الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح شافية ابن الحاجب - رضي الدين الأستراباذي ج 1

شرح شافية ابن الحاجب

رضي الدين الأستراباذي ج 1


[ 1 ]

شرح شافية ابن الحاجب تأليف الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي النحوي 686 ه‍ مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الادب المتوفي عام 1093 من الهجرة حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الاساتذة محمد نور الحسن محمد الزفزاف محمد يحيى عبد الحميد المدرس في تخصص المدرس في كلية المدرس في تخصص كلية اللغة العربية اللغة العربية كلية اللغة العربية القسم الاول الجزء الاول دار الكتب العلمية بيروت. لبنان

[ 2 ]

(جميع الحقوق محفوظة للشراح) 1395 - 1975 م بيروت. لبنان

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذا شرح أفضل المحققين، وأبرع المدققين، العالم الذي لا يشق غباره، ولا يدرك مداه، نجم الملة والدين، محمد رضي الدين بن الحسن الاستراباذي، على مقدمة العلامة النحوي الفقيه الاصولي أبي بكر المعروف بابن الحاجب التي جمع فيها زبدة فن التصرف في أوراق قليلة، غير تارك مما يجب علمه ولا يجمل بالمتأدب جهله شيئا، مشيرا فيها الى اختلاف العلماء أحيانا، والى لغات العرب ولهجاتهم أحيانا أخرى. وقد ظل شرح رضي الدين رحمه الله - رغم كثرة طبعاته وتعددها - سرا محجوبا، وكنزا مدفونا، لا يقرب منه أحا إلا أخذه البهر، وأعجزه الوقوف على غوامضه وأسراره، ذلك لانه كتاب ملاه صاحبه تحقيقا، وأفعمه تدقيقا، وجمع فيه أوابد الفن وشوارده، وأتى بين ثناياه على غرر ابن جنى وتدقيقه، وأسرار ابن الانباري واستدلاله وتعليله، وإضافة المازني وترتيبه، وأمثلة سيبويه وتنظيره، ولم يترك في كل ما بحثه لقائل مقالا، ولا أبقى لباحث منهجا، حتى كان كتابه حريا بأن ينتجعه طالب الفائدة، ويقبل على مدارسته واستذكاره كل من أراد التفوق على أقرانه في تحصيل مسائل العلم ونوادره، وكان الذين قاموا على طبعه في الاستانة ومصر لم يعطوه من العناية ما يستحقه، حتى جاء في منظر أقل ما يقال فيه إنه يبعد عنه، ولا يقرب منه، وبقى قراء العربية الى يوم الناس هذا يعتقدون أن الكتاب وعر المسلك، صعب المرتقى، لا تصل إليه الافهام، ولا تدرك حقائقه الاوهام، فلم يكونوا

[ 4 ]

ليقبلوا عليه، ولا ليتعرضوا له، والكتاب - علم الله - من أمتنع الكتب وأوفاها، وأحلفها بالنافع المفيد، وأدناها الى من القى له بالا، ولم يثنه عن اقتطاف ثماره ما أحاط بها من قتاد. وكم كنا نود أن الله تعالى قيض لنا من تنبعث همته إلى نشره على وجه يرضى به الانصاف وعرفان الجميل، حتى أتيحت لنا هذه الفرصة المباركة، ووكل إلينا أمر مراجعته وإيضاح ما يحتاج إلى الايضاح منه، فعكفنا على مراجعة أصوله، وضبط مبهماته، وشرح مفرداته، والتعليق على مسائله وما يختاره المؤلف من الاراء تعليقا لا يمل قارئه ولا يحوجه إلى مراجعة غيره. ثم عرض لنا أن نذيله بشرح شواهده الذي صنفه العالم المطلع المحقق عبد القادر البغدادي صاحب (خزانة الادب، ولب لباب لسان العرب) التي شرح فيها شواهد شرح رضي الدين على مقدمة ابن الحاجب في النحو، فلما استقر عندنا هذا الرأي لم نشأ أن نطيل في شرح الشواهد أنناء تعليقاتنا، وأرجأنا ذلك الى هذا الشرح الوسيط، واجتزأنا نحن بالاشارة المفهمة التى لا بد منها لبيان لغة الشاهد وموطن الاستشهاد. وليس لاحدنا عمل مستقل في هذا الكتاب، فكل ما فيه من مجهود قد اشتركنا ثلاثتنا فيه اشتراكا بأوسع ما تدل عليه العبارة، فلم يخط أحدنا حرفا أو حركة إلا بعد أن يقر الاخران ما أراد، فان يكن هذا العمل قد جاء وافيا بما قصدنا إليه، مؤديا الغرض الذي رجونا أن يؤديه، كان ذلك غاية أملنا ومنتهى سؤلنا، وإن تكن الاخرى فهذا جهد المقل، وحسبك من غنى شبع ورى. والله تعالى المسئول أن يتقبل منا، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه، مقر بامنه، امين كتبه محمد نور الحسن محمد الزفزاف محمد محيي الدين عبد الحميد

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم [ وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ] أما بعد حمد الله توالى نعمه، والصلاة على رسوله محمد وعترته المعصومين، فقد عزمت على أن أشرح مقدمة ابن الحاجب في التصريف والخط، وأبسط الكلام في شرحها كما في شرح أختها بعض البسط، فإن الشراح قد اقتصروا على شرح مقدمة الاعراب، وهذا - مع قرب التصريف من الاعراب في مساس الحاجة إليه، ومع كونهما من جنس واحد - بعيد من الصواب، وعلى الله المعول في أن يوفقني لاتمامه، بمنه وكرمه، وبالتوسل بمن أنا في مقدس حرمه، عليه من الله أزكى السلام، وعلى أولاده الغر الكرام. قال المصنف: (الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين. وبعد فقد التمس مني من لا تسعني مخالفته أن ألحق بمقدمتي في الاعراب مقدمة في التصريف على نحوها، ومقدمة في الخط، فأجبته سائلا متضرعا أن ينفع بهما، كما نفع بأختهما والله الموفق. التصريف علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليس باعراب. أقول: قوله (بأصول) يعنى بها القوانين الكلية المنطبقة على الجزئيات،

[ 2 ]

كقولهم مثلا (كل واو أو ياء إذا تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا) والحق أن هذه الاصول هي التصريف، لا العلم بها (1) قوله (أبنية الكلم) المراد من بناء الكلمة ووزنها وصيغتها هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرهما، وهى عدد حروفها المرتبة وحركاتها المعينة وسكونها مع اعتبار الحروف الزائدة والاصلية كل في موضعه، فرجل مثلا على هيئة وصفة يشاركه فيه عضد (2)، وهي كونه على ثلاثة أولها مفتوح وثانيها مضموم، وأما الحرف الاخير فلا تعتبر حركته وسكونه في البناء، فرجل ورجلا ورجل على بناء واحد، وكذا جمل على بناء ضرب، لان الحرف الاخير لحركة الاعراب وسكونه وحركة البناء وسكونه، وإنما قلنا (يمكن أن يشاركها) لانه قد لا يشاركها في الوجود كالحبك - بكسر الحاء وضم الباء - فانه لم يأت له نظير (3)، وإنما قلنا (حروفها المرتبة) لانه إذا تغير النظم والترتيب تغير الوزن،


(1) تريد الاعتراض على ابن الحاجب حيث قال (التصريف علم بأصول) ولم يقل التصريف أصول، وذلك أن عبارة ابن الحاجب تشعر بأن التصريف غير الاصول المذكورة، والحق أن عبارة ابن الحاجب مستقيمة، ولا وجه للاعتراض المذكور عليها، وذلك أنه قد تقرر عند العلماء أن لفظ العلم يطلق إطلاقا حقيقيا على الاصول والقواعد، وهي القضايا الكلية التى يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها، وعلى التصديق بهذه الاصول والقواعد، وعلى ملكة استحضارها الحاصلة من تكرير التصديق بها، فقول ابن الحاجب (التصريف علم بأصول) يجوز أن يراد من العلم فيه القواعد، فتكون الباء قى قوله (بأصول) للتصوير، وأن يراد منه التصديق فتكون الباء للتعدية، وأن يراد منه ملكة الاستحضار فتكون الباء للسببية إلا أن القواعد سبب بعيد للملكة، والسبب القريب التصديق بها (2) العضد - كرجل وفلس وعنق وقفل وكتف - من الانسان وغيره الساعد وهو ما بين المرفق إلى الكتف (3) الحبيكة - كسفينة - الطريق في الرمل ونحوه، واسم الجمع حبيك، والجمع (*)

[ 3 ]

كما تقول: بئس على وزن فعل وأيس على وزن عفل، وإنما قلنا (مع اعتبار الحروف الزائدة والاصلية) لانه يقال: على وزن فعلل أو أفعل أو فاعل مع توافق الجميع في الحركات المعينة والسكون، وقولنا " كل في موضع " لان نحو درهم ليس على وزن قمطر (1) لتخالف مواضع الصفحتين والسكونين، وكذا نحو بيطر (2) مخالف لشريف (3) في الوزن لتخالف موضعي الياءين، وقد يخالف ذلك (4) في أوزان التصغير فيقال: أوزان التصغير ثلاثة: فعيل، وفعيعل، وفعيعيل فيدخل في فعيعل أكيلب وحمير ومسيجد ونحوها، وفى فعيعيل مفيتيح وتميثيل ونحو ذلك، [ وذلك ] (5) لما سيجى


حبائك وحبك، كسفين وسفائن وسفن، وقد قرى في الشواذ: (والسماء ذات الحبك) بكسر الحاء وضم الباء، وهذه هي التي عناها الشارح المحقق بأنها لا نظير لها (1) القمطر: الجمل القوي السريع، وقيل: الجمل الضخم القوي، ورجل قمطر: قصير، وامرأة قمطرة: قصيرة عريضة، والقمطر والقمطرة: ما تصان فيه الكتب (2) بيطر: عالج الدواب، فهو بيطار. وبطر كفرح وبيطر كجعفر وبيطر كهزبر ومبيطر، وأصله بطر الشئ يبطره شقه، وبابه نصر (3) شريف الزرع: قطع شريافه، وهو ورقة إذا كثر وطال وخشى فساده، ويقال: شرنفه، أي قطع شرنافه، وهو بمعنى الاول (4) اسم الاشارة في قوله " ذلك " يعود إلى اعتبار الحروف الزائدة والاصلية كل في موضعه في الوزن، فأكيلب وزنه التصريفي أفيعل والتصغيري فعيعل، وحمير وزنه التصريفي فعيل والتصغيري فعيعل، ومسيجد وزنه التصريفي مفيعل والتصغيري فعيعل، ومفيتيح وزنه التصريفي مفيعيل والتصغيري فعيعيل وتميثيل وزنه التصريفي تفيعيل والتصغيري فعيعيل، وسيأتي للشارح توجيه هذه المخالفة عند قول المصنف " ويعبر عنها بالفاء والعين واللام " (5) هذه الزيادة عن النسخة الخطية (*)

[ 4 ]

قوله " أحوال أبنية الكلم " يخرج من الحد معظم أبواب التصريف، أعنى الاصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والامر والصفة وأفعل التفضيل والآلة والموضع والمصغر والمصدر، وقد قال المصنف بعد مدخلا لهذه الاشياء في أحوال الابنية: " وأحوال الابنية قد تكون للحاجة كالماضي والمضارع " الخ وفيه نظر (1)، لان العلم بالقانون الذي تعرف به أبنية الماضي من الثلاثي والرباعي


(1) هذا النظر في قول المصنف بعد مدخلا لهذه الاشياء في حد التصريف " وأحوال الابنية قد تكون للحاجة كالماضي والمضارع والامر واسمى الفاعل والمفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل والمصدر واسمى الزمان والمكان والالة والمصغر والمنسوب والجمع والتقاء الساكنين والابتداء والوقف، وقد تكون للتوسع كالمقصور والممدود وذي الزيادة، وقد تكون للمجانسة كالامالة، وقد تكون للاستثقال كتخفيف الهمزة والاعلال والابدال والادغام والحذف " والحاصل أن قول المصنف " تعرف بها أحوال الابنية " إن جعلت الاضافة فيه بيانية دخل فيه الاصول التي تعرف بها أبنية الماضي والمضارع والامر واسم الفاعل اسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل وأسماء الزمان والمكان والالة والمصغر والمنسوب والجمع، وخرج منه الاصول التي تعرف بها أحوال الابنية كالاصول التى يعرف بها الابتداء والامالة وتخفيف الهمزة والاعلال والابدال، والحذف وبعض الادغام، وهو إدغام بعض حروف الكلمة في بعض نحو مد وامتد وشد واشتد، وبعض التقاء الساكنين وهو ما إذا كان الساكنان في كلمة نحو قل وبع، وخرج منه الاصول التى يعرف بها الادغام في كلمتين نحو " منهم من ينظر " و " منهم من يقول " و " منهم من يستمع " " فما له من وال " " قل لزيد " والتي يعرف بها التقاء الساكنين في كلمتين نحو " ادخل السوق " " واشتر الكتاب " وإن جعل الاضافة على معنى اللام خرج من الحد النوع الاول والثالث، ثم ذكر الشارح المحقق أن قول المصنف " وأحوال الابنية قد تكون الخ " مشكل على كل حال، وذلك أن الماضي وما ذكر معه الى الجمع ليس أبنية ولا أحوال أبنية كما أن الادغام من كلمتين والتقاء الساكنين من كلمتين كذلك، فلا يستقيم قوله " وأحوال الابنية قد تكون للحاجة كالماضي والمضارع الخ " سواء أجعلت الاضافة بيانية أم على معنى اللام (*)

[ 5 ]

والمزيد فيه وأبنية المضارع منها وأبنية الامر وأبنية الفاعل والمفعول تصريف بلا خلاف، مع أنه علم بأصول تعرف به أبنية الكلم، لا أحوال أبنيتها، فان أراد أن الماضي والمضارع (مثلا) حالان طارئان على بناء المصادر ففيه بعد، لانهما بناءان مستأنفان بنيا بعد هدم بناء المصدر، ولو سلمنا ذلك فلم عد المصادر في أحوال الابنية ؟ فان القانون الذي تعرف به أبنيتها تصريف، وليس يعرف به حال بناء، والماضي والمضارع والامر وغير ذلك مما مر كما أنها ليس بأحوال الابنية ليست بأبنية أيضا على الحقيقة، بل هي أشياء ذوات أبنية، على ما ذكرنا من تفسير البناء، بلى قد يقال لضرب مثلا: هذا بناء حاله كذا، مجازا، ولا يقال أبدا: إن ضرب حال بناء، وإنما يدخل في أحوال الابنية الابتداء، والامالة، وتخفيف الهمزة، والاعلال، والابدال، والحذف، وبعض الادغام، وهو إدغام بعض حروف الكلمة في بعض، وأما نحو " قل له " فالادغام فيه ليس من أحوال البناء، لان البناء على ما فسرناه لم يتغير به، وكذا بعض التقاء الساكنين، وهو إذا كان الساكنان من كلمة كما في قل وأصله قول، وأما التقاؤهما في نحو " اضرب الرجل " فليس حالا لبناء الكلمة، إذ البناء - كما ذكرنا - يعتبر بالحركات والسكنات التي قبل الحرف الاخير، فهذه المذكورات أحوال الابنية، وباقي ما ذكر هو الابنية، الا الوقف والتقاء الساكنين في كلمتين والادغام فيهما، فان هذه الثلاثة لا أبنية ولا أحوال أبنية. قوله " التي ليست باعراب " لم يكن محتاجا إليه، لان بناء الكلمة - كما ذكرنا - لا يعتبر فيه حالات آخر الكلمة، والاعراب طار على آخر حروف الكلمة، فلم يدخل إذن في أحوال الابنية حتى يجترز عنه، وإن دخل (1) فاحتاج إلى الاحتراز فكذا البناء، فهلا احترز عنه أيضا ؟ !


(1) قول الشارح المحقق " وإن دخل فاحتاج إلى الاحتراز فكذا البناء فهلا " (*)

[ 6 ]

واعلم أن التصريف (1) جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصناعة، والتصريف - على ما حكى سيبويه عنهم - هو أن تبنى (2) من الكلمة بناء لم


احترز عنه أيضا " نقول: قد يقال: إن المراد من الاعراب ما يشمل البناء، وإطلاق الاعراب على ما يشمل البناء كثير في كلامهم، من ذلك قول المصنف " أن ألحق بمقدمتي في الاعراب مقدمة في التصريف على نحوها " فهو إما حقيقة عرفية أو مجاز مشهور، وكلاهما لا يضر أخذه في التصريف. (1) قول الشارح المحقق " واعلم التصريف جزء من أجزاء النحو ب خلاف من أهل الصنعة " نقول: هذا على طريقة المتقدمين من النحاة، فانهم يطلقون النحو على ما يشمل التصريف، ويعرف على هذه الطريقة بأنه علم يعرف به أحكام الكلم العربية إفرادا وتركيبا، أو بأنه العلم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة الى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها، والمتأخرون على أن التصريف قسيم النحو لا قسم منه، فيعرف كل منهما بتعريف يميزه عن قسيمه وعن كل ما عداه فيعرف النحو بأنه علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء، وأما التصريف فيستعمل في الاصطلاح مصدرا واسما علما، فيستعمل مصدرا في تغيير الكلمة عن أصل وضعها، ويتناول هذا المعنى نوعين من التغييرات: الاول: تحويل الكلمة الى أبنية مختلفة لضروب من المعاني لا تحصل الا بذلك التحويل، وذلك كتحويل المصدر الى اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل واسم الزمان والمكان والالة، وكالتحويل الى التثنية والجمع والتصغير والنسب، والثاني: تغيير الكلمة عن أصل وضها لقصد الالحاق أو التخلص من التقاء الساكنين أو التخفيف، وذلك التغيير كالزيادة والحذف والاعلال والابدال وتخفيف الهمزة والادغام، ويستعمل التصريف اسما علما في القواعد التي يعرف بها أبنية الكلمة وما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وحذف وإبدال وإدغام وابتداء وإمالة، وما يعرض لاخرها مما ليس باعراب ولا بناء كالوقف والادغام والتقاء الساكنين، وهذان التعريفان غير التعريف الذي حكاه الشارح عن إمام أهل الصنعة سيبويه. (2) قول الشارح " أن تبنى من الكملة بناء لم تبنه العرب الخ " نقول: يريد (*)

[ 7 ]

تبنه العرب على وزن ما بنته ثم تعمل في البناء الذي بنيته ما تقتضيه فياس كلامهم، كما يتبين في مسائل التمرين إن شاء الله تعالى، والمتأخرون على أن التصريف علم بأبنية الكلمة، وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لاخرها مما ليس باعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك. أنواع الابنية قال: " وأبنية الاسم الاصول ثلاثية ورباعية وخماسية وأبنية الفعل ثلاثية ورباعية (1)


أن تأخذ من الكلمة لفظا لم تستعمله العرب على وزن ما استعملته ثم تعمل في هذا اللفظ الذي أخذته ما يقتضيه قياس كلامهم من إعلال وإبدال وإدغام، فإذا بنيت من وأيت مثل قفل قلت وؤى، فإذا خففت الهمزة بابدالها من جنس حركة ما قبلها صار وويا، فعلى أن قلب الواو الاولى همزة في مثل هذا واجب يقال: أوى، وعلى أنه جائز يقال: " أوى "، أو " ووى "، وإذا بنيت من وأيت مثل كوكب قلت: ووأى، تعل الياء بقلبها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم تحذف الالف لالتقاء الساكنين، فإذا خففت الهمزة بنقل حركتها الى ما قبلها ثم حذفها، فعلى القول بوجوب القلب في مثله يقال: أوى، كفتى، وعلى القول بعدم وجوبه يقال: أوى، أو ووى. (1) قول المصنف " وأبنية الاسم الاصول ثلاثية ورباعية الخ " مقتضاه أن الابنية الاصول للاسم والفعل لا تكون أقل من ثلاثة، وهو كذلك بالنظر إلى أصل الوضع وأما بالنظر إلى الاستعمال فقد تكون على حرفين وعلى حرف واحد، مثال ما كان على حرفين من الاسم وهو محذوف اللام أب وأخ ويد وثبة وأمة، ومثاله محذوف الفاء عدة وزنة ودية وشية، ومثاله محذوف العين وهو قليل لم يسمع إلا في ثلاث كلمات: سه اتفاقا، وأصله سته بدليل جمعه على أستاه، ومذ على رأى من يقول: إن أصلها منذ، استدلالا بأنك لو سميت بمذ صغرته على منيذ وجمعته على أمناذ، قال الشارح في شرح الكافية: ومنه منه صاحب المغنى في الموضعين وقال: قولهم منيذ وأمناذ غير منقول عن العرب، وأما تحريك ذال مذفى نحو " مذ اليوم " بالضم للساكنين (*)

[ 8 ]

أقول: لم يتعرض النحاة لابنية الحروف لندور تصرفها، وكذا الاسماء (1) العريقة البناء كمن وما


أكثر من الكسر فلا يدل أيضا على أن أصله منذ، لجواز أن يكون للاتباع، وضم ذال مذ - سواء كان بعده ساكن أو لا - لغة غنوية، فعلى يجوز أن يكون أصله الضم فخفف فلما احتيج الى التحريك للساكنين رد إلى أصله كما ف ى " لهم اليوم " والكلمة الثالثة ذا الاشارية، على رأى من يقول: إن المحذوف منها العين، وإن أصلها ذوى، لكثرة باب طويت، وورود الامالة في ألفها ولا سب لها هنا الا انقلابها عن ياء، وهذا ما اختاره الشارح في باب التصغير والاعلال، ولكن اختار في شرح الكافية أن أصله ذيى، وأن المحذوف منه اللام، لان حذف اللام اعتباطا أكثر من حذف العين، والحمل على الاكثر عند خفاء الاصل أولى، ومثال ما كان على حرف واحد في الاسم " م الله " على رأى من يقول: إن أصله " أيمن الله " وأما على رأى من يقول: إنه موضوع للقسم هكذا ابتداء وليس مختصرا من ايمن، فهو حرف قسم كالباء والواو، وأما الفعل فقد يكون على حرفين، والمحذوف منه العين كقل وبع وسل، وقد يكون كذلك والمحذوف منه الفاء كضع ودع وذر، وقد يكون على حرف واحد والمحذوف منه الفاء واللام المعتلان نحو " ع كلامي " و " ق نفسك " (1) قول الشارح " وكذا الاسماء العريقة البناء " يريد المتأصلة في البناء، وهو مستعار من قولهم: أعرق الرجل، إذا صار عريقا، أي: أصيلا، وهو الذى له عروق في الكرم أو اللؤم، هذا، ولم يتعرض الشارح للسر في أن أقل الابنية ثلاثة، ولا للسر في أن الاسم لا يكون سداسيا، ونحن نذكر لك ما قيل في ذلك: قال أبو حيان: إنما كان أقل الاصول ثلاثة لانه لابد من حرف يبتدأ به، وحرف يسكت عليه، وحرف يحشى به الكلمة لان بعض الكلم يحتاج إليه في بعض الاحكام، ألا ترى أن التصغير لا يتصور في اسم على حرفين لان ياءه إنما تقع ثالثة وحرف الاعراب بعدها، وفيه أن هذا إنما يتم في الاسم لا الفعل، وقال الجار بردى: " الاصل في كل كلمة أن تكون على ثلاثة أحرف: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يكون واسطة بين المبتدأ به والموقوف عليه، إذ (*)

[ 9 ]

واعلم أنه لم يبن من الفعل خماسى، لانه إذن يصير ثقيلا بما يلحقه مطردا من حروف المضارعة وعلامة اسم الفاعل واسم المفعول (1) والضمائر المرفوعة التى هي كجزء الكلمة، وإنما قال " الاصول " لانه يزداد على ثلاثى الفعل واحد كأخرج، واثنان كانقطع، وثلاثة كاستخرج، وعلى رباعية واحد كتدحرج، واثنان كاحرنجم (2) ويزاد على ثلاثى الاسم واحد نحو ضارب، واثنان كمضروب، وثلاثة كمستخرج، وأربعة كاستخراج، وعلى رباعية واحد كمدحرج، واثنان كمتدحرج، وثلاثة كاحربحام (2)، ولم يزد في خماسيه غير حرف مد قبل الاخر نحو سلسبيل (3) وعضر فوط (4) أو بعده مجردا عن التاء كقبعثرى (5)


يجب أن يكون المبتدأ به متحركا والموقوف عليه ساكنا، فلما تنافيا صفة كرهوا مقارنتهما، ففصلوا بينهما بحرف لا تجب فيه الحركة ولا السكون، فكان مناسبا لهما " وهو منقوض بما كان على حرفين من الحروف والاسماء المشبهة لها، قال: " وإنما جوزوا في الاسم رباعيا وخماسيا للتوسع، ولم يجوزوا سداسيا لئلا يوهم أنه كلمتان، إذ الاصل في الكلمة أن تكون على ثلاثة أحرف " هذا، وأكثر أنواع الابنية وقوعا في الكلام الثلاثي، ويليه الرباعي، ويليه الخماسي (1) قول الشارح " وعلامة اسم الفاعل والمفعول " ظاهره أن علامة اسم الفاعل والمفعول تلحق الفعل وليس كذلك، والصواب حذفه والتعليل تام بدونه (2) الاحرنجام: الاجتماع، يقال: اخر نجم القوم، إذا اجتمع بعضهم إلى بعض، وحرجمت الابل: إذا رددت بعضها إلى بعض، فاحرنجمت: أي ارتد بعضهما الى بعض واجتمعت (3) يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، إذا كان سهل المدخل في الحلق، واختلف علماء اللغة في قوله تعالى: (عينا فيها تسمى سلسبيلا) فقيل: إنه اسم عين في الجنة، وصرف وحقه المنع للعلمية والتأنيث، للتناسب، وقيل: إنه وصف للعين، وعليه فلا إشكال في صرفه (4) العضرفوط: دويبة بيضاء ناعمة، وقيل: ذكر العظاء (5) القبعثرى: العظيم الشديد، والانثى قبعثراة، قال المبرد: ألفه ليست (*)

[ 10 ]

أو معها كقبعثراة، وندر قرعبلانة (1) وإصطفلينة (2) الميزان الصرفى قال: " ويعبر عنها بالفاء والعين واللام، وما زاد بلام ثانية وثالثة، ويعبر عن الزائد بلفظه، إلا المبدل من تاء الافتعال فإنه بالتاء، وإلا المكرر للالحاق أو لغيره فإنه بما تقدمه وإن كان من حروف الزيادة إلا بثبت، ومن ثم كان حلتيت (3) فعليلا، وسحنون (4)


للتأنيث ولا للالحاق، وإنما هي لمجرد تكثير البنية (1) القرعبلانة: دوية عريضة عظيمة البطن، قال ابن سيده: وهو مما فات الكتاب من الابنية، قال الجواهري: أصل القرعبلانة قرعبل، فزيدت فيه ثلاثة أحرف، لان الاسم لا يكون على أكثر من خمسة أحرف، وقيل: إن هذه اللفظة لم تسمع إلا في كتاب العين، وهو غير موثوق به (2) في القاموس: " الا صطفلين - كجر دحلين بزيادة الياء ولنون -: الجزر الذي يؤكل، الواحدة إصطفيلنة، وفي كتاب معاوية إلى قيصر: " لانتزعنك من الملك انتزاع الاصطفلينة، ولاردنك إريسا من الارارسة ترعى الدوبل " اه‍ والاريس: الاكار: أي الحراث، والدوبل: الخنزير أو الذكر من الخنازير خاصة أو ولده، قال ابن الاثير: ليست اللفظة - بمعنى الاصطفلينة - بعربية محصنة لان الصاد والطاء لا يكادان يجتمعان إلا قليلا، وقول الشارح " وندر قرعلانة وإصطفلينة " نقول: ذكر بعضهم أنه زيد في الخماسي حرفا مد قبل الاخر، نحو مغناطيس، قال: فان صح ذلك وكان عربيا جعل نادرا، وقد حكاه - أعنى مغناطيس - ابن القطاع، ونقول: " في اللسان المغنطيس حجر يجذب الحديد، وهو معرب " وفى القاموس " المغنطيس والمغنطيس والمغناطيس: حجر يجذب الحديد، معرب " اه‍ (3) قال في اللسان: قال أبو حنيفة: " الحلتيت عربي أو معرب ولم يبلغني أنه ينبت ببلاد العرب ولكن ينبت بين بست وبين بلاد القيقان، وهو نبات يسلنطح ثم يخر من وسطه قصبة تسمو وترفع، والحلتيت أيضا: صمغ يخرج في أصول ورق تلك القصبة، وأهل تلك البلاد يطبخون بقلة الحلتيت ويأكلونها وليست مما يبقى على الشتاء " اه‍ (4) لم نجد هذه الكلمة في القاموس وشرحه ولا في اللسان، وفى شرح الجاربدرى أنه أول الريح والمطر (*)

[ 11 ]

وعثنون (1) فعلولا لا فعلونا لذلك ولعدمه، وسحنون إن صح الفتح ففعلون لا فعلول كحمدون، وهو مختص بالعلم، لندور (2) فعلول وهو صعفوق (3)، وخرنوب ضعيف، وسمنان (4) فعلان، وخزعال (5) نادر وبطنان (6) فعلان، وقرطاس (7) ضعيف مع أنه نقيض ظهران "


(1) قال في القاموس: " العثنون اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين، أو ما نبت على الذقن وتحته سفلا، أو هو طولها، وشعيرات طوال تحت حنك البعير ومن الريح والمطر أولهما، أو عام المطر، أو المطر ما دام بين السماء والارض " (2) مرجع الضمير في قوله: " وهو مختص بالعلم " فعلون (بفتح أوله وبالنون) وقوله " لندور فعلول " تعليل لحمله على فعلون ونفى كونه فعلولا (3) قوله " وهو صعفوق " يريد الذي ندر من فعلول بفتح أوله، قال في اللسان: " وقال الازهرى كل ما جاء على فعلول فهو مضموم الاول مثل زنبور وبهلول وعمروس وما أشبه ذلك، الا حرفا جاء نادرا وهو بنو صعفوق لخول باليمامة. وبعضهم يقول صعفوق بالضم، قال ابن بري: رأيت بخط أبي سهل الهروي على حاشية كتاب: جاء على فعلول (بالفتح) صعفوق وصعقول لضرب من الكمأة وبعكوكة الوادي لجانبه، قال ابن بري: أما بعكوكة الوادي وبعكوكة الشر فذكرها السيراني وغيره بالضم لا غير، أعني بضم الباء، وأما الصعقول لضرب من الكمأة فليس بمعروف ولو كان معروفا لذكره أبو حنيفة في كتاب النبات وأظنه نبطيا أو أعجميا " اه‍ وقد ذكر المجد في القاموس الصندوق بضم أوله وفتحه فهو مزيد على ما حكاه ابن بري عن الهروي (4) سمنان كما قال الشارح: اسم موضع، قيل: هو من أرض نجد، وقيل: هو مدينة بين الرى ونيسابور (5) سيأتي في كلام الشارح تفسير الخزعان بأنه ظلع يصيب الناقة (6) بطنان: اسم لباطن ريش الطائر، وظهران: اسم لظاهره، وسيأتى لهذا القول تكملة (7) القرطاس - بضم أوله، وقد يفتح، والاشهر فيه الكسر - وهو الكاغد: أي ما يكتب فيه (*)

[ 12 ]

أقول: يعني إذا أردت وزن الكلمة عبرت عن الحروف الاصول بالفاء والعين واللام: أي جعلت في الوزن مكان الحروف الاصلية هذه الحروف الثلاثة كما تقول: ضرب على وزن فعل اعلم أنه صيغ لبيان الوزن المشترك فيه كما ذكرنا لفظ متصف بالصفة التى يقال لها الوزن، واستعمل ذلك اللفظ في معرفة أوزان جميع الكلمات، فقيل: ضرب على وزن فعل، وكذا نصر وخرج، أي: هو على صفة يتصف بها فعل، وليس قولك فعل هي الهيئة المشتركة بين هذه الكلمات، لانا نعرف ضرورة أن نفس الفاء والعين واللام غير موجودة في شئ من الكلمات المذكورة، فكيف تكون الكلمات مشتركة في فعل ؟ بل هذا اللفظ مصوغ ليكون محلا للهيئة المشتركة فقط، بخلاف تلك الكلمات، فانها لم تصغ لتلك الهيئة بل صيغت لمعانيها المعلومة، فلما كان المراد من صوغ فعل الموزون به مجرد الوزن سمى وزنا وزنة، لا أنه في الحقيقة وزن وزنة، وإنما اختير لفظ فعل لهذا الغرض من بين سائر الالفاظ لان الغرض الاهم من وزن الكلمة معرفة (1) حروفها


(1) المراد أن يعرف المتعلم باختصار الفرق بين الاصلى والزائد ومحل الاصلى، فإذا قيل له إن وزن منطلق منفعل، كان أخصر من أن يقال الميم والنون زائدتان، وكذا إذا قيل له أن ناء فلع كان أخصر من أن يقال له إن اللام مقدمة على العين، وهكذا، وبما ذكرنا اندفع ما يقال: كيف تعرف الاصالة والزيادة من المقابلة بالفاء والعين واللام مع أن المقابلة فرع معرفة الاصالة والزيادة، وذلك أن المعلم إذا عرف الاصالة والزيادة من أدلتهما وأراد أن يعرف المتعلم باختصار الاصالة والزيادة قابل له حروف الكلمة التيژ يريد أن يعرفه حالها بحروف الميزان، ثم إن ما ذكر من أن المقابلة بالفاء والعين واللام تدل على الاصالة إنما هو في غير المكرر أما هو سواءأ كان تكراره للالحاق أم لغيره فانما تعرف الاصالة والزيادة فيه من أمر آخر وهو أن كل تضعيف في كلمة زائدة على ثلاثة أحرف فأحد الضعفين فيها زائد كفطع وجلبب وركع (جمع راكع)، وقردد، إذا لم يفصل بين المثلين (*)

[ 13 ]

الاصول وما يزيد فيها من الحروف وما طرأ عليها من تغييرات لحروفها بالحركة والسكون، والمطرد في هذا المعنى الفعل والاسماء المتصلة بالافعال كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والالة والموضع، إذ لا تجد فعلا ولا اسما متصلا به إلا وهو في الاصل مصدر قد غير غالبا إما بالحركات كضرب وضرب أو بالحروف كيضرب وضارب ومضروب، وأما الاسم الصريح الذى لا اتصال له بالفعل فكثير منه خال من هذا المعنى كرجل وفرس وجعفر وسفرجل، لا تغيير في شئ منها عن أصل ومعنى تركيب " ف غ ل " مشترك بين جميع الافعال والاسماء المتصلة بها، إذ الضرب فعل، وكذا القتل والنوم، فجعلوا ما تشترك الافعال والاسماء المتصلة بها في هيئته اللفظية مما تشترك أيضا في معناه، ثم جعلوا الفاء والعين واللام في مقابلة الحروف الاصلية، إذ الفاء والعين واللام أصول، فان زادت الاصول على الثلاثة كررت اللام دون الفاء والعين، لانه لما لم يكن بد في الوزن من زيادة حرف بعد اللام لان الفاء والعين واللام تكفى في التعبير بها عن أول الاصول وثانيها وثالثها كانت الزيادة بتكرير أحد الحروف التى في مقابلة الاصول بعد اللام أولى، ولما كانت اللام أقرب كررت هي دون البعيد فان كان في الكلمة المقصودة وزنها حرف زائد فهو على ضربين: إن كانت الزيادة بتكرير حرف أصلى كتكرير عين قطع أو لام جلبب كررت العين في زن الاول نو فعل واللام في وزن الثاني نحو فعلل، ولا يورد ذلك المزيد بعينه، فلا يقال: فعطل ولا فعلب، تنبيها في الوزن على أن الزائد حصل من تكرير حرف أصلى، سواء كان التكرير للالحاق كقردد (1) أو


حرف أصلى، وإن لم تزد على الثلاثة فالمثلان فيها أصليان كمد وعد وبر وجب (1) قردد: اسم جبل، وما ارتفع من الارض، ومن الظهر أعلاه، ومن الشتاء شدته وحدته، ويقال: جاء بالحديث على قردده: أي وجهه (*)

[ 14 ]

لغيره كقطع، وإن لم تكن الزيادة بتكرير حرف أصلى أورد في الوزن تلك الزيادة بعينها، كما يقال في ضارب: فاعل، وفى مصروب: مفعول الوزن التصغيري وقد ينكسر هذا الاصل الممهد في أوزان التصغير، إذ قصدوا حصر جميعها في أقرب لفظ وهو قولهم: أوزان التصغير ثلاثة فعيل، وفعيعل، وفعيعيل، ويدخل في فعيعل دريهم مع أن وزنه الحقيقي فعيلل، وأسيود وهو أفيعل، ومطيلق وهو مفيعل، وجويرب وهو فويعل، وحمير وهو فعيل، ويدخل في فعيعيل عصيفير وهو فعيليل، ومفيتيح وهو مفيعيل، ونحو ذلك، وإنما كان كذلك لانهم قصدوا الاختصار بحصر جميع أوزان التصغير فيما يشترك فيه بحسب الحركات المعينة والسكنات، لا بحسب زيادة الحروف وأصالتها، فان دريهما مثلا وأحيمر وجديولا ومطيلقا تشترك في ضم أول الحروف وفتح ثانيها ومجئ ياء ثالثة وكسر ما بعدها، وإن كانت أوزانه في الحقيقة مختلفة باعتبار أصالة الحروف وزيادتها، فقالوا لما قصدوا جمعها في لفظ للاختصار: إن وزن الجميع فعيعل، فوزنوها بوزن يكون في الثلاثي دون الرباعي، لكونه أكثر منه، وأقدم بالطبع، ثم قصدوا ألا يأتوا في هذا الوزن الجامع يزيادة الا من نفس الفاء والعين واللام، إذ لابد للثلاثي - إذا كان على هذا الوزن - من زيادة، واختيار بعض حروف " اليوم تنساه " للزيادة دون بعض تحكم، إذ لو قالوا مثلا أفيعل باعتبار نحو أحيمر أو مفيعل باعتبار نحو مجيلس أو فعيل باعتبار نحو حمير أو غير ذلك كان تحكما، فلم يكن بد من تكرير أحد الاصول، وفى الثلاثي لا تكون زيادة التضعيف في الفاء فلم يقولوا ففيعل، بل لا تكون إلا في العين كزرق (1) أو في اللام كمهدد (2) وقردد،


(1) الزرق بوزان سكر طائر صياد وبياض في ناصية الفرس والجمع زراريق (2) مهدد: اسم امرأة، قال ابن سيده: وإنما قضيت على ميم مهدد أنها أصل (*)

[ 15 ]

فلو قالوا فعيلل لالتبس بوزن جعيفر، أعنى وزن الرباعي المجرد عن الزيادة، وهم قصدوا وزن الثلاثي كما ذكرنا، فكرروا العين ليكون الوزن الجامع وزن الثلاثي خاصة، وإن لم يقصدوا الحصر المذكور ورنوا كل مصغر بما يليق به، فقالوا: دريهم فعيلل، وحمير فعيل، ومقيتل مفيعل، ونحو ذلك. هذا، وقد يجوز في بعض الكلمات أن تحمل الزيادة على التكرير، وأن لا تحمل عليه، إذا كان الحرف من حوف " اليوم تنساه " وذلك كما في حلتيت، يحتمل أن تكون اللام مكررة كما في شمليل فيكون وزنه فعليلا فيكون ملحقا بقنديل، وأن يكون لم يقصد تكرير لامه وإن اتفق ذلك، بل كان القصد الى زيادة الياء والتاء كما في عفريت (1) فيكون فعليتا، وكذا سمنان: إما أن يكون مكرر اللام للالحاق بزلزال، أو يكون زيد فيه الالف والنون لا للتكرير بل كما زيد في سلمان، ولا دليل في قول الحماسي: - 1 - نحو الاميلح من سمنان مبتكرا * * بفتية فيهم المرار والحكم (2) - بمنه صرف سمنان - على كونه فعلان، لجواز كونه فعلالا وامتناع صرفه لتأويله بالارض والبقعة لانه اسم موضع، قال المصنف: لا يجوز أن يكون مكرر اللام للالحاق لان فعلالا نادر كخزعال، ولا يلحق بالوزن النادر، ولقائل أن يقول: إن فعلالا إذا كان فاؤء ولامه الاولى من جنس واحد نحو زلزال (3)


لانها لو كانت زائدة لم تكن الكلمة مفكوكة وكانت مدغمة كمسد ومرد، وهو (مهدد) فعلل اه‍ وقال سيبويه: الميم من نفس الكلمة، ولو كانت زائدة لادغم الحرف مثل مفر ومرد، فثبت أن الدال ملحقة، والمحلق لا يدغم اه‍ (1) العفريت: النافذ في الامر المبالغ فيه مع دهاء (2) الاميلح: ماء لبنى ربيعة، وسمنان تقدم ذكره، ومبتكرا: ذاهبا في بكرة الهار، وهى أوله، والمرار والحكم أخو الشاعر، وهو زياد بن منقذ (3) الزلزال: التحريك الشديد، والخلخال: حلى يلبس في الساق، وخلخال: بلد ويقال: ثوب خلخال، أي رقيق (*)

[ 16 ]

وخلخال غير نادر اتفاقا، فهلا يجوز أن يكون سمنان ملحقا به، وليس نحو زلزال بفعفال على ما هو مذهب الفراء كما يذكره المصنف في باب ذي الزيادة، ولا يجوز أن يكون التاءان أصليتين في حلتيت وكذا النونا ن في سمنان لما سيجئ من أن التضعيف في الرباعي والخماسي لا يكون إلا زائدا إلا أن يفصل أحد الحرفين عن الاخر بحرف أصلي كزلزال على ما فيه من الخلاف كما سيجئ، ولا يجوز أن يكون كرر اللام فيهما لغير الالحاق كما في سودد (1) عند سيبويه لان معنى الالحاق حاصل فيهما، وإنما امتنع ذلك في نحو سودد عند سيبويه (1) لعدم نحو جخدب عنده وأما نحو سحنون وعثنون فهما مكررا اللام للالحاق بعصفور، ولا يجوز أن يكون زيد الواو والنون كما في حمدون لعدم فعلون في أبنيتهم، وأما سحنون - - بفتح الفاء - فليس بمكرر اللام للالحاق بصعفوق، لانه نادر، ولا يلحق بالنادر، وليس التكرير لغير الالحاق كما في سودد (1) لعدم فعول مكرر اللام فهو إذن فعلون لثبوت فعلون في الاعلام خاصة، وسحنون علم وأما بطنان فليس بمكرر اللام، لانه جمع بطن (2)، وليس فعلال من


(1) هذا الكلام الذي ذكره الشارح هاهنا في كلمة سؤدد مخالف لما سيأتي له، فقد قال في مبحث الالحاق: ولا تلحق كلمة بكلمة مزيد فيها إلا بأن يجئ في الملحقة ذلك الزائد بعينه في مثل مكانه، ولهذا ضعف قول سيبويه في نحو سؤدد إنه ملحق بجندب المزيد نونه، وقوى قول الاخفش إنه ثبت نحو جخدب وإن نحو سؤدد ملحق به. وقال في باب الاعلال عند التعليل لتصحيح كلمة عليب: وهو عند الاخفش ملحق بجخدب وعند سيبويه للالحاق أيضا كسؤدد وإن لم يأت عنده فعلل اه‍ فهاتان العبارتان صريحتان في أنه يرى أن مذهب سيبويه أن كلمة سؤدد ملحقة بنحو جندب (2) الذي قاله المصنف هنا هو الذي ذكره المجد في القاموس والجوهري في (*)

[ 17 ]

أبنية الجموع، وفعلان منها كقفزان (1) ولو كان بطنان واحدا لجاز أن يكون فعلالا مكرر اللام للالحاق بقسطاس (2) كما في قرطاط (3) وفسطاط (4)، أو يقال في الثلاثة إنها مكررة اللام لا للالحاق كما في سؤدد عند سيبويه (5) وقال المصنف: لا يجوز أن يكون بطنان ملحق بقرطاس لانه ضعيف، والفصيح قرطاس - بكسر الفاء - والقائل أن يكون بطنان ملحقا بقرطاس لانه ضعفيف، وقد قرئ في الكتاب العزيز بالكسر والضم، وما قيل " إنها لغة رومية " لم يثبت والظاهر أن المصنف بنى على أن بطنانا وظهرانا مفردان (5) فحمل بطنانا في كونه فعلان على ظهران الذي هو فعلان بيقين، ولو جعلهما جمعين لم يحتج إلى ما ذكر، لان فعلالا ليس من أبنية الجموع، والحق أنهما جمعا بطن وظهر كما ذكر أهل اللغة رجعنا إلى تفسير كلامه، قوله " يعبر عنها " أي عن الاصول: أي، (هامش) * الصحاح وابن منظور في اللسان عن ابن سيده، لكن قال الجاربردي في شرحه على الشافية إن ظهرانا اسم لظاهر الريش وبطنانا اسم لباطنه فهما على ذلك مفردان كما يقتضيه كلام المصنف (1) القفزان: جمع قفيز، وهو مكيال يسع ثمانية مكاكيك (والمكاكيك: جمع مكوك - بزنة تنور - وهو مكيال يسع صاعا ونصف صاع). والقفيز من الارض يساوي مائة وأربعا وأربعين ذراعا (2) القسطاس - بالضم والكسر - الميزان (3) القرطاط - بالضم والكسر - ما يوضع تحت رحل البعير، وهو الداهية أيضا. (4) الفسطاط - بضم أوله أو كسره - المدينة التى فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، ومنه قيل لمدينة مصر التى بناها عمرو بن العاص فسطاط، وقال الزمخشري: الفسطاط: ضرب من الابنية في السفر دون السرادق، وبه سميت المدينة، ويقال لمصر والبصرة الفسطاط اه‍ عن اللسان (5) أنظر (ص 16 ه‍ ا من هذا الجزء) (*)

[ 18 ]

يجعل في الوزن مكان أول الاصول الفاء، ومكان ثانيها العين، ومكان ثالثها اللام. قوله " وما زاد " أي: وما زاد عن ثلاثة من الاصول يعبر عنه بلام ثانية إن كان الاسم رباعيا، كما تقول: وزن جعفر فعلل قوله " وثالثة " أي: إذا كان الاسم خماسيا كما تقول: وزن سفرجل فعلل قوله " ويعبر عن الزائد بلفظه ": أي يورد في الوزن الحرف الزائد بعينه في مثل مكانه، كما تقول: مضروب على وزن مفعول زنة المبدل من تاء الافتعال قوله " إلا المبدل من تاء الافتعال " يعني تقول في مثل اضطرب وازدرع (1) افتعل، ولا تقول افطعل ولا افدعل، وهذا مما لا يسلم، بل تقول: اضطرب على وزن افطعل، وفحصط (2) وزنه فعلط، وهراق (3) وزنه هفعل، وفقيمج وزنه (4) فعيلج، فيعبر عن كل الزائد المبدل (منه) بالبدل، لا بالمبدل منه وقال عبد القاهر في المبدل عن الحرف الاصلى: " يجوز أن يعبر عنه بالبدل، فيقال في قال: إنه على وزن فال " اه‍، قال في الشرح (5): إنما لم يوزن المبدل من تاء


(1) أصل ازدرع ازترع، فأبدلوا التاء دالا لوقوعها بعد الزاى، وهى بمعنى زرع أي طرح البذر (2) فحصط: هو فحصت بتاء المتكلم، فأبدلت طاء تشبيها لها بالتاء في نحو اصطبر والابدال في فحصت شاذ، إذ التاء فيه من الاسماء العريقة في البناء (3) هراق: أصله أولا أريق ثم أعل بالنقل والقلب فصار أراق ثم، أبدلت همزته هاء شذوذا (4) فقيمج (بالتصغير والجيم مشددة) أصله فقيمى، وهو المنسوب إلى فقيم، وفقيم: بطن من كنانة، أبدلت فيه الياء المشددة جيما كما قالوا: علجا وعشجا في على وعشى (5) المراد بالشرح في هذه العبارة شرح ابن الحاجب على شافيته (*)

[ 19 ]

الافتعال بلفظه إما للاستثقال أو للتنبيه على الاصل، قلنا: هذا حاصلان في فحصط وفى فزد (1) ولا يوزنان إلا بلفظ البدل، ولو قال: ويعبر عن الزائد بلفظه، إلا المدغم في أصلى فانه بما بعده، والمكرر فانه بما قبله، ليدخل فيه نحو قولك: ازين وادارك (2) على وزن افعل وافاعل، وقولك قردد وقطع واطلب على وزن فعلل وفعل وافعل، لكان أولى وأعم قوله " أو لغيره " أي: لا يقال في نحو قطع فعطل، بل فعل، قال: (3) زنة المكرر " إنما وزن المكرر للالحاق بأحد حروف فعل لانه في مقابلة الحرف الاصلى، وهذا ينتقض عليه بقولهم في وزن حوقل وبيطر: فوعل وفيعل، بل العلة في التعبير عن المكرر للالحاق (كان) أو لغيره عينا كان أو لا ما ذكرته قبل قوله " فانه بما تقدمه " أي: فان المكرر يعبر عنه في الوزن بالحرف الذى تقدمه، عينا كان ذلك الحرف أو لا ما قوله " وإن كان من حروف الزيادة " أي: وإن كان أيضا ذلك الحرف المكرر من حروف " اليوم تنساه " لا يعبر عنه بلفظه، بل بما تقدمه، فالنون من عثنون من حروف " اليوم تنساه " ولا يعبر عنه في الوزن بالنون، بل باللام الذى تقدمه.


(1) فزد: أصلها فزت، فعل ماض من الفوز مسند إلى ضمير المتكلم، فأبدلت التاء دالا تشبيها لها بالتاء في نحو ازدجر وازدرع (2) ازين: أصله تزين، فأبدلت التاء زايا ثم أدغم ثم أتى بهمزة الوصل توصلا إلى النطق بالساكن، وادارك: أصله تدارك أبدلت التاء دالا ثم فعل به ما فعل بسابقه، واطلب: أصله اطتلب أبدلت تاء الافتعال طاء لوقوعها بعد حرف الاطباق ثم أدغمت الطاء في الطاء (3) القائل هو المصنف في الشرح المنسوب إليه (*)

[ 20 ]

قوله " إلا بثبت " أي: إلا أن يكون هناك حجة تدل على أن المراد من الاتيان بحروف " اليوم تنساه " ليس تكريرا كما قلنا في سحنون - بالفتح - إنه فعلون لا فعلول. قوله " ومن ثم " أي: من جهة التعبير عن المكرر بما تقدمه وإن كان من حروف " اليوم تنساه "، ونحن قد ذكرنا أنه لا مانع أن يقال: إنه فعليت قوله " لذلك " أي: لوجوب التعبير عن المكرر بما تقدمه وإن كان من حروف الزيادة. قوله " ولعدمه " أي: لعدم فعلون. قوله " وسحنون إن صح الفتح " إنما قال ذلك لانه روى الفتح فيه، والمشهور الضم، وحمدون وسحنون: علمان. قوله " وهو صعفوق " أي: الفعلول النادر صعفوق، وهو اسم رجل، وبنو صعفوق: خول باليمامة (1) قوله " وخرنوب ضعيف " المشهور ضم الخاء، وقد منع الجوهرى الفتح، ولو ثبت أيضا لم يدل على ثبوت فعلول، لان النون زائدة لقولهم الخروب - بالتضعيف - بمعناه، وهو نبت. قوله " وخزعال نادر " قال الفراء: لم يأت من غير المضاعف على فعلال إلا قولهم: ناقة بها خزعال: أي ظلع، وزاد ثعلب قهقارا، وأنكره الناس، وقالوا:


(1) الخول - بفتحتين - الخدم والرعاة إذا حسن قيامهم على المال والغنم، الواحد خولى كعرب وعربى. قال ابن الاثير: الخولى عند أهل الشام القيم بأمر الابل واصلاحها، من التخول التعهد وحسن الرعاية (*)

[ 21 ]

قهقر (1) وزاد أبو مالك قسطالا بمعنى قسطل، وهو الغبار، وأما في المضاعف كخلخال وبلبال (2) وزلزال فكثير. قال: " ثم إن كان قلب في الموزون قلبت الزنة مثله كقولهم في ادر أعفل، ويعرف القلب بأصله كناء يناء مع النأى، وبأمثلة اشتقاقه كالجاه والحادي والقسي، وبصحته كأيس، وبقلة استعماله كارام وادر، وبأداء تركه إلى همزتين عند الخليل نحو جاء، أو إلى منع الصرف بغير علة على الاصح نحو أشياء، فانها لفعاء، وقال الكسائي: أفعال، وقال الفراء: أفعاء وأصلها أفعلاء، وكذلك الحذف كقولك في قاض فاع، إلا أن يبين فيهما " أقول: يعنى بالقلب تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وأكثر ما يتفق القلب في المعتل والمهموز، وقد جاء في غيرهما قليلا، نحو امضحل واكرهف في اضمحل واكفهر، (3) وأكثر ما يكون بتقديم الاخر على متلوه كناء يناء في نأى ينأى، وراء في رأى، ولاع وهاع وشواع في لائع وهائع (4)


(1) قال في اللسان: القهقر، والقهقر بتشديد الراء الحجر الاملس الاسود الصلب، وكان أحمد بن يحى يقول وحده القهقار اه‍ وأحمد هو ثعلب (2) البلبال: شدة الهم، والوسواس في الصدر (3) اضمحل الشئ: ذهب، وامضحل في لغة الكلابيين بمعناها، واكفهر الرجل: عبس وقطب وجهه، واكرهف بمعناها (4) تقول: رجل هائع لائع: أي جبان ضعيف جزوع، وهو اسم فاعل من الاجوف قلبت عينه ألفا ثم همزة كما في بائع وقائل، وقد قال أكثر العرب هاع لاع (معربا بحركات ظاهره على آخر الكلمة وهو العين) فاختلف العلماء في تخريجه فمنهم من ذهب إلى أنه على زنة فعل بكسر العين قلبت عينه ألفا لتحركها إثر فتحة وقال آخرون: أصله هائع لائع، فحذفت العين ووزنه فال، وقال بعض العرب هاع لاع (معربا إعراب قاض) فقال العلماء: أصله هايع لاوع قدمت اللام على العين فصار هاعيا ولاعوا ثم أعلا إعلال قاض وغاز، فالاعراب على هذا الوجه بفتحة ظاهرة وبضمة وكسرة مقدرتين، هذا، واعلم أنه قد تتوارد هذه الاوجه (*)

[ 22 ]

وشوائع (1) والملهاة وأصلها الماهة (2)، وأمهيت الحديد (3) في أمهته، ونحو جاء عند الخليل، وقد يقدم متلو الاخر على العين نحو طأمن وأصله طمأن (4) لانه من الطمأنينة، ومنه أطمأن يطمئن اطمئنانا، وقد تقدم العين على الفاء كما في أيس وجاه وأينق والاراء والابار والادر (5)، وتقدم اللا على الفاء كما في أشياء على الاصح، وقد تؤخر الفاء عن اللام كما في الحادى وأصله الواحد


الثلاثة فيما ورد مجرورا بالكسرة، فأما المرفوع والمنصوب بالفتحة على الحرف الصحيح فلا يجئ الا أحد الوجهين، وإن كان على غير ذلك فهو على ما ذكر آخرا ليس غير (1) شوائع: جمع شائعة، تقول: أخبار شائعة وشوائع إذا كانت منتشرة، وكذا تقول شاعية وشواع بالقلب، وتقول: جاءت الخيل شوائع وشواعي: أي متفرقة (2) الماهة: واحدة الماء، وهو الماء، قاله في اللسان، والمهاة - بفتح الميم - الحجارة البيض التى تبرق، وهى البلورة التى تبص لشدة بياضها، وهى الدرة أيضا، والمهاة - بضم الميم - ماء الفحل، وإذا استقرأت أمثلة القلب المكانى علمت أنه لابد بين معنى اللفظ المقلوب والمقلوب عنه من المناسبة لكن لا يلزم أن يكون هو نفسه، بل يجوز أن يكون مما شبه بمعنى المقلوب عنه أو من بعض أفراده، قال ابن منظور: " المهو من السيوف: الرقيق، وقيل: هو الكثير الفرند، وزنه فلع، مقلوب من لفظ ماه، قال ابن جنى: وذلك لانه أدق حتى صار كالماء " اه‍ (3) تقول: أمهيت الحديدة إذا سقيتها الماء وأحددتها ورققتها وتقول: اماه الرجل السكين وغيرها إذا سقاها الماء وذلك حين حين تسنها به، ومثل ذلك قولهم في حفر البئر أمهى وأماه إذا انتهى إلى الماء (4) طأمن الرجل الرجل: إذا سكنه، والطمأنينة: السكون، والذى ذهب إليه المؤلف من أن طأمن مقلوب عن طمأن هو ما ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه ذهب إلى أن طمأن مقلوب عن طأمن، انظر اللسان فان فيه حجة الامامين وتفصيل المذهبين (5) الجاه: المنزلة والقدر عند السطان: وأصله وجه قدمت العين فيه على الفاء ثم حركت الواو، لان الكلمة لما لحقها القلب ضعفت فغبروها بتحريك ما كان ساكنا (*)

[ 23 ]

قوله " بأصله " أي: بما اشتق منه الكلمة التى فيها القلب، فان مصدر ناء يناء النأز لا النئ قوله " وبامثلة اشتقاقه " أي: بالكلمات المشتقة مما اشتق منه المقلوب، فان توجه ووجه والوجاهة مشتقة من الوجه، كما أن الجاه مشتق منه، وكذلك الواحد وتوحد مشتقان من الوحدة كاشتقاق الحادى منها، والاقواس وتقوس مشتقان من القوس اشتقاق القسى منه، وهذا منه عجيب، لم جعله قسما آخر وهو من الاول: أي مما يعرف بأصله ؟ ! بل الكلمات المشتقة من ذلك الاصل توكد كون الكلمات المذكورة مقلوبة قوله " وبصحته كأيس " حق العلامة أن تكون مطردة، وليس صحة الكلمة نصا في كونها مقلوبة، إذ قد تكون لاشياء أخر كما في حول وعور


ثم قلبت الواو وألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وليس يلزم في القلب اتحاد وزن المقلوب والمقلوب عنه، قاله في اللسان عن ابن جنى، وذهب بعض الشراح إلى أن الواو لما أخرت عن الجيم أخرت وهى مفتوحة، وحركت الجيم ضرورة أنها صارت مبتدأ بها، وكانت حركتها الفتحة للخفة أو لانها أصل حركة الفاء في هذه الكلمة، وبعضهم يذهب إلى أن الواو انقلبت ألفا لانفتاح ما قبلها وإن كانت هي ساكينة كما في طائى وياجل. والذى ذكره المؤلف من أن أينقا مقلوب هو أحد مذهبين لسيبويه قال في اللسان: قال ابن حبى ذهب سيبويه في قولهم أينق مذهبين أحدهما أن تكون عين أينق قلبت إلى ما قبل الفاء فصارت في التقدير أونق ثم أبدلت الواو ياء لانها كما أعلت بالقلب كذلك أعلت بالابدال أيضا، والاخر ان تكون العين حذفت ثم عوضت الياء منها قبل الفاء فمثالها على هذا القول أيفل وعلى القول الاول أعفل. وأصل آراء وآبار ارآء وابآر بدليل مفردهما فقدمت العين فالتقى همزتان في أول الكلمة وثانيتهما ساكنة فقلب الثانية وجوبا مدة من جنس حركة ما قبلها، وأصل آدر أدور جمع دار، أبذلت الواو المضمومة ضمة لازمة همزة جوازا، ثم قدمت العين على الفاء فقلبت ثانية الهمزتين ألفا (*)

[ 24 ]

واجتوروا والحيدى، وكذا قلة استعمال أحدى الكلمتين وكثرة استعمال الاخرى المناسبة لها لفظا ومعنى لا تدل على كون القليلة الاستعمال مقلوبة، فان رجلة في جمع رجل أقل استعمالا من رجال وليست بمقلوبة منه، ولعل مراده أنها إذا كانت الكلمتان بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا بقلب في حروفهما، فان كانت إحداهما صحيحة مع ثبوت العلة فيها دون الاخرى كأيس مع يئس فالصحيحة مقلوبة من الاخرى، وكذا إن كانت إحداهما أقل استعمالا مع الفرض المذكور من الاخرى، فالقلى مقلوبة من الكبرى، كآرام وآدر مع أرآم وأدؤر، مع أن هذا ينتقض بجذب وجبذ، فان جذب أشهر مع أنهما أصلان (1) على ما قالوا ويصح أن يقال: إن جميع ما ذكر من المقلوبات يعرف بأصله، فالجاه والحادي والقسى عرف قلبها بأصولها وهى الوجه والوحدة والقوس، وكذا أيس يأيس باليأس، وآرام وآدر برئم ودار، فان ثبت لغتان بمعنى يتوهم فيهما القلب، ولكل واحدة منهما أصل كجذب جذبا وجبذ جبذا، لم يحكم بكون إحداهما مقلوبة من الاخرى، ولا يلزم كون المقلوب قليل الاستعمال، بل قد يكون كثيرا كالحادي والجاه، وقد يكون مرفوض الاصل كالقسى، فان أصله - أعنى القووس - غير مستع ؟ وليس شئ من القلب قياسيا إلا ما ادعى الخليل فيما أدى تك القلب فيه إلى اجتماع الهمزتين كجاء وسواء (2)، فانه عنده قياسي


(1) هذا الذى ذكره من أن جذب وجبذ أصلان هو ما ذهب إليه جمهرة المحققين من النحاة وذهب أبو عبيد وابن سيده في المحكم على ما قاله اللسان (في مادة جذب) إلى أن جبذ مقلوبة عن جذب ونقل في اللسان عن ابن سيده (في مادة جبذ) مثل قول الجمهور (2) جمع سائية، وهى مؤنث ساء، وهو اسم فاعل من قولهم ساءه سوءا وسواه وسواءة وسواية وسوائية ومساءة ومسائية على القلب، فعل به ما يكره (*)

[ 25 ]

قوله " وبأداء تركه إلى همزتين عند الخليل كجاء " أي: أن الخليل يعرف القلب بهذا ويحكم به، وهو أن يؤدى تركه إلى اجتماع همزتين، وسيبويه لا يحكم به وإن أدى تركه إلى هذا، وذلك في اسم الفاعل من الاجوف المهموز اللام نحو ساء وجاء، وفى جمعه على فواعل نحو جواء وسواء جمعى جائية وسائية وفى الجمع الاقصى لمفرد لامه همزة قبلها حرف مد كخطايا في جمع خطيئة، وليس ما ذهب إليه الخليل بمتين، وذلك لانه إنما يحتزر عن مكروه إذا خيف ثباته وبقاؤه، أما إذا أدى الامر إلى مكروه وهناك سبب لزواله فلا يجب الاحتراز من الاداء إليه، كما أن نقل حركة واو نحو مقوول إلى ما قبلها وإن كان مؤديا إلى اجتماع الساكنين لم يجتنب لما كان هناك سبب مزيل له، وهو حذف أولهما، وكذا في مسئلتنا قياس موجب لزوال اجتماع الهمزتين، وهو قلب ثانيتهما في مثله حرف لين كما هو مذهب سيبويه، وإنما دعا الخليل إلى ارتكاب وجوب القلب في مثله أداء ترك القلب إلى إعلالين كما هو مذهب سيبويه، وكثرة القلب في الاجوف الصحيح اللام، نحو شاك وشواع في شائك وشوائع، لئلا يهمز ما ليس أصله الهمز والهمز مستثقل عندهم كما يجئ في باب تخفيف الهمزة، ويحذفه بعضهم فيما ذكرت حذرا من ذلك، فيقول: رجل هاع لاع بضم العين، فلما رأى فرارهم من الاداء إلى همزة في بعض المواضع أوجب الفرار مما يؤدى إلى همزتين، وأما سيبويه فانه يقلب الاولى همزة كما هو قياس الاجوف الصحيح اللام نحو قائل وبائع، ثم يقلب الهمزة الثانية ياء لاجتماع همزتين ثانيهما لام كما سيجئ تحقيقه في باب تخفيف الهمزة، فيتخلص مما يجتنبه الخليل مع عدم ارتكاب القلب الذى هو خلاف الاصل، وقد نقل سيبويه عن الخليل مثل ذلك أيضا، وذلك أنه حكى عنه أنه إذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة اختير تخفيف الاخيرة نحو جاء وآدم، فقد حكم على ما ترى بانقلاب ياء الجائى عن الهمزة، وهو عين مذهب سيبويه

[ 26 ]

فان قيل: لو كانت الثانية منقبلة عن الهمزة لم تعل بحذف حركتها كما في دارى (1) ومستهزيون فالجواب أن حكم حروف اللين المنقلبة عن الهمزة انقلابا لازما حكم حروف اللين الاصلية التى ليست بمنقلبة عن الهمزة، وإن كان الانقلاب غير لازم كما في دارى (2) ومستهزيين، ويروى عن حمزة مستهزون، وعليه قوله (3): 2 - جرئ متى يظلم يعاقب بظلمه * سريعا وإلا يبد بالظلم يظلم (4) فحذف الالف للجزم، وكذا قالوا مخبى في مخبو مخفف مخبوء بالهمزة كما يجئ في باب الاعلال، وبعضهم يقول في تخفيف رؤية ورؤيا: رية وريا بالادغام كما يجئ في باب الاعلال


(1) مذهب سيبويه في جاء أن أصله جايئ فقلبت الياء ألفا ثم قلبت الالف همزة فصار جائتا ثم قلبت الهمزة الثانية ياء لكونها ثانية همزتين في الطرف أولاهما مكسورة على ما سيأتي في تخفيف الهمزة ثم أعطيت الكلمة حكم قاض ونحوه من حذف الياء إذا كان منونا غير منصوب وبقائها فيما عدا ذلك، فالشارح يعترض على الاعلال بالحذف بأنه لو صح أن الياء منقلبة عن الهمزة الثانية وليست هي العين أخرت إلى موضع اللام لكان يجب لها البقاء كما بقيت الياء المنقلبة عن الهمزة في دارى وأصله دارئ وفى مستهزيين وأصله مستهزئون خففت الهمزة فيهما بقلبها عن جنس حركة ما قبلها. (2) دارئ: اسم فاعل من قولك درأه إذا دفعه وتقول: ناقة دارئ مغدة، ومستهزئ منه وبه أي سخر. (3) هو زهير ابن أبى سلمى المزني، والبيت ن معلقته يمدح به حصين ابن ضمضم (4) يريد أنه شجاع متى ظلمه أحد عاقب الظالم بظلمه سريعا وأنه مع ذلك عزيز النفس إن لم يبدأه أحد بالظلم بدأ هو بالظلم (*)

[ 27 ]

فان قيل: فإذا كان قلب ثانية همزتي نحو أئمة واجبا فهلا قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها قلت: إذا تحركت الواو والياء فاين وانفتح ما قبلهما لم تقلبا ألفا وإن كانت أصليتين كما في أود (1) وأيل، بل إنما تقلبان عينين أو لامين، كما يجئ في باب الاعلال إن شاء الله تعالى، وقال المصنف: إنما لم تقلب ياء أيمة الفا لعروض الحركة عليها كما في " اخشى الله " " ولو أنهم " ولقائل أن يقول: الحركة العارضة في أيمة لازمة بخلاف الكسرة في " اخشى الله "، ولو لم يعتد بتلك العارضة لم تنقلب الهمزة الثانية ياء، فانها إنما قلبت ياء للكسرة، لا لشئ آخر، هذا، وإنما قدم الادغام في أيمة وإوزة على إعلال الهمزة بقلبها ألفا وإعلال الواو بقلبها ياء للكسرة التى قبلهار لان المثلين في آخر الكلمة وآخرها أثقل طرفيها إذ الكلمة يتدرج ثقلها بتزايد حروفا، واللائق بالحكمة الابتداء بتخفيف الاثقل، ألا ترى إلى قلب لام نوى أولا دون عينه، فلما أدغم أحد المثلين في الاخر في أيمة وإوزة - ومن شرط إدغام الحرف الساكن ما قبله نقل حركته إليه - تحركت الهمزة والواو الساكنتان فزالت علة قلب الهمزة ألفا والواو ياء، وإنما حكم في إوزة بأنها إفعلة لا إفعلة لوجود الوزن الاول كاصبع دون الثاني،


(1) أود إن كانت واوه مفتوحة فهو إما مضارع وددته وإما أفعل تفضيل منه، وإن كانت الواو مضمومة فهو جمع قلة لود (مثلث الواو) على وزن أفعل وأصله أودد فنقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبله ثم أدغم، وأنل ؟ - بفتح الهمزة والياء - يحتمل أن يكون مضارع يللت إذا قصرت أسناني أو انعطفت إلى داخل الفم، وبابه فرح، ويحتمل أيضا أن يكون صفة مشبهة من ذلك، والانثى يلاء (*)

[ 28 ]

ولا يجوز أن يكون فعلة كهجف (1) لقولهم وز (2)، وأما ترك قلب عين نحو نوى بعد قلب اللام فلما يجئ في باب الاعلال (3) فان قيل: إذا كان المد الجائز انقلابه عن الهمزة حكمه حكم الهمزة فلم وجب الادغام في برية ومقروة (4) بعد القلب ؟ وهلا كان مثل ريبا (5) غير مدغم، مع أن تخفيف الهمزة في الموضعين غير لازم ؟ ؟ قلت: الفرق بينهما أن قلب الهمزة في برية ومقروة لفصد الادغام فقط حتى تخفف الكلمة بالادغام، ولا مقتضى له غير قصد الادغام، فلو قلبت بلا إدغام لكان نقضا للغرض، وليس قلب همزة رئيا كذلك، لان مقتضيه كسر ما قبلها كما في بئر، إلا أنه اتفق هناك كون ياء بعدها قوله " أو إلى منع الصرف بغير علة على الاصح " أي: يعرف القلب على الاصح بأداء تركه إلى منع صرف الاسم من غير علة، ودعوى القلب بسبب أداء تركه


(1) الهجف - بكسر ففتح فسكون - الظلم (الذكر من النعام) المسن، أو الجافي الثقيل ومن الادميين، وهو أيضا الجائع (2) الاوزة: البطة، واحدة الاوز، وقد قالوا فيها: وزة، وقالوا في اسم الجنس أيضا: وز، فكان سقوط الهمزة في بعض صور الكلمة دليلا على أن هذه الهمزة حرف زائد (3) الذى يجئ في باب الاعلال هو أن شرط إعلال العين بقلبها ألفا ألا تكون اللام حرف علة، سواء أعلت اللام كما في نوى أم لم تعل (4) برية: أصلها بريئة، فعيلة بمعنى مفعولة، من قولهم: برأ الله الخلق: أي أنشأه وأوجده، خففت الهمزة بابدالها ياء ثم أدغمت الياء في الياء. ومقروة: أصله مقروءة اسم مفعول من قرأ ففعل به ما فعل بسابقه (5) ربيا: أصله رئيا، خففت الهمزة بأبدالها من جنس حركة ما قبلها، والرئى: المنظر الحسن (*)

[ 29 ]

إلى هذا مذهب سيبوية، فأما الكسائي فانه لايعرف القلب بهذا الاداء، بل يقول: أشياء أفعال، وليس بمقلوب، وإن أدى إلى منع الصرف من غير علة، ويقول: امتناعه من الصرف شاذ، ولم يكن ينبغى للمصنف هذا الاطلاق، فان القلب عند سيبويه عرف في أشياء بأداء الامر لولا القلب الى منع الصرف بلا علة، كما هو مذهب الكسائي، أو إلى حذف الهمزة حذفا غير قياسي، كما هو مذهب الاخفش والفراء، فهو معلوم بأداء الامر إلى أحد المحذورين لا على التعيين، لا بالاداء إلى منع الصرف معينا ثم نقول: أشياء عند الخليل وسيبويه اسم جمع لا جمع، كالقصباء والغضباء والطرفاء، في القصبة والغضا والطرفة (1) وأصلها شيئا، قدمت اللام على الفاء كراهة اجتماع همزتين بينهما حاجز غير حصين - أي الالف - مع كثرة استعمال هذه اللفظة، فصار لفعاء، وقال الكسائي: هو جمع شئ، كبيت وأبيات، منع صرفه توهما أنه كحمراء، مع أنه كأبناء وأسماء، كما توهم في مسيل (2) - وميمه زائدة - أنها أصلية فجمع على مسلان كما جمع قفيز على قفزان وحقه مسايل وكما توهم في مصيبة ومعيشة أن ياءهما زائدة كياء قبيلة فهمزت في الجمع فقيل: مصائب اتفاقا، ومعائش عن بعضهم، والقياس مصاوب ومعايش، وكما توهم في منديل ومسكين ومدرعة (3)، وهو من تركيب ندل (4) ودرع وسكن، أصالة ميمها فقيل: تمندل وتمسكن وتمدرع اه‍.


(1) القصباء: القصب وهو معروف، والغضباء: منبت الغضا، وواحدة غضا أيضا، والغضا: الشجر الذى ينبت في هذا المكان واحدته غضاة، والطرفاء: اسم جنر للطرفة (2) المسيل: أصله اسم مكان من سال يسيل، ومسيل الماء: مجراه (3) المدرعة - كمكنسة - الثوب من الصوف (4) ندل الشى: نقله، وندل الخبز: أخذه بيده، والمنديل: الخرقة التى يمسح بها (*)

[ 30 ]

وما ذهب إليه بعيد، لان منع الصرف بلا سبب غير موجود، والحمل على التوهم - ما وجد محمل صحيح - بعيد من الحكمة. (1) وقال الاخفش والفراء: أصله أشيئا جمع شئ وأصله شئ نحوبين وأبيناء، وهو ضعيف من وجوه: أحدها: أن حذف الهمزة في أشياء إذن على غير قياس، والثانى. أن شيئا لو كان في الاصل شيئا لكان الاصل أكثر استعمالا من المخفف، قياسا على أخواته، فان بينا وسيدا وميتا أكثر من بين وسيد وميت، ولم يسمع شى، فضلا عن أن يكون أكثر استعمالا من شئ. والثالث: أنك تصغر أشياء على أشياء، ولو كان أفعلاء (وهو) جمع كثرة وجب رده في التصغير إلى الواحد. وجمعه على أشياوات مما يقوى مذهب سيبويه، لان فعلاء الاسمية تجمع على فعلاوات مطردا نحو صحراء على صحراوات، وجمع الجمع بالالف والتاء كرجالات وبيوتات غير قياس.


قال في اللسان: قيل هو من الندل الذى هو الوسخ، وقيل: إنما اشتقاقه من الندل الذى هو التناول، وقوله (ودرع) الذى عثرنا عليه أن الدرع ثوب من ثياب النساء والدرع الحديد، وتقول: درعته بالتضعيف أي ألبسته الدرع، ودرعت المرأة بالتضعيف كذلك: أي ألبستها قميصها، فتدرع وادرع أي لبسها، ولم نعثر على فعل ثلاثى مجرد من هذا المعنى (1) قال في القاموس: وأما الكسائز فيرى أنها (يريد أشياء) أفعال كفرخ وأفراخ، ترك صرفها لكثرة الاستعمال، شبهت بفعلاء في كونها جمعت على أشياوات فصارت كخضراء وخضراوات، وحينئذ لا يلزمه ألا يصرف ابناء وأسماء كما زعم الجوهرى لانهم لم يجمعوا أسماء وأبناء بالالف والتاء (*)

[ 31 ]

ويضعف قول الاخفش والكسائي قولهم: أشايا، وأشاوى، في جمع أشياء، كصحارى في جمع صحراء، فان أفعلاء وأفعالا لا يجمعان على فعالى، والاصل هو الاشايا (1) وقلبت الياء في الاشاوى واوا على غير قياس، كما قيل: جبيته جباية وجباوة. وقال سيبويه: أشاوى جمع إشاوة في التقدير، فيكون إذن مثل إداوة (2) وأداوى كأنه بنى من شئ شياءه ثم قدمت اللام إلى موضع الفاء وأخرت العين إلى موضع اللام فصار إشاية، ثم قلبت الياء واوا على غير قياس كما في جباوة، ثم جمع على أشاوى كاداوة وأداوى. وأقرب طريقا من هذا أن نقول: جمع أشياء على أشايا، ثم قلبت الياء واوا على غير القياس قوله " وكذلك الحذف " عطف على قوله " إن كان في الموزون قلب قلبت الزنة مثله " يعنى وإن كان في الموزون حذف حذف في الزنة مثله، فيقال: قاض على وزن فاع، بحذف اللام. قوله " إلا أن يبين فيهما " أي: يبين الاصل في المقلوب والمحذوف، يعنى


(1) أصل أشايا الذى هو جمع أشياء أشايى.، فقلبت الياء همزة (على رأى سيبويه وجمهور البصريين) فصار أشائئ بهمزتين، فقلبت الثانية ياء، ثم قلب كسرة أولى الهمزتين فتحة، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها حينئذ، فاجتمع شبه ثلاث ألفات فكان لابد من قلب الهمزة، فقلبت ياء لامرين: الاول: أن الياء أخف من الواو، الثاني: أنها أقرب مخرجا منها إلى الهمزة، فلا جرم أن الياء قد غلبت الواو في هذا الباب كثيرا، وإذا عرفت هذا كان من السهل أن تدرك أن قلب الياء ولوا بعد ذلك غير القياس (2) الاداوة - بكسر الهمزة - المطهرة، وهى إناء من جلد يتخذ للماء (*)

[ 32 ]

(أنك) إن أردت بيان الاصل في المقلوب والمحذوف لم تقلب في الوزن ولم تحذف فيه، وهو وهم، لانك لا تقول: إن أشياء مثلا عند سيبويه فعلاء إذا قصدت بيان أصله، بل الذي تزن بفعلاء ما ليس فيه قلب وهو أصل هذا المقلوب، تقول: أصل أشياء على وزن فعلاء، وكذا لا تقول إذا قصدت بيان أصل قاض: إن قاض فاعل، بل تقول: أصل قاض فاعل، فلا يكون أبدا وزن نفس المقلوب والمحذوف الا مقلوبا أو محذوفا، فلا معنى للاستثناء بقول " إلا أن يبين فيهما " قال: " وتنقسم إلى صحيح ومعتل، فالمعتل ما فيه حرف علة، والصحيح بخلافه، فالمعتل بالفاء مثال، وبالعين أجوف وذو الثلاثة، وباللام منقوص وذو الاربعة، وبالفاء والعين أو بالعين واللام لفيف مقرون، وبالفاء واللام لفيف مفروق ". أقول: قوله " تنقس " أي: تنقسم الابنية أصولا كانت أو غير أصول، ولا يكون رباعي الاسم والفعل معتلا ولا مضاعفا ولا مهموز الفاء (1)، ولا يكون


(1) أما أن أحدهما لا يكون معتلا فلانه إما أن يكون اعتلال أحدهما بالواو أو بالياء أو بالالف، وإما أن يكون أحد هذه الاحرف في الاول أو بعده، فأما الواو والياء فلا يكونان مع ثلاثة أصول إلا زائدين كما يجئ في باب ذى الزيادة، وأما الالف فلا تقع أولا ولا تكون بعد الاول مع ثلاثة أصول إلا وهى زائدة، وأما أن أحدهما لا يكون مضعفا فان عنى بذلك أنه لا يكون مكررا فغير مسلم لورود نحو زلزل ووسوس، وسمسم ويؤيؤ، وإن عنى أن لامه الاولى والثانية مثلا لا تكونان من جنس واحد مع كونهما أصلى فمسلم، فنحو هجف وخدب اللام الثانية مزيدة للالحاق بهزبر، وأما أن أحدهما لا يكون مهموز الفاء فوجهه أن الهمزة في الاول مع ثلاثة أصول فقط لا تكون إلا زائدة نحو أحمد، وأما مهموز العين فقد يكون رباعيا نحو زئبر (وهو ما يعلو الثوب الجديد) ونحو ضئبل ونئطل (وهما اسمان من أسماء الدهية) (*)

[ 33 ]

الخماسي مضاعفا، وقد يكون معتل الفاء فقط، ومهموزده - حوورنتل (1) وإصطبل بل يكون الرباعي مضاعفا بشرط فصل حرف أصلى بين المثلين كزلزل، وستعرف هذه الجملة حق المعرفة في باب ذى الزيادة إن شاء الله تعالى. قوله " ما فيه حرف علة " أي: في جوهره، أعنى في موضع الفاء أو العين أو اللام، حتى لا ينتقض بنحو حوفل وبيطر ويضرب (2)، ويعنى بحرف العلة الواو والياء والالف، وإنما سميت حرف علة لانها لا تسلم ولا تصح: أي لا تبقى على حالها في كثير من المواضع، بل تتغير بالقلب والاسكان والحذف، والهمزة وإن شاركتها في هذا المعنى لكن لم يجر الاصطلاح بتسميتها حرف علة. وتنقسم الابنية قسمة أخرى إلى مهموز وغير مهموز، فالمهموز قد يكون صحيحا كأمر وسأل وقرأ، وقد يكون معتلا نحو آل ووأل (3) ورأى: وكذا غير المهموز نحو ضرب ووعد. وتنقسم قسمة أخرى إلى مضاعف وغير مضاعف، والمضاعف إما صحيح كمد، أو معتل كود وحى وقوة، وكذا غير المضاعف كضرب ووعد، وكذا المضاعف إما مهموز كأز (4)، أو غيره كمد، فالمهموز ما أحد حروفه الاصلية همزة


(1) الورنتل: الشر والامر العظيم، وظاهر كلام الشارح هنا يقتضى أنه خماسى الاصول مثل ما بعده، مع أن الواقع أن النون زائدة مثل نون جحنفل، أما واوه فأصلية لانها لا تزداد أولا البتة. انظر اللسان (2) حوقل الرجل: ضعف عن الجماع مثل حقل، وحوقل أيضا: أسرع في المشى، وكبر، ومشى فأعيا، والواو فيها زائدة، أما حوقل بمعنى قال لا حول ولا قوة إلا بالله فالواو فيها أصلية (3) آل يؤول أولا ومآلا: رجع، ووأل يئل وألا ووءلا ووئيلا: لجأ، ومنه الموئل (4) أزت القدر تؤز وتئز أزا وأزيزا: إذا اشتد غليانها، وقيل: هو غليان ليس بالشديد (*)

[ 34 ]

كأمر وسأل وقرأ، والمضاعف ما عينه ولامه متماثلان وهو الكثير، أو ما فاؤه وعينه متماثلان كددن (1) وهو في غاية القلة (2)، أو ما كرر فيه حرفان أصليان بعد حرفين أصليين نحو زلزل، أما ما فاؤه ولامه متماثلان كقلق فلا يسمى مضاعفا. قوله " فالمعتل بالفاء مثل " لانه يماثل الصحيح في خلو ماضيه من الاعلال نحو وعد ويسر، بخلاف الاجوف والناقص، وإنما سمى بصيغة الماضي لان المضارع فرع عليه في اللفظ، إذ هو ماض زيد عليه حرف المضارعة وغير حركاته، فالماضي أصل أمثلة الافعال في اللفظ. قوله " وبالعين أجوف " أي: المعتل بالعين أجوف، سمى أجوف تشبيها بالشئ الذى أخذ ما في داخله فبقى أجوف، وذلك لانه يذهب عينه كثيرا نحو قلت وبعت ولم يقل ولم يبع (وقل وبع) وإنما سمى ذا الثلاثة اعتبارا بأول ألفاظ الماضي، لان الغالب عند الصرفيين إذا صرفوا الماضي أو المضارع أن يبتدئوا بحكاية النفس نحو ضربت وبعت لان نفس المتكلم أقرب الاشياء إليه، والحكاية عن النفس من الاجوف على ثلاثة أحرف نحو قلت وبعت. وسمى المعتل اللام منقوصا وناقصا لا باعتبار ما سمى له في باب الاعراب منقوصا، فانه إنما سمى به هناك لنقصان إعرابه، وسمى ههنا بهما لنقصان حرفه الاخير في الجزم والوقف نحو أغز وارم واخش ولا تغز ولا ترم ولا تخش، وسمى ذا الاربعة لانه - وإن كان فيه حرف العلة - لا يصير في أول ألفاظ الماضي على


(1) الددن: اللعب واللهو، وقد يستعمل منقوصا أي محذوف اللام كيد فيقال الدد، ومقصورا كالعصا فيقال الددا (2) وإنما كان في غاية القلة لان اجتماع المثلين مستثقل، فإذا كان في أول الكملة حين يبدأ المتكلم كان أشد ثقلا لضرورة النطق بالحرف مرتين، بسبب تعذر الادغام حينئذ (*)

[ 35 ]

ثلاثة كما صار في الاجوف عليها، فقسميتهما ذا الثلاثة وذا الاربعة باعتبار الفعل لا باعتبار الاسم. وقوله " وبالفاء والعين " نحو يوم وويح (1) وبالعين واللام نحو نوى وحيى والقوة، يسمى مضاعفا باعتبار، ولفيفا مقرونا باعتبار. قوله: " وبالفاء واللام " نحو ولى ووقى. قال: " وللاسم الثلاثي المجرد عشرة أبنية، والقسمة تقتضي أثنى عشر، سقط منها فعل وفعل استثقالا وجعل الدئل منقولا، والحبك إن ثبت فعلى تداخل اللغتين في حرفي الكلمة، وهى فلس فرس كتف عضد حبر عنب إبل قفل صرد عنق " (2). أقول: إنما كانت القسمة تقتضي اثنى عشر لان اللام للاعراب أو للبناء، فلا يتعلق به الوزن كما قدمناه، وللفاء ثلاثة أحوال: فتح، وضم، وكسر، ولا يمكن إسكانه لتعذر الابتداء بالساكن، وللعين أربعة أحوال: الحركات الثلاث، والسكون، والثلاثة في الاربعة اثنا عشر، سقط المثالان لاستثقال الخروج من


(1) لم يجئ هذا النوع في الافعال المأخوذة من المصادر، وقد جاء في بعض أفعال مأخوذة من أسماء جامدة ليست مصادر كما قالوا: ياومته وكما قالوا: تويل، إذا قال ويلى، ومنه قول الشاعر: تويل أن مددت يدى وكانت * * يمينى لا تعلل بالقليل وقد جاء هذا النوع في أسماء قليلة مثل ويح وويل وويس وويب ويوح ويوم. والويح: كلمة رحمة، والويل: دعاء بالعذاب، والويس: كلمة رحمة واستملاح للصبى، والويب: بمعنى الويل، واليوح: اسم من أسماء الشمس (2) الفلس - بفتح فسكون - ما يتعامل به مما ليس فضة ولا ذهبا، والحبر بكسر فسكون - المداد الذى يكتب به والعالم، والصرد - بضم ففتح - طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير، وبياض في ظهر الفرس من أثر الدبر (*)

[ 36 ]

ثقيل إلى ثقيل يخالفه، فأما في (نحو) عنق وإبل فيماثل الثقلين (1) خفف شيئا، والخروج من الكسرة إلى الضمة أثقل من العكس لانه خروج من ثقيل إلى أثقل منه، فلذلك لم يأت فعل لا في الاسماء ولا في الافعال إلا في الحبك إن ثبت، ويجوز ذلك إذا كان إحدى الحركتين غير لازمة نحو يضرب وليقتل، وأما فعل فلما كان ثقله أهون قليلا جاء في الفعل المبنى للمفعول، وجوز ذلك لعروضه لكونه فرع المبنى للفاعل، وجاء في الاسماء الدئل علما وجنسا (2)، أما إذا كان علما فيجوز أن يكون منقولا من الفعل كشمر ويزيد، والدال (3): الختل، ودخول اللام فيه قليل، كما في قوله: - 3 - رأيت الوليد بن اليزيد مباركا * * شديدا بأعباء الخلافة كاهله (4)


(1) كلام الشارح هاهنا يعارض ما سيأتي له أن يذكره في باب النسب عند التعليل لفتح عين الثلاثي المكسورة نحو إبل ونمر ودئل دون المضمومة كعضد وعنق فقد قال: إن الطبع لا ينفر من توالى المختلفات وإن كانت كلها مكروهة كما ينفر توالى المتماثلات، اللهم إلا أن يقال إن كلامه هاهنا في توالى ثقلين متماثلين وما سيأتي في توالى الامثال الثقلاء (2) أما العلم الدئل بن بكر بن كنانة، ومن بنيه أبو الاسود الدؤلى ظالم بن عمرو، وجمهرة العلماء يقولون: الئل بضم الدل، وكسر الهمزة في هذا العلم، ومنهم من يقوله بكسر الدال وقلب الهمزة ياء. وأما الجنس فهو دويبة كالثعلب، وفى الصحاح دويبة شبيهة بابن عرس (3) الخل: الخديعة (4) الاعباء: جمع عب ء، والمراد بأعباء الخلافة مشاقها ومتاعبها، ويروى في مكانه بأحناء الخلافة، والاحناء: جمع حنو والمرد بها أطرفها ونواحيها ومتشابهاتها. والكاهل: مقدم أعلى الظهر. والبيت لابن ميادة يمدح الوليد بن اليزيد بن عبد الملك بن مروان (*)

[ 37 ]

فعلى هذا لا استبعاد فيه، لان أصله الفعل المبنى للمفعول، وأما إذا كان جنسا على ما قيل " إنه اسم دويبة شبيهة بابن عرس " قال: - 4 - جاؤا بجيش لو قيس معرسه * * ما كان إلا كمعرس الدئل (1) ففيه أدنى إشكال، لان نقل الفعل إلى اسم الجنس قليل، لكنه مع قلته قد جاء منه قدر صالح، كقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله نهاكم عن قيل وقال " ويروى " عن قيل (2) وقال " - على إبقاء صورة الفعل - وكذا قولهم: أعييتني من شب إلى دب، ومن شب إلى دب (3) أي: من لدن شببت إلى أن دببت على العصا، فلما نقل إلى معنى الاسم غير لفظه أيضا من صيغة المبنى للفاعل إلى صيغة المبنى للمفعول، لتكون الصيغة المختصة بالفعل دليلا


(1) معرس - بضم فسكون ففتح - اسم مكان من أعرس، لكن الاشهر عرس تعريسا والمكان منه معرس بتشديد الراء مفتوحة ومعناه مكان النزول آخر الليل للاستراحة. والبيت لكعب بن مالك الانصاري يصف جيش أبى سفيان في غزوة السويق بالقلة والحقارة (2) قال ابن الاثير: معنى الحديث أنه (صلى الله عليه وسلم) نهى عن فضول ما يتحدث به المتجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا اه‍ (3) قال في اللسان: وفى المثل أعييتني من شب إلى دب ومن شب إلى دب (الاول على صيغة الفعل المبنى للمجهول والثانى اسم معرب منون على زنة قفل) أي من لدن شببت إلى أن دببت على العصا (وضبطه بالقلم بضم التاء على أنها ضمير المتكلم وفى مادة درر ضبطه بفتح التاء) يجعل ذلك بمنزلة الاسم بأدخال من عليه، وإن كان في الاصل فعلا، يقال ذلك للرجل والمرأة كما قيل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال، وما زال على خلق واحد من شب إلى دب، قال: - قالت لها أخت لها نصحت * * ردى فؤاد الهائم الصب قالت: ولم ؟ قالت: أذاك وقد * * علقتكم شبا إلى دب ؟ (*)

[ 38 ]

على أن أصله كان فعلا، وكذا الدئل جنسا وأصله دأل من الدألان وهو مشى تقارب فيه الخطأ، ويجوز أن يكون الدئل العلم منقولا من هذ الجنس على ما قال الاخفش، وقال الفراء: إن " الان " منقول من الفعل (1)، ومن هذا الباب التنوط (2) لطائر، وجاء على فعل اسمان آخران، قال الليث: الوعل لغة في الوعل (3)، وحكى الرئم بمعنى الاست، قوله " والحبك إن ثبت " قرئ في الشواذ (4) (ذات الحبك) بكسر


(1) هذا أحد وجهين حكاهما في اللسان عن الفراء، والاخر أن أصل آن أوان كرمان فحذفت الالف التى بعد الواو فصار أون كزمن ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها (2) تقول: ناط الشئ ينوطه نوطا: أي عقله، ونوط بالتشديد للمبالغة، وتنوط أصله فعل مضارع مبدوء بتاء المضارعة فهو بضم التاء وفتح النون وتشديد الواو المكسورة، سمى هذا الطائر بهذا الفعل لانه يدلى خيوطا من شجرة ثم يفرخ فيها، قاله الاصمعي (3) الوعل - بفتح فكسر وبفتح فسكون وبضم فبكسر، والاخيرة نادرة - هو تيس الجبل، وقال الازهرى: أما الوعل - بضم فكسر - فما سمعته لغير الليث اه‍ فان صحت رواية الليث فوجهها أن أصله الفعل المبنى للمجهول، تقول: وعل بمحمد إذا أشرف به (أي ارتفع به) فحذف حرف الجر ثم أوصل الفعل إلى الضمير أو يضمن وعل معنى علا فيتعدى تعديته (4) قال ابن جماعة: هذه القراءة منسوبة إلى الحسن البصري وأبى مالك الغفاري وذكر الصبان أنها منسوبة إلى أبى السمال (كشداد) وهذ الوجه الذى ذكره المؤلف أحد تخريجين لهذه القراءة، والتخريج الاخر ما استحسنه أبو حيان وهو أن أصلها الحبك بضمتين، فكسر الحاء إتباعا لكسرة تاء ذات ولم يعتد باللام الساكنة لان الساكن حاجز (*)

[ 39 ]

الحاء وضم الباء، فقال المصنف: إن صح النقل قلنا فيه بناء على ما قال ابن جنى (وهو أن الحبك بكسرتين والحبك بضمتين بمعنى): إن الحبك مركب من اللغتين، يعنى أن المتكلم به أراد أن يقول الحبك بكسرتين، ثم لما تلفظ بالحاء المكسورة ذهل عنها وذهب إلى اللغة المشهورة وهى الحبك بضمتين، فلم يرجع إلى ضم الحاء، بل خلاها مكسورة وضم الباء، فتداخلت اللغتان: الحبك والحبك في حرفي الكلمة الحاء والباء (1)، وفى تركيب حبك من اللغتين - إن ثبت - نظر لان الحبك جمع الحباك، وهو الطريقة في الرمل ونحوه، والحبك بكسرتين إن ثبت فهو مفرد مع بعده، لان فعلا قليل، حتى إن سيبويه قال: لم يجئ منه إلا إبل، ويبعد تركيب اسم من مفرد وجمع، قيل: وقرئ في الشاذ (يمحق الله الربوا) بضم الباء، ولم يغر هذا القارئ إلا كتابته بالواو. قال: " وقد يرد بعض إلى بعض، ففعل مما ثانيه حرف حلق كفخذ يجوز فيه فخذ وفخذ وفخذ، وكذا الفعل كشهد، ونحو كتف يجوز فيه كتف وكتف، ونحو عضد يجوز فيه عضد، ونحو عنق يجور فيه عنق، ونحو إبل وبلز يجوز فيهما إبل وبلز ولا ثالث لهما، ونحو قفل يجوز فيه قفل على رأى لمجئ عسر ويسر ".


غير حصين، قال ابن مالك في شرح الكافية عن التوجيه الاول الذى ذكره المؤلف: وهذا التوجيه لو اعترف به من عزيت هذه القراءة له لدل على عدم الضبط ورداءة التلاوة، ومن هذا شأنه لا يعتمد على ما سمع منه لامكان عروض ذلك له، وقيل: إن كسر الحاء مع ضم الباء شاذ لا وجه له (1) إنما قيد التداخل بحرفى الكلمة تبعا للمصنف لان التداخل أكثر ما يكون في كلمتين، كما قالوا قنط يقنط، مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط، مثل علم يعلم، فإذا قالوا قنط يقنط - بكسر عين الماضي والمضارع أو بفتحهما جميعا - علمنا أن ذلك من تداخل اللغتين، وحاصله أخذ الماضي من لغة والمضارع من لغة أخرى، ومثل ذلك كثير (*)

[ 40 ]

أقول: يعنى برد بعضه إلى بعض أنه قد يقال في بعض الكلم التى لها وزنان أو أكثر من الاوزان المذكورة قبل: إن أصل بعض أوزانها البعض الاخر، كما يقال في فخذ - بسكون الخاء - إنه فرع فخذ بكسرها وجميع هذه التفريعات في كلام بنى تميم، وأما أهل الحجاز فلا يغيرون البناء ولا يفرعون ففعل الحلقى (العين) فعلا كان كشهد أو اسما كفخذ ورجل محك (1) يطرد فيه ثلاث تفريعات اطرادا لا ينكسر، واثنان من هذه الفروع يشاركه فيهما ما ليس عينه حلقيا، فالذي يختص بالحق العين إتباع فأنه لعينه في الكسر، ويشاركه في هذا الفرع فعيل الحلقى العين كشهيد وسعيد ونحيف ورغيف، وإنما جعلوا ما قبل الحلقى تابعا له في الحركة، مع أن حق الحلقى أن يفتح نفسه أو ما قبله - كما في يدعم ويدمع، لثقل الحلقى خفة الفتحة ولمناسبتها له، لما يجئ في تعليل فتح مضارع فعل الحلقى عينه أو لامه، وذلك لانه حمل فعل الاسمى على فعل الفعلى في التفريع لان الاصل في التغيير الفعل لكثرة تصرفاته، وسيجئ في باب المضارع علة امتناع فتح عين فعل الحلقى العين، وأما فعيل فلم يفتح عينه لئلا يؤدى إلى مثال مرفوض في كلامهم، وقد يجئ كسر فتح ما بعد الحلقى إتباعا لكسر الحلقى، كما قيل في خبق (2) على على وزن هجف للطويل: خبق، هذا وحرف الحلق في المثالين فعل وفعيل ثانى الكلمة، بخلافه إذا كان عين يفعل أو لامه، فلم يستثقل الكسر عليه،


(1) رجل محك بوزن فرح ومماحك ومحكان كغضبان لجوج عسر الاخلاق (2) الخبق بخاء معجمة مكسورة وياء مفتوحة وقد تكسر وآخره قاف مشددة هو الطويل من الرجال مثل الهجف، فقوله للطويل تفسير للكلمتين معا، ويقال: فرس خبق (بالضبطين السابقين) إذا كان سريعا (*)

[ 41 ]

مع أن الكسر قريب من الفتح، لقرب مخرج الياء من مخرج الالف (1) فلما لزم كسر العين في المثالين - وقد جرت لحرف الحلق عادة تغيير نفسها أو ما قبلها إلى الفتح، ولم يمكن ههنا تغيير نفسها لما ذكرنا ولا تغيير ما قبلها إلى الفتح لانه مفتوح، وقد عدها عيد الغرام - غيرت حركة ما قبلها إلى مثل حركتها، لان الكسر قريب من الفتح كما ذكرنا، فكأنها غيرت ما قبلها إلى إلى الفتح، ولم يأت في الاسماء فعل ولا فعيل - مضمومى الفاء - حتى تتبع الفاء العين بناء على هذه القاعدة، وأما فعل في الفعل نحو شهد فلم يتبع لئلا يلتبس بالمبنى للفاعل المتبع فاؤه عينه، وإنما لم يتبع في نحو المحين والمعين (2) لعروض الكسرة، وأما المغيرة في المغيرة فشاذ شذوذ منتن في المنتن وأنبؤك وأجؤك في أنبئك وأجيئك فلم يقولوا قياسا عليه أبوعك وأقرؤك في أبيعك وأقرئك، وإنما لم يتبع في نحو رؤف ورؤوف لان كسر ما قبل الحلقى في نحو رحم ورحيم إنما كان لمقاربة الكسرة للفتح كما ذكرنا، والضم بعيد من الفتح وأما أهل الحجاز فنظروا إلى أن حق حروف الحلق إما فتحها أو فتح ما قبلها، هب أنه تعذر فتحها لما ذكرنا من العلة فلم غير ما قبلها عن الفتح وهو حقها إلى الكسر ؟ وهل هذا إلا عكس ما ينبغى ؟ ؟ واللغتان اللتان يشترك فيهما الحلقى وغيره: أولاهما: فعل بفتح الفاء وسكون العين، نحو شهد في الفعل وفخذ في الاسم، وفى غير الحلقى علم في الفعل وكبد


(1) مخرج الياء بين وسط اللسان ووسط الحنك الاعلى، ومخرج الالف أقصى الحلق فوق الهمزة (2) المحين: اسم فاعل من أحانه الله: أي أهلكه، وأصله محين - بضم الميم وكسر الياء - فنقلت كسرة الياء إلى الحاء الساكنة وجوبا، ومعين: اسم فاعل من أعان، فعل به ما فعل بسابقه (*)

[ 42 ]

في الاسم، وإنما سكنوا العين كراهة الانتقال من الاخف أي الفتح إلى الاثقل منه أي الكسر في البناء المبنى على الخفة أي بناء الثلاثي المجرد، فسكنوه لان السكون أخف من الفتح، فيكون الانتقال من الفتح إلى أخف منه، ولمثل هذا قالوا في كرم الرجل: كرم، وفى عضد: عضد، بالاسكان، وقولهم ليس مثل علم في علم، وكان قياسه لام كهاب، لكنهم خالفوا به أخواته لمفارقته لها في عدم التصرف، فلم يتصرفوا فيه بقلب الياء ألفا أيضا ولم يقولوا لست كهبت، ولا يجوز أن يكون أصل ليس فتح الياء لان المفتوح العين لا يخفف، ولاضم الياء لان الاجوف اليائى لا يجئ من باب فعل (1)، والثانية: فعل - بكسر الفاء وسكون العين - نحو شهد وفخذ في الحلقى، وكبد وكتف في غيره، ولم يسمع في غير الحلفى من الفعل نحو علم في علم في المبنى للفاعل، وحكى قطرب في المبنى للمفعول نحو " ضرب زيد " بكسر الضاد وسكون الراء - كما قيل قيل وبيع ورد، وهو شاذ. فالذي من الحقلى يجوز أن يكون فرع فعل المكسور الفاء والعين كما تقول في إبل: إبل، ويجوز أن يكون نقل حركة العين إلى ما قبلها كراهة الانتقال من الاخف إلى الاثقل، وكره حذف أقوى الحركتين، أي: الكسرة، فنقلت إلى الفاء، والذى من غير الحلقى لا يكون إلا على الوجه الثاني، لانه لا يجوز فيه فعل بالاتباع قوله " ونحو عضد يجوز فيه عضد " قد ذكرنا أن مثله يجوز عند تميم في الفعل أيضا، نحو كرم الرجل، ولم يقولوا فيه عضد بنقل الضمة إلى ما قبلها كما نقلوا في نحو كتف، لثقل الضمة، وربما نقلها بعضهم فقالوا: عضد، وقد


(1) لم يجئ من الاجوف اليائى مضموم العين إلا قولهم " هيؤ " أي حسنت حاله وصار ذاهيئة (*)

[ 43 ]

ذكرنا (1) في فعل التعجب أن فعل الذى فيه معنى التعجب يقال فيه فعل، قال: 5 - * وحب بها مقتولة حين تقتل * (2) ولعل ذلك دلالة على نقله إلى معنى التعجب، وأما قولهم في الفعل المبنى للمفعول فعل كما في المثل " لم يحرم من فصد له " (3) قال أبو النجم وهو تميمي: - 6 - * لو عصر منه المسك والبان انعصر (4) *


(1) ذكره في شرح الكفاية في آخر أفعال المدح والذم، قال بعد ذكر الشواهد: والتغيير في اللفظ دلالة على التغيير في المعنى إلى المدح أو إلى التعجب اه‍ (2) هذا عجز بيت للاخطل النصراني التغلبي وصدره: * فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها * وتقتل: تشعشع بالماء وتمزج فيكسر الماء حدتها (3) قال في اللسان: الفصد شق العرق، وفصد الناقة شق عرقها ليستخرج دمه فيشربه، ومن أمثالهم في الذى يقضى له بعض حاجته دون تمامها " لم يحرم من فصد له " بأسكان الصاد مأخوذ من الفصيد الذى كان في الجاهلية ويؤكل، يقول: كما يتبلغ المضطر بالفصيد فاقنع أنت بما ارتفع من قضاء حاجتك وإن لم تقض كلها اه‍ ملخصا (4) قيل هذا قوله وصف جارية: بيضاء لا يشبع منها من نظر * * خود يغطى الفرع منها المؤتزر وقول الشارح إن أبا النجم تميمي لا أصل له، فانه من بكر بن وائل فان اسمه الفضل بن قدامة بن عبيد الله بن عبيد الله بن الحارث أحد بنى عجل بن لجيم بن صعب ابن على بن بكر بن وائل، وهذه التفريعات كما تطرد عند بنى تميم عند غيرهم ومنهم بكر وتغلب ابنا وائل، قال الاعلم: وهى لغة فاشية في تغلب بن وائل اه‍ ولعل الذى حمل الشارح على نسبة أبى النجم إلى تميم ما ذكره أولا من أن هذه التفريعات إنما تطرد عند بنى تميم (*)

[ 44 ]

وكذا قولهم غزى بالياء دون الواو غزى لعروض سكون الزاى، فليس التخفيف قى مثله لكراهة الانتقال من الاخف إلى الاثقل كما كان في كتف وعضد، كيف والكسرة أخف من الضمة والفتحة أخف من الكسرة ؟ بل إنما سكن كراهة توالى الثقلين في الثلاثي المبنى على الخفة، فسكن الثاني لامتناع تسكين الاول، ولان الثقل من الثاني حصل، لانه لاجل التوالى، ولتوالى الثقلين أيضا خففوا نحو عنق وإبل بتسكين الحرف الثاني فيهما، وهذا التخفيف في نحو عنق أكثر منه فيى إبل، لان الضمتين أثقل من الكسرتين حتى جاء في الكتاب العزيز وهو حجازى رسلنا ورسلهم، وهو في الجمع أولى منه في المفرد لثقل الجمع معنى، وجميع هذه التفريعات في لغة تميم كما مر، وإذا توالى الفتحتان لم تحذف الثانية تخفيفا لخفة الفتحة، وأما قوله: - 7 - وما كل مبتاع ولو سلف صفقه * * براجع ما قد فاته برداد (1) فشاذ ضرورة قد شبه بفعل المفتوح الفاء المكسور العين نحو قولهم وليضرب وفلتضرب - أعنى واو العطف وفاءه مع لام الامر وحرف المضارعة - وذلك لكثرة الاستعمال، فالواو والفاء كفاء الكلمة لكونهما على حرف فهما كالجزء مما بعدهما، ولام الامر كعين الكلمة، وحرف المضارعة كلامها، فسكن لام الامر، وقرئ


(1) البيت للاخطل التغلبي، ويروى صدره * وما كل مغبون ولو سلف صفقه * والمغبون الذى يخدع وينقص منه في الثمن أو غيره، وسلف بسكون اللام أصله سلف بفتحها فسكنها حين اضطره الوزن إلى ذلك، ومعناه مضى ووجب، وصفقه مصدر مضاف إلى ضمير المبتاع أو المغبون، والصفق إيجاب البيع، وأصله أن البائع والمشترى كان أحدهما يضرب على يد الاخر، والباء في يراجع زائدة، ويروى يراجع (فعلا مضارعا) فاعله ضمير المبتاع أو المغبون، والرداد بكسر الراء وفتحها فسخ البيع (*)

[ 45 ]

به في الكتاب العزيز، وشبه به نحو " ثم ليفعل "، وهو أقل، لان ثم على ثلاثة أحرف، وليس كالواو والفاء، مع أن ثم الداخلة على لام الامر أقل استعمالا من الواو والفاء، وكذا شبه بفعل وفعل قولهم فهو وفهى ووهو ووهى ولهو ولهى لما قلنا في وليفعل، وكذا أهو وأهى، لكن التخفيف مع الهمزة أقل منه مع الواو والفاء واللام، لكون الهمزة مع هو وهى أقل استعمالا من الواو والفاء واللام معهما، ونحو (أن يمل هو) على ما قرئ في الشواذ أبعد، لان يمل كلمة مستقلة، جعل لهو كعضد، وهذا كما قل نحو قولهم: أراك منتفخا، وقوله: 8 - * فبات منتصبا وما تكردسا (1) * وقولهم: انطلق، في انطلق، وقوله: 9 - * وذى ولد لم يلده أبوان (2) * وإنما قل التخفيف في هذه لانها ليس ثلاثية مجردة مبنية على الخفة فلم يستنكر فيها أدنى ثقل، ويجئ شرحها في أماكنها (3) إن شاء الله تعالى قوله " في إبل وبلز (أي: ضخمة) ولا ثالث لهما " قال سيبويه: ما يعرف


(1) هذا بيت من الرجز للعجاج بن رؤبة يصف ثورا وحشيا، وبعده: - * إذا أحس نبأة توجسا * ومنتصبا أي قائما واقفا، ويروى منتصا بتشديد الصاد أي مرتفعا، وتكردس انقبض واجتمع بعضه إلى بعض، والنبأد الصوت الخفى أو صوت الكلاب، وتوجس تسمع إلى الصوت الخفى (2) هذا عجز بيت لرجل من أزد السرأة وصدره * عجبت لمولود وليس له أب * (3) أما كهنا في باب الابتداء، والعجب من الشارح المحقق فأنه أحال هنا على ما هناك وأحال هناك على ماهنا (*)

[ 46 ]

إلا الابل، وزاد الاخفش، وقال السيرافى: الحبر صفرة الاسنان، وجاء الاطل (1) والابط، وقيل: الاقط (2) لغة في الاقط، وأتان إبد: أي ولود قوله " ونحو قفل يجوز فيه قفل على رأى " يحكى عن الاخفش أن كل فعل في الكلام فتثقيله جائز، إلا ما كان صفة أو معتل العين كحمر وسوق فانهما لا يثقلان إلا في ضرورة الشعر، وكذا قال عيسى بن عمر: إن كل فعل كان فمن العرب من يخففه ومنهم من يثقله نحو عسر ويسر، ولقائل أن يقول: بل الساكن العين في مثله فرع لمضمومها كما هو كذلك في عنق اتفاقا، فان قيل: جميع التفاريع المذكورة كانت أقل استعمالا من أصولها، فان فخذا وعنقا ساكنى العين أقل منهما متحركيها، وبهذا عرف الفرعية، وعسر ويسر بالسكون أشهر منهما مضمومى العين، فيكون الضم فيهما فرع السكون كما أشار إليه المصنف، فالجوان أن ثيقل الضمتين أكثر من الثقل الحاصل في سائر الاصول المذكورة، فلا يمتنع أن يحمل تضاعف الثقل في بعض الكلمات على قلة استعمالها مع كونها أصلا، وإذا كان الاستثقال في الاصل يؤدى إلى ترك استعماله أصلا كما في نحو يقول ويبيع وغير ذلك مما لا يحصى فما المنكر من أدائه إلى قلة استعماله ؟


(1) إطل - بكسرتين، وبكسر فسكون - والايطل: الخاصرة، قال امرؤ القيس له أيطلا ظبى وساقا نعامة * * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل وقال آخر: لم تؤذ خيلهم بالثغر واصدة * * ثجل الخواصر لم يلحق لها إطل (2) الاقط - بكسرتين، وبفتح فكسر - طعام يتخذ من اللبن المخيض، قال امرء القيس فتملا بيتنا أقطا وسمنا * * وحسبك من غنى شبع ورى (*)

[ 47 ]

هذا، وإن كان عين فعل المفتوح الفاء حلقيا ساكنا جاز تحريكه بالفتح نحو الشعر والشعر والبحر والبحر، ومثلهما لغتان عند البصريين في بعض الكلمات، وليس إحداهما فرعا للاخرى، وأما الكوفيون فجعلوا المفتوح العين فرعا لساكنها، ورأوا هذا قياسا في كل فعل شأنه ما ذكرنا، وذلك لمناسبة حرف الحلق للفتح كما يجئ في باب المضارع قال: " وللرباعي خمسة: جعفر، زبرج، برتن، درهم، قمطر، وزاد الاخفش نحو جخدب، وأما جندل وعلبط فتوالى الحركات جملهما على باب جنادل وعلابط، وللخماسي أربعة: سفرجل، قرطعب، جحمرش، قذعمل، وللمزيد فيه أبنية كثيرة، ولم يجى في الخماسي إلا عضرفوط خزعبيل قرطبوس قبعثرى خندريس على الاكثر " أقول: اعلم أن مذهب سيبويه وجمهور النحاة أن الرباعي والخماسي صنفان غير الثلاثي، وقال الفراء والكسائي: بل أصلهما الثلاثي، قال الفراء: الزائد في الرباعي حرفه الاخير وفى الخماسي الحرفان الاخيران، وقال الكسائي: الزائد في الرباعي الحرف الذى قبل آخره، ولا دليل على ما قالا، وقد ناقضا قولهما باتفاقهما على أن وزن جعفر فعلل ووزن سفرجل فعلل، مع اتفاق الجميع على أن الزائد إذا لم يكن تكريرا يوزن بلفظه، وكان ينبغى أن يكون للرباعي خمسة وأربعون بناء، وذلك بأن تضرب ثلاث حالات الفاء في أربع حالات العين فيصير اثنى عشر تضربها في أربع حالات اللام الاولى يكون ثمانية وأربعين، يسقط منها ثلاثة لامتناع اجتماع الساكنين، وكان حق أبنية الخماسي أن تكون مائة وأحدا وسبعين، وذلك بأن تضرب أربع حالات اللام الثانية في الثمانية والاربعين المذكورة فيكون مائة واثنين وتسعين يسقط منها أحد وعشرون، وذلك لانه يسقط بامتناع سكون العين واللام الاولى فقط تسع حالات الفاء واللام

[ 48 ]

الثانية، وتسقط بامتناع سكون اللام الاولى والثانية فقط تسع حالات الفاء والعين، وتسقط بامتناع سكون العين واللامين معا ثلاث حالات الفاء، يبقى مائة وأحد وسبعون بناء، اقتصر من أبنية الرباعي على خمسة متفق عليها، وزاد الاخفش فعللا بفتح اللام كجخدب، وأجيب بأنه فرع جخادب، بحذف الالف وتسكين الخاء وفتح الدال، وهو تكلف، ومع تسليمه فما يصنع بما حكى الفراء من طحلب وبرقع (1) وإن كان المشهور الضم لكن النقل لا يرد مع ثقة الناقل وإن كان المنقول غير مشهور، فالاولى القول بثبوت هذه الوزن مع قلته، فنقول: إن قعددا (2) ودخللا (3) مفتوحي الدال واللام - على ما روى - وسؤددا (4) وعوططا (5) ملحقات بجخدب، ولولا ذلك لوجب الادغام كما يجئ في موضعه. ويكون بهمى (6) ملحقا، لقولهم بهماة على ما حكى ابن الاعرابي، ولا تكون


(1) الطحلب: خضرة تعلوا الماء إذا طال مكثه، والبرقع: نقاب المرأة وما يستر به وجه الدابة، وكلاهما بضم فسكون ففتح، وقد يكسر أول الثاني، والاصل فيهما ضم الثالث (2) القعدد: الرجل الجبان القاعد عن الحرب والمكاره، قال الشاعر: دعاني أخى والخيل بينى وبينه * * فلما دعاني لم يجدنى بقعدد (3) دخلل الرجل ودخلله بضم ثالثة أو فتحه ودخيلته: نيته ومذهبه لان ذلك يداخله (4) السؤدد: مصدر قولك ساد الرجل قومه كالسيادة، والدال الاولى مفتوحة أو مضمومة وقد تخفف الهمزة بقلبها واوا (5) العوطط: جمع عائط، وهو اسم فاعل من قولك: عاطت الناقة تعوط، إذا لم تحمل في أول سنة يطرقها الفحل (6) قال في اللسان: وقال الليث: البهمى نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر، فإذا يبس هر شوكه وامتنع، ويقولون للواحد بهمى والجمع بهمى، قال سيبويه: البهمى تكون واحدا وجمعا وألفها للتأنيث. وقال قوم ألفها للالحاق والواحدة بهماة، وقال المبرد: هذا لا يعرف، لا تكون ألف فعلى بالضم لغير التأنيث... قال ابن سيده: هذا قول أهل اللغة، وعندي أن من قال بهماة فالالف ملحقة له بجخدب (*)

[ 49 ]

الالف للتأنيث كما ذهب إليه سيبويه قوله " وأما جندل وعلبط " يعنى أن هذين ليسا بناءين للرباعي، بل هما في الاصل من المزيد فيه، بدليل أنه لا يتوالى في كلامهم أربع متحركات في كلمة، ألا ترى إلى تسكين لام نحو ضربت لما كان التاء كجزء الكلمة، قال سيبويه: الدليل على أن هدبدا (1) وعلبطا مقصورا هدابد وعلابط أنك لا تجد فعللا إلا ويروى فيه فعلل كعلايط وهدابد ودوادم (2) في دودم، وكما أن المذكورين ليسا ببناءين للرباعي، بل فرعان للمزيد فيه، فكذا عرتن - بفتحتين بعد هماضمة - وعرتن - بثلاث فتحات - ليسا بلغتين أصليتن، بل الاول مخفف عرنتن بحذف النون، والثانى مخفف عرنتين، كما أن عرتنا - بفتح العين وإسكان الراء وضم التاء - فرع عرنتن بحذف النون وإسكان الراء، وعرنتن: نبت، وفيه ست لغات عرنتن وعرتن فرعه. وعرتن فرع الفرع، وعرنتن، وعرتن فرعه، وعرتن فرع الفرع وزاد محمد بن السرى في الخماسي خامسا وهو الهندلع لبقلة، والحق الحكم بزيادة النون، لانه إذا تردد الحرف بين الاصالة والزيادة والوزنان باعتبارهما نادران فالاولى الحكم بالزيادة لكثرة ذى الزيادة كما يجئ، ولو جاز أن يكون هندلع فعللا لجاز أن يكون كنهبل (3) فعللا، وذلك خرق لا يرقع فتكثر الاصلال


فإذا نزع الهاء أحال اعتقاده الاول عما كان عليه، وجعل الالف للتأنيث فيما بعد، فيجعلها للالحاق مع تاء التأنيث، ويجعلها للتأنيث إذا فقد الهاء اه‍ (1) قال في اللسان: الهدبد والهدابد اللبن الخائر (الحامض) حدا. وقيل: ضعف البصر (2) الدودم والدوادم: شئ شبه الدم يخرج من شجر السمر (3) الكنهبل - بفتح الباء وضمها - شجر عظام وهو من العضاه، قال سيبويه: أما كنهبل فالنون فيه زائدة لانه ليس في الكلام على مثال سفرجل (بضم الجيم) (*)

[ 50 ]

قوله " وللمزيد فيه أبنية كثيرة " ترتقى في قول سيبويه إلى ثلثمائة وثمانية أبنية، وزيد عليها بعد سيبويه نيف على الثمانين، منه صحيح وسقيم، شرح جميع ذلك يطول، فالاولى الاقتصار على قانون يعرف به الزائد من الاصل كما يجئ في باب ذى الزيادة إن شاء الله تعالى ولما كان المزيد فيه من الخماسي قليلا عده المصنف، وإنما قال " على الاكثر " لانه قيل: إن خندريسا فنعليل، فيكون رباعيا مزيدا فيه، والاولى الحكم بأصالة النون، إذ جاء برقعيد في بلد، ودردبيس للداهية، وسلسبيل وجعفليق وعلطبيس (1) فان قيل: أليس إذا تردد حرف بين الزيادة والاصالة وبالتقديرين يندر الوزن فجعله زائدا أولى ؟ قلت: لا نسلم أولا فعليلا نادر، وكيف ذلك وجاء عليه الكلمات المذكورة ؟ ولو سلمنا شذوذه قلنا: إنما يكون الحكم بزيادته أولى لكون أبنية المزيد فيه أكثر من أبنية الاصول بكثير، وذلك في الثلاثي والرباعى، وأما في الخماسي فأبنية المزيد فيه منه مقاربة لابنية أصوله، ولو تجاوزنا عن هذا المقام أيضا قلنا: إن الحكم بزيادة مثل ذلك الحرف (يكون) أولى إذا كانت الكلمة بتقدير أصالة الحرف من الابنية الاصول، أما إذا كانت بالتقديرين من ذوات الزوائد كمثالنا - أعنى خندريسا - فان ياءه زائد بلا خلاف فلا تفاوت بين تقديره أصلا وزائدا، ولو قال المصنف بدل خندريس برقعيد لاستراح من قوله " على الاكثر " لانه فعلليل بلا خلاف، إذ ليس فيه من حروف " اليوم تنساه "


(1) السلسبيل: اللين الذى لا خشونة فيه، وربما وصف به الماء، واسم عين في الجنة، قال الله تعالى: (عينا فيها تسمى سلسبيلا). والجعفليق: العظيمة من النساء. والعلطبيس: الاملس البراق (*)

[ 51 ]

شئ غير الياء، ويمكن أن يكون إنما لم يذكره لما قيل: إنه أعجمى، ولو ذكر علطميسا (1) وجعفليقا لم يرد شئ، لان حرف الزيادة غير غالب زيادته في موضعه فيهما قوله " جعفر " هو النهر الصغير، و " الزبرج " الزينة من وشى أو جوهر، وقيل: الذهب، وقيل: السخاب الرقيق، و " البرثن " للسبع والطير كالاصابع للانسان، والمخلب: ظفر البرثن، و " القمطر " ما يصان فيه الكتب ب " والجخدب " الجراد الاخضر الطويل الرجلين، وكذا الجخادب، " والجندل " موضع فيه الحجارة، والجنادل: جمع الجندل: أي الصخر، كأنه جعل المكان لكثرة الحجارة فيه كأنه حجارة، كما يقال: مررت بقاع عرفج (2) كله، و " العلبط " الغليظ من اللبن وغيره، يقال: ما في السماء قرطعب: أي سحابة، وقال ثعلب: هو دابة، و " الجحمرش " العجوز المسنة، يقال: ما أعطاني قذعملا: أي شيئا، والقذعملة: الناقة الشديدة، و " العضرفوط " دويبة، و " الخزعبيل " الباطل من كلام ومزاح، و " القرطبوس " بكسر القاف - الداهية والناقة العظيمة الشديدة، وفيه لغة أخرى بفتح القاف،


(1) العلطميس: الضخم الشديد، والجارية الحسنة القوام، والكثير الاكل الشديد البلع، والهامة الضخمة الصلعاء، قال الراجز: - لما رأت شيب قذالى عيسا * * وهامتي كالطست علطميسا لا يجد القمل بها تعريسا (2) العرفج - بزنة جعفر وزبرج - نبت، قيل: هو من شجر الصيف لين أغبر له ثمرة خشناء كالحسك، وقيل: طيب الريح أغبر إلى الخضرة وله زهرة صفراء وليس له حب ولا شوك. وقال المؤلف في شرح الكافية (ج 1 ص 283 طبعة الاستانة): " ومن النعت بغير المشتق قولهم مررت بقاع عرفج كله: أي كائن من عرفج، وقولهم مررت بقوم عرب أجمعون: أي كائنين عربا أجمعون " اه‍ (*)

[ 52 ]

والاول هو المراد هنا لئلا يتكرر بناء عضرفوط، و " القبعثرى " الجمل الضخم الشديد الوبر، وليست الالف فيه للالحاق، إذ ليس فوق الخماسي بناء أصلى يلحق به (1)، وليست أيضا للتأنيث لانه ينون ويلحقه التاء نحو قبعثراة، بل الالف لزيادة البناء كالف حمار ونحوه، و " الخندريس " اسم من أسماء الخمر. واعلم أن الزيادة قد تكون للالحاق بأصل، وقد لا تكون ومعنى الالحاق في الاسم والفعل أن تزيد حرفا أو حرفين على تركيب زيادة غير مطردة في إفادة معنى، ليصير ذلك التركيب بتلك الزيادة مثل كلمة أخرى في عدد الحروف وحركاتها المعينة والسكنات، كل واحد في مثل مكانه في الملحق بها، وفى تصاريفها: من الماضي والمضارع والامر والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول إن كان الملحق به فعلا رباعيا، ومن التصغير والتكسير إن كان المحلق به اسما رباعيا لا خماسيا وفائدة الالحاق أنه ربما يحتاج في تلك الكلمة إلى مثل ذلك التركيب في شعر أو سجع ولا نحتم بعدم تغير المعنى بزيادة الالحاق على ما يتوهم، كيف وإن معنى حوقل مخالف لمعنى حقل (2)، وشملل مخالف لشمل معنى (3) وكذا كوثر


(1) كان من حقه، مراعاة لما سيأتي له ذكره قريبا، أن يقول هنا: إذ ليس فوقو الخماسي لفظ على هذه الزنة يلحق به، من غير تقييده بأصلى (2) حقل يحقل - من باب ضرب يضرب - زرع، وحقلت الابل تحقل - من باب تعب يتعب - أصيبت بالحقلة، وهى من أدواء الابل. وأما حوقل فمعناه صعف وقد تقدم (3) شملت الريح - من باب قعد - شملا وشمولا: تحولت شمالا، وشمل الخمر - من باب نصر - عرضها للشمال، وشمل الشاة - من باب نصر وضرب - علق عليها (*)

[ 53 ]

ليس بمعنى (1) كثر، بل يكفى أن لا تكون تلك الزيادة في مثل ذلك الموضع مطردة في إفادة معنى، كما أن زيادة الهمزة في أكبر وأفضل للتفضيل، وزيادة ميم مفعل للمصدر أو الزمان أو المكان، وفى مفعل للالة، فمن ثمة لا نقول إن هذه الزيادات للالحاق وإن صارت الكلم بها كالرباعي في الحركات والسكنات المعينة ومثله في التصغير والجمع، وذلك لظهور زيادة (هذه) الحروف للمعانى المذكورة، فلا نحيلها على الغرض اللفظى مع إمان إحالتها على الغرض المعنوي، وليس لاحد أن يرتكب كون الحرف المزيد لافادة معنى للالحاق أيضا، لانه لو كان كذلك لم يدغم نحو أشد ومرد، لئلا ينكسر وزن جعفر، ولا نحو مسلة ولا مخدة لئلا ينكسر وزن درهم، كما لم يدغم مهدد وقردد محافظة على وزن جعفر، وذلك أن ترك الادغام في نحو قردد ليس لكون أحد الدالين زائدا وإلا لم يدغم نحو قمد (2) لزيادة أحد دالية، ولم يظهر نحو ألندد ويلندد (3)


الشمال (وهو كيس يجعل على ضرعها) وشملهم أمر - من باب فرح ونصر - وشمولا أيضا: عمهم. وشمل الرجل والشمل وشملل: أسرع وشمر، وبهذا تعلم أن المخالفة بين شمل وشمل في غير المعنى الاخير (1) الكوثر: الكثير من كل شئ، قال الشاعر: - وأنت كثير يابن مروان طيب * * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا والكوثر أيضا: النهر، ونهر في الجنة يتشعب منه جميع أنهارها، فالمخالفة إذن في غير المعنى الاول (2) القمد - بضم أوله وثانيه كعتل - القوى الشديد، قال الشاعر: - فضحتم قريشا بالفرار وأنتم * * قمدون سودان عظام المناكب (3) الالندد واليلندد: مثل الالد، وهو الشديد الخصومة. قال ابن جنى: همزة ألندد وياء يلندد كلتاهما للالحاق. فان قلت: إذا كان الزائد إذا وقع أولا لم يكن للالحاق فكيف ألحقوا الهمزة والياء في ألندد ويلندد، والدليل على صحة الالحاق (*)

[ 54 ]

لاصالة الدالين، بل هو للمحافظة على وزن الملحق به، فكان ينبغى أيضا أن لا يدغم نحو أشد ومرد ومسلة لو كانت ملحقة هذا، وربما لا يكون لاصل الملحق معنى في كلامهم، ككوكب (1) وزينب فانه لا معنى لتركيب ككب وزنب قولنا " أن تزيد حرفا " نحو كوثر وقعدد، وقولنا " أو حرفين " كالندد ويلندد وحبنطى (2) فان الزيادتين في كل واحد منهما للالحاق وأما أقعنسس واحربني (3) فقالوا: ليس الهمزة والنون فيهما للالحاق، بل إحدى سينى اقعنس وألف احر نبى للالحاق فقط، وذلك لان الهمزة والنون فيهما في مقابلة الهمزة والنون الزائدتين في الملحق به أيضا ولا يكون الالحاق إلا يزيادة حرف في موضع الفاء أو العين أو اللام،


ظهور التضعيف ؟ قيل: إنهم لا يحلقون بالزائد من أول الكلمة إلا أن يكون معه زائد آخر، فلذلك جاز الالحاق بالهمزة والياء في الندد وبلندد لما انضم الى الهمزة والياء من النون اه‍، ولعل هذه القضية المسلمة مأخوذة من استقراء كلام العرب وعليه فلا ترد مناقشة الشارح الانية (1) التمثيل بكوكب مبنى على أن الواو في هذه الكلمة كالواو في جوهر (زائدة للالحاق) وهو أحد رأيين، والاخر أن الواو أصلية واحدى الكافين زائدة. قال في اللسان: قال التهذيب: ذكر الليث الكوكب في باب الرباعي ذهب أن الواو أصلية قال: وهو عند حذاق النحويين من هذا الباب (يقصد: وك ب) صدر بكاف زائدة والاصل وكب، أو كوب اه‍ (2) تقول: رجل حبنطى - بالتنوين - أي غليظ قصير بطين (3) اقعنسس فهو مقعنسس. والمقعنسس: الشديد، والمتأخر أيضا، وقال ابن دريد: رجل مقعنسس، إذا امتنع أن يضام. واحرنبى الرجل: تهيأ للغضب والشر، واحرنبى أيضا: استلقى على ظهره ورفع رجليه نحو السماء (*)

[ 55 ]

هذا ما قالوا، وأنا لا أرى منعا من أن يزاد للالحاق لا في مقابلة الحرف الاصلى إذا كان الملحق به ذا زيادة، فنقول: زوائد اقعنسس ألها للالحاق باحرنجم. وقد تلحقل الكلمة بكلمة ثم يزاد على الملحقة ما يزاد على الملحق بها، كما ألحق شيطن وسلقى (1) بدحرج، ثم ألحقا بالزيادة فقيل: تشيطن واسلنقى كما قيل: تدحرج واحرنجم، فيسمى مثله ذا زيادة الملحق، وليس اقعنسس كذلك، إذ لم يستعمل قعسس ولا تلحق كلمة بكلمة مزيد فيها إلا بأن يجئ في الملحقات ذلك الزائد بعينه في مثل مكانه، فلا يقال: إن اعشوشب واجلوذ (2) ملحقان باحرنجم لان الواو فيهما في موضع نونه، ولهذا ضعف قول سيبويه في نحو سوود: إنه ملحق بجندب (3) المزيد نونه، وقوى قول الاخفش: إنه ثبت نحو جخدب، وإن نحو سودد ملحق به. وقولنا " والمصدر " يخرج نحو أفعل وفعل وفاعل، فانها ليس ملحقة بدحرج لان مصادرها إفعال وتفعيل ومفاعلة، مع أن زياداتها مطردة لمعان سنذكرها، ولا تكفى مساواة إفعال وفيعال وفعال كأخراج إخراجا وقاتل قيتالا وكذب كذابا لفعلال مصدر فعلل، لان المخالفة في شئ من التصاريف تكفى في الدلالة على عدم الالحاق، لا سيما وأشهر مصدري فعلل فعللة


(1) شيطن الرجل وتشيطن: صار كالشيطان وفعل فعله. وسلقاه: ألقاه على ظهره، واسلنقى: مطاوعه. (2) اعشوشبت الارض: كثر عشبها. واجلوذ الليل: ذهب. واجلوذ بهم السير: دام مع السرعة، ومنه اجلوذ المطر (3) الجندب: الذكر من الجراد، وقيل: الصغير منه (*)

[ 56 ]

وقولنا " في التصغير والتكبير " يخرج عنه حمار، وإن كان بوزن قمطر، لان جمعه قماطر ولا يجمع حمار على حمائر بل حمر وأحمرة، وأما نحو شمائل (1) في جمع شمال فلا يرد اعتراضا، لان فعائل غير مطرد في جمع فعال. وقولنا " لا خماسيا " لان الملحق به لا يحذف آ خره في التصغير والتكسير كما يحذف في الخماسي، بل يحذف الزائد منه أين كان، لانه لما احتيج إلى حذف حرف فالزائد أولى، وأما إذا كان المزيد للالحاق حرف لين رابعا في الخماسي فانه ينقلب ياء نحو كناهير في جمع كنهور (2) قيل: لا يكون حرف الالحاق في الاولى، فليس أبلم (3) ملحقا ببرثن ولا إئمد بزبرج (4)، ولا أرى منه مانعا، فانها تقع أولا للالحاق مع مساعد اتفاقا، كما في الندد ويلندد وإدرون (5) فما المانع أن يقع بلا مساعد ؟


(1) الشمال - بزنة كتاب - الطبع والسجية. قال عبد يغوث بن وقاص الحارثى ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل، وما لومى أخى من شماليا والشمال أيضا: ضد اليمين، قال الله تعالى (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال). والشمال أيضا: الشؤم، قال الشاعر: - ولم أجعل شؤونك بالشمال أي: لم أضعها موضع شؤم (2) الكنهور - بزنة سفرجل - العظيم المتراكب من السحاب، وقيل: قطع من السحاب أمثال الجبال، والنون والواو زائدتان للالحاق بسفرجل (3) الابلم - بضمتين بينهما سكون، أو كسرتين بينهما سكون - هو الخلاص، واحدته أبلمة، وفى الحديث " الامر بيننا وبينكم كقد الابلمة " أي: أنه على نصفين متساويين كما تشق الخوصة نصفين (4) الاثمد - بكسرتين بينهما سكون - حجر يتخذ منه الكحل (5) الادرون - بزنة جردحل - المكان الذى يوضع فيه علف الفرس. وهو (*)

[ 57 ]

قيل: ويقع الف للالحاق في الاسم حشوا، لانه يلزمها في الحشو الحركة في بعض المواضع، ولا يجوز تحريك ألف في موضع حرف أصلى، وإنما وجب تحريكها لان الثاني يتحرك في التصغير، وكذا الثالث والرابع الوسط يتحرك أيضا في التصغير والتكسير إذا حذف الخامس، وأما الاخر فقد لا يتحرك كسلمى وبشرى والاعتراض عليه أنه ما المحذور من تحريك ألف في مقابلة الحرف الاصلى ؟ ومع التسليم فانه لا يلزم تحريكها في نحو علابط لا في التصغير ولا في التكسير، بل تحذف، فلا بأس بأن نقول: هو ملحق بقذعمل، وقولهم " الرابع الوسط يتحرك في التصغير والتكسير إذا حذف الخامس " ليس بمستقيم، لان الالف تقلب إذن ياء ساكنة كسر يديح وسراديح في سرداح (1)، ومع التسليم يلزمهم أن يزاد الالف في الاخر نحو أرطى (2) ومعزى لانه يتحرك بالحركة الاعرابية بعد قلبه ياء في التصغير والتكسير واحترز بعضهم من هذا فقال: الالف لا تكون للالحاق أصلا، وأصلها في نحو أرطى ومعزى ياء، ولا دليل على ما قال، وإنما قلبت في رأيت أريطيا وأراطى لكسرة ما قبلها ولما لم يؤد الامر إلى تحريك الالف وسطا في الفعل حكم الزمخشري وتقبله المصنف بكون ألف نحو تغافل للالحاق بتدحرج، وهو وهم، لان الالف في مثله غالبة في إفادة معنى كون الفعل بين اثنين فصاعدا، ولو كان للالحاق لم يدغم نحو تماد وتراد، كما لم يدغم نحو مهدد كما بينا، ولو كان الالف في تغافل


الاصل أيضا، ويقال: رجع فلان إلى إدرونه، ويقال: فلان إدرون شر، إذا كان نهاية في الشر، قال ابن جنى: هو ملحق بجردحل، وذلك أن الواو التى فيها ليست مدا لان ما قبلها مفتوح فشابهت الاصول بذلك فألحقت بها اه‍ (1) السرداح - بوزن قرطاس، بكسر القاف - الناقة الطويلة والضخم من كل شئ والاسد القوى الشديد (2) الارطى - بفتح فسكون - شجر ينبت في الرمل، واحدته أرطاة (*)

[ 58 ]

للالحاق لكان في مصدره واسمى فاعله ومفعوله أيضا، فلم يصح إطلاق قولهم: " إن الالف لا تكون للالحاق في الاسم وسطا " وكذا نحو تكلم ليس التضعيف فيه للالحاق بتدحرج كما ادعيا، لوضوح كون التضعيف لمعنى، وما غرهما إلا موافقة البناءين لتدحرج في تصاريفه، وإنما جوز حذف الالف للساكنين في نحو أرطى ومعزى مع أن الوزن ينكسر به كما ينكسر بادغام نحو مهدد وقردد، لان هذ الانكسار ليس لازما، إذ التوين في معرض الزوال وترجع الالف مع اللام والاضافة نحو الارطى وأرطى هذا الموضع ولبقاء الوزن تقديرا مع سقوط اللام للتنوين حكم سيبويه بكون جوار وأعيل (1) غير منصرفين هذا، ولما لم يقم دليل على امتناع كون الالف في الوسطل للالحاق جاز أن يحكم في نحو ساسم (2) وخاتم وعالم بكونها للالحاق بجعفر، وبكونها في نحو علابط للالحاق بقذعمل


(1) أعيل - بضم الهمزة وفتح العين - تصغير أعلى الذى هو أفعل تفضيل من العلو والاصل الاول في المصغر أعيلو، ثم قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسره، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة فالتقى ساكنان الياء والتنوين فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، ثم حذف التنوين لان الكلمة ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن الفعل، ثم خيف من رجوع الياء لزوال الساكنين فجئ بالتنوين عوضا عن هذه الياء. هذا مذهب سيبويه والخليل على ما ارتضاه المحققون في تقرير مذهبهما، وهو مبنى على أن الاعلال مقدم على منع الصرف لقوة سببه وهو الاستقلال الظاهر المحسوس في الكلمة، وأما منع الصرف فسببه ضعيف إذ هو مشابهة الاسم للفعل وهى غير ظاهرة. وفى المسألة مذاهب أخرى لا نرى الاطالة بذكرها (2) الساسم: شجر أسود، قيل: هو الابنوس، وقيل: شجر يتخذ منه القسى والامشاط والقصاع والجفان (*)

[ 59 ]

ثم نقول: الاسم الملحق بالرباعي كثير: فؤعل ككوثر، وفيعل كزينب، وفعول كجدول، وفعلل مضعف اللام كمهدد، وفعلى كأرطى، وفعلن كرعشن (1)، وفعلنة كعرضنة (2)، وفعلن كفرسن (3)، وفعلته كسنبته (4) وفنعل كغسل (5)، وفعل كخدب (6)، وفنعل كخنفس (7) وعند الاخفش فعلل مضعف اللام ملحق بجخدب كسؤدد، ولا يمتنع على ما ذكرنا أن يكون أفعل وإفعل كأبلم وإجرد (8) للالحاق، وأما إفعل كإصبع فلا، لادغام نحو إوز، وكذا يفعل يكون للالحاق كيلمع (9) وكذا فاعل كعالم


(1) الرعشن - بفتحتين بينهما ساكن - المرتعش (2) العرضنة - بكسر ففتح فسكون - الاعتراض في السير من النشاط، يقال: تعدو الفرس العرضنة: أي معترضة مرة من وجه ومرة من آخر، ونظرت إلى فلان عرضنه: أي بموخر عينى. (3) الفرسن: طرف خف البعير (4) السنبتة: الحقبة وهى المدة من الزمن، تقول: عشنا في الرخاء سنبتة. والتاء الاولى فيه زائدة للالحاق على قول سيبويه، يدل على زيادتها أنك تقول سنبة، أما التاء الثانية فهى تاء التأنيث وهى موجودة في الحالين (5) العنسل: الناقة السريعة، وهى مأخوذة من العسلان، وهو عدو الذئب، والزائد فيه النون عند سيبويه، واللام عند غيره (6) الخدب - بكسر ففتح فباء مشددة - الضخم والشيخ والعظيم الجافي (7) الخنفس والخنفساء - بضم الخاء وسكون النون وفتح الفاء، وضمها لغة فيهما - دويبة سوداء أصغر من الجعل منتنة الريح (8) الاجرد - بكسر أوله وثالثه وسكون ثانيه وتشديد آخره - نبت يدل على الكمأة واحدته إجردة، قال النضر: ومنهم من يقول إجرد بتخفيف الدال مثل إثمد، وهذا الذى عناه الشارح (9) اليلمع: السراب، وما لمع من السلاح، واسم برق خلب (*)

[ 60 ]

وكذا الملحق بالخماسى من الثلاثي والرباعى كثير، فمن الثلاثي الملحق بسفرجل نحو صمحمح (1) وعفنجج (2) وكروس (3) وعملس (4) وعثوثل (5) وهبيخ (6) وعقنقل (7) وخفيدد وخفيفد (8) والندد ويلندد وحبنطى، ومن الرباعي جحنفل (9) وحبو كر (10)، ومن الملحق بقرطعب من الثلاثي


(1) الصمحمح - كسفرجل - الشديد القوى، والانثى صمحمحة (2) العفنجج - كسفرجل - الضخم الاحمق (3) الكروس - كسفرجل - الشديد (4) العملس - كسفرجل - القوى الشديد على السفر. والذئب والكلب الخبيثان، قال عدى بن الرقاع يمدح عمر بن عبد العزيز: - عملس أسفار إذا استقبلت له * * سموم كحر النار لم يتلثم وقال الطرماح يصف كلاب الصيد: - يوزع بالامراس كل عملس * * من المطعمات الصيد غير الشواحن (5) العثوثل: الكثير اللحم الرخو (6) الهبيخ - كسفرجل - الرجل الذى لا خير فيه، والاحمق المسترخى. والهبيخ في لغة حمير: الغلام الممتلئ، والهبيخة: الجارية التارة الممتلئة بلغتهم أيضا (7) العقنقل - كسفرجل - الكثيب العظيم من الرمل إذا ارتكم بعضه على بعض (8) الخفيدد والخفيفد - كسفرجل - الظليم (ذكر النعام) الخفيف، وقيل: الطويل الساقين. قيل للظليم خفيدد لسرعته، وتقول: خفد - كفرح - خفدا، وخفد - كضرب - خفدا، إذا أسرع في مشيته وفى بعض النسخ مكان خفيفد " خفندد " ومعناه صاحب المال الحسن القيام عليه (9) الجحنفل: الغليظ (10) الحبوكر: الداهية، ورمل يضل فيه السالك (*)

[ 61 ]

إردب وفردوس وإدرون وإنقحل (1) ومن الرباعي قرشب (2) وعلكد (3) وقولهم همرش (4) عند سيبويه ملحق بجحمرش بالتضعيف، وعند الاخفش ليس فيه زائد وأصله هنمرش، ويجوز على ما ذهبنا إليه أن يكون سرداح ملحقا بجردحل، وعلا بط ملحقا بقذعمل، وكنابيل (5) بقذعميل، وإن خالفتهما في التصغير والتكسير، لانا ذكرنا أن ذلك لا يعتبر إلا في الرباعي واعلم أنه لا يكون في الرباعي والخماسي الاصليين تضعيف، لثقلهما وثقل التضعيف: أما إذا كان أحد حروفهما تضعيفا زائدا فإنه يحتمل لعروض الزيادة وإن صار العارض لازما، فعلى هذا أحد المثلين في كلمة مع ثلاثة أصول


(1) الفردوس: البستان، وفى تمثيل المؤلف به لما ذكر نظر، فانهم نصوا على أنه لا زائد فيه إلا الواو، فيكون رباعيا ملحقا بالخماسى، والا نقحل كجردحل: الرجل الذى يبس جلده على عظمه من البؤس والكبر والهرم (2) القرشب - كجردحل: الضخم الطويل من الرجال. وقيل: هو السئ الحال (3) العلكد - بكسر العين وتشديد اللام مفتوحة وسكون الكاف - الغليظ الشديد العنق والظهر من الابل وغيرها، وقيل: هو الشديد مطلقا، الذكر والانثى فيه سواء (4) همرش - كجحمرش - العجوز المضطربة الخلق (بفتح الخاء). قال ابن سيده: جعلها سيبويه مرة فنعللا (وهو غير ما حكاه المؤلف عن الاخفش) ومرة فعللا، ورد أبو على أن يكون فنعللا، وقال: لو كان كذلك لظهرت النون لان إدغام النون في الميم من كلمة لا يجوز، ألا ترى أنهم لم يدغموا في شاة زنماء (وهى التى لها لحمة متدلية تحت حنكها) كراهية أن يلتبس بالمضاعف. وهى عند كراع فعلل (بفتح الفاء وتشديد العين مفتوحة وكسر اللام الاولى) قال: ولا نظير لها البتة اه‍ من اللسان (5) كنابيل - بضم الكاف وفتح النون بعدها ألف - اسم موضع، قال الطرماح ابن حكيم، وقيل: قائله ابن مقبل دعتنا بكهف من كنابيل دعوة * * على عجل دهماء والركب رائح ويقال فيه كنا بين. ويروى في عجز البيت " والليل رائح " (*)

[ 62 ]

وأربعة زائد إذا لم يكن بين المثلين حرف أصلى، كقنب (1) وزهلول (2) فان كان بينهما حرف أصلى فليس بزائد كحدرد (3) ودردبيس (4) وسلسبيل، وقال بعضهم: هو زائد أيضا، فخدرد وسلسبيل عنده فعلع وفعفليل، والاولى الحكم بالاصالة، لعدم قيام دليل زيادة كما قام مع عدم الفصل بالأصلي كما سيجئ، وكذا إذا كان حرفان متباينان بعد مثليهما فالاولان أو الاخيران زائدان، بشرط أن يبقى دونهما ثلاثة أصول أو أكثر، فمرمريس فعفعيل، وصمحمح فعلعل، وأما نحو زلزل وصرصر (5) فليس فيه زائد، إذ لا يبقى بعد الحرفين ثلاثة، ومن قال " سلسبيل فعفليل " قال: زلزل فعفل وقال الكوفيون في نحو زلزل وصرصر - أي: فيما يبقى بعد سقوط الثالث مناسب للمعنى الذى كان قبل سقوطه مناسبة قريبة -: إن الثالث زائد، لشهادة الاشتقاق: فزلزل من زل، وصرصر من صر، ودمدم (6) من دم، وأما ما لم يكن كذلك، كالبلبال والخلخال، فلا يرتكبون ذلك فيه وقال السرى الرفاء في كتاب المحب والمحبوب: زلزل منزل كجلبب من جلب، وكذا نحوه، يعنى أنه كرر اللام للالحاق فصار زلل، فالتبس بباب


(1) القنب - بكسر القاف وضمها مع تشديد النون مفتوحة فيهما -: ضرب من الكتان (2) الزهلول - كعصفور - الاملس من كل شئ (3) حدرد - كجعفر -: اسم رجل، ولم يجئ على فعلع بتكرير العين غيره (4) الدرديس: الداهية، وخرزة سوداء تتحبب بها المرأة إلى زوجها، والعجوز والشيخ الكبير الفاني (5) صرصر: تحتمل هذه الكلمة أن تكون فعلا ومعناه صوت وصاح أشد الصياح، وأن تكون اسما وهو دويبة تحت الارض تصر أيام الربيع (6) دمدم: يقال: دمدم الرجل الرجل ودمه: أي عذبه عذابا تاما. (*)

[ 63 ]

ذلل يذلل تذليلا، فأبدل اللام الثانية فاء، وهو قريب، لكنه يرد عليه أن فيه إبدال بعض ما ليس من حروف الابدال كالكاف في كركر بمعنى كر وقال الفراء في مرمريس وصمحمح: إنه فعلليل وفعلل، قال: لو كان فعفعيلا وفعلعلا لكان صرصر وزلزل فعفع، وليس ما قال بشئ، لانا لا نحكم بزيادة التضعيف إلا بعد كمال ثلاثة أصول فإذا تقرر جميع ذلك قلنا: إن التضعيف زائد في نحو قنب وعلكد وقرشب ومهدد وصمحمح ومرمريس وبرهرهة (1) - أي: كل كلمة تبقى فيها بعد زيادة التضعيف ثلاثة أصول أو أربعة - إذ لم يفصل بين المثلين أصلى، وإنما حكمنا بذلك لقيام الدلالة على زيادة كثير من ذلك بالاشتقاق، فطردنا الحكم في الكل، وذلك نحو قطع وقطاع وجبار وسبوح، وكذا في ذرحرح (2)، لقولهم ذروح بمعناه، وفى حلبلاب (3) لقولهم حلب بمعناه، ومرمريس للداهية (من (4)) الممارسة للامور، وألحق ما جهل اشتقاقه بمثل هذا المعلوم، ودليل آخر على زيادة تضعيف نحو صمحمح وبرهرهة جمعك له على صمامح وبراره، ولو كان كسفرجل قلت صماحم


(1) يقال: امرأة برهرهة، إذا كانت بضة، وقيل: هي البيضاء، وقيل: التى لها بريق من صفائها (2) الذرحرح - بضم أوله وفتح ثانيه بعدهما حاء مهملة ساكنة فراء مفتوحة -: هو دويبة أعظم قليلا من الذباب، والذروح كسبوح بمعناه (3) حلبلاب - بكسرتين بعدهما سكون - نبت ينبسط على الارض وتدوم خضرته في القيظ وله ورق أعرض من الكف، والحلب بوزن سكر بمعناه (4) زيادة يقتضيها المقام، فأنه يريد أن التضعيف زائد في كلمة مرمريس لانها مأخوذة من المراس، وهو شدة العلاج، ويقال: رجل مرمريس إذا كان داهيا عاقلا معالجا للامور (*)

[ 64 ]

فان قيل: هلا حذفت الميم الثانية أو الحاء الثانية ؟ فالجواب أنه لو حذفت الميم الثانية لالتقى مثلان نحو صماحح، ولو حذفت الحاء الثانية وقلت صماحم لظن أنه كسفرجل: أي أن جميع الحروف أصلية، وأيضا ليس في كلامهم فعالع وفى الكلام فعاعل كثير كسلالم في سلم وقنانب في قنب، وكذا تقول في مرمريس: مراريس، لكثرة فعاعيل كدنانير وقراريط، فجمعا على فعاعل وفعاعيل ليكون أدل على كونهما من ذوات الثلاثة واعلم أن كل كلمة زائدة على ثلاثة في آخرها مثلان متحركان مظهران فهى ملحقة، سواء كانا أصليين كما في ألندد، أو أحدهما زائدا كما في مهدد، لان الكلمة إذن ثقيلة وفك التضعيف ثقيل، فلولا قصد مماثلها للرباعي والخماسي لادغم الحرف طلبا للتخفيف، فلهذا قيل: إن مهدداملحق بجعفر دون معد، ولهذا قال سيبويه: نحو سؤدد ملحق بجندب، مع كون النون في جندب زائدا وعدم ثبوت فعلل بفتح اللام عنده (1)


(1) نذكر هاهنا تكملة في بيان القياسي والسماعي من الالحاق نرى أنه لابد منها إذ كان المؤلف لم يتعرض لبيانها، فنقول: قال أبو عثمان المازنى: " وهذا الالحاق بالواو والياء والالف لا يقدم عليه إلا أن يسمع، فإذا سمع قيل: ألحق ذا بكذا بالواو والياء، وليس بمطرد، فأما المطرد الذى لا ينكسر فأن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررا للالحاق مثل مهدد وفردد وعندد وسردد، والافعال نحو جلبب يجلبب جلببة، فإذ سئلت كيف تبنى منضرب مثل جعفر قلت: ضربب، ومن علم قلت: علمم، ومن ظرف قلت: ظرفف، وإن كان فعلا فكذلك وتجريه مجرى دحرج في جميع أحواله " اه‍ وقال أبو الفتح عثمان بن جنى: " ومعنى قوله إن باب مهدد وجلبب مطرد وباب جهور وكوثر غير مطرد أنك لو احتجت في شعر أو سجع أن تشتق من ضرب اسما أو فعلا أو غير ذلك لجاز، وكنت تقول: ضربب زيد عمرا، وأنت تريد ضرب، وكذا كنت تقول: هذا ضربب أقبل، إذا جعلته اسما، وكذلك ما أشبهه، ولم يجز لك أن تقول: ضورب زيد عمرا، ولا هذا (*)

[ 65 ]

قال: " وأحوال الابنية قد تكون للحاجة كالماضي والمضارع والامر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل والمصدر واسمى الزمان والمكان والالة والمصغر والمنسوب والجمع والتقاء الساكنين والابتداء والوقف، وقد تكون للتوسع كالمقصور والممدود وذى الزيادة، وقد


رجل ضورب، لان هذا الالحاق لم يطرد فلا تقيسه. وسألت أبا على (يريد أستاذه الفارسى) عن هذا الموضع في وقت القراءة بالشام والعراق جميعا وأنا أثبت ما تحصل من قوله فيه، قال: لو اضطر شاعر الان لجاز أن يبنى من ضرب اسما وصفة وفعلا وما شاء من ذلك، فيقول: ضربب زيد عمرا، ومررت برجل ضربب، وضربب أفضل من خرجج، لانه إلحاق مطرد، وكذلك كل مطرد من الالحاق نحو هذا رجل ضربني، لان هذا الالحاق مطرد، وليس لك أن تقول: هذا رجل ضيرب، ولا ضورب، لان هذا لم يطرد في الالحاق. فقلت له: أترتجل اللغة ارتجالا ؟ فقال: نعم، لان هذا الالحاق لما اطرد صار كاطراد رفع الفاعل، ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فترفع وإن لم تكن العرب لفظت بهذه الكلمة لانه أعجمية. قال: وإدخالهم الاعجمي في كلامهم كبنائك ما تبنيه من ضرب وغيره من القياس، وهذا من طريف ما علقته من أبى على، وهذا لفظه أو معنى لفظه " اه‍ وحاصل هذا أن الالحاق عندهما على ضربين: قياسي، وسماعى، فأما القياسي فقد ذكرا له موضعين: الاول: ما كان بتكرير اللام مع الثلاثي، والثانى: ما كان بريادة النون في وسط الكلمة، وأما السماعي فما كان بالواو كجمهور ورودن، أو بالياء كشريف وبيطر وزينب ومريم، أو بالالف كجعبى وسلقى ودنيا ومعزى ولكنك إذا رجعت إلى كلام أبى الفتح ابن حنى في عدة مواضع من شرحه على تصريف المازنى ومن كتابه الخصائص تبين لك أنهم لا يعدون من الالحاق قياسيا إلا ما كان بتكرير اللام سواء أكان ثلاثى الاصول وأريد إلحاقه بالرباعي أم كان رباعى الاصول وأريد إلحاقه بالخماسى، فليس لك أن تزيد للالحاق أي حرف ما لم يكن من جنس اللام، إلا أن تريد التمرين كأن تقول: ابن من خرج على مثال كوثر أو جهور أو بيطر أو جعبى أو غسل أو نحو ذلك (*)

[ 66 ]

تكون للمجانسة كالامالة، وقد تكون للاستثقال كتخفيف الهمزة والاعلال والابدال والادغام والحذف " أقول: قد مضى الكلام على جعله لهذه الاشياء أحوال الكلمة فلا نكرره (1) قوله " قد تكون للحاجة " أي: يحتاج إلى هذه الاشياء: إما لتغير المعنى باعتبارها كما في الماضي والمضارع، إلى قوله " والجمع " وإما للاضطرار إلى بعضها بعد الاعلال كالتقاء الساكنين في نحو " لم يقل " أو بعد وصل بعض الكلم ببعض كالتقائهما في نحو " اذهب اذهب " أو عند الشروع في الكلام كالابتداء، وإما لوجه استحسانى لا ضروري كوجوه الوقف على ما يأتي وفى جعله للمقصور والممدود وذى الزيادة من باب التوسع مطلقا نظر، لان القصر والمد إنما صير إليهما في بعض المواضع باعلال اقتضاه الاستثقال كاسم المفعول المعتل اللام من غير الثلاثي المجرد، واسمى الزمان والمكان، والمصدر مما قياسه مفعل ومفعل، وسائر ما ذكره في المقصور، وكالمصادر المعتلة اللام من أفعل وفاعل وافتعل كالاعطاء والرماء والاشتراء، وسائر ما نذكره في الممدود، وربما صير إليهما للحاجة كمؤنث أفعل التفضيل، ومؤنث أفعل الصفة، وكذا ذو الزيادة: قد تكون زيادته للحاجة كما في زيادات اسم الفاعل واسم المفعول ومصادر ذى الزيادة ونحو ذلك، وكزيادات الالحاق، وقد يكون بعضها للتوسع في الكلام كما في سعيد وحمار وعصفور وكنابيل ونحو ذلك، ويجوز أن يقال في زيادة الالحاق: إنها للتوسع في اللغة، حتى لو احتيج إلى مثل ذلك البنا في


(1) صواب العبارة أن يقول " على جعله لهذه الاشياء أحوال الابنية " وانظر (ص 4) من هذا الجزء (*)

[ 67 ]

الوزن والسجع كان موجودا، وذهب أحمد بن يحيى إلى أنه لابد لكل زائد من معنى، ولا دليل على ما ادعى قوله " والاعلال " يدخل فيه إبدال حروف العلة، ونقل حركتها إلى ما قبلها، وحذفها، وحذف حركتهالا للجزم ولا للوقف، ويدخل في الابدال إبدال حرف العلة والهمزة وغيرهما، وكذا الحذف يشمل حذف حرف العلة والهمزة وغيرهما، فقوله " الابدال والحذف " يدخل فيها بعض وجوه الاعلال، وبعض وجوه تخفيف الهمزة قال: " الماضي: للثوثى المجرد ثلاثة أبنية: فعل، وفعل، وفعل، نحو ضربه وقتله جاس وقعد وشربه وومقه وفرح ووثق وكرم " أقول: ذكر لفعل أربعة أمثلة: مثالين للمتعدي: أحدهما من باب فعل يفعل، والثانى من باب فعل يفعل، ولم يذكر من باب فعل يفعل - بفتحهما - لانه فرعهما على ما يأتي في المضارع، ومثالين للازم منهما، وذكر أيضا لفعل أربعة أمثلة: مثالين للمتعدي: أحدهما من باب فعل يفعل كشرب، والثانى من باب فعل يفعل كومق، ومثالين للازم منهما، وذكر لفعل مثالا واحدا، لانه ليس مضارعه إلا مضموم العين، وليس إلا لازما قال: " وللمزيد فيه خمسة وعشرون: ملحق بدرج نحو شملل وحوقل وبيطر وجهور وقلنس وقلسى، وملحق بتدحرج نحو تجلبب وتجورب وتشيطن وترهوك وتمسكن وتغافل وتكلم، وملحق باحرنجم نحو اقعنسس واسلنقى، وغير ملحق نحو أخرج وجرب وقاتل وانطلق واقتدر واستخرج واشهاب واشهب واغدودن واعلوط، واستكان قيل: افتعل من السكون فالمد شاذ، وقيل: استفعل من كان فالمد قياسي " أقول: شملل: أي أسرع، وأيضا بمعنى أخذ من النخل بعد لقاطه ما يبقى

[ 68 ]

من ثمره، وحوقل: كبر وعجز عن الجماع، وجهور: رفع صوته، قلنسته وقلسيته: ألبسته القلنسوة، تجلبب: لبى الجلباب، تجورب: لبس الجورب، تشيطن الرجل: صار كالشيطان في تمرده، ترهوك الرجل في المشى: أي كان كأنه يموج فيه، تمسكن: تشبه بالمسكين، احرنجم القوم: ازدحموا، اقعنسس: رجع وتأخر، اسلنقى: مطاوع سلقى: أي صرع، اغدودن النبت: طال، اعلوطت البعير: تعلقت بعنقه وعلوته، استكان: ذل ومن الملحقات بفعلل شريف: أي قطع شرياف الزرع، وهو ورقه إذا طال وكثر حتى يخاف فساد الزرع قد تقدم أن نحو تكلم وتغافل ليس ملحقا، وإن كان في جميع تصاريفه كتدحرج، وفى عد النجاة تمدرع وتمندل وتمكن من الملحق نظرا أيضا، وإن وافقت ترحرج في جميع التصاريف، وذلك لان زيادة الميم فيها ليست لقصد الالحاق، بل هي من قبيل التوهم والغلط، ظنوا أن ميم منديل ومسكين ومدرعة فاء الكلمة كقاف قنديل ودال درهم، والقياس تدرع وتندل وتسكن كما يجئ في باب ذى الزيادة، وهذا كما توهم في ميم مسيل الاصالة فجمعوه على مسلان وأمسلة، كقفزان وأقفزة في جمع قفيز، فتمدرع وتمندل وتمسكن - وإن كانت على تمفعل في الحقيقة - لكن في توهمهم على تفعلل وقد جاء من الملحقات بدحرج فعال نحو: برأل الديك، إذا نفش برائله (1)


(1) البرائل كعلابط والبرائلي بوزنه مقصورا: ما استدار من ريش الطائر حول عنقه، أو خاص بعرف الخبارى، فإذا نفشه للقتال قيل برأل كدحرج وتبرأل كتدحرج، وابرأل كاشمأز، اه‍ من القاموس، وفى اللسان: وقيل: هو الريش السبط الطويل لا عرض له على عنق الديك... قال: وهو البرائل لديك خاصة (*)

[ 69 ]

وفنعل نحو: دنقع الرجل: أي افتقر ولزق بالدقعاء، وهى الارض، وكذا فعلن وفمعل (وفعمل) وفعلم وغير ذلك، لكنها لم تعد لغرابتها وكونها من الشواذ، وكذا جاء تهفعل وافعنمل ونحو ذلك من النوادر (1) قوله " واستكان "، قيل: أصله استكن فاشبع الفتح، كما في قوله: -


(1) ذكر المؤلف رحمه الله هذه الاوزان ولم يذكر لها أمثلة، ونحن نذكر لك أمثلة لها: أما فعلن فمن أمثلتها قولهم: فرصن الشئ، إذا قطعه، وأصله الفرص وهو القطع وزنا ومعنى، ومنه قولهم: قحزن الرجل، إذا ضربه فصرعه، وأصله قحز الرجل إذا أهلكه، وأما فمعل فمن أمثلتها قولهم: حمظل الرجل، إذا حنى الحمظل، وهو الحنظل. وأما فعمل فمن أمثلتها قولهم: قصمل الشئ، إذا قطعه، وأصله القصل وهو القطع وزنا ومعنى، وقولهم: جلط الرجل شعره، إذا حلقه، وأصله جلط. وأما فعلهم فمن أمثلتها قولهم: فرصم الشئ، إذا قطعه وأصله الفرص. وأما تهفعل فمن أمثلتها قولهم: تهلقم مطاوع هلقم الشئ، إذا ابتلعه، وأصله لقم اللقمة إذا أخذها بفيه. وأما أفضل ؟ فمن أمثالها قولهم: اهرنمع الرجل، إذا أسرع في مشيته وكذلك إذا كان سريع البكاء والدموع. وقالوا: اهرنمع في منطقه إذا انهمك وأكثر، النون فيه زائدة بلا خلاف، وأما الميم فقال ابن سيده: إنها زائدة، وقال ابن برى: هي أصلية فوزنها افعلل، وعلى كل فانه يتعين إبدال النون ميما وإدغامها في الميم بعدها هذا، وقد أشار المؤلف بقوله: وغير ذلك، وقوله فيما بعد: ونحو ذلك، إلى أوزان أخرى لم يتعرض لذكرها، فمنها يفعل (كدحرج) نحو: يرنا الرجل، إذا صبغ باليرناء (بضم ففتح فنون مشددة وبعد الالف همزة) وهى الحناء. ومنها تفعل (كدحرج) نحو ترمس بمعنى رمسه: أي غيبة في الرمس وهو القبر، ومنه قولهم: ترفل ترفلة بمعنى رفل (كنصر)، إذا جرذيله وتبختر. ومنها نفعل كقولهم: نرجس الدواء، إذا وضع فيه النرجس. ومنها فنعل نحو سنبل الزرع إذا ظهر سنبله. ومنها هفعل نحو هلقم، إذا أكبر اللقم. ومنها سفعل نحو سنبس بمعنى نبس: أي نطق، إلى غير ذلك ما تجده في كتب اللغة. هذا، في أكثر هذه الاوزان مقال (*)

[ 70 ]

10 - ينباع من ذفرى غصوب جسرة * * زيافة مثل الفنيق المكدم إلا أن الاشباع في استكان لازم عند هذا القائل، بخلاف ينباع، وقيل: استفعل من الكون، وقيل: من الكين، والسين للانتقال، كما في استحجر: أي انتقل إلى كون آخر: أي حالة أخرى: أي من العزة إلى الذلة، أو صار كالكين، وهو لحم داخل الفرج: أي في اللين والذلة قال: " ففعل لمعان كثيرة، وباب المغالبة يبنى على فعلته أفعله - بالضم - نحو كارمنى فكرمته أكرمه، إلا باب وعدت وبعت ورميت، فإنه أفعله - بالكسر - وعن الكسائي في نحو شاعرته فشعرته أشعره - بالفتح " أقول: اعلم أن باب فعل لخفته لم يختص بمعنى من المعاني، بل استعمل في جميعها، لان اللفظ إذا خف كثر استعماله واتسع التصرف فيه ومما يختص بهذا الباب بضم مضارعه المغالبة، ونعنى بها أن يغلب أحد الامرين الاخر في معنى المصدر، فلا يكون إذن إلا معتديا. نحو: كارمنى فكرمته أكرمه: أي غلبته بالكرم، وخاصمني فخصمته أخصمه، وغالبنى فغلبته أغلبه، وقد يكون الفعل من غير هذا الباب كغلب وخصم وكرم، فإذا قصدت هذا المعنى نقلته إلى هذا الباب، إلا أن يكون المثال الواوى كوعد، والاجوف


(1) هذا البيت من معلقة عنترة بن شداد العبسى. وينباع: أصله ينبع (كيفتح) فاشبعت فتحة الباء فصارت ألفا. والذفرى - بكسر فسكون مقصورا - الموضع الذى يعرق من الابل خلف الاذن. والغضوب: الناقة الصعبة الشديدة. والجسرة: الضخمة القوية. والزيافة: المتبخترة في مشيها. والفنيق: الفحل المكرم من الابل والمكدم: المعضوض، وروى المقرم، وهو الذى لا يذلل ولا يحمل عليه لكرمه وعتقه (*)

[ 71 ]

والناقص اليائيين كباع ورمى، فانك لا تنقلها عن فعل يفعل، بل تنقلها إليه إن كانت من غيره، لان هذه الانواع مضارعها يفعل - بالكسر - إذا كان الماضي مفتوح العين قياسا لا ينكسر، كما يجئ وحكى عن الكسائي أنه استثنى أيضا ما عينه أولامه أحد الحروف الحلقية، وقال: يلزمه الفتح، نحو: شاعرته فشعرته اشعره، والحق ما ذهب إليه غيره، لان ما فيه حرف الحقل لا يلزم طريقة واحدة كالمثال الواوى والاجوف والناقص اليائيين، بل كثير منه يأتي على الاصل نحو برأ يبرؤ وهنأ يهنئ، كما يأتي بيانه في موضعه، وقد حكى أبو زيد شاعرته فشعرته أشعره - بالضم - وكذا فاخرته أفخره - بالضم - وهذا نص في عدم لزوم الفتح في مثله واعلم (1) أنه ليس باب المغالبة قياسا بحيث يجوز لك نقل كل لغة أردت إلى هذا الباب لهذا المعنى، قال سيبويه: وليس في كل شئ يكون هذا، ألا ترى أنك تقول نازعنى فنزعته أنزعه، استغنى عنه بغلبته، وكذا غيره، بل نقول: هذا الباب مسموع كثير قال: " وفعل تكثر فيه العلل والاحزان وأضدادها نحو سقم ومرض وحزن وفرح، ويجئ الالوان والعيوب والحلى كلها عليه، وقد جاء أدم وسمر وعجف وحمق وخرق وعجم ورعن (2) بالكسر والضم "


(1) قال في التسهيل: وهذا البناء (يقصد باب المغالبة) مطرد في كل ثلاثى متصرف تام خال من ملزم الكسر. اه‍ ويقصد بملزم الكسر ما ذكره المؤلف هاهنا وهو كونه مثالا واويا أو أجوف أو ناقصا يائيين. ولا ينافيه قول سيبويه الذى ذكه المؤلف لانه يمكن حمل كلامه على أنه أراد به أنهم مع كثرة استعمالهم باب المغالبة تركوا استعماله في هذا الموضع استغناء عنه بغلبته وشبهه، وما قال ابن مالك هو الظاهر كما يدل عليه قولهم: باب المغالبة يبنى على كذا، دون أن يقولوا: جاء على كذا (2) أدم (كعلم وكرم) فهو آدم، إذا كان لونه مشربا سوادا وبياضا، (*)

[ 72 ]

أقول: اعلم أن فعل لازمه أكثر من متعديه، والغالب في وضعه أن يكون للاعراض من الوجع وما يجرى مجراه، كحزن وردى وشعث وسهك ونكد وعسر وشكس ولحز ولحج وخزى، ومن الهيج كبطر وفرح (1) وخمط خمطا، وهو الرائحة الطيبة، وقم قنمة، وهى الرائحة المكروهة، وغضب وغار يغار وحمش وقلق وحار حيرة وبرق (2). ومن الهيج ما يدل على الجوع والعطش وضديهما من الشبع والرى، وقريب منه نصف القدح أي امتلا نصفه وقرب إذا قارب الامتلاء، ويكثر في هذا الباب الالوان والحلى، فالالوان نحو كدر وشهب وصدئ وقهب وكهب وأدم (3)


واللون الادمة. وسمر (ككرم وفرح) فهو أسمر، واسمار أيضا، إذا كان لونه السمرة، وهى منزلة بين السواد والبياض. وعجف (كفرح وكرم) فهو أعجف، إذا ذهب سمنه، وهو العجف (بفتحتين). وحمق (ككرم وغنم) حمقا - بالضم وبضمتين - وحماقة فهو أحمق، إذا كان قليل العقل. وخرق بالامر (ككرم وفرح) إذا لم يرفق به، وعجم - بضم الجيم - عجمة فهو أعجم وهى عجماء، إذا كان به عجمة وهى لكنة وعدم فصاحة، وظاهر كلام المؤلف أنه ورد كفرح أيضا، لكنا لم نجد بعد مراجعة ما بأيدينا من أمهات كتب اللغة إلا ما قدمناه، وقال في اللسان عن الكسائي: كل شئ من باب أفعل وفعلاء سوى الالوان فانه يقال فيه فعل يفعل مثل عرج يعرج وما أشبهه الا ستة أحرف فانه جاءت على فعل (ككرم) الاخرة والاحمق والارعن والاعجف والايمن اه‍ ولم يذكر السادس، ولعله الاعجم. (1) ردى: هلك، وسقط في الهوة، وشعث: تلبد شعره واغبر، وسهك: خبثت رائحة عرقه، ونكد: صعب عيشه، وعسر: وقع في ضيق وشدة، أو عمل بيده اليسرى، وشكس: ساء خلقه، ولحز: بخل وشحت نفسه، ولعجت عينه: أصيبت ببثور، وخزى الرجل: وقع في بلية وشر، وبطر: لم يحتمل النعمة وكفرها (2) حمش: غضب، أو صار دقيق الساق، وبرق بصره: تحير، أو دهش فلم يبصر (3) كدر: إذا كان لونه بين السواد والغبرة، وشهب: إذا غلب بياضه على (*)

[ 73 ]

والاغلب في الالوان افعل وافعال نحو ازراق واخضار وابيض واحمر واصفر، ولا يجئ من هذه الالوان فعل ولا فعل، ونعنى بالحلى العلامات الظاهرة للعيون في أعضاء الحيوان، كشتر وصلع ورسح وهضم (1) وقد يشاركه فعل مضموم العين في الالوان والعيوب والحلى، كالكلمات التى عدها المصنف، وفى الامراض والاوجاع كسقم وعسر، بشرط أن لا يكون لامه ياء، فان فعل لا يجئ فيه ذلك، إلا لغة واحدة، نحو بهو الرجل (2) وبهى أي: صار بهيا وفعل في هذه المعاني المذكورة كلها لازم، لانها لا تتعلق بغير من قامت به، وأما قولهم: فرقته وفزعته فقال سيبويه: هو على حذف الجار، والاصل فرقت منه وفزعت منه، قال: وأما خشيته فأنا خاش، والقياس خش، فالاصل أيضا خشيت منه، فحمل على رحمته، حمل الضد على الضد، ولهذا جاء اسم الفاعل منه على خاش والقياس خش، لان قياس صفة اللازم من هذا الباب فعل، وكذ كانقياس مصدره خشى فقيل خشية حملا على رحمه، وكذا حمل ساخط على راض مع أنه لازم، يقال: سخط منه أو عليه


سواده، وصدى: إذا كان أسود مشربا حمرة، وقهب إذا كان ذا غبرة مائلة إلى الحمرة، وكهب: إذا كان ذا غبرة مشربة سوادا، وأدم تقدم قريبا ص (71) (1) شتر: انشقت شفته السفلى، وشترت عينه: انقلب جفنها وتشنج، وصلع (بمهملة كفرح) فهو أصلع، إذا انحسر شعر مقدم رأسه لنقصان مادة الشعر في تلك البقعة في بعض النسخ " ضلع " وتقول. ضلع السيف (بالمعجمة كفرح): اعوج، ورسح: أي خف لحم عجيزته وفخذيه، وهضم: انضم كشحاه (أي جانباه) وضمرت بطنه (2) بهو الرجل وبهى وبها (ككرم وفرح ودعا وسعى)، إذا صار بها (*)

[ 74 ]

قوله " رعن " أي: حمق، والرعونة: الحمق قال: " وفعل لافعال الطبائع ونحوها كحسن وقبح وكبر وصغر فمن ثمة كان لازما، وشذ رحبتك الدار: أي رحبت بك. وأما باب سدته فالصحيح أن الضم لبيان بنات الواو لا للنقل، وكذا باب بعته. وراعوا في باب خفت بيان البنية " أقول: اعلم أن فعل في الاغلب للغرائز، أي: الاوصاف المخلوقة كالحسن والقبح والوسامة والقسامة (1) والكبر والصغر والطول والقصر والغلظ والسهولة والصعوبة والشرعة والبطء والثقل والحلم والرفق، ونحو ذلك وقد يجرى غير الغريزة مجراها، إذا كان له لبث (2) ومكث نحو حلم وبرع (3) وكرم وفحش قوله " ومن ثمة كان لازما " لان الغريزة لازمة لصاحبها، ولا تتعدى إلى غيره هكذا قيل. وأقول: أيش المانع (4) من كون الفعل المتعدى طبيعة أو كالطبيعة


(1) الوسامة: أثر الحسن، وهى الحسن الوضئ الثابت أيضا، والوسيم: الثابت الحسن، كأنه قد وسم، والقسامة: الحسن، يقال: رجل مقسم الوجه، أي جميل كله كأن كل موضع منه أخذ قسما من الجمال (2) اللبث - بفتح اللام وضمها مع إسكان الباء فيهما -: المكث أو الابطاء والتأخر. قال الجوهرى: مصدر لبث لبث (بفتح فسكون) على غير قياس، لان المصدر من فعل (بالكسر) قياسه إذا لم يتعد، وقد جاء في الشعر على القياس، قال جرير: وقد أكون على الحاجات ذا لبث * * وأحوذيا إذا انضم الذعاليب (3) برع (بضم الراء): تم في كل فضيلة وجمال، وفاق أصحابه في العلم وغيره (4) أيش: أصلها أي شئ، فخففت بحذف الياء الثانية من أي الاستفهامية، وحذف (*)

[ 75 ]

قوله " رحبتك الدار "، قال الازهرى: هو من كلام نصر بن سيار وليس بحجة (1). واولى أن يقال: إنما عداه لتضمنه معنى وسع، أي:


همزة بشئ بعد نقل حركتها الى الساكن قبلها، ثم أعل إعلال قاض، والمؤلف رحمه الله يستعمل هذا اللفظ كثيرا، وقد وقع مثله لكثير من أفاضل العلماء، قال الشهاب الخفاجى في شفاء الغليل: أيش بمعنى أي شئ، خفف منه، نص عليه ابن السيد في شرح أدب الكاتب، وصرحوا بأنه سمع من العرب، وقال بعض الائمة: جنبونا أيش، فذهب إلى أنها مولدة، وقول الشريف في حواشى الرضى: " إنها كلمة مستعمل بمعنى أي شئ وليست مخففة منها " ليس بشئ، ووقع في شعر قديم أنشده في السير: - من آل قحطان وآل أيش قال السهيلي في شرحه: الايش: يحتمل أنه قبيلة من الجن ينسبون إلى أيش، ومعناه مدح، يقولون: فلان أيش وابن أيش، ومعناه شئ عظيم، وأيش في معنى أي شئ كما يقال: ويلمه، في معنى ويل لامه على الحذف لكثرة الاستعمال اه‍ (1) قال اللسان: " كلمة شاذة تحكى عن نصر بن سيار: أرحبكم الدخول في طاعة ابن الكرماني ؟ أي: أوسعكم ؟ فعدى فعل (بالضم) وليست متعدية عند النحويين، إلا أن أبا على الفارسى حكى أن هذيلا تعديها إذا كانت قابلة للتعدى بمعناها، كقوله: - ولم تبصر العين فيها كلابا قال الازهرى: لا يجوز رحبكم عند النحويين، ونصر ليس بحجة " اه‍ ملخصا ونصر: هو نصر بن سيار بن رافع بن حرى (كغنى) بن ربيعة بن عامر بن هلال بن عوف، كان أمير خراسان في الدولة الاموية، وكان أول من ولاه هشام ابن عبد الملك، وكانت إقامته بمرو، فهو عربي الاصل، وحياته كانت في العصر الذى يستشهد بكلام أهله فلا وجه لقولهم: ليس بحجة (*)

[ 76 ]

وسعتكم الدار. وقول المصنف " أي رحبت بك " فيه تعسف لا معنى له (1). ولا يجئ من هذا الباب أجوف يائى، ولا ناقص يائى، لان مضارع فعل يفعل بالضم لا غير، فلو أتيا منه لاحتجت إلى قلب الياء ألفا في الماضي، وفى المضارع واوا، نحو يبوع يرمو، من البيع والرمى، فكنت تنتقل من الاخف إلى الاثقل. وإنما جاء من فعل المكسور العين أجوف وناقص: واويان كخاف خوفا ورضى وغبى وشقي رضوانا وغباوة وشقاوة، لانك تنتقل فيه من الاثقل إلى الاخف بقلب الواوفى يخاف ألفا وفى رضى ياء، بلى قد جاء في هذا الباب من الاجوف اليائى حرف واحد وهو هيؤ الرجل: أي صار ذاهيئة، ولم تقلب الياء في الماضي ألفا إذ لو قلبت لوجب إعلال المضارع بنقل حركتها إلى ما قبلها واوا، لان المضارع يتبع الماضي في الاعلال، فكنت تقول: هاء يهوء، فيحصل الانتقال من الاخف إلى الاثقل، وجاء من الناقص اليائى حرف واحد متصرف (2) وهو بهو الرجل يبهو، بمعنى بهى يبهى: أي صار بهيا، وإنما لم تقلب الضمة كسرة لاجل الياء كما في الترامي بل قلبت الياء واوا لاجل الضمة لان الابنية في الافعال مراعاة لا يخلط بعضها ببعض أبدا، لان الفعلية إنما حصلت بسبب البنية والوزن، إذ أصل الفعل المصدر الذى هو اسم، فطرأ الوزن عليه فصار فعلا، وقد يجئ على قلة في باب التعجب فعل من الناقص اليائى ولا يتصرف كنعم وبئس فلا يكون له مضارع كقضو الرجل (3) ورموت اليد (يده)، ولم


إنما كان تخريج المصنف تعسفا عنده لان حاصله حذف الجار وإيصال العامل اللازم إلى ما كان مجرورا بنفسه، وباب الحذف والايصال شاذ عند النحاة، وأما تخريج الشارح فحاصله أنه ضمن كلمة معنى كلمة، والتضمين باب قياسي عند كثير من النحاة (2) نقول: قد جاء فعل آخر من هذا النوع، وهو قولهم: نهو الرجل: أي صار ذا نهية، والنهية (بضم فسكون) العقل (3) قضو الرجل: أي ما أقضاه، يقال ذلك إذا جاد قضاؤه. ورموت اليد: أي ما أرماها (*)

[ 77 ]

يجئ المضاعف من هذا الباب إلا قليلا لثقل الضمة والتضعيف. وحكى يونس لببت تلب، ولبت تلب أكثر، وأما حببت فمنقول إلى هذا الباب للتعجب كقضور ورمو، ومنه قوله -:. - * وحب بها مقتولة حين تقتل (1) * فهو كقوله: - 11 - قصعد له وصحبتي بين ضارج * * وبين العذيب بعد ما متأملي (2) على أحد التأويلين في بعد (3) والاصل حببت بالكسر (4) أي: صرت حبيبا، ولم يقولوا في القليل قللت كما قالوا في الكثير كثرت، بل قالوا: قل


(1) سبق شرح هذا الشاهد (ص 43) والاستشهاد به هاهنا على أن أصل حب (بضم الحاء) حبب (بكسر الباء)، ثم نقل إلى فعل (بضم العين) للمدح والتعجب، ثم نقلت الضمة إلى الفاء وادغمت العين في اللام (2) هذا البيت من طويلة امرئ القيس، والضمير في له يعود إلى البرق الذى ذكره في قوله: - أصاح ترى برقا أريك وميضه * * كلمع اليدين في حبى مكلل وضارج والعذيب: مكانان، وما: زائدة، ومتأملي: اسم مفعول من تأمل: أي بعد السحاب المنظور إليه، وهو فاعل بعد، ويجوز أن تجعل ما تمييزا، ويكون قوله متأملي هو المخصوص بالمدح (3) والتأويل الثاني أن يكون سكون العين أصليا، وتكون بعد ظرفا لا فعل تعجب، وما: زائدة، ومتأملي مصدر ميمى بمعنى التأمل والنظر. وهذا التوجيهان يجريان في رواية بعد (بفتح الباء)، وأما في رواية ضم الباء فلا تحتمل إلا وجها واحدا، وهو أن يكون بعد فعلا ماضيا للتعجب (4) لا وجه لتقييده بالكسر، فأنه قد جاء قبل نقله إلى باب التعجب من باب ضرب ومن باب تعب، فكل منهما يجوز أن يكون أصلا للمضموم (*)

[ 78 ]

يقل كراهة للثقل، ولم يأت شررت بالضم (1) بل شررت بالفتح والكسر أي صرت شريرا، وقال بعضهم: عزت الناقة - أي: ضاق إحليلها - تعز بالضم وشر ودم: أي صار دميما، وثلاثتها فعل بالضم. ولم يثبت ما قاله سيبويه " لا يكاد يكون فيه - يعنى في المضاعف - فعل " وقال الجوهرى: إن لببت لا نظير له في المضاعف، وإنما غرهم الدميم والشرير والدمامة والشرارة ! ! والمستعمل دممت بالفتح تدم لا غير، ولم يستعمل من شديد فعل ثلاثى (2) استغناء باشتد، كما استغنى بافتقر عن فقر، وبارتفععن رفع، فقالوا: افتقر فهو فقير، وارتفع فهو رفيه واشتد فهو شديد، وأما قول على رضى الله عنه " لشد ما تشطرا ضرعيها " (3) فمنوقول إلى فعل كما قلنا في حبذا وحببت، فلا يستعمل حب وشد بمعنى صار حبيبا وشديدا إلا في التعجب كما في حبذا وشدما قوله " وأما باب سدته " جواب عن اعتراض وارد على قوله " كان لازما " أجاب بأن سدته ليس من باب فعل بالضم في الاصل، ولا هو منقول إليه كما هو ظاهر قول سيبويه وجمهور النحاة، وذلك لانهم قالوا: نقل قولت إلى قولت


(1) قال في اللسان (مادة حبب): وحببت إليه (بالضم) صرت حبيبا، ولا نظير له إلا شررت (بالضم) من الشر ولببت من اللب، وتقول: ما كنت حبيبا ولقد حببت بالكسر: أي صرت حبيا اه‍ (2) إن كان المؤلف رحمه الله يقصد أنه لم يستعمل لشديد فعل ثلاثى على فعل (بضم العين) فمسلم، وإن كان يريد أنه لم يستعمل له ثلاثى مطلقا فغير مسلم، لانه قد حكاه صاحب اللسان قال: رحل شديد: قوى، وقد شد يشد بالكسر (كخف يخف فهو خفيف) اه‍ (3) يقوله رضى الله عنه في شأن الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما فضمير التثنية عائد إليهما، والضمير المؤنث يعود إلى الخلافة عن رسول الله يريد أنهما تقاسماها وأن كل واحد منهما قد أخذها شطرا من الزمن (*)

[ 79 ]

وبيعث إلى بيعت لينقلوا بعد ذلك ضمة الواو وكسرة الياء إلى ما قبلها فيبقى بعد حذف الواو والياء ما يدل عليهما، وهو الضمة والكسرة، واعترض المصنف على قولهم بأن الغرض المذكور يحصل بدون النقل من باب إلى باب، وباب فعل المضموم العين وفعل المكسور العين في الاغلب يختص كل منهما بمعنى مخالف لمعنى فعل المفتوح العين، ولا ضرورة ملجئة إلى هذا النقل، لا لفظية ولا معنوية، أما المعنى فلانه لا يدعى أحد أن قلت وبعت تغيرا عما كانا عليه من المعنى، وأما اللفظ فلان الغرض قيام دلالة على أن أحدهما واوى والاخر يائى، ويحصل هذا بضم الفاء قال وكسر فاء باع من أول الامر بعد إلحاق الضمير المرفوع المتحرك بهما وسقوط ألفهما للساكنين من غير أن يرتكب ضم العين وكسرها ثم نقل الحركة من العين إلى الفاء. وأيش المحذور في ذلك (1) ؟ وكيف نخالف أصلا لنا مقررا ؟ وهو أن كل واو أو ياء في الفعل هي عين تحركت بأى حركة كانت من الضم والفتح والكسر وانفتح ما قبلها فانها تقلب ألفا، فقولت بالفتح يجب قلب واوه ألفا، وكذا لو حولت الفتحة ضمة، وكذا بيعت بالكسر والفتح، وأى داع لنا إلى إلحاق الضمائر المرفوعة بقول وبيع اللذين هما أصلا قال وباع ؟ وهل هي في الفاعلية إلا كالظواهر في نحو " قال زيد "، و " باع عمرو " ؟ فالوجه إلحاق هذه الضمائر بقال وباع مقلوبى الواو والياء ألفا، فنقول: تحركت الواو في قول وطول وخوف والياء في بيع وهيب وانفتح ما قبلهما ألفا، وإنما لم تقلب الياء في هيؤ لما تقدم، فصار الجميع قال وطال وخاف وباع وهاب، فلم يمكن مع بقاء الالف التنبيه على بنية هذه الابواب وأن أصلها فعل أو فعل أو فعل لان الالف يجب انفتاح ما قبلها. فلما اتصلت الضمائر المرفوعة المتحركة بها وجب تسكين اللام لما هو معلوم، فسقطت الالف في جميعها للسكانين، فزال ما كان مانعا من التنبيه


(1) انظر (ه‍ 4 ص 74)

[ 80 ]

على الوزن - أي الالف - فقصدوا بعد حذفها إلى التنبيه على بنية كل واحد منها لما ذكرنا من أن بنية الفعل يبقى عليها وتراعى بقدر ما يمكن، وذلك يحصل بتحريك الفاء بمثل الحركة التى كانت في الاصل على العين، لان اختلاف أوزان الفعل الثلاثي بحركات العين فقط، ولم يمكن هذا التنبيه في فعل المفتوح العين نحو قول وبيع، لان حركتي الفاء والعين فيه متماثلتان، فتركوا هذا التنبيه فيه ونبهوا على البنية في فعل وفعل فقط، فقالوا في فعل نحو خاف وهاب: خفت وهبت، وسووا بين الواوى واليائى لما ذكرنا أن المهم هو التنبيه على البنية، وقالوا في فعل نحو طال فهو طويل: طلت، والضمة لبيان البنية لا لبيان الواو، لما ذكرنا، ولم يجئ في هذا الباب أجوف يائى حتى يسووا بينه وبين الواوى في الضم كما سووا بينهما في فعل خفت وهبت، إلا هيؤ، كما ذكرنا، ولا تقلب ياؤه ألفا لما مر، فلما فرغوا من التنبيه على البنية في بابى فعل وفعل. ولم يكن مثل ذلك في فعل ممكنا، كما ذكرنا، قصدوا فيه التنبيه على الواوى واليائى والفرق بينهما، كما قيل: إن لم يكن خل فخمر (1)، فاجتلبوا ضمة في قال بعد حذف الالف للساكنين، وجعلوها مكان الفتحة، وكذا الكسرة في باع، لتدل الاولى على الواو والثانية على الياء، وأما إذا تحركت الواو والياء عينين وما قبلهما ساكن متحرك الاصل في الافعال والاسماء المتصلة بها فإنه ينقل حرك العين إليه وإن كانت فتحة رعاية لبنية الفعل والمتصل به، وذلك لانه يمكن في مثله المحافظة على البنية في المفتوح العين، كما أمكن في مضمومها ومكسورها، بخلاف المفتوحة المفتوح ما قبلها نحو قال وباع، كما ذكرنا، لان الفاء ههنا ساكنة، فإذا تحركت


(1) لم نجد هذا المثل في أمثال الميداني ولا في كتب اللغة، والذى في اللسان: " والخل والخمر: الخير والشر، وفى المثل ما فلان بخل ولا خمر: أي لا خير فيه ولا شر عنده " اه‍ (*)

[ 81 ]

بالفتح وسكن العين علم أن ذلك حركة العين، ولا يراعى هنا الفرق بين الواوى واليائى أصلا، لانه إنما يراعى ذلك إذا حصل العجز عن مراعاة البنية كما مر، بلى يراعى ذل ك في اسم المفعول من الثلاثي، نحو مقول ومبيع، كما يجئ، فمن الواوى قولهم يخاف ويقال وأقيم ونقيم ويقول ويطيح، عند الخليل، وأصله (1) يطوح كما يجئ، ويقوم والمقام والمقيم والمعون، فقد رأيت كيف قصدوا في النوعين بيان البنية بنقل الضمة والكسرة والفتحة إى ما قبلها لما لزمهم إعلال العين بسبب حمل الكلمات المذكورة على أصولها، أعنى الماضي الثلاثي كما يجئ في باب الاعلال، ولم يبالوا بالتباس الواوى واليائى ثم الحركة المنقولة: إن كانت فتحة قلبت الواو والياء ألفا، كما في يخاف ويهاب، لان سكونهما عارض، فكأنهما متحركتان، وما قبلهما كان مفتوح الاصل، وقد تحرك بفتحة العين، فكأن الواو والياء تحركتا وانفتح ما قبلهما فقلبتا ألفا، ولا سيما أن تطبيق الفرع بالاصل أولى ما أمكن. وإن كانت ضمة - ولم يجى في الفعل والاسم المتصل به إلا على الواو، نحو يقول - نقلت إلى ما قبلها وسلمت الواو، بلى قد جاءت على الياء أيضا في اسم


(1) من العرب من قال طوح يطوح (بتضعيف العين فيهما)، ومهم من قال: طيح يطيح (بالتضعيف أيضا)، وقد حكوا طاح يطوح، فهو من باب نصر عند جميع من حكاه، وحكوا طاح يطيح، فأما على لغة من قال طيح يطيح (بالتضعيف) فهو يأتي من باب ضرب من غير تردد، وأما على لغة من قال طوح يطوح فقد اختلف العلماء في تخريج طاح يطيح، فذهب الخليل إلى أنه من باب حسب يحسب (بكسر العين في الماضي والمضارع)، وذلك أن فعل المفتوح العين لا يكون من باب ضرب إذا كان أجوف واويا، كما لا يكون من باب نصر إذا كان أجوف يائيا، وقيل: هو شاذ، وسيأتى لذلك بحث طويل في كلام المصنف والشارح في " باب المضارع "، وسنعيد الكلام هناك بايضاح أكثر من هذا. (*)

[ 82 ]

لمفعول، لكنه روعى فيه الفرق بين الواوى واليائى كما يجئ، وقد جاء أيضا في هيؤ يهيؤ، وقد مر حكمه (1) وإن كانت كسرة: فإن كانت على الياء سلمت بعد النقل نحو يبيع، وإن كانت على الواو - نحو يقيم، ويطيح عند الخليل - قلبت ياء، لتعسر النطق بها ساكنة بعد الكسرة، ولا تقول: إن الضم والكسر في نحو يقول ويبيع نقلا إلى ما قبلهما للاستثقال، إذ لو كان له لم تنقل الفتحة في نحو يخاف ويهاب، وهى أخف الحركات، فلا يستثقل وخاصة بعد السكون، ولا سيما في الوسط، وأيضا فالضمة والكسرة لا تستثقلان على الواو والياء إذا سكن ما قبلهما كما في ظبى ودلو فان قيل: ذلك لان الاسم أخف من الفعل، والاصل في الاعلال الفعل كما يجئ في باب الاعلال قلت: نعم، ولكن الواو والياء المذكورين في طرف الاسم، وهما في الفعل في الوسط، والطرف أثقل من الوسط فان قيل: لم تستثقل في الاسم لكون الحركة الاعرابية عارضة قلت: نوع الحركة الاعرابية لازم، وإن كانت كل واحدة منهما عارضة، ولو لم يعتد بالحركة الاعرابية في باب الاعلال لم يعل نحو قاض وعصا، فإذا تبين أن النقل ليس للاستثقال قلنا: إنه وجب إسكان العين تبعا لاصل الكلمة، وهو الماضي من الثلاثي، إذ الاصل في الاعلال الفعل كما يبين في بابه، وأصل الفعل الماضي، فلما أسكنت نقلت الحركة إلى ما قبلها لتدل على البنية كما شرحنا وإنما فرق في اسم المفعول من الثلاثي بين الواوى واليائى نحو مقول ومبيع، لان الاصل في هذا الاعلال - أعنى إسكان الواو والياء الساكن ما قبلهما -


(1) انظر (ص 76 من هذا الجزء)

[ 83 ]

هو الفعل كما ذكرنا، ألا ترى أن نحو دلو وظبى لم يسكن الواو والياء فيهما مع تطرفهما، ثم حملت الاسماء المتصلة بالافعال في هذا الاعلال على الفعل إذا وافقته لفظا بالحركات والسكنات، كما في مقام ومعيشة ومصيبة، واسم المفعول من الثلاثي وإن شابه الفعل معنى واتصل به لفظا، لاشتقاقهما من أصل واحد، لكن ليس مثله في الحركات والسكنات فأجرى مجرى ؟ ؟ ؟ من وجه، وجعل مخالفا له من آخر: فالاول بإسكان عينه، والثانى بالفرق بين واويه ويائيه، مع إمكان التنبيه على البنية، فالاولى على هذا أن نقول: حذفت ضمة العين في مقوول ومبيوع إتباعا للفعل في إسكان العين، وضمت الفاء في الواوى وكسرت في اليائى كما قلنا في قلت وبعد دلالة على الواوى واليائى قال: " وأفعل للتعددية غلبا، نحو أحلسته، وللتعريض نحو أبعته، ولصيرورته ذا كذا نحو أغد البعير، ومنه أحصد الزرع، ولوجوده على صفة نحو أحمدته وأنحلته، وللسلب نحو اشكيته، وبمعنى فعل نحو قلته وأقلته " أقول: اعلم أن المزيد فيه لغير الالحاق لابد لزيادته من معنى، لانها إذا لم تكن لغرض لفظي كما كانت في الالحاق ولا لمعنى كانت عبثا، فذا قيل مثلا: إن أقال بمعنى قال، فذلك منهم تسامح في العبارة، ذلك عل نحو ما يقال: إن الباء في (كفى بالله) و " من " في (مامن إله) زائدتان لما لم تفيدا فائدة زائدة في الكلام سوى تقرير المعنى الحاصل وتأكيده، فكذا لابد في الهمزة في " أقالني " من التأكيد والمبالغة والاغلب في هذه الابواب أن لا تنحصر الزيادة في معنى، بل تجئ لمعان على البدل، كالهمزة في أفعل تفيد النقل، والتعريض، وصيرورة الشئ ذا كذا، وكذا فعل وغيره

[ 84 ]

وليست هذه الزيادات قياسا مطردا، فليس لك أن تقول مثلا في ظرف: أظرف، وفى نصر: أنصر، ولهذا رد على الاخفش في قياس أظن وأحسب وأخال على أعلم وأرى، وكذا لا تقول: نصر ولا دخل، وكذا في غير ذلك من الابواب، بل يحتاج في كل باب إلى استعمل اللفظ المعين، وكذا استعماله في المعنى المعين (1)، فكما أن لفظ أذهب وأدخل يحتاج في إلى


(1) قال سيبويه رحمه الله (ج‍ 2 ص 233): " هذا باب افتراق فعلت وأفعلت في الفعل للمعنى، تقول: دخل وخرج وجلس، فإذا أخبرت أن غيره وصيره إلى شئ من هذا قلت: أخرجه وأدخله وأجلسه، وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته، وجاء وأجأته، فأكثر ما يكون على فعل (بتثليث العين) إذا أردت ن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت، ومن ذلك أيضا مكث (بضم العين) وأمكثته، وقد يجئ الشئ على فعلت (بتشديد العين) فيشرك أفعلت، كما أنهما قد يشتركان في غير هذا، وذلك قولك: فرح وفرحته، وإن شئت قلت: أفرحته، وغرم وغرمته، وأغرمته إن شئت، كما تقول: فزعته وأفزعته، وتقول: ملح (بضم العين)، وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته، وقالو ا: ظرف وظرفته، ونبل ونبلته (بضم عين الثلاثي فيهما)، ولا يستنكر أفعلت فيهما، ولكن هذا أكثر واستغنى به " اه‍ وقال ابن هشام في المغنى (في مبحث ما يتعدى به القاصر): " الحق أن دخولها (يريد همزة التعدية) قياسي في اللازم دون المتعدى، وقيل: قياسي فيه وفى المتعدى إلى واحد، وقيل: النقل بالهمزة كله سماعي " اه‍ ملخصا وقال في المغنى أيضا (في المبحث نفسه): " النقل بالتضعيف سماعي في اللازم وفى المتعدى لواحد، ولم يسمع في المتعدى لاثنين، وقيل: قياسي في الاولين " اه‍ ملخصا فأنت ترى من عبارة سيبويه أنه يسوغ لك أن تبنى على أفعلته للتعدية من الفعل القاصر من غير أن ينكر عليك ذلك، وإن لم تكن سمعت تعديته بالهمزة عن العرب، وذلك أصرح في عبارة ابن هشام. وقال سيبويه أيضا (في ص 237 ج‍ 2، في مباحث فعلت بالتضعيف): " هذا باب دخول فعلت (بتضعيف العين) على فعلت لا يشركه في ذلك " أفعلت "، تقول: كسرتها وقطعتها، فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسرته وقطعته ومزقته، ومما يدلك على ذلك قولهم: علطت البعير وإبل معلطة (*)

[ 85 ]

السماع فكذا معناه الذى هو النقل مثلا، فليس لك أن تستعمل أذهب بمعنى أزال الذهاب أو عرض للذهاب أو نحو ذلك والاغلب أن تجئ هذه الابواب مما جاء منه فعل ثلاثى، وقد تجئ مما لم يأت منه ذلك، كالجم وأسحم وجلد وقرد واستحجر المكان واستنوق (1) الجمل، ونحو ذلك، وهو قليل بالنسبة إلى الاول


وبعير معلوط، وجرحته وجرحته (بتضعيف العين) أكثرت الجراحات في جسده " اه‍، فهذه العبارة تفيد أن استعمال فعل (بتضعيف العين) في معنى التكثير بين يديك متى أردت استعمالها منأى فعل ساغ لك ذلك. ومثل ذلك كثير في عباراته وعبارات غيره من العلماء والذى نراه أنه إذا كثر ورود أمثلة لصيغة من هذه الصيع في معنى من هذه المعاني كان ذلك دليلا على أنه يسوغ لك أن تبنى على مثال هذه الصيغة لافادة هذا المعنى الذى كثرت فيه وإن لم تسمع اللفظ بعينه (1) ألجم - بالجيم - تقول: ألجم الرجل فرسه، إذا وضع في فمه اللجام، ولم يأت منه ثلاثى، ووقع في جميع النسخ المطبوعة " ألحم " بالحاء المهملة، وهو تصحيف، فان هذه المادة قد جاء منها الثلاثي والمزيد فيه، تقول: لحم الرجل يلحم - من باب كرم، وفيه لغة من باب فرح عن اللحيانى - إذا كثر لحم بدنه، وإذا أكل اللحم كثيرا، وتقول: ألحم الرجل، إذا كثر عنده اللحم، وتقول: ألحم الرجل القوم، إذا أطعمهم اللحم. وأسحم - بالسين المهملة - تقول: أسحمت السماء، إذا صبت ماءها، ولم يذكر صاحبا القاموس واللسان فعلا ثلاثيا من هذه المادة، ولكنذكر المصدر كفرح وكسعال وكحمرة، ووقع في جميع النسخ المطبوعة " أشحم " بالشين المعجمة - وهو تحريف، فانه قد استعمل من هذه المادة الثلاثي والمزيد فيه، تقول: شحم الرجل القوم - من باب فتح - وأشحمهم، إذا أطعمهم الشحم. وجلد - بتضعيف اللام - تقول: جلد الجزور، إذا نزع جلده، ولا يقال: سلخ، إلا في الشاة، وقد ورد من هذه المادة فعل ثلاثى بغير هذا المعنى، تقول: جلدته، إذا أصبت جلده، كما تقول: رأسه وبطنه وعانه ويداه، إذا أصاب رأسه وبطنه وعينه ويده، وقرد - بتضعيف الراء تقول: قرد الرجل بعيره، إذا أزال قراده (وهو كغراب: دويبة تعض الابل) (*)

[ 86 ]

فإذا فهم هذا فاعلم أن المعنى الغالب في أفعل تعدية ما كان ثلاثيا، وهى أن يجعل ما كان فاعلا للازم مفعولا لمعنى الجعل فاعلا لاصل الحدث على ماكان، فمعنى " أذهبت زيدا " جعل زيدا ذاهبا، فزيد مفعول لمعنى الجعل الذى استفيد من الهمزة فاعل للذهاب كما كان في ذهب زيد، فان كان الفعل الثلاثي غيزإر متعديا إلى واحد فو مفعول لمعنى الهمزة - أي: الجعل والتصيير - كأذهبته، ومنه أعظمت: أي جعلته عظيما باعتقادي، بمعنى استعظمته، وإن كان متعديا إلى واحد صار بالهمزة متعديا إلى اثنين أولهما مفعول الجعل والثانى لاصل الفعل، نحو: أحفرت زيدا النهر: أي جعلته حافرا له، فالاول مجعول، والثانى محفور، ومرتبة المجعول مقدمة على مرتبة معفول أصل الفعل، لان فيه معنى الفاعلية. وإن كان الثلاثي متعديا إلى اثنين صار بالهمزة


وقد ورد من هذه الماة الفعل الثلاثي، تقول: قرد الرجل والبعير - كفرح - إذا ذل وخضع، وقيل: قرد الرجل: أي سكت عن عى. واستحجر المكان: كثرت الحجارة فيه، واستنوق الجمل: صار كالناقة في ذلها، لا يستعمل إلا مزيدا، قال ثعلب: " ولا يقال استناق الجمل (يقص أنه لا تنقل حركة الواو إلى الساكن قبلها، ثم تقل ألفا) وذلك لان هذه الافعال المزيدة أعنى " افتعل واستفعل " إنما تعتل باعتلال أفعالها الثلاثية البسيطة التى لا زيادة فيها، فلما كان استنوق واستتيس ونحوهما دون فعل بسيط لا زيادة فيه صحت الياء والواو، لسكون ما قبلهما " اه‍. وقولهم " استنوق الجمل " مثل يضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شئ ثم يخلطه بغيره وينتقل إليه، وأصله أن طرفة بن العبد كان عند بعض الملوك والمسيب (كمعظم) بن علس (كجبل) ينشده شعرا في وصف جمل ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة: قد استنوق الجمل، فغضب المسيب، وقال: " ليقتلنه لسانه "، فكان كما تفرس فيه. قال ابن برى: البيت الذى أنشده المسيب بن علس هو قوله: - وإنى لامضى لهم عند احتضاره * * بناج عليه الصيعرية مكدم (*)

[ 87 ]

متعديا إلى ثلاثة أولها للجعل والثانى والثالث لاصل الفعل، وهو فعلان فقط: أعلم، وأرى وقد يجئ الثلاثي متعديا ولازما في معنى واحد، نحو فتن الرجل: أي صار مفتتنا، وفتنته: أي أدخلت فيه الفتنة، وحزن وحزنته: أي أدخلت فيه الحزن، ثم تقول: أفتنته وأحزنته، فيهما، لنقل فتن وحزن اللازمين لا المتعدين، فأصل معنى أحزنته جعلته حزينا، كأذهبته وأخرجته، وأصل معنى حزنته جعلت في الحزن وأدخلته فيه، ككحلته ودهنته: أي جعلت فيه كحلا ودهنا، والمغزى من أحزنته وحزنته شئ واحد، لان من أدخلت فيه الحزن فقد جعلته حزينا، إلا أن الاول يفيد هذا المعنى على سبيل التقل والتصيير لمعنى فعل آخر - وهو حزن - دون الثاني وقولهم أسرع وأبطأ في سرع وبطؤ، ليس الهمزة فيهما للنقل، بل الثلاثي والمزيد فيه معا غير متعديين، لكنالفرق بينهما أن سرع وبطؤ أبلغ، لانهما كأنهما غريزة كصغر وكبر ولو قال المصنف مكان قوله " الغالب في أفعل أن يكون للتعدية ": " الغالب أن يجعل الش ء ذا أصله " لكان أعم، لانه يدخل فيه ما كان أصله جامدا، نحو أفحى قدره: أي جعلها ذات (1) فحا وهو الابرار، وأجداه: أي جعله ذا جدى (2)، وأذهبه: أي جعله ذا ذهب وقد يجئ أفعل لجعل الش ء نفس أصله إن كان الاصل جامدا، نحو أهديت الشئ: أي جعلته هدية أو هديا (3)


(1) الفحا - بفتح أوله وكسره مقصورا: البزر، أو يابسه. والابزار: التوابل كالفلفل ونحوه، واحدها بزر - بالفتح والكسر - وواحد التوابل تابل كخاتم (2) الجدى - بفتح أوله مقصورا - والجدوى: العطية (3) الهدية: اسم ما أتحفت به، والهدى: ما أهدى إلى مكة من النعم (أي: الابل) (*)

[ 88 ]

قوله " وللتعريض " أي: تفيد الهمزة أنك جعلت ما كان مفعولا للثلاثي معرضا لان يكون مفعولا لاصل الحدث، سواء صار مفعولا له أو لا، نحو أقتلته: أي عرضته لان يكون مقتولا قتل أولا، وأبعت الفرس: أي عرضته للبيع، وكذا اسقيته: أي جعلت له ماء وسقيا شرب أو لم يشرب، وسقيته: أي جعلته يشرب، وأقبرته: أي جعلت له قبرا قبر أو لا قوله " ولصيرورته ذا كذا " أي: لصيرورة ما هو فاعل أفعل صاحب شئ، وهو على ضربين: إما أن يصير صاحب ما اشتق منه، نحو ألحم زيد: أي صار ذا لحم، وأطفلت: أي صارت طفل، وأعس وأيسر وأقل: أي صار ذا عسر ويسر وقلة، وأغد البعير: أي صار (1) ذا غدة، وأراب: أي صار ذا ريبة، وإما أن يصير صاحب شئ هو صاحب ما اشتق منه، نحو أجرب الرجل: أي صار ذا إبل ذات جرب، وأقطف: أي صار صاحب خيل تقطف (2) وأخبث: أي صار ذا أصحاب خبثاء، وألام: أي صار صاحب قوم يلومونه، فإذا صار له لوام قيل: هو مليم، ويجوز أن يكون من الاول: أي صار صاحب لوم، وذلك بأن يلام، كأحصد الزرع: أي صار صاحب الحصاد، وذلك بأن يحصد، فيكون أفعل بمعنى صار ذا أصله الذى هو مصدر الثلاثي، بمعنى أنه فاعله، نحو أجرب: أي صار ذا جرب، أو بمعنى أنه مفعوله، نحو أحصد الزرع، ومنه أكب: أي صار يكب وقولهم " أكب مطاوع كبه " تدريس (3)، لان القياس كون أفعل لتعدية فعل لا لمطاوعته


(1) الغدة - بضم أوله وتشديد الدال مفتوحة -: كل عقدة يطيف بها شحم في جسد الانسان، وهى أيضا طاعون الابل (2) تقول: قطفت الدابة - من باب ضرب ونصر - قطفا وقطوفا (كنصر وخروج) أساءت السير وأبطأت، والوصف منه قطوف - بفتح القاف - (3) قال في اللسان: " كبه لوجهه فانكب: أي صرعه، وأكب هو على (*)

[ 89 ]

قوله " ومنه أحصد الزرع " إنما قال " ومنه " لان أهل التصريف جعلوا مثله قسما آخر، وذلك أنهم قالوا: يجئ أفعل بمعنى حان وقت يستحق فيه فاعل أفعل أن يوقع عليه أصل الفعل، كأحصد: أي حان أن يحصد، فقال المصنف: هو في الحقيقة بمعنى صار ذا كذا، أي: صار الزرع ذا حصاد، وذلك


وجهه، وهذا من النوادر أن يقال: أفعلت أنا، وفعلت غيرى، يقال: كب الله عدو المسلمين، ولا يقال: أكب " اه‍. وظاهر قول المؤلف: إن القول بأن أكب مطاوع كب تدريس (أي: تدريب وتمرين) أنه غير موافق على قصة المطاوعة بدليل أنه جعله من أمثلة الصيرورة، وقد سبقه بذلك الزمخشري رحمه الله، قال في تفسير سورة الملك من الكشاف: " يجعل أكب مطاوع كبه، يقال: كببته فأكب، من الغرائب والشواذ، ونحو قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك، ولا شئ من بناء أفعل مطاوع، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبوية، وإنما أكب من باب أنفض وألام، ومعناه: دخل في الكب وصار ذا كب، كذلك أقشع السحاب دخل في القشع، ومطاوع كب وقشع انكب وانقشتع " اه‍ كلامه بحروفه، وقد لخص الشهاب الخفاجى هذين القولين تلخيصا حسنا في شرحه على تفسير البيضاوى فقال في بيان مذهب من قال بالمطاوعة: " وهو على عكس المعروف في اللغة من تعدى الافعال ولزوم ثلاثيه، ككرم وأكرمت، وله نظائر في أحرف يسيرة: كأنسل ريش الطائر ونسلته، وأنزفت البئر ونزفتها، وأمرت الناقة (درت) ومرتها، وأشف البعير (رفع رأسه) وشففته، وأقشع الغيم وقشعته الريح: أي أزالته وكشفته، وقد حكى ابن الاعرابي كبه الله وأكبه بالتعدية فيهما، على القياس " اه‍ وقال في بيان رأى من قال بالصيرورة: " وليست الهمزة فيه للمطاوعة كما ذهب إليه ابن سيده في المحكم، تبعا لبعض أهل اللغة، كالجواهري، وتبعه ابن الحاجب وأكثر شراح المفصل، قال بعض المدققين: معنى كون الفعل مطاوعا كونه دالا على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد به، كقولك باعدته فتباعد، فالتباعد معنى حصل من المباعدة، كما يفهم من كلام شراح المفصل والشافية، ومباينة المطاوعة للصيرورة غير مسلمة، وفى شرح الكشاف للشريف: الائتمار: معى صيرورته مأمورا، وهو مطاوع الامر، فسوى بين المطاوعة والصيرورة " اه‍ (*)

[ 90 ]

يحينونة حصادة، ونحوه أجد النهل وأقطع (1) ويجوز أن يكون ألام مثله: أي حان أن يلام ومن هذ النوع - أي: صيرورته ذا كذا - دخول الفاعل في الوقت المشتق منه أفعل، نحو أصبح وأمسى وأفجر وأشهر: أي دخل في الصباح والمساء والفجر والشهر، وكذا منه دخول الفاعل في وقت ما اشتق منه أفعل، نحو أشملنا وأجنبنا وأصبينا وأدبرنا: أي دخلنا في أوقات هذه الرياح (2) قال سيبويه: ومنه أدنف، ومنه الدخول في المكان الذى هو أصله، والوصول إليه، كأكدى: أي وصل إلى الكدية (4) وأنجد وأجبل: أي وصل إلى نجد وإلى الجبل، ومنه الوصول إلى العدد الذى هو أصله، كأعشر وأتسع وآلف: أي وصل إلى العشرة والتسعة والالف، فجميع هذا بمعنى صار ذا كذا: أي صار ذا الصبح، وذا المساء، وذا الشمال، وذا الجنوب، وذا الكدية، وذا الجبل، وذا العشرة قوله " ولوجوده عليها " أي: لوجودك مفعول أفعل على صفة، وهى كونه


(1) أجد النخل: حان له أن يجد: أي يقطع تمره. وأقطع النخل أيضا: حان قطاعه (2) أشملنا: دخلنا في وقت ريح الشمال (وهى التى تهب من ناحية القطب) وأجنبنا: دخلنا في وقت ريح الجنوب (وهى التى تقابل ريح الشمال)، وأصببنا: دخلنا في وقت ريح الصبا (وهى ريح مهبها مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار) وأدبرنا: دخلنا في وقت ريح الدبور (وهى ريح تهب من ناحية المغرب تقابل الصبا) (3) الدنف - بفتحتين -: المرض الملازم، وقيل: المرض مطلقا (4) الكدية - بضم فسكون -: الارض الصلبة، وهى أيضا الصخرة تعترض حافر البئر، فإذا وصل إليها قيل: أكدى (*)

[ 91 ]

فاعلا لاصل الفعل، نحو أكرمن فاربط: أي وجدت فرسا كريما، وأسمنت: أي وجدت سمينا، وأبخلته: أي وجدته بخيلا، أو كونه مفعولا لاصل الفعل، نحو أحمدته: أي وجدته محمودا، وأما قولهم " أفحمتك: أي وجدتك مفحما " فكأن أفعل فيه منقول من نفس أفعل، كقولك في التعجب: ما أعطاك للدنانير، ويقال: أفحمت الرجل: أي أسكته، قال عمرو بن معدى كرب لمجاشع بن مسعود السلمى - وقد سأله فأعطاه -: لله دركم يا بنى سليم، سألنا كم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم: أي ما وجدناكم بخلاء وجبناء ومفحمين (1) قوله " وللسلب " أي: لسلبك عن مفعول أفعل ما اشتق منه، نحو أشكيته: أي أزلت شكواه قوله " وبمعنى فعل " نحو قلت البيع وأقلته. وقد ذكرنا أنه لابد للزيادة من معنى، وإن لم يكن إولا التأكيد وقد جاء أفعل بمعنى الدعاء، نحو أسقيته: أي دعوت له بالسقيا، قال ذو الرمة: - 12 - وقفت على ربع لمية ناقتي * * فما زلت أبكى عنده وأخاطبه


(1) قال ابن برى: " يقال هاجيته فأفحمته بمعنى أسكته، قال: ويجئ أفحمته بمعنى صادفته مفحما تقول: هجوته فأفحمته: أي صادفته مفحما، قال: ولا يجوز في هذا هاجيته، لان المهاجاة تكون من اثنين، وإذا صادفته مفحما لم يكن منه هجاء فإذا قلت: فما أفحمناكم بمعنى ما أسكتناكم جاز، كقول عمرو بن معد يكرب: " وهاجيناكم فما أفحمناكم ": أي فما أسكتناكم عن الجواب " اه‍ كلام ابن برى وبهذا يعلم ما في كلام الشارح المحقق، فأن الشاهد الذى ذكره ليس بمعنى وجده ذا كذا بل معناه ذا كذا (*)

[ 92 ]

وأسقيه حتى كاد مما أبثه * * تكلمني أحجاره وملاعبه (1) والاكثر في باب الدعاء فعل، نحو جدعه وعقره: أي قال: جدعه الله، وعقره (2)، وأفعل داخل عليه في هذا المعنى، والاغلب من هذه المعاني المذكورة النقل، كما ذكرنا وقد يجئ أفعل لغير هذه المعاني، وليس له ضابطة كضوابط المعاني المذكورة كأبصره: أي رآه، وأوعزت إليه، وقد يجئ مطاوع فعل، كفطرته فأفطر وبشرته فأبشر، وهو قليل قال: " وفعل للتكثير غالبا، نحو غلقت وقطعت وجولت وطوفت وموت المال، وللتعدية نحو فرحته، ومنه فسقته، وللسلب نحو جلدته وقردته، وبمعنى فعل نحو زلته وزيلته " أقول: الاغلب في فعل أن يكون لتكثير فاعله أصل الفعل، كما أن الاكثر في أفعل النقل، تقول: ذبحت الشاة، ولا تقول ذبحتها، وأغلقت الباب مرة، ولا تقول: غلقت، لعدم تصور معنى التكثير في مثله، بل تقول: ذبحت الغنم، وغلقت الابواب، وقولك: جرحته: أي أكثرت جراحاته، وأما جرحته - بالتخفيف - فيحتمل التكثير وغيره، قال الفرزدق: -


(1) هذان البيتان مطلغ قصيدة لذى الرمة واسمه غيلان بن عقبة. وتقول: وقفت الدابة وقفا ووقوفا: أي منعتها عن السير. والربع: الدار حيث كانت، وأما المربع (كملعب) فالمنزل في الربيع خاصة. ومية: اسم امرأة. وأسقيه: معناه أدعوا له بقولى: سقالك الله، أو بقولى: سقيا لك، وأبثه - بفتح الهمزة أو ضمها - أخبره بما تنطوى عليه نفسي وتسره، والملاعب: جمع ملعب، وهو المكان الذى يلعب فيه الصبيان (2) الجدع: القطع، وقيل: القطع البائن في الانف والاذن والشفة واليد ونحوها، وتقول: عقر الفرس والبعير بالسيف، إذا قطع قوائمه، ثم اتسع في العقر حتى استعمل في القتل والهلاك (*)

[ 93 ]

13 - ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها * * حتى أتيت أبا عمرو بن عمار (1) أي: أفتحها وأغلقها، وموت المال: أي أقع الموتان في الابل فكثر فيها (2) الموت، وجولت وطوفت: أي أكثرت الجولان والطواف، قيل: ولذلك سمى الكتاب العزيز تنزيلا، لانه لم ينزل جملة واحدة، بل سورة سورة وآية آية، وليس نصافيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) وقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) ثم إن التكثير يكون في المتعدى كما في غلق وقطع، وقد يكون في اللازم كما في جول وطوف وموت قوله " وللتعدية نحو فرحته " معنى التعدية في هذا الباب كما في باب أفعل على ما شرحنا، والاولى أيضا ههنا أن يقال في مقام التعدية: (هو) بمعنى جعل الشئ ذا أصله، ليعم نحو فحى القدر: أي جعلها ذات فحا، وشسع النعل (3)، وهذا لا يتعدى إلى ثلاثة كأفعل إلا محمولا على أفعل كحدث وخبر، كما مر في أفعال القلوب


(1) المراد بأبى عمرو في البيت هو أبو عمرو بن العلاء، قال أبو عبيد البكري في شرح أمالى القالى: " إن أبا عمرو بن العلاء كان هاربا من الحجاج مستترا، فجاء الفرزدق يزوره في تلك الحالة، فكان كلما يفتح له باب يغلق بعد دخوله، إلى أن وصل إليه، فأنشده أبياتا منها هذا البيت "، والشاهد فيه كما قال الاعلم الشنتمرى دخول أفعلت على فعلت - بتشديد العين - في إفادة التكثير، ولكن الذى يؤخذ من كلام المؤلف أن الشاهد في البيت دخول فعلت - بالتخفيف - وأفعلت، على فعلت - بالتشديد - (2) عبارة المؤلف يفهم منها أن الموتان غير الموت، وبالرجوع إلى كتب اللغة كاللسان والقاموس والمصباح وغيرها يعلم أنهما بمعنى واحد (3) شسع نعله - بتضعيف العين - جعل لها شسعا - ومثله شسعها - بالتخفيف من باب منع - وكذا أشسعها، والشسع - بكسر فسكون وبكسرتين - قبال النعل، وهو أحد سيورها، وهو الذى يدخل بين الاصبع الوسطى والتى تليها (*)

[ 94 ]

قوله " ومنه فسقته " إنما قال ذلك لان أهل التصريف جعلوا هذا النوع قسما برأسه، فقالوا: يجئ فعل لنسبة المفعول إلى أصل الفعل وتسميته به، نحو فسقته: أي نسبته إلى الفسق وسميته فاسقا، وكذا كفرته، فقال المصنف: يرجع معناه إلى التعدية، أي: جعلته فاسقا بأن نسبته إلى الفسق ويجئ للدعاء على المفعول بأصل الفعل، نحو جدعته وعقرته: أي قلت له جدعا لك، وعقرا لك، أو الدعاء له، نحو سقيته: أي قلت له سقيا لك قوله " وللسلب " قد مر معهاه، نحو قردت البعير: أي أزلت قراده، وجلدته: أي أزلت جلده بالسلخ قوله " وبمعنى فعل " نحو زيلته: أي زلته أزيله زيلا: أي فرقته، وهو أجوف (1) يائى، وليس من الزوال، فهما مثل قلته وأقلته


(1) يريد تقرير أنه فعل - بالتشديد - وليس فيعل، وهو كما قال، والدليل على ذلك أنهم قالوا في مصدره الزييل، ولو كان فيعل لقالوا في مصدره زيلة - بفتح الزاى وتشديد الياء مفتوحة، كالبيطرة - قال في اللسان: " ابن سيده وغيره: زال الشئ يزيله زيلا، وأزاله وإزالا، وزيله فتزيل، كل ذلك فرقه فتفرق، وفى التنزيل العزيز (فزيلنا بينهم) وهو فعلت - بالتضعيف - لانك تقول في مصدره تزييلا، ولو كان فيعلت لقلت: زيلة " اه‍ وقول المؤلف " أجوف يائى " هو هكذا عند عامة أهل اللغة إلا القتبى، فانه زعم أنه أجوف واوى، وقد أنكروه عليه. قال في اللسان: " وقال القتيبى في تفسير قوله تعالى " فزيلنا بينهم ": أي فرقنا، وهو من زال يزول، وأزلته أنا، قال أبو منصور: وهذا غلط من القتيبى، لم يميز بين زال يزول، وزال يزيل، كما فعل الفراء، وكان القتيبى ذابيان عذب، وقد نحس حظه من النحو ومعرفة مقاييسه " اه‍ (*)

[ 95 ]

ويجئ أيضا بمعنى صار ذا أصله، كورق: أي أورق: أي صار ذا ورق، وقيح الجرج: أي صار ذا قيح (1) وقد يجئ بمعنى صيرورة فاعله أصله المشتق منه، كروض المكان: أي صار روضا، وعجزت المرأة، وثيبت، وعونت: أي صارت عجوزا وثيبا وعوانا (2) ويجئ بمعنى تصيير مفعوله على ما هو عليه، نحو قوله " سبحان الذى ضوأ الاضواء، وكوف الكوفة، وبصر البصرة " أي: جعلها أضواء وكوفة وبصرة ويجئ بمعنى عمل شئ في الوقت المشتق هو منه، كهجر: أي سار في الهاجرة (3)، وصبح: أي أتى صباحا، ومسى وغلس (4): أي فعل في الوقتين شيئا


(1) القيح: المدة الخالصة التى لا يخالطها دم، وقيل: هو الصديد الذى كأنه الماء وفيه شكلة دم (2) العوان - بزنة سحاب - من البقر وغيرها: النصف في سنها، وهى التى بين المسنة والصغيرة، وقيل العوان من البقر ولخيل: لتى نتجت بعد بطنها البكر، ويشهد للاول قوله تعالى: (لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك). وفى المثل " لا تعلم العوان الخمرة " قال ابن برى: أي المجرب عارف بأمره كما أن المرأة التى تزوجت تحسن القناع بالخمار. ويقال: حرب عوان: أي قوتل فيها مرة، كأنهم جعلوا الاولى بكرا (3) الهاجرة: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر، لان الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، وهى أيضا شدة الحر. وتقول: هجرنا تهجيرا، وأهجرنا، وتهجرنا: أي سرنا في الهاجرة (4) الغلس - بفتحتين -: ظلام آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح (*)

[ 96 ]

ويجئ بمعنى المشى إلى الموضع المشتق هو منه، نحو كوف: أي مشى إلى الكوفة، وفوز وغور: أي مشى إلى المفازة والغور (1) وقد يجئ لمعان غير ما ذكر غير مضبوطة بمثل الضوابط المذكورة، نحو جرب وكلم قال " وفاعل لنسبة أصله إلى أحد الامرين متعلقا بالاخر للمشاركة صريحا فيجئ العكس ضمنا، نحو ضاربته وشاركته، ومن ثم جاء غير المتعدى متعديا (نحو كارمته وشاعرته) والمتعدي إلى واحد مغاير للمفاعل متعديا إلى اثنين نحو جاذبته الثوب، بخلاف شاتمته، وبمعنى فعل نحو ضاعفته، وبمعنى فعل نحو سافرت " أقول " لنسبة أصله " أي: لنسبة المشتق منه فاعل إلى أحد الامرين: أي الشيئين، وذلك أنك أسندت في " ضارب زيد عمرا " أصل ضارب - أي الضرب - إلى زيد، وهو أحد الامرين، أعنى زيدا وعمرا، وهم يستعملون الامر بمعنى الشئ فيقع على الاشخاص والمعاني قوله " متعلقا بالاخر " الذى يقتضيه المعنى أنه حال من الضمير المستتر في قوله " لنسبة " وذلك أن ضارب في مثالنا متعلق بالامر الاخر، وهو عمرو، وتعلقه به لاجل المشاركة التى تضمنها، فانتصب الثاني لانه مشارك - بفتح الراء - في الضرب لا لانه مضروب، والمشارك مفعول، كما انتصب في " أذهبت عمرا " لانه مجعول


(1) المفازة: الصحراء، وأصلها اسم مكان من الفوز، وإنما سميت بذلك مع أنها مضلة ومهلكة، تفاؤلا لسالكها بالنجاة، كما قالوا للديغ: سليم. والغور - بفتح فسكون -: بعد كل شئ وعمقه، ومنه قولهم: فلان بعيد الغور، إذا كان لا تدرك حقيقته. وسموا ما بين ذات عرق إلى البحر الاحمر غورا، وسموا كل ما انحدر مغربا عن تهامة غورا. والغور أيضا: موضع منخفض بين القدس وحوران، وموضع بديار بنى سليم (*)

[ 97 ]

ويسمج جعله حالا من قوله " أصله " أو من قوله " أحد الامرين " لان الظاهر من كلامه أن قوله " لنسبة أصله إلى أحد الامرين متعلقا بالاخر للمشاركة صريحا " مقدمة يريد أن يبنى عليها صيرورة الفعل اللازم في فاعل متعديا إلى واحد، والمتعدي إلى واحد غير مشارك متعديا إلى اثنين، مشيرا إلى قوله في الكافية " المتعدى ما يتوقف فهمه على متعلق " فعلى هذا الذى يتوقف فهمه على هذا الامر الاخر الذى هو المشارك - بفتح الراء - ويتعلق به هو معنى فاعل، لكونه متضمنا معنى المشاركة، لا أصله، فإن قولك " كارمت زيدا " ليس فهم الكرم فيه متوقفا على زيد، إذ هو لازم، وكذا " جاذبت زيدا الثوب " ليس الجذب متعلقا بزيد، إذ هو ليس بمجذوب، بلى في قولك " ضارب زيد عمرا " الضرب متعلق بعمرو، لانه مفعول له، لكن انتصابه ليس لكونه مضروبا، بل لكونه مشاركا، كما في قولك " كارمت زيدا " و " جاذبت زيدا الثوب " وكذا ليس أحد الامرين متعلقا بالاخر في " ضاربت زيدا " تعلقا يقصده المصنف، إذ هو في بيان كون فال متعديا بالنقل، وإنما يكون متعديا إذا كان معنى الفعل متعلقا بغيره، على ما ذكر في الكافية، ومن ثم قال في الشرح " ومن ثم جاء غير المتعدى متعديا لتضمنه المعنى المتعلق " يعنى المشاركة، وفى جعله حالا من المضاف إليه - أعنى الضمير المجرور في قوله " أصله " - ما فيه، كما مر في باب (1) الحال، والظاهر أنه قصد جعله حالا من أحد الامرين مع سماجته، ولو قال " لتعلق مشاركة أحد الامرين الاخر في أصل الفعل بذلك الاخر صريحا


(1) يريد أنه لا يصح اعتبار قول المصنف " متعلقا " حالا من الضمير المضاف إليه في قوله " أصله "، لان المضاف ليس عاملا في المضاف إليه، ولا هو جرء المضاف إليه، ولا هو مثل جرئه في صحة الاستغناء به عنه وإحلاله محله، على ما هو شرط مجئ الحال من المضاف إليه (*)

[ 98 ]

فيحئ العكس ضمنا " لكان أصرح فيما قصد من بناء قوله " ومن ثم كان غير المتعدى " الخ عليه. قوله " صريحا " أي: أن أحد الامرين صريحا مشارك والاخر مشارك، فيكون الاولى فاعلا صريحا والثانى مفعولا صريحا، " ويجئ العكس ضمنا " أي: يكون المنصوب مشاركا - بكسر الراء - والمرفوع مشاركا ضمنا، لان من شاركته فقد شاركك، فيكون الثاني فاعلا والاول مفعولا من حيث الضمن والمعنى قوله " ومن ثم " أي: من جهة تضمن فاعل معنى المشاركة المتعلقة بعد أحد الامرين بالاخر. قوله " والمعتدى إلى واحد مغاير للمفاعل " بفتح العين: أي إلى واحد هو غير المشارك في هذا الباب - بفتح الراء - أي: إن كان المشارك ههنا - بفتح الراء - مفعول أصل الفعل كان المتعى إلى واحد في الثلاثي متعديا إلى واحد ههنا أيضا، نحو " ضاربت زيدا " فان المشارك في الضرب هو المضروب فمفعول أصل الفعل ومفعول المشاركة شئ واحد، فلم يزد مفعول آخر بالنقل، وإن كان المشارك ههنا غير مفعول أصل الفعل، نحو " نازعت زيدا الحديث " فان مفعول أصل الفعل هو الحديث إذ هو المنزوع، والمشارك زيد، صار الفعل إذن متعديا إلى مفعولين، وكذا " نازعت زيدا عمرا " فاعلم أن المشارك - بفتح الراء - في باب فاعل قد يكون هو الذى أوقع أصل الفعل عليه ك‍ " ضاربت زيدا " في المتعدى ر و " كارمته " في اللازم، وقد يكون غير ذلك نحو " نازعت زيدا الحديث " في المتعدى، و " سايرته في البرية " في اللازم، وقد يكون ما زاد من المفعول في باب المفاعلة هو المعامل - بفتح الميم - بأصل الفعل، لا على وجه المشاركة كما في قول على رضى الله عنه " كاشفتك الغطاءات " وقولك: عاودته، وراجعته.

[ 99 ]

قوله " بمعنى فعل " يكون للتكثير كفعل، نحو " ضاعفت الشئ " أي: كثرت أضعافه كضعفته، و " ناعمه الله " كنعمه. أي كثر نعمته (1) بفتح النون. قوله " بمعنى فعل " كسافرت بمعنى (2) سفرت: أي خرجت إلى السفر ولا بد في " سافرت " من المبالغة كما ذكرنا، وكذا " ناولته الشئ " أي: نلته إياه - بضم النون - أي أعطيته، وقرئ (إن الله يدفع) و (يدافع) وقد نجئ بمعنى جعل الشئ ذا أصله كأفعل وفعل، نحو " راعنا سمعك " أي: اجعله ذا رعاية لنا كأرعنا، و " صاعر خده " أي: جعله ذا صعر (3) و " عافاك الله " أي جعلك ذا عافية، و " عاقبت فلانا " أي: جعلته ذا عقوبة وأكثر ما تجئ هذه الابواب الثلاثة متعدية. قال: " وتفاعل لمشاركة أمرين فصاعدا في أصله صريحا نحو تشاركا، ومن ثم نقص مفعولا عن فاعل، وليدل على أن الفاعل أظهر أن أصله حاصل له وهو منتف عنه نحو تجاهلت وتغافلت، وبمعنى فعل نحو توانيت، ومطاوع فاعل نحو باعدته فتباعد ".


النعمة: المسرة والفرح والترفة (2) ظاهر هذه العبارة أن الثلاثي ن هذه المادة مستعمل، ويؤيده ما في الصحاح واللسان، قال ابن منظور: " يقال: سافرت أسفر (من باب طلب وضرب) سفورا: خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفر، مثل صاحب وصحب " اه‍. لكن قال المجد في القاموس: " ورجل سفر وقوم سفر وسافرة وأسفار وسفار: ذوو سفر، لضد الحضر، والسافر: المسافر، لا فعل له " اه‍ (3) الصعر - بفتحتين -: ميل - بفتحتين - في الوجه، وقيل: في الخد خاصة، وربما كان خلقة في الانسان، يقال: صعر خده وصاعره، إذا أماله من الكبر، قال الله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا) (*)

[ 100 ]

أقول: لا شك أن في قول المصنف قبل " لنسبة أصله إلى أحد الامرين متعلقا بالاخر للمشاركة صريحا " وقوله ههنا " لمشاركة أمرين فصاعدا في أصله صريحا " تخليطا ومجمجة (1) وذلك أن التعلق المذكور في الباب الاول والمشاركة المذكورة ههنا أمران معنويان، لا لفظيان، ومعنى " ضارب زيد عمرا " و " تضارب زيد وعمرو " شئ واحد، كما يجئ، فمعنى التعلق والمشاركة في كلا البابين ثابت، فكما أن للمضاربة تعلقا بعمر وصريحا في قولك " ضارب زيد عمرا " فكذا للتضارب في " تضارب زيد وعمرو " تعلق صريح به، وكما أن زيدا وعمرا متشاركان صريحا في " تضارب زيد وعمرو " في الضرب الذي هو الاصل فكذاهما متشاركان فيه صريحا في " ضارب زيد عمرا " فلو كان مطلق تعلق الفعل بشئ صريحا يقتضي كون المتعلق به مفعولا به لفظا وجب انتصاب عمرو في " تضارب زيد وعمرو " ولو كان مطلق تشارك أمرين فصاعدا صريحا في أصل الفعل يقتضي ارتفاعهما لارتفع زيد وعمرو في " ضارب زيد عمرا " فظهر أنه لا يصح بناء قوله في الباب الاول " ومن ثم جاء غير المتعدى متعديا "، ولا بناء قوله في هذا الباب " ومن ثم نقص مفعولا عن فاعل " على المشاركة، وكان أيضا من حق اللفظ أن يقول: تفاعل لاشتراك أمرين، لان المشاركة تضاف إما إلى الفاعل أو إلى المفعول تقول: أعجبتني مشاركة القولا عمرا، أو مشاركة عمرو القوم، وأما إذا قصدت بيان كون المضاف إليه فاعلا ومفعولا معا فالحق أن تجئ بباب التفاعل أو الافتعال، نحو أعجبني نشاركنا، واشتراكنا، هذا، والاولى ما قال المالكى (2) وهو أن فاعل


(1) المجمجة: تغيير الكتاب وإفساده، ومجمج الرجل في خبره: لم يبينه (2) هكذا في كافة أصول الكتاب، ولم يتبين لنا مقصود المؤلف من الماكلي، ويخطر على البال أنه أراد الامام أبا القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الخثعمي الاندلسي (المالقي) وهو شارح الجمل للزجاجي، وتلميذ ابن الطراوة النحوي وأبي بكر بن العربي الماكلي، وكانت وفاته في سنة 581 ه‍ (أي قبل وفاة الرضي بنحو قرن) (*)

[ 101 ]

لاقسام الفاعلية والمفعولية لفظا، والاشتراك فيهما معنى، وتفاعل للاشتراك في الفاعلية لفظا، وفيها وفى المفعولية معنى واعلم أن الاصل المشترك فيه في بابى المفاعلة والتفاعل يكون معنى، وهو الاكثر، نحو: ضاربته، وتضاربنا، وقد يكون عينا نحو (1) ساهمته: أي قارعته وسايفته، وساجلته، وتقارعنا، وتسابقنا، وتساجلنا (2) ثم اعلم أنه لا فرق من حيث المعنى بين فاعل وتفاعل في إفادة كون الشئ بين اثنين فصاعدا، وليس كما يتوهم من أن المرفوع في باب فاعل هو السابق بالشروع في أصل الفعل على المنصوب بخلاف باب تفاعل، ألا ترى إلى قول الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما لبعض من خاصمه: سفيه لم يجد مسافها، فانه رضى الله عنه سمى المقابل له في السفاهة مسافها وإن كانت سفاهته لو وجدت بعد سفاهة الاول، وتقول: إن شتمتني فما أشاتمك، ونحو ذلك، فلا فرق من حيث المغزى والمقصد الحقيقي بين البابين، بل الفرق بينهما من حيث التعبير عن ذلك المقصود، وذلك


(1) قال في اللسان: " السهم: القدح الذي يقارع به، واستهم الرجلان: تقارعا، وساهم القوم فسهمهم سهما قارعهم فقرعهم، وفي التنزيل: " فساهم فكان من المدحضين) يقول: قارع أهل السفينة فقرع (بصيغة المبنى للمجهول) " اه‍ (2) قال ابن بري: " أصل المساجلة أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما في سجله (دلوه) مثل ما يخرج الاخر، فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب مثلا للمفاخرة، فإذا قيل: فلان يساجل فلانا، فمعناه أنه يخرج من الشرف مثل ما يخرجه الاخر، فأيهما نكل فقد غلب ". وقالوا: الحرب سجال: أي سجل منها على هؤلاء وسجل على هؤلاء. وبالتأمل في عبارة ابن بري يتبين ن الاشتراك في المساجلة بين المتساجلين: بالنظر إلى أصل الاستعمال في عين، وبالنظر إلى المثل في معنى لا عين، فتمثيل المؤلف بساجلته للاشتراك في العين إنما هو بالنظر إلى أصل استعمال اللفظ (*)

[ 102 ]

أنه قد يعبر عن معنى واحد بعبارتين تخالف مفردات إحداهما مفردات الاخرى معنى من حيث الوضع، وكذا إعراباتها، كما تقول: جاء في القوم إلا زيدا، وجاءني القوم ولم يجئ من بينهم زيد، أو جاءوني وتخلف زيد، أو لم يوافقهم زيد، ونحو ذلك، والمقصود من الكل واحد، فكذا " ضارب زيد عمرا ": أي شاركه في الضرب، و " تضارب زيد وعمرو " أي: تشاركا فيه، والمقصود من شاركه وتشاركا شئ واحد مع تعدى الاول ولزوم الثاني قوله " ومن ثم نقص " أي: ومن جهة كون تفاعل في الصريح وظاهر اللفظ مسندا إلى الامرين المشتركين في أصل الفعل بخلاف فاعل فانه لاسناده في اللفظ إلى أحد الامرين فقط ونصب الاخر لفظ شارك لمفعوله، فإن كان فاعل متعديا إلى اثنين نحو " نازعتك الحديث " كان تفاعل متعديا إلى ثانيهما فقط، ويرتفع الاول داخلا في الفاعلية، نحو " تنازعنا الحديث " و " تنازع زيد وعمرو الحديث " وإن كان فاعل متعديا إلى واحد نحو " ضاربتك " لم يتعد تفاعل إلى شئ لدخول الاول في جملة الفاعل، نحو " تضاربنا " و " تضارب زيد وعمرو " قوله " نقص مفعولا " انتصاب " مفعولا " على المصدر، وهو بيان النوعي كقولك: ازددت درجة، ونقصت مرتبة، ودنوت إصبعا، أي: نقص هذا القدر من النقصان، ويجوز أن يكون تمييزا، إذ هو بمعنى الفاعل: أي نقص مفعول واحد منه قوله " وليدل على أن الفاعل أظهر الخ " معنى " تغافلت " أظهرت من نفسي الغفلة التى هي أصل تغافلت، فتغافل على هذا لابهامك الامر على من تخالطه وترى من نفسك ما ليس فيه منه شئ أصلا، وأما تفعل في معنى التكلف نحو: تحلم وتمرأ (1) فعلى غير هذا لان صاحبه يتكلف أصل ذلك الفعل


(1) تحلم: تكلف الحلم، وهو العقل والاناة. وتمرأ: تكلف المروءة، وهي (*)

[ 103 ]

ويريد حصوله فيه حقيقة، ولا يقصد إظهار ذلك إيهاما على غيره أن ذلك فيه وفي تفاعل لا يريد ذلك الاصل حقيقة، ولا يقصد حصوله له، بل يوهم الناس أن ذلك فيه لغرض له قوله " وبمعنى فعل " لابد فيه من المبالغة كما تقدم قوله " مطاوع فاعل " ليس معنى المطاوع هو اللازم كما ظن، بل المطاوعة في اصطلاحهم التأثر وقبول أثر الفعل، - سواء كان التأثر متعديا، نحو: علمته الفقه فتعلمه: أي قبل التعليم، فالتعليم تأثير والتعلم تأثر وقبول لذلك الاثر، وهو متعد كما ترى، أو كان لازما، نحو: كسرته فانكسر: أي تأثر بالكسر، فلا يقال في " تنازع زيد وعمرو الحديث "، إنه مطاوع " نازع زيد عمر الحديث " ولا في " تضارب زيد وعمرو " إنه مطاوع " ضارب زيد عمرا " لانهما بمعنى واحد، كما ذكرنا، وليس أحدهما تأثيرا والاخر تأثرا، وأنما يكون تفاعل مطاوع فاعل إذا كان فاعل لجعل الشئ ذا أصله، نحو: باعدته: أي بعدته، فتباعد: أي بعد، وإنما قيل لمثله مطاوع لانه لما قبل الاثر فكأنه طاوعه ولم يمتنع عليه، فالمطاوع في الحقيقة هو المفعول به الذى صار فاعلا، نحو " باعدت زيدا فتباعد " المطاوع هو زيد، لكنهم سموا فعله المسند إلى مطاوعا مجازا وقد يجئ تفاعل للاتفاق في أصل الفعل لكن لا على معاملة بعضهم بعضا


كمال الرجولية، وقال الاحنف: المروءة العفة والحرفة، وسئل بعضهم عن المروءة فقال: المروءة ألا تفعل في السر أمرا وأنت تستحى أن تفعله جهرا. ويقال: تمرأ أيضا، إذا صار ذا مروءة، ويقال: تمرأ بنا، إذا طلب كرامنا اسم المروءة، قال سيبويه (ج 2 ص 240): " وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمر حتى يضاف إليه ويكون من أهله فانك تقول تفعل، وذلك: تشجع وتبصر وتحلم وتجلد وتمرأ: أي صار ذا مروءة، وقال حاتم الطائي: - تحلم عن الادنين واستبق ودهم * * ولن تستطيع الحلم حتى تحلما وليس هذا بمنزلة تجاهل، لان هذا يطلب أن يصير حليما " اه‍ (*)

[ 104 ]

بذلك، كقول على رضى الله تعالى عنه " تعايا أهله بصفة ذاته " (1) وقولهم: " بمعنى أفعل نحو تخاطأ بمعنى أخطأ " مما لا جدوى له، لانه إنما يقال هذا الباب بمعنى ذلك الباب إذا كان الباب المحال عليه مختصا بمعنى عام مضبوط بضابط فيتطفل الباب الاخر عليه في ذلك المعنى، أما إذا لم يكن كذا فلا فائدة فيه، وكذا في سائر الابواب، كقولهم: تعاهد بمعنى تعهد، وغير ذلك كقولهم تعهد بمعنى تعاهد (2) قال: " وتفعل لمطاوعة فعل نحو كسرته فتكسر، وللتكلف نحو تشجع وتحلم، وللاتخاذ نحو توسد، وللتجنب نحو تأثم وتحرج، وللعمل المتكرر في مهلة، نحو تجرعته، ومنه تفهم، وبمعنى استفعل، نحو تكبر (وتعظم) " أقول: قوله " لمطاوعة فعل " يريد سواء كان فعل للتكثير نحو قطعته فتقطع، أو للنسبة نحو قيسته ونزرته وتممته: أي نسبته إلى قيس ونزار وتميم فتقيس وتنزر وتتمم، أو للتعدية نحو علمته فتعلم والاغلب في مطاوعة فعل الذى للتكثير (3) هو الثلاثي الذى أصل فعل، نحو علمته فعلم، وفرحته ففرح، فقوله: " وللتكليف " هو من القسم الاول: أي مطاوع فعل الذى هو


(1) المراد من هذه العبارة أن أهل الله تعالى قد اتفقوا في العى والعجز عن إدراك كنه ذاته وصفاته. قال في اللسان: " عى بالامر (بوزن مد) عيا - بكسر العين - وعى وتعايا واستعيا، هذه عن الزجاجي، وهو عى (مثل حى) وعي (كزكى) وعيان (كريان) عجز عنه ولم يطق إحكامه " اه‍ (2) قال في اللسان: " وتعهد الشئ وتعاهده واعتهده: تفقده وأحدث العهد به... ثم قال: وتعهدت ضيعتي وكل شئ، وهو أفصح من قولك تعاهدته، لان التعاهد إنما يكون بين اثنين، وفى التهذيب: ولا يقال تعاهدته، قال: وأجازهما الفراء " اه‍ (3) الاولى أن يقول: " والاغلب في مطاوعة فعل الذى للتعدية " بدليل التمثيل الذى مثل به (*)

[ 105 ]

للنسبة تقديرا، وإن لم يثبت (1) استعماله لها، كأنه قيل: شجعته وحلمته: أي نسبته إلى الشجاعة والحلم، فتشجع وتحلم: أي انتسب إليهما وتكلفهما وتفعل الذى للاتخاذ مطاوع فعل الذي هو لجعل الشئ ذا أصله، إذا كان أصله اسما لا مصدرا، " فتردى الثوب " مطاوع " رديته الثوب ": أي جعلته ذا رداء، وكذا " توسد الحجر ": أي صار ذا وسادة هي الحجر مطاوع " وسدته الحجر " فهو مطاوع فعل المذكور المتعدى إلى مفعولين ثانيهما بيان لاصل الفعل، لان الثوب بيان الرداء والحجر بيان الوسادة، فلا جرم يتعدى هذا المطاوع إلى مفعول واحد. وتفعل الذى للتجنب مطاوع فعل الذى للسلب تقديرا، وإن لم يثبت استعماله (1) كأنه قيل: أئمته وحرجتهه بمعنى جنبته عن الحرج والاثم وأزلتهما عنه كقردته، فتأثم وتحرج: أي تجنب الاثم والحرج وتفعل الذى للعمل المتكرر في مهلة مطاوع فعل الذى للتكثير، نحو جرعتك الماء فتجرعته: أي كثرت لك جرع الماء (2) فتقبلت ذلك التكثير وفوقته اللبن فتفوقه وحسيته المرق فتحساه: أي كثرت له فيقه وهو


(1) انظر هذا مع قول الشارح فيما سبق: " وليست هذه الزيادات قياسا مطردا، بل يحتاج في كل باب إلى سماع استعمال اللفظ المعين وكذا استعماله في المعنى المعين الخ " فانك تجد بين الكلامين تضاربا، وقد بينا لك فيما سبق اختيارنا في المسألة (انظر ص 84 ه‍ ا) (2) تجرع الماء: تابع جرعه مرة بعد أخرى كالمتكاره، قال تعالى: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه) قال ابن الاثير: " التجرع: شرب في عجلة، وقيل: " هو الشرب قليلا قليلا " اه‍، فكأنه من الاضداد، والحديث ههنا عن المعنى الثاني (*)

[ 106 ]

جنس الفيقة (1): أي قدر اللبن المجتمع بين الحلبتين، وكثرت له حساءه (2) قوله " ومنه تفهم " إنما قال " ومنه " لان معنى الفعل المتكرر في مهلة ليس بظاهر فيه، لان الفهم ليس بمحسوس كما في التجرع والتحسى، فبين أنه منه، وهو من الافعال الباطنة المتكررة في مهلة، هذا، والظاهر أن تفهم للتكلف في الفهم كالتسمع والتبصر قوله " وبمعنى استفعل " تفعل يكون بمعنى استفعل في معنيين مختصين باستفعل: أحدهما الطلب، نحو تنجزته: أي استنجزته: أي طلبت نجازه: أي حضوره والوفاء به، والاخر الاعتقاد في الشئ أنه على صفة أصله، نحو استعظمته وتعظمته: أي اعتقدت فيه أنه عظيم، واستكبر وتكبر: أي اعتقد في نفسه أنها كبيرة


(1) الفيقة والفيق: اسم اللبن الذى يجتمع بين الحلبتين في الضرع، وذلك بأن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب، والياء فيهما منقلبة عن الواو، لسكونها إثر كسرة، يقال: فاقت الناقة تفوق فواقا (كغراب) وفيقة (كديمة)، والفيقة: واحدة الفيق كما ذكر المؤلف، وجمع الفيق أفواق كشبر وأشبار، وأفاويق جمع الجمع. قال ابن برى: " وقد يجوز أن تجمع فيقة على فيق ثم تجمع فيق على أفواق، فيكون مثل شيعة وشيع وأشياع ". والفواق (كسحاب وغراب): ما بين الحلبتين من الوقت. قال في اللسان: " وفوقت الفصيل: أي سقيته اللبن فواقا فواقا، وتفوق الفصيل إذا شرب اللبن كذلك " اه‍. وبين هذا وبين كلام المؤلف بعد فتأمله، فان عبارة أهل اللغة تدل على أن معنى فوقته سقيته اللبن وقتا بعد وقت فأين معنى التكثير الذى ذكره المؤلف ؟ (2) قال في القاموس: " حسا الطائر الماء حسوا، ولا تقل شرب، وحسا زيد المرق: شربه شيئا بعد شئ، كتحساه واحتساه، وأحسيته أنا وحسيته، واسم ما يحتسى الحسية (كالغنية) والحسا (كالعصا) ويمد، والحسو كدلو، والحسو كعدو، والحسوة (بالضم): الشئ القليل منه " اه‍. ومثله في اللسان. وأنت ترى أن مدلول حسيته سقيته الحساء شيئا بعد شئ، وتحساه شربه شيئا بعد شئ، فمن أين جاء تكثير الحساء الذى ذكره المؤلف ؟ (*)

[ 107 ]

والاغلب في تفعل معنى صيرورة الشئ ذا أصله كتأهل وتألم وتأكل وتأسف وتأصل وتفكك وتألب: أي صار ذا أهل، وألم، وأكل: أي صار مأكولا، وذا أسف، وذا أصل، وذا فكك (1) وذا ألب (2) فيكون مطاوع فعل الذي هو لجعل الشئ ذا أصله، إما حقيقة كما في البته فتألب وأصلته فتأصل، وإما تقديرا كما في تأهل، إذ لم يستعمل أهل بمعنى جعل ذا أهل وقد يجئ تفعل مطاوع فعل الذى معناه جعل الشئ نفس أصله، إما حقيقة أو تقديرا، نحو تزبب العنب، وتأجل الوحش (3) وتكلل: أي صار إكليلا (4): أي محيطا


(1) الفكك - بفتح الفاء والكاف - انفساخ القدم وانكسار الفك وانفراج المنكب استرخاء وضعفا، وهو أفك المنكب. (2) الالب: مصدر ألب القوم إليه - كضرب ونصر - إذا أتوه من كل جانب. والالب أيضا الجمع الكثير من الناس، وأصله المصدر فسمى به، قال حسان بن ثابت للنبى صلى الله عليه وسلم: - الناس ألب علينا فيك ليس لنا * * إلا السيوف وأطراف القناوزر (3) الاجل - بكسر الهمزة وسكون الجيم -: القطيع من بقر الوحش والظبا، وتأجلت البهائم: صارت آجالا، قال لبيد بن ربيعة العامري: - والعين ساكنة على أطلائها * * عوذا تأجل بالفضاء بهامها (4) الاكليل - بكسر الهمزة وسكون الكاف - شبه عصابة مزينة بالجواهر، وهو التاج أيضا، ولما كان التاج والعصابة يحيط كل منهما بالرأس صح أن يسمى كل ما أحاط بشئ إكليلا على سبيل التشبيه، وأن يشتق له من ذلك فعل أو وصف، من ذلك تسميتهم اللحم المحيط بالظفر إكليلا، ومن ذلك قولهم روضة مكللة: أي محفوفة بالنور، وعمام مكلل: أي محفوف بقطع من السحاب، فتقول: تكلل النور والسحاب: أي صار كل منهما إكليلا، أي محيطا. ولم نعثر على الفعل المطاوع (بفتح الواو) لهذا إلا في شعر لا يحتج به، فالظاهر أن المؤلف مثل بتأجل الوحش وتكلل للمطاوع (بكسر الواو) تقديرا (*)

[ 108 ]

قال: " وانفعل لازم مطاوع فعل نحو كسرته فانكسر، وقد جاء (مطاوع أفعل نحو) أسفقته فأسفق وأزعجته فانزعج، قليلا، ويختص بالعلاج والتأثير، ومن ثم قيل انعدم خطأ " أقول: باب انفعل لا يكون إلا لازما، وهو في الاغلب مطاوع فعل، بشرط أن يكون فعل علاجا: في من الافعال الظاهرة، لان هذا الباب موضوع للمطاوعة، وهى قبول الاثر، وذلك فيما يظهر للعيون كالكسر والقطع والجذب أولى وأوفق، فلا يقال علمته فانعلم، ولا فهمته فانفهم، وأما تفعل فانه وإن وضع لمطاوعة فعل كما ذكرنا، لكنه إنما جاز نحو فهمته فتفهم وعلمته فتعلم، لان التكرير الذى فيه كأنه أظهره وأبرزه حتى صار كالمحسوس، وليس مطاوعة انفعل لفعل مطردة في كل ما هو علاج، فلا يقال: طردته فانطرد، بل طردته فذهب وقد يجئ مطاوعا لافعل نحو أزعجته فانزعج، وهو قليل، وأما انسفق فيجوز أن يكون مطاوع سفقت الباب: أي أوردته لان سفقت وأسفقت بمعنى قال: " وافتعل للمطاوعة غالبا نحو غممته فاغتم، وللاتخاذ نحو اشتوى وللتفاعل نحو اجتوروا، وللتصرف نحو اكتسب ". أقول: قال سيبويه: الباب في المطاوعة انفعل، وافتعل قليل، نحو جمعته فاجتمع، ومزجته فامتزج قلت: فلما لم يكن موضوعا للمطاوعة كانفعل جاز مجيئه لها في غير العلاج، نحو غممته فاغتم ولا تقول فانغم (1) ويكثر إغناء افتعل عن انفعل في مطاعوة ما فاؤه لام أو راء أو واو أو نون


(1) في اللسان عن سيبويه أنك تقول: اغتم وانغعم. قال سيبويه " وهى عربيه " (*)

[ 109 ]

أو ميم، نحو لامت الجرح، أي: أصلحته، فالتأم، ولا تقول انلام، وكذا رميت به فارتمى، ولا تقول انرمى، ووصلته فاتصل، لا أنوصل، ونفيته فانتفى انفي، وجاء امتحى وامحى (1)، وذلك لان هذه الحروف مما تدغم النون الساكنة فيها، ونون انفعل علامة المطاوعة فكره طمسها، وأما تاء افتعل في نحو ادكروا طلب فلما لم يختص بمعنى من المعاني كنون انفعل صارت كأنها ليست بعلامة، إذ حق العلامة الاختصاص قوله " وللاتخاذ " أي: لاتخاذك الشئ أصله، وينبغى أن لا يكون ذلك الاصل مصدرا، نحو اشتويت اللحم: أي اتخذته شواء، وأطبخ الشئ: أي جعله طبيخا، واختبز (2) الخبز: أي جعله خبزا، والظاهر أنه لاتخاذك الشئ أصله لنفسك، فاشتوى اللحم: أي عمله شواه لنفسه، وامتطاه: أي جعله لنفسه مطية، وكذا اغتذى وارتشى (3) واعتاد قوله " وللتفاعل " نحو اعتوروا: أي تناوبوا، واجتوروا: أي تجاوروا، ولهذا لم يعل، لكونه بمعنى ما لا يعمل


(1) الذى في جميع النسخ " انمحى " بالنون الظاهرة والذى في القامس واللسان " امحى " بابدال النون ميما وإدغامها في الميم، قال في اللسان: " والاصل فيه انمحى، وامتحى لغة رديئة " اه‍ (2) كان الاولى أن يقول: اختبز الدقيق: أي عالجه حتى جعله خبزا، ولعله أطلق الخبز على الدقيق باعتبار ما يؤول إليه الامر (3) في اللسان: " غذاه وغذوا وغذاه بالتضعيف فاغتذى وتغذى " اه‍ وهو ظاهر في أن اغتذى مطاوع غذا وليس للاتخاذ كما ذهب إليه المؤلف، ولم نعثر على نحو قولك اغتذى الشئ، حتى يصير معناه اتخذه غذاء، وفى اللسان أيضا: " رشاه يرشوه رشوا: أعطاه الرشوة (مثلثة الراء)، وارتشى منه رشوة، إذا أخذها " اه‍ وهو ظاهر أيضا في المطاوعة لا الاتخاذ. وأما اعتاد فقد ورد بمعنى الاتخاذ نحو اعتاد الشئ جعله عادة له، وورد مطاوعا أيضا نحو عودته (بالتضعيف) فاعتاد (*)

[ 110 ]

قوله " وللتصرف " أي: الاجتهاد والاضطراب في تحصيل أصل الفعل، فمعنى كسب أصاب، ومعنى اكتسب اجتهد في تحصيل الاصابة بأن زاول أسبابها، فلهذا قال الله تعالى: (لها ما كسبت) أي: اجتهدت في الخير أو لا فانه لا يضيع (وعليها ما اكتسبت) أي: لا تؤاخذ إلا بما اجتهدت في تحصيله وبالغت فيه من المعاصي، وغير سيبويه لم يفرق بين كسب واكتسب وقد يجئ افتعل لغير ما ذكرنا مما لا يضبط، نحو ارتجل الخطبة، ونحوه قال " واستفعل للسؤال غالبا: إما صريحا نحو استكتبته، أو تقديرا نحو استخرجته، وللتحول نحو استحجر الطين، و * إن البغاث بأرضنا يستنسر * وقد يجئ بمعنى فعل نحو قر واستقر " أقول: قوله " أو تقديرا نحو استخرجته " تقول: استخرجت الوتد، ولا يمكن ههنا طلب في الحقيقة، كما يمكن في " استخرجت زيدا " إلا أنه بمزاولة إخراجه والاجتهاد في تحريكه كأنه طلب منه أن يخرج، فقولك أخرجته لا دليل فيه على أنك أخرجته بمرة واحدة أو مع اجتهاد، بخلاف استخرج، وكذلك " استعجلت زيدا " أي: عجلته، فإذا كان بمعنى عجلت (1) فكأنه طلب العجلة من نفسه، ومن مجاز الطلب قولهم: استرفع الخوان، واسترم البناء، واسنرقع الثوب (2)


(1) تقول: عجلت عجلا - كفرح فرحا - وعجلة، ومنه قوله تعالى (وعجلت إليك رب لترضى) وتقول أيضا: عجل - بالتضعيف - وتعجل بمعناه: أي أسرع. ويأتى عجل - بالتضعيف - وتعجل متعديين أيضا: بمعنى طلب العجلة، والذى في كلام المؤلف يجوز أن يكون مخففا مكسور العين، وأن يكون مضعفا لازما. (2) الخوان - ككتاب وغراب -: ما يوضع عليه الطعام، وضع أو لم يوضع، (*)

[ 111 ]

ويكون للتحول إلى الشى حقيقة، نحو استحجر الطين: أي طار حجرا حقيقية، أو مجازا: أي صار كالحجر في الصلابة، وإن البغاث بأرضا يستنسر (1) أي: يصير كالنسر في القوة، والبغاث - مثيلث الفاء - ضعاف الطير قوله " بمعنى فعل " نحو قر واستقر، ولابد في استقر من مبالغة ويجى أيضا كثيرا للاعتقاد في الشئ أنه على صفة أصله، نحو استكرمته: أي اعتقدت فيه الكرم، واستسمنته: أي عددته ذا سمن، واستعظمته: أي عددته ذا عظمة ويكون أيضا للاتخاذ كما ذكرنا في افتعل، نحو استلام (2)


والمائدة: ما يكون عليه الطعام، وقيل: الخوان والمائدة واحد. قال الليث: هو معرب، وقولهم: استرفع الخوان (بالرفع) معناه حان له أن يرفع. واسترم البناء: حان له أين يرم، إذا بعد عهده بالتطيين والاصلاح. واسترقع الثوب: حان له أن يرقع، وقد رأى المؤلف ن هذه الحينونة تشبه أن تكون طلبا، لان هذه الاشياء لما أصبحت في حالة تستوجب حصول أصل الفعل (وهو ههنا الرفع والرم والرقع) صارت كأنها طلبت ذلك (1) هذا مثل يضرب للضعيف يصير قويا، وللذليل يعز بعد الذل، وفى اللسان " يضرب مثلا للئيم يرتفع أمره، وقيل: معناه من جاوزنا عز بنا ". والبغاث: اسم جنس واحدته بغاثة وهو ضرب من الطير أبيض بطئ الطيران صغير دوين الرخمة، ويستنسر: يصير كالنسر في القوة عند الصيد، يصير ولا يصاد. وجمع البغاث بغثان (كرغفان) (2) اللاءمة - بفتح اللام وسكون الهمزة وربما خففت - أداة من أدوات الحرب، قيل: هي الدرع، وقيل: جميع أدوات الحرب من سيف ودرع ورمح ونبل وبيضة ومغفر يسمى لامة، ويقال: استلام الرجل، إذا لبس اللاءمة، (*)

[ 112 ]

وقد يجئ لمعان أخر غير مضبوطة وأما أفعل فالاغلب كونه للون أو العيب الحسى اللازم (1) وافعال في اللون والعيب الحسى العارض، وقد يكون الاول فيما اشتق منه، نحو اعشوشبت الارض: أي صارت ذات عشب (2) كثير، وكذا اغدودن (3) النبت، وقد يكون متعديا، نحو اعروريت الفرس (4) وافعول بناء مرتجل ليس منقولا من فعل (5) ثلاثى، وقد يكون متعديا كاعلوط: أي علا، ولازما كاجلوذ واخروط: أي أسرع (6) وكذا افعنلى مرتجل، نحو


وحكى أبو عبيدة أنه يقال: تلام - بتضعيف الهمزة - أيضا (1) المراد باللازم في هذا الموضع ما لا يزول والمراد بالعارض ما يزول (2) العشب: هو الكلاء مادام رطبا، واحدته عشبة (كغرفة) وقال أبو حنيفة الدينورى: العشب: كل ما أباده الشتاء وكان بناته ثانية من أرومة وبذر. (3) يقال: اغدودن النبت، إذا اخضر حتى يضرب إلى السواد من شدة ريه قال أبو عبيد: المغددون: الشعر الطويل، وقال أبو زيد: شعر مغدودن: شديد السواد ناعم. (4) اعرورى الفرس: صار عريا، واعرورى الرجل الفرس: ركبه عريا، فهو لازم متعد، ولا يستعمل إلا مزيدا، وقد استعاره تأبط شرا لركوب المهلكة فقال: - يظل بموماة ويمسى بغيرها * * جحيشا، ويعرورى ظهور المهالك (5) مراده بهذا أنه ليس واحد مما ذكر من الامثلة منقولا عن فعل ثلاثى مشترك معه في أصل معناه، فأما المادة نفسها بمعنى آخر فلا شأن لنا بها، وأكثر ما ذكر من الامثلة قد ورد لها أفعال ثلاثية ولكن بمعان أخر. (6) قول الشارح " أي اسرع " تفسير لا جلوذ واخروط جميعا (*)

[ 113 ]

اغرندى (1)، وقد يجئ افعوعل كذلك، نحو إذ لولى: أي استتر (2)، وكذا افعل وافعال يجيئان مرتجلين، نحو اقطر واقطار: أي أخذ في الجفاف وجميع الابواب المذكورة يجئ متعديا ولازما، إلا انفعل وافعل وافعال واعلم أن المعاني المذكورة للابواب المتقدمة هي الغالبة فيها، وما يمكن ضبطه، وقد يجئ كل واحد منها لمعان أخر كثيرة لا تضبط كما تكررت الاشارة إليه قال: " وللرباعي المجرد بناء واحد نحو دحرجته ودربخ، وللمزيد فيه ثلاثة: تدحرج، واحرنجم، واقشعر، وهى لازمه " أقول: دربخ: أي خضع، وفعلل يجئ لازما ومتعديا، وتفعلل مطاوع فعلل المتعدى كتفعل لفعل، نحو دحرحته فتدحرج، واحر نجم في الرباعي كانفعل في الثلاثي، واقشعر واطمأن من القشعريرة والطمأنينة، كاحمر في الثلاثي، وافعنلل المحلق باحر نجم كاقعنس غير متعد مثل المحلق به، وكذا تجورب وتشيطن الملحقان بتدحرج، وكذا احر نبى المحلق باحر نجم، وقد جاء متعديا في قوله: - 13 - إنى أرى النعاس يغرندينى * * أطرده عنى ويسر ندينى (3)


(1) تقول اغرنداه واغرندى عليه، إذا علاه بالشتم والضرب والقهر، وإذا غلبه، وقد وقع في بعض نسخ الاصل بالعين المهملة ولم نجد له أصلا في كتب اللغة (2) هذا الذى ذكره المؤلف في اذلولى أحد وجهين، وهو الذى ذكره سيبويه رحمه الله، فمادتها الاصلية على هذا (ذل ي) زيد فيه همزة الوصل أولا وضعفت العين وزيدت الواو فارقة بين العينين، والوجه الثاني أن أصوله (ذل ل)، وأن الاصل فيه ذل يذل ذلا، ثم ضعفت العين فصار ذلل يذلل تذليلا، ثم استثقل ثلاثة الامثال فقلبو الثالث ياء، كما قبلوا في نحو تظنى وتقضى وربى، وأصلها تظنن وتقضض وربب، ثم زيدت فيه الواو وهمزة الوصل فوزنه افعوعل أيضا، ولكن على غير الوجه الاول. (3) هذا بيت من الرجس استشهد به كثير من النحاة منهم أبو الفتح بن (*)

[ 114 ]

وكأنه محذوف الجار: أي يغرندي على، ويسرندى على: أي يغلب ويتسلط واعلم أن المعاني المذكورة للابنية المذكورة ليس مختصة بمواضيها، لكنه إنما ذكرها في باب الماضي لانه أصل الافعال قال: " المضارع بزيادة حرف المضارعة على الماضي، فإن كان مجردا على فعل كسرت عينه أو ضمت أو فتحت إن كان العين أو اللام حرف حلق غير واف، وشذ أبى يأبى، وأما قلى يقلى فعامرية (1) وركن


جنى والسخاوى وابن هشام، ولم ينسبه واحد منهم، ويروى: - قد جعل النعاس يغرندينى * * أدفعه عنى ويسرندينى ويغرندينى ويسرندينى كلاهما بمعنى يغلبنى، وقد اختلف العلماء في تخريجه، فجعله جماعة كالمؤلف من باب الحذف والايصال، وجعله ابن هشام شاذا، وجعله ابن جنى صحيحا لا شذوذ فيه، وقسم افعنلى إلى متعد ولازم، قال: " افعنليت على ضربين متعد وغير متعد، فالمتعدى نحو قول الراجز (وذكر البيت)، وغير المتعدى نحو قولهم: احر بنى الديك " اه‍ ومثله للسخاوي في شرح المفصل، والجوهري في الصحاح. (1) الذى في اللسان: " قلاه يقليه (كرماه يرميه)، وقليه يقلاه (كرضيه يرضاه). وحكى سيبويه قلاه يقلاه (كنهاه ينهاه) قال: وهو نادر، وله نظائر حكاها، شبهوا الالف بالهمزة، وحكى ابن الاعرابي لغة رابعة وهى قلوته أقلوه (كدعوته أدعوه)، وأنكرها ابن السكيت فقال: يقال قلوت البر والبسر وبعضهم يقول قليت، ولا يكون في البغض إلا قليت " اه‍ كلامه ملخصا. وقوله " وله نظائر " منها أبى بأبى، وغشى يغشى، وشجب يشجى، وجبى يجبى، كل هذه قد جاءت في بعض اللغات بفتح عين الماضي والمضارع. وقوله: " شبهوا الالف بالهمزة " هذا وجه آخر غير الذى ذكره المؤلف، وحاصله أن فتح العين في الماضي ليس للاعلال ولكن لاقتضاء ما أشبه حرف الحلق إياها، وسيأتى بيان ما ذكره المؤلف (*)

[ 115 ]

يركن من التداخل (1)، ولزموا الضم في الاجوف بالواو المنقوص بها، والكسر فيهما بالياء، ومن قال طوحت وأطوح وتوهت وأتوه فطاح يطيح وتاه يتيه شاذ عنده أو من التداخل (2)، ولم يضموا في المثال، ووجد


(1) قد ورد هذا الفعل من باب علم، ومن باب نصر، والمصدر فيهما ركنا وركونا (كفهم ودخول)، وحكى بعضهم لغة ثالثة وهى ركن يركن (كفتح يفتح) وحكى كراع فيه لغة رابعة وهى ركن يركن (بالكسر في الماضي والضم في المضارع)، واختلف في تجريج اللغتين الثالثة والرابعة: فقيل: هما شاذتان، والرابعة أشذ من الثالثة، ونظيرها فضل يفضل، وحضر يحضر، ونعم ينعم، وقيل في اللغتين الثالثة والرابعة: هما من التداخل بين اللغتين الاولى والثانية اه‍ ملخصا من اللسان مع زيادة (2) قد مضى قولنا في هذه الكلمة (ه‍ 1 ص 81) ونزيدك ههنا أن من العرب من يقول: طوحه وطح به، وتوهه (بالتضعيف في الكل)، ومنهم من قال: طيحه وتيهه (بالتضعيف أيضا)، فعلى الاول: الكلمتان من الاجوف الواوى، وعلى الثاني هما من الاجوف اليائى، ومنهم من قال: طاح يطوح، وتاه يتوه، وذلك بناء على أنهما من الاجوف الواوى، وأنهما من باب نصر ينصر، وهو ظاهر، ومنهم من قال: طاح يصيح، وتاه يتيه، فان اعترتهما من الاجوف اليائى فأمرهما ظاهر وهما من باب ضرب يضرب، وإن اعتبرتهما من الاجوف الواوى فهما محل خلاف في التخريج بين العلماء: فقال سيبويه: هما من باب فعل يفعل (بالكسر فيهما) ولم يجز عنده أن يكونا من باب ضرب يضرب، لانه لا يكون في بنات الواو، كراهية الالتباس ببنات الياء، كما لا يكون باب نصر ينصر في بنات الياء، كراهية الالتباس ببنات الواو، فأصل طاح وتاه وتوه (كفرح) تحركت الواو فيهما وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وأصل يطيح ويتيه يطوح ويتوه (كيضر) نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها ثم قلبت الواو ياء لسكونها أثر كسرة، وقال غير سيبويه: الكلمتان من باب ضرب فهما بهذا الاعتبار شاذتان، ووجه الشذوذ فيه أن الاجوف الواوى من باب فعل المفتوح العين (*)

[ 116 ]

يجد ضعيف، ولزموا الضم في المضاعف المتعدى نحو يشده ويمده (1) وجاء في الكسر في يشده ويعله (2) وينمه ويبته، ولزموه في حبه يحبه وهو قليل (3) "


لا يكون مضارعه الا مضمونا، وقول المؤلف " أو من التداخل " سيأتي ما فيه في كلام الشارح (وانظر ص 127) (1) اعلم أن المد يجئ متعديا بمعنى الجذب، نحو مددت الحبل أمده، والبسط نحو قوله تعالى: (والارض مددناها) وطموح البصر إلى الشئ، لانه قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم)، وبمعنى الامهال، ومنه قوله تعالى: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون)، ويجئ لازما بمعنى السيل أو ارتفاع النهار أو كثرة الماء، تقول: مد النهر، إذا سال، وتقول: مد النهار، إذا ارتفع، وتقول: إذا ارتفع أيضا، وظاهر كتب اللغة أنه في كل هذه المعاني من باب نصر، فأما المتعدى فقد جاء على القياس فيه، وأما اللازم فهو حينئذ شاذ (2) العلل (بفتحتين) والعل بالادغام: الشرب بعد الشرب، ويسمى الشرب الاول نهلا، وقد ورد فعل هذا متعديا ولازما، وورد كل من المتعدى واللازم من بابى نصر وضرب: أما مجئ المعتدى كنصر، ومجئ اللازم كضرب فهو القياسي، وأما العكس فيهما فشاذ، وقد جاء هذا الفعل من العلة بمعنى مرض لازما، ولم يسمع فيه الا كسر المضارع على القياس (3) الكثير في الاستعمال أجبته أحبه فأنا محب إياه على مثال أكرمته أكرمه فأنا مكرمه، والكثير في اسم المفعول محبوب، وقد جاء المحب قليلا في الشعر نحو قول عنترة: - ولقد نزلت، فلا تظنى غيره، * * منى بمنزلة المحب المكرم وقد جاء حبه يحبه (ثلاثيا)، وقد استعمل اللغتين جميعا غيلان بن شجاع النهشلي في قوله: - أحب أبا مروان من أجل تمره * * وأعلم أن الجار بالجار أرفق (*)

[ 117 ]

أقول: اعلم أن أهل التصريف قالوا: إن فعل يفعل - بفتح العين فيهما - فرع على فعل يفعل أو يفعل - بضمها أو كسرها في المضارع -، وذلك لانهم لما رأوا هذا الفتح لا يجئ إلا مع حرف الحلق، ووجدوا في حرف الحلق معنى مقتضيا لفتح عين مضارع الماضي المفتوح عينه، كما يجئ، غلب على ظنهم أنها علة له، ولما لم يثبت هذا الفتح إلا مع حرف الحلق غلب على ظنهم أنه لا مقتضى له غيرها، إذ لو كان لثبت الفتح بدون حرف الحلق، فغلب على ظنهم أن الفتح ليس شيئا مطلقا غير معلل بشئ، كالكسر والضم، إذ لو كان كذلك لجاء مطلقا بلا حرف حلق أيضا كما يجئ الضم والكسر، وقوى هذا الظن نحو قولهم وهب يهب ووضع يضع ووقع يقع، لانه تمد لهم أن الواو لا تحذف إلا في المضارع المكسور العين، فحكموا أن كل فتح في عين مضارع فعل المفتوح العين لاجل حرف الحلق، ولولاها لكانت إما مكسورة أو مضمومة فقالوا: قياس مضارع فعل المفتوح عينه إما الضم أو الكسر، وتعدى بعض النحاة - وهو أبو زيد - هذا، وقال: كلاهما قياس، وليس أحدهما أولى به من الاخر، إلا أنه ربما يكثير أحدهما في عادة ألفاظ الناس حتى يطرح الاخر


فأقسم لولا تمره ماحببته * * وكان عياض منه أدنى ومشرق قال الجوهري: " وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب شاذ، لانه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر إلا ويشركه يفعل بالضم ما خلا هذا الحرف " اه‍ لكن ذكر أبو حيان أنه سمع فيه الضم أيضا، فيكون فيه وجهان، وعلى هذا لا يتم قول المؤلف ولزموه في حبه يحبه، ولا تعليل الجوهري شذوذه بعدم مجئ الضم فيه، ولو أنه علل الشذوذ بما هو علته على الحقيقة - وذلك أن القياس المضعف المتعدى (*)

[ 118 ]

ويقبح استعماله، فإن عرف الاستعمال فذاك، وإلا استعملا معا، وليس على المستعمل شئ، وقال بعضهم: بل القياس الكسر، لانه أكثر، وأيضا هو أخف من الضم وبعد، فاعلم أنهم استعملوا اللغتين في ألفاظ كثيرة كعرش يعرش، ونفر ينفر، وشتم يشتم، ونسل ينسل، وعلف يعلف، وفسق يفسق، وحسد يحسد ويلمز، ويعتل، ويطمث، ويقتر، وغير ذلك مما يطول ذكره وفي الافعال ما يلزم مضارعه في الاستعمال إما الضم وإما الكسر، وذلك إما سماعي أو قياسي، فالسماعي الضم في قتل يقتل، ونصر ينصر، وخرج يخرج، مما يكثر، والكسر في ضرب يضرب، ويعتب (1)، وغير ذلك مما لا يحصى، والقياسي كلزوم الضم في الاجوف والناقص الواويين، والكسر فيهما يائيين وفى المثال اليائى (2) كما يجئ، ومن القاسي الضم في باب الغلبة، كما مر. ثم نقول: إنما ناسب حرف الحلق - عينا كان أولاما - أن يكون عين المضارع معها مفتوحا لان الحركة في الحقيقة بعض حروف المد بعد الحرف المتحرك بلا فصل، فمعنى فتح الحرف الاتيان ببعض الالف عقيبها، وضمها الاتيان ببعض الواو عقيبها، وكسرها الاتيان ببعض الياء بعدها، ومن شدة تعقب أبعاض هذه الحروف الحرف


ظاهر عبارة المؤلف أن هذا الفعل لم يرد إلا من باب ضرب، وقد نص في المصباح على أنك تقول: " عتب عليه عتبا من بابى ضرب وقتل، ومعتبا أيضا إذا لامه في تسخطه " ومثله في القاموس واللسان (2) لا وجه لتخصيص المؤلف المثال باليائى لانه سيأتي له أن يبين علة اختصاص المثال مطلقا بباب ضرب، على أن أمثلة المثال الواوى التى وردت من باب ضرب أضعاف أمثلة المثال اليائى منه (*)

[ 119 ]

المتحرك التبس الامر على بعض الناس فظنوا أن الحركة على الحرف، وبعضهم تجاوز ذلك وقال: هي قبل الحرف، وكلاهما وهم، وإذا تأملت أحسست بكونها بعده، ألا ترى أنك لا تجد فرقا في المسموع بين قولك الغزو - باسكان الزاى والواو - وبين قولك الغز - بحذف الواو وضم الزاى - وكذا قولك الرمى - باسكان الميم والياء - والرم - بحذف الياء وكسر الميم - وذلك لانك إذا أسكنت حرف العلة بلا مد ولا اعتماد عليه صار بعض ذلك الحرف فيكون عين الحركة إذ هي أيضا بعض الحرف، كما قلنا، ثم إن حروف الحلق سافلة في الحلق يتعسر النطق بها، فأرادوا أن يكون قبلها إن كانت لاما الفتحة التى هي جزء الالف التى هي أخف الحروف، فتعدل خفها ثقلها، وأيضا فالالف من حروف الحلق أيضا فيكون قبلها جزء من حرف من حيزها، وكذا أرادوا أن يكون بعد حرف الحلق بلا فصل إن كانت عينان الفتحة الجامعد للوصفين، فجعلوا الفتحة قبل الحلقى إن كان لاما، وبعده إن كان عينا، ليسهل النطق بحروف الحلق الصعبة، ولم يفعلوا ذلك إذا كان الفاء حلقيا: إما لان الفاء في المضارع ساكنة فهى ضعيفة بالسكون (ميتة)، وإما لان فتحة العين إذن تبعد من الفاء، لان الفتحة تكون بعد العين التى بعد الفاء، وليس تغيير حرف الحلق من الضم أو الكسر إلى الفتح بضربة لازب، بل هو أمر استحسانى، فلذلك جاء برأ يبرؤ (1)، وهنأ يهنئ، وغير ذلك، وهى لا تؤثر في فتح ما يلزمه وزن واحد


(1) الذى جاء من باب نصر هو برأ المريض، وقد جاء فيه لغات أخرى إحداها من باب نفع، والثانية من باب كرم، والثالثة من باب فرح، وأما برأ الله الخلق (أي خلقهم) فلم يأت إلا من باب جعل. قال الازهرى: " ولم نجد فيما لامه همزة فعلت أفعل (من باب نصر ينصر). وقد استقصى العلماء باللغة هذا فلم يجدوه إلا في هذا الحرف (يريد برأ المريض يبرؤ)، ثم ذكر قرأت أقرؤ، (*)

[ 120 ]

مطرد، فلذلك لا تفتح عين مضارع فعل يفعل - بضم العين - نحو وضؤ (1) يوضؤ، ولا في ذوات الزوائد مبنية للفاعل أو للمفعول، نحو أبرأ يبرئ (2)، واستبرأ يستبرئ (3) وأبرئ واستبرئ، وذلك لكراهتهم خرم قاعدة ممهدة، وإنما جاز في مضارع فعل لانه لم يلزم هذا المضارع ضم أو كسر، بل كان يجئ تارة مضموم العين، وتارة مكسورها، فلم يستنكر أيضا أن يجئ شئ منه يخالفهما، وهو الفتح، ولما جاء في مضارع فعل - بالكسر - مع يفعل - بالكسر - يفعل - بالفتح - وهو الاكثر، كما يجئ، جوزوا تغيير بعض المكسور إلى الفتح لاجل حرف الحلق، وذلك في حرفين وسع يسع (4) ووطئ يطأ، دون ورع يرع يله ووهل يهل ووغر يغر ووحر يحر (5)، وإيما


وهنأت الابل أهنوها، إذا طليتها بالهناء - وهو ضرب من القطران -، وقد جاء فيه يهنئها ويهنؤها (من بابى ضرب ونفع)، وجاء هنأنز الطعام يهنئني ويهنؤني (من بابى ضرب ونفع أيضا)، إذا أتاك بغير تعب ولا مشقة. (1) تقول وضؤ يوضؤ وضاءة، إذا صار وضيئا، والوضاءة: الحسن والنظافة (2) تقول: أبرأنه من كذا، وبرأته أيضا (بالتضعيف)، إذا خلصته (3) الاستبراء: الاستنقاء (أي طلب النقاء والبراءة)، والاستبراء أيضا: ألا يطا اجرية ؟ ؟ ؟ حتى تحيض عنده حيضة (4) السعة: نقيض الضيق، وقد وسعه يسعه ويسعه (بفتح السين وكسرها): وكسر السين في المضارع قليل في الاستعمال مع أنه الاصل، فأصل الفعل بكسر العين في الماضي والمضارع، وإنما فتحها في المضارع حرف الحلق، والدليل على أن أصلها الكسر حذف الواو، ولو كانت مفتوحة العين في الاصل لثبتت الواو وصحت أو قلبت ألفا على لغة من يقول ياجل. وتقول: وطئ الشئ يطؤه وطئا، إذا داسه، قال سيبويه: " أما وطئ يطأ فمثل ورم يرم ولكنهم فتحوا يفعل وأصله الكسر كما قالوا قرأ يقرأ " اه‍ (5) الورع: التحرج والتقى، وقد ورع يرع ويورع (كيضرب ويفتح) ورعا (*)

[ 121 ]

لم يغير ماضى فعل يفعل، نحو وضؤ يوضؤ، لانه لو فتح لم يعرف بضم المضارع أن ماضيه كان في الاصل مضموم العين، لان ماضى مضموم العين يكون مضموم العين ومفتوحها، وكلاهما أصل، بخلاف مضارع فعل، فان الفتح في عين الماضي يرشد إلى أن عين المضارع إما مكسورة أو مضمومة، كما تقرر قبل، فيعلم بفتح عين الماضي فرعية فتح عين المضارع، وأما فتحة عين يسع ويطأ فلا يلتبس بالاصلية في نحو يحمد ويرهب، وإن كان فتح عين مضارع فعل - بكسرها - أكثر من الكسر، لان سقوط الواو فيهما يرشد إلى كونهما فرعا للكسرة، وإنما لم تغير لحرف الحلق عين فعل المكسور العين إلى الفتح نحو سئم، لان يفعل في مضارع فعل المفتوح العين فرع كما ذكرنا، وفعل المضموم العين لا يجئ مضارعه مفتوحها، فماضى يفعل المفتوح العين إذن يكون مكسورها مطردا، وقد ذكرنا أن كل ما اطرد فيه غير الفتح لا يغير ذلك كراهة لخرم القاعدة كما في أبرئ ويستبرئ، وأيضا كان يلتبس بفعل يفعل المفتوح الماضي المغير مضارعه لحرف الحلق


ورعة (بكسر الراء) وورعا (بسكون الراء) وفيه لغة أخرى من باب كرم وروعا ووراعة. والوله: ذهاب العقل من الحزن ومن السرور، وفعله وله يله ويوله (بالكسر والفتح في المضارع) وفيه لغة أخرى كوعد يعد. والوهل: الضعف والفزع، والذى يؤخذ من القاموس واللسان أن وهل قد جاء من باب علم يعلم ومن باب ضرب يضرب، وليس فيهما لغة في هذا الفعل كوثق يثق، وهى التى حكاها المؤلف. والوغر: الحقد والغيظ، والذى في القاموس واللسان أن فعله قد جاء من باب علم يعلم كوجل يوجل، ومن باب ضرب كوعد يعد، وليس فيهما اللغة التى حكاها المؤلف. والوحر: بمعنى الوغر، وفعله وحر يحر ويوحر (بكسر العين في الماضي وفتحها وكسرها في المضارع)، فالتى ذكرها المؤلف إحدى اللغتين في هذه الكلمة (*)

[ 122 ]

ثم إن الحروف التى من مخرج الواو، كالباء والميم، من ضرب يضرب وصبر يصبر ونسم (1) ينسم وحمل يحمل، لا تغير كسر العين إلى الضم الذى هو من مخرج الواو، وكذا الحروف التى من مخرج الياء، كالجيم والشين، في شجب يشجب ومجن يمجن ومشق (2) يمشق، لا تحول ضم العين إلى الكسر الذى هو من مخرج الياء، كما فعل حرف الحلق بالضمة والكسرة، على ما تقدم، لان موضعي الواو والياء بمنزلة حيز واحد، لتقارب ما بينهما واجتماعهما في الارتفاع عن الحلق، فكأن الحروف المرتفعة كلها من حيز واحد، بخلاف المستفلة - أي: الحلقية - وأيضا فتحنا هناك لتعديل ثقل الحلقية بخفة الفتحة


(1) نسمت الريح تنسم - من باب ضرب - نسما ونسيما ونسمانا هبت ضعيفة، ونسم البعير بخفه: ضرب، ونسم الشئ - كضرب وعلم -: تغير (2) الواو والباء والميم مخرجها من الشفتين، والياء والجيم والشين مخرجها من بين وسط اللسان ووسط الحنك الاعلى، وحديث المخارج الذى ذكره المؤلف ههنا يقصد به دفع اعتراض يرد على قوله فيما سبق: " وأيضا فالالف من حروف الحلق أيضا، فيكون قبلها جزء من حرف من حيزها " وحاصله أنه إذا كان فتح العين فيما إذا كانت هي واللام حرفا من حروف الحلق سببه أن الفتحة جزء من الالف التى هي من حروف الحلق قصدا إلى التجانس بين حرف الحلق والحركة التى قبله أو بعده بلا فصل ة فان اطراد العلة يقتضى ضم العين في المضارع الذى تكون عينه أو لامه من مخرج الواو كالباء والميم كما يقتضى كسر عين المضارع الذى تكون عينه أو لامه من مخرج الياء كالجيم والشين، فأجاب المؤلف بهذا الذي ذكره. وتقول: مجن يمجن - كنصر - مجونا ومجانه ومجنا (بالضم)، إذا كان لا يبالى قولا أو فعلا وتقول: شجب يشجب - كقعد - شجوبا، وشجب يشجب - كفرح - شجبا (بفتحتين) إذا حزن أو هلك، وتقول: شجبه الله يشجبه - كنصره - أي: أهلكه والمشق: السرعة في الطعن والضرب، والاكل، وفى الكتابة مد حروفها، وفعله من باب نصر (*)

[ 123 ]

قوله " غير ألف " أي: أن فعل يفعل المفتوح عيهما لا يجئ بكون العين ألفا، نحو: قال يقال، مثلا، أو يكون اللام ألفا، نحو: رمى يرمى، لان الالف لا يكون في موضع عين يفعل ولا لامه إلا بعد كون العين مفتوحة، كما في يهاب ويرضى، فإذا كانت الفتحة ثابتة قبل الالف وهى سبب حصول الالف فكيف يكون الالف سبب حصول الفتحة ؟ ! ! " وشذ أبى يأبى " قال بعضهم: إنما ذلك لان الالف حلقية، وليس بشئ لما ذكرنا أن الفتحة سبب الالف فكيف يكون الالف سببها ؟ قال سيبويه: " ولا نعلم إلا هذا (1) الحرف "، وذكر أبو عبيدة جبوت الخراج (2) أجبى،


(1) لعلك تقول: كيف يذكر عن سيبويه أنه لا يعلم كلمة قد جاءت على فعل يفعل - كنفع يفنع - ولامها ألف وليست عينها حرفا من حروف الحلق إلا أبى يأبى، ثم يذكر عنه بعد ذلك أفعالا أخرى، من هذه البابة، فنقول لك: إنه لا تنافى، لان سيبويه رحمه الله قد ذكر كل هذه الافعال التى نقلها عنه المؤلف، إلا أنه احتج لابي يأبى وخرجه، ولم يحتج لسائر الافعال، لان الاول روى كذلك عن العرب كافة، وأما غيره فلم يثبت عنده إلا من وجيه ضعيف، فلهذا أمسك عن الاحتجاج له. انظر الكتاب (ج 2 ص 254). قال أبو سعيد السيرافي: " يدل كلام سيبويه على أنه ذهب في أبى يأبى إلى أنهم فتحوا من أجل تشبيه ما الهمزة فيه أولى بما الهمزة فيه أخيرة " اه‍. قال ابن سيده: " إن قوما ما قالوا في الماضي أبى - بكسر العين - فيأبى بفتحها على لغتهم جار على القياس، كنسى ينسى " اه‍. قال ابن جنى: وقد قالوا أبى يأبى - كضرب يضرب - وأنشد أبو زيد يا إبلى ماذامه فتأبيه * * ماء رواء ونصى حوليه انتهى كلام ابن جنى. وأنت خبير أنه على ما حكاه ابن سيده من مجئ أبى من باب علم، وما حكاه ابن جنى من مجيئه من باب ضرب يجوز أن يكون قولهم: أبى يأبى - بالفتح فيهما - من باب تداخل اللغتين (2) الذى في القاموس أن " جبى " قد جاء واويا ويائيا، وأنه في الحالين (*)

[ 124 ]

وأجبو هو المشهور، وحكى سيبويه أيضا قلى يقلى، والمشهور يقلى بالكسر، وحكى هو وأبو عبيدة عضضت تعض، والمشهور عضضت بالكسر، وحكى غير سيبويه ركن يركن وزكن يزكن، من الزكن (1)، وزكن بالكسر أشهر، وحكى أيضا غسا الليل - أي: أظلم - يغسى، وشجا يشجى، وعثا (2) يعثى، وسلا يسلا، وقنط يقنط، ويجوز أن يكون غسا وشجا وعثا وسلا طائية كما في قوله: - *.... بنت على الكريم (3) *


من باب سعى ورمى، ولم يذكر " يجبو " في الواوى، فإذا صح نقله فيهما كان مجئ الواوى من باب رمى شاذا كما أن مجيئه فيهما من باب سعى شاذ، وقال في اللسان: " جبا الخراج يجباه ويجبيه: جمعه، وجباه يجباه مما جاء نادرا مثل أبى يأبى، وذلك أنهم شبهوا الالف في آخره بالهمزة في قرأ يقرأ وهدأ يهدأ " اه‍ فليس فيه يجبوه أيضا، فيجبوه غير معروف في كتب اللغة التى أيدينا وإن كان هو القياس، ثم اطلعنا بعد ذلك على قول ابن سيده في لمخصص (ج 14 ص 211): " وقد حكى أبو زيد في كتاب المصادر جبوت الخراج أجباه وأجبوه " اه‍ (1) الزكن - بفتحتين - العلم أو الظن أو التفرس، ولم يحك في القاموس فعله إلا من باب فرح (2) عثى: أفسد، وقد جاء على ثلاث لغات كرمى ودعا وأبى، والاخيرة نادرة، وهى محل الكلام، وقد حكيت هذه اللغات الثلاث في غسى الليل أيضا. وأما سلى فقد حكى فيه ثلاث لغات كدعا ورضى ورمى، ولم يذكروه كسعى، وهو الذى ذكره المؤلف. وأما شجا، فقد حكوه متعديا كدعا ولازما كفرح ولم يذكروه كسعى: فأن صح ما ذكره المؤلف جاز أن يكون من باب التداخل وأن يكون على لغة طئ (3) هذه قطعة من بيت من بحر المنسرح وهو بتمامه: (*)

[ 125 ]

لانه جاء عثى يعثى وغسى يغسى وشجى يشجى وسلى يسلى وأما قلى فلغة ضعيفة عامرية، والمشهور كسر مضارعه، وحكى بعضهم قلى يقلى - كتعب يتعب - فيمكن أن يكون متداخلا، وأن يكون طائيا، لانهم يجوزون قلب الياء ألفا في كل ما آخره ياء مفتوحة فتحة غير إعرابية مكسور ما قبلها، نحو بقى في بقى، ودعى في دعى، وناصاة في ناصية (1) وأما زكن يزكن بالزاى إن ثبت فشاذ، وكذا ما قرأ الحسن: (ويهلك الحرث) بفتح اللام، وركن يركن كما حكاه أبو عمرو من التداخل، وذلك لان ركن يركن - بالفتح في الماضي والضم في المضارع - لغة مشهورة، وقد حكى أبو زيد عن قوم ركن بالكسر يركن بالفتح، فركب من اللغتين ركن يركن بفتحهما، وكذا قال الاخفش في قنط يقنط لان قنط يقنط كيقعد ويجلس مشهوران، وحكى قنط يقنط كتعب يتعب قوله " ولزموا الضم في الاجوف بالواو والمنقوص بها "، إنما لزموا الضم فيما ذكر حرصا على بيان كون الفعل واويا، لا يائيا، إذ لو قالوا في قال وغزا: يقول ويغزو، لوجب قلب واو المضارعين ياء لما مر من أن بيان البنية عندهم أهم من الفرق بين الواوى واليائى، فكان يلتبس إذن الواوى باليائى في الماضي والمضارع ولهذا بعينه التزموا الكسر في الاجوف والناقص اليائيين، إذ لو قالوا في باع ورمى:


نستوقد النبل بالحضيض ونصطاد نفوسا بنت على الكرم وهو بيت لرجل من بنى القين بن جسر، والنبل: السهام، ومعنى " نستوقد النبل " نرمى بها رميا شديدا فتخرج النار لشدة رمينا وقوة سواعدنا، والحضيض: الجبل أو قراره وأسفله، وأراد بقوله " نفوسنا بنت على الكرم " أنه إنما يقتل الرؤساء والسادة. (1) الناصية: شعر مقدم الرأس (*)

[ 126 ]

يبيع ويرمى لوجب قلب الياء واوا لبيان البنية، فكان يلتبس بالواوى اليائى في الماضي والمضارع فان قلت: أليس الضمة في قلت والواو في غزوت وغزوا والكسرة في بعت والياء في رميت ورميا تفرقان في الماضي بين الواوى واليائى ؟ ؟ قلت: ذلك في حال التركيب، ونحن نريد الفرق بينهما حال الافراد فان قلت: أليس يلتبسان في الماضي والمضارع في خاف يخاف من الخوف وهاب يهاب من الهيبة وشقي يشقى من الشقاوة وروى يروى ؟ ؟ قلت: بلى، ولكنهم لم يضمؤا في واوى هذا الباب ولم يكسروا في يائيه، لان فعل المسكور العين اطرد في الاغلب فتح عين مضارعه، ولم ينكسر إلا في لغات قليلة كما يجئ، فلم يقلبه حرف العلة عن حاله، بخلاف فعل بالفتح فان مضارعه يجئ مضموم العين ومكسورها، فأثر فيه حرف العلة بالزام عينه حركة يناسبها ذلك الحرف، وهذا كما تقدم من أن حرف الحلق لم يغير كسرة ينبئ ويستنبئ لما اطرد فيهما الكسر فاما إن كان لام الاجوف اليائى أو عين الناقص اليائى - حلقيا، نحو شاء يشاء وشاخ يشيخ وسعى يسعى وبغى يبغى فلم يلزم كسر عين المضارع فيه كما لزم في الصحيح كما رأيت، وكذا إن كان عين الناقص الواوى حلقيا نحو شأى يشأى - أي: سبق - ورغا يرغو (1) لم يلزم ضم عين مضارعه كما لزم في الصحيح على ما رأيت، وذلك لان مراعاة التناسب في نفس الكلمة بفتح العين للحلقى، كما ذكرنا، مساوية للاحتراز من التباس الواوى باليائى، وما عرفت أجوف واويا حلقى اللام من (باب) فعل يفعل بفتحهما، بل الضم في عين المضارع لازم، نحو ناء ينوء وناح ينوح


(1) رغا البعير والناقة يرغوا رغاء: صوت (*)

[ 127 ]

ولنا أن نعلل لزوم الضم في عين مضارع نحو قال وغزا، ولزوم الكسر في عين مضارع نحو باع ورمى، بأنه لما ثبت الفرق بين الواوى واليائى في مواضى هذه الافعال أتبعوا المضارعات إياها في ذلك، وذلك أن ضم قلت وكسر فاء بعت للتنبيه على الواو والياء، ونحو دعوت ودعوا يدل على كون اللام واوا، ونحو رميت ورميا يدل على كونها ياء، وأما نحو خفت تخاف وهبت تهاب وشقي يشقى وروى يروى وطاح يطيح عند الخليل (1) فإن أصله عنده طوح يطوح كحسب يحسب فلما لم يثبت في مواضى هذه الافعال فرق بين الواوى واليائى في موضع من المواضع لم يفرق في مضارعاتها قوله " ومن قال طوحت وأطوح وتوهت وأتوه " اعلم أنهم قالوا: طوحت - أي: أذهب وحيرت - وطيحت بمعناه، وكذا توهت وتيهت بمعناهما، وهو أطوح منك وأطيح، وأتوه وأتيه، فمن قال طيح وتيه فطاح يطيح وتاه يتيه عنده قياس كباع يبيع، ومن قال طوح وأطوح منك وتوه وأتوه منك فالصحيح كما حكى سيبويه عن الخليل أنهما من باب حسب يحسب فلا يكونان أيضا شاذين ومثله آن يئين من الاوان: أي حان يحين (2)، ولو كان طاح فعل واويا كقال


(1) انظر (ص 81، ص 115) (2) قال سيبويه رحمه الله تعالى (ج‍ 2 ص 361): " وأما طاح يطيح وتاه يتيه فزعم الخليل أنهما فعل يفعل بمنزلة حسب يحسب وهى من الواو، يدلك على ذلك طوحت وتوهت (بالتضعيف) وهو أطوح منه وأتوه منه، فانما هي فعل يفعل من الواو كما كانت منه فعل يفعل (بفتح عين المضارع) ومن فعل يفعل اعتلتا، ومن قال: طيحت وتيهت، فقد جاء بها على باع يبيع مستقيمة، وإنما دعاهم إلى هذا الاعتلال ما ذكرت لك منكثرة هذين الحرفين، فلو لم يفعلوا ذلك وجاء على الاصل أدخلت الضمة على الياء والواو، والكسرة عليهما في فعلت (بالضم) وفعلت (بالكسر) ويفعل (بالضم) ويفعل (بالكسر) ففروا من أن يكثر هذا

[ 128 ]

لوجب أن يقال: طحت - بضم الطاء - ويطوح، ولم يسمعا، وكذا لم يسمع تهت ويتوه، وقال المصنف " من قال طوح وتوه فطاح يطيح وتاه يتيه شاذان " بناء على أن الماضي فعل بفتح العين، ووجه الشذوذ فيه أن الاجوف الواوى من باب فعل المفتوح العين لا يكون مضارعه إلا مضمومها وفى بعض نسخ هذا الكتاب " أو من التداخل " وكأنه ملحق وليس من المصنف، وإنما وهم من ألحقه نظرا إلى ما في الصحاح أنه يقال: طاح يطوح، فيكون أخذه من طاح يطوح الواوى الماضي، ومن طاح يطيح اليائى المضارع فصار طاح يطيح، والدى ذكره الجوهرى من يطوح ليس بمسموع (1)، ولو ثبت طاح يطوح لم يكن طاح يطيح مركبا (2)، بل كان يطوح كقال يقول وطاح يطيح كباع يبيع، وليس ما قال المصنف من الشذوذ بشئ، إذ لو كان


في كلامهم مع كثرة الياء والواو، فكان الحذف والاسكان أخف عليهم، ومن العرب من يقول: ما أتيهه وتيهت وطيحت، وقال: آن يئين، فهو فعل يفعل (كحسب يحسب) من الاوان وهو الحين " اه‍ (انظر: ص 81، وص 115 من هذا الجزء) (1) لقد تبع الجوهرى في ذلك كثير من أئمة اللغة كالمجد وابن منظور والرازي على أن الجوهرى وحده كاف في إثبات يطوح لانه نقل ما صح عنده من لغة العرب، وهو يقول: " قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة " ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (2) إن كان غرض المؤلف من هذا الكلام أن التركيب حينئذ لا محوج له، لان الاولى حمل الواوى على باب نصر واليائى على باب ضرب كما هو القياس المطرد في اللغة فهذا كلام مسلم لاشية فيه، وإن كان غرضه أن التركيب حينئذ غير ممكن فلا نسلم له ذلك، لان من الممكن أن نأخذ الماضي من الواوى على لغة من قال طوح ونأخذ المضارع من اليائى (*)

[ 129 ]

طاح كقال لقيل طحت كقلت بضم الفاء، ولم يسمع، والاولى أن لا تحمل الكلمة على الشذوذ ما أمكن قوله " ولم يضموا في المثال " يعنى معتل الفاء الواوى واليائى، فلم يقولوا وعد يوعد ويسر ييسر، لان قياس عين مضارع فعل المفتوح العين على ما تقدم إما الكسر أو الضم، فتركوا الضم استثقالا لياء يليها أو واو بعدها ضمة، إذ فيه اجتماع الثقلاء، ألا ترى إلى تخفيف بعضهم واو يوجل وياء ييأس بقلبهما ألفا نحو ياجل وياءس، وإن كان بعدهما فتحة وهى أخف الحركات، فكيف إذا كانت بعدهما ضمة ؟ فان قلت: أو ليس ما فروا إليه أيضا ثقيلا، بدليل حذف الواو (نحو) يعد وجوبا وحذف ياء (نحو) ييسر عند بعضهم، كما يجئ في الاعلال ؟ قلت: بلى، ولكن ويل أهون من ويلين فان قلت: فإذا كان منتهى أمرهم إلى الحذف للاستخفاف، فهلا بنوا بعضه على يفعل أيضا بالضم وحذفوا حرف العلة حتى تخف الكلمة كما فعلوا ذلك بالمكسور العين ؟ قلت: الحكمة تقتضي إذا لم يكن بد من الثقيل أو أثقل منه أن تختار الثقيل على الاثقل، ثم تخفف الثقيل، لا أن تأخذ الاثقل أولا وتخففه فان قلت: أو ليس قد قالوا: يسر ييسر (1) من اليسر ووسم يوسم ؟ قلت: إنما بنوهما على هذا الاثقل إذ لم يكن لفعل المضموم مضارع


(1) قد قالوا: يسر ييسر فهو يسير، إذا قل، وإذا سهل، وبابه كرم، وقالوا أيضا: يسر ييسرا من باب فرح، بالمعنى السابق، وقالوا: يسر الرجل ييسر من باب ضرب فهو ياسر، إذا لعب الميسر، ومنهم من قال: يسر يسر بحذف الياء التى هي فاء الكلمة في هذا المعنى الاخير (*)

[ 130 ]

إلا مضموم العين، فكرهوا مخالفة المعتل الفاء لغيره بكسر عنى مضارعة، بخلاف فعل مفتوح العين، فان قياس مضارعه إما كسر العين أو ضمها على ما تكرر الاشارة إليه، فأثر فيه حرف العلة بالزام عين مضارعه الكسر. فان قلت: فلما ألجئوا في فعل المضموم العين إلى هذا الاءثقل فهو خففوه بحذف الفاء ؟ قلت: تطبيا للفظه بالمعنى، وذلك أن معنى فعل الغريزة الثابتة والطبيعة اللازمة، فلم يغيروا اللفظ أيضا عن حاله لما كان مستحق التغيير بالحذف فاء الكلمة وهى بعيدة عن موضع التغيير، إذ حق التغيير في آخر الكلمة أو فميا يجاور الاخر، فلذلك غير في طال يطول وسرو يسرو (1)، وإن كانا من باب فعل أيضا، وأما وهب يهب ووضع يضع ووقع يقع وولغ يلغ فالاصل (2) فيها كسر عين المضارع، وكذا وسع يسع ووطئ يطأ، فحذف الواو، ثم فتح العين لحرف الحلق، وكذا ودع - أي ترك - يدع والماضي لا يستعمل إلا ضرورة (3)، قال: -


(1) تقول سر ويسرو - ككرم يكرم - وسرا يسرو - كدعا يدعو - وسرى يسرى - كرضى يرضى - إذا كان شريفا ذا مروءة (2) المراد بالاصل هنا الحالة الاولى السابقة على الحذف، وليس المراد به الغالب والكثير (3) قول المؤلف " والماضي لا يستعمل إلا ضرورة " يخالفه قوله في باب الاعلال: " ويدع مثل يسع، لكنه أميت ماضيه " فان مقتضاه أنه لم يسعمل في نثر ولا نظم ومقتضى قوله هنا: " لا سيتعمل إلا ضرورة " أنه يستعمل في الشعر، هذا، وقد زاد غير المؤلف أنه لم يستعمل مصدر هذا الفعل ولا اسم فاعله ولا اسم مفعوله وكل ذلك غير صحيح، فقد قرأ عروة بن الزبير، ومجاهد، ومقاتل، وابن أبي عبلة، ويزيد النحوي (وما ودعك ربك وما قلى) بالتخفيف، وجاء في الحديث: (*)

[ 131 ]

15 - ليت شعري عن خليلي من الذى * غاله في الحب حتى ودعه (1) وحمل يذر على يدع لكونه بمعناه (2)، ولم يستعمل ماضيه لا في السعة ولا في الضرورة


" لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم " قال ابن الاثير في النهاية: " أي عن تركهم إياها والتخلف عنها، يقال: ودع الشئ يدعه ودعا، إذا تركه، والنحاة يقولون: إن العرب أماتوا ماضي يدع ومصدره واستغنوا عنه بترك، والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح، وإنما يحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال فصيح في القياس " اه‍ كلام ابن الاثير. ومن مجئ اسم الفاعل ما أنشده ابن برى من قول معن بن أوس: عليه شريب لين وادع العصا * يساجلها حماته وتساجله وما أنشده الفارسي في البصريات: فأيهما ما أتبعن فانني * حزين على ترك الذي أنا وادعه وقد استشهد الجوهري على مجئ اسم المفعول من هذا الفعل بقول خفاف ابن ندبة: إذا ما استحمت أرضه من سمائه * جرى وهو مودوع وواعد مصدقى (1) هذا البيت من كلام أبي الاسود الدؤلى، قاله ابن برى، وقال الازهري: إنه لانس بن زنيم الليثي، وأنشد معه بيتا آخر، وهو قوله: لا يكن برقك برقا خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه والشاهد فيه مجئ ودع ماضيا مخففا، ومثله قول سويد بن أبي كاهل اليشكري: سل أميري ما الذي غيره * عن وصالي اليوم حتى ودعه وقول الاخر: فسعى مسعاته في قومه * ثم لم يدرك ولا عجزا ودع (2) اعلم أنهم استعملوا الفعل المضارع من هذه المادة فقالوا: يذر، ومنه قوله (*)

[ 132 ]

فان قيل: فهلا حذفت الواو من يوعه أوعد مع أن الضمة أثقل قلت: بل الضمة قبل الواو أخف من الفتحة قبلها للمجانسة التي بينهما وإنما لم تحذف الياء من نحو ييئس إذ هو أخف من الواو، على أن بعض العرب يجرى الياء مجرى الواو في الحذف، وهو قليل، فيقول: يسر يسر ويئس يئس بحذب الياء قوله " ووجد يجد ضعيف " هي لغة بني عامر، قال لبيد بن ربيعة العامري: - 16 - لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * تدع الصوادى لا يجدن غليلا (1)


تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) واستعملوا منه الامر فقالوا: ذر، ومنه قوله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا) وقوله (ذرني والمكذبين) ولم يستعملوا منه اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا مصدرا ولا فعلا ماضيا، وهذا المضارع المسموع قد ورد بالفتح، إلا ما حكى عن بعضهم من قوله: " لم أذر ورائي شيئا "، ومقتضى القواعد المقررة أن يكون ماضى هذا الفعل المقرر مكسور العين، فيكون فتح عين مضارعه هو الاصل والقياس، وحينئذ فيسأل عن علة حذف الواو، إذ كان المعروف أنها لا تحذف إلا بين الياء والكسرة حقيقة أو تقديرا، وجواب هذا هو الذى عناه المؤلف بقوله: حمل على يدع، يريد أنه حمل عليه في حذف الواو لكونه بمعناه، إذ ليس فيه نفسه ما يقتضى حذفها، ويمكن أن يقدر أن الماضي مفتوح العين، فيكون قياس المضارع كسر العين، لان المثال الواوي المفتوح العين في الماضي لا يكون إلا من باب ضرب، فيكون حذف الواو جاريا على القياس، لانها وقعت بين ياء مفتوحة وكسرة أصلية، ويسأل حينئذ عن سر فتح العين في المضارع مع أنه ليس فيه ما يقتضى الفتح فيجاب بأنه حمل على يدع في فتح العين لكونه بمعناه، وفي يدع موجب الفتح وهو حرف الحلق، وهذا يماثل ما قال بعضهم في أبى يأبى: إنه فتحت عينه حملا له على منع يمنع لانه بمعناه (1) تبع المؤلف الجوهري في نسبة هذا البيت للبيد. قال ابن برى في حواشيه (*)

[ 133 ]

يجوز أن يكون أيضا في الاصل عندهم مكسور العين كأخواته، ثم ضم بعد


على الصحاح: " الشعر لجرير وليس للبيد كما زعم "، وكذا نسبه الصاغانى في العباب لجرير، وقد رجعنا إلى ديوان جرير فألفيناه فيه، وقبله وهو أول قصيدة يهجو فيها الفرزدق: لم أر قبلك يا أمام خليلا * أنأى بحاجتنا وأحسن قيلا واستشهد المؤلف بالبيت على أن الضم في مضارع وجد لغة ضعيفة خاصة ببني عامر، ووجه ضعفها أنها جارجة عن القياس والاستعمال، إذ القياس ألا تحذف فاء المثال إذا كانت واوا إلا من المضارع المكسور العين، والاستعمال الغالب في هذه الكلمة الكسر، قال الله تعالى (فان لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) فيكون الضم شاذا قاسا ؟ ؟ ؟ واستعمالا، ثم إن ابن مالك ذهب في التسهيل إلى أن لغة بنى عامر ليس مقصورة على يجد، بل هي عامة في كل ما فاؤه واو من المثال: أي أنهم يحذفون الفاء ويضمون العين في كل مثال واوي على فعل (بفتح العين) فيقولون في وكل: يكل، وفي ولد: يلد، وفى وعد: يعد، وهكذا، وهذا القول الذي قاله ابن مالك مخالف لما ذهب إليه فحول النحويين، قال السيرافي: " إن بني عامر يقولون ذلك في يجد من الموجدة والوجدان، وهم في غير يجد كغيرهم " وكذا قال صاحب الصحاح، وقال ابن جنى في سر الصناعة: " ضم الجيم من يجد لغة شاذة غير معتد بها لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها ما عليه الكافة فيما هو بخلاف وضعها " ا ه‍ وقال الرازي في المختار: " ويجد بالضم لغة عامرية لا نظير لها في باب المثال " اه‍ وقال ابن عصفور: " وشذ من فعل الذي فاؤه واو لفظة واحدة فجاءت بالضم وهي: وجد يجد، قال: وأصله يوجد (بالكسر) فحذفت الواو لكون الضمة هنا شاذة والاصل الكسر " اه‍، وقال ابن جنى في شرح تصريف المازني: " فأما قول الشاعر: لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة * تدع الحوائم لا يجدن غليلا فشاذ، والضمة عارضة، ولذلك حذفت الفاء، كما حذفت في يقع ويدع، وإن كانت الفتحة هناك، لان الكسر هو الاصل، وإنما الفتح عارض " اه‍ (*)

[ 134 ]

حذف الواو، ويجوز أن يكون ضمه أصليا حذف منه الواو لكون الكلمة بالضمة بعد الواو أثقل منها بالكسرة بعدها قوله " ولزموا الضم في المضاعف المتعدى " نحو مد يمد، ورد يرد، إلا أحرفا جاءت على يفعل أيضا، حكى المبرد عله يعله وهره يهره: أي كرهه، وروى غيره نم الحديث ينمه، وبته يبته، وشده يشده: وجاء في بعض اللغات: حبه يحبه، ولم يجئ في مضارعه الضم وما كان لازما فانه يأتي على يفعل بالكسر، نحو عف يعف، وكل يكل - إلا ما شذ من عضضت تعض على ما ذكرنا، وحكى يونس أنهم قالوا: كععت - أي: جبنت - تكع بالفتح فيهما (1) وتكع بالكسر أشهر، فمن فتح فلاجل حرف الحلق، قال سيبيويه: لما كان العين في الاغلب ساكنا بالادغام لم يؤثر فيه حرف الحلق كما أثر في صنع يصنع. ومن فتح فلانها قد تتحرك في لغة أهل الحجاز، نحو: لم يكعع وفى يكععن اتفاقا كيصنع ويصنعن قال: " وإن كان على فعل فتحت عينه أو كسرت إن كان مثالا، وطيئ تقول في باب بقي يبقى، وأما فضل يفضل ونعم ينعم فمن التداخل "


وظاهر كلام ابن جنى وابن عصفور أن الشذوذ في يجد من جهة ضم العين لا من جهد حذف الفاء لان العين على كلامهما مكسورة في الاصل فيتحقق مقتضى الحذف، فيكون قياسيا، ويجوز كما قال المؤلف أن تكون الضمة أصلية لا عارضة، فيكون الشذوذ في حذف الفاء، ورواية الكسر التى حكاها السيرافي في هذا البيت لا ترد هذا الاحتمال كما زعم البغدادي في شرح الشواهد (1) هذه لغة حكاها يونس، وحكى غيره في هذا اللفظ ثلاث لغات أخرى: إحداها كنصر، والثانية كضرب، والثالثة كعلم، وقد أشار المؤلف إلى الثانية (*)

[ 135 ]

أقول: اعلم أن القياس في مضارع فعل المكسور العين (1) فتحها، وجاءت أربعة أفعال من غير المثال الواوي، يجوز فيها الفتح والكسر، والفتح أقيس، وهى حسب يحسب، ونعم ينعم، ويئس ييئس، ويبس ييبس، وقد جاءت أفعال من المثال الواوى لم يرد في مضارعها الفتح، وهي ورث يرث، ووثيق يثق، وومق يمق، ووفق يفق، وورم يرم، وولى يلى، وجاء كلمتان روى في مضارعهما الفتح، وهما: ورى الزند يرى، ووبق يبق، وإنما بنوا هذه الافعال على الكسر ليحصل فيها علة حذف الواو فتسقط، فتخف الكلمة، وجاء وحر صدره من الغضب، ووغر بمعناه، يحر ويغر، ويوحر


(1) توضيح المقام وتفصيله أن القياس في مضارع فعل بالكسر يفعل (بالفتح)، لانهم أرادوا أن يخالف المضارع الماضي لفظا كما خالفه معنى، ولا تنحصر الالفاظ التي جاءت على القياس من هذا الباب في عدد معين، بل تستطيعان تجزم بأن كل فعل ثلاثي ماضيه بكسر العين لابد أن يكون مضارعه بفتح العين إلا أفعالا محصورة ستسمع حديثها قريبا، وما جاء بالكسر من هذا الباب فهو شاذ مخالف للقياس، وما جاء بالضم منه فهو متداخل، والذي جاء بالكسر ضربان: ضرب جاء فيه - مع الكسر الذي هو شاذ - الفتح الذي هو القياس، وضرب لم يجئ فيه إلا الكسر الذى هو شاذ، فأما الضرب الاول فأربعة عشر فعلا، خمسة منها من غير المثال الواوى: ذكر المؤلف منها أربعة، والخامس بئس (بالموحدة) يبئس ويبأس، وتسعة من المثال الواوى: ذكر المؤلف منها ثمانية والتاسع وهل يهل ويوهل، وأما الضرب الثاني فتسعة عشر فعلا، ستة عشر منها من المثال الواوي، ذكر المؤلف منها عشرة والباقي هو: وروى المخ يرى: أي سمن، ووجد يجد وجدا: أي أحب، ووعق عليه يعق: أي عجل، وورك يرك وروكا: أي اضطجع، ووكم يكم وكما: أي اعنتم، ووقه له يقه: أي سمع له وأطاع، والثلاثة الباقية من الاجوف الواوي، وهي من هذا الضرب على ما ذهب إليه الخليل، وقد ذكرها المؤلف كلها (وهى طاح وتاه وآن) وأما الضرب الثالث - وهو المضموم في المضارع - فقد ذكر المؤلف منه جملة صالحة (وهي فضل ونعم وحضر ودمت ومت ونكل وبحد) وقد سبق له ذكر ركن (*)

[ 136 ]

ويوغر أكثر، وجاء ورع يرع بالكسر على الاكثر، وجاء يورع، وجاء وسع يسع ووطئ يطأ، والاصل الكسر بدليل حذف الواو لكنهم ألزموهما بعد حذف الواو فتح عين المضارع، وقالوا: جاء وهمت أهم، والظاهر أن أهم مضارع وهمت - بفتح العين - ومضارع وهمت بالكسر أو هم بالفتح، ويجوز أن يكون وهمت أهم - بكسرهما - من التداخل، وجاء آن يئين من الاوان، وطاح يطيح، وتاه يتيه، كما ذكرنا، وجاء وله يله، ويوله أكثر، قالوا: وجاء وعم يعم، بمعنى نعم ينعم، ومنه عم صباحا، وقيل: هو من أنعم بحذف النون تشبيها بالواو، فقوله " أو كسرت إن كان مثالا " أي: مثالا واويا، وليس الكسر بمطرد في كل مثال واوى أيضا، فما كان ينبغي له هذا الاطلاق، بل ذلك محصور فيما ذكرناه. قوله " وطئ تقول في باب بقى يبقى " مضى شرحه قوله " وأما فضل يفضل ونعم ينعم فمن التداخل " المشهور فضل يفضل، كدخل يدخل، وحكى ابن السكيت فضل يفضل، كحذر يحذر، ففضل يفضل يكون مركبا منها، وكذا نعم ينعم مركب من نعم ينعم كحذر يحذر وهو المشهور، ونعم ينعم كظرف يظرف، وحكى أبو زيد حضر يحضر، والمشهور حضر بالفتح وجاء حرفان (1) من المعتل: دمت تدوم ومت تموت - بكسر الدال والميم في الماضي - والمشهور ضمهما كقلت تقول، وهما مركبان، إذ جاء دمت تدام ومت تمات، كخفت تخاف، قال: -


(1) زاد ابن القطاع على هذين الحرفين حرفين آخرين، وهما: كدت تكود وجدت تجود - بكسر أول الماضي فيهما - والاصل فيهما كاد يكود وجاد يجود - مثل قال يقول - وكان يكاد وجاد يجاد - مثل خاف يخاف - فأخذ المضارع من الاولى مع الماضي من الثانية (*)

[ 137 ]

17 - بنيتي سيدة البنات * عيشي ولا نأمن أن تماتى (1) وحكى أبو عبيدة نكل ينكل، وأنكره الاصمعي، والمشهور (2) نكل ينكل، كقتل يقتل، وحكى نجد ينجد (3): أي عرق، ونجد ينجد كحذر يحذر هو المشهور قال: " وإن كان على فعل ضمت "


(1) لم يتيسر لنا الوقوف على نسبة هذا البيت إلى قائل معين، وقد أنشده الجوهري في الصحاح، وابن جنى في الخصائص (ح‍ 1 ص 386) ولكنه رواه هكذا بنى يا سيدة البنات * عيشي ولا يؤمن أن تماتى وبنيتي في رواية المؤلف تصغير بنت أضيف الى ياء المتكلم، وهو منادى بحرف نداء محذوف، و " سيدة البنات " جعله بعضهم نعتا للمنادى، وأجاز فيه الرفع والنصب، ويجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان أو منادى بحرف نداء محذوف و " عيشي " فعل دعاء، و " تمانى " لغة في تموتين، فقد جاء هذا الفعل من باب نصر، كقال يقول، قال الله تعالى (قل موتوا بغيظكم) ومن باب علم، كخاف يخاف، وقد قرئ في قوله تعالى (ياليتني مت قبل هذا) وفي قوله تعالى (ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون) بضم الميم على أنه من اللغة الاولى، وبكسرها على أنه من اللغة الثانية، قال الصاغانى في العباب: " قد مات يموت، ويمات أيضا، وأكثر من يتكلم بهاطئ، وقد تكلم بها سائر العرب " اه‍ وحكى يونس في هذه الكلمة لغة أخرى كباع يبيع (2) في اللسان والقاموس أن هذا الفعل قد جاء كضرب، ونصر، وعلم، فالتركيب من ماضى الثالثة ومضارع الثانية، ولم يذكر التركيب الذى حكاه أبو عبيدة واحد منهما. (3) النجد - بفتحتين -: العرق من علم أو كرب أو غيرهما، قال النابغة الذبياني: يظل من خوفه الملاح معتصما * بالخيزرانة بعد الاين والنجد والفعل نجد ينجد - كعلم يعلم - ومقتضى التركيب أن يكون فيه لغة أصلية ثانية (*)

[ 138 ]

أقول: اعلم أن ضم عين مضارع فعل المضموم العين قياس لا ينكسر، إلا في كلمة واحدة، وهى كدت بالضم تكاد، وهو شاذ، والمشهور كدت تكاد خفت تخاف، فان كان كدت بالضم كقلت فهو شاذ (1) أيضا، لان فعل يفعل بفتحهما لابد أن يكون حلقى العين أو اللام قال: " وإن كان غير ذلك كسر ما قبل الاخر، ما لم يكن أول ماضيه تاء زائدة نحو تعلم وتجاهل فلا يغير، أو لم تكن اللام مكررة،


من باب نصر أو كرم بهذا المعنى، لكن الذى في اللسان والقاموس وكتاب الافعال لابن القوطية أنه قد أتى هذا الفعل بهذا المعنى من باب علم، كما تقدم، ومن باب عنى مبنيا للمجهول، ونص في اللسان على أن المضارع قد جاء كينصر، كما ذكر المؤلف ولم يذكر ما يصح أن يكون ماضيا له، وعلى هذا يكون هذا الفعل شاذا، ليس من باب التداخل. نعم قد جاء هذا الفعل من باب كرم بمعنى صار ذا نجدة، وجاء متعديا من باب نصر بمعنى أنجده وأعانه، ولكن واحدا من هذين البابين لا يتحقق به التداخل ما دام من شرطه اتحاد المعنى في البابيين اللذين تتركب منهما اللغة الثالثة (1) اعلم أن هذا الفعل قد جاء واويا ويائيا: أما الواوى فقد جاء من باب علم ومن باب نصر، مثل خفت تخاف، وقلت تقول، فتقول في الماضي المسند للضمير: كدت - بكسر الكاف - على الاول - وضمها - على الثاني، وأما اليائى فجاء من باب علم ليس غير، وجاء من باب باع بمعنى آخر، تقول: كاد الرجل الرجل يكيده كيدا: أي دبر له، ومنه قوله تعالى (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا)، وتقول: كادت المرأة تكيد كيدا، إذا حاضت، فأذا علمت هذا تبين لك أن قول العرب: كدت - بضم الكاف - تكاد من باب التداخل، وأن الماضي أخذ من باب نصر والمضارع أخذ من باب علم، كما أن قولهم: كدت - بكسر الكاف - تكود متداخل أيضا، ماضيه من باب علم ومضارعه من باب نصر، فاعتبار المؤلف تبعا لسيبويه كدت - بالضم - تكاد شاذ، سواءا كان من العرب كرم أو نصر، ليس بوجيه، بل هو من التداخل، لانه لا يعدل إلى القول بالشذوذ ما أمكن الحمل على وجه صحيح كما كرر المؤلف نفسه مرارا (*)

[ 139 ]

نحو احمر واحمار فيدعم، ومن ثم كان أصل مضارع أفعل يؤفعل إلا أنه رفض لما يلزم من توالى الهمزتين في المتكلم فخفف في الجميع، وقوله: 18 - * قوله أهل لان يؤ كرما * شاذ، والامر واسم الفاعل واسم المفعول وافعل التفضيل تقدمت "


(1) هذا بيت من الرجز المشطور أورده الجوهري في الصحاح، ونقله اللسان، ولم نقف على نسبته إلى قائل معين، ولا وقفنا له على سابق أو لاحق، والاستشهاد به في قوله يؤ كرم حيث أبقى الهمزة، فلم يحذفها كما هو القياس في استعمال أمثاله، ولم يخففها بقلبه واوا، وإن لم يكن ذلك القلب واجبا، لعدم الهمزتين. قال سيبويه (ح‍ 2 ص 330): " وزعم الخليل أنه كان القياس أن تثبت الهمزة في يفعل ويفعل (ويقصد المضارع المبنى للمعلوم والمبنى للمجهول) وأخواتهما، كما ثبتت التاء في تفعلت وتفاعلت في كل حال، ولكنهم حذفوا الهمزة في باب أفعل من هذا الموضع فاطرد الحذف فيه لان الهمزة تثقل عليهم كما وصفت لك، وكثر هذا في كلامهم فحذفوه. واجتمعوا على حذفه كما اجتمعوا على حذف كل وترى، وكان هذا أجدر أن يحذف حيث حذف ذلك الذي من نفس الحرف لانه زيادة لحقته زيادة فاجتمع فيه الزيادة وأنه يستثقل وأن له عوضا إذا ذهب، وقد جاء في الشعر حيث اصظر الشاعر، قال الراجز، وهو خطام المجاشعي: * وصاليات ككما يؤثفين * وإنما هو من أثفيت، وقالت ليلى الاخيلية: - * كراة غلام من كساء مؤرنب * انتهى كلامه بحروفه. وخطام بزنة كتاب، وما أنشده لليلى الاخيلية هو عجز بيت تصف فيه قطاة تدلت على فراخها وفراخها خص الرؤوس (أي: لا ريش عليها) وصدره: - * تدلت على حص الرؤوس كأنها * (*)

[ 140 ]

أقول: يعنى وإن كان الماضي غير الثلاثي المجرد كسر ما قبل الاخر، في غير ما أوله التاء، لانه يتغير أوله فيه، سواء كان رباعيا، أو ثلاثيا مزيدا فيه، أو رباعيا كذلك، نحو دحرج يدحرج، وانكسر ينكسر، واحرنجم يحر نجم، وإنما كسر ما قبل الاخر في غير ما في أوله التاء لانه يتغير أوله في المضارع عما كان عليه في الماضي: إما بسقوط همزة الوصل فيما كانت فيه، وإما بضم الاول، وذلك في الرباعي نحو يدحرج (ويدخل) ويقاتل ويقطع، والتغيير مجرئ على التغيير، وأما ما فيه تاء فلم يتغير أوله إلا بزيادة علامة المضارعة التي لا بد منها قوله " أو لم تكن اللام مكررة " كان أولى أن يقول: أو تكن اللام مدغمة، لان نحو يسحنكك مكر اللام ولم يدغم (1) قوله " ومن ثم " إشارة إلى قوله قبل: " المضارع بزيادة حرف المضارعة على الماضي " وقد مر في شرح الكافية (2) في باب المضارع ما يتعلق بهذا الموضع


(1) اسخكك الليل: أي اشتدت ظلمته، واسخكك الشعر فهو مسحنكك: أي اشتد سواده، وقول المؤلف: " كان أولى أن يقول أو تكن اللام مدغمة " ليس بأولى مما ذكره صاحب الاصل، بل العبارتان مشتملتان على قصور، فكما أن عبارة الاصل لا تشمل نحو اسحنكك بسحنكك وجلبب يجلبب واقعنسس يقعنسس، كذلك عبارته التى اختارها لا تشمل نحو عازه يعازه وماده الحبل يماده وشاقه في الامر يشاقه، فأن هذه الكلمات على زنة فاعل، وليس مكررة اللام واللام فيها مدغمة بل هي مدغم فيها، إلا أن يقال: إن عبارته من باب الحذف والايصال، وأصلها " أو تكن اللام مدغما فيها " فحذف حرف الجر وأوصل العامل الى الضمير فاستتر وهو بعيد، على أن استثناء مكرر اللام أو مدغمها ليس بوجيه، لان حركة ما قبل الاخر قبل الادغام هي الكسر، فالامر فيه جار على الاصل قبل الاستثناء، وتكون القاعدة أن المبدوء بالتاء الزائدة لا يكسر ما قبل آخره، وغيره يكسر ما قبل آخره تحقيقا كيستغفر أو تقديرا كيحمر إلا أن يكون نظرهم إلى ظاهر الامر من غير التفات إلى الاصل (2) قال المؤلف في شرح الكافية: " إنه قد يطرد في الاكثر الحكم الذي (*)

[ 141 ]

واعلم أن جميع العرب، إلا أهل الحجاز، يجوزون كسر حرف المضارعة سوى الياء في الثلاثي المبني للفاعل، إذا كان الماضي على فعل بكسر العين، فيقولون: أنا إعلم ونحن نعلم وأنت تعلم، وكذا في المثال والاجوف والناقص والمضاعف، نحو إيجل وإدخال وإشقى وإعض، والكسرة في همزة إخال وحده أكثر وأفصح من الفتح، وإنما كسرت حروف المضارعة تنبيها على كسر عين الماضي، ولم يكسر الفاء لهذا المعنى، لان أصله في المضارع السكون، ولم يكسر العين لئلا يلتبس يفعل المفتوح بيفعل المسكور، فلم يبق إلا كسر حروف المضارعة، ولم يكسر والياء استثقالا، إلا إذا كان الفاء واوا، نحو ييجل، لاستثقالهم الواو والتي بعد الياء المفتوحة وكرهوا قلب الواو ياء من غير كسرة قبلها، فأجازوا الكسر مع الواو في الياء أيضا لتخف الكلمة بانقلاب الواو ياء، فأما إذا لم يكسر والياء فبعض العرب يقلب الواو ياء، نحو ييجل، وبعضهم يقلبه ألفا لانه إذا كان القلب بلا علة ظاهرة فالى الالف التي هي الاخف أولى، فكسر الياء لينقلب الواو ياء، لغة جميع العرب إلا الحجازيين، وقلبها ياء بلا كسر الياء وقلبها ألفا لغة بعضهم في كل مثال واوي، وهي قليلة. وجيع العرب إلا أهل الحجاز اتفقوا على جواز كسر حرف المضارعة في أبي، ياء كان أو غيره، لان كسر أوله شاذ، إذ هو حق ما عين ماضيه مكسور، وأبي مفتوح العين، فجر أهم الشذوذ على شذوذ آخر وهو كسر الياء (1)، وأيضا فان


ثبتت علته في الاقل، كحذفهم الواو في تعدو أعد ونعد، لحذفهم لها في يعد، وكذا حذفوا الهمزة في يكرم ونكرم، لحذفهم لها في أكرم " (1) " أبى " مفتوح العين، فلم يكن يستحق أن يكسر حرف المضارعة في مضارعه. إلا أنهم شذوا فيه فكسروا حرف المضارعة الذي يجوز كسره في غيره وهو الالف والنون والتاء، ثم استمرءوا طعم الشذوذ فوق ذلك بكسر الياء من حروف المضارعة أيضا (*)

[ 142 ]

الهمزة الثقيلة يجوز انقلابها مع كسر ما قبلها ياء فيصير ييبي كييجل (1) وإنما ارتكبوا الشذوذ في جواز كسر أول تأبى ونأبى وآبى لان حق ماضيه الكسر لما كان المضارع مفتوح العين، فكأن عين ماضيه مكسور، ولا يمتنع أن يقال: إن أصل ماضيه كان كسر العين لكنه اتفق فيه جميع العرب على لغة طيئ في فتحه، ثم جوز كسر حروف المضارعة دلالة على أصل أبى وكذا كسروا حروف المضارعة مع الياء في حب فقالوا: إحب نحب يحب تحب، وذلك لان حب يحب كعز يعز شاذ قليل الاستعمال، والمشهور أحب يحب، وهو أيضا شاذ من حيث إن فعل إذا كان مضاعفا متعديا فمضارعه مضموم العين، ويحب مكسور العين، ففيه شذوذان، والشذوذ يجرئ على الشذوذ، فكسروا أوائل مضارعه ياء كان أو غيره وإن لم يكن ماضيه فعل، وقال غير سيبويه: إن إحب ونحب ويحب وتحب بكسر حروف المضارعة مضارعات أحب، وشذوذه لكسر المضموم، كما قالوا في المغيرة المغيرة، وكذا المصحف (2) والمطرف (3) في المصحف والمطرف


(4) حاصل هذا أنهم إنما كسروا ياء المضارعة في يأبى، ليتسنى لهم تحفيف الهمزة بقلبها ياء، لسكونها إثر كسرة فيصير ييبى، وهو أخف من يئبى، لان حرف العلة أخف من غيره، ونقول: لو أن ذلك الذي ذكره المؤلف من غرضهم لكان بقاء الياء مفتوحة أولى من كسرها، وذلك لانهم لو أبقوها مفتوحة لامكنهم أن يقلبو الهمزة ألفا، لسكونها إثر فتحة، فيصير يأبى، والالف أخف حروف العلة (2) قال في اللسان: " المصحف بضم فسكون ففتح - والمصحف - كمنبر: الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين، كأنه أصحف: أي جعل جامعا للصحف المكتوبة بين الدفتين، والفتح فيه لغة، قال أبو عبيد: تميم تكسرها وقيس تضمنها، ولم يذكر من يفتحها ولا أنها تفتح، إنما ذلك عن اللحياني عن الكسائي... استثقلت العرب الضمة في حروف فكسرت الميم وأصلها الضم فمن ضم جاء به على أصله ومن كسر فلاستثقاله الضمة اه‍ " (3) قال في اللسان: " المطروف والمطرف - بكسر الميم وضمها مع سكون (*)

[ 143 ]

وكسر (وا) أيضا غير الياء من حروف المضارعة فيما أوله همزة الوصل مكسورة، نحو أنت تستغفر وتحرنجم، تنبيها على كون الماضي مكسور الاول، وهو همزة ثم شبهوا ما في أوله تاء زائدة من ذوات الزوائد، نحو تكلم وتغافا وتدحرج بباب انفعل، لكون ذي التاء مطاوعا في الاغلب كما أن انفعل كذلك، فتفعل وتفاعل وتفعلل مطاوع فعل وفاعل وفعلل، فكسروا غير الياء من حروف مضارعاتها، فكل ما أول ماضيه همزة وصل مكسورة أو تاء زائدة يجوز فيه ذلك. وإنما لم يضموا حرف المضارعة فيما ماضيه فعل مضموم العين منبهين به على ضمة عين الماضي لاستثقال الضمتين لو قالوا مثلا: تظرف قوله " من توالى همزتين " إنما حذفت ثانية همزتي نحو أو كرم مع أن قياسها أن تقلب واوا كما في أويدم على ما يجئ في باب تخفيف الهمزة لكثرة استعمال مضارع باب الافعال فاعتمدوا التخفيف البليغ، وإن كان على خلاف القياس قال: " الصفة المشبهة من نجو فرح على فرح غالبا، وقد جاء معه الضم في بعضها، نحو ندس وحذر وعجل، وجاءت على سليم وشكس وحر وصفر وغيور، ومن الالوان والعيوب والحلى على أفعل " أقول: اعلم (1) أن قياس نعتما ماضيه على فعل - بالكسر - من الادواء الباطنة كالوجع واللوى (2) وما يناسب الادواء من العيوب الباطنة كالنكد


الطاء وفتح الراء فيهما - واحد المطارف، وهي أردية من خز مربعة لها أعلام، وقيل: ثوب من خز مربع له أعلام: قال الفراء: المطرف من الثياب: ما جعل في طرفيه علمان، والاصل مطرف بالضم فكسر والميم، ليكون أخف كما قالوا مغزل - كمنبر - وأصله مغزل - بالضم - من أغزل. أي أدير... وفي الحديث أريت على أبى هريرة رضى الله عنه مطرف خز، هو بكسر الميم وفتحها وضمها: الثوب الذي في طرفيه علمان: والميم زائدة " اه‍ (1) شرحنا بعض أمثلة هذا الفصل فيما مضى (من ص 71 - ص 73) وسنتكلم على ما لم يذكر هناك (2) اللوى: وجع في المعدة (*)

[ 144 ]

والعسر والحز، ونحو ذلك من الهيجانات والخفة غير حراره الباطن والامتلاء كالارج والبطر والاشر والجذل والفرح والقلق (1) والسلس أن يكون على فعل وقياس ما كان من الامتلاء كالسكر والري والغرث (2) والشبع، ومن حرارة الباطن كالعطش والجوع والغضب واللهف والثكل (3) - أن يكون على فعلان وما كان من العيوب الظاهرة كالعور والعمى، ومن الحلى كالسواد والبياض والزبب والرسح والجرد والهضم (4) والصلع - أن يكون على أفعل، ومؤنثه فعلاء، وجمعهما فعل


(1) الارج: توهيج ريح الطيب. والاشر: المرح والبطر، وقد جاء الوصف منه بفتح الهمزة وكسر الشين أو ضمها أو سكونها أو فتحها، وجاء أشران أيضا، والجذل: الفرح، وقد جاء الوصف كغضبان أيضا، وقد جاء في الشعر جاذل والقلق: الانزعاج، ويقال: رجل قلق ومقوق وامرأة قلقة ومقلاقة. والسلس ومثله السلاسة والسلوس كخروج: اللين والسهولة والانقياد (2) الغرث - بالغين المعجمة والراء المهملة - أيسر الجوع، وقيل: أشده، وقيل: الجوع مطلقا، والرجل غرث وغرثان والانثى غرثى وغرثانة (3) اللهف: الاسى والحزن والغيظ، ويقال: هو الاسف على شئ يفوتك بعد أن تشرف عليه، والوصف لهف ولهيف ولهفان. والثكل - بفتحتين: فقدان الحبيب، ويقال: هو فقدان الرجل والمرأة ولدهما. ويقال: هو فقدان المرأة زوجها، ويقال هو فقدان المرأة ولدها، والرجل ثاكل وثكلان والمرأة ثكلى وثكول وثاكل (4) الزبب: كثرة شعر الذراعين والحاجبين والعينين، وقيل: هو كثرة الشعر وطوله، والوصف منه أزب وزباء، والجرد: قصر الشعر، وهو عيب في الدواب، وهو ورم في مؤخر عرقوب الفرس يعظم حتى يمنعه المشى، والذكر (*)

[ 145 ]

فمن ثم قيل في عمى القلب عم لكونه باطنا، وفي عمى العين أعمى، وقيل: الاقطع والاجذم، بناء على قط وجذم (1) وإن لم يستعملا، بل المستعمل قطع وجذم - على ما لم يسم فاعله - والقياس مقطوع ومجذوم وقد يدخل أفعل على فعل قالوا في وجر - أي خاف - وهو من العيوب الباطنة، فالقياس فعل: وجر وأوجر، ومثله حمق وأحمق، وكذا يدخل فعل على أفعل في العيوب الظاهرة والحلى، نحو شعث وأشعث، وحدب وأحدب (2) وكدر وأكدر، وقعس وأقعس (3) وكذا


أجرد، والانثى جرداء، وقالوا: مكان جرد - كسبط - وأجرد، وجرد - كفرح، وأرض جرداء وجردة - كفرحة، إذا كانت لا نبات بها، والهضم: خمص البطن ولطف الكشح، وهو أهضم، وهي هضماء وهضيم، ويقال: بطن هضيم ومهضوم وأهضم (1) حكى صاحبا القاموس واللسان: قطعت يده قطعا - كفرح فرحا - وقطعة بفتح فسكون، إذا انقطعت بداء عرض لها، وحكيا أيضا: قطع - كفرح وكرم - قطاعة - كجزالة - إذا لم يقدر على الكلام أو ذهبت سلاطة لسانه، ومثل ذلك كله في كتاب الافعال لابن القوطية، فان كان الاقطع وصفا بأحد هذه المعاني فلا محل لانكار المؤلف مجئ المبنى للفاعل من هذا الفعل، وإن كان الاقطع وصفا بمعنى الذي قطعت يده بفعل فاعل، لا بمرض عرض لها، فكلامه مستقيم. وحكى من ذكرنا أيضا: جذمت يده - كفرح - إذا قطعت، وجذمتها - كضرب - فهو أجذم، فان كان الاجذم في كلام المؤلف وصفا بهذا المعنى فلا محل لانكاره، وإن كان مراده بالاجذم المصاب بالجذام فمسلم، لانه لم يستعمل منه إلا جذم مبنيا للمجهول (2) في اللسان: الحدب: خروج الظهر ودخول البطن والصدر، تقول: رجل أحدب وحدب، والاخيرة عن سيبويه (3) القعس: دخول الظهر وخروج البطن والصدر. ويقال: الرجل أقعس (*)

[ 146 ]

يدخل أيضا فعل على فعلان في الامتلاء وحرارة الباطن، كصد (1) وصديان وعطش وعطشان ويدخل أيضا أفعل على فعلان في المعنى المذكور، كأهى وهيمان، وأشيم (2) وشيمان وقد ينوب (3) فعلان على فعل، كغضبان، والقياس غضب، إذا الغضب هيحان:


وقعس، كقولهم: أجرب وجرب، وأنكد ونكد، قال في اللسان: وهذا الضرب يعتقب عليه هذان المثالان كثيرا (1) الصدى: شدة العطش، وقيل: هو العطش ما كان، تقول: صدى يصدى - مثل رضى يرضى - فهو صد وصاد وصدى - كطل وصديان، والانثى صديا (2) تقول: هيم البعير يهيم - كعلم يعلم - هياما - بضم الهاء وكسرها - إذا أصابه داء كالحمى يسخن عليه جلده فيشتد عطشه، وهو هيمان ومهيوم وأهيم، والانثى هيمى ومهيومة وهيماء، وأما الهيام بمعنى شدة العشق والافتتان بالنساء ففعله هام يهيم - كباع يبيع - ويقال في المصدر: هيما وهيوما وهياما - بالكسر - وهميانا - بفتحات - والرجل هاثم وهيماز وهيوم، والانثى هاثمة وهيمى. وتقول: شيم الفرس يشيم شما - كفرح يفرح فرحا - فهو أشيم، إذا الفت لونه بقعة من لون غيره، وقد راجعنا اللسان والقاموس والمخصص والافعال لابن لقوطية وكتاب سيبويه والمصباح ومختار الصحاح فلم بحد واحدا من هؤلاء ذكر أنه يقال فيه شمان أيضا (3) ظاهره أنه لم يجئ الوصف من غضب إلا غضبان، إذ جعله من باب النيابة لا من باب الدخول، وليس كذلك، بل حكى له صاحب القاموس وغيره ثمانية أوصاف: غضب - كفرح - وغضوب - كصبور - وغضب - كعتل - وغضبة - بزيادة التاء - وغضبة - بفتح الغين والضاد مضمومة أو مفتوحة والباء مضددة وغضبان - وغضب - كعضد - (*)

[ 147 ]

وإنما كان كذلك، لان الغضب يلزمه في الاغلب حرارة البطن، وقالوا: عجل وعجلان، فعجل باعتبار الطيش والخفة وعجلان باعتبار حرارة الباطن والمقصود أن الثلاثة المذكورة إذا تقاربت فقد تشترك وقد تتناوب وقالوا: قدح (1) قربان إذا قارب الامتلاء، ونصفان إذا امتلا إلى النصف، وإن لم يستعمل قرب ونصف، بل قارب وناصف، حملا على المعنى: أي امتلا. ويجئ فعيل فيما حقه فعل، كسقيم ومريض، وحمل سليم على مريض. والقياس سالم ومجئ فعيل في المضاعف والمنقوص اليائى أكثر كالطبي واللبيب والخسيس والتقى والشقى، وقد جاء فاعل في معنى الصفة المشبهة - أي: مطلق الاتصاف (2) بالمشتق


(1) أخذ المؤلف هذه العبارة عن سيبويه قال: " وقالوا: قدح نصفان وجمجمة نصفي، وقدح قربان وجمجمة قربي، إذا قارب الامتلاء، جعلوا بمنزلة الملان، لان ذلك معناه معنى الامتلاء، لان النصف قد امتلا، والقربان ممتلئ أيضا إلى حيث بلغ، ولم نسمعهم قالوا: قرب ولا نصف، اكتفوا بقارب وناصف، ولكنهم جاءوا به كأنهم يقولون قرب ونصف، كما قالوا: مذاكير، ولم يقولوا: مذكير ولا مذكار " اه‍، والجمجمة: القدح أيضا (2) هذا رأى للمؤلف خالف به المتقدمين من فطاحل العلماء، فان مذهبهم أن الصفة المشبهة موضوعة للدلالة على استمرار الحدث لصاحبه في جميع الازمنة، وقد أوضح هذه المخالفة في شرح الكافية فقال: (ج‍ 2 ص 191): " والذي أرى أن الصفة المشبهة كما أنها ليست موضوعة للحدوث في زمان ليست أيضا موضوعة للاستمرار في جميع الازمنة، لان الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة، ولا دليل فيها عليهما، فليس معنى حسن في الوضع الا ذو حسن، سواء كان في بعض الازمنة (*)

[ 148 ]

منه من غير معنى الحدوث - في هذا الباب وفي غيره، وإن كان أصل فاعل الحدوث، وذلك كخاشن وساخط وجائع ويعنى بالحلى الخلق الظاهرة كالزبب والغمم (1) فيعم الالوان والعيوب قال: " ومن نحو كرم على كريم غالبا، وجاءت على خشن وحسن وصعب وصلب وجبان وشجاع ووقور وجنب " أقول: الغالب في باب فعل فعيل، ويجئ فعال - بضم الفاء وتخفيف العين - مبالغة فعيل في هذا الباب كثيرا، لكنه غير مطرد، نحو طويل وطوال، وشجيع وشجاع، ويقل في غير هذا الباب كعجيب وعجاب، فان شددت العين كا أبلغ كطوال، ويجئ على فعل كخشن، وعلى أفعل كأخشن وخشناء وعلى فاعل كعاقر قال: " وهي من فعل قليلة وقد جاء نحو حريص وأشيب وضيق وتجئ من الجميع بمعنى الجوع والعطش وضدهما على فعلان نحو جوعان وشبعان وعطشان وريان " أقول: إنما يكثر الصفة المشبهة في فعل لانه غلب في الادواء الباطنة والعيوب الظاهرة والحلى، والثلاثة لازمة في الاغلب لصاحبها، والصفة المشبهة كما مر في شرح


أو جميع الازمنة، ولا دليل في اللفظ على أحد القيدين، فهو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو الاتصاف بالحسن، لكن لما أطلق ذلك ولم يكن بعض الازمنة أولى من بعض ولم يجز نفيه في جميع الازمنة، لانك حكمت بثبوته فلابد من وقوعه في زمان، كان الظاهر ثبوته في جميع الازمنة إلى أن تقوم قرينة على تخصصه ببعضها، كما تقول: كان هذا حسنا فقبح أو سيصير حسنا، أو هو الان حسن فقط فظهوره في الاستمرار ليس وضعيا " اه‍ (1) الغمم: أن يكثر الشعر في الوجه والقفا حتى يضيقا، يقال: رجل أغم وجبهة غماء، قال هدية بن الخشرم: فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

[ 149 ]

الكافية لازمة، وظاهرها الاستمرار، وكذا فعل للغرائز، وهي غير متعدية ومستمرة، وأما فعل فليس الاغلب فيه الفعل اللازم، وما جاء منه لازما أيضا ليس بمستمر، كالدخول والخروج، والقيام والقعود، وأشيب نادر، وكذا أميل من مال يميل، وحكى غير سيبويه (1) ميل يميل كجيد يجيد فهو أجيد (2)، وفيعل لا يكون إلا في الاجوف، كالسيد والميت والجيد والبين، وفيعل - بفتح العين - لا يكون إلا في الصحيح العين، اسما كان أو صفة، كالشيلم والغيلم والنيرب والصيرف (3) وقد جاء حرف واحد في المعتل بالفتح، قال:


(1) حكى ابن القطاع ميل ميلا - كفرح فرحا - إذا اعوج خلقة، أو إذا لم يستقر على ظهر الدابة، أو إذا لم يكن معه سيف، وحكى مال عن الطريق والحق يميل ميلا، إذا عدل، وحكى مال يمال مالا، إذا كثر ماله، ورجل مال وامرأة مالة، وصف بالمصدر، أو هو صفة مشبهة كفرح، أو مخفف مائل، أو مقلوبة على نحو ما سبق بيانه (ص 21 ه‍ 4) وحكى أبو زيد أنه يقال: ميل الحائط يميل - كعلم يعلم - ومال يميل - كباع يبيع - فالحائط ميلاء، والجدار أميل (2) الجيد - بفتحتين - طول العنق وحسنه، وقيل: دقته مع طول، والفعل جيد يجيد - كعلم يعلم - ويقال: عنق أجيد وامرأة جيداء، ولا يتعت به الرجل (3) الشيلم، ومثله الشولم والشالم، هو حب صغار مستطيل أحمد كأنه في خلقة سوس الحنطة، وهو مر شديد المرارة، والغيلم: الجارية المغتلمة، ومنع الماء في الابار، والضفدع، والسلحفاة الذكر، والشاب العريض المفرق الكثير الشعر، والنيرب: الشر والنميمة، قال الشاعر (عدى بن خزاعي): - ولست بذي نيرب في الكلام * ومناع قومي وسبابها والصيرف: النقاد، وهو الذي يبيع الفضة بالذهب، وهو المحتال المجرب، فالكلمة الاولى اسم ليس غير وكذا الثالثة، والثانية اسم أو وصف، والرابعة وصف (*)

[ 150 ]

19 - * ما بال عيني كالشعيب العين (1) *


(1) هذا بيت من الرجز المشطور، ليس هو أول أرجوزة لرؤبة بن العجاج كما قال البغدادي في شرح الشواهد، بل هو البيت الخامس عشر، وبعده: وبعض أعراض الشجون الشجن * دار كرقم الكاتب المرقن بين نقا الملقى وبين الاجؤن * يا دار عفراء ودار البخدن بك المهى من مطفل ومشدن والشعيب - بفتح أوله - المزادة الصغيرة. والعين: التي فيها عيون وثقوب فهي تسيل، وهم يشبهون خروج الدمع مع العين بخروج الماء من خرز المزادة، والشجون: جمع شجن، وهو الحزن. والشجن: جمع شاجن مثل راكع وركع والشاجن: اسم فاعل من شجنه يشجنه، إذا حزنه، وبابه نصر. ورقم الكاتب: مرقومه، والمرقن: صفة للكاتب، وهو الذي ينقط الكتاب. وقوله: دار خبر قوله وبعض أعراض. والنقا: الكثيب من الرمل، والملقى والاجؤن: مكانان. والبخدن: المرأة الرخصة الناعمة التارة، هذا أصله، وقد سموا به امرأة، وهو كزبرج وجعفر. والمطفل: ذات الطفل. والمشدن: ذات الشادن وهو ولد الظبية، والشاهد في البيت كما قال الاعلم مجئ عين على فيعل بالفتح، وهو شاذ في المعتل، لم يسمع إلا في هذه الكلمة، وكان قياسها أن تكسر العين مثل سيد وهين ولين وقيل ونحو هذا، وهذا بناء يختص به المعتل ولا يكون في الصحيح. ونقول: وقد جاء هذا اللفظ على القياس بكسر العين كما حكاه في اللسان، وفي شرح أدب الكاتب، وهذا الذي ذكروه من أن سيدا ونحوه على زنة فيعل بكسر العين هو مذهب سيبويه، وهو أحد ثلاثة مذاهب، وثانيها وهو مذهب جماعة أن أصله فيعل بفتح العين فكسرت العين شذوذا كما كسروا الباء من البصري، وثالثها وهو مذهب الفراء أن أصله على زنة فعيل مثل طويل، فقدمت الياء إلى موضع العين، وبقيت كل واحدة على حالها من الحركة والسكون، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وهذا عنده قياس مطرد في كل ما جاء على فعيل صفة مشهة من الاجوف، وسيأتي تفصيل هذه المذاهب في باب الاعلال (*)

[ 151 ]

وهو ما فيه عيب وخرق من الاسقية، وقد يخفف نحو سيد بحذف (1) الثاني وذلك مطرد الجواز، كما يجئ في باب الاعلال قوله " وتجئ من الجميع " أي: من فعل، وإنما قال هذا ليدخل فيه نحو جاع يجوع وناع ينوع (2)، وما يجئ من غير باب فعل - بكسر العين - بمعنى الجوع والعطش قليل، وهو محمول على باب فعل، كما حمل ملان وقربان عليه، على ما مر قال: " المصدر: أبنية الثلاثي المجرد منه كثيرة، نحو قتل وفسق وشغل ورحمة ونشدة وكدرة ودعوى وذكرى وبشرى وليان وحرمان وغفران ونزوان وطلب وخنق وصغر وهدى وغلبة وسرقة وذهاب وصراف وسؤال وزهادة ودراية وبغاية ودخول ووجيف وقبول وصهوبة ومدخل ومرجع ومسعاة ومحمدة وكراهية الا أن الغالب في فعل اللازم نحو ركع، على ركوع، وفي المتعدى، على ضرب، وفي الصنائع ونحوها نحو كتب على كتابة، وفي الاضطراب نحو خفق، على خفقان، وفي الاصوات نحو صرخ، على صراخ، وقال الفراء: إذا جاءك فعل مما لم يسمع مصدره


(1) من ذلك تخفيفهم قيلا، بدليل جمعه على أقيال، ومن ذلك قول الشاعر في تخفيف هين ولين: - * هينون لينون أيسار ذوو كرم * (2) ناع: هو إتباع لجاع يجوع، تقول: رماك الله بالجوع والنوع، ويقال: هو العطش. قال في اللسان: " وهو أشبه، لقولهم في الدعاء على الانسان: جوعا ونوعا، ولو كان الجوع نوعا لم يحسن تكريره، وقيل: إذا اختلف اللفظان جاز التكرير، قال ابن برى: والصحيح أن هذا ليس إتباعا، لان الاتباع لا يكون بحرف العطف " اه‍ ملخصا (*)

[ 152 ]

فاجعله فعلا للحجاز وفعولا لنجد، ونحو هدى وقرى مختص بالمنقوص، ونحو طلب مختص ينفعل، إلا جلب الجرح والغلب " أقول قوله " ورحمة ونشدة " ليس الاول للمرة ولا الثاني للهيئة وإن وافقتا في الوزن ما يصاغ لهما والتى ذكرها المصنف من أوزان مصادر الثلاثي هي الكثيرة الغالبة، وقد جاء غير ذلك أيضا كالفعلل نحو السودد، والفعلوت نحو الجبروت (1) والتفعل نحو التدرا (2) والفيعلولة كالكينونة، وأصلها (3) كينونة، والفعلولة كالشيخوخة


(1) الجبروت: الكبر والقهر، وقد جاء هذا اللفظ على أوزان كثيرة (2) التدرأ - بضم التاء وسكون الدال بعدها راء مهملة مفتوحة - هو الدر والدفع، قال العباس بن مرداس السلمي: - وقد كنت في الحرب ذا تدرإ * فلم أعط شيئا ولم أمنع قال ابن الاثير: " ذوتدرإ: أي ذو هجوم، لا يتوقى ولا يهاب، ففيه قوة على دفع أعدائه " اه‍ (3) الكينونة: مصدر كان يكون كونا وكينونة، قال الفراء: العرب تقول في ذوات ؟ ؟ ؟ مما يشبه زغت وسرت طرت طيرورة وحدت حيدودة فيما لا يحصى من هذا الضرب، فأما ذوات الواو مثل قلت ورضت فانهم لا يقولون ذلك، وقد أتى عنهم في أربعة أحرف منها: الكينونة من كنت، والديمومة من دمت، والهيعوعة من الهواع، والسيدودة من سدت، وكان ينبغى أن يكون كونونة، ولكنها لما قلت من مصادر الواو وكثرت في مصادر الياء ألحقوها بالذى هو أكثر مجيئا منها إذ كانت الواو والياء متقاربي المخرج، قال: وكان الخليل يقول: كينونة فيعولة هي في الاصل كيونونة التقت منها ياء وواو والاولى منهما ساكنة، فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهين من هنت، ثم خففوها، فقالوا: كينونة كما قالوا هين لين، قال الفراء: وقد ذهب مذهبا، إلا أن القول عندي هو الاول، وسيأتي لنا في هذا الموضوع مزيد بحث في باب الاعلال إن شاء الله (*)

[ 153 ]

والصيرورة والفعلنية (1) كالبلهنية، والفعيلة كالشبيبة والفضيحة، والفاعولة كالضارورة بمعنى الضرر، والتفعلة كالتهلكة، والمفاعلة كالمسائية، وأصلها (2) مساوئة فقلب، والفعلة والفعلى كالغلبة والغلبى (3) وغير ذلك قوله " الغالب في فعل اللازم على فعول " ليس على إطلاقه، بل إذا لم يكن للمعانى التي نذكرها بعد من الاصوات والادواء والاضطراب، فالاولى بنا أولا أن لا نعين الابواب من فعل وفعل، ولا المعتدى واللازم، بل نقول: الغالب في الحرف وشبهها من أي باب كانت الفعالة بالكسر، كالصياغة، والحياكة، والخياطة، والتجارة، والامارة وفتحوا الاول جوازا في بعض ذلك، كالوكالة والدلالة والولاية والغالب في الشراد والهياج وشبهه الفعال كالفرار (4) والشماس والنكاح،


(1) الرخاء وسعة العيش (2) المسائية: أحد مصادر ساءه يسوءه، إذا فعل به ما يكره. قال في اللسان: " قال سيبويه: سألت الخليل عن سوائية فقال: هي فعالية بمنزلة علانية، والذين قالوا: سواية، حذفوا همزة هار ولاث كما اجتمع أكثرهم على حذف همزة ملك وأصله ملاك، وسألته عن مسائية فقال: هي مقلوبة، وإنما حدها مساوئه، فكرهوا الواو مع الهمزة لانهما حرفان مستثقلان، والذين قالوا: مساية حذفوا الهمزة تخفيفا " اه‍ ومنه تعلم أن وزن المؤلف مسائية فاعلة ؟ ؟ ؟ إنما هو بالنظر إلى الاصل قبل القلب، وأما وزنها الان فمفالعة، وإنما قلبت الواو ياء لتطرفها حكما بعد كسرة (3) الغلبة والغلبى - بضم الغين واللام فيهما - مصدران من مصادر غلب، وقد ورد من الاول قول الشاعر، وهو المرار: أخذت بنجد ما أخذت غلبة * وبالغور لى عز أشم طويل ولم نقف للثاني على شاهد، ولكنه حكان في اللسان. (4) الفرار: الروغان والهرب، ومنه قوله تعالى: (لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) (*)

[ 154 ]

والضراب (1)، والوداق (2)، والطماح، والحران شبه الشماس (3) والشراد والجماح والجامع امتناعه مما يراد منه ويجئ فعال بالكسر في الاصوات أيضا لكن أقل من مجئ فعال بالضم وفعيل فيها، وذلك كالزمار والعرار (4) والفعال قياس من غير المصادر في وقت حينونة الحدث، كالقطاف والصرام والجداد والحصاد (5) والرفاع، ويشاركه فعال بالفتح والفعال بالكسر غالب في السمات أيضا كالعلاط والعراض (6) لوسم على العنق، والجناب على الجنب، والكشاح على الكشح والغالب في مصدر الادواء من غير باب فعل المكسور العين الفعال، كالسعال


(1) الضراب: مصدر ضرب الفحل الناقة، إذا نزا عليها (2) الوداق: مصدر ودقت الدابة (إذا كانت من ذوات الحافر): أي اشتهت الفحل، وحمى ابن القوطية والمجد الوداق - بفتح الواو - وحكى ابن القوطية الفعل كوعد وكوثق، وحكى المجد تثليث عينه. والطماح: مصدر طمحت المرأة تطمح من باب فتح - إذا نشزت وجمحت. والحران: مصدر حرنت الدابة، إذا وقفت عند استدرار جريها (3) التماس: مصدر شمست الدابة والفرس - كسمع وكنصر، وفيه لغة ثالثة كفضل يفضل، من باب التداخل - إذا شردت وجمحت ومنعت ظهرها. (4) الزمار: صوت النعام، وفعله كضرب. والعرار: مصدر عن الظليم يعر - من باب ضرب - إذا صاح، ويقال أيضا: عار معارة وعرارا (5) القطاف - ككتاب وكسحاب - وقت قطف العنب ونحوه. والصرام - كسحاب وككتاب - أو ان إدراك النخل. والجداد - ككتاب وكسحاب - أوان قطع ثمر النخل. والحصاد - كسحاب وككتاب - أوان حصد الزرع. والرفاع كسحاب وككتاب - أوان حمل الزرع بعد الحصاد إلى البيدر (6) العلاط: سمة في عرض عنق البعير، وربما كان خطا أو خطين أو خطوطا في كل جانب. والعراض: سمة في عرض فخذ البعير، ومنه تعرف ما في تفسير المؤلف من التساهل (*)

[ 155 ]

والدوار، والعطاس، والصداع، ويشاركه في لفظ لسواف فعال بالفتح (1)، لاستثقال الضم قبل الواو. والغالب في الاصوات أيضا الفعال بالضم، كالصراخ والبغام والعواء (2) ويشاركه في الغواث فعال (3) بالفتح، ويأتي فيها كثيرا فعيل أيضا، كالضجيج والنئيم والنهيب (4) وقد يشتركان، كالنهيق والنهاق، والنبيح (5) والنباح، ويجئ فعال من غير المصادر بمعنى المفعول، كالدقاق، والحطام، والفتات، والرفات (6) والفعالة للشئ القليل المفصول من الشئ الكثير، كالقلامة، والقراضة، والنقاوة، والنفاية (7)


(1) قال في القاموس: والسواف بالضم مرض الابل ويفتح، وساف المال يسوف ويساف هلك أو وقع فيه السواف (2) البغام ومثله البغوم - بضم الباء فيهما - مصدر بغمت الظبية - من باب منع ونصر وضرب، فهي بغوم، إذا صاحت إلى ولدها بأرخم ما يكون من صوتها، وتقول: بغمت الناقة، إذا قطعت الحنين ولم تمد، وتقول: بغم الثيتل والايل والوعل إذا صوت. والعواء: مصدر عوى الكلب والذئب يعوى، إذا لوى خطمه ثم صوت أو إذا مد صوته (3) قال في القاموس: الغواث - بالضم، وفتحه شاذ، وهو صوت المستغيث، إذا صاح " واغوثاه " (4) النئيم: الانين، أو هو صوت خفى، والنئيم أيضا: صوت الاسد والقوس والظبي، والفعل كضرب ومنع. والنهيت ومثله النهات: الزئير والزحير، والنهات: الاسد، ومثله المنهت - بضم الميم وفتح النون وتشديد الهاء مكسورة - والفعل كضرب (5) النهيق والنهاق: صوت الحمار، والفعل كضرب وكسمع وكنصر، والنبيح والنباح ومثلهما النبح والنباح: صوت الكلب والظبي والتيس والحية، والفعل كمنع وكضرب (6) الدقاق كغراب: فتات كل شئ. والحطام: ما تكسر من اليبيس. والفتات: ما تفتت. والرفات: الحطام، وكصرد: التبن. (7) القلامة: ما سقط من الظفر. والقراضة: ما سقط بالقرض، ومنه (*)

[ 156 ]

والقياس المطرد في مصدر التنقف والتقلب الفعلان، كالنزوان، والنقزان، والعسلان والرتكان (1)، وربما جاء فيه الفعال، كالنزاء والقماص (2)، والشنأن شاذ، لانه ليس باضطراب. والاغلب في الالوان الفعلة، كالشهبة والكدرة (3)، وفي الادواء من باب فعل المكسور العين الفعل، كالورم، والمرض والوجع. وبعض الاوزان المذكورة ليس بمصدر. ثم نقول: الاغلب الاكثر في غير المعاني المذكورة أن يكون المتعدى على فعل من أي باب كان، نحو قتل قتلا، وضرب ضربا، وحمد حمدا، وفعل اللازم فعول، نحو دخل دخولا وأما فعل اللازم ففعل بالفتح، كترب (4) تربا، وفعل - وهو لازم لا غير - فعالة في الاغلب، نحو كرم كرامة، كما يجئ


قراضة الذهب. والنقاوة: الذي في القاموس أن النقاوة والنقاية - بضم أولهما، خيار الشئ، والنقاية والنقاة - بضم أولهما وفتحه - ردئ الشئ وما ألقى منه، وليس فيه النقاوة بالمعنى الاخير. والنفاية - بضم أوله وفتحه - ومثله النفاة كالحصاة والنفوة - بفتح فسكون والنفاء والنفاوة - بالضم - وهو رديئه وبقيته (1) النزوان: الوثبان، ولا يقال إلا للشاء والدواب والبقر في معنى السفاد، والنقزان، ومثله النقز: هو الوثبان صعدا في مكان واحد، قد غلب على الطائر المعتاد الوثب كالغراب والعصفور. والعسلان: أن يسرع الذئب والثعلب ويضطرب في عدوه ويهز رأسه. والرتكان: مقاربة البعير خطوة في زملائه، ولا يقال إلا للبعير (2) القماص: مصدر قمص الفرس وغيره من باب ضرب ونصر، وهو بضم القاف وكسرها، أو إذا صار عادة له فبالضم، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجن برجليه اه‍ من القاموس (3) انظر (ص 72 ه‍ 3) (4) ترب الرجل - كفرح: لصق بالتراب من الفقر (*)

[ 157 ]

قوله " قال الفراء: إذا جاءك فعل مما لم يسمع مصدره " يعنى قياس أهل نجد أن يقولوا في مصدر ما لم يسمع مصدره من فعل المفتوح العين: فعول، متعديا كان أو لازما، وقياس الحجازيين فيه فعل، متعديا كان أولا، هذا قوله، والمشهور ما قدمنا، وهو أن مصدر المتعدى فعل مطلقا، إذا لم يسمع، وأما مصدر اللازم ففعول من فعل المفتوح العين وفعل من فعل المكسور وفعاله من فعل، لانه الاغلب في السماع فيرد غير المسموع إلى الغالب قوله " ونحو هدى وقرى " قالوا: ليس في المصادر ما هو على فعل إلا الهدى والسرى، ولندرته في المصدر يؤنثهما بنو أسد على توهم أنهما جمع هدية وسرية، وإن لم تسمعا، لكثرة فعل في جمع فعلة، وأما تقى فقال الزجاج: هو فعل والتاء بدل من الواو كما في تقوى، وقال المبرد: وزنة تعل والفاء محذوف كما يحذف في الفعل، فيقال في اتقى يتقى: تقى يتقى (1) على ما يجئ في آخر


(1) اعلم أنهم قالوا: اتقى يتقى كثيرا، ومنه قوله تعالى: (يا أيها النبي تق الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وهو افتعل من الوقاية، وأصله أو تقى قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة فصار ايتقى، ثم قلبت الياء تاء وأدغمت في التاء، ومنهم من يقلب الواو تاء من أول الامر، وقالوا: تقى يتقى بسكون التاء تخفيفا، تق، فأما الماضي فنحو قول أوس بن حجر يصف رمحا: تقاك بكف واحد وتلذه * يداك إذا ما هز بالكف يعسل وأما المضارع فنحو قول الاسدي: ولا أتقى الغيور إذا رأني * ومثلى لز بالحمس الربيس أما الامر فنحو قول عبد الله بن همام السلولي: زيادتنا نعمان لا تنسينها * تق الله فينا والكتاب الذى تتلو وربما قالوا في المضارع يتقى - يفتح التاء - ومنه قول خاف بن ندبة: (*)

[ 158 ]

الكتاب، ولم يجئ فعل في مصدر فعل المفتوح عيه إلا في المنقوص، نحو الشرى، والقرى، والقلى، وهو أيضا قليل. قوله " ونحو طلب مختص بيفعل " يعني لم يجئ في باب فعل المفتوح مصدر على فعل المفتوح العين إلا ومضارعه يفعل بالضم سوى حرفين: جلب الجرح جلبا: أي أخذ في الالتئام، والمضارع من جلب الجرح يجلب ويجلب معا، وليس مختصا بيفعل بالضم، وأما الغلب فهو من باب غلب يغلب، قال الله تعالى: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) قال الفراء: يجوز أن يكون في الاصل من بعد غلبتهم بالتاء، فحذف التاء، كما في قوله: - 20 - إن الخيط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الامر الذي وعدوا (1) أي: عدة الامر


جلالها الصيقلون فأخلصوها خفافا كلها يتقى بأثر وكأنه لما كثر استعمالهم اتقى يتقى بالزيادة توهموا أن التاء في أصل بناء الكلمة فخففوه بحذف همزة الوصل والتاء الاولى الساكنة، ثم لما رأوا المضارع مفتوح ما بعد حرف المضارعة ولا نظير له في أبنيتهم سكنوا ما بعد حرف المضارعة ليصير على مثال قضى يقضى، ثم بنوا المشتقات على ذلك فقالوا تقى تقية ورجل تقى ورجال أتقياء وتقواء وتقاة (1) البيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب أحد شعراء الدولة الاموية. والخليط: المخالط والمعاشر كالنديم والجليس بمعنى المنادم والمجالس، والبين: البعد والفراق، وأجدوه: صيروه جديدا، وانجردوا: بعدوا وأصله من قولهم: جرد بنا السير: أي امتد، والشاهد فيه قوله " عد الامر " حيث حذف التاء في الاضافة كما حذفت في قوله تعالى: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وقوله: (وإقام الصلاة) (*)

[ 159 ]

وأما فعلان فنادر، نحو لوى ليانا (1)، قال بعضهم: أصله الكسر ففتح للاستثقال، وقد ذكره أبو زيد بكسر اللام، وجاء أيضا شنآن بالسكون، وقرئ في التنزيل بهما. ولم يأت الفعول - بفتح الفاء - مصدرا إلا خمسة أحرف (2): توضأت وضوءا


(1) نقول: لواه دينه ولواه بدينه ليا وليانا - بفتح اللام وكسرها - في المصدرين، إذا مطله، قال ذو الرمة: تطيلين لياني وأنت مليئة * وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا وأصل اللى والليان لوى ولويان، فقلبت الواو ياء، لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون ثم أدغمت الياء في الياء، قال في اللسان: قال أبو الهيثم لم يجئ من المصادر على فعلان - بفتح فسكون - إلاليان، وحكى ابن برى عن أبى زيدليان - بالكسر - وهى لغية (2) اعتبر المؤلف هذه الكلمات مصادر تبعا لسيبويه وجماعة، وللعلماء في ذلك كلام، قال سيبويه (ج 2 ص 228) " هذا باب ما جاء من المصادر على فعول (بفتح الفاء) وذلك قولك: توضأت وضوءا حسنا، وتطهرت طهور حسنا، وأولعت به ولوعا، وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقودا، غالبا، وقبله قبولا، والوقود (بالضم) أكثر، والوقود (بفتح الواو) الحطب، وتقول: إن على فلان لقبولا: فهذا مفتوح " اه‍. وقال في اللسان: " الوضوء بالفتح الماء الذي يتوضأ به كالفطور والسحور لما يفطر به ويتسحر به، والوضوء أيضا المصدر من توضأت للصلاة مثل الولوع والقبول، وقيل: الوضوء بالضم المصدر، وحكى عن أبى عمرو بن العلاء القبول بالفتح مصدر لم أسمع غيره، وذكر الاخفش أن الوقود بالفتح الحطب والوقود بالضم الاتقاد وهو الفعل، قال: ومثل ذلك الوضوء وهو الماء والوضوء بالضم وهو الفعل، وزعموا أنهما لغتان بمعنى واحد، يقال: الوقود (بالفتح) والوقود (بالضم) يجوز أن يعنى بهما الحطب ويجوز أن يعنى بهما الفعل، وقال غيره: القبول والولوع مفتوحان وهما مصدران شاذان وما سواها من المصادر فمبنى على الضم. التهذيب: الوضوء الماء والطهور مثله، ولا يقال فيهما بضم الواو والطاء، لا يقال الوضوء ولا الطهور، قال الاصمعي: قلت (*)

[ 160 ]

وتطهرت طهورا، وولعت ولوعا، ووقدت النار وقودا، وقبل قبولا، كما حكى سيبويه قال: " وفعل اللازم نحو فرح على فرح، والمتعدي نحو جهل على جهل، وفي الالوان والعيوب نحو سمر وأدم على سمرة وأدمة، وفعل نحو كرم على كرامة غالبا، وعظم وكرم كثيرا " أقول: قوله " وفى الالوان والعيوب " هذا الذي ذكره هو الغالب في الالوان، وإن كانت من فعل بضم العين أيضا، وقد جاء شئ منها على فعل كالصدأ والعيس (1)، وأما العيسة - بكسر العين - فأصلها الضم، كسرت


لابي عمرو: ما الوضوء ؟ فقال: الماء الذي يتوضأ به، قلت: فما الوضوء بالضم ؟ قال: لا أعرفه " اه‍ ونقل نصوصا أخرى لا تخرج عن هذا المعنى، واعلم أن من العلماء من يجعل المصدر هو الدال على الفعل الذى هو الحدث، وأكثر المتقدمين على هذا، فليس عندهم مصدر واسم مصدر، بل كل مادل على الحدث فهو مصدر، وتكاد تلمس هذا في عبارة سيبويه وفي ما ذكره اللسان عن جلة العلماء، والمتأخرون على على الفرق بين المصدر واسم المصدر، وأحسن ما يفرق به بينهما ما ذكره ابن مالك في التسهيل حيث عرف اسم المصدر بقوله: " هو ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه وخالفه يخلوه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما في فعله " اه‍ ومدار الفرق بينهما على أن الاسم الدال على الحدث إن اشتمل على جميع حروف الفعل لفظا أو تقديرا أو بالتعويض فهو مصدر، سواء أزادت حروفه عن حروف الفعل أم ساوت حروفه حروفه، وإلا فهو اسم مصدر، فمثال المصدر التوضؤ والقتال بالنسبة لقاتل والعدة بالنسبة لوعد والاعلام بالنسبد لاعلم، ومثال اسم المصدر الغسل بالنسبة إلى اغتسل والعطاء بالنسبة لاعطى والكلام بالنسبة لكلم، وعلى هذا فالوضوء والطهور والولوع إن كان فعله أولع كما ذكره سيبويه أسماء مصادر إن أريد بها الحدث سواء أكان أولها مضموما أم مفتوحا، وأما الوقود والقبول والولوع إن كان فعله ولع كما ذكر المؤلف فمصادر سماعية وإن أردت بهذه الالفاظ معنى غير معنى الحدث فليست مصادر ولا أسماء مصادر. (1) العيس: بياض يخالطه شئ من شقرة، وقيل: هو لون أبيض مشرب (*)

[ 161 ]

للياء، وقد جاءت الصهوبة (1) والكدورة، قال سيبويه: قالوا: البياض والسواد تشبيها بالصباح والمساء لانهما لونان مثلهما وأما مجئ العيوب على فعلة - بالضم - فقليل، كالادرة والنفخة (2)، وقد جاء الفعلة والفعلة لموضع الفعل في الاعضاء كثيرا، كالقطعة والقعة (3) لموضع القطع، وكذا الجذمة والجذمة، والصلعة والصلعة، والنزعة والنزعة (4) ويكون الفعلة - بضم الفاء وسكون العين - للفضلة أيضا، كالقلفة، والغرلة (5)


صفاء في ظلمة خفية. والعيسة بكسر العين فعلة بضم الفاء على مثال الصهبة والكمتة والحمرة والصفرة، لانه ليس في الالوان فعلة بالكسر، وإنما كسر أولها لتصح الياء كما كسرت الباء في بيض لتصح الياء (1) الصهوبة والصهبة والصهب: حمرة في الشعر، وقيل: أن تكون أطراف الشعر حمراء وأصولها سوداء (2) الادرة - بالضم - والادر: بفتحتين - انتفاخ في الخصية، وقيل: انفتاق في إحدى الخصيتين، والنفخة - بالضم - داء يصيب الفرس ترم منه خصياه، وهي أيضا انتفاخ البطن من طعام ونحوه (3) اللقطة - بالضم، وبفتحتين - موضع القطع من اليد، وقيل: بقية اليد المقطوعة، وفي الحديث إن سارقا سرق فقع فكان يسرق بقطعته (بفتحتين) والظاهر أن المراد بقية يده المقطوعة (4) الذي في القاموس واللسان الحذمة - بفتح فسكون، وبفتحتين - وفي القاموس ذكر الصلعة - بفتحتين - وذكرها في اللسان بالضم وبفتحتين، وفي القاموس واللسان جميعا النزعة بفتحتين، لكن ذكر سيبويه (ح‍ 2 ص 223) هذه الالفاظ ما عدا النزعة، وضبطت كما في الاصل الذي معنا. والجذمة: موضع الجذم، وهو القطع. والصلعة: موضع الصلع، وهو ذهاب الشعر من مقدم الرأس إلى مؤخره. والنزعة: موضع النزع وهو انحسار الشعر من جانبي الجبهة (5) القلفة - بالضم، وبفتحتين - جلة الذكر التى تغطى الحشفة، وقلفها الخاتن، إذا قطعها، والغزلة - بالضم - هي القلفة (*)

[ 162 ]

ويجئ الفعل للمفعول، كالذبح والسفر (1) والزبر ويجئ الفعل - بفتح الفاء والعين - له أيضا، كالخبط للمخبوط، والنفض للمنفوض (2)، وجاء فعلة: بسكون العين كثيرا بمعنى المفعول كالسبة والضحكة واللعنة، وبفتح العين للفاعل، وكلتاهما للمبالغة ويجئ المفعلة لسبب الفعل، كقوله عليه الصلاة والسلام " الولد مبخلة مجبنة محزنة ". ويجئ الفعول لما يفعل به الشئ كالوجور لما يوجر (به)، وكذا النقوع والقيوء (3)


الذبح - بالكسر - ما يذبح، قال الله تعالى (وفديناه بذبح عظيم) والسفر - بالكسر - واحد الاسفار، وهى الكتب الكبار، سمى بذلك لانه مسفور، أي مكتوب، والسافر الكاتب، وجمعه سفرة، وبه فسر قوله تعالى (بأيدي سفرة كرام بررة). والزبر - بالكسر - ومثله الزبور كرسول: الكتاب أيضا، سمى بذلك لانه يزبر: أي يكتب، تقول: زبر الكتاب يزبره - كضربه يضربه ونصره ينصره - إذا كتبه، وجمع الزبر زبور - كقدر وقدور - وجمع الزبور زبر كرسول ورسل (2) الخبط - بفتحتين - ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره، ويمزج بالماء فتوجره الابل، والخبط أيضا: ما خبطته الدواب وكسرته، والمخابط: جمع مخبط كمنبر وهو العصا. والنفض بالتحريك: ما تساقط من الورق والثمر، وما وقع من الشئ إذا نفضته: أي زعزعته وحركته. (3) الذي في القاموس واللسان والمزهر عن أبي عبيدة أن الوجور - بفتح الواو - الدواء يوجر في الفم، سمى بذلك لانه يدخل فيه، والوجر: إدخال الماء أو الدواء في الحلق، وآلة الوجر: ميجر وميجرة، فليس المراد بما يفعل به الشئ آلة الشئ كما قد يتبادر من العبارة، بل المراد ما يتحقق به الشئ، والمراد بالشئ في عبارته الحدث. وفي القاموس واللسان النقوع كصبور: ما ينقع في الماء ليلا ليشرب (*)

[ 163 ]

قوله " وفعل نحو كرم على كرامة غالبا " فعالة في مصدر فعل أغلب من غيره، وقيل: الاغلب فيه ثلاثة: فعل كجمال، وفعالة ككرامة، وفعل كحسن، والباقي يحفظ حفظا. قال: " والمزيد فيه والرباعي قياس، فنحو أكرم على إكرام، ونحو كرم على تكريم وتكرمة، وجاء كذاب وكذاب، والتزموا الحذف والتعويض في نحو تعزية وإجازة واستجازة، ونحو ضارب على مضاربة وضراب، ومراء شاذ، وجاء قيتال، ونحو تكرم على تكرم، وجاء تملاق، والباقي واضح " أقول: يعني بقياس المصادر المنشعبة ما مر في شرح الكافية، من كسر أول الماضي وزيادة ألف قبل الاخر، فيكون للجميع قياس واحد. وذكر المصنف منها ههنا ما جاء غير قياسي، أو جرى فيه تغيير، وترك الباقي وذكر أفعل أولا، وإن كان مصدره قياسيا، تنبيها به على كيفية القياس، وخصه بالذكر إذ هو أول الابواب المنشبعة، على ما يذكر في كتاب المصادر، وأيضا إنما ذكره في مصدره تغيير في الاجوف، نحو إقامة، والظاهر أنه أراد بالقياس القياس المختص بكل باب، فان لكل باب قياسا خاصا لا يشاركه فيه غيره، كما مر في شرح الكافية (1)


نهارا وبالعكس، والنقع: نبذ الشئ في الماء، وبابه فتح. والقيوء بالفتح: الدواء الذي يشرب للقئ. والقيوء أيضا صيغة مبالغة بمعنى كثير القئ (1) قال في الكافية وشرحها (ح‍ 2 ص 178): " وهو من الثلاثي سماع ومن غيره قياس، تقول أخرج إخراجا واستخرج استخراجا: ترتقى أبنية مصادر الثلاثي الى اثنين وثلاثين في الاغلب كما يجئ في التصريف، وأما في غير الثلاثي فيأتي قياسا كما تقول مثلا: كل ما ماضيه على أفعل فمصدره على إفعال، وكل ما ما ضيه على فعل (*)

[ 164 ]

قوله " تكريم وتكرمة " تفعيل في غير الناقص مطرد قياسي، وتفعلة كثيرة، لكنها مسموعة، وكذا في المهموز اللام، نحو تخطيئا وتخطيئة، وتهنيئا وتهنئة، هذا عن أبي زيد وسائر النحاة، وظاهر كلام سيبويه أن تفعله لازم في المهموز اللام كما في الناقص، فلا يقال تحطيئا وتهنيئا، وهذا كما ألحق أرأيت بأقمت (1)، وأما إذا كان لام الكلمة حرف علة فانه على تفعلة لا غير، وذلك


فمصدره على تفعيل، وكل ما ماضيه على فعلل فمصدره على فعللة، ويجوز أيضا أن يرتكب قياس واحد لجميع الرباعي والمزيد فيه، وهو أن يقال: تنظر إلى الماضي وتزيد قبل آخره ألفا، فان كان قبل الاخر في الماضي متحركان كسرت أولهما فقط كما تقول في أفعل إفعال، وفي فعلل فلال، وفي فعلى فعلاء، وفي فاعل فيعال، وفي فعل فعال، وإن كان ثلاث متحركات كسرت الاولين كانفعال وافتعال واستفعال وافعلال وافعيلا إذا أصل ماضيهما افعلل وافعالل، وتفعال - بكسر التاء والفاء وتشديد العين - وليس هذا بناء على أن المصدر مشتق من الفعل، بل ذلك لبيان كيفية مجئ المصدر فياسا لمن اتفق له سبق علم بالفعل، والاشهر في مصدر فعل وفعلل وفاعل وتفعل خلاف القياس المذكور، وهو تفعيل وفعللة ومفاعلة وتفعل، وأما فعال في مصدر فاعل كقتال فهو مخفف القياسي، إذ أصله قيتال، ولم يأت في تفعلل وتفاعل وما ألحق بتفعلل من تفو على وتفيعل ونحوهما إلا خلاف القياس كالتفعلل والتفاعل " اه‍ (1) المقصود إلحاق أرأيت بأقمت في حذف الوسط وهو عين الكلمة وإن كان سبب الحذف في أقمت موجودا وهو التخلص من التقاء الساكنين، وليس موجودا في أرأيت، إلا أنهم لما استثقلوا الهمزة في أرأيت مع كثرة استعمال هذه الكلمة نقلوا فتحتها إلى الساكن قبلها، ثم خففوها بقلبها ألفا، ثم حذفوها تخلصا من التقاء الساكنين، قال سيبويه (ح‍ 2 ص 244): " ولا يجوز الحذف أيضا في تجزئة وتهنئة وتقديرهما تجزعة وتهنعة لانهم ألحقوهما بأختيهما من بنات الياء والواو كما ألحقوا أرأيت بأقمت حين قالوا أريت " اه‍ (*)

[ 165 ]

بحذف الياء الاولى، وإبدال الهاء منها، لاستثقال الياء المشددة، وقد جاء التشديد في الضرورة كما في قوله: - 21 - فهي تنزى دلوها تنزيا * كما تنزى شهلة صبيا (1) وإنما قلنا " إن المحذوف ياء التفعيل " قياسا على تكرمة، لانه لم يحذف فيها شئ من الاصول، ولانها مدة لا تتحرك، فلما رأينا الياء في نحو تعزية متحركة عرفنا أن المحذوف هو المدة، فلو حذفت الثانية لزم تحريك المدة لاجل تاء التأنيث وأما إجازة واستجازة فأصلهما إجواز واستجواز أعل المصدر باعلام الفعل كما يجئ في باب الاعلال، فقلبت العين ألفا، فاجتمع ألفان، فحذفت الثانية عند الخليل وسيبويه، قياسا على حذف مدة نحو تعزية، ولكونها زائدة، وحذفت الاولى عند الاخفش والفراء، لان الاول يحذف للساكنين إذا كان مدا، كما في قل وبع، ويجئ احتجاجهم في باب الاعلال في نحو مقول ومبيع، وأجاز سيبويه عدم الابدال أيضا، نحو أقام إقاما واستجاز استجازا، استدلالا بقوله تعالى (وإقام الصلاة) وخص الفراء ذلك بحال الاضافة، ليكون المضاف إليه قائما مقام الهاء، وهو أولى، لان السماع لم يثبت إلا مع الاضافة، ولم يجوز سيبويه حذف التاء من نحو التعزية على حال، كما جوز في (إقام الصلاة) إذ لم يسمع. قوله " وجاء كذاب " هذا وإن لم يكن مطردا كالتفعيل لكنه هو القياس كما مر في شرح الكافية، قال سيبويه: أصل تفعيل فعال، جعلوا التاء


(1) لم نقف لهذا الشاهد على نسبة إلى قائل معين. وتنزى: تحرك، وتنزيا مصدره والشهلة: المرأة العجوز أو النصف. يقول: إن هذه المرأة تحرك دلوها لتملاها كما تحرك المرأة العجوز صبيها في ترقيصها إياه، والاستشهاد به على مجئ مصدر فعل من الناقص على التفعيل شذوذا من حيث الاستعمال (*)

[ 166 ]

في أوله عوضا من الحرف الزائد، وجعلو الياء بمنزلة ألف الافعال، فغيروا آخره كما غيروا أوله، فان التغيير مجرئ على التغيير. ولم يجئ فعال في غير المصدر إلا مبدلا من أول مضعفه ياء نحو قيراط ودينار وديوان. وأما المصدر فانه لم يبدل فيه ليكون كالفعل وفعال في مصدر فعل، وفيعال وفعال في فاعل، وتفعال في فعل، وإن كانت قياسا لكنها صارت مسموعة لا يقاس على ما جاء (1) منها، ولا يجئ فعال فيما فاؤه ياء الاستثقال، فلا يقال يسار في ياسر، وفعال في فاعل مقصور فيعال، والياء في مكان ألف فاعل وأما كذاب - بالتخفيف - في مصدر كذب فلم أسمع به، والاولى أن يقال في قوله تعالى: (وكذبوا بآياتنا كذابا) في قراءة التخفيف: إنه مصدر كاذب أقيم مقام مصدر كذب، كما في قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا). قوله " ومراء شاذ " يعنى بالتشديد، والقياس مراء بالتخفيف (2)، وإنما


(1) أن المستعمل من مصدر فعل - بالتضعيف - التفعيل كالتكليم والتسليم والتكبير، وإن كان أصل القياس فيه على ما ذكر هو من الاصل الفعال - بكسر الفاء وتشديد العين - وأن المستعمل باطراد من مصدر فاعل المفاعلة كالمقاتلة والمضاربة والمماراة والمداراة والمياسرة وإن كان القياس هو الفيعال - بكسر الفاء - ومخففه الفعال - بكسر الفاء وتخفيف العين - وأن المستعمل من مصدر تفعل هو التفعل كالتقدم والتلكؤ والتأخر، وإن كان القياس هو التفعال، ولا يخفى أن كون المذكورات هي القياس إنما يجرى على أن للجميع قياسا واحدا، والعجب منه، فأنه قدم هنا قريبا أن الاولى أن يكون لكل باب قياس خاص فكيف عدل عن هذا الاولى (2) المراء - بالتخفيف - والمراء بالتشديد، مصدر قولك ماريت الرجل أماريه إذا جادلته، والمراء أيضا: الامتراء والشك

[ 167 ]

زادوا في المصادر على الافعال شيئا لان الاسماء أخف من الافعال، وأحمل للاثقال. قال: " ونحو الترداد والتجوال والحثيثي والرميا للتكثير " أقول: يعنى أنك إذا قصدت المبالغة في مصدر الثلاثي بنيته على التفعال، وهذا قول سيبويه، كالتهذار في الهذر الكثير، والتلعاب والترداد، وهو مع كثرته ليس بقياس مطرد، وقال الكوفيون: إن التفعال أصله التفعيل الذي يفيد التكثير، قلبت ياؤه ألفا فأصل التكرار التكرير، ويرجح قول سيبويه بأنهم قالوا التلعاب، ولم يجئ التلعيب، ولهم أن يقولوا: إن ذلك مما رفض أصله، قال سيبويه: وأما التبيان فليس ببناء مبالغة، وإلا انفتح تاؤه، بل هو اسم أقيم مقام مصدر بين، كما أقيم غاره وهي اسم مقام إغارة في قولهم: أغرت غارة، ونبات موضع إنبات، وعطاء موضع إعطاء، في قولهم: أنبت نباتا، وأعطى عطاء قالوا: ولم يجئ تفعال - بكسر التاء - إلا ستة عشر اسما: اثنان بمعنى المصدر، وهما التبيان والتلقاء، ويقال: مر تهواء من الليل: أي قطعة، وتبراك وتعشار وترباع: مواضع، وتمساح معروف، والرجل الكذاب أيضا، وتلفاق: ثوبان يلفقان، وتلقام: سريع اللقم، وتمثال وتجفاف معروفان، وتمراد: بيت الحمام، وأتت الناقة على (1) تضرابها، وتلعاب: كثير


(1) الذي في سيبويه (ح‍ 2 ص 247): " وقد يجئ الفعل يراد به الحين، فإذا كان من فعل يفعل - بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع - بنيته على مفعل - بكسر العين - تجعل الحين الذى فيه الفعل كالمكان، وذلك قولك أتت الناقة على مضربها، وأتت على منتجها، إنما تريد الحين الذي فيه النتاج والضراب " اه‍. وقال في اللسان: " وناقة ضارب ضربها الفحل على النسب، وناقة تضراب (*)

[ 168 ]

اللعب، وتقصار: للمحنقة (1)، وتنبال: للقصير وأما الفعيلى فليس أيضا قياسيا، فالحثيثي والرميا والحجزيي مبالغة التحاث والترامي والتحاجز: أي لا يكون من واحد، وقد يجئ منه ما يكون مبالغة لمصدر الثلاثي كالدليلي والنميمي والهجيري والخليفي: أي كثرة الدلالة، والنميمة، والهجر: أي الهذر، والخلافة، وأجاز بعضهم المد في جميع ذلك، والاولى المنع، وقد حكى الكسائي خصيصاء بالمد، وأنكره الفراء قال: " ويجئ المصدر من الثلاثي المجرد أيضا على مفعل قياسا مطردا كمقتل ومضرب، وأما مكرم ومعون، ولا غيرهما، فنادران حتى جعلهما الفراء جمعا لمكرمة ومعونة، ومن غيره على زنة المفعول كمخرج ومستخرج، وكذا الباقي، وأما ما جاء على مفعول كالميسور والمعسور والمجلود والمفتون فقليل، وفاعله كالعافية والعاقبة والباقية والكاذبة أقل " أقول: قال سيبويه: لم يجئ في كلام العرب مفعل، يعنى لا مفردا ولا جمعا، قال السيرافي: فقوله: - 22 - بثين، الزمى " لا " إن " لا " إن لزمته * على كثرة الواشين أي معون (2)


بفتح التاء - كضارب. وقال اللحياني: هي التي ضربت فلم يدر الاقح هي أم غير لاقح " ولم نجد في كتب اللغة تضرابا - بالكسر - ولا المثال على الوجه الذي ذكره المؤلف (1) المخنقة: القلادة. سميت بذلك لانها تلبس عند المخنق (كمعظم). وفي اللسان: " والتقصار والتقصارة - بكسر التاء - القلادة للزومها قصرة العنق (والقصرة بفتحات أصل العنق) " (2) البيت من قصيدة لجميل بن عبد الله بن معمر العذري. وبثبين مرخم بثينة (*)

[ 169 ]

أصله معونة، فحذفت التاء للضرورة، وكذا قوله: - 23 - * ليوم روع أو فعال مكرم (1) * وذهب الفراء إلى أنهما جمعان، على ما هو مذهبه (2) في نحو تمر وتفاح، فيجيز مكرما ومعونا في غير الضرورة، فعند الفراء يجئ مفعل جمعا، وقد جاء مهلك بمعنى الهلك، ومألك، وله أن يدعى فيهما أنهما جمعا مهلكة ومألكة،


اسم حبيبته. يقول: إذا سألك الواشون عني أو عن شئ يرتبط بي فلا تذكري شيئا سول كلمة لا، فان هذه الكلمة إن لزمتها أكبر عون لك على رد كيدهم، والشاهد فيه قوله معون بضم العين وأصله معون بسكونها وضم الواو - فنقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها، وهذا شاذ، والقياس المعان، وأصله معون فنقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها ثم قبلت ألفا (1) هذا بيت من الرجز المشطور من كلمة لابي الاخزر الحماني يمدح فيها مروان بن الحكم بن العاص، وقد روى قبله: نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي ويروى البيت الذي قبله: مروان مروان لليوم اليمى ويروى: مروان مروان أخو اليوم اليمى وقوله: اليمى: أصله اليوم - بفتح الياء وكسر الواو - كقولهم يوم أيوم وليلة ليلاء. ثم قدمت الميم على الواو، فتطرفت الواو إثر كسرة فقلبت ياء، وعلى الرواية الثالثة يجوز أن يكون أصله أخو اليوم اليوم، على المبتدأ والخبر، فقدم الميم بحركتها على الواو فقلبت ضمة الميم كسرة ثم قلبت الواو ياء لتطرفها حينئذ إثر كسرة. والروع: الفزع والخوف. والفعال - بفتح الفاء - الوصف حسنا أو قبيحا. والمكرم: الكرم، وهو محل الشاهد في البيت. (2) مذهب الفراء في هذا هو مذهب الكوفيين، وسيأتي ايضاحه في جمع التكسير (*)

[ 170 ]

وجاء في بعض القراءات (1) (فنظرة إلى ميسرة) قوله " قياسا مطردا " ليس على إطلاقه، لان المثال الواوي منه بكسر العين كالموعد والموجل، مصدرا كان أو زمانا أو مكانا، على ما ذكر سيبويه، بلى إن كان المثال معتل اللام كان بفتح العين كالمولى، مصدرا كان أو غيره، قال سيبويه عن يونس: إن ناسا من العرب يقولون من يوجل ونحوه موجل وموحل بالفتح مصدرا كان أو غيره، قال سيبويه: إنما قال الاكثرون موجل بالكسر لانهم ربما غيروه في توجل ويوحل، فقالوا: ييجل، ويأجل، فلما أعلوه بالقلب شبهوه بواو يوعد المعل بالحذف، فكما قالوا هناك موعد قالوا ههنا موجل، ومن قال المؤجل بالفتح فكأنهم الذين يقولون: يوجل، فيسلمونه، والاسماء المتصلة بالافعال تابعة لها في الاعلال، وإنما قالوا مودة بالفتح اتفاقا لسلامة الواو في الفعل اتفاقا وقد يجئ في الناقص المفعل مصدرا بشرط التاء كالمعصية والمحمية (2)


(1) قال ابن جنى: " هذه القراءة قرائة مجاهد قال هو من باب معون ومكرم (بضم العين) وقيل: هو على حذف الهاء " اه‍ وقال الجوهري: " وقرأ بعضهم فنظرة إلى ميسرة بالاضافة، قال الاخفش: وهو غير جائز، لانه ليس في الكلام مفعل - بضم العين - بغير الهاء: أما مكرم ومعون فهما جمع مكركة ومعونة " اه‍ والميسر: اليسر والسعة والغنى (2) تقول: عصى الرجل أميره يعصيه عصيا وعصيانا ومعصية، إذا لم يطعه، وتقول حمى الشئ حميا وحمى وحماية ومحمية، إذا منعه ودفع عنه. قال سيبويه: " لا يجئ هذا الضرب على مفعل (بكسر العين) إلا وفيه الهاء، لانه إن جاء على مفعل بغير هاء اعتل، فعدلوا إلى الاخف " اه‍ كلامه. وقوله اعتل يقصد أنه كان حينئذ يجرى عليه إعلال قاض فتحذف الياء للتخلص من التقاء الساكنين إن كان مرفوعا أو مخفوضا منونا. (*)

[ 171 ]

وجاء في الاجوف المعيشة، قال سيبويه في (حتى مطلع الفجر) بالكسر: أي طلوعه (1)، ويجوز أن يقال: أنه اسم زمان: أي وقت طلوعه


(1) قال في اللسان: " وأما قوله عز وجل (هي حتى مطلع الفجر) فان الكسائي قرأها بكسر اللام وكذلك روى عبيد عن أبي عمرو بكسر اللام، وعبيد أحد الرواة عن أبى عمرو، وقال ابن كثير ونافع وابن عامر واليزيدي عن أبي عمرو، وعاصم وحمزة: هي حتى مطلع الفجر - بفتح اللام - قال الفراء: وأكثر القراء على مطلع (بالفتح). قال: وهو أقوى في قياس العربية، لان المطلع بالفتح هو الطلوع، والمطلع - بالكسر - هو الموضع الذي تطلع منه، إلا أن العرب تقول: طلعت الشمس مطلعا فيكسرون وهو يريدون المصدر. وقال: إذا كان الحرف من باب فعل يفعل، مثل دخل يدخل وخرج يخرج وما أشبهها آثرت العرب في الاسم منه والمصدر فتح العين، إلا أحرفا من الاسماء ألزموها كسر العين في مفعل: من ذلك (وذكر بعض ما ذكر المصنف من الاسماء) فجعلوا الكسر علامة للاسم، والفتح علامة للمصدر. قال الازهري: والعرب تضع الاسماء مواضع المصادر، ولذلك قرأ من قرأ (هي حتى مطلع الفجر)، لانه ذهب بالمطلع وإن كان اسما إلى الطلوع مثل المطلع (بالفتح) وهذا قول الكسائي والفراء، وقال بعض البصريين: من قرأ مطلع الفجر - بكسر اللام - فهو اسم لوقت الطلوع. قال ذلك الزجاج. قال الازهري: وأحسبه قول سيبويه " اه‍ كلامه. قال سيبويه - ج‍ 2 ص 247) وأما ما كان يفعل لانه ليس في الكلام مفعل (بالضم) فلما لم يكن إلى ذلك سبيل، وكان مصيره إلى إحدى الحركتين (الكسرة أو الفتحة) ألزموه أخفهما، وذلك قولهم قتل يقتل وهذا المقتل (بالفتح)... وقد كسروا المصدر في هذا كما كسروا في يفعل (بفتح العين)، قالوا: أتيتك عند مطلع الشمس، وهذه لغة بنى تميم، وأما أهل الحجاز فيفتحون، وقد كسروا الاماكن في هذا أيضا، كأنهم أدخلوا الكسر أيضا كما أدخلوا الفتح " اه‍ كلامه. وقال أبو سعيد السيرافي: ومن ذلك (يريد بناء المصدر على المفعل بالكسر) فيما ذكره سيبويه المطلع في معنى الطلوع، وقد قرأ الكسائي (حتى مطلع الفجر) ومعناه حتى طلوع الفجر، وقال (*)

[ 172 ]

وقد جاء بالفتح والكسر محمدة ومذمة ومعجزة ومظلمة ومعتبة ومحسبة وعلق مضنة (1) وبالضم والكسر المعذرة (2)، وبالفتح والضم الميسرة (3)


بعض الناس المطلع (بالكسر) الموضع الذي يطلع فيه الفجر، والمطلع (بالفتح) المصدر. والقول ما قال سيبويه، لانه لا يجوز إبطال قراءة من قرأ بالكسر ولا يحتمل إلا الطلوع، لان حتى إنما يقع بعدها في التوقيت ما يحدث، والطلوع هو الذي يحدث، والمطلع ليس بحادث في آخر الليل، لانه الموضع " اه‍ كلامه (1) تقول: حمده يحمده - كعلم يعلم - حمدا كنصر، ومحمد ومحمدة - بالفتح فيهما - ومحمدا ومحمدة - بالكسر فيهما - وهما نادران. وتقول: ذمه يذمه ذما كمد مدا ومذمة - بفتح الذال - أي: عابه، ولم نجد في كتب اللغة من هذا المعنى مصدرا على مذمة بالكسر، لكن في القاموس واللسان أنه يقال: رجل ذو مذمة - بالفتح والكسر -، إذا كان كلا وعبثا على الناس. وتقول: عجز عن الامر - من بابي سمع وضرب - عجزا ومعجزا بكسر الجيم وفتحها في الاخيرين. قال سيبويه: " الكسر على النادر والفتح على القياس لانه مصدر ". وتقول: ظلمه يظلمه - من باب ضرب - ظلما بالفتح والضم، ومظلمة - بكسر اللام -، إذا جار عليه ووضع أمره على غير موضعه. ولم يذكر صاحبا اللسان والقاموس فتح اللام فيهما. وتقول عتب على يعتب - كيجلس ويخرج - عتبا وعتابا ومعتبا - بالفتح - ومعتبة - بالفتح والكسر -، إذا لامه وسخط عليه، وتقول: حسب الشئ يحسبه - بكسر عين المضارع وفتحها والكسر أجودهما - حسبانا - بكسر أوله - ومحسبة - بكسر السين أو فتحها - إذا ظنه، والكسر نادر عند من قال في المضارع يحسب بالفتح وأما عند من كسر عين المضارع فهو القياس. وتقول: هذا الشئ علق مضنة: أي هو شئ نفيس يتنافس فيه أي يضن به، ويقال أيضا: هو عرق مضنة، وذلك كما يقال: فلان علق علم وتبع علم وطلب علم، الكل بكسر أوله وسكون ثانيه، والمعنى أنه يعلق العلم ويتبع أهله ويطلبه. والضاد مكسورة أو مفتوحة (2) العذر (بضم العين) والعذرة (بالكسر) والعذري (بالضم) والمعذرة (بضم الذال وكسرها) الحجة التي يعتذر بها (3) اليسر، واليسار، والميسرة (بفتح السين وضمها): السهولة والغنى. قال (*)

[ 173 ]

وجاء في التثليب مهلك ومهلكة ومقدرة ومأدبة (1) وجاء بالكسر وحده المكبر والميسر والمحيض والمقيل والمرجع والمجئ والمبيت والمشيب والمعيب والمزيد والمصير والمير والمعرفة والمغفرة والمعذرة والمأوية والمعصية والمعيشة (2)


سيبويه: ليست الميسرة على الفعل، ولكنها كالمسربة والمشربة في أنهما ليستا على الفعل " (1) تقول: هلك يهلك - كضرب يضرب - هلاكا وهلوكا ومهلكا ومهلكة (بتثليث اللام فيهما) وتهلكة بضم اللام ليس غير: أي مات. وتقول: قدر على الشئ يقدر - كجلس وخرج وفرح - قدرة ومقدرة (بتثليث الدال) وقدرانا (بكسر أوله) وقدارا وقدارة (بفتح أولهما، وقد يكسر أول الاول) وقدورا وقدورة (بضم أولهما): قوى عليه وتمكن منه. وتمثيل المؤلف بالمأدبة في هذا الموضع غير صحيح لعدة وجوه: الوجه الاول أن المأدبة اسم لطعام يصنع لدعوة أو عرس وليس مصدرا. والوجه الثاني أنه ليس مثلث الدال، حتى يسوغ له ذكره مع المثلثات. والوجه الثالث أنه غير مذهب كبار النحويين، فان سيبويه قد نص في كتابه (ح‍ 2 ص 248) على أن المأدبة ليست مصدرا ولا مكانا، وأنها كالمشربة التي هي اسم للغرفة، والمسربة التي هي اسم لشعر الصدر. وقد كان خطر لنا أن هذه الكلمة محرفة عن المأربة بالراء المهملة فانها مثلثة الراء ويقال: أرب الرجل احتاج، فان كانت المأربة المثلثة أحد مصادر هذا الفعل صح هذا الذي خطر لنا، وإن كانت اسما كالارب بمعنى الحاجة لم يتم، وليس في عبارد اللغويين نص على أحد الطريقين (2) تقول: كبر الرجل - كفرح - كبرا - كعنب - ومكبرا - كمنزل -، إذا طعن في السن. وتقول: يسر الرجل ييسر - كضر يضرب - أي لعب بالقداح، والميسر: اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، وعلى الثاني لا يصلح مثالا. وتقول: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا، إذا سال دمها، فقول المؤلف: إنه بالكسر وحده غير صحيح، وتقول: قال القوم يقيلون قيلولة وقيلا وقائلة ومقيلا ومقالا، إذا ناموا نصف النهار، والمقيل مصدر عن سيبويه، ومما ذكرنا تعلم أن تمثيل المؤلف به لما جاء بالكسر وحده غير مستقيم. (*)

[ 174 ]

فذو التاء المفتوح العين شاذ من جهة، وكذا المكسور العين أو المضمومها بلا تاء، وأما المكسورها أو المضمومها مع التاء فشاذ من وجهين قوله " ومن غيره " أي: من غير الثلاثي المجرد فيصلح للمصدر والمفعول والزمان والمكان كالمدحرج والمقاتل والمحر نجم كما يجئ الميسور: اليسر، العسر، والمجلود: الجلد: أي الصبر، المفتون: الفتنة، قال الله تعالى: (بأيكم المفتون) أي: الفتنة، على قول، وخاللف (1)


قال في القاموس: " رجع يرجع رجوها، ومرجعا - كمنزل - ومرجعد شاذان، لان المصادر من فعل يفعل (كضرب يضرب) إنما تكون بالفتح، ورجعى ورجعانا بضمهما، انصرف. ورجع الشئ عن الشئ وإليه رجعا - ومرجعا كمقعد ومنزل - صرفه ورده " اه‍. وتقول: جاء يجئ جيئا ومجيئا، إذا أتى. قال في اللسان: " والمجئ شاذ، لان المصدر من فعل يفعل (كضرب يضرب) مفعل بفتح العين، وقد شذت منه حروف فجاءت على مفعل كالمجئ والمحيض والمكيل والمصير " اه‍. والعيب والعاب والمعاب والمعابة والمعيب: أن تصم الرجل، وفعله عاب يعيب، وهو لازم ومتعد، ومن هذا تعلم أن اقتصار المؤلف على الكسر فيه غير مستقيم، هذا، وقد مثل المؤلف نفسه بالمعذرة لما جاء فيه الضم والكسر، فكيف مثل به ههنا لما جاء بالكسر وحده، وتقول: أوى له يأوى - أوية وأية ومأوية ومأواة، إذا رق له ورئى، قال زهير: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ومنه تعلم تقصير المؤلف في التمثيل به لما جاء بالكسر وحده (1) قد ذكر المؤلف كما ذكر غيره في هذه الاية وجهين، والحقيقة أن فيها ثلاثة أوجه: الاول: أن الباء زائدة، وأى مبتدأ، والمفتون اسم مفعول بمعنى المجنون خبر المبتدأ، والثاني: أن الباء أصلية بمعنى في، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم والمفتون اسم مفعول أيضا بمعنى المجنون مبتدأ مؤخر. والثالث: أن الباء للملابسة والجار والمجرور خبر مقدم والمفتون مصدر بمعنى الجنون مبتدأ مؤخر، والمعنى الفتنة ملابسة لاي الفريقين من المسلمين والكفار (*)

[ 175 ]

سيبويه غيره في مجئ المصدر على وزن المفعول، وجعل الميسور والمعسور صفة للزمان: أي الزمان الذي يوسر فيه ويعسر فيه، على حذف الجار، كقولهم: المحصول: أي المحصول عليه، وكذا قال في المرفوع والموضوع، وهما نوعان من السير، قال: هو السير الذى ترفعه الفرس وتضمه: أي تقويه وتضعفه، وكذا جعل المعقول بمعنى المحبوس المشدود: أي العقل المشسدود المقوى، وجعل الباء في (بأيكم المفتون) زيادة، وقيل: بأيكم الجنى، وهو المفتون، والمجلود: الصبر الذي يجلد فيه: أي يستعمل الجلادة، وأما المكروهة فالظاهر أنها ليست مصدرا، بل هو الشئ المكروه، والهاء دليل الاسمية، وكذا المصدوقة: يقال: بين لي مصدوقة حاله: أي حقيقتها، من قولهم: صدقني (1) سن بكره: أي بين حاله التى صدقنيها. قوله: " وفاعلة كالعافية " تقول: عافاني الله معافاة وعافية، وأما العاقبة فالظاهر أنه اسم فاعل لانه بمعنى الاخر، يقال: عقب الشئ (الشئ) أي: خلفه، والهاء دليل الاسمية، أو يقال: إنها صفة النهاية في (2) الاصل، وأما


(1) هذا مثل من أمثال العرب. قال في اللسان: " وفى المثل صدقني سن بكره وأصله أن رجلا أراد بيه بكر له فقال للمشترى: إنه جمل، فقال المشتري: بل هو بكر فبينما هما كذلك إذ ند البكر فصاح به صاحبه هدع (بكسر أوله وفتح ثانيه وآخره مبنى على السكون). وهذه كلمة يسكن بها صغار الابل إذا نفرت، وقيل: يسكن بها البكارة خاصة، فقال المشتري: صدقنى سن بكره " اه‍ (2) كلام المؤلف في هذه الكلمة مضطرب، ولو كان نظم كلامه هكذا " وأما العاقبد فالظاهر أنه اسم فاعل، لانه بمعنى الاخر. يقال: عقب الشئ الشى: أي خلفه. والهاء للتأنيث. أو يقال: إنها صفة النهاية في الاصل ثم صارت إسما لها. والهاء دليل الاسمية " لكان كلا ما مستقيما، فانه لا معنى لجعلها اسم فاعل مع كون الهاء دليل الاسمية، إذ الهاء التي في اسم الفاعل للفرق بين صفتي المذكر والمؤنث، والهاء التي هي دليل الاسمية إنما يؤتى بها في الوصف بعد نقله من معناه الاصلي إلى (*)

[ 176 ]

الباقية في قوله تعالى (فهل ترى لهم من باقية) فقيل: بمعنى بقاء، ويجوز أن يكون بمعنى نفس باقية، أو شئ باق، والهاء للاسمية، وكذا الفاضلة بمعنى الشئ الفاضل، والهاء للاسمية، أو العطية الفاضلة، والكاذبة في قوله تعالى (ليس لوقعتها كاذبة) قيل: بمعنى الكذب، ويجوز أن يكون بمعنى نفس كاذبة: أي تكون النفوس في ذلك الوقت مؤمنة صادقة، والدالة: الدلال والغنج، هذا كله مع التاء، قيل: وقد يوضع اسم الفال مقام المصدر، نحو قم قائما: أي قياما، كما يوضع المصدر مقام اسم الفاعل، نحو رجل عدل وصوم، ويجوز أن يكون قائما حالا مؤكدة، وكذا في قوله: - 24 - * كفى بالنأي من أسماء كاف (1) * أي: كافيا، كقوله: -


الاسم، كقولهم: مقدمة وحقيقة. وبعد فاعلم أن كلمة العاقبة قد جاءت لثلاث معان: الاول المصدر. تقول: عقب الولد أباه يعقبه كنصره ينصره عقبا وعاقبة، إذا خلفه. والثاني: اس مفاعل من هذا الفعل، ومنه إطلاق العاقب على النبي صلى الله عليه وسلم، لانه خلف جميع الرسل، ومن أجل هذا كان الاخفش يقول: إن الهاء في العاقبة للتأنيث. والثالث: أنها اسم لاخر الشئ مثل العقب - كنمر - والعقب - كفلس والعقبة والعقبى - بضم أولهما - والتا حينئذ للنقل من الوصفية إلى الاسمية. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من اضطراب كلام المؤلف في هذه الكلمة أن عبارته مستقيمة على الاوجه التي ذكرناها في الكلمات التي بعد هذه الكلمة، فقوله في كلمة " الباقية " " فقيل بمعنى بقاء " إشارة إلى أنها مصدر، وقوله " ويجوز أن يكون بمعنى نفس باقية " إشارة الى أنها وصف والهاء للتأنيث، ولهذا قدر الموصوف مؤنثا، وقوله " أو شئ باق والهاء للاسمية " إشارة الى أنها اسم. (1) هذا صدر بيت لبشر بن أبي خازم أحد شعراء الجاهلية. وعجزه: - وليس لنأيها إذ طال شافي واستشهد به على أن قوله " اسم فاعل من كفاه يكفيه، وهو منصوب على (*)

[ 177 ]

25 - * فلو أن واش باليمامة داره (1) * فكما أن اسم المفعول في قوله تعالى: " والنجوم مسخرات " بنصبهما حال مؤكدة، لا بمعنى المصدر، فكذا اسم الفاعل فيما نحن فيه. وقوله: - 26 - ألم ترنى عاهدت ربي وإنني * لبين رتاج قائم ومقام على حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من في زور كلام (2) قال سيبويه: معناه لا اشتم شما ولا يخرج خروجا، وقال عيسى بن عمر: هو حال معطوف على الحال الذي هو " لا أشتم " أي غير شاتم ولا خارج، كقوله تعالى: " صافات ويقبضن " ولم يذكر ما عاهد الله عليه لدلالة الكلام، لانه كجواب القسم يحذف مع القرينة، وعند سيبويه " لا أشتم " جواب " عاهدت " قال: " ونحو دحرج على دحرجة ودحراج بالكسر، ونحو زلزل على زلزال بالفتح والكسر "


الحال من النأى الذي هو فاعل كفى، وقد عامل الشاعر المنقوص في حالة النصب كما يعامله في حالة الرفع والجر فحذف الياء (1) هذا صدر بيت لمجنون بنى عامر المعروف بمجنون ليل. وعجز قوله: * ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا * واستشهد به على أن العرب قد تعامل المقوص في حالة النصب كما تعامله في حالة الرفع والجر، فتحذف ياءه، وذلك أن قوله " واش " اسم أن منصوب بفتحة مقذرة على آخره منع من ظهورها إجراء المنصوب مجرى المرفوع. (2) هذان البيتان للفرزدق: همام بن غالب، والشاهد فيه في قوله " خارجا " فانه عند سيبويه مصدر حذف عامله، وتقديره: لا أشتم مسلما الدهر ولا يخرج خروجا من فمى زور كلام، وكان عيسى بن عر يجعل خارجا اسم فاعل، ويقول: إنما قوله " لا أشتم " حال، فأراد عاهدت ربي في هذه الحال وأنا غير شاتم ولا خارج من فمى زور كلام. وأيد ابن هشام ما ذهب إليه سيبويه. (*)

[ 178 ]

أقول: قال سيبويه: الهاء في دحرجة عوض من الالف الذي هو قياس مصادر غير الثلاثي المجرد قبل الاخر، والفعللة هو المطرد دون الفعلال، لا يقال: برقش (1) برقاشا، وكذا الفعلال مسموع في المحلق بدحرج غير مطرد، نحو حيقال، وكذا في المضاعف، ولا يجوز في غير المضاعف فتح أول فعلال، وإنما جاز ذلك في المضاعف - كالقلقال (2) والزلزال والخلخال - قصدا للتخفيف، لثقل التضعيف ومصادر ما زيد فيه من الرباعي نحو تدحرج واحرج واحرنجام واقشعرار، وأما اقشعر قشعريرة واطمأن طمأنينة فالمنصور بان فيهما اسمان واقعان مقام المصدر، كما في أنبت نباتا وأعطى عطاء. قال: " والمرة من الثلاثي المجرد الذي لا تاء فيه على فعلة، نحو ضربة وقتلة، وبكسر الفاء للنوع، نحو ضربة وقتلة، وما عداه على المصدر المستعمل، نحو إناخة، فإن لم تكن تاء زدتها، ونحو أتيته إتيانه ولقيته لقاءه شاذ " أقول: اعلم أن بناء المرة إما أن يكون من الثلاثي المجرد أو غيره، والثلاثي المجرد إما مجرد عن التاء أولا


ورد هذا الفعل لازما، ومتعديا. تقول: برقش الرجل برقشة، إذا ولى هاربا. وتقول: برقش الرجل الشئ، إذا نقشه بألوان شتى. (2) تقول: قلقلت الشئ قلقلة، وقلقالا (بكسر أوله وفتحه، وضمه نادر)، إذا حركته، وقال في اللسان: " فإذا كسرته فهو مصدر، وإذا فتحته فهو اسم مثل الزلزال والزلزال ". والذي في القاموس: قلقل الشئ قلقة وقلقالا (بالكسر ويفتح) حركة، أو بالفتح الاسم، وتقول: خلخل العظم، إذا أخذ ما عليه من اللحم. (*)

[ 179 ]

فالمجرد عنها تجعلها على فعلة بفتح الفاء وحذف الزوائد ان كانت فيه، نحو خرجت خرجت ودخلت دخلة وذو التاء تبقيه على حاله، نحو دريت دراية ونشدت (1) نشدة ولا تقول درية ونشدة، كذا قال المصنف، ولم أعثر في مصنف على ما قاله، بل أطلق المصنفون أن المرة من الثلاثي لمجرد على فعلة، قال سيبويه: إذا أردت الوحدة من الفعل جئت بها أبدا على فعلة على الاصل، لان أصل المصادر فعل، هذا قوله، والذي أرى أنك ترد ذا التاء أيضا من الثلاثي الى فعلة، فتقول: نشدت نشدة بفتح النون وغير الثلاثي المجرد تخليه على حاله، سواء كان رباعيا كدحرجة أو ذا زيادة كانطلاق وإخراج وتدحرج، فان لم تكن فيه الاء زدتها، نحو أكرمته إكرامة، وإن كان فيه تاء خليتها، نحو عزيته تعزية: أي واحدة، والاكثر الوصف في مثله بالواحدة رفع اللبس، نحو عزيته تعزية واحدة، ولو قلنا بحذف تلك التاء والمجئ بتاء الوحدة فلا بأس واستدل سيبويه على أن أصل مصادر جميع الثلاثي متعديا كان أو لازما فعل ببناء الوحدة، فال: لا شك أن الجنس من نحو تمرة وتفاحة بحذف التاء، فكان القياس أن يكون الجنس في نحو خرجة ودخلة كذلك أيضا، ونعنى بالجنس المصدر المطلق، نحو خرج ودخل، إلا انهم تصرفوا في مصادر الثلاثي بزيادة الحروف وتغيير التركيب لخفته، دون الرباعي وذى الزيادة ثم اعلم أنه ان جاء للرباعي وذى الزيادة مصدران أحدهما أشهر فالوحدة على


(1) تقول: نشد الضالة نشدا ونشدة ونشدانا (بكسر الاخيرين): اطلبها، وإذا عرفها (*)

[ 180 ]

ذلك الاشهر دون الغريب، تقول: دحرج دحرجة واحدة، ولا تقول دحراجة، وكذا لا تقول قاتلت قتالة، ولا كذب كذابة وقد شذ في الثلاثي حرفان لم تحذف منهما الزوائد ولم يردا إلى بناء فعلة، بل ألحق بهما التاء كما هما، وهما إتيانة ولقاءة، ويجوز أتية ولقية على القياس، قال أبو الطيب: 27 - لقيت بدرب القلة الفجر لقية * شف كمدي والليل فيه قتيل (1) قوله " وما عداه " أي: ما عدا الثلاثي المجرد الخالى من التاء، وهو ثلاثة: الرباعي، وذو الزيادة، والثلاثي ذو التاء، على ما ذهب إليه المصنف قوله " فان لم تكن تاء " أي: فيما عداه وقوله " وبكسر الفاء للنوع نحو ضربة " أي: ضربا موصوفا بصفة، وتلك الصفة إما أن تذكر نحو " حسن الركبة " و " سيئ الميتة " و " جلست جلسة حسنة " أو تكون معلومة بقرينة الحال، كقوله: - 28 - ها إن تاعذرة إن لم تكن نفعت * فإن صاحبها قد تاه في البلد (2)


(1) البى من قصيدة طويلة لابي الطيب المتنبي يمدح فيها سيف الدولة الحمداني: وأولها: ليالي بعد الظاعنين شكول * طوال، وليل العاشقى طويل والظاعنين: أي الراحلين. وشكول: أي متشاكلة متشابهة. ودرب القلة. موضع وراء الفرات، وأصل الدرب المضيق في الجبال، واستعمل في كل مدخل الى بلاد الروم وفي كل باب طريق واسع. وأصل القلة أعلى الجبل، وذكر المؤلف لهذا البيت كذكره لامثالهمن شعر المتنبي وأبى تمام والبحتري وأبي العلاء ليس على سبيل الاستشهاد ولكنه للتمثيل (2) هذا البيت من قصيدة طويلة للنابغة الذبيانى، ويروى عجزه هكذا: * فإن صاحبها محالف النكذ * (*)

[ 181 ]

أي عذر بليغ: وقد لا تكون الفعلة مرة والفعلة نوعا كالرحمة والنشدة قال " أسماء الزمان والمكان مما مضارعه مفتوح العين أو مضمومها ومن المنقوص على مفعل، نحو مشرب ومقتل ومرمى، ومن مكسورها والمثال على مفعل، نحو مضرب وموعد، وجاء المنسك والمعجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمفرق والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد والمنخر، وأما منخر ففرع كمنتن ولا غيرهما، ونحو المظنة والمقبرة فتحا وضما ليس بقياس، وما عداه فعلى لفظ المفعول " أقول: اعلم أنهم (كأنهم) (كانوا) بنوا الزمان والمكان على المضارع، فكسروا العين فيما مضارعه مكسور العين، وفتحوهما فيما مضارعه مفتوحها، وإنما لم يضموها فيما مضارعه مضمومها نحو يقتل وينصر لانه لم يأت في الكلام في غير هذا الباب مفعل إلا نادرا كمكرم ومعون على ما ذكرنا، فلم يحملوا ما أدى إليه قياس كلامهم على بناء نادر في غير هذا الباب، وعدل إلى أحد اللفظين مفعل ومفعل، وكان الفتح أخف فحمل عليه وقد جاء من يفعل المضموم العين كلمات على مفعل بالكسر لا غير، وهى: المشرق، والمغرب، والمرفق وهو موصل الذراع والعضد، وهو أيضا كل ما ينتفع به، والارتفاق: الانتفاع، والاتكاء على المرفق، ويقال فيهما المرفق على وزن المثقب أيضا، لانهما آلتا الرفق الذي هو ضد الخرق، إذ المتكئ على مرفقه ساكن مطمئن، وكذا ذو المال المنتفع به على الاغلب، ومعنى الموضع فيهما أبعد وذلك بتأويل أنهما مظنتا الرفق ومحلاه، ومنها المنبت، والمخر، والمجزر، والمسقط، والمظنة وقد جاء من يفعل المضموم العين أيضا كلمات سمع في عينها الفتح والكسر، وهي

[ 182 ]

المفرق، والمحشر، والمسجد، والمنسك (1)، وأما المحل بمعنى المنزل فلكون مضارعه على الوجهين قرئ قوله تعالى (فيحل عليكم غضبي) على الوجهين وجاء فيما مضارعه يفعل بالكسر لغات بالفتح والكسر، وهي المدب، (3)


(1) النسك - بالضم وبضمتين - كل ما يتقرب به الى الله تعالى، وقد نسكت أنسك - مثل نصر ينصر - بفتح أوله وكسره وسكون ثانية - قال في اللسان: " والمنسك والمنسك (بفتح السين وكسرها) شرعة النسك. وقيل: المنسك (بالفتح) النسك نفسه، والمنسك (بكسر السين) الموضع الذي تذبح فيه النسكة. وقال الفراء: المنسك في كلام العرب (بكسر السين) الموضع المعتاد الذى تعتاده. ويقال: إن لفلان منسكا يعتاده في خير كان أو غيره... قال ابن الاثير: قد تكرر ذكر المناسك والنسك والنسيكة في الحديث، فالمناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد (مكان التعبد) ويقع على المصدر والزمان والمكان " اه‍ ملخصا. وهذه أقوال لا يتلاقى بعضها مع بعض. (2) اعتبار المدب - بفتح الدال وكسرها - اسم مكان أحد تخريجين للعلماء في هذه الكلمة، ومنهم من جعل المفتوح مصدرا والمكسور اسم مكان، فيكون موافقا للقياس. قال في اللسان: " ومدب السيل ومدبه (بفتح الدال وكسرها) موضع جريه. يقال: تنح عن مدب السيل ومدبه، ومدب النمل ومدبه، فالاسم مكسور والمصدر مفتوح، وكذلك المفعل من كا ماكان على فعل يفعل (كضرب يضرب) قال في التهذيب: والمدب (بكسر الدال) موضع دبيب النمل وغيره " اه‍ ملخصا. وأنت ترى أنه لا يظهر وجه التفريع في قول صاحب اللسان " فالاسم مكسور والمصدر مفتوح " والمأوى: المنزل. قال الازهري: سمعت الفصيح من بنى كلاب يقول لمأوى الابل " مأواة " بالهاء. وقال الجوهري: مأوى الابل - بكسر الواو - لغة في مأوى الابل خاصة، وهو شاذ. وقال الفراء: ذكر لي أن العرب يسمى مأوى الابل مأوى بكسر الواو. قال: وهو نادر، لم يجئ في ذوات الياء والواو مفعل بكسر (*)

[ 183 ]

ومأوى الابل، والمزلة، ومضربة السيف، وجاء مقبرة ومشرقة ومفيأة ومفيؤة ومقنأة ومقنؤة (1) فتحا وضما، وكذا المشربة في الغرفة، لانهم كانوا يشربون في الغرف، والمشرقة والمفيأة من ذوات الزوائد، إذ هما موضعان للتشرق والتفيؤ فيشذان من هذا الوجه أيضا، ولهذا لم تعل المفيأة، أو لانه لم يذهب بها مذهب الفعل، كما يجئ، والمسربة لشعر الصدر مضمومة العين لاغير، قال سيبويه: لم تذهب بالمسجد مذهب الفعل، ولكنك جعلته اسما لبيت، يعنى أنك أخرجته عما يكون اسم الموضع، وذلك لانك تقول: المقتل في كل موضع يقع فيه القتل، ولا تقصد به مكانا دون مكان، ولا كذلك المسجد


العين، إلا حرفين: مأقى العين، ومأوى الابل، وهما نادران، واللغة العالية فيهما " مأوى وموق وماق " اه‍. واعتباره مأقى العين على مفعل كلام غير مبنى على تحقيق ولا نظر، لان قولهم " موق وماق " بثلاثة أحرف يدل على أن الميم من أصل الكلمة، فإذا قالوا مأقى مع ذلك تبينا أن الياء هي الزائدة، كما كان الاطل دليلا على أن الياء زائدة في الايطل، فوزن المأقى على هذا فعلى - بكسر اللام أو فتحا - (1) زل يزل زلا - كضرب يضرب -: زلق، والمزلة - بفتح الزاى وكسرها -: الموضع الذي تزلق عليه الاقدام ولا تثبت، وقال في اللسان: " وضريبة السيف، ومضربة ومضربة ومضربته ومضربته - بفتح الراء وكسرها فيهما -: حده، حكى الاخيرتين سيبويه، وقال: جعلوا اسما كالحديدة، يعنى أنهما ليستا على الفعل، وقيل: هو دون الظبة، وقيل: هو نحو من شبر في طرفه " اه‍ والمشرقة: موضع القعود للشمس، وحكى ابن سيده فيه ثلاث لغات: فتح الراء، وضمها، وكسرها، وقال: هي الموضع الذي تشرق على الشمس، وخص بعضهم ذلك بالشتاء. والمفيؤة: موضع الفئ، وهو ظل العشي، وحكى الفارسي عن ثعلب فيها المفيئة، مثل المعيشة، وحكى المجد في القاموس اللغتين اللتين حكاهما المؤلف. والمفنأة - بفتح النون وضمها - الموضع الذي لا تصيبه الشمس في الشتاء، وحكى فيها الضم والفتح، من غير همز (*)

[ 184 ]

فإنك جعلته اسما لما يقع فيه السجود بشرط أن يكون بيتا على هيئة مخصوصة، فلم يكن مبنيا على الفعل المضارع كما في سائر أسماء المواضع، وذلك أن مطلق الفعل لا اختاص فيه بموضع دون موضع، قيل: ولو أردت موضع السجود وموقع الجبهة من الارض سواء كان في المسجد أو غيره فتحت العين، لكونه إذن مبنيا على الفعل لكونه مطلقا كالفعل، وكذا يجوز أن يقال في المنسك، إذ هو مكان نسك مخصوص، وكذا المفرق، لانه مفرق الطريق، أو الرأس، وكذا مضربة السيف مخصوصة برأس السيف قدر شبر، وليس بمعنى موضع الضرب مطلقا، فلذا جاء فيه الفتح أيضا: أي لكونه غير مبنى على الفعل، ولذا دخلته التاء التي لا تدخل الفعل، وكذا المقبرة، إذ ليست اسما لكل ما يقبر فيه: أي يدفن، إذ لا يقال لمدفن شخص واحد مقبرة فموضع الفعل إذن مقبر كما هو القياس، وكذا المشرقة اسم لموضع خاص لا لكل موضع يتشرق فيه من الارض من جانب الغرب أو الشرق (1) وكذا المقنأة والمفيأة، وكذا المنخر صار اسما لثقب الانف، ولا يقصد فيه معنى النخر، وكذا المشربة ليس اسما لكل موضع يشرب فيه الماء ويجري، قال سيبويه: وكذا المطبخ والمربد بكسر الميم فيهما اسمان لموضعين خاصين لا لموضع الطبخ مطلقا، ولا لكل موضع الربود: أي الاقامة، بل المطبخ بيت يطبخ فيه الاشياء معمول له، والمربد محبس الابل، أو موضع يجعل فيه التمر، ويجوز أن يقال في المرفق بكسر الميم في المعنيين: أن أصله الموضع، فلما اختص غير بكسر الميم عن وضع الفعل كما قال سيبويه في المطبخ والمربد، فكل ما جاء على مفعل بكسر العين مما مضارعه يفعل بالضم فهو شاذ من


(1) لم يبين المؤلف هذا الموضع الخاص أي شئ هو، كما بين المشربة مثلا أنها صارت اسما للغرفة، ولم نعثر على ما يرشد إلى هذا المعنى الخاص في كتب اللغة التي بين أيدينا (*)

[ 185 ]

وجه، وكذا مفعلة بالتاء مع فتح العين، (1)، وكذا مفعل بكسر الميم وفتح العين، ومفعلة كالمظنة أشذ، ومفعلة بضم العين كالمقبرة أشذ، إذ قياس الموضع إما فتح العين أو كسرها، وكذا كل ما جاء من يفعل المكسور العين على مفعل بالفتح شاذ من وجه، وكذا مفعلة بالتاء معكسر العين، ومفعلة بفتحها أشذ، لكن كل ما ثبت اختصاصه ببعض الاشياء دون بعض وخروجه عن طريقة الفعل فهو العذر في خروجه (2) عن القياس كما ذكرنا قوله " ومن المنقوص " يعنى نحو المثوى وإن كان من يفعل بكسر العين وإن كان أيضا مثالا واويا كالمولى لموضع الولاية، وذلك لتخفيف الكلمة بقلب اللام ألفا، وإنما كان المثال الواوي على مفعل بالكسر وإن كان على يفعل كالمؤجل والموحل لما ذكرنا في باب المصدر، وذكرنا هناك أن بعض العرب يقولون موجل وموحل فيطرد ذلك في الموضع والزمان أيضا، وحكى الكوفيون الموضع، وقد جاء على مفعل بالفتح من المثال بعض أسماء ليست بمصادر ولا أمكنة مبنية على الفعل، كموحد في العدد، والموهبة للغدير من الماء (3)، وأما موظب في اسم


(1) مع أن الامثلة التي وردت مقترنة بالتاء كثيرة جدا قد نص كثير من العلماء على أن لحاق التاء شاذ يقتصر فيه على ما سمع، والتمس بعضهم للحاق التاء لبعض الاسماء سببا كالمبالغة أو إرادة البقعة. وهذا عجيب، ما مدخل التاء في الزنة ؟ ! ! (2) هذا وجه ذكره المؤلف تبعا لسيبويه، ومن العلماء من يرى أن هذه الالفاظ أسماء أمكنة الاحداث المطلقة، ولم يخرج بها عن مذهب الفعل ولكنها من حيث صيغتها شاذة عن القياس (3) الموهبة - بفتح الهاء وكسرها -: غدير صغير من الماء، وقيل: نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء. وفي التهذيب: وأما النقرة في الصخرة فموهبة بفتح الهاء. جاء نادرا قال: - ولفوك أطيب إن بذلت لنا * من ماء موهبة على خمر (*)

[ 186 ]

مكان وموهب وموألة وموكل ومورق في أعلام رجال معينين فمنقولات من المبنى على الفعل، وفيها العدل كما ذكرنا في باب مالا ينصرف والمثال اليائي بمنزلة الصحيح عندهم لخفته تقول في ييقظ ميقظ في المصدر والزمان والمكان، ومنه قوله نعالى (فنظرة إلى ميسرة) بفتح العين قوله " ولا غيرهما " قال سيبويه: يقال في مغيرة مغيرة بكسر الميم للاتباع. قوله " فتحا وضما " يعني بهما المقبرة، دون المظنة، فانه لم يأت فيها إلا الكسر، وإنما كان الفتح في المقبة شاذا لكونها بالتاء، والمفعل في المكان والزمان والمصدر قياسه التجرد عن التاء قوله " وما عداه فعلى لفظ المفعول " يعني ماعد الثلاثي المجرد، وهو ذو الزيادة والرباعي، فالمصدر بالميم منه والمكان والزمان على وزن مفعوله، قياسا لا ينكسر، كالمخرج والمستخرج والمقاتل والمدحرج والمتدحرج والمحرنجم يحتمل كل منها أربعة معان قال: " الالة على مفعل ومفعال ومفعلة، كالمحلب والمفتاح والمكسحة، ونحو المسعط والمنخل والمدق والمدهن والمكحلة والمحرضة ليس بقياس ". أقول: اعلم أن المحلب ليس موضع الحلب، لان موضعه هو المكان الي يقعد فيه الحالب للحلب، بل هو آلة يحصل بها الحلب، وكذا المسرجة - بكسر الميم - كما قال سيبويه قوله " ونحو المسعط والمنخل " هذا لفظ جار الله، وهو موهم أنه جاء من هذا النوع غير الالفاظ المذكورة أيضا، وقال سيبويه: جاء خمسة أحرف بضم

[ 187 ]

الميم: المكحلة، والمسعط، والمنخل، والمدق، والمدهن، هذر كلامه، وجاء المنصل (1) أيضا، لكنه ليس بآلة النصل، بل هو بمعنى النصل، وأما المحرضة فذكرها الزمخشري، وفي الصحاح المحرضة بكسر الميم وفتح الراء، وكذا قال ابن يعيش: لا أعرف الضم (2) فيها، قال سيبويه في الاحرف الخمسة: هي مثل المغفور والمغثور، وهما ضرب من الصمغ، والمغرود: ضرب من الكمأة، والمغلوق: المغلاق، أربعة أحرف جاءت على مفعول، لا نظير لها في كلام العرب، وقال سيبويه في المكحلة وأخواتها: لم يذهبوا بها مذهب الفعل، ولكنها جعلت أسماء لهذه الاوعية، يعني ان المكحلة ليست لكل ما يكون فيه الكحل، ولكنها اختصت بالالة المخصوصة، وكذا أخواتها، فلم تكن مثل المكسحة والمصفاة، فجاز تغييرها عما عليه قياس بناء الالة كما قلنا في المسجد وأخواته، والمسعط: ما يسعط به الصبي أو غيره، أي يجعل به السعوط في أنفه، والمدق: ما يدق به الشئ كفهر العطار، والمدهن: ما يجعل فيه الدهن من زجاج ونحوه، ولو قيل إن المكحلة والمدهن موضعان


(1) المنصل - بضم الميم، وصاده مضمومة أو مفتوحة - السيف. قال ابن سيده: لا نعلم اسما اشترك فيه هذان الوزنان إلا المنصل والمنخل " اه‍ بمعناه. والنصل: حديدة السيف والرمح والسهم والسكين ما لم يكن لها مقبض، فان كان معها مقبض فهي سيف أو رمح أو سهم أو سكين (2) الذي ذكر صاحب القاموس وصاحب اللسان المحرضة - بكسر الميم وفتح الراء - كما نقل المؤلف عن الصحاح، وقالا: هي وعاء الحرض. والحرض كقفل وكعنق -: الاشنان وهو شجر يؤخذ ورقه رطبا ثم يحرق ويرش الماء على رماده فينعقد، ثم تغسل به الايدى والثياب، ولا يزال مستعملا في جزيرة العرب إلى يوم الناس هذا. وقرئ في قوله تعالى (حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين) بفتحتين وبضمتين وبضم فسكون (*)

[ 188 ]

للكحل والدهن، ولم يبنيا على مفعل كما هو بناء المواضع لانهما ليس موضعين لما يفعل فيه الشئ كالمقتل حتى يبنيا على الفعل، بل هما موضعان لاسم جامد، لم يبعد، فإذا جعلا آ لتين فهما بمعنى آلة الحل والدهن - بفتح الكاف والدال - كالمثقب لالة الثقب، والمحرضة: وعاء الحرض: أي الاشنان، والظاهر أن مضربة السيف آلة الضرب، لا موضعه، غيرت عما هو قياس بناء الالة لكونها غير مذهوب بها مذهب الفعل وجاء الفعال أيضا للالة، كالخياط والنظام واعلم أن الشئ إذا كثر بالمكان وكان اسمه جامدا فالباب فيه مفعلة بفتح العين، كالمأسدة والمسبعة والمذأبة: أي الموضع الكثير الاسد والسباع والذئاب، وهو مع كثرته ليس بقياس مطرد، فلا يقال مضبعة ومقردة، ولم يأتوا بمثل هذا في الرباعي فما فوقه، نحو الضفدع والثعلب، بل استغنوا بقوله: كثير الثعالب، أو تقول: مكان مثعلب ومعقرب ومضفدع ومطحلب بكسر اللام الاولى على أنها اسم فاعل، قال (لبيد): - 29 - يممن أعدادا يلبنى أو أجا * مضفدعات كلها مطحلبة (1)


(1) البيت للبيد بن ربيعة العامري، كما ثبت في بعض نسخ الاصل. وقد أنشد الجوهري والصاغاني في العباب هذا البيت لما ذكره المؤلف. ويممن: قصدن والاعداد - بفتح الهمزة -: جمع عد بكسر العين مثل حمل وأحمال وقدح وأقداح ووتر وأوتار، والعد: الماء الذي له مادة لا تنقطع كماء العين وماء البئر، ولبنى - بضم فسكون -: اسم جبل، وأجا بوزن عصا في هذا البيت، والاكثرون يهمزونه مثل خطأ، وهو أحد جبلى طئ، ومضفدعات: كثيرة الضفادع، وهي صفة لاعداد، ومطحلبة: كثيرة الطحلب. وتقول: ضفدع الماء وطحلب، إذا كثرت ضفادعه وطحالبه، مثل قولك: زجست الدواء، وفلفلت الطعام وعبهرته، وزعفرت الثوب، وعندمت الفتاة أناملها، ونحو ذلك من كل فعل تأخذه على مثال دحرج من اسم جنس رباعى الاصول أو منزل منزلته (*)

[ 189 ]

ولو كانوا يقولون من الرباعي على قياس الثلاثي لقالوا مثعلبة ومعقربة على وزن المفعول، لان نظير المفعل فيما جاوز الثلاثة على وزن مفعوله، نحو مدحرج ومقاتل وممزق، كما ذكرنا في المكان والزمان والمصدر، ولم يسمع مثعلبة ومعقربة بفتح اللام، فلا تظن أن معنى قول سيبويه " فقالوا على ذلك أرض مثعلبة ومعقربة " أن ذلك مما سمع، بل معنى كلامه أنهم لو استعملوا من الرباعي لقالوا كذا، قال: ومن قال ثعالة قال مثعلة، لان ثعالة من الثلاثي، قال الجوهري: وجاء معقرة بحذف الباء: أي كثيرة العقارب، وهو شاذ (1) قال: " المصغر المزيد فيه ليدل على تقليل، فالمتمكن يضم أوله ويفتح ثانيه وبعدهما ياء ساكنة، ويكسر ما بعدها في الاربعة إلا في تاء التأنيث وألفيه والالف والنون المشبهتين بهما وألف أفعال جمعا "


(1) لم يذكر المؤلف ولا صاحب الاصل تعريف اسم الالة، وسكتا عن بيان الفعل الذي يؤخذ منه، وعبارة سيبويه في تعريفه اسم الالة: أنه ما يعالج به، وعبارة المفصل وشرحه: اسم ما يعالح به وينقل، واما أنه يؤخذ من أي الافعال فانا رأينا العرب قد استعمل أسماء آلات من أفعال ثلاثية متعدية مثل المكسحة والمكنسة والمفتاح كالميضئة والمطهرة والمصفاة، ووجدنا بعض أسماء الالات مأخوذا على هذا القياس وليس له أفعال ثلاثية مجردة من معناها، من ذلك المصباح فانالم نجد له فعلا ثلاثيا من معناه، بل المستعمل منه استصبح أي أشعل السراج، ومن ذلك المسرجة فان فعلها أسرج، ووجدناهم قد أخذوا بعض أسماء الالات من أسماء الاجناس، ومن ذل لمخدة، فانهم أخذوها من الخد، والملحفة، فأنهم أخذوها من اللحاف، وجدنا كل ذلك في كلام العرب ولكنا نرى الا يؤخذ اسم الالة من اسم جنس حتى يكون قد استعمل منه فعل، فأما من الافعال فيؤخذ من الثلاثي اللازم والمتعدي على إحدى هذه الصيغ التي ذكرها المؤلف والله أعلم (*)

[ 190 ]

أقول: يعنى المصغر ما زيد فيه شئ حتى يدل على تقليل، فيشمل المهمات كذياك واللذيا وغيرهما، والتقليل يشمل تقليل العدد كقولك: " عندي دريهمات " أي أعدادها قليلة، وتقليل ذات المصغر بالتحقير حتى لا يتوهم عظيما نحو كليب ورجيل، ومن مجاز تقليل الذات التصغير المفيد للشفقة والتلطف كقولك يا بنى ويا أخى، وأنت صديقي، وذلك لان الصغار يشفق عليهم ويتلطف بهم، فكنى بالتصغير عن عزة المصغر على من أضيف إليه، ومن ذلك التصغير المفيد للملاحة كقولك هو لطيف مليح ومه قوله: - 3 - يا ما أميلح غزلا ناشدن لنا * (1) (من هؤليائكن الضال والسمر) وذلك لان الصغار في الاغلب لطاف ملاح، فإذا كبرت غلظت وجهمت، ومن تقليل ذات المصغر تصغير قبل وبعد في نحو قولك خروجي قبيل قيامك، أو بعيده، لان القبل هو الزمان المتقدم على الشئ، والبعد هو الزمان المتأخر عنه، فمعنى قبيل قيامك أي في زمان متقدم على قيامك صغير المقدار، والمراد ان الزمان الذي أوله مقترن بأخذى في الخروج وآخره متصل بأخذك في القيام صغير المقدار، ومنه تصغير الجهات الست كقولك: دوين النهر، وفويق الارض، على ما ذكرنا من التأويل في قبيل وبعيد، والغرض من تصغير مثل هذا الزمان والمكان


(1) هذا البيت قد اختلف في نسبته إلى قائله فنسبه قوم إلى العرجى ونسبه جماعة إلى بدوى سموه كاملا الثقفى ونسبه قوم إلى الحسين بن عبد الرحمن العريني وأميلح: تصغير أملح، وهو فعل تعجب من الملاحة وهى البهجة وحسن المنظر، والفعل ككرم، والغزلان جمع غزال. وشدن بتشديد النون: فعل ماض مسند إلى نون النسوة وتقول: شدن الغزال يشدن شدونا مثل خرج يخرج خروجا، إذا قوى وطلع قرناه واستغنى عن أمه. وهؤلياء: تصغير هؤلاء. والضال: جمع ضالة وهو السدر البري (والسدر شجر النبق). والسمر - بفتح فضم - جمع سمرة، وهي شجرة الطلح وسقط من الاصل الشطر الثاني من البيت (*)

[ 191 ]

قرب ظروفهما مما أضيفا إليه من ذلك الجانب الذي أفاده الظرفان، فمعي خروجي قبيل قيامك قرب الخروج من القيام من جانب القبلية، وكذا ما يماثله وقيل: يجئ التصغير للتغظيم، فيكون من باب الكناية، يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية في العظم، لان الشئ إذا جاوز حده جانس ضده، وقريب منه قول الشاعر: - 31 - داهية قد صغرت من الكبر * صل صفا ما تنطوي من القصر (1) واستدل لمجئ التصغير للاشارة إلى معنى التعظيم بقوله: - 32 - وكل أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفر منها الانامل (2) ورد بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم بها، إذ المراد بها الموت: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الانامل، واستدل أيضا بقوله:


(1) لم نعثر لهذا البيت على نسبة إلى قائل معين، ولم يشرحه البغدادي. والداهية: المصيبة من مصائب الدهر، وأصل اشتقاقها من الدهى - بفتح فسكون. وهو النكر، وذلك لان كل أحد ينكرها. والصل: الحية التي تقتل إذا نهشت من ساعتها، والصفا: الصخرة الملساء، ويقال للحية: إنها لصل صفا، وإنها لصل صفى (كدلى)، أذا كانت منكرة، وهو يريد بهذا أنها ضخمة (2) هذا البيت لبى بن ربيعة العامري. وقوله دويهية هو تصغير داهية، ويروى في مكانه خويخية وهو مصغر خوخة - بفتح فسكون - وهى الباب الصغير أي أنه سينفتح عليهم باب يدخل إليهم منه الشر، والمراد بالانامل الاظفار وصفرتها تكون بعد الموت. والشاهد في هذا البيت قوله دويهية فقد حقق المؤلف أن تصغيرها للتحقير وحكى أنه قيل إن تصغيرها للاشارة إلى التعظيم (*)

[ 192 ]

33 - فويق جبيل شاهق الرأس لم تكن * لبتلغه حتى تكلل وتعملا (1) ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلا، وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده واعلم أنه قصدوا بالتصغير والنسبة الاختصار كما في التثنية والجمع وغير ذلك، إذ قولهم رجيل أخف من رجل صغير، وكوفي أخصر من منسوب إلى الكوفة، وفيهما معنى الصفة كما ترى، لكن المنسوب يعلم رفعا بخلاف المصغر، لما مر في شرح (2) الكافية، ولما كان استعمال الجمع في كلامهم أكثر من استعمال


(1) هذا البيت من قصيدة لاوس بن حجر في وصف قوس: نصف امتناع منبتها وتجشمه الاهوال إليها، والقواسون يطلبون العيدان العتاق من منابتها حيث كانت في السهول والحزون ويستدلون عليها من الرعاء وقناص الوعول ويجعلون فيها الجعائل وربما أبصر والشجرة منها بحيث لا يستطيعها راق فيتدلون عليها بالحبائل في المهاوي والمهالك. وفويق: تصغير فوق. وجبيل: تصغير جبل. وتكل تتعب وتعيى، وبابه ضرب. وتعمل: أراد تجتهد في العمل (2) قال المؤلف في شرح الكفاية (ج‍ 2 ص 169): " والوصف الذي يجمع بالواو والنون اسم الفاعل واسم المفعول وأبنية المبالغة، إلا ما يستثنى، والصفة المشبهة والمنسوب والمصغر نحو رجيلون، إلا أن المصغر مخالف لسائر الصفات من حيث لا يجري على الموصوف جريها، وإنما لم يجر لان جرى الصفات عليه إنما كان لعدم دلالتها على الموصوف المعين كالضارب والمضروب والطويل والصري، فانها لا تدل على موصوف معين، وأما المصغر فانه دال على الصفة والموصوف المعين معا، إذ معنى رجيل رجل صغير، فوزانه وزان نحو رجل ورجلين في دلالتهما على العدد والمعدود معا، فلم يحتاجا إلى ذكر عدد قبلهما كما تقدم، وكل صفة تدل على الموصوف المعين لا يذكر قبلها كالصفات الغالبة، ويفارقها أيضا من حيث إنه لا يعمل في الفاعل عملها، لان الصفات ترفع بالفاعلية ما هو موصفها معنى، والوصوف في المصغر مفهوم من لفظه فلا يذكر بعده كما لا يذكر قبله، فلما لم يعلم (*)

[ 193 ]

المصغر، وهم إليه أحوج، كثرو أبنية الجمع ووسعوها ليكون لهم في كل موضع لفظ من الجمع يناسب ذلك الموضع، إذ ربما يحتاج في الشعر أو السجع إلى وزن دون وزن فقصرهم الجموع على أوزان قليقد كالتصغير مدعاة إلى الحرج، بخلاف المصغر، ثم لما كان أبنية المصغر قليلة واستعمالها في الكلام أيضا قليلا، صاغوها على وزن ثقيل، إذ الثق مع القلة محتمل، فجلبوا لاولها أثقل الحركات، ولثالثها أوسط حروف المد ثقلا، وهو الباء، لئلا يكون ثقيلا بمرة، وجاءوا بين الثقلين بأخف الحركات، وهو الفتحة، لتقاوم شيئا من ثقلهما، والاولى أن يقال: إن الضم والفتح في عنيق وجميل وصريد غيرهما في عنق وجمل وصرد، كما قيل في فلك وهجان قوله " فالمتمكن يضم أوله " إنما خص المتمكن لان المبهمات تصغر على غير هذا النمط، كما يجئ في آخر الباب قوله " في الاربعة " احتراز من الثلاثي، لان ما بعد الياء فيه حرف الاعراب فلا يجوز أن يلزم الكسر، وكان ينبغى أن يقول " في غير الثلاثي " ليعم نحو عصيفير (1) وسفيرج، وإذا حصل بعد ياء التصغير مثلان أدغم أحدهما في الاخر فيزول الكسر بالادغام، نحو أصيم ومديق، ويعد هذا من باب التقاء السكانين على حده، كما يجئ في بابه، وهو أن يكون الساكن الاول حرف مدأى ألفا أو واوا أو ياء ما قبلها من الحركة من جنسها، إذ ما قبل ياء التصغير وإن لم يكن من جنسها لكن لما لزمها السكون أجريت مجرى المدمع أنفي مثل هذا الياء والواو أي الساكن المفتوح ما قبله شيئا من المد، وإن لم يكن تاما، ألا ترى أن الشاعر إذا


في الفاعل وهو أصل معمولات الفعل لم يعمل في غيره من الظرف والحال وغير ذلك " اه‍ وسيأتي لهذا الموضوع مزيد بحث في أول باب النسب (1) عصيفير: تصغير عصفور وفي بعض النسخ عصيفر - بمهملتين - فتكون تصغير عصفر وهو نبات يصبغ به (*)

[ 194 ]

قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهى مردفة ولزمه أن يأتي بها في جميع القصيدة كما في قوله: - 34 - ومهمهين قذفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين (2) قوله " إلا في تاء التأنيث " لانها كلمة مركبة مع الاولى وإن صارت كبعض حروف الاولى من حيث دوران الاعراب عليها، وآخر أولى الكلمتين المركبتين مفتوح، فصار حكم التاء في فتح ما قبلها في المصغر والمكبر سواء قوله " وألفي التأنيث " أي المقصورة والممدودة، نحو حبيلى وحميراء، وإنما لم يكسر ما قبلهما إبقاء عليهما من أن ينقلبا ياء، وهما علامتا التأنيث، والعلامة لا تغير ما أمكن، أما لزوم انقلاب علامة التأنيث ياء في المقصورة فظاهر، وأما في الممدودة فالعلامة وإن كانت هي الهمزة المنقلبة عن ألف التأنيث، والالف التى قبلها للمد كما في حمار، لكن لما كان قلب ألف التأنيث همزة لا واوا ولا ياء للالف التى قبلها، كما ذكرنا في باب التأنيث، استلزم قلب الاولى ياء قلب الثانية ياء أيضا كما في قوله: - 35 - * لقد أغدو على أشقر يغتال الصحاريا (1) *


(1) هذا بيتان من الرجز المشطور من أرجوزة طويلة لخطام بن نصر بن عياض بن يربوع المجاشعى الدارمي. ومهمهين: تثنية مهمه وهو القفر المخوف. وقذفين: تثنية قذف - بفتحتين كبطل - وهو البعيد من الارض. ومرتين: تثنية مرت - بفتح فسكون - وهو الارض التى لا ماء بها لا نبات. والظهر: ما ارتفع من الارض، شبهه بظهر الترس في ارتفاعه وتعريه من النبات (2) هذا البيت للوليد بنيزيدبن عبد الملك بن مروان، وأراد بالاشقر الفرس الذى لونه الشقرة، وهى حمرة صفة بخلاف الشقرة في الانسان، فأنها فيه حمرة يعلوها بياض. ويغتال: يهلك، واستعاره لقطع المسافة بسرعة شديدة. والصحارى (*)

[ 195 ]

وقد تغير علامة التأنيث إذا اضطروا إليه، وذلك إذا وقعت قبل ألف التثنية نحو حبليان، أو ألف الجمع نحو حبليات، وإنما جاز تغييرها بلا ضرورة في نحو حمداوان وحمراوات إجراء لالفي التأنيث الممدودة والمقورة مجرى واحدا في قبلهما قبل ألفى التثنية والجمع. وقد يجئ أسماء في آخرها ألف للعرب فيها مذهبان: منهم من يجعل تلك الالف للتأنيث فلا يقلبها في التصغير ياء، ومنهم من يجعلها لغير التأنيث فيكسر ما قبلها ويقلبها ياء، وذلك نحو علقى وذفرى وتترى، فمن نونهال قال عليق وذفير وتتير، ومن لم ينونها قال عليقى وذفيرى وتترى (1) وكذا يجئ في الممدودة ما لهم فيه مذهبان كغوغاء (2) من نونه وجعله فعلالا كزلزال قال في التصغير


- بتشديد الياء - جمع صحراء وهي البرية وتشديد الياء في صحارى هو الاصل في جمع ما مفرده مثل صحراء كعذاره ولكنهم كثيرا ما يخففون بحذف الياء الاولى لاستثقال الياء المشددة في آخر الجمع الاقصى مع بقاء كسر ما قبلها، وقد يخففون بعد ذلك بفتح هذه الكسرة وقلب الياء ألفا كما قالوا عذارى وصحارى ومدارى. وسيأتى لذلك مزيد بحث في باب جمع التكسير (1) علقى: شجر تدوم خضرته في القيظ وله أفنان طوال دقاق وورق لطاف اختلف في ألفها فبعضهم يجعلها للتأنيث فلا ينونها. وبعضهم يجعلها للالحاق بجعفر وينونها والذفرى: العظم الشاخص خلف الاذن، واختلف في ألفها أيضا على النحو السابق. وتترى: أصلها وترى من المواترة وهى المتابعة، فالتاء بدل من الواو بدلا غير قياسي واختلف في ألفها أيضا فمنهم من جعلها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى، ومنهم من يجعلها للتأنيث بمنزلة سكرى وغضبى. (2) غوغاء: الاصل في الغوغاء الجراد حين يخف للطيران، ثم استعير للسفلة من الماس والمتسرعين إلى الشر، ويجوز أن يكون من الغوغاء الذى هو الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم (*)

[ 196 ]

غويفى، ومن لم ينونه وجعله كحمراء قال غويغاء، وكذا في قوباء (1) من فتح الواو فالالف للتأنيث لا غير، وتصغيره قويباء، ومن سكنها وجعله ملحقا بقرطاس فتصغيره قويبي. وإنما لم تقلب الالف التى قبل النون الزائدة ياء تشبيها لها بألف حمراء، وليس كل ألف ونون زائدتين في آخر الاسم تشبهان بألف التأنيث الممدودة فيمتنع قلب ألفه في التصغير ياء، فإذا أرادت تمييز ما يقلب ألفه ياء مما لا تقلب فاعلم أنهما إذا كانا في علم مرتجل نحو عثمان وعمران وسعدان وغطفان وسلمان ومروان شابهتاها، لان تاء التأنيث لا تلحقهما لا قبل العلمية ولا معها، أما قبلها فلفرضنا ارتجالها، وأما معها فلان العلمية مانعة كما مر فيما لا ينصرف (2)، فعلى هذا تقول عثيمان


(1) قوباء - بضم القاف والواو مفتوحة أو ساكنة -: الذى يظهر في الجسد ويخرج عليه وهو داء معروف يتقشر ويتسع يعالج ويداوى بالريق. قال الفراء: " القوباء تؤنث وتذكر، وتحرك وتسكن، فيقال هذه قوباء - بالتحريك - فلا تصرف في معرفة ولا نكرة، ويلحق بباب فقهاء، وهو نادر، وتقول في التخفيف هذه قوباء، فلا تصرف في المعرفة وتصرف في النكرة " اه‍ ومراده بالتخفيف سكون الواو، وإنما كانت محتملة للصرف وعدمه حينئذ لكون الالف للالحاق، ولو كانت للتأنيث لم تنصرف معرفة ولا نكرة، لان ألف التأنيث تستقل وحدها بالمنه من الصرف (2) قال في شرح الكافية (ج‍ 1 ص 43): " وأما الزيادة في الاعلام فنقول: إن كان الحرف الزائد لا يفيد معنى كألف التأنيث في نحو بشرى وذكرى وتاء التأنيث في نحو غرفة وألف الالحاق في نحو معزى لم يجز زيادته، لان مثل ذلك لا يكون إلا حال الوضع، وكلامنا فيما يزاد على العلم بعد وضعه إذا استعمل على وضعه العلمي، وكذا الحكم إن لم تفد الزيادة، إلا ما أفاد العلم كتاء الوحدة ولا التعريف، من غير اشتراك العلم، وإن أفادت الزيادة معنى آخر فان لم يقع لفظ العلم بذلك المعنى على ما وضع له أولا لم يجز، لزوال الوضع العلمي، فلا تزيد (*)

[ 197 ]

عميران وسعيدان وغطيفان وسليمان ومريان، وأما عثمان في فرخ الحبارى على ما قيل وسعدان في نبت فتصغيرهما عثيمين وسعيدين، وليسا أصلين لسعدان وعثمان علمين، بل اتفق العلم المرتجل والجنس، كما اتفق الاعجمي والعربي في يعقوب وآزر، وسعدان اسم مرتجل من السعادة كسعاد منها، وعثمان مرتجل من العثم (1)، وكذا إن كانتا في صفة ممتنعة من التاء كجوعان وسكران تشابهانها بانتفاء التاء، فتقول: سكيران وجويعان، وإن كانتا في صفة لا تمتنع من التاء كالعريان والندمان والصميان للشجاع والقطوان للبطئ شبهتا بالالف والنوف في باب سكران، لكونها صفات مثله وان لحقتها التاء، فقيل: عريان ونديمان وصميان وقطيان، وإن كانتا في الاسم الصريح غير العلم فانهما لا تشبهان بالالف والنون في باب سكران مطلقا، إذ لا يجمعهما الوصف كما جمع عريانا وسكران، بل ينظر هل الالف رابعة أو فوقها، فان كانت رابعة نظر، فان كان الاسم الذي هما في آخره مساويا لاسم آخره لان قبلها ألف زائدة في عدد الحروف والحركات والسكنات وإن لم يساوه وزنا حقيقيا قلب في التصغير ياء تشبيها لها بذلك الالف الذي قبل اللام، وذلك في ثلاثة أوزان فقط: فعلان، وفعلان، وفعلان، كحومان وسلطان وسرحان، فان نون حومان موقعها موقع اللام في جبار وزلزال، وموقع نون


عليه التاء المفيدة لمعنى التأنيث، وإن بقى لفظ العلم مع تلك الزيادة واقعا على ما كان موضوعا له جازت مطلقا إن لم يخرج العلم بها عن التعيين كياء النسبة وياء التصغير وتنوين التمكن نحو هاشمى وطليحة، وإن خرج بها عن التعيين جازت بشرط جبران التعيين بعلامته كما في الزيدان والزيدون على ما يجئ في باب الاعلام " اه‍ (1) العثم - بفتح فسكون -: جبر العظم المكسور على غير استقامته، وتقول عثمت المرأة المزادة - من باب نصر - إذا خرزتها خرزا غير محكم، وفي المثل " إلا أكن صنعا فانى أعتثم " أي: إن لم أكن حاذقا فأنى أعمل على قدر معرفتي، والصنع بفتحتين - الماهر الحاذق (*)

[ 198 ]

سلطان كلام قرطاس وزنار (1) وطومار، وموقع نون سرحان كلام سربال (1) ومفتاح وإصباح، فتقول: حويمين وسليطين وسريحين، كزليزيل وقريطيس ومفيتيح، وإن لم يكن الاسم المذكور مساويا لما ذكرنا فيما ذكرنا كالظربان والسبعان (3) وفعلان وفعلان وفعلان إن جاءت في كلامهم لم يشبه ألفها بالالف التى قبل اللام، إذ لا يقع موقع الالف والنون فيها ألف زائدة بعدها لام، بل تشبه الالف والنون فيها بالالف والنون في باب سكران، فلا نقلب الالف ياء، نحو ظريبان وسبيعان في تصغير ظربان وسبعان، وإنما جاز تشبيههما بها ههنا في التصغير ولم يجز ذلك في الجمع فلم يقل ظرابان بل ظرابين لتمام بنية التصغير قبل الالف والنون، وهى فعيل، بخلاف بنية الجمع الاقصى، وإذا جاز لهم لاقامة بنية الجمع الاقصى قلب ألف التأنيث وهى أصل الالف والنون كما في الدعاوى والفتاوى والحبالي في المقصورة والصحارى في الممدودة كما يجئ في باب الجمع فكيف بالالف والنون


(1) الزنار - كرمان - ومثله الزنارة: ما يلبسه الذمي يشده على وسطه. والطومار ومثله الطامور كالخابور: الصحيفة، قال ابن سيده: " قيل هو دخيل وأراه عربيا محضا ؟ ؟ ؟ لان سيبويه قد اعتد به في الابنية فقال: هو ملحق بفسطاط وإن كانت الواو بعد الضمة، فانما كان ذلك لان موضع المد إنما هو قبيل الطرف مجاورا له كألف عماد وياء عميد وواو عمود، فأما واو طومار فليست للمد، لانها لم تجاور الطرف، فلما تقدمت الواو فيه ولم تجاور طرفه قال إنه ملحق " اه‍ (2) السربال: القميص، والدرع، وقيل: كل ما لبس فهو سربال (3) الظربان - بفتح فكسر - والظرباء كذلك ممدودا: دابة تشبه القرد على قدر الهر، وقيل: تشبه الكلب طويلة الخرطوم سوداء الظهر بيضاء البطن كثيرة الضو متننة الرائحة تفسو في جحر الضب فيخرج ن خبث رائحتها فتأكله، وتزعم الاعراب أنه تفسو في ثوب أحدهم إذا صادها فلا تذهب رائحته حتى يبلى الثوب. والسبعان - بفتح السين وضم الباء -: موضع معروف في ديار قيس، قال ابن مقبل:

[ 199 ]

وكان قياس نحو ورشان وكروان (1) أن يكون كظربان، إذ لا يقع موقع نونه لام، كما لم يقع موقع نون ظربان وسبعان، لكنه لما جاءت على هذا الوزن الصفات أيضا كالصميان والقطوان (2) وشبهت ألفها بألف سكران فلم تقلب كما مر، قصدوا الفرق بينهما، فقلبت في الاسم فقيل: وريشين وكريوين (3)، لان تشبيه الصفة بالصفة أنسب وأولى من تشبيه الاسم بها وإن كانت الالف فوق الرابعة: فان كانت خامسة كزعفران وعقربان وأفعوان (4) لم يجز تشبيهها بالالف التي قبل اللام وقلبها ياء، إذ لا تقلب تلك الالف ياء في التصغير إلا رابعة كمفتاح ومصباح، فلم يبق إلا تشبيهها بألف التأنيث


ألا يا ديار الحي بالسبعان * أمل عليها بالبلا الملوان قال في اللسان: " ولا يعرف في كلامهم اسم على فعلان (بفتح الفاء وضم العين) غيره " اه‍ (1) الورشان - بفتحات - طائر شبه الحمامة، والانثى ورشانة، يجمع على ورشان - بالكسر - ووراشين، والورشان أيضا: الجزء الذي يغطيه الجفن الاعلى من بياض المقلة. والكروان بالتحريك - طائر، ويدعى الحجل والقبج (الاول كبطل والثاني كفلس) وجمعه كروان (بكسر فسكون) وكراوين (2) الصميان - بفتحات - من الرجال: الشديد المحتنك السن، والجرئ الشجاع، والصميان أيضا: التلفت والوثب: يقال رجل صميان، إذا كان ذا توثب على الناس والقطوان - بفتحات -: مقارب الخطو في مشيه. يقال: قطا في مشيته يقطو واقطواطى فهو قطوان وقطوطى (3) كذا في جميع النسخ بتصحيح الواو، والذي يقتضيه القياس كما يأتي في كلام المؤلف قريبا أن يقال: كربين بقلب الواو التي هي لام ياء وجوبا. اللهم إلا أن يكون أراد الاتيان بها حسب الاصل (4) العقربان - بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه مع تخفيف الباء وتشديدها -: الذكر من العقارب. والافعوان - بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه كذل - الذكر من الافاعى (*)

[ 200 ]

فقيل: زعيفران وعقيربان وأفيعيان وفي صليان (1) صليليان، وكان القياس أن يقال في أسطوانة أسيطيانة، لكنه حذف الواو فيها شاذا، فصارت الالف رابعة فقيل: أسيطينة، كثعيمين، وكذا قيل في الجمع أساطين، كذا قياس إنسان أن يصغر على أنيسين كسريحين لكنه لما زيد ياء قبل الالف شاذا في الاصح كما يجئ في ذى الزيادة صارت الالف خامسة كما في أفعوان وعقربان وإن كانت الالف فوق الخامسة: فان كان في جملة الاحرف المتقدمة عليها ما يلزمه حذف بحيث تصير الالف بعد حذفه خامسة بقيت بحالها لانها تصير إذن كما في عقربان، وذلك كما تقول في عبوثران (2) عبيثران، لان الواو زائدة، وإن لم يكن كذلك حذفت الالف والنون كما تقول في قرعبلانة (3) قريعبة لانك تحذف الاصلى قبلهما فكيف تخليهما ؟


(1) الصليان نبت له سنمة عظيمة كأنها رأس القصبة إذا خرجت أذنابها تجذبها الابل والعرب تسميه خبزة الابل، واختلف علماء اللغة في وزنه فمنهم من قال إنه على وزن فعلان بكسر الفاء والعين المشددة -، وقال بعضهم: هو فعليان - بكسر الفاء واللام وسكون العين - (2) قال في اللسان: " العبوثران والعبيثران: نبات كالقيصوم في الغبرة، إلا أنه طيب للاكل، له قضبان دقاق طيب الريح، وتفتح الثاء فيهما وتضم أربع لغات " اه‍ (3) القرعبلانة: دويبة عريضة محبنطئة عظيمة البطن. قال ابن سيده: وهو مما فات الكتاب من الابنية، إلا أن ابن جنى قد قال: كأنه قرعبل ولا اعتداد بالالف والنون بعدها، على أن هذه اللفة لم تسمع إلا في كتاب العين. قال الجوهري: أصل القرعبلانة قرعبل فزيدتفيه ثلاثة حروف لان الاسم لا يكون على أكثر من خمسة أحرف وتصغيره قريعبة. قال الازهرى: ما زاد على قرعبل فهو فضل ليس من حروفهم الاصلية. قال: ولم يأت اسم في كلام العرب زائدا على خمسة أحرف إلا بزيادات ليس من أصلها أو وصل بحكاية كقولهم فتفتحه طورا وطورا تجيفه * فتسمع في الحالين منه جلن بلق (*)

[ 201 ]

وأما العلم المنقول عن الشئ فحكمه حكم المنقول عنه، تقول في سرحان (1) وورشان وسلطان أعلاما: سريحين ووريشين وسليطين، تكون قبل التصغير غير منصرفة للعلمية والالف والنون، وتنصرف بعد التصغير لزوال الالف بانقلابها ياء، وهذا كما لا ينصرف معزى علما لمشابهة ألفها لالف التأنيث فإذا صغرنه صرفته لانقلابها ياء نحو معيز، وتقول في ظربان وعقربان وسكران وندمان أعلاما: ظريبان وعقيربان وسكيران ونديمان كما كانت قبل النقل إلى العلمية، وهذا كما تقول في أجمال علما: أجيمال، بالالف على ما ذكره سيبويه هذا، ثم إن النحاة قالوا في تعريف الالف والنون المشبهتين بألف التأنيث: كل ما قلب ألفه في الجمع ياء فاقلبها في التصغير أيضا ياء، وما لم تقلب في التكسير فلا تقلب في التصغير، وهذا رد إلى الجهالة، ولا يطرد ذلك في نحو ظربان لقولهم ظربيان وظرابين، وما لم يعرف هل قلب ألفه في التكسير أو لا اختلفوا فيه: فقال السيرافي وأبو علي: لا تقلب ألفه حملا على باب سكران، لانه هو الاكثر، وقال الاندلسي: يحتمل أن يقال: الاصل عدم التغيير، وأن يقال: الاصل الحمل على الاكثر فتغير والله أعلم، وإنما تغير ألف أفعال إبقاء على علامة ما هو مستغرب في التصغير، أعنى الجمع، وذلك لانهم - كما يجئ - لم يصغروا من (2) صيغ الجمع المكسر إلا الاربعة الاوزان التي للقلة، وهي: أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة،


حكى صوت باب ضخم في حالتي فتحه وإسفاقه وهما حكايتان متاينتان جلن على حده وبلق على حدة، إلا أنهما التزقا في اللفظ فظن غير المميز أنهما كلمة واحدة " اه‍ (1) السرحان: الذئب، وقيل: الاسد بلغة هذيل. قال سيبويه: النون زائدة وهو فعلان، والجمع سراحين وسراحن وسراحي (2) إنما لم يصغروا جموع الكثرة لان المقصود من تصغير الجمع تقليل العدد فلم يجمعوا بين تقليل العدد بالتصغير وتكثيره بابقاء لفظ جمع الكثرة لكون ذلك يشبه أن يكون تناقضا (*)

[ 202 ]

فكان تصغير الجمع مستنكرا في الظاهر، فلو لم يبقوا علامته لم يحمل السامع المصغر على أنه مصغر الجمع لتباين بينهما في الظاهر، وأما ألف نحو إخراج وإدخال فهي وإن كانت علامة المصدر إلا أنها تقلب في التصغير ياء، إذ لا يستغرب تصغير المصدر استغراب تصغير الجمع، وإذا سميت بأجمال قلت أيضا أجيمال كما ذكرنا. قال: " ولا يزاد على أربعة، ولذلك لم يجئ في غيرها إلا فعيل وفعيعل وفعيعيل، وإذا صغر الخماسي على ضعفه فالاولى حذف الخامس، وقيل: ما أشبه الزائد، وسمع الاخفش سفير جل " أقول: قوله " ولا يزاد على أربعة " عبارة ركيكة، مراده منها أنه لا يصغر الخماسي، أي: لا يرتقى إلى أكثر من أربعة أحرف أصول في التصغير، لان للاسماء ثلاث درجات: ثلاثي، ورباعي، وخماسي، فيصغر الثلاثي، ويزاد عليه أن يرتقى منه إلى الرباعي أيضا، فيصغر، ولا يزاد على الرباعي: أي لا يزاد الارتقاء عليه، بل يقتصر عليه، فان صغرته على ضعفه فالحكم ما ذكر من حذف الخامس قوله " ولذلك " أي لانه لا يرتقى من الرباعي لا تتجاوز أمثلة التصغير عن ثلاثة، وذلك أنه إن كان ثلاثيا على أي وزن كان من الاوزان العشرة فتصغيره على فعيل، وإن كان رباعيا فإما أن يكون مع الاربعة مدة رابعة أولا، فتصغير الاول فعيعيل، وتصغير الثاني فعيعل، وحكى الاصمعي في عنكبوت عنيكبيت وعناكبيت، وهو شاذ قوله " لم يجئ في غيرها " أي: في غير ذي تاء التأنيث، وذى ألف التأنيث، وذز الالف والنون المشبهتين، وذى ألف أفعال، وأما فيها فيجئ غير الامثلة الثلاثة ويجئ الامثلة الثلاثة قبل تاء التأنيث، كقديرة وسليهبة وزنييرة (1)


(1) القدر - بكسر فسكون -: معروف وهى مؤنثة بغير تاء. قال في اللسان: (*)

[ 203 ]

في زنبورة، وكذا قبل ألف التأنيث الممدودة، نحو حميراء وخنيفساء ومعييراء (1) في معيوراء، وكذا قبل الالف والنون نحو سليمان وجعيفران وعبيثران بابدال الياء من الواو المحذوفة، ولا يجى قبل ألف الجمع إلا فعيل كأجيمال، وكذا قبل ألف التأنيث المقصورة لا يجى فعيعل وفعيعيل، لانها تحذف خامسة في التصغير كما يجئ. وكان على المصنف أن يذكر ياء النسبة أيضا نحو بريدى في بريدى (1) ومشيهدي في مشهدى ومطيليقى في منطلقي، بابدال الياء من النون، فيقول: لم يجئ في غيرها وغير المنسوب بالياء إلا كذا


" وتصغيرها قدير بلا هاء على غير قياس. قال الازهري: القدر مؤنثة عند جميع العرب بلا هاء فإذا صغرت قلت لها قديرة وقدير، بالهاء وغير الهاء، والسليهبة تصغير السلهبة والسلهبة بفتح السين والهاء بينهما لام ساكنة الجسيمة من النساء، يقال فرس سلهب وسلهبة للذكر إذا عظم وطال وطالت عظامه. وزنيبيرة تصغير زنبورة كما قال المؤلف والزنبورة والزنبور والزنبار (كقرطاس) ضرب من الذباب لساع. قال الجوهري: الزنبور الدبر (النحل) وهى تؤنث، والزنبار لغة فيه حكاها ابن السكيت، ويجمع الزنابير، وأرض مزبرة كثيرة الزنابير كأنهم ردوه إلى ثلاثة أحرف وحذفوا الزيادات ثم بنوا عليه كما قالوا أرض معقرة ومثعلة أن ذات عقارب وثعالب (1) المعيوراء: اسم لجمع العير، قال الازهرى: المعيورا: الحمير، مقصور، وقد يقال المعيوراء ممدودة مثل المعلوجا والمشيوخا والمأتوناه يمد ذلك كله ويقصر (2) البردى - بضم الباء وسكون الراء -: ضرب من تمر الحجاز جيد معروف عند أهل الحجاز، وفي الحدث أنه أمر أن يؤخذ البردى في الصدقة. والبردى - بفتح الباء - نبت معروف، واحدته بردية، وهذه الياء التى في بردى على اختلاف ضبطيه ليست ياء النسب، وإنما هي ياء زيدت لا للدلالة على معنى كياء الكرسي وقد صرح بذلك المؤلف في أول باب النسب من هذا الكتاب، فتسميته لها هنا ياء النسبة فيه تسامح، والمراد أنها على صورة ياء النسبة (*)

[ 204 ]

فان قال فعيلي هو فعيل، والياء زائدة قلنا: لا شك في زيادتها إلا أنها صارت كجزء الكلمة، مثل تاء التأنيث، بدليل دوران إعراب الكلمة عليها كما على التاء وتصح المعارضة بنحو حميزة وحبيلى وحميراء، فانها فعيل، والتاء والالفان زوائد. وهلا ذكر المثنى والمجموع نحو العميران والعميرون، فقال: ويكسر ما بعدها إلا في تاء التأنيث وألفيه وياء النسبة وألف المثنى ويائه وواو الجمع وألف جمع المؤنث وألف أفعال والالف والنون المضارعتين وكذا في المركب نحو بعلبك قوله " فالاولى حذف الخامس " لان الكلمة ثقيلة بالخمسة الاصول، فإذا زدت عليها ياء التصغير زادت ثقلا، وسبب زيادة الثقل وإن كانت زيادة الياء لكنه لا يمكن حذفها إذ هي علامة التصغير، فحذف ما صارت به الكلمة مؤدية إلى الثقل بزيادة حرف آخر عليها، وذلك هو الخامس، ألا ترى أن الرباعي لا يستثقل بزيادة الياء عليه، فحذف الحرف الخامس مع أصالته فان قيل: أليس في كلام العرب ما هو زائد على الخماسي نحو قبعثرى وسلسبيل (1) وغير ذلك ؟ قلت: بلى، لكن تلك الزيادات ليست بقياسية فلا يكثر المزيد فيه بسببها إذ كل واحد كالشاذ في زنته، وأما زيادة ياء التصغير فقياس، فلو سنوا قاعدة زيادتها على الخماسي الاصلى حروفه لصارت قياسا، فيؤدى إلى الكثرة، إذ يصير لهم قانون يقاس عليه فان قيل: أليس مثل مستخرج قياسا ؟


(1) انظر كلمة قبعثرى (ص 9 ه‍ 5) من هذا الجزء و (ص 52 س 1) أيضا وكلمة سلسبيل (ص 50) (*)

[ 205 ]

قلت: بلى، لكنه مبنى على الفعل وجار مجراه، وجاز ذلك في العمل كثيرا غالبا قريبا من القياس، نحو استخرج واحرنجم، لكونه أقل أصولا من الاسم إذ لا يجئ منه الخماسي الاصلي حروفه، والثقل بالحروف الاصول لرسوخها وتمكنها أشد وأقوى. قوله " وقيل ما أشبه الزائد " اعلم أن من العرب من يحذف في الخماسي الحرف الذي يكون من حروف " اليوم تنساه " وإن كان أصليا لكونه شبيه الزائد، فإذا كان لابد من حذف فحذف شبه الزائد أولى، كما أنه إذا كان في كلمة على خمسة زائد حذف الزائد كان نحو دحيرج في مدحرج، لكن الفرق بين الزائد حقيقية وبين الاصلي المشبه له بكونه من حروف " اليوم تنساه " أن مثل ذلك الاصلي لا يحذف إلا إذا كان قريب الطرف بكونه رابعا، بخلاف الزائد الصرف، فانه يحذف أين كان، فلا يقال في جحمرش جحيرش لبعد الميم من الطرف، كما يقال في مدحرج دحيرج، وقال الزمخشري: إن بعض العرب يحذف شبه الزائد أين كان، وهو وهم على ما نص عليه السيرافي والاندلسي، فان لم يكن مجاور الطرف شيئا من حروف " اليوم تنساه " لكن يشابه واحدا منها في المخرج حذف أيضا، فيقال في فرزدق: فريزق، لان الدال من مخرج التاء قوله " وسمع الاخفش سفيرجل " يعنى باثبات الحروف الخمسة كراهة لحذف حرف أصلى، وبابقاء فتحة الجيم كما كانت، وحكى سيبويه عن بعض النحاة في التصغير والتكسير سفيرجل وسفارجل - بفتح الجيم فيهما - فقال الخليل لو كنت محقرا للخماسي بلا حذف شئ منه لسكنت الحرف الذي قبل الاخير فقلت سفيرجل قياسا عى ما ثبت في كلامهم، وهو نحو دنينير، لان الياء ساكنة قال " ويرد نحو باب وناب وميزان وموقظ إلى أصله لذهاب المقتضى، بخلاف قائم وتراث وأدد، وقالوا عييد لقولهم أعياد "

[ 206 ]

أقول: اعلم أن الاسم إما أن يكون فيه قبل التصغير سبب قلب أو حذف أولا: فان كان فإما أن يزيل التصغير ذلك السبب، أولا، فما يزيل التصغير سبب القلب الي كان فيه نحو باب وناب، ونحو ميزان وموقظ، ونحو طي ولي، ونحو عطاء وكساء، ونحو ذوائب وماء وشاء عند المبرد، وفم، ونحو قائم وبائع، ونحو أرؤر والنؤر، ونحو متلج ومتعد (1)، وما يزيل التصغير سبب الحذف الذي


(1) المعروف أن أول المصغر مضموم وثانيه مفتوح دائما وباب وناب المكبران ألفهما مقلوبة عن الواو والياء لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، إذا صغرا زال فتح ما قبل الواو والياء الذى هو شطر سبب القلب، وميزان أصله موزان قلبت واوه ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فإذا صغر ضم أوله فزال سبب القلب. وموقظ أصله ميقظ ابدلت ياؤه واو لسكونها إثر ضمة فإذا صغر ضم أوله وفتح ثانيه فزال سبب قلب الياء واوا. وطى ولى أصلهما طوى ولوى أبدلت واوهما ياء لاجتماعها مع الياء وسبقها بالسكون فإذا صغرا ضم أولهما وفتح ثانيهما فيزول سبب قلب الواو ياء. وعطاء وكساء أصلهما عطاو وكساو أبدلت واوهما ألفا ثم همزة أو همزة من أول الامر على اختلاف العلماء في ذلك لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة فإذا صغر أبدلت ألفهما ياء لوقوعها بعد ياء التصغير فيزول سبب قلب الواو ألفا أو همزة. وذوائب أصلها ذآئب فكروهوا اكتناف همزتين للالف التي هي في حكم العدم فأبدلوا الهمزة الاولى واوا أبدالا شاذا فأذا صغر ذوائب اسم رجل حذف الالف، فتقع ياء التصغير فاصلة بين الهمزتين فيزول سبب إبدال الهمزة الاولى واوا. وماء وشاء أصلهما موه وشوه قلبت عينهما الفا ثم لا مهما همزة لان الهاء عندهم من الحروف الخفية وكذلك الالف فكرهوا وقوع حرف خفي بعد مثله فأبدلوا الهاء همزة لقربها منها في المخرج، فإذا صغرا ضم أولهما فيزول سبب قلب عينهما ألفا وسبب قلب لامهما همزة. وفم أصله فوه حذفت لامه اعتباطا ثم أبدلت واوه ميما لان الاسم المعرب لا يكون على حرفين ثانيهما لين، فإذا صغر ردت لامه لتتم بها بنية التصغير فيزول سبب قلب الواو ميما. وقائم وبائع أصلهما قاوم وبايع قلبت عينهما ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها إذ الالف لزيادتها في حكم العدم، فإذا صغرا زال سبب قلب عينهما ألفا، (*)

[ 207 ]

كان فيه نحو عصا وفتى وعم (1) والسبب هو اجتماع الساكنين، وقريب منه ما لم يزل التصغير سبب الحذف لكنه عرض في التصغير ما يمنع من اعتبار ذلك السبب، كالثلاثي المحذوف منه حرف إما لقصد التخفيف على غير قياس نحو سه وغد، ونحو ابن واسم وبنت وأخت وحم، فان قصد التخفيف بالحذف لا يمكن اعتباره في التصغير، إذ لا يتم الوزن بدون المحذوف، وإما لاعلال قياسي كعدة وزنة، وما لا يزيل التصغير سبب القلب الذي كان في مكبره نحو تراث وأدد (2) وما لا يزيل التصغير سبب الحذف الذي كان في مكبره كميت


لوقوعها بعد ياء التصغير وهى ساكنة. وأدؤر جمع دار وأصله أدور قلبت الواو المضمومة ضمة لازمة همزة جوازا، فإذا صغر وقعت العين بعد ياء التصغير في اسم زائد على الثلاثة فوجب أن تكون مكسورة فزال سبب قلب العين همزة. والنؤور بزنة صبور: النيلج ودخان الشحم، وحصاة كالائمة تدق فتسفها اللثة: والنؤور أيضا المرأة النفور من الريبة، وأصل النؤر النوور، قلبت الواو همزة جوازا لكونها مضمومة ضما لازما، فأذا صغر زال سبب قلبها همزة لانها تقع ثانيا في المصغر، وهو مفتوح على ما قدمنا. وأصل متلج ومتعد موتلج وموتعد (بوزان مفتعل) من الولوج والوعد فقلب الواو فيهما تاء لوقوعها قبل تاء الافتعال ثم أدغمت في التاء، فأذا صغرا حذفت تاء الافتعال لانها تخل بصيغة التصغير فيزول بحذفها سبب قلب الواو تاء (1) أصل عصا وفتى عصو وفتى قلبت لامهما ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ثم حذفت الالف تخلصا من التقاء الساكنين، وكذا التنوين، فإذا صغرا زال سبب قلب لامهما ألفا لوقوعها بعد ياء التصغير التي هي ساكنة، ومتى زال سبب القلب ألفا زال سبب الحذف. وأصل عم عمى استثقلت الضمة أو الكسرة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان الياء والتنوين فحذفت الياء، فإذا صغر وقعت الياء بعد ياء التصغير الساكنة فلا تستثقل الحركة عليها كما لم تستثقل على نحو ظبي، فيزول سبب الحذف (2) التراث كغراب: المال الموروث، أصله وراث استثقلوا الواو المضمومة في أول الكلمة فأبدلوها تاء إبدالا غير قياسي: وأدد: علم شخصي، وأصله ودد فقلبت (*)

[ 208 ]

وهار وناس ويرى وأرى ونرى وترى ويضع وتضع وخير وشر (1) وإن لم يكن فيه قبل التصغير سبب قلب ولا حذف فإما أن يعرض في التصغير ذلك كعروض سبب قلب ألف نحو ضارب وحمار، وواو جدول وأسود وعروة ومزود وعصفور وعروض (2)، وكعروض سبب حذف خامس نحو سفرجل، وثالثة يا آت نحو أحوى (3) ومعاوية وعطاء، وألف نحو مساجد، وما يحذف من نحو مستخرج واستخراج ومنطلق وانطلاق، وإما أن لا يعرض فيه ذلك كما في تصغير نحو رجل وجعفر


الواو المضمومة ضمة لازمة همزة جوازا، فإذا صغر واحد من هذين اللفظين لم يزل التصغير سبب القلب فيه لبقاء الضمة. (1) المحذوف من ميت ياء، والمحذوف من هار ياء أيضا كقاض، والمحذوف من ناس همزة، وأصله أناس، والمحذوف من يرى وأخواته همزة وأصلهن يرأى وأرأى ونرأى وترأى، والمحذوف من يضع وتضع واو وهى فاء الكلمة وأصله يوضع وتوضع، والمحذوف من خير وشر همزة أفعل وأصلهما أخير وأشرر، وسبب الحذف في جميع هذه الكلمات هو قصد التخفيف، وهذ السبب لا يزول عند التصغير، بل تشتد الداعية إليه (2) العروة من الدلوو الكوز: المقبض، ومن الثوب آخت زره. والمزود - كمنبر -: وعاء الزاد. والعروض: اسم مكة والمدينة وما حولهما، والناقة الصعبة التي لم ترض، وميزان الشعر، واسم الجزء الاخير من النصف الاول من البيت، والطريق في عرض الجبل في مضيق (3) الاحوى: وصف من الحوة - بضم الحاء وتشديد الواو - وهو سواد إلى الخضرة، أو حمرة إلى السواد، وفعله حوى كرضى. ومعاوية: أصله اسم فاعل من عاوى، وتقول: تعاوت الكلاب وعاوى الكلب الكلب، إذا تصايحا ونبح أحدهما الاخر وأطلقوا معاوية على الكلبة التي تصيح عند السفاد، وأطلقوه أيضا على جرو الثعلب، وقالوا أبو معاوية للفهد، ومن أسمائهم معاوية (*)

[ 209 ]

فالقس الذي أزال التصغير سبب القلب الذي كان فيه اختلف في بعضه: هل ينتفي المسبب لزوال السبب أو لا ؟ واتفق في بعضه على أنه ينتفي ذلك بانتفاء سببه، فمما اتفقوا فيه على رجوع الاصل الالف المنقلبة عن الواو والياء ثانية لتحركها وانفتاح ما قبلها، تقول في باب وناب: بويب وينيب، لزوال فتحة ما قبلهما، وبعض العرب يجعل المنقلبة عن الياء في مثله واوا أيضا حملا على الاكثر، فإن أكثر الالفا في الاجوف منقلبة عن الواو، وهذا مع مناسبة الضمة للواو بعدها، وبعض العرب يكسر أول المصغر في ذوات الياء نحو نييب وشييخ، خوفا على الياء من انقلابها واوا لضمة ما قبلها، وتفصيا من استثقال ياء بعد ضمة لو بقيتا كذلك، وهذا كما قيل في الجمع بيوت وشيوخ - بكسر الفاء - وقرئ به في الكتاب العزيز، وإذا كان الالف في نحو باب مجهول الاصل وجب قلبها في التصغير واوا عند سيبويه، لان الواو على ما مر أقرب، فتقول في تصغير صاب وآءة (1) - وهما شجران -: صويب وأويأة، والاخفش يحملها على الياء لحفتها فيقول: صييب وأييأة، وتقول في " رجل خاف " أي خائف، و " كبش صاف " برفع لاميهما: خويف وصويف، بالواو لا غير، لانه يجوز أن يكون أصله خائفا وصائفا فحذفت العين، فتكون


(1) الصاب: شجر مر، واحدته صابة، قيل: هو عصارة الصبر، وقيل: هو شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللبن وربما نزت منه نزية أي قطرة فتقع في العين كأنها شهاب ونار، وربما أضعف البصر. قال أبو ذؤيب الهذلي: - إني أرقت فبت الليل مشتجرا * كأن عينى فيها الصاب مذبوح والاء - بوزن عاع -: شجر واحدته آءة، قال الليث: الاء شجر له ثمر ياكله النعام. قال: وتسمى الشجرة سرحة وثمرها الاء، ومن كلامه الاخير قال المجد في القاموس: " الاء ثمر شجر، لا شجر، ووهم الجوهري " (*)

[ 210 ]

الالف زائدة، فوجب قلبها واوا كما في ضويرب، وأن يكون خوفا وصوفا كقولك: رجل مال، من مال يمال كفزع يفزع، فترد الالف إلى أصلها كما في بويب، وكذا تقول: إن الالف في فتى ترد إلى أصلها لزوال فتحة ما قبلها، وكذا في العصا ترد إلى الواو، لكنها تقلب ياء لعروض علة قلبها في التصغير ياء ومن المتفق عليه رد الياء المنقلبة عن الواو لسكونها وانكسار ما قبلها إلى أصلها نحو ميقات وريح، تقول في تصغيرهما: مويقيت ورويحة، لزوال الكسر والسكون، وهذا كما تقول في الجمع مواقيت، وحكى بعض الكوفيين أن من العرب من لا يردها في الجمع إلى الواو، قال: - 36 - حمى لا يحل الدهر إلا بأمرنا * ولا نسأل الاقوام عقد المياثق (1)


(1) ورد هذا البيت في نوادر أبى زيد الانصاري الثقة عند سيبويه (ص 64) منسوبا إلى عياض بن درة، وهو شاعر جاهلي طائي، وذكر قبله بيتا آخر، وهو: وكنا إذا الدين الغلبى برى لنا * إذا ما حللناه مصاب البوارق وقال في شرحه " الدين: الطاعة، والغلبى: المغالبة، وبرى لنا: عرض لنا، يبرى بريا، وانبرى ينبرى انبراء " اه‍، ومثل هذا بنصه في شواهد العينى، وتبعه البغدادي في شرح الشافية إلا أنه ضبط مصابا بفتح الميم، وقال: هو اسم مكان من صابه المطر، إذا مطر، والصوب: نزول المطر، والبوارق: جمع بارقة وهي سحابة ذات برق. والغلبي: ليس مصدرا للمفاعلة إنما هو أحد مصادر غلبه يغلبه غلبا بسكون اللام وغلبا بتحريكها وغلبة بالحاق الهاء وغلابية كعلانية وغلبة كحذقة وغلبى ومغلبة بفتح اللام كذا في العباب، والاستشهاد بالبيت عند المؤلف على أن من العرب من لا يرد الواو المنقلبة ياء في الجمع (*)

[ 211 ]

وإنما قالوا عييد في تصغير عيد ليفرقوا بينه وبين تصغير عود، وكذلك فرقوا جمعيهما فقالوا أعياد في جمع عيد وأعواد في جميع عود (1) وكذا اتفقوا على رد الاصل في قريريط وذنينير لزوال الكسر الموجب لقلب أول المضعف ياء، كما قيل قراريط ودنانير. وكذا اتفقوا على رد أصل الياء التي كانت أبدلت من الواو لاجتماعها مع الياء وسكون أولاهما، كما تقول في تصغير طى ولي، لتحرك الاولى في التصغير، وكذا تقول: طويان ورويان في تصغير طيان (2) وريان، كما تقول في الجمع: طواء ورواء، وكذا إذا حقرت قيا (3) وأصله قوى كجبر من الارض القواء: أي القفر. وكذا اتفقوا على رد أصل الهمزة المبدلة من الواو والياء لتطرفها بعد الالف الزائدة، نحو عطاء وقضاء، فتقول: عطى، تردها إلى الواو، ثم تقلبها ياء لانكسار ما قبلها، ثم تحذفها نسيا لاجتماع ثلاث يا آت كما يجئ، وكذا تقلب همزة الالحاق في حرباء ياء، فتقول: حريبى، لان أصلها ياء كما يجئ في باب الاعلال


(1) هذا الذي ذكره المؤلف وجه غير الوجه الذى يتبادر من عبارة ابن الحاجب، فحاصل ما ذكره ابن الحاجب أنهم لم يردوا الياء التى في عيد إلى أصلها وهو الواو عند التصغير حملا للتصغير على الجمع، أما ما ذكره المؤلف فحاصله أنهم لم يردوها للفرق ين تصغير عيد وعود كما فرقوا بين جمعيهما (2) طيان: صفة مشبهة من طوى يطوى - كرضى يرضى - ومصدره الطوى - كالجوى وكالرضا - والطيان هو الذى لم يأكل شيئا (3) القى - بكسر أوله - والقواء - بفتح القاف ممدودا ومقصورا - الارض القفر الخالية من الاهل. وفى حديث سلمان " من صلى بأرض فأذن وأقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى قطره " (*)

[ 212 ]

وإن كانت الهمزة أصلية خليتها كأليئة في تصغير ألاءة (1)، وإن لم تعرف هل الهمزة صل أو بدل من الواو والياء خليت الهمز في التصغير بحاله ولم تقلبه، إلى أن يقوم دليل على وجوب انقلابه، لان الهمزة موجودة، ولا دليل على أنها كانت في الاصل شيئا آخر، وكذلك ترد أصل الياء الثانية في برية (2) وهو الهمزة عند من قال: إنها من برأ أي خلق، لانها إنما قلب ياء لكون الياء قبلها ساكنة حتى تدغم فيها، ومن جعلها من البرى - وهو التزاب - لم يهمزها في التصغير، وكذا النبي أصله عند سيبويه الهمز، لقولهم تنبأ مسيلمة (3) فخففت بالادغام كما في برية، فكان قياس التصغير نبيئ، قال سيبويه: لكنك إذا صغرته أو جمعته على أفعلاء كأنبياء تركت الهمزة لغلبة تخفيف الهمزة في النبي فتقول في التصغير نبى بياءين على حذف الثالث كما في أخى، وقد جاء النبآء


(1) قال في القاموس: " الالاء - كسحاب - ويقصر: شجر مر دائم الخضرة واحدته ألاءة وألاء أيضا " (2) قال في اللسان: " في التهذيب البرية أيضا الخلق بلا همز. قال الفراء: هي من برأ الله الخلق أي خلقهم، وأصلها الهمز، وقد تركت العرب همزها ونظيره النبي والذرية. وأهل مكة يخالفون غيرهم من العرب يهمزون البريئة والنبي والذريئة من ذرأ الله الخلق وذلك قليل. قال الفراء: وإذا أخذت البرية من البرى وهو التراب فأصلها غير الهمزة. وقال اللحيانى: أجمعت العرب على ترك همز هذه الثلاثة ولم يستثن أهل مكة " (3) قال سيبويه (ج‍ 2 ص 126): فأما النبي فان العرب قد اختلفت فيه، فمن قال النبآء قال كان مسيلمة نبئ سوء (مصغرا) وتقديرها نبيع، وقال العباس بن مرداس: يا خاتم النبئاء إنك مرسل * بالحق كل هدى السبيل هداكا ذا القياس، لانه مما لا يلزم، ومن قال أنبياء قال نبى سوء (مصغرا) كما قال في عيد حين قالوا أعياد عييد " وبما نقلناه من عبارة سيبويه يتبين لك ما في عبارة المؤلف من قصور عن أداء المعنى الذي يؤخذ من عبارة سيبويه (*)

[ 213 ]

وكذا اتفقوا على رد الالف في آدم إلى أصلها، وهو الهمزة، في التصغير والجمع، لكنه يعرض للهمزة فيهما ما يوجب قلبها واوا، وذلك اجتماع همزتين متحركتين لا في الاخر غير مكسورة إحداهما، كما يجئ في باب تخفيف الهمزة وكذا اتفقوا على أنك إذا صغرت ذوائب اسم رجل قلت: ذؤيئب بهمزتين مكتنفتين للياء، لان أصل ذوائب ذآئب بهمزتين، إذ هي جمع ذؤابة (1) فكره اكتناف همزتين للالف التي هي لخفتها كلا فصل، فأبدلوا الاولى شاذا لزوما واوا، وإنما لم يقلبوا الثانية لتعود الاولى إلى القلب في المفرد: أي في ذؤابة، وإنما أبدلت واوا لانها أبدلت في مفرده ذلك، وليكون كأوادم وجوامع، هذا، وقال سيبويه في تصغير شاء: شوى، قال: أصل شاء إما شوى أو شوو قلبت العين ألفا واللام همزة وكلاهما (2) شاذ، وفيه جمع بين إعلالين، والقياس قلب اللام


(1) الذؤابة - بضم أوله -: الناصية أو منبتها من الرأس، وشعر في أعلى ناصية الفرس، وأعلى كل شئ (2) أما شذوذ قلب العين ألفا مع تحركها وانفتاح ما قبلها فلان من شرط هذا القلب ألا تكون اللام حرف علة، وأما شذوذ قلب اللام همزة فلانها وقعت بعد ألف ليس زائدة. والاعلالان هما قلب العين ألفا واللام همزة. وقد نقل المؤلف عبارة سيبويه بالمعنى والاستنتاج وزاد فيها، وها نحن أولاء نسوقها إليك بنصها. قال (ج‍ 2 ص 126): " وأما الشاء فان العرب تقول فيه شوى، وفي شاة شويهة، والقول فيه أن شاء من بنات الياءات أو الواوات التي تكون لامات، وشاة من بنات الواوات التي تكون عينات ولامها هاء، كما كانت سواسية ليس من لفظ سى، كما كانت شاء من بنات الياءات التى هي لامات، وشاة من بنات الواوات التي هي عينات، والدليل على ذلك هذا شوى، وإنما ذا كامرأة ونسوة، والنسوة ليست من لفظ امرأة، ومثله رجل ونفر " اه‍، وقول سيبويه " وإنما ذا كامرأة ونسوة " يريد به أن شاء اسم جمع لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو شاة كما أن نسوة اسم جمع له واحد من معنا. دون لفظه وهو امرأة (*)

[ 214 ]

فقط ألفا، قال: ليس لفظ شاء من شاة لان أصلها شوهة بدليل شويهة، بل هو بالنسبة إلى شاة كنسوة إلى امرأة، واستدل على كون لامه حرف علة بقولهم في الجمع شوي ككليب، وقال المبرد: شوى من غير لفظ (1) شاء، وأصل شاء شوه فهو من شاة كتمر من تمرة، قلبت العين ألفا على القياس، كما في باب، ثم قلبت الهاء همزة لخفائها بعد الالف الخافى أيضا، وهذا كما أن أصل ماء موه، قال: فتقول في تصغير شاء: شويه، كما تقول في ماء: مويه، لزوال الالف الخافي في التصغير، فترد اللام إلى أصلها، كما تقول في الجمع: شياه، ومياه وكذا اتفقوا على رد ميم " فم " إلى أصله، وهو الواو، لانه إنما جعلت مما لئلا تحذف باجتماع الساكنين، فيبقى الاسم على حرف وما اختلف في هذا القسم في رجوع الحرف المقلوب فيه إلى أصله باب قائم ونائم، وباب أدؤر والنؤر، بالهمزة، وباب متعد، قال سيبويه في الجميع: لا ترد إلى أصولها في التصغير، بل تقول: قويتم، وأديئر، وأديئر، بالهمزة بعد الياء فيهما وكذا نؤير، بالهمزة قبل الياء، ومتيعد ومتيزن، ولعل ذلك لان قلب العين همزة في باب قائل، وقلب الواو في متعد - وإن كانا مطردين - إلا أن العلة فيهما ليست بقوية، إذ قلب العين ألفا في قائم ليس لحصول العلة في جوهره، ألا ترى أن ما قبل العين أي الالف ساكن عريق في السكون، بخلاف سكون


(1) المبرد يخالف سيبويه من وجوه: أحدها أنه جعل شويا اسم جمع له واحد من معناه وهو شاء، الثاني: أنه جعل شاء اسم جنس جمعيا له واحد من لفظه يفرق بينهما بالتاء وهو شاة، الثالث: أنه قلب العين ألفا قياسا لتحركها وانفتاح ما قبلها مع عدم اعتلال اللام، وقلب اللام التي هي هاء همزة قلبا غير قياسي، الرابع: أنه صغر شاء على شويه في حين أن سيبويه صغره على شوى، وهذا الوجه نتيجة حتمية للوجوه السابقة (*)

[ 215 ]

قاف أقوم، ومع هذا لم يكن حرف العلة في الطرف الذى هو محل التغيير كما كانت في رداء، فلا جرم ضعف علة القلب فيه ضعفا تاما حتى صارت كالعدم، لكنه حمل في الاعلال على الفعل نحو قال، فلما كانت علة القلب ضعيفة لم يبال بزوال شرطها في التصغير بزوال الالف، وإنما كان الالف شرط علة القلب لانها قبل العين المتحركة كالفتحة، أو نقول: هي لضعفها كالعدم فكأن واو قاوم متحرك مفتوح ما قبلها، وكذا نقول: إن علة قلب الواو في أو تعد تاء ضعيفة، وذلك لان الحامل عليه كراهة مخالفة الماضي للمضارع لو لم تقلب الواو تاء، لكون الماضي بالياء والمضارع بالواو، مع كون التاء في كثير من المواضع بدلا من الواو نحو تراث وتكلة وتقوى (1)، ونحو ذلك، ومخالفة الماضي للمضارع غير عزيزة كما في قال يقول وباع يبيع، فظهر أن قلب الواو تاء وإن كان مطردا إلا أنه لضرب من الاستحسان، ولقد تخفيف الكلمة بالادغام ما أمكن، ولضعف العلة لم يقلبه بعض الحجازيين تاء، بل قالوا يتعد يا تعد، كما يجئ في باب الاعلال، فلما ضعفت علتا قلب عين نحو قائم وفاء نحو متعد صار الحرفان كأنهما أبدلا لا لعلة، فلم يبال بزوال العلتين في التصغير، فقيل: قويئم بالهمزة، ومتيعد بالتاء وحذف الافتعال، كما في تصغير نحو مرتفع. وخالف الجرمي في الاول، فقال: قويل وبويع بترك الهمزة لذهاب شرط العلة، وهو قوع العين بعد الالف، وقد اشترط سيبويه أيضا في كتاب في قلب العين في اسم الفاعل ألفا ثم همزة وقوعها بعد الالف، واتفق عليه النحاة، فلا


(1) يقال: رجل وكل - بالتحريك - ووكلة - كهمزة - وتكلة على البدل، ومواكل، كل ذلك معناه عاجز كثير الاتكال على غيره. والتقية والتقوى والاتقاء كله واحد، وأصل تقوى وقيا، لانه من وقيت، أبدلت واوه تاء وياؤه واوا (*)

[ 216 ]

وجه لقول المصنف في الشر إن علة قلب العين ألفا فيه حاصلة، وهى كونه اسم فاعل من فعل معل، فان هذه العلة إنما تؤثر بشرط وقوع العين بعد الالف باتفاق مهم وحالف الزجاج في نحو متعد فقال في تصغيره: مويعد، لذهاب العلة وهي وقوع الواو قبل التاء، ذلك لان التاء تحذف في التصغير كما في مرتدع ومجتمع كما يجئ. وأما نحو أدؤر ونؤر فان سيبويه لم يبال بزوال علة قلب الواو همزة في التصغير وهى كونها واوا مضمومة، لانها وإن كانت مطردة في جواز قلب كل واو مضمومة ضمة لازمة همزة، كما يجئ، لكنها استحسانية غير لازمة، نحو وجوه ونحوه، فهى علة كلا علة، وخالفه المبرد فقال: إنما همزت الواو لانضمامها، وقد زالت في التصغير فتقول في أدؤر ونؤر المهموزين: أدير بالياء المشددة ونوير بالواو الصريحة، ولا كلام في نحو تخمة وتراث وتهمة (1)، لان قلب الواو تاء لاجل انضمامها في أول الكلمة، فكرهوا الابتداء بحرف ثقيل متحرك بأثقل الحركات، والضمة حاصلة في التصغير، وهذا القلب غير مطرد، بخلافه في نحو اتعد قوله " وأدد " (2) هو أبو قبيلة من اليمن، وهو أدد بن زيد بن كهلان بن


(1) التخمة - بضم ففتح: الثقل الذي يصيبك من الطعام، تأؤه مبدلة من الواو والتهمة - بوزن تخمة -: ظن السوء، وأصلها وهمة من الوهم أبدلت واوها تاء (2) قال في اللسان في مادة ودد: " الود بفتح الواو: صنم كان لقوم نوح ثم صار لكلب، وكان بدونة الجندل، وكان لقريش صنم يدعونه ودا (بضم الواو) ومنهم من يهمز فيقول أد، ومنه سمى عبدود، ومنه سمى أد بن طابخة، وأدد جد معد بن عدنان " اه‍. وقال في مادة أد " وأدد: أبو قبيلة من اليمن، وهو أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير، والعرب تقول أددا، جعلوه بمنزلة ثقب ولم (*)

[ 217 ]

سبأ بن حمير، وأد أبو قبيلة، وهو أد بن طابخة بن الياس بن مضر، يعنى أنه في الاصل ودد بالواو المضمومة، واستثقل الابتداء بها فقلبت همزة كما في أجوه وأقتت، وإبدال الواو المضمومة ضمة لازمة همزة في الاول كانت أو في الوسط قياس مطرد لكن على سبيل الجواز لا الوجوب، ولا أدرى أي شئ دعاهم إلى دعوى انقلاب همزة أدد عن الواو، وما المانع من كونه من تركيب " أدد " وقد جاء منه الاد بمعنى الامر العظيم، وغير ذلك قال: " فإن كانت مدة ثانية فالواو لازمة، نحو ضويرب في ضارب وضويريب في ضيراب، والاسم على حرفين يرد محذوفه، تقول في عدة وكل اسما وعيدة وأكيل، وفى سه ومذا سما ستيهة ومنيذ، وفي دم وحر دمى وحريح، وكذلك باب ابن واسم وأخت وبنت وهنت، بخلاف باب ميت وهار وناس " أقول: قد مر أن نحو ضويرب مما عرض فيه في التصغير علة القلب اعلم أن كل مدة زائدة ثانية غير الواو تقلب في التصغير واوا لانضما ما قبلها، فتقول في ضارب وضيراب وطومار: ضويرب وضويريب وطويمير (1)، وأما إن لم تكن زائدة نحو القير (2) والناب فلا، بل تقول: قيير ونييب قوله " والاسم على حرفين يرد محذوفه " هذا من باب ما عرض فيه في التصغير مانع منه من اعتبار سبب الحذف الذى كان في المكبر كما ذكرنا اعلم أن كل اسم ثلاثي حذف فاؤه أو عينه أو لامه وجب في التصغير ردها،


يجعلوه بمنزلة عمر " اه‍ وهذا الصنيع منه يشعر بوجود خلاف في همزة أدد، هل هي أصلية أو منقلبة عن الواو، وأنه لم يترجح عنده أحد المذهبين (1) الطومار: الصحيفة، والمؤلف أراد أن يمثل به لما كانت المدة الثانية فيه واوا، وحكمها أن تبقى في التصغير ولا تقلب (2) القير - بالكسر - والقار: شئ أسود يطلى به السفن والابل، أو هما الزفت (*)

[ 218 ]

لان أقل أوزان التصغير فعيل، ولا يتم إلا بثلاثة أحرف، فإذا كنت محتاجا إلى حرف ثالث فرد الاصلي المحذوف من الكلمة أولى من اجتلاب الاجنبي، وأما إن كانت الكلمة موضوعة على حرفين أو كنت لا تعرف أن الذاهب منها أي شئ هو، زدت في آخرها في التصغير ياء، قياسا على الاكثر، لان ما يحذف من الثلاثي اللام دون الفاء والعين، كدم ويد وفم وحر، وأكثر ما يحذف من اللام حرف العلة، وهى إما واو، أو ياء، ولو زدت واوا وجب قلبها ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة قبلها، فجئت من أول الامر بالياء، فقلت في تصغير من ومن وأن الناصبة للمضارع وإن الشرطية أعلاما: منى وأنى، وأما إذا نسبت إلى مثل هذه فيجيئ حكمها في باب النسب، وتقول في تصغير عدة: وعيدة وهذ التاء وإن كانت كالعوض من الفاء ولذلك لا يتجامعان نحو وصلة ووعدة، لكنه لم يتم بنية تصغير الثلاثي - أي فعيل - بها، لان أصلها أن تكون كلمة مضمومة إلى كلمة، فلهذا فتح ما قبلها كما فتح في نحو بعلبك، فالتاء مثل كرب ما قبلها، واما إذا قامت التاء مقام اللام وصارت عوضا منه كما في أخت وبنت فانها تخرج عما هو حدها من فتح ما قبلها، بل تسكن ويوقف عليها تاء، ولا يعتد بمثل هذه أيضا في البنية، بل يقال أخيه برد اللام حفظا لاصل التاء، وهو الانفصال، وكونها كلمة غير الكلمة الاولى، فإذا لم يعتد بها في البنية في نحو بنت مع كونها عوضا من اللام قائمة مقامها لما فيها من رائحة التأنيث فكيف يعتد بها فيها في نحو عدة مع عدم قيامها مقام المعوض منه بدلالة فتح ما قبلها كما هو حقها في الاصل وكذا الوقف عليها هاء، وتقول في كل اسما: أكيل، ترد الهمزة التى هي فاء الكلمة، ولا ترد همزة الوصل، لانه إنما احتيج إليها لسكون الفاء، وفى المصغر يتحرك ذلك

[ 219 ]

قوله " وفي مذ " هذا بناء على أن أصله منذ، وقد ذكرنا في شرح (1) الكافية أنه لم يقم دليل عليه قوله " سه " أصله سته وفيه ثلاث لغات إحداها هذه، وهى محذوفة العين، والثانية ست بحذف اللام مع فتح السين، والثالثة است بحذف اللام وإسكان السين والمجئ بهمزة الوصل فأما إذا سميت بقم وبع فانك تقول في المكبر: قوم وبيع، كما مر في باب الاعلام (2) فلا يكون من هذا الباب قوله " وفي دم وحر " لام دم ياء، ولام حر حاء، حذفت لاستثقال الحاءين بينهما حرف ساكن، وحذف العين في سه ومذ واللام من حر ودم ليس قياسا بل القياس في نحو عم وفتى، وحذف الفاء في كل شاذ، وفي عدة قياس كما يجئ في موضعه قوله " وكذا باب ابن واسم وبنت وهنت " يعنى إذا حذفت اللام وأبدلت منها همزة الوصل في أول الكملة أو التاء في موضعه فانه لا يتم بالبدلين بنية تصغير الثلاثي، بل لابد من رد اللام، وإنما لم يتم بهمزة الوصل لانها غير لازمة، بل لا تكون إلا في الابتداء، فلو اعتد بها لم تبق البنية في حال الدرج إن سقطت


(1) قد سبق أن تكلمنا على هذه الكلمة فيما مضى من الكتاب (ص 7) (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 2 ص 134): " ولهذا يرد اللام أو العين إذا سمى بفعل محذوف اللام أو العين جزما أو وقفا كيغز ويرم ويخش واغز وارم واخش ويخف ويقل ويبع وخف وقل وبع، فتقول: جاءني يغز ويرم والتنوين للعوض كما في قاض اسم امرأة، ويخشى كيحيى واغزو وارمي واخشى ويخاف ويقول ويبيع وقول وبيع وخاف، كما مر في غير المنصرف " اه‍ (*)

[ 220 ]

الهمزة وإن لم تسقط خرجت همزة الوصل عن حقيقتها، لانها هي التي تسقط في الدرج، وإنما لم يعتد بالتاء في البنية لما فيها من رائحة التأنيث لاختصاص الابدال بالمؤنث دون المذكر، وإنما قلنا إن الهمزة والتاء بدلان من اللام لانهما لا تجامعانه، ولم يجئ من الكلمات ما أبدل من لامه تاء فيكون ما قبلها ساكنا ويوقف عليها تاء إلا سبع كلمات: أخت، وبنت، وهنت، وكيت، وذيت، وثنتان (1)


(1) أخت: أصلها أخو، حذفت لامها اعتباطا وعوض عنها التاء مع قصد الدلالة على المؤنث وغيرت الصيغة من فعل (كجبل) إلى فعل (بضم فسكون) دلالة على أن التاء ليس متمحضة للتأنيث. وبنت: أصلها بنو، فعل بها ما فعل بأخت إلا أنهم كسروا فاء الكلمة منها. والهن والهنت: كناية عن الشئ يستفحش ذكره. قال في اللسان: ويقال للمرأة ياهنة أقبلي فأذا وقفت قلت: يا هنه وقالوا: هنت بالتاء ساكنة النون فجعلوه بمنزلة بنت وأخت، وهنتان وهنات، تصغيرها هنية وهنيهة، فهنية على القياس وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هنية للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هنية بدل من الواو في هنيوة، والجمع هنات على اللفظ وهنوات على الاصل. قال ابن جنى: أما هنت فيدل على أن التاء فيها بدل من الواو قولهم هنوات قال: أرى ابن نزار قد جفاني وملنى * على هنوات شأنها متتابع أما كيت فقد قال في اللسان: " وكان من الامر كيت وكيت، يكنى بذلك عن قولهم كذا وكذا، وكان الاصل فيه كية وكية (بتشديد الياء) فأبدلت الياء الاخيرة تاء وأجروها مجرى الاصل لانه ملحق بفلس والملحق كالاصلى. قال ابن سيده: قال ابن جنى: أبدلوا التاء من الياء لاما وذلك في قولهم كيت وكيت وأصلها كية وكية ثم إنهم حذفوا الهاء وأبدلوا من الياء التى هي لام تاء كما فعلوا ذلك في قولهم ثنتان فقالوا كيت فكما أن الهاء في كية علم تأنيث كذلك الصيغة في كيت علم تأنيث، وفى كيت ثلاث لغات، منهم من يبنيها على الفتح (طلبا للخفة) ومنهم من يبنيها على الضم (تشبيها لها بقبل وبعد) ومنهم من يبنيها على الكسر (على أصل التخلص من التقاء الساكنين). (*)

[ 221 ]

وكلتا عند سيبويه (1)، وقولهم منت (2) بسكون النون مثلها، لكنها


قال: وأصل التاء فيها هاء وإنما صارت تاء في الوصل " اه‍ بتصرف. وأما ذيت. فالقول فيها كالقول في كيت تماما. وأما ثنتان فقد قال في اللسان: " والاثنان ضعف الواحد، والمؤنث الثنتان، تاؤه مبدلة من ياء، ويدل على أنه من الياء أنه من ثنيث لان الاثنين قد ثنى أحدهما إلى صاحبه، وأصله ثنى (كجبل) يدلك على ذلك جمعهم إياه على أثناء بمنزلة أبناء وآخاء، فنقلوه من فعل (بفتح الفاء والعين) إلى فعل (بكسر الفاء وسكون العين) كما فعلوا ذلك في بنت، وليس في الكلام تاء مبدلة من الياء في غير افتعل إلا ما حكاه سيبويه من قولهم: أسنتوا، وما حكاه أبو على من قولهم: ثنتان اه‍، وقوله أسنتوا قال عنه ابن يعيش (10: 40): و " قولهم أسنتوا أي أجدبوا، وهو من لفظ السنة على قول من يرى أن لامها واو، لقولهم سند سنواء واستأجرته مساناة، ومنهم من يقول التاء بدل من الواو، ومنهم من يقول إنها بدل من الياء، وذلك أن الواو إذا وقعت رابعة تنقلب ياء على حد أوعيت وأغزيت ثم أبدل من الياء التاء، وهو أقيس " أه‍ (1) قال ابن يعيش في شرح المفصل (ح‍ 1 ص 55): " وقد اختلف العلماء في هذه التاء (يريد تاء كلتا) فذهب سيبويه إلى أن الالف للتأنيث والتاء بدل من لام الكلمة كما أبدلت منها في بنت وأخت ووزنها فعلى كذكري وحفرى - وهو بنت - وذهب أبو عمر الجرمى إلى أن التاء للتأنيث والالف لام الكلمة كما كانت في كلا، والاوجه الاول، وذلك لامرين: أحدهما: ندرة البناء وأنه ليس في الاسماء فعتل (بكسر الفاء وسكون العين وفتح التاء)، والثانى: أن تاء التأنيث لا تكون في الاسماء المفردة إلا وقبلها مفتوح نحو حمزة وطلحة وقائمة وقاعدة، وكلتا اسم مفرد عندنا، وما قبل التاء فيه ساكن فلم تكن تاؤه للتأنيث مع أن تاء التأنيث لا تكون حشوا في كلمة، فلو سميت رجلا بلكتا لم تصرفه في معرفة ولا نكرة كما لو سميت بذكرى وسكرى لان الالف للتأنيث، وقياس مذهب أبى عمر الجرمى ألا تصرفه في المعرفة وتصرفه في النكرة، لانه كقائمة وقاعدة إذا سمى بهما فاعرفه " اه‍. ويؤخذ مما ذكره المؤلف في باب النسب أن من العلماء من ذهب إلى أن التاء بدل من الواو التى هي لام الكلمة وليس فيها معنى التأنيث كالتاء في ست، وأصله سدس، وكالتاء في تكلة وترات وأصلها وكلة ووراث (2) منت: أصله من زيدت فيه التاء عند الحكاية وقفا للدلالة على تأنيث المحكى (*)

[ 222 ]

ليست بدلا من اللام، إذ لا لام لمن وضعا، وتقول في تصغيرها: أخية، وبنية، وبنية، وهنيهة، لان لامها ذات وجهين كسنة، وتصغير سنة أيضا على سنية وسنيهة، وتقول في منت: منية كما تصغر من على ما ذكرنا، وتقول في كيت وذيت: كيية وذيية، لقولهم في المكبر ذية وكية أيضا، ومن قال أصلهما كوية وذوية لكون باب طوى أكثر من باب حيى قال: كوية وذوية، وإنما فتحت ما قبلها في التصغير ووقفت عليها هاء لانك إذا رددت اللام لم يكن التاء بدلا منها، وإذا سميت بضربت قلت: ضربة كما مر في العلم وتصغرها على ضريبة، وتقول في تصغير فل (1) فلين، لان لامه نون من قولهم


والافصح فيه أن يقال: منه، بتحريك نونه وإبدال تائه هاء (1) هذا الذي ذهب إليه المؤلف في هذا الكلمة هو مذهب الكوفيين في " فل " التى تختص بالنداء في نحو قولهم يافل ويافلة وهو مذهب جميع النحاة في فل التى تستعمل في غير النداء من مواقع الكلام نحو قول الشاعر * في لجة أمسك فلانا عن فل * ومذهب البصريين في المختص بالنداء أن لامه ياء وأنه يقال في تصغيره فلى. قال أبو الحسن الاشمونى: " لا يستعمل فل في غير النداء ويقال للمؤنثة: يافلة، واختلف فيهما، فمذهب سيبويه أنهما كنايتان عن نكرتين ففل كناية عن رجل وفلة كناية عن امرأة، ومذهب الكوفيين أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورده الناظم، لانه لو كان مرخما قيل فيه فلا، ولما قيل في التأنيث فلة وذهب الشلويين وابن عصفور وصاحب البسيط إلى أن فل وفلة كناية عن العلم نحو زيد وهند بمعنى فلان وفلانة، وعلى ذلك مشى الناظم وولده. قال الناظم في شرح التسهيل وغيره: إن يافل بمهى يا فلان ويافلة بمعنى يا فلانة. قال: وهما الاصل، فلا يستعملان منقوصين في غير نداء إلا في غير نداء إلا في ضرورة فقد وافق الكوفيين في أنهما كناية عن العلم وأن أصلهما فلان وفلانة وخالفهم في الترخيم ورده بالوجهين السابقين " اه‍. وقال بعد ذلك: " وجر في الشعر فل، قال الراجز: في لجة....، (*)

[ 223 ]

فلان، وتقول في تصغير قط ورب وبخ مخففات: قطيط وربيب وبخيخ (1) وتقول في تصغير ذه مسكن الهاء ذيى لان الهاء بدل من الياء، والاصل ذى كما مر في أسماء الاشارة


والصواب أن أصل هذا فلان وانه حذف منه الالف والنون للضرورة كقوله: * درس المنا بمتالع فأبان * أي درس المنازل وليس هو فل المختص بالنداء، إذ معنا هما مختلف على الصحيح كما مر أن المختص بالنداء كناية عن اسم الجنس، وفلان كناية عن علم ومادتهما مختلفة، فالمختص مادته من ف ل ى فلو صغرته قلت فلى وهذا مادته ف ل ن فلو صغرته قلت فلين " اه‍. وقال ابن منظور في اللسان: " قال ابن بزرج: يقول بعض بني أسد: يافل أقبل ويافل أقبلا ويافل أقبلوا وقالوا للمرأة فيمن قال يافل أقبل يا فلان أقبلي وبعض بنى تميم يقول يا فلانة أقبلي، وبعضهم يقل يافلاة أقبلي، وقال غيرهم: يقال للرجل: يافل أقبل وللائنين يا فلان ويافلون للجميع أقبلوا وللمرأة يافل (بفتح اللام) أقبلز ويافلتان ويافلاة أقبلن نصب في الواحد لانه أراد يافلة فنصبوا الهاء. ثم قال قال الخليل: فلان تقديره فعال (بضم الفاء) وتصغيره فلين (بتشديد الياء) قال: وبعض يقول: هو في الاصل فلان (بضم الفاء وسكون العين) حذفت منه واو. قال: وتصغيره على هذا القول فليان، وروى عن الخليل أنه قال: فلان نقصانه ياء أو واو من آخره والنون زائدة لانك تقول في تصغيرة فليان فيرجع إليه ما نقص وسقط منه ولو كان فلان مثل دخان لكان تصغيره فلين مثل دخيت (بتشديد الياء فيهما) ولكنهم زادوا ألفا ونونا على فل (بفتح اللام) " اه‍ ملخصا (1) قال ابن هشام: قط على ثلاثة أوجه - أحدها - أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات..... وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين وقد تتبع قافه طاءه في الضم وقد تخفف طاءه مع ضمها أو إسكانها - والثانى: أن تكون بمعنى حسب، وهذه مفتوحة القاف ساكنة الطاء، ويقال فيها: قطى وقطك... - والثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفى فيقال قطني بنون الوقاية " اه‍ ومثل هذا في شرح الكافية للمؤلف (ح‍ 2 (*)

[ 224 ]

قوله " بخلاف ميت وهائر (1) وأناس، حذفتها لا لعلة موجبة، بل للتخفيف، وهذه العلة غير زائلة في حال التصغير، ولا حاجة ضرورية إلى رد المحذوف، كما كانت في القسم المتقدم، إذ يتم بية التصغير بدونها، وكذا لا ترد المحذوف في تصغير يرى وترى وأرى ونرى، ويضع وتضع، وخير وشر، بل تقول: يرى وترى وأرى ونرى ويضيع وتضيع وخيير وشرير، وحكى يونس أن أبا عمرو كان يقول في مر: مرئ كمريع، يهمز ويكسر كمعيط في معط: فألزمه سيبويه أن يقول في ميت وناس مييت وأنيس، وكان المازني يرد نحو يضع وهار إلى أصله، نحو يويضع وهو يئر


ص 117) وزاد أنه يقال في قط الظرفية قط بضم القاف مع تخفيف الطاء مضمومة ومراد المؤلف هنا قط الظرفية المخففة على أي وجه من وجوهها. وقال صاحب المغنى: " وفى رب ست عشرة لغة ضم الراء وفتحها وكلاهما مع التشديد والتخفيف والاوجه الاربعة مع تاء التأنيث ساكنة أو محركة ومع التجرد منها فهذه اثنتا عشرة والضم والفتح مع إسكان الباء وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف ". وبخ: كلمة تقال عند تعظيم الشى، أو استحسانه وهى بسكون الخاء وبكسرها منونة أو بغير تنوين وبتشديدها مكسورة مع التنوين وبضما مخففة مع التنوين، فان كررتها سكنتهما أو نونتهما مع الكسر أو نونت الاولى وسكنت الثانية (1) قال في اللسان: " هار البناء هورا هدمه. وهار البناء والجرف يهور هورا وهؤورا فهو هائر وهار على القلب " اه‍، فالفعل لازم ومتعد، وقوله وهار على القلب يريد أن أصله هاور ثم قدمت الراء على الواو فصار هارواثم قلبت الواو ياء لتطرفها اثر كسرة فصار هاريا ثم أعل إعلال قاض. وقال في اللسان أيضا: " الناس قد يكون من الانس ومن الجن، وأصله أناس فخفف، ولم يجعلوا الالف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة، لانه لو كان كذلك لما اجتمع مع المعوض منه في قول الشاعر: (*)

[ 225 ]

قال السيرافي: فيلزمهم أن يقولوا: أخير وأشير، وقد حكى يونس عن جماعة هويئر، فقال سيبويه: هذا تصغير هائر لا تصغير هار (1)، كما قالوا في تصغير بنون أبينون، وهو تصغير أبنى مقدرا كأضحى، وإن لم يستعمل كما مر في شرح الكافية (2) في الجمع، ولو كان تصغير بنون على لفظه قلت بنيون


(1) يريد أنك إذا صغرت هائرا الذي بقى على أصله من غير قلب مكاني قلت هويئر كما تقول سويئل ونويئل وصوبئم في تصغير سائل ونائل وصائم، وإذا أردت تصغير هار الذى قدمت لانه على عينه قلت هوير كما تقول قويض وغويز في تصغير قاض وغاز (2) قال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 2 ص 170، 171): " الشاذ من جمع المذكر بالواو والنون كثير منها أبينون،، قال: زعمت تماضر أنني إما أمت * يسدد أبينوها الاصاغر خلتى وهو عند البصريين جمع أبين وهو تصغير أبنى مقدرا على وزن أفعل كأضحى فشذوذه عندهم لانه جمع لمصغر لم يثبت مكبره. وقال الكوفيون: هو جمع أبين، وهو تصغير أبن مقدرا وهو جمع أبن كادل في جمع دلو، فهو عندهم شاذ من وجهين كونه جمعا لمصغر لم يثب مكبره ومجئ أفعل في فعل وهو شاذ كأجبل وأزمن، وقال الجوهرى: شذوذه لكونه جمع أبين تصغير ابن بجعل همزة الوصل قطعا، وقال أبو عبيد: هو تعغير بنين على غير قياس " اه‍. قال البغدادي (ح‍ 3 ص 401): " وقال ابن جنى في إعراب الحماسة: ذهب سيبويه إلى أن الواحد المكبر من هذا الجمع أبنى على وزن أفعل مفتوح العين بوزن أعمى ثم حقر أيضا فصار أبين كأعيم ثم جمع بالواو والنون فصار أبينون ثم حذفت النون للاضافة فصار أبينوها، وذهب الفراء إلى أنه كسر ابنا على أفعل مضمون العين ككلب وأكلب، ويذهب البغداديون في هذه المحذوفات إلى أنها كلها سوا كن العين فأبين عنده كأديل كما أن ابن ذلك المقدر عندهم كأدل وكأن سيبويه إنما عدل إلى أن جعل الواحد من ذلك أفعل اسما واحدا مفردا غير مكسر لامرين أحدهما أن مذهبه في ابن أنه فعل (بفتح العين) بدلالة تكسيرهم إياها هلى أفعال، (*)

[ 226 ]

قال " وإذا ولى ياء التصغير واو أو ألف منقبلة أو زائدة قلبت ياء، وكذلك الهمزة المنقلبة بعدها نحو عرية وعصية ورسيلة، وتصحيحها في باب أسيد وجديد قليل، فإن اتفق اجتماع ثلاث يا آت حذفت الاخيرة نسيا على الافصح، كقولك في عطاء وإداوة وغاوية ومعاوية: عطى وأدية وغوية ومعية، وقياس أحوى أحى غير منصرف، وعيسى يصرفه، وقال أبو عمرو: أحى، وعلى قياس أسيود أحيو " أقول: قوله " وذا ولى ياء التصغير " إلى قوله " وجديل قليل " من باب ما يعرض فيه للتصغير سبب القلب (1)


وليس من باب فعل (كقفل) أو فعل (كجذع) - والاخر - أنه لو كان أفعل لكان لمثال القلة ولو كان له لقبح جمعه بالواو والنون وذلك أن هذا الجمع موضوع للقلة فلا يجمع بينه وبين مثال القلة، لئلا يكون ذلك كاجتماع شيئين لمعنى واحد وذلك موفوض في كلامهم " اه‍ (1) شملت هذه العبارة أربعة أنواع عرض فيها سبب القلب عند التصغير - الاول - الواو التالية لياء التصغير سواء أكانت أصلية وهى لام كعروة ودلو وحقو أم كانت زائدة كعجوز ورسول وجزور. وهذا النوع تقلب واوه ياء بسبب عرض وهو اجتماع الواو والياء في كلمة وسبق إحداهما بالسكون - الثاني - الالف المقلبة عن واو أو ياء ولا تكون إلا لاما كفتى وعصا ورحى. وهذا النوع ترد فيه الالف إلى أصلها إذ قد زال بسبب التصغير سبب قلب الواو والياء ألفا وهو تحرك كل منهما مع انفتاح ما قبله، وعرض سبب آخر موجب للقلب في الواو وهو اجتماعها مع الياء وسبق إحداهما التى هي ياء التصغير بالسكون وللادغام في الياء وهو اجتماع المثلين في كلمة وأولهما ساكن، والظاهر أن المؤلف رحمه الله لم يراع رد الالف إلى أصلها بل قلبها من أول الامر ياء - الثالث - الالف الزائدة لياء التصغير كألف رسالة وقلادة وقضاعة وقحافة وسحابة وشهامة. وهذا النوع تقلب فيه الالف ياء لما قد تقرر من أنه يحب كسر الحرف التالى لياء التصغير فيما زاد على الثلاثة والالف حرف (*)

[ 227 ]

قوله " فان اتفق اجتماع - إلى آخر ما ذكر " من باب ما يزول فيه في التصغير سبب القلب الذى كان في المكبر ويعرض في التصغير سبب الحذف قوله " قلبت ياء " ليس على إطلاقه، بل بشرط أن لا يكون بعد الواو أو الالف حرفان يقعان في التصغير موقع العين واللام من فعيعل، فإنه إن كان بعدهما حرفان كذا وجب حذفهما، وكذا كل ياء في مثل موقعهما، تقول في تصغير مقاتل: مقيتل، بحذف الالف، إذ مفيعل - بتشديد الياء - ليس من أبنية التصغير، وكذا تقيتل في تصغير تقوتل علما بحذف الواو، وكذا حميرير في تصغير احميرار بحذف الياء مع همزة الوصل، كما يجئ، وإنما تقلب الالف والواو ياء إذا وقعا إما موقع اللام من فعيل، نحو أذى في تصغير إذا علما، وعرية في تصغير عروة، أو موقع العين من فعيعل، كرسيلة في رسالة، وعجيز في عجوز، وإنما قلبتا ياءين لانهما إذن لابد من تحريكهما، فإذا تحركت الواو وقبلها ياء ساكنة وجب قلبها ياء، وإذا قصدت تحريك الالف فجعلها ياء أولى، لانها إن جعلتها واوا وجب قلبها ياء لما ذكرنا، وجعلها هنزة بعيد، لان اعتبار التقارب في الصفة في حروف العلة أكثر من اعتبار التقارب في المخرج، فلذلك لا تقلب الالف همزة إلا في موضع لو قلبت


لا يقبل الحركة ولم يجز قلبها إلى حرف آخر من غير حروف العلة لان حروف العلة بعضها أنسب ببعض، ولم يجز قلبها واوا لانها لو قلبت واوا لاجتمعت مع الياء الساكنة السابقة عليها، فكان ينبغي قلبها ياء فأثرنا الاختصار بقلبا ياء من أول الامر - الرابع - الهمزة المنقلبة عن واو أو ياء التالية لالف زائدة مثل كساء وبناء وقضاء وسماء وعواء وزها. وهذا النوع تقلب فيه الالف الزائدة ياء لما تقدم في النوع الثالث، فيزول سبب قلب الواو أو الياء همزة، فتعود كل منهما، ثم تقلب الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، وكأن المصنف والشارح لا يريان رجوع الهمزة إلى أصلها بل يقلبانها ياء من أول الامر، ولهذا لم يفرقا بين الواوى واليائي. واعلم أن النوع الرابع كما عرض فيه سبب القلب قد عرض فيه سبب الحذف (*)

[ 228 ]

فيه واوا أو ياء لانقلبت ألفا أيضا، كألف التأنيث في حمراء (1) والالف في نحو الضالين ودابة (2)، وأما العألم والبأز فنادران (3)


(1) أصل حمراء حمرى كسكرب ثم قصد مد الصوت فزيدت ألف قبل ألف التأنيث فاجتمع ألفان فلزم قلب الثانية همزة لانه لو قلبت الاولى لفات الغرض المأتى بها لاجله، ولو قلبت الثانية واوا أو ياء رعاية للتقارب في الصفة بين حروف العلة لصارت حينئذ حمراى أو حمراو فتقع كل من الواو والياء متحركة مفتوحا ما قبلها إذ لا اعتداد بالالف لزيادتها فيجب انقلابهما ألفا فتعود الكلمة سيرتها الاولى. (2) يحكى عن أيوب السختيانى في الشواذ (والا الضألين) بهمزة مفتوحة - فرارا من التقاء الساكنين، وحكى أبو زيد عنه دأبة وشأبة - بهمزة مفتوحة أيضا - للعلة المتقدمة. وإنما قلب الالف همزة ولم يقلبها ياء ولا واوا لانه لو قلبها إلى إحداهما لصارت كل واحدة منهما متحركة مفتوحا ما قبلها فيلزم قلبها ألفا. قال أبو البقاء العكبرى في كتابه وجوه القراءات (ج‍ 1 ص 5): " وقرأ أيوب السختيانى بهمزة مفتوحة:، وهى لغة فاشية في العرب في كل ألف وقع بعدها حرف مشدد نحو ضال ودابة وجان والعلة في ذلك أنه قلب الالف همزة لتصح حركتها لئلا يجمع بين ساكنين " اه‍ وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (ج‍ 1 ص 131) الاصل في الضالين الضاللين، حذفت حركة اللام الاولى ثم أدغمت اللام فاجتمع ساكنان مدة الالف واللام المدغمة. وقرأ أيوب السختيانى ولا الضألين - بهمزة غير ممدودة - كأنه فر من التقاء الساكنين وهى لغة، حكى أبو زيد قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن) فظننته أنه قد لحن حتى سمعت من العرب دأبة وشأبة. قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قول كثير: * إذا ما الغوانى بالعبيط احمأرت * اه‍ كلامه (3) إنما كان ذلك نادر لان الالف لو قلبت واوا أو ياء لم يلزم قلبهما ألفا لعدم تحركهما. وقد قال المؤلف في باب الابدال: وعن العجاج أنه كان يهمز (*)

[ 229 ]

ثم إن الواو الواقعة بعد ياء التصغير - أعنى التي لا تحذف - لا يخلوا إما أن تكون لاما أو غير لام فاللام تقلب ياء لا غير، تقول: غزى وعرية في غزو وعروة، وكذا غزيان وعشياء وغزيية بياءين مشددتين، في تصغير غزوان وعشوا (1) وغزوية منسوبة إلى الغزو وأما غير اللام فان كانت ساكنة في المكبر فلابد من قلبها ياء، نحو عجيز


العالم والخاتم، وليس ذلك فرارا من التقاء الساكنين ولكن لتقارب مخرجى الالف والهمزة " اه‍ كلامه، نقول: ومن شواهد قلب الالف همزة في العالم قول العجاج. يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمي * فخندف هامة هذا العألم ومن شواهد قلبها همزة في البأز قول الشاعر كأنه بأزدجن فوق مرقبة * جلى القطا وسط قاع سملق سلق الجمع فقالوا: أبؤز وبئزان كما استمر قلب الواو ياء في عيد لسكونها إثر كسرة عند جمعه فقالوا أعياد (1) قال عن اللسان ؟ ؟ ؟: " والغزو السير إلى قتال العدو وانتها به. غزاهم غزوا وغزوانا، عن سيبويه، صحت الواو فيه كراهية الاخلال. وغزاة، اه‍ وقوله. صحت الواو فيه كراهية الاخلال، يريد به أن حق الواو في غزوان أن تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لكنها لم تقلب لانها لو قلبت لاجتمع ألفان فكان يجب حذف إحداهما دفعا لالتقاء الساكنين فيصير غزان فيلتبس فعلان (بفتح العين) بفعال. والعشواء أنثى الاعشى، قال في اللسان: " العشا مقصور سوء البصر بالليل والنهار يكون في الناس والدواب والابل والطير، وقيل: هو ذهاب البصر وقيل: هو ألا يبصر بالليل، وقد عشى يعشى عشى (كعمي يعمى عمى) وهو عش وأعش والانثى عشواء، اه‍ ملخصا (*)

[ 230 ]

وجزير في عجوز (1) وجزور، وإن كانت فيه متحركة أصلية كانت كأسود ومزود، أو زائدة كجدول فالاكثر القلب، ويجوز تركه كأسيود وجديول (2)، لقوة الواو المتحركة، وعدم كونها في الاخر هو محل التغيير، وكون ياء التصغير عارضة غير لازمة، وقال بعضهم: إنما جاز ذلك حملا على التكسير، نحو جداول وأساود، ولو كان حملا عليه لجاز في مقام ومقال مقيوم ومقيول كما في مقاول ومقاوم قوله " وكذلك الهمزة المنقلبة بعدها " أي: الهمزة المنقلبة عن الالف المنقلبة عن واو أو ياء بعد الالف الزائدة التي تلى ياء التصغير يعرض فيه سبب قلب الالف ياء كما مر، ويزول سبب قلب اللام ألفا، إذ من جملته الالف الزائدة والفتحة التي


(1) أجمعوا على أنه يقال للمرأة المسنة: عجوز - بلا تاء - واختلفوا في أنه هل يقال لها عجوزة - بالتاء - وفى أنه هل يقال للرجل عجوز أيضا، وقد حكى صاحب اللسان عن بعض أئمة اللغة أنه يقال للرجل عجوز، كما حكى أنه يقال للمرأة عجوزة بالتاء مع القلة. والجزور: المجزور من الابل، يقع على الذكر والانثى وهو مؤنث بلا تاء تقول: هذه جزور بنى فلان وجزور بنى فلان ذبحتها وإن عنيت بذلك المذكر (2) المزود: وعاء يجعل فيه الزاد. والاسود: أصله صفة من السواد، وقد سمى به نوع الحيات وهو العظيم الذى فيه سواد وقد قالوا في مؤنثه أسودة وقالوا في مؤنث الصفة سوداء ولم يفرق المؤلف رحمه الله بين الصفة والاسم في جواز الوجهين - وهما التصحيح وقلب الواو ياء في التصغير -، والذي حكاه أبو الحسن الاشمونى في شرحه الى الالفية في باب الابدال أنه إن جمعت الكلمة على صيغة منتهى الجموع جاز فيها الوجهان في التصغير، وذلك كأسود الاسم وجدول فقد قيل في جمعهما أساود وجداول، وأما إن كانت الكلمة لم تجمع على هذه الزنة فليس فيها إلا الاعلال وذلك كأسود وأعور وأحول وأحور إذ جاء جمعها على فعل - بضم فسكون - وإنما أجاز الوجهين: أما الاعلال فلانه الاصل، وأما التصحيح فحملا للتصغير على التكسير، وإنما لم يفرق المؤلف هذا الفرق لانه جعل علة جواز التصحيح قوة الواو بالحركة (*)

[ 231 ]

قبلها، ويعرض سبب آخر لقلب اللام، إن كان واوا، ثم سبب آخر لحذف ذلك اللام، وذلك أنه إذا اجتمع ثلاث يا آت والاخيرة متطرفة لفظا كما في أحى أو تقديرا كما في معينة وثانيتها مكسورة مدغم فيها، ولم يكن ذلك في الفعل كما في أحيى ويحيى ولا في الجارى عليه نحو المحيى، وجب حذف الثالثة نسيا، كما يجئ في باب الاعلال تحقيقه فإذا حقر نحو عطاء قلب ألفه ياء كما في حمار، فيرجع لام الكلمة إلى أصلها من الواو لزوال الالف قبلها، ثم تنقلب ياء مكسورا ما قبلها، فتجتمع ثلاث يا آت: الاولى للتصغير، والثانية عوض من الالف الزائدة، والثالثة عوض عن لام الكلمة، فتحذف الثالثة نسيا، فيبقى عطى، ويدور الاعراب على الثانية وكذا إداوة، لا فرق بينهما، إلا أن لام إداوة لم تنقلب ألفا ثم همزة، لانها لم تتطرف كما تطرف لام عطاء وأما غاوية فانك تقلب ألفها واو كما في ضارب، فتجتمع ياء التصغير والواو التي هي عين الكلمة، فتنقلب ياء لسكون الاولى، فيجتمع ثلاث يا آت: ياء التصغير، وبعدها العين، ثم اللام وأما معاوية فانك تحذف ألفها كما في مقاتل، فتزيد ياء التصغير، وتنقلب العين ياء لما ذكرنا، قال 37 - وقاء ما معية من أبيه * لمن أوفى بعقد أو بعهد (1)


(1) هذا البيت من كلام الصمة الاصغر - وهو معاوية بن الحارث، وهو والد دريد ابن الصمة الشاعر المعروف - وكان الصمة أسيرا هو وابنه معيد، فقتل الصمة، فقال هذا البيت وهو يجود بنفسه، يريد أن في ابنه الباقي بعده أحسن الخلف والعوض منه والوقاء - بكسر الواو وفتحها بعدها قاف -: ما حميت به شيئا أو حفظته و " ما " زائدة وقوله معية مبتدأ مؤخر خبره وقاء، و " من أبيه " متعلق بوقاء أو بمحذوف حال من ضمير المبتدأ و " أو في " مثل وفى مخففه، والعقد: إحكام العهد " والعهد " الامان وقد (*)

[ 232 ]

وكذا يجتمع في أحوى (1) ثلاث يا آت بسبب قلب العين ياء، فبعد حذف


أنشد المؤلف هذا البيت دليلا على أنه يقال في تصغير معاية معية - بحذف الالف وقلب الواو ياء وإدغامها مع ياء التصغير وحذف الياء التالية لها لكونها ثالثة. قال في القاموس وشرحه: " تصغير معاوية معيوة على قول من يقول أسيود، ومعية وهذا قول أهل البصرة لان كل اسم اجتمع فيه ثلاث ياءات أولاهن ياء التصغير حذفت واحدة منهن لم تكن أولاهن ياء التصغير لم يحذف منه شيئا، تقول في تصغير مية ميبة، وأما أهل الكوفة فلا يحذفون منه شيئا يقولون في تصغير معاوية معيية (يريد أنهم لم يحذفوا من الياءات شيئا ولا شك أنهم حذفوا الالف) على قول من يقول أسيد. ومنهم من يقول معيوية " اه‍ ومثله أيضا في صحح الجوهري (1) الاحوى: وصف من الحوة بضم الحاء وتشديد الواو - وهى سواد إلى الخضرة أو حمرة تضرب الى السواد. قال الجوهري: " تصغير أحوى أحيو في لغة من قال أسيود. واختلفوا في لغة من أدغم. قال عيسى بن عمر: أحيى فصرف. قال سيبويه قد أخطأ هو، ولو جاز هذا لصرف أصم لانه أخف من أحوى ولقالوا أصيم فصرفوا. وقال أبو عمرو بن العلاء أحى كما قالوا أحيو: قال سيبويه: ولو جاز هذا لقلت في عطاء عطى. وقال يونس أحى قال سيبويه: هذا هو القياس والصواب " اه‍ كلام الجوهري. واليك ما ذكر سيبويه في هذا الموضوع بحرفه (ح‍ 2 ص 132) قال: " واعلم أنه إذا كان بعدياء التصغير ياء ان حذفت التي هي آخر الحروف ويصير الحرف على مثال فعيل، ويجري على وجوه العربية (يريد أنه يعرب بالحركات الظاهرة) وذلك قولك في عطاء عطى وقضاء قضى وسقاية سقية وإداوة أدية وفي شاوية شوية وفي غاو غوى إلا أن تقول شويوية وغوبو في قول من قال أسيود وذلك لان هذه اللام إذا كانت بعد كسرة اعتلت واستثقلت إذا كانت بعد كسرة في غير المعتل فلماذا كانت كسرة في ياء قبل تلك الياء ياء التحقير ازدادوا لها استنقا لا فحذفوا وكذلك أحوى، إلا في قول من قال أسيود، ولا تصرفه لان الزيادة ثابتة في أوله، ولا يلتفت إلى قلته كما لا يلتفت إلى قلة يضع، وأما عيسى فكان يقول: أحى ويصرف وهذا خطأ، لو جاز ذا لصرفت أصم (*)

[ 233 ]

الياء الثالثة كان سيبويه يمنه صرفه، لانه وإن زال وزن الفعل لفظا وتقديرا أيضا بسبب حذف اللام نسيا، لكن الهمزة في الاول ترشد إليه وتنبه عليه، كما منع صرف نحو يعد ويروى اتفاقا، وإن نقص عن وزن الفعل بحذف الفاء والعين وجوبا، وكان عيسى بن عمر يصرفه، نظرا إلى نقصان الكلمة عن وزن الفعل نقصانا لازما، بخلاف نحو أرس في تخفيف أرأس، فان النقص فيه غير لازم (1) وليس بشئ، لان الواجب والجائز كما ذكرنا في مثله سواء مع قيام حرف المشابهة وكان أبو عمرو بن العلاء لا يحذف الثالثة نسيا، بل إنما يحذفها مع التنوين حذف ياء قاض ومع اللام والاضافة يردها كالاحيى، قال الفارسي: إنما فعل ذلك لمشابهته في اللفظ الفعل، فكأنه اسم جار عليه مثل المحيى وكذا يلزمه أن يقول في يصغير يحيى يحى، ورد سيبويه على ابن العلاء بقولهم في عطاء: عطى، بحذف الثالثة


لانه أخف من أحمر وصرفت أرأس إذا سميت به ولم تهمز فقلت أرس. وأما أبو عمرو فكان يقول: أحى (أي بالادغام وحذف الثالثة معتدا بها فيعربه كقاض) ولو جاز ذا لقلت في عطاء عطى (كقاض) لانها ياء كهذه الياء وهى بعد يا ء مكسورة، ولقلت في سقاية سقيبة وشا وشوى. وأما يونس فقوله: هذا أحى (بمنع الصرف) كما ترى وهو القياس والصواب " اه‍. قال السيرافي: " ورأيت أبا العباس المبرد يبطل رد سيبويه بأصم قال: لان أصم لم يذهب منه شئ لان حركة الميم الاولى في أصمم قد ألقيت على الصاد، وليس هذا بشئ، لان سيبويه إنما أراد الخفة مع ثبوت الزائد، والمانع من الصرف لا يوجب صرف، وأصم أخف من أصمم الذي هو الاصل ولم يجب صرفه وكذلك لو سميت رجلا بيضع ويعد لم تصرفه وإن كان قد سقط حرف من وزن الفعل " اه‍ (1) الا رأس العظيم الرأس. والانثى رأسي، وقد خفف الا رأس بالقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها ثم حذفها فيصير الارس - بفتح الهمزة والراء - وهو قبل التخفيف وبعده غير منصرف للوصفية ووزن الفعل إجماعا (*)

[ 234 ]

إجماعا، ولا يلزمه ذلك على ما اعتذر له أبو على وقد مر جميع هذا في باب غير المنصرف (1) ومن قال أسيود قال في معاوية وغاوية: معيوية، وغويوية، وفي أحوى احيو، إذ لم يجتمع ثلاث يا آت حتى تحذف الثالثة نسيا. والكلام في صرف أحى عند أبى عمرو ومنع صرفه، وكذا في صرف أحيو ومنعه، والبحث في أن التنوين فيهما للصرف أو للعوض كما مر في جوار في باب مالا ينصرف سواء (2)


(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 1 ص 52) ما نصه: " واعلم أنك إذا صغرت نحو أحوى قلت أحى بحذف الياء الاخيرة نسيا لكونها متطرفة بعد ياء مكسورة مشددة في غير فعل أو جار مجراه كأحيى والمحيى وقياس مثلها الحذف نسيا كما يجئ في التصريف إن شاء الله تعالى، فسيبويه بعد حذف الياء نسيا يمنه الصرف لانه بقى في أوله زيادة دالة على وزن الفعل، وعيسى بن عمر يصرفه لنقصانه عن الوزن بحذف الياء نسيا، بخلاف نحو جوار فأن الياء كالثابت بدليل كسرة الراء كما ذكرنا، فلم يسقط عن وزن أقصى الجموع والاولى قول سيبويه " ألا ترى أنك لا تصرف نحو يعد ويضع علما وإن كان قد سقط حرف من وزن الفعل، وأبو عمرو بن العلاء لا يحذف الياء الثالثة من نحو أحى نسيا بل يعله إعلال أعيل وذلك لان في أول الكلمة الزيادة التي في الفعل وهي الهمزة بخلاف عطى تصغير عطاء فجعله كالجاري مجرى الفعل أعنى المحيى في الاعلال فأحى عنده كأعيل سواء في الاعلال ومنع الصرف وتعويض التنوين من الياء كما ذكرنا، وبعضهم يقول أحيو في تصغير أحوى كأسيو في تصغير أسود كما يجئ في التصريف، ويكون في الصرف وتركه كأعيل على الخلاف المذكور " اه‍ (2) قد سبق لنا القول في نحو جوار وبيان أنه معل ممنوع من الصرف وبيان مذهب سيبويه في مثله (ص 58 من هذا الكتاب). وقال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 1 ص 51) ما ملخصه: " اختلفوا في كون جوار رفعا وجرا منصرفا أو غير منصرف، فقال الزجاج: إن تنوينه للصرف وإن الاعلال مقدم على منع (*)

[ 235 ]

وقول المصنف " حذفت الاخيرة نسيا على الافصح " يومى إلى أنه لا تحذف غلى غير الافصح، وليس كذلك، بل الواجب في الياء المقيدة بالقيود المذكورة الحذف اتفاقا، إلا في نحو أحى مما في أوله شبه حرف المضارعة، فان أبا عمرو لا يحذفها نسيا كما مر، قال السيرافى: تقول في عطاء: عطى، وفي قضاء قضى، وفي سقاية سقية، وفي إداوة أدية، ثم قال: فهذا لا يجوز فيه غيره، وقال ابن خروف في مثله: إن القياس إعلاله إعلال قاض، لكن المسموع حذف الثالثة نسيا، بل قال الاندلسي والجوهري: إن ترك الحذف مذهب الكوفيين، وأنا أرى ما نسبا إليهم وهما منهما وكذا تحذف الياء المشددة المتطرفة الواقعة بعد ياء مشددة، إذا لم يكن الثانية للنسبة كما إذا صغرت مروية اسم مفعول من روى قلت: مرية، والاصل مريية، وكذا تصغر أروية فيمن قال أنها أفعولة، وأما من قال فعلية والياء


الصرف لقوة سبب الاعلال وسر ما ذهب إليه أن الاسم بعد الاعلال لم يبق على صيغة أقصى الجوع، ويمنع بأن الياء الساقطة في حكم الثابت بدليل كسرد الراء، وكل ما حذف لاعلال موجب فهو بمنزلة الباقي. وقال المبرد التنوين عوض من حركة الياء، ومنع الصرف مقدم على الاعلال، وقال سيبويه والخليل: إن التنوين عوض من الياء واختلف في تفسير هذا القول ففسره بعضهم بأن منع الصرف مقدم الى الاعلال وفسره السيرافي بأن الاعلال مقدم على منع الصرف فالتنوين عوض من الياء، بخلاف نحو أحوى وأشقى، فانه قدم الاعلال في مثلهما أيضا ووجد علة منع الصرف بعد الاعلال حاصلة: لان ألف أحوى المنون ثابت تقديرا، فهو على وزن أفعل، فحذف تنوين الصرف، لكن لم يعوض التنوين من الالف المحذوفة ولا من حركة اللام، كما فعل في جواز، لان أحوى بالالف أخف منه بالتنوين، وأما جوار فهو بالتنوين أخف منه بالياء، والخفة اللفظية مقصودة في غير المنصرف بقدر ما يمكن، تنبيها بذلك على ثقله المعنوي بكونه متصفا بالفرعين " اه‍ (*)

[ 236 ]

للنسبة فأنه يقول في تصغيرها (1) أريية بيائين مشددتين، كما إذا صغر غزوى المنسوب إلى الغزو قيل: غزييى، وكذا يصغر علوى وعدوى على عليى وعديى بياءين مشددتين وإنما لم تحذف شيئا إذا طرأ التصغير على المنسوب كما في الامثلة المذكورة وحذفت ياء التصغير إذا طرأ النسب على المصغر في نحو أموى وقصوى المنسوبين إلى أمية وقصى لان المنسوب في مصغر المنسوب هو العمدة إذ هو الموصوف، ألا ترى أن معنى عليى علوى مصغر فلم يجز إهدار علامته، وكذا لا يهدر علامة المصغر


(1) قال في اللسان: " والاروية بضم الهمزة وعن اللحيانى كسرها: الانثى من الوعول، وثلاث أراوى - على أفاعيل - إلى العشر، فإذا كثرت فهى الاروى - على أفعل - على غير قياس، قال ابن سيده: وذهب أبو العباس إلى انها فعلى، والصحيح أنها أفعل، لكون أروية أفعولة. قال: والذى حكيته من أن أراوى لادنى العدد وأروى للكثير قول أهل اللغة، قال: والصحيح عندي أن أراوى تكسير أروية، كأرجوحة وأراجيح، والاروى اسم للجمع " اه‍. ثم قال: " قال ابن بري: أروى تنون ولا تنون، فمن نونها احتمل أفعلا مثل أرنب وأن يكون فعلى مثل أرطى ملحق بجعفر، فعلى هذا القول يكون أروية أفعولة، وعلى القول الثاني فعلية، وتصغير أروى إذا جعلت وزنها أفعلا أريو (منقوصا مثل قاض) على من قال أسيود وأحيو، وأرى (منقوصا أيضا) على من قال أسيد وأحى، وأما أروى فيمن لم ينون فوزنه فعلى (أي: والالف للتأنيث) وتصغيرها أريا (مثل ثريا)، وأما أروية إذا جعلتها أفعولة فأريوية عند من قال أسيود، ووزنها أفيعيلة، وأرية عند من قال أسيد، ووزنها أفيعة، وأصلها أرييية: فالاولى ياء التصغير، والثانية عين الفعل، والثالثة واو أفعولة، والرابعة لام الكلمة، فحذفت منها اثنتين، ومن جعل أروية فعلية فتصغرها أرية ووزنها فعلية، وحذفت الياء المشددة. قال: وكون أروى أفعل أقيس، لكثرة زياة الهمزة أولا، وهو مذهب سيبويه لانه جعل أروية أفعولة " اه‍ (*)

[ 237 ]

إذ هو الطارئ، والطارئ إذا لم يبطل حكم المطرود عليه لمانع فلا أقل من أن لا يبطل حكمه بالمطرو عليه، وأما المنسوب إلى المصغر فليس المصغر فيه عمدة، إذ ليس موصوفا، بل هو من ذنابات المنسوب، إذ معني قصوى منسوب إلى قصى فجاز إهدار علامته إجابة لداعى الاستثقال، وأما النسبة فطارئة فلا تهدر علامتها فعلى هذه القاعدة ينسب إلى جهينة جهنى بحذف الياء، ثم إذا صغرت جهنيا زدت الياء فقلت جهينى قال: " ويزاد في المؤنث الثلاثي بغير تاء كعيينة وأذينة، وعريب وعريس شاذ، بخلاف الرباعي كعقيرب، وقد يديمة ووريئة شاذ، وتحذف ألف التأنيث المقصورة غير الرابعة كجحيجب وحويلى في جحجبى وحولايا وتثبت الممدودة مطلقا ثبوت الثاني في بعلبك " أقول: اعلم أن التصغير يورد في الجامد معنى الصفة، ألا ترى أن معنى رجيل رجل صغير، فالاسم المصغر بمنزلة الموصوف مع صفته، فكما أنك تقول: قد صغيرة بالحاق التاء في آخر الوصف، قلت: قديمة، بالحاق التاء في آخر هذا الاسم الذى هو كآخر الوصف، والدليل على عروض معنى الوصف فيه أنك لا تقول رجلون لعدم معنى الوصف وتقول في تصغير رجال: رجيلون، وإن ما لم يرفع المصغر (1) لا ضميرا ولا ظاهرا مع تضمنه معنى الوصف كما ترفع سائر الاوصاف من اسمى الفاعل والمفعول والصفة المشبهة والمنسوب لانها إنما ترفع من الضمير والظاهر أصحابها المخصوصة التي لا تدل ألفاظ الوصف عليها إذ الصفات لم توضع لموصوفات معينة، بل صالحة لكل موصوف، فان حسنا في قولك " رجل حسن " لا يدل على رجل فرفع ضميره، وكذا لا يدل على وجهه في قولك " رجل حسن وجهه " فرفعه، والموصوف


(1) سبق القول في هذا الموضوع بما لا نحتاج معه إلى زيادة (*)

[ 238 ]

المخصوص في رجيل مدلول عليه بتركيب هذا اللفظ مع الوصف، فلا يحتاج إلى رفع ما هو موصوفه حقيقية، ولما رأى بعض النحاة أن التصغير يورد في الاسم معنى الوصف ورأوا أن العلم لا معنى للوصف فيه قالوا: تصغير الاعلام ليس بوجه، وليس ما توهموا بشئ، لانك لا تجعل بالتصغير عين المكبر نعتا حتى يرد ما قالوا، بل تصف بالتصغير المكبر، إلا أنك تجعل اللفظ الواحد - وهو المصغر - كالموصوف والصفة، ووصف الاعلام غير مستنكر، بل شائع كثير، وإنما لم يحلقوا التاء بآخر ما زاد على ثلاثة من الاسماء في التصغير لانهم لما قصدوا فيه ذكر الموصوف مع صفته بلفظ واحد توخوا من الاختصار ما يمكن، ألا ترى إلى حذفهم فيه كل ما زاد على أربعة من الزائد والاصلي، وهذا هو العلة في تخفيفات الملحق به ياء النسب، لان المنسوب أيضا كالصفة مع الموصوف مع ثقل الياء المشددة في آخر الاسم الذى هو موضع الخفة، لكنك لم تحذف في النسب الزائد على الاربعة لكون علامة النسبة كالمنفصل من المنسوب، بخلاف علامة التصغير، فالمقصود أنهم اجترؤا في الثلاثي الذى هو أخف الابنية - لما طرأ فيه معنى الوصف - على زيادة التاء التى تلحق آخر أوصاف المؤنث، فلما وصلوا إلى الرباعي وما فوقه والتاء وإن كانت كلمة برأسها إلا أنها كحرف الكلمة المتصلة هي بها لم يروا زيادة حرف على عدد حروف لو زاد عليها أصلى طرحوه في التصغير، فقدروا الحرف الاخير كالتاء، إذ هي محتاج إليها لكون الاسم وصفا، فقالوا: عقيب وعقيرب (1)


(1) العقاب بزنة غراب - طائر من العتاق مؤنثة، وقيل: العقاب يقع على الذكر والانثى، وتمييزه باسم الاشارة والضمير. والعقرب واحدة العقارب، وهي دويبة من الهوام تكون للذكر والانثى بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث، وقد يقال للانثى عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، ويصغر على عقيرب كما تصغر زينب على زيينب، والذكر عقربان - بضم العين والراء - وهو دابة له أرجل طوال، وليس ذنبه كذنب العقارب (*)

[ 239 ]

وإذا كان الاسم المؤنث على أكثر من ثلاثة لكنه يعرض فيه في حال التصغير ما يرجع به إلى الثلاثة وجب زيادة التاء فيه، نحو سمية في سماء، لانه يجتمع فيه ثلاث يا آت فتحذف الاخيرة نسيا كما ذكرنا وكذا إذا صغرت الثلاثي المزيد فيه نحو عناق وعقاب وزينب تصغير الترخيم قلت: عنيقة، وعقيبة، وزنيبة وإن كان الثلاثي جنسا مذكرا في الاصل وصف به المؤنث - نحو امرأة عدل أو صوم أو رضى - فانك تعتبر الاصل في التصغير، وهو التذكير، ولا تزيد فيه التاء نحو: امرأة رضى وعديل وصويم، كما أن نحو حائض وطالق لفظ مذكر جعل صفة لمؤنث، وإن كان معناه لا يمكن إلا في المؤنث، فإذا سمى بمثله مذكر صرف، لكونه الان علم مذكر ليس فيه تاء ظاهرة ولا حرف قائم مقامها: الوضع، كما كان في عقرب إذ وضع نحو لفظ حائض - كما مر في غير المنصرف على التذكير كضارب وقاتل (1)، فإذا صغرت نحوه تصغير الترخيم لم تزد


(1) قال سيبويه (ح‍ 2 ص 20): " واعلم أنك إذا سميت المذكر بصفة المؤنث صرفته، وذلك أن تسمى رجلا بحائض أو طامث أو متئم فزعم أنه إنما يصرف هذه الصفات لانها مذكرة وصف بها المؤنث كما يوصف المذكر بمؤنث لا يكون إلا لمذكر، وذلك نحو قولهم: رجل نكحة، ورجل ربعة، ورجل خجاة، فكأن هذا المؤنث وصف لسلعة أو لعين أو لنفس وما أشبه هذا، وكأن المذكر وصف لشئ، فكأنك قلت هذا شئ حائض، ثم وصف به المؤنث، كما تقول هذا بكر ضامر ثم تقول ناقة ضامر " اه‍. وقال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 1 ص 45): " وههنا شروط أخر لمنع صرف المؤنث إذا سمى به مذكر تركها المصنف - أحدها - ألا يكون ذاك المؤنث منقولا عن مذكر، فا ربابا اسم امرأة، لكن إذا سميت به مذكرا انصرف، لان الرباب قبل تسمية المؤنث به كان مذكرا بمنى الغيم، وكذا لو سميت بنحو حائض وطالق (*)

[ 240 ]

التاء، لكونه مذكرا في الاصل، فتقول: حييض وطليق وإذا سمى مؤنثا بثلاثي مذكر نحو شجر وحجر وزيد ثم صغرته زدت التاء وكذا إذا سميت مؤنثا بمؤنث ثلاثي لم يكن تدخل التاء في تصغيره قبل العلمية كحرف وناب ودرع فان قلت: فكيف راعيت الاصل في نحو امرأة عدل وصوم، ولم تقل عديلة وصويمة ولم تراع ذلك في العلم ؟ ؟ قلت: لان الوصف غير مخرج عن أصله بالكلية، إذ معنى " امرأة عدل " كأنها من كثرة العدل تجسمت عدلا، ومعنى " امرأة حائض " إنسان حائض، فقد قصدت فيهما المعنى الاصلي الذي وضع اللفظ باعتباره، وأما في العلم فلم تقصد ذلك، لانه منقول ووضع ثان غير الواضح الاول وغرضه الاهم الابانة عن المسمى، لا معناه الاصلي، فإذا سميت بالحجر فهو كما لو سميت بغطفان وغيره من المرتجلات، وقليلا ما يراعى في العلم معنى المنقول منه وكذا إذا سميت مذكرا بمؤنث مجرد عن التاء كأذن وعين لم تلحق به التاء في التصغير، لانه - كما ذكرنا - وضع مستأنف، ويونس يدخل التاء فيه، فيقول: أذينة وعيينة، استدلالا بأذينة وعيينة علمي رجلين، وهذان عند النحاة إنما سمى المذكران بهما بعد التصغير، فلا حجة فيه وإذا سميت مذكرا بنحو أخت وبنت وصغرته حذفت التاء، فتقول: أخى، برد


مذكرا انصرف، لانه في الاصل لفظ مذكر وصف به المؤنث، إذ معناه في الاصل شخص حائض، لان الاصل المطرد في الصفات أن يكون المجرد من التاء منها صيغة المذكر وذو التاء موضوعا للمؤنث، فكل نعت لمؤنث بغير التاء فهو صيغة موضوعة للمذكر استعملت للمؤنث " اه‍ (*)

[ 241 ]

اللام المحذوفة المبدلة منها التاء، إذ لايتم بنية التصغير بالتاء كما ذكرنا، ولا تأتي بعدها بالتاء لانه مذكر إذن واعلم أنه قد شذت من الثلاثي أسماء لم تلحقها التاء في التصغير: ذكر سيبويه منها ثلاثة، وهي الناب بمعنى المسنة من الابل، وإنما قالوا فيها نييب لان الناب من الاسنان مذكر (1)، والمسنة من الابل قيل لها ناب لطول نابها كمايقال لعظيم البطن بطين بتصغير بطن، فروعي أصل ناب في التذكير، وكذا قال في الفرس فريس لوقوعه على المذكر والمؤنث فغلب (2) وكذا قال في الحرب - وهي (3) مؤنثة -:


(1) الناب من الاسنان: هي السن التي خلف الرباعية. قال في اللسان: " والناب والنيوب الناقة المسنة، سموها بذلك حين طال ناباها وعظم، مؤنثة، وهو مما سمى فيه الكل باسم الجزء " اه‍، والذى قاله المؤلف من أن الناب من الاسنان مذكر هو ص 11): " الناب المسنة من النوق مؤنثة، وجمعها نيب، وتصغيرها نييب بغير هاء.. وأما الناب من الاسنان فمذكر، وكذلك ناب القوم سيدهم، يقال: فلان ناب بني فلان: أي سيدهم " (2) قال صاحب الصحاح: " الفرس يقع على الذكر والانثى، ولا يقال للانثى فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الانثى خاصة لم تقل إلا قريسة بالهاء، عن أبژ بكر بن السراج " اه‍ وأنت ترى أن ما ذكره الجوهري عن ابن السراج يخالف ما ذكره المؤلف (3) الذي ذكره المؤلف من أن الحرب مؤنثة المعروف عن أهل اللغة، قال ابن سيده في المخصص (ح‍ 17 ص 9): " الحرب أنثى، يقال في تصغيرها حريب بغير هاء فأما قولهم. فلان حرب لى: أي معاد، فمذكر " اه‍. وحكى صاحب اللسان عن ابن الاعرابي فيها التذكير، ثم قال: وعندي أنه إنما حمله على معنى القتل أو الهرج (*)

[ 242 ]

حريب، لكونها في الاصل مصدرا، تقول: نحن حرب، وأنتم حرب، وذكر الجرمى من الشواذ درع الحديد (1)، والعرس وهى مؤنثة (2)، قال: - 38 - إنا وجدنا عرس الحناط * لئيمة مذمومة الحواط (3) (1) هذا الذي ذكره المؤلف في الدرع أنها مؤنثة - أحد رأيين لاهل اللغة، والثاني أنها تذكر وتؤنث قال ابن سيده (ح‍ 17 ص 20): " درع الحديد تذكر وتؤنث، والتأنيث الغالب المعروف والتذكير أقلهما، أولا ترى أن أسماءها وصفاتها الجارية مجرى الاسماء مؤنثة ؟ كقولهم: لامة، وفاضة، ومفاضة، وجدلاء، وحدباء، وسابغة، فأما ذائل فقد تكون على التذكير وقد تكون على النسب، وأما دلاص فبمنزلة كناز وضناك - بزنة كتاب - وإن كان قد يجوز أن يكون نعتا غير مؤنث على تذكير الدرع " اه‍ وقوله بمنزلة كناز وضناك يريد به أنه لفظ يقع الى الذكر والانثى من غير تاء، والكناز والضناك كلاهما بمعنى الضخمة الشديدة اللحم، ويوصف بهما النساء والنوق. وقول المؤلف درع الحديد احتراز من درع المرأة: أي قميصها، فانه مذكر ليس غير عند بعض اللغويين ومنهم اللحياني وعند الاخرين أنه يذكر ويؤنث (2) الذي ذهب إليه المؤلف من أن العرس مؤنثة أحد رأيين، وذهب ابن سيده كالجوهري إلى أنه يذكر ويؤنث، قال (ح‍ 17 ص 19): " العرس يذكر ويؤنث ويصغرونها عريس وعريسة، وجمعها في القبيلين عرسات، وحقيقة العرس طعام الزفاف " اه‍ (3) هذا الرجز لدكين الراجز، وبعده: ندعى مع النساج والخياط * وكل علج شخم الاباط والعرس - كعنق وكقفل - مضى شرحه، والحناط - بائع الحنطة، والصيغة للنسب، والحواط: جمع حائط وهو اسم فاعل من حاط يحوط إذا التف حول الشئ، والمراد هنا الذين يقومون بخدمة الناس في الدعوات، لانه يحيطون بهم، وذكر صاحب اللسان أن الحواط مفرد ومعناه الحظيرة التي يكون الطعام فيها. (*)

[ 243 ]

والقوس (1)، وذكر غيرهما العرب والذود والضحى (2) وقد شذ في الرباعي قدام ووراء (3) فألحق بمصغرهما الهاء والقياس تركها، وحكى أبو حاتم أميمة في أمام، وقال: ليس بتبت، قال السيرافي: إنما لحقتهما الهاء لانهما ظرفان: لا يخبر عنهما، (ولا يوصفان) ولا يوصف بهما، حتى يتبين تأنيهما بشئ من ذلك، كما تقول: لسعت العقرب، وعقرب لاسعة، وهذه العقرب، فأنثا


والعلج - بكسر فسكون -: الرجل من كفار العجم وهو أيضا الشديد الغليظ. وقيل كل ذى لحية، والشخم - بفتح الشين وكسر الخاء -: المنتن (1) الذي ذكره المؤلف في القوس أحد رأيين فيها: قال ابن سيده: " القوس التي يرمى عنها أنثى، وتصغيرها قويس بغير هاء، شذت عن القياس، ولها نظائر قد حكاها سيبويه " والرأى الثاني أنها تذكر وتؤنث، قال الجوهري: " القوس يذكر ويؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة، ومن ذكره قال قويس " اه‍ (2) العرب - بفتحتين وكقفل -: خلاف العجم، مؤنثة، ولم يحلق تصغيرها الهاء، وقد قالوا: العرب العاربة، وقال عبد المؤمن بن عبد القدوس في تصغير العرب: ومكن الضباب طعام العريب * ولا تشتهيه نفوس العجم ولو جعلت وجه التذكير في تصغير عرب أن أصله مصدر عرب كفرح كما قاله المؤلف في كلمة الحرب لم تعد الصوب. والذود: ما بين الثلاث إلى العشر من إناث الابل، قال ابن سيده (ح‍ 17 ص 9): " الذود أنثى، وتصغيرها ذويد بغير هاء " وقال في اللسان عنه: " الذود مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس توهموا به المصدر ". واما الضحى فقد قال في اللسان: " الضحو والضحوة والضحية: ارتفاع النهار، والضحى فويق ذلك أنثى، وتصغيرها بغير هاء، لئلا يلتبس بتصغير ضحوة " اه‍ (8) أما قدام ووراء فقد قال اللسان: " قدام نقيض وراء، وهما يؤنثان، ويصغران بالهاء، قديدمة وقديديمة ووريئة، وهما شاذان لان الهاء لا تلحق الرباعي في التصغير، قال الكسائي: قدام مؤنثة، وإن ذكرت جاز، وقد قيل في تصغيره قديديم، وهذا يؤيد ما حكاه الكسائي من تذكيرها " اه‍ (*)

[ 244 ]

تتينا لتأنيهما، وفي وراء قولان: أحدهما (3) أن لامه همزة، قالوا: يقال: ورأت بكذا: أي ساترت به، ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان إذا أراد سفرا ورأ بغيره " وأصحاب الحديث لم يضبطوا الهمزة فرووا " ورى بغيره "، وقال بعضهم: بل لامه واو أو ياء، مثل كساء ورداء، من وريت بكذا، وهو الاشهر، فتصغيره على هذا وريد لا غير، بحذف الياء الثالثة كما في سمية تصغير سماء ومذهب أبى عمرو أنه إذا حذف ألف التأنيث المقصورة خامسة فصاعدا كما يجئ أبدل منها تاء، وحو حبيرة في حبارى ولغيغيزة في لغيزى (2)، ولم ير ذلك غيره من النحاة، إلا ابن الانباري فانه يحذف الممدودة أيضا خامسة فصاعدا، ويبدل منها التاء كالمقصورة، ولم يوافقه أحد في حذف الممدودة قوله " ويحذف ألف التأنيث المقصورة غير الرابعة " إنما تحذف خامسة


(1) قال في اللسان: " ووريت الخبر أورية تورية إذا سترته وأظهرت غيره كأنه مأخوذ من وراء الانسان، لانه إذا قال وريته فكأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر " اه‍، فقد أشار إلى أن التورية من مادة وراء وإن لم يصرح بذلك، فتكون الهمزة في وراء منقلبة عن ياء لتطرفها إثر ألف زائدة، ومثل الذي ذكره صاحب اللسان قول ابن الاثير في النهاية: " كان إذا أراد سفرا ورى بغيره: أي ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره، وأصله من الوراء: أي ألقى البيان وراء ظهره " اه‍ (2) الحبارى - بضم أوله وتخفيف ثانيه -: طائر يقع الى الذكر والانثى، والواحد والجمع، وهو على شكل الاوزة قال الجوهري: وألفه ليست للتأنيث ولا للالحاق، وإنما بنى الاسم عليها فصارت كأنها من نفس الكلمة لا تنصرف في معرفة ولا نكرة: أي لا تنون " اه‍ وهذا كلام ينقض آخره أوله لان الالف التى ليست للتأنيث ينصرف الاسم معها سواء أكانت للالحاق أم لم تكن، وعدم الصرف في المعرفة والنكرة دليل على أن الالف للتأنيث، وقوله وإنما بنى الاسم عليها الخ كلام لا معنى له. واللغيزي بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحا -: مثل اللغز - كقفل (*)

[ 245 ]

فصاعدا لانها لازمة للكلمة، وصائرة كالحروف التى زيدت لبنية الكلمة، مثل ألف حمار، مع أنها لا تفيد معنى التأنيث كما تفيده الرابعة نحو سكرى حتى تراعى لكونه علامة، وإذا كانت الحروف الاصلية تحذف خامسة فكيف بالزائدة كالاصلية، فإذا صغرت العرضنى (1) قلت عريضن، والنون للالحاق، فهو بمنزلة أصلى رابع، وكذا إذا صغرت العبدى (2) قلت عبيد، بحذف الالف، لان إحدى الدالين وإن كانت زائدة إلا أنها تضعيف الحرف الاصلي، فتحصنت من الحذف بذلك، وبكونها ليست من حروف " اليوم تنساه " وبكونها ليست في الطرف، بخلاف ألف التأنيث فانها عارية من الثلاثة، وكذا تقول في لغيزي لغيغيز بحذف الالف، دون إحدى الغينين، كما أنك لا تحذف في تصغير عفنجج (3) غير النون، لان إحدى الجيمين تضعيف لحرف أصلي، وليست من حروف " اليوم تنساه "، ولا تحذف ياء لغيزي في التصغير، لانها لا تخل ببنيته، بل تصير مدا قبل الاخر كما في عصيفير، كما أنك لا تحذف من


وكرطب وكجبل - وهو ما عمى من الكلام وأخفى المراد منه، وياء اللغيزي ليست للتصغير، فأن ياء التصغير لا تكون رابعة، وإنما ياؤه بمنزلة الياء في خليطى والالف الاولى في شقارى وخبازى وخضارى (1) يقال: عدت الفرس العرضنى والعرضند والعرضناة - بكسر أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه في الثلاثة -: إذا كانت تمشى معترضة مرة من وجه ومرة من آخر بسبب نشاطها، وهو ضرب من خيلاء الخيل (2) العبدى بكسر العين والباء وتشديد الدال مفتوحة بعدها ألف - ومثله العبداء بضبطه ممدوا والمعبوداء والمعبدة كمشيوخاء ومشيخة: أسماء جمع العبد، وخص بعضهم العبدى بالعبيد الذين يولدون في الملك (3) العفنجج: الضخم الاحمق (*)

[ 246 ]

حولايا - وهو اسم رجل - غير ألف التأنيث، ولا تحذف الالف التي بعد اللام لانها مدة رابعة لا تحذف في التصغير، بل قد تجلب لتكون عوضا من زائد محذوف في موضع آخر، نحو مطيليق في منطلق، فالاخلال بالبنية في حولايا ولغيزي من ألف التأنيث، لا من الالف والياء المتوسطتين، إذ لو حذفتهما وقلت لغيغزى وحويليا لوقعت ألف التأنيث خامسة موقع اللام في سفيرجل، فاحتجت إلى حذفها أيضا، وأما في نحو حبارى فكل واحدة من ألف التأنيث والالف المتوسطة متساويتان في الاخلال ببنية التصغير، وأيتهما حذفت تحصل البنية، إذ لو حذفت المتوسطة لم تكن ألف التأنيث خامسة، بل تقل: حبيرى كحبيلى، ولو حذفت ألف التأنيث قلت: حبير كحمير، فالالفان إذن مستاويتان كالالف والنون في حبنطى، تقول: حبينط وحبيط، فان ترجحت الثانية - بكونها في الاصل علامة التأنيث فلا تحذف - ترجحت الاولى بالتوسط، فمن مم حازفيه حبير وحبيرى، وإذا صغرت بردرايا (1) حذفت الالفين والياء بينهما، وقلت بريدر، لاخلال الجميع بالبنية هذ كله في ألف التأنيث المقصورة، وأما الممدودة في نحو خنفساء، والالف والنون في نحو زعفران وظربان، وياء النسب في نحو سلهبي (2)، والنون للمثنى، والواو والنون في جمع المذكر، والالف والتاء في جمع المؤنث، نحو ضاربان وضاربون وضاربات، فجميعها - لكونه على حرفين - وكذا تاء التأنيث لكونها


(1) بردرابا - بفتح أوله وسكون ثانيه بعده دال مهملة مفتوحة فراء مهملة كذلك فألف -: موضع. قال ياقوت في المعجم: أظنه بالنهروان من أعمال بغداد (2) سلهى: كلمة منسوبة إلى سلهب، وهو الطويل من كل شئ، وقيل: من الرجال، وقيل: من الخيل والناس (*)

[ 247 ]

متحركة صارت كأنها اسم ضم إلى اسم، كما في نحو بعلبك، تمت بنية التصغير دون هذه الزوائد، ولم تخل بها، بخلاف الالف المقصورة فانها حرف واحد ساكنة خفية ميتة، لا يصح أن تقدر ككلمة مستقلة، بل هي كبعض الحروف المزيدة في البنية نحو مدات عماد وسعيد وعجوز، فحبيلى كسفيرج، كما أن حبالى كسفارج، لولا المحافظة في الموضعين على علامة التأنيث لكسر ما قبلها، فلا تقول: إن بنية التصغير تمت قبل الالف في حبيلى وإنه كطليحة، كما لا نقول: إن بنية الجمع تمت قبلها في حبالى فعلى هذا إذا صغرت (نحو) ظريفان وظريفون وظريفات أجناسا قلت: ظريفان وظريفون وظريفات، بالياء المشددة قولا واحدا، وكذا عند المبرد إذا جعلتها أعلاما، لان هذه الزيادات وإن لم تكن حال العلمية مفيدة لمعان غير معاني الكلمات المتصلة هي بها حتى تعد كالكلم المستأنفة بل صارت المدات بسبب العلمية كمدات عمود وحمار وكريم، لكنها كانت قبل العلمية كالكلم المستقلة، مثل تاء التأنيث، فروعي الاصل ولم تغير، وأما عند سيبويه فحالها أعلاما خلاف حالها أجناسا: هي في حال العلمية بالنظر إلى أصلها (منفصلة) كالتاء، وبالنظر إلى العلمية كأنها من تمام نبية الكلمة، فلا جرم أنه أبقى هذه الزيادات بحالها في حال العلمية إبقاء ثانية كلمتي بعيلبك وثنيتا عشرة، وحذف المدات إن كانت قبلها نحو ياء ظريفان وظريفون وظريفات، وألف نحو جداران ودجاجات، وواو نحو عجوزات، إذا كانت هذه الاسماء أعلاما، لجعل الزيادات اللاحقة كبعض حروف بنية الكلمة، فتستثقل معها، ومن ثم قال يونس في ثلاثون جنسا ثليثون بحذف الالف، لان الواو والنون كجزء الكلمة، إذ ليس بجمع ثلاث، وإلا كان أقل عدد يقع عليه تسعة كما مر في أول شرح الكافية، وكذا قال سيبويه في بروكاء وبراكاء

[ 248 ]

وقريثاء (1) إنه بحذف الواو والالف والياء، لجعل الالف الممدودة كالجزء من وجه وغير الجزء من آخر، على ما بينا. قال: بريكاء وقريثاء مخففين، والمبرد يشدد نحوهما، لانه لا يحذف شيئا، قال سيبويه: لو جاء في الكلام فعولاء بفتح الواو لا تحذفها حذف واو جلولاء (2)، لانها تكون إذن للالحاق بحرملاء (3) فتكون كالاصلية، وأما واو بروكاء وجلولاء فمدة ضعيفة فلا مبالاة بحذفها لاقتضاء القياس المذكور ذلك، وإذا صغرت معيوراء ومعلوجاء (4) لم يحذف الواو، لان لمثل هذه المدة حالا في الثبات ليست لغيرها، كما قلنا في ألف حولايا التى قبل الواو، وأما مع تاء التأنيث فلا خلاف أن المدة الثالثة لا تحذف، نحو دجاجة ودجاجتنا،


(1) قال في اللسان: البروكاء (بفتح فضم) والبراكاء (بضم أولها) والبراكاء (بفتح أولها): الثبات في الحرب والجد وأصله من البروك، قال بشر بن أبي خازم ولا ينجي من الغمرات إلا * براكاء القتال أو الفرار والبراكاء (بفتح أولها) أيضا: ساحة القتال " اه‍ بتصرف. والقريثاء (بفتح فكسر): ضرب من التمر أسود ومثله الكريثاء ولا نظير لهما في البناء، وكأن الكاف في الثاني بدل من القاف في الاول (2) جلولاء - بفتح أوله وضم ثانيه آخره ألف ممدودة -: ناحية من نواحي سواد العراق في طريق خراسان بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وهو نهر عظيم في العراق. وبها كات الوقعة المشهورة في الفرس للمسلمين سنة 16 من الهجرة وجلولاء أيضا: مدينة مشهورة بافريقيا بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلا وكان فتحها على يدى عبد الملك بن مروان (3) حرملاء (بفتح فسكون ففتح): اسم موضع كما في اللسان والقاموس ولم يذكره ياقوت (4) معيوراء: اسم جمع عير، وهو الحمار وحشيا كان أو أهليا وقد غلب على الوحشى. ومعلوجاء: اسم جمع لعلج وقد تقدم (ص 243 ه‍ 3) (*)

[ 249 ]

علما كانت أولا، لان أصل تاء التأنيث على الانفصال، تقول: دجيجة ودجيجتان، قولا واحدا كبعيلبك. وإذا صغرت نحو حبلوى ومهوى وهو كسهلبي كسرت ما قبل الواو، لان ما بعد ياء التصغير في الرباعي مكسور لا غير، فتنقلب الواو ياء مكسورة، ولا يجوز فتح ما قبلها كما فتحته في المنسوب إلى ملهژ وحبلى، لما ذكرنا، فلم يبق إلا حذف الياء المنقلبة من الواو، كما حذفت (في) غازى وقاضي المنسوبين إلى غاز وقاض، ولم يمكن حذف ياء النسب لكونها علامة ولتقويها بالتشديد. وإنما كسر ما قبل واو حبلوى في التصغير وإن كان بدلا من حرف لا يكون ما قبلها في التصغير إلا مفتوحا - أعنى ألف التأنيث - نحو حبيلى، لتغير صورة الالف، فلم يبق لها الحرمة الاصلية لزوال عين الالف، هذا، وجحجبى: قبيلة من الانصار، وحولايا: اسم رجل. قال: " المدة الواقعة بعد كسرة التصغير تنقلب ياء إن لم تكنها، نحو مفيتيح وكريديس، وذو الزيادتين غيرها من الثلاثي يحذف أقلهما فائدة كمطيلق ومغيلم ومضيرب ومقيدم في منطلق ومغتلم ومضارب ومقدم، فإن تساويا فمخير كقليسية وكقلينسة وحبينط وحبيط، وذو الثلاث غيرها تبقى الفضلى منها كمقيعس، ويحذف زيادات الرباعي كلها مطلقا غير المدة كقشيعر في مقشعر وحريجيم في اخرنجام ويجوز التعويض من حذف الزيادة بمدة بعد الكسرة فيما ليست فيه كمغيليم في مغتلم " أقول: يعنى بكسرة التصغير الكسرة التى تحدث في التصغير بعد يائه، والمدة إما واو كما في عصفور وكردوس - وهو جماعة الخيل - أو ألف كما في مفتاح

[ 250 ]

ومصباح ولا حاجة إلى التقييد بالمدة، بل كل حرف لين رابعة فانها في التصغير تصير ياء ساكنة مكسورا ما قبلها إن لم تكن كذلك، إلا ألف أفعال وفعلان، وألفى التأنيث، وعلامات المثنى والجمعين، فيدخل فيه نحو جليليز وفليليق في تصغير جلوز (2) وفليق وإن لم تكن الواو والياء مدا، وكذا الواو والياء المتحركتان كما في مسرول ومشريف، تقول: مسبريل ومشيريف (3)، وكذا تقول في ترقوة: تريقية (4)، ويجب سكون كل ياء بعد كسر التصغير، إذا لم تكن حرف إعراب كما في رأيت أريطيا إلا إذا كان


(1) المدة في عرفهم هي حرف اللين الساكن الذي قبله حركة من جنسه، واللين حرف العلة الساكن تقدمته حركة مجانسة أم لم تتقدمه: فاللين أعم من المد وحرف العلة يطلق على الالف والواو والياء سواء أكانت متحركة أم ساكنة وسواء أكانت مسبوقة بحركة أم لا، وسواء أكانت الحركة السابقة مجانسة أم لا، فهو أعم من المد والين جميعا، وعلى ذلك يكون واو عصفور وألف قرطاس وياء قنديل حروف علة ومد ولين، ويكون واو يوم وياء بين وبيع حروف علة ولين وليس حروف مد، ويكون ياء بيان وواو وعد ونزوان حروف علة وليست مدا ولا لينا. هذا أمر ثابت مقرر عندهم، وإذا عرفت هذا علمت أن تعبير ابن الحاجب بالمدة فيه قصور لانه لا يشمل واو فرعون وجلوز وياء غرنيق وفليق، كما أن تعبير الرضى بحرف اللين كذلك لانه لا يشمل واو مسرول ولا ياء مشريف اسمى مفعول، والصواب التعبير بحرف العلة الرابع (2) الجوز (بكسر الجيم وتشديد اللام مفتوحة) البندق الذي يؤكل لبه. والفليق (بضم الفاء وتشديد اللام مفتوحة) أيضا: ضرب من خوخ يتفلق عن نواه (3) يقال: فرس مسرول، إذا جاوز بياض تحجيله العضدين والفخذين، وذرع مشريف، إذا قطع شريانه، أي ورقه وذلك إذا طال حتى يخشى فساده (4) الترقوة (بفتح فسكون فضم): مقدم الحلق في أعلى الصدر (*)

[ 251 ]

بعدها تاء التأنيث كتريقية، أو الالف الممدودة كسييمياء في سيمياء (1)، أو الالف والنون المضارعتان لالفي التأنيث كعنيفيان في عنفوان (2) قوله " إن لم تكنها " أي: إن لم تكن ياء، لان الياء لا تقلب ياء قوله " وذو الزيادتين غيرها " أي: غير المدة الرابعة، والاولى أن يقال غير حرف اللين الرابعة، ليكون أعم اعلم أن الثلاثي إذا كان ذا زيادة واحدة لم تحذفها: في الاول كانت كمقتل وأسود، أو في الوسط ككوثر وجدول وخاتم وعجوز وكيبر وحمار أو في الاخر كحبلى وزيدل وإن كان ذا زيادتين غير المدة المذكورة لم يمكن بقاؤهما، إذ الخماسي يحذف حرفه الاصلى، فكيف بذى الزيادة ؟ فإذا لم يكن بد من الحذف اقتصر على


(1) السيمياء والسيماء: العلامة يعرف بها الخير والشر، ويقصران، قال أبو بكر: " قولهم عليه سيما حسنة معناه علامة، وهي مأخوذة من وسمت أسم، قال: والاصل في سيما وسمي، فحولت الواو من موضع الفاء فوضعت في موضع العين، كما قالوا ما أطيبه وأيطبه، فصار سومى، وجعلت الواو ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها " اه‍ وعلى هذا يكون وزن سيما عفلا وسيماء عفلاء وسيمياء عفلياء (بكسر العين وسكون الفاء في الجميع)، ولكن مجئ سومة (بضم أوله) وسيمة (بكسره) بمعنى العلامة كالسيماء والسيمياء واشتقاق أفعال من هذه المادة على هذا الترتيب نحو سوم، وصفات كما في قوله تعالى " والخيل المسومة " وقوله تعالى " من الملائكة مسومين " كل ذلك يدل على أن وزن سيماء وسيمياء فعلاء وفعلياء، ويؤكده صنيع القاموس واللسان والصحاح حيث أطبقوا على ذكرها في مادة (س وم) (2) عنفوان الشئ وعنفوه (بضم العين والفاء وسكون النون بينهما وتشديد الواو في الثانية): أوله أو أول بهجته (*)

[ 252 ]

حذف إحداهما، إذ هو قدر الضرورة، وتصير الكلمة بذلك على بنية التصغير، فلا يرتكب حذفهما معا فالزيادتان إما أن تكونا متساويتين، أو تكون إحداهما الفضلى، فان فضلت إحداهما الاخرى حذفت المفضوله والفضل يكون بأنواع: منها أن تكون الزيادة في الاول كميم منطلق ومقتدر ومقدم ومحمر وكهمزة ألندد (1) وأرندج وكياء يلندد ويرندج، فالاولى بالابقاء أولى لان الاواخر محل التغيير لتثاقل الكلمة إذا وصلت إليها، ثم بعد ذلك الاوساط أولى، وأما الاوائل فهى أقوى وأمكن منهما، وهي مصونة عن الحذف إلا في القليل النادر، إذ الكلمة لا تثقل بأول حروفها ولميم نحو منطلق ومقتدر فضيلتان أخريان: كونها ألزم من الزائد المتأخر، إذ هي مطردة في جميع اسمى الفاعل والمفعول من الثلاثي المزيد فيه ومن الرباعي، وكونها طارئة على الزائد المتأخر، والحكم للطارئ. ومن أنواع الفضل أن يكون أحد الزائدين مكرر الحرف الاصلى دون الاخر، فالمكرر بالابقاء أولى، لكونه كالحرف الاصلى، فجيم عفنجج ودال غدودن (2) أولى بالابقاء من الباقيين، وكذا المضعف في خفيدد وحمارة وصبارة (3) أفضل


(1) الالندد واليلندد: الشديد الخصومة مثل الالد. والارندج واليرندج: السواد يسود به الخف (2) العفنجج: تقدم ذكره في (ص 245 ه‍ 3). أما الغدودن فانه يقال: شاب غدودن: أي ناعم، وشعر غدودن: أي كثير ملتف طويل (3) الخفيدد: السريع، والظليم الخفيف. والحمارة (بفتح الحاء والميم مخففة وتشديد الراء): شدة الحر. والصبارة: شدة البرد، وهي بزنة الحمارة (*)

[ 253 ]

من الباقي، هذا مع أن النون والواو والياء والالف أبعد من الطرف، إلا أنها ضعفت بالسكون، وأما قطوطى - وهو البطئ المشى - فعند سيبويه فعوعل كغدودن، فتقول: قطيط، أو قطيطى بابدال الياء من الواو المحذوفة، وقال المبرد: بل هو فعلعل، وأصله قطوطو كصمحمح، وقال: فعلعل أكثر من فعوعل، فأحد المضعفين - أعنى الطاء والواو الاولين أو الثانيين - زائد كما في صمحمح وبرهرهة (1)، قال سيبويه: جاء منه أقطوطي إذا أبطأ في مشيه، وهو أفعوعل كاغدودن، وافعلعل لم يأت في كلامهم، ولو كان أيضا فعلعلا كما قال المبرد كان القياس حذف الواو الاولى، على ما ذكرنا في شرح معنى الالحاق أن صمحمحا وبرهرهة يجمعان على صمامح وبراره وإذا صغرت عطودا (2) فعند سيبويه تحذف الواو الاولى، لانهما وإن كانتا زائدتين لكن الثانية أفضل وأقوى لتحركها وسكون الاولى، فتقول: عطيد، وبالابدال عطييد، وقال المبرد: لا يجوز حذف إحدى الواوين، لان عطودا كمسرول، والواو الرابعة ساكنة كانت أو متحركة لا تحذف كما ذكرنا، فكما قلت هناك مسيريل تقول هنا: عطييد، بالمد لا غير وإذا حقر (3) عثول - وهو ملحق بجردحل - بزيادة الواو وإحدى اللامين - فمذهب سيبويه، وحكاه عن الخليل، وقال: هو قول العرب، أنك


(1) الصمحمح (كسفرجل): الشديد القوى. والبرهرهة: المرأة البيضاء الشابة أو التي ترعد نعومة (2) العطود (كسفرجل): الشديد الشاق من كل شئ، وهو أيضا السريع من المشى، قال الراجز * إليك أشكو عنقا عطودا * (3) العثول (بكسر فسكون ففتح فلام مشددة): الكثير اللحم الرخو، وهو أيضا الكثير شعر الجسد والرأس (*)

[ 254 ]

تحذف آخر اللامين دون الواو، وإن كان تضعيف الحرف الاصلي، لكونه طرفا مع تحرك الواو، بخلاف ياء خفيدد، وأيضا للقياس على الخماسي الملحق هو به، وقال المبرد، وحكاه عن المازني: إنك تقول عثيل نظرا إلى كون اللام مضعف الحرف الاصلي دون الواو، وإذا كان السماع عن العرب على ما ذكر سيبويه مع أنه يعضده قياس ما فلا وجه لما قال المبرد لمجرد القياس وإذا صغرت ألنددا فانك تحذف النون قولا واحدا، لان الدالين أصليان، إذ هو من اللدد، والهمزة لتصدرها تحصنت من الحذف فإذا حذفتها قال سيبويه أليد بالادغام كأصيم، وقال المبرد: بل أليدد بفك الادغام لموافقة أصله، وقول سيبويه أولى، لانه كان ملحقا بالخماسي لا بالرباعي، فلما سقطت النون لم يبق ملحقا بالخماسي، ولم يقصد في الاصل إلحاقه بالرباعي حتى يقال أليدد كقريدد، فتقول على هذا في عفنجج عفيج (1) بالادغام أيضا كأصيم وإذا صغرت ألببا وحيوة (2) وفك الادغام فيهما شاذ، قلت: أليب وحيية بالادغام فيهما، لان هذا الشذوذ مسموع في المكبر لا في المصغر، فلا تقيسهما في الشذوذ على مكبريهما، بل يرجعان إلى أصل الاذغام وإن كانت الزيادتان في الثلاثي متساويتين من غير فضل لاحداهما على الاخرى فأنت مخير في حذف أيتهما شئت، كالنون والواو في القلنسوة، ولو قيل إن حذف الواو لتطرفها أولى لم يبعد


(1) وقع في الاصل سفنجج ولم نجد له معنى في كتب اللغة التي بين أيدينا فأصلحناه إلى عفنجج وهو كما تقدم الضخم الاحمق (2) قال في اللسان: " بنات ألبب: عروق في القلب يكون منها الرقة، وقيل لاعرابية تعاتب ابنها: مالك لا تدعين عليه ؟ قالت: تأبى له ذلك بنات ألببى، قال الاصمعي: كان أعرابي عنده امرأة فبرم بها فألقاها في بئر فمر بها نفر فسمعوا

[ 255 ]

قيل: وكذلك الخيار في حذف النون أو الالف في (1) حبنطي، إذ هما للالحاق وليس أحدهما أفضل، ولو قيل في الموضعين حذف الاخير لتطرفه أولى مع جواز حذف الاول، لكان قولا وكذا قيل بالتخيير بين ألف عفرنى (2) ونونه، إذ هما للالحاق، بدليل عفرناه.


همهمتها من البئر فاستخرجوها وقالوا: من فعل هذا بك ؟ فقالت: زوجي، فقالوا: ادعى الله عليه، فقالت: لا تطاوعني بنات ألببى، فأن جمعت ألببا قلت: ألابب، والتصغير أليبب، وهو أول من قول من أعلها " اه‍ ملخصا، وهو يريد من الاعلال هنا الادغام فهو مخالف لما ذكر المؤلف كما ترى. وحيوة (بفتح فسكون): اسم رجل قلبت الياء واوا فيه لضرب من التوسع وكراهة لتضعيف الياء، قال في اللسان: " وإذا كانو قد كرهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير في حاحيت وهاهيت كان إبدال اللام في حيوة ليختلف الحرفان أحرى وانضاف إلى ذلك أنه علم والاعلام قد يعرض فيها مالا يوجد في غيرها نحو مورق وموهب وموظب، قال الجوهري: حيوة اسم رجل، وإنما لم يدغم كما أدغم هين وميت لانه اسم موضوع لا على وجه الفعل " اه‍ (1) الحبنطى: الممتلئ غيظا أو بطنة، ويقال فيه: حبنطا وحبنطأة، قال في اللسان: " فأن حقرت فأنت بالخيار، إن شئت حذفت النون وأبدلت من الالف ياء وقلت حبيط بكسر الطاء منونا، لان الالف ليست للتأنيث فيفتح ما قبلها كما تفتح في تصغير حبلى وبشرى، وإن بقيت النون وحذفت الالف قلت: حبينط، وإن شئت أيضا عوضت ن المحذوف في الموضعين، وإن شئت لم تعوض، فان عوضت في الاول قلت حبيطى (بياء مشددة آخره) وفي الثاني تقول: حبينيط " اه‍ بتصرف وإصلاح في التصغير مع التعويض على الوجه الاول (2) العفرنى (بفتحتين بعدهما سكون): الشديد، وتقول: رجل عفر (كتبر) (*)

[ 256 ]

وأما العرضني فالالف فيه للتأنيث، فحذفها واجب، لكونها خامسة في الطرف، دون النون، كما مر وحذف الالف الاولى في مهارى (1) علما أرجح من جهة مشابهة الاخيرة للاصلي، بانقلابها، وحذف الثانية أرجح من جهة كونها أخيرة فتساوتا وأنت مخير في حنظأو (2) بين حذف الواو والنون، والواو أولى، وأما الهمزة فبعيد زيادتها في الوسط، كما يجئ في باب ذى الزيادة، قال سيبويه: أنت مخير في حذف واو كوألل (3) أو إحدى اللامين، وأما الهمزة فأصلية لبعد زيادتها في الوسط، فان رجحنا حذف اللام بكونها في الطرف ووقوعها كشين جحمرش ترحج حذف الواو بسبب كون اللام مضعف الحرف الاصلى


وعفرية (بكسرتين بينهما سكون) وعفريت وعفر (كطمر) وعفرى (بزيادة الياء المشددة عليه) وعفرنية (كقذعملة) وعفارية (بضم أوله)، إذا كان خبيثا منكرا، وتقول: أسد عفر وعفرني، وتقول: لبؤة عفرناة (كسفرجلة)، فدل لحوق التاء على أن الالف في عفرنى ليست للتأنيث (1) المهارى - بزنة الصحارى - جمع مهرية، وهي إبل منسوبة إلى مهرة (بفتح الميم وسكون الهاء وصوب ياقوت فتحها) وهو ابن حيدان أبو قبيلة، ويقال في الجمع أيضا: مهارى ككراسي ومهار كجوار، وقد روى ياقوت عن العمرانى أن مهرة بلاد تنسب إليها الابل، ثم قال: " هذا خطأ إنما مهرة قبيلة، وهي مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة تنسب إليهم الابل المهرية، وباليمن لهم مخلاف يقال باسقاط المضاف إليه " اه‍ وبعد ذلك لا تحل لتخطئة العمرانى مادام مخلاف هذه القبيلة يسمى مهرة، وهذا معنى قوله باسقاط المضاف إليه (2) الحنظأ و (كجردحل) وهو بالطاء المهملة وبالظاء المشالة أيضا كما في القاموس وإن لم يذكره في اللسان ولا في الصحاح إلا بالمهملة، وهو القصير. والحنطأ و (بالمهملة): العظيم البطن أيضا (3) الكوألل (كسفرجل): القصير مع غلظ وشدة (*)

[ 257 ]

وكذا كان ينبغي أن يكون مذهبه التخيير في زيادتي عثول (1) ومما أنت مخير فيه نحو جمادى وسماني وحبارى (2) كما مر وقال سيبويه: وليس مهارى وصحارى علمين كحبارى، فإن الالف الاخيرة في حبارى للتأنيث، قصار لها وإن كانت في الاخر ثبات قدم، بخلاف الالف الاخيرة في مهارى وصحارى، فإنها ليست للتأنيث، بل هي بدل من الياء التي هي بدل من ألف التأنيث كما يجئ في الجمع، فهى بالحذف أولى وفي ثمانية وعلانية وعفارية (3) رجح سيبويه حذف الالف لضعفها وقوة الياء، ولكون الياء في مقام الحرف الاصلى في نحو ملائكة وعذافرة (4) فهي للالحاق دون الالف، قال: وبعض العرب يقول: ثمينة وعفيرة، بحذف الاخير، لكونه في الطرف الذي هو محل التغيير


(1) لعل السر في أن سيبويه خير في تصغير كوالل بين حذف الواو وإحدى اللامين وأوجب في تصغير عثول حذف آخر اللامين أنه قدر في عثول زيادة الواو أولا للالحاق بالرباعي ثم زيادة اللام للالحاق بجردحل، فلما أريد التصغير حذف منه ما ألحق بالخماسي وهو اللام الاخيرة، كما أن الخماسي يحذف منه حرفه الاخير، وأما كوألل فالحرفان زيدا معا للالحاق بسفرجل، فلما أريد تصغيره وكان لكل من اللام والواو مزية بدون رجحان لاحدهما خير في حذف أي واحد منهما (2) جمادى (كحبارى): من أسماء الشهور، معرفة مؤنثة، ويقال: ظلت العين جمادى (بالتوين): أي جامدة لا تدمع. والسمانى (كحبارى أيضا): طائر، يطلق على الواحد والجمع. وقد تقدم ذكر الحبارى قريبا (3) علن الامر (كخرج وجلس وفرح وكرم) علنا (مثل الفرح) وعلانية (مثل طواعية) واعتلن أيضا: أي ظهر. والعفارية: الجرئ الشديد، وقد تقدم مع العفرنى (4) لعذافر (كعلايط): الاسد العظيم الشديد من الابل، والانثى عذافرة (*)

[ 258 ]

وأما نحو قبائل وعجائز علما فسيبويه والخليل اختارا حذف الالف لضعفها. ويونس اختار حذف الهمزة لقربا من الطرف، فإذا صغرت على هذا مطايا قلت: مطى، بياء مشددة على القولين: أما الخليل فإنه يحذف الالف التي بعد الطاء فيصير مطيا فتدخل يا التصغير قبل هذه الياء وتكسر هذه الياء فتنقلب الالف لكسرة ما قبلها ياء، فيجتمع ثلاث يا آت كما في تصغير عطاء، فتحذف الثالثة نسيا، وأما يونس فيحذف الياء التي هي بدل من الهمزة فيبقى ألفان بعد الطاء فتدخل ياء التصغير قبل الاولى، فتنقلب الاولى ياء مكسورة كما في حمار، فتنقلب الثانية أيضا ياء لكسرة ما قبلها، فيصير مثل تصغير عطاء، فيحذف ثالثة الياآت، ولا يقال ههنا مطئ بالهمزة كما قال الخليل في رسائل رسيئل، لان هذه الهمزة لم تثبت قط في الجمع ثبوت همزة رسائل، بل تجعل الياء الزائدة همزة وتقلب الهمزة بلا فصل ياء مفتوحة كما يجئ في موضعه ولو صغرت خطايا قلت: خطئ بالهمزة أخيرا، لانك إن حذفت الالف التي بعد الطاء على قول الخليل وسيبويه، فعند سيبويه يرجع ياء خطايا إلى أصلها من الهمزة لانها إنما أبدلت ياء لكونها في باب مساجد بعد الالف، وترجع في الحال الهمزة إلى أصلها من الياء الزائدة التي كانت بعد الطاء في خطيئة، فترجع الهمزة التي هي لام إلى أصلها (1)، لانها إنما انقلبت ياء لاجتماع همزتين مكسورة أولاهما، وعند الخليل


(1) إن قلت: فلماذا قالوا في تصغير رسائل وقبائل وعجائز أعلاما: رسيئلا وعجيئزا وقبيئلا، مع أنه بعد حذف الالف الثالثة قد زال سبب قلب حرف المد الذي في الواحد ألفا ثم همزة ولم يقولوا في قضايا ومطايا وزوايا ونحوهن أعلاما بالهمزة أيضا مع أنه إذا جذف الالف الثالثة زال سبب انقلاب هذه الهمزة ياء فالجواب أن نقول: إن سبب قلب اللين همزة في نحو رسائل ضعيف، لانهم إنما قلبوه لتحركه وانفتاح ما قبله، إذ لم يعتدوا بالالف حاجزا، أو لانهم شبهوا (*)

[ 259 ]

إنما قلبت الهمزة إلى موضع الياء خوفا من اجتماع همزتين، فإذا لم تنقلب الاولى همزة بسبب زوال ألف الجمع لم تقلب الهمزة إلى موضع الياء، بل تبقى في موضعها وإن حذفت ياء خطايا على قول يونس رجعت الهمزة أيضا إلى أصلها، لعدم اجتماع همزتين، فتقول أيضا: خطئ، كحمير. قوله " وذو الثلاث غيرها " أي: الثلاثي ذو الزوائد الثلاث غير المدة المذكورة تبقى الفضلى من زوائده الثلاث، على ما قلنا في ذى الزيادتين، وتحذف الثنتان في نحو مقعنسس، قال سيبويه: تحذف النون وإحدى السينين، لكون الميم أفضل منهما، وقال المبرد: بل تحذف الميم كما تحذف في نحو محرنجم، لان السين للالحاق بحرف أصلى، وقول سيبويه أولى، لان السين وإن كانت للالحاق بالحرف الاصلي وتضعيف الحرف الاصلي، لكنها طرف إن كانت الزائدة هي الثانية، أو قريبة من الطرف إن كانت هي (1) الاولى، والميم لها قوة التصدر مع كونها مطردة في


الالف بالفتحة، فلما كان سبب ذلك ضعيفا لم يبالوا بفقدانه، فان وجود الضعيف كلا وجود، ولذلك يقولون في تصغير قائم وبائع: قويئم وبويئع بالهمزة. أما علة قلب الهمزة ياء في مطايا ونحوها فقوية: لانها إما أن تكون الهرب من اجتماع همزتين ومن اجتماع شبه ثلاث ألفات، فلما كان السبب قويا اعتبروا زوال سببه زوالا له (1) اعلم أنهم اختلفوا في الحرف المكرر لحرف أصلي سواء أكان الزائد للالحاق كما في جلبب ومهدد واقعنسس ومقعنسس، أم كان لغير الالحاق، نحو قطع واسبطر ومكفهر ومحمر، وما أشبه ذلك، هل الزائد أول الحرفين المتجانسين أو ثانيهما ؟ فقال الخليل: الزائد هو الاول، وقال غيره: الزائد هو الثاني واختاره ابن الحاجب، وقال سيبويه: إن شئت اعتبرت الاول هو الزائد، وإن شئت اعتبرت الثاني هو الزائد، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة بذكر آراء العلماء ودليل كل واحد منهم في باب ذى الزيادة، وإنما قصدنا ههنا إلى أن نبين لك أن ترديد المؤلف إشارة إلى هذا الاختلاف (*)

[ 260 ]

معنى، كما ذكرنا قبل، وإن حذفت في مغدودن الدال الاولى فلابد من حذف الواو أيضا فيبقى مغيدن، وإن حذف الثانية وقعت الواو رابعة فلا يحتاج إلى حذفها لانها تصير مدة نحو مغيدين، وإن كانت إحدى الزوائد حرف اللين المذكورة - أعنى الرابعة - لم تحذفها قطعا، وتكون المعاملة مع الزائدتين الباقبيتين، وكأن ذلك اللين ليس فيه، تقول في تملاق (1) تميليق، بالمد، وإنما حذفت إحدى اللامين وإن كانت من تضعيف الاصلى لان التاء أفضل منهما بالتصدر، ومجيئها في مصادر كثيرة بلا تضعيف، كالتفعلل والتفاعل والتعفيل والتفوعل، ويسقط جميع همزات الوصل، في الرباعي كانت أو في الثلاثي، تقول في افتقار وانطلاق: فتيقير ونطيليق، وفي احرنجام: حريجيم لانك تضم أول حروف الكلمة في التصغير، فلو لم تحذف الهمزة ضممتها، فكانت تسقط في الدرج فتنكسر بنية التصغير، وتقول في الثلاثي ذى أربعة الزوائد مع المد نحو استخراج: تخيريج، وإنما كان سقوط السين أولى من سقوط التاء إذ لا تزاد السين في أول الكلمة إلا مشفوعة بالتاء، فلو قلنا سخيريج لكان سفيعيلا وليس له نظير، وأما تفيعيل فهو كالتجيفيف (2) والتاء تزاد في الاول بلا سين، وتقول


(1) التملاق - بكسر التاء والميم وتشديد اللام -: مصدر قولك تملقة وتملق له كالتملق، ومعناه تودد إليه وتلطف له، وقال الشاعر: ثلاثة أحباب فحب علاقة * وحب تملاق وحب هو القتل (2) التجيفيف: تصغير التجفاف - بكسر تائه أو فتحها - وهو آلة للحرب يلبسها الانسان والفرس ليتقي بها، والتاء مزيدة فيه للالحاق بقرطاس أو زلزال، والالف زائدة أيضا. قال في اللسان: " ذهبوا فيه إلى معنى الصلابة والجفوف، قال ابن سيده: ولولا ذلك لوجب القضاء على تائها بأنها أصل، لانه بازاء قاف قرطاس، قال ابن جنى: سألت أبا على عن تجفاف: أتاؤه للالحاق بباب قرطاس ؟ فقال: نم، واحتج في ذلك مما انضاف إليها من زيادة الالف معها " اه‍، والتجفاف يفتح التاء - مصد جرفف الثوب ونحوه كالتجفيف والتاء زائدة للمصدر لا للالحاق (*)

[ 261 ]

في اشهيباب واغديدان واقعنساس: شهيبيب وغديدين وقعيسيس، وحذف الهمزة لابد منه لما ذكرنا، ثم حذف الياء والنون أولى من حذف مضعف الاصلي، وتقول في اعلواط علييط (1)، بحذف الهمزة وإحدى الواوين، وأصله عليويط، وتقول في اضطراب: ضتيريب، برد الطاء إلى أصلها من التاء، لان جعلها طاء إنما كان لسكون الضاد، فيكون التجاوز إذن بين المطبقين، أما إذا تحركت الضاد والحركة بعد الحرف، كما ذكرنا، فهى فاصلة بينهما، ألا ترى أنك تقول حبطت بالتاء (2) بعد الطاء لا غير، فإذا أسكنت الطاء مع تاء المتكلم جاز عند بعض العرب أن تقلب التاء طاء فيقال: حبط كما يجئ في باب الادغام قوله " وتحذف زيادات الرباعي كلها مطلقا غير المدة " إنما وجب حذفها إلا المدة ليتم بنية التصغير، وإذا لم يكن من الحذف بد فالزائد (إن وجد) كان أولى بالحذف من الاصلى، تقول في مدحرج وفيه زائد واحد: دحيرج، وفي محرنجم وفيه اثنان: حريجم، وفي احرنجام وفيه ثلاثة: حريجيم، بحذف الجميع، إلا المدة، وتقول في قمحدوة وسلحفاة: قميحدة وسليحفة (3) وفي منجنيق: مجينيق،


(1) اعلواط: مصدر اعلواط البعير إذا تعلق بعنقه وعلاه أو ركبه بلا خطام أو عريا، واعلوط فلانا: أخذه وحبسه ولزمه (2) حبط: جاء هذا الفعل من بابى سمع وضرب بمعنى بطل أو أعرض، تقول: حبط عمله يحبط حبطا وحبوطا، ومنه قوله تعالى " لئن أشركت ليحبطن عملك " وتقول: حبط فلان عن فلان: أي أعرض: وجاء من باب فرح ليس غير بمعنى انتفخ، تقول: حبط البعير، إذا أكل كلاء فأكثر منه فانتفخ بطنه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم " (3) القمحدوة - بفتحتين فسكون فضم - العظم الناتئ فوق القفا خلف الرأس والسلحفاة - بضم أو كسر ففتح فسكون - ويقال سلحفية وسلحفاء ويقصر (*)

[ 262 ]

بناء على زيادة النون الاولى بدليل (1) مجانيق، وفي عنتريس - وهو الشديد - عتيريس بحذف النون، لانه من (2) العترسة، وهى الاخذ بشدة، وفي خنشليل: (3) خنيشيل، لزيادة إحدى اللامين وعدم قيام دليل على زيادة النون، وفي منجنين: (4) منيجين، لان إحدى النونين الاخيرتين زائدة


وتسكن لامه: دابة من دواب الماء وتعيش في البر يحيط بها من أعلى غطاء صدفى سميك لها أرجل قصار تسير بها على الارض زحفا (1) المنجنيق - بفتح الميم أو كسرها وسكون النون بعدها جيم مفتوحة ونون مكسورة -: أداة من أدوات الحرب ترمى بها الحجارة (2) العترسة الاخذ بالشدة وبالجفاء والعنف والغلظة، والعتريس (كقنديل) الجبار الغضبان والغول الذكر والدهاية، والعترس (كجعفر): العظيم الحسيم، والعنتريس: الداهية أيضا، والناقة الصلبة الوثيقة الشديدة الكثيرة اللحم، وقد يوصف به الفرس، قال في اللسان " قال سيبويه: هو من العترسة التي هي الشدة، لم يحك ذلك غيره " اه‍ (3) الخنشليل - بفتحتين بينهما سكون ثم لام مكسورة -: السريع الماضي الجيد الضرب بالسيف، والمسن من الناس والابل، ويقال: ناقة خنشليل: أي طويلة، قال صاحب اللسان: " جعل سيبويه الخنشليل مرة ثلاثيا وأخرى رباعيا فان كان ثلاثيا فخنشل مثله، وإن كان رباعيا فهو كذلك " اه‍، يريد أنك إن جعلته ثلاثيا فأصوله الخاء والشين واللام وتكون النون والياء وإحدى اللامين زوائد ويكون الخنشل من الثلاثي زيدت فيه النون للالحاق بجعفر (كعنبس وعنسل)، وإن جعلته رباعيا فأصوله الخاء والنون والشين واللام، والياء وإحد اللامين زائدتان ويكون الخنشل كجعفر لا ملحقا به، ويؤيد هذا أن صاحب القاموس ذكر الخنشليل مرتين: الاولى في مادة خ ش ل على أنه من مزيد الثلاثي، والثانية عقد له ترجمة خاصة خ ن ش ل على أنه من مزيد الرباعي (4) المنجنين ومثله المنجنون - بفتح فسكون ففتح -: السانية أي الدولاب (*)

[ 263 ]

لتكررها، فحذفت الاولى دون الثانية، لانك لو حذفت الثانية أحوجت إلى حذف الياء أيضا، وأيضا المسموع في جمعه مناجين، وكذلك تحذف الاولى ن طمأنينة وقشعريرة، فتقول: طميئينة وقشيعيرة، وتقول في عنكبوت: عنيكب، وسمع الاصمعي عنيكبيت، وهو شاذ، وفي عيضموز وجحنفل (1) وعجنس: عضيميز، وجحيفل، وعجينس قال سيبويه في تصغير إسماعيل وإبراهيم: سميعيل وبريهيم، بحذف الهمزة، ورد عليه المبرد بأن بعد الهمزة أربعة أصول، فلا تكون الهمزة زائدة كما في إصطبل على ما يجئ في باب ذى الزيادة، فاذن هما خماسيان، فتحذف الحرف الاخير، فتقول: أبيريه وأسيميع كشميريخ (2)، والقياس يقتضى ما قاله المبرد، إلا أن المسموع من العرب ما قاله سيبويه، كما روى أبو زيد وغيره عن العرب، وحكى سيبويه عن العرب في تصغيرهما تصغير الترخيم بريه وسميع،


التى يستقى بها، قال ابن برى: " هو رباعى الاصول، ميمه أصلية وكذا النون التي تليها، وهى مؤنثة وجمعها مناجين " اه‍، وعلى هذا فوزن منجنون فعللول (كعضر فوط) والنون الاخيرة للتكرير، ووزن منجنين فعلليل (كجعفليق) والنون الاخيرة للتكرير أيضا (1) العيضموز - بفتح فسكون ففتح -: العجوز والناقة الضخمة والصخرة الطويلة العظيمة، وقد وقع في بعض النسخ " عضموز " بزنة عصفور وهو بضاد معجمة أو صاد مهملة، وهو الدولاب أو دلوه، ولكن لا محل لذكره في هذا الموضع لان ليس مما اجتمع فيه زيادتان، بل ولا هو مما فيه زيادة واحدة تحذف. وإنما زيادته تقلب ياء لكونها مدة قبل الاخر. والجحفل - كسفرجل - الغليظ الشفة. والعجنس كسفرجل أيضا -: الجمل الضخم الصلب الشديد مع ثقل وبطء (2) شميريخ: تصغير شمراخ كقرطاس أو شمروخ كعصفور، وهو الغصن الذي عليه البسر. وهو في النخل بمنزلة العنقود من الكرم (*)

[ 264 ]

وهو دليل على زيادة الميم في إبراهيم واللام في إسماعيل، فتكون الهمزة في الاول وبعدها ثلاثة أصلال كما مر، ولولا السماع في تصغير الترخيم لم نحكم بزيادة الميم واللام، لانهما ليستا مما يغلب زيادته في الاخر وأما إستبرق (1) فأصله أيضا أعجمى فعرب، وهو بالفارسية إستبر (ه)، فلما عرب حمل على ما يناسبه في الابنية العربية، ولا يناسب من أبنية الاسم شيئا، بل يناسب نحو استخرج، أو تقول: يناسب نحو استخراج من أبنية الاسماء باجتماع الالف والسين والناء في الاول، فحكمنا بزيادة الاحرف الثلاثة حملا له على نظيره، ولا بد من حذف اثنتين من الحروف الزائدة، فبقينا الهمزة لفضلها بالتصدر، وليس بهمزة وصل كما كانت في استخراج حى تحذف، فحذفنا السين والتاء، وكذا تحذف الزيادة في الخماسي مع الخامس الاصلى، تقول في قرعبلانة وقرطبوس (2): قريعبة وقريطب قوله " ويجوز التعويض عن حذف الزائد " قال سيبويه: التعويض قول يونس، فكل ما حذفت في التصغير، سواء كان أصليا كما في سفرجل أو زائدا كما في مقدم، يجوز لك التعويض منه بياء ساكنة قبل الا خبر، إن لم يكن في المكبر حرف علة في ذلك الموضع، وإن كان كما في احرنجام فلا تقدر على التعويض، لاشتغال المحل بمثله


(1) الاستبرق: ما غلظ من الحرير. قال ابن الاثير: " وقد ذكرها الجوهرى في برق على أن الهمزة والسين والتاء زوائد. وذكرها الازهرى في خماسى القاف على أن همزتها وحدها زائدة. وقال أصلها بالفارسية استفره، وقال أيضا إنها وأمثالها من الالفاظ حروف عربية وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، وقال: هذا عندي هو الصواب " اه‍ قال الزجاج: هو اسم أعجمى أصله بالفارسية استفره ونقل من العجمية إلى العربية، وفي القاموس أنه معرب استروه (2) القرطبوس - بفتح القاف أو كسرها ثم راء ساكنة فطاء مهملة مفتوحة -: الداهية والناقة العظيمة الشديدة. والقر عبلانة: دويبة (انظر ص 10 ه‍ 1) (*)

[ 265 ]

قال " ويرد جمع الكثرة لا اسم الجمع إلى جمع قلته، فيصغر نحو غليمة في غلمان، أو إلى واحدة، فيصغر ثم يجمع جمع السلامة، نحو غليمون ودويرات " أقول: قوله " لا اسم الجمع " قد عرفت في شرح الكافية معنى اسم الجمع (1) فإذا كان لفظ يفيد الجمعية: فان كان لفظه مفردا، كاسم الجمع واسم الجنس، فانه يصغر على لفظه، سواء جاء من تركيبه واحد كراكب وركب ومسافر وسفر وراجل (2) ورجل، يقول: ركيب، ورجيل، وسفير، أو لم يجئ، نحو قويم ونفير، في تصغير قوم ونفر. وكذا في الجنس تقول: تمير وتفيفيح.


1 0) سيأتي ذكر الفروق بين الجمع واسم الجمع واسم الجنس في آخر باب جمع التكسير فلا محل لذكرها هنا (2) يقال: رجل سفر وقوم سفر - بفتح السين وسكون الفاء - وسافرة وأسفار وسفار - بضم السين وتشديد الفاء - وسافرة وأسفار وسفار - بضم السين وتشديد الفاء -: ذوو سفر، والسافر والمسافر واحد سفر من قولهم قوم سفر. ويقال: رجل الرجل رجلا (كفرح فرحا) فهو راجل ورجل (كعضد) ورجل (ككتف) ورجيل (كشيهد) ورجل (كضخم) ورجلان (كغضبان)، إذا لم يكن له ظهر يركبه في سفره، وكما جاء الرجل (بسكون الجيم) وصفا للواحد جاء للكثير أيضا، واختلف العلماء فيه حينئذ: فذهب سيبويه الى أنه جمع راجل، ورجح الفارسي قول سيبويه، وقال: لو كان جمعا ثم صغر لرد إلى واحده ثم جمع، ونحن نجده مصغرا على لفظه، وأنشد: بنيته بعصبة من ماليا * أخشى ركيبا ورجيلا عاديا (*)

[ 266 ]

ومذهب الاخفش - وهو أن ركبا جمع راكب، وسفرا جمع مسافر - يقتضي رد مثلهما إلى الواحد، نحو رويكبون ومسيفرون، وكذا يفعل. وإن كان لفظه جمعا: فإما أن يكون جمع سلامة، فهو يصغر على لفظه، سواء كان للمذكر، نحو ضويربون، أو للمؤنث، نحو ضويربات، إما أن يكون جمع تكسير، وهو إما للقلة، وهو أربعة: أفعل، وأفعال، وأفعلة، وفعلة، فتصغر على لفظها، نحو أكيلب وأجيمال وأقيفزة وغليمة، وإما للكثرة، وهو ما عدا الاربعة، ولا يخلو إما أن يكون له من لفظه جمع قلة ككلاب وأكلب وفلوس وأفلس، أولا كدارهم ودنانير ورجال، فالثاني يرد إلى واحده ويصغر ذلك الواحد، ثم ينظر، فإن كان ذلك الواحد عاقلا مذكر اللفظ والمعنى جمعته بالواو والنون لحصول العقل فيه أولا وعروض الوصف بالتصغير، كرجيلون في تصغير رجال، وإن لم يكن عاقلا جمعته بالالف والتاء مذكرا كان ككتيبات في كتب، أو مؤنثا كقديرات في قدور، وكذا إن اتفق أن يكون عاقلا مؤنث اللفظ مذكر المعنى، أو عاقلا مذكر اللفظ مؤنث المعنى، فتقل في جرحى وحمقى وحمر وعطاش في المذكر: جريحون وأحيمقون وأحيمرون وعطيشانون، وفي المؤنث: جريحات وحميقاوات وحميراوات وعطيشيات، بجمع المصغرات جمع السلامة، وإن لم يجز ذلك في المكبرات، وكذا تقول في حوائض جمع حائض: حويضات، وإن لم تجمع حائضا جمع السلامة. وأما في القسم الاول - أي الذي له جمع قلة مع جمع الكثرة - فلك التخيير بين رد جمع كثرته إلى جميع قلته وتصغيره، كتصغيرك كلابا وفلوسا على أكيلب وأفيلس، وبين رد جمع كثرته إلى الواحد وتصغير ذلك الواحد ثم جمعه إما بالواو والنون أو بالالف والتاء، كما في ذلك القسم سواء.

[ 267 ]

وإنما لم يصغر جمع الكثر على لفظه لان المقصود من تصغير الجمع تقليل العدد، فمعنى عندي غليمة أي عدد منهم قليل، وليس المقصود تقليل ذواتهم، فلم يجمعوا بين تقليل العدد بالتصغير وتكثيره بابقاء لفظ جمع الكثرة، لكونه تناقضا، وأما أسماء الجموع فمشتركة بين القلة والكثرة، وكذا جمع السلامة على الصحيح كما مضى (1) في شرح الكافية، فيصغر جميعها نظرا إلى القلة، فلا يلزم التناقض، ولم يصغر شئ من جموه الكثرة على لفظه إلا أصلان جمع أصيل (2)


(1) الذي قاله في شرح الكافية (ج 2 ص 177) هو " قالوا: مطلق الجمع على ضربين قلة وكثرة والمراد بالقليل من الثلاثة إلى العشرة، والحدان داخلان، وبالكثير ما فوق العشرة، قالوا: وجمع القلة من المكسر أربعة: أفعل، وأفعال، وأفعلة، وفعلة، وزاد الفراء فعلة (بفتح الفاء والعين) كقولهم: هم أكلة رأس: أي قليلون يكفيهم ويشبعهم رأى واحد، وليس بشئ، إذ القلة مفهومة من قرينة شبعهم بأكل رأس واحد لا من إطلاق فعلة، ونقل التبريزي أن منها أفعلاء كأصدقاء، وجمعا السلامة عندهم منها أيضا، استدلالا بمشابهتهما للتثنية في سلامة الواحد، وليس بشئ، إذ مشابهة شئ لشئ لفظا لا تقتضي مشابهته له معنى أيضا، ولو ثبت ما نقل أن النابغة قال لحسان لما أنشده قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطن من نجدة دما قللت جفانك وسيوفك لكان فيه دليل على أن المجموع بالالف والتاء جمع قلة، وقال ابن خروف: جمعا السلامة مشتركان بين القلة والكثرة فيلحان لهما " اه‍ كلامه. وقد ذهب بعضهم إلى أن الاسم إن كان له جمع تكسير وجمع سلامة كالجفان والجفنات فجمع السلامة للقلة وجمع التكسير للكثرة، وإن لم يكن له إلا جمع سلامة فجمع السلامة مشترك بين القلة والكثرة (2) الاصيل: العشى، وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وقيل: من زوال الشمس إلى الصباح. يجمع على أصل كرسل، وأصلان كبعير وبعران، وآصال وأصائل. (*)

[ 268 ]

تشبيها بعثمان، فيقال: أصيلان، وقد يعوض من نونه اللام فيقال أصيلال، وهو شاذ على شاذ. واجاز الكسائي والفراء تصغير نحو شقران وسودان جمع اشقر وأسود على لفظه، نحو شقيران وسويدان. وإن اتفق جمع كثرة ولم يستعمل واحده كعباديد وعباييد، بمعنى متفرقات، حقرته على واحده القياسي المقدر ثم جمعته جمع السلامة، نحو عبيديدون، وعبيبيدون، لان فعاليل جمع فعلول أو فعليل أو فعلال (1)


قال السيرافي: إن كان أصيلان تصغير أصلان جمع أصيل فتصغيره نادر، لانه إنما يصغر من الجمع ما كان على بناء أدنى العدد، وأبنية أدنى العدد أربعة أفعال وأفعل وأفعله وفعلة وليست أصلان واحدة منها، فوجب أن يحكم عليه بالشذوذ، وإن كان أصلان واحدا كرمان وقربان فتصغيره على بابه (1) اختلفت كلمة سيبويه في تصغيرها هذا الجمع (وهو جمع الكثرة الى لم يستعمل واحده)، والنسب إليه، فذهب في النسب إلى أنه ينسب إليه على لفظه مخافة أن يحدث في لغة العرب شيئا لم يقولوه وذلك بأن يجئ بالواحد المقدر، وذهب في التصغير إلى أنه يجاء بالواحد المقدر ثم يصغر ويجمع جمع السلامة، والفرق بين البابين مشكل مادام الذى منعه من الرد إلى الواحد هو أن لا يقول على العرب ما لم يقولوه قال في باب النسب (ح‍ 2 ص 89): " وإن أضفت إلى عباديد قلت عباديدى، لانه ليس له واحد، وواحده يكون على فعلول أو فعليل أو فعلال، فإذا لم يكن له واحد لم تجاوزه حتى تعلم، فهذا أقوى من أن أحدث شيئا لم تكلم به العرب " اه‍. وقال في باب التصغير (ج‍ 2 ص 142): " وإذا جاء الجمع ليس له واحد مستعمل في الكلام من لفظه يكون تكسيره عليه قياسا ولا غير ذلك فتحقيره على واحد هو بناؤ ه إذا جمع في القياس، وذلك نحو عباديد، فإذا حقرتها قلت: عبيديدون، لان عباديد إنما هو جمع فعلول أو فعليل أو فعلال، فإذا قلت: عبيديدات فأياما كان واحدها فهذا (*)

[ 269 ]

وإن جاء بعض الجموع على واحد مهمل وله واحد مستعمل غير قياسي رد في التصغير إلى المستعمل، لا إلى المهمل القياسي، يقال في محاسن ومشابه: حسينات وشبيهات، وفي العاقل المذكر: حسينون وشبيهون، وكان أبو زيد يرده إلى المهمل (1) القياسي، نحو محيسنون ومشيبهون ومحيسنات ومشيبهات، قال يونس: إن من العرب من يقول في تصغير سراويل: سرييلات (2) اعتقادا منه أنها


تحقيره " اه‍. ولعل الفرق بين البابين أنك في باب النسب تحافظ على لفظ الواحد الذى قدرته مفردا لهذا الجمع فكنت تقول عبدادى أو عبديدى أو عبدودى، فأما في التصغير فانك لا تحافظ على هذا المفرد. بل تنطق بجمع التصحيح مصغرا بصورة واحدة فتقول عبيديدون وعبيديدات مهما فرضت المفرد، ألا ترى أن تصغير عبداد أو عبدود أو عبديد هو عبيديد على كل حال، هذا، والعباديد والعباييد كما في القاموس الفرق من الناس والخيل الذاهبون في كل وجه، والاكام، والطرق البعيدة. وفي اللسان " قال الاصمعي: يقال: صاروا عباديد وعباييد: أي متفرقين، وذهبوا عباديد كذلك إذا ذهبوا متفرقين، ولا يقال: أقبلوا عباديد " اه‍، وعلى هذا يكون عبيديدون للفرق من الناس وعبيديدات للفرق من الخيل أو للطرق أو الاكام. (1) أبو زيد ينسب إلى الجمع الذى له واحد من لفظه غير قياسي على لفظه فيقول في محاسن محاسني، وفي ملامح ومشابه ومذاكير وأباطيل وأحاديث: ملامحي ومشابهي ومذاكيري وأباطيلي وأحاديثي، فأى فرق بين التصغير والنسب، وهلا صغر على لفظه ههنا كما نسب إلى لفظه إذا كان يريد ألا يحدث في كلام العرب ما لم يقولوه (2) لا خلاف بين العلماء في أن ساويل كلمة أعجمية عربت، وإنما الخلاف بينهم في أنها مفرد أو جمع، فذهب سيبويه إلى أنها مفرد، وذهب قوم إلى أنها جمع من قبل أن هذه الصيغة خاصة بالجمع في العربية فمثلها مثل سرابيل فالواحد سروال أو سروالة كما كان واحد السرابيل سربالا، والذي يظهر من كلام المؤلف أنه فهم من كلام يونس أنه يذهب إلى أن سراويل جمع في اللفظ وإن كان مسماه واحدا (*)

[ 270 ]

جمع سروالة، لان هذه الصيغة مختصة بالجمع، فجعل كل قطعة منها سروالة، قال: 39 - عليه من اللؤم سروالة (1) ومن جعلها مفردا - وهو الاولى - قال: سرييل أو سريويل، وقد شذ عن القياس بعض الجموع، وذلك كما في قوله: - 40 - قد رويت إلا الدهيدهينا * قليصات وأبيكرينا (2) والدهداه صغار الابل، وجمعه دهاديه، والابيكر مصغر الا بكر جمع البكر فكان القياس دهيدهات وأبيكرات


(1) هذا صدر بيت من المتقارب لا يعلم قائله حتى ذهب جماعة من العلماء إلى أنه مصنوع، وعجزه: - * فليس يرق لمستعطف * واللؤم: الشح ودناءة الاباء، ويرق: مضارع من الرقة، وهى انعطاف القلب. وقد أنشد المؤلف هذا الشاهد دليلا على أن السراويل جمع واحدة مستعمل وهو سروالة (2) هذا بيت من الرجز لم يعرف قائله، وقد أنشده أبو عبيد في الغريب المصنف وقبله. يا وهب فابدأ ببنى أبينا * ثمت ثن ببنى أخينا وجيرة البيت المجاورينا * قد رويت... الخ إلا ثلاثين وأربعينا * قليصات... الخ ومنه تعلم أن الشاهد الذي ذكره المؤلف ليس مرتبا على ما ذكر. وقد أنشد البيت شاهدا على أن قوله الدهيدهين وقوله أبيكرين شاذان من قبل أن الاول تصغير دهادية، وهو جمع ما لا يعقل، فكان قياسه دهيدهات على ما قال، وأن الثاني تصغير أبكر وهو جمع بكر فكان حقه أبيكرات على ما قال، وقوله " فكان القياس دهيدهات " ليس بصواب، والقياس دهيديهات لان الدهادية جمع دهداه، وهو على خمسة أحرف (*)

[ 271 ]

وإذا حقرت السنين والارضين قلت: سنيات وأريضات، لان الواو والنون فيهما عوض من اللام الذاهبة في السنة والتاء المقدرة في أرض، فترجعنا في التصغير فلا يبدل منهما، بل يرجع جمعهما إلى القياس، وهو الجمع بالالف والتاء، وإذا جعلت نون سنين معتقب الاعراب من غير علمية صغرته على سنين، إذ هو كالواحد في اللفظ، وكان الزجاج يرده إلى الاصل فيقول سنيات أيضا، نظرا إلى المعنى، إذ هو مع كون النون معتقب الاعراب جمع من حيث المعنى، ولا يجوز جعل نون أرضين من دون العلمية معتقب الاعراب، لانهما إنما تجعل كذلك في الشائع، إما في الذهاب اللام، أو في العلم، كما تبين في شرح الكافية في باب الجمع (1) وإذا سميت رجلا أو امرأة بأرضين فان جعلت النون معتقب الاعراب فتصغيره


رابعها مد، فالقياس في مثله أن تقلب المدة ياء ولا تحذف، وقوله " وأبيكرات " ليس بصواب أيضا، لان الاكبر جمع القلة لبكر كنهر وأنهر، والقياس في مثله أن يصغر على لفظه ولا تلحق به علامة جمع التصحيح، فيقال: أبيكر، كما يقال أنيهر وأفيلس، ولهذا الذى لاحظناه على عبارته تجده قد ذكر في شرح الكافية عن البصريين غير ما ذكره ههنا، قال (ج‍ 2 ص 1 17): " وأبيكرون جمع أبيكر تصغير أبكر مقدا كأضحى عند البصريين، فهو شاذ من وجهين: أحدهما: كونه بالواو والنون من غير العقلاء، والثاني: كونه جمع مصغر لمكبر مقدر، وهو عند الكوفيين جمع تصغير أبكر جمع بكر، فضذوذه من جهة جمعه بالواو والنون فقط كالدهيدهين " اه‍ فالذي ذكره هنا هو مذهب الكوفيين وقد عرفت ملاحظتنا عليه (1) هذا الذي ذكره المؤلف من الاقتصار في لزوم الياء وجعل الاعراب بحركات على النون على جمع محذوف اللام كسنين وبنين وثبين وعلى ما صار علما من الجموع كفلسطين وما ألحق بها كأربعين هو مذهب جمهور النحاة وهو الذي قرره المؤلف في شرح الكافية (ج‍ 2 ص 172) وقد ذهب الفراء إلى أن جعل الاعراب بحركات على (*)

[ 272 ]

كتصغير حمصيصة (1). تقول: أريضين، منصرفا في المذكر غير منصرف في المؤنث، وإن لم تجعله معتقب الاعراب لم ترده أيضا في التحقير إلى الواحد، إذ ليس جمعا وإن أعراب باعرابه، كما أنك إذا صغرت مساجد علما قلت: مسيجد، ولا ترده إلى الواحد ثم تجمعه، فلا تقول: مسيجدات، فتقول: أريضون رفعا، وأريضين نصبا وجرا. وأما إن سميت بسنين رجلا أو أمرأة ولم تجعل النون معتقب الاعراب رددته إلى واحده، لان علامة الجمع إذن باقية متصلة باسم ثنائي، ولا يتم بها بنية التصغير كما تمت في أريضون، فترد اللام المحذوفة، ولا تحذف الواو والنون لانهما وإن كانتا عوضا من اللام المحذوفة في الاصل إلا أنهما صارتا بالوضع العلمي جزأ من العلم، فتقول: سنيون رفعا، وسنيين نصبا وجرا وإن جعلتا مع العلمية معتقب الاعراب قلت سنيين منصرفا في المذكر غير منصرف في المؤنث، ولا يخالف الزجاج ههنا كما خالف حين جعلت النون متعقب الاعراب بلا علمية، لان اللفظ والمعنى في حال العلمية كالمفرد مع جعل النون معتقب الاعراب فكيف يرد إلى الواحد ! ؟


النون مع لزوم الياء مطرد في جمع المذكر السالم وما حمل عليه وعلى هذا جاء قول الشاعر: رب حى عرندس ذى طلال * لا يزالون ضاربين القباب وعلى هذا يص أن تجعل النون معتقب الاعراب في أرضين كما كان ذلك جائزا في سنين. (1) الحمصيصة (بفتح أوله وثانيه وكسر ثالثه): بقلة رميلة حامضة وقد تشدد ميمها وهى واحدة الحمصيص (*)

[ 273 ]

قوله " إلى جمع قلته "، يعنى إن كان له جمع قلة فأنت مخير بين الرد إليه والرد إلى واحده، وإن لم يكن له ذلك تعين الرد إلى واحده قوله " غليمون " أي في العاقل، " ودويرات " أي في غيره، وغليمون تصغير غلمان، ودويرات تصغير دور، وكلاهما مما جاء له جمع قلة وهو غلمة وأدؤر. والمركب يصغر صدره، مضافا كان أولا، نحو أبى بكر، وأميمة عمرو، ومعيديكرب، وخميسة عشر، وذهب الفراء في المضاف إذا كان كنية إلى تصغير المضاف إليه، احتاجا بنحو أم حبين وأبى الحصين (1)، وقوله: - 41 - أعلاقة أم الوليد بعدما * أفنان رأسك كالثغام المخلس (2) قال: " وما جاء على غير ذلك كأنيسيان وعشيشية وأغيلمة وأصيبية شاذ "


(1) أم حبين: دويبة على خلقة الحرباء عريضة الصدر عظيمة البطن، وقيل: هي أنثى الحرباء، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى بلالا وقد عظم بطنه فقال له مازجا: " أم حبين " يريد تشبيهه بها في عظم بطنه. وأبو الحصين: كنية الثعلب، ويقال له أيضا: أبو الحصن، كما قالوا: أم عوف وأم عويف لدويبة (2) هذا البيت نسبه في اللسان للمرار الاسدي، ويقال هو للمرار الفقعسى. والعلاقة: الحب. وأم الوليد (بضم الواو وفتح اللام وتشديد الياء) تصغير أم الوليد وهو محل الشاهد حيث صغر العجز، ولو صغر الصدر لقال: أميمد الوليد. والافنان: جمع فنن وأصله الغصن من الشجرة، وأراد به ههنا خصل شعر الرأس. والثغام (بزنة سحاب) قال أبو عبيد: هو بنت أبيض الثمر والزهر يشبه بياض الشيب به، قال حسان بن ثابت: إما ترى رأسي تغير لونه * شمطا فصبح كالثغام الممحل والمخلس: اسم فاعل من أخلس النبات، إذا كان بعضه أخضر وبعضه أبيض وكذلك يقال: أخلس رأسه، إذا خالط سواده بياضه (*)

[ 274 ]

قياس إنسان أنيسين كسريحين في سرحان، فزادوا الياء في التصغير شاذا فصار كعقيربان كما ذكرنا في أول الباب، ومن قال إن إنسانا إفعان من نسى - كما يجئ في باب ذي الزيادة - فأنيسيان قياس عنده (1)


(1) قال في اللسان: " الانسان أصله إنسيان (بكسر الهمزة)، لان العرب قاطبة قالوا في تصغيره: أنيسيان، فدلت الياء الاخيرة على الياء في تكبيره، إلا أنهم حذفوها لما كثر الناس في كلامهم، وفي حديث ابن صياد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم: انطلقوا بنا إلى أنيسيان قد رابنا شأنه، وهو تصغير إنسان جاء شاذا على غيرقياس، وقياسه أنيسان. قال: وإذا قالوا: أناسين فهو جمع بين مثل بستان وبساتين، وإذا قالوا أناسى كثيرا فخففوا الياء أسقطو الياء التي تكون فيما بين عين الفعل ولامه، مثل قراقير، وقراقر، ويبين جواز أناسى بالتخفيف قول العرب أناسية كثيرة، والواحد إنسى، وأناسى إن شئت، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إنما سمى الانسان إنسانا لانه عهد إليه فنسى، قال أبو منصور: إذا كان الانسان في الاصل إنسيانا فهو إفعلان من النسيان، وقول ابن عباس حجة قوية له، وهو مثل ليل إضحيان من ضحى يضحى (كرضى يرضى) وقد حذفت الياء فقيل إنسان... قال الازهري: وإنسان في الاصل إنسيان وهو فعليان من الانس والالف فيه فاء الفعل وعلى مثاله حرصيان: وهو الجلد الذي يلى الجلد الاعلى من الحيوان، سمى حرصيانا لانه يحرص: أي يقشر، ومنه أخذت الحارصة من الشجاج، يقال: رجل حذريان إذا كان حذرا. قال الجوهري: وتقدير إنسان فعلان، وإنما زيد في تصغيره ياء كما زيد في تصغير رجل فقيل رويجل. وقال قوم. أصله إنسيان على إفعلان فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجرى على ألسنتهم، فإذا صغروه ردوها لان التصغير لا يكثر " اه‍. قال ابن سيده في المخصص (ج‍ 1 ص 16): " إنسان عندي مشتق من أنس، وذلك أن أنس الارض وتجملها وبهاءها إنما هو بهذا النوع الشريف اللطيف المعتمر لها والمعنى بها، فوزنه على هذا فعلان (بكسر فسكون). وقد ذهب بعضهم إلى أنه إفعلان من نسى، لقوله تعالى (*)

[ 275 ]

وعشيشيه تصغير عشية، والقياس عشية، بحذف ثالثة الياآت كما في معية، وكأن مكبر عشيشية عشاة، تجعل أولى ياءي عشية ؟ ؟ ؟ فتدغم الشين في الشين وتنقلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكذا قالوا في تصغير عشى: عشيشيان، وكأنه تصغير عشيان، وقد صغروا عشيا أيضا على عشيانات، كأن كل جزء منها عشى، فعشيانات جمع عشيشيان على غير القياس، كما أن عشيشيانا تصغير عشى على غير القياس (1)


(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى) ولو كان كذلك لكان إنسيانا ولم تحذف الياء منه لانه ليس هناك ما يسقطها، فأما قولهم: أناسى فجمع إنسان، شابهت النون الالف لما فيها من الخفاء، فخرج جمع إنسان على شكل جمع حرباء، وأصلها أناسين وليس أناسى جمع إنسى كما ذهب إليه بعضهم لدلالة ما ورد عنهم من قول رويشد. أنشده أبو الفتح عثمان بن جنى: - أهلا بأهل وبيتا مثل بيتكم * بالاناسين أبدال الاناسين قال: ياء أناسى الثانية بدل من هذه النون، ولا تكون نون أناسين هذه بدلا من ياء أناسي كما كانت نون أثانين بدلا من ياء أثاني جمع أثناء التى هي جمع الاثن بمعنى الاثنين لان معنى الاثانين ولفظها من باب ثنيت والياء هنا لام البتة فهى ثم ثابتة وليس أناسين مما لامه حرف علة، وإنما الواحد إنسان فهو إذن كضبعان وضباعين وسرحان وسراحين " اه‍ (1) العشى والعشية: ما بين زوال الشمس إلى وقت غروبها، وقيل من زوال الشمس إلى الصباح، وقيل آخر النهار، وقال الليث: العشى بغير هاء، آخر النهار، فإذا قلت عشية فهو ليوم واحد، يقال: لقيته عشيد يوم كذا وكذا، ولقيته عشية من العشيات وقيل العشى والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة. قال في اللسان: " وتصغير العشى عشيشيان على غير القياس، وذلك عند شفى وهو آخر ساعة من النهار، وقيل تصغير العشى عشيان على غير قياس مكبره كأنهم صغروا عشيانا (بفتح فسكون) والجمع عشيانات، ولقيته عشيشية، وعشيشيات، وعشيشيانات، وعشيانات، كل ذلك (*)

[ 276 ]

وكذا قالوا في تصغير مغرب: مغيربان، ثم جمعوا فقالوا: مغيربانات، وهذا جمع قياسي لتصغير غير قياسي، وكأنهم جعلوا كل جزء منه مغربا، كقولهم: بغير أصهب العثانين (1)


نادر، ولقيته مغيربان الشمس ومغيربانات الشمس، وفي حديث جندب الجهنى فأتينا بطن الكديد فنزلنا عشيشية. قال: هي تصغير عشيد على غير قياس أبدل من الياء الوسطى شين كأن أصله عشيية (بثلاث ياءات) وحكى عن ثعلب أتيته عشيشة وعشيشيانا وعشيانا قال: ويجوز في تصغير عشية عشية وعشيشية، قال الازهري: كلام العرب في تصغير عشية عشيشية جاء نادرا على غير قياس، ولم أسمع عشية في تصغير عشية، وذلك أن عشية تصغير العشوة وهو أول ظلمة الليل فأرادوا أن يفرقوا بين تصغير العشية وبين تصغير العشوة " اه‍، وقول المؤلف: " وكأن مكبر عشيشية عشاة " بفتح العين وتشديد الشين - وهذا الذي ذكره هو قول النحاة، قال ابن يعيش: " وأما عشيشية فكأنه تصغير عشاة، فلما صغر وقعت ياء التصغير بين الشينين ثم قلبت الالف ياء لانكسار ما قبلها، فصار عشيشية " اه‍ وقد سمعت في كلام صاحب اللسان ما يخالف هذا، وفي كل من الوجهين شذوذ، فما ذكره المؤلف فيه تقدير مكبر غير مسموع في اللغة، وما ذكره صاحب اللسان فيه إبدال الياء شينا وهو إبدال شاذ في اللغة. ومثل هذا تماما ما ذكره المؤلف في تصغير عشى على عشيشيان. وقول المؤلف " وقد صغروا عشيا أيضا على عشيانات " غير مستقيم وذلك لانه يفيد أن عشيانات تصغير العشى الواحد بتقدير أن أل جزء منه عشى، وقد سمعت عن اللسان أن عشيانات جمع عشيان الذى هو مصغر عشى، وهو كلام واضح، ومنه تعلم أيضا أن قول المؤلف " فعشيانات جمع عشيشيان على غير القياس " كلام غير مستقيم أيضا، بل العشيانات جمع العشيان الذى هو تصغير عشى، فالتصغير شاذ والجمع مطابق للقياس فافهم (1) العثانين جمع عثنون (كعصفور): وهو شعيرات طول تحت حنك البعير وجعلوا كل واحدة منها عثنونا فجمعوها على عثانين. وصهبتها أن يحمر ظاهرها وباطنها أسود (*)

[ 277 ]

وأصيلان شاذ أيضا، لكونه تصغير جمع الكثرة على لفظه، كما ذكرنا، كأنهم جعلوا كل جزء منه أصيلا، وأصيلال شاذ على شاذ، والقياس أصيلات وقالوا في بنون: أبينون، والقياس بنيون كم امر في شرح الكافية في باب الجمع (1) وقالوا في تصغير ليلة لييلية بزيادة الياء كما في أنسيان، وكأنه تصغير ليلاة، قال: 42 - * في كل يوم ما وكل ليلاه (2) * وعلية بنى الليالى


(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ح‍ 2 ص 170): " الشاذ من جمع المذكر بالواو والنون كثير، منها أبينون، قال: زعمت تماضر أننى إما أمت * يسدد أبينوها الاصاغر خلتى وهو عند البصريين جمع أبين وهو تصغير أبنى مقدرا على وزن أفعل فأضحى فشذوذة عندهم لانه جمع لمصغر لم يثبت مكبره، وقال الكوفيون: هو جمع أبين، وهو تصغير أبن مقدرا، وهو جمع ابن، كأدل في جمع دلو، فهو عندهم شاذ من وجهين: كونه جمعا لمصغر لم يتبت مكبره، ومجئ أفعل في فعل، وهو شاذ كأجبل وأزمن. وقال الجوهري: شذوذه لكونه جمع أبين تصغير ابن يجعل همزة الوصل قطعا. وقال أبو عبيد: هو تصغير بنين على غير قياس " اه‍ (2) هذا بيت من مشطور الرجز لم نعثر على قائله، وبعده: حتى يقول كل را إذ رآه * يا ويحه من جمل ما أشقاه والظاهر أن المعنى أنه يعمل جمله في جميع أوقات الليل والنهار من كل يوم وكل ليلة حتى يرثى له كل من رآه ويترحم عليه قائلا ويحه ما أشقاه، و " ما " في قوله " في كل يوم ما " زائدة، وقد أنشد المؤلف البيت شاهدا على وجود ليلاة التى بمعنى ليلة، وهى التى صغرت على لييلية بقلب ألفها ياء لوقوعها بعد الكسرة، فلما أرادوا تصغير ليلد استغنوا عنه بتصغير ليلاة لكونهما بمعنى واحد كما أنهم حينما أرادوا (*)

[ 278 ]

وقالوا في تصغير رجل: رويجل، قيل: إن رجلا جاء بمعنى راجل، قال: - 43 - أما أقائل عن ديني على فرسي * وهكذا رجلا إلا بأصحاب (1) أي: راجلا، فرويجل في الاصل تصغير راجل الذي جاء بمعناه رجل، فكأنه تصغير رجل بمعنى راجل، ثم استعمل في تصغير رجل مطلقا، راجلا كان أولا فان سميت بشئ من مكبرات هذه الشواذ ثم صغرته جرى على القياس المحض، فتقول في إنسان وليلة ورجل أعلاما: أنيسين ورجيل ولييلة، إذ العلم وضع ثان وأغيلمة وأصيبية في تصغير (2) غلمة وصبية شاذان أيضا، والقياس غليمة وصبية، ومن العرب من يجئ بهما على القياس


تكسير ليلة استغنوا بتكسير ليلاة فقالوا: ليال، كما في قوله تعالى (والفجر وليال عشر) وهذا كقولهم أهال في تكسير أهل، وإنما هو تكسير أهلات (1) هذا بيت من البسيط قائله حيى بن وائل، وكان قد أدرة قطرى بن الفجاءة الخارجي أحد بنى مازن، وقد رواه أبو زيد في نوادره (ص 5) وذكر بعده بيتا آخر، وهو قوله: لقد لقيت إذا شر وأدركني * ما كنت أزعم في خصمى من العاب وقد وقع في النوادر رواية عجز بيت الشاهد * ولا كذا رجلا إلا بأصحابي * وروى عن أبى الحسن رواية صدر البيت: * أما أقاتلهم إلا على فرس * وأما بتخفيف الميم وفتح الالف. ورجلا معناه راجلا، كما يقول العرب: جاءنا فلان حافيا رجلا: أي راجلا، كأنه قال: أما أقاتل فارسا ولا كما أنا راجلا إلا ومعى أصحابي، فلقد لقيت إذن شرا: أي إنى أقاتل وحدي، يريد أنه يقاتل عن دينه وعن حسبه وليس تحته فرس ولا معه أصحاب. والعاب: العيب (2) في جميع النسخ التي رأيناها المخطوطة منها والمطبوعة قوله (في جمع غلمة وصبية) وهو تحريف ظاهر، والصواب ما أثبتناه (*)

[ 279 ]

قال: " وقولهم أصيغر منك ودوين هذا وفويقه لتقليل ما بينهما " أقول: قوله " أصيغر منك " اعلم أن المقصود من تحقير النعوت ليس تحقير الذات المنعوت غالبا، بل تحقير ما قام بها من الوصف الذى يدل عليه لفظ النعت، فمعنى ضويرب ذو ضرب حقير، وقولهم أسيود وأحيمر وأصيفر أي ليست هذه الالوان فيه تامة، وكذا بزيزيز وعطيطير (1) أي الصنعتان فيهما ليستا كاملتين، وربما كانا كاملين في أشياء أخرى، وقولك " هو مثيل عمرو " أي المماثلة بينهما قليلة، فعلى هذا معنى " أصيغر منك " أي زيادته في الصغر عليك قليلة، وكذا " أعيلم منك " و " أفيضل منك " ونحوه، لان أفعل التفضيل ما وضع لموصوف بزيادة على غيره في المعنى المشتق هو منه، وقد تجئ لتحقير الذات كما في قول على " يا عدى نفسه " وأما تحقير العلم نحو زيد وعمرو فلمطلق التحقير، وكذا في الجنس الذي ليس بوصف كرجل وفرس، ولا دليل فيه على أن التحقير إلى أي شئ يرجع إلى الذات أو الصفة أو إليهما قوله " ودوين هذا، وفويقه "، قد ذكرنا حقيقة مثله في أول باب التحقير قال: " ونحو ما أحيسنه شاذ، والمراد المتعجب منه " أقول: عند الكوفيين أفعل التعجب اسم، فتصغيره قياس، وعند البصريين هو فعل كما تقدم في بابه في شرح للكافية، وإنما جرأهم عليه تجرده عن معنى الحدث والزمان اللذين هما من خواص الافعال، ومشابهته معنى لافعل التفضيل، ومن ثم يبنيان من أصل واحد، فصار أفعل التعجب كأنه اسم فيه معنى الصفة


(1) بزيزيز: تصغير بزاز وهو صيغة نسب لمن يبيع البز وهى الثياب، وقيل ضرب منها. وعطيطير: تصغير عطار وهو صيغة نسب أيضا يبيع العطر (*)

[ 280 ]

كأسود وأحمر، والصفة - كما ذكرنا - إذا صغرت فلتصغير راجع إلى ذلك الوصف المضمون، لا إلى الموصوف، فالتصغير في " ما أحيسنه " راجع إلى الحسن، وهو تصغير التلطف كما ذكرنا في نحو بنى وأخي، كأنك قلت هو حسين، وقوله 30 - ياما أميلح غزلانا (1) أي: هن مليحات، ولما كان أفعل التعجب فعلا على الصحيح لم يمنعه تصغيره عن العمل، كما يمنع في نحو ضويرب على ما يجئ. قوله " والمراد المتعجب منه " أي: مفعول أحيسن، فإذا قلت " ما أحيسن زيدا " فالمراد تصغير زيد، لكن لو صغرته لم يعلم أن تصغيره من أي وجه هو، أمن جهة الحسن، أم من جهة غيره ؟ فصغرت أحسن تصغير الشفقة والتلطف، لبيان أن تصغير زيد راجع إلى حسنه، لا إلى سائر صفاته. قال: " ونحو جميل وكعيت لطائرين وكميت للفرس موضوع على التصغير ". أقول: جميل طائر صغير شبيه بالعصفور (2)، وأما كعيت فقيل هو البلبل، وقال المبرد: هو شبيه بالبلبل وليس به. وإنما نطقوا بهذه الاشياء مصغرة لانها مستصغرة عندهم، والصغر من لوازمها فوضعوا الالفاظ على التصغير، ولم تستعمل مكبراتها، وقولهم في جمع جميل


(1) سبق في أول هذا الباب القول في شرح هذا البيت (أنظر ص 190 ه‍ 1) (2) في اللسان: " قال سيبويه: الجميل البلبل، لا يتكلم به إلا مصغرا فإذا جمعوه قالوا: جملان " (*)

[ 281 ]

وكعيت جملان وكعتان كصردان (1) ونغران (2) تكسير لمكبريهما المقدرين وهما الجمل والكعت، وإنما قدرا على هذا الوزن لانه أقرب وزن مكبر من صيغة المصغر، فلما لم يسمع مكبراهما قدرا على أقرب الاوزان من وزن المصغر، وإنما قلنا إن جملانا وكعتانا جمعان للمكبر المقدر لا المصغر لانه جرت عادتهم أن لا يجمعوا المصغر إلا جمع السلامة إما بالواو والنون وبالالف والتاء، قيل: وذلك لمضارعة التصغير للجمع الاقصى بزيادة حرف لين ثالثة، ولا يجمع الجمع الاقصى إلا جمع السلامة كالصرادين والصواحبات، ولا منع أن نقول: إن كعيتا وجميلا لما وضعا على التصغير نظرا إلى استصغارهما في الاصل ثم استعملا بعد ذلك من غير نظر إلى معنى التصغير فيهما لان الكعيت كالبلبل معنى، ولا يقصد في البلبل معنى التصغير، وإن كان في نفسه صغيرا - انمحى عنهما معنى التصغير في الاستعمال، وإن كانا موضوعين عليه، وصارا كلفظين موضوعين على التكبير، فجمعا كما يجمع المكبر، وأقرب المكبرات إلى هذه الصيغة فعل كنغر وصرد فجمعا جمعهما، فعلى هذا كعتان وجملان جمعان للفظي كعيت وجميل، لا لمكبريهما المقدرين وأما كميت فهو تصغيرأ كمت وكمتاء تصغير الترخيم (3)، وقد ذكرنا


(1) الصردان (بكسر فسكون) جمع صرد - بضم ففتح - وهو طائر فوق العصفور، وقيل هو طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر نصفه أبيض ونصفه أسود ضخم المنقار. قال الازهري: يصيد العصافير، وفي الحديث الشريف: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة: النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد (2) النغران: جمع نغر - كصرد - وهو طير كالعصافير حمر المناقير، ومؤنثه نغرة (كهمزة)، وأهل المدينة يسمونه البلبل، وبتصغيره جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لبن كان لابي طلحة الانصاري وكان له نغر يلعب به فمات " فما فعل النغير يا أبا عمير " (3) قال في اللسان: " قال ابن سيده: الكمتة لون بين السواد والحمرة يكون (*)

[ 282 ]

أن المراد بتصغير الصفة تصغير المعنى المضمون، لا تصغير ما قام به ذلك المعنى، والكمتة، لون يلزمه الصغر، إذ هي لون ينقص عن سواد الادهم ويزيد على حمرة الاشقر، فهى بين الحمرة والسواد، فوضعوا كميتا على صيغة التصغير لصغر معناه المضمون، وهو يقع على المذكر والمؤنث، وجمعه كمت، وهو جمع مكبره المقدر، وهذا يقوى أن جملانا وكعتانا جمعان للمكبر أيضا وسكيت بالتخفيف مصغر سكيت - بالتشديد - تصغير الترخيم (1)


في الخيل والابل وغيرهما، وقد كمت ككرم، كمتا وكمته وكماتة واكمات (كاحمار) والكميت من الخيل يستوى فيه المذكر والمؤنث. قال سيبويه: سألت الخليل عن كميت فقال هو بمنزلة جميل يعنى الذي هو البلبل. وقال: إنما هي حمرة يخالطها سواد ولم تخلص، وإنما حقروها لانها بين السواد والحمرة ولم تخلص لواحد منهما فيقال له أسود أو أحمد فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب، وإنما هذا كقولك هو دوين ذاك، والجمع كمت، كسروه على مكبره المتوهم، وإن لم يلفظ به، لان قياس الاوصاف من الالوان هو أفعل كأحمر وأشقر وأسود وقياس جمعها على فعل كحمر وخضر وسود. وقد جاء جمع الكميت على كمت في قول طفيل: وكمتا مدماة كأن متونها * جرى فوقها واستشعرت لون مذهب والكميت أيضا: الخمر التي فيها سواد وحمرة " اه‍ ملخصا من اللسان (1) قال في اللسان: " والسكيت والسكيت بالتشديد والتخفيف: الذي يجئ في آخر الحلبة آخر الخيل، قال الليث السكيت مثل الكميت خفيف: العاشر الذي يجئ في آخر الخيل إذا أجريت بقى مسكتا، وفي الصحاح آخر ما يجئ من الخيل في الحلبة من العشر المعدودات، وقد يشدد فيقال السكيت وهو القاسور والفسكل أيضا، وما جاء بعده لا يعتد به. قال سيبويه: سكيت بالتخفيف ترخيم سكيت (بالتشديد) يعنى أن تصغير سكيت إنما هو سكيكيت، فإذا رخم حذفت زائدتاه " اه‍ (*)

[ 283 ]

وإذا صغرت مبيطرا وميسطرا كان التصغير بلفظ المكبر، لانك تحذف الياء كما تحذف النون في منطلق، وتجئ بياء التصغير في مكانه، ولو صغرتهما تصغير الترخيم لقلت: بطير، وسطير قال: " وتصغير الترخيم أن تحذف كل الزوائد ثم تصغر كحميد في أحمد " أقول: اعلم أن مذهب الفراء أنه لا يصغر تصغير الترخيم إلا العلم، لان ما أبقى منه دليل على ما ألقى لشهرته، وأجاز البصرية في غير العلم أيضا، وقد ورد في المثل " عرف حميق جمله " (1) تصغير أحمق وإذا صغرت مدحرجا تصغير الترخيم قلت: دحيرج، وما قال بعض العرب في تصغير إبراهيم وإسماعيل - أعنى بريه وسميع - فإما أن يكون جعل الميم واللام زائدتين، وإن لم يكونا من الغوالب في الزيادة في الكلم العربية في مثل مواضعهما، كما يجئ في باب ذي الزيادة، لكنهم جعلوا حكم العجمية غير حكم العربية، أو يكون حذف الحرف الاصلي شاذا، لان تصغير الترخيم شاذ، والاعجمي غريب شاذ في كلامهم، فشبهوا الميم واللام لااصليتين، لكونهما من حروف " اليوم تنساه " بحروف الزيادة، وحذفوهما حذفا شاذا، لاتباع الشذوذ للشذوذ، فعلى هذا يكون الهمزة أصلا كما في إصطبل، فيكون تصغيرهما على بريهيم وسميعيل، بحذف الهمزة وهما المشهوران، شاذا أيضا، والقياس


(1) قال العلامة الميداني في مجمع الامثال (ج‍ 1 ص 401 طبع بولاق) " عرف حميق جمله: أي عرف هذا القدر وإن كان أحمق، ويروى عرف حميقا جمله: أي أن جمله عرفه فاجترأ عليه. يضرب في الافراط في مؤانسة الناس. ويقال: معناه عرف قدره. ويقال: يضرب لمن يستضعف إنسانا ويولع به فلا يزال يؤذيه ويظلمه " (*)

[ 284 ]

ما قال المبرد: أي أبيريه وأسيميع، وقد مر، وتصغير الترخيم شاذ قليل قال: " وخولف باسم الاشارة والموصول فألحق قبل آخرهما ياء، وزيدت بعد آخرهما ألف، فقيل: ذيا وتيا وأوليا واللذيا واللتيا واللذيان واللتيان واللذيون واللتيات " أقول: كان حق اسم الاشارة أن لا يصغر، لغلبة شبه الحرف عليه، ولان أصله وهو " ذا " على حرفين، لكنه لما تصرف تصرف الاسماء المتمكنة فوصف (ووصف) به وثنى وجمع وأنث أجرى مجراها في التصغير، وكذا كان حق الموصولات أن لا تصغر، لغلبة شبه الحرف عليها، لكن لما جاء بعضها على ثلاثة أحرف كالذى والتي وتصرف فيه تصرف المتمكنة فوصف به وأنث وثنى وجمع جاز تصغيره وتصغير ما تصرف منه، دون غيرهما من الموصولات، كمن وما قيل: لما كان تصغيرهما على خلاف الاصل خولف بتصغيرهما تصغير الاسماء المتمكنة، فلم تضم أوائلهما، بل زيد في الاخر ألف بدل الضمة بعد أن كملوا لفظ " ذا " ثلاثة أحرف بزيادة الياء على آخره، كما تقدم أنه يقال في تصغير من: منى، فصار ذايا، فأدخلوا ياء التصغير ثالثة بعد الالف ما هو حقها، فوجب فتح ما قبلها كما في سائر الاسماء المتمكنة، فقلبت الالف ياء، لا واوا، ليخالف بها الالفات التي لا أصل لها في المتمكنة، فانها تقلب في مثل هذا الموضع واوا، لوقوعها بعد ضمة التصغير كما في ضويرب، فصار ذييا أو تقول: كان أصل " ذا " ذيى أو ذوى، قلبت اللام ألفا، وحذفت العين شاذا كما في سه، وردت في التصغير كما هو الواجب، وزيد ياء التصغير بعد العين، فرجعت الالف إلى أصلها من الياء كما في الفتى إذا صغر، فصار ذييا، أو ذويا، وكون

[ 285 ]

عينه واوا في الاصل أولى (1)، لكون باب طوى أكثر من باب حيى، وأما


(1) قال المؤلف في شرح الكافية (ج‍ 2 ص 28): " قال الاخفش: هو - يريد ذا اسم الاشارة - من مضاعف الياء لان سيبويه حكى فيه الامالة، وليس في كلامهم تركيب نحو حيوت فلامه أيضا ياء، وأصله ذيى بلا تنوين لبنائه، محرك العين، بدليل قلبها ألفا، وإنما حذفت اللام اعتباطأ أولا كما في يد ودم ثم قلبت العين ألفا، لان المحذوف اعتباطا كالعدم، ولو لم يكن كذا لم تقلب العين، ألا ترى إلى نحو مرتو. فان قيل: فلعله ساكن العين وهى المحذوفة لسكونها والمقلوب هو اللام المتحركة، قلت: قيل ذلك، لكن الاولى حذف اللام لكونها في موضع التغيير، ومن ثم قل المحذوف العين اعتباطا كسه، وكثر المحذوف اللام كدم، ويد، وغد، ونحوها. وقيل: أصله ذوى، لان باب طويت أكثر من باب حييت، ثم إما أن نقول: حذفت اللام فقلبت العين ألفا، والامالة تمنعه، وإما أن نقول: حذفت العين وحذفها قليل كما مر فلا جرم كان جعله من باب حييت أولى. وقال الكوفيون. الاسم الذال وحدها والالف زائدة، لان تثنيته ذان بحذفها، والذي حمل البصريين على جعله من الثلاثية لا من الثنائية غلبة أحكام الاسماء المتمكنة عليه كوصفه، والوصف به، وتثنيته، وجمعه، وتحقيره، ويضعف بذلك قول الكوفيين، والجواب عن حذ الالف في التثنية أنه لاجتماع الالفين، ولم يرد إلى أصله فرقا بين المتمكن وغيره، نحو فتيان وغيره، كما حذف الياء في اللذان. قال ابن يعيش: لا بأن بأن نقول هو ثنائي كما، وذلك أنك إذا سميت به قلت: ذاء، فتزيد ألفا أخرى ثم تقلبها همزة، كما تقول: لاء، إذا سميت ب‍ " لا " وهذا حكم الاسماء التي لا ثالث لها وضعا إذا كان ثانيها حرف لين وسمى بها، ولو كان أصله ثلاثة قلت: ذاى، رداله إلى أصله " اه‍ كلام المؤلف في شرح الكافية. وأنت إذا تدبرته وجدته يرجح فيه غير ما رجحه هنا، فهو هنا يرجح أن أصل " ذا " ذوى ويدفع ما اعترض به على ذلك من حكاية سيبويه فيها الامالة الدالية على كون العين ياء بأن المحذوف هو العين وهذه الالف بدل من اللام التي هي ياء، مع أنه يرجح فيما نقلناه أن المحذوف هو اللام، لان حذف اللام اعتباطا أكثر من حذف العين كذلك، (*)

[ 286 ]

إمالة ذا فلكون الالف لا ما في ذوى والعين محذوفة، ثم حذفوا العين شاذا لكون تصغير المبهمات على خلاف الاصل كما مر، فجرأهم الشذوذ على الشذوذ، ألا ترى أنهم لم يحذفوا شيئا من الياآت في حيى وطوى تصغيري حى وطى، ولا يجوز أن يكون المحذوفة ياء التصغير لكونها علامة، ولا لام الكلمة للزوم تحرك ياء التصغير بحذفها، فصار ذيا. ولم يصغر في المؤنث إلا تا وتى، دون ذى، لئلا يلتبس بالمذكر، وأما ذه، فأصله ذى كما يجئ في باب الوقف (1)


وهذه الالف بدل من الياء التى هي عين (ثم انظر ج‍ 3 ص 126 من شرح ابن يعيش للمفصل) (1) ذكر في باب الوقف أن بنى تميم يقلبون ياء هذى في الوقف هاء، فيقولون هذه بسكون الهاء، وإنما أبدلت هاء لخفاء الياء بعد الكسرة في الوقف، والهاء بعدها أظهرتها، وإنما أبدلت هاء لقرب الهاء من الالف التي هي أخت الياء في المد، فإذا وصل هؤلاء ردرها ياء، فقالوا: هذى هند، لان ما بعد الياء يبينها، وقيس وأهل الحجاز يجعلون الوقف والوصل سواء بالهاء الح، وقال ابن يعيش: (ج‍ 3 ص 131): " وأماذه فهى ذى والهاء فيها بدل من الياء وليس للتأنيث أيضا، فان قيل: فلم قلتم إن الهاء بدل من الياء في ذى، وهلا كان الامر فيهما بالعكس ؟ قيل: إنما قلنا إن الياء هي الاصل لقولهم في تصغير ذا ذيا، وذى إنما هو تأنيث ذا فكمال أن الهاء ليس لها أصل في المذكر فكذلك هي في المؤنث لانها من لفظه، فان قيل: فهلا كانت الهاء للتأنيث على حدها في قائمة وقاعدة ؟ فالجواب أنه لو كانت للتأنيث على حدها في قائمة وقاعدة لكانت زائدة وكان يؤدى إلى أن يكون الاسم على حرف واحد، وقد بينا ضعف مذهب الكوفيين في ذلك، وأمر آخر أنك لا تجد الهاء علامة للتأنيث في موضع من المواضع، والياء قد تكون علامة للتأنيث في قولك اضربي، فاما قائمة وقاعدة فانما التأنيث بالتاء، والهاء من تغيير الوقف، ألا تراك تجدها تاء في الوصل نحو طلحتان، وهذه طلحة يا فتى، وقائمة يا رجل، فإذا وقفت كانت هاء، والهاء (*)

[ 287 ]

وحذفوا في المثنى الالف المزيد عوضا من الضمة، اكتفاء بياء التصغير، وذلك لاجتماع ألفى المثنى والعوض، والقياس في اجتماع الساكنين حذف الاول، إذا كان مدا، كما يجئ في بابه وقالوا في " أولى " المقصور وهو مثل هدى: أوليا، والضمة في أوليا هي التي كانت في أولى وليست للتصغير، فلذا زيد الالف بدلا من الضمة، وأما " أولاء " بالمد فتصغيره أولياء، قال المبرد: زيد ألف العوض قبل الاخر، إذ لو زيدت في الاخر كما في أخواته لالتبس تصغير أولاء الممدود بتصغير أولى المقصور. وذلك أن أولاء كقضاء لما صرفته وجعلته كالاسماء المتمكنة قدرت همزته التي بعد الالف منقلبة عن الواو أو الياء كما في رداء وكساء، فكما تقول في تصغير رداء: ردى، بحذف ثالثة الياآت، فكذا كنت تقول أولى ثم تزيد الالف على آخره فيصير أوليا فيلتبس بتصغير المقصور، فلذا زدت ألف العوض قبل الهمزة بعد الالف، فانقلبت ألف " أولاء " ياء كألف حمار إذا قلت حمير، لكنه لم يكسر الياء كما كسرت في نحو حمير لتسلم ألف العوض، فصار أولياء وأما الزجاج فانه يزيد ألف العوض في آخر أولاء كما في أخواته، لكنه يقدر همزة " أولاء " في الاصل ألفا، ولا دليل عليه، قال: فإذا دخلت ياء التصغير اجتمع بعدها ثلاث ألفات: الاولى الذى كان بعد لام أولاء، والثاني أصل الهمزة على ما ادعى، والثالث ألف العوض، فينقلب الاول ياء كما في حمار


في " ذه " ثابتة وصلا ووقفا، والكلام إنما هو في حقيقته وما يندرج عليه، ألا ترى أننا نبدل من التنوين ألفا في النصب وهو في الحقيقة تنوين على ما يندرج عليه الكلام. ويؤيد ذلك أن قوما من العرب وهم طيئ يقفون على هذا بالتاء فيقولون شجرت، وجحفت، فثبت بما ذكرناه أن الهاء في " ذه " ليست كالهاء في قائمة فلا تفيد فائدتها من التأنيث " اه‍ (*)

[ 288 ]

ويبقى الاخيران، فيجعل الاخير همزة كما في حمراء وصفراء، فتكسر كما كانت في المكبر وتقول في الذى والتي: اللذيا واللتيا بزيادة ياء التصغير ثالثة وفتح ما قبلها، وفتح الياء التي بعد ياء التصغير، لتسلم ألف العوض، وقد حكى اللذيا واللتيا بضم الاول جمعا بين العوض والمعوض منه وتقول في المثنى: اللذيان واللتيان، واللذيين واللتيين، بحذف ألف العوض قبل علامتى المثنى، لاجتماع الساكنين، فسيبويه يحذفها نسيا فيقول في المجموع: اللذيون واللذيين، بضم الياء وكسرها، يحذف ألف العوض في المثنى والمجموع نسيا، كما حذف ياء الذى في المثنى، والاخفش لا يحذفها نسيا، لا في المثنى ولا في المجموع، فيقول في الجمع: اللذيون واللذيين (بفتح الياء) كالمصطفون والمصطفين فيكون الفرق عنده بين المثنى والمجموع في النصب والجر بفتح النون وكسرها، والمسموع في الجمع ضم الياء وكسرها كما هو مذهب سيبويه ونما أطرد في المصغر اللذيون رفعا واللذيين نصبا وحراوشد في المكبر اللذون رفعا لانه لما صغر شابه المتمكن فجرى جمعه في الاعراب مجرى جمعه وعند سيبويه استغنوا باللتيات جمع سلامة اللتيا بحذف ألف العوض للساكنين عن تصغير اللاتي واللائى، وقد صغرهما الاخفش على لفظهما، قياسا لا سماعا، وكان لا يبالى بالقياس في غير المسموع فقال في تصغير اللاتي: اللويتا، بقلب الالف واوا كما في الجمع: أي اللواتي، وحذف ياء اللاتي لئلا يجتمع مع ألف العوض خمسة أحرف سوى الياء، وقال في تصغير اللائي: اللويئا، بفتح اللام فيهما، وقال المازني: إذا كان لابد من الحذف فحذف الزائد أولى، يعنى الالف التى بعد اللام فتصغير اللاتي كتصغير التى سواء، قال بعض البصريين: اللويتيا (*)

[ 289 ]

واللويئيا، من غير حذف شئ، وكل لك هوس وتجاوز عن المسموع بمجرد القياس، ولا يجوز، هذا ما قيل وأنا أرى أنه لما كان تصغير المبهمات على خلاف الاصل، كما ذكرنا، جعل عوض الضمة ياء، وأدغم فيها ياء التصغير، لئلا يستثقل الياآن، ولم يدغم في ياء التصغير لئلا يتحرك ياء التصغير التي لم تجر عادتها بالتحرك، فحصل في تصغير جميع المبهمات ياء مشددة: أولاهما ياء التصغير، والثانية عوض من الضمة، فاضطر إلى تحريك ياء العوض، فألزم تحريكها بالفتح، قصدا للخفة، فان كان الحرف الثاني في الاسم ساكنا كما في " ذا " و " تا " و " ذان " و " تان " جعلت هذه الياء المشددة بعد الحرف الاول، لانها إن جعلت بعد الثاني - كما هو حق ياء التصغير - لزم التقاء الساكنين، فألف ذياوتيا، على هذا، هي التي كانت في المكبر، وإن كان ثاني الكلمة حرفا متحركا كاولى وأولاء جعلت ياء التصغير في موضعها بعد الثاني، فعلى هذا كان حق الذي والتي اللذيى واللتيى بياء ساكنة في الاخر بعد ياء مفتوحة مشددة، لكنه خفف ذلك بقلب الثالثة ألفا كراهة لاجتماع الياآت، ويلحق بذيا وتيا ومثنييهما وجمعيهما من هاء التنبيه وكاف الخطاف ما لحقها قبل التصغير، نحو هذيا وذيا لك، قال 30 - * من هؤليائكن الضال والسمر * (1) قال: " ورفضوا تصغير الضمائر، ونحو متى وأين ومن وما وحيت ومنذ ومع وغير وحسبك، والاسم عاملا عمل الفعل، فمن ثم جاز ضويرب زيد وامتنع ضويرب زيدا " أقول: إنما امتنع تصغير الضمائر لغلبة شبه الحرف عليها مع قلة تصرفها، إذ


(1) انظر (ص 190 ه‍ 1) (*)

[ 290 ]

لا تقع لا صفة ولا موصوفة كما تقع أسماء الاشارة، ولمثل هذه العلة لم تصغر أسماء الاسفتهام والشرط، فانه تشابه الحرف ولا تتصرف بكونها صفات وموصوفات وأما من وما الموصولتان فأوغل في شبه الحرف من " الذي " لكونهما على حرفين ولعدم وقوعهما صفة كالذى وحيث وإذ وإذا ومنذ مثل الضمائر في مشابهة الحرف، وأقل تصرفا منها، لانها مع كونه لا تقع صفات ولا صفات ولا موصوفات تلزم في الاغلب نوعا من الاعراب وأما مع فإنه وإن كان معربا لكنه غير متصرف في الاعراب، ولا يقع صفة ولا موصوفا، مع كونه على حرفين وكذا عند لا يتصرف (1) وإن كان معربا على ثلاثة، وكذا لم يصغر لدن لعدم تصرفه وإنما لم يصغر غير كما صغر مثل وإن كانت المغايرة قابلة للقلة والكثرة كالمماثلة، لقصوره في التمكن، لانه لا يدخله اللام ولا يثنى ولا يجمع بخلاف مثل ولا يصغر سوى (2) وسواء بمعنى غير أيضا، ولا يصغر حسبك لتضمنه معنى


(1) قال سيبويه (ح‍ 2 ص 136): " ولا تحقر عندكما تحقر قبل وبعد ونحوهما لانك إذا قلت عند فقد قللت ما بينهما وليس يراد من التقليل أقل من ذا، فصار ذا كقولك قبيل ذاك إذا أردت أن تقلل ما بينهما " اه‍. وهذا وجه من التعليل لعدم تصغير عند حاصله أنه لما كان مصغرا بمعناه الاصلى لم يحتج إلى التصغير لان المصغر لا يصغر، وهو وجه حسن (2) هذا الذي ذكره المؤلف في هذه الكلمة هو ما ذكره سيبويه في الكتاب (ح‍ 2 ص 135) حيث قال: " ولا يحقر غير لانها ليست بمنزلة مثل، وليس كل شئ يكون غير الحقير عندك يكون محقرا مثله، كما لا يكون كل شئ مثل الحقير حقيرا، وإنما معنى مررت برل غيرك معنى مررت برجل سواك، وسواك لا يحقر، لانه ليس اسما متمكنا، وإنما هو كقولك مررت برجل ليس بك، فكما قبح تحقير (*)

[ 291 ]

الفعل، لانه بمعنى اكتف، وكذا ما هو بمعناه من شرعك (1) وكفيك ولا يصغر شئ من أسماء الافعال، وكذا لا يصغر الاسم (2) العامل عمل الفعل، سواء كان اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة، لان الاسم إذا صغر صار


ليس قبح تحقير سوى، وغير أيضا ليس باسم متمكن، ألا ترى أنها لا تكون إلا نكرة، ولا تجمع ولا تدخلها الالف واللام " اه‍. والذي نريد أن ننبهك إليه هو أن عدم التمكن في سوى الذي علل به سيبويه عدم تصغير ما ليس معناه عدم التصرف أي ملازمة هذه الكلمة للنصب على الظرفية كما هو المعروف من مذهب سيبويه، بل معناه أنها ليس كسائر الاسماء المتمكنة كما أشار إليه، مع أن القائلين بخروجها عن النصب على الظرفية والجر بمن إلى سائر مواقع الاعراب قد ذهبوا أيضا إلى أنها لا تصغر، ومنهم من علل عدم تصغيرها بأنها غير متمكنة، فوجب أن يكون التمكن في هذا الموضع بمعنى آخر، ويشير إلى ذلك المعنى تعليل بعضهم عدم جواز التصغير بشدة شبه هذه الكلمة بالحرف ودلالتها على معناه وهو إلا الاستثنائية (1) تقول: هذا رجل شرعك من رجل فتصف به النكرة ولا تثنيه ولا تجمعه ولا تؤنثه، ومعناه كافيك من رجل، وقد ورد في المثل شرعك ما بلغك المحل أي حسبك من الزاد ما بلغك مقصدك (انظر مجمع الامثال ح‍ 1 ص 319 طبع بولاق) قال في اللسان: " قال أبو زيد: هذا رجل كافيك من رجل، وناهيك، وجازيك من رجل، وشرعك من رجل، كله بمعنى واحد " اه‍ وفى القاموس: " وكافيك من رجل، وكفيك من رجل مثلثة الكاف: حسبك " اه‍ زاد في اللسان أنك تقول: هذا رجل كفاك به، وكفاك به، بكسر الكاف أو ضمها مع القصر، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث (2) قد أطلق الشارح القول هنا كما أطلقه المصنف، وفي المسألة تفصيل خلاصته أنك لو قلت: هذا ضارب زيدا، فأعملت اسم الفاعل فيما بعده النصب لم يجز تصغيره بحال، وإذا قلت هذا ضارب زيد، فأضفت اسم الفاعل إلى ما بعده فان أردت به الحال أو الاستقبال لم يجز أن تصغره: لانه حينئذ كالعامل، وإن أردت به المضى جاز تصغيره. قال سيبويه (ح‍ 2 ص 136): " واعلم أنك لا تحقر الاسم إذا كان (*)

[ 292 ]

موصوفا بالصغر، كما تكررت الاشارة إليه، فيكون معنى " ضويرب " مثلا ضارب صغير، والاسماء العاملة عمل الفعل إذا وصفت انعزلت عن العمل، فلا تقول: " زيد ضارب عظيم عمرا ولا أضارب عظيم الزيدان، وذلك لبعدها إذن عن مشابهة الفعل، إذ وضعه على أن يسند ولا يسند إليه، والموصوف يسند إليه الصفة، هذا في الصفات، أعنى اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، أما المصدر فلا يعزله عن العمل كونه مسندا إليه، لقوة معنى الفعل فيه، إذ لا يعمل الفعل الذي هو الاصل في الفاعل ولا في المفعول إلا لتضمنه معنى المصدر، كما ذكرنا في شرح الكافية في باب المصدر، فيجوز على هذا أن تقول أعجبني ضربك الشديد زيدا، وضريبك زيدا (1) وقيل: إنما لم يصغر الاسم العامل عمل الفعل لغلبة شبه الفعل عليه إذن، فكما لا يصغر الفعل لا يصغر مشبهه، ويلزم منه عدم جواز تصغير المصدر العامل عمل الفعل


بمنزلة الفعل ألا ترى أنه قبيح هو ضويرب زيدا وهو ضويرب زيد إذا أردت بضارب زيد التنوين، وإن كان ضارب زيد لما مضى فتصغيره جيد " اه‍ (1) هذا الذي ذكره المؤلف ههنا من أن المصدر يعمل مصغرا ويعمل موصوفا في المفعول به أيضا غير المعروف عن النحاة، أما المصغر فقد قال ابن هشام في شرح القطر: " ويشترط (أي في إعمال المصدر عمل الفعل) ألا يكون مصغرا، فلا يجوز أعجبني ضريبك زيدا، ولا يختلف النحويون في ذلك " اه‍. بل الذي ذكره المؤلف نفسه في شرح الكافية يناقض ما قاله هنا ويوافق ما قاله ابن هشام فيما سمعت. قال في شرح الكافية (ح‍ 2 ص 183) " والتصغير يمنع المصدر عن العمل كما يمنع اسم الفاعل والمفعول لضعف معنى الفعل بسبب التصغير الذى لا يدخل الافعال، ومن ثمت يمنع الوصف ثلاثتها عن العمل " اه‍ وأما ما ذكره في المصدر المنعوت فهو رأى ضعيف من ثلاثة آراء وحاصله جواز إعمال المصدر المنعوت مطلقا: أي سواء (*)

[ 293 ]

ويصغر الزمان المحدود من الجانبين، كالشهر واليوم والليلة والسنة، وإنما تصغر باعتبار اشتمالها على أشياء يستقصر الزمان لاجلها من المسار (1) وأما غير المحدود كالوقت والزمان والحين فقد يصغر لذلك، وقد يصغر لتقليله في نفسه وأما أمس وغد فانهما لم يصغرا وإن كانا محدودين كيوم وليلة لان الغرض الاهم منهما كون أحد اليومين قبك يومك بلا فصل والاخر بعد يومك، وهما من هذه الجهة لا يقبلان التحقير، كما يقبله قبل وبعد، كما ذكرنا في أول باب التصغير، ولم يصغرا (أيضا) باعتبار مظروفيهما وإن أمكن ذلك كما لم يصغرا باعتبار تقليلهما في أنفسهما لما كان الغرض الاهم منهما ما لا يقبل التحقير ومثل أمس وغد عند سيبويه كل زمان يعتبر كونه أولا وثانيا وثالثا ونحو ذلك، فلا تصغر عنده أيام الاسابيع كالسبت والاحد والاثنين إلى الجمعة، وكذا أسماء الشهور كالمحرم وصفر إلى ذى الحجة، إذ معناها الشهر الاول والثاني ونحو ذلك، وجوز الجرمى والمازني تصغير أيام الاسبوع وأسماء الشهور، وقال بعض


أكان نعته سابقا على المعمول أم متأخرا عنه، والرأى الثاني المنع مطلقا، والثالث إن تقدم المعمول عن النعت جاز وإ فلا وهذا اختيار ابن هشام. قال في شرح القطر: " ويشترط ألا يكون موصوفا قبل العمل، فلا يقال: أعجبني ضربك الشديد زيدا، فأن أخرت الشديد جاز، قال الشاعر: إن وجدى بك الشديد أرانى * عاذرا فيك من عهدت عذولا فأخر الشديد عن الجار والمجرور المتعلق بوجدي " (1) المسار: جمع مسرة، ووقع في النسخ التي بين أيدينا كافة " من المساد " بدال مهملة، وهو تحريف (*)

[ 294 ]

النحاة: إنك إذا قلت اليوم الجمعة أو السبت بنصب اليوم فلا تصغر الجمعة والسبت إذ هما مصدران بمعنى الاجتماع والراحة، وليس الغرض تصغيرهما، وقال: ولا يجوز تحقير اليوم المنتصب أيضا لقيامه مقام وقع أو يقع، والفعل لا يصغر، وإذا رفعت اليوم فالجمعة والسبت بمعنى اليوم فيجوز تصغيرهما، وحكى عن بعضهم عكس هذا القول، وهو جواز تصغير الجمعة والسبت مع نصب اليوم وعدم جوازه مع رفعه زيدا، فأن أخرت الشديد جاز، قال الشاعر: إن وجدى بك الشديد أرانى * عاذرا فيك من عهدت عذولا فأخر الشديد عن الجار والمجرور المتعلق بوجدي " (1) المسار: جمع مسرة، ووقع في النسخ التي بين أيدينا كافة " من المساد " بدال مهملة، وهو تحريف (*)

[ 294 ]

النحاة: إنك إذا قلت اليوم الجمعة أو السبت بنصب اليوم فلا تصغر الجمعة والسبت إذ هما مصدران بمعنى الاجتماع والراحة، وليس الغرض تصغيرهما، وقال: ولا يجوز تحقير اليوم المنتصب أيضا لقيامه مقام وقع أو يقع، والفعل لا يصغر، وإذا رفعت اليوم فالجمعة والسبت بمعنى اليوم فيجوز تصغيرهما، وحكى عن بعضهم عكس هذا القول، وهو جواز تصغير الجمعة والسبت مع نصب اليوم وعدم جوازه مع رفعه واعلم أنك إذا حقرت كلمة فيها قلب لم ترد الحروف إلى أماكنها نقول في لاث وأصله لائث وشاك وأصله شائك وفي قسى علما وأينق وأصلهما قووس وأنوق: لويث وشويك - بكسر الثاء والكاف - وقسى بحذف تالثة الياآت نسيا، وأيينق، وذلك لان الحامل على القلب سعة الكلام ولم يزلها التصغير حتى ترد الحروف إلى أماكنها. والحمد لله، وصلى الله على رسوله وآله بحمد الله تعالى وحسن توفيقه قد انتهينا من مراجعة الجزء الاول من شرح شافية ابن الحاجب الذي ألفه العلامة المحقق رضى الدين الاستراباذى، في أثناء سبعد أشهر آخرها يوم الاثنين المبارك الثالث عشر من شهر ذي الحجة أحد شهور عام 1356 ست وخمسين وثلثمائة وألف من الهجرة. ويليه الجزء الثاني مفتتحا بباب " النسب " نسأل الله الذي جلت قدرته أن يعين على إكماله.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية