف والمعطوف على المجرور كمررت بزيد واليوم عمرو، وقال بعضهم في قوله تعالى (وحفظا من كل شيطان مارد) إنه عطف على معنى (إنا زينا السماء الدنيا) وهو إنا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء كما قال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما) ويحتمل أن يكون مفعولا لاجله، أو مفعولا مطلقا، وعليهما فالعامل محذوف: أي وحفظا من كل شيطان زيناها بالكواكب، أو وحفظناها حفظا. وأما المنصوب فعلا فكقراءة بعضهم (ودوا لو تدهن فيدهنوا) حملا على معنى ودوا أن تدهن، وقيل في قراءة حفص (لعلى أبلغ الاسباب أسباب السموات فأطلع) بالنصب: إنه عطف على معنى لعلى أبلغ، وهو لعلى أن أبلغ، فإن خبر لعل يقترن بأن كثيرا، نحو الحديث " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " ويحتمل أنه عطف على الاسباب على حد: * للبس عباءة وتقر عينى * [ 424 ] ومع هذين الاحتمالين فيندفع قول الكوفى: إن هذه القراءة حجة على جواز النصب في جواب الترجي حملا له على التمنى. وأما في المركبات فقد قيل في قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم) إنه على تقدير ليبشركم وليذيقكم، ويحتمل أن التقدير: وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلها، وقيل في قوله تعالى (أو كالذى مر على قرية) إنه على معنى أرأيت كالذى حاج أو كالذى مر، ويجوز أن يكون على اضمار فعل، أي أو رأيت مثل الذى، فحذف لدلالة (ألم تر إلى الذى حاج) عليه، لان كليهما تعجب، وهذا التأويل هنا وفيما تقدم أولى، لان اضمار الفعل لدلالة

[ 480 ]

المعنى عليه أسهل من العطف على المعنى، وقيل: الكاف زائدة، أي ألم تر إلى الذى حاج أو الذى مر، وقيل: الكاف [ اسم ] بمعنى مثل معطوف على الذى، أي ألم تنظر إلى الذى حاج أو إلى مثل الذى مر. تنبيه - من العطف على المعنى على قول البصريين نحو " لالزمنك أو تقضيني حقى " إذ النصب عندهم بإضمار أن، وأن والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم، أن ليكونن لزوم منى أو قضاء منك لحقي، ومنه (تقاتلونهم أو يسلموا) في قراءة أبى بحذف النون، وأما قراءة الجمهور بالنون فبالعطف على لفظ تقاتلونهم، أو على القطع بتقدير أو هم يسلمون، ومثله " ما تأتينا فتحدثنا " بالنصب، أي ما يكون منك إتيان فحديث، ومعنى هذا نفى الاتيان فينتفى الحديث، أي ما تأتينا فكيف تحدثنا، أو نفى الحديث فقط حتى كأنه قيل: ما تأتينا محدثا، أي بل غير محدث، وعلى المعنى الاول جاء قوله سبحانه وتعالى (لا يقضى عليهم فيموتوا) أي فكيف يموتون، ويمتنع أن يكون على الثاني: إذ يمتنع أن يقضى عليهم ولا يموتون، ويجوز رفعه فيكون إما عطفا على تأتينا، فيكون كل منهما داخلا عليه حرف النفى، أو على القطع فيكون موجبا، وذلك واضح في نحو " ما تأتينا فتجهل أمرنا " و " لم تقرأ فتنسى " لان المراد إثبات جهله ونسيانه، ولانه لو عطف لجزم تنسى وفى قوله: 731 - غير أنا لم يأتنا بيقين * فنرجى ونكثر التأميلا إذ المعنى أنه لم يأت باليقين فنحن نرجو خلاف ما أتى به لانتفاء اليقين عما أتى به، ولو جزمه أو نصبه لفسد معناه، لانه يصير منفيا على حدته كالاول إذا جزم، ومنفيا على الجمع إذا نصب، وإنما المراد إثباته، وأما إجازتهم ذلك في المثال السابق فمشكلة، لان الحديث لا يمكن مع عدم الاتيان، وقد يوجه قولهم بأن يكون معناه ما تأتينا في المستقبل فأنت تحدثنا الآن، عوضا عن ذلك، وللاستئناف وجه آخر، وهو أن

[ 481 ]

يكون على معنى السببية وانتفاء الثاني لانتفاء الاول، وهو أحد وجهى النصب، وهو قليل، وعليه قوله: 732 - فلقد تركت صبية مرحومة * لم تدر ما جزع عليك فتجزع أي لو عرفت الجزع لجزعت، ولكنها لم تعرفه فلم تجزع، وقرأ عيسى بن عمر (فيموتون) عطفا على (يقضى)، وأجاز ابن خروف فيه الاستئناف على معنى السببية كما قدمنا في البيت، وقرأ السبعة (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) وقد كان النصب ممكنا مثله في (فيموتوا) ولكن عدل عنه لتناسب الفواصل، والمشهور في توجيهه أنه لم يقصد إلى معنى السببية، بل إلى مجرد العطف على الفعل وإدخاله معه في سلك النفى، لان المراد بلا يؤذن لهم نفى الاذن في الاعتذار، وقد نهوا عنه في قوله تعالى (لا تعتذروا اليوم) فلا يتأتى العذر (1) منهم بعد ذلك، وزعم ابن مالك بدر الدين أنه مستأنف بتقدير: فهم يعتذرون، وهو مشكل على مذهب الجماعة، لاقتضائه ثبوت الاعتذار مع انتفاء الاذن كما في قولك " ما تؤذينا فنحبك " بالرفع، ولصحة الاستئناف يحمل ثبوت الاعتذار مع مجئ (لا تعتذروا اليوم) على اختلاف المواقف، كما جاء (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) (وقفوهم إنهم مسئولون)، وإليه ذهب ابن الحاجب، فيكون بمنزلة " ما تأتينا فتجهل أمورنا " ويرده أن الفاء غير العاطفة للسببية، ولا يتسبب الاعتذار في وقت عن نفى الاذن فيه في وقت آخر، وقد صح الاستئناف بوجه آخر يكون الاعتذار معه منفيا، وهو ما قدمناه ونقلناه عن ابن خروف من أن المستأنف قد يكون على معنى السببية، وقد صرح به هنا الاعلم، وأنه في المعنى مثل (لا يقصى عليهم فيموتوا) ورده ابن عصفور بأن الاذن


(1) في نسخة " فلا يأتي العذر - إلخ ". (*)

[ 482 ]

في الاعتذار قد يحصل ولا يحصل اعتذار، بخلاف القضاء عليهم، فإنه يتسبب عنه الموت جزما، ورد عليه ابن الضائع بأن النصب على معنى السببية في " ما تأتينا فتحدثنا " جائز بإجماع، مع أنه قد يحصل الاتيان ولا يحصل التحديث، والذى أقول: إن مجئ الرفع بهذا المعنى قليل جدا، فلا يحسن حمل التنزيل عليه. تنبيه - " لا تأكل سمكا وتشرب لبنا " إن جزمت فالعطف على اللفظ والنهى عن كل منهما، وإن نصبت فالعطف عند البصريين على المعنى والنهى عند الجميع عن الجمع، أي لا يكن منك أكل سمك مع شرب لبن، وإن رفعت فالمشهور أنه نهى عن الاول وإباحة للثاني، وأن المعنى: ولك شرب اللبن، وتوجيهه أنه مستأنف، فلم يتوجه إليه حرف النهى، وقال بدر الدين ابن مالك: إن معناه كمعنى وجه النصب، ولكنه على تقدير لا تأكل (1) السمك وأنت تشرب اللبن، اه‍. وكأنه قدر الواو للحال، وفيه بعد، لدخولها في اللفظ على المضارع المثبت، ثم هو مخالف لقولهم، إذ جعلوا لكل من أوجه الاعراب معنى. عطف الخبر على الانشاء، وبالعكس منعه البيانيون، وابن مالك في شرح باب المفعول معه من كتاب التسهيل، وابن عصفور في شرح الايضاح، ونقله عن الاكثرين، وأجازه الصفار - بالفاء - تلميذ ابن عصفور، وجماعة، مستدلين بقوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) في سورة البقرة، (وبشر المؤمنين) في سورة الصف، قال أبو حيان، وأجاز سيبويه " جاءني زيد ومن عمرو العاقلان " على أن يكون العاقلان خبرا لمحذوف، ويؤيده قوله:


(1) في نسخة " ولكنه على طريق لا تأكل السمك - إلخ ". (*)

[ 483 ]

وإن شفائى عبرة مهراقة * وهل عند رسم دارس من معول ؟ [ 570 ] وقوله: 733 - تناغى غزالا عند باب ابن عامر * وكحل أماقيك الحسان بإثمد واستدل الصفار بهذا البيت، وقوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم * [ وأكرومة الحيين خلو كما هيا ] [ 271 ] فإن تقديره عند سيبويه: هذه خولان. وأقول: أما آية البقرة فقال الزمخشري: ليس المعتمد بالعطف الامر حتى يطلب له مشاكل، بل المراد عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عذاب الكافرين، كقولك " زيد يعاقب بالقيد وبشر فلانا بالاطلاق " وجوز عطفه على (اتقوا) وأنم من كلامه في الجواب الاول أن يقال: المعتمد بالعطف جملة الثواب كما ذكر، ويزاد عليه فيقال: والكلام منظور فيه إلى المعنى الحاصل منه، وكأنه قيل: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات فبشرهم بذلك، وأما الجواب الثاني ففيه نظر، لانه لا يصح أن يكون جوابا للشرط، إذ ليس الامر بالتبشير مشروطا بعجز الكافرين عن الاتيان بمثل القرآن، ويجاب بأنه قد علم أنهم غير المؤمنين، فكأنه قيل: فإن لم يفعلوا فبشر غيرهم بالجنات، ومعنى هذا فبشر هؤلاء المعاندين بأنه لاحظ لهم من الجنة. وقال في آية الصف: إن العطف على (تؤمنون) لانه بمعنى آمنوا، ولا يقدح في ذلك أن المخاطب بتؤمنون المؤمنون، وببشر النبي عليه الصلاة والسلام،

[ 484 ]

ولا أن يقال في (تؤمنون): إنه تفسير للتجارة لا طلب، وإن (يغفر لكم) جواب الاستفهام تنزيلا لسبب السبب منزله السبب كما مر في بحث الجمل المفسرة، لان تخالف الفاعلين لا يقدح، تقول " قوموا واقعد يا زيد " ولان (تؤمنون) لا يتعين للتفسير، سلمنا، ولكن يحتمل أنه تفسير مع كونه أمرا، وذلك بأن يكون معنى الكلام السابق اتجروا تجارة تنجيكم من عذاب أليم كما كان (فهل أنتم منتهون) في معنى أنتهوا، أو بأن يكون تفسيرا في المعنى دون الصناعة، لان الامر قد يساق لافادة المعنى الذى يتحصل من المفسرة، يقول: هل أدلك على سبب نجاتك ؟ آمن بالله، كما تقول: هو أن تؤمن بالله، وحينئذ فيمتنع العطف، لعدم دخول التبشير في معنى التفسير. وقال السكاكى: الامران معطوفان على قل مقدرة قبل (يأيها)، وحذف القول كثير، وقيل: معطوفان على أمر محذوف تقديره في الاولى فأنذر، وفى الثانية فأبشر، كما قال الزمخشري في (واهجرني مليا): إن التقدير فاحذرنى واهجرني، لدلالة (لارجمنك) على التهديد. وأما * وهل عند رسم دارس من معول * [ 570 ] فهل فيه نافية، مثلها (فهل يهلك إلا القوم الظالمون): وأما * هذه خولان * [ 271 ] فمعناه تنبه لخولان، أو الفاء لمجرد السببية مثلها في جواب الشرط، وإذ قد استدلا بذلك فهلا استدلا بقوله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) ونحوه في النزيل كثير. وأما * وكحل أماقيك * [ 733 ] فيتوقف على النظر فيما قبله من الابيات، وقد يكون معطوفا على أمر مقدر يدل عليه المعنى، أي فافعل كذا وكحل، كما قيل في (واهجرني مليا).

[ 485 ]

وأما ما نقله أبو حيان عن سيبويه فغلط عليه، وإنما قال: وأعلم أنه لا يجوز " من عبد الله وهذا زيد الرجلين الصالحين " رفعت أو نصبت، لانك لا تثنى إلا على من أثبته وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم ومن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وقال الصفار: لما منعها سيبويه من جهة النعت علم أن زوال النعت يصححها، فتصرف أبو حيان في كلام الصفار فوهم فيه، ولا حجة فيما ذكر الصفار، إذ قد يكون للشئ مانعان ويقتصر على ذكر أحدهما، لانه الذى اقتضاه المقام. والله أعلم. عطف الاسمية على الفعلية، وبالعكس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: الجواز مطلقا، وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال في مثل " قام زيد وعمرا أكرمته " إن نصب عمرا أرجح، لان تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما. والثانى: المنع مطلقا، حكى عن ابن جنى أنه قال في قوله: 734 - عاضها الله غلاما بعد ما * شابت الاصداغ والضرس نقد إن الضرس فاعل بمحذوف يفسره المذكور، وليس بمبتدأ، ويلزمه إيجاب النصب في مسألة الاشتغال السابقة، إلا إن قال: أقدر الواو للاستئناف. والثالث: لابي على، أنه يجوز في الواو فقط، نقله عنه أبو الفتح في سر الصناعة، وبنى عليه منع كون الفاء في " خرجت فإذا الاسد حاضر " عاطفة. وأضعف الثلاثة القول الثاني، وقد لهج به الرازي في تفسيره، وذكر في كتابه في مناقب الشافعي رضى الله عنه أن مجلسا جمعه وجماعة من الحنفية.

[ 486 ]

وأنهم زعموا أن قول الشافعي " يحل أكل متروك التسمية " مردود بقوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) فقال: فقلت لهم: لا دليل فيها، بل هي حجة للشافعي، وذلك لان الواو ليست للعطف، لتخالف الجملتين بالاسمية والفعلية، ولا للاستئناف، لان أصل الواو أن تربط ما بعدها بما قبلها، فبقى أن تكون للحال، فتكون جملة الحال مقيدة للنهى، والمعنى لا تأكلوا منه في حالة كونه فسقا، ومفهومه جواز الاكل إذا لم يكن فسقا، والفسق قد فسره الله تعالى بقوله (أو فسقا أهل لغير الله به) فالمعنى لا تأكلوا منه إذا سمى عليه غير الله، ومفهومه كلوا منه إذا لم يسم عليه غير الله، اه‍ ملخصا موضحا. ولو أبطل العطف لتخالف الجملتين بالانشاء والخبر لكان صوابا. العطف على معمولي عاملين وقولهم " على عاملين " فيه تجوز، أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد، نحو " إن زيدا ذاهب وعمرا جالس " وعلى معمولات عامل نحو " أعلم زيد عمرا بكرا جالسا، وأبو بكر خالدا سعيدا منطلقا " وعلى منع العطف على معمولي أكثر من عاملين نحو " إن زيدا ضارب أبوه لعمرو، وأخاك غلامه بكر " وأما معمولا عاملين، فإن لم يكن أحدهما جارا فقال ابن مالك: هو ممتنع إجماعا نحو " كان آكلا طعامك عمرو وتمرك بكر " وليس كذلك، بل نقل الفارسى الجواز مطلقا عن جماعة، وقيل: إن منهم الاخفش، وإن كان أحدهما جارا فإن كان الجار مؤخرا نحو " زيد في الدار والحجرة عمرو، أو وعمرو الحجرة " فنقل المهدوى أنه ممتنع إجماعا، وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدما نحو " في الدار زيد والحجرة عمرو " فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وهشام، وعن الاخفش الاجازة، وبه قال الكسائي والفراء والزجاج، وفصل قوم - منهم الاعلم - فقالوا: إن ولى المخفوض العاطف كالمثال جاز، لانه

[ 487 ]

كذا سمع، ولان فيه تعادل المتعاطفات، وإلا امتنع نحو " في الدار زيد وعمرو الحجرة ". وقد جاءت مواضع يدل ظاهرها على خلاف قول سيبويه، كقوله تعالى (إن في السموات والارض لآيات للمؤمنين، وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) آيات الاولى منصوبة إجماعا، لانها اسم إن، والثانية والثالثة قرأهما الاخوان بالنصب، والباقون بالرفع، وقد استدل بالقراءتين في (آيات) الثالثة على المسألة، أما الرفع فعلى نيابة الواو مناب الابتداء وفى، وأما النصب فعلى نيابتها مناب إن وفى. وأجيب بثلاثة أوجه: أحدها: أن في مقدرة، فالعمل لها، ويؤيده أن في حرف عبد الله التصريح بفى، وعلى هذا الواو نائبة مناب عامل واحد، وهو الابتداء أو إن. والثانى: أن انتصاب (آيات) على التوكيد للاولى، ورفعها على تقدير مبتدأ، أي هي آيات، وعليهما فليست في مقدرة. والثالث: يخص قراءة النصب، وهو أنه على إضمار إن وفى، ذكره الشاطى وغيره، وإضمار إن بعيد. ومما يشكل على مذهب سيبويه قوله: هون عليك، فإن الامور * بكف الاله مقاديرها [ 232 ] فليس بآتيك منهيها * ولا قاصر عنك مأمورها لان " قاصر " عطف على مجرور الباء، فإن كان مأمورها عطفا على مرفوع

[ 488 ]

ليس لزم العطف على معمولي عاملين، وإن كان فاعلا بقاصر لزم عدم الارتباط بالمخبر عنه، إذ التقدير حينئذ فليس منهيا بقاصر عنك مأمورها. وقد أجيب عن الثاني بأنه لما كان الضمير في مأمورها عائدا على الامور كان كالعائد على المنهيات، لدخولها في الامور. وأعلم أن الزمخشري ممن منع العطف المذكور، ولهذا اتجه له أن يسأل في قوله تعالى (والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها) الآيات، فقال: فإن قلت: نصب إذا معضل، لانك إن جعلت الواوات عاطفة وقعت في العطف على عاملين، يعنى أن إذا عطف على إذا المنصوبة بأقسم، والمخفوضات عطف على الشمس المخفوضة بواو القسم، قال: وإن جعلتهن للقسم وقعت فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه، يعنى أنهما استكرها ذلك لئلا يحتاج كل قسم إلى جواب يخصه، ثم أجاب بأن فعل القسم لما كان لا يذكر مع واو القسم بخلاف الباء صارت كأنها هي الناصبة الخافضة فكان العطف على معمولي عامل. قال ابن الحاجب: وهذه قوة منه، واستنباط لمعنى دقيق، ثم اعترض عليه بقوله تعالى (فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس) فإن الجار هنا الباء، وقد صرح معه بفعل القسم، فلا تنزل الباء منزلة الناصبة الخافضة، اه‍. وبعد، فالحق جواز العطف على معمولي عاملين في نحو " في الدار زيد والحجرة عمرو " ولا إشكال حينئذ في الآية. وأخذ ابن الخباز جواب الزمخشري فجعله قولا مستقلا فقال في كتاب النهاية: وقيل إذا كان أحد العاملين محذوفا فهو كالمعدوم، ولهذا جاز العطف في نحو (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) وما أظنه وقف في ذلك على كلام غير الزمخشري فينبغي له أن يقيد الحذف بالوجوب.

[ 489 ]

المواضع التى يعود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة وهى سبعة: أحدها: أن يكون الضمير مرفوعا بنعم أو بئس، ولا يفسر إلا بالتمييز، نحو " نعم رجلا زيد، وبئس رجلا عمرو " ويلتحق بهما فعل الذى يراد به المدح والذم نحو (ساء مثلا القوم) و (كبرت كلمة تخرج) و " ظرف رجلا زيد " وعن الفراء والكسائي أن المخصوص هو الفاعل، ولا ضمير في الفعل، ويرده " نعم رجلا كان زيد " ولا يدخل الناسخ على الفاعل، وأنه قد يحذف نحو (بئس للظالمين بدلا). الثاني: أن يكون مرفوعا بأول المتنازعين المعمل ثانيهما نحو قوله: 735 - جفوني ولم أجف الاخلاء، إننى * لغير جميل من خليلي مهمل والكوفيون يمنعون من ذلك، فقال الكسائي: يحذف الفاعل، وقال الفراء: يضمر ويؤخر عن المفسر، فإن استوى العاملان في طلب الرفع وكان العطف بالواو نحو " قام وقعد أخواك " فهو عنده فاعل بهما. الثالث: أن يكون مخبرا عنه فيفسره خبره نحو (إن هي إلا حياتنا الدنيا) قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة لان الخبر يدل عليها ويبينها، قال: ومنه: 726 - * هي النفس تحمل ما حملت * و " هي العرب تقول ما شاءت " قال ابن مالك: وهذا من جيد كلامه، ولكن في تمثيله بهى النفس وهى العرب ضعف، لامكان جعل النفس والعرب بدلين وتحمل وتقول خبرين، وفى كلام ابن مالك أيضا ضعف، لامكان وجه ثالث

[ 490 ]

في المثالين لم يذكره، وهو كون هي ضمير القصة، فإن أراد الزمخشري أن المثالين يمكن حملهما على ذلك لا أنه متعين فيهما فالضعف في كلام ابن مالك وحده. الرابع: ضمير الشأن والقصة نحو (قل هو الله أحد) ونحو (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا) والكوفي يسميه ضمير المجهول. وهذا الضمير مخالف للقياس من خمسة أوجه: أحدها: عوده على ما بعده لزوما، إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم هي ولا شئ منها عليه، وقد غلط يوسف ابن السيرافى، إذ قال في قوله: 737 - أسكران كان ابن المراغة إذ هجا * تميما بجو الشام أم متساكر فيمن رفع سكران وابن المراغة: إن كان شانية، وابن المراغة سكران: مبتدأ وخبر، والجملة خبر كان. والصواب أن كان زائدة، والاشهر في إنشاده نصب سكران ورفع ابن المراغة، فارتفاع متساكر على أنه خبر لهو محذوفا، ويروى بالعكس، فاسم كان مستتر فيها. والثانى: أن مفسره لا يكون إلا جملة، ولا يشاركه في هذا ضمير، وأجاز الكوفيون والاخفش تفسيره بمفرد له مرفوع نحو " كان قائما زيد، وظننته قائما عمرو " وهذا إن سمع خرج على أن المرفوع مبتدأ، واسم كان وضمير ظننته راجعان إليه، لانه في نية التقديم، ويجوز كون المرفوع بعد كان اسما لها، وأجاز الكوفيون " إنه قام " و " إنه ضرب " على حذف المرفوع والتفسير بالفعل مبنيا للفاعل أو للمفعول، وفيه فسادان: التفسير بالمفرد، وحذف مرفوع الفعل. والثالث: أنه لا يتبع بتابع، فلا يؤكد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه. والرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء أو أحد نواسخه.

[ 491 ]

والخامس: أنه ملازم للافراد، فلا يثنى ولا يجمع، وإن فسر بحديثين أو أحاديث. وإذا تقرر هذا علم أنه لا ينبغى الحمل عليه إذا أمكن غيره، ومن ثم ضعف قول الزمخشري في (إنه يراكم هو وقبيله) إن اسم إن ضمير الشأن، والاولى كونه ضمير الشيطان، ويؤيده أنه قرئ (وقبيله) بالنصب، وضمير الشأن لا يعطف عليه، وقول كثير من النحويين إن اسم أن المفتوحة المخففة ضمير شأن، والاولى أن يعاد على غيره إذا أمكن، ويؤيده قول سيبويه في (أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) إن تقديره أنك، وفى " كتبت إليه أن لا يفعل " إنه يجزم على النهى، وينصب على معنى لئلا، ويرفع على أنك. الخامس (1): أن يجر برب مفسرا بتمييز، وحكمه حكم ضمير نعم وبئس في وجوب كون مفسره تمييزا وكونه هو مفردا، وقال: 738 - ربه فتية دعوت إلى ما * يورث المجد دائبا فأجابوا ولكنه يلزم أيضا التذكير، فيقال " ربه امرأة " لا ربها، ويقال " نعمت امرأة هند " وأجاز الكوفيون مطابقته للتمييز في التأنيث والتثنية والجمع، وليس بمسموع. وعندي أن الزمخشري يفسر الضمير بالتمييز في غير بابى نعم ورب، وذلك أنه قال في تفسير (فسواهن سبع سموات) الضمير في (فسواهن) ضمير منهم، وسبع سموات تفسيره، كقولهم " ربه رجلا " وقيل: راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس، وقيل: جمع سماءة، والوجه العربي هو الاول، اه‍. وتؤول على أن مراده أن سبع سموات بدل، وظاهر تشبيهه بربه رجلا يأباه. السادس: أن يكون مبدلا منه الظاهر المفسر له، ك‍ " ضربته زيدا " قال


(1) الخامس من المواضع التى يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة. (*)

[ 492 ]

ابن عصفور: أجازه الاخفش ومنعه سيبويه، وقال ابن كيسان: هو جائز بإجماع، نقله عنه ابن مالك، ومما خرجوا على ذلك قولهم " اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم " وقال الكسائي: هو نعت، والجماعة يأبون نعت الضمير، وقوله: قد أصبحت بقرقرى كوانسا * فلا تلمه أن ينام البائسا [ 695 ] وقال سيبويه: هو بإضمار أذم، وقولهم " قاما أخواك، وقاموا إخوتك، وقمن نسوتك " وقيل: على التقديم والتأخير، وقيل: الالف والواو والنون أحرف كالتاء في " قامت هند " وهو المختار. والسابع: أن يكون متصلا بفاعل مقدم، ومفسره مفعول مؤخر ك‍ " - ضرب غلامه زيدا " أجازه الاخفش وأبو الفتح وأبو عبد الله الطوال من الكوفيين، ومن شواهده قول حسان: 739 - ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا * من الناس أبقى مجده الدهر مطعما وقوله: 740 - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سودد * ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد والجمهور يوجبون في ذلك في النثر تقديم المفعول، نحو (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) ويمتنع بالاجماع نحو " صاحبها في الدار " لاتصال الضمير بغير الفاعل، ونحو " ضرب غلامها عبد هند " لتفسيره بغير المفعول، والواجب فيهما تقديم الخبر والمفعول ولا خلاف في جواز نحو " ضرب غلامه زيد " وقال الزمخشري في (لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا) الآية في قراءة أبى عمرو (فلا يحسبنهم)

[ 493 ]

بالغيبة وضم آخر الفعل: إن الفعل مسند للذين يفرحون واقعا على ضميرهم محذوفا، والاصل لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة، أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، و (فلا يحسبنهم) توكيد، وكذا قال في قراءة هشام (ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) بالغيبة: إن التقدير ولا يحسبنهم، والذين فاعل، ورده أبو حيان باستلزامه عود الضمير على المؤخر، وهذا غريب جدا، فإن هذا المؤخر مقدم في الرتبة، ووقع له نظير هذا في قول القائل: مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها، فقال: تقديم الحال هنا على عاملها وهو ذاهبة ممتنع، لان فيه تقديم الضمير على مفسره، ولا شك أنه لو قدم لكان كقولك " غلامه ضرب زيد " ووقع لابن مالك سهو في هذا المثال من وجه غير هذا، وهو أنه منع من التقديم لكون العامل صفة، ولا خلاف في جواز تقديم معمول الصفة عليها بدون الموصوف، ومن الغريب أن أبا حيان صاحب هذه المقالة وقع له أنه منع عود الضمير إلى ما تقدم لفظا، وأجاز عوده إلى ما تأخر لفظا ورتبة، أما الاول فإنه منع في قوله تعالى: (وما عملت من سوء تود) كون ما شرطية، لان (تود) حينئذ يكون دليل الجواب، لا جوابا، لكونه مرفوعا، فيكون في نية التقديم، فيكون حينئذ الضمير في (بينه) عائدا على ما تأخر لفظا ورتبة، وهذا عجيب، لان الضمير الآن عائد على متقدم لفظا، ولو قدم (تود) لغير التركيب، ويلزمه أن يمنع " ضرب زيدا غلامه " لان زيدا في نية التأخير، وقد استشعر ورود ذلك، وفرق بينهما بما لا معول عليه، وأما الثاني فإنه قال في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) إن فاعل بدا عائد على السجن المفهوم من ليسجننه شرح حال الضمير المسمى فصلا وعمادا والكلام فيه في أربع مسائل: الاولى: في شروطه، وهى ستة، وذلك أنه يشترط فيما قبله أمران:

[ 494 ]

أحدهما: كونه مبتدأ في الحال أو في الاصل، نحو (أولئك هم المفلحون) (وإنا لنحن الصافون) الآية (كنت أنت الرقيب عليهم) (تجدوه عند الله هو خيرا) (إن ترنى أنا أقل منك مالا وولدا) وأجاز الاخفش وقوعه بين الحال وصاحبها كجاء زيد هو ضاحكا، وجعل منه (هؤلاء بناتى هن أطهر لكم) فيمن نصب (أطهر)، ولحن أبو عمرو من قرأ بذلك، وقد خرجت على أن (هؤلاء بناتى) جملة، و (هن) إما توكيد لضمير مستتر في الخبر، أو مبتدأ ولكم الخبر، وعليهما فأطهر حال، وفيهما نظر، أما الاول فلان بناتى جامد غير مؤول بالمشتق، فلا يتحمل ضميرا عند البصريين، وأما الثاني فلان الحال لا يتقدم على عاملها الظرفى عند أكثرهم. والثانى: كونه معرفة كما مثلنا، وأجاز الفراء وهشام ومن تابعهما من الكوفيين كونه نكرة نحو " ما ظننت أحدا هو القائم " و " كان رجل هو القائم " وحملوا عليه (أن تكون أمة هي أربى من أمة) فقدروا (أربى) منصوبا. ويشترط فيما بعده أمران: كونه خبرا لمبتدأ في الحال أو في الاصل، وكونه معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل أل كما تقدم في خيرا وأقل، وشرط الذى كالمعرفة: أن يكون اسما كما مثلنا، وخالف في ذلك الجرجاني فألحق المضارع بالاسم لتشابههما وجعل منه (إنه هو يبدئ ويعيد) وهو عند غيره توكيد، أو مبتدأ، وتبع الجرجاني أبو البقاء، فأجاز الفصل في (ومكر أولئك هو يبور) وابن الخباز فقال في شرح الايضاح: لا فرق بين كون امتناع أل لعارض كأفعل من والمضاف كمثلك وغلام زيد، أو لذاته كالفعل المضارع، اه‍، وهو قول السهيلي، قال في قوله تعالى (وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيى، وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى): وإنما أتى بضمير الفصل في الاولين دون الثالث، لان بعض

[ 495 ]

الجهال قد يثبت هذه الافعال لغير الله كقول نمروذ: أنا أحيى وأميت، وأما الثالث فلم يدعه أحد من الناس، اه‍. وقد يستدل لقوله الجرجاني بقوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى) فعطف (يهدى) على (الحق) الواقع خبرا بعد الفصل، اه‍. ويشترط له في نفسه أمران: أحدهما: أن يكون بصيغة المرفوع، فيمتنع " زيد إياه الفاضل، وأنت إياك العالم " وأما " إنك إياك الفاضل " فجائز على البدل عند البصريين، وعلى التوكيد عند الكوفيين. والثانى: أن يطابق ما قبله، فلا يجوز " كنت هو الفاضل " فأما قول جرير بن الخطفى. 741 - وكائن بالاباطح من صديق * يرانى لو أصبت هو المصابا وكان قياسه " يرانى أنا " مثل (إن ترنى أنا أقل) فقيل: ليس هو فصلا وإنما هو توكيد للفاعل، وقيل: بل هو فصل، فقيل: لما كان صديقه بمنزلة نفسه حتى كان إذا أصيب كأن صديقه هو قد أصيب فجعل ضمير الصديق بمنزلة ضميره، لانه نفسه في المعنى، وقيل: هو على تقدير مضاف إلى الياء، أي يرى مصابي، والمصاب حينئذ مصدر كقولهم " جبر الله مصابك " أي مصيبتك، أي يرى مصابي هو المصاب العظيم، ومثله في حذف الصفة (الآن جئت بالحق) أي الواضح، وإلا لكفروا بمفهوم الظرف (فلا نقم لهم يوم القيامة وزنا) أي نافعا، لان أعمالهم توزن، بدليل (ومن خفت موازينه) الآية، وأجازوا " سير بزيد سير "

[ 496 ]

بتقدير الصفة، أي واحد، وإلا لم يفد، وزعم ابن الحاجب أن الانشاد " لو أصيب " بإسناد الفعل إلى ضمير الصديق، وإن " هو " توكيد له، أو لضمير يرى، قال: إذ لا يقول عاقل يرانى مصلتا إذا أصابتني مصيبة، اه‍. وعلى ما قدمناه من تقدير الصفة لا يتجه الاعتراض، ويروى " يراه " أي يرى نفسه، و " تراه " بالخطاب: ولا إشكال حينئذ ولا تقدير، والمصاب حينئذ مفعول لا مصدر، ولم يطلع على هاتين الروايتين بعضهم فقال: ولو أنه قال يراه لكان حسنا، أي يرى الصديق نفسه مصابا إذا أصبت. المسألة الثانية: في فائدته، وهى ثلاثة أمور: أحدها لفظي، وهو الاعلام من أول الامر بأن ما بعده خبر لا تابع، ولهذا سمى فصلا، لانه فصل بين الخبر والتابع، وعمادا، لانه يعتمد عليه معنى الكلام، وأكثر النحويين يقتصر على ذكر هذه الفائدة، وذكر التابع أولى من ذكر أكثرهم الصفة، لوقوع الفصل في نحو (كنت أنت الرقيب عليهم) والضمائر لا توصف. والثانى معنوى، وهو التوكيد، ذكره جماعة، وبنوا عليه أنه لا يجامع التوكيد فلا يقال " زيد نفسه هو الفاضل " وعلى ذلك سماه بعض الكوفيين دعامة، لانه يدعم به الكلام، أي يقوى ويؤكد. والثالث معنوى أيضا، هو الاختصاص، وكثير من البيانيين يقتصر عليه، وذكر الزمخشري الثلاثة في تفسير (وأولئك هم المفلحون) فقال: فائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. المسألة الثالثة: في محله. زعم البصريون أنه لا محل له، ثم قال أكثرهم: إنه حرف، فلا إشكال،

[ 497 ]

وقال الخليل: اسم، ونظيره على هذا القول أسماء الافعال فيمن يراها غير معمولة لشئ، وأل الموصولة (1)، وقال الكوفيون: له محل، ثم قال الكسائي: محله بحسب ما بعده، وقال الفراء: بحسب ما قبله، فمحله بين المبتدأ والخبر رفع، وبين معمولي ظن نصب، وبين معمولي كان رفع عند الفراء، ونصب عند الكسائي. وبين معمولي إن بالعكس. المسأله الرابعة: فيما يحتمل من الاوجه. يحتمل في نحو (كنت أنت الرقيب عليهم) ونحو (إن كنا نحن الغالبين) الفصلية والتوكيد، دون الابتداء لانتصاب ما بعده، وفى نحو (وإنا لنحن الصافون) ونحو " زيد هو العالم، وإن عمرا هو الفاضل " الفصلية والابتداء، دون التوكيد لدخول اللام في الاولى ولكون ما قبله ظاهرا في الثانية، والثالثة. ولا يؤكد الظاهر بالمضمر لانه ضعيف والظاهر قوى، ووهم أبو البقاء، فأجاز في (إن شانئك هو الابتر) التوكيد، وقد يريد أنه توكيد لضمير مستتر في (شانئك) لا لنفس شانئك، ويحتمل الثلاثة في نحو " أنت أنت الفاضل " ونحو (إنك أنت علام الغيوب) ومن أجاز إبدال الضمير من الظاهر أجاز في نحو " إن زيدا هو الفاضل " البدلية، ووهم أبو البقاء، فأجاز في (تجدوه عند الله هو خيرا) كونه بدلا من الضمير المنصوب. ومن مسائل الكتاب " قد جربتك فسكنت أنت أنت " الضميران مبتدأ وخبر، والجمله خبر كان، ولو قدرت الاول فصلا أو توكيدا لقلت " أنت إياك ". والضمير في قوله تعالى: (أن تكون أمة هي أربى من أمة) مبتدأ: لان ظهور ما قبله يمنع التوكيد، وتنكيره يمنع الفصل.


(1) غير أن إعراب أل الموصولة ظهر فيما بعدها بسبب كونها على صورة الحرف. (*)

[ 498 ]

وفى الحديث " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه " إن قدر في " يكون " ضمير لكل فأبواه مبتدأ، وقوله " هما إما مبتدأ ثان وخبره للذان والجملة خبر أبواه، وإما فصل، وإما بدل من أبواه إذا أجزنا (1) إبدال الضمير من الظاهر، واللذان خبر أبواه، وإن قدر " يكون " خاليا من الضمير فأبواه اسم يكون، و " هما " مبتدأ أو فصل أو بدل، وعلى الاول فاللذان بالالف، وعلى الاخيرين هو بالياء. روابط الجملة بما هي خبر عنه وهى عشرة: أحدها الضمير، وهو الاصل، ولهذا يربط به مذكورا كزيد ضربته، ومحذوفا مرفوعا نحو (إن هذان لساحران) إن قدر لهما ساحران (2)، ومنصوبا كقراءة ابن عامر في سورة الحديد (وكل وعد الله الحسنى) ولم يقرأ بذلك في سورة النساء، بل قرأ بنصب (كل) كالجماعة، لان قبله جملة فعلية وهى (فضل الله المجاهدين) فساوى بين الجملتين في الفعلية، بل بين الجمل، لان بعده (وفضل الله المجاهدين) وهذا مما أغفلوه، أعنى الترجيح باعتبار ما يعطف على الجملة، فإنهم ذكروا رجحان النصب على الرفع في باب الاشتغال في نحو " قام زيد وعمرا أكرمته " للتناسب، ولم يذكروا مثل ذلك في نحو " زيد ضربته وأكرمت عمرا " ولا فرق بينهما، وقول أبى النجم: [ قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا ] كله لم أصنع [ 332 ] ولو نصب " كل " على التوكيد لم يصح، لان " ذنبا " نكرة، أو على المفعولية كان فاسدا معنى، لما بيناه في فصل كل، وضعيفا صناعة، لان حق كل متصلة بالضمير أن لا تستعمل إلا توكيدا أو مبتدأ نحو (إن الامر كله لله) قرئ بالنصب والرفع


(1) في نسخة " إذا جوزنا " (2) في نسخة " إذا قدر لهما ساحران ". (*)

[ 499 ]

وقراءة (1) جماعة (أفحكم الجاهلية يبغون) بالرفع، ومجرورا نحو " السمن منوان بدرهم " أي منه، وقول امرأة " زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب " إذا لم نقل إن أل نائبة عن الضمير، وقوله تعالى (ولمن صبر وغفر إن ذلك عزم الامور) أي إن ذلك منه، ولابد من هذا التقدير، سواء أقدرنا اللام للابتداء ومن موصولة أو شرطية أم قدرنا اللام موطئة ومن شرطية، أما على الاول فلان الجملة خبر، وأما على الثاني فلانه لابد في جواب اسم الشرط المرتفع بالابتداء من أن يشتمل على ضمير، سواء قلنا إنه الخبر أو إن الخبر فعل الشرط وهو الصحيح، وأما الثالث فلانها جواب القسم في اللفظ، وجواب الشرط في المعنى، وقول أبى البقاء والحوفى " إن الجملة جواب الشرط " مردود، لانها اسمية، وقولهما " إنها على إضمار الفاء " مردود، لاختصاص ذلك بالشعر، ويجب على قولهما أن تكون اللام للابتداء، لا للتوطئة. تنبيه - قد يوجد الضمير في اللفظ ولا يحصل الربط، وذلك في ثلاث مسائل: أحدها: أن يكون معطوفا بغير الواو، نحو " زيد قام عمرو فهو " أو " ثم هو ". والثانية: أن يعاد العامل، نحو " زيد قام عمرو وقام هو ". والثالثة: أن يكون بدلا نحو " حسن الجارية الجارية أعجبتني هو " فهو: بدل اشتمال من الضمير المستتر العائد على الجارية، وهو في التقدير كأنه من جملة أخرى، وقياس قول من جعل العامل في البدل نفس العامل في المبدل منه أن تصح المسألة، ونحو ذلك مسألة الاشتغال، فيجوز النصب والرفع في نحو " زيد ضربت عمرا وأباه " ويمتنع الرفع والنصب مع الفاء وثم ومع التصريح بالعامل، وإذا أبدلت " أخاه " ونحوه من عمرو لم يجوزا، على ما مر من الاختلاف في عامل البدل،


(1) في نسخة " وقرأ جماعة " وهذا من أمثلة حذف الضمير الرابط المنصوب. (*)

[ 500 ]

فإن قدرته بيانا جاز باتفاق [ أو بدلا لم يجز (1) ] ويجوز بالاتفاق " زيد ضربت رجلا يحبه " رفعت زيدا أو نصبته، لان الصفة والموصوف كالشئ الواحد. الثاني: الاشارة، نحو (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار) (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة) (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) ويحتمله (ولباس التقوى ذلك خير) وخص ابن الحاج المسألة بكون المبتدأ موصولا أو موصوفا والاشارة إشارة البعيد، فيمتنع نحو " زيد قام هذا " لمانعين، و " زيد قام ذلك " لمانع، والحجة عليه في الآية الثالثة، ولا حجة عليه في الرابعة، لاحتمال كون (ذلك) فيها بدلا أو بيانا، وجوز الفارسى كونه صفة، وتبعه جماعة منهم أبو البقاء، ورده الحوفى بأن الصفة لا تكون أعرف من الموصوف. الثالث: إعادة المبتدأ بلفظه، وأكثر وقوع ذلك في مقام التهويل والتفخيم، نحو (الحاقة ما الحاقة) (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) وقال: 742 - لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا والرابع: إعادته بمعناه، نحو " زيد جاءني أبو عبد الله " إذا كان أبو عبد الله كنية له، أجازه أبو الحسن مستدلا بنحو قوله تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين) وأجيب بمنع كون الذين مبتدأ، بل [ هو ] مجرور بالعطف على (الذين يتقون) ولئن سلم فالرابط العموم، لان المصلحين أعم من المذكورين، أو ضمير محذوف، أي منهم، وقال الحوفى: الخبر محذوف، أي مأجورون، والجملة دليله. والخامس: عموم يشمل المبتدأ نحو " زيد نعم الرجل " وقوله: * (هامش) (1) سقطت هذه الجملة من النسخة التى شرح عليها الدسوقي، وفى ذكرها نوع تكرار. (*)

[ 501 ]

743 - [ ألا ليت شعرى هل إلى أم جحدر * سبيل ؟ ] فأما الصبر عنها فلا صبرا كذا قالوا، ويلزمهم أن يجيزوا " زيد مات الناس، وعمرو كل الناس يموتون، وخالد لا رجل في الدار " أما المثال فقيل: الرابط إعادة المبتدأ بمعناه بناء على قول أبى الحسن في صحة تلك المسألة، وعلى القول بأن أل في فاعلي نعم وبئس للعهد لا للجنس، وأما البيت فالرابط فيه إعادة المبتدأ بلفظه، وليس العموم فيه مرادا، إذ المراد أنه لا صبر له عنها، لانه لا صبر له عن شئ. والسادس: أن يعطف بفاء السببية جملة ذات ضمير على جملة خالية منه أو بالعكس، نحو (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة) وقوله: 744 - وإنسان عينى يحسر الماء تارة * فيبدو، وتارات يحم فيغرق كذا قالوا، والبيت محتمل لان يكون أصله يحسر الماء عنه، أي ينكشف عنه، وفى المسألة تحقيق تقدم في موضعه. والسابع: العطف بالواو، أجازه هشام وحده نحو " زيد قامت هند وأكرمها " ونحو " زيد قام وقعدت هند " بناء على أن الواو للجمع، فالجملتان كالجملة كمسألة الفاء، وإنما الواو للجمع في المفردات لا في الجمل، بدليل جواز " هذان قائم وقاعد " دون " هذان يقوم وقعد ". والثامن: شرط يشتمل على ضمير مدلول على جوابه بالخبر، نحو " زيد يقوم عمر وإن قام ". التاسع: أل النائبة عن الضمير، وهو قول الكوفيين وطائفة من البصريين،

[ 502 ]

ومنه (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) الاصل مأواه، وقال المانعون: التقدير هي المأوى له. والعاشر: كون الجملة نفس المبتدأ في المعنى، نحو " هجيرى أبى بكر لا إله إلا الله " ومن هذا أخبار ضمير الشأن والقصة، نحو (قل هو الله أحد) ونحو (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا). تنبيه - الرابط في قوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن) إما النون على أن الاصل وأزواج الذين، وإما كلمة هم مخفوضة محذوفة هي وما أضيف إليه على التدريج، وتقديرهما إما قبل يتربصن، أي أزواجهم يتربصن، وهو قول الاخفش، وإما بعده، أي يتربصن بعدهم، وهو قول الفراء، وقال الكسائي - وتبعه ابن مالك - الاصل يتربص أزواجهم، ثم جئ بالضمير مكان الازواج لتقدم ذكرهن فامتنع ذكر الضمير، لان النون لا تضاف لكونها ضميرا، وحصل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف للضمير. الاشياء التى تحتاج إلى الرابط (1) وهى أحد عشر: أحدها: الجملة المخبر بها، وقد مضت، ومن ثم كان مردودا قول ابن الطراوة في " لولا زيد لاكرمتك ": إن لاكرمتك هو الخبر، وقول ابن عطية في (فالحق والحق أقول لاملان) إن لاملان خبر الحق الاول فيمن قرأه بالرفع، وقوله إن التقدير أن أملا مردود، لان أن تصير الجملة مفردا وجواب القسم لا يكون مفردا، بل الخبر فيهما محذوف، أي لولا زيد موجود، والحق قسمي، كما في " لعمرك لافعلن ".


(1) في نسخة " تحتاج إلى رابط ". (*)

[ 503 ]

والثانى: الجملة الموصوف بها، ولا يربطها إلا الضمير: إما مذكورا نحو (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) أو مقدرا إما مرفوعا كقوله: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن * عارا عليك، ورب قتل عار [ 31 ] أي هو عار، أو منصوبا كقوله: 745 - [ حميت حمى تهامة بعد نجد ] * وما شئ حميت بمستباح [ ص 612 و 633 ] أي حميته، أو مجرورا نحو (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، ولا هم ينصرون) فإنه على تقدير فيه أربع مرات، وقراءة الاعمش (فسبحان الله حينا تمسون وحينا تصبحون) على تقدير فيه مرتين، وهل حذف الجار والمجرور معا أو حذف الجار وحده فانتصب الضمير واتصل بالفعل كما قال: 746 - ويوما شهدناه سليما وعامرا * [ قليلا سوى الطعن النهال نوافله ] أي شهدنا فيه، ثم حذف منصوبا ؟ قولان: الاول عن سيبويه، والثانى عن أبى الحسن، وفى أمالى ابن الشجرى قال الكسائي: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا الهاء، أي أن الجار حذف أولا، ثم حذف الضمير، وقال آخر: لا يكون المحذوف إلا فيه، وقال أكثر النحويين منهم سيبويه والاخفش: يجوز الامران، والاقيس عندي الاول، اه‍. وهو مخالف لما نقل غيره، وزعم أبو حيان أن الاولى أن لا يقدر في الآية الاولى ضمير، بل يقدر أن الاصل يوما يوم لا تجزى، بإبدال يوم الثاني من الاول، ثم حذف المضاف، ولا يعلم أن مضافا إلى جملة حذف، ثم إن ادعى أن الجملة باقية

[ 504 ]

على محلها من الجر فشاذ، أو أنها أنيبت عن المضاف، تكون الجملة مفعولا في مثل هذا الموضع. الثالث: الجملة الموصول بها الاسماء، ولا يربطها غالبا إلا الضمير: إما مذكورا نحو (الذين يؤمنون) ونحو (وما عملته أيديهم) (وفيها ما تشتهيه الانفس) ونحو (يأكل مما تأكلون منه) وإما مقدرا نحو (أيهم أشد) ونحو (وما عملت أيديهم) (وفيها ما تشهى الانفس) ونحو (ويشرب مما تشربون) والحذف من الصلة أقوى منه من الصفة، ومن الصفة أقوى منه من الخبر. وقد يربطها ظاهر يخلف الضمير كقوله: فيا رب ليلى أنت في كل موطن (1) * وأنت الذى في رحمة الله أطمع [ 343 ] وهو قليل، قالوا: وتقديره وأنت الذى في رحمته، وقد كان يمكنهم أن يقدروا في رحمتك، كقوله: 747 - وأنت الذى أخلفتني ما وعدتني * [ وأشمت بى من كان فيك يلوم ] وكأنهم كرهوا بناء قليل على قليل، إذ الغالب " أنت الذى فعل " وقولهم " فعلت " قليل. ولكنه مع هذا مقيس، وأما " أنت الذى قام زيد " فقليل غير مقيس، وعلى هذا فقول الزمخشري في قوله تعالى: (الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) إنه يجوز كون العطف بثم على الجملة الفعلية ضعيف، لانه يلزمه أن يكون من هذا القليل، فيكون الاصل كفروا به، لان المعطوف على الصلة صلة، فلابد من رابط، وإما إذا قدر العطف على الحمد لله وما بعده فلا إشكال.


(1) وفى رواية * فبا ؟ أنت الله في كل موطن * (*)

[ 505 ]

الرابع: الواقعة حالا، ورابطها إما الواو والضمير نحو (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) أو الواو فقط نحو (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) ونحو " جاء زيد والشمس طالعة " أو الضمير فقط نحو (ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) وزعم أبو الفتح في الصورة الثانية أنه لابد من تقدير الضمير، أي طالعة وقت مجيئه، وزعم الزمخشري في الثالثة أنها شاذة نادرة، وليس كذلك، لورودها في مواضع من التنزيل نحو (أهبطوا بعضكم لبعض عدو) (فنبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) (والله يحكم لا معقب لحكمه) (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) وقد يخلو منهما لفظا فيقدر الضمير نحو " مررت بالبر قفيز بدرهم " أو الواو كقوله يصف غائصا لطلب اللؤلؤ انتصف النهار وهو غائص وصاحبه لا يدرى ما حاله: 748 - نصف النهار الماء غامره * ورفيقه بالغيب لا يدرى [ ص 636 ] الخامس: المفسرة لعامل الاسم المشتغل عنه نحو " زيدا ضربته، أو ضربت أخاه، أو عمرا وأخاه، أو عمرا أخاه " إذا قدرت الاخ بيانا، فإن قدرته بدلا لم يصح نصب الاسم على الاشتغال، ولا رفعه على الابتداء، وكذا لو عطفت بغير الواو، وقوله تعالى (والذين كفروا فتعسا لهم) الذين: مبتدأ، وتعسا: مصدر لفعل محذوف هو الخبر، ولا يكون الذين منصوبا بمحذوف يفسره تعسا كما تقول " زيدا ضربا إياه " وكذا لا يجوز " زيدا جدعا له " ولا " عمرا سقيا له " خلافا لجماعة منهم أبو حيان، لان اللام متعلقة بمحذوف، لا بالمصدر لانه لا يتعدى بالحرف، وليست لام التقوية لانها لازمة، ولام التقوية غير لازمة، وقوله تعالى (سل بنى إسرائيل كم آتيناهم من آية) إن قدرت (من) زائدة فكم مبتدأ أو مفعول لآتينا مقدرا بعده، وإن قدرتها بيانا لكم

[ 506 ]

كما هي بيان لما في (ما ننسخ من آية) لم يجز واحد من الوجهين، لعدم الراجع حينئذ إلى كم، وإنما هي مفعول ثان مقدم، مثل " أعشرين درهما أعطيتك " وجوز الزمخشري في كم الخبرية والاستفهامية، ولم يذكر النحويون أن كم الخبرية تعلق العامل عن العمل، وجوز بعضهم زيادة من كما قدمنا، وإنما تزاد بعد الاستفهام بهل خاصة، وقد يكون تجويزه ذلك على قول من لا يشترط كون الكلام غير موجب مطلقا، أو على قول من يشترطه في غير باب التمييز، ويرى أنها في " رطل من زيت، وخاتم من حديد " زائدة، لا مبينة للجنس. السادس والسابع: بدلا البعض والاشتمال، ولا يربطهما إلا الضمير: ملفوظا نحو (ثم عموا وصموا كثير منهم) (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه) أو مقدرا نحو (من استطاع) أي منهم، ونحو (قتل أصحاب الاخدود النار) أي فيه، وقيل: إن أل خلف عن الضمير، أي ناره، وقال الاعشى: 749 - لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضى لبانات ويسأم سائم أي ثويته فيه، فالهاء من " ثويته " مفعول مطلق، وهى ضمير الثواء، لان الجملة صفته، والهاء رابط الصفة، والضمير المقدر رابط للبدل - وهو ثواء - بالمبدل منه وهو حول، وزعم ابن سيده أنه يجوز كون الهاء من ثويته للحول على الاتساع في ضمير الظرف بحذف كلمه في، وليس بشى، لخلو الصفة حينئذ من ضمير الموصوف، ولا شتراط الرابط في بدل البعض وجب في نحو قولك " مررت بثلاثة زيد وعمرو " القطع بتقدير منهم، لانه لو اتبع لكان بدل بعض من غير ضمير. تنبيه - إنما لم يحتج بدل الكل إلى رابط لانه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة التى هي نفس المبتدأ لا تحتاج إلى رابط لذلك.

[ 507 ]

الثامن: معمول الصفة المشبهة، ولا يربطه أيضا إلا الضمير: إما ملفوظا به نحو " زيد حسن وجهه " أو " وجها منه " أو مقدرا نحو " زيد حسن وجها " أي منه، واختلف في نحو " زيد حسن الوجه " بالرفع، فقيل: التقدير منه، وقيل: أل خلف عن الضمير، وقال تعالى (وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الابواب) جنات بدل أو بيان، والثانى يمنعه البصريون، لانه لا يجوز عندهم أن يقع عطف البيان في النكرات، وقول الزمخشري إنه معرفة لان عدنا علم على الاقامة بدليل (جنات عدن التى وعد الرحمن عباده) لو صح تعينت البدلية بالاتفاق، إذ لاتبين المعرفة النكرة، ولكن قوله ممنوع، وإنما عدن مصدر عدن، فهو نكرة، والتى في الآية بدل لا نعت، و (مفتحة) حال من جنات لاختصاصها بالاضافة، أو صفة لها، لا صفة لحسن، لانه مذكر، ولان البدل لا يتقدم على النعت، و (الابواب) مفعول ما لم يسم فاعله أو بدل من ضمير مستتر، والاول أولى، لضعف مثل " مررت بامرأة حسنة الوجه " وعليهما فلابد من تقدير أن الاصل الابواب منها أو أبوابها، ونابت أل عن الضمير، وهذا البدل بدل بعض لا اشتمال خلافا للزمخشري. التاسع: جواب اسم الشرط المرفوع بالابتداء، ولا يربطه أيضا إلا الضمير: إما مذكورا نحو (فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه) أو مقدرا أو منوبا عنه نحو (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) أي منه، أو الاصل في حجه، وأما قوله تعالى (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) وقول الشاعر: 750 - فمن تكن الحضارة أعجبته * فأى رجال بادية ترانا ؟

[ 508 ]

فقال الزمخشري في الآية الاولى: إن الرابط عموم المتقين، والظاهر أنه لا عموم فيها، وأن المتقين مساوون لمن تقدم ذكره، وإنما الجواب في الآيتين والبيت محذوف وتقديره في الآية الاولى: يحبه الله، وفى الثانية: يغلب، وفى البيت: فلسنا على صفته. العاشر: العاملان في باب التنازع، فلابد من أرتباطهما إما بعاطف كما في " قام وقعد أخواك " أو عمل أولهما في ثانيهما نحو (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا) أو كون ثانيهما جوابا للاول، إما جوابية الشرط نحو (تعالوا يستغفر لكم رسول الله) ونحو (آتونى أفرغ عليه قطرا) أو جوابية السؤال نحو (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) أو نحو ذلك من أوجه الارتباط، ولا يجوز " قام قعد زيد " ولذلك بطل قول الكوفيين إن من التنازع قول أمرئ القيس: * كفانى - ولم أطلب - قليل من المال * [ 414 ] وإنه حجة على رجحان اختيار إعمال الاول، لان الشاعر فصيح وقد ارتكبه مع لزوم حذف مفعول الثاني وترك إعمال الثاني مع تمكنه منه وسلامته من الحذف والصواب أنه ليس من التنازع في شئ، لاختلاف مطلوبي العاملين، فإن كفانى طالب للقليل، وأطلب طالب للملك محذوفا للدليل، وليس طالبا للقليل، لئلا يلزم فساد المعنى، وذلك لان التنازع يوجب تقدير قوله ولم أطلب معطوفا على كفانى، وحينئذ يلزم كونه مثبتا، لانه حينئذ داخل في حيز الامتناع المفهوم من لو، وإذا امتنع النفى جاء الاثبات، فيكون قد أثبت طلبه للقليل بعدما نفاه بقوله: * ولو أن ما أسعى لادنى معيشة *

[ 509 ]

وإنما لم يجز أن يقدر مستأنفا لانه لا ارتباط حينئذ بينه وبين كفانى، فلا تنازع بينهما. فإن قلت: لم لا يجوز التنازع على تقدير الواو للحال، فإنك إذا قلت " لو دعوته لاجابني غير متوان " أفادت لو انتفاء الدعاء والاجابة دون انتفاء عدم التوانى حتى يلزم إثبات التوانى ؟ قلت: أجاز ذلك قوم منهم ابن الحاجب في شرح المفصل ووجه به قول الفارسى والكوفيين إن البيت من التنازع وإعمال الاول، وفيه نظر، لان المعنى حينئذ لو ثبت أنى أسعى لادنى معيشة لكفاني القليل في حالة أنى غير طالب له، فيكون انتفاء كفاية القليل المقيدة بعدم طلبه موقوفا على طلبه له، فيتوقف عدم الشئ على وجوده. ولهذه القاعدة أيضا بطل قول بعضهم في (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) إن فاعل تبين ضمير راجع إلى المصدر المفهوم من أن وصلتها بناء على أن تبين وأعلم قد تنازعاه كما في " ضربني وضربت زيدا "، إذ لا ارتباط بين تبين وأعلم، على أنه لو صح لم يحسن حمل التنزيل عليه، لضعف الاضمار قبل الذكر في باب التنازع، حتى إن الكوفيين لا يجيزونه البتة، وضعف حذف مفعول العامل الثاني إذا أهمل ك‍ " ضربني وضربت زيد " حتى إن البصريين لا يجيزونه إلا في الضرورة. والصواب أن مفعول أطلب " الملك " محذوفا كما قدمنا، وأن فاعل تبين ضمير مستتر: إما للمصدر، أي فلما تبين له تبين كما قالوا في (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) أو لشئ دل عليه الكلام، أي فلما تبين له الامر أو ما أشكل عليه، ونظيره " إذا كان غدا فأتني " أي إذا كان هو، أي ما نحن عليه من سلامة.

[ 510 ]

الحادى عشر: ألفاظ التوكيد الاول، وإنما يربطها الضمير الملفوظ به نحو " جاء زيد نفسه، والزيدان كلاهما، والقوم كلهم " ومن ثم كان مردودا قول الهروي في الذخائر تقول " جاء القوم جميعا " على الحال، و " جميع " على التوكيد، وقول بعض من عاصرناه في قوله تعالى: (هو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا): إن جميعا توكيد لما، ولو كان كذا لقيل جميعه، ثم التوكيد بجميع قليل، فلا يحمل عليه التنزيل، والصواب أنه حال، وقول الفراء والزمخشري في قراءة بعضهم (إنا كلا فيها): إن كلا توكيد، والصواب أنها بدل، وإبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كل جائز إذا كان مفيدا للاحاطة، نحو " قمتم ثلاثتكم " وبدل الكل لا يحتاج إلى ضمير، ويجوز لكل أن تلى العوامل إذا لم تتصل بالضمير، نحو " جاءني كل القوم " فيجوز مجيئها بدلا، بخلاف " جاءني كلهم " فلا يجوز إلا في الضرورة، فهذا أحسن ما قيل في هذه القراءة، وخرجها ابن مالك على أن كلا حال، وفيه ضعفان: تنكير كل بقطعها عن الاضافة لفظا ومعنى، وهو نادر، كقول بعضهم " مررت بهم كلا " أي جميعا، وتقديم الحال على عاملها الظرفى. واحترزت بذكر الاول عن أجمع وأخواته، فإنها إنما تؤكد بعد كل، نحو (فسجد الملائكة كلهم أجمعون). الامور التى يكتسبها لاسم بالاضافة وهى عشرة: أحدها: التعريف، نحو " غلام زيد " (1). الثاني: التخصيص، نحو " علام امرأة " (2) والمراد بالتخصيص الذى لم يبلغ


(1) أي فيما إذا كان المضاف إليه معرفة كزيد. (2) أي متى كان المضاف إليه نكرة كامرأة. (*)

[ 511 ]

درجة التعريف، فإن " غلام رجل " أخص من غلام، ولكنه لم يتميز بعينه كما يتميز " غلام زيد ". الثالث: التخفيف، ك‍ " ضارب زيد، وضاربا عمرو، وضاربو بكر " إذا أردت الحال أو الاستقبال، فإن الاصل فيهن أن يعملن النصب، ولكن الخفض أخف (1) منه، إذ لا تنوين معه ولا نون، ويدل على أن هذه الاضافة لا تفيد التعريف قولك " الضاربا زيد، والضاربو زيد " ولا يجتمع على الاسم تعريفان، وقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) ولا توصف النكرة بالمعرفة، وقوله تعالى: (ثانى عطفه) وقول أبى كبير: 751 - فأتت به حوش الفؤاد مبطنا * [ سهدا إذا ما نام ليل الهوجل ] ولا تنتصب المعرفة على الحال، وقول جرير: 752 - يا رب غابطنا لو كان يطلبكم * [ لاقى مباعدة منكم وحرمانا ] ولا تدخل رب على المعارف، وفى التحفة أن ابن مالك رد على ابن الحاجب في قوله " ولا تفيد إلا تخفيفا " فقال: بل تفيد أيضا التخصص، فإن " ضارب زيد " أخص من " ضارب " وهذا سهو، فإن " ضارب زيد " أصله " ضارب زيدا " بالنصب، وليس أصله ضاربا فقط، فالتخصيص حاصل بالمعمول قبل أن تأتى الاضافة. فإن لم يكن الوصف بمعنى الحال والاستقبال، فإضافته محضة تفيد التعريف والتخصيص، لانها ليست في تقدير الانفصال. وعلى هذا صح وصف اسم الله تعالى بمالك يوم الدين، قال الزمخشري: أريد باسم الفاعل هنا: إما الماضي، كقولك " هو مالك عبيده أمس "


(1) في نسخة " أحب منه " وليست بشئ. (*)

[ 512 ]

أي مالك الامور يوم الدين على حد (ونادى أصحاب الجنة) ولهذا قرأ أبو حنيفة (ملك يوم الدين) وإما الزمان المستمر كقولك " هو مالك العبيد " فإنه بمنزلة قولك مولى العبيد، اه‍ ملخصا. وهو حسن، إلا أنه نقض هذا المعنى الثاني عندما تكلم على قوله تعالى: (وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر) فقال: قرئ بجر الشمس والقمر عطفا على الليل، وبنصبهما بإضمار جعل أو عطفا على محل الليل، لان اسم الفاعل هنا ليس في معنى المضى فتكون إضافته حقيقية، بل هو دال على جعل مستمر في الازمنة المختلفة، ومثله (فالق الحب والنوى) و (فالق الاصباح) كما تقول " زيد قادر عالم " ولا تقصد زمانا دون زمان، اه‍. وحاصله أن إضافة الوصف إنما تكون حقيقية إذا كان بمعنى الماضي، وأنه إذا كان لافادة حدث مستمر في الازمنة كانت إضافته غير حقيقية، وكان عاملا، وليس الامر كذلك. الرابع: إزالة القبح أو التجوز، ك‍ " - مررت بالرجل الحسن الوجه " فإن الوجه إن رفع قبح الكلام، لخلو الصفة لفظا عن ضمير الموصوف، وإن نصب حصل التجوز بإجرائك الوصف القاصر مجرى المتعدى. الخامس: تذكير المؤنث كقوله: 753 - إنارة العقل مكسوف بطوع هوى * وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا ويحتمل أن يكون منه (إن رحمة لله قريب من المحسنين) ويبعده (لعل الساعة قريب) فذكر الوصف حيث لا إضافة، ولكن ذكر الفراء أنهم التزموا التذكير في " قريب " إذا لم يرد قرب النسب، قصدا للفرق، وأما قول الجوهرى " إن التذكير لكون التأنيث مجازيا " فوهم، لوجوب التأنيث

[ 513 ]

في نحو " الشمس طالعة، والموعظة نافعة " وإنما يفترق حكم المجازى والحقيقي الظاهرين، لا المضمرين. السادس: تأنيث المذكر، كقولهم " قطعت بعض أصابعه " وقرئ (تلتقطه بعض السيارة) ويحتمل أن يكون منه (فله عشر أمثالها) (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) أي من الشفا، ويحتمل أن الضمير للنار، وفيه بعد، لانهم ما كانوا في النار حتى ينفذوا منها، وأن الاصل فله عشر حسنات أمثالها، فالمعدود في الحقيقة الموصوف، وهو مؤنث، وقال: 754 - طول الليالى أسرعت في نقضى * نقضن كلى ونقضن بعضى وقال: 755 - وما حب الديار شغفن قلبى * [ ولكن حب من سكن الديارا ] وأنشد سيبويه: 756 - وتشرق بالقول الذى قد أذعته * كما شرقت صدر القناة من الدم وإلى هذا البيت يشير ابن حزم الظاهرى في قوله: 757 - تجنب صديقا مثل ما، واحذر الذى * يكون كعمرو بين عرب وأعجم فإن صديق السوء يزرى، وشاهدي * (كما شرقت صدر القناة من الدم) ومراده بما الكناية عن الرجل الناقص كنقص ما الموصولة، وبعمرو الكناية عن الرجل المريد أخذ ما ليس له كأخذ عمرو الواو في الخط.

[ 514 ]

وشرط هذه المسألة والتى قبلها صلاحية المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز " أمة زيد جاء " ولا " غلام هند ذهبت " ومن ثم رد ابن مالك في التوضيح قول أبى الفتح في توجيهه قراءة أبى العالية (لا تنفع نفسا إيمانها) بتأنيث الفعل: إنه من باب " قطعت بعض أصابعه " لان المضاف لو سقط هنا لقيل نفسا لا تنفع بتقديم المفعول ليرجع إليه الضمير المستتر المرفوع الذى ناب عن الايمان في الفاعلية، ويلزم من ذلك تعدى فعل المضمر المتصل إلى ظاهره نحو قولك " زيد ظلم " تريد أنه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز. السابع: الظرفية، نحو (تؤتى أكلها كل حين) وقوله: * أنا أبو المنهال بعض الاحيان * [ 679 ] وقال المتنبي: أي يوم سررتني بوصال * لم تسؤني ثلاثة بصدود [ 118 ] وأى في البيت استفهامية يراد بها النفى، لا شرطية، لانه لو قيل مكان ذلك " إن سررتني " انعكس المعنى، لا يقال: يدل على أنها شرطية أن الجملة المنفية إن استؤنفت ولم تربط بالاولى فسد المعنى لانا نقول: الربط حاصل بتقديرها صفة لوصال، والرابط محذوف، أي لم ترعنى بعده، ثم حذفا دفعة أو على التدريج، أو حالا من تاء المخاطب، والرابط فاعلها، وهى حال مقدرة، أو معطوفة بفاء محذوفة فلا موضع لها، أي ما سررتني غير مقدر أنك تروعني، ومن روى ثلاثة بالرفع فالحالية ممتنعة، لعدم الرابط. الثامن: المصدرية، نحو (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فأى: مفعول مطلق ناصبه ينقلبون، ويعلم: معلقة عن العمل بالاستفهام، وقال:

[ 515 ]

ستعلم ليلى أي دين تداينت * وأى غريم للتقاضى غريما [ 657 ] أي الاولى واجبة النصب بما بعدها كما في الآية، إلا أنها [ هنا ] مفعول به، كقولك " تداينت مالا " لا مفعول مطلق، لانها لم تضف لمصدر، والثانية واجبة الرفع بالابتداء مثلها في (لنعلم أي الحزبين أحصى) (ولتعلمن أينا أشد عذابا). التاسع: وجوب التصدير، ولهذا وجب تقديم المبتدأ في نحو " غلام من عندك " والخبر في نحو " صبيحه أي يوم سفرك " والمفعول في نحو " غلام أيهم أكرمت " ومن ومجرورها في نحو " من غلام أيهم أنت أفضل " ووجب الرفع في نحو " علمت أبو من زيد " وإلى هذا يشير قول بعض الفضلاء: 758 - عليك بأرباب الصدور، فمن غدا * مضافا لارباب الصدور تصدرا وإياك أن ترضى صحابة ناقص * فتنحط قدرا من علاك وتحقرا فرفع أبو من ثم خفض مزمل * يبين قولى مغريا ومحذرا والاشارة بقوله " ثم خفض مزمل " إلى قول امرئ القيس: 759 - كأن أبانا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل [ ص 683 ] وذلك أن " مزملا " صفة لكبير، فكان حقه الرفع، ولكنه خفض لمجاورته المخفوض (1).


(1) في نسخة " لمجاورته للمخفوض " وكلتاهما صحيحة. (*)

[ 516 ]

والعاشر: الاعراب، نحو " هذه خمسة عشر زيد " فيمن أعربه، والاكثر البناء. والحادي عشر: البناء، وذلك في ثلاثة أبواب: أحدهما: أن يكون المضاف مبهما كغير ومثل ودون، وقد استدل على ذلك بأمور: منها قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) (ومنا دون ذلك قاله الاخفش، وخولف، وأجيب عن الاول بأن نائب الفاعل ضمير المصدر، أي وحيل هو، أي الحول، كما في قوله: 760 - وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل * يسؤك، وإن يكشف غرامك تدرب أي ويعتلل هو، أي الاعتلال، ولابد عندي من تقدير " عليك " مدلولا عليها بالمذكورة، وتكون حالا من المضمر، ليتقيد بها فتفيد ما لم يفده الفعل، وعن الثاني بأنه [ على ] حذف الموصوف، أي ومنا قوم دون ذلك كقولهم " منا ظعن ومنا أقام " أي منا فريق ظعن ومنا [ فريق ] أقام، ومنها قوله تعالى: (لقد تقطع بينكم) فيمن فتح بينا، قاله الاخفش، ويؤيده قراءة الرفع، وقيل: بين ظرف، والفاعل ضمير مستتر راجع إلى مصدر الفعل، أي لقد وقع التقطع، أو إلى الوصل، لان (وما نرى معكم شفعاءكم) يدل على التهاجر، وهو يستلزم عدم التواصل، أو إلى (ما كنتم تزعمون) على أن الفعلين تنازعاه، ويؤيد التأويل قوله: 761 - أهم بأمر الحزم لو أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان بفتح " بين " مع إضافته لمعرب، ومنها قوله تعالى: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) فيمن فتح مثلا، وقراءة بعض السلف (أن يصيبكم مثل ما أصاب) بالفتح، ويقول الفرزدق:


(1) في نسخة " تذرب " بذال معجمة وفسرها الامير بقوله " أي يحتد لسانك وينطق ". (*)

[ 517 ]

* إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر * [ 120 ] وزعم ابن مالك أن ذلك لا يكون في " مثل " لمخالفتها للمبهمات، فإنها تثنى وتجمع كقوله تعالى: (إلا أمم أمثالكم) وقول الشاعر: * والشر بالشر عند الله مثلان * [ 81 ] وزعم أن " حقا " اسم فاعل من حق يحق، وأصله حاق فقصر، كما قيل بر وسر ونم، ففيه ضمير مستتر، ومثل: حال منه، وأن فاعل يصيبكم ضميره تعالى لتقدمه في (وما توفيقي إلا بالله) ومثل: مصدر، وأما بيت الفرزدق ففيه أجوبة مشهورة، ومنها قوله: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال [ 260 ] فغير: فاعل ليمنع وقد جاء مفتوحا، ولا يأتي فيه بحث ابن مالك، لان قولهم " غيران وأغيار) ليس بعربي. ولو كان المضاف غير مبهم لم يبن، وأما قول الجرجاني وموافقيه إن " غلامي " ونحوه مبنى فمردود، ويلزمهم بناء " غلامك، وغلامه " ولا قائل بذلك. الباب الثاني: أن يكون المضاف زمانا مبهما، والمضاف إليه " إذ " نحو (ومن خزى يومئذ) و (من عذاب يومئذ) يقرآن بجر يوم وفتحه. الثالث: أن يكون زمانا مبهما والمضاف إليه فعل مبنى، بناء أصليا كان بناء كقوله: 762 - على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت: ألما أصح والشيب وازع ؟ أو بناء عارضا كقوله.

[ 518 ]

763 - لاجتذبن منهن قلبى تحلما * على حين يستصبين كل حليم رويا بالفتح، وهو أرجح من الاعراب عند ابن مالك، ومرجوح عند ابن عصفور. فإن كان المضاف إليه فعلا معربا أو جملة اسمية، فقال البصريون: يجب الاعراب، والصحيح جواز البناء، ومنه قراءة نافع (هذا يوم ينفع الصادقين) بفتح يوم، وقراءة غير أبى عمرو وابن كثير (يوم لا تملك نفس) بالفتح، وقال: 764 - إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني * نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر وقال آخر: 765 - ألم تعلمي - يا عمرك الله - أننى * كريم على حين الكرام قليل وأنى لا أخزى إذا قيل: مملق * سخى، وأخزى أن يقال: بخيل رويا بالفتح. ويحكى أن ابن الاخضر سئل بحضرة ابن الابرش عن وجه النصب في قول النابغة: 766 - أتانى - أبيت اللعن - أنك لمتنى * وتلك التى تستك منها المسامع مقالة أن قد قلت: سوف أناله، * وذلك من تلقاء مثلك رائع

[ 519 ]

فقال: 767 - [ إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ] * ولا تصحب الاردى فتردى مع الردى فقيل له: الجواب، فقال ابن الابرش: قد أجاب، يريد أنه لما أضيف إلى المبنى اكتسب منه البناء، فهو مفتوح لا منصوب، ومحله الرفع بدلا من " أنك لمتنى " وقد روى بالرفع، وهذا الجواب عندي غير جيد، لعدم إبهام المضاف، ولو صح لصح البناء في نحو " غلامك، وفرسه " ونحو هذا مما لا قائل به، وقد مضى أن ابن مالك منع البناء في " مثل " مع إبهامها لكونها تثنى وتجمع، فما ظنك بهذا ؟ وإنما هو منصوب على إسقاط الباء، أو بإضمار أعنى أو على المصدرية، وفى البيت إشكال لو سأل السائل عنه لكان أولى، وهو إضافة " مقالة " إلى " أن قد قلت " فإنه في التقدير: مقالة قولك، ولا يضاف الشئ إلى نفسه، وجوابه أن الاصل مقالة فحذف التنوين للضرورة لا للاضافة، وأن وصلتها بدل من مقالة، أو من " أنك لمتنى " أو خبر لمحذوف، وقد يكون الشاعر إنما قاله " مقالة ان " بإثبات التنوين ونقل حركة الهمزة، فأنشده الناس بتحقيقها، فاضطروا إلى حذف التنوين، ويروى " ملامة " وهو مصدر للمتنى المذكورة، أو لاخرى محذوفة. الامور التى لا يكون الفعل معها إلا قاصرا وهى عشرون: أحدها: كونه على فعل بالضم كظرف وشرف، لانه وقف على أفعال السجايا وما أشبهها مما يقوم بفاعله ولا يتجاوزه، ولهذا يتحول المتعدى قاصرا إذا حول وزنه إلى فعل لغرض المبالغة والتعجب، نحو ضرب الرجل وفهم

[ 520 ]

بمعنى ما أضربه وأفهمه، وسمع " رحبتكم الطاعة " و " أن بشرا طلع اليمن " ولا ثالث لهما، ووجههما أنهما ضمنا معنى وسع وبلغ، والثانى والثالث: كونه على فعل بالفتح أو فعل بالكسر ووصفهما على فعيل، نحو ذل وقوى. والرابع: كونه على أفعل بمعنى صار ذا كذا نحو " أغد البعير، وأحصد الزرع " إذا صارا (1) ذوى غدة وحصاد. والخامس: كونه على افعلل كاقشعر واشمأز. السادس: كونه على افوعل كا كوهد الفرخ إذا ارتعد. السابع: كونه على افعنلل بأصالة اللامين كاحر نجم بمعنى اجتمع. الثامن: كونه على افعنلل بزيادة أحد اللامين كاقعنسس الجمل إذا أبى أن ينقاد. التاسع: كونه على افعنلى كاحر نبى الديك إذا انتفش، وشذ قوله: 768 - قد جعل النعاس يفر ؟ ؟ ينى * أطرده عنى ويسرندينى ولا ثالث لهما، ويغرندينى - بالغين المعجمة - يعلونى ويغلبنى، وبمعناه يسرندينى العاشر: كونه على استفعل وهو دال على التحول كاستحجر الطين، وقولهم " إن البغاث بأرضنا يستنسر ". الحادى عشر: كونه على وزن انفعل نحو انطلق وانكسر. الثاني عشر: كونه مطاوعا لمتعد إلى واحد نحو كسرته فانكسر وأزعجته فانزعج.


(1) في نسخة " أي صارا - إلخ ". (*)

[ 521 ]

فإن قلت: قد مضى عد انفعل. قلت: نعم لكن تلك علامة لفظية وهذه معنوية، وأيضا فالمطاوع لا يلزم وزن انفعل، تقول: ضاعفت الحسنات فتضاعفت، وعلمته فتعلم، وثلمته فتثلم، وأصله أن المطاوع ينقص عن المطاوع درجة كألبسته الثوب فلبسه، وأقمته فأقام، وزعم ابن برى أن الفعل ومطاوعه قد يتفقان في التعدي لاثنين نحو استخبرته الخبر فأخبرني الخبر، واستفهمته الحديث فأفهمنى الحديث، واستعطيته درهما فأعطاني درهما، وفى التعدي لواحد نحو استفتيته فأفتانى، واستنصحته فنصحني، والصواب ما قدمته لك، وهو قول النحويين، وما ذكره ليس من باب المطاوعة، بل من باب الطلب والاجابة (1)، وإنما حقيقة المطاوعة أن يدل أحد الفعلين على تأثير ويدل الآخر على قبول فاعله لذلك التأثير. الثالث عشر: أن يكون رباعيا مزيدا فيه نحو تدحرج واحر نجم واقشعر واطمأن. الرابع عشر: أن يضمن معنى فعل قاصر، نحو قوله تعالى (ولا تعد عيناك عنهم) (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) (أذاعوا به) (وأصلح لى في ذريتي) (لا يسمعون إلى الملا الاعلى) وقولهم " سمع الله لمن حمده " وقوله: 769 - [ وإن تعتذر بالمحل من ذى ضروعها * إلى الضيف ] يجرح في عراقيبها نصلى فإنها ضمنت معنى ولا تنب ويخرجون، وتحدثوا، وبارك، ولا يصغون، واستجاب، ويعث أو يفسد. والستة الباقية أن يدل على سجية كلؤم وجبن وشجع، أو على عرض


(1) في نسخة " والاباحة " (*)

[ 522 ]

كفرح وبطر وأشر وحزن وكسل، أو على نظافة كطهر ووضؤ، أو دنس كنجس ورجس وأجنب، أو على لون كاحمر واخضر وأدم واحمار واسواد، أو حلية كدعج وكحل وشنب وسمن وهزل. تنبيه: في فصيح ثعلب في باب المشدد: فلان يتعهد ضيعته، قال ابن درستويه: ولا يجوز عنده يتعاهد، لانه لا يكون عند أصحابه إلا من اثنين، ولا يكون متعديا، ويرده قوله: * تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * [ 423 ] وأجاز الخليل يتعاهد، وهو قليل، وسأل الحكم بن قنبر أبا زيد عنها فمنعها، وسأل يونس فأجازها، فجمع بينهما، وكان عنده ستة من فصحاء العرب، فسئلوا عنها فامتنعوا من يتعاهد، فقال يونس: يا أبا زيد كم من علم استفدناه كنت أنت سببه، ونقل ابن عصفور عن ابن السيد أنه قال في قول أبى ذؤيب: بينا تعانقه الكماة وروغه * يوما اتيح له جرى سلفع [ 602 ] إن من رواه بجر التعانق مخطئ، لان تفاعل لا يتعدى، ثم رد عليه بأنه إن كان قبل دخول التاء متعديا إلى اثنين فإنه يبقى بعد دخولها متعديا إلى واحد، نحو عاطيته الدراهم وتعاطينا الدراهم، وإن كان متعديا إلى واحد فإنه يصير قاصرا، نحو تضارب زيد وعمرو، إلا قليلا نحو جاوزت زيدا وتجاوزته، وعانقته وتعانقته، اه‍ وإنما ذكر ابن السيد أن تعانق لا يتعدى، ولم يذكر أن تفاعل لا يكون متعديا، وأيضا فلم يخص الرد برواية الجر، ولا معنى لذلك.

[ 523 ]

الامور التى يتعدى بها الفعل القاصر وهى سبعة: أحدها: همزة أفعل نحو (أذهبتم طيباتكم) (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) (والله أنبتكم من الارض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا) وقد ينقل المتعدى إلى واحد بالهمزة إلى التعدي إلى اثنين نحو " ألبست زيدا ثوبا، وأعطيته دينارا " ولم ينقل متعد إلى اثنين بالهمزة إلى التعدي إلى ثلاثة إلا في " رأى، وعلم " وقاسه الاخفش في أخواتهما الثلاثة القلبية نحو ظن وحسب وزعم، وقيل: النقل بالهمزة كله سماعي، وقيل: قياسي في القاصر والمتعدي إلى واحد، والحق أنه قياسي في القاصر، سماعي في غيره، وهو ظاهر مذهب سيبويه. الثاني: ألف المفاعلة، تقول في جلس زيد ومشى وسار " جالست زيدا، ومااشيته، وسايرته ". الثالث: صوغه على فعلت بالفتح افعل بالضم لافادة الغلبة، تقول " كرمت زيدا " بالفتح - أي غلبته الكرم. الرابع: صوغه على استفعل للطلب أو النسبة إلى الشئ ك‍ " استخرجت المال، واستحسنت زيدا، واستقبحت الظلم " وقد ينقل ذو المفعول الواحد إلى اثنين، نحو " استكتبته الكتاب، واستغفرت الله الذنب "، وإنما جاز " استغفرت الله من الذنب " لتضمنه معنى استتبت، ولو استعمل على أصله لم يجز فيه ذلك، وهذا قول ابن الطراوة وابن عصفور، وأما قول أكثرهم إن استغفر من باب اختار فمردود. الخامس: تضعيف العين، تقول في فرح زيد " فرحته " ومنه (قد أفلح

[ 524 ]

من زكاها) (هو الذى يسيركم) وزعم أبو على أن التضعيف في هذا للمبالغة لا للتعدية، لقولهم " سرت زيدا " وقوله: 770 - [ فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ] * فأول راض سنة من يسيرها وفيه نظر، لان " سرته " قليل، وسيرته كثير، بل قيل: إنه لا يجوز " سرته " وإنه في البيت على إسقاط الباء توسعا، وقد اجتمعت التعدية بالباء والتضعيف في قوله تعالى (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان) وزعم الزمخشري أن بين التعديتين فرقا، فقال: لما نزل القرآن منجما والكتابان جملة واحدة جئ بنزل في الاول وأنزل في الثاني، وإنما قال هو في خطبة الكشاف " الحمد لله الذى أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزله بحسب المصالح منجما " لانه أراد بالاول أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وهو الانزال المذكور في (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وفى قوله تعالى (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن) وأما قول القفال: إن المعنى الذى أنزل في وجوب صومه أو الذى أنزل في شأنه فتكلف لا داعى إليه، وبالثانى تنزيله من السماء الدنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة. ويشكل على الزمخشري قوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرن جملة واحدة) فقرن نزل بجملة واحدة، وقوله تعالى (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها) وذلك إشارة إلى قوله تعالى (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الآية، وهى آية واحدة. والنقل بالتضعيف سماعي في القاصر كما مثلنا، وفى المتعدى لواحد نحو " علمته الحساب، وفهمته المسالة " ولم يسمع في المتعدى لاثنين، وزعم الحريري أنه يجوز في علم المتعدية لاثنين أن ينقل بالتضعيف إلى ثلاثة، ولا يشهد له سماع ولا قياس،

[ 525 ]

وظاهر قول سيبويه أنه سماعي مطلقا، وقيل: قياسي في القاصر والمتعدي إلى واحد. السادس: التضمين، فلذلك عدى رحب وطلع إلى مفعول لما تضمنا معنى وسع وبلغ، وقالوا: فرقت زيدا، و (سفه نفسه) لتضمنهما معنى خاف وامتهن أو أهلك. ويختص التضمين عن غيره من المعديات بأنه قد ينقل الفعل [ إلى ] أكثر من درجة، ولذلك عدى ألوت بقصر الهمزة بمعنى قصرت إلى مفعولين بعد ما كان قاصرا، وذلك في قولهم " لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا " لما ضمن معنى لا أمنعك، ومنه قوله تعالى (لا يا لونكم خبالا) وعدى أخبر وخبر وحدت وأنبأ ونبأ إلى ثلاثة لما ضمنت معنى أعلم وأرى بعد ما كانت متعدية إلى واحد بنفسها وإلى آخر بالجار، نحو (أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم) (نبؤنى بعلم). السابع: إسقاط الجار توسعا نحو (ولكن لا تواعدوهن سرا) أي على سر، أي نكاح (أعجلتم أمر ربكم) أي عن أمره (واقعدوا لهم كل مرصد) أي عليه، وقول الزجاج إنه ظرف رده الفارسى بأنه مختص بالمكان الذى يرصد فيه، فليس مبهما، وقوله: * كما عسل الطريق الثعلب * [ 3 ] أي في الطريق، وقول ابن الطراوة إنه ظرف مردود أيضا بأنه غير مبهم، وقوله إنه اسم لكل ما يقبل الاستطراق فهو مبهم لصلاحيته لكل موضع منازع فيه، بل هو اسم لما هو مستطرق. ولا يحذف الجار قياسا إلا مع أن وأن، وأهمل النحويون هنا ذكر كى مع تجويزهم في نحو " جثت كى تكرمني " أن تكون كى مصدرية واللام

[ 526 ]

مقدرة والمعنى لكى تكرمني، وأجازوا أيضا كونها تعليلية وأن مضمرة بعدها، ولا يحذف مع كى إلا لام العلة، لانها لا يدخل عليها جار غيرها، بخلاف أختيها، قال الله تعالى (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات) (شهد الله أنه لا إله هو) أي بأن لهم، وبأنه (وترغبون أن تنكحوهن) أي في أن، أو عن، على خلاف في ذلك بين المفسرين، ومما يحتملهما قوله: 771 - ويرغب أن يبنى المعالى خالد * ويرغب أن يرضى صنيع الالائم أنشده ابن السيد، فإن قدر " في " أولا و " عن " ثانيا فمدح، وإن عكس فذم، ولا يجوز أن يقدر فيهما معا في أو عن، للتناقض. ومحل أن وأن وصلتهما بعد حذف الجار نصب عند الخليل وأكثر النحويين حملا على الغالب فيما ظهر فيه الاعراب مما حذف منه، وجوز سيبويه أن يكون المحل جرا، فقال بعد ما حكى قول الخليل: ولو قال إنسان إنه جر لكان قولا قويا، وله نظائر نحو قولهم " لاه أبوك " وأما نقل جماعة منهم ابن مالك أن الخليل يرى أن الموضع جر وأن سيبويه يرى أنه نصب فسهو. ومما يشهد لمدعى الجر قوله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) (وأن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) أصلهما لا تدعوا مع الله أحدا لان المساجد لله، وفاعبدون لان هذه. ولا يجوز تقديم منصوب الفعل عليه إذا كان أن وصلتها، لا تقول " أنك فاضل عرفت " وقوله: 772 - وما زرت ليلى أن تكون حبيبة * إلى، ولا دين بها أنا طالبه

[ 527 ]

رووه بخفض " دين " عطفا على محل " أن تكون "، إذ أصله لان تكون، وقد يجاب بأنه عطف على توهم دخول اللام، وقد يعترض بأن الحمل على العطف على المحل أظهر من الحمل على العطف على التوهم، ويجاب بأن القواعد لا تثبت بالمحتملات، وهنا معد ثامن ذكره الكوفيون، وهو تحويل حركة العين، يقال: كسى زيد، بوزن فرح، فيكون قاصرا، قال: 773 - وأن يعرين إن كسى الجوارى * فتنبو العين عن كرم عجاف (1) فإذا فتحت السين صار بمعنى ستر وغطى، وتعدى إلى واحد، كقوله: 774 - وأركب في الروع خيفانة * كسا وجهها سعف منتشر أو بمعنى أعطى كسوه وهو الغالب، فيتعدى إلى اثنين، نحو كسوت زيدا جبة، قالوا: وكذلك شترت عينه بكسر التاء قاصر بمعنى انقلب جفنها، وشتر الله عينه بفتحها متعد [ بمعنى ] قلبها، وهذا عندنا من باب المطاوعة، يقال: شتره فشتر كما يقال ثرمه فثرم وثلمه فثلم، ومنه كسوته الثوب فكسيه، ومنه البيت، ولكن حذف فيه المفعول. * * * الباب الخامس من الكتاب في ذكر الجهات التى يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها وهى عشرة: الجهة الاولى: أن يراعى ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، وكثيرا ما تزل الاقدام بسبب ذلك. وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردا أو مركبا، ولهذا


(1) عن كرم - بالراء كما في اللسان وكامل المبرد - أي ذوات كرم. (*)

[ 528 ]

لا يجوز إعراب فواتح السور على القول بأنها من المتشابه الذى استأثر الله تعالى بعلمه. ولقد حكى لى أن بعض مشايح الاقراء أعرب لتلميذ له بيت المفصل. 775 - لا يبعد الله التلبب والغارات إذ قال الخميس: نعم فقال: نعم حرف جواب، ثم طلبا محل الشاهد في البيت، فلم يجداه، فظهر لى حينئذ حسن لغة كنانة في نعم الجوابية وهى نعم بكسر العين، وإنما نعم هنا واحد الانعام، وهو خبر لمحذوف، أي هذه نعم، وهو محل الشاهد. وسألني أبو حيان - وقد عرض اجتماعنا - علام عطف " بحقلد " من قول زهير: 776 - تقى نقى لم يكثر غنيمة * بنهكة ذى قربى ولا بحقلد فقلت: حتى أعرف ما الحقلد، فنظرناه فإذا هو سئ الخلق، فقلت: هو معطوف على شئ متوهم، إذ المعنى ليس بمكثر غنيمة، فاستعظم ذلك. وقال الشلوبين: حكى لى أن نحويا من كبار طلبة الجزولى سئل عن إعراب (كلالة) من قوله تعالى (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة) فقال: أخبروني ما الكلالة، فقالوا له: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا ولا ابن فما سفل، فقال: فهى إذا تمييز، وتوجيه قوله أن يكون الاصل: وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فارتفع الضمير واستتر، ثم جئ بكلالة تمييزا، ولقد أصاب هذا النحوي في سؤاله، وأخطأ في جوابه، فإن التمييز بالفاعل بعد حذفه نقض للغرض الذى حذف لاجله، وتراجع عما بنيت الجملة عليه من طى ذكر الفاعل فيها، ولهذا لا يوجد في كلامهم مثل ضرب أخوك رجلا، وأما قراءة من قرأ (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) بفتح الباء - فالذي سوغ فيها أن يذكر الفاعل بعد ما حذف أنه إنما ذكر في جملة أخرى غير التى حذف فيها. وكإعراب هذا المعرب كلالة تمييزا قول بعضهم في هذا البيت: 777 - يبسط للاضياف وجها رحبا * بسط ذراعيه لعظم كلبا

[ 529 ]

إن الاصل كما بسط كلب ذراعيه، ثم جئ بالمصدر وأسند للمفعول فرفع، ثم أضيف إليه، ثم جئ بالفاعل تمييزا. والصواب في الآية أن (كلالة) بتقدير مضاف، أي ذا كلالة، وهو إما حال من ضمير (يورث) فكان ناقصة، ويورث خبر، أو تامة فيورث صفة، وإما خبر فيورث صفة، ومن فسر الكلالة بالميت الذى لم يترك ولدا ولا والدا فهى أيضا حال أو خبر، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف، ومن فسرها بالقرابة فهى مفعول لاجله. أما البيت فتخريجه على القلب، وأصله كما بسط ذراعاه كلبا، ثم جئ بالمصدر وأضيف للفاعل المقلوب عن المفعول، وانتصب كلبا على المفعول المقلوب عن الفاعل. وها أنا مورد بعون الله أمثلة متى بنى فيها على ظاهر اللفظ ولم ينظر في موجب المعنى حصل الفساد، وبعض هذه الامثلة وقع للمعربين فيه وهم بهذا السبب، وستري ذلك معينا. فأحدها: قوله تعالى: (أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) فإنه يتبادر إلى الذهن عطف (أن نفعل) على (أن نترك)، وذلك باطل، لانه لم يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤن، وإنما هو عطف على ما، فهو معمول للترك، والمعنى أن نترك أن نفعل، نعم من قرأ تفعل وتشاء - بالتاء لا بالنون - فالعطف على (أن نترك)، وموجب الوهم المذكور أن المعرب يرى أن والفعل مرتين، وبينهما حرف العطف. ونظير هذا سواء أن يتوهم في قوله: لن ما رأيت (1) أبا يزيد مقاتلا * أدع القتال وأشهد الهيجاء [ 461 ]


(1) كتبت في فصل لما [ ص 283 ] " لما رأيت - إلخ " لقصد الالغاز، ليسأل " أين جواب لما " كما قال المؤلف هناك، وحقيقته أن يكتب كما هنا. (*)

[ 530 ]

أن الفعلين متعاطفان، حين يرى فعلين مضارعين منصوبين، وقد بينت في فصل لما أن ذلك خطأ، وأن " أدع " منصوب بلن، وأشهد معطوف على القتال. الثاني: قوله تعالى: (وإنى خفت الموالى من ورائي) فإن المتبادر تعلق من بخفت، وهو فاسد في المعنى، والصواب تعلقه بالموالى، لما فيه من معنى الولاية، أي خفت ولايتهم من بعدى وسوء خلافتهم، أو بمحذوف هو حال من الموالى أو مضاف إليهم، أي كائنين من ورائي، أو فعل الموالى من ورائي، وأما من قرأ (خفت) بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء فمن متعلقة بالفعل المذكور. الثالث: قوله تعالى (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) فإن المتبادر تعلق إلى بتكتبوه، وهو فاسد، لاقتضائه استمرار الكتابة إلى أجل الدين، وإنما هو حال، أي مستقرا في الذمة إلى أجله. ونظيره قوله تعالى: (فأماته الله مائة عام) فإن المتبادر انتصاب مائة بأماته، وذلك ممتنع مع بقائه على معناه الوضعي، لان الامانة سلب الحياة وهى لا تمتد، والصواب أن يضمن أماته معنى ألبثه، فكأنه قيل فألبثه الله بالموت مائة عام، وحينئذ يتعلق به الظرف بما فيه من المعنى العارض له بالتضمين، أي معنى اللبث لا معنى الالباث، لانه كالاماتة في عدم الامتداد، فلو صح ذلك لعلقناه بما فيه من معناه الوضعي، ويصير هذا التعلق بمنزلته في قوله تعالى (قال لبثت يوما أو بعض يوم، قال بل لبثت مائة عام). وفائدة التضمين: أن يدل بكلمة واحدة على معنى كلمتين، يدلك على ذلك أسماء الشرط والاستفهام. ونظيره أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه " لا يجوز أن يعلق حتى

[ 531 ]

بيولد، لان الولادة لا تستمر إلى هذه الغاية، بل الذى يستمر إليها كونه على الفطرة، فالصواب تعليقها بما تعلقت به على، وأن على متعلقة بكائن محذوف منصوب على الحال من الضمير في بولد، ويولد خبر كل. الرابع: قول الشاعر: 778 - تركت بنا لوحا، ولو شئت جادنا * بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح فإن المتبادر تعلق بعيد الكرى بجاد، والصواب تعليقه بما في ثلج من معنى بارد، إذ المراد وصفها بأن ريقها يوجد عقب الكرى باردا، فما الظن به في غير ذلك الوقت ؟ لا أنه يتمنى أن تجود له [ به بعيد ] الكرى دون ما عداه من الاوقات، واللوح - بفتح اللام - العطش. الخامس: قوله تعالى (فلما بلغ معه السعي) فإن المتبادر تعلق مع ببلغ، قال الزمخشري: أي فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه، قال: ولا يتعلق مع ببلغ، لاقتضائه أنهما [ بلغا ] معا حد السعي، ولا بالسعي، لان صلة المصدر لا تتقدم عليه، وإنما هي متعلقة بمحذوف على أن يكون بيانا، كأنه قيل: فلما بلغ الحد الذى يقدر فيه على السعي، فقيل: مع من ؟ فقيل: مع أعطف الناس عليه وهو أبوه، أي أنه لم يستحكم قوته بحيث يسعى مع غير مشفق. السادس: قوله تعالى (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فإن المتبادر أن حيث ظرف مكان، لانه المعروف في استعمالها، ويرده أن المراد أنه تعالى يعلم المكان المستحق للرسالة، لا أن علمه في المكان، فهو مفعول، لا مفعول فيه، وحينئذ لا ينتصب بأعلم إلا على قول بعضهم بشرط تأويله بعالم، والصواب انتصابه بيعلم (1) محذوفا دل عليه أعلم.


(1) ارجع إلى مبحث حيث في ص 131. (*)

[ 532 ]

السابع: قوله تعالى (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك) فإن المتبادر تعلق إلى بصرهن، وهذا لا يصح إذا فسر صرهن بقطعهن، وإنما تعلقه بخذ، وأما إن فسر بأملهن فالتعلق به، وعلى الوجهين يجب تقدير مضاف، أي إلى نفسك، لانه لا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل إلا في باب ظن نحو (أن رآه استغنى) (فلا يحسبنهم بمفازة) فيمن ضم الباء، ويجب تقدير هذا المضاف في نحو (وهزى إليك بجذع النخلة) (واضمم إليك جناحك من الرهب) (أمسك عليك زوجك) وقوله: هون عليك فإن الامور * بكف الاله مقاديرها [ 232 ] وقوله: * ودع عنك نهبا صيح في حجراته * [ 242 ] قوله " حجراته " بفتحتين أي نواحيه، وقول ابن عصفور إن عن وعلى في ذلك اسمان كما في قوله: * غدت من عليه بعد ما تم ضمؤها * [ 231 ] وقوله: فلقد أرانى للرماح دريئة * من عن يمينى مرة وأمامي [ 240 ] دفعا للمحذور المذكور وهم، لان معنى على الاسمية فوق، ومعنى عن الاسمية جانب، ولا يتأتيان هنا، ولان ذلك لا يتأتى مع إلى، لانها لا تكون اسما الثامن: قوله تعالى (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) فإن المتبادر تعلق من بأغنياء لمجاورته له، ويفسده أنهم متى ظنهم ظان قد استغنوا من تعففهم

[ 533 ]

علم أنهم فقراء من المال، فلا يكون جاهلا بحالهم، وإنما هي متعلقة بيحسب، وهى للتعليل. التاسع: قوله تعالى (ألم تر إلى الملا من بنى إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا) فإن المتبادر تعلق إذ بفعل الرؤية، ويفسده أنه لم ينته علمه أو نظره إليهم في ذلك الوقت، وإنما العامل مضاف محذوف، أي ألم تر إلى قصتهم أو خبرهم، إذ التعجب إنما هو من ذلك، لا من ذواتهم. العاشر: قوله تعالى (فمن شرب منه فليس منى، ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة) فإن المتبادر تعلق الاستثناء بالجملة الثانية، وذلك فاسد، لاقتضائه أن من اغترف غرفة بيده ليس منه، وليس كذلك، بل ذلك مباح لهم، وإنما هو مستثنى من الاولى، ووهم أبو البقاء في تجويزه كونه مستثنى من الثانية، وإنما سهل الفصل بالجملة الثانية لانها مفهومة من الاولى المفصولة، لانه إذا ذكر أن الشارب ليس منه اقتضى مفهومه أن من لم يطعمه منه، فكان الفصل به كلا فصل. الحادى عشر: قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فإن المتبادر تعلق إلى باغسلوا، وقد رده بعضهم بأن ما قبل الغاية لابد أن يتكرر قبل الوصول إليها، تقول " ضربته إلى أن مات " ويمتنع (قتلته إلى أن مات) وغسل اليد لا يتكرر قبل الوصول إلى المرفق، لان اليد شاملة لرؤوس الانامل والمناكب وما بينهما، قال: فالصواب تعلق إلى بأسقطوا محذوفا، ويستفاد من ذلك دخول المرافق في الغسل، لان الاسقاط قام الاجماع على أنه ليس من الانامل، بل من المناكب، وقد انتهى إلى المرافق، والغالب أن ما بعد إلى يكون غير داخل، بخلاف حتى، وإذا لم يدخل في الاسقاط بقى داخلا في المأمور

[ 534 ]

بغسله، وقال بعضهم: الايدى في عرف الشرع اسم للاكف فقط، بدليل آية السرقة، وقد صح الخبر باقتصاره صلى الله عليه وسلم في التيمم على مسح الكفين، فكان ذلك تفسيرا للمراد بالايدي في آية التيمم. قال: وعلى هذا فإلى غاية للغسل، لا للاسقاط، قلت: وهذا إن سلم فلابد من تقدير محذوف أيضا، أي ومدوا الغسل إلى المرافق، إذ لا يكون غسل ما وراء الكف غاية لغسل الكف. الثاني عشر: قول ابن دريد: 779 - إن امرأ القيس جرى إلى مدى فاعتاقه حمامه دون المدى فإن المتبادر تعلق إلى بجرى، ولو كان كذلك لكان الجرى قد انتهى إلى ذلك المدى، وذلك مناقض لقوله: * فاعتاقه حمامه دون المدى * وإنما " إلى مدى " متعلق بكون خاص منصوب على الحال، أي طالبا إلى مدى، ونظيره قوله أيضا يصف الحاج. 780 - ينوى التى فضلها رب العلى * لما دحا تربتها على البنى فإن قوله " على البنى " متعلق بأبعد الفعلين، وهو فضل، لا بأقربهما وهو دحا بمعنى بسط، لفساد المعنى. الثالث عشر: ما حكاه بعضهم من أنه سمع شيخا يعرب لتلميذه (قيما) من قوله تعالى (ولم يجعل له عوجا قيما) صفة لعوجا، قال: فقلت له: يا هذا كيف يكون العوج قيما ؟ وترحمت على من وقف من القراء على ألف التنوين في (عوجا) وقفة لطيفة دفعا لهذا التوهم، وإنما (قيما) حال: إما من اسم محذوف هو وعامله، أي أنزله

[ 535 ]

قيما، وإما من الكتاب، وجملة النفى معطوفة على الاول ومعترضة على الثاني، قالوا: ولا تكون معطوفة، لئلا يلزم العطف على الصلة قبل كمالها، وإما من الضمير المجرور باللام إذا أعيد إلى الكتاب لا إلى مجرور على، أو جملة النفى وقيما حالان من الكتاب، على أن الحال يتعدد، وقياس قول الفارسى في الخبر إنه لا يتعدد مختلفا بالافراد والجملة أن يكون الحال كذلك، لا يقال: قد صح ذلك في النعت نحو (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) بل قد ثبت في الحال في نحو (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ثم قال سبحانه (ولا جنبا) لان الحال بالخبر أشبه " من ثم اختلف في تعددهما، واتفق على تعدد النعت، وأما (جنبا) فعطف على الحال، لا حال، وقيل: المنفية حال، و (قيما) بدل منها، عكس " عرفت زيدا أبو من هو ". الرابع عشر: قول بعضهم في (أحوى) إنه صفة لغثاء، وهذا ليس بصحيح على الاطلاق، بل إذا فسر الاحوى بالاسود من الجفاف واليبس، وأما إذا فسر بالاسود من شدة الخضرة لكثرة الرى كما فسر (مدهامتان) فجعله صفة لغثاء كجعل قيما صفة لعوجا، وإنما الواجب أن تكون حالا من المرعى وأخر لتناسب الفواصل. الخامس عشر: قول بعضهم في قوله تعالى (فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب) فيمن رفع (جنات) إنه عطف على قنوان، وهذا يقتضى أن جنات الاعناب تخرج من طلع النخل، وإنما هو مبتدأ بتقدير: وهناك جنات، أو ولهم جنات، ونظيره قراءة من قرأ (وحور عين) بالرفع بعد قوله تعالى (يطاف عليهم بكأس من معين) أي ولهم حور، وأما قراءة السبعة (وجنات) بالنصب فبالعطف على (نبات كل شئ) وهو من باب (وملائكته وجبريل وميكال).

[ 536 ]

السادس عشر: قول ابن السيد في قوله تعالى (من استطاع إليه سبيلا) إن (من) فاعل بالمصدر، ويرده أن المعنى حينئذ ولله على الناس أن يحج المستطيع، فيلزم تأثيم جميع الناس إذا تخلف مستطيع عن الحج، وفيه مع فساد المعنى ضعف من جهة الصناعة، لان الاتيان بالفاعل بعد إضافة المصدر إلى المفعول شاذ، حتى قيل: إنه ضرورة كقوله: 781 - أفنى تلادى وما جمعت من نشب * قرع القواقيز أفواه الاباريق فيمن رواه برفع أفواه، والحق جواز ذلك في النثر، إلا أنه قليل، ودليل الجواز هذا البيت، فإنه روى بالرفع مع التمكن من النصب وهى الرواية الاخرى، وذلك على أن القواقيز الفاعل، والافواه مفعول، وصح الوجهان لان كلا منهما قارع ومقروع، ومن مجيئه في النثر الحديث " وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " ولا يتأتى فيه ذلك الاشكال، لانه ليس فيه ذكر الوجوب على الناس، والمشهور في (من) في الآية أنها بدل من الناس بدل بعض، وجوز الكسائي كونها مبتدأ، فإن كانت موصولة فخبرها محذوف، أو شرطية فالمحذوف جوابها، والتقدير عليهما: من استطاع فليحج، وعليهن فالعموم مخصص إما بالبدل أو بالجملة. السابع عشر: قول الزمخشري في قوله تعالى (يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوأة أخى) إن انتصاب (أوارى) في جواب الاستفهام، ووجه فساده أن جواب الشئ مسبب عنه، والمواراة لا تتسبب عن العجز وإنما انتصابه بالعطف على (أكون) ومن هنا امتنع نصب (تصبح) في قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة) لان إصباح الارض مخضرة لا يتسبب عن رؤية إنزال المطر، بل عن الانزال نفسه، وقيل: إنما لم ينصب

[ 537 ]

لان (ألم تر) في معنى قد رأيت، أي أنه استفهام تقريري مثل (ألم نشرح) وقيل: النصب جائز كما في قوله تعالى (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب) ولكن قصد هنا إلى العطف على (أنزل) على تأويل تصبح بأصبحت، والصواب القول الاول، وليس (ألم تر) مثل (أفلم يسيروا) لما بيناه. الثامن عشر: قول بعضهم في (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة) إن الاصل اتخذوهم قربانا، وإن الضمير وقربانا مفعولان، وآلهة بدل من قربانا، وقال الزمخشري: إن ذلك فاسد في المعنى، وإن الصواب أن آلهة هو المفعول الثاني، وأن قربانا حال، ولم يبين وجه فساد المعنى، ووجهه أنهم إذا ذموا على اتخاذهم قربانا من دون الله اقتضى مفهومه الحث على أن يتخذوا الله سبحانه قربانا، كما أنك إذا قلت " أتتخذ فلانا معلما دوني ؟ " كنت آمرا له أن يتخذك معلما له دونه، والله تعالى يتقرب إليه بغيره، ولا يتقرب به إلى غيره، سبحانه التاسع عشر: قول المبرد في قوله تعالى (أو جاءوكم حصرت صدورهم) إن جملة (حصرت صدورهم) جملة دعائية، ورده الفارسى بأنه لا يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتال قومهم، ولك أن تجيب بأن المراد الدعاء عليهم بأن يسلبوا أهلية القتال حتى لا يستطيعوا أن يقاتلوا أحدا البتة. المتمم العشرين: قول أبى الحسن في قوله تعالى (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين) فيمن نون مائة إنه يجوز كون سنين منصوبا بدلا من ثلاث، أو مجرورا بدلا من مائة، والثانى مردود، فإنه إذا أقيم مقام مائة فسد المعنى. الحادى والعشرون: قول المبرد في (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا): إن اسم الله تعالى بدل من آلهة، ويرده أن البدل في باب الاستثناء مستثنى موجب له الحكم، أما الاول فلان الاستثناء، إخراج، و " ما قام أحد إلا زيد " مفيد لاخراج

[ 538 ]

زيد، وأما الثاني فلانه كلما صدق " ما قام أحد إلا زيد " صدق " قام زيد " واسم الله تعالى هنا ليس بمستثنى ولا موجب له الحكم، أما الاول فلان الجمع المنكر لا عموم له فيستثنى منه، ولان المعنى حينئذ لو كان فيهما آلهة مستثنى منهم الله لفسدتا، وذلك يقتضى أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم يفسدا، وإنما المراد أن الفساد يترتب على تقدير التعدد مطلقا، وأما أنه ليس بموجب له الحكم فلانه لو قيل لو كان فيهما الله لفسدتا لم يستقم. وهذا البحث يأتي في مثال سيبويه " لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا " لان رجلا ليس بعام فيستثنى منه، ولانه لو قيل لو كان معنا جماعة مستثنى منهم زيد لغلبنا اقتضى أنه لو كان معهم جماعة فيهم زيد لم يغلبوا، وهذا وإن كان معنى صحيحا إلا أن المراد إنما هو أن زيدا وحده كاف. فإن قيل: لا نسلم أن الجمع في الآية والمفرد في المثال غير عامين، لانهما واقعان في سياق لو، وهى للامتناع، والامتناع انتفاء. قلت: لو صح ذلك لصح أن يقال لو كان فيهما من أحد، ولو جاءني ديار ولو جاءني فأكرمه بالنصب لكان كذا وكذا، واللازم ممتنع. الثاني والعشرون: قول أبى الحسن الاخفش في " كلمته فاه إلى في " إن انتصاب فاه على إسقاط الخافض، أي من فيه، ورده المبرد فقال: إنما يتكلم الانسان من في نفسه لا من في غيره، وقد يكون أبو الحسن إنما قال ذلك في " كلمني فاه إلى في " أو قاله في ذلك وحمله على القلب لفهم المعنى، فلا يرد عليه سؤال أبى العباس، فلنعدل إلى مثال غير هذا. حكى عن اليزيدى أنه قال في قول العرجى: 782 - أظلوم إن مصابكم رجلا * رد السلام تحية ظلم [ ص 673 ]

[ 539 ]

إن الصواب رجل بالرفع خبر لان، وعلى هذا الاعراب يفسد المعنى المراد في البيت، ولا يتحصل له معنى ألبتة، وله حكاية مشهورة بين أهل الادب. رووا عن أبى عثمان المازنى أن بعض أهل الذمة بذل له مائة دينار على أن يقرئه كتاب سيبويه، فامتنع من ذلك مع ما كان به من شدة احتياج، فلامه تلميذه المبرد، فأجابه بأن الكتاب مشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله تعالى، فلا ينبغى تمكين ذمى من قراءتها، ثم قدر أن غنت جارية بحضرة الواثق بهذا البيت، فاختلف الحاضرون في نصب رجل ورفعه، وأصرت الجارية على النصب، وزعمت أنها قرأته على أبى عثمان كذلك، فأمر الواثق بإشخاصه من البصرة، فلما حضر أوجب النصب، وشرحه بأن مصابكم بمعنى إصابتكم، ورجلا مفعوله، وظلم الخبر، ولهذا لا يتم المعنى بدونه، قال: فأخذ اليزيدى في معارضتي، فقلت له: هو كقولك " إن ضربك زيدا ظلم " فاستحسنه الواثق، ثم أمر له بألف دينار، ورده مكرما، فقال للمبرد: تركنا لله مائة دينار فعوضنا ألفا. الجهة الثانية: أن يراعى المعرب معنى صحيحا، ولا ينظر في صحته في الصناعة، وها أنا مورد لك أمثلة من ذلك. أحدها: قول بعضهم في (وثمودا فما أبقى) إن ثمودا مفعول مقدم، وهذا ممتنع، لان لما النافية الصدر، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وإنما هو معطوف على (عادا) أو هو بتقدير وأهلك ثمودا، وإنما جاء: * ونحن عن فضلك ما استغنينا * [ 137 ] لانه شعر، مع أن المعمول ظرف، وأما قراءة عمرو بن فائد (من شر ما خلق) بتنوين شر، فما بدل من شر، بتقدير مضاف، أي من شر شر ما خلق، وحذف الثاني لدلالة الاول.

[ 540 ]

الثاني: قول بعضهم في إذ من قوله تعالى (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون) إنها ظرف للمقت الاول، أو للثاني، وكلاهما ممنوع، أما امتناع تعليقه بالثاني فلفساد المعنى، لانهم لم يمقتوا أنفسهم ذلك الوقت، وإنما يمقتونها في الآخرة، ونظيره قول من زعم في (يوم تجد) إنه ظرف ليحذركم، حكاه مكى، قال: وفيه نظر، والصواب الجزم بأنه خطأ، لان التحذير في الدنيا لا في الآخرة، ولا يكون مفعولا به ليحذركم كما في (وأنذرهم يوم الآزفة) لان يحذر قد استوفى مفعوليه، وإنما هو نصب بمحذوف تقديره اذكروا أو احذروا، وأما امتناع تعليقه بالاول - وهو رأى جماعة منهم الزمخشري - فلاستلزامه الفصل بين المصدر ومعموله بالأجنبي، ولهذا قالوا في قوله: 783 - وهن وقوف ينتظرن قضاءه * بضاحى غداة أمره وهو ضامز إن الباء متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا بينتظرن، لئلا يفصل بين قضائه وأمره بالأجنبي، ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجرى وغيره أمره معمولا لقضى محذوفا لوجود ما يعمل، ونظير ما لزم الزمخشري هنا ما لزمه إذ علق (يوم تبلى السرائر) بالرجع من قوله تعالى (إنه على رجعه لقادر) وإذ علق أياما بالصيام من قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات) فإن في الاولى الفصل بخبر إن وهو لقادر، وفى الثاني الفصل بمعمول كتب وهو كما كتب. فإن قيل: لعله يقدر (كما كتب) صفة للصيام، فلا يكون متعلقا بكتب. قلنا: يلزم محذور آخر، وهو إتباع المصدر قبل أن يكمل معموله، ونظير اللازم له على هذا التقدير ما لزمه إذ قال في قوله تعالى (وصد عن سبيل الله

[ 541 ]

وكفر به والمسجد الحرام): إن المسجد عطف على سبيل الله، وإنه حينئذ من جملة معمول المصدر، وقد عطف (كفر) على المصدر قبل مجيئه. والصواب أن الظروف الثلاثة متعلقة بمحذوف، أي مقتكم إذ تدعون، وصوموا أياما، ويرجعه يوم تبلى السرائر، ولا ينتصب يوم بقادر، لان قدرته تعالى لا تتقيد بذلك اليوم ولا بغيره، ونظيره في التعلق بمحذوف (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) ألا ترى أن اليوم لو علق ببشرى لم يصح من وجهين: أنه مصدر، وأنه اسم للا، وأما (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) فعلى الخلاف في جواز تقدم منصوب ليس عليها. والصواب أن خفض (المسجد) بباء محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، لا بالعطف، ومجموع الجار والمجرور عطف على (به)، ولا يكون خفض المسجد بالعطف على الهاء، لانه لا يعطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض. ومن أمثلة ذلك قول المتنبي: 784 - وفاؤ كما كالربع أشجاه طاسمه * بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وقد سأل أبو الفتح المتنبي عنه، فأعرب " وفاؤكما كالربع " مبتدأ وخبره، وعلق الباء بوفاؤكما، فقال له: كيف تخبر عن اسم لم يتم ؟ فأنشده قول الشاعر: 785 - لسنا كمن جعلت إباد دارها * تكريت تمنع حبها أن يحصدا أي أن " إباد " بدل من من قبل مجئ معمول جعلت وهو دارها، والصواب تعليق دارها وبأن تسعدا بمحذوف، أي جعلت ووفيتما، ومعنى البيت وفاؤكما

[ 542 ]

يا صاحبي بما وعدتماني به من الاسعاد بالبكاء عند ربع الاحبة إنما يسلينى إذا كان يدمع ساجم، أي هامل، كما أن الربع إنما يكون أبعث على الحزن إذا كان دارسا. الثالث: تعليق جماعة الظروف من قوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله) (لا تثريب عليكم اليوم) ومن قوله عليه الصلاة والسلام: " لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت " باسم لا، وذلك باطل عند البصريين، لان اسم لا حينئذ مطول، فيجب نصبه وتنوينه، وإنما التعليق في ذلك بمحذوف إلا عند البغداديين، وقد مضى. والرابع: وهو عكس ذلك: تعليق بعضهم الظرف من قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم) بمحذوف: أي كائن عليكم، وذلك ممتنع عند الجمهور، وإنما هو متعلق بالمذكور وهو الفضل، لان خبر المبتدأ بعد لولا واجب الحذف، ولهذا لحن المعرى في قوله: * فلولا الغمد يمسكه لسالا * [ 442 ] الخامس: قول بعضهم في (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك): إن الظرف كان صفة لامة، ثم قدم عليها فانتصب على الحال، وهذا يلزم منه الفصل بين العاطف والمعطوف بالحال، وأبو على لا يجيزه بالظرف، فما الظن بالحال التى هي شبيهة بالمفعول به ؟ ومثله قول أبى حيان في (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) إن (أشد) حال كان في الاصل صفة لذكرا. السادس: قول الحوفى: إن الباء من قوله تعالى (فناظرة بم يرجع المرسلون) متعلقة بناظرة، ويرده أن الاستفهام له الصدر، ومثله قول ابن عطية

[ 543 ]

في (قاتلهم الله أنى يؤفكون): إن أنى ظرف لقاتلهم الله، وأيضا فيلزم كون يؤفكون لا موقع لها حينئذ، والصواب تعلقهما بما بعدهما. ونظيرهما قول المفسرين في (ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون): إن المعنى إذا أنتم تخرجون من الارض، فعلقوا ما قبل إذا بما بعدها، حكى ذلك عنهم أبو حاتم في كتاب الوقف والابتداء، وهذا لا يصح في العربية. وقول بعضهم في (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا): إن ملعونين حال من معمول ثقفوا أو أخذوا، ويرده أن الشرط له الصدر. والصواب أنه منصوب على الذم، وأما قول أبى البقاء إنه حال من فاعل (يجاورونك) فمردود، لان الصحيح أنه لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان. وقول آخر في (وكانوا فيه من الزاهدين): إن في متعلقة بزاهدين المذكور، وهذا ممتنع إذا قدرت أل موصولة وهو الظاهر، لان معمول الصلة لا يتقدم على الموصول، فيجب حينئذ تعلقها بأعنى محذوفة، أو بزاهدين محذوفا مدلولا عليه بالمذكور، أو بالكون المحذوف الذى تعلق به من الزاهدين، وأما إن قدرت أل للتعريف فواضح. السابع: قول بعضهم في بيت المتنبي يخاطب الشيب: 786 - ابعد بعدت بياضا لا بياض له * لانت أسود في عينى من الظلم إن من متعلقة بأسود، وهذا يقتضى كونه اسم تفضيل، وذلك ممتنع في الالوان، والصحيح أن " من الظلم " صفة لاسود، أي أسود كائن من جملة الظلم، وكذا قوله: 787 - يلقاك مرتديا بأحمر من دم * ذهبت بخضرته الطلى والاكبد

[ 544 ]

" من دم " إما تعليل، أي أجمر من أجل التباسه بالدم، أو صفة كأن السيف لكثرة التباسه بالدم صار دما. الثامن: قول بعضهم في " سقيا لك " إن اللام متعلقة بسقيا، ولو كان كذا لقيل سقيا إياك، فإن سقى يتعدى بنفسه. فإن قيل: اللام للتقوية مثل (مصدقا لما معهم). فلام التقوية لا تلزم، ومن هنا امتنع في (والذين كفروا فتعسا لهم) كون الذين نصبا على الاشتغال، لان لهم ليس متعلقا بالمصدر. التاسع: قول الزمخشري في (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله): إنه من اللف والنشر، وإن المعنى منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، وهذا يقتضى أن يكون النهار معمولا للابتغاء مع تقديمه عليه، وعطفه على معمول منامكم وهو بالليل، وهذا لا يجوز في الشعر، فكيف في أفصح الكلام ؟ وزعم عصرى في تفسير له على سورتي البقرة وآل عمران في قوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) أن (من) متعلقة بحذر أو بالموت، وفيهما تقديم معمول المصدر، وفى الثاني أيضا تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وحامله على ذلك أنه لو علقه بيجعلون وهو في موضع المفعول له لزم تعدد المفعول له من غير عطف، إذ كان حذر الموت مفعولا له، وقد أجيب بأن الاول تعليل للجعل مطلقا، والثانى تعليل له مقيدا بالاول، والمطلق والمقيد غيران، فالمعلل متعدد في المعنى، وإن اتحد في اللفظ، والصواب أن يحمل على أن المنام في الزمانين والابتغاء فيهما. العاشر: قول بعضهم في (قليلا ما يؤمنون): إن ما بمعنى من، ولو كان كذلك لرفع قليل على أنه خبر.

[ 545 ]

الحادى عشر: قول بعضهم في (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر): إن هو ضمير الشأن، وأن يعمر: مبتدأ، وبمزحزحه: خبر، ولو كان كذلك لم يدخل الباء في الخبر. ونظيره قول آخر في حديث بدء الوحى " ما أنا بقارى ": إن ما استفهامية مفعولة لقارئ، ودخول الباء في الخبر يأبى ذلك. الثاني عشر: قول الزمخشري في (أينما تكونوا يدرككم الموت) فيمن رفع يدرك: إنه يجوز كون الشرط متصلا بما قبله، أي ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا: يعنى فيكون الجواب محذوفا مدلولا عليه بما قبله، ثم يبتدئ (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) وهذا مردود بأن سيبويه وغيره من الائمة نصوا على أنه لا يحذف الجواب إلا وفعل الشرط ماض، تقول " أنت ظالم إن فعلت " ولا تقول " أنت ظالم إن تفعل " إلا في الشعر، وأما قول أبى بكر في كتاب الاصول: إنه يقال " آتيك إن تأتني " فنقله من كتب الكوفيين، وهم يجيزون ذلك، لا على الحذف، بل على أن المتقدم هو الجواب، وهو خطأ عند أصحابنا، لان الشرط له الصدر. الثالث عشر: قول بعضهم في (بالاخسرين أعمالا): إن (أعمالا) مفعول به، ورده ابن خروف بأن خسر لا يتعدى كنقيضه ربح، ووافقه الصفار مستدلا بقوله تعالى: (كرة خاسرة) إذ لم يرد أنها خسرت شيئا، وثلاثتهم ساهون، لان اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، ولان خسر متعد، ففى التنزيل (الذين خسروا أنفسهم) (خسر الدنيا والآخرة) وأما خاسرة فكأنه على النسب أي ذات خسر، وربح أيضا يتعدى فيقال: ربح دينارا، وقال سيبويه: أعمالا مشبه بالمفعول به، ويرده أن اسم التفضيل لا يشبه باسم الفاعل، لانه لا تلحقه علامات الفروع إلا بشرط، والصواب أنه تمييز.

[ 546 ]

الجهة الثالثة: أن يخرج على ما لم يثبت في العربية، وذلك إنما يقع عن جهل أو غفلة، فلنذكر منه أمثلة. أحدها: قول أبى عبيدة في (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) إن الكاف حرف قسم، وإن المعنى: الانفال لله والرسول والذى أخرجك، وقد شنع ابن الشجرى على مكى في حكايته هذا القول وسكوته عنه قال: ولو أن قائلا قال " كالله لافعلن " لاستحق أن يبصق في وجهه. ويبطل هذه المقالة أربعة أمور، أن الكاف لم تجئ بمعنى واو القسم، وإطلاق " ما " على الله سبحانه وتعالى، وربط الموصول بالظاهر وهو فاعل أخرج وباب ذلك الشعر كقوله: [ فيا رب أنت الله في كل موطن ] * [ وأنت الذى في رحمة الله أطمع ] [ 343 ] ووصله بأول السورة مع تباعد ما بينهما. وقد يجاب عن الثاني بأنه قد جاء نحو (والسماء وما بناها) وعنه أنه قال: الجواب (يجادلونك) ويرده عدم توكيده، وفى الآية أقوال أخر، ثانيها: أن الكاف مبتدأ، وخبره فاتقوا الله، ويفسده اقترانه بالفاء، وخلوه من رابط وتباعد ما بينهما، وثالثها: أنها نعت مصدر محذوف، أي يجادلونك في الحق الذى هو إخراجك من بيتك جدالا مثل جدال إخراجك، وهذا فيه تشبيه الشئ بنفسه ورابعها - وهو أقرب مما قبله - أنها نعت مصدر أيضا، ولكن التقدير قل الانفال ثابتة لله والرسول مع كراهيتهم ثبوتا مثل ثبوت إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون، وخامسها - وهو أقرب من الرابع -: أنها نعت لحقا، أي أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك، والذى سهل هذا تقاربهما، ووصف الاخراج بالحق في الآية، وسادسها - وهو أقرب من الخامس - أنها خبر لمحذوف، أي هذه الحال

[ 547 ]

كحال إخراجك، أي أن حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك الغزاة مثل حالهم في كراهية خروجك من بيتك للحرب، وفى الآية أقوال أخر منتشرة. المثال الثاني: قول ابن مهران في كتاب الشواذ فيمن قرأ (إن البقر تشابهت) بتشديد التاء: إن العرب تزيد تاء على التاء الزائدة في أول الماضي، وأنشد: 788 - تتقطعت بى دونك الاسباب ولا حقيقة لهذا البيت ولا لهذه القاعدة، وإنما أصل القراءة (إن البقرة) بتاء الوحدة، ثم أدغمت في تاء تشابهت، فهو إدغام من كلمتين. الثالث: قول بعضهم في (وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله): إن الاصل وما لنا وأن لا نقاتل، أي ما لنا وترك القتال، كما تقول " مالك وزيدا " ولم يثبت في العربية حذف واو المفعول معه. الرابع: قول محمد بن مسعود الزكي في كتابه البديع - وهو كتاب خالف فيه أقوال النحويين في أمور كثيرة -: إن الذى وأن المصدرية يتقارضان، فيقع الذى مصدرية كقوله: 789 - أتقرح أكباد المحبين كالذى * أرى كبدي من حب مية يقرح ؟ وتقع أن بمعنى الذى كقولهم " زيد أعقل من أن يكذب " أي من الذى يكذب، اه‍. فأما وقوع الذى مصدرية فقال به يونس والفراء والفارسي، وارتضاه ابن خروف وابن مالك، وجعلوا منه (ذلك الذى يبشر الله عباده) (وخضتم كالذى خاضوا). وأما عكسه فلم أعرف له قائلا، والذى جرأه عليه إشكال هذا الكلام،

[ 548 ]

فإن ظاهره تفضيل زيد في العقل على الكذب، وهذا لا معنى له، ونظائر هذا التركيب كثيرة مشهورة الاستعمال، وقل من يتنبه لاشكالها، وظهر لى فيها توجيهان: أحدهما: أن يكون في الكلام تأويل على تأويل، فيؤول أن والفعل بالمصدر، ويؤول المصدر بالوصف، فيؤول إلى المعنى الذى أراده ولكن بتوجيه يقبله العلماء، ألا ترى أنه قيل في قوله تعالى (وما كان هذا القرآن أن يفترى) إن التقدير: ما كان افتراء. ومعنى هذا ما كان مفترى. وقال أبو الحسن في قوله تعالى (ثم يعودون لما قالوا): إن المعنى ثم يعودون للقول، والقول في تأويل المقول: أي يعودون للمقول فيهن لفظ الظهار، وذلك هو الموافق لقول جمهور العلماء: إن العود الموجب للكفارة العود إلى المرأة لا العود إلى القول نفسه كما يقول أهل الظاهر، وبعد فهذا الوجه عندي ضعيف، لان التفضيل على الناقص لا فضل فيه، وعليه قوله: 790 - إذ أنت فضلت امرأ ذا براعة * على ناقص كان المديح من النقص التوجيه الثاني: أن " أعقل " ضمن معنى أبعد فمعنى المثال زيد أبعد الناس من الكذب لفضله من غيره، فمن المذكورة ليست الجارة للمفضول، بل متعلقة بأفعل، لما تضمنه من معنى البعد، لا لما فيه من المعنى الوضعي، والمفضل عليه متروك أبدا مع أفضل هذا لقصد التعميم، ولولا خشية الاسهاب لاوردت لك أمثلة كثيرة من هذا الباب لتقف منها على العجب العجاب. الجهة الرابعة: أن يخرج على الامور البعيدة والاوجه الضعيفة، ويترك الوجه القريب والقوى، فإن كان لم يظهر له إلا ذاك فله عذر، وإن ذكر الجميع فإن قصد بيان المحتمل أو تدريب الطالب فحسن، إلا في ألفاظ التنزيل فلا يجوز أن يخرج إلا على ما يغلب على الظن إرادته، فإن لم يغلب شئ فليذكر الاوجه المحتملة من

[ 549 ]

غير تعسف، وإن أراد مجرد الاغراب على الناس وتكثير الاوجه فصعب شديد، وسأضرب لك أمثله مما خرجوه على الامور المستبعدة لتجتنبها وأمثالها. أحدها: قول جماعة في (وقيله) إنه عطف على لفظ (الساعة) فيمن خفض، وعلى محلها فيمن نصب، مع ما بينهما من التباعد، وأبعد منه قول أبى عمرو في قوله تعالى (إن الذين كفروا بالذكر) إن خبره (أولئك ينادون من مكان بعيد) وأبعد من هذا قول الكوفيين والزجاج في قوله تعالى (ص والقرآن ذى الذكر): إن جوابه (إن ذلك لحق) وقول بعضهم في (ثم آتينا موسى الكتاب): إنه عطف على (ووهبنا له إسحاق) وقول الزمخشري في (وكل أمر مستقر) فيمن جر (مستقر): إن كلا عطف على (الساعة) وأبعد منه قوله في (وفى موسى إذ أرسلناه): إنه عطف على (وفى الارض آيات) وأبعد من هذا قوله في (فاستفتهم ألربك البنات): إنه عطف على (فاستفتهم أهم أشد خلقا) قال: هو معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت بينهما المسافة، انتهى. والصواب خلاف ذلك كله. فأما (وقيله) فيمن خفض، فقيل: الواو للقسم وما بعده الجواب، واختاره الزمخشري، وأما من نصب، فقيل: عطف على (سرهم) أو على مفعول محذوف معمول ليكتبون أو ليعلمون، أي يكتبون ذلك، أو يعلمون الحق، أو أنه مصدر لقال محذوفا، أو نصب على إسقاط حرف القسم، واختاره الزمخشري. وأما (إن الذين كفروا بالذكر) فقيل: الذين بدل من الذين في (إن الذين يلحدون) والخبر (لا يخفون) واختاره الزمخشري، وقيل: مبتدأ خبره مذكور، ولكن حذف رابطه، ثم اختلف في تعيينه، فقيل: هو (ما يقال لك) أي في شأنهم وقيل: هو (لما جاءهم) أي كفروا به وقيل (لا يأتيه الباطل) أي لا يأتيه منهم، وهو بعيد: لان الظاهر أن (لا يأتيه) من جملة خبر إنه.

[ 550 ]

وأما (ص والقرآن) الآية، فقيل: الجواب محذوف، أي إنه لمعجز، بدليل الثناء عليه بقوله (ذى الذكر) أو (إنك لمن المرسلين) بدليل (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) أو ما الامر كما زعموا، بدليل (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب) وقيل: مذكور، فقال الاخفش (إن كل إلا كذب الرسل) وقال الفراء وثعلب (صلى الله عليه وآله) لان معناها صدق الله، ويرده أن الجواب لا يتقدم، فإن أريد أنه دليل الجواب فقريب، وقيل (كم أهلكنا) الآية، وحذفت اللام للطول. وأما (ثم آتينا) فعطف على (ذلكم وصاكم به) وثم لترتيب الاخبار، لا لترتيب الزمان، أي ثم أخبركم بأنا آتينا موسى الكتاب. وأما (وكل أمر مستقر) فمبتدأ حذف خبره، أي وكل أمر مستقر عند الله واقع، أو ذكر، وهو (حكمة بالغة) وما بينهما اعتراض، وقول بعضهم الخبر (مستقر) وخفض على الجوار حمل على ما لم يثبت في الخبر. وأما (وفى موسى) فعطف على (فيها) من (وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم). الثاني: قول بعضهم في (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) إن الوقف على (فلا جناح) وإن ما بعده إغراء ليفيد صريحا مطلوبية التطوف بالصفا والمروة، ويرده أن إغراء الغائب ضعيف، كقول بعضهم وقد بلغه أن إنسانا يهدده " عليه رجلا ليسنى " أي ليلزم [ غيرى ]، والذى فسرت به عائشة رضى الله عنها خلاف ذلك، وقصتها مع عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنهم في ذلك مسطورة في صحيح البخاري ثم الايجاب لا بتوقف على كون (عليه) إغراء، بل كلمة على تقتضي ذلك مطلقا. وأما قول بعضهم في (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا): إن الوقف قبل (عليكم) وإن (عليكم) إغراء فحسن، وبه يتخلص من إشكال ظاهر في الآية ؟ حوج للتأويل.

[ 551 ]

الثالث: قول بعضهم في (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) إن (أهل) منصوب على الاختصاص، وهذا ضعيف، لوقوعه بعد ضمير الخطاب مثل " بك الله نرجو الفضل " وإنما الاكثر أن يقع بعد ضمير التكلم كالحديث " نحن معاشر الانبياء لا نورث " والصواب أنه منادى. الرابع: قول الزمخشري في (فلا تجعلوا لله أنددا) إنه يجوز كون (تجعلوا) منصوبا في جواب الترجي أعنى (لعلكم تتقون) على حد النصب في قراءة حفص (فأطلع) وهذا لا يجيزه بصرى، ويتأولون قراءة حفص: إما على أنه جواب للامر وهو (ابن لى صرحا) أو على العطف على الاسباب، على حد قوله: * ولبس عباءة وتقر عينى * [ 424 ] أو على معنى ما يقع موقع أبلغ، وهو أن أبلغ، على حد قوله * ولا سابق شيئا * [ 135 ] ثم إن ثبت قول الفراء إن جواب الترجي منصوب كجواب التمنى فهو قليل، فكيف تخرج عليه القراءة المجمع عليها. وهذا كتخريجه قوله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله) على أن الاستثناء منقطع، وأنه جاء على البدل الواقع في اللغة التميمية، وقد مضى البحث فيها. ونظير هذا على العكس قول الكرماني في (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) إن (من) نصب على الاستثناء و (نفسه) توكيد، فحمل قراءة السبعة على النصب في مثل " ما قام أحد إلا زيدا " كما حمل الزمخشري قراءتهم على البدل في مثل " ما فيها أحد إلا حمار " وإنما تأتى قراءة الجماعة على أفصح الوجهين، ألا ترى إلى إجماعهم على الرفع في (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) وأن أكثرهم قرأ به في (ما فعلوه إلا قليل منهم) وأنه لم يقرأ أحد بالبدل في (وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى) لانه منقطع ؟. وقد

[ 552 ]

قيل: إن بعضهم قرأ به في (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) وإجماع الجماعة على خلافة. ونظير حمل الكرماني النفس على التوكيد في موضع لم يحسن فيه ذلك قول بعضهم في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) إن الباء زائدة، و (أنفسهن) توكيد للنون، وإنما لغة الاكثرين في توكيد الضمير المرفوع المتصل بالنفس أو العين أن يكون بعد التوكيد بالمنفصل نحو " قمتم أنتم أنفسكم ". الخامس: قول بعضهم في (لتستووا على ظهوره): إن اللام للامر، والفعل مجزوم، والصواب أنها لام العلة والفعل منصوب، لضعف أمر المخاطب باللام كقوله: لتقم أنت يا ابن خير قريش * فلتقضى حوائج المسلمينا [ 376 ] السادس: قول التبريزي في قراءة يحيى بن يعمر (تماما على الذى أحسن) بالرفع: إن أصله أحسنوا، فحذفت الواو اجتزاء عنها بالضمة، كما قال: 791 - إذا ما شاء ضروا من أرادوا * ولا يألوهم أحد ضرارا واجتماع حذف الواو وإطلاق الذى على الجماعة كقوله: * وإن الذى حانت بفلج دماؤهم * [ 315 ] ليس بالسهل، والاولى قول الجماعة: إنه بتقدير مبتدأ، أي هو أحسن، وقد جاءت منه مواضع، حتى إن أهل الكوفة يقيسونه، والاتفاق على أنه قياس مع أي كقوله: * فسلم على أيهم أفضل * [ 117 ] وأما قول بعضهم في قراءة ابن محيصن (لمن أراد أن يتم الرضاعة): إن الاصل أن يتموا بالجمع فحسن، لان الجمع على معنى من مثل (ومنهم من يستمعون) ولكن أظهر منه قول الجماعة: إنه قد جاء على إهمال أن الناصبة حملا على أختها ما المصدرية.

[ 553 ]

السابع: قول بعضهم في قوله تعالى (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) فيمن قرأ بتشديد الراء وضمها: إنه على حد قوله: 792 - [ يا أقرع بن حابس يا أقرع ] * إنك إن يصرع أخوك تصرع فخرج القراءة المتواترة على شئ لا يجوز إلا في الشعر، والصواب أنه مجزوم، وأن الضمة إتباع كالضمة في قولك لم يشد ولم يرد وقوله تعالى (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) إذا قدر (لا يضركم) جوابا لاسم الفعل، فإن قدر استئنافا فالضمة إعراب، بل قد امتنع الزمخشري من تخريج التنزيل على رفع الجواب مع مضى فعل الشرط فقال في قوله تعالى (وما عملت من سوء تود): لا يجوز أن تكون ما شرطية لرفع تود، هذا مع تصريحه في المفصل بجواز الوجهين في نحو " إن قام زيد أقوم " ولكنه لما رأى الرفع مرجوحا لم يستسهل تخريج القراءة المتفق عليها عليه، يوضح لك هذا أنه جوز ذلك في قراءة شاذة مع كون فعل الشرط مضارعا، وذلك على تأويله بالماضي، فقال قرئ (أينما تكونوا يدرككم الموت) برفع يدرك، فقيل: هو على حذف الفاء، ويجوز أن يقال: إنه محمول على ما يقع موقعه، وهو أينما كنتم، كما حمل * ولا ناعب * [ في قوله ]: [ مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابها ] [ 730 ] على ما يقع موقع " ليسوا مصلحين " وهو ليسوا بمصلحين، وقد يرى كثير من الناس قول الزمخشري في هذه المواضع متناقضا، والصواب ما بينت لك، قال: ويجوز أن يتصل بقوله (ولا تظلمون) اه‍، وقد مضى رده. الثامن: قول ابن حبيب: إن (بسم الله) خبر، و (الحمد) مبتدأ، ولله حال، والصواب أن (الحمد لله) مبتدأ وخبر، وبسم الله على ما تقدم في إعرابها. التاسع: قول بعضهم إن أصل بسم كسر السين أو ضمها على لغة من قال سم أو سم، ثم سكنت السين، لئلا يتوالى كسرات، أو لئلا يخرجوا من كسر إلى ضم، والاولى قول الجماعة إن السكون أصل، وهى لغة الاكثرين، وهم الذين يبتدئون اسما بهمز الوصل.

[ 554 ]

العاشر: قول بعضهم في الرحيم من البسملة: إنه وصل بنية الوقف فالتقى ساكنان الميم ولام الحمد فكسرت الميم لالتقائهما، وممن جوز ذلك ابن عطية، ونظير هذا قول جماعة منهم المبرد إن حركة راء " أكبر " من قول المؤذن " الله أكبر، الله أكبر " فتحة، وإنه وصل بنية الوقف، ثم اختلفوا، فقيل: هي حركة الساكنين، وإنما لم يكسروا حفظا لتفخيم اللام كما في (ألم الله) وقيل: هي حركة الهمزة نقلت: وكل هذا خروج عن الظاهر لغير داع، والصواب أن كسرة الميم إعرابية، وأن حركة الراء ضمة إعرابية، وليس لهمزة الوصل ثبوت في الدرج فتنقل حركتها إلا في ندور. الحادى عشر: قول الجماعة في قوله تعالى (تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين): إن فيه حذف مضافين، والمعنى علمت ضعفاء الجن أن لو كان رؤساؤهم، وهذا معنى حسن، إلا أن فيه دعوى حذف مضافين لم يظهر الدليل عليهما، والاولى أن (تبين) بمعنى وضح، وأن وصلتها بدل اشتمال من الجن، أي وضح للناس أن الجن لو كانوا إلخ. الثاني عشر: قول بعضهم في (عينا فيها تسمى): إن الوقف على (تسمى) هنا، أي عينا مسماة معروفة، وإن (سلسبيلا) جملة أمرية أي: اسأل طريقا موصلة إليها، ودون هذا في البعد قول آخر: إنه علم مركب كتأبط شرا، والاظهر أنه اسم مفرد مبالغة في السلسال، كما أن السلسال مبالغة في السلس، ثم يحتمل أنه نكرة، ويحتمل أنه علم منقول وصرف لانه اسم لماء، وتقدم ذكر العين لا يوجب تأنيثه كما تقول " هذه واسط " بالصرف، ويبعد أن يقال: صرف للتناسب ك‍ (قواريرا) لاتفاقهم على صرفه. الثالث عشر: قول مكى وغيره في قوله تعالى (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا): إن زهرة حال من الهاء في به، أو من ما، وإن التنوين حذف للساكنين مثل قوله:

[ 555 ]

793 - [ فألفيته غير مستعتب ] * ولا ذاكر الله إلا قليلا [ ص 644 ] وإن جر الحياة على أنه بدل من ما، والصواب أن (زهرة) مفعول بتقدير جعلنا لهم أو آتيناهم، ودليل ذلك ذكر التمتيع، أو بتقدير أذم، لان المقام يقتضيه، أو بتقدير أعنى بيانا لما أو للضمير، أو بدل من أزواج، إما بتقدير ذوى زهرة، أو على أنهم جعلوا نفس الزهرة مجازا للمبالغة، وقال الفراء: هو تمييز لما أو للهاء، وهذا على مذهب الكوفيين في تعريف التمييز، وقيل: بدل من ما، ورد بأن (لنفتنهم) من صلة (متعنا) فيلزم الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبى، وبأن الموصول لا يتبع قبل كمال صلته، وبأنه لا يقال " مررت بزيد أخاك " على البدل، لان العامل في المبدل منه لا يتوجه إليه بنفسه، وقيل: من الهاء، وفيه ما ذكر، وزيادة الابدال من العائد، وبعضهم يمنعه بناء على أن المبدل منه في نية الطرح فيبقى الموصول بلا عائد في التقدير، وقد مر أن الزمخشري منع في (أن اعبدوا الله) أن يكون بدلا من الهاء في (أمرتنى به) ورددناه عليه، ولو لزم إعطاء منوى الطرح حكم المطروح لزم إعطاء منوى التأخير حكم المؤخر، فكان يمتنع " ضرب زيدا غلامه " ويرد ذلك قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) والاجماع على جوازه. تنبيه - وقد يكون الموضع لا يتخرج إلا على وجه مرجوح، فلا حرج على مخرجه، كقراءة ابن عامر وعاصم (وكذلك نجى المؤمنين) فقيل: الفعل ماض مبنى للمفعول، وفيه ضعف من جهات: إسكان آخر الماضي، وإنابة ضمير المصدر مع أنه مفهوم من الفعل، وإنابة غير المفعول به مع وجوده، وقيل: مضارع أصله ننجي بسكون ثانيه، وفيه ضعف، لان النون عند الجيم تخفى ولا تدغم، وقد زعم قوم أنها أدغمت فيها قليلا وأن منه أترج وإجاصة وإجانة، وقيل: مضارع وأصله

[ 556 ]

ننجي بفتح ثانية وتشديد ثالثه ثم حذفت النون الثانية، ويضعفه أنه لا يجوز في مضارع نبأت ونقبت ونزلت ونحوهن إذا ابتدأت بالنون أن تحذف النون الثانية إلا في ندور كقراءة بعضهم (ونزل الملائكة تنزيلا). الجهة الخامسة: أن يترك بعض ما يحتمله اللفظ من الاوجه الظاهرة. ولنورد مسائل من ذلك ليتمرن بها الطالب مرتبة على الابواب ليسهل كشفها. باب المبتدأ مسألة - يجوز في الضمير المنفصل من نحو (إنك أنت السميع العليم) ثلاثة أوجه: الفصل وهو أرجحها، والابتداء وهو أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد. مسألة - يجوز في الاسم المفتتح به من نحو قوله " هذا أكرمته " الابتداء والمفعولية، ومثله " كم رجل لقيته " و " من أكرمته " لكن في هاتين يقدر الفعل مؤخرا، ومثلهما " رب رجل صالح لقيته ". مسألة - يجوز في المرفوع من نحو " أفى الله شك " و " ما في الدار زيد " الابتدائية والفاعلية، وهى أرجح لان الاصل عدم التقديم والتأخير، ومثله كلمتا (غرف) في سورة الزمر (1)، لان الظرف الاول معتمد على المخبر عنه، والثانى على الموصوف، إذ الغرف الاولى موصوفة بما بعدها، وكذا " نار " في قول الخنساء: 794 - [ وإن صخرا لتأتم الهداة به ] * كأنه علم في رأسه نار ومثله الاسم التالى للوصف في نحو " زيد قائم وأبوه " و " أقائم زيد " لما ذكرنا، ولان الاب إذا قدر فاعلا كان خبر زيد مفردا، وهو الاصل في الخبر، ومثله


(1) الآية هي (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف). (*)

[ 557 ]

(ظلمات) من قوله تعالى (أو كصيب من السماء فيه ظلمات) لان الاصل في الصفة الافراد، فإن قلت " أقائم أنت " فكذلك عند البصريين، وأوجب الكوفيون في ذلك الابتدائية، ووافقهم ابن الحاجب، ووهم إذ نقل في أماليه الاجماع على ذلك، وحجتهم أن المضمر المرتفع بالفعل لا يجاوره منفصلا عنه، لا يقال " قام أنا " والواجب أنه إنما انفصل مع الوصف لئلا يجهل معناه، لانه يكون معه مستترا، بخلافه مع الفعل فإنه يكون بارزا كقمت أو قمت، ولان طلب الوصف لمعموله دون طلب الفعل، فلذلك احتمل معه الفصل، ولان المرفوع بالوصف سد في اللفظ مسد واجب الفصل وهو الخبر، بخلاف فاعل الفعل، ومما يقطع به على بطلان مذهبهم قوله تعالى (أراغب أنت عن آلهتي) وقول الشاعر: 795 - خليلي ما واف بعهدي أنتما * [ إذا لم تكونا لى على من أقاطع ] فإن القول بأن الضمير مبتدأ كما زعم الزمخشري في الآية مؤد إلى فصل العامل من معموله بالأجنبي، والقول بذلك في البيت مؤد إلى الاخبار عن الاثنين بالواحد، ويجوز في نحو " ما في الدار زيد " وجه ثالث عند ابن عصفور، ونقله عن أكثر البصريين، وهو أن يكون المرفوع اسما لما الحجازية، والظرف في موضع نصب على الخبرية، والمشهور وجوب بطلان العمل عند تقدم الخبر ولو ظرفا. مسألة - يجوز في نحو " أخوه " من قولك " زيد ضرب في الدار أخوه " أن يكون فاعلا بالظرف، لاعتماده على ذى الحال وهو ضمير زيد المقدر في ضرب، وأن يكون نائبا عن فاعل ضرب على تقديره خاليا من الضمير، وأن يكون مبتدأ خبره الظرف والجملة حال، والفراء والزمخشري يريان هذا الوجه شاذا رديئا، لخلو الجملة الاسمية الحالية من الواو، ويوجبان الفاعلية في نحو " جاء زيد عليه جبة "

[ 558 ]

وليس كما زعما، والاوجه الثلاثة في قوله تعالى (وكأين من نبى قتل معه ربيون كثير) قيل: وإذا قرئ بتشديد قتل لزم ارتفاع ربيون بالفعل، يعنى لان التكثير لا ينصرف إلى الواحد، وليس بشئ، لان النبي هنا متعدد لا واحد، بدليل كأين، وإنما أفرد الضمير بحسب لفظها. مسألة - " زيد نعم الرجل " يتعين في زيد الابتداء، و " نعم الرجل زيد " قيل: كذلك، وعليهما فالرابط العموم، أو إعادة المبتدأ بمعناه، على الخلاف في الالف واللام الجنس هي أم للعهد، وقيل: يجوز أيضا أن يكون خبرا لمحذوف وجوبا، أي الممدوح زيد، وقال ابن عصفور: يجوز فيه وجه ثالث وهو أن يكون مبتدأ حذف خبره وجوبا، أي زيد الممدوح، ورد بأنه لم يسد شئ مسده. مسألة - " حبذا زيد " يحتمل زيد - على القول بأن حب فعل وذا فاعل - أن يكون مبتدأ مخبرا عنه بحبذا، والرابط الاشارة، وأن يكون خبرا لمحذوف، ويجوز على قول ابن عصفور السابق أن يكون مبتدأ حذف خبره، ولم يقل به هنا، لانه يرى أن حبذا اسم، وقيل: بدل من ذا، ويرده أنه لا يحل محل الاول وأنه لا يجوز الاستغناء عنه، وقيل: عطف بيان، ويرده قوله: 796 - وحبذا نفحات من يمانية * [ تأتيك من قبل الريان أحيانا ] ولا تبين المعرفة بالنكرة باتفاق، وإذا قيل حبذا اسم للمحبوب فهو مبتدأ وزيد خبر، أو بالعكس عند من يجيز في قولك " زيد الفاضل " وجهين وإذا قيل بأن حبذا كله فعل فزيد فاعل، وهذا أضعف ما قيل، لجواز حذف المخصوص كقوله: 797 - ألا حبذا - لولا الحياء - وربما * منحت الهوى ما ليس بالمتقارب

[ 559 ]

والفاعل لا يحذف. مسألة - يجوز في نحو (فصبر جميل) ابتدائية كل منهما وخبرية الآخر، أي شأني صبر جميل، أو صبر جميل أمثل من غيره. باب كان وما جرى مجراها مسألة - يجوز في كان من نحو (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) ونحو " زيد كان له مال " نقصان كان، وتمامها، وزيادتها وهو أضعفها، قال ابن عصفور: باب زيادتها الشعر، والظرف متعلق بها على التمام، وباستقرار محذوف مرفوع على الزيادة، ومنصوب على النقصان، إلا أن قدرت الناقصة شانية فالاستقرار مرفوع لانه خبر المبتدأ. مسألة - (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) يحتمل في كان الاوجه الثلاثة، إلا أن الناقصة لا تكون شانية، لاجل الاستفهام، ولتقدم الخبر، وكيف: حال على التمام، وخبر لكان على النقصان، وللمبتدأ على الزيادة. مسألة - (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) تحتمل كان الاوجه الثلاثة، فعلى الناقصة الخبر إما لبشر، ووحيا استثناء مفرغ من الاحوال، فمعناه موحيا أو موحى، أو من وراء حجاب، بتقدير: أو موصلا ذلك من وراء حجاب، وأو يرسل بتقدير أو إرسالا، أي أو ذا إرسال، وإما وحيا والتفريغ في الاخبار، أي ما كان تكليمهم إلا إيحاء أو إيصالا من وراء حجاب أو إرسالا، وجعل ذلك تكليما على حذف مضاف، ولبشر على هذا تبيين، وعلى التمام والزيادة فالتفريغ في الاحوال المقدرة في الضمير المستتر في لبشر. مسألة - " أين كان زيد قائما " يحتمل الاوجه الثلاثة، وعلى النقصان فالخبر إما قائما وأين ظرف له، أو أين فيتعلق بمحذوف وقائما حال، وعلى الزيادة

[ 560 ]

والتمام فقائما حال، وأين ظرف له، ويجوز كونه ظرفا لكان إن قدرت تامة. مسألة - يجوز في نحو " زيد عسى أن يقوم " نقصان عسى فاسمها مستتر، وتمامها فأن والفعل مرفوع المحل بها. مسألة - يجوز الوجهان في " عسى أن يقوم زيد " فعلى النقصان زيد اسمها وفى يقوم ضميره، وعلى التمام لا إضمار، وكل شئ في محله، ويتعين التمام في نحو " عسى أن يقوم زيد في الدار " و (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) لئلا يلزم فصل صلة أن من معمولها بالأجنبي وهو اسم عسى. مسألة - (وما ربك بغافل) تحتمل ما الحجازية والتميمية، وأوجب الفارسى والزمخشري الحجازية ظنا أن المقتضى لزيادة الباء نصب الخبر، وإنما المقتضى نفيه، لامتناع الباء في " كان زيد قائما " وجوازها في: 798 - [ وإن مدت الايدى إلى الزاد ] لم أكن * بأعجلهم، [ إذ أجشع القوم أعجل ] وفى " ما إن زيد بقائم ". مسألة - " لا رجل ولا امرأة في الدار " إن رفعت الاسمين فهما مبتدآن على الارجح، أو اسمان للا الحجازية، فإن قلت " لا زيد ولا عمرو في الدار " تعين الاول، لان لا إنما تعمل في النكرات، فإن قلت " لا رجل في الدار " تعين الثاني، لان لا إذا لم تتكرر يجب أن تعمل، ونحو (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) إن فتحت الثلاثة فالظرف خبر للجميع عند سيبويه، ولواحد عند غيره، ويقدر للآخرين ظرفان، لان لا المركبة عند غيره عاملة في الخبر، ولا يتوارد عاملان على معمول واحد، فكيف عوامل ؟ وإن رفعت الاولين فإن قدرت لا معهما حجازية تعين عند الجميع إضمار خبرين إن قدرت لا الثانية كالاولى وخبرا واحدا إن قدرتها مؤكدة لها وقدرت الرفع بالعطف، وإنما وجب التقدير في الوجهين

[ 561 ]

لاختلاف خبرى الحجازية والتبرئة بالنصب والرفع، فلا يكون خبر واحد لهما، وإن قدرت الرفع بالابتداء فيهما - على أنهما مهملتان - قدرت عند غير سيبويه خبرا واحدا للاولين أو للثالث كما تقدر في " زيد وعمرو قائم " خبرا للاول أو للثاني، ولم يحتج لذلك عند سيبويه (1). باب المنصوبات المتشابهة ما يحتمل المصدرية والمفعولية - من ذلك نحو (ولا تظلمون فتيلا) (ولا تظلمون نقيرا) أي ظلما ما أو خيرا ما، أي لا تنقصونه مثل (ولم تظلم منه شيئا) ومن ذلك (ثم لم ينقصوكم شيئا) أي نقصا أو خيرا، وأما (ولا تضروه شيئا) فمصدر، لاستيفاء ضر مفعوله، وأما (فمن عفى له من أخيه شئ) فشئ قبل ارتفاعه مصدر أيضا، لا مفعول به، لان عفا لا يتعدى. ما يحتمل المصدرية والظرفية والحالية - من ذلك " سرت طويلا " أي سيرا طويلا، أو زمنا طويلا، أو سرته (2) طويلا، ومنه (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) أي إزلافا غير بعيد، أو زمنا غير بعيد أو أزلفته الجنة - أي الازلاف - في حالة كونه غير بعيد، إلا أن هذه الحال مؤكدة، وقد يجعل حالا من الجنة فالاصل غير بعيدة، وهى أيضا حال مؤكدة، ويكون التذكير على هذا مثله (لعل الساعة قريب). ما يحتمل المصدرية والحالية - " جاء زيد ركضا " أي يركض ركضا، أو عامله " جاء " على حد " قعدت جلوسا " أو التقدير جاء راكضا، وهو قول سيبويه، ويؤيده قوله تعالى (ائتيا طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين) فجاءت الحال في موضع المصدر السابق ذكره. ما يحتمل المصدرية والحالية والمفعول لاجله - من ذلك (يريكم البرق


(1) وجهه أن سيبويه لا يرى للاعملا في الخبر، فلا يمتنع على مذهبه أن يكون للجميع خبر واحد. (2) الضمير في " سرته " يعود إلى السير المفهوم من الفعل. (*)

[ 562 ]

خوفا وطمعا) أي فتخافون خوفا وتطمعون طمعا، وابن مالك يمنع حذف عامل المصدر المؤكد إلا فيما استثنى، أو خائفين وطامعين، أو لاجل الخوف والطمع، فإن قلنا " لا يشترط اتحاد فاعلي الفعل والمصدر المعلل " وهو اختيار ابن خروف فواضح، وإن قيل باشتراطه فوجهه أن (يريكم) بمعنى يجعلكم ترون، والتعليل باعتبار الرؤية لا الاراءة، أو الاصل إخافة وإطماعا، وحذفت الزوائد. وتقول " جاء زيد رغبة " أي يرغب رغبة، أو مجئ رغبة، أو راغبا، أو للرغبة، وابن مالك يمنع الاول، لما مر، وابن الحاجب يمنع الثاني، لانه يؤدى إلى إخراج الابواب عن حقائقها، إذ يصح في " ضربته يوم الجمعة " أن يقدر ضرب يوم الجمعة، قلت: وهو حذف بلا دليل، إذ لم تدع إليه ضرورة، وقال المتنبي: 799 - أيلى الهوى أسفا يوم النوى بدنى * [ وفرق الهجر بين الجفن والوسن ] والتقدير آسف أسفا، ثم اعترض بذلك بين الفاعل والمفعول به، أو إبلاء أسف، أو لاجل الاسف، فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال، وأما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا، كما في قوله تعالى: (يبغونها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا: إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا، أي فبليت أسفا، ولا تقدر فبلى بدنى، لان الاختلاف حاصل، إذ الاسف فعل النفس لا البدن، أو لان الهوى لما حصل بتسببه كان كأنه قال: أبليت بالهوى بدنى. ما يحتمل المفعول به والمفعول معه - نحو " أكرمتك وزيدا " يجوز كونه عطفا على المفعول وكونه مفعولا معه، ونحو " أكرمتك وهذا " يحتملهما وكونه معطوفا على الفاعل، لحصول الفصل بالمفعول، وقد أجيز في " حسبك وزيدا درهم " كون " زيد " مفعولا معه، وكونه مفعولا به بإضمار يحسب، وهو الصحيح، لانه لا يعمل في المفعول معه، إلا ما كان من جنس ما يعمل في المفعول به، ويجوز جره:

[ 563 ]

فقيل: بالعطف، وقيل: بإضمار حسب أخرى وهو الصواب، ورفعه بتقدير حسب فحذفت وخلفها المضاف إليه، ورووا بالاوجه الثلاثة قوله: 800 - إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا * فحسبك والضحاك سيف مهند باب الاستثناء يجوز في نحو " ما ضربت أحدا إلا زيدا " كون زيد بدلا من المستثنى منه، أرجحها، وكونه منصوبا على الاستثناء، وكون إلا وما بعدها نعتا، وهو أضعفها، ومثله " ليس زيد شيئا إلا شيئا لا يعبأ به " فإن جئت بما مكان ليس بطل كونه بدلا، لانها لا تعمل في الموجب. مسألة - يجوز في نحو " قام القوم حاشاك، وحاشاه " كون الضمير منصوبا، وكونه مجرورا، فإن قلت " حاشاى " تعين الجر، أو " حاشانى " تعين النصب، وكذا القول في خلا وعدا. مسألة - يجوز في نحو " ما أحد يقول ذلك إلا زيد " كون زيد بدلا من أحد وهو المختار، وكونه بدلا من ضميره، وأن ينصب على الاستثناء، فارتفاعه من وجهين، وانتصابه من وجه، فإن قلت " ما رأيت أحدا يقول ذلك إلا زيد " فبالعكس، ومن مجيئه مرفوعا قوله: في ليلة لا نرى بها أحدا * يحكى علينا إلا كواكبها [ 224 ] و " على " هنا بمعنى عن، أو ضمن يحكى معنى ينم أو يشنع. ما يحتمل الحالية والتمييز - من ذلك " كرم زيد ضيفا " إن قدرت أن الضيف غير زيد فهو تمييز محول عن الفاعل، يمتنع أن تدخل عليه من، وإن قدر نفسه احتمل الحال والتمييز، وعند قصد التمييز فالاحسن إدخال من، ومن ذلك

[ 564 ]

" هذا خاتم حديدا " والارجح التمييز للسلامة به من جمود الحال، ولزومها، أي عدم انتقالها، ووقوعها من نكرة، وخير منهما الخفض بالاضافة. من الحال ما يحتمل كونه من الفاعل وكونه من المفعول - نحو " ضربت زيدا ضاحكا " ونحو (وقاتلوا المشركين كافة) وتجويز الزمخشري الوجهين في (ادخلوا في السلم كافة) وهم لان كافة مختص بمن يعقل، ووهمه في قوله تعالى (وما أرسلناك إلا كافة للناس) إذ قدر (كافة) نعتا لمصدر محذوف - أي إرسالة كافة - أشد، لانه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عما التزم فيه من الحالية، ووهمه في خطبة المفصل إذ قال " محيط بكافة الابواب " أشد وأشد لاخراجه اياه عن النصب ألبتة. من الحال ما يحتمل باعتبار عامله وجهين - نحو (وهذا بعلى شيخا) يحتمل أن عامله معنى التنبيه أو معنى الاشارة، وعلى الاول فيجوز " قائما ذا زيد " قال: 801 - ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له * [ وطع فطاعة مهد نصحه رشد ] [ ص 659 ] وعلى الثاني يمتنع، وأما التقديم عليهما معا فيمتنع على كل تقدير. من الحال ما يحتمل التعدد والتداخل - نحو " ما جاء زيد راكبا ضاحكا " فالتعدد على أن يكون عاملهما جاء، وصاحبهما زيد، والتداخل على أن الاولى من زيد وعاملها جاء والثانية من ضمير الاولى وهى العامل، وذلك واجب عند من منع تعد: الحال، وأما " لقيته مصعدا منحدرا " فمن التعدد، لكن مع اختلاف الصاحب، ويستحيل التداخل، ويجب كون الاولى من المفعول والثانية من الفاعل تقليلا للفصل، ولا يحمل على العكس إلا بدليل كقوله: 802 - خرجت بها أمشى تجر وراءنا * [ على أثرينا ذيل مرط مرحل ]

[ 565 ]

ومن الاول قوله: 803 - عهدت سعاد ذات هوى معنى * فزدت، وعاد سلوانا هواها باب إعراب الفعل مسألة - " ما تأتينا فتحدثنا " لك رفع تحدث على العطف فيكون شريكا في النفى، أو الاستئناف فتكون مثبتا، أي فأنت تحدثنا الآن بدلا عن ذلك، ونصبه بإضمار أن، وله معنيان: نفى السبب فينتفى المسبب، ونفى الثاني فقط، فإن جئت بلن مكان ما، فللنصب وجهان: إضمار أن والعطف، وللرفع وجه وهو القطع، وإن جئت بلم فللنصب وجه وهو إضمار أن، وللرفع وجه وهو الاستئناف ولك الجزم بالعطف، فإن قلت " ما أنت آت فتحدثنا " فلا جزم ولا رفع بالعطف، لعدم تقدم الفعل، وإنما هو على القطع. مسألة - " هل تأتيني فأكرمك " الرفع على وجهين، والنصب على الاضمار، و " هل زيد أخوك فتكرمه " لا يرفع على العطف، بل على الاستئناف، و " هل لك التفات إليه فتكرمه " الرفع على الاستئناف، والنصب إما على الجواب أو على العطف على التفات، وإضمار أن واجب على الاول وجائز على الثاني، وكالمثال سواء (فلو أن لنا كرة فنكون) إن سلم كون " لو " للتمني مسألة - " ليتنى أجد مالا فأنفق منه " الرفع على وجهين، والنصب على إضمار أن، و " ليت لى مالا فأنفق منه " يمتنع الرفع على العطف. مسألة - " ليقم زيد فنكرمه " الرفع على القطع، والجزم بالعطف، والنصب على الاضمار. مسألة - نحو (أفلم يسيروا في الارض فينظروا) يحتمل الجزم بالعطف والنصب على الاضمار، مثل (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب) ونحو

[ 566 ]

(وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم) يحتمل (تتقوا) الجزم بالعطف، وهو الراجح، والنصب بإضمار أن على حد قوله: 804 - ومن يقترب منا ويخضع نؤوه * [ ولا يخش ظلما ما أقام ولا هضما ] باب الموصول مسألة - يجوز في نحو " ماذا صنعت، وماذا صنعته " ما مضى شرحه (1) وقوله تعالى: (ماذا أجبتم المرسلين) ماذا: مفعول مطلق، لا مفعول به، لان أجاب لا يتعدى إلى الثاني بنفسه، بل بالباء، وإسقاط الجار ليس بقياس، ولا يكون " ماذا " مبتدأ وخبرا، لان التقدير حينئذ: ما الذى أجبتم به، ثم حذف العائد المجرور من غير شرط حذفه، والاكثر في نحو " من ذا لقيت " كون ذا للاشارة خبرا، ولقيت: جملة حالية، ويقل كون ذا موصولة، ولقيت صلة، وبعضهم لا يجيزه، ومن الكثير (من ذا الذى يشفع عنده) إذ لا يدخل موصول على موصول إلا شاذا كقراءة زيد بن على (والذين من قبلكم) بفتح الميم واللام مسألة - (فاصدع بما تؤمر) ما مصدرية، أي بالامر، أو موصول اسمى أي بالذى تؤمره، على حد قولهم * أمرتك الخير * [ 524 ] وأما من قال " أمرتك بكذا " وهو الاكثر فيشكل، لان شرط حذف العائد المجرور بالحرف أن يكون الموصول مخفوضا بمثله معنى ومتعلقا نحو (ويشرب مما تشربون) أي منه، وقد يقال: إن (اصدع) بمعنى اؤمر، وأما (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا) في الاعراف فيحتمل أن يكون الاصل بما كذبوه فلا إشكال، أو بما كذبوا به ويؤيده التصريح به في سورة يونس، وإنما جاز مع اختلاف المتعلق، لان (ما كانوا ليؤمنوا) بمنزلة كذبوا في المعنى، وأما (ذلك الذى يبشر الله عباده) فقيل: الذى مصدرية


(1) فيه ستة أوجه تقدم ذكرها، وانظر فصلا عقده المؤلف في " ماذا " ص 300. (*)

[ 567 ]

أي ذلك تبشير الله، وقيل: الاصل يبشر به، ثم حذف الجار توسعا فانتصب الضمير ثم حذف. مسألة - يجوز في نحو (تماما على الذى أحسن) كون الذى موصولا اسميا فيحتاج إلى تقدير عائد، أي زيادة على العلم الذى أحسنه، وكونه موصولا حرفيا، فلا يحتاج لعائد، أي تماما على إحسانه، وكونه نكرة موصوفة فلا يحتاج إلى صلة، ويكون أحسن حينئذ اسم تفضيل، لا فعلا ماضيا، وفتحته إعراب لا بناء، وهى علامة الجر، وهذان الوجهان كوفيان، وبعض البصريين يوافق [ على ] الثاني. مسألة - نحو " أعجبني ما صنعت " يجوز فيه كون ما بمعنى الذى، وكونها نكرة موصوفة وعليهما فالعائد محذوف، وكونها مصدرية فلا عائد، ونحو (حتى تنفقوا مما تحبون) يحتمل الموصولة والموصوفة، دون المصدرية، لان المعاني لا ينفق منها، وكذا (ومما رزقناهم ينفقون) فإن ذهبت إلى تأويل (ما تحبون) و (ما رزقناهم) بالحب والرزق وتأويل هذين بالمحبوب والمرزوق فقد تعسفت من غير محوج إلى ذلك، وقال أبو حيان: لم يثبت مجئ ما نكرة موصوفة، ولا دليل في " مررت بما معجب لك " لاحتمال الزيادة، ولو ثبت نحو " سرنى ما معجب لك " لثبت ذلك، انتهى. ولا أعلمهم زادوا ما بعد الباء إلا ومعناها السببية، نحو (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم (فبما رحمة من الله لنت لهم). مسألة - إذا قلت: " أعجبني من جاءك " احتمل كون من موصولة أو موصوفة، وقد جوزوا في (ومن الناس من يقول) وضعف أبو البقاء الموصولة، لانها تتناول قوما بأعيانهم، والمعنى على الابهام، وأجيب بأنها نزلت في عبد الله بن أبى وأصحابه.

[ 568 ]

باب التوابع مسألة - نحو (آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) يحتمل بدل الكل من الكل، وعطف البيان، ومثله (نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم) فيمن فتح الهمزة، ويحتمل هذا تقدير مبتدأ أيضا، أي هي أنا دمرناهم. مسألة - نحو (سبح اسم ربك الاعلى) يجوز فيه كون (الاعلى) صفة للاسم أو صفة للرب، وأما نحو " جاءني غلام زيد الظريف " فالصفة للمضاف، ولا تكون للمضاف إليه إلا بدليل، لان المضاف إليه إنما جئ به لغرض التخصيص، ولم يؤت به لذاته، وعكسه: 805 - * وكل فتى يتقى فائز * فالصفة للمضاف إليه، لان المضاف إنما جئ به لقصد التعميم، لا للحكم عليه ولذلك ضعف قوله: وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان [ 106 ] مسألة - نحو (هدى للمتقين الذين يؤمنون) و " مررت بالرجل الذى فعل " يجوز في الموصول أن يكون تابعا أو بإضمار أعنى أو أمدح أو هو، وعلى التبعية فهو نعت لا بدل إلا إذا تعذر، نحو (ويل لكل همزة لمزة الذى جمع مالا) لان النكرة لا توصف بالمعرفة. باب حروف الجر مسألة - نحو " زيد كعمرو " تحتمل الكاف فيه عند المعربين الحرفية فتتعلق باستقرار، وقيل: لا تتعلق، والاسمية فتكون مرفوعة المحل وما يعدها جر

[ 569 ]

بالاضافة ولا تقدير بالاتفاق، ونحو " جاء الذى كزيد " يتعين الحرفية، لان الوصل بالمتضايفين ممتنع. مسألة - " زيد على السطح " يحتمل على الوجهين (1)، وعليهما فهى متعلقة باستقرار محذوف. مسألة - قيل في نحو (والضحى والليل ": إن الواو تحتمل العاطفة والقسمية، والصواب الاول، وإلا لاحتاج كل إلى الجواب، ومما يوضحه مجئ الفاء في أوائل سورتي المرسلات والنازعات. باب في مسائل مفردة مسألة - نحو (يسبح له فيها بالغدو والآصال) فيمن فتح الباء يحتمل كون النائب عن الفاعل الظرف الاول - وهو الاولى - أو الثاني أو الثالث، ونحو (ثم نفخ فيه أخرى) النائب الظرف أو الوصف، وفى هذا ضعف، لضعف قولهم " سير عليه طويل ". مسألة - " تجلى الشمس " يحتمل كون تجلى ماضيا تركت التاء من آخره لمجازية التأنيث، وكونه مضارعا أصله تتجلى ثم حذفت إحدى التاءين على حد قوله تعالى: (نارا تلظى) ولا يجوز في هذا كونه ماضيا وإلا لقيل تلظت، لان التأنيث واجب مع المجازى إذا كان ضميرا متصلا، وبما ذكرنا من الوجهين في المثال الاول تعلم فساد قول من استدل على جواز نحو " قام هند " في الشعر بقوله: 806 - تمنى ابنتاى أن يعيش أبو هما * [ وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر ] [ ص 670 ] لجواز أن يكون أصله تتمنى. * * * الجهة السادسة: أن لا يراعى الشروط المختلفة بحسب الابواب، فإن العرب


(1) الوجهان هما أن تكون على حرف جر للاستعلاء، واسما ظرفا بمعنى فوق. (*)

[ 570 ]

يشترطون في باب شيئا ويشترطون في آخر نقيض ذلك الشئ على ما اقتضته حكمة لغتهم وصحيح أقيستهم، فإذا لم يتأمل المعرب اختلطت عليه الابواب والشرائط. فلنورد أنواعا من ذلك مشيرين إلى بعض ما وقع فيه الوهم للمعربين: النوع الاول: اشتراطهم الجمود لعطف البيان، والاشتقاق للنعت. ومن الوهم في الاول قول الزمخشري في (ملك الناس، إله الناس) إنهما عطفا بيان، والصواب أنهما نعتان، وقد يجاب بأنهما أجريا مجرى الجوامد، إذ يستعملان غير جاريين على موصوف وتجرى عليهما الصفات، نحو قولنا " إله واحد، وملك عظيم ". ومن الخطأ في الثاني قول كثير من النحويين في نحو " مررت بهذا الرجل " إن الرجل نعت، قال ابن مالك: أكثر المتأخرين يقلد بعضهم بعضا في ذلك، والحامل لهم عليه توهمهم أن عطف البيان لا يكون إلا أخص من متبوعه، وليس كذلك، فإنه في الجوامد بمنزلة النعت في المشتق، ولا يمتنع كون المنعوت أخص من النعت، وقد هدى ابن السيد إلى الحق في المسألة فجعل ذلك عطفا لا نعتا، وكذا ابن جنى، اه‍. قلت: وكذا الزجاج والسهيلى، قال السهيلي: وأما تسمية سيبويه له نعتا فتسامح، كما سمى التوكيد وعطف البيان صفة، وزعم ابن عصفور أن النحويين أجازوا في ذلك الصفة والبيان، ثم استشكله بأن البيان أعرف من المبين وهو جامد، والنعت دون المنعوت أو مساو له وهو مشتق أو في تأويله، فكيف يجتمع في الشئ أن يكون بيانا ونعتا ؟ وأجاب بأنه إذا قدر نعتا فاللام فيه للعهد والاسم مؤول بقولك الحاضر أو المشار إليه، وإذا قدر بيانا فاللام لتعريف الحضور، فيساوى الاشارة بذلك ويزيد بإفادته الجنس المعين فكان أخص، قال: وهذا معنى قول سيبويه، اه‍. وفيما قاله نظر، لان الذى يؤوله النحويون بالحاضر والمشار إليه إنما هو اسم الاشارة نفسه إذا وقع نعتا " كمررت بزيد هذا " فأما نعت اسم الاشارة فليس ذلك معناه، وإنما هو معنى ما قبله، فكيف يجعل معنى ما قبله تفسيرا له ؟

[ 571 ]

وقال الزمخشري في (ذلكم الله ربكم): يجوز كون اسم الله تعالى صفة للاشارة أو بيانا، وربكم الخبر، فجوز في الشئ الواحد البيان والصفة، وجوز كون العلم نعتا، وإنما العلم ينعت ولا ينعت به، وجوز نعت الاشارة بما ليس معرفا بلام الجنس، وذلك مما أجمعوا على بطلانه. النوع الثاني: اشتراطهم التعريف لعطف البيان ولنعت المعرفة، والتنكير للحال، والتمييز، وأفعل من، ونعت النكرة. ومن الوهم في الاول قول جماعة في (صديد من ماء صديد) وفى طعام مساكين من (كفارة طعام مساكين) فيمن نون كفارة: إنهما عطفا بيان، وهذا إنما هو معترض على قول البصريين ومن وافقهم، فيجب عندهم في ذلك أن يكون بدلا، وأما الكوفيون فيرون أن عطف البيان في الجوامد كالنعت في المشتقات، فيكون في المعارف والنكرات، وقول بعضهم في " ناقع " من قول النابغة: 807 - [ فبت كأنى ساورتني ضئيلة ] * من الرقش في أنيابها السم ناقع إنه نعت للسم، والصواب أنه خبر للسم، والظرف متعلق به، أو خبر ثان. وليس من ذلك قول الزمخشري في (شديد العقاب): إنه يجوز كونه صفة لاسم الله تعالى في أوائل سورة المؤمن، وإن كان من باب الصفة المشبهة، وإضافتها لا تكون إلا في تقدير الانفصال، ألا نرى أن (شديد العقاب) معناه شديد عقابه، ولهذا قالوا: كل شئ إضافته غير محضة فإنه يجوز أن تصير إضافته محضة، إلا الصفة المشبهة، لانه جعله (1) على تقدير أل، وجعل سبب حذفها إرادة الازدواج، وأجاز وصفيته أيضا أبو البقاء، لكن على أن شديدا بمعنى مشدد كما أن الاذين في معنى المؤذن، فأخرجه بالتأويل من باب الصفة المشبهة إلى باب اسم الفاعل، والذى قدمه الزمخشري أنه وجميع ما قبله أبدال، أما أنه بدل فلتنكيره، وكذا المضافان قبله وإن


(1) هذا تعليل لقوله " وليس من ذلك قول الزمخشري ". (*)

[ 572 ]

كانا من باب اسم الفاعل، لان المراد بهما المستقبل، وأما البواقى فللتناسب، ورد على الزجاج في جعله (شديد العقاب) بدلا وما قبله صفات، وقال: في جعله بدلا وحده من بين الصفات نبو ظاهر. ومن ذلك (1) قول الجاحظ في بيت الاعشى: 808 - ولست بالاكثر منهم حصى * [ وإنما العزة للكاثر ] إنه يبطل قول النحويين " لا تجتمع أل ومن في اسم التفضيل " فجعل كلا من أل ومن معتدا به جاريا على ظاهره، والصواب أن تقدر أل زائدة، أو معرفة ومن متعلقة بأكثر منكرا محذوفا مبدلا من المذكور أو بالمذكور على أنها بمنزلتها في قولك " أنت منهم الفارس البطل " أي أنت من بينهم، وقول بعضهم " إنها متعلقة بليس " قد يرد بأنها لا تدل على الحدث عند من قال في أخواتها إنها تدل عليه، ولان فيه فصلا بين أفعل وتمييزه وبالاجنبي، وقد يجاب بأن الظرف يتعلق بالوهم، وفى ليس رائحة قولك انتفى، وبأن فصل التمييز قد جاء في الضرورة في قوله: 809 - على أننى بعد ما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا وأفعل أقوى في العمل من ثلاثون. ومن الوهم في الثاني قول مكى في قراءة ابن أبى عبلة (فإنه آثم قلبه) بالنصب: إن (قلبه) تمييز، والصواب أنه مشبه بالمفعول به كحسن وجهه، أو بدل من اسم إن وقول الخليل والاخفش والمازني في " إياى، وإياك، وإياه ": إن إيا ضمير أضيف إلى ضمير، فحكموا للضمير بالحكم الذى لا يكون إلا للنكرات وهو الاضافة، وقول بعضهم في " لا إله إلا الله " إن اسم الله تعالى خبر لا التبرئة ويرده أنها لا تعمل إلا في نكرة منفية، واسم الله تعالى معرفة موجبة، نعم يصح أن يقال: إنه


(1) هذا من الوهم في الثاني وهو ما يشترط فيه التنكير، وليس على ما يقتضيه ظاهر صنيع المؤلف. (*)

[ 573 ]

خبر للامع اسمها فإنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، وزعم أن المركبة لا تعمل في الخبر، لضعفها بالتركيب عن أن تعمل فيما تباعد منها وهو الخبر، كذا قال ابن مالك. والذى عندي أن سيبويه يرى أن المركبة لا تعمل في الاسم أيضا، لان جزء الشئ لا يعمل فيه، وأما " لا رجل ظريفا " بالنصب فإنه عند سيبويه مثل " يا زيد الفاضل " بالرفع، وكذا البحث في " لا إله إلا هو " للتعريف والايجاب أيضا، وفى " لا إله إلا إله واحد " للايجاب، وإذا قيل " لا مستحقا للعبادة إلا إله واحدا، أو إلا الله " لم يتجه الاعتذار المتقدم، لان لا في ذلك عاملة في الاسم والخبر لعدم التركيب، وزعم الاكثرون أن المرتفع بعد " إلا " في ذلك كله بدل من محل اسم لا، كما في قولك " ما جاءني من أحد إلا زيد " ويشكل على ذلك أن البدل لا يصلح هنا لحلوله محل الاول، وقد يجاب بأنه بدل من الاسم مع لا، فإنهما كالشئ الواحد، ويصح أن يخلفهما، ولكن يذكر الخبر حينئذ فيقال " الله موجود " وقيل: هو بدل من ضمير الخبر المحذوف، ولم يتكلم الزمخشري في كشافه على المسألة أكتفاء بتأليف مفرد له فيها، وزعم فيه أن الاصل " الله إله " المعرفة مبتدأ، والنكرة خبر، على القاعدة، ثم قدم الخبر، ثم أدخل النفى على الخبر والايجاب على المبتدأ، وركبت لا مع الخبر، فيقال له: فما تقول في نحو " لا طالعا جبلا إلا زيد " لم انتصب خبر المبتدأ ؟ فإن قال: إن لا عاملة عمل ليس، فذلك ممتنع، لتقدم الخبر، ولانتقاض النفى، ولتعريف أحد الجزأين، فأما قوله " يجب كون المعرفة المبتدأ " فقد مر أن الاخبار عن النكرة المخصصة المقدمة بالمعرفة جائز نحو (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة). ومن ذلك قول الفارسى في " مررت برجل ما شئت من رجل ": إن ما مصدرية، وإنها وصلتها صفة لرجل، وتبعه على ذلك صاحب الترشيح، قال: ومثله قوله تعالى (في أي صورة ما شاء ركبك) أي في أي صورة مشيئته أي يشاؤها، وقول أبى البقاء في (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد

[ 574 ]

إلا الله): إن أن وصلتها بدل من سواء، وبدل الصفة صفة، والحرف المصدرى وصلته في نحو ذلك معرفة، فلا يقع صفة للنكرة. وقول بعضهم في (ويل لكل همزة لمزة الذى جمع): إن الذى صفة. والصواب أن " ما " في المثال شرطية حذف جوابها، أي فهو كذلك، والصفة الجملتان معا. وأما الآية الاولى فقال أبو البقاء: ما شرطية أو زائدة، وعليهما فالجملة صفة لصورة، والعائد محذوف، أي عليها، وفى متعلقه بركبك، اه‍ كلامه. وكان حقه إذ علق في بركبك وقال الجملة صفة أن يقطع بأن ما زائدة، إذ لا يتعلق الشرط الجازم بجوابه، ولا تكون جملة الشرط وحدها صفة، والصواب أن يقال: إن قدرت ما زائدة فالصفة جملة شاء وحدها، والتقدير شاءها، وفى متعلقة بركبك، أو باستقرار محذوف هو حال من مفعوله، أو بعد ذلك، أي وضعك في صورة أي صورة، وإن قدرت ما شرطية فالصفة مجموع الجملتين، والعائد محذوف أيضا، وتقديره عليها، وتكون في حينئذ متعلقة بعدلك، أي عدلك في صورة أي صورة، ثم استؤنف ما بعده. والصواب في الآية الثانية أنها على تقدير مبتدأ. وفى الثالثة أن (الذى) بدل، أو صفة مقطوعة بتقدير هو أو أذم أو أعنى. هذا هو الصواب، خلافا لمن أجاز وصف النكرة بالمعرفة مطلقا، ولمن أجازه بشرط وصف النكرة أولا بنكرة، وهو قول الاخفش، زعم أن (الاوليان) صفة لآخران في (فآخران يقومان مقامهما) الآية، لوصفهما بيقومان، وكذا قال بعضهم في قوله تعالى (إن الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون). ومن ذلك قول الزمخشري في (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله): إن (أن تقوموا) عطف بيان على واحدة، وفى (مقام إبراهيم):

[ 575 ]

انه عطف بيان على (آيات بينات) مع اتفاق النحويين على أن البيان والمبين لا يتخالفان تعريفا وتنكيرا، وقد يكون عبر عن البدل بعطف البيان لتآخيهما، ويؤيده في قوله (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم): إن (من وجدكم) عطف بيان لقوله تعالى (من حيث سكنتم) وتفسير له، قال: ومن: تبعيضية حذف مبعضها، أي أسكنوهن مكانا من مساكنكم مما تطيقون، اه‍. وإنما يريد البدل، لان الخافض لا يعاد إلا معه، وهذا إمام الصناعة سيبويه يسمى التوكيد صفة وعطف البيان صفة كما مر. النوع الثالث: اشتراطهم في بعض ما التعريف شرطه تعريفا خاصا، كمنع الصرف اشترطوا له تعريف العلمية أو شبهه، كما في أجمع، وكنعت الاشارة وأى في النداء، اشترطوا لهما تعريف اللام الجنسية، وكذا تعريف فاعلي نعم وبئس، ولكنها تكون مباشرة له أو لما أضيف إليه، بخلاف ما تقدم فشرطها المباشرة له. ومن الوهم في ذلك قول الزمخشري في قراءة ابن أبن عبلة (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) بنصب تخاصم: إنه صفة للاشارة، وقد مضى أن جماعة من المحققين اشترطوا في نعت الاشارة الاشتقاق كما اشترطوه في غيره من النعوت، ولا يكون التخاصم أيضا عطف بيان، لان البيان يشبه الصفة، فكما لا توصف الاشارة إلا بما فيه أل كذلك ما يعطف عليها، ولهذا منع أبو الفتح في (وهذا بعلى شيخ) في قراءة ابن مسعود برفع شيخ كون (بعلى) عطف بيان، وأوجب كونه خبرا، وشيخ: إما خبر ثان، أو خبر لمحذوف، أو بدل من بعلى، أو بعلى بدل وشيح الخبر، ونظير منع أبى الفتح ما ذكرنا منع ابن السيد في كتاب المسائل والاجوبة وابن مالك في التسهيل كون عطف البيان تابعا للمضمر، لامتناع ذلك في النعت، ولكن أجاز سيبويه " يا هذان زيد وعمرو " على عطف البيان، وتبعه الزيادي، فأجاز " مررت بهذين الطويل والقصير " على البيان، وأجازه على البدل أيضا، ولم يجزه

[ 576 ]

على النعت، لان نعت الاشارة لا يكون إلا طبقها في اللفظ، وممن نص على منع النعت في هذا سيبويه والمبرد والزجاج، وهو مقتضى القياس. ومنع سيبويه فيها مخالف لاجازته في النداء. النوع الرابع: اشتراط الابهام في بعض الالفاظ كظروف المكان، والاختصاص في بعضها كالمبتدآت وأصحاب الاحوال. ومن الوهم في الاول قول الزمخشري في (فاستبقوا الصراط) وفى (سنعيدها سيرتها الاولى) وقول ابن الطراوة في قوله: * كما عسل الطريق الثعلب * [ 3 ] وقول جماعة في " دخلت الدار، أو المسجد، أو السوق " إن هذه المنصوبات ظروف، وإنما يكون ظرفا مكانيا ما كان مبهما، ويعرف بكونه صالحا لكل بقعة كمكان وناحية وجهة وجانب وأمام وخلف. والصواب أن هذه المواضع على إسقاط الجار توسعا، والجار المقدر " إلى " في (سنعيدها سيرتها الاولى) و " في " في البيت، وفى أو إلى في الباقي، ويحتمل أن (استبقوا) ضمن معنى تبادروا، وقد أحيز الوجهان في (فاستبقوا الخيرات) ويحتمل (سيرتها) أن يكون بدلا من ضمير المفعول بدل اشتمال، أي سنعيدها طريقتها. ومن ذلك قول الزجاج في (واقعدوا لهم كل مرصد) إن كلا ظرف، ورده أبو على في الاغفال بما ذكرنا، وأجاب أبو حيان بأن (اقعدوا) ليس على حقيقته، بل معناه أرصدوهم كل مرصد، ويصح أرصدوهم كل مرصد، فكذا يصح قعدت كل مرصد، قال: ويجوز قعدت مجلس زيد، كما يجوز قعدت مقعده، اه‍. وهذا مخالف لكلامهم، إذ اشترطوا توافق مادتي الظرف وعامله، ولم يكتفوا بالتوافق المعنوي كما في المصدر، والفرق أن انتصاب هذا النوع على الظرفية على خلاف القياس لكونه مختصا، فينبغي أن لا يتجاوز به محل السماع، وأما نحو " قعدت

[ 577 ]

جلوسا " فلا دافع له من القياس، وقيل: التقدير [ اقعدوا لهم ] على كل مرصد، فحذفت على، كما قال: * وأخفى الذى لولا الاسى لقضانى * [ 222 ] أي لقضى على، وقياس الزجاج أن يقول في (لاقعدن لهم صراطك المستقيم) مثل قوله في (واقعدوا لهم كل مرصد) والصواب في الموضعين أنهما على تقدير على، كقولهم " ضرب زيد الظهر والبطن " فيمن نصبهما، أو أن لاقعدن واقعدوا ضمنا معنى لالزمن والزموا. ومن الوهم في الثاني قول الحوفى في (ظلمات بعضها فوق بعض): إن (بعضها فوق بعض) جملة مخبر بها عن ظلمات، وظلمات غير مختص: فالصواب قول الجماعة إنه خبر لمحذوف، أي تلك ظلمات، نعم إن قدر أن المعنى ظلمات أي ظلمات بمعنى ظلمات عظام أو متكاثفة وتركت الصفة لدلالة المقام عليها كما قال 810 - له حاجب في كل أمر يشينه * [ وليس له عن طالب العرف حاجب ] صح، وقول الفارسى في (ورهبانية ابتدعوها): إنه من باب " زيدا ضربته " واعترضه ابن الشجرى بأن المنصوب في هذا الباب شرطه أن يكون مختصا ليصح رفعه بالابتداء، والمشهور أنه عطف على ما قبله، وابتدعوها: صفة، ولابد من تقدير مضاف، أي وحب رهبانية، وإنما لم يحمل أبو على الآية على ذلك لاعتزاله، فقال: لان ما يبتدعونه لا يخلقه الله عزوجل، وقد يتخيل ورود اعتراض ابن الشجرى على أبى البقاء في تجويزه في (وأخرى تحبونها) كونه كزيدا ضربته، ويجاب بأن الاصل " وصفة أخرى " ويجوز كون (تحبونها) صفة، والخبر إما نصر، وإما محذوف، أي ولكم نعمة أخرى، ونصر: بدل أو خبر لمحذوف، وقول ابن [ ابن ] مالك بدر الدين في قول الحماسي: 811 - فارسا ما غادروه ملحما * [ غير زميل ولا نكس وكل ]

[ 578 ]

إنه من باب الاشتغال كقول أبى على في الآية، والظاهر أنه نصب على المدح لما قدمنا، وما في البيت زائدة، ولهذا أمكن أن يدعى أنه من باب الاشتغال. النوع الخامس: اشتراطهم الاضمار في بعض المعمولات، والاظهار في بعض، فمن الاول مجرور لولا ومجرور وحد، ولا يختصان بضمير خطاب ولا غيره، تقول: لولاى، ولولاك، ولولاه، ووحدى، ووحدك، ووحده، ومجرور لبى وسعدى وحناني، ويشترط لهن ضمير الخطاب، وشذ نحو قوله: 812 - [ دعوني ] فيا لبى إذ هدرت لهم * [ شقاشق أقوام فأسكتها هدرى ] وقول آخر: 813 - [ إنك لو دعوتني ودوني * زوراء ذات مترع بيون) * لقلت لبيه لمن يدعوني * كما شذت إضافتها إلى الظاهر في قوله: 814 - [ دعوت لما نابنى مسورا ] * فلبى فلبى يدى مسور ومن ذلك مرفوع خبر كاد وأخواتها إلا عسى، فتقول: كاد زيد يموت ولا تقول: يموت أبوه، ويجوز " عسى زيد أن يقوم، أو يقوم أبوه " فيرفع السببي، ولا يجوز رفعه الأجنبي نحو " عسى زيد أن يقوم عمرو عنده ". ومن ذلك مرفوع اسم التفضيل في غير مسألة الكحل، وهذا شرطه مع الاضمار الاستتار، وكذا مرفوع نحو قم وأقوم ونقوم وتقوم. ومن الثاني تأكيد الاسم المظهر، والنعت، والمنعوت، وعطف البيان، والمبين ومن الوهم في الاول قول بعضهم في " لولاى وموسى ": إن موسى يحتمل الجر، وهذا خطأ، لانه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ولان لولا لا تجر الظاهر، فلو أعيدت لم تعمل الجر، فكيف ولم تعد ؟ هذه مسألة يحاجى بها فيقال ضمير مجرور لا يصح أن يعطف عليه اسم مجرور أعدت الجار أم لم تعده، وقولى

[ 579 ]

" مجرور " لانه يصح أن تعطف عليه اسما مرفوعا، لان " لولا " محكوم لها بحكم الحروف الزائدة، والزائد لا يقدح في كون الاسم مجردا من العوامل اللفظية، فكذا ما أشبه الزائد، وقول جماعة في قول هدبة: عسى الكرب الذى أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب [ 247 ] إن فرجا اسم كان، والصواب أنه مبتدأ خبره الظرف، والجملة خبر كان، واسمها ضمير الكرب، وأما قوله: 815 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي، فأنهض نهض الشارب الثمل فتوبى، بدل اشتمال من تاء جعلت، لا فاعل يثقلني. ومن الوهم في الثاني قول أبى البقاء في (إن شانئك هو الابتر): إنه يجوز كون هو توكيدا وقد مضى، وقول الزمخشري في قوله تعالى (ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا الله) إذا قدرت أن مصدرية، وأنها وصلتها عطف بيان على الهاء، وقول النحويين في نحو (اسكن أنت وزوجك الجنة) إن العطف على الضمير المستتر، وقد رد ذلك ابن مالك وجعله من عطف الجمل، والاصل وليسكن زوجك، وكذا قال في (لا نخلفه نحن ولا أنت): إن التقدير ولا تخلفه أنت، لان مرفوع فعل الامر لا يكون ظاهرا، ومرفوع الفعل الضارع ذى النون لا يكون غير ضمير المتكلم، وجوز في قوله: 816 - نطوف ما نطوف ثم نأوى * ذوو الاموال منا والعديم إلى حفر أسافلهن جوف * وأعلاهن صفاح مقيم

[ 580 ]

كون ذوو فاعلا بفعل غيبة محذوف، أي يأوى ذوو الاموال، وكونه وما بعده توكيدا على حد " ضرب زيد الظهر والبطن ". تنبيه - من العوامل ما يعمل في الظاهر وفى المضمر بشرط استتاره وهو نعم وبئس، تقول " نعم الرجلان الزيدان، ونعم رجلين الزيدان " ولا يقال " نعما " إلا في لغية، أو بشرط إفراده وتذكيره وهو " رب " في الاصح. النوع السادس: اشتراطهم المفرد في بعض المعمولات، والجملة في بعض. فمن الاول الفاعل ونائبه وهو الصحيح، فأما (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض) فقد مر البحث فيهما ومن الثاني خبر أن المفتوحة إذا خففت، وخبر القول المحكى نحو " قولى لا إله إلا الله " وخرج بذكر المحكى قولك " قولى حق " وكذلك خبر ضمير الشأن، وعلى هذا فقوله تعالى (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) إذا قدر ضمير إنه للشأن لزم كون آثم خبرا مقدما وقلبه مبتدأ مؤخرا، وإذا قدر راجعا إلى اسم الشرط جاز ذلك، وأن يكون آثم الخبر وقلبه فاعل به، وخبر أفعال المقاربة ومن الوهم قول بعضهم في (فطفق مسحا بالسوق والاعناق) إن (مسحا) خبر طفق، والصواب أنه مصدر لخبر محذوف أي يمسح مسحا، وجواب الشرط، وجواب القسم (1) ومن الوهم قول الكسائي وأبى حاتم في نحو (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) إن اللام وما بعدها جواب، وقد مر البحث في ذلك، وقول بدر الدين ابن مالك في قوله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) إن جواب الشرط محذوف، وإن تقديره: ذهبت نفسك عليهم حسرة، بدليل (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) أو كمن هداه الله، بدليل (فإن الله يضل من يشاء


(1) هذا معطوف على قوله " خبر أن " في قوله فيما مضى " ومن الثاني خبر أن المفتوحة - إلخ " يعنى أن جواب الشرط وجواب القسم مما اشترطوا فيه أن يكون جملة (*)

[ 581 ]

ويهدى من يشاء)، والتقدير الثاني باطل: ويجب عليه كون من موصولة، وقد يتوهم أن مثل هذا قول صاحب اللوامح - وهو أبو الفضل الرازي - فإنه قال في قوله تعالى: (أمن خلق السموات والارض) لابد من إضمار جملة معادلة، والتقدير كمن لا يخلق - اه‍. وإنما هذا مبنى على تسمية جماعة منهم الزمخشري في مفصلة الظرف من نحو " زيد في الدار " جملة ظرفية، لكونه عندهم خلفا عن جملة مقدرة، ولا يعتذر بمثل هذا عن ابن مالك، فإن الظرف لا يكون جوابا، وإن قلنا إنه جملة. النوع السابع: اشتراط الجملة الفعلية في بعض المواضع، والاسمية في بعض ومن الاول جملة الشرط غير لولا وجملة جواب لو ولولا ولوما، والجملتان بعد لما، والجمل التالية أحرف التحضيض، وجملة أخبار أفعال المقاربة، وخبر أن المفتوحة بعد لو عند الزمخشري ومتابعيه نحو (ولو أنهم آمنوا). ومن الثاني الجملة بعد " إذا " الفجائية، و " ليتما " على الصحيح فيهما. ومن الوهم في الاول أن يقول من لا يذهب إلى قول الاخفش والكوفيين في نحو (وإن امرأة خافت) (وإن أحد من المشركين استجارك) و (إذا السماء انشقت): إن المرفوع مبتدأ، وذلك خطأ، لانه خلاف قول من اعتمد عليهم، وإنما قاله سهوا، واما إذا قال ذلك الاخفش أو الكوفى فلا يعد ذلك الاعراب خطأ، لان هذا مذهب ذهبوا إليه ولم يقولوه سهوا عن قاعدة، نعم الصواب خلاف قولهم في أصل المسألة، وأجازوا أن يكون المرفوع محمولا على إضمار فعل كما يقول الجمهور، وأجاز الكوفيون وجها ثالثا، وهو أن يكون فاعلا بالفعل المذكور على التقديم والتأخير، مستدلين على جواز ذلك بنحو قول الزباء:

[ 582 ]

817 - ما للجمال مشيها وئيدا * [ أجندلا يحملن أم حديدا ] فيمن رفع " مشيها " وذلك عند الجماعة مبتدأ حذف خبره وبقى معمول الخبر، أي مشيها يكون وئيدا أو يوجد وئيدا، ولا يكون بدل بعض من الضمير المستتر في الظرف كما كان فيمن جره بدل اشتمال من الجمال، لانه عائد على " ما " الاستفهامية، ومتى أبدل اسم من اسم استفهام وجب اقتران البدل بهمزة الاستفهام، فكذلك حكم ضمير الاستفهام، ولانه لا ضمير فيه راجع إلى المبدل منه. ومن ذلك قول بعضهم في بيت الكتاب: [ صددت فأطولت الصدود ] وقلما * وصال على طول الصدود يدوم [ 509 ] إن " وصال " مبتدأ، والصواب أنه فاعل بيدوم محذوفا مفسرا بالمذكور، وقول آخر في نحو " آتيك يوم زيدا تلقاه ": إنه يجوز في زيد الرفع بالابتداء، وذلك خطأ عند سيبويه، لان الزمن المبهم المستقبل يحمل على إذا في أنه لا يضاف إلى الجملة الاسمية، وأما قوله تعالى (يوم هم بارزون) فقد مضى أن الزمن هنا محمول على إذ، لا على إذا، وأنه لتحققه نزل منزلة الماضي، وأما جواب ابن عصفور عن سيبويه بأنه إنما يوجب ذلك في الظروف، واليوم هنا بدل من المفعول به وهو (يوم التلاق) في قوله تعالى (لتنذر يوم التلاق) فمردود، وإنما ذلك في اسم الزمان ظرفا كان أو غيره، ثم هذا الجواب لا يتأتى له في قوله: وكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب [ 659 ] ومن الوهم أيضا قول بعضهم في قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) بعد ما جزم بأن (من) شرطية: إنه يجوز كون الجملة الاسمية

[ 583 ]

معطوفة على (كان) وما بعدها، ويرده أن جملة الشرط لا تكون اسمية، فكذا المعطوف عليها، على أنه لو قدر من موصولة لم يصح قوله أيضا، لان الفاء لا تدخل في الخبر إذا كانت الصلة جملة اسمية، لعدم شبهه حينئذ باسم الشرط، وقول ابن طاهر في قوله: 818 - فإن لا مال أعطيه فإنى * صديق من غدو أو رواح وقول آخرين في قول الشاعر: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة * إلى، فهلا نفس ليلى شفيعها [ 109 ] إن ما بعد إن لا وهلا جملة اسمية نابت عن الجملة الفعلية، والصواب أن التقدير في الاولى فإن أكن، وفى الثانية فهلا كان، أي الامر والشأن، والجملة الاسمية فيهما خبر. ومن ذلك قول جماعة منهم الزمخشري في (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير): إن الجملة الاسمية جواب لو، والاولى أن يقدر الجواب محذوفا، أي لكان خيرا لهم، أو أن يقدر " لو " بمنزلة ليت في إفادة التمنى، فلا تحتاج إلى جواب. ومن ذلك قول جماعة منهم ابن مالك في قوله تعالى: (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد): إن الجملة جواب لما، والظاهر أن الجواب جملة فعلية محذوفة، أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير ذلك، ويؤيد هذا أن جواب لما لا يقترن بالفاء. ومن الوهم في الثاني تجويز كثير من النحويين الاشتغال في نحو " خرجت

[ 584 ]

فإذا زيد يضربه عمرو " ومن العجب أن ابن الحاجب أجاز ذلك في كافيته مع قوله فيها في بحث الظروف: وقد تكون للمفاجأة فيلزم المبتدأ بعدها، وأجاز ابن أبى الربيع في " ليتما زيدا أضربه " أن يكون انتصاب " زيدا " على الاشتغال كالنصب في " إنما زيدا أضربه " والصواب أن انتصابه بليت، لانه لم يسمع نحو " ليتما قام زيد " كما سمع " إنما قام زيد ". تنبيه - اعترض الرازي على الزمخشري في قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون): إن الجملة معطوفة على (وينجى الله الذين اتقوا) بأن الاسمية لا تعطف على الفعلية، وقد مر أن تخالف الجملتين في الاسمية والفعلية لا يمنع التعاطف، وقال بعض المتأخرين في تجويز أبى البقاء في قوله تعالى: (منهم من كلم الله): إنه يجوز كون الجملة الاسمية بدلا من (فضلنا بعضهم على بعض): هذا مردود، لان الاسمية لا تبدل من الفعلية، اه‍. ولم يقم دليل على امتناع ذلك. النوع الثامن: اشتراطهم في بعض الجمل الخبرية، وفى بعضها الانشائية. فالاول كثير كالصلة، والصفة، والحال، والجملة الواقعة خبرا لكان، أو خبرا لان أو لضمير الشأن، قيل: أو خبرا للمبتدأ، أو جوابا للقسم غير الاستعطافي. ومن الثاني جواب القسم الاستعطافي كقوله: 819 - بريك هل ضممت إليك ليلى * [ قبيل الصبح أو قبلت فاها ؟ ] وقوله: 820 - بعيشك يا سلمى ارحمى ذا صبابة * [ أبى غير ما يرضيك في السر والجهر ] وما ورد على خلاف ما ذكر مؤول، فمن الاول قوله:

[ 585 ]

وإنى لراج نظرة قبل التى * لعلى - وإن شطت نواها - أزورها [ 622 ] وتخريجه على إضمار القول، أي قبل التى أقول لعلى، أو على أن الصلة أزورها وخبر لعل محذوف، والجملة معترضة، أي لعلى أفعل ذلك، وقوله: * جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط * [ 405 ] وقوله: 821 - * فإنما أنت أخ لا نعدمه * وتخريجهما على إضمار القول، أي أخ مقول فيه لا جعلنا الله نعدمه، وبمذق مقول عند رؤيته ذلك، وقول أبى الدرداء رضى الله عنه " وجدت الناس أخبر تقله " أي صادفت الناس مقولا فيهم ذلك، وقوله: 822 - وكوني بالمكارم ذكريني * ودلى دل ماجدة صناع والجملة في هذا مؤولة بالجملة الخبرية، أي وكوني تذكرينني، مثل قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) أي فيمد، وقوله: 823 - إن الذين قتلتم أمس سيدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما وقوله: 824 - إنى إذا ما القوم كانوا أنجيه * واضطرب القوم اضطراب الارشيه * هناك أوصيني ولا توصى بيه * وينبغى أن يستثنى من منع ذلك في خبرى إن وضمير الشأن خبر أن المفتوحة إذا

[ 586 ]

خففت: فإنه يجوز أن يكون جملة دعائية كقوله تعالى: (والخامسة أن غضب الله عليها) في قراءة من قرأ أن بالتخفيف وغضب بالفعل والله فاعل، وقولهم " أما أن جزاك الله خيرا " فيمن فتح الهمزة، وإذا لم نلتزم قول الجمهور في وجوب كون اسم [ أن ] هذه ضمير شأن فلا استثناء بالنسبة إلى ضمير الشأن، إذ يمكن أن يقدر والخامسة أنها، وأما أنك، وأما (نودى أن بورك من في النار) فيجوز كون أن تفسيرية. ومن الوهم في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى: (وانظر إلى العظام كيف ننشزها): إن جملة الاستفهام حال من العظام، والصواب أن كيف وحدها حال من مفعول ننشز، وأن الجملة بدل من العظام، ولا يلزم من جواز كون الحال المفردة استفهاما جواز ذلك في الجملة، لان الحال كالخبر وقد جاز بالاتفاق نحو " كيف زيد " واختلف في نحو " زيد كيف هو " وقول آخرين إن جملة الاستفهام حال في نحو " عرفت زيدا أبو من هو " وقد مر. واعلم أن النظر البصري يعلق فعله كالنظر القلبى، قال تعالى: (فلينظر أيها أزكى طعاما)، وقال سبحانه وتعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض). ومن ذلك قول الامين المحلى فيما رأيت بخطه: إن الجملة التى بعد الواو من قوله: اطلب ولا تضجر من مطلب * [ فآفة الطالب أن يضجرا ] [ 637 ] حالية، وإن " لا " ناهية، والصواب أن الواو للعطف، ثم الاصح أن الفتحة إعراب مثلها في " لا تأكل السمك وتشرب للبن " لا بناء لاجل نون توكيد خفيفة محذوفة. النون التاسع: اشتراطهم لبعض الاسماء أن يوصف، ولبعضها أن لا يوصف فمن الاول مجرور رب إذا كان ظاهرا، وأى في النداء، والجماء في قولهم " جاؤا الجماء

[ 587 ]

الغفير " وما وطئ به من خبر أو صفة أو حال، نحو " زيد رجل صالح، ومررت يزيد الرجل الصالح " ومنه (بل أنتم قوم تفتنون) (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن) إلى قوله تعالى (قرآنا عربيا) وقول الشاعر: 825 - أأكرم من ليلى على فتبتغي * به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها ؟ ومن ثم أبطل أبو على كون الظرف من قول الاعشى: 826 - رب رفد هرقته ذلك اليو * م وأسرى من معشر أقيال متعلقا بأسرى، لئلا يخلو ما عطف على مجرور رب من صفة، قال: وأما قوله فيا رب يوم قد لهوت وليلة * بآنسة كأنها خط تمثال [ 206 ] فعلى أن صفة الثاني محذوفة مدلول عليها بصفة الاول، ولا يتأتى ذلك هنا، وقد يجوز ذلك هنا، لان الاراقة إتلاف، فقد تجعل دليلا عليه. ومن الثاني فاعلا نعم وبئس والاسماء المتوغلة في شبه الحرف إلا من وما النكرتين فإنهما يوصفان نحو " مررت بمن معجب لك، وبما معجب لك " وألحق بهما الاخفش أيا نحو " مررت بأى معجب لك " وهو قوى في القياس، لانها معربة، ومن ذلك الضمير، وجوز الكسائي نعته إن كان لغائب والنعت لغير التوضيح، نحو (قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب) ونحو (لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) فقدر (علام) نعتا للضمير المستتر في (يقذف بالحق) و (الرحمن الرحيم) نعتين لهو، وأجاز غير الفارسى وابن السراج نعت فاعلي نعم وبئس تمسكا بقوله: 827 - نعم الفتى المرى أنت إذا هم * حضروا لدى الحجرات نار الموقد وحمله الفارسى وابن السراج على البدل، وقال ابن مالك: يمتنع نعته إذا قصد بالنعت التخصيص مع إقامة الفاعل مقام الجنس، لان تخصيصه حينئذ مناف لذلك القصد، فأما إذا تؤول بالجامع لاكمل الخصال فلا مانع من نعته حينئذ، لامكان أن

[ 588 ]

ينوى في النعت ما نوى في المنعوت، وعلى هذا يحمل البيت، اه‍. وقال الزمخشري وأبو البقاء في (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن): إن الجملة بعدكم صفة لها، والصواب أنها صفة لقرن، وجمع الضمير حملا على معناه، كما جمع وصف جميع في نحو (وإن كل لما جميع لدينا محضرون). النوع العاشر: تخصيصهم جواز وصف بعض الاسماء بمكان دون آخر، كالعامل من وصف ومصدر، فإنه لا يوصف قبل العمل ويوصف بعده، وكالموصول فإنه لا يوصف قبل تمام صلته ويوصف بعد تمامها، وتعميمهم الجواز في البعض، وذلك هو الغالب. ومن الوهم في الاول قول بعضهم في قول الحطيئة: 828 - أزمعت يأسا مبينا من نوالكم * ولن ترى طاردا للحر كالياس إن " من " متعلقة بيأسا، والصواب أن تعلها بيئست محذوفا، لان المصدر لا يوصف قبل أن يأتي معموله. وقال أبو البقاء في (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا): لا يكون يبتغون نعتا لآمين: لان اسم الفاعل إذا وصف لم يعمل في الاختيار، بل هو حال من آمين، اه‍. وهذا قول ضعيف، والصحيح جواز الوصف بعد العمل النوع الحادى عشر: إجازتهم في بعض أخبار النواسخ أن يتصل بالناسخ نحو " كان قائما زيد " ومنع ذلك في البعض نحو " إن زيدا قائم ". ومن الوهم في هذا قول المبرد في قولهم " إن من أفضلهم كان زيدا " إنه لا يجب أن يحمل على زيادة كان كما قال سيبويه، بل يجوز أن تقدر كان ناقصة واسمها ضمير زيد، لانه متقدم رتبة، إذ هو اسم إن، ومن أفضلهم: خبر كان، وكان ومعمولاها خبر إن، فلزمه تقديم خبر إن على اسمها مع أنه ليس ظرفا ولا مجرورا، وهذا لا يجيزه أحد.

[ 589 ]

النوع الثاني عشر: إيجابهم لبعض معمولات الفعل وشبهه أن يتقدم كالاستفهام والشرط وكم الخبرية نحو (فأى آيات الله تنكرون) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (أيما الاجلين قضيت) ولهذا قدر ضمير الشأن في قوله: إن من يدخل الكنبسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء [ 48 ] ولبعضها أن يتأخر: إما لذاته كالفاعل ونائبه ومشبهه، أو لضعف الفعل كمفعول التعجب نحو " ما أحسن زيدا " أو لعارض معنوى أو لفظي وذلك كالمفعول في نحو " ضرب موسى عيسى " فإن تقديمه يوهم أنه مبتدأ وأن الفعل مسند إلى ضميره، وكالمفعول الذى هو أي الموصولة نحو " سأكرم أيهم جاءني " كأنهم قصدوا الفرق بينها وبين أي الشرطية والاستفهامية، والمفعول الذى هو أن وصلتها نحو " عرفت أنك فاضل " كرهوا الابتداء بأن المفتوحة لئلا يلتبس بأن التى بمعنى لعل، وإذا كان المبتدأ الذى أصله التقديم يجب تأخره إذا كان أن وصلتها نحو (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم) فأن يجب تأخر المفعول الذى أصله التأخير نحو (ولا تخافون أنكم أشركتم) أحق وأولى، وكمعمول عامل اقترن بلام الابتداء أو القسم، أو حرف الاستثناء، أو ما النافية، أولا في جواب القسم. ومن الوهم الاول قول ابن عصفور في (أو لم يهد لهم كم أهلكنا): إن كم فاعل يهد، فإن قلت: خرجه على لغة حكاها الاخفش، وهى أن بعض العرب لا يلتزم صدرية كم الخبرية، قلت: قد اعترف برداءتها، فتخريج التنزيل عليها بعد ذلك رداءة، والصواب أن الفاعل مستتر راجع إلى الله سبحانه وتعالى، أي أو لم يبين الله لهم، أو إلى الهدى، والاول قول أبى البقاء، والثانى قول الزجاج، وقال الزمخشري: الفاعل الجملة، وقد مر أن الفاعل لا يكون جملة، وكم مفعول أهلكنا، والجملة مفعول يهد، وهو معلق عنها، وكم الخبرية تعلق خلافا لاكثرهم ومن الوهم في الثاني قول بعضهم في بيت الكتاب:

[ 590 ]

[ صددت فأطولت الصدود ] وقلما * وصال على طول الصدود يدوم [ 509 ] إن " وصال " فاعل بيدوم، وفى بيت الكتاب أيضا: 829 - [ فإنك لا تبالي بعد حول * أظبى كان أمك أم حمار إن " ظبى " اسم كان، والصواب أن " وصال " فاعل يدوم محذوفا مدلولا عليه بالمذكور، وأن " ظبى " اسم لكان محذوفة مفسرة بكان المذكورة، أو مبتدأ، والاول أولى، لان همزة الاستفهام بالجمل الفعلية أولى منها بالاسمية، وعليهما فاسم كان ضمير راجع إليه، وقول سيبويه " إنه أخبر عن النكرة بالمعرفة " واضح على الاول، لان ظبيا المذكور اسم كان، وخبره " أمك " وأما على الثاني فخبر ظبى إنما هو الجملة، والجمل نكرات، ولكن يكون محل الاستشهاد قوله " كان أمك " على أن ضمير 7 النكرة عنده نكرة لا على أن الاسم مقدم. وقول بعضهم في قوله تعالى (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا): إن (عنه) مرفوع المحل بمسؤلا، والصواب أن اسم كان ضمير المكلف وإن لم يجر له ذكر، وأن المرفوع بمسؤلا مستتر فيه راجع إليه أيضا، وأن (عنه) في موضع نصب وقول بعضهم في قوله: * آليت حب العراق الدهر أطعمه * [ 139 ] إنه من باب الاشتغال، لا على إسقاط على كما قال سيبويه، وذلك مردود: لان " أطعمه " بتقدير لا أطعمه. وقول الفراء في (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) فيمن خفف إن: إنه أيضا من باب الاشتغال مع قوله إن اللام بمعنى إلا، وإن نافية ولا يجوز بالاجماع أن يعمل ما بعد إلا فيما قبلها، على أن هنا مانعا آخر وهو لام القسم، وأما قوله تعالى (ويقول الانسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا) فإن إذا ظرف لاخرج، وإنما جاز تقديم الظرف على لام القسم لتوسعهم في الظرف، ومنه قوله:

[ 591 ]

رضيعى لبان ثدى أم تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرق [ 244 ] أي لا نتفرق أبدا، ولا النافية لها الصدر في جواب القسم، وقيل: العامل محذوف، أي أئذا ما مت أبعث لسوف أخرج. النوع الثالث عشر: منعهم من حذف بعض الكلمات، وإيجابهم حذف بعضها، فمن الاول الفاعل، ونائبه، والجار الباقي عمله، إلا في مواضع نحو قولهم " الله لافعلن " و " بكم درهم اشتريت " أي والله، وبكم من درهم. ومن الثاني أحد معمولي " لات ". ومن الوهم في الاول قول ابن مالك في أفعال الاستثناء نحو " قاموا ليس زيدا، ولا يكون زيدا، وما خلا زيدا ": إن مرفوعهن محذوف، وهو كلمة بعض مضافة إلى ضمير من تقدم، والصواب أنه مضمر عائد إما على البعض المفهوم من الجمع السابق كما عاد الضمير من قوله تعالى (فإن كن نساء) على البنات المفهومة من الاولاد (في يوصيكم الله في أولادكم) وإما على اسم الفاعل المفهوم من الفعل، أي لا يكون هو - أي القائم - زيدا، كما جاء " لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " وإما على المصدر المفهوم من الفعل، وذلك في غير ليس ولا يكون، تقول " قاموا خلا زيدا " أي جانب هو - أي قيامهم - زيدا. ومن ذلك قول كثير من المعربين والمفسرين في فواتح السور: إنه يجوز كونها في موضع جر بإسقاط حرف القسم. وهذا مردود بأن ذلك مختص عند البصريين باسم الله سبحانه وتعالى، وبأنه لا أجوبة للقسم في سورة البقرة وآل عمران ويونس وهود ونحوهن، ولا يصح أن يقال: قدر (ذلك الكتاب) في البقرة، و (الله لا إله إلا هو) في آل عمران جوابا، وحذفت اللام من الجملة الاسمية كحذفها في قوله: 830 - ورب السموات العلي وبروجها * والارض وما فيها المقدر كائن

[ 592 ]

وقول ابن مسعود " والله الذى لا إله غيره هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة " لان ذلك - على قلته - مخصوص باستطالة القسم. ومن الوهم في الثاني قول ابن عصفور في قوله: 831 - حنت نوار ولات هنا حنت * [ وبدا الذى كانت نوار أجنت ] إن هنا اسم لات، وحنت خبرها بتقدير مضاف، أي وقت حنت، فاقتضى إعرابه الجمع بين معموليها، وإخراج هنا عن الظرفية، وإعمال لات في معرفة ظاهرة وفى غير الزمان وهو الجملة النائبة عن المضاف، وحذف المضاف إلى الجملة، والاولى قول الفارسى إن " لات " مهملة، وهنا خبر مقدم، وحنت مبتدأ مؤخر بتقدير أن مثل " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه ". النوع الرابع عشر: تجويزهم في الشعر ما لا يجوز في النثر، وذلك كثير، وقد أفرد بالتصنيف، وعكسه، وهو غريب جدا، وذلك بدلا الغلط والنسيان زعم بعض القدماء أنه لا يجوز في الشعر، لانه يقع غالبا عن ترو وفكر. النوع الخامس عشر: اشتراطهم وجود الرابط في بعض المواضع، وفقده في بعض، فالاول قد مضى مشروحا. والثانى الجملة المضاف إليها نحو " يوم قام زيد " فأما قوله: 832 - وتخن ليلة لا يستطيع * نباحا بها الكلب إلا هريرا وقوله: 833 - مضت سنة لعام ولدت فيه * وعشر بعد ذاك وحجتان فنادر، وهذا الحكم خفى على أكثر النحويين، والصواب في مثل قولك " أعجبني يوم ولدت فيه " تنوين اليوم، وجعل الجملة بعده صفة له، وكذلك " أجمع " وما يتصرف منه في باب التوكيد، يجب تجريده من ضمير المؤكد، وأما قولهم " جاء

[ 593 ]

القوم بأجمعهم " فهو بضم الميم لا بفتحها، وهو جمع لقولك جمع، على حد قولهم فلس وأفلس، والمعنى جاءوا بجماعتهم، ولو كان توكيدا لكانت الباء فيه زائدة مثلها في قوله: 834 - هذا وجدكم الصغار بعينه * [ لا أم لى إن كان ذاك ولا أب ] فكان يصح إسقاطها. النوع السادس عشر: اشتراطهم لبناء بعض الاسماء أن تقطع عن الاضافة كقبل وبعد وغير، ولبناء بعضها أن تكون مضافة، وذلك أي الموصولة، فإنها لا تبنى إلا إذا أضيفت وكان صدر صلتها ضميرا محذوفا نحو (أيهم أشد). ومن الوهم في ذلك قول ابن الطراوة (هم أشد) مبتدأ وخبر، وأى مبنية مقطوعة عن الاضافة، وهذا مخالف لرسم المصحف ولاجماع النحويين. * * * الجهة السابعة: أن يحمل كلاما على شئ، ويشهد استعمال آخر في نظير ذلك الموضع بخلافه، وله أمثلة: أحدها: قول الزمخشري في (مخرج الميت من الحى) إنه عطف على (فالق الحب والنوى) ولم يجعله معطوفا على (يخرج الحى من الميت)، لان عطف الاسم على الاسم أولى، ولكن مجئ قوله تعالى (يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى) بالفعل فيهما يدل على خلاف ذلك. الثاني: قول مكى وغيره في قوله تعالى (ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا): إن جملة (يضل) صفة لمثلا أو مستأنفة، والصواب الثاني، لقوله تعالى في سورة المدثر (ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء). الثالث: قول بعضهم في (ذلك الكتاب لا ريب): إن الوقف هنا على (ريب) ويبتدئ (فيه هدى) ويدل على خلاف ذلك قوله تعالى في سورة السجدة (ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين).

[ 594 ]

الرابع: قول بعضهم في (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور): إن الرابط الاشارة، وإن الصابر والغافر جعلا من عزم الامور مبالغة، والصواب أن الاشارة للصبر والغفران، بدليل (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور) ولم يقل إنكم. الخامس: قولهم في (أين شركائي الذين كنتم تزعمون): إن التقدير تزعمونهم شركاء، والاولى أن يقدر تزعمون أنهم شركاء، بدليل (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء) ولان الغالب على " زعم " أن لا يقع على المفعولين صريحا، بل على أن وصلتها، ولم يقع في التنزيل إلا كذلك. ومثله في هذا الحكم " تعلم " كقوله: 835 - تعلم رسول الله أنك مدركى * [ وأن وعيدا منك كالاخذ باليد ] ومن القليل فيهما قوله: 836 - زعمتني شيخا ولست بشيخ * [ إنما الشيخ من يدب دبيبا ] وقوله: 837 - تعلم شفاء النفس قهر عدوها * [ فبالغ بلطف في التحيل والمكر ] وعكسهما في ذلك هب بمعنى ظن، فالغالب تعديه إلى صريح المفعولين كقوله: 838 - فقلت: أجرني أبا خالد، * وإلا فهبني امرأ هالكا ووقوعه على أن وصلتها نادر، حتى زعم الحريري أن قول الخواص " هب أن زيدا قائم " لحن، وذهل عن قول القائل " هب أن أبانا كان حمارا " ونحوه. السادس: قولهم في (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) إن (لا يؤمنون) مستأنف، أو خبر لان، وما بينهما اعتراض، والاولى الاول، بدليل (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). السابع: قولهم في نحو (وما ربك بظلام) (وما الله بغافل): إن المجرور في

[ 595 ]

موضع نصب أو رفع على الحجازية والتميمية، والصواب الاول، لان الخبر بعد " ما " لم يجئ في التنزيل مجردا من الباء إلا وهو منصوب نحو (ما هن أمهاتهم) (ما هذا بشرا). الثامن: قول بعضهم في (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله): إن اسم الله سبحانه وتعالى مبتدأ أو فاعل، أي الله خلقهم أو خلقهم الله. والصواب الحمل على الثاني، بدليل (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم). التاسع: قول أبى البقاء في (أفمن أسس بنيانه على تقوى) إن الظرف حال أي على قصد تقوى، أو مفعول أسس، وهذا الوجه هو المعتمد عليه عندي، لتعينه في (لمسجد أسس على التقوى). تنبيه - وقد يحتمل الموضع أكثر من وجه، ويوجد ما يرجح كلا منها، فينظر في أولاها كقوله تعالى (فاجعل بيننا وبينك موعدا) فإن الموعد محتمل للمصدر، ويشهد له (لا نخلفه نحن ولا أنت) وللزمان ويشهد له (قال موعدكم يوم الزينة) وللمكان ويشهد له (مكانا سوى) وإذا أعرب (مكانا) بدلا منه لا ظرفا لتخلفه تعين ذلك. * * * الجهة الثامنة: أن يحمل المعرب على شئ، وفى ذلك الموضع ما يدفعه. وهذا أصعب من الذى قبله، وله أمثلة: أحدها: قول بعضهم في (إن هذان لساحران): إنها إن واسمها، أي إن القصة، وذان: مبتدأ، وهذا يدفعه رسم إن منفصلة، وهذان متصلة. والثانى: قول الاخفش وتبعه أبو البقاء في (ولا الذين يموتون وهم كفار): إن اللام للابتداء، والذين: مبتدأ، والجملة بعده خبره، ويدفعه أن الرسم (ولا) وذلك يقتضى أنه مجرور بالعطف على (الذين يعملون السيئات) لا مرفوع بالابتداء، والذى

[ 596 ]

حملهما على الخروج عن ذلك الظاهر أن من الواضح أن الميت على الكفر لا توبة له لفوات زمن التكليف ويمكن أن يدعى لهما أن الالف [ في لا ] زائدة كالالف في (لا أذبحنه) فإنها زائدة في الرسم، وكذا في (لا أوضعوا) والجواب أن هذه الجملة لم تذكر ليفاد معناها بمجرده، بل ليسوى بينها وبين ما قبلها، أي أنه لا فرق في عدم الانتفاع بالتوبة بين من أخرها إلى حضور الموت وبين من مات على الكفر، كما نفى الاثم عن المتأخر في (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) مع أن حكمه معلوم، لانه آخذ بالعزيمة، بخلاف المتعجل فإنه آخذ بالرخصة، على معنى يستوى في عدم الاثم من يتعجل ومن لم يتعجل، وحمل الرسم على خلاف الاصل مع إمكانه غير سديد. والثالث: قول ابن الطراوة في (أيهم أشد) هم أشد: مبتدأ وخبر، وأى مضافة لمحذوف، ويدفعه رسم أيهم متصلة، وأن أيا إذا لم تضف أعربت باتفاق. والرابع: قول بعضهم في (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون): إن هم الاولى ضمير رفع مؤكد للواو، والثانية كذلك أو مبتدأ وما بعده خبره، والصواب أن هم مفعول فيهما، لرسم الواو بغير ألف بعدها، ولان الحديث في الفعل لا في الفاعل، إذ المعنى إذا أخذوا من الناس أستوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإذا جعلت الضمير للمطففين صار معناه إذا أخذوا استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر، لان الحديث في الفعل لا في المباشر. الخامس: قول مكى وغيره في قوله تعالى (ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها) إن جنات بدل من الفضل، والاولى أنه مبتدأ، لقراءة بعضهم بالنصب على حد " زيدا ضربته ". السادس: قول كثير من النحويين في قوله تعالى (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك): إنه دليل على جواز استثناء الاكثر من الاقل، والصواب

[ 597 ]

أن المراد بالعباد المخلصون لا عموم المملوكين، وأن الاستثناء منقطع، بدليل سقوطه في آية سبحان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا) ونظيره المثال الآتى. السابع: قول الزمخشري في (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك): إن من نصب قدر الاستثناء من (فأسر بأهلك) ومن رفع قدره من (ولا يلتفت منكم أحد) ويرد باستلزامه تناقض القراءتين، فإن المرأة تكون مسرى بها على قراءة الرفع، وغير مسرى بها على قراءة النصب، وفيه نظر، لان إخراجها من جملة النهى لا يدل على أنها مسرى بها، بل على أنها معهم، وقد روى أنها تبعتهم، وأنها التفتت فرأت العذاب فصاحت فأصابها حجر فقتلها، وبعد فقول الزمخشري في الآية خلاف الظاهر، وقد سبقه غيره إليه، والذى حملهم على ذلك أن النصب قراءة الاكثرين، فإذ قدر الاستثناء من (أحد) كانت قراءتهم على الوجه المرجوح، وقد التزم بعضهم جواز مجئ قراءة الاكثر على ذلك، مستدلا بقوله تعالى (إنا كل شئ خلقناه بقدر) فإن النصب فيها عند سيبويه على حد قولهم " زيدا ضربته " ولم ير خوف إلباس المفسر بالصفة مرجحا كما رآه بعض المتأخرين وذلك لانه يرى في نحو " خفت " بالكسر و " طلت " بالضم، أنه محتمل لفعلى الفاعل والمفعول، ولا خلاف أن نحو " تضار " محتمل لهما، وأن نحو " مختار " محتمل لوصفهما، وكذلك نحو " مشترى " في النسب، وقال الزجاج في (فما زالت تلك دعواهم): إن النحويين يجيزون كون الاول اسما والثانى خبرا والعكس، وممن ذكر الجواز فيهما الزمخشري، قال ابن الحاج: وكذا نحو " ضرب موسى عيسى " كل من الاسمين محتمل للفاعلية والمفعولية، والذى التزم فاعلية الاول إنما هو بعض المتأخرين، والالباس واقع في العربية، بدليل أسماء الاجناس والمشتركات. اه‍.

[ 598 ]

والذى أجزم به أن قراءة الاكثرين لا تكون مرجوحة، وأن الاستثناء في الآية من جملة الامر على القراءتين، بدليل سقوط (ولا يلتفت منكم أحد) في قراءة ابن مسعود، وأن الاستثناء منقطع بدليل سقوطه في آية الحجر، ولان المراد بالاهل المؤمنون وإن لم يكونوا من أهل بيته، لا أهل بيته وإن لم يكونوا مؤمنين، ويؤيده ما جاء في ابن نوح عليه السلام (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ووجه الرفع أنه على الابتداء، وما بعده الخبر، والمستثنى الجملة ونظيره (لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله) واختار أبو شامة ما اخترته من أن الاستثناء منقطع، ولكنه قال: وجاء النصب على اللغة الحجازية والرفع على التميمية، وهذا يدل على أنه جعل الاستثناء من جملة النهى وما قدمته أولى، لضعف اللغة التميمية، ولما قدمت من سقوط جملة النهى في قراءة ابن مسعود حكاها أبو عبيدة وغيره. الجهة التاسعة: أن لا يتأمل عند وجود المشتبهات، ولذلك أمثلة: أحدها: نحو " زيد أحصى ذهنا، وعمرو أحصى مالا " فإن الاول على أن أحصى اسم تفضيل، والمنصوب تمييز مثل " أحسن وجها " والثانى على أن أحصى فعل ماض، والمنصوب مفعول مثل (أحصى كل شئ عددا). ومن الوهم قول بعضهم في (أحصى لما لبثوا أمدا): إنه من الاول، فإن الامد ليس محصيا بل محصى، وشرط التمييز المنصوب بعد أفعل كونه فاعلا في المعنى ك‍ " زيد أكثر مالا " بخلاف " مال زيد أكثر مال ". الثاني: نحو " زيد كاتب شاعر " فإن الثاني خبر أو صفة للخبر، ونحو " زيد رجل صالح " فإن الثاني صفة لا غير، لان الاول لا يكون خبرا على انفراده لعدم الفائدة ومثلهما " زيد عالم يفعل الخير وزيد رجل يفعل الخير " وزعم الفارسى أن الخبر

[ 599 ]

لا يتعدد مختلفا بالافراد والجملة، فيتعين عنده كون الجملة الفعلية صفة فيهما، والمشهور فيهما الجواز، كما أن ذلك جائز في الصفات، وعليه قول بعضهم في (فإذا هم فريقان يختصمون): إن يختصمون خبر ثان أو صفة، ويحتمل الحالية أيضا، أي فإذا هم مفترقون مختصمين، وأوجب الفارسى في (كونوا قردة خاسئين) كون خاسئين خبرا ثانيا، لان جمع المذكر السالم لا يكون صفة لما لا يعقل. الثالث: " رأيت زيدا فقيها، ورأيت الهلال طالعا " فإن رأى في الاول علمية، وفقيها مفعول ثان، وفى الثاني بصرية، وطالعا حال، وتقول، " تركت زيدا عالما " فإن فسرت تركت بصيرت فعالما مفعول ثان، أو بخلفت فحال، وإذا حمل قوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) على الاول فالظرف ولا يبصرون مفعول ثان، وتكرر كما يتكرر الخبر، أو الظرف مفعول ثان والجملة بعده حال، أو بالعكس، وإن حمل على الثاني فحالان. الرابع: (اغترف غرفة بيده) إن فتحت الغين فمفعول مطلق، أو ضممتها فمفعول به، ومثلهما " حسوت حسوة، وحسوة ". الجهة العاشرة: أن يخرج على خلاف الاصل، أو على خلاف الظاهر لغير مقتض، كقول مكى في (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى) الآية إن الكاف نعت لمصدر محذوف، أي إبطالا كالذى، ويلزمه أن يقدر إبطالا كإبطال إنفاق الذى ينفق، والوجه أن يكون (كالذى) حالا من الواو، أي لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذى ينفق، فهذا الوجه لا حذف فيه. وقول بعض العصريين في قول ابن الحاجب " الكلمة لفظ " أصله الكلمة هي لفظ، ومثله قول ابن عصفور في شرح الجمل: إنه يجوز في " زيد هو الفاصل " أن

[ 600 ]

يحذف، مع قوله وقول غيره: إنه لا يجوز حذف العائد في نحو " جاء الذى هو في الدار " لانه لا دليل حينئذ على المحذوف، ورده على من قال في بيت الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر [ 120 ] إن بشر مبتدأ، ومثلهم: نعت لمكان محذوف خبره، أي وإذ ما بشر مكانا مثل مكانهم، بأن مثلا لا يختص بالمكان، فلا دليل حينئذ، وكقول الزمخشري في قوله: لا نسب اليوم ولا خلة * [ اتسع الخرق على الراقع ] [ 375 ] إن النصب بإضمار فعل، أي ولا أرى، وإنما النصب مثله في " لا حول ولا قوة " وقول الخليل في قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا * [ يدل على محصلة تبيت ] [ 103 ] إن التقدير " ألا ترونى رجلا " مع إمكان أن يكون من باب الاشتغال، وهو أولى من تقدير فعل غير مذكور، وقد يجاب عن هذا بثلاثة أمور: أحدها: أن رجلا نكرة، وشرط المنصوب على الاشتغال أن يكون قابلا للرفع بالابتداء، ويجاب بأن النكرة هنا موصوفة بقوله: * يدل على محصلة تبيت * الثاني: أن نصبه على الاشتغال يستلزم الفصل بالجملة المفسرة بين الموصوف والصفة، ويجاب بأن ذلك جائز كقوله تعالى (إن امرؤ هلك ليس له ولد). الثالث: أن طلب رجل هذه صفته أهم من الدعاء له، فكان الحمل عليه أولى. وأما قول سيبويه في قوله: اليت حب العراق الدهر أطعمه * [ والحب يأكله في القرية السوس ] [ 139 ]

[ 601 ]

إن أصله آليت على حب العراق، مع إمكان جعله على الاشتغال وهو قياسي، بخلاف حذف الجار، فجوابه أن " أطعمه " بتقدير لا أطعمه، ولا النافية في جواب القسم لها الصدر، لحلولها محل أدوات الصدور، كلام الابتداء وما النافية، وماله الصدر لا يعمل ما بعده فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملا. وإنما قال في (قل اللهم فاطر السموات والارض): إنه على تقدير " يا "، ولم يجعله صفة على المحل، لان عنده أن اسم الله سبحانه وتعالى لما اتصل به الميم المعوضة عن حرف النداء أشبه الاصوات، فلم يجز نعته. وإنما قال في قوله: 839 - اعتاد قلبك من سلمى عوائده * وهاج أحزانك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به * وكل حيران سار ماؤه خضل إن التقدير: هو ربع، ولم يجعله على البدل من الطلل، لان الربع أكثر منه، فكيف يبدل الاكثر من الاقل ؟ ولئلا يصير الشعر معيبا لتعلق أحد البيتين بالآخر، إذ البدل تابع للمبدل منه، ويسمى ذلك علماء القوافى تضمينا، ولان أسماء الديار قد كثر فيها أن تحمل على عامل مضمر، يقال: دارمية، وديار الاحباب، رفعا بإضمار هي، ونصبا بإضمار اذكر، فهذا موضع ألف فيه الحذف. وإنما قال الاخفش في " ما أحسن زيدا " إن الخبر محذوف بناء على أن " ما " معرفة موصولة أو نكرة موصوفة، وما بعدها صلة أو صفة، مع أنه إذا قدر " ما " نكرة تامة والجملة بعدها خبرا - كما قال سيبويه - لم يحتج إلى تقدير

[ 602 ]

خبر، لانه رأى أن " ما " التامة غير ثابتة أو غير فاشية، وحذف الخبر فاش، فترجح عنده الحمل عليه. وإنما أجاز كثير من النحويين في نحو قولك " نعم الرجل زيد " كون زيد خبرا لمحذوف مع إمكان تقديره مبتدأ والجملة قبله خبرا، لان نعم وبئس موضوعان للمدح والذم العامين، فناسب مقامهما الاطناب بتكثير الجمل، ولهذا يجيزون في نحو (هدى للمتقين الذين يؤمنون) أن يكون (الذين) نصبا بتقدير أمدح، أو رفعا بتقديرهم، مع إمكان كونه صفة تابعة، على أن التحقيق الجزم بأن المخصوص مبتدأ وما قبله خبر، وهو اختيار ابن خروف وابن الباذش، وهو ظاهر قول سيبويه: وأما (1) قولهم " نعم الرجل عبد الله " فهو بمنزلة " ذهب أخوه عبد الله، مع قوله: وإذا قال " عبد الله نعم الرجل " فهو بمنزلة " عبد الله ذهب أخوه " فسوى بين تأخير المخصوص وتقديمه، والذى غر أكثر النحويين أنه قال: كأنه قال " نعم الرجل " فقيل له: من هو: فقال: عبد الله، ويرد عليهم أنه قال أيضا: وإذا قال " عبد الله " فكأنه قيل له: ما شأنه: فقال: نعم الرجل، فقال مثل ذلك مع تقدم المخصوص، وإنما أراد أن تعلق المخصوص بالكلام تعلق لازم، فلا تحصل الفائدة إلا بالمجموع قدمت أو أخرت، وجوز ابن عصفور في المخصوص المؤخر أن يكون مبتدأ حذف خبره، ويرده أن الخبر لا يحذف وجوبا إلا إن سد شئ مسده، وذلك وارد على الاخفش في " ما أحسن زيدا ". وأما قول الزمخشري في قول الله عزوجل: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر): إنه يجوز أن يكون تقديره: هو في آذانهم وقر، فحذف المبتدأ، أو في آذانهم منه وقر، والجملة خبر للذين، مع


(1) قوله " وأما قولهم نعم الرجل عبد الله " هذا نص كلام سيبويه. (*)

[ 603 ]

إمكان أن يكون لا حذف فيه، فوجهه أنه لما رأى ما قبل هذه الجملة وما بعدها حديثا في القرآن قدر ما بينهما كذلك، ولا يمكن أن يكون حديثا في القرآن إلا على ذلك، اللهم إلا أن يقدر عطف الذين على الذين، ووقر على هدى، فيلزم العطف على معمولي عاملين، وسيبويه لا يجيزه، وعليه فيكون (في آذانهم) نعتا لو قر قدم عليه فصار حالا. واما قول الفارسى في " أول ما أقول إنى أحمد الله " فيمن كسر الهمزة: إن الخبر محذوف تقديره ثابت، فقد خولف فيه، وجعلت الجملة خبرا، ولم يذكر سيبويه المسألة، وذكرها أبو بكر في أصوله، وقال: الكسر على الحكاية، فتوهم الفارسى أنه أراد الحكاية بالقول المذكور، فقدر الجملة منصوبة المحل، فبقى له المبتدأ بلا خبر فقدره، وإنما أراد أبو بكر أنه حكى لنا اللفظ الذى يفنتح به قوله: خاتمة - وإذ قد انجر بنا القول إلى ذكر الحذف فلنوجه القول إليه، فإنه من المهمات، فنقول: ذكر شروطه - وهى ثمانية: أحدها: وجود دليل حالى كقولك لمن رفع سوطا " زيدا " بإضمار اضرب، ومنه (قالوا سلاما) أي سلمنا سلاما، أو مقالي كقولك لمن قال: من أضرب ؟ " زيدا " ومنه (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا: خيرا) وإنما يحتاج إلى ذلك إذا كان المحذوف الجملة بأسرها كما مثلنا، أو أحد ركنيها نحو (قال سلام قوم منكرون) أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون، فحذف خبر الاولى ومبتدأ الثانية، أو لفظا (1) يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو (تالله تفتؤ) أي لا تفتؤ، وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجد ان الدليل،


(1) هذا معطوف على قوله " الجملة " في قوله " إذا كان المحذوف الجملة بأسرها " (*)

[ 604 ]

ولكن يشترط أن لا يكون في حذفه ضرر معنوى كما في قولك " ما ضربت إلا زيدا " أو صناعي كما في قولك " زيد ضربته " وقولك " ضربني وضربته زيد " وسيأتى شرحه. ولاشتراط الدليل فيما تقدم امتنع حذف الموصوف في نحو " رأيت رجلا أبيض " بخلاف نحو " رأيت رجلا كاتبا " وحذف المضاف في نحو " جاءني غلام زيد " بخلاف نحو (وجاء ربك) وحذف العائد في نحو " جاء الذى هو في الدار " بخلاف نحو (لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) وحذف المبتدأ إذا كان ضمير الشأن، لان ما بعده جملة تامة مستغنية عنه، ومن ثم جاز حذفه في باب إن نحو " إن بك زيد مأخوذ " لان عدم المنصوب دليل عليه، وحذف الجار في نحو " رغبت في أن تفعل " أو " عن أن تفعل " بخلاف " عجبت من أن تفعل " وأما (وترغبون أن تنكحوهن) فإنما حذف الجار فيها لقرينة، وإنما اختلف العلماء في المقدر من الحرفين في الآية لاختلافهم في سبب نزولها، فالخلاف في الحقيقة في القرينة. وكان مردودا قول أبى الفتح: إنه يجوز " جلست زيدا " بتقدير مضاف، أي جلوس زيد، لاحتمال أن المقدر كلمة إلى، وقوله جماعة: إن بنى تميم لا يثبتون خبر لا التبرئة، وإنما ذلك عند وجود الدليل، وأما نحو " لا أحد أغير من الله " وقولك مبتدئا من غير قرينة " لا رجل يفعل كذا " فإثبات الخبر فيه إجماع، وقول الاكثرين: إن الخبر بعد لولا واجب الحذف، وإنما ذلك إذا كان كونا مطلقا نحو " لولا زيد لكان كذا " يريد لولا زيد موجود أو نحوه، وأما الاكوان الخاصة التى لا دليل عليها لو حذفت فواجبة الذكر، نحو " لولا زيد سالمنا ما سلم " ونحو قوله عليه الصلاة والسلام: " لولا قومك حديثو عهد بالاسلام لاسست البيت على قواعد إبراهيم " وقال الجمهور: لا يجوز " لا تدن من الاسد يأكلك " بالجزم، لان الشرط المقدر إن قدر مثبتا - أي فإن تدن

[ 605 ]

لم يناسب فعل النهى الذى جعل دليلا عليه، وإن قدر منفيا - أي فلا تدن فسد المعنى، بخلاف " لا تدن من الاسد تسلم " فإن الشرط المقدر منفى، وذلك صحيح في المعنى والصناعة، ولك أن تجيب عن الجمهور بأن الخبر إذا كان مجهولا وجب أن يجعل نفس المخبر عنه عند الجميع في باب لولا، وعند تميم في باب لا، فيقال " لولا قيام زيد " و " لا قيام " أي موجود، ولا يقال " لولا زيد " ولا " لا رجل " ويراد قائم، لئلا يلزم المحذور المذكور، وأما " لولا قومك حديثو عهد " فلعله مما يروى بالمعنى، وعن الكسائي في إجازته الجزم بأنه يقدر الشرط مثبتا مدلولا عليه بالمعنى لا باللفظ، ترجيحا للقرينة المعنوية على القرينة اللفظية، وهذا وجه حسن إذا كان المعنى مفهوما. تنبيهان أحدهما: أن دليل الحذف نوعان، أحدهما: غير صناعي، وينقسم إلى حالى ومقالى كما تقدم، والثانى: صناعي، وهذا يختص بمعرفته النحويون، لانه إنما عرف من جهة الصناعة، وذلك كقولهم في قوله تعالى (لا أقسم بيوم القيامة) إن التقدير: لانا أقسم، وذلك لان فعل الحال لا يقسم عليه في قول البصريين، وفى " قمت وأصك عينه " إن التقدير: وأنا أصك، لان واو الحال لا تدخل على المضارع المثبت الخالى من قد، وفى " إنها لابل أم شاء " إن التقدير: أم هي شاء، لان أم المنقطعة لا تعطف إلا الجمل، وفى قوله: 840 - إن من لام في بنى بنت حسا * ن ألمه وأعصه في الخطوب إن التقدير: إنه أي الشأن، لان [ اسم ] الشرط لا يعمل فيه ما قبله، ومثله قول المتنبي: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه * ولكن من يبصر جفونك يعشق [ 483 ] وفى (ولكن رسول الله) إن التقدير: ولكن كان رسول الله، لان ما بعد

[ 606 ]

لكن ليس معطوفا بها لدخول الواو عليها، ولا بالواو لانه مثبت وما قبلها منفى، ولا يعطف بالواو مفرد على مفرد إلا وهو شريكه في النفى والاثبات، فإذا قدر ما بعد الواو جملة صح تخالفهما كما تقول " ما قام زيد وقام عمرو " وزعم سيبويه في قوله: 841 - ولست بحلال التلاع مخافة * ولكن متى يسترفد القوم أرفد (1) أن التقدير: ولكن أنا، ووجهوه بأن لكن تشبه الفعل فلا تدخل عليه وبيان كونها داخلة عليه أن " متى " منصوبة بفعل الشرط، فالفعل مقدم في الرتبة عليه. ورده الفارسى بأن المشبه بالفعل هو لكن المشددة لا المخففة، ولهذا لم تعمل المخففة لعدم اختصاصها بالاسماء، وقيل: إنما يحتاج إلى التقدير إذا دخلت عليها الواو، لانها حينئذ تخلص لمعناها، وتخرج عن العطف. التنبيه الثاني - شرط الدليل اللفظى أن يكون طبق المحذوف، فلا يجوز " زيد ضارب وعمرو " أي ضارب، وتريد بضارب المحذوف معنى يخالف المذكور: بأن يقدر أحدهما بمعنى السفر من قوله تعالى (وإذا ضربتم في الارض) والآخر بمعنى الايلام المعروف، ومن ثم أجمعوا على جواز " زيد قائم وعمرو، وإن زيدا قائم وعمرو " وعلى منع " ليت زيدا قائم وعمرو " وكذا في لعل وكأن، لان الخبر المذكور متمنى أو مترجى أو مشبه به، والخبر المحذوف ليس كذلك، لانه خبر المبتدأ. فإن قلت: فكيف تصنع بقوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) في قراءة من رفع. وذلك محمول عند البصريين على الحذف من الاول لدلالة الثاني، أي إن الله يصلى وملائكته يصلون. وليس عطفا على الموضع ويصلون خبرا عنهما،


(1) وقع في جميع النسخ المطبوعة " ولست بحلال التلال - إلخ ". (*)

[ 607 ]

لئلا يتوارد عاملان على معمول واحد، والصلاة المذكورة بمعنى الاستغفار، والمحذوفة بمعنى الرحمة، وقال الفراء في قوله تعالى (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين) إن التقدير: بلى ليحسبنا قادرين، والحسبان المذكور بمعنى الظن، والمحذوف بمعنى العلم، إذ التردد في الادعاء كفر، فلا يكون مأمورا به، وقال بعض العلماء في بيت الكتاب: 842 - لن تراها - ولو تأملت - إلا * ولها في مفارق الرأس طيبا إن ترى المقدرة الناصبة لطيبا قلبية لا بصرية، لئلا يقتضى كون الموصوفة مكشوفة الرأس، وإنما تمدح النساء بالخفر والتصون، لا بالتبذل، مع أن رأى المذكورة بصرية ؟ ؟. قلت: الصواب عندي أن الصلاة لغة بمعنى واحد، وهو العطف، ثم العطف بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى الرحمة وإلى الملائكة الاستغفار وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض، وأما قول الجماعة فبعيد من جهات، إحداها: اقتضاؤه الاشتراك والاصل عدمه لما فيه من الالباس، حتى إن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره مما يخالف الاصل كالمجاز قدم عليه، الثانية: أنا لا نعرف في العربية فعلا واحدا يختلف معناه باختلاف المسند إليه إذا كان الاسناد حقيقيا، والثالثة: أن الرحمة فعلها متعد والصلاة فعلها قاصر، ولا يحسن تفسير القاصر بالمتعدى، والرابعة: أنه لو قيل مكان " صلى عليه " دعا عليه انعكس المعنى، وحق المترادفين صحة حلول كل منهما محل الآخر. وأما آية القيامة فالصواب فيها قول سيبويه إن (قادرين) حال، أي بلى نجمعها قادرين، لان فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان، ولان بلى إيجاب للمنفى وهو في الآية فعل الجمع، ولو سلم قول الفراء فلا يسلم أن الحسبان في الآية ظن، بل اعتقاد وجزم، وذلك لافراط كفرهم.

[ 608 ]

وأما قول المعرب في البيت فمردود، وأحوال الناس في اللباس والاحتشام مختلفة، فحال أهل المدر يخالف حال أهل الوبر، وحال أهل الوبر مختلف، وبهذا أجاب الزمخشري عن إرسال شعيب عليه الصلاة والسلام ابنتيه لسقى الماشية، وقال: العادات في مثل ذلك متباينة، وأحوال العرب خلاف أحوال العجم. الشرط الثاني: أن لا يكون ما يحذف كالجزء، فلا يحذف الفاعل ولا نائبه ولا مشبهه، وقد مضى الرد على ابن مالك في مرفوع أفعال الاستثناء، وقال الكسائي وهشام والسهيلى في نحو " ضربني وضربت زيدا ": إن الفاعل محذوف لا مضمر، وقال ابن عطية في (بئس مثل القوم الذين كذبوا): إن التقدير بئس المثل مثل القوم، فإن أراد أن الفاعل لفظ المثل محذوفا فمردود، وإن أراد تفسير المعنى وأن في بئس ضمير المثل مستترا فأين تفسيره، وهذا لازم للزمخشري فإنه قال في تقديره: بئس مثلا ! وقد نص سيبويه على أن تمييز فاعل نعم وبئس لا يحذف، والصواب أن (مثل القوم) فاعل، وحذف المخصوص، أي مثل هؤلاء، أو مضاف: أي مثل الذين كذبوا، ولا خلاف في جواز حذف الفاعل مع فعله نحو (قالوا خيرا) و " يا عبد الله " و " زيدا ضربته ". الثالث: أن لا يكون مؤكدا، وهذا الشرط أول من ذكره الاخفش، منع في نحو " الذى رأيت زيد " أن يؤكد العائد المحذوف بقولك " نفسه "، لان المؤكد مريد للطول، والحاذف مريد للاختصار، وتبعه الفارسى، فرد في كتاب الاغفال قول الزجاج في (إن هذان لساحران) إن التقدير: إن هذان لهما ساحران، فقال: الحذف والتوكيد باللام متنافيان، وتبع أبا على أبو الفتح، فقال في الخصائص: لا يجوز " الذى ضربت نفسه زيد " كما لا يجوز إدغام نحو اقعنسس، لما فيهما جميعا من نقض الغرض [ وهو الالحاق باحر نجم ] وتبعهم ابن مالك فقال: لا يجوز حذف عامل المصدر المؤكد ك‍ " ضربت ضربا " لان المقصود به تقوية عامله وتقرير معناه، والحذف مناف لذلك، وهؤلاء كلهم مخالفون

[ 609 ]

للخليل وسيبويه أيضا، فإن سيبويه سأل الخليل عن نحو " مررت بزيد وأتانى أخوه أنفسهما " كيف ينطق بالتوكيد ؟ فأجابه بأنه يرفع بتقدير: هما صاحباى أنفسهما، وينصب بتقدير: أعنيهما أنفسهما، ووافقهما على ذلك جماعة، واستدلوا بقول العرب: إن محلا وإن مرتجلا * [ وإن في السفر إذ مضوا مهلا ] [ 121 ] و " إن مالا وإن ولدا " فحذفوا الخبر مع أنه مؤكد بإن، وفيه نظر، فإن المؤكد نسبة الخبر إلى الاسم، لا نفس الخبر، وقال الصفار: إنما فر الاخفش من حذف العائد في نحو " الذى رأيته نفسه زيد " لان المقتضى للحذف الطول، ولهذا لا يحذف في نحو " الذى هو قائم زيد " فإذا فروا من الطول فكيف يؤكدون ؟ وأما حذف الشئ لدليل وتوكيده فلا تنافى بينهما، لان المحذوف لدليل كالثابت، ولبدر الدين بن مالك مع والده في المسألة بحث أجاد فيه. الرابع: أن لا يؤدى حذفه إلى اختصار المختصر، فلا يحذف اسم الفعل دون معموله، لانه اختصار للفعل، وأما قول سيبويه في " زيدا فاقتله " وفى " شأنك والحج " وقوله: 843 - يا أيها المائح، دلوى دونكا * [ إنى رأيت الناس يحمدونكا ] [ ص 618 ] إن التقدير: عليك زيدا، وعليك الحج، ودونك دلوى، فقالوا: إنما أراد تفسير المعنى لا الاعراب، وإنما التقدير خذ دلوى، والزم زيدا، والزم الحج، ويجوز في دلوى أن يكون مبتدأ ودونك خبره. الخامس: أن لا يكون عاملا ضعيفا، فلا يحذف الجار والجازم والناصب للفعل، إلا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر فيها استعمال تلك العوامل، ولا يجوز القياس عليها. السادس: أن لا يكون عوضا عن شئ، فلا تحذف ما في " أما أنت

[ 610 ]

منطلقا انطلقت " ولا كلمة لا من قولهم " افعل هذا إما لا " ولا التاء من عدة وإقامة واستقامة، فأما قوله تعالى (وإقام الصلاة) فمما يجب الوقوف عنده، ومن هنا لم يحذف خبر كان لانه عوض أو كالعوض من مصدرها، ومن ثم لا يجتمعان، ومن هنا قال ابن مالك: إن العرب لم تقدر أحرف النداء عوضا من أدعو وأنادي، لاجازتهم حذفها. السابع والثامن: أن لا يؤدى حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، ولا إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوى، وللامر الاول منع البصريون حذف المفعول الثاني من نحو " ضربني وضربته زيد " لئلا يتسلط على زيد ثم يقطع عنه برفعه بالفعل الاول، ولاجتماع الامرين امتنع عند البصريين أيضا حذف المفعول في نحو " زيد ضربته " لان في حذفه تسليط ضرب على العمل في زيد مع قطعه عنه، وإعمال الابتداء مع التمكن من إعمال الفعل، ثم حملوا على ذلك " زيد ما ضربته، أو هل ضربته " فمنعوا الحذف وإن لم يؤد إلى ذلك، وكذلك منعوا رفع رأسها في " أكلت السمكة حتى رأسها " إلا أن يذكر الخبر، فتقول: مأكول، ولاجتماعهما مع الالباس منع الجميع تقديم الخبر في نحو " زيد قام " ولانتفاء الامرين جاز عند البصريين وهشام تقديم معمول الخبر على المبتدأ في نحو " زيد ضرب عمرا " وإن لم يجز تقديم الخبر، فأجاروا " زيدا أجله أحرز " وقال البصريون في قوله: 844 - [ قنافذ هداجون حول بيوتهم ] * بما كان إياهم عطية عودا إن عطية مبتدأ، وإياهم مفعول عود، والجملة خبر كان، واسمها ضمير الشأن، وقد خفيت هذه النكتة على ابن عصفور فقال: هربوا من محذور - وهو أن يفصلوا بين كان واسمها بمعمول خبرها - فوقعوا في محذور آخر، وهو تقديم معمول الخبر حيث لا يتقدم خبر المبتدأ، وقد بينا أن امتناع تقديم الخبر في ذلك لمعنى مفقود في

[ 611 ]

تقديم معموله، وهذا بخلاف علة امتناع تقديم المفعول على ما النافية في نحو " ما ضربت زيدا " فإنه لنفس العلة المقتضية لامتناع تقديم الفعل عليها، وهو وقوع ما النافية [ فيه ] حشوا. تنبيه - ربما خولف مقتضى هذين الشرطين أو أحدهما في ضرورة أو قليل من الكلام. فالاول كقوله: 845 - وخالد يحمد ساداتنا * [ بالحق، لا يحمد بالباطل ] وقوله: [ قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا ] كله لم أصنع [ 332 ] وقيل: هو في صيغ العموم أسهل، ومنه قراءة ابن عامر (وكل وعد الله الحسنى). والثانى كقوله: 846 - بعكاظ يعشى الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه فإن فيه تهيئة " لمحوا " للعمل في " شعاعه " مع قطعه عن ذلك بإعمال " يعشى " فيه، وليس فيه إعمال ضعيف دون قوى، وذكر ابن مالك في قوله: عممتهم بالندى حتى غواتهم * فكنت مالك ذى غى وذى رشد [ 198 ] إنه يروى " غواتهم " بالاوجه الثلاثة، فإن ثبتت رواية الرفع فهو من الوارد في النوع الاول في الشذوذ، إذ لا ضرورة تمنع من الجر والنصب، وقد رويا. بيان أنه قد يظن أن الشئ من باب الحذف، وليس منه جرت عادة النحويين أن يقولوا: يحذف المفعول اختصارا واقتصارا، ويريدون بالاختصار الحذف لدليل، وبالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثلونه بنحو

[ 612 ]

(كلوا واشربوا) أي أوقعوا هذين الفعلين، وقول العرب فيما يتعدى إلى اثنين " من يسمع يخل " أي تكن منه خيلة. والتحقيق أن يقال: إنه تارة يتعلق الغرض بالاعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه أو من أوقع عليه، فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام، فيقال: حصل حريق أو نهب. وتارة يتعلق بالاعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى، إذ المنوي كالثابت، ولا يسمى محذوفا، لان الفعل ينزل لهذا القصد منزلة مالا مفعول له، ومنه (ربى الذى يحيى ويميت) (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) (وإذا رأيت ثم) إذ المعنى ربى الذى يفعل الاحياء والاماتة، وهل يستوى من يتصف بالعلم ومن ينتفى عنه العلم، وأوقعوا الاكل والشرب، وذروا الاسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك، ومنه على الاصح (ولما ورد ماء مدين) الآية، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام إنما رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقى، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما (نسقى) السقى، لا المسقى، ومن لم يتأمل قدر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما ولا نسقى غنمنا. وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله، فيذكران نحو (لا تأكلوا الربا) (ولا تقربوا الزنا) وقولك " ما أحسن زيدا " وهذا النوع إذا لم يذكر مفعوله قيل: محذوف، نحو (ما ودعك ربك وما قلى) وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره، نحو (أهذا الذى بعث الله رسولا) (وكل وعد الله الحسنى) و: [ حميت حمى تهامة بعد نجد ] * وما شئ حميت بمستباح [ 745 ]

[ 613 ]

بيان مكان المقدر القياس أن يقدر الشئ في مكانه الاصلى، لئلا يخالف الاصل من وجهين: الحذف، ووضع الشئ في غير محله. فيجب أن يقدر المفسر في نحو " زيدا رأيته " مقدما عليه، وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه، وقالوا: لانه يفيد الاختصاص حينئذ، وليس كما توهموا، وإنما يرتكب ذلك عند تعذر الاصل، أو عند اقتضاء أمر معنوى لذلك. فالاول نحو " أيهم رأيته " إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله، ونحو (وأما ثمود فهديناهم) فيمن نصب، إذ لا يلى " أما " فعل، وكنا قدمنا في نحو " في الدار زيد " أن متعلق الظرف يقدر مؤخرا عن زيد، لانه في الحقيقة الخبر، وأصل الخبر أن يتأخر عن المبتدأ، ثم ظهر لنا أنه يحتمل تقديره مقدما لمعارضة أصل آخر، وهو أنه عامل في الظرف، وأصل العامل أن يتقدم على المعمول، اللهم إلا أن يقدر المتعلق فعلا فيجب التأخير، لان الخبر الفعلى لا يتقدم على المبتدأ في مثل هذا، وإذا قلت " إن خلفك زيدا " وجب تأخير المتعلق، فعلا كان أو اسما، لان مرفوع إن لا يسبق منصوبها وإذا قلت " كان خلفك زيد " جاز الوجهان، ولو قدرته فعلا، لان خبر كان يتقدم مع كونه فعلا على الصحيح، إذ لا تلتبس الجملة الاسمية بالفعلية. والثانى نحو متعلق باء البسملة الشريفة، فإن الزمخشري قدره مؤخرا عنها، لان قريشا كانت تقول: باسم اللات والعزى نفعل كذا، فيؤخرون أفعالهم عن ذكر ما اتخذوه معبودا لهم تفخيما لشأنه بالتقديم، فوجب على الموحد أن يعتقد ذلك في اسم الله تعالى فإنه الحقيق بذلك، ثم اعترض ب‍ (أقرأ باسم ربك) وأجاب بأنها أول سورة أنزلت، فكان تقديم الامر بالقراءة فيها أهم، وأجاب عنه السكاكى بتقديرها متعلقة باقرأ الثاني. واعترضه بعض العصريين باستلزامه الفصل بين المؤكد وتأكيده بمعمول المؤكد. وهذا سهو منه، إذ لا توكيد هنا، بل أمر أولا بإيجاد القراءة، وثانيا بقراءة مقيدة، ونظيره (الذى خلق، خلق الانسان)

[ 614 ]

ومثل هذا لا يسميه أحد توكيدا. ثم هذا الاشكال لازم له على قوله إن الباء متعلقة باقرأ الاول لان تقييد الثاني إذا منع من كونه توكيدا فكذا تقييد الاول، ثم لو سلم ففصل الموصوف من صفته بمعمول الصفة جائز باتفاق، ك‍ " - مررت برجل عمرا ضارب " فكذا في التوكيد، وقد جاء الفصل بين المؤكد والمؤكد في (ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) مع أنهما مفردان، والجمل أحمل للفصل، وقال الراجز: 847 - [ يا ليتنى كنت صبيا مرضعا * تحملني الذلفاء حولا أكتعا إذا بكيت قبلتني أربعا ] * إذا ظللت الدهر أبكى أجمعا تنبيه - ذكروا أنه إذا اعترض شرط على آخر نحو " إن أكلت إن شربت فأنت طالق " فإن الجواب المذكور للسابق منهما، وجواب الثاني محذوف مدلول عليه بالشرط الاول وجوابه، كما قالوا في الجواب المتأخر عن الشرط والقسم (1)، ولهذا قال محققو الفقهاء في المثال المذكور: إنها لا تطلق حتى تقدم المؤخر وتؤخر المقدم، وذلك لان التقدير حينئذ إن شربت فإن أكلت فأنت طالق، وهذا كله حسن، ولكنهم جعلوا منه قوله تعالى: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) وفيه نظر، إذ لم يتوال شرطان وبعدها بواب كما في المثال، وكما في قول الشاعر: 848 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا * منا معاقل عز زانها كرم وقول ابن دريد: 849 - فإن عثرت بعدها إن وألت * نفسي من هاتا فقولا لالعا


(1) في نسخة " عن القسم والشرط " والخطب في ذلك سهل. (*)

[ 615 ]

إذ الآية الكريمة لم يذكر فيها جواب، وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للشرط الاول، فينبغي أن يقدر إلى جانبه، ويكون الاصل: إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدما إلى جانب الشرط الاول فلا وجه له، والله أعلم. بيان مقدار المقدر ينبغى تقليله ما أمكن، لتقل مخالفة الاصل. ولذلك كان تقدير الاخفش في " ضربي زيدا قائما " ضربه قائما، أولى من تقدير باقى البصريين: حاصل إذا كان - أو إذ كان - قائما، لانه قدر اثنين وقدروا خمسة، ولان التقدير من اللفظ أولى. وكان تقديره في " أنت منى فرسخان " بعدك منى فرسخان، أولى من تقدير الفارسى: أنت منى ذو مسافة فرسخين، لانه قدر مضافا لا يحتاج معه إلى تقدير شئ آخر يتعلق به الظرف، والفارسي قدر شيئين يحتاج معهما إلى تقدير ثالث. وضعف قول بعضهم في (وأشربوا في قلوبهم العجل) إن التقدير: حب عبادة العجل، والاولى تقدير الحب فقط. وضعف قول الفارسى ومن وافقه في (واللاء يئسن) الآية: إن الاصل: واللاء لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، والاولى أن يكون الاصل: واللاء لم يحضن كذلك. وكذلك ينبغى أن يقدر في نحو " زيد صنع بعمرو جميلا وبخالد سوأ

[ 616 ]

وبكر " أي كذلك، ولا يقدر عين المذكور، تقليلا للمحذوف، ولان الاصل في الخبر الافراد، ولانه لو صرح بالخبر لم يحسن إعادة ذلك المتقدم لثقل التكرار. ولك أن لا تقدر في الآية شيئا البتة، وذلك بأن تجعل الموصول معطوفا على الموصول، فيكون الخبر المذكور لهما معا، وكذا تصنع في نحو " زيد في الدار وعمرو "، ولا يتأتى ذلك في المثال السابق، لان إفراد فاعل الفعل يأباه، نعم لك أن تسلم فيه من الحذف، بأن تقدر العطف على ضمير الفعل لحصول الفصل بينهما. فإن قلت: لو صح ما ذكرته في الآية والمثال السابق لصح " زيد قائمان وعمرو " بتقدير: زيد وعمرو قائمان. قلت: إن سلم منعه فلقبح اللفظ، وهو منتف فيما نحن بصدده، ولكن يشهد للجواز قوله: 850 - ولست مقرا للرجال ظلامة * أبى ذاك عمى الاكرمان وخاليا وقد جوزوا في " أنت أعلم وزيد " كون زيد مبتدأ حذف خبره، وكونه عطفا على أنت، فيكون خبرا عنهما. بيان كيفية التقدير إذا استدعى الكلام تقدير أسماء متضايقة، أو موصوفة (1) وصفة مضافة، أو جار ومجرور مضمر عائد على ما يحتاج إلى الرابط، فلا تقدر أن ذلك حذف دفعة واحدة، بل على التدريج.


(1) في نسخة " أو موصوف وصفة مضافة " وكلمة " موصوفة " معطوفة بأو على كلمة " متضايفة ". (*)

[ 617 ]

فالاول نحو (كالذى يغشى عليه) أي كدوران عين الذى. والثانى كقوله: 851 - إذا قامتا تضوع المسك منهما * نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل أي تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا والثالث كقوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا) أي لا تجزى فيه، ثم حذفت في فصار لا تجزيه، ثم حذف الضمير منصوبا لا مخفوضا، هذا قول الاخفش، وعن سيبويه أنهما حذفا دفعة [ واحدة ] ونقل ابن الشجرى القول الاول عن الكسائي، واختاره، قال: والثانى قول نحوى آخر، وقال أكثر أهل العربية منهم سيبويه والاخفش: يجوز الامران، اه‍. وهو نقل غريب. ينبغى أن يكون المحذوف من لفظ المذكور مهما أمكن فيقدر في " ضربي زيدا قائما " ضربه قائما، فإنه من لفظ المبتدأ وأقل تقديرا، دون " إذ كان، أو إذا كان " ويقدر " أضرب " دون أهن في " زيدا أضربه ". فإن منع من تقدير المذكور معنى أو صناعة قدر مالا مانع له، فالاول نحو " زيدا اضرب أخاه " يقدر فيه أهن دون اضرب، فإن قلت " زيدا أهن أخاه " قدرت أهن. والثانى نحو " زيدا امرر به " تقدر فيه جاوز دون أمور، لانه لا يتعدى بنفسه، نعم إن كان العامل مما يتعدى تارة بنفسه وتارة بالجار نحو نصح في قولك " زيدا نصحت له " جاز أن يقدر نصحت زيدا، بل هو أولى من تقدير غير الملفوظ به.

[ 618 ]

ومما لا يقدر فيه مثل المذكور لمانع صناعي قوله: يا أيها المائح دلوى دونكا * [ إنى رأيت الناس يحمدونكا ] [ 843 ] إذا قدر دلوى منصوبا فالمقدر خذ، لا دونك، وقد مضى، وقوله: 852 - [ أكر وأحمى للحقيقة منهم ] * وأضرب منا بالسيوف القوانسا الناصب فيه للقوانس فعل محذوف، لا اسم تفضيل محذوف، لانا فررنا بالتقدير من إعمال اسم التفضيل المذكور في المفعول، فكيف يعمل فيه المقدر ؟ وقولك " هذا معطى زيد أمس درهما " التقدير أعطاه، ولا يقدر اسم فاعل، لانك إنما فررت بالتقدير من إعمال اسم الفاعل الماضي المجرد من أل، وقال بعضهم في قوله تعالى (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذى فطرنا): إن لواو للقسم، فعلى هذا دليل الجواب المحذوف جملة النفى السابقة، ويجب أن يقدر: والذى فطرنا لا نؤثرك، لان القسم لا يجاب بلن إلا في الضرورة كقول أبى طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا [ 464 ] وقال الفارسى ومتابعوه في (واللائى لم يحضن) التقدير: فعدتهن ثلاثة أشهر، وهذا لا يحسن وإن كان ممكنا، لانه لو صرح به اقتضت الفصاحة أن يقال: كذلك، ولا تعاد الجملة الثانية. إذا دار الامر بين كون المحذوف مبتدأ وكونه خبرا فأيهما أولى ؟ قال الواسطي: الاولى كون المحذوف المبتدأ، لان الخبر محط الفائدة

[ 619 ]

وقال العبدى: الاولى كونه الخبر، لان التجوز في أواخر الجملة أسهل، نقل القولين ابن إياز. ومثال المسألة (فصبر جميل) أي: شأني صبر جميل، أو صبر جميل أمثل من غيره، ومثله (طاعة معروفة) أي الذى يطلب منكم طاعة معلومة لا يرتاب فيها، لا إيمان باللسان لا يواطئه القلب، أو طاعتكم معروفة، أي عرف أنها بالقول دون الفعل، أو طاعة معروفة أمثل بكم من هذه الايمان الكاذبة. ولو عرض ما يوجب التعيين عمل به، كما في " نعم الرجل زيد " على القول بأنهما جملتان، إذ لا يحذف الخبر وجوبا إلا إذا سد شئ مسده، ومثله " حبذا زيد " إذا حمل على الحذف، وجزم كثير من النحويين في نحو " عمرك لافعلن " و " أيمن الله لافعلن " بأن المحذوف الخبر، وجوز ابن عصفور كونه المبتدأ، ولذلك لم يعده فيما يجب فيه حذف الخبر، لعدم تعينه عنده لذلك، قال: والتقدير إما قسمي أيمن الله، أو أيمن الله قسم لى، اه‍. ولو قدرت أيمن الله قسمي، لم يمتنع، إذ المعرفة المتأخرة عن معرفة يجب كونها الخبر على الصحيح. إذا دار الامر بين كون المحذوف فعلا والباقى فاعلا وكونه مبتدأ والباقى خبرا، فالثاني أولى لان المبتدأ عين الخبر، فالمحذوف عين الثابت، فيكون الحذف كلا حذف، فأما الفعل فإنه غير الفاعل. اللهم إلا أن يعتضد الاول برواية أخرى في ذلك الموضع، أو بموضع آخر يشبهه، أو بموضع آت على طريقته.

[ 620 ]

فالاول كقراءة شعبة (يسبح له فيها) بفتح الباء، وكقراءة ابن كثير (وكذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، الله العزيز الحكيم) بفتح الحاء، وكقراءة بعضهم (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم، شركاؤهم) ببناء زين للمفعول، ورفع القتل والشركاء، وكقوله: 853 - ليبك يزيد، ضارع لخصومه * [ ومختبط مما تطيح الطوائح ] (1) فيمن رواه مبنيا للمفعول، فإن التقدير: يسبحه رجال، ويوحيه الله، وزينه شركاؤهم، ويبكيه ضارع، ولا تقدر هذه المرفوعات مبتدآت حذفت أخبارها، لان هذه الاسماء قد ثبتت فاعليتها في رواية من بنى الفعل فيهن للفاعل والثانى كقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) فلا يقدر ليقولن الله خلقهم، بل خلقهم الله، لمجئ ذلك في شبه هذا الموضع، وهو: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم) وفى مواضع آتية على طريقته نحو (قالت: من أنبأك هذا ؟ قال: نبأنى العليم الخبير) (قال: من يحيى العظام وهى رميم ؟ قل: يحييها الذى أنشأها). إذا دار الامر بين كون المحذوف أولا، أو ثانيا فكونه ثانيا أولى وفيه مسائل: إحداها: نون الوقاية في نحو (أتحاجوني) و (تأمروني) فيمن قرأ بنون واحدة


(1) من العلماء من قال في هذا البيت: إن " يزيد " منادى بحرف نداء محذوف أي ليبك ضارع يا يزيد. (*)

[ 621 ]

وهو قول أبى العباس وأبى سعيد وأبى على وأبى الفتح وأكثر المتأخرين، وقال سيبويه واختاره ابن مالك: إن المحذوف الاولى. الثانية: نون الوقاية مع نون الاناث في نحو قوله: 854 - [ تراه كالثغام يعل مسكا ] * يسوء الفاليات إذا فلينى هذا هو الصحيح، وفى البسيط أنه مجمع عليه، لان نون الفاعل لا يليق بها الحذف، ولكن في التسهيل أن المحذوف الاولى، وأنه مذهب سيبويه. الثالثة: تاء الماضي مع تاء المضارع في نحو (نارا تلظى) وقال أبو البقاء في قوله تعالى (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) يضعف كون (تولوا) فعلا مضارعا، لان أحرف المضارعة لا تحذف، اه‍. وهذا فاسد ؟ لان المحذوف الثانية، وهو قول الجمهور، والمخالف في ذلك هشام الكوفى، ثم إن التنزيل مشتمل على مواضع كثيرة من ذلك لاشك فيها نحو (نارا تلظى) (ولقد كنتم تمنون الموت). الرابعة: نحو مقول ومبيع، المحذوف منهما واو مفعول، والباقى عين الكلمة، خلافا للاخفش. الخامسة: نحو إقامة واستقامة، المحذوف منهما ألف الافعال والاستفعال والباقى عين الكلمة، خلافا للاخفش أيضا. السادسة: نحو: يا زيد زيد اليعملات الذبل * [ تطاول الليل عليك فانزل ] [ 698 ] بفتحهما، و: 855 - [ يا من رأى عارضا أسر به ] * بين ذراعي وجبهة الاسد وهذا هو الصحيح، خلافا للمبرد. السابعة: نحو " زيد وعمرو قائم " ومذهب سيبويه أن الحذف فيه من الاول لسلامته من الفصل، ولان فيه إعطاء الخبر للمجاور، مع أن مذهبه في نحو

[ 622 ]

* يا زيد زيد اليعملات * [ 698 ] أن الحذف من الثاني، قال ابن الحاجب: إنما اعترض بالمضاف الثاني بين المتضايفين ليبقى المضاف إليه المذكور في اللفظ عوضا مما ذهب، وأما هنا فلو كان قائم خبرا عن الاول لوقع في موضعه، إذ لا ضرورة تدعو إلى تأخيره، إذ كان الخبر يحذف بلا عوض نحو " زيد قائم وعمرو " من غير قبح في ذلك، اه‍. وقيل أيضا: كل من المبتدأين عامل في الخبر، فالاولى إعمال الثاني لقربه، ويلزم من هذا التعليل أن يقال بذلك في مسألة الاضافة تنبيه - الخلاف إنما هو عند التردد، وإلا فلا تردد في أن الحذف من الاول في قوله 856 - نحن بما عندنا، وأنت بما * عندك راض، والرأى مختلف وقوله: خليلي هل طب ؟ فانى وأنتما * وإن لم تبوحا بالهوى دنفان [ 723 ] ومن الثاني في قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) إذ لو كان الجواب للثاني لجزم، فقلنا بذلك في نحو " إن أكلت إن شربت فأنت طالق " وفى (فأما إن كان من المقربين فروح) ونحو (ولولا رجال مؤمنون) ثم قال تعالى (لو تزيلوا لعذبنا) وانبنى على ذلك المثال أنها لا تطلق حتى تؤخر المقدم وتقدم المؤخر، إذ التقدير: إن أكلت فأنت طالق إن شربت، وجواب الثاني في هذا الكلام من حيث المعنى هو الشرط الاول وجوابه، كما أن الجواب من حيث المعنى في أنت ظالم إن فعلت " ما تقدم على اسم الشرط، بل قال جماعة: إنه الجواب في الصناعة أيضا. ومن ذلك قوله: [ فمن يك أمسى بالمدينة رحله ] * فإنى وقيار بها لغريب [ 724 ]

[ 623 ]

وقد تكلف بعضهم في البيت الاول، فزعم أن " نحن " للمعظم نفسه، وأن " راض " خبر عنه، ولا يحفظ مثل " نحن قائم " بل يجب في الخبر المطابقة نحو (وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون) وأما (قال رب ارجعون) فأفرد ثم جمع لان غير المبتدأ والخبر لا يجب لهما من التطابق ما يجب لهما. ذكر أماكن من الحذف يتمرن بها المعرب حذف الاسم المضاف - (وجاء ربك) (فأتى الله بنيانهم) أي أمره، لاستحالة الحقيقي، فأما (ذهب الله بنورهم) فالباء للتعدية، أي أذهب الله نورهم. ومن ذلك ما نسب فيه حكم شرعى إلى ذات، لان الطلب لا يتعلق إلا بالافعال نحو (حرمت عليكم أمهاتكم) أي استمتاعهن (حرمت عليكم الميتة) أي أكلها (حرمنا عليهم طيبات) أي تناولها، لا أكلها، ليتناول شرب ألبان الابل (حرمت ظهورها) أي منافعها، ليتناول الركوب والتحميل، ومثله (وأحلت لكم الانعام). ومن ذلك ما علق فيه الطلب بما قد وقع نحو (أوفوا بالعقود) (وأوفوا بعهد الله) فإنهما قولان قد وقعا فلا يتصور فيهما نقض ولا وفاء، وإنما المراد الوفاء بمقتضاهما، ومنه (فذلكن الذى لمتننى فيه) إذ الذوات لا يتعلق بها لوم، والتقدير في حبه، بدليل (قد شغفها حبا) أو في مراودته، بدليل (تراود فتاها) وهو أولى لانه فعلها بخلاف الحب (واسأل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها) أي أهل القرية وأهل العير (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أي وإلى أهل مدين بدليل (أخاهم) وقد ظهر في (وما كنت ثاويا في أهل مدين) وأما (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) فقدر النحويون الاهل بعد من وأهلكنا وجاء، وخالفهم الزمخشري في الاولين، لان القرية تهلك، ووافقهم في (فجاء) لاجل (أوهم قائلون) (إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي ضعف عذاب الحياة

[ 624 ]

وضعف عذاب الممات (لمن كان يرجو الله) أي رحمته (يخافون ربهم) أي. عذابه، بدليل (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (يضاهئون قول الذين كفروا) أي يضاهى قولهم قول الذين كفروا، وقال الاعشى: 857 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * [ وبت كما بات السليم مسهدا) فحذف المضاف إلى ليلة والمضاف إليه ليلة وأقام صفته مقامه، أي اغتماض ليلة رجل أرمد، وعكسه نيابة المصدر عن الزمان " جئتك طلوع الشمس " أي وقت طلوعها، فناب المصدر عن الزمان، وليس من ذلك " جئتك مقدم الحاج " خلافا للزمخشري، بل المقدم اسم لزمن القدوم. تنبيه - إذا احتاج الكلام إلى حذف مضاف يمكن تقديره مع أول الجزءين ومع ثانيهما فتقديره مع الثاني أولى، نحو (الحج أشهر) ونحو (ولكن البر من آمن) فيكون التقدير: الحج حج أشهر، والبر بر من آمن، أولى من أن يقدر: أشهر الحج أشهر، وذا البر من آمن، لانك في الاول قدرت عند الحاجة إلى التقدير، ولان الحذف من آخر الجملة أولى. حذف المضاف إليه يكثر في ياء المتكلم مضافا إليها المنادى نحو (رب اغفر لى) وفى الغايات نحو (لله الامر من قبل ومن بعد) أي من قبل الغلب ومن بعده، وفى أي وكل وبعض وغير بعد ليس، وربما جاء في غيرهن، نحو (فلا خوف عليهم) فيمن ضم ولم ينون، أي فلا خوف شئ عليهم، وسمع " سلام عليكم " فيحتمل ذلك، أي سلام الله، أو إضمار أل. حذف اسمين مضافين (فإنها من تقوى القلوب) أي فإن تعظيمها من أفعال ذوى تقوى القلوب (قبضة من أثر الرسول) أي من أثر حافر فرس الرسول (كالذى يغشى عليه) أي كدوران عين الذى، وقال رؤبة (1): 858 - [ فأدرك إرقال العرادة ظلعها ] * وقد جعلتني من حزيمة إصبعا


(1) البيت ليس لرؤبة، وإنما هو للكلحبة اليربوعي. (*)

[ 625 ]

أي ذا مسافة إصبع حذف ثلاث متضايفات (فكان قاب قوسين) أي فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذف ثلاثة من اسم كان، وواحد من خبرها، كذا قدره الزمخشري. تنبيه - للقاب معنيان: القدر، وما بين مقبض القوس وطرفيها، وعلى تفسير الذى في الآية بالثاني فقيل: هي على القلب، والتقدير قابى قوس، ولو أريد هذا لاغنى عنه ذكر القوس. حذف الموصول الاسمى ذهب الكوفيون والاخفش إلى إجازته، وتبعهم ابن مالك، وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر، ومن حجتهم (آمنوا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم) وقول حسان: 859 - أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟ وقول آخر: 860 - ما الذى دأبه احتياط وحزم * وهواه أطاع يستويان أي والذى أنزل، ومن يمدحه، والذى أطاع هواه. حذف الصلة يجوز قليلا لدلالة صلة أخرى، كقوله: 861 - وعند الذى واللات عدنك إحنة * عليك، فلا يغررك كيد العوائد أي الذى عادك، أو دلالة غيرها كقوله: نحن الاولى فاجمع جمو * عك ثم وجههم إلينا [ 127 ] أي نحن الاولى عرفوا بالشجاعة، وقال: 862 - يعد اللتيا واللتيا والتى * إذا علتها أنفس تردت فقيل: يقدر مع اللتيا فيهما نظير الجملة الشرطية المذكورة، وقيل: يقدر اللتيا دقت

[ 626 ]

واللتيا دقت، لان التصغير يقتضى ذلك، وصلة الثالثة الجملة الشرطية، وقيل: يقدر مع اللتيا فيهما: عظمت، لا دقت، وإنه تصغير تعظيم كقوله: [ وكل أناس سوف تدخل بينهم ] * دويهية تصفر منها الانامل [ 63 ] حذف الموصوف قوله تعالى (وعندهم قاصرات الطرف) أي حور قاصرات (والنا له الحديد، أن اعمل سابغات) أي دروعا سابغات (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا، كذا قيل، وفيه بحث سيأتي (وذلك دين القيمة) أي دين الملة القيمة (ولدار الآخرة خير) أي ولدار الساعة الآخرة، قاله المبرد، وقال ابن الشجرى: الحياة الآخرة، بدليل (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) ومنه (حب الحصيد) أي حب النبت الحصيد، وقال سحيم: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * [ متى أضع العمامة تعرفوني ] [ 263 ] قيل: تقديره أنا ابن رجل جلا الامور، وقيل: جلا علم محكى على أنه منقول من نحو قولك " زيد جلا " فيكون جملة، لا من قولك جلا زيد، ونظيره قوله: 863 - نبئت أخوالى بنى يزيد * ظلما علينا لهم فديد فيزيد: منقول من نحو قولك " المال يزيد " لا من قولك يزيد المال، وإلا لاعرب غير منصرف، فكان يفتح، لانه مضاف إليه. واختلف في المقدر مع الجملة في نحو " منا ظعن ومنا أقام " فأصحابنا يقدرون موصوفا: أي فريق، والكوفيون يقدرون موصولا، أي الذى أو من، وما قدرناه أقيس، لان اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال الموصوف بصفته لتلازمهما، ومثله " ما منهما مات حتى لقيته " نقدره بأحد، ويقدرونه بمن (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به) أي إلا إنسان، أو إلا من، وحكى الفراء عن بعض

[ 627 ]

قدمائهم أن الجملة القسمية لا تكون صلة، ورده بقوله تعالى (وإن منكم لمن ليبطئن). حذف الصفة (يأخذ كل سفينة غصبا) أي صالحة، بدليل أنه قرئ كذلك، وأن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة، فلا فائدة فيه حينئذ (تدمر كل شئ) أي سلطت عليه بدليل (ما تذر من شئ أتت عليه) الآية (قالوا الآن جئت بالحق) أي الواضح، وإلا لكان مفهومه كفرا (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) وقال: 864 - [ وقد كنت في الحرب ذاتدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع وقال: 865 - [ وليس لعيشنا هذا مهاه ] * وليست دارنا هاتا بدار أي من أختها السابقة، وبدار طائلة، ولم أعط شيئا طائلا، دفعا للتناقض فيهن (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ) أي نافع (إن نظن إلا ظنا) أي ضعيفا. حذف المعطوف ويجب أن يتبعه العاطف نحو (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) أي ومن أنفق من بعده، دليل التقدير أن الاستواء إنما يكون بين شيئين ودليل المقدر (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) (لا نفرق بين أحد من رسله) (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم) أي بين أحد وأحد منهم، وقيل: أحد فيهما ليس بمعنى واحد مثله في (قل هو الله أحد) بل هو الموضوع للعموم، وهمزته أصلية لا مبدلة من الواو، فلا تقدير، ورد بأنه يقتضى حينئذ أن المعرض بهم وهم الكافرون فرقوا بين كل الرسل، وإنما فرقوا بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين غيره في النبوة، وفى لزوم هذا نظر، والذى يظهر لى وجه التقدير، وأن المقدر بين أحد

[ 628 ]

وبين الله، بدليل (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) ونحو (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وقد يكون اكتفى عن هذا بقوله سبحانه وتعالى في أول السورة (لكم فيها دف ء) (وله ما سكن) أي وما تحرك، وإذا فسر سكن باستقر لم يحتج إلى هذا (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى) أي فإن أحصرتم فحللتم (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) أي فحلق ففدية (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) أي إيمانها وكسبها، والآية من اللف والنشر وبهذا التقدير تندفع شبهة المعتزلة كالزمخشري وغيره، إذ قالوا: سوى الله تعالى بين عدم الايمان وبين الايمان الذى لم يقترن بالعمل الصالح في عدم الانتفاع به، وهذا التأويل ذكره ابن عطية وابن الحاجب. ومن القليل حذف " أم " ومعطوفها كقوله: [ دعاني إليها القلب إنى لامره * مطيع ] فما أدرى أرشد طلابها [ 5 ] أي أم غى، وقد مر البحث فيه. حذف المعطوف عليه (أن أضرب بعصاك الحجر فانفجرت) أي فضرب فانفجرت، وزعم ابن عصفور أن الفاء في (فانفجرت) هي فاء فضرب، وأن فاء (فانفجرت) حذفت، ليكون على المحذوف دليل ببقاء بعضه، وليس بشئ، لان لفظ الفاءين واحد، فكيف يحصل الدليل ؟ وجوز الزمخشري ومن تبعه أن تكون فاء الجواب، أي: فإن ضربت فقد انفجرت، ويرده أن ذلك يقتضى تقدم الانفجار على الضرب مثل (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) إلا إن قيل: المراد فقد حكمنا بترتب الانفجار على ضربك، وقيل في (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة): إن أم متصلة، والتقدير: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره أم حسبتم.

[ 629 ]

حذف المبدل منه قيل في (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) وفى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم): إن الكذب بدل من مفعول تصف المحذوف، أي لما تصفه، وكذلك في (رسولا) بناء على أن ما في (كما) موصول اسمى، ويرده أن فيه إطلاق " ما " على الواحد من أولى العلم، والظاهر أن ما كافة، وأظهر منه أنها مصدرية، لابقاء الكاف حينئذ على عمل الجر، وقيل في (الكذب) إنه مفعول إما لتقولوا والجملتان بعده بدل منه، أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل أو الحرمة، وإما لمحذوف، أي فتقولون الكذب، وإما لتصف على أن ما مصدرية والجملتان محكيتا القول، أي لا تحللوا وتحرموا لمجرد قول تنطق بن ألسنتكم، وقرئ بالجر بدلا من (ما) على أنها اسم، وبالرفع وضم الكاف والذال جمعا لكذوب صفة للفاعل، وقد مر أنه قيل في " لا إله إلا الله ": إن اسم الله تعالى بدل من ضمير الخبر المحذوف. حذف المؤكد وبقاء توكيده قد مر أن سيبويه والخليل أجازاه، أن أبا الحسن ومن تبعه منعوه (2). حذف المبتدأ يكثر ذلك في جواب الاستفهام نحو (وما أدراك ما الحطمة ؟ نار الله) أي هي نار الله (وما أدراك ما هيه ؟ نار حاميه) (ما أصحاب اليمين ؟ في سدر مخضود) الآيتين (هل أنبئكم بشر من ذلكم ؟ النار). وبعد فاء الجواب نحو (من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها) أي فعمله لنفسه وإساءته عليها (وإن تخالطوهم فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (فإن لم يصبها وابل فطل) (وإن مسه الشر فيؤوس قنوط) (فإن لم


(1) انظر الشرط الثالث من شروط الحذف في (ص 608). (*)

[ 630 ]

يكونا رجلين فرجل وامرأتان) أي فالشاهد، وقرأ ابن مسعود (إن تعذبهم فعبادك). وبعد القول نحو (وقالوا أساطير الاولين) (إلا قالوا ساحر أو مجنون) (سيقولون ثلاثة) الآيات (بل قالوا أضغاث أحلام). وبعد ما الخبر صفة له في المعنى نحو (التائبون العابدون) ونحو (صم بكم عمى). ووقع في غير ذلك أيضا نحو (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل) (ولا تقولوا ثلاثة) (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ) أي هذا بلاغ، وقد صرح به في (هذا بلاغ للناس) (سورة أنزلناها) أي هذه سورة، ومثله قول العلماء " باب كذا " وسيبويه يصرح به. حذف الخبر (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) أي حل لكم (أكلها دائم، وظلها) أي دائم، وأما (أأنتم أعلم أم الله) فلا حاجة إلى دعوى الحذف كما قيل، لصحة كون أعلم خيرا عنهما، وأما " أنت أعلم ومالك " فمشكل لانه إن عطف على أنت لزم كون أعلم خبرا عنهما، أو على أعلم لزم كونه شريكه في الخبرية، أو على ضمير أعلم لزم أيضا نسبة العلم إليه والعطف على الضمير المرفوع المتصل من غير توكيد ولا فصل، وإعمال أفعل في الظاهر، وإن قدر مبتدأ حذف خبره لزم كون المحذوف أعلم، والوجه فيه أن الاصل بمالك، ثم أنيبت الواو مناب الباء قصدا للتشاكل اللفظى، لا للاشتراك المعنوي، كما قصد بالعطف في نحو (وأرجلكم) فيمن خفض على القول بأن الخفض للجوار، ونظيره " بعت الشاء شاة ودرهما " والاصل

[ 631 ]

شاة بدرهم، وقالوا " الناس مجزيون بأعمالهم، إن خير فخير " أي إن كان في عملهم خير، فحذفت كان وخبرها، وقال: 866 - لهفى عليك للهفة من خائف * يبغى جوارك حين ليس مجير أي ليس له، وقالوا " من تأتى أصاب أو كاد، ومن استعجل أخطأ أو كاد " وقالوا " إن مالا وإن ولدا " وقال الاعشى: إن محلا وإن مرتحلا * [ وإن في السفر إذ مضوا مهلا ] [ 121 ] أي إن لنا حلولا في الدنيا وإلا لنا ارتحالا عنها، وقد مر البحث في (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) مستوفى، وقال تعالى (قالوا لا ضير) أي علينا (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) أي لهم، وقال الحماسي: من صد عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح [ 393 ] وقد كثر حذف خبر " لا " هذه حتى قيل: إنه لا يذكر، وقال آخر: 867 - إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (1) أي لعلها قريبة. ما يحتمل النوعين يكثر بعد الفاء نحو (فتحرير رقبة) (فعدة من أيام أخر) (فما استيسر من الهدى) (فنظرة إلى ميسرة) أي فالواجب كذا، أو فعليه كذا، أو فعليكم كذا. ويأتى في غيره نحو (فصبر جميل) أي أمرى، أو أمثل، ومثله (طاعة وقول معروف) أي أمرنا أو أمثل، ويدل للاول قوله: 868 - فقالت: على اسم الله، أمرك طاعة * [ وإن كنت قد كلفت ما لم أعود ]


(1) خبر إن هو كلمة لعلها مع خبرها المحذوف، وقوله " جرى " هو جواب إذا. (*)

[ 632 ]

وقد مر تجويز ابن عصفور الوجهين في " لعمرك لافعلن، وأيمن الله لافعلن " وغيره جزم بأن ذلك من حذف الخبر، وفى " نعم الرجل زيد " وغيره جزم بأنه إذا جعل على الحذف كان من حذف المبتدأ. حذف الفعل وحده أو مع مضمر مرفوع أو منصوب، أو معهما يطرد حذفه مفسرا نحو (وإن أحد من المشركين استجارك) (إذا السماء انشقت) (قل لو أنتم تملكون) والاصل: لو تملكون تملكون، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، قاله الزمخشري وأبو البقاء وأهل البيان، وعن البصريين أنه لا يجوز " لو زيد قام " إلا في الشعر أو الندور نحو " لو ذات سوار لطمتنى " وقيل: الاصل لو كنتم، فحذفت كان دون اسمها، وقيل: لو كنتم أنتم، فحذفا مثل " التمس ولو خاتما من حديد " وبقى التوكيد. ويكثر في جواب الاستفهام نحو (ليقولن الله) أي ليقولن خلقهن الله (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا). وأكثر من ذلك كله حذف القول، نحو (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) حتى قال أبو على: حذف القول من حديث البحر قل ولا حرج. ويأتى حذف الفعل في غير ذلك نحو (انتهوا خيرا لكم) أي وأتوا خيرا، وقال الكسائي: يكن الانتهاء خيرا، وقال الفراء: الكلام جملة واحدة، وخيرا: نعت لمصدر محذوف، أي انتهاءا خيرا (والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم) أي واعتقدوا الايمان من قبل هجرتهم. وقال: 869 - علفتها تبنا وماءا باردا * [ حتى شتت همالة عيناها ] فقيل: التقدير وسقيتها، وقيل: لا حذف، بل ضمن علفتها معنى أنلتها وأعطيتها وألزموا صحة نحو " علفتها ماءا باردا وتبنا " فالتزموه محتجين بقول طرفة: 870 - أعمرو بن هند ما ترى رأى صرمة ] * لها سبب ترعى به الماء والشجر

[ 633 ]

وقالوا " الحمد لله أهل الحمد " بإضمار أمدح، وفى التنزيل (وامرأته حمالة الحطب) بإضمار أذم، ونظائره كثيرة، وقالوا " أما أنت منطلقا انطلقت " أي لان كنت منطلقا انطلقت، وقالوا " لا أكلمه ما أن حراء مكانه، وما أن في السماء نجما " أي ما ثبت، ويروى " نجم " بالرفع، فأن: فعل ماض بمعنى عرض، وأصله عن. حذف المفعول يكثر بعد " لو شئت " نحو (فلو شاء الله لهداكم أجمعين) أي فلو شاء هدايتكم، وبعد نفى العلم ونحوه، نحو (ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) أي أنهم سفهاء (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وعائدا على الموصول نحو (أهذا الذى بعث الله رسولا) وحذف عائد الموصوف دون ذلك كقوله: [ حميت حمى تهامة بعد نجد ] * وما شئ حميت بمستباح [ 145 ] وعائد المخبر عنه دونهما كقوله: * على ذنبا كله لم أصنع * [ 332 ] وقوله: * فثوب لبست وثوب أجر (1) * [ 719 ] وجاء في غير ذلك، نحو (فمن لم يجد فصيام شهرين) (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) أي فمن لم يجد الرقبة، فمن لم يستطع الصوم. ومن غريبه حذف المقول وبقاء القول نحو (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم) أي هو سحر، بدليل (أسحر هذا) ويكثر حذفه في الفواصل نحو (وما قلى) (ولا تخشى) ويجوز حذف مفعولي أعطى نحو (فأما من أعطى) وثانيهما فقط نحو


(1) رواه المؤلف فيما مضى (ص 472) " فثوب نسيت " وشرحه وذكر له نظيرا في المعنى. (*)

[ 634 ]

(ولسوف يعطيك ربك)، وأولهما فقط، خلافا للسهيلي، نحو (حتى يعطوا الجزية). حذف الحال أكثر ما يرد ذلك إذا كان قولا أغنى عنه المقول نحو (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) أي قائلين ذلك، ومثله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) ويحتمل أن الواو للحال وأن القول المحذوف خبر، أي وإسماعيل يقول، كما أن القول حذف خبرا للموصول في (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا) ويحتمل أن الخبر هنا (إن الله يحكم بينهم) فالقول المحذوف نصب [ على الحال ] أو رفع خبرا أول، أو لا موضع له، لانه بدل من الصلة، هذا كله إن كان (الذين) للكفار، والعائد الواو، فإن كان للمعبودين عيسى والملائكة والاصنام والعائد محذوف - أي اتخذوهم - فالخبر (إن الله يحكم بينهم) وجملة القول حال أو بدل. حذف التمييز نحو " كم صمت " أي كم يوما، وقال تعالى (عليها تسعة عشر) (إن يكن منكم عشرون صابرون) وهو شاذ في باب نعم نحو " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت " أي فبالرخصة أخذ ونعمت رخصة. حذف الاستثناء. وذلك بعد إلا وغير المسبوقين بليس، يقال: قبضت عشرة ليس إلا، أو ليس غير، وقد تقدم، وأجاز بعضهم ذلك بعد لم يكن، وليس بمسموع.

[ 635 ]

حذف حرف العطف بابه الشعر كقول الحطيئة: 871 - إن امرأ رهطه بالشام منزله * برمل يبرين جارا شد ما اغتربا أي ومنزله برمل يبرين، كذا قالوا، ولك أن تقول: الجملة الثانية صفة ثانية، لا معطوفة، وحكى أبو زيد " أكلت خبزا لحما تمرا " فقيل: على حذف الواو، وقيل: على بدل الاضراب، وحكى أبو الحسن " أعطه درهما درهمين ثلاثة " وخرج على إضمار أو، ويحتمل البدل المذكور، وقد خرج على ذلك آيات، إحداها (وجوه يومئذ ناعمة) أي ووجوه، عطف على (وجوه يومئذ خاشعة)، والثانية (أن الدين عند الله الاسلام) فيمن فتح الهمزة، أي وأن الدين، عطف على (أنه لا إله إلا هو) ويبعده أن فيه فصلا بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب، وبين المنصوبين بالمرفوع، وقيل: بدل من أن الاولى وصلتها، أو من القسط، أو معمول للحكيم على أن أصله الحاكم ثم حول للمبالغة، والثالثة (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد) أي وقلت: وقيل: بل هو الجواب، و (تولوا) جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فما حالهم إذ ذاك ؟ وقيل: (تولوا) حال على إضمار قد، وأجاز الزمخشري أن يكون (قلت) استئنافا، أي إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، ثم قدر أنه قيل: لم تولوا باكين ؟ فقيل: (قلت لا أجد ما أحملكم عليه) ثم وسط بين الشرط والجزاء. حذف فاء الجواب هو مختص بالضرورة، كقوله:

[ 636 ]

* من يفعل الحسنات الله يشكرها * [ 81 ] وقد مر أن أبا الحسن خرج عليه (إن ترك خيرا الوصية للوالدين). حذف واو الحال تقدم في قوله: نصف النهار الماء غامره * [ ورفيقه بالغيب لا يدرى ] [ 748 ] أي انتصف النهار والحال أن الماء غامر هذا الغائص. حذف قد زعم البصريون أن الفعل الماضي الواقع حالا لابد معه من " قد " ظاهرة نحو (وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم) أو مضمرة نحو (أنؤمن لك واتبعك الارذلون) (أو جاؤكم حصرت صدورهم) وخالفهم الكوفيون، واشترطوا ذلك في الماضي الواقع خبرا لكان كقوله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه " أليس قد صليت معنا "، وقول الشاعر: 872 - وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة * عشية لاقينا جذاما وحميرا وخالفهم البصريون. وأجاز بعضهم " إن زيدا لقام " على إضمار قد، وقال الجميع: حق الماضي المثبت المجاب به القسم أن يقرن باللام وقد نحو (تالله لقد آثرك الله علينا) وقيل في (قتل أصحاب الاخدود) إنه جواب للقسم على إضمار اللام وقد جميعا للطول، وقال: حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا، فما إن من حديث ولا صال [ 288 ]

[ 637 ]

فأضمر " قد " وأما (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون) فزعم قوم أنه من ذلك، وهو سهو، لان ظلوا مستقبل، لانه مرتب على الشرط وساد مسد جوابه، فلا سبيل فيه إلى قد، إذ المعنى ليظلن، ولكن النون لا تدخل على الماضي. حذف لا التبرئة حكى الاخفش " لا رجل وامرأة " بالفتح، وأصله ولا امرأة، فحذفت لا وبقى البناء للتركيب بحاله. حذف لا النافية وغيرها يطرد ذلك في جواب القسم إذا كان المنفى مضارعا نحو (تالله تفتؤ تذكر يوسف) وقوله: 873 - فقلت: يمين الله أبرح قاعدا * [ ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ] ويقل من الماضي كقوله: 874 - فإن شئت آليت بين المقا * م والركن والحجر الاسود نسيتك ما دام عقلي معى * أمد به أمد السرمد ويسهله تقدم لا على القسم كقوله: 875 - فلا والله نادى الحى قومي * [ طوال الدهر ما دعى الهديل ] وسمع بدون القسم كقوله: 876 - وقولى إذا ما أطلقوا عن بعيرهم: * يلاقونه حتى يؤوب المنخل

[ 638 ]

وقد قيل به في (يبين الله لكم أن تضلوا) أي لئلا، وقيل: المحذوف مضاف، أي كراهة أن تضلوا. حذف ما النافية ذكر ابن معطى ذلك في جواب القسم، فقال في ألفيته: وإن أتى الجواب منفيا بلا * أو ما كقولي والسما ما فعلا فإنه يجوز حذف الحرف * إن أمن الالباس حال الحذف قال ابن الخباز: وما رأيت في كتب النحو إلا حذف لا، وقال لى شيخنا: لا يجوز حذف ما، لان التصرف في لا أكثر من التصرف في ما، انتهى. وأنشد ابن مالك: 877 - فوالله ما نلتم وما نيل منكم * بمعتدل وفق ولا متقارب وقال: أصله ما ما نلتم، ثم في بعض كتبه قدر المحذوف " ما " النافية، وفى بعضها قدره ما الموصولة. حذف ما المصدرية قاله أبو الفتح في قوله: بآية يقدمون الخيل شئنا * [ كأن على سنابكها مداما [ 661 ] والصواب أن آية مضافة إلى الجملة كما مر، وعكسه قول سيبويه في قوله: [ ألا من مبلغ عنى تميما ] * بآية ما تحبون الطعاما [ 663 ] إن ما زائدة، والصواب أنها مصدرية.

[ 639 ]

حذف كى المصدرية أجازه السيرافي نحو " جئت لتكرمني " وإنما يقدر الجمهور هنا " أن " بعينها، لانها أم الباب، فهى أولى بالتجوز حذف أداة الاستثناء لا أعلم أن أحدا أجازه، إلا أن السهيلي قال في قوله تعالى (ولا تقولن لشئ) الآية: لا يتعلق الاستثناء بفاعل إذ لم ينه عن أن يصل إلا أن يشاء الله بقوله ذلك، ولا بالنهي، لانك إذا قلت أنت منهى عن أن تقوم إلا أن يشاء الله فلست بمنهى، فقد سلطته على أن يقوم ويقول: شاء الله ذلك، وتأويل ذلك أن الاصل إلا قائلا إلا أن يشاء الله، وحذف القول كثير، اه‍ فتضمن كلامه حذف أداة الاستثناء والمستثنى جميعا، والصواب أن الاستثناء مفرغ، وأن المستثنى مصدر أو حال، أي إلا قولا مصحوبا بأن يشاء الله، أو إلا متلبسا بأن يشاء الله، وقد علم أنه لا يكون القول مصحوبا بذلك إلا مع حرف الاستثناء، فطوى ذكره لذلك، وعليهما فالباء محذوفة من أن، وقال بعضهم: يجوز أن يكون (أن يشاء الله) كلمة تأبيد، أي لا تقولنه أبدا، كما قيل في (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا)، لان عودهم في ملتهم مما لا يشاؤه الله سبحانه. وجوز الزمخشري أن يكون المعنى ولا تقولن ذلك إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه، ولما قاله مبعد، وهو أن ذلك معلوم في كل أمر ونهى، ومبطل، وهو أنه يقتضى النهى عن قول إنى فاعل ذلك غدا مطلقا، وبهذا يرد أيضا قول من زعم أن الاستثناء منقطع، وقول من زعم أن (إلا أن يشاء الله) كناية عن التأبيد.

[ 640 ]

حذف لام التوطئة (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن) (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) بخلاف (وإلا تغفر لى وترحمني أكن من الخاسرين). حذف الجار يكثر ويطرد مع أن وأن نحو (يمنون عليك أن أسلموا) أي بأن، ومثله (بل الله يمن عليكم أن هداكم) (والذى أطمع أن يغفر لى) (ونطمع أن يدخلنا ربنا) (وأن المساجد لله) أي: ولان المساجد لله (أيعدكم أنكم إذا متم) أي بأنكم. وجاء في غيرهما نحو: (قدرناه منازل) أي قدرنا له (ويبغونها عوجا) أي يبغون لها (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) أي يخوفكم بأوليائه. وقد يحذف مع بقاء الجر كقول رؤبة - وقد قيل له كيف أصبحت - " خير عافاك الله " وقولهم " بكم درهم اشتريت " ويقال في القسم " الله لافعلن ". حذف أن الناصبة هو مطرد في موضع معروفة، وشاذ في غيرها نحو " خذ اللص قبل يأخذك " و " مره يحفرها " و " لابد من تتبعها " وقال به سيبوه في قوله: 878 - [ فلم أر مثلها خباسة واجد ] * ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله وقال المبرد: الاصل أفعلها، ثم حذفت الالف ونقلت حركة الهاء إلى ما قبلها، وهذا أولى من قول سيبويه، لانه أضمر أن في موضع حقها أن لا تدخل فيه صريحا وهو خبر كاد، واعتد بها مع ذلك بإبقاء عملها.

[ 641 ]

وإذا رفع الفعل بعد إضمار أن سهل الامر، ومع ذلك فلا ينقاس، ومنه (قل أفغير الله تأمروني أعبد) (ومن آياته يريكم البرق) و " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " وهو الاشهر في بيت طرفة: ألا أيها ذا الزاجرى أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى ؟ [ 616 ] وقرئ (أعبد) بالنصب كما روى " أحضر " كذلك، وانتصاب (غير) في الآية على القراءتين لا يكون بأعبد، لان الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول، بل بتأمرونى، و (أن أعبد) بدل اشتمال منه، أي تأمروني بغير الله عبادته. حذف لام الطلب هو مطرد عند بعضهم في نحو " قل له يفعل " وجعل منه (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) (وقل لعبادي يقولوا) وقيل: هو جواب لشرط محذوف، أو جواب للطلب، والحق أن حذفها مختص بالشعر كقوله: محمد تفد نفسك كل نفس * [ إذا ما خفت من أمر تبالا ] [ 371 ] حذف حرف النداء نحو (أيها الثقلان) (يوسف أعرض عن هذا) (أن أدوا إلى عباد الله) وشذ في اسمى الجنس والاشارة في نحو " أصبح ليل " وقوله: 879 - [ إذا هملت عينى لها قال صاحبي ]: * بمثلك هذا لوعة وغرام ولحن بعضهم المتنبي في قوله: 880 - لهذى برزت لنا فهجت رسيسا * [ ثم انثنيت وما شفيت رسيسا ] وأجيب بأن " هذى " مفعول مطلق: أي برزت هذه البررة، ورده ابن مالك

[ 642 ]

بأنه لا بشار إلى المصدر إلا منعوتا بالمصدر المشار إليه كضربته ذلك الضرب، ويرده بيت أنشده هو، وهو قوله: 881 - يا عمرو إنك قد مللت صحابتي * وصحابتيك إخال ذاك قليل حذف همزة الاستفهام قد ذكر في أول الباب الاول من هذا الكتاب. حذف نون التوكيد يجوز في نحو " لافعلن " في الضرورة كقوله: 882 - فلا وأبى لنأتيها جميعا * ولو كانت بها عرب وروم ويجب حذف الخفيفة إذا لقيها ساكن نحو " اضرب الغلام " بفتح الباء، والاصل اضربن، وقوله: لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه [ 255 ] وإذا وقف عليها تالية ضمة أو كسرة ويعاد حينئذ ما كان حذف لاجلها، فيقال في " اضربن يا قوم ": اضربوا، وفى " اضربن يا هند ": اضربي، قيل: وحذفها في غير ذلك ضرورة كقوله: 883 - اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس وقيل: ربما جاء في النثر، وخرج بعضهم عليه قراءة من قرأ (ألم نشرح) بالفتح،

[ 643 ]

وقيل: إن بعضهم ينصب بلم ويجزم بلن، ولك أن تقول: لعل المحذوف فيهما الشديدة، فيجاب بأن تقليل الحذف والحمل على ما ثبت حذفه أولى. حذف نونى التثنية والجمع يحذفان للاضافة نحو (تبت يدا أبى لهب) و (إنا مرسلو الناقة) ولشبه الاضافة نحو " لا غلامي لزيد " و " لا مكرمي لعمرو " إذا لم تقدر اللام مقحمة، ولتقصير الصلة نحو " الضاربا زيدا، والضاربو عمرا " وللام الساكنة قليلا نحو (لذائقو العذاب) فيمن قرأه بالنصب، وللضرورة نحو قوله: 884 - هما خطتا: إما إسار ومنة، * وإما دم، والقتل بالحر أجدر [ ص 699 ] فيمن رواه برفع " إسار ومنة " وأما من خفض فبالاضافة، وفصل بين المتضايفين بإما، فلم ينفك البيت عن ضرورة، واختلف في قوله: 885 - [ رب حى عرندس ذى طلال ] * لا يزالون ضاربين القباب فقيل: الاصل: ضاربين ضاربي القباب، وقيل للقباب، كقوله: * أشارت كليب بالاكف الاصابع * [ 2 ] وقيل: ضاربين معرب إعراب مساكين، فنصبه بالفتحة، لا بالياء. حذف التنوين يحذف لزوما لدخول أل نحو " الرجل " وللاضافة نحو " غلامك " ولشبهها نحو " لا مال لزيد " إذا لم تقدر اللام مقحمة، فإن قدرت فهو مضاف، ولمانع الصرف نحو " فاطمة " وللوقف في غير النصب، وللاتصال بالضمير نحو " ضاربك " فيمن قال إنه غير مضاف، فأما قوله:

[ 644 ]

[ وما أدرى وظني كل ظنى ] * أمسلمنى إلى قوم شراحي [ 563 ] فضرورة، خلافا لهشام، ثم هو نون وقاية لا تنوين كقوله: وليس الموافينى ليرفد خائبا * [ فإن له أضعاف ما كان أملا ] [ 564 ] إذ لا يجتمع التنوين مع آل، ولكون الاسم علما موصوفا بما اتصل به وأضيف إلى علم، من ابن وابنة اتفاقا، أو بنت عند قوم من العرب، فأما قوله 886 - بجارية من قيس بن ثعلبه * [ كريمة أخوالها والعصبه ] فضرورة، ويحذف لالتقاء الساكنين قليلا كقوله: فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا [ 793 ] وإنما آثر ذلك على حذفه للاضافة لارادة تماثل المتعاطفين في التنكير، وقرئ (قل هو الله أحد الله الصمد) (ولا الليل سابق النهار) بترك تنوين أحد وسابق وبنصب النهار. واختلف لم ترك التنوين (1) في نحو " قبضت عشرة ليس غير " فقيل: لانه مبنى كقبل وبعد، وقيل: لنية الاضافة وإن الضمة إعراب وغير متعينة لانها لسم ليس، لا محتملة لذلك وللخبرية، ويرده ان هذا التركيب مطرد، ولا يحذف تنوين مضاف لغير مذكور باطراد، إلا إن أشبه في اللفظ المضاف نحو " قطع الله يد ورجل من قالها " فإن الاول مضاف للمذكور، والثانى لمجاورته له مع أنه المضاف إليه في المعنى كأنه مضاف إليه لفظا حذف أل تحذف للاضافة المعنوية، وللنداء نحو " يا رحمن " إلا من اسم الله تعالى، والجمل المحكية، قيل: والاسم المشبه به نحو " يا الخليفة هيبة " وسمع " سلام عليكم "


(1) في نسخة " لم ترك تنوين غير في نحو - إلخ ". (*)

[ 645 ]

بغير تنوين، فقيل: على إضمار أل، ويحتمل عندي كونه على تقدير المضاف إليه، والاصل سلام الله عليكم، وقال الخليل في " ما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا " هو على نية أل في خير، ويرده أنه لا تجامع من الجارة للمفضول، وقال الاخفش: اللام زائدة، وليس هذا بقياس، والتركيب قياسي، وقال ابن مالك، خير بدل، وإبدال المشتق ضعيف، وأولى عندي أن يخرج على قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبنى * [ فمضيت ثمت قلت لا يعنينى ] [ 142 ] حذف لام الجواب وذلك ثلاثة: حذف لام جواب لو نحو (لو نشاء جعلناه أجاجا) وحذف لام لقد، يحسن مع طول الكلام نحو (قد أفلح من زكاها) وحذف لام لافعلن يختص بالضرورة كقول عامر بن الطفيل: 887 - وقتيل مرة أثأرن، فإنه * فرغ، وإن أخاكم لم يثأر حذف جملة القسم كثير جدا، وهو لازم مع غير الباء من حروف القسم، وحيث قيل " لافعلن " أو " لقد فعل " أو " لئن فعل " ولم يتقدم جملة قسم فثم جملة قسم مقدرة، نحو (لاعذبنه عذابا شديدا) الآية (ولقد صدقكم الله وعده) (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم) واختلف في نحو " لزيد قائم " ونحو " إن زيدا قائم، أو لقائم " هل يجب كونه جوابا لقسم أولا ؟ حذف جواب القسم يجب إذا تقدم عليه أو اكتنفه ما يغنى عن الجواب، فالاول نحو " زيد قائم والله " ومنه " إن جاءني زيد والله أكرمته " والثانى نحو " زيد والله قائم " فإن قلت " زيد والله إنه قائم، أو لقائم " احتمل كون المتأخر عنه خبرا عن المتقدم عليه، واحتمل كونه جوابا وجملة القسم وجوابه الخبر.

[ 646 ]

ويجوز في غير ذلك، نحو (والنازعات غرقا) الآيات، أي لتبعثن، بدليل ما بعده، وهذا المقدر هو العامل في (يوم ترجف) أو عامله اذكر، وقيل: الجواب (إن في ذلك لعبرة) وهو بعيد لبعده، ومثله (ق والقرآن المجيد) أي لنهلكن، بدليل (كم أهلكنا) أو إنك لمنذر، بدليل (بل عجبوا أن جاءهم منذر) وقيل: الجواب مذكور، فقال الاخفش (قد علمنا) وحذفت اللام للطول مثل (قد أفلح من زكاها) وقال ابن كيسان (ما يلفظ من قول) الآية، الكوفيون (بل عجبوا) والمعنى لقد عجبوا، بعضهم (إن في ذلك لذكرى) ومثله (ص والقرآن ذى الذكر) أي إنه لمعجز، أو (إنك لمن المرسلين) أو ما الامر كما يزعمون، وقيل: مذكور، فقال الكوفيون والزجاج (إن ذلك لحق) وفيه بعد، الاخفش (إن كل إلا كذب الرسل) الفراء وثعلب (ص) لان معناها صدق الله، ويرده أن الجواب لا يتقدم، وقيل: (كم أهلكنا) وحذفت اللام للطول. حذف جملة الشرط هو مطرد بعد الطلب نحو (فاتبعوني يحببكم الله) أي فإن تتبعوني يحببكم الله (فاتبعني أهدك) (ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل). وجاء بدونه نحو (إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون) أي فإن لم يتأت إخلاص العبادة لى في هذه البلدة فإياى فاعبدون في غيرها (أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولى) أي إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولى (أو تقولوا لو أنا أنزل) علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله) أي إن صدقتم فيما كنتم تعدون به من أنفسكم فقد جاءكم بينة وإن كذبتم فلا أحد أكذب منكم فمن أظلم، وإنما جعلت هذه الآية من حذف جملة الشرط فقط - وهى من حذفها وحذف جملة الجواب - لانه قد ذكر في اللفظ جملة قائمة مقام الجواب، وذلك يسمى جوابا تجوزا كما سيأتي،

[ 647 ]

وجعل منه الزمخشري وتبعه ابن مالك بدر الدين (فلم تقتلوهم) أي إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، ويرده أن الجواب المنفى بلم لا تدخل عليه الفاء. وجعل منه أبو البقاء (فذلك الذى يدع اليتيم) أي إن أردت معرفته فذلك، وهو حسن وحذف جملة الشرط بدون الاداة كثير كقوله: 888 - فطلقها فلست لها بكف ء * وإلا بعل مفرقك الحسام أي وإلا تطلقها. حذف جملة جواب الشرط وذلك واجب إن تقدم عليه أو اكتنفه ما يدل على الجواب: فالاول نحو " هو ظالم إن فعل " والثانى نحو " هو إن فعل ظالم " (وإنا إن شاء الله لمهتدون) ومنه " والله إن جاءني زيد لاكرمنه " وقول ابن معطى: * اللفظ إن يفد هو الكلام * إما من ذلك ففيه ضرورة، وهو حذف الجواب مع كون الشرط مضارعا، وإما الجواب الجملة الاسمية وجملتا الشرط والجواب خبر ففيه ضرورة أيضا، وهى حذف الفاء كقوله: * من يفعل الحسنات الله يشكرها * [ 81 ] ووهم ابن الخباز إذ قطع بهذا الوجه، ويجوز حذف الجواب في غير ذلك نحو (فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الارض) الآية، أي فافعل (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) الآية، أي لما آمنوا به، بدليل (وهم يكفرون بالرحمن) والنحويون يقدرون: لكان هذا القرآن، وما قدرته أظهر (لو تعلمون علم اليقين) أي لارتدعتم وما ألهاكم التكاثر (ولو افتدى به) أي ما تقبل منه (ولو كنتم في بروج مشيدة) أي لادرككم (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) أي أعرضوا، بدليل ما بعده (أئن

[ 648 ]

ذكرتم) أي تطيرتم (ولو جئنا بمثله مددا) أي لنفد (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤسهم) أي لرأيت أمرا فظيعا (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) أي لهلكتم (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) قال الزمخشري: تقديره ألستم ظالمين، بدليل (إن الله لا يهدى القوم الظالمين) ويرده أن جملة الاستفهام لا تكون جوابا إلا بالفاء مؤخرة عن الهمزة نحو " إن جئتك أفما تحسن إلى " ومقدمة على غيرها نحو " فهل تحسن إلى ". تنبيه - التحقيق أن من حذف الجواب مثل (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) لان الجواب مسبب عن الشرط، وأجل الله آت سواء أوجد الرجاء أم لم يوجد، وإنما الاصل فليبادر بالعمل فإن أجل الله لآت، ومثله (وإن تجهر بالقول) أي فاعلم أنه غنى عن جهرك (فإنه يعلم السر) (وإن يكذبوك) أي فتصبر (فقد كذبت رسل من قبلك) (إن يمسسكم قرح) أي فاصبروا (فقد مس القوم قرح مثله) (ومن يتبع خطوات الشيطان) أي يفعل الفواحش والمنكرات (فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) أي يغلب (فإن حزب الله هم الغالبون) (وإن عزموا الطلاق) أي فلا تؤذوهم بقول ولا فعل، فإن الله يسمع ذلك ويعلمه (فإن تولوا) أي فلا لوم على (فقد أبلغتكم). حذف الكلام بجملته. يقع ذلك باطراد في مواضع: أحدها: بعد حرف الجواب، يقال: أقام زيد ؟ فتقول: نعم، وألم يقم زيد ؟ فتقول: نعم، إن صدقت النفى، وبلى، إن أبطلته، ومن ذلك قوله: 889 - قالوا: أخفت ؟ فقلت: إن، وخيفتى * ما إن تزال منوطة برجائي

[ 649 ]

فإن إن هنا بمعنى نعم، وأما قوله: ويقلن: شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت: إنه [ 49 ] فلا يلزم كونه من ذلك، خلافا لاكثرهم، لجواز أن لا تكون الهاء للسكت، بل اسما لان على أنها المؤكدة والخبر محذوف، أي إنه كذلك. الثاني: بعد نعم وبئس إذا حذف المخصوص، وقيل: إن الكلام جملتان نحو (إنا وجدناه صابرا نعم العبد). والثالث: بعد حروف النداء في مثل (ياليت قومي يعلمون) إذا قيل: إنه على حذف المنادى: أي يا هؤلاء. الرابع: بعد إن الشرطية كقوله: 890 - قالت بنات العم يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما ؟ قالت: وإن أي: وإن كان كذلك رضيته. الخامس: في قولهم " افعل هذا إما لا " أي إن كنت لا تفعل غيره فافعله. حذف أكثر من جملة في غير ما ذكر، أنشد أبو الحسن: 891 - إن يكن طبك الدلال فلو في * سالف الدهر والسنين الخوالى أي إن كان عادتك الدلال فلو كان هذا فيما مضى لاحتملناه منك، وقالوا في قوله تعالى (فقلنا اضربوه ببعضها، كذلك يحيى الله الموتى): إن التقدير فضربوه فحيى فقلنا: كذلك يحيى الله، وفى قوله تعالى: (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) الآية: إن التقدير: فأرسلون إلى يوسف لاستعبره الرؤيا فأرسلوه فأتاه وقال له يا يوسف، وفى قوله تعالى (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم) إن التقدير فأتياهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما فدمرناهم. تنبيه - الحذف الذى يلزم النحوي النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة، وذلك

[ 650 ]

بأن يجد خبرا بدون مبتدأ أو بالعكس، أو شرطا بدون جزاء أو بالعكس، أو معطوفا بدون معطوف عليه، أو معمولا بدون عامل، نحو (ليقولن الله) ونحو (قالوا خيرا) ونحو " خير عافاك الله " وأما قولهم في نحو (سرابيل تقيكم الحر) إن التقدير: والبرد، ونحو (وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرائيل) إن التقدير ولم تعبدنى، ففضول في فن النحو، وإنما ذلك للمفسر، وكذا قولهم، يحذف الفاعل لعظمته وحقارة المفعول أو بالعكس أو للجهل به أو للخوف عليه أو منه أو نحو ذلك، فإنه تطفل منهم على صناعة البيان، ولم أذكر بعض ذلك في كتابي جريا على عادتهم، وأنشد متمثلا: 892 - وهل أنا إلا من غزية: إن غوت * غويت، وإن ترشد غزية أرشد بل لانى وضعت الكتاب لافادة متعاطى التفسير والعربية جميعا، وأما قولهم في " راكب الناقة طليحان " إنه على حذف عاطف ومعطوف، أي والناقة، فلازم لهم، ليطابق الخبر المخبر عنه، وقيل: هو على حذف مضاف، أي أحد طليحين، وهذا لا يتأنى في نحو " غلام زيد ضربتهما ". الباب السادس من الكتاب في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين، والصواب خلافها. وهى كثيرة، والذى يحضرني الآن منها عشرون موضعا. أحدها: قولهم في لو " إنها حرف امتناع لامتناع " وقد بينا الصواب في ذلك في فصل لو، وبسطنا القول فيه بما لم نسبق إليه. والثانى: قولهم في إذا غير الفجائية " إنها ظرف لما يستقبل من الزمان وفيها معنى الشرط غالبا " وذلك معيب من جهات: إحداها: أنهم يذكرونه في كل موضع، وإنما ذلك تفسير للاداة من حيث

[ 651 ]

هي، وعلى المعرب أن يبين في كل موضع: هل هي متضمنة لمعنى الشرط أم لا ؟ وأحسن مما قالوه أن يقال، إذا أريد تفسيرها من حيث هي: ظرف مستقبل خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. والثانية: أن العبارة التى تلقى للمتدربين يطلب فيها الايجار لتخف على الالسنة: إذ الحاجة داعية إلى تكرارها، وكان أخصر من قولهم لما يستقبل من الزمان أن يقولوا: مستقبل. والثالثة: أن المراد أنها ظرف موضوع للمستقبل، والعبارة موهمة أنها محل للمستقبل، كما تقول: اليوم ظرف للسفر، فإن الزمان قد يجعل ظرفا للزمان مجازا كما تقول: كتبته في يوم الخميس في عام كذا، فإن الثاني حال من الاول، فهو ظرف له على الاتساع، ولا يكون بدلا منه، إذ لا يبدل الاكثر من الاقل على الاصح، ولو قالوا " ظرف مستقبل " لسلموا من الاسهاب والايهام المذكورين والرابعة: أن قولهم " غالبا " راجع إلى قولهم " فيه معنى الشرط " كذا يفسرونه، وذلك يقتضى أن كونه ظرفا وكونه للزمان وكونه للمستقبل لا يتخلفن، وقد بينا في بحث إذا أن الامر بخلاف ذلك. الثالث: قولهم " النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة " وإنما ذلك في النعت الحقيقي، فأما السببي فإنما يتبع في اثنين من خمسة: واحد من أوجه الاعراب، وواحد من التعريف والتنكير، وأما الافراد والتذكير وأضدادهما فهو فيها كالفعل تقول: مررت برجلين قائم أبواهما، وبرجال قائم آباؤهم، وبرجل قائمة أمه وبامرأة قائم أبوها، وإنما يقول: قائمين أبواهما، وقائمين آباؤهم، من يقول أكلوني البراغيث، وفى التنزيل (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) غير أن الصفة الرافعة للجمع يجوز فيها في الفصيح أن تفرد، وأن تكسر، وهو أرجح على الاصح كقوله:

[ 652 ]

893 - بكرت عليه بكرة فوجدته * قعودا عليه بالصريم عواذله وصح الاستشهاد بالبيت لان هذا الحكم ثابت أيضا للخبر والحال. والرابع: قولهم في نحو (فكلا منها رغدا) " إن رغدا نعت مصدر محذوف " ومثله (واذكر ربك كثيرا) وقول ابن دريد: واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جزل الغضا [ 677 ] أي أكلا رغدا، وذكرا كثيرا، واشتعالا مثل اشتعال النار. قيل: ومذهب سيبويه والمحققين خلاف ذلك، وأن المنصوب حال من ضمير مصدر الفعل، والاصل فكلاه، واشتعله، أي فكلا الاكل واشتعل الاشتعال ودليل ذلك قولهم " سير عليه طويلا " ولا يقولون طويل، ولو كان نعتا للمصدر لجاز، وبدليل أنه لا يحذف الموصوف إلا والصفة خاصة بجنسه، تقول " رأيت كاتبا " ولا تقول: رأيت طويلا، لان الكتابة خاصة بجنس الانسان دون الطول وعندي فيما احتجوا به نظر، أما الاول فلجواز أن المانع من الرفع كراهية اجتماع مجازين: حذف الموصوف، وتصيير الصفة مفعولا على السعة، ولهذا يقولون " دخلت الدار " بحذف في توسعا، ومنعوا " دخلت الامر " لان تعلق الدخول بالمعاني مجاز، وإسقاط الخافض مجاز، وتوضيحه أنهم يفعلون ذلك في صفة الاحيان، فيقولون: سير عليه زمن طويل، فإذا حذفوا الزمان قالوا: طويلا، بالنصب لما ذكرنا، وأما الثاني فلان التحقيق أن حذف الموصوف إنما يتوقف على وجدان الدليل، لا على الاختصاص، بدليل (وألنا له الحديد أن اعمل سابغات) أي دروعا سابغات، ومما يقدح في قولهم مجئ نحو قولهم " اشتمل الصماء " أي الشملة الصماء، والحالية متعذرة لتعريفه. والخامس: قولهم " الفاء جواب الشرط " والصواب أن يقال: رابطة لجواب الشرط، وإنما جواب الشرط الجملة.

[ 653 ]

والسادس: قولهم " العطف على عاملين " والصواب على معمولي عاملين. والسابع: قولهم " بل حرف إضراب " والصواب حرف استدراك وإضراب، فإنها بعد النفى والنهى بمنزلة لكن سواء. والثامن: قولهم في نحو " ائتنى أكرمك ": إن الفعل مجزوم في جواب الامر، والصحيح أنه جواب لشرط مقدر، وقد يكون إنما أرادوا تقريب المسافة على المتعلمين. والتاسع: قولهم في المضارع في مثل " يقوم زيد ": فعل مضارع مرفوع لخلوه من ناصب وجازم، والصواب أن يقال: مرفوع لحلوله محل الاسم، وهو قول البصريين، وكأن حاملهم على ما فعلوا إرادة التقريب، وإلا فما بالهم يبحثون على تصحيح قول البصريين في ذلك، ثم إذا أعربوا أو عربوا قالوا خلاف ذلك ؟. والعاشر: قولهم " امتنع نحو سكران من الصرف للصفة والزيادة، ونحو عثمان للعلمية والزيادة " وإنما هذا قول الكوفيين، فأما البصريون فمذهبهم أن المانع الزيادة المشبهة لالفى التأنيث، ولهذا قال الجرجاني: وينبغى أن تعدموا مع الصرف ثمانية لا تسعة، وإنما شرطت العلمية أو الصفة لان الشبه لا يتقوم إلا بأحدهما، ويلزم الكوفيين أن يمنعوا صرف نحو عفريت - علما - فإن أجابوا بأن المعتبر هو زيادتان بأعيانهما، سألناهم عن علة الاختصاص، فلا يجدون مصرفا عن التعليل بمشابهة ألفى التأنيث، فيرجعون إلى ما اعتبره البصريون. والحادي عشر: قولهم في نحو قوله تعالى (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) " إن الواو نائبة عن أو " ولا يعرف ذلك في اللغة، وإنما يقوله بعض ضعفاء المعربين والمفسرين، وأما الآية فقال أبو طاهر حمزة بن الحسين الاصفهانى في كتابه المسمى " الرسالة المعربة عن شرف الاعراب " القول فيها

[ 654 ]

بأن الواو بمعنى أو عجز عن درك الحق، فاعلموا أن الاعداد التى تجمع قسمان: قسم يؤتى به ليضم بعضه إلى بعض وهو الاعداد الاصول، نحو (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة) ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) وقسم يؤتى به لا ليضم بعضه إلى بعض، وإنما يراد به الانفراد، لا الاجتماع، وهو الاعداد المعدولة كهذه الآية وآية سورة فاطر، وقال: أي منهم جماعة ذوو جناحين جناحين وجماعة ذوو ثلاثة ثلاثة وجماعة ذوو أربعة أربعة، فكل جنس مفرد بعدد، وقال الشاعر: 894 - ولكنما أهلى بواد أنيسه * ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا ولم يقولوا ثلاث وخماس ويريدون ثمانية كما قال تعالى (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) وللجهل بمواقع هذه الالفاظ استعملها المتنبي في غير موضع التقسيم، فقال: أحاد أم سداس في أحاد * لييلتنا المنوطة بالتنادي [ 60 ] وقال الزمخشري: فإن قلت الذى أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع ؟ قلت: الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراده من العدد الذى أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: لم جاء العطف بالواو دون أو ؟ قلت: كما جاء بها في المثال المذكور، ولو جئت فيه بأولا علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسمة على تثنية وبعضها على تثليث وبعضها على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذى دلت عليه الواو، وتحريره أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون

[ 655 ]

من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاؤوا مختلفين في تلك الاعداد وإن شاؤا متفقين فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. وأبلغ من هذه المقالة في الفساد قول من أثبت واو الثمانية، وجعل منها (سبعة وثامنهم كلبهم) وقد مضى في باب الواو أن ذلك لا حقيقة له، واختلف فيها هنا فقيل: عاطفة خبر هو جملة على خبر مفرد، والاصل هم سبعة وثامنهم كلبهم، وقيل: للاستئناف، والوقف على سبعة، وإن في الكلام تقريرا لكونهم سبعة، وكأنه لما قيل سبعة قيل: نعم وثامنهم كلبهم، واتصل الكلامان، ونظيره (إن الملوك إذا دخلوا قرية) الآية، فإن (وكذلك يفعلون) ليس من كلامها، ويؤيده أنه قد جاء في المقالتين الاوليين (رجما بالغيب) ولم يجئ مثله في هذه المقالة، فدل على مخالفتها لهما فتكون صدقا، ولا يرد ذلك بقوله تعالى (ما يعلمهم إلا قليل) لانه يمكن أن يكون المراد ما يعلم عدتهم أو قصتهم قبل أن نتلوها عليك إلا قليل من أهل الكتاب الذين عرفوه من الكتب، وكلام الزمخشري يقتضى أن القليل هم الذين قالوا سبعة، فيندفع الاشكال أيضا، ولكنه خلاف الظاهر، وقيل: هي واو الحال، أو الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الاسم بالصفة كمررت برجل ومعه سيف، فأما الواو الاولى فلا حقيقة لها، وأما واو الحال فأين عامل الحال إن قدرت هم ثلاثة أو هؤلاء ثلاثة، فإن قيل على التقدير الثاني: هو من باب (وهذا بعلى شيخا) قلنا: العامل المعنوي لا يحذف. الثاني عشر: قولهم " المؤنث المجازى يجوز معه التذكير والتأنيث " وهذا يتداوله الفقهاء في محاوراتهم، والصواب تقييده بالمسند إلى المؤنث المجازى، وبكون المسند فعلا أو شبهه، وبكون المؤنث ظاهرا، وذلك نحو " طلع الشمس، ويطلع الشمس، وأطالع الشمس " ولا يجوز: هذا الشمس، ولا هو الشمس، ولا الشمس

[ 656 ]

هذا، أو هو، ولا يجوز في غير ضرورة " الشمس طلع " خلافا لابن كيسان، واحتج بقوله: 895 - [ فلا مزنة ودقت ودقها ] * ولا أرض أبقل إبقالها [ ص 670 ] قال: وليس بضرورة لتمكنه من أن يكون " أبقلت ابقالها " بالنقل، ورد بأنا لا نسلم أن هذا الشاعر ممن لغته تخفيف الهمزة بنقل أو غيره. الثالث عشر: قولهم " ينوب بعض حروف الجر عن بعض " وهذا أيضا مما يتداولونه ويستدلون به، وتصحيحه بإدخال قد على قولهم ينوب، وحينئذ فيتعذر استدلالهم به، إذ كل موضع ادعوا فيه ذلك يقال لهم فيه: لا نسلم أن هذا مما وقعت فيه النيابة، ولو صح قولهم لجاز أن يقال: مررت في زيد، ودخلت من عمرو، وكتبت إلى القلم، على أن البصريين ومن تابعهم يرون في الاماكن التى ادعيت فيها النيابة أن الحرف باق على معناه، وأن العامل ضمن معنى عامل يتعدى بذلك الحرف، لان التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف. الرابع عشر: قولهم " إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الاولى، وإذا أعيدت معرفة أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الاول " وحملوا على ذلك ما ورى " لن يغلب عسر يسرين " قال الزجاج: ذكر العسر مع الالف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى إن مع اليسر يسرين، اه‍. ويشهد للصورتين الاوليين أنك تقول: اشتريت فرسا ثم بعت فرسا، فيكون الثاني غير الاول، ولو قلت. ثم بعت الفرس، لكان الثاني عين الاول، وللرابع قول الحماسي: 896 - صفحنا عن بنى ذهل * وقلنا: القوم إخوان عسى الايام أن يرجعن قوما كالذى كانوا ويشكل على ذلك أمور ثلاثة.

[ 657 ]

أحدها: أن الظاهر في آية (ألم نشرح) أن الجملة الثانية تكرار للجملة الاولى كما تقول " إن لزيد دارا إن لزيد دارا " وعلى هذا فالثانية عين الاولى والثانى: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين، مع أن الآية في قراءته وفى مصحفه مرة واحدة، فدل على ما ادعيناه من التأكيد، وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره، بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين والثالث: أن في التنزيل آيات ترد هذه الاحكام الاربعة، فيشكل على الاول قوله تعالى (الله الذى خلقكم من ضعف) الآية، (وهو الذى في السماء إله، وفى الارض إله) والله إله واحد سبحانه وتعالى، وعلى الثاني قوله تعالى (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) فالصلح الاول خاص، وهو الصلح بين الزوجين، والثانى عام، ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائز، ومثله (زدناهم عذابا فوق العذاب) والشئ لا يكون فوق نفسه، وعلى الثالث قوله تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) فإن الملك الاول عام، والثانى خاص (هل جزاء الاحسان إلا الاحسان) فإن الاول العمل والثانى الثواب (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فإن الاولى القاتلة والثانية المقتولة، وكذلك بقية الآية. وعلى الرابع (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) وقوله: 897 - [ بلاد بها كنا وكنا من أهلها ] * إذ الناس ناس والزمان زمان (1) فإن الثاني لو ساوى الاول في مفهومه لم يكن في الاخبار به عنه فائدة، وإنما هذا من باب قوله:


(1) المحفوظ: * إذ الناس ناس والبلاد بلاد * ورأيته بالقافية التى رواها المؤلف في رسالة للبديع الهمذانى أثرها صاحب اليتيمة 4 / 271 وذكر البديع أنه لرجل من عاد، وفيه " وكنا نحبها ". (*)

[ 658 ]

* أنا أبو النجم وشعرى شعرى * [ 536 ] أي وشعرى لم يتغير عن حالته. فإذا ادعى أن القاعدة فيهن إنما هي مستمرة مع عدم القرينة، فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها، سهل الامر. وفى الكشاف " فإن قلت: ما معنى لن يغلب عسر يسرين ؟ قلت: هذا حمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن وعد الله لا يحمل إلا على أبلغ ما يحتمله اللفظ، والقول فيه أن الجملة الثانية يحتمل أن تكون تكريرا للاولى كتكرير (ويل يومئذ للمكذبين) لتقرير معناها في النفوس (1) وكتكرير المفرد في نحو جاء زيد زيد، وأن تكون الاولى عدة بأن العسر مردوف باليسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع باليسر لا محالة، فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنما كان العسر واحد لان اللام إن كانت فيه للعهد في العسر الذى كانوا فيه فهو هو، لان حكمه حكم زيد في قولك " إن مع زيد مالا إن مع زيد مالا " وإن كانت للجنس الذى يعلمه كل أحد فهو هو أيضا، وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا فقد تناول بعضا آخر، ويكون الاول ما تيسر لهم من الفتوح في زمنه عليه الصلاة والسلام، والثانى ما تيسر في أيام الخلفاء، ويحتمل أن المراد بهما يسر الدنيا ويسر الآخرة مثل (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) وهما الظفر والثواب " اه ملخصا. وقال بعضهم: الحق أن في تعريف الاول ما يوجب الاتحاد، وفى التنكير يقع الاحتمال، والقرينة تعين، وبيانها هنا أنه عليه الصلاة والسلام كان هو وأصحابه في عسر الدنيا، فوسع الله عليهم بالفتوح والغنائم، ثم وعد عليه الصلاة والسلام بأن الآخرة خير له من الاولى، فالتقدير: إن مع العسر في الدنيا يسرا في الدنيا وإن مع


(1) في نسخة " في النفس ". (*)

[ 659 ]

العسر في الدنيا يسرا في الآخرة، للقطع بأنه لا عسر عليه في الآخرة، فتحققنا اتحاد العسر، وتيقنا أن له يسرا في الدنيا ويسرا في الآخرة. الخامس عشر: قولهم " يجب أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها " وهذا مشهور في كتبهم وعلى ألسنتهم، وليس بلازم عند سيبويه، ويشهد لذلك أمور: أحدها: قولك " أعجبني وجه زيد متبسما، وصوته قارئا " فإن صاحب الحال معمول للمضاف أو لجار مقدر، والحال منصوبة بالفعل. والثانى قوله: لمية موحشا طلل * [ يلوح كأنه خلل ] [ 125 ] فإن صاحب الحال عند سيبويه النكرة، وهو عنده مرفوع بالابتداء، وليس فاعلا كما يقول الاخفش والكوفيون، والناصب للحال الاستقرار الذى تعلق به الظرف. والثالث: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) فإن (أمة) حال من معمول إن وهو (أمتكم) وناصب الحال حرف التنبيه أو اسم الاشارة، ومثله (وإن هذا صراطي مستقيما) وقال: ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له * [ وطع فطاعة مهد نصحه رشد ] [ 801 ] العامل حرف التنبيه، ولك أن تقول: لا نسلم أن صاحب الحال طلل، بل ضميره المستتر في الظرف، لان الحال حينئذ حال من المعرفة، وأما جواب ابن خروف بأن الظرف إنما يتحمل الضمير إذا تأخر عن المبتدأ فمخالف لاطلاقهم ولقول أبى الفتح في: [ ألا يا نخلة من ذات عرق ] * عليك ورحمة الله السلام [ 579 ]

[ 660 ]

إن الاولى حمله على العطف على ضمير الظرف، لا على تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وقد اعترض عليه بأنه تخلص عن ضرورة بأخرى، وهى العطف مع عدم الفصل، ولم يعترض بعدم الضمير، وجوابه أن عدم الفصل أسهل، لوروده في النثر ك‍ " مررت برجل سواء والعدم " حتى قيل: إنه قياس، وأما جواب ابن مالك بأن الحمل على طلل أولى لانه ظاهر، فإنما يصح لو ساوى الظاهر الضمير في التعريف، وأما البواقى فاتحاد العامل فيها موجود تقديرا، إذ المعنى أشير إلى أمتكم وإلى صراطي، وتنبه لصريح النصح بينا، وأما مسألتا المضاف إليه فصلاحية المضاف فيهما للسقوط جعل المضاف إليه كأنه معمول الفعل، وعلى هذا فالشرط في المسألة اتحاد العامل تحقيقا أو تقديرا. السادس عشر: قولهم " يغلب المؤنث على المذكر في مسألتين: إحداهما ضبعان في تثنية ضبع للمؤنث، وضبعان للمذكر، إذ لم يقولوا ضبعانان، والثانية: التأريخ، فإنهم أرخوا بالليالى دون الايام " ذكر ذلك الجرجاني وجماعة، وهو سهو، فإن حقيقة التغليب: أن يجتمع شيئان فيجرى حكم أحدهما على الآخر، ولا يجتمع الليل والنهار، ولا هنا تعبير عن شيئين بلفظ أحدهما على الآخر، وإنما أرخت العرب بالليالى لسبقها، إذ كانت أشهرهم قمرية، والقمر إنما يطلع ليلا، وإنما المسألة الصحيحة قولك: كتبته لثلاث بين يوم وليلة، وضابطها: أن يكون معنا عدد مميز بمذكر ومؤنث، وكلاهما مما لا يعقل، وفصلا من العدد بكلمة بين، قال: 898 * - فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * السابع عشر: قولهم في نحو (خلق الله السموات) إن السموات مفعول به، والصواب أنه مفعول مطلق: لان المفعول المطلق ما يقع عليه اسم المفعول بلا قيد، نحو

[ 661 ]

قولك " ضربت ضربا " والمفعول به ما لا يقع عليه ذلك إلا مقيدا بقولك به كضربت زيدا، وأنت لو قلت السموات مفعول كما تقول الضرب مفعول كان صحيحا، ولو قلت السموات مفعول به كما تقول زيد مفعول به لم يصح. وقد يعارض هذا بأن يصاغ لنحو السموات في المثال اسم مفعول تام، فيقال: فالسموات مخلوقة، وذلك مختص بالمفعول به. إيضاح آخر: المفعول به ما كان موجودا قبل الفعل الذى عمل فيه، ثم أوقع الفاعل به فعلا، والمفعول المطلق ما كان الفعل العامل فيه هو فعل إيجاده، والذى غر أكثر النحويين في هذه المسألة أنهم يمثلون المفعول المطلق بأفعال العباد، وهم إنما يجرى على أيديهم إنشاء الافعال لا الذوات (1)، فتوهموا أن المفعول المطلق لا يكون إلا حدثا، ولو مثلوا بأفعال الله تعالى لظهر لهم أنه لا يختص بذلك، لان الله تعالى موجد للافعال والذوات (2) جميعا، لا موجد لهما في الحقيقة سواه سبحانه وتعالى، وممن قال بهذا الذى ذكرته الجرجاني وابن الحاجب في أماليه. وكذا البحث في " أنشأت كتابا " و " عمل فلان خيرا " و (آمنوا وعملوا الصالحات). وزعم ابن الحاجب في شرح المفصل وغيره أن المفعول المطلق يكون جملة، وجعل من ذلك نحو " قال زيد عمرو منطلق " وقد مضى رده، وزعم أيضا في " أنبأت زيدا عمرا فاضلا " أن الاول مفعول به، والثانى والثالث مفعول مطلق، لانهما نفس النبأ، قال: بخلاف الثاني والثالث في " أعلمت زيدا عمرا فاضلا " فإنهما متعلقا العلم، لا نفسه، وهذا خطأ، بل هما أيضا منبأ بهما، لا نفس النبأ، وهذا الذى قاله لم يقله أحد، ولا يقتضيه النظر الصحيح. الثامن عشر: قولهم في كاد: إثباتها نفى، ونفيها إثبات، فإذا قيل " كاد


(1) في نسخة " لا الذات ". (2) في نسخة " للذوات والافعال جميعا ". (*)

[ 662 ]

يفعل " فمعناه أنه لم يفعل، وإذا قيل " لم يكد يفعل " فمعناه أنه فعله، دليل الاول (وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك) وقوله: 899 - كادت النفس أن تفيض عليه * [ إذ غدا حشو ريطة وبرود ] ودليل الثاني (وما كادوا يفعلون) وقد اشتهر ذلك بينهم حتى جعله المعرى لغزا فقال: أنحوى هذا العصر ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود والصواب أن حكمها حكم سائر الافعال في أن نفيها نفى وإثباتها إثبات، وبيانه: أن معناها المقاربة، ولا شك أن معنى " كاد يفعل " قارب الفعل، وأن معنى " ما كاد يفعل " ما قارب الفعل، فخبرها منفى دائما، أما إذا كانت منفية فواضح، لانه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى عقلا حصول ذلك الفعل، ودليله (إذا أخرج يده لم يكد يراها) ولهذا كان أبلغ من أن يقال " لم يرها " لان من لم يرقد يقارب الرؤية، وأما إذا كانت المقاربة مثبتة فلان الاخبار بقرب الشئ يقتضى عرفا عدم حصوله، وإلا لكان الاخبار حينئذ بحصوله، لا بمقاربة حصوله، إذ لا يحسن في العرف أن يقال لمن صلى: قارب الصلاة، وإن كان ما صلى حتى قارب الصلاة، ولا فرق فيما ذكرنا بين كاد ويكاد، فإن أورد على ذلك (وما كادوا يفعلون) مع أنهم قد فعلوا، إذ المراد بالفعل الذبح، وقد قال تعالى (فذبحوها) فالجواب أنه إخبار عن حالهم في أول الامر، فإنهم كانوا أولا بعداء من ذبحها، بدليل ما يتلى علينا

[ 663 ]

من تعنتهم وتكرر سؤالهم، ولما كثر استعمال مثل هذا فيمن انتفت عنه مقاربة الفعل أولا ثم فعله بعد ذلك توهم من توهم أن هذا الفعل بعينه هو الدال على حصول ذلك الفعل بعينه، وليس كذلك، وإنما فهم حصول الفعل من دليل آخر كما فهم في الآية من قوله تعالى: (فذبحوها). التاسع عشر: قولهم في السين وسوف: حرف تنفيس، والاحسن حرف استقبال، لانه أوضح، ومعنى التنفيس التوسيع، فإن هذا الحرف ينقل الفعل عن الزمن الضيق - وهو الحال - إلى الزمن الواسع وهو الاستقبال. وههنا تنبيهان - أحدهما: أن الزمخشري قال في (أولئك سيرحمهم الله): إن السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهى مؤكدة للوعد، واعترضه بعض الفضلاء بأن وجود الرحمة مستفاد من الفعل، لا من السين، وبأن الوجوب المشار إليه بقوله لا محالة لا إشعار للسين به، وأجيب بأن السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخر، فإن كان (1) المقام ليس مقام تأخر لكونه بشارة تمحضت لافادة الوقوع، وبتحقق الوقوع يصل إلى درجة الوجوب. الثاني: قال بعضهم في (ستجدون آخرين): السين للاستمرار، لا للاستقبال مثل (سيقول السفهاء) فإنها نزلت بعد قولهم: (ما ولاهم عن قبلتهم) الآية، ولكن دخلت السين إشعارا بالاستمرار، اه‍. والحق أنها للاستقبال، وأن (يقول) بمعنى يستمر على القول، وذلك مستقبل، فهذا في المضارع نظيرا (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) في الامر، هذا إن سلم أن قولهم سابق على النزول، وهو خلاف المفهوم من كلام الزمخشري، فإنه سأل: ما الحكمة في الاعلام بذلك قبل وقوعه ؟.


(1) في نسخة " فإذا كان - إلخ ". (*)

[ 664 ]

تمام العشرين: قولهم في نحو " جلست أمام زيد ": إن زيدا مخفوض بالظرف، والصواب أن يقال: مخفوض بالاضافة، فإنه لا مدخل في الخفض لخصوصية كون المضاف ظرفا. خاتمة - ينبغى للمعرب أن يتخير من العبارات أوجزها وأجمعها للمعنى المراد، فيقول في نحو ضرب: فعل ماض لم يسم فاعله، ولا يقول: مبنى لما لم يسم فاعله، لطول ذلك وخفائه، وأن يقول في المرفوع به: نائب عن الفاعل، ولا يقول مفعول ما لم يسم فاعله، لذلك ولصدق هذه العبارة على المنصوب (1) من نحو " أعطى زيد دينارا " ألا ترى أنه مفعول لاعطى، وأعطى لم يسم فاعله ؟ وأما النائب عن الفاعل فلا يصدق إلا على المرفوع، وأن يقول في قد: حرف لتقليل زمن الماضي وحدث الآنى ولتحقيق حدثهما، وفى أما: حرف شرط وتفصيل وتوكيد، وفى لم: حرف جزم لنفى المضارع وقلبه ماضيا، ويزيد في لما الجازمة متصلا نفيه متوقعا ثبوته، وفى الواو: حرف عطف لمجرد الجمع، أو لمطلق الجمع، ولا يقول: للجمع المطلق، وفى حتى: حرف عطف للجمع والغاية، وفى ثم: حرف عطف للترتيب والمهلة، وفى الفاء: حرف عطف للترتيب والتعقيب، وإذا اختصرت فيهن فقل: عاطف ومعطوف، وناصب ومنصوب، وجازم ومجزوم، كما تقول: جار ومجرور. الباب السابع من الكتاب في كيفية الاعراب والمخاطب: بمعظم هذا الباب المبتدئون اعلم أن اللفظ المعبر عنه إن كان حرفا واحدا عبر عنه باسمه الخاص به أو المشترك


(1) في نسخة " ولصدق هذه العبارة بالمنصوب - إلخ ". (*)

[ 665 ]

فيقال في المتصل بالفعل من نحو " ضربت ": التاء فاعل، أو الضمير فاعل، ولا يقال ت فاعل، كما بلغني عن بعض المعلمين، إذ لا يكون اسم [ ظاهر ] هكذا فأما الكاف الاسمية فإنها ملازمة للاضافة، فاعتمدت على المضاف إليه، ولهذا إذا تكلمت على إعرابها جئت باسمها فقلت في [ نحو ] قوله: 900 - * وما هداك إلى أرض كعالمها * الكاف فاعل، ولا تقول ك فاعل، لزوال ما تعتمد عليه، ويجوز في نحو " م الله " و " ق نفسك و " ش الثوب " و " ل هذا الامر " أن تنطق بلفظها فتقول: م مبتدأ، وذلك على القول بأنها بعض أيمن، وتقول: ق فعل أمر، لان الحذف فيهن عارض، فاعتبر فيهن الاصل، وتقول: الباء حرف جر، والواو حرف عطف، ولا تنطق بلفظهما. وإن كان اللفظ على حرفين نطق به، فقيل: قد حرف تحقيق، وهل حرف استفهام، ونا فاعل أو مفعول، والاحسن أن تعبر عنه بقولك: الضمير، لئلا تنطق بالمتصل مستقلا، ولا يجوز أن تنطق باسم شئ من ذلك كراهية الاطالة، وعلى هذا فقولهم " أل " أقيس من قولهم: الالف واللام، وقد استعمل التعبير بهما الخليل وسيبويه. وإن كان أكثر من ذلك نطق به أيضا، فقيل: سوف حرف استقبال، وضرب فعل ماض، وضرب هذا اسم، ولهذا أخبر عنها بقولك فعل ماض، وإنما فتحت على الحكاية، يدلك على ما ذكرنا أن الفعل ما دل على حدث وزمان، وضرب هنا لا تدل على ذلك، وأن الفعل لا يخلو عن الفاعل في حالة التركيب، وهذا لا يصح أن يكون له فاعل، ومما يوضح لك ذلك أنك تقول في زيد من " ضرب زيد " زيد مرفوع بضرب، أو فاعل بضرب، فتدخل الجار عليه، وقال لى

[ 666 ]

بعضهم: لا دليل في ذلك، لان المعنى بكلمة ضرب، فقلت له: وكيف وقع ضرب مضافا إليه مع أنه في ذلك ليس باسم في زعمك ؟ فإن قلت: فإذا كان اسما فكيف أخبرت عنه بأنه فعل ؟ قلت: هو نظير الاخبار في قولك " زيد قائم " ألا ترى أنك أخبرت عن زيد باعتبار مسماه، لا باعتبار لفظه ؟ وكذلك أخبرت عن ضرب باعتبار مسماة، وهو ضرب الدال (1) على الحدث والزمان، فهذا في أنه لفظ مسماه لفظ كأسماء السور وأسماء حروف المعجم، ومن هنا قلت: حرف التعريف أل، فقطعت الهمزة، وذلك لانك لما نقلت اللفظ من الحرفية إلى الاسمية أجريت عليه قياس همزات الاسماء، كما أنك إذا سميت باضرب قطعت همزته، وأما قول ابن مالك: إن الاسناد اللفظى يكون في الاسماء والافعال والحروف، وإن الذى يختص به الاسم هو الاسناد المعنوي، فلا تحقيق فيه. وقال لى بعضهم: كيف تتوهم أن ابن مالك اشتبه عليه الامر في الاسم والفعل والحرف ؟ فقلت: كيف توهم ابن مالك أن النحويين كافة غلطوا في قولهم: إن الفعل يخبر به، ولا يخبر عنه، وإن الحرف لا يخبر به ولا عنه، وممن قلد ابن مالك في هذا الوهم أبو حيان. ولابد للمتكلم على الاسم أن يذكر ما يقتضى وجه إعرابه كقولك: مبتدأ، خبر، فاعل، مضاف إليه، وأما قول كثير من المعربين مضاف أو موصول أو اسم إشارة فليس بشئ، لان هذه الاشياء لا تستحق إعرابا مخصوصا، فالاقتصار في الكلام عليها على هذا القدر لا يعلم به موقعها من الاعراب، وإن كان المبحوث فيه مفعولا عين نوعه، فقيل: مفعول مطلق، أو مفعول به، أو لاجله، أو معه، أو فيه، وجرى اصطلاحهم على أنه إذا قيل مفعول وأطلق لم يرد إلا المفعول به، لما كان أكثر المفاعيل دورا في الكلام خففوا اسمه، وإنما كان حق ذلك


(1) في نسخة " وهو ضرب الذى يدل على الحدث والزمان ". (*)

[ 667 ]

أن لا يصدق إلا على المفعول المطلق، ولكنهم لا يطلقون على ذلك اسم المفعول إلا مقيدا بقيد الاطلاق، وإن عين المفعول فيه - فقيل: ظرف زمان أو مكان - فحسن ولابد من بيان متعلقه كما في الجار والمجرور الذى له متعلق، وإن كان المفعول به متعددا عينت كل واحد فقلت: مفعول أول، أو ثان، أو ثالث. وينبغى أن تعين للمبتدئ نوع الفعل، فتقول: فعل ماض، أو فعل مضارع، أو فعل أمر، وتقول في نحو تلظى: فعل مضارع أصله تتلظى، وتقول في الماضي: مبنى على الفتح، وفى الامر: مبنى على ما يجزم به مضارعه، وفى نحو (يتربصن) مبنى على السكون لاتصاله بنون الاناث، وفى نحو (لينبذن): مبنى على الفتح لمباشرته لنون التوكيد، وتقول في المضارع المعرب: مرفوع لحلوله محل الاسم، وتقول: منصوب بكذا، أو بإضمار أن، ومجزوم بكذا، ويبين علامة الرفع والنصب والجزم، وإن كان الفعل ناقصا نص عليه فقال مثلا: كان فعل ماض ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر، وإن كان المعرب حالا في غير محله عين ذلك: فقيل في قائم مثلا من نحو " قائم زيد ": خبر مقدم، ليعلم أنه فارق موضعه الاصلى، وليتطلب مبتدأه، وفى نحو (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة): الذين مفعول مقدم، ليتطلب فاعله، وإن كان الخبر مثلا غير مقصود لذاته قيل: خبر موطئ، ليعلم أن المقصود ما بعده كقوله تعالى (بل أنتم قوم تجهلون) وقوله: كفى بجسمى نحولا أننى رجل * لولا مخاطبتي إياك لم ترنى [ 159 ] ولهذا أعيد الضمير بعد قوم ورجل إلى ما قبلهما، لا إليهما، ومثله الحال الموطئة في نحو (إنا أنزلناه قرآنا عربيا). وإن كان المبحوث فيه حرفا بين نوعه ومعناه وعمله إن كان عاملا، فقال مثلا:

[ 668 ]

إن حرف توكيد تنصب الاسم وترفع الخبر، لن: حرف نفى ونصب واستقبال، أن: حرف مصدري ينصب الفعل المضارع، لم: حرف نفى يجزم المضارع ويقلبه ماضيا، ثم بعد الكلام على المفردات يتكلم عن الجمل (1)، ألها محل من الاعراب أم لا ؟ فصل وأول ما يحترز. منه المبتدئ في صناعة الاعراب ثلاثة أمور: أحدها: أن يلتبس عليه الاصلى بالزائد، ومثاله أنه إذا سمع أن أل من علامات الاسم، وأن أحرف نأيت من علامات المضارع، وأن تاء الخطاب من علامات الماضي، وأن الواو والفاء من أحرف العطف، وأن الباء واللام من أحرف الجر، وأن فعل ما لم يسم فاعله مضموم الاول، سبق وهمه إلى أن ألفيت وألهبت اسمان، وأن أكرمت وتعلمت مضارعان، وأن وعظ وفسخ عاطفان ومعطوفان، وأن نحو بيت وبين ولهو ولعب كل منهما جار ومجرور، وأن نحو أدحرج مبنى لما لم يسم فاعله، وقد سمعت من يعرب (ألهاكم التكاثر) مبتدأ وخبرا، فظنهما مثل قولك " المنطلق زيد ". ونظير هذا الوهم قراءة كثير من العوام (نار حامية ألهاكم التكاثر) بحذف الالف كما تحذف أول السورة في الوصل فيقال (لخبير القارعة) وذكر [ لى ] عن رجل كبير من الفقهاء ممن يقرأ علم العربية أنه استشكل قول الشريف المرتضى: 901 - أتبيت ريان الجفون من الكرى * وأبيت منك بليلة الملسوع وقال: كيف ضم التاء من تبيت وهى للمخاطب لا للمتكلم ؟ وفتحها من أبيت وهو للمتكلم لا للمخاطب فبينت للحاكي أن الفعلين مضارعان، وأن التاء فيهما لام الكلمة، وأن الخطاب في الاول مستفاد من تاء المضارعة، والتكلم في الثاني


(1) في نسخة " يتكلم على الجمل ". (*)

[ 669 ]

مستفاد من الهمزة، والاول مرفوع لحلوله محل الاسم، والثانى منصوب بأن مضمرة بعد واو المصاحبة على حد قول الحطيئة: 902 - ألم أك جاركم ويكون بينى * وبينكم المودة والاخاء ؟ وحكى العسكري في كتاب التصحيف أنه قيل لبعضهم: ما فعل أبوك بحماره ؟ فقال: باعه، فقيل له: لم قلت باعه ؟ قال: فلم قلت أنت بحماره ؟ فقال: أنا جررته بالباء، فقال: فلم تجر باؤك وبائى لا تجر ؟ ومثله من القياس الفاسد ما حكاه أبو بكر التاريخي في كتاب " أخبار النحويين " أن رجلا قال لسماك بالبصرة: بكم هذه السمكة ؟ فقال: بدرهمان، فضحك الرجل، فقال السماك: أنت أحمق، سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان. وقلت يوما: ترد الجملة الاسمية الحالية بغير واو في فصيح الكلام، خلافا للزمخشري، كقوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) فقال بعض من حضر: هذه الواو في أولها. وقلت يوما: الفقهاء يلحنون في قولهم " البايع " بغير همز، فنال قائل: فقد قال الله تعالى (فبايعهن). وقال الطبري في قوله تعالى (أثم إذ ما وقع): إن ثم بمعنى هنالك. وقال جماعة من المعربين في قوله تعالى (وكذلك نجى المؤمنين) في قراءة ابن عامر وأبى بكر بنون واحدة: إن الفعل ماض، ولو كان كذلك لكان آخره مفتوحا، والمؤمنين مرفوعا. فإن قيل: سكنت الياء للتخفيف كقوله: 903 - * هو الخليفة فارضوا ما رضى لكم * وأقيم ضمير المصدر مقام الفاعل.

[ 670 ]

قلنا: الاسكان ضرورة، وإقامة غير المفعول به مقامه مع وجوده ممتنعة، بل إقامة ضمير المصدر ممتنعة، ولو كان وحده، لانه مبهم. ومما يشتبه نحو (تولوا) بعد الجازم والناصب، والقرائن تبين، فهو في نحو (فإن تولوا فقل حسبى الله) ماض، وفى نحو (وإن تولوا فإنى أخاف عليكم) (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) مضارع، وقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) الاول أمر، والثانى مضارع، لان النهى لا يدخل على الامر، و (تلظى) في (فأنذرتكم نارا تلظى) مضارع، وإلا لقيل: تلظت، وكذا تمنى من قوله: تمنى ابنتاى أن يعيش أبو هما * [ وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر ] ؟ [ 806 ] ووهم ابن مالك فجعله ماضيا من باب. [ فلا مزنة ودقت ودقها ] * ولا أرض أبقل إبقالها [ 895 ] وهذا حمل على الضرورة من غير ضرورة. ومما يلتبس على المبتدئ أن يقول في نحو " مررت بقاض " إن الكسرة علامة الجر، حتى إن بعضهم يستشكل قوله تعالى (لا ينكحها إلا زان أو مشرك) وقد سألني بعضهم عن ذلك فقال: كيف عطف المرفوع على المجرور ؟ فقلت: فهلا استشكلت ورود الفاعل مجرورا، وبينت له أن الاصل زانى بياء مضمومة، ثم حذفت الضمة للاستثقال، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة هي والتنوين، فيقال فيه: فاعل، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، ويقال في نحو " مررت بقاض ": جار ومجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، وفى نحو (والفجر وليال عشر) والفجر جار ومجرور، وليال عاطف

[ 671 ]

ومعطوف، وعلامة جره فتحه مقدرة على الياء المحذوفة، وإنما قدرت الفتحة مع خفتها لنيابتها عن الكسرة، ونائب الثقيل ثقيل، ولهذا حذفت الواو في يهب كما حذفت في يعد، ولم تحذف في يوجل، لان فتحته ليست نائبة عن الكسرة، لان ماضيه وجل بالكسر فقياس مضارعه الفتح، وماضيهما فعل بالفتح فقياس مضارعهما الكسر، وقد جاء يعد على ذلك، وأما يهب فإن الفتحة فيه عارضة لحرف الحلق. ومن هنا أيضا قال أبو الحسن في يا غلاما: يا غلام، بحذف الالف وإن كانت أخف الحروف، لان أصلها الياء. ومن ذلك أن يبادر في نحو المصطفين والاعلين إلى الحكم بأنه مثنى، والصوب أن ينظر أولا في نونه، فإن وجدها مفتوحة كما في قوله تعالى (وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار) حكم بأنه جمع، وفى الآية دليل ثان، وهو وصفه بالجمع، وثالث وهو دخول من التبعيضية عليه بعد (وإنهم) ومحال أن يكون الجمع من الاثنين، وقال الاحنف [ بن قيس ]: 904 - تحلم عن الادنين واستبق ودهم * ولن تستطيع الحلم حتى تحلما ومن ذلك أن يعرب الياء والكاف والهاء في نحو " غلامي أكرمنى، وغلامك أكرمك، وغلامه أكرمه " إعرابا واحدا، أو بعكس الصواب، فليعلم أنهن إذا اتصلن بالفعل كن مفعولات، وإن اتصلن بالاسم كن مضافا إليهن، ويستثنى من الاول، نحو " أرأيتك زيدا ما صنع، وأبصرك زيدا " فإن الكاف فيهما حرف خطاب، ومن الثاني نوعان: نوع لا محل فيه لهذه الالفاظ، وذلك نحو قولهم " ذلك، وتلك، وإياى، وإياك، وإياه " فإنهن أحرف تكلم وخطاب وغيبة، ونوع هي فيه في محل نصب، وذلك نحو " الضاربك،

[ 672 ]

والضاربه " على قول سيبويه، لانه لا يضاف الوصف الذى بأل إلى عار منها، ونحو قولهم " لا عهد لى بألام قفا منه ولا أو ضعه " بفتح العين، فالهاء في موضع نصب كالهاء في " الضاربه " إلا أن ذلك مفعول، وهذا مشبه بالمفعول، لان اسم التفضيل لا ينصب المفعول إجماعا، وليست مضافا إليها وإلا لخفض " أوضع " بالكسرة، وعلى ذلك فإن قلت " مررت برجل أبيض الوجه لا أحمره " فإن فتحت الراء فالهاء منصوبة المحل، وإن كسرتها فهى مجرورته ومن ذلك قوله: 905 - [ فإن يكن النكاح أحل شئ ] * فإن نكاحها مطر حرام فيمن رواه بجر مطر، فالضمير منصوب على المفعولية، وهو فاصل بين المتضايفين تنبيه - إذا قلت " رويدك زيد " فإن قدرت رويدا اسم فعل فالكاف حرف خطاب، وإن قدرته مصدرا فهو اسم مضاف إليه، ومحله الرفع، لانه فاعل. والثانى: أن يجرى لسانه على عبارة (1) اعتادها فيستعملها في غير محلها، كأن يقول في " كنت، وكانوا " في الناقصة: فعل وفاعل، لما ألف من قول ذلك في نحو فعلت وفعلوا، وأما تسمية الاقدمين الاسم فاعلا والخبر مفعولا فهو اصطلاح غير مألوف، وهو مجاز، كتسميتهم الصورة الجميلة دمية، والمبتدئ إنما يقوله على سبيل الغلط، فلذلك يعاب عليه. والثالث: أن يعرب شيئا طالبا لشئ، ويهمل النظر في ذلك المطلوب، كأن يعرب فعلا ولا يتطلب فاعله، أو مبتدأ ولا يتعرض لخبره، بل ربما مر به فأعربه بما لا يستحقه ونسى ما تقدم له. فإن قلت: فهل من ذلك قول الزمخشري في قوله تعالى (وطائفة قد أهمتهم


(1) في نسخة " إلى عبارة ". (*)

[ 673 ]

أنفسهم) الآية: قد أهمتهم: صفة لطائفة، ويظنون: صفة أخرى، أو حال بمعنى قد أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها، ويقولون: بدل من يظنون، فكأنه نسى المبتدأ، فلم يجعل شيئا من هذه الجملة خبرا له. قلت: لعله رأى أن خبره محذوف، أي ومعكم طائفة صفتهم كيت وكيت، والظاهر أن الجملة الاولى خبر، وأن الذى سوغ الابتداء بالنكرة صفة مقدرة، أي وطائفة من غيركم، مثل " السمن منوان بدرهم " أي منه، أو اعتماده على واو الحال كما جاء في الحديث " دخل عليه الصلاة والسلام وبرمة على النار " وسألت كثيرا من الطلبة عن إعراب " أحق ما سأل العبد مولاه " فيقولون: مولاه مفعول، فيبقى لهم المبتدأ بلا خبر، والصواب أنه الخبر، والمفعول العائد المحذوف: أي سأله، وعلى هذا فيقال: أحق ما سأل العبد ربه، بالرفع، وعكسه " إن مصابك المولى قبيح " يذهب الوهم فيه إلى أن المولى خبر، بناء على أن المصاب اسم مفعول، وإنما هو مفعول، والمصاب مصدر بمعنى الاصابة، بدليل مجئ الخبر بعده، ومن هنا أخطأ من قال في مجلس الواثق بالله في قوله: أظلوم إن مصابكم رجلا * أهدى السلام تحية ظلم [ 782 ] إنه برفع رجل، وقد مضت الحكاية. تنبيه - قد يكون للشئ إعراب إذا كان وحده، فإذا اتصل به شئ آخر تغير إعرابه، فينبغي التحرز في ذلك. من ذلك " ما أنت، وما شأنك " فإنهما مبتدأ وخبر، إذا لم تأت بعدهما بنحو قولك " وزيدا " فإن جئت به فأنت مرفوع بفعل محذوف، والاصل: ما تصنع، أو ما تكون، فلما حذف الفعل برز الضمير وانفصل، وارتفاعه بالفاعلية، أو على أنه اسم لكان، وشأنك بتقدير ما يكون، وما فيهما في موضع نصب خبرا

[ 674 ]

ليكون، أو مفعولا لتصنع. ومثل ذلك " كيف أنت وزيدا " إلا أنك إذا قدرت تصنع كان " كيف " حالا، إذ لا تقع مفعولا به. وكذلك يختلف إعراب الشئ باعتبار المحل الذى يحل فيه، وسألت طالبا: ما حقيقة كان إذا ذكرت في قولك " ما أحسن زيدا ؟ " فقال: زائدة، بناء منه على أن المثال المسئول عنه " ما كان أحسن زيدا " وليس في السؤال تعيين ذلك، والصواب الاستفصال، فإنها في هذا الموضع زائدة كما ذكر، وليس لها اسم ولا خبر، لانها [ قد ] جرت مجرى الحروف، كما أن قل في " قلما يقوم زيد " لما استعملت استعمال ما النافية لم تحتج لفاعل، هذا قول الفارسى والمحققين، وعند أبى سعيد [ هي ] تامة وفاعلها ضمير الكون، وعند بعضهم هي ناقصة، واسمها ضمير ما، والجملة بعدها خبرها. وإن ذكرت بعد فعل التعجب وجب الاتيان قبلها بما المصدرية وقيل " ما أحسن ما كان زيد " وكان تامة، وأجاز بعضهم أنها ناقصة على تقدير ما اسما موصولا، وأن ينصب زيد على أنه الخبر، أي ما أحسن الذى كان زيدا، ورد بأن " ما أحسن زيدا " مغن عنه. الباب الثامن من الكتاب في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية وهى إحدى عشرة قاعدة: القاعدة الاولى قد يعطى الشئ حكم ما أشبهه: في معناه، أو في لفظه، أو فيهما. فأما الاول فله صور كثيرة: إحداها: دخول الباء في خبر أن في قوله تعالى (أو لم يروا أن الله الذى

[ 675 ]

خلق السموات والارض ولم يعى بخلقهن بقادر) لانه في معنى أو ليس الله بقادر، والذى سهل ذلك التقدير تباعد ما بينهما، ولهذا لم تدخل في (أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والارض قادر على أن يخلق مثلهم). ومثله إدخال الباء في (كفى بالله شهيدا) لما دخله من معنى اكتف بالله شهيدا، بخلاف قوله: قليل منك يكفيني، ولكن * [ قليلك لا يقال له قليل ] [ 152 ] وفى قوله: [ هن الحرائر لا ربات أخمرة ] * سود المحاجر لا يقرأن بالسور [ 32 ] لما دخله من معنى لا يتقربن بقراءة السور، ولهذا قال السهيلي: لا يجوز أن تقول " وصل إلى كتابك فقرأت به " على حد قوله: * لا يقرأن بالسور * لانه عار عن معنى التقرب. والثانية: جواز حذف خبر المبتدأ في نحو " إن زيدا قائم وعمرو " اكتفاء بخبر إن، لما كان " إن زيدا قائم " في معنى زيد قائم، ولهذا لم يجز " ليت زيدا قائم وعمرو ". والثالثة: جواز " أنا زيدا غير ضارب " لما كان في معنى أنا زيدا لا أضرب، ولولا ذلك لم يجز، إذ لا يتقدم المضاف إليه على المضاف. فكذا لا يتقدم معموله، لا تقول " أنا زيدا أول ضارب، أو مثل ضارب " ودليل المسألة قوله تعالى (وهو في الخصام غير مبين) وقول الشاعر: 906 - فتى هو حقا غبر ملغ توله * ولا تتخذ يوما سواه خليلا (1)


(1) " حقا " مفعول به لملغ، أي غير ملغ حقا. (*)

[ 676 ]

وقوله: 907 - إن امرأ خصني يوما مودته * على التنائى لعندى غير مكفور ويحتمل أن يكون منه (فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين غير يسير) ويحتمل تعلق (على) بعسير، أو بمحذوف هو نعت له، أو حال من ضميره. ولو قلت " جاءني غير ضارب زيدا " لم يجز التقديم، لان النافي هنا لا يحل مكان غيره. والرابعة: جواز " غير قائم الزيدان " لما كان في معنى ما قائم الزيدان، ولو لا ذلك لم يجز، لان المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو ذا مرفوع يغنى عن الخبر، ودليل المسألة قوله: 908 - غير لاه عداك فاطرح اللهو، * ولا تغترر بعارض سلم وهو أحسن ما قيل في بيت أبى نواس: غير مأسوف على زمن * ينقضى بالهم والحزن [ 262 ] والخامسة: إعطاؤهم " ضارب زيد الآن أو غدا " حكم " ضارب زيدا " في التنكير، لانه في معناه، ولهذا وصفوا به النكرة، ونصبوه على الحال، وخفضوه برب، وأدخلوا عليه أل، وأجاز بعضهم تقديم حال مجروره عليه نحو " هذا ملتوتا شارب السويق " كما يتقدم عليه حال منصوبه، ولا يجوز شئ من ذلك إذا أريد المضى، لانه حينئذ ليس في معنى الناصب. والسادسة: وقع الاستثناء المفرغ في الايجاب في نحو (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) لما كان المعنى وإنها لا تسهل إلا على الخاشعين، ولا يريد الله إلا أن يتم نوره.

[ 677 ]

السابعة: العطف بولا بعد الايجاب في نحو: 909 - [ فما سودتني عامر عن وراثة ] * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب لما كان معناه قال الله لى: لا تسم بأم ولا أب. الثامنة: زيادة لا في قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد) قال ابن السيد: المانع من الشئ آمر للممنوع أن لا يفعل، فكأنه قيل: ما الذى قال لك لا تسجد، والاقرب عندي أن يقدر في الاول لم يرد الله لى، وفى الثاني ما الذى أمرك، يوضحه في هذا أن الناهية لا تصاحب الناصبة، بخلاف النافية. التاسعة: تعدى رضى بعلى في قوله: إذا رضيت على بنو قشير * [ لعمر الله أعجبني رضاها ] [ 223 ] لما كان رضى عنه بمعنى أقبل عليه بوجه وده، وقال الكسائي: إنما جاز هذا حملا على نقيضه وهو سخط. العاشرة: رفع المستثنى على إبداله من الموجب في قراءة بعضهم (فشربوا منه إلا قليل) لما كان معناه فلم يكونوا منه، بدليل (فمن شرب منه فليس منى) وقيل: إلا وما بعدها صفة، فقيل: إن الضمير يوصف في هذا الباب، وقيل: مرادهم بالصفة عطف البيان، وهذا لا يخلص من الاعتراض إن كان لازما، لان عطف البيان كالنعت فلا يتبع الضمير، وقيل: قليل مبتدأ حذف خبره، أي لم يشربوا. الحادية عشرة: تذكير الاشارة في قوله تعالى (فذانك برهانان) مع أن المشار إليه اليد والعصا وهما مؤنثان، ولكن المبتدأ عين الخبر في المعنى والبرهان مذكر، ومثله (ثم لم نكن فتنتهم إلا أن قالوا) فيمن نصب الفتنة وأنث الفعل. الثانية عشرة: قولهم " علمت زيد من هو " برفع زيد جوازا، لانه نفس من في المعنى.

[ 678 ]

الثالثة عشرة: قولهم " إن أحدا لا يقول ذلك " فأوقع أحدا في الاثبات لانه نفس الضمير المستتر في يقول، والضمير في سياق النفى فكان أحد كذلك، وقال في ليلة لا ترى بها أحدا * يحكى علينا إلا كواكبها [ 224 ] فرفع كواكبها بدلا من ضمير يحكى، لانه راجع إلى " أحدا "، وهو واقع في سياق غير الايجاب، فكان الضمير كذلك. وهذا الباب واسع، ولقد حكى أبو عمرو بن العلاء أنه سمع شخصا من أهل اليمن يقول: فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها، فقال له: كيف قلت أتته كتابي ؟ فقال: أليس الكتاب في معنى الصحيفة ؟. وقال أبو عبيدة لرؤبة بن العجاج لما أنشد: 910 - فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق إن أردت الخطوط فقل: كأنها، أو السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت ذلك ويلك. وقالوا " مررت برجل أبى عشرة نفسه، وبقوم عرب كلهم، وبقاع عرفج كله " برفع التوكيد فيهن، فرفعوا الفاعل بالاسماء الجامدة، وأكدوه لما لحظوا فيها المعنى، إذ كان العرب بمعنى الفصحاء، والعرفح بمعنى الخشن، والاب بمعنى الولد. تنبيهان - الاول: أنه وقع في كلامهم أبلغ مما ذكرنا من تنزيلهم لفظا موجودا منزلة لفظ آخر لكونه بمعناه، وهو تنزيلهم اللفظ [ المعدوم ] الصالح للوجود بمنزلة الموجود كما في قوله: بدالى أنى لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا [ 135 ] وقد مضى ذلك.

[ 679 ]

والثانى: أنه ليس بلازم أن يعطى الشئ حكم ما هو في معناه، ألا ترى أن المصدر قد لا يعطى حكم أن أو أن وصلتهما، وبالعكس، دليل الاول أنهم لم يعطوه حكمهما في جواز حذف الجار، ولا في سدهما مسد جزءى الاسناد، ثم إنهم شركوا بين أن وأن في هذه المسألة في باب ظن، وخصوا أن الخفيفة وصلتها بسدها مسدهما في باب عسى، وخصوا الشديدة بذلك في باب لو، ودليل الثاني أنهما لا يعطيان حكمه في النيابة عن ظرف الزمان، تقول: عجبت من قيامك، وعجبت أن تقوم، وأنك قائم، ولا يجوز: عجبت قيامك، وشذ قوله: 911 - فإياك إياك المراء فإنه * إلى الشر دعاء وللشر جالب فأجرى المصدر مجرى أن يفعل في حذف الجار، وتقول " حسبت أنه قائم، أو أن قام " ولا تقول " حسبت قيامك " حتى تذكر الخبر، وتقول " عسى أن تقوم " ويمتنع: عسى أنك قائم، ومثلها في ذلك لعل، وتقول: لو أنك تقوم، ولا تقول لو أن تقوم، وتقول: جئتك صلاة العصر، ولا يجوز " جئتك أن تصلى العصر " خلافا لابن جنى والزمخشري. والثانى - وهو ما أعطى حكم الشئ المشبه له في لفظه دون معناه - له صور كثيرة أيضا: أحدها: زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية، وبعد ما التى بمعنى الذى، لانهما بلفظ ما النافية كقوله: ورج الفتى للخير ما إن رأيته * على السن خيرا لا يزال يزيد [ 27 ] وقوله: يرجى المرء ما إن لا يراه * وتعرض دون أدناه الخطوب [ 26 ] فهذان محمولان على نحو قوله: 912 - ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * كاليوم هانئ أينق جرب

[ 680 ]

الثانية: دخول لام الابتداء على ما النافية: حملا لها في اللفظ على ما الموصولة الواقعة مبتدأ، كقوله: 913 - لما أغفلت شكرك فاصطنعني * فكيف ومن عطائك جل مالى ؟ فهذا محمول في اللفظ على نحو قولك " لما تصنعه حسن ". الثالثة: توكيد المضارع بالنون بعد لا النافية حملا لها في اللفظ على لا الناهية نحو (أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده) ونحو (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فهذا محمول في اللفظ على نحو (ولا تحسبن الله غافلا) ومن أولها على النهى لم يحتج إلى هذا. الرابعة: حذف الفاعل في نحو قوله تعالى (أسمع بهم وأبصر) لما كان " أحسن بزيد " مشبها في اللفظ لقولك " امرر بزيد ". الخامسة: دخول لام الابتداء بعد إن التى بمعنى نعم، لشبهها في اللفظ بإن المؤكدة، قاله بعضهم في قراءة من قرأ (إن هذان لساحران) وقد مضى البحث فيها. السادسة: قولهم " اللهم اغفر لنا أيتها العصابة " بضم أية ورفع صفتها كما يقال " يا أيتها العصابة " وإنما [ كان ] حقهما وجوب النصب كقولهم " نحن العرب أقرى الناس للضيف " ولكنها لما كانت في اللفظ بمنزلة المستعملة في النداء أعطيت حكمها وإن انتفى موجب البناء، وأما " نحن العرب " في المثال فإنه لا يكون منادى، لكونه بأل، فأعطى الحكم الذى يستحقه في نفسه، وأما نحو " نحن معاشر الانبياء لا نورث " فواجب النصب، سواء اعتبر حاله أو حال ما يشبهه وهو المنادى. السابعة: بناء باب حذام في لغة الحجاز على الكسر، تشبيها لها بدراك ونزال، وذلك مشهور في المعارف، وربما جاء في غيرها، وعليه وجه قوله: 914 - يا ليت حظى من جداك الصافى * والفضل أن تتركني كفاف

[ 681 ]

فالاصل كفافا، فهو حال، أو ترك كفاف، فمصدر، ومنه عند أبى حاتم قوله: 915 - جاءت لتصرعني، فقلت لها: اقصرى * إنى امرؤ صرعى عليك حرام وليس كذلك، إذ ليس لفعله فاعل أو فاعلة، فالاولى قول الفارسى إن أصله " حرامى " كقوله: [ أطربا وأنت قنسرى ] * والدهر بالانسان دوارى [ 12 ] ثم خفف، ولو أقوى (1) لكان أولى، وأما قوله: طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين يقاء [ 413 ] فعلة بنائه قطعه عن الاضافة، ولكن علة كسره وكونه لم يسلك به في الضم مسلك قبل وبعد شبهه بنزال. الثامنة: بناء حاشا في (وقلن حاش لله) لشبهها في اللفظ بحاشا الحرفية، والدليل على اسميتها قراءة بعضهم (حاشا) بالتنوين على إعرابها كما تقول " تنزيها لله " وإنما قلنا إنها ليست حرفا لدخولها على الحرف، ولا فعلا إذ ليس بعدها اسم منصوب بها، وزعم بعضهم أنها فعل حذف مفعوله، أي جانب يوسف المعصية لاجل الله وهذا التأويل لا يتأتى في كل موضع، يقال لك: أتفعل كذا ؟ أو أفعلت كذا ؟ فنقول " حاشا لله " فإنما هذه بمعنى تبرأت لله براءة من هذا الفعل، ومن نونها أعربها على إلغاء هذا الشبه، كما أن بنى تميم أعربوا باب حذام لذلك. التاسعة: قول بعض الصحابة رضى الله تعالى عنهم " قصرنا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا قط وآمنه " فأوقع قط بعد ما المصدرية كما تقع بعد ما النافية. العاشرة: إعطاء الحرف حكم مقاربه في المخرج حتى أدغم فيه، نحو (خلق كل شئ) و (لك قصورا) وحتى اجتمعا رويبن كقوله:


(1) أقوى: أي خالف بين حركات الروى، فرفع حرام لكونه خبر المبتدأ. (*)

[ 682 ]

916 - بنى إن البر شئ هين * المنطق الطيب والطعيم وقول أبى جهل: ما تنقم الحرب العوان منى * بازل عامين حديث سنى * لمثل هذا ولدتني أمي * [ 58 ] وقول آخر: 917 - إذا ركبت فاجعلوني وسطا * إنى كبير لا أطيق العندا (1) ويسمى ذلك إكفاء. والثالث - وهو ما أعطى حكم الشئ لمشابهته له لفظا ومعنى - نحو اسم التفضيل وأفعل في التعجب، فإنهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر لشبهه بأفعل في التعجب وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة، وأجازوا تصغير أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل فيما ذكرنا، قال: 918 - ياما أميلح غزلانا شدن لنا * [ من هؤ ليائكن الضال والسمر ] ولم يسمع ذلك إلا في أحسن وأملح، ذكره الجوهري، ولكن النحويين مع هذا قاسوه، ولم يحك ابن مالك اقتياسه إلا عن ابن كيسان، وليس كذلك، قال أبو بكر بن الانباري: ولا يقال إلا لمن صغر سنه. القاعدة الثانية أن الشئ يعطى حكم الشئ إذا جاوره كقول بعضهم " هذا جحر ضب خرب " بالجر، والاكثر الرفع، وقال:


(1) العند: جمع عاند - بوزن راكع وركع - وهو الذى يحيد عن الطريق. (*)

[ 683 ]

[ كأن أبانا في عرانين وبله ] * كبير أناس في بجاد مزمل [ 759 ] وقيل به في (وحور عين) فيمن جرهما، فإن العطف على (ولدان مخلدون) لا على (أكواب وأباريق) إذ ليس المعنى أن الولدان يطوفون عليهم بالحور، وقيل: العطف على (جنات) وكأنه قيل: المقربون في جنات وفاكهة ولحم طير وحور، وقيل: على (أكواب) باعتبار المعنى، إذ معنى (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب) ينعمون بأكواب، وقيل في (وأرجلكم) بالخفض: إنه عطف على (أيديكم) لا على (رءوسكم)، إذ الارجل مغسولة لا ممسوحة، ولكنه خفض لمجاورة (رءوسكم) والذى عليه المحققون أن خفض الجوار يكون في النعت قليلا كما مثلنا، وفى التوكيد نادرا كقوله: 919 - يا صاح بلغ ذوى الزوجات كلهم * أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب قال الفراء: أنشدنيه أبو الجراح بخفض كلهم، فقلت له: هلا قلت كلهم - يعنى بالنصب - فقال: هو خير من الذى (1) قلته أنا، ثم استنشدته إياه، فأنشدنيه بالخفض، ولا يكون في النسق، لان العاطف يمنع من التجاور، وقال الزمخشري: لما كانت الارجل من بين الاعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها كانت مظنة الاسراف المذموم شرعا، فعطف (2) على الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل (إلى الكعبين) فجئ بالغاية إماطة لظن من يظن أنها ممسوحة، لان المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، انتهى. تنبيه - أنكر السيرافى وابن جنى الخفض على الجوار، وتأولا قولهم " خرب " بالجر على أنه صفة لضب.


(1) في نسخة " مما قلته أنا ". (2) في نسخة " فعطفت ". (*)

[ 684 ]

ثم قال السيرافى: الاصل خرب الجحر منه، بتنوين خرب ورفع الجحر، ثم حذف الضمير للعلم به، وحول الاسناد إلى ضمير الضب، وخفض الجحر كما تقول " مررت برجل حسن الوجه " بالاضافة، والاصل حسن الوجه منه ثم أتى بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر. وقال ابن جنى: الاصل خرب جحره، ثم أنيب المضاف إليه عن المضاف فارتفع واستتر. ويلزمهما استتار الضمير مع جريان الصفة على غير من هي له، وذلك لا يجوز عند البصريين وإن أمن اللبس، وقول السيرافى إن هذا مثل " مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين " مردود، لان ذلك إنما يجوز في الوصف الثاني دون الاول على ما سيأتي. ومن ذلك قولهم " هنأني ومرأنى " والاصل أمرأنى، وقولهم " هو رجس نجس " بكسر النون وسكون الجيم، والاصل نجس بفتحة فكسرة، كذا قالوا، وإنما يتم هذا أن لو كانوا لا يقولون هذا نجس بفتحة فكسرة، وحينئذ فيكون محل الاستشهاد إنما هو الالتزام للتناسب، وأما إذا لم يلتزم فهذا جائز بدون تقدم رجس، إذ يقال فعل بكسرة فسكون في كل فعل بفتحة فكسرة، نحو: كتف ولبن ونبق، وقولهم " أخذه ما قدم وما حدث " بضم دال حدث، وقراءة جماعة (سلاسلا وأغلالا) بصرف سلاسل، وفى الحديث " ارجعن مأزورات غير مأجورات " والاصل موزورات بالواو لانه من الوزر، وقراءة أبى حبة (يؤقنون) بالهمزة، وقوله: 920 - أحب المؤقدين إلى مؤسى * وجعدة، إذ أضاءهما الوقود

[ 685 ]

بهمز " المؤقدين ومؤسى " على إعطاء الواو المجاورة للضمة حكم الواو المضمومة، فهمزت كما قيل في وجوه: أجوه: وفى وقتت: أقتت، ومن ذلك قولهم في صوم: صيم، حملا على قولهم في عصو عصى، وكان أبو على ينشد في مثل ذلك: 921 - * قد يؤخذ الجار بجرم الجار * القاعدة الثالثة قد يشربون لفظا معنى لفظ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضمينا. وفائدته: أن تؤدى كلمة مؤدى كلمتين، قال الزمخشري: ألا ترى كيف رجع معنى (ولا تعد عيناك عنهم) إلى قولك: ولا تقتحم عيناك مجاوزين إلى غيرهم (ولا تأكلوا أمولهم إلى أموالكم) أي ولا تضموها إليها آكلين، اه‍. ومن مثل ذلك أيضا قوله تعالى (الرفث إلى نسائكم) ضمن الرفث معنى الافضاء، فعدى بإلى مثل (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) وإنما أصل الرفث أن يتعدى بالباء، يقال: أرفث فلان بامرأته، وقوله تعالى (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) أي فلن تحرموه، أي فلن تحرموا ثوابه، ولهذا عدى إلى اثنين لا إلى واحد، وقوله تعالى (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي لا تنووا، ولهذا عدى بنفسه لا بعلى، وقوله تعالى (لا يسمعون إلى الملا الاعلى) أي لا يصغون. وقولهم " سمع الله لمن حمده " أي استجاب، فعدى يسمع في الاول بإلى وفى الثاني باللام، وإنما أصله أن يتعدى بنفسه مثل (يوم يسمعون الصيحة) وقوله تعالى (والله يعلم المفسد من المصلح) أي يميز، ولهذا عدى بمن لا بنفسه، وقوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم) أي يمتنعون من وطئ نسائهم بالحلف، فلهذا عدى بمن، ولما خفى التضمين على بعضهم في الآية، ورأى أنه لا يقال " حلف من كذا " بل حلف عليه - قال: من متعلقة بمعنى للذين، كما تقول لى منك مبرة، قال وأما قول الفقهاء " آلى من امرأته " فغلط أوقعهم فيه عدم فهم المتعلق في الآية، وقال أبو كبير الهذلى:

[ 686 ]

922 - حملت به في ليلة مزءودة * كرها، وعقد نطاقها لم يحلل وقال قبله: 923 - ممن حملن به وهن عواقد * حبك النطاق فشب غير مهبل مزءودة أي مذعورة، ويروى بالجر صفة لليلة مثل (والليل إذا يسر) وبالنصب حالا من المرأة، وليس بقوى، مع أنه الحقيقة، لان ذكر الليلة حينئذ لا كبير فائدة فيه. والشاهد فيهما أنه ضمن حمل معنى علق، ولولا ذلك لعدى بنفسه مثل (حملته أمه كرها)، وقال الفرزدق: 924 - كيف تراني قالبا مجنى * قد قتل الله زيادا عنى أي صرفه عنى بالقتل. وهو كثير، قال أبو الفتح في كتاب التمام: أحسب لو جمع ما جاء منه لجاء عنه كتاب يكون مئين أوراقا. القاعدة الرابعة أنهم يعلبون على الشئ ما لغيره، لتناسب بينهما، أو اختلاط. فلهذا قالوا " الابوين " في الاب والام، ومنه (ولابويه لكل واحد منهما السدس) وفى الاب والخالة، ومنه (ورفع أبويه على العرش) و " المشرقين، والمغربين " ومثله " الخافقان " في المشرق والمغرب، وإنما الخافق المغرب، ثم إنما سمى خافقا مجازا، وإنما هو مخفوق فيه، و " القمرين " في الشمس والقمر، قال المتنبي:

[ 687 ]

925 - واستقبلت قمر السماء بوجهها * فأرتنى القمرين في وقت معا أي الشمس وهو وجهها وقمر السماء. وقال التبريزي: يجوز أنه أراد قمرا وقمرا، لانه لا يجتمع قمران في ليلة كما أنه لا تجتمع الشمس والقمر، اه‍. وما ذكرناه أمدح، و " القمران " في العرف الشمس والقمر، وقيل: إن منه قول الفرزدق: 926 - أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وقيل: إنما أراد محمدا والخليل عليهما الصلاة والسلام، لان نسبه راجع إليهما بوجه، وإن المراد بالنجوم الصحابة، وقالوا " العمرين " في أبى بكر وعمر، وقيل: المراد عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلا تغليب، ويرد بأنه قيل لعثمان رضى الله عنه: نسألك سيرة العمرين، قال: نعم، قال قتادة: أعتق العمران فمن بينهما من الخلفاء أمهات الاولاد، وهذا المراد به عمر وعمر، وقالوا " العجاجين " في رؤبة والعجاج، و " المروتين " في الصفا والمروة. ولاجل الاختلاط أطلقت من على ما لا يعقل في نحو (فمنهم من يمشى على بطنه، ومنهم من يمشى على رجلين، ومنهم من يمشى على أربع) فإن الاختلاط حاصل في العموم السابق في قوله تعالى (كل دابة من ماء) وفى (من يمشى على رجلين) اختلاط آخر في عبارة التفصيل، فإنه يعم الانسان والطائر، واسم المخاطبين على الغائبين في قوله تعالى (اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) لان " لعل " متعلقة بخلقكم لا باعبدوا، والمذكرين على المؤنث حتى عدت منهم في (وكانت من القانتين) والملائكة على أبليس حتى استثنى منهم في (فسجدوا إلا إبليس) قال الزمخشري: والاستثناء متصل، لانه واحد

[ 688 ]

من بين أظهر الالوف من الملائكة، فغلبوا عليه في (فسجدوا) ثم استثنى منهم استثناء أحدهم، ثم قال: ويجوز أن يكون منقطعا. ومن التغليب (أو لتعودن في ملتنا) بعد (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا) فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن في ملتهم قط، بخلاف الذين آمنوا معه ومثله (جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرؤكم فيه) فإن الخطاب فيه شامل للعقلاء والانعام، فغلب المخاطبون والعاقلون على الغائبين والانعام، ومعنى (يذرؤكم فيه) يبثكم ويكثركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس وللانعام أزواجا حتى حصل بينهم التوالد، فجعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، فلذا جئ بفى دون الباء، ونظيره (ولكم في القصاص حياة) وزعم جماعة أن منه (يا أيها الذين آمنوا) ونحو (بل أنتم قوم تجهلون) وإنما هذا من مراعاة المعنى، الاول من مراعاة اللفظ. القاعدة الخامسة أنهم يعبرون بالفعل عن أمور. أحدها: وقوعه، وهو الاصل. والثانى: مشارفته، نحو (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن) أي فشارفن انقضاء العدة (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم) أي والذين يشارفون الموت وترك الازواج يوصون وصية (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية) أي لو شارفوا أن يتركوا، وقد مضت في فصل لو ونظائرها، ومما لم يتقدم ذكره قوله: 927 - إلى ملك كاد الجبال لفقده * تزول، وزال الراسيات من الصخر

[ 689 ]

الثالث: إرادته، وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط نحو (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن) (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (وإذا تناجيتم فلا تتناجوا بالاثم والعدوان) (إذا ناجيتم الرسول فقدموا - الآية) (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وفى الصحيح " إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل ". ومنه في غيره (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) أي فأردنا الاخراج (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) لان ثم للترتيب، ولا يمكن هنا مع الحمل على الظاهر، فإذا حمل خلقنا وصورنا على إرادة الخلق والتصوير لم يشكل. وقيل: هما على حذف مضافين، أي خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم. ومثله (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) أي أردنا إهلاكها (ثم دنى فتدلى) أي أراد الدنو من محمد عليه الصلاة والسلام، فتدلى فتعلق في الهواء، وهذا أولى من قول من ادعى لقلب في هاتين الآيتين وأن التقدير: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، ثم تدلى فدنى، وقال: 928 - فارقنا قبل أن نفارقه * لما قضى من جماعنا وطرا أي أراد فراقنا وفى كلامهم عكس هذا، وهو التعبير بإرادة الفعل عن إيجاده، نحو (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) بدليل أنه قوبل بقوله سبحانه وتعالى (ولم يفرقوا بين أحد منهم) والرابع: القدرة عليه، نحو (وعدا علينا إنا كنا فاعلين) أي قادرين على الاعادة، وأصل ذلك أن الفعل يتسبب عن الارادة والقدرة، وهم يقيمون سبب

[ 690 ]

مقام المسبب وبالعكس، فالاول نحو (ونبلو أخباركم) أي ونعلم أخباركم، لان الابتلاء الاختبار، وبالاختبار يحصل العلم، وقوله تعالى (هل يستطيع ربك) الآية في قراءة غير الكسائي يستطيع بالغبة ؟ وربك بالرفع، معناه هل يفعل ربك، فعبر عن الفعل بالاستطاعة لانها شرطه، أي هل ينزل علينا ربك مائدة إن دعوته. ومثله (فظن أن لن نقدر عليه) أي لن نؤاخذه، فعبر عن المؤاخذة بشرطها، وهو القدرة عليها. وأما قراءة الكسائي (1) فتقديرها هل تستطيع سؤال ربك، فحذف المضاف، أو هل تطلب طاعة ربك في إنزال المائدة أي استجابته، ومن الثاني (فاتقوا النار) أي [ فاتقوا ] العناد الموجب للنار. القاعدة السادسة أنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشئ الحاضر قصدا لاحضاره في الذهن حتى كأنه مشاهد حالة الاخبار، نحو (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة) لان لام الابتداء للحال، ونحو (هذا من شيعته وهذا من عدوه) إذ ليس المراد تقريب الرجلين من النبي صلى الله عليه وسلم، كما نقول: هذا كتابك فخذه، وإنما الاشارة كانت إليهما في ذلك الوقت هكذا فحكيت، ومثله (والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا) قصد بقوله سبحانه وتعالى (فتثير) إحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب، تبدو أولا قطعا ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى تصير ركاما. ومنه (ثم قال له كن فيكون) أي فكان (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق) (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) إلى قوله تعالى: (ونرى فرعون وهامان) ومنه عند الجمهور (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) أي يبسط ذراعيه، بدليل (ونقلبهم)


(1) قرأ الكسائي (هل تستطيع ربك) بتاء المضارعة وبنصب ربك. (*)

[ 691 ]

ولم يقل وقلبناهم، وبهذا التقرير يندفع قول الكسائي وهشام: إن اسم الفاعل الذى بمعنى الماضي يعمل، ومثله (والله مخرج ما كنتم تكتمون) إلا أن هذا على حكاية حال كانت مستقبلة وقت التدارؤ، وفى الآية الاولى حكيت الحال الماضية، ومثلها قوله: 929 - جارية في رمضان الماضي * تقطع الحديث بالايماض ولولا حكاية الحال في قول حسان: يغشون حتى لا تهر كلابهم * [ لا يسألون عن السواد المقبل ] [ 197 ] لم يصح الرفع، لانه لا يرفع إلا وهو للحال، ومنه قوله تعالى: (حتى يقول الرسول) بالرفع. القاعدة السابعة أن اللفظ قد يكون على تقدير، وذلك المقدر على تقدير آخر، نحو قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) فإن يفترى مؤول بالافتراء، والافتراء مؤول بمفترى، وقال: 930 - لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى * ولكنما الفتيان كل فتى ندى وقالوا " عسى زيد أن يقوم " فقيل: هو على ذلك، وقيل: على حذف مضاف، أي عسى أمر زيد، أو عسى زيد صاحب القيام، وقيل: أن زائدة، ويرده عدم صلاحيتها للسقوط في الاكثر، وأنها قد عملت، والزائد لا يعمل، خلافا لابي الحسن، وأما قول أبى الفتح في بيت الحماسة:

[ 692 ]

931 - حتى يكون عزيزا في نفوسهم * أو أن يبين جميعا وهو مختار يجوز كون أن زائدة: فلان النصب هنا يكون بالعطف لا بأن، وقيل في (ثم يعودون لما قالوا) إن (ما قالوا) بمعنى القول، والقول بتأويل المقول، أي يعودون للمقول فيهن لفظ الظهار وهن الزوجات، وقال أبو البقاء في (حتى تنفقوا مما تحبون): يجوز عند أبى على كون ما مصدرية، والمصدر في تأويل اسم المفعول، اه‍. وهذا يقتضى أن غير أبى على لا يجيز ذلك. وقال السيرافى: إذا قيل: " قاموا ما خلا زيدا، وما عدا زيدا " فما مصدرية، وهى وصلتها حال، وفيه معنى الاستثناء، قال ابن مالك: فوقعت الحال معرفة لتأولها بالنكرة، اه‍. والتأويل خالين عن زيد، ومتجاوزين زيدا، وأما قول ابن خروف والشلوبين " إن ما وصلتها نصب على الاستثناء " فغلط لان معنى الاستثناء قائم بما بعدهما لا بهما، والمنصوب على معنى لا يليق ذلك المعنى بغيره. القاعدة الثامنة كثيرا ما يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الاوائل، فمن ذلك " كل شاة وسخلتها بدرهم " و 932 - * أي فتى هيجاء أنت وجارها * و " رب رجل وأخيه " (وإن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت) ولا يجوز: كل سخلتها، ولا أي جارها، ولا رب أخيه، ولا يجوز " إن يقم زيد قام عمرو " في الاصح، إلا في الشعر كقوله: 933 - ان يسمعوا سبة طاروا بها فرحا * عنى، وما يسمعوا من صالح دفنوا

[ 693 ]

إذ لا تضاف كل وأى إلى معرفة مفردة، كما أن اسم التفضيل كذلك، ولا تجر رب إلا النكرات، ولا يكون في النثر فعل الشرط مضارعا والجواب ماضيا، وقال الشاعر: 934 - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فإنا معشر نزل فقال يونس: أراد أو أنتم تنزلون، فعطف الجملة الاسمية على جملة الشرط، وجعل سيبويه ذلك من العطف على التوهم، قال: فكأنه قال: أتركبون فذلك عادتنا أو تنزلون فنحن معرفون بذلك، ويقولون: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين ويمتنع قائمين لا قاعد أبواه، على إعمال الثاني وربط الاول بالمعنى. القاعدة التاسعة أنهم يتسعون في الظرف والمجرور ما لا يتسعون في غيرهما، فلذلك فصلوا بهما الفعل الناقص من معموله نحو " كان في الدار - أو عندك - زيد جالسا " وفعل التعجب من المتعجب منه نحو " ما أحسن في الهيجاء لقاء زيد، وما أثبت عند الحرب زيدا " وبين الحرف الناسخ ومنسوخه نحو قوله: 935 - فلا تلحني فيها فإن بحبها * أخاك مصاب القلب جم بلا مله وبين الاستفهام والقول الجارى مجرى الظن كقوله 936 - أبعد بعد تقول الدار جامعة * [ شملى بهم أم تقول البعد محتوما ] وبين المضاف وحرف الجر ومجرورهما، وبين إذن ولن ومنصوبهما نحو " هذا غلام والله زيد، واشتريته بوالله درهم " وقوله: 937 - إذن والله نرميهم بحرب * [ تشيب الطفل من قبل المشيب ]

[ 694 ]

وقوله: لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا * أدع القتال وأشهد الهيجاء [ 461 ] وقدموهما خبرين على الاسم في باب إن نحو (إن في ذلك لعبرة) ومعمولين للخبر في باب ما نحو " ما في الدار زيد جالسا " وقوله: 938 - [ بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا ] * فما كل حين من تؤاتي مؤاتيا فإن كان المعمول غيرهما بطل عملها كقوله: 939 - [ وقالوا: تعرفها المنازل من منى ] * وما كل من وافى منى أنا عارف ومعمولين لصلة أل نحو (وكانوا فيه من الزاهدين) في قول، وعلى الفعل المنفى بما في نحو قوله: * ونحن عن فضلك ما استغنينا * [ 137 ] وقيل: وعلى إن معمولا لخبرها في نحو أما بعد فإنى أفعل كذا وكذا، وقوله: أبا خراشة أما أنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع [ 44 ] وعلى العامل المعنوي في نحو قولهم " أكل يوم لك ثوب ". وأقول: أما مسألة أما فاعلم أنه إذا تلاها ظرف، ولم يل الفاء ما يمتنع تقدم معموله عليه نحو " أما في الدار - أو عندك - فزيد جالس " جاز كونه معمولا لاما أو لما بعد الفاء، فإن تلا الفاء ما لا يتقدم معموله عليه نحو " أما زيدا - أو اليوم - فإنى صارب " فالعامل فيه عند المازنى أما فتصح مسألة الظرف فقط، لان الحروف لا تنصب المفعول به، وعند المبرد تجوز مسألة الظرف من وجهين، ومسألة المفعول به

[ 695 ]

من جهة إعمال ما بعد الفاء، واحتج بأن " أما " وضعت على أن ما بعد فاء جوابها يتقدم بعضه فاصلا بينها وبين أما، وجوزه بعضهم في الظرف دون المفعول به، وأما قوله * أما أنت ذا نفر * [ 44 ] فليس المعنى على تعلقه بما بعد الفاء، بل هو متعلق تعلق المفعول لاجله بفعل محذوف، والتقدير: ألهذا فخرت على ؟ وأما المسألة الاخيرة فمن أجاز " زيد جالسا في الدار " لم يكن ذلك مختصا عنده بالظرف. القاعدة العاشرة من فنون كلامهم القلب. وأكثر وقوعه في الشعر، كقول حسان رضى الله تعالى عنه: كأن سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء [ 694 ] فيمن نصب المزاج، فجعل المعرفة الخبر والنكرة الاسم، وتأوله الفارسى على أن انتصاب المزاج على الظرفية المجازية، والاولى رفع المزاج ونصب العسل، وقد روى كذلك أيضا، فارتفاع ماء بتقدير وخالطها ماء، ويرى برفعهن على إضمار الشأن، وأما قول ابن أسد إن كان زائدة فخطأ، لانها لا تزاد بلفظ المضارع بقياس، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك هنا، وقول رؤبة: 940 - ومهمه مغبرة أرجاؤه * كأن لون أرضه سماؤه أي كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فعكس التشبيه مبالغة، وحذف المضاف، وقال آخر: 941 - فإن أنت لاقيت في نجدة * فلا تتهيبك أن تقدما أي تتهيبها، وقال ابن مقبل: 942 - ولا تهيبني الموماة أركبها * إذا تجاوبت الاصداء بالسحر أي ولا أتهيبها، وقال كعب:

[ 696 ]

943 - كأن أوب ذراعيها إذا عرقت * رقد تلفع بالقور العساقيل القور: جمع قارة، وهى الجبل الصغير، والعساقيل: اسم لاوائل السراب، ولا واحد له، والتلفع: الاشتمال، وقال عروة بن الورد: 944 - فديت بنفسه نفسي ومالى * وما آلوك إلا ما أطيق وقال القطامى: 945 - فلما أن جرى سمن عليها * كما طينت بالفدن السياعا الفدن: القصر، والسياع: الطين، ومنه في الكلام " أدخلت القلنسوة في رأسي " و " عرضت الناقة على الحوض " و " عرضتها على الماء " قاله الجوهرى وجماعة منهم السكاكى والزمخشري، وجعل منه (ويوم يعرض الذين كفروا على النار) وفى كتاب التوسعة ليعقوب بن إسحاق السكيت: إن " عرضت الحوض على الناقة " مقلوب، وقال آخر: لا قلب في واحد منهما، واختاره أبو حيان، ورد على قول الزمخشري في الآية، وزعم بعضهم في قول المتنبي: 946 - وعذلت أهل العشق حتى ذقته * فعجبت كيف يموت من لا يعشق أن أصله كيف لا يموت من يعشق، والصواب خلافه، وأن المراد أنه صار يرى أن لا سبب للموت سوى العشق، ويقال: إذا طلعت الجوزاء انتصب العود في الحرباء، أي انتصب الحرباء في العود. وقال ثعلب في قوله تعالى (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه): إن المعنى اسلكوا فيه سلسلة، وقيل: إن منه (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) (ثم دنى فتدلى) وقد مضى تأويلهما ونقل الجوهرى في (فكان قاب قوسين) أن أصله قابى قوس، فقلبت التثنية

[ 697 ]

بالافراد، وهو حسن إن فسر القاب بما بين مقبض القوس وسيتها أي طرفها، ولها طرفان، فله قابان، ونظير هذا إنشاد ابن الاعرابي: 947 - إذا أحسن ابن العم بعد إساءة * فلست لشرى فعله بحمول أي فلست لشر فعليه قيل: ومن القلب (اذهب بكتابي هذا) الآية: وأجيب بأن المعنى ثم تول عنهم إلى مكان يقرب منهم، ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ماذا يرجعون، وقيل في (فعميت عليهم): إن المعنى فعميتم عنها (1)، وفى (حقيق على أن لا أقول) الآية فيمن جر بعلى بعد أن وصلتها على أن المعنى حقيق على، بإدخالها على ياء المتكلم كما قرأ نافع: وقيل: ضمن حقيق معنى حريص، وفى (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة): إن المعنى لتنوء العصبة بها أي تنهض بها متثاقلة، وقيل الباء للتعدية كالهمزة، أي لتنئ العصبة، أي تجعلها تنهض متثاقلة. القاعدة الحادية عشرة من ملح كلامهم تقارض اللفظين في الاحكام، ولذلك أمثلة: أحدها: إعطاء " غير " حكم إلا في الاستثناء بها نحو (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) فيمن نصب غير، وإعطاء " إلا " حكم غير في الوصف بها نحو (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). والثانى: إعطاء أن المصدرية حكم " ما " المصدرية في الاهمال كقوله: أن تقرآن على أسماء ويحكما * مني السلام وأن لا تشعرا أحدا [ 35 ] الشاهد في " أن " الاولى، وليست مخففة من الثقيلة، بدليل أن المعطوفة عليها، وإعمال " ما " حملا على أن كما روى من قوله عليه الصلاة والسلام " كما تكونوا يولى عليكم " ذكره ابن الحاجب، والمعروف في الرواية كما تكونون.


(1) الصواب أن يقال " فعموا عنها " أو تتلى آية هود (فعميت عليكم) ليكون المعنى " فعميتم عنها ". (*)

[ 698 ]

والثالث: إعطاء إن الشرطية حكم لو في الاهمال كما روى في الحديث " فإن لا تراه فإنه يراك " وإعطاء لو حكم إن في الجزم كقوله: لو يشأ طار بها ذو ميعة * [ لاحق الآطال نهد ذو خصل ] [ 436 ] ذكر الثاني ابن الشجرى، وخرجه غيره على أنه [ جاء ] على لغة من يقول شايشا - بالالف - ثم أبدلت الالف همزة على حد قول بعضهم العألم والخأتم - بالهمزة - ويؤيده أنه لا يجوز مجئ إن الشرطية في هذا الموضع، لانه إخبار عما مضى، فالمعنى لو شاء، وبهذا يقدح أيضا في تخريج الحديث السابق على ما ذكر، وهو تخريج ابن مالك، والظاهر أنه يتخرج على إجراء المعتل مجرى الصحيح كقراءة قنبل (إنه من يتقى ويصبر فإن الله) ؟ ؟ ياء يتقى وجزم يصبر. والرابع: إعطاء إذا حكم متى في الجزم بها كقوله: [ استغن ما أغناك ربك بالغني ] * وإذا تصبك خصاصة فتحمل [ 132 ] وإهمال متى حكما لها بحكم إذا، كقول عائشة رضى الله عنها " وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس ". والخامس: إعطاء لم حكم لن في عمل النصب، ذكره بعضهم مستشهدا بقراءة بعضهم (ألم نشرح) بفتح الحاء، وفيه نظر، إذ لا تحل لن هنا، وإنما يصح - أو يحسن - حمل الشئ على ما يحل محله كما قدمنا، وقيل: أصله " نشرحن " ثم حذفت النون الخفيفة وبقى الفتح دليلا عليها، وفى هذا شذوذان: توكيد المنفى بلم مع أنه كالفعل الماضي في المعنى، وحذف النون لغير مقتض مع أن المؤكد لا يليق به الحذف، وإعطاء لن حكم لم في الجزم كقوله: لن يخب الآن من رجائك من * حرك من دون بابك الحلقه [ 466 ]

[ 699 ]

الرواية بكسر الباء. والسادس: إعطاء ما النافية حكم ليس في الاعمال، وهى لغة أهل الحجاز نحو (ما هذا بشرا) وإعطاء ليس حكم ما في الاهمال عند انتقاض النفى بإلا كقولهم " ليس الطيب إلا المسك " وهى لغة بنى تميم. والسابع: إعطاء عسى حكم لعل في العمل كقوله: [ تقول بنتى قد أنى أنا كا ] * يا أبتا علك أو عساكا [ 246 ] وإعطاء لعل حكم عسى في اقتران خبرها بأن، ومنه الحديث " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ". والثامن: إعطاء الفاعل إعراب المفعول وعكسه عند أمن اللبس، كقولهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، وقال الشاعر: 948 - مثل القنافذ هداجون قد بلغت * نجران أو بلغت سوآتهم هجر وسمع أيضا نصبهما كقوله: 949 - قد سالم الحيات منه القدما * [ الافعوان والشجاع الشجعما ] في رواية من نصب الحيات، وقيل: القدما تثنية حذفت نونه للضرورة كقوله: هما خطتا إما إسار ومنة * [ وإما دم، والقتل بالحر أجدر ] [ 884 ] فيمن رواه برفع إسار ومنة، وسمع أيضا رفعهما كقوله: 950 - إن من صاد عقعقا لمشوم * كيف من صاد عقعقان وبوم

[ 700 ]

والتاسع: إعطاء " الحسن الوجه " حكم " الضارب الرجل " في النصب، وإعطاء " الضارب الرجل " حكم " الحسن الوجه " في الجر. والعاشر: إعطاء أفعل في التعجب حكم أفعل التفضيل، في جواز التصغير، وإعطاء أفعل التفضيل حكم أفعل في التعجب في أنه لا يرفع الظاهر، وقد مر ذلك. ولو ذكرت أحرف الجر ودخول بعضها على بعض في معناه لجاء من ذلك أمثلة كثيرة...... وهذا آخر ما تيسر إيراده في هذا التأليف، وأسأل الله الذى من على بإنشائه وإتمامه في البلد الحرام، في شهر ذى القعدة الحرام، ويسر على إتمام ما ألحقت به من الزوائد في شهر رجب الحرام: أن يحرم وجهى على النار، وأن يتجاوز عما تحملته من الاوزار، وأن يوقظني من رفدة الغفلة قبل الفوت، وأن يلطف بى عند معالجة سكرات الموت، وأن يفعل ذلك بأهلى وأحبابي، وجميع المسلمين، وأن يهدى أشرف صلواته وأزكى تحياته إلى أشرف العالمين، وإمام العاملين: محمد نبى الرحمة، الكاشف في يوم الحشر بشفاعته الغمة، وعلى آله الهادين، وأصحابه الذين شادوا لنا قواعد الاسلام، ومهدوا الدين، وأن يسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلى وسلم وبارك على حبيبنا محمد عدد الرمل والدقيق وعدد الموج الدفيق، وسلم تسليما..... تنبيه - قد وضعنا رقما متتابعا للشواهد الشعرية، فإذا تكرر البيت وضعنا في المرة الاولى في

[ 700 ]

والتاسع: إعطاء " الحسن الوجه " حكم " الضارب الرجل " في النصب، وإعطاء " الضارب الرجل " حكم " الحسن الوجه " في الجر. والعاشر: إعطاء أفعل في التعجب حكم أفعل التفضيل، في جواز التصغير، وإعطاء أفعل التفضيل حكم أفعل في التعجب في أنه لا يرفع الظاهر، وقد مر ذلك. ولو ذكرت أحرف الجر ودخول بعضها على بعض في معناه لجاء من ذلك أمثلة كثيرة...... وهذا آخر ما تيسر إيراده في هذا التأليف، وأسأل الله الذى من على بإنشائه وإتمامه في البلد الحرام، في شهر ذى القعدة الحرام، ويسر على إتمام ما ألحقت به من الزوائد في شهر رجب الحرام: أن يحرم وجهى على النار، وأن يتجاوز عما تحملته من الاوزار، وأن يوقظني من رفدة الغفلة قبل الفوت، وأن يلطف بى عند معالجة سكرات الموت، وأن يفعل ذلك بأهلى وأحبابي، وجميع المسلمين، وأن يهدى أشرف صلواته وأزكى تحياته إلى أشرف العالمين، وإمام العاملين: محمد نبى الرحمة، الكاشف في يوم الحشر بشفاعته الغمة، وعلى آله الهادين، وأصحابه الذين شادوا لنا قواعد الاسلام، ومهدوا الدين، وأن يسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلى وسلم وبارك على حبيبنا محمد عدد الرمل والدقيق وعدد الموج الدفيق، وسلم تسليما..... تنبيه - قد وضعنا رقما متتابعا للشواهد الشعرية، فإذا تكرر البيت وضعنا في المرة الاولى في آخره رقم الصفحة أو الصفحات التى يتكرر فيها، ووضعنا في آخره في كل مرة بعد الاولى رقمه الذى استحقه أول مرة، فإذا رأيت بيتا وضع في أوله رقم فاعلم أنه لم يتقدم ذكره، وإذا رأيت في آخره رقما مسبوقا بحرف ص فاعلم أنه سيأتي في الصفحة أو الصفحات المذكورة أرقامها، وإذا رأيت في آخره رقما غير مسبوق بهذا الحرف فاعلم أنه قد سبق ذكره بهذا الرقم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية