الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح الرضي على الكافية - رضي الدين الأستراباذي ج 3

شرح الرضي على الكافية

رضي الدين الأستراباذي ج 3


[ 1 ]

شرح الرضى على الكافية

[ 2 ]

جميع حقوق الطبع محفوظة 1398 ه - 1978 م جامعة قاريونس

[ 3 ]

شرح الرضى على الكافية طبعة جديدة مصححة ومذيلة بتعليقات مفيدة الجزء الثالث تصحيح وتعليق يوسف حسن عمر الاستاذ بكليه اللغة العربية والدراسات الاسلامية كلية اللغة العربية والدراسات الاسلامية

[ 5 ]

(الموصول) 1 (التعريف، وشرحه) (قال الرضى:) انتصاب (جزءا على أنه خبر (يتم)، لتضمنه معنى (يصير)، وذلك أن الأفعال الناقصة لا حصر لها، على ما يتبين في بابها، فمعنى يتم جزءا: يصير جزءا تاما، وكذا تقول: كان تسعة 2، فكلمتها عشرة، أي: صيرتها عشرة كاملة، قال المصنف: ليس قولنا: الموصول ما لا يتم جزءا إلا بصلة، من قبيل: العالم من قام به العلم، أي من باب تعريف الشئ بنفسه وذلك محال 3، وذلك، أن المجهول في قولك (العالم): ماهية العلم لا كونه ذا علم، إذ كل أحد يعلم أن الفاعل: ذو الفاعل: ذو الفعل، فلو بين العلم في الحد وقال: العالم من قام به الماهية الفلانية، لتم الحد، وكذلك ههنا، كل أحد يعرف أن


(1) هذا أول الجزء الثالث، وهو يوافق أول الجزء الثاني من تقسيم الشارح الرضى كما جاء في هامش النسخة المطبوعة، بالنسبة إلى بعض النسخ، وقد أشرنا إلى ذلك في نهاية الجزء الثاني من تقسيمنا لهذا الشرح (2) إما أن نعتبر كان، تامة، أي وجد تسعة، أو نقول إن خبر كان محذوف ولا يتعلق الغرض بذكره لأن القصد إلى مجرد التمثيل للمعنى الذي أشار إليه. (3) أي تعريف الشئ بنفسه، وقوله بعد هذا: وذلك أن المجهول، بيان لكونه ليس من قبيل تعريف الشئ بنفسه، ولا شك أن في عبارته بعض التعقيد. (*)

[ 6 ]

الموصول: الذي يلحق به صلة، وإنما الأشكال في ماهية الصلة، أي شئ هي ؟ فتعريف الموصول بالصلة، تعريف الشئ بما لا يشكل من ذلك الشئ إلا هو، فقال المصنف: إنما قلت إنه ليس من هذا الباب، لأن المراد بالموصول: الموصول في الاصطلاح، لا في اللغة، ثم قال: إنما قلت (بصلة)، ولم أقل بجملة، ولم أقل بجملة، جريا على اصطلاحهم، فعلى هذا، وقع فيما فر منه، لأن معنى كلامه، إذن، أن الموصول في الاصطلاح هو المحتاج إلى ما يسمى صلة في الاصطلاح، ومعنى الموصول، والمحتاج إلى الصلة، شئ واحد، ثم قال: وفسرت الصلة بقولي: وصلته جملة خبرية، ليرتفع الأشكال، فقد أقر بأن في نفس الحد إشكالا من دون التفسير، قال: ولو جعل موضع (بصلة): بجملة، لارتفع الأشكال، وهذا حق، قوله: (يتم جزءا) أي يصير جزء الجملة، ونعني بجزء الجملة: المبتدأ، والخبر، والفاعل، - وجميع الموصولات لا يلزم أن تكون أجزاء الجمل، بل قد تكون فضلة، لكنه أراد أن الموصول هو الذي لو أردت أن تجعله جزء الجملة لم يمكن إلا بصلة وعائد، قوله: وعائد، أي ضمير يعود إليه، قال: هو احتراز 1 عما يجب إضافته إلى الجملة، كحيث، وإذ، فإنه لا يتم إلا بالجملة أيضا، وليس موصولا في الاصطلاح، وحد الموصول الحرفي: ما أول مع ما يليه من الجمل بمصدر، كما يجئ في حروف المصدر، ولا يحتاج إلى عائد، ولا أن تكون صلته خبرية على قول الأكثر، نحو: أمرتك أن قم، وبعضهم يقدر القول فيه حتى تصير خبرية، أي أمرتك بأن قلت لك قم، ويجيئ البحث فيه، في نواصب المضارع،


(1) لأن ما احترز عنه لا يحتاج إلى عائد. (*)

[ 7 ]

وإنما بنيت الموصولات، لأن منها ما وضع وضع الحروف نحو (ما) و (من) واللام، 1 على ما قيل، ثم حملت البواقي عليها طردا للباب، أو لا حتياجها في تمامها جزءا، إلى صلة وعائد، كاحتياج الحرف إلى غيره في الجزئية، (الصلة وشرطها) (والعائد وحكمه) (قال ابن الحاجب:) (وصلته جملة خبرية، والعائد ضمير له)، (قال الرضى:) إنما وجب كون الصلة جملة، لأن وضع الموصول على أن يطلقه المتكلم على ما يعتقد أن المخاطب يعرفه بكونه محكوما عليه بحكم معلوم الحصول له، إما مستمرا، نحو: باسم الله الذي يبقى ويفنى كل شئ، أو: الذي هو باق، أو في أحد الأزمنة، نحو: الذي ضربني، أو أضربه، أو الذي هو ضارب، أو بكون متعلقه محكوما عليه بحكم معلوم الحصول له مستمرا، أو في أحد الأزمنة، نحو: الله الذي يبقى ملكه، أو ملكه باق، وزيد الذي ضرب غلامه، أو غلامه ضارب، أو يعتقد أن المخاطب يعرفه بكونه أو كون سببه حكما على شئ: دائما أو في بعض الأزمنة، نحو: الذي أخوك هو، أو الذي أخوك غلامه، أو الذي مضروبك هو أو غلامه، فهذا يصلح دليلا على أشياء: أحدها: أن الموصولات معارف وضعا، وذلك لما قلنا إن وضعها على أن يطلقها المتكلم على المعلوم عند المخاطب، وهذه خاصة المعارف،


(1) المراد: حرف التعريف حينما يكون اسما موصولا، وهو يعبر عنه باللام مرة، وبالألف واللام مرة أخرى (2) أي هذه القيود التي تضمنها قوله لأنه وضع الموصول... إلخ. (*)

[ 8 ]

ويسقط به اعتراض من اعترض بأن تعريف الموصول إذا كان بصلته، وهي جملة، فهلا تعرفت النكرة الموصوفة بها في نحو: جاءني رجل ضربته، لأن المعرف حاصل 1، فكان ينبغي ألا يكون في قولك: لقيت من ضربته، فرق بين كون (من) موصولة، وموصوفة، وذلك لأنا نقول، كما سبق، إن تعريف الموصول بوضعه معرفة مشارا به إلى المعهود بين المتكلم والمخاطب بمضمون صلته، فمعنى قولك لقيت من ضربته، إذا كانت (من) موصولة: لقيت الأنسان المعهود بكونه مضروبا لك، فهي موضوعة على أن تكون معرفة بصلتها، وأما إذا جعلتها موصوفة، فكأنك قلت: لقيت إنسانا مضروبا لك، فإنه وإن حصل لقولك: إنسانا، تخصيص بمضروبية المخاطب، لكنه ليس تخصيصا وضعيا، لأن (إنسانا) موضوع لأنسان لا تخصيص فيه، بخلاف: الذي، ومن، الموصولة، فان وضعهما على أن يتخصصا بمضمون صلتهما، والفرق بين المعرفة والنكرة المخصصة، أن تخصيص المعرفة وضعي، وهو المراد بالتعريف عندهم، وليس المراد به مطلق التخصيص، ألا ترى أنك قد تخصص النكرة بوصف لا يشاركها فيه شئ آخر، مع أنها لا تسمى بذلك معرفة، لكونه غير وضعي، كما تقول: رأيت رجلا سلم عليك اليوم وحدة قبل كل أحد، وكذا قولك: إني أعبد إلها خلق السموات والأرض، ونحو ذلك، فإن قيل: إن الجمل نكرات، فكيف تعرف الموصولات وتخصصها ؟ قلت: لا نسلم تنكير الجمل، كما تقدم في تقدم في باب الوصف ولو سلمنا أيضا فالمخصص في الحقيقة تقييد الموصول بالصلة، كما أن (رجل)، و (طويل)، لا تخصيص في كل واحد منهما على


(1) أي موجود في وصف النكرة بالجملة. (2) بيان لوجه سقوط الاعتراض الذي أشار إليه، (3) لكونه، أي هذا التخصيص، (4) تقدم في الجزء الثاني، (*)

[ 9 ]

الانفراد، وقد حصل التخصيص بتقييد الموصوف بهذا الوصف، فالمقصود: أن تقييد الشئ بالشئ تخصيص وإن كان المقيد به غير خاص وحده، وقال بعضهم: إنما كانت الصلة معرفة، لأجل ضميرها الذي هو معرفة، وفيه نظر، فإن قصدوا بذلك أنها صارت معرفة بسبب الضمير فعرفت الموصول، لم يجز 1، لأن الجملة التي فيها ضمير، عندهم 2، نكرة أيضا، وإن قصدوا أنه لو لا الضمير لم تكن الصلة مخصصة للموصول، لأنها لم يكن لها به، إذن 3، تعلق بوجه، نحو: بالذي ضرب عمرو، فصحيح، وثانيها 4: أن الصلة ينبغي أن تكون معلومة للسامع في اعتقاد المتكلم قبل ذكر الموصول، على ما تقدم: أن الحكم الذي تضمنته الصلة، ينبغي أن يعتقد المتكلم في المخاطب أنه يعلم حصوله للموصول، فلا يقال: أنا الذي دوخ البلاد، إلا لمن يعلم أن شخصا دوخها، وقال بعضهم: لا يجب أن يكون الموصول معلوم الصلة، إلا إذا كان مخبرا عنه فقط، قال: لأن المخبر عنه يجب تعريفه، وليس بشئ أما أولا، فلأن وضع الموصول، كما ذكرنا، أن يكون مضمون صلته معلوما للمخاطب في اعتقاد المتكلم، وهذا مطرد في المخبر عنه وغيره، وأما ثانيا فلأن المخبر عنه قد لا 5 يكون معرفة، ولا مختصا بوجه، كما مر في باب المبتدأ 6، وثالثها: أن الصلة ينبغي أن تكون جملة، لأن الحكم على شئ بشئ: من مضمونات الجمل، أو ما أشبهها من الصفات مع فاعلها، والمصدر مع فاعله، ولما كان اقتضاء


(1) لم يجز أي هذا القول، يريد: لم يصلح أن يكون علة لما قالوا، (2) أي القائلين بأن الجملة نكرة، (3) أي عند عدم وجود الضمير، (4) ثاني الأشياء التي قال انها تستفاد من شرحه الموصول. (5) أشرنا من قبل إلى أن هذا التعبير لا يقره جمهور النجاة، (6) تقدم في الجزء الأول، من هذا الشرح. (*)

[ 10 ]

الموصول للحكم وضعيا، لم يستعمل من جميع ما يتضمن الحكم إلا ما يكون تضمنه له أصلا، لا بالشبه، وهو الجملة، ويغني عنها: ظرف أو جار ومجرور منوي معه فعل وفاعل هو العائد، ورابعها: أنه يجب أن تكون الصلة جملة خبرية، لما ذكرنا أنه يجب أن يكون مضمون الصلة حكما معلوم الوقوع للمخاطب قبل الخطاب، والجمل الأنشائية والطلبية، كما ذكرنا في باب الوصف، لا يعرف مضمونها الا بعد إيراد صيغها، وأما قول الشاعر: 403 - وإني لرام نظرة قبل التي * لعلي وإن شطت نواها أزورها 1 فمثل قوله: جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط 2 - 94 أي: التي أقول لعلي أزورها، وقد تقع القسمية صلة، قال الله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن 3) أي لمن والله ليبطئن، ومنعه بعضهم، ولا أرى منه مانعا، وقد أجاز ابن خروف 4 وقوع التعجبية صلة من دون اضمار القول، نحو: جاءني الذي ما أحسنه، ومنعه ابن بابشاذ 5، وسائر المتأخرين، وهو الوجه، لكونها إنشائية،


(1) نسب كثيرون، ومنهم العيني هذا البيت للفرزدق، وقال البغدادي تعقيبا على ذلك، إنه ليس في ديوانه، وإنما الذي في ديوان الفرزدق قصيدة لامية يقول فيها: وقاتلة لي لم تضبني سهامها * رمتني على سوداء قلبي نبالها وإني لرام رمية قبل التي * لعلي وإن شقت علي أنالها والاستشهاد لا يتغير على كل حال، (2) تقدم هذا الشاهد في الجزأين السابقين، (3) الآية 72 سورة النساء. (4) هو أبو الحسن علي بن محمد الاشبيلي وتقدم ذكره في الجزأين السابقين، (5) هو طاهر بن أحمد الشهير بابن بابشاذ، وهي كلمة فارسية معناها باب الفرح ا أو السرور، وهو ممن تقدم ذكرهم، (*)

[ 11 ]

وخامسها: أنه لا بد في الصلة من ضمير عائد، وذلك لما قلنا: أن ما تضمنته الصلة من الحكم متعلق بالموصول، لأنه اما محكوم عليه هو أو سببه، أو محكوم به هو أو سببه، فلا بد من ذكر نائب الموصول في الصلة ليتعلق الحكم بالموصول بسبب تعلقه بنائبه، وذلك النائب هو الضمير العائد إليه، ولو لم يذكر الموصول في الصلة، لبقي الحكم أجنبيا عنه، لأن الجمل مستقلة بأنفسها لولا الرابط الذي فيها، وقد يغني الظاهر عن العائد، على قلة، نحو ما جاءني زيد الذي ضرب زيد، (صلة الألف واللام) (قال ابن الحاجب:) (وصلة الألف واللام: اسم فاعل أو مفعول)، (قال الرضى:) لما ذكر أن الصلة يجب أن تكون جملة، استدرك ذلك، فكأنه قال: لكن صلة الألف واللام اسم فاعل أو مفعول: اعلم أنهم اختلفوا في اللام الداخلة على اسمي الفاعل والمفعول، فقال المازني 1: هي حرف كما في سائر الأسماء الجامدة، نحو الرجل والفرس، وقال غيره: إنها اسم موصول، وذهب الزمخشري 2 إلى أنها منقوصة من الذي، وأخواته، وذلك لأن الموصول مع صلته التي هي جملة: بتقدير اسم مفرد، فتثاقل ما هو كالكلمة الواحدة بكون أحد


(1) أبو عثمان المازني من مشاهير النجاة ونقل الرضى عنه كثيرا فيما تقدم وسيتكرر ذكره (2) جار الله: محمود بن عمر الزمخشري، تقدم ذكره، والرأي الذي نسبه إليه الشارح موجود في المفصل، انظر شرح ابن يعيش ج 3 ص 154، (*)

[ 12 ]

جزأيها جملة، فخفف الموصول، تارة بحذف بعض حروفه، قالوا في الذي: اللذ واللذ، بسكون الذال، ثم اقتصروا منه على الألف واللام، وتارة بحذف بعض الصلة: إما الضمير، أو نون المثنى والمجموع، نحو: والحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائها وكف 1 - 289 كما يجيئ، والأولى أن نقول: اللام الموصولة غير لام الذي، لأن لام الذي زائدة، بخلاف اللام الموصولة، قالوا: الدليل على أن هذه اللام موصولة: رجوع الضمير إليها في السعة، نحو: الممروز به: زيد، أجاب المازني بأن الضمير راجع إلى الموصوف المقدر، فمعنى، الضارب غلامه: زيد، الرجل الضارب غلامه: زيد، وفيما ارتكبه يلزمه محذوران: أحدهما إعمال اسمي الفاعل والمفعول غير معتمدين ظاهرا على أحد الأمور الخمسة، أي: الموصوف، وذي الحال، والمبتدأ، وحرف النفي، وحرف الاستفهام، وعملهما من غير اعتماد على شئ: مذهب الأخفش 2 والكوفيين، ومذهبه 3 في هذا غير مذهبهم، والثاني: رجوع الضمير على موصوف مقدر، فإن قال: الاعتماد على الموصوف المقدر، والضمير راجع إليه، كما في قوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) 4، فإن (ظالم) عمل في الجار والمجرور لاعتماده على الموصوف المقدر، والضمير في (لنفسه) راجع إليه، قلت: الموصوف المقدر بعد نحو: منهم، وفيهم، كالظاهر، لقوة الدلالة عليه، كما ذكرنا في باب الوصف، نحو قوله تعالى: (ومنا دون ذلك)، 5 وقوله: * (1) تقدم هذا الشاهد في الجزء الثاني (2) الأخفش هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الأوسط، ويكون هو المرا د حين يطلق لفظ الأخفش بدون تقييد، وتقدم ذكره، وسيتكرر، (3) أي المازني، (4) الآية 32 سورة فاطر، (5) الآية 11 سورة الجن، (*)

[ 13 ]

كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن 1 - 336 وأيضا: الجار والمجرور يكفيه رائحة الفعل، وأما قول النجاة: يا ضاربا غلامه، ويا حسنا وجهه بالأعمال ورجوع الضمير إلى مقدر،. فمثال لهم غير مستند إلى شاهد من كلام موثوق به، ولا يقال في السعة: جاءني الحسن وجهه، على رجوع الضمير إلى الموصوف المقدر، ولا فرق عنده بين اللامين، كما لا يقال: جاءني حسن وجهه في الاختيار، بلى، قد يجيئ مثله في الشعر، نحو قوله: 404 - بسود نواصيها وحمر أكفها * وصفر تراقيها وبيض خدودها 2 ولو جاز عمل اسم الفاعل أو المفعول ذو اللام 3 لاعتماده على الموصوف المقدر كما ذهب إليه، لم يعمل بمعنى الماضي، كما لا يعمل المجرد منها، بل كان هو الأولى بترك العمل الفعلي، لأنه دخله، على مذهبه، ما هو من خواص الأسماء أعني لام التعريف، فتباعد به عن شبه الفعل، وأيضا، لو كانت لام 4 التعريف الحرفية، لم تحذف النون قياسا في نحو: الحافظو عورة العشيرة.. 5 - 289 كما لا تحذف مع المجرد منها، فنقول، بناء على مذهب الجمهور: إن أصل: الضارب والمضروب: الضرب والضرب، فكرهوا دخول اللام الاسمية المشابهة للحرفية لفظا ومعنى، على صورة الفعل، أما لفظا 6، فظاهر، وأما معنى، فلصيرورة اللام مع ما دخلت عليه، معرفة، كالحرفية


(1) هذا من شعر النابغة، وتقدم الاستشهاد به في الجزء الثاني (2) من قصيدة للحسين بن مطير، شاعر أموي أدرك الدولة العباسية وله شعر رقيق، والبيت مما وصف به النساء في القصيدة، ومنها قوله: وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي * إذا قدمت أيامها وعهودها (3) صفة لاسم في قوله: اسم الفاعل. (4) أي اللام في مثل الضارب وقوله: لام التعريف، خبر كانت، (5) الشاهد المتقدم قبل قليل، (6) يعني أما وجه الشبه لفظا فظاهر وهو أن كلا منهما بلفظ واحد، (*)

[ 14 ]

مع ما تدخل عليه، فصيروا الفعل في الصورة الاسم: الفعل المبني للفاعل في صورة اسم الفاعل، والمبني للمجهول في صورة اسم المفعول، لأن المعنيين متقاربان، إذ معنى زيد ضارب، زيد ضرب أو يضرب، وزيد مضروب: زيد ضرب أو يضرب، ولكون هذه الصلة فعلا في صورة الاسم، عملت بمعنى الماضيي، ولو كانت اسم الفاعل أو مفعول حقيقة لم تعمل بمعنى الماضي، كالمجرد من اللام، وكان حق الأعراب أن يكون على الموصول، كما نذكره، فلما كانت اللام الاسمية في صورة اللام الحرفية، نقل اعرابها إلى صلتها عارية، كما في (إلا) الكائنة بمعنى (غير)، على ما مر في باب الاستثناء، 1 فقلت: جاءني الضارب ورأيت الضارب ومررت بالضارب، فإن قيل: ما حملكم على هذا التطويل، وهلا قلتم إن صلة اللام ليست بجملة، بل جعلت صلتها: ما تضمن من المفردات: الحكم المطلوب في الصلات بمشابهة الفعل، لا على وجه الأصالة، وهو اسم الفاعل، واسم المفعول، قضاء لحق الألف واللام، وقلتم: إنما عمل اسما الفاعل والمفعول مع اللام لاعتمادهما على الموصول، كما يعملان إذا اعتمدا على الموصوف، حتى لا تحتاجوا إلى أن تقولوا إنما عملا بلا اعتماد، لكونهما في الحقيقة فعلين ؟ فالجواب: ان عملهما بمعنى الماضي مع اللام، دلهم على أنهما في الحقيقة فعلان، ألا ترى أن اسمي الفاعل والمفعول إذا وقعا عقيب حرف الاستفهام وحرف النفي، مع أن طلبهما للفعل أقوى من طلب الموصول له، لا يعملان بمعنى الماضي، وإنما لم توصل اللام بالصفة المشبهة مع تضمنها للحكم، لنقصان مشابهتها للفعل، وكذا لم توصل بالمصدر، لأنه لا يقدر بالفعل إلا مع ضميمة (أن) كما مر في باب الأضافة، وهو معها بتقدير المفرد، والصلة لا تكون إلا جملة، قيل: وقد توصل في ضرورة الشعر بالجملة الاسمية، 2 وقد دخلت على الاسمية على ما


(1) من الجزء الثاني (2) استشهد النجاة لذلك ببيت شعر مجهول القائل وهو كما أورده ابن هشام في المغني: (*)

[ 15 ]

حكى الفراء 1 في غير الشعر، إن رجلا أقبل، قال له آخر: ها هو ذا، فقال السامع: نعم الها هو ذا، وقد وصلت في الشعر بالمضارع في قوله: 405 - فيستخرج اليربوع من نافقائه * ومن حجره بالشيخة اليتقصع 2 يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا * إلى ربنا صورت الحمار اليجدع وقد ذهب أهل الكوفة إلى أنه يجوز أن يكون الاسم الجامد المعرف باللام موصولا، قالوا في قوله: 406 - لعمري لنعم البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل 3 إن التقدير: لأنت الذي أكرم أهله، لكنه موصول غير مبهم كسائر الأسماء الموصولة، وعند البصريين: اللام غير مقصود قصده، والمضارع صفة له، كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمت قلت لا يعنيني 4 - 56 وإنما جاز: مررت بالرجل القائم أبواه، لا القاعدين، ولم يجز: بالرجل القائم أبواه، لا اللذين قعدا، لاستتار ضمير المثنى في: القاعدين، وظهوره في: قعدا، وخفاء الموصول في القاعدين، وظهوره في: اللذين قعدا، فكأنك قلت: برجل قائم أبواه لا قاعدين،


= من القوم الرسول الله منهم * لهم دانت رقاب بني معد وأورده غيره بتغيير في بعض الفاظه للغرض نفسه، (1) الفراء أبو زكريا يحيى بن زياد، من أئمة الكوفيين، وهو ممن نقل الرضى عنهم كثيرا، (2) هكذا أورد الشارح هذين البيتين متواليين وهما ليسا متواليين في القصيدة التي وردا فيها، وهما من شعر ذي الخرق الطهوي والبيت الثاني منهما هو أول شاهد ورد في هذا الشرح، وأنما أورد الشارح هذين البيتين هكذا لأن في كل منهما شاهدا على ما يقول، (3) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي مطلعها: أساءلت رسم الدار أم لم تسائل * عن السكن أم عن عهده بالأوائل وهي قصيدة جيدة، ومن أبياتها عدد من الشواهد النحوية، (4) تكرر ذكر هذا الشاهد فيما تقدم، (*)

[ 16 ]

واعلم أن حق الأعراب أن يدور على الموصول، لأنه هو المقصود بالكلام، وإنما جئ بالصلة لتوضيحه، والدليل: ظهور الأعراب في (أي) الموصولة، نحو: جاءني أيهم ضربته ورأيت أيهم ضربته ومررت بأيهم ضربته، وكذا في: اللذان واللتان، فيمن قال بإعرابهما، وأما الصلة، فقال بعضهم: إنها معربة بإعراب الموصول، اعتقادا منه أنها صفة الموصول لتبيينها له، كما في الجمل الواقعة صفة للنكرات، وليس بشئ، لأن الموصولات معارف اتفاقا منهم، والجمل لا تقع صفة للمعارف، كما مر في الوصف، والجمهور على أنه لا محل للصلة من الأعراب، إذ لم يصح وقوع الاسم المفرد مقامها كالوصف وخبر المبتدأ والحال والمضاف إليه، ولا يقدر للجمل إعراب إلا إذا صح وقوع الاسم المفرد مقامها 1، وذلك في الأربعة المواضع 2، المذكورة فقط، وذلك لأن الأعراب للاسم في الأصل أو للاسم والفعل على قول، وكل واحد منهما مفرد، والصلة جملة لا غير، (الأسماء الموصولة) (ألفاظها وما فيها من اللغات) (قال ابن الحاجب:) (وهي الذي والتي، واللذان واللتان، بالألف والياء، والألى) (والذين، واللاتي واللائي واللواتي، وما، ومن، وأي، وأية) (وذو: الطائية، وذا، بعد ما الاستفهامية، والألف واللام)،


(1) المعنى: إذا صح وقوع المفرد موقعها، أو: قيام المفرد مقامها، وهو ناظر فيه إلى المعنى، ويتكرر منه ذلك كثيرا، (2) استعمال العدد هكذا مذهب الكوفيين، والشارح يستعمله مع اعتراضه عليه، وتارة يستعمل مذهب البصريين أيضا، (*)

[ 17 ]

(قال الرضي:) هذا حصر لجميع الأسماء الموصولة، و (الذي) عند البصريين على وزن عم، وشج، أرادوا الوصف بها من بين الأسماء الموصولة، لكونها على وزن الصفات، بخلاف (ما) و (من)، فأدخلوا عليه اللام الزائدة تحسينا للفظ حتى لا يكون موصوفها، كمعرفة وصفت بالنكرة، وإنما قلنا بزيادة اللام، لما مر من أن الموصولات معارف وضعا بد ليل كون (من) و (ما) معرفتين بلا لام، وإنما ألزموها اللام الزائدة، لأنها لو نزعت تارة، وأدخلت أخرى، لأوهم كونها للتعريف، كما في: الرجل، ورجل، وإنما وصف بذو الطائية، وإن لم تكن على وزن الصفات، نظرا إلى لفظها، إذ هي، على لفظ (ذو) الذي يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس، وقال الكوفيون: أصل الذي، الذال الساكنة ثم لما أرادوا إدخال اللام عليها زادوا قبلها لاما متحركة، لئلا يجمعوا بين الذال الساكنة ولام التعريف الساكنة، ثم حركوا الذال بالكسر، وأشبعوا الكسرة فتولدت ياء، كما حركت ذال (ذا) بالفتح وأشبع، فتولدت ألف، وكل ذا قريب من دعوى علم الغيب 1، وتقول في الواحد المؤنث: التي، بقلب الذال تاء، كما قلنا في: ذا، وتا، وقد تشدد ياءاهما، نحو: الذي والتي، فإذا شددتا، أعربت الكلمتان عند الجزولي 2 بأنواع الاعراب، كما في (أي)، ولا وجه لأعراب المشدد، إذ ليس التشديد يوجب الأعراب، وعند بعضهم يبنى المشدد على الكسر، إذ هو الأصل في التقاء الساكنين، قال: 407 - وليس المال فاعلمه بمال * وإن أغناك إلا للذي 3


(1) هذا إنصاف من الرضى في الرد على مثل هذه الافتراضات التي يوردها النجاة، ولكنه هو كثيرا ما يفع في مثل ذلك، وانظر كلامه عن التدريج في وضع الضمائر في آخر الجزء الثاني من هذا الشرح، ولذلك أمثلة أخرى أشرنا إليها في مواضعها، (2) الجزولي بضم الجيم والزاي: أبو موسى، واسمه عيسى، وتقدم ذكره كثيرا، (3) لم ينسب أحد هذين البيتين، وأوردهما ابن الشجري في أمالية، كما ذكرهما صاحب لسان العرب في مادة: ل ذي، (*)

[ 18 ]

ينال به العلاء ويصطفيه * لأقرب أقربيه وللقصي وحكى الزمخشري: أنه يبنى على الضم كقبل وبعد، قال الأندلسي 1 لعل الجزولي سمعه بضم الياء كما هو المنقول عن الزمخشري، ثم رآه في الشعر المذكور مكسورا، فحكم بإعرابه، وقد تحذف الياءان في الذي والتي، مكسورا ما قبلهما أو ساكنا، قال الشاعر في الكسر: 408 - واللذ لو شاء لكنت صخرا * أو جبلا أشم مشمخرا 2 وقال آخر في التسكين: 409 - كاللذ تزبى وزبية فاصطيدا 3 وقال: 410 - فقل للت تلومك إن نفسي * أراها لا تعوذ بالتميم 4 قال الأندلسي: الوجوه الثلاثة فيهما، أي تشديد الياء وحذفها ساكنا ما قبلها أو مكسورا، يجوز أن تكون لضرورة الشعر، لا أنها لغات، إذ المخفف يشدد للضرورة، وكذا يكتفي لها 5 بالكسر عن الياء، وتحذف الحركة بعد الاكتفاء، قال: إلا أن ينقلوها في حال السعة، لا في الشعر، فسمعا، إذن، وطاعة،


(1) القاسم بن أحمد الأندلسي وهو ممن نقل الرضى عنهم كثيرا، ويكاد يكون معاصرا له، وتقدم ذكره، (2) رواه بعضهم: اللذ، بدون واو، كما روى: لكانت بدل لكنت، وتعرضوا لشرح معناه ومع ذلك لم ينسبه أحد، وقال البغدادي بعد أن شرحه: لا أعلم قائله، وعلمه عند الله، (3) وهذا الرجز أورده ابن منظور في لسان العرب نقلا عن الفراء، ولم ينسب بأكثر من قولهم إنه لرجل من هذيل وأورد صاحب الانصاف قبله: فظلت في شر من اللذ كيدا، وربظه بعضهم برجز قيل في حوار جرى بين رجل وامرأته، والله أعلم بحقيقة الحال، والزبية حفرة تتخذ لصيد الأسود، ومعنى الرجز قريب من معنى الأثر: من حفر بئرا لأخيه وقع فيها، (4) التميم جمع تميمة، وهو ما يعلق من قبيل التعاويذ، وقال البغدادي إن ابن الشجري أنشد هذا البيت نقلا عن الفراء ولم ينسبه، (5) أي الضرورة (*)

[ 19 ]

وتثنية: الذي، والتي، اللذان، واللتان، بحذف الياءين، وجاز تشديد النونين ابدالا من الياء المحذوفة، وهل هما معربان أو مبنيان، على الخلاف الذي مر في: ذان، وتان، وقد جاء: اللذان واللتان في الأحوال الثلاثة في غير الأفصح، والأولى: القول باعرابهما عند الاختلاف، كما مر، وأما مثنى الضمير نحو: هما، وكما، وقلتما، فلما غير عن وضع واحده، ولم يزد فيه النون بعد الألف، لم يعرب، لأنه صار صيغة مستأنفة، وخرج عن نسق المثنيات، وقد تحذف النونان في: اللذان واللتان، لاستطالة الموصول بصلته، قال: 411 - أبني كليب إن عمي اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلالا 1 وقال: 412 - هما اللتا لو ولدت تميم * لقيل فخر لهم صميم 2 وجمع الذي في ذوي العلم: الذين في الأحوال الثلاثة على الأكثر، واللذون في الرفع: لغة هذلية، قال جار الله 3: إعراب الجمع لغة من شدد الياء في الواحد، وهذا كما قال الجزولي: إن الذي، مشدد الياء، معرب، فكأن أصله: الذيون، فحذفت إحدى الياءين ثم عمل به ما عمل بقاضون، وحكى بعضهم الذيون رفعا، والذيين نصبا وجرا، وهي لغة من شدد الياء، فجمعه بلا حذف شئ منه،


(1) من قصيدة للأخطل في هجاء جرير، وفيها افتخار من الأخطل بقومه، مطلعها: كذبتك عينك ؟ أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا وبيت الشاهد أورده سيبويه في 1 / 95، كما أنه أورد المطلع المذكور في باب العطف 1 / 484 شاهدا على ورد (أم) بعد الخبر، وخرجه الأعلم الشنتمري على حذف الهمزة في أوله، (2) أنشده الفراء من غير نسبة إلى أحد، ونسبه العيني في الشواهد الكبرى للأخطل، قال البغدادي، قد فتشت ديوان الأخطل فلم أجده، وكثيرا ما يلاحظ البغدادي على العيني هذه الملاحظة، (3) المراد الزمخشري وتقدم ذكره قريبا، (*)

[ 20 ]

وقد تحذف النون من: الذون، تخفيفا، قال. 413 - قومي الذو بعكاظ طيروا شررا * من روس قومك ضربا بالمصاقيل 1 ومن الذين، أيضا، قال: 414 - وان الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد 2 ويجوز في هذا، أن يكون مفردا وصف به مقدر اللفظ مجموع المعنى أي: وإن الجمع الذي، أو: إن الجيش الذي، كقوله تعالى: (كمثل الذي استوقد نارا) 3 فحمل على اللفظ، أي الجمع الذي استوقد، ثم قال: (بنورهم)، فحمل على المعنى، ولو كان في الآية مخففا من الذين، لم يجز إفراد الضمير العائد إليه، وكذا قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون 4) وهذا كثير، أعني ذكر (الذي) مفردا موصوفا به مقدر مفرد اللفظ مجموع المعنى، أما حذف النون من الذين، نحو: جاءني الرجال الذي قالوا كذا، فهو قليل كقلة: اللذا، في المثنى، وقد يقال: لذي ولذان، ولتي ولتان ولاتي، بلا لام، وجمع الذي من غير لفظه: الألى بوزن: العلا، واللائين، رفعا، ونصبا وجرا، ويحذف النون فيقال: اللائي بهمزة بعدها ياء ساكنة، نحو: القاضي، وهو قليل في المذكر، قرأ الأخفش 5: (للائي يؤلون من نسائهم)، ويقال: اللاء بحذف الياء، وقد جاء: اللاؤون رفعا، واللائين نصبا وجرا،


(1) هذا البيت مما كان يقوله العرب في الافتخار بانتصاراتهم على أعدائهم في وقائع معينة، وهو منسوب إلى شاعر اسمه أمية بن حرثان بن الأسكر، أدرك الاسلام ولم يقطعوا بصحبته، وقوله من روس أصله رؤوس فخفف، والمصاقيل: السيوف، (2) للأشهب بن رميلة (بالراء أو بالزاي وبصيغة المصغر) وهو شاعر إسلامي ورواه الجاحظ بدون واو في أوله، والبيت من الشواهد سيبويه 1 / 96 (3) الجزآن من الآية 17 في سورة البقرة، (4) الآية 33 سورة الزمر (5) هكذا في الأصل المطبوع وكأنها محرفة عن الأعمش، وهو سليمان الأعمش من قر اء الكوفة، ولم أر أحدا نسبها إلى الأخفش، والآية هي رقم 226 من سورة البقرة وأصلها للذين يؤلون، (*)

[ 21 ]

وجمع التي: اللاتي على وزن فاعل من التي، وهو اسم جمع، كالجامل والباقر 1، اللائي بالهمزة مكان التاء، وهو كثير في جميع التي، دون جمع الذي، واللواتي، واللوائي، جمعا الجمع وقد تحذف الياءات من الأربعة فيقال: اللات واللاء واللوات واللواء، الهمزة من اللاء بين الهمزة والياء، لكونها مكسورة، على ما هو قراءة ورش 2،: (واللاء يئسن) 3، وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همزة، كقراءة أبي عمرو 4، والبزي 5، قال أبو عمرو: هي لغة قريش، كأنهم حذفوا الياء بعد الهمزة، ثم أبدلوا الهمزة ياء من غير قياس ثم أسكنوا الياء اجراء للوصل مجرى الوقف، وقد يقال: اللوا، بحذف التاء معا، وقد يقال: اللاءات، كاللاعات 6، مكسورة التاء، أو معربة إعراب المسلمات، والألى، جمع التي أيضا، لا من لفظه، فالذي والتي، يشتركان في (الألى) و (اللائي) إلا أن الألى في جمع المذكر أكثر، واللائي بالعكس، وبمعنى الذي وفروعه من المثنى والمجموع والمؤنث: من، 7 وما وأي، مضافا إلى معرفة لتكون موصولة معرفة، والأضافة إما ظاهرة نحو: اضرب أيهم في الدار، أو مقدرة نحو: لقيت أيا ضربت، قال الكسائي: 8 يجب أن يكون عاملها مستقبلا، وقد نوزع فيه، فلم يكن له مستند إلا أنه قال: كذا خلقت، أي كذا وضعها الواضع، فقال له السائل: استحييت لك


(1) هما اسما جمع للجمل والبقرة، (2) ورش: هو عثمان بن سعيد المصري أحد الروايين عن نافع من القراء السبعة وراوية الثاني هو قالون، (3) من الآية 4 سورة الطلاق، (4) المراد: أبو عمرو بن العلاء البصري أحد القراء السبعة، ومن متقدمي النجاة، (5) البزي بتشديد الزاي، هو أحمد بن محمد بن أبي بزة، وكنيته أبو الحسن، وهو أحد الراويين عن عبد الله ابن كثير الملكي أحد القراء السبعة، (6) هذه كلمة أراد بها ضبط ما قبلها يجعل العين مكان الهمزة في الكلمة المراد ضبطها، (7) من وما، مبتدأ ومعطوف عليه والخبر هو قوله قبل ذلك: وبمعنى الذي... (8) علي بن حمزة الكسائي زعيم نجاة الكوفة وأحد القراء السبعة وتكرر النقل عنه في هذا الشرح، (*)

[ 22 ]

يا شيخ، يعني أن هذا أيضا متنازع فيه، وقد علل له (ابن باذش) 1 بأن قال: أي موضوعة على الأبهام، والأبهام لا يتحقق إلا في المستقبل الذي لا يدرى مقطعه 2، ولا مبدؤه، بخلاف الماضي والحال، فإنهما محصوران، فلما كان الأبهام في المستقبل أكثر منه في غيره، استعملت معه (أي) الموضوعة على الأبهام، وليس بشئ لاختلاف الأبهامين، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وعند الكوفيين، يلزم، أيضا، تقديم عامله عليه، وخالفهم البصريون في الموضعين، لعدم الدليل على الدعويين، وإذا أريد به المؤنث جاز إلحاق التاء به، موصولا كان أو استفهاما، أو غيرهما، نحو: لقيت أيتهن، وأيتهن لقيت ؟، قال الأندلسي: التاء فيه شاذ، كما شذ في: كلتهن، وخيرة الناس وشرة الناس، وبعض العرب يثنيها ويجمعها، أيضا، في الاستفهام وغيره، نحو أياهم أخواك، وأيوهم إخوتك، وهما أشذ من التأنيث، ومجوزهما تصرفهما في باب الأعراب، قوله: (وذو الطائية)، الأكثر أن (ذو) الطائية لا تتصرف، نحو: جاءني ذو فعل، وذو فعلا، وذو فعلوا، وذو فعلت وذو فعلتا، وذو فعلن، قال: 415 - فأن الماء ماء أبي وجدي * وبئري ذو حفرت وذو طويت 3


(1) هو علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي وكنيته أبو الحسن ويقال له ابن الياذش، من علماء القرن السادس مات في أوائله، والأكثر ان يقال: ابن الياذش بحرف التعريف، وجاء في النسخة المطبوعة: ابن باذش، كما أشير بهامشها إلى أن في بعض النسخ: إبن بابشاذ، وفي بعضها: ابن فارس، (2) لا يدري مقطعه أي متى ينقطع وينتهي، (3) هذا أحد أبيات خمسة أوردها أبو تمام في ديوان الحماسة، لسنان بن الفحل الطائي في اختصام وقع بين فريق من طئ وجماعة من بني فزارة على ماء، وهذه الأبيات يقول فيها سنان: وقالوا قد جننت فقلت كلا * وربي ما جننت ولا انتشيت ولكني ظلمت، فكدت أبكي * من الظلم المبين أو بكيت.. الخ (*)

[ 23 ]

أي التي حفرتها، ولا تعرب، أيضا، قال: فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا * هلم فإن المشرفي الفرائض 1 - 327 ولم يقل: ذي جاء، وفي (ذو) الطائية أربع لغات: أشهرها ما مر، أعني عدم تصرفها مع بنائها، والثانية حكاها الجزولي: ذو، لمفرد المذكر، ومثناه ومجموعة، وذات، مضمومة التاء لمفرد المؤنث ومثناه ومجموعة، والثالثة حكاها أيضا، وهي كالثانية إلا أنه يقال لجمع المؤنث: ذوات مضمومة في الأحوال الثلاث، والرابعة حكاها ابن الدهان 2، وهي تصريفها تصريف (ذو) بمعنى صاحب مع إعراب جميع متصرفاتها، حملا للموصولة على التي بمعنى صاحب، وكل هذه اللغات طائية، قوله: (وذا بعد (ما) الاستفهامية)، أما الكوفيون فيجوزون كون (ذا) وجميع أسماء الأشارة، موصولة بعد (ما)، استفهامية كانت، أو، لا، استدلالا بقوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) 3، أي: أنتم الذي تقتلون أنفسكم، وقوله: 416 - عدس ما لعباد عليك امارة * نجوت وهذا تحملين طليق 4 أي الذي تحملينة، وقوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) 5، أي: ما التي بيمينك، ولم يجوز البصريون ذلك إلا في (ذا) بشرط كونه بعد (ما) الاستفهامية، إذا لم تكن زائدة،


(1) تقدم في باب النعت بالجزء الثاني، (2) ابن الدهان، مشترك بين جماعة أشهرهم، سعيد بن المبارك، الأمام ناصح الدين بن الدهان النحوي من أعيان النجاة في القرن السادس، (3) الآية 85 سورة البقرة، (4) ليزيد بن مفرغ الحميري حين خرج من سجن عباد بن زياد، أخي عبيد الله بن زياد وكان عبيد الله أمر بسجنة عند أخيه عباد بسبب هجائه لعبيد الله، وشفع فيه قوم إلى معاوية بن أبي سفيان فأمر بإخراجه من السجن، وحين خرج قدمت له بلغة فركبها وقال أبياتا هذا أولها، وعدس، اسم صوت تزجر به البغال كما سيأتي في أسماء الأصوات، (5) الآية 17 سورة طه (*)

[ 24 ]

ففي نحو: ماذا صنعت، يحتمل كونها زائدة، وبمعنى الذي، وقولك: ما ذا الذي صنعت، نص في الزيادة، ومثله (ذا) بعد (من) الاستفهامية، نحو: من ذا لقيت ؟ وقوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) 1، واعتذر البصريون عن المواضع التي استدل بها الكوفيون بأن أسماء الأشارة فيها باقية على أصلها دفعا للاشتراك الذي هو خلاف الأصل، وخالف الأخفش، وابن السراج 2: النجاة في كون (ما) المصدرية حرفا، وجعلاها اسما، فهما يقدران في صلتها ضميرا راجعا إليها، و (ما) كناية عن المصدر، ففي قوله تعالى: (بما رحبت 3): أي بالرحب الذي رحبته، وليس بوجه، إذ لم يعهد هذا الضمير بارزا في موضع والأصل عدم الاضمار، وسيجئ الكلام عليها في الحروف المصدرية، (حذف العائد) (قال ابن الحاجب:) (والعائد المفعول يجوز حذفه)، (قال الماضي:) عائد الألف واللام لا يجوز حذفه، وإن كان مفعولا، لخفاء موصوليتها، والضمير أحد دلائل موصوليتها، كما مر في الخلاف مع المازني 4،


(1) الآية 245 سورة البقرة (2) ابن السراج هو أبو بكر محمد بن السري واشتهر بابن السراج وتقدم ذكره، (3) جزء من كل من الآيتين 25، 118 في سورة التوبة، (4) في أول الكلام على أل الموصولة في الفصل السابق على هذا، (*)

[ 25 ]

ولا يجوز حذف أحد العائدين إذا اجتمعا في الصلة، نحو: الذي ضربته في داره: زيد، إذ يستغنى عن ذلك المحذوف بالباقي فلا يقوم عليه دليل، ثم الضمير إما أن يكون منصوبا أو مجرورا أو مرفوعا، فالمنصوب يحذف بشرطين: ألا يكون منفصلا بعد (إلا) نحو: جاءني الذي ما ضربت إلا إياه، وأما في غيره، فلا منع، كقولك: ضيع الزيدان الذي أعطيتهما، أي أعطيتهما إياه، وكذا: الذي أنا ضارب زيد، أي ضارب إياه، ويجوز أن يكون المحذوف ههنا مجرورا في محل النصب، كما يجيئ، أي: الذي أنا ضاربه، والشرط الثاني أن يكون مفعولا، نحو: الذي ضربت: زيد، لأن الضمير، إذن، فضلة، بخلاف الضمير الذي اتصل بالحرف الناصب، فلا يحذف في نحو: الذي إنه قائم..، وأما المجرور، فيحذف بشرط أن ينجر بإضافة صفة ناصبة له تقديرا، نحو: الذي أنا ضارب: زيد، أي ضاربه كما تقدم، أو ينجر بحرف جر معين، وإنما شرط التعيين، لأنه لا بد بعد حذف المجرور من حذف الجار أيضا، إذ لا يبقى حرف جار بلا مجرور، فينبغي أن يتعين، حتى لا يلتبس بعد الحذف بغيره، كقوله تعالى: (أنسجد لما تأمرنا 1)، أي: تأمرنا به، وقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) 2 أي: تؤمر به، أي باظهاره، قال: 417 - فقلت له: لا، والذي حج حاتم * أخونك عهدا إنني غير خوان 3 أي حج حاتم إليه، ويتعين حرف الجر قياسا إذا جر الموصول، أو موصوفه بحرف جر مثله في المعنى، وتماثل المتعلقان، نحو: مررت بالذي مررت، أي: مررت به، فالجاران متماثلان، وكذا ما تعلقا بهما، ومثال الموصوف: مررت بزيد الذي مررت، وربما يحذف المجرور بحرف وإن لم يتعين، نحو: الذي مررت: زيد، أي الذي مررت


(1) الآية 60 سورة الفرقان، (2) الآية 94 سورة الحجر (3) لشاعر اسمه: العريان بن سهلة الجرمي من شعراء الجاهلية من أبيات أوردها أبو زيد الأنصاري في نوادره يتحدث فيها الشاعر عن مروره بأحد كرام العرب وما لقيه من هذا الكريم من حسن المعاملة، وفي رواية النوادر: فقال مجيبا والذي حج حاتم.. إلخ وقد تحرف البيت في النسخة المطبوعة إلى: انني غير حول، والصواب: انني غير خوان، كما أثبتناه نقلا عن الخزانة، (*)

[ 26 ]

به، وان احتمل: مررت معه أو له أو نحو ذلك، ومذهب الكسائي في مثله: التدريج في الحذف، وهو أن يحذف حرف الجر أولا حتى يتصل الضمير بالفعل فيصير منصوبا فيصح حذفه، ومذهب سيبويه والأخفش: حذفهما معا، إذ ليس حذف حرف الجر قياسا في كل موضع، والمجوز له ههنا استطالة الصلة، ومع هذا المجوز فلا بأس بحذفه مع المجرور به، وأما الضمير المرفوع فلا يحذف إلا إذا كان مبتدأ، إذ غير ذلك إما خبره، وكون الضمير خبرا لمبتدأ أقل قليل، فلا يكون في الكلام، إذن، دليل على أن خبر المبتدأ هو المحذوف، بل يحمل ذلك على أن المحذف هو المبتدأ، لكثرة وقوعه ضميرا، وإما فاعل، فلا يجوز حذفه، أو خبر (إن) وأخواتها ولم يثبت حذفه إلا قليلا، ولا يكون ذلك أيضا في الأغلب، إلا إذا كان ظرفا، كما يجئ، وأيضا، هو في الأصل خبر المبتدأ، وإما اسم (ما) الحجازية، فلا يحذف أصلا لضعف عملها، ويشترط في المبتدأ المحذوف: ألا يكون خبره جملة، ولا ظرفا، ولا جارا ومجرورا، إذ لو كان أحدها، لم يعلم بعد الحذف أنه حذف شئ، إذ الجملة والظرف يصلحان مع العائد فيهما لكونهما صلة، وإذا حصل المبتدأ المشروط، فالبصريون قالوا: إن كان في صلة (أي) جاز الحذف بلا شرط آخر نحو قوله تعالى: (... أيهم أشد على الرحمن عتيا) 1 وقوله: 418 - إذا ما لقيت بني مالك * فسلم على أيهم أفضل 2 لحصول الاستطالة في نفس الموصول بسبب الأضافة، وإن لم تطل الصلة، وقال الأندلسي، لأنها لها من التمكن ما ليس لأخواتها، فلهذا تضاف وتعرب فتصرف في


(1) الآية 69 سورة مريم، (2) نسبة العيني لشاعر اسمه غسان بن وعلة من بني مرة، وكأنه بيت مفرد فلم يذكر أحد ممن تعرض له شيئا قبله ولا بعده، وقد كثرت الأوجه في تخريجه، وتعرض لذلك سيبويه في كتابه ج 1 ص 398 ولكنه لم يذكر البيت، (*)

[ 27 ]

صلتها، أيضا، بحذف بعضها، وإن لم يكن في صلة (أي)، لم يحذف إلا بشرط استطالة الصلة، كقوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله 1)، طالت الصلة بالعطف عليها، وأما الكوفيون فيجوزون الحذف، بلا شذوذ، مطلقا، في صلة (أي) كان، أو في غيرها، مع الاستطالة أو بدونها، كما قرئ في الشواذ 2: (على الذي أحسن) 3، ويروى: ما أنا بالذي قائل لك شيئا 4، واعلم أنه إذا كان الموصول أو موصوفه خبرا عن متكلم، جاز أن يكون العائد إليه غائبا، وهو الأكثر، لأن المظهرات كلها غيب 5، نحو: أنا الذي قال كذا، وجاز أن يكون متكلما حملا على المعنى، قال علي كرم الله وجهه: 419 - أنا الذي سمتن أمي حيدره 6 قال المازني: لو لم أسمعه لم أجوزه، وكذا إذا كان الموصول أو موصوفه خبرا عن مخاطب، نحو أنت الرجل الذي قال كذا، وهو الأكثر، أو قلت كذا حملا على المعنى، هذا كله إذا لم يكن للتشبيه، أما معه، فليس إلا الغيبة، كقولك: أنا حاتم الذي وهب المئين، أي مثل حاتم،


(1) الآية 84 سورة الزخرف، (2) هي قراءة يحيى بن يعمر، (3) الآية 154 سورة الأنغام، (4) يروى: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أو سوءا، أو سيئا، (5) إما بسكون الياء فيكون مصدرا مؤولا مثل عدل، أو بفتح الغين والياء جمع غائب، مثل خادم وخدم، (6) هذا من رجز قاله علي بن أبي طالب رضى الله عنه في يوم خيبر وكان يبارز يهوديا اسمه مرحب، قال رجزا يتحدث فيه عن قوته فرد عليه علي بهذا الرجز الذي يقول فيه: أنا الذي سمتن أمي حيدرة * ضرغام آجام وليث قسورة وسمتن بكسر النون وحذف الياء اكتفاء بالكسرة الدالة عليها، (*)

[ 28 ]

وإن كان ضميرين 1، جاز لك في غير التشبية: حمل أحدهما على اللفظ والآخر على المعنى، نحو: أنا الذي قلت كذا وضرب زيدا، وأنت الرجل الذي قال كذا وضربت زيدا، وإن كان الموصول أو موصوفه مخبرا عنه بالمتكلم أو المخاطب، لم يجز الحمل على المعنى، فلا يجوز: الذي ضربت أنا، والذي ضربت أنت، إذ لا فائدة، إذن، في الأخبار، لأنك إذا قلت: الذي ضربت، فقد علم المخاطب أن الضارب هو المتكلم، فيبقى الأخبار بأنا: لغوا وكذا قولك: الذي قلت أنت، فظهر بهذا أن قوله: 420 - أنا أنت القاتلي أنت أنا 2 ليس بوجه، والوجه أن يقال: القاتلة أنت: أنا، واعلم أن حذف الضمير في المعطوفة على الصلة، أحسن من حذفه من المعطوف عليها نحو: هذا الذي ضربته وقتلت، فلهذا حسن حذف الضمير في المعطوفة على الجملة التي هي خبر المبتدأ، نحو: زيد ضربته وقتلت، وإن قبح حذفه من المعطوف عليها،


(1) يعني وإن كان في الصلة ضميران يرجعان إلى المبتدأ الذي هو ضمير متكلم أو مخاطب، (2) هذا مما وضعه النجاة للتدريب وقد جاء في بيت شعر صدره: كيف يخفى عنك ما حل بنا، وبعضهم يرويه: أنا أنت الضاربي، وقال السيوطي في بغية الوعاة إن بعض الناس وجه شعرا إلى أبي بكر بن عمر بن دعابس يقول فيه: أيها الفاضل فينا أفتنا * وأزل عنا بفتواك العنا كيف إعراب نجاة النحو في أنا أنت القاتلي أنت أنا فأجابه أبو بكر بشعر مماثل أعرب فيه المثال، من غير إشارة إلى ما لاحظه الرضى، من تصويب، من جهة أنه يجب أن يقال: القاتلة، (*)

[ 29 ]

(الأخبار) (بالذي أو بالألف واللام) (قال ابن الحاجب:) (وإذا أخبرت بالذي، صدرتها، وجعلت موضع المخبر عنه) (ضميرا لها وأخرته خبرا، فإذا أخبرت عن زيد من: ضربت) (زيدا قلت: الذي ضربته زيد، وكذلك الألف واللام في) (الجملة الفعلية خاصة، ليصح بناء اسم الفاعل والمفعول، فإن) (تعذر أمر منها تعذر الأخبار، ومن ثم امتنع في ضمير الشأن) (والموصوف والصفة، والمصدر العامل، والحال، والضمير) (المستحق لغيره، والاسم المشتمل عليه)، (قال الرضي:) هذا باب تسميه النجاة باب الاخبار بالذي، أو بالألف واللام، ومقصودهم من وضع هذا الباب، تمرين المتعلم فيما تعلمه في بعض أبواب النحو من المسائل، وتذكيره إياها، كما يتذكر، مثلا، بمعرفة أن الحال والتمييز لا يخبر عنهما أنه يجب تنكير هما، وبمعرفة أن المجرور بحتى وكاف التشبية لا يخبر عنهما، أنهما لا يقعان ضميرين، وبمعرفة أن ضمير الشأن لا يخبر عنه، أنه يجب تصديره لغرض الأبهام قبل التفسير، فنقول: معنى قولهم: أخبر عن (أ) الذي في ضمن الجملة الفلانية ب (ب) الموصول أي: صغ من هذه الجملة، جملة أخرى اسمية، أخبر في الثانية ب (أ)، أي عن ذات متصفة بما اتصف به (أ) في الأولى معبرا عن تلك الذات ب (ب) الموصول، ولا تغير الأولى عن وضعها إلا بقدر ما يفيد هذا الاخبار المذكور، فلا بد، إذن، أن تجعل في الثانية (ب) مبتدأ مصدرا، لأن المسئول 1 منك أن تخبر عن تلك الذات، أي (ب) والمخبر عنه في


(1) أي المطلوب منك في السؤال التدريبي (*)

[ 30 ]

الجملة الاسمية مبتدأ، والمبتدأ مرتبته الصدر، ولا بد أن تجعل مكان (أ) ضميرا راجعا إلى (ب)، لأن المسئول: أن تصف (ب) بالوصف الذي كان ل (أ) بلا تغيير شئ من الجملة الأولى، ولم يمكن أن يكون (ب) مكان (أ) لتصدر (ب) فإن (ب) مبتدأ فلا بد أن يكون نائبه وهو الضمير العائد إليه مكان (أ)، ولا بد أن تؤخر (أ) في الجملة الثانية خبرا، لأن المسئول أن تخبر عن (ب) ب (أ) ورتبة الخبر عن الموصول بعد تمام الموصول بصلته، فعلى هذا لم تخبر عن (أ) ب (ب) الموصول بل أخبرت عن (ب) الموصول ب (أ)، إلا أنك لما أخبرت عن (ب) ب (أ)، والمبتدأ في المعنى هو الخبر، أي يطلق على ما يطلق على الخبر، فإذا أخبرت عن (ب) فقد أخبرت عما يطلق عليه (أ)، فكأنك أخبرت عن (أ) وإنما ذكرت المخبر عنه باسم (أ) دون (ب) لأن (أ) هو المذكور في الجملة الأولى التي هي المصوغة المفروغ منها، المعلوم أجزاؤها دون (ب) ف (أ) هو المشهور قبل صوغ الثانية، وأما قولك في السؤال: ب (ب) الموصول، فليس معناه: اجعل (ب) مخبرا به، بل الباء فيه للاستعانة، كما في قولك: كتبت بالقلم، إذ المعنى: أخبر الاخبار المذكور بأن تجعل (ب) الموصول مبتدأ، 1 ومثال ذلك أن يقول العالم للمتعلم ليدربه، أو ليجربه 2: أخبر عن: (زيدا) من قولك: ضربت زيدا، بالذي، فالمعنى: اجعل الذي مبتدأ خبره زيد، واجعل تلك الجملة الأولى، وهي ضربت زيدا، صلة، للذي، بلا تغيير شئ منها إلا أن تجعل مكان (زيدا) ضميرا عائدا إلى (الذي) وتؤخر (زيدا) خبرا عن (الذي)، فتقول: الذي ضربته: زيد،


(1) أسرف الشارح إلى درجة التعقيد في بيان المطلوب من هذا العنوان وأطال في عرض الأمثلة المفروضة، ويقول البغدادي في الخزانة ان ما أورده الرضى هنا، قليل من كثير مما قاله ابن السراج في كتابه الأصول، فرحم الله الجميع، (2) يريد بالتدريب أن يعوده على كيفية تطبيق القواعد، وبالتجريب: الاختبار في مدى تحصيل القواعد واستيعابها، (*)

[ 31 ]

فالفرق بين الجملة الأولى والثانية أنك إذا قلت ضربت زيدا فربما تخاطب به من لا يعرف أن لك مضروبا في الدنيا، وربما تخاطب به من يعرف شخصا بمضروبيتك، لكنه لا يعرف أنه زيد، وأما قولك: الذي ضربته زيد، فلا تخاطب به إلا على الوجه الثاني، أي تخاطب به من يعرف أن لك مضروبا، لأن مضمون الصلة يجب أن يكون معلوما للمخاطب كما ذكرنا، ولكن لا يعرف أنه زيد، إذ لو عرف ذلك لوقع الاخبار عنه بأنه زيد: ضائعا، فالجملة الثانية نص في المحتمل الثاني للجملة الأولى، قوله: (صدرتها) أي: جعلت (الذي) في الصدر مبتدأ، قوله: (وأخرته خبرا)، خبرا، نصب على الحال، أو ضمن أخرته معنى: جعلته، أي جعلته خبرا متأخرا، قوله: (وكذلك الألف واللام في الجملة الفعلية)، لا تخبر بالألف واللام إلا عن اسم في الجملة الفعلية خاصة، قوله: (ليصح بناء اسم الفاعل، أو المفعول منها)، قد ذكرنا أن صلة الألف واللام: اسم فاعل أو مفعول، وذلك لأنه يمكن أن يسبك من الجملة الفعلية اسم فاعل مع فاعله إذا كان الفعل مبنيا للفاعل، إذ معنى اسم الفاعل مناسب لمعنى: فعل ويفعل، نحو: زيد ضارب، أي ضرب أو يضرب، أو اسم مفعول مع مرفوعه، إذا كان الفعل مبنيا للمفعول، إذ معنى اسم المفعول مناسب لمعنى: فعل ويفعل، نحو: زيد مضروب، أي: ضرب أو يضرب، وليس شئ من اسم الفاعل والمفعول مع مرفوعهما بمعنى الجملة الاسمية، حتى يسبك منها أحدهما مع المرفوع، بلى، هما مع مرفوعيهما جملتان اسميتان في نحو: أضارب الزيدان، وما مضروب البكران، لكن في أولهما حرفان يمنعان من وقوعهما صلة للام كما سيجيئ بعيد، ويجب أن يكون الفعل الذي يسبك منه صلة الألف واللام متصرفا إذ غير المتصرف نحو: نعم، وبئس، وحبذا، وعسى، وليس، لا يجئ منه اسم فاعل ولا مفعول، فلا يخبر باللام عن (زيد) في نحو: ليس زيد منطلقا، ويجب ألا يكون في أول ذلك الفعل حرف لا يستفاد من اسم الفاعل والمفعول معناه، كالسين، وسوف، وحرف النفي والاستفهام،

[ 32 ]

قوله: (فان تعذر أمر منها) أي أمر من الأمور الثلاثة، وهي تصدير الموصول، ووضع عائد إليه مقام ذلك الاسم، وتأخير ذلك الاسم خبرا، فبالشرط الأول، وهو تصدير الموصول، يتعذر الاخبار عن كل اسم في الجملة الأنشائية والطلبية، لأن الصلة، كما تقدم، لا تكون إلا خبرية، ويتعذر، أيضا، عند الكوفيين، الاخبار بالذي عن اسم في جملة مصدرة بالذي، لأنهم يأبون دخول الموصول على الموصول إذا اتفقا لفظا، أما قوله: 421 - من النفر اللائي الذين اذاهم * يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا 1 فيروونه: من النفر الشم الذين..، والأولى تجويز الرواية الأولى، لأنها من باب التكرير اللفظي، كأنه قال من النفر اللائي اللائي، فان تغايرا نحو: الذي من فعل، كان أسهل عندهم، قال ابن السراج: دخول الموصول على الموصول لم يجئ في كلامهم، وإنما وضعه النجاة رياضة للمتعلمين وتدريبا لهم، نحو: الذي الذي في داره عمرو: زيد، فقولك في داره صلة (الذي) الأخير، وعائده مستتر في الظرف، وعمرو: خبر (الذي) الأخير، والذي، الأخير مع صلته وخبره صلة (الذي) الأول، وعائد الأول: الهاء المجرور في داره، وزيد خبر (الذي) الأول، كأنك قلت: الذي ساكن في داره عمرو: زيد، وتقول 2: الذي التي اللذان أبواهما قاعدان لديها كريمان عزيزة عنده حسن، تبتدئ


(1) جاء هذا البيت لشاعرين: أحدهما: أبو الربيس الثعلبي وكان من اللصوص، سرق ناقة كريمة لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ووصفها في أبيات ومدح صاحبها، والشاعر الثاني لم يذكروا اسمه، وإنما روى الجاحظ في البيان والتبيين أن شاعرا قال أبياتا في سليم بن الأحنف الأسدي، ولم يسم هذا الشاعر، ويروى إذا انتموا بدلا من: إذا هم، ويروى: وهاب الرجال، ومعنى قعقعوا: دقوا حلقة الباب بقوة حتى يسمع صوتها، (2) صورة أخرى لدخول الموصول على الموصول، وقد خرج فيها عن موضوع البحث إلى التمثيل لما نقله عن ابن السراج من دخول الموصول على موصول واحد أو أكثر، وهي، كما قال: نوع من الرياضة والتدريب للمتعلم، (*)

[ 33 ]

بالموصول الأخير، فتوفيه حقه من الصلة والعائد والخبر، لاستغنائه بما في حيره عما قبله، واحتياج كل ما قبله إليه لكونه من صلته، فتقول: أبواهما قاعدان: صلة (اللذان)، وعائده الضمير المجرور في: أبواهما، وخبره: كريمان، وهذه الجملة، أعني: اللذان مع صلته وخبره، صلة (التي) والعائد إلى (التي) من صلته: الضمير المجرور في لديها، فالتي: مبتدأ مع صلته المذكورة، وعزيزة عنده، خبره، والجملة: أعني: التي مع صلته وخبره: صلة (الذي) والعائد من الصلة إليه: الهاء المجرورة في: عنده، والذي مع صلته المذكورة مبتدأ خبره حسن، وهكذا العمل إن زادت الموصولات، ولا تقف عند حد، فاحذر الغلط وأعط كل موصول حقه، 1 وبالشرط الثاني 2، وهو وضع الضمير العائد إلى الموصول مقام المخبر عنه يخرج الفعل، والجملة، والجار والمجرور، والظرف، إذ لا تضمر هذه الأشياء، ويخرج كل اسم لازم للتنكير، كالمجرور بكم، واسم (لا) التبرئة، وخبرها، والحال، والتمييز المنصوب، وكنكرة تفيد ما لا يستفاد من المعارف، كالتفخيم في: زيد أيما رجل، والاستغراق في نحو: كل رجل وأفضل رجل، وما من رجل، وكذا كل اسم يلزمه النفي، نحو: لا أحد، ولا عريب، ولا كتيع 3، ويخرج، أيضا، كل اسم جاز تعريفه، لكن يلزم اظهاره، كفاعل (حبذا)، والمعارف السادة مسد الحال، كالعراك، ووحده، وجهده، وسائر ما ذكرنا في باب الحال، لأنها بلفظها تدل على لفظ الحال، والأضمار يزيله، وكالمصدر العامل، إذ لا يجوز: مروري بزيد حسن، وهو بعمرو قبيح، لأن لفظ المصدر مراعى في العمل، إذ هو من جهة التركيب اللفظي يشابه الفعل فيعمل، والاضمار يزيل اللفظ، وكذا كل صفة عاملة كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة العاملة في الظاهر،


(1) هذا شبيه بما أورده من آخر باب المبتدأ من الجزء الأول (2) إشارة إلى الأمر الثاني من الأمور التي قال إن الاخبار يتعذر إذا تعذر واحد منها، (3) كلاهما بمعنى لا أحد، وسيذكر في باب المعرفة والنكرة كثيرا من الألفاظ المشبهة له، (*)

[ 34 ]

وأما الأخبار عن (قائم) في زيد قائم، فإنما يجوز إذا لم تعمله في الضمير المستكن، نظرا إلى كونه في الأصل: اسما مستغنيا عن الفاعل، وعند المازني: يجوز الأخبار عن المصدر المحذوف عامله، نحو: إنما أنت سيرا، وعند ابن السراج لا يجوز، لأن الفعل إنما حذف لدلالة لفظ المصدر عليه، وأجاز المازني، على قبح، الاخبار عن (ضربا): بمعنى: ضربت ضربا، ومنعه غيره، إذ صورته صورة المفرد، فلا يصلح لكونه صلة، ويقبح الأخبار عن المصدر الذي للتأكيد، لعري الأخبار عن فائدة معتبرة، وكالمفعول له، إذ يشترط فيه لفظ المصدر، وكالمجرور بالكاف وواو القسم وتائه، وحتى، ومذ ومنذ، وكذا المرفوع بعدهما، إذ شرطه لفظ الزمان، وكتمييز الأعداد المجرور، فإن المحققين استقبحوا الاخبار عنه، لوجوب كون المفسر صريحا في تعيين الجنس، والاضمار يخل بذلك، وبعضهم جوزه نحو: الذي هذا مائته: الدرهم 1، وكالمقادير المبهمة المفسرة بما بعدها نحو: راقود خلا، وعشرون درهما، فإن ألفاظها معتبرة، وكالمضاف دون المضاف إليه، إذا المضمر لا يضاف، وكالموصوف بدون الصفة وكالصفة بدونه، وكالموصول بدون صلته، وكصلة اللام بدون الموصول، إذ لفظها شرط، وأما البدل والمبدل منه، فبعضهم لا يجيز الأخبار عن أحدهما وحده، بل عنهما معا، كالصفة والموصوف، قال: لأن البدل مبين كالصفة، فلا يفرد من المبدل منه، وأيضا، تخلو الصلة من العائد في نحو: جاءني زيد أبوك، إن أخبر عن البدل عند من يجعل البدل في حكم تكرير العامل، وبعضهم أجاز الأخبار عن كل واحد منهما، فالأول، تقول في: مررت برجل: زيد، مخبرا عنهما: الذي مررت به رجل زيد، والثاني تقول مخبرا عن المبدل منه: الذي مررت به زيد رجل، ومخبرا عن البدل: الذي مررت برجل به: زيد، بإعادة


(1) كأن يقع هذا الاخبار عن لفظ (الدرهم) في نحو: هذه مائة الدرهم، (*)

[ 35 ]

الجار، لأن المجرور لا منفصل له 1، ويجوز أن تقول: برجل هو، واضعا المرفوع مقام المجرور، والمجوزون اختلفوا في بدل البعض والاشتمال، فأجازه الأخفش إذ الضمير نفس ما بعده، ومنعه الزياديى، 2 إذ الضمير لا يدل على البعض والاشتمال قبل أن يذكر خبر الموصول، وكخبر عسى وأخواتها، وكألفاظ التأكيد في الأشهر، إذ تلك الألفاظ معتبرة في إفادة التأكيد، وأيضا يبقى خبر الموصول تأكيدا بلا مؤكد، وكعطف البيان دون المعطوف، وكالمضاف إليه من الكني والأعلام، للأناسي وغيرها، كأبي القاسم، وامرئ القيس، وابن آوى، وابن عرس، وابن قترة، وابن مقرض، وأم حبين، وسام أبرص، إذ المضاف إليه في مثلها صار بالعلمية كبعض حروف الكلمة، وكذا (قزح) في قوس قزح، وككل جزء من جزأي المركب نحو: بيت بيت، وخمسة عشر وبعلبك وكمنذ ومذ، فإنهما لا يضمران، وكذا كل ظاهر قام مقام الضمير في نحو: (الحاقة ما الحاقة) 3 وقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا 4 - 60 مما اظهاره يفيد التفخيم، ومنع بعضهم الأخبار عن خبر كان، والأصل جوازه، لأنه كخبر المبتدأ، ويخرج أيضا، 5 ما جاز إضماره لكن الضمير لا يعود إلى ما تقدم من الموصول، كالمجرور برب، وفاعل نعم وبئس وأخواتهما، فإن هذه الضمائر لا تجيئ إلا مبهمة مميزة


(1) يعني ليس للضمير المجرور صورة منفصلة مثل ما للمرفوع والمنصوب، (2) هو إبراهيم بن سفيان بن أبي بكر بن زياد بن أبيه، من علماء القرن الثالث الهجري، روي عن أبي عبيدة والأصمعي، وقال السيوطي انه قرأ على سيبويه بعض الكتاب، ولم يكملة، (3) أول سورة الحاقة، (4) تقدم في الجزء الأول في باب المبتدأ، (5) يعني انه يخرج بالشرط الثاني، وهو وضع الضمير العائد موضع المخبر عنه، (*)

[ 36 ]

بما بعدها، وكذا كل ضمير مستحق لغيره، أي استحقه غير الموصول، كالضمير في: زيد ضربته، وفي: زيد ضرب، وفي زيد قائم، إذ المبتدأ، استحق الضمير من هذه الأخبار، فلو قلت: الذي زيد ضربته هو، فإن بقي الضمير كما كان، راجعا إلى زيد لم يجز، لأننا قلنا يجب أن يقوم مقام المخبر عنه ضمير عائد إلى الموصول، وأيضا تبقى الصلة خالية من عائد إلى الموصول، وقولك (هو) في الأخير ليس في الصلة، بل هو خبر الموصول، وإن جعلناه عائدا إلى (الذي) بقي خبر المبتدأ، وهو جملة، خاليا من عائد إلى المبتدأ، وقولك (هو) في الأخير ليس في حيز خبر زيد، قوله: (والاسم المشتمل عليه) أي الاسم الذي أحد جزأيه ضمير مستحق لغير الموصول، كغلامه، في: زيد ضربت غلامه، فإن المضاف مع المضاف إليه، أعني لفظ (غلامه) مشتمل على الهاء التي استحقها المبتدأ، قوله: (عليه)، أي على الضمير المستحق لغيره، قيل: إن استغنى بضمير جاز الاخبار عن ضمير آخر، وإن رجع إلى ذلك المبتدأ، وذلك كما في زيد ضاربه أخوه، جاز لك الأخبار عن أي ضمير شئت منهما، وقال الأندلسي: لا يجوز ذلك، لا لعدم رجوع عائد من الصلة إلى الموصول، بل لعدم فائدة في الخبر لم يفدها المبتدأ، لأن في قولك: زيد ضاربه أخوه هو: لفظ (هو) يرجع إلى زيد، لأنه ضميره وقد أخر وزيد مذكور في الصدر، فلا يكون في ذكر ضميره فائدة، وليس ما قال بشئ، لأن ذكر زيد في الصدر، لا يجعل المبتدأ الذي هو الموصول نصا في زيد، حتى يخلو الاخبار بزيد عنه من الفائدة، بيان ذلك: أنك إن أخبرت عن هاء (ضاربه) يكون المعنى: الذي ضاربه أخو زيد: زيد، فقد عرفنا بالمبتدأ أن ههنا شخصا هو مضروب أخي زيد، فيجوز أن يكون ذلك الشخص زيدا وغيره، فقولك، إذن، في الخبر: زيد، فيه فائدة مجددة، وهي أن زيدا مضروب أخيه، دون عمرو، وغيره، وكذا ان أخبرت عن هاء (أخوه)، يكون المعنى: الذي ضارب زيد أخوه: زيد، فمضمون الصلة الذي يجب أن يكون معلوما

[ 37 ]

للمخاطب أن ههنا شخصا أخوه ضارب زيد، فيستفيد من الخبر أن ذلك الشخص نفس زيد، وقال صاحب المغني 1: لا يجوز الاخبار عن أحد الضميرين، لأن عودهما على المبتدأ، سابق على استحقاق الموصول لهما، ويتوقف المبتدأ على ارتباطهما به كارتباط الضمير الواحد، وليس، أيضا، بشئ، إذ لا يلزم بقاء ما عاد إليه الضمير المخبر عنه بعد الاخبار، على حالة قبل، بدليل صحة الاخبار عن تاء (ضربت) ونحوه، ولا يتوقف المبتدأ على ارتباط الضميرين به، بل يكتفى بأحدهما، فنقول: الأولى جواز الاخبار عن كل واحد من الضميرين، إذ لا مانع، وكذا يجوز الاخبار عن ضمير عائد إلى ما تقدم، ان استغنى ذلك المتقدم عن ذلك الضمير، بأن يكون الضمير في جملة ثانية بعد ذكر المفسر في جملة أولى لا تعلق لها بالثانية، كما تقول: زيد أخوك، ثم تقول: قد ضربته، فيصح الأخبار عن هاء (ضربته)، وبالشرط الثالث، وهو تأخير المخبر عنه خبرا، يخرج كل ما لا يصح تأخيره، كضمير الشأن، إذ لو أخرته لم يحصل الأبهام قبل التفسير، وهو الغرض من الأتيان به كما مر، وكذا كل مبهم مفسر بما بعده، كضمير نعم وبئس، ورب، ويخرج أيضا، كل اسم فيه معنى الشرط والاستفهام كمن، وما، وأيهم، وكذا: كم الخبرية، وكأين، لتصدرهما، لما فيهما من معنى الأنشاء، ويخرج، أيضا، كل ما لا يجوز رفعه كالظروف غير المتمكنة 2، نحو: عند وسوى، وذات مرة، وبعيدات بين، وكذا: سحر، وعشاء


(1) هو منصوب بن فلاح اليمني من علماء القرن السابع كان قريب العهد من الوقت الذي ألف فيه الرضي هذا الشرح وقال في كشف الظنون إنه انتهى من تأليف كتابه: المغني في نحو: في سنة 672 ه، وتقدم ذكره في الجزأين السابقين ونقل عنه الرضى أكثر من مرة، ولم يذكره إلا بهذا الوصف، (2) اصطلاح النجاة في هذا النوع هو: الظروف غير المتصرفة، وكذلك قوله الآتي: ظرف متمكن، يراد به به الظرف المتصرف، (*)

[ 38 ]

وعتمة، معينات، وكذا المصادر اللازم نصبها، كسبحان ولبيك ونحوهما، قالوا: وإن أخبرت عن ظرف متمكن جئت في ضميره ب (في)، كما إذا أخبرت عن يوم الجمعة في قولك: سرت يوم الجمعة، فتقول: الذي سرت فيه: يوم الجمعة، إلا أن يكون الظرف متوسعا فيه، وهذا القول منهم مبني على أن الضمير لا يكون ظرفا، وقد قدمنا ما عليه في باب المفعول فيه، 1 ولا يمتنع، على ما قالوا، الاخبار عن المفعول له، نحو: الذي ضربت له: تأديب، هذا، والضمير القائم مقام المخبر عنه، إن كان المخبر عنه مجرورا فهو بارز متصل، وإن كان مرفوعا فضميره إما مستتر، كما إذا أخبرت عن (زيد) من: جاء زيد، وإما بارز متصل، كما إذا أخبرت عن (الزيدان) في: ضرب الزيدان، وإما منفصل، كما إذا أخبرت عن (زيد) في: ما جاءني إلا زيد، وينفصل، أيضا، المرفوع المتصل الذي كان في الجملة قبل الاخبار متصلا، إذا أخبرت بالألف واللام، وجرت صلته على غير من هي له، كما إذا أخبرت عن (زيدا) في: ضربت زيدا، باللام، فإنك تقول: الضاربه أنا: زيد، هذا عند النجاة، وقد تقدم في باب المضمرات أن المنفصل في مثله تأكيد للمستتر لا فاعل، وقد عرفت مواضع كل واحد من هذه الثلاثة في باب المضمر، أعني المستتر، والبارز المتصل والبارز المنفصل فارجع إليه، 2 وإن كان منصوبا فضميره إما بارز متصل، كما إذا أخبرت عن: زيدا في ضربت زيدا، أو منفصل، كما إذا أخبرت عن (زيدا) في ما ضربت إلا زيدا، لما عرفت من مواقع المتصل والمنفصل، وإذا أخبرت عن أي ضمير كان، فلا بد من تأخيره مرفوعا منفصلا، لأنه خبر المبتدأ،


(1) في الجزء الأول (2) في الجزء الثاني (*)

[ 39 ]

ثم اعلم أنك إذا أخبرت عن ضمير المتكلم والمخاطب، فلا بد أن يكون الضمير القائم مقامه غائبا، لرجوعه إلى الموصول، وهو غائب، كما إذا أخبرت عن أحد ضميري: ضربتك، ولا يجوز الحمل على المعنى، كما في: أنا الذي سمتن أمي حيدره 1 - 419 لعدم الفائدة، فلا تقول في الاخبار عن تاء ضربتك: الذي ضربتك أنا، ولا في الاخبار عن الكاف: الذي ضربتك: أنت، فليس، إذن، قوله: أنا أنت القاتلي أنا 2 - 420 بصحيح الاخبار عن اللام 3، على ما تقدمت الأشارة إليه، وإنما اختاروا الاخبار بالذي، دون من، وما، وأي، وسائر الموصولات لأنها أم الباب، وهو أكثر استعمالا، ولا يكون إلا موصولا، وأما الأخبار بالألف واللام، فاختاروه، أيضا، لكثرة التغيير معه بسبك الفعل اسم فاعل أو مفعول، وإبراز الضمير، كما في: الضاربه أنا: زيد، في: ضربت زيدا، حتى تحصل الدربة فيه أكثر، ولنذكر حكم الاخبار في التنازع، فإن فيه بعض الاشكال فنقول: الأولى في باب التنازع: ألا يغير الترتيب، ويراعى ترتيب المتنازعين على حالهما ما أمكن، لما مر في بيان حقيقة الاخبار 4 من أنك لا تغير الجملة المتضمنة للمخبر عنه، إلا إذا اضطررت إليه، 5 فإذا وجه العاملان من جهة الفاعلية، وأعمل الثاني نحو: ضرب وأكرم زيد، قلت مخبرا بالذي عن المتنازع فيه: الذي ضرب وأكرم: زيد، قام مقام (زيد) ضمير، فاستتر في (أكرم)، والضمير في (ضرب) أيضا، يرجع إلى (الذي)، وقد كان قبل


(1) تقدم ذكره في باب الموصول، (2) تقدم مع الشاهد الذي قبله، (3) المراد: اللام الموصولة في قوله: القاتلي، وفي النسخة المطبوعة: عن الكاف، وهو تحريف، (4) في أول البحث (5) أي إلى التغيير، (*)

[ 40 ]

راجعا إلى زيد، إذ لم يمكن ههنا تنازع الفعلين في الضمير القائم مقام المخبر عنه، كما كان في المخبر عنه، لما ذكرنا في باب التنازع، أنه لا تنازع في الضمير المتصل، 1 وتقول بالألف واللام، عند الرماني 2 وابن السراج وجماعة من المتأخرين: الضارب وأكرم: زيد، عطفت الفعل الصريح وهو (أكرم) على (ضارب) لأنه أيضا، فعل لكن في صورة الاسم على ما قدمنا، والأخفش يدخل اللام في مثله على الفعلين، 3 ويأتي بالمخبر عنه في الأخير خبرا عن الموصولين فيقول: الضارب والمكرم: زيد، كما يقول: العاقل والكريم زيد، وكأنه في الأصل من باب عطف الصفة على الصفة، لأن (العاقل) موصوفه مقدر، فهو مثل قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم 4 - 74 وعزى الرماني إلى المازني، وليس في كتابه 5، أنه يجعل الكلام جملتين اسميتين كما كان في الأصل فعليتين، لأن المبتدأ والخبر، نظير الفعل والفاعل، فنقول في مسألتنا عند إعمال الثاني: الضارب هو والمكرم: زيد، وأول المذاهب أولى، لأنه أقل تغييرا، ثم الثاني أولى من الثالث، لمثل ذلك، وما ذكر من قصد التشاكل بالأتيان بالاسميتين في الفرع، مكان الفعليتين في الأصل، فمما لا يرجح به على المذهب الأول، إذ عطف الفعلية على الفعلية فيه، باق في الحقيقة مع قلة التغيير، وأما أبو الحسن 6، فله أن يقول: الجملتان في الأصل صارتا كالواحدة من حيث


(1) انظر هذا الباب في الجزء الأول، (2) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني من علماء القرن الرابع، وهو أشهر من يطلق عليهم هذا الاسم وتقدم له ذكر، (3) أي بعد تحويلهما إلى اسمي فاعل، (4) تقدم ذكره في باب المبتدأ والخبر، (5) المراد: كتابه في علل النحو، وهو من أشهر ما ألف المازني، وله أيضا كتا ب التصريف الذي شرحه ابن جني (6) المراد به الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة وتكرر ذكره، (*)

[ 41 ]

كون المتنارع فيه كجزء كل واحدة منهما، فهو الرابط بينهما، وإن أعملت الأول في مسألتنا، قلت، أيضا، في الاخبار بالذي: الذي ضرب وأكرم زيد، جعلت مقام زيد ضميرا، فاستتر في (ضرب)، لأن الغرض أنه فاعله، وكذا في الاخبار بالألف واللام نحو: الضارب وأكرم زيد، وعند الأخفش: الضارب والكرم زيد، وقياس قول المازني: الضارب والمكرم هو: زيد، لتكون الاسمية معطوفة على الاسمية بين جزأي المعطوف عليها، كما كان في الأصل: الفعلية معطوفة على الفعلية بين جزأيها، وإذا وجه العاملان من جهة المفعولية، وأعمل الثاني نحو: ضربت وأكرمت زيدا، قلت مخبرا عن التاء الأولى بالذي: الذي ضرب وأكرم زيدا: أنا، وإنما جعلت تاء أكرمت، أيضا، ضمير غائب، وإن كان المخبر عنه هو التاء في الجملة الأولى فقط، لأن الثانية عطف على الأولى، فلا بد فيها، أيضا، من ضمير راجع إلى الموصول وقد تقدم أن الموصول إذا كان مبتدأ، وهو متكلم أو مخاطب من حيث المعنى، لم يجز حمل الضمير على المعنى، فلا يقال: الذي ذهبت: أنا، لعدم فائدة الاخبار، والتنازع ههنا باق على حاله، لجواز انتصاب 1 (زيدا) بضرب، وقولك: أكرم، وإن فصل بين بعض الصلة وبعض، إلا أنه ليس بأجنبي، كما يجيئ في هذا الباب، وتقول مخبرا باللام: الضارب وأكرم زيدا: أنا، وعند الأخفش: الضارب والمكرم زيدا: أنا، والتنازع غير باق، لأن (زيدا) لا يجوز انتصابه بضارب، إذ لا يعطف على الموصول مع بقاء بعض الصلة، 2 وقياس قول المازني: الضارب أنا، والمكرم زيدا: أنا، وكذا تخبر عن تاء أكرمت، بالذي وبالألف واللام، سواء 3، على المذاهب الثلاثة،


(1) لأن الفعل (ضرب) باق على صلاحيته للعمل، (2) يعني قبل انتهاء الصلة، (3) تقدير الكلام: هما سواء على المذاهب الثلاثة التي يتعرض لها في أكثر الأمثلة، وهي مذهب الجمهور ومذهب الأخفش ومذهب المازني، (*)

[ 42 ]

وتقول في الاخبار عن (زيد) بالذي: الذي ضربت وأكرمته: زيد، وبالألف واللام: الضاربه أنا وأكرمته: زيد، أبرزت ضمير المفعول في: الضاربه وإن كان محذوفا في الأصل، لأن ضمير الألف واللام لا يحذف، كما ذكرنا، وأبرزت (أنا) لجري الصفة على غير من هي له، وبعض المتقدمين يحذف ضمير اللام في مثله، نظرا إلى الأصل، 1 وتقول على مذهب الأخفش: الضاربه أنا والمكرمه أنا: زيد، وعند المازني: الضارب أنا، على أنه مبتدأ وخبر، والكرمه أنا: زيد، جملة معطوفة على جملة أخرى، وتقول في هذه المسألة إذا أعمل الأول نحو: ضربت وأكرمته زيدا، بالهاء في (أكرمته) على المختار، كما مر في باب التنازع، مخبرا عن التاء الأولى بالذي: الذي ضرب وأكرمه زيدا: أنا، وبالألف واللام: الضارب وأكرمه زيدا: أنا، والتنازع باق في الموضعين، وعند الأخفش: الضارب زيدا والمكرمه: أنا، قدمت زيدا إلى جنب عامله إذ لا يعطف على الموصول مع بقاء بعض صلته، وعند المازني: الضارب زيدا أنا والمكرمه أنا، والاخبار عن تاء (أكرمت) كالاخبار عن تاء (ضربت) سواء عند كلهم 2، وأما الاخبار عن (زيدا) بالذي فتقول فيه: الذي ضربته وأكرمته زيد، تصل الضمير القائم مقام زيد بعامله لعدم ما يوجب انفصاله وكذا بالألف واللام: الضاربه أنا وأكرمته: زيد، الهاء في (الضاربه) هو الضمير القائم مقام زيد، وأبرزت (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وعند الأخفش: الضاربه أنا والمكرمه أنا: زيد، وعند المازني: الضاربه أنا والمكرمه أنا هو: زيد، وزيد خبر للضاربه، لأنه كان في الأصل مفعول ضربت، والجملة المعطوفة، أعني: المكرمة.. متوسطة بين جزأي المعطوف عليها،


(1) أي إلى صورة التنازع الأصلية التي هي موضوع التدريب، (2) نص الرضى، كغيره من النجاة، على أن (كل) المضاف إلى الضمير لا يقع تاليا للعوامل اللفظية فلا يقع إلا مبتدأ أو توكيدا معنويا، وهو، مع ذلك، يستعمل هذا الأسلوب كثيرا في هذا الشرح، (*)

[ 43 ]

وتقول في: ضربني وضربت زيدا، عند إعمال الثاني مخبرا عن الياء أو التاء بالذي: الذي ضربه وضرب زيدا: أنا، ولا تقول: ضربني ولا ضربت، لما مر، والتنازع باق على حاله، وتقول في التثنية على مذهب البصريين: الذي ضرباه وضرب الزيدين أنا، وعند الكسائي: الذي ضربه وضرب الزيدين: أنا، بحذف الفاعل، وتقول بالألف واللام: الضاربه هو وضرب زيدا: أنا، أبرزت (هو) لجري الصفة على غير صاحبها، والتنازع باق، وعلى مذهب الأخفش: الضاربه هو والضارب زيد أنا، والأولى أن يقال: الضاربه زيد، لأن الأضمار قبل الذكر، إنما جاز في الأصل لكونه من باب التنازع، مع خالفة الكسائي فيه أيضا، وليس بقياس في جميع المواضع، وعند المازني في الاخبار عن الياء: الضاربه هو: أنا، والضارب زيدا: أنا، والأولى أن يقال: الضاربه زيد، لما ذكرنا، وفي الاخبار عن التاء: الضاربي هو، مبتدأ وخبر والضارب زيدا: أنا، والأولى: الضاربي زيد، لما مر، وإن أخبرت عن (زيدا) بالذي، قلت: الذي ضربني وضربته: زيد، لا يمكن بقاء التنازع، إذ لا تنازع في ضمير متصل، كما مر، وبالألف واللام: الضاربي وضربته: زيد، وعند الأخفش: الضاربي والضاربه أنا: زيد، بإبراز (أنا)، لجري (ضاربه) على غير من هوله، وعند المازني: الضاربي هو - والأولى الضاربي زيد - والضاربه أنا: زيد، وإن أعملت الأول، والمختار 1: ضربتني وضربتها هند، بإظهار ضمير المفعول،


(1) هذا استطراد لبيان الصورة المختارة عند إعمال الأول من المتنازعين وهي إبراز ضمير المفعول، مهد به لصورة الاخبار التي قصدها، (*)

[ 44 ]

كما مر في باب التنازع، قلت في الأخبار عن الياء، أو التاء بالذي: الذي ضربته وضربها هند: أنا، والتنازع باق، وبالألف واللام: الضاربته وضربها هند: أنا، وهند، فاعل ضاربته، وعند الأخفش: الضاربته هند والضاربها: أنا، قدمت هندا إلى جنب عامله، لئلا يفصل بين بعض الصلة وبعض بالأجنبي، وعند المازني: الضاربته هند: أنا، والضاربها: أنا، وفي الاخبار عن هند بالتي: التي ضربتني وضربتها: هند، وبالألف واللام: الضاربتي وضربتها هند، وعند الأخفش: الضاربتي والضاربها أنا: هند، وعند المازني: الضاربتي والضاربها أنا: هند، وتقول مخبرا عن التاء أو الياء في: ضربتني وضربت: هند، عند إعمال الثاني، الذي ضرب وضربته هند: أنا، ولا يجوز: ضربتني لما تقدم، وبالألف واللام: الضارب وضربته هند: أنا، وعند الأخفش: الضارب والضاربته هند: أنا، ويقول المازني مخبرا عن التاء: الضارب والضاربتي هند: أنا، والضارب مبتدأ وأنا خبره، وعن الياء: الضارب أنا، والضاربته هند: أنا، وإن أخبرت عن هند قلت: التي ضربت وضربتني: هند، والضاربها أنا وضربتني هند، أظهرت المفعول في: ضاربها، لأن عائد الموصول لا يحذف، وبعض المتقدمين يحذفه مراعاة للأصل، وأبرزت (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وعند الأخفش: الضاربها أنا والضاربتي: هند، وعند المازني: الضارب أنا، على أنه مبتدأ وخبر، والضاربتي: هند، وإن أعملت الأول، قلت مخبرا بالذي عن التاء أو الياء: الذي ضرب وضربته هند: أنا، وبالألف واللام: الضارب وضربته هند: أنا، والتنازع باق فيهما، وعند الأخفش: الضارب هندا والضاربته هي: أنا، بتقديم (هندا) إلى جنب عامله، كما مر، ويقول المازني: مخبرا عن التاء: الضارب هندا والضاربتي هي: أنا، وأنا، خبر: الضا رب، وعن الياء: الضارب هندا: أنا، والضاربته هي: أنا،

[ 45 ]

وتقول مخبرا عن (هندا) بالتي: التي ضربتها وضربتني هند، وباللام: الضاربها أنا وضربتني: هند، وعند الأخفش: الضاربها أنا والضاربتي: هند، وعند المازني: الضاربها أنا، والضاربتي هي: هند، وهند خبر: الضاربها، وتقول في: أعطيت وأعطاني زيد درهما، مخبرا عن التاء أو الياء بالذي: الذي أعطي وأعطاه زيد درهما: أنا، وباللام: المعطي وأعطاه زيد درهما: أنا، والتنازع باق في الصورتين، وعند الأخفش: المعطي والمعطية زيد درهما: أنا، وأما المازني فإنه يرد في مثله كل ما حذف منه، فيرد مفعولي الأول نحو: المعطي زيدا درهما، والمعطية هو إياه: أنا، وليس بوجه لمخالفته الأصل في الفعل الأول برد مفعوليه، وفي الثاني بإقامة الضميرين مقام معموليه الظاهرين بلا ضرورة، ولو سلك في هذا الباب سبيله في المتعدي إلى واحد أعني جعل الكلام جملتين لقال: المعطي زيدا درهما: أنا، والمعطية هو إياه: أنا، وان أخبرت عن زيد، قلت: الذي أعطيت وأعطاني درهما: زيد، والمعطية أنا، وأعطاني درهما زيد، بإبراز عائد اللام، وبعض المتقدمين يجوز حذفه لمطابقة الأصل، كما مر، وبإبراز (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وعند الأخفش: المعطيه أنا والمعطي، بالأضافة، أو المعطي إياي، كما تبين في المضمرات، درهما: زيد، ويجوز: المعطي أنا، مراعاة للأصل، والمازني يقول: من أظهر الضمير في المعطية، أظهر المفعول الثاني، وليس بوجه، لأن إبراز الضمير لأجل اللام فإنه لا يحذف عائده، كما مر، وليس (أعطي) من أفعال القلوب حتى يلزم ذكر الثاني بذكر الأول، فإن رددنا مفعولي الأول، كما هو مذهب المازني قلنا: المعطيه أنا درهما، والمعطية أو المعطي إياه: زيد، كما ذكرنا في المضمرات في نحو: ضربي إياك وضربيك، ولو قلت: المعطيه أنا إياه والمعطي درهما: زيد، على أن يكون (إياه) عائد إلى (درهما) لأضمرت المفعول قبل الذكر في غير باب التنازع، وهذا لا يجوز في باب التنازع، كما مر، وإن أخبرت عن الدرهم قلت: الذي أعطيت وأعطانيه زيد: درهم، وصلت الضمير، إذ لا موجب للفصل،

[ 46 ]

وباللام: المعطيه أنا وأعطانيه زيد: درهم، وعند الأخفش: المعطيه أنا، أو المعطي أنا، بحذف الضمير، والمعطية أو المعطي إياه زيد: درهم، كضربيك وضربي اياك، والمازني يرد المحذوف، نحو: المعطيه أنا زيدا، والمعطية أو المعطي إياه هو: درهم، وتقول في: ظننت وظنني زيد أخاك، مخبرا عن التاء أو الياء، بالذي: الذي ظن وظنه زيد أخاك: أنا، وباللام: الظان وظنه زيد أخاك: أنا، بحذف المفعول الأول، كما كان في الأصل، وعند الأخفش: الظان والظانه زيد أخاك: أنا، والمازني، لو جعله جملتين ورد المحذوف، قال: الظان زيدا أخاك: أنا، والظانه هو إياه: أنا، فالمتصل ضمير اللام والمنفصل ضمير (أخاك)، و (هو) ضمير زيد، أبرزته لجري الصفة على غير صاحبها، وإن أخبرت عن زيد قلت: الذي ظننت وظنني أخاك: زيد، 1 والظانه أنا أخاك وظنني إياه أو ظننيه: زيد، نحو: خلتكه وخلتك إياه على ما مضى في المضمرات، أظهرت ضمير المفعول في: الظانه، لكونه ضمير اللام فلا يحذف، وبعضهم يحذفه مراعاة للأصل، وأظهرت ثاني مفعولي: الظانه، لأن أفعال القلوب يجب، في الأغلب، بذكر أحد مفعوليها ذكر الآخر، وأبرزت (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وعند الأخفش: الظانه أنا أخاك والظنيه أو الظاني إياه: زيد، وإن أخبرت عن (أخاك) قلت: الذي ظننت وظننية زيد، أو ظنني زيد إياه: أخوك، والاا ان أنا زيدا إياه وظننية أو ظنني إياه: أخوك، وأجاز بعضهم: الظانه أنا زيدا، والأولى أنه لا يجوز ذلك لما ذكرنا في باب الضمائر أن ثاني المفعولين يجب انفصاله عند الالتباس بأولهما، وعند الأخفش: الظان أنا زيدا إياه، والظاني هو اياه: أخوك، أو: الظانيه هو:


(1) لم يذكر رأي المازني في هذه الصورة وفيما يأتي من الصور إلى آخر ما بقي من الأمثلة (*)

[ 47 ]

أخوك، كما مر في: خلتكه وضربيك، وإبراز الضمير في: الظانيه هو، والظاني إياه، لكون الصفة للألف واللام التي هي الأخ والضمير لزيد، وزيد، وإن كان الأخ من حيث المعنى لكن المعاملة مع ظاهر اللفظ في هذا الباب، وتقول في: أعلمت وأعلمني زيد عمرا منطلقا، مخبرا عن التاء أو الياء بالذي: الذي أعلم وأعلمه زيد عمرا منطلقا: أنا، وباللام: المعلم وأعلمه زيد عمرا منطلقا: أنا، وعند الأخفش: المعلم والمعلمة زيد عمرا منطلقا: أنا، وإن أخبرت عن (زيد) بالذي، قلت: الذي أعلمت وأعلمني عمرا منطلقا: زيد، وباللام: المعلمه أنا وأعلمني عمرا منطلقا: زيد، هذا عند من يجيز الاقتصار على المفعول الأول، وعند سيبويه 1. المعلمه أنا عمرا منطلقا وأعلمنيه إياه: زيد، وعند الأخفش: المعلمه أنا والمعلمي عمرا منطلقا: زيد، إذا اقتصر على أول المفاعيل، وإن لم يقتصر: فالمعلمه أنا عمرا منطلقا والمعلمي إياه إياه: زيد، فإياه الأول لعمرو، والثاني لمنطلقا، ويجوز: المعلميه إياه: زيد، نحو ضربيك وضربي إياك، وإن أخبرت عن عمرو، بالذي، قلت: الذي أعلمت وأعلمنيه زيد منطلقا: عمرو وباللام: المعلم أنا زيد إياه منطلقا، وأعلمينه إياه زيد: عمرو، أبرزت (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وإياه ضمير اللام، لم يجز حذفه، لأن عائد اللام لا يحذف على الأصح، وجعلته منفصلا، إذ لو قدمته ووصلته بالمعلم فقلت: المعلمه أنا، لا لتبس بالمفعول الأول كما مر، في مفعول ما لم يسم فاعله، وإنما ذكرت (منطلقا)، لأن ذكر الثاني في هذا الباب يوجب ذكر الثالث، قيل: ووجب هنا ذكر المفعول الأول أعني (زيدا) لئلا يلتبس الثاني بالأول، ولقائل أن يقول: 2 إذا ذكرت في هذا الباب مفعولين فقط لم يجز أن يكون أحدهما


(1) انظر سيبويه 1 / 20، وما قاله الرضى منقول بمعناه من كلام سيبويه، (2) هذا تعقيب من الرضى على الرأي الذي حكاه بقوله: وقيل يجب هنا ذكر المفعول وسيشير إليه بعد قليل عند (*)

[ 48 ]

الأول، والثاني أحد الباقيين، لأن ذكر أحد الباقيين يوجب ذكر الثاني، فيتعين أن المفعولين هما الثاني والثالث، بلى، يمكن أن يقال: وجب ههنا ذكر الأول ليتبين من أول الأمر أن الضمير ليس المفعول الأول، وتقول على مذهب الأخفش: المعلم أنا زيدا إياه منطلقا، والمعلمي هو إياه، إياه: عمرو، فإياه الذي بعد (هو) ضمير اللام، وهو القائم مقام عمرو، المخبر عنه، والثاني: ضمير (منطلقا)، وإن أخبرت عن (منطلقا) بالذي قلت: الذي أعلمت وأعلمني زيد إياه: منطلق، والمعلم أنا زيدا عمرا إياه وأعلمني إياه: منطلق، أبرزت (أنا) لجري الصفة على غير صاحبها، وفصلت الضمير العائد إلى اللام، أعني: إياه، الذي بعد (عمرا) لئلا يلتبس لو اتصل، بالمفعول الأول، وذكرت الثاني أعني (عمرا) لذكرك الثالث، أعني ضمير اللام، وأما ذكر الأول، أعني (زيدا) ففيه النظر المذكور، ويجوز: أعلمنية إياه، وعند الأخفش: المعلم أنا زيدا عمرا إياه، والمعلمي هو إياه: منطلق، أو: المعلميه إياه هو، وإنما أبرزت (هو) لجري الصفة على غير صاحبها، وهذا القدر من التمرين كاف لمن له بصيرة 1،


= الاخبار عن كلمة (منطلقا) في المثال، (1) أطال الرضى بل وأسرف في التطريق إلى مسائل مفروضة، ولكن ذلك لا يخلو من فائدة على أي حال، رحم الله الرضى وأمثاله من أسلافنا العلماء وجزاهم خيرا، (*)

[ 49 ]

(استعمالات) (ما الاسمية) (قال ابن الحاجب:) (وما، الاسمية: موصولة، واستفهامية، وشرطية وموصوفة،) (وتامة بمعنى شئ، وصفة) (قال الرضي:) لما كان في المبنيات ما يوافق لفظه لفظ الموصول، لم يجعل له باب برأسه، بل بين في ضمن الموصولات، كما بين ما وافق اسم الفعل في اللفظ من المبنيات في أسماء الأفعال، كباب (فجار 1) وباب (فساق) وباب (قطام)، الموافقة لباب (نزال)، ولو لا قصد الاختصار، ورعاية المناسبة اللفظية، لكان القياس يقتضي أن تجعل أبوابا برأسها، فمنها (ما)، قوله (وما الاسمية)، اعلم أن (ما) تكون حرفية أيضا، وهي، حينئذ، على أقسام، أيضا، ولما كان هو في قسم الأسماء، تعرض لأقسام (ما) الاسمية، وترك أقسام الحرفية إلى قسم الحروف، قوله: (موصولة)، كما ذكرنا، والاستفهامية نحو: ما صناعتك ؟ وما صنعت ؟ ويدخلها معنى التحقير، كقوله:


(1) المراد به: باب الأعلام الجنسية للمصادر، كما أن المراد بباب فساق: الوصف المختص بالنداء في سب المؤنث، وباب قطام، المراد به الأعلام الشخصية المؤنثة، (*)

[ 50 ]

422 - يا زبرقان أخا بني خلف * ما أنت ويب أبيك والفخر ؟ 1 ومعنى التعظيم، كقوله: 423 - يا سيدا ما أنت من سيد * موطا الأكناف رحب الذراع 2 و: (الحاقة ما الحاقة 3)، ومعنى الأنكار نحو: (فيم أنت من ذكراها 4)، أي: لا تذكرها، على أحد التأويلات، وقد تحذف ألف (ما) الاستفهامية في الأغلب عند انجرارها بحرف جر أو مضاف، وذلك لأن لها صدر الكلام لكونها استفهاما، ولم يمكن تأخير الجار عنها فقدم عليها وركب معها حتى يصير المجموع ككلمة واحدة موضوعة للاستفهام، فلا يسقط الاستفهام عن الصدر، وجعل حذف الألف دليل التركيب، ولم يحذف آخر (من) وكم، الاستفهاميتين مجرورتين، لكونه حرفا صحيحا، ولا آخر (أي)، لجرية مجرى الصحيح في تحمل الحركات، وقد جاء الألف ثابتا، قال: 424 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد 5


(1) للمخبل السعدي في هجاء الزبرقان بن بدر، وهو ابن عمه، وبنو خلف: رهط الزبرقان، وهو هجاء مقذع، يقول في بعض أبياته: ما أنت إلا في بني خلف * كالأسكتين علاهما البظر (2) ورد هذا البيت في إحدى المفضليات، وهي للسفاح بن بكير، في رثاء يحيى بن ميسرة أحد أنصار مصعب ابن الزبير، ظل وفيا له إلى أن قتل معه، ومن هذه القصيدة البيت المستشهد به في باب الفاعل، لما عصى أصحابه مصعبا * أدى إليه الكيل صاعا بصاع وزعم بعضهم أن الشعر لغير السفاح بن بكير، وأن المرثى به غير يحيى وربما كان السبب وجود قصيدة أخرى مشابهة لهذه، والله أعلم، (3) أول الحاقة، (4) الآية 43 سورة النازعات (5) من شعر لحسان بن ثابت في هجاء بني عابد بن عبد الله بن مخزوم يقول فيه مخاطبا أحد بني عابد وكان هجا حسان بن ثابت، فإن تصلح فإنك عابدي * وصلح العابدي إلى فساد وقد روى بيت الشاهد: ففيم تقول يشتمني لئيم، كما أنه ورد في المطبوعة: كخنزير تمرغ في دمان، والدمان: من معانية: الرماد، ولكن صواب الرواية ما أثبتناه، (*)

[ 51 ]

وإذا جاء (ذا) بعد (ما) الاستفهامية، لم تحذف ألفها، نحو: بماذا تشغل، وذلك لأن (ذا) لما لم تثبت زيادته، ولا كونه موصولا، إلا مع (ما)، صار (ما) مع (ذا) ككلمة واحدة، فصار الألف كأنه في وسط الكلمة، والحذف قليل في الوسط، لتحصنه من الحوادث، ولذا لم يحذف الألف من (ما) الشرطية المجرورة، وإن شاركت الاستفهامية في التصدر في نحو: ما تصنع أصنع، 1 والنكرة الموصوفة، إما بمفرد، نحو: مررت بما معجب لك، وإما بجملة، كقوله: 425 - ربما تكره النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال 2 وجاز أن تكون (ما) ههنا، كافة، كما في قوله تعالى: (ربما يود الذين كفروا) 3، قال المصنف: إلا أن النجاة اختاروا كونها 4 موصوفة لئلا يلزم حذف الموصوف وإقامة الجار والمجرور، وهو (من الأمر) مقامه، وذلك قليل إلا بالشرط المذكور في باب الصفة 5 هذا قوله، ولا يمتنع أن تكون (من) متعلقة ب (تكره)، وهي للتبعيض كما في: أخذت من الدراهم، أي: من الدراهم شيئا، فكذا هنا، معناه: تكره من الأمر شيئا، وقوله: له فرجة، صفة للأمر، لأن اللام غير مقصود قصده، ويجوز، أيضا، تضمين (تكره) معنى: تشمئز وتنقبض 6،


(1) هكذا ورد المثال في النسخة المطبوعة، وهو لا يطابق موضوع الحديث أي حالة الجر بالحرف إلا إذا كان القصد مجرد التمثيل للتصدر بصرف النظر عن كونه مجرورا أو غيره، والمثال المطابق: بما تنطق أنطق، مثلا، (2) من قصيدة لأمية بن أبي الصلت من شعراء الجاهلية المتقدمين، ذكر فيها قصة سيدنا إبراهيم الخليل وما حدث من رؤياه أنه يذبح ولده إسماعيل،.. ويقول أمية في فداء إسماعيل: بينما يخلع السرابيل عنه * فكه ربه بكبش جلال وجلال بضم اللام أي عظيم. ونسبه بعضهم لأمية، أيضا، في أبيات أخرى يقول فيها: لا تضيقن بالأمور فقد * تكشف غماؤها بغير احتيال (3) الآية 3 سورة الحجر. (4) أي كلمة ما في البيت المستشهد به، (5) وهو أن يكون الموصوف بعض اسم متقدم مجرور بمن أو في، (6) فتكون (من) متعلقة بتكره، (*)

[ 52 ]

ويعني بالتامة: نكرة غير موصوفة، وذلك نحو (ما) التعجبية عند سيبويه، ونعما هي، أي نعم شيئا هي، عند الزمخشري، وأبي علي 1، وتكون، أيضا، معرفة تامة، أي غير موصوفة، ولا موصولة عند سيبويه، بمعنى الشئ، قال في: (فنعما هي)، أي: نعم الشئ هي، وكذا في: دققته دقا نعما، أي: نعم الشئ ونعم الدق، و (ما) المصدرية: حرف عند سيبويه، اسم موصول عند الأخفش والرماني، والمبرد 2، كما مر قبل، وأما (الذي) المصدرية فلا خلاف في اسميتها للام فيها، نحو قول علي رضي الله عنه في النهج: (نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء 3)، أي نزولا كالنزول الذي نزلته في الرخاء، قوله: وصفة، اختلف في (ما) التي تلي النكرة لأفادة الأبهام والتنكير، فقال بعضهم: اسم، فمعنى قوله تعالى: (مثلا ما 4)، أي مثل، وقال بعضهم: زائدة فتكون حرفا، لأن زيادة الحروف أولى من زيادة الأسماء لاستبدادها بالجزئية، ولهذا استعظم الخليل وتعجب من الفصل لكونه اسما زيد لفائدة الفصل 5، وأيضا، ثبتت زيادتها، نحو: (فبما رحمة من الله 6)، ووصفيتها لم تثبت، فالحمل على ما ثبت، في موضع الالتباس: أولى، وفائدة (ما) هذه: إما التحقير، نحو: هل أعطيت إلا عطاء ما، أو للتعظيم نحو:


(1) أي الفارسي، (2) تقدم ذكر هؤلاء الأعلام في هذا الجزء (3) هذا من كلام لسيدنا علي بن أبي طالب مما نسب إليه في نهج البلاغة ص 241 طبع دار الشعب، (4) من الآية 26 في سورة البقرة (5) انظر ما جاء في هذا نقلا عن سيبويه في الكلام على ضمير الفصل، في آخر الجزء الثاني، (6) الآية 159 سورة آل عمران، (*)

[ 53 ]

لأمر ما جدع قصير أنفه 1، و: عزمت على إقامة ذي صباح * لأمر ما يسود من يسود 2 - 164 بع، نحو: اضربه ضربا ما، أي نوعا من أنواع الضرب أي نوع كان، مع هذه المعاني كلها في الأبهام وتأكيد التنكير، أي عطية لا تعرف من حقارتها، وأمر مجهول لعظمته، وضربا مجهولا غير معين،


(1) هذا مثل مما ورد في قصة الزباء ملكة اليمن مع قصير بن سعد القضاعي، حين أراد أن يحتال للانتقام من الزباء بسبب قتلها جذيمة الأبرش فاتفق قصير مع عمرو بن ربيعة، ابن أخت جذيمة، فجدع أنفه وجلد ظهره وذهب إلى الزباء مدعيا أن عمرا فعل به ذلك واستمر يحتال عليها حتى قضى عليها في قصة طويلة، (2) أورده سيبويه في الكتاب ج 1 ص 116 ونسبه لرجل من خثعم، لم يسمه، ولم يسمه الأعلم أيضا، وتقدم البيت في الجزء الأول من هذا الشرح، (*)

[ 54 ]

(أوجه استعمال) (من) (قال ابن الحاجب:) (ومن كذلك إلا في التمام والصفة) (قال الرضي:) أما (من) الموصولة فنحو: لقيت من جاءك، والشرطية نحو: من تضرب أضرب، والاستفهامية نحو: من غلامك ومن ضربت ؟، والنكرة الموصوفة بالمفرد كقوله: 426 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا * حب النبي محمد إيانا 1 وبالجملة، كقوله: 427 - رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع 2 ولا تجيئ تامة أي غير محتاجة إلى الصفة والصلة إلا عند أبي علي، فإنه جوز كونها


(1) نسب هذا البيت لكل من حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ولغيرهم، ولم يذكر من تحدث عن البيت شيئا يتعلق به، غير أن السيوطي بعد أن ذكر نسبته لكل من الشعراء الثلاثة أورد قبله: نصروا نبيهم بنصر وليه * فالله عز، بنصره سمانا (2) من قصيدة طويلة من جيد الشعر، للشاعر الجاهلي: سويد بن أبي كاهل اليشكري مطلعها: بسطت رابعة الحبل لنا * فوصلنا الحبل منها ما اتسع وبعد بيت الشاهد: ويراني كالشجا في حلقه * عسيرا مخرجه ما ينتزع (*)

[ 55 ]

نكرة غير موصوفة، وتجيئ عند الكوفيين حرفا زائدا، وأنشدوا: 428 - آل الزبير سنام المجد قد علمت * ذاك القبائل، والأثرون من عددا 1 وهي عند البصريين موصوفة، أي: الأثرون إنسانا معدودا، وأنشدوا أيضا: 429 - يا شاة من قنص لمن حلت له * حرمت علي وليتها لم تحرم 2 والمشهور: يا شاة ما قنص، وعلة بناء (ما) و (من) الشرطيتين، والاستفهاميتين والموصولتين ظاهرة، وأما الموصوفتان، فإما لاحتياجهما إلى الصفة وجوبا، وإما لمشابهتهما لهما موصولتين لفظا، وكذا: (ما) التامة، و (من) في وجوهها لذي العلم، ولا تفرد لما لا يعلم، خلافا لقطرب 3، وتقع على ما لا يعلم تغليبا، كقوله تعالى: (ومن لستم له برازين 4)، وتقول: اشتر من في الدار، غلاما كان أو جارية أو فرشا، ومنه قوله تعالى: (فمنهم من يمشي على بطنه، (ومنهم من يمشي على رجلين) ومنهم من يمشي على أربع) 5 وذلك لأنه قال تعالى: ومنهم، والضمير عائد إلى: كل دابة، فغلب العلماء في الضمير، ثم بنى على هذا التغليب، فقال من يمشي على بطنه، ومن يمشي على أربع، و: (ما) في الغالب، لما لا يعلم، وقد جاء في العالم قليلا، حكى أبو زيد 6:


(1) من الأبيات التي وردت في أكثر كتب النحو، ولم يذكر أحد نسبته إلى قائل معين، ولا شيئا مما يتصل به، (2) من معلقة عنترة العبسي، وفي هذا الشرح استشهاد بعدد من أبياتها، (3) محمد بن المستنير، تلقي على سيبويه وعلى شيوخ سيبويه أيضا كعيسى بن عمر، ولكنه كان ملازما لسيبويه أكثر من غيره، وسيبويه هو الذي لقبه بهذا اللقب إذ قال له إنما أنت قطرب ليل، والقطرب دويبة لا تهدأ عن السعي في طلب الرزق، (4) الآية 20 سورة الحجر، (5) الآية 45 سورة النور، والجزء الأوسط منها غير مذكور في النسخة المطبوعة، لأنه لا يدخل في الاستشهاد، (6) أبو زيد الأنصاري: صاحب كتاب النوادر، واسمه سعيد بن أوس بن ثابت وتقدم ذكره في الجزء الأول، (*)

[ 56 ]

سبحان ما سخركن لنا، وسبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) 1، وتستعمل، أيضا، في الغالب، في صفات العالم، نحو: زيد ما هو ؟ وما هذا الرجل ؟ فهو سؤال عن صفته، والجواب: عالم، أو غير ذلك، وتستعمل، أيضا، استفهاما كانت أو غيره، في المجهول ماهيته وحقيقته، ولهذا يقال لحقيقة الشئ: ماهيته، وهي منسوبة إلى (ما) والماهية مقلوبة الهمزة هاء، والأصل: المائية، أو نقول: إنه منسوب إلى: ما هو، على تقدير جعل الكلمتين ككلمة، كقولهم: كنتي، تقول: ما هذا ؟ أفرس أم بقر أم إنسان، فإذا عرفت أنه إنسان مثلا، وشككت أنه زيد أو عمرو، لم تقل: ما هو، وقلت: من هو ؟، وقول فرعون: (وما رب العالمين 2)، يجوز أن يكون سؤالا عن الوصف، ولهذا قال موسى عليه السلام: (رب السموات والأرض) 3، ويجوز أن يكون سؤالا عن الماهية ويكون موسى عليه السلام أجابه ببيان الأوصاف دون بيان الماهية، تنبيها لفرعون إلى أنه تعالى لا يعرف إلا بالصفات وماهيته غير معلومة للبشر، وقولهم: سبحان ما سخركن لنا، وسبحان ما سبح الرعد بحمده، يجوز أن يكون لكونه تعالى مجهول الماهية، و (من) و (ما) في اللفظ مفردان صالحان للمثنى والمجموع والمؤنث، فإن عني بهما أحد هذه الأشياء، فمراعاة اللفظ فيما يعبر به عنهما من الضمير والأشارة ونحوهما، أكثر وأغلب، وإنما كان كذلك لأن اللفظ أقرب إلى تلك العبارة المحمولة عليهما من المعنى، إذ هو 4 وصلة إلى المعنى، وكذا في غير (من) و (ما)، تقول: ذلك الشخص لقيته وإن كان مؤنثا، قال تعالى: (خلقكم من نفس واحده) 5،


(1) الآية 3 سورة النساء، (2) من الآية 23 سورة الشعراء، (3) الآية 24 سورة الشعراء أيضا، (4) إذ هو، أي اللفظ، (5) من الآية الأولى في سورة النساء، ومثلها في الآية 189 من سورة الأعراف، (*)

[ 57 ]

والمراد: آدم عليه السلام، وتقول: ثلاث أنفس من الرجال، وثلاثة أشخص من النساء، فهذا أولى من العكس، كما يجيئ في باب العدد، وإن تقدم على المحمول على (من) و (ما) وشبههما من المحتملات ما يعضد المعنى، اختير مراعاة المعنى في ذلك المحمول، كقولك: منهن من أحبها، فهو أولى من قولك: أحبه، لتقدم لفظة (منهن)، فلهذا لم يختلف القراء في تذكير: (ومن يقنت منكن 1)، وهو عاضد للمعنى، فلذا قال: (نؤتها أجرها)، وإن حصل بمراعاة اللفظ لبس وجب مراعاة المعنى، فلا تقول: لقيت من أحبه، وأنت تريد من النسوان، الا أن يكون هناك قرينة، ويجب، أيضا، مراعاة المعنى فيما وجب مطابقته للمحمول على المعنى، نحو: من هي محسنة: أمك 2، ولا يجوز: محسن، لأنه خبر لهي المحمولة على معنى (من) الذي بمعنى التي، والخبر المشتق يجب مطابقته للمبتدأ تذكيرا وتأنيثا وافرادا وتثنية وجمعا، وأجاز ابن السراج: 3 من هي محسن... نظرا إلى أن (هي) مراد به (من) الذي يجوز اعتبار لفظه ومعناه، فإن حذف (هي) التي هي صدر الصلة، كما في قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وقيل: من محسن أمك، سهل التذكير، لأن المقدر لم يعين كونه بلفظ المذكر أو المؤنث، والأصل: الحمل على اللفظ، كما مر، فيقدر مذكرا، ولكون مراعاة اللفظ أكثر وأولى من مراعاة المعنى، كان، إذا اجتمع المراعاتان، تقديم مراعاة اللفظ أكثر من العكس، قال تعالى: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار) 4 حملا على اللفظ، ثم قال: (خالدين) حملا على


(1) الأجزاء المذكورة هنا من الآيتين 30، 31 في سورة الأحزاب، (2) تقديره: التي هي محسنة أمك، فلفظ أمك، خبر عن من، (3) تقدم ذكر ابن لسراج في هذا الجزء وفي الجزأين السابقين، (4) المذكور في كلام الشارح، من الآية 11 سورة الطلاق وذكره مفرقا، (*)

[ 58 ]

المعنى، ولكونها أولى، أيضا، رجع سبحانه بعد قوله خالدين، إلى الحمل على اللفظ فقال: (خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا)، وأما تقديم مراعاة المعنى على مراعاة اللفظ من أول الأمر، فنقل أبو سعيد 1 عن بعض الكوفيين منعه، والأولى الجواز على ضعف، إلا في اللام الموصولة، فإنه يمتنع ذلك فيها، فلا يقال: الضاربة جاء، لخفاء موصوليتها، ثم إنك إن أتيت لها بصاحب من الموصوف أو المبتدأ، نحو جاء الزيدان الضارب غلامهما، وهم المؤدب خدامهم، لم يجز فيما يعبر عنها من الضمير واسم الأشارة مراعاة لفظها وإن كانت صالحة كمن، وما، للمفرد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وذلك لخفاء موصوليتها، وكونها كلام التعريف في نحو: هما الحسن غلامهما، فكأن الضمير راجع إلى صاحبها لا إليها، وإن لم تجئ بصاحبها، جاز مراعاة لفظها، كقوله: 430 - أو تصبحي في الظاعن المولي 2 أي في الظاعنين المولين، ويجوز أن يكون افراده لكونه صفة (مقدر مفرد اللفظ، أي في الجمع الظاعن)، 3


(1) كنيته السيرافي، وتقدم ذكره (2) من أرجوزة لمنظور بن مرثد الأسدي وقبله: إن تبخلي يا هند أو تعتلي، - وجواب الشرط قوله: نسل وجد الهائم المغتل * ببازل وجناء أو عيهل وقوله: نسل مضارع من التسلية، والمغتل من الغلة وهي شدة العطش وقوله ببازل.. إلخ متعلق بقوله نسل (3) ما بين القوسين ليس في المطبوعة، وذكر الجرجاني في تعليقاته انه يوجد في بعض النسخ، وذكره مفيد، ليتم به المقصود (*)

[ 59 ]

(أي) (وصور استعمالها) (قال ابن الحاجب) (وأي، وأية: كمن، وهي معربة وحدها إلا إذا حذف) (صدر صلتها)، (قال الرضي:) قد ذكرنا حكم (أي) في التذكير والتأنيث، والأفراد والتثنية والجمع، فأي، الموصولة نحو: اضرب أيهم لقيت، والاستفهامية نحو: أيهم أخوك ؟ وأيهم لقيت ؟ والشرطية نحو: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) 1، والموصوفة نحو: يا أيها الرجل، ولا أعرف كونها معرفة موصوفة إلا في النداء، وأجاز الأخفش كونها نكرة موصوفة، كما، في نحو: مررت بأي معجب لك، قيل، وجاء الذي نكرة موصوفة، نحو: بالذي محسن إليك، و (أي) تقع صفة، أيضا، بالاتفاق، لا، كما 2، فإن فيها خلافا، كما مر، فلا أدري لم لم يذكره المصنف ههنا، بل جعلها، كمن، التي لا تقع صفة، ولعله رأى أن الصفة في الأصل: استفهامية، لأن معنى برجل أي رجل: أي برجل عظيم يسأل


(1) الآية 110 سورة الاسراء (2) أي ليست مثل ما (*)

[ 60 ]

عن حاله، لأنه لا يعرفه كل أحد حتى يسأل عنه، ثم نقلت 1 عن الاستفهامية إلى الصفة، فاعتور 2 عليها إعراب الموصوف، وأي، معربة من بين أخواتها الموصولات، على اختلاف في: اللذان واللتان، وذو، الطائية، ومن بين 3 أخواتها المتضمنة لمعنى الاستفهام والشرط، وإنما ذلك لالزامهم لها الأضافة المرجحة لجانب الاسمية، وليس كل مضاف بمعرب، بل ما هو لازم الأضافة، ألا ترى إلى عدم إعراب: خمسة عشرك، وكم رجل، لعدم لزومهما الأضافة، وكذا يضاف (لدن) إلى الفعل أيضا، كما يضاف إلى الاسم، والأضافة إليه كلا إضافة، كما يجيئ في الظروف المبنية، وإنما ألزموها 4 لأن وضعها لتفيد بعضا من كل، كما مر في باب الوصف، فإذا حذف المضاف إليه، فإن لم يكن مقدرا، لم تعرب كما في النداء وإن كان مقدرا بقيت على إعرابها، كما في قوله تعالى: (أيا ما تدعوا)، الا في: كأين، فإنه مقطوع عن الأضافة مع إعرابه، وذلك لأنه يصير كالمبني على ما يجيئ في الكنايات، قوله: (إلا إذا حذف صدر صلتها): اما اسمية أو فعلية، والفعلية لا يحذف منها شئ، فلا تبنى (أي) معها، والاسمية قد يحذف صدرها، أعني المبتدأ، بشرط أن يكون ضميرا راجعا إلى (أي)، فلا يحذف المبتدأ في نحو: اضرب أيهم غلامه قائم، وأيهم زيد غلامه، وإنما يحذف كثيرا مع (أي) دون سائر الموصولات لكونه مستقلا بنفسه مع صلته


(1) يريد لفظ أي، المستعمل في مثل: برجل أي رجل، يعني أنها نقلت من الاستفهام إلى الوصف بها، (2) أي تعاقب عليها الأعراب (3) يعني: وهي أيضا معربة من بين أخواتها في الاستفهام، (4) المراد (أي) في حالة إعرابها، (5) الآية السابقة من سورة الاسراء، (*)

[ 61 ]

بلزوم الأضافة، وإنما لم يحذف أحد جزأي الفعليه لأن التصاق الجزأين فيها أشد، وإنما حذف المبتدأ إذا كان ضمير الموصول لأنه بالنظر إلى الموصول كالاسم المكرر، 1 فإذا 2 حذف المبتدأ صار 3 مبنيا كأخواته الموصولة، وذلك أن شيئا إذا فارق أخواته لعارض، فهو شديد النزوع إليها، فبأدنى سبب يرجع إليها، وبني على الضم تشبيها بقبل وبعد، لأنه حذف منه بعض ما يوضحه ويبينه أعني الصلة، لأنها المبينة للموصول، كما مر، كما حذف من قبل، وبعد، المضاف إليه المبين للمضاف، هذا هو مذهب سيبويه، وهو الأكثر، أعني كونه مبنيا على الضم عند حذف المبتدأ، قال سيبويه: 4 والأعراب مع حذف الصدر لغة جيدة، وجاءني في الشواذ: (أيهم أشد على الرحمن عتيا) 5، بنصب (أيهم) وذلك لأنه لم تحذف الصلة بكمالها، بل حذف أحد جزأيها، وقد بقي ما هو معتمد الفائدة، أي الخبر، قال الجرمي 6: خرجت من خندق الكوفة حتى أتيت مكة، فلم أسمع أحدا يقول في نحو: اضرب أيهم أفضل، إلا منصوبا، وإن لم تضف مع حذف المبتدأ، نحو: أكرم أيا أفضل، فكلام العرب: الأعراب، وأجاز بعضهم البناء قياسا لا سماعا، فتقول: أكرم أي أفضل: مضموما بلا تنوين، والخليل ويونس 7، يقولان: اضرب أي أفضل مرفوعا، إما على الحكاية أو التعليق،


(1) في النسخة المطبوعة جاءت عبارة: على الولاء بمعنى، بعد قوله كالاسم المكرر ولا معنى لها، وهي غير موجودة في بعض نسخ هذا الشرح، فحذفتها، (2) رجوع إلى الحديث عن أي، (3) أي لفظ أي، (4) سيبويه 1 / 397 (5) الآية 69 سورة مريم (6) أبو عمر، صالح بن إسحاق الجرمي ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (7) الخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب من متقدمي النجاة وكلاهما شيخ لسيبويه، وتقدم ذكر كل منهما في الجزأين السابقين، (*)

[ 62 ]

كما يجيئ من مذهبيهما، قال سيبويه 1: لا يرفع نحو: اضرب أيا أفضل، ولا يبني، على الضم قياسا على: اضرب أيهم أفضل، لأن ذلك مخالف للقياس، ولم يسمع من العرب إلا: أيا أفضل، منصوبا، ولو قالوا لقلنا، أي لو رفعوا، أو ضموا، لاتبعناهم، قال الجزولي 2: إعرابه مع حذف المضاف إليه، دليل على أنه كان مع المضاف إليه أيضا معربا، لأن حذف المضاف إليه يرجح جانب الحرفية كما في: قبل وبعد، وذهب الكوفيون والخليل إلى أن نحو: أيهم، في مثل هذا الموضع 3، معربة مرفوعة، على أن ما بعدها خبر، وهي استفهامية لا موصولة، قالوا: وهي في الآية مبتدأ، خبره: أشد، ومن كل شيعة: معمول لننزعن، كما تقول: أكلت من كل طعام، قال تعالى: (وأوتيت من كل شئ 4)، فتكون (من) للتبعيض، والكلام محكي، أعني أن (أيهم أشد) صفة شيعة، على إضمار القول، أي كل شيعة مقول فيهم: أيهم أشد، كقوله: جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط 5 - 94 قال الخليل: وأيهم، على هذا، استفهامية، نحو قولهم: اضرب أيهم أفضل، أي أضرب الذي يقال له 6: أيهم أفضل، كما قال الأخطل: 431 - ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم 7 أي: أبيت مقولا في: لا حرج ولا محروم، أي هو لا حرج ولا محروم.


(1) في سيبويه ج 1 ص 397 وما بعدها، (2) تقدم ذكره، (3) يعني فيما إذا أضيفت وذكر صدر صلتها، (4) الآية 23 سورة النمل، (5) تقدم الحديث عن هذا الشاهد، وقد أصبح عند النجاة عنوانا على أن الكلام من باب إضمار القول، (6) أي الذي يقال في شأنه، وذلك من معاني اللام بعد القول، كما سيأتي في معاني حروف الجر، (7) من شعر الاخطل، وأورده سيبويه 1 / 259 وقال إن الخليل فسره بأن المعنى: فأبيت بمنزلة الذي يقال له أي يقال في شأنه: لا حرج ولا محروم، وهو قريب من توجيه الشارح الرضى، (*)

[ 63 ]

قال سيبويه 1: لو جاز: اضرب أيهم أفضل على الحكاية، لجاز: اضرب الفاسق الخبيث، أي: اضرب الذي يقال له: الفاسق الخبيث، بلى، مثل ذلك يجيئ في ضرورة الشعر، لا في سعة الكلام، ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل (أي) معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب، أيضا، نحو: اضرب أو اقتل: أيهم أفضل، كما يجئ في باب أفعال القلوب، وليس بشئ، لأن المعلق يجب كونه في صدر جملة، والمنصوب بنحو: اضرب، واقتل، لا يكون جملة، والمعلق اما استفهام أو نفي أو لام الابتداء، و (أي) بعد: اضرب، واقتل، لا تكون استفهامية، إذ لا معنى لها إلا على وجه الحكاية، كما قال الخليل، بل هي موصولة بعده، وقال الأخفش في الآية: (من) فيها زائدة، كما هو مذهبه من زيادة (من) في الموجب، وكل شيعة مفعول لتنزعن، وأيهم أشد، جملة مستأنفة، لا تعلق لها بالفعل، وقال المبرد: أيهم فاعل (شيعة) أي: لتنزعن من كل فريق يشيع أيهم هو أشد، وأي بمعنى الذي، وعند أبي عمرو 2: أية 3 إذا حذف منها ما تضاف إليه منعت الصرف، نحو: اضرب أية لقيتها، قال: لتعرفها بالصلة، والتأنيث، فزاد على مذهبه في التعريف المانع من الصرف: تعريف الموصولات، واعتد بتاء التأنيث بلا علمية، وغيره يصرفها وهو القياس،


(1) سيبويه 1 / 398 (2) أبو عمرو بن العلاء من متقدمي النجاة وأحد القراء السبعة، وتكرر ذكره في هذا الشرح، (3) التأنيث في لفظ آية قليل وتقدم ذلك، (*)

[ 64 ]

(ماذا) (إعرابها وأوجه استعمالها) (قال ابن الحاجب:) (وفي: ماذا صنعت، وجهان: أحدهما: ما الذي، وجوابه) (رفع، والآخر: أي شئ ؟، وجوابه نصب)، (قال الرضي:) اعلم أن (ذا)، لا تجيئ موصولة، ولا زائدة، إلا مع (ما) و (من) الاستفهاميتين، والأولى في: (ماذا)، هو و: (من ذا خير منك 1): الزيادة، ويجوز، على بعد، أن تكون بمعنى الذي، أي: ما الذي هو خير منك، على حذف المبتدأ، نحو: ما أنا بالذي قائل، وأما قولك: من ذا قائما، فذا، فيه: اسم الأشارة لا غير، ويحتمل في: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا 2)، و: ماذا الذي... أن تكون زائدة، وأن تكون اسم إشارة، كما في قوله تعالى: (أمن هذا الذي هو جند لكم 3)، وهاء التنبيه تدخل على اسم الاشارة فيقال: ما هذا الذي تقول: وقد جاءت (ذا) زائدة بعد (ما) الموصولة، قال:


(1) قوله: خير منك، راجع إلى كل من: ماذا، ومن ذا، (2) من الآية 245 سورة البقرة، (3) من الآية 20 سورة الملك، (*)

[ 65 ]

432 - دعي ماذا علمت، سأتقيه * ولكن بالمغيب نبئيني 1 ولقائل أن يمنع مجيئ (ذا) موصولة مطلقا، ويحكم في نحو: ماذا صنعت بزيادتها، وأما رفع الجواب في نحو قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو 2)، ورفع البدل في قوله: 433 - ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقضي أم ضلال وباطل 3 فلأن (ما) مبتدأ، والفعل بعد (ذا) المزيدة خبره، على تقدير حذف الضمير من الجملة التي هي خبر (ما)، والذي حملهم على ادعاء كون (ذا) ههنا موصولة: رفع الجواب والبدل، في الفصيح المشهور، ولو جاز أن يدعى في الجواب أنه غير مطابق للسؤال، وأن ذلك يجوز وإن لم يكن كثيرا، لم يجز دعوى عدم التطابق بين البدل والمبدل منه، فوجب أن يكون (ماذا يحاول) جملة اسمية، خبر المبتدأ فيها جملة فعلية، وأما ما ذكر من حذف الضمير في خبر المبتدأ فقليل نادر، كما تقدم في باب المبتدأ، وتجرد 4 الجملة الخبرية في نحو: ماذا يحاول، كثير غالب، فعرفنا أن الجملة صلة، لذا، لا خبر، لما، لأن حذف الضمير من الصلة كثير، وهو أكثر من حذفه من الصفة، وحذفه من الصفة أكثر من حذفه من الخبر، كما مر في المبتدأ، وإنما قل إظهار الضمير المنصوب في الجملة التي بعد (ذا) من بين الموصولات للزومها لما الاستفهامية، أو من، لأن (ذا) لا تكون موصولة، إلا وقبلها احداهما، فكان التثاقل


(1) أورده سيبويه في ج 1 ص 405، وقال: سمعناه من العرب الذين يوثق بهم، وقال البغدادي إنه من الأبيات الخمسين التي أوردها سيبويه ولم يعرف لها قائل معين، ثم شنع على العيني في نسبة البيت إلى المثقب العبدي لأن البيت يتفق في الوزن والقافية مع قصيدة مشهورة للمثقب، (2) الآية 219 سورة البقرة، (3) مطلع قصيدة جيدة قالها لبيد بن ربيعة العامري، ومنها عدد من الشواهد في هذا الشرح وفي غيره من كتب النحو (4) أي تجردها عن الضمير في مثل هذا، (*)

[ 66 ]

الحاصل باتصال الصلة بالموصول أكثر، فكان التخفيف بحذف الضمير الذي هو فضلة: أولى، وهذا كما جاز حذف المبتدأ في صلة (أيهم) في السعة دون صلة غيرها، وذلك لتثاقلها بالمضاف إليه كما ذكرنا، وإنما كان الجواب أو البدل مرفوعا إذا كان (ذا) موصولا، لأن (ماذا) إذن، جملة ابتدائية: ذا مبتدأ وخبره (ما)، مقدم عليه لكونه نكرة، وعند سيبويه: (ما) مبتدأ، مع تنكيره، وذا خبره، على ما مر في باب المبتدأ، والأولى في الجواب: مطابقة السؤال، فرفع الاسم على أنه خبر مبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ ضمير راجع إلى (ذا) الموصولة، فقوله تعالى: (أساطير الأولين)، ليس بجواب لقوله للكفار: (ماذا أنزل ربكم) 1، إذ لو كان جوابا له، لكان المعنى: (هو أساطير الأولين)، أي: الذي أنزله ربنا: أساطير الأولين، والكفار لا يقرون بالأنزال، فهو، إذن، كلام مستأنف، أي: ليس ما تدعون إنزاله منزلا، بل هو أساطير الأولين، وإذا كانت (ذا) مزيدة، فما، منصوبة المحل، مفعولا للفعل المتأخر فالسؤال، إذن جملة فعلية، فكون الجواب جملة فعلية، أولى، للتطابق، فينصب الاسم على إضمار مثل الفعل الذي انتصب به (ما) في السؤال، فحذف لدلالة السؤال عليه، فقوله تعالى: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) 2، أي: أنزل خيرا، وإنما لزم ههنا 3 النصب ليكون مخالفا لجواب الكفار، لأن النصب تصريح بكون (أنزل) مقدرا، والرفع يحتمل استئناف الكلام، كما ذكرنا في: (أساطير الأولين)، ويحتمل تقدير الموصول المذكور في السؤال مبتدأ، كما في قوله تعالى: (قل العفو) 4،


(1) الآية 24 سورة النحل، (2) من الآية 30 سورة النحل أيضا، (3) أي في الحديث عن الذين آمنوا، (4) الآية 219 سورة البقرة، وتقدمت، (*)

[ 67 ]

وإن اشتغل الفعل بعد (ماذا) بضمير منصوب، نحو: ماذا تفعله، أو، بمتعلقه، نحو: ماذا تقضي حقه، فكون (ما) مبتدأ، أولى، وإن جعلت (ذا) زائدة، أيضا، لأن الرفع في: زيد لقيته، أولى من النصب، كما مر في: المنصوب على شريطة التفسير، فرفع الجواب، إذن، أولى، كانت (ذا) موصولة، أو زائدة، وأما في نحو: ماذا قيل، وماذا عرض، وقوله تعالى: (وماذا عليهم لو آمنوا) 1، و: (ماذا أحل لهم) 2، مما ليس فيه بعد (ذا) فعل ناصب لما قبله، ولا مشتغل عنه بضميره، أو متعلقه، فالجملة ابتدائية، جعلت (ذا) زائدة، أو موصولة، فرفع البدل، إذن، واجب، ورفع الجواب مختار، على كل حال، وقول الشاعر: 434 - وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا * سوى أن يقولوا إنني لك عاشق 3 فقيل (ذا) فيه، زائدة لا موصولة، إذ الصلة لا تكون إلا خبرية، و: (عسى) ليس بخبر، وهذا يلزمهم في خبر المبتدأ، أيضا، فإن قيل: خبر المبتدأ قد جاء طلبية، كقوله تعالى: (بل أنتم لا مرحبا بكم 4) و: زيد اضربه، قيل: الصلة، أيضا، جاءت (لعل) مع جزأيها، كقوله: وإني لراج نظرة قبل التي * لعلي، وإن شطت نواها، أزورها 5 - 403


(1) الآية 39 سورة النساء، (2) الآية 4 سورة المائدة، (3) قيل إنه لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة، وأورده أبو تمام في الحماسة وأورده بعده قوله: نعم صدق الواشون، أنت كريمة * علينا، وإن لم تصف منك الخلائق قال البغدادي: ونسبه صاحب الأغاني إلى مجنون ليلي: قيس بن الملوح، وذكر معه أبياتا أخرى، (4) الآية 60 سورة ص، (5) تقدم هذا الشاهد في أول باب الموصول، (*)

[ 68 ]

وعسى، ولعل، متقاربان، فإن قدر القول ههنا، جاز للمنازع أن يقدره، أيضا، في خير المبتدأ، ولا يجوز أن يكون (ماذا) مفعول: أن يتحدثوا، لكون (أن) موصولة 1 فالتقدير: أن يتحدثوا به، (تكملة) (في ذكر أحكام للموصول تركها المصنف) ولا بأس أن نذكر بعض ما أهمله المصنف من أحكام الموصول، وأحكام من، وما، وأي، في الاستفهام، وما يناسبها، فنقول: الموصول والصلة كجز أي اسم، وقد ثبت للموصول التقدم لكون مبينة له، فيجب للصلة التأخر، فلا تتقدم الصلة، ولا جزء منها على الموصول، ولا تعمل الصلة، ولا ما يتعلق بها، فيما قبل الموصول، لأن ذلك المعمول، إذن، جزؤها، وقد تقرر أن جزءا منها لا يتقدم على الموصول، ولا تتعلق الصلة بما قبل الموصول بأن تكون مصدرة ببل، أو لكن، أو علامة جواب القسم، ونحو ذلك مما له تعلق بما قبل الموصول، لأن ذلك المتعلق به المتقدم، إذن، جزء الصلة، ولا يفصل بين الموصول والصلة، ولا بين بعض الصلة وبعض بتابع للموصول، كالوصف، والبدل، والعطفين، والتأكيد، ولا بخبر عن الموصول 2 ولا باستثناء منه، إذ هذه الأشياء لا تجيئ إلا بعد تمام الكلمة،


(1) يعني موصولا حرفيا، ولا يتقدم معمول الصلة على الموصول حرفيا كان أو اسميا، (2) في النسخة المطبوعة اضطراب في هذا الموضع، أمكن بفضل الله ازالته حتى استقام المعنى، (*)

[ 69 ]

وقد جاء، في الشعر، موصول معطوف على آخر قبل الصلة، وما بعدهما: إما صلة لهما معا، أو صلة للأخير وصلة الأول محذوفة مدلول عليها بالظاهرة كما يجيئ بعد، من جواز حذف الصلة عند قيام الدليل، وذلك نحو قوله: 435 - من اللواتي والتي واللاتي * زعمن أن قد كبرت لداتي 1 وقد يفصل بين الموصول والصلة بمعمول الصلة، نحو: الذي إياه ضربت، لأن الفصل ليس بأجنبي منهما، ولا يجوز مثله إذا كان الموصول حرفا، فلا يقال: أعجبني أن زيدا ضربت، لأن الحروف الموصولة حروف مصدرية، هي والجملة بعدها بتأويل المصدر، فيطلب قربها من متضمن المصدر، وكذا في الألف واللام الموصولة، إذ لا تدخل إلا على فعل في صورة اسم الفاعل أو المفعول كما مر، فيكون هو وما دخل عليه، كاللام الحرفية مع ما دخلت عليه، لا يفصل بينهما، وكذا يجوز الفصل بين بعض الصلة وبعض بالعطف على الجملة التي هي صلة، كما تقول في باب التنازع معملا للأول: الذي ضربت وضربوني غلمانه: زيد، إذ ليس الفصل بأجنبي من الصلة، وكذا يتقدم بعض الصلة على بعض، كما تقول: جاءني الذي قائم أبوه، والذي ضرب زيدا أخوه، والذي زيدا ضرب أبوه، إذ لا مانع منه، فإن قيل: أليس كما أن الموصول والصلة كجز أي اسم: بعض الصلة والبعض الآخر كالجزأين، فكان ينبغي ألا يتقدم بعضها على بعض، كما لا تتقدم الصلة على الموصول، قلت: بلى، هما أيضا كالجزأين، إلا أنهما كجزأين لا يجب ترتيب أحدهما على الآخر، بل كجزأين يجوز تعقب كل منهما للآخر، بخلاف الصلة والموصول فإن تعقب الجزء الذي هو الصلة واجب لكونها مبينة للموصول كما مر،


(1) هذا البيت مجهول القائل، ووجه الاستشهاد به واضح، (*)

[ 70 ]

فتبين بهذا فساد قول من قال: إن خبر (ما دام) لا يتقدم على اسمه، 1 ويجوز قليلا حذف صلة الموصول الاسمي غير الألف واللام، إذا علمت، قال: 436 - فإن أدع اللواتي من أناس * أضاعوهن لا أدع الذينا 2 وقد التزم حذفها مع: اللتيا معطوفا عليها: التي، إذا قصد بهما الدواهي ليقيد حذفها أن الداهيتين: الصغيرة والكبيرة، وصلتا إلى حد من العظم لا يمكن شرحه، ولا يدخل في حيز البيان، فلذلك تركتا على ابهامهما بغير صلة مبينة، ويجوز كون تصغير: اللتيا للتعظيم، كما في قوله: 437 - وكل أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفر منها الأنامل 3 وأجاز الكوفيون حذف غير الألف واللام من الموصولات الاسمية خلافا للبصريين، قالوا في قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم) 4، أي إلا من له مقام معلوم، ونحوه قول المتنبي: 438 - بئس الليالي سهرت من طربي * شوقا إلى من يبيت يرقدها 5


(1) يأتي بسط الكلام على هذا، وذكر الخلاف فيه في باب الأفعال الناقصة من قسم الأفعال، إن شاء الله تعالى، (2) هذا من قصيدة الكميت بن زيد التي هجا فيها قبائل اليمن وتقدم منها الشاهد رقم 16 في الجزء الأول، وهو: فلا أعني بذلك أسفليكم * ولكني أريد به الذوينا ومعنى بيت الشاهد: إن كنت أترك النساء اللاتي أضاعهن رجالهن فلم يحموهن ولا أهجوهن، فإني لا أترك الرجال الذين أضاعوا نساءهم، (3) من قصيدة لبيد بن ربيعة التي تقدم صدرها قريبا، وهو: ألا تسألان المرء ماذا يحاول * أنحب فيقضي أم ضلال وباطل (4) الآية 164 سورة الصافات، (5) من قصيدة للمثني، أولها: أهلا بدار سباك أغيدها * أبعد ما بان عنك خردها يقول فيها: يا حاديي عيسها وأحسبني * أوجد ميتا قبيل أفقدها قفا قليلا بها علي، فلا * أقل من نظرة أزودها والرضى يورد كثيرا من شعر المتني ومن في منزلته من الشعراء وتقدمت الأشارة إلى ذلك (*).

[ 71 ]

ويجوز أن يكون من هذا: لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل 1 - 406 ولا وجه لمنع البصريين من ذلك، من حيث القياس، إذ قد يحذف بعض حروف الكلمة، وإن كانت فاء، أو عينا، كشية، وسه، وليس الموصول بألزق منهما 2، ولا يحذف من الموصولات الحرفية إلا (أن) في المواضع المخصوصة 3، كما يجيئ في الأفعال المنصوبة، وذلك لقوة الدلالة عليها، وكون الحروف التي قبلها كالنائبة عنها، (الحكاية) (بمن، وما، وأي) وأما أحكام من، وما، وأي في الأستفهام فنقول: إذا استفهمت بمن عن مذكور منكور عاقل، ووقفت على (من) جاز لك حكايه اعراب ذلك المذكور، وحكاية علامات تثنيته وجمعه وتأنيثه في لفظ (من)، تقول: منو، إذا قيل: جاءني رجل، ومنا، إذا قيل: رأيت رجلا، ومني، إذا قيل مررت برجل، ومنان ومنين، إذا قيل جاءني رجلان، ورأيت رجلين ومررت برجلين، ومنون، إذا قيل: جاءني مسلمون، أو رجال، أو قوم، وفي النصب والجر: منين، ومنة، إذا قيل جاءتني ضاربة أو طالق، وكذا في النصب والجر، لا يختلف، ومنتان إذا قيل: جاءتني ضاربتان أو طالقان، وفي النصب والجر: منتين، ومنات إذا قيل: جاءتني مسلمات أو ضوارب، وكذا في النصب والجر، لا يختلف، أما اشتراط الاستفهام عن المذكور في الحكاية، فلأن حكاية هذه العلامات لا بد


(1) لأبي ذؤيب الهذلي، وتقدم في أول باب الموصول، (2) أي أشد التصاقا، واللزق بالزاي بمعنى اللصق بالصاد، (3) وهي المواضع التي تضمر فيها وجوبا أو جوازا قبل المضارع المقترن بحروف معينة كما سيأتي، (*)

[ 72 ]

فيها من محكي مذكور قبل الحكاية ثبتت فيه تلك العلامات حتى تحكى، وغرضهم في الحكاية أن يتيقن المخاطب أن المسؤل عنه هو ما ذكره بعينه لا غيره حتى يكون نصا، وإنما اشترط في لحاق العلامات المذكورة (بمن) كونها سؤالا عن نكرة، لأن المعارف إذا استفهم بها عنها، ذكرت في الأغلب إما محكية أو غير محكية، كما يجيئ، لأن الاستفهام عن المعارف ليس في الكثرة مثل الاستفهام عن النكرات، فلم يطلب التخفيف بحذف المسئول عنه، ولو كررت أيضا، النكرات لم يجز حكايتها إلا بعد (من)، لأن النكرة، إذا كررت، فلا بد في الثانية من لام العهد، ليعرف أن المذكورة ثانيا هي المذكورة أولا، تقول: من الرجل ؟ لمن قال: جاءني رجل (فأكرمت الرجل) 1، ومع زيادة اللام عليها لم تمكن الحكاية، لأن الحكاية ذكر اللفظ المذكور بعينه بلا زيادة ولا نقصان، فلما لم يمكن حكايتها، فإن لم تقصد الحكاية قلت: من الرجل ؟، أو من هو ؟ أو: من ذلك، وإن قصدتها، وهو الكثير، حذفت النكرة وأثبت العلامات في لفظ (من) وسهل حذفها قصد التخفيف، لأن الاستفهام عن النكرة أكثر من الاستفهام عن المعرفة، فلذا كان حذفها بعد (من) أكثر من اثباتها، ومع الحذف فالحكاية في (من) أولى، لأجل التنصيص من أول الأمر على أن المستفهم عنه هو النكرة المذكورة، لأنك إذا لم تحك في لفظ (من) فربما توهم السامع أن المستفهم عنه تورده بعدها، 2 وأما اشتراط العقل في هذه الحكاية، فظاهر، لأن (من) للعقلاء وأما اشتراط الوقف على (من)، ولم يشترط ذلك في (أي) بل تقول فيها: أي يا فتى، وأيا يا فتي، وبأي يا فتى، كما يجيئ، فلأن (من) مبنية مستنكر عليها الأعراب، فلما قصدوا تبعيدها عن الأعراب أثبتوا حكاية الأعراب عليها في حالة لا يكون فيها على المفرد المذكر


(1) جملة: فأكرمت الرجل، زيادة لابد منها ليتم التمثيل لما قال، وكأنها ساقطة من الطبع في النسخة التي نقلت عنها، (2) أي يتوهم أن المستفهم عنه شئ آخر سيذكر بعد كلمة الاستفهام المتأخرة، (*)

[ 73 ]

في الأغلب، وهو أصل المثنى والمجموع (والمؤنث)، اعراب 1 ولا تنوين، وهي حالة الوقف لأن الكلمة تتجرد فيها عن الرفع والجر والتنوين، وأما (أي) فإنها كانت معربة، فلم يستنكر عليها حكاية الأعراب، ولا وصلا ولا وقفا، وإنما زادوا في المفرد المذكر: الواو والألف والياء بدل الحركات، لأنهم لو حكوا حركات المنكر كما هي، لكانت الكلمة في حالة الوقف محركة بصورة الرفع والجر، وهذا خلاف عادة الوقف، فابدلوا من الحركات حروفا تشبهها ساكنة، وجاءوا قبلها بحركات تناسبها، هذا مذهب المبرد، وقال السيرافي: بل أثبتوا فيها الحركات لحكاية الأعراب، كما في (أي) ثم لما كان الحال حال الوقف، وآخر الموقوف عليه ساكن، أشبعوا الحركات فتولدت الحروف، وكلا القولين ممكن، ولم يمكن إثبات حروف المد الدالة على الأعراب في (منة) إذ هاء التأنيث لا تكون في الوقف إلا ساكنة، فاكتفوا بحكاية التأنيث، وتركوا حكاية الأعراب، وكان هذا أولى من العكس، لأن الأعراب فرع الذات، فإذا امتنع اجتماع مراعاة الفرع ومراعاة الأصل، كان حفظ الأصل أولى، وأجروا (منات) في ترك حكاية إعرابها، وإن كانت ممكنة بالأتيان بحروف المد، مجرى مسلمات وهندات في الوقف، فإنه لا يثبت فيه شئ من حركاته، بخلاف: منو، ومني، ومنا، فإنه بمنزلة نحو: زيد، ورجل، ويثبت فيه حال الوقف بعض الحركات مع حرف المد بعدها، أعني الفتح، نحو: زيدا، فلم يستنكر في (من) الجاري مجراه، عند قصد الحكاية إثبات الحركات والمدات بعدها، وإسكان النون في: منتان ومنتين، تنبيه على أن التاء ليست لتأنيث الكلمة اللاحقة هي بها، بل هي لحكاية تأنيث كلمة أخرى، فلم يلتزموا فيما قبلها الحركة التي تلزم


(1) اسم يكون في قوله: في حالة لا يكون فيها... الخ، (*)

[ 74 ]

ما قبل تاء التأنيث، وقريب من ذلك: إسكان ما قبل التاء في: بنت، وأخت، وهنت، لما لم تتمحض التاء للتأنيث بل كانت بدلا من اللام، وربما سكنت النون في المفرد، نحو: منت، والأكثر تحريكها فيه، لأنك لم تقدر في المفرد على حكاية الأعراب، كما ذكرنا، فلا أقل من حكاية تاء التأنيث، كما هو حقه، وأما في المثنى فقد حكيت الأعراب لمجيئك في الرفع بالألف، وفي النصب والجر بالياء، نحو: منتان ومنتين، وقد جاء نحو منتان محرك النون التي قبل التاء، هذا، ولك في (من) الموقوف عليها، المستفهم بها عن النكرة، وجهان آخران، 1 أحدهما أن تزيد على (من) حروف المد واللين 2، كما ذكرنا في الوجه الأول في المفرد المذكر، حاكيا للأعراب فقط، ولا تحكي علامات المثنى والمجموع والمؤنث وإن كنت تسأل عنها، اجراء لمن على أصلها من صلاحيتها للكل بلفظ واحد، فتقول، إذا قيل: جاءني رجل أو رجلان أو رجال أو امرأة أو امرأتان أو نسوة: منو، وعلى هذا قياس النصب والجر، والثاني: افراد (من) على كل حال، بلا حكاية لأعراب ولا لعلامات أخر، كما في حال الوصل، هذا حكم (من) المستفهم بها عن المنكور، وأما (أي)، فإذا استفهمت بها عن المذكور المنكور، جاز لك، أيضا، حكاية الأعراب وعلامات المثنى والمجموع في لفظها، إلا أنك لا تلحق حروف المد بالمفرد المذكر، بل تعربه بالحركات في الوصل نحو: أي يا فتى، وأيا يا فتى، وأي يا فتى، وفي الوقف تسكن ياءه في الرفع والجر، وتقلب التنوين ألفا في حال النصب، كما في الوقف على سائر المنصوبات المعربة، لأن (أيا) معرب، فسقط في جواز الحكاية في لفظ (أي)


(1) يعني بصرف النظر عن إفرادها وتذكيرها وفروعها، وخلاصة الوجه الأول: استواء الجميع في صورة واحدة، فيكون بالنسبة للمفرد، هو الوجه السابق، (2) كلمة اللين لا حاجة لذكرها هنا، بل ربما أوهم ذكرها غير المقصود، بناء على ما هو اصطلاحهم في الفرق بين حروف المد وحروف اللين، (*)

[ 75 ]

شرطان كانا في الحكاية بمن، وهما العقل والوقف، أما العقل فلأن أصل (أي)، أن تستعمل في العقلاء وغيرهم، بخلاف (من)، وأما الوقف فلما مر في (من)، وإنما اشترط في حكايتها كون المحكى مذكورا منكورا، لما مر في (من) أيضا، ولك في (أي) وجه آخر وصلا، وهو الاقتصار على إعراب (أي) مفردة فتقول: أي، وأيا، وأي، في المفرد والمثنى والمجموع، مذكرا كان أو مؤنثا، وفي الحركات اللاحقة لأي، في حال الحكاية وجهان: أحدهما: أنها إعرابها، فتكون مبتدأة محذوفة الخبر، ومفعولة محذوفة الفعل، ومجرورة مضمرة الجار، وهذا ضعيف، لأن إضمار الجار قليل نادر، وأيضا، تثنية (أي) وجمعها لغير الحكاية ضعيفان، كما مر، والأولى 1 أن يقال: كما في (من) ان هذه العلامات اتباعات للفظ المتكلم على وجه الحكاية، ومحلها رفع على الابتداء، والتقدير: من هو ؟، وأي هو، أي: أي رجل هو ؟، وأجاز يونس الحكاية بمن وصلا، قياسا على (أي) فيقول: من يا فتى، ومنا يا فتى، ومن يا فتى، وعليه حمل قول الشاعر: 439 - أتوا ناري فقلت منون أنتم * فقالوا الجن قلت عموا ظلاما 2 وليس بشئ، لأنه لم يتقدم جمع منكر حتى يحكى، وحكى يونس أنه سمع: ضرب من منا ؟ استفهام عن الضارب والمضروب قال


(1) هذا هو الوجه الثاني من توجيه الحركات اللاحقة لأي، وإن لم يصرح بذلك، (2) أحد أبيات أربعة أوردها أبو زيد الأنصاري في النوادر منسوبة لشاعر اسمه: شمير بن الحارث الضبي أولها: ونار قد حضأت لها بليل * بدار لا أريد بها مقاما وشمير بصيغة التصغير، وبالشين المعجمة، أو بالسين المهلة، وورد مثل هذا البيت في قصيدة حائية طويلة:... قلت عموا صباحا، منسوبة لجذع بن سنان الغساني، فهما قصيدتان، ولا وجه لانكار الرواية الميمية أو الحائية، (*)

[ 76 ]

سيبويه 1: هذا بعيد، وقال يونس، أيضا، هذا لا يقبله كل أحد، وذلك لتقدم الفعل على كلمة الاستفهام، وأما إعرابها، فقيل: حكاية، كأنه سمع رجلا يقول: ضرب رجل رجلا، وإلا، فكيف يعربها مع قيام علة البناء ؟ والظاهر أنه ليس بحكاية، وأنه يجوز في بعض اللغات إعرابها، لا على وجه الحكاية، ألا ترى إلى قوله: منون أنتم، وليس بمحكى، كما زعم يونس، إذ لا منكر مذكور قبله، والعلامات المذكورة لا تلحق (من) إلا في آخر الكلام لأنها في حالة الوقف، فإذا قيل: رأيت رجلا وامرأة، قلت: من ومنة، وإذا قيل رأيت امرأة ورجلا، قلت: من ومنا، وفي جاءني رجل وامرأتان: من ومنتان، وعليه فقس، وإذا اجتمع من يعقل ومن لا يعقل، جعلت السؤال عن العاقل بمن وعن غير العاقل بأي، نحو: من وأيين، فيمن قال: رأيت رجلا وحمارين وعليه فقس، وأما المعارف بعد (من) فنقول: هي إما أعلام، وإما غيرها، فغير الأعلام فيها ثلاثة أوجه: أشهرها، أنه لا حكاية فيها، ولا في من، بعد حذفها، وحكى المبرد عن يونس، ولم يحكه عن سيبويه، أنها تذكر بعد (من) محكية كالأعلام، إذا قال القائل: رأيت أخا زيد قلت: من أخا زيد، وأخا زيد، وأجاز ذلك سيبويه، لا على وجه الاختيار، كما قيل: دعني من تمرتان وليس بقرشيا 2، كما يجيئ، وثالثها: أن تحذف وتثبت علامات الحكاية في (من) كما في النكرات، وذلك


(1) نقل ذلك سيبويه عن يونس في الكتاب 1 / 402، ثم قال: وهذا بعيد، (2) سمع بعض العرب شخصا يتحدث عن آخر قائلا: ما عنده تمرتان، فقال السامع: دعنا من تمرتان، وتحدث رجل مع آخر عن شخص ثالث، فقال السامع: أليس قرشيا، فقال المتحدث: ليس بقرشيا، انظر سيبويه 1 / 403، (*)

[ 77 ]

لكون المعرفة المذكورة عند السامع مجهولة كالنكرة، وذلك كما حكى سيبويه 1 أنه فقال: ذهبت معهم، فيقال: مع منين، ويقال: قد رأيته فتقول: منا، ويقال: خلف دار عبد الله، فيقال: دار مني، أما الأعلام المذكورة بعد (من)، ففيها مذهبان: مذهب أهل الحجاز، ومذهب بني تميم، فأهل الحجاز يحكون العلم بعد (من) بشروط، 2 وإنما خصوا الحكاية بالعلم، دون غيره من المعارف، لأن وضع الأعلام على عدم الاشتراك، بخلاف سائر المعارف، فإن كل واحد منها لأي معين كان، كما يأتي في باب المعارف، والحكاية لدفع الاشتراك، فكانت بالأعلام أنسب، والشروط المذكورة: ألا يكون المسئول عنه منعوتا ولا مؤكدا ولا مبدلا منه ولا معطوفا عليه عطف البيان، فإن إعادة هذه المتبوعات مع توابعها تغني عن حكاية إعرابها، إذ يعرف المخاطب أن المسئول عنه هو المذكور بإرشاد إعادة التوابع المذكورة بعينها إليه، فتقول لمن قال: رأيت زيدا الظريف، أو: زيدا أبا محمد: من زيد الظريف، ومن زيد نفسه ومن زيد أبو محمد، بالرفع لا غير، نعم، لو وصف 3 بابن، وأسقط تنوينه لوقوعه بين علمين، لم تمتنع حكايته عند أهل الحجاز، لأنه، وإن أغنى الوصف المذكور أيضا، كسائر الأوصاف، إلا أن تنزيل هذا الموصوف مع هذا الوصف منزلة اسم واحد بدليل حذف التنوين من الموصوف، ونصب الموصوف في المنادى 4، جوز الحكاية فيه، فتقول لمن قال رأيت زيد بن عمرو: من زيد بن عمرو، بالنصب، وإن قال: رأيت وزيدا ابن أخي عمرو، قلت: من زيد ابن أخي عمرو، بالرفع لا غير،


(1) في الموضع السابق ذكره من كتاب سيبويه، أورد المثالين الأولين الآتيين ولم يذكر الثالث، وسيذكره الشارح في باب حكاية العلم، (2) سيأتي ذكرها بعد أن ينتهي من استطرادة، (3) أي العلم المراد حكايته (4) في نحو: يا زيد بن عمرو، وتعبيره بنصب الموصوف منظور فيه إلى الرأي الذي يجعله منصوبا لأنه مضاف إلى ما بعد أين، (*)

[ 78 ]

وأما عطف النسق بلا تكرير. (من) فهو كسائر التوابع عند يونس، في امتناع الحكاية معه، سواء كانا 1 علمين أو أحدهما، وحكى سيبويه 2 عن قوم، واستحسنه، أنه تجوز الحكاية إذا كان المعطوف عليه علما، سواء كان المعطوف علما، أو، لا، نحو: من زيدا وعمرا، ومن زيدا وأخا عمرو، لمن قال: لقيت زيدا وعمرا، ولقيت زيدا وأخا عمرو، والفرق بينه وبين سائر التوابع، أن الثاني فيه غير الأول، فالسؤال واقع بالاسم المفرد، ثم عطف عليه بعد الحكاية، وأما سائر التوابع فهي في الحقيقة: متبوعاتها، وإن لم يكن المعطوف عليه علما، كما إذا قيل: مررت بأخيك وزيد، لم تجز الحكاية في السؤال اتفاقا، بل يجب الرفع، لأن المتبوع لا تجوز حكايته فكذا التابع، وأما إن أعدت (من) في المعطوف، نحو: من زيدا ومن عمرا، أو من زيدا ومن أخوه، أو من أخوه ومن زيدا، فإنه تجوز الحكاية في العلم دون ما ليس بعلم، وذلك لكون كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه استفهاما مستقلا، فيكون لكل واحد منهما حكم نفسه، كما لو انفرد، ومن الشروط 3: ألا يدخل حرف العطف على (من) نحو: ومن زيد، أو: فمن زيد، فلا تجوز الحكاية اتفاقا، لزوال اللبس، إذ العطف على كلام المخاطب مؤذن بأن ا السؤال إنما هو عمن ذكره دون غيره، وتجوز حكاية اللقب اتفاقا، وفي الكنية خلاف، والوجه جوازها، لأنها علم، أيضا، على ما يجيئ بيانه 4: وكذا اختلف في حكاية مثنى العلم ومجموعه فالمجوز نظر إلى واحدهما،


(1) أي المعطوف والمعطوف عليه، (2) ج 1 ص 403 (3) ما تقدم كان هو الشرط الأول، وهو لم يحصر الشروط في عدد معين، (4) في باب العلم عند تقسيمه إلى اسم وكنية ولقب، في هذا الجزء، (*)

[ 79 ]

والمانع نظر إلى زوال العلمية بالتثنية والجمع، كما يجيئ في باب العلم، ثم نقول: إذا حكى ما بعد (من)، فمن مرفوع الموضع بالابتداء، فإن كان ما بعده مرفوعا، فهو على الحكاية، لا على أنه خبره، بل الرفع الذي يكون لأجل الخبرية مقدر فيه، وإن كان مجرورا أو منصوبا، فهو مرفوع الموضوع على الخبرية، فالكل معرب مرفوع الموضع، تعذر إعرابه 1 لاشتغال محل الأعراب بحركة مجلوبة للحكاية، كما ذكرنا في أول الكتاب، وقيل ان ما بعد (من) في الأحوال 2، معمول لعامل محذوف، كما مر في (أي)، وهو ضعيف، لما مر هناك، 3 وقد جاء حذف العلم بعد (من)، وإثبات علامة الحكاية فيها، قيل: خلف دار عبد الله، فقال السامع: دار مني، وأما بنو تميم، فإنهم سلكوا باعللم في الاستفهام عنه بمن، مسلك غيره من الأسماء، فأتوا به مرفوعا على كل حال بالابتداء جريا على القياس، وأما إذا سألت بأي عن المعارف، فلا خلاف بينهم في أن ما بعدها لا يحكي، فإذا قيل: رأيت زيدا، ومررت بزيد، قلت: أي زيد، بالرفع لا غير لأن الأعراب يظهر في (أي) فكرهوا أن يخالفه الثاني، بخلاف: من زيدا، ومن زيد، هذا، وربما حكى بعض العرب الاسم، علما كان أو غيره، دون سؤال، أيضا، كما قال بعضهم: دعنا من تمرتان، على حكاية قول من قال: ما عندنا تمرتان، قال سيبويه: سمعت اعرابيا يقول لرجل سأله، فقال: أليس قرشيا، فقال: ليس بقرشيا 4،


(1) أي تعذر ظهور الحركات الأعرابية فيه، كما تعذر في المضاف إلى باء المتكلم، (2) يعني أحوال الاعراب، (3) لأن إضمار الحرف في حالة الجر ضعيف، (4) أشرنا إلى ذلك بتحديد موضعه من كتاب سيبويه، قريبا، (*)

[ 80 ]

فعلى هذه اللغة، تجوز الحكاية إذا سألت بمن، أو أي، عن غير العلم أيضا، كما حكى يونس، كما مر، وإذا سألت بمن عن عاقل ينسب إليه علم، سواء كان المنسوب علم عاقل أو، لا، بل الشرط كون المنسوب إليه عاقلا، كما يقال لقيت زيدا أو ركبت أعوج 1، جاز لك أن تقول: آلمني، أي: البكري أو: القرشي 2، تأتي بمن مكان المنسوب إليه العاقل، وتدخل عليه الألف واللام لأنه كذلك في المسئول عنه، أعني البكري، مثلا، لأن صفة العلم المنسوبة إلى شئ لا بد فيها من الألف واللام، وتلحق ياء النسب آخر (من) كما كان آخر المسئول عنه، والأكثر الأشهر إدخال همزة الاستفهام على الألف واللام فتقول: آلمني، بالمد أو التسهيل، كما يجيئ في التصريف في باب تخفيف الهمزة إن شاء الله تعالى، وإنما أدخلتها لأنه كذلك في المسئول عنه لو صرحت به نحو: البكري، أو: القرشي، وإنما جاز الجمع بين (من) الاستفهامية وهمزة الاستفهام، لضعف تضمنها للاستفهام بمعاملتها معاملة المعربات التي لا تتضمن معنى الحروف، وذلك بإدخال اللام عليها، وإلحاق ياء النسب بآخرها، وبعضهم لا يأتي بهمزة الاستفهام، فيقول: المني، اكتفاء بما في (من) من معنى الاستفهام، ويحكى في لفظ (المني) إعراب العلم المسئول عن نسبته، سواء كان السائل واصلا أو واقفا، كالحكاية في لفظ (أي) سواء، فتقول لمن قال: جاءني زيد: آلمني يا فتى، وكذا: آلمني، وكذا: آلمنيان، وآلمنيين، وآلمنيون، وآلمنيين، وآلمنية، وآلمنيتان والمنيات، ويأتي المسئول بالجواب على وفق إعراب آلمني، تقول: رأيت زيدا، فيقول: آلمني، فتقول: القرشي، على أنه وصف لزيد، المذكور أولا في كلامك، ويجوز الرفع في الكل، على إضمار المبتدأ، أي هو القرشي لانفصاله عن الموصوف بتوسط الاستفهام،


(1) أعوج علم على حصان مشهور تنسب إليه الخيل الأعوجية، قال الفرزدق: نجوت ولم تمنن عليك طلاقة * سوى جيد التقريب من آل أعوجا (2) الذي يقال في الحكاية هو أحد هذين اللفظين بحسب ما يقصد السائل، (*)

[ 81 ]

قال مبرمان 1: سألت المبرد: إذا قال لك رجل: رأيت زيدا وأردت أن تسأله عن صفته، قال: تقول: آلمني، كأني قلت: الظريفي، أو: العالمي، أو: البزازي، قال السيرافي: هذا تفريع منه وقياس وليس بمسموع، قلت كأنه جعل الياء في: الظريفي ونحوه للتأكيد، كما قيل في: أحمري ودواري، 2 وإن كانت صفة العلم منسوبة إلى ما لا يعقل، كالمكي والبصري، فلا يجوز: آلمني، اتفاقا، قال المبرد: القياس: آلمائي، أو: الماوي، 3 قال السيرافي: هو تفريع منه وليس بمسموع، وأجاز الأخفش الاستفهام بأي، على وفق: آلمني، قياسا، فيقال: آلآيي، فيصلح للمنسوب إلى العاقل وإلى غيره، والوجه المنع لعدم السماع ولاستقال الياءات، والله أعلم،


(1) محمد بن علي بن اسماعيل الملقب بمبرمان، تلميذ المبرد، وكانت له تصرفات يضيق بها الناس، وكأنه لقب بمبرمان لذلك، توفي في منتصف القرن الرابع، وتقدم ذكره، وقد ذكره الرضى في بعض المواضع بابن مبرمان، ولا وجه لكلمة ابن، (2) إذا نسب إلى الوصف المجرد من معنى المبالغة قيل أحمري وكان الغرض من ذلك تأكيد الوصف، وإذا نسب إلى صيغة المبالغة نحو دواري كان القصصد المبالغة في تأكيد الوصف، (3) كأنه نسب إلى (ما) فضوعف ثانيها وقلب همزة، وعند النسب تبقى الهمزة أو تقلب واوا كما هو موضح في باب النسب، (*)

[ 83 ]

(أسماء الأفعال) (أنواعها - علة بنائها - تنوينها) (قال ابن الحاجب:) (أسماء الأفعال: ما كان بمعنى الأمر أو الماضي، مثل:) (رويد زيدا أي أمهله، وهيهات ذاك أي بعد)، (قال الرضي:) اعلم أنه إنما بنى أسماء الأفعال لمشابهتها مبني الأصل، وهو فعل الماضي والأمر، ولا تقول إن (صة) اسم ل (لا تتكلم) ومه، اسم ل (لا تفعل)، إذ لو كانا كذلك، لكانا معربين، بل هما بمعنى: اسكت، واكفف، وكذا لا نقول ان (أف) بمعنى أتضجر، و (أوه) بمعنى أتوجع، إذ لو كانا كذلك لأعربا كمسماهما، بل هما بمعنى: تضجرت وتوجعت الأنشائيين، ويجوز أن يقال: ان أسماء الأفعال بنيت لكونها أسماء لما أصله البناء، وهو مطلق الفعل، سواء بقي على ذلك الأصل كالماضي والأمر، أو خرج عنه كالمضارع، فعلى هذا لا يحتاج إلى العذر المذكور، والذي حملهم على ان قالوا: إن هذه الكلمات وأمثالها ليست بأفعال مع تأديتها معا ني الأفعال: أمر لفظي، وهو أن صيغها مخالفة لصيغ الأفعال، وأنها لا تتصرف تصرفها، (*)

[ 84 ]

وتدخل اللام 1 على بعضها، والتنوين في بعض، وظاهر كون بعضها ظرفا، وبعضها جارا ومجرورا، 2 وأما تعيين أصولها، وأنها عن أي شئ نقلت، فنقول: النقل عن المصادر والظروف في بعضها ظاهر، كرويد زيدا، وبله زيدا، بنصب المفعول به، وفداء لك الأقوام، بالكسر، وأمامك زيدا، وعليك زيدا، إذ استعمال هذه الكلمات على أصلها كثير، كرويد زيد، وبله زيد، بالأضافة، وفداء لك 3، بالرفع والنصب، وأمامك زيد، برفع زيد، وبعضها يشبه أن يكون مصدرا في الأصل، وإن لم يثبت استعماله مصدرا، كوشكان، وسرعان، وبطآن، وشتان، فإنها، كليان في المصادر، وكهيهات فإنه كقوقاة، ونزال، فإنه كفجار، وتيد، كضرب، فنقول: إنها كانت في الأصل مصادر، لأنه قام دليل قطعي على كونها منقولة إلى معاني الأفعال عن أصل، وأشبه ما يكون أصلها: المصادر، للمناسبة بينهما، وزنا، ولألحاقها بأخواتها من نحو: رويد وبله وفداء، والظاهر في بعضها أنها كانت أصواتا ثم نقلت إلى المصادر ثم منها إلى أسماء الأفعال، ثم نقول: الأصوات المنقولة إلى باب المصادر على ضربين: ضرب لزم المصدرية ولم يصر اسم فعل، نحو: ايها في الكف، وويها في الأعزاء، وواها في التعجب والاستطابة، ولعا، ودعدعا، في الانتعاش، وويلك، وويحك، وويك ووي لعمرو، على ما مر في باب المفعول المطلق، 4 وبعضها انتقل من المصادر إلى أسماء الأفعال، نحو: صه، ومه، وها، ودع أي انتعش، وبس أي ارفق، وهيا، وهلا، وحي، وايه، وهيك وهيك وهيت، وستجيئ معانيها، ويجوز أن يدعى في الضرب الأول أنه انتقل


(1) أي أداة التعريف، والرضى يعبر عنها باللام مرة، وبالألف واللام أخرى وهما رأيان في أصل وضعها، (2) أي منقولا عن الظرف، أو عن الجار والمجرور، (3) إشارة إلى بيت شعر سيأتي ذكره كاملا في الشرح، (4) في الجزء الأول، (*)

[ 85 ]

إلى اسم الفعل، والتنوين فيه كما في: صه، ومه، وايه، وهي مفتوحة لا منصوبة، وفي الضرب الثاني، بقاؤه على المصدرية، وبناؤه لأصله، أعني اسم الصوت، كما مر المفعول المطلق، 1: أخ، وكخ، وأف، وأوه، وبخ، إذا لم تستعمل استعمال المصادر وهو أن تنصب، نحو: أفا، أو تبين بالحرف، كأف لك فالأولى أن يقال ببقائها على ما كانت عليه وأنها لم تصر مصادر ولا أسماء أفعال لعدم الدليل عليه، كما أن الأولى في: فرطك بمعنى تقدم، أو احذر من قدامك، وبعدك، أي احذر من خلفك، وحذارك عمرا، والنجاءك، أن يقال: آنها باقية على المصدرية، إذ لم يقم دليل على انتقالها إلى أسماء الأفعال، والفرط: التقدم، أي: تقدم تقدما، أو: احذر فرطك أي تقدمك، وبعدك، أي: ابعد بعدا، وحذرك وحذارك عمرا، أي احذر عمرا حذرا، أو حذارا، والنجاءك أي: انج النجاء، والكاف حرف، كما في: ذلك، فإذا تقرر هذا، ثبت أن جميع أسماء الأفعال منقولة، إما عن المصادر الأصلية، أو عن المصادر الكائنة في الأصل أصواتا، أو عن الظروف، أو عن الجار والمجرور، فلا تقدح، إذن، باعتبار الأصل، لا في حد الاسم، ولا في حد الفعل، وعدم استعمال بعضها على أصله لا يضر، لما ثبت كونه 2 عارضا بالدليل، إذ رب أصل مرفوض، وعارض لازم،) وأما (آمين) فقيل: سرياني، وليس إلا من أوزان الأعجمية، كقابيل، وهابيل، بمعنى 3: افعل، على ما فسره النبي عليه السلام حين سأله ابن عباس رضي الله عنه، وبني على الفتح، ويخفف بحذف الألف، فيقال: أمين، على وزن كريم، ولا منع أن يقال: أصله القصر ثم مد، فيكون عربيا، مصدرا في الأصل، كالنذير، والنكير، ثم جعل اسم فعل،


(1) في الجزء الأول أيضا، (2) يعني عدم استعمال بعضها على أصله، (3) المراد أن (آمين) بمعنى افعل (*)

[ 86 ]

وكان القياس ألا يقال لاسم الفعل الذي هو في الأصل جار ومجرور، نحو: عليك، وإليك: اسم فعل، لأنا نقول لمثل صه ورويد، انه اسم بالنظر إلى أصله، والجار والمجرور لم يكن اسما، إلا أنهم طردوا هذا الاسم في كل لفظ منقول إلى معنى الفعل نقلا غير مطرد كالمطرد 1، في نحو: رحمك الله، ولم يضرب، فيصح أن يقال في: كذب العقيق 2 بالنصب: ان (كذب) اسم فعل كما يجئ، ثم اعلم أن بعضهم يدعي أن أسماء الأفعال مرفوعة المحل على أنها مبتدأة لا خبر لها، كما في: أقائم الزيدان، وليس بشئ، لأن معنى قائم، معنى الاسم وإن شابه الفعل، أي: ذو قيام، فيصح أن يكون مبتدأ، بخلاف اسم الفعل، فإنه لا معنى للاسمية فيه، ولا اعتبار باللفظ، فإن في قولك: (تسمع بالمعيدي) 3 تسمع مبتدأ، وإن كان لفظه فعلا لأن معناه الاسم، فاسم الفعل، إذن، ككاف (ذلك)، وكالفصل 4 عند من قال انه حرف، كان لكل واحد منهما محل من الاعراب لكونهما اسمين فلما انتقلا إلى معنى الحرفية، لم يبق لهما ذلك، لأن الحرف لا إعراب له، فكذا اسم الفعل، كان له في الأصل محل من الاعراب 5 فلما انتقل إلى معنى الفعلية، والفعل لا محل له من الأعراب في الأصل، لم يبق له محل من الاعراب، كما ذكرنا في المفعول المطلق، 6 وما ذكره بعضهم من أن أسماء الأفعال منصوبة المحل على المصدرية، ليس بشئ، إذ لو كانت كذلك لكانت الأفعال قبلها مقدرة، فلم تكن قائمة مقام الفعل، فلم تكن مبنية،


(1) يعني كالنقل المطرد في جعل الجملة الخبرية الماضية دعائية، وجعل المضارع المنفي بلم ماضيا، (2) إشارة إلى بيت شعر سيأتي كاملا في الشرح، (3) تقدم شرحه (4) أي صيغة الضمير التي يسمونها فصلا، (5) أي حين كان مصدرا، وذلك هو رأي الرضى في أسماء الأفعال وأنها منقولة عن المصادر ولو تقديرا، (6) تقدم في الجزء الأول، (*)

[ 87 ]

ولا نقول في: أمامك 1 بمعنى تقدم، انه منصوب بفعل مقدر، بل النصب فيه صار كفتح فاء جعفر، وكذا لا تقول في: عليك، وإليك، اسمي فعل، إنهما حرفا جر مع مجرورهما متعلقان بمقدر، بل المضاف والمضاف إليه، في الأول صارا ككلمة، وكذا الجار والمجرور في الثاني، فصار اسم المصدر والصوت إذا كانا اسمي فعل: كالفضل، وببة، علمين لذات، وصار المضاف والمضاف إلية، والجار والمجرور في نحو: أمامك وعليك، اسمي فعل، كعبد الله، وتأبط شرا، علمين، فهي منقولة عن أصولها إلى معنى الفعل نقل الأعلام، وليس ما قال بعضهم: ان (صه) مثلا اسم للفظ (اسكت) الذي هو دال على معنى الفعل، فهو علم للفظ الفعل لا لمعناه: بشئ، 2 إذ العربي القح 3، ربما يقول: صه، مع أنه لا يحظر بباله لفظ: اسكت، وربما لم يسمعه أصلا، ولو قلت انه اسم ل: اصمت أو امتنع أو كف عن الكلام أو غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى، لصح، فعلمنا أن المقصود منه المعنى لا اللفظ، وقد صار الفعل اسم فعل، كما في قول عنترة، 440 - كذب العتيق وماء شن بارد * إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي 4 إذ روي بنصب العتيق، وكذا في قول من نظر إلى بعير نضو 5، فقال لصاحبه: كذب عليك البزر والنوى، بنصب البزر،


(1) أي في كل ما كان منقولا عن ظرف، (2) خبر عن قوله: وليس ما قال بعضهم، (3) أي الخالص الباقي علي سليقته العربية، (4) أحد أبيات لعنترة العبسي يوجه فيها الحديث إلى امرأته التي لامته على إيثار فرس له بسقي اللبن، يقول فيها: لا تذكري فرسي وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الأجرب إن الغبوق له، وأنت مسوءة * فتأوهي ما شئت ثم تحوبي والغبوق: اللبن يشرب في المساء، والصبوح: اللبن يشرب في الصباح، فهو يقول لها: اكتفي بالعتيق أي القديم من التمر، وبالشرب من ماء الشن وهو القربة البالية ولا تطالبيني بأكثر من ذلك وإلا فاذهبي عني، والبيت منسوب لغير عنترة في سيبويه 2 / 302، (5) أي مهزول من قلة الطعام، (*)

[ 88 ]

قال محمد بن السري 1 إن مضر تنصب به، واليمن ترفع، فمعنى كذب عليك البزر، أي الزمه وخذه، ووجه ذلك أن الكذب عندهم في غاية الاستهجان ومما يغرى بصاحبه وبأخذه 2 المكذوب عليه، فصار معنى كذب فلان الاعزاء به، أي: الزمه وخذه فإنه كاذب، فإذا قرن بعليك صار أبلغ في الأعزاء، كأنك قلت: افترى عليك فخذه، ثم استعمل في الأعزاء بكل شئ، وإن لم يكن مما يصدر منه الكذب، كقولهم: كذب عليك العسل، أي عليك بالعسلان، 3 قال: وذبيانية أوصت بنيها * بأن كذب القراطف والقروف 4 - 323 أي عليكم بهما، وكذب الحج، أي عليك به، فكما جاز أن يصير نحو: عليك وإليك بمعنى فعل الأمر، فينصب به، جاز أن يصير (كذب)، و (كذب عليك) بمعنى الأمر، فينصب به كما ينصب ب (الزم)، قال أبو علي 5 في: كذب عليك البزر، ان فاعل (كذب) مضمر، أي كذب السمن، أي لم يوجد 6، والبزر منصوب بعليك، أي: الزمه، ولا يتأتى له هذا في قول عنترة: كذب العتيق... على رواية نصب العتيق، وما ذكر ناه أقرب، وأسماء الأفعال حكمها في التعدي واللزوم: حكم الأفعال التي هي بمعناها، إلا أن الباء تزاد في مفعولها كثيرا، نحو: عليك به، لضعفها في العمل، فتعمد بحرف عادته إيصال اللازم إلى المفعول، ولا تتقدم، عند البصريين، منصوباتها عليها، نظرا إلى الأصل، لأن الأغلب فيها


(1) المراد: أبو بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج، (2) أي يغريه المتكلم بأن يأخذ المكذوب عليه، فالمصدر (أخذ) مضاف إلى مفعوله، (3) العسل والعسلان: مشى فيه سرعة (4) تقدم هذا الشاهد في باب الاضافة من الجزء الثاني (5) أي الفارسي، (6) باعتبار أن هذا الكلام قيل في شأن بعير مهزول، فالسمن غير موجود فيه، (*)

[ 89 ]

إما مصادر، ومعلوم امتناع تقدم معمولها عليها، وإما صوت جامد في نفسه منتقل إلى المصدرية ثم منها إلى اسم الفعل، وإما ظرف أو جار ومجرور، وهما ضعيفان قبل النقل أيضا، لكون عملهما لتضمينهما معنى الفعل، وجوز الكوفيون ذلك استدلالا بقوله: 441 - يا أيها المائح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا 1 ودونك، عند البصريين ههنا ليس باسم فعل، بل هو ظرف، خبر لدلوي، أي: دلوي قدامك فخذها، وأكثر أسماء الأفعال بمعنى الأمر، إذ الأمر كثيرا ما يكتفي فيه بالأشارة عن النطق بلفظه، فكيف لا يكتفي بلفظ قائم مقامه، ولا كذلك الخبر، ومعاني أسماء الأفعال، أمرا كانت أو غيره: أبلغ وآكد من معاني الأفعال التي يقال ان هذه الأسماء بمعناها، أما ما كان مصدرا في الأصل، والأصوات الصائرة مصادر ثم أسماء أفعال، فلما تبين في المفعول المطلق 2، فيما وجب حذف فعله قياسا، وأما الظرف، والجار والمجرور فلأن نحو: أمامك، ودونك زيدا، بنصب زيدا، كان في الأصل: أمامك زيد، ودونك زيد، فخذه فقد أمكنك، فاختصر هذا الكلام الطويل، لفرض حصول الفراغ منه بسرعة، ليبادر المأمور إلى الامتثال، قبل أن يتباعد عنه زيد، وكذا، كان أصل عليك زيدا: وجب عليك أخذ زيد، وإليك عني: أي ضم رحلك وثقلك إليك واذهب عني، ووراءك أي: تأخر وراءك، فجرى في كلها 3 الاختصار لغرض التأكيد،


(1) منسوب لراجز جاهلي من بني أسيد، في قصة قتل فيها بنو أسيد: وائل بن صريم بطرحه في بئر، وجعلوا ينشدون حوله هذا الرجز الذي قاله أحدهم تهكما به، ونقل البغدادي في الخزانة انه لأحدى جواري بني مازن، وكان ناجية بن جندب السلمي قد نزل بئرا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات، فطرحت الجارية دلوها إليه ليملأها، ورد عليها ناجية برجز آخر، وفي قصة هذا الرجز حكايات أخرى، والله أعلم، (2) في الجزء الأول من هذا الشرح، (3) تكرر التنبية إلى استعمال الرضي لفظ كل المضاف إلى الضمير تاليا للعوامل اللفظية مع أنه هو قد نبه إلى ضعف هذا الاستعمال في باب التأكيد، (*)

[ 90 ]

وكل ما هو بمعنى الخبر، ففيه معنى التعجب، فمعنى هيهات، أي ما أبعده، وشتان، أي ما أشد الافتراق، وسرعان، ووشكان، أي: ما اسرعه، وبطآن أي ما أبطأه، والتعجب هو التأكيد المذكور، وكلها بلا علامة للمضمر المرتفع بها، وبروزه في شئ منها دليل فعليته، وأنه ليس منها، كهلم، وهيهات، على ما يجيئ، وليس لحاق كاف الخطاب، ولا التنوين في جميع هذه الأسماء قياسا، بل سماع فيقتصر على المسموع، فنقول: الكاف إذا اتصل بهذه الأسماء، نظر، فإما أن يكون متصلا بما هو ظرف، أو حرف جر في الأصل، نحو: أمامك وإليك، أو، لا، فهو في الأول اسم مجرور، نظرا إلى أصله، وفي الثاني ينظر، فإن كان الاسم الذي اتصل به كاف الخطاب مما جاء مصدرا مضافا، واسم فعل معا، نحو: رويد زيد، وزيدا، احتمل أن يكون الكاف اسما مجرورا نظرا إلى كون الاسم مصدرا مضافا إلى فاعله، وأن يكون حرف خطاب نظرا إلى كون الاسم اسم فعل، نحو: رويدك زيدا، وإن لم يجز كون الكاف مضافا إليه فهو حرف، كما في: هاك، إذ لم يأت: هازيد، بالأضافة، كما جاء في: رويد زيد، ومثله: النجاءك، وإن لم يكن اسم فعل، على ما ذهبنا إليه، وقال الفراء: الكاف في جميعها: مرفوع لكونه في مكان الفاعل، وليس بشئ، لأنا نعرف أن الكاف في: عليك وإليك ودونك، هو الذي كان قبل نقل هذه الألفاظ إلى معنى الفعل، وقد كان مجرورا، بلى، يمكن دعوى ذلك في نحو: حيهلك، وهاك، لأن الكاف لم يثبت مع هذين الاسمين قبل صيرورتهما اسمي فعل، مع أن وضع بعض الضمائر موضع بعض خلاف الأصل، وينبغي له أن يقول إن في نحو: رويد، وها، مجردين عن الكاف، ضميرا مستترا كما في: اضرب، ولا يقول بحذف الكاف، لأن الفاعل لا يحذف، وقال الكسائي، الكاف في الجميع منصوب، وهو أضعف، لأن المنصوب قد يجيئ بعدها صريحا، نحو: رويدك زيدا وعليك زيدا،

[ 91 ]

وقال ابن بابشاذ: 1 الكاف في الجميع حرف خطاب، كما في ذلك، كما في ذلك، ويبطل قوله بما أورد على الفراء، وأما التنوين اللاحق لبعض هذه الأسماء، فعند الجمهور للتنكير، وليس لتنكير الفعل الذي ذلك الاسم بمعناه، إذ الفعل لا يكون معرفا ولا منكرا، كما ذكرنا في علامات الأسماء، بل التنكير راجع إلى المصدر، الذي ذلك الاسم قبل صيرورته اسم فعل، كان بمعناه، لأن المنون منها إما مصدر أو صوت قائم مقام المصدر أولا، ثم ينتفل عنه إلى باب اسم الفعل ثانيا، كما مر، فصه، بمعنى سكوتا، وايه بمعنى زيادة، فيكون المجرد من التنوين، مما يلحقه التنوين، كالمعرف، فمعنى صه: اسكت السكوت المعهود المعين، وتعيين المصدر بتعيين متعلقه، أي المسكوت عنه، أي: افعل السكوت عن هذا الحديث المعين، فجاز، على هذا، ألا يسكت المخاطب عن غير الحديث المشار إليه، وكذا مه، أي كف عن هذا الشئ، وايه، أي، هات الحديث المعهود، فالتعريف في المصدر راجع إلى تعريف متعلقه، وأما التنكير فيه، فكأنه للأبهام والتفخيم كما في قوله: ألا أيها الطير المربة بالضحى * على خالد، لقد وقعت على لحم 2 - 338 أي: لحم وأي لحم، فكأن معنى صه: اسكت سكوتا وأي سكوت أي: سكوتا بليغا، أي: اسكت عن كل كلام، وليس ترك التنوين في جميع أسماء الأفعال عندهم دليل التعريف، بل تركه فيما يلحقه تنوين التنكير: دليل التعريف، وقال ابن السكيت 3، والجوهري 4، دخوله فيما يدخل عليه منها دليل كونه موصولا بما بعده، وحذفه دليل الوقف عليه، تقول: صه صه، ومه مه، بتنوين الأول وسكون


(1) تقدم ذكره في أول باب الموصول من هذا الجزء، (2) تقدم في الجزء الثاني، (3) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت من أبرز علماء اللغة والنحو، كوفي المذهب، كما كان رواية للشعر، شرح بعض دواوين الشعراء القدامى، ومن أشهر كتبه: إصلاح المنطق، توفي سنة 244 ه، (4) اسماعيل بن حماد الجوهري صاحب معجم الصحاح، تقدم ذكره في هذا الشرح، (*)

[ 92 ]

هاء الثاني، وقالا 1، في قول ذي الرمة، 442 - وقفنا فقلنا ايه عن أم سالم * وما بال تكليم الديار البلاقع 2 إنما جاء غير منون وقد وصل، لأنه نوى الوقف، فيكون التنوين عندهما في الأصل، تنوين التمكن الدال على كون ما لحقه موصولا بما بعده غير موقوف عليه، جرد عن معنى التمكن في هذه الأسماء وجعل للدلالة على المعنى المذكور فقط، هذا هو الكلام على هذه الأسماء إجمالا، وأما الكلام عليها تفصيلا فنقول: هي إما متعدية، أو لازمة، فمن المتعدية: (ها) وهو اسم (خذ)، وفيه ثماني لغات: الأولى: ها، بالألف مفردة ساكنة للواحد والاثنين والجمع مذكرا كان أو مؤنثا، الثانية: أن تلحق هذه الألف المفردة كاف الخطاب الحرفية، وتصرفها، نحو: هاك، هاكما، هاكم، هاك، هاكن، الثالثة: أن تلحق الألف همزة، مكان الكاف وتصرفها تصريف الكاف، نحو: هاء هاؤما، هاؤم، هاء، هاؤما 3، هاؤن، الرابعة: أن تلحق الألف همزة مفتوحة قبل كاف الخطاب وتصرف الكاف، الخامسة: هأ، بهمزة ساكنة بعد الهاء للكل، السادسة: أن تصرف هذه الخامسة، تصريف: دع وذر،


(1) الضمير راجع إلى ابن السكيت والجوهري، (2) من قصيدة طويلة لذي الرمة، مطلعها: خليلي عوجا عوجة ناقتيكما * على طلل بين القلات وشارع قلات، وشارع اسما موضعين، وليست بيت الشاهد مطلع القصيدة كما قال بعضهم، (3) لا حاجة لتكرار المثال الخاص بالمثنى، إذ لا فرق بين تثنية المذكر وتثنية المؤنث، وهو لم يكرره في اللغة التي قبل هذه، (*)

[ 93 ]

السابعة: أن تصرفها تصريف: خف، ومن ذلك ما حكى الكسائي، من قول من قيل له هاء، فقال: إلام أهاء وإهاء ؟ بفتح الهمزة وكسرها، 1 الثامنة: أن تلحق الألف همزة وتصرفها تصريف: ناد 2، والثلاثة الأخيرة أفعال غير متصرفة، لا ماضي لها ولا مضارع، وليست بأسماء أفعال، قال الجوهري: هاء بكسر الهمزة بمعنى هات، وبفتحها بمعنى خذ، وإذا قيل لك: هاء، بالفتح، قلت: ما أهاء، أي: ما آخذ، وما أهاء، على ما لم يسم فاعله، أي: ما أعطي ؟ وهذا الذي قال، مبني على السابعة، نحو: ما أخاف، وما أخاف، ومنها: هات، بمعنى أعط، وتتصرف بحسب المأمور، افرادا وتثنية وجمعا، وتذكيرا وتأنيثا، فتقول: هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وتصرفه دليل فعليته، تقول: هات لا هاتيت، وهات إن كان بك مهاتاة، وما أهاتيك، كما أعاطيك، قال الجوهري: لا يقال منه: هاتيت، ولا ينهى عنه، فهو، على ما قال، ليس بتام التصرف، وقال الخليل: أصل هات: آت، من آتى يؤتى إيتاء، فقلبت الهمزة هاء، ومن قال هو اسم فعل، قال: لحوق الضمائر به لقوة مشابهته لفظا للأفعال، ويقول في نحو: مهاتاة، وهاتيت: إنه مشتق من: هات، كأحاشي من حاشى، وبسمل من بسم الله، ومنها: بله، أي دع، ويستعمل مصدرا، واسم فعل، كما ذكرنا، فيقال: بله زيد بالاضافة إلى المفعول، كترك زيد، وبله زيد، كدع زيدا، وحكى أبو علي، عن الأخفش أنه يجيئ بمعنى (كيف) فيرفع ما بعده، وينشد قوله:


(1) على لغة من يكسر أول المضارع، فيكون مثل إخال، (2) أمر من نادي، (*)

[ 94 ]

443 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها * بله الأكف، كأنها لم تخلق 1 بنصب الأكف ورفعه وجره، وإذا كان بمعنى (كيف) جاز أن يدخله (من)، حكى أبو زيد 2: إن فلانا لا يطيق أن يحمل الفهر، فمن بله أن يأتي بالصخرة، أي كيف ومن أين، ويروى من بهل، بالقلب، وذكر الأخفش في باب الاستثناء في قوله: 444 - حمال أثقال أهل الود آونة * أعطيهم الجهد مني بله ما أسع 3 أن (بله) حرف جر، كعدا، وخلا، بمعنى سوى، قيل: ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (بله ما أطلعتم عليه)، 4 ومنها: تيد زيدا، أي أمهله، وحكى البغداديون: تيدك زيدا، قال أبو علي: لم يحك أحد لحاق الكاف ببله، قال: وقياس قول من جعله اسم فعل، جواز الحاقها به، فعلى ما قال، كأنه جعل لحاق الكاف الحرفية بجميع أسماء الأفعال قياسا، وفيه نظر، كما مر، قال أبو علي: تيد، من التؤدة، قلبت التاء واوا، وأبدلت الهمزة ياء، كما حكى سيبويه: بيس الرجل، في: بئس، ومنها رويد زيدا، وهو في الأصل تصغير (إروادا) مصدر: أرود أي رفق، تصغير


(1) من قصيدة لكعب بن مالك الأنصاري أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم، قال هذه القصيدة في غزوة الخندق، وهي من جيد الشعر، ومعنى: ضاحيا هاماتها أي منفصلة، (2) تقدم ذكر أبي زيد الأنصاري قريبا، (3) من قصيدة لأبي زبيد الطائي، أولها: من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا * أن الفؤاد إليهم شيق ولع (4) لفظ الحديث القدسي: يقول، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتم عليه، ويروى: من بله ما أطلعتم عليه، أي من غير الذي عرفتموه، (*)

[ 95 ]

الترخيم، أي ارفق به رفقا وإن كان صغيرا قليلا، ويجوز أن يكون تصغير (رود) بمعنى الرفق، عدي إلى المفعول به، مصدرا واسم فعل لتضمنه الامهال وجعله بمعناه، ويجيئ على ثلاثة أقسام، أولها المصدر، وهو أصل الباقيين، نحو: رويد زيد بالأضافة إلى المفعول، ك: (ضرب الرقاب) 1، ورويدا زيدا، كضربا زيدا، الثاني: أن يجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل إما صفة للمصدر نحو: سر سيرا رويدا أي مردودا، أو حال نحو: سيروا رويدا، أي مرودين ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف وقوله تعالى: (أمهلهم رويدا) 2 يحتمل المصدر وصفة المصدر والحال، والثالث، أن ينقل المصدر إلى اسم الفعل لكثرة الاستعمال بأن يقام المصدر مقام الفعل ولا يقدر الفعل قبله، نحو: رويد زيدا، بنصب زيدا، وإنما فتح 3 رعاية لأصل الحركة الاعرابية، وقولهم: رويدك زيدا يحتمل أن يكون اسم فعل والكاف حرف، وأن يكون مصدرا مضافا إلى الفاعل، كما مر، وقد تزاد (ما) على رويد، اسم فعل، كما قال بعض العرب، لصاحبه: لو أردت الدراهم لأعطيتك، رويد ما الشعر، أي دع الشعر، 4 ومن اللازمة: صه، أي اسكت، ومه، أي اكفف، وإيه، أي زد في الحديث


(1) من الآية 4 سورة القتال، (2) الآية 17 سورة الطارق (3) أي الدال من رويد، (4) قال سيبويه 1 / 124: سمعناه من العرب، وقال السيرافي نقلا عن المبرد: هذا رجل مدح رجلا، فقال الممدوح للمادح هذا الكلام، وكأن السيرافي لم يرتض هذا الذي نقله عن المبرد فقال معقبا: وقد يقال إن سائلا سأل آخر أن ينشده شعرا وكان انشاده عليه سهلا، فقال ذلك، يعني: لو طلبت مني الدراهم التي يصعب إعطاؤها لأعطيتك، فدع الشعر الذي يسهل أمره، جاء ذلك بها من النسخة المطبوعة في بولاق من كتاب سيبويه في الموضع السابق ذكره، (*)

[ 96 ]

أو في العمل، وصه ومه، يستعملان منونين وغير منونين، والكسر مع التنوين للساكنين، وزعم الأصمعي 1: أن العرب لا تستعمل (إيه) إلا منونا، وخطأ ذا الرمة في قوله: وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم 2... 443 وقال ابن السري، إنه أراد المنون، إذ معناه: هات حديثا أي حديث كان عن أم سالم، فتركه للضرورة، ومنها: إيها، أي كف عن الحديث واقطعه، ويستعمل لمطلق الزجر، ويجوز أن يكون صوتا قائما مقام المصدر معربا منصوبا، كسقيا ورعيا، أي: كفا، يقال: إيها عنا، ويجوز أن يكون اسم فعل مبنيا، فالتنوين، إذن، كما في صه ومه، وكذا كل تنوين بعد المفتوح من هذه الأسماء يحتمل الوجهين، نحو: رويدا وحيهلا وويها، وجوز ابن السري في: أيها الفتح من غير تنوين على قلة، وأوجب غيره تنوينه، وقد تبدل همزة إيه وأيها، هاء فيقال: هيه، وهيها، ومنها: فداء بالكسر مع التنوين، قال: 445 - مهلا فداء لك الأقوام كلهم * وما أثمر من مال ومن ولد 3 أي: ليفدك، ومنها: هيت، مفتوح الهاء مثلث التاء، كثاء حيث، وفيه لغة رابعة، وهي كسر الهاء وفتح التاء، ومعناه أقبل وتعال، وقال الزمخشري: أسرع، وإذا بين باللام نحو:


(1) عبد الملك بن قريب بن عبد الملك الأصمعي، نسبة إلى جده أصمع، إمام من أئمة اللغة، روى عن أبي عمرو بن العلاء وغيره من المتقدمين، (2) تقدم ذكره قريبا، (3) من معلقة النابغة الذبياني التي أولها: يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد والخطاب في بيت الشاهد للنعمان بن المنذر، والرفع في: فداء، على أنه خبر والأقوام مبتدأ، وتكرر الاستشهاد بأبيات من هذه القصيدة التي يعتبرها بعضهم إحدى المعلقات، (*)

[ 97 ]

(هيت لك 1) فهو صوت قائم مقام المصدر، ك: (أف لكما) 2، إلا أن (أف) يجوز إعرابه إعراب المصادر نحو: أفا لك، وهيت، واجب البناء، نظرا إلى الأصل مع كونه مصدرا، وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام المصدر القائم مقام الفعل، فيكون اسم فعل، مع أنا قد بينا في المفعول المطلق أن جميع الأصوات القائمة مقام المصادر، التي يقال إنها أسماء أفعال، يجوز فيها: أن يقال ببقائها على مصدريتها، وبناؤها، نظرا إلى أصلها حين كانت أصواتا، وهو الأقوى في نفسي، إذ لا ضرورة ملجئة إلى دعوى خروجها عن ذلك الباب، على ما بينا هناك 3، فالأولى، إذن، أن نقول: إن ما هو في صورة المنصوب، نحو: أفا وتفا، مبني على الفتح والتنوين فيه، كما في صه، لأن الأصل بقاء كل شئ على ما كان عليه، ومنها: دع، ودعا، ولعا، ولعلعا، أي انتعش، ودعدعا: تكرير دع، للتوكيد، وقد اشتق منه: الدعدعة بمعنى قول دع دع، للعاثر، ومنها: هلا، وله معنيان: اسكن، وأسرع، قال: 446 - ألا حييا ليلى وقولا لها هلا * فقد ركبت أمرا أغر محجلا 4 أي: أسرعي، ومنها: هيا، وقد يلحقه الكاف نحو: هياك، وقد يحذف الألف فيلزمه الكاف نحو: هيك، وقد يخفف فيقال هيك والمعنى: أسرع، ومنها: قدك، وقطك، وبجلك، وكأن الأصل: قدك وقطك، أي: اقطع هذا الأمر قطعا، فهو في الأصل مصدر مضاف إلى الفاعل، فأقيم مقام الفعل، فبني، فحذف


(1) من الآية 23 في سورة يوسف، (2) من الآية 17 سوره الأحقاف، (3) أي في باب المفعول المطلق في الجزء الأول، (4) أول أبيات للنابغة الجعدي في مهاجاة جرت بينه وبين ليلى الأخيلية الشاعرة، وردت عليه ليلى بأبيات من الوزن والقافية، وقوله أمرا أغر محجلا، يريد أمرا واضحا منكشفا يراه كل الناس وهي الرواية الصحيحة في البيت، وبعضهم يحرفه إلى: ركبت أيرا، وقد خطأ البغدادي هذه الرواية، (*)

[ 98 ]

المدغم فيه تخفيفا، لما قلنا إن وضع أسماء الأفعال على التخفيف، وكذا بجلك، أي: اكتفاءك، يقال: أبجلني أي كفاني، إلا أن الضمير قد يحذف من بجل، بخلاف: قد، وقط، فمعنى: قدك، أي اكتف، ومعنى قدني: لأكتف، قال: قدني مننصر الخبيبين قدي * ليس الأمام بالشحيح الملحد 1 - 391 وقال: 447 - ومتى أهلك فلا أحفله * بجلي الآن من العيش بجل 2 ولم يصر (حسب)، وإن كان قريبا منها في المعنى: اسم فعل، بل هو معرب متصرف، يقع مبتدأ وحالا كما مر، في باب الأضافة، ويجب نون الوقاية في قد، وقط، دون بجل، في الأعرف 3، لكونهما على حرفين دونه، كما مر في باب المضمرات، ومنها: حي، أي أقبل، يعدي بعلى نحو: حي على الصلاة، أي أقبل عليها، وعن أبي الخطاب 4، أن بعض العرب يقول: حيهل الصلاة 5، وقد جاء (حي) متعديا بمعنى: ائت قال: 448 - أنشأت أسأله، ما بال رفقته * حي الحمول فإن الركب قد ذهبا 6 وقد يركب (حي) مع (هلا) الذي بمعنى (أسرع)، و (استعجل)، فيكون المركب بمعنى: أسرع، أيضا، فيعدى: إما بإلى، نحو: حيهل إلى الثريد، وإما بالباء،


(1) تقدم ذكره في الجزء الثاني، (2) من قصيدة قالها لبيد بن ربيعة عرض فيها لما مضى من أيامه، وما جرى له مع النعمان بن المنذر وأظهر أسفه على موت النعمان ثم قال، فمتى أهلك فلا أحفله، أي لا أحفل الهلاك ولا أبالي به، وبعده: من حياة قد سئمنا طولها * وجدير طول عيش أن يمل (3) أي الأشهر من الاستعمال: (4) المراد به: الأخفش الأكبر وهو عبد الحميد بن عبد المجيد أحد شيوخ سيبويه، ونقل عنه في كتابه، (5) نقله عنه سيبويه في ج 2 ص 52، (6) من قصيدة لعمرو بن أحمر الباهلي، نقلها البغدادي عن الروض الأنف للسهيلي وشرحها، (*)

[ 99 ]

نحو: حيهلا بعمر، أي أسرع بذكره، والباء للتعدية، والباء للتعدية، كذهب به، أو بمعنى أقبل فيتعدى بعلى نحو: حيهل على زيد، أو بمعنى: ائت فيتعدى بنفسه نحو: حيهل الثريد، وفي المركب لغات: حيهل، بحذف ألف (هلا) للتركيب حتى يكون كخمسة عشر، وقد تسكن هاؤه لتوالي الفتحات نحو: حيهل، كما قيل في خمسة عشر، وقد يلحقهما التنوين مركبين، فيقال: حيهلا وحيهلا، بفتح الهاء وسكونها، وإذا وقفت على هذين المنونين قلبت تنوينهما ألفا، وإثبات الألف فيهما في الوصل، لغة رديئة، وقول لبيد: 449 - يتمارى في الذي قلت له * ولقد يسمع قولي حيهل 1 سكن اللام فيه للقافية، ولا يجوز في غير الوقف، وفي الكتاب الشعري 2 لأبي علي، حيهل بكسر اللام وتنوينة، وعند أبي علي، حالهما مع التركيب في احتمال الضمير، كحال نحو: حلو حامض، يعني أن في كل منهما ضميرا، كما كان قبل التركيب، وفي المجموع بعد التركيب ضمير ثالث، هو فاعل المجموع، لكون المجموع بمعنى أسرع أو أقبل أو ائت، وعند غيره أن فيهما ضميرا واحدا، وليس في كل واحد منهما ضمير لأنه انمحى عن كل منهما بالتركيب حكم الاستقلال، وأما قوله: 450 - وهيج الحي من دار فظل لهم * يوم كثير تناديه وحيهلة 3 فضمة اللام: حركة إعراب، وهو مفرد بلا ضمير، وذلك أن كل لفظ مبني غير


(1) هذا من قصيدة لبيد المشار إليها قبل قليل، يذكر رفيقه في السفر وقد أمره بالرحيل وحثه عليه، ورفيقه يشك في ذلك ويتباطأ، (2) هو كتاب لأبي علي الفارسي تعرض فيه لحل مشكلات إعرابية في بعض الأبيات، والرضى يسميه كتاب الشعر، والكتاب الشعري، (3) رواه سيبويه بالواو في أوله ج 2 ص 52 وقال أنشدناه هكذا (يعني برفع حيهلة) أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه شعر أبيه، ولم يسم المنشد ولا أباه، وجاء في الخزانة أنه من شواهد سيبويه الخمسين التي لم يعرف (*)

[ 100 ]

جملة نسب إلى لفظه حكم، جاز أن يحكى، كقولك: ضرب فعل ماض، قال: 451 - بحيهلا يزجون كل مطية * أمام المطايا سيرها المتقاذف 1 فحكى، وجاز أن يجري بوجوه الاعراب، كقوله: 452 - ليت شعري وأين مبني ليت * إن ليتا وان لوا عناء 2 وقوله: تناديه وحيهلة، فأعرب، وذلك لأنه صار اسما للكلمة، كما يجيئ في باب العلم، وقد يقال: حيهلك، ومما جاء متعديا ولازما: هلم، بمعنى أقبل، فيتعدى بإلى، قال تعالى: (هلم إلينا) 3، وبمعنى أحضره نحو قوله تعالى: (هلم شهداءكم الذين) 4، وهو، عند الخليل: هاء التنبيه، ركب معها (لم) أمر من قولك: لم الله شعثه، أي جمعه، أي: اجمع نفسك إلينا، في اللازم، واجمع غيرك في المتعدي، ولما غير معناه بالتركيب، لأنه صار بمعنى: أقبل، أو: أحضر، بعد ما كان بمعنى: اجمع، صار كسائر أسماء الأفعال المنقولة عن أصولها، فلم يتصرف فيه أهل الحجاز مع أن أصله التصرف، ولم يقولوا: المم، كما هو القياس عندهم في نحو: اردد، وامدد، ولم يقولوا: هلم وهلم، كما يجوز ذلك في نحو: مد، كل ذلك لثقل التركيب، قال الله تعالى: (هلم شهداءكم) ولم يقل: هلموا، وقال الكوفيون: أصله: هلا أم، وهلا: كلمة استعجال كما مر، فغيرت إلى (هل) لتخفيف التركيب، ونقلت ضمة الهمزة إلى اللام وحذفت، كما هو القياس في نحو:


(1) نسبه سيبويه في ج 2 ص 52 للنابغة الجعدي وتبعه بعض العلماء وشراح شواهده، وقال جماعه انه لمزاحم العقيلي، شاعر إسلامي، وأوردوه في قطعة من الشعر تضمنت هذا البيت: وقالوا نعرفها المنازل من منى * وما كل مني أنا عارف وهو من الشواهد المعروفة في النحو، (2) من أبيات لأبي الطائي وهو في سيبويه ج 2 ص 32، (3) من الآية 18 سورة الأحزاب، (4) من الآية 150 سورة الأنعام، (*)

[ 101 ]

(قد افلح) 1 إلا أنه ألزم هذا التخفيف ههنا، لثقل التركيب، وقال أبو علي في كتاب الشعر 2، ردا عليهم: ان هل بمعنى أسرع مفتوحة اللام فلا يجوز أن يتركب منه: هلم، وقال الزمخشري: يجيئ (هل) ساكن اللام، ضمن (أم)، عند الكوفيين معنى أسرع وأقبل، وتعدى بإلى في اللازم، فقيل: هلم إلي، وأما في المتعدي نحو: هلم زيدا فهو باق على معناه، أي: أسرع واقصد زيدا فأحضره، وبنو تميم يصرفونه، نظرا إلى أصله، وليست بالفصيحة، نحو: هلما، هلمي، هلموا هلممن، وزعم الفراء أن الصواب أن يقال: هلمن، بإبقاء (هلم) على حالها وزيادة نون قبل ضمير الفاعل مدغمة في الضمير ليقع السكون الواجب قبل نون الضمير على تلك النون المزيدة، وتبقى ميم هلم على تشديدها، وفتحها، كما زيدت النون في: مني وعني محافظة على سكون نون من وعن قال: وهذا كما يروى في بعض اللغات من زيادة الألف في نحو: ردات، وذلك أن من العرب من يدغم في رددت، كما أدغم قبل دخول التاء فيزيد ألفا قبل التاء ليسكن ما قبلها كما هو الواجب، ويروى عن بعض العرب: هلمين، بقلب النون المزيدة قبل نون ضمير الفاعل، ياء، وقد يقال: هلم لك مبينا باللام، إجراء له، وإن لم يكن في الأصل مصدرا، مجرى أخواته من أسماء الأفعال التي تبين بحرف الجر، نظرا إلى أصلها الذي هو المصدر، نحو قوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) 3، أي بعدا،


(1) أول سورة المؤمنون، (2) تقدم ذكره قريبا، (3) الآية 36 سورة المؤمنون، (*)

[ 102 ]

وحكى الأصمعي: أنه يقال: هلم إلى كذا فيقول المخاطب: لا أهلم إليه، مفتوحة الهمزة والهاء، وكذا يقال: هلم كذا، فيقول المخاطب: لا أهلمه معدى بنفسه، كأنك قلت: لا ألم، والهاء المفتوحة زائدة أو: لا أؤم على المذهب الآخر، فلم تغير في الجواب الهاء واللام مراعاة للفظ الخطاب، - هذا الذي ذكرنا كله بمعنى الأمر، ومن أسماء الأفعال التي بمعنى الخبر: هيهات، وفي تائها الحركات الثلاث وقد تبدل هاؤها الأولى همزة، مع تثليث التاء أيضا، وقد تنون في هذه اللغات الست، وقد تسكن التاء في الوصل أيضا، لأجرائها فيه مجراها في الوقف، وقد تحذف التاء، نحو: هيها، وأيها، وقد تلحق هذه الرابعة عشرة، كاف الخطاب نحو: أيهاك، وقد تنون، أيضا، نحو: أيها، وقد يقال: أيهان بهمزة ونون مفتوحتين، وقال صاحب المغني 1: بنون مكسورة، وقال بعض النجاة إن مفتوحة التاء مفردة وأصلها هيهية، كزلزلة، نحو: قوقاة 2، قلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والتاء للتأنيث، فالوقف عليها، إذن، بالهاء، وأما مكسورة التاء فجمع مفتوحة التاء، كمسلمات، فالوقف عليها بالتاء، وكان القياس: هيهيات، كما تقول: قوقيات في جمع قوقاة، إلا أنهم حذفوا الألف لكونها غير متمكنة، كما حذفوا ألف (هذا)، وياء (الذي) في المثنى، والمضمومة التاء تحتمل الأفراد والجمع فيجوز الوقف عليها بالهاء والتاء، وهذا كله وهم وتخمين، بل لا منع أن نقول: التاء والألف فيها زائدتان، فهي مثل (كوكب)، ولا منع، أيضا، من كونها في جميع الأحوال مفردة، مع زيادة التاء فقط، وأصلها: هيهية، ونقول: فتح التاء، على الأكثر، نظرا إلى أصله، حين كان مفعولا مطلقا، وكسرت للساكنين، لأن أصل التاء: السكون، وأما الضم فللتنبيه بقوة الحركة على قوة معنى البعد فيه، إذ معناه: ما أبعده كما ذكرنا،


(1) منصور بن فلاح اليمني، من معاصري الرضى، قال في كشف الظنون انه فرغ من تأليف كتابه: المغني في النحو، سنة 672 ه وتقدم ذكره بهذا الوصف في هذا الجزء وما قبله، والرضى لم يذكره باسمه أبدا، (2) مصدر قوقى الدجاج أي صاح، (*)

[ 103 ]

وكان القياس، بناء على هذا الوجه الأخير، أعني أن أصله: هيهية، ألا يوقف عليه إلا بالهاء، وإنما يوقف عليه بالتاء في الأكثر، تنبيها على التحاقها بقسم الأفعال من حيث المعنى، فكانت تاؤها مثل تاء: (قامت)، وهذا الوجه أولى من الوجه الأول، وأيضا، 1 من جعل الألف والتاء زائدتين، لأن باب: قلقال أكثر من باب: سلس، وببر، ومنها: شتان، بمعنى افترق، مع تعجب، أي: ما أشد الافتراق، فيطلب فاعلين فصاعدا، كافترق، نحو: شتان زيد وعمرو، وقد تزاد بعده (ما) نحو: شتان ما زيد وعمرو، وقد يقال في غير الأكثر الأفصح: شتان ما بين زيد وعمر، قال ربيعة الرقي، 453 - لشتان ما بين اليزيدين في الندى * يزيد سليم والأغر ابن حاتم 2 وأنكره الأصمعي وقال: الشعر لمولد، وذلك بناء على مذهبه، وهو أن شتان، مثنى (شت) وهو المتفرق، وهو خبر لما بعده، وموهمه شيئان: أحدهما لغة في شتان وهي كسر النون، والثاني أن المرفوع بعده لا يكون إلا مثنى أو ما هو بمعنى المثنى، ولا يكون جمعا، ولو كان بمعنى افترق لجاز وقوع الجمع فاعلا له، واللغة الفصحي، وهي فتح النون تبطل مذهبه، وأيضا، لو كان خبرا لجاز تأخيره عن المبتدأ، إذ لا موجب لتقدمه، ولم يسمع متأخرا، وكان ينبغي ألا يجوز: شتان ما بينهما بناء على المذهب المشهور، أيضا، وهو أن شتان بمعنى افترق، لأن لفظ (ما) لا يصلح ههنا أن يكون عبارة عن شيئين والمعنى: افترق الحالان اللذان بينهما، إذ لا يقال: بين زيد وعمرو حالتان: بخل وجود، مثلا، على معنى أن إحدى الخصلتين مختصة بأحدهما والأخرى بالآخر، كما يقال في الأعيان بيني وبينك نهران، مع أن يكون أحد النهرين بجنب أحدهما، والآخر بجنب الآخر، بل لا يقال في المعاني: بينهما شئ أو


(1) أي: وأيضا هو أولى من... (2) من شعر ربيعة الرقي، شاعر عباسي من أبيات يمدح بها يزيد بن حاتم المهلبي ويهجو يزيد بن أسيد السلمي من بني سليم، ونقل عن الفارسي أنه قال: رأيت أبا عمرو ينشد هذا البيت على وجه القبول له، وبعض العلماء ينكر الاستشهاد بشعر ربيعة الرقي ومن في منزلته، (*)

[ 104 ]

شيئان أو أشياء إلا إذا كانا مشتركين في ذلك الشئ أو الشيئين أو الأشياء، نحو قولك: بيننا قرابتان، أي مشترك فيهما، فلو فسرنا قوله: شتان ما بين اليزيدين، بمعنى افترق الحالان اللتان بين اليزيدين، وهما: البخل والجود، لكانت كل واحدة من الخصلتين مشتركا فيها، وهو ضد المقصود، فنقول: إنما جاز: شتان ما بينهما، على أن شتان بمعنى: بعد، لأنه لا يستلزم فاعلين فصاعدا، و (ما) كناية عن البون أو المسافة، أي: بعد ما بينهما من المسافة أو البون، ويجوز أن تكون (ما) زائدة، كما كانت من دون (بين)، وشتان بمعنى بعد ويكون (بين) فاعل شتان، كما هو مذهب الأخفش في قوله تعالى: (لقد تقطع بينكم 1)، قال: بينكم مسند إليه، لكنه لم يرتفع، استنكارا لأخراجه عن النصب المستمر له في أغلب استعماله، ومثله قوله تعالى: (ومنا دون ذلك 2)، وقولهم: لي فوق الخماسي ودون السداسي، 3 وقال الزجاج 4: بني شتان على الفتح، لأنه مصدر لا نظير له، وورود (ليان) 5 يكذبه، ومنها: سرعان، ووشكان، مثلثي الفاء، بمعنى: سرع وقرب، مع تعجب، أي ما أسرع وما أقرب، ومنها: بطآن، بضم الباء وفتحها، أي بطؤ، ووجه فتح شتان وما بعدها: ما مر في: هيهات،


(1) من الآية 94 في سورة الأنعام، وفي المطبوعة الأولى: يفصل بينكم، وهو جزء من الآية 3 في سورة الممتحنة ولا يصلح للتمثيل، فهو تحريف بدون ريب، (2) من الآية 11 في سورة الجن، (3) الخماسي أو السداسي: ثوب طوله: خمس أو ست أذرع وتقدم ذكره في باب الاستثناء، (4) ابراهيم بن السري الزجاج من أشهر نحاة البصرة وتكرر ذكره والنقل عنه في هذا الشرح، (5) مصدر لوى بمعنى ما طل في أداء الحق، (*)

[ 105 ]

ومنها: أف، وفيها إحدى عشرة لغة: أف، مضمومة الهمزة، مشددة الفاء مثلثتها، بتنوين ودونه، وإف بكسر الهمزة والفاء، بلا تنوين، وأفى، كبشرى، ممالا، وأف، كخذ، وأفة منونة، وغير منونة، وقد تتبع المنونة (تفة) فيقال: أفة تفة، وقد ترفع (أفة) كويل، ومنها: أوه، بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الهاء، وآه بقلب الواو ألفا، وأوه بكسر الواو مشددة وسكون الهاء، وأوه بكسر الواو مشددة وكسر الهاء بلا إشباع، وأو، بكسر الواو مشددة وحذف الهاء، وآوه وآوه، بفتح الواو مشددة ومخففة وسكون الهاء مع المد، وجاء: أوة بفتح الهمزة وفتح الواو المشددة وكسر التاء، وقد تمد الهمزة في هذه فيقال: آءوه، كآمين في أمين، وليست على وزن فاعلة، إذ لو كانت إياها لا نقلبت اللام ياء، كما في: قاوية من قويت، ويقال في أوة: أوتاه، وفي: آوة، آوتاه بزيادة الألف والهاء كما في الندبة، فتكون الهاء ساكنة في الوقف، ومضمومة أو مكسورة في الوصل كما مر، 1 وجاء: أوية تحقير (أوة) تحقير الأسماء المبهمة بفتح الأول، قال أبو علي: وهذه أجدر، لأنها أقل تصرفا، ويجوز أن تكون تصغير آوة تصغير الترخيم، كحريث في حارث، ومنها الظروف وشبهها، تجر ضمير مخاطب كثيرا، وضمير غائب شاذا قليلا نحو: عليه شخصا ليسني، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من اشتهى منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)، فعندك، ودونك، ولديك، بمعنى: خذ، والأصل: عندك زيد فخذه، وكذا لديك زيد، ودونك زيد، برفع ما بعدها على الابتداء، فاقتصر من الجملة الاسمية والفعلية بعدها، 2 على الظرف، فكثر استعماله حتى صار بمعنى خذ، فعمل عمله، والظروف مبنية على الفتح، لأنه الحركة التي استحقتها في أصلها حين كانت ظروفا،


(1) في باب الندبة من الجزء الأول، (2) المراد بالاسمية: عندك زيد، وبالفعلية: فخذه في شرح المثال الذي أورده، (*)

[ 106 ]

كما قلنا في المصادر الصائرة أسماء أفعال، ولا محل لها كتلك المصادر لقيامها مقام ما لا محل له، ووراءك، أي تأخر، وأمامك أي تقدم، أو احذر من جهة أمامك، ويجوز أن يقال: هما باقيان على الظرفية، إذ هما لا ينصبان مفعولا كعندك، ولديك، فيكون التقدير: استقر وراءك، وكذا مكانك، أي: الزم مكانك، ويقال: عليك زيدا، أي خذه، كأن الأصل: عليك أخذه، ويقال: إليك عني، والأصل: ضم علقك 1 إليك، وتنح عني، فاختصر كما ذكرنا، وسمع أبو الخطاب، 2 من قيل له: إليك فقال: إلي، أي أتنحى، فهو خبر، شاذ، مخالف لقياس الباب، إذ قياس الظروف وشبهها أن تكون أوامر 3، فلا يقال: علي ودوني، قياسا عليه، وأما علي بمعنى أولني أي أعطني، فهو مخالف للقياس من وجه آخر، إذ هو أمر، لكن الضمير المجرور به في معنى المفعول، يقال: علي زيدا أي: قربنيه والقياس أن يكون المجرور فاعلا، وسمع الأخفش: على عبد الله زيدا، أي قربه إياه، وهو أشذ من: علي، لجره المظهر، والكسائي يجوز انجراره 4 بجميع ظروف المكان وحروف الجر، قياسا، وغيره يقصره على السماع، وهو الوجه، ويجوز تأكيدا الضمير المجرور البارز في هذه الظروف وشبهها بالجر 5 نحو: عليك


(1) يعني متاعك وقد شرح المثال قبل ذلك بمثل هذا، (2) الأخفش الأكبر وتقدم ذكره قريبا، (3) أي أسماء لفعل الأمر، (4) المراد: الضمير الواقع بعد هذه الظروف في مثل: دونك وأمامك، وإليك، (5) أي بجر لفظ التأكيد، ومقابلة ما سيقول من جواز رفعه على أنه تأكيد للضمير المستتر... (*)

[ 107 ]

نفسك باعتبار الأصل قبل صيرورتها أسماء أفعال، ويجوز تأكيد الضمير المرفوع المستتر الذي غرض لها باعتبار صيرورتها أسماء أفعال، نحو: عليكم كلكم، بالرفع، (وزن فعال) (وأوجه استعماله) (قال ابن الحاجب:) (وفعال بمعنى الأمر من الثلاثي قياس، كنزال بمعنى انزل) (وفعال مصدرا: معرفة، كفجار، وصفة كفساق: مبني) (لمشابهته له، عدلا وزنة، وعلما للأعيان مؤنثا، كقطام) (وغلاب مبني في الحجاز معرب في تميم، إلا ما آخره راء) (نحو: حضار،). (قال الرضي:) فعال، المبني، على أربعة أضرب: الأول اسم فعل، كنزال بمعنى: انزل، قال سيبويه: 1 هو مطرد في الثلاثي، نظرا إلى كثرته فيه، قال المصنف: لو قيل على مذهبه: ان هذه الصيغة من الثلاثي فعل أمر، لا اسم فعل، لم يكن بعيدا، لأنها جرت من الفعل على صيغة واحدة، كجريان صيغة (افعل)، قال: ولكنه لم يقله أحد منهم لما رأوا أن (فعال) من صيغ الأسماء، وهذه علة ضعيفة لأنه لا منع من اشتراك الأسماء والأفعال في صيغة، كما في: فعل، وفعل، وفعل 2، قال: ولما رأوا من دخول الكسر فيه مع اجتناب العرب من ادخال الكسر على الأفعال، حتى زادوا نون الوقاية حذرا منه، وهذا


(1) ج 2 ص 41، (2) وهي صيغ الفعل الثلاثي المجرد. (*)

[ 108 ]

عذر قريب، وفتح (فعال) من الأمر: لغة أسدية، وأقول: 1 لو كان (فعال)، فعلا، لا تصل به الضمائر، كما في سائر الأفعال، وقال المبرد: فعال، في الأمر من الثلاثي مسموع، فلا يقال: قوام وقعاد، في قم، واقعد، إذ ليس لأحد أن يبتدع صيغة لم تقلها العرب، وليس لنا في أبنية المبالغة أن نقيس، فلا نقول في شاكر، وغافر: شكير، وغفير، قلت: هذا القول منه مبني على أن (فعال) معدول عن: افعل، للمبالغة وكذا يقول أكثرهم، وفيه نظر، كما يجئ، قال الأندلسي: منع المبرد قوي، فالأولى أن يتأول ما قاله سيبويه بأنه أراد بالاطراد: الكثرة، فكأنه قياس، لكثرته 2، وأما في الرباعي، فالأكثرون على أنه لم يأت منه إلا حرفان: قرقار، أي صوت، قال: 454 - قالت له ريح الصبا قرقار 3 والثاني: عرعار، أي: تلاعبوا 4 بالعرعرة، وهي لعبة لهم، قال: 455 - متكنفي جنبي عكاظ كليهما * يدعو وليدهم بها عرعار 5


(1) تعقيب منه على كلام ابن الحاجب في إمكان اعتباره فعل أمر، (2) عبارة سيبويه في ج 2 ص 41 واعلم أن فعال جائز من كل ما كان على بناء فعل، أو فعل، أو فعل، ولا يجوز من أفعلت، لالنا لم نسمعه من بنات الأربعة، (3) هذا في وصف سحاب هبت له ريح الصبا فهيجت رعده، فكأنما قالت له: قرقر بالرعد أي صوت به، وقد نسبه الجوهري إلى أبي النجم العجلي، وأورده بعده: واختلط المعروف بالانكار (4) صيغة فعل أمر من: تلاعب، أي أن الصبيان ينادي بعضهم بعضا بكلمة عرعار، كأنهم يقولون: هيا تلاعبوا، (5) من قصيدة للنابغة الذبياني، وكان صديقا لعمرو بن المنذر، وقوم النابغة من أعداء عمرو، وكانوا قد اعتزموا حربه فبعث إليه النابغة يحذره ويخبره بأنهم متجهون إلى حربه وأنهم نزلوا بعكاظ ومعهم أولادهم يلعبون في كل مكان ينزلون به، ومن أبيات هذه القصيدة: من مبلغ عمرو بن هند آية * ومن النصيحة كثرة الانذار (*)

[ 109 ]

قال المبرد: لم يأت في الرباعي عدل أصلا، وإنما قرقار، حكاية صوت الرعد، وعرعار: حكاية أصوات الصبيان، كما يقال: غاق غاق، قال السيرافي: الأولى: ما قال سيبويه، لأن حكاية الأصوات لا يخالف فيها الأول الثاني، مثل: غاق غاق، ولو أرادوا الحكاية لقالوا: قار قار، وعند الأخفش: فعلال، أمرا من الرباعي: قياس، واعلم أن مذهب النجاة: أن (فعال) هذه معدولة عن الأمر الفعلي، للمبالغة، وهذه الصيغة للمبالغة في الأمر، كفعال، وفعول مبالغة فاعل، وكذا قالوا في: شتان، ووشكان، وسرعان: آنها معدولة، والفتحة فيها هي الفتحة التي كانت في الفعل المعدول عنه، قال عبد القاهر: 1 أصل (نزال): انزل انزل انزل، ثلاثا أو أكثر، والثلاث وما فوقها: جمع، والجمع مؤنث، فقيل: انزلي، ألحقوا الفعل الياء التي هي ضمير المؤنث دليلا على التكرار المثلث، كما ألحقوا الألف في: (ألقيا في جهنم) 2، دليلا على التكرار المثنى، وأصله: ألق، ألق، والمراد بالتكرار: المبالغة، ثم عدلوا: نزال عن: انزلي، فنزال، إذن، مؤنث كانزلي، يعني أنهم جعلوا الألف التي هي دليل تثنية الفاعل، دليل تثنية الفعل للتكرير، والياء التي هي دليل تأنيث الفاعل علامة تأنيث الفعل، أي كونه مكررا ثلاثا أو أكثر، قال: ودليل تأنيث (فعال) الأمري، قوله: 456 - ولأنت أشجع من أسامة إذ * دعيت نزال ولج في الذعر 3


(1) الامام عبد القاهر الجرجاني، إمام في النحو وفي البلاغة، نقل عنه الرضى في هذا الشرح وتقدم ذكره، (2) الآية 24 سورة ق، (3) قال البغدادي ان رواية البيت على هذه الصورة ملفقة من بيتين لشاعرين مختلفين، فالصدر الذي هنا: من شعر المسيب بن علس وتمامه:... يقع الصراخ ولج في الذعر والعجز الذي في الشرح من شعر زهير بن أبي سلمي، وصدره ولنعم حشو الدرع أنت إذا... وهو في سيبويه 2 / 37 (*)

[ 110 ]

هذا كلامه، والذي أرى أن كون أسماء الأفعال معدولة عن ألفاظ الفعل: شئ لا دليل لهم عليه، والأصل في كل معدول عن شئ ألا يخرج عن نوع المعدول عنه، أخذا من استقراء كلامهم، فكيف خرج الفعل بالعدل من الفعلية إلى الاسمية، وأما المبالغة فهي ثابتة في جميع أسماء الأفعال، على ما بينا قبل، لا من الوجه الذي ادعى عبد القاهر، وتأنيث الفعل في: دعيت نزال، لا يدل على أن أصل نزال: فعل أمر مكرر، بل هو لتأويل (نزال) باللفظة أو الكلمة أو الدعوة، كما يجيئ في باب العلم، وكذا لا يخلو قسما 1 المصدر والصفة من معنى المبالغة، فحماد، ولكاع: أبلغ من: الحمد، ولكعاء: الثاني: من أقسام فعال، المصدر، وهو، على ما قيل، مصدر معرف مؤنث، ولم يقم لي، إلى الآن، دليل قاطع على تعريفه ولا تأنيثه، ومذهبهم أنه من أعلام المعاني، كروبر 2، وسبحان، على ما يجيئ في باب العلم، وربما استدل على تأنيث اسم الفعل والمصدر بتأنيث الصفة وعلم الشخص طردا، فإنهما مؤنثان اتفاقا، إذ لا يطلقان إلا على المؤنث كما يجيئ، وهذا استبدلال عجيب، وقيل: فجار معرفة في قوله: 457 - إنا اقتسمنا خطيتنا بيننا * فحملت برة واحتملت فجار 3 لتعريف قرينته، وهي (برة)، وهذا الدليل كالأول في الغرابة، إذ حمل كلمة على أخرى في التأنيث أو التعريف مع عدم استعمال المحمولة معرفة ومؤنثا شئ بديع، بلى، لو ثبت وصف نحو: فجار بالمؤنث المعرف، نحو: فجار القبيحة مثلا، جاز الاستدلال


(1) أي القسمان الآخران من أقسام فعال، وسيتحدث عنهما بعد قليل، (2) زوبر، علم جنس على معنى الأحاطة والشمول، ومن شواهد استعماله قول الفرزدق: إذا قال غاد من تنوخ قصيدة * بها جرب عدت علي بزوبرا أي بكمالها وكل ما فيها وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، انظر شرح ابن يعيش على مفصل الزمخشري ج 1 ص 38 (3) من قصيدة للنابغة الذبياني، وهو يقصد زرعة بن عمر والكلابي، وكانت بينهما مهاجاة، وأول هذه القصيدة: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها * يهدى إلي غرائب الأشعار (*)

[ 111 ]

به على الأمرين، التأنيث، والتعريف، على أن السيرافي جوز كون (برة) بمعنى البارة، فكذا يكون (فجار) كأنه قال: احتملت الخصلة البارة، واحتملت الخصلة الفاجرة، فهما صفتان غالبتان، صائرتان بالغلبة علمين، كما يجيئ في القسم الثالث، ولو سلمنا، فأيش 1 الدليل على تعريف كل ما هو من هذا القسم ؟ ! على أن قولهم في الظباء 2: إذا وردت الماء فلا عباب، أي: فلا عب، وإذا لم ترد فلا أباب، أي: لا أب، أي لا نزاع إليه، وقول المتلمس: 458 - جماد لها جماد ولا تقولي * طوال الدهر ما ذكرت: حماد 3 أي: قولي لها: جمودا، ولا تقولي لها حمدا وشكرا، وقول العرب: لا مساس، أي: لامس، ظاهرة 4 في التنكير، ومن كان مذهبه أن جميع أوزان فعال، أمرا، أو صفة، أو مصدرا، أو علما مؤنثة، فإذا سمي بها مذكر، وجب عدم انصرافها، كعناق 5، ويجوز عند النجاة جعلها منصرفة، كصباح، وهذا منهم دليل على ترددهم في كونها مؤنثة، الثالث: الصفة المؤنثة، ولم يجئ في صفة المذكر، وجميعها تستعمل من دون الموصوف، وهي، بعد ذلك، على ضربين: إما لازمة للنداء، سماعا، نحو: يا لكاع أي: يا لكعاء، ويا فساق، ويا خبات، أي: يا فاسقة ويا خبيثة، ويا رطاب 6، ويا دفار 7، وكذا: يا خصاف ويا حباق كلاهما بمعنى الضراطة، ويا خزاق من الخزق وهو


(1) تعبير يستعمله الرضى كثيرا، ومعناه أي شئ، وينكره بعض اللغويين ويقول إنه مولد وتكرر ذكره، (2) في الظباء أي في شأنها وبيان أحوالها، وهو أنها إذا وردت الماء، لاتعب منه ولا تكثر من شربه، وإذا لم ترده لم تشتق إليه، (3) من أبيات للمتلمس، شاعر جاهلي، اسمه جرير بن عبد المسيح، وفي رواية: ولا تقولن بخطاب المقرر المذكر مؤكدا بالنون الخفيفة، (4) خبر عن قوله فيما سبق: على أن قولهم... يعني أن هذه الأمثلة التي أوردها ظاهرة في التنكير، (5) العناق بفتح العين: الصغيرة من المعز، (6) كلمة شتم للأمة، يكنى بها عن رطوبة فرجها، (7) يعني نتنة الريح، (*)

[ 112 ]

الذرق 1، ولا تجيئ هذه اللازمة للنداء علما للجنس، أي لا تكون بسبب الغلبة في موصوف بحيث تصير علما له، كالصعق 2 ونحوه على ما يجيئ في الأعلام، وإما غير لازمة للنداء، وهي على ضربين: أحدهما ما صار بالغلبة علما جنسيا، كما في: أسامة، وهو الأكثر، وذلك نحو: حلاق وجباذ للمنية، كانت في الأصل صفة عامة لكل ما يحلق به، ويحبذ، أي يجذب، ثم اختصت بالغلبة بجنس المنايا، وكذا: حناذ وبراح للشمس، من الحنذ، وهي الشي 3، والبراح وهو الزوال، وكلاح وأزام وجداع للسنة، وسباط للحمي، لانسباطها في البدن، من الشعر السبط، ومثله كثير، ككرار للخرزة التي تؤخذ بها المرأة زوجها، سميت كرار، لأنها تكر الزوج أي ترده، بزعمهم، يقال: يا كرار كريه، ان أدبر فردية، وان أقبل فسريه، وفشاش وحياد وصمام، للداهية لأنها تفش، أي تخرج ريح الكبر، وتحيد أي تميل، سميت به تفاؤلا، وتصم أي تشتد، يقال: فشاش فشيه من استه إلى فيه، أي أخرجي ريح الكبر منه، من استه مع 4 فيه، ويقال: حيدي حياد، أي: ارجعي يا راجعة، ويقال: صمي صمام، أي اشتدي يا شديدة، أي: زيدي في الشدة، أو: ابقي على شدتك، كالتأويلين في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) 5، ويقولون عند طلوع من يكرهون طلعته: حداد حديه، أي: يا داهية الحادة المانعة، وفياح للغارة، يقولون: فيحي فياح، أي اتسعي يا متسعة على تأويل: صمي صمام، ويقال: كويته وقاع، وهي علم كية 6 على الجاعرتين، وانتصابها على المصدر من (كؤيته)


(1) الذرق إخراج ما في البطن كذرق الطائر، (2) علم غالب على خويلد بن نفيل، كان قد قتل بصاعقة، أو أنه كان كلما سمع صيحة شديدة صعق، فغلب عليه هذا الوصف، (3) مصدر: شوى اللحم يشويه، (4) إشارة إلى أن (إلى) في المثال بمعنى (مع)، (5) الآية 5 سورة الفاتحة، (6) أي علم على نوع من الكي بالنار على جانبي الدبر، (*)

[ 113 ]

أي: كية واقعة لازمه، ويقال: طمار، للمكان المرتفع، كأنها طامرة أي واثبة، ويقال للضبع: فثام، وجعار، وفشاح، من القثم وهو الجمع، ومن الجعر ومن الفشح، وهو تفريج ما بين الرجلين، فهذه وأمثالها: أعلام للجنس بدليل وصفها بالمعرفة نحو: حناذ الطالعة ولو لم تكن معارف، لم يجز حذف حرف النداء معها، نحو: فشاش فشيه، وحداد حديه، وحيدي حياد، كما مر في باب النداء، والضرب الثاني من غير اللازمة للنداء: ما بقيت على وصفيتها، نحو: قطاط، أي: قاطة كافية، قال: 459 - أطلت فراطهم حتى إذا ما * قتلت سراتهم كانت قطاط 1 وسببته سبة تكون لزام، أي لازمة، ولا تبل فلانا عندي بلال، أي بالة، أي لا يصيبه عندي ندى، ولا يصله مني صلة، وقال: 460 - وذكرت من لبن المحلق شربة * والخيل تعدو في الصعيد بداد 2 أي مبتددة متفرقة، فهي حال، والرابع: الأعلام الشخصية، وجميع ألفاظها مؤنثة، وإن كان المسمى بها مذكرا، أيضا، وأما قوله:


(1) من أبيات لعمرو بن معد يكرب الزبيدي قالها قبل الأسلام في معركة بين قومه وبين بني مازن من الأزد، وكانوا قد قتلوا أخاه عبد الله، يقول فيها: تمنت مازن جهلا خلاطي * فذاقت مازن طعم الخلاط وأراد بالخلاط: الاختلاط معه في الحرب، (2) قائله عوف بن عطية الخرع (على وزن كتف) يرد على لقيط بن زرارة، ويعيره بفراره وعدم حماية أخيه معبد بن زرارة حين أسره الأعداء، إذ يقول: هلا كررت على ابن أمك في الوغى * والعامري يقوده بصفاد وقوله: وذكرت من لبن المحلق شربة، إشارة إلى أن فراره كان حرصا منه على الحياة والاستمتاع بما فيها من أكل وشرب، (*)

[ 114 ]

461 - قد كنت أحسبكم أسود خفية * فإذا لصاف تبيض فيه الحمر 1 بتذكير الضمير الراجع إلى (لصاف)، فلتأويله 2 بالموضع، ويروى: تبيض فيها، ولصاف: منزل من منازل بني تميم، - وخصاف: فحل، وفي المثل: أجرأ من خاصى خصاف، وذلك أنه طلبه بعض الملوك من صاحبه للفحلة 3، فمنعه، وخصاه، وكذا حضار، في كوكب، وظفار: مدينة، وقد يسمى بنحو هذه المؤنثة رجل، كما يسمى بنحو: سعاد وزينب، وقطام، وحذام، وبهان، وغلاب، وسجاع: لنسوة معينة، وسكاب لرمكة 4، وكساب وخطاف، لكلبتين، ومناع وملاع لهضيتين، ووبار، وشراف لأرضين، وعرار لبقرة، وجميع المصادر، والصفات مبنية اتفاقا، وقد اختلف في علة بنائها، قال المبرد: فيها ثلاثة أسباب: التأنيث والعدل والعلمية، قال: بسببين يسلب الاسم بعض التمكن، فيستحق بالثلاثة زياده السلب، وليس بعد منع الصرف إلا البناء، وفي قوله نظر، وذلك لأنه لم يقم دليل، كما ذكرنا، على عدلها، ولا على علمية المصادر، ولا على علمية جميع الأوصاف، بل قام على علمية بعضها، كما مضى، ولو ثبت التأنيث في المصادر لم يؤثر بدون العلمية، ولو سلمنا اجتماع الثلاثة فهو منقوض بنحو: أذربيجان، فإن فيه أكثر من سببين، وبنحو: عمر، إذا سمي به مؤنث، فإنه، إذن، معرب اتفاقا مع اجتماع التأنيث فيه، والعدل والعلمية، وقيل: بنيت لتضمن تاء التأنيث، وبعد تسليم تقدير تاء التأنيث في المصادر، فهو


(1) لصاف: اسم ماء بين مكة والبصرة لبني يربوع، والحمر بتشديد الميم طيور صغيرة ضعيفة، والبيت لأبي المهوس الاسدي في هجاء نهشل بن حري وهو أحد أبيات استطرد فيها إلى هجاء بني تميم إذا يقول عنهم: وإذا تسرك من تميم خصلة * فلما يسوؤك من تميم أكثر (2) جواب قوله: وأما قوله قد كنت أحسبكم.. الخ (3) أي إلقاح الأناث من إبله، (4) الرمكة: الفرس أو الأنثى من البغال تتخذ للنسل، (*)

[ 115 ]

منقوض بنحو: هند، ودار، ونار، مما لا يحصى، وقال المصنف: لمشابهته نزال، فورد عليه نحو: سحاب وكهام وجهام 1، من المعربات، فضم إلى الوزن العدل، فإن ادعى العدل الحقق فما الدليل عليه، وثبوت الفجور، وفاسقة، لا يدل على كون فجار وفساق معدولين عنهما، إذ من الجائز ترادف لفظين في معنى، ولا يكون أحدهما معدولا عن الآخر، وإن ادعى العدل المقدر، لاضطرار وجودهما مبنيين، إلى ذلك، كما ذكر لمنع صرف (عمر) وهو الظاهر من كلامه، فما الدليل على كون نزال الذي هو الأصل معدولا، وقد قلنا قبل ذلك ما عليه، وإن قدر العدل في الأصل، أيضا، فهو تكلف على تكلف، والأولى أن يقال: بنى قسم المصادر، والصفات، لمشابهتها لفعال الأمري وزنا ومبالغة، بخلاف نحو: نبات، وكلام، وقضاء، فإنه لا مبالغة فيها، وأما الأعلام الجنسية، كصرام 2، وحداد، فكان حقها الأعراب لأن الكلمة المبنية إذا سمي بها غير لفظها وجب إعرابها، كما إذا سمي بأين، شخص، على ما يجيئ في باب الأعلام، لكنها بنيت، لأن الأعلام الجنسية أعلام لفظية على ما يجيئ في باب العلم، فمعنى الوصف باق في جميعها، إذ هي أوصاف غالبة، وأما الأعلام الشخصية، كقطام، وحذام، فبنو تميم جروا فيها على القياس بإعرابهم لها غير منصرفة، أما الاعراب فلعريها عن معنى الوصفية، وأما عدم انصرافها فلما فيها من العلمية والتأنيث، وبناء أهل الحجاز لها مخالف للقياس، إذ لا معنى للوصف فيها حتى يراعى البناء الذي يكون لها في حال الوصف، لكنهم رأوا أنه لا تضاد بين الوصف والعلمية من حيث المعنى، كما مر في باب ما لا ينصرف 3، فبنوها بناء الأوصاف وإن كانت مرتجلة، غير منقولة عن الأوصاف، اجراء لها مجرى العلم المنقول عن الوصف، لأنه أكثر من غير،


(1) الكهام السيف الكليل الذي لا يقطع، والجهام: السحاب الذي لا ماء فيه، (2) علم جنس للحرب، أو للداهية، (3) باب ما لا ينصرف.. في الجزء الأول من هذا الشرح، (*)

[ 116 ]

أو نقول: أجروا الأعلام الشخصية مجرى الأعلام الجنسية في البناء، لجامع العلمية، وقال المصنف: هي معربة غير منصرفة عند بني تميم، لاجتماع العدل والعلمية فيها، وينتقض ذلك عليه باجتماع العدل والوصف في نحو: فساق عند النجاة، والعدل والعلمية في: فشاش وفياح ونحوهما من الأعلام الجنسية مع اتفاقهم على بنائها، وفي ادعاء العدل في الأقسام الأربعة نظر، كما مضى، وهذا مذهب الأقل من بني تميم، وأما مذهب الأكثر منهم، وفصحائهم فإنهم يمنعون صرف الأعلام الشخصية إلا ما كان آخره راء، نحو حضار فإنهم يبنونه، وذلك لأن تقديري الأعراب والبناء في الشخصية مستقيمان لكن قد يرجح أحد التقديرين لغرض، وغرض تخصيص البناء بذي الراء: قصد الامالة، إذ هي أمر مستحسن، والمصحح للامالة ههنا: كسرة الراء، وهي لا تحصل إلا بتقدير علة البناء، لأنه إذا أعرب ومنع الصرف لم يكسر، وإذا بني كسر دائما، فإذا كان كذا، كان تقدير علة البناء للغرض المذكور أولى من تقدير علة منع الصرف، وإن كان أيضا، مستقيما بالوضع، وأما القليل من بني تميم، فقد جروا على قياس منع الصرف في الجميع، دون قياس البناء، وقال المصنف في القسم الأخير، أي العلم الشخصي: ان فيه عند أهل الحجاز عدلا تقديريا، أي ليحصل بذلك مشابهة هذا القسم لباب نزال، بالوجهين: العدل والوزن، فيحصل موجب البناء، إذ لو اكتفى بالوزن لوجب بناء باب سلام، وكلام، قال وإنما كان العدل تقديريا، إذ ليس لنا قاطمة، وحاذمة، عدل عنهما قطام وحذام، كما أنه ليس لنا عامر، المعدول عنه عمر، قال: وعند فصحاء بني تميم في نحو: حضار: العدل التقديري والوزن، وفي نحو قطام: التأنيث والعلمية، لأننا غير مضطرين، لمنع الصرف، إلى العدل، إذ الكفاية حاصلة بالتأنيث والعلمية، قال: وبعضهم يقدر فيه أيضا، العدل، لأنه من باب حضار، المضطر فيه إلى تقدير العدل، أي من باب العلم الشخصي، فيطرد تقدير العدل في جميع أفراد العلم الشخصي، لما اضطروا في بعضه، أي ذي الراء، إلى هذا، وقد مر الكلام على تقدير العدل، (*)

[ 117 ]

(الأصوات) (أنواعها، وأحكامها) (قال ابن الحاجب:) (الأصوات: كل لفظ حكي به صوت، أو صوت به للبهائم) (فالأول، كفاق، والثاني، كنخ)، (قال الرضي:) اعلم أن الألفاظ التي تسميها النجاة أصواتا، على ثلاثة أقسام: أحدها: حكاية صوت صادر، إما عن الحيوانات العجم، كغاق، أو عن الجمادات، كطق، وشرط الحكاية أن تكون مثل المحكي، وهذه الألفاظ مركبة من حروف صحيحة، محركة بحركات صحيحة، وليس المحكي كذلك، لأنه شبه المركب من الحروف، وليس مركبا منها، إذ الحيوانات والجمادات لا تحسن الافصاح بالحروف إحسان الأنسان، لكنهم لما احتاجوا إلى إيراد أصواتها التي هي شبه المركب من الحروف، في أثناء كلامهم، أعطوها حكم كلامهم من تركيبها من حروف صحيحة، لأنه يتعسر عليهم، أو يتعذر، مثل تلك الأجراس الصادرة منها، كما أنها لا تحسن مثل الكلام الصادر من جنس الأنس، إلا في النادر، كما في الببغاء، فأخرجوها على أدني 1 ما يمكن من الشبه بين الصوتين، أعني الحكاية والمحكي، قضاء لحق الحكاية، أي كونها كالمحكي سواء، فصار الواقع


(1) أي على أقرب ما يمكن من الشبه، (*)

[ 118 ]

في كلامهم كالحكاية عن تلك الأصوات، وثانيها: أصوات صادرة عن فم الأنسان غير موضوعة وضعا، بل دالة طبعا على معان في أنفسهم، كأف، وتف، فان المتكرة لشئ يخرج من صدره صوتا شبيها بلفظ (أف) ومن يبزق على شئ مستكره يصدر منه صوت شبيه بلفظ (تف)، وكذلك (آه) للمتوجع أو المتعجب، فهذه وشبهها أصوات صادرة منهم طبعا، كأح، لذي السعال، إلا أنهم لما ضمنوها كلامهم لاحتياجهم إليها، نسقوها نسق كلامهم وحركوها بتحريكه، وجعلوها لغات مختلفة، كما مر من لغات: أف، وأوه، وثالثها: أصوات صوت بها للحيوانات عند طلب شئ منها: إما المجئ كألفاظ الدعاء، نحو: جوت، وقوس، ونحوهما، وإما الذهاب، كهلا، وهج، ونحوهما، وإما أمر آخر، كسأ، للشراب، وهدع للتسكين، 1 وهذه الألفاظ ليست مما تخاطب به هذه الحيوانات العجم حتى يقال: إنها أوامر أو نواه، كما ذهب إليه بعضهم، لأنها لا تصلح لكونها مخاطبة لعدم فهمها للكلام، كما قال الله تعالى: (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء) 2، بل كان أصلها أن الشخص كان يقصد انقياد بعض الحيوانات لشئ من هذه الأفعال، يصوت لها إما بصوت غير مركب من الحروف، كالصفير للدابة عند إيرادها الماء، وغير ذلك، وإما بصوت معين مركب من حروف معينة، لا معنى تحته، ثم يحرضه، مقارنا لذلك التصويت، على ذلك الأمر إما بضربه وتأديبه، وإما بإيناسه وإطعامه، فكان الحيوان يمتثل المراد منه، إما رهبة من الضرب، أو رغبة في ذلك البر، وكان يتكرر مقارنة ذلك التصويت لذلك الضرب أو البر، إلى أن يكتفي الطالب بذلك الصوت عن الضرب أو البر، لأنه كان يتصور الحيوان من ذلك الصوت ما يصحبه من الضرب أو ضده، فيمتثل عقيب الصوت عادة


(1) سيأتي تفسير هذه الكلمات، (2) الآية 171 من سورة البقرة، (*)

[ 119 ]

ودربة، فصار ذلك الصوت المركب من الحروف، كالأمر والنهي، لذلك الحيوان، انما وضعوا لمثل هذا الغرض صوتا مركبا من الحروف، ولم يقنعوا بساذج الصوت، لأن من حيث هو متشابه الأفراد وتمايزها بالتقطيع والاعتماد بها على المخارج سهل، الأفعال المطلوبة من الحيوانات مختلفة، أرادوا اختلاف العلامات الدالة عليها، فركبوها من الحروف، وماذ كرنا من الترتيب 1 يتبين من كيفية تعليم الحيوانات كالدب، والقرد، والكلب وغير ذلك، هذا، وأنا لا أرى منعا من ارتكاب صيرورة هذه الأصوات المقارنة في الأصل للضرب أو البر، لما استغنى بها الطالب عنهما، أسماء 2 أفعال بمعنى الأمر، كما ذهب إليه بعضهم، فتكون أوامر ونواهي، لأن الله سبحانه وتعالى جعل العجماوات في فهم المطلوب من هذه الأصوات بمنزلة العقلاء، فلا بأس بأن تخاطب، وتكلم بما تفهمه كالعقلاء، ثم نقول: إنما سميت الأقسام الثلاثة أصواتا، وإن كان غيرها من الكلام أيضا، صوتا، لأن هذه، في الأصل: إما أصوات ساذجة كحكاية أصوات العجماوات والجمادات أو أصوات مقطعة معتمدة على المخارج لكنها غير موضوعة لمعان كالألفاظ الطبيعية، وكما يصوت به للحيوان، وهذه الأقسام الثلاثة ليست في الأصل كلمات، إذ ليست موضوعة، فسميت باسم ساذج الصوت، فقيل: أصوات، ثم جعلت الثلاثة بعد هذا الأصل، لاحتياجهم إلى استعمالها في أثناء الكلام، كالكلمات 3، فعاملوها معاملتها، فصرفوها تصريف الأسماء فأدخلوا التنوين الذي هو من أخص علامات الأسماء في بعضها نحو، غاق، وأف، والألف واللام في بعضها، وذلك 4 إذا قصدوا لفظ الصوت لا معناه، كقوله: باسم الماء 5، وقوله: كما رعت بالجوت، فهو كقولك: أمرته


(1) يريد ما ذكره من التدرج في تدريب الحيوانات وتعويدها على إدراك ما يراد من الصوت المعين، (2) خبر عن المصدر الذي هو صيرورة، مصدر صار، من أخوات كان، (3) مرتبط بقوله: ثم جعلت الثلاثة، (4) راجع إلى إدخال الألف واللام، (5) هو وما بعده إشارة إلى بيتين من الشعر يأتي ذكرهما قريبا، (*)

[ 120 ]

باضرب، أي بهذا اللفظ، وجعلوا معاني بعضها معاني المصادر، فحينئذ، إما أن تعربها إعراب المصادر، نحو: واها لك، أو، لا نحو: (أف لكما) 1، فهذه الأصوات من الكلمات، كالنسناس من الناس، صورتها، صورتها وماهيتها غير ماهيتها، إذ ليست موضوعة في الأصل لمعنى كالكلمات، والتنوين فيما دخله: تنوين الألحاق، وتنوين المقابلة، كما قيل في تنوين مسلمات، وليس ما قاله بعضهم من أن تنوين نحو: غاق للتنكير: بشئ، إذ لا معنى للتعريف والتنكير فيه، ولا منع أن نقول في تنوين نحو: صه، وإية، مثل هذا 2 لما تقدم في أسماء الأفعال، أن نحو صه، كان صوتا، ونستريح، إذن، مما تكلفناه هناك لتوجيه التنوين، على ما سبق، من الوجهين، وإنما بنيت أسماء الأصوات، لما ذكرنا من أنها ليست في الأصل كلمات قصد استعمالها في الكلام، فلم تكن في الأصل منظورا فيها إلى التركيب الذي هو مقتضى الأعراب، وإذا وقعت مركبة، جاز أن تعرب 3، اعتبارا بالتركيب العارض، وهذا إذا جعلتها بمعنى المصادر، كآها منك مثل (أف لكما)، وإذا قصدت ألفاظها لا معانيها، قال جهم بن العباس: 462 - ترد يحيهل وعاج وإنما * من العاج والحيهل جن جنونها 4 وقال: تداعين باسم الشيب في متثلم * جوانبه من بصرة وسلام 5 - 8 وقال:


(1) تقدمت وهي من الآية 17 سورة الأحقاف (2) أي أن التنوين فيه للالحاق والمقابلة، (3) يعني وأن تبني، (4) قال البغدادي عند ذكر هذا البيت ان نسبته إلى جهم بن العباس أرها إلا في كلام الرضى، ولا أعرف جهما وأن تبنى، (5) تقدم في الجزء الأول من هذا الشرح، (*)

[ 121 ]

463 - دعاهن رد في فارعوين لصوته * كما رعت بالجوت الظماء الصواديا 1 على الحكاية مع الألف واللام، وتقول: زجرته بهيد وبهيد، وهذا كما تقول، في الكلمات المنية إذا قصدت ألفاظها: ليت شعري وأين مني ليت * ان ليتا وإن لوا عناء 2 - 452 و: لا يحد الله بأين، ولا بأين 3 على ما يجيئ في الاعلام إن شاء الله تعالى، والأعراب مع اللام أكثر من البناء نحو: من العاج والحيهل بالجر، وباسم الشيب، لكونها علامة الاسم الذي أصله الأعراب، وهذا كما يحكى عن بعض البغداديين: كل الأين وكل الأين معربا ومبنيا، مع اللام، ومثله: ما يحكى أن الخليل قال لأبي الدقيش 4: هل لك في ثريدة كأن ودكها عيون الضياون، فقال: أشد الهل، معربا، والألف واللام لا توجب الأعراب، بدليل: الآن، والذي، والخمسة عشر، وأما إذا أدخلت التنوين في هذه الأسماء، فإن قصدت بها ألفاظها، كقوله، بحيهل 5 وعاج، فإعرابها واجب، لأنه، إذن، تنوين التمكين، وإن أدخلته من غير هذا القصد، كما في: غاق، وصه فهي مبنية، لأنه تنوين الالحاق والمقابلة، لا تنوين التمكن، كما مر، هذا هو الكلام عليها إجمالا، وأما الكلام عليها تفصيلا، فنقول: من الأصوات التي هي حكاية عن أصوات الأنسان، أو العجماوات، أو الجمادات: طيخ، وهو


(1) البيت لعويف بن معاوية من بني حذيفة، ويقال له عويف القوافي، بسبب قوله: سأكذب من قد كان يزعم أنني * إذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا وبيت الشاهد يصف فيه مدى انقياد القوافي إليه، والضمير في دعاهن للقوافي، وقالوا: أراد بردفه: شيطانه من الجن كما هو معروف من اعتقاد العرب أن لكل شاعر شيطانا من الجن يعينه على قول الشعر، (2) تقدم في هذا الجزء، (3) أي بالأعراب والبناء، (4) أبو الدقيش، أحد الأعراب الذين كان يستنطقهم الخليل وغيره من العلماء المتقدمين، والودكة: الدهن الذي يوضع فوق الثريدة، والضياون جمع ضيون وهو السنور، وقوله: أشد الهل: أشد أفعل تفضيل أي أقواه وزاد بعضهم... وأوحاه أي أسرعه، وكنى بالهل في قوله أشد الهل عن الرغبة التي تضمنها سؤال الخليل، (5) البيت السابق قبل قليل، (*)

[ 122 ]

حكاية صوت الضاحك، وعيط: حكاية صوت الفتيان إذا تصايحوا في اللغب، وغاق بكسر القاف، وقد ينون، وهو صوت الغراب، وشيب: حكاية صوت مشافر الأبل عند الشرب، ومنها: ماء بميم ممالة وهمزة مكسورة بعد الألف، وقيل: هو بهمزة ساكنة وميم مفتوحة: صوت الظبية إذا دعت ولدها، وطاق، بكسر القاف، وطق، كلاهما حكاية صوت وقع الحجارة بعضها على بعض، وقب، حكاية وقع السيف على الضريبة، 1 ومن الأصوات التي يصوت بها للبهائم: هلا لزجر الخيل، أي توسعي في الجري، وقد تزجر به الناقة أيضا، وعدس: لزجر البغل، وقد سمي به بغل، وفي قوله: عدس ما لعباد عليك امارة * نجوت وهذا تحملين طليق 2 - 416 زجر، وليس باسم البغل، والا لم يسكن آخره، إلا أن يقال: أجرى الوصل مجرى الوقف، وهيد: زجر للأبل، بكسر الهاء وفتحها، وكذلك الدال بلا تنوين، ففيه أربع لغات، وهاد بفتح الدال، بمعناه، وقد أعربهما الشاعر لما قصد اللفظ فقال: 464 - حتى استقامت له الآفاق طائعة * فما يقال له هيد ولا هاد 3 أي: لا يمنع من شئ، ولا يزجر عنه، ويقال: أتاهم فما قالوا له: هيد ولا هاد،


(1) الضريبة كل ما يقع على السيف حين يضرب به شئ، (2) تقدم في هذا الجزء، (3) لابراهيم بن هرمة، الشاعر العباسي الذي يقول عنه علماء النحو انه آخر من يستشهد بشعره، والرواية في شعر ابن هرمة هكذا: اني إذا الجار لم تحفظ محارمه * ولم يقل دونه هيد ولا هاد بكسر الدال في الكلمتين، أما صيغة البيت التي أوردها الشارح فهي رواية الجوهري الذي أورده بضم الدال في الكلمتين أيضا، وقال البغدادي انه يستبعد أن يكون بيت الجوهري من شعر ابن هرمة لاحتمال أن يكون من قول شاعر آخر، والله أعلم، (*)

[ 123 ]

أي لم يسألوه عن حاله، وسع، وجه، لزجرها، وقد يقال للسبع أيضا: جه، وحوب، مثلث الباء، بتنوين ودونه، زجر للأبل أيضا، وكدا: حاي وعاي بياء مكسورة بعد الألف، منونة وغير منونة، وحاء وعاء بهمزة مكسورة بعد الألف منونة وغير منونة، وقد يقصران، ويقال إذا بنيت الفعل منهما: حاحيت وعاعيت بإبدال الألف ياء، وأصلهما: حاحى وعاعى، كما تقول: لا ليت، لمن أكثر من قول: لا، لا وتقول جي، وجوت: دعاء لها إلى الشرب، وحل: زجر للناقة وكذا: هيج، بفتح الهاء وكسر الجيم أو سكونها، وكذا: عاج بكسر الجيم منونا وغير منون، وهدع: تسكين لصغار الأبل إذا نفرت، ودوه: بكسر الهاء وقد تسكن: دعاء للربع، 1 ونخ بفتح النون وتشديد الخاء المفتوحة أو المكسورة، وقد تخفف مسكنة: صوت اناخة البعير، وكذا: هيخ، وايخ، بكسر أولهما، ويجوز في الخاءين: الكسر والسكون، ويقال لزجر الغنم: إس مكسورة الهمزة ساكنة السين، وكذا: هس وقيل بضم الهاء وفتح السين المشددة، وكذا: هج، بفتح الهاء وسكون الجيم، ويقال، أيضا، في تسكين الأسد والذئب والكلب وغيرها، وقد تكسر الجيم منونة، وكذا، هجا، وقع، وقاع، لزجر الغنم أيضا، وبس: دعاء لها، بضم الباء وسكون السين، وقيل: السين مفتوحة مشددة، وثئ، بكسر الثاء، وقيل بفتحها وسكون الهمزة: دعاء للتيس عند السفاد، وحج، وعه، وعيز بكسر العين والزاي، وروي فتح العين: زجر للضأن وسأ، وتشؤ، للحمار المورد، وعوه، دعاء للجحش، وهي دعاء للفرس، ودج: صياح بالدجاج، وقوس: زجر للكلب، بسكون السين، وقس دعاء له، وده، بفتح الدال وسكون الهاء أو تشديدها: زجر مطلقا، بمعنى اضرب، وأصله فارسي، وقد جعلت بمعنى المصدر مراعى أصلها في البناء في قولهم:


(1) الربع بضم الراء وفتح الياء: الفصيل من الأبل يولد في أول الربيع، (*)

[ 124 ]

465 - (إن لا ده فلا ده) 1 ومن الأصوات الدالة على أحوال في نفس المتكلم: وي، وهي للتندم، أو التعجب وقد ذكرنا في المفعول المطلق 2 أن (ويل) عند الفراء، أصله (وي)، وأن اللام كان حرف جر، وكان الأصل: وي لك، أي عجب لك، ثم كثر استعماله معه حتى ركب معه وصار لام الفعل 3، وصار: ويلك كقولك 4 حتى قالوا: ويلا وويل، ومذهب غيره أن ويل، وويح، وويس، وويب: كلمات برأسها بمعنى الهلاك، وأنها مصادر لا أفعال لها: وقولهم: ويلمه، ويروى بكسر اللام وضمها، فالضم على وجهين: إما أن يقال: الأصل: ويل أمه، مبتدأ محذوف الخبر، أي: هلاكها حاصل، أي: أهلكها الله، وهذا كما يقال في التعجب: قاتله الله، فإن الشئ إذا بلغ غايته: يدعى عليه، صونا له عن عين الكمال 5، كما قال:


(1) أصل هذا الكلام أن صاحب الثأر يلقى خصمه فلا يتعرض له فيقال له: ان لاده فلاده، يعني إذا لم تضربه الآن فلن تضربه بعد ذلك، وهذا يوافق قول الرضي ان معناه الضرب، وقوله آنها كلمة فارسية هو أحد الأقوال، وقال بعضهم أنها مأخوذة من ذه، اسم الأشارة، وقيل غير ذلك، وقد جاء هذا المثل في رجز لرؤبة أوله: لله در الغانيات المده * سبحن واسترجعن من تأله المده أي المدح جمع مادحة، وفي هذا الرجز: فاليوم قد نهنهنى تنهنهي * وأول حلم ليس بالمسفة وقول: ان لاده فلاده.... وقوله: أول حلم: أي رجوع العقل، (2) في الجزء الأول، (3) يعني أن كلمة وى، امتزجت باللام فصارت كأنها كلمة على وزن فعل، فأصبحت اللام بمنزلة لام الكلمة الثلاثية الأصول، (4) نتيجة ما تقدم من امتزاج وى باللام أصبح لفظ ويلك مثل لفظ قولك، (5) أي صونا له عن إصابته بالعين أي بالحسد الذي يصب كل شئ كامل، فكلمة عين، مصدر عانه أي أصابه بالعين يعني حسده، (*)

[ 125 ]

466 - رمى الله في عيني بثينة بالقذى * وفي الغر من أنيابها بالقوادح 1 وقولهم: قاتله الله من شاعر، فحذفت الهمزة على غير القياس تخفيفا، لما صار: ويلمه ككلمة واحدة مفيدة لمعنى: عجبا، وإما أن يقال: أصله: وي لأمه، أي عجبا لها، أي ولد ولدت، فنقل ضمة الهمزة إلى اللام المتحركة على غير القياس، وحذفت الهمزة على غير القياس مع صحتها، وأما نحو: ويكأن، نحو (ويكأن الله يبسط الرزق...) 2 فهو عند الخليل وسيبويه: وي التي للتعجب، ركبت مع (كأن) مثقلة، كما في الآية، أو مخففة، كما في قوله: 467 - وي كأن من يكن له نشب يحبب، ومن يفتقر يعش عيش ضر 3 وفي هذا القول نوع تعسف في المعنى، لأن معنى التشبيه غير ظاهر في نحو قوله تعالى: (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) إلى قوله (ويكأنه لا يفلح الكافرون)، وفي قوله: ويكأن من يكن له نشب، وقال الفراء: وي، كلمة تعجب، ألحق بها كاف الخطاب، كقوله: 468 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر أقدم 4


(1) رجح البغدادي أنه لجميل بثينة، على المعنى الذي ذكره والقوادح جمع قادح وهو داء يصيب الأسنان فتسود، ومن العجيب ان بعضهم يخرج البيت عن هذا المعنى الجميل الذي قاله الشارح فيقول ان المراد بالعينين في البيت: الرقيبان، وان المراد بالعز من أثيابها: سادة قومها وكبراؤهم الذين يحولون بينها وبينهم، وهو كلام غريب حقا، انظر الخزانة، (2) هذا الجزء وما سيأتي بعده من الآية 82 في سورة القصص: (3) من شعر لزيد بن عمرو بن نفيل، يصف ما يلقاه الأنسان حين يفتقر من أقرب الناس إليه حتى نسائه، وفي هذا الشعر يقول عن امرأتين له: سالتاني الطلاق أن رأتاني * قل مالي، قد جئتماني بنكر بتخفيف الهمزة من سألتاني وإبدالها ألفا على غير قياس، (4) من شعر عنترة بن شداد العبسي، من المعلقة، (*)

[ 126 ]

أي: ويلك، وعجبا منك، وضم إليها (أن)، ومعنى (ويكأنه لا يفلح الكافرون)، ألم تر، كأن المخاطب كان يدعي أنهم يفلحون فقال له: عجبا منك، فسئل: لم تتعجب منه، فقال: لأنه لا يفلح الكافرون، فحذف حرف الجر مع أن وأن كما هو القياس، واستدل على كونه بمعنى: ألم تر، بأن أعرابية سألت زوجها: أين ابنك، فقال: ويكأنه وراء البيت، أي: ألم تري أنه وراء البيت، ثم لما صار معنى (ويكأن): ألم تر، لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع، بل لزمت حالة واحدة، وهذا الذي قاله الفراء أقرب من جهة المعنى، ومن هذا النوع 1: أف، وأوه، وقد ذكرناهما في أسماء الأفعال، ومنه: حس، بفتح الحاء وكسر السين، كلمة يقولها الأنسان إذا أصابة بغتة ما يمضه ويوجعه، كالحجرة والحزة، ومنه: بخ، وهي كلمة تقال عند الأعجاب والرضى بالشئ، وتكرر للمبالغة فيقال: بخ بخ، فإن وصلته، خففته، ونونته مكسور الخاء، وربما شدد منونا مكسورا، قال الشاعر، وقد جمعهما: 469 - روافده أكرم الرافدات * بخ لك بخ لبحر خضم 2 وإذا بين باللام، فهو مستعمل المصادر، كما مضى، وحكى ابن السكيت 3: به به، بمعنى: بخ بخ، ومنه: إخ بكسر الهمزة وفتحها وخاء مشددة مكسورة، وكذا: كخ بكاف مكسورة وقد جعله الشاعر في قوله: 470 - وصار وصل الغانيات أخا 4


(1) أي من النوع الذي هو صوت دال على شئ في نفس المتكلم به، (2) تكفل الشارح بشرح وجه الاستشهاد بالبيت، وقال البغدادي: لم أقف على قائله، (3) يعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق، تقدم ذكره في هذا الجزء، (4) نسبه بعضهم للعجاج، والأشهر أنه لامرأة من العرب قالته لزوجها بعد أن كبر، ورد عليها زوجها برجز = (*)

[ 127 ]

ويروى: كخا، كالمصدر 1، فأعربه، وهو مصدر بمعنى المفعول، أي مكروها، ومنه: طيخ، حكاية صوت الضاحك، وشيب: صوت مشافر الأبل عند الشرب، وعيط، صوت الفتيان إذا تصايحوا في اللعب، كلها مكسورة الآخر، 2 ومنه: مض بكسر الميم والضاد على المشهور، ونقل في ضاده الفتح، وهو اسم صوت يخرج عند المتطق بالشفتين، أي التصويت بانفراج احداهما عن الأخرى، عند رد المحتاج، وليس الرد بمثله رد إياس بالكلية، بل فيه اطماع ما، من حيث العادة، ومن ثمة قيل: إن في: (مض) لمطمعا، ولما لم يكن هذا الصوت الخارج عند التمطق، مما يمكن أن يركب من شكله وشبهه كلمة، صيغت كلمة، وهي (مض) وسمي الصوت بها فصار (مض) كالحكاية عن ذلك الصوت، فبني بناء سائر الحكايات عن الأصوات،


= آخر، والقصة في خزانة الأدب، (1) مرتبط بقوله: وقد جعله الشاعر... الخ، (2) من قوله: ومنه طيخ إى هنا، مكرر كما هو واضح وليس موجودا في أكثر نسخ هذا الشرح كما أشير إلى ذلك بهامش المطبوعة الأولى، وهذا من دلائل الاضطراب في نسخة المتعددة، (*)

[ 129 ]

(المركبات) (معنى المركب، وصور التركيب) (قال ابن الحاجب:) (المركبات: كل اسم من كلمتين ليس بينهما نسبة)، (قال الرضى:) لا يطلب في الحد العموم، فلا حاجة إلى قوله (كل)، وإنما يطلب فيه بيان ماهية الشئ ولم يكن قوله (اسم)، أيضا محتاجا إليه، كما في سائر الحدود المتقدمة، لأنه في قسم الأسماء، ولعله ذكره لبيان الوحدة، أي: اسم واحد حاصل من تركيب كلمتين، وليس من هذا الوجه، أيضا، محتاجا إليه، لأن المشهور أن أقسام الاسم والفعل والحرف المذكورة في أبواب النحو: كلمات مفردة، وقوله (من كلمتين)، أي حاصل من تأليفهما، وإنما قال: كلمتين، ليدخل فيه المركب من اسمين، ومن فعلين، ومن حرفين، ومن اسم وفعل، أو حرف، ومن فعل وحرف، قوله (ليس بينهما نسبة) أي ليس قبل العلمية 1 بينهما نسبة، قال: إنما قلت ذلك ليخرج المضاف والمضاف إليه، والجملة المسمى بها، لأن بين جزأيهما نسبة قبل العلمية،


(1) قد يكون ذلك إشارة منه إلى ما سيعقب به من أن هذا الحد لا يشمل إلا ما كان تركيبه لأجل العلمية، وكان يكفي أن يقول: ليس بينهما نسبة قبل التركيب، (*)

[ 130 ]

وليسا بمبنين بعد التسمية بهما، وكلامنا في المركبات المبنية، أما المضاف والمضاف إليه فظاهر عدم بنائهما بالتركيب، وأما الجملة فلا توصف قبل العلمية، لا بالأعراب ولا بالبناء، لأنهما من عوارض الكلمة لا الكلام، وأما بعد العلمية فهي محكية اللفظ، على ما يجيئ، فلا يطلق عليها أنها معربة في الظاهر أو مبنية، لاشتغال حرفها الأخير بالحركة التي كانت عليه، إعرابية أو بنائية، أو بالسكون الذي كان كذلك، وقد خرج عن هذا الحد بعض المحدود، لأن المركب المقدر فيه حرف العطف نحو خمسة عشر، أو حرف جر، نحو: بيت بيت: بين جزأيه نسبة ما، وهي نسبة العطف وغيره، ولا يدخل في هذا الحد إلا ما ركب لأجل العلمية، أو كان مركبا قبلها، ثم اعل أن المركب على ضربين، وذلك لأنه إما مركب للعلمية، أو كان مركبا قبلها، والأول على ضربين: وذلك لأنه إما أن يكون في الجزء الأخير قبل التركيب سبب البناء، أو، لا، فإن كان، فالأولى والأشهر: إبقاء الجزء الأخير على بنائه، مراعاة للأصل، ويجوز إعرابه إعراب ما لا ينصرف، ويجوز، أيضا، لكن على قلة: إضافة صدر المركب إلى الأخير، تشبيها لهما بالمضاف والمضاف إليه تشبيها لفظيا، كما جاءت في (معد يكرب) كما يجيئ، فيجيئ في المضاف إليه: الصرف والمنع، كما يجيئ، ولا يستنكر إضافة الفعل والحرف، ولا الأضافة إليهما، لأنهما خرجا بالتسمية عن معناهما، المانع من الأضافة، هذا هو القياس، على ما قيل، وإن لم يسمع في نحو: سيبويه الأضافة وأما الجزء الأول، فواجب البناء إن لم يضف إلى الثاني، لكونه محتاجا إلى الثاني، فيشابه الحرف، فيبنى على الفتح إن كان معربا في الأصل أو مبنيا على غير الفتح، ويجوز حكاية حركات المبني وابقاؤه على حركته أي حركة كانت، أو سكونه، وهذا النوع تسعة أقسام: لأن الثاني إما اسم والأول اسم، نحو سيبويه، أو فعل نحو: جاءويه، أو حرف نحو: من ويه، وإما فعل 1 خال من الضمير، والأول اسم، نحو: أنا ضرب، أو فعل نحو: خرج ضرب، أو حرف، نحو: من ضرب، وإما حرف، والأول اسم، نحو:


(1) راجع إلى الثاني من الجزأين، وكذلك قوله بعد: واما حرف، (*)

[ 131 ]

أين من، أو فعل نحو: ضرب من، أو حرف نحو: عن من، وإن لم يكن في الأخير قبل التركيب سبب البناء، كمعد يكرب، وبعلبك، فالأولى بناء الجزء الأول 1، لما ذكرنا من احتياجه إلى الثاني، وجعل الثاني غير منصرف، وقد يبنى الثاني، أيضا، تشبيها بما تضمن الحرف، نحو خمسة عشر، لكونهما، أيضا، كلمتين: احداهما عقيب الأخرى، وهو ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه، أيضا كذلك، وقد يضاف صدر هذا المركب إلى عجزه، فيتأثر الصدر بالعوامل ما لم يعتل، كمعد يكرب، فإن حرف العلة يبقى في الأحوال ساكنا، وللعجز، حينئذ، ما له مفردا من الصرف وتركه، وبعضهم لا يصرف المضاف إليه وإن كان قبل التركيب منصرفا، اعتدادا بالتركيب الصوري، كما اعتد به في إسكان ياء معد يكرب وهو ضعيف مبني على وجه ضعيف، أعني على الأضافة، أما ضعفه فلأن التركيب الأضافي غير معتد به في منع الصرف، وأما ضعف الأضافة، فلأنها ليست حقيقية، بل شبه المضاف والمضاف إليه تشبيها لفظيا من حيث هما كلمتان إحداهما عقيب الأخرى، ولو كان مضافا حقيقة لا نتصب ياء معد يكرب، في النصب، 2 والثاني: أي الذي كان مركبا قبل العلمية، على ضربين: وذلك أنه إما أن يكون الجزء الثاني قبل العلمية معربا مستحقا لاعراب معين لفظا أو تقديرا، أو، لا، فإن كان، وجب ابقاؤه على ذلك الأعراب المعين، وكذا يبقى الجزء الأول على حاله من الأعراب المعين إن كان له قبل ذلك، كما في الجملة الاسمية والفعلية إذا كان الفعل معربا، أو من الأعراب العام، إن كان كذلك قبل العلمية كما مر في المضاف والمضاف إليه، نحو: عبد الله، والاسم العامل عمل الفعل، نحو: ضرب زيدا وحسن وجهه، ومضروب غلامه، كل ذلك، احتراما لخصوص الأعراب أو عمومه، وإن لزم منه دوران الأعراب على آخر الجزء الأول، الذي هو كبعض الكلمة، وكذا يترك الجزء الأول على البناء إن


(1) المراد من البناء هنا: حركة البنية، وليس البناء المقابل للاعراب، (2) يعني لظهرت حركة النصب وهي الفتحة، لأنه حينئذ يكون منقوصا تظهر عليه الفتحة في حالة النصب كما هو حكم كل منقوص، (*)

[ 132 ]

كان في الأصل مبنيا، كما في الفعلية إذا كان الفعل مبنيا، وكما في: سيضرب، وسوف يضرب، ولن يضرب ولم يضرب، وكذا في نحو: أزيد، وهل زيد، و: لزيد، إذ الأسماء بعد هذه الأحرف مبتدأة 1 في الظاهر، قال سيبويه 2: المسمى بالمعطوف مع العاطف من دون المتبوع واجب الحكاية، إذ العاطف إما عامل، أو كالعامل، على ما مر في باب التوابع، وكذا كل اسم معمول للحرف، نحو: إن زيدا، وما زيد، ومن زيد، إلا أن حرف الجر فيه تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يكون أحاديا أو، لا، فإن كان، فعند سيبويه والخليل، فيه الحكاية لا غير، إذ لا يجوز جعله كالمضاف كما في الثنائي والثلاثي، وقال الزجاج: يجوز جعله كالمضاف بأن تزيد عليه حرفين 3 من جنس حركته مدغما أحدهما في الآخر، وتعربه إعراب المضاف كما تزيدهما عليه إذا سميت به وهو مفرد 4، كما يجيئ في باب العلم، هذا قوله: والأولى أن تزيد حرفا، لأن الحرفين إنما زدتهما عليه في حال الأفراد، لئلا يسقط حرف اللين للساكنين فيبقى المعرب على حرف، ومع الأضافة، لا تنوين حتى يلتقي ساكنان، وإن كان على حرفين، فعند الخليل، وهو ظاهر مذهب سيبويه 5، أنه يجب إعراب الأول إعراب المضاف لا غير، فإن كان ثانيهما حرف مد، زدت عليه حرفا من جنسه، كما تقول في المسمي ب: (في زيد): في زيد، مشددة الياء، كما تزيده في الأفراد، على ما يجيئ في باب العلم، والأولى ترك الزيادة، لأنه آمن من بقاء المعرب على حرف بسبب الأضافة، وأجاز


(1) أي مبدوء بها الكلام، وليس المراد المعنى الاصطلاحي، (2) انظر سيبويه ج 2 ص 68 (3) أي حري علة من جنس حركته، (4) يعني بدون تركيب، (5) انظر سيبويه ج 2 ص 66، (*)

[ 133 ]

الزجاج الحكاية في الثنائي، أيضا، وكذا الخلاف في الثلاثي حكاية، وإعرابا، نحو: منذ شهر، 1 وإن لم يكن الأول حرف جر، فالحكاية، كما ذكرنا لا غير، اتفاقا منهم، نحو: أزيد، ولزيد، وإنما اختص حرف الجر بذلك، لكون المجرور بعد التسمية، في صورة المضاف إليه، والمضاف لا يكون محكيا، كما لا يكون المفرد محكيا، كذا قال سيبويه، هذا، وقد جاء صدر الجملة المسمى بها مضافا إلى عجزه، إذا لم يكن الصدر ضميرا، تشبيها للجزأين بالمضاف والمضاف إليه، كما مر، والأولى أن يجوز، أيضا، الضمير 2، لخروجه عن معناه، لو ثبت إضافة الفعل أو الحرف بعد التركيب، كما مر، وكذا يبقى الجزء الثاني على حاله إذا كان قبل مستحقا لأعراب معين لكنه كان مع ذلك مبنيا على حركة مشابهة لحركة الأعراب كما في: يا زيد، ولا رجل، فيحكى الجزآن على ما كانا عليه قبل التسمية اجراء للحركة البنائية مجرى ما شابهته من الأعرابية، وإن لم يكن الثاني قبل العلمية مستحقا لخصوص اعراب، فلا يخلو من أن يكون مما له قبل العلمية مطلق اعراب مع التركيب، أو، لا، فان كان، وهو من التوابع الخمسة مع متبوعاتها لا غير، بقي التابع مع المتبوع على ما كانا عليه قبل التسمية من تعاقب الأعراب عليهما، كما قلنا في المضاف والاسم العامل عمل الفعل، ويراعى الأصل في الصرف وتركه أيضا، فيصرف (عاقلة ظريفة) سواء سمي به رجل أو امرأة، لأن المسمي به ليس واحدا من الاسمين، بل المجموع، وليس المجموع اسما مؤنثا، فإن سميت بعاقلة، وحدها فالأكثر ترك الصرف لأن اللفظ مفرد، ويجوز صرفها على الحكاية، إجراء لها مجرى الصفة والموصوف، وإن كان اسما، فكأنك سميت بامرأة عاقلة كما تقول: الحسن، والحسين، والحارث، باللام، اعتبارا لأصل الصفة، وإذا سميت (بطلحة وزيد)، لم تصرف الأول،


(1) يعني في حالة تركيب الاسمين والتسمية بالمركب، (2) أي إضافة الضمير، (*)

[ 134 ]

إذ هو غير منصرف قبل التسمية بهذا المركب، فإن أردت بطلحة، واحدة الطلح، لا اسم شخص، صرفته كما كان مصروفا قبل التسمية، وكان القياس أن يحكى المعطوف عطف النسق مع وجود المتبوع، كما حكي بلا متبوع، لأن العاطف كالعامل على ما مر، إلا أنه لما لم يكن في المتبوع قبل الوصول إلى التابع مقتضي إعراب خاص، أجرى بوجوه الأعراب، وتبعه المعطوف، ولم يتبع الأول الثاني، لئلا يصير المتبوع تابعا، ويجوز في التوابع مع متبوعاتها: اجراؤها مجرى نحو: معد يكرب في وجهي التركيب والأضافة، إلا عطف النسق، فإن حرف العطف مانع منهما، فإن حذف حرف العطف قبل العلمية فبناؤهما أولى بعدها لقيام موجبه في كليهما أما في الأول فالاحتياج إلى الثاني، وأما في الثاني فتضمن الحرف، ويجوز، كما في معد يكرب: اعراب الثاني إعراب غير المنصرف مع التركيب ويجوز، أيضا، كما فيه: 1 إضافة الأول إلى الثاني، مع صرف الثاني وتركه، وكذا كل ما تضمن الثاني فيه حرفا، وإن لم يكن عاطفا، من نحو: بيت بيت، يجوز فيه الأوجه الثلاثة بعد العلمية، وإنما جاز إعراب الثاني مع كونه متضمنا للحرف في الأصل، لأن ذلك المعنى انمحى بالعلمية، وإن لم يكن للجزء الثاني قبل العلمية، لا مطلق الأعراب ولا معينه، فالحكاية لا غير، نحو المسمى بما قام، وقد قام، وكلما، وإذا ما، وكأن، ولعل، ونحوها، وهذا هو تمام الكلام فيما سمي به من المركب،


(1) أي كما في معد يكرب، وتقدم أن في إعرابه وجهين، وإن كان أشهرهما إعراب الثاني، ولزوم آخر الأول للفتح ما لم يكن معتلا، (*)

[ 135 ]

(المركب العددي) (والمركب المزجي) (قال ابن الحاجب:) (فإن تضمن الثاني حرفا، بنيا، كخمسة عشر، وحادي) (عشر وأخواتهما، إلا اثني عشر، وإلا: أعرب الثاني) (كبعلبك وبني الأول في الأفصح)، (قال الرضي:) اعلم أن أصل خمسة عشر: خمسة وعشر، حذفت الواو قصدا لمزج الاسمين وتركيبهما، وإنما مزج هذا المعطوف بالمعطوف عليه، دون مثل قولك: لا أب وابنا، 1 لأن الاسمين معا ههنا عدد واحد، كعشرة، وكمائة، بخلاف نحو: لا أب وابنا، وإنما مزجوا النيف مع هذا العقد، بخلاف سائر العقود نحو: عشرين، وأخواته، ومائة، وألف، لقرب هذا المركب من مرتبة الآحاد التي ألفاظها مفردة، وبني الأول لكونه محتاجا إلى الثاني، فشابه الحرف، وبني الثاني، لتضمنه الحرف العاطف، وبنيا على الحركة للدلالة على عروض البناء، وأن لهما في الأعراب أصلا، وعلى الفتح ليخف به بعض الثقل الحاصل من التركيب، وأجاز بعض الكوفيين إضافة النيف إلى العشرة، تشبيها بالمضاف والمضاف إليه حقيقة، كما مر في العلم المركب، وأنشد: 471 - كلف من عنائه وشقوته * بنت ثماني عشرة من حجته 2


(1) ورد هذا في أحد الشواهد المتقدمة في الجزء الثاني، وهو قول الشاعر: فلا أب وأبنا مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتازرا (2) أورده الجاحظ في الحيوان نقلا عن أحد الرواة قال: أنشدني نفيع بن طارق، ورواه: علق من عنائه... وهو من جملة أشطار من الرجز فيها وصف لشيخ هرم يتعشق فتاة صغيرة، وفيها فحش كثير، (*)

[ 136 ]

وبني حادى عشر إلى تاسع عشر، بناء خمسة عشر، وذلك لأن أصل خامس عشر: خامس وعشرة، كما تقول: الخامس والعشرون والرابع والخمسون، جرت عادتهم بإبقاء الجزء الثاني مما فوق العشرة، مركبا كان أو معطوفا في المفرد من المتعدد، كما كان في العدد، فتقول الثاني والعشرون كما قلت: اثنان وعشرون، فإن قلت: معنى العطف في العدد ظاهر، بخلافه في المفرد من المتعدد، وذلك لأن معنى ثلاثة وعشرون رجلا: ثلاثة رجال وعشرون رجلا، وكذا في نحو: ثلاثة عشر رجلا، أي ثلاثة رجال وعشرة رجال، وليس معنى ثالث عشر: واحدا من الثلاثة، وعشرة، ولا معنى: الثالث والعشرون: الواحد من الثلاثة، والعشرون، بل المعنى: الواحد من الثلاثة والعشرة والواحد من الثلاثة والعشرين، فما معنى هذا العطف ؟ قلت: كان القياس أن يبنى من مجموع جزأي المركب في نحو ثلاثة عشر اسم فاعل واحد، وكذا من مجموع المعطوف والمعطوف عليه في نحو ثلاثة وعشرون، إذ لو بنيت من كل واحد من الجزأين، وكل اسم فاعل من العدد يدل على مفرد من المتعدد، لكانا اسمي فاعل يدلان على مفردين: وهو ضد المقصود، فتبين أن (عشرين) في قولك: ثالث وعشرون، ليس بمعنى المفرد من المتعدد كما في قولك: الباب العشرون، بل هو باق على معنى العدد، كما كان في: ثلاثة وعشرون، ولو كان بمعنى المفرد لقلت في ثلاثة عشر: ثالث عاشر، إذ المفرد من العشرة: عاشر، وليس كالعشرين، إذ لفظ العدد ولفظ المفرد من المتعدد ههنا في صورة واحدة، فنقول: إذا أرادوا بناء اسم فاعل واحد من مجموع لفظي ثلاثة وعشرين أو: ثلاثة عشر، كما بني من ألفاظ الآحاد التي تحت العشرة، ولم يمكن بناء اسم فاعل منهما مع بقاء حروفهما، لأن لفظ الفاعل: اسم ثلاثي، زيد فيه ألف بعد الفاء، وحروف الاسمين أكثر من ثلاثه، ومع حذف بعض حروف كل واحد منهما، وإبقاء الآخر، نحو: ثاشر، مثلا في: ثالث عشر، أو: ثالش، كان يلبس، فاضطروا إلى أن يوقعوا صورة اسم الفاعل التي حقها سبكها من مجموعهما، على أحدهما لفظا، ويكون المراد من حيث المعنى: كونها من المجموع، لأن المعنى واحد من مجموع العددين، فأوقعت تلك الصورة على أول الاسمين دون الثاني ليؤذن من أول الأمر أن المراد: المفرد من المتعدد، لا العدد، وعطف الثاني

[ 137 ]

لفظا على تلك الصورة، وهو معطوف من حيث المعنى على العدد المشتق ذلك الفاعل منه، فهو عدد معطوف على عدد، لا متعدد على متعدد، ولا عدد على متعدد، لاستحالتهما، كما بينا، لكن المعطوف عليه في الحقيقة: مدلول المعطوف عليه ظاهرا، ويستوي فيما قلنا: المعطوف بحرف ظاهر، كما في: الثالث والعشرون، أو بحرف مقدر كما في: ثالث عشر، فأصل قولك: جاءني ثالث عشر: جاءني واحد من ثلاثة عشر، فعشر، معطوف على الثلاثة، لا على واحد، ثم جعل لفظ ثالث مقام قولك واحد من ثلاثة، فعطفوا عشر على ظاهر هذا القائم مقام المجموع، لما اضطروا إليه، فإن قيل: لو كان معنى ثالث عشر: واحد من ثلاثة عشر، لم يجز أن يضاف إلى ثلاثة عشر: فيقال: ثالث عشر ثلاثة عشر، إذ يكون المعنى: واحد من ثلاثة عشر ثلاثة عشر، قلت: هذا كما يضاف ثالث مع أن معناه: واحد من ثلاثة، إلى ثلاثة فيقال: ثالث ثلاثة، وإنما أضيف في الموضعين لاحتمال أن يراد بثالث عشر، لو لم يضف إلى أصله: ثالث عشر عشرين، أو خمسين، أو مائة، أو فوقها، لأن اسم الفاعل من العدد إذا كان بمعنى واحد، يضاف إلى العدد المشتق هو منه، وإلى ما فوقه، أيضا، كما تقول: الحسين رضي الله عنه: ثالث الاثني عشر 1، كما يجيئ في باب العدد، وإذا عرف نحو ثالث عشر، وثلاثة عشر، من المركبات، باللام، فلا خلاف في بقائه على بنائه، لبقاء علة البناء مع اللام، أيضا، وأما إذا أضيف، كثلاثة عشرك، متلا، ففي إعرابة خلاف، كما يجيئ في باب العدد، فإن قلت: فلم لم يجز الأعراب مع اللام المرجحة لجانب الاسمية، كما ذكرت في باب الأصوات، نحو: كل الاين ؟


(1) أشرت في مقدمة هذا الشرح عند الحديث عن مذهب الرضي، إلى أن من الأدلة على تشيعه، ما يرد في هذا الكتاب من أمثلة كهذا المثال، وكقوله في باب الفاعل: استخلف المرتضى المصطفى صلى الله عليه وسلم، في تمثيله لتقدم المفعول على الفاعل عند ظهور المعنى، والمراد بالمرتضى: علي بن أبي طالب رضى الله عنه، (*)

[ 138 ]

قلت: لأن الجزء الذي باشره اللام من المركب، أي صدره، يتعسرا إعرابه، للزوم دوران الأعراب في وسط الكلمة، والجزء الأخير لم تباشره اللام فكيف يعرب، بخلاف نحو: كل الأين، فإن اللام باشرت فيه ما كان مبنيا، وبخلاف الأضافة فإنها تباشر الثاني في نحو: ثلاثة عشر زيد، فمن ثم جوز الأخفش إعرابه، كما يجيئ في باب العدد، قوله: (إلا اثني عشر)، جمهور النجاة على أن (اثني عشر)، معرب الصدر، لظهور الاختلاف فيه، كما في: الزيدان والمسلمان، وتمحلوا لأعرابه علة، كما يجيئ، وقال ابن درستويه 1: هو مبني كسائر أخواته من الصدور، لكونه محتاجا إلى الجزء الثاني مثلها، وقال: كل واحد من لفظي: اثنا عشر واثني عشر، صيغة مستأنفة، كما مر في: هذان، وهذين، واللذان واللذين، وإنما أعرب، عند الجمهور، الصدر منه، لأنه: عرض بعد دخول علة البناء فيه، أي تركيبه مع الثاني وكون الأعراب، لو أعرب، كالحاصل في وسط الكلمة: ما 2 أوجب كونها كالمعدوم، وذلك أنهم لما أرادوا مزج الاسمين، بعد حذف الواو، المؤذن بالانفصال ووجب حذف النون أيضا لأنها دليل تمام الكلمة، كما ذكرنا في صدر الكتاب، ولم يحذف النون لأجل البناء، ألا ترى إلى بناء نحو: يا زيدان، ويا زيدون، ولا مسلمين ولا مسلمين، مع ثبوت النون، فقام (عشر) بعد حذف النون مقامها، وسد مسدها، والنون بعد الألف والواو في: مسلمان ومسلمون، لا يجعلها كالكائن في وسط الكلمة، لأنها دليل تمام الكلمة قبله، والأعراب يكون مع التمام، فلذا يختلف الأعراب قبل النون في المثنى والمجموع، كما يختلف قبل التنوين، فصار (اثنا عشر) كاثنان، والدليل على قيام (عشر) مقام النون أنه لا يضاف اثنا عشر، كما يضاف أخواته، تقول ثلاثة عشرك وخمسة عشرك، ولا تقول: اثنا عشرك، لأنه، كاثنانك، 3 ويجوز أن يقال: صار


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء، (2) فاعل لقوله: عرض بعد دخول علة البناء.. (3) يقصد لفظ (اثنان) مضافا إلى ضمير المخاطب مع بقاء النون، أي وذلك ممنوع فكذلك اثنا عشرك، (*)

[ 139 ]

اثنان بعد حذف النون كالمضاف إلى عشر، لأن نون المثنى والمجموع لم يعهد في غير هذا الموضع حذفها إلا للاضافة، فصار كأنه مضاف، والتركيب الأضافي، لا يوجب البناء، وليس قول من قال: انه أعرب لأنه امتنع حذف علامة التثنية أي الألف لأجل التركيب، وتلك العلامة إعراب فلم يسقط الأعراب: بشئ، 1 لأن نحو: يا زيدان، ويا زيدون، مبني اتفاقا مع قيام هذه العلة، بل إذا قصد بناء المثنى جردت علامة التثنية عن كونها إعرابا، وكذا علامة الجمع، قوله (وإلا أعرب) كبعلبك وبني الأول في (الأفصح)، قد تقدم شرحه، وان بعضهم يضيف صدر هذا المركب إلى عجزه، مع صرف المضاف إليه، وتركه، ومن المركبات: قولهم بادي بدي، وفيه لغات: إحداها: هذه، وهي سكون ياءي الأول والثاني، تقول: أعطه بادي بدي، والأصل: بادئ بدئ، فالأول: فاعل من بدأت الشئ، أي فعلته ابتداء، والثاني: فعيل بمعنى مفعول، منه، وهو 2 اسم فاعل مضاف إلى مفعوله، وانتصابه على الحال، أي أعطه فاعلا ابتداء لما يجب أن يفعل ابتداء، والمراد بالبدي: مصدر الفعل المتقدم، وهو الاعطاء في مثالنا، فعلى هذا، هو في الأصل مضاف ومضاف إليه، فينبغي أن يكون كل منهما معربا لكنه كثر استعماله حتى استفيد من مجموع الكلمتين ما يستفاد من كلمة واحدة، إذ معنى بادي بدي: مبتدئا، وذلك كما قلنا في: فاها لفيك، وبعته يدا بيد، في باب الحال، فشبه المضاف والمضاف إليه، لانمحاء معناهما الأصلي وافادتهما معنى المفرد بالمركب في نحو: خمسة عشر، فإنه مركب مفيد معنى المفرد، إذ إفادته لمعناه أي العدد المعين، كإفادة (عشرة) لمعناها، فبني الأول لكونه جزء الثاني، واحتياجه إليه، وبني الثاني وإن لم يتضمن الحرف، تشبيها له بما تضمنه نحو خمسة عشر، وبيت بيت، كما ذكرنا في معد يكرب،


(1) خبر عن قوله: وليس قول من قال... (2) أي تركيب بادئ بدئ، (*)

[ 140 ]

ولم يبن الجزآن ولا أحدهما في نحو: يدا بيد، ونحو: شاة ودرهما وإن أفاد فائدة المفرد، ولذلك أعرب أولهما إعراب المفرد الذي يفيدان معناه كما تبين في باب الحال، لظهور 1 انفكاك الجزأين: أحدهما من صاحبه، بالحرف المتخلل، وكان بناء ثاني جزأي بادي يدي تشبيها بخمسة عشر أكثر من بناء ثاني جزأي معد يكرب، لقصدهم التخفيف ههنا أكثر، ألا ترى إلى تخفيف همزتي بادئ بدئ، على غير القياس، كما يجيئ، فكثر بناؤه أيضا، على غير القياس، لأن الكلمة تخفف بالبناء، لتجردها عن التنوين والأعراب، وإنما لم يبن الجزآن، ولا أحدهما في الأعلام المنقولة عن المضاف والمضاف إليه، وإن انمحى عن الجزأين أيضا معنياهما الافراديان، كما انمحى في بادي بدي، لأن العلم ينقل بالكلية عن معنى إلى معنى آخر، من غير لمح للأصل إلا لمحا خفيا في بعض المواضع، كما في نحو: الحسن، والعباس، فلما غير المضاف من حيث المعنى تغييرا تاما، لم يغير من حيث اللفظ، ليكون فيه دليل على الأصل المنقول منه، من أحد الطرفين: أي اللفظ والمعنى، بخلاف نحو: بادي بدي، فإن معناه الأصلي مقصود مما نقل إليه، إلا أن المنقول منه إضافي، والمنقول إليه إفرادي، وجعل جار الله 2: بادي بدي، وأيدي سبا، من باب معد يكرب، وجعلها سيبويه من باب خمسة عشر، وهو الأولى، وإن كان على جهة التشبيه، ولو كان الأمر كما قال جار الله، لوجب إدخال التنوين في (بدي)، و (بدا)، لأن فيهما تركيبا بلا علمية، ولم يسمعا منونين، وكذا: أيدي سبا، فإنه لا ينون (سبا) لأنه اسم رجل، لأن معنى: أيدي سبا، أولاد سبأ بن يشجب، وليس اسم قبيلة، كما أول في قوله تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم 3)، و: (جئتك من سبأ) 4، لأن المضطر 5 إلى هذا التأويل ترك التنوين،


(1) تعليل لقوله: ولم يبن الجزآن ولا أحدهما، (2) أي الزمخشري، (3) الآية 15 سورة سبأ، (4) الآية 22 في سورة النمل، (5) الصيغة يراد بها اسم الفاعل، يعني الدافع إلى هذا التأويل، (*)

[ 141 ]

وأما قالي قلا، فعدها سيبويه من أخوات أيدي سبا، وجار الله من أخوات: معد يكرب، ولا دليل فيها على مذهب سيبويه، لأن مجموع الكلمتين: علم بلدة، فيجوز ألا ينصرف للتركيب والعلمية، ولا يكون مبنيا، وأما تخفيف همزتي بادي بدي، فنقول انه سكن الهمز من بادئ وقلب ياء، وحذف الهمز من بدئ، وكلا التخفيفين خلاف القياس، وثانيتها 1: بادي بدا، أولى كلمتي هذه، كأولى كلمتي اللغة الأولى، والثانية على وزن (دعا)، وأصله: بداء، كنبات، لأن (بدأ) على وزن طلب لم يأت من هذا التركيب فحذفت الهمزة تخفيفا، وبداء، مصدر بمعنى المفعول، فهو كبدئ من حيث المعنى، والثالثة والرابعة، والخامسة: بادي بدء أو بدئ أو بداء، الكلمة الأولى من هذه اللغات كأولى المذكورتين، ساكنة الياء والثانية إما على وزن: سمح، أو كريم، أو جبان، والبدء والبداء مصدران بمعنى المفعول، وليس الجزآن في هذه اللغات مبنيين، بل هما المضاف والمضاف إليه، لكن ألزم ياء بادي: السكون بعد القلب للتخفيف واثنانية فيها كلها غير مخففة، وقد يقال: بدأة ذي بدء، وبدأة ذي بدأة، وبدأة ذي بداءة، على فعلة ذي فعل وفعلة وفعالة، المضاف إليه في الثلاث بمعنى المفعول، لأنه يقال للمضروب: ذو ضرب، كما يقال للضارب، والمضاف مصدر، إما بمعنى الفاعل، فيكون انتصابه على الحال، فيكون المعنى، كما في بادي بدي، أو منصوب على الظرف بتقدير حذف المضاف أي: وقت ابتدائك بما تبتدئ به، فهو مصدر مضاف إلى المفعول، ومنها 2: أيدي سبا، في قولهم: تفرقوا أيدي سبا، وأيادي سبا، أي: مثل تفرق أولاد سبأ بن يشجب، حين أرسل عليهم سيل العرم، والأيدي كناية عن الأبناء والأسرة،


(1) ثانية اللغات في بادئ بدئ، وقد طال حديثه في الأولى، (2) يعني: من المركبات، وإن كان قد تعرض له استطرادا في أثناء الكلام على بادي بدا، (*)

[ 142 ]

لأنهم في التقوي والبطش به بمنزلة الأيدي، ويجوز أن يكون في الأصل انتصابه على الحال، على حذف المضاف، وهو (مثل)، ويجوز أن يكون على المصدر، والمعنى مثل تفرق أيدي سبا، وأمره في بناء الأول والثاني، كما مر في: بادي بدي، فلذا ألزم ياء (أيدي) السكون، وسكنت همزة (سبأ) ثم قلبت ألفا، وقد يقال: أيدي سبا بالتنوين، فيكون: أيدي، وأيادي، مضافين إلى (سبا) لكنه يلزم سكون ياءيهما، وقلب همزة (سبا)، وقد استعمل جوازا كخمسة عشر مبنية الجزأين: ظروف، كيوم يوم وصباح مساء، وحين حين، وأحوال نحو: لقيته كفة كفة، وهو جاري بيت بيت، وأخبرته أو لقيته صحرة بحرة، ويجوز أيضا، إضافة الصدر من هذه الظروف والأحوال إلى العجز، وإنما لم يتعين بناء الجزأين فيهما، كما تعين في (خمسة عشر)، لظهور تضمن الحرف في خمسة عشر، دون هذه المركبات، إذ يحتمل أن تكون كلها بتقدير حرف العطف، وألا تكون، فإذا قدرناه قلنا ان معنى لقيته يوم يوم، وصباح مساء، وحين حين، أي: يوما فيوما، وصباحا فمساء، وحينا فحينا، أي: كل يوم وكل صباح ومساء وكل حين، والفاء تؤدي معنى هذا العموم، كما في قولك: انتظرته ساعة فساعة أي في كل ساعة، إذ فائدة الفاء: التعقيب، فيكون المعنى: يوما فيوما عقيبه، بلا فصل، إلى ما لا يتناهى، فاقتصر على أول المكرر، أي التثنية، كما في قوله تعالى: (ثم ارجع البصر كرتين) 1، ولبيك، ونحوه، وكذا في: صباح مساء، وحين حين، وقلنا 2: ان أصل لقيته كفة كفة، معناه: متواجهين ذوى كفة مني، وكفة منه، كأن كلا، منا كان يكف صاحبه عن التولي والاعراض، وأصل جاري بيت بيت،


(1) الآية 4 سوره الملك، (2) متصل بقوله: فإذا قدرناه قلنا... (*)

[ 143 ]

متلا صقا بيتي وبيته أي مجتمعان 1 ملتزقان، كما تقول: كل رجل وضيعته، كما ذكرنا، في باب الحال في قولهم: بعت الشاء: شاة ودرهما، وأصل لقيته صحرة بحرة: صحرة وبحرة، ومعناه: ظاهرين ذوى صحرة أي انكشاف، وبحرة أي اتساع، أي في غير ضيق، وأخبرته صحرة بحرة، معناه: كاشفا للخبر، ذا صحرة...، ويجوز أن يكون مصدرا لا حالا، أي لقاء واخبارا ذا صحرة، وإن لم نقدر حرف العطف قلنا: إن المعنى: يوما بعد يوم وصباحا بعد مساء، وحينا بعد حين، كقوله: 472 - ولا تبلى بسالتهم وإن هم * صلوا بالحرب حينا بعد حين 2 ولقيته ذا كفة مع كفة أو بعد كفة، كما يروى عن رؤبة: كفة عن كفة، كقولهم: كابرا عن كابر، 3 وهو جاري بيت بيت، أي: ذا بيت مع بيت، أو عند بيت، وأخبرته ذا صحرة مع بحرة، وإذا ضموا (نحرة) إليهما، أعربوا الثلاثة، نحو: صحرة بحرة نحرة، على الأتباع، كما في: خبيث نبيث، إذ يتعذر تركيب ثلاث كلمات، والنحر، أيضا، بمعنى الأظهار، لأن نحر الأبل يتضمنه، ومنه قولهم: قتلته نحرا، وقولهم للعالم: نحرير: لأن القتل والنحر يتضمنان إظهار ما في داخل الحيوان، فإذا أضيفت هذه الظروف والأحوال، فإما أن تكون الأضافة بمعنى اللام، على المعنى المذكور فيها عند عدم تقدير الحرف، وإما أن تكون لتشبيه هذه المركبات بالمضاف


(1) أي هما مجتمعان ملتزمان، واللزق بالزاي مثل اللصق بالصاء، وكذلك ما تصرف من هذه المادة، كالالتزاق بمعنى الالتصاق، (2) ينسب لأبي الغول الطهوي، أو النهشلي، إذ يقول عن قومه: قدت نفسي وما ملكت يميني * فوارس صدقت فيهم ظنوني في عدة أبيات، رواها أبو تمام في الحماسة، والقالي في الأمالي، (3) ورد هذا في قول الشاعر: ورث السيادة كابرا عن كابر، وهو شطر بيت سيذكره الشارح في معاني حروف الجر، (*)

[ 144 ]

والمضاف إليه، كما قلنا في معد يكرب، وكذا في نحو: خمسة عشر إذا جعل علما، جازت الأضافة تشبيها، فإذا أخرجت هذه الظروف والأحوال عن الظرفية والحالية، وجبت الأضافة، ولم يجز التركيب، قال: 473 - ولولا يوم يوم ما أردنا * جزاءك والقروض لها جزاء 1 وتقول: أتيته في كل يوم يوم، وأتيتك في صباح مساء، وذلك لأن علة بناء الاسمين لم تكن فيها ظاهرة، كما مر، لكنه حسن تقدير ذلك: وقوعها موقع ما يكثر بناؤه، وهو الظرف، وموقع الحال المشبه به، فإذا لم تقع موقعهما لم يقدر ذلك، واستعمل كخمسة عشر، وجوبا، أحوال لازمة للحالية، نحو: تفرقوا شغر بغر، وشذر مذر، بفتح فاء الكلمات وكسرها، وخذع مذع بكسر الفائين، وأخول أخول، 2 كلها بمعنى منتشرين، وتركتهم حيث بيث، أي متفرقين ضائعين، وسقط بين بين، أي بين الحي والميت، وبين، الثانية زائدة، كما في قولهم: المال بيني وبينك، ولم يسمع في هذه الكلمات الأضافة، كما سمعت في المذكورة قبل، مع أنه يمكن الا يقدر فيها، أيضا، حرف العطف كما في الأولى، فشغر، من اشتغرت عليه ضيعته، أي انتشرت ولم تنضبط، وبغر، من بغر النجم أي هاج بالمطر ونشره، وشذر، من التشذر أي التفريق، ومذر من التبذير وهو الأسراف، والميم بدل من الباء، ويقال: شذر بذر، على الأصل، أو من: مذرت البيضة أي فسدت، وخذع من الخذع وهو القطع، ومذع من قولهم: فلان مذاع، أي كذاب يفشي الأخبار،


(1) للفرزدق، كما جاء ذلك في سيبويه 2 / 53 والمراد: ولو لا نصرنا لك في هذا اليوم ما طلبنا نصرك لنا الآن، جعل النصر قرضا يطلب رده، (2) ورد هذا في شعر ضابئ البرجمي في إحدى القصائد، رواها الأصمعي، حيث وصف ثورا وحشيا يدافع عن نفسه كلاب الصيد فكان يطعنها بقرنه فتتساقط من حوله كما يتساقط الشرر من الحديد عندما يطرقه الحداد، وذلك في قوله: يساقط عنه روقه ضارياتها * سقاط شرار القين أخول أخولا (*)

[ 145 ]

وينشرها، وحيث بيث، وقد ينونان، وقد يقال: حيث بيث بكسر الفائين، وأصلهما: حوث بوث، وقد يستعملان على الأصل مع التنوين وعدمه نحو: حوثا بوثا، من الاستحاثة والاستباثة، وهما بمعنى، يقال: استحثت الشئ إذا ضاع في التراب فطلبته، وقد جاء: حاث باث بفتح الثائين، وحاث باث بكسرهما أيضا، تشبيها بالأصوات، نحو: قاش ماش 1، وخاق باق، 2 وجاز قلب الواو ياء، أو ألفا، للاستثقال الحاصل بالتركيب، ومن نونهما فلكون الثاني إتباعا، كما في: خبيث نبيث، وكثير من ألفاظ هذه المركبات، مع كونها مشتقة، كخذع مذع، وشغر بغر، لم تستعمل إلا مع التركيب، وندر مثل هذا المركب في غير الظروف والأحوال، لما قلنا إن تقدير الحرف في مثله غير متعين، وانما حسنه الحالية والظرفية، وذلك نحو قولهم: وقعوا في حيص بيص، أي في فتنة عظيمة، بفتح الصادين، والفاءان مكسورتان أو مفتوحتان، والحيص: الهرب، والبوص السبق والتقدم أي وقعوا في هرب وسبق بعضهم بعضا لعظم الفتنة، فقلبوا الواو ياء، 3 للازدواج، وهو أولى من العكس، لأن الياء أخف، وقد يقال: حوص بوص بقلب الياء واوا، وقد ينون الجزءان مع كسر الفاءين وفتحهما، فيكونان معربين، والثاني إتباع كما ذكرنا، وقد يقال: حيص بيص بكسر الصادين، والفاءان مفتوحتان أو مكسورتان تشبيها بالأصوات، وجاء: حاص باص، كحاث باث بفتحهما، وأما الخاز باز 4، فإنه مركب من اسم فاعل: خزى أي قهر وغلب، ومن اسم فاعل: بزى، إذا سما وارتفع كأنه قيل: هو الخازي البازي، فركبا وجعلا اسما واحدا، وتصرف


(1) صوت القماش عند طيه، (2) صوت النكاح.. وسيذكرهما الشارح، (3) يعني في كلمة بوص، (4) يأتي تفسيره وذكر معانيه بعد ذكر لغاته، (*)

[ 146 ]

فيه على سبعة أوجه: خازباز، بحذف الياءين وبناء الاسمين على الكسر تشبيها بالصوت، وخازباز، تشبيها بخمسة عشر، وكأن أصله: الخازي والبازي على عطف أحد النعتين على الآخر، وخازباز، كبعلبك، على أن يبنى أولهما على الفتح، أو الكسر، وإنما جاز كسر الأول ههنا بخلاف بعلبك، نظرا إلى أصل الزاي، وإنما منع الصرف في هذين الوجهين، للعلمية الجنسية والتركيب، فإذا دخله اللام انكسر الثاني جرا كما في سائر غير المنصرف، وخازباز بإعرابهما على إضافة الأول إلى الثاني، كما يجوز في بعلبك، فيجوز صرف الثاني وترك صرفه، وخازباء، كقاصعاء، وخزباز، كقرطاس، وليس الأخيران مركبين من كلمتين، بل كل واحد منهما اسم صيغ من اسمين، كما قيل: عبقسي، في عبد القيس، وإذا دخلت اللام على هذه اللغات، لم تغير ما كان مبنيا عن بنائه، كما في: الخمسة عشر، قال: 474 - تفقأ فوقه القلع السواري * وجن الخازباز به جنونا 1 ولها خمسة معان 2: ضرب من العشب، وذباب يكون في العشب، وصوت الذباب، وداء في اللهازم، والسنور، وأما خاق باق، للنكاح، وقاش ماش، لقماش، فكل واحد منهما سمي بصوته، فبقيا على بنائهما،


(1) قائله: عمرو بن أحمر الباهلي، يصف مكانا غمره المطر فأخصب واخضر والمراد من الخازباز في البيت: الذباب أو العشب نفسه كما يأتي في تفسير معنى الخازباز، والقلع جمع قلعة وهي القطعة العظيمة من السحاب ومعنى تفقأ: تنشق عن الماء وأصله تتفقأ بتاءين خفف بحذف إحداهما، (2) استشهد ابن يعيش في شرح المفصل 4 / 120 لثلاثة من هذه المعاني وقال عن كونه بمعنى السنور: إنه غريب، ولم يستشهد له، (*)

[ 147 ]

(الكنايات) (معنى الكناية والغرض منها) (علة بناء الكنايات) (قال ابن الحاجب:) (الكنايات: كم، وكذا، للعدد، وكيت وذيت، للحديث) (قال الرضي:) الكناية في اللغة والاصطلاح: أن يعبر عن شئ معين، لفظا كان أو معنى، بلفظ غير صريح في الدلالة عليه، إما للأبهام على بعض السامعين، كقولك: جاءني فلان، وأنت تريد: زيدا، وقال فلان: كيت وكيت، إبهاما على بعض من يسمع، أو لشناعة المعبر عنه، كهن في الفرج، أو الفعل القبيح، كوطئت وفعلت، عن جامعت، والغائط للحدث، أو للاختصار كالضمائر الراجعة إلى متقدم، أو لنوع من الفصاحة، كقولك: كثير الرماد، للكثير القرى 1، أو لغير ذلك من الأغراض، والمكنى عنه إن كان لفظا، فقد يكون المراد معنى ذلك اللفظ، كقوله: 475 - كأن فعلة لم تملأ مواكبها * ديار بكر ولم تخلع ولم تهب 2


(1) يعني الكريم، (2) من قصيدة للمتنبي في رثاء أخت سيف الدولة واسمها خولة كما قال الشارح، ومطلع القصيدة: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب * كناية بهما عن أشرف النسب وقبل البيت الذي أورده الشارح: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي (*)

[ 148 ]

أي خولة، وكقولك مررت برجل أفعل، أي أحمق، وقد يكون المراد مجرد ذلك اللفظ، كالألغاز والمعميات، نحو: اكفف اكفف 1، في: مهمه، وكذا الأوزان التي يعبر بها عن موزوناتها في اصطلاح النحاة، كقولهم: أفعل صفة لا ينصرف، وهو عبارة عن كلمة أولها همزة زائدة بعدها فاء ساكنة بعدها عين مفتوحة، بعدها لام، وكذا غيره من الأوزان، كما يجيئ في باب الأعلام، فيكون، على هذا، (كم) الاستفهامية كناية، لأنها سؤال عن عدد معين، وكذا: من، وما، وكيف، وغيرها من أسماء الاستفهام، لأنها كلها سؤال عن معين غير مصرح باسمه، فمن: سؤال عن ذي العلم، المعين غير المصرح باسمه، ولو صرحت لقلت أزيد أم عمرو، و: أذلك الفاضل أم ذلك الجاهل، وكذا (أين) سؤال عن مكان معين غير مصرح باسمه، وكذا أسماء الشرط، كلها كنايات وذلك لأن كلمات الشرط والاستفهام بمعنى (أي) الموضوع للمعين، شرطا كان أو استفهاما، تكنى بهذه الأسماء شرطا أو استفهاما عن المعينات غير المحصورة، اختصارا، إذ كان يطول عليك لو قلت مكان: أين زيد، أفي الدار، أم في السوق، أم في الخان، إلى غير ذلك من جميع المعينات، فحرف الشرط وحرف الاستفهام مقدران قبل هذه الأسماء كما هو مذهب سيبويه، وهي كنايات عن المعينات التي لا تتناهى كما مر، وقول المصنف: ليس نحو من، وما، وكيف، كناية، ممنوع، إذ كثيرا ما يجري في كلامهم: أن (من) كناية عن العقلاء، و (ما) عن غيرهم وقولك: أنا، وأنت، ليس بكناية لأنه تصريح بالمراد، وضمير الغائب كناية، إذ هو دال على المعنى بواسطة المرجوع إليه غير صريح بظاهره فيه، ويقال: كنيت عن كذا بكذا، وكنوت، قال:


(1) هذا مما جاء في مقامات الحريري مما يراد به الألغاز، وحله أنه يقصد كلمة مهمه بمعنى المكان القفر فإنه مكون من كلمة مه مرتين، وهي بمعنى اكفف، وقد جاء في المقامات منظوما في قوله: يا من تقصر عن مدا * خطى تجارية وتضعف... ما مثل قولك للذي * أضحى يحاجيك: اكفف اكفف وأورده البغدادي في الخزانة وشرحه، وأورد ما يشبهه من الألغاز، (*)

[ 149 ]

476 - وإني لأكنو عن قذور بغيرها * وأعرب أحيانا بها فأصارح 1 فالكناية ضد التصريح لغة واصطلاحا، اعلم أن جميع الكنايات ليست بمبنية، 2 فإن فلانا وفلانة، منها، بالاتفاق وهما والمبني منها: كم، وكذا، وكأين، وكيت، وذيت، وأما أسماء الاستفهام والشرط فلم تعد هنا، لأن لها بابا آخر، هي أخص به، فالكنايات، كالظروف في كون كل واحد منهما قسمين: معربا ومبنيا، قال المصنف: المراد بالكنايات ألفاظ مبهمة يعبر بها عما وقع في كلام متكلم مفسرا، إما لأبهامه على المخاطب، أو لنسيانه، فكم، لا تكون من هذا القبيل، على ما أقر به، استفهامية كانت أو خبرية، ولا لفظ (كذا) في قولك: عندي كذا رجلا، لأنه ليس حكاية لما وقع في كلام متكلم مفسرا، ولا كيت وكيت، وذيت وذيت، بلى، مثل قولك: قال فلان كذا، وقال فلان كيت وكيت، داخل في حده، وكأين، خارج عنه، نحو قولك: كأين رجل عندي، واعلم أن بناء (كم) الخبرية لشبهها بأختها الاستفهامية، قال المصنف: والأندلسي، أو لتضمنها معنى الأنشاء الذي هو بالحروف غالبا، كهمزة الاستفهام وحرف التحضيض وغير ذلك، فأشبهت ما تضمن الحرف، فإن قيل: الكلام الخبري هو الذي يقصد المتكلم أن له خارجا موجودا في أحد الأزمنة مطابقا لما تكلم به، فإن طابقة سمي كلامه صدقا وإلا فكذبا، والأنشائي ما لا يقصد المتكلم به ذلك، بل إنما يحصل المتكلم المعنى الخارج، بذلك الكلام، والكلام المصدر بكم، أو برب، لا بد فيه من أن يقصد المتكلم مطابقته للخارج، نحو: كم رجل لقيته، و:


(1) أراد بقذور: امرأة بعينها، فكنى عنها بهذا اللفظ، وقال البغدادي: إن هذا البيت مما جاء في بعض كتب النوادر غير منسوب لأحد، (2) يقصد أنها ليست كلها مبنية، بل بعضها معرب، وعبارته لا تؤدي المقصود، (*)

[ 150 ]

رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع 1 - 428 فيصح أن يقال: ما لقيت رجلا، ولم تنضج صدر أحد، وجواز التصديق والتكذيب دليل كونهما خبرين، فالجواب: ان معنى الأنشاء في (كم) في الاستكثار، وفي (رب) في الاستقلال، 2 ولا يقصد المتكلم أن للمعنيين خارجا، بل هو الموجد لهما بكلامه، بلى، يقصد أن في الخارج قلة أو كثرة، لا استكثارا ولا استقلالا فلا يصح أن يقال له: كذبت، فإنك ما استكثرت اللقاء، وما استقللت الأنضاج، كما لو قال: ما أكثرهم، صح أن يقال: ليسوا بكثيرين، ولم يصح أن يقال: ما تعجبت من كثرتهم، وليس كذلك نحو: ما قام زيد، فإنه لا يفيد، أنك تعد قيامه منفيا بهذا الكلام كما أفاد: كم رجل لقيته، أنك تعد لقاءه كثيرا بهذا الكلام، بل المعنى أنك تحكم بانتفائه في الخارج، ويأتي تمام القول فيه، في أفعال المدح والذم، إن شاء الله تعالى، وأما بناء (كذا) فلأنه في الأصل (ذا) المقصود به الأشارة، دخل عليه كاف التشبية، وكان (ذا) مشارا به إلى عدد معين في ذهن المتكلم، مبهم عند السامع، ثم صار المجموع بمعنى (كم)، وانمحى عن الجزأين معنى التشبيه، والأشارة، كما ذكرنا في: فاها لفيك، وأيدي سبا، فصار الكلمتان ككلمة واحدة، ولذا نقول: إن كذا مالك، يرفع (مالك) على أنه خبر (أن) ولا تقول إن اسم (ان): الكاف الاسمية، لأنها عند سيبويه لا تكون اسمية إلا للضرورة، كما يجيئ في حروف الجر، فيبقى ذا، على أصل بنائه، قوله: (كذا للعدد)، وقد يكون لغير العدد، أيضا، نحو: قال فلان كذا، وأما (كأين) فهو كاف التشبيه دخلت على (أي) التي هي غاية الأبهام إذا قطعت عن الأضافة، فكأين، مثل (كذا) في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في (ذا) إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف (أي) فإنه للعدد المبهم، والتمييز


(1) تقدم ذكره في باب الموصول من هذا الجزء، (2) يعني اعتبار الشئ قليلا وهو مقابل للاستكثار أي عد الشئ كثيرا، (*)

[ 151 ]

بعد كدا وكأين، في الأصل، عن الكاف، لا عن (ذا) و (أي)، كما في: مثلك رجلا، لأنك تبين في: كذا رجلا، وكأين رجلا، أن مثل العذذ المبهم من أي جنس هو، ولم تبين العدد المبهم حتى يكون التمييز عن ذا، وأي، فأي في الأصل، كان معربا، لكنه، كما قلنا في (كذا) انمحى عن الجزأين، معناهما الأفرادي، وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى (كم) الخبرية، فصار كأنه اسم مبني على السكون، آخره نون ساكنة، كما في (من) لا تنوين تمكن، فلذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطا، ولأجل التركيب، تصرف فيه فقيل: كائن بالألف بعد الكاف، بعدها همزة مكسورة بعدها نون ساكنة، قال يونس 1: هو: اسم فاعل من كان، وذهب المبرد، وهو الأولى، إلى أنهم بنوا من الكلمتين لما ركبوهما: اسما على فاعل، فالكاف فاء الكلمة، والهمزة التي كانت فاء (أي)، صارت عينا، وحذفت إحدى الياءين، وبقيت الأخرى لاما، وقال الخليل: الياء الساكنة من (أي) قدمت على الهمزة وحركت بحركتها لوقوعها موقعها، وسكنت الهمزة لوقوعها موقع الياء الساكنة ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والهمزة، فكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين، وبقيت الياء الأخيرة بعد كسرة فأذهبها التنوين بعد زوال حركتها كالمنقوص، وقال بعضهم: الياء المتحركة قدمت على الهمزة وقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلشها، ثم سكنت الهمزة وكسرت للساكنين وحذفت الأولى كما في: قاض، ومنهم من قال: قدمت العين، أي الياء الساكنة على الهمزة وقلبت ألفا مع سكونها كما في: طائي، وحاري، 2 ثم نقلت كسرة الياء إلى الهمزة اتماما للتغير، وحذفت للتنوين بدليل أن من لغاته: كيئ نحو: كيع، 3 وقد يقال: كيأ بفتح الهمزة على أنها بقيت مفتوحة، ثم قلبت الياء التي


(1) يونس بن حبيب أحد شيوخ سيبويه، وتقدم ذكره في هذا الجزء وفيما قبله، (2) طائي: نسبة شاذة إلى طيئ، وحاري منسوب إلى الحيرة، وهو شاذ أيضا، (3) كلمة أراد بها ضبط ما قبلها فجعل مكان الهمزة عينا، وكذلك في قوله بعد هذا: كعي وكع، (*)

[ 152 ]

هي لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد يقال: كأي، نحو: كعي بحذف حركة الهمزة مع الياء الأولى، وجاء: كأ، نحو: كع، إما على حذف العين واللام معا، ونقل كسرة اللام إلى الهمزة، وإما على حذف العين ونقل كسرة اللام وحذفها للتنوين، كما في عم وشبح، وعند الكوفيين: (كم)، أيضا، مركبة مثل كأين وكذا، من كاف التشبية و (ما)، وذلك لأن (ما)، كما ذكرنا في الموصولات، للمجهول ماهيته، فهي في إبهام (أي)، و (ذا)، ثم حذفت ألفها، وسكنت الميم للتركيب، وحذف ألفها إذا كانت في الاستفهام قياس، نحو: لم، وفيم، فتكون (كم) الاستفهامية كقوله: 477 - يا أيا الأسود لم خليتني * لهموم طارقات وفكر 1 وأما عند البصريين، فلا تركيب في (كم)، وأما كيت وذيت، فإنما بنيا، لأن كل واحدة منهما كلمة واقعة موقع الكلام، والجملة من حيث هي هي، لا تستحق إعرابا ولا بناء، كما مر في المركبات، فإن قيل: فكان يجب ألا تكون مبنية، أيضا، كالجمل، قلت: يجوز خلو الجمل من الأعراب والبناء، لأنهما من صفات المفردات من الأسماء، ولا يجوز خلو المفرد عنهما، فلما وقع المفرد موقع ما لا إعراب له في الأصل ولا بناء، ولم يجز أن يخلو منهما مثله، بقي على الأصل الذي ينبغي أن تكون الكلمات عليه، وهو البناء، إذ بعض المبنيات، وهو الخالي عن التركيب يكفيه عريه عن سبب الأعراب، فعريه عن سبب الأعراب: سبب للبناء، كما قيل: عدم العلة: علة العدم، فإن قلت: انهما وضعتا لتكونا كناية عن جملة لها محل من الاعراب نحو: قال


(1) استشهد به كثير من النجاة، ولم ينسبه أحد منهم، ولم يعرف المقصود بأبي الأسود، وروي: لم أسلمتني ولم خلفتني، كما يروى آخره: وفكر، وذكر، الأول جمع فكرة والثاني جمع ذكرة وممن أورده: ابن هشام في المغني ولكن السيوطي لم يتعرض له في شرحة للشواهد، (*)

[ 153 ]

فلان كيت وكيت، أي: زيد قائم، مثلا، وهي في موضع النصب، قلت: إن الأعراب المحلى في الجملة عارض، فلم يعتد به، وبناؤهما على الفتح أكثر، لثقل الياء، كما في: أين، وكيف، أو لكونهما في الأغلب كناية عن الجملة المنصوبة المحل، ويجوز بناؤهما على الضم، والكسر أيضا، تشبيها بحيث، وجير 1، ولا تستعملان إلا مكررتين، بواو العطف نحو قال فلان كيت وكيت، وكان من الأمر ذيت وديت، وهما مخففتان من: كية، وذية، بحذف لام الكلمة وإبدال التاء منها، كما في بنت، والوقف عليهما بالتاء، كما على بنت، ومن العرب من يستعملهما على الأصل فلا يكونان إلا مفتوحتين، لثقل التشديد، والوقف عليهما بالهاء، ولا مهما ياء لا واو، إذ ليس في الكلام مثل: حيوت، وواو حيوان بدل من الياء، إلا عند المازني، وعنده واو حيوان: أصل، فيجوز أن يكون، أيضا، لام كيه وذية واو، ولم نقل إن أصلها كوية وذوية، لأن التاء في كيت وذيت بدل من اللام، وكانت العين واوا، لقلت: كوت وذوت، والتاء فيهما لكونهما عبارتين عن القصة، وحكى أبو عبيدة 2: كيه بالهاء مكان تاء كيت، مفتوحة ومكسورة. (تمييز كم بنوعيها) (والفرق بينهما) (قال ابن الحاجب:) (فكم الاستفهامية مميزها منصوب مفرد، ومميز الخبرية مجرور) (مفرد ومجموع، وتدخل من فيهما، ولهما صدر الكلام)،


(1) حرف جواب، مثل نعم، (2) أبو عبيدة بالتاء: معمر بن المثنى وهو شيخ أبي عبيد القاسم بن سلام صاحب كتاب الغريب المصنف، والمذكور في النسخة المطبوعة: أبو عبيدة بالتاء، (*)

[ 154 ]

(قال الرضي:) كم الاستفهامية، وكم الخبرية تدلان على عدد ومعدود، فالاستهامية لعدد مبهم عند المتكلم، معلوم، في ظنه، عند المخاطب، والخبرية لعدد مبهم عند المخاطب وربما يعرفه المتكلم، وأما المعدود فهو مجهول عند المخاطب في الاستفهامية والخبرية فلذا احتيج الى التمييز المبين للمعدود، ولا يحذف إلا لدليل، كما تقول مثلا: كم عندك، إذا جرى ذكر الدنانير، أي كم دينارا، أو: كم عندي، أي كم دينار، قالوا: وحذف مميز الاستفهامية أكثر، لأنه في صورة الفضلات، ومميز الاستفهامية منصوب مفرد، حملا لها على المرتبة الوسطى من العدد، وستجئ العلة في باب العدد، وإنما حملت على وسطى المراتب، لأن السائل لا يعرف في الأغلب: الكثرة والقلة، فحملها على الدرجة المتوسطة بين القلة والكثرة أولى، وكم، منونة تقديرا، لكن فصل المميز عن كم الاستفهامية جائز في الاختيار، نحو: كم لك غلاما، ولا يجوز ذلك في العدد، إلا اضطرارا كما قال: على أنني بعدما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا 1 - 207 وذلك لأن العدد مع المعدود ككلمة واحدة، ألا ترى أن (عشرون) مع مميزة بمنزلة: رل ورجلان، ولو وجدوا لفظا دالا على المعدود مع العدد كما في المفرد والمثنى، لم يحتاجوا إلى العدد، وكذا كل مقدار مع مميزه، لا يفصل بينهما نحو: رطل زيتا، لأنه هو، بدليل إطلاق أحدهما على الآخر، بخلاف كم الاستفهامية مع مميزها، ولا يجوز جر مميز الاستفهامية إلا إذا انجرت هي بحرف الجر، نحو: على كم جذع بني بيتك، وبكم رجل مررت، فيجوز في مثله: الجر مع النصب، وذلك لأن المميز والمميز في المعنى: شئ واحد، فكأن الجار الداخل على (كم)، داخل على مميزه فالجر عند الزجاج بسبب إضافة (كم) إلى مميزه كما في الخبرية، قصد تطابق (كم) ومميزه جرا، وعند النجاة: هو مجرور بمن مقدرة، ومجوز إضمارها: قصد التطابق، ولا تجوز أن يكون المجرور بدلا


(1) تقدم هذا الشاهد في باب التمييز، في الجزء الثاني، (*)

[ 155 ]

من (كم)، لأن بد متضمن الاستفهام، يقترن بهمزة الاستفهام، كما مر في باب البدل، ولا يكون مميز الاستفهامية مجموعا، كمميز المرتبة الوسطى، خلافا للكوفيين، وعلى ما أجاز السيرافي في العدد: أعشرون غلمانا لك، إذا أردت طوائف من الغلمان، ينبغي جواز: كم غلمانا لك بهذا المعنى، وقال البصريون: لو جاء نحو: كم غلمانا لك، فالمنصوب حال لا تمييز، والتمييز محذوف، أي: كم نفسا لك في حال كونهم غلمانا، والعامل في الحال: الجار والمجرور، فلا يجوز عندهم: كم غلمانا لك إلا على مذهب الأخفش، كما تقدم في باب الحال، والجر في مميز الخبرية بإضافتها إليه، خلافا للفراء، فإنه عنده بمن مقدرة، وهذا كما قال الخليل في: لاه أبوك 1، إنه مجرور بلام مقدرة، وإنما جوز الفراء عمل الجار المقدر ههنا، وإن كان في غير هذا الموضع نادرا، لكثرة دخول (من) على مميز الخبرية، نحو: (وكم من ملك 2)، و (كم من قرية 3)، والشئ إذا عرف في موضع جاز تركه لقوة الدلالة عليه، فإن فصل بين الخبرية ومميزها جاز جره عند الفراء، لأنه يجره بمن المقدرة، لا بالأضافة، وغيره يوجب نصبه حملا على الاستفهامية، إذ لا يمكن الأضافة مع الفصل، إلا على مذهب يونس، فإنه يجيز الفصل بينهما في السعة بالظرف وشبهه، فيجيز في الاختيار نحو قوله: 478 - كم بجود مقرف نال العلا * وكريم بخله قد وضعه 4 وقال الأندلسي: إن يونس يجيز الفصل ههنا بالظرف وشبهه، إذا لم يكن مستقرا، ولم ينقل غيره عدم الاستقرار عن يونس ههنا، كما نقلوه كلهم في باب (لا) التبرئة، نحو: لا أبا اليوم لك،


(1) هو مثل قولهم لله درك ولله أبوك، (2) الآية 26 سورة النجم، (3) الآية 4 سورة الأعراف، (4) من أبيات نسبها صاحب الأغاني لأنس بن زنيم، يخاطب عبيد الله بن زياد بن أبيه، منها قوله: لا يكن وعدك برقا خلبا * إن خير البرق ما الغيث معه (*)

[ 156 ]

والدليل على جواز الفصل بالمستقر، أيضا، قوله: 479 - كم في بني سعد بن بكر سيد * ضخم الدسيعة ماجد نفاع 1 وأما الجر مع الفصل بالجملة، فلا يجيزه إلا الفراء، بناء على مذهبه المتقدم، وذلك نحو قوله: 480 - كم نالني منهم فضلا على عدم * إذ لا أكاد من الاقتار أحتمل 2 وإذا كان الفصل بين (كم) الخبرية ومميزها بفعل متعد، وجب الأتيان بمن، لئلا يلتبس المميز بمفعول ذلك المتعدي، نحو قوله تعالى: (كم تركوا من جنات) 3، و: (كم أهلكنا من قرية) 4، وحال (كم) الاستفهامية المجرور مميزها مع الفصل، كحال (كم) الخبرية في جميع ما ذكرنا، وبعض العرب ينصب مميز (كم) الخبرية، مفردا كان أو جمعا بلا فصل، أيضا، اعتمادا في التمييز بينها وبين الاستفهامية على قرينة الحال، فيجوز، على هذا، أن تكون في: كم عمة 5، بالنصب، خبرية، وإنما انجز مميز (كم) الخبرية المفرد، وهو أكثر من الجميع، لأن (كم) للتكثير،


(1) ورد هذا البيت في سيبويه 1 / 296 غير منسوب لأحد، ولم ينسبه أحد ممن استشهدوا به، وقال العيني إنه للفرزدق، والله أعلم، (2) من قصيدة للقطامي في مدح بعض الولاة من قريش، مطلعها: إنا محيوك فاسلم أيها الطلل * وإن بليت وإن حالت بك الحول منها: أما قريش فلن تلقاهم أبدا * إلا وهم خير من يحفى وينتعل ومن جيد أبياتها قوله: والناس: من يلق خيرا قائلون له * ما يشتهي ولأم الخطئ الهبل (3) الآية 25 سورة الدخان، (4) الآية 58 سورة القصص، (5) إشارة إلى بيت شعر للفرزدق سيأتي كاملا في الفصل التالي، (*)

[ 157 ]

فصار مميزه كمميز العدد الكثير، وهو المائة والألف، وإنما جاز الجمع فيه ولم يجز في العدد الصريح لأن في لفظ العدد الكثير دلالة على الكثرة، فاستغنى بتلك الدلالة عن جمع المميز، وأما (كم) فهو كناية عن العدد الكثير، وليس بصريح فيه، فجوز واجمع مميزه، تصريحا بالكثرة، قوله: (وتدخل من فيهما)، أي في مميزيهما، أما في الخبرية فكثير نحو: (وكم من ملك في السموات) 1، و: (كم من قرية) 2، وذلك لموافقته جرا للمميز المضاف إليه (كم)، وأما مميز (كم) الاستفهامية، فلم أعثر عليه مجرورا بمن، في نظم ولا نثر، ولا دل على جوازه كتاب من كتب النحو، ولا أدري ما صحته 3، وإذا انجر المميز بمن وجب تقدير (كم) منونة قوله: (ولهما صدر الكلام) أما الاستفهامية فللاستفهام، وأما الخبرية فلما تضمنته من المعنى الأنشأني في التكثير، كما أن (رب) لما تضمنت المعنى الأنشائي في التقليل، وجب لها صدر الكلام، ولي، في تضمنهما معنى الأنشاء، أعني: رب، وكم، نظر، كما يجيئ في باب التعجب، 4 وإنما وجب تصدير متضمن معنى الأنشاء، لأنه مؤثر في الكلام مخرج له عن الخبرية، وكل ما أثر في معنى الجملة من الاستفهام والعرض والتمني والتشبية ونحو ذلك فحقه صدر تلك الجملة خوفا من أن يحمل السامع تلك الجملة على معناها قبل التغيير، فإذا جاء المغير في آخرها تشوش خاطره، لأنه يجوز رجوع معناه إلى ما قبله من الجملة مؤثرا فيها، ويجوز بقاء الجملة على حالها فيترقب جملة أخرى، يؤثر ذلك المغير فيها،


(1) الآية 26 في سورة النجم، (2) الآية 4 سورة الأعراف، وتقدمت الآيتان، (3) يرى بعض العلماء أن في هذا القول من الرضى تجريحا لابن الحاجب، وزعموا أن الرد على الرضى: ما قاله الزمخشري من أن كم في قوله تعالى، سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة، استفهامية، والزمخشري إنما جوز ذلك فقط، وربما كان الرضى يقصد أن مجيئها للاستفهام غير مقطوع به، ومن عجيب ما جاء في ذلك البحث أن بعضهم يستدل على كونها استفهامية في: سل بني إسرائيل، بأن قبلها سل، وهو أمر من السؤال ؟ (4) هو في باب أفعال المدح والذم، وإن كان قد عرض ذلك إجمالا في باب التعجب، (*)

[ 158 ]

مواقع كم من الاعراب (قال ابن الحاجب:) (وكلاهما يقع مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، فكل ما بعده فعل) (غير مشتغل عنه، كان منصوبا، معمولا له على حسبه،) (وكل ما قبله حرف جر، أو مضاف، فمجرور، والا) (فمرفوع مبتدأ ان لم يكن ظرفا، وخبرا ان كان ظرفا،) (وكذلك أسماء الشرط والاستفهام)، (قال الرضي:) قوله: (كلاهما) أي: كم الاستفهامي، وكم، الخبري 1، وإنما وقع كل منهما مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، لأنهما اسمان، ولا بد لكل اسم مركب من اعراب، وهما قابلان لعوامل الرفع والنصب والجر، قوله: (فكل ما بعده فعل...)، أخذ يفصل مواقعهما في الاعراب، يعني إذا كان بعد (كم) فعل لم يشتغل عن نصب (كم) بنصب الضمير الراجع إليه، كما في نحو: كم رجلا ضربته ؟، أو بنصب متعلق ذلك الضمير، كما في نحو: كم رجلا ضربت غلامه ؟: كان (كم) منصوبا على حسب ذلك الفعل غير المشتغل، أي على حسب اقتضائه، فان اقتضى المفعول به، فكم منصوب المحل بأنه مفعول به، نحو: كم رجلا ضربت ؟، وكم غلام ملكت، والأولى أن يقول: معمولا على حسبه وحسب


(1) تحدث الشارح هنا عن لفظ كم، فذكره، وقد أشرنا من قبل إلى أن الرضى يراعي كلا من اللفظ والكلمة في الحديث عن الأدوات والألفاظ فيذكرها، ويؤنثها، بل ربما جمع بين التذكير والتأنيث في حديث واحد عن لفظ أو كلمة، (*)

[ 159 ]

المميز معا، وذلك أنك تقول: كم يوما ضربت، فكم، منصوب على الظرف مع اقتضاء الفعل للمفعول به والمصدر والمفعول فيه، وغير ذلك من المنصوبات، فتعينه لأحد المنصوبات: إنما هو بحسب الفعل وحسب المميز، فبقولك (معا)، تعين للظرفية، ولو قلت: كم رجلا.... لكان انتصابه بكونه مفعولا به، لو قلت: كم ضربة، لانتصب بكونه مفعولا مطلقا، ويجوز أن يجعل (كم) في هذه المواضع مبتدأ، والجملة خبره، والضمير في الجملة مقدر على ضعف كما مر، 1 قوله: (ما بعده فعل)، أي فعل أو شبهه، ليشمل نحو: كم يوما أنت سائر، وكم رجلا أنت ضارب، وليس بمعروف انتصابها 2 الا مفعولا بها أو ظرفا، أو مصدرا، أو خبر كان، نحو: كم كان مالك، أو مفعولا ثانيا لباب ظن، نحو: كم ظننت مالك، قوله: (كل ما بعده فعل غير مشتغل عنه)، منتقض بقولك: كم جاءك، فان (جاءك) فعل غير مشتغل عن (كم) بضميره، لأن معنى الاشتغال عنه بضميره: أنه كان ينصبه لو لم ينصب ضميره، كما ذكرنا في المنصوب على شريطة التفسير، قوله: (وكل ما قبله حرف جر، أو مضاف، فمجرور)، إنما جاز تقدم حرف الجر أو المضاف عليهما، مع أن لهما صدر الكلام، لأن تأخير الجار عن مجروره ممتنع، لضعف عمله، فجوز تقدم الجار عليهما، على أن يجعل الجار، سواء كان اسما أو حرفا، مع المجرور ككلمة واحدة مستحقة للتصدر، حتى لا يسقط المجرور عن مرتبته، ولهذ احذف ألف (ما) الاستفهامية المجرورة، كما مر في الموصولات، تقول: بكم رجل مررت ؟، وغلام كم رجل ضربت، ويكون اعراب المضاف كاعراب (كم) لو لم يكن مضافا إليه،


(1) لأن الضمير العائد من الخبر الفعلي على المبتدأ، لا يحذف في الأفصح، (2) يعني كم، يقصد كونها في محل النصب، وقد عاد هنا إلى الحديث عن كم، باعتبارها كلمة فأنثها، (*)

[ 160 ]

قوله: (والا فهو مرفوع)، أي إن لم يكن بعده فعل غير مشتغل بضميره، ولا قبله جار، فهو مرفوع، وذلك أنه إذا لم يكن لا قبله عامل، ولا بعده، كان اسما مجردا عن العوامل، على مذهب البصريين، فيكون مبتدأ أو خبرا، فأما ألا يكون بعده فعل، نحو: كم مالك، أو إن كان، كان عاملا في ضميره، أو متعلقه، إما على وجه الفاعلية، نحو: كم رجلا جاءك، أو: كم رجلا جاءك غلامه، أو على وجه المفعولية، نحو: كم رجلا ضربته أو ضربت غلامه، ولو قيل في المشتغل بضمير المفعول أو بمتعلقة: أنه مفسر لناصب (كم)، والتقدير: كم رجلا ضربت ضربته، لجاز، إلا أن الرفع فيه أولى، للسلامة من التقدير، على ما تبين، فيما أضمر عامله على شريطة التفسير، والأولى أن يقدر الناصب بعد (كم) ومميزه، لحفظ التصدر على (كم)، ولا منع من تقدير الناصب قبل (كم)، لأن المقدر معدوم لفظا، والتصدر اللفظي هو المقصود، قوله: (إن لم يكن ظرفا)، يعني (كم)، وكونه ظرفا باعتبار مميزة، نحو: كم يوما سفرك، فكم ههنا منصوب المحل، أولا، داخل في قوله: ما بعده فعل أو شبهه، غير مشتغل عنه، لأن التقدير: كم يوما كائن سفرك، ومرفوع المحل ثانيا، لقيامه مقام عامله الذي هو خبر المبتدأ، ومثال كونه مبتدأ، كم رجل جاءني، وأما: كم مالك ؟، فالأولى فيه أن يكون خبرا، لا مبتدأ، لكونه نكرة، ما بعده معرفة، كما مر في باب المبتدأ، قوله: (وكذلك أسماء الاستفهام والشرط)، أي تقع مرفوعة ومنصوبة ومجرورة، على ما ذكر من مواقع (كم)، إلا أن ما هو ظرف من هذه الأسماء، كمتى، وأين، وإذا، إذا لم ينجر بحرف جر، نحو: من أين، فلا بد من كونه منصوبا على الظرفية، وقد يخرج (إذا) عن الظرفية، كما يجيئ في الظروف، ويرتفع اسم الاستفهام محلا مع انتصابه على الظرفية، إذا كان خبر مبتدأ مؤخر نحو: متى عهدك بفلان ؟، وأما أسماء الشرط الظرفية، فلا تكون إلا منصوبة على الظرفية أبدا، وما ليس بظرف، (*)

[ 161 ]

نحو: من، وما، يقع مواقع (كم)، مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، فالمرفوع، إما مبتدأ، نحو: من ضرب ؟ ومن قام قمت، وإما خبر، ولا يكون إلا استفهاما، نحو: من أنت ؟ وما دينك ؟ والمنصوب إما مفعول به، نحو: من لقيت ؟ وما فعلت ؟، ومن ضربت أضربه، وما فعلت أفعله، ولا يقع غير ذلك من المنصوبات، استقراء، والمجرور نحو: غلام من أنت ؟ وبمن مررت ؟، وغلام من تضرب أضرب، وبمن نمرر أمرر، والنظر في كلمات الشرط، نحو من، وما، إلى الشرط لا إلى الجزء، فإن كان الشرط مسندا إلى ضميرها أو متعلقه، متعديا كان أو لازما، فهي مبتدأة، نحو: من جاءك فأكرمه، ومن ضربك غلامه فاضربه، وإن كان متعديا ناصبا لضميرها أو لمتعلق ضميرها نحو: من ضربته يضربك، أو من ضربت غلامه يضربك، فالأولى كونها مبتدأة، ويجوز انتصابها بمضمر يفسره الظاهر، وإن كان متعديا غير مشتغل عنها بضميرها، ولا بمتعلق ضميرها، فهي منصوبة، نحو: من ضربت ضربت، ويجوز كونها مبتدأة على ضعف، 1 ولو جوزنا عمل الجزاء في أداة الشرط، كما هو مذهب بعضهم في: متى جئتني جئتك، على ما يجيئ في الظروف المبنية، لجاز أن تكون في نحو: من جاء فأكرم، ومن ضرب زيدا فاضرب: منصوبة المحل بكونها مفعولة للجزاء، وأن تكون في نحو: من جاءك فاضربه، منصوبة المحل بفعل مضمر يفسره الجزاء، لكن الحق أن الجزاء لا يعمل في أداة الشرط، فلا يفسر عاملها أيضا، لأن ما لا يعمل، لا يفسر العامل، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير، والسر في جواز عمل الشرط في أداته دون الجزاء: أن الأداة من حيث طلبها للصدر،


لأن فيه حذف العائد من الخبر الفعلي وهو ضعيف كما تقدم قبل قليل، (*)

[ 162 ]

كان القياس: ألا يعمل فيها لفظ أصلا، وإن كان متأخرا لأن مرتبة العامل: التقدم من حيث كونه عاملا، فيصير لها مرتبة التأخر من حيث المعمولية، مع تقدمها لفظا، لكنهم جوزوا أن يعمل فيها ما حقه أن يليها بلا فصل كالشرط، وأما الجزاء، فلفرظ تأخره عنها، لم يجوزوا عمله فيها، سواء كانت الأداة ظرفا، كمتى، وأين، أو غيره، كمن، وما، والدليل على أنه لا يعمل الجزاء فيها: أنه لم يسمع مع الاستقراء نحو: أيهم جاءك فاضرب، بنصب (أيهم)، وإن قلنا ان حرف الشرط مقدر قبل كلماته، كما هو مذهب سيبويه، فكلماته، إذن، معمولة لفعل مقدر يفسره ما بعده أبدا، سواء كانت مرفوعة، أو منصوبة، إذ حرف الشرط لا يدخل إلا على فعل ظاهر أو مقدر، كما يجيئ في قسم الأفعال، وذلك عند البصريين، ولا يلزم مثل ذلك في كلمات الاستفهام، لأن همزة الاستفهام تدخل على الفعل والاسم، (حذف التمييز) (وأحكام أخرى) (قال ابن الحاجب:) (وفي تمييز: 481 - كم عمة لك يا جرير وخالة...) (ثلاثة أوجه، وقد يحذف في مثل: كم مالك ؟ وكم ملكت) (قال الرضي:) البيت للفرزدق، وتمامه:

[ 163 ]

...... فدعاء قد حلبت على عشارى 1 الفدعاء: المعوجة الرسغ، من اليد أو الرجل، فتكون منقلبة الكف، أو القدم إلى أنسيهما 2، يعني أنها لكثرة الخدمة صارت كذلك، أو: هذا خلقة بها، نسبها إلى شوه الخلقة، 3 وإنما عدى (حلبت) بعلى، لتضمين (حلبت) معنى: ثقلت، أو تسلطت، أي كنت كارها لخدمتها، مستنكفا عنها، فخذمتني على كره مني، ووجه النصب في (عمة)، كون (كم) خبرية، على ما تقدم من جواز نصب مميزها عند بعضهم، أو استفهامية، وإن لم يرد معنى الاستفهام، لكنه على سبيل التهكم، كأنه يقول: نفس الحلب ثابت، إلا أنه ذهب عني عدد الحلبات، والجر، على أن (كم) خبرية، والرفع، على حذف التمييز، اما مصدرا بتقدير: كم حلبة، نصبا وجرا، فالنصب على الاستفهام على سبيل التهكم، والجر على الاخبار، وإما ظرفا بتقدير: كم مرة، نصبا على التهكم وجرا على الأخبار، فترتفع (عمة) بالابتداء، و: (لك)، صفتها، والخبر: قد حلبت، و (كم) في الوجهين منصوبة المحل، اما مفعول مطلق لخبر المبتدأ، أو ظرف له، كما تقول: أضربتين زيد ضرب ؟ و: أمرتين زيد ضرب ؟، واعلم أن مميز (كم) لا يكون إلا نكرة، استفهاما كان، أو، لا، أما الاستفهامية، 4 فلوجوب تنكير المميز المنصوب، وأما الخبرية، فلأنها كناية عن عدد مبهم، ومعدود كذلك، والغرض من الأتيان بالمميز: بيان جنس ذلك المعدود المبهم فقط، وذلك يحصل بالنكرة، فلو عرف، وقع التعريف ضائعا، و (كم) في حالتيها، مفرد اللفظ، مذكر، قال الأندلسي، فيجوز الحمل على


(1) هو، كما قال الشارح للفرزدق في هجاء جرير، وهي قصيدة امتلأت بالفحش والسب المقذع، والبيت مشهور متداول في جميع كتب النحو، (2) أي إلى جانبه الأيمن أو الأيسر، على خلاف بين علماء اللغة في تحديد معنى الانسي والوحشي، (3) أي تشوه الخلقة، (4) يعني: أما سبب التنكير في مميز الاستفهامية، وكذلك في مقابلة الآتي، (*)

[ 164 ]

اللفظ، نحو: كم رجلا جاءك، مع أن المسئول عنه مثنى أو مجموع، ويجوز الحمل على المعنى، نحو: كم رجلا جاءك أو جاؤوك، وكذا الخبرية، وقال بعضهم: (كم) مفرد اللفظ مجموع المعنى، ككل، فينبغي على هذا ألا يعود إليه ضمير المثنى، وهو الحق، لأنه لو جاز أن يستفهم بكم عن عدد الجماعة الذين جاؤوا المخاطب مفصلين رجلين رجلين، لوجب أن يقال: كم رجلين جاءاك، لأنك إذا قصدت تفصيل جماعة على مثنى أو مجموع، وجب التصريح بالتثنية والجمع، كما في: أفضل رجلين، وأي رجلين، وأفضل رجال، وأي رجال، على ما مر في باب الأضافة، ولم يسمع: كم رجلين، لا استفهاما ولا خبرا، ويجوز: كم امرأة جاءتك، وجئنك وجاءك، حملا على اللفظ والمعنى، ولا يجوز أن يكون الضمير عائدا إى التمييز، لبقاء المبتدأ بلا ضمير من الخبر وهو جملة، ولا تقول: كم رجلا ونساء جاؤوك، بعطف المجموع على مميز الاستفهامية عند البصريين، وأما قولك: كم شاة وسخلتها، وكم ناقة وفصيلها، فلكون المعطوف أيضا نكرة، على ما نبين في باب المعارف، وقد جوز بعض النجاة، نحو: كم رجلا ونساء، لأنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، كما في قوله: الواهب المائة الهجان وعبدها * عوذا تزجى خلفها أطفهالها 1 - 285 وقد ذكرنا ضعف ذلك في باب العطف عند قوله: والمعطوف في حكم المعطوف عليه، وتقول: لقيت امرأة، وكم رجلا وهي جاءاني، عطفا على (كم)، ولا يجوز: كم رجلا واياها، بالعطف على التمييز، لأن المرأة الملقية ذات واحدة، فلا يدخل فيها التقليل والتكثير،


(1) تقدم في الجزء الثاني، في باب الأضافة، (*)

[ 165 ]

وأما (كأين)، فنقل أبو سعيد السيرافي عن سيبويه 1 أنه بمعنى (رب)، لا بمعنى (كم)، قال: لأنه يستقيم: كم لك، ولا يستقيم: كأين لك، كما لا يستقيم: رب لك، وليس بدليل واضح، لأن (كم) لكثرة استعمالها، دون (كأين)، جاز حذف مميزها، وأما (رب) فحرف جر 2، لا يحذف مجروره، ولم أعثر على منصوب بعد (كأين)، 3 وقال بعضهم: يلزم ذكر (من) بعدها، ولعل ذلك لأنه لو لم يؤت بمن، وجب نصب مميزها لمجيئة بعد المنون، فكان مميزها كمميز (كم) الاستفهامية مع أنها بمعنى (كم) الخبرية، وقد جاء (كأين) في الاستفهام قليلا، دون (كذا)، ومنه قول أبي من كعب، لزر بن حبيش 4: كأين تعد سورة الاحزاب، أي: كم تعد ؟ فاستعملها استفهامية، وحذف مميزها، وهما قليلان، ويلزمها التصدر، دون (كذا)، لما قلنا في (كم) الخبرية، وورود (كذا) مكررا مع واو، نحو: كذا وكذا: أكثر من افراده، ومن تكريره بلا واو، ويكنى به عن العدد، نحو: عندي كذا درهما، وعن الحديث، نحو: قال فلان كذا، ولا دلالة فيه على التكثير، اتفاقا، وكنى بعضهم بكذا، المميز بجمع، نحو: كذا دراهم، عن ثلاثة وبابها، وبالمكرر


(1) كونها بمعنى رب، صريح في كلام سيبويه 1 / 298 وفي تعليق للسيرافي بهامش الطبعة الأولى من الكتاب: ترجيح لذهب سيبويه، (2) للرضى رأي في أن رب اسم، ولكن جرى هنا على مذهب الجمهور، (3) نقله سيبويه عن يونس في الكتاب 1 / 297، (4) المشهور أن السائل وجه السؤال إلى عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، (*)

[ 166 ]

دون عطف عن أحد عشر وبابه، وبالمكرر مع العطف عن أحد وعشرين وبابه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، فطابقوا به العدد، حتى أجازوا: كذا درهم بالجر، حملا على: مائة درهم، وهذا خروج عن لغة العرب، لأنه لم يرد مميز (كذا) في كلامهم مجرورا، والشافعي رحمة الله، لا ينظر في تفسير الألفاظ المبهمة إلى ما يناسبها من ألفاظ العدد المفصلة، لأن المفصلة تدل على كمية العدد نصا، والمبهمة لا تدل عليه، بل يلزم بالأقرار المبهم ما هو يقين، وهو الأقل، فيلزم في نحو: كذا درهما: درهم واحد، وهو الحق، وإعراب (كذا) و (كأين): كما قلنا في (كم)، ولا نقول ان الكاف فيهما، وحده، في محل الأعراب، لأن الجزأين صارا بالتركيب ككلمة واحدة، كما تقدم، ولا منع من تقدير الأعراب على الكافين اعتيارا للأصل، (*)

[ 167 ]

(الظروف) (بيان المقطوع منها) (عن الأضافة) (قال ابن الحاجب:) (الظروف، منها ما قطع عن الأضافة، كقبل، وبعد،) (وأجرى مجراه: لا غير، وليس غير، وحسب)، (قال الرضي:) اعلم أن المسموع من الظروف المقطوعة عن الأضافة: قبل، وبعد، وتحت، وفوق، وأمام، وقدام، ووراء، وخلف، وأسفل، ودون، وأول، ومن عل، ومن علو، ولا يقاس عليها ما هو بمعناها نحو يمين، وشمال وآخر، وغير ذلك، وينبغي أن تعرف أنه يحذف المضاف إليه، ويورد المحذوف مضافا إليه اسم تابع للمضاف الأول، نحو قوله: إلا علالة أو بدا * هة سابح نهد الجزارة 1 - 23 وإن لم يورد، فلا يحذف إلا مما هو دال على أمر نسبي لا يتم إلا بغيره، كقبل وبعد، وأخواتهما المذكورة، وكل، وبعض، وإذ، ومع هذا، لا يحذف إلا إذا قامت قرينة على تعيين ذلك المحذوف،


(1) هو من شعر الأعشى، ميمون بن قيس، وتقدم ذكره في الجزء الأول، (*)

[ 168 ]

وإنما بنيت هذه الظروف عند قطعها عن المضاف إليه لمشابهتها الحرف، لاحتياجها إلى معنى ذلك المحذوف، فإن قلت: فهذا الاحتياج حاصل لها مع وجود المضاف إليه، فهلا بنيت معه، كالأسماء الموصولة: تبنى مع وجود ما تحتاج إليه من صلتها ؟ قلت: لأن ظهور الأضافة فيها يرجح جانب اسميتها، لاختصاصها بالأسماء، أما (حيث)، و (إذا)، فإنها، وإن كانت مضافة إلى الجمل الموجودة بعدها، إلا أن إضافتها ليست بظاهرة، إذ الأضافة في الحقيقة إلى مصادر تلك الجمل، فكأن المضاف إليه محذوف، ولما أبدل في كل، وبعض، التنوين من المضاف إليه، لم يبنيا، إذ المضاف إليه كأنه ثابت بثبوت بدله، وإنما اختاروا البناء في هذه الظروف دون التعويض، لأنها قليلة التصرف، أو عادمته، على ما مر في المفعول فيه، وعدم التصرف يناسب البناء، إذ معناه، أيضا، عدم التصرف الأعرابي، ويجوز، أيضا، في هذه الظروف، لكن على قلة: أن يعوض التنوين من المضاف إليه فتعرب، قال: 482 - ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءة * فما شربوا بعدا على لذة خمرا 1 وقال: فساغ لي الشراب وكنت قبلا * أكاد أغص بالماء الحميم 2 - 68


(1) روي الأسد، وأسد خفية، على أنه جمع أسد، والصواب ما أورده الشارح، وأزد شنوءة إحدى قبائل اليمن ولم يذكر شئ عن نسبة هذا البيت إلا أنه جاء عن الفراء، أنه لبعض بني عقيل، وقال البغدادي ان رواية أسد خفية تحريف، وخفية موضع تكثر فيه الأسود، قال لأنه لا يتلاقى مع ما بعده من بقية البيت، فأما: الأسد أسد شنوءة بفتح الهمزة وبالسين فيكون من إبدال الزاي سينا في الأزد، وأزد شنوءة، (2) تقدم في الجزء الأول وفيه رواية: بالماء الفرات... وقيل ان كلا من الروايتين في شعر مستقل، (*)

[ 169 ]

ومنه القراءة الشاذة: 1 (لله الأمر من قبل ومن بعد 2)، ويقال: ابدأ به أولا، فعلى هذا، لا فرق في المعنى بين ما أعرب من هذه الظروف المقطوعة، وما بني منها، وهو الحق، وقال بعضهم: بل أعربت لعدم تضمن معنى الأضافة، فمعنى: كنت قبلا: أي قديما، وابدأ به أولا: أي متقدما، ومعنى من قبل ومن بعد: أي متقدما، ومتأخرا، لأن (من) زائدة، قيل: ويجوز تنوين هذه الظروف المضمومة لضرورة الشعر، مرفوعة ومنصوبة، نحو: جئتك قبل وقبلا، كما قيل في المنادي المضموم: يا مطر ويا مطرا 3، فيجوز أن يكون قوله: فما شربوا بعدا، وقوله: وكنت قبلا: من هذا، وسميت هذه الظروف المقطوعة عن الأضافة: غايات، لأنه كان حقها في الأصل ألا تكون غاية، لتضمنها المعنى النسبي، بل تكون الغاية هي المنسوب إليه، فلما حذف المنسوب إليه، وضمنت معناه، استغرب صيرورتها غاية لمخالفة ذلك لوضعها، فسميت بذلك الاسم لاستغرابه، ولم يسم: كل، وبعض، مقطوعي الأضافة غايتين، لحصول العوض عن المضاف إليه، وتقول: جئته من عل معربا أيضا، كعم 4، ومن عال، كقاض، ومن معال كمرام، ومن علا، كعصا، ومن علو، مفتوح الفاء مثلث اللام 5، فإذا بنيت (عل) على الضم وجب حذف اللام أي الياء، نسيا منسيا، إذ لو قلت: علي، لاستثقلت الضمة على الياء، ولو حذفتها وقلت: من علي، لم يتبين كونها مبنية على الضم كأخواتها،


(1) هي قراءة الجحدري وأبي الشمال، (2) الآية 4 سورة الروم، (3) إشارة إلى قول الشاعر المتقدم في باب النداء في الجزء الأول: سلام الله يا مطر عليها * وليس عليك يا مطر السلام (4) صفة مشبهة من عمي فهو عم مثل فرح فهو فرح، (5) أي لام الكلمة وهي الواو، أما اللام التي في وسط الكلمة فهي ساكنة، (*)

[ 170 ]

وأما نحو: يا قاضي، فاطراد الضم في المنادى المفرد المعرفة يرشد إليه، وإذا قصدت بناء (علو) ساكنة العين، وجب فتح الفاء وكان مع الأعراب يجوز ضمه وكسره، تقول: علو الدار، كما تقول: سفلها، أما جواز بناء (علو) على الفتح، نحو: من علو، من دون سائر الغايات فلثقل الواو المضمومة، وأما الكسر فيه نحو: من علو، فإما لتقدير المضاف إليه، كما في قوله: خالط من سلمى خياشيم وفا 1 - 232 وقولهم: ليس غير بالفتح، على ما مر في الاستثناء 2، فعلى هذا، لا يكون هذا الكسر إلا مع جار قبله، أو مع الأضافة إلى ياء الضمير، وإما لبنائة على الكسر، استثقالا للضمة، وأما الضم نحو: من علو فعلى قياس سائر الغايات، ويروى بيت أعشى باهلة: 483 - إني أتتني لسان لا أسر بها * من علو، لا عجب منها ولا سخر 3 بضم واوها، وكسرها، وفتحها، وبناء الغايات على الحركة ليعلم أن لها عرقا في الأعراب، وعلى الضم، جبرا بأقوى الحركات لما لحقها من الوهن بحذف المحتاج إليه، أعني المضاف إليه، أو ليكمل لها جميع الحركات، لأنها في حال الأعراب، كانت في الأغلب غير متصرفة، فكانت إما مجرورة بمن، أو منصوبة على الظرفية، أو لتخالف حركة بنائها حركة إعرابها، قوله: (وأجري مجراه: لا غير، وليس غير، وحسب) شبه (غير) بالظروف


(1) تقدم في الجزاء الثاني من هذا الشرح، (2) في الجزء الثاني من هذا الشرح، (3) مطلع قصيدة لأعشى باهلة، في رثاء أخيه: المنتشر بن وهب الباهلي وتقدم منها في ما لا يتصرف قوله: أخو رغائب يعطيها ويسألها * يأبي الظلامة منه النوفل الزفر وهي قصيدة من جيد شعره، وآخرها: إما سلكت سبيلا كنت سالكه * فاذهب فلا يبعدنك الله، منتشر (*)

[ 171 ]

والغايات لشدة الأبهام الذي فيها، كما في الغايات لكونها جهات غير محصورة، ولأبهام (غير)، لا تتعرف بالأضافة، وهي أشد إبهاما من (مثل)، فلذا لم يبن (مثل) على الضم، ولا يحذف منها المضاف إليه، إلا مع (لا) التبرئة، و (ليس)، نحو: افعل هذا لا غير، وجاءني زيد ليس غير، لكثرة استعمال (غير)، بعد لا، وليس، و (غير) التي بعد (ليس) بمعنى (ألا)، وقد تقدم أنه يحذف المستثنى بعد (إلا) التي بعد (ليس)، والمضاف إليه المحذوف في: ليس غير، هو المستثنى المحذوف في نحو: جاءني زيد ليس إلا، فلما حذف منها المضاف إليه، بنيت على الضم لمشابهتها للغايات بالأبهام، وأما حسب، فجاز حذف ما أضيف إليه لكثرة الاستعمال، وبني على الضم، تشبيها بغير، إذ لا يتعرف بالأضافة مثله، كما مر في باب الأضافة، (الظروف المضافة) (إلى الجمل) (قال ابن الحاجب:) (ومنها: حيث، ولا يضاف إلا إلى جملة في الأكثر)، (قال الرضي:) اعلم أن الظروف المضافة إلى الجمل على ضربين: إما واجبة الأضافة إليها بالوضع، وهي ثلاثة لا غير، حيث في المكان، وإذ، وإذا في الزمان، على خلاف في (إذا)، هل مضافة إلى الجملة التي تليها، أو، لا، كما يجيئ،

[ 172 ]

وحيث، وإذ، يضافان إلى الفعلية والاسمية، وأما إذا، ففي جواز إضافته إلى الاسمية خلاف، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير، وإما جائزة الأضافة إلى الجملة، ولا تكون إلا زمانا مضافا إلى جملة مستفاد منها أحد الأزمنة الثلاثة، اشترط ذلك ليتناسب المضاف والمضاف إليه في الدلالة على مطلق الزمان، وإن كان الزمانان مختلفين، وإنما احتيج إلى هذا التناسب، لأن الأضافة إلى الجملة على غير الأصل، إذ المضاف إليه في الحقيقة هو المصدر الذي تضمنته نفس الجملة، فعلى هذا، لا يجوز إضافة مكان إلى جملة، لأن الجملة لا يستفاد منها أحد الأمكنة معينا كما يستفاد منها أحد الأزمنة، فإذا تقرر هذا قلنا: الأصل أن يضاف الزمان إلى الفعلية، لدلالة الفعل على أحد الأزمنة وضعا، فلذا كانت إضافة الزمان إلى الفعلية أكثر منها إلى الاسمية، والاسمية المضاف إليها إما أن يستفاد الزمان منها بكون ثاني جزأيها فعلا، كقوله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون) 1، أو بكون مضمونها مشهور الوقوع في أحد الأزمنة الثلاثة وإن كان جزاها اسمين، إما في الماضي نحو: أتيتك حين الحجاج أمير، أو في المستقبل نحو: لآخذنك حين لا شئ لك، قال تعالى: (يوم هم بارزون) 2، وقال المبرد في الكامل: لا يضاف الزمان الجائز الأضافة إلى الاسمية إلا بشرط كونها ماضية المعنى، حملا على (إذ) الواجبة الأضافة إلى الجمل، وقوله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون)، وقوله: (يوم هم بارزون)، يكذبه، 3 هذا الذي ذكرنا كله، إذا أضيف الزمان إلى جملة هو في المعنى ظرف مصدرها كما رأيت، فإن لم يكن الزمان ظرفا للمصدر، بل كان إما قبله، أو بعده، فلا يكون


(1) الآية 3 سورة الذاريات (2) من الآية 16 سورة غافر، (3) يقصد بهذا الرد على المبرد بالآيتين السابقتين، (*)

[ 173 ]

له مع الجملة من الاختصاص، ما يكون لظرف مصدرها، فلا يستعمل إلا مع حرف مصدري، كأن وأن وما، قبل الجملة، قال الله تعالى: (من قبل أن نطمس وجوها)، 1 و: (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) 2، و: (من قبل أن تلقوه)، 3 ونحو ذلك، وأما إضافة (ريت) إلى الجملة الفعلية نحو: توقف ريث أخرج إليك، فلكونه مصدرا بمعنى البطء، مقاما مقام الزمان المضاف، والأصل: ريث خروجي، أي مدة أن يبطئ خروجي حتى يدخل في الوجود، والمعنى: إلى أن أخرج، فهو نحو: آتيك خفوق النجم، فلما قام مقام الزمان، جاز إضافته إلى الفعلية، وكذا (آية) بمعنى علامة، يجوز إضافتها إلى الفعلية لمشابهتها الوقت لأن الأوقات علامات، يوقت بها الحوادث، ويعين بها الأفعال، لكن لما كان (ريث) و (آية) دخيلين في معنى الزمان أضيفا إلى الفعلية في الأغلب مصدرة بحرف مصدري، قال: 484 - بآية يقدمون الخيل شعثا * كأن على سنابكها مداما 4 وقال: 485 - ألا من مبلغ عني تميما * بآية ما يحبون الطعاما 5 وتقول: أقم ريثما أخرج، فإذا جاز أن يضاف الزمان إلى الفعلية مع حرف مصدري،


(1) الآية 47 سورة النساء، (2) الآية 117 سورة التوبة، (3) الآية 143 سورة آل عمران، (4) في سيبويه: 1 / 460، ولم يذكر في كتاب سيبويه المطبوع أنه للأعشى كما قال البغدادي، وكذلك لم يذكر أحد ممن أورده نسبته لأحد من الشعراء، وقد شبه ما يسيل من الخيل ومن العرق إذا تعبت، بالمدام أي الخمر، (5) هذا أيضا في سيبويه: 1 / 460، وفيه أنه ليزيد بن الصعق، وقال البغدادي ان صواب الرواية: بآية ما يهم حب الطعام، وأورد بعده: أجارتها أسيد ثم غارت * بذات الضرع منها والسنام، ونسب إلى الدماميني قوله ان هذا البيت مرتبط بما قبله، ورد بذلك باختلاف المعنى فضلا عن اختلاف القافية، كما تقدم، وكانت بنو تميم تعير بحبها للطعام ولذلك قصة طويلة، (*)

[ 174 ]

على ما نقله الكوفيون، على ما يجيئ، فكيف بما يشابهه، ويضاف (ذو) أيضا، معربا كإعرابه في نحو: ذو مال، بالألف والواو، والياء إلى الفعلية في قولهم: اذهب بذي تسلم، واذهبا بذي تسلمان واذهبوا بذي تسلمون، فقال بعضهم هو شاذ، وذي صفة للأمر، أي اذهب مع الأمر ذي السلامة، أي مع الأمر الذي تسلم فيه والباء بمعنى (مع)، وقال السيرافي: الموصوف بذي: الوقت، أي اذهب في الوقت ذي السلامة، أي في وقت تسلم فيه، والباء بمعنى (في)، فلا تكون الأضافة شاذة، لأنه كالزمان المضاف إلى الفعل، وقال بعضهم: هو: ذو، الطائية، أعربت، وهو بعيد، لما مر في الموصولات من أنها بالواو في الأحوال، على الأشهر، وربما استعملت (ذو) في الأضافة إلى الفعل أجمع 1، استعمالها مضافة إلى الاسم، نحو: جاءني ذو فعل، وذوا فعلا، وذووا فعلوا، وذات فعلت، وذواتا فعلتا، وذوات فعلن، ويحتمل أن تكون طائية، على ما حكى ابن الدهان 2، كما مر في الموصولات، وأن تكون بمعنى صاحب، أضيفت إلى الفعل شاذا، وقال سيبويه: إذا كان أحد جزأي الجملة التي تلي (حيث) و (إذا)، فعلا، فتصدير ذلك الفعل أولى، لما فيها من معنى الشرط وهو بالفعل أولى، فحيث يجلس زيد، أولى من: حيث زيد يجلس، وفيما ذكر من ذلك في (إذا)، نظر، لكثرة نحو قوله تعالى: (إذا السماء انشقت) 3، و: (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت)، 4


(1) يعني جميع صيغ الفعل المسند إلى المفرد والمثنى... الخ، كما سيمثل، (2) ابن الدهان، تقدم ذكره في هذا الجزء، (3) أول آية في سورة الانشقاق، (4) الآيتان 1، 2 سورة الانفطار، (*)

[ 175 ]

وأما الكلام في بناء (حيث) فسيأتي بعد، وقد يشبه (غير) و (مثل)، بالظروف المضافة إلى الجمل لزوما، أعني: حيث، وإذ، وإذا، وذلك لأنهما نسبيان مثلها، ولأنه لا حصر فيهما، كما أنها غير محصورة بحدود حاصرة، انحصار اليوم، والدار، فيضافان إلى الجملة، لكن لما كانا مشبهين بها تشبيها بعيدا، لم يضافا إلى صريح الفعل، إضافتها إليه، بل إلى جملة مصدرة بحرف مصدري، كقوله تعالى: (مثل ما أنكم تنطقون) 1، وقوله: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال 2 - 228 وقوله: غير أني قد أستعين على الهموم * إذا حف بالثوي النجاء 3 - 229 وإنما صدر ما أضيفا إليه بحرف مصدري، دون ما أضيف إليه الزمان الجائز إضافته إلى الجملة، وإن كانت الأضافة إليها في كلا القسمين غير لازمة، لأن التناسب بين الزمان المضاف إلى الجملة، والجملة المضاف إليها في دلالتهما على الزمان، وكون الزمان ظرفا لمصدر الجملة المضاف إليها (أغنيا عن الحرف المصدري) 4، وليسا بموجودين في: مثل، وغير، فاحتيج معهما إلى الحرف المصدري، مع أنه نقل الكوفيون عن العرب أنها تضيف الظروف، أيضا، إلى، أن، المشددة والمخففة، نحو: أعجبني يوم أنك محسن، ويوم أن يقوم زيد، فإن صح النقل، جاز في تلك الظروف: الأعراب والبناء، كما في: (مثل ما أنكم تنطقون)، وغير أن نطقت، على ما يأتي، واختلف في كون الظروف مضافة إلى ظاهر الجملة، أو إلى المصدر الذي تضمنته، والنزاع في الحقيقة منتف، لأن الأضافة في اللفظ إلى ظاهر الجملة بلا خلاف، ومن حيث المعنى إلى مصدرها، لأن معنى يوم قدم زيد، يوم قدومه، ولو كان مضافا في الحقيقة


(1) الآية 23 سورة الذاريات، (2) تقدم ذكره في باب الاستثناء، (3) تقدم أيضا في باب الاستثناء، (4) زيادة موجودة في بعض النسخ وإثباتها مفيد في بيان المعنى، (*)

[ 176 ]

إلى ظاهر الجملة، وهي خبر، لكان المعنى: يوم هذا الخبر المعين، وأيضا، الأضافة في المعنى لتخصيص الزمن، ولا بد في الأضافة المفيدة للتخصيص من صحة تقدير لام التخصيص، واللام يتعذر دخولها على الجملة، قال صاحب المغني: 1 يتصرف الظرف المضاف إلى الجملة، فيصح أن يقال: جئتك يوم قد زيد، الحار أو البارد، على أن يكون 2 صفة ليوم، قلت: ومع غرابة هذا الاستعمال وعدم سماعه، ينبغي ألا يتعرف المضاف إذا كان الفاعل في الفعلية، أو المبتدأ في الاسمية، نكرة، نحو: يوم قدم أمير، ويوم أمير كبير قدم، إذ المعنى: يوم قدوم أمير، ثم اعلم أنه يضاف الزمان، أو (حيث)، إلى الجملة، وإن لم يكن ظرفا، أي منصوبا بتقدير (في)، قال الله تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) 3، و: (هذا يوم لا ينطقون) 4، بالرفع، و: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) 5، وهو مفعول ليعلم مقدرا، وقال: 486 - بأذل حيث يكون من يتذلل 6


(1) منصور بن فلاح اليمني وتقدم ذكره، (2) أي لفظ الحار والبارد، (3) الآية 119 سورة المائدة، (4) الآية 35 سوره المرسلات، (5) الآية 124 سورة الأنعام، (6) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير، وهي القصيدة التي يقول فيها: إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول والشطر الذي أورده الشارح آخر بيتين مرتبطين في المعنى، وهما: إنا لنضرب رأس كل قبيلة * وأبوك خلف أتانه يتقمل يهز الهزانع عقده عند الخصي * بأذل حيث يكون من يتذلل يتقمل: يستخرج من جسمه القمل، ويهز مضارع وهز، مثل يعد من وعد، والهرانع جمع هرنع بكسر الهاء والنون أو بضمها صغار القمل، وعقده: فاعل بهز، ومعناه عقد أصبعيه السبابة والابهام للامساك = (*)

[ 177 ]

وقال أبو علي، في كتاب الشعر: ما بعد (حيث) في الموضعين: صفة، لا مضاف إليه، قال: لأن (حيث) يضاف ظرفا، لا اسما، فالمعنى: حيث يجعله، وحيث يكونه، أي: يجعل فيه، ويكون فيه، والأولى أن نقول: انه مضاف، ولا مانع من إضافته وهو اسم لا ظرف، إلى الجملة، كما في ظروف الزمان، وأما نحو: يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، فقالوا: إن الظروف مضافة إلى (إذا) المضافة في المعنى إلى جملة محذوفة مبدل منها التنوين، وفي ذلك تعسف من حيث المعنى، إذ قولك: حين وقت كذا، ويوم الوقت، وساعة الوقت، ونحو ذلك: غريب الاستعمال، مستهجن المعنى، بخلاف نحو قوله تعالى: (بعد إذ أنتم مسلمون 1)، إذ معناه: بعد ذلك الوقت، وأما قوله تعالى: (إلى يوم الوقت المعلوم) 2، فقال أبو علي في الحجة: ان الوقت بمعنى الوعد، كما أن معنى قوله تعالى: (فتم ميقات ربه 3): تم ميعاد ربه، فهو بمعنى قوله: (واليوم الموعود) 4، قال 5: ولا يجوز أن يراد بالوقت: الأوان، لأن اليوم إما: وضح النهار، وإما،: برهة من الزمان، ولو قلت: إلى برهة الزمان أو يوم الزمان، لم يكن ذلك بالسهل، هذا كلامه، والذي يبدو لي: أن هذه الظروف التي كلها في الظاهر مضافة إلى (إذ): ليست بمضافة إليه: بل إلى الجممل المحذوفة، إلا أنهم لما حذفوا تلك الجمل لدلالة سياق الكلام


= بالقمل، يقول: نحن نقتل كبار القبائل وأبوك يقتل القمل الذي يستخرجه من بين فخذيه وهو جالس في أحقر مكان يجلس فيه ذليل، (1) الآية 80 سورة آل عمران، (2) الآية 38 سورة الحجر، وكذلك هي الآية 81 سورة ص، (3) الآية 142 سورة الأعراف، (4) الآية الثانية من سورة البروج، (5) أي الفارسي، (*)

[ 178 ]

عليها: لم يحسن أن يبدل منها تنوين لاحق بهذه الظروف، كما أبدل في: كل، وبعض، وإذ، لأن (كلا) وأخويها: لازمة للأضافة معنى، فيستدل بالمعنى على حذف المضاف إليه، ويتعين ذلك المحذوف بالقرينة الحاصلة من سياق الكلام فيكمل المراد، كقوله تعالى: (وكلا آتينا حكما وعلما) 1 و: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) 2، وقوله: 487 - نهيتك عن طلابك أم عمرو * بعاقبة وأنت إذ صحيح 3 لأن (إذ) لازم الأضافة، ولا وجه لتنوينه إلا أن يكون عوضا، لبعد معنى التنكير والتمكن منه، وأما هذه الظروف، فليست بلازمة للأضافة معنى، فلو قلت: جاءني زيد، وكنت حينا كذا... وقصدت حذف المضاف إليه وإبدال تنوين (حينا) منه، أي حين ذلك، لم يكن ظاهرا في ذلك المعنى، بل ظاهره: أن التنوين فيه للتنكير، فلما خافوا التباس تنوين العوض في: يوما، وحينا، وساعة، بغيره من تنوين التمكن والتنكير، توصلوا إلى الدلالة على الجمل المحذوفة المضاف إليها هي، في الأصل، بأن أبدلوا من تلك الظروف، بدل الكل، ظرفا لازما للأضافة إلى الجمل، خفيفا في اللفظ، صالحا لجميع أنواع الأزمنة، من الساعة، والحين، والليلة، وغير ذلك، متعودا أن تحذف الجمل المضافة إليها هو، مع إبدال التنوين منها، كما في قوله: وأنت إذ صحيح، فجيئ بإذ، بعذ هذه الظروف بدلا منها مع تنوين العوض، ليكون التنوين كأنه ثابت في الظروف المبدل منها، لأن بدل الكل مع قيامه مقام المبدل منه في المعنى: مطلق على ما أطلق عليه فكأنه هو، وألزم (إذ) الكسر، لالتقاء الساكنين، ليكون كاسم متمكن مجرور مضاف إليه الظرف الأول، حتى لا يستنكر حذف المضاف إليه منه بلا بناء على


(1) الآية 79 سورة الأنبياء (2) الآية 32 سورة الزخرف (3) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي مطلعها: جمالك أيها القلب الجريح * ستلقى من تحب فتستريح وبعده البيت المستشهد به، وقوله جمالك، حيث على الصبر والاحتمال، أي الزم ما هو جميل بك أو تجمل جمالك، (*)

[ 179 ]

الضم ولا تنوين عوض، لأنه لا بد فيما حذف منه المضاف إليه، من أحدهما 1، إلا أن يعطف عليه مضاف إلى مثل ذلك المحذوف كقوله: الا علالة أو بدا * هة سابح نهد الجزارة 2 - 23 ولما توصل بإذ، إلى الغرض المذكور، وكانت الظروف المذكورة، قد تكون مستقبلة، وماضية: جرد (إذ) عن معنى الماضي، وصار لمطلق الظرفية، فيجوز استعماله في المستقبل أيضا، كقوله تعالى: (فويل يومئذ للمكذبين)، 3 ونحوه، والحق أن (إذ) إذا حذف المضاف إليه منه وأبدل منه التنوين في غير نحو: يومئذ، جاز فتحه أيضا، ومنه قوله تعالى حاكيا: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) 4، أي فعلتها إذ ربيتني، إذ لا معنى للجزاء ههنا كما قيل في (إذن): آنها للجواب والجزاء، وكسر الذال في نحو: حينئذ لالتقاء الساكنين، لا للجر، خلافا للأخفش فإنه زعم أنه مجرور بالأضافة، وبناء (إذا) يمنع جره، وأيضا، نحن نعلم أنه في قوله: (وأنت إذ صحيح)، ليس بمجرور، وهو مثله في حينئذ لكنهم إنما ألزموها الكسر لتكون في صورة المضاف إليه الظرف الأول، ويجوز في غيره الفتح أيضا كقوله تعالى حاكيا: (فعلتها إذا وأنا من الضالين)، كما بينا، واعلم أن الظرف المضاف إلى الجملة، لما كان ظرفا للمصدر الذي تضمنته الجملة، على ما قررنا قبل، لم يجز أن يعود من الجملة إليه ضمير، فلا يقال آتيك يوم قدم زيد فيه، لأن الربط الذي يطلب حصوله من مثل هذا الضمير، حصل بإضافة الظرف إلى الجملة وجعله ظرفا لمضمونها، فيكون كأنك قلت: يوم قدوم زيد فيه أي في اليوم، وذلك غير


(1) متعلق بقوله: لا بد فيما حذف... (2) تقدم ذكره في الجزء الأول، وتكرر بعد ذلك، (3) الآية 6 سورة الطور، (4) الآية 20 سورة الشعراء، (*)

[ 180 ]

مستعمل، قال تعالى: (يوم تبيض وجوه) 1، وقد يقول العوام: يوم تسود فيه الوجوه 2، ونحو ذلك، ولنذكر شرح قوله في آخر الباب: (والظروف المضافة إلى الجمل، وإذ، يجوز بناؤها على الفتح، وكذلك: مثل، وغير، مع: ما، وأن)، ههنا 3، فإنه محتاج إليه لبيان بناء (حيث) فنقول: إن ظرف الزمان المضاف إلى الجمل إنما يبني منه المفرد والجمع المكسر، إذا بني، ولا يبنى منه المثنى، لما ذكرنا في نحو: هذان، واللذان، 4 والظروف المضافة إلى الجمل على ضربين، كما ذكرنا: إما واجبة الأضافة إليها، وهي: حيث، في الأغلب، وإذ، وأما (إذا) ففيها خلاف على ما يجيئ، هل هي مضافة إلى شرطها أو، لا، وإما جائزة الأضافة، وهي غير هذه الثلاثة، فالواجبة الأضافة إليها، واجبة البناء، لأنها مضافة في المعنى إلى المصدر الذي تضمنته الجملة كما ذكرنا، وإن كانت في الظاهر إلى الجملة، فإضافتها إليها كلا إضافة، فشابهت الغايات المحذوف ما أضيفت إليه، فلهذا بنيت (حيث) على الضم كالغايات، على الأعرف، وأما جائزة الأضافة إليها فعلى ضربين: لأنها إما أن تضاف إلى جملة ماضية الصدر، نحو قوله: 488 - على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما تصح والشيب وازرع 5


(1) الآية 106 سورة آل عمران (2) التحريف سببه إسقاط التنوين فصار كأنه مضاف إلى الجملة مع ذكر الجار والمجرور، (3) متعلق بقوله ولتذكر شرح قوله، (4) انظر باب اسم الأشارة في آخر الجزء الثاني، (5) من قصيدة للنابغة الذبياني مطلعها: عفا ذو حسى من فرتنى فالفوارع * فجنبا أريك فالتلاع الدوافع ذو حسى موضع، وفرتنى اسم امرأة وبقية ما في البيت أسماء أمكنة، وقبل البيت المستشهد به: فأسبلت مني عبرة فرددتها * على النحر، منها مستهل ودامع (*)

[ 181 ]

فيجوز، بالاتفاق، بناؤها وإعرابها، أما الأعراب فلعدم لزوم للأضافة إلى الجملة، فعلة البناء، إذن، عارضة، وأما البناء فلتقوي العلة بوقوع المبني الذي لا إعراب ولا محلا، موقع المضاف إليه الذي يكتسي منه المضاف أحكامه، من التعريف غير ذلك، كما في باب الأضافة، وإما ألا تضاف إلى الجملة المذكورة، وذلك بأهن تضاف إلى الفعلية التي صدرها مضارع، نحو قوله تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) 1، أو إلى الاسمية، سواء كان صدرها معربا أو مبنيا في اللفظ، نحو: جئتك يوم أنت أمير، إذ لا بدله من الأعراب محلا، فعند البصريين لا يجوز في مثله إلا الأعراب في الظرف المضاف، لضعف علة البناء، وعند الكوفيين، وبعض البصريين، يجوز بناؤه، اعتبارا بالعلة الضعيفة، ولا حجة لهم فيما ثبت في السبعة 2 من فتح قوله تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)، لاحتمال كونه ظرفا، والمعنى: هذا المذكور في يوم ينفع، ولا في قوله تعالى: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا 3) على قراءة الفتح، لاحتمال كونه بدلا من قوله قبل: (يوم الدين) 4 وأما (غير)، المضاف إلى ما صدره: أن، أو: أن، و (مثل) المضاف إلى ما صدره، ما، فيجوز بالاتفاق منهم إعرابها وبناؤها، قال الله تعالى: (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) 5، ففتح (مثل) مع كونه صفة لحق، أو خبرا بعد خبر لأن، ويجوز أن يكون منصوبا، لكونه مصدرا بمعنى: أنه لحق تحققا مثل حقية نطقكم، وقال: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال 6 - 228 ففتح غير، مع كونه فاعلا ليمنع، ويجوز أن يكون بناؤه لتضمنه معنى (الا) كما مر في باب الاستثناء، (1) الآية 119 سورة المائدة وتقدمت قريبا، (2) هي قراءة نافع فقط من القراء السبعة، (3) الآية 19 سورة الانفطار، (4) أي في قوله تعالى قبل ذلك: يصلونها يوم الدين (5) الآية 23 سوره الذاريات وتقدمت، (6) تقدم ذكره قريبا وفي باب الاستثناء في الجزء الثاني، (*)

[ 182 ]

وعلة بنائهما: مشابهتهما لأذ، وإذا، وحيث، لأنهما مضافان من حيث المعنى إلى مصدر ما وليهما، ولأن فيهما الأبهام لفقد الحصر، كما مر، والمبني، وهو: ما، وأن، وأن، واقع موقع ما أضيفا إليه، ولو ثبت ما نقل الكوفيون من إضافة الظروف إلى ما صدره (أن) المشددة أو المخففة، لجاز إعرابها وبناؤها نحو مثل، وغير، وكذا يجوز اتفاقا بناء الظروف المتقدمة على (إذ)، نحو: حينئذ، وإعرابها، قرئ قوله تعالى: (من خزي يومئذ) 1، بفتح يوم، وجره 2، أما الأعراب فلعروض علة البناء، أعني الأضافة إلى الجمل، وأما البناء فلوقوع إذ، المبني موقع المضاف إليه لفظا، كما بينا، فصار 3 نحو قوله: على حين عاتبت المشيب، فثبت بما بينا أن قوله: (والظروف المضافة إلى الجمل يجوز بناؤها)، ليس ينبغي أن يكون على إطلاقه، وقوله:.... مثل وغير، مع ما، وأن: أي: مثل) مع ما، و (غير) مع أن، مشددة ومخففة، وهذا تمام الكلام على الظروف المضافة إلى الجمل، وقال المصنف: بني (حيث) لأنه موضوع لمكان حدث تتضمنه الجملة، فشابه الموصولات في احتياجه إلى الجمل، وكذا قال في: إذ، وإذا، ويجوز أن يقال في (إذ) انه بني لأن وضعه وضع الحروف 4، كما يقول بعضهم، وبني (حيث) على الضم في الأشهر، تشبيها بالغايات، لأن إضافته كلا إضافة، على ما ذكرنا، وقد تفتح الثاء وتكسر، وقد يخلف ياءها واو، مثلثة الثاء أيضا، وإعرابها لغة فقعسية، وندرت إضافتها إلى المفرد، قال:


(1) الآية 66 سورة هود، (2) قرأ غير نافع والكسائي بكسر الميم، والباقون بفتحها، (3) أي صار (يومئذ) وما أشبهه، مثل قوله: على حين عاتبت في جواز الأعراب والبناء، (4) يرى بعض العلماء أن وضع الاسم على حرفين مطلقا، من أسباب البناء، وبعضهم يخص ذلك بأن يكون ثاني الحرفين معتلا، (*)

[ 183 ]

489 - ونطعنهم حيث الحبي بعد ضربهم * ببيض المواضي حيث لي العمائم 1 وقال: 490 - أما ترى حيث سهيل طالعا 2 وبعضهم يرفع (سهيل) على أنه مبتدأ، محذوف الخبر، أي حيث سهيل موجود، وحذف خبر المبتدأ الذي بعد (حيث) غير قليل، ومع الأضافة إلى المفرد، يعربه بعضهم لزوال علة البناء، أي الأضافة إلى الجملة، والأشهر بقاؤه على البناء، لشذوذ الأضافة إلى المفرد، وترك إضافة (حيث) مطلقا، لا إلى جملة ولا إلى مفرد: أندر، وظرفيتها غالبة، لا لازمة، قال: 491 - فشد ولم يفزع بيوتا كثيرة * لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم 3 وكذا في قوله: أما ترى حيث سهيل، وهو مفعول ترى، وكذا قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، 4 وحكي: هي أحسن الناس حيث نظر ناظر، أي وجها، فهو تمييز، وقال الأخفش: قد يراد به الحين 5، كما في قوله: 492 - للفتى عقل يعيش به * حيث تهدي ساقه قدمه 6


(1) قال الزمخشري: روى ابن الأعرابي بيتا آخره: حيث لي العمائم، واقتصر على ذلك للاختلاف الكثير في بقية البيت وقد وردت العبارة أيضا في شعر لكثير عزة، أما البيت بالصيغة التي هنا والتي وردت في معظم الكتب فلا يعرف قائله، انظر عبارة الزمخشري في شرح ابن يعيش 4 / 91. (2) بقيته: نجما يضيئ كالشهاب ساطعا، أو: لامعا، وهذا الرجز لم يعرف قائله، وقد امتلأت به كتب النحو، (3) من معلقة زهير بن أبي سلمى في الجزء الذي يتحدث فيه عن الحصين بن ضمضم الذي كان قد امتنع من الاشتراك في الصلح، والضمير الفاعل في قوله: فشد راجع للحصين يعني حمل على الرجل الذي أراد قتله، ولم تفزع بيوت كثيرة أي لم يعلم كثير من الناس بما حدث وأم قشعم كناية عن الحرب أو كنية المنية، وقصة ذلك طويلة جدا، (4) الآية 124 من سورة الأنعام، وتقدمت، (5) فيكون ظرف زمان، (6) قال غير الأخفش انه لا مانع من بقاء حيث في البيت على أصلها من الظرفية المكانية، لأن المعنى: أين سار، والبيت آخر قصيدة لطرفة بن العبد وقبلة: الهبيت لا فؤاد له * والثبيت ثبته فهمه (*)

[ 184 ]

(معنى إذ وإذا) (واستعمال إذا للمفاجأة) (قال ابن الحاجب:) (ومنها إذا، وهي للمستقبل، وفيها معنى الشرط، فلذلك) (اختير بعدها الفعل، وقد تكون للمفاجأة، فيلزم المبتدأ) (بعدها، وإذ لما مضى، ويقع بعدها الجملتان)، (قال الرضي:) قد تقدم ههنا علة بنائها، وذكرنا في المنصوب على شريطة التفسير، الكلام في وقوع الجمل بعدها، فنقول: قد تكون (إذا) للماضي، كإذ، كما في قوله تعالى: (حتى إذا بلغ بين السدين 1)، و: (حتى إذا ساوى بين الصدفين) 1، و: (حتى إذا جعله نارا) 1، كما أن (إذا) تكون للمستقبل كإذا، كما في قوله تعالى: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون 2...)، على أنه يمكن أن تؤول بالتعليلية، وكما في قوله تعالى: (فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم) 3، ويمكن أن تكون من باب: (ونادى أصحاب الجنة 4)،


(1) الأجزاء الثلاثة من الآيتين 94، 96 في سورة الكهف، (2) الآية 11 في سورة الأحقاف، (3) الآيتان 70، 71 سورة غافر (4) الآية 44 سورة الأعراف، (*)

[ 185 ]

وقد تكون (إذا) مع جملتها، لاستمرار الزمان نحو قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا... 1)، أي هذه عادتهم المستمرة، ومثله كثير، نحو قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا 2...)،: (إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد.. 3)، والأصل في استعمال (إذا)، أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، والدليل عليه: استعمال (إذا)، في الأغلب الأكثر في هذا المعنى، نحو: إذا طلعت الشمس، وقوله تعالى: (إذا الشمس كورت) 4، ولهذا كثر في الكتاب العزيز استعماله، لقطع علام الغيوب سبحانه بالأمور المتوقعة، وكلمة الشرط: ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضا حصول مضمون الثانية، فالمضمون الأول: مفروض ملزوم، والثاني لازمه، فهذا المفروض وجوده قد يكون في الماضي، فإن كان مع قطع المتكلم بعدم لازمه يه، فالكلمة الموضوعة له (لو)، وإن لم يكن مع قطع المتكلم، بعدمه، استعمل فيه (إن)، لا على أنها موضوعة له كما يجيئ، فلهذا كان (لو) لانتفاء الأول لانتفاء الثاني كما يجيئ في حروف الشرط، لأن مضمون جوابه المعدوم لازم لمضمون شرطه، وبانتفاء اللازم ينتفي الملزوم، وقد يكون في المستقبل، وقد وضعت له (ان)، ولا يكون معنى الشرط في اسم الا بتضمن معناها، فلو، موضوعة لشرط مفروض وجوده في الماضي مقطوع بعدمه فيه، لعدم جزائه، وان، موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل، مع عدم قطع المتكلم، لا بوقوعه فيه، ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم القطع في الجزاء، لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك


(1) الآية 11 سورة البقرة، (2) الآية 14 سورة البقرة، وهي أيضا من الآية 76 في السورة نفسها، (3) الآية 92 سورة التوبة، (4) أول سورة التكوير، (*)

[ 186 ]

في وقوعه، كما في حقنا، أو لم يشك كالواقعة في كلامه تعالى، وقد تستعمل (ان) الشرطية في الماضي على أحد ثلاثة أوجه، اما على أن يجوز المتكلم وقوع الجزاء، ولا وقوعه 1 فيه، كقوله تعالى: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت)، 2 وإما على القطع بعدمه فيه، وذلك المعنى الموضوع له (لو)، كقوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته) 3، وإما على القطع بوجوده نحو: زيد وإن كان غنيا لكنه بخيل، وأنت، وإن أعطيت جاها: لئيم، واستعمالها في الماضي على خلاف وضعها ولا تستعمل فيه، في الأغلب، إلا وشرطها (كان) لما يأتي في الجوازم، وقد تستعمل (لو) في المستقبل بمعنى (ان)، وقد تكون، أيضا للاستمرار كما ذكرنا في (إذا)، قال عليه الصلاة والسلام: (لو أن لابن آدم واديين من ذهب، لابتغى إليهما ثالثا)، فنقول: 4 لما كان (إذا) موضوعا للأمر المقطوع بوجوه، في اعتقاد المتكلم، في المستقبل، لم يكن للمفروض وجوده، لتنافي القطع والفرض في الظاهر، فلم يكن فيه معنى (ان) الشرطية، لأن الشرط، كما بينا، هو المفروض وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيرا في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها، على خلاف 5 ما نتوقعه، جوزوا تضمين. (إذا) معنى (إن)، كما في (متى) وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم، شاكا في مجيئ المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه، بمعنى: متى جئتني: سواء، لكن اضمار (ان) قبل (متى) وسائر الأسماء الجوازم، على ما هو مذهب سيبويه في أسماء الشرط، صار بعد العروض، عريقا ثابتا، إذ لم توضع في الأصل لزمان يقطع


(1) أي عدم وقوعه (2) الآية 26 سورة يوسف (3) الآية 116 سورة المائدة، (4) ما تقدم كان تمهيدا للكلام على إذا، (5) يعني ينكشف الحال على خلاف... (*)

[ 187 ]

المتكلم بوقوع الفعل فيه، كما وضعت (إذا)، فجاز أن يرسخ الفرض الذي هو معنى الشرط في الحدث الواقع فيها، واما (إذا)، فلما كان حدثه الواقع فيه مقطوعا به في أصل الوضع لم يرسخ فيه معنى (ان) الدالة على الفرض، بل صار عارضا على شرف الزوال، فلهذا لم يجزم إلا في الشعر، مع إرادة معنى الشرط وكونه بمعنى (متى)، قال: 493 - ترفع لي خندف والله يرفع لي * نارا، إذا خمدت نيرانهم تقد 1 وقال: 494 - إذا قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى أعدائنا فنضارب 2 ومن جهة عروض معنى الشرط فيها، لم يلزم، عند الأخفش، وقوع الفعلية بعدها، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير، ولما كثر دخول معنى الشرط في (إذا)، وخروجه عن أصله من الوقت المعين، جاز استعماله، وإن لم يكن فيه معنى (ان) الشرطية وذلك في الأمور القطعية، استعمال 2 (إذا) المتضمنة لمعنى (إن)، وذلك بمجيئ جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء، وإن لم يكونا شرطا وجزاء، كقوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح 4)، إلى قوله (فسبح)، كما أنه لما كثر وقوع الموصول متضمنا معنى الشرط، فجاز دخول الفاء في خبره: جاز دخول الفاء في الخبر وإن لم يكن في الأول معنى الشرط، كما في قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) إلى قوله: (فلهم عذاب جهنم) 5، وقوله تعالى: (وما


(1) خندف بكسر الخاء والدال قبيلة الفرزدق، والبيت له، والشاهد فيه من حيث إن قوله تقد، فعل مضارع مجزوم والكسرة للروي، وهكذا أورده سيبويه 1 / 434 ويرويه بعضهم: إذا ما خبت نيرانهم.... والصواب ما هنا، (2) البيت بهذه الرواية من قصيدة جيدة لقيس بن الخطيم يذكر فيها يوم بعاث الذي كان قبل الأسلام، أولها: أتعرف رسما كاطراد المذاهب * لعمره وحشا غير موقف راكب ووقع مثل هذا في بيت مرفوع الروى لشاعرين آخرين، (3) متعلق بجاز استعماله، وهو مفعول مطلق للمصدر السابق، (4) سورة النصر (5) الآية 10 سورة البروج، ولم يترك بين الجزأين إلا قوله ثم لم يتوبوا، (*)

[ 188 ]

أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم) 1، لأن الفتن 2، والأفادة، متحققا الوجود في الماضي، فلا يكون فيهما معنى الشرط الذي هو الفرض، ومنه أيضا، قوله تعالى: (وما بكم من نعمة، فمن الله) 3، والفاء في مثل هذه المواضع في الحقيقة زائدة، وإنما رتب (إذا) والموصول، في الآيات المذكورة والجملتان بعده، ترتيب كلمة الشرط وجملتي الشرط والجزء، وإن لم يكن فيهما معنى الشرط ليدل هذا الترتيب على لزوم مضمون الجملة الثانية لمضمون الجملة الأولى لزوم الجزاء للشرط، ولتحصيل هذا الغرض، عمل في (إذا) جزاؤه مع كونه بعد حرف لا يعمل ما بعده فيما قبله، كالفاء في: فسبح، وان، في قولك: إذا جئتني فإنك مكرم، ولام الابتداء في نحو قوله تعالى: (... أئذا ما مت لسوف أخرج حيا) 4، كما عمل ما بعد الفاء وإن في الذي قبلهما في نحو: أما يوم الجمعة فإن زيدا قائم، وأما زيدا فإني ضارب، للغرض الداعي إلى هذا الترتيب، كما يجيئ في حروف الشرط، فإذا تقرر هذا قلنا، العامل في (متى) وكل ظرف فيه معنى الشرط: شرطه، على ما قال الأكثرون، ولا يجوز أن يكون جزاءه، على ما قال بعضهم، كما لا يجوز في غير الظرف، على ما مر، ألا ترى أنك لا تقول: أيهم جاءك فاضرب بنصب أيهم، على ما مضى في الكنايات، ولو جاز، أيضا، عمل الجزاء في أداة الشرط، لقلنا: الشرط أولى، لأنهما فعلان توجها إلى معمول واحد 5 والأقرب أولى بالعمل فيه على ما هو مذهب البصريين، ولو كان العامل ههنا هو الأبعد، كما هو اختيار الكوفيين لكان الأختيار شغل الأقرب بضمير المفعول عند أهل المصرين، كما في: زارني، وزرته زيد، فكان الأولى، إذن، أن


(1) الآية 6 سوره الحشر، (2) مصدر فتن في الآية السابقة، (3) الآية 53 سورة النحل، (4) الآية 66 سورة مريم، (5) جرى في هذا على ما رجحه في باب التنازع من جواز التنازع في المتقدم المنصوب، (*)

[ 189 ]

يقال: متى جئتني فيه، أو جئتنيه، ولم يسمع، وأما الاستدلال على كون الشرط في مثله هو العامل، بمجئ الجواب في بعض المواضع بعد (إن) أو اللام، أو الفاء، نحو: متى جئتني فانك مكرم، و: فأنت مكرم، و: فلأنت مكرم، فمما 1 لا يتم، لأن تقديم الاسم لغرض وهو تضمنه معنى الشرط الذي له الصدر، يجوز مثل هذا الترتيب، كما مر آنفا، وأما العامل في (إذا): فالأكثرون على أنه جزاؤه، وقال بعضهم: هو الشرط، كما في (متى) وأخواته، والأولى أن نفصل، ونقول: إذا تضمن (إذا) معنى الشرط فحكمه حكم أخواته من (متى) ونحوه، وإن لم يتضمن، نحو: إذا غربت الشمس: جئتك، بمعنى: أجيئك وقت غروب الشمس، فالعامل فيه هو الفعل الذي في محل الجزاء استعمالا، وإن لم يكن جزاء في الحقيقة، دون الذي في محل الشرط، إذ هو مخصص للظرف، وتخصيصه له إما لكونه صفة له، أو لكونه مضافا إلثيه، ولا ثالث، استقراء، ولا يجوز أن يكون وصفا، إذ لو كان وصفا، لكان الأولى: الأتيان فيه بالضمير كما تقدم في الموصولات، ولم يأت في كلام، فتخصيصه له، إذن، بكونه مضافا إليه، كما في سائر الظروف المتخصصة بمضمون الجمل التي بعدها، لا على سبيل الوصفية، كقوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل 2)، وغير ذلك، ولو سلمنا، أيضا، أنه صفة، قلنا لا يجوز عمل الوصف في الموصوف، كما لا يعمل المضاف إليه في المضاف، وذلك أن كل كلمتين أو أكثر، كانتا في المعنى بمنزلة كلمة واحدة، بمعنى وقوعهما معا جزء كلام، يجوز أن تعمل أولاهما في الثانية، كالمضاف، في المضاف إليه، ولا يجوز العكس، إذ لم يعهد كلمة واحدة بعض أجزائها مقدم من وجه، مؤخر من آخر، فكذلك: ما هو بمنزلتها في المعنى، فمن ثم لم تعمل صلة في موصول، ولا تابع في متبوع، ولا مضاف إليه في مضاف، أما كلمة الشرط إذا عمل


(1) جواب قوله: وأما الاستدلال.... (2) الآية 109 سورة المائدة، (*)

[ 190 ]

فيها الشرط، فليست مع الشرط ككلمة واحدة إذ لا يقعان، إذن، موقع المفرد، كالفاعل والمفعول والمبتدأ ونحوها، فيجوز عمل كل واحد منهما في الآخر، نحو: متى تذهب 5 أذهب، و: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) 1، بلى، إن لم يعمل الشرط في كلمته، نحو: من قام قمت، جاز وقوعهما موقع المبتدأ، على ما هو مذهب بعضهم، فإذا تقرر هذا، قلنا: إن الفاء في قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله) إلى قوله: (فسبح) 2، زائدة، زيدت ليكون الكلام على صورة الشرط والجزاء، للغرض المذكور، وإنما حكمنا بزيادتها، لأن فائدتها التعقيب، كما ذكرنا، من أن السببية لا تخلو من معنى التعقيب، و: (إذا جاء ظرف للتسبيح فلا يكون التسبيح عقيب المجيئ، بل في وقت المجيئ، وقال المصنف في شرح المفصل 3: إن تعيين الوقت في (إذا) يحصل بمجرد ذكر الفعل بعده، وإن لم يكن مضافا إليه، كما يحصل في قولنا: زمانا طلعت فيه الشمس، وفيه نظر، لأنه إنما حصل التخصيص به لكونه صفة له، لا لمجرد ذكره بعده، ولو كان مجرد ذكر الفعل بعد كلمة (إذا) يكفي لتخصيصها، لتخصص (متى) في: متى قام زيد، وهو غير مخصص، اتفاقا منهم، وأما استدلاله على عمل الشرط في (إذا) بقوله تعالى: (أئذا مامت لسوف أخرج حيا) 4، وأن الجواب لو كان عاملا، لكان المعنى: لسوف أخرج وقت الموت فكان ينبغي أن يكون الاخراج والموت في وقت،


(1) الآية 110 سورة الأسراء، وتكرر ذكرها، (2) سورة النصر وتقدمت قبل قليل، (3) لابن الحاجب شرح على المفصل للزمخشري اسمه الأيضاح والرضى ينقل منه ويناقش ابن الحاجب، وتكررت الأشارة إليه، (4) الآية 66 من سورة مريم وتقدمت قريبا، (*)

[ 191 ]

فالجواب: أن المعطوف مع واو العطف محذوف في الآية، لقيام القرينة، والمعنى: أئذا ما مت وصرت رميما: أبعث، أي مع اجتماع الأمرين، كما قال تعالي: (أئذا متنا وكنا ترابا عظاما أثنا لمبعوثون) 1، وكثير في القرآن مثله، واستدل، أيضا، بنحو قولهم: إذا جئتني اليوم أكرمتك غدا، والجواب: أن (إذا) هذه بمعنى (متى) فالعامل شرطها، أو نقول: المعنى: إذا جئتني اليوم، كان سببا لأكرامي لك غدا، كما قيل في نحو: إن جئتني اليوم فقد جئتك أمس، أن المعنى: إن جئتني اليوم يكن جزاء لمجيئ إليك أمس، ولعدم عراقة (إذا) في الشرطية ورسوخها فيها، جاز مع كونها للشرط، أن يكون جزاؤها اسمية بغير فاء، كما في قوله تعالى: (وإذا ما غضبوا، هم يغفرون) 2 وقوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون) 3، ولا منع من كون (هم) في الآتين: تأكيدا للواو، والضمير المنصوب في أصابهم، ولعدم عراقتها أيضا جاز، وإن كان شاذا، مجيئ الاسمية الخالية عن الفعل بعدها في قوله: فهلا أعدوني لمثلي، تفاقدوا * اذءا الخصم أبزى مائل الرأس انكب 4 - 154 قيل: ليس في (إذا) في نحو قوله تعالى: (والليل إذا يغشى) 5، معنى الشرط إذ جواب الشرط: إما بعده، أو مدلول عليه بما قبله، وليس بعده ما يصلح الجواب للجواب، لا ظاهرا، ولا مقدرا، لعدم توقف معنى الكلام عليه، وليس ههنا ما يدل على جواب الشرط قبل (إذا) إلا القسم، فلو كان (إذا) للشرط، كان التقدير: إذا يغشى:


(1) الآية 47 سورة الواقعة، (2) الآية 37 سورة الشورى، (3) الآية 39 سورة الشورى، (4) تقدم ذكره في الجزء الأول (5) أول سورة الليل، (*)

[ 192 ]

أقسم، فلا يكون القسم منجزا، بل معلقا بغشيان الليل، وهو ضد المقصود، إذ القسم بالضرورة حاصل وقت التكلم بهذا الكلام وإن كان نهارا، غير متوقف على دخول الليل، فإن قيل: فإذا كان ظرفا مجردا، فأيش 1 ناصبه ؟ قلت: قال المصنف: ناصبه حال من الليل، أي: والليل حاصلا وقت غشيانه، ولي فيه نظر، إذ لا شئ هنا يقدر عاملا في (حاصلا) إلا معنى القسم، فهو حال من مفعول (أقسم) فيكون الاقسام في حال حصول الليل، كما أن المرور في قولك مررت بزيد صارخا: في حال صراخه، وحصول الليل في وقت غشيانه، لأن وقت غشيانه ظرف له، كما أن الخروج في قولك: خرجت وقت دخولك: في وقت دخول المخاطب، فيكون الاقسام حال غشيان الليل، وهو فاسد، كما مر، وأيضا، في قوله تعالى: (والقمر إذا اتسق 2)، يلزم أن يكون الزمان حالا من الجثة، ولا يجوز، كما لا يجوز أن يكون خبرا عنها، وقيل: (إذا) بدل من المقسم به مخرج عن الظرفية، أي: وقت غشيان الليل، وفيه نظر من وجهين: أحدهما من حيث إن إخراج (إذا) عن الظرفيه قليل، والثاني أن المعنى: بحق القمر متسقا، لا بحق وقت اتساق القمر، وليس يبعد أن يقال، هو ظرف لما دل عليه القسم من معنى المعظمة والجلال، لأنه لا يقسم بشئ إلا لحاله العظيمة، فتعلقه بالمصدر المقدر، على ما ذكرنا في المفعول معه، من جواز عمله مقدرا عند قوة الدلالة عليه، وخاصة في الظرف، فإنه يكتفي برائحة الفعل وتوهمه، كما هو مشهور، فالتقدير: وعظمته إذا اتسق، فهو كقولك: عجبا من زيد إذا ركب، أي من عظمته، والظرف ههنا لا يصلح أن يكون معمولا لأنشاء التعجب، كما لم يصلح هناك لكونه معمولا، لأنشاء القسم، فأضمر العظمة، إذ لا يتعجب إلا من عظيم، كما لا يقسم إلا بعظيم في معني من المعاني،


(1) تكررت الأشارة إلى ضعف هذا الاستعمال ومعناه: أي شئ، (2) الآية 18 سورة الانشقاق، (*)

[ 193 ]

وإذا جاء (إذا) بعد (حتى) كقوله تعالى: (حتى إذا هلك قلتم 1...)، فهو باق على ما كان عليه من طلب الجملتين، منتصب بأخراهما، كما مر، وحتى، تكون معها حرف ابتداء، إذ ليس معنى كونها حرف ابتداء: أنه يقع المبتدأ بعدها، فقط، بل معناه أنه يستأنف بعدها الكلام، سواء كانت الجملة اسمية أو فعلية، كقوله تعالى: (حتى يقول الرسول) 2، بالرفع، وتقول: سرت حتى يكل الناس 3، وقال بعضهم: يجوز أن يتجرد، بعد حتى، عن الشرطية، وينجر بحتى ولعله حمله عليه قوله: 495 - حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا 4 وهذا البيت آخر القصيدة، ويجوز أن يقال: ان جوابه مقدر، محافظة على أغلب أحوالها، وقال الميداني: 5 (إذا) فيه زائدة، ولنا عن ارتكاب زيادته مندوحة إذ حذف الجزاء لتفخيم الأمر: غير عزيز الوجود، كما في قوله: (إذا السماء انشقت) 6، أي تكون أمور لا يقدر على وصفها، وعن بعضهم أن (إذا) الزمانية تقع اسما صريحا في نحو: إذا يقوم زيد، إذا يقعد


(1) الآية 34 سورة غافر (2) من الآية 214 سورة البقرة، (3) هذا كقول امرئ القيس: سريت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان (4) قول الشارح ان البيت آخر القصيدة ترجيح لتجرد إذا عن الشرطية، واستدرك عليه بأنه لا بأس من تقدير الجواب كما قال: والبيت آخر أبيات لعبد مناف بن ربع من بني هذيل، يصف وقعة سميت بيوم أنف، واسلكوهم أي ادخلوهم وروى سلكوهم، وقتائدة اسم ثنية في مكان المعركة، والجمالة: الذين يرعون الجمال، والشرد جمع شرود، (5) الميداني هو أحمد بن محمد بن أحمد الميداني النيسابوري، صاحب مجمع الأمثال، وله مصنفات في النحو والصرف توفي سنة 518 ه، وله ابن اسمه سعيد، اشتهر أيضا بالميداني، (6) أول سورة الانشقاق، (*)

[ 194 ]

عمرو، أي: وقت قيام زيد: وقت قيام عمرو، وأنا لم أعثر لهذا على شاهد من كلام العرب، وأما قوله تعالى: (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) 1، فإذا الأولى زمانية، والثانية للمفاجأة، في مكان الفاء، كما يجيئ في باب الشرط، قوله: (وقد تقع للمفاجأة، فيلزم المبتدأ بعدها)، وقد ذكرنا الخلاف في (إذا) المفاجأة في باب المبتدأ، وأن الأقرب كونها حرفا، فلا محل لها، والتي تقع جوابا للشرط: للمفاجأة، كما يجيئ في حروف الجزم، والكوفيون يجوزون نحو: خرجت فإذا زيد القائم بنصب القائم، على أن زيدا مرفوع بالظرف، كما في نحو: في الدار زيد، لأن (إذا) المفاجأة عندهم ظرف مكان، أما النصب القائم، فقالوا: لأن (إذا) المفاجأة، تدل على معنى (وجدت) فتعمل عمله، لأن معنى مفاجأتك الشئ: وجدانك له فجأة، فالتقدير: خرجت فوجدت زيدا القائم، والقائم ثاني مفعوليه، ومنه قول الكسائي في المناظرة التي جرت بينه وبين سيبويه في مثل قولهم: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها: لا يجوز 2 إلا إياها، وقال سيبويه: لا يجوز إلا: فإذا هو هي، لأن (إذا) المفاجأة يجب الابتداء بعدها، قال الزجاجي 3 مشنعا على الكوفيين: فإذا، عندهم، كالنعامة، قيل لها: احملي فقالت أنا طائر، وقيل لها طيري قالت أنا جمل، إن كانت (إذا) عندهم كسائر الظروف، لزمهم أن يرفعوا بعدها اسما واحدا، وان أعملوها عمل: (وجدت)، طالبناهم بفاعل


(1) الآية 25 سورة الروم، (2) هكذا جاء في النسخة المطبوعة ولا شك أنه تحريف بزيادة (لا) فالمعروف من القصة أن الكسائي جوز الوجهين، والقصة معروفة وتمتلئ بها كتب النحو والتراجم، (3) أبو القاسم: عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجي بياء النسب في آخره، منسوب إلى الزجاج لأنه كان ملازما له، وتقدم ذكره في هذا الشرح، (*)

[ 195 ]

ومفعولين، قال 1: بلى، يجوز: فإذا عمرو قائما، على أن (إذا) خبر، وقائما: حال، أي: فبالمكان عمرو قائما، وأما مع المعرفة، فلا يجوز، عند البصريين إلا الرفع على أنه خبر، وقال ثعلب 2، اعتذارا للكوفيين في نحو فإذا هنو إياها: أن (هو) عماد، وإذا، كوجدت مع أحد مفعوليه، كأنه قال: فوجدته هو إياها، كقوله: 496 - فأضحى ولو كانت خراسان دونه * رآها مكان السوق أو هي أقربا 3 أي: رآها هي أقرب، فقال الزجاجي، ليس هذا قول الكوفيين، ولا البصريين، قال: وأظن الحكاية في هذا عن ثعلب، غلط، لأن العماد 4 عند أهل المصرين لا يكون إلا فضلة يجوز استقاطها، ولا يجوز اسقاط (هو) في مسألتنا، أصلا، هذا آخر كلام الزجاجي، ويمكن أن يقال: ان الفصل ولم يوجد في كلام العرب إلا إذا كان خبر المبتدأ معرفا باللام، أو أفعل التفضيل، وفي الأتيان به مع غيرهما نظر، كما مر في باب الضمائر، وقوله: أو هي أقربا، بمعنى: أو هي في مكان أقرب فهو نصب على الظرف، وقد تقع (إذ) و (إذا) في جواب: بينا، وبينما، وكلتاهما، إذن، للمفاجأة، والأغلب مجيئ (إذ) في جواب بينما، وإذا في جواب بينا، قال: 497 - فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف 5


(1) قال: أي الزجاجي، استدراكا على ما تقدم، (2) أبو العباس أحمد بن يحيى الشهير بثعلب من زعماء الكوفيين وتقدم ذكره، وقد يذكره الرضى باسمه، (3) من أبيات قالها عبد الله بن الزبير الأسدي: الزبير بفتح الزاى وكسر الباء، قالها حين قدم الحجاج الكوفة، وحث الناس على قتال المهلب بن أبي صفرة وتوعدهم بقتل من يتأخر، والحديث في البيت عن شخص يصفه الشاعر بأنه لما سمع كلام الحجاج اهتم بالامتثال حتى إنه أصبح يرى أن مكان الحرب وهو خراسان مثل مكان السوق، أو هو أقرب منه، (4) المراد به صيغة الضمير الذي يسمونه فصلا وعمادا (5) أحد بيتين قالتهما خرفة، ابنة النعمان بن المنذر بعد أن ضاع مجدهم، والبيت الثاني: (*)

[ 196 ]

ولا يجيئ بعد (إذ) المفاجأة إلا الفعل الماضي، وبعد (إذا) المفاجأة الا الاسمية، وكان الأصمعي 1، لا يستفصح إلا تركهما في جواب بينا وبينما، لكثرة مجئ جوابهما بدونهما، والكثرة لا تدل على أن المكثور غير فصيح، بل تدل على أن الأكثر أفصح، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، وهو من الفصاحة بحيث هو: (بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته)، 2 ولما قصد إلى إضافة (بين) اللازم إضافته إلى مفرد، إلى جملة، والأضافة إلى الجملة كلا إضافة، على ما تقدم، زادوا عليه (ما) الكافة، لأنها التي تكف المقتضى عن الاقتضاء، أو أشبعوا الفتحة فتولدت ألف، ليكون الألف دليل عدم اقتضائه للمضاف إليه، لأنه كأنه وقف عليه، والألف قد يؤتى به للوقف، كما في: أنا، والظنونا، 3 وأصل (بين) أن يكون مصدرا بمعنى الفراق، فتقدير: جلست بينكما، أي مكان فراقكما، وتقدير: فعلت، بين خروجك ودخولك: أي زمان فراق خروجك ودخولك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبين، كما تبين، مستعمل في الزمان، والمكان، وأما إذا كف بما، أو الألف وأضيف إلى الجمل، فلا يكون إلا للزمان، لما تقدم من أنه لا يضاف من المكان إلى الجمل إلا (حيث)، و (بين) في الحقيقة، مضاف إلى زمان مضاف إلى الجملة، فحذف الزمان المضاف، والتقدير: بين أوقات زيد قائم، أي بين أوقات قيام زيد، فحذف الوقت لقيام القرينة عليه، وهي غلبة إضافة الأزمنة إلى الجمل، دون الأمكنة وغيرها، فيتبادر الفهم في كل مضاف إليها، إلى الزمان، فصار (بين) المضاف إلى الزمان زمانا، لأن (بين) ان أضيف


= فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرف وقولها نتنصف أي نخدم الناس، وتقلب، وتصرف، كلاهما بحذف التاء الأولى، (1) عبد الملك بن قريب الأصمعي، تقدم ذكره في هذا الجزء، (2) جاء هذا الكلام في إحدى الخطب التي تضمنها نهج البلاغة المنسوب لسيدنا علي رضي الله عنه، ص 34 طبع دار الشعب بالقاهرة، (3) إشارة إلى قوله تعالى: (وتظنون بالله الظنونا) الآية 10 سورة الأحزاب، (*)

[ 197 ]

إلى الأمكنة أو جثث 1 غيرها، فهو للمكان نحو: بين الدار، وبين زيد وعمرو، وان أضيف إلى الأزمنة فهو للزمان، نحو: بين يومي الجمعة والأحد، وكذا ان أضيف إلى الأحداث، نحو: بين قيام زيد وقعوده، الا أن يراد به مجازا: المكان، نحو قولك: زيد بين الخوف والرجاء، استعرت لما بين الحدثين مكانا، فلهذا وقع (بين) خبرا عن الجثة، فبينما، المضاف تقديرا إلى زمان محذوف، وظاهرا إلى جملة مقدرة بحدث، لابد أن يكون بمعنى الزمان، فلهذا جاز إضافته إلى الجمل، وكل ما قلناه في (بينما) يطرد في (كلما)، من مجيئ (ما) الكافة، لتكفه عن طلب مضاف إليه مفرد، ومن تقدير زمان مضاف إلى الجمل، فكلما، إذن، زمان مضاف إلى الجملة، لأن كلا، وبعضا، من جنس ما يضافان إليه، زمانا كان أو مكانا أو غيرهما، ولما 2 في (كلما) من معنى العموم والاستغراق، الذي يكون في كلمات الشرط، نحو: من، وما، ومتى، شابهها أكثر من مشابهة (بينما) فلم يدخل إلا على الفعلية بخلاف بينا وبينما، ولهذا جاز، أيضا، وقوع الماضي بعد (كلما) بمعنى المستقبل، لكنه ليس ذلك بحتم في كل ماض، كما كان في كلمات الشرط المتضمنة لمعنى (ان)، وكذلك كل ماض وقع بعد (حيث)، احتمل الماضي والمستقبل، للعموم الذي فيه، ككلمات الشرط، ففيه وفي (كلما) رائحة الشرط، وأما (حيثما)، فهي كلمة شرط تجزم وتقلب الماضي مستقبلا، كمن، وما، ومتى، فالعامل في: كلما، وحيث، ما هو في محل الجزاء، لا الذي في محل الشرط، كما في (إذا)، لأنهما في الأغلب، يستعملان في الفعل المقطوع بوقوعه نحو: كلما طلعت


(1) المراد ما ليس زمانا ولا حدثا معنويا، (2) جار ومجرور متعلق بقوله: شابهها أكثر.... الآتي، (*)

[ 198 ]

الشمس أتيتك، وكلما أصبحت فسبح الله، وجلست حيث جلس زيد، وقد يستعملان في غير المقطوع به نحو: كلما جئتني أعطيتك وحيث لقيت زيدا فأكرمه، كما تستعمل الأسماء المتضمنة لمعنى (إن) في المقطوع بوجوده، نحو: متى طلعت الشمس أتيتك، وكل ذلك على خلاف الأصل، ويدخل بينا، وبينما، وكلما، في الماضي والمستقبل، ولنا أن نرتكب بناء بينا وبينما وكلما، على الفتح، لكون إضافتهما كلا إضافة، كما ذكرنا في (حيث) إلا أنها 1 بنيت على الفتح الذي كانت تستحقه حالة الأعراب، بخلاف (حيث) فإنه لم يثبت لها حالة إعراب هي منصوبة فيها حتى تراعى حركتها الأعرابية، وإنما رتب بينا، وبينما، وكلما، مع جملتيها ترتيب كلمات الشرط، مع الشرط والجزاء، لما ذكرنا من بيان لزوم مضمون الثانية للأولى، لزوم الجزاء للشرط، ولهذا أدخل (إذا) و (إذ) للمفاجأة في جواب بينا وبينما، ليدلا على اقتران مضمون الأول بالثاني مفاجأة بلا تراخ فيكون آكد في معنى اللزوم، وقيل في (كلما): انه معرب، وما، ومصدرية، والزمان المضاف إلى (ما) مقدر، فيجوز ادعاء مثله في (بينما)، فإن دخل (إذ) و (إذا) للمفاجأة في جواب بينا وبينما، فإن قلنا، كما هو مذهب المبرد، ان (إذا) المفاجأة ظرف مكان، وكذا ينبغي أن نقول في (إذ) المفاجأة، فإذ، وإذا، منصوبان على أنهما ظرفا مكان لما بعدهما، وبينا وبينما، ظرفا زمان له، فمعنى بينا زيد قائم إذ رأى هندا: رأى زيد هندا بين أوقات قيامه، في ذلك المكان، أي في مكان قيامه، وإن قلنا انهما ظرفا زمان، كما هو مذهب الزجاج، فهما مضافان إلى الجملة التي بعدهما، مخرجان عن الظرفية، مبتداآن، خبرهما بينا، وبينما، والمعنى: وقت رؤية زيد هندا: حاصل بين أوقات قيامه،


(1) أي الكلمات الثلاث: بينا، وبينما، وكلما، (*)

[ 199 ]

والأولى: القول بحرفية كلمتي المفاجأة، كما هو مذهب ابن بري 1، فالعامل في بينا، وبينما، ما بعد كلمتي المفاجأة، أو تقول: انهما زائدان، وليستا للمفاجأة في جواب بينا وبينما، كما قال الجوهري 2، وابن قتيبة، 3 وأبو عبيدة، 4 بزيادة (إذ) في نحو قوله تعالى: (وإذ واعدنا) 5 وبزيادة (إذا) في قوله: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة.... البيت 6 - 495 والكلام على مثل قوله تعالى: (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) 7، كالكلام على: بينما زيد قائم إذ رأي عمرا، سواء، ويجوز أن يكون (إذا) في جواب بينما، وإذا، ولما، نحو قوله تعالى: (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم...) 8 ظرف زمان، بدلا من الظروف المذكورة، ولا نجعلها مضافة إلى الجملة التي تليها، بل نجعل تلك الجملة عاملة في الظروف المذكورة، أي: وقت الأصابة في تلك الحال يستبشرون، وكذا في الباقيين، فالجملة المضاف إليها (إذا) محذوفة مدلول عليها بالجملة التي في موضع الشرط، أي: إذا أصاب.... هم يستبشرون، و: (إذا فريق منهم بربهم يشركون)، وكذا نقول: إذا وقعت جوابا لأن، في نحو قوله تعالى: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، إذا هم يقنطون) 9، أي: إذا أصابتهم يقنطون، أي في تلك الحالة يقنطون،


(1) ابن بري هو أبو محمد، عبد الله بن بري المصري، تقدم ذكره في الجزء الأول، (2) الجوهري صاحب الصحاح تقدم ذكره، (3) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، النحوي اللغوي، صاحب مؤلفات كثيرة في اللغة والنحو والحديث وغيرها، من علماء القرن الثالث الهجري، (4) أبو عبيدة بالتاء كما هو في المطبوعة، معمر بن المثنى أستاذ أبي عبيد: القاسم بن سلام وتقدم ذكره، (5) الآية 51 من سورة البقرة، (6) تقدم ذكره قريبا، (8) الآية 77 سورة النساء، (7) الآية 48 سورة الروم، (9) الآية 36 سورة الروم، (*)

[ 200 ]

وإن قلنا آنها ظرف مكان، فلا نقدر لها جملة مضافا إيها، لأن المكان لا يضاف إلى الجملة، إلا (حيث)، بل المعنى: في ذلك الموضع يقنطون، وكذا في جواب إذا، وبينما، ولما، وإن قلنا بحرفية (إذا) في جواب الأشياء الأربعة، فلا اشكال، لأنها، إذن، حرف، كالفاء، سواء، وقد تجيئ (إذ) للمفاجأة في غير جواب بينا وبينما، نحو قولك: كنت واقفا إذ جاءني عمرو، ويجوز إضافة بينا، دون بينما، إلى المصدر، قال: 498 - بينا تعانقه الكماة وروغه * يوما أتيح له جرئ سلفع 1 بتقدير: بين أوقات تعانقة، والأعرف: الرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: تعانقه حاصل، قوله: (وإذ، لما مضى، ويقع بعدها الجملتان)، وذلك بلا فصل، لأنه لا يطرأ عليها معنى الشرط كما في (إذا)، لأن جميع أسماء الشرط متضمنة لمعنى (ان)، وان للشرط في المستقبل، و (إذ) موضوعة للماضي فتنافيا، و (إذ) إذا دخل على المضارع قلبه إلى الماضي كقوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) 2، و: (إذ يقول) 3، ويلزمها الظرفية، إلا أن يضاف إليها زمان، كقوله


(1) من قصيدة أبي ذؤيب الهذلي التي رثى بها أبناءه والتي أولها: أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع والبيت المستشهد به في وصفه للرجل الشجاع لا تنفعه شجاعته فقد يتاح له من هو أقوى منه، وتعانقه، روى: تعنقه بتشديد النون بمعنى ملاقاته لخصمه وإمساك كل منهما بالآخر، (2) الآية 30 سورة الأنفال، (3) من الآية 40 سورة التوبة، (*)

[ 201 ]

تعالى: (بعد إذ نجانا الله منها) 1، وقوله تعالى: (بعد إذ أنتم مسلمون)، 2 ولم يعهد مجرورا باسم الا ببعد، ويقع مفعولا به، كقولك: أتذكر إذ من يأتنا نكرمه، وقوله تعالى: (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه) 3، على أن (إذ) بدل من قوله: أخا عاد، وقيل في نحو قوله تعالى: (وإذ واعدنا) 4، آنها زائدة كما مضى، وقيل هي مفعولة لا ذكر، ويلزمها الأضافة إلى الجملة، وإن حذفت لقيام القرينة عوضت منها التنوين، كما في قوله: وأنت إذ صحيح 5، فيكسر ذالها، أو يفتح، كما مر، ويلزمها الكسر في نحو يومئذ لما مر، وتجيئ (إذ) للتعليل، نحو: جئتك إذ أنت كريم، أي لأنك، والأولى حرفيتها، إذن، إذ لا معنى لتأويلها بالوقت حتى تدخل في حد الاسم، واعلم أنه يقبح أنه يليها اسم بعده فعل ماض، نحو: إذ زيد قام، بل الفصيح: إذ قام زيد، لأن (إذ) موضوع للماضي، فايلاؤه الماضي أولى، للمشاكلة والمناسبة، ولا يرد عليه نحو: إذا زيد يقوم، لأن (إذا) على مذهب سيبويه، داخلة على (يقوم) المقدر المفسر بهذا الظاهر، وأما على مذهب من أجاز دخولها على اسمية خبرها فعل، فهذا وارد عليه، ولا مخلص له منه، إلا استقباح استعمال مثل هذا، أيضا، أعني: إذا يقوم زيد فقل له كذا، والحق أنه قبيح قليل الاستعمال، وقال المصنف معتذرا عن صاحب هذا المذهب، إن (يقوم) ليس للاستقبال، بل


(1) الآية 89 سورة الأعراف (2) الآية 80 سورة أل عمران، وتقدمت (3) الآية 21 سورة الأحقاف، (4) أول الآية 51 سورة البقرة وتقدمت، (5) البيت السابق قبل قليل، (*)

[ 202 ]

للحال على وجه الحكاية، وفيه نظر، لأن مثل: إذا يقوم زيد فقل له كذا، مقصود به القيام الاستقبالي، وحكاية الحال المستقبلة مما لم يثبت في كلامهم كما ثبت حكاية الحال الماضية. وإذا جاءت (ما) بعد (إذا) فهي باقية على ما كانت عليه، لا تصير بها جازمة متعينة للشرط، بخلاف (إذ) فانها تصير جازمة بما، كما يجيئ في الجوازم، ومنهم من قال: يجازي بإذا ما، فيجزم الشرط والجزاء، وأنشد للفرزدق، 499 - فقام أبو ليلي إليه ابن ظالم * وكان إذا ما يسلل السيف يضرب 1 والرواية: متى ما، (من الظروف المبنية) (أين، وأنى وأيان ومتى وكيف) (قال ابن الحاجب:) (ومنها أين وأنى للمكان، استفهاما وشرطا، ومتى للزمان) (فيهما، وأيان للزمان استفهاما، وكيف للحال استفهاما)، (قال الرضي:) أين، الاستفهامية نحو، أين كنت ؟ والشرطية نحو، أين تكن أكن، وبناؤهما على الحركة للساكنين، وعلى الفتح لاستثقال الضم والكسر بعد الياء،


(1) من قصيدة للفرزدق يتحدث فيها عن الحارث بن ظالم المري وكان قد أنصف امرأة من قومه شكت إليه أن عاملا لنعمان بن المنذر أخذ ابلالها، فعمل على ردها إليها مع أنه كان في هذا الوقت نزيلا عند النعمان، وفي هذه القصيدة يقول الفرزدق: لعمري لقد أوفى، وزاد وفاؤه * على كل جار، جار آل المهلب.. الخ (*)

[ 203 ]

و (أنى)، لها ثلاثة معان، استفهامية كانت أو شرطية: أحدها: أين، الا أن (أنى) مع (من) إما ظاهرة كقوله: 500 - من اين عشرون لنا من أنى 1 أي: من أين، أو مقدرة، كقوله تعالى: (أني لك هذا) 2، أي من أنى، أي من أين، ولا يقال: أنى زيد ؟ بمعنى: أين زيد، وإنما جاز اضمار (من) لأنها تدخل في أكثر الظروف التي لا تتصرف أو يقل تصرفها نحو: من عند، ومن بعد، ومن أين، ومن قبله ومن أمامه ومن لدنه، فصارت مثل (في) فجاز أن تضمر في الظروف اضمار (في) ومنه قوله: 501 - صريع غوان راقهن ورقنه * لدن شب حتى شاب سود الذوائب 3 أي: من لدن شب، ويجيئ (أنى) بمعنى (كيف) نحو: (أنى يؤفكون) 4، ويجوز أن يكون بمعنى: من أين يؤفكون، ويجيئ بمعنى (متى)، وقد أول قوله تعالى: (أنى شئتم) 5، على الأوجه الثلاثة، ولا يجيئ بمعنى متى، وكيف، إلا وبعده فعل، وأما (أنى) الشرطية، فكقوله:


(1) من أرجوزة رواها الأخفش عن ثعلب، وروى أبو زيد الأنصاري في النوادر بعضا منها، وقال ابن السكيت إنها قيلت في عامل زكاة كان يظلم الناس ويغير من عمر إبلهم فيأخذ بنت اللبون ويكتبها بنت مخاض إلى آخر ما أورده البغدادي في ذلك، (2) الآية 37 سورة آل عمران، (3) من قصيدة للقطامي وسمي صريع الغواني لقوله هذا البيت في المقدمة الغزلية لهذه القصيدة، وقبله: كأن فضيضا من غريض غمامة * على ظمأ، جادت به أم غالب... لمستهلك قد كاد من شدة الهوى * يموت، ومن طول العدات الكواذب (4) الآية 30 سورة التوبة، (5) من الآية 223 سورة البقرة، (*)

[ 204 ]

502 - فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها * كلا مركبيها تحت رجليك شاجر 1 أي من أين تأتها، قوله: (ومتى للزمان فيهما)، أي في الاستفهام والشرط، وربما جرت هذيل بمتى، على أنها بمعنى (من) كقوله: 503 - شربن بماء البحر ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج 2 أو بمعنى (في)، فيكون على الوجهين حرفا، أو بمعنى (وسط) كما حكى أبو زيد، 3 وضعته متى كمي أي وسط كمي، أو في كمي، ولا يجوز: متى زيد، لأن الزمان لا يكون خبرا عن الجثة، وأما قولهم: متى أنت وبلادك ؟ فمتى ليس بخبر، بل ظرف لخبر المبتدأ الذي بعده غير ساد مسده، كما سد في نحو: أمامك زيد، وأنت وبلادك نحو: كل رجل وضيعته، أي: متى أنت وبلادك مجتمعان، 4 و: (أيان) للزمان، استفهاما كمتى الاستفهامية، الا أن (متى) أكثر استعمالا، وأيضا، أيان مختص بالأمور العظام نحو قوله تعالى: (أيان مرساها) 5، و: (أيان


(1) ليس البيت في وصف ناقة كما زعم ابن سيدة وغيره وقالوا إن الضمائر المؤنثة في البيت راجعة إليها، وإنما هو من شعر لبيد يصف حاله مع عم له كان يسبب له بعض المتاعب، يقول فيه قبل هذا البيت: وإن هوان الجار للجار مؤلم * وفاقرة تأوى إليها الفواقر والفاقرة: الداهية التي تكسر فقار الظهر، والفواقر جمعها، فالضمائر راجعة إلى الداهية، وكان عمه عامر ابن مالك الملقب بملاعب الأسنة قد ضرب جارا للبيد بالسيف فغضب لبيد، (2) من شعر أبي ذؤيب الهذلي وقبله المطلع في بعض الروايات، وهو: سقى أم عمرو كل آخر ليلة * حناتم سوء ماؤهن شجيج الحناتم: الجرار الخضر شبه بها السحاب الممتلئ المسود، وفي بيت الشاهد روايات أخرى، (3) أبو زيد الأنصاري، تقدم ذكره، (4) فيكون المعنى: في أي وقت يكون الاجتماع (5) الآية 42 سورة النازعات، (*)

[ 205 ]

يوم الدين)، 1 ولا يقال: أيان نمت ؟ وكسر همزته لغة سليم، وقال الأندلسي 2: كسر نونها لغة، والأولى الفتح لمجاورة الألف، وكتب الجمهور ساكتة عن كونها للشرط، وأجاز بعض المتأخرين ذلك، وهو غير مسموع، ويختص (أيان) في الاستفهام بالمستقبل بخلاف (متى) فإنه يستعمل في الماضي والمستقبل، قال ابن جني 3: ينبغي أن يكون (أيان) من لفظ (أي) لا من لفظ (أين) للمكان، ولقله فعال، وكثرة فعلان في أسماء، فلو سميت بها لم تصرفها، قال الأندلسي: ينبغي أن يكون أصلها: أي أوان، فحذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي: أيوان، فأدغم بعد القلب، وقيل: أصله: أي آن، أي: أي حين، فخفف بحذف الهمزة، فاتصلت الألف والنون بأي، وفيه نظر، لأن (آن) غير مستعمل بغير لام التعريف، وأي: لا يضاف إلى مفرد معرفة، قوله: (وكيف للحال استفهاما)، إنما عد (كيف) في الظروف لأنه بمعنى: على أي حال، والجار والظرف متقاربان، وكون (كيف) ظرفا، مذهب الأخفش، وعند سيبويه: هو اسم، بدليل إبدال الاسم منه، نحو: كيف أنت ؟ أصحيح أم سقيم، ولو كان ظرفا لأبدل منه الظرف نحو: متى جئت أيوم الجمعة أم يوم السبت ؟ وللأخفش أن يقول يجوز إبدال الجار والمجرور منها، نحو: كيف زيد، أعلى حال الصحة أم على حال السقم ؟ فكيف، عند سيبويه، مقدر بقولنا: على أي حال حاصل، وعند الأخفش بقولنا:


(1) الآية 12 سورة الذاريات، (2) القاسم بن أحمد الأندلسي، تقدم ذكره في هذا الجزء وفيما قبله، (3) أبو الفتح عثمان بن جني العالم الحجة، تلميذ أبي علي الفارسي، تكرر ذكره فيما سبق من هذا لشرح، (*)

[ 206 ]

على أي حال، و (حاصل) عنده مقدر، فإن جاء بعد (كيف) قول يستغنى به عنه، نحو: كيف يقوم زيد، فكيف منصوب المحل على الحال، فجوابها والبدل منها منصوبان، تقول في الجواب: متكئا على آخر، أو معتمدا، وفي البدل: كيف يقوم زيد ؟ أمعتمدا أم لا، فكأنك قلت: بأي صفة موصوفا، يقوم زيد، أمعتمدا أم لا، فمعتمدا، بدل من موصوفا، مع الجار المتعلق به، ويجوز أن يكون (كيف) في مثل هذا الموضع، وهو أن يليه قول مستغنى به، منصوب المحل صفة للمصدر الذي تضمنه ذلك القول، فكأن معنى كيف يقوم زيد: قياما حاصلا على أي صفة يقوم زيد، ولا يجوز مثل الاستعمال، لسقوط الاستفهام عن مرتبة التصدر، لكن لما كان الموصوف بكيف، أي المصدر، مقدرا، جاز ذلك، فجوابه نحو: قياما سريعا، والبدل منه: أقياما سريعا أم قياما بطيئا ؟، وإن جاء بعد (كيف) ما لا يستغنى به، نحو: كيف زيد فهو في محل الرفع، على أنه خبر المبتدا، فتقول في جوابه: صحيح، أو، سقيم، وفي البدل منه: أصحيح أم سقيم ؟، وإن دخلت نواسخ الابتداء على غير المستقل الذي بعد (كيف)، نحو: كيف أصبحت، وكيف تعلم زيدا، فكيف منصوب المحل، خبرا، أو، مفعولا به، حسب مطلوب ذلك الناسخ، والاستفهام بكيف عن النكرة، فلا يكون جوابه إلا نكرة، فلا يجوز أن يقال: الصحيح، في جواب: كيف زيد ؟، وشد دخول (على) عليه، كما روي: على كيف تبيع الأحمرين، وأما قولهم: أنظر إلى كيف تصنع، فكيف فيه مخرج عن معنى الاستفهام لسقوطه عن الصدر، والكوفيون يجوزون جزم الشرط والجزاء بكيف، وكيفما، قياسا، ولا يجوزه البصريون إلا شذوذا، (*)

[ 207 ]

قال سيبويه 1: آنها في الجزاء مستكرهة، وقال الخليل: مخرجها مخرج المجازاة، يعني في قولهم: كيف تكون أكون، لأن فيها معنى العموم الذي يعتبر في كلمات الشرط، إلا أنه لم يسمع الجزم بها في السعة، وجاء في كيف: كي، قال: 504 - أو راعيان لبعران لنا شردت * كي لا يحسان من بعراننا أثرا 2 قال الأندلسي، إما أن يقال: هي لغة في كيف، أو يقال: حذف فاء كيف ضرورة،


(1) سيبويه 1 / 433، وهو مقتبس بمعناه، (2) البعران جمع بعير، وفي رواية: شردن لنا، وقد ذكر البغدادي عدة روايات في ألفاظ البيت ثم ختم ذلك بأن البيت مجهول لا يعرف قائله واستطرد من ذلك إلى الرد على ما زعمة العيني من أن البيت في كتاب سيبويه، وهو ليس فيه، (*)

[ 208 ]

(مذ ومنذ) (معناهما واستعمالاتهما) (قال ابن الحاجب:) (ومذ ومنذ، بمعنى أول المدة، فيليهما المفرد المعرفة، وبمعنى) (الجميع فيليهما المقصود بالعدد، وقد يقع المصدر أو الفعل،) (أو أن فيقدر زمان مضاف، وهو مبتدأ وخبره ما بعده،) (خلافا للزجاج)، (قال الرضي:) عند النجاة، أن أصل (مذ): منذ، فخفف بحذف النون، استدلالا بأنك لو سميت بمذ، صغرته على (مينذ) وجمعته على أمناذ، وبنوا على هذا أن الاسمية على (مذ) أغلب، للحذف وهو تصرف، فيبعد عن الحرف، فإن الحرف لا يحذف منه حرف، إلا المضعف منه، نحو: رب ورب فهذا كما قال بعضهم في (إذ) انه مقصود من (إذا)، ومنع منه صاحب المغني 1 في الموضعين، وقال: منيذ، وأمناذ، غير منقول عن العرب، واما تحريك ذال (مذ) في نحو: مذ اليوم بالضم للساكنين أكثر من الكسر، فلا يدل أيضا على أن أصله (منذ)، لجواز أن يكون للاتباع، وضم ذال (مذ) سواء كان بعده ساكن، أو، لا: لغة غنوية، فعلى هذا يجوز أن


(1) منصور بن فلاح اليمني وتقدم ذكره، (*)

[ 209 ]

يكون أصله الضم فخفف، فلما احتيج إلى التحريك للساكنين رد إلى أصله، كما في نحو: لهم اليوم، وكسر ميم مذ ومنذ، لغة سليمية، قال الأخفش: منذ، لغة أهل الحجاز، وأما مذ، فلغة بني تميم وغيرهم، ويشاركهم فيه أهل الحجاز، وحكى أيضا أن الحجازيين يجرون بهما مطلقا، والتميميين يرفعون بهما مطلقا، وجمهور العرب إذا استعملوا (منذ) الذي هو لغة أهل الحجاز على ما حكى أولا: ى) رون بهما معا في الحاضر اتفاقا، وإنما الخلاف بينهم في الجر بهما في الماضي، ولا يستعملان في الستقبل اتفاقا، قال الفراء، منذ، مركبة من (من) و (ذو)، ولعل اللغة السليمية 1 غرته، فالمرفوع عنده في نحو: منذ يوم الجمعة: خبر مبتدأ محذوف، أي: من الذي هو يوم الجمعة، أي من الوقت الذي هو يوم الجمعة، على حذف الموصوف و (ذو) طائية، وينبغي أن يكون التقدير عنده في نحو: ما رأيته منذ يومان: من ابتداء الوقت الذي هو يومان، على حذف المضاف قبل الموصوف ليستقيم المعنى، وقال بعض الكوفيين: أصل منذ: من إذ، فركبا، وضم الذال للساكنين، فالمرفوع فاعل فعل مقدر، فتقدير منذ يوم الجمعة: من إذ مضى يوم الجمعة، أي من وقت مضى يوم الجمعة، وينبغي أن يكون التقدير عنده في نحو: ما رأيته منذ يومان: من إذ ابتدأ يومان، أي: إذ ابتدأ اليومان اللذان قبل هذا الوقت بدخولهما في الوجود، أي من وقت ابتداء يومين، وأثر التكلف على المذهبين: ظاهر لا يخفي، وينبغي ألا تكون (منذ) الجارة، على المذهبين، مركبة، إذ يتعذر التأويلان المذكوران في الجارة، بل تكون حرفا موافق اللفظ،


(1) وهي كسر الميم في كل منهما، (*)

[ 210 ]

للفظ هذا الاسم المركب، وقال بعض البصريين: هما اسمان على كل حال، فإن خفض بهما فعلى الأضافة، وعلة البناء عند هؤلاء، أما في حال رفع ما بعدهما، فلما يجيئ من كون المضاف إليه جملة، كما في (حيث)، وأما في حال جره، فلتضمنهما معنى الحرف، لأن معنى، منذ يوم الجمعة، من حد يوم الجمعة ومن تاريخه، فهما بمعنى الحد المضاف إلى الزمان متضمنا معنى (من)، ومعنى، مذ شهرنا: من أول شهرنا، وكذا معنى مذ شهر: من أول شهر قبل وقتنا، على ما سيجيئ من أنه لا بد لمذ ومنذ من معنى ابتداء الزمان في جميع مترفاتهما، فإذا تقرر هذا قلنا: إذا انجر ما بعدهما ففيهما مذهبان: الجمهور على أنهما حرفا جر، وبعض البصريين على أنهما اسمان، وإذا لم ينجر ما بعدهما فلا خلاف في كونهما اسمين، لكن في ارتفاع ما بعدهما أقوال: الأول: لجمهور البصريين: أنمهما مبتدآن ما بعدهما خبرهما، على ما يجيئ تقريره، والثاني: لأبي القاسم الزجاجي 1: أنهما خبرا مبتدأين، مقدمان، فإن مفسر الزجاجي مذ ومنذ، بأول المدة وجميع المدة مرفوعين، كما يجيئ من تفسير البصريين، فهو غلط، لأنك إذا قلت: أول المدة: يومان فأنت مخبر عن الأول، باليومين، وأيضا، كيف تخبر عن النكرة المؤخرة بمعرفة مقدمة، والزمان المقدر لا يصحح تنكير المبتدأ المؤخر، إلا إذا انتصب على الظرفية، نحو: يوم الجمعة قتال، وإن فسرهما بظرف، كما تقول مثلا في، ما رأيته منذ يوم الجمعة، أي: مع انتهائها، أي: انتهاء الرؤية يوم الجمعة، وفي: ما رأيته مذ يومان: أي عقيبها وبعدها، أي: بعد الرؤية يومان، فله وجيه 2، مع تعسف عظيم من حيث المعنى، والثالث والرابع: قولا الفراء، وبعض الكوفيين، كما تقدم،


(1) الزجاجي تقدم ذكره قريبا، (2) التصغير في كلمة وجه يقصد به إضعاف الرأي الذي استنبطه من قول الزجاجي، (*)

[ 211 ]

ولا بأس أن نركب مذهبا خامسا، من هذه المذاهب، ومما قال المالكي 1، فيهما، فنقول: انهم أرادوا ابتداء غاية للزمان خاصة، فأخذوا لفظ (من) الذي هو مشهور في ابتداء الغاية، وركبوه مع (إذ)، الذي هو للزمان الماضي، وإنما حملنا على تركيبه من كلمتين: وجود معنى الابتداء والوقت الماضي في جميع مواقع منذ، كما يجيئ، وهما معنى: من، وإذ، فغلب على الظن تركبه منهما، مع مناسبة لفظة للفظهما، وأمور النحو أكثرها ظني، فنقول: حذف لأجل التركيب همزة (إذ) فبقي: منذ، بنون وذال ساكنين، وحق (إذ) أن يضاف إلى الجمل، والأضافة إليها كلا اضافة، كما مر، فضموا الذال لما أحوجوا إلى تحريكها للساكنين، تشبيها له بالغايات المتمكنة في الأصل كقبل وبعد، لما صار على ثلاثة أحرف، بخلاف (إذ) قبل التركيب، فإنه وإن كان واجب الأضافة إلى الجمل، إلا أن وضعه وضع الحروف، فلم يشبه الغايات المعربة الأصل، كما شابهها (حيث)، فكأنه حرف، لا اسم مضاف، وذلك أن أكثر ما يضاف: اسم على ثلاثة أحرف أو أكثر، فبقي: منذ، كما هو اللغة السليمية، ثم استثقلوا الخروج من الكسر إلى ضم لازم مع أن بينهما حاجزا غير حصين، فضموا الميم اتباعا للذال، ثم أنهم جوزوا تخفيفه بحذف النون، أيضا، فإذا كان كذا، رجع الذال إلى السكون الأصلي، إذ التحريك إنما كان للساكنين، والغرض من هذا التركيب: تحصيل كلمة تفيد تحديد زمان فعل مذكور مع تعيين ذلك الزمان المحدود، كتحديد زمان عدم الرؤية في نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وتحديد الزمان مع تعيينه يحصل: إما بذكر مجموع ذلك الزمان من أوله إلى آخره، المتصل بزمان التكلم، نحو: منذ يومان، ومذ اليومان ومذ سنتان، ومذ زيد قائم، إذا امتد قيامه


(1) اتجهت في تحديد المراد من المالكي في هذا الشرح إلى أنه الأمام جمال الدين بن مالك صاحب الألفية والتسهيل، وكان من أسباب هذا الاتجاة أن بعض ما ينسبه الرضى إلى (المالكي) هو من الآراء المعروفة لا بن مالك، ومن ذلك ما أشار إليه هنا من أنه استنبط منه ومن غيره مذهبا، (*)

[ 212 ]

إلى وقت التكلم، وإما بذكر أول الزمان المتصل آخره بزمان التكلم غير متعرض لذكر الآخر، للعلم باتصاله بوقت التكلم، مخصصا لذلك الأول بما لا يشاركه فيه غيره مما هو بعده، نحو: مذ يوم الجمعة ومذ يوم قدمت فيه، ومذ قام زيد، تريد يوم الجمعة الأقرب إلى وقت التكلم، إذ لا يشاركه في هذا الاسم، ما بعده من الأيام، ففي الأول يجب أن يكون أصل (منذ): من أول إذ، فحذف (أول) المضاف إلى (إذ) ثم ركب (منذ) من (من)، و (إذ) كما ذكرنا، وذلك لأن معنى منذ زيد نائم: من أول وقت نوم زيد، وأما الثاني فلا يحتاج فيه إلى تقدير مضاف وحذفه، إذ معنى منذ قام زيد، منذ قيام زيد، فنقول: يضاف منذ إلى جملتين: أما الاسمية الجزأين فنحو: منذ زيد قائم، والمعنى فيها جميع المدة، ولا أعلمها بهذا القيد مستعملة لأول المدة، وأما التي أحد جزأيها فعل، فان كان الفعل ماضيا، نحو: منذ قام زيد، ومنذ زيد قام، فهو لأول المدة، وان كان مضارعا، نحو: منذ يكتب زيد، ومنذ زيد يكتب، فإن كان المضارع حالا فهو لجميع المدة، وإن كان حكاية حال ماضية، فهو لأول المدة، ولا يكون مستقبلا، لأن منذ لتوقيت الزمان الماضي فقط، لتركبه من (إذ) الموضوع للماضي، وقال الأخفش: لا يجوز: مذ يقوم زيد، للزوم مجازين: كون (يقوم) قائما مقام (قام)، وحذف زمان مضاف على ما يجيئ في تقرير مذهب جمهور البصريين، والأصل جوازه 1، لأن (يقوم)، كما قلنا، حال، أو حكاية حال، وليس المضاف محذوفا، كما اخترنا، وجاز، أيضا، أن يضاف (منذ) إلى الجملة المصدرة بحرف مصدري، لتغير (إذ) بالتركيب عن صورته التي كان معها واجب الاضافة إلى الجملة، فيكون كريث، وآية،


(1) هذا رد على ما ذهب إليه الأخفش من منع نحو: مذ يقوم زيد، (*)

[ 213 ]

على ما ذكرنا من أنه يجوز تصدير الجملة التي بعدها بحرف مصدري لكونهما غير صريحين في الظرفية، فتقول: منذ أن الله خلقني، ويجوز أن يدعى أن (منذ) في مثله مضاف إلى قوله محذوف أحد جزأيها، كما يجيئ بعد في المصدر الصريح، نحو: منذ سفره،: حذف أحد جزأي الجملة المضاف إليها وجوبا، إذا كان الباقي مجموع زمان أوله إلى آخره المتصل بزمان التكلم، معرفة كان أو نكرة، نحو: منذ يومان، ومنذ رجب، إذا كنت في شهر رجب، ومنذ شهر نحن فيه، ومنذ شهرنا، أو كان الباقي أول الزمان المتصل آخره بزمان التكلم، كما ذكرنا قبل، معرفة كان أو نكرة، نحو: أقرؤه منذ يوم الجمعة، ومنذ يوم قدم فيه زيد، ومثل هذا الحد يجوز ثبوت القراءة فيه ويجوز انتفاؤها في جميع أجزائه، وذلك لجواز دخول الحد في المحدود وخروجه منه، وما بعد الحد، يجب ثبوت القراءة فيه، بلا ريب، ويجوز كون الزمان المراد به (الأول)، معدودا، أيضا بشرط ألا يكون العدد مقصودا، بل يكون المراد مجرد الزمان المخصوص، نحو: ما رأيته منذ سنة المجاعة، ومذ شهر رجب، ومذ يوما لقائك، ومذ عشر ذي الحجة، وأما ان قصدت العدد، كقولك: ما لقيته منذ عشر ذي الحجة، وأنت تريد أن الرؤية انقطعت في اليوم الأول إلى الآن، وكذا اليوم الثاني إلى الآن، وكذا اليوم الثالث، وهكذا إلى آخر العشر، فهو محال، لأنه إذا انقطعت في اليوم الأول إلى الآن، فكيف تبقى حتى تنقطع في الثاني والثالث، بل المقصود أنها انقطعت قبل العشرة، إن قلنا بدخول الحد في المحدود في نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وإن لم نقل به فالمعنى أنها انقطعت في يوم غير معين من أيام العشر لأن أيامها، إذن، كساعات يوم الجمعة في: منذ يوم الجمعة أو عند انقضائها، ويجوز، أيضا، حذف أحد جزأي الجملة، إذا كان الباقي مصدرا دالا على أحد الزمانين المذكورين بقرينة الحال، نحو: منذ نوم زيد، إذا كان وقت الكلام نائما، ومنذ خروج زيد، إذا مضى خروجه، وإنما وجب حذف أحد الجزأين في الموضع المقيد بما ذكرنا، وإن لم يسد مسد المحذوف شئ، لقيام القرينة مع كثرة الاستعمال، وتقدير الأول: منذ ابتدأ يومان، على حذف (*)

[ 214 ]

الفعل أي: من وقت ابتداء يومين، أي اليومين اللذين آخرهما زمان التكلم، أو يومان مبتدئان على حذف خبر المبتدأ وجاز الابتداء بالنكرة لاختصاص (يومان) من حيث المعنى باليومين المتقدمين على وقت التكلم، وإنما استغنى عن التعريف، لأنه من المعلوم أن (منذ) موضوع لتوقيت الزمان الذي آخره وقت التكلم، في جميع استعمالاته، سواء كان ما بعده مفردا، أو جملة، نكرة كان المفرد أو معرفة، وتقدير الثاني: مذ كان يوم الجمعة، أو: مذ يوم الجمعة كائن، أي من وقت كون يوم الجمعة، وجاز أن تجعل لكون يوم الجمعة وقتا على سبيل المجاز، كما يقال: إذا كان يوم الجمعة نادى مناد، وأما المصدر الدال على أحدهما، فتقول في المعنى الأول: منذ نومه، إذا كان وقت التكلم نائما، أي منذ ابتدأ نومه، أو: نومه مبتدئ، وفي المعنى الثاني: مذ خروجه، أي: مذ كان خروجه أو: خروجه كائن، ويجوز أن يكون: مذ أنك قائم في المعنى الأول، ومنذ أن الله خلقني، في الثاني: من هذا، ثم نقول: انهم جوزوا إضافة (منذ) إلى الظروف المذكورة والمصادر، نحو: منذ يومين ومنذ يوم الجمعة ومذ سفره، ومنه قولهم: مذكم سرت ؟ و (كم) سؤال عن الزمان، أي من وقت يومين أي من وقت ابتدائهما، ومن وقت يوم الجمعة ومن وقت سفره، ومن وقت كم من الأيام، أي وقت ابتداء كم منها ؟ وإنما جاز ذلك لخروج (إذ) بالتركيب عن كونه واجب الأضافة إلى الجمل، ويجب، مع هذا، مراعاة أصل (منذ) من الضمة، إذ إضافته إلى المفرد عارضة قليلة، كما أبقيت ضمة (حيث) عند إضافته إلى المفرد، ولا فرق، من حيث المعنى، بين جر هذه الظروف ورفعها، أصلا، ولا تصغ إلى ما ترى في بعض الكتب: أن بين الجر والرفع في المعرفة فرقا معنويا نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وهو جواز الرؤية في يوم الجمعة مع الجر، وعدمها مع الرفع، فإن ذلك وهم، هذا الذي مر: أصل (منذ)، ثم انهم قد يوقعون بعده نكرة غير محدودة للدلالة

[ 215 ]

على طول الزمان، نحو: منذ حين، ومنذ سنين، وذلك خلاف وضعه، لأن (إذ) لتعيين الزمان، وهذا كما وضع (حتى) لتعيين النهاية ثم قيل: حتى حين، وحتى مدة، فعلى ما مر، لا بد لمنذ، في كل موضع دخله، من معنى ابتداء الغاية، ولا يكون بمعنى (في) وحده، كما يجيئ، وهذا الذي ذكرنا، وإن كان في بعض مواضعه أدنى تعسف 1، فان ذلك يجوز أن يغتفر، مع قصد جعله في جميع استعمالاته راجعا إلى أصل واحد وعلى وتيرة واحدة، ولنرجع إلى شرح ما في الكتاب 2 من أحكام مذ، ومنذ، وهو مذهب جمهور البصريين، قال: (مذ ومنذ بمعنى أول المدة، فيليهما المفرد المعرفة)، مذهبهم أنه إذا ارتفع الاسم بعدهما، فهما اسمان في محل الرفع بالابتداء، ولهما معنيان: إما أول مدة انتفاء الرؤية: يوم الجمعة، فإذا كانا بهذا المعنى وجب أن يليهما من الزمان مفرد معرفة، ويجوز كما ذكرنا، أن يكون هذا الحد، غير مفرد، نحو: ما رأيته منذ اليومان اللذان عاشرتنا فيهما، إذا لم يكن العدد مقصودا، وكذا يجوز أن يكون نكرة، نحو: ما رأيته منذ يوم لقيتني فيه، إذ المقصود بيان زمن مختص، وإما جميع 3 مدة الفعل الذي قبلهما، مثبتا كان الفعل أو منفيا، نحو: صحبني منذ يومان، أي: مدة صحبته يومان، ومذ اليوم ومذ اليومان، وقد تقدم أنه يجب أن يليه مجموع زمان الفعل من أوله إلى آخره المتصل بزمان التكلم، ولا يشترط كون ذلك المجموع مقصودا فيه العدد، وذلك لأنك تقول: ما لقيناه مذ عمرنا، ومذ زماننا، مع


(1) أطنب الرضى في شرح الرأي الذي اختاره من عدة آراء، كما قال، ومن عجب أنه - رحمه الله - كثيرا ما يرد بعض الآراء، بأن من قبيل الرجم بالغيب، وما أحرى رأيه هذا بأن يقال فيه مثل ذلك، وكأنه هو شاعر بذلك فهو يعتذر عن هذا الطول، ويعترف بأن فيه بعض التعسف، (2) أي ألفاظ المتن في أول البحث، (3) هو المعنى الثاني فيما إذا ارتفع ما بعدهما، (*)

[ 216 ]

أنك لا تقصد زمانا واحدا أو غير واحد، حتى يكون فيه معنى العدد، قوله: (المقصود بالعدد)، أي المقصود مع العدد، والباء بمعنى (مع) والا كان الواجب أن يقول: المقصود به العدد، لأنك قصدت بقولك: يومان عدد اثنين، لا أنك قصدت بالعدد: يومين، قال الأخفش: لا تقول: ما رأيته مذ يومان، وقد رأيته أمس، قال: ويجوز أن يقال: ما رأيته مذ يومان وقد رأيته أول من أمس، أما إذا كان وقت التكلم آخر اليوم، فلا شك فيه، لأنه يكون قد تكمل لانتفاء الرويه يومان، وأما إذا كان في أوله، أعني وقت الفجر، فإنما يجوز ذلك إذا جعلت بعض اليوم - أي يوم انقاطع الرؤية - يوما مجازا، وكذا إن كان في وسطه، تجعل بعض يوم الانقطاع، أو بعض يوم الاخبار، يوما، ولا تحسب بعض اليوم الآخر، وإن اعتددت بهما معا جاز لك أن تقول: منذ ثلاثة أيام، قال: ويجوز أن تقول: ما رأيته مذ يومان: يوم الاثنين، وقد رأيته يوم الجمعة، ولا تعتد يوم الاخبار، ولا يوم الانقطاع، قال: ويجوز أن تقول: ما رأيته مذ يومان وأنت لم تره منذ عشرة قال: لأنك تكون قد أخبرت عن بعض ما مضى، أقول: وعلى ما بينا، وهو أن (منذ) لابد فيه من معنى الابتداء في جميع مواقعه: لا يجوز ذلك، وقال: إنهم يقولون مذ اليوم، ولا يقولون: منذ الشهر، ولا منذ السنة، ويقولون: مذ العام، قال: وهو على غير القياس، قال: ولا يقال: مذ يوم، استغناء بقولهم: مذ أمس، ولا يقولون: مذ الساعة، لقصرها، فإن كان جميع ما قاله، مستندا إلى سماع، فبها ونعمت، وإلا فالقياس جواز الجميع، والقصر 2 ليس بمانع، لأنه جوز: منذ أقل من ساعة،


(1) بنصب (يوم)، وتقدير الكلام أنك تقول في يوم الاثنين: ما رأيته مذ يومان.... (2) يعني قصر المدة، (*)

[ 217 ]

قوله: 1 (وقد يقع المصدر أو الفعل أو أن، فيقدر زمان مضاف)، أي إلى هذه الثلاثة، لأن معنى ما رأيته مذ سفره، أو مذ أنه سافر أو مذ سافر: مذ زمان سفره ومذ زمان أنه سافر ومذ زمان سافر، ولم يذكر المصنف الجملة الاسمية، نحو: مذ زيد مسافر، أي مذ زمان زيد مسافر، على مذهبهم، 2 ومذ ومنذ، الاسميتان، عندهم، مبتدآن ما بعدهما خبرهما، إذ معنى ما رأيته مذ يوم الجمعة: أول مدة انتفاء الرؤية يوم الجمعة، ومعنى ما رأيته مذ يومان، أول مدة انتفاء الرؤية: يومان، فكأنه كان في الأصل في الموضعين: مذ ما رأيته، حتى تكون الجملة مضافا إليها فحذفت لتقدم ما يدل عليها، وبنى مذ ومنذ، بناء قبل وبعد، ولذلك قيل منذ بالضم، وقيل بني مذ، لكونه على وضع الحروف، ثم حصل عليه منذ، لكونه بمعناه، وقيل حملا على مذ ومنذ الحرفيتين عندهم، وقيل للزومهما صدر الجملة، إذ لا يتقدم الخبر عليهما، فصارا كحرف الاستفهام ونحوه، والكلام مع مذ الاسمية عندهم: جملتان، فما رأيته: جملة، ومذ يوم الجمعة، جملة أخرى، قالوا: ولا يجوز عطف الثانية على الأولى، وإن جاز ذلك إذا صرحت بتفسيرهما، كما تقول: ما رأيته، وأمد ذلك يومان، وذلك 3 أن الثانية صارت مرتبطة بالأولى ممتزجة بها فصارتا كالجملة الواحدة، ولا محل للثانية عند جمهورهم، لأنها كالمفسرة، وقال السيرافي: هي منتصبة المحل على الحال، أي ما رأيته متقدما، قالوا: وإذا انجر ما بعدهما، فهما حرفا جر، فإن كان الفعل العامل فيهما ماضيا،


(1) أي قول ابن الحاجب، وهذا استثناف لشرح ألفاظ المتن، (2) إشارة إلى أن ما ذهب إليه هو، لا يحتاج إلى هذا التقدير، (3) تعليل لعدم جواز العطف، (*)

[ 218 ]

فهما بمعنى (من) نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، أي منه، ولا يتم لهم ذلك في نحو قولك: ما رأيته مذ يومين، إذا أردت جميع المدة، إذ لا معنى لقولك: ما رأيته من يومين، إلا أن يفسروه بمن أول يومين، بتقدير المضاف وهو (أول)، وإن كان الفعل حالا، نحو: ما أراه منذ شهرنا ومنذ اليوم، فهما بمعنى (في)، قال الأندلسي: وهذا تقريب، والا، فمذ يقتضي ابتداء الغاية ولا تقتضيه (في)، هذا تمام الكلام في تقرير المذاهب، وإليك الخيار في الاختيار 1، وإذا عطفت على المجرور بمذ ومنذ، أو المرفوع، جاز لك أن توافق بالمعطوف ما بعد (مذ) جرا ورفعا، وأن تنصبه بالعطف على نفس (مذ) على ما اخترناه، لأنه ظرف منصوب، ارتفع ما بعده أو انجر، إلا أن المعطوف إن وافق ما بعد (مذ) في كونه لأول المدة أو لمجموع المدة، فالعطف عليه أولى، وإن لم يوافق، فالعطف على (مذ) أولى، فمثال الموافقة في المجموع: ما رأيته مذ سنة ويوم، وفي أول المدة: ما رأيته مذ يوم الجمعة ويوم الخميس، أو مذ يوم الجمعة ويوم السبت، إذا لم يكن العدد مقصودا، بل المقصود مجرد الزمان المعين كما ذكرنا قبل، ومثال المخالفة: ما رأيته مذ يوم الجمعة وخمسة أيام، أو: مذ خمسة أيام ويوم الجمعة، لأن أحد الزمانين لأول المدة والآخر لمجموعها، قال البصريون بناء على مذهبهم، وهو أن الزمان مقدر قبل الجملة التي بعد (مذ): يجوز الرفع والنصب والجر في المعطوف في نحو: مذ قام زيد ويوم الجمعة، أما الرفع والجر فعلى الزمان المقدر، والنصب على معنى: مذ قام زيد، لأن معناه: من زمان قيام زيد، أو على تقدير فعل آخر أي: وما رأيته يوم الجمعة، وعلى ما ذكرنا، لا يجوز الا العطف على (مذ) إذ لا زمان مقدر بعده،


(1) هذا من الانصاف وعدم التعصب، وهو في الوقت نفسه، اشادة بالرأي الذي ذهب إليه، من طرف خفي، (*)

[ 219 ]

قيل: وربما دخلت كاف الجر على (مذ)، يروى عن بعض العرب أنه قيل له: مذ كم قعد فلان ؟ فقال: كمذ أخذت في حديثك، قيل 1: والكاف في (كم) للتشبيه، دخلت على ما الاستفهامية فحذفت ألفها وسكنت الميم، وذلك، كما قال: يا أبا الأسود لم خليتني * لهموم طارقات وفكر - 477 وهذا آخر الكلام في: مذ، ومنذ،


(1) تقدم هذا الشاهد في باب الكنايات وما قاله الشارح هنا تكرار لما قاله هناك، (*)

[ 220 ]

(لدى، ولدن) (استعمالهما - اللغات في لدن) (قال ابن الحاجب:) (ومنها: لدا، ولدن، وقد جاء: لدن ولدن ولدن ولد،) (ولد، ولد)، (قال الرضي:) لدن مثل عضد، ساكنة النون، هي المشهورة، ومعناها أول غاية زمان أو مكان، نحو: لدن صباح، و: (من لدن حكيم عليم 1)، وقلما تفارقها (من)، فإذا أضيفت إلى الجملة تمحضت للزمان، لما تقدم، أن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة الا (حيث)، وذلك كقوله: صريع غوان راقهن ورقنه * لدن شب حتى شاب سود الذوائب 2 - 501 ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري، لما لم يتمحض (لدن) في الأصل للزمان، قال عمرو بن حسان:


(1) الآية 6 سورة النمل، (2) تقدم ذكره قريبا، (*)

[ 221 ]

505 - فان الكثر أعياني قديما * ولم أفتر لدن أني غلام 1 وفيها ثماني لغات: لدن بفتح الدال، ولدن بكسرها، فكأن (لدن) خففت بحذف الضمة، كما في عضد، فالتقى ساكنان، فإما أن تحذف النون فيبقى (لد) واما أن تحرك الدال فتحا أو كسرا للساكنين، وأما أن تحرك النون للساكنين كسرا، لأن زوال الساكنين يحصل بكل ذلك، فهذه خمس لغات، مع (لدن) التي هي أصلها، وقد جاء: لدن ولد، فكأن لدن خفف بنقل ضمة الدال إلى اللام، وإن كان نحو: عضد في عضد قليلا، كما يجيئ في التصريف، فالتقى ساكنان، فإما أن تحذف النون، وإما أن تكسر للساكنين، وقد جاء: لد، بحذف نون لدن التي هي أم الجميع وأشهر اللغات، ولدى، بمعنى لدن، الا أن لدن ولغاتها المذكورة، يلزمها معنى الابتداء، فلذا يلزمها (من) إما ظاهرة، وهو الأغلب، أو مقدرة، فهي بمعنى: من عند، وأما لدى، فهو بمعنى (عند)، ولا يلزمه معنى الابتداء، وعند، أعم تصرفا من لدى، لأن (عند) يستعمل في الحاضر القريب، وفيما هو في حرزك وإن كان بعيدا، بخلاف لدى، فإنه لا يستعمل في البعيد، وإعراب لدن المشهورة: لغة قيسية، قال المصنف: الوجه في بناء لدن وأخواته 2، أن من لغاتها ما وضعه وضع الحروف، فحمل البقية عليها تشبيها بها، ولو لم يكن ذلك لم يكن لبنائها وجه، لأنها مثل عند، وهو معرب بالاتفاق، والذي أرى 3: أن جواز وضع بعض الأسماء وضع الحروف، أي على أقل من ثلاثة


(1) الكثر بضم الكاف أي المال الكثير، والمراد طلبه والسعي في تحصيله، والبيت منسوب لعمرو بن حسان من بني الحارث من شعراء الصحابة، ولم يذكروا مع هذا البيت شيئا قبله ولا بعده، (2) أي اللغات المختلفة المستعملة في لدن، (3) تعقيب من الرضى على كلام ابن الحاجب في تعليله لبناء لدن، (*)

[ 222 ]

أحرف، بناء من الواضع على ما يعلم من كونها حال الاستعمال في الكلام مبنية لمشابهتها للمبني، على ذكرنا في صدر الكتاب، في حد الأعراب، فلا يجوز أن يكون بناؤها مبنيا على وضعها وضع الحروف، فالوجه، إذن، في بناء لدن أن يقال: إنه زاد على سائر الظروف غير المتصرفة في عدم التصرف بكونه، مع عدم تصرفة، لازما لمعنى الابتداء فتوغل في مشابهة الحروف، دونها، وأما (لدى) وهو بمعنى (عند) فلا دليل على بنائه، ومعنى (عند): القرب حسا أو معنى، نحو: عندي أنك غني، وربما فتحت عينه أو ضمت، ويلزمها النصب إلا إذا انجرت بمن، ومن حذف نون (لدن) لم يجوز حذفها مع الأضافة، فلا يقول: من لده، بل: من لدنه، ولدنك، وتجر (لدن) ما بعدها بالاضافة لفظا إن كان مفردا، وتقديرا إن كان جملة، وإن كان ذلك 1 لفظ (غدوة)، جاز نصبها أيضا، مع الجر، وقد ترفع، أما النصب، فإنه وإن كان شاذا، فوجهه كثرة استعمال لدن مع غدوة، دون سائر الظروف، كبكرة، وعشية وكون دال لدن قبل النون الساكنة، تفتح وتضم وتكسر كما سبق في لغاتها، ثم قد تحذف نونه، فشابهت حركات الدال حركات الأعراب من جهة تبدلها، وشابهت النون التنوين من جهة جواز حذفها، فصار لدن غدوة، في اللفظ، كراقود خلا، فنصبها تشبيها بالتمييز، أو تشبيها بالمفعول الذي هو الأصل نحو: ضارب زيدا، 2 وغدوة، بعد لدن، لا تكون إلا منونة، وإن كانت معرفة، أيضا، إما تشبيها بالتمييز، فإنه لا يكون إلا نكرة، وإما لأننا لو حذفنا التنوين، لم يدر أمنصوبة هي أم مجرورة، وأما الرفع فعلى حذف أحد جزأي الجملة، أي: لدن كان غدوة، كما قلنا في: مذ يوم الجمعة،


(1) يعني الاسم الواقع بعد لدن، (2) خلاصته أنها إما مشبهة بالتمييز المنصوب عن تمام الاسم أو بما شبة به ذلك التمييز، (*)

[ 223 ]

وألف لدى، تعامل معاملة ألف (على) و (إلى) فتسلم مع الظاهر، وتقلب ياء، غالبا، مع المضمر، وقد حكى سيبويه عن الخليل عن قوم من العرب 1: لداك، وإلاك، وعلاك، قال: 506 - طاروا علاهن فطر علاها * وأشدو بمثنى حقب حقواها 2 وإنما قلب ألف هذه الكلم الثلاث مع المضمر، تشبيها بألف (رمى) إذا اتصل بالمضمر المرفوع نحو: رميت، وإنما شبه الضمير المجرور بالمرفوع دون المنصوب نحو: رماك، لأن الجار مع الضمير المجرور كالكلمة الواحدة، كالرافع مع الضمير المرفوع، بخلاف الناصب مع المنصوب، ولم يشبه بألف (غزا) لأن الواو ثقيل، والياء أقرب إلى الألف من الواو، وإنما لم يقلب نحو: عصاك، وفتاك، لأن لهذه الألفات أصلا، فكره قلبها تشبيها بشئ آخر، بخلاف ألف إلى، وعلى ولدى، وقلبت ألف (على) الاسمية، وإن كان لها أصل في الواو، تشبيها لها بعلى الحرفية، ولا يتصل من المقصور الذي لا أصل لألفه، بالمضمر إلا هذه الثلاثة، وأما حتاه، على ما جوز المبرد فليس بمسموع وإنما هو قياس منه،


(1) سيبويه ج 2 ص 104 - (2) رواه أبو زيد في النوادر منسوبا لبعض أهل اليمن وقبله: أي قلوص راكب تراها، - وآخره: ناجية وناجيا أباها ونقل البغدادي عن أبي حاتم السجستاني أنه سأل أبا عبيدة عنها فقال له: انقط عليها، فإنها من صنعة المفضل، ووردت الأبيات في صحاح الجوهري مرتبة غير هذا الترتيب، والله أعلم، (*)

[ 224 ]

(قط وعوض) (معناهما واستعمالاتهما) (قال ابن الحاجب:) (وقط للماضي المنفي، وعوض للمستقبل المنفي)، (قال الرضي:) معنى (قط): الوقت الماضي عموما، ومعنى (عوض): المستقبل عموما، ويختصان بالنفي، وعوض، في الأصل، اسم للزمان والدهر فقط وعوض: المبنيان، بمعنى: أبدا، لكن عوض، قد يستعمل لمجرد الزمان، لا بمعنى أبدا، فيعرب، قال: 507 - ولو لا نبل عوض في * خضماتي وأوصالي 1 ويقال: افعل ذلك من ذي عوض، كما يقال: من ذي أنف، أي فيما يستقبل،


(1) من قطعة منسوبة للفند الزماني، بكسر الزاي وتشديد الميم، من شعراء الجاهلية، يتحدث عن معركة اشترك فيها، قالوا انه طعن رجلا برمحه وخلفه رديف، فانتظمت الطعنة الرجلين، وأول هذه الأبيات: أيا طعنة ما شيخ * كبير يفن بالي واليفن الكبير، وقوله في البيت: خضماتي، هو جمع خضمة بضم كل من الخاء والضاد، ما غلظ من الساق والذراع، وروى بدله: حظباي وهو كلمة حظبي بضم الحاء والظاء مقصورا مضافا إلى ياء المتكلم ومعناه الظهر، أو عرق فيه، قال البغدادي إنهم أجمعوا على أن المراد بعوض في هذا الشعر: الدهر، الا ما شذ من قول بعضهم انه اسم رجل كان يصنع النبال الجيدة، وجواب لو لا قوله بعد: لطاعنت صدور القوم * طعنا ليس بالآلى، (*)

[ 225 ]

وقط، لا يستعمل إلا بمعنى أبدا، لأنه مشتق من القط، وهو القطع، كما تقول لا أفعله البتة، إلا أن (قط) يبنى لما سنذكره، بخلاف: البتة، وربما استعمل قط، بدون النفي، لفظا ومعنى، نحو: كنت أراه قط، أي دائما وقد استعمل بدونه لفظا لا معنى، نحو:... هل رأيت الذئب قط 1 - 94 وقد يستعمل عوض المبني للمضي، ومع الأثبات أيضا، قال: 508 - ولو لا دفاعي عن عفاق ومشهدي * هوت بعفاق عوض عنقاء مغرب 2 وهو منفي معنى، لكونه في جواب لو لا، وبناء عوض على الضم لكونه مقطوعا عن الأضافة، كقبل، وبعد، بدليل إعرابه مع المضاف إليه نحو: عوض العائضين، أي: دهر الداهرين، ومعنى الداهر، والعائض: الذي يبقى على وجه الدهر، فكأن المعنى: ما بقي في الدهر داهر 3، وبنى قط، قيل لأن بعض لغاته، على وضع الحروف، كما يجيئ، والأولى أن يقال: بني لتضمنه لام الاستغراق لزوما، لاستغراقه جميع الماضي، وأما أبدا، فليس الاستغراق لازما لمعناه، ألا ترى إلى قولهم: طال الأبد على لبد، 4 وبنى قط على الضم حملا على أخيه عوض، وهذه أشهر لغاته، أعني مفتوح القاف مضموم الطاء المشددة، وقد تخفف الطاء في هذه، وقد تضم القاف اتباعا لضمة الطاء: المشددة أو المخففة، كمنذ، وقد جاء: قط ساكنة الطاء، مثل قط، الذي هو اسم فعل،


(1) تقدم ذكره، (2) عفاق: اسم رجل، وعنقاء مغرب - اسم يطلق على طائر يزعمونه انه انقرض وأنه كان كبير الحجم ويذكرون عنه أشياء غريبة، وقال بعضهم: إن المراد به الداهية، وجاء في تعبير بعض الأئمة أنه طائر معروف الاسم مجهول الجسم، وقال البغدادي: لم أر هذا البيت إلا في هذا الشرح، ولا أعلم قائله ولا الشعر الذي هو منه، (3) أي ما بقي في الدهر باق، (4) اسم آخر النسور التي قالوا إن لقمان بن عاد وهب عمر سبعة منها والنسر أطول الطيور عمرا، (*)

[ 226 ]

وجاء في عوض، فتح الضاد وكسرها أيضا، وأكثر ما يستعمل عوض مع القسم، كقوله: 509 - رضيعي لبان ثدي أم تقاسما * بأسحم داج عوض لا نتفرق 1 (ظروف أخرى) (لم يذكرها ابن الحاجب) ومن الظروف المبنية: أمس، عند الحجازيين، وعلة بنائه: تضمنه للام التعريف، وذلك أن كل يوم متقدم على يوم فهو أمسه، فكان في الأصل نكرة، ثم لما أريد: أمس يوم التكلم 2، دخله لام التعريف العهدي، كما هو عادة كل اسم قصد به إلى واحد من بين الجماعة المسماة به، كما ذكرنا في باب غير المنصرف، ثم حذفت اللام وقدرت، لتبادر فهم كل من يسمع أمس، مطلقا من الأضافة، إلى أمس يوم التكلم، فصار معرفة، نحو: لقيته أمس الأحدث، 3 ولم يبن صباحا ومساء، وأخواتهما المعينة، مع كونها، أيضا، معدولة عن اللام، لأن التعريف الذي هو معنى اللام، غير ظاهر فيها من دون قرينة، ظهوره في أمس، لأنك إذا قلت: كلمته صباحا ومساء، وقصدت صباح يومك، ومساء ليلتك، لم يتبين تعريفهما، كما يتبين في قولك: لقيته أمس،


(1) من قصيدة الأعشى المشهورة التي مدح بها المحلق، والتي يقول فيها يصف نار المحلق تشب لمقرورين يصطليانها * وبات على النار الندى والمحلق وقالوا إن هذه القصيدة كانت سببا في إقبال الفتيان على الزواج من بنات المحلق، (2) أي اليوم السابق على يوم التكلم، (3) أي الأقرب، (*)

[ 227 ]

وأما سحر، فأمره مشكل، سواء قلنا ببنائه أو بترك صرفه، لأنه مخالف لأخواته، من: صباحا، ومساء، وضحى، معينة، إذ هي معربة منصرفة، فهو شاذ من بين أخواته، مبنيا كان أو غير منصرف، وإنما لم يبنوا (غدا) مع قصد غد يوم التكلم، كما بني أمس، تفضيلا لتعريف الداخل في الوجود على تعريف المقدر وجودة، وذلك لأن التعريف فرع الوجود، ووجوده ذهني، فكذا تعريفه، بخلاف (أمس) فإنه قد حصل له وجود، وإن كان منتفيا في حال التكلم، فتعريفه يكون أقوى، مع أنه قد روي عن بعض العرب إعرابه مع صرفه، كغد، وليست 1 بمشهورة، وأما بنو تميم، فالذي نقل عنهم سيبويه 2: إعرابه غير منصرف في حال الرفع، وبناؤه على الكسر، كالحجازيين، في حالتي النصب والجر، قال سيبويه: وبعض بني تميم يفتحون أمس بعد (مذ)، قال السيرافي: وإنما فعلوا ذلك، لأنهم تركوا صرفه، وما بعد (مذ) يرفع ويخفض، فلما ترك صرفه من يرفع منهم، نحو: مذ أمس، تركه أيضا بعدها من يجر، فكان مشبها بنفسه، قال: 510 - لقد رأيت عجبا مذ أمسا * عجائزا مثل السعالى خمسا 3 قال: وهذا قليل، لأن الخفض بعد (مذ) قليل،


(1) أي اللغة التي تشير إليها الرواية عن بعض العرب، (2) في ج 2 ص 42 (3) من شواهد سيبويه، 2 / 44، وهو من رجز أورده أبو زيد في النوادر، قال سمعته من بعض العرب، وبعده: يأكلن ما في رحلهن همسا * لا ترك الله لهن ضرسا وزاد بعضهم فيه، وقال البغدادي بعد أن أفاض في شرح الشاهد ونقل كثيرا مما كتبه عن سيبويه: إن الشاهد من الشواهد الخمسين التي لم يعرف لها قائل، (*)

[ 228 ]

قال سيبويه 1: إذا سميت بأمس رجلا، على لغة أهل الحجاز، صرفته، كما تصرف (غاق) إذا سميت به، وذلك أن كل مفرد مبني تسمي به شخصا، فالواجب فيه الأعراب مع الصرف، كما يجيئ في باب الأعلام، وإن سميته به على لغة بني تميم، صرفته أيضا في الأحوال، لأنه لابد من صرفه في النصب والجر، لأنه مبني على الكسر عندهم فيهما، وإذا صرفته في الحالتين، وجب الصرف في الرفع، أيضا، إذ ليس في الكلام اسم منصرف في الجر والنصب، غير منصرف في الرفع، ووجه منع الصرف في أمس: اعتبار علميته المقدرة، كما قلنا في باب غير المنصرف 2، واختاروا منع صرفه رفعا، وبناءه نصبا وجرا، كما اختاروا بناء نحو: حضار، وترك صرف نحو حذام وقطام، مع أن الجميع من باب واحد، والوجه في هذا: مثل الوجه في ذاك، وذلك أنه جاز أن يعتبر فيه علة البناء، كما هو مذهب الحجازيين، وعلة منع الصرف، كما بينا فابتدأوا باعتبار الأعراب أولا إذ هو أشرف من البناء وأولى بالأسماء، واختير أسبق الأعراب وأشرفه، أعني الرفع، فصار في حال الرفع معربا غير منصرف، والحالتان الباقيتان أعني الجر والنصب مستويتان حركة في غير المنصرف، فأرادوا أن تبقى هذه الكلمة فيهما على ذلك الاستواء، فلو جعلا مستويين في الضم لم يبن إعرابها رفعا، إذ كانت تصير مثل حيث، في الأحوال، ولو سوي بينهما في الفتح لم يبن بناؤهما، إذ كانت تصير كغير المنصرف، فلم يبق إلا الكسر، وأيضا، أول ما تبنى عليه الكلمة بعد السكون: الكسر، وأيضا، تكون هذه الكلمة في حالة البناء على الحركة التي بنيت عليها عند أهل الحجاز، وقال الزمخشري 3 وجماعة من النجاة: إن أمس معرب عند بني تميم مطلقا، أي في جميع الأحوال،


(1) في الموضع السابق، وهو منقول بمعناه، (2) في الجزء الأول، (3) انظر شرح ابن يعيش على المفصل، ج 4 ص 106 (*)

[ 229 ]

ولعله غرهم قول بعض بني تميم: لقد رأيت عجبا مذ أمسا 1 - 510 وقد قال سيبويه: إن بعضهم يفتحون أمس بعد (مذ)، فقيد هذا القول بقوله: بعضهم، وبقوله: بعد (مذ)، فكيف يطلق بأن كلهم 2 يفتحون في موضع الجر، بعد أي جار كان، فان نكر (أمس) كقولك: كل غد يصير أمسا، وكل أمس يصير أول من أمس، أو أضيف، نحو: مضى أمسنا، أو دخله اللام نحو: ذهب الأمس بما فيه: أعرب اتفاقا، لزوال علة البناء وهي تقدير اللام، وربما بني المقترن باللام، ولعل ذلك لتقدير زيادة اللام، وقال سيبويه: 3 ولا يصغر أمس، كما لا يصغر غدا، وإن ثني أو جمع فالأعراب، لأن اللام إنما قدرت لتبادر الذهن إلى واحد من الجنس لشهرته من بين أشباهه، فإذا ثني أو جمع، لم يبق ذلك الواحد المعين، فتظهر اللام، لعدم شهرة المثني والمجموع من هذا الجنس شهرة الواحد، وليس بناء أمس على الفتح لغة، كما قال الزجاجي، مغترا بقوله: لقد رأيت عجبا مذ أمسا - 510 (الآن) ومنها (الآن)، قال الزجاج: بني لتضمنه معنى الأشارة، إذ معناه: هذا الوقت، وهذا مذهبه في (أمس)، وفيه نظر، إذ جميع الأعلام هكذا متضمنة معنى الأشارة، مع إعرابها، (*)

[ 230 ]

وقال السيرافي: لشبه الحرف، بلزومها في أصل الوضع موضعا واحدا، وبقائها في الاستعمال عليه، وهو التعريف باللام، وسائر الأسماء تكون في أول الوضع نكرة، ثم تتعرف، ثم تنكر، ولا تبقى على حال، فلما لم يتصرف فيه بنزع اللام، شابه الحرف لأن الحروف لا يتصرف فيها، وقال أبو علي: بني لتضمنة اللام كأمس، وأما اللام الظاهرة فزائدة، إذ شرط اللام المعرفة أن تدخل على النكرات فتعرفها، والآن، لم يسمع مجردا عنها، وقال الفراء: أصله الفعل، من: آن يئين، أدخل عليه اللام بمعنى الذي: أي الوقت الذي حان ودخل، قال: هذا كما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن: قيل وقال) فإنهما فعلان استعملا استعمال الأسماء، وتركا على البناء الذي كانا عليه، والجواب: ان: قيل وقال، محكيان، والمعنى: نهى عن قول: قيل كذا، وقال فلان كذا، يعني كثرة المقالات، والآن ليس بمحكي، وكذا مذهب الفراء في (أمس): انه أمر من: أمسى يمسي، وقد يقال في الآن: لان، وهو من باب تخفيف الهمزة، (لما) ومنها (لما) وهو ظرف بمعنى (إذ)، اسم عند أبي علي، ويستعمل استعمال الشرط، كما يستعمل: كلما، وكلام سيبويه محتمل 1، فإنه قال: لما لوقوع أمر لغيره، وإنما يكون مثل (لو)، فشبهها بلو، ولو: حرف، فقال ابن خروف: ان (لما) حرف، وحمل كلام سيبويه على أنه شرط في الماضي كلو، إلا أن لو، لانتفاء الأول لانتفاء الثاني، ولما لثبوت الثاني لثبوت الأول، وقال: لو كان ظرفا، لم يجز: لما أسلم دخل الجنة،


(1) سيبويه 2 / 312، (*)

[ 231 ]

والجواب: أنه على التأكيد والتشبيه، فكأنه دخلها في ذلك الوقت، ومن قال انه ظرف، قال: وضع موضع كلمة الشرط مع جملتيها للغرض الذي ذكرناه في (إذا)، 1 ويليه فعل ماض لفظا ومعنى، وجوابه، أيضا، كذلك أو جملة اسمية، مقرونة بإذا المفاجأة، قال الله تعالى: (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم... 2)، أو مع الفاء، وربما كان ماضيا مقرونا بالفاء، وقد يكون مضارعا، (قولهم لهي أبوك) وقريب من الظروف المبنية قولهم: لهي أبوك، أي لله أبوك، لأن أصله الجار والمجرور، وحكمه حكم الظروف عندهم، حذف لام الجر لكثرة الاستعمال، وقدر لام التعريف، فبقي: لاه أبوك، كما قال: 511 - لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب * عني ولا أنت دياني فتخزوني 3 فبني لتضمنه الحرف، ثم قلب اللام إلى موضع العين، وسكن الهاء لوقوعه موقع الألف الساكن، ورجعت الألف إلى أصلها من الياء لسكون العين، كما هو أحد مذهبي سيبويه في (الله)، وهو أنه من: لاه يليه أي تستر، ففتح لخفة الفتحة على الياء دون الكسرة والضمة، وقد تحذف الياء فيقال: له أبوك، وإنما قلب، لأن الكسر لم يبن في: لاه، لالتباسه


(1) في أول الكلام على إذا من هذا الجزء (2) من الآية 77 سورة النساء، (3) من قصيدة، قالها ذو الأصبع العدواني في شأن ابن عم له كان يعاديه، وأولها: لي ابن عم على ما كان من خلق * مختلفان فأقليه ويقليني (*)

[ 232 ]

بالجر الذي هو أصله، فأزيد التنبيه على تضمن الحرف بالبناء على حركة غير ملتبسة بالأعرابية، ولو قالوا (لاه) بلا قلب، لا لتبست بالأعرابية في نحو: ألله لأفعلن 1، (مع واستعمالاتها) وأما (مع) فهو ظرف بلا خلاف، عادم التصرف، معرب، لازم النصب، وظاهر كلام سيبويه أنه مبني، قال: 2 سألته، يعني الخليل، عن (معكم) لأي شئ نصبتها، يعني: لم لم تبن على السكون ؟، هذا لفظه، فمن قال آنها مبنية، فلمشابهتها للحرف بقلة التصرف فيها، إذ لا تكون إلا منصوبة، والأولى الحكم بإعرابه، لدخول التنوين في نحو: كنا معا، وانجراره بمن، وإن كان شاذا، نحو: جئت من معه، أي من عنده، وتسكين عينها لغة ربعية 3، يقولون: مع زيد، فإذا لاقى ساكنا بعده، كسروا عينه نحو: كنت مع القوم، قال بعضهم 4، وهو الحق، هي في هذه اللغة حرف جر، إذ لا موجب للبناء فيه (على تقدير الاسمية الا وضع الحروف، وقد ذكرنا ما عليه 5، ولو كان أيضا كذا، وكان وضعه كذلك موجبا للبناء، لبني من دون الأسكان، أيضا،) 6 ثم نقول: يلزم إضافة (مع) ان ذكر معه أحد المصطحبين، نحو كنت مع زيد، وإن ذكر قبله المصطحبان، لم يبق ما يضاف إليه، فينصب منونا على الظرفية، نحو:


(1) مجرور بحرف قسم مقدر، وهذا مما اختص به لفظ: الله، (2) في سيبويه 2 / 45، (3) منسوبة إلى بني ربيعة، (4) في مغني اللبيب لابن هشام أن صاحب هذا الرأي هو أبو جعفر النحاس، (5) هو أن الوضع على حرفين إنما يكون من أسباب البناء إذا كان الثاني معتلا، (6) ما بين الفاصلين جاء في بعض النسخ، وقد وجدته أوضح من عبارة المطبوعة وأدل على المعنى المقصود، فأثبته، (*)

[ 233 ]

جئنا معا، أي في زمان، وكنا معا، أي في مكان، وقيل: انتصابه على الحالية، أي مجتمعين، والفرق بين: فعلنا معا، وفعلنا جميعا: أن (معا) يفيد الاجتماع في حال الفعل، وجميعا بمعنى كلنا، سواء اجتمعوا أو لا، والألف في (معا) عند الخليل، بدل من التنوين، إذ لا لام له في الأصل، عنده، وهي عند يونس، والأخفش، وهو الحق، مثل ألف فتى، بدل من اللام، استنكارا لاعراب الموضوع على حرفين، فمع، عندهما عكس (أخوك)، ترد لامها في غير الأضافة، وتحذف في الأضافة، لقيام المضاف إليه مقام لامها، (الظروف) (المضافة إلى الجمل) (قال ابن الحاجب:) (والظروف المضافة إلى الجمل، وإذ، يجوز بناؤها على الفتح) (وكذلك مثل، وغير، مع ما، وأن)، (قال الرضي:) قد مضى شرحه فيما تقدم، 1


(1) عجل الرضي بشرح هذا الجزء من كلام ابن الحاجب، وقد نبه على ذلك وقال إن التعجيل به ضروري لشرح أحكام حيث، (*)

[ 234 ]

(المعرفة والنكرة) (معنى المعرفة، وحصر المعارف) (قال ابن الحاجب:) (المعرفة والنكرة، المعرفة: ما وضع لشئ بعينه، وهي:) (المضمرات، والأعلام، والمبهمات، وما عرف بالألف) (واللام أو بالنداء، - والمضاف إلى أحدها معنى)، (قال الرضي:) قوله: (بعينه)، احتراز عن النكرات، ولا يريد به أن الواضع قصد في حال وضعه واحدا معينا، إذ لو أراد ذلك، لم يدخل في حده الا الأعلام، إذ المضمرات والمبهمات، وذو اللام، والمضاف إلى أحدهما، تصلح لكل معين قصده المستعمل، فالمعنى: ما وضع ليستعمل في واحد بعينه، سواء كان ذلك الواحد مقصود الواضع، كما في الأعلام، أو، لا، كما في غيرها، ولو قال: ما وضع لاستعماله في شئ بعينه، لكان أصرح، وإنما جعل ذا اللام موضوعا، كالرجل والفرس، وإن كان مركبا، لما مر في حد الاسم، أن المركبات، أيضا موضوعة، بالتأويل الذي ذكرنا هناك 1 أو جعل اللام من حيث عدم استقلاله وكونه كجزء الكلمة كأنه موضوع مع ما دخل عليه، وضع الأفراد،


(1) مبحث الاسم في الجزء الأول، (*)

[ 235 ]

ويدخل في هذا الحد: العلم المنكر، نحو: رب سعاد وزينب لقيتهما لأنهما وضعا لشئ معين، ويدخل فيه المضمر في نحو: ربه رجلا، ونعم رجلا، وبئس رجلا، والحق أنه منكر، ولا يعترض على هذا الحد بالضمير الراجع إلى نكرة مختصة قبل بحكم من الأحكام نحو: جاءني رجل فضربته، لأن هذا الضمير لهذا الرجل الجائي، دون غيره من الرجال وكذا ذو اللام في نحو: جاءني رجل فضربت الرجل، وأما الضمير في نحو: رب شاة وسخلتها، فنكرة، كما في: ربه رجلا لأنه لم يختص المنكر المعود إليه بحكم أولا، والأصرح في رسم المعرفة أن يقال: ما أشير به إلى خارج مختص إشارة وضعية، فيدخل فيه جميع الضمائر وإن عادت إلى النكرات، والمعرف باللام العهدية، وإن كان المعهود نكرة، إذا كان المنكر المعود إليه، أو المعهود، مخصوصا قبل بحكم، لأنه أشير بهما إلى خارج مخصوص وإن كان منكرا، وأما إن لم يختص المعود إليه بشئ قبل، نحو: أرجل قائم أبوه، و: 512 - فإنك لا تبالي بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار 1 كما يجيئ البحث فيه في باب كان، ونحو: ربه رجلا، وبئس رجلا ونعم رجلا، ويا لها قصة، ورب رجل وأخيه، فالضمائر كلها نكرات، إذ لم يسبق اختصاص المعود إليه بحكم، ولو قلت: رب رجل كريم وأخيه، لم يجز 2، وكذا كل شاة سوداء وسخلتها بدرهم، لأن الضمير يصير معرفة برجوعه إلى نكرة مختصة بصفة،


(1) لشاعر اسمه ثروان بن فزارة بن عبد يغوث العامري، أدرك الأسلام وأسلم ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه بعضهم لغيره، واستشكل بعضهم الاخبار عن الأم، بظبي أو حمار لأنهما مذكران، ورد ذلك بأن المراد بالأم معناه العام، وهو الأصل لكل شئ، (2) هو يريد بقوله لم يجز: ان الضمير في مثل ذلك لا يعتبر نكرة حيث عاد إلى نكرة مختصة بوصف، (*)

[ 236 ]

ويدخل فيه الأعلام حال اشتراكها، نحو: محمد، وعلي، إذ يشار بكل واحد منها إلى مخصوص عند الوضع، ويخرج منه النكرات المعينة للمخاطب نحو قولك: جاءني رجل تعرفه، أو: رجل هو أخوك، لأن (رجلا) لم يوضع للأشارة إلى مختص، بل اختص في هذا الاستعمال بصفته، وكذا يخرج نحو: لقيت رجلا، إذا علم المخاطب ذلك الملقي، إذ ليس فيه إشارة، لا استعمالا، ولا وضعا، فقولنا: ما أشير به، يشترك فيه جميع المعارف، ويختص اسم الأشارة بكون الأشارة فيه حسية، كما مر في بابه، وإنما قلنا إلى خارج، لأن كل اسم فهو موضوع للدلالة على ما سبق علم المخاطب بكون ذلك الاسم دالا عليه، ومن ثمة لا يحسن أن يخاطب بلسان من الألسنة إلا من سبقت معرفته لذلك اللسان، فعلى هذا، كل كلمة: إشارة إلى ما ثبت في ذهن المخاطب أن ذلك اللفظ موضوع له، فلو لم نق إلى خارج، لدخل فيه جميع الأسماء: معارفها ونكراتها، فتبين بما ذكرنا أن قول المصنف في نحو قولك: اشرب الماء، واشتر اللحم، وقوله تعالى: (أن يأكله الذئب) 1،: ان اللام، إشارة إلى ما في ذهن المخاطب من ماهية الماء واللحم والذئب، ليس بشئ 2، لأن هذه الفائدة يقوم بها نفس الاسم المجرد عن اللام، فالحق أن تعريف اللام في مثله لفظي، كما أن العلمية في نحو أسامة لفظية، كما يجيئ في الأعلام، فنقول أولا: ان التنوين في كل اسم متمكن غير علم، يفيد التمكن، والتنكير


(1) الآية 13 سورة يوسف، (2) خبر عن قوله: ان قول المصنف... الخ، (*)

[ 237 ]

معا، ومعنى تنكير الشئ: شياعه في أمته، وكونه بعضا من جملة، إلا في غير الموجب، نحو: ما جاءني رجل، فإنه لاستغراق الجنس، فكل اسم دخله اللام، لا يكون فيه علامة كونه بعضا من كل، إذ تلك العلامة هي التنوين، وهو لا يجامع اللام، كما مر في أول الكتاب، فينظر في ذلك الاسم، فإن لم يكن معه قرينة، لا حالية ولا مقالية دالة على أنه بعض مجهول من كل، كقرينة الشراء الدالة على أن المشترى بعض، في قولك: اشتر اللحم، ولا دالة على أنه بعض معين، كما في قوله تعالى: (أو أحد على النار هدى) 1، فهي اللام التي جيئ بها للتعريف اللفظي، والاسم المحلى بها لاستغراق الجنس، سواء كان مع علامة الوحدة، كالضربة، أو مع علامة التثنية أو الجمع، كالضربتين، والعلماء، أو تجرد عن جميع تلك العلامات، كالضرب، والماء، وإنما وجب حمله على الاستغراق لأنه إذا ثبت كون اللفظ دالا على ماهية خارجة فإما أن يكون لجميع أفرادها أو لبعضها، ولا واسطة بينهما في الوجود الخارجي، وإن كان يمكن تصورها في الذهن خالية عن الكلية والبعضية، لكن كلامنا في المشخصات الخارجية، لأن الألفاظ موضوعة بإزائها، لا في الذهنية، فإذا لم يكن للبعضية، لعدم دليلها أي التنوين، وجب كونه للكل، فعلى هذا، قوله صلى الله عليه وسلم: (الماء طاهر)، أي كل الماء، و: النوم حدث، أي كل النوم، إذ ليست في الكلام قرينة، البعضية، لا مطلقة، ولا معينة، فلهذا جاز، وإن كان قليلا، وصف المفرد بالجمع، نحو قولهم: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، على ما حكى الأخفش، و: (لا تحرم الاملاجة والاملاجتان) 2، مفيد للاستغراق الذي يفيده الاسم لو كان منكرا، نحو: لا تحرم املاجة ولا املاجتان، فالمفرد في مثله يعم جميع المفرد،


(1) الآية 10 سورة طه، (2) الا ملاجة: المرة الواحدة من الاملاج وهو الارضاع، وهذا الكلام كله مبتدأ خبره قوله: مفيد للاستغراق، (*)

[ 238 ]

والمثنى جميع المثنى، فلا يستثنى من المفرد إلا المفرد، فقولك ان الرجل خير من المرأة إلا الزيدين: أي إلا كل واحد منهما، وقوله تعالى: (إن الأنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) 1، أي إلا كل واحد منهم، ولا يجوز أن تقول: الرجل يرفع هذا الحجر إلا الزيدين معا، ولا: إلا ثلاثتكم معا، بلى، يجوز ذلك إذا كان الاستثناء منقطعا، وكذا لا يستثنى من المثنى إلا المثنى، فمعنى: إن الرجلين يرفعان هذا الحجر، إلا اخوتك: أي إلا الاثنين منهم، ولا يجوز: الرجلان يرفعان هذا الحجر إلا اخوتك معا، بلى، يجوز على الانقطاع، وأما الجمع فيصح استثناء الجمع والمثنى والواحد منه نحو: لقيت العلماء إلا الزيدين وإلا زيدا، وذلك لأن الجمع المحلى باللام في مثل هذا الموضع يستعمل بمعنى منكر مضاف إليه كل مفرد وغيره، فمعنى لقيت العلماء إلا زيدا: أي: كل عالم وكل عالمين وكل علماء، وهكذا حال المفرد والمثنى والمجموع في غير الموجب، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحرم الاملاجة) 2 أي كل واحد من هذا الجنس، وكذا: الاملاجتان، أي كل اثنين اثنين 3 من هذا الجنس، فلا يستثنى من الواحد إلا الواحد، ولا من المثنى إلا المثنى، وأما الجمع نحو: ما القيت العلماء فهو بخلافهما، بل هو بمنزلة منكر في سياق غير الموجب، مفرد، وغيره، في استعمالهم، أي: ما لقيت أحدا من العلماء، ولا الزيدين، ولا اثنين، ولا جماعة، فيصح استثناء المفرد والمثنى والمجموع منه، نحو: ما لقيت العلماء إلا زيدا، وإلا الزيدين وإلا الزيدين، فقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) 4، أي شئ من الأبصار، لا جميع الأبصار، كما توهمه بعضهم، فحال الجمع في الموجب وغيره، حال المثنى والمفرد،


(1) من الآيتين 2، 3 في سورة العصر، (2) جزء من حديث المتقدم ولم ينص هناك على أنه حديث، (3) تكرار كلمة اثنين مقصود لأن المعنى لا يتم الا به، (4) الآية 103 من سورة الأنعام، (*)

[ 239 ]

هذا هو المعلوم من استقراء كلامهم، وأما النكرة المستغرقة، نحو: ما لقيت رجلا، أو رجلين أو رجالا، فلا يستثنى من واحدها ومثناها ومجموعها إلا أمثالها، فقولك: ما لقيت رجلا إلا الزيدين، أي إلا كل واحد منهما، ويجوز أن تقول: لا يرفع هذا الحجر رجل إلا الزيدين معا، وتقول: ما لقيت أخوين متصافيين إلا الزيدين، وإلا بني فلان أي إلا اثنين منهم، ولا يجوز إلا زيدا، وتقول: ما لقيت رجالا إلا الزيدين، ولا يجوز: إلا أخويك، ولا: إلا زيدا، إلا على الانقطاع، لأن المعنى: ما لقيت جماعة من الرجال، وإن كان هناك قرينة دالة على أنه ليس المراد به الاستغراق، فإن كان هناك عهد، فاللام عهدية للتعريف، على ما يجيئ في بابه، وإن لم يكن، فإنه كان فيه علامة الوحدة أو التثنية نحو: ما أعطيك إلا التمرة أو التمرتين، فلا فرق، إذن، بين المعرف والمنكر معنى، فكأنك قلت: ما أعطيك إلا تمرة أو تمرتين، وإن لم يكن فيه علامتاهما، نحو: اشتريت التمر، ولقيت الرجال، فالفرق بين ذي اللام والمجرد: أن المجرد، لأجل التنوين الذي فيه للتنكير، يفيد أن ذلك الاسم بعض من جملة، فمعنى اشتريت تمرا، ولقيت رجالا: شيئا من التمر، وجماعة من الرجال، بخلاف المعرف باللام، فإن المراد به: الماهية مجردة عن البعضية، لكن البعضية مستفادة من القرينة كالشراء، واللقاء، فكأنك قلت: لقيت هذا الجنس واشتريت هذا الجنس، فهو كعام مخصوص بالقرينة، فالمجرد، وذو اللام، إذن، بالنظر إلى القرينة، بمعنى وبالنظر إلى أنفسهما مختلفان، فمن ثمة جاز وصف المعرف باللام من هذا النوع، بالمنكر نحو قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني - 1 56 وكذا: مررت بالرجل مثلك، وما يحسن بالرجل خير منك، كما مر في باب الوصف، فعلى هذا، كل تعريف، لا معنى للتعريف فيها إلا التي للمعهود الخارجي،


(1) تكرر ذكر هذا الشاهد والمقصود من ذكره في كل مرة لا يتغير، (*)

[ 240 ]

قوله: (وهي المضمرات)، قد تقدم ذكرها، ويعني بالمبهمات: أسماء الأشارة والموصولات، وقد تقدم ذكرهما، وإنما سميت مبهمات، وإن كانت معارف لأن اسم الأشارة من غير إشارة حسية إلى المشار إليه مبهم عند المخاطب، لأن بحضرة المتكلم أشياء يحتمل أن تكون مشارا إليها، وكذا الموصولات، من دون الصلات مبهمة عند المخاطب، ولم يقولوا للمضمر الغائب: مبهم لأن ما يعود إليه متقدم، فلا يكون مبهما عند المخاطب عند النطق به، وكذا ذو اللام العهدية، قوله: (وما عرف باللام)، هذا مذهب سيبويه، أعني أن حرف التعريف هو اللام 1 وحدها، والهمزة للوصل، فتحت مع أن أن أصل همزات الوصل: الكسر، لكثرة استعمال لام التعريف، والدليل على أن اللام هي المعرفة فقط: تخطي العامل الضعيف اياها، نحو: بالرجل، وذلك علامة امتزاجها بالكلمة وصيرورتها كجزء منها، ولو كانت على حرفين، لكان لها نوع استقلال، فلم يتخطها العامل الضعيف، وأما نحو: أن لا تفعل، وإن لا تفعل، وبلا مال فلجعلهم (لا)، خاصة، من جميع ما هو على حرفين، كجزء الكلمة، فلذا يقولون اللافرس، واللا انسان، وأما نحو بهذا، و: (فبما رحمة) 2، فإن الفاصل بين العامل والمعمول، ما لم يغير معنى ما قبله ولا معنى ما بعده، عد الفصل به كلا فصل، وللامتزاج التام بين اللام وما دخلته، كان نحو: الرجل، مغايرا لرجل حتى جاز تواليهما في قافيتين، ولم يكن ايطاء، 3 وإنما وضعت اللام ساكنة ليستحكم الامتزاج، وأيضا، دليل التنكير، أي التنوين: على حرف، فالأولى كون دليل التعريف مثله، وقال الخليل: (أل) بكمالها: آلة التعريف، نحو: هل، وقد، استدلالا بفتح


(1) على أساس هذين المذهبين في وضع حرف التعريف نجد الرضى يعبر مرة باللام، ومرة بالألف واللام، (2) من الآية 159 سورة آل عمران، (3) الايطاء في الشعر ان يكرر الشاعر كلمة بعينها في القافية بحيث تكون الكلمتان متفقتين لفظا ومعنى، قبل أن يفصل بين الكلمتين بعدد معين من الأبيات، (*)

[ 241 ]

الهمزة، وقد سبق العذر عنه 1، وبأنه يوقف عليها في التذكر 2، نحو قولك: (ألى)، إذا تذكرت ما فيه اللام، كالكتاب، وغيره، وبفصلها من الكلمة والوقف عليها عند الاضطرار، كالوقف على (قد) في نحو قوله: 513 - أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد 3 وذلك 4 قوله: 514 - يا خليلي اربعا واستخبرا * المنزل الدارس عن أهل الحلال 5 وإنما حذف عنده، همزة القطع في الدرج لكثرة الاستعمال، وذكر المبرد في كتابه (الشافي)، أن حرف التعريف: الهمزة المفتوحة وحدها، وإنما ضم إليها اللام لئلا يشتبه التعريف بالاستفهام، وفي لغة حمير، ونفر من طئ: إبدال الميم من لام التعريف، كما روى النمر بن تولب عنه صلى الله عليه وسلم: (ليس من امبر امصيام في امسفر)،


(1) تضمن حديثه عن رأي سيبويه بيان وجه الفتح في الهمزة، وحديث سيبويه عن حرف التعريف ورأي الخليل في الجزء الثاني من الكتاب ص 64، (2) قالوا: ان المتكلم إذا أراد أن يتذكر كلمة أثناء حديثه جاز له أن يقف على الكلمة التي انتهى إليها، فإن كانت ساكنة حاكها بالكسر وزاد بعد الكسرة ياء بجعلها مدا لصوته حتى يتذكر ما يريد، وقد عرض الرضي لهذا بالتفصيل في آخر الكتاب وقال: إنه لم يرد في كلام فصيح، (3) هذا من قصيدة النابغة الذبياني التي وصف فيها المتجردة امرأة النعمان بن المنذر وبالغ في وصف محاسنها حتى أغضب النعمان، وأول هذه القصيدة، أمن آل مية رائح أو مغتدي * عجلان ذا زاد وغير مزود (4) وذلك أي فصلها من الكلمة، (5) الحلال بكسر الحاء جمع حلة، وهي مجموعة البيوت، والبيت من قصيدة لعبيد بن الأبرص، أوردها ابن جني في الخصائص، ج 2 / 255 بين فيها مقدرة الشعراء على التزام شئ معين لا ينخرم منهم إلا قليلا، وفي هذه القصيدة التزم الشاعر أن يكون آخر الشطر الأول في كل أبياتها كلمة أل، إلا بيتا واحدا منها جاء آخر الشطر الأول فيه كلمة في، (*)

[ 242 ]

ولام العهد: التي عهد المخاطب مدلول مصحوبها قبل ذكره، أي لقيه وأدركه، يقال: عهدت فلانا أي أدركاته، وعهده إما بجري ذكره مقدما، كما في قوله تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول) 1، أو بعلم المخاطب به قبل الذكر، بلا جري ذكره نحو قولك: خرج الأمير، أو القاضي، إذا لم يكن في البلد إلا قض واحد مشهور، أو أمير واحد، وقد تزاد اللام في العلم كقوله: 515 - أما ودماء مائرات تخالها * على قنة العزى وبالنسر عندما 2 على ما يجيى، وفي الحال نحو: الجماء الغفير، وفي التمييز، نحو: الأحد عشر الدرهم، على قبح، كما يأتي في باب العدد، وقد تكون الزائدة لازمة، كما في (الذي) ومتصرفاته، ويكون اللام، عند الكوفيين، عوضا من الضمير، نحو: برجل حسن الوجه، أي وجهة، وعند البصريين، لا يعوض اللام من الضمير في كل موضع شرط فيه الضمير، كالصلة والصفة إذا كانت جملة والخبر المشتق، ويجوز في غيره، كقوله: لحافي لحاف الضيف والبرد برده * ولم يلهني عنه غزال مقنع 3 - 284 وقال الكوفيون: قد يكون اللام للتعظيم، كما في (الله)، وفي الأعلام، ولا يعرفها البصريون، واللام في وصف اسم الأشارة، ووصف المنادى، نحو: هذا الرجل، ويا أيها الرجل: لتعريف الحاضر بالأشارة إليه، وهي في غير هذين الموضعين لتعريف الغائب، نحو: ضرب الرجل،


(1) من الآيتين 15، 16 سورة المزمل، (2) العزى والنسر من أصنام الجاهلية، وجواب القسم قوله في البيت الذي بعد هذا، وهو: لقد ذاق منا عامر يوم لعلع * حساما إذا ما هز بالكف صمما والشاهد: أحد أبيات ثلاثة لشاعر جاهلي اسمه عمرو بن عبد الجن التنوخي، وقوله مائرات، يريد كثيرة، (3) تقدم ذكره في باب الاضافة في الجزء الثاني، (*)

[ 243 ]

ويعرض للام العهدية: الغلبة، كالصعق 1، والبيت، كما نذكر في الأعلام، قوله: (والنداء)، نحو: يا رجل، ومن لم يعده من النحويين في المعارف فلكونه فرع المضمرات، لأن تعرفه، لوقوعه موقع كاف الخطاب، كما مر في باب النداء، 2 قوله: (والمضاف إلى أحدها معنى)، احتراز عن الأضافة اللفظية، وإنما يتعرف بالاضافة المعنوية: ما ليس من الأسماء المتوغلة في الأبهام، كغير، ومثل، وشبه، على ما مر في باب الأضافة، 3


(1) هو زيد بن عمرو بن نفيل، مات بصاعقة، أو أنه كان يسمع الصوت القوي فيصعق فلقب بذلك، (2) في الجزء الأول من هذا الشرح (3) هو في الجزء الثاني من هذا الشرح (*)

[ 245 ]

(تفصيل الكلام) (على المعارف)... (العلم) (تعريفه وأنواعه) (قال ابن الحاجب:) (العلم ما وضع لشئ بعينة غير متناول غيره بوضع واحد)، (قال الرضي:) قوله: (غير متناول غيره) يخرج سائر المعارف، لتناولها بالوضع أي معين كان، بخلاف العلم على ما تقدم، قوله: (بوضع واحد)، متعلق بمتناول، أي لا يتناول غير ذلك المعين بالوضع الواحد، بل إن تناول، كما في الأعلام المشتركة، فإنما يتناوله بوضع آخر، أي بتسمية أخرى، لا بالتسمية الأولى، كما إذا سمي شخص بزيد، ثم يسمى به شخص آخر، فإنه وإن كان متناولا بالوضع لمعينين، لكن تناوله المعين الثاني بوضع آخر غير الوضع الأول، بخلاف سائر المعارف، كما تبين، فإنما ذكر قوله: (بوضع واحد)، لئلا تخرج الأعلام المشتركة عن حد العلم، ولا يخرج علم الجنس نحو: أسامة عن هذا الحد، على ما ذكر المصنف، وذلك (*)

[ 246 ]

أنه قال: أعلام الأجناس وضعت أعلاما للحقائق الذهنية المتعقلة كما أشير باللام في نحو: اشتر اللحم، إلى الحقيقة الذهنية، فكل واحد من هذه الأعلام موضوع لحقيقة في الذهن متحدة، فهو، إذن، غير متناول غيرها وضعا، وإذا أطلق على فرد من الأفراد الخارجية، نحو: هذا أسامة مقبلا، فليس ذلك بالوضع، بل لمطابقة الحقيقة الذهنية لكل فرد خارجي مطابقة كل كلي عقلي لجزئياته الخارجية، نحو قولهم: الأنسان حيوان ناطق، فلفظ أسد، مثلا، موضوع حقيقة لكل فرد من أفراد الجنس في الخارج، على وجه التشريك، وأسامة، موضوع للحقيقة الذهنية حقيقة، فإطلاقه على الخارجي ليس بطريق الحقيقة، ولم يصرح المصنف بكونه مجازا، ولا بد من كونه مجازا في الفرد الخارجي، إذ ليس موضوعا له على ما اختار، وقال: ان الحقيقة الذهنية والفرد الخارجي لمطابقتها له كالمتواطئين، قال الأندلسي، فلا تقول في أسد معين في الخارج: أسامة، كما تقول: الأسد، لأن المطابق للحقيقة الذهنية في الخارج ليس إلا شيئا من هذا الجنس مطلقا، لا واحدا معينا محصور الأوصاف المعرفة، وكذا ينبغي، عنده، ألا يقع أسامة على الجنس المستغرق خارجا، فلا يقال: ان اسامة كذا، 1 إلا الأسد الفلاني، لأن الحقيقة الذهنية ليس فيها معنى الاستغراق كما أنه ليس فيها التعيين، والحامل للنجاة على هذا التكلف في الفرق بين الجنس وعلم الجنس: أنهم رأوا نحو أسامة، وثعالة، وأبي الحصين، وأم عامر 2، وأويس 3: لها حكم الأعلام لفظا من منع صرف أسامة، وترك إدخال اللام على نحو أويس، وإضافة أب وأم، وابن وبنت إلى غيرها، كما في الكني في أعلام الأناسي، وتجيئ عنها الأحوال، وتوصف بالمعارف،


(1) لفظ كذا، كناية عن خبر إن في المثال، (2) كنية الضبع، (3) علم جنس للذئب، وهو بصيغة المصغر، (*)

[ 247 ]

ومع هذا كله، تطلق على المنكر، بخلاف نحو: أسد، وذئب، وضبع، فإن ذلك لا يجري مجرى الأعلام في الأحكام المذكورة، وأقول: إذا كان لنا تأنيث لفظي، كغرفة، وبشرى، وصحراء، ونسبة لفظية، نحو: كرسي، فلا بأس أن يكون لنا تعريف لفظي، إما باللام، كما ذكرنا قبل، وإما بالعلمية، كما في أسامة، وثعالة، ثم نقول: هذه الأعلام اللفظية، وضعوها لغير الأناسي، من الطير والوحوش، وأحناش الأرض، والمعاني، فوضعوا لبعضها اسما وكنية، نحو: أسامة، وأبي الحارث، في الأسد، ولبعضها اسما بلا كنية، كقثم للضبعان 1، ولبعضها كنية بلا اسم نحو: أبي براقش 2، ثم، بعضها مما لا اسم جنس له، نحو: ابن مقرض، 3 وحمار قبان 4، وفي أكثر أمثال 5 هذه الأعلام لمحوا معنى يناسب المسمى بها، كحضاجر 6، لعظم بطنها، وابن دأية 7، لوقوعه على دأية البعير، ونحو ذلك، وقالوا في المعاني، للمنية: شعوب، وأم قشعم، وللمبرة: برة، وللكلية 8: زوبر، وللعذر: كيسان، وقالوا في الأوقات: غدوة، وبكرة، قالوا: ومنه: سبحان، علم التسبيح، ولا دليل على علميته، لأنه أكثر ما يستعمل:


(1) ذكر الضباع، (2) كنية طائر ذي ألوان تتغير أثناء النهار (3) حيوان صغير مثل الفأر، يقتل الحمام، (4) دويبة مستطيلة ذات أرجل تدخل في الأرض، (5) أي ما يماثل هذه الأعلام، (6) لقب الضبع، وذلك لعظم بطنها، (7) كنية الغراب لأنه يقع على دأية البعير فينقرها، ودأية البعير: الموضع الذي يقع عليه خشب الرحل فيعقره، (8) أي معنى الأحاطة والشمول، (*)

[ 248 ]

مضافا، فلا يكون علما، وإذا قطع عن الأضافة فقد جاء منونا في الشعر، كقوله: سبحانه ث سبحانا نعود به * وقبلنا سبح الجودي والجمد 1 - 225 وقد جاء باللام كقوله: 516 - سبحانك اللهم ذا السبحان 2 قالوا: ودليل علميته قوله: أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر 3 - 226 ولا منع من أن يقال: حذف المضاف إليه، وهو مراد للعلم به، فأبقى المضاف على حاله، مراعاة لأغلب أحواله، أعني التجرد عن التنوين، كقوله: خالط من سلمى خياشيم وفا 4 - 232 وأما: أولى لك، فهو علم للوعيد، فأولى: مبتدأ، ولك: خبره، والدليل على أنه ليس بأفعل تفضيل، ولا أفعل فعلاء 5، وأنه علم: ما حكى أبو زيد 6، من قولهم: أولاة الآن، 7 وهاه الآن، إذا أو عدوا، فدخول تاء التأنيث دال على أنه ليس أفعل التفضيل ولا أفعل فعلاء، بل هو مثل: أرمل وأرملة وأضحاة 8، وأولاة، أيضا، علم، فمن ثمة


(1) تقدم في الجزء الثاني، (2) أورده ابن الشجري في أمالية، وحكاه ابن مالك في منظومته: الكافية حيث يقول: وشذ قول راجز رباني * سبحانك اللهم ذا السبحان والرباني، المتعبد، ولم ينسب لأحد معين، (3) تقدم في الجزء الثاني، (4) تقدم في الجزء الثاني، (5) يعني وزن أفعل الذي مؤنثة فعلاء، وهو صفة مشبهة يأتي من الألوان والعيوب الخلقية... (6) أبو زيد الأنصاري صاحب النوادر وتقدم ذكره، (7) موضوع الحديث عن أولاة، وكلمة هاه مما ذكره الأنصاري وهي أيضا كلمة تهديد، وقد أوردهما معا: ابن جني في الخصائص ج 3 ص 44، (8) في لسان العرب أن أضحاة بمعنى الأضحية التي تذبح، وقال ان كلمة أضحى جمع لها، يريد أنها من قبيل اسم = (*)

[ 249 ]

لم ينصرف، وهو من وليه الشر، أي: قربة، وليس أولى، اسم فعل أيضا، بدليل أولاة في تأنيثة، بالرفع، والآن 1: خبر أولاة، أي: الشر القريب الآن، وأما هاه، الآن، فالزمان متعلق باسم الفعل، كذا قال أبو علي، فتجرد أولى، من التنوين، للعلمية والوزن، وقبوله التاء لا يضر الوزن، لأن ذلك في علم آخر، فهو كما لو سميت بأرمل، وأرملة، فكلاهما ممتنعان 2 من الصرف، إذ كل علم موضوع وضعا مستأنفا، واعلم أن العلمية وإن كانت لفظية، إلا أنها لما منعت الاسم تنوين التنكير صار لفظ أسامة وثعالة ونحوهما، كالأسد والثعلب، إذا كان اللام فيهما للتعريف اللفظي، فكما أن مثل ذلك من المعرف باللام، يحمل على الاستغراق إلا مع القرينة المخصصة، فكذا مثل هذا العلم، يقال: أسامة خير من ثعالة أي كل واحد من أفراد هذا الجنس، خير من كل واحد من أفراد هذا الجنس من حيث الجنسية المحضة، قال: ولأنت أشجع من أسامة إذ * دعيت نزال ولج في الذعر 3 - 456 فيصح الاستثناء من مثله، كما صح في قوله تعالى: (ان الأنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا) 4، تقول: أسامة يفرس الأنسان 5 إلا الداجن 6 منه، والقرينة المخصصة،


= الجنس الجمعي الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء... ولم يذكر الرضى في الأصل المطبوع إلا أضحاة بدون ذكر المجرد من التاء، (1) يعني كلمة الآن في قولهم أولاة الآن وهاه الآن، (2) يجوز في خبر كلا وكلتا مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى وجاء كل منهما في القرآن، (3) تقدم ذكره في هذا الجزء وهو ملفق من بيتين لشاعرين (4) من الآيتين 2، 3 في سورة العصر (5) بمعنى يفترسه أي يقتله أو يأكله (6) الداجن من الوحوش ما يألف الناس لأقامته معهم في البيوت، من قولهم: دجن أي أقام، (*)

[ 250 ]

نحو: لقيت أسامة، فحال هذه الأعلام كحال ذي اللام المفيدة للتعريف اللفظي إذا كان ذو اللام مفردا مجردا عن علامة الوحدة والتثنية نحو: الضرب، واللحم، والسوق، وقد عرفت حكمه، (الأوزان المستعملة) (في اصطلاحات العلوم) وقد أجرى النجاة في اصطلاحهم، من غير أن يقع ذلك في كلام العرب: الأمثلة التي يوزن بها، إذا عبر بها عن موزوناتها: مجرى الاعلام إذا لم يدخل عليها ما يختص بالنكرات، ككل، ورب، على ما يجيئ، فقالوا: فعلان الذي مؤنثة فعلانة منصرف، فوصفوها بالمعرفة، ونصبوا عنها الحال كقولهم: لا ينصرف أفعل صفة، ومنعوا الصرف منها: ما جامع العلمية فيه سبب آخر، كتاء التأنيث، نحو: فاعلة، أو وزن الفعل المعتبر، كأفعل، أو الألف والنون المزيدتين، كفعلان، أو الألف الزائدة المقصورة، لا للتأنيث، 1 وإذا نكرت هذه كلها بدخول كل، أو، رب، أو، من الاستغراقية أو غيرها من علامات التنكير: انصرفت، نحو: كل فعلان حالة كذا... وإن كان 2 على وزن أقصى الجموع أو مع ألف التأنيث، لم ينصرف معرفة، ونكرة، فإن صلحت الألف للتأنيث ولغيره، نحو: كل فعلى، ينقلب ألفه في التثنية ياء، فإنه يجوز فيه الاعتبار ان: إن جعلت ألفه للتأنيث لم تصرفه، وإن جعلتها لغيره، صرفته، لتنكيرة بدخول (كل)، وذلك لأن نحو أرطى وسلمى، داخلان في (فعلى)، فهذه الأوزان: يقصد بها استغراق الجنس، لأن معنى قولك: فعلان الذي مؤنثة فعلى: غير منصرف: كل واحد من أفراد هذا الجنس حتى يستغرقه، كما أن معنى قولك: تمرة خير من جرادة، ورجل خير من امرأة، ذلك 3،


(1) وتكون للالحاق، وللتكثير، (2) أي ما يذكر بعد كل، (3) خبر عن قوله كما أن معنى... والأشارة إلى ما ذكره وهو: كل واحد من أفراد هذا الجنس، (*)

[ 251 ]

وإنما عد الأول من الأعلام دون الثاني، بدليل صرف: تمرة، وجرادة، لأنهم رأوا بعضه منقولا كالأعلام، من مدلول إلى آخر، فإن (أفعل) مثلا، وضع لغة، للزائد في الفعل على آخر، فهو، من الفعل، كأكبر من الكبر، ثم عبر به عن كل لفظ أوله همزة مزيدة مفتوحة، وثانية فاء ساكنة بعدها عين مفتوحة، بعدها لام، وبعضه مرتجلا كارتجال الأعلام، نحو قولك: فعللة التي هي مصدر الرباعي حكمها كذا، فإن (فعللة) لا معنى لها لغة، وقوى هذا الوجه المجوز لالحاقها بالأعلام: أنهم رأوها إذا عبرت بها عن موزوناتها: لم تقع على فرد مشاع منها، كما تقع النكرات، فبعدت من النكرات لفظا ومعنى، فإن قلت: فلم جعلوا هذه الكنايات من قسم الأعلام، دون الأوزان التي يكنى بها عن موزوناتها مع اعتبار معنى الموزونات، كما تقول: مررت برجل فاعل، أي عاقل، أو جاهل، على حسب القرينة القائمة على المعنى المراد ؟ قلت: لأنها لما كانت دالة على لفظة معينة لها معنى معين، والمراد من لفظة الكناية ذلك المعنى بتوسط اشعاره بذلك اللفظ الذي هو صريح فيه: صارت كموزوناتها دالة على المعنى الجنسي، فكأن لفظ الكناية منقول من جنس إلى جنس آخر، أو مرتجل لجنس، فلم يصلح أن يجعل علما، بخلاف الأول، فإن المراد منه: موزونه فقط من غير اعتبار المعنى الجنسي، ومن ثمة قال الخليل: لما سأله سيبويه 1 عن قولهم: كل أفعل، إذا كان صفة لا ينصرف: كيف تصرف (أفعل) وقد قلت لا ينصرف ؟ فقال: أفعل ههنا ليس بوصف، وإنما زعمت أن ما كان على هذا المثال وكان وصفا: لا ينصرف، وكما أن (أفعل) في هذا الكلام، ليس بوصف: ليس بعلم أيضا، لدخول لفظ (كل) المختص بالنكرات عليه، ففي (أفعل) ههنا وزن الفعل فقط بلا وصف ولا علمية، وإن كان موزون هذه الأوزان معها، كما تقول: وزن إصبع: إفعل، فالأولى والأكثر


(1) هذا منقول بمعناه من الكتاب وكذلك كل ما يتصل بهذا البحث، وهو في أوائل الجزء الثاني من ص 5، وما بعدها، (*)

[ 252 ]

أنه لا يجري مجرى الأعلام، فيصرف (إفعل) إذ كان الأول أعني الذي عبر به عن لفظ موزونه إنما أجري مجرى الأعلام لكونه كالعلم منقولا إلى مدلول آخر، أعني الموزون أو مرتجلا له، و (أفعل) في قولك: وزن إصبع: إفعل، ليس عبارة عن الموزون، بل عن الوزن فقط، أي: وزن أصبع: هذا الوزن لا هذا الموزون، فعلى هذا كان القياس أن نقول: وزن طلحة: فعلة بالتنوين في الوزن، إذ ليس فيه العلمية، إلا أنه حذف منه التنوين ليقابل موزونه في التجرد من التنوين ولم يحذف لمنع الصرف، والزمخشري 1 جعل هذا القسم، أيضا، علما، وهو الحق، فيقول: وزن إصبع: إفعل بحذف التنوين، قال المصنف: إنما ذهب إليه إجراء له مجرى أسامة إذا أطلقتها على واحد من الآساد، فإنك تجريه مجرى الأعلام، كما كان في هذا الجنس علما نحو قولك: أسامة خير من ثعالة، فكذا يجري الوزن ههنا مجرى الجنس، أعني الذي ليس معه الموزون، نحو: أفعل حكمه كذا، وهذا القياس الذي ذكره فيه نظر، لأن مثل هذا الوزن إذا لم يكن معه الموزون فمعناه الموزون، وإذا كان معه الموزون، إذ معنى: وزن إصبع إفعل، وزن اصبع هذا الوزن المعين، فليس في الحالين كأسامة في حاليه، أي كونه جنسا وكونه فردا من أفراده، فإنه في الحالين بمعنى، وأيضا، ليس تعريف أسامة لكونه علما لماهية معينة، كما ادعى، وليس أسامة المراد به واحد من الجنس مجازا عنها محمولا عليها في العلمية، كما بينا، بل تعريفه في الحالين لفظي، سواء كان جنسا، أو فردا مشاعا، وليس قياسيا فيقاس عليه، والأولى أن يقال 2: إنما ذهب إليه، لكونه منقولا من معنى إلى معنى آخر، هو الوزن، أو مرتجلا له، ومع إجرائه، لمثل هذا، مجرى الأعلام ينون نحو: مفاعلة، نحو


(1) شرح ابن يعيش على المفصل ج 1 ص 39، (2) يعني في تعليل ما ذهب إليه الزمخشري، لأنه نقد ما قاله ابن الحاجب من ذلك، (*)

[ 253 ]

قولك: ضارب يضارب مضاربة: على وزن فاعل يفاعل مفاعلة، وهو تنوين المقابلة، عنده، لا تنوين الصرف، والقسم الذشي هو كناية عن موزونة فقط مع اعتبار معناه: حكمه عند سيبويه 1 في الصرف وتركه: حكم الموزون، قال المتنبي: كأن فعلة لم تملأ مواكبها * ديار بكر ولم تخلع ولم تهب 2 - 475 فمنعه الصرف، لأن موزونة: خولة، وتقول: مررت برجل أفعل معنى الوصف، فهو، إذن، ينظر إلى لفظ الكناية، لا إلى الموزون المكنى عنه، فلا يصرف نحو: فعلى ومفاعل، لاشتمالهما على سبب منع الصرف، ويصرف نحو: مررت برجل أفعل أي أحمق، وفعلة، أي حمزة، ومذهب سيبويه هو الحق، إذ معناه معنى الموزون، والكناية عن العلم جارية في اللفظ مجراه، بدليل ترك إدخالهم اللام على فلان، وفلانة، 3 ومنعهم صرف فلانة، كما يجيئ، وأما إن أردت بالأوزان الفعل، فحكمها حكم موزوناتها، حركة وسكونا، وتجردا عن التنوين، كان الموزون معها أو، لا، نحو قولك: افعل: أمر، واستفعل: حكمه كذا، وضارب يضارب، على وزن فاعل يفاعل، اشعارا بكونه مرادا به الفعل، الذي لا حظ له، لا في الصرف، ولا في تركه، أو مرادا به وزن الفعل، لكنه مع ذلك علم لوصفه بالمعرفة، كقولك: افعل الذي همزته مكسورة: أمر للمخاطب، فجملة الكلام: أن الأوزان: إما أن يراد بها الموزونات أو، لا، والأول إن كان


(1) يستفاد من كلامه ج 2 ص 6، (2) تقدم في أول باب الكنايات من هذا الجزء، وهو للمبتني، وكنى بفعلة عن خولة أخت سيف الدولة، (3) يعني إذا كانا كنايتين على علمي المذكر والمؤنث من الأناسي (*)

[ 254 ]

وزن فعل فحكمه في جميع الأشياء حكم موزونه مع كونه علما، وإن كان وزن الاسم، فإن كان كناية عن موزونة، ومعناه: معناه فليس بعلم، إلا إذا كان كناية عن العلم نحو قوله: كأن فعلة لم تملأ مواكبها.... البيت - 475 وفي جرية مجرى موزونه في الصرف وعدمه خلاف بين سيبويه والمازني، وإن لم يكن معناه معنى الموزون، بل المراد لفظ الموزون فقط، فالكل اعلام، لا ينصرف، إذا انضم إلى العلمية سبب آخر، وإن نكرته فحكمه حكم النكرات في الصرف وتركه، وإن لم يرد بها الموزونات بل أريد الأوزان فهي أعلام وفاقا لجار الله 1 العلامة، (ألفاظ العدد) (وحكمها في العلمية) وقال ابن جني 2، في سر الصناعة، وكذا في بعض نسخ المفصل ما معناه: ان الأعداد إذا قصد بها مطلق العدد، لا المعدود، كانت أعلاما، فلا تنصرف إذا انضم إلى العلمية سبب آخر، كقولك: ستة ضعف ثلاثة، غير منصرفين، ومائة ضعف خمسين، قال المصنف 3: الظاهر: أن جار الله كان أثبته، ثم أسقطه لضعفه، قال: ووجه اثباته أن (ستة) مبتدأ فلولا أنه علم لكنت مبتدئا بالنكرة من غير تخصيص، وأيضا، المراد به: كل ستة، فلو لا أنه علم لكنت مستعملا مفردا نكرة في الأيجاب، للعموم،


(1) أي الزمخشري، وكأنه يقرظ رأيه هذا، إذ يصفه بالعلامة، (2) أبو الفتح عثمان بن جني، وسر الصناعة من أبرز كتبه كالخصائص، (3) ابن الحاجب، وله شرح على مفصل الزمخشري، اسمه الأيضاح وأشرنا إلى ذلك فيما سبق، (*)

[ 255 ]

قال 1: ونعم ما قال: ووجه ضعفه: أنه يؤدي إلى أن تكون أسماء الأجناس كلها أعلاما، إذ ما من نكرة إلا ويصح استعمالها كذلك، نحو: رجل خير من امرأة، أي كل رجل، وذلك جائز في كل نكرة قامت قرينة على أن الحكم غير مختص ببعض من جنسها، فمجوز الابتداء بالنكرة ههنا، كونها للعموم، وقد جاءت النكرة غير المبتدأ، أيضا، في الأيجاب المستغرق، لكن قليلا، كقوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت)، 2 وقوله: (ونفس وما سواها)، 3 (الكلمات) (عند قصد ألفاظها) واعلم أنه إذا قصد بكلمة: ذلك اللفظ، دون معناها، كقولك: أين: كلمة استفهام، و: ضرب: فعل ماض، فهي علم، وذلك لأن مثل هذا: موضوع لشئ بعينه غير متناول غيره، وهو منقول، لأنه نقل من مدلول هو المعنى، إلى مدلول آخر هو اللفظ، (العلم الاثفاقي) (ومعنى الغلبة في الأعلام) وقد يكون بعض الأعلام اتفاقيا، أي يصير علما، لا بوضع واضع معين بل لأجل الغلبة، وكثرة استعماله في فرد من أفراد جنسه،


(1) أي المصنف ابن الحاجب، والموضوع الذي أشير إليه هنا وانه ليس في بعض نسخ المفصل، غير موجود في النسخة التي شرحها ابن يعيش، (2) الآية 5 سورة الانفطار، (3) الآية 7 سورة الشمس، (*)

[ 256 ]

ثم اعلم أن اسم الجنس إنما يطلق على بعض أفراده المعين: بأداتي التعريف، وهما: اللام والأضافة، فالعلم الغالب: اما مضاف، أو ذو لام، فالمضاف نحو: ابن عباس، غلب بالأضافة، على عبد الله، من بين أخوته، وكذلك: ابن عمر، وغير ذلك، وذو اللام، كالصعق 1 والنجم، واللام في الأصل لتعريف العهد، وقد تقدم أن العهد قد يكون جري ذكر المعهود قبل، وقد يكون بعلم المخاطب به قبل الذكر، لشهرته، فاللام التي في الأعلام الغالبة من القسم الثاني، فإن معنى النجم، قبل العلمية: الذي هو المشهور المعلوم للسامعين من النجوم، لكون هذا الاسم أليق به من بين أمثاله، وكذا: البيت في بيت الله، لأن غيره كأنه بالنسبة إليه، ليس بيتا، وكذا: المضاف نحو: ابن عباس، لأن التعريف الحاصل بالأضافة كالتعريف الحاصل بلام العهد، سواء، فلا يقال غلام زيد، إلا لأليق غلمانه بهذا الاسم، بكونه أعظمهم أو أخصهم به، وبالجملة: لأشهرهم بغلاميته حتى كأن غيره، ليس غلاما له بالنسبة إليه، فالحاصل أن المضاف، وذا اللام، الغالبين في العلمية، يجب كونهما أشهر فيما غلبا فيه، منهما في سائر الأفراد التي شاعا فيها قبل العلمية، فإذا صارا علمين، اتفاقيا، لزمت الأضافة فيما كان مضافا، فلا يجوز تجريده عنها، وأما ذو اللام فالأكثر فيه، أيضا، لزوم اللام، وقد يجوز تجريده عنها، كما قيل في النابغة: نابغة، وذلك قليل، قال سيبويه: يكون (اثنان) علما لليوم المعين بلا لام، تقول: هذا يوم اثنين، مباركا فيه، ورده المبرد، وقال: هو حال من النكرة، قال: ولا يكون علما إلا مع اللام لكونه من الغالبة، وقد ذكرنا الغوالب يتقاسيمها في باب النداء، فليرجع إليه، 2


(1) تقدم تفسيره قريبا، (2) انظره في الجزء الأول من هذا الشرح (*)

[ 257 ]

(تنكير الأعلام) (وأثره) وقد ينكر العلم، قليلا، فإما أن يستعمل بعد، على التنكير، نحو: رب زيد لقيته، وقولك، لكل فرعون موسى، لأن رب، وكل، من خواص النكرات، أو يعرف، وذلك بأن يؤول بواحد من الجماعة المسماة به، فيدخل عليه اللام، كقوله: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله 1 - 116 أو الأضافة، نحو قوله: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم * بأبيض ماضي الشفرتين يماني 2 - 114 وهي أكثر من اللام، وقد يضاف العلم مع بقاء تعريفه، كما مر في باب الأضافة، نحو: زيد الخيل وأنمار الشاء، ومضر الحمراء، 3 وإن لم يكن اشتراك في العلم، وإذا ثني العلم أو جمع، فلا بد من زوال التعريف العلمي، لأن هذا التعريف إنما كان بسبب وضع اللفظ على معين، والعلم المثنى أو المجموع ليس موضوعا إلا في أسماء معدودة، نحو: أبانين، 4 وعمايتين، وعرفات، كما يجيئ، فإذا زال التعريف العلمي، وقد قلنا ان تنكير الأعلام قليل، قال المصنف: وجب 5 جبر ذلك التعريف الفائت بأخصر


(1) تقدم في الجزء الأول، (2) تقدم في الجزء الأول، (3) انظر ذلك في باب الأضافة من الجزء الثاني، (4) سيذكر الشارح معنى أبانين وعمايتين، (5) هذا جواب قوله فإذا زال، (*)

[ 258 ]

أداتي التعريف وهي اللام، فلا يكون مثنى العلم ومجموعه الا معرفين باللام العهدية، كما قلنا في نحو قولك: خرج القاضي إذا لم يكن في البلد غيره، أو كان أشهر بحيث يرجع مطلق اللفظ عليه، وابن يعيش 1: لا يوجب جبر التعريف الفائت من المثنى والمجموع، بل يجيز تنكير هما ووصفهما بالنكرة، والاستقراء يقوي ما ذهب إليه المصنف، مع القياس، وأجري مجرى العلم الحقيقي: العلم اللفظي فقيل في تثنية أسامة، وجمعه: الأسامتان والأسامات، فإن قيل: فعلى ما قررت: تنكير العلم من لوازم تثنيته وجمعه، وتنكيره قليل، مخالف للقياس، فوجب قلتهما أيضا، وليس كذلك، قيل: العلم واقع في كلامهم كثيرا، لو لم يثنوه ولم يجمعوه لأدى إلى مثل ما كرهوه من مثل: جاءني رجل ورجل ورجل، ولما علموا أنهم إذا ثنوه وجمعوه أدى إلى تنكيره الذي هو قليل مخالف للقياس، قصدوا إلى تثنيته وجمعه على وجه يراعى فيه ما يندفع به ذلك فجبروا التعريف الزائل بإلزامه اللام لزوم التعريف العلمي له، فكان فيه توفير الأمرين جميعا: الخلاص من التكرير الشنيع، وحفظ العلم من التنكير بتعريف آخر، وإن كان التعريفان متغايرين، لكنه غاية المجهود، وقد جاء بعض المثنى والمجموع غير مجبور باللام، وذلك في أشياء مشتركة في الأسماء لازم تصاحبها، كأبانين لجبلين متقابلين، يقال لأحدهما: أبان الريان، لكثرة الماء فيه، وللآخر: أبان العطشان لقلة الماء فيه، وكذا: عمايتان، جبلان متقابلان لهذيل متقاربان اسم كل منهما عماية، وكذا: جماديان، 2


(1) موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش شارح المفصل للزمخشري، وقوله هذا في شرحه على المفصل ج 1 ص 46، (2) تثنية جمادى اسم الشهر العربي، (*)

[ 259 ]

وإنما جاز تجريده هذه الأسماء من اللام، لأن أحد الجبلين مثلا، لما لم ينفرد من الآخر، جاز أن يكونا كالشئ الواحد المسمى بالمثنى، كما تسمي، مثلا، شخصا بزيدان، بخلاف شخصين مسمى كل منهما بزيد، فإن الأغلب فيهما لما كان هو الانفكاك، لم يكونا كشخص واحد مسمى بالمثنى، حتى يقال لهما: زيدان، وعرفات، كأبانين وعمايتين، كأن كل موضع منها، كان يسمى عرفة، فقيل عرفات للمجموع، وأما أذرعات 1، لبلد بالشام، فليس من هذا، إذ لا يقال لبعض منه: أذرعة، بل هو كمساجد، موضوعا لشخص معين، (الكناية) (عن الأعلام) واعلم أنه يكنى بفلان وفلانة، عن أعلام الأناسي خاصة فيجريان مجرى المكنى عنه، أي يكونان كالعلم، فلا يدخلهما اللام، ويمتنع صرف فلانة، كما يجري (أفعل) بمعنى أحمق مجرى المكنى عنه في الامتناع من الصرف، على ما مر، ولا يجوز تنكير فلان كسائر الأعلام فلا يقال: جاءني فلان وفلان آخر، إذ هو موضوع للكناية عن العلم، وإذا كني عن الكنى، قيل: أبو فلان وأم فلان، وإذا كني بفلان وفلانة عن أعلام البهائم، أسماء كانت أو كنى، أدخل عليهما لام التعريف، فيقال: الفلان والفلانة، وأبو الفلان وأم الفلان، لقصد الفرق، وكانت كناية البهائم أولى باللام من كناية أعلام الأنسان، لأن أنس الأنسان بجنسه أكثر، فهو عنده


(1) جاء في شعر امرئ القيس في قوله: تنورتها من اذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي (*)

[ 260 ]

أشهر من أعلام البهائم، فكان فيها نوع تنكير، قال ابن السراج 1، وتبعه المصنف: ان لفظ فلان لم يأت إلا محكيا، كقوله تعالى: (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) 2، وهو منتقض بما روى الأصمعي 3 عن مرار العبسي: 517 - سكنوا شبيثا والأحص وأصبحوا * نزلت منازلهم بنو ذبيان 4 وإذا فلان مات عن أكرومة * سدوا معاوز فقده بفلان وبقول معن بن أالمزني: 518 - أخذت بعين المال حتى نهكته * وبالدين حتى ما أكاد أدان 5 وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى * ورد فلان حاجتي وفلان (الكناية) (عن غير الأعلام) ويكني بهن، وهنة مفتوحة العين، وهنت ساكنتها عن اسم الجنس غير العلم، فلا تصرف هنة، ويدخل جميعها اللام، وإذا سكنت النون، فتاء التأنيث مبدلة من اللام


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء واللذين قبله، (2) الفرقان 28 (3) عبد الملك بن قريب الأصمعي، تقدم ذكره أيضا، (4) في حوار جرى بين الأصمعي وغلام من بني أسد، ازدراه الأصمعي ثم استنشده فأعجب به، وبين هذين البيتين بيت ثالث وهو: وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا * حتى تقيم الخيل سوق طعان والأبيات للمرار الفعقسي من بني أسد، ويروى بدل قوله: سدوا معاوز: رقعوا معاوز وأصل المعاوز: الخرق البالية والمراد حل محله من يسد المكان الذي خلا بفقده، (5) أنشدهما معن بن أوس المزني، وقد مر به عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان من كرام العرب فسأله عن حاله فقال: كف بصري وكثر عيالي وغلبني الدين، فأدى عبيد الله عنه دينه ثم مر به ثانية وسأله عن حاله فأنشد البيتين، ولذلك قصة ذكرها البغدادي في الخزانة، (*)

[ 261 ]

كما في: أخت وبنت، وسكنت العين للأيذان بأن التاء ليست لمجرد التأنيث، لأن تاء التأنيث يفتح ما قبلها، قيل: وقد يكنى عن العلم بهن، كما في قول ابن هرمة، يخاطب حسن بن زيد: 519 - الله أعطاك فضلا من عطيته * على هن وهن فيما مضى وهن 1 يعني عبد الله، وحسنا، وإبراهيم، بني حسن بن حسن، وكانوا وعدوه شيئا فأخلفوه، هذا، والظاهر أنه كنى عن الجنس، أي: على لئيم، ولئيم ولئيم، حوشوا عن ذلك، 2 ومنه: يا هناه للمنادى غير المصرح باسمه، تقول في التذكير: يا هن ويا هنان، ويا هنون، وفي التأنيث: يا هنت ويا هنتان ويا هنات، وقد يلي أواخرهن: ما يلي المندوب، وإن لم تكن مندوبة، تقول: يا هناه بضم الهاء في الأكثر، وقد تكسر كما ذكرنا في المندوب، وهذه الهاء تزاد في السعة وصلا ووقفا، مع أنها في الأصل هاء السكت، قال: يا مرحباه بحمار ناجية 3 - 142 وقال: 520 - يا رب يا رباه اياك أسل * عفراء يا رباه من قبل الأجل 4 في حال الضرورة،


(1) حسن بن زيد هو ابن عم للثلاثة الذين ذكرهم الشارح وهم أبناء حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واعتبر هذا الشعر من ابن هرمة تعريضا بأبناء حسن بن الحسن، وهذه قصة أوردها ثعلب في مجالسة، وبعضهم ينكرها، (2) تعقيب من الشارح على ما يفيده الشعر المتقدم من تجريح لبني الحسن، وتزيه لهم عمار ماهم به الشاعر، لأنهم من آل البيت رضي الله عنهم، (3) تقدم ذكره في باب النداء في الجزء الأول من هذا الشرح، (4) أسل مخفف من اسأل، وهو رجز منسوب لبعض بني أسد، وليس لعروة بن حزام العذري، قال البغدادي: = (*)

[ 262 ]

هذا قول الكوفيين وبعض البصريين، ولما رأى أكثر البصريين ثبوت الهاء وصلا في السعة، أعني في: هناه، مضمومة، ظنوا أنها لام الكلمة التي هي واو في: هنوات، كما أبدلت في هينهة، وقال بعضهم: هي بدل من الهمزة المبدلة من الواو، ابدلها في كساء، 1 وإن لم يستعمل: هناء، كما أبدلوا في: إياك فقالوا: هياك، ومجيئ الكسر في: هناه يقوي مذهب الكوفيين، وأيضا، اختصاص الألف والهاء بالنداء، وأيضا، لحاق الألف والهاء في جميع تصاريفه وصلا ووقفا، على ما حكى الأخفش، نحو: يا هناه ويا هناناه أو: يا هنانيه، كما مر في المندوب، ويكنى، بهنيت، عن: جامعت ونحوه من الأفعال المستهجنة، والقياس هنوت، لأن لامه واو، بدليل هنوات، (النقل والأرتجال) (في الأعلام) واعلم أن العلم إما منقول أو مرتجل، والمنقول أغلب، وهو 2 إما عن اسم عين، كثور وأسد، أو معنى، كفضل، والاسم إما صفة كحاتم أو غيرها كما مر، وقد يكون الاسم صوتا، كببة 3، واما عن فعل: اما ماض، كشمر، وكعسب، 4 واما مضارع كتغلب ويشكر، وأما أمر، كإصمت، 4 لبرية معينة، وقيل: هو علم الجنس لكل مكان


= راجعت ديوان عروة فلم أجده وإنما هو من رجز أورده أبو محمد الأعرابي في ضالة الأديب، ونسبه لبعض بني أسد عن الفراء، (1) أي مثل ابدالها في كساء، يعني آنها أبدلت همزة ثم هاء، وإن كان إبدالها همزة لم يستعمل، (2) أي المنقول، (3) اسم أطلقته أم عبد الله بن الحارث، كانت ترفعه به وهو صغير، في رجز تقول فيه: لأنكحن ببة: جارية خدبة: مكرمة محبة: تحب أهل الكعبة، (4) ورد في بيت شعر، وسيذكر الشارح هذا الاسم مرة أخرى (*)

[ 263 ]

قفر كأسامة، تقول لقيته بوحش اصمت، وببلد إصمت، والوحش: المكان الخالي، وكسر ميم اصمت، والمسموع في الأمر الضم، لأن الأعلام كثيرا ما يغير لفظها عند النقل تبعا لنقل معانيها، كما قيل في شمس بن مالك: شمس بضم الشين 1، والمرتجل: ما لا معنى له في الأجناس، من قولهم: ارتجل الخطبة، أي اخترعها من غير روية، وهو من ارتجل الأمر كأنه فعله قائما على رجليه من غير أن يقعد متأنيا فيه، والمرتجل نحو: حنتف، وفقعس، وقال بعضهم: هما منقولان من الحنتف وهو الجراد، والفعقس أي البلادة، وما كان مشتقا من تركيب مستعمل، لكن غير للعلمية بزيادة، كغطفان، من غطف العيش، أي سعته، أو بنقصانه 2 كعمر، مع تغيير الحركة كان، أو، لا، فهو أيضا، مرتجل، إذ ليس منقولا من مسمى إلى آخر، وإن كان مشتقا، وإما إن غير ما هو ثابت في الجنس إما بفك الأدغام كما في محبب اسم رجل، والقياس محب، وليس من تركيب (محب) كقردد ومهدد، لأن هذا التركيب غير مستعمل، وإما بفتح المكسور، كموظب، لأرض، وموهب لرجل، والقياس كسر العين كموعد وموضع، وليسا على فوعل من: مظب ومهب، لأنهما لم يستعملا في كلامهم، وإما بكسر المفتوح، كمعد يكرب، عند من قال: أصله معدى كمغزى، لا معدي، واما بتصحيح ما يعل، كمكوزة لرجل، ومريم، وليسا بفعولة وفعيل من: مكز، ومرم، لعدم استعمالهما، وأما مدين، فيجوز أن يكون من مدن أي أقام، وإما بإعلال ما يصحح 3، كحيوة،


(1) ورد في بيت شعر تقدم في الجزء الأول وهو من شعر تأبط شرا، (2) معطوف على قوله: بزيادة، يعني أن التغيير عند العلمية كان بنقص عمر عن عامر وهو من العلم المعدول عدلا تقديريا كما تقدم في الممنوع من الصرف في الجزء الأول، (3) أي ما حقه التصحيح، لأنه لو بقي على أصل مادته كما هو مذهب سيبويه لما كان فيه ما يحتاج إلى إعلال، بل يكون (حية) كما قال، بمجرد الادغام، وعبارة الشارح غير دقيقة، (*)

[ 264 ]

لرجل، والقياس حية، لأنها، عند سيبويه: عينها ولامها ياء، والحاوي، والحواء ليسا من تركيبها، بل من حوى أي جمع، لجمعه لما في سفطه، وعند غيره: أصل حية: حوية، لقولهم: الحاوي والحواء 1، قلبت العين إلى موضع اللام في حيوة، عندهم، فالكلم بهذه التغييرات، عند النجاة تصير مرتجلة، لأنها لم تستعمل في الأجناس مع هذه التغييرات، ولو قيل بنقلها، والتغيير إما مع النقل، أو بعده في حال العلمية، كما في (شمس) لجاز، (الاسم واللقب والكنية) (وحكمها عند الاجتماع) والأعلام على ثلاثة أضرب: إما اسم، وهو الذي لا يقصد به مدح ولا ذم، كزيد، وعمرو، أو لقب، وهو ما يقصد به أحدهما، كبطة، وقفة، وعائذ الكلب 2، في الذم، وكالمصطفى والمرتضى، ومظفر الدين وفخر الدين في المدح، ولفظ اللقب في القديم 3، كان في المذم أشهر منه في المدح، والنبز في الذم خاصة، وإما كنية، وهي: الأب أو الأم أو الابن أو البنت مضافات نحو: أبو عمرو، وأم كلثوم، وابن آوى، وبنت وردان، 4 والكنية من: كنيت، أي سترت وعرضت، كالكناية، سواء 5، لأنه يعرض بها عن الاسم، والكنية عند العرب يقصد بها التعظيم،


(1) هو بمعنى الحاوي، أي الذي يجمع الحيات، (2) ومثله أنف الناقة، وتأبط شرا، أما المصطفى فهو من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم والمرتضى: الأشهر أنه الامام علي بن أبي طالب، وذلك معروف عند الشيعة، (3) أي في الاستعمال القديم، وكأن هذا محمل قوله تعالى: ولا تنابزوا بالألقاب، (4) هي حشرة كالخنفساء حمراء اللون، أكثر ما توجد في الحمامات والأمكنة القذر ة، (5) يعني: هما سواء، (*)

[ 265 ]

والفرق بينها وبين اللقب معنى، أن اللقب يمدح الملقب به أو يذم، بمعنى ذلك اللفظ، بخلاف الكنية فإنه لا يعظم المكنى بمعناها، بل بعدم التصريح بالاسم، فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطب باسمها، وقد يكنى الشخص بالأولاد الذين له، كأبي الحسن، لأمير المؤمنين: علي، رضي الله عنه، وقد يكنى في الصغر تفاؤلا بأن يعيش حتى يصير له ولد اسمه ذاك، 1 وإذا قصد الجمع بين الاسم واللقب: أتي بالاسم أولا ثم باللقب، لكون اللقب أشهر، لأن فيه العلمية مع شئ آخر من معنى النعت، فلو أتي به أولا، لأغني عن الاسم فلم يجتمعا، ثم إما أن يتبع اللقب الاسم عطف بيان له، لكونه أشهر، أو يقطع عنه رفعا أو نصبا، على المدح أو الذم، لكونه متضمنا لأحدهما، ويجوز الأتباع والقطع المذكور ان سواء كانا مفردين أو مضافين أو مختلفين في ذلك، وإن كانا مفردين أو، أولهما، جاز إضافة الاسم إلى اللقب، كما تقدم في باب الأضافة، وظاهر كلام البصريين: وجوب الأضافة عند افرادهما، وقد أجاز الزجاج والفراء الاتباع أيضا، وهو الأولى، لما روى الفراء: قيس قفة، ويحيى عينان، لرجل ضخم العينين، وابن قيس الرقيات بتنوين قيس وإجراء الرقيات 2 عليه، والأشهر إضافة قيس إلى الرقيات، إما على أن الرقيات لقب لقيس، والاضافة كسعيد كرز، أو على أن الأضافة لأدنى ملابسة، لنكاحه 3 نسوة اسم كل منهن رقية، وقيل: هن جداته، وقيل: شبب بثلاث نسوة كذلك 4، قال: 521 - قل لابن قيس أخي الرقيات * ما أحسن العرف في المصيبات 5


(1) أي ذلك الاسم الذي كنى به، (2) أي جعلها تابعة له في الاعراب، ومقابله الاضافة كما سيذكره، (3) أي زواجة منهن، (4) كذلك أي أن اسم كل منهن رقية، (5) أراد بالعرف: الصبر، وكذلك جاء في بعض الروايات، ولم تذكر نسبة هذا البيت إلى قائل معين، (*)

[ 266 ]

وقال الشاعر في الأجزاء: 522 - ومن طلب الأوتار ما حز أنفه * قصير، ورام الموت بالسيف بيهس 1 نعامة لما صرع القوم رهطه * تبين في أثوابه كيف ليس وقد ينقل العلم عن المركب، كما سبق في باب المركب شرحه، (التسمية) (بالمثنى والجمع) ثم نقول: إذا أردت التسمية بشئ من الألفاظ، فإن كان ذلك اللفظ مثنى أو مجموعا على حده، كضاربان، وضاربون، أو جاريا مجراهما كاثنان، وعشرون، أعرب في الأكثر إعرابه قبل التسمية، ويجوز أن تجعل النون في كليهما معتقب الأعراب، بشرط الا تتجاوز حروف الكلمة سبعة، لأن حروف (قرعبلانة) 2 غاية عدد حروف الكلمة، فلا تجعل النون في: مستعتبان ومستعتبون، متعقب الأعراب،


(1) من قصيدة للمتلمس، يقول في أولها: ألم تر أن المرء رهن منية * صريع لعافي الطير، أو سوف يرمس فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة * وموتن بها حرا وجلدك أملس ثم قال: فمن طلب الأوتار وأشار في البيتين إلى قصة قصير مع الزباء وقد أشرنا إليها في باب الموصول، ثم أشار إلى قصة بيهس الذي يلقب بنعامة، وهو رجل من بني فزارة كان يرمى بالحمق، قتل له سبعة إخوة، فكان يلبس سراويله مكان القميص والقميص مكان السراويل، فإذا سئل عن ذلك قال: البس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها وإما بوسها وله قصة طويلة في مجمع الأمثال وغيره من الكتب، (2) هي دويبة منتفخة البطن عريضة الجسم، وأنكر بعض اللغويين وروده بحجة أنه لم يرد إلا في كتاب العين الذي ينسب للخليل بن أحمد، (*)

[ 267 ]

فإذا أعربت النون 1، ألزم المثنى الألف دون الياء لأنها أخف منها، ولأنه ليس في المفردات ما آخره ياء ونون زائدتان وقبل الياء فتحة، قال: 523 - ألا يا ديار الحي بالسبعان * أمل عليها بالبلى الملوان 2 وألزم الجمع الياء، دون الواو، لكونها أخف منها، وقد جاء (البحرين) في المثنى على خلاف القياس، يقال: هذه البحرين، بضم النون، ودخلت البحرين، قال الأزهري، 3 ومنهم من يقول: البحران على القياس، لكن النسبة إلى البحران، الذي هو القياس أكثر، فبحراني أكثر من بحريني، وإن كان استعمال البحرين، مجعولا نونه معتقب الأعراب أكثر من استعمال البحران كذلك، وجاء في الجمع: الواو، قليلا، مع الياء، قالوا قنسرين، وقنسرون، ونصيبين ونصيبون، ويبرين، ويبرون، لأن مثل زيتون في كلامهم، موجود، وقال الزجاج نقلا عن المبرد: يجوز الواو قبل النون المجعول معتقب الأعراب قياسا، قال: ولا أعلم أحدا سبقنا إلى هذا، قال أبو علي: لا شاهد له وهو بعيد من القياس، وقال في قوله:


(1) أي جعلت معتقب الأعراب، (2) الملوان: الليل والنهار، لا يذكر هذا اللفظ الامثنى، ومعنى أمل عليها: دأب واستمر، والبيت بهذا العجز، من شعر تميم بن مقبل، شاعر إسلامي، وبعده: نهار وليل دائب ملواهما * على كل حال الناس يختلفان وقد جاء صدر هذا البيت في شعر شاعر جاهلي وعجزة: عفت حججا بعدي وهن ثمان... أورده صاحب زهر الآداب، وذكره ياقوت أيضا في معجم البلدان، (3) قال السيوطي في البغية إنه محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة، كنيته أبو منصور، ولد سنة 282 ه، ومات سنة 370، وهو صاحب التهذيب في اللغة وهو أشهر ما صنف، وله مصنفات أخرى، (*)

[ 268 ]

524 - ولها بالماطرون إذا * أكل النمل الذي جمعا 1 بكسر النون: انه اسم أعجمي، وهو في شرح كتاب سيبويه: بالميم والطاء المفتوحة، وفي الصحاح: والناطرون بالنون والطاء المكسورة، وقد روي في الشعر المذكور بالنون المفتوحة، فإن قلنا انه أعجمي وجب ألا يكون اللام للتعريف، إذن، بل من تمام الاسم الأعجمي، وإلا انكسر في موضع الجر، وإن قلنا انه عربي، فليس النون معتقب الأعراب لانفتاحه، فكان القياس: الماطرين بالياء، ففي جعل الواو مكان الياء اشكال، وطورون، وجيرون، أعجميان، وإذا سميت بالمجموع بالألف والتاء، كعرفات وأذرعات ففيه المذاهب الثلاثة المذكورة في أول الكتاب، عند ذكر التنوين، 2 (التسمية) (بالحروف، والأفعال) (وبالمبني من الأسماء) وإذا نقلت الكلمة المبنية، وجعلتها علما لغير ذلك اللفظ، فالواجب الأعراب وإن جعلتها اسم ذلك اللفظ، سواء كانت في الأصل اسما أو فعلا، أو حرفا، فالأكثر الحكاية، كقولك: من الاستفهامية حالها كذا، وضرب فعل ماض، وليت حرف تمن، وقد يجيئ معربا نحو قولك: ليت ينصب ويرفع، قال:


(1) من شعر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، تغزل فيه ينصرانية مترهبة بدير قرب الماطرون وهو بستان بظاهر دمشق، وقوله: لها، خبر عن قوله خرفة في قوله بعد ذلك: خرفة، حتى إذا ارتبعت * سكنت من جلق بيعا والخرفة بضم الخاء المكان الذي يقضى فيه الخريف، أما ضبط كلمة الماطرون فقد استوفاه الشارح نقلا عن أئمة اللغة والنحو، (2) انظر علامات الاسم في الجزء الأول، (*)

[ 269 ]

ليت شعري وأين مني ليت * ان ليتا وان لوا عناء 1 - 452 فإن أولته بالمذكر كاللفظ، فهو منصرف مطلقا، وإن أولته بالكلمة، أو اللفظة، فإن كان ساكن الأوسط كليت، فهو كهند في الصرف وتركه، وإن كان على أكثر من ثلاثة أو ثلاثيا محرك الأوسط فهو غير منصرف قطعا، وإن كانت الكلمة ثنائية، وجعلتها علما للفظ وقصدت الأعراب، ضعفت الثاني إذا كان حرفا صحيحا، نحو: من وكم، بخلاف ما إذا جعلت الثنائية علما لغير اللفظ، فإنك لا تضعف الثاني الصحيح، بل تقول: جاءكم ورأيت منا مخففين، فيجعل من باب ما حذف لامه نسيا وهو حرف علة، كيد، فلذا تصغره على كمي، كيدية، وإنما جعلتها من باب المحذوف اللام، لأن المعرب لم يوضع على أقل من ثلاثة، وإنما جعلت المحذوف حرف علة، لأنه أكثر حذفا من غيره، وإنما جعلتها من باب (يد) أي مما حذف لامه نسيا، لا من باب (عصا)، لأنه لم يكن لها لام في الوضع، فكان جعلها من باب (يد) أي مما جعل لامه بالحذف كأنه لم يوضع: أولى، وتقول في الأول: أكثرت من الكم والهل، مشددتين، وذلك لأنه لم ينقل بالكلية، وإنما نقل من المعنى إلى اللفظ، فلا بأس بتغيير لفظة بتضعيف ثانية ليصير على أقل أوزان المعربات، وأما المنقول بالكلية، أي المجعول علما لغير اللفظ، فلو غير لفظه، أيضا، بالتضعيف، لكان تغييرا ظاهرا في اللفظ والمعنى، وإذا كان ثاني الثنائي حرف علة، وجب تضعيفة إذا أعربته، سواء جعلته علما للفظ أو لغيره، نحو: لو، وفي، ولا، وهو، وهي، تقول: هذا لو، وفي، ولاء، زدت على ألف (لا) ألفا آخر وجعلته همزة تشبيها برداء وكساء،


(1) تقدم ذكره وهو من شعر أبي زبيد الطائي، (*)

[ 270 ]

وإنما وجب التضعيف لأنك لو أعربته بلا زيادة حرف آخر أسقطت حرف العلة للتنوين، فيبقى المعرب على حرف واحد، ولا يجوز، وكذلك لو أولناه بالكلمة أو سمينا به ومنعناه من الصرف: وجب التضعيف لأنا لا نأمن من التنكير، فيجيئ التنوين، إذن، وحكى عن بعض العرب أنه يجعل الزيادة المجتلبة بعد حرف العلة الثاني، همزة في كل حال، نحو: لوء، وفي، ولاء، 1 والأول أي التضعيف، أولى، لكون المزيد غير أجنبي، (حروف المعجم) (وإعرابها) ولأجل خوف بقاء المعرب على حرف: إذا أردت إعراب حروف المعجم 2 الكائنة على حرفين، نحو: با، تا، ثا، را، وإن لم يكن المعرب منها علما، ضعفت الألف وقلبتها همزة للساكنين، فتقول: هذه باء، وتاء، ودليل تنكيرها وصفها بالنكرات، نحو: هذه باء حسنة، ودخول اللام عليها، كالباء، والتاء، وأما (زاي)، فهو على ثلاثة أحرف، آخرها الياء، كالواو، 3 أعربته أو لم تعربه، وفيه لغة أخرى: زي، نحو كي، فإذا ركبتها، وأعربتها قلت: كتبت زيا، نحو: كيا، ولا تجوز الحكاية في أسماء حروف المعجم مع التركيب مع عاملها، فلا تقول: كتبت (با) حسنة، كما جاز في نحو: من، وما، وليت، إذا جعلت أعلاما للفظ، لأنها موضوعة لتستعمل في الكلام المركب مع البناء، فجاز لك حكاية تلك الحال في التركيب،


(1) من ذلك ما يرد في كلام الرضى في هذا الشرح حين يتحدث عن لا، النافية للجنس فيقول: لاء التبرئة، (2) بعض ما ذكره الرضى هنا منقول بمعناه من كتاب سيبويه ج 2 ص 34 (3) يعني مثل لفظ واو، اسم الحرف، (*)

[ 271 ]

بخلاف أسماء حروف المعجم، فإنها لم توضع إلا لتستعمل مفردات لتعليم الصبيان ومن يجري مجراهم، موقوفا عليها، فإذا استعملت مركبة مع عاملها فقد خرجت عن حالها الموضوعة لها، فلا تحكى، وإنما وجب إعراب الكلمة المبنية إذا سمي بها غير اللفظ ولم تجز حكايتها كما جاز ت إذا سميت بها اللفظ، لأنك لم تراع، إذن، أصل معناها الذي كانت بسببه مبنية أصلا، بل أخرجتها عنه بالكلية، وأما إذا جعلتها اسما للفظ، فإنك تراعي معناها من وجه، وذلك أن معنى: ان تنصب وترفع، أي: أن التي معناها التحقيق تنصب وترفع، فلك، إذن، نظر إلى أصل معناها، والدليل على أن المد في نحو قولك هذه باء: مزيد، ولم يكن في أصل الوضع، قولك في الأفراد: با، تا، ثا، بلا مد، وما وضع على ثلاثة، يكون في حال الأفراد، أيضا، كذلك، كزيد، عمرو، بكر، 1 وسيبويه 2، جعل: أبا جاد، وهوازا، وحطيا، بياء مشددة: عربيات فهي، إذن، منصرفة، وجعل: سعفص، وكلمون، وقريشيات: أعجميات فلا تصرف للعلمية والعجمة، وإنما جعل الأول عربية، لأن: أبا جاد، مثل أبي بكر، وجاد، من الجواد، وهو العطش، وهواز، من هوز الرجل أي مات، وحطي من حط يحط، وقال المبرد: يجوز أن تكون كلها أعجميات، قال السيرافي: لا شك أن أصلها أعجمية، لأنها كان يقع عليها تعليم الخط بالسريانية، وقريشيات يدخلها التنوين كما في: عرفات، وتعريفها من حيث كونها اعلاما للفظ، إذا ركبتها مع العامل نحو: اكتب كلمون، أي هذا اللفظ أو هذه الكلمة،


(1) يعني يكون ساكن الآخر حتى يدخل في التركيب يجعله جزء كلام، (2) الكتاب ج 2 ص 36، (*)

[ 272 ]

وإذا سمي، بفو، قال الخليل 1: تقول فم، لأن العرب قد كفتنا أمر هذا، لما أفردوه فقالوا فم، فابدلوا الميم مكان الواو، ولو لا ذلك لقلنا قوه برد المحذوف، كما هو مذهب سيبويه في (ذو) إذا سمي به، فإنه يقول: هذا ذوى، كفتى، ورأيت ذوى ومررت بذوى، بناء على أن عينه متحركة، وقال الخليل: بل تقول: هذا ذي، فعل، بقلب الواو ياء لسكون العين، على ما مر من مذهبيهما في باب الأضافة، وأجاز الزجاج في (فو) إذا سمي به أن يقال (فوه) ردا إلى أصله، ولا يجوز تشديد حرف العلة، كما شدد في (هو)، لأن رد الأصل أولى من اجتلاب الأجنبي، وإن سميت مؤنثا بهو، كان كما لو سميتها بزيد 2، على الخلاف الذي مر في باب ما لا ينصرف، وإن سميناها بهي، فهو كما لو سميتها بهند، جاز الصرف وتركه، (التسمية بحرف واحد) وإن سميت بحرف واحد 3، فإما أن يكون جزء كلمة أو، لا، والثاني اما أن يكون متحركا في الأصل كواو العطف ولام الجر، وياء الأضافة على قول 4، أو، لا، فإن كان متحركا كمل ثلاثة أحرف، بتضعيف مجانس حركته فإنه أولى، لكون الحرفين 5 مجانسين لحركته، وإنما جعلوه ثلاثة، لما يلحقه من التصغير والجمع، فتقول في المسمى بباء الجر: بي، وأيضا، لو زدت حرفا واحدا من جنس حركته لسقط بالتنوين، فصار المعرب على حرف واحد، وتقول في المسمي بلام الابتداء، لاء


(1) هذا مفصل في سيبويه ج 2 ص 33 (2) المؤنث إذا كان ساكن الوسط ومنقولا من مذكر تحتم منعه من الصرف، (3) انظر في هذا البحث، سيبويه ج 2 ص 61 وما بعدها (4) أي على القول بأن ياء المتكلم وضعت متحركة، ومقابله آنها وضعت ساكنة، (5) يعني الحرفين اللذين زدناهما من جنس الحركة، (*)

[ 273 ]

وإن كان الحرف ساكنا، كلام التعريف عند سيبويه 1، وياء الأضافة على مذهب بعضهم، فحكمه عند سيبويه والزجاج حكم جزء الكلمة، كما يجيئ، وعند غيرهما، يحرك اللام بالكسر، ثم يضعف مجانس الكسر، أي الياء، فتقول: لي، وذلك لأنه لا بد من تحريك هذا الساكن المبتدأ به، إذا أردنا زيادة حرفين عليه، والساكن إذا حرك، حرك بالكسر، وأما الياء، فيفتح لثقل الكسر عليه، لأنه يفتح عند الاضطرار في نحو: غلاماي، ثم يضعف مجانس الفتح، فيقال: ياء، وإن كان الحرف الواحد جزء كلمة، فاما أن يكون متحركا أو ساكنا، فالمتحرك عند سيبويه، يكمل أيضا بتضعيف مجانس حركته كما ذكرنا، فيما ليس بعضا، والأولى أن يكمل بشئ من تلك الكلمة، فالمبرد يكملة بإعادة جميع ما حذف فيقول: رجل، في المسمى بأحد حروفه، وقال غيره: بل لا نتجاوز قدر الضرورة فإن كان ذلك المتحرك فاء، كمل بالعين، نحو: رج، في المسمي براء رجل، وإن كان عينا كمل بالفاء فيقال: رج، أيضا في المسمي بجيم رجل، ولا يكملان باللام، لأن الكلمة المحذوفة اللام أكثر من المحذوفة الفاء أو العين، وإن كان ذلك الحرف المتحرك المسمى به لاما، فالمازني يكمله بالعين، لكونه أقرب، نحو: جل، في المسمي بلام رجل، فيكون مما حذف فاؤه كعدة، والأخفش يكمله بالفاء، نحو: رل، فيكون محذوف العين، كانه، وهو الأولى، لأن المحذوف الفاء، لا بد له من بدل كما في عدة، وإن كان الحرف ساكنا، كعين جعفر، وسين عدس 2، فالمبرد يكمله بما كمل به المتحرك، أعني برد الكلمة إلى أصلها، وسيبويه يكمله بهمزة وصل مكسورة، فيقول:


(1) تقدم في المعرف بأل ذكر الخلاف في وضع حرف التعريف، ومذهب سيبويه فيه أنه اللام وحدها، (2) الذي هو رجز للبغل، أو الفرس، (*)

[ 274 ]

إع، واس، وإذا وصلته بما قبله أسقطت الهمزة لكونها للوصل فتقول: هذا اس، وقام اس، وقال 1: قد أتي بعض الأسماء على حرف إذا اتصل بكلام نحو: من اب، بتخفيف الهمزة، ورد عليه المبرد بأن تخفيف الهمزة غير لازم، فكأن الكلمة على حرفين، بخلاف حذف همزة الوصل فإنه لازم، فيبقى الاسم المعرب على حرف واحد، ورد أيضا بامتناع جلب همزة الوصل للمتحرك، والزجاج يزيد همزة الوصل كما زاد سيبويه، ويقطعها هربا مما ألزم به سيبويه، ولأن همزة الوصل في الأسماء الصرفة قليل، وإنما تكون في الفعل والاسم الجاري مجراة، أعني المصدر، وفي الحرف، فلهذا إذا سميت بفعل فيه همزة وصل قطعتها كقولك: بوحش إصمت 2، وأما إن سميت باسم فيه همزة الوصل كابن واسم ابقيتها 3 على حالها لعدم نقل الكلمة من قبيل إلى قبيل، ومذهب غير هؤلاء المذكورين: التكميل ببعض تلك الكلمة، كما ذكرنا في الحرف المتحرك، فالعين تكمل بالفاء، وأما اللام فيكمل إما بالعين عند المازني، وإما بالفاء عند الأخفش، وإن كان ذلك الساكن مما قبله همزة وصل، فإن كان ذلك في الفعل، كضاد: اضرب، جئت بالهمزة مقطوعة، لما ذكرنا، وإن كان في الاسم كنون انطلاق، كمل بالحرف الذي بعده، فتقول: انط،


(1) أي سيبويه 2 / 63، وجاء بهامش الصفحة اقتباس من كلام السيرافي يتضمن الأقوال في ذلك ويتضمن الرد الذي نقله الشارح عن المبرد، (2) جاء هذا المثال في بيت شعر للراعي النميري، وهو قوله: أشلى سلوقية باتت وبات بها * بوحسن اصمت في أصلابها أود واعتبره البغدادي شاهدا وكتب عليه، (3) أبقيتها في موضع الجواب عن أما فحقه الاقتران بالفاء، ويتكرر ذلك في كلام الشارح الرضى، (*)

[ 275 ]

(صور أخرى) (من التسمية) وإن سميت بفعل مفكوك الأدغام جزما أو وقفا 1، كاردد ويردد، أدغمت، فقلت: ارد ويرد، غير منصرفين، لأن المفكوك قليل في الأسماء، كقردد، ومهدد، وكثير في الأفعال، ولأن فك الأدغام في الفعل إنما كان لعارض، زال في الاسم، وهو: الجزم أو الوقف الجاري مجراه، ولهذا يبقى الفك إذا سمي بألبب من قولك: بنات ألببي 2، ولهذا يرد اللام أو العين، إذا سمي بفعل محذوف اللام أو العين، جزما أو وقفا، كيغز، ويرم، ويخش، واغز، وارم، واخش، ويخفف، ويقل، ويبع، وخف، وقل، وبع، فتقول: جاءني يغز، ويرم، والتنوين للعوض، كما في (قاض) اسم امرأة، ويخشى، كيحيى، واغز، وارم، ويخاف ويقول ويبيع، وقول وبيع وخاف، كما مر في غير المتصرف، وأما (سل)، إذا سميت به، فإنك لا ترد الهمزة لأنها لا تحذف لموجب الجزم، ولا الوقف، وترد اللام مع العين في (يك) لأن اللام حذفت تشبيها بحرف العلة في: لم يغز،


(1) المراد به البناء على السكون، (2) مثل به سيبويه 2 / 16 في شطر من الرجز وهو قوله: قد علمت ذاك بنات ألبب، أعادة في 2 / 403 بنات ألببه، وأصله أن اعرابية قيل لها: مالك لا تعاقبين ابنك، فقالت: تأبي ذاك بنات ألبي بالأضافة إلى ياء المتكلم، وقال الجوهري: بنات البب هي عروق في القلب تكون منها الرقة، واعتبره البغدادي شاهدا وكتب عليه، ونقل عن المبرد انه قال في معنى بنات ألببه بالأضافة إلى الضمير إن ألبب أفعل تفضيل بمعنى أعقله أي أعقل القوم مثلا، ثم قال: إن الأعلم وأبا جعفر النحاس لم يوردا هذا الشاهد في شرح شواهد سيبويه وكأنهما لم ينتبها إلى كونه شعرا، وقول الرضى كقولك، يفيد أنه لا يقصد الشعر، (*)

[ 276 ]

وتحذف هاء السكت من كل ما هي فيه إذا سمي به، نحو: ره، وفه، ويرضه، لأنها للوقف 1، وترد مع اللام المحذوفة للوقف في: ره، الهمزة التي هي عين، إذ لو لم تردها لاحتجت إلى زيادة ألف أجنبي، كما في: لا، فرد الأصل أولى، فتقول، جاءني رأي، والأخفش يرد همزة الوصل أيضا مقطوعة فيقول: أرأى، غير منصرف، لأن الراء تصير ساكنة بانتقال حركتها إلى الهمزة المردودة، لأنها كانت لها، وكذا ترد مع اللام المحذوفة: الفاء في (قه)، فتقول: جاءني: وقي، إذ لو لا الرد لوجب تضعيف الياء، كما في: (في)، وإنما فتحت الواو لخفة الفتح، ولكونها مفتوحة في الماضي، ولو سميت بنحو: ضربت، ابدلت التاء هاء في الوقف، وصار مثل مسلمة، لخروج الكلمة إلى قسم الأسماء، ولو سميت بنحو ضربا وضربوا، على أن الألف والواو، زيدتا علامتين للتثنية والجمع، كالتاء في: ضربت، 2 نحو: أكلوني البراغيث، وجب إلحاق النون عوضا من تنوين كان يستحقه ضرب، لو سمي به، فتقول: ضربان، وضربون، ثم، بعد ذلك يجوز أن يعربا بإعراب المثنى والمجموع، وأن يجعل النون متعقب الأعراب، وكذا إذا سميت بيضربان ويضربون، على لغة: يتعاقبون عليهم الملائكة 3، أما لو جعلت الألف والواو في الجميع ضميرا، فيكون من باب التسمية بالجملة، وقد مر ذلك في المركبات، ولو سميت بذوي، وأولي، فلا بد من رد النون التي أسقطت للأضافة، ولو سميت يضربن، على لغة: (يعصرن السليط أقاربه) 4 جعلت النون معتقب الأعراب، ولم تصرفه للتعريف والوزن،


(1) يريد بالوقف هنا انتهاء الكلام، (2) يعني أنهما كالتاء في كونهما مجرد علامتين، ولا مدخل لهما في الاعراب، (3) الذي يذكره النجاة على أنه حديث: لفظه: يتعاقبون فيكم ملائكة... والذي يورده النجاة جزء من حديث أصله: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وهو بهذه الصيغة لا يصلح لما قصدوه، (4) هو جزء من بيت للفرزدق تقدم في باب الضمائر في آخر الجزء الثاني، (*)

[ 277 ]

ولو سميت مذكرا ببنت أو أخت، صرفت، لأنهما كهند إذا سمي به مذكر، إذ التاء ليست للتأنيث، بل بدل من اللام، كما مر في غير المنصرف، بعضهم لا ينصرف، لأن في التاء رائحة التأنيث فهي مثل ثبة، علم مذكر، واما هنت، إذا سميت به، فإنك ترده إلى هنة لأن له مرادفا جاريا على القياس، بخلاف بنت وأخت، فتتخلص من الخلاف الذي كان فيهما، وتنزع اللام من الاسم الذي كانت تلزمه إذا سمي به، كالان، والأفضل، والذي، والتي وفروعهما، لأن أصل العلم أن يستغني عن اللام، وإذا سميت السور 1، بأسماء حروف المعجم التي في أوائلها، أو سميت بها غير السور، من إنسان وغيره، فإن أمكن إعرابها، وجب ذلك، إذا كانت مفردة نحو: قرأت قاف ونون، غير منصرفين للتأنيث والعلمية، ويجوز الصرف، كما في هند، وكذا إذا سميت بها امرأة، وإن سميت بها رجلا، فالصرف، وكذا: وجب الأعراب مع منع الصرف إن كانت مركبة من اسمين، ك: يس، و: حم، أو من ثلاثة اثنان منها بوزن المفرد ك: طسم لأن طس بوزن قابيل فكأنه مركب من اسمين، وإن لم تكن كذلك، ك: الم وكهيعص، فالحكاية لا غير، وحكي عن يونس أنه كان يجيز في: كهيعص، فتح جميعها، وإعراب (صاد) على أن يكون (كاف) مركبا مع (صاد) والباقي حشو لا يعتد به 2،


(1) عقد سيبويه بحثا خاصا لأسماء السور القرآنية وفيه تفصيل أكثر مما قاله الرضى، وفي المطبوعة التركية من هذا الشرح اضطراب كثير، وكلام سيبويه في هذا في الجزء الثاني ص 30، (2) بهذا أنهى الرضى هذا التفصيل الذي أطنب فيه، وهو نوع من التدريب والتمرين، على النحو الذي أفاض فيه في باب الاخبار بالذي والألف واللام في أول هذا الجزء، (*)

[ 278 ]

(أقوى المعارف) (قال ابن الحاجب:) (وأعرفها المضمر المتكلم ثم المخاطب)، (قال الرضي:) أي أعرف المعارف، وكان المتكلم أعرف، لأنه ربما دخل الالتباس في المخاطب، بخلاف المتكلم،

[ 279 ]

(النكرة) (تعريفها وإفادتها الاستغراق) (قال ابن الحاجب:) (والنكرة ما وضع لشئ، لا بعينه)، (قال الرضي:) حدها، على ما ذكرنا من حد المعرفة: ما لم يشر به إلى خارج إشارة وضعية، والاحترازات تفهم من حد المعرفة، واعلم أن النكرة إذا وقعت في سياق النفي والنهي والاستفهام، استغرقت الجنس ظاهرا، مفردة كانت أو مثناة أو مجموعة، على ما ذكرنا في حد المعرفة، ويحتمل ألا تكون للاستغراق، احتمالا مرجوحا فلذا أتى بالقرينة نحو: ما جاءني رجل واحد، بل رجلان، أو: بل رجال، وما جاءني رجلان هما أخواك، وهل جاءك رجال هم أخوتك، ومع الأطلاق أيضا يحتمل عدم الاستغراق احتمالا مرجوحا، فلهذا كان: لا رجل، ظاهرا في الاستغراق، محتملا لسواه، وإذا دخلها (من) ظاهرا، نحو ما جاءني من رجل، أو مقدرا، نحو: لا رجل، أي لا من رجل، فهو نص في الاستغراق، و (من) هذه وإن كانت زائدة، كما ذكر النجاة، لكنها مفيدة لنص الاستغراق كأن أصلها (من) الابتدائية، لما أريد استغراق الجنس ابتدئ منه بالجانب المتناهي، وهو الأحد، وترك الجانب الأعلى الذي لا يتناهى، لكونه غير محدود، كأنه قيل: ما جاءني من هذا الجنس واحد إلى ما لا يتناهى، فمن ثمة تقول إذا قصدت الاستغراق، ما جاءني أحد ومن أحد،

[ 280 ]

وإن وقعت النكرة لا في سياق الأشياء الثلاثة، فظاهرها عدم الاستغراق، وقد تكون الاستغراق مجازا، كثيرا إن كانت مبتدأة، كتمرة خير من زنبور، ورجل خير من امرأة، وقليلا في غيره كقوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت 1)، والدليل على كونها في الموجب مجازا في العموم، بخلاف المعرفة باللام تعريفا لفظيا، كما في: الدينار خير من الدرهم: أن 2 الاستغراق يتبادر إلى الفهم بلا قرينة الخصوص مع اللام، وعدم الاستغراق بلا لام، والسبق إلى الفهم: من أقوى دلائل الحقيقة،


(1) الآية 5 سورة الانفطار، وتقدمت قبل ذلك، (2) خبر عن قوله... والدليل... (*)

[ 281 ]

(مبحث العدد) (العدد وتحديد معناه) (قال ابن الحاجب:) (أسماء العدد: ما وضع لكمية آحاد الأشياء) (قال الرضي:) مقصوده: تحديد ألفاظ العدد، وكمية الشئ: عدده المعين، لأن الكمية: ما يجاب به عن السؤال بكم، وهو العدد المعين، كما أن ماهية الشئ: حقيقته المعينة التي يستفهم عنها بما، الموضوعة للاستفهام عن الحقيقة، وكيفية الشئ: وصفه المعين الذي يستفهم عنه بكيف، فكأنه قال: اسم العدد: ما وضع للعدد المعين، احترازا عن الجمع فإنه وضع لعدد غير معين، ويخرج منه: المئات والألوف، وقوله: آحاد، جمع واحد، 1 فينبغي ألا يكون: واحد، واثنان، من ألفاظ العدد، لأن (واحدا) لم يوضع لكمية آحاد الأشياء، لأنه يقال: كم درهما عندك فتقول واحد، فليس هناك آحاد أشياء، وكذا إذا قلت: اثنان، في جواب: كم درهما...، ولو دخل (واحد، واثنان)، لدخل نحو: رجل ورجلان، لأنهما وضعا لكمية الشئ، أيضا، وإن كانا وضعا، مع ذلك، لماهية الشئ أيضا،


(1) مقتضى القياس أن آحاد جمع أحد لا جمع واحد، ولكنه نظر إلى المعنى وإلى ان واحد يستعمل مكان أحد، (*)

[ 282 ]

ولو قال: العدد ما وضع لكمية الشئ، فحسب 1، لم يدخل نحو: رجل ورجلان، ولم يخرج: واحد، واثنان، لأن لفظ الشئ، يقع على كل ذي عدد، من المفرد، والمثنى وما فوق ذلك، ويجوز أن يقال: ما وضع للكمية فحسب، ولا خلاف عند النجاة أن لفظ واحد واثنان، من ألفاظ العدد، وعند الخشاب 2: ليس الواحد من العدد، لأن العدد عندهم: هو الزائد على الواحد، ومنع بعضهم كون الاثنين من العدد، قالوا: لأن الفرد الأول ليس بعدد، فكذا ينبغي أن يكون الزوج الأول، والنزاع فيه راجع إلى المراد بالعدد، فعلى تفسيرهم العدد بكونه زائدا على الواحد: لا يدخل الواحد، ويدخل الاثنان، لأنه زائد عليه، وعلى تفسير النجاة، أي الموضوع للكمية، يدخل الواحد والاثنان، (أصول العدد) (قال ابن الحاجب:) (أصولها: اثنتا عشرة كلمة: واحد إلى عشرة، ومائة وألف)، (قال الرضي:) يعني أن الألفاظ التي يرجع إليها جميع أسماء العدد: اثنتا عشرة كلمة، وإن كانت تلك الأسماء غير متناهية، وما عدا تلك الألفاظ متفرع منها، بتثنية، كمائتان، وألفان،


(1) فحسب، من كلام الرضى أي أن المصنف كان يكفيه أن يقول: ما وضع لكمية الشئ،، وكذلك العبارة الآتية، (2) هو يريد: ابن الخشاب، وقد يكون ذلك من التحريف المطبعي، وابن الخشاب، هو: أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن نصر بن الخشاب من علماء القرن السادس، وله آراء في النحو وألف بعض المصنفات، في اللغة والنحو، (*)

[ 283 ]

أو بجمع، كعشرين وأخواته، الجارية 1 مجري الجمع، أو بعطف، كثلاثة وعشرين، وأحد ومائة، ومائة وألف، وكذا أحد عشر وأخواته، لأن أصلها العطف كما تقدم، 2 واما بإضافة نحو: ثلاثمائة، وثلاثة آلاف، وقد يدخل العطف على جميع هذه الأقسام سوى العطف 3، نحو 4: ثلاثمائة وثلاثة آلاف ونحو ذلك، ثم شرع في كيفية استعمالها للمذكر والمؤنث، فقال: (تفصيل استعمال) (ألفاظ العدد) (الواحد والاثنان) (قال ابن الحاجب) (واحد واثنان، واحدة واثنتان، وثنتان)، (قال الرضى) يعني: أن، واحد، واثنان، للمذكر، وواحدة واثنتان، وثنتان للمؤنث، جرى واحد واثنان في التذكير والتأنيث على القياس: ذو التاء للمؤنث والمجرد عنها للمذكر، والواحد: اسم فاعل من: وحد يحد وحدا، وحدة، أي انفرد، فالواحد بمعنى المنفرد، أي العدد المنفرد، ويستعمل في المعدود، كسائر ألفاظ العدد، فيقال: رجل


(1) الجارية: صفة لعشرين وأخواته (2) تقدم ذلك في باب المركبات (3) يعني سوى العدد المعطوف، (4) هذا تمثيل لما دخله حرف العطف (*)

[ 284 ]

واحد، وقوم واحدون، والتكسير: وحدان وأحدان، كشاب وشبان، والهمزة بدل من الواو، ويقال في الصفة المشبهة منه: وحد، بفتح الحاء، وكسره، ووحيد، وتبدل الواو في هذا التركيب همزة، أما في أحدان، فقياس، إذ الواو المضمومة، يجوز إبدالها همزة، في الأول كانت، كأجوه، أو في الوسط كفؤوس، وأما في: أحد، فشاذ، عند الجميع، وأما إحدى، فهو قياس عند المازني 1، أي إبدال الواو المكسورة في الأول همزة، كإلدة 2، وإشاح، شاذ عند غيره، وإذا استعمل في الأعداد المنيفة: اختاروا لفظ أحد، وإحدى على: واحد وواحدة، تخفيفا، وقد يقع في التنييف 3: واحد وواحدة، أيضا، لكن قليلا، فيقال: واحد عشر، وواحدة عشرة، وواحد وعشرون، وواحدة عشرون، وربما قيل: وحد عشر، ويستعمل أحد، وإحدى، في غير التنييف أيضا، مضافتين مطردا، نحو أحدهم، وإحداهن، ولا يستعمل إحدى، إلا في التنييف أو مع الأضافة، وأما أحد، فيستعمل مطردا لعموم العلماء، 4 بعد نفي أو نهي أو استفهام، أو شرط، نحو: ما جاءني أحد، ويلزمه الأفراد والتذكير، قال الله تعالى: (لستن كأحد من النساء) 5، وتعريفه حينئذ نادر، وقد يستغنى عن نفي ما قبله بنفي ما بعده إن تضمن ضميره، نحو: ان أحدا لا يقول كذا، كما مر في باب الاستثناء، ولا يقع أحد، في إيجاب يراد به العموم، فلا يقال: لقيت أحدا إلا زيدا، خلافا للمبرد، ويستعمل (واحدا)، أيضا، في عموم العقلاء في غير الموجب لكن يؤنث، نحو: ما لقيت واحدا منهم، ولا واحدة منهن، وقال أبو علي: همزة (أحد) المستعمل في غير الموجب أصلية، لا بدل من الواو،


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء وما سبقه، (2) جمع ولد (3) أي العدد الذي بين العقدين، (4) يعني يعم العاقل، وهو يعبر عن العاقل بالعالم، (5) الآية 32 من سورة الأحزاب، (*)

[ 285 ]

وأما في الموجب نحو قوله تعالى: (قل هو الله أحد 1)، فهي بدل اتفاقا، كأنه لما لم يرد في نحو: ما جاءني أحد: معنى الوحدة، ارتكب كون الهمزة أصلا، والأولى أن نقول: همزته في كل موضع بدل من الواو، ومعنى ما جاءني أحد: ما جاءني واحد، فكيف ما فوقه ؟، وقد يستعمل، قليلا، (أحد) في الموجب بلا تنييف ولا إضافة استعمال واحد، قال الله تعالى: (قل هو الله أحد)، 1 وقد يقال في المدح ونفي المثل: هو أحد الأحدين، وهو إحدى الأحد، جمعوا. (إحدى) على (إحد) تشبيها بسدرة وسدر، فمعنى هو إحدى الأحد: داهية هي إحدى الأحد 2، قال: 525 - حتى استثاروا بي إحدى الأحد 3 ويستعمل استعمال (أحد) في الاستغراق في غير الموجب ألفاظ، وهي: عريب، وديار، وداري، ودوري، وطوري، وطؤوي، وطاوي، وأرم وأريهم، وكتيع، وكراب، ودعوي، وشقر، وقد تضم شينه، وقد لا يصحب نفيا، ودبي، ودبيج، ووابر، وآبز، بالزاي، وتامور، وتومور، وتومري ونمي، 4


(1) أول سورة الاخلاص، (2) يعني إحدى الدواهي، (3) للمرار الفقعسي في رجز يدفع به عن نفسه اتهامه بأنه يروغ من الأعداد كما يروغ الثعلب، وذلك قوله: عدوني الثعلب عند العدد * حتى استثاروا بي إحدى الاحد ليثا هزبزا ذا سلاح معتدي * يرمي بطرف كالحريق الموقد يعني أن جعلهم له كالثعلب، أثاره وهيجه، والباء في بي، للتجريد، (4) عقد البغدادي بعد الكلام على الشاهد المتقدم بحثا شرح فيه هذه الألفاظ التي أوردها الشارح وضبطها، وقال إنها مختلفة في النسخ وفيها كثير من التغيير وقد اكتفيت بنقل الضبط عنه بالشكل المثبت هنا ! (*)

[ 286 ]

وأما (اثنان) فهو لفظ موضوع لواحدين 1، من الثني، واثنتان محذوف اللام، والتاء للتأنيث، وثنتان: مثل: بنت، تاء التأنيث فيه بدل من الياء، وهو قليل، وإبدال التاء من الواو كثير، كأخت وبنت، وتراث، وتكأة، (استعمال) (الثلاثة والعشرة وما بينهما) (قال ابن الحاجب:) (ثلاثة إلى عشرة، ثلاث إلى عشر)، (قال الرضي:) يعني أن: ثلاثة إلى عشرة، للمذكر، نحو: ثلاثة رجال وأربعة رجال، و: ثلاث إلى عشر، للمؤنث نحو: ثلاث نسوة وتسع نسوة، خولف بباب التذكر والتأنيث من ثلاثة إلى عشرة، فأنث للمذكر وذكر للمؤنث، وعلل ذلك بوجوه، والأقرب عندي أن يقال: ان ما فوق الاثنين من العدد، موضوع على التأنيث في أصل وضعه وأعني بأصل وضعه أن يعبر به عن مطلق العدد، نحو: ستة ضعف ثلاثة، وأربعة نصف ثمانية، قبل أن يستعمل بمعنى المعدود، كما في: جاءني ثلاثة رجال، فلا يقال في مطلق العدد: ست ضعف ثلاث، وإنما وضع على التأنيث في الأصل، لأن كل جمع إنما يصير مؤنثا في كلامهم بسبب كونه دالا على عدد فوق الاثنين، فإذا صار المذكر في نحو رجال مؤنثا بسبب عروض هذا العرض، فتأنيث العرض في نفسه أولى، وأما كون العدد عرضا، فلأنه من باب الكم، وهو عرض، على


(1) تثنية واحد، (*)

[ 287 ]

ما يذكر في موضعه، 1 ثم انه غلب على ألفاظ العدد: التعبير بها عن المعدود، فطرأ عليها، إذن، معنى الوصف الذي هو معنى الأسماء المشتقة، إذ صار معنى: رجال ثلاثة، رجال معدودة بهذا العدد، لكنه مع غلبة معنى الوصف عليها، كان استعمالها غير تابعة لموصوفها أغلب، فاستعمال نحو: ثلاثة رجال، أغلب من استعمال رجال ثلاثة، وإن كان الثاني، أيضا، كثير الاستعمال، وذلك لأجل مراعاة أصل هذه الألفاظ في الجمود، ولقصد التخفيف أيضا، إذ بإضافتها إلى معدوداتها يحصل التخفيف بحذف التنوين، فصار، على هذه القاعدة: أصل جميع ألفاظ العدد أن تضاف إلى معدوداتها، فإن لم تضف، كما 2 بين: أحد عشر، إلى مائة، فالعلة كما يجيئ، فإضافة ثلاثة رجال ومائة درهم كإضافة: جرد قطيفة وأخلاق ثياب، على الخلاف المذكور بين أهل المصرين 3، هل أضيفت الصفة إلى ما كان موصوفها، وهل المضاف إليه الآن باق على موصوفيته، كما هو مذهب الكوفية، أو موصوف المضاف محذوف عام والمضاف إليه مبين له، كما هو مذهب البصرية ؟ فيه 4 الخلاف المذكور في باب الأضافة، فلا منع أن يقال: تجويز الكوفية نحو: الثلاثة الأثواب، بتعريف المضاف، لأن الأضافة عندهم في مثله لفظية، فلم ينكر دخول اللام في الأول أيضا، وإن كان تعرف الثاني هو تعرفه، كما مر في باب الأضافة، وليس ذلك بمطرد، لأنه لم يسمع: الجرد القطيفة، لكن لما ورد السماع به في العدد، فالوجه 5 هذا، فلما ثبت معنى الوصف في ألفاظ العدد، وجرت تابعة لألفاظ المعدودات كثيرا،


(1) موضعه علم المنطق والمقولات، (2) أي كالاعداد التي بين أحد عشر، ومائة، (3) أي البصرة، والكوفة (4) جملة فيه الخلاف: جواب الاستفهام الذي ذكره، (5) أي مبرر الاستعمال، (*)

[ 288 ]

نحو: رجال ثلاثة، والناس كابل مائة، 1 وإذا لم تجر على الموصوف أتي بما كان موصوفا، بعدها إما مضافا إليه نحو ثلاثة رجال ومائة رجل، وإما بمن نحو: ثلاثة من الرجال، وأما منصوبا نحو: عشرون درهما: جاز 2 اجراؤها مجرى الضفات المشتقة في الفرق بين المذكر والمؤنث، بالتاء مطردا، فإن هذا الفرق مطرد في الصفات المشتقة، كضارب وضاربة، وأما في الجوامد فقليل، نحو: رجل ورجلة، وغلام وغلامة، وغير العدد من المقادير يوصف به أيضا، نحو: ثوب ذراع، وبر قفيز، لكن لا كالأعداد في الكثرة، فنقول: 3 بقيت الأعداد إذا كانت صفة لجمع المذكر على تأنيثها الموضوعة هي عليه، بأن تجعل التاء الدالة على تأنيث ما لحقته: دالة على تأنيث موصوفة، وذلك، من الثلاثة إلى العشرة، لكونها صفة الجمع، والجمع مؤنث، بخلاف لفظ الواحد، والاثنين، فإنهما لا يقعان صفة للجمع، فقيل: رجال ثلاثة، كرجال ضاربة، وإذا جيئ بما كان موصوفا لها، مضافا إليه نحو: ثلاثة رجال صارت الأعداد للمضاف إليه في التأنيث، وذلك، لأن لفظ المميز هو لفظ الموصوف بعينه، أخر للغرضين المذكورين، أما إذا كان المميز مفردا، وذلك: ما فوق العشرة، فلم يؤنث العدد، لأنه لم يبق عين الموصوف المؤنث، كما يجيئ، فأصل عشرون درهما: دراهم عشرون، وكذا أصل مائة رجل وألف درهم، رجال مائة ودراهم ألف، ولم توافق الاعداد موصوفاتها المجموعة في التأنيث إذا جرت عليها، كما ذكرنا، لأن أواخر: عشرون وأخواتها، لزمها الواو والنون، ولزم آخر: مائة التاء، لما يجيئ، فتبعها الألف 4، في ترك الموافقة، لما استقر


(1) جزء من حديث نبوى وتمامه: لا تجد فيها راحلة، ومائة صفة لأبل، (2) جواب قوله: فلما ثبت معنى الوصف... الخ (3) شروع في تعليل مخالفة الثلاثة والعشرة وما بينهما للمعدود في التذكير والتأنيث، (4) يقصد الألف الذي هو عدد، (*)

[ 289 ]

بها الفطام 1 عن العادة، فلما لم توافق موصوفاتها إذا جرت عليها، لم توافقها أيضا، إذا أضيفت إليها، فقيل ألف رجل وألف امرأة، ومائة رجل، ومائة امرأة، وإنما بقي الثلاثة إلى التسعة مع التنييف أيضا، على حالها قبل التنييف وإن لم يكن لها مميز مجموع ولا موصوف مجموع، لأن مميزها المجموع محذوف اكتفى بالمميز الأخير عنه، إذ عادة ألفاظ العدد، إذا ترادفت، 2 أنه يجتزأ بمميز العدد الأخير من جملتها، تقول: مائة وثلاثة وثلاثون رجلا، كان الأصل: مائة رجل، وثلاثة رجال وثلاثون رجلا، وكذا: ثلاثة عشر رجلا، أصله: ثلاثة رجال وعشر رجلا، ومميز العشر إذا لم يكن مع النيف يخالف مميزه مع النيف، إذ هو مع الأول مجموع مجرور، ومع الثاني مفرد منصوب، بخلاف سائر العقود، فإن مميزها في الحالين واحد، نحو: ثلاثون رجلا، وثلاثة وثلاثون رجلا، وكذا قولك: ثلاثة ومائة رجل، في الأصل: ثلاثة رجال ومائة رجل، فلما كان مميزها 3 المقدر مجموعا، عوملت معاملتها مع المميز الظاهر، فلما قصدوا إجراءها مجرى الصفات المشتقة، بإثبات التاء فيها إذا كانت موصوفاتها مؤنثة، وحذفها منها معه تذكير الموصوفات، ولا موصوف لها مذكرا، إذ لا تصلح إلا صفة للجمع، والجمع مؤنث، جمع مذكر كان، أو جمع مؤنث، فلو أثبتوا التاء فيها مع الجمعين لم يتبين ما قصدوه من إجرائها مجرى الصفات المشتقة، ولظن أن التاء هي التي كانت لتأنيث مطلق العدد في الأصل غير مجعولة لتأنيث الموصوف، لأن الجوامد ذوات التاء، إذا لم تكن للوحدة، لزمها التاء في الأغلب، كالصفة، والغرفة، والعنصوة، 4 والحجارة، فمن ثم لم يقلبوا لام شقاوة، وعباية: همزة، وإن لم يلزمهما التاء، إذ يقال 5:


(1) أي انصرفا عن الأمر المعتاد، ونسياه، كالطفل يطول منعه من الرضاع فينصرف عنه، (2) أي جاء بعضها في إثر بعض، كما إذا كانت معطوفة أو مركبة، (3) أي مميز الثلاثة وأخواتها في حالة التركيب، (4) الشعر القليل المتفرق في رأس الانسان (5) تعليل لعدم لزوم التاء، (*)

[ 290 ]

عباء، وشقاء، وذلك لأن مبنى التاء التي ليست للوحدة في الجوامد على اللزوم، فحملوهما على نحو: طفاوة، 1 وخزاية 2، ونحوهما مما يلزمه التاء، وأما في الصفات وفي المقصود به الوحدة فهي غير لازمة، فلذا تقول: غزاءة 3، واستقاءة 4، فلو ثبتت التاء فيها في الجمعين، لشابهت تاء نحو الصفة والغرفة من الجوامد، فأسقطوهما مع جمع المؤنث، لأن تأنيثه خفي، فكأنه مذكر، بالنسبة إلى تأنيث جمع المذكر، وإنما قلت ذلك، لأن تأنيث جمع المؤنث المعتبر، هو العارض بسبب الجمعية كتأنيث جمع المذكر، لا الذي كان قبلها، بدليل أنه لو كان الأصلي معتبرا، لم يجز في السعة: (وقال نسوة) 5 كما لا يجوز فيها، قال امرأة، فكما أزال التأنيث العارض، التذكير الأصلي، في رجال، وأيام، أزال التأنيث الأصلى أيضا في نسوة، لكن هذا الطارئ، ظاهر مشهور في رجال، خفي في نسوة، لأن الشئ لا ينفعل عن مثله، انفعاله عن ضده، فصار نسوة كأنه مذكر، لخفاء تأنيثة، فقيل: رجال ثلاثة، ونسوة ثلاث، فصارت التاء التي كانت في الأصل لتأنيث مجرد العدد، على ما قررنا، لتأنيث 6 المعدود، هذا كله، في الجمع المكسر، وأما الجمع السالم فلا يقع مميزا للعدد عند سيبويه، إن كان وصفا، إلا نادرا، فلا يقال: ثلاثة مسلمين، ولا ثلاث مسلمات، إذ المطلوب من التمييز تعيين الجنس، والصفات قاصرة في هذه الفائدة، إذ أكثرها للعموم، فلذا لا نقول في الجمع المكسر وصفا: ثلاثة ظرفاء،


(1) من معاني الطفاوة: الهالة التي تبدو حول الشمس أو القمر، ومن معانيها: ما يطفو فوق القدر من الزبد عند الغليان، (2) مصدر خزى بمعنى استحيا (3) صيغة مبالغة من الفزو، (4) اسم مرة من: استقى الماء، يستقيه، (5) أول الآية 30 من سورة يوسف (6) متعلق بقوله صارت.... (*)

[ 291 ]

وأما غير الوصف فإن كان علما، قل وقوعه مميزا، لأن جمع العلم لابد فيه من اللام، والغرض الاهم من تمييز العدد: بيان الجنس، لا التعيين، فمميزه منكر في الأغلب وإن كان مجرورا، فلذا، قل: ثلاثة الزيدين، وثلاث الزينبات، وإن لم يكن علما، فإن جاء فيه مكسر، لم يجز السالم في الأغلب، فلا يقال: ثلاث كسرات، بل تقول: ثلاث كسر، لقلة تمييز العدد بالسالم في غير هذا الموضع، وقد جاء قوله تعالى: (سبع سنبلات) 1 مع وجود سنابل، وإن لم يأت له مكسر، ميز بالسالم، كقوله تعالى: (ثلاث عورات) 2، فثبت أن الأغلب في تمييز الثلاثة إلى العشرة، الجمع المكسر، فبني أمر ثأنيثها وتذكيرها عليه، دون جمع السلامة، فإذا تقرر هذا 3، قلنا: ينظر في تأنيث الثلاثة وأخواتها إلى واحد المعدود، إن كان المعدود جمعا، لا إلى لفظ المعدود، فإن كان المعدود مؤنثا حقيقة، كثلاث نسوة 4، وطوالق، أو مجازا، كثلاث غرف وعيون، حذفت التاء فيهما، كما رأيت، وإن كان الواحد منه مذكرا، أثبت التاء فيها، سواء كان في لفظ الجمع علامة التأنيث، كأربعة حمامات، وثلاثة بنات عرس وبنات آوى، والواحد: حمام، وابن عرس، وابن آوى، أو لم تكن فيه علامة التأنيث كثلاثة رجال، وإن جاء تذكير الواحد وتأنيثه، كساق ولسان، جاز تذكير العدد وتأنيثه، نحو: خمسة ألسنة، وخمس ألسن، وخمسة سوق وخمس سوق 5، وإن كان المعدود صفة نائبة عن الموصوف، اعتبر حال الموصوف لا حال الصفة،


(1) من الآيتين: 43، 46 في سورة يوسف، (2) من الآية 58 في سورة النور (3) هو ما بينه من السبب في مخالفة العدد للمعدود تذكيرا وتأنيثا، (4) التمثيل بنسوة هنا مبني علي ما يراه بعض النجاة من أنه جمع تكسير من صيغ القلة مثل فتية وحبية، وغيرهم يراه اسم جمع، (5) جمع ساق، والأغلب عليه التأنيث، (*)

[ 292 ]

قال الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، 1 وإن كان المثل مذكرا، إذ المراد بالأمثال: الحسنات، أي عشر حسنات أمثالها، وإن لم يكن المعدود جمعا، بل هو اما اسم جمع، كخيل أو جنس، كتمر، وستعرف الفرق بينهما في باب الجمع، نظر، فإن كان مختصا بجمع المذكر، كالرهط، والنفر والقوم، فإنها بمعنى الرجال: فالتاء في العدد واجب، 2 قال الله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط) 3، وقالوا: ثلاثة رجلة، وهو اسم جمع قائم مقام رجال، وإن كان مختصا بجمع الاناث فحذف التاء واجب، نحو: ثلاث من المخاض لأنها بمعنى حوامل النوق، وإن احتملهما، كالبط، والخيل، والغنم والأبل، لأنها تقع على الذكور والأناث، فإن نصصت على أحد المحتملين، فالاعتبار بذلك النص، فإن كان ذكورا، أثبت التاء، وإن كانا اناثا حذفتها، كيف وقع النص والمعدود، نحو: عندي ذكور ثلاثة من الخيل، أو: عندي من الخيل ذكور ثلاثة، أو عندي من الخيل ثلاثة ذكور، أو: عندي من الخيل ثلاثة ذكور بالأصافة، أو عندي ثلاثة ذكور من الخيل، إلا أن يقع النص بعد التمييز، والمميز بعد العدد، نحو: عندي ثلاث من الخيل ذكور، فحينئذ ينظر إلى لفظ المميز، لا النص، فإن كان مؤنثا لا غير، كالخيل والأبل والغنم حذفت التاء، وإن كان مذكرا لا غير، وما يحضرني له مثال، أثبتها، إلحاقا للمؤنث من هذا الجنس بجمع المؤنث، وللمذكر منه بجمع المذكر، وإن جاء تذكيره وتأنيثه، كالبط والدجاج، جاز إلحاق التاء نظرا إلى تذكيره، وحذفها نظرا إلى تأنيثه،


(1) من الآية 160 سورة الأنعام (2) التذكير باعتبار أن كلمة التاء: لفظ، أو على تقدير: فإثبات التاء واجب، (3) الآية 48 سورة النمل (*)

[ 293 ]

وما لا يدخله معنى التذكير والتأنيث ينظر فيه إلى اللفظ، فيؤنث نحو: خمسة من الضرب، ويذكر نحو: خمس من البشارة، ويجوز الأمران في نحو: ثلاثة من النخل، وثلاث من النخل، لأنه يذكر ويؤنث، قال تعالى: (نخل منقعر) 1، و: (نخل خاوية) 2 وإنما قلت: ثلاثة أشياء، ولم تنظر إلى لفظ أشياء وإن كان اسم جمع كطرفاء 3، لأنه قائم مقام جمع شئ، فكأنه جمع، لا اسم جمع، فإذا تقرر أمر التذكير والتأنيث في هذه الألفاظ العشرة، أعني من واحد إلى عشرة من جملة ألفاظ العدد الاثني عشر، قلنا: حكم هذه الألفاظ العشرة: ما ذكرنا، أعني جري الواحد والاثنين على القياس، وجري الثمانية الباقية على غير القياس، في الظاهر، أين وقعت: تحت العشرة أو فوقها، فلهذا تقول: ثلاثة عشر رجلا، وثلاثة وثلاثون رجلا، وثلاثة ومائة رجل، إلا لفظ عشرة، عند التركيب فإنه يرجع إلى القياس، أي تثبت التاء فيه في المؤنث وتسقط في المذكر، نحو: ثلاثة عشر رجلا، وثلاث عشرة امرأة، وإنما رجع إلى القياس، لأن مميزه ليس بجمع حتى يؤنث العدد بالنظر إليه، وإنما وافق لفظ عشرة من بين سائر العقود مميزه في التذكير والتأنيث في التنييف، لأنه كان بلا نيف، أيضا، موافقا لمميزه تذكيرا وتأنيثا كعشرة رجال، وعشر نسوة، على ما تقدم من التقرير، وقد تبين بما ذكرنا تعليل قوله: 4


(1) الآية 20 سورة القمر، (2) من الآية 7 في سورة الحاقة، (3) ضرب من الشجر، وقال في القاموس إنه أنواع ومنه الأثل، (4) أي قول ابن الحاجب الآتي بعد العنوان، وهو في المطبوعة التركية متصل بعضه ببعض، وإنما هذه العناوين وتحديد قول المصنف وقول الشارح من وضعنا كما نبهنا إلى ذلك في أول الكتاب، (*)

[ 294 ]

(أحد عشر) (وأخواته) (قال ابن الحاجب:) (أحد عشر، اثنا عشر، إحدى عشرة اثنتا عشرة، ثلاثة) (عشر إلى تسعة عشر، ثلاث عشرة إلى تسع عشرة)، (قال الرضى:) أي: أحد عشر، اثنا عشر للمذكر، إحدى عشرة اثنتا عشرة للمؤنث، ثلاثة عشر إلى تسعة عشر للمذكر، ثلاث عشرة إلى تسع عشرة للمؤنث، (اللغات) (في لفظ عشرة) (قال ابن الحاجب:) (وتميم تكسر الشين) (قال الرضي:) يعني شين عشرة، المركب في المؤنث، لما كرهوا توالي أربع فتحات فيما هو كالكلمة الواحدة، مع امتزاجها بالنيف الذي في آخره فتحة، عدلوا عن فتح وسطها إلى كسره، وأما الحجازيون فيعدلون عن حركة الوسط إلى السكون، لئلا يكون إزالة ثقل بثقل آخر، وهي الفصحى، وقد تفتح الشين على قلة لأن التركيب عارض، وربما سكن عين عشر

[ 295 ]

المركب بمتحرك الآخر 1 لاجتماع أربع فتحات: إحداها فتحة آخر النيف، نحو: أحد عشر وثلاثة عشر بخلاف: اثنا عشر، (عشرون) (وأخواته) (قال ابن الحاجب:) (عشرون وأخواته فيهما) (قال الرضى:) يعني في المذكر والمؤنث، وكان قياس هذه العقود أن يقال: عشران رجلا مثنى وثلاث عشرات رجلا، إلى تسع عشرات رجلا، فقصدوا التخفيف فحذفوا المضاف إليه 2، أعني لفظ عشرات، وكان المضاف مع المضاف إليه ككلمة واحدة لأنهما معا عبارة عن عدد واحد، كعشرة، ومائة وألف، فكان المضاف مع المضاف إليه ككلمة واحدة مؤنثة بالتاء، فلما حذفوا المضاف إليه صارت ككلمة حذف لامها، نحو: عزة، وثبة، إلا أنه لم يستعمل ثلاثة بمعنى ثلاث عشرات، كما استعمل نحو: عزة 3 وثبة محذوفة اللام، لأن المراد من وضع ألفاظ الأعداد، بيان الكمية المعينة، ولو استعمل ثلاثة بمعنى ثلاث عشرات لاشتبهت بالثلاثة التي في مرتبة الآحاد، فلم يحصل التعيين


(1) بأن يكون الجزء الأول من التركيب متحرك الآخر، وهو احتراز عن اثنا عشر واثنتا عشر، (2) هذا خاص بثلاثين وما فوقها وسيذكر العلة في عشرين، (3) العزة: وكذلك: الثبة معناهما: الفرقة والجماعة، (*)

[ 296 ]

المقصود، ومن ثمة لا ترى في ألفاظ العدد لفظا مشتركا، أصلا، كما يجيئ في غيرها من الألفاظ، وسيجيئ في باب الجمع، أن جمع المؤنث بالتاء، المحذوف لامه شائع بالواو، والنون، نحو: قلون، 1 وثبون ومئون، فقيل عشرون، وثلاثون تشبيها لها بهذه المحذوفة اللام، وابتدئ بتغيير (عشران) المثنى إلى لفظ: عشرون، المصوغ صيغة المجموع، ليكون كالتوطئة للجمع غير القياسي في أخواتها التي بعدها، إذ جمع المثنى غير قياسي، لم يجئ إلا مضافا لفظا أو معنى، إلى مثنى آخر كما في قوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما) 2، على ما يجيئ في باب المثنى، وإنما غير لفظ الواحد في: عشرون، بكسر العين فيه، بخلاف أخواته، فإنه لم يجيئ فيها تغيير، لأمكان الجمع في ثلاثون، مثلا، فإنه جمع ثلاثة، أيضا، إذ هو ثلاثة، عشر مرات، وكذا أربعون وغيره، ولا يمكن دعوى جمعية العشرة في عشرون، بوجه، فقصدوا بتغييره إلى جعله كبناء مستأنف، فالواو والنون في عشرون وأخواته، كالجبر مما حذف، كما قيل في: عزون، وكرون، وليس من باب تغليب العقلاء المذكرين على غيرهم كما قال بعضهم، لأن التغليب يكون عند الاجتماع، كالمسلمون في الرجال والنساء، والطويلون في الرجال والجمال، وأنت تقول: عشرون امرأة وعشرون جملا، بلى، يمكن دعوى التغليب في نحو: عشرون رجلا وامرأة، وعشرون رجلا وجملا،


(1) جمع قلة بتخفيف اللام لعبة للصبيان معروفة عند العرب، (2) الآية 4 من سورة التحريم، (*)

[ 297 ]

(الأعداد) (فوق العشرين) (قال ابن الحاجب:) (أحد وعشرون، إحدى وعشرون، ثم بالعطف بلفظ ما) (تقدم إلى تسعة وتسعين، مائة، وألف، مائتان، وألفان،) (فيهما، ثم على ما تقدم)، (قال الرضى:) قوله: (بلفظ ما تقدم)، أي يكون المعطوف الذي هو العقد، والمعطوف عليه أي النيف، بلفظ ما تقدم في التذكير والتأنيث، فالعشرون، لهما، ولفظ أحد واثنان على القياس، وثلاثة، إلى تسعة، على خلاف القياس في الظاهر، قوله: (فيهما) أي في المذكر والمؤنث، قوله: (على ما تقدم) يعني ترجع من ابتداء كل مائة إلى انتهائها: إلى أول العدد على التركيب المذكور، وتعطف المائة على ذلك العدد، نحو: أحد ومائة، اثنان ومائة، ثلاثة ومائة، أو تعطفه على المائة، نحو: مائة وأحد، مائتان وأحد، ألف واثنان، في غير المعلوم معدوده، وفي المعلوم: مائة ورجل، ألف ورجلان، مائة وثلاثة رجال، والأول، أي عطف الأكثر على الأقل: أكثر استعمالا، ألا ترى أن العشرة المركبة مع النيف معطوفة عليه في التقدير، فثلاثة عشر، في تقدير: ثلاثة وعشرة، وكذا ثلاثة وعشرون، أكثر من: عشرون وثلاثة، فإذا وصلت إلى الألف، استأنفت العمل، فيكون بين كل ألف إلى تمام ألف آخر، كما من أول العدد إلى الألف، تعطف الألف على ذلك العدد المنيف عليه، نحو: أحد وألف، عشرة وألف، عشرون وألف، مائة وألف، مائتان وألف، ثلاثمائة وألف، وإن شئات جعلت الألف معطوفا عليه، كما ذكرنا في المائة مع ما أناف عليها،

[ 298 ]

وكان القياس أن يكون للعاشر من الألوف، اسما مستأنفا، ثم للعاشر من ذلك العاشر، اسما مستأنفا، وهكذا لا إلى نهاية، كما كان للعاشر من العشرات اسم المائة، وللعاشر من المئات اسم الألف، إلا أنهم لما رأوا أن الأعداد لا نهاية لها، وكان وضع لفظ لكل عاشر من العقود يؤدي إلى وضع ما لا نهاية له من الألفاظ، وهو محال، اقتصروا على الألف، فقالوا عشرة آلاف وأحد عشر ألفا إلى عشرين ألفا، إلى مائة ألف، مائتي ألف، ثلاثمائة ألف، إلى ألف ألف، ثم مائة وألف ألف، مائتان وألف ألف، ثلثمائة وألف ألف، إلى: ألف ألف، وألفان وألف ألف، وثلاثة آلاف وألف ألف، إلى: ألف ألف ألف، وهكذا، إلى ما لا نهاية، ولم يقولوا عشر مائة، بل قالوا: ألف، ولا أحد عشرة مائة، بل مائة وألف، ولا ثلاث عشرة مائة، بل ثلاثمائة وألف، وثلاثة وأخواتها إذا أضيفت إلى المائة، وجب حذف تائها، سواء كان مميز المائة مذكرا أو مؤنثا، نحو: ثلثمائة رجل أو امرأة، وإذا أضيفت إلى آلاف وجب إثبات تائها، سواء كان مميز الآلاف مذكرا أو مؤنثا، نحو: ثلاثة آلاف رجل أو امرأة، لأن مميزها: المائة والألف لا ما أضيف إليه المائة والآلاف، وأصل مائة: مئية، كسدرة، حذفت لامها، فلزمها التاء عوضا منها كما في عزة وثبة، ولامها ياء، لما حكى الأخفش: رأيت مئيا بمعنى مائة، وإنما يكتب (مائة) بالألف بعد الميم، حتى لا يشتبه بصورة: منه، فإذا جمع أو ثنى، حذفت الألف، (ثماني عشر) (وما فيها من اللغات) (قال ابن الحاجب:) (وفي ثماني عشرة: فتح الياء، وجاء إسكانها، وشذ حذفها) (بفتح النون)،

[ 299 ]

(قال الرضي:) أما الفتح، فلأن الياء تحتمل الفتح لخفته، كما في: رأيت القاضي، وجاء إسكانها كثيرا، لتثاقل المركب بالتركيب، كما أسكنت في: معد يكرب وقالي قلا وبادي بدا، وجوبا، وجاز حذف الياء، مع قلته، للاستثقال، أيضا، وبعد حذف الياء، ففتح النون أولى من كسرها، ليوافق أخواته لأنها مفتوحة الأواخر مركبة مع العشرة، ويجوز كسرها لتدل على الياء المحذوفة، وقد تحذف الياء في ثماني، في غير التركيب ويجعل الأعراب على النون، قال: 526 - لها ثنايا أربع حسان * وأربع فثغرها ثمان 1 وفي الحديث: صلى ثمان ركعات 2، بفتح النون، وقد يفعل ذلك برباع 3 وجواز، ونحوهما، والبضع، بكسر الباء وبعضهم يفتحها: ما بين الثلاثة إلى التسعة، تقول: بضعة رجال وبضع نسوة، وبضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة إذا لم يقصد التعيين، قال الجوهري: إذا جاوزت لفظ العشرة، ذهب البضع، فلا تقول بضع وعشرون، والمشهور جواز استعماله في جميع العقود،


(1) قال البغدادي لم أعرف صاحب هذا الرجز، وقال إن المعري أورده في شرح ديوان البختري، وأورده قبله: إن كريا أمه ميسان، وكرى، اسم جارية، وميسان صفة من ماس يميس إذا تبختر، (2) ورد في حديث صلاة الكسوف، (3) هو الذي ألقي رباعيته من الأبل ويكون ذلك ببلوغه سبعة أعوام، والرباعية إحدى الأسنان التي بين الثنايا والأنياب، (*)

[ 300 ]

(تمييز الأعداد) (قال ابن الحاجب:) (ومميز الثلاثة إلى العشرة، مخفوض مجموع لفظا أو معنى) (إلا في: ثلاثمائة إلى تسعمائة، وكان قياسها، مئات أو) (مئين ومميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين: منصوب مفرد،) (ومميز مائة وألف، وتثنيتهما وجمعه: مخفوض مفرد)، (قال الرضي:) قوله: (إلى العشرة)، الحد ههنا داخل في المحدود، أعني أن مميز الثلاثة والعشرة أيضا، مخفوض مجموع، أما خفضة بالأضافة، فلأن الكلمة تصير بها أخف على ما مر قبل، وقد تترك الأضافة، فيقال: ثلاثة أكلب، على البدل، وربما جاء في الشعر نحو: ثلاثة أثوابا، 1 وإنما شذ النصب لأن المعدود في الأصل كان موصوفا كما تقدم، وهو المقصود، فلو نصبوه لكان المقصود في صورة الفضلات، وأما النصب في أحد عشر رجلا فسيجيئ القول فيه، وأما الأضافة إلى الجمع، فلأن ذلك المضاف إليه، كان في الأصل، كما تقدم، موصوفا، ثم أضيف العدد إليه للتخفيف، وأصل موصوف الثلاثة فما فوقها: أن يكون جمعا، وأما إفراد مميز ما فوق العشرة، فلما يجيئ، قوله: (لفظا أو معنى)، الجمع المعنوي: إما اسم الجنس كالتمر والعسل، أو


(1) انظر سيبويه 1 / 293، (*)

[ 301 ]

اسم الجمع كالرهط والقوم، والأكثر أنه كان المفسر أحدهما: فصل بمن، نحو: ثلاثة من الخيل، وخمس من التمر، وذلك لأنهما، وإن كانا في معنى الجمع، لكنهما بلفظ المفرد فكره إضافة العدد إليهما، بعد ما تمهد من إضافته إلى الجمع، وقال الأخفش: لا يجوز إضافة العدد إليهما، وهو باطل، لقوله تعالى: (تسعة رهط) 1، وقالوا: ثلاثة نفر، وقال: 527 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود * لقد جار الزمان على عيالي 2 ثم نقول: إن لم يكن للمعدود إلا جمع قلة، أضيف العدد إليه، وإن لم يكن له إلا جمع كثرة، أضيف العدد إليه، كثمانية أقلام 3 وأربعة رجال، وإن كان له الجمعان معا، أضيف العدد في الغالب إلى جمع القلة، لمطابقة العدد للمعدود قلة، نحو ثلاثة أجبال، وقد جاء: (ثلاثة قروء) 4، مع وجود أقراء، وليس بقياس، وقال المبرد: يجوز قياسا: ثلاثة كلاب، بتأويل: ثلاثة من كلاب، وليس بمشهور، قوله: (الا في: ثلثمائة إلى تسعمائة)، استثناء من قوله: مجموع، لأن المائة المضاف إليها ثلاثة إلى تسعة: مفردة غير مجموعة، وكان القياس ثلاث مئات، لأن للمائة جمعين: أحدهما في صورة جمع المذكر السالم، وهو: مئون، وقد تقدم أن العدد لا يضاف إليه،


(1) الآية 48 من سورة النمل وتقدمت قريبا (2) قاله الحطيئة وكان قد نزل منزلا ومعه امرأته وابنته وثلاث ذود، سرحها فلما أراد أن يرحل افتقد أحدها فلم يجده، فقال: أذئب القفر أم ذئب أنيس * أصاب البكر أم حدث الليالي ونحن ثلاثة وثلاث ذود، هكذا ورد، وورد مثل هذا البيت في قصيدة لأعرابي نقلها البغدادي عن أمالي الزجاجي، (3) القلم جاء جمعه على قلام مثل جبل وجبال، ولكنه قليل الاستعمال، وجمع القلة أفصح وهو لغة القرآن، (4) من الآية 228 في سورة البقرة، (*)

[ 302 ]

فلم يبق إلا مئات يضاف إليها، لعوز جمع التكسير 1، كما في (ثلاث عورات) 2 لكنهم كرهوا أن يلي التمييز المجموع بالألف والتاء، بعد 3 ما تعود المجيئ بعد ما هو في صورة المجموع بالواو والنون، أعني: عشرين إلى تسعين، فاقتصر على المفرد، مع كونه أخصر، وارتفاع 4 اللبس، وقد جاء في ضرورة الشعر: ثلاث مئين، وخمس مئين، قال: 528 - ثلاث مئين للملوك وفى بها * ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم 5 وبعضهم يقول في مئون: مؤون بضم الميم، وبعضهم يشم كسر ميم مائة في الواحد أيضا، شيئا من الضم، لا يبين الضم، وذلك هو الأخفاء، قال الأخفش: لو صممت ميم مئات فقلت: مؤات كما في مؤون جاز، وبعضهم يجعل نون مئين معتقب الأعراب كسنين كما يجيئ في الجمع، وقال الأخفش: هو فعلين في الأصل كغسلين فحذفت اللام، فهو عنده مفرد، وليس بشئ، إذ لو كان مفردا، لقيل لمائة واحدة: مئين، ولعله عنده اسم جمع، وقال بعضهم: هو: فعيل، كعصي 6 فأبدلت الياء الأخيرة نونا، وقوله:


(1) أي لفقده وعدم وجوده (2) الآية 58 من سورة النور وتقدمت، (3) متعلق بقوله يلي وتقديره: أن يجيئ بعد... (4) معطوف على كونه أخصر (5) رواية البيت: فدا لسيوف من تميم وفي بها... وهو للفرزدق الذي دفع رداءه لسليمان بن عبد الملك رهنا وكان سليمان قد خطب في الناس بمكة فذكر غدر بني تميم في قصة طويلة فقام الفرزدق وقدم رداء وقال يا أمير المؤمنين هذا ردائي رهن لك بوفاء بني تميم والذي بلغك كذب، وبعد هذا البيت: شفين حزازات الصدور ولم تدع * علينا مقالا في وفاء للائم (6) وزن عصي: فعول بضم الفاء ولكنه صورة هكذا باعتبار اللفظ نظرا لكسر أوله إتباعا، (*)

[ 303 ]

529 - وحاتم الطائي وهاب المئي عند الأخفش، في الأصل: المئين، حذف النون ضرورة، وحكى عن يونس 2 أنه مطروح الهاء كتمرة وتمر، وليس بمستقيم إذ القياس، إذن، مئي، كمعى، كما تقول في لثة: لثى، وفي ظبة: ظبي، وقد قيل: أصله مئي، ككليب، كسرت الفاء كما قيل في شعير: شعير، وفي رغيف: رغيف لكون العين حرف حلق، كما يجيئ في التصريف، ثم خفف لأجل القافية، ومئي، ككليب غير مسموع، ففي هذا القول نظر، قوله: (ومميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين: منصوب مفرد)، أما نصبه، فلتعذر الأضافة إليه، أما من أحد عشر إلى تسعة عشر، فلكراهتهم أن تجعل ثلاثة أسماء كاسم واحد، فإن قلت: فقد قالوا: ثلاثة عشر زيد، وخمسة عشرك، فجازت الأضافة إلا في اثني عشر، كما مر في باب المركب، قيل: ليس هذا مثله، لأن المضاف إليه إذا كان مميزا فهو المقصود بالأول في المعنى وإنما جيئ به لبيانه، فكأن الجميع كالشئ الواحد، والمضاف إليه في نحو: ثلاثة عشرك: شئ آخر،


(1) هو كما قال أبو زيد الأنصاري في النوادر لامرأة تفخر بأخوالها من اليمن وقبله: جيدة خالي ولقيط وعلي * وحاتم الطائي وهاب المئي ولم يكن كخالك العبد الداعي... الخ ما قالت، وقال البغدادي: إن العينى جعله من رجز لقصي بن كلاب، خطأة في ذلك بأن حاتما بعد قصي بزمن، ورجز قصي فيه قبل هذا الشطر عند العيني، أمهتي خندف والياس أبي...، (2) يونس بن حبيب شيخ سيبويه، وتقدم ذكره في هذا الجزء وفي سابقيه، (*)

[ 304 ]

وأما عشرون وأخواته، فلأن النون ليست للجمع حقيقة حتى تحذف، بل هي مشبهة بها، فإن قيل: فقد يقال: أرضو زيد، وكرو عمرو، وهذه النون مثلها، قلت: بل نون (عشرون) وأخواتها أبعد منها من نون الجمع، لأن (أرضون)، جمع أرض، حقيقة، وإن لم يكن قياسا، بخلاف (عشرين) وأخواتها، فإنها ليست جمع عشر، وثلاث وأربع، لما مر في أول الباب، ولم تمكن الأضافة مع إثبات النون أيضا، لمشابهتها لنون الجمع، وربما جاء: عشرو درهم، وأربعو ثوب، وهو قليل، وأما إفراده، فلأن جمعيته الأصلية التي كانت له حين كان موصوفا إنما حوفظ عليها حال الأضافة إليه لأن المضاف إليه غير فضلة بل من تمام الأول كالموصوف، فما بقيت الجمعية له مضافا، كما كانت له موصوفا، فلما تعذرت الأضافة، ونصب على التمييز، وهو في صورة الفضلات، لم يبق كالموصوف الذي هو عمدة حتى يجب مراعاة حاله، والجمعية مفهومة من العدد المتقدم، والمفرد أخصر، فاقتصر عليه، ومع صيرورة المعدود في صورة الفضلات، يراعى أصله حين كان موصوفا، فلا يوصف، في الأغلب، إلا هو، دون العدد، لأنه هو المقصود من حيث المعنى والمعدود، وإن كان مقدما، كالوصف له، تقول: عندي عشرون رجلا شجاعا، كما يوصف هو إذا كان مضافا إليه، قال الله تعالى: (إنى أرى سبع بقرات سمان) 1، ويجوز وصف العدد أيضا لكن على قلة، قوله: (وتثنيتهما، وجمعه) أي تثنية المائة والألف، وجمع الألف، إذ المائة لا تجمع مضافا إليها ثلاث وأخواته، كما مر، وإن لم يضف إليها ثلاث وأخواته، جمعت وأضيف ذلك الجمع إلى المفرد، نحو: مئات رجل،


(1) من الآية 43 في سورة يوسف، (*)

[ 305 ]

قوله: (مخفوض مفرد)، أما خفضه فعلى الأصل، كما ذكرنا في نحو: ثلاثة رجال، وأما إفراده، فلما جرأهم عليه إفراد المميز المنصوب الذي قبله، مع أنه أخف من الجمع، ولفظ العدد كاف في الدلالة على الجمع، ومرتبة الآحاد جمع قلة وحكم جمع القلة عندهم حكم الأفراد في كثير من الأشياء، كتصغيرهم له على لفظه، وجمعهم له مرة بعد أخرى جمع التكسير، وأما هذه المرتبة فمشهور كثرتها، لا كمرتبة الآحاد، فأغنت عن جمع تمييزها، وقد يجمع مميز المائة، نحو مائة رجال، وقد يفرد منصوبا، قال: 530 - إذا عاش الفتى مائتين عاما * فقد ذهب اللذاذة والفتاء 1 قال المصنف، ونعم ما قال، فيمن قرأ قوله تعالى: (ثلاثمائة سنين) 2 بالتنوين، وهي من غير حمزة، والكسائي،: أنه على البدل، لا على التمييز، وإلا لزم الشذوذ من وجهين: جمع مميز المائة ونصبه، فكأنه قال: ولبثوا سنين، قال: وكذا قوله تعالى: (اثنتي عشرة أسباطا) 3، وإلا لزم الشذوذ بجمع المميز، قال الزجاج: لو انتصب سنين، على التمييز، لوجب أن يكونوا، لبثوا تسعمائة سنة، ووجهة: أنه فهم أن مميز المائة، واحد من مائة، كقولك: مائة رجل، فرجل: واحد من المائة، فلو كان (سنين) تمييزا، لكان واحدا من ثلثمائة، وأقل السنين: ثلاثة، فكأنه قال: ثلاثمائة ثلاث سنين، فتكون تسعمائة،


(1) من أبيات للربيع بن ضبع الفزاري قالها بعد أن كبر، وكان من المعمرين يقول في أوله: ألا أبلغ بني بني ربيع * فأشرار البنين لكم فداء بأني قد كبرت ورق عظمي * فلا تشغلكم عني النساء ومنها البيت الذي يستشهد به على مجيئ كان تامة: وهو: إذا كان الشتاء فأدفئوني * فإن الشيخ يهدمه الشتاء (2) من الآية 25 سورة الكهف، (3) من الآية 160 سورة الاعراف، (*)

[ 306 ]

قال المصنف، وهذا يطرد في قوله تعالى: (اثنتي عشرة اسباطا)، فلو كان تمييز ا، لكانوا ستة وثلاثين، على رأيه 1، قال: وهذا الذي ذكره الزجاج يرد على قراءة حمزة والكسائي، لأنهما قرآ: ثلاثمائة سنين، بالأضافة، فسنين عندهما تمييز، لا غير، وإن لم يكن منصوبا، ولا شك أن قراءة الجماعة أقيس من قراءتهما عند النجاة، وما ذكره الزجاج غير لازم، وذلك لأن الذي ذكره مخصوص بأن يكون التمييز مفردا، أما إذا كان جمعا، فالقصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعا في نحو ثلاثه أثواب، مع أن الأصل في الجميع: الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لعلة، كما تقدم، فإذا استعمل المميز جمعا، استعمل على الأصل، وما قاله الزجاج، إنما كان يلزم أن لو كان ما استعمل جمعا: استعمل كما استعمل المفرد أما إذا استعمل الجمع على أصله، فيما وضع العدد له، فلا: هذا آخر الكلام المصنف، وإذا وصفت المميز، جاز لك في الوصف، اعتبار اللفظ والمعنى، نحو: ثلاثون رجلا ظريفا، ومائة رجل طويل وطوال، قال: 531 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الأسحم 2 واعلم أن سيبويه 3، وجماعة من النجاة، يستقبحون كون مميز العدد، في أي درجة


(1) أي الزجاج، بناء على رأية الذي حكاه الشارح، (2) من معلقة عنترة العبسي، والضمير في قوله: اثنتان وأربعون، راجع إلى حمولة في قوله قبل هذا البيت: ما راعني إلا حمولة أهلها * وسط الديار تسف حب الخمخم والحمولة الأبل التي يحمل عليها، وحب الخمخم بخاءين معجمعتين أو خاءين مهملتني مع كسرهما في الوجهين، وهو نبات له حب أسود إذا أكلته الغنم قلت ألبانها.... (3) قال سيبويه 2 / 173: وتقول ثلاثة نسابات، جمع نسابة، وهو قبيح... ثم قال في 2 / 175 بعد أن مثل بقوله: ثلاثة قرشيون - بالأتباع.. فهذا وجه الكلام كراهية أن تجعل الصفة كالاسم، إلا أن يضطر شاعر، (*)

[ 307 ]

كان: صفة، نحو قولك: سبعة طوال، وأحد عشر طويلا، ومائة أبيض، لأن المقصود من التمييز: التنصيص، وهو معدوم في أكثر الأوصاف، بلى، إن كانت الصفة مختصة ببعض الأجناس لم يستقبح نحو ثلاثة علماء، ومائة فضل، كما قلنا في: هذا الأبيض، وهذا العالم، وإذا أضفت العدد المركب نحو: أحد عشرك، وخمسة عشر زيد، فعند سيبويه: الاسمان باقيان على بنائهما لبقاء موجبه، أي التركيب،.... والأضافة عنده، لا تخل بالبناء، كما لا يخل به الألف واللام اتفاقا، نحو: الأحد عشر، وإن كانت الأضافة، واللام، من خواص الأسماء، وأما الأخفش والفراء، فإنهما فرقا بين اللام والأضافة، وذلك لأن ذا اللام، كثيرا ما يوجد في غير هذا الموضع مبنيا، كالان، والذي وأخواته، والأمس، عند بعضهم، وأما المضاف فلا يكون إلا معربا، إلا: لدن وأخواته، ألا ترى إلى إعراب (أي) للزوم إضافته، مع ثبوت علة البناء فيه، وإلى إعراب قبل، وبعد، وأخواتهما مع الأضافة، والبناء عند القطع عنها، وأما بناء (غلامي)، على مذهب النجاة، وبناء (حيث)، وإذا، ونحو قوله على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألما تصح والشيب وازع 1 - 488 فقد مضى الكلام عليه في مواضعه، فالأخفش 2 يعرب ثاني الاسمين قياسا مع الأضافة، نحو: جاءني خمسة عشر زيد، إجراء له مجرى (بعلبك)، والفراء يجعل جزأي المركب عند الأضافة معربين إعراب المضاف والمضاف إليه، لشبهه لفظا بالمضاف والمضاف إليه، فيكون، خمسة عشر زيد، كابن عرس زيد،


(1) من قصيدة للنابغة الذبياني وتقدم في هذا الجزء في باب الظروف، (2) تفصيل لمخالفة الأخفش والفراء في التفرقة بين اللام والأضافة، (*)

[ 308 ]

(اعتبار اللفظ والمعنى) (في المعدود) (قال ابن الحاجب:) (وإذا كان المعدود مؤنثا واللفظ مذكرا، أو بالعكس) (فوجهان)، (قال الرضي:) يعني مثل قولك: شخص، إذا أطلقته على امرأة، وقولك: نفس، إذا أطلقتها على رجل، ففي الأول: المعدود وهو المرأة مؤنث، ولفظ الشخص مذكر، وفي الثاني: المعدود وهو رجل مذكر ولفظ النفس مؤنث، فلك أن تعتبر اللفظ وهو الأقيس والأكثر في كلامهم، لما ذكرنا في الموصولات، فتقول: ثلاثة أشخص أي نساء، وثلاث أنفس قال: 532 - فكان مجني دون من كنت أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومعصر 1 (الواحد والاثنان) (لا يميزان) (قال ابن الحاجب:) (ولا يميز: واحد، ولا اثنان، استغناء بلفظ التمييز عنهما) (نحو: رجل ورجلان، لأفادة النص المقصود بالعدد)،


(1) من قصيدة مشهورة لعمر بن أبي ربيعة المخزومي، منها بعض الشواهد في هذا الشرح، والكاعبان تثنية كاعب وهي الفتاة حين يبدو ثديها للظهور، والمعصر بكسر الصاد، الفتاة أول ما يدركها الحيض، (*)

[ 309 ]

(قال الرضي:) إنما لم يميز، واحد، واثنان، لأن ألفاظ العدد قصد بها الدلالة على نصوصية 1 العدد، لما لم يكن الجمع يفيد ذلك، فلو قالوا: رجال، لم يعلم عددهم، ولو قالوا ثلاثة واقتصروا، لم يعلم ما هي ؟ فلما كان نحو رجل ورجلان يفيد المعنيين معا، استغنى عن ذكر لفظ العدد معه فلم يقولوا واحد رجل ولا واحد رجلين، ولا واحد رجال، لأن لفظة رجل وحدها، تفيد الوحدة والمعدود، ولم يقولوا: اثنا رجل ولا: اثنا رجال، لأن لفظة رجلين تفيد الاثنينية، وقوله: 533 - كأن خصييه من التدلدل * ظرف عجوز فيه ثنتا حفظل 2 ضرورة، قوله: (استغناء بلفظ التمييز عنهما)، يعني لم يقولوا: واحد رجل ولا اثنا رجلين لأن التمييز الأول يفيد الوحدة، والثاني يفيد الاثنينية، وهذا الاستدلال لا يستمر في نحو: واحد رجال، واثنا رجال، وثنتا حنظل، (تعريف العدد 1) وإذا قصد تعريف العدد، فان كان مفردا، أي غير مضاف ولا مركب، أدخل اللام عليه، واحدا كان أو أكثر، كالعشرون رجلا، والثلاثة والأربعون جملا، والعشرة


(1) تكررت الأشارة إلى أن هذه كلمة مولدة معناها كون الشئ لا يحتمل غيره، (2) من رجز لخطام المجاشعي، أوله: يا رب بيضاء بوعس الأرمل * شبيهة العين بعين مغزل وأخذ يصف نفورها من زوجها، وأنها تدعو عليه، وفي الرجز كثير من الفحش، (3) هذا من استطرادات الرضى التي يجيئ بها بعد أن يستوفي شرح كلام المصنف، (*)

[ 310 ]

والمائة بعير 1، وان كان مضافا، فعلى المضاف إليه، وان كان مضافا الى المضاف، فعلى المضاف إليه الأخير، فالأول، كثلاثة الدراهم، ومائة الدرهم، وثلاث المائة وأربعة الآلاف، والثاني، نحو ثلاثمائة الألف، وثلاثمائة ألف الدرهم، وثلاثمائة ألف الف الدرهم، وقد يدخل حرف التعريف على المضاف والمضاف إليه معا شذوذا، 2 نحو: الثلاثة الأثواب، وعند الكوفيين هو قياس، كما مر في باب الاضافة، 2 وان كان مركبا، دخل على الأول، نحو: الأحد عشر درهما، ولا يجوز دخوله على التمييز لوجوب تنكيرة ولا على ثاني جز أي المركب، لأنه يكون كأنه داخل في وسط الكلمة، وقد يدخل على الجزأين بضعف نحو: الأحد العشر درهما، وهو عند الأخفش والكوفيين قياس، وقد يدخل على الجزأين والتمييز بقبح، نحو: الأحد العشر الدرهم، وهو قياس عند بعض الكوفيين، (التغليب) (في تمييز العدد) واعلم أن العدد المميز بمذكر ومؤنث معا، اما أن يكون مفصولا بينه وبينهما بلفظ (من) أو (بين)، أو، لا 3، فإن كان، فالغلبة للتذكير، نحو: اشتريت عشرة بين عبد وأمة، ورأيت خمسة عشر من النوق والجمال، الا أن يكون المميزان (يوما) و (ليلة) فالغلبة، اذن، للتأنيث، قال:


(1) التمثيل بالعشرة والمائة بعير معا على أنهما عدد واحد، (2) في الجزء الثاني، (3) يعني أو لم يكن مفصولا بينه وبينهما، (*)

[ 311 ]

534 - فطافت ثلاثا بين يوم وليلة * وكان النكير أن تضيف وتجأرا 1 إذ التاريخ مبني على الليالي، كما يجيئ، فلهذا، إذا أبهمت ولم تذكر الأيام ولا الليالي، جرى اللفظ على التأنيث، نحو قولك: أقام فلان خمسا، قال الله تعالى: (... يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) 2 وانما غلب التأنيث لذلك، وللفصل، إذ كأنه مع الفصل لم يذكر المميز قال سيبويه 3: يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة، لكنه ليس بحد كلام العرب، وان لم يفصل بينهما، فان كان العدد مضافا الى المعدود، فالغلبة للأسبق، نحو: خمسة أعبد وآم 4، وخمس آم وأعبد، إذ الاضافة إليه تفيد فضل اختصاص، وكذا في عدد عطف عليه هذا العدد المضاف نحو: ثلاثة ومائة رجل وامرأة، وثلاث وألف ناقة وجمل، وان كان المعدود منصوبا على التمييز، فان كان المذكر من المميزين عاقلا، سواء كان المؤنث عاقلا، أو، لا، فالاعتبار بالمذكر، نحو: خمسة عشر امرأة ورجلا، وخمسة وعشرون ناقة ورجلا، لاحترام التذكير المقارن للعقل، وان لم يكن المذكر منهما عاقلا، فالاعتبار بأسبقهما نحو: ثلاثة عشر جملا وناقة وأربعة عشر بيتا وصفة وأربعة وعشرون يوما وليلة،


(1) من قصيدة النابغة الجعدي التي مدح بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في هذا الجزء من القصيدة يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها فظلت تبحث عنه ثلاثا، أي ثلاثة أيام وثلاث ليال، ولا تنكر شيئا مما حولها الا الجزع والأشفاق والجؤار أي الصياح، ثم انتقل إلى المدح ومما قاله في ذلك، أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرة نيرا وقد استجاد النبي شعره ودعا له قائلا * لا يفضض الله فاك، (2) الآية 234 سورة البقرة، (3) سيبويه 2 / 174 (4) جمع أمة، جمع قلة على وزن أفعل، وأصلة أأمو، تحول إلى منقوص وأبدلت الهمزة الثانية مدة، وحذفت ياء المنقوص للتنوين.... (*)

[ 312 ]

هذا، وإذا كان المميزان: يوما، وليلة، نحو: سرت أربعة عشر يوما وليلة فالمراد: أربع عشرة ليلة وأربعة عشر يوما، لأن مع الليالي أياما بعدتها، ولا كذا، نحو: اشتريت عشرة بين عبد وأمة، أو خمسة عشر جملا وناقة، بل المعنى أن مجموع عدد الأماء والعبيد عشرة، فبعض العشرة عبيد، وبعضها إماء، ويجوز أن يتساويا، فيكون: خمسة عبيد وخمس إماء، ويجوز أن يختلفا، والنكرة المضاف إليها (بين) في مثل هذا، أي في موضع القسم 1، يقصد بها الجنس، ولفظة (بين) مستعارة من الظرف المكاني، فقولك: القوم: بين رجل وامرأة، أي ليسوا بخارجين من هذين القسمين، ومن هذين الجنسين، كما أن ما يكون بين الشيئين لا يكون خارجا من المكان المتوسط بينهما، (كيفية التاريخ) واعلم أن الليل في تاريخ العرب، مقدم على اليوم، لأن السنين عندهم مبنية على الشهور القمرية، وذلك لكون أكثرهم أهل البراري، الذين يتعسر عليهم معرفة دخول الشهر الا بالاستهلال، فإذا أبصروا الهلال عرفوا دخول الشهر، فأول الشهر عندهم: الليل، لأن الاستهلال يكون في أول الليل، فيقال في أول ليلة من الشهر: كتب لليلة خلت، واللام هي المفيدة... للاختصاص، الذي هو أصلها، 2 والاختصاص ههنا على ثلاثة أضرب، اما أن يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه، نحو: كتبته لغرة كذا، أو يختص به لوقوعة بعده، نحو: لليلة خلت، أو يختص به لوقوعه قبله، نحو: لليلة بقيت، وذلك بحسب القرينة، فمع الاطلاق،


(1) أي التقسيم، (2) قال الرضى في حروف الجر ان من معاني اللام أن تكون بمعنى قبل، أو بعد، وعقب على ذلك بأن الأولى أن تكون باقية على أصلها من الاختصاص كما شرحه هنا، والنجاة يسمونها في مثل ذلك لام التوقيت، (*)

[ 313 ]

يكون الاختصاص بوقوعه فيه، ومع قرينة نحو: خلت، يكون بوقوعه بعده، ومع قرينة نحو: بقيت، يكون بوقوعه قبله، وتقول في الليلة الثانية: كتبت لليلة الثانية من كذا، وعلى هذا القياس الى آخر الشهر، وان وقع الفعل في الليل، ولم يقصد الى ذكر وقوعه فيه، جاز أن يكتب فيه ما يكتب في الأيام، وذلك أنك تقول، في ثاني الأيام: لليلتين خلتا، وفي ثالثها: لثلاث ليال خلون، وكذا الى عشر ليال خلون، ويجوز: لثلاث ليال خلت، الى: عشر ليال خلت، والأول أولى ليرجع النون الذي هو ضمير الجمع الى الجمع، وفي الحادي عشر: لأحدى عشرة ليلة خلت، الى أن تكتب في الرابع عشر، لأربع عشرة ليلة خلت، ويجوز: خلون، حملا على المعنى، والأول أولى، مراعاة للفظ، وقريب من ذلك 1: ما حكى المازني: الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، جعل ضمير الأجذاع، وهو جمع قلة، ضمير الجمع وهو النون، لأنك لو صرحت بعدد القلة، أي من ثلاثة الى عشرة، لكان مميزه جمعا نحو: ثلاثة أجذاع، وجعل ضمير الجذوع، وهو جمع الكثرة، ضمير الواحدة، أي المستكن في انكسرت، لأنك لو صرحت بعدد الكثرة، أي ما فوق العشرة لكان مميزه مفردا، نحو: ثلاثة عشر جذعا، وتكتب في الخامس عشر: للنصف من كذا، وهو أولى من قولك، لخمس عشرة ليلة خلت، ومن قولك لخمس عشرة ليلة بقيت أو بقين، مع جوازهما أيضا، وذلك لأن الأول أخصر منهما، وفي السادس عشر: لأربع عشرة ليلة بقيت أو بقين، كما قلنا، وبعضهم يقول من الخامس عشر الى الأخير: (ان بقيت 2) لتجويز نقصان الشهر، الى أن تكتب في


(1) يريد الاختلاف في عود الضمير مفردا مؤنثا أو مجموعا (2) يعني يأتي بجملة ان بقيت، بعد ذكر التاريخ، لتجويز نقصان الشهر كما قال، (*)

[ 314 ]

العشرين لعشر ليال بقين، وهو أولى من: بقيت، كما ذكرنا مع جوازه، أيضا، الى أن تكتب في الثامن والعشرين: لليلتين بقيتا، وفي التاسع والعشرين: لليلة بقيت، وفي الليلة الأخيرة: لآخر ليلة منه أو سلخه، أو انسلاخه، وفي اليوم الأخير: لآخر يوم من كذا، أو سلخه أو انسلاخه، (الاشتقاق) (من ألفاظ العدد) (قال ابن الحاجب:) (وتقول للمفرد من المتعدد باعتبار تصييره: الثاني والثانية) (الى: العاشر والعاشرة، لا غير، وباعتبار حاله: الأول) (والثاني والأولى والثانية، الى: العاشر والعاشرة، والحادي) (عشر والحادية عشرة، والثاني عشر والثانية عشرة، إلى) (التاسع عشر، والتاسعة عشرة، ومن ثم، قيل في الأول) (ثالث اثنين، أي: مصيرهما من ثلثتهما، وفي الثاني:) (ثالث ثلاثة أي أحدها، وتقول: حادي عشر أحد) عشر، على الثاني خاصة، وان شئت: حادي، أحد عشر،) (الى تاسع تسعة عشر، فتعرب)، (قال الرضي:) يعني بالمفرد: الواحد، وبالمتعدد: المعدود، وقد تقدم أن جميع ألفاظ العدد، كانت في الأصل لمجرد العدد، كما في قولك: ثلاثة نصف سنة، ثم استعملت في المعدودات، كما في: رجال ثلاثة، وستة رجال، فإذا كان هناك معدود معين كعشرة رجال مثلا، وقصدت ذكر واحد منهم، فان أردت ذكره بلا ترتيب، جئت بواحد، أو أحد، الذي هو أول تلك الألفاظ الاثني عشر، فقلت: هذا واحد العشرة، أو:

[ 315 ]

أحدهم، وان قصدت الى واحد منهم مع حفظ الترتيب العددي، فذلك على وجهين: أحدهما: أن تقصد الى ذلك الواحد، المعين درجته ومرتبته العددية بالنظر الى حاله، أي درجته التي هو فيها من العدد، لا باعتبار عدد آخر، كالثالث أي الواحد من الثلاثة، والثاني، أي الواحد من الاثنين، وهو معنى قوله: (باعتبار حاله)، والثاني: أن تقصد الى ذلك الواحد المراعى درجته العددية مع النظر الى الدرجة التي تحت درجته، أيضا، فيكون واحدا من درجته بسبب تصييره الدرجة التي تحت درجته ممحوة ذاهبة الاسم، وجعله للمجموع اسم درجة نفسه بسبب انضمامه الى ما تحته، نحو: ثالث اثنين، أي واحد من ثلاثة بسبب انضمامه الى اثنين وجعله للمجموع اسم ثلاثة، حتى صار واحدها، ومحوه عن المجموع اسم الاثنين، فمعنى ثالث اثنين: مصير اثنين ثلاثة بنفسه، إذ صار (اثنان) معه، ثلاثة، وهذا معنى قوله: باعتبار تصييره، فإذا قصدت إليه باعتبار التصيير، لم يجز أن يبنى من واحد، إذ ليس تحت الأحد عدد، يصير أحدا، بانضمامه الى الأحد، ويجوز أن يبنى من الاثنين نحو: ثاني واحد، أي: مصير واحد: اثنين بنفسه، فإذا جئت بعده بمفعول هذا المصير، إما مجرورا أو منصوبا، وجب أن يكون أنقص من العدد المشتق منه هذا المصير بدرجة، كرابع ثلاثة وخامس أربعة، ولا يجوز أن يكون أنقص بأكثر من درجة، ولا أزيد بشئ، إذ المعنى: أنه صير مفعوله بانضمامه إليه على العدد المشتق هو منه، وهذا المعنى لا يتم الا في الناقص بدرجة فقط، وإذا نصبت به فانما تنصب إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لا بمعنى الماضي، كما يجيئ في اسم الفاعل، والاضافة في هذا، أكثر من النصب بخلاف سائر أسماء الفاعلين، فانهما متساويان فيهما، أو النصب أكثر، وانما قل النصب ههنا لأن الانفعال والتأثر في هذا المفعول غير ظاهر الا بتأويل، وذلك لأن نفس الاثنين لا تصير ثلاثة أصلا، وان انضم إليها واحد، بل يكون المنضم والمنضم إليه معا، ثلاثة،

[ 316 ]

والتأويل: أنه سقط عن المجموع الأول بانضمام ذلك الواحد: اسم الاثنين، وصار يطلق على المجموع الثاني اسم لثلاثة، فكأنه صار المجموع الأول هو المجموع الثاني، فعلى هذا، جاز بناء اسم الفاعل من الاثنين إلى العشرة، إذ لكل منها فعل، ومصدر، نحو: ثنيت الأحد ثنيا، وثلثت الاثنين ثلثا، وكذا ربعت الثلاثة، الى: عشرت التسعة، والمضارع من جميعها بكسر العين الا ما لامه حرف حلق، كأربع وأسبع وأتسع، وقد يكسر هذا أيضا على الأصل، وقد جاءت هذه الأفعال بهذه المصادر بشرط ضم العين في المضارع إلا ما لامه حرف حلق، بمعنى آخر، وهو قولهم: ثلثت الرجل أي أخذت ثلث ماله، وكذا ربعته وخمسته الى عشرته، وليس هذا المعنى مما نحن فيه، ولا يجيئ بهذا المعنى: ثنيت الرجل، إذ لا معنى له، ولا يتجاوز بهذين المعنيين: العشرة، وأجاز سيبويه 1 أن يتجاوز العشرة ما هو بمعنى التصيير، خلافا للأخفش، والمازني، والمبرد، قال أبو عبيدة: 2 تقول: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم، أي جعلتهم ثلاثين، وكانوا تسعة وثلاثين فربعتهم، أي جعلتهم أربعين، وهكذا الى المائة، قال السيرافي: ان كثيرا من النحويين يمنعون من الاشتقاق بمعنى التصيير فيما جاوز العشرة، وهذا هو القياس، قال: ومنهم من يجيزه، ويشتقه من لفظ النيف، فيقول: هذا ثاني أحد عشر، وثالث اثني عشر، وينونه، قال المبرد: هذا لا يجوز، لأن هذا الباب يجري مجرى الفاعل المأخوذ من الفعل، ونحن لا نقول: ربعت ثلاثة عشر، ولا أعلم أحدا حكاه، واعلم أنه انما لم يجز الاشتقاق، فوق العشرة، بمعنى المصير، وجاز بمعنى أحد، نحو ثلاثة عشر، لأن ما هو بمعنى الأحد، في صورة اسم الفاعل، وليس به


(1) انظر سيبويه 2 / 173، (2) المراد معمر بن المثنى، أما أبو عبيد بدون تاء فهو القاسم بن سلام تلميذ أبي عبيدة هذا، وكلاهما تقدم ذكره، (*)

[ 317 ]

معنى، كحائط، وكاهل، فلا بأس أن يبنى من أول جزأي المركب، إذ لا يحتاج فيه الى مصدر ولا فعل، وأما المصير فهو اسم فاعل حقيقة، واسم الفاعل لابد له من فعل ومصدر، ولم يثبت فعل ولا مصدر مبنيان من العدد الذي فوق العشرة، والذي حكى أبو عبيدة، إنما هو في العقود من عشرة الى مائة، كعشرين وثلاثين الى تسعين، فقط، وليس من المركب، والمعطوف، والظاهر أن سيبويه 1 قاس ما هو بمعنى المصير، على ما هو بمعنى الأحد، ولم يقل ذلك عن سماع، فعلى ما قال، يجوز فيه وجهان: نحو: رابع عشر ثلاثة عشر، على بناء اسم الفاعل من أول جزأي المركب، والأتيان بثانيهما كما هو، ورابع ثلاثة عشر بحذف ثانيهما، واعراب أولهما، لزوال التركيب، ولا يجوز ههنا حذف أول جزأي المركب، المضاف إليه، لا على أن تركب (رابع) مع (عشر) الأخير، فتبنيهما، ولا على أن تضيف (رابع) الى (عشر)، فتعربه، أي تعرب (رابع)، للالتباس برابع عشر بمعنى الأحد، كما يجيئ، وأما إن قصدت الى ذلك الواحد باعتبار حاله، فان لم تضف، قلت: الأول، والثاني، والثالث، الى العاشر، وإنما أبدلت الواحد بالأول، لأن الواحد، كما ذكرنا، يطلق على كل واحد من مفردات المعدودات، إذا لم يقصد الترتيب، فقلت: الأول، لتبين قصد الترتيب، وهذا المبني على وزن الفاعل، وإن لم يكن اسم فاعل حقيقة، كما مر، لكن فيه معنى الوصف، بخلاف نحو الحائط، وهذا، يجوز أن تجاوز به العشرة اتفاقا، فتقول: الحادي عشر، فتقلب الواحد الى الحادي، بجعل الفاء مكان اللام والعين مكان الفاء، وتقول: الثاني عشر، فتسكن ياءي الحادي والثاني مع أنهما مركبان، كما مر في: معد يكرب، وأما العشرون، والثلاثون الى التسعين، والمائة والألف، فلفظ المفرد من المتعدد،


(1) انظر عبارة سيبويه في ج 2 ص 173، (*)

[ 318 ]

ولفظ العدد فيهما: واحد، كما مر في باب المركب، وكان القياس أن يقال: العاشرون والثالثون، وتقول في المعطوف: الثالث والعشرون والثالث والمائة، والرابع والألف، وان أردت اضافة هذا النوع الى ما هو جزء منه، ولا يجوز ذلك إلا فيما دون العشرين، فلك أن تضيفه الى أصله، وهو الأغلب، أو الى ما فوقه، فلفظ الأول، لا يضاف إلا إلى ما فوقه، نحو: أول العشرة، وأول الخمسة، ولا يضاف إلى الأحد، فلا يقال أول الأحد، ولا أول الواحد، لأن معنى الاسم المضاف بهذا المعنى: بعض المضاف إليه، وذلك البعض هو الواحد، فمعنى ثالث ثلاثة: أحد ثلاثة، وليس للواحد بعض حتى يضاف ذلك البعض إليه، وأما غير لفظ الأول فيجوز فيه الوجهان، نحو: ثاني اثنين، وقولك: عطارد ثاني السبعة السيارة، ولا يجوز، عند الجمهور، أن ينصب أصله، إذ ليس باسم فاعل حقيقة، ونقل الأخفش عن ثعلب 1 جواز ذلك، قال الأخفش: قلت له، فإذا أجزت ذلك فقد أجريته مجرى الفعل، فهل يجوز أن تقول: ثلثت ثلاثة، قال: نعم، على معنى: أتممت ثلاثة، وجعلت الثلاثة ثلاثة بضم نفسي الى اثنين، فإذا جاوزت العشرة وأردت الاضافة، قلت، على ما أجاز سيبويه 2، وحكاه عن العرب: حادي عشر أحد عشر، وثالث عشر ثلاثة عشر، فيكون (حادي عشر) بمنزلة (ثالث) و (أحد عشر) بمنزلة ثلاثة، فالمركب الأول بجزأيه، مضاف الى المركب الثاني بجزأيه، وكلا جزأي المركب: مبنيان، وقد أنكر ثعلب هذا الوجه، وحكاه 3 عن الكوفيين، وقال: انهم لا يجوزون إلا


(1) أبو العباس أحمد بن يحيى، من زعماء الكوفيين، وتقدم ذكره، (2) في سيبويه 2 / 173 وقال انه القياس، (3) حكاه أي الأنكار (*)

[ 319 ]

ثالث ثلاثة عشر، وحجتهم أنه لا يمكن بناء الفاعل من جزأي المركب، فتبنيه من الجزء الأول وهو النيف، وقول سيبويه أولى، لأنه ليس اسم فاعل على الحقيقة، وحكايته عن العرب لا تنكر مع ثقته وعدالته، ولا ريب أن حذف ثاني جزأي المركب المضاف، أكثر استعمالا، لخفته، ولاستثقال تكرار لفظ عشر في المضاف والمضاف إليه، فإذا حذفته أعربت أو ل الجزأين بوجوه الاعراب، لزوال التركيب الموجب لبنائه، وامتناع تركيبه مع جزأي المركب الأخير، ويجوز حذف أول جزأي المضاف إليه، أيضا، فتقول في ثالث ثلاثة عشر: ثالث عشر، فالذي ذكره سيبويه بعد الحذف: فتحهما جميعا، أما الثاني، فلتضمن الواو، وأما الأول، فلقيام ثاني جزأي المضاف إليه، مقام ثاني جزأي المضاف، وذكر الكوفيون جواز اعراب الأول، وأما الثاني فلا كلام في بنائه، لتضمنه الحرف، ووجه اعراب الأول: عدم قيام ثاني جزأي المضاف إليه مقام ثاني جزأي المضاف، قال السيرافي: هذا قول قريب، لم ينكره أصحابنا، وروى الكسائي الوجهين عن العرب، قال المصنف في الوجه الأول، أعني بناء الجزأين: الظاهر أن هذا اللفظ: لفظ الاسمين الأولين بلا اضافة الى المركب الثاني، لعدم الالتباس، واعلم أن لقولك: ثالث ثلاثة عشر، باعراب (ثالث): معنيين، أحدهما الجزء الثالث من المعدود الذي هو ثلاثة عشر، وعلى هذا المعنى، يجوز أن يقال: ثالث اثني عشر، وثالث أربعة عشر، لأن (ثالث) من ثلاثة، لا من ثلاثة عشر، وثانيهما: أنه الجزء الواحد من ثلاثة عشر وعلى هذا، لا يجوز: ثالث اثني عشر، ويجوز: ثالث أربعة عشر، لأن أصله: ثالث عشر ثلاثة عشر، وثالث عشر أربعة عشر، واعلم أن حكم فاعل، المذكور، سواء كان بمعنى المصير أو الواحد، أو غيرهما، حكم سائر أسماء الفاعلين في التذكير والتأنيث، فتقول في المؤنث: الثانية والثالثة والرابعة الى العاشرة، وكذا في جميع المراتب من المركب والمعطوف، نحو: الثالثة عشرة،

[ 320 ]

والثالثة والعشرون، تؤنث الاسمين في المركب، للمؤنث، كما تذكرهما للمذكر، نحو: الثالث عشر، وإنما ذكروا الاسمين لأنه اسم لواحد مذكر، فلا معنى للتأنيث فيه، بخلاف ثلاثة عشر رجلا، فانه للجماعة، وتقول في المعطوف: الثالث والعشرون والثالثة والعشرون، قوله: (ومن ثم، قيل في الأول: ثالث اثنين وفي الثاني: ثالث ثلاثة) أي: ومن أجل اختلاف الاعتبارين: اعتبار تصييره، واعتبار حاله، اختلفت اضافتاهما، فإضافة المصير الى ما دونه، وإضافة ما هو بمعنى الواحد فقط، الى مثله، أو إلى ما فوقه،

[ 321 ]

(المذكر والمؤنث) (تعريف المذكر والمؤنث) (علامة التأنيث) (قال ابن الحاجب:) (المذكر والمؤنث: المؤنث ما فيه علامة تأنيث لفظا أو تقديرا) (والمذكر بخلافه، وعلامة التأنيث: التاء، والألف مقصورة) (وممدودة)، (قال الرضي:) كل ما فيه علامة التأنيث، ظاهره، أو مقدرة، سواء كان التأنيث حقيقيا، أو، لا: يسمى مؤنثا، فالحقيقي الظاهر العلامة نحو: ضاربة، ونفساء، وحبلى، وغير الحقيقي: غرفة، وصحراء، وبشرى، والحقيقي المقدر العلامة: زينب، وسعاد، وغير الحقيقي نار، ودار، ولا يقدر من جملة العلامات الا التاء، لأن وضعها على العروض والانفكاك، فيجوز أن تحذف لفظا وتقدر، بخلاف الألف، ودليل كون التاء مقدرة دون الألف: رجوعها في التصغير في نحو: هنيدة، وقديرة، وأما الزائد على الثلاثي، فحكموا فيه أيضا بتقدير التاء، قياسا على الثلاثي، إذ هو

[ 322 ]

الأصل، وقد ترجع التاء فيه، أيضا، شاذا، نحو قد يديمة، ووريئة، وورية، 1 قوله: (وعلامة التأنيث: التاء، والألف، مقصورة وممدودة)، تاء التأنيث في الاسم أصل، وما في الفعل فرعه، لأنها تلحق الفعل لتأنيث الاسم، أي فاعله، وأصل العلامة أن تلحق كلمة هي علامة لها، فلهذا كانت التاء الاسمية أكثر تصرفا، بتحملها للحركات، وبانقلابها في الوقف هاء، وقال الكوفيون: الهاء أصل التاء، لما رأوا مشابهة الهاء للألف، وليس بشئ، لأن التاء في الوصل، والهاء في الوقف، والأصل هو الوصل، لا الوقف، وقال جار الله 2: الياء أيضا، علامة التأنيث في نحو: ذي، والأولى أن يقال: هذه الصيغة بكمالها للمؤنث، ك (نا)، وليس في اسم الاشارة ما هو على حرف واحد، وأما الياء في: تفعلين، فالأولى أن يقال: انه اسم لا حرف تأنيث، كما مر في باب الضمائر، وتاء التأنيث، قد تدخل على الحرف، كربت، إذا كان المجرور بها مؤنثا، كقوله: 535 - فقلت لها أصبت حصاة قلبي * وربت رمية من غير رام 3 وقد جاء:


(1) تصغير: قدام، ووراء، وفي وراء، إثبات الهمزة وإبدالها، (2) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 5 ص 91، (3) الشطر الثاني مثل قاله الحكم بن عبد يغوث المنقري، وأما الشعر الذي تضمن المثل فغير معروف القائل غير أن البغدادي روى قبله: رمتني يوم ذات الغمر سلمى * بسهم مطعم للصيد لام وذات الغمر موضع، ومطعم للصيد أي مصيب لمن يرمى به فيموت فتأكله الطير والسهم اللام الذي عليه الريش وأصله لائم بمعنى ذي لؤام، (*)

[ 323 ]

536 - يا صاحبا: ربت انسان حسن * يسأل عنك اليوم أو يسأل عن 1 ويجوز أن يراد بالانسان: المؤنث، وتلحق (ثم) أيضا، إذا عطفت بها قصة على قصة، لا مفردا على مفرد، ويقال: لات، لمشابهته ليس 2، كما مر في بابه، ويقال: لعلت، في: لعل، وأما تاء بنت، وأخت، وهنت، وكلتا، وثنتان، ومنتان 3، فليست لمحض التأنيث، بل هي بدل من اللام في حال التأنيث، ولذا سكن ما قبلها، وفي: منتان، كأنه بدل من اللام، لكون واحده وهو: منة، كشفة، والألف الممدودة، عند سيبويه: في الأصل مقصورة، زيدت قبلها ألف لزيادة المد، وذلك لأن الألف، للزومه، صار كلام الفعل، فجاز زيادة ألف قبله، كما في كتاب، وحمار، فاجتمع ألفان، فلو حذفت احداهما لصار الاسم مقصورا، كما كان، وضاع العمل، فقلبت ثانيتهما إلى حرف يقبل الحركة، دون الأولى، لتبقى على مدها، وإنما قلبت همزة، لا واوا، ولا ياء، مع أن مناسبة حروف العلة، بعضها لبعض، أكثر، إذ لو قلبت الى احداهما، لاحتيج الى قلبها همزة، كما في كساء ورداء، لكون ما قبلها ألفا، كما فيهما، فان زالت الألف وانقلبت ياء، قلبت ألف التأنيث ياء أيضا، كما في قوله: 537 - لقد أغدوا على أشقر، * يغتال الصحاريا 4


(1) من رجز أورده أبو زيد في النوادر، وقوله يسأل عن أصله عني ومن هذا الرجز، في وصف الأبل وهي تسير مسرعة: حتى تراها وكأن وكان * أعناقها مشددات بقرن ويروى مشربات في قرن، (2) أي لتصبح شبيهة بليس في أنها ثلاثية معتلة الوسط.... كما قال في بابها، (3) تثنية منث الذي يحكي به المؤنث (4) هو منسوب للوليد بن يزيد، وقال البغدادي لم أقف على شئ من تتمته، (*)

[ 324 ]

ويعلم تأنيث ما لم تظهر علامته بالضمير الراجع إليه، كقوله تعالى: (والشمس وضحاها) 1، وبالاشارة إليه باسمها، نحو: (تلك الدار) 2، ولحاق علامة التأنيث بالفعل أو شبهه، المسند إليه أو الى ضميره، نحو: طلعت الشمس، و: (التفت الساق بالساق)، 3 و: (بكأس من معين بيضاء لذة 4)، و: (آنها لظى نزاعة) 5 و: (لسليمان الريح عاصفة) 6، وبمصغره ان كان المكبر ثلاثيا، نحو: قديرة، وبتجرد عدده من الثلاثة الى العشرة من التاء، نحو: ثلاث أذرع، وعشر أرجل، وبجمعه على مثال خاص بالمؤنث، كفواعل في الصفات، كطوالق وحوائض، أو على مثال غالب فيه، وذلك إنما يكون فيما هو على وزن عناق وذراع وكراع ويمين، فجمعها على أفعل، في المؤنث، وقد جاء المذكر قليلا على أفعل نحو: مكان وأمكن، وجنين وأجنن وطحال وأطحل، (المعاني) (التي تجئ لها التاء) وتجيئ التاء لأربعة عشر معنى: أحدها: الفرق بين المذكر: إما في الصفات، كضاربة، ومنصورة، وحسنة وبصرية، وهو القياس في هذه الأنواع الأربعة، أي: في اسم الفاعل واسم المفعول


(1) أول سورة الشمس، (2) أول الآية 83 سورة القصص، (3) الآية 29 سورة القيامة، (4) الآية 45، 46 سورة الصافات، (5) الآية 15 سورة المعارج، (6) الآية 12 سورة سبأ، (*)

[ 325 ]

والصفة المشبهة - غير أفعل التفضيل، 1 وأفعل الصفة - وفي المنسوب بالياء، وأما نحو: ربعة ويفعة في المذكر والمؤنث فلكونهما في الأصل صفة الشمس: أي نفس ربعة، ويفعة، وإما 2 في الاسم الجامد وهي أسماء مسموعة قليلة، نحو امرأة، ورجلة، وانسانة، وغلامة، الثاني: لفصل الآحاد المخلوقة، وآحاد المصدر، من أجناسها، كنخل، ونخلة، وتمر وتمرة، وبط وبطة، ونمل ونملة، ففي قوله تعالى: (قالت نملة) 3 يجوز أن يكون: (النملة) مذكرا، والتاء للوحدة، فتكون تاء (قالت) لتاء 4 الوحدة في (نملة)، لا لكونها مؤنثا حقيقيا، كما يجيئ، والمصادر نحو: ضرب وضربة، واخراج واخراجة، واستخراج واستخراجة، وهو قياس في كل واحد من الجنسين المذكورين، أعني الآحاد المخلوقة والمصادر، والمراد بالجنس ههنا: ما يقع على التعليل والكثير بلفظ الواحد، وقد جاءت، قليلا، للفرق بين الآحاد المصنوعة وأجناسها، وهي أسماء محفوظة، كسفين وسفينة، ولبن ولبنة، وربما لحقت الجنس وفارقت الواحد، وهو قليل نحو: كمأة، وفقعة، للجنس، وكم ء وفقع، للواحد، وقال بعضهم: ان ذا التاء فيهما للوحدة والمجرد منها للجنس، والأكثرون على الأول، والجنس المميز واحده بالتاء: يذكره الحجازيون، ويؤنثه غيرهم، وقد جاء في القرآن كلاهما، قال الله تعالى: (نخل خاوية 5)، و: (نخل منقعر 6)، وقد تجيئ ياء النسب للوحدة أيضا، كالتاء، نحو: أعرابي وأعراب، وفارسي، وفارس، وعربي وعرب، ورومي وروم، وأكثر ما تجيئ التاء للمعنيين المذكورين،


(1) لا وجه لهذا الاستثناء، وهو كذلك في النسخة التركية، (2) مقابل قوله: إما في الصفات، (3) من الآية 18 من سورة النمل، (4) أي لمناسبة تاء الوحدة في نملة، وسيأتي في الآية وجه آخر نشير إليه عند ذكره، (5) من الآية 7 سورة الحاقة وتقدمت، (6) من الآية 20 سورة القمر، وتقدمت (*)

[ 326 ]

وهي فيهما عارضة غير لازمة، ولذا قلبت اللام همزة في نحو: غزاءة، وسقاءة، وارتماءة، واستقاءة، وياء في نحو: مغازية، بخلاف نحو: شقاوة وخزاية، وسقاية، وعلاوة وهراوة، وقمحدوة 1، فان التاء في هذه الأسماء، للتأنيث اللفظي، وهي باعتباره لازمة، نحو غرفة، وظلمة، وطلحة، كما يجيئ، وان جاءت في بعضها غير لازمة، كشقاوة، وشقاء، إلا أن وضعها في المؤنث اللفظي على اللزوم، وأما جواز قلب اللام وتركه في عباية وعباءة، وعظاية، وعظائة، وصلاية وصلاءة، فلما يجيئ في التصريف، ان شاء الله تعالى، 2 الثالث: أن تجيئ التاء للدلالة على الجمع، وذلك في الصفات التي لا تستعمل موصوفاتها، وهي على فاعل أو فعول، أو صفة منسوبة بالياء، أو كائنة على: فعال، كقولهم: خرجت خارجة على الأمير، وسابلة، وواردة، وشاردة، وقولهم: ركوب وركوبة، وحلوب وحلوبة، وقتوت وقتوبة، وقولهم: البصرية والكوفية، والمروانية، والزبيرية، والجمالة والبغالة والحمارة، والتاء في هذه كلها، في الحقيقة، للتأنيث، كما في ضاربة، وليس كما في: كم ء وكمأة، وذلك لأن ذا التاء في مثله صفة للجماعة تقديرا، كأنه قيل: جماعة جمالة، فحذف الموصوف لزوما للعلم به، وقد جاء حلوبة، للواحد، وحلوب للجنس، كتمرة، وتمر، فالتاء، إذن، للوحدة، لا للتأنيث، وقد قيل: ان الركوب والركوبة بمعنى واحد، وكذا الحلوب والحلوبة، فالتاء، اذن، للنقل الى الاسمية، كما في: الذبيحة، والأكولة، على ما يجيئ، الرابع: أن تدخل لتوكيد الصفة التي على فعال، أو فاعل، أو مفعال، أو فعول، كراوية، ونسابة، ومطرابة، وفروقة، فهذه تفيد مبالغة في الوصف، كما يفيدها ما هو كياء النسب في نحو: أحمري، ودواري، وكأن التاء في هذا القسم للتأنيث والموصوف المحذوف: جماعة، اجراء للشئ الواحد مجرى جماعة من جنسة، كما تقول: أنت


(1) القمحدوة: عظمة بارزة في مؤخر الرأس فوق القفا (2) لأنهم قالوا في الجنس عباء وعظاء وصلاء فأبدلوا الهمزة من الياء ثم بنوا على ذلك المفرد، وعدم الابدال نظرا إلى لزوم التاء، انظر سيبويه 2 / 383، (*)

[ 327 ]

الرجل كل الرجل، والتاء في مثل هذه المثل، على الانفصال، وقد تدخل كثيرا على، فعل مفتوح العين، بمعنى الفاعل، وعلى فعل، ساكنها بمعنى المفعول، نحو: سببة وسبة، ولعنة ولعنة، وهي في الوزنين لازمة، الخامس: أن تدخل على الجمع الأقصى، كجواربة، وموازجة، وكيالجة، دلالة على أن واحدها، معرب، ويقال: الهاء: أمارة العجمة، وذلك أن الأعجمي نقل الى العربية، كما أن التأنيث نقل الى التذكير، وليست التاء في هذا القسم على اللزوم، بل يجوز: الجوارب، والموازج، السادس: أن تدخل، أيضا، على الجمع الأقصى دلالة على أن واحده منسوب، كالأشاعثة، والمشاهدة، في جمع أشعثي، ومشهدي، وذلك أنهم لما أرادوا أن يجمعوا المنسوب جمع التكسير، وجب حذف ياءي النسب، لأن ياء النسب والجمع لا يجتمعان، فلا يقال في النسبة الى رجال: رجالي، بل: رجلي، كما يأتي في باب النسبة، ان شاء الله تعالى، فحذفت ياء النسبة ثم جمع بالتاء، فصارت التاء كالبدل من الياء، كما أبدلت من الياء في: فرازنة، وجحاجحة، كما يجيئ، وانما أبدلت منها لتشابه الياء والتاء في كونهما للوحدة، كتمرة، ورومي، وللمبالغة في: علامة ودواري، ولكونهما زائدتين، لا لمعنى، في بعض المواضع، كظلمة وكرسي، وقد تحذف ياء النسب إذا جمع الاسم جمع السلامة بالواو والنون) لكن لا وجوبا كما في جمع التكسير، وإنما يكون هذا في اسم تكسيرة لو جمع، الجمع الأقصى، كالأشعرون والأعجمون، في جمع أشعري وأعجمي، وكذا المقتوون في جمع مقتوي، قال: 538 - تهددنا وأوعدنا رويدا * متى كنا لأمك مقتوينا 1


(1) مقتويين، جمع مقتوي بفتح الميم وياء النسب في آخرة منسوب إلى مقتي وهو مصدر ميمي بمعنى الخدمة، ولما جمع المنسوب حذفت إحدى ياءي النسب كما قال الشارح وهو أحسن ما وجه به، والبيت من قصيدة عمرو بن كلثوم - المعلقة، (*)

[ 328 ]

والتاء في مثل هذا المكسر: لازمة، لكونها بدلا من الياء، ولو كان جمع المعرب أو جمع المنسوب: غير الجمع الأقصى، لم تأت فيه بالتاء، فلا تقول في جمع فارسي: فرسة، بل فرس، ولا في جمع لجام: لجمة، بل لجم، وكأن اختصاص الأقصى بذلك ليرجع الاسم بسبب التاء إلى أصله من الانصراف، وقد يجيئ له مزيد شرح في المنسوب ان شاء الله تعالى، السابع: أن تدخل على الجمع الأقصى، أيضا، عوضا عن ياء المدة قبل الآخر، كجحاجحة في جحجاح 1، وأما في فرازنة 2، وزنادقة، فيجوز أن تكون عوضا من الياء، وأن تكون علامة لتعريب الواحد، والتاء والياء في نحو جحاجحة، لا تسقطان معا، ولا تثبتان معا، فالتاء لازمة، الثامن: أن تدخل لتأكيد تأنيث الجمع، وذلك اما واجب الدخول، وهو في بناءين: أفعلة، كأغربة، وفعلة، كفلحة، أو جائزة، وهو في ثلاثة أبنية: فعالة، كجمالة، وقد تلزم في هذا البناء كما في حجارة، وذكارة، - وفعولة كصقورة، وبعولة، وخيوطة، وقد تلزم كعمومة وخؤولة، والجمع الأقصى، كصياقلة، وملائكة ولا تلزم، التاسع: دخولها لتأكيد معنى التأنيث، كما في: ناقة ونعجة، وأورية 3، وهذه التاء لازمة، قيل وقد جاءت لتأكيد التأنيث في الصفة، كعجوز وعجوزة، فان (عجوزا) موضوع للمؤنث والتاء فيه غير لازمة، العاشر: دخولها لا لمعنى من المعاني، بل هي تأنيث لفظي، كما في غرفة وظلمة، وعمامة وملحفة، وهي لازمة، الحادي عشر: دخولها عوضا من فاء الفعل، كما في: عدة وزنة، أو عن لامه، كما في: كرة، وظبة، وهي لازمة،


(1) الجحجاح: السيد المطاع، (2) فرازنة جمع فرزون وهو أحد قطع الشطرنج (3) الأروية: بضم الهمزة وسكون الراء وكسر الواو وبياء مشددة: الانثي من الوعول، (*)

[ 329 ]

الثاني عشر: دخولها عوضا عن ياء الاضافة 1، وهو في: يا أبت، ويا أمت، فقط، الثالث عشر: دخولها أمارة للنقل من الوصفية الى الاسمية، وعلامة لكون الوصف غالبا غير محتاج الى موصوف، كالنطيحة والذبيحة، وهذه التاء أكثرها غير لازم، والأولى أن التاء في حلوبة ورحولة، وكل فعولة بمعنى مفعول، هكذا، لأنها لا يذكر معها الموصوف البتة، كما قد يذكر مع فعول بمعنى فاعلة، نحو امرأة شكور وصبور، وكل ما لحقته التاء في هذا القسم يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال أبو عمرو 2: قد تكو التاء عوضا من ألف التأنيث، كما في: حبيرة، تصغير حبارى، وعند غيره: لا تبدل منها التاء، بل يقال حبير، كما يجيئ في التصغير، قال الزمخشري 3: يجمع هذه الوجوه: آنها للتأنيث، وشبه التأنيث، والأصل في الصفات كما ذكرنا: أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء، ويغلب في الصفات المختصة بالأناث الكائنة على وزن فاعل ومفعل، أن لا تلحقها التاء إن لم يقصد فيها معنى الحدوث، كحائض، وطالق، ومرضع، ومطفل 4، فان قصد فيها معنى الحدوث، فالتاء لازمة، نحو: حاضت فهي حائضة، وطلقت فهي طالقة، وقد تلحقها التاء، وان لم يقصد الحدوث كمرضعة، وحاملة، وربما جاءت مجردة عن التاء: صفة مشتركة بين المذكر والمؤنث، إذا لم يقصد الحدوث، نحو: جمل ضامر وناقة ضامر، ورجل أو امرأة عانس، وفي تجريد هذه


(1) المراد ياء المتكلم، وتسميتها بذلك متكررة في كلام الشارح، (2) المراد أبو عمرو بن العلاء وتقدم ذكره، وربما كان قوله هذا إشارة إلى معنى من المعاني التي تأتي لها التاء، فإن الشارح قال إنها تأتي لأربعة عشر معنى ولم يذكر إلا ثلاثة عشر، (3) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 5 ص 97، (4) المطفل: الظبية أو الناقة معها طفلها الحديث العهد بالولادة، (*)

[ 330 ]

الصفات عن التاء مع عدم قصد الحدوث ثلاثة أقوال: أحدها قول الكوفية، وهو أن التاء إنما يؤتى بها للفرق بين المذكر والمؤنث، وانما يحتاج الى الفرق عند حصول الاشتراك، وهذه العلة غير مطردة في نحو ضامر وعانس، وتقتضي تجرد الفعل أيضا إذا لم يشترك، كما في نحو: بالمؤنث مع قصد الحدوث أيضا، بل تقتضي تجرد الفعل أيضا إذا لم يشترك، كما في نحو: حاضت وطلقت، لأن أصل العلة: الاطراد، وتقتضي أن لا يقال إلا امرأة مرضع، وقد ثبت أنة يقال: مرضعة، أيضا، بلا قصد الحدوث، وقال سيبويه 1: هو مؤول بنحو: انسان حائض أو شئ حائض، كما أن ربعة، مؤول بنفس ربعة، واتفاقهم على أنه يلحقه التاء مع قصد الحدوث دليل على أن العلة شئ آخر غير هذا التأويل، وقال الخليل 2: إنما جردت عن التاء لتأديتها معنى النسب، قال المصنف في شرح كلامه 3 ما معناه: إن أصل التاء في الأسماء أن تكون في الصفات فرقا بين مذكرها ومؤنثها، وإنما تدخل على الصفات إذا دخلت، في أفعالها، فالصفات في لحاق التاء بها فرع الأفعال، تلحقها إذا لحقت الأفعال نحو: قامت فهي قائمة، وضربت فهي ضاربة، فإذا قصدوا فيها الحدوث كالفعل قالوا حاضت فهي حائضة، لأن الصفة حينئذ كالفعل في معنى الحدوث، وإذا قصدوا الاطلاق لا الحدوث، فليست بمعنى الفعل، بل هي بمعنى النسب، وان كانت على صورة اسم الفاعل، كلابن وتامر، فكما أن معناهما: ذو لبن، وذو تمر، مطلقا، لا بمعنى الحدوث، أي لبني وتمري، كذلك، معنى طالق وحائض: ذات طلاق وذات حيص، كأنه قيل: طلاقية، وحيضية، قلت 4: غاية مرمى كلامهم: ان اسم الفاعل لما لم يقصد به الحدوث، لم يكن في


(1) ج 2 ص 91 وفيه: ان التقدير: شئ حائض ولم يقل إنسان حائض، (2) نقله عنه سيبويه في الموضع السابق، (3) أي في شرح كلام الخليل، (4) هذا تعقيب ومناقشة من الرضى لما تقدم من آراء، (*)

[ 331 ]

المعنى كالفعل الذي مبناه على الحدوث في أحد الأزمنة، فلم يؤنثوه تأنيث الفعل لعدم مشابهته له معنى وان شابهه لفظا، وهذا ينتقض عليهم بالصفات المشبهة، فانها للاطلاق، لا الحدوث، ولا تشابه الفعل لفظا أيضا، فكانت أجدر بالتجريد عن التاء، ولا تجرد، وأيضا، فان الاسم المنسوب بالياء الذي مثل (حائض، وطالق) به، محمول عندهم عليه، يؤنث مع أنه للاطلاق دون الحدوث، وليس له فعل إلا من حيث المعنى والتأويل، فان معنى بصري: منسوب الى البصرة، ومن أين لهم أن المنسوب الذي على وزن فاعل، وليس باسم فاعل كلابن وتامر، ونبال وقواس: إذا قصد به المؤنث لا يدخله التاء ؟ بل يقال: امرأة ناشبة ونبالة، وكيف صار حكم نابل الذي هو من جملة الأسماء المنسوبه بخلاف حكم ما فيه ياء النسب ظاهرة، في الامتناع من تاء التأنيث ؟ وقوله تعالى: (عيشة راضية 1)، بمعنى النسب عند الخليل مع دخول التاء، وجعلها للمبالغة كما في علامة: خلاف الظاهر، وأيضا، هب أن نحو حائض وطامث، من ابنية النسب، كما أن نحو نابل وناشب منها، اتفاقا، لأن معناهما: نبلي ونشابي ولا فعل لهما، حتى يقال: انهما اسما فاعل منه، كيف يجوز أن يقال: نحو منفطر ومرضع في قوله تعالى: (السماء منفطر به) 2، وقولك: فلانة مرضع: من باب النسب ولم يثبت كون مفعل ومنفعل من أبنية النسب المتفق عليها حتى نحملهما عليهما، كما حملنا حائضا على نحو نابل ؟ والأقرب في مثله أن يقال: ان الأغلب في الفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء هو الفعل بالاستقراء، ثم حمل اسما الفاعل والمفعول عليه، لمشابهتهما له لفظا ومعنى، كما يجيئ في بابيهما، فألحقا التاء


(1) الآية 7 سورة القارعة، (2) الآية 18 سورة المزمل، (*)

[ 332 ]

للتأنيث كما تلحق الفعل، ثم جاء مما هو على وزن الفاعل: ما يقصد به مرة الحدوث كالفعل، ومرة الأطلاق، وقصدوا الفرق بين المعنيين، فأنثوا بتاء التأنيث ما قصدوا فيه الحدوث الذي هو معنى الفعل لمشابهته له معنى، بخلاف ما قصدوا فيه الأطلاق، ليكون ذلك فرقا بين المعنيين، وأما الصفة المشبهة، والاسم المنسوب بالياء، فلم يقصدوا في شئ منهما، مرة الحدوث، ومرة الاطلاق حتى يفرق بين المعنيين بالحاق التاء في أحدهما دون الآخر، بل كانا، أبدا، للاطلاق، فان قلت: فالقياس اذن، تجردهما عن التاء كتجريد الفاعل، المراد به الاطلاق، قلت: كان يجب ذلك، لو كان الحاق التاء بهما لمشابهتهما للفعل، لكن الحاق التاء بهما لمشابهتهما لاسم الفاعل واسم المفعول، لا للفعل، وذلك لأنهما اسمان فيهما معنى الصفة كاسمي الفاعل والمفعول، (أوزان) (يستوي فيها المذكر والمؤنث) ومما لا تلحقه تاء التأنيث غالبا: مع كونه صفة، فيستوي فيه المذكر والمؤنث، مفعال، ومفعل، ومفعيل، وفعال، وفعال، كمعطار ومحرب، ومنطيق، وحصان، وقد حكى سيبويه: امرأة جبان، وجبانة، وناقة دلاث، 1 وكذا فعول بمعنى فاعل، وقد قالوا: عدوة الله، ومسكينة، وأما فعول بمعنى مفعول فيستوي فيه، أيضا، المذكر والمؤنث، كالركوب، والقتوب والجزور، لكن كثيرا ما تلحقهما التاء، علامة على النقل إلى الاسمية، لا للتأنيث، فتكون بعد لحاق التاء، أيضا، صالحة للمذكر والمؤنث،


(1) أي سريعة (*)

[ 333 ]

ومما يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا تلحقه التاء: فعيل بمعنى مفعول، إلا أن يحذف موصوفة، نحو: هذه قتيلة فلان وجريحته، ولشبهه لفظا بفعيل بمعنى فاعل، قد يحمل عليه فتلحقه التاء مع ذكر الموصوف أيضا نحو: امرأة قتيلة، كما يحمل فعيل بمعنى فاعل عليه فتحذف منه التاء نحو: ملحفة جديد، من: جد يجد جدة، عند البصرية، وقال الكوفية: هو بمعنى مجدود، من: جده بمعنى قطعه، وقيل إن قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب 1)، منه 2، وبناء فعيل بمعنى مفعول مع كثرته غير مقيس، وقد يجيئ بمعنى مفعل، قليلا، كالذكر الحكيم، أي المحكم، على تأويل، وبمعنى مفاعل، كالجليس والحليف، وربما لم تلحق التاء في فيعل، نحو: ناقة ريض، 3 (ألف التأنيث المقصورة) (وأشهر أوزانها) وأما ألف التأنيث المقصورة، فانما تعرف بأن لا يلحق ذلك الاسم تنوين ولا تاء، والألف المقصورة الزائدة في اخر الاسم على ثلاثة أضرب: إما للالحاق كارطى، أو لتكثير حروف الكلمة، كالقبعثرى، أو للتأنيث، والتي للتكثير، لا تكون إلا سادسة، ويلحقها التنوين، نحو قبعثرى، وكمثري، وتتميز ألف الالحاق خاصة عن ألف التأنيث بأن تزن ما فيه الألف، وتجعل في الوزن مكان الألف لاما، فان لم يجيئ على ذلك الوزن اسم، علمت أن الألف للتأنيث،


(1) من الاية 56 سورة الاعراف، (2) أي من هذا النوع، (3) يقال ناقة ريض، أول ما يبدأ في ترويضها، (*)

[ 334 ]

نحو: أجلى وبردى 1، فانه لم يأت اسم على وزن فعلل، حتى يكون الاسمان ملحقين به، ويجيئ معنى الالحاق في التصريف، ان شاء الله تعالى، 2 فمن الأوزان التي لا تكون ألفها إلا للتأنيث: فعلى، في الغالب، وإنما قلنا في الغالب، لما حكي عن سيبويه في (بهمى): بهماة، وروى بغضهم في: رؤيا: رؤياه، وهما شاذان، ففعلى، إما صفة، أو غير صفة، والصفة، إما مؤنث أفعل التفضيل كالأفضل والفضلي، وهو قياس، أو، لا، مثل: أنثى وخنثى وحبلى، وغير الصفة إما مصدر، كالبشرى والرجعى، أو اسم، كبهمى، وحزوى 3، وبهماة ورؤياة، إن صحتا، فألفهما عند سيبويه (للتأنيث أيضا، إذ لم يجيئ عنده مثل برقع، ولحاق التاء لألف التأنيث شاذ، وعند الأخفش للالحاق، إذ هو يثبت فعلل، نحو برقع وجؤذر)، 4 وذلك لما يجيئ في التصريف، في باب ذي الزيادة، ومنها: فعلى، ولم يأت في كلامهم إلا اسما، قيل ولم يأت منه إلا ثلاثة أسماء: شعبى، وأدمى، في موضعين، وأربي للداهية، وقال بعضهم: جنفى في اسم موضع، ورواه سيبويه بالفتح والمد، 5 ومنها: فعلى بفتح الفاء والعين، وهو إما مصدر، كالبشكى والجمزى، 6 وإما


(1) أجلى اسم موضع وبردى اسم نهر بالشام، (2) أشير بهامش المطبوعة التركية أنه جاء في بعض نسخ من هذا الشرح عبارة طويلة اشتملت على معنى الالحاق وأغراضة ولم أثبتها لأن ذلك ليس موضعها، (3) اسم موضع، (4) هذه عبارة بعض النسخ وهي أقرب إلى مذهب سيبويه مما في الأصل المطبوع ويبدو أن الرضى يجعل الألف في بهاة ورؤياة للتأنيث ويكون لحاق التاء شاذا كما قال، وقال ابن يعيش 5 / 107 إن الألف على مذهب سيبويه للتكثير وإن كان ذلك قليلا، وجاء في هامش سيبويه ص 321 من الجزء الثاني في تعليق منقول عن السيرافي أنها لغير التأنيث ولم يزد على ذلك، (5) سيبويه 2 / 322، (6) البشكى: الخفيفة المشي، وجمزى اسم لنوع من السير، وصفة يقال حمار جمزى، (*)

[ 335 ]

وصف، كفرس وثبى، وناقة زلجى، أي سريعة، وإما اسم كدفرى ونملى وأجلى، أسماء مواضع، ومنها أفعلى كأجفلى للكثرة، ومنها: فعالى، كحبارى لطائر، وفوعالى كحولايا لموضع، وفعالى كشقارى، نبت، وفعللى، كجحجبى قبيلة من الأنصار، وفعيلى كبغير ى، لعبة، وفعيلى كخليفى، وفعلوتى كرحموتى، وفعوللى كحبوكرى للداهية، وفوعلى وفيعلى، كخوزلى وخيزلى، لمشية فيها تفكك، ويفعلى، كيهيرى للباطل، ومفعلى، كمكورى للئيم، ومفعلى كمرعزى 1، وفعللى كهر بذى لمشية في شق، وفعللايا كبردرايا موضع، وفعليا كذربيا للداهية، وفعليا كركريا، والظاهر أنه أعجمي، 2 وفعلني كعرضني لنوع من السير، وفعلى كدفقى، نوع من السير، وفعنلى كجلندى، اسم رجل، وجاء بضم اللام، وفعلى، كسمهى للباطل، وفعالى كصحارى، وفعللى، كهندبى، 3 وفعلى، كسبطرى: مشية فيها تبختر، وإفعيلى كإهجيرى للعادة، فهذه أحد وثلاثون مثالا، ولعلها تحيط بأكثر أبنية المؤنث بالألف المقصورة المختصة بالتأنيث وأما فعلى وفعلى، فهما مشتركان في التأنيث والالحاق، وفعلى إذا كان مؤنث فعلان، أو مصدرا كالدعوى، أو جمعا، كمرضى وجرحى، فألفها للتأنيث، وإذا كان اسما غير ذلك، فقد تكون الألف للالحاق، كعلقى، فيمن نون، وقال علقاة، وكذا تترى فيمن نون، وقد تكون للتأنيث كالشروي، وأما فعلى، فان كان مصدرا كالذكرى، أو جمعا كحجلى وظربى، ولا ثالث لهما، فلا تكون ألفه الا للتأنيث، وإذا كان صفة: قال سيبويه: (ولا يكون إلا مع


(1) الزغب الذي تحت شعر العنز تصنع منه بعض الأغطية (2) سيأتي فيه لغة بالمد، (3) وفيه هندباء بالمد وهو نبت، (*)

[ 336 ]

التاء)، فألفه للالحاق، نحو: رجل عزهاة، 1 وامرأة سعلاة، وقال في (ضيزى) و (حيكى): أصلهما الضم، وحكى ثعلب: عزهى منونا بلا تاء، وهو مخالف لما ذهب إليه سيبويه، وإذا كان غير الأوجه المذكورة من الصفة والمصدر والجمع، فقد يكون للالحاق نحو: معزى، وقد يكون للتأنيث كالدفلى والشعرى، وقد يكون ذا وجهين: الالحاق والتأنيث، كتترى، 2 وكذا ذفرى، منونا وغير منون، (الألف الممدودة) (وأشهر أوزانها) ومن الأوزان التي لا تكون ألفها الممدودة إلا للتأنيث: فعلاء وهو قياس في مؤنث أفعل، الصفة، نحو: أحمر وحمراء، وقد يجيئ صفة وليس مذكره أفعل، كامرأة حسناء، وديمة هطلاء، وحلة شوكاء، 3 وداهية دهياء، والعرب العرباء، ويجيئ مصدرا، كالسراء والضراء واللأواء، واسما مفردا غير مصدر، كالصحراء والهيجاء، واسم جمع كالطرقاء والقصباء، 4 وقد يقصر بعض هذه الأسماء الممدودة للضرورة، فالمحذوف من الألفين، اذن، الأولى، لا الأخيرة، لأنها لمعنى، ولأنها لو كانت المحذوفة لانصرف الاسم لزوال


(1) الذي لا يطرب له أمثاله، (2) هكذا جاءت كلمة تترى أثناء تفصيل الكلام على فعلى بكسر الفاء، ولا وجه لذلك لأنها بالفتح فقط وإن كان قد ورد فيه التنوين وعدمه وتقدم ذلك، (3) أي الخشنة الملمس لأنها جديدة (4) الطرفاء والقصباء نوعان من النبت، (*)

[ 337 ]

الف التأنيث، كما ينصرف حبارى إذا صغرتها بحذف ألف التأنيث نحو حبيرة، فإذا حذفت الأولى رجعت الأخيرة إلى أصلها من الألف، لأن سبب قلبها همزة، هو اجتماعهما كما ذكرنا قبل، ومنها فعلاء بفتح الفاء والعين، ولم يأت عليها سوى أربعة احرف: فلان ابن ثاداء أي ابن الأمة، والسحناء بمعنى السحنة، وجنفاء: 1 وقرماء: بالقاف عند سيبويه، وبالفاء عند الجوهري، موضعان، ومنها فعلاء، ولم يأت عليها إلا السيراء 2، وقال الفراء: أصله ضم الفاء كسرت، للياء، وفعلاء: إما مفردا كالعشراء والرحضاء 3، أو جمعا، كالفقهاء والعلماء، وأما فعلاء وفعلاء، كحرباء وخشاء 4، فملحقان بقرطاس وقرناس، ومنها: فاعلاء كقاصعاء، وفعلياء ككبرياء، وفعالاء، وهو إما مصدر كالبراكاء بمعنى الثبات في الحرب، وإما اسم كالثلاثاء، واما صفة كطباقاء، وفعولاء كبروكاء بمعنى البراكاء، وفعللاء كهندباء، 6 بكسر الدال وفتحها، وفعللاء كعقرباء، وفعللاء كخنفساء، وفعيلاء كقريثاء، ضرب من التمر، وفعلاء كزمكاء 7، وقد يقصر، وليس الألف للالحاق بسنمار، لأنه لا ينون، وأفعلاء، اما مفردا كأربعاء، واما جمعا


(1) تقدم في الصيغ المقصورة، (2) السيراء ثوب فيه خطوط صفر، (3) الناقة التي مضى على وقت لقاحها عشرة أشهر، والرحضاء: العرق الذي يعقب نوبة الحمي، (4) عظم ناتئ خلف الاذن (5) قمة الجبل، (6) تقدم في أوزان المقصورة، (7) الزمكاء: منبت الذنب من الطائر، (*)

[ 338 ]

كأنبياء، وهو كثير، وفعلياء كزكرياء 1، وفاعولاء كعاشوراء، ومفعولاء كمعيوراء 2، وفعاللاء، كجخادباء: نوع من الجراد، وفعلالاء كبرناساء بمعنى الناس، وفعللاء كقرفصاء، (المؤنث الحقيقي) (والمؤنث اللفظي) (قال ابن الحاجب:) (وهو حقيقي ولفظي، فالحقيقي: ما بازائه ذكر في الحيوان) (كامرأة وناقة، واللفظي بخلافه، كظلمة وعين)، (قال الرضى:) إنما قال في الحيوان، لئلا ينتقض بنحو الأنثى من النخل، فان بازائه ذكرا وتأنيثه غير حقيقي، إذ تقول: اشتريت نخلة أنثى، وقد يكون الحقيقي مع العلامة كامرأة، ونفساء، وحبلى، وبلا علامة، كأتان وعناق، ولو قال: الحقيقي: ذات الفرج من الحيوان، كان أولى، إذ يجوز أن يكون حيوان أنثى لا ذكر لها من حيث التجويز العقلي، قوله (واللفظي بخلافه): أي الذي ليس بازائه ذكر في الحيوان، كظلمة وعين، وقد يكون اللفظي حيوانا، كدجاجة ذكر، وحمامة ذكر، إذ ليس بازائه مذكر، فيجوز أن تقول: غردت حمامة ذكر، وعندي ثلاث من البط ذكور، فيجوز أن تكون


(1) اسم علم وتقدمت فيه لغة بالقصر، وقال هناك يقال أنه أعجمي، (2) معيوراء: أحد الجموع للعير بفتح العين وهو الحمار الوحشي ويطلق على الأهلي أيضا (*)

[ 339 ]

النملة في قولة تعالى: (قالت نملة 1): ذكرا، واعتبر لفظه فأنث ما أسند إليه، ولا يجوز ذلك في علم المذكر الحقيقي الذي فيه علامة التأنيث، كطلحة، لا يقال: قامت طلحة، الا عند بعض الكوفيين، وعدم السماع مع الاستقراء، قاض عليهم 2، ولعل السر في اعتبار التأنيث فيى منع صرفه، لا في الاسناد إليه، ان التذكير الحقيقي، لما طرأ عليه، منع أن يعتبر حال تأنيثه في غيره، ويتعدى إليه ذلك، وأما منع الصرف فحالة تختص به لا بغيره، وإذا كان المؤنث اللفظي حقيقي التذكير، وليس بعلم، كشاة ذكر، جاز في ضميره، وما أشير به إليه: التذكير والتأنيث، نحو: عندي من الذكور حمامة حسنة وحسن، قال طرفة، 539 - مؤللتان تعرف العتق فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد 3 ولا يجوز في غير الحقيقي التذكير، نحو غرفة حسنة، ولا يجوز أن يقال: صاح دجاجة أنثى على أنك ألغيث تأنيث دجاجة بالتاء، لكونها للوحدة، لا للتأنيث، لأنك وان ألغيتها، يبقى التأنيث الحقيقي فيكون، كقام هند، وهو في غاية الندرة، كما يجيئ،


(1) من الاية 18 التي تقدمت من سورة النمل، وهذا هو الوجه المقابل لما ذكره في الموضع المتقدم قبل صفحات في الحديث عن المعاني التي تأتي لها التاء، (2) أي حاكم ببطلان مذهبهم، (3) هو من أبيات معلقته وتقدمت منها بعض الشواهد في هذا الجزء، والبيت في وصف أذني ناقته وقوة إدراكهما وصدق حسها وقبله: وصادقتا سمع التوجس للسرى * لجرس خفى أو لصوت مندد وقوله صادقتا مثنى صادقة أي أن ما تسمعه وتحس به صادق لا محالة، ومؤللتان: أي محددتان مثل تحديد الحربة في الانتصاب، والعتق: الكرم والنجابة، قالوا: أراد بالشاة التي شبه إذني الناقة بأذنيها: ثور الوحش، وحومل اسم مكان، ومفرد أي منفرد في هذا المكان وانفراده يجعله يسمع ما حوله أكثر، (*)

[ 340 ]

(الفعل المسند) (الى المؤنث) (وجوب التاء وجوازها فيه) (قال ابن الحاجب:) (وإذا أسند إليه فعل فبالتاء، وأنت في ظاهر غير الحقيقي) (بالخيار، وحكم ظاهر الجمع مطلقا غير المذكر السالم) (حكم ظاهر غير الحقيقي، وضمير العاقلين غير السالم:) (فعلت وفعلوا والنساء والأيام: فعلت وفعلن)، (قال الرضي:) قوله: إذا أسند الفعل: أي لفعل وشبهه، إلى المؤنث مطلقا، سواء كان مظهرا أو مضمرا، حقيقيا أو، لا، ظاهر العلامة أو، لا، فذلك الفعل وشبهه مع التاء، للايذان من أول الأمر بتأنيث الفاعل، قوله: (وأنت في ظاهر غير الحقيقي بالخيار)، إنما قال ظاهر، احترازا عن المضمر، وغير الحقيقي، احترازا عن الحقيقي، لأن تأنيث المسند اليهما واجب على بعض الوجوه، كما يجيئ، ثم اعلم أن الفاعل المؤنث، اما جمع السلامة بالألف والتاء، أو جمع التكسير أو اسم الجمع، أو غيرها، أعني المفرد والمثنى، أما الجمعان واسم الجمع فسيجيئ حكمهما، وغيرها، إما ظاهر، أو مضمر، والظاهر إما حقيقي أو غيره، والحقيقي اما متصل برافعه أو، لا، فالأغلب في الظاهر الحقيقي المتصل برافعه: الحاق علامة التأنيث برافعه، نحو: ضربت هند، وضربت الهندان، 1


(1) في النسخة التركية زيادة: وضربت الهندات، ولا وجه لها لأن المراد التمثيل لغير نوعي الجمع واسم الجمع، (*)

[ 341 ]

وحكى سيبويه عن بعض العرب: قال فلانة، استغناء بالمؤنث الظاهر عن علامته، أنكره المبرد، ولا وجه لانكار ما حكى سيبويه مع ثقته وأمانته، كان الرافع نعم وبئس، فكل واحد من الحذف والاثبات فصيح، نحو: فعند، ونعمت المرأة هند، لمشابهتهما للحرف بعدم التصرف، ولا تلحق نحو أكرم بهند في التعجب، عند من أسند أكرم إلى هند، كما لا تلحقه الضمائر، نحو قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) 1، لكون الفعلين غير متصرفين وأيضا للزوم كون الفاعل في صورة المفعول، والفعل في صورة ما يطلبه بالمفعولية، أما نحو قولك ما جاءتني من امرأة وكفت بهند، فليس انجرار الفاعل بلازم ولا الفعل في صورة ما يطلب المجرورين بالمفعولية، وإن كان منفصلا عن رافعه، فان كان بالا، نحو ما قام الا هند، فالأجود: ترك التاء في الرافع، لأن المستثنى منه المقدر، هو الذي كان في الأصل مرفوعا بالفاعلية، على ما مر في باب الاستثناء، فالمستثنى، من حيث المعنى وان كان في اللفظ هو المستثنى، كما ذكرنا في باب الاستثناء، وإن كان بغير إلا، نحو: قامت اليوم امرأة، فالالحاق أجود، لأن المسند إليه في الحقيقة هو المرتفع في الظاهر، وأما الحذف فانما اغتفر لطول الكلام، ولكون الأتيان بالعلامة، اذن، وعدا بالشئ مع تأخير الموعود، وإن كان الظاهر غير حقيقي التأنيث، فان كان متصلا، نحو: طلعت الشمس، فالحاق العلامة أحسن من تركها، والكل فصيح، وإن كان منفصلا، فترك العلامة أحسن، اظهارا لفضل الحقيقي على غيره، سواء كان بإلا أو بغيرها، نحو قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه) 2


(1) الآية 38 في سورة مريم، (2) الآية 275 في سورة البقرة، (*)

[ 342 ]

هذا كله حكم ظاهر المفرد والمثنى، وأما ضميرهما فان كان متصلا، فالعلامة لازمة لرافعه، سواء كان التأنيث حقيقيا، كهند خرجت، أو غيره كالشمس طلعت، الا لضرورة الشعر نحو قوله: فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل أبقالها 1 - 2 على تأويل الأرض بالمكان، وإنما لزمت العلامة لخفاء الضمير المتصل مرفوعا، وكونه كجزء المسند، بخلاف الظاهر والضمير المنفصل، وإن كان منفصلا فهو كالظاهر لاستقلاله بنفسه، وأما الجمعان المذكوران، فان أسند الى ظاهرهما سواء كان واحد المكسر حقيقي التذكير أو التأنيث، كرجال ونسوة، أو مجازي التذكير أو التأنيث كأيام، ودور، وكذا واحد المجموع بالألف والتاء ينقسم هذه الأقسام الأربعة، نحو: الطلحات والزينبات، والجبيلات والغرفات، فحكم 2 المسند الى ظاهرهما حكم المسند الى ظاهر المؤنث غير الحقيقي إلا من شئ واحد، وهو أن حذف العلامة من الرافع بلا فصل مع الجمع نحو: قال الرجال، أو النساء، أو الزينبات، أحسن منه مع المفرد والمثنى، لكون تأنيثه بالتأويل وهو كونه بمعنى جماعة، وإنما لم يعتبروا التأنيث الحقيقي الذي كان في المفرد نحو قال النسوة، لأن المجازي الطارئ أزال حكم الحقيقي، كما أزال التذكير الحقيقي في رجال، وإنما لم تبطل التثنية التذكير الحقيقي في رجلان، ولا التأنيث الحقيقي في (الهندان)، ولم يبطل الجمع بالواو والنون التذكير الحقيقي في (الزيدون)، لبقاء لفظ المفرد فيه فاحترموه، وكان قياس هذا أن يبقى التأنيث الحقيقي في المجموع بالألف والتاء أيضا نحو الهندات لبقاء لفظ الواحد فيه أيضا، إلا أنه لما كان يتغير ذلك المفرد ذو العلامة إما بحذفها إن كان تاء نحو: الغرفات، أو بقلبها إن كان ألفا كما في الحبليات والصحراوات،


(1) من الشواهد التي وردت في الجزء الأول، (2) جواب قوله: وأما الجمعان.. (*)

[ 343 ]

كان ذلك التغيير كنوع من التكسير، وكأن تأنيث الواحد قد زال لزوال علامته، ثم حمل عليه ما التاء فيه مقدرة فلا يظهر فيه التغيير كالزينبات والهندات، لأن المقدر عندهم في حكم الظاهر، والدليل على أن تأنيث نحو: الزينبات مجازي، قول الحماسي: 540 - حلفت بهدي مشعر بكراته * تخب بصحراء الغبيط درادقه 1 وحكم البنين: حكم الأبناء، وان كان بالواو والنون لعدم بقاء واحده، وهو: ابن، قال: 541 - لو كنت من مازن لم تستبح إبلى * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا 2 وكذا حكم المجموع بالواو والنون المؤنث واحده، كالسنون والأرضون: حكم المجموع بالألف والتاء، لأن حقه الجمع بالألف والتاء كما يجيئ، فالواو والنون فيه، عوض من الألف والتاء، ويساوي التاء في اللزوم وعدمه: تاء مضارع الغائبة، ونون التأنيث الحرفية في نحو:


(1) البيت لشاعر جاهلي يقال له عارق الطائي، أورده أبو تمام، وقول الشارح: الحماسي يعني من شعراء الحماسة، وجواب القسم في بيت بعده، وهو قوله: لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم * لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه وكثر في كلام الشعراء: الحلف بالكعبة وبالساعين إليها، والهدى، ما يهدى إلى البيت الحرام من الأبل والنعم، والمشعر بصيغة اسم المفعول ما أسيل دمه ليعرف أنه هدى فهو كالعلامة له، وبكرات جمع بكرة وتحريك الكاف إتباع كما هو حكم جمع المؤنث السالم، وهي الشابة من الأبل، والغبيط اسم مكان في الصحراء بين مكة والبصرة، والدرادق جمع دردق بوزن جعفر: جماعات الأبل الصغار والخطاب موجعه لعمرو بن هند ملك الحيرة: وكان قد عزم على قتل جماعة من طئ فيهم الشاعر، واسمه قيس ولكنه لقب بعارق بسبب هذا الشعر، ولذلك قصة طويلة أوردها البغدادي في الخزانة، (2) أحد أبيات مشهورة قالها قريط بن أنيف العنبري، أولها: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا ومنها بعض شواهد في هذا الشرح وفي غيره من كتب النحو، (*)

[ 344 ]

ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرون السليط أقاربه 1 - 366 فظهر بهذا كله معنى قوله: (وحكم ظاهر الجمع مطلقا غير المذكر السالم حكم ظاهر غير الحقيقي، وأما ان أسند الى ضمير الجمع، وهو قوله: (وضمير العاقلين) الى آخر الباب فنقول: ضمير الجمع إما أن يكون ضمير العاقلين، أو، لا، والعاقلون اما بالواو والنون، أو، لا، فضمير العاقلين بالواو والنون، هو الواو، لا غير، نحو: الزيدون قالوا، ولا يجوز: قالت، لبقاء لفظ المذكر الحقيقي، وإنما خصوا العاقلين بالواو، دون النون، لأن أصل ما يزاد: حروف اللين، والألف أخذه المثنى، والجمع بالواو أولى منه بالياء، لأن ثقل الواو مناسب للكثرة التي في الجمع، وكان الواو، لأصالته في الجمع أولى بالعاقلين، لأصالتهم لغير العاقلين 2، وصارت الياء للواحد المؤنث في: تفعلين، وافعلي، فلم يبق لجمع غير العاقلين من حروف المد شئ، فجيئ بالنون لمناسبة بينها وبين الواو في الغنة، وضمير العاقلين لا بالواو والنون إما واو، نحو: الرجال الطلحات: ضربوا، نظرا إلى العقل، وإما ضمير المؤنث الغائب نحو: الرجال والطلحات فعلت، وتفعل، وفاعلة، نظرا إلى طرءان 3 معنى الجماعة على اللفظ، وأما غير العاقلين، وهو ثلاثة أقسام: مذكر لا يعقل كالأيام والجبيلات، 4 ومؤنث يعقل، كالنسوة والزينبات، ومؤنث لا يعقل كالدور والظلمات، فيجوز أن يكون ضمير جميعها: الواحد المؤنث الغائب بتأويل الجماعة، وأن يكون النون، لكونها جمع غير


(1) من شعر الفرزدق، وتقدم في الجزء الثاني من هذا الشرح، (2) يعني لأمن العاقل أصل بالنسبة لغير العاقل، (3) مصدر نادر للفعل طرا، (4) جمع لتصغير جبل، (*)

[ 345 ]

العاقلين، وقد تقدم أن النون موضوع له، فتقول: الأيام والجبيلات، والنساء والزينبات والدور والغرفات، فعلت، ويفعلن، وهذه التفرقة بين جمع المذكر العاقل وغيره جارية في جميع الضمائر على اختلافها، تقول في المرفوع المنفصل: أنتم وأنتن وهم وهن، وفي المنصوب المتصل: ضربكم وضربكن، وضربهم وضربهن، وفي المنصوب المنفصل: اياهم اياكن، إياهم اياهن، وفي المجرور: لكم لكن، لهم لهن، والأصل: انتموا، وضربكموا، واياكموا، ولكموا، وأما اسم الجنس فيجوز اجراء ظاهره وضميره مجرى ظاهر المفرد المذكر، والمؤنث، وضميرهما، ولا يمتنع اجراء ضميره مجرى ضمير جمع التكسير، نحو: انقعر النخل، وانقعرت النخل، والنخل انقعر وانقعرت وانقعرن، وأما اسم الجمع فبعضه واجب التأنيث كالابل والغنم والخيل، فحاله: كحال جمع التكسير، في الظاهر والضمير، وبعضه يجوز تذكيره وتأنيثه كالركب، قال: 542 - فعبت غشاشا ثم مرت كأنها * مع الصبح ركب من أحاظة مجفل 1 فهو كاسم الجنس، نحو: مضى الركب، ومضت الركب، والركب مضى، ومضت ومضوا، والله أعلم،


(1) من قصيدة الشنفري الأزدي المسماة بلامية العرب وهو في وصف سرب القطا بعد أن شرب، وإحاظة اسم 6 قبيلة من اليمن أو من الأزد، والمجفل: المسرع، وقوله: غشاشا بكسر الغين، قيل معناه شربت على عجل، وقيل معناه شربت قليلا، أو شربت شربا غير مرو، ومن هذه القصيدة عدد من الشواهد في هذا الشرح، (*)

[ 347 ]

(المثنى) (تعريفه) (قال ابن الحاجب:) (المثنى: ما لحق آخره ألف، أو ياء مفتوح ما قبلها، ونون) (مكسورة، ليدل على أن معه مثله من جنسه)، (قال الرضي:) يريد بالجنس ههنا، على ما يظهر من كلامه في شرح هذا الكتاب 1: ما وضع صالحا لأكثر من فرد واحد، بمعنى جامع بينها في نظر الواضع، سواء كانت ماهياتها 2 مختلفة، كالأبيضين، لانسان وفرس، فان الجامع بينهما في نظره: البياض، وليس نظره إلى الماهيتين، بل إلى صفتهما التي اشتركا فيما، أو متققة كما تقول: الأبيضان لانسانين، والبيض لأفراس، وسواء كان الواضع واحدا كالرجل، أو أكثر، كالزيدين، والزيدين، فان نظر كل واحد من الواضعين، في وضع لفظة زيد ليس الى ماهية ذلك المسمي، بل الى كون ذلك المسمي، أي ماهية كان، متميزا بهذا الاسم عن غيره، حتى لو سمي بزيد انسان، وسمي به فرس، فالنظر في الوضعين الى شئ واحد، كما في الأبيضين ونحوه، وهو كون تلك الذات متميزة عن غيرها بهذا الاسم، وهذا الذي ذهب إليه المصنف، خلاف المشهور من اصطلاح النجاة، فانهم يشترطون


(1) أي شرح الكافية، (2) أي ماهيات الأفراد المستفادة من قوله كل فرد، (*)

[ 348 ]

في الجنس وقوعه على كثيرين بوضع واحد، فلا يسمون زيدا، وان اشترك فيه كثيرون: جنسا، 1 وعند المصنف تردد في جواز تثنية الاسم المشترك، وجمعه، باعتبار معانيه المختلفة، كقولك: القرءان: للطهر والحيض، والعيون، لعين الماء وقرص الشمس 2 وعين الذهب، وغير ذلك، منع من ذلك 3 في شرح الكافية لأنه لم يوجد مثله في كلامهم مع الاستقراء، وجوزه على الشذوذ في شرح المعضل، وذهب الجزولي، والأندلسي، وابن مالك 4 الى جواز مثله، قال الأندلسي: يقال: العينان في عين الشمس، وعين الميزان 5، فهم يعتبرون فيى التثنية، والجمع: الاتفاق في اللفظ دون المعنى، وهذا المذهب قريب من مذهب الشافعي 6 رحمه الله، وهو أنه إذا وقعت الأسماء المشتركة بلفظ العموم نحو قولك: الأقراء، حكمها كذا، أو في موضع العموم كالنكرة في غير الموجب نحو: ما لقيت عينا، فانها تعم في جميع مدلولاتها المختلفة كألفاظ العموم، سواء، 7 ولا يصح أن يستدل بتثنية العلم وجمعه على صحة تثنية المشترك وجمعه باعتبار معانية المختلفة بأن يقال: نسبة العلم الى مسمياته كنسبة المشترك الى مسمياته، لكون كل واحد منهما واقعا على معانية لا بوضع واحد، أما عند المصنف 8 فلأنه يشترط في التثنية والجمع كون المفردات بمعنى واحد، سواء


(1) مفعول ثان لقوله لا يسمون، (2) في القاموس أن من معاني العين: قرص الشمس، وشعاعها، (3) تفصيل لقوله وعند المصنف تردد، (4) جميع هؤلاء الأعلام تقدم ذكرهم في الأجزاء السابقة، (5) يقال عين الميزان ويراد لسانه الذي يتحرك لتحديد الوزن ويقال له ميل الميزان، (6) الأمام محمد بن إدريس الشافعي ثالث أئمة المذاهب الفقهية، (7) يعني هي والفاظ العموم سواء، (8) يعني أما تعليل ذلك وبيان عدم صحة الاستدلال، عند المصنف، (*)

[ 349 ]

كان بوضع واحد أو أكثر، ومعاني المشترك ليست واحدة بخلاف الأعلام، كما مر، وأما عند غيره فقال المصنف: 1 ولو سلم أن نسبة العلم الى مسمياته فتثنى أو تجمع، كالقرأين للطهرين، والقروء للأطهار، فلو ثنى أو جمع باعتبار معانية المختلفة لأدى الى اللبس، وليس للعلم جنس تؤخذ آحاده فتثنى أو تجمع حتى إذا ثنى أو جمع باعتبار معانية المختلفة أورث اللبس، وقد يثنى ويجمع غير المتفقين في اللفظ، كالعمرين، وذلك بعد أن يجعلا متفقي اللفظ بالتغليب، بشرط تصاحبهما وتشابههما حتى كأنهما شخص واحد: في شئ، كتماثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قالوا: العمران، وكذا: القمران، والحسنان، 2 وينبغي أن يغلب الأخف لفظا، كما في: العمرين والحسنين، لأن المراد بالتغليب: التخفيف، فيختار ما هو أبلغ في الخفة، وان كان أحدهما مذكرا، والآخر مؤنثا، لم ينظر الى الخفة، بل يقلب المذكر، كالقمرين في: الشمس والقمر، ولزوم الألف في المثنى، في الأحوال: لغة بني الحارث بن كعب، قال: 543 - أحب منك الأنف والعينانا * ومنخرين أشبها ظبيانا 3 وقال: 544 - ان أباها وأبا أباها * قد بلغا في المجد غايتاها 4


(1) أي أما عند غير المصنف ففيه تفصيل، نقله عن المصنف أيضا، وهو قوله: ولو سلم أن نسبة العلم... الخ، (2) المراد: الحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنه، (3) ظبيان بفتح الظاء، اسم رجل، والمعنى أشبها منخري ظبيان، والرواية: أعرف منها الجيد... وهو من رجز أورده أبو زيد الأنصاري في النوادر وقال انه لرجل من ضبة، قبيلة من العرب، (4) اضطربت الأقوال في نسبة هذا الرجز فبعضهم نسبه لأبي النجم العجلي، وبعضهم نسبه لرجل من بني الحارث وهم الذين ينطقون بهذه اللغة، وبعضهم نقله عن أبي الغول منسوبا لبعض أهل اليمن وربطه بالشاهد المتقدم في باب الظروف وهو قوله: (*)

[ 350 ]

وقيل: ان قوله تعالى: (ان هذان لساحران) 1، على هذه اللغة، وفتح نون التثنية لغة، كما في قوله: العينانا، وقوله: 545 - يا رب خال لك من عرينه * لا تنقضي فسوته شهرينه شهري ربيع وجماديينه 2 وقرئ في الفعل أيضا في الشواذ: (أتعدانني 3)، وقد تضم أيضا، نون المثنى، وقرئ في الفعل، في الشواذ أيضا: (ترزقانه) 4 قيل أصل المثنى والمجموع: العطف بالواو، فلذلك يرجع إليه المضطر، قال: 546 - ليث وليث في مجال ضنك * كلاهما ذو أشر ومحك 5 وقال: 547 - كأن بين فكها والفك * فأرة مسك ذبحت في سك 6 وقد يجيئ العطف نثرا في الشذوذ، وأما إذا قصد التكثير، كما في قوله:


= طاروا علاهن فطر علاها * واشدد بمثنى حقب حقواها وقد فند البغدادي هذه الروايات كلها ولم ينته إلى نسبته إلى شخص معين، (1) الآية 63 في سورة طه، (2) قال أبو زيد الأنصاري: روينا عن قطرب لامرأة من فقعس، وأورد هذا الرجز وبعد الشطر الأول قولها: حج على قليص جوينة، ولم يرد في نسبة هذا الرجز أكثر من هذا، (3) من الآية 17 من سورة الأحقاف، (4) من الآية 37 من سورة يوسف (5) لشاعر من أهل اليمامة اسمه جحدر بن مالك، وقيل إنه لوائلة بن الأسفع قاله في إحدى غزوات المسلمين وقد اشتبك مع أحد بطارقة الروم والله أعلم، ولكل من القولين قصة في خزانة الأدب، (6) من رجز لمنظور بن مرثد الاسدي وقبله: يا حبذا جارية من عك... الخ وعك اسم قبيلة، وفأرة المسك حيوان معروف وهو فصيلة من الفأر يستخرج منه المسك، وقيل إن المراد بالفأرة وعاء فيه المسك، ومعنى ذبحت، على هذا: شقت وافرغت في سك، وهو نوع من الطيب أيضا، (*)

[ 351 ]

548 - لو عد قبر وقبر كان أكرمهم * بيتا وأبعدهم عن منزل الذام 1 أو فصل بينهما بفصل ظاهر، نحو: جاءني رجل طويل ورجل قصير، أو بفصل مقدر نحو: جاءني رجل فأكرمت الرجل، والرجل الذي ضربته، أي الرجل الجائي والرجل الذي ضربته، فيجوز العطف كما رأيت من غير شذوذ ولا ضرورة، وقد يكرر للتكثير بغير عطف كقوله تعالى: (صفا صفا) 2، و: (دكا دكا)، 3 وقد يثنى، أيضا للتكثير بغير عطف كقوله تعالى: (ثم ارجع البصر كرتين) 4، وقولهم: لبيك وسعديك، ومذهب الزجاج أن المثنى والمجموع، مبنيان لتضمنهما واو العطف، كخمسة عشر، وليس الاختلاف فيهما اعرابا عنده، بل كل واحد صيغة مستأنفة، كل قيل في: اللذان، وهذان، عند غيره، وليس بشئ، لأنه لم يحذف المعطوف في خمسة عشر، بل حذف حرف العطف، فتضمنه المعطوف فبني، أما في المثنى والمجموع، فقد حذف المعطوف مع حرف العطف، لو سلم أنه كان مكررا بحرف العطف، فلم يبق المتضمن لمعنى حرف العطف، فان قال: بل المفرد الذي لحقته علامتا التثنية والجمع، تضمن معنى حرف العطف، لوقوعه على الشيئين أو الأشياء، وعلامة التثنية دليل تضمن ذلك المفرد واوا واحدة، وعلامة الجمع دليل تضمنه أكثر من واو، فهو مثل تضمن (من) لهمزة الاستفهام، أو (ان) الشرطية،


(1) نسبه الجاحظ في بيان والتبيين لشاعر جاهلي اسمه عصام بن عبيد الزماني يعاتب شخصاس اسمه أبو مسمع، وكان قد أذن لقوم في الدخول عليه قبله، فقال عصام: أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة * وفي العتاب حياة بين أقوام علي، لكنت أكرمهم بيتا وأبعدهم عما يعيب ويشين، (2) من الآية 22 في سورة الفجر، (3) من الآية 21 في سورة الفجر أيضا (4) من الآية 4 في سورة الملك (*)

[ 352 ]

قلنا: بل أهدر معنى المعطف لو سلمنا أن أصله كان ذلك، وجعل المفرد في المثنى واقعا على شيئين بلفظ واحد لا على وجه العطف، كلفظ (كلا)، سواء، الا أن (كلا) لم يقع على المفرد فيحتاج الى علامة المثنى، بخلاف زيد، فانه احتاج عند التثنية الى علامتها، لئلا يلتبس بالواحد، وكذا نقول: جعل المفرد في المجموع جمع السلامة واقعا على أشياء، كلفظ (كل) فاحتاج إلى علامة الجمع رفعا للبس، فإذا ثبت هذا، قلنا: ليس كل مفرد يقع على ذى أجزاء متضمنا لواو العطف، والا وجب بناء (عشرة) و (خمسة)، وغير ذلك من ألفاظ العدد، نحو: كل، وجميع، ورجال، بل نقول: وقوع اللفظ على الجزأين المتساويين في نسبة الحكم اليهما، أو على الأجزاء المتساوية فيها، على وجهين: إما بواو العطف ظاهرا نحو جاءني زيد وعمرو، أو مقدرا كجاءني خمسة عشر، وذلك إذا لم توضع كلمة واحدة للمجموع، وإما بكلمة صالحة للمجموع وضعا، وهذا على ضربين: إما أن توضع الكلمة للمجموع، بعد وضعها للمفرد، كلفظ المثنى والمجموع، أو توضع للمجموع أولا، نحو: كلا، وجميع، وما فوق الواحد الى العشرة من ألفاظ العدد، ويبطل مذهب الزجاج اعراب نحو: مسلمات ورجال اتفاقا مع اطراد ما ذكره فيهما، أيضا، (المقصور والممدود) (كيفية تثنيتهما) (قال ابن الحاجب:) (والمقصود ان كان ألفه عن واو، وهو ثلاثي، قلبت واوا،) (والا فبالياء، والممدود ان كانت همزته أصلية ثبتت،) (وان كانت للتأنيث قلبت واوا، والا فالوجهان)،

[ 353 ]

(قال الرضي:) يعني بالمقصور: ما آخره ألف لازمة، احترازا من نحو: زبدا، في الوقف، وسمي مقصورا، لأنه ضد الممدود، أو لأنه محبوس عن الحركات، والقصر: الحبس، فان كانت ألفه عن واو 1، أي عوضا من الواو، وهو ثلاثي، أي المقصور ثلاثي، قلبت واوا، اعلم أن الكلمة قد يلحقها التغيير عند التثنية، فتعرض المصنف لذكر ذلك، وهو 2 في ثلاثة أنواع، المقصور، والممدود، والمحذوف آخره اعتباطا، فالمقصور ان كان ثلاثيا وألفه بدل من الواو، رد الى أصله ولم يحذف للساكنين، لئلا يلتبس بالمفرد عند حذف النون للاضافة، وإذا رد الى الأصل سلمت الواو، والياء، ولم يقلب ألفا، لئلا يعاد الى ما فر منه، وإنما جاز 3 رد الواوي من الثلاثي الى أصله دون الواوي مما فوقه، لخفة الثلاثي، فلم تستثقل معه الواو، وإن كانت الألف الثالثة أصلا غير منقلبة عن شئ، كمتى، وعلى وإلى، وإذا، أعلاما، ان الألف في الأسماء العريقة في البناء أصل، أو كانت مجهولة الأصل، وذلك بأن تقع في متمكن الأصل ولم يعرف أصلها، فان سمع فيها الأمالة ولم يكن هناك سبب للامالة غير انقلاب الألف عن الياء، وجب قلبها ياء، وان لم تسمع فالواو أولى، لأنه أكثر، وقال بعضهم بل الياء في النوعين أولى، سمعت الأمالة، أو، لا، لكونها أخف من الواو، وقال الكسائي: إن كانت الألف الثالثة المنقلبة عن الواو في كلمة مضمومة الأول،


(1) أي منقلبة عن واو، وهو المراد بقوله: عوضا أي بدلا، (2) أي الذي تعرض له المصنف وهو لحاق التغيير للكلمة عند التثنية، (3) أراد بالجواز عدم المنع، لأن ذلك واجب كما هو معروف من القواعد، (*)

[ 354 ]

كالضحي، أو مسكورته، كالربا، وجب قلبها ياء، لئلا تتثاقل الكلمة بالواو في العجز، مع الضمة أو الكسرة في الصدر، فيميل مثل هذه الألف، ويكتبها ياء، وعموم قلب كل ثالثة أصلها واو: أشهر، قوله: (والا فبالياء) أي وإن لم يجمع الشرطين، وهما كونه ثالثا، وعن واو، وذلك إما بأن يكون ثالثا عن ياء، كالفتى والرحى، أو زائدا على الثلاثة عن واو، كالأعلى، والمصطفى والمستصفى، أو ياء، كالمرمى، والمرتمى، والمستسقي، أو زائدا على الثلاثة زائدا للتأنيث كالحبلى، والقصيرى والخليفى، أو للالحاق كالأرطى، والحبنطى، أو للتكثير كالقبعثرى، والكمثرى، وقد تحذف الألف الزائدة، خامسة فصاعدا، في التثنية والجمع بالألف والتاء، كما في: زبعرى وقبعثرى، ولا يقاس عليه خلافا للكوفيين، وانما قيل: مذروان، لا مذريان، لأنهم إنما يقلبون الألف الثابتة في المفرد ياء عند التثنية، وههنا لم تثبت ألف قط، حتى تقلب ياء إذ هو مثنى لم يستعمل واحده، قوله: (وان كان ممدودا... الى آخره)، الممدود على أربعة أضرب، لأن الهمزة، إما مبدلة من ألف التأنيث كحمراء، أو للالحاق كعلباء، الو منقلبة عن واو، أو ياء أصلية، ككساء ورداء، أو أصلية، كقراء لجيد القراءة 1، فالتي للتأنيث تقلب في الأشهر واوا، أما القلب فلكونها زيادة محضة، فهي بالابدال الذي هو أخف، أولى من غيرها، مع قصد الفرق، واما قلبها واوا دون الياء، فلوقوعها بين ألفين، فبالغوا في الهرب من اجتماع الأمثال، لأن الياء أقرب الى الألف من الواو، ولكون الواو والهمزة متقاربين في الثقل، وربما صححت فقيل: حمراءان، وحكى المبرد عن المازني قلبها ياء نحو حمرايان، والأعرف في الأصلية بقاؤها في التثنية همزة، وحكى أبو علي 2، عن بعض العرب قلبها واوا نحو: قراوان،


(1) وان أمكن أن يكون جمع قارئ، ولكنه حمله على ما قال لأنه يتحدث عن التثنية والأغلب تثنية المفرد لا لا تثنية الجمع، (2) الفارسي، وتكرر ذكره، (*)

[ 355 ]

وأما التي للالحاق، والمنقلبة عن الواو، والياء الأصليتين، فيجوز قلبها واوا، وبقاؤها همزة، لأن عين 1 همزتها ليست بأصلية، فشابهت همزة حمراء، واحداهما منقلبة عن أصلية، والأخرى عن واو أو ياء ملحقة بالأصل، فشابهتا همزة قراء، إلا أن ابدال الملحقة واوا، أولى من تصحيحها، لأنها ليست أصلا ولا عوضا من أصل، بل هي عوض من زائد ملحق بالأص ل، فنسبتها الى الأصلية بعيدة، وأما المبدلة من أصل فتصحيحها أولى من ابدالها لقرب نسبتها من الأصلية، لأنها بدل من أصل، وقد تقلب المبدلة من أصل ياء، ولا يقاس عليه، خلافا للكسائي، وإنما صححوا: ثنايين 2، لأنهم إنما يقلبون الواو أو الياء المتطرفة بعد الألف الزائدة همزة، كما في كساء ورداء، ثم في التثنية إما أن يصححوا الهمزة، أو يقلبوها واوا، وههنا لم تتطرف الياء حتى تقلب همزة، إذ لم يستعمل واحد ثنايين، فالألف والنون ههنا لازمان، كما في مذروان، فثنايان، كسقاية وعماية، وجاء حذف زائدتي التأنيث إذا كانتا فوق الأربعة، نحو: قاصعان وخنفسان، للطول 3 وليس بقياس، خلافا للكوفيين، وأما ما حذف آخره اعتباطا، فان كان المحذوف رد 4 في الاضافة، وجب رده في التثنية، أيضا، وهو: أب، وأخ وحم، وهن، لا غير، تقول: أبوان وأخوان وحموان وهنوان، وربما قيل: أبان وأخان، وأما (فوك) فلم ترد اللام في التثنية، لما لم ترد في الأضافة، وإنما يثنى بقلب واوه ميما، كما في الأفراد، نحو: فمان، وانما لم يقل فوان، كما قيل ذوا مال، لأن


(1) عين همزتها، أي ذاتها أي لأن الهمزة بذاتها ليست أصلية، (2) الثنايان: طرفا الحبل الذي يعقل به البعير، يقال عقلته بثنايين ولا مفرد له من الاستعمال لأنه لا بد من استعمال طرفي الحبل في عقل البعير: (3) أي لطول الكلمة التي تتكون من خمسة أحرف إذا زيد عليها علامة التثنية وهي حرفان، (4) رد.. خبر كان، وقد بين الشارح في باب خبر كان جواز وقوع خبرها فعلا ماضيا بدون ذكر لفظة قد ولا تقديرها، (*)

[ 356 ]

(ذو) لازم الأضافة بخلاف (فم) فواوه متحصن من الحذف لأمنه من التنوين 1، فأجري مثنى كل منهما 2، مجرى مفرده لعروض التثنية، وقد جاء في الشعر: فموان قال: هما نفثا في من فمويهما * على النابح العاوي أشد رجام 3 - 316 فقيل: هو جمع بين العوض والمعوض منه، فيكون ضرورة، وقيل: هو مما اعتقب على لامه: الواو والهاء 4، كسنيهة وسنية 5، فلا يكون، اذن، ضرورة، وقد جاء: فميان، وهو أبعد، ورد لام (ذات) في التثنية، لا، لام (ذو)، فقالوا: ذواتا مال، وقد جاء، أيضا، ذاتا مال، وهو قليل، وأما نحو: غد، ويد، ودم، مما لم ترد لامه في الاضافة، فلا ترد أيضا في التثنية، يقال: دمان ويدان، وأما يديان، قال: 549 - يديان بيضاوان عند محلم * قد تمنعانك أن تضام وتضهدا 6 فعلى لغة من قال في المفرد: يدى، كرحى، وقد جاء دميان ودموان، قال: 550 - فلو أنا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين 7


(1) أي للأمن من دخول التنوين المؤدي إلى حذف المعتل للزومة للأضافة، (2) أي كل من فو، وذو، (3) من شعر الفرزدق وتقدم في الجزء الثاني، (4) أي أن في لامه وجهين يعني لغتين، (5) كلاهما تصغير سنة بحسب اللغتين في اللام، (6) رواه الجوهري: أن تضام وتهضما، وقال البغدادي بعد أن شرحه إنه مع كثرة تداولة في كتب النحو واللغة لم يعرف قائلة، (7) نسبه ابن دريد لعلي بن بدال بن سليم، وأورد قبله: لعمرك إنني وأبا رياح * على طول التجاور منذ حين ليبغضني وأبغضه وأيضا * يراني دونه وأراه دوني ورواه بعضهم ضمن أبيات من قصيدة المثقب العبدي التي يقول فيها فإما أن تكون أخي بصدق * فأعرف منك غثي من سميني... الخ (*)

[ 357 ]

قال الجوهري 1: لامه واو، وإنما قالوا: دمي يدمي كرضى يرضى 2 من الرضوان، ولعل ذلك 3، لأن ذوات الواو أكثر، فدميان، شاذ عنده، قال سيبويه: هو ساكن العين، لجمعه على دماء، ودمي، كظباء وظبي ودلاء ودلي، ولو كان كقفا، لم يجمع على ذلك، فدميان، أو دموان، عنده، مثنى (دمى) لأنه لغة في (دم)، ومثنى (دم): دمان فقط، وقال المبرد: أصله فعل محرك العين، ولامه ياء، فدموان شاذ عنده، قال: ودليل تحرك عينه تثنيته على دميان، قال: ألا ترى أن الشاعر لما اضطر أخرجه على أصله في قوله: 551 - فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أعقابنا يقطر الدما 4 قال: فان قيل قد جاء يديان كدميان، مع أن (يد) ساكنة العين اتفاقا، فالجواب: أنه مثنى (يدى) وهي لغة في يد، لا مثنى يد، قلت: ولسيبويه، أيضا، أن يقول: دما، لغة في دم، كيدي لغة في يد، والمشهور أن يدا، في الأصل ساكن العين، لأن الأصل السكون ولا يحكم بالحركة الا بثبت، 5 ولم يستبعد السيرافي أن يكون أصل يد، فعل متحرك العين كقوله: 522 - يا رب سار بات ما توسدا * الا ذراع العنس أو كف اليدا 6


= والصواب ما قاله ابن دريد، (1) صاحب الصحاح وتكرر ذكره، (2) أبدلت الواو ياء لكسر ما قبلها وهي طرف، (3) أي ما ذهب إليه الجوهري، (4) من أبيات للحصين بن الحمام المري، وقبله: تأخرت استبقي الحياة فلم أجد * لنفسي حياة مثل أن أتقدما والحمام بضم الحاء وتخفيف الميم، والمري نسبة إلى مرة أبي قبيلة من العرب، (5) أي إلا بدليل، (6) يعني كان ذراع الناقة هو الوسادة له، أو كانت وسادته كف يده، واليدا مضاف إلى الكف وهو مقصور على إحدى اللغات، والبيت مجهول القائل، (*)

[ 358 ]

فأما ما حذف لامه لعلة موجبة، فهو اما مقصور منون، وقد ذكرناه، واما منقوص كذلك، ولا تحذف الياء في تثنية المنقوص مع أن بعدها ساكنا، كما حذفت مع التنوين، لأن ياءه واجبة الفتح مع ذلك الساكن فلا يلتقي ساكنان، كما لم يلتقيا مع التنوين في حال النصب، نحو رأيت قاضيا، تقول: قاضيان، وقاضيين، (حذف النون) (وتاء التأنيث) (قال ابن الحاجب:) (وتحذف نونه للاضافة، وحذفت تاء التأنيث في: خصيان،) (وأليان)، (قال الرضي:) إنما تحذف النون في الاضافة لما مر في أول الكتاب، من أنها دليل تمام الكلمة، وقد تسقط للضرورة، كقوله: 553 - هما خطتا: اما اسار (ومنة) وإما ذم والقتل بالحر أجدر 1 برفع (إسار) أما إذا جر فبالاضافة، و (إما) فصل، وقد تسقط لتقصير الصلة، كالضاربا زيدا بالنصب على ما يجيئ في اسم الفاعل،


(1) أحد أبيات لتأبط شرا، يتحدث فيها عن إحاطة قوم من هذيل به، وانه احتال على التخلص منهم، وآخر هذه الأبيات قوله: فأبت إلى فهم وما كدت آيبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصغر وهو من شواهد النحو، وسيأتي في قسم الأفعال، (*)

[ 359 ]

قوله: (وحذفت تاء التأنيث في خصيان، وأليان)، اعلم أنه يجوز خصيتان وأليتان اتفاقا، قال: 544 - متى ما تلقني فردين ترجف * روانف أليتيك وتستطارا 1 وقال: 555 - بلى، أير الحمار وخصيتاه * أحب الى فزارة من فزار 2 فأما خصيان، وأليان، فقال أبو علي: الوجه في ذلك: أنه لما كان الخصيتان لا تنفرد احداهما عن صاحبتها، صار اللفظ الدال عليهما معا، أي لفظ التثنية موضوعا وضعا أول على التثنية، كما في: مذروين، وكذا أليان، وليس خصية، وألية، بمفردين لخصيان وأليان، بل مفرداهما: خصي وألي، في التقدير، ومثنيا خصية وألية: خصيتان وأليتان، وقيل: بل أليان وخصيان من ضرورات الشعر، فانهما لم يأتيا الا فيه، قال: 556 - يرتج ألياه ارتجاج الوطب 3


(1) روانف الآليتين طرفاهما، وهمارانفتان وإنما جمع حذرا من اجتماع تثنيين فيما لا لبس فيه والبيت من شعر عنترة العبسي يخاطب عمارة بن زياد العبسي وأولها: أحولي تنفض استك مذرويها * لتقتلني فها أنا ذا عمارا (2) من أبيات للكميت بن ثعلبة، شاعر إسلامي من بني فقعس، ويسمى الكميت الأكبر، وهو جد شاعر اسمه الكميت بن معروف، وكلاهما غير الكميت بن زيد صاحب الها شميات التي مدح بها آل البيت وهو من بني أسد، والأبيات التي منها الشاهد هجاء لبني فزارة، وكانوا يعيرون بأكل أير الحمار، وهي ثلاثة أبيات وقبل الشاهد: نشدتك يا فزار، وأنت شيخ * إذا خيرت، تخطئ في الخيار ؟ أصيحانية أدمت يسمن * أحب إليك أم أير الحمار ؟ (3) شطر من رجز في وصف رجل بإنه عظيم العجز رخوه حتى إنه ليهتز كما يهتز زق اللبن، وقبل هذا الشطر: كأنما عطية بن كعب * ظعنية واقفة في ركب والرجز مجهول القائل، كما قال البغدادي،

[ 360 ]

وقال: كأن خصييه من التدلدل * ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل 1 - 533 وفي غير الضرورة لا تحذف التاء منهما، وقيل: خصى (وألى)، مستعملان، وهما لغتان في خصية وألية، وان كانتا أقل منهما استعمالا، (من أحكام المثنى) 2 (حكم اضافة المثنى الى متضمنة) واعلم أنه إذا أضيف، لفظا، أو معنى: الجزءان الى متضمنيهما، فان كان المتضمنان بلفظ واحد، فلفظ الأفراد في المضاف أولى من لفظ التثنية، قال: 557 - كأنه وجه تركيين قد غضبا * مستهدف لطعان غير منجحر 3 والاضافة معنى، كقولك: حيا الله وجها للزيدين، ثم لفظ الجمع فيه أولى من الأفراد، كقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما 4)، وذلك لاستكراههم في الاضافة اللفظية الكثيرة الاستعمال: اجتماع مثنيين مع اتصالهما لفظا ومعنى، أما لفظا فبالاضافة، وأما معنى فلأن الغرض أن المضاف جزء المضاف إليه، مع عدم اللبس بترك التثنية، ثم حملت المعنوية على اللفظية، فان أدى الى اللبس


(1) تقدم ذكره في باب العدد، (2) استطراد من الرضى، كعادته لاستعمال ما لم يذكره ابن الحاجب، (3) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير امتلأت بالفحش، ومنها قوله: ما تأمرون عباد الله أسألكم * في شاعر حوله درجان مختمر، وقوله: حوله درجان، تثنية درج وهو وعاء للطيب، ومختمر أي لابس للخمار شبهه بالمرأة، واستمر في ذلك حتى وصف فرجه، على أنه امرأة... الخ، (4) من الآية 4 في سورة التحريم، (*)

[ 361 ]

لم يجز الا التثنية عند الكوفيين، وهو الحق، كما يجيئ، تقول قلعت عينيهما إذا قلعت من كل واحد عينيه، وأما قوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما) 1 فانه أراد أيمانهما، بالخبر والاجماع 2، وفي قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وانما اختير الجمع على الافراد لمناسبته للتثنية في أنه ضم مفرد الى شئ آخر، ولذلك قال بعض الأصوليين: إن المثنى جمع، ولم يفرق سيبويه بين أن يكون متحدا في كل واحد منهما، نحو: قلوبكما، أولا يكون نحو: أيديكما، استدلالا بقوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما)، والحق، كما هو مذهب الكوفيين، أن الجمع في مثله لا يجوز الا مع قرينة ظاهرة كما في الآية، وقد جمع بين اللغتين من قال: 558 - ظهراهما مثل ظهور الترسين 3 فان فرق المتضمنان بالعطف، اختير الافراد على التثنية والجمع، نحو: نفس زيد وعمرو، ليكون ظاهر المضاف موافقا لظاهر المضاف إليه، وان لم يكن المضاف جزأي المضاف إليه، بل كانا منفصلين، فان لم يؤمن اللبس نحو: لقيت غلامي الزيدين، فتثنية المضاف واجبة، وإن أمن، جاز جمعه قياسا، وفاقا للفراء ويونس، خلافا لغيرهما، فانهم يجوزونه سماعا، نحو: ضع رحالهما، وانما أمن اللبس لأنه لا يكون للبعيرين إلا رحلان، والضمير الراجع إلى كل ما ذكرنا مما لفظه يخالف معناه، يجوز فيه مراعاة اللفظ والمعنى، نحو: نفوسكما أعجبتاني وأعجبتني، وكذا الوصف والاشارة، ونحو ذلك،


(1) من الآية 38 في سورة المائدة (2) يعني بالخبر، السنة، وما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، (3) ضمير المثنى في: ظهراهما يعود إلى المهمهين اللذين يتحدث عنهما، والترس من الآت الحرب، والرجز لخطام المجاشعي وقبله: ومهمهين قذفين مرتين، والمهمة القذف البعيد، والمرت بسكون الراء: الذي لا ماء فيه، (*)

[ 362 ]

(وقوع المفرد) (موقع المثنى والجمع) وقد يقع المفرد موقع المثنى فيما يصطحبان ولا يفترقان 1، كالرجلين والعيينين تقول: عيني لا تنام، أي عيناي، وقريب منه قوله: 559 - حشاي على جمر ذكي من الغضى * وعيناي في روض من الحسن ترتع 2 وقد يقع المفرد موقع الجمع كقوله تعالى: (ويكونون عليهم ضدا)، 3 وقوله تعالى: (وهم لكم عدو) 4، وذلك لجعلهم كذات واحدة في الاجتماع والترافد كقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون كنفس واحدة)، ومن قيام المفرد مقام الجمع قوله: 560 - كلوا في بعض بطنكم تعفوا * فان زمانكم زمن خميص 5 وقد يقوم (افعلا) 6 مقام: (افعل)، كقوله تعالى: (ألقيا في جهنم 7)، إما على تأويل: ألق ألق، اقامة (لتكرير الفعل مقام تثنية الفاعل 8) للملابسة التي بينهما، وبمثله فسر قوله تعالى: (رب أرجعون) أي: ارجعني ارجعني ارجعني، واما لأن أكثر الرفقاء


(1) أوضح من هذه العبارة ما جاء في بعض النسخ، وهو: فيما يصطحب من الاثنين، ولا يفارق أحدهما الآخر، كالرجلين... الخ ! (2) من قصيدة للمتبني، مطلعها: حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا * فلم أدر أي الظاعنين أشيع ومعنى قول الشارح إنه قريب من وقوع المفرد موقع المثنى، ان المراد عيني فهو عكس ما يتحدث عنه، ويمكن أن يكون منه بالنسبة لقوله ترتع أي ترتعان، (3) من الآية 82 سورة مريم، (4) من الآية 50 سورة الكهف، (5) من أبيات سيبويه التي لم يعرف لها قائل، وهو في سيبويه 1 / 108 (6) أي صيغة فعل الأمر المتصلة بضمير المثنى، (7) الآية 24 في سورة ق (8) العبارة هكذا في الأصل المطبوع ويبدو أنها معكوسة وأن الصواب: إقامة لتثنية الفاعل مقام تكرير الفعل، (9) الآية 99 في سورة المؤمنون، (*)

[ 363 ]

ثلاثة فكل واحد منهم يخاطب صاحبيه في الأغلب، فيخاطب الواحد أيضا مخاطبة الاثنين، لتمرن ألسنتهم عليه، وقد يقدر تسمية جزء باسم كل، فيقع الجمع مقام واحدة أو مثناه نحو قولهم: جب مذاكيرة 1، وبعير أصهب العثانين 2، وقطع الله خصاه، 3 ويجوز تثنية اسم الجمع، والمكسر، غير الجمع الأقصى على تأويل فرقتين، قال: 561 - لنا ابلان، فيهما ما علمتم * فعن أيهما ما شئتم فتنكبوا 4 وقال: 562 - لأصبح الحي أوبادا ولم يجدوا * عند التفرق في الهيجا جمالين 5 ولا يجوز: لنا مساجدان،


(1) المذاكير: جمع ذكر والجميع باعتبار الذكر مع الخصيين، (2) العثنون: شعيران طوال تحت حنك البعير والصهبة من الألوان، (3) أي خصيتيه، (4) فعن أيهما بإسكان الياء من غير تشديد، وهو مخفف من أيهما بالتشديد وروي: فعن أيها بتشديد الياء وإفراد ضمير المؤنث، والبيت بهذه الرواية منسوب لشاعر إسلامي اسمه شعبة بن نمير، وقال بعضهم انه بيت مفرد، وأورد آخرون معه بعض الأبيات، والشطر الأول وقع في قصيدة لعوف بن عطية الحزع صدرا لمطلعها وهو قوله: هما ابلان فيهما ما علمتم * فأدوهما إن شئتم أن نسالما (5) قائله عمرو بن عداء الكلبي، وكان معاوية بن أبي سفيان أرسل ابن أخيه: عمرو بن عقبة بن أبي سفيان ساعيا على صدقات بني كلب فأخذ منهم أكثر مما يلزمهم فقال عمرو بن عداء: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا * فكيف لو قد سعى عمرو عقالين لأصبح الحي أوبادا، ولم يجدوا * عند التفرق في الهيجا جمالين قال البغدادي من الخزانة ان (عقالا) وعقالين، منصوبان على الظرفية، والتقدير: مدة عقال ومدة عقالين، وفسر العقال بأنه صدقة عام واحد، والعقالان صدقة عامين، والسبد: الشعر والوبر ويكنى بهما عن الابل، واللبد الصوف ويكنى به عن الغنم، ويقال ما ترك له سبد ولا لبد ويراد أنه افتقر، واللام في قوله لأصبح في جواب شرط مستفاد من البيت الأول والتقدير: لو أنه سعى عقالين أي أخد صدقات عامين لأصبح الحي أوبادا، وهو جمع وبد على وزن كتف أي سيئ الحالة، يقول: لأصبحنا في أسوأ حال ولم نجد ما يحملنا إلى الحرب، وتثنية الجمال لأن للركوب طائفة منها ولحمل الأمتعة أخرى، (*)

[ 365 ]

(الجمع) (تعريف الجمع) (والفرق بين ما دل على متعدد) (كاسم الجمع واسم الجنس) (قال ابن الحاجب:) (المجموع: ما دل على آحاد مقصودة بحروف مفرده بتغيير ما) (فنحو: تمر، وركب، ليس بجمع على الأصح،) (ونحو فلك: جمع)، (قال الرضي:) قوله: (ما دل على آحاد)، يشمل المجموع وغيره، من اسم الجنس، كتمر، ونخل، واسم الجمع، كرهط، ونفر، والعدد، وكثلاثة وعشرة، ومعنى قوله: (مقصودة بحروف مفرده بتغيير ما) أي تقصد تلك الآحاد، ويدل عليها بأن يؤتي بحروف مفرد ذلك الدال عليها، مع تغيير ما، في تلك الحروف، إما تغيير ظاهر، أو مقدر، فالظاهر، إما بالحرف، كمسلمون، أو بالحركة، كأسد، في أسد، أو بهما، كرجال، وغرف، والتغيير المقدر، كهجان وفلك، فقوله: بتغيير ما، أي: مع تغيير، وهو حال من قوله: حروف مفرده، أي كائنة مع تغيير ما، ودخل في قوله: تغيير ما، جمعا السلامة، لأن الواو والنون، في آخر الاسم، من تمامه، وكذا الألف والتاء، فتغيرت الكلمة بهذه الزيادات، الى صيغة أخرى، وخرج بقوله: (مقصودة بحروف مفرده بتغيير ما): اسم الجمع نحو ابل وغنم، لأنها وان دلت على آحاد، لكن لم يقصد الى

[ 366 ]

تلك الآحاد بأن أخذت حروف مفردها وغيرت بتغيير ما، بل آحادها ألفاظ من غير لفظها، كبعير، وشاة، فان قيل: فنحو ركب في راكب، وطلب في طالب، وجامل وباقر في جمل وبقر، داخل فيه، إذا آحادها من لفظها كما رأيت، أخذ (راكب) مثلا، وغيرت حروفه، فصار: ركب، قلت: ليس (راكب) بمفرد (ركب) وان اتفق اشتراكهما في الحروف الأصلية، وإنما قلنا ذلك، لأنها لو كانت جموعا لهذه الآحاد، لم تكن جموع قلة، لأن أوازنها محصورة، كما يجيئ، بل جموع كثرة، وجمع الكثرة لا يصغر على لفظه، بل يرد الى واحده كما يجيئ في باب التصغير، وهذه لا ترد، نحو: ركيب، وجويمل، وأيضا، لو كانت جموعا لردت في النسب الى آحادها ولم يقل: ركبي وجاملي، وأيضا، لو كانت جموعا، لم يجز عود الضمير الواحد إليها، قال: 563 - فان تك ذا شاء كثير فانهم * لهم جامل ما يهدأ الليل سامره 1 وقال: فعبت غشاشا ثم مرت كأنها * مع الصبح ركب من أحاظة مجفل 2 - 542 ويخرج، أيضا، اسم الجنس، أي الذي يكون الفرق بينه وبين مفرده إما بالتاء نحو: تمرة وتمر، أو بالياء نحو: رومي وروم، وذلك لأنها لا تدل على آحاد إذ اللفظ لم يوضع للآحاد بل وضع لما فيه الماهية المعينة، سواء كان واحدا، أو مثنى، أو جمعا، ولو سلمنا الدلالة عليها، فانه لا يدل عليها بتغيير حروف مفرده، فان قيل: أليس آحاده أخذت وغيرت حروفها بحذف التاء أو الياء ؟ قلت: ليس


(1) للحطيئة في مدح بغيض بن شماس بن لأي، والتعريض بالزبر قان بن بدر، وهو ابن عم لشماس، يقول فيها مخاطبا الزبرقان: فدع آل شماس بن لأي فانهم * مواليك، أو كاثر بهم من تكاثره إلى أن قال: فإن تك ذا شاء كثير، فإنهم * لهم جامل.... الخ والجامل اسم جمع للجمل أو هو الجمال ورعاتها والقائمون عليها، (2) من قصيدة الشنفري المسماة بلامية العرب، وتقدم ذكره في باب المذكر والمؤنث من هذا الجزء (*)

[ 367 ]

ذو التاء، ولا ذو الياء مفردين لاسم الجنس للأوجه الثلاثة 1 المذكورة في اسم الجمع، وتزيد عليه، أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير فيقع التمر، على التمرة، والتمرتين والتمرات، وكذا: الروم، فان أكلت أو تمرتين، وعاملت روميا أو روميين، جاز لك أن يقول: أكلت التمر، وعاملت الروم، ولو كانا جميعن، لم يجز ذلك، كما لا يقع رجال، على رجل، أو رجلين، بلى، قد يكون بعض الأجناس مما اشتهر في معنى الجمع، فلا يطلق على الواحد والاثنين، وذلك بحسب الاستعمال لا بالوضع، كلفظ الكلم، وعند الأخفش: جميع أسماء الجموع التي لها آحاد من تركيبها، كجامل وباقر، وركب: جمع، خلافا لسيبويه، وعند الفراء: كل ماله واحد من تركيبه سواء كان اسم جمع كباقر وركب، أو اسم جنس كتمر، وروم فهو جمع، والا فلا، وأما اسم الجمع واسم الجنس اللذان ليس لهما واحد من لفظهما فليسا بجمع اتفاقا، نحو ابل، وتراب، وإنما لم يجيئ لمثل تراب، وخل، مفرد بالتاء، إذ ليس له فرد مميز عن غيره، كالتفاح، والتمر، والجوز، والفرق بين اسم الجمع واسم الجنس مع اشتراكهما في أنهما ليسا على أوزان جموع التكسير، لا الخاصة بجمع القلة، كأفعلة وأفعال، ولا المشهورة فيه كفعلة نحو: نسوة، أن اسم الجمع لا يقع على الواحد والاثنين، بخلاف اسم الجنس، وأن الفرق بين واحد اسم الجنس وبينه 2 فيما له واحد متميز، إما بالياء، أو التاء بخلاف اسم الجمع، فان قيل: فقد خرج بقولك: مقصودة بحروف مفرده بعض الجموع أيضا، أعني جمع الواحد المقدر نحو عباديد وعبابيد بمعنى الفرق، ونسوة في جمع امرأة، فينبغي أيضا، أن يكون من أسماء الجموع، كابل وغنم، قلت: إن أسماء الجموع، كما مر، هي المفيدة لمعنى الجمع مخالفة لأوزان الجموع الخاصة بالجمع والمشهورة فيه، ونحو عباديد، وعبابيد، وزن خاص بالجمع، ونحو: نسوة مشهور فيه، فوزنها أوجب أن تكون من الجموع، فيقدر لها واحد، وإن لم يستعمل،


(1) وهي التصغير على لفظه وعدم رده في النسب إلى المفرد وعود الضمير عليها مفردا، وهي مذكورة قبل قليل، (2) أي وبين اسم الجنس، ومراده ما يسمى باسم الجنس الجمعي،

[ 368 ]

كعباد، وعبدود، ونساء كغلام وغلمة فكأن له مفردا غير تغييرا ما، وقد ألحق بجمع الواحد المقدر، نحو مذاكير في جمع ذكر، ومحاسن في جمع حسن، ومشابه في جمع شبه، وان كان لها واحد من لفظها، لما لم يكن قياسيا، فكأن واحدها مذكور، أو مذكار، ومحسن ومشبه، وكذا: أحاديث 1 النبي صلي الله عليه وسلم، في جمع الحديث، وليس جمع الأحدوثة المستعملة، لأنها: الشئ الطفيف الرذل، حوشي صلى الله عليه وسلم عن مثله، وما يقع على الجمع وعلى الواحد أيضا مما ليس في الأصل مصدرا وصف به، يعرف كونه لفظا مشتركا بين الواحد والجمع أو كونه اسم جنس، بأن ينظر، فان لم يثن إلا، لاختلاف النوعين، فهو اسم جنس، كالتمر والعسل، وإن ثني، لا، لاختلاف النوعين، فهو جمع مقدر تغييره، كهجان 2، بمعنى الأبيض، وكالفلك، والدلاص 3، تقول في التثنية: هجانان وفلكان، ودلاصان، فهجان ودلاص، في الواحد، كحمار وكتاب، وفلك، كقفل، وفي الجمع: كرجال وخضر، الحركات والحرف المزيد، غير حركات المفرد وحرفه تقديرا، وأما الوصف الذي كان في الأصل مصدرا، نحو صوم وغور 4، فيجوز أن يعتبر الأصل فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، قال الله تعالى: (حديث ضيف ابرهيم المكرمين 5)، وقال: (نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) 6، ويجوز اعتبار حاله المنتقل إليها، فيثنى ويجمع، فيقال: رجلان عدلان، ورجال عدول، وأما تاء التأنيث فلا تلحقه لأنها لا تلحق من


(1) يعنيى لفظة أحاديث التي يراد بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، (2) الهجان هي الأبل البيضاء، (3) الدلاص: الدرع الدلاص التي تبرق وتلمع (4) ماء غور، أي غائر وذاهب في الأرض، (5) الآية 24 سورة الذاريات (6) الآية 21 سورة ص، (*)

[ 369 ]

الصفات الا ما وضع وصفا، وأما قوله تعالى: (وهم لكم عدو) 1، وقوله: (ويكونون عليهم ضدا) 2 فليس باسم الجنس، إذ يقال: عدوان، وضدان، لا، لاختلاف النوعين، ولا مشتركا بين الواحد والجمع، وكهجان، لأنهما ليسا على وزن الجمع، ولا اسمي جمع كإبل، لوقوعهما على الواحد أيضا، ولا مما هو في الأصل مصدر، إذ لم يستعملا مصدرين، بل هما مفردان أطلقا على الجمع، كما ذكرنا قبل، (أنواع الجمع) (جمع المذكر السالم) (قال ابن الحاجب:) (وهو صحيح ومكسر، الصحيح لمذكر ومؤنث، المذكر:) (ما لحق آخره واو مضموم ما قبلها، أو ياء مكسور) (ما قبلها، ونون مفتوحة ليدل على أن معه أكثر منه فان) (كان آخره ياء قبلها كسرة حذفت، مثل: قاضون)، (وان كان مقصورا، حذفت الألف وبقي ما قبلها مفتوحا،) (مثل مصطفون)، (قال الرضي:) قيل: قد تكسر نون الجمع ضرورة، قال: 564 - عرفنا جعفرا وبني رياح * وأنكرنا زعانف آخرين 3


(1) من الآية 50 سورة الكهف وتقدمت (2) الآية 82 سورة مريم، وتقدمت، (3) أحد أبيات لجرير يخاطب فضالة العرني وكان جرير هجا سليط بن الحارث وهو خال فضالة، فقال فضالة = (*)

[ 370 ]

ويمكن أن يكون، جعل النون معتقب الاعراب، أي زعانف قوم آخرين، ولا يخلو المفرد في جمع المذكر السالم أن يكون صحيحا، أو، لا، وقد مضى حكم الصحيح، والمعتل إما أن يكون منقوصا أو مقصورا أو غير ذلك، فما هو غير ذلك، في حكم الصحيح، كظبيون، ودلوون في العاقل المسمي بظبي ودلو، والمنقوص تحذف ياؤه، وذلك لأنها تنضم قبل الواو، وتنكسر قبل الياء، والضم والكسر: مستثقلان على الياء المكسور ما قبلها طرفا، كما في: جاءني القاضي ومررت بالقاضي وهذه الياء مع واو الجمع ويائه في حكم الطرف لعدم لزومهما، فحذفا 1 فالتقى ساكنان، فحذف أولهما كما هو القياس في الساكنين اللذين أولهما حرف مد، فضم ما قبل الواو، لمناسبتها للضمة كما في الصحيح، ولو أبقيت الكسرة مع بقاء الواو بعدها، لتعسر النطق بها، ولو قلبت الواو ياء، لم يبق فرق بين رفع الجمع وغيره من النصب والجر، فان قيل: فكذا في نحو: مسلمي قلت: ذلك لياء الاضافة التي هي على شرف الزوال، وأما في حال النصب، والجر، فحذفت الياء، وبقيت الكسرة على حالها، لكون ياء الجمع بعدها، ولم تحذف ياء المنقوص في المثنى لأنها تنفتح، كما ذكرنا، قبل ألف المثنى ويائه، والفتحة لا تستثقل على الياء، كما في رأيت القاضي، وان كان الاسم مقصورا، حذفت الألف في الأحوال 2، للساكنين، نحو: مصطفون، ومصطفين، والعيسون والعيسين، وإنما حذفت في الجمع وقلبت في المثنى


= لجرير: أتهجو خالي والله لأقتلنك، فقال جرير: اتوعدني وراء بني رياح * كذبت، لتقصرن يداك دوني وروى قوله عرفنا جعفرا... الخ: عرفنا جعفرا وبني أبيه، وفي الخزانة: وبني بيد، والزعانف مع زعنفة وأصلها أهداب الثوب والمراد هنا الأتباع، (1) يعني ياء الجمع وواوه، (2) أي أحوال الاعراب الثلاثة، (*)

[ 371 ]

مع التقاء الساكنين فيه أيضا، وكون أولهما حرف مد، إما لأنه لو حذفت في المثنى، أيضا، لا لتبس في الرفع إذا أضيف، بالمفرد نحو: جاءني: أعلا اخوتك 1، بخلاف الجمع، فانك تقول فيه أعلو اخوتك، وأعليهم، فلا يلتبس به، وإما لأن فتحة الواو والياء قبل الألف أو الياء في نحو: عصوان وعصوين، ورحيان ورحيين، أخف من ضمتهما أو كسرتهما قبل الواو والياء، ومن ثمة، لا ترى في الطرف نحو: غزووت ورمييت، كما ترى نحو: غزوان وغليان، فإذا لم يأت ذلك في الطرف، مع كون الواو المضمومة في نحو غزووت، والياء المكسورة في رمييت في حكم الوسط للزوم الواو والياء بعدهما، كما في: سبروت 2، وعفريت، فما ظنك بنحو: أعلوون، وأعليين مع عدم لزوم واو الجمع ويائه، بل يجيئ مثله في الوسط نحو: قوول وطويل، وغيور، وبييع، والكوفيون يلحقون ذا الألف الزائدة بالمنقوص جوازا، فيقولون: العيسون بضم السين، والعيسين بكسرها، (شرط جمع المذكر) (قال ابن الحاجب:) (وشرطه: إن كان اسما فمذكر علم يعقل، وان كان صفة) (فمذكر يعقل وأن لا يكون أفعل فعلاء، مثل أحمر....،) (ولا فعلان فعلى، مثل سكران، ولا مستويا فيه مع المؤنث) (مثل جريح وصبور، ولا بتاء مثل علامة)،


(1) الذي هو مثنى أعلى، (2) من السبر، ومعناه الخبير بمسالك الأرض (*)

[ 372 ]

(قال الرضي:) قوله: وشرطه، أي شرط الجمع المذكر السالم إذا كان اسما، أي غير صفة، قال في الشرح 1: كان مستغنيا عن قوله: مذكر، لأن الكلام في جمع المذكر، وإنما ذكره ليرفع وهم من يظن أن قوله: جمع المذكر السالم كاللقب الذي يطلق على الشئ وان لم يكن تحته معنى، كما يسمى الأبيض بالأسود، فيقال: جمع المذكر لغير جمع المذكر، أو ليرفع وهم من يذهل عن تقدم التذكير، ولا شك في برودة هذين العذرين، ثم قال: أو يظن ان طلحة داخل، فيجمعه على طلحون، وهذا، أيضا، ليس بشئ، لأن نحو طلحة ان خرج بقوله فمذكر، يخرج، أيضا، بقوله: جمع المذكر، وان لم يخرج بالأول لأنه مذكر المعنى لا مذكر اللفظ، لم يخرج بالثاني، أيضا، وكان عليه أن يقول: شرطه التجرد عن التاء، ليدخل فيه نحو: ورقاء، وسلمى اسمي رجلين، فانهما يجمعان بالواو والنون اتفاقا، ويخرج نحو طلحة وحده، واعلم أن شروط جمع المذكر بالواو والنون، على ضربين، عام للصفات والأسماء، وخاص بأحدهما، فالعام لهما شيئان: أحدهما التجرد عن تاء التأنيث، فلا يجمع نحو طلحة من الأسماء، وعلامة في الصفات، بالواو والنون، خلافا للكوفيين وابن كيسان 2 في الاسم ذي التاء، فانهم أجازوا: طلحون بسكون عين الكلمة، وابن كيسان يفتحها نحو: طلحون، قياسا على الجمع بالألف والتاء، كالطلحات والحمزات، وذلك لأن حقه الألف والتاء، كما قالوا أرضون، بفتح الراء، لما كان حقه الألف والتاء، والذي قالوه مخالف للقياس والاستعمال، أما الاستعمال فنحو قوله: 565 - نضر الله أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات 3


(1) أي شرحه على الكافية (2) أبو الحسن محمد بن ابراهيم بن كيسان ممن تقدم ذكرهم في هذا الجزء، وما قبله، (3) أول أبيات لابن قيس الرقيات في رثاء طلحة الطلحات، والرواية المشهورة رحم الله أعظما... وطلحة الطلحات = (*)

[ 373 ]

وأما القياس فلأن التاء، لو بقيت مع الواو والنون لاجتمعت علامتا التذكير والتأنيث، وان حذفت، كما عملوه، حذف الشئ مع عدم ما يدل عليه، وغلب على الظن أنه جمع المجرد عنها، لكثرة جمع المجرد عنها بالواو والنون، ولو جاز في الاسم لجاز في الصفة، نحو: ربعون وعلامون، ولا يجوز اتفاقا، وان قاسوا ذا التاء على ذى الألف، فليس لهم ذلك، لأن الألف الممدودة تقلب واوا فتنمحي صورة علامة التأنيث، وإنما قلبوها واوا دون الياء، لتشابههما في الثقل، كما قيل في صحراوات، والألف المقصورة تحذف، وتبقى الفتحة قبلها دالة عليها، وإنما لم تحذف الممدودة، والمقصورة نسيا، حذف التاء 1، للزومهما الكلمة، فكأنهما لامها، وذكر أن المازني، كان يجيز في: ورقاؤون، الهمز في الواو لأجل الضمة، قال السيرافي، هذا سهو، لأن انضمامها لواو الجمع بعدها فهو كانضمام واو: دلوك، وانضمام واو: أعلو القوم، ولا يجوز الهمز فيهما اتفاقا، وإنما يجوز همز الواو المضمومة ضمة لازمة، كما يجيئ في التصريف، وإذا سمي بسعاد وزينب وهند، مذكر عالم 2، جمعت أيضا بالواو والنون، كما يجمع نحو زيد، بالألف والتاء إذا سمي به مؤنث، وكذا إذا سمي بأحمر مذكر عالم قلت أحمرون، وأحامر، وان سمي به مؤنث قلت: أحمرات وأحامر، والثاني من الشرطين العامين أن يكون من أولي العلم، فلا يجمع نحو: أعوج، وفرس طويل، بالواو والنون، وقد يشبه غير ذوي العلم بهم في الصفات إذا كان مصدر تلك الصفات من أفعال


= هو طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي قالوا سبب تسميته بذلك أن أمه صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة، وأخوها طلحة بن الحارث، واسمه هو طلحة، والله أعلم، وقيل انه فاق في الجود خمسة اسم كل منهم طلحة، (1) أي مثل حذف التاء، (2) نائب فاعل سمي، (*)

[ 374 ]

العلماء، كقوله تعالى: (أتينا طائعين 1)، وقوله: (فظلت أعناقهم لها خاضعين 2)، و: (رأيتهم لي ساجدين) 3، ومثله في العقل: (وكل في فلك يسبحون) 4، وقول المصنف: علم يعقل ومذكر يعقل، الأولى فيه أن يقول (يعلم)، ليشمل نحو قوله تعالى: (فنعم الماهدون) 5، إذ لا يطلق عليه تعالى أنه عاقل، لأبهام العقل للمنع من القبائح الجائزة على صاحبه، تعالى الله عنها علوا كبيرا، وإنما خص أولو العلم بالجمع المصحح بالواو والنون، لأنهم أشرف من غيرهم والصحة في الجمع أشرف من التكسير، وأما احتصاصهم بالواو، فلما مر في تعليل تخصيص ضمير العقلاء في نحو: الرجال ضربوا، بالواو، 6 وخص بهذا الجمع من بين العلماء: الوصف والعلم دون غيرهما، نحو رجل وانسان، أما العلم فتحصينا له بالتصحيح عن جمع التكسير الذي يكثر التصرف في الاسم باعتباره، وعادة العلم جارية بالمحافظة عليه من التصرف بقدر ما يمكن، وأيضا، فان العلم يلحقه الوهن بالجمع بسبب زوال التعريف العلمي كما مضى، فيجبر بالتصحيح، كما جبر في نحو: قلون وكرون، (ولهذا تشارك باب العلم المجموع هذا الجمع وباب كرون في جواز جعل النون معتقب الاعراب)، 7 وأما الوصف فلأنه لما وضع مشابها للفعل، مؤديا معناه، معلا باعلاله، مصححا بتصحيحه، كما نبين في التصريف، أريد أن تكون العلامة الدالة على صاحبه الذي يجري الوصف عليه في الجمع، كعلامة الفعل وهي في الفعل واو، نحو: الرجال فعلوا،


(1) من الآية 11 في سورة فصلت (2) من الآية 4 في سورة الشعراء (3) من الآية 4 في سورة يوسف (4) من الآية 40 في سورة يس (5) من الآية 48 في سورة الذاريات (6) متعلق بقوله تخصيص، (7) زيادة مفيدة، وردت في بعض النسخ التي أشير إليها بهامش المطبوعة التركية، (*)

[ 375 ]

ويفعلون، فجعلت في الوصف أيضا واوا، وان كان واو الفعل اسما، وواو الاسم حرفا، ولتناسب الواوين، قبح قام رجل قاعدون غلمانه، كما قبح: يقعدون غلمانه، ولما لم يكن في غير الوصف، والعلم ما اختصا به من المقتضيين للتصحيح لم يجوزوا تصحيحه، والوصف الذي يجمع بالواو والنون: اسم الفاعل، واسم المفعول وأبنية المبالغة، إلا ما يستثنى، والصفة المشبهة، والمنسوب، والمصغر، نحو رجيلون، إلا أن المصغر مخالف لسائر الصفات من حيث لا يجري على الموصوف جريها، وإنما لم يجر، لأن جري الصفات عليه إنما كان لعدم دلالتها على الموصوف المعين، كالضارب والمضروب والطويل والبصري، فانها لا تدل على موصوف معين، وأما المصغر فانه دال على الصفة والموصوف المعين معا، إذ معنى رجيل: رجل صغير، فوزانه وزان 1: رجل ورجلين، في دلالتهما على العدد والمعدود معا فلم يحتاجا الى ذكر عدد قبلهما، كما تقدم، وكل صفة تدل على الموصوف المعين لا يذكر قبلها، كالصفات الغالبة، ويفارقها، أيضا، من حيث إنه لا يعمل في الفاعل عملها، لأن الصفات ترفع بالفاعلية، ما هو موصوفها معنى، والموصوف في المصغر مفهوم من لفظه فلا يذكره بعده، كما لا يذكر قبله، فلما لم يعمل في الفاعل وهو أصل معمولات الفعل لم يعمل في غيره من الظرف، والحال، وغير ذلك، وأما الخاص 2 من شروط الجمع بالواو والنون، فشيئان: العلمية، وقبول تاء التأنيث، فالعلمية مختصة بالأسماء، لما ذكرنا، وقبول تاء التأنيث مختص بالصفات، فلم يجمع هذا الجمع: أفعل فعلاء وفعلان فعلى، وما يستوي مذكره ومؤنثة، كما ذكرنا في باب التذكير والتأنيث، وإنما اعتبر في الصفات قبول التاء، لأن الغالب في الصفات أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بالتاء، لتأديتها معنى الفعل، والفعل يفرق بينهما فيه بالتاء نحو: الرجل قام،


(1) يريد أن حاله كحال رجل ورجلين، وليس المراد معنى الوزن الصرفي، (2) عودة إلى الحديث عن شروط جمع المذكر السالم، (*)

[ 376 ]

والمرأة قامت، وكذا في المضارع التاء، 1 وان كان في الأول، نحو تقوم، والغالب في الأسماء الجوامد أن يفرق بين مذكرها ومؤنثها بوضع صيغة مخصوصة لكل منهما، كعير، وأتان، وجمل وناقة، وحصل وحجراء، 2 أو يستوي مذكرها ومؤنثها، كبشر وفرس، هذا هو الغالب في الموضعين، وقد جاء العكس أيضا في كليهما نحو: أحمر وحمراء، والأفضل والفضلي وسكران وسكرى، في الصفات، وكامرئ وامرأة ورجل ورجلة في الأسماء، فكل صفة لا تلحقها التاء، فكأنها من قبيل الأسماء، فلذا لم يجمع هذا الجمع، أفعل فعلاء، وفعلان فعلى، وأجاز ابن كيسان: أحمرون وسكرانون واستدل بقوله: فما وجدت بنات بني نزار * حلائل أسودينا وأحمرينا 3 - 24 وهو عند غيره شاذ، وأجاز، أيضا، حمراوات، وسكريات، بناء على تصحيح جمع المذكر، والأصل ممنوع فكذا الفرع، وقد شذ من هذا الأصل: أفعل التفضيل، فانه يجمع بالواو والنون مع أنه لا تلحقه التاء، ولعل ذلك، جبرا لما فاته من عمل الفعل في الفاعل المظهر والمفعول مطلقا، مع أن معناه في الصفة أبلغ وأتم من اسم الفاعل الذي إنما يعمل فيهما لأجل معنى الصفة، كما جبروا بالواو والنون: النقص في نحو: قلون وكرون، وأرضون، على ما يجيئ، وأجاز سيبويه قياسا، لا سماعا: ندمانون، في قولهم ندمان، لقبوله التاء، كندمانة، وكذا سيفانون، لقولهم سيفانة، قال سيبويه 4: لا يقولون ذلك، وذلك لأن الأغلب في فعلان الصفة، الا تلحقه التاء، فندمانة وسيفانة، كأنهما من قبيل الشذوذ، فالأولى ألا يجمعا هذا الجمع حملا على الأعم الأغلب، وأما نحو عريانون، وخمصانون، فيجوز اتفاقا، لأن فعلان الصفة بضم الفاء، ليس أصله عدم لحوق التاء،


(1) يعني أن بدء المضارع بالتاء فيه تفرقة بين المسند إلى المذكر والمسند إلى المؤنث، (2) الأنثى من الخيل، (3) تقدم في الجزء الأول في: ما لا ينصرف، (4) انظر سيبويه 2 / 212، (*)

[ 377 ]

ولما ندرت من بين الصفات التي يستوي مذكرها ومؤنثها: عدوة، حملا 1 على صديقة، ومسكينة، حملا على فقيرة، قال بعضهم 2: فيجوز في مسكين وعدو، مسكينون وعدوون، ثم يجوز في المؤنث حملا على المذكر: مسكينات وعدوات، وهذا قياس لاسماع، كما قال سيبويه في: ندمانون، وشذت من هذا الأصل صفة على خمسة أحرف أصلية، كصهصلق 3، فانه يستوى مذكره ومؤنثه، مع أنه يقال: صهصلقون، وصهصلقات، لأن تكسير الخماسي مستكره، كما يجيئ في بابه، فلم يبق إلا التصحيح، قوله: (وشرطه إن كان اسما فمذكر علم)، عبارة ركيكة، وذلك لأنه لا يجوز أن يكون قوله: إن كان اسما فمذكر، شرطا وجزاء، خبرا لقوله: وشرطه، لأن المبتدأ المقدر، اذن، بعد الفاء، ضمير راجع الى (اسما) أي: فهو علم، فتخلو الجملة من ضمير راجع الى المبتدأ، الذي هو: (شرطه)، مع أنه لا معنى، اذن، لهذا الكلام، ومعنى الكلام: إن كان اسما فشرطه أن يكون علما فيكون، على هذا، جواب الشرط مدلول الجملة التي هي قوله: شرطه... فمذكر، وفيه مخدورات: الأول دخول الفاء في خبر المبتدأ مع خلوه من معنى الشرط كقوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم 4 - 76 عند الأخفش، والثاني: أن الشرط كونه مذكرا، وليس في الخبر ما يجعله بمعنى المصدر، والثالث: أن إلغاء الشرط المتوسط بين المبتدأ والخبر ضرورة، كقوله: 566 - إنك أن يصرع أخوك تصرع


(1) تعليل للتأنيث النادر في عدوة، (2) جواب قوله ولما ندرت... الخ (3) من معاني الصهصلق: العجوز الكثيرة الصخب، واسم للصوت الشديد، (4) تقدم في الجزء الأول في باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير، (5) من رجز لعمرو بن خثارم البجلى، والمخاطب به الأقرع بن حابس الصحابي رضي الله عنه، وأول الرجز: يا أقرع بن حابس يا أقرع.... وبعده: اني أخوك فانظرن ما تصنع، (*)

[ 378 ]

كما يجيئ في بابه، فلا يقال: زيد، إن لقيته، مكرمك، ويمكن أن يعتذر 1 بأن الشرط والجزاء: خبر المبتدأ، والتقدير: فهو حصول مذكر، على أن الضمير المقدر بعد الفاء راجع الى قوله: شرطه، والمضاف الى الخبر محذوف، مع تعسف في هذا العذر، وكذا قوله بعد: وان كان صفة فمذكر...، قوله: (ولا مستويا فيه مع المؤنث)، عبارة أسخف من الأولى، لأن (مستويا) عطف على: أفعل فعلاء، فيكون المعنى: وألا يكون الوصف المذكر مستويا في ذلك الوصف مع المؤنث، ولا معنى لهذا الكلام، وكيف يستوي الشئ في نفسه مع غيره، ولو قال: ولا مستويا فيه المذكر مع المؤنث، لكان شيئا، (حذف نون الجمع) (وما شذ جمعه بالواو والنون) (قال ابن الحاجب:) (وتحذف نونه للاضافة، وقد شذ نحو سنين وأرضين)، (قال الرضي:) (أما حذف النون فقد مضى في المثنى) 2، وقد تحذف النون للضرورة كما في المثنى، أو لتقصير الصلة، كما في قوله: الحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائهم نطف 3 - 289


= والرجز قيل في منافرة كان الحكم فيها الأقزع بن حابس، وذلك في الجاهلية، (1) محاولة من الشارح لأصلاح كلام المصنف الذي اعترض عليه، (2) هكذا بدأ الشارح كلامه في بعض النسخ، (3) تقدم في الجزء الثاني (*)

[ 379 ]

وربما سقطت قبل لام ساكنة، اختيارا، كما جاء في الشواذ 1 (إنكم لذائقوا العذاب) 2 بنصب (العذاب) تشبيها لها بالتنوين في نحو قوله: وحاتم الطائي وهاب المئي 3 - 528 قوله: (وقد شذ نحو سنين)، الشاذ من جمع المذكر بالواو والنون كثير، منها: أبينون، قال: 567 - زعمت تماضر أنني إما أمت * يسدد أبينوها الأصاغر خلتي 4 وهو عند البصريين، جمع (أبين) وهو تصغير (أبنى) على وزن أفعل، كأضحى، فشذوذه عندهم لأنه جمع لمصغر لم يثبت مكبره، وقال الكوفيون: هو جمع (أبين) وهو تصغير (أبن) مقدرا، وهو جمع (ابن)، كأدل في جمع دلو، فهو عندهم، شاذ من وجهين: كونه جمعا لمصغر لم يثبت مكبره، ومجئ أفعل في فعل، وهو شاذ، كاجبل وازمن، وقال الجوهري: شذوذه لكونه جمع (أبين) تصغير ابن، بجعل همزة الوصل قطعا، وقال أبو عبيد 5: هو تصغير (بنين) على غير قياس، ومنها: دهيدهون وأبيكرون في قوله: 568 - قد شربت الا الدهيدهينا * قليصات وأبيكرينا 6


(1) هي قراءة أبي السمال، (2) الآية 38 سورة الصافات (3) تقدم ذكره فيى باب العدد من هذا الجزء، (4) تماضر اسم امرأة بدأ الشاعر قصيدته بذكرها، والشاعر هو سلمى بن ربيعة بن السيد الضبي، والبيت من قصيدة أوردها أبو تمام في الحماسة، وبعده: تربت يداك وهل رأيت لقومه * مثلي علي يسري وحين تعلتى واسم الشاعر إما سلمى بفتح السين وألف التأنيث وإما بضم السين وتشديد الياء، (5) المراد: القاسم بن سلام، تلميذ أبي عبيدة بالتاء: معمر بن المثنى، وتقدم ذكرهما، (6) هذا من رجز لم يعرف اسم قائله وإنما أورده أبو عبيد في الغريب المصنف، وأوله: يا وهب فابدأ ببني أبينا * ثمت ثمن ببني أخينا = (*)

[ 380 ]

فهما جمع: دهيده مصغر: دهداه وهو صغار الابل، وجمع أبيكر تصغير أبكر مقدرا، كأضحى عند البصريين، فهو شاذ من وجهين أحدهما كونه بالواو والنون، من غير العقلاء، والثاني كونه جمع مصغر، لمكبر مقدر، وهو عند الكوفيين جمع تصغير أبكر جمع بكر، فشذوذه من جهة جمعة بالواو والنون فقط، كالدهيدهين، ومنها: أولو، فانه جمع (ذو) على غير لفظه، ومنها عليون، وهو اسم لديوان الخير، على ظاهر ما فسره الله تعالى في قوه: (كتاب مرقوم يشهده المقربون 1)، فعلى هذا، ليس فيه شذوذ، لأنه يكون علما منقولا عن جمع المنسوب الى: علية، وهي الغرفة، والقياس أن يقال في المنسوب إليها: علي ككرسي، المنسوب الى كرسي، وان قلنا ان (عليون) غير علم، بل هو جمع (علية) وليس بمنسوب إليها وهو بمعنى الأماكن المرتفعة، فهو شاذ، لعدم التذكير والعقل، فيكون التقدير في قوله تعالى: (كتاب مرقوم) 2: مواضع كتاب مرقوم على حذف المضاف، ومنها: العالمون، لأنه لا وصف ولا علم، وأما العقل فيجوز أن يكون فيه على جهة التغليب لكون بعضهم عقلاء، ويجوز أن يدعى فيه الوصف لأن العالم هو الذي يعلم منه ذات موجده تعالى ويكون دليلا عليه، فهو بمعنى الدال، ومنها: أهلون، وشذوذه لأنه ليس بصفة، ويجوز أن يتمحل له ذلك لأنه في الأصل بمعنى الأنس، وأما قوله: 569 - ولي دونكم أهلون: سيد عملس * وأرقط ذهلول وعرفاء جيأل 3 فانما جمعه بالواو والنون مع عدم العقل لأنه جعل الذئب والأرقط والعرفاء بدل أهليه،


= وبين الشطرين المذكورين في الشرح قوله: إلا ثلاثين وأربعينا (1) الآيتان 20، 21 من سورة المطغفين، (2) إحدى الآيتين السابقتين، (3) من لامية العرب للشنفري الأزدي، وقد بين الشارح المراد بالأرقط والسيد والعرفاء، والسيد بكسر السين والعملس بتشديد اللام السريع القوي على السير، وبعد هذا البيت من القصيدة: هم الأهل، لا مستودع السر ذائع * لديهم ولا الجاني بما جر يخذل (*)

[ 381 ]

ومنها: عشرون الى تسعين، وقد مضت، 1 ومنها: أرضون، وإنما فتحت الراء لأن الواو والنون في مقام الألف والتاء، فكأنه قيل: أرضات، أو للتنبيه على أنها ليست بجمع سلامة حقيقة ويجوز اسكان راء أرضون، ومنها، أبون، وأخون وهنون، وشذوذها لكونها غير وصف ولا علم، وأما ذو مال فوصف، ومنها: بنون في ابن، لأن قياسه ابنون، وإنما جمع على أصل ابن، وهو بنو على حذف اللام نسيا منسيا في الجمع كما حذف في الواحد، ومنها: قولهم، بلغت مني البلغين والدرخمين، بضم الفاء فيهما 2، ولقيت منك البرحين بضم الفاء وكسرها، وكذا: الفتكرين، كلها بمعنى الدواهي، والشدائد، وقولهم: ليث عفرين، يجوز أن يكون شاذا، من هذا الباب، جعل النون معتقب الاعراب، واعلم أنه قد شاع الجمع بالواو والنون، مع أنه خلاف القياس، فيما لم يأت له تكسير من الاسم الذي عوض من لامه تاء التأنيث المفتوح ما قبلها، مغيرا أوائل بعض تلك الجموع تنبيها على أنه ليست في الحقيقة بجمع سلامة، فقالوا في المفتوح الفاء نحو: سنة، سنون بكسر الفاء، وجاء سنون بضمها، وهو قليل، ولمثل هذا التنبية كسروا عين عشرين، وجاء في بعض ما هو مضموم الفاء: الكسر مع الضم، كالقلون والثبون، وليس بمطرد، إذ: الظبون والكرون، لم يسمع فيهما الكسر، وأما المكسور الفاء، فلم يسمع فيه التغيير، كالعضين، والمئين والفئين والرئين، ولعل ذلك لاعتدال الكسرة بين الضمة والفتحة، وجاء قليلا، مثل هذا الجمع، لما ثبت تكسيرة، أيضا، كالثبين والأثابي،


(1) في باب العدد من هذا الجزء، (2) بضم أولها الذي هو فاء الكلمة، (*)

[ 382 ]

في الثبة، وربما جاء أيضا في المحذوف الفاء، كرقة، ورقين، ولدة، ولدين، 1 وفيما قلبت لامه ألفا، كالأضاة 2 والقناة، لكن تحذف لامه نسيا منسيا حتى يصير كالسنة، فيقال: أضون، وقنون، ولو اعتبرت لاماتها لقيل: القنون والأضون، لكونهما بعد حذف التاء مقصورين، كالأعلون، وعلى هذا قال: ولكني أريد به الذوينا 3 - 16 ولو اعتبر اللام، لقال: الذوين كالأعلين، فإن (ذو) مفتوح العين عند سيبويه، كما مر في باب الاضافة، لكنه لما حذفت لامه في المفرد نسيا منسيا لم يعتبرها في الجمع، وربما جاء هذا الجمع في المضعف أيضا، كاوزين، وحرين 4، وحكي عن يونس: أحرون بفتح الهمزة، وكسرها، قيل: قد جاء: أحرة في الواحد، وقيل: لم يجيئ ذلك، ولكن زيدت الهمزة في الجمع تنبيها على كونه غير قياسي، وعلل النجاة جمع ما حذفت لامه أو فاؤه، هذا الجمع، بأن هذا الجمع أفضل الجموع، كما ذكرنا، لكونه خاصا بالعلماء، فجبر بهذا الأفضل: ما لحق الاسم من النقصان بالحذف نسيا، قالوا: وأما: حرون وإوزون، فلما لحقهما من الوهن بالادغام، وبعضهم يقول: للنقص المتوهم، وذلك أن حرف العلة قد يبدل من أحد حرفي التضعيف، كما في تطنيت، 5 وقد يجعل النون في بعض هذه الجموع التي جاءت على خلاف القياس: معتقب الاعراب، تنبيها على مخالفته للقياس، فكأنه مكسر، فجرى فيه اعراب المكسر، فيدخله التنوين ولا يسقط بالاضافة، قال:


(1) لدة، بمعنى الشخص الذي يولد مع الانسان في زمن واحد، ويقال له الترب، (2) الأضاة: مستنقع الماء: الغدير، (3) تقدم ذكره في الجزء الأول، وهو من شعر الكميت بن زيد، (4) الأوزة: الطائر المعروف، والحرة بتشديد الراء: (5) أصله تظننت بنونين (*)

[ 383 ]

570 - ذراني من نجد فان سينه * لعبن بنا شيبا مردا 1 وقال: 571 - وماذا يدري الشعراء مني * وقد جاوزت حد الأربعين 2 وقال: 572 - حسان مواقع النقب الأعالي * غراث الوشح صامتة البرين 3 وقال: 573 - وإن لنا أبا حسن عليا * أب بر ونحن له بنين 4


(1) من قصيدة للصمة القشيري شاعر أموي، ونسب ابن الأعرابي بيت الشاهد وحده إلى محجن بن مزاحم الغنوي، وكان الصمة خرج من نجد غاضبا لأن عمه لم يزوجه من ابنته فعاش غريبا ومات غريبا وكان يذكر نجدا فيذمها ويحن إليها وأول هذه القصيدة: لحى الله نجدا، كيف يترك ذا الندى * بخيلا، وحر الناس تحسبه عبدا ثم يقول: على أنه قد كان للعين قرة * وللبيض والفتيان منزله حمدا (2) يدري بتشديد الدال يريد ماذا يقصدون بخداعي، ويروى: وماذا يبتغي وهو من أبيات لسحيم بن زنيل الرياحي قالها حين أراد بعض الشعراء اختبار قوته على الشعر بعد أن كبر... وتقدم بعض الشواهد منها، ومنها قوله: عذرت البزل إذ هي خاطرتني * فما بالي وبال ابني لبون (3) من قصيدة للطرماح بن حكيم، وقبله: ظعائن كنت أعهدهن قدما * وهن لدى الأمانة غير خون وبعده: طوال مثل أعناق الهوادي * نواعم بين أبكار وعون وحسان جمع حسناء، وأراد بمواضع النقب: الوجه، وخص الأعالي لأنها تظهر للشمس أكثر، فهي عرضة للتأثر بها، وغراث جمع غرثان أي جائع وكنى بفراث الوشح عن دقة الخصر، والبرين جمع برة وهي الخلخال وكنى بصمته عن امتلاء الساق حتى لا يتحرك فيها الخلخال، والقصيدة كلها غزل، (4) المراد بأبي حسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من أبيات لسعيد بن قيس الهمداني قالها في أحد أيام صفين وفيها يقول مخاطبا معاوية قبل هذا البيت: ألا أبلغ معاوية بن حرب * ورجم الغيب يكشفه اليقين بأنا لا نزال لكم عدوا * طوال الدهر ما سمع الحنين وأن لنا أبا حسن... وبعده: وأنا لا نريد سواه يوما * وذلك الرشد والحق المبين وبذلك يتبين أن قوله: وأن لنا... بفتح الهمزة من أن، (*)

[ 384 ]

ويلزمها الياء، اذن، كما يلزم إذا سمي بجمع سلامة المذكر (كما مضى 1) في باب العلم، وأكثر ذلك في الشعر، هذا قبل العلمية، وأما بعدها، فكون النون معتقب الاعراب شائع في الاختيار في هذا النوع، كما في المجموع القياسية مع العلمية، وحكي عن أبي عبيدة وأبي زيد 2: جعل نون (مقتوين) معتقب الأعراب، ولعل ذلك لأن القياس: مقتويون بياء النسب، فلما حذفت ياء النسب صار: مقتوون، كقلون، وقوله: متى كنا لأمك مقتوينا 3 - 538 الألف 4 فيه بدل من التنوين، ان كان النون معتقب الاعراب، وإلا، فالألف للاطلاق، وحكيا 5 جميعا: رجل مقتوين ورجلان مقتوين ورجال مقتوين، قال أبو زيد، وكذا للمرأة والمرأتين والنساء، ولعل سبب تجرئهم على جعل مقتوين، للمثنى والمفرد في المذكر والمؤنث مع كونه في الأصل جمع المذكر: كثرة مخالفته للجموع، وذلك من ثلاثة أوجه: كون النون معتقب الاعراب، وحذف ياء النسب التي في الواحد، وهو مقتوي، والحاق علامة اجمع بما بقي منه وهو مفتوح مع عدم استعماله، ولو استعمل، لقلب واوه ألفا فقيل مقتى، ولجمع على: مقتون كأعلون، لا على مقتوون، وإنما قلنا ان واحده (مقتو) المحذوف الياء، كما قال سيبويه في: المهلبون، والمهالبة: انه سمى كل واحد منهم باسم من نسب إليه، فكأن كلا منهم: مهلب، لأن الجمع في الظاهر


(1) زيادة لابد منها، وليست في النسخة المطبوعة ولا أشير إليها على أنها من بعض النسخ، فلا شك أنها ساقطة من الطبع، (2) أبو عبيدة: معمر بن المثنى، وأبو زيد الأنصاري صاحب النوادر، وكلاهما تقدم ذكره، (3) تقدم ذكره في أول باب المذكر والمؤنث من هذا الجزء، (4) تفصيل لبيان حكم مقتوينا، يعني أنه إما معرب بالحركات والألف مبدلة من التنوين لأنه منصوب بالفتحة، وإما معرب بالحروف فهو منصوب بالياء، والألف للاطلاق، (5) المراد أبو عبيدة وأبو زيد، (*)

[ 385 ]

للمحذوف منه ياء النسب، ويجوز أن يقال ان ياء النسب في مثل: مقتوون، والاشعرون، والأعجمون، حذف بعد جمعه بالواو والنون، وكان الأصل: مقتويون، وأشعريون وأعجميون، وحكى أبو زيد في: مقتوين، فتح الواو قبل الياء فيمن جعل النون معتقب الاعراب، نحو: مقتوين، وذلك، أيضا، لتغييره عن صورة الجمع بالكلية، لما خالف ما عليه جمع السلامة، واعلم أن التذكير غالب للمؤنث، كما تقدم، في المثنى والمجموع، فيكفي كون البعض مذكرا نحو: زيد وهند ضاربان، وزيد والهندات ضاربون، وكذا العقل في بعضهم كاف، نحو: زيد والحمير مقبلون، وشذ ضبعان في الضبع التي للمؤنث والضبعان الذي للمذكر، والقياس ضبعانان 1، ولعل ذلك لكون ضبعان أخف منه، مع أن بعض العرب يقول للمذكر، أيضا، ضبع، والعلم المركب الذي يبني جزؤه الأول للتركيب: ان لم يكن جزؤه الثاني مبنيا، كبعلبك، ومعديكرب، ثني وجمع، نحو: البعلبكان والبعلبكون، لأن الجزأين ككلمة معربة، والتثنية والجمع للمعربات، وأما اللذان واللتان واللذين واللتين، وذان، وتان، وذين، وتين، فصيغ مستأنفة، وإن كان الثاني مبنيا إما للتركيب كخمسة عشر أو لغيره كسيبويه، فالقياس أن يقال: ذوا سيبويه، وذوو سيبويه، وكذا: ذوا خمسة عشر، وذوو خمسة عشر، وهذا كما يقال في الجمل المسمى بها: ذوا تأبط شرا، وذوو تأبط شرا، اتفاقا، وذواتا شاب قرناها، وذوات شاب قرناها، لأن الجمل يجب حكايتها، فلا يلحقها علامتا التثنية والجمع، وكذا يلزم أن يقال في المثنى والمجموع على حده، المسمى بهما، إذا لم تجعل


(1) أي بتثنية الاسم الخاص بالمذكر (*)

[ 386 ]

نوناهما معتقب الاعراب، نحو: جاءني ذوا مسلمين وذوو مسلمين، لئلا يجتمع على آخر الاسم اعرابان بالحروف، وشذ في الاثنين: الأثانين، واضافة (ذو) ومتصرفاته ههنا، من اضافة المسمى الى اسمه، كما في: ذات مرة، والمبرد يجيز في نحو سيبويه: السيبويهان والسيبويهون مع بناء الجزء الثاني، وكذا يلزم تجويزه في نحو خمسة عشر، علما، وأما مع اعراب الجزء الثاني فيهما، فلا كلام في تجويز ذلك كما في بعلبك ومعد يكرب، والعلم المركب تركيبا اضافيا، يثنى ويجمع منه المضاف، نحو: عبدا مناف، وعبدو مناف، وإذا كان كنية، جاز تثنية المضاف والمضاف إليه معا كقولك: في أبو زيد: أبوا الزيدين، وآباء الزيدين، والاقتصار على تثنية المضاف وجمعه فيها أيضا، أولى، وأما جمع: ابن كذا، وذو كذا، علمين كانا أو، لا، فان كانا لعاقل قلت: بنو كذا، وذوو كذا، أو أبناء كذا وأذواء كذا، وان لم يكونا لعاقل سواء جاء لمؤنثة: بنت كذا وذات كذا، نحو: ابن اللبون وبنت اللبون، وجمل ذو عثنون 1 وناقة ذات عثنون، أو لم يأت لمؤنثه ذلك، نحو: ابن عرس، وذى القعدة، جمع على: بنات كذا نحو بنات لبون وبنات عرس، وعلى ذوات كذا نحو: جمال ذوات عثانين وذوات القعدة، الحاقا لغير العقلاء في الجمع، بالمؤنث، على ما يجيئ، وروى الأخفش: بنو عرس، وبنو نعش 2، أيضا، اعتبارا للفظ ابن، وان كان غير عاقل، قال: 574 - شربت بها والديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا 3 كأنه جعله جمعا لابن نعش وان لم يستعمل،


(1) تقدم تفسيره بأنه شعيرات تحت حنك البعير، (2) اسم لعدد من النجوم معروف الموقع عند علماء الفلك (3) البيت من شعر النابغة الجعدي، وقبله في وصف الخمر: (*)

[ 387 ]

(جمع المؤنث) (السالم) (قال ابن الحاجب:). (المؤنث: ما لحق آخره ألف وتاء، وشرطه إن كان صفة) (وله مذكر، فأن يكون مذكره جمع بالواو والنون، فان) (لم يكن له مذكر، فأن لا يكون مجردا كحائض،) (وإلا جمع مطلقا)، (قال الرضي:) أي الجمع المؤنث السالم، ولا ينتقض حده بنحو: سلقاة، لأن قوله قبل، وهو صحيح ومكسر، والصحيح لمذكر ومؤنث، بين أن المؤنث ما دل على آحاد مقصودة بحروف مفرده بتغيير ما، وعلى هذا، كان مستغنيا، أيضا في حد المذكر عن قوله: ليدل على أن معه أكثر منه، والأولى أن يقال: انه ليس من الحد، وإنما جلب له علامتان ليكونا كزيادتي جمع المذكر، وإنما خصت الزيادة بالألف والتاء، لأنه عرض فيه: الجمعية، وتأنيث غير حقيقي، وكل واحد من الحرفيين قد يدل على واحد من المعنيين كما في: رجال، وسكرى، والجمالة والضاربة، قوله: (شرطه ان كان صفة.... الى آخره)، ينظر الى المؤنث، إما أن يكون صفة أو، لا، فان لم يكن صفة، قال المصنف: جمع مطلقا، أي لا يشترط شرط، وهو


= وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه * تصفق في راووقها ثم تقطب تمززتها والديك... الخ وأما رواية شربت بها فعلى أن الباء بمعنى من قوله شربن بماء البحر أو على تضمين شربت معنى رويت، وقوله تصفق معناه تدار من إناء إلى إناء، وتقطب أي تمزج بالماء مثلا، (*)

[ 388 ]

قوله: والا جمع مطلقا، وليس بسديد، لأن الأسماء المؤنثة بتاء مقدرة، كقدر ونار، وشمس وعقرب وعين، من الأسماء التي تأنيثها غير حقيقي لا يطرد فيها الجمع بالألف والتاء، بل هو فيها مسموع، كالسماوات، والكائنات، والشمالات في الرياح، وذلك لخفاء هذا التأنيث لأنه ليس بحقيقي، ولا ظاهر العلامة، فلا يجمع، اذن، هذا الجمع قياسا من الأسماء المؤنثة الاعلم المؤنث، ظاهرة كانت فيه العلامة، كعزة وسلمى وخنساء، أو مقدرة، كهند، أو ذو تاء التأنيث الظاهرة، سواء كان مذكرا حقيقيا كحمزة، أو، لا، كغرفة، ومنه قولك: الاكرامات، والتخريجات والانطلاقات، ونحوها، لأن الواحد: إكرامة، وتخريجة بتاء الوحدة، لا: اكرام وتخريج، وجمع المجرد: أكاريم وتخاريج عند اختلاف الأنواع، فالاكرامات، كالضربات، والقتلات، والأكاريم، كالضروب والقتول، فلذا يقال: ثلاث اكرامات وتخريجات بتجريد العدد من التاء، وثلاثة أكاريم وتخاريج، إذا قصدت ثلاثة أنواع من الاكرام، أو ذو ألف التأنيث، إذا لم يسم به المذكر الحقيقي، كالبشرى والضراء، وإذا سمي به المذكر الحقيقي جمع بالواو والنون، كما مر ذكره، أو ما يصح تذكيره وتأنيثه إذا لم يأت له مكسر، ولم يجز جمعه بالواو والنونه، كالألفات والتاءات، إلى أخرها، 1 وذلك لانسداد أبواب الجموع الا هذا، ويجمع هذا الجمع، أيضا، مطردا، وان لم يكن مؤنثا، علم غير العاقل المصدر باضافة (ابن) أو (ذو)، نحو: ابن عرس وابن مقرض 2، وذو القعدة وذو الحجة، كما ذكرنا، ويجمع هذا الجمع، غالبا، غير مطرد، نوعان من الأسماء: أحدهما: اسم جنس مذكر لا يعقل، إذا لم يأت له تكسير، كحمامات وسرادقات، وكذا كل خماسي أصلي الحروف، كسفر جلات، لأن تكسيره مستكره كما يجيئ،


(1) المراد حروف الهجاء، (2) كنيبة الفأر، وتقدم ذلك في باب العلم (*)

[ 389 ]

وعند الفراء، هذا القسم، أيضا، مطرد، وأما إذا له تكسير فإنه لا يجمع هذا الجمع، فلم يقولوا: جوالقات، لقولهم: جواليق، وأما: بوانات 1، مع ثبوت بون، فشاذ، وثانيهما: الجموع التي لا تكسر، نحو: رجالات، وصواحبات، وبيوتات، فلا يقال: أكلبات، لقولهم أكالب، وإن كان المؤنث صفة، فلا يخلو من أن يكون فيه علامة التأنيث، أو، لا، فان كانت فيه جمع بالألف والتاء، سواء كان صفة لمذكر حقيقي، كرجال ربعات وعلامات، أو، لا، كضاربات، وحبليات ونفساوات، إلا أن يكون فعلى فعلان، أو فعلاء أفعل، فأنهما لا يجمعان بالألف والتاء، حملا على مذكريهما اللذين لم يجمعا بالواو والنون، لما ذكرنا، وأجاز ابن كيسان، كما ذكرنا: حمراوات وسكرانات، كما أجاز في المذكر أحمرون وسكرانون، فان غلبت الاسمية على أحدهما، جاز اتفاقا، كقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس في الخضراوات صدقة)، وكذا كل فعلاء، أو فعلى، سميت به غير المذكر الحقيقي، وإن لم يكن في الصفة المؤنثة علامة تأنيث ظاهرة، ولم تكن خماسية أصلية الحروف، لم يجمع بالألف والتاء، سواء كان له مذكر يشاركه في اللفظ كجريح وصبور، وسائر ما يستوي مذكره ومؤنثة، حملا لها على مذكراتها الممتنعة من الجمع بالواو والنون * أو لم يكن له مذكر أصلا، كحائض وطالق، ومرضع، ومطفل 2، فرقا بين ما جرد من التاء وبين ذي التاء، فان ذا التاء فيه معنى الحدوث الذي هو معنى الفعل، وفعل المؤنث يلحقه ضمير جمع المؤنث نحو: يضربن، فالحق ذو التاء، أيضا، علامة جمع المؤنث أي


(1) البوان بكسر الباء: أحد أعمدة البيت أو الخيمة، (2) المطفل: الظبية أو الناقة معها طفلها وتقدم، (*)

[ 390 ]

الألف والتاء، وأما المجرد، فلم يكن فيه معنى الفعل فلم يجر مجراه، في لحاق علامة جمع المؤنث إياه، بل جمع جمع التكسير نحو: حوائض وحيض وطوالق، ومطافل، وإن كانت صفة المؤنث المجردة من العلامة، سواء اشترك فيها المذكر والمؤنث، أو اختصت بالمؤنث، خماسية ء أصلية الحروف، كالرجل أو المرأة: الصهصلق، والمرأة الجحمرش 1، جمعت بالألف والتاء لاستكراه تكسيرها، فيقال: نسوة صهصلقات، وجحمرشات، ويجمع أيضا هذا الجمع مطردا: صفة المذكر الذي لا يعقل، سواء كان حقيقيا كالصافنات، للذكور من الخيل، وجمال سبحلات، أي ضخمات، وسبطرات أي طوال على وجه الأرض، وكذا بنات اللبون، وجمال ذوات عثانين، في ابن اللبون، كجميلات وحميرات وكتيبات، لأن المصغر فيه معنى الوصف، وإن لم يجر على الموصوف، وإنما جمع المذكر في الموضعين جمع المؤنث لأنهم قصدوا فيهما الفرق بين العاقل وغيره، وكان غير العاقل فرعا عن العاقل، كما أن المؤنث فرع عن المذكر، فألحق غير العاقل بالمؤنث وجمع جمعه، وقوله: (شرطه إن كان صفة وله مذكر، فأن يكون...)، أي: فهو أن يكون، والضمير راجع إلى المبتدأ، الذي هو (شرطه) والجملة الشرطية مع الجزاء في محل خبر المبتدأ، ومعنى هذا الكلام: أن المؤنث إذا كان صفة، على ضربين: إما أن يكون له مذكر، أو، لا، فإن لم يكن له مذكر فشرطه ألا يكون مجردا عن التاء، كحائض، وإن كان له مذكر فشرطه أن يكون ذلك المذكر جمع بالواو والنون، فخرج بهذا القيد فعلاء أفعل، وفعلى فعلان، وجميع الأمثلة التي يستوي مذكرها ومؤنثها كصبور وجريح، وثيبات شاذ، ووجهة أن فيعلا قياسه لحاق التاء في المؤنث، كسيدة وميتة، وخرج عنه،


(1) أي العجوز المسنة، (2) تقدم تفسيره، (*)

[ 391 ]

أيضا، الوصف ذو التاء الذي يشترك فيه المذكر والمؤنث، كربعة، ويفعة 1 وعلامة ومعطارة، ونحوها، ولا يجوز، لأنه يجمع بالألف والتاء، وتقول في جمع بنت، وابنة: بنات، وهي جمع لأصلها، لأن الأصل: بنوة، كما أن بنون جمع أصل ابن، أي بنو، على حذف اللام نسيا في الجمعين، وكذا أخوات جمع أصل أخت، أي أخوة بغير حذف اللام، وأخون جمع أخ على حذف اللام نسيا، والثلاثي المحذوف اللام المعوض عنها التاء، على ثلاثة أضرب: إما مفتوح الفاء، ورد اللام في جمعة بالألف والتاء وأكثر، كهنوات وسنوات وضعوات، في: هنة وسنة وضعة 2، وذلك لخفة الفتحة، وجاء بحذف اللام أيضا، كذوات وهنات، وجاء منه ما لم يجمع جمع السلامة لا بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، استغناء بجمع التكسير، وذلك كأمة وشفة وشاة، وإما مكسور الفاء، وترك الرد فيه أكثر، كمئات ورئات 3، لثقل الكسرة وقد جاء عضوات، وإما مضموم الفاء، ولم يرد فيه الرد، كثبات وظبات وكرات، لكون الضم أثقل الحركات، وجاء في بعض اللغات فيما لم يرد فيه المحذوف: فتح التاء حالة النصب، قالوا: سمعت لغاتهم، وجاء في الشاذ: (انفروا ثباتا) 4، ولعل ذلك لأجل توهمهم تاء الجمع عوضا من اللام كالتاء في الواحد، وكالواو والنون في: كرون، وثبون، وقال أبو علي: بل هي تاء الواحد، والألف قبلها هي اللام المردودة، فمعنى سمعت لغاتهم: سمعت لغتهم، قال: وذلك لأن سيبويه قال: إن تاء الجمع لا يفتح في موضع، وفيما قال نظر، إذ


(1) اليفعة بفتح الفاء والعين، الغلام اليافع، ويقال للمؤنث، (2) الضعة: الكثيف الملتف، وأما محذوفة الفاء فهي مصدر معناه الدناءة، (3) جمع رئة، (4) من الآية 71 في سورة النساء (*)

[ 392 ]

المعنى في سمعت لغاتهم، وقوله: انفروا ثباتا: الجمع، وحكى الكوفيون في غير محذوف اللام: استأصل الله عرقاتهم بفتح التاء، وكسرها أشهر، فإما أن يقال انه مفرد، والألف للألحاق بدرهم، أو يقال: إنه جمع فتحت تاؤه شاذا، فالعرق، إذن، كالبوان، مذكر له جمع مكسر وهو العروق، جمع بالألف والتاء مثله، 1 (من أحكام) (المجموع بالألف والتاء) ولنذكر شيئا من أحكام المجموع بالألف والتاء وإن كان المصنف يذكره في قسم الصرف، فنقول: كل ما هو على وزن فعل وهو مؤنث بتاء ظاهرة أو مقدرة كدعد، وجفنة، فإن كان صفة كصعبة أو مضاعفا كمدة أو معتل العين كبيضة وجوزة، وجب إسكان عينه في الجمع بالألف والتاء، وإن خلا من هذه الأشياء وجب فتح عينه، كتمرات ودعدات، والتزم في جمع لجبة 2 لجبات بفتح العين لأن في (لجبة) لغتين، فتح العين وإسكانها، والفتح أكثر، فحمل الجمع على المفرد المشهور، وقيل: لما لزمت التاء في لجبة، لكونها صفة للمؤنث، ولا مذكر لها، يقال شاة لجبة، إذا قل لبنها، صار كالأسماء في لزوم التاء نحو: جفنة وقصعة، وأجاز المبرد إسكان عين لجبات قياسا لا سماعا، وغلب الفتح في جمع (ربعة) لتجويز بعضهم فتح عين الواحد، وقيل إنها كانت في الأصل اسما ثم وصف به فلوحظ فيه الأصل، كما يقال في جمع امرأة كلبة: نسوة


(1) أي مثل البوان (2) اللجبة: الشاة التي جف لبنها بعد زمن من ولادتها، (*)

[ 393 ]

كلبات بفتح العين، ولا يقاس عليه غيره نحو: ضخمات، وصعبات، خلافا لقطرب 1، ويجوز إسكان ما استحق الفتح من عين فعلات للضرورة، قال ذو الرمة: 575 - أبت ذكر عودن أحشاء قلبه * خفوقا ورفضات الهوى في المفاصل 2 وجاء في المعتل اللام نحو: أخوات وجديات 3: تسكين عينهما، وقد يقاس عليهما قصدا للتخفيف، لأجل الثقل الحاصل من اعتلال اللام، ويجوز أيضا في القياس أن يقال: نسوة كلبات، اعتبارا للصفة العارضة كما تقول: صعبات بفتح العين إذا سميت بصعبة، وأهل، في الأصل: اسم دخله معنى الوصف فقيل في جمعة أهلون وأدخلوا التاء فيه فقالوا أهلة، قال: 576 - وأهلة ود قد تبريت ودهم * وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي 4 أي: وجماعة مستأهلة للود، قال: 577 - فهم أهلات حول قيس بن عاصم * إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا 5


(1) محمد بن المستنير الملقب بقطرب أحد الملازمين لسيبويه وهو الذي لقبه بقطرب وتقدم ذكره في هذا الجزء، (2) من قصيدة غزلية لذي الرمة وقبله: إذا قلت ودع وصل خرقاء واجتنب * زيارتها تخلق حبال الوسائل (3) جديات: الجدية كيس يحشى، بمثل القطن ويوضع تحت دفتي السرج أو الرجل، (4) من شعر أبي الطمحان القيني، ومعنى تبريت ودهم: تعرضت له وبذلت فيه طاقتي، ومن المستجاد في شعر أبي الطمحان قوله: وأني من القوم الذين هم هم * إذا مات منهم سيد قام صاحبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه (5) من قصيدة للمخبل السعدي يذكر فيها بغضه للعيش الذي أدي به إلى أن يرى غيره من العظمة بحيث يحج الناس إليه ويعظمونه وفيها يقول: ألم تعلمي يا أم عمرة أنني * تخاطائي ريب الزمان لأكبرا (*)

[ 394 ]

ويقال: أهلات، أيضا، بسكون الهاء، اعتدادا بالوصف العارض، وتفتح هذيل العين المعتلة كجوزات وبيضات، وقال: 578 - أخو بيضات رائح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح 1 وقرئ في الشواذ 2: (ثلاث عورات) 3، وإنما سكنت عين الصفة وفتحت عين الاسم فرقا، وكانت الصفة بالسكون أليق، لثقلها باقتضائها الموصوف ومشابهتها للفعل، ولذلك كانت إحدى علل منع الصرف، وسكن المضاعف والمعتل العين استثقالا، أي فرارا من الثقل العارض بتحريك أول المثلين، وتحريك الواو والياء، فإن قيل: فلتقلبا ألفا، لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، قلت: إن الحركة عارضة في الجمع، ولذلك لم تقبلهما هذيل مع تخريكهما، كما لم تقلب واو خطوات المضموم ما قبلها ياء لعروض الضمة، وأما فعلة بضم الفاء وسكون العين كغرفة، وكذا فعل المؤنث كجمل فإن كانت مضاعفة، فالاسكان لازم مع الألف والتاء، كغدات، وإن كانت معتلة العين ولا تكون إلا بالواو، كسورة، فلا يجوز الأتباع إجمالا، وقياس لغة هذيل جواز فتحها كما في بيضات وروضات، لأنهم عللوه بخفة الفتحة على حرف العلة وبكونها عارضة، لكن سيبويه 4، قال: لا تتحرك الواو في: دولات، والظاهر أنه أراد بالضم 5،


= يريد بقوله تخاطئني: أنه غفلت عنه أحداث الزمان وأخطئته حتى كبر، وقوله: يدعون كوثرا، الكوثر: الجواد الكثير العطاء، وقال بعضهم ان كلمة كوثر كانت شعارا لهم يتنادون بها في الليل وفي الحرب، (1) البيت في وصف ذكر النعام ويبدو أنه ذكر هذا الوصف لذكر النعام ليشبه به الناقة وأنها في سيرها سريعة كسرعة ذكر من النعام يسير ليلا ونهارا ليصل إلى بيضاته والمراد بيضات أنثاه، ومع أنهم شرحوا البيت بهذا وبينوا المراد منه، لم ينسبه أحد إلى قائل معين ولا ذكروا شيئا قبله ولا بعده، (2) قال أبو حيان: هي قراءة الأعمش، وهي لغة هذيل (3) من الآية 58 في سورة النور، (4) انظر سيبويه 2 / 188، (5) يعني أن سيبويه أراد: لا تتحرك بالضم، (*)

[ 395 ]

وإن كانت صحيحة العين، فإن كانت صفة، كحلوة فالاسكان لا غير، وإن كانت اسما فإن لم تكن اللام ياء، جاز في العين الأسكان والفتح والأتباع، سواء كان اللام واوا، كخطوات، أو، لا، كغرفات، والأتباع ههنا أكثر منه في فعلة، وإن كان الكسر أخف، وذلك لأن نحو عنق، أكثر من نحو إبل، وإن كانت اللام ياء لم يجز الأتباع اتفاقا للثقل، وأما الفتح، فالمبرد نص على جوازه، وليس في كلام سيبويه 1 ما يدل عليه، وأما (أم)، فلفظ أمهات في الناس أكثر من أمات، وفي غيرهم: بالعكس، والهاء زائدة بدليل الأمومة وقيل أصلية بدليل تأمهت، لكونه على وزن تفعلت، قال: 579 - أمهتي خندف والياس أبي 2 ووزنها: فعلة، فحذفت اللام، وأما فعلة بكسر الفاء، وفعل مؤنثا، كهند، فإن كانت مضاعفة فلا تجمع بالألف والتاء إلا بسكون العين نحو: قدات 3، وإن كانت معتلة العين ولا يكون إلا ياء إما أصلية، كبيعة، أو منقلبة كديمة، فلا يجوز فيه الأتباع إجماعا، ولا الفتح إلا على قياس لغة هذيل، وعيرات في جميع عير، شاذ عند غير هذيل، وإن كانت صحيحة العين فإن كانت صفة، فالاسكان، كعلجات 4، وإن كانت اسما، فإن كانت اللام واوا، امنتع الأتباع إتفاقا للاستثقال، وجاز الفتح والأسكان على ما نص المبرد، ومنع الأندلسي الفتح، وإن كانت اللام ياء، كلحية، جاز الفتح والأسكان، وأما الأتباع فمنعه سيبويه، لقلة باب فعل في الصحيح، فكيف بالمعتل اللام، وأجازة السيرافي لعروض الكسر، وقياسا على خطوات، وإن صحت اللام، نحو كسرة، جاز الأتباع، والفتح والأسكان،


(1) الموضع السابق، (2) هو من رجز لقصي بن كلاب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال العيني ولكن خلط به الرجز الذي منه الشاهد المتقدم في باب العدد وهو: - وحاتم الطائي وهاب المثنى، وقد رد ذلك البغدادي ولكنه لم يكتب على هذا الشاهد في موضعه، (3) جمع قده: سير من جلد غير مدبوغ، (4) جمع علجة مؤنث علج، (*)

[ 396 ]

والفراء يمنع ضم العين مطلقا في المضمومة الفاء، وكسرها في المكسورة الفاء صحت العين أو، لا، إلا فيما سمع، نحو خطوات وغرفات، (جمع التكسير) 1 (قال ابن الحاجب:) (جمع التكسير: ما تغير بناء واحدة، كرجال، وأفراس،) (وجمع القلة أفعل، وأفعال وأفعلة، وفعلة، والصحيح،) (وما عدا ذلك جمع كثرة)، (قال الرضي:) لا شك أن جمع السلامة بالواو، والنون، يتغير بناء واحده أيضا بسبب الزيادتين لأنك بنيته بهما بناء مستأنفا، فالمفرد صار كلمة أخرى بذلك، كما أن الثمانية مثلا إذا ضممت إليها الاثنين تصير عشرة، ويكون المجموع الثاني غير المجموع الأول، وهذا هو التغيير، فقد تغير أيضا في جمع السلامة بناء الواحد، ولهذا قال في حد الجمع: بتغيير ما، فدخل فيه جمع السلامة، وكذا الكلام في الجمع بالألف والتاء، بل التغيير فيه أظهر، لأن علامات التأنيث الثلاث تتغير فيه، ولا يبقى على حاله إلا ما التاء فيه مقدرة، فالأولى في حد جمع السلامة أن يقال: هو الجمع الذي لم يغير مفرده إلا بالحاق آخره علامة الجمع، وجمع التكسير: ما تغير بغير ذلك، وأما التغيير في نحو تمرات بفتح العين، وفي نحو خطوات وسدرات بفتحها وإتباعها، فيقدر حصول هذه التغييرات بعد سكون عيناتها لغرض، وإن لم يثبت نحو تمرات ساكن العين، بخلاف خطوات وسدرات،


(1) حديثه هنا عن جمع التكسير لبيان معناه اجمالا وأما بيان أوزانه وما يتعلق بها فذلك مفصل في شرحه على = (*)

[ 397 ]

كما كان حذف التاء في المجموع بالألف والتاء بعد لحاقهما لاجتماع التاءين فجميعها من باب جمع السلامة باعتبار الأصل، قوله: (وجمع القلة أفعل... إلى آخره)، قالوا: مطلق الجمع على ضربين، قلة وكثرة، والمراد بالقليل من الثلاثة إلى العشرة، والحدان داخلان، وبالكثير: ما فوق العشرة، قالوا: وجمع القلة من المكسر أربعة: أفعل، وأفعال، وأفعال، وأفعلة، وفعلة، وزاد الفراء: فعلة، كقولهم: هم أكلة رأس، أي قليلون، يكفيهم ويشبعهم رأس واحد، وليس بشئ، إذ القلة مفهومة من قرينة شبعهم بأكل رأس واحد، لا من إطلاق فعلة، ونقل التبريزي 1: أن منها أفعلاء، كأصدقاء، وجمعا السلامة عندهم منها، أيضا، استدلالا، بمشابهتهما للتثنية في سلامة الواحد، وليس بشئ، إذ مشابهة شئ لشئ لفظا لا تقتضي مشابهته له معنى، أيضا، ولو ثبت ما نقل أن النابغة قال لحسان، لما أنشده قوله: 580 - لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما: 2 قللت 3 جفانك وسيوفك، لكان فيه دليل على أن المجموع بالألف والتاء جمع قلة، وقال ابن خروف 4: جمعا السلامة مشتركان بين القلة والكثرة، والظاهر أنهما لمطلق الجمع من غير نظر إلى القلة والكثرة فيصلحان لهما، واستدلوا على اختصاص أمثلة التكسير الأربعة بالقلة، بغلبة استعمالها في تمييز الثلاثة


= الشافية لابن الحاجب أيضا، وكذلك الأمر في الحديث عن المصدر في الفصل الذي بعده، (1) التبريزي: هو أبو زكريا: يحيى بن علي بن الخطيب وقول بعض الناس عنه: الخطيب، منظور فيه إلى أن أحد أجداده اسمه الخطيب، وهو من أشهر علماء اللغة وله آثار علمية كثيرة منها شرح ديوان الحماسة وشرح القصائد العشر وغير ذلك من شروح الدواوين الشعرية، توفي سنة 502 ه (2) قصة هذا الشعر الذي قاله حسان أمام النابغة في سوق عكاظ مشهورة، وبعضهم يطعن في حدوثها، وممن قال بأن الجمع بالألف والتاء للقلة سيبويه 2 / 181 قال انه لأدنى العدد، وقال إن بيت حسان من وضع القلة موضع الكثرة: والحديث في هذا طويل، (3) هذا ما قاله النابغة في القصة التي تقدمت الاشارة إليها، (4) تقدم ذكره، (*)

[ 398 ]

إلى العشرة، واختيارها فيه على سائر الجموع إن وجدت، واعلم أنه إذا لم يأت للاسم إلا بناء جمع القلة كأرجل في الرجل، أو إلا جمع الكثرة، كرجال في رجل، وكذا كل جمع تكسير للرباعي الأصلي حروفه، وما لا يجمع إلا جمعه، كأجادل 1 ومصانع، فهو مشترك بين القلة والكثرة، وقد يستعار أحدهما للآخر مع وجود ذلك الآخر، كقوله تعالى: (ثلاثة قروء) 2، مع وجود أقراء،


(1) جمع أجدل، وهو الصقر، (2) من الآية 228 في سورة البقرة، (*)

[ 399 ]

(المصدر) (تعريفه) (قال ابن الحاجب:) (المصدر اسم الحدث الجاري على الفعل)، (قال الرضي:) يعني بالحدث معنى قائما بغيره، سواء صدر عنه كالضرب والمشي، أو لم يصدر، كالطول والقصر، والجري في كلامهم يستعمل في أشياء، يقال: هذا المصدر جار على هذا الفعل، أي أصل له، ومأخذ اشتق منه، فيقال في: حمدت حمدا: ان المصدر جار على فعله، وفي نحو: (وتبتل إليه تبتيلا 1)، إن تبتيلا ليس بجار على ناصبه، ويقال: اسم الفاعل جار على المضارع، أي يوازنه في الحركات والسكنات، ويقال: الصفة جارية على شئ، أي ذلك الشئ: صاحبها، إما مبتدأ لها، أو ذو حال، أو موصوف أو موصول، والأولى: صيانة الحد عن الألفاظ المبهمة، ولو قال: اسم الحدث الذي يشتق منه الفعل لكان حدا تاما على مذهب البصرية، فإن الفعل مشتق منه عندهم، وعكس الكوفيون، قال البصريون: سمي مصدرا لكونه موضع صدور الفعل 2 وقال الكوفيون: هو مفعل بمعنى المصدر نحو


(1) الآية 8 سورة المزمل، (2) فيكون لفظ (المصدر) اسم مكان، بمعنى موضع الصدور كما قال الشارح، وأما جعله مصدرا ميميا ثم تأويله باسم الفاعل فقد أشار إليه الشارح وهو مذهب الكوفيين، وواضح أنه، من هذه الجهة، أضعف من تأويل البصريين، (*)

[ 400 ]

قعدت مقعدا حسنا، أي قعودا، والمصدر بمعنى الفاعل، أي صادر عن الفعل، كالعدل بمعنى العادل، واستدل الكوفيون على أصالة الفعل بعمله فيه كقعدت قعودا، والعامل قبل المعمول، وهو مغالطة، لأنه قبله بمعنى أن الأصل في وقت العمل أن يتقدم لفظ العامل على لفظ المعمول، والنزاع في أن وضعه غير مقدم على وضع الفعل، فأين أحد التقدمين من الآخر ؟، وينتقض ما قالوا بنحو: ضربت زيدا، و: بزيد، و: لم يضرب، فإنه لا دليل فيها على أن وضع العامل قبل وضع المعمول، وقال البصريون: كل فرع يؤخذ من أصل، ويصاغ منه، ينبغي أن يكون فيه ما في الأصل، مع زيادة هي الغرض من الصوغ والاشتقاق، كالباب من السباح، والخاتم من الفضة، وهكذا حال الفعل: فيه معنى المصدر مع زيادة أحد الأزمنة التي هي الغرض من وضع الفعل، لأنه كان يحصل في قولك: لزيد ضرب: مقصود نسبة الضرب إلى زيد، لكنهم طلبوا بيان زمان الفعل على وجه أخصر، فوضعوا الفعل الدال بجوهر حروفه على المصدر، وبوزنه على الزمان، وسيبويه: يسمي المصدر فعلا وحدثا وحدثانا، فإذا انتصب بفعله سمي مفعولا مطلقا، كما مر في بابه، وقوله: (الجاري على الفعل)، احتراز من: العالمية والقادرية، 1 (القياسي والسماعي) (من المصادر) (قال ابن الحاجب:) (وهو من الثلاثي سماع، ومن غيره قياس، تقول: أخرج) (اخراجا، واستخرج استخراجا)،


(1) يريد بها: المصادر الصناعية، (*)

[ 401 ]

(قال الرضي:) ترتقي أبنية مصدر الثلاثي إلى اثنين وثلاثين، في الأغلب، كما يجيئ في التصريف، وأما في غير الثلاثي، فيأتي قياسا، كما تقول مثلا: كل ما ماضيه على أفعل، فمصدره على إفعال، وكل ما ماضية على فعل فمصدره على تفعيل، وكل ما ماضية على فعلل فمصدره على فعللة، ويجوز، أيضا، أن يرتكب قياس واحد لجميع الرباعي والمزيد فيه، 1 وهو أن يقال: ننظر إلى الماضي ونزيد ألفا قبل الآخر، فإن كان قبل الآخر في الماضي متحركان، كسرت أولهما فقط، كما تقول في أفعل: إفعال، وفي فعلل: فعلال، وفي فعلى: فعلاء وفي فاعل: فيعال وفي فعل: فعال، وإن كان ثلاث متحركات، كسرت الأولين، كانفعال وافتعال وافعالل، وليس هذا بناء على أن المصدر مشتق من الفعل، بل ذلك لبيان كيفية مجيئ المصدر قياسا لمن اتفق له سبق علم بالفعل، والأشهر في مصدر فعل، وفعلل، وفاعل، وتفعل، خلاف القياس المذكور، وهو: تفعيل، وفعللة ومفاعلة، وتفعل، وأما فعال في مصدر فاعل كقتال، فهو مخفف القياسي، إذ أصله: قيتال، ولم يأت في تفعلل وتفاعل، وما ألحق بتفعلل، من تفوعل وتفعيل، ونحوهما، إلا خلاف القياس، كالتفعلل والتفاعل، وتجيئ أحكام هذه المصادر في شرح مقدمة 2 التصريف، إن شاء الله تعالى،


(1) أشرنا إلى رأي الرضي هذا في تفسيره للكلام في أول الكتاب، (2) رسالة الشافية في الصرف لابن الحاجب عرفت باسم المقدمة، (*)

[ 402 ]

(عمل المصدر) (وما يتعلق به من أحكام) (قال ابن الحاجب:) (ويعمل عمل فعله، ماضيا وغيره، إذا لم يكن مفعولا) (مطلقا ولا يتقدم معموله عليه، ولا يضمر فيه، ولا يلزم) (ذكر الفاعل، وتجوز إضافته إلى الفاعل، وقد يضاف إلى) (المفعول، واعماله باللام قليل، فإن كان مطلقا فالعمل) (للفعل، وإن كان بدلا منه فوجهان)، (قال الرضي:) قوله: (ويعمل عمل فعله ماضيا وغيره)، اعلم أن معنى المصدر عرض، لا بد له في الوجود من محل يقوم به، وزمان، ومكان، ولبعض المصادر 1 مما يقع عليه، وهو المتعدي، ولبعضها من الآلة، كالضرب، لكنه وضعه الواضع لذلك الحدث مطلقا من غير نظر إلى ما يحتاج إليه في وجوده، ولا يلزم أن يكون وضع الواضع لكل لفظ، على أن يلزمه في اللفظ ما يقتضي معنى ذلك اللفظ معناه، ألا ترى أنه وضع الألفاظ الدالة على الأعراض، كالحركة والسكون، ولا يلزمها في اللفظ: الألفاظ الدالة على محالها، فنقول: إذا قصد تبيين زمان الحدث الذي هو أحد الأزمنة الثلاثة معينا، مع ذكر بعض ما هو من لوازمه من محله الذي يقوم به، أو زمانه الخاص غير الأزمنة الثلاثة، أو مكانه، أو ما وقع عليه: صيغ من هذا المصدر الذي هو موضوع لساذج الحدث، صيغة: إما بمجرد تغيير حركاته وسكناته، كضرب في: الضرب، أو بتغييرهما مع الحذف، كاستخرج


(1) يعني ولا بد لبعض المصادر مما يقع عليه، (*)

[ 403 ]

في الاستخراج، أو بتغييرهما مع الزيادة، كيضرب واضرب، في الضرب، بحيث تدل تلك الصيغة بنفسها على أحد الأزمنة الثلاثة معينا، وتقتضي وجوب ذكر ما قام به الحدث بعدها، فتسمي تلك الصيغة فعلا مبنيا للفاعل ويسمى ما قام به الحدث فاعلا، أو تقتضي وجوب ذكر أحد لوازمه الأخر، من الزمان المعين، كاليوم، والليلة، والصبح والظهر والمساء ونحو ذلك، أو المكان، أو ما وقع عليه، أو الآلة، أو غير ذلك، وعلى الجملة كل ما كان عند المتكلم، ذكره أهم من باقي لوازمه، فتسمى تلك الصيغة فعلا مبنيا للمفعول، وذلك اللازم المذكور بعدها، مفعول ما لم يسم فاعله، فالمقصود من وضع الفعل ذكر شيئين: أحد أزمنة الحدث الثلاثة معينا، وبعض لوازمه الأخر، الأهم عند المتكلم، ولما أمكن التنبيه بالصيغة على أحد الأزمنة، اكتفى بها، ولم يمكن التنبيه بها على سائر اللوازم، في الأغلب، فجيئ بما كان منها ذكره أهم، بعدها، وإنما قلت في الأغلب، لأنه أمكن في بعضها ذلك، كأضرب، ونضرب، ولكنه لما كان الأغلب: ما لم يمكن فيه ذلك، استمر هذا المدلول عليه بالصيغة، أيضا، بعدها طردا للباب‍ فأضمر (أنا) بعد أضرب، و (نحن) بعد نضرب، بدلالة العطف عليهما في: أضرب أنا وزيد، وإنما جعل لما قام به الحدث صيغة مختصة به، أعني المبني للفاعل، وللمبني لباقي اللوازم صيغة مشتركة بينها، اهتماما بمحل الحدث، فإن الحدث إلى محله أحوج منه إلى غيره، من سائر اللوازم، ولهذا كان المبني للفاعل أكثر استعمالا من المبني للمفعو ل، فرفع كل ما يرفعه الفعل دليل على كون ذكره أهم من بين لوازم الحدث، سواء تقدم على سائر اللوازم في اللفظ، نحو: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة أمامك بالسوط، أو تأخر عنها كلها، أو توسطها، ولو لم يكن الرفع دليلا على هذا لم يكن للرفع وجه إذ ا تأهر المرفوع عن المنصوب نحو: ضرب عمرا زيد، وسير يوم الجمعة فرسخان، فظهر أن ما قيل: ان تقدم المفعول على الفاعل، وحده، أو على الفعل، يفيد كونه أهم، ليس بشئ، بل المرفوع أهم على كل حال، ففائدة تقديم المنصوب على الفاعل وحده: التوسع في الكلام فقط، وفائدة تقديمه على الفعل، إما تخصيص المفعول بالفعل

[ 404 ]

من بين ما يمكن تعلقه به، كقوله تعالى: (بل الله فاعبد) 1، أي: من دون الأصنام، أو كون تعلق الفعل به أولى منه بسائر ما تعلق به نحو: زيدا ضربت وعمرا وبكرا، فالمرفوع بالفعل، لما كان ذكره أهم، صار كجزء الفعل، اتصل به، أو انفصل، فثبت بهذا التطويل أن وضع الفعل على أن يكون مصدره مسندا إلى شئ مذكور بعده لفظا، بخلاف نفس المصدر، فإنه ليس موضوعا على أنه منسوب إلى شئ في اللفظ، وإنما وجب ذكر المرفوع بعد الفعل لأنه مقتضاه، كما مر، والمقتضي مرتبته التقدم على مقتضاه، وكان حق الفعل: ألا يطلب غير المسند إليه ولا يعمل إلا فيه، لأنه ليس موضوعا لطلبه كالمصدر، لكنه عمل في غير المسند إليه من المفعولات التي لم تقم مقام الفاعل تبعا لاقتضائه للفاعل وضعا، وعمله فيه لأنه فتح له باب الطلب والعمل، فصار الفعل أصلا في العمل في المسند إليه وغيره، وغير الفعل، من المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة فروعا 2 عليه، وإن دل كل واحد منها، أيضا، على المصدر، الذي بسببه كان الفعل يطلب الفاعل والمفعول ويعمل فيهما، وذلك لأن طلب الفعل للمرفوع وضعي، وطلبه للمنصوب تابع للوضعي، كما بينا، وأما طلب المصدر واسم الفاعل واسم المفعول لهما فليس بوضعي ولا تابع للوضعي، بل هو عقلي، وقد طرأ الوضع على العقل وأزال حكمه، لأن الواضع نظر إلى ماهية الحدث لا إلى ما قام به، فلم يطلب، إذن، في نظره، لا فاعلا، ولا مفعولا، وكذا اسم الفاعل، فإن لفظه في نظره دال على الفاعل، فلا يطلب لفظا آخر دالا عليه، وكذا اسم المفعول، فإنه وضع دالا على المفعول، فكان حق هذه الأشياء ألا تعمل لا في الفاعل ولا في المفعول، لكنها شابهت الفعل فعملت عمله، ومشابهة اسم الفاعل والمفعول أقوى من مشابهة المصدر، لفظا ومعنى، كما مر في باب الأضافة، فلزم عملهما في جميع المواضع عمل الفعل، وشرط فيهما لنصب المفعول دون رفع الفاعل، كما مر في باب الأضافة: الحال والاستقبال، لتحصل


(1) من الآية 66 في سورة الزمر، (2) يعني: وصار غير الفعل.... فروعا عليه، (*)

[ 405 ]

مع المشابهة اللفظية أعني الموازنة: المشابهة المعنوية أيضا، وألزما المسند إليه كالفعل، يجوز الأضمار فيهما كالفعل، والأصل في إضمار المسند إليه: الفعل، إذ طلبه له كما وضعي، فجاز أن يتصل به غاية الاتصال، وهو إضماره مستترا، ولما لم يكن بها له مشابهة اسمي الفاعل والمفعول، لا لفظا بالموازنة، ولا معنى، لأنه لا يقع موقعه بلا ضميمة، كما يقع اسم الفاعل والمفعول بل يحتاج إلى تقدير (أن) 1، لم يلازم عمل الفعل 2، ولا يلزم مجيئ المسند إليه بعده، ولا جوز الأضمار فيه وأما اشتراط الحال أو الاستقبال في نصب اسم الفاعل والمفعول دون نصب المصدر، فلما مر في باب الأضافة، فإن قلت: فإذا كانت مشابهته للفعل ناقصة لفظا ومعنى، كان حقه ألا يعمل، قلت: إلا أنه لما كان بنفسه يطلب الفاعل والمفعول عقلا، فبأدني مشابهة لطالبهما وضعا، أعني الفعل، يتحرك ذلك الوجد الكامن، فجاز أن يطلبهما ويعمل فيهما، وإن لم يكن ذلك الطلب لازما، كما في اسمي الفاعل والمفعول، ولا ذاك العمل، واسم الفاعل والمفعول يطلبانهما لتضمنها المصدر، فطلب المصدر عقلا، أقوى من طلبهما، وقد مر شطر صالح من هذا، في باب الأضافة، فليرجع إليه، وأيضا، لو ألزم المصدر ذكر المسند إليه بعده، وأحد الأزمنة الثلاثة، صار اشتقاق الفعل منه عبثا، لأنا ذكرنا أن وضع الفعل، لبيان أحد الأزمنة، مع ذكر المسند إليه، واعلم أن المصدر إنما يشابه الفعل إذا كان بتقدير حرف المصدر والفعل، وذلك إذا لم يكن مفعولا مطلقا، وذلك لأنه لا يصح، إذن 3، تقديره بأن والفعل، إذ ليس معنى ضربت ضربا أو ضربة أو ضربا شديدا: ضربت أن ضربت، وأما قولك ضربته ضرب الأمير اللص، فالمصدر العامل ليس مفعولا مطلقا في الحقيقة، بل المفعول المطلق محذوف تقديره: ضربا مثل ضرب الأمير اللص،


(1) اشارة إلى ما اشترطوه لأعمال المصدر من أنه لا بد أن يصح حلول فعل مقرون بأن محله، (2) هذه الجملة جواب قوله: ولما لم يكن المصدر مشابها.. الخ، (3) يعني حين يكون مفعولا مطلقا، (*)

[ 406 ]

وتقديرهم للمصدر بأن والفعل لا يتم إلا إذا كان بمعنى الحال، لأن (أن) إذا دخلت على المضارع خلصته للاستقبال، بخلاف ما إذا دخلت على الماضي فإنه يبقى معها على معنى المضي، لكنهم قدروه بأن دون (ما) و (كي)، وإن كان في الحال أيضا، نحو: ضربك الآن زيدا: شديد، لكونها أشهر وأكثر استعمالا فيهما، ولتقديرهم له بأن والفعل، وهم بعضهم وظن أنه لا يعمل حالا، لتعذر تقديره، إذن، بأن، قوله: (ولا يتقدم معموله)، قيل: لأنه عند العمل مؤول بحرف مصدري مع الفعل، والحرف المصدري موصول، ومعمول المصدر في الحقيقة: معمول الفعل الذي هو صلة الحرف ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، كما مر في باب الموصولات، قالوا وكذا لا يجوز الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، نحو: أعجبني ضربك اليوم أمس زيدا، على أن أمس ظرف لأعجبني، لأن الفصل بين بعض الصلة وبعضها، لا يجوز، فقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما) 1، بمعنى: صوموا أياما، وكذا لا يجوز حذف المصدر وإبقاء معموله، لأنه يكون كحذف، الموصول مع بعض الصلة وإبقاء البعض، إلا أن يدل دليل قوي عليه فيكون كالمذكور، كما مر في المفعول معه، هذا ما قالوا، وأنا لا أرى منعا من تقدم معموله عليه إذا كان ظرفا أو شبهه، نحو قولك: اللهم ارزقني من عدوك البراءة، وإليك الفرار، قال تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة) 2، وقال: (فلما بلغ معه السعي) 3، وفي نهج البلاغة: (وقلت عنكم نبوته) 4، ومثله في كلامهم كثير، وتقدير الفعل في مثله تكلف، وليس كل مؤول بشئ: حكمه حكم ما أول به، فلا منع من تأويله بالحرف الصمدري من جهة المعنى، مع أنه لا يلزمه أحكامه،


(1) من الآيتين 183، 184، في سورة البقرة، (2) الآية 2 من سورة النور (3) من الآية 102 في سورة الصافات، (4) من خطبة للامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيها يتحدث عن الموت فيقول: وقد أعلقتكم حبائله.... وعظمت فيكم سطوته وتتابعت عليكم عدوته وقلت عنكم نبوته، ص 278 من نهج البلاغة طبعة دار الشعب (*)

[ 407 ]

بلى، لا يتقدم عليه المفعول الصريح لضعف عمله، والظرف وأخوه، يكفيهما رائحة الفعل، حتى إنه يعمل فيهما ما هو في غاية البعد من العمل، كحرف النفي في قوله تعالى: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) 1، فقوله بنعمة ربك، متعلق بمعنى النفي أي: انتفى بنعمة الله وبحمده عنك الجنون، ولا معنى لتعلقه بمجنون، وكذا تقول: لم أقم لك لما سلمت لأهينك بترك قيامي، فاللام متعلقة بالنفي لا بالقيام، وكذا يعمل فيهما الضمير، كما في قوله: 581 - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم 2 أي ما حديثي عنها، وكذا يجوز أن يكون العامل في الظرف، أعني يومئذ، في قوله تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير) 3، اسم الأشارة، لأن المراد به: النقر 4، ويجوز، أيضا، الفصل بينه وبين معموله بأجنبي، على هذا، فلا يقدر الفعل لقوله تعالى (أياما معدودات) 5، وكذا يجوز إعماله مضمرا مع قيام الدليل عليه، قوله: (ولا يضمر فيه)، يعني كما يضمر في الصفة، وقد ذكرناه، وقد علل المصنف ترك الاضمار في المصدر بوجه قريب، وهو أنه لو أضمر المفرد، لأضمر المثنى والمجموع أيضا، ولو أضمر فيه المثنى والمجموع لجمع له المصدر وثني، وإلا التبست ضمائر المثني والمجموع والمفرد بعضها ببعض، ولو ثني المصدر وجمع باعتبار الفاعل، وهو مستحق لذلك باعتبار مدلوله، لم يخل أن يؤتي فيه بعلامتي التثنية وعلامتي الجمع وهو مستثقل، أو تحذف إحداهما، وهو مؤد إلى اللبس، ولا يلزم ذلك في اسم الفاعل والمفعول وغيرهما، إذا ما يقع عليه اسم الفاعل هو ما يقع عليه مرفوعه، وكذا اسم المفعول والصفة


(1) الآية 3 في سورة القلم، (2) من معلقة زهير بن أبي سلمى يحرض قومه وحلفاءهم على الصلح ويحذرهم من معاودة الحرب التي ذاقوا ويلاتها وهو يقول لهم ان حديثي عن الحرب ليس من قبيل الرجم بالظن بل هو شئ ذقتموه وجربتموه وأدركتم ما تجر عليكم من خراب ودمار، (3) الآية 9 سورة المدثر، (4) النقر المستفاد من الآية التي قبلها: (فإذا نقر في الناقور)، (5) الآية المتقدمة من سورة البقرة، (*)

[ 408 ]

المشبهة، فتثنية أحدهما وجمعه: تثنية الآخر وجمعه، ولقائل أن يقول: يجوز أن يتحمل ضمير المثنى والمجموع ولا يثنى ولا يجمع كاسم الفعل والظرف، قوله: (ولا يلزم ذكر الفاعل)، قد تقدم علته، قال المصنف: إنما ذلك، لأن التزامه كان يؤدي إلى الأضمار فيه إذا كان لغائب متقدم ذكره، قياسا على الفعل، واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ولقائل أن يمنع القياس، لأداء القياس إلى الأضمار الممتنع على زعمه، بخلاف الفعل وغيره، قوله: (ويجوز إضافته إلى الفاعل)، وهو الأكثر، لأنه محله الذي يقوم به، فجعله معه كلفظ واحد بإضافته إليه، أولى من رفعه له، ومن جعله مع مفعوله كلفظ واحد، وأيضا، طلبه للفاعل شديد من حيث العقل، لأنه محله الذي يقوم به، وعمله ضعيف لضعف مشابهته للفعل، فلم يبق إلا الأضافة، قالوا: والأضافة إلى الفاعل جائزة في المصدر دون اسم الفاعل، وسيجيئ الكلام فيه، في اسم الفاعل، وليس أقوى أقسام المصدر في العمل: المنون، كما قيل، بل الأقوى: ما أضيف إلى الفاعل، لكون الفاعل، إذن، كالجزء من المصدر، كما يكون في الفعل، فيكون عند ذلك أشد شبها بالفعل، وإنما يضاف إلى المفعول إذا قامت القرينة على كونه مفعولا، إما بمجيئ تابع له منصوب حملا على المحل، نحو: أعجبني ضرب زيد الكريم، أو بمجيئ الفاعل بعده صريحا، كقوله:

[ 409 ]

582 - أمن رسم دار مربع ومصيف * لعينيك من ماء الشئون وكيف 1 أو بقرينة معنوية نحو: أعجبني أكل الخبز، ويجوز أن يؤول بفعل مبني للمفعول فيرفع المفعول وذلك مع القرينة المعنوية، نحو أعجبني أكل خبز، أي أن أكل خبز، فتجوز الأضافة إليه مع القرينة الدالة على كون المضاف إليه مرفوع المحل، كما تجيئ للمجرور بتابع مرفوع، نحو يعجبني أكل الخبز النقي، وإذا أضيف إلى الظرف جاز أن يعمل فيما بعده، رفعا ونصبا، نحو عجبت من ضرب اليوم زيد عمرا، قوله: (وإعماله باللام قليل)، إنما قل لتعذر دخول اللام على ما يقدر المصدر العامل به وهو الحرف المصدري، وليس كذا: اللام التي في اسمي الفاعل والمفعول، لأنها موصولة داخلة على الفعل، وأما اللام التي في الصفة المشبهة، فلم تضعف بها، لأن عملها لمشابهة اسم الفاعل، كما يجيئ، لا لمشابهة الفعل، قيل: ولم يأت في القرآن شئ من المصادر المعرفة باللام عاملا في فاعل أو مفعول صريح، بلى قد جاء معدى بحرف الجر، نحو قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول (إلا من ظلم)) 2، ويجوز أن يقال: ان من ظلم فاعل المصدر، أي أن يجهر، على البناء للفاعل، والأستثناء متصل، ويجوز أن يقال: ان التقدير أن يجهر على البناء للمفعول فيكون الأستثناء منقطعا، ويجوز أن يقال هو متصل، والمضاف محذوف أي الا جهر من ظلم، وسيبويه 3 والخليل جوزا اعمال المصدر المعرف باللام مطلقا نحو قوله:


(1) الشاهد: ان قوله مربع ومصيف، فاعل للمصدر المضاف إلى مفعوله وهو رسم لأن المر المراد من قوله مربع ومصيف، رسم الدار أي صيرها رسما، والوكيف مصدر وكف والشئون مجاري الدمع، والبيت مطلع قصيدة للحطيئة في مدح سعيد بن العاص والى الكوفة من قبل عثمان بن عفان، يقول فيها: اليك سعيد الخير جبت مهامها * يقابلني آل بها وتنوف الآل: السراب، والتنوف اسم جنس جمعى واحده تنوفة وهي الفلاة الواسعة، (2) الآية 148 سورة النساء، (3) سيبويه ج 1 ص 99 وفيه الشاهد الآتي (*)

[ 410 ]

583 - ضعيف النكاية أعداءة * يخال الفرار يراخي الأجل 1 وقوله: 584 - لقد علمت أولى المغيرة أنني * كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا 2 فينبغي، على هذا، أن يجوز: عجبت من الضربك زيدا على أن الكاف مفعول، والمبرد منعه، قال: لاستفحال 3 الاسمية فيه، وقال في قوله: أعداءه، 4 أي: في أعدائه، قال: أو يكون منصوبا بمصدر منكر مقدر، أي ضعيف النكاية نكاية اعداءه، فيضمر المصدر لقوة القرينة الدالة عليه، قوله: (وإن كان مطلقا)، أي مفعولا مطلقا، فالعمل للفعل، إنما كان العمل للفعل المقدر لما ذكرناه من تعذر تقدير المفعول المطلق بأن مع الفعل، سواء كان ا لفعل ظاهرا، أو مضمرا جائز الأظهار، وأما إن كان واجب الأضمار، فيجيئ الكلام عليه، وهو قوله: (وإن كان بدلا منه فوجهان)، اعلم أن المفعول المطلق لا يكون بدلا من الفعل حقيقة، إذ لو كان 5، لم يقدر الفعل قبله، كما مر في باب المفعول المطلق فلم ينتصب، بلى، يكون بدلا من الفعل إذا صار اسم فعل كما مر، 6 وإنما يقال له بدل من الفعل مجازا، إذا لم يجز إظهار الفعل مكانة، فكأنه بدل منه لما لم يجز أن يجمع بينه وبين الفعل لفظا، كما لا يجمع بين البدل والمبدل منه، فإذا حذفت الفعل حذفا لازما، فعند سيبويه: الناصب هو المصدر لكونه كالقائم


(1) قال البغدادي إنه من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل، (2) من قصيدة لمالك بن زغبة الباهلي، شاعر جاهلي، وهو في سيبويه 1 / 99، وهي في وصف وقعة أصيب فيها مسمع بن شيبان من بني قيس، وقوله أولى المغيرة، أي الأولون من الطائفة مغيرة علينا وبعد هذا البيت، ولو أن رمحي لم يخني انكساره * لغادرت طيرا تقتفيه وأضبعا (3) يعني لقوتها بدخول أل، وبعده عن شبه الفعل، (4) في البيت السابق: ضعيف النكاية.. (5) أي إذ لو كان بدلا، (6) بين الشارح في أسماء الأفعال أن كثيرا منها أصله المصدر، (*)

[ 411 ]

مقام الفعل، نحو: ضربك زيدا، أي اضرب زيدا ضربا، فالمصدر عمل في المفعول لكونه كالفعل، لا لتأويله بأن والفعل، ودليل كونه كالفعل: امتناع استعمال الفعل معه، وذلك بإضافته إلى الفاعل، كما ذكرنا في المفعول المطلق، 1 وقال السيرافي: بل العامل هو ذاك المقدر، فعلى مذهبهما يجوز تقديم المنصوب على المصدر، لأنه إما عامل لا بتقدير (أن) وهو المانع من تقديم المعمول، وإما غير عامل، قال المصنف: وإن لم يكن حذف الفعل حذفا لازما، كما في: ضربا زيدا، إذ يجوز: اضرب ضربا زيدا، فالعمل للفعل لا للمصدر، والظاهر من كلام النجاة أن المفعول المطلق المحذوف فعله، لازما كان الحذف أو جائزا، فيه خلاف، هل هو العامل، أو الفعل هو العامل، والأولى أن يقال: العمل للفعل على كل حال، إذ المصدر ليس بقائم مقامه حقيقة، بل هو كالقائم مقامه، كما ذكرنا، والتصغير يمنع المصدر من العمل، كما يمنع اسم الفاعل والمفعول، لضعف معنى الفعل بسبب التصغير الذي لا يدخل الأفعال، ومن ثمة يمنع الوصف ثلاثتها من العمل، ويجوز حمل توابع ما أضيف إليه المصدر على اللفظ، وهو الأرجح لقصد المشاكلة في ظاهر الأعراب، وإنما يصار إلى المحل، إذا تعذر الحمل على اللفظ الظاهر، كما مر في باب الاستثناء، وتحمل التوابع على محل المجرور أيضا، خلافا للجرمي، 2 في الصفة، قال: لأن الصفة هي الموصوف في المعنى، والعامل فيهما واحد، قال ابن جعفر 3: هذه العلة موجودة في التأكيد، وعطف البيان أيضا، بخلاف البدل، فإنه جملة أخرى، والعامل فيه غير العامل في الأول عنده، وكذا في عطف النسق، قال الأندلسي 4: الظاهر من كلام سيبويه منع الحمل على موضع المجرور باسم الفاعل


(1) هذا مذكور بتفصيل واسع في باب المفعول المطلق في الجزء الأول من هذا الشرح، (2) صالح بن إسحاق الجرمي ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (3) ابن جعفر: محمد بن جعفر الأنصاري تقدم ذكره في هذا الجزء وفيما قبله، (4) القاسم بن أحمد تكرر ذكره في هذا الجزء وما قبله، (*)

[ 412 ]

وبالصفة المشبهة وبالمصدر، فإن جاء ما يوهم الحمل على المحل، أضمروا له ناصبا، أو رافعا، إما فعلا، أو منونا من جنس ذلك المضاف، ويجوز مثل هذا الأضمار لقوة القرينة الدالة، وهذا الذي ذكره سيبويه: هو الحق، لأنه إنما يترك الظاهر إلى المقدر، إذا كان المقدر أقوى من الظاهر، من حيث كونه إعرابا والظاهر حركة بناء، كما في: يا زيد الظريف، أو إذا تعذر الحمل على الظاهر، كما مر، فقوله: حتى تهجر في الرواح وهاجه * طلب المعقب حقه المظلوم 1 - 118 إنما ارتفع (المظلوم) فيه لكونه فاعل (حقه)، أي غلبه المظلوم بالحق، ويعمل اسم المصدر عمل المصدر، وهو شيئان: أحدهما: ما دل على معنى المصدر مزيدا في أوله ميم، كالمقتل والمستخرج، والثاني: اسم العين مستعملا بمعنى المصدر، كقوله: 585 - أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا 2 أي إعطائك، والعطاء في الأصل: اسم لما يعطي، ويستعمل المصدر بمعنى اسم الفاعل، نحو: ماء غور، أي غائر، وبمعنى اسم المفعول، كقوله: دار لسعدي اذه من هواكا 3 - 82 فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع، اعتبارا للأصل، ويجوز تثنيته وجمعه أيضا، ويجوز أن يكونا محذوفي المضاف، أي ماء ذو غور، ومن ذوات هواك، وفي التقدير الأول مبالغة، كأن ذا لحدث 4 تجسم من الحدث، لكمال اتصافه به،


(1) من شعر لبيد وتقدم في الجزء الأول، (2) من قصيدة للقطامي في مدح زفر بن الحارث الكلابي الذي حماه من القتل في معركة بين قيس وتغلب فأراد قوم من بني قيس قتله بعد أن أسره زفر، فحال زفر بينهم وبينه ومن عليه وأعطاه مائة من الأبل، ولذلك يقوم القطامي في هذه القصيدة: فلو بيدي سواك غداة زلت * بي القدمان لم أرج اطلاعا لم أرج اطلاعا، أي نجاة، والرتاع صفة للمائة المراد بها النوق والرتاع جمع رائعة، (3) تقدم ذكره في الجزء الأول، (4) أي صاحب الحدث، (*)

[ 413 ]

(اسم الفاعل) (تعريفه، وصيغه المختلفة) (قال ابن الحاجب:) (اسم الفاعل: ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث) (وصيغته من الثلاثي المجرد على فاعل، ومن غير الثلاثي على) (صيغة المضارع بميم مضمومة وكسر ما قبل الآخر)، (قال الرضي:) قوله: (ما اشتق من فعل) أي مصدر، وذلك على ما تقدم، أن سيبويه سمى المصدر: فعلا، وحدثا، وحدثانا، والدليل على أنه لم يرد بالفعل نحو ضرب ويضرب، وإن كان مذهب السيرافي أن اسم الفاعل واسم المفعول مشتقان من الفعل والفعل مشتق من المصدر: أن 1 الضمير في قوله: لمن قام به، راجع إلى الفعل، والقائم هو المصدر والحديث، قوله: (لمن قام به)، الأولى أن يقول: لما قام به، وذلك لما ذكرناه، أن المجهول أمره يذكر بلفظة (ما)، ولعله قصد التغليب، 2 ويخرج بقوله: لمن قام به: اسم المفعول والآلة، والموضع، والزمان، ويدخل فيه: الصفة المشبهة، ولا يشمل جميع أسماء الفاعلين، نحو: زيد مقابل عمرو، وأنا مقترب من فلان، ومبتعد عنه، ومجتمع معه، فإن هذه الأحداث نسبة بين الفاعل والمفعول، لا تقوم بأحدهما معينا دون الآخر،


(1) خير قوله: والدليل.... (2) يعني تغليب المعلوم على المجهول، فعبر عن الجميع بما هو للمعلوم، (*)

[ 414 ]

قوله: (بمعنى الحدوث) يخرج الصفة المشبهة، لأن وضعها على الأطلاق، لا الحدوث ولا الاستمرار، وإن قصد بها الحدوث، ردت إلى صيغة اسم الفاعل، فتقول في حسن: حاسن الآن أو غدا، قال تعالى في ضيق: لما قصد به الحدوث: (وضائق به صدرك) 1، وهذا مطرد في كل صفة مشبهة، ويخرج بهذا القيد، أيضا، ما هو على وزن الفاعل إذا لم يكن بمعنى الحدوث، نحو: فرس ضامر، وشازب، ومقور، 2 وعذره أن يقال: إن قصد الاستمرار فيها عارض، ووضعها على الحدوث، كما في قولك: الله عالم، وكائن أبدا، وزيد صائم النهار وقائم الليل، قوله: (الثلاثي المجرد)، أي غير المزيد فيه نحو: أخرج واستخرج، قال المصنف: وبه سمى، أي بلفظ الفاعل الذي هو وزن اسم الفاعل الثلاثي، لكثرة الثلاثي فجعلوا أصل الباب له، فلم يقولوا: اسم المفعل ولا المستفعل، وفيما قال نظر، لأنه ليس القصد بقولهم: اسم الفاعل: اسم الصيغة الآتية على وزن اسم الفاعل، ولا المستفعل، بل المراد: اسم ما فعل الشئ، ولم يأت المفعل والمنفعل والمتفعل بمعنى الذي فعل الشئ حتى يقال: اسم المفعل، بلى، لو قال انهم اطلقوا اسم الفاعل على من لم يفعل الفعل كالمنكسر والمتدحرج، والجاهل، والضامر، لأن الأغلب فيما بنى له هذه الصيغة، أن يفعل فعلا كالقائم والقاعد، و المخرج والمستخرج، لكان 3 شيئا، قوله: (ومن غير الثلاثي)، يشمل الثلاثي ذا الزيادة، والرباعي المجرد والملحق بالرباعي ومتشعبه 4 الرباعي، يكون الجميع بوزن مضاعه المبني للفاعل، بميم مضمومة في موضع حرف المضارعة، وكسر ما قبل الآخر، وإن لم يكن في المضارع مكسورا: كمتدحرج ومتضارب، وربما كسر ميم مفعل اتباعا للعين، أو تضم عينه اتباعا للميم،


(1) الآية 12 من سورة هود، (2) شازب ومقور، كلاهما بمعنى ضامر، (3) جواب قوله: بلى لو قال انهم... الخ، (4) أي الأوزان المتفرعة عنه، (*)

[ 415 ]

قالوا في منتن: منتن ومنتن، وربما استغنى عن مفعل بفاعل، نحو: أعشب فهو عاشب، وأورس فهو وارس 1، وأيفع فهو يافع، ومنه قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح 2)، على بعض التأويلات، 3 وقد استغني عن مفعل بكسر العين بمفعل بفتحها في نحو: أسهب فهو مسهب وأحصن فهو محصن، وألفج، أي أفلس، فهو ملفج، قالوا: وقد جاء فاعل بمعنى مفعول نحو: ماء دافق أي ماء مدفوق، وعيشة راضية أي مرضية، والأولى أن يكونا على النسب، كنابل وناشب، إذ لا يلزم أن يكون فاعل الذي بمعنى النسب مما لا فعل له، كنابل، بل يجوز أيضا كونه مما جاء منه الفعل، فيشترك النسب واسم الفاعل في اللفظ، 4 وكذا قيل: يكون اسم الفاعل بوزن المفعول، كقوله تعالى: (إنه كان وعده مأتيا) 5 أي آتيا، والأولى أنه من أتيت الأمر أي فعلته، فالمعنى: أنه كان وعده مفعولا، كما في الآية الأخرى، (عمل اسم الفاعل) (وشرطه) (قال ابن الحاجب:) (ويعمل عمل فعله بشرط معنى الحال أو الاستقبال،) (والاعتماد على صاحبه، أو الهمزة، أو، ما، فإن كان)


(1) أورس المكان اصفر ورقه فصار كأن عليه ملاءة صفراء، (2) الآية 22 سورة الحجر، (3) وهو أنه جمع ملقحة، وقبل انه جمع لاقحة، يقال لقحت الناقة فهي لاقح إذا طلبت اللقاح وتهيأت له، وهو في الأصل من صفات الأبل شبهت بها الرياح التي تحمل الخير والمطر، (4) ويفرق بينهما بالقرائن اللفظية أو المعنوية، (5) الآية 61 سورة مريم، (*)

[ 416 ]

(للماضي، وجبت الأضافة معنى، خلافا للكسائي، وإن) (كان معمول آخر فبفعل مقدر، نحو زيد معطي عمرو) (درهما أمس، فإن دخلت اللام مثل مررت بالضارب أبوه) (زيدا أمس، استوى الجميع)، (قال الرضي:) إنما اشترط فيه الحال أو الاستقبال للعمل في المفعول، لا في الفاعل، كما ذكرنا في باب الأضافة، أنه لا يحتاج في الرفع إلى شرط زمان، وإنما اشترط أحد الزمانين لتتم مشابهته للفعل لفظا ومعنى، لأنه إذا كان بمعنى الماضي شابهه معنى لا لفظا، لأنه لا يوازنه مستمرا، وقد ذكرنا في باب الأضافة أنه لا يحتاج للرفع إلى شرط زمان، وقد ذكرنا هناك كثيرا من أحكامه المحتاج إليها ههنا فليرجع إليه، قوله: (والاعتماد على صاحبه)، اعلم أن اسمي الفاعل والمفعول، مع مشابههتما للفعل لفظا ومعنى، لا يجوز أن يعملا في الفاعل والمفعول ابتداء كالفعل، لأن طلبهما لهما، والعمل فيهما، على خلاف وضعهما، لأنهما وضعا، على ما ذكرنا، للذات المتصفة بالمصدر، إما قائما بها كما في اسم الفاعل، أو واقعا عليها، كما في اسم المفعول، والذات التي حالها كذا، لا تقتضي لا فاعلا، ولا مفعولا، فاشترط للعمل: إما تقويهما بذكر ما وضعا محتاجين إليه، وهو ما يخصصهما، كرجل ضارب أو مضروب، بخلاف الآلة والموضع والزمان، كالمضرب والمضرب فإنها وضعت للذات المبهمة المتصفة بحدثها غير المختصة بما بعينها قبل، وإما وقوعهما بعد حرف هو بالفعل أولى كحرفي الاستفهام والنفي، ويعني بصاحبه: المبتدأ إما في الحال، نحو: زيد ضارب أخواه، أو في الأصل، نحو: كان زيد ضاربا أخواه، وظننتك ضاربا أخواك، وإن زيدا ذاهب غلاماه، والموصوف نحو: جاءني رجل ضارب زيدا، وذا الحال نحو: جاءني زيد راكبا جملا، قال المصنف: إنما اشترط الاعتماد على صاحبه لأنه في أصل الوضع، وصف، فإذا أظهرت صاحبه قبله تقوى واستظهر به لبقائه على أصل وضعه فيقدر حينئذ على العمل، (*)

[ 417 ]

وقال ابن مالك 1: وهو حال كونه خبرا للمبتدأ، أو حالا أيضا، معتمد على الموصوف، لكنه مقدر، وفيه تكلف، ولا سيما في الحال فإن مجيئ الحال جامدا موصوفا بالمشتق كقوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) 2، قليل، وهو الذي يسمى بالحال الموطئة، قوله: (أو الهمزة أو، ما)، هذا هو الثاني، والأولى، كما قال الجزولي 3، حرف الاستفهام أو حرف النفي، ليشمل نحو: هل ضارب الزيدان، ولا ضارب أخواك، ولا مضروب أبواك، ولا ضاربا زيدا، 4 وإن قائم أبواك، وقد يكون النفي غير ظاهر، بل هو مؤول به، نحو: إنما قائم الزيدان، أي: ما قائم إلا الزيدان، ويقدر الاستفهام أيضا، نحو: قائم الزيدان أم قاعدان، والأخفش يجوز عمله من غير اعتماد على شئ من الأشياء المذكورة، نحو قائم الزيدان، كما مر في باب المبتدأ، قوله: (وإن كان للماضي، وجبت الأضافة معنى)، يعني يجب أن يضاف إلى ما يجيئ بعده مما يكون في المعنى مفعولا، نحو: ضارب زيد أمس، وتكون إضافته معنوية، هذا إن جاء بعده ذلك، وإلا جاز ألا يضاف، نحو: هذا ضارب أمس، ويرفع مع كونه ماضيا كما تكرر ذكره، ولا ينصب إلا الظرف أو الجار والمجرور، نحو: زيد ضارب أمس بالسوط، لأنه يكفيهما رائحة الفعل فيعمل فيهما اتفاقا، وأجاز الكسائي أن يعمل بمعنى الماضي مطلقا، كما يعمل بمعنى الحال والاستقبال سواء، 5 وتمسك بجواز نحو: زيد معطي عمرو أمس درهما، وظان زيد أمس كريما،


(1) الامام جمال الدين بن مالك صاحب التسهيل والألفية والرضي ينقل عنه كثيرا، وهو يكاد يكون معاصرا له، وتقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزأين قبله، (2) الآية 2 سورة يوسف، (3) تقدم ذكره في هذا الجزء واللذين قبله، (4) المراد بهذا المثال: التشبيه بالمضاف المسبوق بلا النافية للجنس، والشار ح يريد تعداد الأمثلة للنفي، (5) تقديره: الأمران سواء، (*)

[ 418 ]

قال تعالى: (وجاعل الليل سكنا) 1، قال السيرافي: إن الأجود ههنا أن يقال: إنما نصب اسم الفاعل، المفعول الثاني ضرورة حيث لم يمكن الأضافة إليه، لأنه أضيف إلى المفعول الاول، فاكتفى في الأعمال بما في اسم الفاعل بمعنى الماضي من معنى الفعل، قال: ولا يجوز الأعمال من دون مثل هذه الضرورة، ولهذا لم يوجد عاملا في المفعول الأول في موضع من المواضع مع كثرة دوره في الكلام، وقال أبو علي، وجماعة معه: بل هو منصوب بفعل مدلول عليه باسم الفاعل كأنه لما قال: معطى زيد، قيل: وما أعطى ؟ قال: درهما أي أعطاه درهما، كقوله في الفاعل: ليبك يزيد ضارع لخصومة 2 - 45 فيتخلص بهذا التأويل من الاضطرار إلى إعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي، قال الأندلسي ردا على الفارسي: لا يستقيم ذلك في مثل: هذا ظان زيد أمس قائما، للزوم حذف أحد مفعولي ظان، وللفارسي أن يرتكب 3 جواز ذلك مع القرينة، وإن كان قليلا، كما يجيئ في أفعال القلوب، ويضعف مذهب السيرافي قولهم: هذا ضارب زيد أمس وعمرا، إذ لا اضطرار ههنا إلى نصب عمرا، لأن حمل التابع على إعراب المتبوع الظاهر أولى، ولا استدلال للكسائي في قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعية) 4، لأنه حكاية الحال الماضية، قال الأندلسي: معنى حكاية الحال أن تقدر نفسك، كأنك موجود في ذلك الزمان، أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن، ولا يريدون به أن اللفظ الذي في ذ لك الزمان محكي الآن على ما تلفظ به كما في قوله: دعنا من تمرتان، بل المقصود بحكاية الحال: حكاية المعاني الكائنة حينئذ، لا الألفاظ،


(1) من الآية 96 سورة الأنعام، (2) تقدم في باب الفاعل (3) هذا دفاع عن رأي أبي علي الفارسي (4) من الآية 18 سورة الكهف، (*)

[ 419 ]

قال جار الله 1، ونعم ما قال: معنى حكاية الحال: أن يقدر أن ذلك الفعل الماضي واقع في حال التكلم، كما في قوله تعالى: (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) 2، وإنما يفعل هذا في الفعل الماضي المستغرب، كأنك تحضره للمخاطب وتصوره له ليتعجب منه، تقول: رأيت الأسد، فآخذ السيف فأقتله، فإذا تقرر أنه لا يعمل بمعنى الماضي ثبت أن إضافته معنوية، يتعرف إذا أضيف إلى المعرفة، نحو: مررت بزيد ضاربك أمس، وأما اسم الفاعل بمعنى الاستمرار فقد تقدم شرحه في باب الأضافة 3، قوله: (فإن دخل اللام استوى الجميع)، أي عمل بمعنى الماضي والحال والاستقبال وقال أبو علي، في كتاب الشعر، والرماني 4: إن اسم الفاعل ذا اللام لا يعمل إلا إذا كان ماضيا، نحو: الضارب زيدا أمس: عمرو، ولم يوجد في كلامهم عاملا إلا ومعناه المعني، ولعل ذلك لأن المجرد من اللام، لم يكن يعمل بمعنى الماضي، فتوسل إلى إعماله بمعناه، باللام، وإن لم يكن مع اللام اسم فاعل حقيقة، بل هو فعل في صورة الاسم كما قد تكرر ذكره، ونقل ابن الدهان 5 ذلك أيضا، عن سيبويه، ولم يصرح سيبويه بذلك، بل قال: الضارب زيدا، بمعنى ضرب، ويحتمل تفسيره بذلك أي أنه إذا عمل بمعنى الماضي فالأولى جواز عمله بمعنى الحال والاستقبال، إذ كان مع ا لتجريد يعمل بمعناهما، وجوز المبرد وغيره عمله بمعنى الماضي والحال والاستقبال، واستدلوا بقوله: 586 - فبت والهم تغشاني طوارقه * من خوف رحلة بين الظاعنين غدا 6


(1) الزمخشري، وتكرر ذكره، (2) من الآية 91 سورة البقرة، (3) في الجزء الثاني (4) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني ممن تقدم ذكرهم، (5) أبو محمد ناصح الدين بن الدهان تقدم ذكره، (6) من شعر جرير، وقد بين الشارح وجه الاستشهاد فيه وما يمكن أن يقال فيه، (*)

[ 420 ]

ويحتمل انتصاب (غدا) برحلة، وببين 1، وبالظاعنين، والاستدلال بالمحتمل ضعيف مع أن كلامنا فيما ينصب مفعولا به، والظرف يكفيه رائحة الفعل، وإنما عمل ذو اللام مطلقا، لكونه في الحقيقة فعلا، وقال الأخفش، إنما نصب ذو اللام بمعنى الماضي تشبيها للمنصوب بالمفعول، لا، لأنه مفعول به، كما في: زيد الحسن الوجه، وضعف ما قال: ظاهر، ونقل عن المازني أن انتصاب المنصوب بعده، بفعل مقدر، وإنما ارتكب ذلك لأن اللام عنده ليس بموصول، كما مر في الموصولات، فليس ذو اللام في الحقيقة عنده فعلا، واعلم أنه يجوز لاسم الفاعل والمصدر المتعديين إلى المفعول به بأنفسهما أن يعمدا باللام، نحو: أنا ضارب لزيد وأعجبني ضربك لزيد، وذلك لضعفهما لفرعتيهما للفعل، كما يجوز أن يعمد الفعل باللام إذا تقدم عليه المنصوب، كقوله تعالى: (إن كنتم للرؤيا تعبرون 2)، وقولك: لزيد ضربت، واختصاص اللام بذلك من بين حروف الجر، لأفادتها التخصيص المناسب لتعلق الفعل بالمفعول، وعمد ما كان من نحو: علم وعرف ودرى وجهل، بالباء، لا غير، نحو: أنا عالم به، لجواز زيادتها مع أفعالها، أيضا، كما يجيئ، (صيغ المبالغة) (أوزانها وعملها) (قال ابن الحاجب:) (وما وضع منه للمبالغة، كضراب وضروب ومضراب) (وعليم، وحذر، مثله، والمثنى والمجموع مثله)،


(1) يعني بلفظ بين الذي هو مصدر بمعنى الفراق، (2) الاية 43 سورة يوسف، (*)

[ 421 ]

(قال الرضي:) أبنية المبالغة العاملة اتفاقا من البصريين: ثلاثة، وهذه الثلاثة مما حول إليها أ سماء الفاعلين التي من الثلاثي عند قصد المبالغة، قال: 587 - فيا لرزام رشحوا بي مقدما * على الحرب خواضا إليها الكتائبا 1 وفي كلامهم: أنه لمنحار بوائكها، أي سمانها، وقال: ضروب بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر 2 - 283 وربما بني فعال ومفعال وفعول، من أفعل، نحو: حساس ودراك، من أحس وأدرك، وقال: 588 - ثم مهاوين أبدان الجزور مخا * ميص العشيات، لا خور ولا قزم 3 جمع مهوان، من أهان، قال سيبويه 4: فاعل، إذا حول إلى فعيل، أو فعل، عمل أيضا، وأنشد: 589 - حتى شآها كليل موهنا عمل * باتت طرابا وبات الليل لم ينم 5 فكليل: مبالغة (كال)، يعني البرق، وشاها، أي ساقها، والضميبر للأتن، ومنع ذلك غير سيبويه، وقالوا: إن موهنا ظرف لشآها، لأن (كليل) لازم، ولو كان لكليل 6، أيضا، فلا استدلال فيه، لأنه ظرف يكفيه رائحة الفعل، واعتذر له بأن كليل بمعنى


(1) من أبيات حماسية لسعد بن ناشب، وكان متهما في جناية فلما بحثوا عنه ولم يجدوه هدموا بيته فقال هذه الأبيات، ومنها: عليكم بداري فاهدموها فإنها * تراث كريم لا يهاب العواقبا إذا هم ألقى بين عينيه عزمه * ونكب عن ذكر العواقب جانبا (2) تقدم في الجزء الثاني من هذا الشرح وهو من شعر أبي طالب بن عبد المطلب، (3) من شعر الكميت بن زيد، وقيل انه لتميم بن مقبل، وهو في سيبويه ج 1 ص 59 (4) سيبويه 1 / 58، (5) من قصيدة لساعدة ابن جوية الهذلي مطلعها: يا ليت شعري ولا منجى من الهرم * أم هل على العيش بعد الشيب من ندم (6) أي ولو كان الظرف معمولا لكليل... (*)

[ 422 ]

مكل، فموهنا مفعوله على المجاز، كما يقال: أتعبت يومك، ففعيل، إذن، مبالغة مفعل، قلت: لا استدلال بالمحتمل، ولا سيما إذا كان بعيدا، واستدل سيبويه على عمل فعل، بقوله: 590 - حذر أمورا ما تخاف، وآمن * ما ليس منجيه من الأقدار 1 ومنعه غيره، وقال إن البيت مصنوع يروى عن اللاحقي 2 أن سيبويه سألني عن شاهد في تعدي (فعل) فعملت له هذا البيت، أما إذا لم يكن فعيل وفعل مما حول إليه اسم الفاعل، كظريف وكريم، وطبن 3 وفطن، فلا خلاف في أنهما لا ينصبان، إذ كلامنا في أبنية المبالغة، لا في الصفات المشبهة، وقد جاء فعيل مبالغة مفعل، كقوله تعالى: (عذاب أليم 4)، على رأي، وقوله: 591 - أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع 5 وأما الفعيل بمعنى المفاعل، كالجليس والحليف، فليس للمبالغة، فلا يعمل اتفاقا، وعند الكوفيين، لا يعمل شئ من أبنية المبالغة، لفوات الصيغة التي بها شابه اسم الفاعل الفعل، وإن جاء بعدها منصوب، فهو، عندهم، بفعل مقدر، وقال البصريون: إنما تعمل مع فوات الشبه اللفظي، لجبر المبالغة في المعنى، ذلك 6 النقصان، وأيضا، فإنها فروع لاسم الفاعل المشابه للفعل، فلا تقصر عن الصفة المشبهة


(1) هذا مما عده النقاد عيبا في كتاب سيبويه، وعذر سيبويه أنه أخذه واثقا من صاحبه الذي صنع له البيت، (2) المراد: ابان بن عبد الحميد اللاحقي أحد رواة الشعر في عهد سيبويه، والبيت في سيبويه ج 1 ص 58، (3) هو بمعنى الفطنة والذكاء، (4) وردت كثيرا في القرآن، وهذا الجزء من الآية 10 في سورة البقرة، (5) مطلع قصيدة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، (6) مفعول جبر، (*)

[ 423 ]

في مشابهة اسم الفاعل، ومن ثمة لم يشترط فيها معنى الحال والاستقبال كما لم يشترط ذلك في الصفة المشبهة، وقال ابن بابشاذ 1: لا تعمل بمعنى الماضي كاسم الفاعل، والأبيات المنشدة ظاهرة في كونها للأطلاق المفيد للاستمرار، ويعمل مثنى المبالغة ومجموعها، صحيحا كان أو مكسرا، قال: 592 - ثم زادوا أنهم في قومهم * غفر ذنبهم غير فخر 2 وتقديم منصوب أبنية المبالغة عليها جائز، كما في اسم الفاعل، ومنعه الفراء، لضعفها، وهذا دليل على أن العمل لها عنده، قوله: (والمثنى والمجموع مثله)، أي يعملان عمل اسم الفاعل، أما المثنى وجمعا السلامة فظاهرة، لبقاء صيغة الواحد التي بها كان اسم الفاعل يشابه الفعل، وأما جمع المكسر، فلكونه فرع الواحد، قال: 593 - ممن حملن به وهن عواقد * حبك النطاق فشب غير مهبل 3 (حذف النون) (من اسم الفاعل المجموع) (قال ابن الحاجب:) (ويجوز حذف النون مع العمل والتعريف تخفيفا)،


(1) طاهر بن أحمد بن با بشاذ، وتقدم ذكره، (2) من قصيدة لطرقة بن العبد وهي التي يقول فيها: نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الآدب فينا ينتقر (3) من قصيدة لأبي كبير الهذلي يتحدث فيها عن تأبط شرا، وكان أبو كبير تزوج من أم تأبط شرا وأعجب بشجاعته وصادقه بعد أن كان يريد التخلص منه، ومنها قوله: ما إن يمس الأرض إلا منكب * منه وحرف الساق طي المحمل (*)

[ 424 ]

(قال الرضي:) يعني بالتعريف دخول اللام، وبالعمل: النصب كقوله: الحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائهم نطف 1 - 289 وذلك لأن اللام موصول وقد طالت الصلة بنصب المفعول فجاز التخفيف بحذف النون، كما حذفت في الموصول في قوله: أبني كليب ان عمي اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلالا 2 - 411 وقال: وان الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القول كل القوم يا أم خالد 3 - 414 وأما حذف النون مع الجر، فللأضافة، ويشترط في عمل اسمي الفاعل والمفعول: ألا يكونا مصغرين ولا موصوفين، لأن التصغير والوصف يخرجانه عن تأويله بالفعل، ولم تخرجهما التثنية والجمع 4، وجوز بعضهم عمل المصغر والموصوف قياسا على المثنى والمجموع، وليس بشئ، لما ذكرنا، وأما قولهم: أنا مرتحل فسوير فرسخا 5، فإنما جاز لكون المعمول ظرفا، ويكفيه رائحة الفعل، واعلم أنه قد جاء في الشذوذ فصل اسم الفاعل المضاف إلى مفعوله عنه بظرف، قال: 594 - وكرار خلف المجحرين جواده * إذا لم يحام دون أنثى حليلها 6 أي: كرار جواده، وقد شذ، أيضا، الفصل بالمفعول نحو: معطي الدرهم عمرو،


(1) تقدم ذكره في الجزء الثاني، وفي هذا الجزء (2) تقدم في باب الموصول في أول هذا الجزء، (3) وهذا أيضا تقدم في باب الموصول، (4) لأن كلا من المثنى والمجموع يبقى على صيغته وتلحقه العلامة في آخره، وأما التصغير فهو تغيير لبنية الكلمة، (5) فرسخا مفعول لاسم الفاعل المصغر وهو سوير، (6) من شعر الأخطل يصف رجلا بالشجاعة، وأنه يركص جواده خلف المجحرين أي المغيرين فيدافع عن عرضه، إذا نكص غيره فلم يحم الزوج حليلتة، والبيت في سيبويه 1 / 90، (*)

[ 425 ]

كما جاء في المصدر في نحو قوله تعالى: (قتل أولادهم شركائهم) 1، فإن عطفت على المجرور باسم الفاعل، فإن كان بمعنى الماضي نحو: هذا ضارب زيد أمس وعمرو، فالمختار جر المعطوف حملا على اللفظ، والنصب جائز، لكن بإضمار فعل يفسره لفظ اسم الفاعل وإن لم يعمل، ولذلك ضعف، ولا يكون ذلك المقدر إلا ماضيا، ليوافق المفسر، إلا أن يكون هناك ما يدل على خلافه، نحو: هذا ضارب زيد أمس وعمرا غدا، وإن كان بمعنى الحال أو الاستقبال، جاز النصب والجر، والحمل على اللفظ أولى، ويبقى هنا الخلاف في أن النصب حملا على المحل، أو بعامل مقدر، فإن كان بعامل مقدر كما هو مذهب سيبويه، فتقدير اسم الفاعل أولى من تقدير الفعل ليوافق المقدر الظاهر، أنشد سيبويه: 595 - هل أنت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب أخا عون بن مخراق 2


(1) الآية 137 في سورة الأنعام (2) نسبه بعضهم لشاعر اسمه جابر بن رألان، وقيل انه من أبيات سيبويه المجهولة القائل، وهو في سيبويه 1 / 87 كما أنه نسب لجرير، وقال بعضهم انه مصنوع، (*)

[ 427 ]

(اسم المفعول) (تعريفه، وعمله، وصيغة) (قال ابن الحاجب:) (اسم المفعول: ما اشتق من فعل، لمن وقع عليه، وصيغته) (من الثلاثي على مفعول كمضروب، ومن غيره على صيغة) (المضارع بميم مضمومة وفتح ما قبل الآخر كمخرج) (ومستخرج، وأمره في العمل والاشتراط، كأمر الفاعل،) (مثل: زيد معطي غلامه درهما)، (قال الرضي:) يعني جرى عليه أو جرى مجري الموقوع عليه، ليدخل فيه نحو: أوجدت ضربا، فهو موجد، وعلمت عدم خروجك فهو معلوم، وسمي اسم المفعول مع أن اسم المفعول في الحقيقة هو المصدر، إذ المراد: المفعول به الضرب، أي أوقعته عليه، لكنه حذف حرف الجر، فصار الضمير مرفوعا فاستتر، لأن الجار والمجرور، كان مفعول ما لم يسم فاعله، وكان قياسه أن يكون على زنة مضارعه كما في اسم الفاعل فيقال: ضرب يضرب فهو مضرب، لكنهم لما أداهم حذف الهمزة في باب أفعل، إلى مفعل، قصدوا تغيير أحدهما للفرق، فغيروا الثلاثي، لما ثبت التغيير في أخيه، وهو اسم الفاعل لأنه، وإن كان في مطلق الحركات والسكنات كمضارعه، لكن ليس الزيادة في موضع الزيادة في الفاعل، ولا الحركات في أكثرها كحركاته، نحو ينصر فهو ناصر، ويحمد فهو حامد،

[ 428 ]

وأما اسم الفاعل من أفعل، فهو كمضارعه في موضع الزيادة وفي عين الحركات، فغيروه 1 بزيادة الواو، ففتحوا الميم، لئلا يتوالى ضمتان بعدهما واو، وهو مستثقل قليل، كمغرود وملمول 2، وعصفور، فبقي اسم المفعول من الثلاثي بعد التغيير، كالجاري على الفعل، لأن ضمة الميم مقدرة، والواو في حكم الحرف الناشئ من الأتباع كقوله: وإنني حيثما يدني الهوى بصري * من حيثما سلكوا، أدنو فأتطور 3 - 11 وصيغته من جميع الثلاثي على وزن مفعول، ومن غير الثلاثي على وزن اسم الفاعل منه، إلا في فتح ما قبل الآخر، لأنه كذلك في مضارعه الذي يعمل عمله، أعني المضارع المبني للمفعول، وقد شذ: أضعفت الشئ فهو مضعوف، أي جعلته مضاعفا، قوله: (وأمره في العمل والاشتراط كاسم الفاعل)، يعني أن حاله في عمله عمل فعله، أي المضارع المبني للمفعول، كحال اسم الفاعل في عمله عمل فعله الذي هو المضارع المبني للفاعل، وحاله في اشتراط الحال والاستقبال والاعتماد على صاحبه أو حرفي الاس‍ تفهام والنفي، كحام اسم الفاعل، فلا وجه لأعادته، فلا يحتاج في عمل الرفع إن شرط زمان كما تبين في باب الأضافة، وليس في كلام المتقدمين، ما يدل على اشتراط الحال أو الاستقبال في اسم المفعول، لكن المتأخرين كأبي علي ومن بعده، صرحوا باشتراط ذلك فيه كما في اسم الفاعل، ويبنى اسم المفعول من الفعل المتعدي مطلقا، فإن كان متعديا إلى واحد، فاسم المفعول يطلق على ذلك الواحد، نحو: ضربت زيدا فهو مضروب، وإذا تعدى إلى اثنين ليسا بمبتدأ وخبر، فهو يطلق على كل واحد منهما، نحو: أعطيت زيدا درهما، فكل واحد من: زيد، والدرهم، معطى، وكذا نحو: أقرأت زيدا الكتاب، وإن كانا في الأصل مبتدأ وخبرا، فاسم المفعول في الحقيقة واقع على مضمون الجملة


(1) مرتبط بقوله فغيروا الثلاثي، وهو تفصيل لما تقدم، (2) الملمول: الميل الذي يكتحل به والمغرود: نوع من الكمأة، (3) تقدم في الجزء الأول، وهو من الأبيات المجهولة القائل، (*)

[ 429 ]

أعني مصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ، فالمعلوم في قولك: علمت زيدا قائما: قيا م زيد، وكذا في قولك: جعلت زيدا غنيا، المجعول: غنى زيد، ويصح أن يقال للمفعول الأ ول هنا، مفعول، لكن لا مطلقا، بل بقيد الخبر 1، فيقال في علمت زيدا قائما: زيد معلوم على صفة القيام، وفي جعلت زيدا غنيا: زيد مجعول على صفة الغنى، وإن كان متعديا إلى ثلاثة، وقع اسم المفعول على كل واحد من الأول، ومن مضمون الثاني والثالث، أعني مصدر الثالث مضافا إلى الثاني، ففي قولك أعلمتك زيدا مطلقا: المخاطب معلم، وانطلاق زيد، أيضا معلم، فثبت بهذا التقرير أن المفعول به إما أن يكون واحدا، أو اثنين أولهما غير ثانيهما فضربت زيدا، متعد إلى واحد، وكذا علمت زيدا قائما في الحقيقة، وأعطيت زيدا درهما متعد إلى مفعولين أولهما غير الثاني، وكذا: أعلمتك زيدا منطلقا في الحقيقة، لكنهم لما كان ما هو المفعول حقيقة: مضمون جملة ابتدائية، نصبوهما معا، وسموا الأول مفعولا أول، والثاني مفعولا ثانيا، وفي نحو: أعلمتك زيدا فاضلا: سموهما ثانيا وثالثا، وإنما نصبوهما معا لأن ما هو المفعول في الحقيقة مضمونهما معا، لا مضمون أحدهما، وإن كان الفعل لازما، فإن لم يتعد بحرف جر، لم يجز بناء اسم المفعول منه كما لم يجز بناء الفعل المبني للمفعول منه، إذ المسند لا بد له من المسند إليه، فلا يقال: المذهوب، كما لا يقال: ذهب، وإن تعدى إلى المجرور، جاز بناء اسم المفعول مسندا إلى ذلك الجار والمجرور، نحو: سرت إلى البلد، فهو مسير إليه، وعدلت عن الطريق فهو معدول عنه، وكذا في متعد 2 حذف منه ما هو المفعول به وعدي بحرف الجر، نحو رميت عن القوس، فهي مرمي عنها، والمرمي هو السهم،


(1) بأن تقيد صيغة اسم المفعول بما يستفاد من الخبر، (2) يعني وكذلك في فعل متعد بأن يقيد المفعول أيضا بما عدى به الفعل كما مثل، (*)

[ 430 ]

ومنهم قولهم: اسم المفعول، أي اسم المفعول به، والمفعول هو المصدر، كما ذكرنا، وإن أسند اللازم إلى الظرف، فلا يطلق عليه إلا مع الحرف، نحو سرت اليوم فرسخا، فاليوم مسير فيه، وكذا الفرسخ، وإن أسند إلى المصدر فلا يطلق اسم المفعول عليه فلا تقول في ضرب ضرب شديد، ان الضرب الشديد مضروب، ثم ان اسم المفعول، ان أضيف إلى ما هو مفعوله، سواء كان مفعول ما لم يسم فاعله، كمؤدب الخدام، أو، لا نحو: زيد معطى درهم غلامه، أي: معطى درهما غلامه، فإضافته غير حقيقية، لأنه مضاف إلى معموله، وإن لم يضف إلى معموله فإضافته حقيقية، سواء كان المضاف إليه فاعلا من حيث المعنى، نحو: زيد مضروب عمرو، أو، لا، كقولنا: الحسين رضي الله عنه قتيل الطف 1، أخزى الله قاتليه،


(1) الطف بتشديد الفاء جزء من أرض كربلاء التي قتل فيها الحسين بن علي رضي الله عنهما، ويقال له أيضا قتيل كربلاء، (*)

[ 431 ]

(الصفة المشبهة) (تعريفها) (قال ابن الحاجب:) (الصفة المشبهة: ما اشتق من فعل لازم، لمن قام به على معنى) (الثبوت)، (قال الرضي:) قوله: (من فعل)، أي مصدر، قوله: (لازم)، يخرج اسمي الفاعل والمفعول المتعديين، قوله: (لمن قام به)، يخرج اسم المفعول اللازم المعدى بحرف الجر، كمعدول عنه، واسم الزمان والمكان والآلة، قوله: (على معنى الثبوت)، أي الاستمرار واللزوم، يخرج اسم الفاعل اللازم، كقائم وقاعد، فإنه مشتق من لازم لمن قام به، لكن على معنى الحدوث، ويخرج عنه نحو: ضامر، وشازب، وطالق، وإن كان بمعنى الثبوت، لأنه في الأصل للحدوث، وذلك لأن صيغة الفاعل موضوعة للحدوث، والحدوث فيها أغلب، ولهذا، اطرد تحويل الصفة المشبهة إلى فاعل، كحاسن وضائق عند قصد النص على الحدوث، والذي أرى: أن الصفة المشبهة، كما أنها ليست موضوعة للحدوث في زمان، ليست، أيضا، موضوعة للاستمرار في جميع الأزمنة، لأن الحدوث والاستمرار قيدان في الصفة ولا دليل فيها عليهما، فليس معنى (حسن) في الوضع إلا ذو حسن سواء كان في بعض الأزمنة أو في جميع الأزمنة، ولا دليل في اللفظ على أحد القيدين، فهو حقيقة في ا لقدر

[ 432 ]

المشترك بينهما، وهو الاتصاف بالحسن، لكن لما أطلق ذلك، ولم يكن بعض الأزمنة أولى من بعض، ولم يجز نفيه في جميع الأزمنة، لأنك حكمت بثبوته فلا بد من وقوعه في زمان، كان 1 الظاهر ثبوته في جميع الأزمنة إلى أن تقوم قرينة على تخصيصه ببعضها، كما تقول: كان هذا حسنا فقبح أو: سيصير حسنا، أو: هو الآن حسن فقط، فظهوره في الاستمرار ليس وضعيا، (على ما ذكرنا، بل بدليل العقل، وظهوره في الاستمرار عقلا، هو الذي غره، حتى قال: مشتق لمن قام به على معنى الثبوت) 2، (صيغها، وعملها) (قال ابن الحاجب:) (وصيغتها مخالفة لصيغة الفاعل، على حسب السماع،) (كحسن وصعب، وشديد، وتعمل عمل فعلها)، (قال الرضي:) صيغ الصفة المشبهة ليست بقياسية كاسم الفاعل واسم المفعول، ويجيئ في مقدمة التصريف إن شاء الله تعالى، وقد جاءت من الألوان، والعيوب الظاهرة قياسية، كأسود وأبيض، وأدعج وأعور، على وزن أفعل، وإنما عملت الصفة المشبهة وإن لم توازن صيغها الفعل، ولا كانت للحال والاستقبال، واسم الفاعل يعمل لمشابهته الفعل لفظا ومعنى كما مر، لأنها شابهت اسم الفاعل، لأن


(1) جواب قوله: لكن لما أطلق ذلك... الخ (2) زيادة من بعض النسخ التي أشير إليها بالهامش، وفيها توضيح، (*)

[ 433 ]

الصفة ما قام به الحدث المشتق هو منه، فهو بمعنى ذو، مضافا إلى مصدره، فحسن بمعنى: ذو حسن، كما أن اسم الفاعل، ومنه، (ما حول عنها) 1 أعني حاسنا، كذلك: محل للحدث المشتق هو منه، فضارب بمعنى ذو ضرب، لا فرق بينهما إلا من حيث الحدوث في أحدهما وضعا، والأطلاق في الآخر كما ذكرنا، وقيل عملت لمشابهتها اسم الفاعل بكونها تثنى وتجمع وتؤنث، كما أن اسم الفاعل صفة تثنى وتجمع وتؤنث، ومن ثم لم يعمل أفعل التفضيل، لأن أصل استعماله أن يكون معه (من) وما دام معه (من) لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ولم يقصدوا أن تثنيتها وجمعها وتأنيثها اسم الفاعل وجمعه وتأنيثه، سواء، لأنه لا يطرد ذلك في الألوان والعيوب، لأنك لا تقول: أبيضون، وأبيضة، كما تقول ضاربون وضاربة، مع عمل أفعل فعلاء عمل سائر الصفات المشبهة، فإن قيل: المشابهة التي ذكرتها أنت، حاصلة في أفعل التفضيل، لأنه يشابه اسم الفاعل المبني من باب المغالبة، نحو: طاولته فطلته فأنا طائل، أي ذو طول، أي ذو غلبة عليه، وبالطول، فأطول منك، بمعنى طائل المبني من باب المغالبة إلا في معنى الحدوث، كما ذكرت في سائر الصفات المشبهة، قلت: أول ما يقال: ان باب المغالبة ليس بقياس مطرد من جميع الثلاثي الذي يبنى منه أفعل التفضيل، ثم إن الذي ورد منه، ليس بمعنى أفعل التفضيل إذ لو كان 2، لوجب جواز تعدي الأفعل، إلى المفعول بنفسه أو باللام كاسم الفاعل من باب المغالبة، لأن جمعية متعد، فكان ينبغي أن يجوز: أنا أطول القوم، أو: أطول للقوم، كما تقول: أنا طائل القوم، وأنا طائل للقوم، نحو: أنا ضارب زيدا، وأنا ضارب لزيد، ولا يتعدى أفعل التفضيل إلى مفعوله المغلوب إلا بمن الابتدائية، بخلاف اسم الفاعل من باب المغالبة، فعلمنا أنه ليس بمعناه، وإن لزم منه معنى الغلبة على مفعوله كما في باب المغالبة، فليس معنى أطول من القوم: ذو طول أو ذو غلبة، بالطول، بل معناه: آخذه في الزيادة في


(1) هذه زيادة لا بد منها لاستقامة المعنى، (2) أي إذ لو كان بمعنى التفضيل.. (*)

[ 434 ]

الطول من مبدأ القوم بعد مشاركته إياهم فيه، ومخالفة لتعدي اسم الفاعل من المغالبة: دليل مباينة معناه لمعناه، وقال المصنف: لم يعمل، لأن المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، إنما كانت تعمل، لما أمكن تقديرها بفعل منها يفيد فائدتها فتعمل عمل ذلك الفعل، وليس لأفعل التفضيل فعل يفيد فائدته ويقوم مقامه، فإن قيل: فعل المغالبة يفيد فائدته، فالجواب: ما مر، قوله: (وتعمل عمل فعلها)، يعني من غير شرط زمان من الأزمنة الثلاثة، لأنها موضوعة على معنى الأطلاق، وأما الاعتماد على أحد الأشياء الخمسة، 1 فلا بد منه، لما قلنا في اسم الفاعل، بل هو فيها أولى لضعفها، (صور استعمال) (الصفة المشبهة وأحكامها) (قال ابن الحاجب:) (وتقسيم مسائلها أن تكون الصفة باللام، ومجردة، ومعمولها) (مضافا، أو باللام، أو مجردا عنها، فهذه ستة، والمعمول) (في كل واحد منها: مرفوع ومنصوب ومجرور، صارت) (ثمانية عشر فالرفع على الفاعلية، والنصب على التشبيه) (بالمفعول في المعرفة وعلى التمييز في النكرة، والجر على) (الأضافة، وتفصيلها: حسن وجهه، ثلاثة، وكذلك:)


(1) أي المطلوبة في عمل اسم الفاعل، من الاعتماد على صاحبه: المبتدأ، أو الموصوف، أو صاحب الحال، أو يكون مسبوقا بحرف نفي الخ ما قاله مفصلا في باب الأضافة، (*)

[ 435 ]

(حسن الوجه، حسن وجه، الحسن وجهه الحسن الوجه،) (الحسن وجه، اثنان منها ممتنعان: الحسن وجهه والحسن) (وجه، واختلف في: حسن وجهه، والبواقي: ما كان) (فيه ضمير واحد، أحسن، وما فيه ضميران: حسن،) (وما لا ضمير فيه قبيح، ومتى رفعت بها، فلا ضمير فيها) (فهي كالفعل، وإلا ففيها ضمير الموصوف فتؤنث وتثنى) (وتجمع، وأسماء الفاعلين والمفعولين غير المتعدين، مثل) (الصفة في ذلك)، (قال الرضي:) اعلم أن الصفة المشبهة إما أن تكون باللام أو مجردة عنها، وهذه قسمة حاصرة، وإنما لم يقسمها بحسب إعرابها في نفسها، لأن ذلك من أحكام إعراب الصفات، وقد تقدم ذلك في باب النعت، والكلام ههنا في عملها، لا في إيرادها في نفسها، ثم معمولها المذكور بعدها، إما أن يكون مضافا، أو مع اللام، أو مجردا عنهما، وهذه، أيضا، قسمة حاصرة، صارت ستة أقسام، الصفة باللام، مع الثلاثة من أقسام المعمول، والصفة مجردة، مع تلك الثلاثة، ثم المعمول في كل واحد من هذه الأقسام الستة إما مرفوع أو منصوب أو مجرور، صارت ثمانية عشر، لأن الستة صارت مضروبة في الثلاثة، وتفصيلها بالتمثيل: حسن وجهه برفع المعمول ونصبه وخفضه، حسن الوجه، كذلك، حسن وجه، كذلك فهذه تسعة مع تجرد الصفة عن اللام، وكذلك: الحسن وجهه، الحسن الوجه، الحسن وجه، اثنتان من هذه المسائل الثماني عشرة ممتنعتان باتفاق: احداهما: الصفة باللام مضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو: الحسن وجهه وكذا إذا كان المعمول مضافا إلى المضاف إلى الضمير، نحو: الحسن وجه غلامه والحسن وجه غلام أخيه، وذلك لأنها لم تفد الأضافة فيها خفة، والمطلوب من الأضافة اللفظية ذلك، وإنما قلنا

[ 436 ]

بعدم حصول الخفة، لأن الخفة تحصل في إضافة الصفة المشبهة، إما بحذف ضمير الموصوف من فاعل الصفة أو مما أضيف إليه الفاعل واستتاره في الصفة، كالحسن الوجه، والحسن وجه الغلام، والحسن وجه أبي الغلام، وإما بحذف التنوين من الصفة، كحسن وجهه وإما بهما معا، كحسن الوجه، ولم يحصل بإضافة الحسن إلى (وجهه) أحدهما إذ التنوين لم يكن في الصفة، بسبب اللام، حتى يحذف والضمير في (وجهه) باق لم يحذف، وأما في المثنى والمجموع، نحو: الحسنا وجهيهما والحسنو وجوههم فالتخفيف حاصل في الصفة، فيجوز: عند سيبويه، لكن على قبح كما في حسن وجهه، على ما يجيئ من الخلاف، والثانية من الممتنعتين: أن تكون الصفة باللام مضافة إلى معمولها المجرد عن اللام والضمير نحو: الحسن وجه، أو وجه غلام، وإنما امتنعت مع حصول التخفيف فيها بحذف الضمير من (وجهه)، لأن هذه الأضافة، وإن كانت لفظية غير مطلوب فيها التخفيف، لكنها فرع الأضافة المحضة فإذا لم تكن مثلها لجواز تعريف المضاف والمضاف إليه معا ههنا بخلاف المحضة، فلا أقل من ألا تكون على ضد ما هي عليه، وهو تعريف المضاف وتنكير المضاف إليه، ومسألة منها مختلف فيها، وهي الصفة مجردة عن اللام مضافة إلى معمولها المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو حسن وجهه، فسيبويه وجميع البصريين يجوزونها على قبح في ضرورة الشعر فقط، والكوفيون يجوزونها بلا قبح في السعة، وليس استقباحها لأجل اجتماع الضميرين، فإن ذلك زيادة على القدر المحتاج إليه، وليست بقبيحة كما في: رجل ضارب أباه، بل لكونهم شرعوا في الأضافة لقصد التخفيف فتقتضي الحكمة أن يبلغ أقصى ما يمكن، ويقبح أن يقتصر على أهون التخفيفين، أعني حذف التنوين ولا يتعرض لأعظمهما مع الأمكان، وهو حذف الضمير مع الاستغناء عنه بما استكن في الصفة، والذي أجازها بلا قبح، نظر إلى حصول شئ من التخفيف على الجملة وهو حذف

[ 437 ]

لتنوين، ومنعها ابن بابشاذ 1، مستدلا بنسج العنكبوت 2، وهو أنه إضافة الشئ إلى نفسه، فإن أراد به أنه أضيف حسن إلى وجه، وهو هو في المعنى، فذلك إنما منعه من منع الاضافة المحضة، وكان ينبغي على ما قال ألا تضاف الصفة إلى ما هو فاعلها في المعنى هو معلوم الاستحالة، مع أنا نذكر بعد هذا، أنهم لما قصدوا إضافة الصفة إلى مرفوعها، فجعلوه في صورة المفعول، الذي هو أجنبي من ناصبه، ثم أضيفت إليه حتى لا يستنكر في الظاهر، وإن أراد أنه أضيف (حسن) إلى (وجه) المضاف إلى ضمير راجع إلى صاحب (حسن) فكأنك أضفت (حسنا) إلى ضمير نفسه وذلك لا يجوز، فليس بشئ، لأن ذلك لو امتنع لامتنع في المحضة أيضا، وقد قيل فيها: واحد أمه، وعبد بطنه وصدر بلده وطبيب مصره، ونحو ذلك، وأنشد سيبويه للاستدلال على مجيئها في الشعر قول الشماخ: أقامت على ربعيهما جارتا صفا * كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما 3 - 291 وقال المبرد: بل الضمير في (مصطلاهما) للأعالي، إذ هو جمع في معنى المثنى، إذ هو للجارتين، وليس للجارتين إلا أعليان وإنما جمعا بما حولهما 4، كقوله: متى ما تلقتني فردين ترجف * روانف أليتيك وتستطارا 5 - 554 فالألف في تستطارا، راجع إلى روانف، لأنه بمعنى رانفتين، فكأنه قال: جونتا مصطلى الأعالي، فليس فيه إلا ضمير واحد وهو المستكن في: جونتا، فهو كقولك: زيد حسن الغلام قبيح فعله، أي فعل الغلام،


(1) تقدم ذكره قريبا، (2) إشارة إلى ضعف ما استدل به ابن بابشاذ، (3) تقدم في الجزء الثاني، (4) أي مع ملاحظة ما حولهما (5) تقدم في باب المثنى من هذا الجزء، (*)

[ 438 ]

ويعني بمصطلى الأعالي ما تحت الأعالي وهو الموضع الذي أصابة الدخان أكثر، فأصل الحجر أبيض، وأعلاه كميت، وما بينهما جون، أي أسود، وما ذهب إليه المبرد تكلف، والظاهر مع سيبويه، ومن المسائل المذكورة مسألتان أخريان قبيحتان عند النجاة، استحسنهما المصنف، (وهما اللتان اجتمع في كل منهما ضميران) 1، وهما الحسن وجهه، وحسن وجهه بنصب المعمول فيهما، ووجه استقباحهما: أن النصب في معمول الصفة المشبهة، إذ كان معرفة إنما جاز مع كونه في المعنى فاعلا، ليبرز في صورة المفعول فلا تستقبح الأضافة إليه، إذا قصد التخفيف، وذلك لأن إضافة الصفة إلى مرفوعها قبيحة في الظاهر، لأن الصفة الرافعة للظاهر، هي المرفوع بها في المعنى، كما في قولك: زيد ضارب غلامه عمرا، فالضارب هو (غلامه)، فكان كإضافة الشئ إلى نفسه التي هي مستقبحة في المحضة وهي أصل لغير المحضة، فجعلوا المرفوع في صورة المفعول، لأن الصفة الناصبة غير المنصوب بها في المعنى، ألا ترى أن الضارب، غير عمرو، في المثال المذكور، فإذا أضيفت إليه بعد نصبه كانت كإضافة الشئ إلى الأجنبي، فنصب معمول الصفة، إذن، لأجل توطئة الجر، فلما كان: الحسن وجهه بالجر ممتنعا، كان القياس امتناع نصبه أيضا، وكما لم يجز حسن وجهه بالجر إلا في الشعر، كان القياس امتناع: حسن وجهه بالنصب أيضا، إلا في الشعر، إذ هو تمهيد للجر، وليس مقصودا بذاته، لكنهم جوزوهما على قبح في السعة، أيضا، ليظهر النصب فيما كان فاعلا، سواء جازت الأضافة أو، لا، غاية الظهور، فيتبين في المجرور أنه كان قبله منصوبا، قال: 596 - أنعتها، إلى من نعاتها * كوم الذرى وادقة سراتها 2 ثم اعلم أن أصل هذه المسائل كلها مسألتان: الحسن وجهه، وحسن وجهه، برفع


(1) زيادة في بعض النسخ وفيها توضيح، (2) رواه ابن الأعرابي لبعض بني أسد، وفي الأصمعيات أنه من رجز لعمر بن لجأ التميمي، وصف فيه الأبل وصفا شاملا لكل ما فيها، (*)

[ 439 ]

المعمول فيهما، فهما حسنتان كثيرتا الاستعمال، وإنما كانتا أصلين، لأن الوجه فاعل في المعنى فالأصل ارتفاعه بالصفة، وإذا ارتفع بها فلا بد من الضمير في متعلق الصفة، إذ ليس في الصفة 1، ثم، لكل واحدة منهما فرعان حسنان في القياس كثيرا الاستعمال: الحسن وجها وحسن وجها على التمييز، والحسن الوجه وحسن الوجه بالجر على الأضافة، أما حسن انتصاب المعمولين في القياس فلأنك قصدت المبالغة في وصف الوجه بالحسن، فنصبت (وجها) على التمييز، ليحصل له الحسن إجمالا وتفصيلا ويكون أيضا أوقع في النفس للأبهام أولا ثم التفسير ثانيا كما مر في باب التمييز، في نحو: تصبب زيد عرقا، فحصل التخفيف اللفظي بحذف الضمير واستتاره في الصفة، والمبالغة المعنوية، وأما حسن انجرار الوجه مع اللام فيه، فلأن في: حسن الوجه، تخفيفين: أحدهما في الصفة والآخر في معمولها وفي: الحسن الوجه تخفيفا واحدا في المعمول، وفيهما معا تعريف الوجه باللام التي هي أخف من الضمير، مراعاة لأصله في التعريف وهذه فائدة لفظية، وأما من حيث المعنى ففيهما الأبهام ثم التفسير، وإن لم يكن الوجه منصوبا على التمييز، كما في الأولين، والدليل على انتقال الضمير فيهما إلى الصفة، قولك: هند حسنة الوجه، والزيدان حسنا الوجهين، والزيدون حسنو الوجوه، ولا تأتي هذه العلامات في الصفة، إلا وفيها ضمائر مستترة، إلا في الندرة نحو: قام رجل قاعدون غلمانه، وإنما جاز أسناد الصفة إلى ضمير المسبب بعد إسنادها إلى السبب، لكونها في اللفظ جارية على المسبب خبرا أو نعتا أو حالا، وفي المعنى دالة على صفة له في نفسه، سواء كانت هي الصفة المذكورة، كما في زيد حسن الوجه، فإنه حسن بحسن وجهه، أو، لا، نحو: زيد غليظ الشفتين أي قبيح، فإن لم تجر في اللفظ على المسبب، نحو: زيد وجهه حسن، أو جرت لكنها لم تدل على صفة له في ذاته، لم يجز استكنان الضمير فيها، فيقبح: زيد أسود فرس غلام الأخ،


(1) أي: إذ ليس في الصفة ضمير، فلا بد أن يكون في متعلقها، (*)

[ 440 ]

وزيد أبيض الثور، وزيد أصغر غلاماس، لأنه لا معنى للجميع إلا أنه صاحب سبب متصف بالوصف المذكور، فيقبح أن يجعل صفة سببه كصفة نفسه فيضمر فيها ضمير نفسه، إذ لم تدل صفة سببه على صفة نفسه، فإن قيل: أليس تدل الصفة في نحو: زيد أبيض ثوره، على صفة له في ذاته، وهي كونه صاحب ثور كذا، قلت: معنى كونه صاحبه، مفهوم من كون الثور سببا لزيد، لا من صفة السبب، وإنما حسن: جبان الكلب، لأنه كناية عن كرمه، أي هو كريم، قال: 597 - الحزن بابا والعقور كلبا 1 فعليك العبرة بما ذكرت، ومسألة لا قبيحة ولا في غاية الحسن، وهي حسن وجه بالجر، إد كل ما ذكرنا في: حسن الوجه، حاصل فيها، إلا مطابقة المعمول لأصله في التعريف، أعني: وجهه، وأربع مسائل قبيحة قبحا لا ينتهي إلى منعها في حال السعة وتخصيصها بضرورة الشعر، وهي: الحسن وجه وحسن وجه والحسن الوجه وحسن الوجه، برفع المعمول في جميعها، والأوليان أقبح من الأخريين، لعدم موافقة المعمول فيهما لأصله في التعريف، ووجه قبح الأربع: خلو الصفة من عائد إلى الموصوف، وحذف الجار مع المجرور قليل قبيح، أي: وجه منه، والوجه منه، وقال أبو علي: الوجه، ووجه، بدلان من الضمير المستكن في الصفة، قاله في قوله تعالى: (مفتحة لهم الأبواب 2)، وهذا غسل الدم بالدم، 3 لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لا يخلوان من ضمير المبدل منه في الأغلب،


(1) من رجز لرؤية بن العجاج وقبله: فذاك وخم لا يبالي السبا... وهو في سيبويه 1 / 103 (2) من الآية 50 في سورة ص، (3) رد على ما ذهب إليه الفارسي وهو شبيه بقولهم وقع فيما فر منه، (*)

[ 441 ]

وقال الكوفيون: اللام في (الوجه) بدل من الضمير، كما في قوله: لحافي لحاف الضيف والبرد برده 1 - 284 فالوجه، باق على الفاعلية كما كان في الأصل، وقد تقدم أن إبدال اللام من الضمير فيما يشترط فيه الضمير، قبيح عند البصريين، ومسألتان فيهما وجه حسن، لكن قل استعمالهما، لاستنكار 2 في الظاهر، وهما: الحسن الوجه وحسن الوجه، بنصب الوجه، فيهما، أما وجه حسنهما فلكون النصب توطئة للجر وهو حسن، كما مر، وأما استنكار ظاهرهما فنصب ما هو فاعل حقيقة، لا على التمييز، وعند الكوفيين: نصب المعرف في مثله على التمييز لتجويزهم تعريف المميز، كما مر في بابه، وثلاث مسائل قبيحة لا تجوز إلا في ضرورة الشعر عند البصريين، جائزة في السعة بلا قبح عند الكوفيين، وهي: الحسن وجهه وحسن وجهه، بنصب وجهه فيهما، وحسن وجهه، بجر وجهه، كما مر، ومسألتان باطلتان اتفاقا: الحسن وجهه، الحسن وجه، بجر المعمول فيهما كما تقدم، والمجموع ثماني عشرة مسألة، ولنا أن نعلل استقباح المسائل الثلاث القبيحة الممنوعة في السعة، بعلة واحدة، فنقول: لما استكن ضمير المسبب في صفة السبب، لما ذكرنا من الأمرين، أعني جريها على المسبب، واستلزامها الصفة له في نفسه فصارت بذلك صفة السبب كصفة المسبب صار السبب كالفضلة، وذلك لمجيئه بعد الفاعل، أي الضمير المستجن 3، فنصب تشبيها بالمفعول


(1) تقدم في باب الأضافة من الجزء الثاني، (2) أي لوجود استنكار، (3) أي المستتر وهو يعبر عنه بالمستجن، وبالمستكن، (*)

[ 442 ]

في نحو: الضارب زيدا، أو جر بالأضافة لزوال المانع من الأضافة إلى السبب، لأن المانع منها، إنما كان رفعه، كما ذكرنا، فلما استتر ضمير المسبب في الصفة، استقبح مجيئه في السبب أيضا، لأنه إنما كان محتاجا إليه في السبب ليتبين كونه سببا، وإضمار الضمير في الصفة دال على أنه السبب، لأنك لم تضمره فيها إلا لدلالة صفة سببه على صفة نفسه كما تقدم، فأغني الضمير في الصفة عن الضمير في السبب، فلو أتي به فيه كان قبيحا، وليس اسم الفاعل في نحو: زيد ضارب غلامه كذا 1، لأن الضمير في ضارب ليس لدلالة صفة سبب سببه على صفة نفسه، وانضم هذا القبح في: الحسن وجهه بجر المعمول، إلى عدم حصول التخفيف في الأضافة اللفظية، فتأكد امتناعه، قوله: (والنصب على التشبيه بالمفعول في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة)، هذا عند البصريين، وقال الكوفيون: بل هو على التمييز في الجميع، وقال بعض النحاة على التشبية بالمفعول في الجميع، والأولى التفصيل، 2 قوله: (ما كان فيه ضمير واحد أحسن، وما فيه ضميران حسن)، قد ذكرنا ما عليه، قوله: (ومتى رفعت بها فلا ضمير فيها)، لما كان معرفة الحسن والأحسن والقبيح، عنده، على ما ذكرنا، مبنية على الضمير مهد قاعدة يتبين بها الضمير، والضميران، والتجرد عن الضمير فقال: 3 الضمير إما أن يكون في الصفة أو في معمولها، فإن كان في المعمول فهو ظاهر لبروزه، نحو: وجهه أو: الوجه منه، وإن كان في الصفة فذلك إذا لم ترفع ظاهرا، فتؤنث لتأنيث الضمير، وتثنى وتجمع لتثنيته وجمعه، فإن رفعت ظاهرا، فهي كالفعل، تؤنث لتأنيث الفاعل وتفرد، عند إفراد الفاعل، وتثنيته وجمعه، كما ذكرنا في باب النعت،


(1) أي ليس كالصفة المشبهة في ذلك، (2) على الوجه الذي تقدم شرحه، (3) هذا تلخيص لقول ابن الحاجب وشرح لما جاء في المتن، (*)

[ 443 ]

ثم اعلم أن حكم المعمول إذا كان معرفا باللام: حكمه إذا كان مضافا إلى المعرف بها أو إلى المضاف إليه، بالغا ما بلغ، نحو: مررت برجل حسن الوجه، وحسن وجه الغلام، وحسن وجه أبي الغلام، وكذا لو زدت 1، وكذا حكم المعمول المضاف إلى المضمر: حكم المضاف إلى المضاف إلى المضمر، وهلم جرا، نحو: مررت برجل حسن وجهه، وحسن وجه غلامه، وحسن وجه أبي غلامه، وكذا لو زدت، وكذا إن كان فيه ضمير ولم يكن مضافا إليه، كقوله: رحيب قطاب الجيب منها رفيقة * بجس الندامى بضة المتجرد 2 - 292 وبرجل حسن وجه يصونه، وكذا المجرد 3 عن اللام والأضافة إلى الضمير، حكم المضاف إلى المجرد عنهما بالغا ما بلغ، فحكم نحو مررت برجل حسن وجه، حكم: برجل حسن وجه غلام، وحسن وجه أبي غلام، وكذا لو زدت، قوله: (واسما الفاعل والمفعول غير المتعديين... إلى آخره)، يعني باسم المفعول غير المتعدي: اسم المفعول من الفعل المتعدي إلى واحد فقط، كمضروب الغلام، واسم المفعول من الفعل المتعدي إلى اثنين: هو المتعدي إلى واحد، نحو: زيد معطى غلامه درهما، ومن المتعدي إلى ثلاثة هو المتعدي إلى اثنين، نحو: زيد معلم أخوه عمرا كريما، تقول في اسم الفاعل اللازم، زيد خارج الغلام، وشامخ النسب، وفي اسم المفعول اللازم: مضروب الغلام ومؤدب الخدام، سواء كانا بمعنى الماضي أو بمعنى المضارع، أو للاستمرار، أو للأطلاق، فإن رفعهما للمسند إليه، لا يحتاج إلى شرط زمان، كما مر في باب الأضافة، فإذا جاز في معمولهما الرفع، جاز النصب والجر، أيضا لأنهما فرعاه، كما مر، فيجيئ في كل واحد منهما الثماني عشرة مسألة، وكذا إنما يجوز انتقال الضمير إليهما من المعمول، ثم نصب المعمول أو جره، إذا كان يحصل لصاحبها المتقدم


(1) يعني مهما كثرت الأضافات، وكذلك فيما سيأتي، (2) تقدم في الجزء الثاني في باب الأضافة، (3) يعني وكذا حكم المجرد أو يقدر فيما يأتي: حكمه حكم المضاف، (*)

[ 444 ]

وصف باتصاف مرفوعهما بمضمونهما، كما قلنا في الصفة المشبهة سواء، 1 فلا يجوز: زيد قائم أبا، ولا قائم ابن العم بجر العمول، ولا مضروب مملوك أخ، ولا مشروب ماء الأخ، هذا، وأما إذا كانا متعديين، نحو: زيد ضارب غلامه عمرا، ومعطى أخوه درهما، أو معطى عمرو ثوبه، فإن حذفت المفعول، لم يجز نصب الفاعل وجره اتفاقا، لئلا يشتبه بالمفعول بخلاف الصفة المشبهة واسمي الفاعل والمفعول اللازمين، فإنه لا مفعول لها حتى يشتبه المنصوب والمجرور به، وإن ذكرت المفعول منصوبا بعد الفاعل فإن أمن التباس المنصوب أو المجرور بالمفعول، لم يمتنع، عند أبي علي، نصب الفاعل أو جره، إجراء له مجرى: حسن الوجه، ومنعه غيره، وقد يجري بعض الأسماء الجامدة مجرى الصفات المشبهة، نحو: فلان شمس الوجه، أي حسن الوجه، فتجيئ فيه المسائل المذكورة، وهو قليل، قيل: 2 لا تعمل الصفة المشبهة في الأجنبي، كما يعمل اسما الفاعل والمفعول، بل تعمل في السبب فقط، وليس اطلاقهم هذا القول بوجه، بل تعمل في غير السبب إذا كان في معمول آخر لها ضمير صاحبها نحو: برجل طيب في داره نومك، وكذا إذا اعتمدت على حرف الاستفهام أو النفي، نحو: أحسن الزيدان، وما قبيح الزيدون، فإنه لا صاحب لها ههنا حتى تعمل في سببه، وأما نحو: ما زيد قائم الجارية ولا حسن وجهها بجر الوجه، أو: ولا حسنا وجهها برفع (وجهها)، فإن وجهها، وإن لم يكن سببا لزيد، إلا أنه سبب للجارية التي هي سببه، فجاز خلو الصفة المعطوفة ومتعلقها المرفوع، عن الضمير الراجع إلى صاحبها، لأن الضمير الذي أضيف (وجه) إليه راجع إلى جاريته التي هي مضافة إلى ضمير الموصوف، فكأنه قيل: ما زيد حسنا وجه جاريته، فهو حمل على المعنى، كقولك: مررت برجل


(1) أي هما سواء، (2) كلام جديد لبيان بعض أحكام الصفة المشبهة ومناقشته (*)

[ 445 ]

حسنة جاريته لا قبيحة، وبرجل قائم غلاماه لا قاعدين، ومن هذا الباب عند المبرد: (جونتا مصطلاهما 1)، كما مر، لأن أصله: جون مصطلاهما، أي مصطلى الأعالي، أي: مصطلى أعاليهما، فلما قصد الأضافة حذف الضمير الذي أضيف إليه (أعالي)، واستتر في جون، فصار: جونتا، وأدخل اللام في (أعالي)، ليتعرف باللام، كما كان متعرفا بالأضافة، ثم أقام موضع الأعالي ضميرا راجعا إليه، لتقدم ذكره، وجعله مثنى، لكون الأعالي ههنا في معنى الأعليين، فليس عنده، إذن، من باب: حسن وجهه بالأضافة، لأنك لا تحذف الضمير ههنا من (وجهه) كما حذفت من: أعاليهما،


(1) في البيت الذي تقدم ذكره: أقامت على ربيعهما جارتا صفا.. الخ (*)

[ 447 ]

(اسم التفضيل) (وأحكامه) (تعريفه) (قال ابن الحاجب:) (اسم التفضيل: ما اشتق من فعل، لموصوف بزيادة على) (غيره، وهو: أفعل)، (قال الرضي:) ينتقض بنحو فاضل، وزائد، وغالب، ولو احترز عن مثله بأن قال: ما اشتق من فعل لموصوف بزيادة على غيره فيه، أي في الفعل المشتق منه، لانتقض بنحو: طائل، أي زائد في الطول على غيره، وشبهه من اسم الفاعل المبني من باب المغالبة، والأولى أن يقال: هو المبني على أفعل لزيادة صاحبه على غيره في الفعل، أي في الفعل المشتق هو منه، فيدخل فيه: خير، وشر، لكونهما في الأصل: أخير وأشر، فخففا بالحذف لكثرة الاستعمال، وقد يستعملان على القياس، (شروط صوغه) (وحكم ما لم يستوف الشروط) (قال ابن الحاجب:) (وشرطه أن يبني من ثلاثي مجرد ليمكن البناء، وليس بلون)

[ 448 ]

(ولا عيب، لأن منهما أفعل، لغيره، نحو: زيد أفضل) (الناس فإن قصد غيره توصل إليه بأشد ونحوه، مثل: هو) (أشد استخراجا، وبياضا، وعمى، وقياسه للفاعل،) (وقد جاء للمفعول، نحو: أعذر وألوم وأشغل وأشهر)، (قال الرضي:) شرط أفعل التفضيل أن يبنى من ثلاثي مجرد، جاء منه فعل تام، غير لازم للنفي، متصرف، قابل معناه للكثرة، فقولنا: جاء منه فعل، احتراز من: أيدى، وأرجل، من اليد، والرجل فإنه لم يثبت، وقولهم: أحنك الشاتين، أي آكلهما، من الحنك، وأول: شاذ 1، وكذا قولهم: آبل من حنيف الحناتم، 2 لم يستعمل منه فعل، على ما قال سيبويه، وقال الجوهري: أبل يأبل إبالة، مثل: شكس يشكس شكاسة، إذا قام بمصلحة الأبل 3، وهو أفرس من غيره، من الفروسية، ولم يستعمل منها فعل، أيضا، وقولنا: تام، احتراز عن الأفعال الناقصة، ككان، وصار، فإنه لا يقال أكون وأصير، كما قيل، ولعل ذلك لكون مدلول الناقصة: الزمان دون الحدث، كما توهم بعضهم،... والأفعل، موضوع للتفضيل في الحدث، والحق أنها دالة على الحدث أيضا، كما سيجيئ في بابها، فلا منع، وإن لم يسمع، أن يقال: هو أكون منك منطلقا، وهو أصير منك غنيا، أي أشد انتقالا إلى الغني، وقولنا: غير لازم للنفي، احتراز عن نحو: مانبس بكلمة، فإنه لا يقال: هو أنبس منك، لئلا يصير مستعملا في الأثبات، فإن قيل: لا أنبس، قلت: ليس (لا أنبس)


(1) راجع إلى كل من المثالين، والشذوذ في أول باعتبار أنه من مادة وول، وليس منها فعل، ويأتي قريبا تفصيل الكلام فيه، (2) حنيف: رجل من بني ثعلبة كان مشهورا بحسن القيام على الأبل، والحناتم السحائب السود، وكان يتحراها في الرعي، (3) تفسير للفعل: أبل يأبل إبالة، والمصدر بكسر الهمزة لأنه من الحرف مثل حياكة، (*)

[ 449 ]

لنفي الحدث الذي هو التكلم، ونبس، موضوع له، بل هو لنفي الفضل في التكلم، وقولنا: متصرف، احتراز عن نحو: نعم، وبئس، وليس، إذ لا يقال: أنعم وأبأس، وأليس، وقولنا: قابل معناه للكثرة، احتراز عن نحو: غربت الشمس وطلعت، فإنه لا يقال: الشمس اليوم أغرب منها أمس، ولا أطلع، ويصح أن يحترز به عن بعض العيوب الظاهرة كالعور والعمى، وقوله: ثلاثي، احترازا عن الرباعي نحو: دحرج، قوله (مجرد)، احتراز عن ثلاثي ذي زائد، نحو: أخرج، وعلم، وانقطع، واستخرج، ونحوها، قوله: (ليمكن...)، أي لو لم يكن ثلاثيا بل كان رباعيا نحو دحرج، أو لم يكن مجردا، بل كان ذا زائد كاستخرج وأخرج، لم يمكن بناء أفعل، منه، أما إن أردت بناءه من غير حذف شئ منه فواضح الاستحالة، لأن أفعل، ثلاثي مريد فيه الهمزة للتفضيل، وأما إن أردت البناء مع حذف حرف، أو حرفين، فإنه يلتبس المعنى، إذ لو قلت في دحرج: أدحر، لم يعلم أنه من تركيب دحرج، وكذا لو قلت: في أخرج: أخرج بحذف الهمزة، لا لتبس بأخرج من الخروج، وكذا في غيره من المتشعبة 1، وهذا كله بناء على أنه لا صيغة للتفضيل إلا أفعل، وإنما اقتصروا عليه، اختصارا، قوله: (ليس بلون ولا عيب)، صفة أيضا لقوله ثلاثي، وقوله: (لأن منهما أفعل لغيره) 2، يعني: إنما لم يبن من باب الألوان والعيوب، لأنه جاء منهما (أفعل) من غير اعتبار الزيادة على غيره، فلو بني منهما أفعل التفضيل، لالتبس أحدهما بالآخر، لو قلت: زيد الأسود، على أنه للتفضيل، لم يعلم أنه بمعنى ذو سواد أو بمعنى الزائد في السود، وهذ التعليل إنما يتم إذا بين أن أفعل الصفة مقدم بناؤه على أفعل التفضيل، وهو كذلك، لأن ما يدل على مطلق ثبوت الصفة مقدم بالطبع على ما يدل على زيادة على الآخر في الصفة، والأولى موافقة الوضع لما هو بالطبع،


(1) أي الصيغ المتفرعة من الثلاثي بزيادة حرف أو أكثر، (2) أي لغير التفضيل (*)

[ 450 ]

وينبغي أن يقال 1 من الألوان والعيوب الظاهرة، فإن الباطنة يبنى منها أفعل التفضيل، نحو: فلان أبلد من فلان وأجهل منه وأحمق وأرعن وأهوج وأخرق، وألد وأشكس، وأعيا وأعجم وأنوك، مع أن بعضها يجيئ منه أفعل لغير التفضيل أيضا، كأحمق وحمقاء، وأرعن ورعناء وأهوج وهو جاء، وأخرق وخرقاء وأعجم وعجماء، وأنوك ونوكاء، فلا يطرد أيضا تعليله بأن منهما أفعل لغيره، فالأولى أن يقال: لا يبنى أفعل التفضيل من الألوان، والعيوب الظاهرة دون الباطنة لأن غالب الألوان أن تأتي أفعالها على: افعل وافعال، كأبيض، واسود، واحمار واصفار، فحمل كل ما جاء من الثلاثي عليهما، وأما العيوب المحسوسة، فليس الغالب فيها المزيد فيه، لكن بعضها: المزيد فيه أكثر استعمالا فيه من غيره، كاحول واعور، فإنهما أكثر استعمالا من حول وعور، ولذلك لم يقلب واوهما 2 حملا على احوال واعور، وما لم يجيئ منه افعل ولا افعال، كالبخر والفقم، والعرج والعمى، لم يبن منها لكون بعضها مما لا يقبل الزيادة والنقصان كالعمى، والبواقي محمولة على القسمين ال‍ مذكورين في الامتناع، وأجاز الكوفيون بناء أفعل التفضيل من لفظي السواد والبياض، قالوا لأنهما أصلا الألوان، قال: 598 - أبيض من أخت بني إباض 3 وقال: 599 - ابعد بعدت بياضا لا سواد له * لأنت أسود في عيني من الظلم 4


(1) يريد التهميد للاعتراض على تعليل المصنف (2) أي واو الفعلين حول وعور وما ماثلهما (3) من رجز لرؤية، وقبله: جارية في درعها الفضفاض، تقطع الحديث بالأيماض ومن الممكن تأويله بغير ما قال من أنه شاذ، وكذلك بيت المتنبي الآتي، (4) من قصيدة للمتبني أولها قوله يقصد الشيب: ضيف ألم برأسي غير محتشم * وتقدم منها الشاهد، قبلتها ودموعي مزج أدمعها * وقبلتني على خوف فما لفم وقدمنا أن الرضي يورد كثيرا من أشعار المحدثين كالمتني وأبي تمام وأن بعض العلماء يرى جواز ذلك، ومن الممكن أن يقال ان الرضي يوردها للتمثيل إذا ثبت الدليل من شاهد آخر، (*)

[ 451 ]

وهما عند البصريين شاذان، 1 قوله: (فإن قصد غيره)، يعني قصد التفضيل من معاني الأشياء التي تعذر بناء أفعل التفضيل من ألفاظها، وهي ذو الزيادة والرباعي والألوان والعيوب الظاهرة، بنى أ فعل من فعل يصح بناء أفعل، منه، في حسن، أو كثرة، أو غير ذلك على حسب غرضك الذي تقصده ثم يؤتى بمصادر تلك الأفعال التي امتنع بناء أفعل منها، فتنصب على التمييز، لتحقق معنى التمييز عن النسبة فيها، نحو: أقبح عورا، وأشد بياضا، وأسرع انطلاقا، وأكثر دحرجة، ونحو ذلك، وهو عند سيبويه: قياس من باب أفعل مع كونه ذا زيادة، ويؤيده كثرة السماع، كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأولادهم للمعروف، وأنت أكرم لي من فلان، وهو كثير، ومجوزه قلة التغيير، لأنك تحذف منه، وترده إلى الثلاثي ثم تبني منه أفعل التفضيل، فتخلف همزة التفضيل همزة الأفعال 2 وهو عند غيره سماعي مع كثرته، ونقل عن المبرد والأخفش، جواز بناء أفعل التفضيل من جميع الثلاثي المزيد فيه، كانفعل واستفعل ونحوهما، قياسا، وليس بوجه، لعدم السماع وضعف التوجيه فيه بخلاف أفعل، قوله: (وقياسه للفاعل) يعني قياسه أن يكون لتفضيل الفاعل على غيره في الفعل، كأضرب، أي ضارب أكثر ضربا من سائر الضاربين، ولا يقال: أضرب، بمعنى مضروب أكثر مضروبية من سائر المضروبين، وإنما كان القياس في الفاعل دون المفعول، لأنهم لو جعلوه مشتركا بين الفاعل والمفعول، لكثر الاشتباه لاطراده، وأما سائر الألفاظ المشتركة فاغتفر فيها الاشتباه لقلتها، لكونها سماعية، فأرادوا جعله في أحدهما أظهر دون الآخر، فجعلوه في الفاعل قياسا لكونه أكثر من المفعول، إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب، ولا ينعكس، وإنما قلنا في الأغلب،


(1) تقدم أنه من الممكن تأويلهما بمثل ما سيقوله الشارح في قوله: ولست بالأكثر منهم حصى، ونحوه (2) وهي الموجودة في أول الفعل الذي على وزن أفعل، (*)

[ 452 ]

احترازا عن نحو مجنون ومبهوت، فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل، مع أنه أكثر، عريا 1 عما يطلب فيه من معنى التفضيل إلا بالقرينة، لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة، وقد استعملوه في المفعول، أيضا على غير قياس، نحو: أعذر، وأشهر، وألوم، وأشغل، أي: أكثر معذورية ومشهورية، ملومية ومشغولية، (أوجه استعماله) (ومعنى كل وجه) (قال ابن الحاجب:) (ويستعمل على أحد ثلاثة أوجه: مضافا، أو بمن، أو) (معرفا باللام، فإذا أضيف فله معنيان: أحدهما وهو الأكثر:) (أن يقصد به الزيادة على من أضيف إليه، ويشترط أن) (يكون منهم، نحو: زيد أفضل الناس، ولا يجوز:) (يوسف أحسن إخوته، لخروجه عنهم، بإضافتهم إليه) (والثاني: أن يقصد زيادة مطلقة، ويضاف للتوضيح،) (فيجوز: يوسف أحسن إخوته، ويجوز في الأول: الأفراد) (والمطابقة لمن هو له، وأما الثاني والمعرف باللام فلا بد) (فيهما من المطابقة، والذي بمن مفرد مذكر لا غير، فلا) (يجوز: زيد الأفضل من عمرو، ولا زيد أفضل، إلا أن) (يعلم)، (قال الرضي:) اعلم أنه يلزم استعمال أفعل التفضيل مع أحد الثلاثة المذكورة، فلا يخلو عن الجميع،


(1) يعني: لبقي اسم الفاعل عريا، أي خايا - عما يطلب فيه الخ، (*)

[ 453 ]

ولا يجتمع منها اثنان إلا نادرا، وإنما لم يخل عن الجميع لأن وضعه الأهم لتفضيل الشئ على غيره، ومع (من) والأضافة: ذكر المفضل عليه ظاهرا، ومع اللام هو في حكم المذكور ظاهرا، لأنه يشار باللام إلى معين مذكور قبل، لفظا أو حكما، كما ذكرنا في اللام العهدية في بابها، فتكون اللام إشارة إلى أفعل، المذكور معه المفضل عليه، كما إذا طلب شخص هو أفضل من زيد، فقلت: عمرو الأفضل، أي ذلك الأفضل أي الشخص الذي قلنا انه أفضل من زيد، فعلى هذا لا يجوز أن تكون اللام في أفعل التفضيل في موضع من المواضع إلا للعهد، لئلا يعرى عن ذكر المفضل عليه رأسا، فلو خلا عن الثلاثة، خلا عن ذكر المفضل عليه فلا يتم فهم المقصود الأهم من وضعه، وإذا علم المفضول جاز حذفه غالبا، إن كان (أفعل) خبرا، كما يقال لك: أنت أسن أم أنا، فتجيب بقولك: أنا أسن، ومنه قولنا: الله اكبر، وقوله: 600 - إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول 1 وقوله: 601 - ستعلم أينا للموت أدنى * إذا أدنيت لي الأسل الحرارا 2 ويجوز أن يقال في مثل هذه المواضع: ان المحذوف هو المضاف إليه، أي أكبر كل شئ، وأعز دعامة، ولم يعوض منه التنوين لكون (أفعل) غير منصرف، فاستبشع ذلك، وأما نحو جوار فقد ذكرنا قصدهم بتعويض التنوين فيه، ويجوز أن يقال: ان (من) مع مجروره محذوف، أي أكبر من كل شئ، ويقل الحذف في غير الخبر، نحو: جاءني رجل أفضل في جواب من قال: ما


(1) هو للفرزدق: أول قصيدة في هجاء جرير، ومع روعة هذا المطلع، امتلأت القصيدة بأفحش الألفاظ وأقبح الشتائم، (2) من شعر عنترة العبسي في مخاطبتة لعمارة العبسي ويتصل به البيت المتقدم في باب الحال، وفي باب الصفة المشبهة وهو قوله: متى ما تلقني فردين ترجف * روانف أبيتيك وتستطارا (*)

[ 454 ]

جاءك رجل أفضل من زيد، كأنه لما كان حذف الخبر أكثر من حذف الوصف، والحال، كان حذف بعضه 1، أيضا، أكثر، وإنما لم يجتمع من الثلاثة المذكورة شيئان، لأن كل واحد منهما 2 يغني عن الآخر في إفادة ذكر المفضول، كما ذكرنا، ولا فائدة في ذكر واحد منهما إلا ذاك، فكان ذكر الآخر، لو ذكر أحدهما، لغوا، وأما قوله: 602 - ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر 3 فقيل: من، فيه ليست تفضيلية، بل للتبعيض، أي: لست من بينهم بالأكثر حصى، وهذا كما تقول مثلا: أريد شخصا من قريش أفضل من عيسى عليه السلام فيقال: محمد عليه الصلاة والسلام الأفضل، من قريش، أي: أفضل من عيسى من بين قريش، ويجوز أن يحكم بزيادة اللام، و (من) تفضيلية، كما في قوله: 603 - ورثت مهلهلا والخير منه * زهيرا، نعم ذخر الذاخرينا 4 ويجوز في البيتين، على ما قيل، أن يقدر (أفعل) آخر، عاريا من اللام، يتعلق به (من) أي لست بالأكثر، أكثر منهم حصى، والخبر خيرا منه، ولا منع من اجتماع الأضافة و (من) التفضيلية إذا لم يكن المضاف إليه مفضلا عليه، كقولك: زيد أفضل البصرة من كل فاضل، فإضافته للبصرة للتوضيح، كما تقول: شاعر بغداد، لكنهم لم يستعملوه لأن هذه الأضافة دالة على أن صاحب أفعل، مفضل على غيره مطلقا، فأغني ذلك عن ذكر المفضل عليه، ولا يخلو المجرور بمن التفضيلية من مشاركة المفضل في المعنى إما تحقيقا، كما في:


(1) أي بعض أجزاء الخبر وهو من التفضيلية ومجرورها إذا كان التفضيل خبرا، (2) التثنية باعتبار الاثنين اللذين قال إنها لا يجتمعان، (3) من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس فضل فيها عامر بن الطفيل على علقمة بن علاثة، في منافرة جرت بينهما في الجاهلية، (4) من معلقة عمرو بن كلثوم، (*)

[ 455 ]

زيد أحسن من عمرو، واما تقديرا، كما في قول علي رضي الله عنه: (لأن أصوم يوما من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان)، لأن إفطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف، فقدره علي رضي الله عنه محبوبا إلى نفسه أيضا، ثم فضل صوم يوم من شعبان عليه فكأنه قال: هب أنه محبوب عندي أيضا، أليس صوم يوم من شعبان أحب منه، وقال رضي الله عنه: (اللهم أبدلني بهم خيرا منهم) 1، أي في اعتقادهم لا في نفس الأمر فإنه ليس فيهم خير، (وأبدلهم بي شرا مني)، أي في اعتقادهم أيضا، وإلا فلم يكن فيه، كرم الله وجهه، شر، ومثله قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) 2، كأنهم 3 لما اختاروا موجب النار، اختاروا النار، ويقال في التهكم: أنت أعلم من الحمار، فكأنك قلت: إن أمكن أن يكون للحمار علم، فأنت مثله مع زيادة، وليس المقصود بيان الزيادة، بل الغرض: التشريك بينهما في شئ معلوم انتفاؤه عن الحمار، وأما نحو قولهم: أنا أكبر من الشعر، وأنت أعظم من أن تقول كذا، فليس المقصود تفضيل المتكلم على الشعر، والمخاطب على القول، بل المراد: بعدهما عن الشعر والقول، وأفعل التفضيل يفيد بعد الفاضل من المفضول وتجاوزة عنه، فمن في مثله ليست تفضيلية بل هي مثل ما في 4 قولك: بنت من زيد، وانفصلت منه، تعلقت بأفعل المستعمل بمعنى متجاوز، وبائن، بلا تفضيل، فمعنى قولك أنت أعز علي من أن أضربك، أي بائن من أن أضربك من فرط عزتك علي، وإنما جاز ذلك، لأن (من) التفضيلية تتعلق بأفعل التفضيل بقريب من هذا المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد أفضل من عمرو، فمعناه: زيد متجاوز في الفضل عن مرتبة عمرو، فمن، فيما نحن فيه كالتفضيلية، إلا في معنى التفضيل: ومنه قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، (ولهي بما تعدك من نزول البلاء


(1) في نهج البلاغة ص 79 مطبعة دار الشعب، وكذلك الجملة الثانية، (2) الآية 24 سورة الفرقان (3) أي أصحاب النار المفهومين من تفضيل أصحاب الجنة، (4) يعني هي مثل كلمة من التي في قولك الخ، (*)

[ 456 ]

بجسمك، والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك 1) أي: هي متجاوزة من فرط صدقها عن الكذب، ويجب أن تلي (من) التفضيلية: أفعل التفضيل لأنها من تمام معناه، أو تلي معموله، قال: 604 - فإنا رأينا العرض أحوج ساعة * إلى الصون من ربط ملاء مسهم 2 وقد يفصل بينهما بلو، وفعلها نحو قولك: هي أحسن، لو أنصفت، من الشمس، وقد تقدم عليه في الشعر، كقوله: 605 - واستنزل الزباء قسرا وهي من * عقاب لوح الجو أعلى منتمي 3 ويلزم ذلك إذا كان المفضول اسم استفهام، نحو: ممن أعلم زيد ؟، أو مضافا إلى اسم استفهام نحو قولك: من غلام أيهم أكرم أنت ؟، قوله: (فإذا أضيف فله معنيان: أحدهما، وهو الأكثر، أن يقصد به الزيادة على من أضيف إليه)، وإنما كان هذا أكثر، لأن وضع أفعل، لتفضيل الشئ على غيره، فالأولى ذكر المفضول، وليس قوله: على من أضيف إليه بمرضي، لأنه مفضل على من سواه من جملة ما أضيف إليه وليس مفضلا على كل من أضيف إليه، وكيف ذلك وهو من تلك الجملة، فيلزم تفضيل الشئ على نفسه، وقول المصنف في دفع هذه الشبهة، ان زيدا لم يذكر في الناس في قولك: زيد أفضل الناس لغرض التفضيل عليه معهم بل لغرض التشريك معهم في أصل الفضل: ليس بشئ، 4 لأنه لا يحتاج لحصول هذا


(1) من إحدى خطب سيدنا علي رضى الله عنه التي وردت في نهج البلاغة، وهي في ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها والضمير في قوله: لهي راجع إلى الدنيا، انظر ص 273 من النهج طبعة دار الشعب بالقاهرة (2) من قصيدة لأوس بن حجر، والريطة الملاءة التي تكون قطعة واحدة، والريط بدون تاء: الجنس، والمسهم المخطط، وذلك مما يحتاج إلى الصون والحرص عليه، (3) من مقصورة ابن دريد الامام اللغوي وقد أورد الرضي بعضا من أبياتها في هذا الشرح، والبيت إشارة إلى قصة الزباء ملكة اليمن وما انتهى إليه أمرها، (4) خبر عن قوله: وقول المصنف في دفع هذه الشبهة: الخ، (*)

[ 457 ]

الغرض، أي التشريك في أصل الفضل إلى واسطة، لأن لفظ (أفعل) يكفي في هذا، لما ذكر المصنف بعينه، بعد هذا، وهو قوله: لأفعل، جهتان، ثبوت أصل المعنى والزيادة فيه، الزيادة فرع ثبوت أصله، ولا يحصل الفرع إلا بعد الأصل، فنقول: لفظ (أفعل) يدل على اتصاف صاحبه، بأصل الفعل، فلا يحتاج، لأجله إلى شئ آخر، والأولى في تعليل دخوله في جملة المضاف إليه: ما مر في باب الأضافة 1، فليرجع إليه، وقوله بعد هذا في الشرح: ان لأفعل جهتين... إلى آخر الكلام، قد مضى الكلام فيه في باب الحال على الكمال، 2 قوله: (والثاني أن يقصد زيادة مطلقة)، أي يقصد تفضيله على كل من سواه مطلقا، لا على المضاف إليه وحده، وإنما تضيفه إلى شئ لمجرد التخصيص، والتوضيح، كما تضيف سائر الصفات، نحو: مصارع مصر، وحسن القوم، مما لا تفضيل فيه، فلا يشترط كونه بعض المضاف إليه، فيجوز أن تضيفه إلى جماعة هو أحدهم كقولك: نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل قريش، أي أفضل الناس من بين قريش، وأن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلا فيهم، كقولك: يوسف أحسن إخوته، فإن يوسف، لا يدخل في جملة: إخوة يوسف، ولا يكون بعضهم، بدليل أنك لو سئلت عن عد إخوة يوسف، لم يجز لك عده فيهم، بلى، يدخل، لو قلت: أحسن الأخوة، أو: أحسن بني يعقوب عليه السلام، - وأن تضيفه إلى غير جماعة، نحو: فلان أعلم بغداد، أي: أعلم ممن سواه، وهو مختص بغداد، لأنها منشؤه أو مسكنة، وإن قدرت المضاف، أي أعلم أهل بغداد، فهو مضاف إلى جماعة يجوز أن يدخل فيهم، قوله: (ويجوز في الأول الأفراد...)، يعني أول معنيي المضاف، اعلم أن الأصل


(1) انظر باب الأضافة في الجزء الثاني، (2) هو في الجزء الثاني من هذا الشرح (*)

[ 458 ]

في أفعل التفضيل أن يذكر معه ما اقتضاه وضعه، وهو (من) التفضيلية، لأنه بصوغه على هذه الصيغة المفيدة لهذا المعنى تعدى إلى المفعول بمن الابتدائية، كما ذكرنا، فأفعل التفضيل يتميز عما يشاركه في هذه الصيغة من الوصف، كأحمر، والاسم، كأفكل، في بدء النظر، بمن التفضيلية، فصارت كأنها من تمام الكلمة، فلهذا لا يفصل بينهما إلا بمفعول أفعل، وذلك أيضا قليل، فما دام معه (من) لا يطابق به صاحبه تثنية وجمعا وتأنيثا، بل يلزم في الأحوال 1 صيغة المفرد المذكر نحو: زيد، أو الزيدان، أو الزيدون، أو هند، أو الهندان، أو الهندات: أفضل من كذا، إذ لو ثني وجمع وأنث، لكان كتثنية الاسم وجمعه وتأنيثه قبل كماله، فإذا أضفته وأردت تفضيل صاحبه على من سواه من أجزاء المضاف إليه، كان كأفعل المصاحب لمن في لزومه صيغة واحدة، وذلك لكونه مثل، في كون المفضول مذكورا بعده، مجرورا، ولا سيما أن أفعل المصاحب لمن مضارع للمضاف، كما تبين في باب المنادى، ولا فرق بينهما من حيث المعنى إلا من حيث إن المجرور بمن مفضول بجميع أجزائه، والمجرور بالأضافة جميع أجزائه مفضولة إلا صاحب أفعل الداخل فيه معها، ولا فرق بينهما لفظا إلا بذكر (من) في أحدهما دون الآخر، فجاز إجراء المضاف بهذا المعنى مجرى المصاحب لمن، وجاز، أيضا، تثنيته وجمعه وتأنيثه، لفوات لفظة (من) المانعة من التصرف، وقال ابن الدهان 2، وابن السراج، وابن يعيش: يجب إجراء المضاف بهذا المعنى مجرى المصاحب لمن، ولا تجوز مطابقته لصاحبه، لأنه مثله في ذكر المفضول بعده، ومذهب الجمهور ما ذكرنا أولا، وأما إذا قصدت بالمضاف: المعنى الثاني، فلا يشابه المصاحب لمن، إذ لم يذكر بعده المفضول، وكذا ذو اللام، لا يشابه المصاحب لمن لعدم ذكر المفضول بعده صريحا


(1) يريد الاحوال المتحدث عنها وهي التثنية والجمع والتأنيث، (2) تقدم ذكر هؤلاء في هذا الجزء وفيما قبله، (*)

[ 459 ]

فجاز التصرف فيهما، تثنية وجمعا وتأنيثا، فوجب مطابقتهما لصاحبهما، وقيل: إنما لم يتصرف في الذي بمن، لمشابهته لفظا ومعنى، لأفعل التعجب، الفعلي غير المتصرف، أما لفظا فظاهر، وأما معنى فلأنه لا يتعجب من شئ إلا وهو مفضل، فلهذا يبنيان من أصل واحد، كما يجيئ في أفعل التعجب، وأما ذو اللام، والمضاف بالمعنى الثاني، فلما لم يكن فيهما علامة التفضيل أي (من) ولا كان معهما المفضول، ضعف معنى التفضيل فيهما فلم يشابها أفعل التعجب الفعلي مشابهة تامة، ودخلهما اللام والأضافة، اللتان من علامات الأسماء فترجح جانب الاسمية فلم يمتنعا من التصرف، وأما المضاف بالمعنى الأول، فجاز التصرف فيه، نظرا إلى الأضافة التي هي من خواص الأسماء، وإلى تجرده عن علم التفضيل، وجاز الأفراد، أيضا مع التذكير، لأنه وإن تجرد عنه، لكنه لم يتجرد عن المفضول الذي كان مصاحبا له، أي لعلم التفضيل، واعلم أنه يجوز استعمال أفعل، عاريا عن اللام والأضافة ومن، مجردا عن معنى التفضيل مؤولا باسم الفاعل أو الصفة المشبهة قياسا عند المبرد سماعا عند غيره، وهو الأصح، قال: 606 - قبحتم يا آل زيد نفرا * ألأم قوم أصغرا وأكبرا 1 أي: صغيرا وكبيرا، وقال الآخر: 607 - ملوك عظام من ملوك أعاظم 2 أي عظام، وتقول: الأحسن والأفضل بمعنى: الحسن والفاضل،


(1) قال البغدادي عن هذا البيت: لم أقف على خبره، (2) جزء من بيت قاله شخص نزل به عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فذبح له عنزا لم يكن عنده غيرها فأكرمه عبيد الله ومنحه مالا كثيرا وهو من أبيات في مدح عبيد الله يقول فيها: توسمته لما رأيت مهابة * عليه، وقلت: المرء من آل هاشم وإلا فمن آل المرار فإنهم * ملوك عظام من ملوك أعاظم (*)

[ 460 ]

قيل: ومنه قوله تعالى: (وهو أهون عليه) 1، إذ ليس شئ عليه تعالى أهون من شئ، وما كان بهذا المعنى فلزومه صيغة أفعل، أكثر من المطابقة إجراء له مجرى الأغلب الذي هو الأصل، أي أفعل التفضيل مع (من)، أما (أول)، فمذهب البصريين أنه (أفعل) ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: جمهورهم على أنه من تركيب (وول) كددن، ولم يستعمل هذا التركيب إلا في (أول) ومتصرفاته، وقال بعضهم: أصله: أوأل، من: وأل، أي نجا، لأن النجاة في السبق، وقيل: أصله أأول من: آل، أي رجع، لأن كل شئ يرجع إلى أوله، فهو أفعل بمعنى المفعول، كأشهر، وأحمد، فقلبت في الوجهين: الهمزة واوا قلبا شاذا، وقال الكوفيون: هو فوعل من: وأل، فقلبت الهمزة إلى موضع الفاء، وقال بعضهم: فوعل، من تركيب: وول، فقلبت الواو الأولى همزة، وتصريفه كتصريف أفعل التفضيل، واستعماله بمن مبطل لكونه فوعلا، وأما قولهم: أوله، وأولتان فمن كلام العوام وليس بصحيح، وإنما لزم قلب واو (أولى) همزة على مذهب جمهور البصريين، كما لزم في نحو أواصل 2، على ما يجيئ في التصريف، وعند من قال هو من: وأل، أصل، أولى: وؤلى، قلبت الواو همزة كما في: أجوه، ثم قلبت الهمزة الثانية الساكنة واوا، كما في: أو من، ولهذا رجع إلى أصل الهمزة في قراءة قالون 3: (عادا لؤلى 4) لأنه حذفت الأولى وحركت لام التعريف بحركتها، فزال اجتماع الهمزتين،


(1) من الآية 27 من سورة الروم (2) يعني لأجل تصدر الواوين ووثانيتهما مد أصلي، (3) أحد الراويين عن نافع أحد القراء السبعة (4) الآية 50 سورة النجم (*)

[ 461 ]

فأول كأسبق معنى وتصريفا واستعمالا، تقول في تصريفة: الأول، الأولان الأولون الأوائل، الأولى الأوليان الأوليات الأول، وتقول في الاستعمال: زيد أول من غيره وهو الأول، ولما لم يكن لفظ أول مشتقا من شئ مستعمل على القول الصحيح، لا مما استعمل منه فعل كأحسن، ولا مما استعمل منه اسم كأحنك، خفي 1 فيه معنى الوصفية، إذ هي إنما تظهر باعتبار المشتق منه واتصاف ذلك المشتق به، كأعلم، أي ذو علم أكثر من غيره، وأحنك، أي ذو حنك أشد من حنك غيره، وإنما تظهر وصفية (أول) بسبب تأويله بالمشتق وهو (أسبق) فصار مثل: مررت برجل أسد، أي جرئ، فلا جرم لم تعتبر وصفيته إلا مع ذكر الموصوف قبله ظاهرا، نحو يوما أول، أو، ذكر (من) التفضيلية بعده ظاهرة، إذ هي دليل على أن (أفعل)، ليس اسما صريحا كأفكل وأيدع 2، فإن خلا منهما معا ولم يكن مع اللام والأضافة، دخل فيه التنوين مع الجر، لخفاء وصفيته كما مر، وذلك كقول علي رضي الله عنه: (أحمده أولا بادئا) 3، ويقال: ما تركت له أولا ولا آخرا، ويجوز حذف المضاف إليه من (أول) وبناؤه على الضم إذا كان مؤولا بظرف الزمان نحو قوله: 608 - لعمرك ما أدري، وإني لأوجل * على أينا تغدو المنية أول 4 أي: أول أوقات غدوها، ويقال: ما لقيته مذ عام أول برفع أول، صفة لعام، أي: عام أول من هذا العام، وبعض العرب يقول: مذ عام أول بفتح أول، وهو قليل، حكى سيبويه 5 عن الخليل أنهم جعلوه ظرفا كأنه قيل مذ عام قبل عامك، وفي تأويل (أول) بقبل، اشكال، لأن أول الشئ: أسبق أجزائه، فمعنى أول عامك: أسبق أجزائه إما من الليالي أو الأيام، أو الأوقات، ومعنى، قبل عامك: الزمان الذي يتقدم جميع أجزائه،


(1) جواب قوله: ولما لم يكن لفظ أول، (2) الأفكل: الرعدة من برد ونحوه، والأيدع من أسماء الزعفران، (3) في نهج البلاغة ص 87 مطبعة دار الشعب ونصه.... وأوميه به أولا بادئا، (4) مطلع قصيدة جيدة من شعر معن بن أوس المزني، (5) نقل ذلك سيبويه عن الخليل في الكتاب، ج 2 ص 46 (*)

[ 462 ]

ولو كان بمعنى: قبل ذلك، لكان محذوف المضاف إليه، فوجب بناؤه على الضم، ويجوز أن يكون (أول) ههنا، بمعنى أول من عامك، ويكون الظرف صفة لعام، أي عام كائن في زمان أسبق من عامك، جعل للزمان زمان، توسعا، ولا يبعد أن يقال إنه 1 جر صفة المرفوع على توهم الجر في الموصوف، لأن ما بعد (مذ) قد يجر، فيكون كقوله: ولا ناعب إلا ببين غرابها 2 - 269 وقوله تعالى: (فأصدق وأكن من الصالحين 3)، فعلى هذا يكون (أول) مجرورا، لا منصوبا، وتقول إذا لم تر زيدا يوما قبل أمس: ما رأيته مذ أول من أمس، فإن لم تره يومين قبل أمس، قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس، ولا يتجاوز ذلك، وأما (آخر) فقد انمحى عنه معنى التفضيل بالكلية، كما ذكرنا في باب ما لا ينصرف، فلا يستعمل، لامع (من) ولا مع الأضافة، بل يستعمل إما مجردا من اللام أو مع اللام، ولما لم يكن معه (من) مقدرا مع المجرد طابق ما هو له تذكيرا وتأنيثا، وإفردا وتثنية وجمعا، وقد تجرد (الدنيا) و (الجلى) عن اللام والأضافة، إذا كانت الدنيا، بمعنى العاجلة، والجلي بمعنى الخطة العظيمة، قال: 609 - في سعي دنيا طالما قد مدت 4 وقال: 610 - وإن دعوت إلى جلى ومكرمة * يوما سراة كرام الناس فادعينا 5


(1) أي المتكلم بالمثال موضع الحديث وهو مذ أول بفتح اللام لأنه ممنوع من الصرف (2) تقدم في الجزء الثاني، (3) الآية 10 سورة المنافقون، (4) من أرجوزة للعجاج، أولها: الحمد لله الذي استقلت * بإذنه السماء واطمأنت وقبل الشاهد يوم ترى نفوس ما أعدت * من نزل إذا الأمور غبت (5) ورد بنصه في شعر المرقش الأكبر، وفي شعر بشامة بن حزن النهشلي، وأول قصيدة المرقش: (*)

[ 463 ]

وإنما جاز ذلك، لانمحاء معنى التفضيل منهما، وأما (حسنى) في قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنى 1)، فيمن قرأ بالألف 2، و (سوآى) في قوله: 611 - ولا يجزون من حسن بسوآى * ولا يجزون من غلظ بلين 3 فليسا بتأنيث أحسن وأسوأ، بل مصدران، كالرجعى والبشرى، (عمل اسم التفضيل) (ومسألة الكحل) (قال ابن الحاجب:) (ولا يعمل في مظهر إلا إذا كان لشئ، وهو في المعنى لمسبب) (مفضل باعتبار الأول على نفسه باعتبار غيره، منفيا، نحو:) (ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد،) (لأنه بمعنى: حسن، مع أنهم لو رفعوا، لفصلوا بينه وبين) (معموله بأجنبي، وهو الكحل، ولك أن تقول: أحسن في) (عينه الكحل من عين زيد، فإن قدمت ذكر العين قلت) (ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل، مثل قوله:)


يا دار أجوارنا قومي فجيينا * وان سقيت كرام الناس فاسقينا ومطلع قصيدة بشامة بن حزن إنا محيوك يا سلمي فحيينا * وإن سقيت كرم الناس فاسقينا (1) الآية 83 في سورة البقرة، (2) يعني بالألف المقصورة، وهي قراءة شاذة منسوبة لأبي طلحة كما في تفسير الألوسي، (3) من قصيدة لأبي الغول الطهوي وتقدم منها في باب الظروف قوله، ولا تبلى بسالتهم وإن هم * صلوا بالحرب حينا بعد حين (*)

[ 464 ]

(مررت على وادي السباع ولا أرى * كوادي السباع حين يظلم واديا) (أقل به ركب أتوه تئية... * أخوف إلا ما وقى الله ساريا)، (قال الرضي:) اعلم أن مشابهة أفعل التفضيل للفعل ضعيفة، وكذا الاسم الفاعل، أيضا، كما تقدم في الصفة المشبهة، فلا يرفع الاسم الظاهر في الأعرف، الأشهر، إلا بشروط، كما يجيئ وحكى يونس عن ناس من العرب، رفعه بلا اعتبار تلك الشروط، نحو: مررت برجل أفضل منه أبوه، وبرجل خير منه عمله، وليس ذلك بمشهور، ويرفع المستتر الذي هو فاعله، لأن مثل هذا العمل لا يحتاج إلى قوة العامل، وأما المفعول به، فكلهم متفقون على أنه لا ينصبه، بل إن وجد بعده ما يوهم ذلك، فأفعل دال على الفعل الناصب له، قال الله تعالى: (هو أعلم من يضل عن سبيله 1)، أي أعلم من كل واحد، يعلم من يضل، وكذا قوله: 612 - أكر وأحمى للحقيقة منهم * وأضرب منا بالسيوف القوانسا 2 ولا ينصب شبه المفعول به، كالحسن الوجه، إما لأنه لا ينصب المفعول به فلا ينصب شبهه، وإما لأن نصب ذلك في الصفة فرع الرفع، كما مر، وهو توطئة للأضافة إلى ما كان مرتفعا به، وهو لا يرفع الظاهر إلا بالشروط التي تجيئ، وإن رفع ذلك، لا يضاف إليه، هذا، ويتعدى أفعل التفضيل إلى المفعول به الذي كان للفعل قبل بناء أفعل التفضيل، باللام، نحو: أضرب منك لزيد، وذلك لضعف مشابهته للفعل واسم الفاعل، وإذا


(1) الآية 117 من سورة الأنعام، (2) من قصيدة للعباس بن مرداس السلمي وهي إحدى القصائد المنصفات أي التي أنصف الشعراء فيها أعداءهم فلم ينكروا ما هم من مزايا، وقبل هذا البيت في وصف أعدائهم الذين اشتركوا معهم في حرب، فلم أر مثل الحي حيا مصبحا * ولا مثلنا حين التقينا فوارسا والفوانس جمع قونس وهو العظم النانى بين اذنى الفرس، (*)

[ 465 ]

جاز لك أن تدعم اسم الفاعل والمصدر، باللام إذا تعديا إلى المفعول نحو: ضربي لزيد شديد، وأنا ضارب لزيد، مع قوتهما، وجب عليك ذلك في الأفعل، لضعفه، وإن كان المفعول به لفعل يفهم منه معنى العلم أو الجهل، تعدى إليه أفعل المصوغ منه بالياء، نحو: أنا أعلم به، وكذا: أدرى، وأعرف، وأجهل، وذلك لأن أفعالها ربما زيدت في مفعولها الباء، نحو: علمت به وجهلت به، وكذا: اسم الفاعل والمصدر نحو: أنا عالم به وجاهل به، وإن كان المفعول به يتعدى إليه الفعل بحرف الجر، تعدى إليه الأفعل بذلك الحرف أيضا، نحو: أنا أمر منك بزيد، وأرمى منك بالنشاب، ويتعدى إلى أول مفعولي باب: كسوت، وعلمت، باللام، ويبقى ثانيهما في البابين (منصوبا 1،) نحو: أنا أكسى منك لعمرو الثياب، وأعلم منك لزيد منطلقا، وكان القياس أن يتعدى إلى الثاني، أيضا، باللام، إلا أن الفعل لا يتعدى بحرفي جر متماثلين لفظا ومعنى إلى شيئين من نوع واحد كمفعول بهما، أو زمانين، أو مكانين، فإن لم يكونا من نوع واحد، كقولك درت في البلد في يوم الجمعه، جاز، وقولك أقمت فيى العراق في بغداد، أو في رمضان في الخامس منه، بدل 2 الجزء من الكل، واستغني عن الضمير لشهرة الجزئية، فإن اختلف معنيا الحرفين، نحو: مررت بزيد بعمرو، أي مع عمرو، أو لفظاهما نحو: سرت من البصرة إلى الكوفة جاز، وانتصاب ثانيهما المذكور، عند الكوفيين بأفعل، نصبه بنفسه للاضطرار إليه، وعند البصريين بفعل مدلول عليه بأفعل، فيكون ثاني مفعولي أفعل، والفعل مع مفعوله الأول محذوفين، أي: أنا أكسى منك لعمرو، أكسوه الثياب، وأنا العلم منك لزيد، أعلمه منطلقا، ولا يجوز إظهار المفعول المحذوف لأفعل، بوجه، لا منصوبا، ولا مع اللام،


(1) زيادة لابد منها وهي في بعض النسخ، (2) خبر عن قوله: وقولك أقمت إلى آخر الأمثله أي أن الجار والمجرور الثاني بدل بعض من الجار والمجرور الأول، (*)

[ 466 ]

أما مع اللام فلما ذكرنا 1، وأما منصوبا فلأنه لا ينصب المفعول، كما مر، وقال صاحب المغني 2: لا يجوز حذف أحد المفعولين دون الآخر في باب علمت، فالأولى أن يقال: هو أشد منك علما زيدا منطلقا، أو علما بأن زيدا منطلق، قلت: أخصر من هذا كله وأبعد من التكلف: أعلم منك بانطلاق زيد، وإن كان الفعل يفهم منه الحب أو البغض تعدى إلى ما هو الفاعل في المعنى أي المحب أو المبغض بإلى، نحو: هو أحب إلى وأشهى إلى وأعجب إلي، وهو أبغض إليك وأمقت إليك وأكره إليك، لأن أفعالها تتعدى إلى المحب والمبغض بإلى، أيضا، كقوله تعالى: (... حبب إليكم الأيمان، وكره إليكم الكفر) 3، وهذه كلها بمعنى المفعول، كأحمد وأشهر وأجن، وقد مر أنه غير قياسي، ويتعدى إلى المفعول من أي فعل كان بمن، كما تقدم، وهذا هو المفعول الحاصل لأفعل بصوغه على هذه الصيغة، وينصب أفعل التفضيل الظرف لاكتفائه برائحة الفعل، والحال لمشابهته له 4، نحو: زيد أحسن منك اليوم راكبا، والتمييز، نحو: أحسن منك وجها، لأنه ينصبه ما يخلو عن معنى الفعل، أيضا، نحو: أحسن منك وجها، لأنه ينصبه ما يخلو عن معنى الفعل، أيضا، نحو: راقود خلا، قوله: (إلا إذا كان لشئ... إلى آخره)، هذه شروط رفع أفعل التفضيل لفاعله الظاهر، كما رفع أحسن، الكحل في قولك: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فيعمل، إذن، الرفع قياسا مستمرا بلا ضعف، قوله: (لشئ)، هو (رجلا) في المثال المذكور وذلك لأنه صفته،


(1) وهو امتناع تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد، (2) منصور بن فلاح اليمني من علماء القرن السابع وتقدم ذكره، (3) من الآية 7 في سورة الحجرات (4) أي للظرف، (*)

[ 467 ]

قوله: (وهو) أي أفعل، (في المعنى لمسبب)، أي لمتعلق لذلك الشئ والأظهر في اصطلاحهم: أن يقال في المتعلق: السبب لا المسبب، وأحسن، 1 في مثالنا، لمتعلق الرجل وهو الكحل، فإن الأحسن في الحقيقة هو الكحل، لا الرجل، قوله: (منفصل)، صفة لمسبب، أي ذلك المتعلق الذي هو الكحل، إذا اعتبرت الأول، أي صاحب أفعل، وهو (رجلا) في مثالنا: مفضل، قوله: (على نفصسه)، الضمير للمسبب، أي: هو، إذا اعتبرت الأول: مفضل، وإذا اعتبرت غير ذلك الأول، وهو في مثالنا: زيد، يكون مفضلا عليه، قوله: (منفيا) صفة مصدر محذوف، أي مفضل تفضيلا منفيا، أي لم يكن ذلك المتعلق باعتبار الأول فاضلا وباعتبار الثاني مفضولا، بل هو باعتبار الثاني فاضل، وباعتبار الأول مفضول، أو حاله باعتبار الأول مساوية لحاله باعتبار الثاني، والمراد في مثل هذا المثال: أنه باعتبار الثاني فاضل، وباعتبار الأول مفضول، فالكحل الذي في عين زيد يفضل الكحل الذي في أعين جميع الرجال، وإنما قلت: جميع الرجال مع أن لفظ (رجلا) في المثال المذكور مفرد، لأنه نكرة في سياق النفي فتكون عامة، إن قيل: كيف يتعلق قوله: باعتبار الأول، وباعتبار غيره بقوله: مفضل، وقد اتفق النجاة على أنه لا يتعدى الفعل وشبهه بحرفين متماثلين إلى اسمين من نوع واحد، كما مر، قلت: باعتبار الأول، وباعتبار الثاني: حالان، الأول من الضمير المرفوع في (مفضل)، والثاني من قوله: (نفسه) أي ملتبسا باعتبار الأول، أو مقترنا به، كما تقول: فضلت زيدا راكبا على عمرو راجلا، ومعنى قوله: باعتبار الأول، أي بالنظر إليه، يقال: اعتبرت الشئ، أي نظرت إليه وراعيت حاله، قوله: (لأنه بمعنى حسن) قال المصنف: إنما لم يعمل أفعل، لأنه لم يكن له فعل


(1) يعني لفظ أحسن في المثال (*)

[ 468 ]

من تركيبه بمعناه حتى يعمل عمل ذلك الفعل، كما كان لاسم الفاعل، واسم المفعول والصفة المشبهة والمصدر، وأحسن ههنا، بمعنى حسن، إذ المعنى: ما رأيت رجلا حسن في عينه الكحل حسنا مثل حسنه في عين زيد، فعمل أفعل، لأن له في هذا المكان فعلا بمعناه، قلت: هذه العلة التي أوردها تطرد في جميع أفعل التفضيل، فيلزمه، اذن، جواز رفعه للظاهر مطردا، وذلك لأن معنى مررت برجل أحسن منه أبوه، أي: حسن أبوه أكثر من حسنه، كما أن معنى: أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد: حسن الكحل في عينه مثل حسنه في عين زيد، قوله: (مع أنهم لو رفعوا... إلى آخره)، هذا تعليل سيبويه، وهو أن (أفعل) إنما عمل ههنا مع ضعف مشابهته لاسم الفاعل، للاضطرار إلى العمل، لأنه لو لم يعمل، لزم رفعه بالابتداء، ويكون الكحل مبتدأ، كما في قولك مررت برجل أحسن منه أبوه، برفع أحسن والجملة صفة لرجل، ولا يجوز ذلك، لأن قولك: منه، بعد الكحل، متعلق بأحسن، فتكون قد فصلت بين العامل الضعيف ومعموله بأجنبي، ولا يجوز ذلك، بلى، قد يجوز ذلك، في العامل القوي، نحو: زيدا كان عمرو ضاربا، وأعني ههنا بالأجنبي ما لا يكون من جملة معمولات ذلك العامل، لا الذي لا تعلق له بذلك العامل بوجه، كيف، والكحل مبتدأ، وأحسن خبره فله تعلق به من هذا الوجه، وعند الكسائي والفراء: ليس الفصل ههنا بأجنبي، لأن المبتدأ معمول عندهما للخبر، كما ذكرنا في أول الكتاب، 1 فإن قلت: قدم منه على الكحل حتى لا يلزم الفصل بين العامل والمعمول عند سيبويه بأجنبي، قلت: يبقى الضمير في منه، راجعا إلى غير مذكور، وتعليل سيبويه يطرد مع كون الكلام مثبتا، أيضا، نحو: مررت برجل أحسن في عينه الكحلي منه في عين زيد،


(1) جاء ذلك في الجزء الأول من الكلام على العامل، (*)

[ 469 ]

ونقل الرماني 1 جواز ذلك في المثبت، والسماع لم يثبت إلا في المنفي، ولا منع أن يستعمل ذلك فيما يفيد النفي، وإن لم يكن صريحا فيه، نحو: قلما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل....، قوله: (ولك أن تقول... إلى آخره)، يعني أن لك في مثل هذا المثال المضبوط بالضوابط المذكورة وجها أخصر من الأول، وهو أن تحذف المفضول المجرور بمن، وحرف الجر الداخل على الاسم الذي ذكرنا أنه غير الأول، فتقول بدل قولك: منه في عين زيد، من عين زيد، وهو على حذف المضاف أي من كحل عين زيد، لأنه يفضل الكحل على الكحل لا الكحل على العين، ومن التفضيلية تدخل على المفضول، قوله: (وإن قدمت ذكر العين... إلى آخره)، أي: لك عبارة ثالثة أخصر من الثانية، وهي أن تقدم الاسم الذي قلنا إنه غير الأول، على أفعل التفضيل داخلا عليه آلة التشبية، وتحذف ما بعد السبب المرفوع من المفضول وغيره فتقول: ما رأيت كعين زيد، أحسن فيها الكحل، وجازت هذه المسألة وإن لم يكن فيها فصل ظاهر لو رفعت أفعل بالابتداء، لأنها فرع الأولى، ولأن (من) التفضيلية مع مجرورها مقدرة ههنا أيضا، بعد السبب المرفوع، وقولك: أحسن، في هذه العبارة، بدل من قولك كعين زيد، أي عينا أحسن فيها الكحل، وذلك أن معنى، ما رأيت كعين زيد: أي عينا كعين زيد، ولا زائدة عليها، ومعنى ما رأيت أحسن منها، أي أحسن منها ولا مثلها، فحذف المعطوف، في الموضعين، اعتمادا على وضوح المعنى، فقولك: ما رأيت كعين زيد، أي رأيت كل عين أنقص من عين زيد، وقولك ما رأيت أحسن من عين زيد: أي رأيت كل عين أنقص من عين زيد في الحسن، فهذا بدل الكل من الكل، أتى به للبيان، لأن الأول مبهم، لأنك ذكرت أن العيون أنقص من عين زيد، ولم تذكر أن النقصان، في أي شئ، ولا يجوز أن يكون: أحسن فيها الكحل، صفة لقولك: كعين زيد، لأنه يكون في المعنى،


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء (*)

[ 470 ]

ما رأيت مثل عين زيد في حسن الكحل فيها زائدة عليها في حسن الكحل فيها، وكيف يكون مثل الشئ في الوصف زائدا عليه في ذلك الوصف في حالة واحدة ؟ وإنما استغنيت في هذه العبارة عما بعد المرفوع، لدلالة قولك كعين زيد، عليه، لأن معناه، كما قلنا، ان كل عين دونها في حسن الكحل فيها، وهذا هو المستفاد بعينه من قولك... أحسن فيها الكحل منه في عين زيد، وقوله: 613 - (كوادي السباع حين يظلم واديا 1)، انتصاب واديا على أنه مفعول لأرى، وقوله: كوادي السباع حال منه، لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها، انتصبت على الحالية، ويجوز أن يكون عطف بيان لقوله كوادي السباع، والكاف اسمية، ويجوز أن يكون تمييزا كقولك: عندي مثل زيد رجلا، ويجوز أن يكون موصوفا بأقل، بدلا من: كوادي السباع كما كان: أحسن في عينه الكحل، بدلا من: كعين زيد، والتقدير: أقل به ركب، منهم بوادي السباع، وأخوف به ركب منهم بوادي السباع، قوله: ولا أرى، الواو اعتراضية، قوله: حين يظلم، ظرف لمعنى الكاف، أي: واديا يشبه وادى السباع وقت إظلامه، و (ما) في قوله: ما وقى الله، مصدرية على حذف مضاف أي وقت وقاية الله للسارين، وهو ظرف لأخوف، وهو بمعنى المفعول مثل أشهر وأحمد، وقوله: تئية، أي: تثبتا وتوقفا، وهو تفعلة من تركيب: أيا، كحيا، يقال: تأيا 2، أي تثبت، وهو منصوب على التمييز من (أقل) كما في


(1) أما شرح البيتين فقد وفاه الشارح، وهما مذكوران في المتن، وهما من شعر سحيم بن وثيل الرياحي، السباع، والكاف اسمية، ويجوز أن يكون تمييزا كقولك: عندي مثل زيد رجلا، ويجوز أن يكون موصوفا بأقل، بدلا من: كوادي السباع كما كان: أحسن في عينه الكحل، بدلا من: كعين زيد، والتقدير: أقل به ركب، منهم بوادي السباع، وأخوف به ركب منهم بوادي السباع، قوله: ولا أرى، الواو اعتراضية، قوله: حين يظلم، ظرف لمعنى الكاف، أي: واديا يشبه وادى السباع وقت إظلامه، و (ما) في قوله: ما وقى الله، مصدرية على حذف مضاف أي وقت وقاية الله للسارين، وهو ظرف لأخوف، وهو بمعنى المفعول مثل أشهر وأحمد، وقوله: تئية، أي: تثبتا وتوقفا، وهو تفعلة من تركيب: أيا، كحيا، يقال: تأيا 2، أي تثبت، وهو منصوب على التمييز من (أقل) كما في

(1) أما شرح البيتين فقد وفاه الشارح، وهما مذكوران في المتن، وهما من شعر سحيم بن وثيل الرياحي، قالوا: إنه مر بامرأة في أحد الوديان فراودها فقالت إن لم تكف دعوت لك سباع هذا الوادي فقال لها أو تسمعك السباع فرفعت صوتها قائلة: يا أسد، يا فهد، وغير ذلك من أسماء السباع فما هي إلا لحظات حتى أقبل فتيان يقولون: ما شأنك يا أماه فقالت لهم: هذا ضيفكم فأكرموه ولم تذكر لهم ما حدث سترا على نفسها، فقال سحيم: ما أرى هذا الوادي إلا وادي السباع، فعرف الوادي بذلك، والبيتان في سيبويه ج 1 ص 233 (2) هذه مادة اخرى على وزن تفعل، أما المصدر المذكور في الشعر ففعله أيا كما قال أولا، (*)

[ 471 ]

قولك: زيد أحسن منك ثوبا، فيكون في المعنى فاعلا مضافا إلى المرفوع بأفعل، أي أحسن ثوبه، وأقل تثبة ركب أتوه، ولو عبرت بالعبارة الأولى قلت: ولا أرى واديا أقل به ركب منهم بوادي السباع كقوله عليه الصلاة والسلام: (ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة)، ولو عبرت بالعبارة الثانية قلت: ولا أرى واديا أقل به ركب تئية من وادي السباع، تم قسم الأسماء، والحمد لله رب العالمين،

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية