الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح شافية ابن الحاجب - رضي الدين الأستراباذي ج 3

شرح شافية ابن الحاجب

رضي الدين الأستراباذي ج 3


[ 1 ]

شرح شافية ابن الحاجب تأليف الشيخ رضى الدين محمد بن الحسن الاستراباذي الخوي 686 ه‍ مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفى في عام 1093 من الهجرة حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبمهما، الأساتذة محمد نور الحسن المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزقراف المدرس في كلية اللغة العربية محمد محى الدين عبد الحميد المدر س في تخصص كلية اللغة العربية القسم الأول الجزء الثالث دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، قائد الغر المحجلين، سيدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه أجمعين.

[ 4 ]

قال: " الإمالة: أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة، وسببها قصد المناسبة لكسرة أو ياء، أو لكون الألف منقلبة عن مكسور أو ياء، أو صائرة ياء مفتوحة، وللفواصل أو لإمالة قبلها على وجه. فلكسرة قبل الألف في نحو عماد وشملال، ونحو در همان سوغه خفاء الهاء مع شذوذه، وتعدها في نحو عالم، ونحو من الكلام قليل، لعرضوها، بخلاف نحو من دار، للراء، وليس مقدارها الأصلى كملفظها على الأفصح كجاد وجواد، بخلاف سكون الوقف ". أقول: " ينحى بالفتحة " أي: تمال الفتحة نحو الكسرة: أي جانب الكسرة، ونحو الشئ: ناحيته وجهته، " ينحى " مسند إلى " نحو " ومعناه يقصد، والباء في " بالفتحة " لتعدية ينحى إلى ثانى المفعولين، وهو المقدم على الأول ههنا، وإنما لم يقل " ينحى بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء ". لأن الإمامة على ثلاثة أنواع: وإمالة فتحة قبل الألف إلى الكسرة، فيميل الألف نحو الياء، وإمالة فتحة قبل الهاء إلى الكسرة، كما في رحمة، وإمالة فتحة قبل الراء إليها، نحو الكبر، فإمالة الفتحة نحو الكسرة شاملة للأنواع الثلاثة، ويلزم من إماله فتحة الألف نحو الكسرة إمالة الألف نحو الياء، لأن الألف المحض لا يكون إلا بعد الفتح المحض، ويميل إلى جانب الياء بقدر إمالة الفتحة إلى جانب الكسرة ضرورة، فلما لزمتها لم يحتج إلى ذكرها. وليست الإمالة لغة جميع العرب، وأهل الحجاز لا يميلون، وأشدهم حرصا عليها بنو تميم، وإنما إمالة إذا بالغت في إذا بلغت في إمالة الفتحة نحو الكسرة، وما لم تبالغ فيه يسمى " بين اللفظين " و " ترقيقا ". والترقيق إنما يكون في الفتحة التى قبل الألف فقط.

[ 5 ]

وسبب الإمالة إما قصد مناسبة صوت نطقك بالفتحة لصوت نطقك بالكسرة التى قبلها كعماد، أو بعدها كعالم، أو لصوت نطقك بياء قبلها كسيال (1) وشيبان، أو قصد مناسبة صوت نطقك بالألف بصوت نطقك بأصل تلك الألف، وذلك إذا كانت منقلبة عن ياء أو واو مكسورة كباع وخاف، أو لصوت ما يصير إليه الألف في بعض المواضع كما في حبلى ومعزى، لقولك حبليان ومعزيان، والأولى أن تقول في إمالة نحو خاف وباع: إنها للتنبيه على أصل الألف، وما كان عليه قبل، وفى نحو حبلى ومعزى: إنها للتنبيه على الحالة التى تصير إليها الألف بعد في بعض الأحوال. قوله " أو لكون الألف منقلبة عن مكسور " عبارة ركيكة، لأن تقدير الكلام قصد المناسبة لكون الألف منقلبة عن مكسور، إذ هو عطف على قوله " للكسرة " فيكون المعنى أنك تقصد مناسبة صوتك بالفتحة والألف الممالتين لكون الألف عن ياء أو لكون الألف صائرة ياء. قوله " أو لإمالة قبلها على وجه " يجئ في موضعة. اعلم أن أسباب الإمالة ليست بموجبة لها، بل هي المجوزة لها عند من هي في لغته، وكل موضع يحصل فيه سبب الإمالة جاز لك الفتح، فأحد الأسباب الكسرة، وهى إما قبل الألف أو بعدها، والحرف المتحرك بالكسر لا يجوز أن يكون هو الحرف الذى يليه الألف، لأنها لا تلى إلا الفتحة، فالحرف المتحرك بالكسرة إما أن يكون بينه وبين الألف حرف أو حرفان، والأول أقوى في اقتضاء الإمالة لقربها، وإذا تتابع كسرتان كحلبلاب (2)، أو كسرة وياء نحو


(1) السيال: اسم جنس جمعى، واحدته سيالة - كسحابة - وهو شجر له شوك أبيض طويل، إذا نزع خرج منه اللبن، أو طال من السمر (2) الحبلاب - بكسر تين بعدهما سكون -: نبت ينبسط على الأرض وتدوم خضرته في القيظ، وله ورق أعرض من الكف، انظر (ح‍ 1 ص 63) (*)

[ 6 ]

كيزان، كان المقتضى أقوى، والتى بينها وبين الألف حزفان لا تقضى الإمالة إلا إذا كان الحرف الذى بينها وبين الألف سا كنا نحو شملال (1)، فإن كان متحركا نحو عنبا، أو كان بين الكسرة والألف ثلاثة أحرف لم يجز الإمالة وإن أحد الأحرف سا كنا، نحو ابنتا زيد وفتلت قنبا (2)، بلى أن كان الحرف المتحرك أو حرف الألف في الأول هاء نحو يريد أن يسفهنا، وينزعها، فإن ناسا من العرب كثيرا يميلها، لخفاء الهاء، فكأنها معدومة، فكأنه يسفنا وينزعا، وإذا كان ما قبل الهاء التى هي حرف الألف في مثله مضموما لم يجز فيه الإمالة أحد، نحو هو يضربها، لأن الهاء نع الضمة لا يجوز أن تكون كالعدم، إذاما قبل الألف لا يكون مضموما، ولخفة الهاء أجازوا في نحو مهارى مهارى، بإمالة الهاء والميم، لأنك كأنك قلت: مارى، وكذلك إن كان في الثاني أحد الثلاثة الأحرف التى بين الكسرة والألف هاء جازت الإمالة لكن على ضعف وشذوذ، نحو: درهما زيد، ودرهمان، وحبرها. فإن كانت الكسرة المتقدمة من كلمة أخرى نظر: فإن كانت إحدى الكلمتين غير مستقلة أكلاهما كانت الإمالة أحسن منها إذا كانتا مستقلتين، فالإمالة في بنابؤسى وبنا ومنا أحسن منها في لزيد مال، وبعبد الله. واعلم أن الإمالة في بعبد الله أكثر من إمالة نحو لزيد مال، لكثرة لفظ الله في كلامهم. إذا كان سبب الإمالة ضعيفا - لكون الكسرة بعيدة كما في نحو أن ينزعا، أو في كلمة أخرى نحو منا وإنا ومنها - وكانت والألف موقوفا عليها كان إمالتها


(1) تقول: ناقة شملال - كقر طاس - وشمليل - كقنديل - إذا كانت سريعة (2) القنب - بكسر أوله أو ضمه مع تشديد ثانية مفتوحا -: ضرب من الكتان، انظر (1 ح‍ ص 62) (*)

[ 7 ]

أحسن منها إذا كانت موصولة بما بعدها، لما ذكرنا في باب الوقففي قلبهم ألف أفعى في الوقف ياء دون الوصل، وهو كون الألف في الوصل يظهر جوهرها، بخلاف الوقف، فتقلب إلى حرف أظهر منها، فلذا كان ناس ممن يميل نحو أن يضربها ومنا وبنا ومنها إذا وصلوها لم يميلوها، نحو أن يضربها زيد، ومنا ذلك، لازمة نحو عابد وعالم ومفاتيح وهابيل، قيل: والمضصل في هذا كالمتصل نحو ثلثا درهم، وغلاما بشر، والظاهر أنها أضعف لعدم لزومها للألف، فهى كالكسرة العارضة للإعراب في كلمة الألف، نحو على بابه، ومن ماله، فإنه يجوز الإمالة لأجلها، لكنه أضعف من جواز إمالة نحو عابد وعالم، ويجوز في نحو بباب أن تكون الإمالة للكسرة المتقدمة أو للمتأخرة أو لكلتيهما، وأما إن كانت الكسرة الإعرابية على الراء فهى كالكسرة اللازمة في كلمة الألف، نحو عالم، وذلك لأنها وأن ضعفت بالعروض لكن تكرار الراء جبر وهنا فكأن الكسرة عليها كسرتان، وذلك نحو: من الدار، وفي الدار، وإن كان بين الألف والكسرة المتأخرة عنها حرف، نحو: على آخر، وعلى قاتل، فإن الكسرة لا تؤثر، وإنما أثرت المنفضلة عن الألف قبل ولم تؤثر بعد لأن الصعود بعد الهوى أشق من العكس، فإن رالت الكسرة التى بعد الألف لأجل الإغدام نحو جاد وجواد فالأفصح أن لا يعد بها، فلا تميل الألف لأنها ساقطة في اللفظ لزوما، وقد اعتبرها قوم ظرا إلى الأصل، كما أميل نحو " خاف " نظرا إلى كسرتها الأصلية، كما يجئ، فأمالوا نحو جاد وجواد، رفعا ونصبا وجرا، وبعضهم أمالها إذا كانت المدغم فيها مكسورة فقط لصيرورة الحرفين بالإدغام كحرف واحد. فيكون " من جاد " مثل " من مال " وإن ذهبت الكسرة لأجل الوقف - نحو راع، وماش - اختلف أيضا في الإمالة

[ 8 ]

وتركها، والأكثر يميلونه، والفرق بينه وبين الأول أن سكون الوقف عارض يزول في الوصل، بخلاف سكون الحرف المدغم، وإن كانت الكسرة المقدرة في الوقف في الراء - نحو من النار، ومن دار - فجواز الإمالة فيه أقوى لقوة الكسرة على الراء كما ذكرنا، فصارت لفرط القوة تؤثر مقدرة تأثيرها ظاهرة. قال: " ولا تؤثر الكسرة في منقلبة عن واو، ونحو من بابه وماله والكبا شاذ، كما شذ العشا والمكاو باب ومال والحجاج والناس لغير سبب. وأما إمالة الربا ومن دار فلأجل الراء " أقول أظن قوله: " ولا تؤثر الكسرة في المنقلبة عن واو " وهما نشأ له من قول صاحب المفضل " إن إمالة الكبا شاذ " قال: أي الزمخشري: " أما إمالة الربا فلأجل الراء " هذا قوله، وقال سيبويه: " ومما يميلون ألفه قولهم: مررت ببابه وأخذت من ماله في موضع الجر، شبهوه بكاتب وساجد، قال: وإمالة في هذا أضعف، لأن الكسرة لا تلزم، فضعفها سيبوته لأجل ضعف الكسرة لا لأجل أن الألف عن واو، ولو تؤثر الكسرة في إمالة الألف منقلبة عن واو لم يقل إن الإمالة ضعيفة لضعف الكسرة، بل قال: ممتنعة، لكون اللام بعدها، فتبين أنه لم يفرق في تأثير الكسرة بين الألف المنقلبة عن واو وبين غيرها، ولم أر أحدا فرق بينهما إلا الزمخشري والمصنف. والعشا: مصدر الأعشى والعشواء، والكبا: الكناسة، وهو واوى لتثنيته على كبوان، والمكا - بوزن العصا -: حجر الضب، (1) وبمعناه المكو


(1) قال في اللسان: " والمكو (بفتح فسكون والمكا - بالفتح مقصورا -: حجر الثعلب والأرنب ونحوهما، وقيل: مجثمهما " ا ه‍. وقال سيبوية (ح‍ 2 ص 260): " وقد قالوا البكا، والعشا، والمكا، وهو حجر الض " ا ه‍ (*)

[ 9 ]

وأما باب ومال فإنما تشذ إمالتهما في غير حال جر لا ميهما، قال سيبويه: قال ناس يوثق بعر بيتهم: هذا باب، وهذا مال، ورد المبرد ذلك، قال السيرافى: حكاية سيبويه عن العرب لا ترد، ويمال الحجاج علما، على الشذوذ، وأما إن كان صفة فلا، وأما إمالة الحجاج علما والناس أكثر من إمالة نحو " هذا باب، ومال " وأما إمالة نحو " بالناس " فليست بشاذة لأجل الكسرة. قال: " والياء إنما تؤثر قبلها في نحو سيال وشيبان " أقول: الياء: إما إن تكون قبل الألف، إو بعدها: فالتى قبلها إنما تؤثر إذا اتصلت بالألف كسيال، وهو شجر ذو شوك، لأن الحركة بعد الحرف، فالفتحة بعد الياء، فصارت الياء المفتوحة كالكسرة قبل الفتحة في نحو عماد، تؤثر أيضا إذا اتصلت بحرف الألف: إما ساكنة [ نحو شيبان ] (1) أو متحركة كالحيوان والحيدان، وإذا كانت قبل الياء التى هي حرف الألف الكائنة بعد فتحة كشوك السيال، أو بعد ضمة كالهيام، ودونها الياء الساكنة المتصلة بحرف الألف كشيبان، ودونها المتصلة بها المتحركة كالحيدان، وإنما كان نحو الحيدان في الإمالة دون شيبان - وإن كانت الفتحة متعقبة للياء - لأن الحركة بعد الحرف، كما تكرر ذكره، ففتحة ياء حيدان فاصلة بين الياء وفتحة الياء، وإنما أثرت الكسرة في نحو شملال مع أن بينها وبين حرف الألف حرفا، ولم تؤثر الياء كذلك في نحو ديدبان (2) وكيذبان (3)، لأن ذلك الحرف


(1) الزيادة عن الخطية (2) الديدبان: حمار الوحش، والرقيب، والطليعة، قال في القاموس إنه معرب (3) الكيذبان - بفتح الكاف وسكون الياء بعدها ذال معجمة مضمومة أو مفتوحة -: الكذاب (*)

[ 10 ]

الفاصل بين الكسرة وحرف الألف يشترط سونه كما مر به، فلم يفصل إذن بى الكسرة والفتحة الممالة ما يضاد الياء من الفتحة والضمة، وأما في نحو ديدبان وكيذبان فالفتحة والضمة فاصلتان بين الياء والفتحة المراد إمالتها، وإذا أضعفت الفتحة (1) حركة الياء فكيف إذا كانت على حرف فاصل ؟ وأمال بعضهم " يدها " لخفاء الهاء كما ذكرنا في درهمان. وإن تأخرت الياء عن الألف، فإن كانت مكسورة كمبايع (2) فالمقتضى للإماله في أقوى من المقتضى في نحو عابد، وإن كانت مفتوحة أو مضمومة كالمبايع والتبايع فلا تأثر، لأن الحركة لشدة ازومها للحرف وإن كانت متعقبة لها تفت في عضدها، وتشربها شيئا من جوهر نفسها، وتميلها إلى مخرجها شيئا. قال: " والمنقلبة عن مكسور نحو خاف، وعن ياء نحو ناب والرحى وسال ورمى " أقول: قوله " عن مكسور " أي واو مكسور، ليس ذلك على الإطلاق، بل ينبغى أن يقال: عن مكسور في الفعل، لأن نحو رجل مال ونال (3) وكبش (4) صاف أصلها مول ونول، ومع هذا لايمان


(1) يريد أن الفتحة التى هي حركة الياء في نحو الحيدا تضعف تأثير الياء في الأمالة مع أنها حركة الياء نفسها، فهى أقوى على إضعاف تأثيرها إذا كانت على حرف فاصل، فقوله " حركة الياء " حال من الفتحة مثلا (2) مبايع اسم فاعل من المبايعة، ووقع في بعض النسخ " كبايع " وهو فعل أمر من المبايعة أيضا (3) يقال: رجل مال، إذا كان كثير المال، ويقال: رجل نال، إذا كان كثير النوال: أي العطاء، (4) يقال كبش صاف، إذا كثير الصوف (*)

[ 11 ]

قياسا، بل إمالة بعضها لو أميلت محفوظة، وذلك [ لأن الكسرة ] قد زالت بحيث لا تعود أصلا: أما في الفعل نحو خاف فإن الكسرة لما كانت في بعض المواضع تنقل إلى ما قبل الألف نحو خفت وخفتا أجيز إمالة ما قبل الألف، والألف المنقلبة عن واو مكسورة في الاسم والفعل لا تقع إلا عينا، أما المنقلبة عن الياء فتمال، سواء كانت الياء مفتوحة أو غيرها في الاسم أوفى الفعل: عينا أو لاما، كناب وغاب وطاب وباع وهاب ورحى ورمى، وهى إذا كانت عين فعل - في الأفعال - أولى بالإمالة منها عين فعل في الأسماء، لأنه ينضم إلى انقلابها عن الياء انكسار ما قبلها في بعض التصاريف كهبت وبعت، وإذا كانت لاما انت أولى بالإمالة منها عينا، لأن التغيير في الأواخر أولى، قال سيبوية: وكره بعض العرب إمالة نحو رمى لكراهة أن يصيروا إلى ما فروا منه: يعنى أنهم قبلوا الياء ألفا أولا فلم يقبلوا الألف بعد ذلك ياء، قلت: وينبغى على هذا أن يكرهوا إمالة نحو باب وعاب وباع وهاب، لحصول العلة المذكورة. قال: " والصائرة ياء مفتوحة، نحو دعا وحبلى والعلى، بخلاف جال وحال " أقول: اعلم أن الالف إذا كانت في الاخر، فإما أن تكون في آخر الفعل، أو آخر الاسم فالاولى جاز إمالتها مطلقا، لانها إن كانت عن ياء فلها أصل في الياء وتصير ياء عند اتصال الضمائر بها، نحو رميت ويرميان، وإن كانت عن واو فإن تلك الالف تصير ياء مكسورا ما قبلها قياسا، وذلك فيما لم يسم فاعله، نحو دعى في دعا، فهو كالالف الممالة مع كون الالف في الاخر، والاخر محل التغيير، ولذلك لم يمل في قال وحال مع قولهم: قيل وحيل

[ 12 ]

والثانية: أي التي في آخر الاسم إن كانت عن ياء نحو الفتى والرحى جاز إمالتها، لكونها عن ياء وصيرورتها ياء في التثنية، وإن كانت عن واو: فإن كانت رابعة فما فوقها جاز إمالتها، لصيرورتها في المثنى ياء كالاعيان والمصطفيان، وكذا الالف الزائدة، كالحبلى، والذفرى (1)، والارطى (2)، والكمثرى، والقبعثرى (3)، لانها تنقب ياء في المثنى، على ما مضى في باب المثنى، وكذا ألف سكارى وحبالى وصحارى، لانك لو سميت بها (4) وثنيتها قلبت ألفاتها ياء، وإن كانت ثالثة لم تمل قياسا، بل شاذا، كالمكا والعشا، لانها لا تصير ياء كما في الفعل، بل تصير في التصغير ياء قياسا كعصية (ولا تؤثر)، لكون سكون ما قبلها يبعدها عن صورة الالف الممالة، بخلاف نحو دعى وأعليان، وأما نحو القوى والعلى والضحى - في القرآن - فإنما جاز إمالتها لكونها رءوس الاى، فتناسب سائر الكلام التى هي رءوس الاى، وفيها سبب الامالة. وقال بعضهم: كل ما كان على فعل - بضم الفاء - جاز إمالة ألفه، إذ لو منعت لكان الثلاثي المطلوب في وضعه الخفة أوله وآخره ثقيلين، إذ يكون أوله ضمة وآخره ألفا غير ممالة، وترك إمالتها صريح في أنها عن واو، فيكون كأن في أوله وآخره واو، ولهذا يكتب الكوفيون كل ثلاثى مقصور مضموم


(1) الذفرى - بكسر فسكون مقصورا - الموضع الذى يعرق من الابل خلف الاذن، انظر (ح 1 ص 70، 195) (2) الارطى - بفتح فسكون -: شجر ينبت في الرمل، واحدته ارطاة، انظر (ح 1 ص 57) (3) القبعثرى: الجمل الضخم الشديد الوبر، انظر (ح 1 ص 9، 52) (4) لعل المؤلف لاحظ أن الاصل فيما يثنى أن يكون مفردا فقيد تثنية هذه الالفاظ بالتسمية بها، وإلا فان تثنية الجمع على إرادة الجماعتين غير عزيزة في كلام العرب. (*)

[ 13 ]

الاول بالياء، ويثنيه بعض العرب بالياء، كما مر في باب المثنى، فتقول: العليان، فعلى هذا لا يختص إمالة مثل هذه الكلم برؤوس الاى، ولا يحتاج في إمالة العلى إلى أن يعلل بكون واحده العليا، بل يجوز إمالة العلى الذى هو مصدر أيضا، وقال بعضهم: طلبنا وطلبنا زيد، تشبيها لالفها بألف نحو حبلى حيث كانت أخيرا، وجوزوا على هذا رأيت عبدا وأكلت عنبا " قوله والصائرة ياء مفتوحة " احتراز عن نحو قيل وحيل، قال المصنف: لان هذا صار ياء ساكنة والساكنة ضعيفة، فهى كالمعدوم، ولقائل أن يقول: لو كان ضعفها لاجل انقلابها ياء ساكنة لوجب إمالة نحو العصا، لانها تنقلب ياء متحركة قوية بسبب الادغام فيها نحو العصى في الجمع والعصية في التصغير. قوله " دعا وحبلى والعلى " لقولك: دعى وحبليان والعليان قال: " والفواصل نحو والضحى، والامالة قبلها نحو رأيت عمادا " أقول: اعلم أن الامالة في الفواصل هي في الحقيقة إمالة للامالة أيضا، وذلك لانه يمال الضحى لامالة قلى، لتناسب رءوس الاى، فالامالة للامالة على ضربين: أحدهما أن تمال فتحة في كلمة لامالة فتحة في تلك الكلمة أو فيما هو كالجزء لتلك الكلمة، فالاول على ضربين: إما أن يمال الثاني لامالة الاول، نحو عمادا، أميلت فتحة الدال وقفا، لامالة فتحة الميم، وجاز ذلك وإن كان الالف ألف تنوين، لان الاواخر محل التغيير، ولبيان الالف وقفا كما في أفعى على ما مر في بابه، أو يمال الاول لامالة الثاني، وذلك إذا كان الثاني فتحة على الهمزة نحو رأى ونأى، أمال بضعهم فتحتي الراء والنون لامالة فتحة الهمزة، وذلك لان الهمزة حرف مستثقل فطلب التخفيف معها أكثر بتعديل الصوت في مجموع الكلمة. وأما مهارى فإمالة الميم لاجل خفاء الهاء لا للامالة، والثاني: أي إمالة فتحة في كلمة لامالة فتحة فيما هو كجزء تلك الكلمة نحو قولك: معزانا،

[ 14 ]

أملت فتحة نون " نا " لامالة فتحة الزاى، وجاز ذلك وإن كانت " نا " كلمة برأسها لكونها ضميرا متصلا، ولكون الالف في الاخر وهو محل التغيير، ولم يمل ألف مال في ذا مال، لكونه وسطا، ولكون مال كلمة منفصلة لا كجزء الاول بخلاف " نا " في معزانا. وثانيهما أن تمال فتحة في كلمة لامالة مثل تلك الفتحة في نظير تلك الكلمة في الفواصل، كقوله تعالى (والضحى)، أميل ليزاوج (قلى)، وسهل ذلك كونه في أواخر الكلام ومواضع الوقف كما ذكرنا في نحو أفعى قال: " وقد تمال ألف التنوين في نحو رأيت زيدا " أقول: قال سيبويه: يقال: رأيت زيدا، كما يقال: رأيت شيبان، لكن الامالة في نحو رأيت زيدا أضعف، لان الالف ليست بلازمة لزوم ألف شيبان، وسهل ذلك كون الالف موقوفا عليها، فيقصد بيانها بأن تمال إلى جانب الياء كما في حبلى، ولا يقال: رأيت عبدا إلا عند بعضهم - كما مر - تشبيها بنحو حبلى، إذ لا ياء قبل الالف ولا كسرة قال: " والاستعلاء في عير باب خاف وغاب وصغا مانع قبلها يليها في كلمتها، وبحرفين على رأى، وبعدها يليها في كلمتها، وبحرف وبحرفين على الاكثر " أقول: يعنى أن حروف الاستعلاء، وهى ما يرتفع بها اللسان، ويجمعها قظ خص ضغط (1) تمنع الامالة على الشرائط التى تجئ، وذلك لمناقضتها


(1) قال ملا على قارى في شرح الجزرية: " قظ: أمر من قاظ بالمكان، إذا أقام به في الصيف، والخص - بضم الخاء المعجمة -: البيت من القصب، والضغط: الضيق، والمعنى أقم في وقت حرارة الصيف في خص ذى ضغط: أي اقنع من الدنيا الدنيا بمثل ذلك وما قاربه " اه‍ (*)

[ 15 ]

للامالة، لان اللسان ينخفض بالامالة ويرتفع بهذه الحروف، فلا جرم لا تؤثر أسباب الامالة المذكورة معها، لان أسباب الامالة تقتضي خروج الفتحة عن حالها وحروف الاستعلاء تقتضي بقاءها على أصلها، فترجح الاصل، ولا تغلب حروف الاستعلاء أسباب الامالة في باب خاف وغاب وصغا، يعنى في الالفات التى ينكسر ما قبلها في بعض التصرفات، وهى ألفات الفعل إذا كانت عينا في الماضي الثلاثي، وهى منقلبة عن واو مكسورة كخاف أو ياء: سواء كانت في الاصل مكسورة كهاب، أولا كغاب، وكذا إذا كانت لاما في ماضى الفعل الثلاثي: سواء كانت واو كغزا، أو ياء كبغي، وذلك لانك تقول: خفت وغبت وغزى وبغى، فأجيزت الامالة مع حروف الاستعلاء لقوة السبب: أي انكسار ما قبل الالف في بعض التصرفات، مع كون ذلك في الفعل الذى هو أحمل للتصرفات من أخويه، وكذا الالفات التى تنقلب في بعض التصرفات ياء، وهى الالفات الاخيرة: الرابعة فما فوقها: في الفعل كانت كأعطى ويعطى، أو في الاسم كالمعطى والوسطى، لقولك: أعطيا ويعطيان والمعطيان والوسطيان، فتنقلب الالف في البنية التى فيها الالف من غير تغيير تلك البنية، وأما الياء في نحو العصية والعصى فلا تعتبر، لانها عرضت في بناء آخر، فجميع الالفات المذكورة تمال، ولا تنظر إلى حروف الاستعلاء، لان انقلاب الالف ياء لغير الامالة مطردا والبينة باقية سبب قوى للامالة، فتجرى عليها مع حروف الاستعلاء أيضا قوله " قبلها يليها في كلمتها " كقاعد وخامد (1) وصاعد وغائب


(1) يقال: خمدت النار تخمد - من باب قعد - خمودا، إذا سكن لهبها، ويقال: قوم خامدون لا تسمع لهم حسا، مأخوذ من خمود النار. وفى التنزيل (*)

[ 16 ]

وطائف (1) وضامر وظالم، وكذا إذا كان بعدها يليها في كلمتها كنا قد وعاطس وعاصم وعاضد وعاطل وباخل (2) وواغل (3)، وإذا كانت حروف الاستعلاء قبل حرف الالف فإن كانت مكسورة كالقفاف (4) والغلاب والطباب (5) والضباب (6) والصحاب والخداع والظماء (7)، فلا أثر لحرف الاستعلاء، (بل تمال الفتحة والالف، لان الكسرة المقتضية لامالة الفتحة والالف بعد حرف الاستعلاء) على


العزيز (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) قال الزجاج: فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد (1) يقال: طاف به الخيال يطوف طوفا وطوفانا، إذا ألم به في النوم، قال تعالى (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) ويقال طاف حول الشى يطوف طوفا وطوفانا، إذا دار حوله، ورجل طائف وطاف، أصله طوف على صيغة المبالغة (2) الباخل: البخيل، وفى اللسان " ذو البخل " يريد أنه للنسب، وإنما يستقيم قوله هذا إذا سلب منه معنى الحدوث، وإلا فهو اسم فاعل وليس للنسب، (3) الواغل: الذى يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم من غير أن يدعوه لذلك، أو من غير أن يشترك معهم في النفقة، قال عدى بن زيد العبادي: فمتى واغل ينبهم يحيوه * وتعطف عليه كف الساقى وقد وقع في الاصول " واغد " بالدال، وهو تصحيف (4): القفاف: جمع قف - كخف - وهم الاوباش والاخلاط من الناس، وحجارة غاص بعضها ببعض (5) الطباب: جمع طبة بكسر أوله وتشديد ثانيه - وهى المستطيل من الارض والثوب والسحاب (6) الضباب - كرحال -: جمع ضب، وهو حيوان برى يشبه الورل إلا أنه دونه، والورل حيوان يشبه التمساح ويعيش في البر (7) الظماء: جمع ظمئان، كعطاش وعطشان وزنا ومعنى (*)

[ 17 ]

ما سبق من كون الحركة بعد الحرف، ولم يذكر سيبويه في مثله ترك الامالة، وذكر غيره أنه ذهب بعضهم إلى امتناع الامالة، لاجل حروف الاستعلاء، وإن كانت مكسورة، قالوا: وهو قليل، والامالة أكثر، وكذا الامالة في نحو " قزحا " (1) كثيرة، وأما إن كانت حروف الاستعلاء متحركة بغير الكسرة كغوالب وصمات (2) وخفاف (3) فإنها تمنع الامالة، لانك إنما تتلفظ بالفتحة والالف بعد ثبوت حرف الاستعلاء الطالب للفتح بلا كسر بينها وبين الفتح، كما كان في قفاف، وفى تلك الحال طالب الامالة - أعنى الكسر - معدوم متوقع، ومناسبة الصوت لصوت داخل في الوجود أولى من مناسبته للمتوقع وجوده، وأما إن كانت حروف الاستعلاء ساكنة قبل حرف الالف بعد الكسرة، نحو: مصباح ومقلاع ومخدام ومطعان، فبعض العرب لا يعتد بحرف الاستعلاء لكونه بالسكون كالميت المعدوم فيميل، وبعضهم يعتد به، لكونه أقرب إلى الالف من


(1) القزح - بكسر القاف وسكون الزاى -: بزر البصل، والتابل الذى يطرح في القدر كالكمون والكزبرة، ومراد المؤلف أنه يجوز إمالة ألفه المبدلة من التنوين وقفا في حالة النصب، لان الكسرة بعد حرف الاستعلاء، فلا أثر لحرف الاستعلاء، ولا يضر الفصل بين الكسرة والالف بحرفين، لان أحدهما ساكن، فهو نظير شملال، وفى النسخ الخطية " قرحاء " بالقاف والراء والحاء ممدودا، وهو تصحيف، لان أوله مفتوح، ويدل على أن المراد ما أثبتناه قول سيبويه (ح 2 ص 261) " وقالوا رأيت قزحا، وهو أبزار القدر، ورأيت علما، فيميلون، جعلوا الكسرة كالياء " اه‍ (2) الصمات - كغراب -: الصمت، وفى الحديث " وإذنها صماتها " أي أن إذن البكر سكوتها (3) الخفاف - كغراب -: الخفيف، وفعال يشارك فعيلا في باب الصفة المشبهة كثيرا، إلا أن في فعال من المبالغة أكثر مما في فعيل، ومن ذلك طويل وطوال، وشجيع وشجاع، وعجيب وعجاب (*)

[ 18 ]

الكسرة الطالبة للامالة، قال سيبويه: كلاهما عربي له مذهب، وهذا معنى قول المصنف " وبحرفين على رأى " جعل في نحو مصباح حرف الاستعلاء قبل الالف بحرفين: أحدهما حرف الاستعلاء، والاخر الباء، والاظهر أن لا يقال: هذا الحرف قبل ذلك الحرف بحرفين، إلا إذا كان بينهما حرفان، كما قال سيبويه في نحو مناشيط (1) ومعاليق (2): إن حرف الاستعلاء، بعد الالف بحرفين، وإن كان حرف الاستعلاء بعد الالف وبينهما حرف كنافخ ونابغ ونافق (3) وشاحط (4) وناهض وغائظ منع من الامالة، ولم تؤثر الكسرة، لان الحرف أقوى من


(1) قال سيبويه: " واعلم أن هذه الالفات لا يميلها أحد إلا من لا يؤخذ بلغته، لانها إذا كانت مما ينصب في غير هذه الحروف لزمها النصب فلم يفارقها في هذه الحروف، إذ كان يدخلها مع غير هذه الحروف، وكذلك إن كان شئ منها بعد الالف بحرفين، وذلك قولك: مناشيط، ومنافيخ، ومعاليق، ومقاريض، ومواعيظ، ومباليغ، ولم يمنع الحرفان النصب كما لم يمنع السين من الصاد في صويق ونحوه، وقد قال قوم المناشيط (يريد بالامالة) حين تراخت، وهى قليلة " اه‍ وقد بحثنا طويلا فيما بين أيدينا من كتب اللغة فلم نعثر على ما يكون مفردا قياسا لمناشيط إلا منشطا - كمكرم - وهو بمعنى النشيط، أو هو الذى ينشط إبله، وإن صح أن يكون هذا مفرده كانت الياء في مناشيط زائدة متولدة من إشباع الكسرة، مثل دوانيق وخواتيم في جميع دانق وخاتم، أو منشطا - كمقعد - وهو مصدر ميمى بمعنى النشاط، والياء على هذا الوجه في الجمع زائدة كما كانت على الوجه السابق (2) المعاليق: جمع معلاق - بكسر فسكون - أو معلوق - بضم فسكون - وهما يستعملان فيما يعلق عليه الشئ وفى الشئ المعلق نفسه (3) نافق: اسم فاعل من نفقت السلعة تنفق - من باب نصر ينصر - نفاقا، إذا راجت وغلا سعرها، أو اسم فاعل من نفق الحيوان ينفق نفوقا - كقعد يقعد قعودا - بمعنى مات (4) الشاحط: اسم فاعل من شحط يشحط - كمنع يمنع، وكفرح يفرح - شحطا - كمنع، وشحطا - كفرح، إذا بعد (*)

[ 19 ]

الحركة، فتصير قوية قائمة مقام قرب الكسرة من الالف، فلو أملت الالف لكان هناك استفال ظاهر بإمالة الفتحة والالف والكسرة الصريحة بعده إصعاد، وذلك صعب، وأما نحو غالب وطالب ففيه إصعاد ظاهر بعده استفال، وهذا أسهل، ألا ترى أنهم قالوا: صبقت، وصقت، وصويق، بقلب السين صادا لئلا يصعدوا بعد استفال، ولم يقولوا: قصوت، وقصت، في قسوت قست وإن كان بين حرف الاستعلاء المتأخر عن الالف وبينها حرفان كمناشيط ومعاريض (1) ومعاليق ومنافيخ (2) ومباليغ (3) منع أيضا عن الامالة، وقال سيبويه: قد قال بعضهم المناشيط بالامالة حين تراخت وهى قليلة. قوله: " وبحرفين على الاكثر " إن أراد نحو مناشيط فهو مخالف لقوله " وبحرفين على رأى " في نحو مصباح، وإن أراد نحو نافخ وفاسق كما صرح به في الشرح فغلط، لانه لا خلاف في منعه إذن للامالة. قوله: " قبلها يليها في كلمتها " إنما قال " في كلمتها " لان المستعلى إن كان في كلمة أخرى قبل لم يؤثر نحو ضبط عالم فتميل، لان المستعلى لما انفصل صار كالعدم مع أن الاستفال بعد الاصعاد سهل. قوله: " وبعدها يليها في كلمتها " اعلم أنه إذا كان المستعلى في كلمة بعد أخرى نحو عماد قاسم وعال قاسم فبعضهم لا يجعلون للمستعلى المنفصل أثرا وبعضهم


(1) في الحديث " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " قال ابن الاثير في النهاية: " المعاريض جمع معراض من التعريض، وهو خلاف التصريح من القول يقال: عرفت ذلك في معراض كلامه ومعرض كلامه بحذف الالف " اه‍ والمعراض أيضا: سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده (2) المنافيخ: جمع منفاخ، وهو كير الحداد (3) لم نجد هذا الجمع في كتب اللغة، ولعله جمع مبلغ مصدرا ميميا من بلغ، ومعناه البلوغ، والياء في الجمع من إشباع الكسرة (*)

[ 20 ]

يجعل له تأثيرا، فلا يميل نحو أن يضربها قاسم، لجعله مثل فاقد، وكذا لا يميل نحو بمال قاسم، لجعله مثل فالق، وكذا لا يميل نحو أن يضربها ملق (1)، لكونه مثل مناشيط، وأبعد من هذا إمالة نحو بمال ملق، وإنما جعلوا للمنفصل المتأخر أثرا دون المتقدم المنفصل، لما ذكرنا من أن الاصعاد بعد الاستفال أصعب من العكس، وإذا كان سبب الامالة قويا، وذلك لكون الكسرة لازمة لم يعزله المستعلى المنفصل عزله للسبب الضعيف، أعنى الكسرة العارضة، فيعزل في " على مال قاسم " أكثر من عزله في " عماد قاسم "، لان الكسرة لام " على مال " وهى السبب - ضعيفة لعروضها، فالمانع الضعيف: أي المستعلى المنفصل، يستولى عليها لضعفها، وأما في نحو " عماد قاسم " و " عالم قاسم " فالسبب - وهو كسرة العين في الاول واللام في الثاني - قوى للزومه، فلا يستولى عليه المانع الضعيف. هذا، وبعضهم يقول: رأيت عرقا، فيميل مع القاف تشبيها له بفعلى، فهو كالوسطى، وهذا كما أميل نحو عنبا وعبدا، تشبيها بألف التأنيث، وذلك في حيز الشذوذ، لان ألف التنوين إمالتها قليلة، فكيف مع المستعلى في عرقا ؟ قال: " والراء غير المكسورة إذا وليت الالف قبلها أو بعدها منعت منع المستعلية، وتغلب المكسورة بعدها المستعلية وغير المكسورة، فيمال طارد وغارم ومن قرارك، فإذا تباعدت فكالعدم في للمنع والغلب عند الاكثر، فيمال: هذا كافر، ويفتح مررت بقادر، وبعضهم يعكس، وقيل: هو الاكثر " أقول: اعلم أن الراء حرف مكرر، فضمتها كضمتين، وفتحتها كفتحتين، وكسرتها ككسرتين، فصارت غير المكسورة كحرف الاستعلاء، لان


(1) يقال: رجل ملق، إذا كان يعطى بلسانه ما ليس في قلبه (*)

[ 21 ]

تكرر الضم والفتح خلاف الامالة، فتقول: هذا راشد، وهذا فراش، وهذا حمار، ورأيت حمارا، فيغلب غير المكسورة سبب الامالة: أي الكسره المتقدمة والمتأخرة، وكسرة الراء في اقتضاء الامالة أقوى من كسرة غيرها، لانها ككسرتين، فتمنع المستعلى المتقدم في نحو طارد وغارم، ولا تمنعه كسرة نحو طالب وغالب، وتمنع الراء غير المكسورة أيضا كما في " من قرارك " لكونها أضعف من المستعلى، كما يجئ، ولا تمنع الراء المكسورة المستعلى المتأخر عنها في نحو فارق، لما ذكرنا من صعوبة الاصعاد بعد الاستفال الظاهر، فقول المصنف إذن " وتغلب المكسورة بعدها المستعلية " ليس على إطلاقه، والراء غير المكسورة أضعف سببا من المستعلية، فلهذا كان الامالة في " لن يضربها راشد " أقوى من الامالة في " لن يضربها قاسم " وكان إمالة " عفرا (1) " تشبيها بحبلى أولى من إمالة " علقا (2) " ومن ثم أجاز بعضهم إمالة " عمران " دون " برقان (3) " واعلم أن إمالة " في الدار " أقوى من إمالة " في دار قاسم " وإمالة " جارم (4) " أولى من إمالة " جارم قاسم " لوجود المستعلى في الموضعين،


(1) يقال: رجل عفر - بكسر العين المهملة وسكون الفاء - إذا كان خبيثا منكرا، وأسد عفر، إذا كان شديدا (2) العلق - بالكسر -: النفيس من كل شئ، فهو صفة مشبهة، ويكون مصدر علقه وبه كفرح علوقا وعلقا إذا أحبه (3) برقان - بكسر أوله وسكون ثانيه -: قرية بخوارزم، وقرية بجرجان، ويكون البرقان جمع برق - كحمل - وزنا ومعنى، ويكون البرقان - بالكسر أيضا - الفزع، والدهش، والحيرة (4) الجارم: اسم فاعل من جرم النخل والثمر يجرمه - كضرب يضرب - إذا قطعه، وتقول: فلان جارم إذا كان قد جنى جناية، قال الشاعر * كما الناس مجروم عليه وجارم * (*)

[ 22 ]

وإن كان منفصلا، وإمالة " في دار قاسم " أقوى من إمالة " في مال قاسم "، لما ذكرنا من أن كسرة الراء أقوى من كسرة غيرها، وإمالة " جارم قاسم " أقوى من إمالة " في دار قاسم " للزوم كسرة الراء في الاول مع تباعد المستعلى كما كان إمالة " عابد قاسم " أولى بسبب لزوم الكسر وبعد المستعلى من إمالة " في مال قاسم " وكسرة راء نحو " حضار (1) " ككسرة راء نحو " في الدار " وإن كانت الاولى بنائية، لانها تزول بجعله علما لمذكر، وكسرة راء نحو " بفار قبل (2) " ككسرة راء نحو " في الدار قبل " لان الحرف المشدد كحرف واحد، ومن أمال نحو جاد وجواد اعتبارا بكسر الدال المقدرة لم يمل نحو " هذا جار " و " جوار " لما ذكرنا من قوة ضمة الراء وفتحتها فتمنعان الكسرة المقدرة لضعفها. قوله: " قبلها " كراشد وفراش، ولا تكون إلا مفتوحة. قوله: " أو بعدها " قد تكون مفتوحة ومضمومة، نحو: هذا حمار، ورأيت حمارا. قوله " فإذا تباعدت " قد مضى حكم الراء التى تلى الالف قبلها أو بعدها، وهذا حكم الراء المتباعدة عن الالف، فنقول: إن كانت الراء بعد الالف، وبينها وبين الالف حرف كانت كالعدم في المنع، إن كانت غير مكسورة، نحو: هذا كافر، ورأيت كافرا: أي لا تمنع منع المستعلى في نحو نافق ودافق، لانها ملحقة بالمستعلى، كما ذكرنا، فلا يكون لها قوة المستعلى، ومن ثم كان إمالة " لن


(1) حضار - كقطام -: نجم، قال ابن سيده: " هو نجم يطلع قبل سهيل، فتظن الناس به أنه سهيل " اه‍. ويكون " حضار " اسم فعل أمر بمعنى احضر (2) في بعض الاصول نحو " مغار " بالميم والغين المعجمة والصواب " بفار قبل " كما في سيبويه (*)

[ 23 ]

يضربها راشد " أقوى من إمالة " لن يضربها قاسم " وبعضهم عكس وجعلها مانعة مع بعدها من الامالة في نحو " هذا كافر " كما منع المستعلى البعيد في نحو نافق، وكذا إذا تباعدت المكسورة بعدها، فالاولى أنها كالعدم في الغلبة على المستعلى، فلا تغلب الراء المكسورة القاف في " بقادر " بل القاف تعمل عملها في منع كسرة الدال من اقتضاء الامالة، وذلك لان الراء المكسورة بعدت عن الالف، بخلاف نحو " الغارب (1) " فان الراء غلبت المستعلى لقربها من الالف، وبعضهم عكس ههنا أيضا، وجعلها غالبة للمستعلى: أي مجوزة للامامة، فيكون كأن بعد الالف ثلاث كسرات وقبلها مستعل واحد، وإن كانت الراء قبل الالف متباعدة مفتوحة أو مضمومة، نحو رواقد وبرقات (2)، فيجوز أن تجعل كالمستعلى، فلا تمال كما في " قوافل " ويجوز أن لا تجعل مثله، لكونها أضعف منه، فيمال نحو " رواقد "، وأما إن كانت مكسورة فإنها لاتغلب المستعلى قبل الالف كان المستعلى كرقاب أو بعدها كرواق، أما في الاول فلان المستعلى أقرب إلى الالف، وأما في الثاني فلما ذكرنا من أن المستعلى بعد الالف في غاية القوة، حتى غلب على الراء المكسورة التى هي أقرب إلى الالف منه في نحو فارض، فكيف بالمكسورة التى هي أبعد منه ؟ فإمالة نحو عفرا وعشرا (3) أولى من إمالة نحو عمران، لان الاخر محل التغيير.


(1) الغارب: الكاهل، أو ما بين السنام والعنق، والجمع غوارب، ومنه ما في حديث الزبير: " ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج "، الغارب: مقدم السنام. (2) البرقات: - بضمتين -: جمع برقة - بضم فسكون - وهى أرض ذات حجارة بيض وحمر وسود، وفى بلاد العرب برق كثيرة تنيف على المائة ذكرها صاحب القاموس (ب وق)، والبرقة أيضا: قلة الدسم في الطعام (3) العشر - بكسر أوله وسكون ثانيه -: ورد الابل اليوم العاشر، قال في اللسان: " قال الاصمعي: إذا وردت الابل كل يوم قيل: قد وردت رفها (بكسر (*)

[ 24 ]

قال: " وقد يمال ما قبل هاء التأنيث في الوقف، وتحسن في نحو رحمة، وتقبح في الراء نحو كدرة، وتتوسط في الاستعلاء نحو حقه " أقول: لما كان هاء التأنيث يشابه الالف في المخرج والخفاء ومن حيث المعنى لكون الالف أيضا كثيرا للتأنيث أميل ما قبل هاء التأنيث، كما يمال ما قبل الالف، لان ما قبل ألف التأنيث مطرد جواز إمالته لا يمنعه شئ: لا المستعلى كما في الوسطى، ولا الراء المفتوحة كالذكرى، والالف في الوقف أقبل للامالة لقصد البيان، كما قلنا في باب الوقف على نحو أفعى، فأميل ما قبل هاء التأنيث، إذ لا يكون إلا في الوقف، تشبيها للهاء بالالف الموقوف عليها، وأيضا الهاء خفية، فكأن الفتحة في الاخر، والاخر محل التغيير، فباجتماع هذه الاشياء حسن إمالة ما قبل هاء التأنيث، قال سيبويه: إمالة ما قبل هاء التأنيث لغة فاشية بالبصرة والكوفة وما قرب منهما قوله " وتحسن في نحو رحمة " أي: إذا لم يكن ما قبل الهاء لا راء ولا حرف استعلاء، وتقبح في الراء لان إمالة فتحتها كإمالة فتحتين، لتكرر الراء، فالعمل في إمالتها أكثر قوله " وتتوسط في الاستعلاء " لانه لما أجرى الهاء مجرى الالف لم يكن كالمشبه به مطلقا، فلم يمنع المستعلى الامالة ههنا بالكلية كما منعها هناك، بل


فسكون) فأذا وردت يوما ويوما لا قيل: وردت غبا، فأذا ارتفعت عن الغب فالضم ء الربع، وليس في الورد ثلث، ثم الخمس إلى العشر، فأذا زادت فليس لها تسمية ورد، ولكن يقال: هي ترد عشرا وغبا، وعشرا وربعا، إلى العشرين، فيقال حينئذ، ضمؤها عشران، فأذا جاوزت العشرين فهى جوازئ " اه‍، وأسماء الاضماء المذكورة كلها بكسر فسكون كما ضبطنا في " رفه " (*)

[ 25 ]

توسطت الامالة معه في الحسن والقبح، ولم تقبح قبح إمالة فتحة الراء، لان سب قبحها - كما قلنا - كون إمالة فتحتها كإمالة فتحتين، وليست إمالة فتحة المستعلى كذلك، وليس استقباح إمالة فتحة الراء وتوسط إمالة فتحة المستعلى لكون الراء أقوى في الاستعلاء من المستعلى، لانا قد ذكرنا أن المستعلى أقوى منها، وهى ملحقة بالمستعلى ومشبهة به، فلا تبلغ درجته، والمروى عن الكسائي إمالة ما قبل هاء التأنيث مطلقا، سواء كان من حروف الاستعلاء أو لا، إلا إذا كان ألفا كالصلاة، واختار له أهل الاداء طريقا آخر، وهو إمالة ما قبل الهاء، إلا إذا كان أحد الحروف العشرة، وهى قولك " حق ضغاط عص خظا " كالنطيحة والحاقة وقبضة وبالغة والصلاة وبسطة والقارعة وخصاصة والصاخة (1) والموعظة، وذلك لان " قظ خص ضغط " من هذه العشرة حروف الاستعلاء، والحاء والعين شبهتا بالخاء والغين، لكونهما حلقيين مثلهما، وأما الالف فلو أميلت لاميل ما قبلها، فكان يظن أن الامالة للالف لا للهاء، أو كان أحد حروف أكهر (2)، فإنه إذا جاءت قبل الهاء وقبلها إما ياء ساكنة أو كسرة كالايكة (3) والخاطئة والالهة والحافرة، أميلت فتحتها، وكذا إن كان


(1) الصاخة: في الاصل اسم فاعل من صخ يصخ - كشد يشد - إذا ضرب بشئ صلب على مصمت، ثم قيل للصيحة: صاخة، لكونها تصم الاذان بشدتها، وسميت القيامة صاخة بما يتقدمها من صيحة الملك، ويقال للداهية أيضا: صاخة (2) أكهر: قد جمع في هذه الكلمة حروفا تمنع من إمالة الفتحة، ومع هذا فلهذه الكلمة معنى لغوى، فقد تكون فعلا مضارعا ماضيه كهره - كمنع - إذا قهره أو انتهره، وقرئ قوله تعالى (وأما اليتيم فلا تقهر) بالكاف بدل القاف، وقد تكون أفعل تفضيل من هذا (3) الايكة: واحدة الايك، وهو الشجر الكثير الملتف، والايكة أيضا الغيضة تنبت السدر والاراك، وقوله تعالى (كذب أصحاب الايكة المرسلين) (*)

[ 26 ]

بين الكسرة وحروف أكهر حرف ساكن كعبرة ووجهة، أما إذا كان قبل حروف أكهر ضمة أو فتحة كالتهلكة والميسرة لم تمل (1)، وكذا إن جاء قبلها ألف كالسفاهة، وإنما ألحقوا حروف أكهر بحروف الاستعلاء لمشابهة الهمزة والهاء للغين والخاء المستعليين في كونها حلقية وكون الكاف قريبة من مخرج القاف الذى هو مستعل، وكذا الراء، لان فتحتها كفتحتين كما ذكرنا، وإنما ألحقوها بالمستعلية إذا لم يكن قبلها ياء ولا كسرة لان ذلك ينقص من مشابهتها للمستعلية، وأما الالف قبل أكهر فإنما منعت لكونها ضد الامالة قال " والحروف لا تمال، فإن سمى بها فكالاسماء، وأميل بلى ويا ولا في إما لتضمنها الجملة، وغير المتمكن كالحرف، وذا وأتى ومتى كبلى، وأميل عسى لمجئ عسيت " أقول: يعنى لا تمال الحروف لعدم تصرفها، والامالة تصرف، فنحو إما وإلا وإن كان فيه كسرة لا يمال، كما لا يمال حتى وألا وهلا، فإن سميت بمثل هذه الحروف كانت الاسماء: إن كان فيها سبب الامالة أميلت، كألف حتى وألا وهلا، لانها طرف رابعة كألف حبلى، فتثنيتها على حتيان وأليان وهليان، وكذا إن سميت بإلى، لان الكسرة سبب الامالة، مع أن الالف طرف، ويثنى بالواو نحو إلوان، كما ذكرنا في باب المثنى، وعلى ما ذكره المصنف - وهو أن الكسرة لا تأثير لها مع الالف التى عن الواو - ينبغى أن لا تمال، ولو سميت بعلى وعدا وخلا الحرفيتين وبأما وألا لم تمل، إذ لا سبب للامالة، وإنما أميل بلى لجواز السكوت


قال القاضى البيضاوى: " الايكة غيضة تنبت ناعم الشجر، يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة بعث الله إليهم شعيبا وكان أجنبيا منهم " اه‍. (1) كذا في. الاصول كلها، والواجب أن يقول " فأنها لا تمال " لانه يجب اقتران الفاء بما بعد تالى أما (*)

[ 27 ]

عليها وتضمنها معنى الجملة، إذ تقول في جواب من قال أما قام زيد " بلى " أي: بلى قام، فصار كالفعل المضمر فاعله نحو غزا ورمى في الاستعلاء، فأميل لمشابهته الفعل، وكذا أميل يا لتضمنها معنى الفعل، وهو دعوت وناديت، فصارت كالفعل، مع أنه يحذف المنادى ويقدر في نحو (ياليت) و (ألا يا اسجدوا) فيصير كالفعل المضمر فاعله، وكذا " لا " أي في " إمالا " إذ يحذف الشرط بعدها، تقول لشخص: افعل كذا، فيأبى، فتقول له: افعل هذا إمالا: أي إمالا تفعل ذاك، وإذا انفردت لا عن إما لم تمل وإن كانت كبلى في الاغناء عن الجملة، لكونها على حرفين، وأمايا فلان معها الياء وهو سبب الامالة، وحكى قطرب إمالة لا من دون إما نحو لا أفعل، لافادتها معنى الجملة في بعض الاحوال كبلى. قوله: " وغير المتمكن كالحرف " لان غير المتمكنة لعدم تصرفها تكون كالحرف، فان سميت بها كانت الحروف المسمى بها: إن كان فيها سبب الامالة أميلت، كإذا، للكسرة، وإنما أميل " ذا " في الاشارة لتصرفها، إذ توصف وتصغر ويوصف بها، بخلاف ما الاستفهامية فانها لا تصغر، وأما أنى ومتى فإنما تمالان - وإن لم يسم بهما أيضا - لاغنائهما عن الجملة، وذلك لانك تحذف معهما الفعل، كما تقول: متى ؟ لمن قال سار القوم، وكذا قوله: 126 - * أنى ومن أين آبك الطرب (1) *


(1) هذا صدر بيت من المنسرح، وعجزه: * من حيث لا صبوة ولا ريب * وهو مطلع قصيدة طويلة للكميت بن زيد الاسدي مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: مدح بها على بن أبى طالب فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم خوفا من بنى أمية. والاستشهاد بالبيت على أن " أنى " قد يستغنى بها عن الجملة، فيكون التقدير في البيت أنى آبك الطرب، فحذف الفعل (*)

[ 28 ]

فلا تمالان إذن، إلا في الاستفهام، لانه إنما يحذف الفعل بعدهما فيه بخلاف ما إذا كانتا للشرط. قوله: " وأميل عسى " إنما ذكر ذلك وإن كان فعلا لئلا يظن به أن عدم تصرفه ألحقه بالاسماء غير المتمكنة في عدم جواز الامالة، فقال: الفعل وإن كان غير متصرف فتصرفه أقوى من تصرف الاسم غير المتمكن والحرف، لانه ينقلب ألفه ياء أو واوا إذا كان يائيا أو واويا عند لحوق الضمائر بها، وإنما أميل أسماء حروف التهجى - نحو با، تا، ثا - لانها وإن كانت أسماء مبنية كاذا وما لكن وضعها على أن تكون موقوفا عليها، بخلاف إذا وما، فأميلت لبيان ألفاتها، كما قلبت ألف نحو أفعى في الوقف ياء، كما مر في باب الوقف، والدليل عليه أنها لاتمال إذا كملت بالمد نحو باء وتاء، وذلك لانها لا تكون إذن موقوفا عليها، ولقوة الداعي إلى إمالتها أميلت مع حرف الاستعلاء، نحو طا، ظا، بخلاف طالب وظالم. قال: " وقد تمال الفتحة منفردة نحو من الضرر ومن الكبر ومن المحاذر " أقول: الراء المكسورة قد تمال لها الفتحة التى قبلها بلا فصل، سواء كانت على الراء كالضرر أو على حرف الاستعلاء كالمطر أو على غيرهما كالكبر والمحاذر، وتمال أيضا الضمة التى قبلها نحو من السمر ومن المنقر، وهو الركية الكثيرة الماء، ومن السرر (1)، وإذا أملت فتحة الذال في المحاذر لم تمل الالف التى قبلها، لان الراء لا قوة لها على إمالة فتحة ما قبلها مع إمالة الالف


من الاول لدلالة الثاني عليه. والطرب: خفة تعترى الانسان من حزن أو فرح، والصبوة: الصبا، والريب: جمع ريبة، وهى الشبهة، ومعنى البيت: كيف طربت مع كبر سنك ومع عدم وجود داعى الطرب (1) السرر - بضمتين -: ما تقطعه القابلة من سرة الصبى (*)

[ 29 ]

التى قبل تلك الفتحة، بل لا تقوى إلا على إمالة حركة قبلها: متصلة بها كما ذكرنا، أو منفصلة عنها بحرف ساكن، كما تميل فتحة من عمر وضمة من عمر وكذا إذا كان الساكن واوا نحو ابن أم مذعور وابن نور، قال سيبويه: " تميل الضمة وتشمها شيئا من الكسرة، فتصير الواو مشمة شيئا من الياء وتتبع الواو حركة ما قبلها في الاشمام كما تبعت الالف ما قبلها في الامالة، فإن هذا الاشمام هو الامالة " وقال الاخفش: " الالف لابد لها من كونها تابعة لما قبلها، وليس الواو كذا، فإنها قد لا يكون ما قبلها مضموما " فعلى قوله تجئ بالواو صريحة غير مشمة شيئا من الياء بعد الضمة المشمة كسرة، وما ارتكبه الاخفش يتعذر اللفظ به ولا يتحقق، وأما قوله " قد لا يكون ما قبلها مضموما " فنقول: أما الفتح فمسلم أنه يجئ الواو الصريح بعده، كقول، وأما الكسر والضم المشم كسرا فلا يجئ بعدهما الواو الساكنة إلا مشمة ياء، وعليك بالاختبار، وإن كان قبل الراء المكسورة ياء ساكنة قبلها فتحة نحو بغير وبخير فلا يجوز إشمام الفتح شيئا من الكسر، لان إشمام الكسر لا يبين إذا كان بعده ياء كما يبين إشمام الضم الكسر إذا كان بعده واو، نحو من نور، وقد يمال أيضا لكسرة الراء فتحة ما قبلها وضمته - وإن كانتا منفصلتين في كلمة أخرى - نحو إن خبط رياح (1) وهذا خبط رياح، كالمطر والمنقر، فهو كإمالة الالف والفتحة في قفا رياح، ونحو خبط الريح أبعد، لكون ساكن بين فتحة الطاء وكسرة الراء، ونحو خبط فريد أبعد، لكون حرف متحرك بينهما. واعلم أن المستعلى بعد الراء المكسورة يمنع إمالة ما قبل الراء، فلا يمال سين السرق (2) للقاف كما منع في نحو فارض وفارط، على ما تقدم، وأما قبل


(1) الخبط - بفتحتين -: ورق العضاه من الطلح ونحوه يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الابل (2) السرق - بفتح فكسر -: مصدر سرق الشئ يسرقه سرقا، إذا أخذه خفية (*)

[ 30 ]

الراء المكسورة فلا يمنع، ألا ترى إلى إمالة بالمطر ومن المنقر ؟ وذلك لما تكرر من كون الاستفال بعد الاصعاد أسهل من العكس، وأما غلبة المستعلى قبل الالف الراء المكسورة بعدها، نحو طارد وقارب وغارب، فلان أسباب الامالة إنما تميل الحركة أولا، ثم إن كان بعدها ألف أو واو، كما في عالم ومن نور، يتبعها في الامالة، ففى نحو طارد الفتحة الى المستعلى أقرب منها إلى الراء المكسورة، فلا جرم استولى عليها المستعلى ولم يخلها تؤثر فيها الراء، وأما نحو بالمطر وطرب، ومن المنقر، فالراء قريبة من الحركة المراد إمالتها، لان الالف ليست بفاصلة بينهما فاستولت عليها وغلبت المستعلى لقوتها، لان كسرتها ككسرتين. واعلم أن الفتحة من دون الالف لا تمال إلا لهاء التأنيث كما مر، أو للراء المكسورة من بين أسباب الامالة، لقوتها من بينها بتكررها، كما مر غير مرة. قال: " تخفيف الهمزة، يجمعه الابدال والحذف وبين بين: أي بينها وبين حرف حركتها، وقيل: أو حرف حركة ما قبلها وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها، وهى ساكنة ومتحركة، فالساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها: كراس، وبير، وسوت، وإلى الهداتنا، والذيتمن، ويقولو ذن لى " أقول: قوله " يجمعه الابدال والحذف وبين بين " أي لا يخرج من هذه الثلاثة، لان المجموع لا يخرج عن جامعه، ولو قال يجمع الابدال والحذف وبين بين لم يفهم منه أنه لا ينقسم إلى غير هذه الثلاثة، لان الشئ ربما يجمع الشئ ويجمع غيره، كما أن الاسم يجمع المنصرف وغير المنصرف ويجمع أيضا المبنى قوله " بينها وبين حرف حركتها " أي: بين الهمزة والواو إن كانت مضمومة،

[ 31 ]

وبينها وبين الالف إن كانت مفتوحة، وبينها وبين الياء إن كانت مكسورة قوله " أو حرف حركة ما قبلها " يعنى قال بعضهم: بين بين على ضربين: أحدهما ما ذكر، والثانى أن يكون بينها وبين حرف حركة ما قبلها، وهذا الثاني على قول هذا القائل أيضا لا يكون في كل موضع، بل في المواضع المعينة، كما في سئل ومستهزئون، على ما يجئ قوله " وشرطه أن لا تكون مبتدأ بها " أي: شرط تخفيف الهمزة، ولا يريد بكونها مبتدأ بها أن تكون في ابتداء الكلمة، لانها تخفف أيضا في ابتداء الكلمة بالحذف في نحو (قد أفلح) والقلب في (الهدى اتنا) ونحوه، بل المراد أن تكون في ابتداء الكلام، وإنما لم تخفف إذن لان إبدالها بتدبير حركة ما قبلها كما يجئ، وكذا حذفها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، وكذا المجعولة بين بين البعيد تدبر بحركة ما قبلها، وإذا كانت في ابتداء الكلام لم يكن قبلها شئ، وأما بين بين المشهور فيقر بها من الساكن، كما يجئ، والمبتدأ به لا يكون ساكنا ولا قريبا منه، ولم تخفف في الابتداء نوعا آخر من التخفيف غير الثلاثة الانواع المذكورة، لان المبتدأ به خفيف، إذ الثقل يكون في الاواخر، على أنه قد قلبت الهمزة في بعض المواضع في الابتداء هاء، كهرحت وهرقت وهياك، ولكن ذلك قلب شاذ ثم اعلم أن الهمزة لما كانت أدخل الحروف في الحلق ولها نبرة (1) كريهة تجزى مجرى التهوع (2) ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها، فخففها قوم، وهم أكثر


(1) النبرة: ارتفاع الصوت، يقال: نبر الرجل نبرة، إذا تكلم بكلمة فيها علو، قال الشاعر إنى لاسمع نبرة من قولها * فأكاد أن يغشى على سرورا (2) التهوع: تكلف القئ، وفى الحديث: كان إذا تسوك قال: أع أع، كأنه يتهوع (*)

[ 32 ]

أهل الحجاز، ولا سيما قريش، روى عن أمير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه: نزل القرآن بلسان قريش، وليسوا بأصحاب نبر (1)، ولولا أن جبرائيل عليه السلام نزل بالهمزة على النبي صلى الله عليه وسلم ما همزنا، وحققها غيرهم، والتحقيق هو الاصل كسائر الحروف، والتخفيف استحسان. فنقول: إذا خففت فإما أن تكون ساكنة أو متحركة، وهذه قسمة حاصرة، فالساكنة تبدل بحرف حركة ما قبلها، إذ حرف العلة أخف منها، وخاصة حرف علة ما قبل الهمزة من جنسه، وحركة ما قبلها إما أن تكون في كلمة الهمزة أولا، وفى الاول إما أن تكون الهمزة في الوسط كرأس وبئر ومؤمن، أو في الاخر كلم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرئ، وفى الثاني في نحو (الهدى ائتنا) و (الذى اؤتمن) و (يقول ائذن) وإنما لم تجعل بين بين إذ لا حركة لها حتى تجعل بينها وبين حرف حركتها، ولم تحذف لانها إنما تحذف بعد إلقاء حركتها على ما قبلها لتكون دليلا عليها، والحركة إنما تلقى على الساكن، لا على المتحرك. قال: " والمتحركة إن كان قبلها ساكن وهو واو أو ياء زائدتان لغير الالحاق قلبت إليها وأدغمت فيها، كخطية ومقروة وأفيس، وقولهم التزم في نبى وبرية، غير صحيح، ولكنه كثير، وإن كان ألفا فبين بين المشهور، وإن كان حرفا صحيحا أو معتلا غير ذلك نقلت حركتها إليه وحذفت، نحو مسلة، وخب، وشى، وسو، وجيل، وحوبة، وأبو يوب، وذو مرهم، واتبعي مره، وقاضوبيك، وقد جاء باب شئ وسوء مدغما أيضا،


(1) النبر: الهمز، ومصدر نبر الحرف ينبره نبرا إذا همزه، وفى الحديث: قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: يا نبئ الله، فقال: لا تنبر باسمى: أي لا تهمز، وفى رواية فقال: أنا معشر قريش لا ننبر (*)

[ 33 ]

والتزم ذلك في باب يرى، وأرى يرى، للكثرة، بخلاف ينأى، وأنأى ينئى، وكثر في سل، للهمزتين، وإذا وقف على المتطرفة وقف بمقتضى الوقف بعد التخفيف، فيجئ في هذا الخب وبرى ومقرو السكون والروم والاشمام، وكذلك شئ وسو، نقلت أو أدغمت إلا أن يكون ما قبلها ألفا إذا وقف بالسكون وجب قلبها ألفا، إذ لا نقل، وتعذر التسهيل، فيجوز القصر والتطويل وإن وقف بالروم فالتسهيل كالوصل " أقول: قد مضى حكم الهمزة الساكنة، وهى قسم واحد، إذ لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لانه لا يلتقى ساكنان، بلى إن سكنت للوقف وقبلها ساكن - وذلك مما يجوز كما مضى في باب التقاء الساكنين - فقد يجئ حكمها، وأما المتحركة فعلى قسمين، وذلك لان ما قبلها: إما ساكن، أو متحرك، فإن سكن ما قبلها فلا يخلو ذلك الساكن من أن يكون مما يجوز تحريكه، أو لا يجوز، فما لا يجوز تحريكه الالف والواو والياء الزائدتان في بنية الكلمة إذا كانتا مدتين: أي يكون ما قبلها من الحركة من جنسهما، وكذا ياء التصغير، نحو سائل ومقروء وخطيئة وأفيئس، وإنما قلنا " الزائدتان في بنية الكلمة " لانهما إن كانتا أصليتين كالسوء (1) والسئ (2) قبلتا الحركة، لان فاء الكلمة وعينها ولامها مما لا يمتنع من قبول الحركة وكذا يقبلان الحركة إذا لم يكونا من بنية الكلمة، نحو اتبعوا أمرهم، واتبعي أمرهم، إذ الواو والياء كلمتان مستقلتان تحتملان الحركة نحو اخشون واخشين، وأجرى مجراهما واو نحو: مسلمو أبيك وياء المسمى أبيك، لانهما في الحقيقة ليستا زائدتين في بنية الكلمة، لكونهما لمعنى كالتنوين،


(1) السوء - بالضم -: البرص، وكل آفة (2) السئ - بالكسر -: اللبن يكون في أطراف الاخلاف (*)

[ 34 ]

فيحتملان الحركة نحو مصطفو القوم، ومصطفى القوم، وكذا إذا لم يكونا مدتين مع كونهما في بنية الكلمة، نحو حوأبة (1) وجيأل (2)، فإنهما للالحاق في مقابلة حرف أصلى، وأما ياء التصغير فإنها وإن لم تكن مدة لكنها موضوعة على السكون، ولهذا جاز نحو أصيم كما مضى في باب التقاء الساكنين، والذى يجوز تحريكه ما عدا ما ذكرناه: صحيحا كان كمسألة، أو حرف علة كالواو والياء للالحاق نحو حوأبة، وجيأل، أو الواو والياء للضمير نحو اتبعوا أمره، واتبعي أمره، وكذا إن كانتا علامتى المثنى والمجموع، كقاتلوا أبيك، وكقاتلي أبيك، أو كانتا من أصل الكلمة سواء كان حركة ما قبلهما من جنسهما كالسوء والسئ وذو إبل، وبذي إبل، وضرب هو أمه، وتضرب هي أباه، وفى أبيه، وفى أمه، أو لم تكن كسوأة (3) وجيئة، فالواو والياء اللتان لا تقبلان الحركة إذا وليهما الهمزة وقصد التخفيف قلبت الهمزة إلى الحرف الذى قبلها وأدغم فيها، نحو مقرو ونبى وأفيس وهو تصغير أفؤس جمع فأس وقول المصنف " زائدتان لغير الالحاق " يعنى زائدتين في بنية الكلمة حتى يخرج قاضوا أبيك، واتبعوا أمره، وإنما لم تحذف إذا كان قبلها حرف علة لا يقبل الحركة، لان قياس حذفها - كما مر - أن تنقل أولا حركتها إلى ما قبلها لتدل عليها، وكذا لم تجعل بين بين، لئلا يلزم شبه ساكنين، فلما


(1) الحوأبة: الضخم من الدلاء والعلاب (2) الجيأل: الضع، والضخم من كل شئ، قال في اللسان: " قال أبو على النحوي: وربما قالوا جيل - بالتخفيف - ويتركون الياء مصححة، لان الهمزة وإن كانت ملقاة من اللفظ فهى مبقاة في النية معاملة معاملة المثبتة غير المحذوفة، ألا ترى أنهم لم يقلبوا الياء ألفا كما قلبوها في ناب ونحوه، لان الياء في نية السكون ؟ قال: والجأل الضخم من كل شئ " اه‍. (3) السوءة: الفرج، والفاحشة، والخلة القبيحة (*)

[ 35 ]

امتنعا قصد التخفيف بالادغام وإن لم يقرب مخرج الهمزة من مخرج الواو والياء، لكنهم اقتنعوا في الادغام بأدنى مناسبة، وهو اشتراك الجميع في صفة الجهر، لاستكراههم الهمزة وانسداد سائر أبواب التخفيف كما مر، ولهذا قلبوا الثانية للادغام إلى الاولى، مع أن القياس في إدغام المتماثلين - كما يجئ في بابه - قلب الاولى إلى الثانية، لان حاملهم على الادغام مع تباعد المخرجين قصد تخفيف الهمزة المستكرهة والفرار منها، فلو قلبوا الاولى إلى الثانية لوقعوا في أكثر مما فروا منه. قوله " في نبى وبرية " قال سيبويه: " ألزمهما أهل التحقيق البدل، قال: وقد بلغنا أن قوما من أهل التحقيق يقولون: نبئ، وبريئة، وذلك قليل ردئ " يعنى قليل في كلام العرب ردئ فيه، لا أنه ردئ في القياس، وهى ثابتة في القراءات السبع، ومذهب سيبويه أن النبئ مهموز اللام، وهو الحق، خلافا لمن قال: إنه من النباوة: أي الرفعة، وذلك لان جمعه نبآء، وإنما جمع على أنبياء - وإن كان أفعلاء جمع فعيل المعتل اللام كصفى وأصفياء وفعلاء جمع الصحيح اللام ككرماء وظرفاء - لانهم لما ألزموا واحده التخفيف صار كالمعتل اللام، نحو سخى، وكذا ألزم التخفيف في مصدره كالنبوة، وجاء في السبع النبوءة - بالهمز، ولما رأى المصنف ثبوت النبئ والبريئة مهموزين في السبع حكم بأن تخفيفهما ليس بلازم، وكذا ورد في السبع النبوءة بالهمز، ومذهب سيبويه - كما ذكرناه - أن ذلك ردئ مع أنه قرئ به، ولعل القراءات السبع عنده ليست متواترة، وإلا لم يحكم برداءة ما ثبت أنه من القرآن الكريم، تعالى عنها وأما القسم الثاني: أي الواو والياء القابلتان للحركة، فالقياس فيه نقل حركة الهمزة إليهما وحذفها، وإنما لم تستثقل الضمة والكسرة على الواو والياء في قاتلو

[ 36 ]

امك، وجازرو ابلك، وبقاتلي امك، وأحلبنى ابلك، لان الحركتين ليستا في الاصل لحرفي العلة، بخلاف نحو قاضى وقاضي، فإن حركات الاعراب وإن كانت عارضة على الحرف لكنها حركاتها، وليست بمنقولة إليها فهى ألزم من الحركات المنقولة، قال سيبويه: بعض العرب يدغم آخر الكلمة في الواو والياء المبدلتين عن الهمزة المفتوحة الكائنة في صدر كلمة بعدها، نحو أونت وأبو يوب وأرمى باك، في: أو أنت، وأبو أيوب، وأرمى أباك، وكذا جميع المنفصلة بشرط كونها مفتوحة، قال: وإن كانت في كلمة واحدة حذفوا، نحو سوة وحوب، قال: وقد قال بعض هؤلاء في المتصلة أيضا سوة وضو، وجيل ومسوة، ومسى، جعلوا الواوات والياءات كحروف المد الزائدة في مقرو ونبى، وإنما لزم الادغام في مشية لكثرة استعمالها، وأما الهمزة المكسورة والمضمومة ضمة وكسرة لازمتين أو كلازمتين فلا يدغم فيها في هذا الباب، لثقله، فلا يقال في أبو أمك وأبى أمك: أبو مك وأبى أمك، ولا في ذو إبل وذى إبل: ذو بل وذى بل ولا في سوءوا، وأسيئي: سووا، وأسيى، لان الضمة والكسرة كاللازمتين، وأما مسوء وبمسئ فإن الضمة والكسرة للاعراب، وهو غير ثابت، قال: وبعض العرب ينقل فتحة الهمزة أخيرا على الواو والياء قبلها يحذف، كما هو القياس، نحو لن يجيك، ولن يسوك، وإذا كانت مضمومة أو مكسورة حذفت الهمزة لاستثقال الضمة والكسرة على الياء والواو، فيقول: هو يجيك ويسوك، وقد يحذف الهمزة المفتوحة نحو لن يجيك ولن يسوك، قال: وكذا يحذف الهمزة مطلقا بأى حركة كانت إذا كانت قبلها ألف، لامتناع نقل الحركة إليها، فيقول: هو يشا، فعلى هذا يقول في الجزم والوقف، لم يج، ولم يس، ولم يش، وجه وسه وشه، فيقع الجزم والوقف على العين، وعلى هذا يقول في المنفصلة: يرم اخوانه، بحذف الهمزة المكسورة مع كسرتها، لاستثقال الكسرة على الياء قبلها، ثم يحذف ياء برمى للساكنين، قال السيرافى: ومما جاء

[ 37 ]

من الشاذ نقل بعضهم حركة الهمزة المنفصلة إلى آخر الكلمة المتحركة بحركة بنائية، نحو قال اسحق، وقال اسامة، وإن كانت الحركة إعرابية لم ينقل، فلا يقول: يقول اسحق، ولن يقول اسامة، احتراما لحركة الاعراب، قال: وبعضهم يحذف الهمزة من غير نقل الحركة إلى آخر الكلمة، فيقول: قال اسحق، وقال اسامة، والاول أجود، وقال بعضهم: تحذف الهمزة المنفصلة: أي التى في أول الكلمة إذا وقعت بعد الالف في آخر الكلمة، فإن كان بعد الهمزة ساكن سقطت الالف للساكنين، نحو ما احسن زيدا، وما امرك، وإن كان بعدها متحرك بقى الالف نحو ما شد: أي ما أشد، قال: 127 - ما شد أنفسهم وأعلمهم بما * يحمى الذمار به الكريم المسلم (1) وربما حذف بلا علة ولا ضابط، نحو ناس، في " أناس " ومع ألف الاستفهام في رأيت، فيقال في أرأيت: أريت، وهو قراءة الكسائي في جميع ما أوله همزة الاستفهام من رأى المتصل به التاء والنون، قال أبو الاسود: 128 - أريت امرأ كنت لم أبله * أتانى فقال أتخذنى خليلا (2)


(1) هذا بيت من الكامل لم نقف على نسبة إلى قائل معين، ولا على سابقه أو لاحقه، وقوله " ما شد أنفسهم " تعجب، والذمار - ككتاب -: ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه ويدفع عنه، وسمى بذلك لما يجب على أهله من التذمر له، ويقال: فلان حمار الذمار، وفلان أمنع ذمارا من فلان، والاستشهاد بالبيت في قوله " ما شد أنفسهم " على أن أصله ما أشد أنفسهم، فحذف الهمزة، وذلك ضرورة من ضرائر الشعر (2) هذا بيت من المتقارب، وقائله أبو الاسود الدؤلى، وكان من حديثه أنه كان يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة وكان يتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت له يوما: يا أبا الاسود، هل لك في أن أتزوجك، فانى صناع الكف، حسنة التدبير، (*)

[ 38 ]

وإنما كثر ذلك في رأيت وأخواته لكثرة الاستعمال، ألا ترى إلى وجوب الحذف في يرى، وأرى يرى - كما يجئ - وعدم وجوبه في أخواته من يسأل وينأى ؟ فإذا دخلت على رأيت همزة الاستفهام شبهت بهمزة الافعال، فتحذف الهمزة جوازا، وربما حذفت مع هل أيضا تشبيها لها بهمزة الاستفهام، قال: 129 - صاح هل ريت أو سمعت براع * رد في الضرع ما قرى في العلاب (1)


قانعة بالميسور ؟ قال: نعم، فلما تزوجها أسرعت في ماله وأفشت سره، فجمع أهلها فقال لهم: أريت امرأ كنت لم أبله *...... البيت فخاللته ثم أكرمته * فلم أستفد من لديه فتيلا وألفيته حين جربته * كذوب الحديث سروقا بخيلا ثم أشهدهم أنه طلقها وأرأيت: بمعنى أخبرني، وهو معنى مجازى من باب إطلاق السبب وإرادة المسبب، وقوله " لم أبله " معناه: لم أجر به ولم أختبره، وفعله من باب نصر، و " الخليل " في الاصل الصديق الخالص المودة، وأراد به امرأته، والفتيل: الشئ الحقير. والاستشهاد بالبيت في قوله " أريت " على أن أصله أرأيت، فحذفت الهمزة التى هي عين الفعل، وقرأ الكسائي " أريت الذى يكذب بالدين " (1) هذا البيت لاسماعيل بن يسار مولى بنى تيم بن مرة تيم قريش من كلمة له أولها: ما على رسم منزل بالجناب * لو أبان الغداة رجع الجواب والرسم: ما بقى من آثار الديار لاصقا بالارض، والجناب: موضع بعينه، وقرى: جمع، والعلاب: جمع علبة - بضم العين وسكون اللام - وهى وعاء من (*)

[ 39 ]

وربما قدمت الهمزة التى لو بقيت بحالها لكان تخفيفها بالحذف، استكراها للحذف، فيقال في يسألون: يأسلون، لان تخفيفها إذن بالقلب لا بالحذف، قال: 130 - إذا قام قوم يأسلون مليكهم * عطاء فدهماء الذى أنا سائله (1) ومثله في ييأس ياءس. رجعنا إلى ما أصلنا، فنقول: وإن كانت الهمزة بعد الالف وقصدت التخفيف لم يجز الحذف إلا على اللغة القليلة التى ذكرنا، نحو يشا في يشاء، لان


جلد، وقيل: من خشب، ويجمع على علب أيضا، وعليه قول جرير: لم تتلفع بفضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب والاستشهاد بالبيت في قوله " هل ريت " على أن أصله هل رأيت، فحذف الهمزة التى هي عين الفعل تشبيها لهل الاستفهامية بالهمزة لاشتراكهما في المعنى، ورواه في اللسان " * صاح يا صاح هل سمعت براع * " ورواه صاحب الاغانى " * صاح أبصرت أو سمعت براع * " ولا شاهد في البيت على الروايتين لما نحن بصدده، ولكن في رواية الاغانى حذف همزة الاستفهام، وأصله " صاح أأبصرت " كما حذفها الكميت بن زيد الاسدي في قوله: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب أراد " أو ذو الشيب يلعب " فحذف الهمزة، بدليل أنه يروى " أذو الشيب يلعب ". (4) هذا بيت من الطويل، ولم نقف له على خبر، ولا على نسبة، ولا على سابق أو لاحق، ودهماء: علم، يجوز أن يكون لانسان، أو لفرس، وهو خبر مقدم، والاسم الموصول بعده مبتدأ مؤخر، وجملة " أنا سائله " لا محل لها صلة، والاستشهاد بالبيت في قوله " يأسلون " على أن أصله يسألون فقدم الهمزة التى هي عين الفعل على فاء الفعل استكراها لتخفيفها بالحذف (*)

[ 40 ]

الحذف حقه أن يكون بعد نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها، ونقل الحركة إلى ما قبلها محال، وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة، للساكنين (ولا متحركة) (1) والادغام، لان الالف لا يدغم كما يجئ في بابه، فلم يبق إلا جعله بين بين المشهور، لانه وإن كان قريبا من الساكن إلا أنه على كل حال متحرك، وهذا أمر مضطر إليه عند قصد التخفيف، لانسداد سائر أبواب وجوه التخفيف، ولم يكن بين بين البعيد، إذ لا حركة لما قبلها. قوله " وإن كان صحيحا أو معتلا غير ذلك " أي: غير حروف العلة التى تقدم أنها لا تحتمل الحركة، نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها وحذفت، وإنما لم تجعل بين بين لئلا يلزم شبه الساكنين، فلا تجعل الهمزة بين بين إلا في موضع لو كان مكانها فيه ساكن لجاز، إلا مع الالف وحدها، نحو قائل وكساء كما ذكرنا، للضرورة، ولم يبدلوها حرف علة بلا نقل حركة ولا بعد نقلها، قال سيبويه: لانهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الواو والياء وجوز الكوفيون وبعض البصريين - كأبى زيد - قلب الهمزة حرف علة من دون نقل الحركة على وجوه مختلفة من غير قياس وضبط، فقالوا في رف ء مصدر (2) رفأت: رفو،


(1) في الاصول التى بين ايدينا " وكذا لا يجوز قلبها واوا أو ياء ساكنة للساكنين والادغام - الخ " والصواب ما أثبتناه وذلك لان الاستدلال على امتناع جميع الفروض التى تحتملها الهمزة، وقد أبطل إمكان تخفيفها بنقل حركتها إلى ما قبلها بسبب أن ما قبلها غير قابل للحركة، وبقى الكلام في تخفيفها بالقلب واوا أو ياء، وهذا يحتمل وجهين: أولهما أن تكون الواو أو الياء ساكنة، وثانيهما أن تكون الواو أو الياء متحركة مع إدغام ما قبلها فيها، وعدم جواز الاول لما يلزم عليه من التقاء الساكنين غير المغتفر، وعدم جواز الثاني لما ذكره من أن الالف لا يدغم فيها (2) يقال: رفأ السفينة يرفؤها رفئا - من باب منع، إذا أدناها من الشاطئ، ورفأ الثوب يرفؤه رفئا، إذا لام خرقه وضم بعضه إلى بعض، وأصلح ما وهى (*)

[ 41 ]

وفى خب ء (1): خبو، وهذا كما قالوا في الهمز الساكن المتحرك ما قبله نحو رفأت ونشأت: رفوت ونشوت، وفى خبأت وقرأت: خبيت وقريب، وهذا عند سيبويه ردئ كله، وأجاز الكوفيون قياسا قلب الهمزة المفتوحة خاصة ألفا بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها نحو المراة والكماة وحكى سيبويه ذلك، وقال: هو قليل، ولا يجوز نقل الحركة في باب انأطر (2) لالزامهم نون انفعل السكون قوله " والتزم ذلك في باب يرى وأرى يرى " كل ما كان من تركيب رأى سواء كان من الرؤية أو من الرأى أو الرؤيا إذا زدت عليه حرفا آخر لبناء صيغة وسكن راؤه وجب حذف همزته بعد نقل حركتها، إلا مرأى، ومرآة، وذلك لكثرة الاستعمال، وقد جاء إثباتها في الشعر نحو قوله: 131 - أرى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات (3)


منه، وقد يخفف الفعل والمصدر فيقال: رفوت الثوب والسفينة رفوا، ومنه قول ابن خراش الهذلى: رفونى وقالوا: يا خويلد لاترع * فقلت وأنكرت الوجوه: هم هم (1) الخب ء: مصدر خبأ الشئ يخبؤه - كمنعه يمنعه - إذا ستره، والخب ء أيضا: اسم ما خبأته، من باب تسمية المفعول بالمصدر، ومنه قوله تعالى (وهو الذى يخرج الخب ء في السموات والارض) (2) انأطر: مطاوع أطره يأطره أطرا - من بابى ضرب ونصر - إذا عطفه فانعطف: أي ثناه فانثنى (3) هذا بيت الزجاجي إلى سراقة البارقى من أبيات يقولها للمختار بن عبيد، ونسبه الجاحظ في المحاسن والاضداد لرجل من خزاعة، ولم يعينه، والابيات التى نسبت لسراقة هي: ألا أبلغ أبا إسحق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات أرى عينى ما لم ترأياه..... البيت (*)

[ 42 ]

ويكثر حذف الهمزة مع تحرك ما قبلها مع همزة الاستفهام في نحو أرأيت كما ذكرنا. قوله: " وكثر في سل للهمزتين " استعمال اسأل أكثر من استعمال اجأر (1) ونحوه، فصار تخفيفه بنقل حركة همزته إلى ما قبلها وحذفها، كثيرا، بخلاف نحو اجأر، ولو كان كثرة التخفيف للهمزتين فقط لكان اجأر مثله، وبعد نقل حركة الهمزة إلى السين وحذفها قال المصنف: يلزم حذف همزة الوصل وإن كان حركة السين عارضة، لان مقتضى كثرة التخفيف فيه اجتماع الهمزتين، ولو كانت الهمزة باقية لما بقيت حركتها على السين، فحذفت همزة الوصل وجوبا، وقال السيرافى: حكى بعض النحاة - يعنى الاخفش - إسل نحو الحمر، قال: ويفسد


كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * على قتالكم حتى الممات وأبو إسحاق: كنية المختار، ويروى في مكانه " * ألا من مبلغ المختار عنى * " والبلق: جمع أبلق وهو من الخيل ما فيه سواد وبياض، والدهم: جمع أدهم، وهو من الخيل مثل الابلق، والترهات - بضم التاء وتشديد الراء مفتوحة أو مضمومة -: جمع ترهة - بضم التاء وتشديد الراء مفتوحة - وهى الباطل، وما لاحقيقة له، وكان سراقة قد وقع أسيرا في يدى أعوان المختار فزعم له حين أمر المختار بقتله أنه رأى الملائكة على خيل بلق يقاتلون في صفوف المختار، وأنهم الذين أسروه، فهذا معنى قوله " أرى عينى ما لم ترأياه ". والاستشهاد بالبيت في قوله " ترأياه " حيث أثبت الهمزة التى هي عين الكلمة لضرورة الشعر، والاستعمال جار على تخفيف هذه الكلمة بحذف همزتها بعد نقل حركتها إلى ما قبلها كما ذكر المؤلف، وقد رواه أبو الحسن الاخفش والزجاجى " * ما لم ترياه * " على الاستعمال المطرد، وفيه حذف نون مفاعلتن (1) اجأر: فعل أمر من جأر يجأر جأرا - من باب منع - وجؤارا أيضا، إذا رفع صوته مع تضرع واستغاثة، وفى الحديث: كأنى أنظر إلى موسى له جؤار إلى ربه بالتلبية، (*)

[ 43 ]

ما حكاه أنه ليس أحد يقول: أقل ولا أرد، وفرق بين الحمر وإسل بأن أصل السين الحركة، كما في سأل، ولام التعريف أصلها السكون، وقال سيبويه: الفرق بينهما أن همزة لام التعريف: تشبه همزة القطع في احمر بانفتاحها مبتدأة وبثباتها في الاستفهام نحو آلله، وفى يا ألله أيضا قوله " وإذا وقف على المتطرفة " اعلم أنه إذا وقف على المتحركة المتطرفة فإما أن يوقف على مذهب أهل التحقيق أو على مذهب أهل التخفيف، فالاول مضى حكمه مستوفى في باب الوقف، وأما على مذهب أهل التخفيف، فإنه تخفف الهمزة أولا، لان حالة الوصل متقدمة على حالة الوقف، ونقل الهمزة حاصل حالة الوصل، فتخفف على ما هو حق التخفيف من النقل والحذف، في نحو الخب ء، والقلب والادغام في نحو برئ ومقروء، فيبقى الخب بتحريك الباء كالدم، ثم يوقف عليه بالسكون المحض، أو الروم، أو الاشمام، أو التضعيف، ويبقى برى ومقرو مشددتين فيوقف عليهما بالاسكان والروم والاشمام، ويخفف نحو شئ وسوء في حال الوصل بالنقل والحذف، وهو الاصل، والقلب والادغام على قول بعضهم، كما ذكرنا، ويجوز السكون والروم والاشمام والتضعيف في الاول، ويجوز السكون والروم والاشمام ولا يجوز التضعيف في الثاني هذا إذا لم يكن ما قبل الهمزة فيه الالف، فإن كان قبل الهمزة المتطرفة ألف، وقد ذكرنا أن تخفيف مثلها بجعلها بين بين المشهور، فإذا خففتها كذلك ثم أردت الوقف عليها فإن راعيت في الوقف التخفيف الذى كان في الوصل وأبقيته وهو بين بين لم يجز لك إلا الوقف بالروم، لان تضعيف الهمزة لا يجوز، ومع الاسكان المحض والاشمام - وهو الاسكان أيضا - لا يجوز بين بين، لان بين بين لا يكون إلا بشئ من الحركة، وإن لم تراع في الوقف تخفيف الوصل وأردت الوجه المشهور من وجوه الوقف وهو الاسكان أسكنت الهمزة المجعولة بين بين، وجاز التقاء الساكنين، لانه في الوقف، فبطل تخفيف بين بين

[ 44 ]

بإسكانها، فقصدت تخفيفا آخر، ولم يتأت الحذف، إذ ذلك إنما يكون بنقل الحركة إلى ما قبل الهمزة، ولا تنقل الحركة إلا الالف، فلم يبق إلا قلب الهمزة الساكنة ألفا، لكون الالف قبلها بمنزلة الفتحة، فصار نحو لم يقرأ، ولا يكون مع الاسكان روم ولا إشمام، لان الحركة كانت على الحرف الذى هذه الالف بدل منه، لا على الالف حتى ترام أو تشم، كما قلنا في الوقف على هاء التأنيث، وأيضا فالروم بإبقاء بعض الحركة، والالف الصريحة لا تحتمل ذلك، وهذا الوجه - أعنى الوقف بالاسكان وقلب الهمزة ألفا - أكثر في هذا الباب من الوقف بالروم، والهمزة بين بين، فإذا قلبتها ألفا وقبلها ألف جاز لك إبقاء الالفين، لان الوقف يحتمل فيه الساكنان، فيمد مدة طويلة في تقدير ألفين، ويجوز حذف أحدهما، لاجتماع المثلين، فيمد مدة قصيرة بتقدير ألف واحدة، وإن كانت الهمزة منصوبة منونة فليست متطرفة، فلا يجئ فيها هذه الفروع، بل يقلب التنوين ألفا نحو دعاءا، وعشاءا قال: " وإذا كان قبلها متحرك فتسع: مفتوحة وقبلها الثلاث، ومكسورة كذلك، ومضمومة كذلك، نحو سأل ومائة ومؤجل وسئم ومستهزئين وسئل ورؤوف ومستهزئون ورؤوس، فنحو مؤجل واو، ونحو مائة ياء، ونحو مستهزئون وسئل بين بين المشهور، وقيل: البعيد، والباقى بين بين المشهور، وجاء منساة وسال، ونحو الواجى وصلا، وأما: * يشجج رأسه بالفهرواجى * فعلى القياس، خلافا لسيبويه " أقول: اعمل أن الحكم المذكور في المتصل جار في المنفصل سواء، وأمثلته قال هذا (غلام) أحمد، وبغلام أبيك، وإن غلام أبيك، وقال إبراهيم، وبغلام إبراهيم، وهذا مال إبراهيم، وإن غلام أختك،

[ 45 ]

وبغلام أختك، وهذا مال أختك، إذا قصدت تخفيفها متصلة كانت أو منفصلة قلبت المفتوحة المكسور ما قبلها كمائة ياء محضة، لتعذر حذفها، إذ لا تحذف إلا بعد نقل الحركة، ولا تنقل الحركة إلى متحرك، ويتعذر التسهيل أيضا، إذ تصير بين الهمزة والالف، فلما استحال مجئ الالف بعد الكسرة لم يجوزوا مجئ شبه الالف أيضا بعدها، وكذا تقلب المفتوحة المضموم ما قبلها واوا محضة كموجل، لمثل ما ذكرنا في مائة، فبقى بعد المثالين سبعة أمثلة، وتسهل كلها بين بين المشهور عند سيبويه، وإنما لم تخفف بالحذف لتحرك ما قبلها، ولم تخفف بالقلب كما في المثالين، لان القصد التخفيف، وقد حصل بتسهيلها بين بين، والاصل عدم إخراج الحرف عن جوهره، وأما في المثالين فالقلب كالمضطر إليه كما ذكرنا، ومعنى التسهيل أن تأتى بها بين الهمزة وبين حرف حركتها، وتجعل الحركة التى عليها مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تكنها، فلهذا لم تسهل الساكن ما قبلها لئلا يكون كالجمع بين الساكنين، بلى يجوز ذلك إذا اضطر إليه، وذلك إذا كان قبلها ألف، لتعذر سائر أنواع التخفيف كما ذكرنا، ولكون المد في الالف أكثر منه في سائر حروف اللين فيصح الاعتماد عليه كالمتحرك، كما مر في باب التقاء الساكنين، وذهب الكوفية إلى أن المسهلة ساكنة، واحتج على تحريكها سيبويه بحجة لا مدفع لها، وهى أنها تسهل في الشعر وبعدها ساكن في الموضع الذى لو اجتمع فيه ساكنان لانكسر البيت، كقول الاعشى: 132 - أأن رأت رجلا أعشى أضربه * ريب المنون ودهر متبل خبل (1)


هذا بيت من بحر البسيط من لامية الاعشى التى أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل والاعشى: الذى لا يبصر بالليل، ويقال للذى لا يبصر بالنهار: أجهر، والريب (*)

[ 46 ]

وعند الاخفش تسهل السبعة بين بين المشهور، إلا اثنتين منها: المضمومة المكسور ما قبلها كالمستهزئون، والمكسورة المضموم ما قبلها كسئل، قال: تقلب الاولى ياء محضة والثانية واوا محضة، إذ لو سهلتا لكانت الاولى كالواو الساكنة، ولا تجئ بعد الكسرة، والثانية كالياء الساكنة، ولا تجئ بعد الضمة، كما لا تجئ الالف بعد الضمة والكسرة، وهذا الذى ذهب إليه قياسا على مؤجل ومائة وإن كان قريبا لكن لسيبويه أن يفرق ويقول: المسهلة المفتوحة لم يستحل مجيئها بعد الضم والكسر لكن لما استحال مجئ الالف الصريح بعدهما منع مجئ شبه الالف أيضا بعدهما، وأما الواو الساكنة فلا يستحيل مجيئها بعد الكسرة، بل يستثقل، وكذا الياء الساكنة بعد الضمة، فلم يمنع مجئ شبه الواو الساكنة بعد الكسرة وشبه الياء الساكنة بعد الضمة وذهب بعضهم في نحو مستهزئون وسئل إلى بين بين البعيد، ونسب بعضهم هذا القول أيضا إلى الاخفش، وإنما ارتكب هذا الوجه من التسهيل ههنا من ارتكبه وإن كان بعيدا نادرا فرارا مما لزم سيبويه في بين بين المشهور من مجئ شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم، كما مر، ومما لزم الاخفش من مجئ الواو الصريحة متحركة بالكسر بعد الضم في سول، ومن مجئ الياء الصريحة متحركة بالضم بعد الكسر في مستهزيون، وذلك


أصله قلق النفس واضطرابها والتردد بين أمرين، والمنون، المنية، سميت المنية بذلك لان الله قد مناها: أي قدرها، ومتبل: مهلك ومبيد، وخبل: ملتو على أهله، والاستشهاد بالبيت في قوله " أأن " على تخفيف الهمزة الثانية وجعلها بين بين، وأن همزة بين بين في حكم المتحركة، إذ لو لم تكن في حكم المتحركة لانكسر البيت وبيان ذلك أن بعد الهمزة الثانية نونا ساكنة، فلو كانت الهمزة المخففة في حكم الساكنة لا لتقى ساكنان في غير القافية، وذلك مما لا يجوز، وأيضا لما يلزم عليه من تسكين ثانى الوتد المجموع - وهو عين فعولن - في غير عروض ولا ضرب، وذلك مما لا يجوز عند كافة علماء العروض (*)

[ 47 ]

مرفوض في كلامهم، وليس بشئ، لانه لا يلزم سيبويه على ما ذكرنا محذور في مجئ شبه الواو الساكنة بعد الكسر وشبه الياء الساكنة بعد الضم، وكذا لا يلزم الاخفش فيما ذهب إليه أمر شنيع، لان تخفيف الهمزة عارض غير لازم، فهو مثل رويا (1)، بلا إدغام. ولا خلاف في الخمسة الباقية أن فيها بين بين المشهور. وقد تبدل الهمزة المفتوحة ألفا إذا انفتح ما قبلها، مثل سال، وواوا ساكنة إذا انضمت وانضم ما قبلها كرووس، وياء ساكنة إذا انكسرت وانكسر ما قبلها نحو المستهزيين، قال سيبويه: وليس ذا بقياس متلئب، بل هو سماعي، كما قالوا: أتلجت، في أولجت، فلا تقول: أتلغت (2)، في أولغت، قال: وإذا كان في ضرورة الشعر كان قياسا، قال: 133 - راحت بمسلمة البغال عشية * فارعي فزارة لا هناك المرتع (3)


(1) في بعض النسخ " رييا " وهو مخفف " رئيا " من نحو قوله تعالى (هم أحسن أثاثا ورئيا). والذى أثبتناه وفاقا لبعض النسخ هو تخفيف " رؤيا " وقد ذكروا أنه يجوز الوجهان في هاتين الكلمتين: الادغام مراعاة لما صارت إليه الهمزة، وعدم الادغام نظرا إلى عروض الحرف بالتخفيف (2) في بعض النسخ " أتغلت في أوغلت " وكلا النسختين صحيح (3) هذا بيت من الكامل يقوله الفرزدق بعد أن عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وولى عمر بن هبيرة الفزارى، وبعده قوله: ولقد علمت إذا فزارة أمرت * أن سوف تطمع في الامارة أشجع عزل ابن بشر وابن عمرو قبله وأخو هراة لمثلها يتوقع وقوله " راحت بمسلمة " أنشد في الاغانى مكانه " ولت بمسلمة ". وقوله " أن سوف تطمع " أن مخففة من الثقيلة، وابن بشر هو عبد الملك بن بشر بن مروان، وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة، وأخو هراة هو سعيد بن (*)

[ 48 ]

وقال: 134 - سالتانى الطلاق إذ رأتانى * قل مالي، قد جئتماني بنكر (1) وقال: 135 - سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما قالت ولم تصب (2)


عبد العزيز بن الحكم بن أبى العاص، ويقال: ابن عمر وهو سعيد بن عمرو بن الحرث ابن الحكم، وأخو هراة هو سعيد بن الحرث بن الحكم. والاستشهاد بالبيت في قوله " لاهناك " يريد لا هنأك، تقول: هنأه الطعام يهنؤه إذا ساغ ولذله بلا مشقة، فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا ساكنة (1) هذا البيت من الخفيف، وهو لزيد بن عمرو بن نفيل القرشى العدوى، وهو أحد الذين برئوا من عبادة الاوثان في الجاهليية وطلبوا دين إبراهيم وتنسكوا. وقبله: تلك عرساى تنطقان على عمد إلى اليوم قول زور وهتر عرساى: مثنى عرس مضاف إلى ياء المتكلم، وعرس الرجل - بكسر فسكون -: زوجه، والهتر - بفتح الهاء وسكون التاء -: مصدر هتره يهتره، إذا مزق عرضه، وبكسر الهاء وسكون التاء: اسم بمعنى الكذب، والامر العجيب، والساقط من الكلام. واستشهاد بالبيت في قوله " سالتانى " على أن أصله سألتانى، فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا على نحو ما ذكرنا في البيت الذى قبله (2) هذا بيت من البسيط لحسان بن ثابت الانصاري رضى الله عنه من كلمة يهجو فيها هذيلا، لانهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو كبير الهذلى، فقال أبو كبير للنبى صلى الله عليه وسلم: أحل لى الزنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال فادع الله أن يذهب ذلك عنى. وقد روى كلمة حسان هذه ابن هشام في السيرة (ح 3 ص 176 طبعة المكتبة التجارية) وبعده: سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات وكانوا سبة العرب (*)

[ 49 ]

وأنشد سيبويه فيما لا يجوز في غير الشعر إلا سماعا قول الشاعر: 135 - وكنت أذل من وتد بقاع * يشجج رأسه بالفهر واجى (1) قال المصنف - وهو الحق -: إن هذا القياس ليس من ذلك، لان " واج "


ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعوا لمكرمة عن منزل الحرب لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما كان في الكتب والاستشهاد بالبيت في قوله " سالت " وأصله سألت فخفف الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها بقلبها ألفا، ومثله قوله: " سالوا رسولهم " في البيت الذى أنشدناه بعده (1) هذا البيت من الوافر، وهو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت من كلمة يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبى العاص وقبله قوله: وأما قولك الخلفاء منا * فهم منعوا وريدك من وداجى ولولاهم لكنت كحوت بحر * هو في مظلم الغمرات داجى وقوله " وداجى " هو مصدر قولك: وادج فلان فلانا بمعنى ودجه كسافر بمعنى سفر، وتقول: ودجت الدابة ودجا كوعدته وعدا، إذا قطعت ودجها، وقطع الودج للدابة كالفصد للانسان، وهوى: سقط، والغمرات: جمع غمرة، وهى في الاصل القطعة من الماء، وداج: أسود مظلم، والقاع: المستوى من الارض، ويشجج: يدل على المبالغة في الشج، والفهر - بكسر فسكون -: الحجر إذا كان مل ء اليد، والواجى: اسم فاعل من وجأت عنقه أجؤها، إذا ضربتها، ويضرب المثل في الذل والمهانة بالوتد، فيقال: هو أذل من وتد بقاع، وفى هذا المعنى يقول الشاعر: ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الاذلان عير الحى والوتد هذا على الخسف مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد والاستشهاد بالبيت في قوله " واجى " وأصله الواجئ - بالهمز - فلما وقع في القافية ووقف عليه سكنت الهمزة فخففت بقلبها ياء لانكسار ما قبلها (*)

[ 50 ]

آخر البيت، وهو موقوف عليه، فكأن آخر الكلمة همزة ساكنة قبلها كسرة كما في " لم يقرئ " وقياسه التخفيف بجعلها ياء في الشعر وفى غيره، بلى إذا كان نحو الواجى في الوصل كما تقول: مررت بالواجى يا فتى، بجعل الهمزة ياء ساكنة، فهو من هذا الباب وقد أطلق سيبويه وقال: تقلب الهمزة التى تجعل عند أهل التخفيف بين بين ألفا إذا انفتح ما قبلها، وياء إذا انكسر ما قبلها، وواوا إذا انضم ما قبلها، والحق أن يقيد - كما قال ابن يعيش - فيقال: الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها تقلب ألفا، والمكسورة المكسور ما قبلها تقلب ياء، والمضمومة المضموم ما قبلها تقلب واوا، ولم يقيد ابن يعيش الواو والياء المقلوب إليهما بالسكون، والاولى أن يقال ياء ساكنة، وواوا ساكنة، كما قدمنا، فعلى هذا لا يقلب نحو لؤم وسئم، ألفا، لا في الضرورة ولا في غيرها، وكذا لا يقلب نحو مستهزئون ومائة ياء ساكنة، ونحو سئل ومؤجل واوا ساكنة قال: " والتزموا خذ وكل على غير قياس للكثرة، وقالوا مر، وهو أفصح من أومر، وأما وأمر فأفصح من ومر " أقول: هذا كان حقه أن يذكر بعد قوله " والهمزتان في كلمة إن سكنت الثانية وجب قلبها "، لان أصل خذ وكل ومر أؤخذ وأؤكل وأؤمر، وكان القياس قلب الثانية واوا لانضمام ما قبلها، فخففت بغير القلب، وذلك بأن حذفت الثانية لكثرة استعمالها، وعلى كل حال فالحذف أوغل في التخفيف من قلبها واوا، والتزموا هذا الحذف في خذ وكل، دون مر، فان الحذف فيه أفصح من القلب، وليس بلازم، هذا إذا كان مبتدأ به، وذلك لكونه أقل استعمالا من خذ وكل، وأما إذا وقع في الدرج نحو " وأمر " و " فأمر " و " قلت لك اؤمر " فان إبقاء الهمزة فيه أكثر من الحذف، لان علة الحذف اجتماع الهمزتين، ولا تجتمعان

[ 51 ]

في الدرج، وجاز نحو " ومر " و " فمر " أيضا، على قلة، لان أصل الكلمة أن تكون مبتدأ بها، فكأنه حذفت الهمزة (في الابتداء) أولا، ثم وقعت تلك الكلمة المحذوفة الهمزة في الدرج، فبقيت على حالها قال: " وإذا خفف باب الاحمر فبقاء همزة اللام أكثر، فيقال: الحمر ولحمر، وعلى الاكثر قيل: من لحمر، بفتح النون وفلحمر، بحذف الياء، وعلى الاقل جاء (عادلولى) ولم يقولوا: اسل ولا اقل لاتحاد الكلمة " أقول: يعنى إذا نقل حركة الهمزة التى في أول الكلمة إلى لام التعريف قبلها، فتلك اللام في تقدير السكون، لوجوه: أحدها: أن أصل اللام السكون، بخلاف نحو قاف قل، والثانى: كون اللام كلمة أخرى غير التى في أولها الهمزة، فهى على شرف الزوال، فكأنها زالت وانتقلت حركة الهمزة التى نقلت إليها إلى الهمزة، وبقيت اللام ساكنة، بخلاف قاف قل، فانها من كلمة الواو، والثالث: أن نقل حركة الهمزة إلى ما قبلها غير لازم، فكأنها لم تنقل، بخلاف نقل حركة واو قل إلى ما قبلها، وأما سل فحركة السين فيه ليست بلازمة لزوم حركة قاف قل، ولا بزائله زوال حركة لام الاحمر، لانه مثل قل في جميع الوجوه، إلا الثالث، فإن نقل الحركة فيه ليس لازما لزوم نقل حركة واو أقول، لكنه - وإنلم يلزم لزومه - أكثر من نقل حركة همزة الاحمر، ففى الاحمر بقاء الهمزة أكثر، وفى قل حذف الهمزة واجب، وفى سل وقع الخلاف: أوجبه المصنف كما ترى، وهو مذهب سيبويه، وأجاز الاخفش اسل، كما تقدم، وهذا كله في قل مبنى على أن أصله أقول المأخوذ من تقول قبل نقل حركة الواو إلى القاف، فأما إن قلنا:

[ 52 ]

إن قل مأخوذ من تقول المضموم القاف، فليس هناك همزة وصل حتى تحذف الحركة أو تبقى لعروضها قوله " وعلى الاكثر قيل من لحمر " يعنى على جعل اللام في حكم الساكن حركوا النون لالتقاء الساكنين، وحذف ياء " في " لاجله أيضا، ولو اعتد بحركة اللام سكن النون، كما في " من زيد " ولم تحذف ياء في كما في " في دارك " وحكى الكسائي والفراء أن من العرب من يقلب الهمزة لاما في مثل هذا، فيقول في الاحمر والارض: اللحمر، واللرض، ولا ينقل الحركة، محافظة على سكون اللام المعرفة. قوله " وعلى الاقل " أي: على جعل حركة اللام كاللازم أدغموا تنوين " عادا " الساكن في لام " الاولى " كما تقول: من لك، ولو جعلت اللام في تقدير السكون لحركت النون فقلت: عادن لولى، ولم يجز الادغام، إذ لا يدغم الساكن في الساكن، وإنما اعتد بحركة اللام - وإن كان على الوجه الاقل - لغرض التخفيف بالادغام، بخلاف قوله (سيرتها الاولى) فان التخفيف يحصل ههنا لعدم الاعتداد بحركة اللام، وهو بحذف ألف (سيرتها) للساكنين. قوله " لاتحاد الكلمة " كما ذكرنا في الوجه الثاني. قال: " والهمزتان في كلمة إن سكنت الثانية وجب قلبها كآدم وايت وأوتمن، وليس آجر منه، لانه فاعل، لا أفعل، لثبوت يؤاجر، ومما قلته فيه: دللت ثلاثا على أن يوجر * لا يستقيم مضارع آجر فعالة جاء الافعال عز * وصحة آجر تمنع آجر وإن تحركت وسكن ما قبلها كسئال تثبت، وإن تحركت وتحرك ما قبلها قالوا: وجب قلب الثانية ياء إن انكسر ما قبلها أو انكسرت،

[ 53 ]

وواوا في غيره نحو جاء وأيمة وأويدم وأوادم، ومنه خطايا في التقدير الاصلى، خلافا للخليل، وقد صح التسهيل والتحقيق في نحو أيمة، والتزم في باب أكرم حذف الثانية، وحمل عليه أخواته، وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة في باب مطايا، ومنه خطايا على القولين، وفى كلمتين يجوز تحقيقهما، وتخفيفهما، وتخفيف إحداهما على قياسها، وجاء في نحو يشاء إلى الواو أيضا في الثانية، وجاء في المتفقتين حذف إحداهما، وقلب الثانية كالساكنة " أقول: اعلم أن الهمزتين إذا اجتمعتا، فإما أن يكون اجتماعهما في كلمة أو في كلمتين. فان كان في كلمة فإما أن تتحرك الاولى فقط، أو تتحرك الثانية فقط، أو تتحركا معا، وسكونهما معا لا يجوز. فان تحركت الاولى فقط دبرت الثانية بحركة الاولى: أي قلبت واوا إن انضمت الاولى كأوتمن، وياء إن انكسرت كايت، وألفا إن انفتحت كآمن، وإنما قلبت الثانية لان الثقل منها حصل، وإنما دبرت بحركة ما قبلها لتناسب الحركة الحرف الذى بعدها، فتخف الكلمة، وإذا دبرت بحركة ما قبلها وليس المتحرك همزة كما في راس وبير وسوت فهو مع كونه همزة أولى. قوله " وليس آجر منه " أي: مما اجتمع فيه همزتان والثانية ساكنة، قال: لانه من باب فاعل، لا أفعل، واستدل على ذلك بأن مضارعه يؤاجر، لا يؤجر والذى أنشده من قبله - مع ركاكة لفظه - ليس فيه دليل على مدعاه، أعنى أن يؤجر لا يستعمل في مضارع آجر: قال " فعالة جاء " يعنى أن مصدر آجر فعالة، وفعالة مصدر فاعل ككاتب كتابا وقاتل قتالا، والتاء في إجارة للوحدة، وليس بشئ، لوجهين: أحدهما أنا بينا في باب المصادر أن المرأة إنما تبنى في ذوات الزيادة على المصدر المشهور المطرد، فيقال: قاتلت مقاتلة واحدة، ولا يقال: قاتلت قتالة

[ 54 ]

لان فعالا ليس بمطرد في فاعل، وثانيهما أن إجارة لو كان مصدر فاعل للمرة لجاز آجر لغير المرة، ولم يستعمل إجارا أصلا، وأيضا لم يكن استعمال إجارة إلا للمرة كما لا يستعمل نحو تسبيحة وتقديسة إلا لها. قوله: " والافعال عز " يعنى لا يستعمل إيجارا، وذلك ممنوع، لان في كتاب العين " آجرت مملوكي أوجره إيجارا فهو مؤجر " وفى أساس اللغة " آجرنى داره إيجارا فهو مؤجر، ولا تقل: مؤاجر، فإنه خطأ قبيح " قال: " وليس آجر هذا فاعل، بل هو أفعل، وإنما الذى هو فاعل آجر الاجير مؤاجرة، كقولك: شاهره وعاومه " وفى باب أفعل من جامع الغورى " آجره الله تعالى: لغة في أجره مقصورا " وفى باب فاعل منه " آجره الدار " وهكذا في ديوان الادب، قلت: فآجره الدار من فاعل ممنوع عند صاحب الاساس جائز عند الغورى، والحق ما في أساس اللغة، لان فاعل لا يعدى إلى مفعولين إلا الذى كان يعدى في الثلاثي إلى مفعول، كنزعت الحديث ونازعته الحديث، فآجر المتعدى إلى مفعولين إذن من باب الافعال، فأجرتك الدار إيجارا، مثل أكريتك الدار، وآجرت الاجير مؤاجرة: أي عقدت معه عقد الاجارة، يتعدى إلى مفعول واحد، وكأن الاجارة مصدر أجر يأجر إجارة نحو كتب يكتب كتابة: أي كان أجيرا، قال تعالى: (على أن تأجرني ثمانى حجج)، فالاجارة كالزراعة والكتابة، كأنها صنعة، إلا أنها تستعمل في الاغلب في مصدر آجر أفعل، كما يقام بعض المصادر مقام بعض نحو (تبتل إليه تبتيلا) والاجير من أجر يأجر قوله: " وصحة آجر تمنع آجر " أي: صحة آجر فاعل تمنع آجر أفعل، قال في الشرح: " أي أن آجر فاعل ثابت بالاتفاق، وفاعل ذو الزيادة لابد أن يكون مبنيا من أجر الثلاثي لا آجر الذى هو أفعل، فيثبت أجر الثلاثي، ولا يثبت آجر أفعل " هذا كلامه، يا سبحان الله ! ! كيف يلزم من عدم بناء فاعل

[ 55 ]

من أفعل أن لا يكون أفعل ثابتا ؟ وهل يجوز أن يقال: أكرم غير ثابت، لان كارم غير مبنى بل من كرم ؟ وإذا تقرر ما ذكرنا ثبت أن أفعل وفاعل من تركيب (أج ر) ثابتان، وكل واحد منهما بمعنى آخر، فأفعل بمعنى أكرى، وفاعل بمعنى عقد الاجارة هذا، وإن سكنت الاولى وتحركت الثانية، فإن كان ذلك في صيغة موضوعة على التضعيف، كسئال وسؤال، وجب الادغام محافظة على وضع الصيغة، ولا يكون ذلك إلا إذا اتصلت الاولى بالفاء، وذلك أن الهمزة ثقيلة، ولا سيما ما ضعف منها، فإذا وليت الاولى أول الكلمة خفت، وأما في غير ذلك فلا يجوز، فلا يبنى من قرأ نحو قمد (1) ولا فلز (2)، ويجوز اجتماعهما مع سكون الاولى وتحرك الثانية في صيغة غير موضوعة على التضعيف، وعند ذلك تقلب الثانية ياء، ولا تدغم، نحو قرأى، على وزن سبطر (3) من قرأ، ولا يخفف بنقل حركة الثانية إلى الاولى وحذفها كما في مسلة، لان تلك في حكم الثانية فإن تحركتا قلبت الثانية وجوبا، ثم إن كانت الثانية لاما قلبت ياء مطلقا، بأى حركة تحركتا، لان الاخر محل التخفيف، والياء أخف من الواو، وأيضا فمخرج الياء أقرب إلى مخرج الهمز من مخرج الواو، فتقول في مثل جعفر من قرأ: قرأى، قرأيان، قرأون. وقرآة، وقرآتان، وقرأيات. وإن لم تكن الثانية لاما


(1) القمد - كعتل -: القوى الشديد، أو الغليظ. أنظر (ح 1 ص 53) (2) الفلز - بكسر الفاء واللام بعدهما زاى مشددة -: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو هو خبث الحديد، أو هو الحجارة، أو جواهر الارض كلها، أو ما ينفيه الكير مما يذاب منها، ويقال فيه: فلز - كهجف، وفلز - كعتل - (3) السبطر - كهزبر -: الشهم الماضي، وهو الطويل أيضا، وهو أيضا الاسد يمتد عند الوثبة (*)

[ 56 ]

فإن كانت مكسورة قلبت ياء أيضا، بأى حركة تحركت الاولى: بالفتحة نحو أيمة أين، أو بالكسر كما إذا بنيت من الانين مثل إجرد (1) قلت: إين، وكذا لو بنيت مثل أكرم منه قلت: أين، مراعاة لحركتها، ألا ترى أنك تجعلها بين الهمزة والياء في مثل هذه المواضع، إذا قصدت تخفيفها وليس قبلها همزة كما في سئم وسئل ومستهزئين، وتقول عند الاخفش في أين: أون، كما ذكرنا من الخلاف في نحو سئل، وإن كانت مضمومة جعلتها واوا صريحة مطلقا قياسا على التسهيل، فتقول في حكاية النفس من يؤب: أوب، ومن يؤم: أوم، بواو خالصة، وفى مثل أبلم (2) من أم: أوم، ولا يوجد مضمومة مكسور ما قبلها في كلامهم، ولو جاء إفعل - بكسر الهمزة وضم العين - لقلت من أم: إوم عند سيبويه بالواو، وإيم بالياء عند الاخفش كما ذكرنا في مستهزئون، وإن كانت مفتوحة فإن كانت بعد كسرة جعلتها ياء كما في نحو بئر (3)، فتقول في نحو إصبع من أم: إيم، وإن كانت بعد ضمة جعلتها واوا، كما في جون (4)، فتقول في تصغير آدم: أويدم، وإن كانت بعد فتحة قلبتها واوا أيضا عند غير المازنى، فتقول في أفعل منك من الام، أوم، وكذا أور، من (8) الار، وعند المازنى: أيم وأير، ولعله نظر إلى أن القياس على


(1) الاجرد - بكسرتين بينهما ساكن كأثمد -: نبت يخرج عند الكمأة، فيستدل به عليها. انظر (ح 1 ص 59) (2) أبلم - بضمتين بينهما سكون -: الخوص، واحدته أبلمة (أنظر ح 1 ص 56) (3) بئر - بكسر ففتح -: جمع بئرة، وهى ما خبئ وادخر (4) جون - بضم ففتح -: جمع جونة، وأصله جؤن وجؤنة، فخففت الهمزة فيهما بقلبها واوا، والجؤنة: سلة مستديرة مغشاة أدما يجعل فيها الطيب والثياب (5) الار: مصدر أر يؤر - كشد يشد - ومعناه: السوق، والطرد، والجماع، ورمى السلح، وإيقاد النار (*)

[ 57 ]

تسهيلها محال ههنا، إذ الهمزة في مثله تسهل بين الهمزة والالف، وقلب المتحركة ألفا متحركة محال، فوجب قلبها لاجتماع همزتين: إما إلى الياء، أو إلى الواو، والياء أخف فقلبت إليه، وغيره نظر إلى حال التسهيل فقلبها ألفا، ثم لما كان الالف إذا وجب تحريكها ولم تجعل همزة كما جعلت في قائل ورداء قلبت واوا كما في خواتم وخويتم قلبت الالف المنقلبة عن الهمزة واوا، فقال: أوم، وأما نحو أوادم في جميع آدم فلا يخالفهم فيه (1) المازنى، لان الهمزة الثانية وجب قلبها في المفرد ألفا وهو آدم، فصار كألف عالم وخاتم وحائط، والهمزة المقلوبة واوا أو ياء وجوبا حكمها حكم الواو والياء، كما ذكرنا في أول الكتاب، ويقول المازنى في تصغير أيمة: أييمة، وفى جمعه أيام، بالياء فيهما، وكذا يقول هو في تصغير أيم أفعل التفضيل عنده من أم: أييم، بالياء، وكل ذلك مراعاة للمكبر فيهما والمفرد في أيام، ويوافقهم في تصغير آدم على أويدم، وغيره لا يراعى حال الاصل إذا زال علة القلب في الفرع، فيقول: أويمة وأوام، في تصغير أيمة وتكسيره، وإن


(1) اعلم أن الجمهور والمازني جميعا متفقون على أنه يقال في جمع آدم: أوادم وفى تصغيره: أويدم، ولكن الجمهور يقدر أن هذه الواو مقلوبة عن الهمزة، فأصل أوادم عندهم أآدم، وأصل أويدم أأيدم، والمازني يجعل الواو في الجمع والتصغير منقلبة عن الالف التى في المفرد والمكبر المنقلبة عن الهمزة، ومذهب الجمهور في هذا أرجح، لوجهين: الاول أن الجمع والتصغير يردان الاشياء إلى أصولها ما لم يمنع من ذلك مانع، والامر الثاني أن قلب الهمزة ألفا في آدم قد زال مقتضيه في أوادم وأويدم، فلا سبيل إلى ادعاء أن هذه الواو منقلبة عن الالف. ثم إن الجمهور قاسوا على أوادم قولهم: محمد أون من على: أي أكثر أنينا، بجامع أن في كل منهما همزتين متحركتين في أول الكلمة وثانيتهما مفتوحة وليست الاولى مكسورة، ويرى المازنى قلب الثانية ياء لضرب من الاستحسان، ولا مستند له من المستعمل في كلام العرب (*)

[ 58 ]

كانت المفتوحة بعد كسرة قلبت ياء كما في مائة، فتقول: إين على مثال إصبع من الانين وجاء في الهمزتين المتحركتين في كلمة وجهان آخران: أحدهما ما ذكره أبو زيد عن بعض العرب أنهم يحققون الهمزتين معا، قال: سمعت من يقول: اللهم اغفر لى خطائئى، كخطاياى بمعنى، وكذا دريئة (1) ودرائئى، وقرأ جماعة من القراء - وهم أهل الكوفة وابن عامر - (أئمة) بهمزتين، وثانيهما تخفيف الثانية كتخفيف الهمزة المتحركة المتحرك ما قبلها إذا لم يكن همزة سواء، فيقول في " أئمة ": أيمة، يجعلها بين الهمزة والياء كما في سئم، وكذا في نحو أؤمك، وغير ذلك وفى هذين الوجهين - أعنى تحقيقهما وتسهيل الثانية - زاد بعضهم ألفا بين الاولى والثانية، إذا كانت الاولى مبتدأ بها، لكراهة اجتماع الهمزتين أو شبه الهمزتين في أول الكلمة، واجتماع المثلين في أول الكلمة مكروه، ألا ترى إلى قولهم: أواصل وأوايصل ؟ وإذا اجتمع في كلمة همزتان وبينهما ألف لا تقلب واحدة منهما اعتدادا بالفاصل، ألا ترى إلى مذهب من أراد الجمع بينهما بلا تخفيف كيف يزيد بعضهم ألف الفصل، فيقول أائمة، حتى لا يكون اجتماع همزتين، فكيف لا يعتد بالالف الموجودة فاصلا ؟ وأما قلب همزة ذوائب واوا على سبيل الوجوب فلكونه أقصى الجموع، ولكون واحده - أي ذؤابة (2) - مقلوبا همزته في الاغلب واوا


(1) الدريئة: حلقة يتعلم عليها الطعن والرمى، وهى أيضا كل ما استتر به الصياد ليختل الصيد، قال الشاعر: ولقد أرانى للرماح دريئة * من عن يمينى وأمامي (2) الذؤابة: الناصية أو منبتها. انظر (ح 1 ص 213) (*)

[ 59 ]

كما هو قياس التخفيف في مثله، ومع هذا كله التزام القلب في هذا الجمع على غير قياس، ورآه الاخفش قياسا، تقلب الهمزة الاولى عنده في مثله واوا وجوبا، لاجتماع الهمزتين، والفاصل ضعيف، وليس بوجه، لان القياس مع اجتماع الهمزتين تخفيف الثانية لا الاولى قوله " جاء وأيمة " قد مضى شرحهما في أول الكتاب قوله " أويدم وأوادم " أي: في تصغير آدم وجمعه، إذا سميت به، فان لم تسم به فجمعه أدم قوله " وقد صح التسهيل والتحقيق في أئمة " أي: في القراءة، ولم يجئ في القراءة قلب الهمزة الثانية في أئمة ياء صريحة، كما هو الاشهر من مذهب النحاة، بل لم يأت فيها إلا التحقيق أو تسهيل الثانية، وقد ذكرنا أن هذين الحكمين لا يختصان عند بعضهم بأئمة، بل يجريان في كل متحركتين، لكن الاشهر عند النحاة قلب الثانية ياء صريحة قوله " ومنه خطايا في التقدير الاصلى " أي: من اجتماع الهمزتين في كلمة، وذلك أنه جمع خطيئة، وياء فعيلة تقلب في الجمع الاقصى همزة، كما يجئ في باب الاعلال، نحو كبيرة وكبائر، فصار خطائئ عند سيبويه، فقلبت الثانية ياء، لما ذكرنا أن قياس همزتين في كلمة قلب الثانية ياء إذا تطرفت، فصار خطائى، وليس غرضه ههنا إلا اجتماع همزتين في خطايا في الاصل عند سيبويه، فقلبت ثانيتهما ياء، وأما قلب الاولى ياء مفتوحة فسيجئ عن قريب، وأما الخليل فانه يقول أيضا: أصله خطايئ بياء بعدها الهمزة، لكنه يقلب فيجعل الياء موضع الهمزة والهمزة موضع الياء، كما مر في أول الكتاب في نحو جاء قوله " والتزم في باب أكرم حذف الثانية " القياس فيه قلب الثانية واوا

[ 60 ]

كما في أويدم، لكنه خففت الكلمة بحذف الثانية، لكثرة الاستعمال، كما خففت في خذ وكل بالحذف، والقياس قلبها واوا، ثم حمل أخواته من تؤكرم ويؤكرم عليه، وإن لم يجتمع الهمزتان قوله " وقد التزموا قلبها مفردة ياء مفتوحة في باب مطايا " اعلم أن الجمع الاقصى إذا كان آخره ياء ما قبلها همزة لا يخلو من أن يكون في مفرده ألف ثانية بعدها همزة أصلية كشائية من شأوت، أو منقلبة كشائية من شئت أو واو كشاوية من شويت، أو ألف ثالثة بعدها واو كإداوة وهراوة، أو ياء كدواية وسقاية، أو لم يكن مفرده على شئ من هذه الاوجه: سواء كان لامه همزة كخطيئة، أو لم يكن كبلية فالاصل في جميع جموع هذه المفردات تخفيف الثقيلين وجوبا، أعنى الياء المكسور ما قبلها والهمزة، وذلك لكون الوزن وزن أقصى الجموع، وكون هذين الثقيلين في آخره الذى هو موضع التخفيف، وتخفيفهما بأن تقلب الياء ألفا، والكسرة قبلها فتحة، وتقلب الهمزة ياء، وإذا قلبت الياء ألفا جوازا في نحو مدارى، مع أن ما قبل الياء ليس همزة، فالوجه وجوب القلب ههنا، لثقل الهمزة، وإنما قلبت الهمزة ياء دون الواو لكونها أخف منها وأقرب مخرجا إلى مخرج الهمزة منها، وإنما قلبت في نحو " حمراوان " واوا في الاغلب، لا ياء، طلبا للاعتدال، لان الياء قريبة من الالف، فكأن إيقاع الياء بين الالفين جمع بين ثلاث ألفات، فاستريح من توالى الامثال إلى الواو مع ثقلها، لخفة البناء، أو لعدم لزوم اكتناف الالفين للواو في المثنى، إذ ألف التثنية غير لازمة، فلا يلزم الواو العارضة بسببها، ولما لزمت ألف التثنية في ثنايان (1) بقيت الياء بحالها، وأما في الجمع الاقصى فلا


(1) الثنايان مما جاء مثنى ولا واحد له، ومعناه مفرد أيضا، فهو يطلق على (*)

[ 61 ]

تقلب واوا، لثقل البناء، ولزوم اكتناف الالفين، فيلزم الواو لو قلبت إليها، وقد جاء في جمع هدية هداوى كما في حمراوان، وهذا شاذ، إلا عند الاخفش، فانه رآه قياسا كما في حمراوان وخولف الاصل المذكور في موضعين: أحدهما إذا كان في مفرده ألف بعده همزة نحو شائية من شأوت أو من شئت، فتركت الهمزة والياء بحالهما، فقيل: هؤلاء الشوائى، مراعاة في الجمع للمفرد، كما روعى في نحو حبالى وخناثى، كما مر في باب الجمع، وثانيهما إذا كان في مفرده ألف ثالثة بعدها واو، نحو أداوى وعلاوي فقلبت الهمزة، لكن إلى الواو لا إلى الياء، لمراعاة المفرد أيضا، وكان على هذا حق ما في مفرده ألف ثانية بعدها واو، كشوايا جمع شاوية، أن يراعى مفرده فيقال: شواوى، لكن لما كان أصله شواوى، فقلبت الواو التى بعد الالف همزة كما في أواول، لا كتناف حرفي العلة لالف الجمع، لم يقلب الهمزة بعده واوا، لئلا يكون عودا إلى ما فر منه، فرجع فيه من مراعاة المفرد إلى الجرى على الاصل من قلب الهمزة ياء، فقيل: شوايا، في جمع شاوية، وكذا في الجمع الذى في مفرده ألف بعده الياء كالدواية والسقاية لو جمعتا هذا الجمع قيل: دوايا وسقايا، والياء في هذا أولى لوجهين: لمراعاة المفرد، وللجرى على الاصل، وكذا تقول في الجمع الذى ليس في مفرده ألف بعده همزة أو ياء أو واو فقلبت الهمزة ياء والياء ألفا، كخطايا وبلايا وبرايا في جمع خطيئة وبلية وبرية، وقد جاء فيه هدية وهداوى، كما ذكرنا فإذا تقرر هذا فاعلم أن الالف في هذه الجموع كلها مجتلبة للجمع، ولم تكن في المفرد، والهمزة بعد الالف في شواء جمع شائية من شأوت هي الاصلية التى


حبل واحد تشد بأحد طرفيه إحدى يدى البعير وبالاخر الاخرى، قال في اللسان: " وعلقت البعير بثنايين غير مهموز، لانه لا واحد له، وذلك إذا علقت يديه جميعا بحبل أو بطرفي حبل، وإنما لم يهمز لانه لفظ جاء مثنى لا يفرد واحده فيقال ثناء، فتركت الياء على الاصل " اه‍. (*)

[ 62 ]

كانت في المفرد، وفى شواء من شئت عارضة في الجمع عروضها في المفرد، والالف التى كانت في مفرديهما قلبت في الجمع واوا، وكذا ألف شاوية قلبت في الجمع واوا، أعنى شوايا، وقلبت واو المفرد التى كانت بعد الالف شاوية همزة كما في أوائل، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة كما ذكرنا، والالف التى كانت في إداوة قلبت في الجمع همزة كما في رسائل وقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، ثم قلبت الهمزة ياء (1) مفتوحة والياء ألفا، كما في سقاية لو قيل: سقايا، والياء في خطيئة تقلب همزة عند سيبويه: كما في صحائف، فيجتمع همزتان، فتقلب الثانية ياء، وتقلب الاولى ياء مفتوحة، كما في بلايا ونحوها، وتقلب الياء التى بعدها ألفا، لان الياء المنقلبة عن همزة على وجه الوجوب حكمها حكم الياء الاصلية، والهمزة الثانية ههنا واجبة القلب إلى الياء، لكونها متطرفة، كما سبق تحقيقه في هذا الباب، فخطايا كهدايا، قلبت ياؤها - أي الحرف الاخير - ألفا، وقال الخليل: أصله خطايئ بالهمزة بعد الياء التى كانت في الواحد، فجعلت الياء في موضع الهمزة والهمزة في موضع الياء، ثم قلبت الهمزة التى كانت لام الكلمة ياء مفتوحة، فوزنه (2) فوالع، فقول المصنف " ومنه خطايا على القولين " أي: من باب قلب الهمزة المفتوحة ياء مفتوحة على قول الخليل وسيبويه واعلم أنه إذا توالى في كلمة أكثر من همزتين أخذت في التخفيف من الاول


(1) قوله " قلبت الهمزة ياء مفتوحة... إلخ " ليس بصحيح، فأن الهمزة في جمع إداوة قلبت واوا حملا على المفرد، لا ياء، وهذا أحد الموضعين اللذين خولف فيهما الاصل الذى أصله المؤلف من قبل، والعجب مه أنه صرح بذكر الموضعين اللذين خولف فيهما هذا الاصل ثم غفل عنه (2) قوله " فوزنه فوالع " ليس صحيحا، بل وزن خطايا فعائل عند سيبويه وفعالى - كعذاري -: عند الخليل والكوفيين، على اختلاف بينهما في التقدير، ولعله من تحريف النساخ (*)

[ 63 ]

فخففت الهمزة الثانية، ولم تبتدئ في التخفيف من الاخر، كما فعلت ذلك في حروف العلة في نحو طوى ونوى، وذلك لفرط استثقالهم لتكرار الهمزة، فيخففون كل ثانية إذ نشأ منها الثقل، إلى أن يصلوا إلى آخر الكلمة فان بنيت من قرأ مثل سفرجل قلت: قرأيأ، حققت الاولى، وقلبت الثانية التى منها نشأ الثقل، وإنما قلبتها ياء، لا واوا، لكونها أقرب مخرجا إلى الهمزة من الواو، وصححت الاخيرة لعدم مجامعتها إذن للهمزة وإن بنيت مثل سفرجل من الهمزات قلت: أوأيأ، على قول النحاة، وأيأيأ، على قول المازنى، كما ذكرنا في قولك: هو أيم منك، فتحقيق الاولى هو القياس، إذ الهمزة الاولى لا تخفف، كما مر، وأما تحقيق الثالثة فلانك لما قلبت الثانية صارت الثالثة أولى الهمزات، ثم صارت الرابعة كالثانية مجامعة للهمزة التى قبلها، فخففت بقلبها ياء، كما ذكرنا في قرأيأ، ثم صارت الخامسة كالاولى ولو بنيت منها مثل قرطعب (1) قلت: إيئاء، قلبت الثانية ياء كما في إيت، والرابعة ألفا كما في آمن، وتبقى الخامسة بحالها كما في راء وشاء ولو بنيت منها مثل جحمرش قلت: أاأيئ، قلبت الثانية كما في آمن، والرابعة كما في أيمة، وتبقى الخامسة بحالها، لعدم مجامعتها الهمزة ولو بنيت مثل قذعمل قلت: أوأيئ، قلبت الثانية كما في أويدم، والرابعة كما في قرأى، وتبقى الخامسة بحالها فإن اجتمعت الهمزتان في كلمتين والثانية لا محالة متحركة، إذ هي أول الكلمة، فإن كانت الاولى مبتدأ بها، كهمزة الاستفهام، فحكمها حكم الهمزتين


(1) القرطعب - بكسر فسكون ففتح فسكون -: السحابة، وقيل: دابة، انظر (ح 1 ص 51) (*)

[ 64 ]

في كلمة إذا كانت الاولى مبتدأ بها كأيمة وايتمن، فلا تخفف الاولى إجماعا، وتخفف الثانية كما ذكرنا من حالها في كلمة سواء، إلا أن تحقيق الثانية ههنا أكثر منه إذا كانتا في كلمة، لان همزة الاستفهام كلمة برأسها، وإن كانت من حيث كونها على حرف كجزء مما بعدها، فمن فصل هناك بالالف بين الهمزتين المتحركتين: المحققتين، أو المسهلة ثانيتهما نحو أيمة، فصل ههنا أيضا، ومن لم يفصل هناك لم يفصل ههنا أيضا. قال: 136 - أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم (1) وقال: 137 - حزق إذا ما الناس أبدوا فكاهة * تفكرا إياه يعنون أم قردا (2) وإذا كانت الاولى همزة استفهام والثانية همزة وصل، فإن كانت مكسورة أو مضمومة حذفت، نحو أصطفى وأصطفى، وإلا قلبت الثانية ألفا، أو سهلت كما


(1) هذا بيت من الطويل من قصيدة طويلة لذى الرمة غيلان بن عقبة، وقبله قوله: أقول لدهناوية عوهج جرت * لنا بين أعلى عرفة فالصرائم والدهناوية: المنسوبة إلى الدهناء، وهو موضع في بلاد تميم، وأراد ظبية، والعوهج كجوهر -: الطويلة العنق، وجرت: أراد به سنحت، وعرفة - بضم العين وسكون الراء المهملتين -: القطعة المرتفعة من الرمل، والصرائم، جمع صريمة، وهى القطعة من الرمل أيضا، وبيت الشاهد كله مقول القول، والوعساء: الارض اللينة ذات الرمل، وجلاجل - بجيمين، أو بمهملتين -: اسم مكان بعينه، والنقا: التل من الرمل، وأم سالم: كنية محبوبته مية. والاستشها بالبيت في قوله " آأنت " حيث فصل بين الهمزتين بألف زائدة (2) هذا البيت من الطويل، وهو من كلمة لجامع بن عمرو بن مرخية الكلابي، والحزق - كعتل -: القصير العظيم البطن إذا مشى أدار أليته، وأبدوا: أظهروا، والاستشهاد بالبيت في قوله " آإياه " حيث زاد بين همزة الاستفهام والهمزة التى في أول الكلمة ألفا، على نحو ما في الشاهد السابق (*)

[ 65 ]

تقدم، وإن لم تكن الاولى ابتداء - وذلك في غير همزة الاستفهام، ولا تكون الثانية إلا متحركة كما قلنا - فالاولى: إما أن تكون ساكنة أو متحركة، وفى كلا الوجهين قال سيبويه: إن أهل التحقيق - يعنى غير أهل الحجاز - يخففون إحداهما ويستثقلون التحقيق فيهما، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، قال: ليس من كلام العرب أن تلتقي الهمزتان فتحققا، فإن كانتا متحركتين فمنهم من يخفف الاولى دون الثانية، لكونها آخر الكلمة والاواخر محل التغيير، وهو قول أبى عمرو، ومنهم من يخفف الثانية دون الاولى، لان الاستثقال منها جاء، كما فعلوا في الهمزتين في كلمة، وهو قول الخليل، وقد اختار جماعة وهم قراء الكوفة وابن عامر التحقيق فيهما معا، كما فعلوا ذلك بالهمزتين في كلمة، وهو ههنا أولى، لافتراق الهمزتين تقديرا، وأما أهل الحجاز فيستعملون التخفيف فيهما معا كما فعلوا ذلك في الهمزة الواحدة، فمن خفف الاولى وحدها فكيفيته ما مر من الحذف أو القلب أو التسهيل، كما مر في الهمزة المفردة فليرجع إليه، ومن خفف الثانية وحدها كانت كالهمزة المتحركة بعد متحرك، فيجئ الاوجه التسعة المذكورة، فليرجع إلى أحكامها، فهى هل بعينها، فيجئ في " يشاء إلى " المذاهب الثلاثة في الثانية: بين بين المشهور، والبعيد، وقلبها واوا، وفى نحو هذا ءأمك (1): التسهيل المشهور، والبعيد، وقلبها ياء. ونقل عن أبى عمرو حذف أولى المتفقتين، نحو أولياء أولئك، و (جاء أشراطها)، ومن السماء إن. ونقل عن ورش وقنبل (2) في ثانية


(1) وقع في جميع الاصول " هذا إمك " وهو من تحريف النساخ والغفلة عن مراد المؤلف، فان غرضه التمثيل لاجتماع همزتين من كلمتين، و " ذاء " بهمزة مكسورة بعد الالف لغة في " ذا " اسم الاشارة، قال الراجز: هذائه الدفتر خير دفتر (2) قنبل - كقنفذ -: أصله الغلام الحاد الرأس الخفيف الروح، وقد لقب به محمد بن عبد الرحمن أحد القراء (*)

[ 66 ]

المتفقتين قلبها حرف مد صريحا: أي ألفا إن انفتحت الاولى، وواوا إن انضمت وياء إن انكسرت، وهذا معنى قوله " وجاء في المتفقتين حذف إحداهما، وقلب الثانية كالساكنة " ومن خففها معا - وهم أهل الحجاز - جمع بين وجهى التخفيف المذكورين الان. وأما إن كانت الاولى ساكنة نحو اقرأ آيه، وأقرئ أباك السلام، ولم يردؤ أبوك، ففيه أيضا أربعة مذاهب: أهل الحجاز يخففونهما معا، وغيرهم يحققون: إما الاولى وحدها، أو الثانية وحدها، وجماعة يحققونها معا - كما ذكرنا في المتحركتين - وهم الكوفيون، وحكى أبو زيد عن العرب مذهبا خامسا، وهو إدغام الاولى في الثانية كما في سائر الحروف، فمن خفف الاولى وحدها قلبها ألفا إن انفتح ما قبلها، وواوا إن انضم، وياء إن انكسر، ومن خفف الثانية فقط نقل حركتها إلى الاولى الساكنة وحذفها، وأهل الحجاز المخففون لهما معا قلبوا الاولى ألفا أو ياء أو واوا، وسهلوا الثانية بين بين إذا وليت الالف، لامتناع النقل إلى الالف، وحذفوها بعد نقل الحركة إلى ما قبلها إذا وليت الواو والياء، لامكان ذلك، فيقولون: اقرا آية، بالالف في الاولى والتسهيل في الثانية، وأقري اباك، بالياء المفتوحة بفتحة الهمزة المحذوفة، ولم يردوا ابوك، بالواو المفتوحة، وعليه قس نحو لم تردو امك، ولم تردو ابلك، وغير ذلك، وكذا إذا كانت الثانية وحدها ساكنة، نحو من شاء ائتمن، فلا بد من تحريك أولاهما فيصير من هذا القسم الاخير. قال: " الاعلال: تغيير حرف العلة للتخفيف، ويجمعه القلب، والحذف، والاسكان. وحروفه الالف، والواو، والياء. ولا تكون الالف أصلا في المتمكن ولا في فعل، ولكن عن واو أو ياء " أقول: اعلم أن لفظ الاعلال في اصطلاحهم مختص بتغيير حرف العلة: أي

[ 67 ]

الالف والواو والياء، بالقلب أو الحذف، أو الاسكان. ولا يقال لتغيير الهمزة بأحد الثلاثة: إعلال، نحو راس ومسلة والمراة، بل يقال: إنه تخفيف للهمزة، ولا يقال أيضا لابدال غير حروف العلة والهمزة، نحو هياك وعلج (1) في إياك وعلى. ولا لحذفها نحو حرفي حرح، ولا لاسكانها نحو إبل في إبل، ولفظ القلب مختص في إصطلاحهم بإبدال حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، والمشهور في غير الاربعة لفظ الابدال، وكذا يستعمل في الهمزة أيضا قوله: " للتخفيف " احتراز عن تغيير حرف العلة في الاسماء الستة نحو أبوك وأباك وأبيك، وفى المثنى وجمع السلامة المذكر نحو مسلمان ومسلمين، ومسلمون ومسلمين، فإن ذلك للاعراب لا للتخفيف، وقد اشتهر في إصطلاحهم الحذف الاعلالى للحذف الذى يكون لعلة موجبة على سبيل الاطراد، كحذف ألف عصا وياء قاض، والحذف الترخيمى والحذف لا لعلة غير المطرد، كحذف لام يدودم وإن كان أيضا حذفا للتخفيف قوله " ويجمعه القلب، والحذف، والاسكان " تفسيره كما ذكرنا في تخفيف الهمزة في قوله " يجمعه الابدال، والحذف، وبين وبين " قوله: " وحروفه الالف، والواو، والياء " أي: حروف الاعلال، تسمى


(1) هذا التمثيل غير صحيح، وذلك لان هياك أصله إياك، فهو من إبدال الهمزة، وعلج أصله على، فهو من إبدال الياء، وهو أحد حروف العلة، وبعيد أن يكون غرضه المبدل لا المبدل منه، وخير من هذا أن يمثل بأصيلال، وأصله أصيلان، فأبدل النون لاما، ومنه قول النابغة الذبيانى وقفت فيها أصيلالا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد والتمثيل بالطجع، وأصله اضطجع، فأبدلت الضاد لاما، ومنه قول الرجز: لما رأى أن لادعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع (*)

[ 68 ]

الثلاثة حروف العلة، لانها تتغير ولا تبقى على حال، كالعليل المنحرف المزاج المتغير حال بحال، وتغيير هذه الحروف لطلب الخفة ليس لغاية ثقلها بل لغاية خفتها، بحيث لا تحتمل أدنى ثقل، وأيضا لكثرتها في الكلام، لانه إن خلت كلمة من أحدها فخلوها من أبعاضها - أعنى الحركات - محال، وكل كثير مستثقل وإن خف قوله " ولا تكون الالف أصلا في المتمكن ": أما في الثلاثي فلان الابتداء بالالف محال والاخر مورد الحركات الاعرابية، والوسط يتحرك في التصغير، فلم يمكن وضعها ألفا، وأما في الرباعي فالاول والثانى والرابع لما مر في الثلاثي، والثالث لتحركه في التصغير، وأما في الخماسي فالاول والثانى والثالث لما مر في الثلاثي والرباعى، والخامس لانه مورد الاعراب، والرابع لكونه معتقب الاعراب في التصغير والتكسير، وأما في الفعل الثلاثي فلتحرك ثلاثتها في الماضي، وأما في الرباعي فلاتباعه الثلاثي وقد ذكر بعضهم أن الالف في نحو حاحيت وعاعيت غير منقلبة كما مر في باب ذى الزيادة (1)


(1) لم يذكر المؤلف النسبة بين الابدال والقلب والاعلال وتخفيف الهمزة والتعويض، وهذه الاشياء بين بعضها وبعض مناسبات وفروق، فيجمل بالباحث معرفة ما بينها من الصلات وما بينها من الفروق، وسنذكر لك حقيقة كل واحد من هذه الانواع ثم نبين وجوه الاتحاد والاختلاف فنقول: (1) الابدال في اللغة مصدر قولك: أبدلت الشئ من الشئ، إذا أقمته مقامه ويقال في هذا المعنى: أبدلته، وبدلته، وتبدلته، واستبدلته، وتبدلت به، واستبدلت به، قال سيبويه: " ويقول الرجل للرجل: اذهب معك بفلان، فيقول: معى رجل بدله: أي رجل يغنى غناءه ويكون في مكانه " اه‍ والابدال في اصطلاح علماء العربية: جعل حرف في مكان حرف آخر، وهو (*)

[ 69 ]

[... ]


عندهم لا يختص بأحرف العلة وما يشبه أحرف العلة، سواء أكان للادغام أم لم يكن، وسواء أكان لازما أم غير لازم، ولا بد فيه من أن يكون الحرف المبدل في مكان الحرف المبدل منه وإذا تأملت هذا علمت أنه لا فرق بين الابدال في اللغة والابدال في اصطلاح أهل هذه الصناعة إلا من جهة أن الاصطلاح خصه بالحروف، وقد كان في اللغة عاما في الحروف وفى غيرها (ب) وللعلماء في تفسير القلب ثلاث طرق: الاولى - وهى التى ذكرها الرضى هنا - أنه جعل حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، وهو على هذا التفسير يشمل تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس، ويخرج منه إبدال الواو والياء تاء في نحوا اتعد واتسر. والطريق الثانية - وهى التى سلكها ان الحاجب - أنه جعل حرف مكان حرف العلة للتخفيف، فهو عنده خاص بأن يكون المقلوب حرف علة، وأن يكون القلب للتخفيف، وهو من ناحية أخرى عام في المقلوب إليه حرف العلة، فيخرج عنه تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس وخطايا، ويدخل فيه قلب الواو والياء تاء نحو اتعد واتسر، وهمزة نحو أواصل وأجوه وأقتت والاول. والطريق الثالثة - وهى التى سلكها غير هذين من متأخرى الصرفيين كالزمخشري وابن مالك - أنه جعل حروف العلة بعضها مكان بعض، فيخرج عنه تخفيف الهمزة وقلب حرف العلة تاء أو همزة أو غيرهما من الحروف الصحيحة، ويدخل هذان النوعان عند هؤلاء في الابدال (ح) الاعلال في اصطلاح علماء العربية: تغيير حرف العلة بالقلب أو التسكين أو الحذف قصدا إلى التخفيف (د) تخفيف الهمزة: تغييرها بحذفها أو قلبها إلى حرف من حروف العلة، أو جعلها بين الهمزة وحروف العلة (ه‍) التعويض في اللغة: جعل الشئ خلفا عن غيره، وفى الاصطلاح: جعل الحرف خلفا عن الحرف. وللعلماء فيه مذهبان: أحدهما أنه يشترط كون الحرف المعوض في غير مكان الحرف المعوض منه، وهذا ضعيف وإن اشتهر عند الكثيرين، (*)

[ 70 ]

[... ]


والثانى أنه يجوز فيه أن يكون الحرف المعوض في غير مكان المعوض منه، وهو الغالب الكثير، نحو صفة وعدة، ونحو ابن واسم بناء على أنه من السمو، ويجوز أن يكون المعوض في مكان المعوض منه، كالتاء في أخت وبنت بناء على رأى، وكالالف في اسم بناء على أنه من الوسم، وكالياء في فرازيق وفريزيق، فانهما في مكان الدال من فرزدق. فإذا علمت هذا تبين لك ما يأتي: أولا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في إبدال حروف العلة والهمزة، وينفرد الابدال في ادكر أو الطجع ونحوهما مما ليس في حروف العلة والهمزة ثانيا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثانية - العموم والخصوص المطلق أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وكساء ورداء واتصل واتسر، وينفرد الابدال في تظنى وفى أصيلال ونحوها ثالثا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثالثة - العموم والخصوص المطلق أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وسيد وميت، وينفرد الابدال في نحو دينار وقيراط وعلج وتميمج رابعا: أن بين الابدال والاعلال عموما وخصوصا وجهيا، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى، وينفرد الابدال في نحو ادكر وازدحم واصطبر واضطجع، وينفرد الاعلال في نحو يقول ويبيع ويذكو ويسمو ويرمى ويقضى، ويعد ويصف، وعد وصف: أمرين من وعد ووصف خامسا: أن بين الابدال وتخفيف الهمزة عموما وخصوصا وجهيا إذ يجتمعان في نحو راس وبير ولوم، وينفرد الابدال في هراق في أراق، وهياك في إياك، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة في مسألة وجيل في جيأل، وضو في ضوء، وشى في شئ سادسا: أن بيد الابدال والتعويض على المشهور التباين، إذ يشترط في الابدال كون المبدل في مكان المبدل منه، ويشترط في التعويض أن يكون العوض في غير مكان المعوض منه. وعلى غير المشهور يكون بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل (*)

[ 71 ]

قال: " وقد اتفقتا فاءين كوعد ويسر، وعينين كقول وبيع، ولامين كغزو ورمى، وعينا ولاما كقوة وحية، وتقدمت كل واحدة على الاخرى: فاء وعينا كيوم وويل، واختلفتا في أن الواو تقدمت عينا على الياء لاما، بخلاف العكس، وواو حيوان بدل من الياء، وأن الياء وقعت فاء وعينا في يين،


إبدال تعويض ولا عكس، إذ يجتمعان في نحو فرازيق، وينفرد التعويض في نحو عدة وزنة وابن سابعا: أن بين الاعلال وتخفيف الهمزة التباين، إذ الاعلال خاص بحروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بالهمزة بداهة، ومن أدخل الهمزة في حروف العلة أو نص عليها في تعريف الاعلال، فقال: " إنه تغيير حروف العلة أو الهمزة بالقلب أو الحذف أو الاسكان " كان بين الاعلال وتخفيف الهمزة عنده العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو سال ومقرو، ونبى على أنه من النبأ، وينفرد الاعلال في نحو قال وباع ويقول ويبيع وقل وبع، وينفرد تخفيف الهمزة في جعلها بين بين ثامنا: أن بين الاعلال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو قال، وينفرد الاعلال في نحو يقول وقل، وينفرد القلب في نحو بير وراس، وهذا على الرأى المشهور. أما على رأى من يجعل الهمزة من حروف العلة فيكون بين القلب والاعلال - على الطريق المذكورة - العموم والخصوص المطلق، إذ ينفرد الاعلال عن القلب في الحذف والتسكين، ويكون بينهما - على الطريق الثانيه والثالثة - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى وأواصل واتعد واتسر، وينفرد الاعلال في الحذف والاسكان تاسعا: أن بين الاعلال والتعويض التباين عاشرا: أن بين القلب - على الطريق الاولى - وتخفيف الهمزة العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو بير، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة، وينفرد القلب في نحو قال. أما على الطريق الثانية والثالثة فبينهما التباين، إذ شرط القلب أن يكون المقلوب حرفا من حروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بها حادى عشر: أن بين تخفيف الهمزة والتعويض التباين، وهو واضح

[ 72 ]

وفاء ولاما في يديت، بخلاف الواو، إلا في أول على الاصح، وإلا في الواو على وجه، وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما في يبيت، بخلاف الواو إلا في الواو على وجه " أقول: اعلم أن كون الفاء ياء والعين واوا لم يسمع إلا في يوم ويوح (1)، ولم يسمع العكس إلا في نحو ويل (2) وويح (3) وويس (4) وويب (5)، واتفقتا أيضا في كونهما عينا ولاما كقو (6) وبو (7) وحى وعى (8)، وكلاهما قليلان قلة كون العين واللام حلقيين كلحح (9) وبع (10) وبخ (11)، وأهمل كونهما


(1) يوح، ويوحى - كطوبى -: من أسماء الشمس، انظر (ح 1 ص 35) (2) الويل: كلمة يراد بها الدعاء بالعذاب. انظر (ح 1 ص 35) (3) ويح: كلمة رحمة. انظر (ح 1 ص 35) (4) ويس: كلمة تستعمل في الرحمة، وفى استملاح الصبى. انظر (ح 1 ص 35)، والويس أيضا: الفقر، وما يريده الانسان، فهو من أسماء الاضداد (5) ويب: كلمة بمعنى الويل. انظر (ح 1 ص 35). وتستعمل أيضا بمعنى العجب، يقال: ويبا لهذا: أي عجبا له (6) القو: موضع بين فيد والنباج، وهما في طريق مكة من الكوفة، وقيل: هو واد بين اليمامة وهجر، وقيل: منزل ينزله الذاهب من البصرة إلى المدينة بعد أن يرحل من النباج، قال الشاعر: سما لك شوق بعد ما كان أقصرا * وحلت سليمى بطن قو فعرعرا (7) البو - بفتح الباء وتشديد الواو -: الحوار، وهو ولد الناقة، وقيل: البو: جلد الحوار يحشى تبنا أو ثماما أو حشيشا ثم يقرب إلى أم الفصيل لتر أمه فتدر عليه، وقيل في المثل: " حرك لها حوارها تحن " (8) العى - بكسر العين المهملة وتشديد الياء -: مصدر عيى - كرضى - وهو الحصر (9) لحح: بوزن فرح، يقال: لححت عينه، إذا لصقت بالرمص والقذى (10) يقال: بع السحاب، إذا كثر نزول مطره (11) يقال: بخ الرجل، إذ سكنت ثورة غضبه، ويقال: بخ في نومه، إذا غط (*)

[ 73 ]

همزتين، وندر كونهما هاءين، نحو قه (1) وكه (2) في وجهى، وكون الواو عينا والياء لاما نحو طويت أكثر من كون العين واللام واوين كقوة، فالحمل على الاول عند خفاء الاصل أولى، فيقال: إن ذا في اسم الاشارة أصله ذوى لا ذوو (3) قوله " الواو تقدمت عينا على الياء لاما " هو كثير: (نحو) طويت ونويت وغويت، بخلاف العكس: أي لم يأت العين ياء واللام واوا، لان الوجه أن يكون الحرف الاخير أخف مما قبله، لتثاقل الكلمة كلما ازدادت حروفها، والحرف الاخير معتقب الاعراب قوله " وواو حيوان بدل من ياء " عند سيبويه وأصحابه، أبدلت منها لتوالى الياءين، وأبدلت الثانية، لان استكراه التتالى إنما حصل لاجلها، وأيضا لو أبدلت العين واوا لحمل على باب طويت الكثير، وظن أنها أصل في موضعها، لكثرة هذا الباب، فلما قلبت الثانية واوا صارت مستنكرة في موضعها، فيتنبه بذلك على كونها غير أصل، وقال المازنى: واو حيوان أصل، وليس في حييت دليل على كون الثانية ياء، لجواز أن يكون كشقيت ورضيت، قلبت ياء لانكسار ما قبلها، لكن سيبويه حكم بما حكم لعدم نظيره في كلامهم لو جعل الواو أصلا. قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا في يين " هو واد ولا أعلم له نظيرا


(1) يقال: قه الرجل، إذا رجع في ضحكه، أو اشتد ضحكه، أو قال في ضحكه: قه (2) يقال: استنكهت السكران فكه في وجهه، إذا طلبت منه أن يخرج نفسه لتشم رائحته فأخرجه، وهو مثل جلس يجلس جلوسا (3) انظر (ج 2 ص 36) ثم (ج 1 ص 285) فقد أشبعنا الكلام عليها هناك (*)

[ 74 ]

قوله " إلا في أول على الاصح " يعنى أن فاءه وعينه واوان أيضا على الاصح، كما مر (1) فالحق أن الواو والياء متفقتان ههنا في كون كل واحدة منهما فاء وعينا، كل واحدة منهما في كلمة واحدة فقط (2)، وكون الفاء والعين من جنس واحد قليل نادر في غير حروف العلة أيضا نحو بير (3) لا لتقاء مثلين مع تعذر إدغام أولهما في الثاني، وتقل الكراهة شيئا بوقوع فصل نحو كوكب، وبحصول موجب الادغام كما في أول قوله " وفاء ولاما في يديت " أي: أصبت يده، وأنعمت قوله " إلا في الواو على وجه " ذهب أبو على إلى أن أصل واو ويو لكراهة بناء الكلمة عن الواوات، ولم يجئ ذلك في الحرف الصحيح إلا لفظه ببه (4)، وذلك لكونها صوتا، وذهب الاخفش إلى أن أصله ووو، لعدم تقدم الياء عينا على الواو لاما، فتقول على مذهب أبى على: وييت واوا، قلبت الواو الاخيرة ياء كما في أعليت، وتقول في مذهب الاخفش: أويت، وقال ثعلب: وويت، ورده ابن جنى، وهو الحق، وذلك لان الاستثقال في وويت أكثر منه في وواصل، لاجتماع ثلاث واوات واعلم أن تماثل الفاء واللام في الثلاثي قليل، وإن كانا صحيحين أيضا كقلق وسلس. قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما في يييت " مذهب أبى على أن


(1) انظر (ج 2 ص 340 و 341) (2) هذه الجملة حال من الواو والياء (3) الببر: ضرب من السباع شبيه بالنمر انظر (ج 2 ص 367) (4) ببة: حكاية صوت صبى، ولقب لعبد الله بن الحارث وقالت أمه هند بنت أبى سفيان وهى ترقصه: لانكحن ببه * جارية خدته مكرمة محبه * تجب أهل الكعبه (*)

[ 75 ]

أصل الياء يوى، فتقول: يويت ياء حسنة: أي كتبت ياء، وعند غيره أصله ييي، وكذا الخلاف بينهم في جميع ما هو على حرفين من أسماء حروف المعجم ثانيه ألف، نحو باتا ثا را، فهم يقولون: بييت وتييت وثييت، إلى آخرها، وقال أبو على: بويت إلى آخرها، وعند أبى على جمعها: أبواء وأتواء وعند غيره: أبياء وأتياء، وإنما حكموا بذلك لورود الامالة في جميعها، وليس بشئ، لانه إنما تمال هذه الاسماء وهى غير متمكنة فألفاتها في ذلك الوقت أصل، كألف ماولا، وإنما يحكم على ألفاتها بكونها منقلبة إذا زيد على آخرها ألف أخرى وصيرت همزة، قياسا على نحو رداء وكساء، وذلك عند وقوعها مركبة معربة، فألحقوا إذن ألفاتها بألفات سائر المعربات في كونها منقلبة، وهى لا تمال ألفها إذن، كما مر في باب الامالة (1)، فلا دلالة إذن في إمالتها قبل التركيب على كون ألفاتها بعد التركيب في الاصل ياء، وإنما حكم أبو على بكونها واوا وبأن لامها ياء لكثرة باب طويت ولويت، وكونه أغلب من باب قوة وحييت، وأما حيوان فواوه ياء على الاصح، كما مر، وما ثانيه ألف من هذه الاسماء وبعده حرف صحيح نحو دال ذال صاد ضاد كاف لام فقبل إعرابها وتكريبها لا أصل لالفاتها، لكونها غير متمكنة في الاصل، كما مر، وأما بعد إعرابها فجعلها في الاصل واوا أولى من جعلها ياء، لان باب دار ونار أكثر من باب ناب وغاب، فتقول: ضودت ضادا، وكوفت كافا، ودولت دالا، والجمع أضواد وأكواف وأدوال، وأما جيم وشين وعين فعينها ياء نحو بيت وديك، إذ الياء موجودة، ولا دليل على كونها عن الواو، ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فعلا - بضم الفاء، وفعلا - بكسرها - خلافا للاخفش (2)


(1) انظر (ص 26) من هذا الجزء (2) اعلم أن سيبويه والاخفش قد اختلفا في الياء الساكنة المضموم ما قبلها إذا لم تكن عينا لفعلى ولا عينا لجمع: هل تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء ؟ أو تقلب (*)

[ 76 ]

قال: " الفاء: تقلب الواو همزة لزوما في نحو أواصل وأويصل، والاول، إذا تحركت الثانية، بخلاف وورى، وجوازا في نحو أجوه وأورى، وقال المازنى: وفى نحو إشاح، والتزموه في الاولى حملا على الاول، وأما أناة وأحد وأسماء فعلى غير القياس ". أقول: اعلم أنهم استثقلوا اجتماع المثلين في أول الكلمة، فلذلك قل نحو ببر وددن، فالواوان إذا وقعتا في الصدر - والواو أثقل حروف العلة - قلبت أولاهما همزة وجوبا، إلا إذا كانت الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد، نحو وورى في وارى، فانه لا يجب قلب الاولى همزة، لعروض الثانية من جهتين: من جهة الزيادة، ومن جهة انقلابها عن الالف، ولكون المد مخففا لبعض الثقل، وإن لم تكن الثانية مدة: سواء كانت منقلبة عن حرف زائد كأواصل وأويصل، أو غير منقلبة عنه كأوعد على جورب من وعد، وكذا إن كانت مدة لكنها غير منقلبة عن شئ كما تقول من وعد على وزن طومار (1): أو عاد، وجب قلب الاولى همزة، وكذا إذا كانت الثانية منقلبة عن حرف أصلى، كما قال الخليل في فعل من وأيت مخففا: أوى (2) ومن ذلك مذهب الكوفية في أولى، فان أصله عندهم وؤلى، ثم وولى


الياء واوا لتسلم الضمة ؟ ذهب سيبويه إلى الاول والاخفش إلى الثاني، وسيأتى هذا الخلاف مبسوطا ومعللا في كلام المؤلف في هذا الباب، فقول المؤلف " ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فعلا - بضم الفاء - وفعلا - بكسرها - خلافا للاخفش " معناه أنه يتعين على قول الاخفش أن تكون على فعل - بالكسر - إذ لو كانت فعلا - بالضم - لوجب عنده قلب الياء واوا، فكان يقال: جوم، وأما على مذهب سيبويه فيجوز أن تكون الكسرة أصلية، فهو فعل - بالكسر - ويجوز أن تكون الكسرة منقلبة عن ضمة فأصله فعل - بالضم - (1) الطومار: الصحيفة. وانظر (ح 1 ص 198، 217) (2) أصل أوى وؤى - كقفل - ثم خفف بقلب همزته الساكنة واوا كما تخفف سؤلا: فصار وويا، فاجتمع واوان في أول الكلمة فوجب قلب أولاهما همزة. (*)

[ 77 ]

ثم أولى، وعليه قراءة قالون (عاد لؤلى) (1) بالهمزة عند نقل حركة همزة أولى إلى لام التعريف، ورد المازنى على الخليل بأن الواو في مثله عارضة غير لازمة، إذ تخفيف الهمزة في مثله غير واجب، فقال: يجوز أوى وووى، لضمة الواو، لا لاجتماع الواوين، كما في وجوه وأجوه وإن كانت الثانية أصلية غير منقلبة عن شئ وجب قلب الاولى همزة: سواء كانت الثانية مدة كما في الاولى عند البصرية وأصله وولى، أو غير مدة كالاول عندهم. وقول المصنف " إذا تحركت الثانية " هذا شرط لم يشترطه الفحول من النحاة كما رأيت من قول الخليل: أوى، في ووى، وقال الفارسى أيضا إذا اجتمع الواوان أبدلت الاولى منهما همزة كأويصل، ثم قال: ومن هذا قولهم الاولى في تأنيث الاول، ثم قال: وإن كانت الثانية غير لازمة لم يلزم إبدال الاولى منهما همزة كما في وورى، وقال سيبويه: إذا بنيت من وعد مثل كوكب قلت: أوعد، فقد رأيت كيف خالفوا قول المصنف، وبنى المصنف على مذهبه أن قلب الاولى في أوى (2)


(1) أنظر (ح 2 ص 341) (2) أصل أوى - كفتى -: ووأى - ككوكب - من وأى يئى، ثم خفف بالقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذف الهمزة، فصار ووى - كفتى - وعند المصنف أن الواوين المجتمعتين في أول الكلمة إن كانت الثانية متحركة بحركة أصلية وجب قلب الاولى همزة، وإن كانت الثانية ساكنة أو متحركة بحركة عارضة جاز قلب الاولى همزة وجاز بقاؤها، فيجوز عنده على هذا أن تقول: ووى، وأن تقول: أوى، وذلك لان حركة الواو الثانية عارضة بسبب تخفيف الهمزة، وخالفه في ذلك المؤلف المحقق تبعا لمن ذكرهم من فحول النحاة، فأوجب قلب أولى الواوين المصدرتين همزة: سواء أكانت الثانية ساكنة أم متحركة بحركة أصلية أو عارضة بشرط ألا تكون الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد، كما في وورى، فيقول في مثل كوكب من وأيت مخففا: أوى، لاغير (*)

[ 78 ]

- كما يجئ في مسائل التمرين - غير واجب، وأن واوا أولى قلبت همزة وجوبا، حملا للواحد على الجمع هذا، وإنما قلبت الواو المستثقلة همزة لاياء لفرط التقارب بين الواو والياء، والهمزة أبعد شيئا، فلو قلت ياء لكان كأن اجتماع الواوين المستثقل باق. قوله " وجواز في نحو أجوه وأورى " كل واو مخففة غير ما ذكرنا مضمومة ضمة لازمة: سواء كانت في أول الكلمة كوجوه، ووعد، ووورى، أو في حشوها كأدؤر وأنؤر والنؤور (1) فقلبها همزة جائز جوازا مطردا لا ينكسر، وذلك لان الضمة بعض الواو، فكأنه اجتمع واوان، وكان قياس الواوين المجتمعين غير أول نحو طووى جواز قلب الاولى همزة، لكن لما كان ذلك الاجتماع بياء النسبة وهى عارضة كالعدم - كما تقرر في باب النسبة - صار الاجتماع كلا اجتماع. هذا، وإن كان الضم على الواو للاعراب نحو هذه دلوك أو للساكنين نحو اخشوا القوم، لم تقلب همزة، لعروض الضمة، وإن كانت الواو المضمومة مشددة كالتقول لم تقلب أيضا همزة، لقوتها بالتشديد وصيرورتها كالحرف الصحيح قوله " وقال المازنى وفى نحو إشاح " يعنى أن المازنى يرى قلب الواو المكسورة المصدرة همزة قياسا أيضا، والاولى كونه سماعيا، نحو إشاح (2) وإعاء وإلدة (3) وإفادة (4) في ولدة ووفادة، وإنما جاء القلب في المكسورة


(1) النؤور - كصبور -: دخان الشحم، والمرأة النفور من الريبة.. أنظر (ح 1 ص 207) (2) الاشاح: الوشاح، وهو ما ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (3) الالدة - بالكسر -: هي الولدة، وهى جمع ولد، وظاهر عبارة القاموس أن الالدة لا إبدال فيها، لانه ذكرها في (أل د) وإن كان قد أعادها في (ول د) (4) الافادة: الوفادة، وهى مصدر قولهم: وفد عليه يفد وفودا ووفادة، (*)

[ 79 ]

أيضا لان الكسرة فيها ثقل أيضا، وإن كان أقل من ثقل الضمة، فاستثقل ذلك في أول الكلمة دون وسطها، نحو طويل وعويل (1)، لان الابتداء بالمستثقل أشنع وأما الواو المفتوحة المصدرة فليس قلبها همزة قياسا بالاتفاق، بل جاء ذلك في أحرف، نحو أناة (2) في وناة، وأجم في وجم (3)، وأحد في وحد، وأسماء في اسم امرأة فعلاء من الوسامة عند الاكثرين، وليس بجمع، لان التسمية بالصفة أكثر من التسمية بالجمع، وقال بعض النحاة: أصل أخذ وخذ، بدلالة اتخذ كاتصل (4)


قال سيبويه (ج 2 ص 355): " ولكن ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولا، كرهوا الكسرة فيها، كما استثقل في ييجل وسيد وأشباه ذلك، فيمن ذلك قولهم: إسادة، وإعاء، وسمعناهم ينشدون البيت لابن مقبل: إلا الا فادة فاستولت ركائبنا * عند الجبابير بالبأساء والنعم " اه‍ (1) العويل: رفع الصوت بالبكاء، وانظر (ج 2 ص 176) (2) قال في اللسان: " امرأة وناة وأناة وأنية: حليمة بطيئة القيام، الهمزة فيه بدل من الواو. وقال اللحيانى: هي التى فيها فتور عند القيام والقعود والمشى. وفى التهذيب: فيها فتور لنعمتها " اه‍ بتصرف (3) الوجوم: السكوت على غيظ، وقد وجم يجم وجما ووجوما، وقالوا: أجم، على البدل (4) يريد أن بعض النحاة لما رأى أن العرب تقول: اتخذ بمعنى أخذ، والمقرر عندهم أن الهمزة لا تقلب تاء، ولذلك خطأوا المحدثين في روايتهم " أمرنى رسول الله أن أتزر " تحلل من ذلك بأن ذكر أن أخذ أصله وخذ، فاتخذ ليس من المقلوب عن الهمزة، ولكنه عن الواو، وهو رأى غير سديد، لان اتخذ يجوز أن يكون ثلاثيه المجرد تخذ بدليل قول الشاعر وهو جندب بن مرة الهذلى: تخذت غراز إثرهم دليلا * وفروا في الحجاز ليعجزوني (*)

[ 80 ]

ولم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة كما جاء ما أوله واو مضمومة إلا يسار لغة في يسار لليد اليسرى، ويقاظ جمع يقظان. وربما فروا من اجتماع الواوين في أول الكلمة بقلب أولاهما تاء كما في توراة وتولج (1)، وهو قليل، كما يفر من واو واحدة في أول الكلمة بقلبها تاء نحو تراث (2) وتقوى * قال " وتقلبان تاء في نحو اتعد واتسر، بخلاف ايتزر " أقول: اعلم أن التاء قريبة من الواو في المخرج، لكون التاء من أصول الثنايا، والواو من الشفتين، ويجمعهما (3) الهمس، فتقع التاء بدلا منها كثيرا،


وإذا كانت محتملة لهذا الوجه وهو وجه لا شذوذ فيه سقط الاستدلال بها على ما ذكره، وقد قرئ قوله تعالى: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) (1) التولج: كناس الوحش، والمكان الذى تلج فيه، وأصله وولج - بزنة كوثر - من الولوج (2) التراث: المال الموروث، وانظر (ج 1 ص 207 - 216) (3) مفاد كلام المؤلف أن الواو من الحروف المهموسة، وليس كذلك، لان حروف الهمس هي المجموعة في قولهم: حثه شخص فسكت، وليست الواو منها، بل هي من الحروف المجهورة، ولذلك علل غيره من النحاة بغير هذا التعليل، قال ابن يعيش (ح 10 ص 37): " ولما رأوا مصيرهم إلى تغيرها (يريد الواو) بتغير أحوال ما قبلها، قلبوها إلى التاء، لانها حرف جلد قوى لا يتغير بتغير أحوال ما قبله، وهو قريب المخرج من الواو، وفيه همس مناسب لين الواو " اه‍. وقال أبو الحسن الاشمونى في شرحه للالفية عند قول ابن مالك ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا * وشذ في ذى الهمز نحو ائتكلا: " أي إذا كان فاء الافتعال حرف لين: يعنى واوا أو ياء، وجب في اللغة الفصحى إبدالها تاء فيه وفى فروعه من الفعل واسمى الفاعل والمفعول لعسر النطق (*)

[ 81 ]

لكنه مع ذلك غير مطرد، إلا في باب افتعل، لما يجئ، نحو تراث وتجاه وتولج وتترى (1) من المواترة، والتلج (2) والتكأة (3) وتقوى من وقيت، وتوراة (4) عند البصريين فوعلة من ورى الزند، كتولج، فان كتاب الله نور


بحرف اللين الساكن مع التاء لما بينهما من مقاربة المخرج ومنافاة الوصف، لان حرف اللين من المجهور والتاء من المهموس " اه‍. هذا على المصطلح عليه في معنى الهمس، ولعله يريد منه معنى أوسع من المعنى: الاصطلاحي كالذى ذكره صاحب اللسان عن شمر حيث قال: " قال شمر: الهمس من الصوت والكلام: مالا غرر له في الصدر، وهو ما همس في الفم " (1) قال في اللسان: " وجاءوا تترى، وتترى (الاول غير منون والثانى منون): أي متواترين، التاء مبدلة من الواو، قال ابن سيده: وليس هذا البدل قياسا، إنما هو في أشياء معلومة، ألا ترى أنك لا تقول في وزير: تزير، إنما تقيس على إبدال التاء من الواو في افتعل وما تصرف منها إذا كانت فاؤه واوا، فأن فاءه تقلب تاء وتدغم في تاء افتعل التى بعدها، وذلك نحو اتزن، وقوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترى) من تتابع الاشياء وبينها فجوات وفترات، لان بين كل رسولين فترة، ومن العرب من ينونها فيجعل ألفها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى، ومنهم من لا يصرف، يجعل ألفا للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى، قال الازهرى: قرأ أبو عمرو وابن كثير منونة، ووقفا بالالف، وقرأ سائر القراء تترى غير منونة " اه‍ (2) التلج: فرخ العقاب، وهو مأخوذ من الولوج، فأصله ولج كصرد (3) التكأة - كتخمة -: العصا، وما يتكأ عليه، والرجل الكثير الاتكاء، وأصله وكأة، بدليل توكأت (4) اختلف النحويون في التوراة، فقال البصريون تاؤها بدل من الواو، وأصلها ووراة على وزن فوعلة، وذهبوا إلى أن اشتقاقها من ورى الزند، إذا أخرج النار، وذلك لان كتاب الله تعالى يهتدى به، والنار مصدر النور الذى يهتدى به، ونصر هذا المذهب أبو على الفارسى، لان فوعلة في الكلام أكثر من تفعلة مثل الحوصلة والجوهرة والدوخلة والحوقلة، وهو مصدر قياسي لكل فعل على (*)

[ 82 ]

وعند الكوفيين هما تفعلة وتفعل، والاول أولى، لكون فوعل أكثر من تفعل والتاء أقل مناسبة للياء منها للواو، فلذلك قل إبدالها منها، وذلك في ثنتان وكلتا على قول (1) وإبدال التاء من الواو (في الاول) أكثر منه في غيره، نحو أحت وبنت، ولولا أداؤها لشئ من معنى التأنيث لم تبدل من الواو في الاخر، فلما كثر إبدال التاء من الواو في الاول واجتمع معه في نحو أو تعد واو تصل داع إلى قلبها مطلقا، صار قلبها تاء لازما مطردا، وذلك الداعي إلى مطلق القلب حصول التخالف في تصاريفه بالواو والياء لو لم يقلب، إذ كنت تقول: ايتصل، وفيما لم يسم فاعله أو تصل، وفى المضارع واسم الفاعل والمفعول يوتصل موتصل موتصل، وفى الامر ايتصل، فلما حصل هذا الداعي إلى مطلق قلبها إلى حرف جلد لا يتغير في الاحوال - وللواو


مثال فوعل، والحمل على الكثير أولى، وذهب قوم منهم أبو العباس المبرد إلى أن توراة تفعلة - بكسر العين - وأصلها تورية مصدر ورى - بالتضعيف - ثم نقلت حركة الياء إلى ما قبلها ثم قلبت الياء ألفا على لغة طيئ الذين يقولون: باداة وناصاة وجاراة وتوصاة في بادية وناصية وجارية وتوصية، فصار توراة والاشتقاق عندهم كالاشتقاق عند الفريق الاول، إلا أن فعل هذا مضعف العين، وضعف النحاة هذا المذهب بأن تفعلة في الاسماء قليل، وأنت لو تدبرت ما ذكرناه لعلمت أن أبا العباس لم يحمله على القليل، إذ القليل إنما هو تفعلة من الاسماء، فأما المصادر فأكثر من أن يبلغها الحصر، وهذا الوزن قياس مطرد في مصدر فعل المضعف العين المعتل اللام كالتزكية والتعزية والتوصية ومهموز اللام كالتجزئة والتهنئة، ويأتى قليلا في صحيح اللام نحو التقدمة، ومن القليل في الاسماء التدورة وهو المكان المستدير تحيط به الجبال والتتوبة وهى اسم بمعنى التوبة، ولولا ما فيه من قلب الياء ألفا اكتفاء بجزء العلة لكان مذهبا قويا (1) انظر في الكلام على هاتين الكلمتين (ج 1 ص 221) (*)

[ 83 ]

بانقلابها عهد قديم - كان انقلابها تاء ههنا أولى، ولا سيما (و) بعدها تاء الافتعال، وبانقلابها إليها يحصل التخفيف بالادغام فيها، والياء وإن كانت أبعد عن التاء (من الواو) وإبدالها منها أقل، كما ذكرنا، لكن شاركت الواو ههنا في لزوم التخالف لو لم تقلب، إذ كنت تقول ايتسر، وفى المبنى للمفعول أو تسر، وفى المضارع ييتسر، وفيما لم يسم فاعله يوتسر، وفى الفاعل والمفعول موتسر وموتسر، فأتبعت الياء الواو في وجوب القلب والادغام فقيل: اتسر، وأما افتعل من المهموز الفاء - نحو ائتزر وائتمن - فلا تقلب ياؤه تاء، لانه وإن وجب قلب همزته مع همزة الوصل المكسورة ياء، وحكم حروف العلاة المنقلبة عن الهمزة انقلابا واجبا حكم حروف العلة، لا حكم الهمزة، كما تبين في موضعه، لكن لما كانت همزة الوصل لا تلزم، إذ كنت تقول نحو " قال ائتزر " فترجع الهمزة إلى أصلها، روعى أصل الهمزة، وبعض البغاددة جوز قلب يائها تاء فقال: اتز واتسر، وقرئ شاذا (الذى اتمن أمانته) وبعض أهل الحجاز لا يلتفت إلى تخالف أبنية الفعل ياء وواوا، فيقول: ايتعد وايتسر، ويقول في المضارع: يا تعد ويا تسر، ولا يقول يوتعد وييتسر، استثقالا للواو والياء بين الياء المفتوحة والفتحة، كما في ياجل وياءس، واسم الفاعل موتعد وموتسر، والامر ايتعد وايتسر، هذا عندهم قياس مطرد قال: " وتقلب الواو ياء إذا انكسر ما قبلها، والياء واو إذا انضم ما قبلها، نحو ميزان وميقات، وموقظ وموسر " أقول: اعلم أن الواو إذا كانت ساكنة غير مدغمة وقبلها كسرة، فلا بد من قلبها ياء، سواء كانت فاء كميقات أو عينا نحو قيل (1)، وأما إذا كانت


(1) لا خلاف بين العلماء في أن أصل قيل قول - بضم القاف وكسر الواو، وقد اختلفوا في الطريق التى وصلت بها هذه الكلمة إلى ذلك، واستمع للمؤلف (*)

[ 84 ]

لاما فتقلب ياء وإن تحركت كالداعي، لان اللام محل التغيير، وإن كانت فاء متحركة مكسورا ما قبلها لم تقلب ياء، نحو إوزة، وأصله إوززة، وكذا العين نحو عوض، إلا أن تكون عين مصدر معل فعله، نحو قام قياما، أو عين جمع معل واحده كديم (1)، كما يجئ بعد، وإنما لم تقلب المتحركة التى ليست لاما ياء لكسرة ما قبلها لقوتها بالحركة، فلا تجذبها حركة ما قبلها إلى


في شرح الكافية (ج 2 ص 251) حيث يقول: " في ما اعتل عينه من الماضي الثلاثي نحو قال وباع فيما بنى للمفعول منه ثلاث لغات: قيل وبيع باشباع كسرة الفاء - وهى أفصحها، وأصلهما قول وبيع استثقلت الكسرة على حرف العلة فحذفت عند المصنف ولم تنقل إلى ما قبلها، قال: لان النقل إنما يكون إلى الساكن دون المتحرك، فبقى قول وبيع - بياء ساكنة بعد الضمة - فبعضهم يقلب الياء واوا لضمة ما قبلها، فيقول قول ونوع، وهى أقل اللغات، والاولى قلب الضمة كسرة في اليائى فيبقى ببيع، لان تغيير الحركة أقل من تغيير الحرف، وأيضا لانه أخف من بوع، ثم حمل " قول " عليه لانه معتل عين مثله، فكسرت فاؤه، فانقلبت الواو الساكنة ياء. وعند الجزولى استثقلت الكسرة على الواو والياء فنقلت إلى ما قبلهما، لان الكسرة أخف من حركة ما قبلهما، وقصدهم التخفيف ما أمكن، فيجوز على هذا نقل حركة إلى متحرك بعد حذف حركته إذا كانت حركة المنقول أخف من حركة المنقول إليه، فبقى قول وبيع، فقلبت الواو الساكنة ياء كما في ميزان، قال: وبعضهم يسكن العين ولا ينقل الكسرة إلى ما قبلها، فيبقى الواو على حالها، ويقلب الياء واوا، لضمة ما قبلها، وهذه أقلها، لثقل الضمة والواو، والاولى أولى، لخفة الكسرة والياء، وقول الجزولى أقرب، لان إعلال الكلمة بالنظر إلى نفسها أولى من حملها في العلة على غيرها، والمصنف إنما اختار حذف الكسرة لاستبعاد نقل الحركة إلى متحرك، ولا بعد فيه على ما بينا " اه‍ (1) الديم: جمع ديمة - ككسرة وكسر - وهى المطر الدائم في سكون ليس فيه رعد ولا برق. انظر (ح 2 ص 104) (*)

[ 85 ]

ناحيتها، مع كونها في غير موضع التغيير، وكذا إذا كانت مدغمة، نحو اجلوذا (1)، لانها إذن قوية فصارت كالحرف الصحيح، وقد تقلب المدغمة ياء، نحو اجليواذ، وديوان، كما تقلب الحروف الصحيحة المدغمة ياء،، نحو دينار قوله " والياء واوا إذا انضم ما قبلها " إذا انضم ما قبل الياء فان كانت ساكنة متوسطة فلا يخلو: إما أن تكون قريبة من الطرف، أو بعيدة منه. فان كانت بعيدة منه بأن يكون بعدها حرفان قلبت الياء واوا، سواء كانت زائدة كما في بوطر (2) أو أصلية كما في كولل، على وزن سودد من الكيل، وكذا فعلل يفعلل منه، نحوكولل يكيلل، وسواء كانت الياء فاء كموقن وأوقن، أو عينا نحو كولل، إلا في فعلى صفة نحو كيصى (3) وضيزى (4) وفى فعلان جمعا نحو بيضان، كما يجئ حكمهما، ولا تقلب الضمة لاجل الياء كسرة، وذلك لان الياء بعيدة من الطرف، فلا يطلب التخفيف بتبقيتها بحالها، بل تقلب واوا إبقاء على الضمة، إذ الحركات إذا غيرت تغير الوزن، وبإبدال


(1) الاجلواذ: مصدر اجلوذ الليل، إذا ذهب، واجلوذ بهم السير، إذا دام مع السرعة فيه. انظر (ح 1 ص 55 و 118) (2) بوطر: مبنى للمجهول، ومعلومه بيطرت الدابة، والياء فيه زائدة للالحاق بدحرج، والبيطرة: معالجة الدواب، وانظر (ح 1 ص 3) (3) يقال: رجل كيصى، إذا كان ينزل وحده ويأكل وحده، وأصله كيصى - بالضم - قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء، وإنما قلنا: أصله الضم، لان فعلى - بالكسر - لا يكون وصفا، وفعلى - بالضم - كثير في الصفات (4) يقال: ضاز في الحكم، إذا جار، وضازه حقه يضيزه ضيزا، إذا نقصه وبخسه، وقسمة ضيزى: أي جائرة، وأصلها ضيزى - بالضم - أبدلت الضمة كسرة لما قلنا في كيصى (*)

[ 86 ]

الحرف لا يتغير، والابقاء على الوزن أولى إذا لم يعارض ذلك موجب لابقاء الياء على حالها مثل قربها من الطرف الذى هو محل التخفيف، كما في بيض، وإذا كانت الضم التى قبلها من كلمة والياء الساكنة من كلمة أخرى، نحو يا زيد أوأس، قال سيبويه: يقول بعض العرب: يا زيد ايأس، بالياء، تشبيها بقيل مشما، واستضعفه سيبويه، وقال: يلزم أن يقال: يا غلام اوجل، بالواو، مع كسرة ما قبلها، ولهم أن يفرقوا باستثقال الواو في أول الكلمة مع كسرة ما قبلها، بخلاف الياء المضموم ما قبلها، إذ ثبت له نظير نحو قيل، وإن كانت قريبة من الطرف بأن يكون بعدها حرف، فإن كان جمع أفعل كبيض وجب قلب الضمة كسرة إجماعا، لاستثقالهم الجمع مع قرب الواو من الطرف الذى هو محل التخفيف، وحمل فعلان عليه، لكونه بمعناه، مع أن فعلا أكثر كبيض وبيضان، وجعل ياء فعلى صفة كحيكى (1) وضيزى كالقريبة من الطرف، لخفة الالف مع قصد الفرق بين فعلى اسما وبينها صفة والصفة أثقل والتخفيف بها أولى، فقيل طوبى في الاسم وضيزى في الصفة، وأما بيع فأصله بيع، حذفت كسرته ثم قلبت الضمة كسرة، وبعضهم يقول بوع بتغيير الحرف دون الحركة حملا على قول، وإن لم تكن القريبة من الطرف شيئا من هذه الاشياء كفعل من البيع وتفعل منه فقد يجئ الخلاف فيها، وإن كانت الياء المضموم ما قبلها لاما فإنه يكسر الضم نحو الترامي، وإن كانت متحركة أيضا، ولا تقلب واوا، لان آخر الكلمة ينبغى أن يكون خفيفا، حتى لو كان واوا قبلها ضمة قلبت ياء والضمة كسرة كالتغازى


(1) يقال: امرأة حيكى، إذا كان في مشيها تبختر واختيال، قال سيبويه: " أصلها حيكى فكرهت الياء بعد الضمة، وكسرت الحاء لتسلم الياء، والدليل على أنها فعلى أن فعلى (بكسر الفاء) لا تكون صفة البتة " اه‍ (*)

[ 87 ]

وإن كانت الياء المضموم ما قبلها خفيفة متحركة، فإن كانت فاء أو عينا سلمت: سواء كانت مفتوحة كميسر وهيام (1) وعيبة (2) أو مضمومة نحو تيسر وعين في جمع عيان (3) وبيض في جمع بيوض (4) كما ذكرنا في باب الجمع، وإن كانت لاما كسرت الضمة كما ذكرنا، لان الاخر محل التخفيف وإن كانت الياء المضموم ما قبلها مشددة سلمت نحو سيل (5) وميل (6) وإن كانت أخيرا: فإن كانت الكلمة على فعل كلى في جمع الوى (7) جاز إبقاء الضمة وجعلها كسرة، وإن لم يكن كذلك وجب قلب الضمة كسرة، لثقل الكلمة مع قرب الضمة من الاخر نحو سلى قال: " وتحذف الواو من (نحو) يعد ويلد، لوقوعها بين ياء وكسرة أصلية، ومن ثم لم يبن مثل وددت - بالفتح - لما يلزم من إعلالين في يد، وحمل أخواته نحو تعد ونعد وأعد وصيغة أمره عليه، ولذلك حملت فتحة يسع ويضع على العروض، ويوجل على الاصل، وشبهتا


(1) الهيام - كغراب -: أن يصير العاشق هائما متحيرا كالمجنون (2) يقال: رجل عيبة - كهمزة - إذا كان كثير العيب للناس (3) العيان - ككتاب -: حديدة تكون في متاع الفدان وجمعها عين - ككتب - وقد تسكن العين تخفيفا، كما قالوا في رسل: رسل، انظر (ح 2 ص 127) (4) تقول: دجاجة بيوض وبياضة، إذا كانت كثيرة البيض، ودجاجات بيض - بضمتين - انظر (ح 2 ص 128) (5) سيل: جمع سائل اسم فاعل من سال الماء يسيل (6) ميل: جمع مائل اسم فاعل من مال يميل إذا عدل عن الشئ وانحرف (7) يقال: قرن ألوى، إذا كان ملتويا معوجا، والالوى أيضا: الشديد من الرجال وغيرهم، قال امرؤ القيس: ألا رب خصم فيك ألوى رددته * نصيح على تعذاله غير مؤتل (*)

[ 88 ]

بالتجاري والتحارب، بخلاف الياء في نحو ييسر وييئس، وقد جاء يئس، وجاء ياءس كما جاء يا تعد، وعليه جاء موتعد وموتسر في لغة الشافعي، وشذ في مضارع وجل ييجل وياجل وييجل، وتحذف الواو من نحو العدة والمقة، ونحو وجهة قليل " أقول: اعلم أن الفعل فرع على الاسم في اللفظ كما في المعنى، لانه يحصل بسبب تغيير حركات حروف المصدر، فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من الصورة والمادة، وكذا اسم الفاعل والمفعول والموضع والالة، وجميع ما هو مشتق من المصدر، وعادتهم جارية بتخفيف الفروع كما ظهر لك فيما لا ينصرف، لانها لاحتياجها إلى الاصول فيها ثقل معنوى، فخففوا ألفاظها تنبيها عليه، وفى الفعل ثقل من وجه آخر وهو أن ثلاثيه - وهو أكثره - لا يجئ ساكن العين، وأنه يجر عيالا كالفاعل ضرورة، والمفعول والحال والتمييز كثيرا، وأيضا يتصل بآخر الفعل كثيرا ما يكون الفعل معه كالكلمة الواحدة - أعنى الضمائر المتصلة المرفوعة - والمضارع فرع الماضي بزيادة حرف المضارعة عليه، فلذا يتبع الماضي في الاعلال كما سنبين، والامر فرع المضارع، لانه أخذ منه على ما تقدم، فعلى هذا صار الفعل أصلا في باب الاعلال، لكونه فرعا ولثقله، ثم تبعه المصدر الذى هو أصله في الاشتقاق كالعدة والاقامة والاستقامة والقيام، وسائر الاسماء المتصلة بالفعل كاسم الفاعل والمفعول والموضع كقائم ومقيم ومقام على ما سيتبين بعد، وخفف المضارع لادنى ثقل فيه، وذلك كوقوع الواو فيه بين ياء مفتوحة وكسرة: ظاهرة كما في يعد، أو مقدرة كما في يضع ويسع، فحذف الواو لمجامعتها للياء على وجه لم يمكن معه إدغام إحداهما في الاخرى كما أمكن في طى، ولا سيما مع كون الكسرة بعد الواو، والكسرة بعض الياء، ومع كون حركة ما قبل الواو غير موافقة له كما وافقت في يوعد مضارع أوعد، وإنما حذفت الواو دون الياء لكونها أثقلهما، مع أن الياء علامة المضارعة، وأن

[ 89 ]

الثقل حصل من الواو، لكونها الثانية ثم تحذف الواو مع سائر حروف المضارعة من تعد وأعد ونعد، طردا للباب، والامر مأخوذ من المضارع المحذوف الواو نحو تعد، ولو أخذناه أيضا من توعد الذى هو الاصل لحذفناها أيضا، لكونه فرعه. وأما المصدر فلما كان أصل الفعل في الاشتقاق لم يجب إعلاله باعلال الفعل، إلا إذا كان جزء مقتضى الاعلال فيه ثابتا كالكسرة في قيام، أو كان مناسبا للفعل في الزيادة المصدرة كإقامة واستقامة، فلهذا جاز حذف الواو من مصدر يعد وإثباتها نحو عدة ووعد: إذ ليس فيه شئ من علة الحذف ولا المناسبة المذكورة، وإذا حذفت منه شيئا بالاعلال لم تذهل عن المحذوف رأسا، بل تعوض منه هاء التأنيث في الاخر كما في عدة واستقامة، وذلك لان الاعلال فيه ليس على الاصل، إذ هو إتباع الاصل للفرع، وإنما كسر العين في عدة وأصله وعد لان الساكن إذا حرك فالاصل الكسر، وأيضا ليكون كعين الفعل الذى أجرى هو مجراه (1)، فلهذا لم يجتلب همزة الوصل بعد حذف الفاء، وإذا فتحت العين في المضارع لحرف الحلق جاز أن يفتح في المصدر أيضا، نحو يسع سعة، وجاز في بعضها أن لا يفتح نحو يهب هبة، وقولهم في الصلة صلة بالضم شاذ، وقد يجرى مصدر فعل يفعل - بضم عينهما - إذا كان اللام حلقيا مجرى مصدر يسع، نحو ودع (2)


(1) هذا الذى ذهب إليه المؤلف غير ما ذهب إليه أكثر النحويين، فانهم ذكروا أن أصل عدة وعد - بكسر الواو - فحذفت الواو ونقلت كسرتا إلى الساكن بعدها، وعوضت منها التاء، يدل على هذا أنهم قالوا: وتره وترا ووترة - بكسر الواو - حكاه أبو على في أماليه. قال الجرمى: ومن العرب من يخرجه على الاصل فيقول: وعدة ووثبة أي بالكسر (2) يقال: ودع الرجل، إذا سكن واستقر ولان خلقه، فهو وادع ووديع (*)

[ 90 ]

يودع دعة، ووطؤ (1) يوطؤ طئة وطأة، وذلك للتنبيه على أن حق واو مضارعه أن تكون محذوفة، لاستثقال وقوعها بين ياء مفتوحة وضمة، ولكنها لم تحذف تطبيقا للفظ بالمعنى، إذ معنى فعل للطبائع اللازمة المستمرة على حال، وكذا كان حق عين مضارعة أن تكون مفتوحة، لكون اللام حلقية، وقولهم لدة أصله المصدر (2)، جعل اسما للمولود: كقولهم ضرب الامير: أي مضروبه، وأما الجهة (3) والرقة (4) فشاذان، لانهما ليسا بمصدرين، فليس تأوهما بدلا من الواو، وإنما لم يحذف الواو في نحو يوعيد على مثال (5) يقطين من الوعد لضعف


(1) وطؤ - بالضم -: سهل ولان، فهو وطئ (2) يقال: فلان لدة فلان، إذا كان مثله في السن، قال الشاعر: لم تلتفت للداتها * ومضت على غلوائها ومن العلماء من نظر إلى عارض الاستعمال في لدة فحكم بأن حذف الواو منها شاذ، لانها ليست مصدرا (3) اعلم أنهم قد قالوا: جهة - بالحذف - وقالوا أيضا: وجهة - بالاثبات - وعلى الثاني جاء قوله تعالى (ولكل وجهة هو موليها) ومن العلماء من ذهب إلى أن المحذوف واوه مصدر والثابت واوه اسم للمكان الذى يتوجه إليه، وعلى هذا فلا شذوذ في واحد منهما، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا مصدران، وعليه فالمحذوف واوه قياس والثابت واوه شاذ، ومنهم من ذهب إلى أنهما جميعا اسمان للمكان الذى تتجه إليه، وعلى ذلك يكون المحذوف الواو شاذا والثابت الواو قياسا، ومنهم من ذهب إلى أن الجهة اسم للمكان الذى تتجه إليه والوجهة مصدر، فهما شاذان، والذى هون شذوذ وجهة على هذا أنه مصدر غير جار على فعله، إذ المسموع توجه - كتقدس، واتجه - كاتصل، ولم يسمع وجه يجه - كوعد يعد - فلما لم يوجد مضارع محذوف الفاء سهل عليهم إثباتها في المصدر (4) الرقة: اسم للفضة، ويقال: اسم للنقد: ذهبا كان أو فضة، وجمعه رقون (5) اليقطين: كل نبات انبسط على وجه الارض نحو الدباء والقرع والبطيخ والحنظل، ويخصه بعضهم بالقرع في قوله تعالى (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) (*)

[ 91 ]

علة الحذف، وحذفها في الفعل نحو إنما كان لكونه الاصل في باب الاعلال كما مر، وحذف في يذر حملا على يدع، لكونه بمعناه، ويدع مثل يسع لكنه أميت (1) ماضيه، ويجد بالضم عند بنى عامر (2) شاذ، وحذف الواو منه: إما لان أصله يجد - بالكسر - أو لاستثقال الواو بين الياء المفتوحة والضمة في غير باب فعل يفعل - بضم العين فيهما - وإنما حذفت من يضع مضارع وضع - بفتح العين - لكونه مكسور العين في الاصل، إذ جميع باب فعل يفعل بفتح العين فيهما: إما فعل يفعل - بضم عين المضارع - أو فعل يفعل - بكسر عينه - كما ذكرنا في أول الكتاب، ومضارع فعل من المثال الواوى لا يجئ مضموم العين كما مر هناك، فتبين أنه كان يفعل بالكسر، وأما وسع يسع ووطئ يطأ فقد تبين لنا بحذف الواو أن عينهما كان مكسورا ففتح، لحرف الحلق كما مر، ولا ثالث لهذين اللفظين، ففتح نحو يؤجل أصل، بدليل بقاء الواو، وإذا وقع الياء في المضارع بين ياء مفتوحة وكسرة لم تحذف كالواو، لان اجتماع الياءين ليس في الثقل كاجتماع الواو والياء وحكى سيبويه حذف الياء في لفظين يسر البعير يسره (3) - من اليسر - ويئس يئس، وهما شاذان، وبعضهم يقلب الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا، لان فيه ثقلا، لكن ليس بحيث يحذف الواو له، فيقول


(1) قد أثبتنا ورود الماضي تبعا للمؤلف فارجع إلى ذلك (ح 1 ص 130) (2) قد بينا القول في ذلك بيانا شافيا، وذكرنا خلاف العلماء في هذا الكلام أهو خاص بيجد أم أن بنى عامر يضمون العين في كل مثال واوى فارجع إلى ذلك التفصيل في (ح 1 ص 133) (3) قد بحثنا طويلا عن استعمال هذا الفعل محذوف الفاء في المضارع متعديا فلم نعثر على نص يفيد ذلك، وكل ما عثرنا عليه هو قولهم: يسر الرجل يسر - كوعد يعد - فهو ياسر، إذا لعب الميسر (*)

[ 92 ]

في يوجل: ياجل، وبعضهم يقلبها ياء، لان الياء أخف من الواو، وبعضهم يستشنع قلب الواو ياء لا لعلة ظاهرة، فيكسر ياء المضارع ليكون انقلاب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وليس الكسر فيه كالكسر في نعلم وتعلم، لان من كسر ذلك لا يكسر الياء، فلا يقول: يعلم وظاهر كلام السيرافى وأبى على يدل على أن قلب واو نحو يوجل ألفا أو ياء قياس، وإن قل، قال السيرافى: يقلبون الواو ألفا في نحو يوجل ويوحل وما أشبه ذلك، فيقولون: يا جل وياحل، وقال أبو على: أما فعل يفعل نحو وجل يوجل ووحل يوحل ففيه أربع لغات، وهذا خلاف ظاهر قول المصنف - أعنى قوله " وشذ في مضارع وجل كذا وكذا " - فإنه مفيد خصوصية الوجوه المذكورة بهذا اللفظ. وبعضهم يقلب الياء الواقعة في المضارع بين الياء المفتوحة والفتحة ألفا نحو يابس وياءس، حملا للياء على الواو، كما حملت في اتسر من اليسر، على ما مر، ولا يكون ذلك إلا في المفتوح العين، كما أن نحو يا حل وياجل كان فيه، قال سيبويه: وليس ذلك بمطرد، ولا يكسر الياء ههنا كما كسرت في ييجل، لان ذلك في الواو لقصد عروض علة قلب الواو ياء، كما مر قوله " وكسرة أصلية " ليشمل نحو يعد ويقع، فان أصله يوقع، قال الكوفيون: إنما حذف الواو في يعد فرقا بين المتعدى واللازم، وذلك لانك تقول في اللازم: يوجل ويوحل، من غير حذف، وليس ما قالوا بشئ، إذ لو كان كذلك لم يحذف من وحد يحد (1) ووجد: أي حزن - يجد، وونم (2) الذباب ينم، ووكف البيت يكف.


(1) تقول: وحدت الشئ وحدا، وأوحدته، إذا أفردته، وتقول: وحد الشئ يحد حدة، إذا بان من غيره، فهو متعد ولازم (2) تقول: ونم الذباب ينم ونيما، إذا خرئ، فونيم الذباب خرؤه. قال الفرزدق: لقد ونم الذباب عليه حتى * كأن ونيمة نقط المداد (*)

[ 93 ]

قوله " ومن ثم لم يبن مثل وددت " يعنى ومن جهة وجوب حذف الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الاصلية لم يبن فعل - بفتح العين - من المضاعف المعتل فاؤه بالواو، إذ كان يلزم إذن أن يكون مضارعة مكسور العين كما ذكرنا في أول الكتاب، من أن مضارع فعل مفتوح العين إذا كان مثالا واويا يفعل بالكسر لا غير، فكان يجب إذن حذف الواو والادغام، فكان يجتمع إعلالان في كلمة واحدة. وقولهم لا يجمع بين إعلالين في كلمة واحدة فيه نظر، لانهم يجمعون بين أكثر من إعلالين في كلمة، وذلك نحو قولهم من أويت مثل إجرد (1) إى (2)، وذلك ثلاث إعلالات، كما يتبين في مسائل التمرين، وكذا في قولهم إياة (3) - مثل إوزة - من أويت، وفى قولهم: إيئاة (4) - مثل إوزة - من وأيت جمع بين إعلالين، وكذا قولهم: حيى على (5) فيعل من حويت، وغير ذلك مما يكثر


(1) الاجرد نبت يدل على الكمأة، انظر (ح 1 ص 59) (2) أصل " إى " إئوى، قلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها إثر همزة مكسورة كما في إيمان، فصار " إيوى " فهذا إعلال، ثم قلبت الواو ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق أولاهما بالسكون، ثم أدغمت الياء في الياء فصار " إيى " وهذا إعلال ثان، فلما اجتمع ثلاث ياءات فاما أن تحذف الثالثة نسيا كما قالوا في تصغير على ونحوه، وإما أن تعلها إعلال قاض، وهذا إعلال ثالث، فان جعلت الادغام إعلالا مستقلا كان في الكلمة أربع إعلالات (3) أصل " إياة " إئوية، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت الهمزة ياء لسكونها بعد همزة مكسورة، فصار " إيواة " ثم قلبت الواو ياء لاجتماعهما مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت الياء في الياء فصار إياة (4) أصل " إيئاة " أو أية، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة فصار " إيئاة " (5) أصل " حيى " حيوى - كدحرج - قلبت الياء الفا لتحركها وانفتاح (*)

[ 94 ]

تعداده، ولعلهم قالوا ذلك في الثلاثي من الاسم والفعل، لانه لخفته لا يحتمل إعلالا كثيرا، على أنهم أعلوا نحو ماء (1) وشاء باعلالين، لكنه قليل، واضطرب في هذا المقام كلامهم، فقال السيرافى: الاعلال الذى منعنا من جمعه في العين واللام هو أن يسكن العين واللام جميعا من جهة الاعلال، وقال أبو على: المكروه منه أن يكون الاعلالان على التوالى، أما إذا لم يكن كذلك كما تقول في ايمن الله: من الله، بحذف الفاء، ثم تقول بعد استعمالك من الله كثيرا: م الله، فليس ذلك بمكروه. ومثل ما منع المصنف من الاعلالين في يد لا يتجنبون منه، ألا ترى أنك تقول في أفعل منك من الام: هو أوام أو أيم، على المذهبين (2) تقلب الفاء وتدغم العين وهما إعلالان، وكذا في أيمة قلبوا وأدغموا، وأما نحو قه وشه فليس فيهما إلا إعلال واحد، لانه مأخوذ من تقى وتشى، فحذفت اللام للوقف قوله " ولذلك حمل " يعنى لان الواو تحذف بين الياء والكسرة قوله " بخلاف الياء نحو ييسر " أي: بخلاف الياء الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الاصلية أو الفتحة قوله " وقد جاء يئس " أي: بحذف الياء بين الياء المفتوحة والكسرة


ما قبلها، وقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت الياء في الياء فصار " حيى " (1) انظر (ح 1 ص 213) و (ح 2 ص 56 وما بعدها) (2) أصل " أوم " أو " أيم " أأمم - كأحمد - نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبلهما، ثم أدغم المثلان فصار أأم، فاجتمع همزتان متحركتان ثانيتهما مفتوحة، فسيبويه والجمهور يقلبون الثانية واوا اعتبارا بنحو أوادم، والمازني يقلب الثانية ياء نظرا إلى أن الياء أخف من الواو، وليس له من مستند من مستعمل كلام العرب، وهذان هما المذهبان اللذان يعنيهما المؤلف (*)

[ 95 ]

قال: " العين تقلبان ألفا إذا تحركتا مفتوحا ما قبلهما أو في حكمه، في اسم ثلاثى، أو فعل ثلاثى، أو محمول عليه، أو اسم محمول عليهما، نحو باب وناب وقام وباع وأقام وأباع واستقام، واستبان، واستكان منه، خلافا للاكثر، لبعد الزيادة ولقولهم استكانة، ونحو الاقامة والاستقامة، ومقام ومقام، بخلاف قول وبيع، وطائى وياجل شاذ، وبخلاف قاول وبايع وقوم وبيع وتقوم وتبيع وتقاول وتبايع، ونحو القود والصيد وأخيلت وأغيلت وأغيمت شاذ " أقول: اعلم أن علة قلب الواو والياء المتحركتين المفتوح ما قبلهما ألفا ليست في غاية المتانة، لانهما قلبتا ألفا للاستثقال، على ما يجئ، والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خف ثقلهما، وإن كانتا أيضا متحركتين، والفتحة لا تقتضي مجئ الالف بعدها اقتضاء الضمة للواو والكسرة للياء، ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع، وعدم نحو قيل وبيع، بضم الفاء، وقول وبوع بكسرها، لكنهما قلبتا ألفا - مع هذا - لانهما وإن كانتا أخف من سائر الحروف الصحيحة لكن كثرة دوران حروف العلة، وهما أثقلها، جوزت قلبهما إلى ما هو أخف منهما من حروف العلة: أي الالف، ولا سيما مع تثاقلهما بالحركة وتهيؤ سبب تخفيفهما بقلبهما ألفا، وذلك بانفتاح ما قبلهما، لكون الفتحة مناسبة للالف، ولوهن هذه العلة لم تقلبا ألفا إلا إذا كانا في الطرف: أي لامين، أو قريبين منه: أي عينين، ولم يقلبا فاءين نحو أود وأيل، وإن كانت الحركة لازمة بعد العروض، لان التخفيف بالاخر أولى، ولو هنها تقف عن التأثير لادنى عارض، كما يكون هناك حرف آخر هو أولى بالقلب، لكن لم يقلب لاختلال بعض شروط إعلاله، فلا يقلب إذن الحرف الذى ثبت علة قلبه لعدم قلب ما هو أولى منه بالقلب لولا اختلال شرطه، وذلك نحو طوى

[ 96 ]

وحيى، كان اللام أولى بالقلب لو انفتح ما قبلها كما في روى ونوى، فلما انكسر ما قبلها لم تعل، فلم تقلب العين ألفا أيضا، وإن اجتمع شرائط قلبها. فإذا تقرر ضعف هذه العلة قلنا: الاصل في تأثير هذه العلة أن يكون في الفعل، لما ذكرنا من ثقله، فتليق به الخفة أكثر، أو يكون في آخر الكلمة: إما لفظا كربا، أو تقديرا كغزاة، وذلك بأن يكون بعد الاخير حرف أصله عدم اللزوم: اسما كانت الكلمة، أولا، لان الكلمة تتثاقل إذا انتهت إلى الاخير، فتليق به الخفة، وإن كانت علتها ضعيفة. فنقول: الفعل في هذا الاعلال على ضربين: أصل، ومحمول عليه، والاصل ما يتحرك واوه أو ياؤه وينفتح ما قبلهما، نحو قول وبيع وغزو ورمى والمحمول عليه ما ينفتح الواو والياء فيه بعد حرف كان مفتوحا في الماضي الثلاثي، وذلك: إما في المضارع، المبنى للفاعل كيخاف ويهاب، أو المبنى للمفعول كيخاف ويهاب ويقال ويباع، أو الماضي مما بنى من ذى الزيادة: أفعل نحو أقام وأبان، واستفعل نحو استقام واستبان، أو ما بنى للمفعول من مضارعهما، نحو يقام ويستبان، وشذ أعول (1) وأغيلت المرأة واستحوذ (2) وأجود (3)


(1) يقال: أعول الرجل والمرأة وأعيلا، إذا كثرت عيالهما، ويقال: أعول أيضا، إذا رفع صوته بالبكاء. (2) استحوذ: غلب واستولى، قال تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله). ويقال: استحاذ أيضا على ما يقتضيه القياس. كما ورد في اللسان وقد ذكر عن ابن جنى مثل ما ذكره المؤلف عن سيبويه، وهو من الحوذ، وهو السوق في الاصل. (3) يقال: أجود الفرس في العدو، بمعنى أجاد فيه، ويقال أجود الشئ، وأجاده إذا جعله جيدا، ويقال: أجاد الرجل وأجود، إذا صار ذا جواد. (*)

[ 97 ]

وأطول (1) واستروح: أي شم الريح، وأطيب (2) وأخيلت السماء وأغيمت (3)، وأبو زيد جوز تصحيح باب الافعال والاستفعال مطلقا قياسا، إذا لم يكن لهما فعل ثلاثى، قال سيبويه: سمعنا جميع الشواذ جميع الشواذ المذكورة معلة أيضا على القياس، إلا استحوذ واستروح الريح وأغيلت، قال: ولا منع من من إعلالها، وإن لم يسمع، لان الاعلال هو الكثير المطرد، وإنما لم تعل هذه الافعال دلالة على أن الاعلال في مثلها غير أصل، بل هو للحمل على ما أعل، وإنما لم يحمل باب فعل التعجب على الثلاثي، نحو ما أقومه وما أبيعه، لكونه بعدم التصرف لاحقا بأفعل الاسمى كأبيض وأسود، أو لجريه مجرى أفعل التفضيل لمشابهته له معنى، وإنما لم يحمل باب قاول وتقاول وبايع وتبايع وقوم وتقوم وبين وتبين على الثلاثي كما حمل أقوم وأبين واستقوم واستبين عليه لانا شرطنا كون الساكن الذى قبل الواو والياء المتحركتين منفتحا في الماضي الثلاثي فان قلت: أليس قد أعللت اسم الفاعل في قائل وبائع بقلب الواو والياء ألفا، مع أن ما قبل الواو والياء ألف، ومع أنه في الاسم الذى إعلاله على خلاف الاصل، والاول في الفعل


(1) تقول: أطول وأطال بمعنى، قال عمر بن أبى ربيعة: صددت فأطولت الصدود وقلما * وصال على طول الصدود يدوم (2) يقال: أطيب الشئ، إذا وجده طيبا، ويقال: أطاب أيضا بمعناه، وكذا استطيبه واستطابه وطيبه. (3) يقال: أغيمت السماء، إذا صارت ذات غيم، وأغامت كذلك، وغامت وتغيمت وغيمت بمعناه، ويقال: أغيم القوم، إذا أصابهم غيم، وأخيلت السماء: تهيأت للمطر، وذلك إذا أرعدت وأبرقت، وهذا معنى قول المؤلف فيما سيأتي " إذا صارت خليقة بالمطر " (*)

[ 98 ]

قلت: هو كذلك، إلا أن قائلا وبائعا بمعنى الثلاثي، ويعمل عمله، وهو من بابه، بخلاف قاول وبايع. فان قلت: فأقوم واستقوم من باب آخر غير الثلاثي قلت: بلى، إلا أن ما قبل حرف العلة هو الذى كان مفتوحا في الثلاثي، فالمقصود أن الفرع إذا كان من غير باب الاصل يحتاج في الاعلال إلى كون الساكن قبل حرف العلة هو الحرف المفتوح في الاصل قبلها، وإن كان الفرع من باب الاصل أعل، وإن لم يكن الساكن ذاك المفتوح، بشرط أن يكون الساكن ألفا لفرط خفته وأما إعلال قوم وبين وتقوم وتبين فأبعد من إعلال تقاول وتبايع وقاول وبايع، لان إدغام العين في البابين واجب وإنما لم يعمل نحو عور وحول لان الاصل في الالوان والعيوب الظاهرة باب افعل وافعال، كما ذكرنا في صدر الكتاب، فالثلاثي - وإن كان أصلا لذوات الزيادة في اللفظ - لكن لما كان هذا البابان أصلين في المعنى عكس الامر، فأجرى الثلاثي مجرى ذى الزيادة في التصحيح تنبيها على أصالته في المعنى المذكور. ولم يعل (1) في اسود واعور واصيد (2) لان إعلال نحو أقوم واستقوم


(1) ظاهر هذا الكلام يفيد الدور، فانه جعل علة تصحيح الثلاثي نحو عور كونه فرعا في المعنى عن المزيد فيه نحو اعور، فإذا جعل علة تصحيح المزيد فيه كون ثلاثيه غير معل فقد جعل كل واحد منهما معللا بالاخر، اللهم إلا أن يقال: إن المزيد فيه في هذا المعنى هو الموضوع أولا فهو حين الوضع ليس له ثلاثى ألبتة، فضلا عن أن يكون له ثلاثى معل، وشرط إعلال المزيد فيه وجود ثلاثى معل له، فلما أريد وضع الثلاثي بعد ذلك وكان معناه متحدا مع المزيد فيه حمل عليه في التصحيح. (2) يقال: اصيد الرجل - كاحمر -، إذا لوى عنقه من كبر، وأصله من (*)

[ 99 ]

مع كونه خلاف الاصل إنما كان حملا على الثلاثي المعل، ولا ثلاثى معلا ههنا، كما بينا، ومثله في إتباع لفظ لفظا آخر في التصحيح تنبيها على كونه تابعا له في معناه قولهم: اجتوروا واعتوروا (1) واعتونوا، بمعنى تجاوروا وتعاوروا وتعاونوا، وإن لم يقصد في افتعل معنى تفاعل أعللته، نحو ارتاد (2) واختان (3) ولما لم يعل عور وحول لما ذكرنا لم يعل فرعاه أيضا نحو أعور واستعور، وقد يعل باب فعل من العيوب نحو قوله: - 138 - * أعارت عينه أم لم تعارا * (4)


قولهم: اصيد البعير، إذا أصابه داء في رأسه فيخرج من أنفه مثل الزبد فيرفع رأسه عند ذلك. (1) يقال: اعتور القوم الشئ، وتعوروه، وتعاوروه، إذا تداولوه بينهم. (2) ارتاد الشئ وراده: طلبه في موضعه. (3) اختان خان، قال الله تعالى (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم). واعلم أن افتعل من الاجوف إما أن تكون عينه ياء أو واوا، فان كانت عينه ياء أعل: سواء أكان بمعنى التفاعل نحو استافوا وابتاعوا وامتازوا، أم لم يكن نحو امتار الرجل واكتال واصطاد. وإن كانت عينه واوا: فان كان بمعنى التفاعل صحت عينه نحو ما ذكره المؤلف من الامثلة، وإن لم يكن بمعنى التفاعل أعلت عينه نحو اشتار العسل وارتاد واختال فإذا علمت هذا تبين لك أن ما ذكره المؤلف من التفصيل خاص بواوى العين. (4) هذا عجز بيت من الوافر، وصدره قوله: * وربت سائل عنى حفى * وهو لعمرو بن أحمر الباهلى، و " ربت " هي رب الدالة على التقليل أو التكثير وألحق بها التاء لتأنيث اللفظ، والحفى: المبادر في السؤال المستقصى له، وفى التنزيل العزيز (يسألونك كأنك حفى عنها). وقوله " أعارت عينه " هو بالعين المهملة وهو محل الاستشهاد بالبيت على أنه قد يعل باب فعل - بكسر العين - من العيوب (*)

[ 100 ]

فيعل فرعاه أيضا، نحو أعار واستعار وإنما حمل على الماضي الثلاثي في هذا القلب ما انفتح واوه وياؤه ولم يحمل عليه ما انضما فيه أو انكسرا كيقوم ويبيع ويقيم، لان الحامل على النقل في جميع ذلك مفتوحا كان العين أو مضموما أو مكسورا إتباع الفرع للاصل في تسكين العين مع الدلالة على البنية، كما مر في أول الكتاب (1)، ولا يمكن ذلك بقلب الجميع ألفا. وأما إذا كانت الواو والياء المتحركتان المفتوح ما قبلهما في آخر الكلمة فانهما تقلبان ألفا، وإن كان ذلك في اسم لا يشابه بوجه، نحو (2) ربا وربا فانهما لا يوازنان الفعل، فان وزانه كفتى وعصا فانهما كضرب، وكمردى (3) ومبري (4) فانهما كاعلم، فلا كلام في القلب وإنما لم يعل نحو النزوان والغليان للزوم اللالف والنون، فأخرجت


وذلك لان عارت أصله عورت فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والاكثر في هذا الباب والقياس المطرد هو التصحيح، ويروى في مكان هذه الكلمة " أغارت " وعليها لا شاهد فيه، وقوله " لم تعارا " هو مضارع عار الذى أعل، والالف في آخره منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة في الوقف. (1) انظر (ح 1 ص 80، 81) (2) الربا - بكسر الراء -: معروف، والربا - بضم الراء -: جمع ربوة، وهى المرتفع من الارض، ووقع في بعض النسخ " نحو ربا وزنا " وهى صحيحة أيضا وفيها التمثيل للواوى واليائى، كما أن فيما أثبتناه التمثيل بوجهين من وجوه عدم موازنة الفعل. (3) المردى: الحجر يرمى به، ويقال: فلان مردى حروب، إذا كان يرمى به فيها لشجاعته، وعليه قول أعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب: مردى حروب ونور يستضاء به * كما أضاء سواد الظلمة القمر (4) المبرى - بكسر الميم وسكون الباء - آلة البرى (*)

[ 101 ]

اللام من التطرف، فصارت الواو والياء كما في الجولان والطيران فان قيل: هلا منع التاء اللازم في نحو غزاة وتقاة من إعلال اللام (ومن التطرف) (1) كما منعت التاء اللازمة في (نحو) عنصوة (2) وقمحدوة (3) من قلب الواو ياء. قلت: لان الواو المضموم ما قبلها لم تقلب ياء في موضع إلا متطرفة، بخلاف قلب الواو والياء ألفا فانه ثبت في المتوسطة أيضا كثيرا، كقال ومقال، فلم يعتد بالتاء التى أصلها عدم اللزوم، بخلاف الالف والنون فانهما على اللزوم هذا، ولمناسبة القلب آخر الكلمة أعل الواو والياء أخيرا هذا الاعلال، وإن كان قبلهما ألف، بشرط كون الالف زائدة، لانهما إذن في حكم العدم، وذلك نحو كساء ورداء، وأما إذا كانت أصلا كراى وآى فلا تعلان لكون الفاصل قويا بالاصالة، وقد تقلب الواو والياء أيضا قريبين من الطرف وقبلهما ألف زائدة ألفا، بشرط أن ينضم إلى العلة المقتضية للانقلاب مقتض آخر، وذلك لضعف العلة إذن بسبب فصل الالف بين الواو والياء وبين الفتحة، وبعدم كونهما في الطرف، وذلك المقتضى: إما مشابهة الفعل المعل كما يجئ وأداؤه معناه وعمله عمله كما في قائم وبائع، وإما اكتناف حرف العلة لالف الجمع الاقصى فيستثقل لاجل حرفي العلة وكون الجمع أقصى الجموع، وذلك كما في بوائع وأوائل وعيائل، في جمع بائعة وأول وعيل (4) وإما كون الواو


(1) سقطت هذه العبارة من بعض النسخ (2) العنصوة - مثلثة العين ساكنة النون مضمومة الصاد - القليل المتفرق من النبت وغيره، وبقى كل شئ (3) انظر (ج 2 ص 46 وج 1 ص 261) (4) عيل - بفتح العين وتشديد الياء مكسورة، مثل سيد وميت وهين - وهو (*)

[ 102 ]

والياء في الجمع الاقصى الذى هما في واحده مدتان زائدتان كعجائز وكبائر، وذلك لقصد الفرق بين المدتين الزائدتين وبين الواو والياء اللتين كان لهما في الواحد حركة، سواء كانتا أصليتين كمقاوم ومعايش، في جمع مقامة (1) ومعيشة، أو زائدتين ملحقتين بالاصل كعثاير وجداول في جمع عثير (2) وجدول، فان ماله حركة أصلية أجلد وأقوى، فلا ينقلب فإذا بعدت الواو والياء من الطرف نحو طواويس (3) لم ينقلبا ألفا، كما يجئ فعلى هذا تبين كذلك أن الهمزة في نحو رداء وكساء وقائل وبائع وأوائل وبوائع وعجائز وكبائر أصلها الالف المنقلبة عن الواو والياء، فلما احتيج إلى تحريك الالف وامتنع قلبها إلى الواو والياء لانه إنما فر منهما قلبت إلى حرف يكون أنسب بها بعد الواو والياء، وهو الهمزة، لانهما حلقيتان، وإنما لم تحذف الالف الاولى للساكنين، كما هو الواجب في مثله، لكون ألف نحو قائل علامة الفاعل وألف نحو أوائل وعجائز علامة الجمع، ولو حذفت في نحو رداء لا لتبس بالمقصور، وأما الهمزة في نحو رسائل فبدل من الالف التى في الواحد لا من الالف المنقلبة عن الواو والياء.


فيعل من عال يعول، إذا جار ومال، وهو واحد العيال، وهم الذين يعولهم الانسان، سموا بذلك لانهم يدعونه بالانفاق عليهم إلى الجور والميل (1) مقامة: هي في الاصل اسم مكان من قام يقوم، ثم سمى به مجلس القوم لانهم يقومون فيه، ثم سمى به القوم (2) العثير - بوزن درهم والياء زائدة للالحاق - التراب، وانظر (ج 2 ص 184 و 366) (3) الطواويس: جمع طاووس، طائر، وهو أيضا الرجل الجميل، وهو الفضة والارض المخضرة، ووقع في بعض النسخ " طوى وريس " وهو تحريف شنيع (*)

[ 103 ]

هذا، وإن لم يكن الواو والياء في الفعل ولا في آخر الكلمة، وذلك إذا كانتا في الاسماء في غير الطرف، فههنا نقول: لا يعل من الاسماء هذا الاعلال إلا أربعة أنواع: نوعان منها مشابهان للفعل، وإنما اعتبر ذلك لما ذكرنا من أن الاصل في الاعلال الفعل، وأن هذه العلة ليست بقوية، فهى بالفعل أولى. أحد النوعين: ما وازن الفعل نحو باب وناب، والاصل بوب ونيب، ورجل ومال ونال، والاصل مول (1) ونول، بكسر العين، وكذا كبش (2) صاف، وقولهم الروح (3) والغيب (4) والخول (5) والقود شاذ، وكذا رجل حول: أي كثير الحيلة، وروع: أي خائف، ولم يجئ فعل بضم العين أجوف في الاسم لثقل الضمة، ونريد بموازنة الفعل ههنا مساواته له في عدد الحروف والحركات المعينة، وإن باينه في تعيين الزيادات وأمكنتها، فمفعل على وزن يفعل، وإن كانت زيادته غير زيادته، وفاعل موازن ليفعل وزيادته غير زيادته ومكانها غير مكانها، فالاسم الثلاثي: إما أن يكون مجردا (كما ذكرنا)، أو مزيدا فيه، وأما الرباعي والخماسي فانه لا يوازن الفعل منهما إلا باب جعفر


(1) المول: الكثير المال، والنول: الكثير النال أي العطاء (أنظر ج 1 ص 149 (2) كبش صاف: كثير الصوف (3) الروح - بالتحريك -: تباعد بين الرجلين، ومن الطير: المتفرقة الرائحة إلى أوكارها (4) يقال: قوم غيب - بالتحريك -: وغيب وغياب، إذا كانوا غائبين الاخيران جمعان، والاول اسم جمع (5) الخول: ما أعطاك الله من أنعام وعبيد وإماء وغيرهم من الحاشية، يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (*)

[ 104 ]

نحو جهور (1)، والواو والياء لا يكونان فيه إلا للالحاق، لما تبين أن الواو والياء مع ثلاثة أصول لا يكونان إلا مزيدتين، فلا تعل إذن، محافظة على بناء الالحاق، فالثلاثي المزيد فيه يشترط فيه أن يكون مع موازنته للفعل مباينا له بوجه، وذلك كالحرف الزائد الذى لا يزاد في الفعل كميم مقام ومقام ومستقام، فانها في الاصل كيحمد ويحمد ويستخرج، لكن الميم لا تزاد في أول الفعل، أو كالحروف التى تزاد في الفعل لكن تكون متحركة بحركة لا تحرك في الفعل بمثلها نحو تباع على وزن تفعل بكسر التاء وفتح العين، فانه يوازن اعلم، لكنه ليس في الفعل تاء مزيدة في الاول مكسورة، وأما نحو تعلم فهى لغة قوم، ومع ذلك فليست بأصل، بل للدلالة على كسر العين في الماضي كما تقدم (2)، وقد يعل لمباينة غير المذكورتين، نحو قائم وبائع، فانه يوازن يفعل، لكن ليس الزائد في مكان الزائد، ولا هو إياه، وكان القياس أن يعل نحو مقول (3) ومخيط إذ هما بوزن اعلم، لكن الخليل قال: لم يعلا لكونهما مقصورى مفعال، وهو غير موازن للفعل، والدليل على أن مفعالا أصل مفعل اشتراكهما في كثير نحو مخيط ومخياط ومنحت ومنحات. وقد شذ مما وجب إعلاله قياسا المشورة والمصيدة بفتح الميم، وقولهم:


(1) جمهور: اسم موضع، وبنو جهور: ملوك الطوائف بالاندلس، والجهور أيضا: الجرئ المقدم الماضي (2) أنظر (ح 1 ص 141) (3) يقال: رجل مقول ومقوال، إذا كان بينا ظريف اللسان حسن البيان وفى الصحاح الكثير القول، وقد سموا اللسان مقولا، لكونه آلة القول، قال حسان بن ثابت: لسان وسيفي صارمان كلاهما * ويبلغ ما لا يبلغ السيف مقولى (*)

[ 105 ]

الفكاهة مقودة إلى الاذى، وأما مريم ومدين (1) فان جعلتهما فعيلا فلا شذوذ، إذ الياء للالحاق، وإن جعلتهما مفعلا فشاذان، ومكوزة شاذ في الاعلام. وقال المبرد: المزيد فيه الموازن للفعل إنما يعل إذا أفاد معنى الفعل كالمقام، فانه موضع يقام فيه، وكذا المقام، بضم الميم، موضع يفعل فيه الاقامة، فعلى ما ذهب إليه مريم ومدين ليسا بشساذين، وإن كانا مفعلا، لعريهما عن معنى الفعل، وكذا نحو تفعل من البيع بكسر التاء ينبغى أن لا يعل، بل يقال: تبيع. وإنما لم يشترط التباين في الثلاثي واشترط في ذى الزيادة لان ذلك في المزيد فيه لئلا يشتبه بالفعل لو سمى به معلا، فإنه لو أعل لكان يلتبس بعد التسمية به بالفعل، بسبب سقوط الكسر والتنوين، وأما الثلاثي فكسره وتنوينه وإن كان علما يفصله عن الفعل. وإن لم يكن ذو الزيادة الاسمى مباينا للفعل بوجه نحو أبيض وأسود وأدون منك وأبيع، ونحو أبيع على وزن إصبع من البيع ونحو تبيع على وزن ترتب منه، فلا يعل شئ منها ليكون فرقا بين الاسماء والافعال، والافعال بالاعلال أولى، لاصالتها فيه، وأما إعلال نحو أبان على قول من لم يصرفه فلكونه منقولا عن فعل معل إلى الاسم، ومن صرفه فهو فعال، وليس مما نحن فيه. وإن لم يوازن الاسم الثلاثي المزيد فيه الفعل لم يعل هذا الاعلال، فعند سيبويه لم يعل هذا الاعلال نحو الطوفان والحيدان والنزوان والغليان وحمار حيدى (2) والصورى (3) لخروج الاسم بهذه الزيادة اللازمة للكلمة عن وزن


(1) أنظر (ح 2 ص 391، 392) (2) يقال: حمار حيدى، إذا كان يحيد عن ظله من النشاط، ولم يوصف مذكر بوصف على وزن فعلى إلا بهذه الكلمة، ويقال: حمار حيد - كميت - بالمعنى السابق (3) الصوري - بفتحات مقصورا -: موضع أو ماء قرب المدينة، وقال ابن (*)

[ 106 ]

الفعل، بخلاف نحو الغارة (1) والقارة (2) والغابة (3) فان التاء وإن أخرجت الكلمة عن وزن الفعل لكن لما كان وضعها على العروض وإن كانت لازمة ههنا لم تكن كجزء الكلمة، فحوكة (4) وخونة شاذان، ووجهه الاعتداد بالتاء، مع أن الواو ليست في الطرف، وبعض العرب يعل فعلان الذى عينه واو أو ياء، فيقول: داران من دار يدور، وهامان من هام يهيم، ودالان من دال يدول، وحالان من حال يحول، وهو شاذ قليل، وعند المبرد هو قياس، لجعله الالف والنون كالتاء غير مخرج للكلمة عن وزن الفعل. فان قيل: كيف أخرج التاء الاسم عن وزن الفعل في يعملة (5) حتى انصرف ولم تخرجه في نحو غارة فأعل.


الاعرابي: هو واد في بلاد مزينة من المدينة، وقالوا في قول أبى الطيب المتنبي: - ولاح لها صور والصباح * ولاح الشغور لها والضحى إنه خطأ، والصواب الصوري - بالالف في آخره - (1) الغارة: اسم من قولهم: أغار على القوم إغارة، إذا دفع عليهم الخيل (2) القارة: الجبل الصغير ينقطع عن الجبال، أو هو الصخرة العظيمة. أو الصخرة السوداء، والقارة أيضا: قبيلة من العرب، وفيهم المثل السائر: قد أنصف القارة من راماها (3) في بعض النسخ الغاية - بالياء المثناة في مكان الباء الموحدة - وهى صحيحة أيضا. (4) حوكة: جمع حائك، وهو اسم فاعل من حاك الثوب يحيكه حوكا وحياكة، إذا نسجه، وقد جاء " حاكة " على القياس (5) اليعملة: الناقة النجيبة التى تصبر على العمل والسير، وهم يقولون: أعملت الناقة، إذا ركبتها في السفر، وقال الخليل: اليعملة لا يوصف بها إلا النوق، قال غيره: يقال للجمل: يعمل، وهو اسم له من العمل، قال الشاعر: إذلا أزال على أقتاد ناجية * صهباء يعملة أو يعمل جمل (*)

[ 107 ]

قلت: لانه لو لم يعتد بالمخرج في نحو يعملة يظهر أثر الموازنة على المخرج عن الموازنة: أي على التاء، وذلك الاثر سقوط الجر والتنوين، بخلاف أثر الاعلال. ونحو جولان وحيدان عند المبرد شاذ خارج عن القياس، فإن أورد عليه نزوان وغليان، وقيل: إن اللام بالتغيير أولى، أجاب بأنه لو قلب لزم الحذف، فيلتبس فعلان بفعال، إد يبقى نزان وغلان، وكذا قال الاخفش في حمار حيدى والصورى: إنهما شاذان وجعل ألف التأنيث كالتاء غير مخرجة للكلمة عن وزن الفعل، والاولى قول سيبويه، لما ذكرنا. فان قيل: كيف أعل نحو العياذ واللياذ باعلال فعله، ولم يعل نحو الطيران والدوران والتقوال والتسيار باعلال أفعالها، وكلاهما لا يوازن فعليهما، فان كان جرى المصدر على الفعل وعمله عمله في نحو عياذ كافيا في إعلاله فليكن كذلك في طيران وغليان. قلت: طلب الكسرة لقلب الواو التى بعدها ياء أشد من طلب الفتحة تقلب الواو والياء التى بعدها ألفا ألا ترى إلى كثرة نحو قول وبيع، وقلة نحو بيع، وعدم نحو قول بكسر الفاء وسكون الواو، فبأدنى مشابهة بين المصدر وفعله يعل المصدر بقلب واوه ياء لانكسار ما قبلها لقوة الداعي إليه، وإذا بنيت من غزا ورمى مثل جبروت (1) فالقياس غزوت ورميوت، لخروج الاسم بهذه الزيادة عن


ومن هنا تعلم أن اليعملة اسم وليست علما ولا صفة حتى يدعى لها أنها ممنوعة من الصرف لولا التاء التى أخرجتها عن وزن الفعل، لكونها من خصائص الاسماء وهذا الذى ذكرناه هو مذهب سيبويه في هذه الكلمة، وقد نص على أن يفعل لم يأت وصفا، وذهب غيره إلى أن اليعملة وصف منقول من مضارع عمل، وعلى هذا يتجه كلام المؤلف (1) الجبروت: الكبر والقهر، انظر (ح 1 ص 152) (*)

[ 108 ]

موازنة الفعل، وبعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين، وذلك لعدم الاعتداد بالواو والتاء ولم يعل نحل النوال والسيال (1) والطويل والغيور والقوول والتقوال والتسيار والمواعيد والمياسير لعدم موازنة الفعل، وقيل: للالتباس لو أعل، إذ يلزم الحذف، ورد بأنه كان ينبغى الاعلال إن كان سببه حاصلا كما في قائل وبائع وكساء ورداء، ثم التحريك وجعله كما في الامثلة المذكورة. وثاني النوعين المذكورين: الاسم الذى فيه واو أو ياء مفتوح، إذا كان مصدرا قياسيا جاريا على نمط فعله في ثبوت زيادات المصدر في مثل مواضعها من الفعل، كإقوام واستقوام، فلمناسبته التامة مع فعله أعل إعلاله بنقل حركتهما إلى ما قبلهما وقلبهما ألفا، ولم يعل نحو الطيران الدوران والنزوان والغليان علة فعله مع تحرك حروف العلة فيه وانفتاح ما قبلها لضعف مناسبتهما. والنوعان الاخران من الانواع الاربعة من باب الجمع الاقصى، وهما باب بوائع وعجائز، وإنما أعلا الاعلال المذكور وإن لم يشابها الفعل لالف الجمع في أحدهما وقصد الفرق في الاخر كما تقدم شرحهما هذا، ولضعف هذه العلة - أعنى تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما - في إيجاب القلب ترد الالف إلى أصلها من الواو والياء، ويحتمل تحركهما وانفتاح ما قبلها إذا أدى ترك الرد إلى اللبس: في الفعل كان، أو في الاسم، وذلك إذا لقى الالف حرف ساكن بعدها لو أبقى الالف معه على حالها سقطت والتبس، فالفعل نحو غزوا ورميا، فان ألف الضمير اتصل بغزا ورمى معلين، ولو لم يردوا الالف إلى أصلها لسقطت للساكنين والتبس المسند إلى ضمير المثنى بالمسند إلى ضمير


(1) السيال: اسم جنس جمعى واحدته سيالة - كسحابة - وهو شجر له شوك أبيض طويل، انظر (ص 5 من هذا الجزء) (*)

[ 109 ]

المفرد أو إلى الظاهر، وكذا يرضيان، لانه كان يسقط النون جزما (1)، وأما في أرضيا فلكونه فرع يرضيان، والاسم نحو الصلوات والفتيات، لو حذفت الالف للساكنين لا لتبس الجمع بالواحد، ونحو الفتيان والرحيان إذ لو لم يرد لا لتبس المثنى بالمفرد عند الاضافة، وأما نحو الفتيين والرحيين فلكونهما فرعى الفتيان والرحيان، كما تبين في أول شرح الكافية، ومع ياء النسب ترد الالف المحذوفة في نحو عصى ورجى المنونين، لزوال الساكنين: أي الالف والتنوين، وبعد ردها تقلبها واوا لاجل ياء النسب، كما قلبتها في العصا والرحى لما نسبت إليهما، ولا نقول: إن الالف المحذوفة ترد إلى أصلها من الواو والياء، وإنما لم تحذف الالف للياء الساكنة اللاحقة بها لما ذكرنا في باب النسب، وبعد رد جميع الحروف المذكورة وتحريكها لم تقلها ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها، لعروض الحركة عليها، ولانه إنما فر من الالف حتى لا يلتبس بعد الحذف، فكيف يعاد إلى ما فر منه ؟ وأما رد الالف إلى أصلها في نحو هل ترين وترضين، والاصل هل ترى وترضى، فليس لخوف الالتباس، بل للقياس على هل تغزون وترمين، وإنما رد اللام في نحو ارضين ولا ترضين وكذا في نحو اغزون وارمين ولا تغزون ولا ترمين لان الفعل مع النون


(1) قول المؤلف جزما معناه قطعا، وليس المراد به الجزم الذى هو حالة من حالات إعراب الفعل المضارع، وذلك لان هذه الحالة لا يقع فيها اللبس على فرض إعلال يرضيان، لانك كنت تقول في المسند إلى ضمير الواحد: محمد لم يرض - بحذف لام الفعل للجزم - وكنت تقول: المحمدان لم يرضا - بألف هي ضمير المثنى - فلا لبس حينئذ، فثبت أن جزما لا ينبغى أن يحمل على حالة الاعراب المذكورة، وصورة الالتباس إنما تقع في حالة النصب، لانك تقول: محمد لن يرضى والمحمدان لن يرضا، والالف في الاول لام الفعل وفى الثاني ضمير التثنية، ونريد أن ننبهك إلى أن اللبس حينئذ في النطق لا في الرسم (*)

[ 110 ]

ليس موقوفا ولا مجزوما، وحذف اللام إنما كان للجزم أو الوقف، ولم تقلب الياء في أرضين ولا ترضين ألفا بعد الرد لكون حركتها عارضة لاجل النون التى هي كلمة مستقلة، وأيضا لئلا يلزم منه حذف الالف فيؤدى إلى ما فر منه، وكذا في نحو ارضون وارضين يا امرأة، لم تقلبا لعروض الحركة لما ذكرنا في باب التقاء الساكنين، ولكون الواو والياء اسمين مستقلين، فلا يغيران، ولان الواو والياء لا تقلبان ألفا إلا إذا كان ما قبلهما من حروف كلمتها مفتوحا، وههنا الواو كلمة أخرى، وأيضا لو غيرا بالقلب لحذفا بلا دليل عليهما، كما كان في اغزن واغزن وإن لم يؤد حذف الالف للساكنين إلى اللبس لم يرد نحو يرضون وتغزين وترضين والمصطفون والمصطفين وغزوا ورموا وغزت ورمت قوله " تحركتا " أي: في الاصل فيخرج نحو ضو وشى مخففتين، حركة لازمة، ليخرج نحو غزوا ورميا وعصوان وارضين وجوزات وبيضات، عند بنى تميم، وإنما قلبا في نحو العصا والرحى وإن كانت الحركة الاعرابية عارضة، لان نوعها وإن كان عارضا لكن جنسها لازم، إذ لابد لكل معرب بالحركات من حركة ما رفعا أو نصبا أو جرا قوله " أو في حكمه " أي: في حكم الفتح، نحو أقول وأبيع ومقوم ومبيع قوله " في فعل ثلاثى " كقال وطال وخاف وباع وهاب قوله " أو محمول عليه " كأقام وأبان واستقام واستبان، وقد يكون الفعل الثلاثي محمولا على الثلاثي، كيخاف ويقال ويهاب، لان الاصل في الاعلال الماضي، والمضارع فرعه فيعتل باعتلاله، وذلك لانه هو الماضي بزيادة حرف المضارعة عليه قوله " أو اسم محمول عليهما " أي: على الفعل الثلاثي كباب ودار وكبش

[ 111 ]

صاف، وعلى الفعل المحمول عليه كمقام والاستقامة قوله " بخلاف قول وبيع " أي: بخلاف ما كان الواو والياء فيه ساكنين مفتوحا ما قبلهما قوله " وطائى وياجل شاذ " قد ذكرنا حكم طائى في باب النسب، وكذا ذكرنا أن نحو ياجل مطرد، وإن كان ضعيفا، وكذا ذكرنا أن بعض الحجازيين يقلب الواو الساكنة ألفا قياسا في مضارع نحو ايتعد وايتسر، وبعض بنى تميم يقلبون واو نحو أولاد: أي جمع ما فاؤه واو، ألفا قياسا، فيقول: آلاد، وطئ يفتحون ما قبل الياء إذا تحركت بفتحة غير إعرابية وكانت طرفا وانكسر ما قبلها، لتنقلب الياء ألفا، وذلك لكون الطرف محل التغيير والتخفيف، وشرط فتحة الياء لتنقل إلى ما قبلها، وشرط كونها غير إعرابية، لئلا تكون عارضة فيعتد بها، وشرط انكسار ما قبلها لان الكسر أخو السكون، على ما تبين في باب التقاء الساكنين، فتكون كأنك نقلت الفتح إلى الساكن، كما في أقوم، قال نستوقد النبل بالحضيض * ونصطاد نفوسا بنت على الكرم (1) وإن توسطت الياء بسبب التاء اللازمة نحو ناصاة في ناصية فقليل غير مطرد قوله " بخلاف قاول وبايع " أي: بخلاف الثاني المزيد فيه، إذا كان ما قبل الواو والياء ساكنا، ولم يكن ذلك للساكن حرفا كان مفتوحا في الثلاثي قوله " أخيلت السماء " أي: صارت خليقة بالمطر، وأغيلت المرأة: أي أرضعت على الحبل، ومثله استصوب واستروح الريح، وعند أبى زيد التصحيح


(1) قد مضى شرح هذا البيت مفصلا (ح 1 ص 124) (*)

[ 112 ]

قياس في مثله، إذا لم يكن له فعل ثلاثى كاستنوق (1)، وعند سيبويه نحو استنوق أيضا شاذ، والقياس إعلاله طردا للباب كما أعل سائف (2) وخائل (3) في النسبة، وإن لم يأت منه فعل معل، طردا لباب فاعل في إعلاله علة واحدة، وإذا طرد باب تعد ونعد وأعد فهذا أولى قال: " وصح باب قوى وهوى للاعلالين، وباب طوى وحيى لانه فرعه أو لما يلزم من يقاى ويطاى ويحاى، وكثر الادغام في باب حيى للمثلين، وقد يكسر الفاء، بخلاف باب قوى، لان الاعلال قبل الادغام، ولذلك قالوا يحيى ويقوى واحواوى يحواوى وارعوى يرعوى، فلم يدغموا، وجاء احو يواء واحوياء، ومن قال اشهباب قال احوواه كاقتتال، ومن أدغم اقتتالا قال: حواء، وجاز الادغام في أحيى واستحيى بخلاف أحيى واستحيى، وأما امتناعهم في يحيى ويستحيى فلئلا ينضم ما رفض ضمه، ولم يبنوا من باب قوى مثل ضرب ولا شرف كراهة قووت وقووت، ونحو القوة والصوة والبو والجو محتمل للادغام " أقول: قوله " باب قوى " أي: فعل بالكسر مما عينه ولامه واو، ولابد من


(1) استنوق الجمل: تشبه بالناقة، وهو مثل يضرب لمن يخلط الشئ بغيره انظر (ح 1 ص 86) (2) يقال: سافه يسيفه فهو سائف، إذا ضربه بالسيف، ويقال: رجل سائف: أي ذو سيف، فهو على الاول اسم فاعل، وإعلاله اصل، وعلى الثاني للنسبة كلا بن وتامر، وإعلاله بالحمل على الاول، طردا لباب فاعل كما قال المؤلف (3) يقال: خال يخال فهو خائل، إذا ظن، ويقال: رجل خائل، إذا كان ذا خيلاء، فهو على النسب في قول أكثر أهل اللغة، والقول في إعلال اللفظين كالقول في سائف، ومنهم من ذهب إلى أن الخائل المتكبر اسم فاعل فاعلا له بالاصل لا بالحمل (*)

[ 113 ]

قلب الواو ياء، لانكسار ما قبلها، كما يجئ بعد أن كل واو في آخر الكلمة مكسور ما قبلها: متحركة كانت أو ساكنة، قلبت ياء للاستثقال، والاشتغال باعلال الاطراف أسبق من الاشتغال باعلال الوسط: إما بالقلب، أو بالادغام، لما عرفت، فبعد قلب الثانية ياء لو قلبت الاولى ألفا لاجتمع إعلالان على ثلاثى ولا يجوز، كما مر، وأما هوى فقد أعللت اللام أيضا بقلبها ألفا، فلم يكن لك سبيل إلى إعلال العين، حذرا من الاعلالين، و " قوى " من المضاعف بالواو بدليل القوة، " وحيى " من المضاعف بالياء، إلا عند المازنى، وهوى مما عينه واو ولامه ياء، وكذا طوى، بدليل طيان (1)، ولم يعل في حيى بقلب العين عند المازنى، لان أصله حيو عنده، أو لانه مثل طوى كما يجئ قوله " وباب طوى وحيى " يعنى لم يعلا وإن لم يلزم إعلالان، لانهما فرعا هوى، وذلك لان فعل - بفتح العين - في الافعال أكثر من أخويه، لكونه أخف، والخفة مطلوبة في الفعل، وهو أيضا أكثر تصرفا، لان مضارعه يأتي على ثلاثة أوجه، دون مضارعها ثم ذكر علة أخرى لتركهم إعلال عين ثلاثة من الافعال المذكورة، وهى ما على فعل - بكسر العين - وذلك أن كل أجوف من باب فعل قلبت عينه في الماضي ألفا تقلب عينه في المضارع أيضا، نحو خاف يخاف، وهاب يهاب، فلو قالوا في الماضي: قاى وطاى وحاى لقالوا في المضارع: يقاى ويطاى ويحاي، وضم لام


(1) طيان: صفة مشبهة من قولهم: طوى يطوى - كفرح يفرح - إذا جاع وخلا بطنه، كقولهم: شبعان من شبع، وريان من روى، وضمآن من ضمئ، ووجه دلالة طيان على أن لام طوى ياء قلب الواو التى هي العين ياء وإدغامها في الياء، وأصله على هذا طويان، ولو لم تكن اللام ياء لما قبل: طيان، بل كان يقال: طوان، انظر (ح 1 ص 211) (*)

[ 114 ]

المضارع إذا كان ياء مرفوض مع سكون ما قبله أيضا، بخلاف الاسم، نحو ظبى وآى وراى، وذلك لثقل الفعل كما ذكرنا، ويجوز أن يقال في هوى أيضا مثله، وهو أن كل أجوف من باب فعل تسكن عينه بقلبها ألفا وجب تسكين عين مضارعه ونقل حركته إلى ما قبله، نحو قال يقول وباع يبيع وطاح يطيح (1) والاصل يطوح فكان يجب أن يقال يهى مشددا في مضارع هاي، ولا يجئ في آخر الفعل المضارع ياء مشددة، لانه مورد الاعراب مع ثقل الفعل، وأما في الاسم فذلك جائز لخفته، نحو حى، ويجوز كما قدمنا أن نعلل ترك إعلالهم عين طوى وحيى بامتناع إعلال لامهما الذى كان أولى بالاعلال لو انفتح ما قبله، لكونه آخر الكلمة. قوله " وكثر الادغام في باب حيى " قال سيبويه: الادغام أكثر والاخرى عربية كثيرة (2)، وإنما كان أكثر لان اجتماع المثلين المتحركين مستثقل، ويشترط في جواز الادغام في مثله: أي فيما تحرك حرف العلة فيه، لزوم حركة الثاني، نحو حى، حيا، حيوا، حيت، حيتا، قال: 139 - عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامة (3)


(1) انظر (ح 1 ص 81، 115) (2) هذه عبارة سيبويه (ح 2 ص 387) وقد استظهر أبو الحسن الاشمونى من عبارة ابن مالك أن مذهبه كون الفك أجود من الادغام مع اعترافه بكونهما فصيحين، وقد علل جواز الوجهين في حيى بأن من أدغم نظر إلى حقيقة الامر فيه، وهى اجتماع مثلين متحركين وحركة ثانيهما لازمة، من فك نظر إلى أن حركة الماضي وإن كانت لازمة فيه إلا أنها كالمفارقة، بسبب عدم وجودها في المضارع، ففارق بهذا نحو شدد يشدد، إذ الحركة في الماضي والمضارع (3) هذا الشاهد من مجزوء الكامل المرفل، وهو لعبيد بن الابرص من (*)

[ 115 ]

وإن كانت حركة الثاني لاجل حرف عارض غير لازم لم يدغم، كما في محيية ومحييان، فان الحركة لاجل التاء التى هي في الصفة ولالف المثنى، وهما عارضان لا يلزمان الكلمة، وكذا الحركات الاعرابية، نحو قوله تعالى: (أن يحيى الموتى) وقولك: رأيت معييا وإن كانت الحركة لازمة في نفس الامر كما في حيى، أو لاجل حرف عارض لازم كما في تحيية وأحيية جمع حياء (1) جاز الادغام والاظهار، إذ التاء في مثله لازمة، بخلاف تاء الصفة، وكذا يجوز في جمع عيى أعيياء وأعياء، للزوم الالف، والادغام في هذا النوع أيضا أولى، كما كان في حى وأحى وإنما اشترط للادغام في هذا الباب لزوم حركة الثاني بخلاف باب يرد ويمس، لان مطلق الحركة في الصحيح يلزم الحرف الثاني، إلا أن يدخله ما يوجب سكونه، كلم يردد ويرددن، وأما في المعتل نحو معيية ورأيت


كلمة له يبكى فيها قومه بنى أسد حين قتلهم حجر الكندى أبو امرئ القيس الشاعر لمنعهم الاتاوة التى كان قد فرضها عليهم، وأول هذه الكلمة قوله: يا عين ما فابكى بنى * أسد فهم أهل الندامة أهل القباب الحمر والنعم * المؤبل والمدامه " ما " زائدة، والقباب: جمع قبة، وكانت لا تكون إلا للرؤساء والاشراف، والنعم: المال الراعى: إبلا أو غيرها، وقيل: يختص بالابل، والمؤبل: المتخذ للقنية، والمدامة: الخمر. والاستشهاد بالبيت في قوله " عيوا " حيث أدغم المثلين في الفعل المسند لواو الجماعة (1) الاحيية: جمع حياء، مثل قذال وأقذلة، والحياء هو الفرج من ذوات الخف والظلف والسباع (*)

[ 116 ]

معييا فيسكن الثاني بلا دخول شئ، نحو معى، فلم يروا إدغام حرف فيما هو كالساكن، وحيث أظهرت الياء سواء كانت واجبة الاظهار كما في محيية أو جائزته كما في حيى، وانكسرت، فاخفاء كسرها أحسن من إظهاره، ليكون كالادغام، فان الكسر مستثقل، وإن انفتحت الاولى، كما تقول في تثنية الحيا: (1) حييان، جاز الاخفاء والتبيين، والتبيين أولى، لعدم الاستثقال، ولا يجوز هاهنا الادغام، لعدم لزوم ألف التثنية، ومن أظهر في حيى قال في الجمع حيوا مخففا كخشوا، قال: 140 - وكنا حسبناهم فوارس كهمس * حيوا بعد ما ماتوا من الدهر أعصرا (2) قوله " وقد تكسر الفاء " يعنى في حى المبنى للفاعل، والظاهر أنه غلط نقله من المفصل (3)، وإنما أورد سيبويه في المبنى للمفعول حى وحى،


(1) الحيا - مقصورا -: الخصب والمطر، وتثنيته حييان مثل فتى وفتان (2) هذا بيت من الطويل، وهو من شواهد سيبويه (ح 2 ص 387) وهو من كلمة أولها - فيما رواه صاحب الاغانى -: فلله عينا من رأى من فوارس * أكر على المكروه منهم وأصبرا وأكرم لو لاقوا سدادا مقاربا * ولكن لقوا طما من البحر أخضرا وقد نسبت هذه الابيات لابي حزابة التميمي، وهو الوليد بن حنيفة، شاعر من شعراء الدولة الاموية، وقيل: هي لمودود العنبري، وكهمس: أبو حى من العرب. والاستشهاد بالبيت في قوله " حيوا " بتخفيف الياء مضمومة على لغة من قال في الماضي: حيى بالفك، مثلما تقول: رضوا في رضى، ورواية الاغانى " وحتى حسبناهم " (3) عبارة جار الله: " وقد أجروا نحو حيى وعيى مجرى قى وفنى، فلم يعلوه، وأكثرهم يدغم فيقول: حى وعى - بفتح الفاء وكسر - كما قيل لى ولى في جمع (*)

[ 117 ]

كقولهم في الاسم في جمع قرن ألوى: قرون لى - بالضم والكسر - (1) فان قيل: كيف وجب كسر الضم في غير فعل نحو مسلمى وعتى وجثى وغزوى على مثال عصفور من الغزو، وجاز الوجهان في فعل ؟ قيل: لان فعلا يلتبس بفعل فجاز إبقاء الضم فيه دلالة على أصل البنية وفى غيره لا يلتبس بنية ببنية، أو يقال: المجوز لضم فعل قبل الياء خفة البناء، وقال السيرافى: يجوز أن يقال لى: بالكسر في جمع ألوى، كبيض في جمع أبيض، جعل الياء الساكنة المدغمة كغير المدغمة، وحى في حى كقيل وبيع


ألوى، قال الله تعالى (ويحيى من حى عن بينة) وقال عبيد: عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامه اه‍ كلام الزمخشري ولم يتعرض ابن يعيش لذلك في شرحه، ولا خطأ جار الله في شئ مما قاله، وقد بحثنا من كتب القراءات كتاب النشر لابن الجزرى ووجوه قراءات القرآن للعكبرى، ومن كتب التفسير كتاب الكشاف، والبيضاوي والشهاب الخفاجى، والبحر المحيط لابي حيان، فلم نجد أحدا من هؤلاء ذكر أنه قرئ في قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة) بالادغام مع كسر الحاء، ثم بحثنا من كتب النحو واللغة: لسان العرب لابن المكرم (ح ى ى - ع ى ى) والقاموس المحيط، وكتاب سيبويه وأوضح المسالك لابن هشام، والاشمونى، والهمع للسيوطي، والكافية الشافية لابن مالك، فلم نجد أحد من هؤلاء جميعا ذكر أن حى ونحوه من المبنى للمعلوم إذا أدغم جاز كسر فائه، فإذا علمت هذا تبين لك أن وجه تخطئة المؤلف للزمخشري عدم النقل عن أحد من النحاة وعدم وروده في كلام العرب، ولعل الزمخشري إنما حكى ذلك لوجه من القياس كما يشعر به تنظيره (لى) - جمع ألوى - وإن كان قوله " وأكثرهم يدغم فيقول " ظاهرا في النقل عن العرب (1) تقول: قرن ألوى، إذا كان شديد الالتواء (*)

[ 118 ]

وقالوا في الاسم: حياة ودواة ونواة، وشذ غاية وغاى، وراية وراى، وآية وثاية، (1) والقياس غواة أو غياة، والاول أولى، لان باب طويت أكثر من باب حيى، وإنما قلنا بشذوذ ذلك لان الاولى إعلال الاخر كما في هوى ونوى وقال الفراء وجماعة من المتقدمين في آية: إنه ساكن العين، والاصل أية وأى قلبت العين الساكنة ألفا، لفتح ما قبلها كما في طائى وياجل (2) وعاب، وهو ههنا أولى، لاجتماع الياءين وقال الكسائي: آيية، على وزن فاعلة، فكرهوا اجتماع الياءين مع انكسار أولاهما، فحذفت الاولى وعلى جميع الوجوه لا يخلو من شذوذ في الحذف (3) والقلب


(1) الثاية: مأوى الابل، وعلم بقدر قعدة الانسان، وأصلها ثوى لاثيى، لان باب طوى أكثر من باب حيى، وكان مقتضى القياس أن تقلب اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولان الاعلال باللام أولى كما فعلوا في النوى والحيا، ولكنهم أعلوا العين بقلبها ألفا على خلاف مقتضى القياس فصار ثايا. وانظر في الكلام على بقية هذه الالفاظ (ح 2 ص 51) (2) العاب: أصله العيب - بفتح فسكون - فقلبت الياء ألفا أكتفاء بجزء العلة وهو انفتاح ما قبلها، ومثله الذام والقاب في نحو (قاب قوسين) ومثله " آد " بمعنى القوة من نحو قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) ومثله " رادة " في قولهم: ريح ريدة ورادة، إذا كانت لينة الهبوب، ومثله الذان بمنى الذين - بفتح الذال وسكون الياء - وهو العيب، ومن العلماء من زعم أن المقلوب من هذه الالفاظ مفتوح العين، وأن كل كلمة من هذه الكلمات قد وردت على لغتين، وحينئذ يكون القلب مستوفيا علته (3) ليس بك حاجة إلى بيان الوجوه وما يلزم على كل وجه من الشذوذ إذا رجعت إلى ما كتبناه في (ح 2 ص 51) ولاحظت أن الاعلال بالام أولى منه بالعين، وأن العين لا تعل إذا كانت اللام حرف علة سواء أعلت بالفعل أم لم تعل، وأن علة انقلاب الواو والياء ألفا هي تحركهما وانفتاح ما قبلهما، فأذا طبقت هذه القواعد على الاقوال التى ذكرناها في الموضع المشار إليه ظهر لك أن كل قول منها لا يخلو من شذوذ. (*)

[ 119 ]

ويمكن أن يقال: الوجهان أيضا في غاية وثاية وراية واعلم أن في استحيا لغتين: لغة أهل الحجاز استحيا يستحيي - بياءين - مستحى مستحيا منه، على وزن استرعى يسترعى سواء، ولغة بنى تميم استحى يستحى، بتحريك الحاء وحذف إحدى الياءين فمذهب الخليل أنه مبنى على حيى معلا إعلال هاب وباع، فكأنه قيل: حاى، فكما تقول في باع: استبعت، تقول في حاى: استحيت، وإنما بنى على حاى المرفوض، لان حق حيى إعلال عينه لما امتنع إعلال لامه، فاستحى على هذا في الاصل استحاى كاستباع، حذفت حركة الياء، إذ لم يوجد في كلامهم لام الماضي ياء متحركة ساكنا ما قبلها، فالتقى ساكنان، فحذفت أولاهما، ثم قلبت الياء الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها كما في ياجل وطائى، وكذا تقول في المضارع: إن حقه يستحيى كيستبيع، حذفت حركة الياء، إذ لا نظير له في الافعال، ثم حذفت الياء الاولى للساكنين، والامر منه استح، وحق مصدره على هذا استحاءة كاستباعة، ولا يستعمل، واسم الفاعل مستح، والاصل مستحيى فأعل إعلال المضارع، والمفعول مستحى منه، وأصله مستحاى حذفت حركة الياء كما في يستحاى، وأعل إعلال استحاى، وقد مر، وفيما ذهب إليه الخليل ضعف لا يخفى للارتكابات المكروهة وقال غيره - واختاره المازنى -: إن الياء الاولى في جميع هذه التصرفات حذفت كما في أحست وظلت ومست، لان حق المثلين الادغام، فلما امتنع حذفت الاولى، لكونه أشبه شئ بالادغام، وقال المازنى: لو حذفت للساكنين لم تحذف في المثنى نحو استحيا ولقالوا: استحايا كاستباعا قوله " بخلاف باب قوى " يعنى أن قوى من مضاعف الواو، بدليل القوة كما أن حيى من مضاعف الياء، لكنه إنما جاز إدغام حيى بخلاف قوى فلم

[ 120 ]

يقل قو كما قيل حى، لان قلب الواو ياء إعلال في الطرف، وإدغام العين في اللام إعلال في الوسط، والاول أولى لما ذكرنا غير مرة، ولذلك ابتدئ بإدغام أيمة قبل قلب همزة الساكن ألفا، لانفتاح ما قبله كما ذكرنا في أول الكتاب، (1) وأيضا قوى بقلب الواو ياء أخف منه بإدغام الواو في الواو، والطريق المؤدى إلى زيادة الخفة أولى بالسلوك مما ليس كذلك قوله " ولذلك قالوا يحيا " أي: لم يقولوا يحى مع أنهم أدغموا في الماضي، لان الاعلال قبل الادغام، وأيضا الكلمة بالاعلال أخف منها بالادغام، ولذلك قيل: يقوى، لا يقو، وأيضا لا يجوز الادغام في يحيى ويقوى، لعدم لزوم حركة الثاني، وهو شرط الادغام في مثله كما تقدم قوله " احواوى " هو افعالل من الحوة (2) وأصله احواوو، ولم يدغم، بل أعل، لسبق الاعلال على الادغام، ولكون الكلمة به أخف، وكذا يحواوى في مضارعه، والحركة في آخره عارضة، وكذا ارعوى، وهو من باب افعل كاحمر، وأصله ارعوو كاحمرر، ومصدر احواوى احويواء كاحميرار، واحوياء، ولم يذكر سيبويه إلا هذا، فمن قال: احويواء بلا قلب وإدغام فلكون الياء عارضا في المصدر للكسرة وأصلها الالف في احواوى، فصارت لعروضها لا يعتد بها كما لا يعتد بواو سوير وقوول، لكونها بدلا من الالف في ساير (3) وقاول، وسيبويه نظر إلى كون المصدر أصلا للفعل، فلا يكون الياء بدلا من الالف، بل الالف في الفعل بدل من الياء في المصدر


(1) أنظر (ح 1 ص 27) (2) الحوة - بضم الحاء وتشديد الواو -: سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد. انظر (ح 1 ص 208، 232، 233) (3) هذه العلة التى ذكرها المؤلف ههنا لعدم إعلال سوير بقلب واوه ياء ثم إدغامها في الياء ولعدم الادغام في قوول، هي العلة التى ذكرها سيبويه، وهى التى (*)

[ 121 ]

قوله " ومن قال اشهباب " يعنى أن باب افعلال مقصور افعيلال في بعض الكلمات،: يقال احميرار واحمرار، واشهيباب واشهباب (1)، فيقال على ذلك في احويواء، احوواء، فيجتمع الواوان كما يجتمع التاءان في اقتتال، وإن لم يكن احوواء من باب اقتتال، وسيجئ في باب الادغام أنه قد يدغم نحو اقتتل يقتتل اقتتالا فيقال: قتال، فيقال أيضا هنا: حواء، والواوان المدغم إحداهما في الاخرى لا يستثقلان في الوسط كما يستثقلان في الطرف، فيقال حوى يحوى، بفتح الحاء فيهما، أو حوى يحوى، بكسر الحاءين (2)، حواء نحو قتل يقتل قتالا


اختارها متأخرو النحاة كابن مالك وشراح كلامه، لكن ابن الحاجب ذكر في باب الادغام أن عدم القلب في سوير وعدم الادغام في قوول لخوف الالتباس بنحو سير مبنيا للمجهول من نحو قوله تعالى: (وإذا الجبال سيرت) وبنحو قول مبنيا للمجهول من قول - بالتضعيف - وأيد المؤلف كلامه هناك حيث قال " وعند سيبويه والخليل أن سوير وقوول لم يدغما لكون الواوين عارضين، وقول المصنف أولى، وهو أنهما لم يدغما، لخوف الالتباس، لان العارض إذا كان لازما فهو كالاصلى، ومن ثم يدغم إينة - كامعة - وأول - كابلم - مع عروض الواو الياء " اه‍، وخلط بين العلتين في الكلام على قلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء وسبقت إحداهما ساكنة. (1) الشهبة: البياض الذى غلب على السواد، وقد قالوا: اشهب الفرس اشهبابا واشهاب اشهيبابا، إذا غلب بياضه سواده، هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال أبو عبيدة: الشهبة في ألوان الخيل: أن تشق معظم ألوانها شعرة أو شعرات بيض كمتا كانت أو شقرا أودهما. (2) وجه كسر الحاء في " حوى " أنه لما قصد الادغام سكن أول المثلين فالتقى ساكنان: الحاء التى هي فاء الكلمة، والواو التى هي عينها، فحرك أول الساكنين بالكسر الذى هو الاصل في التخلص من التقاء الساكنين، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها، وأما " حوى " بفتح الحاء فوجهه أنه لما أريد الادغام نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبله وحذفت همزة الوصل استغناء عنها. (*)

[ 122 ]

وإذا بنيت من حيى ورمى مثل احمر قلت: احييا وارميا، والاعلال قبل الادغام. وإذا بنيت مثل احمار منهما قلت: احيايا وارمايا، وفى المثنى احيييا وارمييا واحياييا وارماييا، ولا يجوز الادغام لعروض الحركة في الاخيرة، لاجل ألف المثنى، وتقول في الجمع: احييوا، واحيايوا، فإذا لزمت الحركة - وذلك فيما لم يسم فاعله نحو احييى وارميى واحيويى وارمويى واحيييا واحيييوا واحيوييا واحيوييو - جاز الادغام، فتقول: أحيى وأصله أحيى كسرت الياء المضمومة كما في مسلمى، واحييا واحييوا واحيوى واحيويا واحيويوا، وفى المضارع: يحييى ويرميى ويحيايى ويرمايى، ولا يجوز إدغام الواو في احيويى كما لم يدغم في سوير، كما ذكرنا، وتقول في اسم الفاعل: محييية ومحيايية، ولا يجوز الادغام، لعروض الحركة، بل إخفاء الكسر أولى من الاظهار كما بينا وتقول في مصدر احييا: احيياء، وفى مصدر احيايا احيياء بالادغام، ومن لم يدغم في احويواء لكون الياء بدلا من الالف ينبغى أن لا يدغم أيضا ههنا، لكنه مستثقل، ومن أدغم في اقتتل يقتتل اقتتالا قال ههنا: حيا يحيى حياء. قوله " وجاز الادغام في أحيى واستحيى " من أدغم قال: أحى أحيا أحيوا واستحى استحيا استحيوا، وذلك للزوم الحركة، ومن لم يدغم قال أحيى أحييا أحيوا، نحو أرمى أرميا، أرموا، وفى استحيى ثلاث لغات، هذه أصلها، وثانيتها الادغام، وثالثتها حذف الياء الاولى كما في استحى عند بنى تميم، وتقول في مضارع أحيا واستحيا: يحيى ويستحيى، من غير إدغام، لعدم لزوم الحركة. قوله " ومن ثم لم يبن من باب قوى " أي: من مضاعف الواو " فعل " (*)

[ 123 ]

بالفتح كراهة اجتماع الواوين إذا اتصل بالماضي الضمير المرفوع، وأما فعل - بالضم - فلو بنى منه لحصلت الواوان من دون اتصال الضمير، إذ لم يكن تقلب الواو التى هي عين لما لم تكن علة القلب في اللام حاصلة، كما ذكرنا في حيى وطوى، ولم تكن تقلب الثانية ياء لضمة ما قبلها كما في الادلى، لان ذلك في الاسم كما يأتي، ألا ترى إلى نحو سرو ؟ قوله " ونحو القوة والصوة (1) " جواب سؤال، كأنه قيل: فإذا لم ينوا من باب قوى مخافة الواوين، فلم احتملوا ذلك في القوة ؟ فقال: لان الادغام ههنا حاصل، فخفت الكلمة به، ولو كان الادغام مقدما على الاعلال أيضا لم يجز ذلك في الفعل كما جاز في الاسم، لثقل الواوين في الفعل الذى هو ثقيل قال " وصح باب ما أفعله لعدم تصرفه، وأفعل منه محمول عليه أو للبس بالفعل، وازدوجوا واجتوروا، لانه بمعنى تفاعلوا، وباب اعوار واسواد للبس، وعور وسود، لانه بمعناه، وما تصرف مما صح صحيح أيضا كأعورته واستعورته ومقاول ومبايع وعاور وأسود، ومن قال: عار قال: أعار واستعار وعائر، وصح تقوال وتسيار للبس، ومقوال ومخياط للبس، ومقول ومخيط محذوفان منهما، أو (لانهما) بمعناهما، وأعل نحو يقوم ويبيع ومقوم ومبيع بغير ذلك، للبس ونحو جواد وطويل وغيور للالباس بفاعل أو بفعل أو لانه ليس بجار على الفعل ولا موافق، ونحو الجولان والحيوان والصورى والحيدى، للتنبيه


(1) الصوة: جماعة السباع، وهى أيضا حجر ينصب في الفيافي والمفازة المجهولة ليستدل به على الطريق، وتجمع على صوى، نظير مدية ومدى، كما جاء في حديث أبى هريرة (إن للاسلام صوى ومنارا كمنار الطريق) أراد أن للاسلام طرائق وأعلاما يهتدى بها. (*)

[ 124 ]

بحركته على حركة مسماه، والموتان، لانه نقيضه، أو لانه ليس بجار ولا موافق، ونحو أدور وأعين للالباس، أو لانه ليس بجار ولا مخالف، ونحو جدول وخروع وعليب، لمحافظة الالحاق أو للسكون المحض " أقول: قد تبين بما قدمت في أول هذا الباب علة تركهم إعلال الاشياء المذكورة، ولنفسر ألفاظ المصنف قوله " لعدم تصرفه " يعنى أن الاصل في الاعلال الفعل، لما ذكرنا من ثقله، ولم يعل باب التعجب نحو ما أقوله وأقول به - وإن كانا فعلين على الاصح - لمشابهتهما بعدم التصرف للاسماء، فصارا كأفعل التفضيل وأفعل الصفة قوله " وأفعل منه " أي: أفعل التفضيل محمول عليه: أي مشابه لافعل التعجب، لان التعجب من الشئ لكونه أفضل في معنى من المعاني من غيره، ولذلك تساويا في كثير من الاحكام كما تبين في بابيهما، ولا وجه لقوله " محمول عليه " لانه اسم، وأصل الاسم أن لا يعل هذا الاعلال كما ذكرنا، وقد يعل من جملة الاسماء الاقسام المذكورة كما مر، وشرط القسم المزيد فيه الموازن للفعل إذا قصدنا إعلال عينه أن يكون مخالفا للفعل بوجه كما تقدم، وهذا لا يخالف الفعل بشئ، فكان يكفى قوله " أو للبس بالفعل " قوله " وباب اعوار واسواد للبس " أي: لو قلبت الواو ألفا ونقلت حركتها إلى ما قبلها لكان يسقط همزة الوصل وإحدى الالفين، فيبقى ساد وعار فيلتبس بفاعل المضاعف، ولا وجه لقوله " للبس " لانه إنما يعتذر لعدم الاعلال إذا حصل هناك علته ولم يعل، وعلة الاعلال فيما سكن ما قبل واوه أو يائه كونه فرعا لما ثبت إعلاله، كما في أقام واستقام، ولم يعل عور وسود حتى يحمل اعوار واسواد عليهما، بل الامر بالعكس، بلى لو سئل كيف لم يعل اعوار واسواد

[ 125 ]

وظاهرهما أنهما مثل أقوم، فالجواب أن بينهما فرقا، وذلك أن العلة حاصلة في أقوم دون اعوار قوله " وما تصرف.. إلى آخره " أي: لم يعل نحو استعور وأعور وإن كانا في الظاهر كاستقوم وأقوم، لان أصلهما ليس معلا حتى يحملا في الاعلال عليه، وكذلك عاور ومقاول ومبايع لم يعل إعلال نحو قائل وبائع، لان إعلال نحو قائل للحمل على فعله المعل، وأفعال هذه الاشياء غير معلة قوله " وتقوال وتسيار للبس " يعنى أن نحوه وإن كان مصدرا لفعل معل لم يعل ولم يجر مجراه كما أجرى إقامة واستقامة مجرى أقام واستقام، لئلا يلتبس بعد الاعلال بفعال، هذا قوله، والوجه ما تقدم من أن المصدر لا يعل عينه هذا الاعلال إلا أن يكون مصدرا مطردا مساويا لفعله في ثبوت الزيادة فيه في مثل موضعها من الفعل، كإقامة واستقامة، وليس نحو تقوال وتسيار كذا، وأما إعلال نحو قيام وعياذ بقلب الواو ياء وإن لم يساو الفعل بأحد الوجهين فلما ذكرنا من أن علة قلب الواو ياء لكسرة ما قبلها أمتن من علة قلب الواو ألفا لفتحة ما قبلها. قوله " ومقوال ومخياط للبس " يعنى أنه آلة جارية على الفعل فكان سبيله في الاعلال سبيل الفعل، لكنه لم يعل للبس بفعال، والحق أن يقال: لم يثبت فيه علة الاعلال، وهى موازنة الفعل، فكيف يعل ؟ وليس كل اسم متصل بالفعل يعل هذا الاعلال. قوله " ومقول ومخيط " هذا يحتاج إلى العذر، لانه موازن للامر نحو اذهب واحمد، وفيه المخالفة بالميم المزيدة في الاول، فكان الوجه الاعلال، فالعذر أنه مقصور من مفعال، فأجرى مجرى أصله، ولنا أن لا نقول: إنه فرعه، بل نقول: هما أصلان، ومفعل محمول على مفعال في ترك الاعلال، لكونه بمعناه، وهذا

[ 126 ]

أولى، إذا موافقته لمعناه لا تدل على أنه فرعه. قوله " بغير ذلك " أي: لم تقلب عينها ألفا كما قلبت في أصولها لئلا يلتبس وزن بوزن كما تكرر ذكرنا له قوله " للالباس بفاعل " أي: لو حركت الالف الثانية بعد الاعلال كما في قائل لا لتبس فعال وفعول وفعيل بفاعل، ولو حذفت الالف بعد قلبها لا لتبس بفعل - المفتوح العين والفاء - والحق أن يقال: إنها لم تعل، لانها ليست مما ذكرنا من أقسام الاسم التى تعل قوله " ونحو الجولان " هذا عجيب، فإن حركة اللفظ لا تناسب حركة المعنى إلا بالاشتراك اللفظى، إذ معنى حركة اللفظ أن تجئ بعد الحرف بشئ من الواو والياء والالف كما هو مشهور، وحركة المعنى على فراسخ من هذا، فكيف ينبه بإحداهما على الاخرى ؟ فالوجه قوله " أو لانه ليس بجار " أي كإقامة واستقامة كما ذكرنا من مناسبته للفعل، ولا موافق: أي موازن له موازنة مقام ومقام وباب ودار. قوله " للالباس " أي: بالفعل. قوله " ولا مخالف " لان شرط الموازن الموازنة المذكورة مخالفته بوجه حتى لا يلتبس بالفعل. قوله " لمحافظة الالحاق " فإن الملحق لا يعل بحذف حركة ولا نقلها ولا حذف حرف لئلا يخالف الملحق به، فيبطل غرض الالحاق إلا إذا كان الاعلال في الاخر فإنه يعل لان الاواخر محل التغيير، ولان سقوط حركة الاخر كالمعزي لا يخل بالوزن كما ذكرنا في أول الكتاب (1)، وسقوط الحرف الاخير لاجل التنوين كلا سقوط كمعزى لان التنوين غير لازم للكلمة.


(1) انظر (ح 1 ص 58) (*)

[ 127 ]

قوله " عليب " (1) وهو عند الاخفش ملحق بجخدب، وعند سيبويه للالحاق أيضا كسودد، وإن لم يأت عنده فعلل كما يجئ بعد. قوله " أو للسكون المحض " هذا هو الحق لا الاول، لان الواو والياء الساكن ما قبلهما إنما تقلبان ألفا لكون ذلك الساكن مفتوحا في أصل تلك الكلمة، ولم يثبت فيما نحن فيه حركة في الاصل. قال: " وتقلبان همزة في نحو قائم وبائع المعتل فعله بخلاف نحو عاور، ونحو شاك وشاك شاذ، في نحو جاء قولان، قال الخليل: مقلوب كالشاكي وقيل: على القياس، وفى نحو أوائل وبوائع مما وقعتا فيه بعد ألف باب مساجد وقبلها واو أو ياء، بخلاف عواوير وطواويس، وضياون شاذ، وصح عواور، وأعل عيائيل لان الاصل عواوير فحذفت وعيائل فأشبع، ولم يفعلوه في باب معايش ومقاوم للفرق بينه بين باب رسائل وعجائز وصحائف، وجاء معائش بالهمز على ضعف، والتزم همز مصائب. " أقول: كل ما في هذا الفصل قد تقدم ذكره بتعليله، وقول النحاة في هذا الباب: تقلب الواو والياء همزة، ليس بمحمول على الحقيقة، وذلك لانه قلبت العين ألفا ثم قلبت الالف همزة، فكأنه قلبت الواو والياء همزة.


(1) العليب، بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه -: موضع بتهامة. قال جرير: غضبت طهية أن سببت مجاشعا * عضوا بصم حجارة من عليب ويقال: هو واد فيه نخل، قال أبو دهبل: فما ذر قرن الشمس حتى تبينت * بعليب نخلا مشرفا ومخيما وذلك لان النخل لا يكون في رءوس الجبال، فانه يطلب الدف ء (*)

[ 128 ]

قوله " بخلاف نحو عاور " يعنى أن اسم الفاعل محمول على الفعل في الاعلال كما تقدم، فلما صح فعله هو أيضا قوله " ونحو شاك وشاك شاذ " يعنى أن بعض العرب يقلب العين إلى موضع اللام في بعض أسماء الفاعلين من الاجوف، فيعله إعلال قاض، قال: 141 - * لاث به الاشاء والعبرى * (1) وقال: 142 - فتعرفوني، إننى أنا ذاكم * شاك سلاحي في الحوادث معلم (4)


(1) هذا بيت من الرجز المشطور، وهو للعجاج يصف أيكة، وقبله: في أيكة فلا هو الضحى * ولا يلوح نبته الشتى لاث به..... البيت * فتم من قوامها القومي الايكة: غيضة تنبت السدر والاراك، والضحى: البارز للشمس، وهو فعيل من ضحى يضحى - كرضى يرضى -، ولاث: أصله لائث، تقول: نبات لائث، ولاث، إذا التف واجتمع بعضه على بعض، وأصله من لاث يلوث، إذا اجتمع والتف، والاشاء - بالفتح والمد -: صغار النخل، واحدته أشاءة، والعبرى: مالا شوك فيه من السدر. وما فيه شوك منه يسمى الضال، ويقال: العبرى ما نبت على شطوط الانهار. والقوام - بالفتح -: الاعتدال، والقومي: القامة وحسن الطول. والاستشهاد بالبيت في قوله " لاث " على أن أصله لاوث فقدمت الثاء على الواو فصار لاثو، ثم قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، ثم أعل إعلال قاض. (2) هذا البيت من الكامل، وهو لطريف بن تميم العنبري. وقبله قوله: أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسم وعكاظ: سوق من أسواق العرب قريبة من عرفات كانوا يجتمعون فيها من نصف ذى القعدة إلى هلال ذى الحجة، والعريف: النقيب، وهو دون الرئيس الاعلى، ويتوسم: يتفرس، وشاك: أصله شاوك فقدمت الكاف على الواو، ثم (*)

[ 129 ]

وهذا هو الذى غر الخليل حتى ارتكب في جميع اسم الفاعل من الاجوف المهموز اللام القلب، فقال: إذا كانوا يقلبون في الصحيح اللام خوفا من الهمزة الواحدة بعد الالف فهم من اجتماع همزتين أفر، وهكذا لما رآهم قالوا في جمع شائع: شواع (1) بالقلب، قال: فهو في نحو خطايا ومطايا وجواء وشواء أولى، والجواب أنهم إنما التجئوا إلى القلب في لاث وشاك خوفا من الهمزة بعد الالف، وأما في نحو جاء فيلزم همزة واحدة بعد الالف، سواء قلبت اللام إلى موضع العين أولا، قال سيبويه: وأكثر العرب يقولون: لاث وشاك - بحذف العين - فكأنهم قلبوا العين ألفا ثم حذفوا العين للساكنين، ولم يحركوها فرارا من الهمزة، والظاهر أن المحذوفة هي الثانية، لان الاولى علامة الفاعلية، ويجوز أن يكون أصل لاث وشاك لوث وشوك مبالغة لائث كعمل في عامل ولبث في لابث،


أعلت بقلب الواو ياء، ثم عومل معاملة قاض، ومعلم بزنة اسم الفاعل أو المفعول الذى أعلم نفسه في الحرب بعلامة ليعرف بها، وكانوا لا يأتون عكاظ إلا ملثمين مخافة الاسر. والاستشهاد بالبيت في قوله " شاك " على أنه اسم فاعل من شاك يشوك لانه من الشوكة، ويقال: هو اسم فاعل من شك في نحو قول عنترة: فشككت بالرمح الاصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم وأصله على هذا شاكك، فقلبوا ثانى المثلين ياء، كما قالوا: أمليت في أمللت، ثم عومل معاملة قاض، ويقال: هو بزنة فعل - بفتح فكسر - وأصله شوك قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووجه رابع وهو أن أصله شاوك على وزن فاعل فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها مع عدم الاعتداد بالالف ثم حذفت الالف الثانية التى هي عين الكلمة، وعلى الثالث والرابع تجرى حركات الاعراب على الكاف، بخلاف الوجهين الاولين فانه عليهما يعرب إعراب المنقوص، فان كانت رواية البيت بكسر الكاف لم يجر فيه إلا الوجهان: الاول والثانى، وإن كانت الرواية بضمها لم يجر فيه إلا الثالث والرابع (1) انظر (ح 1 ص 22) (*)

[ 130 ]

فيكونان ككبش صاف ويوم راح، وقد مضى البحث في جاء في أول الكتاب (1) قوله " وفى نحو أوائل " يعنى إذا اكتنف حرفا علة ألف باب مساجد قلبت الثانية ألفا، للقرب من الطرف واجتماع حرفي علة بينهما فاصل ضعيف، ثم تقلب الثانية همزة كما في قائل وبائع، على ما تقدم، سواء كان كلاهما واوا كما في أواول، أو كلاهما ياء كما في بيع وبيايع، أو الاول واوا والثانى ياء كما في بوايع جمع بويعة فوعلة من البيع، أو بالعكس نحو عيايل جمع عيل، وأصله عيول، لانه من عال يعول، وكان قياس ضياون (2) ضيائن، بالهمز، لكنه شذ في الجمع كما شذ في المفرد، وليس ذلك بمطرد، ألا ترى أنك تقول: بنات ألببه (3) بفك الادغام، فإذا جمعت قلت بنات ألابه مدغما، والمسموع من جميع ذلك


(1) انظر (ح 1 ص 25) (2) الضياون: جمع ضيون، والضيون: السنور الذكر، (3) " بنات ألببه " أجمع العلماء في رواية هذه الكلمة على الفك، واختلفوا في ضبطها، فرواها جماعة بفتح الباء الاولى على أنه أفعل تفضيل من قولهم: رجل لب - كسمح - إذا كان عاقلا، والضمير عائد على الحى والقبيلة، فكأنه قيل: بنات أعقل هذا الحى، ورواها قوم بضم الباء الاولى على أنه جمع لب، نحو قول الكميت: إليكم ذوى آل النبي تطلعت * نوازع من قلبى ظماء وألبب وبنات ألبب - على هذا الوجه الاخير -: اسم لعروق متصلة بالقلب تكون منها الرقة، وقد قالت أعرابية: تأبى له ذاك بنات ألببى، انظر (ح 1 ص 254) ثم اعلم أن هذا الذى ذكره المؤلف ههنا من أنك تدغم في الجمع هو ما ذكره في التصغير، وظاهر عبارته يفيد أنه ليس لك إلا الادغام في التصغير والجمع، لان الفك في الواحد والمكبر شاذ، والشاذ لا يلجئ إلى شاذ مثله، ولكن العلماء قد نقلوا في الجمع والتصغير جميعا الوجهين: الادغام، والفك، وارجع ثانيا إلى المواضع الذى أحلناك عليه من الجزء الاول (*)

[ 131 ]

ما اكتنف ألف الجمع فيه واوان، وقاس سيبويه الثلاثة الباقية عليه، لاستثقال الياءين والياء والواو كاستثقال الواوين، وقال الاخفش: القياس أن لا يهمز في الياءين، ولا في الياء والواو، لان اجتماعهما ليس كاجتماع الواوين، وأما رائع جمع بائعة، فإنما همز لكونه جمع ما همز عينه، فإذا بنيت اسم الفاعل من حيى وشوى قلت حاى بالياء وشاو كقاض، وتقول في جمعهما لغير العقلاء: حوايا وشوايا عند سيبويه، لوقوع ألف الجمع بين واو وياء في جمع حاى وبين واوين في جمع شاو، ولا تتبع جمع شاو واحده (1) كما فعلت في جمع إداوة إذ لو أتبعت لقلت شواوى، فكان فرارا إلى ما فر منه، على ما ذكرناه في تخفيف الهمزة، وتقول على مذهب الاخفش: حواى بالياء، وأما شوايا فلا خلاف فيه لاجتماع الواوين قوله " بخلاف عواوير وطواويس " يعنى إذا بعدت حروف العلة التى بعد ألف الجمع عن الطرف لم تقلبها ألفا، سواء كان المكتنفان واوين كطواويس، أو ياءين كبياييع جمع بياع، أو مختلفين كقياويم جمع قيام وبوابيع جمع بياع على وزن توراب من باع، لو جمعت الاسماء المذكورة هذه الجموع، وأما عواور جمع عوار وهو القذى فلان أصله عواوير فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة، قال: 143 - وكحل العينين بالعواور (2)


(1) في نسخة " ولا تتبع الجمعين واحديهما، كما فعلت في جمع إداوة، إذ لو أتبعت جمع حاى واحده لقلت أيضا حوايا، ولو أتبعت جمع شاو لقلت شوايا، فكان فرارا - الخ " (2) هذا البيت من مشطور الرجز، وهو لجندل بن المثنى الطهوى يخاطب فيه امرأته، وقبله قوله: غرك أن تقاربت أبا عرى * وأن رأيت الدهر ذا الدوائر * حنى عظامي وأراه ثاغرى * وقوله " تقاربت أبا عرى " قيل: معناه دنت من منازلنا، وهو كناى عن لزوم (*)

[ 132 ]

وعيائيل بالهمز لان أصله عيائل: إذ هو حمع عيل كسيد، وهو الفقير، فأشبع الكسرة، قال 144 - فيها عيائيل أسود ونمر (1)


الدار وعدم خروجه للنجعة واستمناح الملوك، لضعفه وكبره، ويقال: معناه قلت فهو كناية عن الفقر، والدوائر: جمع دائرة، وهى اسم فاعل من دار يدور، وأراد بها المصائب والنوائب، وحنى عظامي: قوسها، وإنما يكون ذلك عند الشيخوخة والكبر، وثاغرى: اسم فاعل من ثغره: أي كسر ثغره: أي أسنانه، والعواور: جمع عوار - بضم العين وتشديد الواو - وهو القذى يسقط في العين فيؤذيها. والاستشهاد بالبيت في قوله " بالعواور " حيث صحح الواو الثانية مع قربها من الاخر، وذلك لان أصله العواوير، فلما اضطر الشاعر حذف الواو (1) هذا البيت من مشطور الرجز، وهو لحكيم بن معية الربعي من بنى تميم، وقبله قوله: أحمى قناة صلبة ما تنكسر * صماء تمت في نياف مشمخر حفت بأطواد عظام وسمر * في أشب الغيطان ملتف الحظر أحمى: مضارع حمى قومه - كرمى - حماية، إذا منعهم ودافع عنهم، والقناة: الرمح، والصلبة: الشديدة القوية، والصماء: التى يكون جوفها غير فارغ، وتمت: كملت واستوت في منبتها، والنياف - ككتاب -: العالي المرتفع، وأراد جبلا، وأجود منابت الرماح قمم الجبال، وأصله نواف فقلبت الواو ياء شذوذا، لانه ليس بمصدر ولا يجمع ومشمخر: اسم فاعل من اشمخر: أي علا وارتفع، وحفت: أحيطت، والاطواد: جمع طود، وهو الجبل، والسمر: اسم جنس جمعى واحدته سمرة، وهو نوع من الشجر عظيم طويل، والاشب - بفتح فكسر -: الملتف الذى لا يمكن الدخول فيه إلا بشدة، والحظر: يقال: هو بفتح الحاء وكسر الظاء، وهو الموضع الذى يحيط به الشجر، ويقال: هو بضمتين، وهو جمع حظيرة، والعيائيل: جمع عيل - بتشديد الياء وكسرها - وهو فيعل من عال يعيل إذا تبختر أو من عال الفرس يعيل إذا تكفأ في مشيه وتمايل، وذلك لكرمه، ويقال: اشتقاقه من عال يعيل إذا افتقر، والنمر - بضمتين -: جمع نمر - بفتح فكسر - وقياسه (*)

[ 133 ]

روعى الاصل في الجمعين هذا كله في الجمع، وأما إن وقع مثل ذلك في غير الجمع فإن سيبويه يقلب الثاني أيضا ألفا ثم همزة، فيقول: عوائر وقوائم، على وزن فواعل من عور وقام، وكذا يقول في مطاء ورماء وحياء وشواء من مطا ورمى وحيى وشوى، فيصير ثانى المكتنفين في الجميع (1) همزة، لانه وإن فات ثقل الجمع إلا أن ضم أوله ألحقه ثقلاما، قال: لا تقلب الهمزة ههنا ياء مفتوحة، والياء بعدها ألفا، كما فعل في الجمع، فلا يقال مطايا ورمايا وحيايا وشوايا، لئلا يلتبس ببناء شكاعى (2) وحبارى، ويجوز أن يقال: إن ثقل


نمور، فحذفت الواو. والاستشهاد بالبيت في قوله " عيائيل " حيث أبقى الهمزة المنقلبة عن الياء، لانه لم يعتد بالمدة التى قبل الطرف، لانها للاشباع وليست في مقابلة حرف في المفرد (1) قوله " فيصير ثانى المكتنفين في الجميع همزة " غير مستقيم، وذلك أنه لم يكتنف الالف حرفا علة إلا في حياى وشواى، وأما مطاء ورماء فليسا كذلك كما هو ظاهر، والذى أوقع المؤلف في ذلك أنه نقل عبارة سيبويه فخلط بين نوعين من الامثلة ميز سيبويه أحدهما عن الاخر، وهاك عبارته (ح 2 ص 385): " وفواعل منهما (يريد: حوى وشوى) بمنزلة فواعل (يريد الجمع) في أنك تهمز ولا تبدل من الهمزة ياء، كما فعلت ذلك في عورت، وذلك قولك عوائر، ولا يكون أمثل حالا من فواعل وأوائل، وذلك قولك: شواء، وأما فعائل من بنات الياء والواو فمطاء ورماء، لانها ليست همزة لحقت في جمع، وإنما هي بمنزلة مفاعل من شأوت وفاعل من جئت، لانها لم تخرج على مثال مفاعل، وهى في هذا المثال بمنزلة فاعل من جئت، فهمزتها بمنزلة همزة فعال من حييث، وإن جمعت قلت: مطاء، لانها لم تعرض في الجمع " اه‍ (2) الشكاعى: نبت دقيق العيدان صغير أخضر وله زهرة حمراء، والناس يتداوون به. قال عمرو بن أحمر الباهلى - وكان قد تداوى به وشفى -: شربت الشكاعى والتددت ألدة * وأقبلت أفواه العروق المكاويا (*)

[ 134 ]

الضمة ليس كثقل الجمعية، فلم يطلب معها غاية التخفيف كما طلبت مع الجمع الاقصى، بل اقتصر على شئ منه، وذلك بقلب ثانى المكتنفين ألفا، ثم همزة، قال سيبويه: فإن جمعت مطاء قلت: مطاء لا مطايا، لان الهمزة كانت في المفرد ولم تعرض في الجمع، فهو مثل شواء جمع شائية كما تقدم في تخفيف الهمزة، والاخفش والزجاج لا يغيران ثانى المكتنفين في غير الجمع، فيقولان: عواور وقواوم ومطاو ورماى وحياى وشواى، لخفة المفرد قوله " ولم يفعلوه في باب معايش " أي: فيما وقع بعد ألف الجمع فيه واو أو ياء ليست بمدة زائدة، سواء كانت أصلية كما في مقيمة ومقاوم ومريبة ومرايب، أو زائدة كما في جداول وعثاير، فتبقى على حالها: أما الاصلية فلاصالتها، وأما الزائدة المتحركة فلقوتها بالحركة وكونها للالحاق بحرف أصلى، وإن كانت الواو والياء مدة زائدة في المفرد قلبت ألفا ثم همزة، كما في تنائف وكبائر، وقد يهمز معايش، تشبيها لمعيشة بفعيلة، والاكثر ترك الهمز، وكذا قد يهمز المنائر في جمع منارة، تشبيها لها بفعالة، والفصيح المناور، والتزم الهمز في المصائب تشبيها لمصيبة بفعيلة، كما جمع مسيل على مسلان تشبيها له بفعيل أو توهما، وهى - أعنى مصائب ومنائر ومعائش - بالهمز شاذة قال: " وتقلب ياء فعلى اسما واوا في نحو طوى وكوسى، ولا تقلب في الصفة، ولكن يكسر ما قبلها لتسلم الياء، نحو مشية حيكى وقسمة ضيزى، وكذلك باب بيض، واختلف في غير ذلك، فقال سيبويه: القياس الثاني: فنحو مضوفة شاذ عنده، ونحو معيشة يجوز أن يكون مفعلة ومفعلة، وقال الاخفش: القياس الاول، فمضوفة قياس عنده، ومعيشة مفعلة، وإلا لزم معوشة وعليهما لو بنى من البيع مثل ترتب لقيل: تبيع وتبوع "

[ 135 ]

أقول: قوله " طوبى " إما أن يكون مصدرا كالرجعى، قال تعالى: (طوبى لهم) أي: طيبا لهم، كقوله تعالى (تعسا لهم)، وإما أن يكون مؤنثا للاطيب، فحقه الطوبى، باللام، وحكمه حكم الاسماء، كما قال سيبويه: هذا باب ما تقلب فيه الياء واوا، وذلك إذا كان أسما كالطوبى والكوسى، قال: لانها لا تكون وصفا بغير الالف واللام، فأجرى مجرى الاسماء التى لا تكون وصفا بغير الالف واللام، لانها لا تستعمل مع " من " كما هو معلوم، وأما مع الاضافة فإن المضاف إليه يبين الموصوف، لان أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، فلا تقول: عندي جارية حسنى الجوارى، لان الجوارى تدل على الموصوف، فلما لم تكن فعلى بغير لام صفة ولم تتصرف في الوصفية تصرف سائر الصفات جرت مجرى الاسماء، ولقلة معنى الوصف في أفعل التفضيل انصرف المجرد منه من " من " إذا نكر بعد العلمية اتفاقا، بخلاف باب أحمر، فان فيه خلافا كما مر في بابه (1) يقال: مشية حيكى، إذا كان فيها حيكان: أي تبختر، قال سيبويه: هو فعلى بالضم لا فعلى بالكسر، لان فعلى لا تكون صفة، وإما عزهاة (2)


(1) قد ذكرنا ذلك فيما مضى ونقلنا لك العبارة التى يشير إليها هنا من شرح الكافية فارجع إليه في (ح 2 ص 169) (2) العزهاة: الذى لا يطرب للهو. وأعلم أن العلماء قد اختلفوا في مجئ فعلى - بكسر فسكون - صفة، فأثبته قوم ونفاه شيخ هذه الصناعة سيبويه، وذكر أنه لا يجئ صفة إلا بالتاء (ح 2 ص 321)، فأما من أثبتوه فقد ذكروا من أمثلته عزهى، وسعلى، وكيصى، قد رد عليهم أنصار سيبويه بانكار الاولين، وقالوا: لا نعرفها إلا بالتاء، وأما المثال الثالث فلا يلزم أن يكون فعلى - بكسر الفاء - وإنما يجوز أن يكون أصله فعلى - بالضم - فقلبت الضمة كسرة لتسلم الياء، والالف في الثلاثة للالحاق: أما في الاولين فللا لحاق بدرهم، وأما في الثالث فللالحاق بجخدب (*)

[ 136 ]

فهو بالتاء، وقد أثبت بعضهم رجل كيصى للذى يأكل وحده، ويجوز أن يكون فعلى بالضم فيكون ملحقا بجخدب، كما في سودد وعوطط (1)، ولا يضر تغيير الضمة بالالحاق، لان المقصود من الالحاق - وهو استقامة الوزن والسجع ونحو ذلك - لا يتفاوت به، وإنما قلبت في الاسم دون الصفة فرقا بينهما، وكانت الصفة أولى بالياء لثقلها قوله " وكذلك باب بيض " يعنى جمع أفعل وفعلاء، وذلك لثقل الجمع وقد يترك في باب بيض جمع أبيض الضمة بحالها فتقلب الياء واوا، وذلك لخفة الوزن قوله " واختلف في غير ذلك " أي: في غير فعل وفعلى الجمع والصفة، سواء كان على فعل كما إذا بنيت على وزن برد من البيع، أو على غير وزن فعل فسيبويه يقلب الضمة كسرة، لتسلم الياء، ولا تقلب الياء واوا، لان الاول أقل تغييرا، والاخفش يعكس الامر، مستدلا باتفاقهم على قلب الياء - إذا كانت فاء - واوا لضمة ما قبلهما، نحو موسر، وأجيب بأن ذلك للبعد من الطرف، بخلاف ما إذا كانت الياء قريبة من الاخر، كما فيما نحن فيه قوله " فمضوفة (2) شاذ " لان المضوفة الشدة، وهى من الضيافة، لانها تحتاج في دفعها إلى انضياف بعض إلى بعض، وهو يائى، لقولهم: ضيفة


(1) اختلف العلماء في هذه الكلمة فجعلها بعضهم جع عائط، وأصله على هذا عوط بطاء واحدة، مثل حائل وحول، فزيدت الطاء الثانية كما تزيد في زيد دالا فتقول: زيدد، وكما تزيد في خرج جيما فنقول: خرجج، ونحو ذلك، وذهب بعض العلماء إلى أن عوططا مصدر عاطت الناقة تعوط عوطا وعوططا، إذا لم تحمل أول عام تطرق فيه، (2) قد وردت هذه الكلمة في قول أبى جندب بن مرة الهذلى: وكنت إذا جارى دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري (*)

[ 137 ]

قال: " وتقلب الواو المكسور ما قبلها في المصادر ياء نحو قياما وعياذا وقيما، لاعلال أفعالها، وحال حولا شاذ كالقود، بخلاف مصدر نحو لاوذ، وفى نحو جياد وديار ورياح وتير وديم، لاعلال المفرد، وشذ طيال، وصح رواء جمع ريان، كراهة إعلالين، ونواء جمع ناو، وفى نحو رياض وثياب، لسكونها في الواحد مع الالف بعدها، بخلاف كوزة وعودة، وأما ثيرة فشاذ " أقول: كان حق الواو المتحركة المكسور ما قبلها أن لا تقلب ياء، إلا في آخر الكلمة، نحو رأيت الغازى، كما أن الياء المتحركة المضموم ما قبلها لا تقلب واوا كالترامي والهيام والعيبة، وذلك لان اقتضاء الكسرة للياء بعدها كاقتضاء الضمة للواو بعدها، والواو والياء يتقويان بالحركة، فلا يقدر كسرة ما قبل أحدهما وضم ما قبل الاخر على قلبها، وإذا كانا مضعفين فهما أشد قوة نحو اجلواذ وبيع، واجليواذ وديوان شاذان، لكنه قد يعرض للواو المتحركة غير المتطرفة المكسور ما قبلها ما يقتضى قلبها ياء، وهو الحمل على غيره كما في قام قياما، لم يثبت ذلك في الياء المتحركة غير المتطرفة المضموم ما قبلها، فبقيت على الاصل، فنقول: قلبت الواو المذكورة ياء لثلاثة أشياء: أحدها: أن تكون الكلمة مصدرا لفعل معل نحو عاذ عياذا واقتاد اقتيادا، ولا نريد كون الفعل معلا بهذا الاعلال، بل كون الفعل أعل إعلالا ما، كما أن الواو في عياذ قلبت ياء لاعلال عاذ بقلب الواو ألفا، وتصحيح الواو في حال حولا شاذ كشذوذ تصحيح الواو في القود، بخلاف مصدر نحو لاوذ، لان فعله مصحح، ولم يقلب نحو عوض، لانه ليس بمصدر، وقوله تعالى (دينا (1) قيما) في الاصل مصدر


(1) قد وصف بقيم في الاية الكريمة، والاصل في هذه الياء الواو، لانها (*)

[ 138 ]

وثانيها: أن تكون الكلمة جمعا لواحد أعلت عينه بقلبها ألفا كما في تارة وتير، أو ياء كما في ديمة وديم وريح ورياح، وشذ طيال جمع طويل، إذ لم تعل عين واحده، وصح رواء مع أن واحده معل العين، أعنى ريان، كما صح هوى وطوى، كراهة الاعلالين، وصح نواء جمع ناو: أي سمين (1)، لانه لم يعل واو واحده، ولو أعل أيضا لم يجز إعلال الجمع، لاجتماع إعلالين وثالثها - وهو أضعفها، ومن ثم احتاج إلى شرط آخر، هو كون الالف بعد الواو الواقعة بعد الكسر - كون الكلمة جمعا لواحد ساكن عينه، كحياض وثياب ورياض، وإنما احتيج إلى شرط آخر لان واو الواحد لم تعل، بل فيها شبه الاعلال، وهو كونها ساكنة، لان السكون يجعلها ميتة فكأنها معلة، وإنما أثر الشرط المذكور لان كون الواو بين الكسرة والالف كأنه جمع بين حروف العلة الثلاثة، فيقلب أثقلها: أي الواو، إلى ما يجانس حركة ما قبلها: أي الياء، وهذا الشرط - وإن لم يكن شرطا في الاولين نحو قيم وتير وديم - لكنه يقويهما، فلهذا جوز تصحيح حولا، وإن كان مصدر فعل فعل معل، وجاز ثيرة


من قام يقوم، وظاهر الامر أن قلب الواو ياء شاذ، لان قياس القلب لا يكون إلا في المصدر أو الجمع، وقد أراد المؤلف أن يبين أن القلب في هذه الكلمة قياسي وأن ظاهر الامر غير مراعى، فحملها على أنها في الاصل مصدر قام، مثل الصغر والكبر، ثم نقل من المصدرية إلى الوصفية، فوصف به كما يوصف بعدل ورضا، وغور في نحو قوله تعالى (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا... الاية) وأبقى على أصله من الاعلال (1) يقال: نوت الناقة تنوى نيا ونواية ونواية - بفتح النون وكسرها - فهى ناوية من نوق نواء، إذا سمنت، وكذلك يقال للجمل والرجل والمرأة والفرس، قال أبو النجم: أو كالمكسر لا تؤوب جياده * إلا غوانم وهى غير نواء (*)

[ 139 ]

مع ثورة لحمله على ثيران، وصح خوان (1) وصوان (2)، لانه ليس بجمع قال " وتقلب الواو عينا أو لاما أو غيرهما ياء إذا اجتمعت مع ياء وسكن السابق، وتدغم ويكسر ما قبلها إن كان ضمة، كسيد وأيام وديار وقيام وقيوم ودلية وطى ومرمى ونحو مسلمى رفعا، وجاء لى في جمع ألوى - بالكسر والضم - وأما نحو ضيون وحيوة ونهو فشاذ، وصيم وقيم شاذ، وقوله * فما أرق النيام إلا سلامها * أشذ " أقول: قوله " عينا " كما في طى وسيد وأيام وديار وقيام وقيوم، إذ أصلها أيوام وقيوام وقيووم، على فيعال وفيعول، ولو كانا فعالا وفعولا لقيل قوام وقووم قوله " لاما " كما في دلية، وأصله دليوة قوله " أو غيرهما " كما في مرمى ومسلمي، إذ الواو في الاول للمفعول، والثانى واو الجمع اعلم أن الواو والياء - وإن لم يتقاربا في المخرج (3) حتى يدغم أحدهما في الاخر كما في ادكر (4) واتعد (5) - لكن لما استثقل اجتماعهما اكتفى


(1) انظر (ح 1 ص 110، 111) (2) الصوان - ككتاب وغراب -: ما تصان فيه الثياب، وقد قالوا فيه: صيان بقلب الواو ياء على غير قياس (3) مخرج الواو ما بين الشفتين، ومخرج الياء وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الاعلى (4) أصل ادكر اذتكر بوزن افتعل من الذكر، استثقل مجئ التاء، وهى من الحروف المهموسة، بعد الذال وهى من المجهورة، فأبدلت التاء دالا، لانها توافق التاء في المخرج وتوافق الذال في الصفة: أي الجهر، فصار إذ دكر، فيجوز فيه حينئذ ثلاثة أوجه: الاظهار، والادغام بقلب الدال ذالا، والادغام بقلب الذال دالا، وأقل الثلاثة الادغام بقلب الدال ذالا (5) أصل أتعد إو تعد فقلبت الواو تاء وأدغمت في التاء (*)

[ 140 ]

لتخفيفهما بالادغام بأدنى مناسبة بينهما، وهى كونهما من حروف المد واللين، وجرأهم على التخفيف الادغامى فيهما كون أولهما ساكنا، فإن شرط الادغام سكون الاولى، فقلبت الواو إلى الياء، سواء تقدمت الواو أو تأخرت، وإن كان القياس في إدغام المتقاربين قلب الاول إلى الثاني، وإنما فعل ذلك ليحصل التخفيف المقصود، لان الواو والياء ليستا بأثقل من الواو المضعفة، وإنما لم يدغم في سوير وتبويع، قال الخليل: لان الواو ليست بلازمة، بل حكمها حكم الالف التى هي بدل منها، لان الاصل ساير وتبايع، فكما أن الالف التى هي أصل هذه الواو لا تدغم في شئ، فكذلك الواو التى هي بدل منها، ولذلك لم يدغم نحو قوول وتقوول، وأيضا لو أدغم نحو سوير وتسوير وقوول وتقوول لا لتبس بفعل وتفعل، وليس ترك الادغام فيه لمجرد المد، إذ المد إنما يمنع من الادغام إذا كان في آخر كلمة، نحو قوله (قالوا وأقبلوا) و (في يوم) أما في الكلمة الواحدة فلا، نحو مغزو ومرمى، وذلك لان الكلمتين بعرض الزوال، فاجتمع مع خوف زوال المد عدم الاتصال التام، ولا تدغم أيضا في نحو ديوان واجليواذ، لان القلب عارض على غير القياس، وبزول ذلك في جمع ديوان وتصغيره نحو دواوين ودويوين، وتقول في اجليواذ: اجلوذ (على الاكثر) ولو كان ديوان فيعالا لوجب قلب الواو ياء وإدغام الياء فيها كما في أيام، لكنه فعال، قلبت الواو ياء على غير القياس كما قلب في قيراط، وجمعه قراريط، وكذا لا تدغم إذا خففت في نحو رؤيا ورؤية بقلب الهمزة واوا، بل تقول: رويا وروية، وبعض العرب يقلب ويدغم فيقول: ريا ورية، ولا يجوز ذلك في سوير وبويع على حال، لحصول الالتباس بباب فعل، بخلاف نحو ريا ورية، ويقيس عليه بعض النحاة فيقول في تخفيف قوى: قى، وإذا خففت نحو رؤية ونؤى وأدغمت جاز الضم والكسر، كما في لى جمع ألوى، كما ذكرنا، وكذا إذا بنيت مثل فعل

[ 141 ]

من وايت وخففت الهمزة بالقلب قلت: وى (1) ووى، وكذا فعل من شويت شى وشى، وأما حيوة فقلبت الياء الثانية واوا في العلم خاصة، لان الاعلام كثيرا ما تغير إلى خلاف ما يجب أن تكون الكلمة عليه، تنبيها على خروجها عن وضعها الاصلى كموهب (2) وموظب (3)


(1) أصل وى وؤى - كقفل - فخففت الهمزة بقلبها واوا كما في لوم وسوت، فصار وويا - بواوين أولاهما مضمومة والثانية ساكنة - أما ابن الحاجب فيرى في ذلك عدم وجوب قلب أولى الواوين همزة، لسكون الثاني، ويجوز عنده بقاء الواوين، لان الثانية منقلبة عن همزة انقلابا جائزا فحكمها حكم الهمزة، فلا يجب قلبها ياء، ويجوز قلب الواو الثانية ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون على مذهب من يقيس من النحاة على قول العرب ريا ورية - مخففي رؤيا ورؤية - وأما المؤلف فانه أوجب قلب أولى الواوين همزة في هذا، وحكاه عن الخليل وجمهور النحويين، وندد على المصنف انفراده باشتراط تحرك ثانية الواوين، ثم بعد هذا: إما أن لا تقلب الواو الثانية ياء وإما أن تقلب على نحو ما قدمنا، فإذا علمت هذا تبين لك أن أقول المؤلف " وى بضم الواو وكسرها " غير مستقيم على ما ارتضاه هو فيما سبق في فصل قلب الواو همزة، وهو مستقيم على أحد الوجهين اللذين يجوزان عند ابن الحاجب (2) موهب: اسم رجل، قال أباق الدبيرى: قد أخذتنى نعسة أردن * وموهب مبز بها مصن قال سيبويه: " جاءوا به على مفعل لانه اسم ليس على الفعل، إذ لو كان على الفعل لكان مفعلا " اه‍. يريد أنهم بنوه على مفعل بفتح العين لما ذكر، ولو انهم جاءوا به على مذهب الفعل لقالوا موهب - بالكسر - كما هو قياس المصدر واسم الزمان والمكان من المثال الواوى، وقال في اللسان: " وقد يكون ذلك لمكان العلمية، لان الاعلام مما تغير عن القياس " اه‍ (3) قال في اللسان: " وموظب - بفتح الظاء - أرض معروفة، وقال أبو العلاء: هو موضع مبرك إبل بنى سعد مما يلى أطراف مكة، وهو شاذ كمروق، (*)

[ 142 ]

ومكوزة (1) وشمس (2)، ونحو ذلك، وعند المازنى واو حيوة أصل، كما ذكرنا في الحيوان، وأما نهو فأصله نهوى لانه فعول من النهى، يقال: فلان نهو عن المنكر: أي مبالغ في النهى عنه، وقياسه نهى


وكقولهم: ادخلوا موحد موحد، قال ابن سيده: وإنما حق هذا كله الكسر، لان آتى الفعل منه إنما هو على يفعل كيعد، قال خداش بن زهير: كذبت عليكم أو عدوني وعللوا * بى الارض والاقوام قردان موظبا أي عليكم بى وبهجائى يا قردان موظب، إذا كنت في سفر فاقطعوا بذكرى الارض، قال: وهذا نادر، وقياسه موظب (بالكسر) وقال ياقوت: " القياس أن كل ما كان من الكلام فاؤه حرف علة فان المفعل منه مكسور العين مثل موعد ومورد وموحل إلا ما شذ مثل مورق اسم موضع، وموزن وموكل موضع، وموهب وموظب اسمان لرجلين، وموحد في العدد " اه‍. ومورق اسم رجل، قال الاعشى: فما أنت إن دامت عليك بخالد * كما لم يخلد قبل ساسا ومورق ومن ذلك موزع، وهو موضع باليمن من مدن تهائم اليمن، ومنها، موزن، وهو تل، ويقال: بلد بالجزيرة وفيه يقول كثير: كأنهم قصرا مصابيح راهب * بموزن روى بالسليط ذبالها (1) قال في اللسان: " وكويز ومكوزة اسمان، شذ مكوزة عن حد ما تحتمله الاسماء الاعلام من الشذوذ، نحو قولهم: محبب ورجاء بن حيوة، وسمت العرب مكوزة ومكوازا " اه‍. ووجه الشذوذ في مكوزة أنه لم يعل بالنقل والقلب على نحو ما في مقالة ومنارة، وهذا عند غير المبرد، وأما عنده فلا شذوذ، لان شرط الاعلال أن يكون الاسم متضمنا معنى الفعل (2) شمس - بضم فسكون -: هو شمس بن مالك، قال تأبط شرا: وإنى لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عم الصدق شمس بن مالك (*)

[ 143 ]

قوله " وصيم وقيم شاذ " يعنى أن حق الواو إذا جامعت الياء وأولاهما ساكنة قلبها ياء، وههنا اجتمعت الواوان وأولاهما ساكنة فقلبتا ياءين، فلذا شذ، والاولى أن يذكر شذوذ مثله بعد ذكر فصل دلى ومرضى، وذلك لان الواو المشددة - وإن قربت من الحرف الصحيح - لكنها تقلب ياء إذا وقعت في الجمع طرفا، لثقل الجمع، وكون الطرف محل التخفيف، فهى في قوم وصوم لم تقع طرفا، ومع ذلك قلبت ياء، فهو شاذ، ووجه القلب فيه - مع ذلك - قربه من الطرف في الجمع، ويجئ بعد أن القلب في مثله قياسي، وإنما كان النيام أشذ لكونه أبعد من الطرف، قال 145 - ألا طرقتنامية ابنة منذر * فما أرق النيام إلا سلامها (1) قال: " وتسكنان وتنقل حركتهما في نحو يقوم ويبيع: للبسه بباب يخاف، ومفعل ومفعل كذلك، ومفعول نحو مقول ومبيع كذلك، والمحذوف عند سيبويه واو مفعول، وعند الاخفش العين، وانقلبت واو مفعول


وشمس بن مالك هو الشنفرى الازدي العداء صاحب تأبط شرا وعمرو بن براق في اللصوصية والعدو، ويقال: بطن من الازد من مالك بن فهم (1) هذا بيت من الطويل، قائله ذو الرمة، وروى صدره * ألا خيلت مى وقد نام صحبتي * وروى عجزه * فما أرق التهويم إلا سلامها * طرقتنا: زارتنا ليلا، والتخييل: بعث الخيال، ومى: معشوقة الشاعر، والتأريق: التسهيد، والتهويم: أصله النوم الخفيف، وأراد به هنا النائمين. والاستشهاد بالبيت في الرواية المشهورة على أن النيام أشذ من صميم، وذلك لان الواو في صوم قريبة من الطرف، فعوملت معاملة الواو الواقعة طرفا، كما في عتى وجثى جمعى عات وجاث، بخلافها في النيام فانها بعيدة من الطرف، فلم يكن لمعاملتها معاملة الواو الواقعة طرفا وجه

[ 144 ]

عنده ياء للكسرة فخالفا أصليهما، وشذ مشيب ومهوب، وكثر نحو مبيوع، وقل نحو مصوون، وإعلال تلوون ويستحيى قليل، وتحذفان في نحو قلت وبعت وقلن وبعن، ويكسر الاول إن كانت العين ياء أو مكسورة، ويضم في غيره، ولم يفعلوه في لست، لشبه الحرف، ومن ثم سكنوا الياء، وفى قل وبع، لانه عن تقول وتبيع، وفى الاقامة والاستقامة، ويجوز الحذف في نحو سيد وميت وكينونة وقيلولة " أقول: إذا تحرك الواو والياء وسكن ما قبلهما فالقياس أن لا يعلا بنقل ولا بقلب، لان ذلك خفيف، لكن إن اتفق أن يكون ذلك في فعل قد أعل أصله باسكان العين، أو في أسم محمول عليه سكن عين ذلك الفعل والمحمول عليه، إتباعا لاصله، وبعد الاسكان تنقل الحركة إلى ذلك الساكن المتقدم، تنبيها على البنية، لان أوزان الفعل إنما تختلف بحركات العين، وإنما كان الاصل في هذا الاسكان الفعل دون الاسم لكونه أثقل، على ما مر في أول الباب، ويشترط أن يكون الساكن الذى ينقل الحركة إليه له عرق في التحرك: أي يكون متحركا في ذلك الاصل، فلذا لم ينقل في نحو قاول وبايع وقول وبيع، ونقل في أقام ويقيم، فإن لم يسكن في الاصل لم يسكن في الفرع أيضا، فلذا صح العين في يعور وأعور ويعور واستعور ويستعور، فإذا نقلت الحركات إلى ما قبل الواو والياء نظر: فان كانت الحركة فتحة قلبت الواو والياء ألفا، لانه إذا أمكن إعلال الفرع بعين ما أعل به الاصل فهو أولى، وإن كانت كسرة أو ضمة لم يمكن قلبهما ألفا، لان الالف لا تلى إلى الفتح فيبقيان بحالهما، إلا الواو التى كانت مكسورة فانه تقلب ياء، لصيرورتها ساكنة مكسورا ما قبلها، نحو يطيح وأصله يطوح (1) ويقيم وأصله يقوم،


(1) أنظر الجزء الاول من هذا الكتاب (ص 81 و 115) (*)

[ 145 ]

فعلى هذا تقول: يخاف ويهاب ويقوم ويبيع ويطيح ويقيم قوله " للبسه بباب يخاف " يعنى أنه لم يعلا بإعلال ما ضيهما مع أن الماضي أصل المضارع، وذلك بأن يقال: إن الواو والياء متحركان وما قبلهما في تقدير الفتح بالنظر إلى الاصل الذى هو الماضي، فيقلبان ألفا، فيقال: يقام ويباع، وذلك لانه لو أعلا كذلك لا لتبسا بباب يخاف واعلم أن الاسم الذى يحمل على الفعل في هذا النقل نوعان: أحدهما: الثلاثي المزيد فيه الموازن للفعل الموازنة المذكورة قبل في قلب الواو والياء ألفا، مع مباينته للفعل: إما بحرف زائد لا يزاد في الفعل كميم مقام ومقام ومقوم، على وزن مدهن من قام ومقم، فانها على وزن يفعل ويفعل وافعل أمرا ويفعل، أو بحرف يزاد مثله في الفعل متحرك بحركة لا يحرك في الفعل بمثلها، نحو تباع وتبيع، فان التاء المكسورة لا تكون في أول الفعل، إلا على لغة، وقد ذكرنا الوجه فيه، وعند المبرد يشترط مع الموازنة والمخالفة المذكورتين شرط آخر، وهو أن يكون من الاسماء المتصلة بالافعال، فلذا لم يعل مريم ومدين، وليسا عنده بشاذين، فلا يعل عنده تقول وتبيع المبنيان من القول والبيع وغير ذلك، إذ ليس فيهما معنى الفعل، فان لم يكن مخالفا بما ذكرنا نحو أطول منك وأسود وتقول وتقول واقول على وزن تنصر وتضرب واقتل، وكذا أعين وأدور، لم يعل الاعلال المذكور لئلا يلتبس بالفعل عند التسمية، كما مر قبل، إنما لم ينقل في نحو أخونة وأصونة وإن صيره التاء مباينا للفعل كالميم في الاول لان التاء وإن كانت ههنا لازمة فوضعها على عدم اللزوم، فهى ههنا كما في أسودة تأنيث أسود في الحية، فكأن التاء معدوم، ولم ينقل في نحو أهوناء وأبيناء لان الالف التأنيث للزومه وكونه كجزء الكلمة أخرجها عن موازنة الفعل المذكور كإخراج الالف في الصوري والحيدى، والالف والنون في

[ 146 ]

الطيران والجولان، كما ذكرنا قيل، ومن العرب من ينقل كسرة الياء في أبيناء، فيقول: أبيناء، لا لمشابهة الفعل، وإلا نقل في أهوناء أيضا، بل لكراهة الكسر على الياء، وهما مثلان، كما حذفت الضمة في نور جمع نوار استثقالا للضمة على الواو، فأعل بالنقل: في نحو أبيناء خاصة مع عدم الموازنة المذكورة، لشدة الاستثقال، وعدم الاعلال في نحو أبيناء أكثر، بل النقل شاذ، بخلاف نحو نور في جمع نوار فان الاسكان فيه أكثر لكون الواو المضمومة أثقل من الياء المكسورة حتى عد شاذا في نحو قوله: * بالاكف اللامعات سور (1) * وهو جمع سوار، وأصل مفعول أن يكون مفعلا فيوازن يفعل، زيدت الواو لما ذكرنا في بابه (2)،


(1) قد مضى شرح هذا الشاهد في (ح 2 ص 127، 128) (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 189: " وكان قياسه (يريد اسم المفعول) أن يكون على زنة مضارعه، كما في اسم الفاعل، فيقال: ضرب يضرب فهو مضرب، لكنهم لما أداهم حذف الهمزة في باب أفعل إلى مفعل قصدوا تغيير أحدهما للفرق، فغيروا الثلاثي لما ثبت التغيير في أخيه، وهو اسم الفاعل، لانه وإن كان في مطلق الحركات والسكنات كمضارعه، لكن ليس الزيادة في موضع الزيادة في الفاعل ولا الحركات في أكثرها كحركاته، نحو ينصر فهو ناصر، ويحمد فهو حامد، وأما اسم الفاعل من أفعل فهو كمضارعه في موضع الزيادة وفى عين الحركات فغيروه بزيادة الواو، ففتحوا الميم لئلا يتوالى ضمتان بعدهما واو، وهو مستثقل قليلا كمغرود وملمول وعصفور، فبقى اسم المفعول من الثلاثي بعد التغيير المذكور كالجاري على الفعل، لان ضمة الميم مقدرة والواو في حكم الحرف الناشئ من الاشباع كقوله: " أدنو فأنطور " اه‍ وقوله " أدنو فأنظور " قطعة من بيت هو: وأنني حيثما يثنى الهوى بصرى * من حيث ما سلكوا أدنوا فأنظور (*)

[ 147 ]

فلما كان أصله الموازنة أعل بإسكان العين، ولولا ذلك لم يعل، وأما سائر أسماء المفعولين فتوازن أفعالها المبنية للمفعول مع المباينة بالميم المصدرة واعلم أن أصل مقول مقوول، نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فاجتمع ساكنان، فسيبويه يحذف الثانية دون الاولى، وإن كان القياس حذف الاولى إذا اجتمع ساكنان والاولى مدة، وإنما حكم بذلك لانه رأى الياء في اسم المفعول اليائى ثابتا بعد الاعلال نحو مبيع، فحدس أن الواو هي الساقطة عنه، ثم طرد هذا الحكم في الاجوف الواوى، وإنما خولف عنده باب التقاء الساكنين ههنا بحذف الثاني لان الكلمة تصير به أخف منها بحذف الاول، وأيضا يحصل الفرق بين المفعولين الواوى واليائى، ولو حذف الاول لا لتبسا، فلما حذف واو مبيوع كسرت الضمة لتسلم الياء كما هو قياس قول سيبويه في نحو تبيع من البيع، وأما الاخفش فانه يحذف الساكن الاول في الواوى واليائى، كما هو قياس التقاء الساكنين، فقيل له: فينبغي أن يبقى عندك مبوع، فما هذه الياء في مبيع ؟ فقال: لما نقلت الضمة إلى ما قبلها كسرت الضمة لاجل الياء قبل حذف الياء، ثم حذفت الياء للساكنين، ثم قلبت الواو ياء للكسرة، وفيه نظر، لان الياء إنما تستحق قلب ضمة ما قبلها كسرة إذا كانت مما يبقى، لا مما يحذف، فالاولى أن يقال على مذهبه: حذفت الياء أولا، ثم قلبت الضمة كسرة، فانقلبت الواو ياء، وذلك للفرق بين الواوى واليائى، قوله " فخالفا أصليهما " أما مخالفة سيبويه فلانه حذف ثانى الساكنين، وأصله وأصل غيره حذف أولهما (1) وأما مخالفة الاخفش أصله فلان أصله


(1) اعلم أن الاصل عند سيبويه في التقاء الساكنين حذف أولهما إذا كان حرف مد، وحرف المد هو حرف العلة المسبوق بحركة تجانسه، نحو لم يخف ولم يبع (*)

[ 148 ]

أن الياء الساكنة تقلب واوا لانضمام ما قبلها، وإن كانت الياء مما يبقى، وقد كسر ههنا ضم ما قبل الياء مع أن الياء مما يحذف قوله " وشذ مشيب " في مشوب من شاب يشوب (1) ومنيل في منول (2) من نال ينول: أي أعطى، ومليم في ملوم (3)، كأنها بنيت على شيب ونيل


ولم يقل، وههنا في اسم المفعول من الاجوف اليائى بعد أن نقلت حركة الياء إلى الساكن الصحيح قبلها لا تبقى الياء حرف مد، لان ما قبلها ضمة، وهى حركة غير مجانسة، فإذا حذف الياء لا يقال: إنه خالف أصله، لانه حذف حرفا ساكنا غير مد، وإنما دعا إلى ذلك خوف الالباس بين الواوى واليائى، فان قلت: ففى الاجوف الواوى أول الساكنين بعد نقل حركته إلى ما قبله واو مضموم ما قبلها فهو حرف مد، وقد قدر سيبويه حذفه فخالف أصله ههنا. قلنا: إنه لما حذف واو مفعول من اليائى لقصد الفرق بين الواوى واليائى لم يكن من حذف واو مفعول في الواوى أيضا، لئلا يلزم الفرق بين المتجانسين وطردا للباب على غرار واحد. وانظر (ج 2 ص 225 - 227) (1) من ذلك قول السليك بن السلكة السعدى: سيكفيك صرب القم لحم معرص * وماء قدور في القصاع مشيب الصرب: اللبن الحامض، والمعرص - بعين وصاد مهملتين -: الموضوع في العرصة ليجف، ويروى مغرض - بمعجمتين - وهو الطرى، ويروى معرض - بمهملة ومعجمة - وهو الذى لم ينضج بعد (2) قد بحثنا طويلا عن شاهد يدل على استعمال هذه الكلمة على الوجه الذى ذكره المؤلف لم نعثر عليه، ولكن سيبويه قد حكى أنهم يقولون: غار منيل ومنول انظر سيبويه (ج‍ 2 ص 363) وقد نقل ابن جنى في شرحه على تصريف المازنى عن الفارسى تفسير ذلك حيث قال: معناه ينال فيه (3) لم يكن نصيب هذه الكلمة بعد البحث عن شاهد لها أحسن حالا من سابقتها (*)

[ 149 ]

وليم، كما شذ مهوب (1) من الهيبة، كأنه بنى على هوب قوله " وكثر نحو مبيوع ومخيوط " قال: 116 - قد كان قومك يحسبونك سيدا * وإخال أنك سيد مغيون (2) وهى لغة تميمية قوله " وقل نحو مصوون " لكون الواوين أثقل من الواو والياء، ومنع سيبويه ذلك (3) وقال: لا نعلمهم أتموا الواوات، وحكى الكسائي خاتم


(1) من ذلك قول حميد بن ثور الهلالي يصف قطاة: وتأوى إلى زغب مساكين دونهم * فلا لا تخطاه الرفاق مهوب فلا: اسم جنس جمعى واحدته فلاة (2) هذا البيت للعباس بن مرداس السلمى يقول لكليب بن عيينة السلمى، وقبله: أكليب، مالك كل يوم ظالما * والظلم أنكد غبه ملعون أنكد: يعسر الخروج منه، وغبه: عاقبته، ومعيون: يروى بالعين المهملة ومعناه المصاب بالعين، من عانه يعينه، والقياس أن يقال: هو معين، والصواب في الرواية الموافق للمعنى (مغيون) بالغين المعجمة من قولهم: غين عليه، إذا غطى، وفى الحديث: إنه ليغان على قلبى، والاصل فيه الغين، وهو لغة في الغيم، قال الشاعر: كأنى بين خافيتى عقاب * أصاب حمامة في يوم غين والاستشهاد بالبيت في قوله (مغيون) حيث تمم اسم المفعول من الاجوف اليائى، وهى لغة تميمية، ومثله قول علقمة: حتى تذكر بيضات وهيجه * يوم رذاذ عليه الدجن مغيون قال سيبويه (ح 2 ص 363): " وبعض العرب يخرجه (يريد اسم المفعول من الاجوف) على الاصل فيقول: مخيوط ومبيوع، فشبهوها بصيود وغيور، حيث (*)

[ 150 ]

مصووغ، وأجاز فيه كله أن يأتي على الاصل قياسا قوله " وتحذفان في قلت وبعت " إلى قوله " ويضم في غيره " مضى شرحه في أول الكتاب قوله " ولم يفعلوه في لست " أي: لم يكسروا اللام مع أنه يائى من باب فعل المكسور العين، وأحدهما يكفى للكسر كبعت وخفت، فكيف بهما جميعا ؟ وذلك لانه لما لم يتصرف حذفت الكسرة نسيا ولم تنقل إلى ما قبل الياء، فصار ليس كليت قوله " ومن ثم سكنوا الياء " أي: لم يقلبوا الياء ألفا لان ذلك تصرف، كما أن نقل حركة الياء إلى ما قبلها تصرف، فلما كان الفعل غير متصرف لم يتصرف فيه بقلب ولا نقل، بل حذفت الحركة نسيا، والدليل على أن العين كانت مكسورة أن فتحة العين لا تحذف، فلا يقال في ضرب: ضرب، كما يقال في علم: علم، وباب فعل - بالضم - لا يجئ فيه الاجوف اليائى إلا هيؤ، وهو شاذ قوله " وفى قل وبع " عطف على نحو قلت وبعت قوله " لانه عن تقول وتبيع " يعنى إنما أعل قل وبع بالنقل (1) لكونهما عن تقول وتبيع


كان بعدها حرف ساكن ولم تكن بعد الالف فتهمز، ولا نعلمهم أتموا في الواوات، لان الواوات أثقل عليهم من الياءات، ومنها يفرون إلى الياء، فكرهوا اجتماعهما مع الضمة " اه‍ (1) هكذا وردت هذه العبارة في جميع أصول الكتاب، وأنت لو تأملت في عبارة ابن الحاجب وفى تعليل الرضى تبين لك أن الصواب أن يقال: إنما أعل قل وبع بالحذف، لان قول ابن الحاجب " وفى قل وبع " معطوف على قوله " في نحو قلت وبعت " وهو معمول لقوله " وتحذفان " فكأنه قال: وتحذفان في قل وبع لانه عن تقول وتبيع. ثم إن أخذ الامر من المضارع بعد نقل حركة العين إلى الفاء ليس فيه إلا حذف العين للتخلص من التقاء الساكنين، وعلى الجملة: ليس في (*)

[ 151 ]

قوله " وفى الاقامة والاستقامة " هذا هو النوع الثاني مما تنقل حركة عينه إلى ما قبله، وضابطه ما ذكرنا قبل من كونه مصدرا قياسيا مساويا لفعله في ثبوت زيادات المصدر بعينها في مثل مواضعها من الفعل، والذى ذكره المصنف من حذف الالف المنقلبة عن الواو والياء في نحو الاقامة والابانة مذهب الاخفش، وعند الخليل وسيبويه أن المحذوفة هي الزائدة، كما قالا في واو مفعول، وقول الاخفش أولى (1) قياسا على غيره مما التقى فيه ساكنان


فعل الامر نقل إلا على فرض أخذه من المضارع قبل نقل حركة العين إلى الفاء ولو قرأت قول الرضى " لكونها عن تقول وتبيع " بسكون الفاء وضم الواو وكسر الياء صح الكلام، لان في الامر حينئذ إعلالا بالنقل والحذف، ولكن هذه القراءة تخالف عبارة ابن الحاجب، وتخالف أيضا ما قرره الرضى مرارا (1) قد رجح ابن الحاجب والرضى هنا رأى الاخفش، وهما تابعان في هذا لابي عثمان المازنى حيث رجح مذهب الاخفش في مفعول وفى إفعال، إذ يقول في كتابه التصريف: " وزعم الخليل وسيبويه أنك إذا قلت: مبيع ومفعول، فالذاهب لا لتقاء الساكنين واو مفعول، وقال الخليل: إذا قلت مبيوع فألقيت حركة الياء على الباء وسكنت الياء التى هي عين الفعل وبعدها واو مفعول فاجتمع ساكنان، فحذفت واو مفعول، وكانت أولى بالحذف، لانها زائدة، وكان حذفها أولى، ولم تحذف الياء، لانها عين الفعل، وكذلك مقول، الواو الباقية عين الفعل، والمحذوفة واو مفعول، وكان أبو الحسن يزعم أن المحذوفة عين الفعل والباقية واو مفعول، فسألته عن مبيع، فقلت: ألا ترى أن الباقي في مبيع الياء ولو كانت واو مفعول لكانت مبوع ؟ فقال: إنهم لما أسكنوا ياء مبيوع وألقوا حركتها على الباء انضمت الباء وصارت بعدها ياء ساكنة فأبدلت مكان الضمة كسرة للياء التى بعدها، ثم حذفت الياء بعد أن ألزمت الباء كسرة للياء التى حذفتها، فوافقت واو مفعول الباء مكسورة، فانقلبت ياء للكسرة التى قبلها، كما انقلبت واو ميزان وميعاد ياء للكسرة التى قبلها، وكلا الوجهين حسن جميل، وقول الاخفش أقيس، فإذا قلت من أفعلت مصدرا نحو أقام إقامة وأخاف إخافة فقد حذفت من إقامة وإخافة ألفا، لالتقاء

[ 152 ]

قوله " ويجوز الحذف في نحو سيد وميت وكينونة وقيلولة " فيه نظر، وذلك لان الحذف جائز في نحو سيد وميت، واجب في كينونة، إلا في ضرورة الشعر، قال: 147 - ياليت أنا ضمنا سفينه * حتى يعود الوصل كينونه (1) اعلم أن نحو سيد وميت عند سيبويه فيعل - بكسر العين - وكينونة وقيلولة - عنده كينونة وقيلولة - بفتح العين - على وزن عيضموز (3) إلا أن اللام مكررة في كينونة والتاء لازمة، ولما لم يوجد في غير الاجوف بناء فيعل - بكسر العين - ولا فيعلولة في المصادر حكم بعضهم بأن أصل سيد وميت فيعل - بفتح العين - كصيرف


الساكنين، فالخليل وسيبويه يزعمان أن المحذوفة هي الالف التى تلى آخر الحرف، وهى نظيرة واو مفعول في مقول ومخوف، وأبو الحسن يرى أن موضع العين هو المحذوف، وقياسه ما ذكرت لك " اه‍. ولابي السعادات هبة الله بن الشجرى بحث مستفيض في أماليه ذكره في المجلس الحادى والثلاثين ثم عاد له مرة أخرى في المجلس السادس والاربعين، وقد ذكر فيه حجة سيبويه والخليل وحجج الاخفش ثم رجح مذهب الشيخين ونقض أدلة المخالف لهما فانظره في الموضع الذى ذكرناه، ولم يمنعنا من نقله إلا فرط طوله (1) هذا البيت من الرجز أنشده المبرد وابن جنى وابن برى، وذكر المبرد قبله: قد فارقت قرينها القرينه * وشحطت عن دارها الظعينه وقرينها: مفعول مقدم على الفاعل، والقرينة: الزوجة، وشحطت: بعدت، والظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، والمراد هنا المرأة مطلقا، وكينونة: مصدر كان، والاستشهاد بالبيت في قوله " كينونة " بتشديد الياء مفتوحة فان هذا يدل على أن الكينونة - بسكون الياء - مخفف منه، ووجه الدلالة على هذا أن الشاعر لما اضطر راجع الاصل المهجور (2) العيضموز: العجوز والناقة الضخمة انظر (ح 1 ص 263) (*)

[ 153 ]

فكسر كما في بصرى - بكسر الفاء - ودهرى - بالضم - على غير القياس قال سيبويه (1): لو كان مفتوح العين لم يغير هيبان (2) وتيحان (3)


(1) قال سيبويه (ح 2 ص 371 و 372): " وكان الخليل يقول: سيد فيعل وإن لم يكن فيعل في غير المعتل، لانهم قد يخصون المعتل بالبناء لا يخصون به غيره من غير المعتل، ألا تراهم قالوا: كينونة، والقيدود لانه الطويل في غير السماء، وإنما هو من قاد يقود، ألا ترى أنك تقول: جمل منقاد وأقود، فأصلهما فيعلولة، وليس في غير المعتل فيعلول مصدرا، وقالوا: قضاة، فجاءوا به على فعلة في الجمع، ولا يكون في غير المعتل للجمع، ولو أرادوا فيعل لتركوه مفتوحا كما قالوا: تيحان وهيبان، وقد قال غيره هو فيعل (بفتح العين)، لانه ليس في غير المعتل فيعل (بكسر العين) وقالوا: غيرت الحركة، لان الحركة قد تقلب إذا غير الاسم، ألا تراهم قالوا: بصرى، وقالوا: أموى، وقالوا: أخت، وأصله الفتح، وقالوا: دهري ؟ فكذلك غيروا حركة فيعل، وقول الخليل أعجب إلى، لانه قد جاء في المعتل بناء لم يجئ في غيره، ولانهم قالوا: هيبان وتيحان فلم يكسروا، وقد قال بعض العرب: * ما بال عينى كالشعيب العين * فانما يحمل هذا على الاضطراد حيث تركوها مفتوحة فيما ذكرت لك، ووجدت بناء في المعتل لم يكن في غيره ولا تحمله على الشاذ الذى لا يطرد، فقد وجدت سبيلا إلى أن يكون فيعلا (بكسر العين) وأما قولهم: ميت وهين ولين فأنهم يحذفون العين كما يحذفون الهمزة من هائر لاستثقالهم الياءات كذلك حذفوها في كينونة وقيدودة وصيرورة لما كانوا يحذفونها في العدد الاقل ألزموهن الحذف إذا كثر عددهن وبلغن الغاية في العدد إلا حرفا واحدا، وإنما أرادوا بهن مثال عيضموز " اه‍ (2) الهيبان: الجبان، وهو أيضا الراعى، وزبد أفواه الابل، والتيس، والتراب، وسموا به، وقد حكى صاحب القاموس أنه ورد مكسورا أيضا، وهو خلاف عبارة سيبويه (3) التيحان: الذى يتعرض لكل شئ ويدخل فيما لا يعنيه، وقال (*)

[ 154 ]

ولجاز الاستعمال شائعا، ولم يسمع من الاجوف فيعل إلا عين قال: ما بال عينى كالشعيب العين (1) وقال الفراء - تجنبا أيضا من بناء فيعل - بكسر العين -: أصل نحو جيد جويد كطويل، فقلبت الواو إلى موضع الياء والياء إلى موضع الواو، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت كما في طى، وقال في طويل: إنه شاذ، قال: وإنما صار هذا الاعلال قياسا في الصفة المشبهة لكونها كالفعل وعملها عمله، فإن لم يكن صفة كعويل لم يعل هذا الاعلال، وقال في كينونة ونحوها: أصلها كونونة كبهلول (2) وصندوق، ففتحوا الفاء لان أكثر ما يجئ من هذه المصادر ذوات الياء نحو صار صيرورة، وسار سيرورة، ففتحوه حتى تسلم الياء، لان الباب للياء، ثم حملوا ذوات الواو على ذوات الياء، فقلبوا الواو ياء في كينونة حملا على صيرورة، وهذا كما قال في قضاة: إن أصله قضى كغزى، فاستثقلوا التشديد على العين، فخففوا وعوضوا من الحرف المحذوف التاء، وقول سيبويه في ذلك كله هو الاولى، وهو أن بعض الابواب قد يختص ببعض الاحكام فلا محذور من اختصاص الاجوف ببناء فيعل - بكسر العين - وغير الاجوف ببناء فيعل - بفتحها - وإذا جاز عند الفراء اختصاص فعيل الاجوف بتقديم الياء على العين، وعند ذلك الاخر ببناء فيعل، - بالفتح - إلى فيعل بالكسر فما المانع من اختصاصه ببناء فيعل، وكذا لا محذور من اختصاص مصدر الاجوف بفيعلولة وحمع الناقص بفعلة - بضم الفاء -، وقول الفراء: إنهم حملوا الواو على الياء لان الباب للياء، ليس بشئ، لان المصادر على هذا الوزن قليلة، وما جاء منها


الازهرى: هو الذى يتعرض لكل مكرمة وأمر شديد، ويقال: فرس تيحان، إذا كان شديد الجرى، وحكى في اللسان الكسر فيه أيضا (1) قد سبق شرح هذا الشاهد فارجع إليه (ح 1 ص 150) (2) البهلول: السيد الجامع لكل خير، والضحاك أيضا (*)

[ 155 ]

فذوات الواو منها قريبة في العدد من ذوات الياء أو مثلها، نحو كينونة، وقيدودة (1)، وحال حيلولة، وإنما لزم الحذف في نحو كينونة وسيدودة (2) دون سيد وميت لان نهاية الاسم أن يكون على سبعة أحرف بالزيادة، وهذه على ستة، وقد لزمها تاء التأنيث، فلما جاز التخفيف فيما هو أقل منها نحو سيد لزم التخفيف فيما كثر حروفه، أعنى نحو كينونة، ويقل الحذف في نحو فيعلان، قالوا: ريحان وأصله ريحان، وأصله ريوحان من الروح قال: " وفى باب قيل وبيع ثلاث لغات: الياء، والاشمام، والواو، فإن اتصل به ما يسكن لامه نحو بعت يا عبد وقلت يا قول، فالكسر والاشمام والضم، وباب اختير وانقيد مثله فيها، بخلاف أقيم واستقيم " أقول: قد مضى شرح هذا في شرح الكافية (3) قوله " ما يسكن لامه " أي: تاء الضمير ونونه، فإذا اتصل به ذلك حذفت العين، ويبقى الفاء مكسورا كسرا صريحا، وهو الاشهر، كما هو كذلك قبل الحذف، ويجوز إشمام الكسرة شيئا من الضم، كما جاز قبل الحذف، وضمه


(1) القيدودة: مصدر قدت الدابة أقودها كالقيادة والمقادة والتقواد والقود، وقد جاءت القيدودة وصفا بمعنى الطويلة في غير صعود (2) السيدودة: مصدر ساد الرجل قومه يسودهم، ومثله السود والسودد والسيادة، وقد وقع في أصول الكتاب " سيرورة " براءين في مكان الدالين، وذلك غير متفق مع ما سبق للمؤلف (ح 1 ص 152، 153) حيث ذكر في مصادر الاجوف اليائى الفعلولة ومثل له بالصيرورة والشيخوخة، وذكر في مصادر الواوى منه الفيعلولة ومثل له بالكينونة، وظاهر هذا أن الذى يخفف هو الواوى. والذى يستفاد من عبارة سيبويه التى قدمناها لك قريبا أن الفيعلولة جاءت في اليائى والواوي جميعا (3) انظر (ح 2 ص 250، 251) من شرح الكافية (*)

[ 156 ]

صريحا كما كان قبل الحذف، وإذا قامت قرينة على أن المراد به المعلوم أو المجهول نحو قلت يا قول، وبعت يا عبد، وخفت يا هول، جاز الضم الصريح في الاول والكسر الصريح في الاخيرين بناء على القرينة، وإن لم تقم قرينة فالاولى الكسر أو الاشمام في الاول والضم أو الاشمام في الاخيرين قوله " وباب اختير وانقيد " يعنى باب افتعل وانفعل من الاجوف مثل فعل في جواز الاوجه الثلاثة، لان الضم والاشمام إنما جاء من ضم ما قبل الواو والياء، وأما في أقيم واستقيم وأصلهما أقوم واستقوم فليس ما قبل حرف العلة مضموما، فلا يجوز إلا الكسر الصريح قال " وشرط إعلال العين في الاسم غير الثلاثي والجارى على الفعل مما لم يذكر موافقة الفعل حركة وسكونا مع مخالفة بزيادة أو بنية مخصوصتين فلذلك لو بنيت من البيع مثل مضرب وتحلئ قلت مبيع وتبيع معلا ومثل تضرب قلت تبيع مصححا " أقول: قوله " غير الثلاثي " لان الثلاثي لا يشترط فيه مع موازنة الفعل المذكورة مخالفته قوله " والجارى على الفعل " أي: وغير الجارى، ونعنى بالجاري المصدر نحو الاقامة والاستقامة، واسمى الفاعل والمفعول من الثلاثي وغيره، ويجوز أن يقال فيهما بالموازنة: أما فاعل فعلى وزنى يفعل، باعتبار الحركات والسكنات، وأما مفعول كمقتول فإن الواو فيه على خلاف الاصل، والاصل فيه مفعل كيفعل على ما ذكرنا قوله " مما لم يذكر " لم يحتج إليه، لانه لابد لكل اسم قلب عينه ألفا، سواء كان مما ذكر أو لم يذكر، من الموافقة المذكورة في الثلاثي والمزيد فيه، مع المخالفة المذكورة في المزيد فيه، وكذا في نقل حركة العين المزيد فيه إلى

[ 157 ]

الساكن الذى قبله، كما ذكرنا، إلا في نحو الاقامة والاستقامة، فإن فيه قلبا ونقلا مع عدم الموافقة المذكورة، وذلك لما ذكرنا قبل من المناسبة التامة لفعله، وإلا في باب بوائع، فإن فيه قلبا مع عدمها أيضا، وذلك للثقل البالغ كما مر (1) قال " اللام، تقلبان ألفا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما إن لم يكن بعدهما موجب للفتح، كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى (2) بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين وغزو ورمى، وبخلاف غزوا ورميا وعصوان ورحيان للالباس، واخشيا نحوه، لانه من باب لن يخشيا، واخشين لشبهه بذلك، بخلاف اخشوا واخشون واخشى واخشين " أقول: اعلم أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما وهما لامان قلبتا ألفين، وإن لم تكونا في الاسم الجارى على الفعل، ولا الموازن له، كربا وزنى، أو كانا فيما يوازن الفعل بلا مخالفة له، كما في أحوى وأشقى، وإنما اشترط الجريان أو المشابهة المذكورة في العين دون اللام لان اللام محل التغيير فيؤثر في قلبها العلة الضعيفة: أي تحركها وانفتاح ما قبلها قوله " إن لم يكن بعدهما موجب للفتح " احتراز عن نحو غزوا ورميا في الماضي وترضيان وتغزوان في المضارع، وعصوان ورحيان في الاسم، فإن ألف الضمير في غزوا ويرضيان وألف التثنية في عصوان ورحيان إنما ألحقتا بالالف المنقلبة عن الواو والياء فردت الالف التى هي لام إلى أصلها من الواو والياء، إذ لو لم ترد لالتبس المثنى في الماضي بالمفرد ومثنى المضارع ومثنى الاسم


(1) انظر (ص 101) من هذا الجزء (2) كذا في جميع النسخ المطبوعة من المتن ومن شروح الشافية، وفى الخطية " وفتى " (*)

[ 158 ]

بالمفرد، عند سقوط النون، فلو قلبت الواو والياء إلى الالف بعد رد الالف إليهما لحصل الوقوع فيما فر منه، أعنى الالتباس، وإنما لم يقلب في اخشيا لكونه فرع يخشيان المؤدى إلى اللبس لو قلبت لامه، وإنما لم يقلب في اخشين لعروض حركة الياء لاجل النون على ما تقدم، فالحق أن يقال: لم تقلب حروف العلة المتحركة لاجل إلحاق ألف الضمير في غزوا ورميا، وألف المثنى والجمع في نحو عصوان وصلوات، ونون التأكيد في نحو ارضين، ألفا، لعروض حركاتها لاجل هذه اللواحق، فانها وإن كانت أصلها الحركة إلا أنها لولا هذه اللواحق لم تتحرك، فحركتها إذن عارضة، ولا يقلب الواو والياء ألفا إذا تحركتا بحركة عارضة، ويرضيان ويغزوان وعصوان ورحيان هذه اللواحق كما ذكرنا أوجبت رجوع الالفات إلى أصولها لئلا يلتبس، ولم يقلب الواو والياء الفا بعد الرد إلى الاصل لئلا يكون رجوعا إلى ما فر منه. قوله " لشبهه بذلك " يعنى أن النون اللاحق بالفعل من غير توسط ضمير بينهما مثل الالف، فقولك اخشين مثل اخشيا، وقد ذكرنا ما على هذا الكلام في آخر شرح (1) الكافية، فالاولى أن عدم القلب في اخشين لان اللام قد


(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 378): " لما كان النون بعد الضمير البارز صار كالكلمة المنفصلة، لان الضمير فاصل، ولما لم يكن ضمير بارز كان النون كالضمير المتصل، هذا زبدة كلامه (يريد ابن الحاجب)، ويرد عليه أن المتصل ليس هو الالف فقط بل الياء والواو في ارضوا وارضى متصلان أيضا وأنت لا تثبت اللام كما تثبتها مع الالف، فليس قوله إذن " فكالمتصل " على إطلاقه بصحيح، وأيضا يحتاج إلى التعليل فيما قاس النون عليه من المتصل والمنفصل إذا سئل مثلا لم لم تحذف اللام في اخشيا وارميا واغزوا كما حذفت في اخش وارم واغز ولم ضمت الواو في ارضوا الرجل وكسرت الياء في ارضى الرجل ولم تحذفا كما في ارموا الرجل وارمي الغرض ؟ وكل علة تذكرها في المحمول عليه فهى مطردة في المحمول فما فائدة الحمل ؟ وإنما يحمل الشئ على الشئ إذا لم يكن المحمول (*)

[ 159 ]

رد كما ذكرنا هناك (1) فلو قلب لوجب حذفه فلم يتبين رده، وفى اخشيا لكونه فرع يخشيان، ولا نقول بعروض الحركة، إذ لو لم يعتد بالحركة في مثله لم يرد العين في خافا وخافن قوله " كغزا ورمى ويقوى ويحيى وعصا ورحى " أمثلة لما تحرك الواو والياء فيه وانفتح ما قبلهما ولم يكن بعدهما موجب للفتح فقلبا ألفين قوله " بخلاف غزوت ورميت وغزونا ورمينا ويخشين ويأبين " أمثلة لما انفتح ما قبل الواو والياء فيه وسكنا فلم يقلبا قوله " وغزو ورمى " مثالان لما تحرك واوه وياؤه وسكن ما قبلهما فلم يقلبا ولم يكن كأقوم أي مفتوح حرف العلة فرعا لما انفتح ما قبلها حتى يحمل عليه قوله " وبخلاف غزوا ورميا " إلى قوله " لشبهه بذلك " أمثلة لما تحرك واوه وياؤه وانفتح ما قبلهما وكان بعدهما موجب لبقائهما بلا قلب قوله " بخلاف اخشوا واخشون واخشى واخشين " يعنى أن أصلها اخشيوا واخشيون واخشيى واخشيين فقلبت الياء ألفا وحذفت، لان حذف اللام ههنا لا يلبس كما كان يلبس في يخشيان لو حذفت، فلم يحذف، وحمل اخشيا عليه، لانه فرعه وإن لم يلبس، وحمل اخشين على اخشيا لمشابهة النون في مثله للالف، ولمانع أن يمنع أن أصل اخشوا اخشيوا، وأصل اخشى اخشيى، وذلك لان الواو


في ثبوت العلة فيه كالمحمول عليه، بل يشابهه من وجه فيلحق به لاجل تلك المشابهة وإن لم تثبت العلة في المحمول كحمل ان على الفعل المتعدى وإن لم تكن في إن العلة المقتضية الرفع والنصب كما كانت في المتعدى " اه‍ (2) قال في شرح الكافية (2: 376): " وإنما ردت اللامات المحذوفة للجزم أو الوقف في نحو لتغزون واغزون ولترمين وارمين ولتخشين واخشين لان حذفها كان للجزم أو للوقف الجارى مجراه، ومع قصد البناء على الفتح للتركيب لا جزم ولا وقف " اه‍ (*)

[ 160 ]

والالف والياء كل واحد منها فاعل يلحق الفعل كما يلحق زيد من رمى زيد لا فرق بينهما، إلا أن اتصال الضمير أشد، ولا يلزم أن يلحق الفاعل أصل الفعل، بل يلحقه بعد الاعلال، لانه ما لم ينقح أصل الكلمة ولم تعط مطلوبها في ذاتها لم يلحق بها مطلوبها الخارجي فان قيل: فلم لم يقل غزات ورمات، في غزوت ورميت قلت: تنبيها على عدم تقدير الحركة في حرف العلة، كما ذكرنا في ذى الزيادة (1) والدليل على أن الضمائر تلحق الكلمات بعد تخفيفها قولهم: رضيوا وغزيوا باسكان العين للتخفيف، كما قيل في عصر: عصر، ولو لحق الواو رضى ورمى مكسور العين وجب حذف الياء للساكنين، لان الضمة على الياء بعد الكسرة تحذف، فيلتقي ساكنان: الياء، والواو، فإذا كان الضمير يلحق الفعل بعد التخفيف النادر القليل فما ظنك بالتخفيف الواجب المطرد ؟ ولو سلم أيضا أن الاصل اخشيوا واخشيى فان الحركة عارضة لاجل الضمير فلا تقلب لاجلها الياء ألفا (كما مر مرارا) والحق أن يقال: إن أصل اخشوا واخشى اخش لحقته الواو والياء، وأصل اخشون خشين اخشوا واخشى لحقته النون فحركت الواو والياء للساكنين، ولم يحذفا، لانهما ليسا بمدتين كما في اغزن وارمن، ولا يجوز حذف كلمة تامة، أعنى الضميرين بلا دليل عليهما، ولم يقلب الواو والياء ألفا في اخشون واخشين، لان كل واحد منهما كلمة برأسها فلا يغيران بالكلية، وأيضا حركتهما عارضة للساكنين كما ذكرنا قال: " وتقلب الواو ياء إذا وقعت مكسورا ما قبلها، أو رابعة فصاعدا ولم ينضم ما قبلها، كدعى ورضى والغازي، وأغزيت وتغزيت واستغزيت


(1) انظر (ج 2 ص 370) (*)

[ 161 ]

ويغزيان ويرضيان، بخلاف يدعو ويغزو، وقنية وهو ابن عمى دنيا شاذ، وطيئ تقلب الياء في باب رضى وبقى ودعى ألفا وتقلب الواو طرفا بعد ضمة في كل متمكن ياء فتنقلب الضمة كسرة كما انقلبت في الترامي والتجارى - فيصير من باب قاض، نحو أدل وقلنس، بخلاف قلنسوة وقمحدوة، وبخلاف العين كالقوباء والخيلاء، ولا أثر للمدة الفاصلة في الجمع إلا في الاعراب، نحو عتى وجثى، بخلاف المفرد، وقد تكسر الفاء للاتباع فيقال: عتى وجثى، ونحو نحو شاذ، وقد جاء نحو معدى ومغزى كثيرا، والقياس الواو " أقول: اعلم أن الواو المتحركة المكسور ما قبلها لا تقلب ياء لتقويها بالحركة إلا بشرطين: أحدهما أن تكون لاما، لان الاخر محل التغيير، فهى إذن تقلب ياء، سواء كانت في اسم كرأيت الغازى، أو فعل: مبنيا للفاعل كان كرضى من الرضوان، أو للمفعول كدعى، وسواء صارت في حكم الوسط بمجئ حرف لازم للكلمة بعدها نحو غزيان على فعلان من الغزو، وغزية على فعلة منه، مع لزوم التاء كما في عنصوة، أو لم تصر كما في غازية، وقولهم مقاتوة في جمع مقتوى شاذ (1) ووجه تصحيحه


(1) تقول: قتوت أقتو قتوا ومقتى مثل غزوت أغزو غزوا ومغزى، ومعناه كنت خادما للملوك. قال الشاعر: إنى امرؤ من بنى فزارة لا * أحسن قتو الملوك والخببا وقد قالوا للخادم: مقتوى - بفتح الميم وتشديد الياء آخره - وكأنهم نسبوه إلى المقتى الذى هو مصدر ميمى بمعنى خدمة الملوك، وقالوا: مقتوين بمعنى خدم الملوك، مثل قول عمرو بن كلثوم التغلبي: بأى مشيئة عمرو بن هند * تكون لقيلكم فيها قطينا ؟ تهددنا وأوعدنا رويدا، * متى كنا لامك مقتويا ؟ (*)

[ 162 ]

[..... ]


وقد اختلف العلماء في ضبطه وتخريجه، فضبطه أبو الحسن الاخفش بضم الميم وكسر الواو، على أنه جمع مقتو اسم فاعل من اقتوى، وأصله مقتوو بوزن مفعلل قلبت الواو الاخيرة ياء، لتطرفها إثر كسرة، ثم يعل ويجمع كما يعل ويجمع قاض، وأصل اقتوى اقتوو، قلبت الواو الثانية ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم يدغموا كما يدغمون في احمر، لان الاعلال مقدم على الادغام، وذلك كما في ارعوى، ويدل لصحة ما ذهب إليه أبو الحسن قول يزيد بن الحكم يعاتب ابن عمه: تبدل خليلا بن كشكلك شكله * فإنى خليلا صالحا بك مقتوى وذهب غير واحد من الامة الى أن مقتوين بفتح الميم وكسر الواو، ولهم فيه تخريجان ستسمعهما بعد فيما نحكيه من أقوالهم، وحكى أبو زيد وحده فتح الواو مع أن الميم مفتوحة قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 153) في الكلام على مواضع تاء التأنيث: " السادس أن تدخل أيضا على الجمع الاقصى دلالة على أن واحده منسوب كالاشاعثة والمشاهدة في جمع أشعثي ومشهدي، وذلك أنهم لما أرداوا أن يجمعوا المنسوب جمع التكسير وجب حذف ياءى النسب، لان ياء النسب والجمع لا يجتمعان، فلا يقال في النسبة إلى رجال: رجالى بل رجلى كما يجئ في باب النسبة إن شاء الله، فحذفت ياء النسبة ثم جمع بالتاء فصار التاء كالبدل من الياء كما أبدلت من الياء في نحو فرازنة وجحاجحة كما يجئ، وإنما أبدلت منها لتشابه الياء والتاء في كونهما للوحدة كتمرة ورومي، وللمبالغة كعلامة ودوارى، ولكونهما زائدتين لا لمعنى في بعض المواضع كظلمة وكرسي، وقد تحذف ياء النسب إذا جمع الاسم جمع السلامة بالواو والنون لكن لا وجوبا كما في جمع التكسير، وإنما يكون هذا في اسم تكسيره - لو جمع - على وزن الجمع الاقصى كالاشعرون والاعجمون في جمع أشعرى وأعجمي وكذا المقتوون والمقاتوة في جمع مقتوى، قال: * متى كنا لامك مقتوينا * والتاء في مثل هذا المكسر لازمة، لكونها بدلا عن الياء ولو كان جمع المعرب أو جمع المنسوب غير الجمع الاقصى لم تأت فيه بالتاء فلا تقول في جمع فارسي: (*)

[ 163 ]

[... ]


فرسة، بل فرس، ولا في جمع لجام: لجمة، بل لجم، وكأن اختصاص الاقصى بذلك ليرجع الاسم بسبب التاء إلى أصله من الانصراف " اه‍. وقال أيضا في باب جمع السلامة (ح 2 ص 172) ما نصه: " وحكى عن أبى عبيدة وأبى زيد جعل نون مقتوين معتقب الاعراب، ولعل ذلك لان القياس مقتويون - بياء النسب - فلما حذف ياء النسب صار مقتوون كقلون وقوله: * متى كنا لامك مقتوينا * الالف فيه بدل من التنوين إن كان النون معتقب الاعراب، وإلا فالالف للاطلاق، وحيا جميعا: رجل مقتوين، ورجلان مقتوين، ورجال مقتوين، قال أبو زيد: وكذا للمرأة والمرأتين والنساء، ولعل سبب تجرئهم على جعل مقتوين للمثنى والمفرد المذكر والمؤنث مع كونه في الاصل جمع المذكر كثرة مخالفته للجموع، وذلك من ثلاثة أوجه: كون النون معتقب الاعراب، وحذف ياء النسب الذى في الواحد وهو مقتوى، وإلحاق علامة الجمع بما بقى منه وهو مقتو مع عدم استعماله، ولو استعمل لقلب واوه ألفا فقيل: مقتى، ولجمع على مقتون - كأعلون - لا على مقتوون، وإنما قلنا: إن واحده مقتو المحذوف الياء كما قال سيبويه في المهلبون والمهالبة: إنه سمى كل واحد منهم باسم من نسب إليه، فكان كلا منهم مهلب، لان الجمع في الظاهر للمحذوف منه ياء النسب، ويجوز أن يقال: إن ياء النسب في مثل مقتوون والاشعرون والاعجمون حذف بعد جمعه بالواو والنون، وكان الاصل مقتويون وأشعريون وأعجميون، وحكى أبو زيد في مقتوين فتح الواو قبل الياء في من جعل النون معتقب الاعراب نحو مقتوين، وذلك أيضا لتغييره عن صورة الجمع بالكلية لما خالف ما عليه جمع السلامة " اه‍ وقال أبو الحس الاخفش في شرح نوادر أبى زيد (188): القياس - وهو مسموع من العرب أيضا - فتح الواو من مقتوين فنقول: مقتوين: فيكون الواحد مقتى فاعلم، مثل مصطفى فاعلم، ومصطفين إذا جمعت، ومن قال مقتوين فكسر الواو فانه يفرده في الواحد والتثنية والجمع والمؤنث، لانه عنده مصدر فيصير بمنزلة قولهم: رجل عدل وفطر وصوم ورضى وما أشبهه، وذلك أن المصدر لا يثنى ولا (*)

[ 164 ]

إجراؤه مجرى مقتوين كما ذكرنا في جمع السلامة، وقالوا: خنذوة (1) بالواو، لئلا يلتبس فعلوة القليل بفعلية الكثير كعفرية (2) ونفرية (3)


يجمع، لانه جنس واحد، فإذا قلت رجل عدل وما أشبهه فتقديره عندنا رجل ذو عدل فحذفت ذو وأقمت عدلا مقامه فجرى مجرى قوله عز وجل (واسأل القرية) وهذا في المصادر بمنزلة قولهم: إنما فلان الاسد وفلانة الشمس يريدون مثل الاسد ومثل الشمس، فإذا حذفوا مرفوعا جعلوا مكانه مرفوعا، وكذلك يفعلون في النصب والخفض فأما أبو العباس محمد بن يزيد فأخبرني أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوة، فهذا يدلك على أنه في هذه الحكاية غير مصدر وليس بجمع مطرد عليه باب، ولكنه بمنزلة الباقر والجامل والكليب والعبيد، فهذه كلها ما أشبهها عندنا أسماء للجميع وليست بمطردة، وهى - وإن كان لفظها من لفظ الواحد - بمنزلة نفر ورهط وقوم وما أشبهه، ويقال: مقت الرجل إذا خدم، فهذا بين في هذا الحرف " اه‍ (1) قال في اللسان: " والخنذوة (بضمتين بينهما سكون): الشعبة من الجبل، مثل بها سيبويه، وفسرها السيرافى. قال: ووجدت في بعض النسخ حنذوة (بالحاء المهملة)، وفى بعضها جنذوة (بالجيم المعجمة)، وخنذوة بالخاء معجمة أقعد بذلك يشتقها من الخنذيذ (وهو الجبل الطويل المشرف الضخم) وحكيت خنذوة - بكسر الخاء - وهو قبيح، لانه لا يجتمع كسرة وضمة بعدها واو، وليس بينهما إلا ساكن، لان الساكن غير معتد به، فكأنه خذوة (بكسر الخاء وضم الذال) وحكيت: جنذوة وخنذوة وحنذوة (بكسر الاول والثالث وسكون الثاني في الجميع) لغات في جميع ذلك، حكاه بعض أهل اللغة، وكذلك وجد في بعض نسخ كتاب سيبويه، وهذا لا يعضده القياس ولا السماع، أما الكسرة فانها توجب قلب الواو ياء وإن كان بعدها ما يقع عليه الاعراب وهو الهاء، وقد نفى سيبويه مثل ذلك، وأما السماع فلم يجئ لها نظير، وإنما ذكرت هذه الكلمة بالحاء والخاء والجيم، لان نسخ كتاب سيبويه اختلفت فيها " اه‍ (2) العفرية: الخبيث المنكر، وأسد عفرية: شديد. انظر (ح 1 ص 255، 256) (3) نفرية: إتباع لعفرية، يقال: عفرية نفرية، كما يقال: عفريت نفريت (*)

[ 165 ]

وهبرية (1) ونحوها، ولو خففت رضى وغزى قلت: رضى وغزى، كما تقول في علم وعصر: علم وعصر، ولا ترد الياء إلى أصلها من الواو مع زوال الكسرة في التخفيف، لعروض زوالها، وقالوا: رضيوا وغزيوا، فاعتد بالكسرة المقدرة من جهة قلب الواو ياء، ولم يعتدوا بها من جهة إثبات ضمة الياء، ولو اعتدوا بها من كل جهة لقيل: رضوا وغزوا، استثقالا لضمة الياء بعد الكسرة، فلم يتبين كون الواو لاحقا برضى وغزى المخففين، وثانيهما: أن تكون عينا في اسم محمول على غيره، كما في قيام وديار ورياض، على ما مضى وأما الياء المتحركة المضموم ما قبلها فإن لم تقع لاما ولم تنكسر كما في هيام وعيبة وعين (2) جمع عيان لم تقلب واوا، لتقويها بالحركة مع توسطها، وإن انكسرت كما في بيع فقد مضى حكمها (3) وإن وقعت لاما فان كان يلزمها الفتح قلبت الياء واوا لانضمام، ما قبلها، لان الاخر محل التغيير، وبلزوم الفتح لا يستثقل في الاخير واو مضموم ما قبلها، كما لم يستثقل في هو، وذلك إما في الفعل كرمو الرجل زيد، من الرمى، وإن خففت ضمة العين لم تتغير الواو، لعروض التخفيف تقول: رمو الرجل، كما تقول في ظرف ظرف، أو في الاسم، وإنما يكون ذلك فيه إذا جاء بعدها زائد لازم موجب لفتح ما قبله كأرموان، من الرمى على وزن أسحمان (4) فلم يستثقل، كما لم يستثقل في عنفوان وأقحوان وقمحدوة لكون الواو كأنها ليست لاما، وكرموة على وزن فعلة من رميت، إذا لزم التاء، وإن لم تلزم قلت رمية ورم، بقلب الواو ياء والضمة كسرة لكونها


(1) هبرية - كشرذمة -: ما طار من زغب القطن، وما طار من الريش أيضا، وما يتعلق بأسفل الشعر من وسخ الرأس (2) انظر (ص 87 من هذا الجزء) (3) انظر (ص 86 من هذا الجزء) (4) انظر (ح 2 ص 395) (*)

[ 166 ]

في حكم المتطرفة، وكذا إذا كانت ضمة ما قبل الياء المتحركة على واو وجب قلب الضمة كسرة، وإن لزم الحرف الذى يلى الياء، نحو طويان بكسر الواو على وزن فعلان - بضم العين - من طوى ومطوية على وزن مسربة منه (1)، لان نحو قوونا تقلب واوه الاخيرة ياء كما يجئ، فكيف تقلب ياء طويان واوا ؟ وإن لم يلزمها الفتح كالتجاري والتمارى قلبت الضمة كسرة، ولم تقلب الياء واوا، لاستثقال كون أثقل حروف العلة: أي الواو، وقبلها أثقل الحركات: أي الضمة، موردا للاعراب، وأما بهو الرجل يبهو بمعنى بهى يبهى أي صار بهيا كما ذكرنا في أول الكتاب، فانما قلبت ياء بهو واوا مع كونه موردا للاعراب، لما ذكرنا هناك فليرجع (2) إليه، وكذا تقلب الضمة كسرة إذا كانت الياء التى هي مورد للاعراب مشددة نحو رمى، على وزن قمد (3) من الرمى قوله " أو رابعة فصاعدا " تقلب الواو الرابعة فصاعدا المفتوح ما قبلها المتطرفة ياء بشرطين: أحدهما أن لا يجوز قلبها ألفا إما لسكون الواو كما في أغزيت واستغزيت، أو للالباس كما في يغزيان ويرضيان وأعليان، على ما تقدم، وذلك أن قصدهم التخفيف، فما دام يمكنهم قلبها ألفا لم تقلب ياء، إذ الالف أخف، وثانيهما: أن لا يجئ بعدها حرف لازم يجعلها في حكم المتوسط، كما جاء في مذروان (4) وإنما قلبت الواو المذكورة ياء لوقوعها موضعا يليق به الخفة، لكونها


(1) المسربة - بضم الراء، وتفتح -: الشعر الدقيق النابت وسط الصدر إلى البطن، وفى الصحاح: الشعر المستدق الذى يخرج من الصدر إلى السرة، قال سيبويه " ليست المسربة على المكان ولا المصدر، وإنما هي اسم الشعر " (2) انظر (ح 1 ص 73، 76) (3) انظر (ح 1 ص 53) (4) المذروان: طرفا الالية، وذلك مما لا يستعمل إلا مثنى، وتقول: جاء فلان ينفض مذرويه، إذا جاءك باغيا متهددا، قال عنترة بن شداد العبسى يخاطب عمارة بن زياد العبسى: أحولى تنفض استك مذرويها * لتقتلني فهأنذا عمارا (*)

[ 167 ]

رابعة ومتطرفة وتعذر غاية التخفيف، أعنى قلبها ألفا، (لسكونها لفظا أو تقديرا) كما ذكرنا، فقلبت إلى حرف أخف من الواو، وهو الياء، وقيل: إنما قلبت الواو المذكورة ياء لانقلابها ياء في بعض التصرفات، نحو أغزيت وغازيت، فإن مضارعهما أغزى وأغازى، وأما في تغزيت وتغازيت فإنه وإن لم تقلب الواو ياء في مضارعيهما: أعنى أتغزى وأتعازى، لكن تعزيت وتغازيت فرعا أغزيت وغازيت المقلوب واوهما ياء، وهذه علة ضعيفة كما ترى لا تطرد في نحو الاعليان، ولو كان قلب الواو ياء في المضارع يوجب قلبها في الماضي ياء لكان قلبها يا في نفس الماضي أولى بالايجاب، فكان ينبغى أن يقال غزيت، لقولهم غزى، وأيضا المضارع فرع الماضي لفظا فكيف انعكس الامر ؟ فكان على المصنف أن يقول: ولم يضم ما قبلها ولم يجز قبلها ألفا، ليخرج نحو أغزى، وليس أيضا قوله " ولم ينضم ما قبلها " على الاطلاق، بل الشرط أن لا ينضم ما قبلها في الفعل نحو يغزو ويدعو، وأما في الاسم فيقلب ياء نحو الادلى جمع الدلو والتغازى، وكان الاولى به أن يقول مكان قوله ولم ينضم ما قبلها: وانفتح ما قبلها، وأن يؤخر ذكر نحو يدعو إلى قوله " وتقلب الواو طرفا بعد ضمة " كما نذكر، وقوله " وقنية (1) وهو ابن عمى دنيا (2) شاذ " وذلك لانك قلبت الواو


(1) القنية - بكسر القاف وضمها -: ما يقتنيه الانسان لنفسه لا للتجارة، ويقال فيه: قنوة - بكسر أوله وضمه، انظر (ح 2 ص 43). هذا ما ذكره الكوفيون فهى عندهم ذات وجهين، فلا شذوذ فيه، ولم يحك البصريون إلا الواوى فقنية - بالكسر - شاذ عندهم لعدم اتصال الكسرة بالواو. وقنية - بضم القاف -: فرع قية - بكسرها - ضموا بعد قلب الواو ياء (2) يقولون: هو ابن عمى أو ابن خالي أو عمتى أو خالتي أو ابن أخى أو أختى دنية ودنيا - بكسر الدال فيهما مع تنوين المقصور وترك تنوينه - ودنيا - بضم الدال غير منون -: أي لاصق القرابة، وفى معناه هو ان عمى لحا (*)

[ 168 ]

التى هي لام ياء مع فصل الساكن بينها وبين الكسرة (قبلها)، ووجه ذلك مع شذوذه كون الواو لاما وكون الساكن كالعدم، وقنية من الواوى، لقولك: قنوت، والاولى أن يقال: هو من قنيت، لان لامه ذات وجهين، ومنه قنيان بضم القاف. قوله " وطيئ تقلب " قد مضى شرحه في هذا الباب، وهذا حكم مطرد عندهم: سواء كان أصل الياء الواو، كما في رضى ودعى، أولا، نحو بقى. قوله " وتقلب الواو طرفا بعد ضمة " إلى قوله " كالقوباء والخيلاء " إذا وقعت الواو لاما بعد ضمة أصلية طرفا كما في الادلو، أو في حكم الطرف: بأن يأتي بعدها حرف غير لازم، كتاء التأنيث غير لازمة نحو التغازية أو ألف تثنية كالتغازيان في مثنى التغازى، وكان ذلك في اسم متمكن، وجب قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة، لان الواو المضموم ما قبلها ثقيل على ثقيل، ولا سيما إذا تطرفت، وخاصة في الاسم المتمكن، فإنه إذن موطئ أقدام حركات الاعراب المختلفة، فتقلب الواو ياء ثم تقلب الضمة كسرة، ولا يبتدأ بقلب الضمة كسرة لان تخفيف الاخر أولى، فإذا لم تكن لاما وانفتحت نحو القوباء لم تقلب ياء، وكذا إذا انضمت فإن سكن ما بعدها نحو الحوول جاز إبقاؤها وجاز قلبها همزة، وإن تحرك جب إسكانها كالنور في جمع نوار، وإن انكسرت بقيت بحالها نحو أود على وزن أكرم من الود، وأما قيل - وأصله قول - فلما مر في شرح الكافية (1) وكذا إذا كانت لاما لكن بعدها حرف لازم كتاء التأنيث في نحو عنصوة وقمحدوة، والالف والنون لغير المثنى كافعوان وأقحوان، لم تقلب ياء، إلا أن تكون الضمة قبل الواو على واو أيضا، فانه تقلب الواو ياء لفرط الثقل، وإن وليها حرف لازم نحو قوية وقويان على وزن سمرة وسبعان، ولا يدغم، لان الاعلال قبل


(1) قد ذكرنا ذلك قريبا فارجع إليه في (ص 83 من هذا الجزء) (*)

[ 169 ]

الادغام، وكذا لا تقلب الواو ياء إذا لم تكن الضمة لازمة نحو أبوك وفوك وأخوك، وكذا خطوات فإن الالف والتاء غير لازمة كتا تغازية، لكن ضمة الطاء عارضة في الجمع، ويجوز إسكانها، وكذا لا تقلب إذا كانت في الفعل كسرو ويسرو ويدعو، وذلك لان الفعل وإن كان أثقل من الاسم فالتخفيف به أولى وأليق، كما تكرره ذكره، ولكن صيرورة الكلمة فعلا ليست إلا بالوزن، كما تقدم، لان أصله المصدر كما تقرر، وهو ينتقل إلى الفعلية بالبنية فقط، فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من المادة والصورة، فلما كانت الفعلية تحدث بالبنية فقط واختلاف أبنية الافعال الثلاثية وتمايز بعضها عن بعض بحركة العين فقط، احتاطوا في حفظ تلك الحركة، ولذلك لا تحذف إذا لم يتميز بالنقل إلى ما قبلها كما في قلت وبعت، بخلاف هبت وخفت وطلت ويقول ويخاف، على ما تبين في أول الكتاب، ولذلك قالوا رمو الرجل، بخلاف نحو الترامي، فثبت أنه لا يجوز كسر ضمة سرو ويدعو لئلا يلتبس بناء ببناء، وكذا لا تقلب ياء إذا كانت في اسم وتلزمها الفتحة، نحو هو، لم يأت إلا هذا، وإنما اغتفر ذلك فيه لقلة الثقل، بكونه على حرفين، ولزوم الفتح لواوه، والتباسه بالمؤنث لو قلبت. وإنما ذكر الخيلاء مع القوباء - مع أن كلامه في الواو المضموم ما قبلها دون الياء المضموم ما قبلها - لان الياء المضموم ما قبلها في حكم الواو المضموم ما قبلها، في وجوب قلب الضمة معها كسرة، حيث يجب قلب ضمة ما قبل الواو كالترامي والترامية، على ما قدمنا، وعدم وجوب قلبها حيث لا يجب قلبها مع الواو، وقال الفراء: سيراء (1) في الاصل فعلاء، بالضم، فكسر لاجل الياء،


(1) السيراء - بكسر السين وفتح الياء، وتسكن -: ضرب من البرود، وقيل: هو ثوب فيه خطوط كالسيور تعمل من القز، وقيل: برود يخالطها حرير، وقيل: هي ثياب من ثياب اليمن، والسيراء أيضا: الذهب، وقيل: الذهب الصافى، وقال (*)

[ 170 ]

كما تقول بيوت وعيون وبييت وعيين، في الجمع والتصغير، قال السيرافى: الذى قاله ليس ببعيد لانا لم نر اسما على فعلاء - بكسر الفاء - إلا العنباء بمعنى العنب والسيراء والحولاء (1) بمعنى الحولاء - بضم الحاء - قوله " ولا أثر للمدة الفاصلة في الجمع " اعلم أن الواو المتطرفة المضموم ما قبلها في الاسم المتمكن، إن كانت مشددة قوية بعض القوة، ثم: إما أن يجب القلب مع ذاك، أو يكون أولى، أو يكون تركه أولى. فما يجب فيه قلبها شيئان: أحدهما: ما تكون الضمة فيه على الواو أيضا كما تقول غزوى على وزن عصفور من الغزو، ومنه مقوى مفعول من القوة،


الجوهرى: والسيراء - بكسر السين وفتح الراء والمد -: برد فيه خطوط صفر، قال النابغة: صفراء كالسيراء أكمل خلقها * كالغصن في غلوائه المتأود وفى الحديث " أهدى إليه أكيدر دومة حلة سيراء " قال ابن الاثير: هو نوع من البرود يخالطه حرير كالسوير، وهو فعلاء من السير القد (أي الجلد). قال: هكذا روى على هذه الصفة. قال: وقال بعض المتأخرين إنما هو على الاضافة، واحتج بأن سيبويه قال: لم تأت فعلاء صفة لكن اسما، وشرح السيراء بالحرير الصافى، ومعناه حلة حرير، وفى الحديث: أعطى عليا بردا سيراء، وقال: اجعله خمرا، وفى حديث عمر: رأى حلة سيراء تباع، والسيراء أيضا: ضرب من النبت، والجريدة من جرائد النخل، ثم انظر (ج 2 ص 330) (1) الحولاء - بكسر الحاء، وضمها، مع فتح الواو فيهما -: جلدة خضراء مملوءة ماء تخرج مع الولد، فيها خطوط حمر وخضر، وقد قالوا: نزلوا في مثل حولاء الناقة، يريدون الخصب وكثرة الماء والخضرة، وفى القاموس: " والحولاء كالعنباء والسيراء، ولا رابع لها " اه‍ (*)

[ 171 ]

والثانى جمع على فعول كجاث وجثى (1) وعصا وعصى، ومنه قسى بعد القلب، وقد شذ نحو جمع نحو، يقال: إنه لينظر في نحو كثيرة: أي جهات، وكذا نجو جمع نجو، وهو السحاب، وبهو، جمع بهو وهو الصدر، وأبو وأخو، جمع أب وأخ، ولا يقاس عليه، خلافا للفراء. وما كان القلب فيه أولى ويجوز تركه: فهو كل مفعول ليس الضمة فيه على الواو، لكنه من باب فعل بالكسر، نحو مرضى، فإنه أكثر من مرضو، إتباعا للفعل الماضي. وما كان ترك القلب فيه أولى كل مصدر على فعول كجثو وعتو، ومن قلب فلاعلال الفعل، فان لم تتطرف الواو لم تقلب كالاخوة والابوة وندر القلب في أفعول وأفعولة كأغزو وأغزوة، وقد جاء أدعوة وأدعية (2) ومنه الادحى (3) وكذا في الفعول والفعولة، ويجوز أن يكون الالية بمعنى القسم فعولة وفعيلة، وهو واوى (4)، لقولهم الالوة بمعناه، وكذا في اسم مفعول


(1) جاث: اسم فاعل من جثا يجثو ويجثى، كدعا وكرمى - ومعناه جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، والجثى: جمع الجاثى، وأصله جثوو فقلبت الواو المتطرفة ياء، ثم قلبت الواو قبلها ياء أيضا لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم قلبت ضمة الثاء كسرة (2) يقال: بينهم أدعية يتداعون بها - بضم الهمزة وسكون الدال وكسر العين مع تشديد الياء - والادعوة: مثله، هي الاغلوطة، وذلك نحو قول الشاعر: أدعيك ما مستحقبات مع السرى * حسان وما آثارها بحسان أراد السيوف (3) الادحى والادحية - بضم الهمزة أو كسرها مع سكون الدال وكسر الحاء - ويقال: أدحوة، وهى مبيض النعام في الرمل، سميت بذلك لان النعامة تدحو الرمل: أي تبسطه برجلها ثم تبيض فيه، وليس للنعام عش (6) الالية - بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء -: اليمين، قال الشاعر: على ألية إن كنت أدرى * أينقص حب ليلى أم يزيد (*)

[ 172 ]

ليس الضمة فيه على الواو، ولا هو من باب فعل بالكسر، كمغزو، ويقال: أرض مسنوة (1) ومسنية، قال: 148 - * أنا الليث معديا عليه وعاديا (2) * وقد يعل الاعلال الذى لامه همزة، وذلك بعد تخفيف الهمزة، كقولهم.


وقال الاخر: قليل الالالياء حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الالية برت والالوة: بمعناه، والذى يتجه عندنا أن الالية فعيلة، وأصلها أليوة، فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم أدغمتا، ويبعد عندنا أن تكون فعولة، لانه كان يجب أن يقال: ألوة - كعدوة - والقول بأن الواو قلبت ياء شذوذا لا داعى له ما دام للكلمة محمل صحيح (1) أصل هذه الكلمة من السانية، وهى الدلو العظيمة التى يستقى بها، والسانى الساقى، وتقول: سنا الارض يسنوها، إذا سقاها، وأرض مسنوة ومسنية: اسما مفعول من ذلك. قال في اللسان: " ولم يعرف سيبويه سنيتها، وأما مسنية عنده فعلى يسنوها، وإنما قلبوا الواو ياء لخفتها وقربها من الطرف " اه‍ (2) هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثى، وصدره قوله: * وقد علمت عرسي مليكة أننى * والبيت من قصيدة طويلة له يقولها وهو أسير عند تيم الرباب يوم الكلاب، ومطلعها قوله: ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا * فما لكما في اللوم خير ولا ليا وعرس الرجل - بكسر فسكون - امرأته، ومليكة: اسمها، وهو بضم أوله وفتح ثانيه، والاستشهاد بالبيت في قوله " معديا " حيث جاء به معلا، وهو من عدا يعدو، وكان حقه أن يقول: معدوا، كما تقول دعوته فهو مدعو وغزوته فهو مغزو، ولكنه شبهه بالجمع فأعله، ومنهم من يجعله جاريا على عدى المبنى للمجهول: أي فلما أعل فعله أعل هو حملا عليه كما قالوا: مرضى، لقولهم رضى: بالاعلال. (*)

[ 173 ]

مخبى (1)، والاصل مخبو وقد جاء في جمع فتى مع كونه يائيا فتو شاذا (2)، كما شذ نحو لعدم قلب الواو ياء. ويجوز لك في فاء مفعول: جمعا كان، أو غيره، بعد قلب الواو ياء، أن تتبعه العين، وأن لا تتبعه، نحو عنى ودلى. ويجوز لك في عين فعل جمعا من الاجوف الواوى نحو صوم وقول قلبها ياء، نحو صيم وقيل، والتصحيح أولى، وإنما جاز لك لكونه جمعا، ولقرب الواو من الطرف. ولا يجوز في حول حيل (3) لكونه مفردا، وحكم المصنف قبل هذا بشذوذ قلب واو نحو صوم ياء هذا القلب، وكلام سيبويه يشعر بكونه قياسا، وأما قوله: * فما أرق النيام إلا سلامها (4) * فشاذ، للبعد من الطرف. قال: " وتقلبان همزة إذا وقعتا طرفا بعد ألف زائدة نحو كساء ورداء بخلاف راى وثاى، ويعتد بتاء التأنيث قياسا نحو شقاوة وسقاية، ونحو صلاءة وعظاءة وعباءة شاذ " أقول: إنما تقلب الواو والياء المذكورتان ألفا ثم همزة لما ذكرنا قبل في قلب الواو والياء (ألفا) لتحركهما وانفتاح ما قبلها، ثم يجتمع الساكنان، فلا يحذف


(1) أصل مخبى مخبوء اسم مفعول من خبأته مهموز اللام، فخففت الهمزة في اسم المفعول بقلبها واوا، ثم أدغمت في واو مفعول فصار مخبوا، ثم أعل شذوذا بقلب الواو ياء: إما حملا له على الجمع، وإما إجراء له عل خبى مخفف خبئ، على نحو ما ذكرناه في معدى (2) انظر (ج 2 ص 257 و 258) (3) الحول - كسكر - الشديد الاحتيال (4) (انظر ص 143 من هذا الجزء) (*)

[ 174 ]

الاول مع كونه مدة، لئلا يلتبس بناء ببناء، بل يقلب الثاني إلى حرف قابل للحركة مناسب للالف، وهو الهمزة، لكونهما حلقيين، إذ الاول مدة لاحظ لها في الحركة، ولا سبيل إلى قلب الثاني واوا أو ياء، لانه إنما فر منهما، ولكون تحرك الواو والياء وانفتاح ما قبلهما سببا ضعيفا في قلبهما ألفا، ولا سيما إذا فصل بينهما وبين حة ألف يمنعه عن التأثير وقوع حرف لازم بعد الواو والياء، لان قلبهما ألفا مع ضعف العلة إنما كان لتطرفها، إذ الاخر محل التغيير، وذلك الحرف نحو تاء التأنيث إذا لزمت الكلمة كالنقاوة (1) والنهاية، وألف التثنية إذا كان لازما كالثنايان (2) إذ لم يأت ثناء للواحد، والالف والنون لغير التثنية كغزوان ورمايان على وزن سلامان (3) من الغزو والرمى، فإن كانت التاء غير لازمة - وهى التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث في الصفات - كسقاءة وغزاءة لقولهم: سقاء وغزاء، وتاء الوحدة القياسية نحو استقاءة واصطفاءة، أو ألف المثنى غير اللازمة نحو كساءان ورد امان، قلبتا، لكونهما كالمتطرفتين، وإنما جاز عظاءة وعظاية (4)


(1) انظر (ج 1 ص 156) (2) انظر (ص 60 من هذا الجزء) (3) سلامان: وردت هذه الكلمة مضبوطة بضبط القلم في نسخ القاموس بضم السين، وفى اللسان ضبطت بالفتح بضبط القلم أيضا، وصرت ياقوت في المعجم بأنها بفتح السين أو كسرها، والسلامان: شجر، واسم ماء لبنى شيبان، وبطنان: أحدهما في قضاعة، والاخر في الازد (4) العظاءة - بظاء مشالة مفتوحة وبالمد، ويقال فيها عظاية بالياء -: دويبة أكبر من الوزغة، وتسمى شحمة الارض، وهى أنواع كثيرة منها الابيض والاحمر والاصفر والاخضر، وكلها منقطة بالسواد، قال في اللسان: " قال ابن جنى: وأما قولهم عظاءة وعباءة وصلاءة فقد كان ينبغى لما لحقت الهاء آخرا وجرى (*)

[ 175 ]

[.... ]


الاعراب عليها وقويت الياء بعدها عن الطرف، ألا تهمز، وألا يقال إلا عظاية وعباية وصلاية، فيقتصر على التصحيح دون الاعلال، وألا يجوز فيه الامران، كما اقتصر في نهاية وغباوة وشقاوة وسعاية ورماية على التصحيح دون الاعلال، إلا أن الخليل رحمه الله قد علل ذلك فقال: إنهم إنما بنوا الواحد على الجمع، فلما كانوا يقولون عظاء وعباء وصلاء فيلزمهم إعلال الياء لوقوعها طرفا أدخلوا الهاء وقد انقلبت اللام همزة فبقيت اللام معتلة بعد الهاء كما كانت معتلة قبلها، قال: فان قيل: أو لست تعلم أن الواحد أقدم في الرتبة من الجمع وأن الجمع فرع على الواحد ؟ فكيف جاز للاصل وهو عظاءة أن يبنى على الفرع وهو عظاء ؟ وهل هذا إلا كما عابه أصحابك على الفراء في قوله: إن الفعل الماضي إنما بنى على الفتح لانه حمل على التثنية، فقيل: ضرب لقولهم: ضربا، فمن أين جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع ؟ ولم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية ؟ فالجواب أن الانفصال من هذه الزيادة يكون من وجهين: أحدهما أن بين الواحد من المضارعة ما ليس بين الواحد والتثنية، ألا تراك تقول: قصر وقصور، وقصرا وقصورا، وقصر وقصور، فتعرب الجمع إعراب الواحد، وتجد حرف إعراب الجمع حرف إعراب الواحد، ولست تجد في التثنية شيئا من ذلك، إنما هو قصران أو قصرين، فهذا مذهب غير مذهب قصر وقصور، أو لا ترى إلى الواحد تختلف معانيه كاختلاف معاني الجمع لانه قد يكون جمع أكثر من جمع كما يكون الواحد مخالفا للواحد في أشياء كثيرة، وأنت لا تجد هذا إذا ثنيت، إنما تنتظم التثنية ما في الواحد البتة، وهى لضرب من العدد البتة، لا يكون اثنان اكثر من اثنين كما تكون جماعة أكثر من جماعة، هذا هو الامر الغالب، وإن كانت التثنية قد يراد بها في بعض المواضع أكثر من الاثنين فان ذلك قليل لا يبلغ اختلاف أحوال الجمع في الكثرة والقلة، فلما كانت بين الواحد والجمع هذه النسبة وهذه المقاربة جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع، ولما بعد الواحد من التثنية في معانيه ومواقعه لم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية، كما حمل الخليل الواحد على الجماعة " اه‍ (*)

[ 176 ]

وعباءة (1) وعباية وصلاءة وصلاية (2) بالهمز والياء - وإن كانت التاء فيها أيضا للوحدة كما في استقاءة واصطفاءة - لكون تاء الوحدة في المصدر قياسية كثيرة، فعروضها ظاهر، بخلاف اسم العين، فان ما يكون الفرق بين مفرده وجنسه بالتاء (منه) سماعي قليل: من المخلوقات كان أو من غيرها، كتمرة وتفاحة وسفينة ولبنة، فجاز الهمزة في الاسماء الثلاثة نظر إلى عدم لزوم التاء، إذ يقال: عباء، وعظاء، وصلاء، في الجنس، وجاز الياء لان الاصل لزوم التاء، إذ ليست قياسية كما قلنا، فصارت كتاء النقاوة والنهاية، ولكون تاء الوحدة في اسم العين كاللازمة جاز قلنسوة (3) وعرقوة، (4)، وإن كان اسم الجنس منهما قلنسيا وعرقيا، وليس شقاوة وشقاء كعظاية وعظاء، إذ ليس شقاوة للواحد وشقاء للجنس، بل كل منهما للجنس، وقياس الوحدة الشقوة، فليس أصل شقاوة شقاء ثم زيدت التاء، فلهذا ألزمته الواو دون عباءة وعباية نحو غباوة، وإنما منع وقوع حرف لازم عن القلب في باب شقاوة وخزاية (5) وباب قمحدوة (6) ولم يمنع في باب غزيان وغزية فعلان وفعلة - بكسر العين - وإن جعلنا الالف والتاء فيه لازمين أيضا، لقوة علة القلب في الاخير دون الاولين، ولذلك قلبت الواو مع فصل حرف صحيح بين الكسرة وبينها في نحو دنيا. قوله " بعد ألف زائدة " لانها تكون إذن كالعدم، فيكون الواو والياء


(1) العباءة والعباية: ضرب من الاكسية واسع فيه خطوط سود كبار (2) الصلاية الصلاءة: مدق الطيب، انظر (ح 2 ص 130) (3) القلنسوة: من لباس الرأس (انظر ج 2 ص 377) (4) العرقوة: خشبة في فم الدلو يمسك منها (5) الخزاية: الاستحياء (6) انظر (ج 2 ص 46) (*)

[ 177 ]

المتحركتان كأنهما وقعتا بعد فتحة، وأما رأى (1) وثاى (2) فالالف - لانقلابها عن حرف أصلى - معتد بها قوله " ونحو عظاءة وصلاءة وعباءة شاذ " قد ذكرنا ما يخرجها عن الشذوذ، ولو اتفق غير هذه الثلاثة في مثل حالها من غير المصادر المزيد فيها لجاز فيه أيضا الوجهان قياسا، والهمزة في نحو علباء (3) وحرباء (4) من الملحقات أصلها الالف المنقلبة عن الياء الزائدة للالحاق، بدليل تأنيثهم لمثلها كدرحاية (5) ودعكاية (6) والتاء لازمة كما في خزاية، فلذا لم تقلب الياء، بخلاف حرباءة (4) قال: " وتقلب الياء واوا في فعلى اسما كتقوى ويقوى، بخلاف الصفة، نحو صديا وريا، وتقلب الواو في فعلى اسما كالدنيا والعليا، وشذ نحو القصوى وحروى، بخلاف الصفة كالغزوى، ولم يفرق في فعلى من الواو نحو دعوى وشهوى، ولا في فعلى من الياء نحو الفتيا والقضيا " أقول: الناقص إن كان على فعلى - بفتح الفاء -: فإما أن يكون واويا، أو يائيا، والواوي لا تقلب واوه ياء، لا في الاسم كالدعوى والفتوى، ولا في الصفة نحو شهوى مؤنث شهوان، لاعتدال أول الكلمة وآخرها بالفتحة والواو، فلو قلبت ياء لصار طرفا الكلمة خفيفين، وأما اليائى منه فقصد فيه التعديل أولا


(1) الراى: اسم جنس جمعى واحده راية، وفى بعض النسخ " زاى " وهى صحيحة أيضا (2) الثاى: اسم جنس جمعى واحده ثاية، وهى علم صغير (انظر ص 118 من هذا الجزء) (3) العلباء: عصب عنق البعير (انظر ح 2 ص 55) (4) الحرباء: ذكر أم حبين (انظر ج 2 ص 55) (5) الدرحاية: الرجل الكثير اللحم القصير (انظر ج 2 ص 43) (6) الدعكاية: الرجل الكثير اللحم طال أو قصر (*)

[ 178 ]

فعدل الاسم الذى هو أسبق من الصفة بقلب يائه واوا، فلما وصل إلى الصفة خليت بلا قلب، للفرق قوله " البقوى " من الابقاء، وهو الرحمة والرعاية، ولا استدلال في ريا، لجواز أن يكون قلب واوه ياء لاجتماع الواو والياء وسكون أسبقهما (1) وإذا كان الناقص على فعلى - بضم الفاء - فلا يخلو: إما أن يكون واويا، أو يائيا، وكل واحد منهما إما اسم، أو صفة، فالثاني لا تقلب لامه: اسما كان أو صفة، لحصول الاعتدال في الكلمة بثقل الضمة في أولها وخفة الياء في آخرها، فلو قلبت واوا لكان طرفا الكلمة ثقيلين، وأما الواوى فحصل فيه نوع ثقل بكون الضمة في أول الكلمة والواو قرب الاخر، فقصد فيه مع التخفيف الفرق بين الاسم والصفة، فقلبت الواو ياء في الاسم، دون الصفة، لكون الاسم أسبق من الصفة فعدل بقلب واوه ياء، فلما صل إلى الصفة خليت، لاجل الفرق بينهما. وذكر سيبويه من فعلى الاسمية الدنيا والعليا والقصيا، وإن كانت تأنيث الادنى والاعلى والاقصى أفعل التفضيل، إذ الفعلى الذى هو مؤنث الافعل حكمه عند سيبويه حكم الاسماء، لانها لا تكون وصفا بغير الالف واللام، فأجريت مجرى الاسماء التى لا تكون وصفا (بغير الالف واللام)، كما تقدم في هذا الباب، فعلى هذا في جعل المصنف القصوى اسما والغزوي (والقضيا تأنيثى الاغزى والاقضى صفة نظر، لان القصوى (أيضا) تأنيث الاقصى، قال سيبويه: وقد قالوا القصوى فلم يقلبوا واوها ياء، لانها قد تكون صفة بالالف واللام، فعلى مذهب


(1) نقول: بل يستدل بريا على أن لام الصفة التى على فعلى - بالفتح - إن كانت ياء لم تقلب واوا، للفرق بين الاسم والصفة، وذلك لان أصله رويا، بزنة عطشى ولو قلبت لقيل روى - بتشديد الواو - ولما لم تقلب اللام واوا قلبت العين التى هي واو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، فهذا القلب لم يحصل إلا لانهم لم يقلبوا الياء التى هي لام واوا، ولو قلبوها لما وجد المقتضى لقلب الواو ياء (*)

[ 179 ]

سيبويه الغزوى وكل مؤنث لافعل التفضيل لامه واو قياسه الياء، لجريه مجرى الاسماء، قال السيرافى: لم أجد سيبويه ذكر صفة على فعلى بالضم مما لامه واو إلا ما يستعمل بالالف واللام، نحو الدنيا والعليا، وما أشبه ذلك، وهذه عند سيبويه كالاسماء، قال: وإنما أراد أن فعلى من ذوات الواو إذا كانت صفة تكون على أصلها، وإن كان لا يحفظ من كلامهم شئ من ذلك على فعلى، لان القياس حمل الشئ على أصله حتى يتبين أنه خارج عن أصله شاذ عن بابه، وحزوى: اسم موضع وأما فعلى بكسر الفاء من الناقص فلا تقلب واوه ياء، ولا ياؤه واوا، سواء كان اسما أو صفة، لا ن الكسرة ليست في ثقل الضمة، ولا في خفة الفتحة، بل هي تتوسط بينهما، فيحصل لها اعتدال مع الياء ومع الواو، والاصل في قلب ياء فعلى - بالفتح - وواو فعلى - بالضم - إنما كان طلب الاعتدال، لا الفرق بين الوصف والاسم، ألا ترى إلى عدم الفرق بينهما في فعلى الواوى المفتوح فاؤه وفعلى اليائى المضموم فاؤه لما كان الاعتدال فيهما حاصلا ؟ وأما أمثلة فعلى الواوى بسكر الفاء اسما وصفة واليائى كذلك فعزيزة قال: " وتقلب الياء إذا وقعت بعد همزة بعد ألف في باب مساجد وليس مفردها كذلك ألفا، والهمزة ياء، نحو مطايا وركايا، وخطايا على القولين، وصلا يا جمع المهموز وغيره، وشوا يا جمع شاوية، بخلاف شواء جمع شائية من شأوت، وبخلاف شواء وجواء جمعى شائية وجائية على القولين فيهما، وقد جاء أداوى وعلاوي وهراوى مراعاة للمفرد " أقول: قد مر في باب تخفيف الهمزة شرح جميع هذا (1)، فلنشرح ههنا ألفاظ المصنف


(1) انظر (ص 59 - 62 من هذا الجزء) (*)

[ 180 ]

قول " في باب مساجد " أي: في باب الجمع الاقصى الذى بعد ألفه حرفان قوله " وليس مفردها كذلك " أي: ليس بعد ألف مفرده همزة بعدها ياء، احتراز عن نحو شائية وشواء من شأوت أو شئت، وإنما شرط في قلب همزة الجمع ياء ويائه ألفا أن لا يكون المفرد كذلك، إذ لو كان كذلك لترك في الجمع بلا قلب، ليطابق الجمع مفرده، ألا ترى إلى قولهم في جمع حبلى: حبالى، وفى جمع إداوة: أداوى (1)، وفى جمع شائية: شواء، تطبيقا للجمع بالمفرد ؟ وسيبويه لا يشترط في القلب المذكور أن لا يكون المفرد كذلك، بل يشترط فيه كون الهمزة في الجمع عارضة، فقال بناء على هذا: إن من ذهب مذهب الخليل في قلب الهمزة في هذا الباب كما في شواع (2) ينبغى أن يقول في فعاعل من جاء وساء جياء وسواء جمعى جئ وسئ كسيد، لان الهمزة على مذهب الخليل هي التى في الواحد، وليست عارضة وإنما جعلت العين التى أصلها الواو والياء طرفا، هذا كلامه، ومن لم يذهب مذهب الخليل من قلب الهمزة إلى موضع اللام يقول: جيايا وسوايا فان قيل: يلزم سيبويه أن يقول في جمع شائية من شئت: شوايا، لان الهمزة في الجمع عارضة عنده، كما هي عارضة في المفرد قلنا: إنه أراد بعروضها في الجمع أنها لم تكن في المفرد همزة، وهمزة شواء من شئت كانت في المفرد أيضا همزة، فلم تكن عارضة في الجمع بهذا التأويل ويلزم الخليل أن يقول في جمع خطيئة: خطاء، بناء على شرط سيبويه، إذ الهمزة على مذهب الخليل غير عارضة في الجمع، ولم يقل به أحد، فظهر أن الاولى أن يقال: الشرط أن لا يكون المفرد كذلك، حتى يطرد على مذهب الخليل


(1) أنظر (ج 1 ص 31) (2) أنظر (ج 1 ص 22) (*)

[ 181 ]

وغيره، فلا يقال: خطاء وجياء وسواء، على شئ من المذاهب، لان آحادها ليست كذلك قوله " مطايا وركايا " جمع مطية (1) وركية فعيلة من الناقص، وهما مثالان لشئ واحد، وأما خطايا فهو جمع خطيئة فعيلة من مهموز اللام، ففى مطايا كان بعد الالف همزة بعدها ياء، لان ياء فعيلة في الجمع الاقصى همزة، وكذا في خطايا على المذهبين: أما على مذهب سيبويه فلانك تقلب ياء فعيلة في الجمع همزة، فيجتمع همزتان متحركتان أولاهما مكسورة، فتقلب الثانية ياء وجوبا، وأما على مذهب الخليل فلان أصله خطايئ بياء بعدها همزة، ثم قلبت الهمزة إلى موضع الياء، فقوله خطايا " على القولين " أي: غلى قولى الخليل وسيبويه، فتقلب على المذهبين الهمزة ياء، والياء ألفا، لان واحده: أي خطيئة، لم يكن فيه ألف بعده همزة بعدها ياء، حتى يطابق به الجمع قوله " وصلايا جمع المهموز وغيره " أي: صلاية وصلاءة، لان جمع فعالة فعائل بالهمز (3) كحمائل، فيصير جمع صلاءة بهمزتين كجمع خطيئة عند غير الخليل، فتقلب الثانية ياء مثلها، وجمع صلاية صلائى بهمزة بعدها ياء قوله " فيهما " أي: في شواء جمع شائية من شئت مشيئة، وفى جواء جمع جائية من جئت مجيئا، وكلاهما من باب واحد، إذ هما أجوفان


(1) المطية: الدابة، سميت بذلك لانها تمطو في سيرها، أو لان الراكب يعلو مطاها، وهو ظهرها، فعلى الاول هي فعيلة بمعنى فاعلة، وعلى الثاني هي فعيلة بمعنى مفعولة، وأصلها على الوجهين مطيوة، قلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، ثم أدغمتا (2) الركية: البئر، فعيلة بمعنى مفعولة من ركاها يركوها، أي: حفرها (3) الحمائل: جمع حمالة - بزنة سحابة - وهى الدية، سميت بذلك لان أقارب القاتل يتحملونها (*)

[ 182 ]

مهموز اللام، فلم يحتج إلى قوله " فيهما " وليس القولان في شواء جمع شائية من شأوت، إذ لا قلب فيه عند الخليل، لانه إنما يقلب خوفا من اجتماع الهمزتين قوله " وقد جاء أداوى " كل ما كان في واحده ألف ثالثة بعدها واو وجمعته الجمع الاقصى قلبت ألفه همزة، كما تقلب في جمع رسالة، وقلبت الواو ياء، ثم قلبت الهمزة واوا، تطبيقا للجمع بالمفرد، وقد قالوا: هداوى في جمع هدية، قلبوا الهمزة واوا لوقوعها بين الالفين كما في حمراوان، وهو عند الاخفش قياسي، وعند غيره شاذ قال: " وتسكنان في باب يغزو ويرمى مرفوعين، والغازي والرامي مرفوعا ومجرورا، والتحريك في الرفع والجر في الياء شاذ، كالسكون في النصب والاثبات فيهما وفى الالف في الجزم " أقول: إنما سكن الواو في نحو يغزو، وهذا مختص بالفعل، لا يكون في الاسم، كما ذكرنا، لاستثقال الواو المضمومة بعد الضمة، إذ يجتمع الثقلاء في آخر الفعل مع ثقله، فخفف الاخير، وهو الضمة، لان الحركة بعد الحرف، وكذا تسكن الياء المضمومة بعد الكسرة، وهذا أقل ثقلا من الاول، ويكون في الاسم والفعل، نحو هو يرمى، وجاء الرامى، وإنما ذكر الغازى والرامي ليبين أن الياء التى أصلها الواو كالاصلية، وكذا تسكن الياء المكسورة بعد الكسرة، لاجتماع الامثال، كما في الواو المضمومة بعد الضمة، والاول أثقل، وهذا يكون في الاسم نحو بالرامي، وفى الفعل كارمى، وأصله أرميى قوله: " والتحريك في الرفع في الياء شاذ " أما الرفع فكقول الشاعر: 149 - * موالى ككباش العوس سحاح (1) *


(1) هذا عجز بيت من البسيط لجرير بن عطية، وصدره قوله: * قد كان يذهب بالدنيا وبهجتها * (*)

[ 183 ]

وقوم من العرب يجرون الواو والياء مجرى الصحيح في الاختيار، فيحركون ياء الرامى رفعا وجرا، وياء يرمى رفعا، وكذا واو يغزو رفعا، قال: 150 - * كجواري يلعبن بالصحراء * (1) قوله " كالسكون في النصب " أما في الواو فكقوله: 151 - فما سودتني عامر عن وراثة * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب (2) وأما في الياء فكقوله: فلو أن واش باليمامة داره * ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا (3)


وقوله " كاد " يروى في مكانه " كان " وقوله: " وبهجتها " يروى في مكانه " ولذتها " والموالي: جمع مولى، وله معان كثيرة منها السيد - وهو المراد هنا - والعبد وابن العم والناصر. والكباش: جمع كبش، والعوس: اسم مكان أو قبيلة، وسحاح: جمع ساح، وهو السمين، تقول: سحت الشاء تسح - بالكسر - سحوحا: أي سمنت. والاستشهاد بالبيت في قوله " موالى " حيث حرك الياء بالضم شذوذا (1) هذا عجز بيت من الكامل لم نعرف قائله، وصدره قوله: * ما إن رأيت ولا أرى في مدتي * ومعنى مفرداته واضح. والاستشهاد به في قوله " كجواري " حيث حرك الياء بالكسر شذوذا (2) هذا بيت من الطويل لعامر بن الطفيل الجعدى، وسودتنى جعلتني سيدا، وعامر قبيلة. والاستشهاد به في قوله: " أن أسمو " حيث سكن الواو في حال النصب وذلك شاذ (3) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه في (ح 1 ص 177). والاستشهاد به هنا في قوله " واش " حيث حذف الياء في حالة النصب كما تحذف في حالة (*)

[ 184 ]

وقوله: 152 - كأن أيديهن بالقاع القرق * أيدى جوار يتعاطين الورق (1) قوله " والاثبات فيهما " أما في الواو فكقوله: 153 - هجوت زبان ثم جئت معتذرا * من هجو زبان لم تهجو ولم تدع (2) وأما في الياء فكقوله: 154 - ألم يأتيك والانباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد (3)


الرفع والجر، ونريد أن ننبهك هنا على أن ابن قتيبة قد روى هذا البيت في الشعراء (ص 314). وكذلك أبو الفرج الاصفهانى في الاغانى (ح 2 ص 69 دار الكتب) * فلو كان واش باليمامة داره * فلا شاهد في البيت على هذه الرواية (1) نسب ابن رشيق هذا الشاهد إلى رؤبة بن العجاج، والضمير في " أيديهن " يرجع إلى الابل، والقاع: المكان المستوى، والقرق - ككتف -: الاملس، ويقال: هو الخشن الذى فيه الحصى. ويتعاطين: يناول بعضهن بعضا والورق: الفضة، والمراد الدراهم، والاستشهاد بالبيت في قوله " كأن أيديهن " حيث سكن الياء في حال النصب كما تسكن في حال الرفع، وهو شاذ (2) ينسب هذا البيت لابي عمرو بن العلاء، واسمه زبان، ويروى على هذا " هجوت " و " لم تهجو " بالخطاب، ومن الناس من ينسبه لشاعر كان يهجو أبا عمرو بن العلاء، ويرويه " هجوت " و " لم أهجو ولم أدع ". والاستشهاد بالبيت في قوله " لم أهجو " حيث أثبت الواو ساكنة مع الجازم وذلك شاذ (3) هذا البيت مطلع قصيدة لقيس بن زهير العبسى، والانباء: جمع نبأ (*)

[ 185 ]

فتقدر لاجل الضرورة الضمة في الواو والياء ليحذفها الجازم، لان الجازم لابد له من عمل، وتقديرها في الياء أكثر وأولى، لان الضمة على الواو أثقل منها على الياء. قوله " وفى الالف في الجزم " أي: إثبات الالف في الجزم كإثبات الواو والياء في الجزم كقوله: 155 - * ولا ترضاها ولا تملق (1) * وتقدير الضم في الالف أبعد، لانها لا تحتمل الحركة قال: " وتحذفان في نحو يغزون ويرمون واغزن واغزن وارمن وارمن " أقول: أصل يغزون يغزو، لحقه واو الجمع، فحذف الواو الاولى للساكنين وأصل يرمون يرمى، لحقه واو الجمع فحذف الياء للساكنين، ثم ضمت الميم لتسلم الواو، إذ هي كلمة تامة لا تتغير، أصل أغزن اغزوا، لحقه النون المشددة، فسقطت الواو للساكنين، وكذا اغزن وارمن، لان الاصل


وهو الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ خاص بما كان ذا شأن والخبر عام، وتنمى تزيد وتكثر، والباء في بما لاقت يقال: هي زائدة، و " ما " فاعلي يأتي، ويقال هي أصلية متعلقة بتنمى وفاعل " يأتي " على هذا ضمير مستتر عائد على مفهوم من المقام: أي ألم يأتيك هو: أي الخبر، واللبون: الناقة ذات اللبن. والاستشهاد بالبيت في قوله " ألم يأتيك " حيث أثبت الياء ساكنة مع الجازم الذى يقتضى حذفها، وهو شاذ (1) هذا بيت من مشطور الرجز، ينسب لرؤبة، وقبله: * إذا العجوز غضبت فطلق * وترضاها: أصله تترضاها فحذف إحدى التاءين. والاستشهاد به في هذا اللفظ حيث أثبت الالف مع لا الناهية الجازمة التى تقتضي حذف حرف العلة، وذلك شاذ (*)

[ 186 ]

ارمو وارمي، ولا تقول: إن الاصل ارميوا وارميى، لان الفاعل يدخل على الفعل بعد إعلاله، كما تقدم. قال: " ونحو يد ودم واسم وابن وأخ وأخت ليس بقياس " أقول: يعنى حذف اللام في هذه الاسماء ليس لعلة قياسية، بل لمجرد التخفيف، فلهذا دار الاعراب على آخر ما بقى، وأما أخت فليس بمحذوف اللام، بل التاء بدل من لامه هذا آخر باب الاعلال، ولنضف إليه ما يليق به، فنقول: إذا اجتمع ياءان، فإن لم تكن الاخيرة لاما، فإن سكنت الاولى أدغمت كبيع وبياع، وإن سكنت الثانية أو تحركتا فحكم كل واحدة منهما حكمها مفردة كبييت، وكما إذا بنيت من يين مثل باع قلت: يان، وإن بنيت مثل هيام (1) قلت: ييان وإن كانت الاخيرة لاما، فإن سكنت أولاهما أدغمت في الثانية كحى، وإن سكنت الاخيرة سلمتا كحييت، وإن تحركتا: فإن جاز قلب الثانية ألفا قلبت نحو حياة، وإن لم يجز: فإما أن تلزم حركة الثانية، أولا، فان لزمت فإن لم يجز إدغام الاولى في الثانية فالاولى قلب الثانية واوا كما في حيوان، وإنما لم يجز الادغام لان فعلان من المضاعف نحو رددان لا يدغم، كما يجئ في باب الادغام، وإنما لم يجز قلب الثانية ألفا لعدم موازنة الفعل كما مر، وإنما قلبت واوا لاستثقال اجتماع الياءين المتحركتين وامتناع تغيير ذلك الاستثقال بالوجه الاخف من الادغام أو قلب الثاني ألفا، وإنما قلبت الثانية دون الاولى لان استثقال الاجتماع بها حصل، وإنما جاز قلب اللام واوا مع أن الاخير ينبغى أن يكون حرفا خفيفا


(1) الهيام - كسحاب وغراب -: ما لا يتماسك من الرمل، فهو ينهار أبدا، وكغراب: شدة العشق، وداء يصيب الابل من ماء تشربه مستنقعا (*)

[ 187 ]

لان لزوم الالف والنون جعلها متوسطة، كما قالوا في عنفوان (1) وعنصوة (2) كما مر، وقال سيبويه: القياس حييان، فلم يقلب الثانية، وحيوان عنده شاذ، وكذا قال في فعلان من القوة قووان، كما يجئ، وكذا تقول: حيوى كجفلى (3) وقياس سيبويه حييى، وكذا تقول على وزن السبعان من حى حيوان، وإنما لم تدغم كما أدغمت في رددان فقلت: ردان على ما يجئ في باب الادغام، لان الاعلال قبل الادغام، وقياس سيبويه حيان - بالادغام - لانه لا يقلب في مثله، وإن جاز الادغام فلك الادغام وتركه كحيى وحى وحييان - بالكسر - وحيان، والادغام أكثر كما مر (4)، إذ هو أخف، وإن لم تلزم حركة الثاني نحو لن يحيى وجب تصحيحهما مظهرين، وإخفاء كسرة الاولى أولى وإن اجتمع ثلاث ياءات: فإما أن تكون الاخيرة لاما، أولا فإن كانت لاما: فإما أن تكون الاولى مدغمة في الثانية، أو الثانية في الثالثة، أو لا يكون شئ منهما مدغما في شئ فإن كانت الاولى مدغمة في الثانية: فإما أن يكون ذلك في الفعل أو الجارى


(1) عنفوان الشئ: أوله أنظر (ح 1 ص 251) (2) العنصوة - مثلثة العين -: القليل المتفرق من النبت والشعر وغيرهما، أنظر (ص 101 من هذا الجزء) (3) في بعض المطبوعات " كتملى " بالتاء المثناة، وبعضها " كثملى " بالمثلثة وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبتناه، والجفلى: الدعوة العامة، ويقابلها " النقرى " قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الادب فينا ينتقر يقال: دعى فلان في النقرى لا في الجفلى، أي دعى في الدعوة الخاصة لا في الدعوة العامة. (4) أنظر (ص 114 من هذا الجزء) (*)

[ 188 ]

عليه، أولا، فإن كان في أحدهما جعلت الثانية كأنها لم تسبقها ياء، نحو حيا وحييت ويحيى، والمحيى، والمحيى. هو مثل عزى، يعزى، المعزى، المعزى، وإنما لم تحذف الثالثة المكسور ما قبلها في الفعل نسيا نحو يحيى مع استثقال ذلك كما حذفت في معيية إبقاء على حركة العين في الفعل، إذ بها تختلف أوزان الفعل، ووزن الفعل تجب مراعاته، كما مر في تعليل امتناع قلب واو نحو يدعو ياء، ثم أجرى الجارى على الفعل كالمحيى مجرى الفعل في ترك حذف الياء الثالثة نسيا، وإن لم يكن ذلك في الفعل ولا في الجارى عليه فإن جاز قلب الثالثة ألفا - وذلك إذا كانت المشددة مفتوحة والاخيرة طرفا - قلبت، كما في إياة على وزن إوزة من أويت، والاصل إئوية، ثم إيوية، ثم إيية، وإن لم يجز ذلك، وهو لامرين: أحدهما أن تتوسط الاخيرة مع انفتاح المشددة لمجئ حرف موضوع على اللزوم في كل موضع، كالالف والنون التى لغير المثنى، فإذا كان كذا قلبت الثالثة واوا كما تقول إذا بنيت على فيعلان من حيى: حيوان، لانه أثقل من حيوان مخففا، وعند سيبويه حييان كما مر، وثانيهما أن تنضم المشددة أو تنكسر، فإذا كان كذا كسرت المضمومة وحذفت الثالثة نسيا، لاستثقال الياءات في الطرف مع انكسار المشددة منها نحو معية، والاصل معيية، ونحو حنى على وزن كنهبل (1) من حيى، والاصل حنيى ثم حنيى، وكذا تحذف الاخيرة نسيا وان جاء بعدها حرف لازم، كما تقول في تصغير أشويان: على وزن أنبجان (2) من الشتى أشيويان، ثم أشييان، ثم أشيان، وخالف أبو عمرو فيما وازن الفعل، وأوله زيادة كزيادته، فلم يحذف


(1) الكنهبل: شجر من أشجار البادية، انظر (ح 2 ص 359) (2) يقال: عجين أنبجان - بفتح الباء - إذا كان منتفخا، ولا نظير له في هذا الوزن إلا يوم أرونان، وهو الشديد. انظر (ح 2 ص 397) (*)

[ 189 ]

الثالثة نسيا، فقال أحى في نصغيرا أحوى كما مر في التصغير (1). وإن كانت الثانية مدغمة في الثالثة: فإن كان ما قبل الاولى ساكنا لم يغير شئ منها نحو ظبيى وقرأيى في النسب، ورميى على وزن برطيل (2) من الرمى، وإن كان ما قبل الاولى متحركا: فإن كانت الاولى ثانية الكلمة سلمت الياءات، نحو حيى كهجف (3) وحيى كقمد، (4) والاصل حيى - بضم العين - وحيى من الحياء، لخفة الكلمة، وإن كانت ثالثتها جعلت واو، سواء كان ما قبلها مفتوحا، كما إذا بنيت من الرمى مثل حمصيصة، (5) تقول: رموية، مثل رحوية في النسب، ولم تقلب الياء الاولى ألفا، أما في النسب فلعروض الحركة، وأما في غير النسب فلعدم موازنته للفعل، وكما إذا بنيت من الرمى على وزن حلكوك (6) قلت رموى، والاصل رميوى ثم رميى، ثم رموى، أو كان ما قبلها مكسورا نحو عموى فإنك تفتح الكسر لتسلم الواو، وإنما قلبت إحدى الياءات في هذه الامثلة لاستثقال الياءات، وإنما لم تقلب الاخيرة كما في حيوان وإن كان التغيير بالاخير أولى لقوتها بالتشديد، ولهذا لم تحذف الثالثة (نسيا) كما حذفت معيية، والحذف والقلب قبل ياء النسب أبعد لكونها علامة، وإن كانت الاولى رابعة الكلمة: فإن كانت قبل ياء النسب حذفت، على الاصح، كما في قاضى، لاجتماع الياءات مع تثاقل الكلمة وكون


(1) أنظر (ح 1 ص 232، 233) (2) البرطيل - كقنديل -: الرشوة، وحجر طويل صلب ينقر به الرحى، والمعول أيضا (3) الهجف: الظليم المسن، والجائع أيضا، انظر (ح 1 ص 28) (4) القمد - كعتل -: الطويل، والشديد أيضا، انظر (ح 1 ص 53) (5) الحمصيصة: بقلة رملية حامضة، انظر (ح 1 ص 272) (6) الحلكوك - كقربوس -: الشديد السواد (*)

[ 190 ]

الاولى آخر الكلمة، إذ ياء النسب عارضة، ويجوز قاضوى، كما مر في النسب (1)، وإن لم تكن قبل ياء النسب لم تحذف، لانها ليست آخر الكلمة، بل تقلب واوا، كما قلبت وهى ثالثة الكلمة، تقول على وزن خيتعور (2) من الرمى: ريموى، والاصل ريميوى، قلبت الواو ياء، وأدغمتها في الاخيرة، ثم كسرت الضمة، وقلبت الياء واوا، وكذا إذا بنيت مثل خنفقيق (3) من بكى قلت: بنكوى وإن لم يكن شئ منهما مدغما في شئ، فان كانت الثالثة تستحق قلبها ألفا قلبت، كما إذا بنى من حيى مثل احمر، قلبتها ألفا نحو أحييى، ثم إن أدغمت كما في اقتتل قلت: حيى، وإن لم تدغم قلبت الثانية واوا، نحو احيوى، كما في حيوان، وإن لم تستحق كما إذا بنى من حيى مثل هدبد (4) وجندل (5) جاز لك حذف الثالة نسيا، لكون الثقل أكثر مما في معيية فتقول: حيا وحيا، بقلب الثانية ألفا لتحركها طرفا وانفتاح ما قبلها، وجاز لك قلب الثانية واوا كما في حيوان، فتسلم الثالثة (6) لزوال اجتماع الياءات، فيصير حيويا


انظر (ح 2 ص 44، 45) (2) الخيتعور: السراب، وكل ما لا يدوم على حالة، والمرأة السيئة الخلق، والدنيا، والداهية (3) الخنفقيق: الداهية، والسريعة جدا من النوق والظلمان (4) الهدبد: اللبن الخائر، وانظر (ح 1 ص 49) (5) الجندل: موضع فيه الحجارة، انظر (ح 1 ص 51) (6) المراد بالسلامة ههنا: ما يقابل الحذف نسيا والادغام والقلب واوا، فشمل الاعلال كاعلال قاض، ألا ترى أنه قال: فيصير حيويا: أي في حالة النصب، وكذا تقول: الحيوى، كما تقول القاضى، فان جاء مرفوعا أو مجرورا منونا قلت: حيو، بحذف الياء الثالثة (*)

[ 191 ]

وحيويا، وكما إذا بنيت من قضى مثل جحمرش (1) قلت: قضيا بحذف الاخيرة نسيا، وقلب الثانية ألفا، وقضيو، بقلب (2) الثانية واوا، وإنما لم تقلب الثالثة واوا لان آخر الكلمة بالتخفيف أولى، وأيضا لو قلبتها إياها لبقى اجتماع الياءين الاوليين بحاله، وأما الاولى فلم تقلب، لان الثقل إنما حصل من الثانية والثالثة، ولم تقلب الاولى في حيى كجندل، لانها لم يقلب مثلها ألفا في الفعل نحو حيى كما مر فكيف تقلب في اسم لم يوازن الفعل وإن لم تكن الياء الاخيرة لاما بقيت الياءات على حالها بلا قلب، ولا حذف، كما تقول في تصغير أسوار (3) أسيير وإن اجتمع أربع ياءات كما إذا بنى من حيى على وزن جحمرش قلت: حييى، أدغمت الاولى في الثانية فيصيران كياء واحدة وقلبت الثالثة واوا كما قلنا في المبنى على وزن جندل، فتسلم الرابعة نحو حيو، ويجوز لك حذف الاخيرة نسيا لكونها أثقل منها في نحو معيية، فتقلب الثالثة ألفا لترحكها وانفتاح ما قبلها نحو حيا، كما قلنا قبل. وإذا بنيت مثل (4) سلسبيل قلت: حيوى، وإذا


(1) الجحمرش: العجوز المسنة، وانظر (ح 1 ص 51) (2) الياء الثالثة أعلت كاعلال قاض، فتقول: القضيوى، ورأيت قضيويا، وهذا قضيو، ومررت بقضيو، ولكون هذا الاعلال من غير موضوع كلام المؤلف وهو مما لا يخفى لم يتعرض لبيانه (3) الاسوار - بالضم والكسر -: قائد الفرس، والجيد الرمى بالسهام والثابت على ظهر الفرس، وجمعه أساورة، وأساور بغير تاء، والاسوار - بالضم أيضا -: لغة في السوار (4) السلسبيل: اسم عين في الجنة، وهو وصف أيضا، يقال: شراب سلسبيل، إذا كان سائغا سهل المدخل في الحلق. انظر (ج 1 ص 9، 50) واعلم أن كلام المؤلف ههنا فيما اجتمع فيه أربع ياءات وأنت لو بنيت من (*)

[ 192 ]

بنيت مثل قرطعب (1) قلت: حيى، لم تقلب ثانية المشددتين واوا كما في حيوان، لانها آخر الكلمة فلا تبدل حرفا أثقل مما كان، ولم تحذف كما في معيية، لان حذفها حذف حرفين، واحتمل اجتماعهما، لان تشديدهما قواهما، وإذا جاز نحو طيى وأميي - على قول - مع أن الاولين آخر الكلمة إذ ياء النسب عارضة فهذا أجوز، وإذا بنيت مثل قذعمل (2) قلت: حيى، أدغمت الثانية في الثالثة، وحذفت الرابعة كما في معيية، وهو ههنا أولى، ولم تقلب المضعفة واو لصيرورتها بالتضعيف قوية كالحرف الصحيح، فيبقى حيى وتقول على وزن قذ عميلة من قضى: قضيية، والمازني لم يجوز من قضي إلا قضوية، كما في النسب، وغيره جوز مع قضوية قضيية بتشديدين أكثر من تجويز أميى، والذى أرى أنه لا يجوز إلا فضيية، بياءين مشددتين، إذ الاخيرتان قويتا بالتضعيف، فلم تحذفا كما حذفت الثالثة في معيية، والاوليان ليستا في آخر الكلمة حتى يحذف أضعفهما: أي أولهما الساكن، كما حذفت في أموى، فإذا بنيت من شوى على وزن عصفور قلت: شويوى، ثم قلبت الواوين ياءين وأدغمتهما في الياءين فصار شيى - بكسر ضمة المشددة الاولى - فيجوز كسر الفاء أيضا، كما في عتى، وقال سيبويه: شووى، قياسا على طووى وحيوى في النسب إلى حى وطى أو شيى، كما قيل طيى، وكذا إذا بنيت من طوى


حيى على مثال سلسبيل لاجتمع خمس ياءات، فالصواب أن يقول إذا بنيت من قضى مثل سلسبيل قلت: قضيوى، والاصل قضيي، قلبت الثانية واوا كما في حيوان (1) القرطعب: السحابة. انظر (ح 1 ص 51) (2) القذعمل: القصير الضخم من الابل، وأصله قذعميل، والقذعمله الناقة القصيرة الضخمة، ومثلها القذعميلة، ويقال: ما في السماء قذعملة: أي شئ من السحاب، وما أصبت منه قذعميلا: أي شيئا (*)

[ 193 ]

على وزن بيقور (1) قلت: طيووى، ثم قلبت الواو الاولى ياء، وأدغمت الياء الساكنة فيها، ثم قلبت الواو الثانية ياء وأدغمتها في الاخيرة، ثم كسرت الياء المضمومة فتقول: طيى، وعند سيبويه طيوى أيضا كالمنسوب إلى حى، هذا كله في الاربع ياءات إذا لم تكن الاخيرتان للنسبة، فإن كانتا لها كالمنسوب إلى حى، وطى، وعلى، وقصى، وتحية، ومحى فقد مضى في باب النسب حكمها (2) وقد مضى أيضا أن ياء التصغير تحذف كما في أموى إن دخلت النسبة على التصغير، وأما إن دخل التصغير على النسبة لم تحذفها أريية (3) - بياءين مشددتين - هذا كله حكم الياءات فأما حكم الواوات فنقول: إن اجتمع واوان فان سكنت ثانيتهما: فإن كانت طرفا لم يمكن أن تكون الاولى مفتوحة ولا مضمومة إلا والثانية منفصلة، نحو لم يرووا ومروو زيد، لانهم يستثقلون الواوين بلا إدغام في آخر الكلمة الذى هو محل التخفيف، فلذلك لم يبنوا مثل قووت وقووت، فلا بد لو كانا في كلمة من انكسار الاولى لتنقلب الثانية ياء، نحو قويت، وإن كانت الاخيرة وسطا جاز اجتماعهما، نحو قوول، وإن تحركتا: فإن كان ذلك في أول الكلمة قلبت الاولى همزة كما في أواصل، وإن كان ذلك في الوسط فإن جاز الادغام أدغمت، كما إذا بنيت من القوة على فعلان - بضم العين - قلت:


(1) البيقور: اسم جمع دال على جماعة البقر، كالباقر، والبقير، والباقور، قال الشاعر: لا در در رجال خاب سعيهم * يستمطرون لدى الازمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلعة * ذريعة لك بين الله والمطر ؟ (2) انظر في النسب إلى حى وطى (ح 2 ص 49، 50). وفى النسب إلى على وقصى (ح 2 ص 22). وفى النسب إلى تحية ومحى (ح 2 ص 45) (3) أريية: تصغير أروية، وانظر (ح 1 ص 235، 236، 237) (*)

[ 194 ]

قوان عند المبرد، والاولى أن لا تدغم بل تقلب الثانية ياء كما يجئ في باب الادغام، ومن لم يدغم في حيى جاز أن لا يدغم في نحو قووان، بل يقلب الثانية ياء. ويقلب ضمة ما قبلها كسرة، كما مر في هذا الباب، لان الاعلال قبل الادغام، وهذا قول الجرمى، وإن لم يجز الادغام كما إذا بنيت على فعلان - بفتح العين - من القوة، قال سيبويه: تقول: قووان، كما قال من حيى: حييان، والاولى أن يقال: قويان، لاستثقال الواوين، فلما لم يجز التخفيف بالادغام خفف بقلب إحداهما ياء، وإذا قلبت الياء واوا في حيوان لكراهة اجتماع الياءين فقلب الثانية ياء في قووان لكون الواو أثقل أولى، ولو بنيت على فعلان - بكسر العين - انقلبت الثانية ياء للكسرة، لان الاعلال قبل الادغام كما تقدم، وإن كان ذلك في الطرف: فإن انفتحت الاولى لزوما قلبت الثانية ألفا كما في القوى والصوى (1) ويقوى وأقوى، وأما في طووى منسوبا إلى طى فلعروض فتحة الاولى، وأما في قووى منسوبا إلى قوى علما (2) فلعروض حركة الثانية، وإن كانت الاولى مكسورة أو مضمومة قلبت الثانية ياء، كقوى وقوى - على وزن عضد وفخذ - من القوة، وإن سكنت أولى الواوين فإن كانتا في الوسط سلمتا من القلب كقوول إلا في نحو قول على ما تقدم، وإن كانتا في الطرف: فإن كانت الكلمة ثلاثية لم تقلب إلا إذا


(1) الصوى: جمع - صوة - كقوة - وهى جماعة السباع، وهى أيضا حجر يكون علامة في الطريق، وانظر (ص 123 من هذا الجزء) (2) إنما قيد قوى بكونه علما احترازا عنه جمعا، فأنه يرد في النسبة إليه إلى واحده فيقال قوى - بضم القاف وتشديد الواو - وهذا على رأى جمهور النحاة الذين يوجبون رد الجميع إلى واحده عند النسبة إليه، وأما على رأى من يجيز النسب إلى لفظ الجمع فلا محل لتقييد قوى بكونه علما، وتكون النسبة إليه حينئذ قووى علما كان أو جمعا (*)

[ 195 ]

انكسر ما قبلها، نحو قو وقو، وتقول على وزن حبر: قى، وإن كانت الكلمة على أكثر من ثلاثة صحت المفتوح ما قبلها نحو غزو، وانقلبت المكسور ما قبلها ياء وجوبا كغزى - على وزن فلز (1) - والمضموم ما قبلها جازا في المذكر المفرد نحو غزو، وغزى، كعتو وعتى، ووجوبا في الجمع كدلى وإن اجتمع ثلاث واوات فإن كانت الاخيرة لاما: فإما أن تكون الاولى مدغمة في الثانية أو الثانية في الثالثة أو ليس شئ منها مدغما في شئ، ففى الاول تقلب الثالثة ألفا إن انفتح ما قبلها كقوى والمقوى، وياء إن انكسر كيقوى والمقوى، أو انضم كقو على وزن برثن (2) من القوة، وفى الثاني تقلب المشددة ياء مشددة: انفتح ما قبلها كقوى - على وزن هجف (3) أو قمطر - أو انكسر كقوى - على وزن فلز - أو انضم كقوى - على وزن قمد - بكسر ذلك الضم، فيجوز كسر الفاء إتباعا كعتى وذلك لثقل الواوات المتحرك ما قبلها بخلاف نحو حيى فان الياء أخف، وكذا إذا كانت أولى الواوات ثالثة الكلمة وتحرك ما قبلها نحو غزوى - على وزن حلكوك - فان سكن ما قبلها: فان انفتحت الاولى سلم الجميع، نحو غزوو - على وزن قرشب (5) أو قرطعب - وإن انضمت أو انكسرت قلبت


(1) الفلز - بكسر الفاء واللام وتشديد الزاى -: نحاس أبيض تجعل منه القدور، أو هو جواهر الارض كلها، والرجل الغليظ الشديد والضريبة تجرب عليها السيوف، وفيه لغتان أخريان: كهجف وعتل، ومراد المؤلف هنا اللغة الاولى. (2) البرثن: هو للسبع والطير كالاصابع للانسان، وانظر (ح 1 ص 51) (3) الهجف: الظليم المسن، وانظر ص 189 من هذا الجزء) (4) القمطر: ما تصان فيه الكتب، وانظر (ح 1 ص 3، 51) (5) القرشب: الضخم الطويل من الرجال، وانظر (ح 1 ص 61) (*)

[ 196 ]

المشددة ياء وكسرت الضمة. كمقوي وغزوى - كعصفور - من الغزو، وإن لم تكن إحداهما مدغمة في الاخرى قلبت الاخيرة ألفا: إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر نحو اقووى على وزن احمرر - فإن أدغمت قلت قوى، وإن لم تدغم قلبت الثانية ياء على قياس قويان، وهو ههنا أولى، فتقول: اقويا يقويى وتقول في نحو هدبد وجندل من القوة: قوو، وقوو - بقلب الثالثة ياء - لكسرة ما قبلها، ولا تدغم الاولى في الثانية مع لزوم حركة الثانية، محافظة على بناء الالحاق، وأيضا لعدم مشابهة الفعل هذا والاولى أن لا يبنى من الاسماء المزيد فيها غير المتصلة بالفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل كما يجئ في أول باب الادغام وإن اجتمعت الثلاث الواوات في الوسط بقيت على حالها نحو قوول على وزن سبوح واقوول كاغدودن (1)، والاخفش يقلب الاخيرة في اقوول ياء، فتنقلب الثانية ياء أيضا، وسيبويه لم يبال بذلك، لتوسطها، وينبغى للاخفش أن يقول في قوول: قويل، إلا أن يعتذر بخفة واو المد، وإنما لم يقلب الاخفش في نحو اقووول لكون الوسطى كالالف، لانها بدل منه، ألا ترى أنه لم يقلب أول واوى وورى همزة وجوبا لمثل ذلك ؟ وإذا اجتمع أربع واوات فالواجب قلب الثالثة والرابعة ياء إن كانت الثالثة مدغمة في الرابعة نحو قوى - على وزن قرطعب - من القوة، لانه أثقل من نحو غزوو، وإن لم تكن مدغمة فيها قلبت الاخيرة ألفا إن انفتح ما قبلها، وياء إن انكسر، وتبقى الثالثة بحالها عند سيبويه نحو قوو - على وزن جحمرش -، لانه إذن كاقوول وتقول على وزن قذعمل: قوو، وعلى وزن اغدودن اقووى، والاخفش يقلب الثالثة ياء فتقول قوى - كجحمرش -


(1) اغدودن النبت: طال، وانظر (ح 1 ص 68، 112) (*)

[ 197 ]

وقوى كقذعمل - واقويا - كاغدودن - لاستثقال الواوات، فتنقلب القريبة من الطرف ياء، ولا تقلب الواو الثالثة في قوو - كجحمرش - ألفا، كما لم تقلب واو قوى كما مر، والله أعلم بالصواب قال: " الابدال: جعل حرف مكان حرف غيره، ويعرف بأمثلة اشتقاقه كتراث وأجوه، وبقلة استعماله كالثعالى، وبكونه فرعا والحرف زائد كضويوب، وبكونه فرعا وهو أصل كمويه، وبلزوم بناء مجهول نحو هراق واصطبر وادارك " أقول: الابدال في اصطلاحهم أعم من قلب الهمزة، ومن قلب الواو، والياء، والالف، لكنه ذكر قلب الهمزة في تخفيف الهمزة مشروحا، وذكر قلب الواو والياء، والالف في الاعلال مبسوطا، فهو يشير في هذا الباب إلى كل واحد منها مجملا، ويذكر فيه إبدال غيرها مفصلا، ويعنى بأمثلة اشتقاقه الامثلة التى اشتقت مما اشتق منه الكلمة التى فيها الابدال، كترات (1) فإن أمثلة اشتقاقه في ورث يرث وارث موروث، وجميعها مشتق من الوراثة، كما أن تراثا مشتق منها، وكذا توجه ومواجهة ووجيه مشتقة من الوجه الذى أجوه مشتق منه، فإذا كان في جميع أمثلة اشتقاقه مكان حرف واحد منه حرف آخر عرفت أن الحرف الذى فيه بدل مما هو ثابت في مكانه في أمثلة اشتقاقه. قوله " وبقلة استعماله " أي: بقلة استعمال اللفظ الذى فيه البدل، يعنى إذا كان لفظان بمعنى واحد ولا فرق بينهما لفظا إلا بحرف في أحدهما يمكن أن يكون بدلا من الحرف الذى في الاخر فإن كان أحدهما أقل استعمالا من الاخر فذلك الحرف في ذلك الاقل استعمالا بدل من الحرف الذى في مثل ذلك الموضع


(1) التراث - كغراب -: المال الموروث، انظر (ح 1 ص 207) (*)

[ 198 ]

من الاكثر استعمالا، كما ذكرنا في أول الكتاب (1) في معرفة القلب، والثعالى والثعالب بمعنى واحد، والاول أقل استعمالا من الثاني قوله " وبكونه فرعا والحرف زائد " أي بكون لفظ فرعا للفظ، كما أن المصغر فرع المكبر، وفى مكان حرف في الاصل حرف في الفرع يمكن أن يكون بدلا منه كما أن واو ضويرب بدل من ألف ضارب، أو يكون حرف الاصل بدلا من حرف الفرع، كما أن ألف ماء وهمزته بدلان من الواو والهاء اللذين في مويه، فأنت بفرعية لفظ للفظ ومخالفة حرف أحدهما لحرف الاخر لا تعرف إلا أن أحدهما بدل من الاخر ولا تعرف أيهما بدل من الاخر، بل معرفة ذلك موقوفة على شئ آخر، وهو أن ينظر في الفرع، فإن زال فيه موجب الابدال الذى في الاصل كما زال في مويه علة قلب الواو ألفا بانضمام ما قبلها، وعلة قلب الهاء همزة - وهى وقوع الهاء التى هي كحرف العلة بعد الالف التى كالزائدة - عرفت أن حرف الفرع أصل، وإن عرض في الفرع علة الابدال التى لم تكن في الاصل كما عرض بضم فاء ضويرب علة قلب ألف ضارب واوا عرفت أن حرف الفرع فرع قوله " وبكونه فرعا " أي: بكون لفظه فرعا " والحرف زائد ": أي الحرف الذى هو مبدل منه زائد كألف ضارب قوله " وهو أصل " أي: الحرف المبدل منه أصل كواو مويه وهائه، ولا شك في انغلاق ألفاظه ههنا قوله " وبلزوم بناء مجهول " أي: يعرف الابدال بأنك لو لم تحكم في كلمة بكون حرف فيها بدلا من الاخر لزم بناء مجهول، كما أنك لو لم تحكم بأن هاء


(1) انظر (ح 1 ص 24) (*)

[ 199 ]

هراق (1) بدل وكذا طاء اصطبر والدال الاولى من ادارك لزم بناء هفعل وافطعل وافاعل وهى أبنية مجهولة، ولقائل أن يمنع ذلك في افطعل وافاعل، وذلك أن كل ما هو من هذين البناءين افتعل وتفاعل، وفاء الاول حرف إطباق وفاء الثاني دال أو تاء أو ثاء أو غير ذلك مما يجئ في بابه، فإن بعد فاء الاول طاء وجوبا وقبل فاء الثاني حرفا مدغما فيه جوازا فهما بناءان مطردان لا مجهولان، بلى يعرف كون الحرفين في البناءين بدلين بأن الطاء لا تجئ في مكان تاء الافتعال إلا إذا كان قبلها حرف إطباق، وهى مناسبة للتاء في المخرج ولما قبلها من حروف الاطباق بالاطباق فيغلب على الظن إبدال التاء طاء لاستثقالها بعد حرف الاطباق ومناسبة الطاء لحرف الاطباق والتاء، وكذا الكلام في الحرف المدغم في نحو ادكر واثاقل. قال: " وحروفه أنصت يوم جد طاه زل، وقول بعضهم: استنجده يوم طال وهم في نقص الصاد والزاى لثبوت صراط وزقر، وفى زيادة السين، ولو أورد اسمع ورد اذكر واظلم " أقول: يعنى بحروف الابدال الحروف التى قد تكون بدلا من حروف أخر، فأما الحروف التى هذه الحروف بدل منها فتجئ عند التفصيل. قوله: " وقولهم استنجده يوم طال " قول صاحب المفصل، ولم يعد سيبويه في باب البدل الصاد والزاى، وعدهما السيرافى في آخر الباب، وعد معهما شين الكشكشة التى هي بدل من كاف المؤنث قال: 156 - تضحك منى أن رأتنى أحترش * ولو حرشت لكشفت عن حرش (2)


(1) انظر في كلمة " هراق " (ح 2 ص 384، 385) (2) هذا البيت من الرجز، وقد استشهد به المؤلف في شرح الكافية أيضا (الشاهد 956) ولم ينسبه البغدادي في شرح الكتابين، وأحترش: مضارع (*)

[ 200 ]

وأما التى تزاد بعد كاف المؤنث نحو أكر متكش فليست من هذا، ولم يعد سيبويه السين كما عدها الزمخشري، ولا وجه له، قالوا: وجاء الثاء بدلا من الفاء، حكى أبو على عن يعقوب ثروغ (1) الدلو، وفروغها، وهو من التفريغ، وكذا الباء من الميم، حكى أبو على عن الاصمعي: ما اسبك: أي ما اسمك ؟ وقد جاء الحاء في الشعر بدلا من الخاء شاذا، قال: 157 - ينفحن منه لهبا منفوحا * لمعا يرى لا ذاكيا مقدوحا (4) قال رؤبة: 158 - غمر الاجارى كريم السنح * أبلج لم يولد بنجم الشح (2)


من الاحتراش، وهو صيد الضب خاصة، ويقال: حرشه يحرشه - من باب ضرب - واحترشه كذلك، وأصله أن يدخل الحارش يده في جحر الضب ويحركها فيظنه الضب حية فيخرج ذنبه ليضربها به فيصيده، وحرشت وكشفت بكسر التاء، على خطاب الانثى، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والاستشهاد به في قوله " حرش " حيث أبدل من كاف خطاب المؤنثة، وأصله " حرك " وهذه لغة بنى عمرو بن تميم (1) ثروغ الدلو: جمع ثرغ - بفتح فسكون - وهو ما بين عراقى الدلو، والثاء فيه بدل من الفاء، ويقال: فرغ، وفراغ - ككتاب - وفى القاموس: الفرغ مخرج الماء من الدلو بين العراقى (2) هذا البيت من الرجز المشطور، ولم نعرف قائله، وقد أنشده ابن جنى في سر الصناعة عن ابن الاعرابي ولم ينسبه، وينفحن - بالحاء المهملة - أصله ينفخن - بالخاء المعجمة - فأبدل الخاء حاء، واللهب: ما تطاير من ألسنة النيران، والذاكى: الشديد الوهج. ومقدوح: اسم مفعول، من قدح الزند ونحوه، إذا أخرج منه النار، والاستشهاد بالبيت في " ينفحن " حيث أبدل الخاء المعجمة حاء مهملة (3) هذا بيت لرؤبة بن العجاج ذكر البغدادي أنه من قصيدة له يمدح فيها (*)

[ 201 ]

وجاء الراء بدلا من اللام شاذا، كقولهم في الدرع: نثرة (1) ونثلة (2) وذلك لانهم قالوا: نثل عليه درعه، ولم يقولوا: نثرها، فاللام أعم تصرفا، فهى الاصل، والفاء تكون بدلا من الثاء، حكى أبو على عن يعقوب: قام زيد فم عمرو، وقالوا: جدث وجدف (3) والفاء بدل، لقولهم: أجداث، ولم يقولوا: أجداف، وجاء الكاف بدلا عن القاف، يقال: عربي كح (4) وقح وجاء في


أبان بن الوليد البجلى، وقد رجعنا إلى ديوانه فوجدنا هذه القصيدة، وأولها إنى على جنابة التنحي * وعض ذاك المغرم الملح لا أبتغى سيب اللئيم القح * قد كان من نحنحة وأح * يحكى سعال الشرق الابح * ولكنا لم نجد بيت الشاهد في هذه القصيدة، ووجدناه في زيادات الديوان من أبيان هكذا: فابتكرت عاذلة لا تلحى * قالت ولم تلح وكانت تلح عليك سيب الخلفاء البجح * غمر الاجارى كريم السنح أبلج لم يولد بنجم الشح * بكل خشباء وكل سفح والغمر - بفتح فسكون -: الماء الكثير الساتر، والاجاري: جمع إجريا - بكسر الهمزة والراء بينهما جيم ساكنة وبعد الراء ياء مشددة - وهو ضرب من الجرى، والسنح - بكسر فسكون -: الاصل، وأصله السنخ - بالخاء - فأبدل منها حاء مهملة، وهو محل الاستشهاد بالبيت، والشح: البخل (1) النثرة: الدرع السلسة الملبس، أو الواسعة، ومثلها النثلة: الراء بدل من اللام، قالوا: نثل الدرع ينثلها - من باب ضرب - إذا ألقاها عنه، ولم يقولوا: نثرها. (2) الجدث: القبر، وجمعه أجدث وأجداث، وقالوا فيه: جدف، فأبدلوا من الثاء فاء، كما قالوا: فوم في ثوم (3) الكح: هو القح - بالقاف - وهو الخالص من كل شئ، يقولون: لئيم قح، إذا كان معرقا في اللؤم، وأعرابى قح، إذا لم يدخل الامصار ولم يختلط بأهلها. (*)

[ 202 ]

الجمع أقحاح، ولم يقولوا: أكحاح، وجاء الكاف بدل من التاء، قال: 159 - يا ابن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيتنا إليكا * لنضربن بسيفنا قفيكا (1) * ويجوز أن يكون وضع الضمير المنصوب مقام المرفوع، وتكون العين في تميم بدلا من الهمزة في أن وهى عنعنة تميم، قال:


(1) هذا البيت من الرجز المشطور، أنشده أبو زيد في نوادره، ونسبه لراجز من حمير ولم يعينه، وأنشده صاحب اللسان غير منسوب إلى أحد، وابن الزبير: أراد به عبد الله بن الزبير بن العوام حوارى النبي صلى الله عليه وسلم، و " عصيكا " أراد به عصيت، و " عنيتنا " من العناء وهو الجهد والمشقة، و " قفيكا " أراد به قفاك فأبدل الالف ياء مع الاضافة إلى الكاف كما تبدلها هذيل عند الاضافة إلى ياء المتكلم، نحو قول أبي ذؤيب سبقوا هوى وأعنقوا لهواهمو * فتخرموا ولكل جنب مصرع وعليها قرئ قوله تعالى (فمن تبع هدى). والاستشهاد بالبيت في قوله " عصيكا " وقد اختلف العلماء في تخريجه، فذهب بعضهم إلى أنه من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع، كما تراهم فعلوا ذلك في قولهم " لولاى ولولاك ولولاه " وفى قولهم " عساك وعساه " من نحو قول رؤبة. تقول بنتى قد أنى أناكا * يا أبتا علك أو عساكا وذهب أبو الفتح ابن جنى تبعا لشيخه أبى على أبى على الفارسى إلى أنه من إبدال الحرف مكان الحرف إبدالا تصريفيا، قال ابن جنى: " أبدل الكاف من التاء لانها أختها في الهمس، وكان سحيم إذا أنشد شعرا قال: أحسنك والله، يريد أحسنت " اه‍ (*)

[ 203 ]

160 - أعن ترسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم (1) وإنما لم يعد المصنف هذه الاشياء لقلتها وكونها شواذ قوله " وزيادة السين " قالوا: السين بدل من الشين في السدة والشدة ورجل مشدود ومسدود، والشين أصل، لكونها أكثر تصرفا، وقالوا في استخذ: إن أصله اتخذ من التخذ، فهى بدل من التاء، وقيل أيضا: أصلها استخذ فاذن لا حجة فيه، وبمثله تمسك الزمخشري، لا باسمع كما قال المصنف، وإنما لم يعد سين نحو اسمع والذال والظاء في اذكر واظلم في حروف البدل لان البدل في هذه الاشياء ليس مقصودا بذاته، بل لما كان السين والذال والظاء مقاربة للتاء في المخرج وقصد الادغام ولم يمكن في المتقاربين إلا بجلعهما متماثلين قلبت التاء سينا وذالا وظاء، لما سيجئ في باب الادغام، فلما كان البدل لاجل الادغام لم يعتد به. قال: " فالهمزة تبدل من حروف اللين والعين والهاء، فمن اللين إعلال لازم في نحو كساء ورداء وقائل وبائع وأواصل، وجائز في أجوه وأورى، وأما نحو دأبة وشأبة والعألم وبأز وشئمة ومؤقد فشاذ، وأباب بحر أشذ، وماء شاذ " أقول: قوله " في نحو كساء ورداء " ضابطه كل واو وياء متطرفتين، أصليتين كانتا ككساء ورداء، أولا كعلباء (2) ورداء، في ترخيم رداوى،


(1) هذا بيت من البسيط، وهو مطلع قصيدة لذى الرمة غيلان بن عقبة، وأعن: يروى في مكانه أأن - بهمزة استفهام داخلة على أن المصدرية، ومن رواه أعن فقد أبدل الهمزة عينا، وترسمت: تبينت ونظرت، والاصل فيه ترسم الدار: أي تعرف رسمها. وخرقاء: لقب مية صاحبته، والصبابة: رقة الشوق، ومسجوم: سائل منسكب. والاستشهاد بالبيت في " أعن " حيث أبدل الهمزة عينا (2) علباء: انظر (ص 177 من هذا الجزء) (*)

[ 204 ]

واقعتين بعد ألف زائدة، فانهما تقلبان ألفين، ثم تقلب الالف همزة، كما تقدم. قوله " وقائل وبائع " ضابطه كل واو وياء هي عين فاعل المعل فعله أو فاعل الكائن للنسب كسائف (1)، لكونه كاسم الفاعل من ساف يسيف، فإنه تقلب الواو والياء ألفا ثم تقلب الالف همزة، كما تبين قبل. قوله " وأواصل " ضابطه كل واوين في أول الكلمة ليست ثانيتهما زائدة منقلبة عن حرف آخر، نحو أواصل وأواعد من وعد على وزن جورب وأوعاد على وزن طومار (2) فانه تقلب أولاهما همزة قوله " أجوه وأورى " ضابطه كل واو مضمومة ضمة لازمة: في الاول كانت، أو في الوسط، والتى في الاول سواء كانت بعدها واو زائدة منقلبة عن حرف كأورى، أولا كأجوه، قولنا " ضمة لازمة " احتراز عن ضمة الاعراب، والضمة للساكنين، وعند المازنى هذا القلب مطرد في الواو المتصدرة المكسورة أيضا نحو إفادة وإشاح قوله " نحو دأبة " ذكرنا حاله في التقاء الساكنين، وكذا حال المشتئق في قوله: * صبرا فقد هيجت شوق المشتئق (3) * فقد حرك الشاعر الالف بعد قلبها همزة للضرورة، وحكى الفراء في غير الضرورة رجل مئل: أي كثير المال، وقالوا: لبأ الرجل بالحج، وعن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم، وليس ذلك فرارا من الساكنين، ولكن لتقارب مخرجى الالف والهمزة، وأنشد قوله:


(1) سائف: انظر (ص 112 من هذا الجزء) (2) الطومار: الصحيفة، انظر (ج 1 ص 198، 217) (3) قد مضى في شرح هذا البيت فارجع إليه في (ج 2 ص 250) (*)

[ 205 ]

161 - يادار سلمى يا سلمى ثم اسلمي * فخندف هامة هذا العألم (1) بالهمز، وذلك لان ألف عام تأسيس لا يجوز معها إلا مثل الساحم (2) اللازم، فلما قال: اسلمي همز العألم، ليجرى القيافة على منهاج واحد في عدم التأسيس، وحكى اللحيانى عنهم بأز وأصل ألفه واو، بدليل أبواز، وقالوا: الشئمة (3)، أصلها الياء، كما قالوا: قطع الله أديه: أي يديه فردوا اللام (4)


(1) هذا الشاهد من الرجز، وهو للعجاج، وليس البيتان اللذان أنشدهما المؤلف متصلين في الارجوزة، والاول منهما مطلعها، وبعده: * بسمسم أو عن يمين سمسم * وإنما يذكر النحاة هذين البيتين معا - وإن لم يكنا متصلين - ليبينوا أن الارجوزة، مبنية من أولها على غير التأسيس. والاستشهاد به في قوله " العألم " بالهمز، وأصله العالم، فهمزه لئلا يكون بعضها مؤسسا وبعضها غير مؤسس، وقد همز " الخاتم " في هذه الارجوزة أيضا في قوله: عند كريم منهمو مكرم * معلم آى الهدى معلم * مبارك من أنبياء خأتم * (2) الساجم: اسم فاعل من قولك: سجمت الدمع: أي صببته، ويقولون: سجمت العين الدمع وسجمت السحابة المطر، فالدمع والمطر مسجومان، وربما قالوا: دمع ساجم على النسب (3) الشئمة: الطبيعة، وأصله الشيمة بالياء فهمز (4) قولهم " قطع الله أديه " هو بفتح الهمزة وسكون الدال، وأصلها قطع الله يديه، برد اللام فقلبوا الياء همزة، قال ابن جنى في المحتسب: " وقلبت الياء همزة في قولهم: قطع الله أديه، يريدون يده، فردوا اللام المحذوفة، وأعادوا العين إلى سكونها " (*)

[ 206 ]

وأبدلوا الياء الاولى همزة، كذا قال ابن جنى، ويقال: في أسنانه ألل: أي يلل. قوله " مؤقد " أنشد أبو على 162 - * لحب المؤقدين إلى مؤسى (1) * بهمز واو الموقدين وموسى، وقرئ (بالسؤق والاعناق) مهموزا، قيل: وجه ذلك أن الواو لما جاورت الضمة صارت كأنها مضمومة، والواو المضمومة تهمز، نحو نؤور وغؤور


(1) هذا صدر بيت من الوافر، وعجزه: * وجعدة إذا أضاءهما الوقود * وهو لجرير بن عطية بن الخطفى من قصيدة له يمدح بها هشام بن عبد الملك بن مروان، ومطلعها قوله: عفا النسران بعدك والوحيد * ولا يبقى لحدته جديد وقبل بيت الشاهد قوله: نظرنا نار جعدة هل نراها * أبعد غال ضوءك أم همود قوله " لحب المؤقدين " رويت هذه العبارة على عدة أوجه: أحدها " أحب المؤقدين " على أنه أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر، وثانيها " لحب المؤقدين " بلام الابتداء وبعدها أفعل تفضيل مضاف إلى جمع المذكر، وأصله لاحب المؤقدين فحذفت الهمزة كما حذفها الشاعر في قوله. وزادني كلفا بالحب أن منعت * وحب شئ إلي الانسان ما منعا وكما حذفت كثيرا في خير وشر، وثالثها " لحب المؤقدان " باللام بعدها فعل تعجب كالذى في قول الشاعر: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها * وحب بها مقتولة حين تقتل وموسى وجعدة ابنا الشاعر، والوقود: مصدر وقدت النار وقودا، ويقال: هو اسم لما توقد به النار (انظر ح 1 ص 15، 160) (*)

[ 207 ]

قوله " وأباب بحر أشذ " إنما كان أشذ إذ لم يثبت قلبت العين همزة في موضع بخلاف قلب الواو والياء والالف، فانها تقلب همزة، أنشد الاصمعي 163 - * أباب بحر ضاحك هزوق (1) * الهزوق: المستغرق في الضحك، قال ابن جنى: أباب من أب إذا تهيأ، قال: 164 - * وكان طوى كشحا وأب ليذهبا (2) * وذلك لان البحر يتهيأ للموج، قال: وإن قلت: هو بدل من العين فهو


(1) هذا البيت من بحر الرجز لم نقف على نسبته إلى من قاله، والاباب: قيل: هو العباب - كغراب - وهو معظم الماء وكثرته وارتفاعه، وقيل: هو فعال من أب: أي تهيأ وذلك لان البحر يتهيأ لما يزخر به، فالهمزة على الاولى بدل من العين، كما أبدلها الشاعر منها في قوله: أريني جوادا مات هزلا لالنى * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا أراد لعلنى، وهمزة أباب على الوجه الثاني أصل، وضاحك: كناية عن امتلاء البحر، وزهوق: مرتفع، ويروى هزوق " بتقديم الهاء (2) هذا عجز بيت للاعشى ميمون، وصدره مع بيت سابق هكذا: فأبلغ بنى سعد بن قيس بأننى * عتبت فلما لم أجد لى معتبا صرمت ولم أصرمكم، وكصارم * أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا ومن هذا تعلم أن النحاة - ومنهم المؤلف - قد غيروا في إنشاد هذا الشاهد، وقوله " طوى كشحا " كناية، يقولون: طوى فلان كشحه على كذا، إذا أضمره في قلبه وستره، ويقولون: طوى فلان كشحه، إذا أعرض بوده، وأب: تهيأ، وبابه نصر، والاستشهاد بالبيت في قوله " أب " بمعنى تهيأ، فأنه يدل على أن الا باب في قول الشاعر: * أباب بحر ضاحك هزوق * فعال وهمزته أصلية (*)

[ 208 ]

وجه، لكنه غير قوى، ومن قال: إنه بدل منه، فلقرب مخرجيهما، ولذا أبدل منه العين، نحو قوله * أعن ترسمت من خرقاء منزلة (1)..... البيت * قوله " وماء شاذ " هو شاذ لكنه لازم، وأصله موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم شبه الهاء بحرف اللين لخفائها، فكأنها واوا أو ياء واقعة طرفا بعد الالف الزائدة، فقلبت ألفا، ثم همزة، وقالوا أيضا في أمواه: أمواء، لمثل هذا، قال: 165 - وبلدة قالصة أمواؤها يستن في رأد الضحى أفياؤها (2) قيل: آل أصله أهل ثم أأل - بقلب الهاء همزة - ثم آل - بقلب الهمزة ألفا - وذلك لانه لم يثبت قلب الهاء ألفا وثبت قلبها همزة، فالحمل على ما ثبت مثله أولى، وقال الكسائي: أصله أول، لانهم يؤولون إلى أصل، وحكى أبو عبيدة في هل فعلت ؟: أل فعلت ؟ وقيل: إن أصل ألا في التحضيض هلا قال: " والالف من أختيها والهمزة، فمن أختيها لازم في نحو قال وباع


(1) قد سبق قريبا شرح هذا الشاهد فارجع إليه في (ص 203 من هذا الجزء) (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم يتيسر لنا الوقوف على قائله، وقوله " وبلدة " الواو فيه واو رب، و " قالصة " اسم فاعل من قلص الماء في البئر إذا ارتفع، و " أمواؤها " جمع ماء، و " يستن " معناه يجرى في السنن، وهو الطريق و " رأد الضحى " ارتفاعه، و " أفياؤها " جمع فئ، وهو الظل. والاستشهاد بالبيت في قوله " أمواؤها " وللعلماء فيه وجهان: أحدهما أن أصلها أمواهها، فقلب الهاء همزة، كما قلبها في المفرد، والوجه الثاني أن هذه الهمزة هي الهمزة التى في الواحد (*)

[ 209 ]

وآل على رأى، ونحو ياجل ضعيف، وطائى شاذ لازم، ومن الهمزة في نحو رأس، ومن الهاء في آل على رأى " أقول: قوله " قال وباع " ضابطه كل واو وياء تحركتا وانفتح ما قبلهما، على الشروط المذكورة في باب الاعلال، قوله " ونحو ياجل ضعيف " أي: وإن كان مطردا في بعض اللغات، كما ذكرنا في باب الاعلال، وضعفه لقلب الواو الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا قوله " وطائى شاذ " وذلك لما ذكرنا، لكنه واجب قوله " في نحو رأس " مطرد لكنه غير لازم إلا عند أهل الحجاز، وضابطه كل همزة ساكنة مفتوح ما قبلها، وفى نحو آدم لازم ويبدل من النون والتنوين وقفا في نحو رأيت زيدا ولنسفعا قال: " والياء مع أختيها ومن الهمزة ومن أحد حرفي المضاعف والنون والعين والباء والسين والثاء، فمن أختيها لازم في نحو ميقات وغاز وأدل وقيام وحياض ومفاتيح ومفيتيح وديم وسيد، وشاذ في نحو حبلى وصيم وصبية وييجل، ومن الهمزة في نحو ذيب، ومن الباقي مسموع كثير في نحو أمليت وقصيت وفى نحو أناسى، وأما الضفادى والثعالى والسادى والثالى فضعيف " أقول: قوله " في نحو ميقات " ضابطه أن يسكن الواو وقبله كسرة، وضابط نحو غاز أن يتطرف الواو وقبله كسرة، وضابط نحو أدل أن يتطرف الواو المضموم ما قبلها على الشرط المذكور، وضابط نحو قيام أن تكون العين واوا مكسورا ما قبلها في مصدر أعل فعله، وضابط نحو حياض أن تكون العين واوا في جمع قد سكن عين مفرده، وقبل الواو كسرة، وبعده ألف، وضابط نحو ديم أن تكون الواو عينا قبلها كسرة في جمع ما قد قلبت عينه، وضابط نحو سيد أن (*)

[ 210 ]

يجتمع الواو والياء وتسكن أولاهما، وضابط نحو أغزيت أن تقع الواو رابعة فصاعدا متطرفة مفتوحا ما قبلها على الشرط المذكور قوله " شاذ في نحو حبلى وصيم " قد ذكرنا في باب الوقف أن حبلى بالياء مطرد عند فزارة، فكان الاولى أن يقول ضعيف لا شاذ، وكذا ذكرنا أن نحو صيم مطرد وإن كان ضعيفا، وكذا نحو ييجل، قال أبو على: هو قياس عند قوم وإن كان ضعيفا، وحكم الزمخشري بشذوذه، وصبية وثيرة شاذ كما ذكرنا قوله " ومن الهمزة " هو واجب في نحو إيت، ومطرد غير لازم في نحو ذيب، وتبدل الياء مكان الواو والالف في نحو مسلمان ومسلمون، وفى نحو (قراطيس) وقريطيس لكسر ما قبل الالف، وكذا الالف التى بعد ياء التصغير، نحو حمير قوله " كثير في نحو أمليت وقصيت " يعنى بنحوه ثلاثيا مزيدا فيه يجتمع فيه مثلان ولا يمكن الادغام لسكون الثاني، نحو أمللت، أو ثلاثة أمثال أولها مدغم في الثاني، فلا يمكن الادغام في الثالث نحو قصيت وتقضى البازى (2)، فيكره اجتماع الامثال، ولا طريق لهم إلى الادغام فيستريحون إلى قلب الثاني ياء لزيادة الاستثقال، وإن كان ثلاثيا مجردا لم يقلب الثاني، فلا يقال في مددت مديت، أما قولهم " فلا وربيك " أي ربك فشاذ، وأبدلوا أيضا من أول حرفي التضعيف في وزن فعال، إذا كان اسما، لا مصدرا، ياء، نحو ديماس (3)


(2) تقضى البازى: مصدر تقضض، بمعنى انقض وقد وقع ذلك في قول العجاج: إذا الكرام ابتدروا الباع بدر * تقضى البازى إذا البازى كسر (3) الديماس - بكسر الدال، وتفتح -: الكن، والحمام، وجمعوه على دماميس ودياميس (*)

[ 211 ]

وديباج (1) ودينار وقيراط وشيراز، فيمن قال: دماميس ودبابيج ودنانير وقراريط وشراريز، وهذا الابدال قياس، إذ لا يجئ فعال غير المصدر إلا وأول حرفي تضعيفه مبدل ياء، فرقا بين الاسم والمصدر، ولا يبدل في المصدر نحو كذب كذابا، فإن كان الاسم بالهاء كالصنارة (2) والدنامة (3) لم يبدل، للامن من الالتباس، وأما من قال دياميس وديابيج فيجوز أن يكون لم يردهما إلى الاصل وإن زالت الكسرة للزوم الياء في آحادهما ويجوز أن يكون آحادهما على وزن فيعال في الاصل من غير أن يكون الياء بدلا من حرف التضعيف، وأما قولهم شواريز بالواو في شيراز فمبنى على أن أصله شوراز، وإن لم يكن فوعال في كلامهم، ويجوز أن يكون شواريز أصلها شياريز فأبدلت الياء واوا تشبيها للياء بالالف في نحو خاتم وخواتم فيكون أصله شيراز، وجاز اجليواذ (4) واخريواط (5) في مصدر اجلوذ واخروط قوله " أناسى " يجوز أن يكون جمع إنسى فلا تكون الياء بدلا من النون، كذا قال المبرد، وأن يكون جمع إنسان، والاصل أناسين، وقد


(1) الديباج - بكسر الدال، وتفتح -: الثياب المتخذة من الابريسم، وتجمع على دبابيج وديابيج (2) الصنارة - بكسر الصاد المهملة وتشديد النون -: شجرة تعظم وتتسع وليس لها نور ولا ثمر، وهو واسع الورق، وورقه شبيه بورق الكرم، والاكثر فيه تخفيف النون، وجمعه صنار (3) الدنامة والدنمة: القصير من كل شئ (4) اجلوذ الليل: ذهب، واجلوذ بهم السير، إذا دام مع السرعة، انظر (ح 1 ص 55، 112) (5) اخروط: أسرع. أنظر (ح 1 ص 112) (*)

[ 212 ]

يستعمل أيضا. فيكون كالظرابى في جمع الظربان (1) وأما العين والباء والسين والثاء، فكقوله: 166 - ومنهل ليس له حوازق * ولضفادى جمة نقانق (2) وقوله: 167 - لها أشارير من لحم تتمره * من الثعالى ووخز من أرانيها (3)


(1) الظربان - بفتح فكسر، والظرباء -: دابة تشبه القرد على قدر الهر. انظر (ح 1 ص 198) (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم نقف له على قائل، ويقال: صنعه خلف الاحمر، والمنهل: أصله اسم مكان من نهل بمعنى شرب، ثم استعمل في المورد من الماء، والحوازق: يروى بالحاء المهملة والزاى، وهى الجوانب، ويقال: الحوازق: الجماعات، يريد أنه بعيد مخوف لا يجسر أحد على الدنو منه، والضفادى: الضفادع، واحدها ضفدعة، والجم: أصله الكثير، وما اجتمع من الماء في البئر، ويراد به هنا ماء المنهل لاضافته إلى الضمير العائد إليه، والنقانق: جمع نقنقة، وهو الصوت المتكرر. والاستشهاد بالبيت في قوله " ضفادى " حيث قلب العين ياء وأصله ضفادع (3) هذا بيت من البسيط من قصيدة لابي كاهل اليشكرى - وقبله: كأن رحلى على شغواء حادرة * ظمياء قد بل من طل خوافيها والشغواء: العقاب التى في رأسها بياض، وحادرة: نازلة من عال، ويروى حاذرة، ومعناه المتيقظة، والظمياء: العطشى إلى دم الصيد، والطل: المطر الضعيف، والخوافى: جمع خافية، وهى أربع ريشات في جناح الطائر، والاشارير: جمع إشرارة - بكسر الهمزة - وهى اللحم القديد، وتتمره: تجففه، ويروى متمرة، اسم مفعول من ذلك، وروى منصوبا ومجرورا، وصحفه المبرد. فرواه مثمرة بالمثلثة. والثعالى: الثعالب، والوخز: قطع اللحم واحدتها وخزة، والارانى: الارانب، والاستشهاد به في قوله " من الثعالى " وقوله " أرانيها " حيث قلب الباء في كل منهما ياء، وأصله " من الثعالب " " وأرانبها " (*)

[ 213 ]

وقوله: 168 - إذا ما عد أربعة فسال * فزوجك خامس وأبوك سادى (1) وقوله: 169 - يفديك يازرع أبى وخالى * قد مر يومان وهذا الثالى (2) * وأنت بالهجران لا تبالي * وقد يبدل الياء من الجيم، يقال: شيرة وشييرة في شجرة وشجيرة. قال: " والواو من أختيها ومن الهمزة، فمن أختيها لازم في نحو ضوارب وضويرب ورحوى وعصوى وموقن وطوبى وبوطر وبقوى، وشاذ ضعيف في هذا أمر ممضو عليه ونهو عن المنكر وجباوة، ومن الهمز في نحو جؤنة وجؤن " أقول: قوله " ضوارب وضويرب " ضابطه الجمع الاقصى لفاعل أو فاعل كحائط وخاتم، أو مصغرهما، وإنما قلبت واوا في فواعل حملا على فويعل، لان التصغير والتكسير من واد واحد، وبينهما تناسب في أشياء، كما مر في بابيهما، وكذا تقلب الالف واوا في ضورب وتضورب.


(1) هذا بيت من الوافر، وينسب إلى النابغة الجعدى يهجو فيه ليلى الاخيلية، وينسب أيضا للحادرة، والفسال: جمع فسل، وهو الرذل من الرجال، وقد فسل الرجل فسالة وفسولة. والاستشهاد به في قوله " سادى " حيث قلب السين ياء وأصله " سادس " (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، ولم نقف له على قائل، وزرع - بضم فسكون -: مرخم زرعة، والاستشهاد به في قوله " الثالى " حيث قلب الثاء ياء، وأصله الثالث. (*)

[ 214 ]

قوله " عصوى ورحوى " ضابطه الالف الثالثة أو الرابعة إذا لحقها ياء النسب، فإنك تقلب الالف واوا، سواء كانت عن واو أو عن ياء، لمجئ الياء المشددة بعدها، وقد مر (1) في باب النسب وباب الاعلال وجه قلبها واوا، ووجه عدم قلبها ألفا مع تحريكها وانفتاح ما قبلها. قوله: " موقن وطوبى وبوطر " ضابطه كل ياء ساكنة غير مدغمة مضموم ما قبلها بعدها حرفان أو أكثر، إلا في نحو بيضان (2) وحيكى وضيزى (3)، وقولنا " حرفان أو أكثر " احتراز عن نحو بيض. قوله " وبقوى " ضابطه كل ياء هي لام لفعلى اسما، وكذا يقلب الياء واوا في نحو عموى قياسا. قوله " أمر ممضو عليه " أصله ممضوى، لانه من مضى يمضى، وكذا نهو عن المنكر أصله نهوى، كأنه قلب الياء واوا ليكون موافقا لامور، لانهم يقولون: هو أمور بالمعروف ونهو عن المنكر، ولو قلبوا الواو ياء على القياس لكسرت الضمة فصار نهيا، فلم يطابق أمورا، وقالوا: الفتوة (4) والندوة (5) والاصل الفتوية والندوية، وشربت مشوا ومشيا، وهو الدواء


(1) قد ذكر المؤلف علة انقلاب الالف في عصار ورحا واوا في عصوى ورحوى في باب النسب (ح 2 ص 38) وذكر وجه عدم قلب الواو في عصوى ورحوى ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها في باب النسب (ح 2 ص 38) أيضا، وفى باب الاعلال (ص 158 من هذا الجزء) (2) انظر (ص 158 من هذا الجزء) (3) انظر (ص 85 من هذا الجزء) (4) الفتوة: الشباب وحداثة السن، انظر (ح 2 ص 257، 258) (5) الندوة: مصدر ندى، يقال: نديت ليلتنا ندى وندوة، إذا نزل فيها مطر خفيف قدر ما يبل وجه الارض (*)

[ 215 ]

الذى يمشى البطن، وقالوا: جبيت الخراج جباية وجباوة، والكل شاذ قوله " ومن الهمزة ": وجوبا في نحو أو من، وجوازا في نحو جونة وجون (1) كما مر في تخفيف الهمز، ويجب أيضا في نحو حمراوان على الاعرف، وحمراوات وحمراوى، وضعف أفعو في أفعى كما مر في باب الوقف (2) قال: " والميم من الواو واللام والنون والباء، فمن الواو لازم في فم وحده وضعيف في لام التعريف، وهى طائية، ومن النون لازم في نحو عنبر وشنباء، وضعيف في البنام وطامه الله على الخير، ومن الباء في بنات مخر وما زلت راتما ومن كثم " أقول: لم يبدل الميم من الواو إلا في فم، وهذا بدل لازم، وقد ذكرنا في باب الاضافة أن أصله فوه، بدليل أفواه وأفوه وفويهة وتفوهت، حذفت الهاء لخفائها، ثم أبدلت الواو ميما لئلا تسقط فيبقى المعرب على حرف، وقال الاخفش: الميم فيه بدل من الهاء، وذلك أن أصله فوه، ثم قلب فصار فهو، ثم حذفت الواو وجعلت الهاء ميما، واستدل على ذلك بقول الشاعر: * هما نفثا في في من فمويهما (3) * فهو عنده كقوله: 170 - * لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا (4)


(1) الجؤنة: سلة مستديرة مغشاة جلدا يجعل فيها الطيب والثياب (انظر ص 56 من هذا الجزء) (2) انظر الكلام على هذا في (ح 2 ص 285، 286) (3) قد مضى شرح هذا الشاهد في (ح 2 ص 66) (4) هذا بيت من الرجز، ولم نقف على قائله، وتقلواها: مضارع مسند لالف الاثنين، وأصله من قلا الحمار الاتان يقلوها قلوا، إذا طردها وساقها، (*)

[ 216 ]

في رد المحذوف للضرورة، والميم والواو شفويتان، والميم تناسب اللام والنون لكونهما مجهورتين وبين الشديدة والرخوة قوله " وضعيف في لام التعريف " قال عليه السلام: " ليس من امبر امصيام في امسفر " قوله " ومن النون لازم " ضابطه كل نون ساكنة قبل الباء: في كلمة كعنبر، أو كلمتين نحو سميع بصير وذلك أنه يتعسر التصريح بالنون الساكنة قبل الباء، لان النون الساكنة يجب إخفاؤها مع غير حروف الحلق كما يجئ في الادغام، والنون الخفية ليست إلا في الغنة التى معتمدها الانف فقط، والباء معتمدها الشفة، ويتعسر اعتمادان متواليان على مخرجى النفس المتباعدين فطلبت حرف تقلب النون إليها متوسطة بين النون والباء، فوجدت هي الميم، لان فيه الغنة كالنون، وهو شفوى كالباء، وأما إذا تحركت النون نحو شنب (1) ونحوه فليست النون مجرد الغنة، بل أكثر معتمدها الفم بسبب تحركها، فلا جرم انقلب ميما، وضعف إبدالها من النون المتحركة، كما قال رؤبة: 171 - ياهال ذات المنطق التمتام * وكفك المخضب البنام (2)


والمراد لا تعنفا في سوقها، وادلواها: مضارع مسند لالف الاثنين كذلك، وتقول: دلوت الناقة دلوا، إذا سيرتها رويدا، يريد لا تشقا على هذه الناقة وارفقا بها، وغدوا: يريد به غدا، برد اللام المحذوفة، ومثله قول لبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلوها، وغدوا بلاقع وكذلك قول عبد المطلب بن هاشم في بعض الروايات: لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك (1) الشنب: ماء ورقة وعذوبة وبرد في الاسنان، وفعله شنب - كفرح - والفم أشنب، والمرأة شنباء، وقد قلبوا النون ميما فقالوا شمباء (2) هذا الشاهد من بحر الرجز، ينسب لرؤبة بن العجاج، وهال: مرخم (*)

[ 217 ]

ويقال: طامه الله على الخير: أي طانه، من الطينة (1): أي جبله، قال: 172 - * ألا تلك نفس طين منها حياؤها (2) * ولم يسمع لطام تصرف، بنات بخر وبنات مخر: سحائب يأتين قبل الصيف بيض منتصبات في السماء، وقال ابن السرى: هو مشتق من البخار، وقال ابن جنى: لو قيل إن بنات مخر من المخر بمعنى الشق من قوله تعالى: (وترى الفلك فيه مواخر) لم يبعد. قال أبو عمرو الشيباني: يقال: ما زلت راتما على هذا، وراتبا: أي مقيما، فالميم بدل من الباء، لانه يقال: رتم مثل رتب، قال ابن جنى: يحتمل أن تكون الميم أصلا من الرتمة، وهى خيط يشد على الاصبع لتستذكر به الحاجة، وهو أيضا ضرب من الشجر، قال:


هالة، وأصلها الدائرة حول القمر، ثم سمى به، والتمتام: الذى فيه تمتمة: أي تردد في الكلام. والاستشهاد بالبيت في قوله " البنام " حيث قلب النون ميما وأصله البنان. (1) الطينة: الجبلة والطبيعة (2) هذا عجز بيت من الطويل، أنشده أبو محرز خلف بن محرز الاحمر، وهو مع بيت سابق عليه قوله: لئن كانت الدنيا له قد تزينت * على الارض حتى ضاق عنها فضاؤها لقد كان حرا يستحى أن يضمه * إلى تلك نفس طين فيها حياؤها ومنه تعلم أن عجز البيت الذى رواه المؤلف قد صحف عليه من ثلاثة أوجه: الاول " إلى " إذا وضع بدلها " ألا " الاستفتاحية، الثاني قوله " فيها " الذى وضع بدله " منها ". وفى بعض نسخ الشرح " ألا كل نفس " وهى التى شرح عليها البغدادي، فهذا هو التحريف الثالث. والاستشهاد بالبيت في قوله " طين " ومعناه جبل، وهذا يدل على أن قولهم: طانه الله معناه جبله (*)

[ 218 ]

173 - هل ينفعنك اليوم إن همت بهم * كثرة ما توصى وتعقاد الرتم (1) وذلك أنه كان الرجل منهم إذا أراد سفرا عمد إلى غصنين من شجرتين يقرب أحدهما من الاخر ويعقد أحدهما بصاحبه، فإن عاد ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال: إن أمرأته لم تخنه، وإلا قال: إنها خانته. وقال يعقوب: يقال: رأيناه من كثم: أي كثب أي قرب، ويتصرف في كثب يقال: أكثب الامر: أي قرب قال: " والنون من الواو واللام شاذ في صنعاني وبهرانى وضعيف في لعن " أقول: قوله " في صنعاني وبهرانى " منسوبان إلى صنعاء وبهراء، فعند سيبويه النون بدل من الواو، لان القياس صنعاوى، كما تقول في حمراء: حمراوى، وهما متقاربان بما فيهما من الغنة، وأيضا هما بين الشديدة والرخوة وهما مجهروتان، وقال المبرد: بل أصل همزة فعلاء النون، واستدل عليه برجوعها إلى الاصل في صنعاني وبهرانى، كما ذكرنا في باب مالا ينصرف، (2)


(1) هذا بيت من الرجز لم نقف له على قائل، وينفعنك: مضارع مؤكد بالنون الخفيفة، لوقوعه بعد الاستفهام، وفاعله قوله " كثرة ما تعطى ". وإن: شرطية، والرتم: اسم جنس جمعى واحده رتمة، والرتمة: الخيط الذى يشد في الاصبع لتستذكر به الحاجة، والاستشهاد به في قوله " الرتم " وهو مأخوذ من الرتمة، وذلك يدل على أن الميم أصلية وليست مبدلة من الباء، وهذا أحد وجهين للعلماء في قولهم: ما زلت راتما: أي مقيما، وهو وجه ذكره ابن جنى ونقله عنه المؤلف بتوجيه، والوجه الاخر أن الميم بدل من الباء، وهو وجه ذكره أبو عمرو الشيباني كما قال المؤلف، لانهم يقولون: مازلت راتبا، وما زلت راتما، بمعنى واحد. (2) قد نقلنا لك عبارته التى يشير إليها، واستكملنا بحث هذه المسألة في (ح 2 ص 58، 59) (*)

[ 219 ]

والاولى مذهب سيبويه، إذ لا مناسبة بين الهمزة والنون قوله " وضعيف في لعن " قيل: النون بدل من اللام، لان لعل أكثر تصرفا، وقيل: هما أصلان لان الحرف قليل التصرف قال: " والتاء من الواو والياء والسين والباء والصاد، فمن الواو والياء لازم في نحو اتعد واتسر على الافصح، وشاذ في نحو أتلجه وفى طست وحده وفى الذعالت ولصت ضعيف " أقول: قوله " نحو اتعد واتسر " أي: كل واو أو ياء هو فاء افتعل كما مر في باب الاعلال قوله " أتلجه " قال: 174 - رب رام من بنى ثعل * متلج كفيه في قتره (1) وضربه حتى أتكأه (2)، ومنه تجاه (3) وتكلة (4) وتيقور (5)


(1) هذا بيت من المديد، وهو مطلع قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندى بعده: قد أتته الوحش واردة * فتنحى النزع في يسره وثعل - كعمر -: أبو قبيلة من طى يقال: إنه أرمى العرب، وهو ثعل بن عمرو ابن الغوث بن طى، ومتلج: اسم فاعل من أولج: أي أدخل، وأصله مولج، فأبدل من الواو تاء، والقتر، جمع قترة - بضم فسكون - وهى حظيرة يكمن فيها الصياد لئلا يراه الصيد فينفر، ويروى " في ستره "، والاستشهاد بالبيت في قوله " متلج " حيث بدل التاء من الواو كما ذكرنا (2) اتكأه: أصلها أوكأه، فأبدل من الواو تاء، ومعناه وسده، وقيل: معنى أتكأه ألقاه على جانبه الايسر، وقيل: ألقاه على هيئة المتكئ (3) تقول: قعد فلان تجاه فلان، أي تلقاءه، والتاء بدل من الواو، وأصله من المواجهة (4) انظر (ج 1 ص 215) (5) التيقور: الوقار، وهى فيعول، وأصلها ويقور، فأبدلت الواو تاء، قال العجاج: * فإن يكن أمسى البلى تيقورى * (*)

[ 220 ]

من الوقار، وتخمة (1) وتهمة (2) وتقوى (3) وتقاة وتترى (4) من المواترة وتوراة من الورى (5) وهو فوعلة لندور تفعلة، وكذا تولج (6) وتوأم (7) وأخت وبنت (8) وهنت وأسنتوا (9) من السنة قوله " طست " لان جمعه طسوس لا طسوت قوله " وحده " إنما قال ذلك مع قولهم ست لان الابدال فيه لاجل


(1) التخمة: الثقل الذى يصيبك من الطعام. انظر (ح 1 ص 216) (2) التهمة: ظن السوء. انظر (ح 1 ص 216) (3) التقوى: اسم من وقيت، وأصلها الحفظ، ثم استعملت في مخافة الله، وأصل تقوى وقوى، فأبدلت الواو تاء (4) تترى: أصلها وترى من المواترة وهى المتابعة، أبدلت واوها تاء إبدالا غير قياسي، وانظر (ح 1 ص 195 وص 81 من هذا الجزء) (5) انظر (ص 81 من هذا الجزء) (6) انظر (ص 80 من هذا الجزء) (7) التوأم: الذى يولد مع غيره في بطن: اثنين فصاعدا من جميع الحيوان، وهو من الوئام الذى هو الوفاق، سمى بذلك لانهما يتوافقان في السن، وأصله ووءم بزنة فوعل كجوهر، فأبدلت الواو الاولى تاء كراهة اجتماع الواوين في صدر الكلمة، وحمله على ذلك أولى من حمله على تفعل، لان فوعلا أكثر من تفعل، وانظر (ح 2 ص 167) (8) قد استوفينا الكلام على هذه الالفاظ في (1 ص 220) وفى (ح 2 ص 255 - 257) فارجع إليها هناك (9) يقال: أسنت القوم، إذا أجدبوا، وأصلها من السنة، فلامها في الاصل واو، وأصل اسنتوا على هذا اسنووا فأبدلت الواو تاء. وانظر (ح 1 ص 221) (*)

[ 221 ]

الادغام، وهى تركيب التسديس، وقال: 175 - يا قاتل الله بنى السعلاة * عمرو بن يربوع شرار النات * غير أعفاء ولا أكيات (1) * وهو نادر قوله " ذعالت " قال: 176 - صفقة ذى ذعالت سمول * بيع امرئ ليس بمستقيل (2) أي: ذعالب، قال ابن جنى: ينبغى أن تكونا لغتين، قال: وغير بعيد أن تبدل التاء من الباء، إذ قد أبدلت من الواو، وهى شريكة الباء من الشفة،


(1) هذه أبيات من الرجز المشطور، وهى لعلباء بن أرقم اليشكرى يهجو فيها بنى عمرو بن مسعود، وقيل بنى عمرو بن يربوع ويقال لهم: بنو السعلاة، وذلك أنهم زعموا أن عمرو بن يربوع تزوج سعلاة: أي غولا، فأولدها بنين، وقوله " يا قاتل الله " المنادى فيه محذوف، والجملة بعده دعائية، وقوله عمرو بن يربوع - بالجر - بدل من السعلاة، وكأنه قال بنى عمرو بن يربوع، وأعفاء: جمع عفيف، وأكيات: أصله أكياس جمع كيس، بتشديد الياء مكسورة - والاستشهاد بالبيت في قوله " النات " وفى قوله " أكيات " حيث أبدل السين تاء (2) هذا الشاهد من الرجز المشطور، وقائله أعرابي من بنى عوف بن سعد، هكذا ذكروه ولم يعينوه. وصفقة: منصوب على أنه مفعول مطلق، وتقول: صفقت له بالبيع صفقا، إذا أنفذت البيع وأمضيته، وكانوا إذا أبرموا بيعا صفق أحد المتبايعين بيده على يد الاخر: أي ضرب، فكان ذلك علامة على إمضائه، والذعالت: الذعالب، وهى جمع ذعلبة - بكسرتين بينهما سكون - وهو طرف الثوب أو ما تقطع منه، وسمول: جمع سمل - كأسد وأسود - وهو الخلق البالى والمستقيل: الذى يطلب فسخ البيع، والاستشهاد بالبيت في قوله " ذعالت " حيث أبدل الباء تاء على ما بيناه (*)

[ 222 ]

هذا كلامه، والاولى أن أصلها الباء، لان الذعالب أكثر استعمالا، وهو بمعنى الذعاليب، واحدها ذعلوب، وهى قطع الخرق الاخلاق وقالوا في لص: لصت: وجمعوه على اللصوت أيضا، قال: 177 - فتركن نهدا عيلا أبناؤها * وبنى كنانة كاللصوت المرد (1) وجاء بدلا من الطاء، قالوا: فستاط في فسطاط (2) قال: " والهاء من الهمزة والالف والياء والتاء، فمن الهمزة مسموع في هرقت وهرحت وهياك ولهنك وهن فعلت، في طيئ، وهذا الذى في أذا الذى، ومن الالف شاذ في أنه وحيهله وفى مه مستف ؟ ؟ وفى ياهناه على رأى، ومن الياء في هذه، ومن التاء في باب رحمة ؟ قفا " أقول: يقال هنرت الثوب: أي أنرته (3) وهرحت الدابة: أي أرحتها،


(1) هذا البيت من بحر الكامل، وقد نسبه الصاغانى في العباب إلا عبد الاسود ابن عامر بن جوين الطائى، وتهد: أبو قبيلة من اليمن، وعيل: جمع عائل - كصوم جمع صائم - من عال يعيل يعيل عيلة، إذا افتقر، ومرد: جمع مارد، من مرد من باب نصر، إذا خبث وعتا، وربما كان من مرد بمعنى مرن ودرب. ومعنى البيت أنهم تركوا أبناء هذه القبيلة فقراء، لانهم قتلوا آباءهم، وكذلك قتلوا آباء بنى كنانة فجعلوهم فقراء حتى صاروا من شدة الفقر كاللصوص المرد. والاستشهاد بالبيت في قوله " كاللصوت " حيث أبدل الشاعر الصاد تاء (2) الفسطاط: ضرب من الابنية دون السرداق يكون في السفر، وانظر (ح 1 ص 17) (3) يقال: نرت الثوب أنيره - من باب باع - وأنرته، ونيرته - بالتضعيف - إذا جعلت له علما، ويقال للعلم: النير - بالكسر - روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: لولا أن عمر نهى عن النير لم نر بالعلم بأسا، ولكنه نهى عن النير (*)

[ 223 ]

وحكى اللحيانى: هردت الشئ: أي أردته، أهريده، بفتح الهاء، كهرقته أهريقه، وقال: 178 - فهياك والامر الذى إن توسعت * موارده ضاقت عليك المصادر (1) والهاء بدل، لان إياك أكثر، وقد مضى الكلام في لهنك في الحروف المشبهة بالفعل (2) وطيئ تقلب همزة إن الشرطية هاء، وحكى قطرب: هزيد


(1) هذا البيت من الطويل، وقد أورد أبو تمام في باب الادب من الحماسة ونسبه في كتاب مختار أشعار القبائل إلى طفيل الغنوى، والموارد: جمع مورد، وهو المدخل، والمصادر: جمع مصدر، وهو المخرج. والاستشهاد بالبيت في قوله " فهياك " حيث أبدل الهمزة هاء (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ج 2 ص 332): " واعلم أن من العرب من يقول: لهنك لرجل صدق، قال: لهنا لمقضى علينا التهاجر قال: لهنى لاشقى الناس إن كنت غارما وقد يحذف اللام، وهو قليل، قال: ألا ياسنا برق على قلل الحمى * لهنك من برق على كريم وفيه ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه، وهو أن الهاء بدل من همزة إن كاياك وهياك، فلما غيرت صورة إن بقلب همزتها هاء جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، والثانى قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك، كما روى عن أبى أدهم الكلابي: له ربى لا أقول ذلك، بقصر اللام، ثم حذف حرف الجر، كما يقال: الله لافعلن، وحذفت لام التعريف أيضا، كما يقال: لاه أبوك، أي لله أبوك، ثم حذفت ألف فعال كما يحذف من الممدود إذا قصر، كما يقال: الحصاد، والحصد، قال: ألا لا بارك الله في سهيل * إذ ما الله بارك في الرجال (*)

[ 224 ]

منطلق، في ألف الاستفهام، أنشد الاخفش: 179 - وأتت صواحبها فقلن هذا الذى * منح المودة غيرنا وجفانا (1) أي: أذا الذى، ويقال في أيا في النداء: هيا، وفى أما والله: هما قوله " أنه " قيل: الهاء بدل من الالف في الوقف، لان الالف في الوقف، أكثر استعمالا من الهاء، وقد ذكر في الوقف أن الهاء للسكت كما في قه وره، وكذا في حيهله، وأما قولهم " مه " فالاولى كون هائها بدلا من الالف، كما في قوله: 180 - قد وردت من أمكنه * من ههنا ومن هنه (2) ويجوز أن يقال: حذف الالف من ما الاستفهامية غير المجرورة كما يحذف من ما المجرورة. نحو فيم وإلام، ثم دعم بهاء السكت كما في ره وقه


ثم حذفت همزة إنك، وفيما قال تكلفات كثيرة، والثالث: ما حكى المفضل ابن سلمة عن بعضهم أن أصله لله إنك، واللام للقسم، فعمل به ما عمل في مذهب الفراء، وقول الفراء أقرب من هذا، لانه يقال: لهنك لقائم، بلا تعجب " اه‍ (1) هذا بيت من الكامل، قال البغدادي: " وقائله مجهول، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنه في غالب شعره أن النساء يتعشقنه " اه‍. وقد راجعنا ديوان عمر بن أبى ربيعة فوجدنا له قصيدة على هذا الروى أولها: يا رب إنك قد علمت بأنها * أهوى عبادك كلهم إنسانا ولم نجد فيها هذا البيت كما لم نجد على هذا الروى غير هذه القصيدة. وقد قال في اللسان: " أنشده اللحيانى عن الكسائي لجميل. وقوله " وأتت صواحبها " هو في اللسان " وأتى صواحبها ". والصواحب: جمع صاحبة، والاستشهاد به في قوله " هذا الذى " حيث أبدل الهمزة التى للاستفهام هاء، وأصله " أذا الذى " (2) هذا بيت من الرجز المجزوء لم نعرف قائله، والضمير في وردت للابل. والاستشهاد بالبيت في قوله " هنه " حيث أبدل الالف هاء للوقف، وأصله هنا (*)

[ 225 ]

قوله " في ياهناه " قد ذكرنا الخلاف (1) فيه وأن الهاء فيه للسكت عند أبى زيد والاخفش والكوفيين، وبدل من الواو عند البصريين، وأصله عندهم هناو لقولهم هنوات، وقيل: الهاء أصل، وهو ضعيف لقلة باب سلس وقلق، وهاء هذه بدل من الياء كما ذكرنا في الوقف عند بنى تميم، فليرجع إليه في معرفته (2) ولا يطرد هذا في كل ياء، فلا يقال في الذى: الذه قوله " ومن التاء في رحمة وقفا " مضى في الوقف (3)


(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح 2 ص 129): " ومنه (يريد من كنايات الاعلام) يا هناه للمنادى غير المصرح باسمه تقول في التذكير: يا هن، وياهنان، ويا هنون، وفى التأنيث: يا هنة، ويا هنتان، ويا هنات، وقد يلى أواخرهن ما يلى أواخر المندوب وإن لم تكن مندوبة، تقول: يا هناه - بضم الهاء - في الاكثر، وقد تكسر كا ذكرنا في المندوب، وهذه الهاء تزاد في السعة وصلا ووقفا مع أنها في الاصل هاء السكت، كما قال: * يا مرحباه بحمار ناجيه * وقال: * يا رب يا رباه إياك أسل * في حال الضرورة، هذا قول الكوفيين وبعض البصريين، ولما رأى أكثر البصريين ثبوت الهاء وصلا في السعة أعنى في هناه مضمومة ظنوا أنها لام الكلمة التى هي واو في هنوات كما أبدلت هاء في هنيهة، وقال بعضهم: هي بدل من الهمزة المبدلة من الواو إبدالها في كساء - وإن لم يستعمل هناه - كما أبدلوا في " إياك " فقالو: هياك، ومجئ الكسر في هاء هناه يقوى مذهب الكوفيين، وأيضا اختصاص الالف والهاء بالنداء، وأيضا لحاق الالف والهاء في جميع تصاريفه وصلا ووقفا - على ما حكى الاخفش - نحو يا هناه، ويا هناناه أو يا هنانيه، كما مر في المندوب، ويا هنوناه، ويا هنتاه، ويا هنتاناه أو يا هنتانيه، ويا هناتاه " اه‍ (2) انظر (ح 2 ص 286، 287) (3) انظر (ح 2 ص 288 وما بعدها) (*)

[ 226 ]

قال: " واللام من النون والضاد في أصيلال قليل، وفى الطجع ردئ " أقول: أصل أصيلال أصيلان، وهو إن كان جمع أصيل كرغيف ورغفان، وهو الظاهر، فهو شاذ من وجهين: أحدهما إبدال اللام من النون، والثانى تصغير جمع الكثرة على لفظه، وإن كان أصلان واحدا كرمان وقربان، - مع أنه لم يستعمل - فشذوذه من جهة واحدة، وهى قلب النون لاما، قال الاخفش: لو سميت به لم ينصرف، لان النون كالثابتة، يدل على ذلك ثبات الالف في التصغير كما في سكيران، وكذا هراق إذا سميت به غير منصرف، لان الهمزة في حكم الثابت قوله " الطجع " من قوله: لما رأى أن لادعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع (1) قال: " والطاء من التاء لازم في اصطبر، وشاذ في فحصط " أقول: قوله " في اصطبر " يعنى إذا كان فاء افتعل أحد الحروف المطبقة المستعلية، وهى الصاد والضاد والطاء والظاء، وذلك لان التاء مهموسة لا إطباق فيها، وهذه الحروف مجهورة مطبقة، فاختاروا حرفا مستعليا من مخرج التاء، وهو الطاء، فجعلوه مكان التاء، لانه مناسب للتاء في المخرج والصاد والضاد والظاء في الاطباق قوله " وشذ في فحصط " هذه لغة بنى تميم، وليست بالكثيرة، أعنى جعل الضمير طاء إذا كان لام الكلمة صادا أو ضادا، وكذا بعد الطاء والظاء، نحو فحصط برجلي، (2)


(1) قد سبق شرح هذا البيت فارجع إليه في (ح 2 ص 324) (2) فحصط: أصلها فحصت، فأبدلت تاء الضمير طاء، والفحص: البحث، وفعله من باب فتح (*)

[ 227 ]

وحصط عنه (1): أي حدت وأحط (2) وحفط (3) وإنما قل ذلك لان تاء الضمير كلمة تامة، فلا تغير، وأيضا هو كلمة برأسها، فكان القياس أن لا تؤثر حروف الاطباق فيها، ومن قلبه فلكونه على حرف واحد كالجزء مما قبله، بدليل تسكين ما قبله، فهو مثل تاء افتعل قال: " والدال من التاء لازم في نحو ازدجر وادكر، وشاذ في نحو فزد واجدمعوا واجدز ودولج " أقول: إذا كان فاء افتعل أحلا ثلاثة أحرف: الزاى، والدال، والذال، قلبت تاء الافتعال دالا، وأدغمت الدال والذال فيها، نحو ادان وادكر، كما يجئ، وقد يجوز أن لا يدغم الذال نحو إذ دكر، والقلب الذى للادغام ليس مما نحن فيه، كما ذكرنا في أول هذا الباب، والحروف الثلاثة مجهورة، والتاء مهموسة، فقلبت التاء دالا، لان الدال مناسبة للذال والزاى في الجهر، وللتاء في المخرج، فتوسط بين التاء وبينهما، وإنما أدغمت الذال في الدال دون الزاى لقرب مخرجها من مخرج الدال وبعد مخرج الزاى منها قوله " وادكر " قلب التاء دالا بعد الذال المعجمة لازم، وبعد القلب الادغام أكثر من تركه، فإن أدغمت فإما أن تقلب الاولى إلى الثانية، أو بالعكس، كما يجئ في باب الادغام


(1) حصط: أصلها حصت، فأبدلت تاء الضمير طاء، وتقول: حاص عن الشئ يحيص حيصا وحيصة وحيوطا ومحيصا ومحاصا وحيصانا، إذا حاد عنه وعدل. (2) أصل أحط: أحطت، فأبدلت تاء الضمير طاء، ثم أدغمت الطاء في الطاء، وتقول: أحاط بالشئ يحيط به إحاطة، إذا أحدق به كله من جوانبه، وكل من أحرز الشئ كله وبلغ علمه أقصاه فقد أحاط به (3) أصل حفظ: حفظت، فأبدلت التاء طاء، ثم أبدلت الظاء المعجمة طاء مهملة، ثم أدغمت الطاء في الطاء (*)

[ 228 ]

قوله " وشاذ في فزد " حاله كحال فحصط، وقد ذكرناه، وكذا شذ قلبه بعد الدال، نحو جدد في جدت، وقد شذ قلب تاء الافتعال بعد الجيم، لان الجيم وإن كانت مجهورة والتاء مهموسة إلا أنها أقرب إلى التاء من الزاى والذال، فيسهل النطق بالتاء بعد الجيم، ويصعب بعد الزاى والذال، قال: 181 - فقلت لصاحبي لا تحبسانا * بنزع أصوله واجدز شيحا (1) ولا يقاس على المسموع منه، فلا يقال اجدرأ (2) واجدرح (3)، والدولج:


(1) هذا البيت من الوافر، وهو من كلمة لمضرس بن ربعى الفقعسى، وأولها قوله: وضيف جاءنا والليل داج * وريح القر تحفز منه روحا وقوله " والليل داج " معناه مظلم، والقر - بالضم -: البرد، وتحفز: تدفع، وقوله " فقلت لصاحبي الخ " خاطب الواحد بخطاب الاثنين في قوله " لا تحبسانا " ثم عاد إلى الافراد في قوله " واجدز شيحا " وليس هذا بأبعد من قول سويد ابن كراع العكلى: فإن تزجراني يا ابن عفان انزجر * وإن تدعانى أحم عرضا ممنعا ويروى في بيت الشاهد: * فقلت لحاطبي لا تحبسني * والكلام على هذه الرواية جار على مهيع واحد. والمعنى لا تؤخرنا عن شئ اللحم بتشاغلك بنزع أصول الحطب، بل اكتف بقطع ما فوق وجه الارض منه، والاستشهاد بالبيت في قوله " واجدز " وهو افتعل من الجز، وأصله اجتز، وبه يروى، فأبدل التاء دالا إبدالا غير قياسي (2) اجدرأ: هو افتعل من الجرأة التى هي الاقدام على الشئ، وأصله اجترأ فأبدل التاء دالا (3) اجدرح: هو افتعل من الجرح، وأصله اجترح، فأبدل التاء دالا، (*)

[ 229 ]

الكناس، من الولوج، قلبت الواو تاء، ثم قلبت التاء دالا، وذلك لان التولج أكثر استعمالا من دولج، وقلبت التاء دالا في ازدجر واجد مع لتناسب الصوت، كما في صويق، بخلاف دولج. قوله: " والجيم من الياء المشددة في الوقف، في نحو فقيمج، وهو شاذ ومن غير المشددة في نحو * لاهم إن كنت قبلت حجتج * أشذ، ومن الياء المفتوحة في نحو قوله * حتى إذا ما أمسجت وأمسجا * أشذ " الجيم والياء أختان في الجهر، إلا أن الجيم شديدة، فإذا شددت الياء صارت قريبة غاية القرب منها، وهما من وسط اللسان، والجيم أبين في الوقف من الياء، فطلب البيان في الوقف، إذ عنده يخفى الحرف الموقوف عليه، ولهذا يقال في حبلى - بالياء -: حبلو بالواو - وقد تقلب الياء المشددة لا للوقف جيما، قال: 182 - كأن في أذنا بهن الشول * من عبس الصيف قرون الاجل (1)


ومن هذا تقول: جرح فلان الاثم واجترحه، إذا كسبه، قال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) (1) هذا الشاهد بيتان من مشطور الرجز من أرجوزة طويلة لابي النجم العجلى أولها: الحمد لله العلى الاجلل * الواسع الفضل الوهوب المجزل والضمير في أذنابهن عائد للابل، والشول: جمع شائل، وتقول: شالت الناقة بذنبها تشول، إدا رفعته للقاح وقد انقطع لبنها، والعبس - بفتحتين -: ما يعلق بأذناب الابل من أبعارها وأبوالها فيجف عليها، وأضافه إلى الصيف، لانه يكون في ذلك الوقت أجف وأيبس، والاجل - بكسر الهمزة وضمها مع تشديد الجيم مفتوحة -: الوعل، وهو تيس الجبل. شبه ما يعلق بأذناب النوق في زمن الصيف بقرون التيس الجبلى في صلابته ويبسه، والاستشهاد بالبيت في قوله " الاجل " حيث أبدل الياء المشددة جيما في غير الوقف (*)

[ 230 ]

وقد جاء في المخففة في الوقف، لكنه أقل من المشددة، وذلك أيضا لبيان الياء في الوقف، وقد جاء من الياء في غير الوقف، قال: 183 - * حتى إذا ما أمسجت وأمسجا (1) * أي: أمسيت وأمسى، فلما أبدلت جيما لم ينقلب ألفا، ولم يسقط للساكنين، كالياء في أمست وأمسى، وفى قوله " في الياء المخففة أشذ " دلالة على أن ذلك في المشددة شاذ، وإنما كان في المخففة أقل لان الجيم أنسب بالياء المشددة، كما قلنا، وإنما كان في نحو أمسجت أشذ لان الاصل أن يبدل في الوقف لبيان الياء، والياء في مثله ليس بموقوف عليه. قال: " والصاد من السين التى بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء جوازا، نحو أصبغ، وصلخ، ومس صقر، وصراط " أقول: اعلم أن هذه الحروف مجهورة مستعلية، والسين مهموس مستفل، فكرهوا الخروج منه إلى هذه الحروف، لثقله فأبدلوا من السين صادا، لانها توافق السين في الهمس والصفير، وتوافق هذه الحروف في الاستعلاء، فتجانس الصوت بعد القلب، وهذا العمل شبيه بالامالة في تقريب الصوت بعضه من بعض، فإن تأخرت السين عن هذه الحروف لم يسغ فيها من الابدال ما ساغ وهى متقدمة، لانها إذا تأخرت كان المتكلم منحدرا بالصوت من عال، ولا يثقل ذلك ثقل التصعد من منخفض، فلا تقول في قست: قصت، وهذه الحروف تجوز القلب: متصلة بالسين كانت كصقر، أو منفصلة بحرف نحو صلخ، أو بحرفين أو ثلاثة


(1) هذا بيت من الرجز المشطور لم نعثر له على نسبة إلى قائل ولا على سابق أو لاحق، ونسبه بعض العلماء إلى العجاج، وقد اختلفوا في الضمير في قوله " أمسجت وأمسجا " فقيل: هما عائدان إلى أتان وعير، وقيل: هما عائدان إلى نعامة وظليم، والاستشهاد في قوله " أمسجت وأمسجا " حيث أبدل الياء المخففة جيما في غير الوقف، قال في اللسان: " أبدل مكان الياء حرفا جلدا شبيها بها، لتصح له القافية والوزن " اه‍ (*)

[ 231 ]

نحو صملق (1) وصراط، وصماليق (2)، وهذا القلب قياس، لكنه غير واجب، ولا يجوز قلب السين في مثلها زايا خالصة، إلا فيما سمع نحو الزراط، وذلك لان الطاء تشابه الدال قوله: " والزاى من السين والصاد الواقعتين قبل الدال ساكنتين، نحو يزدل، وهكذا فزدى أنه " السين حرف مهموس، والدال مجهور، فكرهوا الخروج من حرف إلى حرف ينافيه، ولا سيما إذا كانت الاولى ساكنة، لان الحركة بعد الحرف، وهى جزء حرف لين حائل بين الحرفين، فقربوا السين من الدال، بأن قلبوها زايا، لان الزاى من مخرج السين ومثلها في الصفير، وتوافق الدال في الجهر، فيتجانس الصوتان، ولا يجوز ههنا أن تشرب السين صوت الزاى، كما يفعل ذلك في الصاد، نحو يصدر، لان في الصاد إطباقا، فضارعوا لئلا يذهب الاطباق بالقلب، وليست السين كذلك، ويجوز في الصاد الساكنة الواقعة قبل الدال قبلها زايا صريحة وإشرابها صوت الزاى، أما الابدال فلان الصاد مطبقة مهموسة رخوة وقد جاورت الدال بلا حائل من حركة وغيرها، والدال مجهورة شديدة غير مطبقة، ولم يبدلوا الدال كما في تاء افتعل نحو اصطبر لانها ليست بزائدة كالتاء، فتكون أولى بالتغيير، فغيروا الاولى لضعفها بالسكون، بأن قربوها من الدال، بأن قلبوها زايا خالصة، فتناسبت الاصوات، لان الزاى


(1) الصملق: السملق، وهو الارض المستوية، وقيل: القفر الذى لا نبات فيه، والقاع المستوى الاملس، قال: جميل: ألم تسل الربع القديم فينطق * وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (2) الصماليق: السماليق، قال في اللسان: " وحكى سيبويه صماليق، قال ابن سيده: ولا أدرى ما كسر إلا أن يكونوا قد قالوا: صملقة، في هذا المعنى، فعوض من الهاء، كما حكى مواعيظ " اه‍ (*)

[ 232 ]

من مخرج الصاد وأختها في الصفير، وهى تناسب الدال في الجهر وعدم الاطباق، ومن ضارع: أن نحى بالصاد نحو الزاى، ولم يقلبها زايا خالصة، فللمحافظة على فضيلة الاطباق، كما ذكرنا. قوله " فزدى أنه " قول حاتم الطائى لما وقع في أسر قوم فغزا رجالهم وبقى مع النسوة فأمرنه بالفصد فنحر، وقال: هكذا فزدى (1) أنه، وأنه تأكيد للياء قال: " وقد ضورع بالصاد الزاى دونها وضورع بها متحركة أيضا، نحو صدر وصدق، والبيان أكثر فيهما، ونحو مس زقر كلبية، وأجدر وأشدق بالمضارعة قليل " أقول: قوله " ضورع بالصاد الزاى " أي: جعل الصاد مضارعا للزاى، بأن ينحى بالصاد نحو الزاى، فقولك " ضارع " كان يتعدى إلى المشابه - بفتح الباء - بنفسه، فجعل متعديا إلى المشابه - بكسر الباء - بحرف الجر قوله " دونها " أي: دون السين: أي لم تشم السين صوت الزاى، بل قلبت زايا صريحة، لما ذكرنا من أنه لا إطباق فيه حتى يحافظ عليه قوله " وضورع بها " أي: بالصاد الزاى متحركة أيضا: أي إذا تحركت الصاد وبعدها دال أشم الصاد صوت الزاى، ولا يجوز قلبها زايا صريحة، لوقوع الحركة فاصلة بينهما، وأيضا فإن لحرف يقوى بالحركة، فلم يقلب، فلم يبق إلا المضارعة للمجاورة، والاشمام وفيها أقل منه في الساكنة، إذ هي محمولة فيه على الساكنة التى إنما غيرت لضعفها بالسكون، فإن فصل بينهما أكثر من حركة كالحرف والحرفين لم تستمر المضارعة، بل يقتصر على ما سمع من العرب، كلفظ الصاد والمصادر والصراط، لان الطاء كالدال قوله " والبيان أكثر فيهما " أي: في السين الساكنة الواقعة قبل الدال،


(1) انظر (ح 2 ص 294، 295) و (ح 1 ص 43) (*)

[ 233 ]

والصاد الواقعة قبلها: سكنت الدال أو تحركت، ولو روى " منهما " لكان المعنى من المضارعة والقلب، ويعنى بالبيان الاتيان بالصاد والسين صريحين بلا قلب ولا إشراب صوت، ففى الصاد الساكنة قبل الدال البيان أكثر، ثم المضارعة، ثم قلبها زايا قوله " ومس زقر كلبية " أي: قبيلة كلب تقلب السين الواقعة قبل القاف زايا، كما يقلبها غيرهم صادا، وذلك لانه لما تباين السين والقاف لكون السين مهموسة والقاف مجهورة أبدلوها زايا، لمناسبة الزاى للسين في المخرج والصفير، وللقاف في الجهر قوله " وأجدر وأشدق (1) " يعنى إشراب الجيم والشين المعجمتين الواقعتين قبل الدال صوت الزاى قليل، وهذا خلاف ما قاله سيبويه، فإنه قال في إشراب مثل هذا الشين صوت الزاى: " إن البيان أكثر وأعرف، وهذا عربي كثير " وإنما بضارع بالشين الزاى إذا كانت ساكنة قبل الدال، لانها تشابه الصاد والسين اللذين يقلبان إلى الزاى، وذلك بكونها مهموسة رخوة مثلهما، وإذا أجريت في الشين الصوت رأيت ذلك بين طرف لسانك وأعلى الثنيتين موضع الصاد والسين، ثم إن الجيم حملت على الشين وإن لم يكن في الجيم من مشابهة الصاد السين مثل ما بينهما وبين الشين، وذلك لان الجيم من مخرج الشين، فعمل بها ما عمل بالشين، ولا يجوز أن يجعل الشين والجيم زايا خالصة كالصاد والسين، لانهما ليستا من مخرجهما قال: " الادغام: أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد


(1) الاشدق: الواسع الشدق، وهو جانب الفم، ويقال: رجل أشدق، إذا كان متفوها ذابيان، وقد قالوا لعمر بن سعيد: الاشدق، لانه كان أحد خطباء العرب. (*)

[ 234 ]

من غير فصل، ويكون في المثلين والمتقاربين، فالمثلان واجب عند سكون الاول إلا في الهمزتين إلا في نحو السأال والدأاث، وإلا في الالفين لتعذره، وإلا في نحو قوول للالباس وفى نحو تووى ورييا - على المختار - إذا خففت، وفى نحو قالوا وما، وفى يوم، وعند تحركهما في كلمة ولا إلحاق ولا لبس نحو رد يرد، إلا في نحو حيى فإنه جائز، وإلا في نحو اقتتل وتتنزل وتتباعد، وسيأتى، وتنقل حركته إن كان قبله ساكن غير لين نحو يرد، وسكون الوقف كالحركة، ونحو مكنني ويمكنني ومناسككم وما سلككم من باب كلمتين، وممتنع في الهمزة على الاكثر وفى الالف وعند سكون الثاني لغير الوقف نحو ظللت ورسول الحسن، وتميم تدغم في نحو رد ولم يرد، وعند الالحاق واللبس بزنة أخرى نحو قردد وسرر، وعند ساكن صحيح قبلهما في كلمتين نحو قرم مالك، وحمل قول القراء على الاخفاء، وجائز فيما سوى ذلك " أقول: قوله " الادغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك " يعنى أن المتحرك يكون بعد الساكن (1) وإلا فليس بد من الفصل: أي فك أحد الحرفين من الاخر، لان الحركة بعد الحرف قوله " من غير فصل " أي: فك، احتراز عن نحو رييا (2) فإنك تأتى


(1) يريد أن الادغام لا يكون إلا مع سكون الاول، لانه لو كان متحركا والحركة بعد الحرف فلا يتأتى النطق بالحرفين دفعة واحدة، لان الحركة فاصلة بينهما، ولا يكفى أيضا في تحقق الادغام سكون الاول وتحرك الثاني، بل لابد مع ذلك من وصل الحرفين في النطق لئلا تسكت بعد نطقك بالحرف الاول، ولذا قال ابن الحاجب: " الادغام أن تأتى بحرفين ساكن فمتحرك من مخرج واحد من غير فصل " (2) انظر (ح 1 ص 28) (*)

[ 235 ]

بياء ساكنة فياء متحركة، وهما من مخرج واحد، وليس بإدغام، لانك فككت إحداهما عن الاخرى، وإنما الادغام وصل حرف ساكن بحرف مثله متحرك بلا سكتة على الاول، بحيث يعتمد بهما على المخرج اعتماده واحدة قوية، ولا يحترز به عن الحرف الفاصل أو الحركة الفاصلة بين المثلين، لخروجه بقوله " ساكن فمتحرك " والادغام في اللغة: إدخال الشئ في الشئ، يقال: أدغمت اللجام في فم الدابة: أي أدخلته فيه، وليس إدغام الحرف في الحرف إدخاله فيه على الحقيقة، بل هو إيصاله به من غير أن يفك بينهما قوله " في المثماثلين والمتقاربين " لا يمكن إدغام المتقاربين إلا بعد جعلهما متماثلين، لان الادغام إخراج الحرفين من مخرج واحد دفعة واحدة باعتماد تام، ولا يمكن إخراج المتقاربين من مخرج واحد، لان لكل حرف مخرجا على حدة، والذى أرى أنه ليس الادغام الاتيان بحرفين، بل هو الاتيان بحرف واحد مع اعتماد على مخرجه قوى: سواء كان ذلك الحرف متحركا نحو يمد زيد، أو ساكنا نحو يمد، وقفا، فعلى هذا ليس قوله " ساكن فمتحرك " أيضا بوجه، لانه يجوز تسكين المدغم فيه اتفاقا: إما لانه يجوز في الوقف الجمع بين الساكنين عند من قال هما حرفان، وإما لانه حرف واحد على ما اخترنا، وإن كان كالحرفين الساكن أولهما من حيث الاعتماد التام، وقوله " ساكن فمتحرك " وقوله " من غير فصل " كالمتناقضين، لانه لا يمكن مجئ حرفين أحدهما عقيب الاخر إلا مع الفك بينهما، وإن لم تفك بينهما فليس أحدهما عقيب الاخر قوله " فالمثلان واجب عند سكون الاول " جعل الادغام ثلاثة أقسام: واجبا، وممتنعا، وجائزا، فذكر الواجب والممتنع، وما بقى فجائز، فالواجب من

[ 236 ]

قوله " واجب " إلى قوله " من باب كلمتين " والممتنع من قوله " وممتنع " إلى قوله " على الاخفاء " قوله " عند سكون الاول " أي يجب الادغام إذا سكن أول المثلين: كانا في كلمة كالشد والمد، أو في كلمتين متصلتين نحو اسمع علما قوله " إلا في الهمزتين " ليس الاطلاق بوجه، بل الوجه أن يقال: الهمز الساكن الذى بعده همز متحرك: إما أن يكونا في كلمة، أو في كلمتين، فإن كانا في كلمة أدغم الاول إذا كانا في صيغة موضوعة على التضعيف، كما ذكرنا في تخفيف الهمزة (1)، وفى غير ذلك لا يدغم، نحو قرأى على وزن قمطر (من قرأ) وإن كانا في كلمتين نحو اقرأ آية، وأقرئ أباك، وليقرأ أبوك، فعند أكثر العرب على ما ذهب إليه يونس والخليل يجب تخفيف الهمزة، فلا يلتقى همزتان، وزعموا أن ابن أبى إسحق كان يحقق الهمزتين، وأناس معه، قال سيبويه: وهى رديئة، وقال: فيجب الادغام في قول هؤلاء مع سكون الاولى، ويجوز ذلك إذا تحركتا نحو قرأ أبوك، قال السيرافى: توهم بعض القراء أن سيبويه أنكر إدغام الهمزة، وليس الامر على ما توهموا، بل إنما أنكره على على مذهب من يخفف الهمزة، كما هو المختار عنده، وقد بين سيبويه ذلك بقوله: ويجوز الادغام في قول هؤلاء (2)، يعنى على تلك اللغة الرديئة قوله: " الدأاث " (3) اسم واد، الصغانى مخفف الهمز على وزن كلام وسلام.


(1) انظر (ص 33 وما بعدها من هذا الجزء) (2) في أصول هذا الكتاب " ويجب الادغام... الخ " وهو تحريف، وما أثبتناه عن كتاب سيبويه (ح 2 ص 410) وهو الصواب (3) ذكره ياقوت بتشديد ثانيه مفتوحا، وهو ما ذكره ابن الحاجب، وقد ذكر أيضا أنه اسم موضع، ويصح أن تكون الدأاث صيغة مبالغة من دأث الطعام يدأثه - كفتح - إذا أكله (*)

[ 237 ]

قوله: " وإلا في الالف " لما قال: " واجب عند سكون الاول " ولم يقل: مع تحرك الثاني، أوهم أن الالف يدغم في مثله، لانه قد يلتقى ألفان، وذلك إذا وقفت على نحو السماء، والبناء، بالاسكان كما مر في تخفيف الهمزة (1) فإنك تجمع فيه بين ألفين، ولا يجوز الادغام، لان الادغام اتصال الحرف الساكن بالمتحرك، كما مر، والالف لا يكون متحركا، والحق أنه لم يحتج إلى هذا الاستثناء، لانه ذكر في حد الادغام أنه الاتيان بحرفين: ساكن فمتحرك، والالف لا يكون متحركا. قوله: " وإلا في نحو قوول " اعلم أن الواو والياء الساكنين إذا وليهما مثلهما متحركا، فلا يخلو من أن يكون الواو والياء مدتين، أولا، فإن لم يكونا مدتين وجب إدغام أولهما في الثاني: في كلمة كانا كقول وسير، أو في كلمتين نحو (تولوا واستغنى الله) واخشي ياسرا، وإن كانا مدتين: فإما أن يكون أصلهما حرفا آخر قلب إليهما، أولا، فإن لم يكن فان كانا في كلمة وجب الادغام، سواء كان أصل الثاني حرفا آخر، كمقرو وبرى وعلى، أولا، كمغزو ومرمى، وإنما وجب الادغام في الاول: أعنى مقروا وبريا وعليا - وإن لم يكن القلب في الثاني واجبا - لان الغرض من قلب الثاني إلى الاول في مثله طلب التخفيف بالادغام، فلو لم يدغموا لكان نقضا للغرض، ووجب الادغام في الثاني: أعنى نحو مغزو ومرمى، لان مدة الواو والياء الاولين لم تثبت في اللفظ قط، فلم يكن إدغامهما يزيل عنهما شيئا وجب لهما، بل لم يقع الكلمتان في أول الوضع إلا مع إدغام الواو والياء في مثلهما، وإن كانا في كلمتين، نحو قالوا وما، وفى يوم، وظلموا وافدا، واظلمي ياسرا، لم يجز الادغام، لانه يثبت للواو والياء إذن في الكلمتين مد، وإدغامهما فيما عرض انضمامه إليهما من الواو والياء في أول الكلمتين مزيل


(1) انظر (43 وما بعدها من هذا الجزء) (*)

[ 238 ]

لفضيلة المد التى ثبتت لهما قبل انضمام الكلمة الثانية إلى الاولى، وإن كان أصل الواو والياء حرفا آخر قلب إلى الواو والياء، فإن كان القلب لاجل الادغام وجب الادغام نحو مرمى، وأصله مرموى، لئلا يبطل الغرض من القلب، فإن لم يكن القلب لاجل الادغام فإن كان لازما نظر، فان كانت الكلمة التى فيها المثلان وزنا قياسيا يلتبس بسبب الادغام بوزن آخر قياسي لم يدغم، نحو قوول فإنه فعل ما لم يسم فاعله قياسا، ولو أدغم الواو فيه في الواو لا لتبس بفعل الذى: هو فعل ما لم يسم فاعله قياسا لفعل، وان لم يلزم التباس وزن قياسي بوزن قياسي أدغم نحو إينة على وزن إفعلة من الاين، وأول على وزن أبلم (1) من الاول، وذلك لان القلب لما كان لازما صار الواو والياء كالاصليتين، والالتباس في مثله وإن وقع في بعض الصور لا يبالى به، لان الوزن ليس بقياسي، فيستمر اللبس، وإن لم يكن القلب لازما نحو رييا وتووى فالاصل الاظهار، لان الواو والياء عارضان غير لازمين كما في بير وسوت، فهما كالهمزتين، والهمز لا يدغم في الواو والياء ما دام همزا، وأجاز بعضهم الادغام نظر إلى ظاهر اجتماع المثلين، وعليه قولهم: ريا ورية، في رؤيا ورؤية، وعند سيبويه والخليل أن سوير وقوول لم يدغما لكون الواوين عارضين، وقول المصنف أولى، وهو أنهما لم يدغما لخوف الالتباس، لان العارض إذا كان لازما فهو كالاصلى، ومن ثم يدغم إينة وأول مع عروض الواو والياء. قوله " وعند تحركهما " عطف على قوله " عند سكون الاول ": أي يجب الادغام إذا تحرك المثلان في كلمة اعلم أنهم يستثقلون التضعيف غاية الاستثقال إذ على اللسان كلفة شديدة في الرجوع إلى المخرج بعد انتقاله عنه، ولهذا الثقل لم يصوغوا من الاسماء ولا الافعال


(1) الابلم - بضمتين بينهما ساكن - هو الخوص (انظر ج 1 ص 56) (*)

[ 239 ]

رباعيا أو خماسيا فيه حرفان أصليان متماثلان متصلان، لثقل البناءين، وثقل التقاء المثلين، ولا سيما مع أصالتهما، فلا ترى رباعيا من الاسماء والافعال ولا خماسيا من الاسماء فيه حرفان كذلك إلا واحدهما زائد: إما للالحقاق أو لغيره، كما مر في ذى الزيادة، (1) ولم يبنوا ثلاثيا فاؤه وعينه متماثلان إلا نادرا نحو ددن (2) وببر (3) بل إنما ضعفوا حيث يمكنهم الادغام، وذلك بتماثل العين واللام، إذ الفاء لو أدغم في العين وجب إسكانه، ولا يبتدأ بالساكن، وليس في الاسماء، التى لا توازن الافعال ذو زيادة في أوله أو وسطه مثلان متحركان، إذ لا موجب في مثله للادغام، لان الادغام إنما يكون في الاسم مع تحرك الحرفين إذا شابه الفعل الثقيل وزنا كما يجئ، وإلا بقى المتماثلان بلا إدغام، فتصير الكلمة ثقيلة بترك إدغام المثلين، وبكونها مزيدا فيها، فلم يبن من الاسماء المزيد فيها غير الموازنة للفعل ما يؤدى إلى مثل هذا الثقل، بل يجئ فيما زيد فيه من الافعال والاسماء الموازنة لها ما في أوله أو وسطه مثلان مقترنان، وذلك لكثرة التصرف في الفعل قياسا، فربما اتفق فيه بسببه مثل ذلك، فنقول: لا يخلو مثله من أن يكون من ذى زيادة الثلاثي أو من ذى زيادة الرباعي، فمن ذى زيادة الثلاثي بابان يتفق في أولهما مثلان متحركان، نحو تترس (4)، وتتارك (5) وباب يتففق في وسطه مثلان متحركان نحو اقتتل، ومن ذى زيادة الرباعي باب يتفق في أوله ذلك نحو تتدحرج، فأما ذو زيادة الرباعي فلا يخفف بالادغام،


(1) ذكره في الجزء الاول (ص 61 وما بعدها) (2) الددن: اللهو واللعب. انظر (ح 1 ص 34) (3) الببر: حيوان شبيه بالنمر. انظر (ح 1 ص 34، ح 2 ص 367) وفى بعض النسخ يين، وهو اسم واد. وانظر (ح 2 ص 368) (4) يقال: تترس الرجل، إذا لبس الترس يتستر به، ويقال: تترس القوم بالقوم، إذا جعلوهم أمامهم يتقون بهم العدو (5) يقال: تتارك الرجلان الامر، إذا تركه كل واحد منهما لصاحبه (*)

[ 240 ]

إذ لو أدغمت لاحتجت إلى همزة الوصل فيؤدى إلى الثقل عند القصد إلى التخفيف، بل الاولى إبقاؤهما، ويجوز حذف أحدهما، كما يجئ، وأما ذو زيادة الثلاثي: فان كان المثلان في أوله فاما أن يكون ماضيا كتترس وتتارك، أو مضارعا كتتنزل وتتثاقل، فالاولى في الماضي الاظهار، ويجوز الادغام مع اجتلاب همزة الوصل في الابتداء، وكذا إذا كان فاء تفعل وتفاعل مقاربا للتاء في المخرج نحو اطير واثاقل على ما يجئ، فإذا أدغمت في الماضي أدغمت في المضارع والامر والمصدر واسم الفاعل والمفعول وكل اسم أو فعل هو من متصرفاته، نحو يترس، ومترس، ويتارك، ومتارك، ويطير، ويثاقل ومطير ومثاقل، وإن كان مضارعا جاز الاظهار والحذف والادغام نحو تتنزل وتنزل، وإذا أدغم لم يجتلب له همزة الوصل كما في الماضي، لثقل المضارع، بخلاف الماضي، بلا لا يدغم إلا في الدرج ليكتفي بحركة ما قبله، نحو قال تنزل، وإن كان المثلان في وسط ذى الزيادة الثلاثي فلك الاظهار والادغام نحو اقتتل وقتل كما يجئ هذا، وإنما جاز الادغام في مصادر الابواب المذكورة وإن لم توازن الفعل لشدة مشابهتها لافعالها، كما ذكرنا في تعليل قلب نحو إقامة واستقامة (1) هذا حكم اجتماع المثلين في أول الكلمة وفى وسطها، وأما إن كان المثلان في آخر الكلمة وهو الكثير الشائع في كلامهم ومما يجئ في الثلاثي وفى المزيد فيه في الاسماء وفى الافعال فهو على ثلاثة أقسام: إما أن يتحركا، أو يسكن أولهما، أو يسكن ثانيهما، فان تحركا: فان كان أولهما مدغما فيه امتنع الادغام، نحو ردد، لانهم لو أدغموا الثاني في الثالث فلابد من نقل حركته إلى الاول، فيبقى ردد، ولا يجوز، إذ التغيير إذن لا يخرجه إلى حال أخف من الاولى، وكذا إن كان التضعيف للالحاق امتنع الادغام: في الاسم كان كقردد (2)، أو


(1) انظر (ص 108 من هذا الجزء) (2) القردد: ما ارتفع من الارض، واسم جبل، وانظر (ح 1 ص 13) (*)

[ 241 ]

في الفعل كجلبب، لان الغرض بالالحاق الوزن، فلا يكسر ذلك الوزن بالادغام، وأما سقوط الالف في نحو أرطى فإنه غير لازم، بل هو للتنوين العارض الذى يزول باللام أو الاضافة، وإن لم يكن التضعيف أحد المذكورين: فإن كان الاول حرف علة نحو حيى وقوى فقد مضى حكمه، وإن لم يكن: فإما أن يكون في الفعل، أو في الاسم، فإن كان في الفعل وجب الادغام: لكونه في الفعل الثقيل، وفى الاخر الذى هو محل التغيير، وقد شذ نحو قوله: 184 - مهلا أعاذل قد جربت من خلقي * أنى أجود لاقوام وإن ضننوا (1) وهو ضرورة، وإن كان في الاسم: فإما أن يكون في ثلاثى مجرد من الزيادة، أو في ثلاثى مزيد فيه، ولا يدغم في القسمين إلا إذا شابها الفعل، لما ذكرنا في باب الاعلال (2) من ثقل الفعل، فالتخفيف به أليق، فالثلاثي المجرد إنما يدغم إذا وازن الفعل نحو رجل صب (3)، قال الخليل: هو فعل - بكسر العين -، لان صببت صبابة فأنا صب كقنعت قناعة فأنا قنع، وكذا طب (4) طبب، وشذ رجل ضفف (5) والوجه ضف، ولو بنيت مثل


(1) هذا بيت من البسيط، وقائله قعنب بن أم صاحب. ومهلا: اسم مصدر يراد به الامر، والهمزة في أعاذل للنداء، وعاذل: مرخم عاذلة، وهو في الاصل اسم فاعل من العذل، وهو اللوم في تسخط، وضننوا: بخلوا. والاستشهاد بالبيت في قوله " ضننوا " حيث فك ما يجب إدغامه وهو شاذ لا يجوز ارتكابه في الكلام (2) انظر (88 من هذا الجزء) (3) الصبابة: رقة الشوق، تقول: رجل صب، وهى صبة، وصب إليه صبابة: أي كلف واشتاق (4) الطب - بتثليث الطاء -: الرجل الحاذق الماهر في عمله، والطبيب مثله، تقول: طب يطب - كظل يظل - فهو طب ومتطبب وطبيب، وطبه يطبه - كمده يمده - أي: داواه، وفلان طب بهذا الامر: أي عالم به (5) تقول: هذا رجل ضف الحال، إذا كان رقيقه، والضفف - بفتحتين - (*)

[ 242 ]

ندس (1) من رد قلت: رد بالادغام، وكان القياس أن يدغم ما هو على فعل كشرر وقصص وعدد، لموازنته الفعل، لكنه لما كان الادغام لمشابهة الفعل الثقيل، وكان مثل هذا الاسم في غاية الخفة، لكونه مفتوح الفاء والعين، ألا ترى إلى تخفيفهم نحو كبد وعضد دون نحو جمل ؟ تركوا الادغام فيه، وأيضا لو أدغم فعل مع خفته لا لتبس بفعل - ساكن العين -، فيكثر الالتباس، بخلاف فعل وفعل - بكسر العين وضمها - فإنهما قليلان في المضاعف، فلم يكترث بالالتباس القليل، وإنما اطرد قلب العين في فعل نحو دار وباب ونار وناب، ولم يجز فيه الادغام مع أن الخفة حاصلة قبل القلب كما هي حاصلة قبل الادغام، لان القلب لا يوجب التباس فعل بفعل، إذ بالالف يعرف أنه كان متحرك العين لا ساكنها، بخلاف الادغام وقد جاء لاجل الخفة كثير من المعتل على فعل غير معل نحو قرد (2) وميل (3) وغيب (4) وصيد (5) وخونة وحوكة (6)، ولم يدغم نحو سرر (7) وسرر (8)


كثرة العيال، أو كثرة الايدى على الطعام، أو أن تكون الاكلة أكثر من الطعام، أو الضيق والشدة، وقد راجعنا كتب اللغة فوجدنا المستعمل هو ما ذكرنا بالادغام، فلعل الفك الذى حكاه المؤلف لغة قليلة (1) الندس - كعضد، وفى لغة أخرى - ككنف -: هو الفهم الفطن (2) القود: هو أن تقتل القاتل بمن قتله (3) الميل - بالتحريك -: ما كان خلقة في إنسان أو بناء، والفعل كفرح، تقول: ميل يميل فهو أميل (4) الغيب - بفتحتين -: القوم الغائبون (5) الصيد - بفتحتين -: ميل العنق، وقد صيد فهو أصيد (6) الحوكة - بفتحات -: جمع حائك، وتقول: حاك الثوب حوكا وحياكا وحياكة: فهو حائك من قوم حاكة وحوكة، الاولى على القياس، والثانية شاذة في القياس كثيرة في السماع (7) السرر - بضمتين -: جمع سرير وهو معروف (8) السرر - بضم ففتح -: جمع سرة (*)

[ 243 ]

وقدد (1) وكذا ردد على وزن إبل من رد، لعدم موازنة الفعل، وأما قولهم: عميمة وعم (2) فمخفف كما يخفف غير المضاعف نحو عنق ورسل وبون في جمع بوان (3) والقياس بون كعيان وعين (4)، فإذا اتصل بآخر الاسم الثلاثي الرازن للفعل حرف لازم كألف التأنيث أو الالف والنون لم يمنع ذلك من الادغام كما منع من الاعلال في نحو الطيران والحيدى (5)، لان ثقل إظهار المثلين أكثر من ثقل ترك قلب الواو ألفا، فصار الحرف اللازم مع لزومه كالعدم، فنقول: من رد على فعلان: رددان، كشرر، وعلى فعلان وفعلان بكسر العين وضمها: ردان، بالادغام، وعلى فعلان - بضمتين - وفعلان - بكسرتين -: رددان ورددان، وعلى فعلان - بضم الفاء وفتح العين -: رددان، كله بالاظهار، وكذا الاسم الثلاثي المزيد فيه يدغم أيضا إذا وازن الفعل، نحو مستعد ومستعد ومرد، وهو على وزن يفعل، ومدق، وهو على وزن انصر، وراد، وهو كيضرب، ولا يشترط في الادغام مع الموازنة المخالفة بحركة أو حرف في الاولى ليس في الفعل،، كما اشترط ذلك في الاعلال، فيدغم نحو أدق وأشد، وإن لم يخالف


(1) القدد - بكسر ففتح -: جمع قدة، وهى الفرقة من الناس يكون هوى كل واحد على حدة، ومنه قوله تعالى (كنا طرائق قددا): أي فرقا مختلفة الاهواء (2) تقول: نخلة عميمة: أي طويلة، ونخل عم - بضمتين - وقد يقال: عم - بالادغام. (3) البوان - ككتاب، وكغراب -: أحد أعمدة الخباء، انظر (ح 2 ص 127، 208) (4) العيان - بكسر أوله -: حديدة الفدان، وجمعه عين - بضمتين - (5) الحيدى - بفتحات -: مشية المختال، وتقول: حمار حيدى، إذا كان يحيد عن ظله نشاطا ولم يوصف مذكر بما على فعلى سوى ذلك (*)

[ 244 ]

الفعل، ولا يعل نحو أقول وأطول، وذلك لما ذكرنا من أن ثقل إظهار التضعيف أكثر من ثقل ترك الاعلال، وقوله 185 - * تشكو الوجى من أظلل وأظلل (1) * شاذ ضرورة وإن كان الساكن هو الاول فقد مر حكمه وإن كان الساكن هو الثاني فهو على ضربين: أحدهما أن تحذف الحركة لموجب، ولا يجوز أن يحرك بحركة أخرى، ما دام ذلك الموجب باقيا، وذلك هو الفعل إذا اتصل به تاء الضمير أو نونه، نحو رددت ورددنا ورددن ويرددان وارددن، والثانى: أن تحذف الحركة لموجب، ثم قد تعرض ضرورة يحرك الحرف لاجلها بغير الحركة المحذوفة، مع وجود ذلك الموجب، وذلك الفعل المجزوم أو الموقوف، نحو لم يردد واردد، فإنه حذف منه الحركة الاعرابية، ثم إنه قد يتحرك ثانى المثلين فيهما لالتقاء الساكنين، نحو اردد القوم، ولم يردد القوم فالقسم الاول - أعنى رددت ورددنا ويرددن وارددن - المشهور فيه إثبات الحرفين بلا إدغام، وجاء في لغة بكر بن وائل وغيرهم الادغام أيضا، نحو


(1) هذا بيت من الرجز المشطور من أرجوزة لابي النجم العجلى أولها: * الحمد لله العلى الاجلل * وبعد البيت الشاهد قوله: * من طول إملال وظهر مملل * والوجى: الحفى، يزيد أنه حمل على إله في السير حتى اشتكت الحفى، والاظلل: باطن خف البعير، والاملال: مصدر قولك: أمله، وأمل عليه، إذا أنأمه. والاستشهاد بالبيت في قوله: أظلل حيث فك الادغام ضرورة (*)

[ 245 ]

ردن ويردن، بفتح الثاني، وهو شاذ قليل، وبعضهم يزيد ألفا بعد الادغام، نحو ردات وردان، ليبقى ما قبل هذه الضمائر ساكنا كما في غير المدغم، نحو ضربت وضربن، وجاء في لغة سليم قليلا - وربما استعمله غيرهم - حذف العين أيضا في مثله، وذلك لكراهتهم اجتماع المثلين، فحذفوا ما حقه الادغام: أعنى أول المثلين، لما تعذر الادغام، فإن كان ما قبل الاول ساكنا أوجبوا نقل حركة الاول إليه، نحو أحسن ويحسن، ومنه قوله تعالى: (وقرن (1) في بيوتكن) على أحد الوجوه، وإن كان ما قبل الاول متحركا جاز حذف حركة الاول ونقلها إلى ما قبله إن كانت كسرة أو ضمة، قالوا: ظلت - بفتح الفاء وكسرها - وكذا في لببت لبت ولبت - بفتح الفاء وضمها - وذلك لبيان وزن الفعل كما بينا في ضمة قلت وكسرة بعت، وهذا الحذف عندهم في الماضي أكثر منه في المضارع والامر، وقد جاء الحذف في مثله والحرفان في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف، نحو علماء: أي على الماء، وأما قولهم علرض فقياس، لانه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتد بالحركة المنقولة


(1) اعلم أن قولنا: قر الرجل في مكانه، قد ورد من باب علم يعلم، ومن باب ضرب يضرب. ثم اعلم أن هذه الاية الكريمة قد قرئ فيها بالاتمام، وبالحذف مع كسر القاف، وبالحذف مع فتح القاف: أما الاتمام فلا شئ فيه، وأما الحذف مع كسر القاف فتخريجه على أن الفعل من باب ضرب يضرب، ولا شئ فيه من جهة القواعد، ولكن فيه استعمال أقل اللغتين، وذلك لان مجئ الفعل من باب علم أكثر من مجيئه من باب ضرب، وزعم بعضهم أن الفعل في هذه الاية - على قراءة الكسر - من المثال المحذوف الفاء، وأصله وقريقر، وأما قراءة الفتح فالفعل عليها من باب علم ألبتة، لان هذه الفتحة التى على القاف منقولة من أول المثلين، وقد اختلف العلماء في تخريجها فذهب قوم إلى أن الفعل من المضعف وأنه قد حذفت عينه أو لامه مع أن العين مفتوحة، وذهب قوم إلى أن الفعل أمر من الاجوف، وأصله قار يقار مثل خاف يخاف (*)

[ 246 ]

فأدغم لام على فيها، وكذا قالوا في جلا الامر وسلا الاقامة: جلمر وسلقامة، وفيه اعتداد بحركة اللام من حيث الادغام، وترك الاعتداد بها من حيث حذف ألف على وجلا. وجاء الحذف في المتقاربين في كلمتين إذا كان الثاني لام التعريف نحو بلعنبر، وبلحارث وبلكعب، وليس بقياس والقسم الثاني: أعنى نحو رد ولم يرد، لغة أهل الحجاز فيه ترك الادغام، وأجاز غيرهم الادغام أيضا، لان أصل الحرف الثاني الحركة، وهى إن انتفت بالعارض: أعنى الجزم والوقف، لكن لا يمتنع دخول الحركة الاخرى عليه: أعنى الحركة: لالتقاء الساكنين، فجوز الادغام فيما لم يعرض فيه تلك الحركة أيضا، نحو رد زيدا، ولم يرد زيدا، فإذا أدغم حرك الثاني بما ذكرناه في باب التقاء الساكنين (1)، وقد جاء في التنزيل أيضا ذلك، قال تعالى (لا تضار والدة)، وإن سكن الحرف المدغم فيه للوقف فبقاء الادغام فيه أكثر وأشهر، لعروض السكون، وعدم لزومه، إذ قد تثبت تلك الحركة المحذوفة فيه بعينها، وذلك في الوصل، فيكون جمعا بين الساكنين، وهو مغتفر في الوقف، وقد يجوز حذف أحد المثلين أيضا نحو هو يفر، وقفا - بالتشديد والتخفيف - فهذه أحكام اجتماع المثلين في كلمة واحدة فان كان ما قبل أول المثلين فيما قصد الادغام فيه ساكنا: سواء تحرك المثلان كيردد، أو سكن ثانيهما كلم يردد، فان كان الساكن حرف مد: أي الالف والواو والياء الساكنين اللذين ما قبلهما من الحركة من جنسهما، وجب حذف الحركة، نحو ماد وتمود الثوب، وكذا ياء التصغير، إذ هو لازم السكون، فلا يحتمل الحركة نحو أصيم (2) ومديق (3) وجاز التقاء الساكنين في جميع ذلك


(1) انظر (ح 2 ص 243) (2) أصيم: تصغير أصم، وهو وصف من الصمم (3) مديق: تصغير مدق - بضمتين - وهو آلة يدق بها (*)

[ 247 ]

كله، لانه على حده كما مر في بابه (1)، وإن كان الساكن غير ذلك نقل حركة أول المثلين إليه سواء كان حرف لين كإوزة (2) وأود (3) وأيل (4)، أولا، نحو مستعدو ومستعد هذا. وإن كان المثلان في كلمتين: فإن كان أولهما ساكنا فقط وليس بمد وجب الادغام كما ذكرنا، سواء كان همزا نحو اقرأ آية، إذا لم تخفف، أو غير همز، نحو قل لزيد، وإن كان ثانى المثلين ساكنا فقط وجب إثباتهما إلا فيما إذا كان الثاني لام التعريف فقط، فانه قد جاء في الشذوذ حذف أولهما أيضا كما مر، نحو علماء، وذلك لكثرة لام التعريف في كلامهم، فطلب التخفيف بالحذف لما تعذر الادغام، وكذا جاء الحذف في بعض المتقاربين نحو بلحارث وبلعنبر، وقال سيبويه: وكذا يفعلون بكل قبيلة يظهر فيها لام التعريف، فلا يحذفون في بنى النجار، لادغام اللام في نون النجار، وإن كانا متحركين: فإن كان ما قبل أول المثلين متحركا نحو مكنني ويمكنني وطبع قلوبهم، أو كان ساكنا هو حرف مد نحو قال لهم، وقيل لهم، وعمود داود، وتظلمونني، وتظلمينني، أولين غير مد نحو ثوب بكر، وجيب بكر وجاز الادغام، وإن كان ذلك في الهمز أيضا نحو رداء أبيك، وقرأ أبوك، فيمن يحقق الهمزتين، وإن كان الساكن حرفا صحيحا لم يجز الادغام، وأما ما نسب إلى أبى عمرو من الادغام في نحو (خذ العفو وأمر) و (شهر رمضان) فليس بإدغام حقيقي، بل هو إخفاء أول المثلين إخفاء يشبه الادغام، فتجوز باطلاق اسم الادغام على الاخفاء لما كان الاخفاء قريبا منه، والدليل على أنه إخفاء لا إدغام أنه روى عنه الاشمام والروم


(1) انظر (ح 2 ص 212 وما بعدها) (2) انظر (ح 1 ص 27 وما بعدها) (3، 4) انظر (ح 1 ص 27) (*)

[ 248 ]

في نحو (شهر رمضان) و (الخلد جزاء) إجراء للوصل مجرى الوقف، والروم: هو الاتيان ببعض الحركة، وتحريك الحرف المدغم محال، فلك في كل مثلين في كلمتين قبلهما حرف صحيح إخفاء الاول منهما واعلم أن أحسن ما يكون الادغام فيما جاز لك فيه الادغام من كلمتين أن يتوالى خمسة أحرف فصاعدا متحركة مع المثلين المتحركين، نحو جعل لك، وذهب بمالك، ونحو نزع عمر، ونزع علبط، والاظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف مد أحسن من الاظهار فيما قبل أول المثلين فيه حرف متحرك، والاظهار في الواو والياء اللتين ليستا بمد نحو ثوب بكر وجيب بكر أحسن منه في الالف والواو والياء المدتين، لان المد يقوم مقام الحركة، وإنما جاز الادغام في نحو ثوب بكر وجيب بكر ولم يجز في نحو (خذ العفو وأمر) لان الواو والياء الساكنين فيهما مد على الجملة وإن لم تكن حركة ما قبلهما من جنسهما، إلا أن مدهما أقل من مدهما إذا كان حركة ما قبلهما من جنسهما، ولوجود المد فيهما مطلقا يمد ورش نحو سوءة وشئ، كما يمد نحو سئ والسوء، وإنما لم يجز نقل حركة أول المثلين في كلمتين إلى الساكن قبله للادغام في نحو (العفو وأمر)، وجاز ذلك في كلمة واحدة نحو مدق ومستعد وأود وأيل لان اجتماع المثلين لازم إذا كان في كلمة، فجاز لذلك اللازم الثقيل تغيير بنية الكلمة وأما إذا كانا في كلمتين فانه لا يجوز تغيير بنية الكلمة لشئ عارض غير لازم قوله " مكنني ويمكنني من باب كلمتين " يعنى يجوز فيه إدغام الكلمة وتركه، لانه من باب كلمتين، وإن كان الثاني كجزء الكلمة قوله " إلا في الهمزتين " قد ذكرنا أن الادغام فيهما واجب عند من يحقق الهمزتين

[ 249 ]

قوله " في نحو السئال " قد مضى شرحه في باب تخفيف الهمزة (1) قوله " وفى نحو تووى ورييا " يعنى إذا كانت الاولى منقلبة من الهمز على سبيل الجواز لا الوجوب قوله " وفى نحو قالوا وما " يعنى إذا كان الاول مدا، وهما في كلمتين قوله " ولا إلحاق " احتراز عن نحو قردد وجلبب قوله " ولا لبس " احتراز عن نحو طلل وسرر قوله " وفى نحو حيى " أي: فيما المثلان فيه ياءان ولا علة لقلب ثانيهما ألفا وحركته لازمة قوله " في نحو اقتتل " أي: فيما المثلان فيه في الوسط قوله " تتنزل وتتباعد " أي: فيما المثلان فيه في الاول قوله " فتنقل حركته " أي: إذا كانا في كلمة قوله " غير لين " احتراز عن نحو راد وتمود وأصيم، وليس له هذا الاطلاق، بل الواجب أن يقول: غير مد ولا ياء تصغير، لان نحو أود وأيل تقل فيه الحركة إلى الساكن مع أنه حرف لين قوله " وسكون الوقف " لا يريد بالوقف البناء في نحو رد، أمرا، بل الوقف في نحو جاءني زيد - بالاسكان - دون الروم والاشمام قوله " في الهمز على الاكثر " قد ذكرنا أنه لا يمتنع عند أهل التحقيق، بل الادغام واجب عند سكون الاول، وجائز عند تحركهما في كلمتين، نحو قرأ أبوك قوله " تدغم في نحو رد ولم يرد " أي: تدغم إذا كان الثاني ساكنا للجزم أو لكون الكلمة مبنية على السكون


(1) انظر (ص 55 من هذا الجزء) (*)

[ 250 ]

قوله " وعند الالحاق " عطف على قوله في الهمز: أي يمتنع عند الالحاق قوله " في كلمتين " لان ذك لا يمتنع في كلمة نحو أصيم ومديق قوله " وجائز فيما سوى ذلك " أي: سوى الواجب والممتنع، وذلك إذا تحركا في كلمتين وليس قبل الاول ساكن صحيح نحو " طبع على " يجوز لك فيه الادغام وتركه قال: " المتقاربان، ونعنى بهما ما تقاربا في المخرح أو في صفة تقوم مقامه، ومخارج الحروف ستة عشر تقريبا، وإلا فلكل مخرج، فللهمزة والهاء والالف أقصى الحلق، وللعين والحاء وسطه، وللغين والخاء أدناه، وللقاف أقصى اللسان وما فوقه من الحنك، وللكاف منهما ما يليهما، وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك، وللضاد أول إحدى حافتيه وما يليهما من الاضراس، وللام ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك، وللراء منهما ما يليهما، وللنون منهما ما يليهما، وللطاء والدال والتاء طرف اللسان وأصول الثنايا، وللصاد والزاى والسين طرف اللسان والثنايا، وللظاء والذال والثاء طرف اللسان وطرف الثنايا، وللفاء باطن الشفة السفلى وطرف الثنايا العليا، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين " أقول: قوله " أو في صفة تقوم مقامه " يعنى بها نحو الشدة والرخاو والجهر والهمس والاطباق والاستعلاء وغير ذلك مما يذكر بعد قوله " وإلا فلكل مخرج " لان الصوت الساذج الذى هو محل الحروف - والحروف هيئة عارضة له - غير مخالف بعضه بعضا في الحقيقة، بل إنما تختلف بالجهارة واللين والغلظ والرقة، ولا أثر لمثلها في اختلاف الحروف، لان الحرف الواحد قد يكون مجهورا وخفيا، فإذا كان ساذج الصوت الذى هو مادة الحرف ليس

[ 251 ]

بأنواع مختلفة، فلولا اختلاف أوضاع آلة الحروف - وأعنى بآلتها مواضع تكونها في اللسان والحلق والسن والنطع (1) والشفة، وهى المسماة بالمخارج - لم تختلف الحروف، إذ لا شئ هناك يمكن اختلاف الحروف بسببه إلا مادتها وآلتها، ويمكن أن يقال: إن إختلافها قد يحصل مع اتحاد المخرج بسبب اختلاف وضع الالة من شدة الاعتماد وسهولته وغير ذلك، فلا يلزم أن يكون لكل حرف مخرج قوله " فللهمزة والهاء والالف أقصى الحلق، وللعين والحاء وسطه، وللغين والخاء أدناه " أي: أدناه إلى الفم، وهو رأس الحلق، هذا ترتيب سيبويه ابتدأ من حروف المعجم بما يكون من أقصى الحلق، وتدرج إلى أن ختم بما مخرجه الشفة، والظاهر من ترتيبه أن الهاء في أقصى الحلق أرفع من الهمزة، والالف أرفع من الهاء، ومذهب الاخفش أن الالف مع الهاء، لاقدامها ولا خلفها، قال ابن جنى: لو كانا من مخرج لكان ينقلب الالف هاء لا همزة إذا حركتها. ولمانع أن يمنع من انقلاب الالف همزة بالتحريك، والحاء في وسط الحلق أرفع من العين، والخاء في أدنى الحلق أعلى من الغين، وكان الخليل يقول: الالف اللينة والواو والياء والهمزة هوائية: أي أنها من هواء الفم لا تقع على مدرجة من مدارج الحلق ولا مدارج اللسان، قال: وأقصى الحروف كلها في الحلق العين، وأرفع منها الحاء، وبعدها الهاء، ثم بعدهما إلى الفم الغين والخاء، والخاء أرفع من الغين


(1) قال في اللسان: " النطع (بكسر أوله وسكون ثانيه) والنطع (بكسر أوله وفتح ثانيه) والنطع (بفتحتين) والنطعة (بكسر ففتح): ما ظهر من غار الفم الاعلى، وهى الجلدة الملتزقة بعضم الخليفاء فيها آثار كالتخريز، وهناك موقع اللسان في الحنك " اه‍. (*)

[ 252 ]

قوله " وللكاف منهما " أي: من أقصى اللسان وما فوقه " ما يليهما " أي ما يقرب منهما إلى خارج الفم قوله " وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك " الجيم أقرب إلى أصل اللسان، وبعده إلى خارج الفم الشين، وبعده إلى خارجه الياء، قال سيبويه: بين وسط اللسان وبين وسط الحنك الاعلى مخرج الجيم والشين والياء قوله " وللضاد أول إحدى حافتيه " الحافة: الجانب، وللسان حافتان من أصله إلى رأسه كحافتي الوادي، ويريد بأول الحافة ما يلى أصل اللسان، وبآخر الحافة ما يلى رأسه قوله " وما يليهما من الاضراس " اعلم أن الاسنان اثنتان وثلاثون سنا: ست عشرة في الفك الاعلى، ومثلها في الفك الاسفل، فمنها الثنايا، وهى أربع من قدام: ثنتان من فوق، ومثلهما من أسفل، ثم الرباعيات، وهى أربع أيضا: رباعيتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلفهما الانياب الاربع: نابان ضاحتكان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الانياب الضواحك، وهى أربع: ضاحكتان من فوق يمنة ويسرة، ومثلهما من أسفل، وخلف الضواحك الاضراس، وهى ست عشرة: ثمان من فوق: أربع يمنة وأربع يسرة، ومثلها من أسفل. ومن الناس من ينبت له خلف الاضراس النواجذ، وهى أربع من كل جانب: ثنتان فوق، وثنتان أسفل، فيصير ستا وثلاثين سنا، فأنت تخرج الضد من أقصى إحدى حافتى اللسان إلى قريب من رأس اللسان، ومنتهاه أول مخرج اللام، هذا الذى ذكرناه مخرج الضاد من اللسان إلى قريب من رأس اللسان، وموضعها من الاسنان نفس الاضراس العليا، فيكون مخرجها بين الاضراس وبين أقصى إحدى حافتى اللسان، وأكثر ما تخرج من الجانب الايمن، على ما يؤذن به كلام سيبويه وصرح به السيرافى، ويقال للضاد: طويل،

[ 253 ]

لانه من أقصى الحافة إلى أدنى الحافة: أي إلى أول مخرج اللام، فاستغرق أكثر الحافة قوله " واللام ما دون طرف اللسان " يريد بما دون طرفه ما يقارب رأس اللسان من جانب ظهره إلى منتهاه: أي إلى رأس اللسان قوله " وما فوق ذلك " أي: ما فوق ما دون طرف اللسان إلى رأسه، وهو من الحنك ما فوق الثنية، وعبارة سيبويه (1) " من بين أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه، وبين ما يليها من الحنك الاعلى مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية "، واللام ابتداؤه - على ما قال سيبويه - من الضاحك إلى الثنية، لان الضاد يخرج من بين الاضراس وحافة اللسان، واللام يخرج من فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية، لا من نفس الاسنان وحافة اللسان، وجميع علماء هذا الفن على ذكر سيبويه، والمصنف خالفهم كما ترى، وليس بصواب قوله " وللراء منهما " أي: ما دون طرف اللسان إلى منتهاه وما فوق ذلك قوله " ما يليهما " أي: ما يقرب الموضعين إلى جانب ظهر اللسان، فالنون أقرب إلى رأس اللسان من الراء، وقال سيبويه: مخرج النون بين طرف اللسان إلى رأسه، وبين فويق الثنايا، ومخرج الراء هو مخرج النون، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لا نحرافه إلى اللام: أي الراء مائل إلى اللام قوله " وللصاد والزاى والسين طرف اللسان والثنايا " كذا قال ابن جنى والزمخشري، يعنون أنها تخرج من بين رأس اللسان والثنايا من غير أن يتصل طرف اللسان بالثنايا كما اتصل بأصولها لاخراج الطاء والدال، بل يحاذيها


(1) عبارة سيبويه (ح 2 ص 405) هكذا: " ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينها وبين ما يليها من الحنك الاعلى وما فويق الضاحك والباب والرباعية والثنية مخرج اللام " اه‍ (*)

[ 254 ]

ويسامتها وعبارة سيبويه " مما بين طرف اللسان وطرف الثنايا مخرج الزاى والسين والصاد " فعلى ما قال مخرج هذه الحروف هو مخرج النون قوله " طرف اللسان وطرف الثنايا " أي: رءوس الثنايا العليا، وقال الخليل: العين والحاء والهاء والغين والخاء حلقية، لان مبتدأها من الحلق، والقاف والكاف لهويتان، إذ هما من اللهاة، والجيم والشين والضاد شجرية، لان مبدأها من شجر الفم: أي مفرجه، والصاد والزاى والسين أسلية، وأسلة اللسان: مستدق طرفه، والطاء والدال والتاء نطعية: لان مبدأها من نطع الغار الاعلى، والظاء والذال والثاء لثوية، والراء واللام والنون ذلقية، وذلق كل شئ: تحديد طرفه، والفاء والباء والميم شفوية، أو شفهية، والواو والياء والالف والهمزة هوائية، إذ هي من الهواء لا يتعلق بها شئ، وخالف الفراء سيبويه في موضعين: أحدهما أنه جعل مخرج الياء والواو واحدا، والاخر أنه جعل الفاء والميم بين الشفتين، وأحسن الاقوال ما ذكره سيبويه، وعليه العلماء بعده. قال: " ومخرج المتفرع واضح، والفصيح ثمانية: همزة بين بين (وهى) ثلاثة، والنون الخفية نحو عنك، وألف الامالة، ولام التفخيم، والصاد كالزاي والشين كالجيم. وأما الصاد كالسين والطاء كالتاء والفاء كالباء والضاد الضعيفة والكاف كالجيم فمستهجنة. وأما الجيم كالكاف والجيم كالشين فلا يتحقق " أقول: يعنى بالمتفرع حرفا يتفرع عن هذه الحروف المذكورة قبل بإشرابها صوتا من غيرها، فهمزة بين بين ثلاثة ذكرناها في تخفيف الهمزة (1): ما بين الهمزة والالف، وما بينها وبين الواو، وما بينها وبين الياء. قوله " النون الخفية " قيل: إن الرواية عن سيبويه " الخفيفة " قال السيرافى يجب أن يقال " الخفية " لان التفسير يدل عليه، إذ هي نون ساكنة غير


(1) انظر (ص 30 وما بعدها من هذا الجزء) (*)

[ 255 ]

ظاهرة مخرجها من الخيشوم فقط، وإنما تجئ قبل الحروف الخمسة عشر التى تذكر عند ذكر أحوال النون، قال السيرافى: ولو تكلف متكلف إخراجها من الفم مع هذه الخمسة عشر لامكن بعلاج وعسر. قوله: " وألف الامالة " يسميها سيبويه ألف الترخيم، لان الترخيم تليين الصوت، قال: لها بشر مثل الحرير ومنطق * رخيم الحواشى لاهراء ولا نزر قوله " ولام التفخيم " يعنى بها اللام التى تلى الصاد أو الضاد أو الطاء، إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة، كالصلوة ويصلون، فان بعضهم يفخمها، وكذا لام " الله " إذا كان قبلها ضمة أو فتحة. ولم يذكر المصنف ألف التفخيم، وذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وهى الالف التى ينحى بها نحو الواو، كالصلوة والزكوة والحيوة، وهى لغة أهل الحجاز، وزعموا أن كتبهم لهذه الكلمات بالواو على هذه اللغة. قوله " الصاد كالزاي " قد ذكرنا في نحو يصدق وصدق. قوله " والشين كالجيم " ذكرها سيبويه في الحروف المستحسنة، وذكر الجيم التى كالشين في المستهجنة، وكلتاهما شئ واحد، لكنه إنما استحسن الشين المشربة صوت الجيم لانه إنما يفعل ذلك بها إذا كانت الشين ساكنة قبل الدال، والدال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة تنافى جوهر الدال، ولا سيما إذا كانت


(1) هذا بيت من بحر الطويل من قصيدة لذى الرمة، والبشر: اسم جنس جمعى واحده بشرة، وبشرة الانسان: ظاهر بدنه، والمنطق مصدر ميمى بمعنى النطق، والرخيم: الناعم اللين، والهراء - كغراب -: المنطق الفاسد، ويقال: هو الكثير، وهو أنسب لمقابلته بالنزر وهو القليل. والاستشهاد بالبيت على أن الرخيم معناه الصوت اللين، فالترخيم بمعنى تليين الصوت (*)

[ 256 ]

ساكنة، لان الحركة تخرج الحرف عن جوهره فتشرب الشين صوت الجيم التى هي مجهورة شديدة كالدال لتناسب الصوت، فلا جرم استحسن، وإنما استهجن الجيم التى كالشين لانها إنما يفعل ذلك بها إذا سكنت وبعدها دال أو تاء، نحو اجتمعوا وأجدر، وليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين، بل هما شديدتان، لكن الطبع ربما يميل لاجتماع الشديدين إلى السلاسة واللين فيشرب الجيم ما يقاربه في المخرج، وهو الشين، فالفرار من المتنافيين مستحسن، والفرار من المثلين مستهجن، فصار الحرف الواحد مستحسنا في موضع، ومستهجنا في موضع آخر، بحسب موقعه قوله " وأما الصاد كالسين " قربها بعضهم من السين لكونهما من مخرج واحد، والطاء التى كالتاء تكون في كلام عجم أهل المشرق كثيرا، لان الطاء في أصل لغتهم معدومة فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم، فنطقوا بشئ بين الطاء والتاء قوله " والفاء كالباء " قال السيرافى: هي كثيرة في لغة العجم وهى على ضربين: أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من الفاء، والاخر لفظ الفاء أغلب عليه من الباء، وقد جعلا حرفين من حروفهم سوى الباء والفاء المخلصين، قال: وأظن أن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم قوله " الضاد الضعيفة " قال السيرافى: إنها لغة قوم ليس في لغتهم ضاد، فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعتضلت عليهم، فربما أخرجوها ظاء، لاخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأت لهم فخرجت بين الضاد والظاء، وفى حاشية كتاب ابن مبرمان: الضاد الضعيفة كما يقال في اثرد له: اضرد له، يقربون التاء من الضاد، قال سيبويه: تكلف الضاد الضعيفة من الجانب الايسر أخف، قال

[ 257 ]

السيرافى: لان الجانب الايمن قد اعتاد الضاد الصحيحة، وإخراج الضعيفة من موضع اعتاد الصحيحة أصعب من إخراجها من موضع لم يعتد الصحيحة قوله " والكاف كالجيم " نحو جافر في كافر، وكذا الجيم التى كالكاف، يقولون في جمل: كمل، وفى رجل: ركل، وهى فاشية في أهل البحرين، وهما جميعا شئ واحد، إلا أن أصل أحدهما الجيم وأصل الاخر الكاف، كما ذكرنا في الجيم كالشين والشين كالجيم، إلا أن الشين كالجيم مستحسنة وعكسه مستهجن، والكاف كالجيم وعكسه مستهجنان، فقوله " لا يتحقق " فيه نظر، وكأنه ظن أن مرادهم بالجيم كالشين حرف آخر غير الشين كالجيم، وكذا ظن أن مرادهم بالجيم كالكاف غير مرادهم بالكاف كالجيم، وهو وهم ومن المتفرعة القاف بين القاف والكاف، قال السيرافى: هو مثل الكاف التى كالجيم والجيم التى كالكاف ومنها أيضا الجيم التى كالزاي والشين التى كالزاي، على ما ذكرنا في أجدر وأشدق ومنها أيضا الياء كالواو في قيل وبيع - بالاشمام، والواو كالياء في مذعور وابن نور، كما ذكرنا في باب الامالة قال: " ومنها المجهورة والمهموسة، ومنها الشديدة والرخوة وما بينهما، ومنها المطبقة والمنفتحة، ومنها المستعلية والمنخفضة، ومنها حروف الذلاقة والمصمتة، ومنها حروف القلقلة والضفير واللينة والمنحرف والمكرر والهاوى والمهتوت. فالمجهورة ما ينحصر جرى النفس مع تحركه وهى ما عدا حروف (ستشحثك خصفه)، والمهموسة بخلافها ومثلا بققق وككك، وخالف بعضهم فجعل الضاد والظاء والذال والزاى والعين والغين والياء من المهموسة، والكاف

[ 258 ]

والتاء من المجهوره، وراى أن الشدة تؤكد الجهر، والشديدة: ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه في مخرجه فلا يجرى، ويجمعها (أجدك قطبت) والرخوة بخلافها، وما بينهما ما لا يتم له الانحصار ولا الجرى، ويجمعها (لم يروعنا)، ومثلت بالحج والطش والخل، والمطبقة ما ينطبق على مخرجه الحنك، وهى الصاد والضاد والطاء والظاء، والمنفتحة بخلافها، والمستعلية ما يرتفع اللسان بها إلي الحنك وهى المطبقة والخاء والغين والقاف، والمنخفضة بخلافها، وحروف الذلاقة ما لا ينفعك رباعى أو خماسى عن شئ منها لسهولتها، ويجمعها (مر بنفل) والمصمتة بخلافها لانه صمت عنها في بناء رباعى أو خماسى منها، وحروف القلقلة ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، (ويجمعها قد طبج)، وحروف الصفير ما يصفر بها، وهى الصاد والزاى والسين، واللينة حروف اللين، والمنحرف اللام، لان اللسان ينحرف به، والمكرر الراء، لتعثر اللسان به، والهاوى الالف، لاتساع هواء الصوت به، والمهتوت التاء، لخفائها " أقول: إنما سميت الحروف المذكورة مجهورة لانه لابد في بيانه وإخراجها من جهر ما، ولا يتهيأ النطق بها إلا كذلك، كالقاف والعين، بخلاف المهموس، فإنه يتهيأ لك أن تنطق به ويسمع منك خفيا كما يمكنك أن تجهر به، والجهر: رفع الصوت، والهمس: إخفاؤه، وإنما يكون مجهورا لانك تشبع الاعتماد في موضعه، فمن إشباع الاعتماد إرتفاع الصوت، ومن ضعف الاعتماد يحصل الهمس والاخفاء، فإذا أشبعت الاعتماد فإن جرى الصوت كما في الضاد والظاء والزاى والعين والغين والياء فهى مجهورة رخوة، وإن أشبعته ولم يجر الصوت كالقاف والجيم والطاء والدال فهى مجهورة شديدة، قيل: والمجهورة تخرج أصواتها من الصدر، والمهموسة تخرج أصواتها من مخارجها في الفم، وذلك مما

[ 259 ]

يرخى الصوت فيخرج الصوت من الفم ضعيفا، ثم إن أردت الجهر بها وإسماعها أتبعت صوتها بصوت من الصدر ليفهم، وتمتحن المجهورة بأن تكررها مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة: رفعت صوتك بها أو أخفيته: سواء أشبعت الحركات حتى تتولد الحروف، نحو قاقاقا، وقوقوقو، وقى قى قى، أو لم تشبعها نحو ققق، فإنك ترى الصوت يجرى ولا ينقطع، ولا يجرى النفس إلا بعد انقضاء الاعتماد وسكون الصوت، وأما مع الصوت فلا يجرى ذلك، لان النفس الخارج من الصدر - وهو مركب الصوت - يحتبس إذا اشتد اعتماد الناطق على مخرج الحرف، إذ الاعتماد على موضع من الحلق والفم يحبس النفس وإن لم يكن هناك صوت، وإنما يجرى النفس إذا ضعف الاعتماد، وإنما كررت الحرف في الامتحان لانك لو نطقت بواحد من المجهورة غير مكرر فعقيب فراغك منه يجرى النفس بلا فصل، فيظن أن النفس إنما خرج مع المجهورة لا بعده، فإذا تكرر وطال زمان الحرف ولم يخرج مع تلك الحروف المكررة نفس عرفت أن النطق بالحروف هو الحابس للنفس، وإنما حركت الحروف لان التكرير من دون الحركة محال، وإنما جاز إشباع الحركات لان الواو والالف والياء مجهورة فلا يجرى مع صوتها النفس، وأما المهموسة فإنك إذا كررتها مع إشباع الحركة أو بدونه فإن جوهرها لضعف الاعتماد على مخارجها لا يحبس النفس، فيخرج النفس ويجرى كما يجرى الصوت بها، نحو ككك، فالقاف والكاف قريبا المخرج، ورأيت كيف كان أحدهما مجهورا والاخر مهموسا، وقس على القاف والكاف سائر المجهورة والمهموسة فنقول جميع حروف الهجاء على ضربين: مهموسة وهى حروف (ستشحثك خصفه) بالهاء في خصفه للوقف، ومعنى الكلام ستشحذ عليك: أي تتكدى، والشحاذ والشحاث: المتكدى، وخصفة: اسم امرأة، وما بقى من الحروف مجهورة، وهى قولك: ظل قو ربض إذ غزا جند مطيع

[ 260 ]

ثم تنقسم جميع حروف التهجى قسمة مستأنفة ثلاثة أقسام: شديدة، ورخوة، وما بينهما، والحروف الشديدة (أجدك قطبت) ونعنى بالشديدة ما إذا أسكنته ونطقت به لم يجر الصوت، والرخوة: ما يجرى الصوت عند النطق بها، والفرق بين الشديدة والمجهورة أن الشديدة لا يجرى الصوت عند النطق بها، بل إنك تسمع به في آن ثم ينقطع، والمجهورة لا اعتبار فيها بعدم جرى الصوت، بل الاعتبار فيها بعدم جرى النفس عند التصويت بها، وبعضهم أخرج من المجهورة: أي من حروف (ظل قو) السبعة الاحرف التى من الرخوة: أي الضاد والظاء والذال والزاى والعين والغين والياء، فيبقى منها الحروف الشديدة: (أي أجدك قطبت) وأربعة أحرف مما بين الشديدة والرخوة: أي من حروف (لم يروعنا) وهى اللام والميم والواو والنون، فيكون مجموع المجهورة عنده اثنى عشر، وهى حروف (ولمن أجدك قطبت)، وهذا القائل ظن أن الرخاوة تنافى الجهر، وليس بشئ، لان الرخاوة أن يجرى الصوت بالحرف عند إسكانه كالنبر، والجهر: رفع الصوت بالحرف: سواء جرى الصوت، أو لم يجر، وعلامته عدم حرى النفس. وإنما اعتبر في امتحان الشديدة والرخوة إسكان الحروف لانك لو حركتها والحركات أبعاض الواو والالف والياء فيها رخاوة ما لجرت الحركات لشدة اتصالها بالحروف الشديدة إلى شئ من الرخاوة، فلم تتبين شدتها. وقوله في الشديدة " ما ينحصر جرى صوته عند إسكانه في مخرجه " متعلق بينحصر: أي ينحصر في مخرجه عند إسكانه، وإنما جعل حروف (لم يروعنا) بين الشديدة والرخوة لان الشديدة هي التى ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، وهذه الاحرف الثمانية ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف، لكن تعرض لها أعراض توجب خروج الصوت من غير مواضعها، أما العين فينحصر الصوت عند مخرجه، لكن لقربه من الحاء التى هي مهموسة ينسل

[ 261 ]

صوته شيئا قليلا، فكأنك وقفت على الحاء، وأما اللام فمخرحها - أعنى طرف اللسان - لا يتجافى عن موضعه من الحنك عند النطق به، فلا يجرى منه صوت، لكنه لما لم يسد طريق بالكلية كالدال والتاء بل انحرف طرف اللسان عند النطق به خرج الصوت عند النطق به من مستدق اللسان فويق مخرجه، وأما الميم والنون فإن الصوت لا يخرج من موضعيهما من الفم، لكن لما كان لهما مخرجان في الفم وفى الخيشوم جرى به الصوت من الانف دون الفم، لانك لو أمسكت أنفك لم يجر الصوت بهما، وأما الراء فلم يجر الصوت في أبتداء النطق به، لكنه جرى شيئا لانحرافه وميله إلى اللام، كما قلنا في العين المائلة إلى الحاء، وأيضا الراء مكرر، فإذا تكرر جرى الصوت معه في أثناء التكرر، وكذلك الواو والياء والالف لا يجرى الصوت معها كثيرا، لكن لما كانت مخارجها تتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرها من المجهورة كان الصوت معها يكثر فيجرى منه شئ، واتساع مخرج الالف لهواء صوته أكثر من اتساع مخرجى الواو والياء لهواء صوتهما، فلذلك سمى الهاوى: أي ذات الهواء، كالناشب (1) والنابل (2)، وإنما كان الاتساع للالف أكثر لانك تضم شفتيك للواو فيتضيق المخرج وترفع لسانك قبل الحنك للياء، وأما الالف فلا تعمل له شيئا من هذا، بل تفرج المخرج، فأوسعهن مخارجا الالف، ثم الياء، ثم الواو، وهذه الحروف أخفى الحروف، لاتساع مخارجها، وأخفاهن الالف، لان سعة مخرجها أكثر


(1) الناشب: صاحب النشاب، والنشاب - كرمان -: النبل، والواحدة نشابة - كرمانة - (2) النابل: صاحب النبل، أو صانعه مثل النبال، والنبل: السهام، ولا واحد له من لفظه، ويقال: واحده نبلة (*)

[ 262 ]

قوله " المطبقة ما ينطبق معه الحنك على اللسان " لانك ترفع اللسان إليه فيصير الحنك كالطبق على اللسان، فتكون الحروف التى تخرج بينهما مطبقا عليها قوله " على مخرجه " ليس بمطرد، لان مخرج الضاد حافة اللسان، وحافة اللسان تنطبق على الاضراس كما ذكرنا، وباقى اللسان ينطبق عليه الحنك، قال سيبويه: لولا الاطباق في الصاد لكان سينا، وفى الظاء كان ذالا، وفى الطاء كان دالا، ولخرجت الضاد من الكلام، لانه ليس شئ من الحروف من موضعها غيرها قوله " والمنفتحة بخلافها " لانه ينفتح ما بين اللسان والحنك عند النطق بها، والمستعلية: ما يرتفع بسببها اللسان، وهى المطبقة والخاء والغين المعجتمان والقاف، لانه يرتفع اللسان بهذه الثلاثة أيضا، لكن لا إلى حد انطباق الحنك عليها، والمنخفضة: ما ينخفض معه اللسان ولا يرتفع، وهى كل ما عدا المستعلية قوله " حروف الذلاقة " الذلاقة: الفصاحة والخفة في الكلام، وهذه الحروف أخف الحروف، ولا ينفك رباعى ولا خماسى من حرف منها إلا شاذا، كالعسجد (1) والدهدقة (2) والزهزقة (3) والعسطوس (4)، وذلك لان الرباعي والخماسي ثقيلان، فلم يخليا من حرف سهل على اللسان خفيف، والمصمتة: ضد حروف الذلاقة، والشئ المصمت هو الذى لا جوف له، فيكون ثقيلا، سميت بذلك لثقلها على اللسان، بخلاف حروف الذلاقة، وقيل: إنما سميت بذلك لانها أصمتت عن أن يبنى منها وحدها رباعى أو خماسى،


(1) العسجدة: الذهب، وهو أيضا الجوهر كله كالدر والياقوت، ويقال: بعير عسجد، إذا كان ضخما (2) الدهدقة: مصدر قولك: دهدق اللحم، إذا كسره وقطعه وكسر عظامه (3) الزهزقة: شدة الضحك وهى أيضا ترقيص الام الصبى (4) العسطوس - كقربوس -: وربما شددت سينه الاولى: شجرة كالخيزران تكون بالجزيرة، وهو أيضا رأس النصارى (*)

[ 263 ]

والاول أولى، لانها ضد حروف الذلاقة في المعنى، فمضادتها لها في الاسم أنسب قوله " وحروف القلقلة " إنما سميت حروف القلقلة لانها يصحبها ضغط اللسان في مخرجها في الوقف مع شدة الصوت المتصعد من الصدر، وهذا الضغط التام يمنع خروج ذلك الصوت، فإذا أردت بيانها للمخاطب احتجت إلى قلقلة اللسان وتحريكه عن موضعه حتى يخرج صوتها فيسمع، وبعض العرب أشد صوتا كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف، وبعض الحروف إذا وقفت عليها خرج معها مثل النفخة ولم تنضغط ضغط الاول، وهى الظاء والذال والضاد والزاى، فإن الضاد تجد المنفذ بين الاضراس، والظاء والذال والزاى تجد منفذا من بين الثنايا وأما الحروف المهموسة فكلها تقف عليها مع نفخ لانهن يجرين مع النفس، وبعض العرب أشد نفخا، كأنهم الذين يرومون الحركة في الوقف وبعض الحروف لا يصحبها في الوقف لا صوت كما في القلقلة، ولا نفخ كما في المهموسة، ولا شبه نفخ كما في الحروف الاربعة، وهو اللام والنون والميم والعين والغين والهمزة، أما عدم الصوت فلانه لم يتصعد من الصدر صوت يحتاج إلى إخراجه، وأيضا لم يحصل ضغط تام، وأما عدم النفخ فلان اللام والنون لا يجدان منفذا كما وجدت الحروف الاربعة بين الاسنان وذلك لانهما ارتفعتا عن الثنايا، وكذلك الميم، لانك تضم الشفتين بها، وأما العين والغين والهمزة فانك لو أردت النفخ من مواضعها لم يمكن، ولا يكون شئ من النفخ والصوت في الوصل نحو أذهب زيدا، وخذهما، واحرسهما، وذلك لاتصال الحرف الثاني به فلا يبقى لا صوت ولا نفخ قوله " قد طبج " الطبج: ضرب اليد على مجوف، وإنما سمى اللام منحرفا لان اللسان ينحرف عن النطق به، ومخرجه من اللسان - أعنى طرفه - لا يتجافى عن موضعه من الحنك، وليس يخرج الصوت من ذلك المخرج،

[ 264 ]

بل يتجافى ناحيتها مستدق اللسان، ولا تعترضان الصوت، بل تخليان طريقه، ويخرج الصوت من تينك الناحيتين، وإنما سمى الراء مكررا لان طرف اللسان إذا تكلم به كأنه يتعثر: أي يقوم فيعثر، للتكرير الذى فيه، ولذلك كانت حركته كحركتين، كما تبين في باب الامالة (1)، ومعنى الهاوى ذو الهواء كما ذكرنا، وإنما سمى التاء مهتوتا لان الهت سرد الكلام على سرعة، فهو حرف خفيف لا يصعب التكلم به على سرعة. قال: " ومتى قصد إدغام أحد المتقاربين فلا بد من القلب، والقياس قلب الاول إلا لعارض في نحو إذ بحتودا واذبحاذه، في جملة من تاء الافتعال لنحوه ولكثرة تغيرها، ومحم في معهم ضعيف، وست أصله سدس شاذ لازم " أقول: شرع في بيان إدغام المتقاربة بعضها في بعض، وقدم مقدمة يعرف بها كيفية إدغامها، ثم ذكر مقدمة أخرى يعرف بها ما لم يجز إدغامه منها في مقاربه، وهى قوله " ولا يدغم منها في كلمة " إلى قوله " فالهاء في الحاء " إنما كان القياس قلب الاول إلى الثاني دون العكس لان الادغام تغيير الحرف الاول بايصاله إلى الثاني وجعله معه كحرف واحد. فلما كان لابد للاول من التغيير بعد صيرورة المتقاربين مثلين ابتدأت بتغييره بالقلب قوله " إلا لعارض " اعلم انه قد يعرض ما يمنع من القياس المذكور، وهو شيئان: أحدهما: كون الاول أخف من الثاني، وهو إما في حرفين حلقيين أولهما أعلى من الثاني، وذلك إذا قصد إدغام الحاء إما في العين أو في الهاء فقط، ولا يدغم حلقى في حلقى آخر أدخل كما يجئ لو إنما أدغمت الحاء في أحد الحرفين مع أن حروف الحلق يقل فيها الادغام - كما يجئ - لثقلها، فلهذا قل المضاعف منها كما


(1) انظر (ص 20 من هذا الجزء) (*)

[ 265 ]

يجئ، فلم يدغم بعضها في بعض في كلمتين أيضا في الاغلب، لئلا يكون شبه مضاعف مصوغ منها، وإنما أدغمت الحاء في أحدهما لشدة مقاربة الحاء لهما، وإنما قلبت الثاني إلى الاول في نحو اذبح عتودا (1) واذبح هذه، مع أن القياس العكس، لان أنزلها في الحلق أثقلها، فأثقلها الهمزة ثم الهاء، ثم العين ثم الغين ثم الحاء ثم الخاء، فالحاء أخف من الغين والخاء، والمقصود من الادغام التخفيف، فلو قلبت الاولى التى هي أخف إلى الثانية التى هي أثقل لمشت خفة الادغام بثقل الحرف المقلوب إليه فكأنه لم يدغم شئ في شئ، وأما في الواو والياء في نحو سيد وأصله سيود وذلك لثقل الواو كما مر في باب الاعلال وثانيهما كون الحرف الاول ذا فضيلة ليست في الثاني، فيبقى عليها بترك قلبه إلى الثاني، ولا يدغم في مثل هذا كما يجئ، إلا أن يكون الثاني زائدا فلا يبالى بقلبه وتغييره على خلاف القياس، نحو اسمع وازان ومعنى قوله " لنحوه ولكثرة تغيرها " أي: لكون الالف أخف من الثاني ولكثرة تغير التاء لغير الادغام كما في اضطراب واصطبر قوله " ومحم معه ضعيف " كان القياس الاول: أي قلب الاول إلى الثاني، أن يقال مهم، بقلب العين هاء، وقياس العارض، وهو كون الثاني: أي الهاء أدخل في الحلق وأثقل، أن يقلب الثاني إلى الاول فيقال معم، فاستثقل كلاهما، ولهذا كان تضعيف الهاء نحو قه (2) وكه (3) السكران، والعين نحو دع (4) وكع (5) قليلا جدا، واستثقل أيضا ترك الادغام لان كل واحدة منهما


(1) العتود: ولد المعز (2) قه الرجل: اشتد ضحكه. انظر (ص 73 من هذا الجزء) (3) كه السكران: أخرج نفسه. انظر (ص 73 من هذا الجزء) (4) الدع: الدفع العنيف، وفى التنزيل (فذلك الذى يدع اليتيم): أي يدفعه بعنف (5) كع الرجل: جبن، وهو من باب نصر وضرب وعلم، انظر (ح 1 ص 134) (*)

[ 266 ]

مستثقلة لنزولها في الحلق فكيف بهما مجتمعين مع تنافرهما ؟ إذ العين مجهورة والهاء مهموسة، فطلبوا حرفا مناسبا لهما أخف منهما، وهو الحاء: أما كونه أخف فلانه أعلى منهما في الحلق، ولذلك كثر نحو مح (1) ودح (2) وزح (3) بخلاف دع وكع وكه وقه، وأما مناسبته للعين فلانهما من وسط الحلق، وأما الهاء فبالهمس والرخاوة، فلذا قلب بعض بنى تميم العين والهاء حاءين وأدغم أحدهما في الاخر نحو محم ومحاؤلاء، في معهم ومع هؤلاء، والاكثر ترك القلب والادغام لعروض اجتماعهما، وكذا قولك ست أصله سدس، بدلالة التسديس وبين الدال والسين تقارب في المخرج، لان كليهما من طرف اللسان، فلو قلب، الدال سينا كما هو القياس اجتمع ثلاث سينات، ولا يجوز قلب السين دالا خوفا من زوال فضيلة الصفير، ومع تقارب الدال والسين في المخرج بينهما تنافر في الصفة، لان الدال مجهورة شديدة والسين مهموسة رخوة، فتقاربهما داع إلى ترك اجتماعهما مظهرين، وكذا تنافرهما وقلب أحدهما إلى الاخر ممتنع، كما مر، فلم يبق إلا قلبهما إلى حرف يناسبها، وهو التاء، لانها من مخرج الدال ومثل السين في الهمس قال: " ولا يدغم منها في كلمة ما يؤدى إلى لبس بتركيب آخر، نحو وطد وشاة زنماء، ومن ثم لم يقولوا: وطدا ولا وتدا، بل قالوا: طدة وتدة لما يلزم من ثقل أو لبس، بخلاف نحو امحى واطير وجاء ود في وتد في تميم "


(1) مح الثوب: كنصر وضرب -: بلى (2) الدح: الدس والنكاح، وهو أيضا الدفع في القفا (3) تقول: زحه يزحه - كمده يمده -، إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه في عجلة (*)

[ 267 ]

أقول: إذا اجتمع من المتقاربة شيئان: فإن كانا في كلمتين نحو من مثلك فإنه يدغم أحدهما في الاخر، ولا يبالى باللبس لو عرض، لانهما في معرض الانفكاك، فإذا انفكا يعرف أصل كل واحد منهما، ثم إن تحركا لم يجب الادغام ولم يتأكد، وإن سكن الاول فقد يجب كالنون في حروف (يرملون)، وكلام التعريف فيما سنذكر، ولا يجب في غيرهما، بل يتأكد ولا سيما إذا اشتد التقارب، وإن كانا في كلمة: فإن تحركا وألبس الادغام مثالا بمثال لم يدغم، كما في وطد (1): أي أحكم، ووتد: أي ضرب الوتد، وكذا في الاسم، نحو وتد، وإن لم يلبس جاز الادغام نحو ازمل (2) في تزمل، لان أفعل - بتضعيف الفاء والعين - ليس من أبنيتهم، بل لا يجئ إلا وقد أدغم في فائه تاء تفعل كاترك وازمل، ومن ثم لا تقول: اقطع واضرب، وإن كان أولهما ساكنا: فإن ألبس ولم يكن تقاربها كاملا بقى الاول عير مدغم، نحو قنوان (3) وصنوان (4) وبنيان وقنية (5) وبنية وكنية ومنية وقنواء (6)


(1) قال في اللسان: " وطد الشئ يطده وطدا وطدة فهو موطود ووطيد: أثبته وثقله، والتوطيد مثله " ومثله في القاموس: ومنه تعلم أن قول ابن الحاجب " ومن ثم لم يقولوا: وطدا " غير سديد، وكذا دعواه أنه لم يرد الوتد، فقد ذكر صاحبا القاموس واللسان أنه يقال: وتدالوا تديتده وتداوتدة، إذا ثبته، وقد وجه الرضى ما ذكره ابن الحاجب. بأنه جرى على لغة بعض العرب (2) تقول: تزمل في ثوبه، وازمل، إذا تلفف. وفى التنزيل (يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا) (3) القنوان: جمع قنو، وهو من النخلة بمنزلة العنقود من العنب (4) صنوان: جمع صنو، وهو الاخ الشقيق. انظر (ج 2 ص 93) (5) القنية - بضم فسكون أو بكسر فسكون - ما يتخذه الانسان من الغنم ونحوها لنفسه لا للتجارة، وانظر (ج 2 ص 43) (6) تقول: رجل أقنى الانف، وامرأة قنواء الانف إذا كان أعلى أنفهما مرتفعا ووسطه محدودبا، وهو من علامة الكرم عندهم. (*)

[ 268 ]

وشاة زنماء (1) وغنم زنم، وإن كان تقاربهما كاملا جاز الاظهار نظر إلى الالتباس بالادغام وجاز الادغام نظرا إلى شدة التقارب، وذلك نحو وتد يتد وتدا ووطد يطد وطدا وعتدان في جمع عتود ومنهم من يدغم التاء في الدال فيقول وتد يتد ودا وعتودا وعدانا، قال الاخطل: 191 - واذكر غدانة عدانا مزنمة * من الحبلق تبنى حولها الصير (2) ومنه قولهم ود في وتد، خففه بنو تميم بحذف كسرة التاء نحو كبد وفخذ كما مر في أول الكتاب (3) فقالوا بعد الاسكان: ود، ولم يجز في لغتهم وتد - بسكون التاء مظهرة - كما قيل عتدان، لكثرة استعمال هذه اللفظة فيستثقل، وجمعه على أوتاد يزيل اللبس، ولم يجز الادغام في نحو وطد لئلا تزول فضيلة الاطباق، ومن العرب من يلتزم تدة وطدة في مصدر ووطد خوفا من الاستثقال لو قيل: وتدا ووطدا غير مدغمتين، ومن الالتباس لو قيل: ودا، وكذا يلتزم في وتد الحجازية: أعنى كسر التاء، ما ذكرنا


(1) الزنمة - بالتحريك - شئ يقطع من أذن البعير فيترك معلقا، يفعل بكرامها، يقال: بعير زنم وأزنم ومزنم - كمعظم - وناقة زنمة وزنماء ومزنمة (2) هذا البيت للاخطل التغلبي من قصيدة يمدح فيها عبد الملك بن مروان، وغدانة - بضم الغين المعجمة وبعدها دال مهملة - قبيلة من تميم، أبوها غدانة بن يربوع، " وعدانا " أصله عتدانا، والعتدان: جمع عتود، وهو الجذع من أولاد المعز، والمزنمة: ذات الزنمة، والحبلق - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وتشديد اللام: - أولاد المعز، والصير: جمع صيرة، وهى الحضيرة، يهجو هؤلاء القوم بأنهم رعاة لا ذكر لهم ولا شرف - والاستشهاد بالبيت في قوله " عدانا " فان أصله عتدان فأبدل التاء دالا ثم أدغم الدال في الدال (3) انظر (ح 1 ص 39 وما بعدها) (*)

[ 269 ]

وإنما لم يبنوا صيغة تقع فيها النون الساكنة قبل الراء واللام نحو قنر وعنل، لان الادغام لا يجوز فيه كما جاز في عتدان، لان التاء والدال أشد تقاربا من النون واللام والراء، بدليل إدغام كل واحد من الدال والتاء في الاخر، بخلاف الراء واللام فإنهما لا يدغمان في النون كما يدغم النون فيهما في كلمتين نحو من ربك ومن لك، لان الادغام إذن عارض غير لازم، فعلى هذا لو قيل نحو قنر وعنل لم يجز الادغام لما ذكرنا، فلم يبق إلا الاظهار وهو مستثقل، لان النون قريبة المخرج من اللام والراء، فكأنهما مثلان، وعتدان ووتدا وتدا بفك الادغام ضعيف قليل لا يقاس عليه، وأما زنماء وصنوان ونحوهما بالاظهار فإنما جاز لعدم كمال التقارب بين الحرفين وإن لم يلبس إدغام أحد المتقاربين في الاخر في كلمة أدغم نحو امحى، لان افعل ليس سن أبنيتهم بتكرير الفاء إلا مدغما فيه نون انفعل كامحى، أو مدغما في تاء افتعل كادكر، على ما يجئ، ومن ثم لم يقل: اضرب واقطع، قال الخليل: وتقول في انفعل من وجلت: اوجل ومن اليسر ايسر * قوله " أو لبس " أي: لو أدغم * قوله " وفى تميم " أي: في لغة تميم وهى إسكان كسرة عين فعل نحو كبد في كبد قال: " ولم تدغم حروف (ضوى مشفر) فيما يقاربها لزيادة صفتها، ونحو سيد ولية إنما أدغما لان الاعلال صيرهما مثلين، وأدغمت النون في اللام والراء لكراهة نبرتها، وفى الميم - وإن لم يتقاربا - لغنتها، وفى الواو والياء لامكان بقائها، وقد جاء لبعض شأنهم واغفر لى، ونخسف بهم، ولا حروف الصفير في غيرها، لفوات (صفتها)، ولا المطبقة في غيرها من غير إطباق على الافصح، ولا حرف حلق في أدخل منه إلا الحاء في العين والهاء، ومن ثم قالوا فيهما اذبحتودا وابحاذه " (*)

[ 270 ]

أقول: اعلم أن إدغام أحد المتقاربين في الاخر في كلمة إذا لم يلبس ليس إلا في أبواب يسيرة، نحو انفعل وافتعل وتفعل وتفاعل وفنعلل، نحو امحى واسمع وازمل وادارك وهمرش (1) وأما غير ذلك فملبس لا يجوز إلا مع شدة التقارب وسكون الاول نحو ود وعدان، ومع ذلك فهو قليل، والغالب في إدغام أحد المتقاربين في الاخر إنما يكون في كلمتين وفى انفعل وافتعل وتفعل وتفاعل وفنعلل. فنقول: المانع من إدغام أحد المتقاربين في الاخر شيئان: أحدهما اتصاف الاول بصفة ليست في الثاني، فلا يدغم الاول في الثاني إبقاء على تلك الصفة، فمن ثم لم تدغم حروف (ضوى مشفر) (2) فيما ليس فيه صفة المدغم، وجاز إدغام الواو والياء من هذه الحروف أحدهما في الاخر، لان فضيلة اللين التى في أحدهما لا تذهب بإدغامه في الاخر، إذ المدغم فيه أيضا متصف باللين، ولم تدغم حروف الصفير فيما ليس فيه صفير إلا في باب افتعل كاسمع وازان، ولا حروف الاطباق في غيرها بلا إطباق إلا في باب الافتعال نحو اطرب، وذلك لزوال المانع فيه بقلب الثاني إلى حروف الصفير وإلى حروف الاطباق، وذلك لكون الثاني زائدا فلا يستنكر تغيره، وفضيلة الضاد الاستطالة، وفضيلة الواو والياء اللين، وفضيلة الميم الغنة، وفضيلة الشين التفشي والرخاوة، فلا تدغم في الجيم مع تقاربهما في المخرج، وفضيلة الفاء التأفيف وهو صوت يخرج من الفم مع النطق بالفاء، وفضيلة الراء التكرير، وأيضا لو أدغم لكان كمضعف أدغم في غيره نحو ردد، ولا يجوز قوله " ونحو سيد ولية " اعتراض على نفسه، وذلك أنه قرر أن الواو والياء


(1) الهمرش: العجوز المسنة. انظر (ج 2 ص 364) (2) ضوى: هزل، والمشفر - بزنة منير - الشفة، أو خاص بالبعير (*)

[ 271 ]

لا يدغم أحدهما في مقاربه، فكأنه قال: كيف أدغم أحدهما في الاخر في سيد ولى ؟ ثم أجاب بأن قلب الواو إلى الياء لو كان للادغام لورد ذلك، لكنه إنما قلبت ياء لاستثقال اجتماعهما لا للادغام، ولهذا تقلب الواو ياء: سواء كانت أولى أو ثانية، ولو كان القلب لادغام أحد المتقاربين في الاخر لقلبت الاولى إلى الثانية فقط، كما هو القياس، ثم بعد القلب اجتمع ياءان أولاهما ساكنة فوجب الادغام، فهذا من باب إدغام المتماثلين لامن إدغام المتقاربين، وفى هذا الجواب نظر، لان القلب لو كان لمجرد استثقال اجتماعهما لقلب الواو ياء، وأولاهما متحركة كطويل وطويت، فعرفنا أن القلب من أول الامر لاجل الادغام وذلك لان الواو والياء تقاربتا في الصفة، وهى كونهما لينتين ومجهورتين وبين الشديدة والرخوة وان لم يتقاربا في المخرج، فأدعمت إحداهما في الاخرى وقلبت الواو، وإن كانت ثانية، لان القصد التخفيف بالادغام، والواو المشددة ليست بأخف من الواو والياء كما قلنا في اذبحتودا واذبحاذه، فجعل التقارب في الصفة كالتقارب في المخرج، وجرأهم على الادغام أيضا سكون الاول وكونه بذاك عرضة للادغام، وأما فضيلة اللين فلا تذهب - كما قلنا - لان كل واحدة منهما متصفة بتلك الصفة. قوله " وأدغمت النون في اللام " اعتراض آخر على نفسه، وذلك أن فضيلة الغنة تذهب بالادغام، وأجلب المصنف بأنها وإن كانت تذهب بالادغام لكنهم اغتفروا ذلك، لان النون نبرة: أي رفع صوت، وهذا جواب فيه نظر أيضا، لانه إن كان الموجب للادغام النيرة فلتخف بلا إدغام كما تخفى مع القاف والكاف والدال والتاء وغيرهما، كما يجئ والحق أن يقال: إن للنون مخرجين: أحدهما في الفم، والاخر في الخيشوم إذ لابد فيها من الغنة، وإذا أردت إخراجها في حالة واحدة من المخرجين، فلا

[ 272 ]

بد فيها من اعتماد قوى وعلاج شديد، إذ الاعتماد على المخرجين في حالة واحدة أقوى من الاعتماد على مخرج واحد والحروف التى هي غير النون على ضربين: أحدهما يحتاج إلى اعتماد قوى وهى حروف الحلق، والاخر لا يحتاج إلى ذلك، وهى حروف الفم والشفة، فالنون وحروف الحلق متساويان في الاحتياج إلى فضل اعتماد وإعمال لالة الصوت، وهى: أي النون إما أن تكون ساكنة أو متحركة، فإذا كانت ساكنة وبعدها غير حرف الحلق فهناك داعيان إلى إخفائها أحدهما سكونها، لان الاعتماد على الحرف الساكن أقل من الاعتماد على الحرف المتحرك، والاخر كون الحرف الذى لا يحتاج في إخراجه إلى فضل اعتماد عقيب النون بلا فصل، ليجرى الاعتمادان على نسق واحد، فأخفيت النون الساكنة قبل غير حروف الحلق فان حصل للنون الساكنة مع الحروف التى بعدها من غير حروف الحلق قرب مخرج كاللام والراء، أو قرب صفة كالميم، لان فيه أيضا غنة، وكالواو والياء، لان النون معهما من المجهورة وما بين الشديدة والرخوة وجب إدغام النون في تلك الحروف، لان القصد الاخفاء، والتقارب داع إلى غاية الاخفاء التى هي الادغام وإن لم يكن هناك قرب لا في المخرج ولا في الصفة أخفى النون بقلة الاعتماد، وذلك بأن يقتصر على أحد مخرجيه ولا يمكن أن يكون ذلك إلا الخيشوم، وذلك لان الاعتماد فيها على مخرجها من الفم يستلزم الاعتماد على الخيشوم بخلاف العكس، فيقتصر على مخرج الخيشوم فيحصل النون الخفية، ثم بعد ذلك إن تنافرت هي والحرف الذى يجئ بعدها، وهى الباء فقط، كما في عنبر قلبت تلك النون الخفية إلى حرف متوسط بين النون وذلك الحرف، وهى الميم، كما ذكرنا

[ 273 ]

في باب الابدال، (1) وإن لم يتنافرا بقيت خفية كما في غير الباء من سوى حروف الحلق، أما مع الحلقية فلا تخفى، لان حرف الحلق يحتاج إلى فضل اعتماد فتجرى النون على أصلها من فضل الاعتماد، ليجرى الاعتماد على نسق واحد، ومن الناس من يخفى النون قبل الغين والخاء المعجمتين، لكونهما قريبتين من حروف الفم، وكذلك النون الساكنة الموقوف عليها يخرجها من المخرجين، لان الحرف الموقوف عليه يحتاج إلى فضل بيان كما مر في باب الوقف (2) ومن ثم يقال: أفعى وأفعو، وكذلك النون المتحركة - قبل أي حرف كانت - تخرج من المخرجين، لاحتياجها إلى فصل اعتماد، فإذا ادغمت النون في حروف يرملون نظرت: فإن كان المدغم فيه اللام والراء فالاولى ترك الغنة، لان النون تقاربهما في المخرج وفى الصفة أيضا، لان الثلاثة مجهورة وبين الشديدة والرخوة، فاغتفر ذهاب الغنة مع كونها فضيلة للنون، للقرب في المخرج والصفة وإن كان المدغم فيه واوا أو ياء فالاولى الغنة لوجهين: أحدهما أن مقاربة النون إياهما بالصفة لا بالمخرج، فالاولى أن لا يغتفر ذهاب فضيلة النون: أي الغنة رأسا لمثل هذا القرب غير الكامل، بل ينبغى أن يكون للنون معهما حالة بين الاخفاء والادغام، وهى الحالة التى فوق الاخفاء ودون الادغام التام، فيبقى شئ من الغنة وإن كان المدغم فيه ميما أدغم إدغاما تاما، لان فضيلة الغنة حاصلة في المدغم فيه، إذ في الميم غنة وإن كانت أقل من غنة النون، وبعض العرب يدغمها في اللام والراء مع الغنة أيضا ضنا بفضيلة النون، فلا يكون الادغام إذا إدغاما تاما،


(1) انظر (ص 216 من هذا الجزء) (2) انظر (ج 2 ص 286) (*)

[ 274 ]

وبعضهم ترك الغنة مع الواو والياء اقتصارا في الادغام التام على التقارب في المخرج أو الصفة هذا، ومذهب سيبويه وسائر النحاة أن إدغام النون في اللام والراء والواو والياء مع الغنة أيضا إدغام تام، والغنة ليست من النون، لان النون مقلوبة إلى الحرف الذى بعدها، بل إنما أشرب صوت الفم غنة، قال سيبويه: " لا تدغم النون في شئ من الحروف حتى تحول إلى جنس ذلك الحرف، فإذا أدغمت في حرف فمخرجها مخرج ذلك الحرف، فلا يمكن إدغامها في هذه الحروف حتى تكون مثلهن سواء في كل شئ، وهذه الحروف لاحظ لها في الخيشوم وإنما يشرب صوت الفم غنة " هذا كلامه قوله " وفى الميم وإن لم يتقاربا " ليس باعتراض لكنه شئ عرض في أثناء الاعتراض قوله " وفى الواو والياء لامكان بقائها " اعتراض وجواب: أي لامكان بقاء الغنة: أما على ما اخترناه فالغنة للنون التى هي كالمدغمة، وأما على ما قال النحاة فلا شراب الواو والياء المضعفين غنة قوله " وقد جاء لبعض شأنهم واغفر لى ونخسف بهم " نقل عن بعض القراء الادغام في مثله، وحذاق أهل الاداء على أن المراد بالادغام في مثله الاخفاء، وتعبيرهم عنه بلفظ الادغام تجوز لان الاخفاء قريب من الادغام، ولو كان ذلك إدغاما لا لتقى ساكنان لا على حده في نحو لبعض شأنهم، وأجاز الكسائي والفراء إدغام الراء في اللام قياسا كراهة لتكرير اللام، وأبو عمرو يأتي بالميم المتحركة المتحرك ما قبلها خفية إذا كان بعدها باء نحو (بأعلم بالشاكرين) وأصحابه يسمون ذلك إدغاما مجازا وهو إخفاء قوله " ولا حروف الصفير في غيرها " لئلا تذهب فضيلة الصفير، وإنما يدغم بعضها في بعض كما يجئ

[ 275 ]

قوله " ولا المطبقة في غيرها " تقول: احفظ ذلك، واحفظ ثابتا، بالادغام مع الاطباق وتركه، وإبقاؤه أفصح كما يجئ قوله " ولا حرف حلق في أدخل منه " اعلم أن الادغام في حروف الحلق غير قوى، فإن المضاعف من الهاء قليل، نحو كه الرجل ورجل فه (1)، وأما الالف والهمزة فلم يجئ منهما مضاعف، وكذا المضاعف من العين قليل، نحو دع وكع، وكان حق الحاء أن تكون أقل في باب التضعيف من الغين والخاء، لانه أنزل منهما في الحلق، لكنه إنما كثر نحو بح (2) وزح (3) وصح (4) وفح (5)، وغير ذلك لكونه مهموسا رخوا، والهمس والرخاوة أسهل على الناطق من الشدة والجهر، والغين لا تجئ عينا ولاما معا إلا مع حاجز (6) كالضغيغة (7)،


(1) رجل فه، وفهيه، وفهفه، إذا كان عييا (2) بح الرجل - من باب علم وفتح - إذا أصابته بحة، وهى بضم الباء: خشونة وغلظ في الصوت (3) انظر (ص 266 من هذا الجزء) (4) صح الرجل فهو صحيح، إذا ذهب مرضه، أو برئ من كل عيب (5) فحت الافعى: صوتت من فيها، وبابه قعد (6) لم يصب المؤلف في هذا الذى زعمه من أن الغين لا تكون عين الكلمة ولامها إلا مع حاجز بين العين واللام، فقد ورد الفغة، وهو تضوع الرائحة، قالوا: فغتنى الرائحة - بتشديد الغين - إذا فاحت. وقالوا: الطغ - بتشديد الغين - وهو الثور. وقالوا: صغ، إذا أكل كثيرا. وقالوا: شغ البعير ببوله، إذا فرقه، وشغ القوم: تفرقوا (7) الذى في القاموس: الضغيغ - كأمير -: الخصب، وأقمت عنده في ضغيغ دهره: أي قدر تمامه. وبهاء: الروضة الناضرة، والعجين الرقين، والجماعة من الناس يختلطون، وخبز الارز المرقق، ومن العيش الناعم الغض. ولم نعثر على المعنى الذى ذكره الشارح (*)

[ 276 ]

وهى اللبن المحقون حتى تشتد حموضته، والخاء أكثر منه، لانه أقرب إلى الفم، وأيضا هي مهموسة رخوة كالحاء نحو المخ والفخ ورخ: أي نكح، والغين مجهورة كالعين، وإنما قل تضعيفها لصعوبتها وتكلف إخراجها مخففة فكيف بها مضعفة، فعلى هذا ثبت قلة إدغام المتقاربين من حروف الحلق، وسيجئ، فإن اتفق أدغم الانزل في الاعلى نحو اجبه حاتما (1) كما يجئ بعد، فإن اتفق كون الثاني أنزل لم يدغم إلا أن يكون بينهما قرب قريب، ويدغم إذ ذاك بمخالفة شرط إدغام المتقاربين، وذلك بأن يقلب الثاني إلى الاول، وذلك كالحاء التى بعدها العين أو الهاء، نحو اذبحتودا واذبحاذه إذ لو قلب الاول إلى الثاني لم يكن أخف منه قبل الادغام قوله " ومن ثم قالوا إذ بحتودا " أي: ومن أجل أن إدغام حرف الحلق في أدخل منه لا يجوز لاجل الثقل قلبوا الثاني لما اتفق مثل ذلك إلى الاول حتى لا يكون ثقل قال: " فالهاء في الحاء والعين في الحاء والحاء في الهاء والعين بقلبهما حاءين، وجاء (فمن زحزع عن النار) والغين في الخاء والخاء في الغين " أقول: أخذ في التفصيل بعد ما أجمل، فالهمزة والالف لا يدغمان كما ذكر، وأما الهاء فتدغم في الحاء فقط، نحو اجبه حاتما (1)، والبيان أحسن، لان حروف الحلق ليست بأصل في التضعيف في كلمة كما ذكرنا، وقل ذلك في كلمتين أيضا، والادغام عربي حسن، لقرب المخرجين، ولانهما مهموسان رخوان، ولا تدغم الهاء في الغين وإن كانت الغين أقرب مخرجا إلى الهاء من الحاء، لان الهاء مهموسة رخوة كالحاء، والغين مجهورة بين الشديدة والرخوة وأما العين فتدغم في الحاء، وذلك لقرب المخرج نحو ارفع حاتما، قال


(1) تقول: جبهه - مثل منع - أي ضرب جبهته (*)

[ 277 ]

سيبويه: الادغام والبيان حسنان، لانهما من مخرج واحد، وتدغم العين في الهاء أيضا ولكن بعد قلبهما حاءين نحو محم ومحاؤلاء، والبيان أكثر، ولا يجوز ههنا - كما ذكرنا قبل - قلب الاول إلى الثاني ولا قلب الثاني إلى الاول، فقلبا حاء لما مر، ولم يفعلوا مثل ذلك إذا تقدم الهاء على العين نحو اجبه عليا، فلم يقولوا: اجبه هليا، لان قياس إدغام الانزل في الاعلى بقلب الاول إلى الثاني قياس مطرد غير منكسر، وقد تعذر عليهم ذلك لثقل تضعيف العين فتركوا الادغام رأسا وأما الحاء فلا تدغم فيما فوقها لان الغين التى هي أقرب مخرجا إليها من الخاء مجهورة، والحاء مهموسة والخاء المعجمة - وإن كانت مثلها مهموسة - لكن مخرجها بعيد من مخرج الحاء فالحاء المهملة تدغم في أدخل منها، وهو شيئان الهاء والعين بأن تقلبا حاءين كاذبحتودا واذبحاذه كما مر قوله " وجاء فمن زحزع عن النار " قرأ أبو عمرو بالادغام بقلب الحاء عينا وأما الغين فانه يدغم في الخاء، لان الخاء أعلى منه نحو ادمغ خلفا، (1) قال سيبويه: البيان أحسن والادغام حسن وأما الخاء فتدغم في الغين نحو اسلخ غنمك، والبيان أحسن والادغام حسن ولكن لا كحسن إدغام الغين في الخاء معجمتين، وذلك لان الخاء أعلى من الغين ولان تضعيف الخاء كثير وتضعيف الغين لم يأت إلا مع الفصل كما ذكرنا، وإنما جاز إدغام الخاء في الغين معجمتين بقلب الاول إلى الثاني مع أن الاول أعلى من الثاني لان مخرجهما أدنى مخارج الحلق إلى اللسان، ألا ترى إلى قول بعض


(1) تقول: دمغ الرجل الرجل - من باب منع ونصر - إذا ضرب دماغه، أو إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، وتقول: دمغت الشمس فلانا، إذا آلمت دماغه (*)

[ 278 ]

العرب منخل ومنغل (1) باخفاء النون قبلهما كما تخفى قبل حروف الفم، ولم يجز مثل ذلك الادغام في الحاء والعين فلم يقولوا إذبعتودا لبعدهما من الفم قال: " والقاف في الكاف والكاف في القاف والجيم في الشين " أقول: أما القاف فيدغم في الكاف بقلب الاول إلى الثاني نحو الحق كلدة (2)، قال سيبويه: البيان أحسن والادغام حسن، لقرب المخرجين وتقاربهما في الشدة وأما الكاف فإنما يدغم في القاف نحو انهك قطنا (3) بقلب الاول إلى الثاني، والادغام حسن والبيان أحسن، لان القاف أدخل، قال سيبويه: إنما كان البيان أحسن لان مخرجها أقرب مخارج اللسان إلى الحلق فشبهت بالخاء مع الغين كما شبه أقرب مخارج الحلق إلى اللسان بحروف اللسان فيما ذكرنا من البيان والادغام وأما الجيم فإنما يدغم في الشين نحو ابعج شبثا، فالادغام والبيان حسنان لانهما من مخرج واحد، وقد أدغمها أبو عمرو في التاء في قوله تعالى (ذى المعارج تعرج)، وهو نادر، والشين لا يدغم في شئ مما يقاربه كما ذكرنا، وقد روى عن أبى عمرو إدغامها في السين في قوله تعالى (ذى العرش سبيلا)، وكذا يدغم أبو عمرو السين فيها في قوله تعالى (الرأس شيبا) مع أنها من حروف الصفير، لكونهما من حروف التفشي والصوت، فكأنهما من مخرج واحد - وإن تباعد مخرجاهما - كما ذكرنا في إدغام الواو والياء أحدهما في الاخر ونحاة البصرة يمنعون إدغام الشين في السين والعكس


(1) نغل الاديم - من باب علم - أي: فسد في الدباغ، وأنغله الدابغ فهو منغل (2) كلدة - بفتحات -: علم رجل، وممن سمى به كلدة بن حنبل الصحابي، وأبو الحارث بن كلدة الصحابي، وأحد أطباء العرب، وأبو كلدة: كنية الضبعان (3) القطن - بفتحتين -: ما بين الوركين، وهر أصل ذنب الطائر - (*)

[ 279 ]

قال: " واللام المعرفة تدغم وجوبا في مثلها وفى ثلاثة عشر حرفا، وغير المعرفة لازم في نحو (بل ران، وجائز في البواقى) أقول: يريد بالثلاثة عشر النون والراء والدال والتاء والصاد والزاى والسين والطاء والظاء والثاء والذال والضاد والشين، وإنما أدغمت في هذه الحروف وجوبا لكثرة لام المعرفة في الكلام وفرط موافقتها لهذه الحروف، لان جميع هذه الحروف من طرف اللسان كاللام إلا الضاد والشين، وهما يخالطان حروف طرف اللسان أيضا أما الضاد فلانها استطالت لرخاوتها حتى اتصلت بمخرج اللام كما مر، وكذا الشين حتى اتصلت بمخرج الطاء، وإذا كانت اللام الساكنة غير المعرفة نحو لام هل وبل وقل فهى في إدغامها في الحروف المذكورة على أقسام: أحدها: أن يكون الادغام أحسن من الاظهار، وذلك مع الراء لقرب مخرجيهما، ولك أن لا تدغم نحو هل رأيت، قال سيبويه: ترك الادغام هو لغة أهل الحجاز، وهى عربية جائزة، ففى قول المصنف " لازم في نحو (بل ران) " نظر، بلى لزم ذلك في لام هل وبل وقل خاصة مع الراء في القرآن، والقرآن أثر يتبع ويليه في الحسن إدغام اللام الساكنة في الطاء والدال والتاء والصاد والزاى والسين، وذلك لانهن تراخين عن اللام إلى الثنايا وليس فيهن انحراف نحو اللام كما كان في الراء، ووجه جواز الادغام فيها أن آخر مخرج اللام قريب من مخرجها، واللام معها من حروف طرف اللسان ويليه في الحسن إدغامها في الظاء والثاء والذال، لانهن من أطراف الثنايا وقاربن مخرج الفاء، وإنما كان الادغام مع الطاء والدال والتاء والزاى والسين أقوى منه مع هذه الثلاثة لان اللام لم تنزل إلى أطراف الثنايا كما لم تنزل الطاء وأخواتها إليها، بخلاف الثلاثة

[ 280 ]

ويليه إدغامها في الضاد والشين، لانهما ليسا من طرف اللسان كالمذكورة، لكنه جاز الادغام فيهما لا تصال مخرجهما بطرف اللسان كما مر، وإدغام اللام الساكنة في النون أقبح من جميع ما مر، قال سيبويه: لان النون تدغم في الواو والياء والراء والميم كما تدغم في اللام، فكما لا تدغم هذه الحروف في النون كان ينبغى أن لا تدغم اللام فيها أيضا قال: " والنون الساكنة تدغم وجوبا في حروف (يرملون) والافصح إبقاء غنتها في الواو والياء وإذهابها في اللام والراء، وتقلب ميما قبل الباء، وتخفى في غير حروف الحلق، فيكون لها خمس أحوال، والمتحركة تدغم جوازا " أقول: قد مر بيان هذه كلها قوله " والمتحركة تدغم جوازا " يعنى تدعم جوازا في حروف يرملون بعد إسكانها، قال سيبويه: لم نسمعهم أسكنوا النون المتحركة مع الحروف التى تخفى النون الساكنة قبلها، كالسين والقاف والكاف وسائر حروف الفم، نحو ختن سليمان، قال: وان قيل ذلك لم يستنكر واعلم أن مجاورة الساكن للحرف بعده أشد من مجاورة المتحرك، لان الحركة بعد المتحرك، وهى جزء من حروف اللين، فهى فاصلة بين المتحرك وبين ما يليه قال: " والتاء والدال والذال والظاء والطاء والثاء يدغم بعضها في بعض، وفى الصاد والزاى والسين، والاطباق في نحو فرطت إن كان مع إدغام فهو إتيان بطاء أخرى، وجمع بين ساكنين، بخلاف غنة النون في من يقول، والصاد والزاى والسين يدغم بعضها بعض، والباء في الميم - والفاء "

[ 281 ]

أقول: اعلم أن كل واحد من الستة المذكورة أولا يدغم في الخمسة الباقية، وفى الثلاثة المذكورة أخيرا، فإدغام الطاء فرط دارم (1) أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر (2) أو صابر أو زاجر أو سامر وإدغام الدال جرد طارد أو ذابل أو ظالم أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر وإدغام الذال نبذ طارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر. وإدغام الظاء غلظ طارد أو دارم أو ذابل أو تاجر أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر. وإدغام التاء سكت طارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر. وإدغام الثاء عبث طارد أو دارم أو ذابل أو ظالم أو ثامر أو صابر أو زاجر أو سامر. فإذا أدغمت حروف الاطباق فيما لا إطباق فيه فالافصح إبقاء الاطباق لئلا تذهب فضيلة الحرف، وبعض العرب يذهب الاطباق بالكلية، قال سيبويه: ومما أخلصت فيه الطاء تاء سماعا من العرب حتهم أي حطتهم، وقال: ذهاب


(1) دارم: أصله اسم فاعل من درم القنفذ يدرم - من باب ضرب - إذا قارب الخطوفى عجلة، وسموا به، فممن سمى به دارم بن مالك بن حنظلة أبو حى من تميم، وكان يسمى بحرا، لان أباه أتاه قوم في حمالة فقال له: يا بحر ائتنى بخريطة المال، فجاءه يحملها وهو يدرم تحتها (2) الثامر: الذى خرج ثمره (*)

[ 282 ]

إطباق الطاء مع الدال أمثل قليلا من ذهاب إطباقها مع التاء، لان الدال كالطاء في الجهر والتاء مهموسة، ومع بقاء الاطباق تردد المصنف في أنه هل هناك إدغام صريح أو إخفاء لحرف الاطباق مسمى بالادغام لتقاربهما، فقال: إن كان الاطباق مع الادغام الصريح فذلك لا يكون إلا بأن يقلب حرف الاطباق - كالطاء مثلا في فرطت - تاء وتدغمها في التاء إدغاما صريحا، ثم تأتى بطاء أخرى ساكنة قبل الحرف المدغم، وذلك لان الاطباق من دون حرف الاطباق متعذر فيلزم الجمع بين ساكنين، قال: وليس كذلك إبقاء الغنة مع النون المدغمة في الواو والياء إدغاما صريحا، لان الغنة قد تكون لا مع حرف الغنة، وذلك بأن تشرب الواو والياء المضعفين غنة في الخيشوم، ولا تقدر على إشراب التاء المضعفة إطباقا، إذ الاطباق لا يكون إلا مع حرف الاطباق، قال: والحق أنه ليس مع الاطباق إدغام صريح بل هو إخفاء يسمى بالادغام لشبهه به كما يسمى الاخفاء في نحو (لبعض شأنهم) و (العفو وأمر) إدغاما واعلم أنه إذا كان أول المتقاربين ساكنا والثانى ضمير مرفوع متصل فكأنهما في الكلمة الواحدة التى لا يلبس الادغام فيها، وذلك لشدة اتصال الضمير. ثم إن اشتد تقارب الحرفين لزم الادغام كما في عدت وزدت، بخلاف الكلمتين المستقلتين نحو أعد تمرك فانه يجوز ترك الادغام إذن، والادغام أحسن، وبخلاف ما لم يشتد فيه التقارب نحو عذت واعلم أن الاحرف الستة المذكورة أعنى الطاء والظاء والدال والذال والتاء والثاء تدغم في الضاد والشين المعجمتين أيضا، لكن إدغامها فيهما أقل من إدغام بعضها في بعض، ومن إدغامها في الصاد والزاى والسين، لان الضاد والشين ليستا من طرف اللسان كالتسعة الاحرف المذكورة، وإنما جاز ذلك لان الضاد والشين كما ذكرنا استطالتا حتى قربتا من حروف طرف اللسان، وإدغام هذه

[ 283 ]

الحروف في الضاد أقوى من إدغامها في الشين، لان الضاد قريب من التثنية باستطالتها، وهذه الحروف من الثنايا، بخلاف الشين وأيضا الضاد مطبقة والاطباق فضيلة تقصد أكثر مما يقصد إلى التفشي، وأيضا لم تتجاف الضاد عن الموضع الذى قربت فيه من الظاء تجافى الشين، بل لزمت ذلك الموضع وقد جاء في القراءة إدغام التاء في الجيم نحو (وجبت جنوبها) قوله " والصاد والزاى والسين يدغم بعضها في بعض " فإن أدغمت الصاد في أختيها فالاولى إبقاء الاطباق كما مر، قال سيبويه: إدغام حروف الصفير بعضها في بعض أكثر من إدغام الظاء والثاء والذال بعضها من بعض، لان الثلاثة الاخيرة إذا وقفت عليها رأيها طرف اللسان خارجا عن أطراف الثنايا، بخلاف حروف الصفير، والاعتماد بالادغام على الحرف المنحصر بالاسنان أسهل منه على الحرف الرخو الخارج عن رءوس الاسنان قوله " والباء في الميم والفاء " هو نحو اضرب مالكا أو فاجرا قال: " وقد تدغم تاء افتعل في مثلها فيقال: قتل وقتل، وعليهما مقتلون ومقتلون، وقد جاء مردفين إتباعا، وتدغم الثاء فيها وجوبا على الوجهين نحو اثأر واتأر، وتدغم فيها السين شاذا على الشاذ نحو اسمع، لامتناع اتمع، وتقلب بعد حروف الاطباق طاء، فتدغم فيها وجوبا في اطلب وجوازا على الوجهين في اظطلم، وجاءت الثلاث في * ويظلم أحيانا فيضطلم * وشاذا على الشاذ في اصبر واضرب، لامتناع اطبر واطرب، وتقلب مع الدال والذال والزاى دالا فتدغم وجوبا في ادان، وقويا في ادكر، وجاء اذكر واذ دكر، وضعيفا في ازان، لامتناع ادان، ونحو خبط وحصط وفزد وعد في خبطت وحصت وفزت وعدت شاذ " أقول: اعلم أنه إذا كان فاء افتعل تاء وجب إدغامها في التاء، لما قدمنا أن

[ 284 ]

المثلين إذا التقيا وأولهما ساكن وجب الادغام: في كلمة كانا، أو في كلمتين، وذلك نحو اترك واترس، وإذا كان عينه تاء جاز الادغام وتركه، لما قدمنا أن المثلين المتحركين إذا لم يكونا في الاخير لم يجب الادغام، فتقول: اقتتل وقتل، وقال سيبويه: إنما لم يلزم الادغام في نحو اقتتل لان التاء الثانية لا تلزم الاولى، ألا ترى إلى نحو اجتمع وازتدع ؟ فالمثلان فيه كأنهما في كلمتين من حيث عدم التلازم، فإذا أدغمت فإما أن تنقل حركة أولهما إلى فاء الكلمة كما هو الرسم في نحو يمد ويعض ويفر فتستغني عن همزة الوصل، وإنما وجب حذف الهمزة ههنا ولم يجب في باب ألحمرلان أصل لام التعريف السكون وأصل فاء الكلمة الحركة كما قلنا في سل (1)، وإما أن تحذف حركة أولهما فيلتقي ساكنان: فاء الفعل، وتاء افتعل، فتكسر الفاء، لان الساكن إذا حرك فالكسر أولى، فتسقط همزة الوصل بتحرك ما بعدها، وإنما لم يجز حذف حركة أول المثلين في نحو يرد ويعض ويفر لما ذكرنا في باب الاعلال (2) من أنه يجب المحافظة على حركة العين في الفعل، إذ بها يتميز بعض أبوابه عن بعض، وقال سيبويه: إنما جاز حذف الحركة ههنا دون نحو يرد ويعض لانه يجوز في نحوه الاظهار والاخفاء والادغام: أي في نحو اقتتل، بخلاف نحو يرد ويعض ويفر، فإنه يجب فيه الادغام، وكذا في رد وعض وفر عند بنى تميم، فلما تصرفوا في الاول بالاوجه الثلاثة أجازوا التصرف فيه بحذف حركة أول المثلين أيضا، قال الفراء: بل لابد من نقل حركة أولهما إلى الفاء، فأما كسرة قتل فهى الفتحة ليكون دليلا على همزة الوصل المكسورة المحذوفة، وإنما قال ذلك لانه رأى امتناع حذف الحركة في باب يرد ويعض، والجواب عنه ما مضى


(1) انظر (ص 51 من هذا الجزء) (2) انظر (ص 100 و 145 من هذا الجزء) ثم انظر (ج 1 ص 76 و 80 و 81) (*)

[ 285 ]

وتقول في مضارع اقتتل المدغم يقتل - بنقل الفتحة إلى القاف - كما في الماضي، ويقتل - بكسر القاف - كما في الماضي سواء، وأجاز بعضهم حذف حركة أولهما من غير أن يحرك القاف بحركة، فيجمع بين ساكنين، وهو وجه ضعيف ينكره أكثر الناس، والاولى أن ما روى من مثله من العرب اختلاس حركة، لا إسكان تام، ويجوز في نحو يقتل - بكسر القاف - أن تكسر الياء إتباعا للقاف، فتقول: يقتل كما في منخر ومنتن، ومنه القراءة (أم من لا يهدى) بكسر الياء والهاء وتقول في اسم الفاعل: مقتل - بكسر القاف وفتحها - ولا يجوز كسر الميم اتباعا كما جاز كسر حرف المضارع، لان حرف المضارع متعود للكسر لغير الاتباع أيضا نحو إعلم ونعلم، لكن لا يكسر الياء الا لداع آخر كما في ييجل ويقتل، وأما نحو منتن في منتن فشاذ، وقد قرأ أهل مكة (مردفين) بإتباع الثاني للاول كما في رد ولم يرد، وذلك بحذف حركة أول المتقاربين وتحريك ما قبله بحركة الاتباع لازالة الساكنين وإذا كان عين افتعل مقاربا للتاء لم تدغم التاء فيه إلا قليلا، لان الادغام في غير الاخر خلاف الاصل كما ذكرنا، ولا سيما إذا أدى إلى تحريك الساكن بعد تسكين المتحرك، وأما الادغام في نحو ادكر فإنه وإن كان في غير الاخر لكنه لم يؤد إلى تحريك ولا تسكين، وفى نحو ازمل أدى إلى تسكين فقط، وإذا جاز إظهار المثلين في مثل اقتتل وكان هو الاكثر فكيف بالمتقاربين، وإنما جاز الادغام إذا كان العين دالا كيهدى ومردفين، أو صادا كيخصمون، ولا يمنع القياس من إدغام تاء افتعل فيما يدغم فيه التاء من التسعة الاحرف المذكورة كالزاي في ارتزق، والسين في اقتسر، (1) والثاء في اعتثر، (2) والطاء في


(1) تقول: قسره على الامر، واقتسره عليه، إذا قهره وغلبه عليه (2) اعتثر: اتخذ لنفسه عاثورا، والعاثور: البئر، وما أعد ليقع فيه غيره (*)

[ 286 ]

ارتطم، (1) والظاء في اعتظل، (2) والذال في اعتذر، والصاد والدال في اختصم واهتدى، والضاد في اختضر (3) وإذا كان فاء افتعل مقاربا في المخرج لتائه وذلك إذا كانت الفاء أحد ثمانية الاحرف التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها لكونها من طرف اللسان كالتاء، وهى الدال والذال والطاء والظاء والثاء والصاد والسين والزاى، وتضم إلى الثمانية الضاد، لما ذكرنا من أنها باستطالتها قربت من حروف طرف اللسان، وأما الشين فبعيدة منها كما ذكرنا، فإذا كان كذا جاز لك إدغام فاء افتعل في تائه أكثر من جواز إدغام تائه في عينه، تقول في الدال: ادان، وفى الذال: اذكر، وفى الطاء: اطلب، وفى الظاء: اظلم، وفى الثاء: اثرد (4)، وفى الصاد: اصبر، وفى السين: اسمع، وفى الزاى: ازان، وفى الضاد: اصجع، وإنما قلبت التاء في هذه الامثلة إلى الفاء خلافا لما هو حق إدغام أحد المتقاربين من قلب الاول إلى الثاني، لان الثاني زائد دون الاول، وفى الطاء والظاء والصاد والضاد والسين والزاى لا يجوز قلب الاول إلى الثاني، لئلا تذهب فضيلة الاطباق والصفير. ويجوز مع الثاء المثلثة قلب الاول إلى الثاني كما هو حق الادغام، تقول: اثأر (5)، واترد


(1) ارتطم: مطاوع رطمت الرجل، إذا أوقعته في أمر لا يقدر على الخروج منه (2) تقول: اعتظلت الكلاب والجراد، إذا ركب بعضها بعضا (3) تقول: اختضرت الكلا، إذا جززته وهو أخضر، وقد قالوا من ذلك: اختضر الرجل، إذا مات في طراءة السن (4) تقول: اثرد الخبز، إذا فته ليصنعه ثريدا (5) اثأر: أدرك ثأره (*)

[ 287 ]

ومع الحروف المذكورة يجوز أن لا تخفف الكلمة بالادغام، لكون المتقاربين في وسط الكلمة، والغالب في الادغام آخر الكلمة، كما مر، فتخففها بقلب التاء إلى حرف يكون أقرب إلى فاء الكلمة من التاء فتقربها إلى حروف الاطباق الثلاثة: أي الصاد والضاد والظاء المعجمة، بأت تجعل في التاء إطباقا فتصير طاء، لان الطاء هو التاء بالاطباق، وتقربها إلى الزاى والذال المعجمة بأن تجعل التاء دالا، لان الدال مجهورة شديدة كالزاي والذال، والتاء مهموسة، والدال أقرب حروف طرف اللسان إلى التاء، فتقول: ازدان واذ دكر - على ما روى أبو عمرو - ومنع سيبويه إذ دكر وأوجب الادغام، وقال: إنما منعهم أن يقولوا مذدكر كما قالوا: مزدان، أن كل واحد من الدال والذال قد يدغم في صاحبه في الانفصال فلم يجز في الكلمة الواحدة إلا الادغام ويجوز مع السين والثاء أن تبقى تاء الافتعال بحالها، لان السين والثاء مهموستان كالتاء، فتقول: اثتأر واستمع، فليسا بمتباعدين حتى يقرب أحدهما من الاخر وإنما وجب تخفيف الكلمات مع غير الثاء والسين إما بالادغام أو بغيره كما مضى لكثرة استعمال افتعل، فيستثقل فيه أدنى ثقل، ويجوز - بعد قلب التاء التى بعد الظاء المعجمة طاء وقلب التى بعد الذال المعجمة دالا نحو اظطلم واذدكر - أن تدغم الظاء في الطاء والذال في الدال بقلب الاول إلى الثاني في الموضعين كما هو حق إدغام المتقاربين، فتقول: اطلم وادكر - بالطاء والدال المهملتين - قال سيبويه: وقد قال بعضهم: مطجع في مضطجع، يدغم الضاد في الطاء مع أنها من حروف (ضوى مشفر) وقال: قد شبه بعض العرب ممن ترضى عربيته الصاد والضاد والطاء والظاء مع تاء الضمير بهن في افتعل، لشدة اتصال، تاء الضمير بالفعل كاتصال تاء الافتعال بما

[ 288 ]

قبلها، فتقول: فحصط برجلي، وحصط عنه، وخبطه، وحفطه، فتقلب في جميعها تاء الضمير طاء مهملة قال: وكذا يقول بعضهم: عده - بقلب التاء دالا - كما في ادان، قال السيرافى: وقياس هذه اللغة أن تقلب تاء الضمير دالا إذا كان قبلها دال أو ذال أو زاى كما في افتعل، لكن سيبويه لم يحكه عنهم إلا في الدال المهملة ولشدة اتصال تاء الضمير بما قبله كان الادغام في نحو أخذت وبعثت وحفظت أولى وأكثر منه في نحو احفظ تلك، وخذ تلك، وابعث تلك، وقلب ما قبل تاء الافتعال أكثر من قلب ما قبل تاء الضمير طاء أو دالا نحو فحصط وحفط وفزد وعد، لانها على كل حال كلمة وإن كانت كالجزء واعلم أنه لم يدغم التاء في استطاع واستدان لان الادغام يقتضى تحريك السين التى لا تتحرك ولاحظ لها في الحركة، وأيضا فان الثاني في حكم السكون، لان حركته عارضة منقولة إليه مما بعده، وقراءة حمزة اسطاع بالادغام شاذ قوله " وتدغم التاء فيها وجوبا " فيه نظر، لان سيبويه ذكر أنه يقال: مثترد، ومترد، ونحوه قوله " على الوجهين " أي: على قلب الاول إلى الثاني وقلب الثاني إلى الاول قوله " تدغم فيها السين شاذا على الشاذ " أي: أن إدغام السين في غير حروف الصفير شاذ، وقلب ثانى المتقاربين إلى الاول شاذ، وإنما ارتكب قلب الثاني لامتناع اتمع، فانه تذهب إذن فضيلة الصفير، وقد زال كراهة الشذوذ الاول لسبب الشذوذ الثاني، لانك إذا قلبت الثاني سينا لم تدغم السين إلا في حروف الصفير قوله " وجاءت الثلاث " أي: الطاء والظاء المشددتان، والظاء المعجمة قبل الطاء المهملة، وأول البيت:

[ 289 ]

192 - * هو الجواد الذى يعطيك نائله * عفوا (1) قوله " وشاذا على الشاذ في اصبر واضرب " عطف على قوله " وجوبا في اطلب " يعنى يقال: اصبر واضرب - بصاد وضاد مشددتين - والشذوذ الاول إدغام الصاد الذى هو حرف الصفير في غير الصفير أي الطاء، وكذا إدغام الضاد المعجمة، والشذوذ الثاني قلب الثاني إلى الاول، وقد مر أن الشذوذ الثاني يدفع مضرة الاول، والاولى أن يقول: إن تاء الافتعال قلبت صادا أو ضادا من أول الامر، وأدغمت الصاد والضاد فيها كما ذكر قبل، إذ لا دليل على قلبه طاء أولا ثم قلب الطاء صادا أو ضادا قوله " لامتناع اطبر واطرب " يعنى: إنما قلب الثاني إلى الاول لامتناع قلب الاول إلى الثاني، لئلا يذهب الصفير والاستطالة قوله " وقويا في ادكر " بالدال المشددة المهملة قوله " وجاء اذكر " أي: بالذال المشددة المعجمة اعلم أنه لما كان الادغام بقلب الثاني إلى الاول على خلاف القياس كان


(1) هذا بيت لزهير بن أبى سلمى المزني، من قصيدة له يمدح فيها هرم ابن سنان المرى، وأولها قوله: قف بالديار التى لم يعفها القدم * بلى، وغيرها الارواح والديم والجواد: الكريم، والنائل: العطاء، وقوله " عفوا " معناه سهلا من غير مطل ولا تسويف، وقوله " يظلم أحيانا " معناه أنه يطلب منه في غير وقت الطلب السائل ما سأله وتكلفه لذلك قبولا للظلم، والاستشهاد بالبيت في قوله " فيظلم " فقد روى بثلاثة أوجه أولها " فيظطلم " باظهار كل من الحرفين، وثانيها " فيظلم " بقلب الطاء المهملة معجمة والادغام، وثالثها " فيطلم " بقلب الظاء المعجمة طاء مهملة والادغام، وحكى ابن جنى في سر الصناعة أنه روى بوجه رابع، وهو " فينظلم " بالنون على ينفعل من الظلم، ورواه سيبويه بالادغام على الوجهين (*)

[ 290 ]

الاغلب مع الصاد والضاد والظاء المعجمة قلب تاء الافتعال طاء بلا إدغام، لان قلب الاول إلى الثاني فيها ممتنع، واظطلم واضطرب واصطبر أولى من غيرها، وكذا ازدان - بالدال - أولى من أزان - بالزاى - وادكر - بالدال المهملة - أولى من اذكر - بالذال المعجمة، وكذا اتغر - بالتاء - أولى من اثغر - بالثاء المثلثة - وإبقاء التاء بحالها في استمع أولى من اسمع، ولا منع من إدغام اللام في التاء، وإن لم يسمع نحو اتمع في التمع، لان اللام يدغم في التاء كما تقدم قال: " وقد تدغم تاء نحو تتنزل وتتنابزوا وصلا وليس قبلها ساكن صحيح، وتاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء، فتجلب همزة الوصل ابتداء نحو اطيروا وازينوا واثاقلوا وادارأوا، ونحو اسطاع مدغما مع بقاء صوت السين نادر " أقول: إذا كان في أول مضارع تفعل وتفاعل تاء فيجتمع تاءان جاز لك أن تخففهما وأن لا تخففهما، والتخفيف بشيئين: حذف أحدهما، والادغام، والحذف أكثر، فإذا حذفت فمذهب سيبويه أن المحذوفة هي الثانية، لان الثقل منها نشأ، ولان حروف المضارعة زيدت على تاء تفعل لتكون علامة، والطارئ يزيل الثابت إذا كره اجتماعهما، وقال سيبويه: لانها هي التى تدغم في تترس، وتطير، وقال الكوفيون: المحذوفة هي الاولى، وجوز بعضهم الامرين، وإذا حذفت لم تدغم التاء الباقية فيما بعدها وإن ما ثلها، نحو تتارك، أو قاربها نحو تذكرون، لئلا يجمع في أول الكلمة بين حذف وإدغام مع أن قياسهما أن يكونا في الاخر، وإذا أدغمت فإنك لا تدغم إلا إذا كان قبلها ما آخره متحرك نحو قال تنزل، وقال تنابزوا، أو آخره مد نحو قالوا تنزل قالا تنابزوا، وقولى تابع، ويزاد في تمكين حرف المد، فإن لم يكن قبلها شئ

[ 291 ]

لم يدغموا، إذ لو أدغم لاجتلب لها همزة الوصل، وحروف المضارع لابد لها من التصدر لقوة دلالتها، وأيضا تتثاقل الكلمة، بخلاف الماضي، فانك إذا قلت: اتابع واتبع، لم يستثقل استثقال اتنزل، واتنابزون، وكذا لا يدغم إذا كان قبله ساكن غير مد: سواء كان لينا نحو لو تتنابزون، أو غيره نحو هل تتنابزون، إذ يحتاج إذن إلى تحريك ذلك الساكن، ولا تفى الخفة الحاصلة من الادغام بالثقل الحاصل من تحريك ذلك الساكن، وظهر بما شرحنا أن الاولى أن يقول المصنف: وليس قبلها ساكن غير مدة، وقراءة البزى (كنتم تمنون الموت) و (ألف شهر تنزل) - بالادغام فيهما والجمع بين ساكنين - ليست بتلك القوة وإذا كان الفعل المضارع مبنيا للمفعول نحو تتدارك وتتحمل لم يجز الحذف ولا الادغام، لاختلاف الحركتين، فلا تستثقلان كما تستثقل الحركتان المتفقتان، وأيضا يقع لبس بين تتفعل وتفعل من التفعيل لو حذفت التاء الثانية وبين تتفعل وتتفعل لو حذفت الاولى قوله " وتاء تفعل وتفاعل فيما تدغم فيه التاء " أي: تاء الماضي من البابين تدغم في الفاء إذا كانت إحدى الحروف الاثنى عشر التى ذكرنا أن التاء تدغم فيها، وهى التاء نحو اترس، والطاء نحو اطير، والدال نحو ادارأتم، والظاء نحو اظالموا، والذال نحو إذا كروا، والثاء نحو أثاقلتم، والصاد نحو اصابرتم، والزاى نحو ازين، والسين نحو اسمع واساقط، والضاد نحو اضاربوا واضرع، والشين نحو اشاجروا، والجيم نحو اجاءروا (1)، وهذا الادغام مطرد في الماضي والمضارع والامر والمصدر واسمى الفاعل والمفعول


(1) أصل اجاءروا: تجاءروا، وهو تفاعل من الجؤار، والجؤار: رفع الصوت (*)

[ 292 ]

قوله " ونحو اسطاع " قراءة حمزة (فما اسطاعوا ان يظهروه) وخطأه النحاة، قال أبو على: لما لم يمكن إلقاء حركة التاء على السين التى لا تتحرك أبدا جمع بين الساكنين قال: " الحذف الاعلالى والترخيمى قد تقدم، وجاء غيره في تفعل وتفاعل، وفى نحو مست وأحست، وظلت وإسطاع يسطيع، وجاء يستيع، وقالوا بلعنبر وعلماء وملماء في بنى العنبر وعلى الماء ومن الماء، وأما نحو يتسع ويتقى فشاذ، وعليه جاء * تق الله فينا والكتاب الذى تتلو * بخلاف تخذ يتخذ فإنه أصل واستخذ من استتخذ، وقيل: أبدل من تاء اتخذ وهو أشذ ونحو تبشروني وإنى قد تقدم " أقول: يعنى بالحذف الاعلالى ما حذف مطردا لعلة، كعصا وقاض، وبالترخيمي ما حذف غير مطرد كما في يد ودم قوله في نحو " تفعل وتفاعل " يعنى في مضارع تفعل وتفاعل مع تاء المضارعة، كما تقدم قوله " وفى نحو مست وأحست وظلت " تقدم حكمه في أول باب (2) الادغام قوله " وإسطاع يسطيع " بكسر الهمزة في الماضي وفتح حرف المضارعة، وأصله استطاع يستطيع، وهى أشهر اللغات، أعنى ترك حذف شئ منه وترك الادغام، وبعدها إسطاع بسطيع، بكسر الهمزة في الماضي وفتح حرف المضارعة وحذف تاء استفعل حين تعذر الادغام مع اجتماع المتقاربين، وإنما تعذر الادغام لانه لو نقل حركة التاء إلى ما قبلها لتحركت السين التى لاحظ لها في الحركة، ولو لم ينقل لالتقى الساكنان، كما في قراءة حمزة، فلما كثر استعمال هذه اللفظة - بخلاف استدان - وقصد التخفيف وتعذر الادغام حذف الاول كما في ظلت


(1) انظر (ص 245 من هذا الجزء) (*)

[ 293 ]

وأحست، والحذف ههنا أولى، لان الاول - وهو التاء - زائد، قال تعالى (فما اسطاعوا أن يظهروه) وأما من قال يسطيع - بضم حرف المضارعة - فماضيه اسطاع بفتح همزة القطع، وهو من باب الافعال، كما مر في باب ذى الزيادة (1)، وجاء في كلامهم استاع - بكسر همزة الوصل - يستيع - بفتح حرف المضارعة، قال سيبويه: إن شئت قلت: حذفت التاء، لانه في مقام الحرف المدغم، ثم جعل مكان الطاء تاء، ليكون ما بعد السين مهموسا مثلها، كما قالوا ازدان ليكون ما بعد الزاى مجهورا مثله، وإن شئت قلت: حذفت الطاء، لان التكرير منها نشأ، وتركت الزيادة كما تركت في تقيت، وأصله اتقيت كما يأتي قوله " وقالوا بلعنبر " قد ذكرنا حكمه في أول باب (2) الادغام، وأن سيبويه قال: مثل هذا الحذف قياس في كل قبيلة يظهر فيها لام المعرفة في اللفظ بخلاف نحو بنى النجار قوله " وأما نحو يتسع ويتقى " قد حذفت التاء الاولى من ثلاث كلمات يتسع ويتقى ويتخذ، فقيل: يتسع ويتقى ويتخذ، وذلك لكثرة الاستعمال، وهو مع هذا شاذ، وتقول في اسم الفاعل: متق، سماعا، وكذا قياس متخذ ومتسع، ولم يجئ الحذف في مواضى الثلاثة إلا في ماضى يتقى، يقال: تقى، وأصله اتقى، فحذفت الهمزة بسبب حذف الساكن الذى بعدها، ولو كان تقى فعل كرمى لقلت في المضارع يتقى كيرمى، بسكون التاء، وفى الامر اتق كارم (3)، وقال الزجاج: أصل اتخذ حذفت التاء منه كما في تقى، ولو كان كما قال لما قيل تخذ - بفتح الحاء - بل تخذ يتخذ تخذا كجهل


(1) انظر (ج 2 ص 380) (2) انظر (ص 246، 247 من هذا الجزء) (3) انظر (ج 1 ص 157) (*)

[ 294 ]

يجهل جهلا بمعنى أخذ يأخذ أخذا، وليس من تركيبه، وفى تقى خلاف، قال المبرد: فاؤه محذوف والتاء زائدة، فوزنه تعل، وقال الزجاج: التاء: بدل من الواو كما في تكأة وتراث، وهو الاولى قوله " استخذ " قال سيبويه عن بعض العرب: استخذ فلان أرضا بمعنى اتخذ، قال: ويجوز أن يكون أصله استتخذ من تخذ يتخذ تخذا فحذفت التاء الثانية كما قيل في استاع: إنه حذف الطاء، وذلك لان التكرير من الثاني، قال: ويجوز أن يكون السين بدلا من تاء اتخذ الاولى، لكونهما مهموستين، ومثله الطجع بإبدال اللام مكان الضاد لمشابهتها لها في الانحراف، لانهم كرهوا حرفي أطباق كما كرهوا في الاول التضعيف، وإنما كان هذا الوجه أشذ لان العادة الفرار من المتقاربين إلى الادغام، والامر ههنا بالعكس، ولا نظير له قوله " تبشروني وإنى قد تقدم " أي في الكافية في باب الضمير في نون الوقايه. (1) قال: " وهذه مسائل التمرين. معنى قولهم: كيف تبنى من كذا مثل كذا: أي إذا ركبت منها زنتها وعملت ما يقتضيه القياس فكيف تنطق به، وقياس قول أبى على أن تزيد وتحذف ما حذفت في الاصل


إذا اجتمعت نون الرفع ونون الوقاية في كلمة فلك فيها ثلاث لغات: أولاها: إبقاؤهما من غير إدغام، نحو تضربونني، وعليه قوله تعالى: (لم تؤذونني) وثانيتها: إبقاؤهما مع الادغام، وعليه قوله تعالى: (أغير الله تأمروني أعبد) وثالثتها: أن تحذف إحداهما وتكتفي بواحدة، وهذه اللغة هي التى يشير إليها المؤلف

[ 295 ]

قياسا، وقياس آخرين أن تحذف المحذوف قياسا أو غير قياس، فمثل محوى ممن ضرب مضربى، وقال أبو على: مضرى ومثل اسم وغد من دعا دعو ودعو لا إدغ ولا دع خلافا للاخرين، ومثل صحائف من دعا دعايا باتفاق إذ لاحذف في الاصل " أقول: اعلم أن هذه المسائل لابواب التصريف كباب الاخبار لابواب النحو قوله " منها " الضمير راجع إلى " كذا " في قوله " من كذا " لانه بمعنى الكلمة واللفظة، وفى قوله " زنتها " راجع إلى كذا في قوله: مثل كذا، لانه بمعنى الصيغة أو البنية، وفى قوله " تنطق به " إلى " مثل ": أي كيف تنطق بهذا المبنى بعد العمل المذكور فيه قوله " وعملت ما يقتضيه القياس " أي: عملت في هذه الزنة المركبة ما يقتضيه القياس التصريفى من القلب أو الحذف أو الادغام إن كان في هذه الزنة أسباب هذه الاحكام، وعند الجرمى لا يجوز بناء ما لم تبنه العرب لمعنى كضربب ونحوه، وليس بوجه، لان بناء مثله ليس ليستعمل في الكلام لمعنى حتى يكون إثباتا لوضع غير ثابت بل هو للامتحان والتدريب (1)، وقال سيبويه: يجوز صوغ وزن ثبت في كلام العرب مثله، فتقول: ضربب وضرنبب على وزن جعفر وشرنبث، بخلاف ما لم يثبت مثله في كلامهم، فلا يبنى من ضرب وغيره مثل جالينوس، لان فاعيلولا وفاعينولا لم يثبتا في كلامهم، وأجاز الاخفش صوغ وزن لم يثبت في كلامهم أيضا، للامتحان والتدريب، بأن يقال: لو ثبت مثل هذا الوزن في كلامهم كيف كان ينطق به، فيمكن أن يكون في مثل هذا الصوغ فائدة التدريب والتجريب


(1) ذهب أبو على الفارسى وأبو الفتح ابن جنى إلى أن تكرير اللام للالحاق أمر مقيس مطرد مقصود به معنى، وهو زيادة المعنى، وقد ذكرنا ذلك في أول هذا الكتاب (انظر ج 1 ص 64) (*)

[ 296 ]

فنقول: إذا بنيت من كلمة ما يوازن كلمة حذف منها شئ ففيه بعد البناء ثلاثة مذاهب: مذهب الجمهور أنك لا تحذف في الصيغة المبنية إلا ما يقتضيه قياسها، ولا ينظر إلى حذف الثابت في الصيغة الممثل بها: سواء كان الحذف فيها قياسيا كحذف ياءين في محوى، أو غير قياسي كحذف اللام من اسم، فتقو مضربى من ضرب على وزن محوى، ودعو من دعا على وزن اسم، ولا تقول: مضرى وإدع، إذ ليس في الصيغتين المبنيتين علة الحذف، وهذا الذى قالوا هو الحق، إذ لا تعل الكلمة بعلة ثابتة في غيرها إلا إذا كان ذلك الغير أصلها، كما في أقام وقيام وقال أبو على: تحذف وتزيد في الصيغة المبنية ما زيد أو حذف في الصيغة الممثل بها قياسا، فتقول في مضربى: مضرى، لان حذف الياءين في محوى قياس كما مر في باب النسب، (1) وأما إن كان الحذف في الممثل بها غير قياس لم تحذف ولم تزد في المبنية، فيقال: دعو، في المبنى من دعا على وزن اسم، لان حذف اللام من اسم غير قياس وقال الباقون: إنه يحذف في الفرع ما حذف في الاصل ويزاد فيه ما زيد في الاصل، قياسا أو غير قياس، فيقولون مضرى وإدع ودع كاسم وسم، لان القصد تمثيل الفرع بالاصل هذا الخلاف كله في الحذف، وأما الزيادة فلا خلاف في أنه يزاد في الفرع كما زيد في الاصل إلا إذا كان المزيد عوضا من المحذوف، فيكون فيه الخلاف كهمزة الوصل في اسم، وكذا لا خلاف في أنه يقلب في الفرع كما يقلب في الاصل، فيقال على وزن أيس من الضرب: رضب: وتقول في دعا على وزن صحائف:


(1) انظر (ج 2 ص 9 و 22)، ثم انظر (ج 2 ص 30 و 31) (*)

[ 297 ]

دعايا، وأصله دعائو، فلما لم يكن في صحائف الذى هو الاصل حذف لم يختلف في دعايا، بل أعل علة اقتضاها هو، وهى قلب الهمزة ياء مفتوحة والياء بعدها ألفا كما مر في بابه (1) قوله " أن تزيد وتحذف " أي: في الفرع، وهو الصيغة المبنية قوله " في الاصل " أي: في الكلمة الممثل بها قوله " أو غير قياس " أي: أن تزيد وتحذف في الفرع ما حذفت وزدت في الاصل: قياسا كان أو غير قياس قوله " محوى " مثال للاصل المحذوف منه شئ قياسا قوله " اسم وغد " لما حذف منه شئ غير قياس، ففى " اسم " حذف اللام وريد همزة الوصل عوضا منه حذفا غير قياسي، وفى " غد " حذف اللام غير قياس وأصل غد غدو - بسكون العين - قال: لا تقلواها وادلواها دلوا * إن مع اليوم أخاه غدوا (2) وأما إن كانت في الاصل علة قلب حرف ليست في الفرع فلا خلاف في أنه لا يقلب في الفرع، فيقال على وزن أوائل من القتل أقاتل، وكذا الادغام قال: " ومثل عنسل من عمل عنمل، ومن باع وقال بنيع وقنول بإظهار النون فيهن للالباس بفعل، ومثل قنفخر من عمل عنمل، ومن باع وقال بنيع وقنول بالاظهار، للالباس بعلكد فيهن، ولا يبنى مثل جحنفل من كسرت أو جعلت، لرفضهم مثله، لما يلزم من ثقل أو لبس " أقول: قد ذكرنا أنه لا يدغم أحد المتقاربين في الاخر في كلمة إذا أدى إلى اللبس، فلو قيل بيع وقول بالادغام لا لتبس بفعل، وهو إن كان


(1) انظر (ص 59 - 62 و 130 و 179 من هذا الجزء) (2) قد مر شرح هذا البيت، فارجع إليه في (ص 215 من هذا الجزء) (*)

[ 298 ]

مختصا بالافعال لكنه يظن أنه علم منكر، فلذا يدخله الكسر والتنوين، والعلكد: الغليظ قوله " لما يلزم من ثقل " لان إدغام النون الساكنة في الراء واللام واجب، لتقارب المخرجين، وأما الواو والياء والميم فليس قربها من النون الساكنة كقرب الراء واللام منها، فلذا جاء صنوان وبنيان وزنماء ولم يجئ نحو قنر وقنل كما تقدم قوله " أو لبس " يعنى يلتبس بنحو شفلح وهو ثمر الكبر وإذا بنيت من كسر مثل احر نجم فللمبرد فيه قولان: أحدهما أنه لا يجوز لانه لابد من الادغام فيبطل لفظ الحرف الذى به ألحق الكلمة بغيرها، والاخر الجواز، إذ ليس في الكلام افعلل فيعلم أنه افعنلل، ولا يجوز أن تلقى حركة الراء الاولى إلى الراء التى هي بدل من النون، لئلا يبطل وزن الالحاق ولئلا يلتبس بباب اقشعر وإذا بنيت من ضرب مثل اقشعر - وأصله اقشعرر - فعند المازنى، وحكاه عن النحويين -: إدغام الباء الاولى الساكنة في الثانية نحو اضربب، بباء مشددة بعدها باء مخففة، وعند الاخفش اضربب، بباء مخففة بعدها باء مشددة، ليكون كالملحق به: أعنى اقشعر، فاكسرر على هذا يلتبس باضربب على قول المازنى، فلا يصح إذن قول المبرد، إذ ليس في الكلام افعلل، والحق أنه ليس المراد بمثل هذا البناء الالحاق كما يجئ قال: " ومثل أبلم من وأيت أوء، ومن أويت أو مدغما، لوجوب الواو، بخلاف تووى، ومثل إجرد من أويت إئ، ومن أويت إى فيمن قال: أحى، ومن قال أحى قال: إى " أقول: قوله " أوء " أصله أوؤى فأعل إعلال تجار مصدر تجارينا: أي

[ 299 ]

قلبت ضمة ما قبلها الياء كسرة، ثم أعل إعلال قاض، وأو أصله أؤوى، قلبت الهمزة الثانية واوا وجوبا كما في أو من، فوجب إدغام الواو كما تقدم في أول بالكتاب (1) أن الواو والياء المنقلبتين عن الهمزة وجوبا كأنهما غير منقلبتين عنها، وإن كان الانقلاب جائزا فحكمها في الاظهر حكم الهمزة كرييا وتووى، فصار أويا فأعل إعلال تجار قوله " إجرد " هو نبت يخرج عند الكمأة يستدل به عليها قوله " إئ " أصله إوئى، قلبت الواو ياء كما في ميزان وأعل إعلال قاض قوله " إى " أصله ائوى، قلبت الهمزة ياء وجوبا كما في إيت فصار إيويا أعل إعلال معيية، بحذف الياء الثالثة نسيا، فتدر حركات الاعراب على الياء المشددة، وعلى ما نسب الاندلسي إلى الكوفيين - كما ذكرنا في باب التصغير - وهو إعلالهم مثله إعلال قاض، تقول جاءني إى ومررت بإى ورأيت إيا قال: " ومثله إوزة من وأيت إيئاة ومن أويت إياة مدغما " أقول: أصل إوزة إوززة كإصبع، لان إفعلة ليست بموجودة، والهمزة زائدة دون التضعيف، لقولهم وز أيضا بمعناها، فأصل إيئاة أو أية، قلبت الواو ياء كما في ميزان، والياء ألفا كما في مرماة، وأصل إياة إئوية، قلبت الياء ألفا كما ذكرنا، وقلبت الهمزة ياء وجوبا كما في إيت صار إيواة، أعل إعلال سيد صار إياة قال: " ومثل اطلخم من وأيت إيأيا، ومن أويت إيويا " أقول: اطلخم واطرخم أي تكبر، أصله اطلخمم بدليل اطلخممت، وفى الامر اطلخمم - بسكون الخاء في الموضعين - فأصل إيأيا إو أيى، أدغمت الياء الساكنة في المتحرك وقلبت الياء الاخيرة ألفا وقلبت الواو ياء كما في ميزان، صار إيأيا، فقد اجتمع في الكلمة ثلاث إعلالات كما ترى، وهم


(2) انظر (ج 1 ص 25 وما بعدها) (*)

[ 300 ]

يمنعون من اثنين، وأصل إيويا إئويى، قلبت الياء ألفا وأدغمت الياء في الياء وقلبت الهمزة ياء كما في إيت ولم يعل إعلال سيد، لان قلب الهمزة ياء وإن كان واجبا مع الهمزة الاولى لكنها غير لازمة للكلمة، لكونها همزة وصل تسقط في الدرج نحو قال ائويا، فحكم الياء إذن حكم الهمزة قال: " وسئل أبو على عن مثل ما شاء الله من أولق فقال: ما ألق ألالاق على الاصل واللاق على اللفظ، والالق على وجه، بنى على أنه فوعل " أقول: يعنى أن أبا على جعل الواو من أولق زائدة والهمزة أصلية، فإذا جعلته على وزن شاء وهو فعل قلت: ألق، وأصل الله الالاه عند سيبويه، فتقول منه: الالاق، وحذفت الهمزة من الالاه قيسا كما في الارض والاسماء، لكن غلبة الحذف كما في الالاه شاذة، وكذا إدغام اللام في اللام، لانهما متحركان في أول الكلمة، وخاصة مع عروض التقائهما، لكن جرأهم على ذلك كون اللام كجزء ما دخلته، وكونها في حكم السكون، إذ الحركة التى عليها للهمزة وأيضا كثرة استعمال هذه اللفظة جوزت فيها من التخفيف في الاغلب ما لم يكن في غيرها، ويجوز عند أبى على أن يقال: ما ألق الالاق، من غير تخفيف الهمزة، بنقل حركتها وحذفها، وذلك لان مثل هذا الحذف وإن كان قياسا في الاصل والفرع، لتحرك الهمزة وسكون ما قبلهما، إلا أن مثل هذا الحذف إذا كانت الهمزة في أول الكلمة نحو قد أفلح أقل منه في غير الاول، لان الساكن إذن غير لازم، إذ ليس جزء كلمة الهمزة كما كان في غير الاول، واللام كلمة على كل حال، وإن كانت كجزء الداخلة هي فيها، فتخفيف الارض والسماء أقل من تخفيف نحو مسألة وخب ء، ويجوز عنده أيضا أن تنقل حركتها إلى ما قبلها، لان ذلك قياس في الفرع وإن قل، مع كون اللام كالجزء وهو مطرد غالب في الاصل، فقوله " ما ألق الالاق " يجوز أن يكون مخففا وغير مخفف، لان كتابتهما سواء

[ 301 ]

قوله " واللاق على اللفظ " أي: بإدغام اللام في اللام كما في لفظة الله، لكن سهل أمر الادغام في لفظة الله كثرة استعماله، بخلاف الالاق قوله " والالق على وجه " يعنى به أحد مذهبي سيبويه، وهو أن أصل الله الليه، من لاه: أي تستر، لتستر ما هيته عن البصائر وذاته عن الابصار، فيكن وزنه فعلا، فالالق عليه، وليس في " الالق " علة قلب العين ألفا كما كانت في الله قال: " وأجاب في باسم بالق أو بالق على ذلك " أقول: أي على أن أولقا فوعل قيل له: كيف تقول مثل باسم من أولق، قال: بالق أو بالق، لان أصل اسم سموا أو سمو، حذفت اللام شاذا وجئ بهمزة الوصل، وأبو على لا يحذف في الفرع ما حذف في الاصل غير قياس قال: " وسأل أبو على ابن خالويه عن مثل مسطار من آءة فظنه مفعالا، وتحير فقال أبو عل مسئاء فأجاب على أصله وعلى الاكثر مستئاء " أقول: المسطار: الخمر، قيل: هو معرب، وإذا كان عربيا فكأنه مصدر مثل المستخرج، بمعنى اسم الفاعل من استطاره: أي طيره قال: 193 - متى ما تلقني فردين ترجف * روادف أليتيك وتستطارا (1) ويجوز أن يكون اسم مفعول، قيل: ذلك لهديرها وغليانها، وأصله


(1) هذا الشاهد من بحر الوافر، وهو من كلمة لعنترة بن شداد العبسى يهجو فيها عمارة بن زياد العبسى. وقوله " ترجف " يروى مكانه " ترعد " بالبناء للمجهول، وقوله " فردين " حال من الفاعل والمفعول في " تلقني " وقوله " روادف " يروى في مكانه " روانف " والروانف: جمع رانفة، وهى طرف الالية، وقوله " تستنطار " فعل مضارع مبنى للمجهول ماضيه المبنى للمعلوم استطار، وتقول: استطار هذا الامر فلانا، إذا طيره وأهاجه. والاستشهاد بالبيت في قوله " وتستطارا " والمراد معناه الذى ذكرناه (*)

[ 302 ]

مستطار، والحق أن الحذف في مثله ليس بمطرد، فلا يقال: اسطال يسطيل واسطاب يسطيب، وآءة في الاصل أوأة، لان سيبويه قال: إذا أشكل عليك الالف في موضع العين فأحمله على الواو، لان الاجوف الواوى أكثر فتصغيرها أويأة، فقوله: مستئاء في الاصل مستأوو قوله " على أصله " يعنى حذفه في الفرع ما حذف في الاصل قياسا وإن لم يثبت في الفرع علة الحذف، فحذفت التاء في مسئاء كما حذفت في مسطار، لاجتماع التاء والطاء، والاولى - كما قلنا - أن حذف التاء في مسطاع ليس بقياس، فلا يحذف في مستطاب ولا مستطيل ونحوهما، وآءة نبت على وزن عاعة، وهو من باب سلس وقلق، وهو باب قليل وخاصة إذا كان الاول والاخر همزة مع ثقلها، ومثلها أجاء والاءة وأشاءة عند سيبويه، وحمل على ذلك أنه لم يسمع الآية وأشاية، وقل ألاوة وأشاوة كعباية وسقاوة، وقالوا في أباءة، وهى الاجمة: إن أصلها أباية وإن لم يسمع، لان فيها معنى الاباء لامتناعها بما ينبت فيها من القصب وغيره من السلوك، وليس في أشاءة وألاءه مثل هذا الاشتقاق قوله " وعلى الاكثر " أي على القول الاكثر، وهو أنه لا يحذف ولا يزاد في الفرع إلا إذا ثبتت علته، ولو كان مسطار مفعالا من السطر لقلت من آءة مؤواء قال: " وسأل ابن جنى ابن خالويه عن مثل كوكب من وأيت مخففا مجموعا جمع السلامة مضافا إلى ياء المتكلم فتحير أيضا فقال ابن جنى: أوى "


(1) الالاءة - مثل سحابة - واحدة الالاء - كسحاب - وهو شجر مر (2) الاشاءة - مثل سحابة - واحدة الاشاء، وهو صغار النخل، قال ابن القطاع، همزته أصلية، عن سيبويه. وتوهم الجوهرى أنها مبدلة فأتى بها في المعتل (*)

[ 303 ]

أقول: إذا بنيت من وأيت مثل كوكب قلت: ووأى، أعلت الياء كما في فتى، فقلت: ووأى فإذا خففت همزته بنقل حركتها إلى ما قبلها وحذفها قلت: ووى، قلبت الواو الاولى همزة كما في أواصل صار أوى قال المصنف: الواو الثانية في تقدير السكون، فلو قلت ووى من غير قلب جاز قلت: لو كانت الواو الثانية ساكنة أيضا نحو ووأى وجب الاعلال كما مر تحقيقه في باب الاعلال (1)، فإذا جمع أوى وهو كفتى جمع السلامة بالواو والنون صار أوون، فإذا أضفته إلى ياء المتكلم سقطت النون وبقى أووى، تقلب الواو وتدغم كما في مسلمى قال: " ومثل عنكبوت من بعت ببععوت " أقول: لا إشكال فيه، لانك جعلت العين وهو لام الكلمة ككاف العنكبوت مكررا وجعلت مكان الواو والتاء الزائدتين مثلهما في الفرع كما مر في أول الكتاب (2) قال: " ومثل اطمأن ابيعع مصححا " أقول: أصل اطمأن اطمأنن بدليل اطمأننت واطمأنن في الامر قوله " مصححا " فيه نظر، لان نحو اسود وابيض إنما امتنع من الاعلال لان ثلاثيه ليس معلا حتى يحمل عليه كما حمل أقام على قام، أولانا لو أعللناهما لصار ساد وباض فالتبسا بفاعل، وليس الوجهان حاصلين في ابيعع، إذ ثلاثيه معل، ولا يلتبس لو قيل باعع، وأما سكون ما بعد الياء فليس بمانع، إذ مثل هذين الساكنين جائز اجتماعهما، نحو الضالين، والاخفش يقول في مثله: ابيعع


(1) انظر (ص 77 من هذا الجزء) (2) انظر (ج 1 ص 12 وما بعدها) (*)

[ 304 ]

بتشديد العين الثانية كما ذكرنا في أول مسائل التمرين قال: " ومثل اغدودن من قلت اقوول، وقال أبو الحسن: أقويل، للواوات، ومثل اغدودن من قلت وبعت أقووول وابيويع مظهرا " أقول: قد ذكرنا الخلاف في نحو اقوول في آخر باب الاعلال (1)، وإنما لم يدغم نحو اقووول وابيويع، لان الواو في حكم الالف التى هي أصلها في المبنى للفاعل كما ذكرنا من قول الخليل في قوول وبويع، ولو عللنا بما علل المصنف هناك وهو خوف الالتباس كما مر في باب الاعلال (2) لجاز إدغام اقووول وابيويع إذ لا يلتبسان بشئ إلا أن تذهب في نحو اضربب على وزن اقشعر مذهب المازنى من تشديد الباء الاولى، فإنه يقع اللبس إذن بالمبنى للمفعول منه. قال: " ومثل مضروب من القوة مقوى، ومثل عصفور قوى، ومن الغزو غزوى، ومثل عضد من قضيت قض، ومثل قذعملة قضية كمعية في التصغير، ومثل قذعميلة قضوية، ومثل حمصيصة قضوية فتقلب كرحوية، ومثل ملكوت قضووت، ومثل جحمرش قضيى، ومن حييت حيو ". أقول: قد ذكرنا في آخر باب الاعلال من أحكام الياءات المجتمعة والواوات المجتمعة ما ينحل به مثل هذه العقود. أصل مقوى مقووو، وكذا أصل غروى غزووو، أدغمت الثانية في الثالثة وقلبت المشددة ياء، لاجتماع الواوات كما ذكرنا أنك تقول من قوى على وزن قمد: قوى وكذا في قوووو على وزن عصفور، وهو أولى لاجتماع أربع


(1) انظر (ص 193 وما بعدها من هذا الجزء). (2) انظر (ص 145 من هذا الجزء). (*)

[ 305 ]

واوات، وقد مر حكمها، وأصل قض قضى، أعل إعلال ترام مصدر ترامينا. قوله " قضية كمعية " أصلها قضيية، وقد ذكرنا قبل أن الاولى في المبنى على وزن قذعميلة من قضى قضيية - بياءين مشددتين - قوله " قضوية " في المبنى على وزن حمصيصة قد ذكرناه هناك (1) قوله " ومثل ملكوت قضووت " قد ذكرنا في باب الاعلال أن الاصل أن يقال: غزووت ورميوت ورضيوت كجبروت من غزوت ورميت، لخروج الاسم بهذه الزيادة عن موازنة الفعل، فلا يقلب الواو والياء كما لا يقلب في الصوري والحيدى، وأن بعضهم يقلبهما ألفين ويحذفهما للساكنين، لعدم الاعتداد بالواو والياء. قوله " ومثل جحمرش قضيى " يعنى تعله إعلال قاض والاولى كما ذكرنا في آخر باب الاعلال: حذف الثالثة نسيا، ثم قلب الثانية ألفا، أو قلب الثانية واو فتسلم الثالثة. قوله " حيو " قد ذكرنا هناك أنه يجوز حيو وحيا. قال: " ومثل حلبلاب قضيضاء، ومثل دحرجت من قرأ قرأيت، ومثل سبطر قرأى، ومثل اطمأننت اقرأيأت، ومضارعه يقرئيئ كيقرعيع " أقول: العين واللام في حلبلاب مكررتان على الصحيح، كما ذكرنا في صمحمح، فكررتهما مثله في قضيضاء، وكذا تقول من الغزو: غزيزاء بقلب الواو والياء المتطرفين ألفا ثم همزة كما في رداء وكساء، وكذا تقول على وزن صمحمح: قضيضى وغزوزى، وأصل قرأيت قرأ أت بهمزتين، قلبت الثانية ألفا كما في آمن، ولا يكون قبل تاء الضمير ونونه في كلامهم، بل


(1) انظر (ص 192 من هذا الجزء). (*)

[ 306 ]

يكون قبلهما إما واو أو ياء نحو دعوت ورميت وأغزيت، ولا يجوز الواو هنا، لكونها رابعة ساكنة وقبلها فتحة، فيجب قبلها ياء كما في أغزيت، فقلبت الالف من أول الامر ياء. قوله " قرأى " قد ذكرنا في تخفيف الهمزة أن الهمزتين إذا التقتا وسكنت أولاهما والثانية طرف قلبت ياء. قوله " اقرأيأت " هذا على مذهب المازنى كما ذكرنا في باب تخفيف الهمزة عند ذكر اجتماع أكثر من همزتين (1) وعند النحاة اقرأ وأت، وإنما قال في المضارع يقرئيئ لكونه ملحقا بيطمئن بقلب حركة الهمزة الثانية إلى الاولى كما في الاصل، ثم قلبت الثانية ياء لكسر الاولى، ولو أعللناه بما فيه من العلة لقلنا يقرأيئ عند المازنى، ويقرأوئ عند غيره، ولم تنقل حركة الياء أو الواو إلى ما قبلها كما قلنا في يقيم ويبيع ويبين، لان ذلك لاتباعه للماضي في الاعلال بالاسكان كما مر في باب الاعلال (2) ولم تسكن ههنا الياء في الماضي. والحق أن بناءهم لامثال الابنية المذكورة ليس مرادهم به الالحاق، بل المراد به أنه لو اتفق مثلها في كلامهم كيف كانت تعل، ومن ثم قال المازنى في نحو اقشعر من الضرب: اضربب - بتشديد الباء الاولى - ولو كان ملحقا لم يجز ذلك، فالاولى على هذا في مضارع اقرأيأت أو اقرأ وأت يقرأيئ أو يقرأوئ. هذا آخر ما ذكره المصنف من مسائل التمرين، ولنضم إليه شيئا آخر فنقول: إذا بنيت من قوى مثل بيقور (3) قلت: قيو، والاصل قيووو، قلبت الواو


(1) انظر (ص 52 وما بعدها من هذا الجزء). (2) انظر (ص 143 وما بعدها من هذا الجزء). (3) البيقور: اسم جمع دال على جماعة البقر، كالباقر، والبقير، وانظر (ص 193 من هذا الجزء). (*)

[ 307 ]

الاولى ياء وأدغمت الياء فيها كما في سيد، وأدغمت الواو الثانية في الثالثة ولم تقلبهما ياءين لكونهما في المفرد، كما لم يقلب في مغزو، ولم تنقل حركة العين إلى ما قبلها كما فعلت ذلك في مقوول ومبيوع، لان العين واللام إذا كانا حرفي علة لم تعل العين: سواء أعلت اللام كما في قوى وثوى (1) أو لم تعل كما في هوى على ما مضى في باب الاعلال (2) وإذا بنيت على وزن صيرف من حوى وقوى قلت حيا وقيا، والاصل حيوى وقيوو، أدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كما في سيد، وقلبت الواو ألفا لحصول علته، قال السيرافى: اجتمع ههنا إعلالان، لكن الذى منعنا من اجتماع الاعلالين أن تسكن العين واللام جميعا من جهة الاعلال، وفيعل - بفتح العين - في الاجوف نادر، كقوله: * ما بال عينى كالشعيب العين (3) * فالوجه أن يبنى من حوى وقوى على فيعل - بالكسر - فيصير حى وقى، فتحذف الياء الثالثة نسيا كما في معية، وتقول على وزن نزوان (4) من قوى: قووان، لا يدغم، لما ذكرنا في باب الادغام من عدم إدغام نحو رددان (5) ولم يقلب آخر الواوين ألفا لعدم موازنة الفعل كما ذكرنا في باب الاعلال، (6) هذا قول سيبويه، والاولى أن يقال: قويان بقلب الثانية ياء كما ذكرنا في آخر باب الاعلال (7).


(1) ثوى يثوى - مثل رمى يرمى - ثواء - بفتح الثاء -: أي أقام، قال: * رب ثاو يمل منه الثواء * (2) انظر (ص 112 وما بعدها من هذا الجزء). (3) قد مر شرح هذا الشاهد فانظره في (ج 1 ص 150). (4) النزوان: الوثبان، ولا يقال إلا للشاء والدواب والبقر في معنى السفاد، وانظر (ج 1 ص 156). (5) انظر (ص 243 من هذا الجزء). (6) انظر (ص 145 من هذا الجزء). (7) انظر (ص 194 من هذا الجزء). (*)

[ 308 ]

وتقول على وزن فعلان - بضم العين - من قوى وحيى: قويان وحيان، بقلب الواو الثانية ياء والضمة قبلها كسرة، والاصل قووان، والالف والنون وإن كانتا لازمتين كتاء عنصوة (1) وقرنوة (2) إلا أن كون الضمة على الواو هو الذى أوجب القلب كما تقول: غزوية على وزن قرنوة، وقال سيبويه: تقول: قووان، وقد غلط فيه، لموافقته على أنه تقول: غزوية على وزن قرنوة وتقول في فعلان - بكسر العين - من حيى: حيان بالادغام، لان رددانا واجب الادغام، وحييان أيضا، لان الاصل في باب الادغام أعنى الفعل في مثله يجوز فكه، نحو حيى وحى، تقل من قوى: قويان، بقلب الثانية ياء، لتقدم الاعلال على الادغام كما مر (3) ولكون الكلمة بالاعلال أخف منها بالادغام، ومن خفف نحو كبد باسكان العين وقال في قويان: قويان - بسكون الواو - ولا يعله إعلال طى ولية، لعروض سكون الواو، ومن قال في رؤيا المخففة: ريا فاعتد بالعارض، قال ههنا: قيان، وتقول من قوى وشوى وحيى على وزن فيعلان - بكسر العين -: قيان وشيان وحيان، والاصل في الاولين قيويان وشيويان، أعلا إعلال سيد وحذفت الياء الثالثة من الثلاثة نسيا، كما في معيية، وتقول في تصغير أشويان: أشييان وتقول من أويت على وزن فيعلان - بكسر العين -: أييان، والاصل أيويان وإذا بنيت فعللة من رميت قلت: رميوة، قلبت الياء الاخيرة واوا لانضمام ما قبلها، ومثل أسحمان (4) منه: أرموان، ومن حيى: أحيوان، ولا تدغم،


(1) العنصوة: القليل المتفرق من النبت، انظر (ص 161 101 من هذا الجزء). (2) القرنوة: نوع من العشب، انظر (ج 2 ص 44). (3) انظر (ص 120 من هذا الجزء). (4) أسحمان: جبل، انظر (ج 2 ص 395). (*)

[ 309 ]

لان الاعلال قبل الادغام، ولا تستثقل الواو في مثله للزوم الحروف الذى بعدها: أي التاء، والالف والنون، كما مر في باب الاعلال (1) وتقول في فوعلة - مشددة اللام - من غزوت: غوزوة، وفى أفعلة: اغزوة، وفى فعل: غزو، لا تقلب الواو المشددة المضموم ما قبلها في أفعلة وفعل ياء، كما لم تقلب في مدعو، بل ترك القلب ههنا أولى، لان أسم المفعول قد يتبع الفعل الذى هو بمعناه، نحو غزى (2)، وأما نحو أدعية (3) في أدعوة فقليل نادر، فان اعتد به قيل في أغزوة: أغزية. وتقول في أفعلة من رميت: أرمية - بكسر الميم - كما في مضى، والاصل مضوى وتقول في فوعلة من الرمى: رومية، وليست في الاصل فوعللة، وإلا قيل: رومياة. وتقول في فعل: رمى، وليس أصله رمييا، وإلا قيل: رميا (4)، وكذلك نحو هيى وهبية للصبى والصبية. وتقول على وزن كوألل (5) والواو إحدى اللامين زائدتان من القوة:


(1) انظر (ص 176 من هذا الجزء). (2) يريد أن اسم المفعول قد يحمل على الفعل المبنى للمجهول كما قالوا من عدا عليه يعدو: معدى عليه، حملا على عدى عليه. (3) انظر (ص 171 من هذا الجزء). (4) يريد أن رمييا - بفتح الراء والميم وتشديد الياء - ليس أصله رمييا - بفتح فسكون -، لانه لو كان كذلك لقلبت الياء الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم تعامل معاملة عصى (5) الكوألل - بزنة سفرجل -: القصير مع غلظ وشدة (ج 1 ص 256) (*)

[ 310 ]

قووى عند سيبويه، وقويا عند الاخفش كما مر (1)، وعلى وزن (2) عتول من قوى: قيا، والاصل قووو، قلبت الواو الاخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والواو الاولى ياء كما في ميزان، والواو الثانية ياء أدغم فيها الياء كما في سيد. وإذا بنيت مثل عفرية من غزوت قلت: غزوية، والاصل غزوة، ومن الرمى رميية، ولا يجوز الادغام كما في أحيية، مع لزوم التاء في الموضعين، لان رميية كعفرية، وهو ملحق بزبرجة، وأحيية ليس ملحقا، كذا قيل، والاولى أن هذا البناء ليس للالحاق كما مر، ولو جمعت هبيا على فعالل قلت: هباي كدواب، ولو بنيت على فعاليل من رميت قلت: رمايى، ويجوز رماوى، لاجتماع الياءات كما في سقاوى، ولا يجوز بالهمز، لعدم تطرف الياء. وكذا فعاليل ومفاعيل من حيي نحو حيايى، ومحايى وحياوي، ومحاوى، قال سيبويه: ولو حذفت إحدى الياءات في جميعها لم يبعد، لانه قد يستثقل الياءان في نحو أثافى (3) فيخفف بحذف إحداهما، فيقال: أثاف، فما ظنك بالثلاث ؟ وحذف ياء مفاعيل ثابت وإن لم يجتمع ياءان نحو قراقير وقراقر (4)


(1) انظر (ص 196 من هذا الجزء) (2) هذا الذى ذكره المؤلف ينبغى أن يكون على زنة درهم ليطابق ما ذكره من التصريف، ولكن الذى وقع في الاصول عثول - بالثاء المثلثة - ولا يصح ذلك لان العثول مشدد الاخر، فغيرناه إلى عتول - بالتاء المثناة - وقد ضبطه المجد في القاموس بزنة درهم، وإن كان الشارح الزبيدى حكاه مشددا، وهو الذى لاغناء عنده للنساء (4) الاثافي: جمع أثفية، وهى حجر يوضع فوقه القدر، انظر (ج 2 ص 162) (3) القراقير: جمع قرقور، والقرور - بزنة عصفور، السفينة مطلقا، أو الطويلة خاصة، (انظر ج 2 ص 162) (*)

[ 311 ]

وجراميز وجرامز (1)، قال سيبويه: إلا أن من يحذف في هذه الامثلة التى اجتمعت (فيها) (2) ثلاث ياءات يلتزم الحذف، لكونها أثقل من أثافى وعوارى (3) حتى يكون فرقا بين الياءات والياءين، وتقول في فعاليل من غزوت: غزاوي فلا تغير الواو لعدم اجتماع الامثال كما في رمياني وهذا آخر ما أردناه إيراده، ولك أن تقس على هذا ما ماثله بعد إتقانك الاصول المتقدمة في باب الاعلال وغيره والله الموفق للصواب تمت مقدمة التصريف، والحمد لله رب العالمين


(1) الجراميز: جمع جمر موز، والجرموز - بزنة عصفور - حوض مرتفع النواحى، أو حوض صغير (2) زيادة يقتضيها المقام (3) العوارى: جمع عارية، وهى بتشديد الياء منسوبة إلى العار، انظر (ج 2 ص 164) (*)

[ 312 ]

قال: " الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه إلا أسماء الحروف إذا قصد بها المسمى، نحو قولك: اكتب جيم، عين، فا، را، فإنك تكتب هذه الصورة (جعفر) لانها مسماها خطا ولفظا، ولذلك قال الخليل لما سألهم كيف تنطقون بالجيم من جعفر فقالوا: جيم، فقال: إنما نطقتم بالاسم ولم تنطقوا بالمسئول عنه، والجواب جه، لانه المسمى، فإن سمى بها مسمى آخر كتبت كغيرها نحو ياسين وحاميم، وفى المصحف على أصلها على الوجهين، نحو يس وحم " أقول: حق كل لفظ أن يكتب بحروف هجائه: أي بحروف الهجاء التى ركب ذلك اللفظ منها إن كان مركبا، وإلا فبحرف هجائه: سواء كان المراد باللفظ ما يصح كتابته كأسماء حروف التهجى نحو ألف باتا ثا جيم، وكلفظ الشعر والقرآن ونحو ذلك، أو مالا يصح كتابته كزيد والرجل والضرب واليوم وغيرها، وكذا كان حق حروف أسماء التهجى في فواتح السور، لكنها لا تكتب بحروف هجائها، بل تكتب كذا (ن والقلم، ق والقرآن) ولا يكتب (نون والقلم) ولعل ذلك لما توهم السفرة (1) الاول للمصاحف أن هذه الاسماء عبارة عن الاعداد كما روى عن بعضهم أن هذه الاسماء كنايات عن أعمار قوم وآجال آخرين، وذلك أن أسماء حروف التهجى قد تصور مسمياتها إذا قصد التخفيف في الكتابة، نحو قولهم: كل ج ب، وكذا كتابتهم نحو قولهم: الكلمات ثلاث: ا الاسم، ب الفعل، ج الحروف، فعلى هذا في قوله " إلا أسماء الحروف إذا قصد المسمى " نظر، لان تلك الاسماء مع قصد المسمى تكتب بحروف هجائها أيضا، ألا ترى أنه تكتب هكذا: اكتب جيم عين فاء راء، ولا تكتب


(1) السفرة - بفتحات - جمع سافر، وهو اسم دال على النسب، ومعناه صاحب السفر، وهو الكتاب الكبير، وقد يراد منه الكاتب (*)

[ 313 ]

هكذا: اكتب ج ع ف ر، والذى يختلف فيه الحال أنك إذا نسبت الكتابة إلى لفظ على جهة المفعولية فإنه ينظر: هل يمكن كتابة مسماه، أولا، فإن لم يمكن نحو كتبت زيد ورجل، فالمراد أنك كتبت هذا اللفظ بحروف هجائه، وإن أمكن كتابة مسماه نحو كتبت الشعر والقرآن وجيم وعين وفاء وراء، فالظاهر أن المراد به مسمى اللفظ، فتريد بقولك: كتبت الشعر والبيت، أنك كتبت مثلا: * قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * البيت (1) وبقولك: كتبت القرآن، أنك كتبت مثلا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، السورة، وبقولك: كتبت جيم عين فاء راء أنك كتبت جعفر، ويجوز مع القرينة أن تريد بقولك: كتبت الشعر والبيت والقرآن، أنك كتبت صورة حروف تهجى هذه الالفاظ والبحث في أن المراد باللفظ هو الاسم أو المسمى غير البحث في أن ذلك اللفظ كيف يصور في الكتابة، والمراد بقوله " الخط تصوير اللفظ بحروف هجائه " هو الثاني دون الاول قوله " إذا قصد بها المسمى " أي: حروف التهجى قوله " جيم عين فا را " لا تعرب شيئا من هذه الاسماء وإن كانت مركبة مع العامل كما في قولك: كتبت ماء، وأبصرت جيما، لئلا يظن أنك كتبت كل واحدة من هذه الاحرف الاربعة منفصلة من البواقى، ولم تكتب حروف كل واحدة، فلم تعرب الاسماء ولم تأت بواو العطف نحو اكتب جيم، وعين، وفاء، وراء، بل وصلت في اللفظ بعضها ببعض تنبيها على اتصال مسمياتها بعضها ببعض، لكونها حروف كلمة واحدة


(1) تقدم شرح هذا البيت فانظره في (ج 2 ص 316) (*)

[ 314 ]

قوله " مسماها خطا " ظاهر، لان المسمى جيم مثلا هذه الصورة ج، لانك إذا أمرت بكتابة جيم كتبت هكذا ج، وكذا هو مسماه لفظا، لانك إذا أمرت بأن تتلفظ بجيم قلت: جه قوله " ولذلك قال الخليل " أي: لكون جعفر مسمى جيم عين فار را لفظا رد الخليل على أصحابه لما سألهم عن جيم جعفر كيف تنطقون به: أي كيف تتلفظون بمسمى هذا اللفظ وهو جيم ؟ وذلك لان المراد بكل لفظ مسماه إذا أمكن إرادته نحو ضربت زيدا: أي مسمى هذا اللفظ، وأما إذا لم يمكن نحو قرأت زيدا وكتبت زيدا فالمراد بأولهما اللفظ وبالثانى حروف هجاء اللفظ قوله " إنما نطقتم بالاسم " لان جيم الذى هو على وزن فعل اسم لهذا المسمى، وهو جه قوله " فان فإن سمى بها مسمى آخر " أي: سمى بأسماء حروف التهجى، كما لو سمى بدال مثلا شخص قوله " كتبت كغيرها " أي: كتبت ألفاظها بحروف هجائها، فإذا قيل: اكتب دال يكتب هكذا " دال " كما يكتب: زيد قوله " وفى المصحف على أصلها " أي: يكتب مسمى أسماء حروف التهجى، ولا تكتب تلك الاسماء بحروف هجائها قوله " على الوجهين " أي: سواء كانت هذه الفواتح أسماء لحروف التهجى كما قال الزمخشري: " إن المراد بها التنبيه على أن القرآن مركب من هذه الحروف كالفاظكم التى تتلفظون بها فعارضوه إن قدرتم " فهى إذن تحد لهم، أو لم تكن، وذلك بأن تكون أسماء السور كما قال بعضهم، أو أسماء أشخاص كما قيل: إن يس وطه اسمان للنبى صلى الله عليه وسلم، وق اسم جبل، ون اسم للدواة، وغير ذلك أو تكون أبعاض الكلم كما نسب إلى ابن عباس رضى الله

[ 315 ]

عنه أنه قال في ألم: إن معناه أنا الله أعلم، وغير ذلك مما قيل فيها قال: " والاصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، فمن ثم كتب نحو ره زيدا، وقه زيدا بالهاء، ومثل مه أنت، ومجئ، مه جئت، بالهاء أيضا، بخلاف الجار، نحو حتام وإلام وعلام، لشدة الاتصال بالحرف، ومن ثم كتبت معها بألفات وكتب مم وعم بغير نون، فإن قصدت إلى الهاء كتبتها ورددت الياء وغيرها إن شئت " أقول: أصل كل كلمة في الكتابة أن ينظر إليها مفردة مستقلة عما قبلها وما بعدها، فلا جرم تكتب بصورتها مبتدأ بها وموقوفا عليها، فكتب من " ابنك " بهمزة الوصل، لانك لو ابتدأت بها فلا بد من همزة الوصل، وكتب " ره زيدا " و " قه زيدا " بالهاء، لانك إذا وقفت على ره فلا بد من الهاء قوله " ومثل مه أنت ؟ ومجئ مه جئت ؟ " قد ذكرنا في باب الوقف أن ما الاستفهامية المجرورة بالاسم يجب أن تقف عليها بالهاء، وفى المجرورة بالحرف يجوز إلحاق الهاء وتركه، وذلك لان " ما " شديدة الاتصال بالحرف، لعدم استقلال الحرف دون ما يتصل به قله " ومن ثم كتبت " أي: من شدة اتصال " ما " بالحرف كتبت حتى وإلى وعلى بألفات، ولم تكتب بالياء، وذلك لان كتابتها بالياء إنما كانت لانقلاب ألف على وإلى الياء مع الضمير، نحو عليك وإليه، ومع ما الاستفهامية التى هي كالجزء صارتا نحو غلام وكلام، فلا يدخلون الضمير، ولان حتى تمال اسما لكون الالف رابعة طرفا ومع ما الاستفهامية لا تكون طرفا، وكذا إلى اسما أميلت، لكون ألفها طرفا مع الكسرة قبلها وانقلابها ياء مع الضمير ومع " ما " لا تكون طرفا

[ 316 ]

قوله " وكتب مم وعم بغير نون " أي: من جهة اتصال " ما " بالحرف لم يكتب عن مه ومن مه - بالنون - بل حذفت النون المدغمة خطا كما يحذف كل حرف مدغم في الاخر في كلمة واحدة، نحو همرش وأصله هنمرش (1) وامحى أصله انمحى قوله " فان قصدت إلى الهاء " يعنى أنك إذا قلت: مم جئت ؟ وعم يتساءلون ؟ وقصدت أنك لو وقفت على مم وعم ألحقتهما هاء السكت وجب عليك إلحاق هاء السكت في الكتابة، لانك تكون إذا معتبرا لما الاستفهامية مستقلة بنفسها، فترد نون من وعن، ويكتب هكذا: من مه جئت ؟ وعن مه يتساءلون ؟ قوله " ورددت الياء " يعنى في " على مه " و " حتى مه " قوله " وغيرها " يعنى النون في " من مه جئت " قوله " إن شئت " يرجع إلى رد الياء وغيرها لا إلى كتابة الهاء، لان كتابتها إذن واجبة، لكن أنت مخير مع كتبة الهاء بين رد النون والياء، وترك ردهما، فإن رددتهما فنظرا إلى الهاء، لانها إنما اتصلت نظرا إلى استقلال " ما " بنفسها، وإن لم ترد فنظرا إلى عدم استقلال حروف الجر دون ما، فيكون " علامه " مثل كيفه، وأينه، كأن الهاء لحقت آخر كلمة واحدة محركة بحركة غير إعرابية ولا مشبهة لها قال: " ومن ثم كتب أنا زيد بالالف، ومنه لكنا هو الله، ومن ثم كتبت تاء التأنيث في نحو رحمة وتخمة هاء، وفيمن وقف بالتاء تاء، بخلاف أخت وبنت وباب قائمات وباب قامت هند "


(1) الهمرش - بزنة جحمرش -: العجوز المضطربة الخلق، أو العجوز المسنة انظر (ح 1 ص 61) ثم انظر (ح 2 ص 364) (*)

[ 317 ]

أقول: يعنى ومن جهة أن مبنى الكتابة على الوقف قوله " ومنه لكنا " يعنى إذا لم يقرأ بالالف، فإنه يكتب بالالف في تلك القراءة أيضا، لان أصله لكن أنا (1) قوله " وفيمن وقف " مر في باب الوقف أن بعضهم يقف عليها بالتاء نحو كظ الجحفت (2) قوله " بخلاف أخت " أي: ولا يوقف على تاء أخت وبنت بالهاء لانها بدل من لام الكلمة وليست بتاء التأنيث، بل فيها رائحة من التأنيث، بكونها بدلا من اللام في المؤنث دون المذكر، وكذا تاء قائما ليست للتأنيث صرفا، بل علامة الجمع، لكن خصت بجمع المؤنث لكون التاء مناسبة للتأنيث، ومن قال كيف البنون والبناه - بالهاء - وجب أن يكتبها بالهاء، وهو قليل، ويعنى بباب قائمات جمع سلامة المؤنث، وبباب قامت الفعل الماضي المتصل به تاء التأنيث قال: " ومن ثم كتب المنون المنصوب بالالف، وغيره بالحذف وإذن بالالف على الاكثر، وكذا اضربن، وكان قياس اضربن بواو وألف، واضربن بياء، وهل تضربن بواو ونون، وهل تضربن بياء ونون، ولكنهم كتبوه على لفظه لعسر تبينه أو لعدم تبين قصدها، وقد يجرى اضربن مجراه " أقول: قوله " وغيره " أي: غير المنصوب المنون، وهو إما المرفوع والمجرور


(1) قد مضى بيان ذلك على التفصيل في باب الوقف فارجع إليه في (ح 2 ص 295) (2) هذه كلمة من بيت من بحر الرجز، وهو مع ما قبله: ما ضرها أم ما عليها لو شفت * متيما بنظرة وأسعفت بل جوز تيهاء كظهر الحجفت وانظره مشروحا شرحا وافيا في (ح 2 ص 277 وما بعدها) (*)

[ 318 ]

المنونان كجاءني زيد ومررت بزيد، أو غير المنون: مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا، كجاءني الرجل ورأيت الرجل ومررت بالرجل، أو مبنيا قوله " وإذن بالالف على الاكثر " وذلك لما تبين في الوقف أن الاكثر في إذن الوقف عليه بالالف، فلذا كان أكثر ما يكتب بالالف، والمازني يقف عليه بالنون فيكتبه بالنون، وأما اضربن فلا كلام في أن الوقف عليه بالالف، فالاكثر يكتبونه بالالف، ومن كتبه بالنون فلحمله على أخويه: أي اضربن واضربن، كما يجئ، وإنما كان قياس اضربن بالواو والالف لما تقدم في شرح الكافية أنك إذا وقفت على النون الخفيفة المضموم ما قبلها أو المكسور هو رددت ما حذف لاجل النون: من الواو والياء في نحو اضربوا واضربي، ومن الواو والنون في هل تضربون، ومن الياء والنون في هل تضربين، فكان الحق أن يكتب كذلك بناء للكتابة على الوقف، لكن لم يكتب في الحالين إلا بالنون، لعسر تبينه: أي لانه يعسر معرفة أن الموقوف عليه من اضربن واضربن وهل تضربن وهل تضربن كذلك: أي ترجع في الوقف الحروف المحذوفة، فانه لا يعرف ذلك إلا حاذق بعلم الاعراب، فلما تعسر معرفة ذلك على الكتاب كتبوه على الظاهر، وأما معرفة أن الوقف على اضربن - بفتح الباء - بالالف فليست بمتعسرة، إذ هو في اللفظ كزيدا ورجلا قوله " أو لعدم تبين قصدها " أي: لو كتبت بالواو والياء، والواو والنون، والياء والنون، لم يتبين: أي لم يعلم هل هو مما لحقه نون التوكيد أو مما لم يلحقه ذلك، وأما المفرد المذكر نحو اضربا فلم يلتبس، لان المفرد المذكر لا يلحقه ألف، وبعضهم خاف التباسه بالمثنى فكتبه بالنون، أو يقول: كتبه كذلك حملا على اضربن واضربن، لانه من نوعهما، وهذا معنى قوله " وقد يجرى اضربن مجراه "

[ 319 ]

قوله " تبين قصدها " أي: المقصود منها: أي من الكلمات المكتوبة، فهو مصدر بمعنى المفعول، أو بمعنى تبين أنك قصدتها: أي قصدت النون، فيكون المصدر بمعناه قال: " ومن ثم كتب باب قاض بغير ياء، وباب القاضى بالياء على الافصح فيهما، ومن ثم كتب نحو بزيد ولزيد وكزيد متصلا، لانه لا يوقف عليه، وكتب نحو منك ومنكم وضربكم متصلا، لانه لا يبتدأ به " أقول: إنما لم تكتب الباء واللام والكاف غير متصلة لكونها على حرف ولا يوقف عليه، ولو كان لعدم الوقوف عليها لكتب نحو من زيد على زيد متصلا، وإنما لم يبتدأ بالمضمرات المذكورة لكونها متصلة، وأما نحو بكم وبك فقد اجتمع فيه الامران قال: " والنظر بعد ذلك فيما لا صورة له تخصه، وفيما خولف بوصل أو زيادة أو نقص أو بدل، فالاول الهمزة وهو أول ووسط وآخر الاول ألف مطلقا نحو أحد وأحد وإبل، والوسط: إما ساكن فيكتب بحرف حركة ما قبله مثل يأكل ويؤمن وبئس، وإما متحرك قبله ساكن فيكتب بحرف حركته مثل يسأل ويلؤم ويسم، ومنهم من يحذفها إن كان تخفيفها بالنقل أو الادغام، ومنهم من يحذف المفتوحة فقط، والاكثر على حذف المفتوحة بعد الالف، نحو ساءل، ومنهم من يحذفها في الجميع، وإما متحرك وقبله متحرك فيكتب على نحو ما يسهل، فلذلك كتب نحو مؤجل بالواو ونحو فئة بالياء، وكتب نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس بحرف حركته، وجاء في سئل ويقرئك القولان، والاخر إن كان ما قبله ساكنا حذف،

[ 320 ]

نحو خب ء وخب ء وخبئا، وإن كان متحركا كاكتب بحرف حركة ما قبله كيف كان، نحو قرأ ويقرئ وردؤ ولم يقرأ ولم يقرئ ولم يردؤ، والطرف الذى لا يوقف على لاتصال غيره كالوسط نحو جزؤك وجزأك وجزئك، ونحو ردؤك وردأك وردئك، ونحو يقرؤه ويقرئك، إلا في نحو مقروءة وبريئة، بخلاف الاول المتصل به غيره، نحو بأحد وكأحد ولاحد، بخلاف لئلا، لكثرته، أو لكراهة صورته، وبخلاف لئن، لكثرته، وكل همزة بعدها حرف مد كصورتها تحذف نحو خطئا في النصب ومستهزؤون ومستهزءين، وقد تكتب بالياء، بخلاف قرأا ويقرأ ان للبس، وبخلاف نحو مستهزئين في المثنى لعدم المد، وبخلاف نحو ردائي ونحوه في الاكثر، لمغايرة الصورة، أو للفتح الاصلى، وبخلاف نحو حنائى في الاكثر، للمغايرة والتشديد، وبخلاف لم تقرئي للمغايرة واللبس " أقول: قدم للكتابة أصلا، وهو كونها مبنية على الابتداء والوقف، ثم شرع في التفصيل، فذكر أولا حال، لحرف الذى ليس له صورة مخصوصة، بل له صورة مشتركة، وتستعار له صورة غيره، وهو الهمزة، وذلك أن صورة الالف: أعنى هذه (أ) لما كانت مشتركة في الاصل بين الالف والهمزة - ولفظة الالف كانت مختصة بالهمزة، لان أول الالف همزة، وقياس حروف التهجى أن تكون أول حرف من أسمائها كالتاء والجيم وغيرها، ثم كثر تخفيف الهمزة، ولا سيما في لغة أهل الحجاز، فانهم لا يحققونها ما أمكن التخفيف - استعير للهمزة في الخط وإن لم تخفف صورة ما يقلب إليه إذا خففت، وهى صورة الواو والياء ثم يعلم على تلك الصورة المستعارة بصورة العين البتراء هكذا (ء) ليتعين كونها همزة، وإنما جعلت العين علامة الهمزة لتقارب مخرجيهما، فان لم تكن الهمزة في موضع التخفيف

[ 321 ]

وذلك إذا كانت مبتدأ بها كتبت بصورتها الاصلية المشتركة أعنى هذه (ا) نحو إبل وأحد وأحد، وكذلك تكتب بهذه الصورة إذا خففت بقلبها ألفا، نحو راس ثم نقول: إذا كانت الهمزة وسطا ساكنة متحركا ما قبلها كتبت بمقتضى حركة ما قبلها نحو يؤمن ويأكل وبئس، لانها تخفف هكذا (ا) إذا خففت وتكتب الوسط المتحركة المتحرك ما قبلها نحو مؤجل بالواو وفئة بالياء والخمسة بحرف حركته نحو سأل ولؤم ويئس ومن مقرئك ورؤوس، وأما الاثنان الباقيان نحو سئل ويقرئك فعلى مذهب سيبويه بحرف حركته، وعلى مذهب الاخفش بحرف حركة ما قبله، كل ذلك بناء على التخفيف، كما تقدم في باب تخفيف الهمزة وكذا يكتب الوسط الذى قبله ألف باعتبار حركته، لان تخفيفه باعتبارها فيكتب نحو سأل بالالف والتساؤل بالواو وسائل بالياء، والاكثرون على ترك صورة الهمزة المفتوحة بعد الالف استثقالا للالفين، فيكتبون ساءل بألف واحدة وكذا المقروء والنبئ، وكذا يتركون صورة الهمزة التى بعدها الواو إذا كان حق الهمزة أن تكتب واوا لولا ذلك الواو نحو رءوس، وكذا في نحو سئامة ومستهزءين، إلا إذا أدى إلى اللبس، نحو قرأا ويقرأ ان ومستهزئين كما يجئ، ويكتب الاخير المتحرك ما قبله بحرف حركة ما قبله سواء كان متحركا كما في يقرأ ويردؤ ويقرئ، أو ساكنا كما في لم يقرأ ولم يردؤ ولم يقرئ، وذلك لان الحركة تسقط في الوقف، ومبنى الخط على الوقف فتدبر الهمزة بحركة ما قبلها وأما إن كانت الاخيرة في حكم الوسط وهو إذا اتصل بها غير مستقل فهى في حكم المتوسطة، نحو يقرؤه ويقرئه ونحو ذلك، وكان قياس نحو السماء والبناء أن تكتب همزته بالالف لان الاكثر قلب مثلها ألفا في الوقف كما مر في باب

[ 322 ]

تخفيف الهمزة (1)، لكنه استكره صورة ألفين، ولذا لم تكتب في نحو قولك: علمت نبئا، صورة للهمزة هذا كله حكم كتابتها إذا كانت مما تخفف بالقلب بلا إدغام، فإن كانت تخفف بالحذف، فإن كانت أخيرا فانها تحذف في الخط أيضا نحو خب ء، وجزء ودف ء، وذلك لان الاخر محل التخفيف بالحذف خطا كما هو محل التخفيف لفظا، وإن كان في الوسط كيسأل ويسئم ويلؤم، أو في حكم الوسط باتصال غير مستقل بها نحو جزأك وجزؤك وجزئك، فالاكثر أنها لا تحذف خطا وإن كان التخفيف بحذفها، وذلك لان حذفك في الخط لما هو ثابت لفظا خلاف القياس اغتفر ذلك في الاخر الذى هو محل التخفيف، فيبقى الوسط ثابتا على أصله فلما لم يحذف ولم تبن كتابتها على التخفيف أعيرت صورة حرف حركتها، لان حركتها أقرب الاشياء إليها فكتبت مسألة ويلؤم ويسم وسوءة وجزأك وجزؤك وجزئك بتدبير حركة الهمزات، وإن كانت تخفف بالقلب مع الادغام حذفت في الخط سواء كانت في الطرف كالمقروء والنبئ، أو في الوسط كالقروآء على وزن البروكاء (2) أو في حكم الوسط كالبرية والمقروة، وذلك لانك في اللفظ تقلبها إلى الحرف الذى قبلها وتجعلها مع ذلك الحرف بالادغام كحرف واحد، فكذا جعلت في الخط هذا، وبعضهم يبنى الكتابة في الوسط أيضا على التخفيف فيحذفها خطا في كل ما يخفف فيه لفظا بالحذف أو الادغام، وبعضهم يحذف المفتوحة فقط لكثرة مجيئها نحو مسلة، ويسل، وإنما لم تكتب الهمزة في أول الكلمة إلا بالالف وإن كانت قد تخفف بالحذف كما في الارض وقد افلح لان مبنى الخط على الوقف


(1) انظر (ص 43، 44 من هذا الجزء) (2) البروكاء: الثبات في الحرب، وانظر (ح 1 ص 248) (*)

[ 323 ]

والابتداء، وإذا كانت الكلمة التى في أولها الهمزة مبتدأ بها لم تخفف همزتها فتكتب بالصورة التى كانت لها في الاصل وإن كانت مشتركة فان قيل: إذا اتصل بآخر الكلمة غير مستقل نحو جزؤه ويجزئه تجعل الهمزة التى حقها الحذف كالمتوسطة فهلا تجعل المصدرة التى حقها هذه الصورة (ا) إذا اتصل بها غير مستقل نحو الارض وبأحد ولاحد كالمتوسطة قلت: لانى إذا جعلت الهمز الذى حقه الحذف ذا صورة فقد رددته من الحذف الذى هو أبعد الاشياء من أصله أعنى كونه على هذه الصورة (ا) إلى ما هو قريب من أصله وهو تصوره بصورة ما وإن لم تكن صورته الاصلية، وإذا غيرت ما حقه هذه الصورة أي المصورة بالحذف أو باعارتها صورة الواو والياء فقد أخرجت الشئ عن أصله إلى غيره، فلهذا لم تجعل المصدرة في الخط كالمتوسطة إلا في لئلا كما يجئ قوله " فيما لا صورة له تخصه " إنما قال ذلك لان هذه الصورة (ا) مشتركة في أصل الوضع بين الهمزة والالف كما مضى قوله " فيما خولف ": أي خولف به عن أصل الكتابة الذى كان حق الخط أن يكون عليه قوله " الاول الالف مطلقا ": أي مضمومة كانت أو مفتوحة أو مكسورة، وذلك لما قلنا قوله " يكتب بحرف حركته " إلا أن يكون تخفيفه بالادغام كسؤال على وزن طومار (1) فانه يحذف كما ذكرنا قوله " ومنهم من يحذف المفتوحة " أي: يحذف من جملة ما يخفف بالنقل


(1) الطومار: الصحيفة. وانظر (ح 1 ص 198، 217) ثم انظر (ص 76 من هذا الجزء) (*)

[ 324 ]

المفتوحة فقط نحو يسئل ومسألة، ولا يحذف نحو يلؤم ويسئم قوله " والاكثر على حذف المفتوحة " أي: أن الاكثرين يحذفون المفتوحة فقط بعد الالف نحو ساءل، ولا يحذفونها بعد ساكن آخر، ولا يحذفون غير المفتوحة بعد ساكن قوله " ومنهم من يحذفها في الجميع " أي: يحذف الهمزة المتوسطة الساكن ما قبلها، سواء خففت بالقلب أو بالحذف أو بالادغام قوله " كيف كان " أي: متحركا أو ساكنا قوله " إلا في نحو مقروة وبرية " إذ حقها الادغام كما ذكرنا قوله " لئلا لكثرته " أي لكثرة استعماله صار لام لئلا متصلا بالهمزة وإن كان متصلا بلا، فصارت الثلاثة ككلمة واحدة نحو فئة قوله " أو لكراهة صورته " أي لو كتب هكذا (لا لا) قوله " وكل همزة بعدها حرف مد " في الوسط كانت كرءوف ونئيم وسئال أو في الطرف نحو خطئا في النصب ومستهزؤون ومستهزءين، حذفت إذا لم يلتبس لاجتماع المثلين، والاكثر على أن الياء لا تحذف، لان صورتها ليست مستقلة كنئيم ومستهزئين، وهذا معنى قوله " وقد يكتب الياء " وأما في الطرف فقد يكتب الياءان لاختلاف صورتيهما نحو ردائي قوله " بخلاف قرأا ويقرأ ان " فانهما لو كتبا بألف واحدة لا لتبس قرأا بالمسند إلى ضمير الواحد ويقرأ ان بالمسند إلى ضمير جمع المؤنث قوله " بخلاف مستهزئين في المثنى لعدم المد " ليس بتعليل جيد، لان المد لا تأثير له في الخط، بل إنما كان الحذف لاجتماع المثلين خطا، وهو حاصل: سواء كان الثاني مدا أو غير مد، بل الوجه الصحيح أن يقال: إن الاصل ان لا تحذف الياء كما ذكرنا لخفة كتابتها على الواو كما ذكرنا، بخلاف الواوين والالفين مع

[ 325 ]

أن أصل مستهزئين وهو مستهزئان ثبت فيه للهمز صورة، فحمل الفرع عليه في ثوبتها، وأما أصل مستهزئين في الجمع فلم يكن للهمز فيه صورة نحو مستهزءون لاجتماع الواوين فحمل الفرع عليه قوله " أو للفتح الاصلى " يعنى لم يكن في الاصل مدا، وقد ذكرنا ما عليه، وكذا قوله " للتشديد " أي: لم يكن مدا قوله " واللبس " أي: يلتبس بلم تقرى من القرى قال: " وأما الوصل فقد وصلوا الحروف وشبهها بما الحرفية، نحو إنما إلهكم إله وأينما تكن أكن وكلما أتيتني أكرمتك، بخلاف إن ما عندي حسن وأين ما وعدتني وكل ما عندي حسن، وكذلك عن ما ومن ما في الوجهين، وقد تكتبان متصلتين مطلقا لوجوب الادغام، ولم يصلوا متى، لما يلزم من تغيير الياء، ووصلوا أن الناصبة للفعل مع لا بخلاف المخففة نحو علمت أن لا يقوم، ووصلوا إن الشرطية بلا وما، نحو إلا تفعلوه وإما تخافن، وحذفت النون في الجميع، لتأكيد الاتصال، ووصلوا نحو يومئذ وحينئذ في مذهب البناء فمن ثم كتبت الهمزة ياء، وكتبوا نحو الرجل على المذهبين متصلا، لان الهمزة كالعدم، أو اختصارا للكثرة ". أقول: قوله " الحروف وشبهها " أي: الاسماء التى فيها معنى الشرط أو الاستفهام نحو أينما وحيثما وكلما، وكان ينبغى أن يقول: بما الحرفية غير المصدرية، لان " ما " المصدرية حرفيية على الاكثر ومع هذا تكتب منفصلة نحو إن ما صنعت عجب: أي صنعك عجب، وإنما كتب المصدرية منفصلة مع كونها حرفية غير مستقلة أيضا تنبيها على كونها مع ما بعدها كاسم واحد، فهى من تمام ما بعدها لا ما قبلها قوله " في الوجهين " أي: إن كان " ما " حرفا نحو عما قليل ومما خطيئاتهم

[ 326 ]

وصلت، لان الاولى والثانية حرفان ولهما اتصال آخر من حيث وجوب إدغام آخر الاولى في أول الثانيه، وإن كانت " ما " اسمية نحو بعدت عن ما رأيت، وأخذت من ما أخذت، فصلت لانفصال الاسمية لسبب استقلالها، وقد تكتب الاسمية أيضا متصلة، لكونها كالحرفية لفظا على حرفين، ولمشابهتها لها معنى، ولكثرة الاستعمال، ولاتصالها اللفظى بالادغام، وهو معنى قوله " لوجوب الادغام " وقوله " مطلقا " أي: اسمية كانت أو حرفية قوله " متى " يعنى في قولهم: متى ما تركب أركب قوله " لما يلزم من تغيير الياء " يعنى لو وصلت كتبت الياء ألفا فيكتب متى ما كعلام وإلام وحتام، ولا أدرى أي فساد يلزم من كتب ياء متى ألفا كما كتبت في علام وإلام ؟ والظاهر أنها لم توصل لقلة استعمالها معها، بخلاف علام وإلام قوله " أن الناصبة للفعل " في لئلا، المخففة، لان الناصبة متصلة بما بعدها معنى من حيث كونها مصدرية ولفظا من حيث الادغام، والمخففة وإن كانت كذلك إلا أنها منفصلة تقديرا بدخلوها على ضمير شأن مقدر بخلاف الناصبة. قوله " ووصلوا إن الشرطية بلا وما دون المخففة والزائدة " نحو أن لا أظنك من الكاذبين، وأن ما قلت حسن، لكثرة استعمال إن الشرطية وتأثيرها في الشرط بخلافهما قوله " وحذفت النون في الجميع " أي: لم يكتب هكذا: منما وعنما ولئنلا وإنلا وإنما، بنون ظاهرة، بل أدغم مع الاتصال المذكور لتأكيد الاتصال، وإنما ذكر هذه لانه لم يذكر قبل إلا الاتصال، والاتصال غير الادغام كما صورنا. قوله " في مذهب البناء " أي: إذا بنى الظرف المقدم على إذ، لان البناء دليل شدة اتصال الظرف بإذ، والاكثر كتابتهما متصلين على مذهب الاعراب

[ 327 ]

أيضا، حملا على البناء، لانه أكثر من الاعراب قوله " فمن ثم " أي: من جهة اتصال الظرف بإذ وكون الهمزة متوسطة كتبت ياء كما في سئم، وإلا فالهمزة في الاول، فكان حقها أن تكتب ألفا كما في بأحد ولابل قوله " على المذهبين " أي: مذهب الخليل وسيبويه: أما على مذهب سيبويه فظاهر، لان اللام وحدها هي المعرفة، فهى لا تستقل حتى تكتب منفصلة، وأما على مذهب الخليل وهو كونها كبل وهل، فإنما كتبت متصلة أيضا لان الهمزة وإن لم تكن للوصل عنده لكنها تحذف في الدرج فصارت كالعدم، أو يقال: الالف واللام كثيرة الاستعمال فخفف خطا بخلاف هل وبل قال: " وأما الزيادة فإنهم زادوا بعد واو الجمع المتطرفة في الفعل ألفا نحو أكلوا وشربوا فرقا بينها في التأكيد بألف، وفى المفعول بغير ألف، ومنهم من يكتبها في نحو شاربوا الماء، ومنهم من يحذفها في الجميع، وزادوا في مائة ألفا فرقا بينها وبين منه، وألحقوا المثنى به، بخلاف الجمع وزادوا في عمرو واوا فرقا بينه وبين عمر مع الكثرة، ومن ثم لم يزيدوه في النصب، وزادوا في أولئك واوا فرقا بينه وبين إليك، وأجرى أولاء عليه، وزادوا في أولى واوا فرقا بينه وبين إلى، وأجرى أولو عليه ". أقول: قوله " المتطرفة " احتراز عن نحو ضربوهم وضربوك وضربوه، والاصل أن لا تكتب الالف إلا في واو الجمع المنفصلة، نحو مروا، وعبروا إذ المتصلة لا تلتبس بواو العطف، إذ هي لا تكتب إلا منفصلة، لكنه طرد الحكم في الجميع، كما أنه كتب في نحو عبروا وإن لم يأت بعده ما يمكن أن يكون

[ 328 ]

معطوفا، لما كان يلبس في بضع المواضع، نحو إن عبروا ضربتهم قوله " بخلاف يدعو ويغزو " لان الواو التى هي اللام لا تنفصل عن الكلمة كواو الجمع حتى لا تلتبس بواو العطف، وهى من تمام الكلمة: متصلة كانت في الخط كيدعو، أو منفصلة كيغزو قوله " في التأكيد بألف " لان الواو إذن متطرفة، بخلاف واو ضربوهم، إذا كان " هم " مفعولا، والاكثرون لا يكتبون الالف في واو الجمع الاسمى نحو شاربو الماء، لكونه أقل استعمالا من الفعل المتصل به واو الجمع، فلم يبال اللبس فيه إن وقع لقلته، ومنهم من يحذف الالف في الفعل والاسم لندور الالتباس فيهما، وإنما ألحق مائتان بمائة في إلحاق الالف دون مئات ومئين وإن لم يحصل اللبس لا في المثنى ولا في المجموع، لان لفظ المفرد باق في المثنى، بخلاف الجمع، إذ تاء المفرد تسقط فيه قال: " وأما النقص فإنهم كتبوا كل مشدد من كلمة حرفا واحدا نحو شد ومد وادكر، وأجرى، نحو قتت مجراه، بخلاف نحو وعدت واجبهه، وبخلاف لام التعريف مطلقا نحو اللحم والرجل، لكونهما كلمتين، ولكثرة اللبس، بخلاف الذى والتى والذين لكونها لا تنفصل، ونحو اللذين في التثنية بلامين للفرق، وحمل اللتين عليه، وكذا اللاءون وأخواته، ونحو عم ومم وإما وإلا ليس بقياس، ونقصوا من بسم الله الرحمن الرحيم الالف لكثرته بخلاف باسم الله وباسم ربك ونحوه، وكذلك الالف من اسم الله والرحمن مطلقا، ونقصوا من نحو للرجل وللرجل وللدار وللدار جرا وابتداء الالف لئلا يلتبس بالنفى، بخلاف بالرجل ونحوه، ونقصوا مع الالف واللام مما في أوله لام نحو للحم وللبن كراهية اجتماع ثلاث لامات، ونقصوا من نحو أبنك بار في الاستفهام وأصطفى البنات ألف الوصل، وجاء

[ 329 ]

في آلرجل الامران، ونقصوا من ابن إذا وقع صفة بين علمين ألفه مثل هذا زيد بن عمرو، بخلاف زيد ابن عمرو، وبخلاف المثنى، ونقصوا ألف ها مع اسم الاشارة نحو هذا وهذه وهذان وهؤلاء، بخلاف هاتا وهاتى لقلته، فإن جاءت الكاف ردت، نحو هاذاك وهاذانك، لاتصال الكاف ونقصوا الالف من ذلك وأولئك، ومن الثلث والثلثين، ومن لكن ولكن، ونقص كثير الواو من داود والالف من إبراهيم وإسماعيل وإسحق وبعضهم الالف من عثمان وسليمان ومعاوية " أقول: قوله " كل مشدد من كلمة " احتراز من نحو شكر ربك قوله " شد ومد " مثال لمثلين في كلمة قوله " ادكر " مثال المتقاربين في كلمة وإنما كتب المشدد حرفا في كلمة للزوم جعلهما في اللفظ كحرف بالتشديد، فجعلا في الخط حرفا، وأما إذا كانا في كلمتين فلا يلزم جعلهما كحرف في اللفظ فلم يجعلا أيضا حرف في الخط، وأيضا فإن مبنى الكتابة على الوقف والابتداء، وإذا كان كذا فلا يلتقى إذن مثلان ولا متقاربان حتى يكتبا حرفا قوله " وأجرى قتت " وذلك لكون التاء بكونه فاعلا وضميرا متصلا كجزء الفعل، فجعلا في الخط حرفا، لوجوب الادغام بسبب تماثلهما، وأما في وعدت فلم يكتبا حرفا لعدم لزوم الادغام وعدم تماثلهما في الخط، ولا اجبهه، لانهما وإن كانا مثلين والثانى ضمير متصل لكنه ليس كالجزء من الفعل، لكونه فضلة، إذ هو مفعول قوله " وبخلاف لام التعريف مطلقا " أي: سواء كان بعدها لام كاللحم، أو غيرها مما تدغم فيه كالرجل، فإنها لا تنقص في الخط في الموضعين، لكون لام التعريف وما دخلته كلمتين، وقد احترز عنه بقوله " في كلمة " وأما

[ 330 ]

اتصال تاء قتت فهو أشد من اتصال كل اسم متصل باسم، لما ذكرنا من الوجهين، مع أنه قد يكتب قتت بثلاث تاءات قوله " ولكثرة اللبس " يعنى لو كتب هكذا الحم وارجل لا لتبس بالمجرد عن اللام إذا دخل عليه همزة الاستفهام أو حرف النداء، وأما الذى التى واللذين في الجمع فإنه لا لبس فيها، إذ اللام لازمة لها، فلا يلتبس بالمجرد الداخل عليه الهمزة، وإنما يكتب اللذين في التثنية بلام وإن كانت في الاصل لام التعريف أيضا فرقا بين المثنى والمجموع، وحمل اللذان رفعا عليه، وكذا اللتان واللتين، وإن لم يكن ليس، إجراء لباب المثنى مجرى واحدا، وكان إثبات اللام في المثنى أولى منه في الجمع، لكون المثنى أخف معنى من الجمع، فخفف الجمع لفظا دلالة على ثقل معناه قوله " وكذا الاءون وأخواته " أي اللاتى، واللائى، واللواتي، واللواء، وذلك لانها أجريت مجرى اللاء الذى لو كتب بلام واحدة لا لتبس بألا قوله " ليس بقياس " لانهما كلمتان، وكذا لئلا، وكان حق المشدد أن يكتب حرفين، وهذا وإن كان على خلاف القياس إلا أن وجه كتابتهما حرفا واحدا ما تقدم في ذكر الوصل من شدة الاتصال وكثرة الاستعمال قوله " لكثرته " أي حذف ألف اسم إذا كان في البسملة لكثرة استعمالها بخلاف نحو باسم ربك، فإنها ليست كثيرة الاستعمال، وكذا إذا اقتصرت على باسم الله، نحو: باسم الله أصول قوله " الله والرحمن مطلقا " أي: سواء كانا في البسلمة أولا قوله " جرا وابتداء " أي: سواء كانت اللام جارة أو لام الابتداء قوله " لئلا يلتبس بالنفى " إذ لو كتب هكذا لا لرجل التبس بلا لرجل ولا للنفي، وأما نحو بالرجل وكالرجل فلا يلتبس بشئ

[ 331 ]

قوله " كراهية اجتماع ثلاث لامات " يعنى لو كتب هكذا اللحم، وفيما قال نظر، لان الاحوط في مثله أن يكتب بثلاث لامات، لئلا يلتبس المعرف بالمنكر قوله " أبنك بار، وأصطفى البنات " يعنى إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة وصل مكسورة أو مضمومة فانهم يحذفون همزة الوصل خطا كراهة اجتماع ألفين، ودلالة على وجوب حذفهما لفظا، بخلاف نحو الرجل فإنه يجوز فيه الحذف كراهة اجتماعهما خطا، ويجوز الاثبات دلالة على إثباتهما لفظا قوله " إذا وقع صفة " احتراز من كونه خبر المبتدأ نحو: زيد ابن عمرو، وقوله " بين علمين " احتراز من مثل جاءني زيد ابن أخينا، والرجل ابن زيد، والعالم ابن الفاضل، وذلك لان الابن الجامع للوصفين كثير الاستعمال فحذف ألف ابن خطا كما حذف تنوين موصوفه لفظا. على ما ذكرنا في باب النداء، ونقص التنوين خطا من كل منون فرقا بين النون الاصلى والنون العارض غير اللازم، وأما نون اضربن فانما كتبت لعسر تبيها، عن ما تقدم، بخلاف التنوين، فانه لازم لكل معرب لا مانع فيه منه، فيعرف إذن ثبوته بعدم المانع، وإن لم يثبت خطا قوله " ونقصوا ألف ها مع اسم الاشارة " لكثرة استعمالها معه وأما هاتا وهاتى فقليلان، فان جاءت الكاف ردت ألف " ها " فيما حذفت منه لقلة استعمال اسم الاشارة المصدر بحرف التنبيه المكسوع بحرف الخطاب قوله " لاتصال الكاف " يعنى أن الكاف لكونها حرفا وجب اتصالها بالكلمة لفظا، إذ صارت كجزئها فتثاقلت الكلمة فخففت بحذف ألف ها، وفيما قال بعد، لان الكلمة لم تتثاقل خطا، إذ الالف منفصلة، فلم يحصل بكون الكاف حرفا امتزاج في الخط بين ثلاث كلمات، وكلامنا في الخط لا في اللفظ إلا أن يقول: نقصوا في الخط تنبيها على الامتزاج المعنوي.

[ 332 ]

قوله " نقصوا الالف من ذلك وأولئك ومن الثلث والثلثين " وذلك لكثرة الاستعمال، ونقص كثير من الكتاب الواو من داود، لاجتماع الواوين، وبعضهم يكتبها، ونقص بعضهم الالف من عثمان وسليمان ومعاوية، والقدماء من وراقى الكوفة (كانوا) ينقصون على الاطراد الالف المتوسطة إذا كانت متصلة بما قبلها نحو الكفرون والناصرون وسلطن ونحوه. قال: " وأما البدل فانهم كتبوا كل ألف رابعة فصاعدا في اسم أو فعل ياء إلا فيما قبلها ياء إلا في نحو يحيى وريى علمين، وأما الثالثة فإن كانت عن ياء كتبت ياء وإلا فبالالف، ومنهم من يكتب الباب كله بالاف وعلى كتبه بالياء فان كان منونا فالمختار أنه كذلك وهو قياس المبرد، وقياس المازنى بالالف، وقياس سيبويه: المنصوب بالالف وما سواه بالياء، ويتعرف الواو من الياء بالتثنية نحو فتيان وعصوان وبالجمع نحو الفتيات والقنوات وبالمرة نحو رمية وغزوة وبالنوع نحو رمية وغزوة، وبرد الفعل إلى نفسك نحو رميت وغزوت: وبالمضارع نحو يرمى ويغزو، وبكون الفاء واوا نحو وعى، وبكون العين واوا نحو شوى إلا ما شذ نحو القوى والصوا، فإن جهلت: فإن أميلت فالياء نحو متى، وإلا فالالف وإنما كتبوا لدى بالياء لقولهم لديك وكلا كتبت على الوجهين لاحتمالها، وأما الحروف فلم يكتب منها بالياء غير بلى وإلى وعلى وحتى، والله أعلم بالصواب ". أقول: إنما كتبت الالف الرابعة المذكورة ياء دلالة على الامالة، وعلى انقلابها ياء، نحو يغزيان ويرضيان وأغزيت وأعليان ومصطفيان ونحوها، وإن كان قبلها ياء كتبت ألفا، وإن كانت على الصفة المذكورة أيضا نحو أحيا واستحيا، كراهة لاجتماع ياءين، وإن اختلفا صورة، إلا في نحو يحيى وريى علمين،

[ 333 ]

وكذا ما أشبههما، فانه يكتب بالياء، فرقا بين العلم وغيره، والعلم بالياء أولى، لكونه أقل فيحتمل فيه الثقل. قوله " وأما الثالثة " أي: الالف الثالثة. قوله " ومنهم من يكتب الباب كله " أي: جميع باب المقصورة: ثالثة كانت، أو رابعة، أو فوقها، عن الياء كانت أو عن غيرها، بالالف على الاصل، وقد كتبت الصلاة والزكاة بالواو، دلالة على ألف التفخيم، كما مر قوله " فان كان منونا " أي: اسما مقصورا منونا، لان الذى في آخره ألف وهو منون لا يكون إلا اسما مقصورا قوله " ويتعرف الياء من الواو " لما ذكر في الثلاثي أنه يكتب بياء إن كانت ألفه عن ياء وإلا فبالالف ذكر ما يعرف به الثلاثي الواوى من اليائى قوله " بالتثنية " أي: إن سمعت، وكذا إن سمع الجمع، وغير ذلك قوله " وبالمضارع " كما مر في باب المضارع من أن الناقص الواوى مضموم العين، واليائى مكسورها قوله " وبكون الفاء واوا " كما مر في أول باب الاعلال قوله " وإنما كتبوا لدى " وإن لم تمل بالياء لقولهم لديك قوله " لاحتمالها " لان قلبها في كلتا تاء مشعر بكون اللام واو كما في أخت، قال المصنف: وإمالتها تدل على الياء، لان الكسرة لاتمال لها ألف ثالثة عن واو، وقد مر الكلام عليه في باب الامالة قوله " غير بلى " وذلك لامالتها قوله " وإلى وعلى " وذلك لقولهم: إليك، وعليك، وأما حتى فللحمل على إلى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي العربي وآله الاطياب، وسلم تسليما كثيرا

[ 334 ]

قد اعتمدنا في تصحيح هذا الكتاب - سوى جميع النسخ المطبوعة - على نسخة خطية فرغ ناسخها من كتابتها في شهر صفر الخير من عام سبع وخمسين وسبعمائة، وقد وجد بآخر هذه النسخة ما نصه: " والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وفق الله تعالى لاتمام تصنيفه في ربيع الاول سنة ثمان وثمانين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل التحية والسلام ". فنهاية تأليف هذا الشرح هي سنة وفاة الشارح رحمه الله، وبين كتابة النسخة التى اعتمدنا عليها في تصحيح الكتاب ووفاة المؤلف تسعة وستون عاما. والله الموفق والمستعان، وهو وحده الذى يجزى المحسنين

[ 335 ]

قد تم - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثالث من كتاب " شرح شافية ابن الحاجب " للعلامة رضى الدين الاسترابادي، وتحقيقه، والتعليق عليه، في ستة أشهر آخرها ليلة الاثنين المبارك الموافق 24 من شهر رمضان قوله " وإلى وعلى " وذلك لقولهم: إليك، وعليك، وأما حتى فللحمل على إلى والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي العربي وآله الاطياب، وسلم تسليما كثيرا

[ 334 ]

قد اعتمدنا في تصحيح هذا الكتاب - سوى جميع النسخ المطبوعة - على نسخة خطية فرغ ناسخها من كتابتها في شهر صفر الخير من عام سبع وخمسين وسبعمائة، وقد وجد بآخر هذه النسخة ما نصه: " والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد وعترته الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وفق الله تعالى لاتمام تصنيفه في ربيع الاول سنة ثمان وثمانين وستمائة بالحضرة الشريفة المقدسة الغروية على مشرفها أفضل التحية والسلام ". فنهاية تأليف هذا الشرح هي سنة وفاة الشارح رحمه الله، وبين كتابة النسخة التى اعتمدنا عليها في تصحيح الكتاب ووفاة المؤلف تسعة وستون عاما. والله الموفق والمستعان، وهو وحده الذى يجزى المحسنين

[ 335 ]

قد تم - بعون الله تعالى، وحسن توفيقه - مراجعة الجزء الثالث من كتاب " شرح شافية ابن الحاجب " للعلامة رضى الدين الاسترابادي، وتحقيقه، والتعليق عليه، في ستة أشهر آخرها ليلة الاثنين المبارك الموافق 24 من شهر رمضان المبارك عام ثمان وخمسين بعد الثلثمائة والالف من هجرة الرسول الاكرم سيدنا محمد ابن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبه ينتهى هذا الكتاب، وسنلحقه - إن شاء الله تعالى - بشرح شواهده للعلامة عبد القادر البغدادي المتوفى في عام 1093 من الهجرة

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية