الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح الرضي على الكافية - رضي الدين الأستراباذي ج 2

شرح الرضي على الكافية

رضي الدين الأستراباذي ج 2


[ 1 ]

شرح الرضى على الكافية

[ 2 ]

جميع حقوق الطبع محفوظة 1398 ه‍ - 1978 م جامعة قاريونس

[ 3 ]

شرح الرضى على الكافية طبعة جديدة مصححة ومذيلة بتعليقات مفيدة الجزء الثاني تصحيح وتعليق يوسف حسن عمر الاستاذ بكلية اللغة العربية والدراسات الاسلامية كلية اللغة العربية والدراسات الاسلامية

[ 5 ]

بين يدي هذا الجزء أكرر في بداية الجزء الثاني من شرح الرضى على الكافية، ما قلته في المقدمة من أنه إذا لم يتيسر لي أن يكون هذا العمل، إخراجا علميا للكتاب بالمعنى الكامل، فذلك أمل أرجو أن يتحقق على يد من يهيئه الله له، ويوفقه إليه بتيسير أسبابه، ولكنني أرجو أن أكون قد وفقت في إخراج نسخة من هذا الكتاب يتيسر الانتفاع بها والأفادة منها، ولا سيما بعد أن أصبح عزيز الوجود. وتتلخص الطريقة التي سرت في عملي في هذا الكتاب عليها في: 1 - تصحيح عبارته بقدر ما وسعني الجهد وتهيأت له الوسائل، وأهمها ما جاء بهامش النسخة المطبوعة من إشارات إلى النسخ المتعددة فأخذت بأكثرها وضوحا وأعمها فائدة، ثم أعرفه وما رجعت إليه من آراء العلماء فيما يخفى فيه المراد. 2 - إكمال الشواهد كلما أمكن ذلك والمرجع في ذلك هو خزانة الأدب للبغدادي وغيرها من كتب الشواهد ومعاجم اللغة، ثم التعليق بكلمة موجزة عن كل شاهد. 3 - تحديد كثير من مواضع النقل عن سيبويه، ووضع العناوين العامة والخاصة، وتحديد بدء كلام كل من المصنف والشارح، وإبراز مواقع الكلام بما يعين على فهم المقصود لكل من يقرأ في هذا الكتاب، إن شاء الله. والله الموفق والمعين على الأتمام وتحقيق القصد، إنه أكرم مسئول وهو حسبي، عليه توكلت، وإليه أنيب. يوسف حسن عمر

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (الحال) 1 (ماهية الحال وأنواعه) (قال ابن الحاجب:) (الحال ما يبين هيئة الفاعل أو المفعول به لفظا أو معنى، نحو:) (ضربت زيدا قائما، وزيد في الدار قائما، وهذا زيد قائما). (قال الرضي:) قال المصنف 2: لا يدخل فيه النعت في نحو: جاءني رجل عالم، لأن المراد في الحدود: أن يكون لفظ المحدود دالا على ما ذكر في الحد، وقولك: عالم، في جاءني رجل عالم. وإن بين هيئة الفاعل، لكن لا دلالة في لفظ عالم، على أنه بيان لهيئة فاعل، إذ لفظ عالم، ههنا، مثلها في قولك: زيد رجل عالم، مع أنها مبينة لهيئة خبر المبتدأ، لا هيئة الفاعل، بل إنما علم كون (عالم) في جاءني رجل عالم بيانا لهيئة الفاعل من تقدم قولك: جاءني رجل، بخلاف الحال، فإن (راكبا) في قولك: جاءني زيد راكبا،.


(1) وضعت هذه العناوين التي تحدد بداية الموضوعات، وكذلك: العبارات الدالة على بدء كلام كل من المصنف والشارح، وليس في الطبعة التي نقلت عنها، ولا في غيرها مما طبع من هذا الشرح، شئ من ذلك، (2) قول المصنف هذا في شرحه هو على هذه الرسالة (الكافية)، والرضي ينقل عنه كثيرا ويناقش ابن الحاجب فيما ينقله عنه، كما فعل هنا (*)،

[ 8 ]

ورأيت زيدا راكبا، لفظ فيه دلالة على كونه هيئة الفاعل، أو المفعول، حتى لو قلت: رجل قائما أخوك، لم يجز، لعدم الفاعلية، أو المفعولية في (رجل) 1 أقول: لقائل أن يمنع أن المحدود يلزم أن يدل على كل ما يذكر في حده، بل يكفي أن يكون فيه ما يذكر في حده، وبعد التسليم، فليس في هذا الحد تحقيق معنى الحال، وبيان ماهيته، لأنه ربما يتوهم أنه موضوع لبيان هيئة الفاعل أو المفعول مطلقا، لا في حالة الفعل، فيظن في: جاءني زيد راكبا، أن (راكبا) هيئة لهذا الفاعل مطلقا لا في حال المجيئ، فيكون غلطا. ويخرج عن هذا الحد: الحال التي هي جملة، بعد عامل ليس معه ذو حال كقوله: 176 - يقول وقد تر الوظيف وساقها * ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد وقوله: 177 - وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل 3 ويخرج أيضا: الحال عن المضاف إليه، إذا لم يكن المضاف عاملا في الحال، وإن كان ذلك قليلا، كقوله تعالى: (قل بل نتبع ملة إبرهيم حنيفا 4)، وقوله تعالى: (أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين 5)، وقول الشاعر:


(1) هذه نهاية كلام ابن الحاجب الذي نقله الرضي، وقوله بعد ذلك: أقول: مناقشة منه لابن الحاجب فيما قاله في شرحه، وكلام ابن الحاجب هنا يستحق المناقشة حقا، (2) من معلقة طرفة بن العبد، وهو في هذا البيت وما يتصل به يتحدث عما فعله من عقر ناقة لضيف نزل به، وهي من كرام الأبل، قيل أنها ناقة أبيه، وقيل إنها ناقة ضيفة الذي نزل به وقوله: قد أتيت بمؤيد، أي بشئ عظيم خطير، ومؤيد إما بصيغة اسم الفاعل أو بصيغة اسم المفعول، (3) هذا البيت من معلقة امرئ القيس المشهورة من الجزء الذي يصف فيه فرسه بالسرعة، وقوله: قيد الأوابد، أي مفيدها، يعني أنه لسرعته يدرك الوحوش فلا تفلت منه، فكأنه يقيدها في مكانها حتى يلحقها، (4) الآية 135 سورة البقرة، (5) الآية 66 سورة الحجر (*)،

[ 9 ]

178 - كأن حوامية مدبرا * خضبن، وإن لم تكن تخضب 1 وقوله: 179 - عوذ وبهثة حاشدون عليهم * حلق الحديد مضاعفا يتلهب 2 وأما قوله تعالى: (النار مثواكم)، أي موضع مثواكم، أي ثوائكم، (خالدين 3) وقولك: أعجبني ضرب زيد قائما، وهو ضارب زيد مجردا، فالمنصوب فيها حال من الفاعل أو المفعول، فلا يرد اعتراضا. وله 4 أن يقول: إن الحال عما أضيف إليه غير العامل في الحال، لا يجيئ إلا إذا كان المضاف فاعلا، أو مفعولا يصح حذفه وقيام المضاف إليه مقامه، كما أنك لو قلت: بل نتبع ابرهيم، مقام: (بل نتبع ملة ابرهيم)، جاز، فكأنه حال من المفعول، وإذا كان المضاف فاعلا أو مفعولا وهو جزء المضاف إليه فكأن الحال عن المضاف إليه هو الحال عن المضاف، كما في قوله تعالى: (أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين 5)، فقوله: مصبحين، حال عما دل عليه ضمير (مقطوع)، وذلك لأنه 6 نائب عن (دابر هؤلاء)، فهو حال عن هؤلاء، المضاف إليه، لأن دابر الشئ: أصله، فكأنه قال: يقطع دابر هؤلاء مصبحين، فكأنه حال عن مفعول ما لم يسم فاعله، وكذا قوله: كأن حواميه مدبرا، أي: تشبه حواميه مدبرا، أو أشبه حواميه مدبرا، فكأنه حال عن الفاعل أو المفعول،


(1) هذا من شعر للنابغة الجعدي في وصف الفرس، والحوامي: ما فوق الحافر من ذي الحافر، يريد أنها صلب قوية، وتشبيهها بالشئ المخضوب، يراد به أنها قريبة إلى سواد أو الخضرة وكلما كانت كذلك كانت أشد صلابة، (2) وهذا أحد أبيات لزيد الفوارس، في وصف وقعة كانت بين قومه وجماعة من قبيلتي عوذ، وبهثة (بضى الباء)، كانوا قد أغاروا على إبل لقوم زيد فلحق بهم في عدد من قومه واستردوا منهم الأبل، وزيد الفوارس هو زيد بن حصين بن ضرار الضبي شاعر جاهلي كان من الشجعان وهو غير زيد الخيل الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم: زيد الخير، وسيأتي ذكره، (3) الآية 128 من سورة الأنعام، (4) أي للمصنف: ابن الحاجب، له أن يرد ما أورده الرضي من نقد لتعريف الحال، (5) الآية 66 سورة الحجر،. (6) أي الضمير في (مقطوع) (*)،

[ 10 ]

وكذا قوله: عليهم حلق الحديد مضاعفا. فالأولى أن نقول: 1 الحال على ضربين: منتقلة ومؤكدة، ولكل منهما حد، لاختلاف ماهيتيهما، فحد المنتقلة: جزء كلام يتقيد بوقت حصول مضمونه، تعلق الحدث الذي في ذلك الكلام، بالفاعل أو المفعول، أو بما يجري مجراهما، فبقولنا: جزء كلام، تخرج الجملة الثانية في نحو: ركب زيد وركب مع ركوبه غلامه، إذا لم نجعلها حالا 2، ويخرج بقولنا حصول مضمونه: المصدر في نحو: رجع القهقرى. لأن الرجوع يتقيد بنفسه، لا بوقت حصول مضمونه، ويخرج النعت بقولنا: يتقيد تعلق الحدث بالفاعل أو المفعول، فإنه 3 لا يتقيد بوقت حصول مضمونه ذلك التعلق، وقولنا: أو بما يجري مجراهما يدخل حال الفاعل والمفعول المعنويين نحو: (وهذا بعلي شيخا) 4، و: 180 - كأنه خارجا من جنب صفحته * سفود شرب نسوه عند مفتأد 5 على ما يجيئ، والحال عن المضاف إليه، الذي لا يكون في المعنى فاعلا أو مفعولا للمضاف، على ما مر، ويدخل في الحد: الحال في نحو قوله: يقول وقد تر الوظيف وساقها 6... - 176 وفي قوله: وقد أغتدى والطير في وكناتها 7... - 177


(1) هذا رأي للرضي في تعريف الحال بعد أن ناقش تعريف المصنف، (2) أي إذا كان القصد جعل الجملة الثانية معطوفة على ما قبلها، وأما إذا قصدنا جعلها حالا فهي داخلة في الحد، (3) أي النعت، (4) الآية 72 من سورة هود، (5) هذا أحد الأبيات من قصيدة النابغة الذبياني التي أولها: يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد والضمير في كأنه خارجا... يعود إلى قرن الثور الوحشي الذي تحدث عنه في بيت سابق، والسفود بتشديد الفاء: حديدة يشوى عليها اللحم، والشرب اسم جمع لشارب، والمفتأد بفتح التاء والهمزة اسم المكان الذي يشوى فيه اللحم، (6) هو الشاهد المتقدم في هذا الجزء، (7) وكذلك، هذا الشاهد هو الثاني بعد سابقه (*)،

[ 11 ]

وحد المؤكدة: اسم غير حدث، يجيئ مقررا لمضمون جملة، كما يجيئ شرحها، فقولنا: غير حدث، احتراز عن المنصوب في نحو: رجع رجوعا، ثم اعلم أن الحال قد يكون عن الفاعل وحده، كجاء زيد راكبا، وعن المفعول وحده، نحو: ضربت زيدا مجردا عن ثيابه، فإذا قلت: لقيت زيدا راكبا ، فإن كان هناك قرينة حالية أو مقالية تبين صاحب الحال، جاز أن تجعلها لما قامت له، من الفاعل أو المفعول، وإن لم تكن، وكان الحال عن الفاعل 1، وجب تقديمة إلى جنب صاحبه 2، لأزالة اللبس، نحو: لقيت راكبا زيدا، فإن لم تقدمه، فهو عن المفعول. وأما إذا جاء حالان عن الفاعل والمفعول معا، فإن كانا متفقين، فالأولى: الجمع 3 بينهما، فإنه أخصر، نحو: لقيت زيدا راكبين، ولا منع من التفريق، نحو: لقيت راكبا زيدا راكبا، ولقيت زيدا راكبا راكبا. وإن كانا مختلفين، فإن كان هناك قرينة يعرف بها صاحب كل واحد منهما، جاز وقوعهما كيفما كانا، نحو: لقيت هندا مصعدا منحدرة، وإن لم تكن، فالأولى جعل كل حال بجنب صاحبه، نحو: لقيت منحدرا زيدا مصعدا، ويجوز، على ضعف: جعل حال المفعول بجنبه وتأخير حال الفاعل، نحو: لقيت زيدا مصعدا منحدرا، والمصعد: زيد، وذلك لأنه لما كان مرتبة المفعول أقدم 4 من مرتبة الحال، أخرت الحالين، وقدمت حال المفعول على حال الفاعل، لما لم يكن كل واحد بجنب صاحبه. ويجوز عطف أحد حالي الفاعل والمفعول على الآخر، كقولك: لقيت زيدا راكبا وماشيا، قال:


(1) يعني إذا كان القصد جعل الحال عن الفاعل،. (2) الذي هو الفاعل، (3) أي ذكرهما بلفظ واحد من غير تفريق، (4) أي أسبق، أو أحق بالتقدم (*)،

[ 12 ]

181 - وأنا سوف تدركنا المنايا * مقدرة لنا، ومقدرينا 1 وجوز الجمهور، وهو الحق، أن يجيئ لشئ واحد أحول متخالفة، متضادة كانت، نحو: اشتريت الرمان حلوا حامضا، أو غير متضادة، كقوله تعالى: (اخرج منها مذءوما مدحورا 2) كما تجيئان 3 في خبر المبتدأ، ومنع بعضهم ذلك في الحال، متضادة كانت، أو، لا، قياسا على الزمان والمكان، فجعل نحو: (مدحورا) حالا من ضمير (مذءوما) 4، واستنكر مثله في المتضادة فمنعها مطلقا 5. ولا وجه للقياس 6، وذلك لأن وقوع الفعل في زمانين أو مكانين مختلفين، محال، نحو: جلست خلفك أمامك، وضربت اليوم أمس، بلى، لو عطفت أحدهما على الآخر،. جاز، لدلالته على تكرار الفعل، نحو: جلست خلفك وأمامك، وكذا يجوز إن لم يتباين المكانان أو الزمانان، نحو: جلست خلفك أمس وقت الظهر، وأمامك، وسط الدار، وأما تقيد الحدث بقيدين مختلفين، كما في قوله تعالى: (مذءوما مدحورا)، أو بمتضادين في محلين غير ممتزجين، كما في: اشتريته أبيض أسود، أو ممتزجين، كما في: اشتريته حلوا حامضا فلا بأس به.


(1) تقديره: ومقدرين لها، وهو من قصيدة عمرو بن كلثوم، إحدى المعلقات التي أولها: ألا هبي بصحنك فاصبحينا * ولا تبقي خمور الأندرينا وقوله: وأنا بفتح الهمزة معطوف على جمل سابقة مكررة كلها تبدأ بمثل هذا، (2) الآية 18 سورة الأعراف، (3) أي الصورتان المذكورتان في الحال، (4) ويسميها النجاة: الحال المتداخلة، (5) نقل هذا الرأي عن ابن عصفور وهو مقيد عنده بغير صورة اسم التفضيل، وستأتي، وقول الشارح، واستنكر مثله معناه أنه لا يجيز المتضادة في الخبر، كما لا يجيزها في الحال،. (6) أي القياس على الظرف (*)

[ 13 ]

واعلم أن تكرير الحال بعد (إما): واجب، لوجوب تكرير (إما)، نحو: اضرب زيدا إما قائما، وإما قاعدا، وكذا بعد (لا)، لأنها تكرر في الأغلب كما يجي في اسم (لا) التبرئة 1، نحو: جاءني زيد لا راكبا ولا ماشيا، ويندر إفرادها نحو: جاءني زيد لا راكبا. قوله: (لفظا، أو معنى 2)، حال من: الفاعل، أو المفعول 3، أي ملفوظا أو معنويا، وقد ذكرنا الفاعل والمفعول اللفظين، أما المفعول المعنوي فنحو: (شيخا) في قوله تعالى: (وهذا بعلي شيخا 4)، فإن (بعلي) خبر المبتدأ، وهو في المعنى مفعول لمدلول (هذا)، أي أنبه على بعلي وأشير إليه شيخا. وأما الفاعل المعنوي، فكما في قوله: كأنه خارجا من جنب صفحته... البيت، 5 - 180 إذ المعنى: يشبه خارجا، سفود شرب، ولا تفسره بأشبهه خارجا، لأن المشابهة هي المقيدة بحال الخروج، لا التشبيه. وقال المصنف في مثال الحال عن الفاعل المعنوي: زيد في الدار قائما، وفيه نظر، لأن (قائما) حال من الضمير في الظرف، وهو فاعل لفظي، لأن المستكن كالملفوظ به، فهو كقولك: زيد خرج راكبا، ولا كلام في كون (راكبا) حال عن الفاعل اللفظي، وليس يجوز كون الحالين في المثالين عن (زيد) إلا عند من جوز تخالف عاملي الحال وصاحبها.


(1) معنى تسمية (لا) بلا التبرئة برأت اسمها عن الاتصاف بجنس الخبر، وهو اصطلاح، (2) هذا شرح لألفاظ الكافية، وهي طريقة الرضي في هذا الشرح، (3) أي من لفظ الفاعل أو المفعول في عبارة المصنف، (4) الآية 32 سورة هود وتقدمت قريبا، (5) الشاهد المتقدم من معلقة النابغة الذبياني (*)،

[ 14 ]

(العامل في الحال) (المراد من شبه الفعل ومعنى الفعل) (قال ابن الحاجب:) (وعاملها: الفعل، أو شبهه، أو معناه). (قال الرضي:) يعني بشبه الفعل: ما يعمل عمل الفعل، وهو من تركيبه، كاسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، والمصدر، ويعني بمعنى الفعل: ما يستنبط منه معنى الفعل، كالظرف، والجار والمجرور، وحرف التنبيه، نحو: ها أنا زيد قائما، عند من جوز هاء التنبيه من 1 دون اسم الأشارة، كما يجيئ في حروف التنبيه، واسم الأشارة، نحو: ذا زيد راكبا، وحرف النداء، نحو: يا ربنا منعما. وأما حرفا التمني والترجي، نحو: ليتك قائما في الدار، ولعلك جالسا عندنا، فالظاهر أنهما ليسا بعاملين، لأن التمني والترجي. ليسا بمقيدين بالحالين، بل العامل هو الخبر المؤخر، على ما هو مذهب الأخفش 2، كما يجيئ، لكون مضمونه هو المقيد. وحرف 3 التشبيه، نحو: كأنه خارجا... البيت 4، وزيد كعمرو راكبا، وكذا


(1) أي عند من جوز استعمال حرف التنبيه بدون اسم الأشارة كالمثال الذي أوردهه، والأكثر أن يقال: ها أناذا، وبعضهم يوجب ذلك، (2) الأخفش، هكذا بدون وصف آخر هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الأوسط، وغيره يذكر مع وصفه، وهو ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، والأعلام التي تتكرر في هذا الشرح نكتفي بذكر شئ عن أصحابها عند ورودها لأول مرة في كل جزء، وندع ما عدا ذلك للفهارس العامة التي ستلحق بآخر الكتاب، إن شاء الله تعالى، (3) هذا معطوف على ما تقدم من الأشياء التي تفيد معنى الفعل، وكلامه عن التمني والترجي كان استطرادا، (4) الأشارة إلى بيت النابغة الذبياني المتقدم (*)،

[ 15 ]

معنى التشبيه من دون لفظ دال عليه، نحو: زيد عمرو مقبلا، والمنسوب نحو: أنا قرشي مفتخرا، واسم الفعل نحو: عليك زيدا راكبا. وأما نحو: ما شأنك واقفا، فلأن الشأن بمعنى المصدر كما ذكرنا في المفعول معه، 1 ولم يعمل في الحال معنى حروف النفي والاستفهام، قال أبو علي 2: لأنها لا تشبه الفعل لفظا، وينتقض ما قاله باسم الأشارة، وحرف التنبيه، فإنهما لا يشبهان الفعل لفظا مع عملهما في الحال، وكذا كاف التشبيه، ونحو: إن، وأن تشبهانه لفظا ومعنى، ولا تعملان في الحال. فالأولى: إحالة ذلك إلى استعمالهم وأن لا نعلله. (تنكير الحال) (وتعريف صاحبها) (قال ابن الحاجب:) (وشرطها أن تكون نكرة، وصاحبها معرفة غالبا، و: أرسلها) (العراك 3 و: مررت به وحده، متأول). (قال الرضي:) إنما كان شرطها أن تكون نكرة، لأن النكرة أصل، والمقصود بالحال: تقييد الحدث المذكور، على ما ذكرنا، فقط، ولا معنى للتعريف هناك، فلو عرفت، وقع التعريف ضائعا.


(1) ص 522 من الجزء الأول، (2) المراد: أبو علي الفارسي من أشهر أئمة اللغة وهو شيخ ابن جني، وينقل الرضي عنه كثيرا في هذا الشرح معبرا عنه بكنيته، وبنسبه: الفارسي، (3) جزء من بيت شعر، سيذكره الشارح كاملا ويوضح المراد منه (*)،

[ 16 ]

وإنما كان الغالب في صاحبها التعريف، لأنه إذا كان نكرة، كان ذكر ما يميزها ويخصصها من بين أمثالها، أعني وصفها: أولى من ذكر ما يقيد الحدث المنسوب إليها، أعني حالها، لأن الأولى أن يبين الشئ أولا، ثم يبين الحدث المنسوب إليه، ثم يبين قيد ذلك الحدث، فعلى هذا، أولت المعرفة حالا 1، لأن التعريف عبث ضائع، ولم تؤول النكرة ذا حال 2، لأن غايته أنه على خلاف الأولى، فقوله: (غالبا)، يرجع إلى تعريف صاحب الحال، لأن تنكيرها واجب لا غالب. قوله: (وأرسلها العراك)، هذا مثال لتعريف صاحب الحال في الظاهر، ونقول: الحال المعرفة ظاهرا: إما مصدر، وإما غير مصدر، والمصدر إما معرف باللام، نحو: أرسلها العراك، أو معرف بالأضافة، نحو: افعله جهدك 3 وطاقتك، ووحدك، و: رجع عوده على بدئه، وفيه قولان: قال سيبويه: 4 إنها معارف موضوعة موضع النكرات 5، أي معتركة ومجتهدا ومطيقا، ومنفردا، وعائدا، والطاقة بمعنى الوسع، وكذا: الطوق، اسم وضع موضع الأطاقة، ووحدك، في الأصل: وحدتك، فحذفت التاء، لقيام المضاف إليه مقامها، كما في قوله تعالى: (وإقام الصلاة) 6، والوحدة: الانفراد، ويجوز أن يكون الوحد، (والحدة 7) والوحدة، مصدر: وحد يحد، يقال: وحدا وحدة، كوعد يعد وعدا وعدة.


(1) أي حين تقع حالا (2) أي حين تقع صاحب حال، (3) يأتي في الشرح تفسير هذه الأمثلة، (4) سيبويه امام النجاة، أكثر من نقل عنهم الرضي في هذا الشرح، وقد حددنا كثيرا من الأمور التي نقلها الرضي بذكر موضعها من كتاب سيبويه، (5) هذا بمعناه في كتاب سيبويه ج 1 ص 187 (6) الآية 73 سورة الأنبياء، وهي، أيضا جزء من الآية 37 سورة النور (7) وردت هذه الكلمة في بعض النسخ كما أشير إلى ذلك بهامش المطبوعة التركية وإثباتها مناسب لما سيأتي من كلام الشارح (*)

[ 17 ]

والجهد، ههنا، بضم الجيم: المشقة، والجهد بفتح الجيم وضمها بمعنى الاجتهاد، وقال الفراء 1: هو بفتح الجيم: المشقة، وبضمها: الطاقة. وقولهم: على بدئه، متعلق بعوده، أو، برجع، والحال مؤكدة، والبدء مصدر بمعنى الابتداء، جعل بمعنى المفعول، أي: عائدا على ما ابتدأه، ويجوز أن يكون (عوده) مفعولا مطلقا لرجع، أي رجع على بدئه عوده المعهود، كأنه عهد منه أنه لا يستقر على ما ينتقل إليه، بل يرجع إلى ما كان عليه قبل، فيكون كقوله تعالى: (وفعلت فعلتك) 2، فلا يكون من هذا الباب، وقال أبو علي: ان هذه المصادر منصوبة على أنها مفعولات مطلقة للحال المقدرة قبلها، أي: أرسلها معتركة العراك، وافعله مجتهدا جهدك، ومطيقا طاقتك، ومنفردا وحدك، أي انفرادك، ورجع عائدا عوده، وكلها مضافة إلى الفاعل، فلهذا حذف الفاعل وجوبا، كما مر في باب المفعول المطلق، 3 فهذه المصادر، وإن قامت مقام الأحوال: منتصبة على المصدرية، كما ينتصب على الظرفية، ما قام مقام خبر المبتدأ من الظروف، نحو: زيد قدامك ولا يعرب إعراب ما قام مقامه، وقوله: أرسلها العراك، صدر بيت للبيد، ويروى: فأوردها العراك، قال: 182 - فأرسلها العراك ولم يذدها * ولم يشفق على نغص الدخال 4 يصف الحمار والأتن 5، والدخال في الورد: أن يشرب البعير، ثم يرد من العطن 6 إلى الحوض، ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه ما عساه لم يكن شرب، ويقال:


(1) من زعماء الكوفيين واسمه يحيى بن زياد ويتكرر ذكره في هذا الشرح، (2) الآية 19 سورة الشعراء (3) ص 305 من الجزء الأول (4) البيت كما قال الشارح من شعر لبيد بن ربيعة، وقد شرحه بما لا يحتاج إلى مزيد، (5) يريد حمار الوحش، والأتن جمع أتان وهي أنثاه، (6) العطن مبرك الأبل (*)،

[ 18 ]

شرب دخال، ويقال: نغص البعير، إذا لم يتم شربه، فمعنى نغص الدخال: عدم تمام الشرب، أي: أوردها مرة واحدة 1، ولم يخف على أنه لا يتم شرب بعضها للماء بالمزاحمة. أما قولهم: جاءوا قضهم بقضيضهم 2، فالأولى أن نقول: أن المصدر فيه بمعنى اسم الفاعل، أي: قاضهم بقضيضهم أي مع قضيضهم، أي: كاسرهم مع مكسورهم، لأن مع الازدحام والاجتماع كاسرا ومكسورا. والأصل فيه أن يكون (قضهم) مبتدأ، و (بقضيضهم) خبرا، مثل قولهم: كلمته فاه إلى في، أي: فوه إلى في، وهو ههنا أظهر، لأنهم استعملوه على الأصل فقالوا: كلمته فوه إلى في، ثم انمحى عن الجملتين، أعني: قضهم بقضيضهم، وفوه إلى في، معنى 3 الجملة والكلام، لما فهم منهما معنى المفرد، لأن معنى: فوه إلى في، صار: مشافها، ومعنى: قضهم بقضيضهم: كافة 4، فلما قامت الجملة مقام المفرد، وأدت مؤداه: أعرب ما قبل الاعراب منها، وهو الجزء الأول، إعراب المفرد الذي قامت مقامه، كما قلنا في باب المفعول المطلق 5، في: فاها لفيك، سواء 6. وكذا ينبغي أن نقول في: يدا بيد، أي: ذو يد بذي بد، على حذف المضاف، أي:


(1) أي أوردها كلها دفعة واحدة لم يفرق بينها في الشرب، (2) طريقة تعبير الشارح بهذا المثال لا تدل على أنه شعر، ولكنه ورد في بيت شعر للشماخ بن ضرار، وهو قوله: أتتني سليم قضها بقضيضها * تمسح حولي بالبقيع سبالها وقد اعتبره البغدادي شاهدا وكتب عليه، ولعله مذكور في بعض النسخ من الشرح،. (3) فاعل قوله: انمحى، (4) أي صار معناه كافة أي جميعا، (5) جاء في باب المفعول المطلق ص 332 من الجزء الأول، أن الجملة قد تقوم مقام المفرد فيعرب الجزء الأول منها بإعراب ما قامت مقامه وذكر لذلك أمثلة منها قولهم: فاهالفيك وهو دعاء على المخاطب، وقد ورد ذلك في بيت شعر اعتبره البغدادي شاهدا وهو قول الشاعر: فقلت له فاها لقيك، فإنها * قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره (6) تقديره: هما سواء، وهذا اختيار الرضي في إعرابه ويقع هذا التعبير كثيرا في كلامه (*)،

[ 19 ]

النقد بالنقد، وكذا قولهم: بعت الشاء 1: شاة بدرهم، أي: شاة بدرهم، أي كل شاة بدرهم، كقولهم: رجل خير من امرأة، أي كل رجل، كقوله تعالى: ( علمت نفس ما قدمت) 2، أي كل نفس. وكذا قولهم: بعت الشاء: شاة ودرهما، والواو بمعنى (مع) كما في: كل رجل وضيعته، أي شاة ودرهم مقرونان، أي كل شاة، فنصب ههنا الجزآن لقبولهما الأعراب. وقال الخليل 3: يجوز أن تأتي به على الأصل نحو، بعت الشاء: شاة بدرهم، وشاة ودرهم، ثم ألزم 4 ما كان مبتدأ: التنكير، لقيامه مقام الحال، و: فاه إلى في، شاذ، ووجهه أنه لم يجز حذف المضاف إليه منه ليتنكر 5، لئلا 6 يبقى المعرب على حرف واحد. وقد جاء: فما لفم، قال المتني 7: 183 - قبلتها ودموعي مزج أدمعها * وقبلتني على خوف فما لفم فحذف المضاف إليه، وأبدل من الواو ميما، لئلا يبقى المعرب على حرف واحد. وهذا شئ قد عرض استطرادا، ولنعد إلى ما كنا فيه من ذكر حال: قضهم بقضيضهم،. فنقول:


(1) الشاء بالهمزة للجنس، وبالتاء: الواحدة منه، (2) الآية 5 سورة الانفطار، (3) الخليل بن أحمد الفراهيدي أو الفرهودي، شيخ النجاة وأستاذ سيبويه، ويتكرر ذكره في هذا الشرح، (4) رجوع إلى شرح بقية الأمثلة (5) تعليل لقوله حذف المضاف إليه، الذي لا يجوز، (6) وهذا تعليل لعدم الجواز، (7) المتنبي من الشعراء المحدثين عند متقدمي النجاة، فلا يجيزون الاستشهاد بشعره والرضي يورد في هذا الشرح شواهد من شعره وشعر أمثاله كأبي تمام وأبي نواس، والعلماء مختلفون في صحة الاستشهاد بشعر هؤلاء (*)،

[ 20 ]

قد يستعمل (قضهم) تابعا لما قبله في الأعراب، نحو قولهم: جاءني القوم قضهم بقضيضهم، ورأيت القوم قضهم بقضيضهم، ومررت بالقوم قضهم بقضيضهم، إما على التأكيد، على أن يكون أصله جملة فيعطى جزوها الأول إعراب (جميعهم 1)، لصيرورتها بمعناه، على ما ذكرنا في الحال، 2 أو على البدل، أي: جاءوا قاضهم مع مقضوضهم. ومذهب الكوفيين أن انتصاب (وحده) على الظرفية، أي: لا مع غيره، فهو، في المعنى، ضد (معا) في قولك: جاءوا معا، وكما أن في (معا) خلافا، هل هو منتصب على الحال، أي مجتمعين، أو على الظرف، أي في زمان واحد، فكذا، اختلف في (وحده) في نحو: جاء وحده، أهو حال، أي منفردا، أم ظرف، أي: لا مع غيره وجاء (وحده) مجرورا في مواضع متعددة: قريع وحده، ونسيج وحده، أي انفراده، وهو 3 في الأصل: ثوب لا ينسج على منواله مثله، فاستعير للشخص المنقطع النظير. ويقال: فلان جحيش 4 وحده، وعيير وحده، ورجيل وحده، في المستبد برأيه. وقيل: جاء على وحده، أي انفراده و (على) بمعنى (مع). فوحده، لازم الافراد والتذكير، والأضافة إلى المضمر، ولازم النصب، إلا في المواضع المذكورة. والمعرف ظاهرا 5 من غير المصادر، إما باللام، نحو قولهم: مررت بهم الجماء الغفير، والجماء من الجم، وهو الكثير، يقال امرأة جماء المرافق، أي كثيرة اللحم على المرافق، والغفير، من الغفر وهو الستر بمعنى الغافر، أي الساترين بكثرتهم وجه الأرض،


(1) أي فكأنه قال: جاء القوم جميعهم (2) أي مثل التأويل الذي قلناه في وجه إعرابه حالا، (3) راجع إلى قولهم: نسيج وحده، (4) الكلمات الثلاث بصيغة التصغير، وهي اللذم، بخلاف الأول، (5) مقابل لقوله فيما تقدم: والمصدر إما معرف باللام (*)

[ 21 ]

حذفت 1 التاء حملا للفعيل بمعنى الفاعل على الفعيل بمعنى المفعول، كقوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين 2)، وهو صفة الجماء، أي: الجماعة الكثيرة الساترة، واللام في الاسمين زائدة، كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمت قلت لا يعنيني 3 - 56 ويقال، أيضا، مررت بهم جماء غفيرا. ومنه قولهم: ادخلوا الأول فالأول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يذهب الصالحون أسلافا: الأول فالأول)، أي مترتبين، واللام زائدة، كما في: الجماء الغفير، وقد يتبع ما قبله على البدل، نحو: دخل القوم: الأول فالأول. وإما بالأضافة 4، نحو: جاء الرجال ثلاثتهم، أو أربعتهم، أو خمستهم، إلى العشرة، وهذه الأسماء الثمانية 5، إذا أضيفت إلى ضمير ما تقدم، منصوبة عند أهل الحجاز على الحال، لوقوعها موقع النكرة، أي مجتمعين في المجيى، وبنو تميم يتبعونها ما قبلها في الأعراب، على أنها توكيد له. وربما عومل بالمعاملتين: العدد المركب، نحو: جاءني الرجال خمسة عشرهم، وقد يعرب هذا المركب عند الأخفش، كما يجيى في باب العدد. وقد ذكرنا قولهم: كلمته فاه إلى في 6، وقال الكوفيون: هو مفعول به، أي: جاعلا فاه إلى في، وقال الأخفش: هو منصوب بتقدير (من) أي: من فيه إلى في،


(1) أي من كلمة الغفير لأنها صفة على وزن فعيل بمعنى فاعل كما قال، فحقها التأنيت بالتاء (2) الآية 56 سورة الأعراف، (3) تكرر الاستشهاد بهذا البيت في هذا الشرح وهو أيضا شائع في كتب النحو، وقد تقدم ذكره في الجزء الأول من هذا الشرح، (4) هذا هو النوع الثاني من المعرف غير المصدر، (5) أي ألفاظ العدد، ما عدا الواحد والاثنين، (6) تقدم الحديث عنه في صدر هذا الباب، (*)

[ 22 ]

ولا يقاس على قولهم فاه إلى في، فلا يقال: ما شيته يده إلى يدي 1، ونحوه خلافا لهشام 2، وأما قول بعض أصحاب أمير المؤمنين رضي الله عنه في صفين: 184 - فما بالنا أمس أسد العرين * وما بالنا اليوم شاء النجف 3 فعلى حذف المضاف، أي: مثل أسد العرين، ومثل شاء النجف، ويجوز أن يؤولا بشجعانا، وضعافا، كما قال سيبويه 4، في: جهدك ونحوه. (الحال من النكرة) (قال ابن الحاجب:) (فإن كان صاحبها نكرة. وجب تقديمها). (قال الرضي:) اعلم أنه يجوز تنكير ذي الحال، إذا اختص بوصف، كما جاء في الحديث: سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين الخيل، فأتي فرس له سابقا، وكذا تقول: مررت برجل ظريف قائما، أو بالأضافة 5، نحو: نظرت إلى جارية رجل مختالة،


(1) أي لا يقال بالنصب قياسا على ما تقدم (2) هو هشام بن معاوية الضرير، من متقدمي النجاة في الكوفة، وتقدم له ذكر في الجزء الأول، (3) هذا مما قيل من الشعر في وقعة صفين التي كانت بين جيش علي رضي الله عنه وجيش معاوية بن أبي سفيان، وكان رجال معاوية منعوا عليا وأصحابه من ماء الفرات، فسمع الناس واحدا من رجال علي ينشد: أيمنعنا القوم ماء الفرات * وفينا السيوف وفينا الجحف وفينا علي، له صولة، إذا خوفوه الردى لم يخفف إلى أن قال: فما بالنا أمس... الخ والقصد منها تحريض المحاربين مع علي، وهي قصة طويلة، لخصها البغدادي في خزانة الأدب، (4) حددنا موضعه في كتاب سيبويه قبل ذلك، (5) معطوف على قوله: إذا اختص بوصف (*)،

[ 23 ]

أو سبقه نفي أو شبهه، نحو قوله: 185 - فما حل سعدي غريبا ببلدة * فينسب إلا الزبرقان له أب 1 و: قلما جاءني رجل راكبا، أو نهي أو استفهام، وذلك لأنه يصير المنكر مع سبق هذه الأشياء مستغرقا فلا يبقى فيه إبهام، كما ذكرنا في باب المبتدأ، أو كان الوصف به على خلاف الأصل نحو قولهم: جاءني رجال مثنى وثلاث، لأن المقصود تقسيمهم على هذين العددين في حال المجيئ، والوصف لا يفيد هذه الفائدة، أو كانت 2 معرفة مشاركة لتلك النكرة في الحال، نحو: جاءني رجل وزيد راكبين، أو تقدمه الحال، نحو: جاءني راكبا رجل، لأنه يؤمن - إذن - التباس الحال بالوصف، إذ الوصف لا يتقدم على الموصوف، وأما إذا تأخر، نحو: جاءني رجل راكبا، فقد يشتبه في حال انتصاب ذي الحال، بالوصف، نحو: رأيت رجلا راكبا، فطرد المنع رفعا وجرا، وأما استشهادهم لتقديم الحال على صاحبها المنكر بقوله: 186 - لمية موحشا طلل قديم * عفاه كل أسحم مستديم 3 فلا يستقيم، عند من شرط اتحاد عامل الحال وصاحبها، إلا على مذهب الأخفش، من تجويز ارتفاع (زيد) في نحو: في الدار زيد على أنه فاعل، وأما عند سيبويه، فيلزم كون الضمير في: (لمية) ذا الحال 4. ومن جوز اختلاف العامل في الحال وصاحبها، وهو الحق، إذ لا مانع، جوز كون (لمية)، عاملا في الحال، وكون (طلل) ذا حال، مع ارتفاعه بالابتداء.


(1) من قصيدة قالها اللعين المنقري، واسمه منازل، يمدح الزبرقان بن بدر أحد الصحابة، وكان سيدا في قومه يتشرف كل أحد بالانتساب إليه، (2) المعنى: أو كانت في الكلام معرفة مشاركة، أو نعتبر أن كان تامة، (3) قال البغدادي: ان بعضهم نسب هذا البيت لذي الرمة، ونسبه بعضهم لكثير برواية: لعزة موحشا... ثم قال: إن المشهور في هذا الموضع الاستشهاد بقول الشاعر: (ولم ينسبه): لمية موحشا طلل * يلوح كأنه خلل، (4) بناء على مذهبة من وجوب اتحاد العامل في الحال وصاحبها (*)،

[ 24 ]

فإن قيل: هلا جاز أن يكون معنى الابتداء، على مذهب سيبويه، أي أن (طلل) مرتفع بالابتداء، هو العامل في الحال أيضا، فيتحد عامل الحال وصاحبها. قلت: ليس المعنى على أن الابتداء بلفظ (طلل) للأسناد إليه، مقيد بكونه موحشا، فكيف يعمل في الحال ما ليس مقيدا به ؟. واعلم أنه يجوز حذف ذي الحال، مع قيام الدليل، نحو: الذي ضربت مجردا: زيد، أي: ضربته 1. (تقدم الحال) (على العامل وعلى الصاحب) (قال ابن الحاجب:) (ولا يتقدم على العامل المعنوي، بخلاف الظرف، ولا على) (المجرور في الأصح). (قال الرضي:) قد عرفت قبل، العامل المعنوي، وأن الظرف منه، وكذا الجار والمجرور، فعلى ما قال المصنف، ينبغي ألا يتقدم الحال على الظرف وشبهه، وفي هذا خلاف، فسيبويه،. لا يجيزه أصلا، نظرا إلى ضعف الظرف، وأجازه الأخفش بشرط تقدم المبتدأ على الحال، نحو: زيد قائما في الدار، وذلك بناء على مذهبه من قوة الظرف، حتى جاز أن يعمل عنده بلا اعتماد، في الظاهر 2، في نحو: في الدار زيد، كما تقدم في المبتدأ، 3 فأما مع تأخر المبتدأ فإنه وافق سيبويه في المنع، فلا يجوز: قائما زيد في الدار، ولا: قائما


(1) لأن حذف عائد الموصول في مثله قياسي، (2) ممتعلق بقوله أن يعمل، (3) ص 248 من الجزء الأول،

[ 25 ]

في الدار زيد، اتفاقا، وذلك لتقدم الحال على عامله الذي فيه ضعف ما، عند الأخفش أيضا، لأنه ليس من تركيب الفعل 1، وعلى صاحبه، وعلى ما صاحبه نائب عنه، أي المبتدأ. أما في نحو: زيد قائما في الدار، فإن جوزنا كون زيد صاحب الحال، بناء على جواز اختلاف عاملي الحال وصاحبه، فالحال متأخر عن صاحبه، وإن لم نجوز ذلك 2، وقلنا إن الضمير في الظرف هو صاحب الحال، بناء على وجوب اتحاد العامل في الحال وصاحبه. فالحال متأخر عما صاحبه نائب عنه، أي زيد. أما نحو: زيد في الدار قائما، و: في الدار قائما زيد، و: في الدار زيد قائما، فجائز اتفاقا. وأما إذا كان الحال، أيضا، ظرفا، أو جارا ومجرورا، فقد صرح ابن برهان 3، بجواز تقدمه على عامله الذي هو ظرف أو جار ومجرور، وذلك لتوسعهم في الظروف، حتى جاز أن تقع موقعا لا يقع غيرها فيه، نحو: (إن إلينا إيابهم) 4، قالوا، ومن ذلك: البر، الكر بستين، أي: الكر منه بستين، و (منه)، حال، والعامل فيه: (بستين). والعامل المعنوي إذا كان غير ظرف، فلا خلاف في أنه لا يتقدم الحال عليه، وهو 5 كل جامد ضمن معنى المشتق، كليت، ولعل 6، ونحو: ما شأنك، وحرف النداء، وأسماء الأشارة، وحرف التشبيه، والتنبيه، والمنسوب نحو تميمي، ونحو: مثلك،


(1) أي ليس من لفظه ومادته، (2) أي جواز كون زيد صاحب الحال، (3) هو أبو القاسم، عبد الواحد بن علي العكبري من أشهر النجاة، كان منجما ثم اشتغل بالنحو، ونبغ فيه، وكان محبوبا لدينه وورعه، توفي سنة 456 ه (4) الآية 26 سورة الغاشية،. (5) أي العامل المعنوي غير الظرف، (6) كلامه هنا يفيد عمل ليت ولعل في الحال وقد استظهر من قبل عدم عملهما، وذلك عند الحديث عن شبه الفعل وعلل ذلك بأن التمني والترجي ليسا مقيدين بالحال، (*)

[ 26 ]

وغيرك، وأسماء الأفعال... كل ذلك لضعف مشابهة الفعل، لعدم موافقتها له في التركيب، وإذا ضعف نفس الفعل لعدم التصرف، حتى لا يتقدم عليه معموله، كما في فعل التعجب فلا يقال: راكبا ما أحسن زيدا. فما ظنك بمثل هذه الجوامد ؟. وكذا الصفة المشبهة، لا يتقدم معمولها عليها لضعف مشابهتها للفعل 1، وظاهر لفظ للظاهر مثلها، بل يحتاج إلى شروط، كما يجيئ في بابه. وأما نحو قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا، وزيد قائما خير منه قاعدا، وكذا نحو: عمرو قاعدا مثله قائما، فسيجيئ الكلام عليه عن قريب. وأجاز الزجاجي 4 أن تقول: درهمك موزونا: درهم عبد الله، والعامل في الحال معنى التشبيه في قولك: درهم عبد الله، لأن معناه: يشبه درهم عبد الله، فيكون 5 حالا من ضمير (درهمك) في الخبر، أو من: درهم عبد الله. والأولى المنع، لضعف العامل، قال 6، فإن أظهرت الكاف وقلت: كدرهم عبد الله، لم يجز أن يكون حالا من: درهم عبد الله، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه، ويجوز أن يكون حالا من ضمير: درهمك، في خبر المبتدأ، والأولى المنع مع إظهار الكاف، أيضا.


(1) لأن عملها يسبب مشابهتها لاسم الفاعل المشبه للفعل، (2) جار الله: محمود بن عمر الزمخشري صاحب الكشاف والمفصل وغيرهما مما يعرفه كل مشتغل باللغة، (3) في شرح ابن يعيش على المفصل ج 2 ص 56 (4) الزجاجي، بياء النسب: هو أبو القاسم، عبد الرحمن بن إسحاق، كان من ملازمي الزجاج، فنسب إليه، وتقدم له ذكر في الجزء الأول، (5) أي لفظ موزونا، (6) أي الزجاجي المتقدم ذكره (*)،

[ 27 ]

وكذا إذا كان الحال جملة مصدرة بالواو، لم يتقدم على عامله 1، فلا يقال، والشمس طالعة جئتك، مراعاة لأصل الواو، وهو العطف. ولا يتقدم الحال على عامله أيضا إذا كان العامل مصدرا، لتقديره بأن الموصولة، وما في حيز الصلة، لا يتقدم على الموصول، وكذا إذا كان العامل صلة للألف واللام، أو لحرف مصدري، كما، وأن، لأن تقدم الحال، إذن، على هذه الموصولات، لا يجوز، وتقدمها على صلاتها متأخرة عن الموصولات، أيضا، غير جائز، لما يجيى في الموصولات من امتناع الفصل بين الحرف المصدري واللام الموصول، وبين صلتيهما، فلا تقول: أعجبني مجردة الضارب هندا، ولا: مجردة أن ضرب زيد هندا، ولا: ما مجردة ضرب زيد هندا، وأما في سائر الموصولات، نحو: الذي راكبا جاء: زيد، فإنه يجوز الفصل اتفاقا. وإذا كان العامل مصدرا بلام الابتداء، أو لام القسم، جاز تقديم الحال 2 عليه، بأن تؤخره عن اللامين، نحو: إن زيدا لراكبا سائر، و: والله لراكبا أسير، كقوله تعالى: (... لألى الله تحشرون) 3، وتقديمه على اللامين لا يجوز، لأن لهما صدر الكلام، وأما الفعل المتصرف، واسم الفاعل، واسم المفعول، إذا خلت عن الموانع المذكورة، فيجوز تقديم أحوالها عليها، نحو: راكبا جاء زيد، وزيد راكبا ماش، ومجردا مضروب. قوله: (بخلاف الظرف)، يعني أن الحال، وإن كان مشابها للظرف من حيث المعنى، لأن (راكبا) في: جئتك راكبا، بمعنى وقت الركوب، إلا أن الظرف يتقدم


(1) هذا تصريح بما استفيد من التشبيه في قوله وكذا إذا كان، ويتكرر ذلك من الرضي، (2) أشير بها المطبوعة التركية هنا أن بين نسخ هذا الشرح اختلافا في هذا الموضع، وفيها إشارة إلى نسبة رأي لا يخرج عما قاله الرضي إلى: (المالكي)، وهذا من الأمور التي جعلتني، أرجح أن الرضي يقصد الأمام ابن مالك حين يقول المالكي، لأن هذا الرأي معروف نسبته إلى ابن مالك، وتكرر مثل هذا بهوامش هذا الشرح، (3) الآية 158 سورة آل عمران (*)،

[ 28 ]

على عاملة المعنوي الذي هو الظرف أو الجار، خاصة، سواء كان بعد المبتدأ نحو: زيد يوم الجمعة عندك، أو قبله، كقوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) 1، وقولهم: كل يوم لك ثوب، والحال لا يتقدم عليه عند سيبويه مطلقا، ويتقدم عند الأخفش بشرط تأخره عن المبتدأ كما مر، وذلك لتوسعهم في الظرف بخلاف الحال. وكان على المصنف أن يقيد فيقول: بخلاف الظرف، فإنه يتقدم على الظرف والجار، لأنه لا يتقدم على معنوي غيرهما، من التشبيه والتنبيه وغير ذلك، اتفاقا. واعلم أنه إذا تكرر ظرف واحد 2، يصلح لأن يكون خبرا لما هو مبتدأ في الحال أو في الأصل، وتوسطهما ما يجوز ارتفاعه، على أنه خبر عن ذلك المبتدأ، وانتصابه على الحال كقوله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها) 3، وقوله تعالى: (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها) 4. فالكوفيون يوجبون انتصابه 5 على الحال، كما في الآيتين، لأنك لو رفعته خبرا وعلقت الظرفين به، لم يكن للثاني فائدة. وأما عند البصريين، فالحالية راجحة على الحبرية، لا واجبة، لأن الاسم، إذن، يكون خبرا بعد خبر، والظرف الثاني متعلق بالخبر، أو يكون الظرف الأول متعلقا بالخبر الذي بعده، والثاني تأكيد للأول، والتأكيد غير عزيز في كلامهم، وإذا كان الظرف في الظاهر غير مستقر 6، وقد تقدم أن معنى المستقر أن يكون متعلقا بمقدر، فخبرية الاسم الذي يلي المبتدأ الذي يلي الظرف واجبة عند البصريين، نحو: فيك زيد راغب، ليكون الظرف متعلقا بذلك الخبر.


(1) الآية 29 سورة الرحمن، (2) أي ذكر لفظ من ألفاظ الظروف مرتين، (3) الآية 108 سورة هود (4) الآية 17 سورة الحشر، (5) أي ذلك الاسم المتوسط (6) الحديث عن المستقر وغير المستقر، وهل هو بفتح القاف أو بكسرها، مذكور في باب المبتدأ والخبر، وقد لخص الرضي المعنى هنا، ثم إن المعروف أنه حينما يطلق الظرف، يراد به ما يشمل الجار والمجرور، (*)

[ 29 ]

وأجاز الفراء والكسائي 1: نصب ذلك الاسم نحو: فيك زيد راغبا، على تقدير، فيك رغبة زيد راغبا، والحال دال على المضاف المحذوف، أي هو يرغب فيك خاصة في حال رغبته في شئ، أي: إن رغب في شئ فهو يرغب فيك، قوله: (ولا على المجرور في الأصح)، الذي تقدم، كان أحكام تقدم الحال على عامله، وتأخره عنه، وهذا حكم تقدم الحال على صاحبها. واعلم أن الكوفيين منعوا تقديم الحال على صاحبها، إذا كان صاحبها ظاهرا، مرفوعا كان، أو منصوبا، أو مجرورا، إلا في صورة واحدة، وهي: إذا كان ذو الحال مرفوعا والحال مؤخر عن العامل، فيجوزون: جاء راكبا زيد، ولا يجوزون: راكبا جاء زيد، وبعضهم يجوز، أيضا تقديم الحال على ذي الحال المنصوب المظهر، إذا كان الحال فعلا، نحو: ضربت، وقد جرد، زيدا، وأما إذا كان ذو الحال ضميرا، فجوزوا تقديم الحال عليه، مرفوعا، كان، أو منصوبا أو مجرورا، قالوا: وذلك لأن ذا الحال إذا كان مظهرا وقدمت الحال عليه، أدى إلى الاضمار قبل الذكر، لأن في الحال ضميرا يعود على ذي الحال المتأخر، وأما إذا كان ضميرا، فالضميران يشتركان في عودهما على مفسر لهما، وأما جواز تلك الصورة الواحدة، أعني نحو: جاء راكبا زيد، فلشدة طلب الفعل للفاعل، فكأن الفاعل ولي الفعل، والحال ولي الفاعل، فلا يكون اضمارا قبل الذكر، وأما البصرية فأجازوا تقديم الحال على صاحبه المرفوع والمنصوب، سواء كان مظهرا أو مضمرا، لأن النية في الحال: التأخير عن صاحبه، فلا يكون اضمارا قبل الذكر،. كما ذكرنا في تقديم خبر المبتدأ، نحو: في داره زيد، وفي الفاعل والمفعول نحو: (فأوجس في نفسه خيفة موسى). 2،


(1) الفراء، تقدم ذكره، والكسائي هو علي بن حمزة زعيم نجاة الكوفة، وأحد القراء السبعة، وهو والفراء ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (2) الآية 67 سورة طه (*)

[ 30 ]

وأما إذا كان ذو الحال مجرورا، فان الجر بالاضافة إليه، لم يتقدم الحال عليه اتفاقا، سواء كانت الاضافة محضة، كما في قوله تعالي: (أتبع ملة إبراهيم حنيفا)، 1 أو، لا، نحو: جاءتني مجردا ضاربة زيد، وذلك لأن الحال تابع وفرع لذي الحال، والمضاف إليه لا يتقدم على المضاف فلا يتقدم تابعه أيضا،. وان انجر ذو الحال بحرف الجر، فسيبويه وأكثر البصرية، يمنعون، أيضا، ونقل عن ابن كيسان 2، وأبي علي، وابن برهان، الجواز، استدلالا بقوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس)، 3 ولعل الفرق بين حرف الجر والاضافة: أن حرف الجر، معد للفعل كالهمزة، والتضعيف، فكأنه من تمام الفعل، وبعض حروفه، فإذا قلت: ذهبت راكبة بهند، فكأنك قلت: أذهبت راكبة هندا، وقال الشاعر: 187 - لئن كان يرد الماء هيمان صاديا * إلي حبيبا، انها لحبيب 4 وقال آخر: 188 - إذا المرء أعيته المروءة ناشئا * فمطلبها كهلا عليه شديد 5 وبعضهم يجعل (كافة) حالا من الكاف، والتاء للمبالغة، وهو تعسف،


(1) جزء من الآية 123 من سورة النحل، (2) أبو الحسن محمد بن أحمد، بن كيسان، من مشاهير النجاة، تقدم ذكره في الجزء الأول وسيتكرر ذكره، وأما أبو علي الفارس وابن برهان فقد مضى ذكرهما قريبا، (3) الآية 28 سورة سبأ، (4) من قصيدة لعروة بن حزام العذري، واللام في قوله: لئن كان، واقعة في جواب القسم في قوله قبل ذلك: حلفت برب الراكعين لربهم * خشوعا وفوق الراكعين رقيب (5) من أبيات نسبت لكثير من الشعراء، قال البغدادي: رأيت نسبتها للمخبل السعدي وقال إنها أبيات مستجادة،. وأورد عددا منها ومما أورده منها قوله: وكائن رأينا من غني مذمم * وصعلوك قوم مات وهو حميد (*)

[ 31 ]

وأما العامل في الحال في نحو: (ملة ابرهيم حنيفا) 1، أعني إذا كان الحال عن مجرور بمضاف غير عامل في الحال كما عمل في نحو: ضرب زيد راكبا 2، فعند من جوز اختلاف العامل في الحال وفي صاحبها، فلا اشكال فيه، وأما من منعه فقال بعضهم 3: العامل فيه معنى الاضافة لأن الاضافة بمعنى حرف الجر المتعلق بمعنى الفعل، لأن المعنى: ملة ثبتت لابراهيم حنيفا، وهو ضعيف، لأننا بينا في حد العامل: أن معنى الفعل قد انطمس في مثله 4، وقال بعضهم: لما كان لا يضاف مما ليس بعامل في الحال إلى ذي الحال، إلا جزؤه نحو: انظر إلى يد زيد ماشيا، أو ما يقوم مقام المضاف إليه لو حذف، كقوله تعالى: (ملة ابرهيم حنيفا)، كما تقدم في أول الباب، جاز أن يعمل عامل المضاف في الحال، مع أنه لم يعمل في المضاف إليه، لأن المضاف إليه في التقديرين المذكورين، كأنه المضاف، ولكون حال المضاف إليه، كحال المضاف، إذا كان المضاف جزء المضاف إليه، جاز، وإن كان على قلة، تقديم حال المضاف إليه على المضاف في نحو: تتحرك ماشيا يد زيد، مع أننا ذكرنا قبل، أن حال المضاف إليه لا يتقدم على المضاف، وقد يجب تقديم الحال على صاحبها إذا كان صاحبها بعد (إلا) أو معناها، نحو: ما جاءني راكبا إلا زيد، وإنما جاءني راكبا زيد، لمثل ما مر من باب الفاعل، 5 أعني، لتغير الحصر وانعكاسه لو أخرت عن صاحبها، ويجب 6، أيضا، إذا أضيف ذو الحال إلى ضمير عائد على ملابس الحال، نحو: لقيني شاتم زيد أخوه،


(1) الآية المتقدمة من سورة النحل (2) ضرب: مصدر مضاف إما إلى المفعول وإما إلى الفاعل، وصاحب الحال أحدهما، (3) أي بعض المانعين وسيذكر بعضا آخر منهم (4) انظر ص 72 من الجزء الأول، (5) انظر ص 190 ج 1 (6) أي تقديم الحال، (*)

[ 32 ]

(الاشتقاق) (وحكمه في الحال) (قال ابن الحاجب:) (وكل ما دل على هيئة، صح أن يقع حالا، نحو: هذا بسرا) (أطيب منه رطبا) (قال الرضي:) هذا رد على النجاة، فان جمهورهم اشترطوا اشتقاق الحال، وان كان جامدا تكلفوا رده بالتأويل إلى المشتق، قالوا: لأنها في المعنى صفة، والصفة مشتقة أو في معنى المشتق، فقالوا في نحو: هذا بسرا أطيب منه رطبا، أي هذا مبسرا أطيب منه مرطبا، أي كائنا بسرا وكائنا رطبا، و: (هذه ناقة الله لكم آية)، 1 أي دالة، قال المصنف، وهو الحق، لا حاجة إلى هذا التكلف، لأن الحال هو المبين للهيئة، كما ذكر في حده، وكل ما قام بهذه الفائدة فقد حصل فيه المطلوب من الحال، فلا يتكلف تأويله بالمشتق، وكذا، رد عليهم اشتراطهم اشتقاق الصفة، كما يجيى في بابها، ومع هذا، فلا شك أن الأغلب في الحال والوصف: الاشتقاق، فمن الأحوال التي جاءت غير مشتقة قياسا: الحال الموطئة، وهي اسم جامد موصوف بصفة هي الحال في الحقيقة، فكأن الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال في الحقيقة، لمجيئة قبلها موصوفا بها، وذلك نحو قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) 2، وقولك جاءني زيد رجلا بهيا،


(1) الآية 64 سورة هود (2) الآية الثانية من سورة يوسف، (*)

[ 33 ]

ومنها ما يقصد به التشبيه، كقول بعض أصحاب أمير المؤمنين، علي رضي الله عنه في بعض أيام صفين: فما بالنا أمس أسد العرين * وما بالنا اليوم شاء النجف 1 - 184 وقول المتني: 189 - بدت قمرا ومالت خوط بان * وفاحت عنبرا ورنت غزالا 2 وفي تأويل مثله وجهان: أحدهما أن تقدر مضافا قبله، أي: أمثال أسد العرين، ومثل قمر، والثاني أن يؤول المنصوب بما يصح أن يكون هيئة كما تقدم، أي: ما بالنا أمس شجعانا، واليوم ضعافا، وبدت منيرة، ونحو ذلك، وذلك لأنهم يجعلون الشئ المشتهر في معنى من المعاني كالصفة المفيدة لذلك المعنى، نحو قولهم: لكل فرعون موسى، بصرفهما، أي: لكل جبار قهار، ومنها الحال في نحو: بعث الشاء شاة ودرهما، وضابطه أن تقصد التقسيط فتجعل لكل جزء من أجزاء مجزأة، قسطا، وتنصب ذلك القسط على الحال وتأتي بعده بذلك الجزء، إما مع واو العطف، كقولنا: شاة ودرهما، أو بحرف الجر، نحو: بعت البر قفيزين بدرهم، وأخذت زكاة ماله، درهما عن كل أربعين، وقامرته، درهما في درهم، أي: جعلت في مقابلة كل درهم منه درهما مني، أو بغير ذلك نحو: وضعت عندكم الدنانير، دينارا لدى كل واحد، وكل واحدة من هذه الأحوال كانت جزءا أول من الجملة الابتدائية، على ما مر قبل، 3


(1) تقدم هذا الشاهد في هذا الباب، (2) هو للمتنبي والقول فيه، ما تقدم من اختلاف العلماء في الاستشهاد بمثله، ويمكن أن يكون تمثيلا، كما يقولون، وهو من قصيدة له والضمائر في الأفعال تعود إلى محبوبته التي قال عنها في بيت سابق على عادته في المبالغة: بجسمي من برته فلو أصارت * وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا (3) تقدم قريبا شرح هذا النوع عند قوله فاه إلى في، في هذا الباب، (*)

[ 34 ]

ومنها: الحال في نحو: بوبته بابا بابا، وجاءوني رجلا رجلا، وواحدا واحدا، ورجلين رجلين، ورجالا رجالا، أي مفصلا هذا التفصيل المعين، وضابطه: أن تأتي، للتفصيل بعد ذكر المجموع بجزئة مكررا، وكذا إن أتي، لبيان الترتيب بعد ذكر المجموع بجزئة معطوفا عليه بالفاء أو بثم، نحو: دخلوا رجلا فرجلا، ومضوا كبكبة ثم كبكبة، أي مترتبين هذا الترتيب المعين، ومنها حال هو أصل لصاحبه نحو: يعجبني الخاتم فضة، والثوب خزا، أو فرع له نحو: يعجبني الفضة خاتما، والحديد سيفا، أو نوع له، نحو: يعجبني الحلى خاتما، والعلم نحوا، ومنها الحال في نحو: هذا بسرا أطيب منه، أو من غيره رطبا، وضابطه أن يفضل الشئ على نفسه، أو غيره، باعتبار طورين، وكذا إذا شبهت شيئا بنفسه أو بغيره، ولا يجوز أن يكون أفعل التفضيل، ولا آلة التشبيه لضعفهما في العمل فلا يتقدم معمولهما عليهما، ويشكل ذلك عليه بمثل قولك: زيد راجلا أحسن منه راكبا، فإنه جائز اتفاقا مع خلو المبتدأ من معنى الفعل، وبمثل قولك: تمر تحلى بسرا أطيب منه رطبا، والأشراسي 1 بسرا أطيب منه رطبا، والعامل في مثل هذه الصور: أفعل، بلا خلاف، ولا يصلح اسم الاشارة في: هذا بسرا... للعمل، وذلك لأن العامل في الحال متقيد به، فلو كان (هذا) عاملا في: (بسرا) لتقيدت الاشارة بالبسرية، فوجب ألا يقال هذا، الكلام إلا في حال البسرية، كما أن الاشارة في: (وهذا بعلي شيخا) 2، تقيدت ولم تقع إلا في حال شيخوخته، والمجيئ في: جاءني زيد راكبا، لم يكن إلا في حال الركوب، ونحن نعلم ضرورة أنه يصح أن يقال: هذا بسرا أطيب منه رطبا، في غير حال البسرية،


(1) الأشراسي نوع من التمر، وربما كان مأخوذا من الشراسة، وهي في الناس: سوء الخلق وفي النبات: سوء الطعم، (2) الآية 72 سورة هود، وتقدمت (*)

[ 35 ]

واستدل المصنف على امتناع عمل اسم الأشارة في أول الحالين، بأن المبتدأ إذا تقيد بحال، لم يتقيد الخبر بالحال، ألا ترى أن اسم الاشارة لما تقيد بالحال في: هذا زيد قائما، لم يتقيد الخبر بذلك الحال، وفي نحو: هذا بسرا أطيب منه رطبا، تقيد الخبر بالحال اتفاقا فلا يتقيد المبتدأ بالحال، وهذا الدليل في غاية من الضعف لا توصف، أما أولا، فلأنه لا يلزم من امتناع تقيد المبتدأ والخبر معا بالحال في مثال معين: امتناع تقيدهما في جميع الأمثله، فلعل في ذلك المثال الخاص مانعا من تقيدهما معا، ليس في غيره، وأما ثانيا فلأن المدعى في المثال المذكور، المتنازع فيه: أن المبتدأ مقيد بحال، والخبر بحال أخرى، وهو لم يبين في نحو: هذا زيد قائما إلا استحالة تقيدهما معا بحال واحدة، فلو سلم، أيضا، اطراد استحالة تقيد المبتدأ والخبر في كل موضع بحال واحدة، لم يلزم منه استحالة تقيد كل واحد منهما بحال أخرى 1، فالحق، اذن، أن يقال، العامل في الحال الأول، أيضا، أفعل التفضيل، وآلة التشبيه، مع ضعفهما في العمل، كما تقدم، ولنقدم على بيان تعليله مقدمة، فنقول: ما يدل على حدثين فصاعدا يصلح كل منهما للعمل، على ضربين: أحدهما: ما يدل على حدثين يقعان معا، ويتعلق كل واحد منهمإ بمحدث الآخر، نحو: تضارب زيد وعمرو، وضارب زيد عمرا، فان ضرب كل واحد منهما تعلق بالآخر، أو يقعان معا ويتعلق كلاهما بشئ واحد، نحو: تنازعنا الحديث، ومثل هذه العوامل لا يتميز منصوب أحد جزأيها عن منصوب الآخر، مفعولا به 2، وقد يتميز حالاهما، نحو: تشاتم زيد قائما، وعمرو قاعدا، أو ظرفاهما نحو: تشاتم زيد في الدار وعمرو في الصفة، ويجوز أن يكونا حالين ولا يختلف زماناهما، لأن الغرض


(1) أي غير حال صاحبه، (2) أي لا يتميز في حالة وقوعه مفعولا به، (*)

[ 36 ]

وقوع الحدثين معا، ويتميز مستثناهما، أيضا نحو: اختلف أهل البصرة إلا سيبويه، وأهل الكوفة إلا الكسائي في كذا، وثانيهما 1: ما يدل على حدثين، يجوز تعلق كل منهما بغير محدث الآخر وبغير ما تعلق به الآخر، ووقوعه في وقت آخر، ومكان آخر، وعلى حال أخرى، وذلك: أفعل التفضيل، نحو: زيد أضرب من بكر لخالد، قال الله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمان) 2، وكذا يجوز اختلاف زمانيهما، نحو: زيد يوم الجمعة أضرب من عمرو يوم السبت، وكذا المكانان، نحو: زيد عندك أحسن منه عندي، وكذا الحالان نحو: زيد قائما أحسن منه قاعدا، وكذا آلة التشبيه، تدل على حدثين، فيجوز اختلاف زمانيهما، نحو: زيد يوم الجمعة كعمرو يوم السبت، واختلاف حاليهما، نحو: زيد قائما مثله قاعدا، أما أفعل التفضيل فانه يدل على حدثين معينين، أعني حدث الفاضل والمفضول، بصيغته، لأن معنى زيد أحسن من عمرو: أن لزيد الفاضل حسنا، ولعمرو المفضول حسنا، وأما آلة التمثيل فلا تدل بصيغتها على حدثين معينين، بل تدل بمعناها على حدثين مطلقين، لأن معنى زيد كعمرو أن هناك حالة يشتركان فيها فلهما حالتان متماثلتان، وأما أن تلك الحالة ما هي ؟ فغير مصرح به في اللفظ، فمعنى قولك: زيد يوم الجمعة مثل يوم السبت، أي: زيد تشبه حالته ودابه، يوم الجمعة حالته ودأبه يوم السبت، فالظرفان منصوبان بمعنى الحالة والدأب، إذ يعبر بهما عن كل حدث لازم كالحسن والجمال، أو غير لازم كالضرب والقتل، ألا ترى إلى تعلق الجار والظرف في قوله: 190 - كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل 3


(1) أي ثاني النوعين اللذين يدلان على حدثين فصاعدا، (2) الآية 167 من سورة آل عمران، (3) من معلقة امرئ القيس، التي تكرر الاستشهاد بأبياتها في هذا الشرح، وأم الحويرث، وأم الرباب، من أسماء النسوة اللاتي تحدث عنهن في هذه القصيدة، (*)

[ 37 ]

بدأ بك 1، لما كان بمعنى: تمتعك، فكنى ولم يصرح، وقد تقوم مع آلة التشبيه قرينة تدل على الحدث المعين، فيتعلق بهإ جاران كما تعلق الجار في بيت امرئ القيس بدأ بك، لما كنى به عن التمتع، وذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، أي قريب مني قرب هارون من موسى، قال: 191 - ولقد نزلت فلا تظني غيره * مني بمنزلة المحب المكرم 2 وتقول: هو مني بمنزلة الثريا من المتناول، أي بعيد مني بعدها منه، إذا تقرر هذا قلنا، لما لم يتميز كل واحد من الحدثين من الآخر في أفعل التفضيل وآلة التشبيه، وبابي فاعل وتفاعل، وغيرهما مما يدل على حدثين حتى يجعل منصوب كل واحد بجنبه: ألزم أن يكون منصوب 3 كل حدث بجنب صاحبه المصرح به، فقيل: يفضل زيد راكبا على عمرو راجلا، وتشاتم زيد قائما، وعمرو قاعدا، ورامي زيد في الدار عمرا في السوق، وكذا في أفعل التفضيل، وآلة التمثيل، نحو: زيد مني كعمرو منك، وبكر للضيف أكرم منه للجار، وعمرو قائما، أحسن منه قاعدا، وبكر قاعدا مثله قائما، وزيد يوم الجمعة أحسن..، أو مثله يوم السبت، جعلت متعلق حدث المفضل والممثل بجنبهما، ومتعلق حدث المفضل عليه والممثل به بجنبهما، دفعا للالتباس، وحرصا على البيان، فلهذا تقدم معمولاهما عليهما مع ضعفهما، وأما الضمير المستكن في أفعل، وفي آلة التشبيه، فانه، وإن كان مفضلا، وممثلا، لكنه، لما لم يظهر، كالعدم، ومع هذا كله، فلا أرى بأسا بأن يقال ههنا، وان لم يسمع، زيد أحسن قائما منه


(1) هذا متعلق بقوله: ألا ترى إلى تعلق الجار... الخ (2) أحد الأبيات في معلقة عنترة العبسي، التي أولها: هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم والمحب بفتح الحاء اسم مفعول من أحب، (3) أي في المثال موضع البحث والمراد بالمنصوب في كلامه: المعمول، ليشمل الظرف والجار والمجرور، كما هو واضح من التمثيل، وسيأتي في كلامه ما يرشد إلى ذلك، (*)

[ 38 ]

قاعدا، كما قال علي، رضي الله عنه في الجار: (والله لابن أبي طالب، آنس بالموت من الطفل بثدي أمه)، 1 وهذا كما تقول: ضرب زيد قائما، عمرا قاعدا، لعدم الالتباس، وبأن 2 يقال، على ضعف: زيد أحسن من عمرو قاعدا قائما، و (قاعدا) حال من المجرور، و (قائما) حال من الضمير المرفوع، كما مر أول الباب 3 في نحو: ضربت زيدا قائما قاعدا، قال المالكي 4، ومن الأحوال القياسية غير المشتقة: المصدر الآتي بعد اسم مراد به الكمال، نحو: أنت الرجل علما، أي: أنت الكامل في الرجولية عالما، ومثله: هو زهير شعرا، وكونه حالا رأي الخليل، وقال أحمد بن يحيى 5: هو مصدر 6، أي: أنت العالم علما، والذي أرى: أن المصدر في مثله تمييز، لأنه فاعل في المعنى، أي: أنت الكامل علما، أي علمه، وهو الكامل شعرا، أي شعره، والدليل عليه أنك تقول: هو قارون كنزا، والخليل عروضا، وسيبويه نحوا، وهذه ليست بأحوال ولا مصادر، ثم اعلم أنه لا قياس في شئ من المصادر يقع حالا، بل يقتصر على ما سمع منها، نحو قتلته صبرا، ولقيته فجأة وعيانا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا أو عدوا، أو مشيا،


(1) مما جاء في نهج البلاغة، ص 39 طبع دار الشعب بالقاهرة بتصحيح الاستاذين محمد البنا ومحمد عاشور، (2) أي ولا أرى بأسا بأن يقال، (3) تحدث الرضي عن مجئ حالين من الفاعل والمفعول وبين موضع كل منهما في الجملة، انظر في هذا الجزء، (4) قلت عند ذكر (المالكى) لأول مرة في الجزء الأول ص 207 أن الأرجح انه يريد ابن مالك، وكان من أسباب الترجيح ما ينسبه الرضي إلى (المالكي) من آراء، هي مما عرف أنه منسوب لابن مالك، وهذا أحد الأمور فإن وقوع المصدر الآتي بعد اسم يراد به الكمال واعتباره حالا كالمثال الذي في الشرح معروف أنه رأى لابن مالك، والله أعلم، (5) هو الأمام ثعلب، وهو من زعماء الكوفيين ويذكره الرضي باسم ثعلب في بعض الأحيان، (6) أي مفعول مطلق للوصف الذي من لفظه، (*)

[ 39 ]

والمبرد 1 يستعمل القياس في المصدر الواقع حالا، إذا كان من أنواع ناصبه نحو: أتانا رجلة وسرعة وبطأ ونحو ذلك، وأما ما ليس من تقسيماته وأنواعه، فلا خلاف أنه ليس بقياس، فلا يقال: جاء ضحكا أو بكاء ونحو ذلك لعدم السماع، ثم انه، قد ذهب الأخفش والمبرد إلى أن انتصاب مثل هذه المصادر على المصدرية، لا الحالية والعامل محذوف أي أتيته أركض ركضا، كما هو مذهب أبي علي في: أرسلها العراك، ولو كان كما قالا 2، لجاز تعريفها، وغيرهما على أن انتصابها على الحال، لا على حذف المضاف 3، فمعنى مشيا: ماشيا، وقع المصدر صفة، كما أن الصفة وقعت مصدرا في نحو: قم قائما، على أحد المذهبين 4، وعلى الثاني: هو حال مؤكدة، كما يجئ، ولا يمتنع أن يقال: ان جميع ذلك على حذف المضاف، أي: أتيته ذا ركض، إلا أنه لا مبالغة فيه، كما مر في خبر المبتدأ، 5 ومما جاء فيه الحال غير مشتق سماعا، قولهم: كلمته فاه إلى في، وهشام 6 يقيس عليه، كما مر، ومنه: بعته يدا بيد، وأرسلها العراك، وسائر ما ذكرته عند ذكر مجيى. الحال معرفة، وأما نحو: جاء البر قفيزين، أو صاعين، فالأولى أن المنصوب خبر (جاء)، لا حال، كما يجيئ في الأفعال الناقصة، 7


(1) المبرد من أكثر من نقل عنهم الرضي في شرحه هذا، وقد ترجمنا له في الجزء الأول. (2) أي الأخفش والمبرد، (3) أي من غير تقدير مضاف، وهو مقابل للرأي الآتي، (4) أي ان قائما مصدر جاء بوزن فاعل، (5) ص 254 في الجزء الأول (6) المراد هشام بن معاوية، الضرير، وتقدم ذكره، (7) سيأتي في باب كان أن من الأفعال الناقصة: الفعل (جاء) في تراكيب معينة، مثل ما هنا، (*)

[ 40 ]

(الجملة الحالية) (صورها وشروطها وروابطها) (قال ابن الحاجب:) (ويكون جملة خبرية، فالاسمية بالواو والضمير، أو بالواو،) (أو بالضمير على ضعف، والمضارع المثبت بالضمير وحده،) (وما سواهما بالواو والضمير، أو بأحدهما، ولابد في الماضي) (المثبت من (قد) ظاهرة أو مقدرة)، (قال الرضي:) أما جواز كون الحال جملة، فلأن مضمون الحال، قيد لعاملها، ويصح أن يكون القيد مضمون الجملة، كما يكون مضمون المفرد، وأما وجوب كونها خبرية فلأن مقصود المجيئ بالحال، تخصيص وقوع مضمون عامله بوقت وقوع مضمون الحال، فمعنى قولك جاءني زيد راكبا: أن المجيئ الذي هو مضمون العامل واقع وقت الركوب الذي هو مضمون الحال، ومن ثم، قيل ان الحال يشبه الظرف في المعنى، والأنشائية إما طلبية أو إيقاعية، بالاستقراء، وأنت في الطلبية لست على يقين من حصول مضمونها، فكيف تخصص مضمون العامل بوقت حصول ذلك المضمون 1 ؟ وأما الأيقاعية، نحو: بعت، وطلقت، فان المتكلم بها لا ينظر، أيضا، إلى وقت يحصل فيه مضمونها، بل مقصودة إيقاع مضمونها وهو مناف لقصد وقت الوقوع، بلى، يعرف بالعقل، لا من دلالة اللفظ أن وقت التلفظ بلفظ الأيقاع: وقت وقوع مضمونه،


(1) أي المضمون غير المتيقن، (*)

[ 41 ]

قوله: (فالاسمية بالواو والضمير)، إنما ربطوا الجملة الحالية بالواو، دون الجملة التي هي خبر المبتدأ، فإنه اكتفي فيها بالضمير، لأن الحال يجيئ فضلة بعد تمام الكلام. فاحتيج في الأكثر إلى فضل ربط، فصدرت الجملة التي أصلها، الاستقلال بما هو موضوع للربط، أعني الواو التي أصلها الجمع، لتؤذن من أول الأمر بأن الجملة لم تبق على الاستقلال، وأما خبر المبتدأ، والصلة، والصفة، فانها لا تجيئ بالواو، لأن 1 بالخبر يتم الكلام، وبالصلة يتم جزء الكلام، والصفة لتبعيتها للموصوف لفظا، وكونها لمعنى فيه معنى 2: كأنها من تمامه، فاكتفي في ثلاثتها بالضمير، بلى، قد تصدر الصفة والخبر بالواو، إذا حصل لهما أدنى انفصال، وذلك بوقوعهما بعد (إلا) نحو: ما حسبتك إلا وأنت بخيل، وما جاءني رجل إلا وهو فقير، وأما الصلة فلا يعرض لها مثل هذه الحال، فلا ترى، أبدا، مصدرة بالواو، قوله: (أو بالواو، أو بالضمير)، اجتماع الواو والضمير في الاسمية، وانفراده الواو: متقاربان في الكثرة، لكن اجتماعهما أولى، احتياطا في الربط، وأما انفراد الضمير، فقال الأندلسي 3: ان كان المبتدأ 4 ضمير صاحب الحال، وجب الواو أيضا، نحو: جاءني زيد وهو راكب، ولعل ذلك لكون مثل هذه الجملة، في معنى المفرد، سواء، إذ المعنى: جاءني زيد راكبا، فصدرت بالواو إيذانا من أول الأمر بكون الحال جملة، وإن أدت معنى المفرد، وإن لم يكن المبتدأ ضمير صاحب الحال، نظر، فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة، سواء كان مبتدأ، نحو: جاءني زيد يده على رأسه، وكلمته فوه إلى في، أو خبرا نحو قوله:


(1) أي لأنه بالخبر، فاسمها ضمير الشأن حتى يستقيم المعنى، (2) أي من جهة المعنى، (3) القاسم بن أحمد الأندلسي من علماء المغرب وهو قريب العهد بالرضي، ويتكرر النقل عنه في هذا الشرح، (4) أي في الجملة الواقعة حالا، (*)

[ 42 ]

192 - إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها * خرجت مع البازي علي سواد 1 فلا يحكم بضعفه مجردا من الواو، وذلك لكون الرابط في أول الجملة وان لم يكن مصدرا، بل نقول: هو أقل من اجتماع الواو والضمير، وانفراد الواو، وإن كان الضمير في آخر الجملة، كقوله: 193 - نصف النهار: الماء غامره * ورفيقه بالغيب لا يدري 2 فلا شك في ضعفه وقلته، وقال جار الله 3: بناء على أن انفراد الضمير في الاسمية ضعيف مطلقا على ما ذهب إليه المصنف: إن قولهم 4: جاءني زيد عليه جبة وشي، بمعنى مستقرة عليه جبة وشي، يريد أنه ليس بجملة، بل هو مفرد تقديرا، فلذا خلا من الواو، وذلك لأن الظرف إذا اعتمد على المبتدأ جاز أن يرفع الظاهر، كما مر في باب المبتدأ 5، فإن أراد 6 أنه وجب أن يكون في تقدير المفرد، ففيه نظر، لقوله: 194 - فألحقه بالهاديات ودونه * جواحرها في صرة لم تزيل 7 وقوله: 195 - وان امراءا أسرى إليك ودونه * من الأرض موماة وبيداء سملق 8


(1) من أبيات لبشار بن برد، وهو من المحدثين، في رأي القدماء فلا يستشهد بشعره، والقول فيه كالقول في الاستشهاد بشعر المتني، (2) الأرجح أن هذا البيت من قصيدة للمسيب بن علس، حال الأعشى، وليست للأعشى كما قال بعضهم، وهو في وصف غواص نزل إلى البحر يبحث عن درة، ولقي في البحث عنها أهوالا شديدة حتى إنه بقي في البحر زمنا، لا يدري رفيقه الذي يعاونه عنه شيئا، إلى آخر ما جاء في هذا الجزء من القصيدة، (3) أي الزمخشري، (4) هذا ما قاله الزمخشري، انظر شرح ابن يعيش ج 2 ص 65 (5) ج 1 ص 243 (6) أي الزمخشري، وهذه مناقشة من الرضي له، (7) من معلقة امرئ القيس، وهو من الجزء الذي يصف فيه فرسه بالسرعة، والهاديات: أوائل الوحوش، والجواحر ما تأخر منها، والصرة: الضجيج، وقوله: لم تزيل أصله تتزيل فحذفت إحدى التاءين، (8) البيتان من قصيدة الأعشى التي مدح بها المحلق، وهي التي كانت سببا في إقبال الفتيان على الزواج من بنات = (*)

[ 43 ]

لمحقوقة أن تستجيبي لصوته * وأن تعلمي أن المعان موفق ولو كان مفردا لم تجز الواو، وأيضا، تقول: لقيته وإن عليه جبة وشي، ولو لم يكن جملة لم تدخل عليها (إن)، وان أراد أنه لا يمتنع أن يقدر بمفرد، فمسلم، وحكم الجملة المصدرة بليس، وان كانت فعلية، حكم الاسمية، في أن اجتماع الواو والضمير، أو انفراد الواو، أكثر من انفراد الضمير، وذلك لأن (ليس) لمجرد النفي على الأصح، ولا تدل على الزمان، فهي كحرف نفي داخل على الاسمية، فالاسمية معها كأنها باقية على اسميتها، بخلاف: لا يكون، و: ما كان، ونحوهما، وقد تخلو 1 من الرابطين عند ظهور الملابسة نحو قولك: خرجت، زيد على الباب، وهو قليل، قوله: (والمضارع المثبت بالضمير وحده)، وذلك لأن المضارع على وزن اسم الفاعل لفظا، وبتقديره معنى، فجاءني زيد يركب، بمعنى: جاءني زيد راكبا، ولا سيما وهو يصلح للحال وضعا، وبين الحالين تناسب، وان كانا في الحقيقة مختلفين، كما يجيى، 2 وقد سمع: قمت وأصك عينه، وذلك إما لأنها جملة وان شابهت المفرد، وإما لأنها بتقدير: وأنا أصك، فتكون اسمية تقديرا، ويشترط في المضارع الواقع حالا: خلوه من حرف الاستقبال، كالسين ولن، ونحوهما، وذلك أن الحال الذي نحن في بابه، والحال الذي يدل عليه المضارع، وان تباينا حقيقة لأن في قولك اضرب زيدا غدا يركب: لفظ يركب، حال بأحد المعنيين، غير حال بالآخر، لأنه ليس في زمان التكلم، لكنهم التزموا تجريد صدر هذه الجملة، أي المصدرة بالمضارع عن علم الاستقبال لتناقض الحال والاستقبال في الظاهر، وإن لم


= المحلق، والموماة: الغلاة الواسعة، والسملق: المستوية، (1) أي الجملة الاسمية الواقعة حالا، وهي موضوع الحديث، (2) يأتي بعد قليل توضيح هذا المعنى الذي أشار إليه الرضي، (*)

[ 44 ]

يكن التناقض ههنا حقيقيا، ولمثله التزموا (قد) إما ظاهرة أو مقدرة في الماضي إذا كان حالا، مع أن حاليته بالنظر إلى عامله، ولفظة (قد) تقرب الماضي من حال التكلم فقط، وذلك لأنه كان يستبشع في الظاهر لفظ الماضي والحالية، فقالوا: جاء زيد العام الأول 1 وقد ركب، فالمجيى بلفظ (قد) ههنا، لظاهر الحالية، كما أن التجريد عن حرف الاستقبال في المضارع لذلك، قوله: (وما سواهما)، أي: وما سوى الاسمية، والمضارع المثبت، وهو 2 ثلاثة أقسام: المضارع المنفي، والماضي المثبت، والماضي المنفي، يجوز في كل واحدة منها، على ما ذكر، ثلاثة أوجه: اجتماع الواو والضمير، والاكتفاء بأحدهما، صارت تسعة، وهذه أمثلتها: جاءني زيد وما ركب غلامه، وما ركب عمرو، ما ركب غلامه، جاءني زيد ولا يركب غلامه، ولا يركب عمرو لا يركب غلامه، جاءني زيد وقد ركب غلامه، وقد ركب عمرو، قد ركب غلامه، هذا ما قاله المصنف، وقال الأندلسي 3، المضارع المنفي بلم، لا بد فيه من الواو 4، كان مع الضمير، أو، لا، ولعل ذلك لأن نحو لم يضرب: ماض معنى، كضرب، فكما أن ضرب، لمناقضته للحال ظاهرا، احتاج إلى (قد) المقربة له من الحال، لفظا أو تقديرا، كذلك، لم يضرب، يحتاج إلى الواو التي هي علامة الحالية، لما لم يصلح معه (قد)، لأن 5 (قد) لتحقيق الحصول، و (لم) للنفي،


(1) قوله العام الأول، القصد به توكيد معنى المضي في الجملة السابقة على الحال، (2) أي ما سوى الاسمية والمضارع المثبت، (3) تقدم ذكره قريبا. (4) علق السيد الجرجاني على هذا بأنه جاء مجردا عن الواو في قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء)، آل عمران / 174، وهو نظر وارد، (5) تعليل لعدم صلاحية المضارع المنفي لدخول قد، (*)

[ 45 ]

وإذا انتفى المضارع بلفظ (ما) لم تدخله الواو، لأن المضارع المجرد 1 يصلح للحال، فكيف لا 2، إذا انضم معه ما يدل بظاهره على الحال وهو (ما)، فعلى هذا ينبغي أن يلزمه الضمير، وإذا انتفى المضارع بلا، لزمه الضمير، كما يلزم المضارع المثبت، على ما ذهب إليه النجاة، والأغلب تجرده عن الواو كالمثبت، لأن معنى جاءني زيد لا يركب، أي: غير راكب، فهو واقع موقع المفرد، ودخول (لا) لا يغير الكلام في الأغلب عما كان عليه، لكثرة استعمالها، فلهذا جاز: إن تزرني لا أزرك، أو: فلا أزورك، كما تقول: ان تزرني أزرك، أو: فأزورك، وكذا تقول: كنت بلا مال، لكن مصاحبة المضارع المصدر بلا، للواو، أكثر من مصاحبة المضارع المجرد لها، إذ ليس الحال في الحقيقة، في نحو: لا يركب، مشابها للمفرد لفظا ومعنى، كما شابهه في نحو: يركب، لأن الحال في الأول: انتفاء الصفة، ف (لا) مع الجملة، هو الحال، ولا ينتفي المضارع حالا بلن، لما ذكرنا قبل 3، قوله: (ولا بد في الماضي المثبت من قد، ظاهرة أو مقدرة)، قد تقدم علة ذلك، والأخفش، والكوفيون غير الفراء، لم يوجبوا (قد) في الماضي المثبت ظاهرة أو مقدرة، استدلالا بنحو قوله: 196 - واني لتعروني لذكراك هزة * كما انتفض العصفور بلله القطر 4 وقوله تعالى: (أو جاءوكم حصرت صدورهم 5)، وغيرهم أوجبوه، لما مضى 6، والأول قريب، وقيل ان الماضي في نحو قولهم: اضربه قام أو قعد: حال، ويجب تجرده عن


(1) أي المجرد من (ما)، (2) أي فكيف لا يصلح إذا كان معه (ما) (3) وهو وجوب تجريده من علامة الاستقبال، (4) من قصيدة لصخر الفي الهذلي، أوردها البغدادي كلها، نقلا عن أمالي القالي، وشرحها وهي جيدة المعنى، وكلها في الغزل، (5) الآية 190 سورة النساء، (6) لأنها تقربه من حال التكلم فيتناسب مع معنى الحال، (*)

[ 46 ]

(قد) ظاهرة أو مقدرة، والأولى أنه شرط لا حال، أي: ان قام أو قعد، كما يجيئ في حروف العطف، ولو كان حالا لسمع معه (قد) أو الواو، كما في غيره من الماضي الواقع حالا، وإذا كان الماضي بعد (إلا)، فاكتفاؤه بالضمير من دون الواو، وقد: أكثر، نحو: ما لقيته الا أكرمني، لأن دخول (الا) في الأغلب الأكثر على الأسماء، فهو بتأويل: الا مكرما لي، فصار كالمضارع المثبت، وقد يجيئ مع الواو، وقد، نحو قولك: ما لقيته إلا وقد أكرمني، ومع الواو وحدها نحو: ما لقيته إلا وأكرمني، لأن الواو مع (الا) تدخل في حيز المبتدأ فكيف الحال ؟، كما تقدم، ومثاله: ما رجل إلا وله نفس أمارة، ولم يسمع فيه (قد) من دون الواو، نحو: ما لقيته إلا قد أكرمني، وفي غير هذا الموضع 1 ينظر، فإن كان مع الماضي المثبت ضمير، فثبوت (قد) معه، أكثر من تركها، وقد جاء ذلك أيضا نحو قوله تعالى: (أو جاءوكم حصرت صدورهم 2)، قالوا ان (قد) فيه مقدرة، واجتماع الواو وقد، حينئذ، أكثر من انفراد أحدهما، وانفراد (قد) أكثر من انفراد الواو، فنحو: جاءني زيد وقد خرج أبوه، أكثر، ثم: قد خرج أبوه، ثم: وخرج أبوه، فان لم يكن معه ضمير، فالواو مع (قد) لابد منهما، كقوله: يقول وقد تر الوظيف وساقها * ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد 3 - ولا يقال: جاءني زيد، قد خرج عمرو، ولا جاءني زيد 4 وخرج عمرو، وأجاز الأندلسي على ضعف، دخول (قد) في الماضي المنفي بما، نحو: ما قد ضرب أبوه، وليس بوجه، لعدم السماع، والقياس، أيضا لكون (قد) لتحقق الوقوع، و (ما) لنفيه،


(1) أي إذا لم يكن بعد إلا، (2) الآية المتقدمة قبل قليل، (3) تقدم ذكره في أول الحديث عن الحال، (4) أي لا يقال ذلك على جعل الجملة الثانية حالا، وإن كان جائزا على ان تكون الثانية من عطف الجمل، وهذا بالنسبة للمثال الثاني، أما الأول فهو موضع نظر، (*)

[ 47 ]

(حذف عامل الحال) (وجوبه في المؤكدة، معنى المؤكدة) (قال ابن الحاجب:) (ويجوز حذف العامل، كقولك للمسافر: راشدا مهديا،) (ويجب في المؤكدة، نحو: زيد أبوك عطوفا، أي أحقه،) (وشرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية)، (قال الرضي:) اعلم أن عامل الحال قد يحذف جوازا، ووجوبا أيضا، في مواضع قياسية، ولا بد من قرينة مع الحذف، جائزا كان أو واجبا، فقرينة ما حذف جائزا: حضور معناه، كقولك للمسافر: راشدا مهديا، أي سر راشدا... أو تقدم ذكره، إما في الاستفهام،. كقولك، قائما، في جواب من قال: كيف خلفت زيدا، أو في غير الاستفهام كقوله تعالى: (أيحسب الأنسان أن لن نجمع عظامه، بلى قادرين 1)، أي بلى نجمعها قادرين، ومن المواضع التي يحذف فيها قياسا على الوجوب: أن تبين الحال ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا، مقرونة بالفاء أو ثم، تقول في الثمن: بعته بدرهم فصاعدا، أو: ثم زائدا، أي ذهب الثمن صاعدا أو زائدا، أي آخذا في الازدياد، يقال هذا في ذي أجزاء بيع بعضها بدرهم والبواقي بأكثر، وتقول في غير الثمن: قرأت كل يوم جزءا من القرآن،


الآيتان 3، 4 من سورة القيامة، (*)

[ 48 ]

فصاعدا، أو: ثم زائدا، أي: ذهبت القراءة زائدة، أي كانت كل يوم في الزيادة، ومنها ما وقع الحال فيه نائبا عن خبر، نحو ضربي زيدا قائما، وقد تقدم 1، ومنها أسماء جامدة، متضمنة توبيخا على ما لا ينبغي من التقلب في الحال 2، مع همزة الاستفهام، وبدونها أيضا، كقولهم: أتميميا مرة، وقيسيا أخرى، وقوله: 197 - أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العوارك 3 أي: أتتحول تميميا، و: أتنتقلون أعيارا وأشباه النساء، وكذا قوله: 198 - أفي الولائم أولادا لواحدة * وفي العيادة أولادا لعلات 4 وتقول في غير الهمزة: تميميا قد علم الله مرة وقيسيا أخرى، بلا همزة، هذا الذي ذكرنا: مذهب السيرافي 5 والزمخشري، أعني كون هذه الأسماء منصوبة على الحال، ومذهب سيبويه، وهو الحق، انتصابها على المصدرية 6، قال المصنف 7، انه ليس المراد: أنك تتحول في حال كونك تميميا، وأنكم تنتقلون في حال كونكم أعيارا، بل المعنى: تتحول هذا التحول المخصوص، ومنها، عند السيرافي، صفات تضمنت توبيخا على ما لا ينبغي في الحال، مع الهمزة وبدونها، نحو قولهم: أقائما وقد قعد الناس، و: أقاعدا وقد سار الركب، و: قائما


(1) تقدم ذلك في باب المبتدأ والخبر عند الكلام على وجوب الخبر، ج 1 ص 276 (2) المراد بالحال هنا، ما يكون عليه الأنسان، وكذلك فيما يأتي عند قوله: صفات تضمنت توبيخا على ما لا ينبغي، (3) الأعيار، جمع عير بفتح العين وهو الحمار، وقد غلب في الوحشي منه، والعوارك جمع عارك وهي المرأة الحائص، وهو بيت مفرد منسوب لهند بنت عتبة تحرض به المشركين وتعيرهم بعد عودتهم منهزمين من إحدى المعارك مع المسلمين، (4) هذا البيت غير منسوب لأحد وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 172 ولم يكتب عليه البغدادي في الخزانة، (5) أبو سعيد السيرافي شارح كتاب سيبويه، وهو ممن تردد ذكرهم في هذا الشرح، (6) أي بتقدير ما قبلها مؤولا بفعل من معنى التحول مثلا، (7) أي ابن الحاجب تعليلا لمذهب سيبويه، (*)

[ 49 ]

قد علم الله وقد قعد الناس، تقديره: أتقوم قائما، فهو عند السيرافي حال مؤكدة، وأما عند سيبويه، والمبرد، والزمخشري، فالصفة قائمة مقام المصدر، أي: أتقوم قياما، ويجوز رفع هذين القسمين، على أنهما خبران المبتدأ، فتقول: أتميمي مرة...، و: قائم قد علم الله...، أي: أأنت تميمي، و: هو قائم قد علم الله..، والعلة في وجوب حذف العامل في جميع ما ذكرنا، مما هو حال، كثرة استعماله، قوله: (ويجب في المؤكدة)، أي يجب حذف العامل في المؤكدة، هذا على مذهب من قال: ان المؤكدة لا تجيئ إلا بعد الاسمية، والظاهر أنها تجيئ بعد الفعلية أيضا كقوله تعالى: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) 1، وقوله تعالى: (ثم وليتم مدبرين 2)، وقولهم: تعال جائيا، وقم قائما، قال تعالى: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) 3، على قراءة النصب في الأربعة، وقال تعالى: (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) 4، وتخالف العامل والحال، اذن، أكثر من توافقهما، وللأول 5 أن يرتكب أن هذه الصفات المنصوبة كلها قائمة مقام المصدر، على ما هو مذهب سيبويه في نحو: أقاعدا وقد سار الركب، وأما المؤكدة فليست بقيد به عاملها كالمنتقلة، وإذا جاءت بعد الاسمية وجب أن يكون جزاها معرفتين جامدين، وتجيئ إما لتقرير مضمون الخبر وتأكيده، وإما للاستدلال على مضمونه، ومضمون الخبر إما فخر، كقوله:


(1) الآية 85 سورة هود،. (2) الآية 25 سورة التوبة، (3) الآية 54 سورة الأعراف، (4) الآية 92 سورة النحل، (5) يعني من يرى أن المؤكدة لا تجيى بعد الجملة الاسمية، (*)

[ 50 ]

199 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبي * وهل بدارة يا للناس من عار وكقولك: أنا حاتم جوادا، وأنا عمرو شجاعا، إذ لا يقول مثله الا من اشتهر بالخصلة التي دلت عليها الحال، كاشتهار حاتم بالجود، وعمرو 2 بالشجاعة، وإما تعظيم لغيرك نحو: أنت الرجل كاملا، أو تصاغر لنفسك 3، نحو: أنا عبد الله آكلا كما يأكل العبد، أو تصغير للغير 4، نحو: هو المسكين مرحوما، أو تهديد نحو: أنا الحجاج سفاكا للدماء، أو غير ذلك نحو: زيد أبوك عطوفا، و: (هذه ناقة الله لكم آية) 5، و: (هو الحق مصدقا) 6، فقولك: آكلا، ومرحوما ومصدقا، للاستدلال على مضمون الخبر، وقوله: مشهورا بها نسبي 7، وقولك كاملا، وسفاكا للدماء، وآية، ومعروفا، 8 لتقرير مضمون الخبر وتأكيده، وقولك عطوفا، لكليهما، وإنما سمي الكل حالا إذ ليس 9 في كونه حقا، معنى التصديق، حتى يؤكد بمصدقا، وكذلك ليس في كونه مسكينا معنى المرحومية، لأن 10 مضمون الحال لازم في الأغلب لمضمون


(1) من أبيات امتلأت بالهجاء المقذع، قالها سالم بن دارة يهجو زميل بن أبير، أحد بني فزارة، وكانت بينهما مهاجاة قاسية، ويروى: مشهورا بها نسبي، (2) المقصود: عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان مشهورا بالشجاعة، (3) مقابل قوله: اما فخر، والمراد هنا التواضع، (4) دخول حرف التعريف على كلمة (غير) لا يقره كثير من النجاة، والرضي يستعمله كثيرا، ويحاول بعض الباحثين تبريره بما لا يخلو من تكلف،. (5) الآية 64 من سورة هود، وتقدمت، (6) من الآية 31 في سورة فاطر، (7) جرى في توضيح البيت على ما روى في إنشاده كما أشرنا، وسيشير إلى الرواية التي أوردها، وهذا من اختلاف النسخ الذي برز في هذا المكان من الشرح مما جعلنا نوفق بين عبارة المطبوعة وبين ما أشير إليه بالهامش من نسخ أخرى بحيث لم نخرج عن المقصود، والحمد لله، (8) إشارة إلى الرواية التي أوردها في البيت، (9) بيان لكونها غير مؤكدة، (10) وهذا بيان لوجه التسمية (*)

[ 51 ]

الجملة، فان التصديق لازم لحقية القرآن، فصار كأنه هو، وكذا المرحومية في الأغلب لازم للمسكنة، واختلف في العامل في المؤكدة التي بعد الاسمية، فقال سيبويه 1: العامل مقدر بعد الجملة، تقديره: زيد أبوك أحقه عطوفا، يقال: حققت الأمر أي تحققته وعرفته، أي أتحققه وأثبته عطوفا، وفيه نظر، إذ لا معنى لقولك: تيقنت الأب وعرفته في حال كونه عطوفا، وإن أراد 2 أن المعنى: أعلمه عطوفا، فهو مفعول ثان لا حال، وقال الزجاج 3: العامل هو الخبر، لكونه مؤولا بمسمى، نحو: أنا حاتم سخيا، وليس بشئ، لأنه لم يكن سخيا وقت تسميته بحاتم، ولا يقصد القائل بهذا اللفظ: هذا المعنى، وأيضا، لا يطرد ذلك في نحو: (هذه ناقة الله لكن آية)، 4 و: (هو الحق مصدقا 5) وغير ذلك مما ليس الخبر فيه علما، وقال ابن خروف 6: العامل المبتدأ، لتضمنه معنى التنبيه، نحو: أنإ، عمرو شجاعا، وهو بعيد، لأن عمل المضمر، والعلم في نحو: أنا زيد، وزيد أبوك، مما لم يثبت نظيره في شئ من كلامهم، والأولى عندي: ما ذهبت إليه ابن مالك 7، وهو أن العامل معنى الجملة، كما قلنا في المصدر المؤكد لنفسه، أو لغيره 8، كأنه قال: يعطف عليك أبوك عطوفا، ويرحم


(1) انظر سيبويه: ج 1 ص 192. (2) وإن أراد: أي سيبويه،. (3) الزجاج من متقدمي نجاة البصرة، واسمه إبراهيم بن السري وتكرر ذكره في هذا الشرح، (4) الآية المتقدمة قريبا من سورة هود، (5) الآية 31 سورة فاطر وتقدمت قريبا (6) ابن خروف هو أبو الحسن علي بن محمد الأشبيلي من مشاهير النجاة وتقدم له ذكر في الجزء الأول، (7) الأمام جمال الدين بن مالك صاحب الألفية والتسهيل وغيرهما، من معاصري الرضي، ونقل الرضي عنه كثيرا، وعبر في بعض المواضع بالمالكي ورجحنا أنه يريد ابن مالك بهذا، والله اعلم، (8) ص 323 من الجزء الأول، (*)

[ 52 ]

مرحوما، وحق ذلك مصدقا، وذلك لأن الجملة، وان كان جزاها جامدين جمودا محضا، فلا شك أنه يحصل من إسناد أحد جزأيها إلى الآخر معنى من معاني الفعل، ألا ترى أن معنى أنا زيد، أنا كائن زيدا، فعلى هذا، لا تتقدم المؤكدة على جزأي الجملة، ولا على أحدهما، لضعفها في العمل، وذلك لخفاء معنى الفعل فيها، هذا، ويجوز حذف الحال مع القرينة، كقولك: لقيته، في جواب من قال: أما لقيت زيدا راكبا، ولا يجوز الحذف إذا نابت عن غيرها كما في: ضربي زيدا قائما، وإذا توقف المراد على ذكرها، كما تقول في الحصر: لا تأتني إلا راكبا، وقد يلزم بعض الأسماء الحالية، نحو: كافة، وقاطبة، ولا تضافان، وتقع (كافة) في كلام من لا يوثق بعربيته 1، مضافة غير حال، وقد خطئوا فيه،


(1) الجمهور على أن (كافة) مختصة بالنصب على الحالية ولا تستعمل إلا في العقلاء وقد وردت في كلام الزمخشري مجرورة بحرف الجر لغير العاقل إذ يقول في المفصل: مشتملا على كافة الأبواب - (مقدمة المفصل) وكأن الرضي يقصده، وقد صحح بعضهم كلام الزمخشري واستدل لذلك، (*)

[ 53 ]

(التمييز) (تعريفه وأنواعه) (قال ابن الحاجب:) (التمييز ما يرفع الابهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة)، (قال الرضي:) قوله: (ما يرفع الابهام)، جنس يدخل فيه التمييز وغيره، كالحال، والصفة، وشبههما، وقال: عن ذات، احترازا، عن الحال فإنه يرفع الأبهام ولكن لا عن الذات، قلت: سلمنا أن الحال تخرج عنه، لأنها ترفع الابهام عن هيئة الذات لا عن نفسها، وكذا القهقرى، في قولك: رجع زيد القهقرى، يرفع الأبهام عن هيئة الذات التي هي الرجوع لا عن نفس الرجوع، لأن ماهية الرجوع معلومة غير مبهمة، وهي الانتفال إلى ما ابتدأت منه الذهاب، لكن الصفة في نحو: جاءني رجل طويل، أو ظرف، تدخل فيه، لأن (رجل) ذات مبهمة بالوضع، صالحة لكل فرد من أفراد الرجال، فبذكر أحد أوصافه، تميز عما يخالفه، كما تميز بطويل، عن قصير، فطويل، إذن، يرفع الابهام المستقر، أي الثابت وضعا، على ما فسره المصنف 1، عن الذات المذكورة، وكذا يدخل فيه عطف البيان، نحو: جاءني العالم زيد، وكذا البدل من الضمير الغائب في نحو: مررت به زيد، لأنه رفع الابهام عن المقصود بالضمير، كما في نعم رجلا، وربه رجلا، سواء 2،


(1) سيأتي تفسير المصنف في الفصل التالي لهذا، (2) تقديره هما سواء وتكرر ذلك (*)

[ 54 ]

ويدخل فيه، أيضا، المضاف إليه في نحو: خاتم فضة، كما يدخل فيه إذا انتصب، لأن معنى النصب والجر فيه سواء، وكذا يدخل فيه المجرور في نحو: مائة رجل وثلاثة رجال، وله 1 أن يعتذر بأن المجرور بالعداد، داخل في الحد، وهو تمييز، والتمييز نفسه قد ينجر، إذا كان جره أخف من نصبه، كما في هذا، كما اعتذر في حد المفعول عن الاعتراض بنحو: ضرب ضرب شديد بأنه مفعول مطلق، لكنه لم ينتصب لغرض قيامه مقام الفاعل، وكذا في: ضرب زيد، وسير يوم الجمعة وفرسخان، قوله: (الابهام المستقر)، قال: 2 احترزت بالمستقر، عن الابهام في اللفظ المشترك، فإن صفة المشترك ترفع الأبهام عن المشترك في نحو: أبصرت عينا جارية، لكن الأبهام فيه ليس بوضع الواضع، فإن الذي يثبت منه 3 بوضع الواضع، إنما يكون بأن يضع الواضع لفظا لمعنى مبهم صالح لكل نوع، كالعدد والوزن، والكيل، لا أن يضع لفظا لمعنى معين، ثم اتفق، إما من ذلك الواضع، أو من غيره، أن يضع ذلك اللفظ، لمعين آخر، فيعرض له الابهام عند المستعمل، لأجل الاشتراك العارض، فمثل هذا الأبهام غير مستقر في أصل الوضع، بل عرض بسبب الاشتراك العارض، قلت 4: معنى المستقر في اللغة، هو الثابت، ورب عارض، ثابت لازم، والابهام في المشترك ثابت لازم مع عدم القرينة بعد اتفاق الاشتراك، ومع القرينة، ينتفي الابهام، في المشترك وفي العدد وسائر المقادير، فلا فرق بينهما، أيضا، من جهة الأبهام، ولا يدل لفظ المستقر على أنه وضعي كما فسر، والحد لا يتم بالعناية 5، والألفاظ المجملة في الحد مما يخل به،


(1) أي للمصنف أن يعتذر عن دخول العدد، (2) أي ابن الحاجب في شرحه على الكافية، (3) أي من أنواع الأبهام (4) تمهيد من الرضي للاعتراض على ابن الحاجب (5) يعني: ببيان المراد من اللفظ، ويسمونه: تحرير المراد، ولذإ يقولون: تحرير المراد لا يدفع الأيراد، (*)

[ 55 ]

قوله: (عن ذات مذكورة أو مقدرة)، ليشمل النوعين: التمييز عن المفرد، والتمييز عن النسبة، (تمييز المفرد) (قال ابن الحاجب:) (فالأول عن مفرد، مقدار غالبا، إما في عدد، نحو:) (عشرين درهما، وسيأتي، وإما في غيره، نحو: رطل زيتا) (ومنوان سمنا، وعلى التمرة مثلها زبدا، فيفرد، إن كان) (جنسا، إلا أن يقصد الأنواع، ويجمع في غيره، ثم إن كان) (بتنوين أو بنون التثنية، جازت الاضافة، وإلا فلا، وعن) (غير مقدار نحو: خاتم حديدا، والخفض أكثر)، (قال الرضي:) قوله: فالأول، يعني الذي يرفع الأبهام عن ذات مذكورة،. قوله: (عن مفرد)، لفظة (عن) في مثله تفيد أن ما بعدها مصدر لما قبلها وسبب له، كما يقال: فعلت هذا عن أمرك وعن تقدمك 1، أي أن أمرك سبب لحصوله فالتمييز صادر عن المفرد، أي: المفرد، لابهامه، سبب له، أو عن نسبة في جملة أو شبهها، أي: النسبة سبب له، لأنك تنسب شيئا إلى شئ في الظاهر، والمنسوب إليه في الحقيقة غيره، فتلك النسبة، إذن، سبب لذلك التمييز، وكذا قوله بعد 2: ان كان اسما يصح جعله لما انتصب عنه، أي للاسم الذي صدر


(1) أي أنك تقدمت إلي بطلب فعله، (2) في الفصل التالي لهذا، (*)

[ 56 ]

انتصاب التمييز عنه، كزيد، في: طاب زيد نفسا، لأنه لولا أنك أسندت (طاب) إليه، لم يكن ينتصب (نفسا) بل كان يرتفع، إذ هو في الأصل فاعل، أي: طاب نفس زيد، فزيد هو سبب لانتصاب (نفسا)، وكذا معنى قولهم: ينتصب عن تمام الاسم، أو عن تمام الكلام، أي أن تمامها سبب لانتصاب التمييز، تشبيها بالمفعول الذي يجيئ بعد تمام الكلام بالفاعل، ويجوز أن يقال: إن (عن) في هذه المواضع بمعنى (بعد)، كما قيل في قوله تعالى: (لتركبن طبقا عن طبق 1)، والأول أولى، قوله: (عن مفرد، مقدار غالبا)، نقول: التمييز على ضربين: رافع الأبهام عن ذات مذكورة، ورافعه عن ذات مقدرة، والأول لا يكون إلا عن مفرد، وذلك المفرد على ضربين: إما مقدار، وهو الغالب، أو غير مقدار، والمقدار: ما يقدر به الشئ، أي يعرف به قدره ويبين، والمقادير إما مقاييس 2 مشهورة موضوعة ليعرف بها قدر الأشياء كالأعداد، وما يعرف به قدر المكيل، كالقفيز والاردب والكر، وما يعرف به قدر الموزون، كصنجات 3 الوزن، كالطسوج والدانق والدينار والمن والرطل، ونحو ذلك، وما يعرف به قدر المذروع والممسوح،. كالذراع، وقدر راحة، وقدر شبر، ونحو ذلك،. أو مقاييس غير مشهورة، ولا موضوعة للتقدير، كقوله تعالى: (مل ء الأرض ذهبا) 4، وقولك: عندي مثل زيد رجلا، وأما: غيرك إنسانا، وسواك رجلا، فمحمول على (مثلك) بالضدية، وقولك:


(1) الآية 19 سورة الأنشقاق (2) المراد بالمقاييس هنا: الأشياء التي تعتبر معيارا لغيرها وأما المقيس بالمعنى المتعارف فعبر عنه بالمذروع فيما يأتي، (3) الصنجة، ثقل من حديد ونحوه يجعل أساسا للوزن وكثير مما أورده الرضي هنا، منقول من لغات مختلفة، يرجع في تحديد معناها إلى المعاجم وكتب المعرب ونحوها، (4) من الآية 91 سورة آل عمران، (*)

[ 57 ]

بطولك رجلا، وبعرضك أرضا، وبغلظه خشبا، ونحو ذلك: من 1 المقاييس أيضا، فهذه المقادير، إذا نصبت عنها التمييز، أردت بها المقدرات، لا المقادير، لأن قولك: عندي عشرون درهما، وذراع ثوبا، ورطل زيتا، المراد يعشرون، فيه، هو الدراهم، لا مجرد العدد، وبذراع: المذروع، لا ما يذرع به، وبرطل: الموزون، لأ ما يوزن به، وكذلك في غيرهما، وغير المقدار: كل فرع حصل له بالتفريع اسم خاص، يليه أصله، ويكون بحيث يصح اطلاق الأصل عليه، نحو: خاتم حديدا، وباب ساجا، وثوب خزا، والخفض في هذا، أكثر منه في المقادير، وذلك لأن المقدار مبهم محتاج إلى مميز، ونصب التمييز، نص على كونه مميزا، وهو الأصل في التمييز، بخلاف الجر، فانه علم الاضافة، فهو في غير المقدار أولى لأن ابهامه ليس كإبهام المقدار، مع أن الخفة مع الجر أكثر، لسقوط التنوين، والنونين بالاضافة، وإن لم تتغير تسمية البغض بالتبعيض، نحو: قطعة ذهب، وقليل فضة، لم يجز انتصاب الثاني على التمييز، وقد خالفوا القاعدة المذكورة فالتزموا الجر في العدد من الثلاثة إلى العشرة، وفي المائة، والألف، وما يتضاعف منهما، لكثرة استعمال العدد، فآثروا التخفيف بالاضافة، مع أنه قد جاء في الشذوذ على الأصل: خمسة أثوابا 2، ومائتين عاما 3، وإنما تركوا الجر في العدد المركب نحو: أحد عشر، لأن المضاف إليه مع المضاف كاسم واحد لفظا، فلو أضيف العدد المركب إلى مميزة، والمميز، من حيث المعنى، هو المبهم المحتاج إلى التمييز، لكان جعلا لثلاثة أسماء كاسم واحد، لفظا ومعنى،


(1) قوله: من المقاييس، خبر عن (قولك بطولك رجلا) الخ، (2) انظر سيبويه ج 1 ص 293، (3) ورد هذا في قول الربيع بن ضبع الفزاري: إذا عاش الفتى مائتين عاما * فقد ذهب اللذاذة والفتاء وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 106 وسيأتي شاهدا في باب العدد، (*)

[ 58 ]

وأما نحو: ثلاثة عشرك 1، فمخالفة المضاف معنى للمضاف إليه سهلت الأضافة، وكذا تركوا الجر في الأغلب، في العدد الذي في آخره نون الجمع، كعشرون، وأخواته، مع أنه كثير الاستعمال أيضا، وذلك لأن النون فيها 2 ليست بنون الجمع حقيقة، كما ذكرنا في صدر الكتاب 3، بل مشابهة لها، فلم تحذف في الأضافة 4 حذف نون الجمع لمباينتها إياها، ولم تثبت معها، لمشابهتها لنون الجمع، فتعذرت الأضافة، لتعذر اثبات النون معها، وحذفها، وقد جاء نحو: عشرو درهم قليلا، وأكثر منه اضافته إلى صاحبه، نحو عشروك، قال: 200 - وما أنت ويك ورسم الديار * وستوك قد كربت تكمل 5 اجراء له مجرى: أحد عشرك، قوله: (وإما في غيره)، أي في غير العدد، وليس مراده بقوله: رطل زيتا، ومنوان سمنا، ومثلها زبدا، بيان أنواع المقادير، بل بيان ما يتم به الاسم المفرد، لأنه يتم بأربعة أشياء: إما بنون الجمع، كعشرين، وقد ذكرناه قبيل، وإما بالتنوين وهو إما ظاهر كما في: رطل زيتا، وإما مقدر كما في: خمسة عشر، وفي (كم)، وإما بنون التثنية كما في: منوان سمنا وإما بالاضافة، كما في مثلها...، والمبهم المحتاج إلى التمييز في: ملؤها، ومثله، هو المضاف، لا المضاف إليه، لأنك لو جئت بالظاهر بدل المضمر وقلت: مل ء الاناء، ومثل زيد، لاحتاج الكلام أيضا،


(1) بإضافة العدد المركب إلى صاحبه وهو ضمير المخاطب في المثال، (2) أي في عشرين وأخواته. (3) ج 1 ص 94 (4) خلاصة كلامه أن عشرين مثلا إذا أريد إضافته، فلا يمكن حذف النون لأنها ليست نون جمع حقيقة، ولا يمكن بقاؤها لمشابهتها لنون الجمع فتعذرت الأضافة، (5) من قصيدة للكميت في مدح عبد الرحمن بن عقبة بن سعيد بن العاص، وهو البيت الثاني بعد مطلع القصيدة، والمراد من قوله: وستوك، الأعوام الستون التي مضت من عمرك، (*)

[ 59 ]

إلى التمييز، لابهام المثل والمل ء، أي قدر ما يملأ به الشئ، فرجلا تفسير مثل، وزبدا تفسير مل ء، ومعنى تمام الاسم: أن يكون على حالة لا يمكن اضافته معها، والاسم مستحيل الاضافة مع التنوين ونوني التثنية والجمع، ومع الاضافة لأن المضاف لا يضاف ثانية، فإذا تم الاسم بهذه الأشياء، شابه الفعل إذا تم بالفاعل وصار به كلاما تاما، فيشابه التمييز الآتي بعده 1: المفعول، لوقوعه بعد تمام الاسم، كما أن المفعول حقه أن يكون بعد تمام الكلام، فيصير ذلك الاسم التام قبله 2، عاملا، لمشابهته الفعل التام بفاعله، وهذه الأشياء التي تم بها الاسم، إنما قامت مقام الفاعل الذي به يتم الكلام لكونها في آخر الاسم، كما كان الفاعل عقب الفعل، ألا ترى أن لام التعريف، وإن كان يتم بها الاسم فلا يضاف معها: لا ينتصب التمييز عنه، 3 فلا يقال: الراقود خلا، وقد يكون الاسم نفسه تاما، لا بشئ آخر، أعني لا تجوز اضافته، فينتصب عنه التمييز، وذلك في شيئين: أحدهما: الضمير، وهو الأكثر، وذلك في الأغلب، فيما فيه معنى المبالغة والتفخيم كمواضع التعجب، نحو: يا له رجلا، ويا لها قصة، ويا لك ليلا، وويلمها خطة، وما أحسنها فعلة، ولله دره رجلا جاءني، وويحه رجلا لقيته، وكذا: ويله، وكذا: نعم رجلا، وبئس عبدا، و: (ساء مثلا) 4، ومن هذا الباب، أي الذي فيه التفخيم: ربه رجلا لقيته، إذ هو جواب في التقدير، لمن قال: ما لقيت رجلا، فكأنه قيل: لقيت رجلا وأي رجل، ردا عليه،


(1) أي الآتي بعد الاسم للفعل في التمام بأحد الأشياء المذكورة، (2) أي قبل التمييز، (3) أي عن المعرف باللام، (4) من الآية 177 سورة الأعراف (*)

[ 60 ]

ولا ريب في أن التمييز في: نعم، وما بعده: عن المفرد، وهو الضمير، وأما فيما قبله، أعني من: ياله، إلى: ويله، فينظر، فان كان الضمير فيها مبهما لا يعرف المقصود منه، فالتمييز عن المفرد أيضا، كقوله 1، كرم الله وجهه في نهج البلاغة: (يا له مراما ما أبعده)، وقول امرئ القيس: 201 - فيا لك من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدت بيذبل 2 وقول ذي الرمة: 202 - ويلمها روحة والريح معصفة * والغيث مرتجز والليل مرتقب 3 وان عرف المقصود من الضمير، برجوعه إلى سابق معين، كقولك: جاءني زيد، فيا له رجلا، وويلمه فارسا، ويا ويحه رجلا، ولقيت زيدا فلله دره رجلا، أو بالخطاب لشخص معين نحو: قلت لزيد: يا لك من شجاع، ولله درك من رجل ونحو ذلك، فليس التمييز فيه عن المفرد، لأنه لا ابهام، إذن، في الضمير، بل عن النسبة الحاصلة بالاضافة 4، كما يكون كذلك إذا كان المضاف إليه فيها ظاهرا، نحو: يإ، لزيد رجلا، وكقول الشاعر: 203 - ويلم أيام الشباب معيشة * مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندي 5 ولله در زيد رجلا، قال:


(1) أي الأمام علي بن أبي طالب، وقوله هذا من كلام له في نهج البلاغة طبع دار الشعب بالقاهرة ص 266، (2) من معلقة امرئ القيس، من الجزء الذي وصف فيه الليل بالطول، والمغار بضم الميم المحكم القتل الشديد من الحبال، ويذبل اسم جبل يقول: كأن نجوم هذا الليل قد ربطت إلى يذبل بأقوى الحبال وأشدها فلا تتحرك، (3) من قصيدة لذي الرمة، وكلمة ويلم أصلها ويل أم فخفف بحذف الهمزة من أم، وقيل في أصله وجوه أخرى، والروحة المرة من الرواح وهو السير آخر النهار ومعنى قوله: والغيث مرتجز، أنه لتتابعه يحدث صوتا يشبه إنشاء الرجز، (4) راجع إلى جميع الأمثلة السابقة ومنها المجرور بحرف الجر، وقد جرى الرضي على أن الجر بالحرف من باب الأضافة، لأن الحرف يضيف معنى الفعل إلى الاسم، وسيأتي ذلك في باب الأضافة، (5) نسب هذا البيت لأكثر من شاعر، ومنهم علقمة الفحل، وهو من أبيات في حماسة أبي تمام، وبعده: وقد يعقل القل الفتى دون همه * وقد كان لو لا القل طلاع أنجد (*)

[ 61 ]

204 - لله در أنوشروان من رجل * ما كان أعرفه بالدون والسفل 1 وويل زيد رجلا، ومثله قولهم: قال الله عز من قائل، ولقيت زيدا قاتله الله شاعرا، أو من شاعر،.. التمييز في جميع هذا: ظاهره ومضمره، كما 2 في قولهم: كفى بزيد رجلا، وحسبك به ناصرا، وحسبك بزيد شجاعا، أعني أن التمييز عن النسبة، والتمييز نفس المنسوب إليه، لا متعلقه، فمعنى لله در زيد رجلا: لله در رجل هو زيد، و: ويلم أيام الشباب معيشة: ويلم معيشة هي أيام الشباب، كما أن معنى كفى بزيد رجلا: كفى رجل هو زيد، وأما قولهم طاب زيد علما، ودارا، فالتمييز فيه، متعلق المنسوب إليه، لا نفسه، لأن المعنى: طاب علم زيد، ودار زيد، وقد يجيئ لهذا مزيد شرح في التمييز عن النسبة 3، وثانيهما 4: اسم الاشارة، كقوله تعالى: (ماذا أراد الله بهذا مثلا 5) فيمن 6 قال: إنه تمييز، لا حال، وكذا قولك: حبذا زيد رجلا، والعامل في التمييز في القسمين: هو الضمير، واسم الأشارة، لتمامهما ومشابهتهما للفعل التام بفاعله، فلا تظنن أن الناصب للتمييز في: نعم رجلا، وبئس رجلا، وساء مثلا، وحبذا رجلا: هو الفعل، بل هو الضمير، كما في: ربه رجلا، قوله: (فيفرد إن كان جنسا، الا أن يقصد الأنواع ويجمع في غيره)، ليس بتقسيم حسن، والحق أن يقال: ان التمييز عن الذات المذكورة إما أن يكون عن عدد، أو غيره، والأول إما أن يكون جنسا أو، لا، والجنس إما أن يقصد به الأنواع أو، لا، وعلى كلا


(1) المراد: كسرى أنو شروان ملك الفرس، والسفل بكسر السين جمع سفلة وهم أراذل الناس ولم ينسب هذا البيت لأحد معين، وانفرد الرضي بذكره من بين كثير من كتب النحو، (2) هذا خبر عن قوله: التمييز في جميع هذا، (3) في الفصل التالي لهذا، (4) أي ثاني النوعين اللذين يكون فيهما الاسم تاما بنفسه، (5) من الآية 26 سورة البقرة، (6) أي في رأي من أعرب مثلا تمييزا، (*)

[ 62 ]

الوجهين يجب إفراد التمييز، والأول يجب خلوه عن تاء الوحدة، نحو: عشرون ضربا أو تمرا، والثاني يجب كونه مع تاء الوحدة نحو: عشرون ضربة أو تمرة، فالأول لبيان عدد الأنواع، والثاني لبيان عدد الآحاد، ولا يجوز أن تقصد الأمرين أي البيانين، فتقول: عشرون ضربين أي أن كل عشرة نوع، أو تقول: عشرون ضروبا بمعنى اختلاف أنواع آحاده، لأن الأعداد لا يثنى مميزها المنصوب ولا يجمع، كما يجيئ في بابها، وإن كان عن عدد ليس بجنس، وجب إفراده، نحو: عشرون رجلا أو درهما، والذى عن غير العدد، إن كان جنسا وقصدت الأنواع، فثن إن أردت المثنى، واجمع إن قصدت الجمع، وإلا فافرد، نحو: عندي مثله تمرا، أو تمرين أو تمورا، وإن كان جنسا ولم تقصد الأنواع فالأفراد واجب، نحو: مثله تمرا، وإن لم يكن جنسا طابقت به ما تقصد، مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا، كقولك: مثله رجلا أو رجلين أو رجالا، فقوله 1: (ويجمع في غيره)، ليس بصحيح، ويعني بالجنس ههنا: ما يقع لفظ الواحد المجرد عن تاء الوحدة منه، على القليل والكثير، فتمر، وضرب: جنس، بخلاف: رجل، وفرس، قوله: (ثم 2 ان كان بالتنوين الو نون التثنية جازت الاضافة)، إنما جازت، إيثارا للتخفيف، وذلك نحو: رطل زيت، ومنوا سمن، وكان عليه أن يقيد التنوين بالظاهر، فان ما فيه تنوين مقدر، وهو في بابين: كم، الاستفهامية، والجزء الثاني من أحد عشر وأخواته: لا يضاف في الأغلب، إلى التمييز، كما يجيئ في بابيهما، قوله: (وإلا فلا)، وذلك إذا كان مع نون الجمع، والاضافة، أما نون الجمع فلما ذكرنا من أنها ليست بنون الجمع حقيقة بل هي مشبهة لها،


(1) هذا نتيجه لما شرح به قوله: ليس بتقسيم حسن، (2) التعبير بثم هو نص عبارة ابن الحاجب في المتن، وفي الشرح المطبوع: فإن كان، (*)

[ 63 ]

وأما قولهم في حسنون وجها، حسنو وجه، فليس من هذا الصنف، لأن التمييز فيه عن نسبة، وكلامنا في التمييز عن المفرد، وكذا قولهم ممتلى ماء، وممتلئان ماء، وملآن ماء، و: (أنا أكثر منك مالا)، ليس 1 مما انتصب فيه التمييز عن التنوين الظاهر أو المقدر وعن نون التثنية، كما ظن بعضهم، بل التمييز فيه عن النسبة، كما في: امتلأ الاناء ماء، فهو، إذن، عن شبه تمام الكلام، وأما الاضافة، فإنما امتنعت الاضافة معها، لأن الاضافة مع وجود المضاف إليه محال، إذ لا يضاف اسم إلى اسمين بلا حرف عطف، فإن أضفت مع حذف المضاف إليه، كما تقول في: عندي مثل زيد رجلا: مثل رجل، فسد المعنى، لأنك تريد: عندي رجل، ولا تريد: عندي شئ مثل رجل، وكذا لو قلت في: عندي ملؤه عسلا، مل ء عسل، لأن المل ء هو قدر ما يملأ، ولا معنى لقولك: قدر ما يملأ العسل، قوله: (وعن غير مقدار)، قد ذكرنا، لم كان الجر فيه أكثر، (تمييز النسبة) (قال ابن الحاجب:) (والثاني عن نسبة في جملة، أو ماضاهاها، نحو: طاب) (زيد نفسا وزيد طيب أبا وأبوة، ودارا، وعلما، أو في) (اضافة، مثل يعجبني طيبه أبا وأبوة، ودارا وعلما، ولله دره) (فارسا)،


(1) توضيح لما فهم من قوله: وكذا قولهم ممتلئ ماء... الخ، (*)

[ 64 ]

(قال الرضي:) يعني بالثاني: ما يرفع الابهام عن ذات مقدرة، قوله: (عن نسبة في جملة)، أي نسبة حاصلة في جملة أو شبه جملة، وشبه الجملة: إما اسم الفاعل مع مرفوعه، نحو: زيد متفقي شحما، والبيت مشتعل نارا، أو اسم المفعول معه 1، نحو: الأرض مفجرة عينا، أو أفعل التفضيل معه 1، نحو: (أنا أكثر منك مالا 2)، و: (خير مستقرا) 3 أو الصفة المشبهة معه، نحو: زيد طيب أبا، أو المصدر نحو: أعجبني طيبه أبا، وكذا كل ما فيه معنى الفعل نحو: حسبك بزيد رجلا، وويلم زيد رجلا، ويا لزيد فارسا، قوله: (أو في اضافة)، عطف على قوله: في جملة، أي نسبة في اضافة نحو: أعجبني طيبه نفسا، وقد ذكرنا أنه داخل في شبه الجملة 4، أعني: ما ضاهاها، وأما قوله: لله دره فارسا، فقد ذكرنا 5 أنه يكون عن نسبة ان كان الضمير معلوما، أو كان (در) مضافا إلى ظاهر، وأما إن كان (در) مضافا إلى ضمير مجهول، فالتمييز عن مفرد، والحق، أن التمييز في نحو: لله در زيد فارسا، و: ويلم لذات الشباب معيشة 6، عن نسبة في شبه جملة، أيضا، لأن فيه معنى الفعل، أي: عجبا من زيد فارسا، وعجبا من لذات الشباب معيشة، قوله: (أبا، وأبوة، ودارا، وعلما)، تفصيل للتمييز الكائن عن نسبة، وذلك أن يقال: إما أن يكون 7 نفس ما انتصب عنه لا غير، نحو: كفى زيد رجلا، ولله


(1) أي مع مرفوعه، وكذلك في قوله: أو أفعل التفضيل، أو الصفة المشبهة، (2) الآية 34 من سورة الكهف، وقد تقدمت مع بعض أمثلة أخرى، (3) من الآية 24 سورة الفرقان، (4) لأن المصدر مضاف إلى المرفوع به معنى، (5) في البحث الذي قبل هذا، (6) إشارة إلى الشاهد المتقدم قريبا، والرواية هناك: ويلم أيام الشباب، (7) أي التمييز، (*)

[ 65 ]

در زيد رجلا، فرجل، هو زيد، لا غير، ونعني بما انتصب عنه التمييز: الاسم الذي أقيم مقام التمييز، حتى بقي التمييز بسبب قيام ذلك الاسم مقامه فضلة، كزيد، في: طاب زيد نفسا، فإن الأصل: طاب نفس زيد، وكالأرض في قوله تعالى: (وفجرنا الأرض عيونا) 1، فان أصله: فجرنا عيون الأرض، وكذا كفى زيد رجلا، كان في الأصل: كفى رجل هو زيد، وإما أن يصلح أن يكون نفسه، ومتعلقه، نحو: طاب زيد أبا، يجوز أن تريد ب (أبا)، نفس زيد 2، وأن تريد به: أباه، وإما ألا يصلح أن يكون نفسه، بل يكون صفة نفسه لا غير، نحو: طاب زيد علما، وإما أن يصلح أن يكون صفة نفسه وصفة متعلقه، نحو: طاب زيد أبوة، يجوز أن يكون المعنى: طاب أبوته لغيره، أو طاب أبوة أبيه، وإما ألا يصلح أن يكون نفسه، ولا صفة نفسه، بل يكون متعلقا له لا غير نحو: طاب زيد دارا، والقسمة الحاصرة ههنا أن تقول: إما أن يصلح أن يكون نفس ما انتصب عنه أو، لا، والأول إما أن يصلح أن يكون نفس متعلقه أيضا، كطاب زيد أبا، أو لا يصلح، نحو: كفى زيد رجلا، والثاني: اما أن يصلح أن يكون صفة نفسه أو، لا، والأول 3، اما أن يصلح أن يكون صفة متعلقه أيضا، كطاب زيد أبوة أو، لا، نحو: طاب زيد علما، والثاني نحو: طاب زيد دارا، وإذا قصدنا أن نصرح بالذات المقدرة ههنا 4، قلنا في كفى زيد رجلا: كفى شئ زيد رجلا، وفي طاب زيد نفسا: طاب شئ زيد نفسا أو علما أو دارا، فالذات المقدرة


(1) الآية 12 من سورة القمر، وستتكرر (2) أي بأن يراد أنه أب لغيره،. (3) أي من النوعين اللذين تفرع إليهما الثاني، (4) كأن الرضي رحمه الله، يريد هنا إظهار براعته في التطبيق بإعادة التراكيب إلى وضعها الأصلي، (*)

[ 66 ]

هي الشئ المنسوب إليه (كفى) و (طاب)، فإذا أظهرته صار (زيد) في كفى زيد رجلا، بدلا منه، وفي طاب زيد نفسا، مضافا إليه (شئ)، ورجلا تمييز لشئ، المقدر، وكذا (نفسا)، ودارا، وعلما، فان قصدنا أن نرد التمييز في هذه الأمثلة كلها إلى أصله حين كان منسوبا إليه الفعل أو شبهه، ونرد الاسم الذي انتصب عنه التمييز إلى مركزه الأصلي، جعلنا ما انتصب عنه التمييز، ان كان التمييز نفسه: بدلا من التمييز، أو عطف بيان له، فنقول: كفى رجل زيد، وطاب أب زيد، وإن كان التمييز متعلقا لما انتصب عنه، اما وصفا له أو غير وصف، أضفنا التمييز إلى ما انتصب عنه، نحو: طاب أبوة زيد، وأبو زيد، وعلم زيد، ودار زيد، ونفس زيد، جعلنا النفس كالمتعلق له حتى صح اضافتها إليه، (مطابقة التمييز) (لما هو له) (قال ابن الحاجب:) (ثم إن كان اسما يصح جعله لما انتصب عنه، جاز أن يكون) (له ولمتعلقة، والا فهو لمتعلقه، فيطابق فيهما ما قصد، إلا أن) (يكون جنسا، إلا أن يقصد الأنواع، وإن كان صفة، كانت) (له وطبقه، واحتملت الحال)، (قال الرضي:) يعني أن التمييز عن النسبة اما أن يكون اسما أو صفة، والاسم إما أن يصلح جعله لما انتصب عنه، يعني ان صح أن يكون نفسه، كأبا، أو صفة نفسه كأبوة، جاز أن يكون له، ولمتعلقه، يعني: جاز أن يكون ما صح أن يكون نفسه، نفس متعلقه أيضا، كأبا في: طاب زيد أبا، فانه يصح أن يكون زيدا، وأن يكون أبا زيد، وكذا، جاز أن يكون

[ 67 ]

ما صح أن يكون صفة نفسه، صفة لمتعلقه أيضا، كأبوه في: طاب زيد أبوة، فانه يصح أن يراد بها أبوة زيد نفسه لأولاده، وأن يراد أبوه أبيه له، وما كان ينبغي له هذا الاطلاق 1، فان (رجلا) في: كفى زيد رجلا صح أن يكون لما انتصب عنه ولا يجوز أن يكون لمتعلقه، وكذا (علما)، صح أن يكون صفة لما انتصب عنه، ولم يصح أن يكون صفة لمتعلقه،. قوله: (فيطابق فيهما)، يعني بالمطابقة: الافراد، إن قصد المفرد، والتثنية ان قصدت التثنية، والجمع إن قصد الجمع، قوله فيهما، أي في التمييز الذي جعلته لما انتصب عنه، والتمييز الذي جعلته لمتعلقه، وقوله ما قصد، أي المفرد والمثنى والمجموع، تقول فيما جعلته لما انتصب عنه: طاب زيد أبا، والزيدان أبوين، والزيدون آباء، طابقت بالتمييز ما قصدت إليه، وهو ما انتصب عنه أي زيد، فثنيته ان ثنيت زيدا، وجمعته ان جمعته، وإذا جعلته لمتعلقه، فإن قصدت أباه وحده، أفردت أبا، لأن المقصود به مفرد، وإن قصدت أبوي زيد، ثنيت (أبا) فقلت: طاب زيد أبوين، لأن المقصود به مثنى، وإن قصدت آباءة، جمعته، فقلت: طاب زيد آباء، لأن المقصود به مجموع، وقد يلتبس الأمر في نحو: طاب زيد أبا، وطاب الزيدان أبوين، وطاب الزيدون آباء، هل التمييز لما انتصب عنه أو لمتعلقه، فليرجع إلى القرائن، إن كانت، فأما إن اختلف التمييز وما انتصب عنه، افرادا وتثنية وجمعا، ولم يكن التمييز جنسا، نحو: طاب زيد أبوين أو آباء، وطاب الزيدان أبا أو آباء، وطاب الزيدون أبا أو أبوين، فلا لبس في أن التمييز ليس لما انتصب عنه، بل هو لمتعلقه، وإلا طابق ما انتصب عنه،


(1) هذا تعقيب من الرضي على كلام ابن الحاجب بعد أن شرحه وبين ما يستفاد منه، (*)

[ 68 ]

وأما إن اختلفا وكان التمييز جنسا، نحو: طاب الزيدان، أو الزيدون أبوة، فاللبس حاصل، إذ يصح أن يكون لما انتصب عنه، ولمتعلقه، ولم يطابقه لكونه جنسا، وكذا تطابق به ما تقصده فيما لا يصلح إلا لمتعلقه، نحو: طاب زيد دارا ودارين ودورا، هذا ما قاله المصنف، والأولى أن يقال فيما ليس بجنس، سواء جعلته لما انتصب عنه، أو لمتعلقه: انه ان لم يلبس، فالأولى الافراد وعدم المطابقة، نحو: هم حسنون وجها وطيبون عرضا، ويجوز: وجوها وأعراضا، قال الله تعالى: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا 1)، وقال علي رضي الله عنه: (فطيبوا عن أنفسكم نفسا 2)، وأما إذا ألبس، فالمطابقة لا غير، فلا يجوز: زيد طيب أبا وأنت تريد آباء أو أبوين، وكذا لا تقول: طاب زيد دارا وأنت تريد دارين، قال الله تعالى: (وفجرنا الأرض عيونا 3)، وأما قول الحطيئة: 205 - سيرى أمام فإن الأكثرين حصى * والطيبون إذا ما ينسبون أبا 4 فانما وحد الأب فيه، لأنهم كانوا أبناء أب واحد، ويجوز جمع المثنى إذا لم يلبس، نحو: قر زيد عيونا، قال أبو طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: 206 - فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منه عيونا 5


(1) من الآية 4 سورة النساء (2) مما جاء في نهج البلاغة ص 77 طبع دار الشعب بالقاهرة (3) الآية 12 من سورة القمر وتقدمت، (4) من قصيدة للحطيئة، وخبر (إن) في قوله فإن الأكثرين، هو قوله بعد ذلك: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم * ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا وهذا البيت هو الذي رفع من شأن نبي أنف الناقة وكانوا يعيرون بلقبهم هذا ويأنفون منه، وأمام: ترخيم أمامة، اسم امرأة، (5) وقر منه أي من هذا الأمر، ويروي: وقر منك، وهو كما قال الشارح مما نسب لأبي طالب بن عبد المطلب، = (*)

[ 69 ]

قوله: (إلا أن يكون جنسا)، قد ذكرنا مرادهم بالجنس ههنا، تقول: طاب زيد أبوة، سواء أردت أبوة نفسه، أو أبوة أبيه فقط، أو أبوة أبويه، أو أبوة آبائه، وكذا تقول: طاب الزيدان أو الزيدان أبوة، وتريد الأبوات المذكورة، وكذا تقول: طاب زيد علما، مع كثرة علومه، إلا أن تقصد الأنواع، فتقول: طاب زيد علوما أو علمين، على حسب ما تقصد، قال الله تعالى (.. بالأخسرين أعمالا) 1،. قوله: (وإن كان صفة)، قسيم قوله: إن كان اسما، يعني أن الصفة لم تجئ صالحة لما اتصب عنه ولمتعلقه كما جاء الاسم، بل لم تجئ إلا لما انتصب عنه فقط، فيجب، إذن، أن تطابقه، إذ ليس في الصفات ما يقع على القليل والكثير بلفظ المفرد حتى يكون جنسا، وذلك نحو: لله درك، أو در زيد فارسا، وكفى زيد شجاعا، قوله: (واحتملت الحال)، قال الأكثرون هي تمييز، وقال بعضهم هي حال، أي: ما أعجبه في حال فروسيته، ورجح المصنف الأول، قال: لأن المعنى: مدحه مطلقا بالفروسية، فإذا جعل حالا، اختص المدح وتقيد بحال فروسيته، وأنا لا أرى بينهما فرقا، لأن معنى التمييز عنده: ما أحسنه في حال فروسيته، وتصريحهم بمن في: لله درك من فارس، دليل على أنه تمييز، وكذا قولهم: عز من قائل 2، والتمييز عن المفرد، وكذا إن كان عن نسبة وكان التمييز نفس ما انتصب عنه بدليل تصريحهم بها في نحو: يا لك من ليل 3، وعز من قائل، وقاتله الله من شاعر، ومررت برجل هدك 4 من رجل، وحسبك من رجل، أي هدك هو، وحسبك هو، فالضمير هو ما انتصب عنه التمييز في هذه المواضع،


= وكان معروفا بوقوفه إلى جنب ابن أخيه: النبي صلى الله عليه وسلم ومناصرته له ضد قريش، (1) من الآية 103 سورة الكهف، (2) أي في مثل قولنا: قال الله عز من قائل، وتقدم ذلك في الشرح، (3) إشارة إلى بيت امرئ القيس المتقدم في هذا الباب (4) سيشرح الرضي هذا المثال ونحوه في قسم الأضافة اللفظية من باب الأضافة في هذا الجزء،. (*)

[ 70 ]

وقد تكلف بعضهم تقدير (من) في جميع التمييز عن النسبة، نحو: طاب زيد دارا وعلما، وليس بوجه، وأما معنى قولهم: لله درك، فالدر في الأصل: ما يدر أي ما ينزل من الضرع من اللبن، ومن الغيم من المطر، وهو، ههنا، كناية عن فعل الممدرح الصادر عنه، وإنما نسب فعله 1 إليه تعالى، قصدا للتعجب منه لأن الله تعالى منشئ العجائب، فكل شئ عظيم يريدون التعجب منه ينسبونه إليه تعالى ويضيفونه إليه تعالى، نحو قولهم: لله أنت، ولله أبوك، فمعنى لله دره: ما أعجب فعله، (تقدم التمييز) (قال ابن الحاجب:) (ولا يتقدم التمييز، والأصح أنه لا يتقدم على الفعل، خلافا) (للمازني والمبرد)، (قال الرضي:) أي لا يتقدم التمييز على عامله، إذا كان عن تمام الاسم اتفاقا، وكذا، لا يفصل بين عامله وبينه، وقوله: 207 - على أنني بعد ما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا 2 ضرورة،


(1) أي فعل الممدوح (2) كميلا، أي كاملا وينسب للعباس بن مرداس وبعضهم عده من الأبيات المجهولة القائل، وهو مرتبط ببيت بعده وهو: يذكرنيك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا (*)

[ 71 ]

وإنما لم يتقدم، لأن عامله اسم جامد، ضعيف العمل، مشابه للفعل مشابهة ضعيفة، كما ذكرنا، وهي كونه تاما، كما أن الفعل يتم بفاعله، أما إذا كان عن النسبة، فإن كان عن الصفة المشبهة، أو أفعل التفضيل، أو المصدر، أو ما فيه معنى الفعل مما ليس من الأسماء المتصلة به نحو: لله دره فارسا أو: در زيد فارسا، وويلم زيد شجاعا، وويح زيد رجلا، فلا يتقدم على عامله، لضعف الصفة والأفعل 1، وما فيه معنى الفعل، وكون المصدر بتقدير الحرف الموصول، وليس العامل في نحو: نعم رجلا زيد، وحبذا رجلا عمرو، هو الفعل غير المتصرف، بل الضمير واسم الاشارة كما تقدم 2، فلا يتفرع عليه أنه لا يتقدم على الفعل غير المتصرف، كما قال بعضهم، وأما إن كان العامل الفعل الصريح، نحو: طاب زيد أبا، أو اسم الفاعل أو اسم المفعول، فجوزه المازني والكسائي والمبرد، نظرا إلى قوة العامل، ومنعه الباقون، قيل: لأنه في الأصل فاعل الفعل المذكور، كما في طاب زيد أبا، أو فاعل الفعل المذكور إذا جعلته لازما نحو: (وفجرنا الأرض عيونا)، أي تفجرت عيونها، أو فاعل ذلك الفعل إذا جعلته متعديا، نحو: امتلأ الأناء ماء، أي ملأه الماء، والفاعل لا يتقدم على الفعل، فكذا ما هو بمعنى الفاعل، وليست العلة بمرضية، إذ ربما يخرج الشئ عن أصله، ولا يراعي ذلك الأصل، كمفعول ما لم يسم فاعله، كان له، لما كان منصوبا، أن يتقدم على الفعل، فلما قام مقام الفاعل لزمه الرفع وكونه بعد الفعل، فأي مانع أن يكون للفاعل أيضا، إذا صار على صورة المفعول: حكم المفعول من جواز التقديم، وقيل: ان الأصل في التمييزات 3 أن تكون موصوفات بما انتصبت عنه، سواء كانت عن مفرد، أو عن نسبة، وكأن الأصل: عندي خل راقود، ورجل مثله وسمن منوان،


(1) أي أفعل التفضيل،. (2) في هذا الباب (3) أي أنواع التمييز المختلفة، (*)

[ 72 ]

وكذا كان الأصل في طاب زيد نفسا: لزيد نفس طابت، وإنما خولف بها 1 لغرض الابهام أولا، ليكون أوقع في النفس، لأنه تتشوق النفس إلى معرفة ما أبهم عليها، وأيضا، إذا فسرته بعد الابهام فقد ذكرته إجمالا وتفصيلا، وتقديمه مما يخل بهذا المعنى، فلما كان تقديمه يتضمن إبطال الغرض من جعله تمييزا، لم يستقم، (أصل التمييز التنكير) 2 وأصل التمييز: التنكير، لمثل ما قلنا في الحال وهو أن المقصود رفع الأبهام وهو يحصل بالنكرة، وهي أصل، فلو عرف، وقع التعريف ضائعا، وأجاز الكوفيون كونه معرفة، نحو: (سفه نفسه 3) وغبن رأيه، وبطر عيشه 4، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، وزيد الحسن الوجه، وعند البصريين، معنى سفه نفسه: سفهها أو سفه في نفسه، وألم بطنه متضمن معنى (شكا)، ووفق أمره، ورشد أمره، وبطر عيشه، بمعنى: في أمره وفي عيشه، والحسن الوجه، مشبه بالضارب الرجل كما يجيئ في باب الاضافة، (ما بعد اسم التفضيل) (والفرق بين نصبه وجره) واعلم أنه لو قيل 5: إن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى شئ، فالذي يجري عليه أفعل التفضيل بعض المضاف إليه، نحو: هذا الثوب أحسن ثوب، وإن نصب ما بعده على


(1) أي غيرت عن الصورة الأصلية لها، (2) استطراد من الرضي في هذا الموضع والذي يليه لاستكمال أحكام التمييز. (3) من الآية 130 سورة البقرة، (4) ورد مثله في قوله تعالى (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها: القصص - 58 (5) جوابه قوله الآتي: أقول وليس هذا بمطرد، (*)

[ 73 ]

التمييز، فالمنصوب سبب لمن جرى عليه أفعل، ومتعلقه نحو: زيد أحسن منك ثوبا، ففي قولك: زيد أفره عبد: زيد هو العبد، وفي قولك زيد أفره منك عبدا، زيد هو مولى العبد، اقول: ليس هذا بمطرد، ألا ترى أنك تقول: هو أشجع الناس رجلا، وهما خير الناس اثنين، على ما أورده سيبويه، أي: هو أشجع رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس، والمنصوب على التمييز، هو من جرى عليه أفعل، لا سببه، والدليل على أنه تمييز: قولك هو أشجع الناس من رجل، وهما خير الناس من اثنين، كما تقول: حسبك بزيد رجلا ومن رجل، قال الله تعالى: (فالله خير حافظا) 1، انتصب حافظا على التمييز، أي خير من حافظ، فهو والجر سواء، نحو خير حافظ وخير حافظا، فهو حافظ في الوجهين، وقول الأعشى، 208 - تقول ابنتي حين جد الرحيل * أبرحت ربا وأبرحت جارا 2 أبرحت، أي جئت بالبرح أو صرت ذا برح، والبرح: الشدة، فمعنى أبرحت صرت ذا شدة وكمال، أي بلغت وكملت ربا، فهو نحو كفى زيد رجلا، أي أبرح جار هو أنت، وكذا قوله: 209 - بانت لتحزننا عفارة * يا جارتا ما أنت جاره 3 لأن (ما) الاستفهامية تفيد التفخيم، كما في قوله تعالى: (القارعة، ما القارعة 4)، أي كملت جارة فمعنى ما أنت: كملت،


(1) الآية 64 سورة يوسف، (2) من قصيدة للأعشى في مدح قيس بن معد يكرب الكندي، ويروى البيت: أقول لها حين... يقصد راحلته ثم يقول بعده: فلا تشتكن إلى الفار * وطول العنا واجعليه اصطبارا (3) وهذا أيضا مطلع قصيدة للأعشى، وقوله بانت بالنون من البين أو باتت بالتاء من قولهم بات يفعل كذا، (4) الآيتان الأولى والثانية من سورة القارعة (*)

[ 74 ]

فالمنصوب في عبارات النجاة في نحو 1 قولهم: شر أهر ذا ناب: إن (شر) مبتدأ لفظا، فاعل معنى، المنصوب 2 في مثله، تمييز عن النسبة تقديرا، أي: كائن مبتدأ لفظا بمعنى: كائن لفظه مبتدأ، وكائن معناه فاعلا، ومثله كثير في كلامهم،


(1) أي في شرح هذا الكلام، (2) أعاده توكيدا لقوله: المنصوب، في أول الكلام (*)

[ 75 ]

(المستثنى) (تقسيم المستثنى وتعريف كل قسم) (قال ابن الحاجب:) (المستثنى متصل ومنقطع، فالمتصل هو المخرج من متعدد لفظا) (أو تقديرا، بإلا وأخواتها، والمنقطع: المذكور بعدها غير) (مخرج)، (قال الرضي:) اعلم أنه قسم المستثنى قسمين، وحد كل واحد منهما بحد منفرد من حيث المعنى، قال 1: وذلك لأن ماهيتيهما مختلفتان، ولا يمكن جمع شيئين مختلفي الماهية في حد واحد، وذلك لأن الحد مبين للماهية، بذكر جميع أجزائها مطابقة وتضمنا، والمختلفان في الماهية لا يتساويان في جميع أجزائها حتى يجتمعا في حد واحد، والدليل على اختلاف حقيقتيهما أن أحدهما مخرج، والآخر غير مخرج، بل يمكن جحمعهما في حد واحد باعتبار اللفظ، لأن مختلفي الماهية لا يمتنع اشتراكهما في اللفظ، فيقال المستثنى هو المذكور بعد (إلا) وأخواتها، هذا آخر كلامه،


(1) أي ابن الحاجب في شرحه للتعريف، (*)

[ 76 ]

ولقائل أن يمنع اختلافهما في الماهية، قوله 1: (لأن أحدهما مخرج من متعدد والآخر غير مخرج)، قلنا: لا نسلم أن كون المتصل مخرجا: من أجزاء ماهيته، بل حقيقة المستثنى، متصلا كان أو منقطعا: هو المذكور بعد (إلا) وأخواتها مخالفا لما قبلها نفيا واثباتا، ثم نقول: كون المتصل داخلا في متعدد لفظا أو تقديرا: من شرطه لا من تمام ماهيته، فعلى هذا: المنقطع داخل في هذا الحد، كما في: جاءني القوم الا حمارا، لمخالفة الحمار القوم في المجيئ، قوله: (من متعدد)، أي من شئ ذي عدد، قوله: (لفظا أو تقديرا)، تفصيل للمتعدد، فإنه قد تكون ملفوظا به نحو: جاءني القوم إلا زيدا، وقد يكون مقدرا نحو: ما جاءني إلا زيد، أي: ما جاءني أحد إلا زيد، قوله: (بإلا وأخواتها)، ليخرج نحو: جاءني القوم لا زيد، وما جاءني القوم لكن زيد، وجاءني القوم ولم يجيئ زيد، قوله: (بإلا وأخواتها)، ليخرج نحو: جاءني القوم لا زيد، وما جاءني القوم لكن زيد، وجاءني القوم ولم يجيئ زيد، فالمستثنى الذي لم يكن داخلا في المتعدد الأول قبل الاستثناء: منقطع سواء كان من جنس المتعدد كقولك: جاءني القوم إلا زيدا، مشيرا إلى جماعة خالية من زيد، أو لم يكن، نحو: جاءني القوم إلا حمارا، فقد تبين أن المتصل ليس هو المستثنى من الجنس، كما ظن بعضهم، ثم إن الاستثناء مشكل باعتبار معقوليته 2، لأن زيدا في قولك جاءني القوم إلا زيدا، لو قلنا انه غير داخل في القوم، فهو خلاف الأجماع، لأنهم أطبقوا على أن الاستثناء المتصل مخرج، ولا إخراج إلا بعد الدخول، فإن جاز الشك في مثله 3، لم يصح في نحو


(1) هذا بيان لمنعه اختلاف الماهيتين، (2) أي باعتبار كونه معقولا أي كيفية تصور العقل له، (3) أي في مثل جاء القوم إلا زيدا، (*)

[ 77 ]

قوله: له علي دينار إلا دانقا، للعلم بأن (دانقا) مخرج من الدينار، والباقي بعده هو المقربه، وإن قلنا انه داخل في القوم، و (إلا) لأخراجه منهم بعد الدخول، كان المعنى: جاء زيد مع القوم، ولم يجيئ زيد، وهذا تناقض ظاهر ينبغي أن يجنب كلام العقلاء عن مثله، وقد ورد في الكتاب العزيز من الاستثناء شئ كثير، كقوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما 1)، فيكون المعنى: لبث الخمسين في جملة الألف، ولم يلبث تلك الخمسين، تعالى الله عن مثله علوا كبيرا، فقال 2 بعضهم: نختار أنه غير داخل، بل القوم في قولك، جاء القوم، عام مخصوص، أي أن المتكلم أراد بالقوم جماعة ليس فيهم زيد، وقوله الا زيدا، قرينة تدل السامع على مراد المتكلم، وانه أراد بالقوم غير زيد، وليس بشئ، لأجتماع أهل اللغة على أن الاستثناء مخرج، ولا اخراج إلا مع الدخول، وأيضا، يتعذر دعوى عدم الدخول في قصد المتكلم في نحو: له علي عشرة إلا واحدا، لأن (واحدا) داخل في العشرة بقصده، ثم أخرج، وإلا كان مريدا بلفظ العشرة: تسعة، وهو محال، وقال القاضي عبد الجبار 3، أيضا، هو غير داخل، لكنه قال: المستثنى، والمستثنى منه، وآلة الاستثناء، بمنزلة اسم واحد، فقولك: له علي عشرة إلا واحدا، بمعنى: له على تسعة، لا فرق بينهما من وجه، فلا دخول هناك، ولا إخراج، وهذا، أيضا، غير مستقيم، لقطعنا بأن عشرة، في كلامك هذا، دالة على المعنى الموضوعة هي له مفردة 4، بلا استثناء، وهو الخمستان، و (الا)، مفيدة للاستثناء، و (واحدا) هو المخرج، و (تسعة) لا تدل على شئ من هذه المعاني الثلاثة، وأيضا،


(1) الآية 14 سورة العنكبوت، (2) تفصيل الآراء النجاة في حل هذا الأشكال، (3) أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد من علماء القرن الخامس وله كتاب: متشابة القرآن. (4) أي مذكورة في الكلام على غير وجه الاستثناء، (*)

[ 78 ]

اجماعهم على أن استثناء مخرج، يبطله، هذا، ويلزم مثل ما فروا منه في بدل البعض، وبدل الاشتمال، كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا 1)، لأن الناس جنس يعم المستطيعين وغيرهم، فيكون كأنه قال: ولله على جميع الناس: مستطيعهم وغير مستطيعهم، بل لله على مستطيعهم وحده، وقال آخرون، وهو الصحيح المندفع عنه الأشكالات كلها: ما فروا منه، وما لزمهم: ان المستثنى داخل في المستثنى منه، والباقي بعد بدل البعض داخل في المبدل منه، والتناقض بمجيئ زيد وانتفاء مجيئة في: جاءني القوم إلا زيدا: غير لازم، وإنما يلزم ذلك، لو كان المجيى منسوبا إلى القوم فقط 2 وليس كذلك، بل هو منسوب إلى القوم مع قولك (إلا زيدا)، كما أن نسبة الفعل في نحو: جاءني غلام زيد، ورأيت غلاما ظريفا: إلى الجزأين، لكنه جرت العادة بأنه إذا كان الفعل منسوبا إلى شئ ذي جزأين أو أجزاء، قابل كل واحد منهما للاعراب: أعرب الجزء الأول منهما بما يستحقه المفرد إذا وقع منسوبا إليه، ويتبع إن استحق التبعية، كما في التوابع الخمسة، وإن لم يستحق شيئا من ذلك، نصب، كالمستثنى تشبيها بالمفعول، في مجيئة بعد المرفوع وإن كان جزء العمدة في بعض المواضع، نحو: ما جاءني القوم إلا زيدا، لأن المجموع هو المسند إليه، فزيدة الكلام: أن دخول المستثنى في جنس المستثنى منه ثم إخراجه بالا وأخواتها: إنما كان قبل إسناد الفعل أو شبهه إليه، فلا يلزم التناقض في نحو: جاءني القوم إلا زيدا، لأنه بمنزلة قولك: القوم المخرج منهم زيد، جاءوني، ولا 3 في نحو: له علي عشرة إلا درهما، لأنه بمنزلة قولك: العشرة المخرج منها واحد، له علي، وذلك لأن المنسوب إليه


(1) الآية 97 سورة آل عمران، (2) أي منظورا فيه إلى عمومه وشموله لزيد (3) أي ولا يلزم التناقض في هذا أيضا، (*)

[ 79 ]

الفعل، وإن تأخر عنه لفظا، لكنه لا بدله من التقدم وجودا على النسبة التي يدل عليها الفعل، إذا المنسوب إليه، والمنسوب سابقان على النسبة بينهما ضرورة، ففي الاستثناء، لما كان المنسوب إليه هو المستثنى منه فلا بد، إذن، من حصول الدخول والأخراج قبل النسبة، فلا تناقض، (أحكام المستثنى) (وتفصيل الكلام على العامل) (قال ابن الحاجب:) (وهو منصوب، إذا كان بعد الا، غير الصفة، في كلام) (موجب أو مقدما على المستثنى منه، أو منقطعا في الأكثر،) (أو كان بعد خلا وعدا، في الأكثر، وما خلا، وما عدا،) (وليس، ولا يكون)، (قال الرضي:) شرع يبين اعراب المستثنى، فبدأ بما يجب نصبه، إذ هو 1 في باب المنصوبات وهو 2 في مواضع، الأول: ما اجتمع فيه شرطان: وقوعه بعد (الا)، وكون الاستثناء في كلام موجب، ولم يحتج 3 إلى قوله (غير الصفة)، لأنه في نصب المستثنى، وما كان بعد (الا) التي للوصف: ليس بمستثنى،


(1) أي المصنف، أي كلامه، (2) أي ما يجب نصبه، لقوله: الأول ما اجتمع فيه... (3) أي أنه لم يكن بحاجة إلى ذكر هذا القيد، (*)

[ 80 ]

وإنما اشترط كون الاستثناء في كلام موجب، لأن غير الموجب لا يجب نصب مستثناه، كما يجيئ، واختلف في عامل النصب في المستثنى، فقال البصريون: العامل فيه: الفعل المتقدم، أو معنى الفعل، بتوسط (الا)، لأنه شئ يتعلق بالفعل معنى، إذ هو جزء مما نسب إليه الفعل، وقد جاء بعد تمام الكلام فشابه المفعول، وقال المبرد، والزجاج: العامل فيه (الا)، لقيام معنى الاستثناء بها، والعامل ما به يتقوم المعنى المقتضى 1، ولكونها نائبة عن (أستثني)، كما أن حرف النداء نائب عن (أنادي)، وقال الكسائي: هو منصوب، إذا انتصب، بأن مقدرة بعد (إلا)، محذوفة الخبر، فتقدير قام القوم الا زيدا: قام القوم الا أن زيدا لم يقم، وليس بشئ، إذ يبقى الاشكال عليه بحاله في انتصاب (أن) مع اسمها وخبرها، لأنها في تقدير المفرد، وأما الاعتراض 2 بأنه يعمل الحرف الموصول مقدرا، والموصول لا يقدر، فلا يرد عليه، لأن الكوفيين يجوزون تقدير الاسم الموصول، كما يجيئ، وأما تقدير الحرف الموصول، فله أسوة 3 بالبصريين في تقديرهم (أن) الناصبة للفعل، لكون الحروف التي قبلها كالنائب عنها، فإلا، عنده، تكون كالنائب عن (أن) المقدرة، وقال الفراء: (الا) مركبة من: (إن) و (لا) العاطفة، حذفت النون الثانية من (إن)، وأدغمت الأولى في لام (لا) فإذا انتصب الاسم، بعدها، فبإن، وإذا أتبع ما قبلها في الاعراب، فبلا العاطفة، فكأن أصل قام القوم إلا زيدا: قام القوم، إن زيدا


(1) المعنى العام للعامل هو ما به يتقوم المقتضي وتقدم ذلك في أول الكتاب ص 72 ج 1، (2) أي الاعتراض على الكسائي، (3) جواب قوله: وأما تقدير الحرف الموصول، (*)

[ 81 ]

لا قام، أي لم يقم، فلا، لنفي حكم ما قبل (الا) ونقضه، نفيا كان ذلك الحكم، أو اثباتا، فهو كقولك: كأن زيدا أسد، الأصل عند بعضهم: إن زيدا كالأسد، فقدموا الكاف وركبوها مع (أن)، وفيما قال نظر من وجوه: لأن (لا) على المعنى الذي أوردناه 1، غير عاطفة 2، ومع التسليم، فإن (لا) العاطفة، لا تأتي إلا بعد الاثبات، نحو: جاءني زيد لا عمرو، وأنت تقول: ما جاءني القوم إلا زيد، ولأن فيما قال، عزلا 3 لأن، مرة، وللا، أخرى عن مقتضييهما، وذلك لأنه ينصب بها مرة، ويتبع ما بعدها لما قبلها أخرى، ولا يجتمع الحكمان معا في موضع، ولأن المعطوف عليه قليلا ما يحذف، والمتعدد الذي هو المعطوف عليه، عنده، مطرد الحذف نحو: ما قام إلا زيد، وقال بعضهم: هو منصوب بأستثني، كما أن المنادى منصوب بأنادي، و (الا)، وحرف النداء، دليلان على الفعلين المقدرين، فالمستثنى على هذا قول: مفعول به، وقد اعترض عليه بأنه يلزم منه جواز الرفع بتقدير: امتنع، ولا يلزم 4 ذلك، لأننا نعلل ما ثبت وورد، من كلام العرب، ولو ورد الرفع لكنا نقدر (امتنع) ونحوه، ولو ورد الرفع في نحو: أنت والأسد، لكنا نقدر: ابعد أنت والأسد ونحوه، وقال المصنف في شرح المفصل 5: العامل فيه: المستثنى منه بواسطة (الا)، قال: لأنه ربما لا يكون هناك فعل ولا معناه فيعمل، نحو: القوم إلا زيدا إخوتك، وهذا لا يرد إلا على مذهب البصريين، ولهم أن يقولوا: ان في (إخوتك) معنى الفعل وإن كان


(1) يعني في شرح مذهب الفراء، (2) لأنها لم تسبق بمعطوف عليه (3) أي إبعادا لكل من الحرفين عما يقتضيه من العمل، (4) أي لا يلزم الاعتراض الذي أوردوه (5) لابن الحاجب شرح على مفصل الزمخشري اسمه: الأيضاح، ينقل الرضي عنه كثيرا ويناقش ابن الحاجب فيما ينقله عنه كثيرا كما ينقل عنه في شرحه على الكافية هذه، (*)

[ 82 ]

من أخوة النسب أي ينتسبون إليك بالأخوة، وكذا في أمثاله، فجاز أن يعمل العامل الضعيف فيما تقدم عليه 1، لتقويه بالا، ولا يلزم مثله في المفعول معه، فانه لا يتقدم على عامله وإن كان فعلا صريحا، لأن أصل الواو للعطف، فروعي ذلك الأصل، ولو لم يكن في الجملة، أيضا، معنى الفعل، لجاز أن ينتصب المستثنى، إذ الجملة ليست بأنقص مشابهة للفعل التام كلاما بفاعله، من المفرد التي يتم بالنون والتنوين فينصب التمييز، ولا سيما مع تقويها بآلة الاستثناء، وإلى مثله يشير كلام سيبويه في مواضع 2، فنقول: عمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم، 3 هذا كله في المستثنى المتصل، وأما المنقطع، فمذهب سيبويه، أنه، أيضا، ينتصب بما قبل (إلا)، من الكلام، كما انتصب المتصل به، وذلك قوله في الكتاب: (فحمل على معنى (لكن) وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم 4)، وما بعد (الا) عنده، مفرد، سواء كان متصلا أو منقطعا، فهي، وإن لم تكن حرف عطف، إلا أنها ك (لكن) العاطفة للمفرد على المفرد، في وقوع المفرد بعدها، فلهذا وجب فتح (أن) الواقعة بعدها في نحو قولك: زيد غني، إلا أنه شقي، والمتأخرون، لما رأوها بمعنى (لكن)، قالوا: انها الناصبة بنفسها، نصب (لكن) للأسماء، وخبرها محذوف، نحو: قولك: جاءني القوم إلا حمارا، أي: لكن حمارا لم يجيئ، قالوا وقد يجيئ خبرها ظاهرا، نحو قوله تعالى: (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم) 5،


(1) أي في المثال المذكور في كلام المصنف، (2) منها قوله: هذا باب لا يكون المستثنى فيه إلا نصبا، لأنه مخرج مما أدخلت فيه غيره فعمل فيه ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم، ثم قال: وهذا قول الخليل، ج 1 ص 369 (3) في بعض النسخ بعد قوله هذا: (فمذهبه على هذا أن الجملة عاملة في المستثنى لتمامها، لا لمعنى الفعل فيها سواء كان معنى الفعل فيه أولا، وهو المختار عندي،)، (4) سيبويه ج 1 ص 363، (5) الآية 98 سورة يونس (*)

[ 83 ]

وقال الكوفيون: (إلا) في الاستثناء المنقطع، بمعنى (سوى) وانتصاب المستثنى بعدها كانتصابه في المتصل، وتأويل البصريين أولى، لأن المستثنى المنقطع، يلزم مخالفته لما قبله نفيا واثباتا، كما في (لكن)، وفي (سوى) لا يلزم ذلك، لأنك تقول: لي عليك ديناران، سوى الدينار الفلاني، وذلك إذا كان صفة، 1 وأيضا معنى (لكن) الاستدراك، والمراد بالاستدراك فيها رفع توهم المخاطب دخول ما بعدها في حكم ما قبلها، مع أنه ليس بداخل فيه، وهذا هو معنى الاستثناء المنقطع بعينه، وإنما وجب النصب في المستثنى من الموجب، لأن التفريغ لا يجوز فيه، كما يجيئ، والابدال أيضا لا يجوز في نحو: جاء القوم إلا زيدا، لأنك لو أبدلت، كان المبدل منه في حكم الساقط، فيؤدي إلى التفريغ في الأيجاب فلم يبق إلا النصب، قوله: (أو مقدما على المستثنى منه)، يعني إذا كان بعد (الا) وتقدم على المستثنى منه، وجب النصب، لأنه إن كان في الموجب فقد تقدم وجوب النصب، وإن كان في غير الموجب، فقد بطل البدل، لأن البدل لا يتقدم على المبدل منه، لأنه من التوابع، فلم يبق إلا النصب على الاستثناء، على أنه قد حكى يونس 2: ان بعض العرب يقول: ما لي إلا أبوك أحد، فجعل المستثنى منه، المؤخر، بدلا من المستثنى، كما قيل: ما مررت بمثله أحد، و (أحد) بدل من (مثله)، ويجوز أن تقول: ما لي إلا أبوك صديقا، على أن (أبوك) مبتدأ، و (لي) خبره وصديقا، حال، وتقول: من لي إلا أبوك صديقا، فمن، مبتدأ، و (لي) خبره، و (أبوك) بدل من (من)، كأنك قلت: ألي أحد إلا أبوك، وصديقا، حال، وتقول: ما لي إلا زيدا صديق وعمرا، وعمرو، فتنصب عمرا على العطف على (زيدا)، وترفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: وعمرو كذلك،


(1) أي إذا كان لفظ سوى صفة، (2) يونس بن حبيب، احد المتقدمين من أئمة النحو وواضعي قواعده وهو شيخ سيبويه وغيره من معاصريه، وينقل عنه سيبويه كثيرا في كتابه، (*)

[ 84 ]

واعلم أنه إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، وجب أن يتأخر عما نسب إلى المستثنى منه، نحو: ما جاءني إلا زيدا أحد، وإن تقدم على المنسوب وجب تأخيره عن المستثنى منه، نحو: القوم إلا زيدا ضربت، ولا يجوز، عند البصريين، تقدمه عليهما معا في الاختيار، نحو قولك: إلا زيدا قام القوم، وقوله: 210 - وبلدة ليس بها طوري، * ولا، خلا الجن، بها انسي 1 شاذ عندهم للضرورة، وقيل: تقديره: ليس بها طوري، ولا بها انسي، خلا الجن، فأضمر الحكم، والمستثنى منه، و: بها انسي، الظاهر تفسير له،. فإذا قام المستثنى مع آلة الاستثناء مقام المستثنى منه، وذلك في الاستثناء المفرغ، التزم عندهم، تأخير المستثنى عن عامله، فلا يجوز: إلا زيدا لم أضرب، و: زيد إلا راكبا لم يأتني، وجوز الكوفيون في السعة، تقدم المستثنى على المستثنى منه، والحكم، معا، نحو: إلا زيدا ضربني القوم، وكذا جوزوا تقديم المستثنى في المفرغ على الحكم نحو: إلا زيدا لم أضرب، والأولى مذهب البصريين، لعدم سماع مثل هذا، ويمنعه القياس أيضا، وذلك لأن المستثنى، أخرج من المستثنى منه في الحقيقة أولا ثم نسب الحكم إلى المجموع، وهو في الظاهر مخرج من الحكم أيضا، لأن الظاهر أنك أخرجت زيدا من المجيئ في قولك: جاءني القوم إلا زيدا، وإن لم يكن في الحقيقة مخرجا منه، ومرتبة المخرج أن يكون بعد المخرج منه، فكان حقه أن يجيى بعد الحكم والمستثنى منه معا، لكنه جوز، لكثرة استعماله، تقدمه على أحدهما، نحو: جاءني إلا زيدا لقوم، والقوم إلا زيدا اخوتك، ولم يجز تقدمه عليهما معا،


(1) من أرجوزة للعجاج، وطوري من الكلمات الملازمة للنفي، بمعنى أحد، وصوب البغدادي أن الرواية: وخفقة، أي مفازة، قال لأن في الأرجوزة قبل ذلك: وبلدة نياطها بطي * للريح في أقرابها هوي، والقصد من هذا التصويب: ألا تتكرر كلمة (بلدة) في الأرجوزة، (*)

[ 85 ]

وفي المفرغ الذي ليس فيه إلا الحكم، لم يجز تقدمه عليه، واعلم، أيضا أنه لا يلزم أن يكون العامل في المستثنى هو العامل في المستثنى منه، بل قد يختلفان، كما في قولك: القوم إلا زيدا اخوتك، وهذا عند من جعل العامل في المبتدأ الابتداء، لا الخبر، قوله: (أو منقطعا في الأكثر) أي منقطعا بعد (الا) نحو: ما في الدار أحد إلا حمارا، أهل الحجاز يوجبون نصبه مطلقا، لأن بدل الغلط غير موجود في الفصيح من كلام العرب، وبنو تميم قسموا المنقطع قسمين: أحدهما ما يكون قبله اسم متعدد أو غير متعدد يصح حذفه، نحو: ما جاءني القوم إلا حمارا وما جاءني زيد إلا عمرا، فههنا يجوزون البدل، ثم ان ذلك الاسم الذي يجوز حذفه، إما أن يكون مما يصح دخول المستثنى فيه مجازا، أو، لا، فالأول نحو قولك: ما في الدار أحد إلا حمارا، يصح أن يجعل الحمار إنسان الدار، كما قال أبو ذؤيب: 211 - فإن تمس في دار برهوة ثاويا * أنيسك أصداء القبور تصيح 1 ومثله: ما لي عتاب إلا السيف، فلسيبويه في مثل هذا وجهان إذا أبدلت، أحدهما جعل المنقطع كالمتصل، لصحة دخول المبدل في المبدل منه، والثاني أن الأصل في نحو: لا أحد فيها إلا حمارا أن يقال: ما فيها إلا حمار، أي ما فيها شئ إلا حمار، لكنه خصص بالذكر من جملة المستثنى منه المحذوف، المتعدد، ما ظن استبعاد المخاطب شمول المتعدد المقدر له، كأنك تظن أن المخاطب يستبعد خلوها من الآدمي، فقلت لا أحد فيها، تأكيدا لنفي كون الآدمي بها، فلما ذكرت ذلك المستبعد، أبقيت ذلك المستثنى على ما كان عليه في الأصل، من الاعراب، تنبيها على الأصل وجعلته بدلا من ذلك المذكور، فعلى هذا، لا يكون هذا من قبيل الاستثناء المتصل كما كان في الوجه الأول،


(1) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي في رثاء قريب له، وهي في ديوان الهذليين، والبيت من شواهد سيبويه وكثير مما قاله الشارح من كلام سيبويه بلفظه أو بمعناه انظر ج 1 ص 364 من كتاب سيبويه، وما بعدها، (*)

[ 86 ]

وذهب المازني إلى أنه من باب تغليب العاقل على غيره، كما تقول: الزيدان والحمار جاءوا، وهذا لا يطرد له في جميع الباب، نحو قوله تعالى: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن 1)، وقولهم: ليس له سلطان إلا التكلف، ونحو ذلك، والثاني: أي الذي لا يدخل فيه المستثنى في ذلك الاسم مجازا، ليس فيه إلا الوجه الثاني من قولي سيبويه، وذلك نحو: ما جاءني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، قال: 212 - والحرب لا يبقى لجا * حمها التخيل والمراح 2 إلا الفتى الصبار في * النجدات والفرس الوقاح وقال: 213 - عشية لا تغني الرماح مكانها * ولا النبل إلا المشرفي المصمم 3 والثاني من القسمين: ما لا يكون قبله اسم يصح حذفه، فبنو تميم ههنا يوافقون الحجازيين في إيجاب نصبه، كقوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم 4)، أي: من رحمه الله تعالى، وقال بعضهم: لا عاصم، أي لا معصوم، فالاستثناء متصل، وقال السيرافي: المراد بمن رحم: الراحم، أي الله تعالى، لا المرحوم فيكون أيضا


(1) الآية 157 من سورة النساء، (2) هذا من أبيات قالها سعد بن مالك، من بني قيس، تعريضا بالحارث بن عباد الذي كان قد قعد عن حرب البسوس بين بكر وتغلب، والبيتان من شواهد سيبويه ج 1 ص 366، ومن هذه الأبيات قوله: من صد عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح وتقدم في الجزء الأول، وسيأتي أيضا في هذا الجزء، (3) الاستثناء فيه منقطع لأن المشرفي وهو السيف ليس من جنس النبل والرماح، وقد ورد هذا البيت بروايتين وهو بهذه الرواية من قصيدة للحصين بن الحمام المري، وهي إحدى المفضليات، (4) الآية 43 سورة هود (*)

[ 87 ]

متصلا، وأما قوله تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا 1)، وقوله تعالى: (فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس)، 2 فلا يجوز الأبدال في الآيتين، لأن التحضيض كالأمر والشرط، ولا يجوز: ليقم القوم إلا زيد، و: ان قام أحد إلا زيد، وكان الزجاج يجيز البدل في (قوم يونس)، لأن معنى لولا كانت قرية آمنت، ما آمنت قرية، لأن اللوم على ما فات دلالة على انتفائه، ومنه قولهم: لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام، أي متاركة ووداعا 3، من قوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، 4 ومعنى: بسلام أي مع سلام، أي متاركة متتابعة، ويجوز أن تكون الباء للبدل، أي تسلم عليه وترد سلاما بدل سلامه، ولا تخالطه بأكثر من هذا، ومنه قولهم: ما ضر إلا ما نفع، وما زاد إلا ما نقص، و (ما) فيها مصدرية، وأبو سعيد 5، ومبرمان 6، يقدران الخبر، أي: ولكن النقصان أمره 7، ولكن النفع أمره، ومذهب سيبويه: أن ما بعد (إلا) في المنقطع مفرد، كما مر، وأما نحو قوله: 8


(1) الآية 116 سورة هود (2) الآية 98 سورة يونس وتقدم جزء منها، (3) مصدر وادع موادعة، (4) الآية 63 سوره الفرقان (5) أي السيرافي، وتقدم ذكره، (6) مبرمان: محمد بن علي بن إسماعيل من علماء القرن الرابع، أخذ عن المبرد والزجاج، وأخذ عنه أبو على الفارسي، وهو أحد من شرحوا كتاب سيبويه، وفي النسخة المطبوعة: ابن مبرمان، ولا وجه لكلمة ابن، (7) أي شأنه وصفته، (8) الاستشهاد بالبيتين الآتيين استطراد وإن كان الاستثناء فيهما بغير، والمناسبة أن غير مثل إلا كما سيأتي، (*)

[ 88 ]

214 - ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب 1 وقوله: 215 - فتى كملت أخلاقه غير أنه * جواد فما يبقي من المال باقيا 2 فظهر فيه أول وجهي سيبويه المذكورين، وذلك أن الشاعر قصد جعله من المتصل مبالغة في المدح، أي إن كان لا بد من العيب، ففيهم عيب واحد، فحسب، وهو فلول سيوفهم من القراع، وفي أخلاقه نقص واحد، وهو جوده الكامل الممزق لماله، يعدون ما في ظاهره أدنى شائبة من النقص وإن كان في التحقيق غاية في الكمال: من جملة 3 العيوب، غلوا في الثناء، كما قال بديع الزمان 4: عيبه أنه لا عيب فيه، فنفي عين الكمال عن معاليه 5، قوله: (أو كان بعد خلا وعدا في الأكثر)، قال السيرافي: لم أر أحدا ذكر الجر بعد (عدا) إلا الأخفش، فإنه قرنها في بعض ما ذكر، بخلا، في جواز الجر بها، وقال،


(1) من قصيدة للنابغة الذبياني في مدح وعمرو بن الحارث الغساني مطلعها: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيى الكواكب وهي من جيد شعر النابغة، (2) قائله النابغة الجعدي في رثاء أخ له، من أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة في باب المرائي، وقبل بيت الشاهد قوله: ألم تعلمي أني رزئت محاربا * فما لك منه اليوم شئ ولا ليا وبعده فتى تم فيه ما يسر صديقه * على أن فيه ما يسوء الأعاديا (3) متعلق بقوله: يعدون ما في ظاهره (4) بديع الزمان هو أبو الفضل أحمد بن حسين، الكاتب الشاعر، اشتهر بمقاماته ورسائله البليغة، وكان ذا حظوة عند الصاحب بن عباد وكانت حياته أثناء القرن الرابع الهجري، (5) المعنى: أن من يقول عن إنسان إنه لا عيب فيه إلا الكرم مثلا، ينفي بقوله هذا عين الكمال، أي عين الحاسد التي تتجه إلى الشئ الكامل، بإثباته عيبا للمدوح ولو ظاهرا، وذلك المعنى أجمله الشاعر الذي يقول: ما كان أحوج ذا الكمال إلى * عيب يوقيه من العين ويقول شاعر آخر: شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ * من شر أعينهم بعيب واحد (*)

[ 89 ]

أي السيرافي: ما أعلم خلافا في جواز الجر بخلا، إلا أن النصب بها أكثر، كما ذكر سيبويه 1، وأما (خلا)، فهو في الأصل لازم يتعدى إلى المفعول بمن، نحو: خلت الدار من الأنيس، وقد يضمن معنى (جاوز) فيتعدى بنفسه كقولهم: افعل هذا وخلاك ذم، وألزموها 2 هذا التضمين في باب الاستثناء، ليكون ما بعدها في صورة المستثنى بالا، التي هي أم الباب، ولهذا الغرض، التزموا اضمار فاعله وفاعل (عدا)، ولم يظهر معهما (قد) مع أنهما في محل النصب على الحال 3، ولهذا أوجبوا اضمارا اسمي 5 ليس ولا يكون، وأما (عدا) فمتعد في غير الاستثناء، أيضا، وفاعل خلا، وعدا، عند النجاة، (بعضهم) 4، وفيه نظر، لأن المقصود في جاءني القوم خلا زيدا وعدا زيدا: أن زيدا لم يكن معهم أصلا، ولا يلزم من مجاوزة بعض القوم إياه وخلو بعضهم منه، مجاوزة الكل وخلو الكل، فالأولى أن نضمر فيهما ضميرا راجعا إلى مصدر الفعل المتقدم، أي: جاءني القوم خلا مجيئهم زيدا، كقوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) 5، فيكون مفسر الضمير سياق القول، والنصب في قولهم: ما النساء وذكرهن 6، بعدا، مضمرة، وقال بعضهم (ما) مؤول بالا، ولم يثبت، قوله: (وما خلا وما عدا)، إنما لزم النصب بعدهما، لأن (ما) مصدرية، وهي تدخل على الفعلية غالبا، كما يجيئ في قسم الحروف، وفي الاسمية قليلا، وليس بعدها


(1) سيبويه ج 1 ص 377 (2) أي ألزموا خلا، (3) مع كونهما جملتين ماضيتين، فحقهما الاقتران بقد، على ما تقدم في باب الحال، (4) أي كلمة بعض مضافة إلى ضمير المستثنى منه، (5) الآية 8 سورة المائدة (6) في لسان العرب مادة (مهه): تقول العرب: كل شئ مهه أو مهاة أو مهاهة ما النساء وذكرهن، وفسره بأن معنى الكلمات: مهه ومهاه ومهاهة: الشئ السهل الذي يمكن احتماله، وقيل المعنى: كل شئ باطل إلا النساء وذكرهن، (*)

[ 90 ]

اسمية 1، فتتعين الفعلية، فتتعين كونهما فعلين، فوجب النصب، والمضاف محذوف، أي: وقت ما خلا مجيئهم زيدا، أي وقت خلو مجيئهم زيدا، وذلك أن الحين 2 كثيرا ما يحذف مع (ما) المصدرية نحو: ما ذر شارق، وجوز الجرمي 3، الجر بعد ما خلا، وما عدا، ولم يثبت، على 4 أن (ما) زائدة، قوله: (وليس، ولا يكون)، هما أيضا في محل النصب على الحال إذا ضمنا معنى الاستثناء، ولا يستعمل موضع (لا يكون) غيره، نحو: ما كان، ولم يكن، ونحو ذلك، وفاعلهما واجب الاضمار، وهو ضمير راجع إلى (بعض) 5 مضافا إلى ضمير المستثنى منه، أي ليس بعضهم زيدا، وذلك لمثل ما قلنا في وجوب اضمار فاعل خلا، وعدا، إلا أن الأضمار ههنا، كما في قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) 6، وقوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب 7) بخلاف ذلك، وأجاز الخليل أن يوصف بليس، ولا يكون، منكر، أو معرف باللام الجنسية، نحو: ما جاءني الرجال ليسوا ولا يكونون زيدا، وسمع من العرب: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة وليست فلانة، فيلحقهما، إذن، ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة تأنيث، تقول: ما رأيت رجالا لا يكونون زيدا وليسوا زيدا، ولم يجيى مثل ذلك في خلا وعدا، ولم تستعمل هذه الأفعال في الاستثناء المفرغ، على أنه قال الأحوص:


(1) أي في حال استعمالها في مثل ما خلا زيدا، (2) أي اللفظ الدال على الزمان ولذلك يسمونها المصدرية الظرفية، (3) الجرمي نسبة إلى جرم بفتح الجيم، قبيلة باليمن، قيل إنه كان مولى لها، وقيل إنه أقام بها زمنا فنسب إليها، وهو أبو عمر، صالح بن إسحاق من علماء البصرة، أدرك سيبويه ولم يلقه توفي سنة 225 ه (4) توجيه لما ذهب إليه الجرمي، (5) أي لفظ بعض، (6) أول سورة القدر، (7) الآية 32 من سورة ص، (*)

[ 91 ]

216 - فما ترك الصنع الذي قد صنعته * ولا الغيظ مني ليس جلدا وأعظما 1 أي إلا جلدا.... ولا تستعمل هذه الكلمة إلا في الاستثناء المتصل، بخلاف (غير) فإنها تستعمل في المنقطع، أيضا، كقوله: 217 - وكل أبي باسل غير أنني * إذا عرضت أولى الطرائد أبسل 2 (ترجح الأبدال) (وجواز النصب) (قال ابن الحاجب:) (ويجوز فيه النصب، ويختار البدل، فيما بعد (الا) في) (كلام غير موجب ذكر فيه المستثنى منه نحو: ما فعلوه إلا) (قليل وإلا قليلا)، (قال الرضي:) اعلم أن لاختيار البدل شروطا: أحدهما 3، أن يكون بعد (الا) ومتصلا، ومؤخرا


(1) الصنع، بفتح الصاد، مصدر صنع والمراد: الأمر الذي صنعته والخطاب فيه لعمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي، كان، بعد أن تولى الخلافة اصطفى يزيد بن أسلم، وجفا الأحوص الأنصاري فقال الأحوص: ألست أبا حفص هديت مخبري * أفي الحق أن أقصى وتدني ابن اسلما وهذا ما يريده بقوله: الصنع الذي قد صنعته، (2) هذا البيت من القصيدة المسماة بلامية العرب للشنفري، التي يقول فيها مخاطبا قومه وعشيرته: ولي دونكم آهلون سيد عملس * وأرقط زهلول وعرفاء جيأل هم الأهل لا مستودع السر ذائع * لديهم ولا الجاني بما جر يخذل وقوله وكل أبي: أي وكل واحد منهم يريد هؤلاء الأهل، (3) لم يقل بعد ذلك ثانيها وثالثها، فكان الأولى حذف (أحدها) هذه ، (*)

[ 92 ]

عن المستثنى منه المشتمل عليه استفهام أو نهي أو نفي صريح أو مؤول به غير مردود به كلام تضمن الاستثناء، وألا يتراخى المستثنى عن المستثنى منه، فقولنا المشتمل عليه استفهام أو نهي أو نفي، يدخل فيه الضمير الراجع قبل الاستثناء بإلا، على اسم صالح لأن يبدل منه، معمول للابتداء أو أحد نواسخه، نحو قولك: ما أحد ضربته إلا زيدا، يجوز لك الأبدال من هاء ضربته، لأن المعنى: ما ضربت أحدا إلا زيدا فقد اشتمل النفي على هذا الضمير من حيث المعنى، وكذلك إذا كان الضمير في صفة المبتدأ، نحو: ما أحد لقيته كريم إلا زيدا، ومثال دخول النواسخ: ما ظننت أحدا يقول ذلك إلا زيد، بالرفع بدلا من ضمير (يقول) لأن المعنى: ما يقول ذلك في ظني إلا زيد، والأبدال من صاحب الضمير أولى، لأنه الأصل، ولا يحتاج إلى تأويل، لكونه في غير الموجب، ولو لم يرجع الضمير إلى المبتدأ في الأصل أو في الحال، لم يجز الأبدال منه على ما قيل، فلا تقول: ما ضربت أحدا بقول ذلك إلا زيد بالرفع بدلا من ضمير يقول، لأن القول ليس بمنفي، بل المنفي الضرب، قال سيبويه 1: إذا قلت: ما رأيت أحدا يقول ذلك إلا زيدا، ورأيت بمعنى أبصرت، وجب نصب المستثنى، لأنه ليس من نواسخ الابتداء، هذا قوله، وأنا لا أرى بأسا، في غير نواسخ الابتداء، أيضا، في الأبدال من ضمير راجع إلى ما يصلح للأبدال منه، إذا شمل النفي عامل ذلك الضمير، نحو: ما كلمت أحدا ينصفني إلا زيد، لأن المعنى: ما أنصفني أحد إلا زيد، ومنه قول عدي بن زيد:


(1) منقول بمعناه من سيبويه، ج 1 ص 361 (*)

[ 93 ]

218 - في ليلة لا نرى بها أحدا * يحكي علينا إلا كواكبها 1 و (نرى) من روية العين، وفي جعله من رؤية القلب، كما ذهب إليه سيبويه، نظر، لكونه مخالفا لظاهر معنى البيت، فالأنصاف 2 والحكاية منفيان معنى، بلى، لو قلت: لا أوذي أحدا يوحد الله تعالى إلا زيدا، لم يجز الأبدال من ضمير (يوحد)، لأن التوحيد ليس بمنفي، بل الأذي 3 فقط، وكذا يجوز الأبدال من المضاف، والمضاف إليه المتعدد، إذا كان المضاف معمولا لغير الموجب، نحو: ما جاءني أخو أحد إلا زيد، وفي حكمة: ما في وصف معمول غير الموجب، نحو: ما أتاني غلام لأحد إلا زيد،. قولنا: أو موول به، يدخل نحو: قلما رجل يقول ذلك إلا زيد، وفي: قل رجل، وقلما رجل وأقل رجل: معنى النفي، قال أبو علي: قلما، يكون بمعنى النفي الصرف، نحو: قلما سرت حتى أدخلها بالنصب لا غير، ولو كان للأثبات لجاز الرفع، كما يجيى في نواصب الفعل، قال: ويجيى بمعنى إثبات الشئ القليل كقوله: 219 - قلما عرس حتى هجته * بالتباشير من الصبح الأول 4 والأغلب الأول، ولكون (أقل رجل) مؤولا بالنفي، لا يدخله نواسخ الابتداء، كما لا تدخل على


(1) هذا من أبيات لأحيحة بن الجلاع الأنصاري يقول فيها قبل هذا البيت: يا ليتني ليلة إذا هجع الناس * ونام الكلاب صاحبها وقال البغدادي بعد أن أورد الأبيات أنه تصفح ديوان عدي بن زيد فلم يجد فيه هذا الشعر،. (2) المستفاد من قوله ينصفني في المثال، والحكاية المستفادة من قول الشاعر: يحكي علينا، (3) المناسب أن يقول: الأيذاء، ليتناسب مع (أوذي)، (4) التعريس: النزول آخر الليل لنوم أو الراحة، وهجته: أيقظته، أو أفزعته، بالتباشير، أي بظهور التباشير من الصبح، والأول جمع أولى صفة للتباشير وهو من شعر لبيد بن ربيعة، (*)

[ 94 ]

(ما) النافية، ومن ثم كان وصف المضاف إليه (أقل) في الأشهر، فعلا أو ظرفا، لأن أصل النفي دخوله على الفعل، فلو قلت: أقل رجل ذي جمة، لم يحسن، على ما قال الأخفش، قال أبو علي: ووصفة بنحو: صالح، أيضا، لا يجوز في القياس، قال: ومن جوز، فلأعطائه معنى الفعل، ألا ترى أن سيبويه 1 أجاز حكاية نحو: (لبيبة عاقلة) إذا سمي به، كالجملة، 2 وفاعل (قل) و (قلما) لا يكون إلا نكرة، وكذا ما أضيف إليه (أقل) لكونه كالمجرور برب، قال أبو علي: أقل مبتدأ، حذف خبره وجوبا، استغناء بوصف المضاف إليه، كما حذف خبر ما بعد لو لا 3، وفيما قال نظر، لأنه لا معنى لقولك: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد موجود كما لا معنى لقولك: أقائم الزيدان موجود، قال 4: أو نقول: هو مبتدأ لا خبر له، لأن فيه معنى الفعل، كما في: أقائم الزيدان، وقال بعضهم: نحو (يقول ذلك) في: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد: خبر المبتدأ، و (إلا زيد) بدل من ضمير (يقول)، وكذا في: أقل رجلين يقولان ذلك إلا الزيدان، وأقل رجال يقولون ذلك إلا الزيدون، قال 5: وإنما ثني ضمير يقولان، وجمع ضمير يقولون لأن أفعل التفضيل، كما يجيئ في بابه، إذا أضيف إلى نكرة، فإن كانت مفردة فهو مفرد، وإن كانت مثناة، أو مجموعة، فهو مثنى أو مجموع، بخلاف ما إذا أضيف إلى المعرفة، نحو: أفضل الرجلين، وأفضل الرجال،


(1) الموجود في سيبويه ج 2 ص 66 التسمية بعاقلة لبيبة بدون واو، ولذلك حذفتها وهي موجودة في المطبوعة الأولى، (2) أي كما تحكي الجملة، (3) للاستغناء عنه بجواب لو لا (4) أي الفارسي، (5) أي ذلك البعض صاحب هذا الرأي، (*)

[ 95 ]

والحق من هذه المذاهب، ثاني قولي أبي علي، لأنك تقول أقل من يقول ذلك إلا زيد، وقل من يقول ذلك إلا زيد، و (من) نكرة، لا بد لها من وصف، وأقل رجل يقول، بمعنى: أقل من يقول، فالجملة، إذن، وصف للنكرة، كما كانت وصفا لمن، ولا يجوز إبدال زيد من لفظ المضاف إليه في: أقل رجل...، لأن (أقل) يكون، إذن، في التقدير مضافا إلى ذلك البدل الذي هو مثبت 1، وهو لا يضاف إلا إلى ما نفي الحكم عنه، ولا يجوز، أيضا، إبداله من لفظ (أقل)، إذ لو أبدلت منه طرحته من التفسير فيبقى قولك: يقول ذلك إلا زيد، ولا يصح 2، فالمرفوع بعد (إلا) في هذا المقام، معرفة كان أو نكرة، بدل من المضاف إليه أقل على المعنى المؤول به الكلام، إذ التقدير: ما رجل يقول ذلك إلا زيد، أي: ما يقول ذلك إلا زيد، وينبغي أن يكون تأويل النفي ظاهرا، ومن ثم رد على الزجاج في تجويز الرفع في (قوم يونس) في قوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت) الآية 3، فجعل التحضيض كالنفي، وقد تجري لفظة (أبي) وما تصرف منها مجرى النفي، قال تعالى: (فأبي أكثر الناس إلا كفورا 4)، و: (ويأتي الله إلا أن يتم نوره 5)، والمفرغ لا يجيئ في الموجب إلا نادرا، فعلى هذا، يجوز نحو: أبي القوم أن يأتوني إلا زيد، إذ حيث يجوز المفرغ يجوز الأبدال، وتأويل النفي في غير الألفاظ المذكورة نادر، كما جاء في الشواذ: (فشربوا منه إلا قليل منهم 6)، أي لم يطيعوه إلا قليل منهم، ولا يجوز: مات الناس إلا زيد، أي لم


(1) لأن النفي أبطل بالا، (2) لأن ذلك يؤدي إلى التفريغ في الأيجاب، (3) الآية 98 من سورة يونس وتكررت (4) الآية 89 سورة الاسراء (5) الآية 32 سورة التوبة، (6) الآية 249 من سورة البقرة، وهي قراءة الأعمش، وأبي بن كعب، (*)

[ 96 ]

يعيش الناس إلا زيد، وكذا لا يجوز في الأمر والشرط، الأبدال والتفريغ، نحو ليقم القوم إلا زيد، وإن قام أحد إلا زيد قمت، وكان الزجاج يجيز البدل في قوله تعالى: (فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) لتأويله التحضيض بالنفي، لأن المعنى: ما آمنت قرية، إذ اللوم على ما فات دلالة على انتفائه، وقد رده النجاة، 1 وأما قوله تعالى: (فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا 2)، فبالنصب لا غير، وقولنا 3 غير مردود به كلام تضمن الاستثناء، احتراز عن نحو: ما قام القوم إلا زيدا، ردا على من قال: قام القوم إلا زيدا، إذ النصب ههنا أولى، لقصد التطابق بين الكلامين، وقولنا: وألا يتراخى المستثنى عن المستثنى منه، احتراز عن نحو: ما جاءني أحد حين كنت جالسا ههنا، إلا زيدا، فإن الأبدال ليس بأولى ههنا من النصب، إذ كونه مختارا لقصد التطابق بينه وبين المستثنى منه، ومع تراخي ما بينهما، لا يتبين ذلك، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن هذا الاتباع، إبدال عند البصرية، لأن عبرته 4 بجواز حذف المتبوع، وهو ههنا جائز، وقال الكسائي، والفراء: (إلا) حرف عطف بهذه الشروط، ولا خلاف بينهم في معنى (إلا) وأنه للاستثناء، وإنما جعلاه عطفا، لأن البدل منه في كلام واحد، والمستثنى من حيث المعنى في كلام، والمستثنى منه في آخر، لأن معنى ما قام القوم إلا زيد:


(1) تقدمت هذه العبارة في هذا الباب ولكل موضع مناسبته، (2) الآية 116 سورة هود وتقدمت في أول الباب، (3) عودة إلى تفسير ما ذكر من الشروط لترجيح الأبدال، (4) أي اعتباره ووجه معرفته، (*)

[ 97 ]

ما قام القوم، وقام زيد، والجواب: أنهما في اللفظ كلام، والأبدال معاملة لفظية، قال بعضهم: لو كان بدل البعض، وجب الضمير، وليس من بدل الكل، ولا الاشتمال، فهو شبيه بالغلط، وبدل الغلط لا يكون في فصيح الكلام، والجواب: أنه بدل البعض، ولم يحتج إلى الضمير لقرينة الاستثناء المتصل لأفادته أن المستثنى بعض المستثنى منه، قال ثعلب 1: كيف يكون بدلا، والأول مخالف للثاني في النفي والايجاب ؟ والجواب: أنه لا منع منه مع الحرف المقتضي لذلك، كما جاز في الصفة، نحو: مررت برجل لا ظريف ولا كريم، جعلت حرف النفي مع الاسم الذي بعده، صفة لرجل، والأعراب على الاسم، كذلك يجعل في نحو: ما جاء القوم إلا زيد، قولنا 2 إلا زيد، بدلا، والأعراب على الاسم، ولو كان عطفا، لم يكن معنى الكلام مع حذف المتبوع، كمعناه مع ثبوته، إذ ذلك من أحكام البدل لا من أحكام العطف، والفراء يمنع النصب على الاستثناء، إذا كان المستثنى منه منكرا، فيوجب البدل 3،. في نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، ويجيز النصب والأبدال في: ما جاءني القوم إلا زيد، وإلا زيدا، ولعله قاس ذلك على الموجب، فانه لا ينتصب المستثنى فيه، إلا والمستثنى منه معرف باللام، فلا يجوز: جاءني قوم إلا زيدا، لأن دخول (زيد) في (قوم) المنكر غير قطعي حتى يخرج بالاستثناء، وليس بشئ، لأن امتناع ذلك في الموجب لعدم القطع بالدخول، وفي غير الموجب: المستثنى داخل في المستثنى منه المنكر، ولهذا إذا علم في الموجب دخول المستثنى في المستثنى منه المنكر، جاز الاستثناء اتفاقا، نحو: له علي عشرة إلا واحدا،


(1) هو الأماء أحمد بن يحيى من زعماء الكوفيين، وقد تقدم ذكره باسمه، (2) نائب فاعل لقوله، يجعل، (3) هذا تسامح، لأن الأتباع عند الفراء على جعلة عطف نسق كما تقدم، وكذلك في قوله بعد: وحيز النصب والأبدال، (*)

[ 98 ]

وذهب بعض القدماء إلى أنه يجب النصب على الاستثناء، ولا يجوز الأبدال، إذا صلح الكلام للأيجاب بحذف حرف النفي، نحو: ما جاءني القوم إلا زيدا، فإنه يجوز: جاءني القوم إلا زيدا، فكما لا يجوز الأبدال في الموجب، لا يجيزه 1 في غير الموجب قياسا عليه، وهو باطل بقوله تعالى: (... ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) 2 بالأبدال، وبقوله تعالى: (ما فعلوه إلا قليل منهم 3)، فإن الفعل يصلح للأيجاب مع أن البدل هو المختار 4، وأما إذا لم يصلح الفعل للأيجاب، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، وما جاءني رجل إلا عمرو، فإنه يجيز البدل والنصب، إذ لا يجوز: جاءني أحد إلا زيدا حتى يقاس عليه غير الموجب في وجوب النصب، ومن جعل للفراء 5، ولهذا القائل قياس غير الموجب على الموجب، ومن أين لهما ذلك ؟ هذا، ولما تقرر أن الاتباع هو الوجه مع الشرائط المذكورة، وكان أكثر القراء على النصب في قوله تعالى: (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك 6)، تكلف 7 جار الله 8، لئلا تكون قراءة الأكثر محمولة على وجه غير مختار، فقال: (امرأتك) بالرفع، بدل من (أحد) وبالنصب مستثنى من قوله تعالى: (فأسر بأهلك) 9 لا من قوله (ولا يلتفت


(1) أي هذا القائل الذي عبر عنه ببعض القدماء (2) الآية 6 من سورة النور (3) الآية 66 سورة النساء (4) علته أن القراء السبعة قرأوا به، (5) جمع في رده على هذا بين الفراء وهذا القائل لاشتراك الرأيين في قياس غير الموجب على الموجب، (6) الآية 81 سورة هود، (7) جواب قوله: ولما تقرر (8) أي الزمخشري، ورأيه هذا في متن المفصل، وانظر شرح ابن يعيش عليه ج 2 ص 81 وما بعدها، وفيه إجابة مفصلة وشرح واف لهذه المسألة، (9) من الآية السابقة في سورة هود، (*)

[ 99 ]

منكم أحد)، فاعترض عليه المصنف 1، بلزوم تناقض القراءتين، إذن ، ولا يجوز تناقض القراءات، لأنها كلها قرآن، ولا تناقض في القرآن، قال: وبيان التناقض أن الاستثناء من (أسر) يقتضي كونها غير مسرى بها، والاستثناء من (لا يلتفت منكم أحد)، يقتضي كونها مسرى بها، والجواب أن الأسراء، وإن كان مطلقا في الظاهر، إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد: أسر بأهلك اسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن على هذا، إن شئت من (أسر)، أو، من (لا يلتفت)، ولا تناقض، وهذا كما تقول: امش ولا تتبختر، أي امش مشيا لا تبختر فيه، وإذا كان المستثنى بعد المستثنى منه، قبل صفته 2، نحو: ما جاءني رجل إلا عمرو خير من زيد، فعند سيبويه 3: اتباعه أولى من النصب، لأن المبدل منه وهو الموصوف متقدم، وحكي أن سيبويه يختار النصب على الاستثناء، والمازني يختار ذلك على الأبدال نظرا إلى أن الصفة كجزء الموصوف، فكأنه لم يتقدم عليه جميع المستثنى منه، وأيضا فإن الأبدال من شئ علامة الاستغناء عنه، ووصفه بعد ذلك علامة الاعتداد به، والاعتداد بالشئ بعد الاستغناء عنه، بعيد، (الاستثناء المفرغ) (حكمه، ومتى يجوز) (قال ابن الحاجب:) (ويعرب على حسب العوامل، إذا كان المستثنى منه غير) (مذكور، وهو في غير الموجب، ليفيد، مثل: ما ضربني)


(1) أي ابن الحاجب في شرحه على المفصل، (2) أي قبل صفة المستثنى منه، (3) تفصيل ذلك في سيبويه ج 1 ص 371 وما بعدها، وفيه كثير من الشرح غير ما ذكره المصنف، (*)

[ 100 ]

(إلا زيد، إلا أن يستقيم المعنى، نحو: قرأت إلا يوم كذا،) (ومن ثم لم يجز: ما زال زيد إلا عالما)، (قال الرضي:) هذا الذي يسميه النجاة: الاستثناء المفرغ، والمفرغ في الحقيقة هو الفعل قبل (إلا)، لأنه لم يشتغل بمستثنى منه، فعمل في المستثنى، واعلم أن المنسوب إليه الفعل أو شبهه، كما تكرر ذكره، هو المستثنى منه مع المستثنى، وإنما أعرب المستثنى منه بما يقتضيه المنسوب، دون المستثنى لأنه الجزء الأول، والمستثنى بعده صار في حيز الفضلات فأعرب بالنصب، ثم إن أمكن إتباع المستثنى للمستثنى منه في الأعراب فهو أولى، كما في: ما قام القوم إلا زيد، إيذانا بكونه من تمام المنسوب إليه، وعبرة 1 إمكان اتباعه إياه، بتجويز حذف المستثنى منه، وقيام المستثنى مقامه على البدل، وذلك في غير الموجب، وإن لم يجز حذفه، كما في الموجب، لم يجز اتباع المستثنى إياه، بل وجب نصبه، لكونه في حيز الفضلات كما ذكرنا، وأما علة امتناع حذف المستثنى منه في الموجب، وجوازه في غير الموجب، فلأن المستثنى المتصل الذي كلامنا فيه، يجب دخوله تحت المستثنى منه عند جميع النجاة، إلا المبرد، وعند أكثر الأصوليين، أما المبرد وبعض الأصوليين فإنهم يكتفون، لصحة الاستثناء، بصحة دخوله تحته، حتى أجاز بعضهم جاءني رجل إلا زيدا، والأول هو الوجه، لأن الاستثناء اخراج اتفاقا وهو لا يكون إلا بعد تحقق الدخول، ثم إن المخرج منه، إنما يصح حذفه إذا قام عليه دليل، والدليل المستمر دلالته على المخرج منه هو المستثنى، لأنه يعرف به أن المقدر متعدد من جنسه، يعمه وغيره، وذلك المتعدد المقدر، لا يمكن أن يكون بعضا من الجنس غير معين، لأنه لا يتحقق، إذن،


(1) أي طريقة اعتبار ذلك، وكيفية معرفته، (*)

[ 101 ]

دخول المستثنى فيه، ولا أن يكون بعضا معينا يدخل فيه المستثنى قطعا لعدم قيام قرينة، في الأغلب، على مثل ذلك البعض، فلم يبق إلا جميع الجنس، ليتحقق دخول المستثنى فيه، وتقدير جميع الجنس جائز في غير الموجب، نحو: ما قام إلا زيد، لأن اشتراك جميع أفراد الجنس في انتفاء وقوع الفعل منها، أو عليها، ومخالفة واحد إياها في ذلك، مما يكثر ويغلب، وأما اشتراكها في وقوع الفعل منها أو عليها ومخالفة واحد إياها في ذلك، فمما يقل نحو: كل حيوان يحرك فكه الأسفل في الأكل إلا التمساح، ويعلم الله تعالى الا قدم العالم أو حدوث ذاته، ويستطيع تعالى إلا المستحيلات، وقرأت إلا يوم كذا، وضربته إلا بالسوط، قال تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال 1)، ويمكن أن يقوم في بعض المواضع على بعض معين من الجنس معلوم دخول المستثنى فيه، دليل 2، كما إذا قيل لك: ما لقيت صناع البلد، فتقول: لقيت إلا فلانا، لكن الأغلب، عدم التفريغ في الموجب، ويجوز التفريغ في موجب مؤول بالنفي، كما في قوله تعالى: (فأبي أكثر الناس إلا كفورا) 3، فإذا تقرر هذا قلنا: إن المستثنى منه لما حذف لقيام القرينة، والمنسوب إليه كان هو المستثنى منه، مع المستثنى وآلة الاستثناء 4 وكان المستثنى منه، كما تقدم، أولى بأن يعرب بما يقتضيه العامل، لكونه جزءا أول، صار المستثنى متعينا لقبول ما اقتضاه العامل من الاعراب، إذ لم يبق من أجزاء المنسوب إليه القابلة للأعراب غيره، فعلى هذا، سقط الاعتراض بأنه كيف يسند الفعل المنفي في: ما قام إلا زيد، إلى الفاعل المراد وقوع الفعل منه ؟، لأنه ليس تمام المسند إليه في الحقيقة، في نحو: ما قام إلا زيد، كما لم يكن القوم، تمام المسند إليه في: ما قام القوم إلا زيدا، بل كل واحد


(1) الآية 16 سورة الأنفال (2) فاعل يقوم في قوله ويمكن أن يقوم، (3) الآية 89 سورة الأسراء (4) إشارة إلى ما اختاره في أول باب المستثنى عند حل الأشكال الوارد على معنى الاستثناء، (*)

[ 102 ]

منهما جزء المسند إليه حقيقة، وإن كان كالمسند إليه لفظا ؟ والاستثناء المفرغ يجيئ في جميع معمولات الفعل، وفي المبتدأ والخبر، أما الفاعل والملحق به 1 فنحو: ما ضرب إلا زيد، وما ضرب إلا زيد، وليس منطلقا إلا زيد، والمفاعيل، نحو: ما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد، و: (إن نظن إلا ظنا) 2، وما رأيته إلا يوم الجمعة، وإلا قدامك، وما ضربته إلا تأديبا، وأما المفعول معه، فلا يجيئ بعد (إلا) لا يقال: لا تمش إلا وزيدا، ولعل ذلك لأن ما بعد (الا)، كأنه منفصل من حيث المعنى عما قبله، لمخالفته له نفيا وإثباتا، فإلا، مؤذنة من حيث المعنى بنوع من الأنفصال، وكذا الواو، فاستهجن عمل الفعل مع حرفين مؤذنين بالفصل، ولهذا لم يقع من التوابع بعد (ألا): عطف النسق، فلا يقال: ما قام زيد إلا وعمرو، كما تقع الصفة، وأما وقوع واو الحال 3 بعدها نحو: ما جاء زيد إلا وغلامه راكب، فلعدم ظهور 4 عمل الفعل لفظا فيما بعد الواو، بل هو مقدر، ويقع بعد (إلا) من الملحقات بالمفعول: الحال، نحو: ما جاء زيد إلا راكبا، والتمييز نحو: ما امتلأ الأناء إلا ماء، ونحو قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) 5، الواو فيه للحال، لأن صاحب الحال عام، وقيل: الجملة صفة للنكرة، وأتوا بالواو لحصول الفصل بين الموصوف وصفته التي هي جملة بالا، فحصل للصفة، انفصال من الموصوف بوجهين: بكونها جملة، وبإلا، فجئ بالواو رابطة، ونحو ذلك قولهم في خبر ليس و (ما): ليس أحد إلا وهو خير منك، وما رجل


(1) أراد به نائب الفاعل، (2) الآية 32 من سورة الجائية، (3) يريد أن يفرق بين وقوع الواو في المفعول معه بعد إلا، ووقوعها بعدها في الحال (4) لأن الحال جملة، (5) الآية 4 من سورة الحجر، (*)

[ 103 ]

إلا وأنت خير منه، وكذلك في قولك: ما كان أحد إلا وأنت خير منه، وكذلك المفعول الثاني في باب علمت، نحو: ما وجدت زيدا إلا وهو فاضل، وربما جاء الواو في خبر كان بغير الا، كقول علي رضي الله عنه: (قد كنت وما أهدد بالحرب)، 1 تشبيها بالحالية، وأما التفريغ في المبتدأ والخبر وفروعهما، فنحو: ما زيد إلا قائم، وما قائم إلا زيد، ولا غلام رجل إلا ظريف، ولم يكن زيد إلا عالما، وما ظننتك إلا بخيلا، ولم أعلم أن فيها إلا زيدا، فزيدا: اسم (أن)، ولو قلت: لم أعلم أن إلا زيدا فيها، وزيد إلا راكبا، لم يأتني، لم يجز، لما تقدم، من أن (إلا) لا تتقدم في المفرغ على الحكم، وفي غير المفرغ، لا تتقدم على الحكم والمستثنى منه معا، فيجوز: كيف إلا زيدا إخوتك، وأين إلا زيدا اخوتك، لأن العامل، أي الحكم: أين، وكيف، والمستثنى منه: إما الضمير فيهما، وإما: اخوتك، وكذا تقول: من إلا زيدا إخوتك ؟ و (من) مستثنى منه، وتقول: هل عندك إلا زيدأ أحد، وما عندك إلا زيدا أحد، ولا يجوز: ما إلا زيدا عندك أحد، ولا: هل إلا زيدا عندك أحد، لتقدم الاستثناء عليهما، وفي المفعول المطلق إذا كان للتأكيد، ووقع بعد إلا، اشكال، كقوله تعالى: (ان نظن إلا ظنا) 2، وذلك أن المستثنى المفرغ، يجب أن يستثنى من متعدد مقدر، معرب باعراب المستثنى، مستغرق لذلك الجنس كما تقدم، حتى يدخل فيه المستثنى بيقين، ثم يخرج بالاستثناء، وليس مصدر (نظن) محتملا مع الظن غيره حتى يخرج الظن من بينه،


(1) هذا مما جاء في نهج البلاغة، وهو من خطبة له رضي الله عنه في شأن طلحة بن عبد الله بن عثمان وكان من المطالبين بدم عثمان، ص 200 طبع دار الشعب بالقاهرة، (2) الآية 32 سورة الجاثية، وتقدمت قريبا، (*)

[ 104 ]

وحله أن يقال: انه محتمل من حيث توهم المخاطب، إذ ربما تقول: ضربت، مثلا، وقد فعلت غير الضرب مما يجري مجراه، كالتهديد والشروع في مقدمات الضرب، فتقول: ضربت ضربا لرفع ذلك التوهم، كما أنك إذا قلت: جاءني زيد، جاز أن يتوهم أنه جاءك من يجري مجراه، فقلت جاءني زيد زيد، لرفع هذا التوهم، فلما كان قولك ضربت، محتملا للضرب وغيره من حيث التوهم، صار المستثنى منه في: ما ضربت إلا ضربا، كالمتعدد الشامل للضرب وغيره من حيث التوهم، فكأنك قلت: ما فعلت شيئا إلا الضرب، قال: 220 - أحل له الشيب أثقاله * وما اغتره الشيب إلا اغترارا 1 قال ابن يعيش 2: هذا الكلام محمول على التقديم والتأخير، أي: إن نحن إلا نظن ظنا، وما اغتره إلا الشيب اغترارا، وهو تكلف، وأما الاستثناء في التوابع، ففي البدل نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، لكنه غير مفرغ، وكلامنا في المفرغ، ولا منع من كون سائر أنواع البدل مفرغة نحو: ما سلب زيد إلا ثوبه،. في بدل الاشتمال، وما ضرب زيد إلا رأسه في بدل البعض، أي: ما سلب زيد شئ منه إلا ثوبه، ولا ضرب زيد عضو منه إلا رأسه في بدل البعض، أي: ما سلب زيد شئ منه إلا ثوبه، ولا ضرب زيد عضو منه إلا رأسه، وعطف النسق لم يجيئ فيه لما تقدم 3، وكذا عطف البيان والتأكيد، وذلك لأن عطف البيان لو جاء، لكان مستثنى من مقدر متعدد، هو أيضا عطف بيان، وكونه متعددا مخالف لكونه عطف بيان، لأنه إما علم، أو مختص مثله، وكذا التأكيد، لأنه لم توضع ألفاظ عامة شاملة لألفاظ التوكيد نحو عينه ونفسه، وكله، وكلاهما، ولغيرها حتى نقدرها ونخرج ألفاظ التوكيد منها،


(1) هذا من قصيدة الأعشى التي منها قوله: تقول ابني حين جد الرحيل * أبرحت ربا وأبرحت جارا وهو الشاهد المتقدم في باب التمييز، (2) الأمام موفق الدين، يعيش بن علي بن يعيش شارح المفصل للزمخشري، وهو من أبرز علماء القرن السابع، قريب العهد بالرضي، ونقل عنه كثيرا، كما نقل عن بعض معاصرية مثل ابن مالك، وغيره، (3) إشارة إلى ما ذكره قبل قليل في عدم التفريغ في المفعول معه، (*)

[ 105 ]

والوصف، نحو: ما جاءني أحد إلا ظريف، وما لقيت أحدا إلا أنت خير منه، وفيه وفي خير المبتدأ نحو: ما زيد إلا قائم، وفي الحال نحو: ما جاءني زيد إلا راكبا: إشكال، لأن المعنى يكون، إذن، ما جاءني أحد متصف بصفة إلا بصفة الظرافة، وما زيد متصف إلا بصفة القيام، وما جاءني زيد على حال من الأحوال إلا على حال الركوب، وهذا محال، لأنه لابد للمتصف بصفة الظرافة من الاتصاف بغيرها، ولو لم يكن إلا التحيز 1 ونحوه، وكذا في الخبر والحال، وذكر المصنف في حله وجهين: أحدهما: أن القصد بالحصر المبالغة في إثبات الوصف المذكور حتى كأن ما دونه في حكم العدم، وثانيهما أنه نفي لما يمكن انتفاؤه من الوصف المضاد للوصف المثبت، لأنه معلوم أن جميع الصفات يستحيل انتفاؤها، وقال المالكي 2 في الصفة: انها صفة بدل محذوف، أي: ما جاءني أحد إلا رجل ظريف، ويمكن أن يقال مثله في الحال وخبر المبتدأ، ولكن فيه نظر، لأنه يلزمه أن يجوز النصب على الاستثناء، كما لو ظهر موصوفة فتقول ما جاءني أحد إلا طويلا على الاستثناء، ولم يسمع، والفراء يجيز النصب على الاستثناء في المفرغ نظرا إلى المقدر، استدلالا بقوله: 221 - يطالبني عمي ثمانين ناقة * وما لي يا عفراء إلا ثمانيا 3 ويجوز أن يريد: إلا ثمانية جمال، فرخم في غير النداء ضرورة،


(1) التحيز شغل الذات قدرا من الفراغ وهو أمر يشترك فيه كل جسم، (2) أشرت عند ذكر الرضي للمالكي أول مرة، أن من الأمور التي جعلتني أرجح أنه يريد الأمام ابن مالك،. اشتهار الآراء التي ينسبها إلى (المالكي) وأنها معروفة عن ابن مالك، وذكرت لذلك أمثلة، ونبهت على كل مثال في موضعه الذي يرد فيه، وهذا أحد المواضع التي تقوي ما ذهبت إليه، فإن الرأي بأن مثل هذا مؤول بأنه صفة بدل محذوف، مما هو معروف أنه رأى ابن مالك، نقله عنه الدماميني، كما نقله عن الأخفش وأبي علي الفارسي، وانظر حاشية الصبان على الأشموني في باب الاستثناء، (3) قد ذكر الشارح وجها لتأويل البيت وإخراجه عن الاستشهاد به، وفي خزانة الأدب للبغدادي، قال عند الكلام على هذا البيت، إنه قد تحرف على من استشهد به، لأنه من قصيدة نونية معروفة لعروة بن حزام = (*)

[ 106 ]

وما أجازه مردود، لوجوب قيام المستثنى مقام المقدر في الاعراب، ولا سيما في الفاعل، إذ لا يجوز حذفه إلا مع قائم مقامه، وهو يجيز ما قام إلا زيدا، قوله: (وهو في غير الموجب ليفيد)، يعني بغير الموجب: النهي والاستفهام والنفي الصريح أو المؤول، كما ذكرنا، قوله: (ليفيد)، قد تقدم أنك لو قلت: قام إلا زيد، لكان المعنى: قام جميع الناس إلا زيدا، وهو بعيد، وقرينة تخصيص جماعة من الناس من بينهم زيد، منتفية في الأغلب، فامتنع الاستثناء المفرغ في الموجب، قوله: (إلا أن يستقيم المعنى)، أي يستقيم في الأيجاب معنى الاستثناء المفرغ الذي يفيد عموم المستثنى منه، نحو: قرأت إلا يوم كذا، إذ لا يبعد أن تقرأ في جميع الأيام إلا اليوم المعين، وأغلبه أن يكون من الفضلات، كالظرف، والجار والمجرور والحال، كما تقدم، قوله: (ومن ثم)، أي: ومن جهة أن المفرغ إنما يجيئ في غير الموجب، امتنع: ما زال زيد إلا عالما، لأن (ما زال) موجب، إذ النفي إذا دخل على النفي أفاد الأيجاب الدائم، كما يجيئ في الأفعال الناقصة، فيكون المعنى: دام زيد على جميع الصفات إلا على صفة العلم، وهو محال، ولقائل أن يقول: احمل الصفات المثبته على ما يمكن أن يحمل مثله عليها، مما لا يتناقض، واستثن من جملتها العلم، كما قيل في: ما زيد إلا عالم، في الصفات المنفية، أو احمل ذلك على المبالغة في نفي صفة العلم، كأنك قلت: أمكن أن يجتمع فيه جميع الصفات إلا صفة العلم، كما حملت هناك على المبالغة في إثبات الوصف،


= العذري، وعفراء محبوبته وصوابه: ومالي يا عفراء غير عثمان، ثم أورد البغدادي القصيدة بروايات مختلفة كلها تشهد بصحة ما قال من التحريف، وعلى ذلك يكون البيت جاريا على المعروف من القواعد ويخرج عن الاستدلال به، (*)

[ 107 ]

قال المصنف: ووجه آخر ههنا في منع نحو: ما زال زيد إلا عالما، وذلك أن (ما زال) لأثبات خبره، و (إلا) للنفي بعد ذلك الأثبات، فيكون خبره مثبتا منفيا، ولقائل أن يقول: ما زال، لأثبات خبره، إن لم يعرض ما يقلبه إلى النفي، لا مطلقا، كما أن (ليس) لنفي خبره، إلا إذا عرض ما يقتضي اثباته نحو: ليس زيد إلا فاضلا، (تعذر البدل) (على اللفظ) (قال ابن الحاجب:) (وإذا تعذر البدل على اللفظ، أبدل على الموضع، مثل: ما) (جاءني من أحد إلا زيد، ولا أحد فيها إلا عمرو، وما زيد) (شيئا إلا شئ...، لأن من، لاتزاد بعد الأثبات وما،) (ولا، لا تقدران عاملتين بعد الأثبات، لأنهما عملتا للنفي،) (وقد انتقض النفي بالا، بخلاف: ليس زيد شيئا إلا شيئا..) (لأنها عملت للفعلية، فلا أثر لنقض معنى النفي لبقاء الأمر) (العاملة هي لأجله، ومن ثم جاز: ليس زيد إلا قائما،) (وامتنع: ما زيد إلا قائما)، (قال الرضي:) اعلم أنه يتعذر البدل على اللفظ في أربعة مواضع: في المجرور بمن الاستغراقية. والمجرور بالباء الزائدة لتأكيد غير الموجب، نحو: ما زيد أو ليس زيد، أو هل زيد (*)

[ 108 ]

بشئ 1، وفي اسم (لا) التبرئة 2، إذا كان منصوبا، أو مفتوحا 3، نحو: لا رجل، ولا غلام رجل، وفي الخبر المنصوب بما الحجازية، وإنما تعذر الأبدال من لفظ المجرور بمن المذكورة، لأنها وضعت لتفيد أن عدم الأيجاب شامل لجميع أفراد المجرور بها، سواء باشرت المجرور، كما في: ما جاءني من رجل، أو كان 4 تابعا لمباشرها نحو: ما جاءني من رجل ولا امرأة، و (إلا) الآتية بعد غير الموجب ناقضة لعدم الأيجاب، ومع بطلان عدم الأيجاب، كيف يشمل أفراد ما بعدها، وكذا تعذر الأبدال من لفظ المجرور بالباء المذكورة، لأنها وضعت لتدل على تأكيد عدم إيجاب مضمون المجرور بها، سواء كان مجرورها مباشرا لها، نحو: ما زيد بقائم، أي قيامه غير ثابت قطعا، أو تابعا لمباشرها 5، نحو: ما زيد بقائم ولأ، قاعد، و (الا) الآتية بعدها مبطلة لعدم الأيجاب، ومع بطلانه كيف يبقى مؤكدا، وكذا يتعذر الأبدال من اسم (لا)، وخبر (ما) المذكورتين، لأن عمل الحرفين إنما كان لأجل نفيهما، كما ذكرنا قبل، و (إلا) تبطل النفي الذي عملا له، فكيف يعملان مع عدم سبب العمل، ولا يجوز، على مذهب الأخفش، أيضا، الأبدال من لفظ المجرور بمن المذكورة، وإن كان مذهبه تجويز زيادة (من) في الموجب، نحو: قد كان من مطر، و: (يغفر لكم من ذنوبكم 6)، لأن كلامنا في (من) الاستغراقية، ولا يمكنه أن يرتكب جواز


(1) قوله بشئ، راجع إلى الأمثلة الثلاثة قبله،. (2) اطلقوا على لا، النافية للجنس اسم لا التبرئة من حيث إنها برأت الاسم عن الاتصاف بالخبر، (3) أي مبنيا، (4) أي المجرر بها، وهو في المثال معطوف على المجرور بها، (5) هو كالذي قبله في الكلام على (من) أي أن الثاني مجرور بها أيضا لأنه معطوف، (6) الآية الثالثة من سورة نوح، (*)

[ 109 ]

زيادتها في الموجب، والتي يجوز زيادتها في الموجب ليست هذه، وكذا الباء المزيدة في نحو: ألقى بيده، وكفى بالله، وبحسبك، غير هذه التي نحن فيها، أي التي لتأكيد غير الأيجاب، وقد أجاز الكوفيون إعمال (من) والباء المذكورتين، أي المختصتين بغير الأيجاب فيما بعد (الا) إذا كان منكرا نحو: ما جاءني من أحد إلا رجل فاضل، وما زيد بشئ إلا شئ حقير، وأما إذا كان معرفة فلا، 1 ولعلهم نظروا إلى أن عدم الأيجاب، وإن زال بإلا، إلا أن (من) الاستغراقية لما لزمت المنكر وضعا، والباء المذكورة أصلها أن تدخل على النكرة لأن موضعها الخبر، وأصله التنكير، فجاز أن تعملا في المنكر، لمشابهته ما ينبغي أن تدخلا فيه، وإن كان في حيز الأيجاب، وسهل ذلك عدم مباشرة الحرفين للمجرورين، والأولى المنع من ذلك، لأن العلة المذكورة قبل، في امتناع جرهما لما بعد (الا)، تعم المعرف والمنكر، وما ذكروه، كان يمكن أن يعتذر به، لو ثبت في النقل جر المنكر بعد (إلا) بهما، وقال أبو علي 2: إنما لم يجز جر البدل في: ما جاءني من أحد إلا زيد، ونصبه في: لا رجل إلا زيد، لامتناع دخول (من) الاستفراقية على المعرفة وعمل (لا) التبرئة فيها، ولا يطرد هذا التعليل في نحو: ما جاءني من أحد إلا رجل صالح، ولا يجوز جره اتفاقا من البصريين، ولا في نحو: لا رجل في الدار إلا رجل فاضل فإنه لا يجوز إبداله على اللفظ إجماعا، ولنا أن نقول: إنما لم يجز الأبدال على لفظ اسم (لا)، وخبر (ما)، المذكورتين، لأن إعمالهما فيما بعد (إلا)، يقتضي بقاء نفيهما بعدها، إذ لا يعملان إلا للنفي، ومجيئ


(1) ومثاله: ما زيد بشئ إلا الشئ التافه أو الحقير، (2) أي الفارسي، (*)

[ 110 ]

(الا) يقتضي زوال نفيهما بعدها فيلزم التناقض، فإن قيل: يلزم مثله في (ليس)، ويجوز اتفاقا: ليس زيد شيئا إلا شيئا لا يعبأ به، لأن معنى ليس، وما، سواء إجماعا منهم، قلت: سلمنا تساوي معنييهما، ولا يلزم التناقض، لأن اعمال (ليس) فيما بعد (إلا) لا يقتضي بقاء نفيها بعدها، إذ عملها ليس للنفي، بل لكونها فعلا ، وفعلتيها لا تزول بإلا، كما يزول نفيها، فإن قيل: فقد أثبت لها معنيين: أحدهما يزول بإلا، وهو النفي، والآخر لا يزول به، وهو الفعلية، و (ما) مثلها في المعنى، اتفاقا، فيلزم أن يكون في (ما) أيضا معنى الفعلية، قلت: كان معنى (ليس) في الأصل: ما كان، وإنما حكمنا بذلك، للحوق علامات الأفعال إياها نحو: ليست، ولست، ثم سلبت الدلالة على الزمان الماضي، بقيت مفيدة لنفي كون مضمون خبرها مطلقا، أو في الحال، كما يجيئ، ومعنى نفي كون مضمون الخبر، وهو معنى (ليس) ونفي مضمون الخبر وهو معنى (ما) شئ واحد في الحقيقة والمغزى، وإن كان في نفي الكون معنى الفعلية، وليس في إيجاد معنى النفي في لفظ آخر، ذلك 1، وهو معنى (ما)، فمن ثم قيل انهما بمعنى واحد في الحقيقة والمغزى ورب شيئين معناهما الوضعي مختلف، ومؤداهما شئ واحد، فإذا ثبت هذا، قلنا: إن (إلا) نقضت معنى النفي في (ليس) وبقي معنى الكون، وهو الناصب للخبر، دون النفي بحاله، كما كان في: ما كان زيد منطلقا ، وأما أن (ليس)، أيضا إيجاد معنى نفي الكون في لفظ آخر، وهو الجملة بعدها، فينبغي أن تكون حرفا ولا يكون فيها معنى الفعلية،


(1) أي معنى الفعلية ليس موجودا في إيجاد الخ. (*)

[ 111 ]

فالجواب أن ذلك فيها عارض، وكان أصلها أن تكون بمعنى: ما ثبت، وما حصل فتفيد معنى في نفسها كسائر الأفعال التامة، فإفادتها للكون المنفي في غيرها وإفادة لفظ كان للكون المثبت في غيرها، عارضة، كتجرد عسى، وبئس، عن الزمان، كما سبق في أول الكتاب 1، فإن قلت 2: فإذا لم يجز الجر، ولا النصب فيما بعد (إلا)، في نحو: ما زيد بشئ إلا شئ لا يعبأ به، ولم يجز النصب في نحو: ما زيد شيئا إلا شئ لا يعبأ به، فما وجه الرفع ؟،. قلت: المبتدأ والخبر يترافعان، كما سبق في حد الأعراب، إلا أن النواسخ إذا دخلت على المبتدأ والخبر، غلبتهما 3، لكن يبقى عملهما تقديرا، إذا كان العامل حرفا، لضعفه، فمن ثم، إذا كان العامل حرفا لا يغير معنى، جاز اعتبار ذلك المقدر، بلا ضرورة، نحو: ان زيدا قائم وعمرو، وإن غير المعنى فلا يعتبر ذلك المقدر، إلا إذا اضطر إليه، كما نحن فيه، فإنه لم يبق طريق إلا اعتبار ذلك المقدر، وسهل ذلك الاعتبار: ضعف (ما) الحجازية في العمل، لعدم لزومها أحد القبيلين، كسائر العوامل، ولذا لم يعملها بنو تميم، وهو القياس، ولضعفها في العمل، تلغى بتقدم الخبر، وبتوسط (إن) بينها وبين المعمول، لكن إذا وجدت مندوحة، لم نحمل على هذا الاعراب المحلي، فلا يقال: ما زيد رجلا ظريف، ولا: ما هو رجلا وأمراة بالرفع، لأن الحمل على الاعراب المحلي القوي، إذا وجد إعراب ظاهر: مرجوح غير كثير، كما في: أعجبني ضرب زيد وعمرا، حتى قال بعضهم لا يجوز، فكيف بالمحلي الضعيف 4 ؟ فأما إذا اضطر إلى الحمل عليه، كما في نحو: ما زيد بشئ إلا شئ، وفي نحو: ما زيد بقائم أو قائما،


(1) ص 39 في الجزء الأول، (2) رجوع إلى موضوع البحث، (3) أي صار العمل لها في الظاهر، (4) يعني إذا كان الحمل على الأعراب المحلي القوي مرجوحا مع وجود الأعراب الظاهر فكيف لا يكون مرجوحا مع الأعراب المحلي الضعيف، (*)

[ 112 ]

بل قاعد، أو لكن قاعد، كما مر في خبر (ما)، فالواجب الحمل عليه، اجابة لداعي الضرورة، هذا، وفي رفع ما بعد (الا)، في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، وجهان: الأبدال من محل (لا أحد)، والأبدال من الضمير المستكن في قولك (فيها)، كما قلنا في نحو: ما رأيت أحدا يقول ذلك إلا زيد، بالرفع، ولا يمتنع النصب على الاستثناء، لكنه ههنا أقل من النصب في نحو: ما جاءني أحد إلا زيدا، لأن النصب على الاستثناء مطلقا، أقل من البدل، على ما تقدم، وهو، مع قلته، ملتبس بما لا يجوز من البدل على اللفظ في نحو: لا رجل فيها إلا زيد، ولا يلتبس بالبدل غير الجائز في نحو: ما جاءني أحد إلا زيدا، وأما في: ما رأيت أحدا إلا زيدا، فإنه يلتبس ببدل جائز، فعلى هذا، لا يكاد يجيئ النصب في نحو: لا أحد فيها إلا زيدا، إلا في القليل، قال الشاعر: 222 - مهمامها وخروقا لا أنيس بها * إلا الضوابح والأصداء والبوما 1 وقال: 223 - أمرتكم أمري بمنعرج اللوى * ولا أمر للمعصي إلا مضيعا 2 وقال الخليل: مضيعا، حال، وجاز تنكير ذي الحال لكونه عاما، كأنه قال للمعصي أمر مضيعا، وأما نحو قولك: لا إله إلا الله، ولا فتى إلا علي 3، ولا سيف إلا ذو الفقار 4،


(1) أحد أبيات قصيدة من المفضليات للأسود بن يعفر، والبيت في وصف الناقة والأرض التي قطعتها وقبله: - والبيتان هما آخر القصيدة، وسمحة المشي شملال قطعت بها * أرضا يحاربها الهادون ديموما الهادون الأدلاء الذين يرشدون السائرين لخبرتهم بالطرق، والديموم الأرض القفرة، (2) للكلحبة العرني، من بني يربوع واسمه هبيرة بن عبد مناف، وهو من أبيات سيبويه ج 1 ص 372، وفي هذا الموضع عبارة الخليل التي نسبها إليه الشارح، (3) المراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه (4) ذو الفقار: سيف غنمه المسلمون في إحدى المعارك فصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم صار من بعده إلى علي كرم الله وجهه، (*)

[ 113 ]

فالنصب على الاستثناء فيه، أضعف منه في نحو: لا أحد فيها إلا زيدا، لأن العامل فيه، وهو خبر لا، محذوف إما قبل الاستثناء وإما بعده، وفي نحو: لا أحد فيها إلا زيدا، ظاهر، وهو خبر لا، ومما يقرب مما مر، من جهة الحمل على المعنى، قولهم، وإن كان ضعيفا خبيثا، على ما قال سيبويه 1،: إن أحدا لا يقول ذلك إلا زيد، فتبدل زيدا من الضمير في يقول، فترفعه، أو من (أحدا) فتنصبه، وإنما ضعف، لأن لفظ أحد، لأ، يستعمل في الموجب، وإنما نفيت بعد أن أوجبت، وإنما اغتفر ذلك مع ضعفه، حملا على المعنى، لأن المعنى: لا يقول ذلك أحد إلا زيدا، كما جاز أن تقول: علمت زيد، أبو من هو، برفع زيد، لما كان المعنى: علمت: أبو من زيد، على ما يجيئ في أفعال القلوب، فلما أجريته 2 مجرى الواقع في حيز المنفي جاز أن يكون (إلا زيدا) بدلا من لفظ (أحد) بغير الموجب، فكأنه واقع في حيز غير الموجب، فلا يجوز أن تقول قياسا عليه: أما القوم فما رأيتهم إلا زيد، بالرفع، بدلا من القوم، وإن كان القوم في المعنى، في حيز النفي أيضا، إذ المعنى، ما رأيت القوم إلا زيدا،


(1) جاء ذلك في سيبويه ج 1 ص 363، وقال بعد ذكر المثال: وهو ضعيف خبيث وعلل ذلك بما قاله الرضي، ثم إن كثيرا من مسائل هذا الباب منقول بلفظه أو بمعناه عن سيبويه في باب الاستثناء في الجزء الأول ص 359 وما بعدها، (2) أي الكلام المتقدم (*)

[ 114 ]

(تكملة) 1 (في ذكر أمور المصنف) ولا بأس بأن نذكر بعض ما أهمله المصنف من أحكام الاستثناء وهي أنواع، أحدها: أن ما بعد (الا) لا يعمل فيما قبلها مطلقا، لمثل ما قلناه في فاء السبيبة وواو العطف وأخواتهما، في المنصوب على شريطة التفسير 2، ولا يعمل ما قبلها فيما بعد المستثنى إلا أن يكون مستثنى منه، أو تابعا للمستثنى على ما مر في باب الفاعل 3، وثانيها: أنه لا يستثنى بأداة واحدة شيئان بلا عطف، خلافا لقوم، فلا يقال: ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا، على أن كلا الاسمين مستثنى بالا المذكورة، بل يقال ذلك على أن الاسم الثاني معمول لمضمر 4، أي: ضرب عمرا، وقد ذكرنا ما فيه في باب الفاعل 5، وثالثها: أنه لا يمتنع استثناء النصف، خلافا لبعض البصرية، يقال: له علي عشرة إلا خمسة، وكذا لا يمتنع استثناء الأكثر، نحو: له علي عشرة الا سبعة، أو ثمانية، وفاقا للكوفين، ولعل المانعين في الصورتين، توهموا أن المتكلم متجوز في ذكر المستثنى منه، إذ يذكر لفظ الكل ويريد به البعض، ثم يعود إلى التحقيق 6 فيخرج ما يتوهم المخاطب دخوله


(1) هذا استطراد من الرضي كعادته، وقد عجل بهذه التكملة قبل الفراغ من باب الاستثناء لأنها متصلة بأحكام (الا) وقد فرغ منها، (2) ج 1 ص 445 (3) ج 1 ص 191 وقد أفاض هناك في هذا الأحكام، (4) أي مقدر (5) ج 1 ص 193 (6) أي إلى ذكر الحقيقة، (*)

[ 115 ]

في لفظ ذلك الكل، كما يسمي التسعة مثلا: عشرة، ثم يرجع إلى التحقيق فيخرج الواحد، إزالة لوهم السامع، ولا يجوز أن يطلق لفظ الكل إلا على ما يقرب من الكلية والتمام بأن يكون الناقص منه أقل من النصف، وبعيد أن يطلق اسم الكل على نصفه، وأبعد منه أن يطلق على أقل من نصفه، وهذا الذي توهموه، مثل القول المذكور في تحقيق معنى الاستثناء، وقد أبطلناه، فليرجع إليه، 1 ثم نقول 2: الغرض من ذكر المستثنى منه، والمستثنى: بيان حكمين بأخصر لفظ، كقولك: جاءني القوم إلا زيدا، لو قلت: جاءني غير زيد لم يكن نصا على أنه لم يجئك غير زيد، ولو قلت: لم يجئني زيد، لم يدل على أنه جاءك غيره، وأفدت بجاءني القوم إلا زيدا: الفائدتين، وكذا في قولهم: لم يجئني القوم إلا زيدا، على العكس، وكذا تقول في العدد، لو قال شخص: لي عليك عشرة، فقلت: لك علي عشرة إلا درهمين، كان نصا في أنه ليس عليك زائد على الثمانية، ولو قلت مكانه: لك علي ثمانية لم يكن نصا فيه، فإذا كان في الاستثناء هذا الغرض، وهو متصور في استثناء النصف والأكثر، فلا منع منهما، ونقول، مع هذا كله، انك لو قلت ابتداء بلا داع إلى تعيين العشرة: لك علي عشرة إلا خمسة، أو إلا ستة لاستهجن بلا ريب، أما لو كان جواب من قال: لي عليك عشرة، أو حصل هناك داع آخر إلى تخصيص العشرة، لم 3 يستهجن وإن بقي واحد نحو قولك: علي عشرة إلا تسعة، ورابعها: 4 أنه إذا اجتمع شيئان فصاعدا، يصلحان لأن يستثنى منهما، فإما أن يتغايرا معنى أو، لا، فإن تغايرا وأمكن اشتراكهما في ذلك الاستثناء بلا بعد، اشتركا فيه، نحو: ما بر أب وابن إلا زيدا، أي: زيد أب بار، وابن بار، وإن لم يمكن الاشتراك، نحو: ما فضل ابن أبا إلا زيدا، أو كان بعيدا نحو: ما ضرب أحد أحدا


(1) في أول باب المستثنى (2) تمهيد للوصول إلى جواز استثناء النصف، (3) هذا جواب قوله: أما لو كان، فحقه أن يقرن بالفاء، (4) أي رابع الأمور التي في التكملة، (*)

[ 116 ]

إلا زيدا، فإن الأغلب مغايرة الفاعل للمفعول، نظرت، فإن تعين دخول المستثنى في أحدهما، دون الآخر فهو استثناء منه، وليه أو، لا، نحو: ما فدى وصي نبيا إلا عليا، 1 وإن احتمل دخوله في كل واحد منهما، فإن تأخر عنهما المستثنى، فهو من الأخير، نحو: ما فضل ابن أبا إلا زيدا، وكذا: ما فضل أبا ابن إلا زيدا، لأن اختصاصه بالأقرب أولى لما تعذر رجوعه إليهما معا، وإن تقدمهما معا، فإن كان أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى فالاستثناء منه، لأن مرتبته بعد الفعل فكأن الاستثناء وليه بعده، وذلك نحو: ما فضل إلا زيدا أبا ابن، أو من ابن، وإن لم يكن أحدهما مرفوعا فالأول أولى به لقربه، نحو: ما فضلت إلا زيدا أحدا على أحد، ويقدر للأخير عامل على مإ، تقدم في باب الفاعل، وإن توسطهما، فالمتقدم أحق به، لأن أصل المستثنى تأخره عن المستثنى منه، وذلك نحو: ما فضل أبا إلا زيدا ابن، ويقدر أيضا للأخير عامل، وإن لم يتغايرا معنى، اشتركا فيه وإن اختلف العاملان فيهما، نحو: ما ضرب أحد وما قتل إلا خالدا، لأن فاعل (قتل) ضمير (أحد)، ومثله قوله تعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا 2)، كما يجيئ، وخامسها: أنك إذا كررت الا، فإما أن تكررها للتأكيد، أو، لا، فإن كررتها للتأكيد، فإما أن يكون ما بعدها عطف النسق، ولا بد من حرف العطف قبل (إلا) 3، نحو: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو، وإما أن يكون بدلا، وهو إما بدل الكل، نحو: ما جاءني إلا زيد إلا أخوك، إذا كان الأخ زيدا، أو بدل البعض نحو: ما ضربت إلا زيدا إلا رأسه، أو بدل الاشتمال نحو: ما أعجبني إلا زيد إلا علمه، أو بدل الغلط نحو:


(1) المراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو إشارة إلى ما كان منه ليلة الهجرة حيث نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه لمحة من التشيع، وكان الرضي شيعيا، وقد جاءت أمثلة هذا البحث كلها بنصب المستثنى، (2) الآية 4 من سورة النور وستأتي، (3) المراد (الا) الثانية كما في المثال، (*)

[ 117 ]

ما جاءني إلا زيد إلا عمرو، وإما أن يكون عطف بيان، نحو: ما أتاني إلا أخوك إلا زيد، إذا كان زيد هو الأخ، 1 وإن كررتها لغير التأكيد، فإما أن يمكن استثناء كل تال من متلوه، أو، لا، فإن أمكن، فإما أن يكون في العدد أو في غيره، فالذي في غير العدد نحو: جاءني المكيون إلا قريشا إلا هاشما إلا عقيلا، في الموجب، فلا يجوز في كل وتر إلا النصب على الاستثناء، لأنه عن موجب، والقياس أن يجوز في كل شفع: الأبدال والنصب على الاستثناء، لأنه عن غير موجب والمستثنى منه مذكور، ونعني بالوتر: الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر، وعلى هذا، وبالشفع: الثاني والرابع والسادس، ونحوها، فكل وتر: منفي خارج، وكل شفع: مثبت داخل، فيكون في مسألتنا قد جاءك من المكيين غير قريش مع جميع بني هاشم إلا عقيلا، وتقول في غير الموجب، ما جاءني المكيون إلا قريش إلا هاشما إلا عقيلا، فالقياس أن يجوز لك في كل وتر: النصب على الاستثناء والبدل، لأنه غير موجب والمستثنى منه مذكور، ولا يجوز في الشفع إلا النصب على الاستثناء، لأنه عن موجب فكل وتر: مثبت داخل، وكل شفع، منفي خارج، فيكون في مسألتنا قد جاءك من المكيين مع عقيل: جميع قريش إلا هاشما، والذي في العدد، نحو: له علي عشرة، إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدا، في الموجب، فكل وتر: منفي خارج، وكل شفع: موجب داخل، كما كان في غير العدد، فيلزمك بالأقرار خمسة، لأنا إذا أخرجنا التسعة من العشرة بقي واحد، أدخلنا معه ثمانية صارت تسعة، أخرجنا منها سبعة، بقي


(1) الرضي لا يري فرقا بين عطف بيان: وبدل الكل من الكل، وهو هنا يجري على اصطلاح النجاة في إثبات النوعين، (*)

[ 118 ]

اثنان، أدخلنا معها ستة صارت ثمانية، أخرجنا منها خمسة بقي ثلاثة، أدخلنا معها أربعة صارت سبعة أخرجنا منها ثلاثة بقي أربعة أدخلنا معها اثنين صارت ستة أخرجنا منها واحدا بقي خمسة، 1 والاعراب في الشفع والوتر، كما مضى في موجب غير العدد، وتقول في غير الموجب من العدد: ما له علي عشرة إلا تسعة، إلا ثمانية... إلى آخرها، فالقياس أن يكون كل وتر داخلا وكل شفع خارجا، فتكون التسعة مثبتة داخلة، تسقط منها الثمانية يبقى واحد، تضم إليها سبعة تصير ثمانية تسقط منها ستة يبقى اثنان، تضم إليها خمسة تصير سبعة، تسقط منها أربعة يبقى ثلاثة، تضم إليها ثلاثة تصير ستة تسقط منها اثنين يبقى أربعة تضم إليها واحدا تصير خمسة، فيلزمه خمسة، والأعراب في الشفع والوتر، كما في غير العدد الذي هو في غير الموجب، هذا هو القياس، إلا أن الفقهاء قالوا: إذا قلت: ما له علي عشرة إلا تسعة بالنصب، لم تكن مرا بشئ، لأن المعنى: ما له علي عشرة مستثنى منها تسعة، أي: ما له علي واحد، وإذا قلت، إلا تسعة بالرفع على البدل، يلزمك تسعة، لأن المعنى: ما له علي إلا تسعة، وفي الفرق نظر، لأن البدل والنصب على الاستثناء، كلاهما استثناء ولا فرق بينهما اتفاقا في نحو: ما جاءني القوم إلا زيد، أو زيدا، وإن بنوا ذلك على مذهب أبي حنيفة، رحمه الله، على وهنه، وهو أن الاستثناء من المنفي لا يكون موجبا، تمسكا بنحو: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )، وأنه لا يلزم أن يثبت مع الفاتحة صلاة، لجواز اختلال سائر شروطها، كان عليهم، ألا يفرقوا بين البدل والنصب على الاستثناء إذ كلاهما استثناء، وعلى الجملة، فلا أدري صحة ما قالوا،


(1) قال الرضي قبل قليل: إنك إذا قلت ابتداء بلا داع: له علي عشرة إلا خمسة لاستهجن، وفسر الداعي بأن يكون الكلام ردا على من يدعي أن له عشرة، وفي هذه الصور التي عرض لها لا شك أن الاستهجان يبلغ أقصى درجاته، مهما يكن الداعي لمثل هذا الكلام، وكذلك في الصورة التي بعد هذه، ولكنها البراعة والمقدرة العلمية التي يحرص الرضي على إبرازها في كثير من الحالات، رحمه الله، (*)

[ 119 ]

وإن لم يمكن 1 استثناء تال من متلوه، فإن كان في العدد، نحو له علي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة 2، فمذهب الفراء ههنا، أيضا، أن الوتر أي الثلاثة 3 منفي خارج، والشفع أي الأربعة، موجب داخل، فيكون معنى عشرة إلا ثلاثة: سبعة بإخراج ثلاثة من عشرة، وقولك بعد ذلك إلا أربعة، تدخل به الأربعة، وتزيدها على السبعة فتكون أحد عشر، وفيه نظر، لأن الاستثناء بعد المنفي إنما يكون موجبا إذا كان من ذلك المنفي، وقولك إلا أربعة، لا يمكن أن يكون من الثلاثة، فهو إما من العشرة، كما أن: إلا ثلاثة منها، أو من السبعة الباقية بعد الاستثناء الأول، وكلتاهما مثبتتان 4، فتكون الأربعة على التقديرين منفية، فيكون الأقرار بثلاثة على الوجهين، ومذهب غيره أن الاستثناءين من المستثنى الأول، فيكون الأقرار بثلاثة، كما بينا، وإن كان المستثنى الأول أكثر من المستثنى منه، أو مساويا له، بطل الاستثناء قولا واحدا، نحو: له علي خمسة إلا ستة، وكذا إذا قلت: له علي عشرة، إلا خمسة إلا ستة، فالاستثناء الثاني لغو عند غير الفراء، لأنه لا يمكن استثناء الخمسة والستة من العشرة، وعند الفراء، لا يلغو 5، ويلزمه أحد عشر، وإن كان في غير العدد، فإما أن يكون المستثنى منه واحدا، أو، لا، فإن كان واحدا، ولم يكن الاستثناء، نحو: ما جاءني إلا زيدا، إلا عمرا، إلا خالدا أحد، إذ لا يمكن إبدال أحدها من المستثنى منه،


(1) مقابل قوله في التكرار لغير التأكيد: فإن أمكن ... الخ، (2) المقصود في المثال أن الأربعة لا يمكن دخولها في الثلاثة، (3) واضح أن المراد من الوتر هنا: اللفظ الواقع في مرتبة الوتر سواء كان مثل الثلاثة والخمسة أو مثل الأربعة والستة، وأن الشفع هو اللفظ في المرتبة الزوجية بالنسبة لكلام المتكلم، (4) يجوز في خبر كلا وكلتا مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، فيفرد أو يثنى، والرضي يستعمل الوجهين، (*)

[ 120 ]

وإن تأخرت عن المستثنى منه، فلأحد المستثنيات، سواء كان الذي ولي المستثنى منه أو غيره: النصب على الاستثناء، أو الأبدال، والباقي واجب النصب بعد الأبدال، لأن المبدل منه مرة، لا يبدل منه أخرى، إذ صار بالأبدال منه أولا، كالساقط، ومثاله: ما جاءني أحد إلا زيد، أو، إلا زيدا، إلا عمرا إلا بكرا إلا خالدا، وإن توسطها المستثنى منه، فلما تقدم 1 عليه، النصب على الاستثناء، وواحد من المتأخرات جائز الأبدال، والنصب على الاستثناء، وباقيها واجب النصب بعد الأبدال،. نحو: ما جاءني إلا زيدا إلا عمرا أحد إلا بكر أو إلا بكرا إلا خالدا، وإن كان الاستثناء مفرغا شغل العامل ببعضها، أيها كان، ونصب ما سواه على الاستثناء، لامتناع شغل العامل بأكثر من واحد، وامتناع الأبدال، أيضا 2، فلم يبق إلا النصب على الاستثناء، نحو: ما جاءني إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا إلا خالدا، ونقل عن الأخفش، تجويز إضمار حرف العطف في مثله، فيعطفه على ما اشتغل به الفعل، وليس 3 إضمار حرف العطف بالشئ المشهور، واعلم أن 4 في جميع هذه الأقسام، من المفرغ وغيره، مستثنياتهإ، مخرجة، من متعدد واحد، ظاهر في غير المفرغ، مقدر في المفرغ، ففي قولك: ما جاءني أحد إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا، زيد مخرج من أحد، وعمرو مخرج مما بقي من أحد بعد إخراج زيد، أي ما جاءني غير زيد إلا عمرا، وخالد مخرج مما بقي من أحد بعد إخراج زيد وعمرو، أي ما جاءني غير زيد وعمرو، إلا خالدا، فالكل مستثنى من المنفي الأول، فيكون الكل مثبتا، وكذا في المفرغ، نحو: ما جاءني إلا زيد إلا عمرا إلا خالدا، عمرو، مخرج من


(1) أي للمتقدم على السمتثنى منه: النصب. (2) لعدم وجود مبدل منه لأن الغرض أن الاستثناء مفرغ، (3) هذا رد على ما نقل عن الأخفش، (4) اسم أن في مثل هذا التركيب، ضمير شأن محذوف حتى يستقيم الكلام، وما سوى ذلك يكون تكلفا، (*)

[ 121 ]

المتعدد المقدر بعد خروج زيد، وخالد مخرج منه بعد خروج زيد وعمرو، وكذا لو كان الأول موجبا، نحو: جاءني القوم إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا، ولا يجوز التفريغ والأبدال ههنا، أي جاءني غير زيد من جملة القوم إلا عمرا، وجاءني غير زيد وعمرو من جملتهم إلا خالدا، وكل المستثنيات ههنا منفية، وإن كان المستثنى منه أكثر من واحد 1، فإن كان في غير الموجب لم يجز في ثاني المستثنيين إلا النصب على الاستثناء، نحو: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدا، لأن النفي قد انتقض بالا الأولى، فهو استثناء من موجب، والمعنى كل أحد أكل الخبز فقط إلا زيدا فإنه لم يأكله فقط، بل أكل معه شيئا آخر، أيضا، فإن لم يذكر ما استثنى منه المستثنى الأول كما ذكرنا، اشتغل العامل به كما رأيت، وإن ذكرته جاز في المستثنى الأول: الأبدال، والنصب على الاستثناء، نحو: ما أكل أحد شيئا إلا الخبز إلا زيدا، وإن كان الكلام موجبا، فلا بد من ذكر المستثنى منهما، لأن الموجب لأ، يفرغ، على ما تقدم، تقول: أكل القوم جميع الطعام إلا الخبز إلا زيدا، والنصب واجب في أول المستثنيين، لأنه عن موجب، وأما ثانيهما فالقياس جواز إبداله، ونصبه على الاستثناء، لأنه في المعنى عن غير موجب بسبب نقض إلا لمعنى الأيجاب، والمعنى: ما أكل القوم الخبز إلا زيد وإلا زيدا، وإن كان القوم في اللفظ في حيز الأيجاب، وسادسها: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بالواو، إذا تعقبها الاستثناء الصالح للجميع، كقوله تعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا..) 2 الآية، فما يقتضية مذهب محققي البصرة، وهو أن الجملة بكمالها عاملة في المستثنى عمل (عشرون) في الدرهم، أو أن العامل معنى الفعل فيها: أن 3 الجملة الأخيرة أولى بالعمل فيه، فيكون من باب تنازع العاملين فصاعدا، لمعمول واحد، ولو كان العامل جميعها، لزم حصول أثر


(1) أي من حيث الواقع، ولا يكون مذكورا في اللفظ، كما يفهم من بقية حديثه، (2) الآية 4 من سورة النور، والاستثناء في الآية التالية لها، وهي: إلا الذين تابوا...) (3) هذا خبر قوله: فما يقتضيه مذهب محققي البصرة، وما بينهما اعتراض، بين فيه مذهب هؤلاء، (*)

[ 122 ]

واحد من مؤثرين مستقلين أو أكثر، وهذا مما لا يجيزونه، حملا للعوامل على المؤثرات الحقيقية، وأما إن كانت الجملة الأخيرة مستأنفة، والواو للابتداء، فلا كلام في انفرادها به، كقولك: أكرم بني تميم، والنجاة هم البصريون الا فلانا، (المستثنى المجرور) (وبقية أدوات الاستثناء) (قال ابن الحاجب:) (ومخفوض بعد غير، وسوى وسواء، وبعد حاشا في الأكثر) (واعراب غير كإعراب المستثنى بالا على التفصيل)، (قال الرضي:) قوله: (ومخفوض)، عطف على قوله: وهو منصوب، في أول باب الاستثناء، وإنما وجب خفضه بعد هذه الأسماء لكونه مضافا إليه، وفي (سوى) أربع لغات، كما في حجة القراءة 1: فتح السين وكسرها مع القصر،. وهما المشهورتان، وكسر الأول مع المد، وضمه مع القصر، قوله: (وبعد حاشا في الأكثر)، التزم سيبويه حرفية (حاشا)، لقولهم: حاشاي، من دون نون الوقاية، ولو كان فعلا لم يجز ذلك، وامتناع وقوعه صلة لما المصدرية مطردا، كخلا وعدا، يمنع فعليته،


(1) لأبي علي الفارسي كتاب اسمه: الحجة، في توجيه القراءات، (*)

[ 123 ]

على أنه روى الأخفش قول الشاعر: 224 - رأيت الناس ما حاشا قريشا * فانا نحن أفضلهم فعالا 1 وما حكى المازني من قول بعضهم: اللهم اغفر لي ولمن سمع دعائي حاشا الشيطان وابن الأصبغ 2، بفتح 3 الشيطان، أي جانب الغفران الشيطان: شاذ 4 عند سيبويه، وزعم الفراء أنه فعل لا فاعل له، والجر بعده بتقدير لام متعلقة به محذوفة لكثرة الاستعمال، وهو بعيد، لارتكاب محذورين: اثبات فعل بلا فاعل وهو غير موجود، وجر بحرف جر مقدر وهو نادر، وعند المبرد يكون تارة فعلا، وتارة حرف جر، وإذا وليته اللام، نحو: حاشا لزيد، تعين، عنده، فعليته، هذا ما قيل، والأولى أنه مع اللام: اسم، لمجيئه معها متوفا كقراءة أبي السمال 5: (حاشا لله) 6، فنقول: انه مصدر بمعنى: تنزيها لله، كما قالوا في سبحان الله، وهو بمعنى حاشا: سبحانا، قال: 225 - سبحانه ثم سبحانا نعوذ به * وقبلنا سبح الجودي والجمد 7 فيجوز، على هذا، أن نرتكب كون (حاشا) في جميع المواضع مصدرا بمعنى تبرئة وتنزيها، وأما حذف التنوين في: حاشا لك، فلاستنكارهم للتنوين فيما غلب عليه تجريده منه لأجل الاضافة، وهذا كما قال بعضهم في قوله:


(1) نسبه العيني في الشواهد الكبرى للأخطل ونقل ذلك عنه شراح الشواهد، وقال البغدادي في خزانة الأدب إنه فتش ديوان الأخطل مرتين فلم يجده فيه، قال: ووجدت فيه أبياتا على هذا الوزن في هجاء جرير، ويروى: فأما الناس... وبذلك تكون الفاء في قوله فانا في جواب أما، (2) بالغين المعجمة ويروى وأبا الأصبغ،. (3) أي بنصبه على أنه مفعول حاشا، (4) خبر عن قوله: وما حكى المازني الخ (5) أبو السمال، بتشديد الميم ولام في آخره، أحد أصحاب القراءات الشاذة، واسمه: قعنب الأسدي، وهو غير ابن السماك بالكاف في آخره، (6) جزء من الآية 51 من سورة يوسف وستأتي، (7) الجودي والجمد بفتح الجيم والميم جبلان، والبيت لورقة بن نوفل، قاله ضمن أبيات حين رأي كفار مكة يعذبون بلالا رضي الله عنه، (*)

[ 124 ]

226 - أقول لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر 1 إن ترك تنوينه لا يدل على علميته، لأنه لأجل إبقائه على صورة المضاف لما غلب استعماله مضافا، كما يجيئ في بيان (سوى) ويجوز أن نقول ان (حاشا) الجارة حرف، وهي في نحو: حاشا لله، اسم بني لمشابهته لفظا ومعنى لحاشا الحرقية، واستدل المبرد على فعليته بتصريفه، نحو: حاشيت زيدا أحاشيه، قال النابغة: 227 - ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه * ولا أحاشي من الأقوام من أحد 2 وليس بقاطع، لأنه يجوز أن يكون مشتقا من لفظ (حاشا) حرفا أو اسما، كقولهم: لو ليت أي قلت لولا، ولا ليت، أي قلت: لا، لا، وسبحت، أي قلت سبحان الله، ولبيت أي قلت لبيك، وهذا هو الظاهر، لأن المشتق الذي هذا حاله، بمعنى قول تلك اللفظة التي اشتق منها، فالتسبيح: قول سبحان الله، والتسليم: قول سلام عليك، والبسملة: قول بسم الله، وكذا غيره، ومعنى حاشيت زيدا، قلت: حاشا زيد، واستدلاله على فعليته بالتصرف فيه، والحذف نحو: (حاش لله 3) ليس بقوي، لأن الحرف الكثير الاستمال قد يحذف منه، نحو: سو أفعل، في: سوف أفعل، وكثر فيها: حاش، وقل: حشا، لأن الحذف في الأطراف أكثر، وإذإ، استعمل (حاشا) في الاستثناء وفي غيره، فمعناه تنزيه الاسم الذي بعده من سوء ذكر في غيره أو فيه، فلا يستثنى به إلا في هذا المعنى، وربما أرادوا تنزيه شخص من سوء، فيبتدئون بتنزيه الله سبحانه وتعالى من السوء، ثم يبرئون من أرادوا تبرئته، على معنى أن الله تعالى


(1) من قصيدة الأعشي في تفصيل عامر بن الطفيل على علقمة بن علاثة، الصحابي، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن روايتها لما تضمنته من هجاء مقذع لعلقمة، قال البغدادي بعد أن روى الحديث وأورد أبياتا من القصيدة: ولهذا لم أذكرها كلها، (2) من قصيدته التي تعد إحدى المعلقات، والتي أولها: يا دارمية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد والمقصود من قوله يشبهه: النعمان بن المنذر، وهو يعتذر إليه في هذه القصيدة، (3) الآية السابقة من سورة يوسف وستأتي (*)

[ 125 ]

منزه عن ألا يطهر ذلك الشخص مما يصمه 1، فيكون آكد وأبلغ، قال الله تعالى: (قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) 2، وقد جاء في كلامهم (إلا) قبل (ما خلا وما عدا) لا قبل غيرهما، فيكون تكريرا معنويا لكلمة الاستثناء، وجوز الكسائي دخول (إلا) على (حاشا) الجارة، (استعمال غير) (والتبادل بينها وبين إلا) (قال ابن الحاجب:) (وغير، صفة، حملت على الا في الاستثناء، كما حملت) (هي عليها في الصفة، إذا كانت تابعة لجمع منكور غير) (محصور، لتعذر الاستثناء، مثل: لو كان فيهما آلهة إلا) (الله لفسدتا 4)، (قال الرضي:) قوله: غير، مبتدأ، وصفة: خبره، اعلم أن أصل (غير)، الصفة المفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها، إما بالذات، نحو: مررت برجل غير زيد، وإما بالصفات، نحو: دخلت بوجه غير الوجه الذي خرجت


(1) أي مما يعيبه ويشينه، (2) الآية 51 من سوره يوسف، وبالواو قبل قلن جزء من الآية 31 من السورة نفسها (3) الآية 22 من سورة الأنبياء، (*)

[ 126 ]

به، والأصل هو الأول، والثاني مجاز، فإن الوجه الذي تبين فيه أثر الغضب كأنه غير الوجه الذي لا يكون فيه ذلك بالذات، وماهية المستثنى، كما ذكرنا في حده: هو المغاير لما قبل أداة الاستثناء نيا وإثباتا، فلما اجتمع ما بعد (غير) وما بعد أداة الاستثناء في معنى المغايرة لما قبلها، حملت أم أدوات الاستثناء أي (إلا) في بعض المواضع على (غير) في الصفة، وحملت (غير) على (الا) في الاستثناء في بعض المواضع، ومعنى الحمل: أنه صار ما بعد (الا) مغايرا لما قبلها ذاتا أو صفة كما بعد (غير) ولا تعتبر مغايرته له نفيا وإثباتا، كما كان في أصلها، وصار ما بعد (غير) مغايرا لما قبلها نفيا وإثباتا، كما بعد (الا)، ولا تعتبر مغايرته له ذاتا، أو صفة، كما كانت في الأصل، إلا أن حمل (غير) على (إلا) أكثر من العكس، لأن (غيرا) اسم، والتصرف في الأسماء أكثر منه في الحروف، فوقع (غير) في جميع مواقع (إلا) 1، في المفرغ وغيره، والمنقطع وغيره، مؤخرا عن المستثنى ومقدما عليه، وبالجملة، في جميع محالة، إلا أنه لا يدخل على الجملة كإلا، لتعذر الاضافة إليها، ولم يحمل (الا) على (غير) إلا بالشرائط التي نذكرها، فإذا دخل 2 (إلا) على غير، وإلا، في الأصل حرف، لا يتحمل الاعراب، روعي أصلها، فجعل اعرابها الذي كانت تستحقه لو لا المانع المذكور على ما بعدها عارية، وإذا دخل (غير) على (إلا)، وأصل (غير) من حيث كونه اسما جواز تحمل الاعراب، وما بعده، الذي صار مستثنى بتطفل (غير) على (إلا) مشغول بالجر لكونه مضافا إليه في الأصل، جعل اعرابه الذي كان يستحقه لو لا المانع المذكور، أي اشتغاله بالجر، على نفس (غير) عارية، فعلى هذا التقدير، لا حاجة إلى أن يعتذر، لانتصاب (غير) في الاستثناء بما قال بعضهم، لما رأي انتصابه من دون واسطة، كما كان في المستثنى بالا، وهو 3 أنه إنما انتصب بلا واسطة حرف لمشابهته الظروف المبهمة بابهامه،


(1) أي استعمل، غير، استعمال الا، في جميع أحوالها، (2) أي استعمل استعمالها (3) أي ما قاله بعضهم في تعليل انتصاب غير، والذي قال انه لا حاجة إلى الاعتذار به، (*)

[ 127 ]

وإنما لم يحتج إلى هذا العذر المذكور، لما بينا أن حركة (غير) لما بعدها على الحقيقة، وهي عليها عارية، فكأن (غير) هي الواسطة لانتصاب ما بعدها في الحقيقة، والدليل على أن الحركة لما بعدها حقيقة: جواز العطف على محله، نحو: ما جاءني غير زيد وعمرو، بالرفع عطفا على محل زيد، لأن المعنى: ما جاءني إلا زيد، قال الفراء: يجوز أن يبنى (غير) في الاستثناء مطلقا، سواء أضيف إلى معرب أو مبني، لكونه بمعنى الحرف، يعني (إلا)، ومنعه البصريون، لأن ذلك فيه عارض غير لازم فلا اعتبار به، وأما إذا أضيف إلى (أن)، فلا خلاف في جواز بنائه على الفتح كما في قوله: 228 - لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال 1 كما يجيئ في باب الأضافة، ويجوز أن يكون نحو قوله: 229 - غير أني قد أستعين على الهمام إذا خف بالثوي النجاء 2 من هذا الباب، أي مبنيا على الفتح، لاضافته إلى (أن)، كما في قوله تعالى: (مثل ما أنكم تنطقون) 3، ويجوز أن يكون منصوبا لكونه استثناء منقطعا، وقولهم بيد، مثل غير، ولا تجيئ إلا في المنقطع مضافة إلى (أن) وصلتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش) 4، ويجوز أن يقال ببنائها لاضافتها إلى (أن) وأن يقال هي منصوبة لكونها في الاستثناء المنقطع،


(1) من قصيدة لأبي قيس بن الأسلت، وهو في وصف الناقة، والضمير في قوله منها يعود إلى الناقة حيث يقول قبل ذلك: ثم ارعويت وقد طال الوقوف بنا * فيها، فصرت إلى وجناء شملال والأوقال في بيت الشاهد، جمع وقل، وهو شجر الدوم أو ثمره، بزقوف كأنها هقلة أمام رئال دوية سقفاء (3) الآية 23 سورة الذاريات، (4) قال ابن هشام في مغني اللبيب في الكلام على (بيد)، إنها تكون بمعنى من أجل، واستشهد بالحديث، ويتغير المعنى على الوجهين، (*)

[ 128 ]

قوله: (كما حملت هي عليها في الصفة) أي كما حملت (الا) على غير، في الصفة، قوله: لجمع، أي: ما يدل على الجمعية، جمعا كان كرجال، أو، لا، كقوم ورهط، وإنما شرط هذا الشرط ليوافق حالها صفة حالها أداة استثناء، وذلك لأنه لابد لها في الاستثناء من مستثنى منه متعدد، لفظا كان أو تقديرا، فلأ، تقول في الصفة: جاءني رجل إلا زيد، ولا يجوز تقدير الموصوف قبل إلا، وصفا، كما جاز في غير، وذلك ليكون أظهر في كونها صفة، وشرط كون الجمع منكرا، لأنه إذا كان معرفا، نحو: جاءني الرجال، أو القوم إلا زيد، احتمل أن يراد به استغراق الجنس فيصح الاستثناء، واحتمل أن يشار به إلى جماعة يعرف المخاطب أن فيهم زيدا، فلا يتعذر، أيضا، الاستثناء الذي هو الأصل في (الا)، فالسامع يحمل (الا) على أصلها من الاستثناء، فاختير كونه منكرا غير محصور، لئلا يتحقق دخول ما بعد (الا) فيه فيضطر السامع على حمل (الا) على غير الاستثناء، واشترط أن يكون المنكور غير محصور، والمحصور شيئان: إما الجنس المستغرق، نحو: ما جاءني رجل أو رجال، وإما بعض منه معلوم العدد، نحو: له علي عشرة دراهم أو عشرون، لأنه 1 إن كان محصورا على أحد الوجهين وجب دخول ما بعد إلا فيه فلا يتعذر الاستثناء فلا يعدل عنه، وذلك نحو: كل رجل إلا زيدا جاءني، وله علي عشرة إلا درهما، وربما كان المنكر محصورا وتجوز الصفة 2، لعدم دخوله قطعا 3 فيه، كقولك عندي عشرة رجال إلا زيد، ففيه الصفة لا غير، وكذا في المحصور الآخر نحو: ما جاءني رجلان إلا زيد، وما جاءني رجال إلا عمرو، فإن معنى ما جاءني رجلان: ما جاءني اثنان من هذا الجنس، وزيد ليس اثنين منه، فلا يدخل فيه، وكذلك: معنى ما جاءني رجال: ما جاءني جماعة من هذا الجنس، وعمرو ليس جماعة، فلا يدخل، فليس في مثله، إذن، إلا الصفة، أو الاستثناء المنقطع،


(1) علة اشتراط كونه غير محصور (2) أي جعل إلا صفة، (3) المراد القطع بعدم دخوله، (*)

[ 129 ]

هذا كله مبني على أن المستثنى واجب الدخول في المستثنى منه، كمإ، هو مذهب جمهور النجاة، وأما على مذهب المبرد فيجوز الاستثناء مع هذه الشروط، أيضا، لأنه يكتفي لصحة الاستثناء، بصحة الدخول، وقال الأندلسي والمالكي 1: لابد لا لا، إذا كانت صفة من منبوع ظاهر كما ذكر المصنف، جمع أو شبهه، منكر أو معرف باللام الجنسية، قال: 230 - أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلا بغامها 2 ويجوز في البيت أن تكون (ألا) للاستثناء، وما بعدها بدل من الأصوات، لأن في (قليل) معنى النفي، كما ذكرنا، ومذهب سيبويه 3: جواز وقوع (الا) صفة مع صحة الاستثناء، قال: يجوز في قولك: ما أتاني أحد إلا زيد، أن تكون (إلا زيد) بدلا، وصفة، وعليه أكثر المتأخرين تمسكا بقوله: 231 - وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان 4 وقوله عليه الصلاة والسلام: (الناس كلهم هالكون إلا العالمون، والعالمون كلهم


(1) الرأي الذي أورده الرضي هنا منسوبا للأندلسي والمالكي، هو مما عرفت نسبته لابن مالك أيضا، وهذا مما يقوي انه يريد بالمالكي: ابن مالك والله أعلم، (2) من قصيدة لذي الرمة، وهو من حديثه عن الناقة في أول القصيدة: ألا خيلت مي وقد نام صحبتي * فما نفر التهويم إلا سلامها طروقا، وجلب الرحل مشدودة به * سفينة بر تحت خدي زمامها وقوله طروقا، مصدر طرق، إذا جاء ليلا، وهو متصل بقوله خيلت أي زار خيالها ليلا، ويروى الشطر الثاني: فما أرق النيام إلا كلامها، وسفينة البر، من أحسن ما وصفت به الناقة، وبلدة، الأولى: صدر الناقة، والثانية الأرض، والبغام صوت الظبية أطلقه على صوت الناقة، (3) سيبويه ج 1 ص 371 وأشرت فيما سبق إلى أن معظم ما في هذا الباب بلفظه أو معناه منقول عن سيبويه في باب الاستثناء، (4) الفرقدان: نجمان متلازمان منذ وجدا وقد أورد البغدادي أوجها أخرى في توجيه البيت غير مثاله الشارح والبيت منسوب لعمرو بن معد يكرب، ولحضرمي بن عامر الأسدي، (*)

[ 130 ]

هالكون إلا العالمون، والعاملون كلهم هالكون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم)، وقال الكسائي: تقدير البيت: إلا أن يكون الفرقدان، وهو مردود، لأن الحرف الموصول لا يحذف إلا بعد الحروف التي تذكر في نواصب المضارع، وقال المصنف: في البيت شذوذان: وصف كل، دون المضاف إليه، والمشهور وصف المضاف إليه، إذ هو المقصود، و (كل) لأفادة الشمول فقط، وهذا الوصف ضرورة للشاعر، إذ لو جاز له وصف المضاف إليه، وهو أن يقول: إلا الفرقدين، لم يجعل إلا صفة، بل كان يجعله استثناء، والشذوذ الثاني: الفصل بالخبر بين الصفة والموصوف وهو قليل، وقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 1)، قال سيبويه: لا يجوز ههنا إلا الوصف، لأنك لو قلت: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لم يجز، يعني أن البدل لا يجوز إلا في غير الموجب، وليس الشرط، وإن لم يكن موجبا صرفا، من غير الموجب الذي يجوز معه الأبدال،. قال المصنف: ولا يجري النفي المعنوي كاللفظي، إلا في: قلما، وقل رجل، وأبي ومتصرفاته، كما مضى، قال: وأيضا، البدل لا يجوز، إلا حيث يجوز الاستثناء، ولا يجوز الاستثناء ههنا، لأن (الله) غير واجب الدخول في (آلهة)، المنكر، لأنه غير عام ولا محصور، ولو وقع، أيضا، الجمع المنكر في سياق النفي، وقصد به الاستغراق لم يجز استثناء المفرد منه، كما تقدم، من أنه لا يقال: ما جاءني رجال إلا زيدا، على أنه استثناء متصل، وأجاز المبرد رفع (الله) على البدل، لأن في (لو) معنى النفي، إذ هو لامتناع الشئ لامتناع غيره، فكأنه قيل: ما فيهما آلهة إلا الله، وهذا كما أجرى الزجاج التحضيض


(1) الآية 22 سورة الأنبياء، (*)

[ 131 ]

في قوله تعالى: (فلو لا كانت قرية... 1) الآية، مجرى النفي فأجاز البدل في (قوم يونس)، والأولى منع إجراء الشرط والتحضيض في جواز الأبدال والتفريغ معهما، مجرى النفي، إذ لم يثبت، وأما عدم وجوب دخول (الله) في (آلهة) فلا بضر المبرد، لأنه يكتفي في جواز الاستثناء بصحة الدخول كما تقدم، قوله: (وهو في غيره ضعيف)، يعني جعل (الا) صفة في غير الموضع الجامع للشروط المذكورة، كما في قوله: وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان 2 - 231 ضعيف 3، هذا عند المصنف، ولا يضعف عند سيبويه وأتباعه كما تقدم، (سوى وسواء) (معناهما، واستعمالاتهما) (قال ابن الحاجب:) (واعراب سوى وسواء: النصب على الظرف، على الأصح)، (قال الرضي:) إنما انتصب (سوى)، لأنه في الأصل صفة ظرف مكان وهو (مكانا)، قال الله


(1) الآية 98 من سورة يونس وتكرر ذكرها في هذا الباب (2) البيت المتقدم قبل قليل، (3) خبر عن قوله في شرح عبارة المتن: يعني جعل الا صفة، (*)

[ 132 ]

تعالى: (مكانا سوى) 1، أي مستويا، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه مع قطع النظر عن معنى الوصف، أي معنى الاستواء الذي كان في (سوى) فصار (سوى) بمعنى: (مكانا) فقط، ثم استعمل (سوى) استعمال لفظ مكان، لما قام مقامه في افادة معنى البدل، تقول أنت لي مكان عمرو، أي بدله، لأن البدل ساد مسد المبدل منه وكائن مكانه، ثم استعمل بمعنى البدل في الاستثناء، لأنك إذا قلت جاءني القوم بدل زيد، أفاد أن زيدا لم يأت، فجرد عن معنى البدلية أيضا، لمطلق معنى الاستثناء، فسوى، في الأصل: مكان مستو، ثم صار بمعنى مكان، ثم بمعنى بدل، ثم بمعنى الاستثناء، ولا يجوز في (سوى) القطع عن المضاف إليه كما يجوز في (غير) على ما يجيئ، والتزم بعضهم وجوب اضافته إلى المعارف، فلا يجيز: جاءني القوم سوى رجل منهم طويل، وهو الظاهر من كلامهم، وعند البصريين، هو لازم النصب على الظرفية لأنه، في الأصل، صفة ظرف، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها: النصب، فنصبه على كونه ظرفا في الأصل، وإلا فليس الآن فيه معنى الظرفيه، والدليل على ظرفيته في الأصل: وقوعة صلة، بخلاف (غير)، نحو: جاءني الذي سوى زيد، وعند الكوفيين يجوز خروجها عن الظرفية، والتصرف فيها رفعا ونصبا وجرا، كغير، وذلك لخروجها عن معنى الظرفية إلى معنى الاستثناء، قال: 232 - ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا 2


(1) من الآية 58 سورة طه،. (2) من أبيات للفند الزماني، مما قيل في حرب البسوس، يقول فيها: صفحنا عن بني ذهل * وقلنا: القوم إخوان إلى أن يقول: فلما صرح الشر * فأمسى وهو عريان ولم يبق سوى العدوان... البيت، (*)

[ 133 ]

وقال: 233 - تجانف عن جو اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا 1 ومثله عند البصريين شاذ، لا يجيئ إلا في ضرورة الشعر، وزعم الأخفش أن (سواء) إذا أخرجوه عن الظرفية، أيضا، نصبوه، استنكارا لرفعه فيقولون جاءني سواءك وفي الدار سواءك، ومثل هذا في استنكار الرفع فيما غلب انتصابه على الظرفية قوله تعالى: (ومنا دون ذلك 2)، و: (لقد تقطع بينكم 3)، وتقول: لي فوق السداسي ودون السباعي، 4 (حذف المستثنى) 5 (استعمال ليس غير وليس إلا) واعلم أن المستثنى قد يحذف من (الا) و (غير) الكائنين بعد (ليس) فقط، كما يحذف ما أضيف إليه (غير) الكائن بعد (لا)، تقول: جاءني زيد ليس إلا، وليس غير، بالضم، تشبيها لغير بالغايات حين حذف المضاف إليه، كما يجيئ في الظروف المبنية، و (غير) خبر ليس، أي: ليس الجائي غيره، وقال الأخفش: يجوز أن يكون اسمه وقد حذف المضاف إليه، وأبقي المضاف على حاله، كقوله:


(1) من قصيدة للأعشى في مدح هوذة بن علي الحنفي، ويروي: عن جل اليمامة أي عن معظم أهلها وقبله: إلى هوذة الوهاب أعلمت مدحتي * أرجي نوالا فاضلا من عطائكا واستجاد البغدادي هذه القصيدة، وقال إنها تشبه اشعار المحدثين لسهولة ألفاظها، (2) الآية 11 من سورة الجن، (3) من الآية 94 سورة الأنعام، (4) الثوب السداسي أو الأزار السداسي: ما كان طوله ست أذرع، والسباعي ما كان طوله سبع أذرع، (5) من استطرادات الرضي، (*)

[ 134 ]

234 - خالط من سلمى خياشيم وفا 1 وهو ضعيف من وجهين: أحدهما أن حذف خبر (ليس) قليل، والثاني أن حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف على حاله قليل، وقد يقال 2: ليس غير، بالنصب، على إبقاء المضاف على حاله بعد حذف المضاف إليه، وقد ينون (غير)، على ما حكاه الأخفش في الحالين، نحو: ليس غير، وليس غيرا، كما ينون كل، وبعض عوضا عن المضاف إليه، وحكى الأخفش ليس غيره وليس غيره، وهذا مما يقوي من مذهبه، من كون: ليس غير بالضم: على حذف الخبر، ويجوز أن يقال: حسن حذف خبر ليس ههنا وإن كان قليلا في غير هذا الموضع، لكثرة استعماله في الاستثناء، والنصب على إضمار اسم ليس أي: ليس الجائي غيره، وإذا أضيف (غير) ظاهرا 3، جاز عند الأخفش أن يأتي بعد (لم يكن)، نحو: جاءني زيد لم يكن غيره، وغيره بالرفع والنصب، على التفسيرين المذكورين، قال: وتقول جئتني ليس غيرك، ولم يكن غيرك وغيرك، (لا سيما) 4 وأما (لا سيما)، فليس من كلمات الاستثناء حقيقة، بل المذكور بعده منبه على أولويته بالحكم المتقدم، وإنما عد من كلماته، لأن ما بعده مخرج عما قبله من حيث أولويته بالحكم،


(1) في تأويل هذا الشاهد أوجه وتأويلات أفاض فيها البغدادي وهو من أرجوزة للعجاج، (2) مع ضعفه كما ضعف رأي الأخفش (3) أي إضافة ظاهرة، وإلا فهو لا يستعمل إلا مضافا ولو تقديرا، (4) وهذا أيضا من استطرادات الرضي، (*)

[ 135 ]

فإن جر ما بعده، فباضافة (سي) إليه، و (ما) زائدة، ويحتمل أن تكون نكرة غير موصوفة، والاسم بعدها بدل منها، وإن رفع، وهو أقل من الجر، فخبر مبتدأ محذوف، و (ما) بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة بجملة اسمية، وإنما كان أقل، لأن حذف أحد جزأي الاسمية التي هي صلة كقراءة 1 من قرأ: (تماما على الذي أحسن 2)، أو صفة، قليل 3، وليس نصب الاسم بعد (لا سيما) بقياس، لكن روي بيت امرئ القيس: 235 - ألا رب يوم صالح لك منهما * ولا سيما يوم بدارة جلجل 4 بنصب (يوما)، فتكلفوا لنصبه وجوها، قال بعضهم: (ما) نكرة غير موصوفة،. ونصب يوما بإضمار فعل، أي: أعني يوما، قال الأندلسي 5: لا ينتصب بعد (لا سيما) إلا النكرة، ولا وجه لنصب المعرفة، وهذا القول منه مؤذن بجواز نصبه قياسا على أنه تمييز، لأن (ما) بتقدير التنوين، كما في: كم رجلا، إذ لو كان باضمار فعل لاستوى المعرفة والنكرة، قال الأخفش في قولهم: إن فلانا كريم ولا سيما إن أتيته قاعدا: (ما) ههنا، زائدة، عوضا عن المضاف إليه، أي: ولا مثله إن أتيته قاعدا، واعلم أن الواو التي تدخل على: لا سيما في بعض المواضع كقوله: ولا سيما يوم بدارة جلجل


(1) هي قراءة يحيى بن يعمر، وعبد الله بن أبي اسحاق الحضرمي وهي شاذة، (2) من الآية 154 سوره الأنعام. (3) خبر عن قوله لأن حذف أحد جزأي الاسمية..، (4) من معلقة امرئ القيس التي تكررت الشواهد منها في هذا الشرح والضمير في منهما يعود على امرأتين تحدث عنهما قبل ذلك وذكر قصة جرت بينه وبينهما في مكان اسمه دارة جلجل، (5) الأندلسي تقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزء الأول وسيتكرر ذكره، (*)

[ 136 ]

اعتراضية 1، كما في قوله: 236 - فأنت طلاق، والطلاق عزيمة * ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم 2 إذ هي مع ما بعدها بتقدير جملة مستقلة، والسي، بمعنى المثل، فمعنى جاءني القوم ولا سيما زيد، أي: ولا مثل زيد موجود بين القوم الذين جاءوني، أي: هو كان أخص بي، وأشد إخلاصا في المجيئ، وخبر (لا) محذوف، وتصرف في هذه اللفظة تصرفات كثيرة، لكثرة استعمالها، فقيل: سيما، بحذف (لا)، و: لا سيما بتخفيف الياء، مع وجود (لا) وحذفها، 3 وقد يحذف، ما بعد 4 (لا سيما) على جعله 5 بمعنى: خصوصا، فيكون منصوب المحل، على أنه مفعول مطلق، وذلك كما مر في باب الاختصاصي 6 من نقل نحو:... أيها الرجل من باب النداء، إلى باب الاختصاص، لجامع بينهما معنوي، فصار في نحو:


(1) الجملة الاعتراضية لا تنحصر في الواقعة بين شيئين متلازمين، وذلك عند أهل البيان، وقد شنع ابن هشام في مغنى اللبيب على من حصرها في الواقعة بين شيئين، (2) هذا أحد أبيات ثلاثة، تناقلها النجاة والفقهاء ولم ينسبها أحد منهم، إلا أنهم قالوا إن الكسائي أرسل بها إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يسأله الجواب عنها، وهي: فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن * وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طلاق والطلاق عزيمة * ثلاثا، ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها، أن كنت غير رفيقة * وما لا مرئ بعد الثلاث مقدم وفي رواية البيت الذي أورده الشارح روايات كثيرة يختلف الحكم على كل منها وقد بسط البغدادي الكلام على هذه الروايات، وبين ما يستفاد من كل منها من الحكم الشرعي، وكيفية استخراج هذا الحكم، (3) قال ابن هشام في مغنى اللبيب نقلا عن ثعلب بعض ما قاله الرضي من التصرفات، (4) يقصد الاسم الذي يقع بعد لا سيما، ويكون أولى من غيره بالحكم، (5) أي جعل لا سيما، وكذلك في قوله بعد: فيكون منصوب المحل، (6) ص 431 من الجزء الأول، (*)

[ 137 ]

أنا أفعل كذا أيها الرجل،... منصوب المحل على الحال، مع بقاء ظاهره على الحالة التي كان عليها في النداء من ضم (أي)، ورفع الرجل، كذلك، (لا سيما) ههنا، يكون باقيا على نصبه الذي كان له، في الأصل حين كان اسم (لا) التبرئة 1، مع كونه منصوب المحل على المصدر لقيامه مقام (خصوصا)، فإذا قلت: أحب زيدا ولا سيما راكبا، أو على الفرس، فهو بمعنى: وخصوصا راكبا، وكذلك في نحو: أحبه ولا سيما وهو راكب، وكذا: أحبه ولا سيما ان ركب، أي وخصوصا إن ركب، فجواب الشرط مدلول خصوصا، أي: إن ركب أخصه بزيادة المحبة، ويجوز أن يجعل بمعنى المصدر اللازم، أي اختصاصا، فيكون معنى وخصوصا راكبا، أي: ويختص بفضل محبتي راكبا، وعلى هذا ينبغي أن نؤول ما ذكره الأخفش أعني قوله: ان فلانا كريم ولا سيما إن أتيته قاعدا، أي يختص بزيادة الكرم اختصاصا في حال قعودة 2، ويجوز مجيئ الواو قبل (لا سيما) إذا جعلته بمعنى المصدر وعدم مجيئها، إلا أن مجيئها أكثر، وهي اعتراضية، كما ذكرنا، ويجوز أن تكون عطفا، والأول أولى وأعذب، 3 وقد يقال: لا سواء ما، مقام: لا سيما،


(1) تكرر وجه تسميتها بذلك، وهو أنها برأت الاسم من الاتصاف بالخبر، (2) هذا بيان للمعنى وليس المراد منه أن جملة إن أتيته... جملة حالية، (3) في بعض النسخ أولى وأعرب بالراء، أي أقرب إلى قواعد الأعراب، (*)

[ 138 ]

(الجملة الفعلية) (بعد إلا) واعلم أن أصل (ألا)، أن تدخل على الاسم، وقد يليها في المفرغ فعل مضارع، إما خبر لمبتدأ، كقولك: ما الناس الا يعبرون، وما زيد إلا يقوم، أو حال، نحو: ما جاءني زيد إلا يضحك، أو صفة، نحو: ما جاءني منهم رجل إلا يقوم ويقعد، ويجوز أن يكون هذا حالا لعموم ذي الحال 2، وإنما شرط التفريغ، لتكون (الا) ملغاة عن العمل على قول 3، أو عن التوصل بها إلى العمل على قول آخر، فيسهل دفعها عما تقتضيه من الأسم، لانكسار شوكتها بالألغاء، وشرط كونه مضارعا لمشابهته للاسم، وأما الماضي، فجوزوا أن يليها في المفرغ بأحد قيدين، وذلك إما باقترانه بقد، نحو: ما الناس إلا قد عبروا، وذلك لتقريبها له من الحال 4، المشبه للاسم، وإما تقدم ماض منفي، نحو: قولهم: ما أنعمت عليه إلا شكر، وما أتيته إلا أتاني، وعنه عليه الصلاة والسلام: (ما أليس الشيطان من بني آدم إلا أتاهم من قبل النساء)، وذلك إذا قصد لزوم تعقب مضمون ما بعد (إلا)، لمضمون ما قبلها، وإنما جاز أن يليها الماضي مع هذا القصد، لأن هذا المعنى هو معنى الشرط والجزاء، في الأغلب، نحو: إن جئتني أكرمتك، وإنما قلت في الأغلب لأنه قد لا يكون 5 مضمون الجزاء متعقبا لمضمون الشرط، بل يكون مقارنا له في الزمان، نحو: إن كان هناك نار كان احتراق، وإن كان هناك احتراق فهناك نار، وإن كان الأنسان ناطقا فالحمار ناهق، لكن التعقب المذكور هو الأغلب،


(1) من استطرادات الرضي أيضا، (2) أي لأنه نكرة في سياق النفي، (3) أي على القول بأنها هي العاملة، أو على القول بأنها واسطة في العمل،. (4) أي المضارع الذي يدل على الحال، (5) يكثر تعبير الرضي بمثل هذا، أي دخول قد على الفعل المنفي، وقد أشرت في أكثر من موضع إلى هذا وقلت أنه غير موافق للقواعد، (*)

[ 139 ]

فلما كان تعقب مضمون ما بعد ء الا) لمضمون ما قبلها هو المراد، وكان معنى حرف النفي مع (إلا) يفيد معنى الشرط والجزاء، أعني لزوم الثاني للأول، جاز أن يعتبر معنى الشرط والجزاء مع حرف النفي وإلا، فيصاغ ما قبل إلا، وما بعدها صوغ الشرط والجزاء، وذلك إما بكونهما ماضيين، نحو: ما زرتني إلا أكرمتك، أو مضارعين نحو: ما أزوره إلا يزورني، ومثل هذا هو الغالب في الشرط والجزاء، أعني كونهما ماضيين أو مضارعين، فجاز كون الماضي الذي بعد (إلا) ههنا مجردا عن (قد) والواو، مع أنه حال، كما ذكرنا في باب الحال، 1 وذلك لكونه متضمنا معنى الجزاء، فيؤتى به ماضيا أو مضارعا مع الواو، نحو: ما زرته إلا وأكرمني، ولا أزوره إلا ويكرمني، وإنما اطرد الواو مع هذا النظر لكون هذا الحال غير مقترن مضمونه بمضمون عامله كما هو الغالب في الحال، نحو: جاءني زيد راكبا، ولفظه، أيضا، منفصل عن العامل بالا، فجاز أن يستظهر 3 مطردا، في ربط مثل هذه الحال بعاملها لفظا، بحرف الربط أي الواو، فمن ثم، اطرد نحو: ما أزوره إلا ويكرمني، وندر: قمت وأصك عينه، كما مر في باب الحال، ويجيئ في الماضي مع الواو (قد) أيضا، نحو: ما زرته إلا وقد زارني، ولا يجوز الاقتصار على (قد)، فلا يقال: ما زرته إلا قد زارني لأنك إن نظرت إلى معنى الجزاء الذي يستفاد من مثل هذه الحال، فالجزاء لا يتجرد عن الفاء إذا كان مع (قد)، كما يجيئ في بابه، وإن نظرت إلى الحال الذي هو أصله فليس فيه حرف الربط المذكور، وإنما قلنا إن الأغلب في الحال مقارنة مضمونه لمضمون عامله، لأنه قد يجيئ بخلاف


(1) في أول هذا الجزء. (2) أي مجردا من قد والواو، ومضارعا مجردا أي من الواو، (3) أي جاز أن يستعان في الربط مع هذه المبررات بالواو، التي هي حرف الربط في باب الحال إلى جانب الضمير، (*)

[ 140 ]

ذلك كقولهم: خرج الأمير معه صقر صائدا به غدا، أي عازما على الصيد، 1 وكذلك معنى الخبر 2، أي: ما أيس الشيطان من بني آدم من جهة غير النساء، إلا عازما على اتيانهم من قبلهن، جعلوا المعزوم عليه، المجزوم به، كالواقع الحاصل، (قسم السؤال) 3 (واستعمال لما في الاستثناء) وقد تدخل (الا) و (لما) بمعناها على الماضي، إذا تقدمهما قسم السؤال نحو: نشدتك بالله الا فعلت، وقول عمر 4 رضي الله عنه في كتابه إلى أبي موسى: (عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطا)، كتبه إليه لما لحن كاتبه في كتابه إلى عمر، وكتب: من أبو موسى، وقولهم: نشدتك الله، من قولهم: نشدته كذا فنشده، أي ذكرته فتذكر 5، فنشد المتعدي إلى واحد، مطاوع للأول المتعدي إلى اثنين، والمعنى: ذكرتك الله بأن أقسمت عليه به وقلت لك بالله لتفعلن، أو يكون نشدت بمعنى طلبت، أي نشدت لك الله، كقوله تعالى: (.. أبغيكم الها) 6 أي أبغي لكم، أي طلبت لك الله من بين جميع ما يقسم به الناس، لأقسم به تعالى عليك، ومعنى إلا فعلت: إلا فعلك، وإلا، لنقض معنى النفي الذي تضمنه القسم، لأنك إذا حلفت غيرك بالله قسم الطلب فقد ضيقت عليه الأمر في


(1) ويسميها النجاة: الحال المقدرة أو المنتظرة، (2) أي الحديث المتقدم، (3) استطرد أيضا من الرضي، (4) أي عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، رضي الله عنهما، (5) المناسب لتفسيره أن يقول: ذكرته إياه فتذكره، (6) من الآية 140 سورة الأعراف، (*)

[ 141 ]

فعل مطلوبك، فكأنك قلت: ما أطلب منك إلا فعلك، ففعلت، بمعنى المصدر، مفعول به لما أطلب، الذي دل عليه نشدتك الله، وإنما جعلته فعلا ماضيا لقصد المبالغة في الطلب حتى كأن المخاطب فعل ما تطلبه، وصار ماضيا ثم أنت تخبر عنه، فهو مثل قوله تعالى: (وسيق الذين 1)، و: (ونادى أصحاب النار 2)، وقولهم: رحمك الله، ومعنى عزمت عليك، أي أوجبت عليك، وهو من قسم الملوك، و (لما) في الاستثناء، لا تجيئ إلا بعد النفي ظاهرا أو مقدرا كما رأيت، ولا تجيئ إلا في المفرغ نحو قوله تعالى: (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) 3،


(1) صدر كل من الآيتين 71، 73 في سورة الزمر (2) من الآية 50 سورة الأعراف (3) الآية 22 سورة يس، (*)

[ 142 ]

(خبر كان) (وأخواتها) (قال ابن الحاجب:) (خبر كان وأخواتها، هو المسند بعد دخولها، مثل: كان) (زيد قائما، وأمره على نحو خبر المبتدأ، ويتقدم معرفة)، (قال الرضي:) لما قال: هو المسند، دخل فيه خبر المبتدأ، وجميع ما كان في الأصل كذلك، فقوله: بعد دخولها، يخرجها كلها، وقد ذكرنا أنه يدخل في حده، نحو: قائم في قولك: كان زيد أبوه قائم، مع أنه ليس بخبر كان، قوله: (وأمره على نحو خبر المبتدأ)، أي فيما يجوز له من كونه معرفة ونكرة، ومفردا وجملة، ومتقدما على المسند إليه ومتأخرا عنه، وما يجب من تقدمه على الاسم إذا كان ظرفا والاسم نكرة، نحو: كان في الدار رجل، واشتماله على الضمير إذا كان جملة أو مشتقا أو ظرفا، وغير ذلك من الأحكام المذكورة في باب المبتدأ، وقد يختص خبر (كان) ببعض من الأحكام، نذكر بعضها هنا، وبعضها في الأفعال الناقصة، فمما قيل إنه من خصائصه ما ذهب إليه ابن درستويه 1، وهو أنه لا يجوز أن يقع


(1) ابن درستويه هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، الفارسي الأصل، أخذ عن المبرد وثعلب وغيرهما من علماء عصره، توفي ببغداد سنة 347 ه، (*)

[ 143 ]

الماضي خبر (كان)، فلا يقال: كان زيد قام، ولعل ذلك لدلالة (كان) على الماضي، فيقع المضي في خبرها لغوا، فينبغي أن يقال: كان زيد قائما أو يقوم، وكذا ينبغي أن يمنع نحو: يكون زيد يقوم لمثل تلك العلة، سواء، وجمهورهم على أنه غير مستحسن، ولا يحكمون بمطلق المنع، قالوا: فإن وقع، 1 فلا بد من (قد) ظاهرة أو مقدرة، لتفيد التقريب من الحال، إذ لم يستفد من مجرد (كان)، وكذا قالوا في: أصبح وأمسى وأضحى، وظل وبات، وكذا ينبغي أن يمنعوا 2 نحو: يصبح زيد يقول وكذا البواقي، والأولى، كما ذهب إليه ابن مالك: تجويز وقوع خبرها ماضيا بلا (قد)، فلا نقدرها في قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل 3)، و: (وإن كان قميصه قد من دبر) 4، وفي قول الشاعر: 237 - وكان طوى كشحا على مستكنة * فلا هو أبداها ولم يتقدم 5 ولا في قوله: 238 - أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد 6 إذ لا منع 7 من قيام شيئين يفيدان معنى واحدا،


(1) أي إن وقع خبرها ماضيا، (2) المناسب أن يقول: ينبغي ألا يستحسنوا، (3) الآية 15 في سورة الأحزاب (4) الآية 27 في سورة يوسف، (5) من معلقة زهير بن أبي سلمى وقد تضمنت حديثا عما كان بين عبس وذبيان، وفيه أن حصين بن ضمضم امتنع عن الصلح، واستتر من الناس، وهو المقصود بهذا البيت وقيله: لعمري لنعم الحي جر عليهم * بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم (6) هذا من معلقة النابغة الذبياني وتقدمت بعض أبيات منها، ولبد: اسم أحد النسور التي قالوا إن لقمان الحكيم أعطى عمر سبعة منها، والنسور أطول الطيور أعمارا، ولبد كان آخرها، (7) تعليل لقوله: والأولى تجويز وقوع خبرها... الخ، (*)

[ 144 ]

ومنع ابن مالك، وهو الحق، من مضي خبر (صار) و (ليس) و (ما دام)، وكل ما كان ماضيا من: ما زال ولا زال ومرادفتها 1،. أما (صار) فلكونها ظاهرة في الانتقال، في الزمن الماضي، إلى حالة مستمرة، وهي مضمون خبرها، نحو: كنت فقيرا فصرت غنيا، وإن جاز مع القرينة ألا يستمر به الحال المنتقل إليها، كقول المريض: كنت مريضا ثم صرت متماثلا، ثم نكست، وكذلك ما زال وأخواتها، موضوعة لاستمرار مضمون أخبارها في الماضي إلا أن تمنع قرينة، وما يصلح للاستمرار هو الاسم الجامد، نحو: هذا أسد، أو الصفة، نحو: زيد قائم، أو غني، أو مضروب، أو الفعل المضارع نحو: زيد يقدم في الحروب، ويسخو بموجوده، أي هذه عادته، لأنه وإن كان في الأصل فعلا دالا على أحد الأزمنة، إلا أنه، لمضارعته اسم الفاعل لفظا ومعنى، يستعمل غير مفيد للزمان استعماله 2، فلذلك إذا قلت: كنت رأيت زيدا، لا يدل على الاستمرار، وإذا قلت: كنت أراه، فظاهره الاستمرار، فناسبت الثلاثة، أي الجامد، والصفة، والمضارع، لصلاحيتها للاستمرار، أن تقع أخبارا لصار، وما زال وأخواتها، بخلاف الماضي، فإنه لا يستعمل في الاستمرار استعمال هذه الثلاثة، فلم يقع خبرا لهذه الأفعال، وأما (ما دام) فلم يقع خبرها ماضيا، لأن (ما) المفيدة للمدة 3، نحو: ما در شارق، تقلب الماضي في الأغلب إلى معنى الاستقبال، كما يجيئ في قسم الأفعال، فلهذا تقول: اجلس ما دام زيد جالسا، وقد تجيئ بمعنى الماضي، كقوله تعالى: (ما دمت حيا 4)، وأما (ليس)، فهي للنفي مطلقا، كما هو مذهب سيبويه، على ما نبين في الأفعال


(1) ما فتئ، وما برح وبقية الأفعال التي يشترط فيها دخول النفى وكذلك في قوله بعد: ما زال وأخواتها، (2) أي مثل استعمال اسم الفاعل، (3) أي للزمان ويسمونها المصدرية الظرفية، (4) من الآية 31 من سورة مريم، (*)

[ 145 ]

الناقصة، والمستعمل للأطلاق من دون تعرض للزمان، إما جامد، أو صفة، أو مضارع لمشابهته اسم الفاعل بخلاف الماضي، وأجاز الأندلسي وقوع أخبارها جميعها ماضية، والأولى ما تقدم لعدم السماع، قوله: (ويتقدم معرفة)، هذا بخلاف خبر المبتدأ، لأنه لم يجز تقدمه على المبتدأ إذا كانا معرفتين ولا قرينة للألباس، أما ههنا فلا لبس وإن كانا معرفتين، أو متساويين، لأن تخالف اعرابهما رافع للبس، ويكفي ظهور اعراب أحدهما، نحو: كان زيد هذا، وينبغي ههنا، أيضا، إذا انتفي الاعراب ولا قرينة: ألا يجوز التقديم نحو: كان الفتى هذا، (*)

[ 146 ]

(حذف كان) (قال ابن الحاجب:) (وقد يحذف عامله في مثل: الناس مجزيون بأعمالهم، إن) (خيرا فخير، ويجوز في مثله أربعة أوجه، ويجب الحذف) (في مثل: أما أنت منطلقا انطلقت، أي لأن كنت)، (قال الرضي:) قوله: (عامله)، أي عامل خبر (كان) وأخواتها، وما كان ينبغي له هذا الاطلاق، لأنه لا يحذف من هذه الأفعال إلا (كان)، واعلم النه يجوز حذف (كان) مع اسمها بعد: إن ولو، إن كان اسمها ضمير ما علم من حاضر أو غائب، نحو: اطلبوا العلم ولو بالصين، أي ولو كان العلم بالصين، وادفع الشر ولو إصبعا، أي: ولو كان الدفع اصبعا، أي قليلا، وقوله: 239 - قد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا * فما اعتذارك من قول إذا قيلا 1


(1) من أبيات قالها النعمان بن المنذر للربيع بن زياد، وكان مقربا إلى النعمان فوشي بينهما لبيد بن ربيعة بقصة جعلت النعمان ينفر من الربيع وينحيه عن مجلسه، وحاول الربيع أن ينفي ما نسبه لبيد إليه ويبرئ نفسه فلم يقبل منه النعمان وقال له أبياتا، أولها: شرد برحلك عني حيث شئت ولا * تكثر علي ودع عنك الأقاويلا، إلى آخر ما قال ومنها هذا البيت، (*)

[ 147 ]

أي: إن كان حقا، وتقول: لأرتحلن إن فارسا وإن راجلا، ولو فارسا ولو راجلا، أي إن كنت، ولو كنت، وأما في مثل التركيب الذي في المتن، أعني أن يكون بعد (إن) اسم، وجزاؤها بالفاء، وبعد الفاء اسم مفرد، نحو: المرء مقتول بما قتل به، إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر، فتقول: ننظر فيه، فإن جاز مع (كان) المحذوفة بعد (إن): تقدير (فيه) أو (معه) أو نحو ذلك، كما في قوله: الناس مجزيون بأعمالهم...، فإنه يصح أن يقال: إن كان معه، أو في عمله 1، جاز في الأول مع النصب: الرفع أيضا، ولكن على ضعف معنوي، إذ معنى: إن كان معه، أو في يده سيف، و: إن كان في عمله خير: معنى غير مقصود، لأن مراد المتكلم: إن كان نفس عمله، خيرا، وإن كان ما قتل به سيفا، لا: أن له أعمالا وفي تلك الأعمال خير، ولا أن في يده، أو في صحبته وقت القتل سيفا، هذا الذي قلنا، ضعف من حيث المعنى، وأما من حيث اللفظ، فضعيف، أيضا، لأن حذف (كان) مع خبره، الذي هو في صورة المفعول الفضلة، حذف شئ كثير، ولا سيما إذا كان الخبر جارا ومجرورا بخلاف حذفه مع اسمه الذي هو كجزئه، ولا سيما إذا كان ضميرا متصلا، فإن قلت: فقدر للرفع: (كان) التامة، قلت: يضعف لقلة استعمالها، ولا يحذف إلا كثير الاستعمال للتخفيف، ولكون الشهرة دالة على المحذوف، وإن لم يحسن تقدير مثل ذلك، تعين نصب الأول، نحو: أسير كما تسير، إن راكبا فراكب، وإن راجلا فراجل، أي: إن كنت راكبا فأنا راكب،


(1) المناسب أن يقول في شرح الأثر: إن كان معهم أو في عملهم بصيغة الجمع، (*)

[ 148 ]

وربما جر ما بعد (إن) أو، (إن لا) مع ما بعد فائهما، إن صح رجوع ضمير (كان) المقدر إلى مصدر ما عدي بحرف الجر، نحو: المرء مقتول بما قتل به: إن سيف فسيف، أي إن كان قتله بسيف فقتله أيضا بسيف 1، وحكي عن يونس: مررت برجل صالح، إن لا صالح فطالح، أي: إن لا يكن المرور بصالح فالمرور بطالح، ومررت برجل: إن زيد وإن عمر و، وذلك لقوة الدلالة على الجار بتقدم ذكره، فتبين بما ذكرنا، أن النصب في الأول، إما مختار، أو واجب، وأما الاسم الذي بعد الفاء فرفعه أولى، لأن رفعه بإضمار مبتدأ بعد الفاء، وهو شائع كثير، وأما نصبه فإما بتقدير (كان) بعد الفاء، أي: فيكون ما يقتل به سيفا، أو بتقدير فعل لائق، نحو: فيجزى خيرا، وحذف المبتدأ أولى، لأنه مفرد، من حذف الجملة، وأيضا، حذف المبتدأ، أكثر من حذف (كان) وغير ذلك من نحو الفعل الناصب المذكور، وقيل: 2 لأن مجيئ الفاء مع الجملة الاسمية أكثر منه مع الفعلية، ويجوز أن يقال: إن مجيئ الفاء في الفعلية، إنما يقل إذا كان الفعل ظاهرا، وأما إذا كان مقدرا فلا بد من الفاء، نحو: إن ضربتني فزيدا ضربته، فإذا ثبت أن نصب الأول ورفع الثاني أصل، فعكسه يكون أقبح الوجوه لمخالفة الأصل في الموضعين، ورفعهما، ونصبهما، متوسطان، لمخالفة الأصل في موضع واحد، قوله: (ويجب الحذف)، أي: يجب حذف (كان) بعد (أن) معوضا منها (ما) نحو قوله:


(1) أي إن كان القتل الذي وقع منه بسيف، فالقتل الذي يقع عليه، بسيف، (2) هذا وجه آخر لبيان أرجحية رفع الثاني، ولكن عقب عليه الرضي بما ينتقضه، (*)

[ 149 ]

240 - أبا خراشة أما أنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع 1 أي لأن كنت، فحذف حرف الجر، جوازا على القياس المذكور في المفعول له، ثم حذفت (كان) وأبدل منها (ما) فوجب الحذف، لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه، وأجاز المبرد ظهور (كان) على أن (ما) زائدة، لا عوض، ولا يستند ذلك إلى سماع، ثم أدغم 2 النون الساكنة في الميم وجوبا، فبقي الضمير المرفوع المتصل بلا عامل يتصل به، فجعل منفصلا، فصار: أما أنت، وتقول أيضا، أما زيد قائما قمت، وقال الكوفيون: (أن) المفتوحة، بمعنى المكسورة الشرطية، ويجوزون مجيئ (أن) المفتوحة شرطية، قالوا 3: القراءتان في قوله تعالى: (أن تضل إحداهما... 4)، أي فتح الهمزة وكسرها بمعنى واحد، أيى بمعنى الشرط، و (ما) عندهم، عوض من الفعل المحذوف، ولا أرى قولهم بعيدا من الصواب، لمساعدة اللفظ والمعنى إياه، أما المعنى فلأن معنى قوله: أما أنت ذا نفر... البيت: إن كنت ذا عدد، فلست بفرد، 5 وأما اللفظ، فلمجيئ الفاء في هذا البيت، وفي قوله:


(1) أكل الضبع الناس، كناية عن ضعفهم، وذلك أن الناس إذا أجدبوا وقل طعامهم ضعفوا عن الدفاع عن أنفسهم وسقطت قواهم، فتنتشر بينهم الضباع آمنة لا يستطيعون ردها، فتأكلهم، والبيت للعباس بن مرداس السلمي، يخاطب خفاف بن ندبة، وكنيته أبو خراشة، وهو أحد فرسان العرب، وكانت بينه وبين العباس مهاجاة، (2) مرتبط بقوله: حذفت كان وأبدل منها الميم... الخ، واعترض بينهما بذكر رأي المبرد، (3) أي في الاستدلال على جواز مجيئها شرطية، (4) الآية 282 سورة البقرة، (5) يعني إن كان عدد قومك كثيرا، فليس عدد قومي قليلا، (*)

[ 150 ]

241 - إما أقمت وأما أنت مرتحلا * فالله يكلأ ما تأتي وما تذر 1 مع عطف: أما أنت بفتح الهمزة على: إما أقمت بكسرها، وهي حرف شرط بلا خلاف، والبصريون يقولون: أما أنت منطلقا، أنطلق معك بالرفع، والكوفيون جوزوا جزمه بأن المفتوحة الشرطية، وجوزوا الرفع مع كونه جواب الشرط لكون الشرط محذوفا حذفا لازما، ولما كان معنى الشرط ههنا ظاهرا، قال سيبويه: دخل في (أن) معنى (إذا)، فأما بمعنى: إذ ما، واذ ما، شرطية بلا خلاف، ولا بد عند البصريين من تقدير فعل يعمل في الجار والمجرور، أعني في: أما أنت ذا نفر، الذي هو بمعنى: لأن كنت... ولا يصلح أن يكون 2 ذلك: لم تأكلهم، لأن معمول خبر (إن) لا يتقدم عليها، وأما نحو: أما يوم الجمعة فإن زيدا قائم، فسيجيئ الكلام عليه في حروف الشرط، وأيضا، ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبل الفاء إلا مع (أما) الشرطية، إما ظاهرة، كما في قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث) 3، وإما مقدرة كما في قوله: (وربك فكبر 4)، كما يجيئ في حروف الشرط، فيقدر 5 البصريون: أما أنت ذا نفر، تتكبر وتفتخر، وينبغي، على هذا، أن يكون قوله: فالله يكلأ، جواب إما أقمت، والعامل في: أما أنت مرتحلا: محذوف، أي: يكلؤك الله لأجل ارتحالك، وكله تكلف، والأولى أن نقول:


(1) قال البغدادي في الخزانة بعد أن شرح هذا البيت، مع استفاضته في كتب النحو، لم أظفر بقائله، ولا بتتمته، ويريد بتتمته أنه لا يوجد شئ قبله ولا بعده، وكذلك قال السيوطي في شواهد المغني، (2) أي الفعل الذي لابد من تقديره ليتعلق به الجار والمجرور، (3) الآية 11 سورة الضحى، (4) الآية 3 سورة المدثر، (5) هذا مرتبط بقوله: ولا بد عند البصريين من تقدير فعل، فهذا نتيجة لرأيهم وبيان لتقدير الفعل في المثال الذي هو موضع البحث، (*)

[ 151 ]

ان (إن) الشرطية، كثيرة الاستعمال، مع كان الناقصة، فإن حذف شرطها جوازا، لم يغير حرف الشرط عن صورته، نحو: إن سيفا فسيف، وإن حقا وإن كذبا، وكذا إن حذف شرطها وجوبا مع مفسر، كما في: إن زيد كان منطلقا، وإن حذف شرطها وجوبا بلا مفسر، وجب تغيير صورتها، من كسر الهمزة إلى فتحها، لأن بقاءها على وضعها الأصلي مع قطعها وجوبا عن مقتضاها الأصلي بلا مفسر هو كالعوض: مستكره، 1 فإذا غيرت عن حالها الوضعي، سهل حذف شرطها على سبيل الوجوب، لأنها تصير كأنها ليست في الظاهر حرف الشرط، ولا بد، إذن، من (ما) لتكون كالكافة لها عن مقتضاها، أعني الشرط، ثم لا يخلو حالها عند ذلك من أن تحذف منها (كان) مع اسمها وخبرها، أو تحذفها وحدها، فإن كان الأول، وجب في جزائها الفاء لتؤذن بها أن (أما) في الأصل حرف شرط، لأن الفاء علم السببية، فجيئ بها لما تغيرت صورة حرف السببية أعني (إن)، وسقط على سبيل الوجوب جميع أجزاء السبب، أعني: كان مع اسمها وخبرها، وذلك نحو: أما زيد فمنطلق، أي: أما يكن في الدنيا شئ، فزيد منطلق، أي إن يكن شئ موجودا، يوجد انطلاق زيد، أي هو منطلق لا محالة، فلا بد، إذن، من اقامة جزء من الجزاء مقام الشرط، لأنه لم يبق منه شئ، كما يجيئ في حروف الشرط، وإن كان الثاني، فالفاء غير لازمة، بل يجوز حذفها والأتيان بها، نحو: أما زيد منطلقا، انطلقت، وأما أنت ذا نفر فإن قومي...، وأما فتح همزة (إن) الشرطية، من دون حذف الشرط، كما أثبته الكوفيون فليس بمشهور، وقد تحذف (كان) بعد (إما) المكسورة قليلا، وقال سيبويه 2: لم يجز حذف الفعل مع (إما) المكسورة، وقال أبو علي 3: لأن (ما) التي بعدها، أشبهت اللام في تأكيد


(1) خبر عن قوله: لأن بقاءها، وقوله قبل ذلك: هو كالعوض، صفة لمفسر، (2) ج 1 ص 148، وهو بمعناه، (3) أي الفارسي، تعليلا لقول سيبويه، (*)

[ 152 ]

الفعل، فمن ثم جاز في: (وإما تخافن 1)، و: 242 - ومن عضه ما ينبتن شكيرها 2 النون 3، كما جازت مع اللام في نحو: لتفعلن، كما يجيئ في نون التوكيد، فلم يحسن حذف الفعل، مع ثبوت ما يؤكده، وقد جاءت كان الناقصة محذوفة بعد (لدن)، وأخواته 4، نحو رأيتك لدن قائما، أي لدن كنت قائما، قال، 243 - من لد شولا فإلى إتلائها 5 أي: من لد كانت شولا، والأتلاء: أن تلد الناقة، فتصير ذات تلو، 6


(1) الآية 58 سورة الأنفال (2) العضه بالهاء: واحدة العضاه نوع من الشجر وقيل إنه بالتاء في آخره محذوف اللام مثل شفة والشكير ما ينبت حولها من الشوك، أو من صغارها، وهو مثل يضرب لمشابهة الولد لأبيه وقد أورده سيبويه هكذا ج 2 ص 153 من غير اشارة إلى أنه شعر، ولعل ذلك هو السبب في أن شارح شواهده لم يكتب عليه، وقد ورد هذا المثل ضمن بيتين من الشعر، صدر في أحدهما، وتمامه: قديما ويقتط الزناد من الرند، وعجز في الآخر وصدره: إذا مات منهم سيد سرق ابنه، ولم ينسب أي منهما إلى قاتل، (3) أي نون التوكيد، وهو فاعل لقوله فمن ثم جاز في وإما تخافن الخ، (4) يريد: اللغات المستعملة في لدن،. (5) هذا من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل، وهو في سيبويه ج 1 ص 134، وعبارته: ومن قول العرب... وربما كان ذلك دليلا على أنه مثل وليس شعرا، والشول جمع شائل، وهو خاص بالناقة التي تتهيأ للحمل، وإلى اتلائها أي إلى أن تلد كما قال الشارح، (6) التلو بكسر التاء: ولد الناقة لأنه يتلوها أي يتبعها، (*)

[ 153 ]

(اسم ان) (وأخواتها) (قال ابن الحاجب:) (اسم ان وأخواتها، هو المسند إليه بعد دخولها، مثل إن زيدا) (قائم)، (قال الرضي:) ينتقض بمثل: أخوه، في قولك: إن زيدا قائم أخوه 1، (المنصوب) (بلا التي لنفي الجنس) (قال ابن الحاجب:) (المنصوب بلا التي لنفي الجنس هو المسند إليه بعد دخولها،) (يليها، نكرة، مضافا أو مشبها به، مثل: لا غلام رجل لك،)


(1) هكذا اقتصر الرضي على هذه العبارة في شرح كلام ابن الحاجب هنا، (*)

[ 154 ]

(ولا عشرين درهما لك، فإن كان مفردا فهو مبني على ما) (ينصب به وإن كان معرفة، أو مفصولا بينه وبين لا، وجب) (الرفع والتكرير، ونحو: قضية ولا أبا حسن لها، متأول)، (قال الرضي:) لم يقل: اسم (لا) التي لنفي الجنس، كما قال: اسم (ان) وأخواتها، لأن كلامه في المنصوبات، وجميع ما هو اسم (لا) المذكورة ليس منصوبا 1، بل بعضه مبني، نحو: لا رجل، فلما قصد المنصوب، احتاج إلى التمييز، بالتقييدات المذكورة، لأن اسم (لا)، لا يكون منصوبا إلا باجتماعها، وهي ثلاثة، كونه نكرة، وكونه مضافا، أو مشبها به، وأن يليها، فلو اختل واحد منها، لم ينتصب، كما يجيئ، ولو قصد إلى اسم (لا) من حيث كونه اسمها، لكان يكفيه أن يقول، كما هي عادته: هو المسند إليه بعد دخولها، 2 قوله: يليها، ونكرة، ومضافا: أحوال مترادفة، والعامل فيها (المسند) وذو الحال: الضمير المجرور في (إليه)، قوله: (لا غلام رجل لك)، مضاف، وقوله: لا عشرين درهما لك: مضارع له، وقد بينا المضارع للمضاف في باب المنادى، 3 قوله: (فإن كان مفردا)، أي: فإن كان اسم (لا) مفردا، ولم يجر ذكر اسم (لا) تصريحا، لكن سياق الكلام يدل عليه، ولا يعود الضمير إلى قوله: المنصوب بلا، لأن المنصوب بلا، لا يكون مفردا،


(1) حقه أن يقول: وليس جميع ما هو اسم لا منصوبا بل بعضه مبني، (2) أي كان يكيه أن يقتصر على هذه العبارة بدون ذكر شروط أخرى، (3) ص 354 من الجزء الأول، (*)

[ 155 ]

قوله: (على ما ينصب به)، هذا أولى، كما مر في المنادى، من قولهم: مبني على الفتح، فدخل فيه نحو: لا غلامين لك، ولا مسلمين لك، ويعني بالمفرد: ما ليس بمضاف ولا مضارع له، فدخل فيه المثنى والمجموع، والفتحة في: (لا رجل) عند الزجاج والسيرافي: اعرابية، خلافا للمبرد والأخفش وغيرهما، وإنما وقع الاختلاف بينهم لأجمال قول سيبويه، وذلك أنه قال: 1 و (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين، ثم قال: وإنما ترك التنوين في معمولها لأنها جعلت هي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد كخمسة عشر، فأول المبرد قوله: تنصبه بغير تنوين، بأنها نصبته أولا لكنة بني بعد ذلك فحذف منه التنوين للبناء، كما حذف في خمسة عشر، للبناء، اتفاقا، وقال الزجاج: بل مراده أنه معرب، لكنه مع كونه معربا، مركب مع عامله لا ينفصل عنه، كما لا ينفصل عشر، من خمسة، فحذف التنوين مع كونه معربا لتثاقله بالتركيب مع عامله، قال أبو سعيد 2: إنما ركب مع عامله، لأفادة (لا) التبرئة 3، للاستفراق كما أفادته (من) الاستفراقية في: هل من رجل في الدار، لأن (لا رجل في الدار) جواب: هل من رجل، فركبوا (لا) مع النكرة، كما أن (من) مركبة معها، تطبيقا للجواب بالسؤال، ثم حذف التنوين لتثاقل الكلمة بالتركيب، مع كونها معربة، والأولى ما ذهب إليه المبرد وأصحابه، لأن حذف التنوين في حالة الوصل من الاسم المنون، لغير الأضافة والبناء: غير معهود، وأيضا: التركيب بين (لا) والمنفي، ليس بأشد منه بين المضاف والمضاف إليه، والجار والمجرور، ولا يحذف التنوين من الثاني في الموضعين،


(1) هذا في سيبويه ج 1 ص 345، وما بعدها، وكذلك النقل الآتي قريبا عن سيبويه، وكثير مما نقله هنا، وارد بمعناه أو بلفظه في هذا الموضع من سيبويه (2) أي السيرافي، (3) وضحنا فيما سبق معنى تسميتها لا التبرئة، (*)

[ 156 ]

وقال سيبويه: إنما حذف التنوين من المنفي، لأن (لا)، لا تعمل الا في النكرة، و (لا) ومعمولها في موضع ابتداء، فلما خولف بها عن حال أخواتها، خولف بلفظها، يعني أن اختصاصها بالتنكير، وكون ما بعدها مبتدأ: سبب بناء معمولها، على مذهب من قال ببنائه، أو سبب حذف تنوين معمولها عند من قال باعرابه، لأنها بمجموع الشيئين خالفت سائر العوامل، كان وأخواتها، فخولف بمعمولها سائر المعمولات، وهذا ضعيف، أعني بناء المعمول، أو حذف التنوين منه لمخالفة العامل أخواته، والحق أن نقول: أنه مبني لتضمنه لمن الاستفراقية، وذلك لأن قولك: لا رجل، نص في نفي الجنس، بمنزلة: لا من رجل، بخلاف: لا رجل في الدار ولا امرأة، فإنه وإن كانت النكرة في سياق النفي تفيد العموم، لكن لا نصا بل هو الظاهر، كما أن: ما جاءني من رجل، نص في الاستفراق، بخلاف: ما جاءني رجل، إذ يجوز أن يقال: لا رجل في الدار، بل رجلان، وما جاءني من رجل بل رجلان للزوم التناقض، فلما أرادوا التنصيص على الاستفراق، ضمنوا النكرة معنى (من) فبنوها، وإنما بنيت على ما تنصب به، ليكون البناء على حركة استحقتها النكرة في الأصل قبل البناء، ولم يبن المضاف، ولا المضارع له، لأن الأضافة ترجح جانب الاسمية فيصير الاسم بها إلى ما يستحقه في الأصل، أعني الأعراب، ولا يكون مضاف مبني إلا نادرا، نحو: خمسة عشرك، ونحوه، ومن قال: المنفي معرب حذف تنوينه، دلالة على كونه مركبا مع (لا)، قال: لم يركب المضاف، والمضارع له، لأنه لا يركب أكثر من كلمتين، وأما نحو: لا رجل ظريف 1، فسيجيئ حكمه، ونحو: لا مسلمين ولا مسلمين، مبني خلافا للمبرد، فإن قال 2 به لأن النون كالتنوين


(1) أي بتركيب الاسم مع صفته، (2) فإن قال أي المبرد، به أي بالأعراب المستفاد من قوله: مبني خلافا للمبرد، (*)

[ 157 ]

الذي هو دليل الأعراب، فمنقوض بنحو: يا زيدان، ويا زيدون، وهما مبنيان مع وجود النون، إذ لو كانا معربين لقيل: يا زيدين ويا زيدين، والنون ليست كالتنوين في الدلالة على التمكن كما مر في أول الكتاب 1، ونقل عنه 2 أنه قال: لأن المثنى والمجموع في حكم المعطوف والمعطوف عليه، والمعطوف عليه: مضارع للمضاف فيجب النصب، ورد بأن المعطوف في باب (لا) مبني، نحو: لا رجل وامرأة، وله أن يقول 3: أردت عطف النسق الذي يكون التابع والمتبوع فيه كاسم واحد، كما ذكرنا في النداء في نحو: ثلاثة وثلاثين، ولا شك أن المثنى والمجموع مثل هذا المنسوق، لكنه ينتقض بيا زيدان ويا زيدون: وقيل: إنما قال ذلك، لأنه ليس شئ من المركبات يثنى فيه الجزء الثاني ويجمع، والجواب: أنه لم يقم دليل قاطع على أن (لا) مركب مع المنفي، كما يجيئ بيانه، ولو سلمنا، فليس بناؤه للتركيب كما مر بيانه، وإن سلمنا فنحن نقول: حضرموتان، وحضر موتون، في المسمى بحضرموت، كما يجيئ في باب المثنى، وأما جمع سلامة المؤنث فبعضهم يبنيه على الكسر مع التنوين، قياسا لا سماعا، نظرا إلى أن التنوين للمقابلة، لا للتمكن، بدليل قوله تعالى: (من عرفات 4)، وهو منقوض 5 بنحو: يا مسلمات، مجردا عن التنوين، اتفاقا، والجمهور يكسرونه بلا تنوين، لأنها 6 وإن لم تكن للتمكن، فهي مشبهة لتنوين التمكن، فيكون على هذين القولين داخلا في عموم قوله: يبني على ما ينصب به،


(1) ص 83 من الجزء الأول (2) عنه أي عن المبرد في تعليل القول بالأعراب، (3) أي له أن يعتذر عن الرد بأن المعطوف مبني، (4) جزء من الآية 198 سورة البقرة، (5) وهو منقوض، أي القول ببناء جمع المؤنث على الكسر مع التنوين، (6) يتكرر في كلام الرضي التعبير عن التنوين وعن بعض الأدوات، مرة بالمذكر ومرة بالمؤنث وذلك جائز باعتبار ذلك لفظا، أو كلمة، ولكنه قد يجمع بين الأسلوبين في وقت واحد، وقد أصلحت ما سهل اصلاحه من ذلك، (*)

[ 158 ]

والمازني يفتحه بلا تنوين، نحو قوله: 244 - إن الشباب الذي مجد عواقبه * فيه نلذ ولا لذات للشيب 1 حذرا 2 من مخالفته في الحركة لسائر المبني بعد (لا) التبرئة، مما كان معربا بالحركة قبل دخولها، وهذا أولى مما قبله، طردا للباب على نسق واحد، واعلم أن الجار، إذا دخل على (لا) التبرئة، منع من بناء المنفي بعدها، نحو قولك: كنت بلا مال، وغضبت من لا شئ، وذلك لتعذر تقدير (من) بعدها، إذ لا يجوز: بلا من مال، وأيضا، فإن عمل (لا) إنما كان لمشابهتها (ان)، كمإ، يجيئ، وبتوسطها يبطل الشبه، لأن (إن) لا بدلها من التصدر، وربما فتح 3، نظرا إلى لفظ (لا)، فقيل: كنت بلا مال، وذلك كما بني مع (لا) الزائدة، نظرا إلى لفظها، كما أنشد الأخفش: 245 - لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها * إذن، للام ذوو أحسابها عمرا 4 فلا، زائدة، وقد اعتبرت فبني الاسم لها، فما ظنك بجواز البناء، مع عدم زيادتها، لكنه، مع ذلك، قليل، ونحو قوله تعالى: (لا تثريب عليكم 5)، عند سيبويه، وجمهور النجاة، الظرف بعد المنفي، لا يتعلق بالمنفي، وإلا كان مضارعا للمضاف فانتصب، كما في: لا خيرا من زيد عندنا، بل الظرف متعلق بمحذوف، وهو خبر المبتدأ كما في قولك: عليك تثريب، و (اليوم) معمول لعليكم، ويجوز العكس،


(1) هذا البيت من قصيدة لسلامة بن جندل السعدي، وهي إحدى المفضليات، وقبله: أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب * أودى وذلك شأو غير مطلوب (2) تعليل لما ذهب إليه المازني، (3) أي الاسم الواقع بعد لا المسبوقة بحرف الجر، وقوله فتح، أي بني على الفتح، (4) هذا من قصيدة للفرزدق في هجاء عمر بن هبيرة الفزاري وقبله: يا أيها النابح العاوي لشقوته * إليك، أخبرك عما تجهل الخبرا ومعنى بيت الشاهد: لو لم تكن غطفان مذنبة، لقام كبارها وذوو الرأي فيها بلوم عمر، ومنعه من التعرض لي، (5) الآية 92 سورة يوسف، (*)

[ 159 ]

وكذا قوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله 1)، اليوم خبر المبتدأ، (وقوله: من أمر الله، خبر مبتدأ محذوف، أي: العصمة المنفية من أمر الله، وهذه الجملة التبيينية لا محل لها، كما قلنا في سقيا لك، ان التقدير: هو لك، وإنما لم يكن للجملة المبينة محل، لأنها مستأنفة لفظا،) 2 أو قوله: من أمر الله متعلق بما دل عليه: لا عاصم، أي: لا يعصم من أمر الله، فلا تظنن أن مثل هذا الجار والمجرور متعلق بالمنفي، وإن أوهمت ذلك في الظاهر، بل مثله متعلق بمحذوف، وكل مصدر يتعدى بحرف من حروف الجر، يجوز جعل ذلك الجار خبرا عن ذلك المصدر، مثبتا كان أو منفيا، كما تقول: الاتكال عليك، وإليك المصير، ومنك الخوف، وبك الاستعانة، وما عليك المعول، وليس بك الالتجاء، ومنه: (لا تثريب عليكم)، وذلك لأن الخبر المقدر ههنا، أعني ما يتعلق به الجار، فيه معنى المبتدأ لتضمنه خبره، ولا يجوز مثل ذلك في اسم الفاعل، فلا تقول: بك مار، على أن (بك) خبر عن (مار)، فلذا قدرنا مدلول (لا عاصم) لقوله 3 (من أمر الله)، وتقول: لا مصليا في الجامع، إذا نفيت في الوجود من يوقع صلاته في الجامع، أي: ليس في الوجود من يصلي في الجامع، ويجوز أن يكون مستقرا في الجامع من يصلي في غيره، وإذا قلت: لا مصلي في الجامع، فالمعنى: ليس في الجامع مصل، سواء صلي في الجامع أو في غيره، هذا وحكى أبو علي عن البغداديين أنهم يجوزون كون الظرف والجار في: لا آمر


(1) الآية 43 سورة هود، وتقدمت (2) جاءت العبارة التي بين القوسين في النسخة المطبوعة وجاء بعدها عبارة وقوله من أمر الله، وهي ليست في بعض النسخ كما في تعليقات الجرجاني، وكان إصلاح (وقوله) إلى (أو قوله) مفيدا، ليكون وجها آخر، (3) أي ليتعلق به الجار والمجرور وهو: من أمر الله، (*)

[ 160 ]

بالمعروف، ولا عاصم اليوم من أمر الله، من صلة المنفي، وفيه نظر، لأن المضارع للمضاف لا يبني، وذهب ابن مالك، إلى أن مثل هذا مضارع 1 معرب، لكنه انتزع تنوينه، تشبيها بالمضاف، قوله: (وإن كان معرفة أو مفصولا بينه وبين لا، وجب التكرير والرفع)، اعلم أن (لا) التبرئة إنما تعمل لمشابهتها لان، ووجه المشابهة أن: (إن) للمبالغة في الأثبات، إذ معناها التحقيق لا غير، و (لا) التبرئة للمبالغة في النفي، لأنها لنفي الجنس 2، فلما توغلتا في الطرفين، أعني في النفي والأثبات، تشابهتا، فأعملت عملها، وعملها مع هذه المشابهة المذكورة ضعيف لوجهين: أحدهما أن أصلها التي هي (إن)، إنما تعمل لمشابهتها الفعل، لا بالأصالة، فهي مشبهة بالمشبهة، والثاني أن الظاهر أن بين (إن) و (لا) التبرئة تنافيا وتناقضا، لا مشابهة ولا مقاربة، فعلى هذا نقول: إنما لم تعمل في المعرفة، لأن وجه المشابهة، وهو كونها لنفي الجنس لم يمكن حصوله فيها مع دخولها على المعرفة، إذ ليست المعرفة لفظ جنس، حتى ينتفي الجنس بانتفائها، وكذا، لم تعمل في المفصول بينه وبينها، لما ذكرنا من ضعف عملها، فلا تقدر على العمل في البعيد عنها، وكما، لم يجز العمل في المفصول، لم يجز بناؤه أيضا، لأن الموجب للبناء، تضمن (من) الاستفراقية، ودليل تضمنها: (لا) التبرئة، فلما بعد دليلها ضعف أمر التضمن، ومن قال: إن الفتحة إعرابية، قال: إنما حذف التنوين بعد التركيب دلالة على التركيب، وقد انتفى التركيب بالفصل،


(1) أي مضارع للمضاف وهو معرب، (2) أشرت عند تفسير قولهم: لا التبرئة، أن معناه أنها برأت جنس الاسم عن الاتصاف بالخبر، وهذا اصطلاح منهم، (*)

[ 161 ]

وقيل: إنما لم يبن مع الفصل، لأنهما لما مزجا، تعدى البناء من (لا) إلى المنفى بسبب التركيب، فإذا انتفى التركيب، انتفى تعدي البناء إليه، ثم نقول: ويجوز، لما ذكرنا من ضعف عملها، أن تلغيها مع كون المنفي نكرة غير مفصولة، ويجب في المواضع الثلاثة التي ألغيت فيها (لا)، إما وجوبا، كما في المعرفة والمفصول، وإما جوازا، كما في النكرة المتصلة، تكرير 1 (لا)، ولا يجب ذلك إذا أعلمتها، أو بنيت اسمها، وذلك لأن المقصود قيام القرينة على كونها لنفي الجنس، وعملها عمل (إن) أو بناء اسمها كاف في هذا الغرض، إذ لا يكونان إلا مع (لا) التبرئة، أما إذا ألغيت، فإنه جعل تكريرها منبها على كونها لنفي الجنس في النكرات، لأن نفي الجنس هو تكرير النفي في الحقيقة، وأما في المعارف، فالتكرير جبران لما فاتها من نفي الجنس الذي لا يمكن أن يحصل في المعرفة، وأجاز أبو العباس 2، وابن كيسان 3، عدم تكرير (لا) في المواضع الثلاثة، أما مع المعرفة فنحو: لا زيد في الدار، وقولهم: لا نولك أن تفعل كذا، وأما مع المفصول فنحو: لا فيها رجل، قال: 246 - بكت جزعا واسترجعت ثم آذنت * كتائبها أن لا إلينا رجوعها 4 وأما مع المنكر المتصل، فنحو: لا رجل في الدار، قال: 247 - وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا * حياتك لا نفع وموتك فاجع 5


(1) فاعل قوله: ويجب في المواضع الثلاثة، (2) أي المبرد، وهذه كنيته وتقدم ذكره، (3) وكذلك ابن كيان تقدم ذكره في هذا الجزء والذي قبله، (4) قال البغدادي إنه من أبيات سيبويه التي لم يعرف لها قائل، والبيت في سيبويه ج 1 ص 355، (5) نقل البغدادي عن شراح شواهد سيبويه، أن هذا البيت لرجلمن بني سلول، لم يذكروا اسمه ثم نقل عن الحصري وغيره نسبته إلى الضحاك بن هشام، ثم قال: وزاد الحصري بعده بيتين، أحدهما قوله: وفيك خصال صالحات يشينها * لديك جفاء عنده الود ضائع (*)

[ 162 ]

ومثله قولهم: لا سواء، وقوله: من صد عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا براح 1 - 80 وقوله: 248 - تركتني حين لا مال أعيش به * وحين جن زمان الناس أو كلبا 2 وأجيب بأن قولهم: لا نولك أن تفعل كذا، بمعنى: لا ينبغي لك أن تفعل فهي في المعنى، هي الداخلة على المضارع، وتلك لا يلزم تكريرها، والنول، مصدر بمعنى التناؤل، وهو ههنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك ومأخوذك هذا الفعل، أي لا ينبغي لك أن تأخذه وتتناوله، وبشذوذ 3 قوله: أن لا إلينا جوعها، ولا نفع، ولا براح، ولا مستصرخ 4، ولا مال، وقولهم: لا سواء، أو بكون (لا) في: لا سواء عوضا من المبتدأ المحذوف، إذ لا يقال: هما لا سواء، على ما ذهب إليه سيبويه، 5 وأما وجوب حذف المبتدأ فلكثرة الاستعمال، أو بأن: لا براح، ولا مستصرخ، ولا مال، بمعنى: ليس، وقد ذكرنا في المرفوعات أنه لم يثبت اعمال (لا) عمل ليس 6، والأولى حمل ذلك كله على الضرورة والشذود، وإلا فهو تحكم،


(1) من الأبيات التي قالها سعد بن مالك من بني قيس يعرض فيها بالحارث بن عباد الذي قعد عن المشاركة في الحرب، وقد أشرنا إليها عند الشاهد رقم 212 في هذا الجزء، (2) من أبيات لأبي الطفيل، عامر بن وائلة الصحابي، في رثاء ابنه، الطفيل، يقول فيها: فإن سلكت سبيلا كنت سالكها * ولا محالة أن يأتي الذي كتبا فما لفظتك من ري ولا شبع * ولا ظللت لباقي العيش مرتقبا (3) معطوف على قوله: وأجيب بأن قولهم... وكذلك ما يأتي بعده، (4) هذا في سيبويه ج 1 ص 357، وليس من الأمثلة التي ذكرها الرضي، ولعله في بعض النسخ (5) عبارة سيبويه: ألا تري أنك لا تقول: هذان لا سواء.. ج 1 ص 357، (6) في هذا الموضع اضطراب في النسخ أمكن بتوفيق الله اصلاحه إلى ما أثيتناه، (*)

[ 163 ]

فعلى هذا نقول: يجب في الاختيار، تكرير (لا) المهملة الداخلة على غير لفظ الفعل، إلا في موضعين، أحدهما أن تكون داخلة على الفعل تقديرا، وذلك إذا دخلت على منصوب بفعل مقدر، نحو: لا مرحبا، أي: لا لقيت مرحبا، أو لا رحب موضعك، ولا أهلا، أي: لا أتيت أهلا، ولا سهلا، أي: لا وطئت سهلا، ولا نعمة، أي: لا نعمت عينك نعمة، وكذا، لا مسرة، ولا كرامة، أو إذا دخلت على اسمية بمعنى الدعاء، نحو لا سلام عليك، ولا بك السواء، لأن الدعاء بالفعل أولى وأكثر، لأنه في الأصل أمر أو نهى، فكأنه قيل، لا سلمت سلاما، كما ذكرناه في أول المبتدأ، ولا أصابك السوء 1، أو إذا دخلت على (نولك) نحو: لا نولك أن تفعل كذا، أي لا ينبغي كما مر، وإنما لم تكرر (لا) بمعنى (غير) مع أحد ثلاثة شروط: أحدها أن تدخل على لفظ (شئ)، سواء انجر بالاضافة، نحو: هو ابن لا شئ، أو بحرف الجر، أي حرف حرف كان، نحو: كنت بلا شئ، وغضبت من لا شئ، وما أنت إلا كلا شئ، وخلقت من لا شئ، أو انتصب نحو: انك ولا شيئا سواء، أو ارتفع، نحو أنت لا شئ، وثانيها أن ينجر ما بعد (لا) بباء الجر قبلها، نحو: كنت بلا مال، ولا ينجر، إذا لم يكن لفظ شئ، إلا بها من بين حروف الجر، ولم يثبت انجراره بالاضافة، وأما قول جرير: 249 - ما بال جهلك بعد الحلم والدين * وقد علاك مشيب حين لا حين 4


(1) هو تفسير للمثال الذي ذكره، بمعناه وإلا فالمناسب أن يكون تقديره مثلا: لا لحق بك السوء،. (2) الآية 31 سورة القيامة، (3) أي ثاني الموضعين اللذين لا يجب فيها تكرار (لا)، (4) هذا مطلع قصيدة لجرير، وهي في هجاء الفرزدق، وبعد المطلع: (*)

[ 164 ]

فالأولى أن (لا) زائدة، كما في قوله: 250 - في بئر لا حور سرى وما شعر 1 أي: علاك الشيب في وقت: وقت الشيب، أي لم تشب قبل أوانه، أي في وقت يكون في أثنائة وقت الشيب، والأول، أي الوقت الأول 2: من الثلاثين إلى ما فوقها، مثلا، فأضاف الأول إلى الثاني لاشتماله عليه، وقال أبو علي: (لا) غير زائدة، على تأويل: وقت لا وقت اللهو، كما فوق الثلاثين، وأما قول الشاعر: 251 - حنت قلوصي حين لا حين محن 3 فحين، الأول، مضاف إلى الجملة، أي: حين لا حنين حاصل، وثالثها 4: أن يعطف ما بعد (لا) على المجرور بغير، كقوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين 5)، وقولك: زيد غير الفارس ولا الشجاع، ولا يجوز: أنت غير زيد ولا عمرو، قالوا: لأنهم 6 راعوا صورة (لا) غير مجعولة بمعنى (غير) فإنها يلزم تكريرها مع العلم،


= للغانيات وصال لست قاطعه * على مواعيد من خلف وتلوين وقد كتب البغدادي على الشاهد الذي بعده قبل أن يكتب عليه، وذلك راجع إلى ما أشرنا إليه كثيرا من اختلاف نسخ هذا الشرح، فكأن الرضي ذكر في بعض النسخ، الشاهد الآتي، قبل أن يذكر هذا الشاهد، وإن كان سياق الكلام يرجح هذا الترتيب للشاهدين المذكورين، (1) هذا من أرجوزة طويلة للعجاج في مدح عمر بن عبيد الله، وكان قد وجهه عبد الملك بن مروان لقتال بعض المتمردين من الخوارج، أولها: قد جبر الدين الاله فجبر، والفعل: جبر، الثاني، لازم، مطلوع للأول المتعدي، أي جبره فانجبر، والحور: المهلكة التي يهلك فيها السائر، (2) قصده: الأول من لفظي الوقت المذكورين في تفسيره لمعنى البيت، (3) المحن مصدر ميمي بمعنى الحنين، أي حين لا وقت حنين، قال البغدادي: هو من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل، وهو في سيبويه ج 1 ص 358 (4) أي ثالث الشروط التي يجب أن يتحقق أحدها لعدم تكرير (لا)، (5) آخر سورة الفاتحة، (6) هذا تعليل لعدم جواز المثال: أنت غير زيد ولا عمرو، (*)

[ 165 ]

وأما المعرف باللام فإن التعريف فيه غير مقصود قصده، فهو في حكم المنكر، ويجوز عدم تكريرها مع المنكر قبل جعلها بمعنى (غير)، نحو: لا رجل ولا غلام رجل بخلاف العلم، وأما المعرف باللام مع (لاء) التبرئة، فلا بد معه من تكريرها في نحو: لا الرجل في الدار ولا المرأة، استضعف هذا التعريف بعد خروج (لا) إلى معنى (غير)، ولضعفها أيضا بهذا الخروج، فجوز عدم تكريرها، نحو: أنت غير الفارس ولا الشجاع، وألزمت التكرير قبل خروجها لقوتها، هذا، وإن كانت (لا) بمعنى (غير)، مجردة عن هذه الشروط، لزم تكرارها، أيضا، نحو قوله تعالى: (... إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب) 1، وقولك: زيد لا راكب ولا ماش، وجاءني زيد لا راكبا ولا ماشيا، وأما قول العوام: أنا لا راكب، واللا إنسان أعم من اللاحيوان فغير مستند إلى حجة، وجواز ترك التكرير مع الشرط الأول، معلل بكثرة استعمال (لا) مع شئ، وهو 2 مع الشرط الثاني معلل ببعد (لا) عن أصلها أعني كونها للتبرئة، وذلك بتعذر تقدير (من) الاستفراقية بعد (لا)، لتعذر دخول حرف الجر على حرف الجر، فلذا جاز: جئت بلا زيد، من غير تكرير مع العلم، وهو مع الشرط الثالث معلل بكونها كالمكررة، لأن (غير) بمعناها، ونعني بكون (لا) بمعنى (غير)، كونها لنفي الاسم الذي بعدها، كغير، فلا يكون لها صدر الكلام، وبكونها للتبرئة: أنها لنفي مضمون الجملة فيلزمها التصدر، واعلم أنه قد يؤول العلم المشتهر ببعض الخلال، بنكرة 3، فينتصب بلاء 4 التبرئة،


(1) الآيتان 30، 31 سورة المرسلات، (2) أي ترك التكرير، أو جواز ترك التكرير، وكذا فيما بعده، (3) متعلق بقوله: قد يؤول العلم، (4) تقع كلمة (لا) في كلام الرضي كثيرا بهمزة في آخرها، ووجهه أنه قصد لفظها وأعربها، فزيدت في = (*)

[ 166 ]

وينزع منه لام التعريف إن كانت فيه، نحو: لا حسن، في: الحسن البصري، وكذا: لا صعق، في الصعق 1، أو مما أضيف إليه 2، نحو: لا امرأ قيس، ولا ابن زبير، ولا تجوز هذه المعاملة في لفظتي: عبد الله، وعبد الرحمن، إذ (الله) و (الرحمن)، لا يطلقان على غيره تعالى حتى يقدر تنكيرهما، قال: 252 - أرى الحاجات عند أبي خبيب * نكدن ولا أمية في البلاد 4 ولتأويله بالمنكر وجهان: إما أن يقدر مضاف هو (مثل) فلا يتعرف بالاضافة لتوغله في الأبهام، وإنما يجعل في صورة المنكر بنزع اللام، وإن كان المنفي في الحقيقة هو المضاف المذكور الذي لا يتعرف بالأضافة إلى أي معرف كان، لرعاية اللفظ وإصلاحه، ومن ثم قال الأخفش: على هذا التأويل يمتنع وصفه، لأنه في صورة النكرة، فيمتنع وصفه بمعرفة، وهو معرفة في الحقيقة، فلا يوصف بنكرة، وإما أن يجعل العلم 5 لاشتهاره بتلك الخلة، كأنه اسم جنس موضوع لأفادة ذلك المعنى، لأن معنى قضيته ولا أبا حسن لها: لا فيصل لها، إذ هو، كرم الله وجهه، كان فيصلا في الحكومات، على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقضاكم علي)، فصار


= آخرها ألف للتضعيف وقلبت همزة، كما هو حكم كل ثنائي الوضع إذا انتقل إلى الاسمية وقصد اعرابه، (1) الصعيق: هو خويلد بن نفيل من بني كلاب كان قد أصيب بضربة في رأسه جعلته يصعق كلما سمع صوتا قويا، وقيل في سبب تسميته غير ذلك، (2) أي أو ينزع اللام مما أضيف إليه (3) شطر من الرجز نسبه الفراء إلى رجل من بني دبير، وهيثم: اسم رجل كان مشهورا بحسن حداء الأبل وحسن رعايتها، ورووا بعده: ولا فتى مثل ابن خيبري، وقالوا: المراد بابن خيبري: جميل بثينة، (4) أبو خبيب بصيغة المصغر، هو عبد الله بن الزبير بن العوام وقائل الشعر هو عبد الله بن الزبير، بفتح الزاي، الأسدي، وفد على ابن العوام قاصدا عونه فلم يستجب له فخرج من عنده يقول شعرا منه هذا البيت، (5) الوجه الثاني من وجهي التأويل، (*)

[ 167 ]

اسمه، رضي الله عنه، كالجنس المفيد لمعنى الفصل والقطع، كلفظ الفيصل، وعلى هذا يمكن وصفه بالمنكر، وهذا كما قالوا: لكل فرعون موسى، أي: لكل جبار قهار، فيصرف فرعون، وموسى، لتنكيرهما بالمعنى المذكور، وجوز القراء إجراء المعرفة مجرى النكرة بأحد التأويلين، في الضمير واسم الأشارة أيضا، نحو: لا إياه هنا، أو: لا هذا، وهو بعيد غير مسموع، (تكرار لا) (وأوجه الاعراب فيها) (قال ابن الحاجب:) (وفي مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، خمسة أوجه:) (فتحهما: ونصب الثاني، ورفعه، ورفعهما، ورفع الأول) (على ضعف ويكون لا، بمعنى ليس، وفتح الثاني)، (قال الرضي:) يعني إذا كررت (لا)، مع أن عقيب كل منهما 1 بلا فصل: نكرة، جاز في المجموع خمسة أوجه: الأول: فتحهما، ووجهه الن تجعل (لا) في الموضعين للتبرئة، فتبني اسميها، كما لو انفردت كل منهما عن صاحبتها، ويجوز، على مذهب سيبويه 2، أن تقدر بعدهما


(1) تثنية الضمير في منهما باعتبار أن التكرار معناه ذكر الشئ مرتين، أو أكثر، (2) انظر سيبويه ج 1 ص 349، (*)

[ 168 ]

خبرا لهما معا، أي: لا حول ولا قوة لنا، أي موجودان لنا، لأن مذهبه أن (لا) المفتوح اسمها، لا تعمل عمل (إن) في الخبر، فهما في موضع الرفع، فلا قوة، معطوف على مبتدأ، والمقدر مرفوع بأنه خبر المبتدأ، لا خبر (لا)، فيكون الكلام جملة واحدة، نحو: زيد وعمرو ضاربان، ويجوز، أيضا، عنده، أن تقدر لكل واحد منهما خبرا، أي لا حول موجود لنا، ولا قوة موجودة لنا، فيكون الكلام جملتين، وأما على مذهب غيره، وهو أن (لا) المفتوح اسمها عاملة في الخبر عمل (إن) فيه، كما عملت (لا) المنصوب اسمها فيه، فيجوز، أيضا، أن تقدر لهما خبرا واحدا، وذلك الخبر يكون مرفوعا بلا، الأولى، والثانية معا، وهما، وإن كانا عاملين، إلا أنهما متماثلان، فيجوز أن تعملا في اسم واحد عملا واحدا، كما في: إن زيدا وإن عمرا قائمان، كأنهما، فيجوز أن تعملا في اسم واحد عملا واحدا، كما في: إن زيدا وإن عمرا قائمان، كأنهما شئ واحد، وإنما الممتنع أن يعمل عاملان مختلفان في حالة واحدة، عملا واحدا في معمول واحد، قياسا على امتناع حصول أثر واحد من مؤثرين،. ويجوز، أيضا، عندهم أن تقدر لكل واحد منهما خبرا على حياله، والثاني: فتح الأول ونصب الثاني، على أن تكون (لا) الثانية زائدة لتأكيد نفي الأولى، كما في قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو، فكأنك قلت: لا حول وقوة، كقوله: 254 - فلا أب وابنا مثل مروان وابنه * إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا 1 على ما يجيئ، فلا يجوز، عند سيبويه: أن تقدر لهما خبرا واحدا بعدهما لأن خبر: لا حول، مرفوع عنده بالابتداء، وخبر: قوة، مرفوع بلا، لأن الناصبة لاسمها عاملة عنده في الخبر، وفاقا لغيره، فيرتفع الخبر بعاملين مختلفين ولا يجوز، فيجب أن تقدر لكل منهما خبرا على حياله، وعند غيره يجوز تقدير خبر واحد لهما، لأن العامل فيه عندهم، إذن، (لا) وحدها، ويجوز أن تقدر عندهم لكل خبرا،


(1) المراد: مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، والبيت غير منسوب لأحد، غير ما نقله البغدادي عن ابن هشام أنه لرجل من بني عبد مناة، وعده بعضهم من أبيات سيبويه التي لا يعرف قائلها، وهو في سيبويه، ج 1 ص 349، (*)

[ 169 ]

والثالث: فتح الأول ورفع الثاني، على أن (لا) زائدة، كما في الوجه الثاني، إلا أن العطف ههنا على المحل، كما يجيى في: لا أب وابن، فعند سيبويه: يجوز أن تقدر لهما معا خبرا واحدا، أي: لا حول وقوة موجودان، لكونه خبر المبتدأ، وعند غيره، لا بد لكل واحد من خبر منفرد، لئلا يجتمع الابتداء ولفظ (لا) في رفع الخبر، ويجوز أن تجعل (لا) غير زائدة، بل لنفي الجنس، لكن تلغيها عن العمل، لما ذكرنا قبل من جواز الغائها مع كونه اسمها نكرة غير مفصولة، لضعف (لا) في العمل، وقد حصل ههنا شرط الألغاء، كما تقدم، وهو تكرير (لا)، لأن التكرير حاصل سواء ألغيت الأولى والثانية معا، كما في: لا حول ولا قوة، أو ألغيت الأولى دون الثانية، كما في: لا حول ولا قوة، على ما يجيئ بعيد، أو ألغيت الثانية دون الأولى، كما في مسألتنا، وهي: لا حول ولا قوة، وتقدير الخبر مع جعل الثانية (لا) التبرئة، مثله مع جعلها زائدة، سواء ، ولا نقول إن (لا) الثانية ههنا تعمل عمل (ليس)، كما قال بعضهم، لما قدمنا: أنه لم يثبت في كلامهم عمل (لا) عمل (ليس)، بل لم يرووا: الا كون الاسم بعدها مرفوعا والخبر محذوف، نحو: لا براح، ولا مستصرخ فظنوا أنها عاملة عمل ليس، والحق أنها (لا) التبرئة، ملغاة، لم تكرر للضرورة، 1 والرابع: رفعهما على ما ذكرنا أنه يجوز الغاء (لا) التبرئة لضعف عملها، ويلزمها التكرار، كما تقدم، فيكون الاسمان مرفوعين بالابتداء و (لا) الثانية إما زائدة، كما في الوجه الثاني وإما ملغاة غير زائدة، كلا، الأولى، ومذهب سيبويه وغيره في تقدير الخبر، في هذا الوجه، واحد، إذ لا عامل ههنا إلا الابتداء فقط، فإما أن تقدر لكل واحد منهما خبرا، والكلام جملتان، أو تقدر لهما معا خبرا واحدا، والكلام جملة واحدة، والخامس: رفع الأول وفتح الثاني، على أن (لا) الأولى للتبرئة لكنها ملغاة، لما


(1) تقدم هذا مستوفي في الجزء الأول في باب اسم ما ولا، وأعاده في هذا الجزء قبل قليل، (*)

[ 170 ]

ذكرنا من جواز ذلك، لضعفها، وقد حصل شرط الألغاء، وهو التكرير، ولا يلزم من تكرير (لا) أن يتواق الاسمان بعدهما 1 في الأعراب، إذ التكرير هو الشرط فقط،. وقد حصل، كما ذكرنا، فإذا تقرر هذا، فلا حاجة بنا إلى ما ذكر المصنف من قوله: ورفع الأول، على ضعف لكونها بمعنى ليس، فانا لا نضعف هذا الوجه، بل هو مثل الوجه الثالث والرابع سواء، في حصول التكرير، وتطابق الاسمين إعرابا، ليس بشرط، و (لا) في الجميع للتبرئة، ألغيت، فلم يبق فيها النصوصية 2، على الاستفراق، وتقدير الخبر في هذا الوجه، كما في الثالث، سواء، على المذهبين، (دخول الهمزة على لا) (وأثر ذلك) (قال ابن الحاجب:) (وإذا دخلت الهمزة لم تغير العمل، ومعناها: الاستفهام) (والعرض، والتمني)، (قال الرضي:) قال الأندلسي: لا أعرف أحدا يقول: تلحق ألف الاستفهام أداة النفي فتكون لمجرد الاستفهام، بل، لا بد أن تكون إما زائدة للأنكار، أو للتوبيخ، أو للتمني أو للعرض،


(1) أي بعد الأداتين المكررتين، كما تقدم مثله في أول هذا البحث، (2) أي الدلالة القاطعة على الاستغراق، وهي كلمة مولدة ومعناها كون الشئ دالا على معنى لا يحتمل التأويل، وهي من قبيل المصادر الصناعية، (*)

[ 171 ]

وهذا الذي قاله مخالف لظاهر قول سيبويه، لأنه قال 1: اعلم أن (لا) في الاستفهام أو العرض، تعمل فيما بعدها، كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر، فمن ذلك قول حسان: 255 - ألا طعان ألا فرسان عادية * الا تجشؤكم حول التنانير 2 وفي مثل: ألا قماص بالعير 3، يضرب لمن ذل بعد عزة، فمعنى الاستفهام فيما ذكر من الشعر والمثل ظاهر، ولم يذكر سيبويه أن حال (الا) في العرض كحاله قبل الهمزة، بل ذكره السيرافي، وتبعه الجزولي والمصنف، ورد ذلك الأندلسي وقال: هذا خطأ، لأنها إذا كانت عرضا، كانت من حروف الأفعال كإن ولو، وحرف التحضيض، فيجب انتصاب الاسم بعدها في نحو: ألا زيدا تكرمه، وأما إذا كان (ألا) بمعنى التمني، كقوله: 256 - ألا سبيل إلى خمر فأشربها * ألا سبيل إلى نصر بن حجاج 4 فالمازني والمبرد، قالا: حكمها حكم المجردة، فيجوز عندهما، العطف والوصف على الموضع، نحو: ألا مال كثير، أنفقه، و: ألا ماء وخمرا أشربهما، وخبرها عندهما إما ظاهر أو مقدر، كما في المجردة،


(1) عبارة سيبويه في ج 1 ص 358، ليس فيها ذكر العرض، والشارح نفسه سينيه على ذلك، (2) من أبيات لحسان بن ثابت الأنصاري في هجاء بني الحارث بن كعب يقول فيها: حار بن كعب ألا أحلام تزجركم * عني وأنتم من الجوف الجماخير لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ * جسم البغال وأحلام العصافير (3) المعروف في المثل: لا قماص بالعير، والقماص بضم القاف وبكسرها ما يبديه الحيوان من حركات تدل على نشاطه وقوته، فمعنى المثل: اخبار بأنه أصبح لا يستطيع ذلك، (4) لهذا البيت وما يتصل به قصة حدثت في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وامتلأت بها كتب الأدب، وصاحبة الشعر امرأة سمعها عمر، وهو يمر ليلا، وهي تتغني بهذا الشعر وقد أطلقوا على هذه المرأة اسم: المتمنية، واستدعى عمر، نصر بن حجاج فوجده جميل الصورة فنفاه، وقد أورد البغدادي هذه القصة بروايات مختلفة، وذكر ما لقيه نصر بن حجاج بسبب جماله من نفي وتشريد، (*)

[ 172 ]

واختار المصنف والجزولي مذهبهما، وقال سيبويه: لا يجوز حمل التابع على الموضع، ولا خبر لها، إذ التمني يغنيها عن الخبر، ويصير معنى اسمها معنى المفعول، فمعنى ألا غلام: أتمنى غلاما، فلا تحتاج إلى خبر، لا ظاهر ولا مقدر، فهو كقولهم: اللهم غلاما، أي: هب لي غلاما، وأما ما يلي (لا) أي اسمها فلا خلاف بينهم أن لفظه على ما كان عليه قبل الهمزة، من النصب في المضاف والمضارع له، والبناء في المفرد المنكر، وأما قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا * يدل على محصلة بليت 1 - 158 والبيت مضمن 2، فقال يونس: نونه ضرورة، وقال الخليل: ألا، حرف تحضيض، كهلا، وسيذكر في قسم الحروف، والفعل محذوف، أي: هلا ترونني رجلا، وروي الألغاء في (ألا) التي للتمني، نحو: ألا رجل جزاه الله خيرا، وروي: ألا رجل بالجر، أي: ألا من رجل، (النعت والعطف) (بعد اسم لا) (قال ابن الحاجب:) (ونعت المبني الأول، مفردا يليه: مبني، ومعرب رفعا ونصبا)


(1) تقدم هذا البيت في الجزء الأول من هذا الشرح في باب المنصوب على شريطة التفسير، وهو لأعرابي أراد أراد أن يتزوج فقال أبياتا، هذا أولها وبعده: ترجل لمي وتقم بيتي * وأعطيها الاتاوة إن رضيت (2) أي أن معناه مرتبط بالبيت الذي بعده ووتبين مما سبق أن البيت التالي له يتضمن خبر قوله تبيت، والتضمين من عيوب الشعر، (*)

[ 173 ]

(نحو: لا رجل ظريف، وظريفا وظريف، والا فالاعراب،) (والعطف على اللفظ وعلى المحل جائز، مثل: لا أب وابنا)، (قال الرضي:) قوله: نعت، مبتدأ، و: الأول، صفته، و: مبني: خبره، وقوله: مفردا، يليه، حالان من الضمير في (مبني)، والعامل: مبني، أي: يبني النعت إذا ولى مبني (لا) وكان فردا، وإنما جاز بناء النعت المذكور، مع انفصاله عن (لا)، التي هي سبب البناء، إذ بها يقوم معنى الاستفراق الموجب لتضمن (من)، لاجتماع 1 ثلاثة أشياء فيه: أحدها كونه في المعنى هو المبني الذي وليها، أعني اسم (لا)، وفي اللفظ متصلا به ، والثاني كون النفي في المعنى داخلا فيه، لأن المنفي في قولك: لا رجل ظريف، هو الظرافة لا الرجل، فكأن (لا) دخلت عليه، فكأنك قلت: لا ظريف، فلذا، لم تبن صفة المنادى في نحو: يا زيد الظريف، لأن النداء متعلق بالموصوف، والثالث قربه من (لا) التي هي سبب البناء، إذ الفاصل بينهما ليس إلا واحدا هو هو 2، فلبناء النعت أربع شرائط: أن يكون نعت المبني بلا، لا نعت المعرب، احترازا عن نحو: لا غلام رجل ظريفا، وأن يكون النعت الأول، لا الثاني وما بعده، فلا يبنى (كريم) في نحو: لا رجل ظريف كريم، وأن يلي النعت المبني، فلا يفصل بينهما، فلا يبنى الوصف في نحو: لا رجل حسن الوجه 3، وإنما لو يبن نعت المعرب، لانتفاء الوجه الأول والثالث فيه، من الأوجه الثلاثة


(1) علة جواز البناء في النعت، (2) أي هو اسم لا في المعنى لأنهما شئ واحد، (3) هكذا ورد المثال في المطبوعة، وكأنه محرف عن: لا رجل في الدار حسن الوجه مثلا حتى يتحقق فيه ما قال من أنه لا يبنى المفصول، (*)

[ 174 ]

المذكورة، 1 إذ ليس هو المبني بلا، وأيضا، بعد منها، ولم يبن النعت الثاني وما بعده لانتفاء الأول 2 والثالث، ولانتفائهما لم يبن النعت المفصول من المبني بغير النعت أيضا، وإنما لم يبن النعت المضاف، والمضارع له، لأنهما لا يبنيان إذا وليا (لا) اسمين لها فكيف يبنيان بجريهما مجرى اسمها ؟ ولا نقول في هذا النعت المبني إنه مركب مع المنعوت كخمسة عشر، لأنه يحتاج، إذن، في دفع الاعتراض الوارد في جعل ثلاث كلمات، كلمة واحدة إلى تكلفات مستهجنة، وقال ابن برهان، والسيرافي، تفصيا 3 من هذا، ليست (لا) في هذا الموضع خاصة، مركبة مع المنفي، بل هي داخلة على الموصوف المركب مع صفته، تعمل في محلهما، كما تعمل في خمسة عشر، إذا قلت: لا خمسة عشر، ولنا مندوحة، على ما ذكرنا، من ارتكاب تركب (لا) مع المنفي في هذا الموضع وفي غيره، وعن تركب المنفي ههنا مع نعته، قوله: (ومعرب رفعا ونصبا)، سواء كانت الصفة مفردة أو مضافة أو مضارعة لها، وقال يحيى بن معط 4: صفة المبني المضافة، منصوبة لا غير، نحو: لا عبد كريم الحسب، ولعله قاسها على صفة المنادى المبني المضموم مضافة، ولفارق أن يفرق، بأن (يا) لو باشرت المضاف، لم يكن فيه إلا النصب فلزمه النصب لما وقع صفة ما باشرته، ويجوز في المضاف الذي باشرته (لا) رفعه، وذلك إذا كررت (لا)، نحو: لا غلام


(1) أي الشروط المذكورة، (2) المراد: الأول في كلام ابن الحاجب وهو كونه النعت الأول، وهو الثاني في كلام الرضي، (3) أي تخلصا مما أشار إليه الشارح من التكلف المستهجن في دفع الاعتراض الوارد على تركيب ثلاثة أشياء، (4) هو زين الدين يحيى بن معط من علماء النحو البارزين وهو الذي أشار إليه ابن مالك في مقدمة ألفيته، وأحد من شرحوا كتاب سيبويه وقال السيوطي في بغية الوعاة أنه بدأ في نظم صحاح الجوهري ولم يكمله، توفي سنة 628 ه، (*)

[ 175 ]

رجل في الدار ولا غلام امرأة، فلم يلزمه النصب لما وقع صفة ما باشرته، وأيضا، الضم في المنادي بنائي، فكان حمل وصفه، المضاف، الذي يجب نصبه لو وقع منادى، على النصب الذي هو حركته الأعرابية، واجبا، بخلاف المنفي بلا، فإن الفتح فيه بنائي على قول، واعرابي ضعيف على آخر، والرفع اعرابي فكان حمل وصفه المضاف، الذي لا يمتنع رفعه لو وقع منفيا، على الرفع الذي هو حركته الأعرابية جائزا، وذهب ابن برهان إلى أن اسم (لا) إذا انتصب بكونه مضافا أو مضارعا له، لم يجز رفع وصفه، بل الواجب نصبه كالموصوف، وإلى هذا ذهب المصنف، كما مر في خبر (لا) التبرئة، 1 ومذهب ابن برهان، أيضا، أن رفع وصف مبنى (لا) في: لا غلام ظريف،. ليل على أن (لا) غير عاملة في محل الاسم ولا في الخبر، بل هي ملغاة، والخبر المقدر مرفوع بكونه خبر المبتدأ، إذ لو عملت النصب في المبتدأ، وهي مغيرة معنى الكلام لكانت كليت، ولعل، وكأن ونحوها فلم يجز رفع وصف اسمها، كما لم يجز رفع أوصاف أسماء تلك، لانتفاء معنى الابتداء معها كلها، ولقائل أن يفرق بين (لا) وبين ليت ولعل ونحوها، بضعف عمل (لا)، ألا ترى أنه يبطل بالفصل، وبدخولها على المعرفة، وبجواز الألغاء مع التكرير، ومن دونه أيضا، على رأي المبرد، فهي عامل ضعيف، تعمل لمشابهتها بالمشبهة، أعني (إن)، مشابهة ضعيفة، فلا جرم، يجوز اعتبار اسمها الأصلي 2، أعني الرفع، فعلى هذا يجوز: لا غلام أو: لا غلام رجل ظريف أو حسن الوجه، فيرفع وصف المنفي، مضافا كان المنفي أو مفردا، ومضافا كان الوصف أو مفردا، هذا، والأعراب في النعت المذكور أكثر من البناء، وإنما جاز الرفع، حملا على المحل، بل كان هو القياس، لأن التوابع تتبع متبوعاتها


(1) ص 290 من الجزء الأول، (2) أي اعتبار محله، (*)

[ 176 ]

في الأعراب، لا في الحركة البنائية، نحو: جاءني هؤلاء الكرام بالرفع، وإنما جاز النصب حملا على الحركة البنائية لمشابهتها الأعرابية بعروضها مع عروض (لا)، وزوالها بزوالها، فكأنها عاملة محدثة لها، كما مر في نحو: يا زيد الظريف، ويجوز أن نقول: إن النصب في الصفة، حملا على محل اسمها المنصوب، لأنها تعمل عمل (ان) فمحل اسمها المبني: رفع ونصب، قوله: (والعطف على اللفظ وعلى المحل جائز)، لما قلنا في الصفة، سواء، هذا إذا لم يكن المعطوف معرفة، فإن كان معرفة فرفعه واجب، نحو: لا غلام لك والعباس، وكذا في سائر توابع المنفي المبني، ومن قال: رب شاة وسخلتها 1، لم يمنع نحو: لا غلام لك وأخاه، لأن مثل هذا المضاف نكرة، كما يجيى في باب المعرفة، ولا يجوز البناء في المعطوف، كما جاز في الوصف، لانتفاء مصحح البناء، وهو ما ذكرنا من اجتماع الأمور الثلاثة، فلا يجوز: لا أب وابن، كما قلت في النداء: يا زيد وعمرو، وذلك لضعف (لا) عن التأثير إلا فيما يليها، أو كان في حكم ما يليها، أي النعت المذكور، على أنه قد نقل نحو: لا رجل وامرأة بالفتح في المعطوف، وقياس قول من جعل العامل في خبر المبني نفس (لا) لا المبتدأ، أنه لا يجيز رفع المعطوف حملا على المحل، إلا بعد الخبر، كما في (إن)، وقال الأندلسي: الذي بقي من التوابع بعد الوصف والعطف، من البدل وعطف البيان والتوكيد اللفظي، فلا نص لهم فيها، لكن ينبغي أن يكون حكمها 2 مع اسم (لا) النكرة:


(1) أي بعطف الاسم المشتمل على ضمير النكرة، على تلك النكرة، (2) أي التوابع الباقية، (*)

[ 177 ]

حكمها مع المنادى المضموم، ففي البدل يجوز البناء إن كان مفردا نكرة، نحو: لا رجل صاحب لي، وقال ابن مالك: البدل إن كان نكرة، كان مرفوعا أو منصوبا، وإن كان معرفة وجب رفعها، وقول الأندلسي أقرب، إذا لم يفصل البدل المفرد المنكر عن المنفي لأنه لا يقصر عن النعت الذي يبنى جوازا، إذا جمع الشرائط، بل يربى 1 عليه من حيث كونه هو المقصود بالنسبة، ولعل ابن مالك فرق بين البدل والوصف بأن الوصف متركب كالموصوف فتركيب (لا) مع الموصوف كثركيبها مع الوصف، وأما البدل فيجعل المبدل منه في حكم الساقط، فلا يبقى البدل مركبا مع المبدل منه لكونه في حكم الساقط، ولا مع (لا) لأنها داخلة على البدل في التقدير، والتركيب أمر لفظي لا تقديري، أقول: قد تقدم أنه لم يقم دليل على التركيب بين (لا) واسمها ولا بين الوصف والموصوف، وأما عطف البيان فهو البدل، كما يجيئ في بابه، ونذكر في باب البدل، أنه يجوز اعتبار البدل تارة مستقلا، وأخرى غير مستقل في باب (لا) التبرئة، وباب النداء، كما تقول: لا مثله أحد، ولا كزيد رجل، ولا كعمرو أحد، قال امرؤ القيس: 257 - ويلمها في هواء الجو طالبة * ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب 2 وهذا يدل على أنه يجوز رفع صفة المضاف، حملا على المحل، إذ لا فرق بين عطف البيان والوصف، وإذا حملت على اللفظ قلت: لا مثله أحدا ولا كزيد رجلا، ويجوز


(1) اي يزيد عليه، (2) من قصيدة له بدأها بوصف الخيل ومدحها: ثم أخذ يصف الفرس فشبهه بعقاب في الجو، لاح لها ذئب، فأخذت تطارده، وقد عظم من شأن الذئب وشأن العقاب معا، ليكون ذلك أقوى في تشبيه الفرس بالعقاب، وقوله ويلمها أصله: ويل أمها، أو ويل لأمها، وتقدم الكلام عليه في التمييز، (*)

[ 178 ]

أن يحمل انتصاب مثل هذا على التمييز، كما في قولك: لي مثله رجلا، وملؤه عسلا، وأما قول جرير: 258 - يا صاحبي دنا الرواح فسيرا * لا كالعشية زائرا ومزورا 1 فقيل: انتصاب (زائرا) بتقدير فعل، أي: لا أرى كعشية اليوم، أي كزائر عشية اليوم زائرا، كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلا، وذلك أن العشية ليست بالزائر حتى يكون عطف بيان لها، وأقول: مع تقدير: كزائر عشية اليوم زائرا، صار الآخر هو الأصل الأول، كما في قولك: لا كالعشية عشية وعشية، فيجوز أن يكون (زائرا) تابعا على اللفظ، وأما التأكيد فلا يجوز تأكيد المنفي المبني تأكيدا معنويا، لأن المنكر لا يؤكد ذلك التأكيد، كما يجيئ في باب التأكيد، وإن كان لفظيا فالأولى، كما ذكرناه في المنادى: كونه على لفظ المؤكد مجردا عن التنوين، وجاز الرفع والنصب، كمإ ذكرناه هناك، وإن كررت مبنى (لا) بلا فصل بين الاسم وذلك المكرر، ثم وصفت الثاني، نحو: لا ماء ماء باردا، فإن شئت بنيت الثاني، نظرا إلى كونه تكريرا لفظيا، وإن شئت أعربته رفعا ونصبا، وذلك لأنك لما وصفته صار مع وصفه، كأنه وصف للأول ، كالحال الموطئة في نحو قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا 2)، فالأعراب في المكرر الموصوف أولى، نظرا إلى كونه كالصفة، من 3 الأعراب في المكرر غير الموصوف، وأما وصف المكرر، أعني (باردا) فليس فيه إلا الأعراب،


(1) من قصيدة لجرم يهجو الأخطل، مطلعها: صرم الخليل تباينا وبكورا * وحسبت بينهم عليك يسيرا وفيها بيت من شواهد سيبويه ج 1 ص 81 وهو: مشق الهواجر لحمهن مع الشرى * حتى ذهبن كلا كلا وصدورا (2) الآية الثانية من سورة يوسف (3) متعلق بقوله: أولى، (*)

[ 179 ]

(استعمال) (لا أباله، وأمثالها) (قال ابن الحاجب:) (ومثل: لا أبا له، ولا غلامي له، جائز لشبهه بالمضاف) (لمشاركته له في أصل معناه، ومن ثم لم يجز: لا أبا فيها،) (وليس بمضاف لفساد المعنى، خلافا لسيبويه)، (قال الرضي:) يعني أن الكثير أن يقال: لا أب له، ولا غلامين له، فيكونان مبنيين، على ما ذكرنا، وجاز، أيضا، على قلة، لكن لا إلى حد الشذوذ، في المثنى وجمع المذكر السالم، وفي الأب والأخ من بين الأسماء الستة، إذا وليها لام الجر: أن 1 تعطي حكم الأضافة بحذف نوني التثنية والجمع وإثبات الألف في الأب والأخ، فيقال: لا غلامي لك، ولا مسلمي لك، ولا أبا له، ولا أخا له، فتكون معربة اتفاقا، وأجاز سيبويه 2 أن يكون: لا غلام لك، مثله، أعني أن يكون مضافا واللام زائدة فيكون معربا، ثم اعلم أن مذهب الخليل وسيبويه، وجمهور النجاة، أن هذا المذكور مضاف حقيقة باعتبار المعنى، فقيل لهم: اللام لا تظهر بين المضاف والمضاف إليه، بل تقدر، أجابوا بأن اللام ههنا، أيضا مقدرة، وهذه الظاهرة تأكيد لتلك المقدرة، كتيم، الثاني في: يا تيم تيم عدي 3، علي مذهب من قال إن (تيم) الأول مضاف إلى (عدي) الظاهر،


(1) فاعل جاز في قوله: جاز أيضا على قلة، (2) هذا مما جاء في سيبويه في الموضع الذي أشرنا إليه في أول هذا الباب (3) إشارة إلى الشاهد المتقدم في باب المنادي، ص 385 من الجزء الأول، (*)

[ 180 ]

فيكون الفصل بين المضاف والمضاف إليه كلا فصل، فقيل لهم: ما الذي حملهم في هذه لأضافة على الفصل بين المضاف والمضاف إليه باللام المقحمة توكيدا دون سائر الأضافات المقدرة باللام، أجابوا بأنهم قصدوا نصب هذا المضاف المعرف، بلا، من غير تكريرها تخفيفا، وحق المعارف المنفية بلا: الرفع مع تكرير (لا)، ففضلوا بين المتضايفين لفظا،. حتى يصير المضاف بهذا الفصل، كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر نصبه وعدم تكرير (لا)، والدليل على قصدهم 1 لهذا الغرض، أنهم لا يعاملون هذه المعاملة، المنفي المضاف إلى النكرة، فلا يقولون: لا أبا لرجل حاله كذا، ولا غلامي لشخص نعته كذا، والدليل على أنه مضاف، قوله: 259 - وقد مات شماخ ومات مزرد * وأي كريم لا أباك يخلد 2 فصرح بالاضافة، وهو شاذ، لا يقاس عليه، فلا يقال: لا أخاك، و: لا يديك، وقد جاء الفصل باللام المقحمة بين المضافين لهذا الغرض، في المنادي، وهو شاذ، كقوله: يا بؤس للجهل ضرارا بأقوام 3 - 101 قال المصنف: لا يجوز أن يكون مضافا حقيقة، إذ لو كان كذا، لكان معرفة، فوجب رفعه وتكرير (لا)، والجواب: لم يرفع ولم يكرر لكونه في صورة النكرة، والغرض من الفصل باللام: ألا يرفع ولا يكرر 4، فكيف يرفع ويكرر مع الفصل باللام، وقال أيضا: لا أبا لك، ولا أب لك، سواء في المعنى اتفاقا، و: لا أب لك،


(1) أي قصد المتكلمين بهذا الكلام، (2) المراد: شماخ بن ضرار الشاعر، ومزرد: أخوه، وقوله يخلد، صوب البغدادي أنه: يمتع من المتعة بالتاء أو يمنع من المنعة بالنون، قال: لأن البيت من قصيدة لمسكين الدارمي، ذكر فيها كثيرا ممن ماتوا قبله وذكر أسماءهم وفيها مواعظ وحكم، يقول فيها: ولست بأحيا من رجال رأيتهم * لكل امرئ منهم حمام ومصرع وقوله بأحيا، أي بأطول حياة، (3) هذا شطر بيت للنابغة الذبياني وتقدم ذكره كاملا في الجزء الأول من هذا الشرح ص 347 (4) على البيان، الذي نقله عن النجاة قريبا، (*)

[ 181 ]

نكرة بلا خلاف، فكذا يلزم أن يكون: لا أبا لك، إذ المعرفة لا توافق النكرة معنى، والجواب أنهم اتفقوا على أن معنى الجملتين، أعني: لا أبا لك ولا أب لك سواء، ولم يتفقوا على أن: أبا لك، وأب لك بمعنى واحد، وقد يكون المقصود من الجملتين واحدا، مع أن المسند إليه في احداهما معرفة، وفي الأخرى نكرة، فالمسند، أي خبر (لا) في: لا أبا لك، محذوف، أي: لا أبا لك موجود، وأما في: لا أب لك، فهو (لك) أي: لا أب موجود لك فالجملة الأولى بمعنى: لا كان أبوك موجودا، والثانية بمعنى: لا كان لك أن، ولا خلاف في اتحاد فحوى الجملتين مع كون المسند إليه في إحداهما معرفة وفي الأخرى نكرة، ثم قال المصنف: إن الوجه في مثله أن يقال: هو، وإن لم يكن مضافا للفساد المذكور، لكنه مشابه للمضاف، فأعطى حكم المضاف من إثبات الألف في: أبا، وأخا، وحذف النون في: غلامي ومسلمي، ولا يريد بمشابهته للمضاف أنه مضارع للمضاف بالتفسير الذي مر في باب المنادي، إذ لو كان كذلك لوجب تنوينه، كما في: لا حسنا وجمه، ولا حافظا لكتاب الله، وأيضا، فإن أبا لك وأب لك عنده شئ واحد، من حيث المعنى، و (لك) في: لا أب لك إما خبر (لا)، أو صفة لاسمها، واسم (لا) لا يصير بالصفة ولا بالخبر مضارعا للمضاف، وبدليل أنك تقول: لا رجل في الدار، ولا غلام ظريفا، ولو كان مضارعا للمضاف، لقلت: لا رجلا في الدار، ولا غلاما ظريفا، قوله: (لمشاركته له)، أي لمشاركة نحو: أبا لك، لأباك، المضاف في أصل معناه، أي في أصل معنى المضاف، وذلك أن أصل معنى المضاف الذي هو (أبوك)، وأصله (أب لك)، كان تخصيص الأب بالمخاطب فقط، ثم لما حذف اللام وأضيف، صار المضاف معرفة، ففي (أبوك) تخصيص أصلى وتعريف حادث بالأضافة كما يجيى في باب الأضافة، و (أب لك) يشارك (أبوك) في التخصيص الذي هو أصل معناه، ومن ثم لم يجز، أي من جهة أن اعطاءة حكم المضاف لمشاركته له في أصل معناه، لم يجز: لا أبا فيها، ولا رقيبي عليها، لأن المضاف قبل الأضافة لم يكن بمعنى في، وعلي، (*)

[ 182 ]

قوله: (لفساد المعنى)، يعني أن المعرف لا يكون بمعنى المنكر، كما ذكرنا من تقديره، ولو كان كما ذكر المصنف، لجاز، أيضا في المنكر: لا أبا لرجل طويل ونحوه، تشبيها بالمضاف، ولم يختص هذا الحكم بالمعرف، فإذا قلت: لا غلامين ظريفين لك، لم تحذف النون من غلامين، اتفاقا، أما على مذهب النجاة فلامتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بنعت المضاف، وأما على مذهب المصنف، فالفصل بين شبه المضافين بما لا يفصل به بينهما، وأما إن فصلت بالظرف أو الجار والمجرور الناقص، دون الظرف المستقر نحو: لا يدي بها لك ولا غلامي اليوم لك فأجازه يونس اختيارا، لأن الفصل كلا فصل لكثرة ما يتسع في الظروف، ولم يجزه سيبويه والخليل، بل أوجبا إثبات النون، إلا لضرورة الشعر، كقوله: 260 - كأن أصوات من إيغالهن بنا * أواخر الميس إنقاض الفراريج 1


(1) من قصيدة لذي الرمة، والبيت في وصف الأبل، وشدة سيرها حتى أن الرجال حين يحك بعضها بعضا تحدث صوتا شبيها بصوت صغار الدجاج، والميس: شجر تتخذ منه الرجال، وأراد به الرجال هنا، والأنقاض، مصدر: أنقضت الدجاجة أي صوتت، (*)

[ 183 ]

(حذف اسم لا) (قال ابن الحاجب:) (ويحذف في مثل: لا عليك)، (قال الرضي:) أي: لا بأس عليك، أي يحذف اسم (لا) في: لا عليك، ولا يحذف إلا مع وجود الخبر، كما لا يحذف الخبر إلا مع وجود الاسم، لئلا يكون إجحافا، وقولهم: لا كزيد، إن جعلنا الكاف اسما، جاز أن يكون (كزيد) اسما والخبر محذوف، أي: لا مثله موجود وجاز أن يكون خبرا، أي لا أحد مثل زيد وإن جعلنا الكاف حرفا فالاسم محذوف، أي لا أحد كزيد،

[ 184 ]

(خبر ما ولا) (المشبهتان بليس) (قال ابن الحاجب:) (خبر ما، ولا، المشبهتان بليس، هو المسند بعد دخولهما،) (وهي حجازية، وإذا زيدت إن، مع ما، أو انتقض النفي) (بالا، أو تقدم الخبر، بطل العمل، وإذا عطف عليه) (بموجب فالرفع)، (قال الرضي:) قوله: (المسند بعد دخولهما)، أي دخول (ما) في مسألتها، و (لا) في مسألتها، لا أنهما تجتمعان معا، والاعتراض عليه كما في خبر (كان)، قوله: (وهي حجازية) أي هذه اللغة، وهي إعمال (ما) و (لا) عمل (ليس)، وقد ذكرنا 1 أنهم لا ينقلون عن أحد، لا عن الحجازيين ولا عن غيرهم رفع اسم (لا) ونصب خبرها في موضع، فاللغة الحجازية إذن، اعمال (ما) وحدها دون (لا) عمل ليس بشروط ستجيئ، وغير الحجازيين وهم بنو تميم، لا يعملونها مطلقا،


(1) وضح الشارح هذا المعنى في باب اسم ما ولا، في الجزء الأول وكرره في باب خبر لا التبرئة السابق على هذا الباب، (*)

[ 185 ]

قوله: (وإذا زيدت إن مع ما)، هذه شروط عملها عمل ليس: أحدها: ألا يليها (إن) كقوله: 261 - وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا 1 اعلم أن الأصل في (ما): ألا تعمل، كما في لغة بني تميم، إذ قياس العوامل أن تختص بالقبيل الذي تعمل فيه، من الاسم، أو الفعل، لتكون متمكنة بثبوتها في مركزها،. و (ما) مشتركة بين الاسم والفعل، وأما الحجازيون فإنهم أعملوها مع عدم الاختصاص، لقوة مشابهتها لليس، لأن معناهما في الحقيقة سواء، وذلك لأن معنى (ليس) في الأصل: ما كان، ثم تجردت عن الدلالة على الزمان، فبقيت مفيدة لنفي الكون، ومعنى (ما) مجرد النفي، ومعلوم أن نفي الشئ بمعنى نفي كونه، سواء، من حيث الحقيقة، كما ذكرنا في باب الاستثناء، 2 وعند النجاة أن (ما) و (ليس)، كلاهما لنفي الحال، والحق، أنهما لمطلق النفي، كما يجيئ في الأفعال الناقصة، فلما كان 3 قياس إعمالها ضعيفا، انعزلت لأدنى عارض، فمن ذلك 4 مجيئ (إن) بعدها، وإنما عزلتها، لأنها وإن كانت زائدة، لكنها تشابه (إن) النافية لفظا، فكأن (ما) النافية دخلت على نفي، والنفي إذا دخل على النفي أفاد الأيجاب، فصارت (إن) كالا، الناقضة لنفي (ما) في نحو: ما زيد إلا منطلق، ويجوز أن يقال: إنما انعزلت


(1) من أبيات لعزوة بن مسيك المرادي يقول فيها: فان نغلب فغلابون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا والطب بكسر الطاء: العلة والداء، يقول: لم يكن سبب انهزامنا علة الجبن والخور ولكن القدر جرى بمنايانا وانتصار غيرنا، (2) انظر في هذا الجزء ص 110 (3) عودة بالحديث إلى (ما) وعملها وأنه ضعيف ونتيجة ذلك، (4) أي من الأمور التي تعرض فتعزلها عن العمل، (*)

[ 186 ]

للفصل بينها وبين معمولها بغير الظرف، وقد جاءت (إن) بعدها غير كافة، شذوذا، وهو عند المبرد قياس، أنشد أبو علي: 262 - بني غدانة ما إن أنتم ذهبا * ولا صريفا ولكن أنتم الخزف 1 و (إن) العازلة 2 عند الكوفيين، نافية لا زائدة، ولعلهم يقولون: هي نافية زيدت لتأكيد نفي (ما)، وإلا 3 فإن النفي إذا دخل على النفي أفاد الأيجاب، ورد عليهم بأنه لا يجوز الجمع بين حرفين متفقي المعنى، إلا مفصولا بينهما، كما في إن زيدا لقائم 4، وأما الجمع بين اللام وقد في نحو: لقد سمع 5)، مع أن في كليهما معنى التحقيق والتأكيد، فلأن (قد) يشوبها معنيان آخران، وهما التقريب والتوقع، فلم تكن بحتا للتحقيق، وكذا في: ألا إن، مع أن في (ألا) معنى التحقيق، لأن 6 فيها معنى التنبيه، أيضا، وأنشد الفراء: 263 - الا أواري ما إن لا أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد 7 بالجمع بين ثلاثة أحرف نافية، والرواية: لأيا ما أبينها، ومما يعزلها عن العمل: انتقاض نفيها، لأن عملها إنما كان لأجل النفي الذي به شابهت


(1) غدانة يضم الغين المعجمة: حي من يربوع من تميم والمراد بالصريف: الفضة، والخزف ما يصنع من الطين ثم يحرق قال البغدادي: ولم أجد من نسبه لأحد مع كثرة ورودة في كتب النحو،. (2) أي التي تمنع ما من العمل، (3) أي وإذا لم يكن هذا هو وجهة نظر الكوفيين، (4) يعني الجمع بين ان واللام (5) أول الآية 181 سورة آل عمران، (6) أي جاز الجمع بين ألا وان لأن في ألا معنى التنبيه، (7) هو البيت الثاني من قصيدة النابغة الذبياني، التي تعد إحدى المعلقات عند بعض العلماء، ويروى: الا الأواري بالتعريف، وهو جمع آرى، أي محبس الخيل، واللأى البطء، والنؤى بضم النون حفرة حول الخباء لمنع المطر، شبهه بالحوض الذي يحفر في الأرض لغير غرض الأقامة، فتكون الأرض مظلومة بحفره فيها، والجلد: الأرض الصلبة، (*)

[ 187 ]

(ليس) فكيف تعمل مع زوال المشابهة ؟ ونقل عن يونس أنه يجوز اعمالها مع انتفاض نفيها بالا، وأنشد في ذلك : 264 - وما الدهر إلا منجنونا بأهله * وما صاحب الحاجات إلا معذبا 1 وأجيب بأن المضاف محذف من الأول، أي: دوران منجنون، وكذا (معذبا) مصدر، كقوله تعالى، (ومزقناهم كل ممزق 2)، فيكون مثل قولك ما زيد إلا سيرا، على ما مضى في المعقول المطلق، 3 ومن ذلك: أن يتقدم نفس الخبر، ظرفا كان أو غيره، نحو: ما قائم زيد، وما في الدار زيد، وذلك لضعفها في العمل، فلا تتصرف في العمل بأن تعمل النصب قبل الرفع، كالفعل، وقال ابن عصفور 4، وتبعه العبدي 5، لا تبطل عملها إذا كان الخبر المتقدم ظرفا أو جارا ومجرورا، لكثرة التوسع فيه، كما تعمل (إن) وأخواتها، قال أبو علي: زعموا أن قوما جوزوا اعمالها متقدمة الخبر، ظرفا كان، أو غيره، قال الربعي 6: الأعمال عندي هو القياس معنى النفي،


(1) المنجنون: الدولاب الذي يستقي به الماء، شبه به الدهر في تقلبه ودورانه بأهله، وخرجه بعضهم على أوجه أخرى غير ما قال الشارح منها أن التقدير: كمنجنون بحذف أداة التشبيه، ويروى: أرى الدهر... وفي تخريمه تكلف، والميم في منجنون أصلية، وقد كتب ابن جني في شرحه على تصريف المازني على هذه الكلمة ما فيه مقنع للباحث، والبيت غير منسوب كما قال البغدادي بأكثر من قول ابن جني إنه لبعض العرب، (2) الآية 19 من سورة سبأ، (3) فيكون المعنى يدور دوران منجنون، ويعذب معذبا أي تعذيبا (4) ابن عصفور هو علي بن مؤمن، قال عنه السيوطي إنه حامل لواء العربية في زمنه، توفي سنة 669 ه وهو معاصر للرضي، (5) العبدي هو أحمد بن بكر، من علماء القرن الرابع أخذ عن السيرافي وقد ذكر في الجزء الأول، (6) الربعي نسبة إلى ربيعة: أبو الحسن علي بن عيسى من علماء القرن السادس، وتقدم ذكره في الجزء الأول، (*)

[ 188 ]

وأما قول الفرزدق: 265 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 1 فإن سيبويه، حكى أن بعض الناس ينصبون (مثلهم) وقال: هذا لا يكاد يعرف 2، وقيل إن خبر (ما) محذوف أي: إذ ما في الدنيا بشر، ومثلهم: حال من بشر، مقدم عليه، وجوز الكوفيون انتصابه على الظرف أي في مثل حالهم وفي مثل مكانهم من الرفعة، ويروي: ما مسيئا من أعتب، 3 قالوا: ونحو قوله: 266 - لو انك يا حسين خلقت حرا * وما بالحر أنت ولا الخليق 4 دليل 5 على جواز تقديم الخبر المنصوب، إذ الباء لا تدخل إلا على الخبر المنصوب، دون المرفوع، وعلى هذا بني أبو علي، والزمخشري: امتناع دخولها 6 على خبر (ما) التميمية، وأجازه الأخفش، وهو الوجه، لأنها تدخل بعد (ما) المكفوفة بإن، اتفاقا، نحو: ما إن زيد بقائم، قال: 267 - لعمرك ما إن أبو مالك * بواه ولا بضعيف قواه 7


(1) هذا من قصيدة للفرزدق في مدح عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي رحمه الله، وفي تخريج البيت أوجه أخرى غير ما قاله الرضي، (2) مأخوذ بنصه من سيبويه ج 1 ص 29، مع البيت المذكور، (3) الأكثر في روايته الرفع، والأعتاب: ازالة العتب، وهو كلام يجزي مجرى المثل، (4) يروى أما والله أن لو كنت حرا، وعلى رواية الشارح هو مسبوق بقسم في بيت قبله وهو: أما والله عالم كل غيب * ورب الحجر والبيت العتيق ولم ينسب البيتان لأحد، (5) دليل، خبر عن: نحو قوله، (6) أي الباء (7) هذا أول أبيات للمتنخل الهذلي في رثاء أبيه، ومنها قوله: إذا سدته سدت مطواعة * ومهما وكلت إليه كفاه (*)

[ 189 ]

ومنع أبو علي والأخفش دخولها على خبر (ما) المتقدم، خلافا للربعي، والبيت المذكور شاهد له، 1 ولا يمنع دخول الباء في خبر ليس غير انتفاض النفي بالا، وذلك لأن الباء لتأكيد النفي، فلا تدخل بعد انتفاضه، وقد تدخل هذه الباء على خبر مبتدأ بعد (هل) نحو: هل زيد بخارج، وفي الخبر المنفي في باب (ظن) نحو: ما ظننته بخارج، وقد تزاد في خبر (لا) التبرئة، نحو: (لا خير بخير بعده النار)، 2 وقيل، هي بمعنى (في)، وربما زيدت في الحال المنفية 3، نحو: ما جاءني زيد براكب، وفي خبر (أن) الآتية بعد باب (رأيت) منفيا، كقوله تعالى: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر 4...)، وقد تزاد بعد (ليت)، قال: 268 - ندمت على لسان كان مني * فليت بأنه في جوف عكم 5 ومما يبطل عمل (ما)، أن يتقدم ما ليس بظرف على الاسم المتقدم على الخبر، فلا يجوز: ما زيدا عمرو ضاربا، بخلاف ما إذا كان ظرفا كقوله تعالى: (فما منكم


(1) شاهد له أي لما ذهب إليه أبو علي والأخفش، ومراده بالبيت: لو أنك يا حسين الخ... (2) هذا مما جاء في نهج البلاغة المنسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروايته في النهج: ما خير بخير بعده النار، وما شر بشر بعده الجنة، انظر ص 416 من نهج البلاغة طبع دار الشعب بالقاهرة تحقيق الأستاذين محمد البنا، ومحمد عاشور، (3) استشهدوا له بقول القحيف العقيلي: فما رجعت بخائبة ركاب * حكيم بن المسيب منتهاها (4) الآية 33 سورة الأحقاف، (5) من أبيات للحطيئة قالها في بني سهم بن مالك بعد أن تحول عنهم فندم، حيث يقول: فيا ندمي على سهم بن عود * ندامة ما سفهت وضل حلمي ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بني سهم برغمي وشريت بمعنى بعت، ويروى: فليت بيانه، أي بيان لساني، ولا شاهد فيه على هذا، (*)

[ 190 ]

من أحد عنه حاجزين 1)، وأما الخبر إذا تقدم وكان ظرفا، فقد ذكرنا حاله، وقال الكوفيون: الاسمان بعد (ما) مبتدأ وخبر، وانتصاب الثاني بنزع الخافض أعني الباء، وليس بشئ، لأن الباء زائدة، فإذا لم تثبت لم يحكم بأنها محذوفة، وأيضا، ليس المجرور بها مفعولا حتى ينتصب بالمفعولية مع حذف الجار ووصول الفعل إليه، كما في: استغفرت الله ذنبا 2، وذلك لأن الناصب ليس نزع الخافض، بل الناصب هو الفعل أو شبهه، ينصب المجرور محلا لكونه مفعولا، إذ لا يمكن نصبه لفظا بسبب الجار، فإذا عدم الجار، ظهر عمله المقدر، هذا، مع أن حذف الجار ونصب المفعول بعده، أيضا، ليس بقياس إلا مع (أن) و (أن)، وأجاز الأخفش حذف اسم (ما)، استغناء ببدل موجب نحو: ما قائما إلا زيد، وليس بشئ، لما ذكرنا أن المستثنى في المفرغ قائم مقام المتعدد المقدر، فيكون، قد عمل (ما)، على هذا، في الاسم مع تأخره عن الخبر، وانتقاض النفي، وأحدهما مبطل لعملها فكيف إذا اجتمعا ؟، ولا يجوز أن يقال: ما إلا زيد قائما، لتقدم المستثنى المفرغ على الحكم ، ولا يجوز، أيضا، أن تعمل (ما) مع الفصل بينها وبين معمولها بغير الظرف ومع انتقاض النفي،. قوله: (وإذا عطف عليه)، أي على خبر (ما)، سواء كان منصوبا أو مجرورا بالباء الزائدة، قوله: (بموجب 3)، وذلك إذا عطفت عليه ببل، أو لكن، لأنهما للأثبات بعد النفي، كما يجيئ في حروف العطف، قوله: (فالرفع)، أي الرفع واجب، وذلك لزوال علة العمل وهي النفي، وقد


(1) الآية 47 من سورة الحاقة، (2) إشارة إلى بيت شعر مجهول القائل تقدم في الجزء الأول ص 503 وقد اعتبره البغدادي شاهدا وكتب عليه وهو في سيبويه ج 1 ص 17 (3) بكسر الجيم، أي مفيد للأيجاب والثبوت فيما بعده، (*)

[ 191 ]

ذكرنا وجه الرفع فيه، في باب الاستثناء 1، فلا نعيده، وقال عبد القاهر 2: هو خبر لمبتدأ محذوف، أي: ما زيد بقائم، لكن هو قاعد، فعلى هذا، ليس هذا عنده مما نحن فيه، أي من باب عطف المفرد على المفرد، ولا يمكن أن يكون منه، لامتناع عطفه عنده على الخبر وحده، إذ يلزمه النصب عنده، فهو، على هذا من باب القطع، كما يجيئ في باب العطف، وقال ابن جعفر 3: هو عطف على التوهم، لأنه كثيرا ما يقع خبر (ما)، مرفوعا، عندما تنعزل عن العمل، فتوهموا أن الأول مرفوع، وهذا كتوهم الجر في قوله: 269 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بيين غرابها 4 وليس ما ذهب إليه بشئ، لأن مثل ذلك ليس بمطرد، ولا في سعة الكلام، وإذا عطفت على خبر (ما) أو خبر (ليس) المجرور بالباء: منفيا، نحو: ما زيد بقائم ولا قاعد، جاز في المعطوف الجر، حملا على اللفظ، والصب حملا على المحل، قال: معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا 5 - 120


(1) انظر في هذا الجزء، ص 108 (2) الأمام عبد القاهر الجرجاني صاحب دلائل الأعجاز وأسرار البلاغة وتقدم ذكره في الجزء الأول، (3) الأرجح أنه يريد: محمد بن جعفر الأنصاري المرسي (بفتح الميم) من مرسية بالمغرب، وهو من علماء القرن السادس وتقدم ذكره في الجزء الأول، وقد يكون المراد: ابن درستويه، واسمه عبد الله بن جعفر، وهو ممن ينقل عنهم الرضي، وقد يذكر بعض من ينقل عنهم بهذه الصورة كقوله عن الزجاج: ابن السري،. لأن اسمه اسمه إبراهيم بن السري، (4) من قصيدة للأحوص يلوم قومه على قبولهم الدية من بني دارم الذين قتلوا واحدا من قومه، وبنو دارم هم المقصودون بقوله: مشانيم... ويقول في هذه القصيدة مخاطبا قومه: فإن أنتم لم تعقلوا بأخيكم * فكونوا بغايا بالأكف عيابها العياب بكسر العين جمع عيبة، وهي الحقيبة وما يشبهها، مما يمسك باليد وفيه بعض المتاع، (5) البيت منسوب إلى عقبة بن الحارث، أو عقبة بن هبيرة الأسدي والمخاطب به معاوية بن أبي سفيان وقد = (*)

[ 192 ]

ويجوز الرفع، على أن يكون من باب عطف الجملة على الجملة، والمبتدأ محذوف، أي: ولا هو قاعد، وقد يجر المعطوف على خبرهما المنصوب أيضا، مع الرفع والنصب، نحو: ما زيد قائما، ولا قاعدا، ولا قاعد، ولا قاعد، وذلك لتوهم الباء فيه لكثرة دخولها على خبرهما، وذلك كما في قوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة.. البيت 1 وأما في غير خبرهما 2، نحو: هل زيد خارج أو داخل بالجر، فضعيف نادر، لأنه لا تكثر الباء في مثله حتى يكون المعدوم كالثابت، وقد يعامل هذه المعاملة: المعطوف على منصوب اسم الفاعل، بشرط اتصال المنصوب باسم الفاعل، على توهم إضافته إليه، نحو: زيد ضارب عمرا وبكر، فإن عطفت على خبر ليس أو (ما) المنصوب، وصفا منفيا مرتفعا به بعده ما هو من سبب اسمها، نحو: ما زيد قائما، ولا قاعدا غلامه، جاز لك في ذلك الوصف وجه آخر، وهو أن ترفعه، على عطف جملة ابتدائية متقدمة الخبر على الجملة التي هي: ما زيد قائما، لا على: (زيد قائما)، فيكون عطف اسمية على اسمية 3، ويجوز مثل ذلك في نحو: ما كان زيد وقائما ولا قاعد غلامه، فيكون من عطف اسمية على فعلية، ويكون مضمون المعطوف عليه ههنا ماضيا، لأن ما كان، لنفي الماضي، ومضمون المعطوف حال،


= ورد في شعر منصوب القوافي، وآخر مجرورها فكأن كلا من الشعرين لأحد الشاعرين المذكورين، فلا وجه لأنكار من أنكر رواية النصب وتقدم هذا البيت في الجزء الأول من هذا الشرح، وهو في سيبويه ج 1 ص 34 وتكرر في مواضع أخرى منه، وانظر خزانة الأدب، (1) الشاهد المتقدم قبل قليل، (2) المناسب أن يكون التعبير: وأما في خبر غيرهما، (3) هذا واضح بالنسبة للمثال الذي في أوله (ما)، وأما المصدر بليس فهو من قبيل ما سيأتي في المعطوف بعد ما كان...، (*)

[ 193 ]

لأنه ليس مبنيا على: ما كان، بل هو كقولك: غلامه قاعد، فظاهره الحال، وأما في: ما، وليس، فمضمون المعطوف والمعطوف عليه حال، رفعت الوصف الذي بعد حرف العطف أو نصبته، لأن (ما) و (ليس)، للنفي المطلق، فظاهرهما الحال، وتقول 1، على هذا، ما كان زيد قائما، ولا عمرو قاعدا أو قاعد، فإذا انصبت فالقيام والعقود منفيان في الماضي، وإذا رفعت فالقيام منتف في الماضي، والعقود في الحال، وأما في: ما زيد، أو ليس زيد قائما، ولا عمرو قاعدا أو قاعد، فالجملتان حاليتان، رفعت قاعدا، أو نصبته، لما ذكرنا، فنصب (قاعدا) في المواضع الثلاثة، أعني: ما كان، وليس، وما، عطف على الاسم والخبر، ورفعه على عطف الجملة على: ما كان زيد قائما، و: ليس زيد قائما، و: ما زيد قائما، ويجوز في: ما زيد قائما ولا قاعد أبوه، برفع (قاعد)، أن يكون على عطف الاسم والخبر على الاسم والخبر، إلا أنه لما تقدم الخبر في المعطوف بطل عمل (ما)، ولا يجوز ذلك في: ما كان زيد قائما ولا قاعد أبوه، ولا في (ليس)، إذ لا يبطل عملهما بتقديم خبرهما على اسمهما، بل يجب أن يكون ذلك فيهما على عطف الاسمية على الفعلية، ويجوز في نصب (قاعدا) في: ليس زيد قائما ولا قاعدا أبوه، أن يكون لأجل عطف الخبر على الخبر، وأبوه، فاعله، ويجوز هذا الوجه في: ما زيد قائما ولا قاعدا أبوه، وأن يكون لكونه خبرا مقدما على الاسم، ولا يجوز هذا الوجه في: ما كان، ويجوز في هذه المسألة، جر المعطوف على توهم الجر في المعطوف عليه، ويكون من عطف المفرد على المفرد، ولو جعلناه على عطف الاسم والخبر على الاسم والخبر، جاز في: ليس، على تقدير جواز العطف على عاملين مختلفين، على ما سيجيى من مذهب


(1) ما سيذكره الشارح هنا إلى نهايته مما تعود الاستطراد إليه، وهو أشبه بالتطبيق وتكرير القواعد والأحكام، (*)

[ 194 ]

الأخفش، وجاز في (ما) على تقديره جواز دخول الباء على خبر (ما) المتقدم، وكذا إن أظهرت الباء في هذه المسألة في (قائما) نحو: ليس زيد أو ما زيد بقائم، ولا قاعد أبوه، جاز 1 لك في (قاعد) الرفع والنصب والجر، على الوجه المذكور، سواء، 2 ولو جعلت مكان السبب المذكور أعني (أبوه) اسم (ما) مكررا فقلت: ما زيد بقائم ولا قاعد زيد، فالرفع أجود من النصب والجر، لأن الكلام مع الرفع جملتان، ومع النصب والجر جملة واحدة، وتكرير الاسم في الجملة الواحدة ضعيف غير كثير، نحو: زيد ضربت زيدا، على إقامة الظاهر مقام الضمير، لأن 3 الضمير أخف، الا أن يكون في موضع التفخيم نحو قوله تعالى: (القارعة ما القارعة 4)، وأما في الجملتين فكثير، وإن اتصلتا، كقوله تعالى: (لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم 5)، وإن جعلت موضع السبب اسمه 6 بلا ضمير يرجع إلى الاسم 7، نحو: ما زيد قائما عمرو، وعمرو أبو زيد، لم يجز، لأنك لم تجعله في اللفظ مربوطا به، بخلاف تكرير الاسم في نحو: ما زيد ضاربا زيد، فإن فيه ربطا، بتكرار الاسم لفظا، فلذا جاز مع ضعفه على ما ذكرنا، ولو قلت: ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة أمها، لم يجز نصب مقيمة، لخلوها مع المرفوع بعدها من العائد إلى الاسم، أي: أبو زينب،


(1) هذا تفسير لما فهم من التشبيه في قوله: وكذا إن أظهرت الباء... الخ (2) أي المسألتان سواء، وهو تعبير يتردد كثيرا في كلامه، (3) علة الضعف في إقامة الظاهر مقام الضمير في الجملة الواحدة، (4) الآيتان 1، 2 من سورعة القارعة، (5) الآية 124 سورة الأنعام (6) أي الاسم الموضوع لذلك السبي،. (7) أي اسم (ما)، (*)

[ 195 ]

وإن جعلت موضع السبي أجنبيا، نحو: ما زيد بقائم أو قائما، ولا قاعد عمرو، فليس، مع (ما) نصب قاعد، لأن (عمرا) لا يصلح أن يكون فاعلا لقاعد، على عطف الخبر على الخبر، لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه فيما يجب له، وقد وجب في المعطوف عليه أن يكون فيه، أو في معموله ضمير يرجع إلى اسم (ما) لكونه مشتقا، فكذا يجب في المعطوف الذي هو (قاعد)، ولا ضمير فيه لو رفع ( عمرو)، ولا في معموله، فإذا لم يجز عطف الخبر على الخبر، لم يبق إلا عطف الجملة على الجملة، فوجب إما رفع (قاعد)، لتقدمه على الاسم، أو جره، إن جوزنا دخول الباء على خبر (ما) المتقدم على الاسم، على ما هو مذهب الربعي، 1 هذا في (ما)، وأما في (ليس) فيجوز نصب (قاعدا) على عطف الاسم والخبر على الاسم والخبر، ويجوز الرفع على عطف الاسمية على الفعلية، ويجوز الجر، على ما ذهب إليه الأخفش من تجويز العطف على عاملين مختلفين، لأنه لا يشترط في المعطوف عليهما ما يشترطه المصنف من كون الأول مجرورا والثاني منصوبا أو مرفوعا، كما يجيئ في باب العطف، وبعض القدماء، منع من نحو: ما زيد قائما، ولا عمرو ذاهبا، ونقض 2 سيبويه عليهم ذلك بجواز: ما زيد ولا أبوه ذاهبين، إجماعا، والعامل في المعطوف عنده، هو العامل في المعطوف عليه، لا المقدر، كما يجيئ في التوابع 3، * * * وأجاز المبرد إعمال (إن) النافية عمل (ليس مستشهدا بقوله:


(1) تقدم ذكر الربعي وبيان مذهبه قريبا في هذا، الجزء (2) هذا وما يتصل به مستفاد من كلام سيبويه ج 1 ص 29 وما بعدها، (3) هذا آخر ما استطرد إليه الرضي مما أشرنا إلى أنه أشبه بتطبيق لتثبيت القواعد، (*)

[ 196 ]

270 - إن هو مستوليا على أحد * إلا على أضعف المجانين 1 وليس بمشهور، وجميع النجاة جوزوا إعمال (لا) عمل ليس، على الشذوذ، وفيه النظر الذي تكرر ذكره 2، قال الأندلسي 3: ينبغي في (لا) العاملة عمل (ليس) مراعاة الشروط المعتبرة لأعمال (ما)، بل هي فيها أولى، فإنها أضعف من (ما)، قال: لكن النجاة لا يذكرون في كتبهم إلا شرطا واحدا، وهو كون معمولها نكرة، اسما كان أو خبرا، قال: ومن رأي اعمال (إن) عمل (ليس) يعتبر، أيضا، هذه الشروط، وقد تلحق (لا) التاء، نحو: لات، فتختص بلفظ الحين مضافا إلى النكرة، نحو: (ولات حين مناص 4)، وقد تدخل على لفظة (أوان) ولفظة (هنا) أيضا، وقال الفراء: تكون مع الأوقات كلها، وأنشد: 271 - ندم البغاة ولات ساعة مندم * والبغي مرتع مبتغيه وخيم 5


(1) اختلفت الروايات في لفظ هذا البيت لا تخرجه عما استشهد به لأجله، وقال البغدادي إن قائله غير معروف. (2) هو ما أشار إليه في المرفوعات وكرره في أول هذا الباب من أنه لم يسمع خبرها مرفوعا،. (3) تقدم ذكره وتكرر في الجزء الأول (4) الآية 3 سورة ص (5) البيت هكذا نسبه العيني لمحمد بن عيسى بن طلحة، وقيل أنه لمهلهل بن مالك الكناني، نقل ذلك البغدادي ثم قال والله أعلم بحقيقة الحال، وجملة: ولات ساعة مندم وردت في بيت شعر آخر هو كما رواه ابن السكيت: ولتعرفن خلائقا مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم (*)

[ 197 ]

والتاء في (لات) للتأنيث، كما في: ربت وثمت، قالوا: إما لتأنيث الكلمة، أي (لا)، أو لمبالغة النفي، كما في (علامة)، فإذا وليها (حين)، فنصبه أكثر من رفعه، ويكون اسمها محذوفا، و (حين) خبرها، أي: لات الحين حين مناص، وتعمل عمل ليس، لمشابهتها لها بكسع 1 التاء، إذ تصير على عدد حروفها ساكنة الوسط، ولا يجوز أن يقال بإضمار اسمها كما يجيئ في نحو: عبد الله ليس منطلقا، لأن الحرف لا يضمر فيه، وإن شابه الفعل، وإذا رفعت (حين) على قلته، فهو اسم (لا) والخبر محذوف، أي: لات حين مناص حاصلا، ولا تستعمل إلا محذوفة أحد الجزأين، هذا قول سيبويه، وعند الأخفش أن (لات) غير عاملة، والمنصوب بعدها بتقدير فعل، فمعنى لات حين مناص، أي: لا أرى حين مناص، والمرفوع مبتدأ محذوف الخبر، وفيه ضعف، لأن وجوب حذف الفعل الناصب، أو خبر المبتدأ، له مواضع متعينة، ولا يمتنع دعوى كون (لات) هي (لا) التبرئة، ويقوية لزوم تنكير ما أضيف (حين) إليه، فإذا انتصب (حين) بعدها فالخبر محذوف، كما في: لا حول، وإذا ارتفع، فالاسم محذوف، أي: لات حين حين مناص، كما في: لا عليك، ونقل عن أبي عبيد 2: أن التاء من تمام (حين)، كما جاء:


= وقد ذكره البغدادي في الخزانة وتكلم عليه كلاما كثيرا، (1) الكسع في الأصل: الضرب باليد على مؤخر الأنسان، واستعمله العلماء في إلحاق الشئ بالشئ وصار اصطلاحا عندهم فالمعنى أنها بإلحاق التاء لها في آخرها تشبه ليس الخ، (2) أبو عبيد (بدون تاء) هو القاسم بن سلام صاحب كتاب الغريب المصنف وهو أشهر كتبه، وله غريب القرآن، وغريب الحديث وغيرهما، وهو تلميذ أبي عبيدة (بالتاء): معمر بن المثنى، (*)

[ 198 ]

272 - العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ما من مطعم 1 وفيه ضعف، لعدم شهرة (تحين) في اللغات، واشتهار: لات حين، وأيضا، فإنهم يقولون: لات أوان، ولات هنا، ولا يقال: تأوان ولا: تهنا، وأما: لات أوان بكسر النون، فعند الكوفيين، (لات) حرف جر، كما ذكر السيرافي عنهم، وليس بشئ، إذ لو كان، لجر غير (أوان)، واختصاص الجار ببعض المجرورات نادر، ولم يسمع: لات حين مناص بجر (حين) إلا شاذا، وأيضا، لو كان جارا، لكان لا بد له من فعل أو معناه يتعلق به، وأوان، عند السيرافي والمبرد مبني لكونه مضافا في الأصل إلى جملة، فمعنى قوله: 273 - طلبوا صلحنا ولات أوان * فأجبنا أن ليس حين بقاء 2 أي: لات أوان طلبوا، ثم حذفت الجملة، وبني (أوان) على السكون ثم أبدل التنوين من المضاف إليه كما في: يومئذ، فكسر النون لثلاثة سواكن 3، كمإ، كسر ذال (إذ)، أو نقول: حذفت الجملة، وبني على السكر للساكنين، لا على السكون لئلا يلزم اجتماع ساكنين 4، ثم أتي بتنوين العوض، ولا يعوض التنوين في المبنيات من المضاف إليه إلا


(1) قائله أبو وجزة السعدي، يمدح آل الزبير بن العوام، والبيت ملفق من بيتين وهما قوله بعد بيت آخر: وإلي ذرا آل الزبير بفضلهم * نعم الذرا في النائيات لنا: هم العاطفون تحين ما من عاطف * والمسبغون يدا إذا ما أنعموا واللاحقون جفانهم قمع الذرا * والمطعمون زمان أين المطعم وعلى رواية الشارح: ما من مطعم، يكون في البيت إقواء، (2) من أبيات لأبي زبيد الطائي، وكان رجل من بني شيبان قتل رجلا من طيى، ففخر بذلك بنو شيبان وكان القاتل اسمه: المكاء، فقال أبو زبيد في ذلك: خبرتنا الركبان أن قد فخرتم * وفرحتم بضربة المكاء وأشار بعد ذلك إلى ما كان من طلب بني شيبان الصلح، وهو معنى بيت الشاهد، (3) هي الألف والنون المفروض أنها بنيت على السكون، والتنوين، (4) ينقد الرضي بعض عبارات لابن الحاجب تكون غير واضحة المعنى، ولكنه يقع في مثل ذلك كما هنا، (*)

[ 199 ]

إذا كان جملة، فلا يبدل 1 في نحو: من قبل، وقيل: إن أوان مجرور بمن مقدرة بعد (لات) أي: لات من أوان، فكذا يكون: (ولات حين مناص) على القراءة الشاذة، كما قالوا: لا رجل، أي: لا من رجل، وأما: لات هنا، فهنا في الأصل للمكان، استعير للزمان، قال: 274 - حنت نوار ولات هنا حنت * وبدا الذي كانت نوار أجنت 2 وهو يضاف إلى الجملة الفعلية، وقد يقطع عن الأضافة، قال: 275 - أفي أثر الأظعان عينك تلمح * نعم، لات هنا إن قلبك متيح 3 أي: ليس هنا تلمح، ورفع ما بعد (الا) في نحو: ليس الطيب إلا المسك، لغة تميم، وذلك لحملهم (ليس) على (ما) 4، وقال أبو علي: في (ليس) ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها، ولا يطرد ذلك العذر 5، لوروده 6 في كلامهم نحو: الطيب ليس إلا المسك، بالرفع،


(1) يعني فلا يؤتي بالتنوين بدلا من المضاف إليه، (2) نوار إسم امرأة، والبيت منسوب إما إلى شبيب بن جعيل، وإما إلى حجل بن نضلة، وكلاهما من شعراء اجاهلية، وأورد البغدادي بعده بيتا آخر وقال: لا ثالث لهما، والبيت الثاني هو: لما رأت ماء السلى مشروبا * والفرث يعصر في الاناء أرنت والبيتان في وصف ما لحقهم من شدة جعلتهم يشربون ماء السلى، وهو ما يوجد من ماء داخل المشيمة بعد الولادة، وجعلتهم يعصرون فرث الماشية لشرب ما يسيل منه وقوله مشروبا لا يستقيم به وزن البيت وإنما يستقيم لو قال: مشروبها، أو متشربا، وأرنت أي صونت من سوء ما رأت، (3) هذا مطلع قصيدة للراعي النميري في مدح بشر بن مروان، والمتيح بكسر الميم وسكون التاء وفتح الياء، وبالحاء المهملة: العود الذي يأخذ في كل جهة لعدم استقراره، أي أن قلبه إلى كل شئ ولا يستقر، (4) لمشابهتها لها في النفي فأهملت ليس حملا على ما لأنها لا تعمل عندهم (5) أي لا يطرد هذا التعليل، (6) يريد أن يقول: لأنه ورد من كلامهم ما لا يحتمل ضمير الشأن لأن في ليس ضميرا يعود على الطيب في مثل ما ذكره، (*)

[ 200 ]

وجوز أيضا أن يكون (إلا المسك): إما بدلا من الطيب، أو صفة له، والخبر محذوف، أي ليس إلا المسك في الدنيا، ويشكل ذلك بلزوم حذف الخبر بلا ساد مسده، إذن، ولم يثبت،

[ 201 ]

(المجرورات) (معنى المجرور) (قال ابن الحاجب:) (المجرورات: هو ما اشتمل على علم المضاف إليه)، (قال الرضي:) يتبين شرحه بما مضى في حد المرفوعات، وعلم المضاف إليه، كما مضى، ثلاثة: الكسر، والفتح، والياء، (المضاف إليه) (تسمية المجرور بحرف مضافا إليه) (قال ابن الحاجب:) (والمضاف إليه كل اسم نسب إليه شئ بواسطة حرف جر) (لفظا، أو تقديرا، مرادا، (قال الرضي:) بنى الأمر، على أن المجرور بحرف جر ظاهر: مضاف إليه، وقد سماه سيبويه

[ 202 ]

أيضا مضافا إليه، لكنه خلاف ما هو المشهور الآن، من اصطلاح القوم، فإنه إذا أطلق لفظ: المضاف إليه، أريد به: ما انجر بإضافة اسم إليه، بحذف التنوين من الأول للأضافة، وأما من حيث اللغة فلا شك أن (زيدا) في قولك: مررت بزيد: مضاف إليه، إذ أضيف إليه المرور بواسطة حرف الجر، قوله: لفظا، نحو: زيد، في: مررت بزيد، قوله: تقديرا، كما في: غلام زيد، وخاتم فضة،. والظاهر أن انتصاب: لفظا، وتقديرا، على الحال، وذو الحال: (حرف جر) وإن كان نكرة، لاختصاصه بالأضافة، والعامل: معنى واسطة، أي: يتوصل بالحرف، ظاهرا أو مقدرا، قوله: مرادا، حال بعد حال، أي: مقدرا مرادا، قال: احترزت بمرادا، عن المفعول فيه، والمفعول له، لأن الحرف مقدر فيهما، لكنه غير مراد، ولقائل أن يقول: إن أردت أنه غير مراد معنى، لم يجز، إذ معنى الظرفية والتعليل فيهما ظاهر 1، وأيضا أنت مقر بتقدير الحرف فيهما، كل مقدر: مراد معنى، إذ لا معنى له إلا هذا، وإن أردت أنه غير مراد لفظا، أي ليس في حكم الملفوظ به من حيث إنه لم يجر، والمقدر في الأضافة مراد، أي عمله وهو الجر باق، كان 2 كأنك قلت: المضاف إليه كل اسم صفته كذا مجرور بحرف جر مقدر، فيكون، على ما أنكرت من حدهم المعرب 3 بأنه ما يختلف، ويفضي إلى الدور، كما ألزمتهم، إذ كون المضاف إليه مجرورا، يحتاج إلى معرفة حقيقة المضاف إليه، حتى إذا عرفت حقيقته، جر بعد ذلك،


(1) أي معنى الظرفية في الظرف، والتعليل في المفعول لأجله، ظاهر، وهو معنى حرف الجر، (2) جواب قوله: وإن أردت.. وتقديره كان قولك هذا كأنك قلت، أو كان الحال والشأن، (3) اعترض ابن الحاجب على تعريف النجاة للمعرب بأنه يؤدي إلى الدور... الخ ص 52 ج 1 (*)

[ 203 ]

كما قلت في الفاعل، إنما نجده ليعرف فيرفع، ثم جعلت 1 من حدك معرفة حقيقته محتاجة إلى كونه مجرورا، إذ معنى (مرادا) على ما ذكرنا: باقيا على عمله في الجر، واعلم أن المضاف إليه إضافة لفظية، خارج عن هذا الحد، إذ ليس (الوجه) في قولنا: زيد حسن الوجه، مضافا إليه (حسن) بتقدير حرف الجر، بل: هو هو، وكذا في: ضارب زيد، لأن (ضارب) وإن كان مضافا إلى (زيد) لكنه بنفسه لا بحرف الجر، كما كان مضافا إليه من حيث المعنى حيث نصبه أيضا، ولم يحتج في إضافته إليه، لا في حال الأضافة ولا قبلها، إلى حرف جر، بلى، قد يدعم اسم الفاعل بحرف جر في بعض المواضع وإن كان من فعل متعد بنفسه، نحو: أنا ضارب لزيد، لكونه أضعف عملا من الفعل، هذا، وفي العامل في المضاف إليه خلاف بينهم، كما مر في أول الكتاب 2، وفي العامل في المضاف إليه اللفظي، إشكال، إن قلنا ان العامل هو الحرف المقدر، إذ لا حرف فيه مقدرا، وكذا إن قلنا ان العامل معنى الأضافة، لأنا لا نريد بها مطلق الأضافة، إذ لو أردنا ذلك لوجب انجرار الفاعل والمفعول والحال، وكل معمول للفعل، بل نريد الأضافة التي تكون بسبب حرف الجر، وكذا إن قلنا إن العامل هو المضاف، لأن الأسم، على ما قال أبو علي، في هذا الباب لا يعمل الجر الا لنيابته عن الحرف العامل، فإذا لم يكن حرف، فكيف ينوب الاسم عنه ؟، ويجوز أن يقال 3: عمل الجر، لمشابهته للمضاف الحقيقي، بتجرده عن التنوين أو النون، لأجل الأضافة،


(1) أي في تعريفك للمضاف إليه هنا، ويريد الرضي أن تعريف ابن الحاجب هنا يؤدي إلى الدور، ولكنه لم يزد على ذلك، (2) ص 72 من الجزء الأول، (3) لدفع ما أشار إليه من الأشكال، (*)

[ 204 ]

قال جار الله 1، الأضافة مقتضية للجر، والفاعلية للرفع، والمفعولية للنصب، وهي غير العوامل، يعني أن العامل ما به تقوم هذه المعاني المقتضية كما تقدم في أول الكتاب، وإنما نسب العمل إلى ما تقوم به المقتضي، لا إلى المقتضي، فقيل: الرافع هو الفعل ولم نقل هو الفاعلية، لكون المقتضي أمرا خفيا معنويا، وما تقوم به المقتضي أمرا ظاهرا جليا في الأغلب، (متى يقدر حرف الجر) (قال ابن الحاجب:) (فالتقدير، شرطة أن يكون المضاف اسما مجردا تنوينه لأجلها)، (قال الرضي:) قال في الشرح 2: الغرض أن يندرج فيه اللفظي والمعنوي، ثم ينفصل اللفظي عن المعنوي بقوله بعد: فالمعنوية أن يكون المضاف غير صفة مضافة إلى معمولها، وفيه نظر، لأن اللفظي، كما ذكرنا، كالحسن الوجه، ومؤدب الخدام، وضارب زيد، ليس الحرف فيه مقدرا، فكيف يندرج في التقديري، وإنما قال: اسما، ليخرج المضاف بالحرف الظاهر، نحو: مررت بزيد، فإن المضاف فيه، يكون فعلا، أو بمعنى الفعل، قوله: مجردا تنوينه، أي التنوين، أو ما يقوم مقامه من نوني التثنية والجمع، وكذا


(1) أي الزمخشري وتكرر ذكره، (2) المراد شرح ابن الحاجب على هذه الرسالة، (*)

[ 205 ]

ما ليس فيه التنوين والنون، يقدر أنه لو كان فيه تنوين لحذف لأجل الأضافة، كما في: كم رجل، وهن حواج بيت الله، والضارب الرجل، وإنما حذف التنوين أو النون، لأنها دليل تمام ما هي فيه، كما ذكرنا في إعراب المثنى والمجموع، فلما أرادوا أن يمزجوا الكلمتين مزجا تكتسب به الأولى من الثانية التعريف أو التخصيص، حذفوا من الأولى علامة تمام الكلمة، وقد يحذف من المضاف هاء التأنيث إذا أمن اللبس كقوله تعالى: (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) 1، وقولهم: هو أبو عذرها 2، ولا يقاس على ذلك، وقالوا إن الفراء يقيس عليه،


(1) الآية 73 سورة الأنبياء، (2) العذرة: البكارة في المرأة، ومنه يقال للتي لم تتزوج عذراء، فمعنى قولهم أبو عذرتها وأبو عذرها، الذي افتض بكارة المرأة، ثم استعمل لكل من يأتي بشئ لم يسبق إليه، (*)

[ 206 ]

(الأضافة المعنوية) (قال ابن الحاجب:) (وهي معنوية ولفظية، فالمعنوية أن يكون المضاف غير صفة) (مضافة إلى معمولها، وهي بمعنى اللام فيما عدا جنس المضاف) (وظرفه، أو بمعنى من، في جنس المضاف، أو بمعنى في،) (في ظرفه، وهو قليل، نحو: غلام زيد، وخاتم فضة،) (وضرب اليوم، وتفيد تعريفا مع المعرفة، وتخصيصا مع) (النكرة، وشرطها تجريد المضاف من التعريف، وما أجازه) (الكوفيون من: الثلاثة الأثواب، وشبهه من العدد، ضعيف)، (قال الرضي:) اعلم أنه لا تلتبس المعنوية إلا باللفظية، ففسر المعنوية بمضادتها اللفظية التي هي كون المضاف صفة مضافة إلى معمولها فقال: المعنوية ألا يكون المضاف صفة مضافة إلى معمولها، أي: هي على ضربين، إما ألا يكون المضاف صفة نحو: غلام زيد، أو يكون صفة، لكن لا تكون الصفة مضافة إلى معمولها، نحو: مصارع مصر، والله خالق السموات، لأن اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل، فلا يكون له معمول حتى يضاف إليه، ثم قسم المعنوية ثلاثة أقسام: إما بمعنى اللام، أو بمعنى من، أو بمعنى في، قوله: (فيما عدا جنس المضاف)، (ما) كناية عن المضاف إليه، أي في م ضاف إليه هو غير جنس المضاف، وغير ظرفه، ويعني بكون المضاف إليه جنس المضاف: أن يصح إطلاقه على المضاف ويصح على غيره، أيضا، فيكون نحو: بعض القوم، ونصف القوم، وثلثهم: (*)

[ 207 ]

بمعنى اللام، لأنك تريد بالقوم: الكل، والكل لا يطلق على بعضه، وكذا: يد زيد، ووجهه، بمعنى اللام، وإن كان يقال: بعض منه، ونصف منه، ويد منه، لأن (من) التي تتضمنها الأضافة، هي التنبينية، كما في: خاتم حديد، وأربعة دراهم، وشرط (من) المبينة أن يصح إطلاق اسم المجرور بها على المبين كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) 1، وأما قولك ثلاثة دراهم، وراقود خل، فإنما كنيت فيه بالمقدار عن المقدر، كما يجيى في باب العدد، فالثلاثة هي الدراهم، والراقود هو الخل، ومن ثم تقول: دراهم ثلاثة، وخل راقود، وثوب ذراعان، وإن كان المقدار في الأصل غير المقدر به، وبقولنا: يصح إطلاقه على غير المضاف، أيضا، خرج نحو: جميع القوم، وعين زيد، وطور سيناء، ويوم الأحد، فجميعها، إذن، بمعنى اللام، وكذا سعيد كرز، ومسجد الجامع، على ما يجيئ من التأويل، لأن الثاني، أعني الجامع غلب وتخصص، حتى إذا أطلق لم يتناول إلا الأول، فالجامع في العرف، هو المسجد لا غير، ولا يلزم فيما هو بمعنى اللام أن يجوز التصريح بها، بل يكفي افادة الاختصاص الذي هو مدلول اللام، فقولك: طور سيناء، ويوم الأحد، بمعنى اللام، ولا يصح إظهار اللام في مثله، فالأولى، إذن، أن نقول: نحو ضرب اليوم، وقتيل كربلاء 2، بمعنى اللام كما قاله باقي النجاة، ولا نقول: إن إضافة المظروف إلى الظرف بمعنى (في)، فإن أدني ملابسة واختصاص يكفي في الأضافة بمعنى اللام، كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه: خذ طرفك، ونحو: كوكب الخرقاء 3 لسهيل، وهي التي يقال لها إضافة


(1) الآية 30 سورة الحج، (2) كربلاء مكان بأرض العراق قتل فيه الحسين بن علي رضي الله عنهما ويقال له أيضا قتيل الطف، وهو اسم جزء معين من أرض كربلاء، (3) هذا تعبير يريدون به النجم المعروف باسم سهيل، ومضت الأشارة في الجزء الأول إلى أن البغدادي اعتبره شاهدا لانه ورد في بيت شعر: هو قول الشاعر: إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل، اذاعت غزلها في القرائب، (*)

[ 208 ]

لأدني ملابسة، فنقول: كل ما لم يكن فيه المضاف إليه جنس المضاف بالتفسير الذي مر، من الأضافة المحضة، فهو بمعنى اللام، وكل اضافة كان المضاف إليه فيها جنس المضاف، فهي بتقدير (من) ولا ثالث لهما، قوله: (وتفيد تعريفا مع المعرفة وتخصيصا مع النكرة)، يعني أن الأضافة المعنوية بخلاف اللفظية، وإنما أفادت تعريفا مع المعرفة، لأن وضعها لتفيد أن لواحد مما دل عليه المضاف، مع المضاف إليه خصوصية ليست للباقي، معه 1، مثلا، إذا قلت: غلام زيد راكب، ولزيد غلمان كثيرون، فلا بد أن تشير 2 به إلى غلام من بين غلماته، له مزيد خصوصية بزيد، إما بكونه أعظم غلمانه، أو أشهر بكونه غلاما له دون غيره، أو بكونه غلاما معهودا بينك وبين المخاطب، وبالجملة، بحيث يرجع إطلاق اللفظ إليه دون سائر الغلمان، وكذا كان الحال في: ابن الزبير، وابن عباس، قبل العلمية، هذا أصل وضعها، ثم، قد يقال جاءني غلام زيد من غير اشارة إلى واحد معين، وذلك، كما أن أصل ذي اللام في أصل الوضع لواحد معين، ثم قد يستعمل بلا إشارة إلى معين، كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني * فأعف ثم أقول لا يعنيني 3 - 56 وذلك على خلاف وضعه، فلا تظنن من اطلاق قولهم في مثل: غلام زيد، إنه بمعنى اللام: أن 4 معناه ومعنى:


(1) أي ليست لبقية أفراد المضاف مع المضاف إليه كما سيوضح ذلك بالمثال، (2) أي تقصد به، (3) تكرر ذكر هذا البيت في هذا الشرح، ولا يخرج الغرض من ذكره في كل مرة عن بيان وقوع المعرف باللام الجنسية موصوفا بالجملة لأنه لا يراد به معين، ومعلوم أنه يجوز النظر ا ء لى لفظه فتعرب الجملة حالا، (4) مفعول قوله: فلا تظننن، (*)

[ 209 ]

غلام لزيد، سواء، بل معنى غلام لزيد: واحد من غلمانه غير معين، ومعنى غلام زيد، الغلام المعين من بين غلمانه إن كان له غلمان جماعة أو ذلك الغلام المعلوم لزيد إن لم يكن له إلا واحد، قوله: (وتخصيصا مع النكرة)، نحو قولك: غلام رجل، إذ تخصص من غلام امرأة، قوله: (وشرطها)، أي شرط الأضافة الحقيقية: تجريد المضاف من التعريف، فإن كان ذا لام، حذفت لامه، وإن كان علما، نكر، بأن يجعل واحدا من جملة من سمي بذلك اللفظ نحو قوله: علا زيدنا يوم النقي رأس زيدكم * بأبيض ماضي الشفرتين يماني 1 - 114 ولا يجوز إضافة سائر المعارف، من المضمرات والمبهمات لتعذر تنكيرها، وعندي: أنه يجوز إضافة العلم مع بقاء تعريفه، إذ لا مانع من اجتماع التعريفين إذا اختلفا، كما ذكرنا في باب النداء 2، وذلك إذا أضيف العلم إلى ما هو متصف به معينى، نحو: زيد الصدق، يجوز ذلك، وإن لم يكن في الدنيا إلا زيد واحد، ومثله قولهم: مضر الحمراء، وانمار الشاء، وزيد الخيل 3، فإن الأضافة فيها ليست للاشتراك المتفق 4،


(1) تقدم هذا البيت في الجزء الأول وبعده بيت آخر يرتبط بمعناه وهو قوله: فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما * أقادكم السلطان منذ زمان (2) انظر ص 373 في الجزء الأول من هذا الشرح، (3) مضر وأنمار وربيعة أيضا، أبناء نزار، وكل منهم أبو قبيلة من العرب، وسمي كل منهم بما ورث عن أبية، فقد قالوا إن مضر ورث الذهب، وأنما ورث الغنم، وربيعة ورث الخيل فقيل لهم: مضر الحمراء وأنمار الشاء وربيعة الفرس، وقيل في سبب التسمية غير ذلك، وأما زيد الخيل فهو زيد بن مهلهل من طبى، أدرك الأسلام وأسلم وسماه النبي صلى الله عليه وسلم: زيد الخير، وكان من فرسان العرب وصاحب خيل كثيرة، وله شعر جيد، (4) أي الحاصل اتفاقا بدون قصد (*)

[ 210 ]

هذا، وإنما يجرد المضاف في الأغلب 1 من التعريف، لأن الأهم من الأضافة إلى المعرفة: تعريف المضاف، وهو حاصل للمعرفة، فيكون تحصيلا للحاصل، والغرض من الأضافة إلى المنكر: تخصيص المضاف، وفي المضاف المعرف: التخصيص مع الزيادة وهي التعيين، (الأسماء المتوغلة) 2 (في الأبهام) (وحكمها في الأضافة) واعلم أن بعض الأسماء قد توغل في التنكير، بحيث لا يتعرف بالأضافة إلى المعرفة إضافة حقيقية، نحو: غيرك، ومثلك، وكل ما هو بمعناها من: نظيرك، وشبهك، وسواك وشبهها، وإنما لم يتعرف (غيرك) لأن مغايرة المخاطب ليست صفة تخص ذاتا دون أخرى، إذ كل ما في الوجود إلا ذاته 3، موصوف بهذه الصفة، وكذا مماثلة زيد، لا تخص ذاتا، بلي، نحو مثلك، أخص من: غيرك، لكن المثلية، أيضا يمكن أن تكون من وجوه، من الطول والقصر، والشباب والشيب، والسواد، والعلم، وغير ذلك مما لا يحصى، قال ابن السري 4: إذا أضفت (غيرا) إلى معرف له ضد واحد فقط تعرف (غير)


(1) هذا استدراك على ما قال من جواز إضافة العلم مع بقاء تعريفه (2) استطراد من الرضي كعادته في استكمال المباحث (3) أي ذات المقصود بهذه الكلمة (4) المراد به: الزجاج واسمه ابراهيم بن السري، والذي اشتهر بابن السري هو أبو بكر بن السراج وقل أن يذكر الرضي الزجاج بهذا الاسم، (*)

[ 211 ]

لانحصار الغيرية، كقولك: عليك بالحركة غير السكون، فلذلك كان قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم)، صفة: (الذين أنعمت عليهم 1)، إذ ليس لمن رضي الله عنهم ضد، غير المغضوب عليهم، فتعرف (غير المغضوب عليهم) لتخصصه بالمرضي عنهم، وكذا إذا اشتهر شخص بمماثلتك في شئ من الأشياء، كالعلم أو الشجاعة، أو نحو ذلك، فقيل: جاء مثلك، كان معرفة إذا قصد: الذي يماثلك في الشئ الفلاني، واعتبار المعرفة والنكرة بمعانيهما 2، فكل شئ خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة، وقدح ابن السراج 3 في قوله 4 هذا، بقوله تعالى: (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل 5)، مع أن معنى (غير الذي كنا نعمل) أي الصلاح لأن عملهم كان فسادا، وبقول الشاعر: 276 - إن قلت خيرا قال شرا غيره * أو قلت شرا مده بمداد 6 والجواب 7: أنه على البدل، لا الصفة، أو حمل (غير) على الأكثر، مع كونه صفة، لأن الأغلب فيه عدم التخصص بالمضاف إليه، وقد جاء قبل (غير)، معمول لما أضيف إليه (غير) نحو: أنا زيدا غير ضارب،


(1) الآية الأخيرة من سورة الفاتحة، (2) يعني أن الحكم على الألفاظ بالتعريف أو التنكير راجع إلى ما تدل عليه من المعنى، (3) هذا هو أبو بكر محمد بن السراج الذي أشرنا إليه في التعليق على قول الرضي قال ابن السري، (4) أي في قول الزجاج الذي عبر عنه الرضي بابن السري، (5) الآية 37 سورة فاطر، (6) هذا من شعر الأسود بن يعفر في صاحب عنيد مولع بالمخالفة حتى لا يستريح الأنسان إلى عشرته، وبعده قوله: فلئن أقمت لأظفرن ببلدة * ولئن ظعنث لارسين أو تادي (7) الجواب عما قاله ابن السراج في رده على الزجاج، (*)

[ 212 ]

مع أنه لا يجوز اعمال المضاف إليه فيما قبل المضاف فلا تقول: أنا زيدا مثل ضارب، وإنما جاز هذا 1، لحملهم (غير) على (لا) فكأنك قلت: أنا زيدا لا ضارب، وما بعد (لا) يعمل فيما قبلها، وذلك كما تقدم في باب المنصوب بلاء التبرئة، من حمل (لا) على (غير) 2، والدليل على تأخيهما: العطف على (غير) بتكرير (لا)، كما في قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) 3، كأنه قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وسمع سيبويه: لي عشرون مثله، وقاس عليه يونس وغيره من البصريين من غير سماع: عشرون غيره، ومنعهما الفراء، والسماع لا يرد، ولا سيما إذا عضده القياس، وكلهم منعوا: عشرون أيما رجل وأي رجل لعدم السماع، وإن لم يمنعه القياس، قالوا: ولفظ شبيه، يتعرف بالأضافة، لانحصار الشبه في جميع الوجوه، وذلك لأجل المبالغة التي في هذا التركيب 4، كما في: عليم وسميع، فمعنى مررت بالرجل شبيهك، أي: من يشبهك في جميع الوجوه، وقال أبو سعيد 5: في، مثلك، وغيرك، وما في معناهما، أنها لم تتصرف لكونها بمعنى اسم فاعل مضاف إلى مفعوله، أي: مماثلك، ومشابهك ومغايرك، فإن قيل 6: غير، وشبه، مطلق 7، وإضافة اسم الفاعل، إنما تكون لفظية إذا أردت الحال أو الاستقبال،


(1) أي في المثال الذي فيه غير (2) انظر في هذا الجزء، ص 163 (3) هي الآية السابقة من سورة الفاتحة مع زيادة هنا، (4) أي اللفظ المصوغ على هذا الوزن، (5) أي السيرافي، (6) اعتراض على ما ذهب إليه السيرافي، ورد الرضي عليه، (7) أي غير محدد بزمان معين، (*)

[ 213 ]

فالجواب: أنه لما فاتت موازنة المضارع، لم يشترط فيه أحد الزمانين أو تقول: شرط كون إضافة اسمي الفاعل والمفعول لفظية: ألا يكونا بمعنى الماضي، لا أن يكونا بمعنى الحال أو الاستقبال، كما سيجيئ في هذا الباب، أو الاستمرار 1، كما يجيئ بعد، والأطلاق يفيد الاستمرار، وقالوا في: حسبك، وشرعك، وكافيك، وناهيك، وكفيك ونهيك، ونهاك، إنها لم تتعرف لكونها بمعنى الفعل، لأن معنى حسبك زيد: ليكفك زيد، وكذا أخواته، وإنما بني قدك، وقطك، وبجلك دون حسبك وأخواته، لأنها 2 صارت أسماء أفعال، كما يجيئ في باب اسم الفعل، بخلاف حسبك وأخواته، ويدخل عليها 3 من نواسخ الابتداء (إن) فقط، كقوله تعالى: (فإن حسبك الله) 4، لأنها لا تغير معنى الكلام، ولا تقع إذا جاوزت هذا الموضع إلا موقعا يصح وقوع الفعل فيه، لأدائها معنى الفعل، وتكون صفة للنكرة، نحو: مررت برجل حسبك وكفيك، وحالا من المعرفة، نحو: هذا عبد الله حسبك وشرعك، منصوبين، ولم يتصرف في هذه، إلا في الأعراب، فلم تثن ولم تجمع، لمشابهة قدك وقطك، غير المتصرفين، وعلى هذا قالوا: مررت برجل كافيك من رجل، وبرجلين كافيك من رجلين 5، وبامرأة كافيك من امرأة، اجراء له في عدم التصرف مجرى : قدك وقطك، وقد استعمل (ناهيك) على أصله من التصرف، فقيل: برجلين ناهييك من رجلين، وبامرأة ناهيتك من امرأة، وكذا سائر تصرفاته، وقالوا: مررت برجل هدك من رجل وبرجلين هدك من رجلين، وبرجال هدك من رجال، وبامرأة هدك من امرأة،


(1) أي نقول ان الشرط هو أن يكونا للاستمرار، والأطلاق الذي تدل عليه غير، مفيد للاستمرار، (2) أي قدك وما بعده، (3) أي على حسب وأخواته، (4) الآية 62 من سورة الأنفال (5) في بعض الأمثلة هنا زيادة ليست في المطبوعة أو هي موجودة في بعض النسخ التي أشير إليها بالهامش، رأيت أن إثباتها فيه استيفاء للأمثلة، (*)

[ 214 ]

ومعنى هدك: أي أثقلك وصف محاسنه، فأجروه مجرى: قدك، في عدم التصرف، لافادته فائدته، وربما جاء فعلا متصرفا، نحو: برجلين هداك من رجلين، وبرجال هدوك، وبامرأة هدتك، وبامرأتين هدتاك، وبنسوة هددنك، ويجوز أن يقال في حسبك، وهدك ونهيك، ونهاك، وشرعك: انها لم تتصرف، لكونها في الأصل مصادر، وبعض العرب يجعل (واحد امه) و (عبد بطنه): نكرتين، قال حاتم: 277 - أماوي، اني رب واحد أمه * أخذت فلا قتل عليه ولا أسر 1 وليست العلة في تنكيرهما: ما قال بعضهم، ان (واحد أمه)، مضاف إلى أم، و (أم) مضاف إلى ضمير (واحد)، فلو تعرف بضميره لكان كتعرف الشئ بنفسه، وذلك 2، لأن الضمير في مثله لا يعود إلى المضاف الأول، بل إلى ما تقدم عليه من صاحب ذلك المضاف، نحو: رب رجل واحد أمه، فالهاء عائدة إلى (رجل)، وكذا في قوله: رب واحد أمه، أي رب رجل واحد أمه، وسيجئ في باب المعرفة والنكرة، أن الضمير الراجع إلى نكرة غير مختصة: نكرة، كقولك: رب شاة وسخلتها، فإن كان ذلك المضاف معرفة تعرف المضاف، لكون الضمير معرفة، نحو: زيد واحد أمه، وكذا ان كان نكرة مختصة، نحو: رأيت رجلا هو واحد أمه، وكذا ينبغي أن يكون قولك: صدر بلده، ورئيس قبيلته، وابن أمه، ونادرة دهره، ونحو ذلك، وأجاز ابن كيسان 3 تنكير المضاف الذي لا مانع فيه من التعريف، لنية الانفصال،


(1) هذا من قصيدة جيدة لحاتم الطائي، أولها: أماوي، قد طال التجنب والهجر * وقد عذرتني في طلابكم العذر وقد بدأ كثيرا من أبياتها بمثل هذا البدء: أماوي، ومنها قوله: أماوي، ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (2) تعليل لقوله: وليست العلة في تنكيرهما... الخ، (3) أبو الحسن، محمد بن أحمد من مشاهير النجاة، تقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (*)

[ 215 ]

نحو: ما جاءني غلام زيد، ظريف، أي: غلام لزيد، كما يجوز ذلك في المعرف باللام، كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسيبني 1 - 56 وقد يكتسي المضاف التأنيث من المضاف إليه، إن حسن الاستغناء في الكلام الذي هو فيه، عنه، بالمضاف إليه، يقال: سقطت بعض أصابعه، إذ يصح أن يقال: سقطت أصابعه، بمعناه، قال: 278 - لما أتي خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع 2 إذ يصح أن يقال: تواضعت المدينة، وقال: 279 - إذا بعض السنين تعرقتنا * كفى الأيتام فقد أبي اليتيم 3 وقال: 280 - مر الليالي أسرعت في نقضي * أخذن بعضي وتركن بعضي 4 إذ يقال: السنون تعرفتنا، والليالي أخذن، ومنه قوله: 281 - فما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا 5


(1) تكرر هذا البيت وأشرنا قريبا إلى ذلك وأن الغرض من إيراده في كل مرة لا يتغير، (2) هذا البيت من قصيدة لجرير في هجاء الفرزدق وإن كان البيت يبدو أنه رثاء، ولكن القصيدة تضمنت كثيرا من الطعن في قوم الفرزدق وأن من عيوبهم ما فعله ابن جرموز المجاشعي من قتل الزبير بن العوام غيلة، (3) وهذا البيت أيضا من قصيدة لجرير، وهي في مدح هشام بن عبد الملك بن مروان، يقول عنه فيها: وأنت إذا نظرت إلى هشام * عرفت نجار منتخب كريم يرى للمسلمين عليه حقا * كفعل الوالد الروف الرحيم، الروف بدون مدة (4) من أرجوزة قيل إنها للأغلب العجلي، أولها: أصبحت لا يحمل بعض بعضي * منفها أروح مثل النقض (5) مما نسب إلى مجنون بن عامر، قيس بن الملوح، قال البغدادي إن قبله بيتا ولا ثالث لهما، وهو: (*)

[ 216 ]

فاكتسى التأنيث والجمع، وقد يكتسي المضاف البناء من المضاف إليه، كما يجئ في الظروف المبنية، قوله: (وشرطها تجريد المضاف من التعريف)، قد مر وجهه، وقوله: وما أجازه الكوفيون...، نقل الكوفيون تعريف الاسمين في كل عدد مضاف إلى معدوذة نحو: الثلاثة الأثواب... إلى العشرة، والمائة الدرهم والألف الرجل، وهو ضعيف قياسا واستعمالا 1، أما القياس فلأن تعريف المضاف يحصل بالمضاف إليه، فيكون اللام في المضاف ضائعا، وأما الاستعمال فلأنهم نقلوه عن قوم فصحاء والفصحاء على غيره، قيل: وجهه، على ضعفه، أن المضاف 2 من حيث المعنى هو المضاف إليه، والمضاف هو المقصود بالنسبة، وإنما جئ بالمضاف إليه لغرض بيان أن المضاف من أي جنس هو، فعرف المقصود بالنسبة، تعريفا من حيث ذاته، لا تعريفا مستعارا من غيره، ثم أضيف بعد التعريف، لغرض تبيين أن هذا المعرف من أي نوع هو، كأنك كنت ذكرت أولا أن عندك ثلاثة، مثلا ولم تذكر من أي نوع هي، ثم رجعت إلى ذكرها فقلت: بعت الثلاثة، أي تلك الثلاثة ثم بينت نوعها فقلت: الثلاثة الأثواب، وهذا هو الوجه لمن قال: الثلاثة أثواب، وإن كان أقبح من الأول، لأضافة المعرفة إلى النكرة، ولا نظير له، لا في المعنوية، ولا في اللفظية، كأنهم لما عرفوا الأول استغنوا عن تعريف الثاني، لأنه هو، ولأن الأضافة لبيان نوعه لا للتعريف، وفي هذا الاعتذار نظر 3، أما أولا، فلأن المقصود بالنسبة في العدد المضاف هو المميز، وإنما جئ بالعدد لنصوصية 4 كمية المميز، ألا ترى أن المفرد والمثنى نحو رجل، ورجلان،


= أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا (1) مع قول الرضي هذا، هو يستعمل الرأي الذي أنكره على الكوفيين، وقد أشرنا إلى ذلك في عدد من المواضع، (2) أي في نحو: الثلاثة الدراهم، (3) هو ما تضمنه قوله: قيل وجهه على ضعفه.. الخ (4) أشرنا من قبل إلى أن هذا اللفظ مستحدث يراد به كون الشئ نصا في المقصود منه لا يحتمل غيره، (*)

[ 217 ]

لما دلا على النصوصية لم يؤت بالعددين، وأيضا، الأغلب وصف المضاف إليه، لا المضاف، كقوله تعالى: (سبع بقرات سمان) 1، وأما ثانيا، فلأن كل ما ذكر، حاصل في: خاتم فضة، ولم يسمع الخاتم الفضة، ولا: الخاتم فضة 2،


(1) من الآية 43 سورة يوسف، (2) أي بإضافته إلى خاتم، سواء مع تعريف المضاف إليه أو تنكيره، (*)

[ 218 ]

(الأضافة اللفظية) (معناها وفائدتها) (قال ابن الحاجب:) (واللفظية: أن يكون صفة مضافة إلى معمولها، مثل: ضارب) (زيد وحسن الوجه، ولا تفيد إلا تخفيفا في اللفظ، ومن ثم) (جاز: مررت برجل حسن الوجه، وامتنع: مررت بزيد) (حسن الوجه وجاز: الضار بازيد، وامتنع: الضارب زيد) (خلافا للفراء، وضعف: الواهب المائة الهجان وعبدها 1،) (وإنما جاز: الضارب الرجل، حملا على المختار في:) (الحسن الوجه، والضاربك وشبهه فيمن قال انه مضاف،) (حملا على: ضاربك)، (قال الرضي:) قوله: (أن يكون صفة)، أي يكون المضاف صفة، احتراز عن نحو: غلام زيد، وباب ساج، قوله (مضافة إلى معمولها)، أي إلى مرفوعها، أو منصوبها، وهو احتراز عن الصفة المضافة لا إلى معمولها، نحو: مصارع مصر، وخالق السموات، وزيد مضروب عمرو، فإن جميعها مضافة لا إلى معمولها، فاضافتها محضة،


(1) شطر بيت سيأتي كاملا، في الشرح، (*)

[ 219 ]

قال المصنف: ومن ذلك: (مالك يوم الدين) 1، على الأصح، وهذا منه عجيب، وذلك أن (يوم الدين)، إما أن يكون بمعنى (في) كما يدعي المصنف في: ضرب اليوم، فيكون المضاف إليه مفعولا فيه من حيث المعنى، فيكون معمول اسم الفاعل، فهو صفة مضافة إلى معمولها، وليس كضرب اليوم، لأنه، وإن كان مضافا إلى معموله، لكنه ليس صفة، فإضافته حقيقية 2، وإما أن يكون مما كان مفعولا فيه فاتسع فيه فالحق بالمفعول به، كما يدعيه النجاة في نحو: يا سارق الليلة أهل الدار 3 - 168 فهو أيضا معمول الصفة، فتكون الأضافة غير محضة، قال: 282 - رب ابن عم لسليمى مشمعل * طباخ ساعات الكرى زاد الكسل 4 ولعل المصنف جعل (مالك يوم الدين) بتقدير اللام، كمصارع مصر، فلذا قال: ومن ذلك: مالك يوم الدين، لكن ذلك مخالف لأطلاق قوله قبل، أو بمعنى في، في ظرفه، والوجه في التعريف مالك يوم الدين، حتى وقع صفة (لله): أنه بمعنى اللام، نحو: قتيل كربلاء 5، رضي الله عنه، أو أنه بمعنى الماضي، كأنه قال: ملك يوم الدين أي:


(1) الآية 4 من سورة الفاتحة، (2) قصده المثال المتقدم الذي هو: ضرب اليوم، (3) تقدم هذا الشطر في باب المفعول فيه من الجزء الأول، والاستشهاد به هناك على أن الظرف قد يتوسع فيه فيعامل معاملة المفعول به حتى انه يضاف إلى المصدر وإلى الوصف المشتق، وقال هناك: إن معناه ظرفا باقيا فيعامل معاملة المفعول به حتى انه يضاف إلى المصدر وإلى الوصف المشتق، وقال هناك: إن معناه ظرفا باقيا على ظرفيته، ومتوسعا فيه: واحد، وهو من شواهد سيبويه، ج 1 ص 89،. (4) المشمعل: الخفيف في كل ما يأخذ فيه من عمل، وهذا من رجز، لابن أخي الشماخ بن ضرار، وكان مع القوم في رحلة فطلبوا منه أن يحدو الابل، فارتجز قائلا: قالت سليمى لست بالحادي المدل * مالك لا تملك أعضاد الأبل (5) المراد: الحسين بن علي وتقدم وجه التسمية قريبا، (*)

[ 220 ]

أمر يوم الدين، فيكون كخالق السموات 1، وإيراده ماضيا على طرز قوله تعالى: (وسيق الذين 2...) و: (ونادى أصحاب النار 3) لكونه من الأمر المحتوم، فكأنه وقع ومضى، وقيل: مالك يوم الدين، نكرة، جرت على الله، تعالى، على وجه البدل، والأول أولى، والمتفق عليه من الأضافة اللفظية، ثلاثة أشياء: اسم الفاعل المضاف إلى فاعله أو مفعوله، كما يجيئ، واسم المفعول المضاف إلى مفعول ما لم يسم فاعله أو إلى المنصوب المفعول 4، والصفة المشبهة المضافة إلى ما هو فاعلها معنى، بعد جعله في صورة المفعول لفظا، على ما يجيئ في بابها إن شاء الله تعالى، والمختلف فيه، هل هو لفظي أو معنوي: ثلاثة أشياء: إضافة ما ظاهره أنه موصوف مضاف إلى صفته، وما ظاهره أنه صفة مضافة إلى موصوفها، وإضافة أفعل التفضيل بمعنى (من)، وسيجيئك بيانها بعون الله تعالى، أما إضافة اسم الفاعل والمفعول إضافة لفظية فنقول: كون إضافة الصفة إضافة لفظية مبني على كونها عاملة في المضاف إليه رفعا أو نصبا،. وذلك لأنه إذا كان كذا، فالذي هو مجرور في الظاهر ليس مجرورا في الحقيقة، والتنوين المحذوف في اللفظ مقدر منوي، فتكون الأضافة كلا إضافة، وهو المراد بالأضافة اللفظية، فالصفة، إما أن تكون صفة مشبهة، أو اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو أفعل تفضيل، أما أفعل التفضيل فسيجئ حكمه بعد، وأما الصفة المشبهة فهي أبدا، جائزة العمل،


(1) في كون إضافته حقيقية (2) صدر كل من الآيتين 71، 73 سورة الزمر، (3) من الآية 50 سورة الأعراف (4) يعني إذا كان اسم المفعول من المتعدي إلى اثنين، (*)

[ 221 ]

فإضافتها، أبدا، لفظية، وأما اسما الفاعل والمفعول، فعملهما في مرفوع هو سبب 1، جائز مطلقا، سواء كانا بمعنى الماضي، أو بمعنى الحال، أو بمعنى الاستقبال، أو لم يكونا لأحد الأزمنة، بل كانا للأطلاق المستفاد منه الاستمرار، نحو: زيد ضامر بطنه، ومسود وجهه، ومؤدب خدامه، وذلك لأن أدني مشابهة للفعل تكفي في عمل الرفع، لشدة اختصاص المرفوع بالفعل، وخاصة إذا كان سببا، ألا ترى إلى رفع الظرف، والمنسوب في نحو: زيد في الدار أبوه، على مذهب أبي علي 2، ونحو: مررت برجل مصرى حماره، وكذا برجل خز صفة سرجه 3، وإذا كانا كذا 4، فإضافتهما إلى سبب هو فاعلهما معنى: لفظية دائما من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى، فلأن المضاف في الحقيقة نعت المضاف إليه، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد قائم الغلام، فالمعنى: له غلام قائم، وكذا مؤدب الخدام، وحسن الوجه، والنعت هو المعين للموصوف والمخصص له، لا المتعين منه والمتخصص، فلم يمكن تعيين هذه الثلاثة بما أضيفت إليه، ولا تخصصها منه، بخلاف: خاتم فضة، وغلام زيد، فإن المضاف إليه في الحقيقة ههنا: صفة للمضاف، لأن المعنى: خاتم من فضة وغلام لزيد،. ويعمل، أيضا، اسما الفاعل والمفعول: الرفع في غير السبب، بمعنى الاطلاق، كانا، أو بمعنى أحد الأزمنة الثلاثة، نحو: مررت برجل نائم في داره عمرو، ومضروب على بابه بكر، لكن لا يضافان إلى مثل هذا المرفوع، إذ لا ضمير فيه يصح انتقاله إلى الصفة وارتفاعه بها، فيبقى بلا مرفوع في الظاهر، ولا يجوز ذلك لقوة شبههما بالفعل، كما سيجئ، وكذا يعملان في الظرف، والجار والمجرور مطلقا، لأن الظرف يكفيه رائحة الفعل، نحو: مررت برجل ضارب أمس في الدار، ومضروب أول من أمس


(1) المراد به الاسم المرفوع المشتمل على ضمير يعود على الموصوف باسم الفاعل أو اسم المفعول، ويطلق عليه: السببي،. (2) أي الفارسي، واشتهرت نسبة هذا الرأي إليه، (3) صفة السرج: أعلاه، وصفة البيت جانب منه، (4) أي كما شرحنا، (*)

[ 222 ]

بالسوط، وكذا ينبغي أن يكون (الحال) 1، لمشابهته للظرف، وكذا المفعول المطلق، لأنه ليس بأجنبي، وأما عمل اسمي الفاعل والمفعول، في المفعول به، وغيره من المعمولات الفعلية 2، فمحتاج إلى شرط، لكونها أجنبية، وهو 3 مشابهتهما للفعل معنى، ووزنا، ويحصل هذا الشرط لهما، إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال، أو الأطلاق المفيد للاستمرار، لأنهما، إذن يشبهان المضارع الصالح لهذه المعاني الثلاثة، الموازن على الاطراد، لاسم الفاعل والمفعول، بخلاف الماضي، أما صلاحيته 4 للحال والاستقبال فظاهرة، وأما صلاحيته للأطلاق المفيد للاستمرار، فلأن العادة جارية منهم، إذا قصدوا معنى الاستمرار أن يعبروا عنه بلفظ المضارع، لمشابهته للاسم الذي أصل وضعه للاطلاق، كقولك: زيد يؤمن بالله، وعمرو يسخو بموجوده، أي: هذه عادته، فإذا ثبت أن اسمى الفاعل والمفعول يعملان في الأجنبي، إذا كانا بأحد هذه المعاني الثلاثة، فإضافتهما، إذن، إلى ذلك الأجنبي لفظية لأن هذا مبني على العمل، كما تقدم، وأبنية المبالغة، لما كانت للاستمرار، لا، لأحد الأزمنة، عملت، نحو: إنه لمنحار بوائكها 5، و: 283 - ضروب بنصل السيف سوق سمانها * إذا عدموا زادا فإنك عاقر 6 واسم الفاعل، واسم المفعول، لا يضافان، من بين مطلوباتهما، إلا إلى الفاعل والمفعول


(1) المراد الاسم المنصوب على أنه حال، (2) أي متعلقات الفعل المختلفة، (3) أي الشرط المطلوب، (4) أي المضارع، (5) البوائك جمع بائكة، وهي الناقة السمينة، ومنجار: كثير النحر، لهذا النوع من الابل، (6) نسب هذا البيت إلى أبي طالب بن عبد المطلب، وهو من قصيدة في رثاء أمية بن المغيرة المخزومي، وخطأ البغدادي من قال إن الشعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، (*)

[ 223 ]

به والمفعول فيه، لشدة طلبهما لها، دون سائر معمولاتهما، وقد جاء بعض الأسماء مؤولا باسم الفاعل المستمر، فكانت إضافته لفظية، كقوله: بمنجرد قيد الأوابد هيكل 1 - 177 أي: مقيد الأوابد، ومنه قولهم: هذه ناقة عبر الهواجر 2، أي عابرة كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار 3، - 168 وأما إذا كانا بمعنى الماضي، فإضافتهما محضة، لأنهما لم يوازنا الماضي، فلم يعملا عمله، إلا عند الكسائي فإنه 4 عنده يعمل، فتكون إضافته عنده لفظية، والدليل على أن كونهما 5 بمعنى الماضي محضة، قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا 6)، جعل (فاطر) و (جاعل) صفتين للمعرف، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى، فلأن ملابسة المضاف للمضاف إليه، قد حصلت في الماضي واشتهرت، في نحو: ضارب زيد أمس فيصح أن يتخصص المضاف به كتخصص الغلام بزيد في: غلام زيد، حين اشتهر بمملوكيته، وأما الحال فلم يتم بعد حصوله، والمستقبل مترقب، فلم يشتهر فيهما ملابسة المضاف للمضاف إليه بحيث يتعين المضاف بها أو يتخصص، واسم الفاعل أو المفعول المستمر، يصح أن تكون إضافته محضة، كما يصح ألا يكون كذلك، وذلك لأنه وإن كان بمعنى المضارع، إلا أن استمرار ملابسة المضاف


(1) هو عجز بيت من معلقة امرى القيس في وصف فرسه، وتقدم البيت شاهدا في أول باب الحال، (2) الهواجر جمع هاجرة وهي شدة الحر، يعني أنها تعبر الأماكن التي تشتد فيها الحرارة لا تباليها لقوتها، (3) تقدم ذكره قريبا، (4) فانه: أي الوصف، لذلك أفرد الضمير، (5) أي على أن إضافتهما... (6) الآية الأولى من سورة فاطر، (*)

[ 224 ]

للمضاف إليه، يصحح تعينه به أو تخصصه، ولا سيما 1 إذا كان معنى الاستمرار في الفعل غير وضعي، فإن وضعه على الحدوث، قال سيبويه 2: تقول: مررت بعبد الله ضاربك، كما تقول مررت بعبد الله صاحبك، أي: المعروف بضربك، كما تقول: بزيد شبيهك، أي المعروف بشبهك، فإذا قصدت هذا المعنى، لم يعمل الفاعل 3 في محل المجرور به نصبا، كما في (صاحبك)، وإن كان أصله اسم فاعل من: صحب يصحب، بل نقدره كأنه جامد، قال تعالى: (حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب) 4، ومثال اسم المفعول المضاف إلى الأجنبي، أي المنصوب قولك: زيد معطى الدار، أي يعطى الدار، وعمرو مكسو الجبة، أي يكسى الجبة، وحاله كحال اسم الفاعل المضاف إلى المنصوب، كما مر، واعلم أنه حال المصدر بخلاف الصفة، فإن إضافته إلى معموله محضة وذلك لنقصان مشابهته للفعل لفظا ومعنى، أما لفظا، فلعدم موازنته، وأما معنى فلأنه لا يقع موقع الفعل ولا يفيد فائدته إلا مع ضميمة وهي (أن) 5، بخلاف الصفة فإنها تؤدي معنى الفعل بلا ضميمة، تقول: أعجبني ضرب زيد عمرا، أي: أن ضرب زيد عمرا، وتقول: زيد ضارب عمرا، أي: يضرب عمرا، فلقوة شبه الصفة، لم يكن لها بد من مرفوع إما ظاهر أو مضمر، بخلاف المصدر كقوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما 6)، فإنه مجرد عن المرفوع، وكقولك: أعجبني ضرب، فإنه مجرد عن المرفوع والمنصوب، فلما


(1) يريد أن يقول إن الأصل في الفعل وضعه على الحدوث وذلك مما يقوي دعوى أن إضافة المستمر محضة، (2) هذا منقول بمعناه من سيبويه ج 1 ص 213، (3) أي اسم الفاعل، (4) الآيات الثلاث من أول سورة غافر، (5) هو معنى قولهم في شرط عمل المصدر: أن يكون مفسرا بأن والفعل، (6) الآتيان 14، 15 سورة البلد، (*)

[ 225 ]

كانت الصفة أقوى شبها بالفعل، كانت أولى بعملها عمل الفعل، فكان تقدير الانفصال 1 فيها، أظهر، فمن ثم كانت إضافتها إلى معمولها لفظية، وإضافة المصدر إلى معموله محضة، فيختص المصدر، أو يتعرف، بنسبته إلى فاعله أو مفعوله، لاشتهاره به، كاختصاص الغلام برجل، وتعرفه بزيد، فإن قلت: فمقتضي ما ذكرت، أن يكون عمل الصفة عمل الفعل، أولى من عمل المصدر عمله، والأمر بالعكس وذلك أن المصدر في عمله لا يحتاج إلى شرط، بخلاف الصفة، فإنها تحتاج إلى الاعتماد، واسم الفاعل واسم المفعول محتاجان إلى كونهما بمعنى المضارع، مع الاعتماد، كما سيأتي في أبوابها، قلت: إن الأمر كذلك، إلا أن المصدر أطلب 2 لما هو فاعل له، ومفعول من الصفة، لأنه يطلبهما لكونهما من ضرورياته عقلا، لا وضعا، فبعد حصولهما له، يكفيه للعمل فيهما أدنى مشابهة للفعل، واسما الفاعل والمفعول، يطلبانهما لتضمنهما معنى المصدر الطالب لهما، فبعد حصولهما، لهما، يحتاجان إلى مشابهة قوية مع الفعل، وشروط، حتى يعملا عمل الفعل، فالمحصول 3، أن طلب المصدر للفاعل والمفعول قوي لكونه لذاته، وعمله فيهما ضعيف، لكونه لمشابهة ضعيفة مع الفعل لفظا ومعنى، فلهذا كان المصدر المضاف إلى أحدهما أكثر استعمالا من المصدر المعمل فيهما، وطلب الصفة 4، للفاعل والمفعول، ضعيف، لكونه بتضمن المصدر، وعملها فيهما قوي، لكونه لمشابهة قوية مع الفعل لفظا ومعنى، فلهذا، إذا جررت في اللفظ فاعلها فلا بد من تقدير ضمير فيها قائم مقام الفاعل،


(1) الذي هو معنى الأضافة اللفظية. (2) أي أشد طلبا منهما، (3) هذا تلخيص للكلام السابق: أي الذي يمكن تحصيله من الكلام السابق، ويعبر عنه المؤلفون بقولهم: والحاصل كذا، (4) المراد ما يشمل اسم الفاعل واسم المفعول، (*)

[ 226 ]

مرفوع، وإن لم يكن في الحقيقة فاعلا، كقائم الغلام 1، وحسن الوجه، فإذا كانت أقوى في العمل من المصدر، كانت إضافتها بتقدير الانفصال، أولى من المصدر، لأن انفصال الأضافة مبني على العمل، كما ذكرنا، لا على طلب الفاعل والمفعول، قوله: (ولا تفيد إلا تخفيفا في اللفظ)، وذلك لما قلنا ان مشابهتها للفعل قوية، فكان إعمالها عمل الفعل أولى، إلا أنه يطلب التخفيف اللفظي، والتخفيف في اسمي الفاعل والمفعول المضافين إلى الأجنبي، لا يكون إلا في المضاف، وذلك بحذف التنوين أو النونين، نحو: ضارب زيد، ومعطى الأجرة، وضاربا عمرو، ومكسوو الفراء، وأما في اسمي الفاعل والمفعول المضافين إلى السببين، والصفة المشبهة، فقد يكون 2 في المضاف والمضاف إليه معا، نحو: زيد قائم الغلام، ومؤدب الخدام وحسن الوجه، فالتخفيف في المضاف بحذف التنوين، وفي المضاف إليه بحذف الضمير واستتاره في الصفة، وقد يكون في المضاف وحده، كقائم غلامه ومؤدب خدامه، وحسن وجهه عند من جوز ذلك، كما سيجئ في أبوابها، وقد يكون في المضاف إليه وحده، كالقائم الغلام، والمؤدب الخدام، والحسن الوجه، فإن قلت: كيف ادعيت أنها لم تفد إلا التخفيف، وقد علمنا بالضرورة أن التخصيص الذي في ضارب زيد، لا ينقص عما في: غلام رجل، إن لم يزد عليه، قلنا: التخصيص لم يحصل بإضافة ضارب إلى زيد، بل كان حاصلا لضارب من زيد، حين كان منصبوبا به أيضا، بلا تفاوت في التخصيص بين نصبه وجره، ومقصودنا أن الأضافة غير مخصصة ولا معرفة، قوله: (ومن ثم جاز: مررت برجل حسن الوجه)، أي من جهة أنها لم تفد تعريفا، بل أفادت تخفيفا، فمن جهة أنها لم تفد تعريفا جازت هذه المسألة، وامتنع: بزيد حسن


(1) لأن الفاعل في الحقيقة هو المضاف إليه في المثالين، (2) فقد يكون: أي التخفيف، (*)

[ 227 ]

الوجه، فلو أفادت تعريفا لم تجز الأولى للزوم كون المعرفة صفة للنكرة، ولجازت الثانية، لكون المعرفة، إذن، صفة للمعرفة، ومن جهة أنها تفيد تخفيفا، جاز: الضاربا زيد، لحصول تخفيف بحذف النون، وامتنع: الضارب زيد، لعدم التخفيف، لأن التنوين في الأول 1 سقط للألف واللام، لا للأضافة، قال المصنف: أجاز الفراء نحو: الضارب زيد، إما لأنه توهم أن لام التعريف دخلته بعد الحكم بإضافته، فحصل التخفيف بحذف التنوين بسبب الأضافة، ثم عرف باللام، وإما لأنه قاسه على: الضارب الرجل، والضاربك، فإن جازت 2 الأضافة فيهما مع عدم التخفيف، فلتجز فيه أيضا، قال: وكلا الأمرين غير مستقيم، أما قوله: لأن لام التعريف دخلت بعد الحكم بإضافته، فإنه رجم بالغيب، ومن أين له ذلك ؟ ونحن لا نحكم إلا بالظاهر، فإنه، وإن أمكن ما قال، إلا أننا نرى اللام سابقة حسا على الاضافة، والاضافة في الظاهر إنما أتت بعد الحكم بذهاب التنوين بسبب اللام، فكيف ينسب حذف التنوين إلى الأضافة بلا دليل قاطع، ولا ظاهر مرجح، وأما قياسه على: الضارب الرجل، فليس بوجه، وذلك أن الضارب الرجل، وإن لم يحصل فيه تخفيف بالأضافة إلا أنه محمول على ما حصل فيه التخفيف، ومشبه به، وذلك هو 3: الحسن الوجه، والجر فيه هو المختار، وذلك لأنك لو رفعت الوجه، لخلت الصفة من الضمير، وهو قبيح، كما يأتي في باب الصفة المشبهة، وأما النصب في مثله فتوطئة للجر، وذلك أنهم لما أرادوا الأضافة في: الحسن وجهه بالرفع، قصدا للتخفيف، حذفوا الضمير، واستتر في الصفة، وجئ باللام في المضاف إليه، ليتعرف الوجه باللام، كما كان متعرفا بالضمير المضاف إليه، واللام بدل من الضمير في مثل هذا المقام 4 مطردا،


(1) أي في أول اللفظين وهو المضاف، (2) يعني: فحيث جازت هنا فلتجز هنا، (3) أي المحمول عليه، (4) أي في باب الصفة المشبهة، وهو مطرد فيها، (*)

[ 228 ]

وفي غيره أيضا، عند الكوفيين، كما في قوله: 284 - لحافي لحاف الضيف والبرد برده * ولم يلهني عنه غزال مقنع 1 والأولى أنه يقوم مقامه فيما لم يشترط فيه الضمير، كما في البيت المذكور، أما في الصلة أو الصفة إذا كانت جملة، وغير ذلك مما يشترط فيه الضمير، فلا، فلما جئ 2 باللام مع قصد الأضافة، نصبوا أولا، ما قصدوا جعله مضافا إليه، تشبيها بالمعفول، فقيل: الحسن الوجه، كما يقال الضارب الرجل، لتصح الأضافة إليه، لأنهم لو أضافوا إلى المرفوع، لكان إضافة الوصف إلى موصوفه، إذ الرافع من الصفات، نعت للمرفوع، بخلاف الناصب مع المنصوب، ألا ترى أن في قولك: زيد ضارب غلامه عمرا: الضارب هو الغلام، دون عمرو، وهم يراعون في الأضافة اللفظية حال الأضافة المحضة، فكما لا يجوز في المحضة إضافة الصفة إلى موصوفها على الأصح، كما يجئ، لم يجيزوا في اللفظية، أيضا، مثل ذلك، لكونها فرعها، فجعلوا المرفوع في صورة المنصوب، حتى لا تكون كأنك أضفت الصفة إلى موصوفها، فتبين من هذا التطويل 3، أن المختار في: الحسن الوجه، جر الوجه، وأن نصبه تشبيه له بالمفعول في نحو: الضارب الرجل، وأن التخفيف فيه حاصل بحذف الضمير واستتاره، ثم نقول: كما شبه: الحسن الوجه في النصب بالضارب الرجل، مع أن حقه الرفع،


(1) هذا أحد بيتين نقلهما البغدادي عن حماسة أبي تمام، منسوبين لمسكين الدارمي، ورواية الحماسة: والبيت بيته، والبيت الثاني هو: أحدثه إن الحديث من القرى * وتعلم نفسي أنه سوف يهجع وموضع الشاهد قوله: والبرد، أي وبردي، أو وبيتي بيته كما في رواية الحماسة، (2) مرتبط بقوله: وجيى باللام في المضاف إليه، قبل قليل، وما بينهما استطراد، (3) جميل من الشارح المحقق: الرضي أن يعترف بأن هذا تطويل، وهو كذلك حقا، لكنه مفيد، (*)

[ 229 ]

ليصح اضافة الصفة إليه على ما تقدم: شبه: الضارب الرجل، على سبيل التقاص 1، في الجر، بالحسن الوجه، مع أن حقه النصب، وليس للفراء أن يقول: فليشبه: الضارب زيد، بالحسن وجه، وذلك لأن: الحسن وجه، لا يجوز، لما ذكرنا أن الأضافة اللفظية مجراة مجرى المحضة، فكما لا يجوز في المحضة إضافة المعرفة إلى النكرة، فكذلك لم يجوزوا ذلك في اللفظية ، ونسب ابن مالك إلى الفراء أنه يجيز إضافة نحو: الضارب، إلى المعرف من العلم وغيره، أما إلى المنكر فلا، فعلى هذا، له أن يقول: الضارب زيد، يشابه: الحسن الوجه، أيضا، من حيث كون المضاف إليه معرفا، وإن اختلف التعريفان، والظاهر أن الفراء لا يفرق بين المعرف والمنكر، كما نقل عنه السيرافي، فإنه قال: إن الفراء يجيز: هذا الضارب زيد وهذا الضارب رجل، ويزعم أن تأويله: هذا (ال هو 2) ضارب زيد، وهذا (ال هو) ضارب رجل، أي: هذا الذي هو ضارب زيد، وضارب رجل، فيجعل ما بعد الألف واللام جملة اسمية في التقدير، ولا يوجب كون صلة الألف واللام فعلية كما هو المشهور عند النجاة، 3 قال السيرافي: هذا قول فاسد، قال: ويلزمه: هذا الحسن وجه على تقدير: هذا الذي هو حسن وجه، وهذا الغلام زيد، أي: هذا الذي هو غلام زيد 4، قال المصنف: وأما قياسه 5، على الضاربك، فلا يجوز، وذلك لأن في: الضاربك


(1) أي بأن يقتص كل منهما من الآخر، فيأخذ منه مثل ما أعطاه، (2) سيوضح الشارح معناه، (3) يقول النجاة: إن صلة الألف واللام جملة فعلية في الأصل، لكنهم جاءوا بها على صورة المشتق استنكارا لدخول حرف التعريف على الأفعال ولو في الظهر، (4) يعني وهذا لا يجوز، (5) رجوع إلى مناقشة رأي الفراء، (*)

[ 230 ]

قولين، كما يجيئ عن قريب: أحدهما أنه ليس بمضاف، بل الكاف منصوب على أنه مفعول به، فقياس الفراء، حينئذ، عليه مندفع من أصله، والثاني أنه مضاف، إلا أنه حمل في صحة الأضافة، وإن لم يحصل بها تخفيف على ضاربك، فانه أضيف بلا نظر إلى التخفيف، وإنما قلنا إن إضافة ضاربك ليست للتخفيف، لأنها لو كانت لأجله، لم تلزم، لأن الأضافة المقصود بها التخفيف لا تلزم الكلمة، كما في: ضارب زيد، وضارب زيدا، وإنما لزم نحو ضاربك، الأضافة، لأن في آخره إما تنوينا أو نونا، وهما مشعران بتمام الكلمة، والضمير المتصل في حكم تتمة الأول، فلو لم يحذفا 1، ولم تضف الكلمة، لزم كون الضمير متصلا منفصلا في حالة واحدة، فلما التزموا الأضافة في: ضاربك، من غير نظر إلى تخفيف، حمل: الضاربك عليه، فأضيف، أيضا، بلا تخفيف، لأنهما من باب واحد، لا فرق بينهما إلا اللام، هذا زبدة كلام المصنف 2، وفيه نظر، وذلك أن للفراء أن يقول: إذا جاز لك حمل ذي اللام في: الضاربك في وجوب الأضافة، على المجرد منها لعلة في المجرد، دون ذي اللام، وهي اجتماع النقيضين 3 لو لم يضف، لما ذكرت أنهما من باب واحد، فهلا جاز لي: حمل ذي اللام في: الضارب زيد، على المجرد منها، وهو: ضارب زيد في صحة الأضافة، لعلة حاصلة في المجرد، دون ذي اللام، وهي حصول التخفيف بناء على أنهما من باب واحد، هذا، وينبغي أن يعرف حال إضافة اسم الفاعل واسم المفعول مجردين من اللام،. ومعها، وكذا حال الصفة المشبهة، فاعلم أولا أن اسمي الفاعل والمفعول المضافين إلى ما هو من سببهما، في حكم الصفة


(1) أي النون والتنوين،. (2) ما تقدم كله مناقشة من المصنف للفراء، نقلها الرضي وتصرف فيها ويقول إن هذا كله زبدة كلامه بعد اعترافه بأنه تطويل، (3) يعني أداء ذلك إلى جعل الضمير متصلا منفصلا في حالة واحدة، (*)

[ 231 ]

المشبهة، كما يجئ، وأما اسما الفاعل والمفعول المضافان إلى الأجنبي المنصوب بهما فنقول: إما أن يكون كل واحد منهما مجردا عن اللام، أو معها، وكل واحد منهما إما أن يليه مفعول ظاهر أو مضمر، فالظاهر إن ولي المجرد، جازت إضافته إليه ولم تجب، نحو: ضارب زيد، وإن ولي المقرون باللام، جازت الأضافة إذا كان المقرون بها مثنى أو مجموعا بالواو والنون، لحصول التخفيف بحذف النونين، نحو: الضاربا زيد، والضاربو زيد، وكذا يجوز إن كان المفعول به معرفا باللام وإن كان الوصف المقرون بها خاليا من نون المثنى والمجموع، نحو: الضارب الرجل، والضاربات الرجل، والضوارب الرجل، لمشابهته للحسن الوجه، كما تقدم، أو مضافا 1 إلى المقرون بها... وهلم جرا 2، نحو: الضارب وجه فرس غلام أخي الرجل، قال ابن مالك: أو مضافا إلى ضمير المعرف بها، نحو: الرجل الرضاب غلامه، وذلك لجري ضمير المعرف باللام، عنده، مجرى المعرف باللام، وكان على قياس قوله: انه يجوز: الضاربه، على الأضافة إذا عاد الضمير على ذي اللام، ومذهبه، أن: الضاربه ليس بمضاف، بلى، قد يجعل ضمير المعرف باللام مثل المعرف باللام في التابع، كقوله: 285 - الواهب المائة الهجان وعبدها * عودا تزجى خلفها أطفالها 3 لأنه يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع، كما يجيئ عن قريب، وإن ولي المقترن باللام المجرد عن التنوين، غير ما ذكرنا من المظهرات، لم تجز إضافته إليه، خلافا للفراء، كما مر،


(1) معطوف على قوله: معرفا باللام في قوله وكذا يجوز إن كان المفعول به.. الخ، (2) بأن يكون هناك أكثر من مضاف بحيث ينتهي الأمر في الأخير منها إلى المقترن باللام، كما مثل، (3) هذا من قصيدة للأعشى في مدح قيس بن معد يكرب الزبيدي، مطلعها: رحلت سمية غدوة أجمالها * غضي عليك، فما - تقول - بدالها وتقول - بمعنى تظن، وسيأتي البيت في الشرح مرة أخرى ويوضح الشارح معناه، (*)

[ 232 ]

وإن ولي المجرد عن اللام، أو المقرون بها مضمر، فحذف النون، أو التنوين فيهما واجب، على الصحيح المشهور، وحكى بعضهم جواز: ضاربنك، وضاربني 1، في الشعر، وأنشد: 286 - ألا فتى من بني ذبيان يحملني * وليس حاملني إلا ابن حمال 2 وقيل: بل النون للوقاية، وأنشد أيضا: 287 - هم الفاعلون الخير والآمرونه * إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما 3 قال سيبويه: البيت مصنوع، وأنشد أيضا: 288 - ولم يرتفق والناس محتضرونه * جميعا وأيدي المعتفين رواهقه 4 قال سيبويه: هذا لضرورة الشعر، وجعل الهاء كناية 5، وقال المبرد: الهاء في: الآمرونه، ومحتضرونه، للسكت، لم يحذفها إجراء للوصل مجرى الوقف، وحركها تشبيها لها بهاء الضمير لما ثبتت وصلا، ثم ان الضمير بعد المجرد، في موضع الجر بالأضافة، الا عند الأخفش، وهشام 6، فانه، عندهما، في موضع النصب، لكونه مفعولا، وحذف التنوين والنون ليس، عندهما،


(1) أي على اعتبار أن هذه النون هي التنوين وكسرت لأجل ياء المتكلم، ومقابله أنها نون الوقاية كما سيقول في البيت، وكلاهما شاذ، (2) هذا أحد أبيات أوردها المبرد في الكامل منسوبة لأبي محلم السعدي في مدح طلحة بن حبيب، وقبل هذا البيت. لطلحة بن حبيب حين تسأله * أندى وأكرم من فند بن هطال ورواية المبرد: وليس يحملني، ولا شاهد فيه، وفند بن هطال أحد كرام العرب، (3) أجمع النجاة على أن البيت مصنوع وعبارة سيبويه: زعموا أنه مصنوع ج 1 ص 96. (4) وهذا البيت أيضا مصنوع، وجزم البغدادي بذلك، وعبارة سيبويه في هذا البيت لا تشير إلى أنه مصنوع كما فعل في الذي قبله في الموضع نفسه، (5) كناية أي ضمير ويقابله أنها للسكت كما قال المبرد، (6) المراد: هشام بن معاوية الضرير من علماء الكوفة وتقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (*)

[ 233 ]

للأضافة، بل للتضاد بينهما وبين الضمير المتصل على ما مر، 1 وأما الضمير بعد ذي اللام، فقال سيبويه: إن لم يكن ذو اللام مثنى أو مجموعا بالواو والنون، فهو منصوب لا غير، نحو: الضاربه، لاعتباره المضمر بالمظهر 2، فالضاربة، عنده، كالضارب زيدا، لا يجوز فيه إلا النصب، ويحتمل، عنده، بعد المثنى والمجموع بالواو والنون: أن يكون مجرورا على الأضافة، ومنصوبا، كما في قوله: 289 - والحافظو عورة العشيرة لا * يأتيهم من ورائها وكف 3 بالنصب، وقال الرماني 4 والمبرد، في أحد قوليه، وجار الله 5، ان الضمير بعد ذي اللام، مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا: مجرور بالأضافة، هذا كله فيما أضيف إليه اسم الفاعل والمفعول، وأما في تابع المضاف إليه، فسيبويه يجيز فيه ما لا يجوز في المتبوع، فأجاز: الضارب الرجل، وزيد، وهذا الضارب الرجل زيد، على أن يكون (زيد) عطف بيان، وهو في الحقيقة البدل، على ما يأتي في بابه 6، فإن قدرت البدل قائما مقام المبدل منه، لم يجز ذلك، وان لم تقدره كذلك،.


(1) يعني لأن النون والتنوين يدلان على تمام الكلمة، وكون الضمير متصلا ينافي ذلك، فالأضافة تؤدي إلى جعل الضمير متصلا منفصلا كما قال من قبل، (2) أي لقياسه الضمير على الاسم الظاهر، والظاهر لا يجوز أن يضاف إلى ما فيه الآلف واللام، (3) ينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، واختلط على بعض الناس فنسبه إلى قيس بن الخطيم، وله قصيدة على هذا الوزن، ومما يتصل ببيت الشاهد: البيت المشهور: نحن بما عندنا وأنت بما عندك * راض والرأي مختلف (4) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وأحد من شرحوا كتاب سيبويه توفي سنة 384 ه. (5) أي الزمخشري، ورأيه هذا في المفصل، انظر شرح ابن يعيش ج 2 ص 123،. (6) يحرص الرضي على إبراز ما ذهب إليه في عدم الفرق بين عطف البيان وبدل الكل، كلما تهيأت المناسبة لذلك، (*)

[ 234 ]

جاز، كما ذكرنا في باب المنادى في نحو: يا عالم زيد، ويا عالم زيد وزيدا، وقال المبرد: لا يتبع مجرور اللام الا ما يمكن وقوعه موقع متبوعه، وأنشد: 290 - أنا ابن التارك البكري بشرا * عليه الطير ترقبه وقوعا 1 بنصب (بشر)، لا غير، حملا على محل البكري، وقال: قد يعطف على مجرور ذي اللام، ما يكون في قوة ما يمكن وقوعه موقعه، يعني المضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام، لأنه في قوة المضاف إلى ما فيه الألف واللام، كقوله، الواهب المائة الهجان وعبدها 2 - 285 وتقديره: وعبد المائة، قال: وأما إذا عطف عليه نحو: زيدا، وغلام زيد، فليس فيه إلا النصب، حملا على محل المجرور، ومذهب سيبويه قوي، إذ قد يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع، لأن القبح فيه ليس بظاهر، بل يظهر بالتقدير، ألا ترى إلى جواز قولهم: يا زيد والحارث، وغير ذلك،. وأما الصفة المشبهة، واسما الفاعل والمفعول اللازمان، فإما أن تكون مجردة من اللام أو مقرونة بها، فإن ولي المجردة منها ظاهر سببي مرفوع بها، جاز إضافتها إليه بعد نصبه، كما ذكرنا، وجاز تركها 3، سواء كان ذلك الظاهر محلى باللام بدرجة أو درجات 4، أو منكرا


(1) هذا البيت للمرار الفقعسي، وبشر المذكور ابن عمرو بن مرثد قتله رجل من فقعس فافتخر المرار بذلك وبعد البيت: علاه بضربة بعثت بليل * نوائحه وأرخصت البضوعا ومعنى: أرخصت البضوعا، أن قتله كان سببا في تعرض نسائه للسيي لعدم وجود من يحميهن ويدافع عنهن، (2) تقدم هذا الشاهد مع بقيته وسيأتي مرة أخرى،. (3) أي ترك الأضافة، (4) بأن يتعدد المضاف حتى ينتهي إلى المعرف باللام، (*)

[ 235 ]

كذلك، نحو قولك: حسن الوجه، وحسن وجه أبي الغلام، وحسن وجه، وحسن وجه أبي غلام، أو مضافا إلى ضمير ذي اللام كذلك، إذا لم يكن ذو اللام صاحب الصفة، نحو: حسن وجه الأخ جميل فعله، وقد تضاف إلى ظاهر مضاف إلى ضمير صاحبها، نحو: زيد حسن وجهه، وهو قبيح عند سيبويه، إلا للضرورة، قال: 291 - أقامت على ربيعهما جارتا صفا * كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما 1 وكذا ما هو في حكم المضاف إلى ذلك الضمير، كقوله: 292 - رحيب قطاب الجيب منها رفيقة * بجس الندامى بضة المتجرد 2 إذا حذفت التنوين من (رحيب)، ومثل هذا جائز مطلقا عند الكوفيين، وقال المبرد: الضمير الذي في (مصطلاهما) للأعالي، لأن المعنى: كميتا الأعليين فيكون مثل: حسن وجه الأخ جميل فعله، وقد يجئ 3 في باب الصفة المشبهة، علة استقباحهم لمثل: زيد حسن وجهه، بالأضافة، والرواية الصحيحة في بيت طرفة: رحيب بالتنوين،


(1) هذا هو البيت الثاني بعد المطلع من قصيدة للشماخ بن ضرار، والمطلع هو: أمن دمنتين عرس الركب فيهما * بحقل الرخامي قد أنى لبلاهما حقل الرخامي اسم موضع به شجر السدر البري، قوله: أني بالنون بمعنى حان، وفاعله: بلاهما، واللام زائدة، أي حان فناؤهما، وفي تخريج بيت الشاهد كلام كثير أفاض فيه البغدادي، والبيت في سيبويه ج 1 ص 102، (2) من معلقة طرفة بن العبد التي أولها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقبل هذا البيت المستشهد به: نداماي بيض كالنجوم وقينة * تروح علينا بين برد ومجسد رحيب قطاب الجيب... (البيت) وقد ورد بالروايتين: تنوين (رحيب) ورفع قطاب، وإضافة رحيب إلى قطاب، (3) هكذا يعبر الرضي عند الأشارة إلى ما سيجيئ من الموضوعات، ومرة يقول: وسيجيئ، (*)

[ 236 ]

وإن ولي المجردة ضمير بارز هو فاعلها، وجب إضافتها إليه، نحو: زيد حسن الغلام كريمه، خلافا للكسائي، على ما نقل عنه ابن مالك، ولعله يجوز النصب فيه تشبيها بالمفعول، كما في: حسن الوجه، ويحذف التنوين والنون للمعاقبة 1، لا للأضافة كما ذكرنا من مذهب الأخفش وهشام في اسم الفاعل المجرد، وإن ولي ذات اللام ظاهر سببي مرفوع بها، فإن أضفتها إليه وجب أن يكون ذا لام بدرجة أو درجات، نحو: الحسن وجه أبي الغلام، إذ لا يجوز: الحسن وجه، ولا: الحسن وجهه، كما يجئ في باب الصفة المشبهة، وجوز ابن مالك أن يكون مضافا إلى ضمير المعرف باللام، نحو: الحسن الأخ والجميل وجه غلامه، وليس بوجه، إذ ليس في الأضافة، إذن، تخفيف، وأيضا، يلزم تجويز: الحسن الغلام والجميله، ولا يجوز اتفاقا، بلى، القياس جواز إضافة ذات اللام التي فيها نون المثنى والمجموع، إلى أي ضمير كان، أو إلى المضاف إلى الضمير، لحصول التخفيف بحذف النون، كقولك: مررت بالرجلين الحسني غلامهما والجميلية، وكذا بالرجال الحسني لغلام والجميلي وجهه، ويجئ في باب الصفة المشبهة لهذه الوجوه مزيد شرح إن شاء الله تعالى، ولا تضاف الصفة إلى مرفوع بها غير سبي، نحو قولك: مررت برجل طيب في داره نومك، لئلا تبقي الصفة بغير مرفوع بها في الظاهر، كما ذكرنا في اسمي الفاعل والمفعول، قوله: (المائة الهجان)، أي: مائة الناقة، والهجان: البيض، يستوي فيه الواحد والجمع، كالفلك، على ما يجئ في باب الجمع،


(1) أراد به ما تقدم من مذهبهما وهو ما يؤدي إليه ذلك من جعل الضمير متصلا منفصلا في حالة واحدة، وتقدم ذلك قريبا، (*)

[ 237 ]

قوله: (وعبدها)، أي العبد الذي يرعاها، وتمام البيت: 1 عوذا تزجى خلفها أطفالها العوذ جمع عائذ، وهي الحديثة النتاج، وزجى أي ساق،


(1) تقدم البيت وأشرنا إلى مجيئه هنا، (*)

[ 238 ]

(إضافة الصفة إلى الموصوف) (وما يتصل بذلك) (قال ابن الحاجب:) (ولا يضاف موصوف إلى صفته، ولا صفة إلى موصوفها،) (ونحو: مسجد الجامع، وجانب الغربي، وصلاة الأولى،) (وبقلة الحمقاء متأول، ومثل: جرد قطيفة، وأخلاق) (ثياب، متأول، ولا يضا اسم مماثل للمضاف إليه في) (العموم والخصوص كليث وأسد، وحبس ومنع، لعدم) (الفائدة، بخلاف: كل الدراهم وعين الشئ، فإنه يختص،) (وقولهم: سعيد كرز ونحوه متأول)، (قال الرضي:) اعلم أن الاسمين الجائز اطلاقهما على شئ واحد، على ضربين، إما أن يكون في أحدهما زيادة فائدة، كالصفة والموصوف، والاسم والمسمى، والعام والخاص، أو لا يكون، والأول على ضربين: إما أن تجوز إضافة أحدهما إلى الآخر اتفاقا، كالمسمي إلى الاسم، والعام إلى الخاص، أو تجوز على الخلاف، كالصفة والموصوف وعلى العكس، والمتفق على جواز إضافة أحدهما إلى الآخر، إما أن يحتاج ذلك إلى التأويل، أو لا يحتاج، فالذي لا يحتاج إلى التأويل، العام، غير لفظي: (الحي)، و (الاسم)،

[ 239 ]

إذا أضيف إلى الخاص، نحو: كل الدراهم، وعين 1 زيد، وطور سيناء، ويوم الأحد، وكتاب المفصل، وبلد بغداد، ونحو ذلك، وإنما جاز ذلك لحصول التخصيص في ذلك العام من ذلك الخاص، ولا ينعكس الأمر، أي لا يضاف الخاص إلى العام المبهم، لتحصيل الأبهام، فلا يقال مثلا: زيد عين، لأن المعلوم المتعين بعد ذكر لفظه وتعيينه لا يكتسي من غيره الأبهام، والذي يحتاج إلى التأويل: المسمى المضاف إلى الاسم، كالاسم المضاف إلى لقبه، نحو: سعيد كرز، 2 ونحو: ذو، وذات، مضافين إلى المقصود بالنسبة، نحو: ذا صباح، وذات يوم، وكذا لفظ (الاسم) المضاف إلى المقصود بالنسبة، كاسم السلام، واسم الشيب، ولفظ (الحي)، مضافا إلى المقصود بالنسبة، نحو: قالهن حي رباح، 3 أما الاسم المضاف إلى اللقب فنقول: إذا اجتمع الاسم مع اللقب، وجب تأخير اللقب، لأنه أبين وأشهر من الاسم، كما يجئ في باب العلم، ويجئ هناك أنه يجوز نصب اللقب المؤخر، ورفعه على القطع، سواء كانا مفردين، أو مضافين، أو أحدهما مفردا، دون الآخر، وأنه إذا كاتا مفردين أو أولهما، جاز إضافة الاسم إلى اللقب، وهي الأكثر، وظاهر كلام البصريين أنك إذا لم تقطع الثاني رفعا أو نصبا وجب إضافة الأول إليه، وقد أجاز الزجاج والفراء، الأتباع أيضا على أنه عطف بيان، وهو الظاهر، نحو: جاءني قيس قفة، وإن كانا مضافين أو أولهما، لم تجز الأضافة، بل يجب: إما القطع، لتضمن اللقب


(1) المراد: ذات زيد، وليس المراد عينه التي هي عضو منه، (2) الكرز في الأصل: خرج الراعي الذي يضع فيه متاعه، وقد يراد الحاذق، أو الخبيث اللثيم، (3) سمع الأخفش أعرابيا ينشد شعرا فقال له لمن هذه الأبيات، فقال الأعرابي: قالهن حي رباح، بكسر الراء وبالباء الموحدة. (*)

[ 240 ]

مدحا أو ذما، أو الأتباع، على أن الثاني عطف بيان، لأنه أشهر، فإذا تقرر هذا، قلنا: ان تأويل نحو: سعيد كرز، أن يقال: المراد بالمضاف الذات، وبالمضاف إليه: اللفظ، وذلك أنه كما يطلق اللفظ ويراد به مدلوله، يطلق أيضا مع القرينة، ويراد به ذلك الدال، تقول مثلا: جاءني زيد، والمراد: المدلول،. وتكلمت بزيد والمراد اللفظ، فمعنى جاءني سعيد كرز: أي ملقب هذا اللقب، ولا ينعكس التأويل، أي لا يقال ان الأول دال والثاني مدلول حتى يكون معنى سعيد كرز: اسم هذا المسمى، لأنهم ينسبون إلى الأول ما لا يصح نسبته إلى الألفاظ نحو: ضربت سعيد كرز، وقال سعيد كرز، فإن قلت: فل لم يقدموا اللقب، مضافا إلى الاسم أو غير مضاف ؟ قلت، قد تقدم أن المقصود ذكرهما معا، ولو قدم اللقب لأغني عن الاسم، إذ اللقب يفيد تعيين الذات الذي يفيده الاسم مع زيادة وصف تمدح به الذات أو تذم، فالذات باللقب أشهر منها بالاسم، وأما: (ذو)، و (ذات) وما تصرف منهما إذا أضيفت إلى المقصود بالنسبة فتأويلها قريب من التأويل المذكور، إذ معنى جئت ذا صباح، أي وقتا صاحب هذا الاسم، ف (ذا)، من الأسماء الستة، وهو صفة موصوف محذوف، وكذا: جئت ذات يوم، أي مرة صاحبة هذا الاسم، واختصاص (ذا) بالبعض، و (ذات) بالبعض يحتاج إلى سماع، وأما: ذا صبوح وذا غبوق، فليس من هذا الباب، لأن الصبوح والغبوق ليسا زمانين، بل ما يشرب فيهما، فالمعنى: جئت زمانا صاحب هذا الشراب فلم يضف المسمى إلى اسمه، وقوله: 293 - اليكم ذوي آل النبي تطلعت * نوازع من قلبي ظماء وألبب 1


(1) الألبب، جمع لب، وفك الادغام في الجمع شاذ، وظماء جمع ظمآن، وهذا البيت من قصيدة طويلة = (*)

[ 241 ]

أي أصحاب هذا الاسم، وجاءني ذوا سيبويه، أي صاحبا هذا الاسم كما يجئ في باب الجمع، وأما قولهم: آل حاميم، وآل مرامر 1، في السور، فليس من هذا الباب، إذ معناه: السور المنسوبة إلى هذا اللفظ، كما أن: آل موسى، بمعنى: الجماعة المنسوبة إلى موسى، وأما (حي) في نحو قولهم: هذا حي زيد، فتأويله: شخصه الحي، فكأنك قلت: شخص زيد، فهذا من باب إضافة العام إلى الخاص، وإنما ذكروا لفظ الحي، مبالغة وتأكيدا فمعنى هذا حي زيد: أي: المشار إليه عينه وذاته لا غيره، وإنما ذكروا الذات بلفظ الحي، توغلا في باب المبالغة، فإذا قلت: فعله حي زيد، فكأنك قلت: فعله هو بنفسه، وهو حي موجود، لا أنه نسب إليه الفعل وهو معدوم، وهذإ، حي زيد: أي هو هو بعينه حيا قائما لا ريب فيه، ثم صار يستعمل في التأكيد بمعنى: ذاته وعينه، وإن كان المشار إليه ميتا، قال: 294 - ألا قبح الأله بني زياد * وحي أبيهم قبح الحمار 2 وقال:


= من جيد شعر الكميت بن زيد، في مدح آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، هي من أول ما قال من الشعر، أولها: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب إلى أن قال: ولكن إلى أهل الفضائل والتقى * وخير بني حواء، والخير يطلب (1) يريد سور القرآن الكريم المبدؤءة بحم، أو المر، ونحوها، والنوع الأول لا غبار عليه لأنها كلها مبدوءة بلفظ حم، وأما النوع الثاني فقال السيد الجرجاني في تعليقه على النسخة المطبوعة: إن ذلك ربما كان سهوا، وأن بعض النسخ جاء فيها: آل آلر، كما ينطق بها عند التلاوة، ثم قال: لأن مرامر: اسم رجل قيل إنه أول من وضع حروف الهجاء...، (2) المعنى على ما قال الشارح: قبح الله بني زياد وأباهم، وهو أحد أبيات ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، والمراد ببني زياد: أبناء بن سمية، أو كما كانوا يسمونه: زياد بن أبيه، (*)

[ 242 ]

295 - يا قر إن أباك حي خويلد * قد كنت خائفه على الأحماق 1 وقد حكم بعض النجاة بالغاء لفظ (حي)، وزيادته في مثل هذا الموضع، كما حكموا بزيادة لفظ (الاسم) في قوله: 296 - إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر 2 وفي قوله: تداعين باسم الشيب في متثلم * جوانبه من بصرة وسلام 83 - وفي قوله: 297 - لا ينعش الطرف إلا ما تخونه * داع يناديه باسم الماء مبعوم 4 وبإلغاء لفظ (المقام) في قوم الشماخ:


(1) وهذا البيت في المعنى يعني: أن أباك خويلدا، ونسبه أبو زيد الأنصاري إلى رجل اسمه جبار بن سلمى، جاهلي، هكذا نقل البغدادي عن نوادر أبي زيد، وقر: مرخم قرة، والأحماق مصدر أحمق الرجل إذا ولد له ولد أحمق، (2) من أبيات قالها لبيد بن ربيعة حين حضرته الوفاة، أولها: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر وقوله: إلى الحول متعلق ببيت قبله، يقول فيه: فقوما وقولا بالذي تعلمانه * ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر (3) وهذا من قصيدة لذي الرمة، يصف الأبل حين ترد الماء، والشيب حكاية صوت مشافرها وهي تجرع الماء،. وتقدم هذا البيت في الجزء الأول. (4) من قصيدة لذي الرمة أيضا وهو مرتبط بالأبيات الأولى من القصيدة حيث يقول: أأن توسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم كأنها أم ساجي الطرف أخذلها * مستودع حمر الوعساء مرخوم وهو يريد بساجي الطرف: ولد الظبية، أي أن طرفه منكسر لا يرفعه إلا إذا سمع من يدعوه ويناديه باسم الماء، أي بكلمة (ماء) وهو صوت أمه، (*)

[ 243 ]

298 - ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين 1 والحق، ان الاسم في هذه المواضع المذكورة له معنى، فقوله: اسم السلام، أي: لفظه الدال عليه وكلمته، يعني: سلام عليكم، واسم الماء واسم الشيب، أي: صوت الماء، وصوت الشيب، إذ الاسم هو اللفظ والصوت، والمسمى هو مدلول اللفظ والصوت، والدليل على أن زيادة الاسم في مثله للتنصيص على أن المراد هو اللفظ ، لا المدلول، أنهم لا يقولون: جاءني اسم زيد، بزيادة (اسم)، بل لا يكون لفظ (اسم) المحكوم بزيادته، إلا مع ما يتعلق باللفظ، نحو: تداعين، ويناديه، فاسم السلام، من باب: عين زيد، لأن السلام: لفظ، وكذا اسم الماء، واسم الشيب، أي صوت الماء، وصوت الشيب، فإن الماء والشيب صوتان 2، وأما قوله: مقام الذئب، فهو من باب الكنايات، تقول: مكانك مني بعيد، أي أنت مني بعيد، لأن من بعد مكانه فقد بعد هو، وإذا بعدت الذئب فقد بعدت مكانه الذي هو فيه، والمختلف 3 في جواز إضافة أحدهما إلى الآخر: الموصوف وصفته، فالكوفيون جوزوا إضافة الموصوف إلى صفته، وبالعكس، استشهادا للأول بنحو: مسجد الجامع، وجانب الغربي 4، وللثاني بنحو: جرد قطيفة وأخلاق ثياب، وقالوا: إن الأضافة فيه لتخفيف المضاف بحذف التنوين، كما في جرد قطيفة، أو بحذف اللام، كمسجد الجامع،


(1) من قصيدة للشماخ بن ضرار في مدح عرابة الأوسي، وهي التي يقول فيها: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين ومنها قوله يخاطب راحلته، إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين وقد عيب عليه قوله هذا، وأنه أساء جزاءها حيث يدعو عليها بأن تذبح وتشرق بدمها الذي يسيل منها، بعد أن أوصلته إلى غايته، (2) أي من أسماء الأصوات. (3) القسم الثاني مما أشار إليه أول البحث، (4) جزء من الآية 44 سورة القصص، (*)

[ 244 ]

إذ أصلهما قطيفة جرد، والمسجد الجامع، وهذه الأضافة ليست كإضافة الصفة إلى معمولها عندهم، إذ تلك لا تخصص ولا تعرف، بخلاف هذه فإن الأول ههنا هو الثاني من حيث المعنى، لأنهما موصوف وصفته، فتخصص الثاني وتعرفه، يخصص الأول ويعرفه، وأما نحو: الحسن الوجه، فالحسن، وإن كان هو الوجه معنى، إلا أنك جعلته لغيره في الظاهر بسبب الضمير المستتر فيه، الراجع إلى غيره، فبعدته في اللفظ عن المجرور به غاية التبعيد، فعلى هذا نقول: هذا مسجد الجامع الطيب برفع الصفة، والبصريون، قالوا: لا يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف، ولا العكس، ولهذا ينصبون المرفوع بالصفة إذا أريد الأضافة إليه، في نحو: حسن الوجه، كما مر، وذلك لأن الصفة والموصوف واقعان على شئ واحد، فهو إضافة الشئ إلى نفسه، ولا يتم لهم هذا مع الكوفيين، لأنهم يجوزون إضافة الشئ إلى نفسه، مع اختلاف اللفظين، كما يجئ من مذهب الفراء، ولو لم يجوزوه أيضا، لجاز هذا، لأن في أحدهما زيادة فائدة كما في: نفس زيد، وقال المصنف: لا يجوز ذلك 1، لأن توافق الصفة والموصوف في الأعراب واجب، وليس بشئ، لأن ذلك إنما يكون إذا بقيا على حالهما، فأما مع طلب التخفيف بالأضافة فلا نسلم له، وهو موضع النزاع، فعند البصريين، نحو بقلة الحمقاء، كسيف شجاع 2، أي المضاف إليه في الحقيقة هو موصوف هذا المجرور، إلا أنه حذف وأقيمت صفته مقامه، أي بقلة الحبة الحمقاء، وإنما نسبوها إلى الحمق لأنها تنبت في مجاري السيول، ومواطى الأقدام، ومسجد الوقت الجامع 3، وذلك الوقت هو يوم الجمعة، كأن هذا اليوم جامع للناس في مسجد للصلاة،


(1) أي إضافة الصفة إلى الموصوف، (2) بالأضافة وتقديره، سيف رجل شجاع،. (3) يقصد أن تأويل: مسجد الجامع هو ما ذكره، والعبارة مقتضبة، وقد سار على ذلك في بقية الأمثلة، (*)

[ 245 ]

وجانب المكان الغربي، وصلاة الساعة الأولى، أي أول ساعة بعد زوال الشمس، ويجعلون نحو: جرد قطيفة بالتأويل، كخاتم فضة، لأن المعنى: شئ جرد، أي بال، ثم حذف الموصوف وأضيفت صفته إلى جنسها للتبيين، إذ الجرد يحتمل أن يكون من القطيفة ومن غيرها، كما كان (خاتم) محتملا أن يكون من الفضة ومن غيرها، فالأضافة بمعنى (من)، ويجوز، عندي، أن تكون أمثلة إضافة الموصوف إلى صفته من باب طور سيناء، وذلك بأن يجعل الجامع مسجدا مخصوصا، والغربي جانبا مخصوصا، والأولى صلاة مخصوصة والحمقاء بقلة مخصوصة فهي من الصفات الغالبة، ثم يضاف المسجد والجانب، والصلاة، والبقلة، المحتملة 1، إلى هذه المختصة، لفائدة التخصيص، فتكون صلاة الأولى، كصلاة الوتيرة 2، وبقلة الحمقاء، كبقلة الكزبرة، وجانب الغربي، كجانب اليمين، وأما الاسمان اللذان ليس في أحدهما زيادة فائدة، كشحط النوى وليث أسد، فالفراء يجيز إضافة أحدهما إلى الآخر للتخفيف، قال 3: إن العرب تجيز إضافة الشئ إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقوله: 299 - فقلت انجوا عنها نجا الجلدانه * سيرضيكما منها سنام وغاربه 4 والنجا هو الجلد، والأنصاف أن مثله كثير لا يمكن دفعه، كما في نهج البلاغة: (لنسخ


(1) المحتملة صفة راجعة إلى الأشياء المذكورة وهي المسجد وما عطف عليه، أي تضاف هذه الألفاظ المحتملة، (2) المراد صلاة الوتر، بفتح الواو وكسرها، وفي القاموس أن (الوتيرة): الثأر، أو الظلم في أخذه، فلعل ما جاء هنا تحريف، (3) أي الفراء. (4) يعني أزيلا عنها الجلد فان تحته ما يرضيكما، ونسب البيت إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال البغدادي: ونقل العيني عن العباب للصاغاني أن البيت لأبي الغمر الكلابي وقد نزل عليه ضيفان فنحر لهما ناقة فقالا له إنها هزيلة فقال لهما: أنجوا عنها الخ معتذرا قال البغدادي بعد هذا: وقد فتشت العباب فلم أجد فيه شيئا مما قال والله أعلم بحقيقة الحال، (*)

[ 246 ]

الرجاء منهم شفقات وجلهم 1)، وقوله 2: (ورخاء الدعة، وسكائك الهواء 3)، ولو قلنا إن بين الاسمين في كل موضع فرقا لاحتجنا إلى تعسفات كثيرة،


(1) جاء في إحدى خطب سيدنا علي في وصف المؤمنين: ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استغظبوا ذلك النسخ الرجاء منهم.. الخ ص 110 طبع دار الشعب بالقاهرة،. (2) أي سيدنا على بقرينة ما قبله من عبارة نهج البلاغة. (3) عبارة: رخاء الدعة وردت في ص 82 من النهج، الطبعة المذكورة، وسكائك الهواء في ص 26، فهما ليسا من كلام واحد، (*)

[ 247 ]

(إضافة اسم التفضيل) 1 (وتفصيل الكلام عليه في الأضافة) ومما اختلف فيه، هل إضافته محضة أو، لا 2، على ما تقدم: أفعل التفضيل، فنقول: هو في حال الأضافة على ضربين: أحدهما يراد به تفضيل صاحبه على كل واحد من أمثاله التي دل عليها لفظ المضاف إليه، وثانيهما، لا يراد به ذلك، وقد يجئ ذكر أحكامه في بابه، والمقصود ههنا أن إضافة بالمعنى الأول، فيها الخلاف، فعند ابن السراج، وعبد القاهر، وأبي علي، والجزولي 3، هي غير محضة، لكونها بمعنى (من) فإن الجار في قولك: أفضل من القوم، لابتداء الغاية، والجار والمجرور مفعول (أفضل)، فأفضل، في أفضل القوم، صفة مضافة إلى معمولها الذي هو المجرور بعده، سواء انجر بمن، ظاهرة، أو مقدرة، فهو كاسم فاعل مضاف إلى مفعوله، نحو: ضارب زيد، ومعنى (من) الابتدائية في نحو: أفضل من القوم، أنه، ابتدأ زيد في الارتقاء والزيادة في الفضل من مبدأهو القوم، بعد مشاركتهم له في أصل الفضل، إلا أنه لنقصان درجته في مشابهته اسم الفاعل، عن الصفات المشبهة، كما يجئ في بابه، لا يرفع فاعلا مظهرا، إلا بشرائط تأتي في بابه، ولا ينصب مفعولا صريحا، ولا شبه مفعول، فلا يقال: أحسن الوجه، بل يرفع مضمرا، ويعمل نصبا في محل الجار والمجرور، لضعفه، وينصب التمييز الذي تنصبه الجوامد، أيضا، كما في: عشرون درهما، نحو: أحسن وجها، ودليل تنكيره قول الشاعر:


(1) استكمال للاقسام التي ذكرها أول البحث من المتفق على نوع إضافته والمختلف فيها، (2) عبر في النسخة المطبوعة بأم، وربما كان تحريفا، ويقول الرضي في باب العطف أن وقوع أم بعد هل شاذ، (3) كل هؤلاء تقدم لهم ذكر في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (*)

[ 248 ]

300 - ملك أضلع البرية لا يو * جد فيها لما لديه كفاء 1 وقوله: 301 - ولم أر قوما مثلنا خير قومهم * أقل به منا على قومهم فخرا 2 ومذهب سيبويه أن إضافة أفعل التفضيل حقيقية مطلقا، وذلك أنه في حال الأضافة على ضربين: أحدهما أن يكون بعض المضاف إليه، كأي، فيدخل فيه، دخول (أي) فيما أضيف إليه، فإن (زيدا) في قولك: زيد أظرف الناس، مفضل في الظرافة على كل واحد ممن بقي بعد زيد من أفراد الناس، فالمعنى: بعضهم 3 الزائد في الظرافة على كل واحد ممن بقي منهم بعده، ولا يلزمه تفضيل الشئ على نفسه، لأنك لم تفضله على جميع أجزاء المضاف إليه، بل على ما بقي من المضاف إليه بعد خروج هذا المفضل منه، فالأضافة في هذا المعنى بتقدير اللام، كما في قولك: بعض القوم وثلثهم وأحدهم، ولو كان بتقدير (من) الابتدائية، لجاز: زيد أفضل عمرو، كما يجوز: زيد أفضل من عمرو، ولو كان بتقدير (من) المبينة، كما في: خاتم فضة، لوقع 4 اسم المضاف إليه مطردا على المضاف كما ذكرنا في صدر هذا الباب 5، ولا يقع 6 كما في نحو: هذا، أفضل القوم، فإذا كانت إضافته بهذا المعنى، كإضافة بعض القوم، فهو بتقدير اللام مثله، فتكون محضة، بدليل قوله تعالى: (فتبارك الله أحسن الخالقين) 7،


(1) هذا البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري وتقدمت بعض شواهد منها والمقصود من قوله (ملك) المنذر بن ماء السماء وجاء اسمه صريحا في بيت آخر من أبيات القصيدة، (2) قال البغدادي إن هذا البيت ورد في جميع نسخ الحماسة بدون واو في أوله، وقال إن البيت لزياد بن زيد من بني الحارث بن سعد، يمدح قومه بأنهم لا يبغون على بعض وجاء بعده في الحماسة: ولا تزدهينا الكبرياء عليهم * إذا كلمونا أن تكلمهم نزرا (3) بعضهم في كلامه هذا كنايه عن زيد في المثال أي هو بعضهم الزائد، (4) أي لأطلق باطراد، (5) يعني في بيان الأضافة التي للتبيين، (6) أي وهو لا يقع، (7) الآية 14 من سورة المؤمنون، (*)

[ 249 ]

وقوله: ملك أضلع البرية 1، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أضلع البرية، و: خير قومهم 2، نصب على المدح، وثانيهما 3: أن يكون (أفعل) مفضلا على جميع أفراد نوعه مطلقا، ثم تضيفه إلى شئ للتخصيص، سواء كان ذلك الشئ مشتملا على أمثال المفضل، نحو: زيد أفضل أخوته، أو لم يكن، نحو: زيد أفضل بغداد، أي أفضل أفراد نوع الأنسان وله اختصاص ببغداد، فالأضافة لأجل التخصيص كما في: غلام زيد، ومصارع مصر، لا لتفضيله على أجزاء المضاف إليه، فهذه الأضافة محضة اتفاقا بمعنى اللام، ثم نقول 4: أفعل بالمعنى الأول، إما أن تضيفه إلى المعرفة، أو إلى النكرة، فإن أضفته إلى المعرفة، لم يجز أن تكون مفردة، نحو: أفضل الرجل وأفضل زيد، إذ لا يمكن كونه بعض المضاف إليه بلى، إذا كان ذلك الواحد من أسماء الأجناس التي يقع لفظ مفردها على القليل والكثير، نحو: البرني أفضل التمر 5، جاز 6، والرجل، ليس جنسا بهذا المعنى، فتقول: زيد أفضل الرجلين، أي أحدهما المفضل على الآخر، وأفضل الرجال، أي أحدهم المفضل على كل واحد من الباقين، وأما إذا أضفته إلى نكرة، فيجوز إضافته إلى الواحد والمثنى والمجموع، نحو: زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين والزيدون أفضل رجال، فيتطابق صاحب أفعل، والمضاف إليه، افرادا وتثنية وجمعا، ويجوز افراد المضاف إليه وإن كان صاحب أفعل مثنى أو مجموعا، قال الله تعالى:


(1) يعني في البيت الذي استدلوا به على تنكيره (2) يعني في الشاهد الثاني الذي استدلوا به على تنكير أفعل التفضيل وأن إضافته لفظية،. (3) أي ثاني الوجهين المذكورين في بيان مذهب سيبويه، (4) استثناف لاستكمال أحكام أفعل التفضيل، (5) البرني، كلمة معربة عن: (برنيك) بمعنى: الحمل الجيد، (6) يعني جاز أن يضاف. (*)

[ 250 ]

(ولا تكونوا أول كافر به 1)، وحكم (أي) في الأضافة، حكم أفعل، يعني أنك إذا أضفت (أيا) إلى المعرفة، فلا بد أن يكون المضاف إليه مثنى أو مجموعا، وإذا أضفته إلى نكرة، جاز كون المضاف إليه مفردا أو مثنى أو مجموعا، والعلة في ذلك: أن (أيا)، استفهاما كان أو شرطا، أو موصولا، موضوع ليكون جزءا من جملة 2 معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، وكذا أفعل المضاف بالمعنى الأول، فقولنا: جزءا من جملة 3، يخرج نحو: الفرس أفره البغال، ويوسف أحسن اخوته، فإنه لا يجوز مثله، بالمعنى الأول، إذ ليس جزءا من جملة بعده، وقولنا معينة، ليخرج نحو: زيد أفضل رجلين وأفضل رجال، فإنه لا يجوز، إذ لا فائدة في كونه أفضل، من بين جملة غير معينة من عرض الرجال، وكذا يخرج نحو: أي رجلين زيد ؟ وأي رجال هو ؟ فإنه لا يجوز، إذ وضع (أي) للتعيين، وكيف يتعين واحد من جملة غير معينة ؟، وقولنا مجتمعة منه ومن أمثاله ليخرج نحو: وجه زيد أحسنه ونحو قولك: أي زيد أحسن ؟ أو جهه أم يده أم رجله، فإنه لا يجوز، لأن زيدا لم يجتمع من الوجه وأمثاله، وكذا لا يجوز: أي بغداد أطيب، أي: أي دورها أطيب، ألا أن يقدر المضاف، أي: أحسن أعضائة 4، و: أي أعضاء زيد، و: أي دور بغداد، فأي: موضوع لتعيين بعض من كل معين، وأفعل، بالمعنى الأول: لتفضيل بعض من كل معين بعده، على سائر أبعاضه، فإذا تقرر هذا، قلنا، لم يجز زيد أفضل الرجل، وأي الرجل هذا، لأن الرجل


(1) الآية 41 سورة البقرة، (2) أي من شئ متعدد، (3) أي الذي ينطبق على كل من أي وأفعل التفضيل، (4) يعني في تقديره المثال الأول: وجه زيد أحسنه وبقية الأمثله على الترتيب، (*)

[ 251 ]

ليس كلا يشمل زيدا وغيره، بخلاف قولك: البرني أطيب التمر، وقولك: أي التمر هذا ؟ لكون التمر جنسا يقع على الكثير، وجاز: أفضل الرجلين، وأي الرجلين، وأي الرجال، سواء أردت بهذا الجمع معهودين معينين، أو جنس الرجال، إذ هو على كلا التقديرين جملة معينة، وإنما جاز: أي رجل هو ؟ وأي رجلين هما ؟ وأي رجال هم ؟ مع أن المجرور في جميعها، ليس في الظاهر جملة معينة كما شرطنا، لأن 1 المراد بكل واحد من هذه المجرورات: الجنس مستغرقا مجتمعا من المسئول عنه ومن أمثاله، فتكون، في الحقيقة، منقسمة إلى المسئول عنه وأمثاله، كما شرطنا، فمعنى أي رجل: أي قسم من أقسام الرجال إذا قسموا رجلا رجلا، وأي رجلين، أي: أي قسم من أقسام هذا الجنس إذا قسم رجلين رجلين، وأي رجال، أي: أي قسم من أقسام هذا الجنس إذا صنفوا رجالا رجالا، وكذا في أفعل، نحو: زيد أفضل رجل، أي: أفضل أقسام هذا الجنس إذا كان كل قسم منه رجلا، والزيدان أفضل رجلين، أي أفضل أقسام هذا الجنس إذا كان كل قسم رجلين، والزيدون أفضل رجال، أي أفضل أقسام هذا الجنس إذا كان كل قسم منه رجالا، فأفعل، سواء أضفته إلى المعرفة أو إلى النكرة: لتفضيل صاحبه على كل ما هو مثله من أجزاء ما بعده، افرادا أو تثنية أو جمعا، فلهذا لم يجز: الزيدان أفضل الرجلين، لأن (الرجلين) ليس لهما أجزاء مثل الزيدين تثنية، بل هو جزء واحد مثل الزيدين، وجاز: زيد أفضل الرجال، والزيدان، أو الزيدون أفضل الرجال، لأن (الرجال) يصح تجزئتها رجلا رجلا كزيد، ورجلين رجلين، كالزيدين، ورجالا رجالا، كالزيدين يصح تجزئتها رجلا رجلا كزيد، ورجلين رجلين، كالزيدين، ورجالا رجالا، كالزيدين ولا تظنن أن صاحب أفعل التفضيل مفضل على مجموع أقسام المضاف إليه، فتقول


(1) تعليل للجواز. (*)

[ 252 ]

في زيد أفضل الرجال: انه أفضل من مجموع الرجال من حيث كونه مجموعا، فإنه غلط، بل معناه أنه أفضل من كل رجل رجل، هو قسم من أقسام الرجال، كما كان في النكرة، سواء، 1 وكذا (أي)، لتعيين قسم من أقسام المضاف إليه، معرفة كان أو نكرة، فلا يجوز: أي الرجلين هذان ؟ إذ ليس للرجلين أقسام كل واحد منها مثنى حتى يعين أحد تلك الأقسام، ويجوز: أي الرجال هذا ؟ وأي الرجال هذان، أو هؤلاء ؟ لأن الرجال، كما قلنا، يصح تجزئتها أفردا، أو مثنيات أو جموعا، فإن قيل: فكيف جاز التعبر عن استغراق الجنس بأحد أفراده في النكرة، حتى قلت: أفضل رجل وأفضل رجلين وأفضل رجال، ولم يجز ذلك في المعرفة ؟ قلت: لأن المنكر لا يختص في أصل الوضع بواحد بعينه، فصح أن يعبر به عن كل واحد واحد، على البدل، إلى أن يغني الجنس تحقيقا، بخلاف المعرفة، فإنها لتخصيص بعض الأجزاء وتعيينه، فلا تطلق مع ذلك التعيين على غيره، و (أي) و (أفعل)، لا يضافان إلا إلى جملة ذات أجزاء، كما قلنا، ولا يضافان إلى ما يكون تجزوه بالعطف، نحو: أي زيد وعمرو، ولا: زيد أفضل زيد وعمرو، فإن تكرر المجرور بالعطف فيهما، فلأجل تكرر المسئول عنه في (أي) والمفضل في (افعل)، نحو: زيد وهند، أفضل رجل وامرأة، وأي رجل وامرأة هذا وهذه، وأما قولهم: أبي وأيك، فالمراد به: أينا، لكنهم قصدوا التنصيص على أن المراد: المتكلم والمخاطب، إذ كان لا يدل عليه 2 الضمير في (أينا)، فصرحوا بالضميرين، فوجب إعادة (أي) للمحافظة على اللفظ لا المعنى، كما في قولك: بيني وبينك، مع أن مثل هذا 3، لا يكون إلا في ضرورة الشعر، قال:


(1) أي: الأمران سواء، ويتكرر ذلك كثيرا، (2) أي علي التنصيص على المتكلم والمخاطب، (3) أي تكرير أي بالعطف، (*)

[ 253 ]

302 - فأيي، ما، وأيك كان شرا * فقيد إلى المقامة لا يراها 1 وجاء مثله في الضرورة: 303 - يا رب موسى اظلمي واظلمه * فاصبب عليه ملكا لا يرحمه 2 و: (أي) معرب، مع أن فيه، إما معنى الشرط، أو الاستفهام، أو هو موصول، للزومه الأضافة المرجحة لجانب الاسمية المقتضية للأعراب، ولا يحذف المضاف إليه إلا مع قيام قرينة تدل عليه، نحو قوله تعالى: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى 3)، أي: أي اسم، وتجريدها من التاء مضافة إلى مؤنث أفصحمن إلحاق التاء، كما يجئ في الموصول، قال الله تعالى: (بأي أرض تموت 4)، قوله: (ولا يضاف اسم مماثل للمضاف إليه في العموم)، أي لا يقال: كل الجميع، ولا جميع الكل، فإنهما متماثلان في العموم، قوله: (كليث وأسد، وحبس ومنع)، مثالان للخصوص، إلا أن الأول عين، والثاني معنى،


(1) يدعو على من هو شر من الاثنين بأن يعمى فيحتاج إلى من يقوده إلى المقامة أي مكان اجتماع الناس في مجلسهم، وهذا من شعر العباس بن مرداس السلمي يخاطب خفاف ابن ندبة في أمر شجر بينهما، ويقول في أول هذا الشعر: ألا مع مبلغ عني خفافا * ألوكا بيت أهلك منتهاها والألوك: الرسالة، (2) هذا رجز، قال البغدادي إن الفارسي رواه عن ثعلب ولم يذكر نسبته لأحد، وروي الشطر الثاني: سلط عليه ملكا...، (3) الآية 110 من سورة الاسراء، (4) الآية 34 من سورة لقمان، (*)

[ 254 ]

قوله: (عين الشئ)، يريد بالشئ شيئا معينا، كزيد وعمرو، كما تقول: عين زيد، وإلا، فالشئ أعم 1 من العين، (تكملة) 2 (في ذكر أحكام للأضافة) (تركها المصنف) وقد أخل المصنف ببعض أحكام الأضافة، فلا بأس أن نذكرها، أحدها: حذف المضاف، إذا أمن اللبس، وجاء، أيضا، في الشعر مع اللبس، قال: 304 - فهل لكم فيها إلي فانني * بصير بما أعيا النطاسي حذيما 3 أي ابن حذيم، فإذا حذف، فالأولى والأشهر قيام المضاف إليه مقام المضاف في الأعراب، كقوله تعالى: (واسأل القرية 4)، وقد يترك، عند سيبويه 5، على إعرابه، إن كان المضاف معطوفا على مثله مضافا


(1) لأن الشئ معناه الموجودة، عينا كان أو معنى، و (عين) معناه: الذات، (2) هذا استمرار لكلام الرضي، (3) ابن حذيم الذي عبر عنه الشاعر بحذيم، رجل من تيم الرباب كان خبيرا بالتطبيب، وقيل إن اسمه هكذا، حذيم، فلا ضرورة في البيت، وهو من شعر أوس بن حجر، ومعنى قوله: هل لكم فيها: هل لكم في ردها إلي، يريد معزى له كان قد غنمها قوم من العرب انتقاما منه فقال يخاطبم طالبا ردها إليه، ومعنى الشطر الثاني أنه يقدر بخبرته ومقدرته، على أن ينتقم منهم، (4) الآية 82 من سورة يوسف، (5) تفصيل ذلك في سيبويه ج 1 ص 33، (*)

[ 255 ]

إلى شئ، كما يقال في المثل: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، أي: ولا كل بيضاء، قال: ولو لم يقدر هنا مضاف معطوف على المضاف الأول، لكان عطفا على عاملين مختلفين 1، ولا يجوز عنده، وعند غيره يجوز ذلك فلا يقدر مضافا، وتقول: ما مثل عبد الله يقول ذلك، ولا أخيه، وما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذلك، أي: ولا مثل أخيه، ولا مثل أبيك، قالوا: يجب اضمار 2 المضاف ههنا، فيكون مما حذف المضاف فيه وأبقي المضاف إليه على إعرابه، وذلك لأن (أخيه) لو كان معطوفا على (عبد الله) لكان المعنى: ما رجل هو مثلهما يقول ذلك، وليس هو المراد، بل المعنى: ما مثل هذا ولا مثل هذا يقولان ذلك، وأيضا، لو كان معطوفا عليه، لكان قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه المجرور، بأجنبي، وذلك لا يجوز، كما يجيى في باب العطف، ولو كان (أبيك) في المسألة الثانية عطفا على (أخيك) لم يقل: يقولان، بل: يقول، وأيضا، لو لم يقدر المضاف في المسألتين لكان الداخل عليه (لا) المزيدة لتأكيد النفي، معطوفا على غير ما نسب إليه الحكم المنفي، ولا يجوز، لأنك تقول: ما جاءني زيد ولا عمرو، ولا يجوز: ما جاءني غلام زيد ولا عمرو، بجر عمرو، إذ أن المجئ ليس منفيا عن زيد، بل عن غلامه، وأجاب المصنف عن الاستدلالات كلها بأن (مثل) ههنا، كناية، وليس بمقصود، فكأنه معدوم، يقال: مثلك لا يفعل هذا، أي: أنت لا ينبغي أن تفعل، وذكر المثل كناية، ولو كان مقصودا لم يكن المخاطب مرادا، وعند ذلك يفسد المعنى، لأنه لا يمتنع،. حينئذ، أن يكون المعنى: مثلك لا يفعله وأنت تفعله، كما تقول: أخو زيد لا يفعل هذا ولكن زيد يفعله، لما كان الأخ مقصودا، فكأنهم قالوا: ما عبد الله ولا أخوه، وما أخوك ولا أبوك، فلا تجئ الفسادات المذكورة، قال بعضهم: إن في هذا الجواب نظرا، وذلك لأنه، وإن كان المثل مقحما، من


(1) أي على معمولي عاملين مختلفين وفي التعبير اختصار، (2) المراد التقدير لا الأضمار الاصطلاحي، (*)

[ 256 ]

حيث المعنى، والمقصود هو المضاف إليه، لكن المعاملة لفظا مع هذا المضاف، ألا ترى أنك لا تقول: مثلي 1 لا أقول، ومثلك لا تقول بالتاء، ومثلكما لا تقولان، ومثلكم لا تقولون، أقول 2: أداء لفظ المفرد معنى المثنى والمجموع غير عزيز في كلامهم، كأسماء الأجناس، فإنه يصح إطلاقها على المثنى والمجموع، وكذلك استعمال المجرد من علامة التأنيث مجرى 3 المؤنث، كثير، فعلى هذا لا منع من اكتساء المضاف معنى التأنيث، والتثنية والجمع من المضاف إليه، إن حسن الاستغناء، في الكلام الذي هو فيه، عن المضاف، بالمضاف إليه، أما التأنيث فكما مر من قوله: طول الليالي أسرعت في نقضي 4 - 280 وأما التثنية، فكقولك: ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان، وأما الجمع فكقوله: وما حب الديار شغفن قلبي 5 - 281 وأما أداء ألفاظ الغيبة معنى الخطاب، فلم يجئ إلا مع حرف الخطاب، نحو: يا زيد، فمن ثمه لم يجز: ما مثلك تقول بالخطاب، / كما جاز في المثني: ما مثل أخيك وأبيك يقولان، وفي التأنيث، كقوله عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت مثل الجنة نام طالبها) 6،


(1) يعنى بمراعاة المضاف إليه، وإنما يراعى المضاف وهو مثل، وكذلك في بقية الأمثلة، (2) مناقشة من الرضي للنظر الذي أورده بعضهم على المصنف، (3) أي استعماله، وهو تعبير منظور فيه إلى المعنى، أو يؤول الاستعمال بالاجراء، (4) تقدم هذا الشاهد عند الكلام على الأمور التي يكتسبها المضاف من المضاف إليه، (5) وكذلك هذا الشاهد، تقدم كالذي قبله، (6) ظاهر عبارته أنه حديث إذ لم يؤلف منه كثيرا مثل هذا الدعاء لسيدنا علي رضي الله عنه وإن كان مذهبه فيه تشيع، وربما كان حديثا نبويا ولكن ورد في نهج البلاغة ص 54 طبع دار الشعب، وهو من خطبة جاء فيها لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها، وتعبير الرضي بمثل لعله رواية، (*)

[ 257 ]

وقد يقوم المضاف إليه مقام المضاف في التذكير، قال: 305 - يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل 1، أي: ماء بردى، وهي نهر، فقال: يصفق بالتذكير، ويقوم مقامه في التأنيث، أيضا، نحو: قطعت السارق فاندملت، أي قطعت يده، وفي العقل، كقوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون) 2، فقال: هم، وقال الخليل: يقوم مقامه في التنكير إن كان معرفة أضيف إليها (مثل)، كما ذكرنا في المفعول المطلق في قوله: فإذا له صوت صوت حمار 3، برفع (صوت) الثاني، أي: مثل صوت حمار، فأجاز أن تقول: هذا رجل أخو زيد، أي مثل أخي زيد، واستضعفه سيبويه 4، وقال: لو جاز هذا، لجاز: هذا قصير الطويل، أي مثل الطويل، وهو قبيح جدا، وأما قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، فلجعل العلم المشتهر بمعنى، كالجنس الموضوع لذلك المعنى، نحو: لكل فرعون موسى، كما ذكرنا في: (لا) التبرئة 5، وقد يحذف مضاف بعد مضاف، وهلم جرا 6، لقيام المضاف إليه الأخير مقامه، كقوله: 306 - فأدرك إبقاء العرادة ظلعها * وقد جعلتني من حزيمة إصبعا 7 أي: ذا مقدار مسافة اصبع،


(1) هذا من قصيدة مشهورة لحسان بن ثابت في مدح آل جفنة، ملوك الشام، (2) الآية 4 من سورة الأعراف، (3) في الجزء الأول ص 319 (4) تفصيل ذلك مع الرأي الذي نقله الشارح عن الخليل موجود في سيبويه ج 1 ص 181،. (5) تكررت الأشارة إلى وجه تسميتها بذلك، (6) قال ابن هشام إن هذا تعبير مولد وأنه يتوقف في عربيته وقد حله بشئ من التجوز خلاصته: أن المعنى: وعلم أي استمر، في سحب الحكم وجره أي تطبيقه على كل ما أشبهه، (7) من قصيدة للكحلبة العرني، ويريد: حزيمة بن طارق من بني تغلب، وكان حزيمة قد أغار مع نفر من قومه = (*)

[ 258 ]

وثانيها 1: حذف المضاف إليه، فإن كان المضاف ظرفا فيه معنى النسبة كقبل، وبعده، في الزمان، وأمام وخلف، في المكان، أو مشبها به في الأبهام، كغير، وحسب، ولم يعطف على ذلك المضاف مضاف آخر إلى مثل ذلك المحذوف، فالبناء على الضم، وتسمى الظروف غايات، ومنها: قط، وعوض، ومنذ، وحيث، كما يجئ في الظروف المبنية جميع أحكامها، وإن كان عطف على ذلك المضاف مضاف آخر إلى مثل ذلك المنوي، سواء كان المضاف الأول من الظروف المذكورة، كقبل وبعد زيد، أو من غيرها كقوله: يا من رأي عارضا أسر به * بين ذراعي وجبهة الأسد 2 - 132 وقوله: إلا علالة أو بداهة * سابح نهد الجزارة 3 - 23 لم يبدل من المضاف إليه تنوين، ولم يبن المضاف، لأن المضاف إليه كالباقي بما يفسره 4 الثاني،


= على بني يربوع عشيرة الكلحبة، وهو في هذا البيت يشير إلى أنه لم يدرك حزيمة لطارئ عرض لفرسه وذلك قوله: فإن تنج منها يا حزيم بن طارق * فقد تركت ما خلف ظهرك بلقعا والعرادة: اسم فرسه، والأبقاء ما تدخره الخيل من قوتها إلى وقت الحاجة يقول إن الظلع أي العرج أصاب الفرس فحال بينها وبين الانتفاع بما تبقية من قوة جريها، بعد أن قرب ما بينه وبين حزيمة ولو لا ذلك لأدركه، (1) ثاني الأحكام التي استطرد إليها لتكملة أحكام الأضافة (2) هذا من شعر الفرزدق، وتقدم الاستشهاد به في الجزء الأول في باب المنادي عند شرح قولهم يا يتم يتم عدي، (3) هذا من قصيدة للأعشي وهو يصف ما يحدث عندما يغزو وقومه أعداءهم، يقول وهناك يكذب ظنكم * أن لا اجتماع ولا زيارة وهو من القصيدة التي تقدم منها في التمييز هذا الشاهد: بانت لتحزننا عفارة * يا جارتا ما أنت جارة، وتقدم الاستشهاد بالبيت الذي هنا في الجزء الأول، (4) أي بسبب تفسير الثاني له، (*)

[ 259 ]

هذا على قول المبرد، ومذهب سيبويه: أن الأول مضاف إلى المجرور الظاهر، والثاني مضاف في الحقيقة إلى ضميره، والتقدير: إلا علالة سابح أو بداهته، ثم حذف الضمير، وجعل المضاف الثاني بين المضاف الأول والمضاف إليه، ليكون الظاهر كالعوض من الضمير المحذوف، على ما ذكرنا في باب النداء في: يا تيم تيم عدى لا أبا لكم 1 - 128 ومذهب سيبويه في: زيد وعمر قائم، أن خبر المبتدأ الأول محذوف، وهو مغاير لمذهبه هنا، 2 ومذهب المبرد أقرب، لما يلزم سيبويه من الفصل بين المضاف والمضاف إليه في السعة، وأما نحو: يا تيم تيم عدى فربما يغتفر فيه، لأن الفاصل بلفظ المصاف ومعناه، فكأنه لا فصل، وإن لم يكن المضاف من الظروف المذكورة، ولم يعطف عليه ما ذكرنا، وجب إبدال التنوين من المضاف إليه، وذلك في: كل، وبعض، وإذ، وأوان، كقوله تعالى: (وكلا ضربنا له الأمثال 3)، و: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات 4) ، وإذا قطع كل وبعض، عن الأضافة، فالأكثر إبدال التنوين وامتناع دخول اللام فيهما، وبعضهم جوزه، وقد ينصب (كل) على الحال، نحو: أخذ المال كلا، وذلك لكونه في صورة المنكر، وإن كان معرفة حقيقة، لكونه بتقدير (كله)، وقد حكى الخليل في المؤنث: كلتهن، وليس بمشهور،


(1) تقدم ذكره مع بقيته في باب النداء من الجزء الأول، (2) حديثه عن هذا في الجزء الأول ص 91 (3) الآية 39 سورة الفرقان (4) الآية 32 سورة الزخرف، (*)

[ 260 ]

وثالثها: الفصل بين المتضايفين، اعلم أن الفصل بينهما من الشعر بالظرف والجار والجرور، غير عزى، كقوله: 307 - لما رأت ساتيدما استعبرت * لله در اليوم من لامها 1 وقوله: كأن أصوات من إيغالهن بنا * أواخر الميس إنقاض الفراريج 2 - 260 وبغيرهما عزيز جدا، نحو قوله: 308 - تمر على ما تستمر وقد شفت * غلائل عبد القيس منها صدورها 3 وحكى ابن الأعرابي 4: هو غلام، إن شاء الله، ابن أخيك، وقد يفصل في السعة بينهما قليلا بالقسم، نحو: هذا غلام، والله، زيد، وذلك لكثرة دوره 5 في الكلام، وقد جاء في السعة، الفصل بالمفعول، إن كان المضاف مصدرا، والمضاف إليه فاعلا له، كقراءة ابن عامر 6: (... قتل أولادهم شركائهم 7)، وهو مثل قوله:


(1) من أبيات لعمره بن قمئة، رفيق امرئ القيس في رحلته إلى ملك الروم للاستنجاد به في الأخذ بالثأر من قاتلي أبيه وهو الذي يقصده امرؤ القيس بقوله: بكى صاحبي لما رأي الدرب دونه * وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له، لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (2) تقدم هذا الشاهد في هذا الجزء، وهو من شعر ذي الرمة، (3) قال البغدادي إن هذا شعر غير موثوق به، وهو أفحش ما جاء في الشعر مما دعت إليه الضرورة، ثم قال وهو مصنوع وقائله مجهول، وتقديره: وقد شفت عبد القيس منها غلائل صدورها، (4) محمد بن زياد بن الأعرابي، أحد موالي بني هاشم، من أئمة اللغة والنحو، وأشهر ما ألفه كتاب النوادر، وكان من رواة الشعر، وأكثر السماع عن المفضل الضبي، (5) أي دورانه ووقوعه في الكلام، (6) ابن عامر أحد القراء السبعة، وهو عبد الله بن عامر الشامي، ويكنى أبا عمران، توفي بدمشق سنة 118 ه. (7) الآية 137 سورة الأنعام، (*)

[ 261 ]

309 - فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مرادة 1 وقوله: 310 - تنفي يداها الحصى في كل هاجرة * نفي الدراهيم تنقاد الصياريف 2 عند من روى: بنصب الدراهيم، وجر تنقاد، وأنكر أكثر النجاة الفصل بالمفعول وغيره في السعة، ولا شك أن الفصل بينهما في الضرورة بالظرف ثابت، مع قلته وقبحه، والفصل بغير الظرف في الشعر، أقبح منه بالظرف، وكذا الفصل بالظرف في غير الشعر أقبح منه في الشعر، وهو عند يونس 3 قياس، كما مر في باب (لا) التبرئة 4، والفصل بغير الظرف في غير الشعر أقبح من الكل 5، مفعولا كان الفاصل، أو يمينا أو غيرهما، فقراءة ابن عامر ليست بذاك، ولا نسلم تواتر القراءات السبع، وإن ذهب إليه بعض الأصوليين 6،


(1) قيل أن هذا بيت مصنوع، أو من شعر المولدين فلا يصلح حجة، وفي كلام البغدادي في خزانة الأدب تفصيل طيب عن مثل هذه الأساليب، وفيه رد على الرضي فيما سيذكره عقب ذلك من إنكار لتواتر القراءات، (2) للفرزدق في وصف راحلته وأنها لسرعة سيرها في الهاجرة تضرب الحصى فيتناثر، فيقرع بعضه بعضا، فيشبه صوت الدراهيم حين ينقدها الصيرفي فينفي منها الزائف، والأشهر في رواية البيت جر الدراهيم ورفع تنقاد، صوت الدراهيم حين ينقدها الصيرفي فينفي منها الزائف، والأشهر في رواية البيت جر الدراهيم ورفع تنقاد، (3) تقدم ذكر يونس بن حبيب في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (4) تكرر وجه تسميتها بذلك، (5) ذكر الرضي قبل قليل، أن لفظ (كل) وبعض، يمتنع دخول اللام عليهما، ثم نقل عن بعضهم جواز ذلك، (6) يسلك الرضي في هذا مسلك الزمخشري وأمثاله ممن ينكرون تواتر القراءات السبع، أو يرون أنها أخذت بالرأي والاجتهاد من رسم المصحف، وفي هذا الشرح أمثلة كثيرة لهذا الاتجاه منه، سيأتي قريبا في هذا البحث نقده لقراءتي نافع وحمزة، وهما من القراء السبعة كابن عامر، وعبارته هنا قريبة من عبارة الزمخشري في الكشاف في نقد قراءة ابن عامر، في سورة الأنعام، (*)

[ 262 ]

(المضاف إلى ياء المتكلم) (وأحكامه) (قال ابن الحاجب:) (وإذا أضيف الاسم الصحيح أو الملحق به، إلى ياء المتكلم) (كسر آخره والياء مفتوحة أو ساكنة، فإن كان آخره ألفا) (ثبتت، وهذيل تقلبها لغير التثنية ياء، وإن كان ياء) (أدغمت، وإن كان واوا قلبت ياء وأدغمت، وفتحت) (الياء للساكنين)، (قال الرضي:) قوله: (الاسم الصحيح)، الصحيح في اصطلاح النجاة: ما حرف إعرابه صحيح كعمرو، ودعد، وزيد، ويعني بالملحق به: ما آخره ياء أو واو، قبلها ساكن، كظبي، ودلو، ومدعو، وكرسي وأبي، ومعنى الحاقه بالصحيح: إعرابه بالحركات الثلاث كالصحيح، وإنما احتملها، لأن حرف العلة يخف النطق به، وإن كان متحركا، إذا سكن ما قبله، كما يخف النطق به، إذا سكن هو نفسه، قوله: (كسر آخره)، إنما ألزم ما قبل ياء المتكلم الكسر، دون الضم والفتح، ليناسبها، ولهذا جوز هذيل 1 قلب ألف المقصور ياء وإن كان الألف أخف من الياء،


(1) هذيل اسم قبيلة ولكنه تحدث عنه بلغة التذكير باعتبار: قوم هذيل (*)

[ 263 ]

فقالوا: قفي، ولهذا، قالوا في الأفصح: في 1، بقلب الواو ياء، كما يجئ، قوله: (والياء مفتوحة أو ساكنة)، يعني الياء اللاحقة للصحيح والملحق به، وأما اللاحقة لغيرهما فمفتوحة، للساكنين، كما يجئ، وقد تقدم في باب المنادى: الخلاف في أن أصلها السكون أو الفتح، ويجوز حذف الياء قليلا في غير المنادى كما تقدم هناك 2، قوله: (فإن كان آخره ألفا)، يعني إن لم يكن صحيحا ولا ملحقا به فلا يخلو آخره من أن يكون ألفا، أو واوا، أو ياء، والألف تثبت في اللغة المشهورة الفصيحة، للتثنية، كانت، كمسلماي، أو، لا، كفتاي وحبلاي، ومعزاي، وهذيل تجيز قلب الألف التي ليست للتثنية ياء، كأنهم لما رأوا أن الكسر يلزم ما قبل الياء، للتناسب في الصحيح والملحق به، ورأوا أن حروف المد من جنس الحركة، على ما ذكرنا في أول الكتاب، ومن ثم 3 نابت عن الحركة في الأعراب: جعلوا 4 الألف قبل الياء كالفتحة قبلها، فغيروها إلى الياء لتكون كالكسرة قبلها، وأما ألف التثنية، فلم يغيروها، لئلا يلتبس الرفع بغيره بسبب قلب الألف، وأما في المقصور، فالرفع والنصب والجر، ملتبس بعضها ببعض، لكن لا بسبب قلب الألف ياء، بل لو أبقيت الألف أيضا، لكان الالتباس حاصلا، فإن قيل: فكان الواجب على هذا، ألا يقلب واو الجمع في: جاءني (مسلموي)، لئلا يلتبس الرفع بغيره، قلت: بينهما فرق، وذلك أن أصل الألف عدم القلب قبل الياء، لخفتها، كما


(1) المراد: فو، المضاف إلى ياء المتكلم، (2) ص 389 في الجزء الأول، (3) يعني لأنها من جنس الحركة، (4) جواب (لما) في قوله: كأنهم لما رأوا، أو خبر كأن، في كأنهم.. (*)

[ 264 ]

هو اللغة المشهورة الفصيحة، وإنما جوز هذيل قلبها لأمر استحساني، لا موجب عندهم أيضا، فالأولى تركه، إذا أدي إلى اللبس، بخلاف قلب الواو في (مسلموي) فإنه لأمر موجب للقلب عند الجميع وهو اجتماع الواو والياء وسكون أولهما، ولا يترك هذا الأمر المطرد اللازم، لالتباس يعرض في بعض المواضع، ألا ترى أنك تقول، مختار، ومضطر،. في الفاعل والمفعول معا، وقد جاء في الشعر قلب الألف ياء مع الأضافة إلى كاف الضمير، قال: 311 - يا ابن الزبير طالما عصيكا * وطالما عنيننا اليكا لنضربن بسيفنا قفيكا 1 قوله: (وإن كان ياء)، أي إن كان آخر الاسم ياء، وذلك في المنقوص، نحو: قاضي، وفي المثنى والمجموع نصبا وجرا، نحو: مسلمي ومسلمي، قوله: (وإن كان واوا)، وذلك في المجموع بالواو والنون رفعا، وإنما قلبت الواو ياء، لأن قياس لغتهم، كما يجئ في التصريف، إذا اجتمعت الواو، والياء، وسكنت أولاهما، قلب الواو ياء، وإدغام أولاهما في الثانية، وإنما لم تبقيا كراهة لاجتماع المتقاربين في الصفة، أي اللين، فخفف بالأدغام، فقلب أثقلهما أي الواو، إلى الأخف، أي الياء، وسهل أمر الأدغام تعرضهما له بسكون الأول، وتقلب الواو ياء، سواء كانت أولا، كطي، أو ثانيا كسيد، وأصلهما: طوي وسيود، فإذا حصل الأدغام، فإن كان قبل الياء الأولى فتحة بقيت على حالها لخفتها، نحو: مصطفي وأعلى، في: مصطفون وأعلون 2، وإن كان قبلها ضمة، فإن لم تؤد إلى لبس وزن بوزن، وجب قلبها كسرة، لأجل الياء، كما في: مسلمي، وسهل ذلك قربها من الأخير الذي هو محل التغيير، فلهذا 3


(1) عصيكا، أي عصيت فابدلت التاء كافا، وعنيتنا أي سببت لنا العناء والتعب بالمسير إليك ونسبه أبو زيد في نوارده إلى رجل من حمير، ولم يذكر اسمه، والمقصود: عبد الله بن الزبير بن العوام، (2) يعني: مصطفى وأعلى، مضافين إلى ياء المتكلم (3) أي لأن القرب من الطرف مبرر للتغيير، (*)

[ 265 ]

لم تقلب في: سيل وميل 1، وأيضا، فانهم لما شرعوا في التخفيف في (مسلمي) بالأدغام تمموه بقلب الضمة كسرة، بخلاف (ميل)، وإن أدي إلى اللبس، فأنت مخير في قلبها كسرة وإبقائها، نحو: لي، في جمع ألوي، إذ يشتبه فعل بفعل 2، قوله: (وفتحت الياء للساكنين)، يعني إذا كان قبل ياء الضمير ألف، أو ياء، أو واو ساكنة، فلا يجوز فيها السكون، كما جاز في الصحيح والملحق به، وذلك لاجتماع الساكنين، وقد جاء الياء ساكنا، مع الألف في قراءة نافع 3: (ومحياي ومماتي) 4 وذلك، إما لأن الألف أكثر مدا من أخويه، فهو يقام مقام الحركة من جهة صحة الاعتماد عليه، وإما لأجراء الوصل مجرى الوقف، ومع هذا فهو، عند النجاة، ضعيف، وجاء في لغة بني يربوع فيها: الكسر مع الياء قبلها، وذلك لتشبيه الياء بالهاء بعد الياء، كما في: فيه ولديه، ومنه قراءة حمزة 5: (وما أنتم بمصرخي) 6، وهو عند النجاة ضعيف، قال: 312 - قال لها: هل لك ياتا، في 7


(1) جمع سائل ومائل، (2) أي وزن فعل بضم الفاء بوزن فعل بكسرها، (3) نافع: هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثى المدني أحد القراء السبعة توفي سنة 169 ه. (4) من الآية 162 من سورة الأنعام، (5) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات أحد القراء السبعة وهو كوفي، توفي سنة 156 ه. (6) الآية 22 من سورة إبراهيم، (7) قيل إنه للأغلب العجلي، أحد رجاز العرب، وفي الخزانة أن بعضهم قال: هو غير معروف القائل، وهو حديث عن رجل لقي امرأة فعرض عليها نفسه فأبت، ويروون بعده: قالت له ما أنت بالمرضي، قال البغدادي: والله أعلم بحقيقة الحال، (*)

[ 267 ]

(الأسماء الستة) (مع ياء المتكلم) (قال ابن الحاجب:) (وأما الأسماء الستة، فأبي وأخي، وأجاز المبرد: أبي وأخي،) (وتقول: حمي وهني، ويقال: في، في الأكثر، وفمي)، (قال الرضي:) هذا حكم الأسماء الستة عند إضافتها إلى ياء المتكلم، وهي، باعتبار الأضافة، على ضربين: ضرب لا يقطع عن الأضافة، ولا يضاف إلى مضمر، وهو: (ذو) وحده، فلا كلام فيه في هذا الباب، إذ نحن نتكلم على المضاف إلى ياء المتكلم وهي ضمير، وضرب يقطع، ويضاف إلى مضمر، وهو الخمسة الباقية، وهي على ضربين: ضرب إعرابه عين 1 الكلمة، ولامها محذوف، وهو: فوك، وضرب إعرابه لام الكلمة وهو الأربعة الباقية، أعني: أبوك، وأخوك، وهنوك، وحموك، أما (فوك) فحالاته ثلاث: قطع الأضافة، وإضافته إلى ياء المتكلم، وإضافته إلى غيرها، أما في حال القطع، فيجب إبدال الواو ميما، لامتناع حذفه وإبقائه 2، أما


(1) اختار الرضي في إعراب الأسماء الستة، في الجزء الأول، أن بعضها معرب بعين الكلمة نفسها، وبعضها اعرابه لام الكلمة، وهذا من بين الآراء العديدة التي أوردها هناك، ص 76 (2) أي الواو، (*)

[ 268 ]

الحذف 1، فلبقاء الاسم المتمكن على حرف واحد، ولا يجوز، لأن الأعراب إنما يدور على آخر الكلمة، فلا يدور على كلمة آخرها أولها، وأما الأبقاء، فلأدائه منونا إلى اجتماع الساكنين، فلؤول أمره إلى البقاء على حرف، وذلك لأن أصله (فوه) بفتح الفاء وسكون العين، أما فتح الفاء فلأن (فم) بفتح الفاء أكثر وأفصح من الضم والكسر، وأما سكون العين، فلأنه لا دليل على الحركة، والأصل السكون، فحذفت لامه نسيا منسيا، فلو لم تقلب الواو ميما، لدار الأعراب على العين كما في: يد، ودم، فوجب قلبها ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيلتقي ساكنان: الألف والتنوين، فتحذف الألف، فلما امتنع حذفها وابقاؤها، قلبت إلى حرف صحيح قريب منها في المخرج وهو الميم، لكونهما شفويتين، وأما قوله: خالط من سلمي خياشيم وفا 2 - 234 فقيل: حذف المضاف إليه ضرورة، وأصله: وفاها، قال أبو علي، يجوز أن يكون على لغة من لم يبدل من التنوين ألفا في النصب، كما في الرفع والجر، كما قال: 313 - كفى بالنأي من أسماء كاف * وليس لحبها إذ طال شافي 3 وقال: 314 - إلى المرء قيس أطيل السرى * وآخذ من كل حي عصم 4


(1) يعني أما علة عدم إمكان حذفه وكذلك في قوله وأما الأبقاء (2) تقدم هذا الشطر شاهدا في باب المستثنى من هذا الجزء، (3) هذا مطلع قصيدة لبشر بن أبي خازم في مدح أوس بن حارثة، وبشر شاعر جاهلي، وكان يهجو أوسا فتمكن منه أوس فأسره ثم أطلقه فعاد إلى مدحه والأشادة به، (4) من قصيدة للأعشى في مدح قيس بن معد يكرب الكندي وله فيه مدائح كثيرة، ومن هذه القصيدة قوله قبل هذا البيت في وصف رحلته وراحلته، ويهماء تعزف جنانها * مناهلها آسنات أجم قطعت برسامة جسدة * ويشفى عليها الفواد السقم السقم بكسر القاف: السقيم، (*)

[ 269 ]

وهذه لغة حكاها الأخفش، فالألف عين الكلمة، فلا يبقى المعرب على حرف، وأما إضافته إلى ياء المتكلم فهو فيها على لغتين: أشهرهما (في) في الأحوال الثلاث، وقياس أصله: فوي، كغدي، ثم: فاي، لتحرك الواو وانفتاح ما قبلها، إلا أنه لما جرت العادة فيما أعرب بالحركات إذا أضيف إلى الياء أن يقتصر من جملة الحركات الثلاث على الكسر للتناسب، وكانت العين ههنا، كالحركة الأعرابية، الواو كالضمة، والياء كالكسرة، وإن لم تكن الكسرة إعرابية، تشبيها للكسرة التي ليست بإعراب ولا بناء، عند المصنف، أو الكسرة البنائية عند النجاة 1، بالكسرة الأعرابية لعروضها، وذلك كما شبهت الضمة البنائية في: يا زيد، بالأعرابية، فجئ بدلها بالواو، والألف في، مشبهة بالأعرابية وما قبل الياء الأعرابية في الأسماء الستة مكسور، كسرت الفاء في (في)، وقد يقال: فمي وفمه، وفم زيد 2، في جميع حالات الأضافة، قال: 315 - كالحوت لا يرويه شئ يلقمه * يصبح ظمآن وفي البحر فمه 3 والأول أصح وأفصح، لأن علة الحاجة إلى إبدال الواو ميما عند القطع عن الأضافة، هي خوف سقوط العين للساكنين، ولا ساكنين في حال الأضافة، إذ لا تنوين في المضاف، فالأولى ترك إبدالها ميما،


(1) يشير هنا إلى ما تقدم في أول الكتاب من أن الكسرة قبل ياء المتكلم للمناسبة وحركات الأعراب مقدرة، وهو رأي المصنف وبعض النحويين فهي لا إعرابية ولا بنائية، وأن بعض النجاة يرون أن المضاف إلى ياء المتكلم مبني والكسرة حركة بناء،. (2) هذه اللغة الثانية، المقابلة لقوله: أشهرهما (في) (3) من أرجوزة طويله للعجاج في مدح أبي العباس السفاح أول خلفاء العباسيين، وروايتها على طولها كانت سببا في حظوة الأصمعي عند هارون الرشيد، (*)

[ 270 ]

وقد جمع الشاعر بين الميم والواو، قال: 316 - هما نفثا في في من فمويهما * على النابح العاوي أشد رجام 1 وهو جمع بين البدل والمبدل منه، وتكلف بعضهم معتذرا بأن قال: الميم بدل من الهاء التي هي لام، قدمت على العين، وأما إضافته إلى غير المتكلم، فالأعرف فيها: إعرابه بالحروف، كما ذكرنا، وجاء: فم زيد، كما مر، وأما الأربعة الباقية 2، فلها، أيضا، ثلاثة أحوال 3، إحداها القطع عن الأضافة، والأعرف فيها حذف لاماتها، وقد تبتت في بعضها، كما يجئ في ذكر لغاتها، وثانيتها: الأضافة إلى غير ياء المتكلم، فالأعرف، إذن، في: أبوك، وأخوك: جعل لاميهما اعرابا، وفي: حم وهن: حذف اللام، كما يجئ في لغاتها، وثالثتها: الأضافة إلى ياء المتكلم، قال الجمهور: يجب حذف اللامات، إذ ردها في حال الأضافة إلى غير ياء المتكلم، إنما كان لغرض جعلها إعرابا، والأعراب لا يظهر في المضاف إلى ياء المتكلم، فلا معنى لردها معها،. وأجاز المبرد، قياسا على الأضافة إلى غير ياء المتكلم، رد اللام في أربعتها كما نقل عنه ابن يعيش 4، وابن مالك، وفي: أب وأخ، فقط، كما نقل عنه جار الله 5 والمصنف،


(1) هذا البيت من قصيدة للفرزدق قالها في آخر حياته حين تاب إلى الله مما فرط منه من هجاء الناس وقذف المحصنات، وفيها ذم لأبليس وأعوانه يقول فيها: أطعتك يا إبليس تسعين حجة * فلما انتهى شيئ وتم تمامي فزعت إلى ربي وأيقنت أنني * ملاق لأيام الحتوف حمامي والضمير المثنى في: هما نفتا، يعود إلى إبليس وابنه، وقد ذكره في بيت سابق، (2) أي بقية الأسماء الستة، (3) هكذا قال ثلاثة فجرى على أن الحال مذكر ثم قال: إحداها وثانيتها الخ، (4) انظر شرح ابن يعيش على الفصل ج 3 ص 36 (5) أي الزمخشري وانظر الموضع السابق من ابن يعيش، (*)

[ 271 ]

ولما ردها ألزم الياء، لما قلنا في (في) على الأصح، وشبهته قول الشاعر: 317 - قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى * وأبي مالك ذو المجاز بدار 1 وأجيب بأنه يحتمل أن يكون جمعا لأب، مضافا إلى الياء، إذ يقال في، أب، أبون، قال: 318 - فلما تبين أصواتنا * بكين وفديننا بالأبينا 2 كما قيل في أخ: أخون، قال: 319 - وكان لنا فزارة عم سوء * وكنت له كشر بني الأخينا 3 (اللغات المستعملة) (في الأسماء الستة) (قال ابن الحاجب:) (وإذا قطعت قيل: أخ وأب وحم وهن وفم، وفتح الفاء)


(1) أحد بيتين للمؤرج السدوسي السلمي شاعر إسلامي أموي، وذو المجاز أحد أسواق العرب مثل عكاظ، وتقديره عند المبرد: وحق أبي، (2) يروى: فلما تبين أشباحنا، وهو من أبيات لزياد بن واصل من شعراء الجاهلية، افتخر فيها بآبائه وأمهات آبائه من بني عامر، وهو في هذا الجزء من القصيدة يصف عودتهم من إحدى المعارك ظافرين وأن نساء القبيلة حين رأينهم رحبن بهم وقلن لهم نفديكم بآبائنا، (3) هذا من أبيات تتضمن وصفا لما يحدث بين الأقارب من جفوة، وما يترتب على ذلك من آثار وهي منسوبة لرافع بن هريم، كما نقل البغدادي عن صاحب العباب، وقال: لم أجد في ديوان رافع إلا هذين البيتين: عفاريت علي وأخذ مالي * وعجز عن أناس آخرينا فهلا غير عمكم ظلمتم * إذا ما كنتم متظلمينا وقبل إن بيت الشاهد لعقيل بن علفة، ولا يرتبط بأبيات رافع بن هريم، (*)

[ 272 ]

(أفصح منهما، وجاء (حم) مثل: يد، وخب ء، ودلو) (وعصا، مطلقا، وجاء: (هن) مثل يد، مطلقا، وذو) (لا يضاف إلى مضمر، ولا يقطع)، (قال الرضي:) اعلم أن في: أب، وأخ، أربع لغات، وفي: أخ، خامسة، فاللغات المشتركة: أن يكونا محذوفي اللام مطلقا، أي مضافين ومقطوعين، فيكونان كيد، فتثنيتهما: أبان وأخان، والجمع: أبون، وأخون، كما مر، 1 والثانية، أن يكونا مقصورين مطلقا، كعصى، والثالثة أن يكونا مشددي العين مطلقا مع حذف اللام، والرابعة، وهي أشهرها: حذف اللام والأعراب على العين، مقطوعين، وإعرابهما بالحروف مضافين، واللغة المختصة بأخ: أخو، كدلو، مطلقا،. وفي (حم) ست لغات، أبتدئ منها بالأفصح فالأفصح على الترتيب، أولاها، اعرابه بالحروف في الأضافة إلى غير الياء، ونقصه حال القطع عنها، وإعرابه على العين، وثانيتها: أن يكون كدلو مطلقا، أي في الأضافة والقطع، والثالثة: أن يكون كعصى، مطلقا، والرابعة: أن يكون كيد مطلقا، والخامسة: أن يكون كخب ء مطلقا، والسادسة أن يكون كرشأ، مطلقا، وأما (هن)، ففيه ثلاث لغات: أشهرها: النقص مطلقا، كيد، وبعدها: الأعراب بالحروف في حال الأضافة إلى غير الياء، والنقص في غيرها،


(1) تقدم ذكر هذه اللغة في الفصل الذي قبل هذا مع الاستشهاد لها، (*)

[ 273 ]

ولما لم تكن هي المشهورة، زعم صدر الأفاضل 1، أنه ليس من الأسماء الستة، ولم يذكرها، أيضا، الزجاجي 2 فيها، وثالثتها تشديد نونه مطلقا، وأما إسكان النون في الأضافة نحو قوله: 320 - رحت وفي رجليك ما فيهما * وقد بدا هنك من المئزر 3 فالمضرورة، وليس بلغة رابعة، وفي (فم) لغات، أشهرها وأفصحها: اعرابه بالحروف في الأضافة إلى غير الياء، وفتح الفاء مع خفة 4 الميم حال القطع، وإبدال الواو ياء عند الأضافة إلى ياء المتكلم، والثانية، والثالثة، والرابعة: فم مثلث الفاء، محذوف اللام نسيا، مطلقا مع إبدال الواو ميما، وتثليث الفاء، بناء على أن الواو التي أبدلت منها الميم: تقلب في حال الأضافة ألفا وياء، فتكون الفاء في الحالات الثلاث، إذن، مثلثة، لا للأعراب، فيجوز تثليثها في الأفراد لغير الأعراب، والخامسة والسادسة والسابعة: فما، مثلث الفاء مقصورا مطلقا، وكأنه جمع بين البدل والمبدل منه، أو: الميم بدل من اللام قدمت على العين، كما مر، 5 فيكون قوله: فمويهما، مثنى (فما)،


(1) صدر الأفاضل: لقب: أبي الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي تلميذ الزمخشري، نحوي أديب من أهل خوارزم واستحق هذا اللقب لتقدمه في اللغة والأدب وفي الفقه أيضا، (2) الزجاجي بياء مشددة في آخره، منسوب إلى الزجاج، الأمام المعروف في النحو لأنه كان تلميذه وتقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (3) من أبيات للأقشر السعدي، وكان قد سكر مرة فسقط فبدت عورته، ولامته أمراته بعد أن ضحكت، فقال يصور هذه الحكاية: تقول يا شيخ أما تستحي * من شربك الخمر على المكبر فقلت: لو باشرت مشمولة * صهبا كلون الفرس الأشقر رحت وفي رجليك..... البيت (4) أي تخفيف (5) تقدم هذا في الكلام على أوجه إعرابها في الجزء الأول ص 76 (*)

[ 274 ]

والثامنة والتاسعة: فم، مشدد الميم مطلقا، ومضموم الفاء أو مفتوحها، قال: 321 - حتى إذا ما خرجت من فمة 1 قال ابن جني: هو للضرورة، وليس بلغة، وكأن الميمين مبدلان من العين واللام، والجمع أفمام، العاشرة: اتباع الفاء الميم في الحركات، نحو: هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فم، وكأنه نظر فيها إلى حالة الأضافة بلا ميم، أعني: فوك، وفاك، وفيك، وقد يتبع فاء (مرء) أيضا حرف إعرابه فيقال: مرء ومرءا، ومرى، وعين (امرى) و (ابنم) تابعان لحرف الأعراب اتفاقا، وفي (دم) ثلاث لغات: القصر كعصى، والتضعيف، كمد، وحذف اللام مع تخفيف العين، وهو المشهور كيد، قوله: (وذو لا يضاف إلى مضمر ولا يقطع)، إنما لم يقطع، لأنه ليس مقصودا لذاته، وإنما هو وصلة إلى جعل أسماء الأجناس صفة، وذلك أنهم أرادوا، مثلا، أن يصفوا شخصا بالذهب فلم يتأت لهم أن يقولوا: جاء رجل ذهب، فجاءوا بذو، وأضافوه إليه، فقالوا: ذو ذهب، ولما كان جنس المضمرات والأعلام مما لا يقع صفة، كما يجئ، لم يتوصل بذو، إلى الوصف بها، وإن كان بعد التوصل يصير الوصف هو المضاف دون المضاف إليه، وأما أسماء الأجناس التي هي نحو: الضرب والقتل، فإنها، وإن لم تكن مما يوصف به،. إلا أنها من جنس ما يقع صفة، أي: اسم الجنس كضارب وقاتل، وأيضا 2 لو حذف المضاف الموصوف به، والمضاف إليه ضمير، أو علم، لم يجز قيامهما مقامه، لامتناع الوصف بهما،


(1) يروي: يا ليتها قد خرجت، وجاء بعده: ( حتى يعود الملك في أسطمه)، ولم ينسب إلى أحد، (*)

[ 275 ]

وأما قولهم: صلى الله على محمد وذويه، فشاذ، كما أن قطعه عن الأضافة، وإدخال اللام عليه في قوله: فلا أعني بذلك أسفليكم * ولكني أريد به الذوينا 1 - 16 شاذان، وذلك لأجرائه مجرى صاحب 2، وأما قولهم: ذو زيد، وذوي آل النبي 3، فإنما جاز، لتأويل العلم بالاسم، أي: صاحب هذا الاسم، وأصحاب هذا الاسم، (أصل الأسماء الستة) قالوا: وأصل الأسماء الستة كلها: فعل، بفتح الفاء والعين، الا: فوك، كما ذكرنا،. فكان قياسها أن تكون في الأفراد 4 مقصورة، لكن لما كثرت الأضافة فيها، وصار إعرابها معها بالحروف، كما مر في أول الكتاب، ولم تكن فيها مقصورة، حملوها في ترك القصر، مفردات، على حال الأضافة، أما كون أب، وأخ، وحم، مفتوحة العين، فلجمعها على أفعال، كآباء، وآخاء، وأحماء، لأن قياس فعل صحيح العين: أفعال، كجبل وأجبال، وأما (ذو) فلا دليل في (أذواء) على فتح عينه، لأن قياس فعل ساكن العين معتلها: أفعال، أيضا، كحوض وأحواض وبيت وأبيات،


(1) هذا من قصيدة طويلة للكميت وتقدم ذكره في الجزء الأول، وهو يقصد به أهل اليمن، والمراد بالذوين: المسمون بذو كذا نحو ذو نواس وذو يزن، وكان ذلك من ألقاب أشرافهم، (2) تعليل لأدخال اللام على ذو، وإن كان ذلك شاذا كما قال، (3) إشارة إلى بيت الكميت في مدح بني هاشم وتقدم ذكره في الكلام على إضافة المسمى إلا الاسم، وهو قوله: اليكم ذوي آل النبي تطلعت * نوازع من قلبي ظماء وألبب (4) أي عدم الأضافة، وكذلك فيما يأتي من قوله: حملوها في ترك القصر مفردة، (*)

[ 276 ]

ودليل تحرك عينه: مؤنثه، أعني: ذات، وأصلها ذواة، كنواة، لقولهم في مثناها: ذواتا 1، فحذفت العين في (ذات) لكثرة الاستعمال ولو كانت ساكنة العين، لقلت في المؤنث: ذية، كطية، وقال الخليل: وزن (ذو) فعل، بالسكون، واللام محذوفة في جميع متصرفات (ذو) إلا في: ذات، وذوات، وقال الفراء: الأخ ساكن العين في الأصل، ولعله قال ذلك، لقلة (آخاء)، وأما (هن) فلم يسمع فيه: أهناء، حتى يستدل به على تحريك عينه، ومؤنثه وهو (هنة) بالتحريك لا يدل على تحرك عينه، لأنه يمكن أن يكون ساكنها، لكن لما حذفت اللام فتحت العين، لأن ما قبل تاء التأنيث لا بد من فتحه، وكذا، لا دليل في: هنوات، لأنه يمكن أن يكون كتمرات، وأما (فوك) فأصله (فوه) بسكون الواو كما ذكرنا، إذ لا دليل على حركتها، وأفواه، لا يدل عليها، كما لا يدل أذواء، ولام (فوك) هاء، لقولهم أفواه، وفويه، ولام (ذو) ياء، لأن عينه واو، بدليل: ذواتا، وذوات وأذواء، وباب طويت أكثر من باب القوة، والحمل على الأكثر أولى، إذا اشتبه الأمر، ولام أب، وأخ، وحم، وهن: واو، لقولهم: أبوان وأخوان وحموان وهنوات، وإخوة، وأخوات، وأما هنيهة في: هنية فلأن لامه ذات وجهين 2، وكذا لام (حم) قد تكون همزة، كما تبين، 3


(1) كما في قوله تعالى: (ذواتا أفنان)، سورة الرحمن الآية 48 (2) فهو مثل سنة وشفة، (3) تبين ذلك في ذكر اللغات الواردة في الأسماء الستة، قبل قليل، (*)

[ 277 ]

(التوابع) (معنى التابع) (وبيان العامل فيه) (قال ابن الحاجب:) (التوابع: كل ثان أعرب بإعراب سابقه من جهة واحدة)، (قال الرضي:) قوله: (كل ثان)، يشمل التوابع، وخبر المبتدأ، وكل ما أصله خبر المبتدأ، كخبري (كان) و (إن)، وأخواتهما، ويشمل الحال، وثاني مفعولي (أعطيت)،. قوله (بإعراب سابقه)، أي: مع إعراب سابقه، يخرج الكل، إلا خبر المبتدأ، وثاني مفعولي: ظننت، وأعطيت، والحال عن المنصوب، نحو: ضربت زيدا مجردا، والتمييز عن المنصوب نحو: (وفجرنا الأرض عيونا)، 1 قوله: (من جهة واحدة)، قال المصنف: يخرج هذه الأشياء 2، لأن ارتفاع المبتدأ من جهة كونه مبتدأ، وارتفاع الخبر من جهة أخرى، وهي كونه خبر المبتدأ، وكذا،


(1) الآية 12 من سورة القمر وسيذكرها مرة أخرى، (2) جاء بهامش المطبوعة التركية كلام كثير لبيان وجه خروج هذه الأشياء، رأيت أن ما هنا أوضح وأسهل عبارة منه، (*)

[ 278 ]

انتصاب أول المفعولين، من جهة كونه أولهما وانتصاب الثاني من جهة كونه ثانيهما، وانتصاب الأول 1 في: ضربت زيدا قائما، من جهة كونه مفعولا به، وانتصاب الثاني من جهة كونه حالا، وكذا في: (وفجرنا الأرض عيونا)، انتصاب الأول، من جهة كونه مفعولا به والثاني من جهة كونه تمييزا، وفيه نظر 2، لأن ارتفاع المبتدأ والخبر من جهة واحدة، وهي كونهما عمدتي الكلام، كما تقرر في أول الكتاب، وانتصاب الأسماء المذكورة من جهة واحدة، وهي كونها فضلات، وإن قلنا بتغير الجهات بسبب تغير اسم كل واحد من: الأول، والثاني، فلنا أن نقول: ارتفاع (زيد) في: جاءني زيد الظريف من جهة كونه فاعلا، وارتفاع الظريف، من جهة كونه صفته، وكذا باقي التوابع، ثم نقول: الأخبار المتعددة لمبتدأ، نحو: (وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد) 3 الآية، وكذا المسندات في نحو: علمت زيدا عالما عاقلا ظريفا، وكذا الأحوال المتعددة نحو: (فتقعد مذموما مخذولا) 4، وكذلك المستثنى بعد المستثنى، نحو: جاءني القوم إلا زيدا، إلا عمرا، لا تتغير أسماؤها، ولا جهات إعرابها، فينبغي أن تدخل في حد التوابع، ولو قال: كل ثان أعرب بإعراب سابقه لأجله، أي إعراب الثاني لأجل إعراب الأول، لم يرد عليه ما ذكرنا، وقوله: (كل ثان) فيه نظر أيضا، لأن المطلوب في الحد، بيان ماهية الشئ، لا قصد حصر جميع مفرداته، ويدخل في قوله (ثان): النعت الثاني فما فوقه، وكذا التأكيد المكرر، وعطف النسق المكرر، لأن كلا منها: ثان للمتبوع كالنابع الأول، وأما الكلام في عوامل التوابع ففيه تفصيل،


(1) المراد اللفظ الأول من الاسمين، وكذا في بقية المثال وفي مثال التمييز، (2) تصدى السيد الجرجاني لرد هذا النظر، وناقش الرضي فيما قاله وذلك في تعليقاته التي بهامش المطبوعة التركية، (3) الآيتان 14، 15 من سورة البروج، (4) الآية 22 من سورة الأسراء (*)

[ 279 ]

أما الصفة، والتوكيد، وعطف البيان، ففيها ثلاثة أقوال: قال سيبويه 1: العامل فيها هو العامل في المتبوع، وقال الأخفش: العامل فيها معنوي، كما في المبتدأ أو الخبر، وهو كونها تابعة، وقال بعضهم: إن العامل في الثاني مقدر من جنس الأول، ومذهب سيبويه أولى: لأن المنسوب إلى المتبوع في قصد المتكلم، منسوب إليه مع تابعه، فإن المجئ في جاءني زيد الظريف، ليس في قصده منسوبا إلى زيد مطلقا، بل إلى زيد المقيد بقيد الظرافة، وكذا في: جاءني العالم زيد، وجاءني زيد نفسه، فلما انسحب على التابع حكم العامل المنسوب معنى، حتى صار التابع والمتبوع معا كمفرد منسوب إليه، وكان الثاني هو الأول في المعنى، كان الأولى انسحاب عمل المنسوب عليهما معا تطبيقا للفظ بالمعنى، أما إذا قلت: جاءني غلام زيد، فالمنسوب إليه، وإن كان الغلام مع زيد، إلا أن الثاني ليس هو الأول معنى، فلم يعمل العامل فيهما معا، وجعله معنويا، كما ذهب إليه الأخفش، خلاف الظاهر، إذ العامل المعنوي في كلام العرب بالنسبة للفظي، كالشاذ النادر، فلا يحمل عليه المتنازع فيه، وتقدير العامل خلاف الأصل أيضا، فلا يصار إلى الأمر الخفي، إذا أمكن العمل بالظاهر الجلي، وأما البدل، فالأخفش، والرماني، والفارسي، وأكثر المتأخرين، على أن العامل فيه مقدر من جنس الأول، استدلالا بالقياس والسماع، أما السماع فنحو قوله تعالى: (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم 2)، وغير ذلك من الآي، والأشعار،


(1) حديث سيبويه عن التوابع في الجزء الأول ص 209 وما بعدها، وقد تضمن كلام الرضي هنا كثيرا مما جاء في سيبويه، بلفظه أو بمعناه، (2) الآية 33 من سورة الزخرف، (*)

[ 280 ]

وأما القياس فلكونه مستقلا، ومقصودا بالذكر، ولذا لم يشترط مطابقته للمبدل منه تعريفا وتنكيرا، والجواب 1 عن الأول، أن (لبيوتهم)، الجار والمجرور، بدل من الجار والجرور، والعامل، وهو (لجعلنا) غير مكرر، وكذا في غيره، فإن قيل: لو لم يكن المجرور وحده بدلا من المجرور، لم يسم هذا بدل الاشتمال، لأن الجار والمجرور ليس بمشتمل على الجار والمجرور، بل البيت مشتمل على الكافر، وكذا في قوله تعالى: (للذين استضعفوا لمن آمن منهم 2): من آمن، بعض الذين استضعفوا، قلنا: لما لم يحصل من اللام فائدة إلا التأكيد، جاز لهم أن يجعلوه كالعدم، ويسموه بدل الاشتمال، نظرا إلى المجرور، ولا يكرر في اللفظ في البدل من العوامل إلا حرف الجر، لكونه كبعض المجرور، والجواب عن القياس أن استقلال الثاني وكونه مقصودا، يؤذن بأن العامل هو الأول، لا مقدر آخر، لأن المتبوع، إذن، كالساقط فكأن العامل لم يعمل في الأول ولم يباشره، بل عمل في الثاني، ومذهب سيبويه، والمبرد، والسيرافي، والزمخشري، والمصنف، أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، إذ المتبوع في حكم الطرح فكأن عامل الأول باشر الثاني، هذا، وستعرف في باب عطف البيان: أنه في الحقيقة هو البدل، فحكمه فيما ذكرنا حكم البدل، وأما عطف النسق، ففيه ثلاثة أقوال: قال سيبويه: العامل في المعطوف هو الأول


(1) مناقشة لرأي القائلين بأن العامل في البدل مقدر، (2) الآية 75 من سورة الأعراف، (*)

[ 281 ]

بواسطة الحرف، وقال الفارسي في الأيضاح الشعري وابن جني في سر الصناعة: ان العامل في الثاني مقدر من جنس الأول، لقولك: يا زيد وعمرو، وأقول: لا دليل فيه، إذ علة البناء في الثاني وقوعه موقع الكاف كالمعطوف عليه، مع عدم المانع من البناء، كما كان 1 في: يا زيد والحارث أعني اللام، وإنما كان اللام مانعا، لامتناع مجامعته لحرف النداء المقتضي للبناء، فلما ارتفع المانع 2، صار كأن حرف النداء باشر التابع، لا أنه يقدر له حرف آخر، واستدل 3 أيضا بقولهم: قيام زيد وعمرو، وقال: العرض الواحد لا يقوم بمحلين، والجواب: أن القيام ههنا ليس بعرض واحد، بل هو مصدر، والمصدر يصلح للقليل والكثير، بلفظ الواحد، والمراد هنا: القيامان بقرينة قولك وعمرو، وكذا لا حجة له في قام زيد وعمرو، إذ هو متضمن للقيام الصالح للقليل والكثير، ولو كان العامل مقدرا، لوجب تعدد الغلام في: جاءني غلام زيد وعمرو، وهو متحد، ولكان معنى كل شاة وسخلتها بدرهم: كل شاة بدرهم، وكل سخلتها بدرهم، والمراد: هما معا بدرهم، وأيضا، لم يجز: يا زيد والحارث، ولم يجز: ما زيد قائما ولا عمرو قاعدا، و: ليس زيد وعمرو ذاهبين، إذ لا يجوز تقدير (ما) و (ليس) بعد (لا)، وأيضا لم يجز: زيد ضربت عمرا وأخاه، إذ يبقى خبر المبتدأ بلا ضمير، مع كونه جملة، وقال بعضهم 4: العامل حرف العطف بالنيابة، وهو بعيد لعدم لزومه لأحد القبيلين، كما هو حق العامل،


(1) أي المانع، وهو حرف التعريف، (2) يعني في المثال الذي قاسوا عليه، (3) أي الفارسي، ويلزم منه استدلال ابن جني، وكان يمكن أن يقرأ بالبناء للمجهول لولا قوله بعد ذلك، وقال، أي الفارسي، (4) هذا هو القول الثالث بعد قول سيبويه، وقول الفارسي وابن جني، (*)

[ 282 ]

وفائدة الخلاف في هذا كله: جواز الوقف على المتبوع دون 1 التابع عند من قال: العامل في الثاني غير الأول، وامتناعه عند من قال العامل فيهما هو الأول، هذا، وإنما قدم 2 المصنف النعت على سائر التوابع، لكونه أكثر استعمالا


(1) يعني بدون أن يذكر المتبوع معه لاستقلال كل منهما على هذا الرأي، (2) هذا تعجيل من الرضي لوجه تقديم المصنف للنعت، وكان يمكن جعله في بدء حديثه عن شرح كلام المصنف في النعت، (*)

[ 283 ]

(النعت) (تعريفه) (قال ابن الحاجب:) (النعت تابع يدل على معنى في متبوعه مطلقا)، (قال الرضي:) قال في شرح المفصل 1: الصفة تطلق باعتبارين: عام، وخاص، والمراد بالعام: كل لفظ فيه معنى الوصفية، جرى تابعا أو، لا، فيدخل فيه خبر المبتدأ والحال في نحو: زيد قائم، وجاءني زيد راكبا، إذ يقال هما وصفان، ونعني بالخاص: ما فيه معنى الوصفية إذا جرى تابعا، نحو: جاءني رجل ضارب، قال: حد العام: ما دل على ذات باعتبار معنى هو المقصود، وينتقض 2 حده بأسماء الآلة، والمكان والزمان، إذ: المقتل مثلا دال على ذات، وهو الموضع، باعتبار معنى، وهو القتل، هو المقصود من وضع هذا اللفظ، على ما فسر، ثم سأل نفسه وقال: إن أسماء الأجناس كلها تدل على ذات باعتبار معنى وليست بصفات، فان (رجلا) موضوع لذات باعتبار الذكورة والأنسانية،


(1) لابن الحاجب شرح على مفصل الزمخشري كما اشرنا إلى ذلك غير مرة، (2) أجاب الجرجاني في تعليقاته عن هذا النقض في تعليقة طويلة بهامش المطبوعة التركية، (*)

[ 284 ]

قال: والجواب أنا احترزنا عن مثله بقولنا هو المقصود، فإن أسماء الأجناس: المقصود بها هو الذات، والصفات: المقصود بها المعنى لا الذات، ولقائل أن يمنع في الموضعين، أي في الأسماء والصفات، ويقول: إن أردت بقولك في أسماء الأجناس: أن المقصود بها الذات وحدها، من دون المعنى، فلا نسلم، إذ قصد الواضع بوضع (رجل): ذات فيها معنى الرجولية، بلا خلاف، وإن أردت أن المقصود الذات، سواء كان المعنى، أيضا مقصودا معها أو، لا، فلا ينفعك، لأن الصفات أيضا، إذا ذكرتها مجردة من متبوعاتها فلا بد فيها من الدلالة على الذات مع المعنى المتعلق بها، وكذا إذا ذكرتها مع متبوعاتها، لأن معنى (ضارب): ذو ضرب، ولا شك أن معنى (ذو): ذات، ومعنى (ضرب) معنى في تلك الذات، ولو لم يدل إلا على المعنى، لكانت الصفة هي الحديث، كالضرب والحسن، ثم نقول: قولك في الصفات: إن المقصود بها المعنى، لا الذات، مناقض لقولك في حد الصفة العامة: ما دال على ذات باعتبار معنى، وكيف تدل بالوضع على الذات مع أن المقصود بها ليس ذاتا، وهل دلالة اللفظ على شئ إلا مع القصد بذلك اللفظ إلى ذلك الشئ ؟، وإن قال: المراد بالقصد: القصد الأهم، فإن نحو ضارب، وإن دل على الذات، إلا أن المقصود الأهم به: الحدث القائم بالذات المطلقة، التي دل عليها، هذا اللفظ، فلمانع أن يمنع أن المقصود الأهم من هذا اللفظ بيان المعنى، بل المعنى كان يدل عليه تركيب (ض رب)، فلم تضع منه هذه الصيغة المختصة إلا للدلالة على ذات يقوم بها ذلك المعنى، وكذا نحو: المضروب والمحبوس، فإنه موضوع لذات مطلقة يقع عليها الضرب والحبس، قال 1: والوصف الخاص: تابع يدل على معنى في متبوعه مطلقا، قال 2: تابع،


(1) أي المصنف في شرح المفصل أيضا، بعد أن فرغ من تعريف الوصف العام، (2) المراد ابن الحاجب أيضا، لشرح هذا التعريف الذي قاله، (*)

[ 285 ]

يدخل في (تابع) جميع التوابع، ويخرج منه خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، لما ذكرنا في حد التابع، وقولنا يدل على معنى في متبوعه، يخرج عنه ما سواه، قلت: يدخل فيه البدل في نحو قولك: أعجبني زيد علمه، ولو قال: يدل على معنى في متبوعه أو متعلقه، لكان أعم، لدخول 1 نحو: مررت برجل قائم أبوه، فيه، ثم نقول: أما خروج البدل 2، وعطف البيان، وعطف النسق والتأكيد الذي هو تكرير لفظي، أو معنوي، فظاهر، وأما التأكيد 3 المفيد للأحاطة فداخل في هذا الحد، إذ (كلهم) في: جاءني القوم كلهم، يدل على الشمول الذي في القوم، فإن قال: شرط هذا المعنى الذي يدل عليه الوصف: ألا يفهم من المتبوع، والشمول يفهم من القوم، وكذا في: جاءني الزيدان كلاهما، فالجواب: أن ذكر هذا الشرط ليس في حدك، مع أنه يلزم منه، ألا يكون: واحدة، واثنين في قوله تعالى: (نفخة واحدة 4)، و: الهين اثنين 5) نعتا 6، قوله: (مطلقا)، قصد به إخراج الحال في نحو: قولك: ضربت زيدا مجردا، فإن (مجردا) دال على معنى في زيد، لكن لا مطلقا، بل مقيدا بحال الضرب، أقول: قد خرج الحال عن الحد بقوله: تابع، بزعمه 7، لأنه ليس بإعراب سابقه من جهة واحدة،


(1) أي ليدخل، وهذا تعليل لكونه أعم، وقوله فيه بعد ذلك متعلق بدخول، (2) هذا جري على اصطلاح النجاة في التفرقة بين عطف البيان والبدل، أما رأيه هو فلا فرق بينهما عنده وهو يبرز هذا المعنى كلما سنحت الفرصة، (3) جرى الرضي على أن قسما مما يسميه النجاة توكيدا معنويا وهو التوكيد بالنفس والعين، من باب التكرير المعنوي كما سيأتي في التوكيد، (4) الآية 13 سورة الحاقة، (5) الآية 51 سورة النحل، (6) خبر قوله يلزم ألا يكون، (7) يعني كما هو في تعريفه للتابع، (*)

[ 286 ]

هذا، ولا يبعد 1، لو حددنا الوصف العام، أي ما وضع من الأسماء وصفا، سواء استعمل تابعا، أو، لا، بأن نقول: هو اسم وضع دالا على معنى غير الشمول وصاحبه، صحيح التبعية لكل ما يخصص صاحبه، فقولنا: اسم، يخرج الجمل الاسمية والفعلية، وإن صح وقوعها نعتا تابعا في نحو: جاءني رجل ضرب أبوه، أو: أبوه ضارب، قولنا: وضع، يخرج ألفاظ العدد في نحو: جاءني رجال ثلاثة، لأن وضعها لمجرد العدد، وكذا سائر المقادير، نحو: عندي زيت رطل، ويخرج أسماء الأجناس سواء وقعت صفات، نحو:... برجل أسد، أو، لا، نحو: زيد أسد، فإنها، وإن دلت على معان، لكنها ليست كذلك بحسب الوضع، وكذا يخرج نحو: صوم وعدل في... برجل صوم وعدل، لأنه ليس بالوضع، فلا يدخل في الصفات العامة، بلى، يدخل في حد الصفة الخاصة، كما يجئ، فيقال: إن أسد، وصوم، في: برجل أسد، وبرجل صوم، صفة، وكذا نحو: أي رجل 2، لأنه في الأصل للاستفهام، وقولنا: على معنى، يخرج ألفاظ التوكيد إلا التي للشمول، فإن نحو نفسه لا يدل على معنى في شئ، بل مدلوله نفس متبوعه، وقولنا: غير الشمول يخرج ألفاظ الشمول في التوكيد، نحو: كلاهما، وكله، وأجمع ومرادفاته، وجاءني القوم ثلاثتهم، عند التميميين، كما مر في الحال 3، إذ كل ذلك يدل على الشمول وصاحبه، أي: جميعها أو جميعهم، وقولنا: وصاحبه يخرج المصادر ويدخل أسماء الزمان والمكان والآلة، وقولنا: صحيح التبعية، يخرج هذه الأسماء، لأنها لم توضع صحيحة التبعية لغيرها، بل لو جرت صفات في بعض المواضع نحو: رجل مثقب 4، فليس ذلك من حيث الوضع، كحمار


(1) هذا تعقيب من الرضي بعد أن نقد تعريف ابن الحاجب باختياره تعريفا للوصف العام، ثم يأتي بعده اختياره في تعريف الوصف الخاص، (2) في نحو: مررت برجل أي رجل، (3) انظر في هذا الجزء، ص 21، (4) بصيغة اسم الآلة، يعني نافذ الرأي، (*)

[ 287 ]

في: مررت برجل حمار، وقولنا: لكل ما يخصص صاحبه، يخرج أسماء الأجناس، فإنها لا يصح أن تتبع بالوضع إلا المبهم فقط، دالة على معنى فيه، نحو: هذا الرجل، وأيها الرجل، ومع هذا، فهي أسماء لا صفات عامة، وكذا يخرج اسم الأشارة لخصوصه 1، كما يجئ، ببعض الموصوفات، ويدخل في قولنا صحيح التبعية: الحال، وخبر المبتدأ، وغير ذلك، في نحو: جاءني زيد راكبا، وزيد عالم، والعالم زيد، فإنها صفات، وإن لم تتبع شيئا، لكنه يصح تبعيتها وضعا، وتقول في حد الوصف الخاص، أي التابع: هو تابع دال على ذات ومعنى غير الشمول، في متبوعه أو متعلقه مطلقا، فيدخل فيه التابع في نحو: هذا الرجل، وبرجل أي رجل، وبرجل تميمي، وبرجل حسن وجهه، وبرجل حمار، وغير ذلك، ويخرج البدل في نحو: أعجبني زيد علمه، (فائدة النعت) (قال ابن الحاجب:) (وفائدته تخصيص أو توضيح، وقد يكون لمجرد الثناء أو الذم) (أو التأكيد، نحو: نفخة واحدة)، (قال الرضي:) معنى التخصيص في اصطلاحهم: تقليل الاشتراك الحاصل في النكرات، وذلك أن (رجل) في قولك: جاءني رجل صالح، كان بوضع الواضع محتملا لكل فرد من أفراد هذا النوع، فلما قلت: صالح، قللت الاشتراك والاحتمال، ومعنى التوضيح عندهم:


(1) أي لاختصاصه ببعض الموصوفات، (*)

[ 288 ]

رفع الاشتراك الحاصل في المعارف، أعلاما كانت، أو، لا، نحو: زيد العالم، والرجل الفاضل، قوله: (وقد يكون لمجرد الثناء...)، لفظة (قد) التي هي للتقليل في المضارع مؤذنة بأن مجيئة لمجرد الثناء، أو الذم، أو التأكيد: قليل، وإنما يكون لمجرد الثناء أو الذم، إذا كان الموصوف معلوما عند المخاطب، سواء كان مما لا شريك له في ذلك الاسم، نحو: (بسم الله الرحمن الرحيم 1)، إذ لا شريك له، تعالى، في اسم (الله)، ونحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو كان مما له شريك فيه، نحو: أتاني الفاضل العالم، أو الفاسق، الخبيث، إذا عرف المخاطب زيدا الآتي، قبل وصفه، وإن كان له شركاء في هذا الاسم، وإنما يكون الوصف للتأكيد، إذا أفاد الموصوف معنى ذلك الوصف مصرحا به بالتضمن نحو: (نفخة واحدة 2) و: (إلهين اثنين 3)، فإن كان ذلك المعنى المصرح به في المتبوع، شمولا، أو إحاطة، فالتابع تأكيد، لا صفة، نحو: الرجلان كلاهما والرجال كلهم، وإن لم يكن، فهو صفة كما في قوله تعالى: (إلهين اثنين إنما هو إله واحد) 4، وإن كان معنى التابع معنى المتبوع سواء، بالمطابقة، فالتابع تأكيد تكرير، نحو: الرجل نفسه وزيد زيد، وقد يجئ لمجرد الترحم، نحو: أنا زيد البائس الفقير،


(1) البسملة من القرآن اتفاقا في سورة النمل، الآية 30 / وفيما عدا ذلك موضع خلاف، (2) تقدمت في البحث السابق، (3) وكذلك هذه الآية، (4) الآية السابقة مع زيادة هنا، وفي الزيادة استشهاد على الموضوع نفسه، (*)

[ 289 ]

(الاستقاق في النعت) (وحكمه) (قال ابن الحاجب:) (ولا فرق بين أن يكون مشتقا وغيره، إذا كان وضعه لغرض) (المعنى، عموما، مثل: تميمي، وذي مال، أو خصوصا) (مثل: مررت برجل أي رجل، ومررت بهذا الرجل وبزيد) (هذا)، (قال الرضي:) قال في الشرح: 1 يعني أن معنى النعت: أن يكون تابعا يدل على معين في متبوعه، فإذا كانت دلالته كذلك، صح وقوعه نعتا، ولا فرق بين أن يكون مشتقا أو غيره،. لكن، لما كان الأكثر في الدلالة على المعنى في المتبوع هو المشتق، توهم كثير من النحويين أن الاشتقاق شرط حتى تأولوا غير المشتق بالمشتق، هذا كلامه، اعلم أن جمهور النجاة شرطوا في الوصف الاشتقاق، فلذلك استضعف سيبويه: مررت برجل أسد، وصفا، ولم يستضعف: بزيد أسدا، حالا، فكأنه يشترط في الوصف، لا الحال، الاشتقاق، وفي الفرق نظر، والنجاة يشترطون ذلك فيهما معا، والمصنف لا يشترطه فيهما، ويكتفي بكون الوصف دالا على معنى في متبوعه، مشتقا كان، أو، لا، وبكون 2 الحال: هيئة للفاعل أو المفعول، قوله: (إذا كان وضعه لغرض المعنى عموما)، أي وضع للدلالة على معني في


(1) المراد هنا شرح ابن الحاجب نفسه على الكافية، (2) أي ويكتفي يكون الحال... الخ، (*)

[ 290 ]

متبوعه في جميع استعمالاته، كالمنسوب، و (ذو) المضاف إلى اسم الجنس، فإن لهما موصوفا في جميع المواضع، إما ظاهرا، أو مقدرا، فالمراد بالموضوع لغرض المعنى عموما: الوصف العام، وقد حددناه، ومن الجامد الموضوع كذلك: كل موصول فيه الألف واللام، كالذي، والتي، وفروعهما، و (ذو) الطائية، لأن (الذي قام) بمعنى القائم، قوله: (أو خصوصا)، يعني به أن يوضع للدلالة على معنى في متبوعه في بعض استعمالاته، وهي، كاسم الجنس الجامد بالنظر إلى اسم الأشارة، نحو: هذا الرجل، كما ذكرنا في باب النداء، أما إذا جعلته صفة لغير اسم الأشارة نحو: مررت بزيد الرجل، أي الكامل في الرجولية، فليس الجنس موضوعا لمعنى في متبوعه، لأن استعمال الرجل بمعنى الكامل في الرجولية ليس وضعيا، كما أن استعمال أسد، بمعنى شجاع في قولك: مررت برجل أسد، ليس وضعيا، فإن قيل: لم لم يجز أن يوصف بأسماء الأجناس، باقيا معناها على ما وضعت له، سائر 1 المبهمات التي هي غير أسماء الأشارة، كما جاز وصفها بها، فيقال: مررت بشخص رجل، وبسبع أسد، كما يقال: بهذا الرجل وبذاك الأسد، فإن شخصا وسبعا، مبهمان، كاسم الأشارة ؟ قلت: لتجرد الموصوف في مثله عن فائدة زائدة على ما كان يحصل من أسماء الأجناس لو لم تقع صفات، إذ قولك: مررت برجل، يفيد الشخصية، وأسد، يفيد السبعية، بخلاف: رجل طويل، ورجل عالم، فإن العلم والطول يكونان في غير الرجل أيضا، ولهذا يحذف الموصوف في الأغلب، مع قرينة دالة عليه، نحو قوله: 322 - رباء شماء لا يأوي لقلتها * الا السحاب وإلا الأين والسبل 2


(1) نائب فاعل للفعل (يوصف) في قوله: لم لم يجز أن يوصف... (2) هذا البيت من قصيدة للمتنخل الهذلي، يرثي بها أينه أثيلة، وأولها: ما بال عينك أمت دمعها خضل * كما وهى سرب الأحزاب منبذل (*)

[ 291 ]

وكالأورق، في الحمام، والأطلس في الذئب، والغبراء، والخضراء، في الأرض والسماء، أما قولك: هذا الرجل، فللموصوف فائدة جعل الوصف حاضرا معينا، وفي: يا أيها الرجل: للموصوف فائدة منع حرف النداء من مباشرة ذي اللام، ومن الموضوع للدلالة على معنى في متبوعه خصوصا، على ما قال المصنف: (أي)، واسم الأشارة، في نحو: مررت برجل أي رجل وبزيد هذا، فأي إنما تقع صفة للنكرة فقط، بشرط قصدك للمدح، واسم الأشارة يقع وصفا للعلم، وللمضاف إلى المضمر، وإلى العلم، وإلى اسم الأشارة، لأن الموصوف أخص، أو مساو، وأما في غير هذه المواضع فلا يقع صفة، والذي يقوى عندي، أن (أي رجل)، لا يدل بالوضع على معنى في متبوعه، بل هو منقول عن (أي)، الاستفهامية، وذلك أن الاستفهامية موضوعة للسؤال عن التعيين، وذلك لا يكون إلا عند جهالة المسئول عنه، فاستعيرت لوصف الشئ بالكمال في معنى من المعاني والتعجب من حاله، والجامع بينهما: أن الكامل البالغ غاية الكمال بحيث يتعجب منه، يكون مجهول الحال بحيث يحتاج إلى السؤال عنه، ومن ثم، قال الفراء، في ما أحسن زيدا: إن (ما) استفهامية، ولهذا المعنى: شرط في (أي) الواقعة صفة أن تكون صفة للنكرة حتى تضاف إلى النكرة، لأن المضافة إلى المعرفة ليس فيها إبهام كامل، إذ معنى أي الرجلين هو ؟: من هو من بين هذين الرجلين، وكذا: أي الرجال:، بخلاف: أي رجل هو ؟، فمعناه: أي فرد هو من أفراد هذا الجنس، كما مر في باب الأضافة 1،


= إلى أن يقول: أقول لما أتاني الناعيان به * لا يبعد الرمح ذو النصلين والرجل وقوله: رباء، صيغة مبالغة من: ربا، ومنه قولهم هو ربيئة القوم للذي يتقدمهم، وتقدير الكلام: هو رباء، وشماء مفعول به لرباء، أي رباء هضبة شماء، مرتفعة لا يصل إلى قمتها إلا السحاب وإلا الأوب وهو النجل، وهو المطر أيضا، وقد يكون هذا مرجحا لتفسير الأوب بالنحل، وقد شرح البغدادي عددا من أبيات هذه القصيدة، قال: لأن كثيرا من أبياتها قد ورد شاهدا في هذا الشرح، وهي قصيدة جيدة حقا، (1) انظر في هذا الجزء، ص 251 (*)

[ 292 ]

وإذا جاءت بعد المعرفة فانصبها على الحال، نحو: هذا زيد أي رجل، وتجوز المخالفة بين الموصوف والمضاف إليه لفظا، إذا توافقا معنى، نحو: مررت بجارية أيما أمة، وأيتما أمة، وأما اسم الأشارة فإنما يقع وصفا للعلم، والمضاف إلى المضمر، وإلى العلم وإلى اسم الأشارة، لأن الموصوف أخص أو مساو، وأما في غير هذه المواضع فلا يقع صفة، فلذا عد من الموضوع للدلالة على المعنى خصوصا، وجميع ما ذكر من الجوامد، قياسي، عموما كان 1، كالمنسوب، وذو، والموصول ذي اللام، وذو، الطائية، أو خصوصا، كأي، التابع للنكرة، واسم الجنس التابع لاسم الأشارة، واسم الأشارة التابع لما ذكرنا، وقد بقي من الجوامد الواقعة صفة أشياء لم يذكرها المصنف، وهي على ضربين: قياسي وسماعي، فمن القياسي: كل، وجد، وحق، تابعة للجنس، مضافة إلى مثل متبوعها لفظ ومعنى، نحو: أنت الرجل كل الرجل، وجد الرجل، وحق الرجل، هذا 2 هو الأغلب الأحسن، ويجوز، على ضعف: أنت المرء كل الرجل وجد الرجل وحق الرجل، ولا تتبع غير الجنس، فلا يقال: أنت زيد كل الرجل... وذلك لأن الوصف بهذه الألفاظ الثلاثة كالتأكيد اللفظي، فلهذا لم يحسن أنت المرء كل الرجل، وليس في لفظ زيد، معنى الرجولية حتى يؤكد بكل الرجل، ويوصف بها النكرات أيضا، فيقال: أنت رجل كل رجل، وحق رجل، وجد رجل، ومعنى كل الرجل: أنه اجتمع فيه من خلال الخير ما تفرق في جميع الرجال، ومعنى


(1) أي سواء كان بمعنى الوصف العام أو الوصف الخاص، بالاصطلاح الذي تقدم فيهما، (2) أي كون هذه الكلمات مضافة إلى مثل ما قبلها لفظا ومعنى، (*)

[ 293 ]

جد الرجل، أي كأن ما سواك هزل، وحق الرجل، أي من سواك باطل، وهي من باب جرد قطيفة 1، ويقال أيضا، في الذم: أنت اللئيم جد اللئيم وحق اللئيم، وأنت لئيم جد لئيم وحق لئيم، ومنه قولك: ما شئت من كذا مقصورا على نكرة، نحو قولك: جاءني رجل ما شئت من رجل، و (ما) إما نكرة موصوفة بالجملة بعدها، أو موصولة، وهي خبر مبتدأ محذوف على الحالين، والجملة صفة للنكرة، أي: هو الذي شئته، أو هو شئ شئته، ويجوز أن تكون موصوفة بالجملة بعدها وهي صفة للنكرة قبلها، وإنما استعمل (ما) دون (من)، لأن (ما) للمبهم أمره وإن كان من أولي العلم، كقوله تعالى: (وما رب العالمين) 2، وقوله تعالى: (إني نذرت لك ما في بطني محررا) 3،. وما نحن فيه موضع الأبهام، وفي معنى قولك رجل ما شئت من رجل: عندي رجل شرعك من رجل ورجلان حسبك من رجلين، ورجال نهيك أو نهاك أو كفيك من رجال، ورجل همك من رجل، وهدك من رجل، كما ذكرنا في باب الأضافة 4، والجار والمجرور في جميع ذلك يفيد أن المذكور هو المخصوص بالمدح من بين أقسام هذا الجنس، إذا صنفوا رجلا رجلا، ورجلين رجلين، ورجالا رجالا، كما قلنا في: أفضل رجل، وأفضل رجلين، وأفضل رجال 5، ويجئ مثل ذلك بعد كثير مما يقصد به المدح والتعجب، نحو: يا لك من ليل، ولله در زيد من رجل، وقاتله الله من شاعر، وقال عز من قائل، والمعنى في الجميع واحد،


(1) يعني من باب ما ظاهره إضافة الصفة إلى الموصوف، (2) الآية 23 من سورة الشعراء، (3) الآية 35 من سورة آل عمران، (4) تقدم شرح هذه الأمثلة في باب الأضافة، في هذا الجزء، وسيشرح بعضها هنا، (5) انظر إضافة اسم التفضيل في هذا الجزء، ص 248. (*)

[ 294 ]

أي: هو الممدوح والمتعجب منه خاصة من جملة هذا الجنس، إذا فصلوا وقسموا هذا التقسيم، وقولهم: همك من رجل، مصدر بمعنى المفعول، أي: مهمومك أي مقصودك، أو، من همه أي أذابة أي يذيبك وصف محاسنه، كقولهم: هدك من رجل، أي يثقل عليك عد مناقبه، من هدته المصيبة، أي: أوهنته وكسرته، ومن المقيس، أيضا أن تكرر الموصوف وتضيفه إلى نحو: صدق، وسوء نحو: عندي رجل، رجل صدق، وحمار، حمار سوء، والمراد بالصدق في مثل هذا المقام: الجودة، لا الصدق في الحديث، وذلك لأن الصدق في الحديث مستحسن جيد عندهم، حتى صاروا يستعملونه في مطلق الجودة، فيقال ثوب صدق، وخل صادق الحموضة، كما أن الكذب مستهجن عندهم، بحيث إذا قصدوا الأعزاء بشئ، قالوا: كذب عليك، قال عمرو بن معد يكرب، لمن شكا إليه المغص: كذب عليك العسل، أي العسلان 1، بمعنى: عليك به، والزمه، ويجوز أن يريد بالعسل، العسل المعروف، وقال: 323 - وذبيانية أوصت بنيها * بأن كدب القراطف والقروف 2 أي عليكم بها، والأضافة في نحو: رجل صدق، و (دائرة السوء 3)، للملابسة، وهم، كثيرا ما يضيفون الموصوف إلى مصدر الصفة، نحو: خبر السوء، أي الخبر السيئ، فمعنى رجل صدق: رجل صادق أي جيد، فكأنك قلت: عندي رجل، رجل صادق،


(1) نوع من المشي، (2) قائله معمر البارقي، من بارقة إحدى قبائل اليمن وسيوضح الشارح معنى الأعزاء بقولهم كذب عليك في باب أسماء الأفعال، والقراطف جمع قرطف على وزن جعفر وهو الكساء المخمل، والقروف جمع قرف بفتح القاف وسكون الراء: وعاء يتخذ لوضع نوع من الأطعمة، والمعنى أنها تحثهم على أن يحرصوا في غاراتهم ومعاركهم التي يخوضونها على كسب هذه الأشياء، (3) جزء من الآية 6 سورة الفتح، (*)

[ 295 ]

فلما كان المراد من ذكر رجل الثاني، صفته، صار رجل، مع صفته صفة للأول، كما مر في باب (لا) التبرئة في نحو: لا ماء ماء باردا، ويجوز أن يكون الثاني بدلا من الأول، كما قيل في قوله تعالى: (بالناصية ناصية كاذبة خاطئة) 1، إلا أن وجوب تطابقهما تعريفا وتنكيرا يرجح كونه صفة، ومن القياسي: الوصف بالمقادير، نحو عند رجال ثلاثة، قال عليه الصلاة والسلام: (الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة واحدة)، وتقول: عندي بر قفيزان، وكذا الوصف بالذراع والشبر والباع، وغير ذلك من المقادير الدالة على الطول والقصر والقلة والكثرة ونحو ذلك، والسماعي 2 على ضربين: إما شائع كثير، وهو الوصف بالمصدر، والأغلب أن يكون بمعنى الفاعل نحو: رجل صوم، وعدل، وقد يكون بمعنى المفعول، نحو: رجل رضى أي مرضي، قال بعضهم هو على حذف المضاف، أي: ذو صوم، وذو رضى، والأولى أن يقال: أطلق اسم الحدث على الفاعل والمفعول مبالغة، كأنهما من كثرة الفعل، تجسما منه، وإما غير شائع، وهو ضروب: أحدها: جنس مشهور بمعنى من المعاني يوصف به جنس آخر، كقولك: برجل أسد، قال المبرد: هو بتقدير (مثل) أي مثل أسد، ويقوي تأويله قولهم: مررت برجل أسد شدة، أي يابه الأسد شدة، فانتصاب (شدة) على التمييز عن نسبة (مثل) إلى ضمير المكور، كما في قولك: الكوز ممتلئ ماء، على ما ذكرنا في الحال في قولهم: هو زهير شعرا، 3


(1) من الآيتين 15، 16 سورة العلق، (2) النوع الثاني مما أشار إليه في قوله: وبقي من الجوامد الواقعة صفة.. وهي علي ضربين قياسي وسماعي، (3) انظر في هذا الجزء، ص 38. (*)

[ 296 ]

وقد يقال: برجل الأسد شدة، وهو بدل عند سيبويه، ويجوز، عند الخليل، أن يكون صفة بتأويل: مثل الأسد، كما ذكرنا في قولهم: له صوت صوت حمار 1، ويقولون: مررت برجل نار حمرة، أي مثل نار حمرة، ويجوز أن يكون: أسد شدة، ونار حمرة، بمعنى كامل شدة، وكامل حمرة، فلا يكون بتقدير المضاف، بل يكون كقولهم: أنت الرجل علما، كما ذكرنا في باب الحال 2، والمنصوب في هذا الوجه أيضا، تمييز عن نسبة (الكامل) إلى ضمير المذكور، وقال غير المبرد: بل بتأويل الجوهر 3 في مثلهذا، بما يليق به من الأوصاف فمعنى: برجل أسد، أي جرئ، وبرجل حمار، أي بليد، ولا معنى للتمييز في نحو: برجل أسد شدة على هذا التأويل، قال الشاعر: 324 - وليل يقول الناس من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعورها 4 كأن له منه بيوتا حصينة * مسوحا أعاليها وساجا ستورها أي: سودا أعاليها، وكثيفا ستورها، وثانيها 5: جنس يوصف به ذلك الجنس، فيكرر اللفظ، بمعنى الكامل، نحو: مررت برجل رجل، أي كامل في الرجولية، ورأيت أسدا، أي: كاملا، وثالثها: جنس مصنوع منه الشئ، يوصف به ذلك الشئ، نحو: هذا خاتم


(1) باب المفعول المطلق ج 1 ص 219،. (2) انظر في هذا الجزء، ص 37. (3) أي اسم الذات الذي وقع نعتا، (4) هذا من شعر مضرس بن ربعي الأسدي كما قال البغدادي، وقال إن هذا من أحسن ما وصف به الليل وسواده، والمسوح جمع مسح بكسر الميم وهو كيس سميك النسج يوضع فيه الحب، وهو غالبا ينسج من الشعر الأسود، والساج نوع من الشجر يتخذ منه الخشب وهو أسود أيضا، وهذا مما يبرر قول البغدادي إنهما من أحسن وأقوى ما وصفت به ظلمة الليل، (5) أي الضرب الثاني من ضروب غير الشائع، (*)

[ 297 ]

حديد، قال سيبويه 1، يستكره نحو: خاتم طين، وصفة خز، وخاتم حديد، وباب ساج في الشعر أيضا، قال السيرافي: إذا قلت: مررت بسرج خز صفته، وبصحيفة طين خاتمها، وبرجل فضة حلية سيفه، وبدار ساج بابها، وأردت حقيقة هذه الأشياء، لم يجز فيها غير الرفع، فيكون كقولك مررت بدابة: أسد أبوها، وأنت تريد بالأسد: السبع بعينه، لأن هذه جواهر، فلا يجوز ان ينعت بها، وأن أردت المماثلة والحمل على المعنى جاز، هذا كلامه، 2 قلت، وما ذكره خلاف الظاهر، لأن معنى: فضة حلية سيفه: أنها فضة حقيقية، وكذا في: طين خاتمها، لكنه جوز على قبح، الوصف بالجواهر، على المعنى، بتأويل معمول من طين، ومعمولمن فضة، وقريب من قولهم: مررت بقاع عرفج كله، أي: كاين من عرفج، ومررت بقوم عرب أجمعون، أي: كائنين عربا، أجمعون، وإن أريد التشابه، كان معنى، بسرج خز صفته، أي بسرج لين صفته كالخز، وليس بخز، وكذا: فضة حلية سيفه، أي مشرقة وإن لم تكن فضة، وأما: طين خاتمها فالتشبية فيه بعيد،. ومن غير الشائع قولهم: مررت برجل أبي عشرة، وأخ لك وأب لك، وصف النكرة بالجملة (قال ابن الحاجب:) (وتوصف النكرة بالجملة الخبرية، ويلزم الضمير)،


(1) قلنا في أول هذا الباب أن حديث سيبويه عن التوابع وأولها النعت: في الجزء الأول ص 209 وما بعدها فلا حاجة بنا إلى تحديد كل موضع يرد، (2) أي كلام السيرافي وعقب عليه بقوله: قلت. (*)

[ 298 ]

(قال الرضي:) اعلم أن الجملة لبست نكرة ولا معرفة، لأن التعريف والتنكير من عوارض الذات إذ التعريف: جعل الذات مشارا بها إلى خارج، إشارة وضعية، والتنكير: ألا يشار بها إلى خارج في الوضع، كما يجئ في باب المعرفة والنكرة، وإذا لم تكن الجملة ذاتا، فكيف يعرض لها التعريف والتنكير، فيخصص قولهم: النعت يوافق المنعوت في التعريف والتنكير بالنعت المفرد، فإن قيل: فإذا لم تكن الجملة لا معرفة ولا نكرة، فلم جاز نعت النكرة بها دون المعرفة ؟ قلت: لمناسبتها للنكرة، من حيث يصح تأويلها بالنكرة، كما تقول في، قام رجل ذهب أبوه، أو: أبوه ذاهب: قام رجل ذاهب أبوه، وكذا تقول في، مررت برجل أبوه زيد: إنه بمعنى: كائن أبوه زيدا، وكل جملة يصح وقوع المفرد مقامها 1، فلتلك الجملة موضع من الأعراب، كخبر المبتدأ، والحال، والصفة، والمضاف إليه، ولا نقول إن الأصل في هذه المواضع هو المفرد، كما يقول بعضهم، وان الجملة إنما كان لها محل لكونها فرع المفرد، لأن ذلك دعوى بلا برهان، بل يكفي في كون الجملة ذات محل: وقوعها موقعا يصح وقوع المفرد هناك 3، كما في المواضع المذكورة، وقال بعضهم: الجملة نكرة، لأنها حكم، والأحكام نكرات، إشارة 4 إلى أن الحكم


(1) مقامها، أي موقعها، وهو تعبير منظور فيه إلى المعنى، أي يصح وقوع المفرد موقعها وأو: يصح قيام المفرد مقامها، ويكثر مثله في كلام الرضي، (2) تعليل لقوله: ولا نقول... الخ... (3) هناك إشارة إلى (موقعا) أي يصح وقوع المفرد فيه، (4) يعني أن هذا البعض اعتمد في حكم على الجملة بأنها نكرة بأن الأصل في الحكم أن يكون مجهولا... الخ (*)

[ 299 ]

بشئ على شئ، يجب أن يكون مجهولا عند المخاطب إذ لو كان معلوما، لوقع الكلام لغوا، نحو: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وليس بشئ، لأن معنى التنكير، ليس كون الشئ مجهولا 1، بل معناه في اصطلاحهم: ما ذكرت الآن 2، أعني كون الذات غير مشار بها إلى خارج إشارة وضعية، ولو سلمنا أيضا، أن كون الشئ مجهولا، وكونه نكرة بمعنى واحد، قلنا: إن ذلك المجهول المنكر، ليس نفس الخبر، والصفة، حتى يجب كونهما نكرتين، بل: المجهول انتساب ما تضمنه الخبر والصفة مضافا إلى المحكوم عليه، كعلم زيد، في جاءني زيد العالم، و: زيد هو العالم، وكذا زيدية 3 المتكلم هي المجهولة في: أنا زيد، فلا يلزم من تنكير المضمون: تنكير المتضمن الذي هو نفس الخبر والصفة، ولو لزم ذلك، لزم تنكير كل خبر وكل نعت، لأنهما حكمان، فكان يلزم بطلان نحو: جاءني زيد العالم، و: أنا زيد، وجواز هذا مقطوع به، وإنما وجب في الجملة التي هي صفة، أو صلة، كونها خبرية، لأنك إنما تجئ بالصفة والصلة، لتعرف المخاطب بالموصوف والموصول المبهمين، بما كان المخاطب يعرفه قبل ذكرك الموصوف والموصول، من اتصافهما بمضمون الصفة والصلة، فلا يجوز، إذن، إلا أن تكون الصفة والصلة جملتين متضمنتين للحكم المعلوم عند المخاطب حصوله قبل ذكر تلك الجملة، وهذه هي الخبرية، لأن غير الخبرية إما إنشائية نحو: بعت، وطلقت، وأنت حر، ونحوها، وإما طلبية كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، ولا يعرف المخاطب حصول مضمونهما إلا بعد ذكرهما 4، ولما لم يكن خبر المبتدأ معرفا للمبتدأ، ولا مخصصا له، جاز كونه إنشائية، كما مر في بابه،


(1) عبارة قلقة، وحقها أن تكون: لأنه ليس معنى التنكير كون الشئ مجهولا، (2) هو ما ذكره في مقدمة الفصل، (3) أي كون المتكلم مسمى بزيد (4) التثنية راجعة إلى النوعين اللذين ذكرهما وهما: الأنشائية، والطلبية،. (*)

[ 300 ]

ويتبين بهذا وجوب كون الجملة، إذا كانت صفة أو صلة، معلومة المضمون للمخاطب قبل ذكر الموصوف والموصول، وقد يوصف بالجملة، معرف بلام، لا تشير بها إلى واحد بعينه، كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني 1 - 56 لأن تعريفه لفظي، على ما يجئ في باب المعارف، ولا تقدر على إدخال الألف واللام 2 في الوصف ليطابق الموصوف لفظا في التعريف، وهذا كما قال الخليل في النعت المفرد في نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل ذلك: ان (مثلك) وخير منك، نعتان، على نية الألف واللام، وإنما جرأهم على ذلك اجتماع شيئين، كون التعريف في الموصوف لفظيا لا معنى تحته، فلا يجوز في العلم: ما يحسن بعبد الله مثلك، وكون الوصف مما يمتنع جعله مطابقا للموصوف بإدخال اللام عليه، فلا يجوز: ما يحسن بالرجل شبية بك، لأن تقدر على ادخال الألف واللام نحو: بالرجل الشبيه لك، ولا يكون ذلك 3 في كل جملة، بل في الجملة المصدرة بالمضارع، فلا تقول... بالرجل قال، ولا بالرجل أبوه قائم، وذلك لأن اللام في الوصف مقدرة ليطابق الموصوف تقديرا، وإنما تقدر اللام في الاسم، أو في المضارع للاسم، نحو: يقول، ويفوه، ونحوه، وقال ابن مالك: خير منك، ومثلك، بدل لا صفة،


(1) تكرر ذكر هذا الشاهد من قبل، ولا يخرج الاستشهاد به في كل مرة عن المعنى الذي من أجله أورده هنا، (2) في هذا البحث تكرر تعبير الشارح عن أداة التعريف باللام مرة والألف واللام مرة أخرى، وذلك مبني على الخلاف في وضعها، (3) أي وصف النكرة بالجملة، (*)

[ 301 ]

قوله: (ويلزم الضمير)، إنما اشترط الضمير في الصفة والصلة ليحصل به ربط بين الموصوف وصفته، والموصول وصلته، فيحصل بذلك الربط اتصاف الموصوف والموصول بمضمون الصفة والصلة، فيحصل لهما بهذا الاتصاف تخصص أو تعرف، فلو قلت: مررت برجل قام عمرو، لم يكن الرجل متصفا بقيام عمرو بوجه، فلا يتخصص به، فإذا قلت: قام عمرو في دارة، صار الرجل متصفا بقيام عمرو في دارة، وقد يحذف الضمير، كما مر في خبر المبتدأ 1، وقد تقع الطلبية صفة، لكونها محكية بقول محذوف، هو النعت في الحقيقة كقوله: جاءوا بمذق، هل رأيت الذئب قط 2 - 94 أي بمذق مقول عنده، 3 هذا القول، كما تقع حالا نحو: لقيت زيدا اضربه، أو اقتله، أي مقولا في حقه هذا القول، ومفعولا ثانيا في باب ظن، نحو: (وجدت الناس: اخبر تقله 4)،


(1) انظر ص 238 من الجزء الأول، (2) تقدم هذا الشطر، في باب المفعول المطلق من الجزء الأول، (3) أي عند رؤيته، أو عند حضوره ومشاهدته، (4) أي مقولا في شأنهم: اخبر، أي اختبر، تقله، أي تقلي وتبغض، وهو مضارع مجزوم الهاء المسكت، وقيل إنه حديث نبوي شريف، وقد جاء الجزء الأخير منه: (اختبر تقله) في نهج البلاغة ص 422 طبع دار الشعب، وقال الشريف الرضي إن مما يرجح كونه من كلام أمير المؤمنين: ما حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي، قال المأمون: لو لا أن عليا، قال اخبر تقليه، لقلت: اقله تخبر، يريد المأمون أن الهجر يكشف حقيقة الناس ويبين مدى صدق مودتهم،. (*)

[ 302 ]

(الحقيقي والسيبي من النعت) (وحكم كل منهما) (قال ابن الحاجب:) (ويوصف بحال الموصوف وحال متعلقه، نحو: مررت) (برجل حسن غلامه، فالأول يتبعه في الأعراب، والتعريف،) (والأفراد، والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، والثاني) (يتبعه في الخمسة الأول، وفي البواقي كالفعل)، (قال الرضي:) قوله (بحال الموصوف)، الجار والمجرور في محل الرفع نائب فاعل يوصف 1)، أي يجعل حال الموصوف، أي هيئته: وصفا له، وهو الكثير، كما في: رجل قائم، ومضروب، وحسن، وقد يجعل حال متعلق الشئ وصفا لذلك الشئ، لتنزيله منزلة حاله، نحو:... برجل مصري حماره، في 2 حصول الفائدة بذلك، وهذا السبي، إن كان منونا فهو يجري على الأول رفعا ونصبا وجرا، بلا خلاف فيه بينهم، نحو: مررت برجل ضارب أبوه زيدا، وضارب أباه زيد، ولا يكون، إذن، اسما الفاعل والمفعول الناصبان للمفعول، به ماضيين، لما تقدم من أنهما لا ينصبان مفعولا به، بمعنى


(1) في المطبوعة: فاعل يوصف، ولا بد من وضع كلمة نائب: وإن كان من الممكن التكلف يجعل المراد بقوله (فاعل) أنه مرفوع بيوصف أو نحو ذلك من التأويل، (2) متعلق بقوله: لتنزيله، (*)

[ 303 ]

الماضي 1، وإن كان 2 مضافا، فلا يخلو من أن يكون صفة مشبهة، أو غيرها، والصفة يجب إضافتها إلى فاعلها إن أضيفت، نحو: برجل حسن الوجه، إذ لا مفعول لها، وغير الصفة، إما أن يكون ماضيا 3، أو غيره، فالماضي اللازم: مضاف إلى الفاعل نحو: برجل قائم الغلام، ولا يتعرف لأضافته إلى معموله، ولا يجوز إضافة الماضي المتعدي إلى الفاعل، التبس الفاعل بالمعقول، فلا يعلم أن اسم الفاعل سبي، وإن ذكرت المفعول به، لم يجز أيضا، لأن اسم الفاعل الماضي لا ينصب مفعولا به، وإن أضفته إلى المفعول به، فلا بد من ذكر الفاعل بعده مرفوعا، نحو: بزيد ضارب عمرو غلامه أمس، وبزيد ضارب غلامه عمرو أمس، إذ لو لم تذكر الفاعل لكان اسم الفاعل غير سببي، ويتعرف بالأضافة، لأنه مضاف إلى غير معموله، وإن لم يكن السببي ماضيا، جاز، عند سيبويه، أن ينعت به مطلقا كما في النون، سواء كان حالا أو مستقبلا، نحو: برجل ضارب غلامه زيد، الآن أو غدا، وسواء كان علاجا، وهو ما كان محسوسا يرى، كالقائل والضارب، أو غير علاج، كالعالم، والعارف، والمخالط والملازم، وقال يونس 4: لا يخلو من أن يكون حالا أو مستقبلا، فالحال يجب نصبه على الحال، وإن كان عن نكرة، سواء كان علاجا، أو، لا، نحو: مررت برجل ضاربه عمرو، وبزيد مخالطه داء، وألزمه سيبويه: تجويز نصبه على الحال مع كونه معرفة 5، لأن المانع عنده من


(1) أي لا يعملان إذا كانا بمعنى الماضي،. (2) أي السببي الواقع صفة، (3) أي بمعنى الماضي، أو غيره أي بمعنى الحال أو الاستقبال، (4) رأي يونس هذا، ورد سيبويه الذي أشار إليه الشارح بقوله وألزمه سيبويه، موجود في كتاب سيبويه ج 1 ص 226. (5) أي معرفة بأل، كما هو واضح من التمثيل ومن المثال الثاني المقرون بالضمير، (*)

[ 304 ]

إجرائه على الأول: الأضافة، فينبغي أن يجوز: بزيد الضارب الرجل غلامه، بنصب الضارب، على الحال، وأما نصبه في: بزيد المخالطة داء، فربما لا يلزمه، لارتكابه أنه ليس بمضاف إلى الضمير، وكلامنا في المضاف، بل نقول: الضمير في محل نصب، على أنه مفعول، كما مر في باب الأضافة على مذهب بعضهم 1، والمستقبل، عند يونس، يجب رفعه، علاجا كان، أو، لا، على أن يكون هو والمرفوع بعده جملة اسمية، صفة للنكرة، نحو: مررت برجل ضاربه عمرو، وسيبويه يوافقه في جواز النصب في الأول والرفع في الثاني، ويخالفه في وجوبهما، مستشهدا بقول ابن ميادة: 325 - ونظرن من خلل الستور بأعين * مرضى مخالطها السقام صحاح 2 واسم الفاعل ههنا للأطلاق، وحكمه حكم الحال والمستقبل، كما مر في باب الأضافة، قال: 3 والرواية: مخالطها بالجر، وأنشد غيره: 326 - حمين العراقيب العصا وتركنه * به نفس عال مخالطه بهر 4 برفع مخالطه، وليونس أن يحمل رفعه على الابتداء 5،


(1) انظر في هذا الجزء، ص 230. (2) قبله: وارتشن حين أردن ان يرميننا * نبلا مقذذة بغير قداح الارتياش أن تجعل للسهم ريشا، والقداح جمع قدح بكسر القاف، وهو عود السهم قبل أن يركب عليه الريش، وأورد سيبويه البيتين معا في مناقشته ليونس، (3) أي سيبويه، وفي قوله إن الرواية بجر مخالطها، الدليل على جواز الأتباع كما يرى، (4) الضمير في (حمين) يعود على الأبل المذكورة في بيت سابق، ويرتبط هذا بقوله: إذا اتزر الحادي الكميش وقومت * سوالفها الركبان والحلق الصفر ومعنى حمين العراقيب: أن الأبل لسرعتها حمت عراقيبها من عصا الحادي الذي يضربها وجعلته يتعب ويلهث من جريه خلقها، والبيت للأخطل، (5) فلا يصلح دليلا، (*)

[ 305 ]

وقال عيسى بن عمر 1: إن كان علاجا، وجب رفعه على الابتداء، حالا كان، أو مستقبلا، وأما غير العلاج، فإن كان حالا، وجب نصبه على الحال وإن كان مستقبلا وجب إتباعه للأول، وسيبويه ينازعه في الوجوب لا في الجواز، وألزمهما 2 سيبويه بما لا محيص عنه، وذلك أنه قال: المضاف إضافة لفظية، كالمنون، عند العرب وعند النجاة، والمنون، سببيا كان أو غيره، يجوز جريه على الأول، علاجا كان أو، لا، حالا كان أو مستقبلا، وكذا ينبغي أن يكون المضاف المنون تقديرا، ولا سبب في الأضافة عارض لأيجاب الرفع، فإيجاب أحدهما بلا موجب: تحكم. هذا كله، إذا أردت إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، أما إذا لم ترد ذلك، وجعلته اسما فليس فيه إلا الرفع على كل حال، نحو: مررت برجل ملازمه رجل، أي صاحب ملازمته رجل، جعلت (ملازمه) بمنزلة ما لم يؤخذ من الفعل، كما تجعل: صاحبه، كذلك، فعلى هذا تقول في المثنى والمجموع: برجل ملازماه الزيدان، وملازموه بنو فلان، ومما يقع سببيا قياسا من غير اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة: الاسم المنسوب، نحو: برجل مصري حماره، لكونه بمعنى منسوب، فيعمل عمله، ومما جاء من ذلك سماعيا على قبح، (سواء)، نحو: مررت برجل سواء هو والعدم، وسواء أبوه أبوه وأمه، والفصيح المشهور: رفع سواء، على الابتداء والخبر، فعلى هذا يقبح كون: (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) في محل الرفع بأنه فاعل سواء، في قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم 3 أم لم تنذرهم)، على أن يكون (سواء) وحده مرفوعا على أنه خبر (أن)، بل الوجه ارتفاعه وما بعده على الابتداء والخبر،


(1) عيسى بن عمر الثقفي أحد شيوخ سيبويه وتقدم ذكره في الجزء الأول (2) أي ألزم كلا من يونس وعيسى بن عمر، وهذا في كتابه ج 1 ص 228. (3) من الآية 6 سورة البقرة، (*)

[ 306 ]

وقد جاء: مررت برجل سواء درهمه، أي تام، فيطلب فاعلا واحدا، بخلاف الأول، لأنه بمعنى (مستو)، فهو من اثنين فصاعدا، ومن السماعي القبيح قولك: برجل حسبك فضله، ومررت برجل رجل أبوه، وكذا المقادير نحو: برجل عشرة غلمانه، وبجبة ذراع طولها، وكذإ الجنس المصنوع منه الشئ، نحو: بسرج خز صفته، وبكتاب طين خاتمه، وكذا قولك: برجل مثله أبوه، وبرجل أبي عشرة أبوه، وهذه كلها من الجوامد التي تقع صفات على القياس 1، كما تقدم ذكرها، قوله: (فالأول يتبعه...)، أي الوصف بحال الموصوف، يتبع الموصوف في أربعة أشياء من جملة العشرة الأشياء 2 المذكورة، أحد تلك الأربعة: واحد من الثلاثة التي هي الأفراد والتثنية والجمع، وأما برمة أعشار وأكسار، وثوب أسمال، ونطفة أمشاج، فلأن البرمة مجتمعة من الأكسار والأعشار، وهي قطعها، والثوب أسمال، ونطفة أمشاج، فلأن البرمة مجتمعة من الأكسار والأعشار، وهي قطعها، والثوب مؤلف من قطع، كل واحد منها سمل أي خلق 3، والنطفة مركبة من أشياء كل منها مشيج، فلما كان مجموع تلك الأجزاء: ذلك الشئ المركب منها، جاز وصفه بها، وجزأهم على ذلك كون (أفعال) جمع قلة فحكمة حكم الواحد، قال الله تعالى: (نسقيكم مما في بطونه 4) والضمير للأنعام، وقال سيبويه 5: أفعال: واحد لا جمع،


(1) لا منافاة بين هذا وبين قوله قيل إنها من السماعي القبيح، فإن ما تقدم حكم بأنها قياسية من غير فعها للظاهر السبي، (2) يتكرر استعمال الرضي لهذا الأسلوب في تعريف العدد وهو رأي الكوفيين، وقد أنكره وبين وجه ضعفه في باب الأضافة وسيكرر ذلك في باب العدد، (3) سمل بكسر الميم وفتحها وكذلك خلق بفتح اللام وكسرها. (4) الآية 66 سورة النحل. (5) قال سيبويه ج 2 ص 17: وأما أفعال، فقد يقع للواحد، وعده من جموع القلة في ج 2 ص 140، فهو لم يقل إنه غير جمع، (*)

[ 307 ]

وجاء قميص شراذم 1، ولحم خراديل، وثانيها 2: واحد من التعريف والتنكير، وأجاز بعض الكوفيين وصف النكرة بالمعرفة، فيما فيه مدح أو ذم، استشهادا بقوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا 3)، والجمهور على أنه بدل، أو نعت مقطوع رفعا أو نصبا، كما يجيئ في موضعه 4، وأجاز الأخفش وصف النكرة الموصوفة بالمعرفة، قال: الأوليان، صفة لآخران يقومان مقامهما 5، والأولى أنه بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. وثالثها: واحد من التذكير والتأنيث، ورابعها: واحد من أنواع الأعراب التي هي الرفع والنصب والجر، وإنما تبعه في هذه 6 العشرة، لكونه إياه في المعنى، قوله: (والثاني يتبعه في الخمسة الأول)، أي: النعت بحال المتعلق يتبع الموصوف في اثنين من جملة الخمسة الأول، أعني: واحد من ثلاثة أنواع الأعراب 7، وواحد من التعريف والتنكير،


(1) تقدم الاستشهاد له في الجزء الأول ص 151 بقولة الراجز: جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يعجب منه التواق وهو الشاهد رقم 34 (2) أي ثاني الأمور التي يتبع فيها النعت منعوته، (3) الآيتان 1، 2 من سورة الهمزة، (4) في الكلام على قطع النعت في هذا الباب، (5) إشارة إلى الآية 107 من سورة المائدة وهي قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا اثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان)، (6) أي فيما يوجد منها في المنعوت، (7) وهنا استعمل الرضي رأي البصريين في تعريف العدد، وتكررت الأشارة إلى أنه يستعمل الوجهين في هذا الشرح مع أنه نقد كلا منهما، وإن كان نقده أشد لرأي الكوفيين، (*)

[ 308 ]

قوله: (وفي البواقي كالفعل)، أي: هذا السببي في الخمسة البواقي، أي الأفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، كالفعل، أي ينظر إلى فاعله، فإن كان الفاعل مفردا أو مثنى أو مجموعا: أفرد السببي، كما يفرد الفعل، وإن كان الفاعل مذكرا أو مؤنثا، طابقه السببي، كما يطابق الفعل فاعله في التذكير والتأنيث، أو يذكر إذا كان الفاعل غير حقيقي التأنيث أو حقيقيا مفصولا، كالفعل، ولو نظرت حق النظر، لوجدت الأول، وهو الوصف بحال الموصوف أيضا، في الخمسة البواقي، منظورا إلى فاعله، وكائنا كالفعل، لأن فاعله، حينئذ، الضمير المستكن فيه، الراجع إلى موصوفه، والفعل إذا أسند إلى الضمير، يلحقه الألف في التثنية، والواو في جمع المذكر العاقل، والنون في جمع المؤنث، ويؤنث في الواحد المؤنث، فلذلك قلت:... برجل ضارب وبرجلين ضاربين، وبرجال ضاربين، وبامرأة ضاربة، وبامرأتين ضاربتين، وبنسوة ضاربات، كما تقول في الفعل: 1 يضرب، ويضربان ويضربون، وتضرب وتضربان ويضربن، نتائج لما تقدم (قال ابن الحاجب:) (ومن ثم: حسن: قام رجل قاعد غلمانه، وضعف:) (قاعدون، ويجوز: قعود غلمانه)، (قال الرضي:) أي ومن جهة أن السبي في هذه الخمسة كالفعل، حسن: قاعد غلمانه، كما حسن:


(1) كل مثال مما يأتي راجع إلى ما يقابله من أمثلة النعت باسم الفاعل السابقة، (*)

[ 309 ]

يقعد غلمانه، وحسن أيضا: قاعدة غلمانه، لأن الفاعل مؤنث غير حقيقي 1، كما حسن، تقعد غلمانه، وضعف: جاءني رجل قاعدون غلمانه، لأنه بمنزلة: يقعدون غلمانه، ولحاق علامتي التثنية والجمع في الفعل المسند إلى ظاهر 2 المثنى والمجموع، ضعيف، كما يجئ في آخر الكتاب، لكن ضعف: قاعدون غلمانه أقل من ضعف: يقعدون غلمانه، لأن الألف والواو، في الفعل، فاعل في الأغلب الأكثر، وتجريدهما 3 علامتين للتثنية، والجمع، ضعيف كما يجئ، بخلاف الألف والواو في مثنى الاسم ومجموعه، فإنهما، حرفان وضعا، علامتين للمثنى والمجموع، كما مضى في أول الكتاب، ولو كانا فاعلين لم ينقلبا في حالتي النصب والجر، نحو: رأيت قاعدين وقاعدين، بل هما في المشتق، مثلهما في غير المشتق الذي لا فاعل له، نحو: الزيدان والزيدون، وإنما جاز: قام رجل قعود غلمانه، وان كان (قعود) جمعا، كقاعدون، لأنك إذا كسرت الاسم المشابه للفعل، خرج لفظا عن موازنة الفعل ومناسبته، لأن الفعل لا يكسر، فلم يكن في: قعود غلمانه، شبه اجتماع فاعلين، كما كان في: قاعدون غلمانه، لمشابهته ليقعدون غلمانه، الذي اجتمع فيه فاعلان في الظاهر، إلا أن تخرج الواو عن الاسمية إلى الحرفية، أو تجعل المظهر بدلا من المضمر، أو تجعل الفعل خبرا مقدما على المبتدأ، فعلى هذا، يضعف: مررت برجل قاعدين أبواه، لأنه كيقعدان أبواه، بل الوجه: قاعد أبواه، أو برجل قاعدان أبواه 4،


(1) لأنه جمع تكسير ولو كان لعاقل، (2) يعني إلى الظاهر من المثنى والمجموع، (3) أي كونهما مجردين للعلامة، والمراد في حالة اتصالهما بالفعل، كما هو المفروض في البحث، (4) فيكون الوصف بجملة اسمية، (*)

[ 310 ]

(الضمير لا يوصف) (ولا يوصف به) (قال ابن الحاجب:) (والمضمر لا يوصف ولا يوصف به)، (قال الرضي:) اعلم أن المضمر لا يوصف ولا يوصف به، أما أنه لا يوصف، فلأن المتكلم والمخاطب منه: أعرف المعارف، والأصل في وصف المعارف، أن يكون للتوضيح، وتوضيح الواضح تحصيل للحاصل، وأما الوصف المفيد للمدح أو الذم، فلم يستعمل فيه، لأنه امتنع فيه ما هو الأصل في وصف المعارف 1، ولم يوصف الغائب، إما لأن مفسره في الأغلب لفظي، فصار بسببه واضحا غير محتاج إلى التوضيح المطلوب في وصف المعارف في الأغلب، وإما لحمله على المتكلم والمخاطب لأنه من جنسهما، وأما أنه لا يوصف به، فلما يجئ من أن الموصوف في المعارف ينبغي أن يكون أخص أو مساويا، ولا أخص من المضمر، ولا مساوي له، حتى يقع صفة له، وقول بعضهم: لم يقع صفة لأنه لا يدل على معنى، فيه نظر، إذ هو يدل على ما يدل عليه مفسره، فلو رجع إلى دال على معنى كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، لدل، أيضا عليه، كقولك: زيد كريم وأنت هو، وأجاز الكسائي وصف ضمير الغائب في نحو قوله تعالى: (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) 2 وقولك: مررت به المسكين، والجمهور يحملون مثله على البدل،


(1) وهو كونه للتوضيح لمجرد المدح أو الذم خلاف الأصل فامتناعه أولى، (2) الآية 6 سورة آل عمران، (*)

[ 311 ]

ولم يذكر المصنف 1 أنه لا يوصف بالضمير، لأنه يتبين ذلك من قوله بعد: والموصوف أخص أو مساو، فإنه لا شئ أخص من المضمر ولا مساوي له، (شرط الموصوف) (قال ابن الحاجب:) (والموصوف أخص أو مساو، ومن ثم، لم يوصف ذو) (اللام الا بمثله، أو بالمضا إلى مثله)، (قال الرضي:) ينبغي أن تعرف أولا، أنه ليس مرادهم بهذا أنه ينبغي أن يكون ما يطلق عليه لفظ الموصو من الأفراد: أقل مما يطلق عليه لفظ الصفة أو مساويا له، فإن هذا لا يطرد، في المعارف ولا في النكرات، أما في المعارف، فأنت تقول: جاءني الرجل العاقل، وهذا الرجل، ولقيت الشئ العجيب، وأما في النكرات فأنت تقول: رأيت شيئا أبيض، وهذا ذات قديمة، أو واجبة الوجود، بل مرادهم أن المعارف الخمس، أعني المضمرات، والأعلام، والمبهمات وذا اللام، والمضاف الى أحدها، لا يوصف ما يصح وصفه منها بما يصح الوصف به منها، إلا أن يكون الموصوف أخص، أي أعرف من صفته، أو مثلها في التعريف، فقولك: الرجل العاقل، الثاني فيه وإن كان أخص من الأول من جهة مدلول اللفظ، إلا أنهما من جهة التعريف


(1) يبدو من هذه العبارة مدح اختلاف النسخ في هذا الشرح فإن النسخة المطبوعة التي نقلنا عنها تضمنت هذه الجملة التي يقول الشارح إن المصنف لم يذكرها، ولم يرد في التعليقات التي بهامشها ما يدل على شئ من اختلاف النسخ، (*)

[ 312 ]

الطارئ على مدوليها الوضعيين، متساويان، وفي قولك: هذا الرجل، لفظ (هذا) أعم من الرجل من حيث إنه يصح أن يشار به بوضع واحد إلى أي مشار إليه كان، لكن التعريف الاشاري أقوى من تعريف ذي اللام، كما يجئ، فعلى هذا، يختص قولهم: الموصوف أخص أو مساو، بالمعرفة، فينبغي أن تعرف مراتب المعارف في كون بعضها أقوى من بعض، حتى تبني عليه الأمر في قولهم: الموصوف أخص أو مساو، فالمنقول عن سيبويه، وعليه جمهور النجاة، أن أعرفها المضمرات، ثم الأعلام، ثم اسم الأشارة، ثم المعرف باللام والموصولات، وكون المتكلم أعرف المعارف: ظاهر، وأما الغائب فلأن احتياجه الى لفظ يفسره، جعله بمنزلة وضع اليد 1، وإنما كان العلم أخص وأعرف من اسم الأشارة، لأن مدلول العلم ذات معينة مخصوصة عند الواضع كما عند المستعمل، بخلاف اسم الأشارة فإن مدلوله عند الوضع: أي ذات معينة كانت، وتعيينها إلى المستعمل، بأن يقترن به الاشارة الحسية، فكثيرا ما يقع اللبس في المشار إليه اشارة حسية، فلذلك كان أكثر أسماء الأشارة موصوفا في كلامهم، ولذا لم يفصل بين اسم الاشارة ووصفه، لشدة احتياجه إليه، وإنما كان اسم الاشارة أخص وأعرف من المعرف باللام، لأن المخاطب يعرف مدلول اسم الأشارة بالعين والقلب معا، ومدلول ذي اللام، يعرف بالقلب دون العين، فما اجتمع فيه معرفة بالقلب والعين، أخص مما يعرف بأحدهما، ولضعف تعرف ذي اللام، يستعمل بمعنى النكرة نحو قوله تعالى: (لئن أكله الذئب) 2 كما يجئ في باب المعرفة والنكرة، والموصول كذى اللام، وأما


(1) يعني أنه مستحق للتعريف بذاته بل استفاده من مفسره، (2) الآية 14 سورة يوسف (*)

[ 313 ]

المضاف إلى أحد الأربعة فتعريفه مثل تعريف المضاف إليه، سواء، لأنه يكتسب منه التعريف، هذا عند سيبويه، وأما عند المبرد فان تعريف المضاف أنقص من تعريف المضاف إليه، لأنه يكتسي التعريف منه، ولذا يوصف المضاف إلى المضمر، ولأ، يوصف المضمر، فعنده، نحو (الظريف) في قولك: رأيت الرجل الظريف، بدل لا صفة، وعند سيبويه، هو صفة لغلام، ومذهب الكوفيين أن الأعرف: العلم، ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ذو اللام، ولعلهم نظروا إلى أن العلم من حين وضع، لم يقصد به إلا مدلول واحد معين، بحيث لا يشاركه في اسمه ما يماثله، وان اتفق مشاركته، فبوضع ثان، بخلاف سائر المعارف، كما يجئ في باب المعارف، وعند ابن كيسان: الأول المضمر 1، ثم العلم ثم اسم الاشارة، ثم ذو اللام والموصول وعند ابن السراج: أعرفها اسم الاشارة لأن تعريفه بالعين والقلب، ثم المضمر ثم العلم ثم ذو اللام، وقال ابن مالك، أعرفها ضمير المتكلم، ثم العلم الخاص، أي الذي لم يتفق له مشارك، وضمير المخاطب، جعلهما في درجة واحدة، ثم ضمير الغائب السالم من الابهام،. أي الذي لا يشتبه مفسره 2، ثم المشار به والمنادى، ثم الموصول وذو الأداة، والمضاف بحسب المضاف إليه، أقول: المشهور: الذي عليه الجمهور، فإذا تقرر ذلك، فإن وجدت الأخص في مذهب، تابعا لغير الأخص، فهو بدل


(1) هذا موافق لما ذكره من رأي سيبويه وقال إن عليه جمهور النجاة، (2) أي بحيث يتحدد كونه مرجعا لهذا الضمير، (*)

[ 314 ]

عند صاحب ذلك المذهب لا صفة، فاسم الاشارة في قولك: يزيد هذا، بدل عند ابن السراج، صفة عند غيره، وعليه فقس، وإنما لم يجز أن يكون النعت أخص من المنعوت، لأن الحكمة تقتضي أن يبدأ المتكلم بما هو أخص، فإن اكتفى به المخاطب فذاك، ولم يحتج إلى نعت، وإلا زاد عليه من النعت ما يزداد به المخاطب معرفة، فإذا ثبت ذلك، رجعنا إلى التفصيل، وبنينا على مذهب سيبويه 1 في ترتيب المعارف، إذ هو أولى وأشهر، فنقول: المضمر لا يوصف ولا يوصف به كما تقدم، والعلم لا يوصف به لأنه لم يوضع إلا للذات المعينة، لا لمعنى في ذات، ولذلك، إذا نقل إلى العلمية عن الجنسية، اسم دال على معنى، انمحى ذلك المعنى بالتسمية نحو أحمر، وأشقر، إذا سميت بهما، ولا يقع من الموصولات وصفا إلا ما في أوله اللام، نحو الذي والتي، واللاتي، وبابها، لمشابهته لفظا للصفة المشبهة في كونه على ثلاثة أحرف فصاعدا، بخلاف من وما، وأما (أي) الموصول فلم يقع وصفا، لأن الأغلب فيه: الشرط والاستفهام ووقوعه موصولا قليل فروعي ذلك الأكثر، وإنما يوصف بذو، الطائية وإن كانت على حرفين كما في قوله: 327 - فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا * هلم فان المشرفي الفرائض 2 لمشابهته لذو، الموضوع للوصف بأسماء الأجناس نحو: رجل ذو مال، وأما وقوع الموصول موصوفا، فلم أعرف له مثالا قطعيا، بلى، قال الزجاج: إن


(1) سيبويه ج 1 ص 223 وما بعدها. (2) لشاعر أموي اسمه قوال الطائي، وكان الطائيون قتلوا عامل الصدقات بعد أن منعوها أيام الفتنة وقال البغدادي إن رواية البيت: قولا لهذا المرء، بدون فاء، قال لأنه أول الكلام، وبعده بيت آخر فيه الاستشهاد نفسه وهو قوله: أظنك دون المال ذو جئت تبتغي * ستلقاك بيض للنفوس قوابض، (*)

[ 315 ]

(الموفون 1) صفة، لمن آمن، كما يجئ، والظاهر أنه مستغن بالصلة عن الصفة، فالعلم ينعت بالمبهمين 2 وذي اللام، وبالمضاف إلى العلم وإلى أحد المبهمين وإلى ذي اللام، ولا ينعت بالمضاف إلى المضمر، لأنه أعرف من العلم، إذ اعتبار المضاف في التعريف بالمضاف إليه، وأما اسم الأشارة فلا يوصف إلا بذي اللام والموصول لما يجئ، وكان القياس أن يوصف بكل واحد من المبهمين وبذي اللام وبالمضاف إلى أحد هذه الثلاثة، وذو اللام لا يوصف إلا بمثله، أو بالمضاف إلى مثله، أو بالموصول، لأنه مثله، على ما بينا، وزعم بعضهم أنه يوصف بجميع المضافات، فأجاز: بالرجل صاحبك، وصاحب زيد، قال: والمنع منه تعسف، وعلى مذهب سيبويه، لو جاء مثل ذلك فهو بدل، لا صفة، فإن جعلنا المضاف موصوفا قلنا: المضاف إلى المضمر يوصف بكل واحد من المبهمين وبذي اللام وبالمضاف إلى المضمر وإلى العلم، وإلى كل واحد من المبهمين وإلى ذي اللام، وأما المضاف إلى اسم الأشارة، فينعت بكل من المبهمين وبذي اللام، وبالمضاف إليه، وكذا المضاف إلى الموصول، ينعت بهما، هذا كله على مذهب سيبويه الذي عليه الجمهور، ولك، بعد أن عرفت مذهب غيره، أن تصف المعارف بعضها ببعض على وق مذاهبهم، وإن جاء على غير ما يقتضيه مذهب بعضهم، فهو بدل عنده لا وصف، على ما مر، وقد تبين مما ذكرنا، معنى قوله: (ومن ثم لم يوصف ذو اللا إلا بمثله، أو بالمضاف إلى مثله)، ويوصف بالموصول أيضا كقوله:... لهذا المرء ذو جاء ساعيا 3 - 327


(1) إشارة إلى الآية 177 من سورة البقرة، وسيعود إلى ذكرها في الحديث عن قطع النعت بعد قليل، (2) المراد أسماء الأشارة والمقرون باللام من الموصولات. (3) البيت السابق قريبا، (*)

[ 316 ]

(اسم الأشارة) (ولزوم وصفه بذي اللام) (قال ابن الحاجب:) (وإنما التزم وصف باب (هذا) بذي اللام، للأبهام ومن ثم) (ضعف: مررت بهذا الأبيض)، (قال الرضي:) كأنه سئل، فقيل، كان الواجب بناء على قولك ان الموصوف أخص أو مساو، أن يوصف اسم الأشارة بكل واحد من المبهمين، وبذي اللام، وبالمضاف إلى أحد هذه الثلاثة، و (هذا)، لا يوصف إلا بذي اللام والموصول، نحو: بهذا الرجل، وبهذا الذي قال كذا، وبهذا ذو قال كذا على اللغة الطائية، فأجاب بقوله: للأبهام، أي: اسم الأشارة مبهم الذات، وإنما تتعين الذات المشار إليها به، إما بالأشارة الحسية، أو بالصفة، فلما قصد تعيينه بالصفة، لم يمكن تعيينه بمبهم آخر مثله، لأن المبهم مثله لا يرفع الأبهام، فلم يبق إلا الموصول وذو اللام، أو المضاف إلى أحدهما، وتعريف المضاف بالمضاف إليه، والأليق بالحكمة أن يرفع إبهام المبهم بما هو متعين في نفسه، كذي اللام، لا بالشئ الذي يكتسب التعريف من معرف غيره ثم يكتسب المبهم منه تعريفه المستعار، فاقتصر على ذي اللام، لتعينه في نفسه، وحمل الموصول عليه، لأنه مع صلته بمعنى ذي اللام، فالذي ضرب، بمعنى الضارب، وأيضا، الموصول، الذي يقع صفة: ذو لام، وإن كانت زائدة، إلا (ذو) الطائية، وقد ذكرنا طرفا من حال المبهم الموصوف بذي اللام في باب المنادى فليرجع إليه 1،


(1) انظر ص 373 في الجزء الأول، (*)

[ 317 ]

وقد ذكرنا هناك، أن بعضهم يقول إن ذا اللام، عطف بيان لاسم الأشارة، قوله: (ومن ثم ضعف)، أي من جهة أن المراد من وصف المبهم تبيين حقيقة الذات المشار إليها، ضعف: بهذا الأبيض، لأن الأبيض عام، لا يخص نوعا دون آخر، كالأنسان والفرس والبقر، وغيرها، بخلاف: هذا العالم، فإن (العالم) مختص بنوع من الحيوان فكأنك قلت: بهذا الرجل العالم، (تكملة) (في ذكر أحكام للنعت) (أهملها المصنف) ولا بأس أن نذكر بعض ما أغفله المصنف من أحكام النعت وهي أقسام: أحدها: جمع الأوصاف مع تفرق الموصوفات: اعلم أنه إذا كان العامل واحدا، وله معمولان متفقان في الأعراب بسبب عطف أحدهما على الآخر، فإن اتفقا تعريفا وتنكيرا، جاز إفراد كل واحد منهما بوصف، وجاز جمعهما في وصف واحد، فالأول نحو: جاءني زيد الظريف، وعمرو الظريف، والثاني نحو: جاءني زيد وعمرو الظريفان، ورأيت رجلا وأمراة ظريفين 1، وإذا جمعتهما في النعت غلبت التذكير على التأنيث كما رأيت، والعقل على غيره نحو: مررت بالزيدين وفرسيهما المقبلين، وكذا في خبر المبتدأ، والحال ونحوهما، نحو: الزيدان والحمر مقبلون، وجاءني زيد وهند والحمار مسرعين،


(1) لم يذكر مثالا لتفريق النعتين مع النكرة لأنه واضح، (*)

[ 318 ]

وإن أختلفا تعريفا وتنكيرا، لم يمكن جمعهما في وصف واحد، فلا تقول: هذه ناقة وفصيلها الراتعان، ولا: راتعان، لامتناع تخالف النعت والمنعوت تعريفا وتنكيرا، فإما أن تفرد كل واحد منهما بنعت، أو تجمعهما في نعت مقطوع، نحو: جاءني رجل وزيد، الظريفين، وإن اتفقا إعرابا لا بسبب العطف، نحو: أعطيت زيدا أباه، فلا يجوز جمعهما في وصف واحد، بل تفرد كلا منهما بوصف، أو تجمعهما في نعت مقطوع، لأن التابع في حكم المتبوع إعرابا، فلا يكون اسم واحد مفعولا أول وثانيا، فإن كان العامل واحدا، ومعمولاه مختلفي الأعراب، فإن اختلفا معنى أيضا لم يجز جمعهما في وصف واحد فإما أن تفرد كلا منهما بوصف، أو تجمعهما في نعت مقطوع، فإن أفردت، فالأولى أن يكون نعت كل واحد إلى جنبه، نحو: لقي زيد الظريف عمرا الظريف، ويجوز جمعهما 1، نحو: لقي زيد عمرا الظريف الظريف، نعت الثاني بجنبه ونعت الأول بعد نعت الثاني، لأنه إذا كان لا بد من الفصل بين النعت ومنعوته، ففصل أحدهما من صاحبه، أولى من فصلهما معا، كما مضى مثله في الحال 2، وكذا حالهما عند البصريين إذا اتفقا معنى نحو: ضارب زيد عمرا، وأجاز هشام 3، وثعلب: جمعهما في نعت، نظرا إلى المعنى، إذ كل واحد منهما فاعل ومفعول من حيث المعنى، إلا أن هشاما، يغلب مراعاة جانب الفاعل، لأنه معتمد الكلام فيرفع الوصف، نحو: ضارب زيد عمرا الظريفان، وثعلب يسوي بين الرفع والنصب لتساويهما في المعنى، وإن لم يكن العامل واحدا فإما أن يكون العمل واحدا، أو، لا، وفي الأول: إن كان العامل مكررا للتوكيد، جاز جمعهما في وصف نحو: قام زيد وقام عمرو الظريفان


(1) أي ذكرهما معا بعد ذكر المنعوتين لأنه في مقابل قوله... نعت كل واحد إلى جنبه، (2) انظر في هذا الجزء، ص 11 (3) هو هشام بن معاوية الضرير وتقدم ذكره، وهو وثعلب من زعماء الكوفيين، (*)

[ 319 ]

وإن لم يكن مكررا للتأكيد، فإن كان العاملان من نوع واحد، أي كانا رافعين أو ناصبين، أو كانا اسمين جارين، أو مبتدأين أو خبرين، وكان أحدهما معطوفا على الآخر، والمعمولان مشتركان في اسم واحد كأن يكونا فاعلين أو مفعولين أو خبرين أو مبتدأين، جاز، عند سيبويه والخليل جمعهما في وصف، إذا اتفقا تعريفا وتنكيرا، نحو: قام زيد وقعد عمرو الظريفان، وضربت زيدا وأكرمت بكرا الطويلين وجاءني غلام زيد وأبو عمرو الظريفين، وأخوك زيد وأبوك عمرو الظريفان، سواء كان (الظريفان) 1 صفة للمبتدأين أو للخبرين، والمبرد والزجاج، وكثير من المتأخرين، يأبون جواز ذلك إلا إذا اتفق العاملان معنى مع الشروط المذكورة، نحو: جلس أخوك وقعد أبوك الكريمان، والمبرد يمنع نحو: هذا رجل وتلك امرأة منطلقان لاختلاف اسمي الأشارة قربا وبعدا، خلافا لسيبويه، فإنه جعل خبريهما كفاعلي الفعلين المختلفين، فإن لم يعطف أحدهما على الآخر، أو لم يشترك المعمولان في اسم خاص، أو لم يتفقا تعريفا وتنكيرا، لم يجز جمعهما في وصف، فلا تقول: هذه جارية أخوي ابنين لفلان كرام، على أن (كرام) وصف لأخوي، وابنين، معا، بل تقول: كراما على القطع، وكذا تقطع نحو: هذا فرس أخوي ابنيك: العقلاء الحكماء، وذلك لأن أحدهما ليس معطوفا على الآخر، وكذا لا تقول: هذا رجل وفي الدار آخر: كريمان 2، لأن المعمولين لم يشتركا في اسم خاص، لأن أحدهما مبتدأ، والآخر خبر، وكذا لا تقول: جاءني زيد وذهب رجل كريمان، بل تقطع، لاختلاف المعمولين تعريفا وتنكيرا، وذهب بعض المتأخرين إلى وجوب القطع عند اختلاف العاملين مطلقا، لأن العامل في النعت والمنعوت شئ واحد على الصحيح فيلزم كون الصفة معمولة لعاملين،


(1) يعني في المثالين الأخيرين، (2) محل منعه إذا قصد الأتباع، فلا مانع من القطع على أنه خبر مبتدأ محذوف، (*)

[ 320 ]

وإن لم يكن العاملان من نوع واحد، نحو ضربت زيدا، وإن عمرا قائم، ونحو: هذا لغلام زيد، 1 فالجمهور منعوا جمعهما في وصف واحد، وأجازه بعضهم، نحو: بغلام زيد الظريفين، وإن أختلف العاملان والعمل معا، فالجمهور على إيجاب قطع النعت المشترك فيه، إلا الكسائي فإنه أجاز جمعهما في وصف عند تقارب المعنى نحو: ضربت زيدا، والمهان عمرو، الظريفان، لأن زيدا وعمرا مهانان معا، واعلم أنه لا يجوز نحو: من عمرو ؟ وهذا زيد: الرجلين الصالحين على القطع، لأنك لا تثني إلا على من أثبته وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم بمن لا تعلم، فتجعلهما بمنزلة واحدة، وثانيها 2: تفريق الصفات مع جمع الموصوفات، اعلم أن الموصوف إذا كان مجموعا متغاير الصفات، فإما أن تجئ بالصفات على وفق عدده، أو أقل، ففي الأول، يجوز الأتباع والقطع إلى الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقول: مررت بثلاثة رجال: شاعر، وكاتب، وبزاز 3، وإذا رفعت فالتقدير 4: بعضهم شاعر، وبعضهم كاتب وبعضهم بزاز، أو: هم شاعر وكاتت وبزاز، أو: منهم شاعر، ومنهم كاتب ومنهم بزاز، ولو تخالفا 5 تعريفا وتنكيرا، فقطع الوصف إلى الرفع فقط أولى، إن لم يكن هناك للحال معنى، نحو: بالرجلين: قصير (وطويل)، ويجوز قطعه إلى النصب أيضا، على الحال إن كان لها معنى، نحو: بالرجلين ضاحكا وباكيا، ولا يمتنع في الوجهين: الأتباع على البدل،


(1) لغلام جار ومجرور خبر هذا، وزيد مضاف إليه، (2) ثاني الأحكام التي استكمل بها الكلام على النعت مما أغفله المصنف وقد طال الكلام على الأول منها، (3) البزاز بائع البز، وهي الثياب، (4) التقدير إن الأولان على جعل النعت خبرا لمبتدأ محذوف والأخير على جعله مبتدأ محذوف الخبر، (5) أي النعت والمنعوت، (*)

[ 321 ]

ويجوز القطع إلى الرفع في خبر نواسخ الابتداء، نحو قوله: 328 - فلا تجعلي ضيفي ضيف مقرب * وآخر معزول عن البيت جانب 1 أي منهما ضيف مقرب، ومنها آخر معزول، وقوله: 329 - فأصبح في حيث التقينا شريدهم * طليق ومكتوف اليدين ومزعف 2 أي منهم طليق،... وقوله: مزعف، أي أزعفه الموت أي قاربه، وفي الثاني 3، أي فيما كانت الصفات فيه أقل: الرفع لا غير، على القطع، نحو: رأيت ثلاثة رجال: كاتب وشاعر، وقد أجاز بعضهم وصف البعض دون البعض محتجا بقوله: 330 - كأن حمولهم لما استقلت * ثلاثة أكلب يتطاردان 4 وأما إن كان الموصوف متحدا 5، والصفات متعددة، نحو: مررت برجل شاعر كاتب بزاز، فالأولى الأتباع، ويجوز القطع على تقدير: هو شاعر... ولا يجوز تقدير: منهم كاتب، ولا: بعضهم كاتب،


(1) من شعر العجير السلولي يخاطب امرأته، يقول لها سوي بين ضيفي، وليس مراده التثنية بل المراد الضيف المتعدد، وقال سيبويه في هذا المعنى: إن النصب جيد كما قال النابغة الجعدي: وكانت قشير شامقا بصديقها * وآخر مزريا عليه وزاريا انظر سيبويه ج 1 ص 222، (2) هذا من قصيدة طويلة للفرزدق امتلأت بالفخر والحديث عن أمجاد قومه يقول فيها منصفا أعداءه: وأضياف ليل قد نقلنا قراهم * إلينا فأتلفنا المنايا وأتلفوا أي جعلنا المنايا متلفة لهم كما جعلوها متلفة لنا، وهذا من الأنصاف، (3) مقابل قوله ففي الأول، (4) قال البغدادي في الخزانة: لم أر هذا البيت إلا في كتاب (المعاياه) للأخفش، وهو على طريقة أبيات المعاني، أي الأبيات التي تحتاج إلى تأمل في معناها، ثم قال نقلا عن بعضهم (ولم يذكر اسمه): إن هذا شعر مصنوع، وضع على الخطأ ليعلم السائل كيف فهم المسئول، والخلاصة أنه من باب الألغاز، (5) أي واحدا في المعنى وهو مقابل قوله إذا كان مجموعا، (*)

[ 322 ]

وثالثها: قطع الصفة رفعا أو نصبا، اعلم أن جواز القطع مشروط، بألا يكون النعت للتأكيد، نحو: أمس الدابر، و: (نفخة واحدة) 1، لأنه يكون قطعا للشئ عما هو متصل به معنى، لأن الموصوف في مثل ذلك، نص في معنى الصفة دال عليه، فلهذا لم يقطع التأكيد في: جاءني القوم أجمعون أكتعون....، والشرط الآخر أن يعلم السامع من اتصاف المنعوت بذلك النعت ما يعلمه المتكلم، لأنه إن لم يعلم، فالمنعوت محتاج إلى ذلك النعت ليبينه ويميزه، ولا قطع مع الحاجة، وكذلك إذا وصفت بوصف لا يعرفه المخاطب، لكن ذلك الوصف يستلزم وصفا آخر، فلك القطع في ذلك الثاني اللازم، نحو: مررت بالرجل العالم المبجل، فإن العلم في الأغلب مستلزم للتبجيل، ومع الشرطين، جاز القطع وإن كان نعتا أول، كقوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب) 2، وقولك: الحمد لله الحميد، وشرط الزجاجي في القطع تكرار النعت، والآية رد عليه، فنقول: إن كان النعت المراد قطعه معرفة، وجب، ألا يكون المنعوت اسم الأشارة لما ذكرنا أن اسم الأشارة محتاج إلى نعته لتبيين ذاته، وإن كان نكرة، فالشرط سبقه بنعت آخر مبين، وألا يكون النعت الثاني، أيضا، لمجرد التخصيص، لأنه إذا احتاجت النكرة إلى ألف نعت لتخصيصها لم يجز القطع، إذ لا قطع مع الحاجة، والأعرف مجئ نعت النكرة المقطوع بالواو الدالة على القطع والفصل، إذ ظاهر النكرة محتاج إلى الوصف، فأكد القطع بحرف هو نص في القطع، أعني الواو، قال:


(1) الآية 13 سورة الحاقة وتكررت (2) الآية 4 سورة المسد (*)

[ 323 ]

ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثا مراضيع مثل السعالي 1 - 148 ويجوز في المعرفة، أيضا، القطع مع الواو، كقول الخرنق: 331 - لا يبعدن قومي الذين هم * سم العداة وآفة الجزر 2 النازلون بكل معترك * والطيبون معاقد الأزر والواو في النعت المقطوع، اعتراضية، نصبته أو رفعته، ويجوز مخالفة النعت المقطوع للمنعوت، تعريفا وتنكيرا، كقوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالاوعددة) 3، وإذا كثرت نعوت شئ معلوم: أتبعت، أو قطعت، أو أتبع بعض دون بعض بشرط تقديم الاتباع، إذ الأتباع بعد القطع قبيح، والأكثر في كل نعت مقطوع أن يكون مدحا أو ذما أو ترحما، نحو: الحمد لله الحميد، ومررت بزيد الفاسق، وبعمرو المسكين، وقد يكون تشنيعا، نحو:.. بزيد الغاصب حقي، وقد ذكرنا في النداء حال هذه المنصوبات والمرفوعات 4، ويونس، أوجب الأتباع


(1) هذا من قصيدة لأمية بن أبي عائذ الهذلي أولها: ألا يا لقومي لطيف الخيال * أرق من نازح ذي دلال والبيت الشاهد في وصف الصياد، يعني أنه يعود إلى مأواه بعد غيبته للصيد فيجد نساءه في أسوأ حال، من شعت الشعر وقبح المنظر لعدم عنايتهن بأنفسهن في غيبته، وتقدم هذا الشاهد في الجزء الأول في باب الاختصاص، (2) من شعر الخرنق بنت بدر بن هفان وهي أخت طرفة بن العبد لأمه، وهذا الشعر دعاء لمن بقي من قومها ومدح لهم بأعلى الصفات وأكرمها، هكذا قال بعضهم، وقيل انه رثاء لمن مات منهم، وأخرجته مخرج الدعاء للحي، كما كانوا يفعلون، اما استفظاعا لموت من مات وإنكارا له، فيدعون له كأنه ما يزال حيا، واما دعاء له ببقاء ذكره فلا يهلك الحديث عنه كما هلك هو، (3) الآيتان 1، 2 من سورة الهمزة وتقدم ذكرهما قريبا، (4) يقصد بيان محل جملة النعت المقطوع وأنها إما استثنافية فلا محل لها، أو في موضع الحال فمحلها النصب، (*)

[ 324 ]

في الترحم، إما على النعت فيما أمكن، وإما على البدل، فيما لم يمكن، نحو: رأيته البائس ومررت به المسكين، والخليل أجاز قطعه رفعا ونصبا، كما في المدح والذم، ولو لم يتضمن النعت شيئا من المعاني المذكورة، لم يجز قطعه كقولك بزيد البزاز، أو صاحب الثياب، إلا بعد بل، ولكن، فإنه يجوز قطع ما بعدهما على الرفع، قصدت المعاني المذكورة 1، أو، لا، وسواء كان المعطوف عليه نعتا، أو، لا، لأنهما حرفان للاضراب والاستدراك، فهما مؤذنان بالقطع، تقول: مررت برجل قائم، بل قاعد، وفي غير النعت: ما زيد قائما بل قاعد، أو لكن قاعد، وربما قطع النعت الأول بالواو، والاتباع باق بحاله، إذا طال ذيل المنعوت، كما قال الزجاج في: ولكن البر من آمن) إلى قوله: (والموفون بعهدهم 2)، إن (الموفون) صفة (من آمن)، وهذا الذي ذكرناه من شروط النعت المقطوع، إنما يعتبر إذا جاز الاتباع على النعت أيضا، فأما إذا لم يجز، كما في الأمثلة المذكورة في القسم الأول، أي في جمع الأوصاف مع تفرق الموصوفات، فلا، ورابعها 3: حذف الموصوف، اعلم أن الموصوف يحذف كثيرا، إن علم، ولم يوصف بظرف أو جملة، كقوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين 4)، فإن وصف بأحدهما جاز كثيرا، أيضا، بالشرط المذكور بعد، لكن، لا كالأول في الكثرة لأن القائم مقام الشئ ينبغي أن يكون


(1) التي هي المدح والذم والترحم، (2) من الآية 177 سورة البقرة، وتقدمت،. (3) رابع الأحكام الخاصة بالنعت (4) الآية 48 سورة الصافات، (*)

[ 325 ]

مثله، والجملة مخالفة للمفرد الذي هو الموصوف، وكذا الظرف والجار، لكونهما مقدرين بالجملة على الأصح، وإنما يكثر حذف موصوفهما، بشرط أن يكون الموصوف بعض ما قبله المجرور بمن أو في، قال تعالى: (ومنا دون ذلك) 1، وقال: (وما منا إلا له مقام معلوم) 2، أي: ما من ملائكتنا إلا ملك له مقام معلوم، وقال الشاعر: 332 - وما الدهر إلا تارتان فمنها * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح 3 أي: منهما تارة أموت فيها...، وحكى سيبويه: ما منهم مات إلا رأيته في حال كذا 4،. وقال: 333 - وكلمتها ثنتين كالماء منهما * وأخرى على لوح أحر من الجمر 5 وقال: 334 - لو قلت ما في قومها، لم تيثم * بفضلها في حسب وميسم 6


(1) الآية 11 سورة الجن، (2) الآية 164 سورة الصافات، (3) هذا من شعر تميم بن أبي بن مقبل وهو شاعر إسلامي، وبعد هذا البيت: وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي * فلا العيش أهوى لي ولا الميت أروح وقوله: أهوى معناه: أكثر هوى، وأروح أي أكثر راحة، (4) قد يريد أنه رأي، في منامه، كل من مات قبله وعرف حاله بعد موته من نعيم أو عذاب، (5) هذا من أبيات منسوبة لشاعر اسمه أبو العميثل وهو عبد الله بن خالد، وفي رواية البيت اختلاف في ألفاظه، وقد استوفى البغدادي الكلام عليه في خزانة الأدب، (6) من رجز لحكيم بن معية الربعي، من بني ربيعة، وهو شاعر إسلامي معاصر للعجاج، وبعد هذا الشاهد: عفيفة الجيب حرام المحرم * من آل قيس في النصاب الأكرم وقوله: لم تيتم بكسر التاء: أصله تأثم مضارع أثم، وبعد كسر حرف المضارعة كما هو لغتهم، أبدلت الهمزة ياء جوازا والميسم بكسر الميممن الوسامة وهي الحسن، (*)

[ 326 ]

فإن لم يكن 1 كذا، لم تقم الجملة، والظرف مقامه إلا من الشعر، قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني 2 - 38 وقال: 335 - مالك عندي غير سهم وحجر * وغير كبداء شديدة الوتر ترمى بكفي كان من أرمى البشر 3 وقال: 336 - كأنك من جمال بني أقش يقعقع بين رجليه بشن 4 وإنما كثر بالشرط المذكور، لقوة الدلالة عليه يذكر ما اشتمل عليه قبله، فيكون كأنه مذكور، ثم اعلم أنه 5 إن صلح النعت لمباشرة العامل إياه، جاز تقديمه وإبدال المنعوت منه، نحو، مررت بظريف رجل، قال: 337 - والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند 6


(1) فإن لم يكن، أي المنعوت كذا، أي مستوفيا للشرط المذكور وهو كونه مسبوقا باسم يشمله مجرور بمن أو في كما تقدم، (2) هذا من شعر سحيم بن وثيل الرياحي وتقدم في باب ما لا ينصرف في الجزء الأول (3) المراد بالكبداء: القوس التي يملأ مقبضها الكف، ولا يعرف قائل هذا الرجز ويقول البغدادي: هذا الرجز: فلما خلا منه كتاب نحوي، ومع ذلك لا يعرف قائله، وتقدير الشطر الأخير: ترمي بكفي رجل أو رام أو نحو ذلك، (4) هذا من قصيدة للنابغة الذبياني يخاطب عيينة بن حصن الفزاري، وكان قد وقف إلى جانب بني عبس في قضية لهم ضد بني أسد وهم حلفاء لبني ذبيان، (5) هذا من الأحكام التي استطرد إليها، وكذلك ما بعده، (6) من معلقة النابغة الذبياني التي أولها يا درامية بالعلياء فالسند وقوله: والمؤمن: الواو للقسم، يعني والله الذي يؤمن الطير التي تعوذ بالحرم، حتى إن ركبان الحجاج تمسحها فلا تفزع منها، (*)

[ 327 ]

وقريب منه قوله تعالى: (وغرابيب سود) 1، لأن حق (غربيب) أن يتبع (أسود) لكونه تأكيدا له، نحو: أحمر قانئ 2. وإن لم يصلح لمباشرة العامل إياه، لم يقدم إلا ضرورة، والنية به التأخير، كما تقول في: ان رجلا ضربك، في الدار 3: إن ضربك رجلا، في الدار، وإذا وصفت النكرة بمفرد، وظرف أو جملة، قدم المفرد، وأخر أحد الباقيين، في الأغلب، كقوله تعالى: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) 4، وليس ذلك بواجب، خلافا لبعضهم، والدليل عليه 5 قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) 6، وقوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة... 7)، وقال الشاعر: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطئ الكواكب 8 - 133 وربما نويت الصفة ولم تذكر للعلم بها، قال: 338 - ألا أيها الطير المربة بالضحى * على خالد لقد وقعت على لحم 9 أي: لحم أي لحم،


(1) الآية 27 سورة فاطر (2) أي شديد الحمرة، كما أن غربيب معناه شديد السواد، (3) في الدار هو الخبر، وجملة ضربك هي النعت في المثالين، (4) الآية 50 من سورة الأنبياء، (5) أي على عدم وجوبه (6) من الآية 70 سورة الأنعام (7) من الآية 54 سورة المائدة، (8) مطلع قصيدة للنابغة الذبياني من اعتذارياته للنعمان وتقدم ذكره في الجزء الأول أكثر من مرة، (9) المقصود بهذا البيت: خالد بن زهير، ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي، والبيت من قصيدة نسبت إلى أبي خراش الهذلي، وقيل ان البيت من شعر خراش ابن أبي خراش الهذلي، في رثاء خالد بن زهير وكان قد قتل، والمربة: المقيمة الملازمة لجثته، من أرب بالمكان أي أقام، (*)

[ 328 ]

وإذا ولي النعت (لا) أو (إما) وجب تكريره، كما ذكرنا في الحال، قال الله تعالى: (... لا فارض ولا بكر) 1، وتقول: لقيت رجلا إما عالما وإما جاهلا، وقد يوصف المضاف إليه لفظا، والنعت للمضاف، إذا لم يلبس، ويقال له: الجر بالجوار، وذلك للاتصال الحاصل بين المضاف والمضاف إليه، فجعل ما هو نعت للأول معنى، نعتا للثاني لفظا، وذلك كما يضاف لفظا، المضاف إليه، إلى مإ، ينبغي أن يضاف إليه المضاف، نحو: هذا جحر ضبي، وهذا حب رماني، والذي لك: هو الجحر والحب، لا الضب، ولا الرمان، والخليل يشترط في الجر بالجوار: توافق المضاف والمضاف إليه إفرادا وتثنية وجمعا، وتذكيرا وتأنيثا، فلا يجيز، إلا: هذان جحرا ضب خربان، ولا يجيز: خربين 2، خلافا لسيبويه، واستشهد سيبويه 3 بقوله: 339 - فإياكم وحية بطن واد * هموز الناب ليس لكم بسيى 4 بجر هموز، وقال بعض النحويين: إن التقدير: هذا جحر ضب خرب جحره، بحذف المضاف إلى الضمير، فاستتر الضمير المرفوع في (خرب) لكونه مرفوعا، لقيامه مقام المضاف


(1) من الآية 68 سورة البقرة، (2) يعني لا يجيز جره بالجوار، لعدم موافقته لما قبله في الأفراد، (3) لم يستشهد سيبويه بهذا البيت، وإنما استشهد بقول العجاج: كأن نسج العنكبوت المرمل بجر المرمل وهو صفة النسج وذلك في الكتاب ص 217 من الجزء الأول، وفيه مناقشته للخليل، (4) البيت من شعر الحطيئة وهو يحذر أعداءه من التعرض له، ويريد نفسه بالحية فهو يقول اني أحمي غرضي كما تحمي الحية بطن الوادي الذي تقيم فيه،. (*)

[ 329 ]

المرفوع، فيكون أصل قوله: هموز الناب: هموز ناب حبته، ثم حذف المضاف أي (حية) فبقي: هموز نابه، ثم لما أضيف هموز إلى الناب: استتر الضمير فيه، كما في حسن الوجه 1، * * *


(1) في النسخة المطبوعة كتب السيد الجرجاني بعد قوله: كما في حسن الوجه، كتب ما يأتي: وفي كبير أناس في بجاد مزمل، يشير إلى بيت امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل والمقصود أنه يؤول كما أول غيره بتحويل الأسناد، لكن الجرجاني لم يشر كعادته أن ذلك الشاهد في بعض نسخ الشرح، وكأن هذا البيت موجود في النسخة التي كتب عليها، البغدادي فقد اعتبره شاهدا وكتب عليه، (*)

[ 331 ]

(عطف النسق) (قال ابن الحاجب:) (العطف تابع مقصود بالنسبة مع متبوعه، يتوسط بينه وبين) (متبوعه أحد الحروف العشرة، وستأتي، نحو: قام زيد) (وعمرو)، (قال الرضي:) قوله: (مقصود بالنسبة)، يخرج الوصف، وعطف البيان والتأكيد، على ما قال 1، لأن المقصود في هذه الثلاثة هو المتبوع، وذلك لأنك تبين بالوصف، المتبوع بذكر معنى فيه، وتوضح بعطف البيان، المتبوع بذكر أشهر اسميه، ولا شك أنك إذا بينت شيئا بشئ، فالمقصود هو المبين والبيان فرعه، وكذا، إنما تجئ بالتأكيد: إما لبيان أن المنسوب إليه مقدما هو المنسوب إليه في الحقيقة، لا غيره، لم يقع فيه غلط، ولا مجاز في نسبة الفعل إليه، وإما لبيان أن المذكور باق على عمومه، غير خاص، ويعني بالنسبة 2: نسبة الفعل إليه، فاعلا كان أو مفعولا، ونسبة الاسم إليه إذا كان مضافا، قوله: (مع متبوعه)، يخرج البدل، لأنه هو المقصود، عندهم، دون متبوعه،


(1) أي المصنف في شرحه على الكافية، (2) أي في التعريف المذكور للعطف، (*)

[ 332 ]

وسنذكر الكلام عليه في بابه ونذكر أن عطف البيان هو البدل،. ويخرج بقوله: مع متبوعه، العطف بلا، ولكن، وأم، وإما، وأو، لأن المقصود بالنسبة معها: أحد الأمرين: من المعطوف والمعطوف عليه، قوله: (يتوسط بينه) إلى آخره، ليس من تمام الحد، بل هو شرط عطف النسق، ذكره بعد تمام حده، قال: ولم أستغن في الحد بقولي: تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العشرة، لأن الصفات يعطف بعضها على بعض، كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم 1 - 74 وقوله: 340 - يا لهف زيابة للحارث الصابح * فالغانم فالآيب 2 ويجوز أن يعترض على حده بمثل هذه الأوصاف، فإنه يطلق عليها أنها معطوفة، إلا أن يدعي أنها في صورة العطف، وليست بمعطوفة، وإطلاقهم العطف عليها مجاز، (العطف على الضمير) (المرفوع والمجرور) (قال ابن الحاجب:) (وإذا عطف على المرفوع المتصل، أكد بمنفصل، مثل:)


(1) تقدم الاستشهاد بهذا البيت في باب المبتدأ والخبر من الجزء الأول (2) البيت لشاعر جاهلي قيل اسمه: سلمة بن ذهل وقيل غير ذلك وكنيته ابن زيابة، وزيابة اسم أمه، وقيل اسم أبيه والحارث هو الحارث بن همام من بني شيبان، والمقصود من البيت التهكم من الحارث بذكر ما يزعمه لنفسه من الشجاعة وأنه يغزو صباحا فيغنم فيرجع سالما، وكان قد هدد ابن زيابة فرد عليه بهذا وبعد هذا البيت يقول ابن زيابة: والله لو لاقيته خاليا * لآب سيفانا مع الغالب (*)

[ 333 ]

(ضربت أنا وزيد، الا أن يقع فصل، فيجوز تركه مثل:) (ضربت اليوم وزيد، وإذا عطف على المضمر المجرور، أعيد) (الخافض، مثل: مررت بك وبزيد)، (قال الرضي:) إنما أكد بالمنفصل في الأول، لأن المتصل المرفوع كالجزء مما اتصل به لفظا من حيث إنه متصل لا يجوز انفصاله، كما جاز في الظاهر والضمير المنفصل، ومعنى من حيث إنه فاعل، والفاعل كالجزء من الفعل، فلو عطف عليه بلا تأكيد، كان كما لو عطف على بعض حروف الكلمة، فأكد أولا بمنفصل لأنه بذلك يظهر أن ذلك المتصل، منفصل من حيث الحقيقة، بدليل جواز إفراده مما اتصل به بتأكيده، فيحصل له نوع استقلال، ولا يجوز أن يكون العطف على هذا التأكيد الظاهر، لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فكان يلزم، إذن، أن يكون هذا المعطوف أيضا تأكيدا للمتصل، وهو محال، فإن كان الضمير منفصلا نحو: ما ضربت إلا أنت وزيد، لم يكن كالجزء لفظا، وكذا إن كان متصلا منصوبا، نحو: ضربتك وزيدا، لم يكن كالجزء معنى، ويجوز تأكيد المتصل المرفوع، لا لغرض العطف، نحو: ضربت أنت، وضربت أنا، قوله: (إلا أن يقع فصل فيجوز تركه)، سواء كان الفصل قبل حرف العطف، كقوله: 341 - فلست بنازل إلا ألمت * برحلي أو خيالتها الكذوب 1 أو بعده، كقوله تعالى: (ما أشركنا ولا آباؤنا 2)، فإن المعطوف هو آباؤنا، و (لا) زائدة، لتأكيد النفي،


(1) هذا أحد أبيات وردت في ديوان الحماسة غير منسوبة ومنها البيت المشهور: فقد جعلت قلوص بني زياد * من الأكوار مرتعها قريب (2) من الآية 148 سورة الأنعام، (*)

[ 334 ]

ومع الفصل قد يؤكد بالمنفصل، كقوله تعالى: (فكبكبوا فيها هم والغاوون) 1، و: (ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا) 2، وقد لا يؤكد 3، والأمران متساويان، فلذا قال: ويجوز تركه، وإنما جاز الترك لأن طول الكلام قد يغني عما هو الواجب، فيحذف طلبا للاختصار، نحو قولك: حضر القاضي امرأة، و: الحافظو عورة العشيرة 4... 289 بالنصب، فكيف لا يغني عما ليس بواجب بل هو الأولى، وذلك أن مذهب البصريين أن التأكيد بالمنفصل هو أولى، ويجوزون العطف بلا تأكيد ولا فصل، لكن على قبح، لا أنهم حظروه أصلا بحيث لا يجوز أن يرتكب، وأما الكوفيون فيجوزون العطف المذكور بلا تأكيد ولا فصل من غير استقباح، قوله: (وإذا عطف على المضمر المجرور أعيد الخافض)، إنما لزم ذلك، لأن اتصال الضمير المجرور بجاره، أشد من اتصال الفاعل المتصل، لأن الفاعل إن لم يكن ضميرا منفصلا جاز انفصاله، والمجرور لا ينفصل من جاره سواء كان ضميرا أو ظاهرا، فكره العطف عليه، إذا يكون كالعطف على بعض حروف الكلمة، فمن ثم، لم يجز، إذا عطفت المضمر على المجرور، إلا إعادة الجار أيضا، نحو: مررت بزيد وبك، والمال بين زيد وبينك، وليس للمجرور ضمير منفصل، كما يجئ في المضمرات، حتى يؤكد به أولا ثم يعطف عليه، كما عمل في المرفوع المتصل، فلم يبق إلا إعادة العامل الأول، سواء كان اسما، نحو: المال بيني وبين زيد، أو حرفا نحو: مررت بك وبزيد، ولا يعاد العامل الاسمي إلا إذا لم يشك أنه لم يجلب 5 إلا لهذا الغرض، وأنه لا معنى


(1) الآية 94 سورة الشعراء، (2) الآية 35 سورة النحل، (3) أشرنا غير مرة إلى ضعف هذا التعبير، (4) الشاهد المتقدم وبقيته: لا يأتيهم من ورائها وكف، (5) يعني أنه لا يعاد الخافض إلا في حالة التأكيد من أن الغرض من اجتلابه مع الثاني هو تصحيح العطف فقط وأنه غير مفيد لمعنى جديد، (*)

[ 335 ]

له، كما في قولنا: بينك وبين زيد، إذ لا يمكن أن يكون هناك بينان: بين بالنسبة إلى زيد وحده، وبين آخر بالنسبة إلى المخاطب وحده، لأن البينية أمر يقتضي طرفين، فعلمنا أن تكرير الثاني لهذا الغرض فقط، فإن ألبس، نحو: جاءني غلامك وغلام زيد، وأنت تريد غلاما واحدا مشتركا بينهما، لم يجز، بلى، يجوز، إذا قامت قرينة دالة على المقصود، فإن قلت: فما تقول بعد إعادة الخافض ؟ أتقول: الجار والمجرور عطف على الجار والمجرور، أم تقول: المجرور عطف على المجرور ؟، قلت: النظر المستقيم يقتضي أن القول بالثاني أولى، وذلك لأن القول به في نحو: المال بيني وبينك، متعين، إذ لا معنى للمضاف الثاني، كما مر، فلأ، يمكن عطف المضاف على المضاف لفساد المعنى، وفي نحو: مررت بك وبزيد، وإن أمكن أن يكون للباء الثانية فيه معنى، إذ لا تقتضي الباء الأولى من حيث المعنى، اسمين ينجران بها، كما اقتضي معنى (بين) ذلك، إذ يمكن أن يكون استؤنف معنى الجار والمجرور، فيكون بسبب الاستئناف، للباء الثانية معنى، ولا يمكن ذلك في (بين) الثانية، إلا أننا لما عرفنا أن الباء الثانية مجتلبة لمثل الغرض الذي اجتلبت له (بين) الثانية، بعينه، وجب الحكم بكون المجرور عطفا على المجرور ههنا، كما في مسألة (بين)، فإذا تقرر هذا قلنا أن نقول: المعطوف مجرور مع تكرر العامل بما كان مجرورا به قبل تكرره، أعني العامل الأول، لأن وجود الثاني لأمر لفظي، وهو من حيث المعنى كالعدم، كما قال سيبويه في نحو: لا أبا لزيد، ان جره بالأضافة، لا باللام الظاهرة، والأولى 1 أن نحيل جره على العامل المتكرر، إذ ليس بأقل من الحروف الزائدة، نحو: كفى بزيد، فإنها لا تلغى مع زيادتها،


(1) لا يتفق هذا مع ما استظهره وأقام الدليل عليه من أن المجرور معطوف على المجرور، وربما كان قصده هنا راجعا إلى المثال الذي قال عن رأي سيبويه فيه إن جره بالأضافة لا باللام، (*)

[ 336 ]

وهذا الذي ذكرنا أعني لزوم إعادة الجار في حال السعة والاختيار: مذهب البصريين، ويجوز عندهم تركها 1 اضطرارا، كقوله: 342 - فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب 2 وأجاز الكوفيون ترك الأعادة في حال السعة مستدلين بالأشعار، ولا دليل فيها، إذ الضرورة حاملة عليه، ولا خلاف معها، وبقوله تعالى: (تساءلون به والأرحام 3)، بالجر، في قراءة حمزة 4، وأجيب بأن الباء مقدرة، والجر بها، وهو ضعيف، لأن حرف الجر لأ، يعمل مقدرا في الاختيار إلا في نحو: الله لأفعلن، وأيضا لو ظهر الجار فالعمل للأول، كما ذكرنا، ولا يجوز أن تكون الواو للقسم لأنه يكون، إذن، قسم السؤال، لأن قبله: (واتقوا الله الذي تساءلون به) وقسم السؤال لا يكون إلا مع الباء كما يجئ 5، والظاهر أن حمزة جوز ذلك بناء على مذهب الكوفيين لأنه كوفي، ولا نسلم تواتر القراءات 6، وذهب الجرمي 7 وحده، إلى جواز العطف على المجرور المتصل بلا إدعادة الجار، بعد تأكيده بالضمير المنفصل المرفوع نحو: مررت بك أنت وزيد، قياسا على العطف على الضمير المتصل المرفوع، وليس بشئ لأنه لم يسمع ذلك، مع أن تأكيد المجرور


(1) أي ترك الأعادة، (2) قربت أي أخذت وشرعت، ولم ينسب البيت إلى قائل مع كثرته في كتب النحو، وقال البغدادي انه من أبيات سيبويه التي جهل قائلوها، (3) من الآية الأولى في سورة النساء، (4) حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة وتقدم ذكره، (5) يجيئ في باب القسم آخر الكتاب، وتقدم للرضي حديث عنه في آخر باب الاستثناء من هذا الجزء، (6) يتكرر من الرضي هذا الطعن في القراءات السبع وإنكار تواترها، وتقدم له مثل ذلك في الفصل بين المضاف والمضاف إليه، (7) صالح بن إسحاق الجرمي ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (*)

[ 337 ]

بالمرفوع خلاف القياس، وإعادة الجار أقرب وأخف، فإن قيل 1: كيف جاز تأكيد المرفوع المتصل في نحو: جاءوني كلهم، والابدال منه، نحو: أعجبتني جمالك، من غير شرط تقدم التأكيد بالمنفصل، وجاز أيضا، أعجبت بك جمالك من غير إعادة الجار، ولم يجز العطف في الأول إلا بعد التأكيد بالمنفصل، وفي الثاني إلا مع إعادة الجار ؟، فالجواب أن التأكيد والبدل ليسا بأجنبيين منفصلين عن متبوعهما، لأ، لفظا ولا معنى، أما معنى فلأن البدل، في الأغلب: إما كل المتبوع أو بعضه أو متعلقه، والغلط قليل نادر، والتأكيد عين المؤكد، وأما اللفظ فلأنه لا يفصل بينهما وبين متبوعهما بحرف كما في عطف النسق فلم ينكر جري ما هو كالجزء من متبوعه على ما هو كالجزء من عامله، لتوافق التابع والمتبوع من حيث كون كل واحد منهما كالجزء مما قبله، ومتصل به، وأما عطف النسق فمنفصل عن متبوعه لفظا بحرف العطف ومعنى من حيث إن المعطوف، في الأغلب، غير المعطوف عليه، فأنكر جري ما هو مستقل وكالأجنبي من متبوعه، على ما هو كالجزء مما قبله لتخالف التابع والمتبوع، فإن قلت: فهلا طردوا الحكم على هذا الوجه في جميع التواكيد، إذ كلها متصلة بمتبوعاتها كما قلت، ولم أفردوا النفس والعين بتأكيد متبوعهما الذي هو مرفوع متصل، الولا بالمنفصل، قبل التأكيد، قلت: ذلك لعلة أخرى، وذلك لأن النفس والعين كثيرا ما يليان العامل ويقعان غير تأكيد، نحو: طابت نفس فلان، ولقيت عينه، فلو لم نؤكد معهما أولا بالمنفصل لا لتبس الفاعل إذا كان غائبا أو غائبة بالتأكيد نحو: زيد جاءني نفسه، وهند جاءتني نفسها، ثم طرد الحكم في البواقي، مع أن ضمائرها بارزة، نحو: ضربتني أنت نفسك،. وإن لم يلتبس،


(1) هذه المناقشة راجعة إلى الأمرين السابقين في العطف على الضمير مرفوعا ومجرورا، (*)

[ 338 ]

وأما كل، وأجمع، فلا يلتبسان بالفاعل 1 في نحو: الكتاب قرى كله، لأن (كلا) لا يلي العوامل الظاهرة أصلا فلا تقول 2: جاءني كلكم، ولا قتلت كلكم، ولا مررت بكلكم، بلى، قد استعمل مبتدأ، لا غير، إما لأن العامل معنوي، كما هو مذهب الجمهور، أو لأن مرتبته التأخر، أعني خبر المبتدأ، كما اخترنإ، في أول الكتاب، هذا وقد علل المصنف اختصاص النفس والعين بتقدم تأكيد مؤكدهما بالمنفصل، بأنهم كرهوا أن يؤكدوا الجزء بما هو كالمستقل، قال: لأن النفس تستعمل غير تأكيد ولفظ (كل) لا يستعمل إلا تأكيدا، وهذه العلة تبطل عليه في قولهم: مررت بك نفسك، فالأولى ما قدمناه، (المعطوف في حكم المعطوف عليه) (معنى ذلك وأثره) (قال ابن الحاجب:) (والمعطوف في حكم المعطوف عليه، ومن ثم لم يجز في ما زيد) (بقائم أو قائما ولا ذاهب عمرو إلا الرفع، وإنما مجاز: الذي) (يطير فيغضب زيد: الذباب، لأنها فاء السببية)، (قال الرضي:) لا يريدون بقولهم ان المعطوف في حكم المعطوف عليه: أن كل حكم يثبت للمعطوف عليه مطلقا، يجب ثبوت مثله للمعطوف حتى لا يجوز عطف المعرفة على النكرة وبالعكس،


(1) يكثر من الرضي التعبير عن نائب الفاعل بالفاعل، وهو سائغ لأنه قائم مقامه أو أنه يريد المسند إليه مع الفعل، (2) مع هذا التصريح من الرضي يقع منه استعمال كل تالية للعوامل اللفظية، وأشرنا إلى ذلك كثيرا عند ورود مثل ذلك منه، (*)

[ 339 ]

بل المراد: أن كل حكم يجب للمعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله، لا بالنظر إلى نفسه، يجب ثبوته للمعطوف، كما إذا لزم في المعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله كونه جملة ذات ضمير عائد إليه 1 لكونه صلة له، لزم مثله في المعطوف، وكما إذا اقتضي ما قبله كونه نكرة، كمجرور (رب)، أو المجرور بكم، وجب كون المعطوف كذلك، فلذا ضعف: الواهب المائة الهجان وعبدها 2... - 285 وتقول في: رب شاة وسخلتها: إن المعطوف نكرة، كما يجئ في باب المضمرات، وكان يجب على الأصل المتقدم ألا يجوز نحو قوله: علفتها تبنا وماء باردا 3 - 171 وقوله: 343 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا 4 لكنه إنما جاز لأن المنصوب بعد العاطف ههنا معمول لعامل مقدر معطوف على العامل الأول، حذف اعتمادا على فهم المراد، أي: علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا، متقلدا سيفا وحاملا رمحا، وكذا وجب، بناء على الأصل المتقدم 5، ألا يجوز: يا زيد والحارث لوجوب


(1) أي إلى المتقدم على المعطوف عليه، (2) تقدم هذا الشاهد كاملا في باب الأضافة من هذا الجزء، (3) هذا شطر ورد صدرا وعجزا وتقدم ذكره في باب المفعول معه من الجزء الأول ص 520 (4) لعبد الله بن الزيعري، كما قال الأخفش وقد ورد في عدد من كتب اللغة والنحو، ورواه صاحب الانصاف: يا ليت بعلك في الوغي، وصحة الرواية ما أثبتناه هنا، وله تأويل آخر غير ما ذكره الرضي وهو أن يكون قد ضمن (متقلدا) معنى يصح تسليطه على المعطوف عليه معا كأن يكون التقدير مثلا: يا ليت زوجك حاملا سيفا ورمحا، (5) وهو أن المعطوف في حكم المعطوف عليه بالتفسير الذي ذكره، (*)

[ 340 ]

تجرد المعطوف عليه من اللام، بالنظر إلى (يا)، لكن لما كان المكروه هو اجتماع اللام وحرف النداء، ولم يجتمعا حال كون اللام في المعطوف، جاز، كما في: يا أنها الرجل، وإن وجب للمعطوف عليه حكم بالنظر إلى نفسه وإلى غيره معا، وجب مثله للمعطوف، إن كان في نفسه مثل المعطوف عليه، فلذا، وجب بناء المعطوف في: يا زيد وعمرو، لأن ضم المنادى بالنظر إلى حرف النداء وإلى كونه مفردا معرفة،. وكان يجب بناء المعطوف، على هذا الأصل في: لا رجل وامرأة، كما في النداء، لكن العلة قد تقدمت 1 في المنصوب بلاء التبرئة 2، وإن لم يكن حال المعطوف في نفسه كحال المعطوف عليه لم يجب فيه ما وجب في المعطوف عليه، فلذا لم يضم المعطوف في: يا زيد وعبد الله، لأن ضم المنادى ليس لحرف النداء فقط، بل لذلك ولكونه مفردا معرفة، كما قلنا، وكذا لم ينصب المعطوف في: لا رجل ولا زيد عندي، لأن نصب اسم (لا)، بالنظر إلى (لا) وإلى قابل النصب وهو المنكر المضاف والمضارع له، لا بالنظر إلى (لا) وحدها، فنقول 3: يجوز عطف الخبر الجامد على المشتق نحو: زيد أحمر ورجل شجاع، وذلك لأن الضمير في المشتق الواقع خبرا، لم يجب لكونه خبرا فقط، إذ خبر المبتدأ يتجرد أيضا عن الضمير إذا كان جامدا، بل بالنظر إلى نفسه أيضا وهو كونه مشتقا، إذ الخبر المشتق لا بد من ضمير فيه أو في معموله، فالمقصود 4: ان المعطوف يجب أن يكون بحيث لو حذف المعطوف عليه، جاز قيامه مقامه،


(1) انظر في هذا الجزء، ص 173 (2) بينا في غير موضع وجه تعبير الرضي بلاء التبرئة من جهة وجود الهمزة في (لاء) ومعنى كونها للتبرئة، (3) تفريع آخر على الأصل الذي أثبته وبين معناه، (4) هذه خلاصة أخيرة لمعنى أن المعطوف في حكم المعطوف عليه، (*)

[ 341 ]

قوله: (ومن ثم لم يجز في ما زيد بقائم أو قائما، ولا ذاهب عمرو إلا الرفع)، وذلك لأنه لما وجب لقولك: بقائم، أو: قائما، الضمير لكونه خبرا مع كونه مشتقا، وجب أن يثبت مثله في المعطوف مع اشتقاقه، وهو قولك: ولا ذاهب عمرو، لأن الضمير وجب للمعطوف عليه بالنظر إلى كونه خبرا وإلى كونه مشتقا، والمعطوف مشتق مثله، ولا ضمير في: ذاهب عمرو، بالجر، ولا في: ذاهبا عمرو، فإن قلت: فجوز: ولا ذاهبا عمرو، على عطف الاسم والخبر على الاسم والخبر، قلت: ليس حاله في نفسه كحال المعطوف عليه حتى يكون مثله في حكم الاعراب، لأن الاسم في الأول مقدم على الخبر، فجاز عمل (ما) فيهما، بخلاف الثاني، فصار في عطف الجملة على الجملة، مثل: لا علام رجل، ولا زيد عندي في عطف المفرد على المفرد فيجب الرفع في (ذاهب) على عطف الاسم والخبر على الاسم والخبر، إذ لا يجوز عطف الخبر وحده على الخبر، لما تقدم من عدم الضمير، وقد ذكرنا وجوه هذه المسألة مستوفاة قبل 1، فليرجع إليه، وإنما جاز مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، وإن لم يكن في (قاعدين)، ضمير راجع إلى الموصوف، حملا على المعنى 2، لأن المعنى: لا قاعد أبواه، فهو في حكم ما يثبت فيه الضمير، وذلك لأن الضمير المستكن المثنى في (قاعدين) راجع إلى المضاف مع المضاف إليه، أعني (أبواه)، والمضاف إليه ضمير راجع إلى الموصوف، وكذا قولك: برجل حسنة جاريته لا قبيحة، لأنه بتقدير: لا قبيحة جاريته، قوله: (وإنما جاز: الذي يطير فيغضب زيد: الذباب، جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: أنك إذا أخبرت 3 عن الذباب في قولك: يطير الذباب فيغضب زيد، تقول: الذي يطير فيغضب زيد: الذباب، فقولك: يغضب زيد، عطف على يطير، الذي هو صلة، فوجب أن يكون فيه ضمير، كما في المعطوف عليه، وهو خال


(1) في باب إعمال ما عمل ليس، من هذا الجزء (2) علة لجواز الصورة المذكورة، (3) المراد: الاخبار الذي يقصد به التمرين أو التدرب، وسيأتي تفصيله في باب الموصول (*)

[ 342 ]

منه فوجب ألا يجوز، وأجاب 1 بأن هذه الفاء للسببية لا للعطف المجرد، وكلامنا في المعطوف، هذا الذي قاله المصنف، والذي يقوى عندي: أن الجملة التي يلزمها الضمير كخبر المبتدأ، والصفة، والصلة، إذا عطفت عليها جملة أخرى متعلقة بالمعطوف عليها معنى، بكون مضمونها بعد مضمون الأولى، متراخيا، أو، لا، أو بغير ذلك، جاز تجرد إحدى الجملتين عن الضمير الرابط، اكتفاء بما في أختها التي هي قرينتها وكجزئها، سواء كان مضمون الأولى سببا لمضمون الثانية، كما في مسألة الذباب، أو، لا، كما تقول مخبرا 2 عن زيد، في: جاءني زيد فغربت الشمس: الذي جاء فغربت الشمس: زيد، لأن المعنى: الذي يعقب مجيئه غروب الشمس: زيد، وتقول مخبرا عن الشمس: التي جاء زيد فغربت: الشمس، وليس مجئ زيد سببا لغروب الشمس، وكذا يجوز مع (ثم) إذ مضمون معطوفها بعد مضمون الأولى وإن كان متراخيا، تقول: الذي جاء ثم غربت الشمس: زيد، إذ المعنى: الذي تراخى عن مجيئه غروب الشمس: زيد، وكذا: التي جاء زيد ثم غربت: الشمس، وكذا تقول في خبر المبتدأ: زيد قام فغربت الشمس، وزيد غربت الشمس فقام، لا منع من جميع هذا، هذا كما تعطف على الضمير الرابط في الجملة التي يلزمها الضمير، اسما ظاهرا نحو: زيد ضربته وعمرا، أو تعطف ضميرا على بعض أجزاء أجزاء الجملة اللازمة للضمير الخالية منه نحو: زيد ضربت عمرا وأباه، وإنما جاز ذلك لأن في أجزاء الجملة المذكورة ضميرا، لأن ذلك المفرد المعطوف صار من جملة أجزائها بسبب العطف، إذ لا يستقل المفرد، فلما لم تستقل الجملة المعطوفة بالفاء وثم، وتعلقت من حيث المعنى بالجملة المتقدمة، لتعقب مضمونها مضمونها، صارت كأحد أجزائها، فاكتفى بالضمير في إحداهما،


(1) أي المصنف، يعني أنه بقوله: وإنما جاز... الخ أجاب عن هذا السؤال المقدر الذي أورده الرضي، (2) هذا وما يأتي بعده من الأمثلة مثل ما سبق، من أن المراد بالاخبار النوع الذي يراد به التدريب، (*)

[ 343 ]

وأما إن لم يكن للجملة تعلق معنوي بالمعطوف عليها، نحو: الذي قام وقعدت هند: زيد، لم يجز 1، إلا أن يتعلق المضمون بالمضمون معنى فتقول: الذي قام وقعدت هند في تلك الحال: زيد، والذي تزول الجبار ولا يزول: أنا، والذي تقوم القيامة ولا ينتبه. أنت، لأن الاقتران معلوم من قرينة الحال، وإذا لم يكن مع الواو قرينة الاقتران لم يجز، لأن الواو لمطلق الجمع، لا دلالة فيها على الاقتران وغيره، كما كان في الفاء وثم، تعلق معنوي بين المضمونين، هذا، وقولك: هند لقيت زيدا وإياها، جائز اتفاقا، وفي المسألة إذا ذكرت مقام 2 الواو: الفاء، أو ثم، أو (أو) خلاف، فلا يجيزها قوم، لأن الاجتماع ليس بحاصل مع الفاء وثم وأو، فيحتاج إلى تقدير فعل آخر للمعطوف، فتبقى الجملة الأولى بلا ضمير عائد على المبتدأ، بخلاف الواو، فإنها للجمع فلا تحتاج إلى تقدير فعل، وليس بشئ 3، لأن العامل ليس بمقدر في المعطوف، كما تبين في حد التوابع، ولو سلمنا أيضا، جازت على ما ذكرنا، لأن للجملة الثانية مع الفاء وثم وأو، تعلقا معنويا بالأولى، وأما ان صرحت بالفعل في الثاني مع الواو، نحو: زيد أكرمت عمرا وأكرمت أباه، فإن قصدت بالتكرير التأكيد، جازت المسألة، وإن قصدت الاستئناف، امتنعت الأولى لخلو الجملة الخبرية 4 عن الضمير،


(1) لم يجز، جواب قوله: وأما إن لم يكن، فحقه الفاء وكان يمكن أن يقول: وإن لم يكن... لم يجز، ويقع ذلك كثيرا في كلامه، (2) أي أقمت مقام الواو، فهو تعبير منظور فيه إلى المعنى، وتكرر مثله، (3) رد على الرأي الذي ذكره، (4) أي الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ، (*)

[ 344 ]

(العطف) (على عاملين مختلفين) (تفصيل الكلام عليه) (قال ابن الحاجب:) (وإذا عطفت على عاملين لم يجز، خلافا للفراء، إلا في نحو:) (في الدار زيد، والحجرة عمرو، خلافا لسيبويه)، (قال الرضي:) معنى قولهم: العطف على عاملين: أن تعطف بحرف واحد، معمولين، مختلفين كانا في الاعراب كالمنصوب والمرفوع، أو متفقين كالمنصوبين أو المرفوعين، على معمولي عاملين مختلفين، نحو: إن زيدا ضرب عمرا، وبكرا خالدا، وهذا عطف متفقي الاعراب على معمولي عاملين مختلفين، وقولك إن زيدا ضرب غلامه 1، وبكرا أخوه، عطف مختلفي الاعراب، ولا يعطف المعمولان على عاملين، بل على معموليهما، فلهذا القول منهم على حذف المضاف، وأما عطف المعمولين، متفقين كانا أو مختلفين على معمولي عامل واحد، فلا بأس به، نحو: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، وظننت زيدا قائما وعمرا قاعدا، وأعلم زيد عمرا بكرا فاضلا، وبشر خالدا محمدا كريما، وذلك لأن حرف العطف كالعامل، ولا يقوى حرف واحد أن يكون كالعاملين، ويجوز أن يكون كعامل واحد يعمل عملين أو ثلاثة، أو أكثر، واعلم أن الأخفش يجيز العطف على عاملين مختلفين مطلقا، إلا إذا وقع فصل بين العاطف والمعطوف المجرور، نحو: دخل زيد إلى عمرو، وبكر خالد، فهذا لا يجوز إجماعا منهم، ممن جوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز، إما عند من جوز فللفصل


(1) الأحسن أن يقرأ ضرب غلامه بالبناء للمجهول، حتى لا يحتاج إلى تقدير المفعول، (*)

[ 345 ]

بين العاطف الذي هو كالجار، وبين المجرور، وأما عند من لم يجوز، فلهذا وللعطف على عاملين، وليس الأمر كما زعم المصنف من قوله: يجيزه بعض الكوفيين، فإن كلهم 1 أطبقوا على المنع مما ذكرنا، لما ذكرنا، فإن ولي المجرور في المسألة المذكورة حرف العطف نحو: زيد في الدار، والحجرة عمرو، أجازه الأخفش، على ما نقل عنه الجزولي 2 وغيره، لأن المانع عنده إنما كان هو الفصل بين العاطف الذي هو كالجار وبين المجرور، ولا يجوز، كما لا يجوز الفصل بين الجار والمجرور، وقد زال المانع بإيلاء المجرور للعاطف، فلهذا جوز الأخفش: ما زيد بقائم ولا قاعد عمرو، ومنع شيبويه العطف على عاملين مطلقا، وذلك لما ذكرنا من ضعف حرف العطف عن كونه بمنزلة عاملين مختلفين، فنحو قولهم: مررت إلى الغزو بجيش، والحج بركب، لا يجوز إجماعا، أي الاسمين أوليت حرف العطف، إذ الآخر يبقى مفصولا بينه وبين العاطف الذي هو كالجار، ولا يجوز ذلك، سواء كان الفاصل ظرفا نحو: مررت اليوم بزيد وأمس عمرو، أو غيره، بل يجب أن تقول: وأمس بعمرو، وأما الفصل بالظرف أو غيره بين العاطف والمرفوع أو المنصوب، فمختلف فيه، منع منه الكسائي والفراء وأبو علي في السعة، وذلك إذا لم يكن الفاصل معطوفا، بل يكون معمولا من غير عطف، لعامل المعطوف المرفوع، أو المنصوب الذي بعده، نحو: ضرب زيد، وعمرا بكر، وجاءني زيد واليوم عمرو، وقد فصل الشاعر بالظرف، قال: 344 - أتعرف أم لا رسم دار معطلا * من العام يغشاه ومن عام أولا 3 قطار وتارات خريق كأنها * مضلة بو في رعيل تعجلا،


(1) تقدم قريبا إنكار الرضي لمثل هذا التعبير حيث قال ان لفظ كلهم لا يلي العوامل الظاهرة أصلا، (2) الجزولي: عيسى أبو موسى تقدم ذكره في هذا الجزء والذي قبله، (3) قال البغدادي ان هذين البيتين لشاعر جاهلي اسمه القحيف العقيلي، وقال إنهما من خمسة أبيات أوردها ابن = (*)

[ 346 ]

فإن كان الفاصل، أيضا، معطوفا على مثله، لم يختلف في جوازه في المرفوع والمنصوب، وفي عدم جوازه في المجرور، نحو: جاءني أمس عمرو، واليوم زيد، وضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، ولا يجوز: مررت اليوم بزيد وأمس عمرو، كما لا يجوز: مررت بزيد وأمس خالد، قال أبو علي: إنما قبح الفصل بين العاطف، والمرفوع أو المنصوب بما ليس بمعطوف، لأن العاطف كالنائب عن العامل، فلا يتسع فيه بالفصل بينه وبين معطوفه، كما يفصل بين العامل ومعموله، وأجاز ذلك غيرهم في السعة، لجواز الفصل بين الرافع والناصب، ومعموليهما، وامتناع ذلك بين الجار والمجرور، ويجوز الفصل بين العاطف والمعطوف، غير المجرور، بالقسم، نحو: قام زيد، ثم، والله، عمرو، إذا لم يكن المعطوف جملة، فلا تقول: ثم والله قعد عمرو، لأنه تكون الجملة، إذن، جوابا للقسم فيلزمها حرف الجواب، فلا يكون ما بعد القسم عطفا على ما قبله، بل الجملة القسمية، إذن، معطوفة على ما قبلها، ويجوز الفصل بالشرط، أيضا، نحو: أكرم زيدا، ثم، إن أكرمتني، عمرا، وبالظن، نحو: خرج محمد، أو، أظن، عمرو، بشرط ألا يكون العاطف الفاء أو الواو، لكونهما على حرف واحد فلا ينفصلان عن معطوفيهما، ولا (أم) لأن (أم) العاطفة أي المتصلة، يليها مثل ما يلي همزة الاستفهام التي قبلها في الأغلب، كما يجئ في حروف العطف، ولنرجع إلى العطف على عاملين، فنقول:


= الاعرابي في آخر النوادر ثم قال: ليس بين هذين البيتين وبين الثلاثة الأخرى ارتباط، فلذلك تركتها، والقطار: المطر، والخريق: الريح الباردة، ومضلة بو، يريد به الناقة التي فقدت ولدها، وقوله تعجلا أي أسرع، وفي البيت التضمين وهو أن قطار في البيت الثاني فاعل يغشاه في البيت الأول، (*)

[ 347 ]

الأخفش لا يمنع، من صور العطف على عاملين، إلا ما كان فيه الفصل بين العاطف والمجرور، لا غير، كما ذكرنا، وسيبويه يمنعه مطلقا، والفراء، كما نسب إليه ابن مالك، يوافق سيبويه ويخالف الأخفش، وهما، أي سيبويه والفراء، يضمران الجار في كل صورة توهم العطف على عاملين وفيها مجرور نحو قولهم: ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة، أي: ولا كل بيضاء، وقوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة 1)، أي: وللذين، واعتذر ابن السراج لهما في قوله تعالى: (واختلاف الليل والنهار)، إلى قوله (آيات، وآيات 2)، على القراءتين 3، بأن (آيات) أعيدت توكيدا للأولى لما طال الكلام وليس بمعطوف، فمذهب المتقدمين: الجواز مطلقا، كما هو مذهب الأخفش، أو المنع مطلقا إلا بإضمار الجار، كما هو مذهب سيبويه والفراء، وأما المتأخرون، فإن الأعلم الشنتمري 4، منع نحو: زيد في الدار والحجرة عمرو، مع تقديم المجرور إلى جانب العاطف، قال: لأنه ليس يستوي آخر الكلام وأوله، قال: فإذا قدمت في المعطوف عليه الخبر على المخبر عنه نحو: في الدار زيد والحجرة عمرو، جاز لاستواء آخر الكلام وأوله في تقديم الخبر على المخبر عنهما، قلت 5: يلزمه تجويز مثل قولنا: زيد خرج غلامه، وعمرو أخوه، و: إن زيدا خرج غلامه وبكرا أخوه، لاستواء أول الكلام وآخره وهو لا يجيزه، والمصنف جوز بالقيد الذي ذكره الأعلم، أيضا، وهو أن يتقدم المجرور في المعطوف


(1) الآية 27 سورة يونس، (2) الآية 5 سورة الجاثية، (3) النصب قراءة حمزة من القراء السبعة، وباقيهم على قراءة الرفع، وفي الآية قراءات أخرى،. (4) الأعلم الشنتمري: أبو الحجاج يوسف بن سليمان من مدينة شنتمرية بالأندلس، لقب بالأعلم لانشقاق شفته العليا، وهو نحوي أديب، شرح شواهد كتاب سيبويه، (5) اعتراض من الرضي على الأعلم، (*)

[ 348 ]

عليه، ويتأخر المنصوب أو المرفوع، ثم يأتي المعطوف على ذلك الترتيب، نحو: في الدار زيد، والحجرة عمرو، وان في الدار زيدا والحجرة عمرا، لكن لا للعلة التي ذكرها الأعلم، بل قال: لأن الذي ثبت في كلامهم ووجد بالاستقراء من العطف على عاملين، هو المضبوط بالضابط المذكور فوجب أن يقتصر عليه، ولا يقاس عليه غيره، إذ العطف على عاملين مختلفين مطلقا خلاف الأصل، فإن اطراد في صورة معينة دون غيرها لم يقس عليها، فلم يلزم المصنف ما لزم الأعلم من تجويز الصورتين المذكورتين 1، لكن يبقى الاشكال عليه في علة تخصيصهم للصورة المعينة بالجواز دون غيرها، وإذا كان العطف على عاملين مختلفين مخالفا للأصل، فهلا اعتذر بإضمار الخافض كما فعل سيبويه والفراء، حتى لا يكون تحكما، قوله: (خلافا للفراء) يعني أن الفراء يجيزه مطلقا، وفي هذه الاحالة نظر 2 على ما قلنا، قوله: (إلا في نحو: في الدار زيد والحجرة عمرو) أي يجوز مطلقا ويقاس عليه إذا كان بالضابط المذكور، قوله: (خلافا لسيبويه)، أي: لا يجوز عنده مطلقا، وإن كان بالضابط المذكور، (من أحكام العطف) 3 ولنذكر بقية أحكام العطف، فمنها: أنه قد يحذف واو العطف مع معطوفه، مع القرينة، كما إذا قيل: من الذي اشترك هو وزيد، فقلت: اشترك عمرو، أي: اشترك عمرو وزيد، قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) 4، الآية، أي: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعده، وكذا (أم) مع معطوفها كقولك لمن قال أنا أصلي ليلا ونهارا: أفي


(1) اللتين اعترض بهما على الأعلم،. (2) وجه النظر أن مذهب الفراء مقيد بحالة معينة وكلام ابن الحاجب يفيد جوازه مطلقا، (3) من استطرادات الرضي لاستكمال ما لم يعرض له ابن الحاجب، (4) الآية 10 سورة الحديد، (*)

[ 349 ]

الليل تصلي أكثر ؟ يعني أم في النهار، وقد تحذف الواو من دون المعطوف، قال أبو علي في قوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت 1...)، أي: وقلت، وحكى أبو زيد 2: أكلت سمكا لبنا تمرا، وقد تحذف (أو) كما تقول لمن قال: آكل اللبن والسمك: كل سمكا لبنا، أي: أو لبنا، وذلك لقيام القرينة على أن المراد أحدهما، وقد يحذف المعطوف عليه بعد (بلى) وأخواتها 3، تقول لمن قال، ما قام زيد، بلى وعمرو، أي بلى قام زيد وعمرو، لأنها حرف تصديق فيدل على المعطوف عليه الذي هو المصدق المثبت، كما يجئ في بابها، وكذا تقول: بلى فزيد، وبلى ثم زيد، وبلى أو زيد، وبلى لا زيد، لأن (بلى) للأيجاب بعد النفي فيكون التقدير: بلى قام عمرو لا زيد، وتقول لمن قال، ما قام بكر: نعم، لكن زيد، أي: نعم ما قام بكر لكن زيد أي لكن قام زيد، لأن (نعم) مقررة لما سبقها، نفيا كان أو إثباتا، ولكن، للاثبات بعد النفي في عطف المفرد، كما يجئ في حروف العطف، وتقول لمن قال ما مات الناس: بلى حتى الأنبياء، وتقول لمن قال ما قام زيد: بلى، بل عمرو، أو نعم، بل عمرو، أي: بلى قام زيد بل عمرو، ونعم، ما قام زيد بل عمرو، ولا يحذف المعطوف عليه بعد حروف التصديق إذا كان العاطف (أم) و (إما)، وذلك لأن (أم) المتصلة وهي العاطفة تقتضي سبق الهمزة، و (إما) تقتضي سبق (إما)


(1) الآية 92 سورة التوبة، (2) أبو زيد الأنصاري صاحب النوادر وتقدم له ذكر في الجزء الأول من هذا الشرح، (3) المراد حروف الجواب وسيأتي تفصيل الكلام عليها والفرق بينها في الاستعمال، في قسم الحروف، (*)

[ 350 ]

أخرى كما يجيى في حروف العطف، وقد يحذف المعطوف عليه بأم، قال الله تعالى: (أم من هو قانت آناء الليل... 1) أي: الكافر خير، أم من هو قانت، ويجوز تقديم المعطوف بالواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، في ضرورة الشعر على المعطوف عليه، نحو: ضربت وعمرا، أو فعمرا أو، ثم عمرا، أو: أو عمرا، أو، لا عمرا: زيدا 2، بشرط: ألا يتقدم المعطوف على العامل، فلا يجوز: وزيد قام عمرو، ولا: مررت وزيد بعمرو، وذلك لأن العامل يعمل في المعطوف بواسطة العاطف فهو 3 كالآلة للعمل، ومرتبة الآلة، بعد المستعمل لها، ولاستبشاع كون التابع مقدما على متبوعه وعلى متبوع متبوعه أي العامل في متبوعه، فلا يقال: والأسد إياك، لأنه يكون، إذن، متقدما على العامل ؟ وكذا، لم يتقدم 4 على معطوف عليه لزم اتصاله بعامله، فلا يقال: وزيد ضربت أنت، بالعطف على التاء، ولم يتقدم على المعطوف عليه إذا كان مبتدأ مؤخر الخبر، دخله حرف ناسخ، أو، لا، فلا يجوز: ان وعمرا زيدا قائمان وما، وزيد، عمرو قائمين، لضعف الحرفين فلا يعملان مع الفصل بغير الظرف، وكذا لا تقول: أما وعمرو زيد فمنطلقان، والذي وأبوه زيد ضاربان: أنا، وهل وزيد عمرو قائمان، وكيف وعمرو زيد قائمان، لأنه يتقدم على العامل أيضا، وهو إما الابتداء، أو الخبر، على المذهبين، فإذا تقدم الخبر نحو: قائمان وزيد عمرو، وكيف وزيد عمرو، جاز اضطرارا، لتأخره عن العامل، على المذهبين،


(1) الآية 9 سورة الزمر، (2) لفظ زيدا مرتبط بكل الأمثلة التي قبله على أنه مفعول ضربت في كل منها (3) أي حرف العطف (4) أي المعطوف (*)

[ 351 ]

ويشترط، أيضا، في تقديم المعطوف اضطرارا، ألا يكون المعطوف عليه مقرونا بإلا، أو معناها، فلا تقول: ما جاءني وزيد إلا عمرو، ولا: إنما جاءني وزيد عمرو، وذلك لما تقدم في باب الفاعل، ان ما بعد (إلا) في حيز غير حيز ما قبلها، لتخالفهما نفيا وإثباتا، كما مر في باب الفاعل، 1 فلا يقع قبلها المعطوف الذي هو في حيز ما بعدها، ومنها 2، أن كل ضمير راجع إلى المعطوف بالواو، أو (حتى) مع المعطوف عليه، يطابقهما مطلقا، نحو: زيد وعمرو جاءاني، ومات الناس حتى الأنبياء، وفنوا، والضمير للمعطوف والمعطوف عليه، وأما قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها) 3 فالمعنى: ولا ينفقون الكنوز، لدلالة يكنزون على الكنوز، وقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) 4، أي يرضوا أحدهما، لأن إرضاء أحدهما إرضاء للآخر، ويجوز: زيد وعمرو قام، على حذف الخبر من الأول اكتفاء بخبر الثاني وكذا يجوز: زيد قام وعمرو، على حذف الخبر من الثاني اكتفاء بخبر الأول، أي: وعمرو كذلك، وفي الموضعين: ليس المبتدأ وحده عطفا على المبتدأ، إذ لو كان كذلك لقلت: قاما، وأما الفاء وثم، فإن كان الضمير في الخبر، عن المعطوف بهما مع المعطوف عليه، ففي مطابقته لهما خلاف، قال بعضهم يجب حذف الخبر من أحدهما، إما من الأول نحو: زيد فعمرو قام، وزيد ثم عمرو قام، أي: زيد قام، فعمرو قام، وإما من الثاني نحو: زيد قام فعمرو، أي فعمرو قام، أو: فعمرو كذلك، قالوا 5: ولا تجوز


(1) انظر ص 191 من الجزء الأول، (2) أي من أحكام العطف التي استطرد إلى ذكرها، (3) الآية 34 سورة التوبة، (4) الآية 62 سورة التوبة أيضا، (5) أي أصحاب هذا الرأي المعبر عنهم بقوله: قال بعضهم، ومقابله: قوله وأجازه الباقون، (*)

[ 352 ]

المطابقة، لأن تفاوتهما في الترتيب يمنع اشتراكهما في الاضمار، وأجاز الباقون مطابقة الضمير، وهو الحق، نحو: زيد ثم عمرو قاما، إذ الاشتراك في الضمير لا يدل على انتفاء الترتيب حتى يناقض الفاء وثم، إذ قد يقال: قام الرجلان مع ترتيب قيامهما، والأضمار والأظهار في هذا سواء، فقاما، وقام الرجلان، مثلان في احتمال اجتماع القيامين، وترتبهما، وإن لم يكن الضمير في الخبر المذكور، وجبت المطابقة اتفاقا، نحو: جاءني زيد فعمرو، فقلت لهما...، وجاءني زيد ثم بكر، وهما صديقاي، وأما (لا)، و (لكن)، و (بل) و (أم)، و، (أو)، و: (إما)، فمطابقة الضمير معها، وتركها موكولان إلى قصدك، فإن قصدت أحدهما، وذلك واجب في الاخبار عن المعطوف بها مع المعطوف عليه مبتدأين: وجب افراد الضمير، نحو: زيد لا عمرو جاءني، وزيد بل عمرو قام، وزيد أو عمرو أتاك، وكذا تقول: زيد أو هند جاءني، ولا تقول جاءتني إذا المعنى: أحدهما جاءني، والغلبة للتذكير ، وتقول في غير الخبر: جاءني إما زيد وإما عمرو فأكرمته، و: أزيدا ضربت أم عمرا فأوجعته، و: ما جاءني زيد لكن عمرو فأكرمته، وإن قصدت بالضمير كليهما، وجبت المطابقة، نحو: زيد لا عمرو جاءني مع أني دعوتهما، و: زيد أو عمرو جاءني وقد جئتهما وأكرمتهما، وتقول في (أو) التي للأباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين وباحثه ويجوز: وباحثهما، وكذا تقول: هذا إما جوهر أو عرض، أو: واما عرض، ثم تقول: وهما محدثان، قال الله تعالى: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) 1، وليس (أو) بمعنى الواو كما قاله بعضهم، بل نقول: جواب الشرط محذوف، والمعنى: إن يكن غنيا أو فقيرا فلا بأس فإن الله أولى بالغني والفقير معا،


(1) الآية 135 سورة النساء، (*)

[ 353 ]

وإنما قال الله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) 1، بافراد الضمير، مع أن الانفضاض كان إليهما معا، لأن الضمير راجع إلى الرؤية المدلول عليها بقوله: رأوا، ولا يستنكر عود ضمير الاثنين إلى المعطوف بأو، مع المعطوف عليه، وإن كان المراد أحدهما، لأنه، لما استعمل (أو) كثيرا في الاباحة فجاز الجمع بين الأمرين نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، صار كالواو ولهذا جاز قوله: 345 - وكان سيان: ألا يسرحوا غنما * أو يسرحوه بها واغبرت السوح 2 فقال، مع سيان، أو يسرحوه، والحق 3، ويسرحوه، وتقول: أزيدا ضربت أم عمرا، وهما مستحقان للضرب و: ما جاءني زيد لكن عمرو، أو: بل عمرو، وقد دعوتهما، ومنها 4 أنه يعطف الفعل على الاسم، وبالعكس، إذا كان في الاسم معنى الفعل، قال الله تعالى: (فالق الأصباح وجعل الليل سكنا) 5، على قراءة عاصم 6، أي فلق الاصباح، وكذا قوله تعالى: (صافات ويقبضن) 7، أي: يصففن ويقبضن، قال:


(1) الآية 11 سورة الجمعة، (2) قال البغدادي إنه ملفق من بيتين لأبي ذؤيب الهذلي من قصيدة، وأصل البيتين: وقال راعيهم سيان سيركم * وأن تقيموا به واغبرت السوح وكان مثلين أن لا يسرحوا غنما * حيث استرادت مواشيهم وتسريح ثم قال: ولا شاهد فيه على هذه الرواية، (3) يريد أن الأصل في مثله العطف بالواو، لأن (سيان) تقتضي اثنين (4) أي من الأحكام الخاصة بالعطف (5) من الآية 96 سورة الأنعام (6) عاصم بن أبي النجود وكنيته أبو بكر، وهو أحد القراء السبعة، كوفي، مات سنة 118 (7) من الآية 19 سورة الملك (*)

[ 354 ]

346 - بات يعشيها بغضب باتر * يقصد في أسوقها وجائر 1 أي: ويجوز، ولا يجوز: مررت برجل طويل ويضرب، على العطف، إذ الاسم ليس في تقدير الفعل، ويعطف الماضي على المضارع وبالعكس، خلافا لبعضهم، قال تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة) 2، ونحو: (إن الذين كفروا ويصدون) 3، و: (أرسل الرياح فتثير سحابا) 4، وكذا يجوز: لم يقعد زيد، ولا يقعد زيد غدا، وبالعكس، وكذا يجوز عطف المفرد على الجملة وبالعكس، إذا تجانسا بالتأويل نحو: زيد أبوه كريم، وعالم إخوته، لكن عطف الجملة على المفرد أولى من العكس، لكونها فرعا عليه في كونها ذات محل من الاعراب، فالأولى كونها تابعة له في الاعراب، فنحو: مررت برجل شريف وأبوه كريم، أولى من نحو: برجل أبوه كريم وشريف، ولا سيما إذا كانت الجملة والمفرد صفتين، لأن تطابق الصفة والموصوف، أكثر من تطابق المبتدأ والخبر، والحال وصاحبها، ألا ترى أن الأولين يتطابقان تعريفا وتنكيرا، دون البواقي،. فقولك: جئتك أخاف، وراجيا، وهند أبوها كريم وشريفة، ليس في القبح نحو: برجل أبوه كريم وشريف، ويجوز عطف الاسمية على الفعلية، وبالعكس، قال ابن جني 5: وذلك بالواو، دون الفاء وأخواتها، لأصالة الواو في العطف،


(1) العضب: السيف، الأسوق جمع ساق، ووجه الشاهد فيه بينه الشارح، قال البغدادي ان هذا البيت لم ينسبه أحد ممن استشهدوا به على كثرتهم ولم يذكر أحد منهم شيئا يتصل به، (2) الآية 170 سورة الأعراف، (3) من الآية 25 سورة الحج، (4) من الآية 9 سورة فاطر، (5) الامام أبو الفتح عثمان بن جني، العالم المشهور، أحد من نقل عنهم الرضي كثيرا في هذا الشرح، (*)

[ 355 ]

واعلم 1 أنه تجوز المخالفة في الاعراب، إذا عرف المراد، نحو: مررت بزيد، وعمرو، أي: وعمرو كذلك، ولقيت زيدا وعمرو، أي: وعمرو كذلك، قال: 347 - وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف 2 حملا على المعنى، إذ معنى لم يدع إلا مسحتا: لم يبق من جوره 3 إلا مسحت، ويجوز أن يكون المعنى: أو هو مجلف، و (أو) منقطعة 4، أي: بل هو مجلف، كما يجئ في حروف العطف، أو يكون (مجلف) مصدرا عطف على (عض)، كما مر في قوله تعالى: (ومزقناهم كل ممزق) 5،


(1) هذا حكم من أحكام العطف التي استطرد إليها فكان حقه أن يقول: ومنها كما فعل فيما سبق، (2) من قصيدة للفرزدق وفي هذا البيت كلام كثير للعلماء لا يخلو من تكلف، وفيه اختلاف في رواية البيت وقد شرح الرضي ألفاظه وبين بعض ما فيه من التأويل، (3) أي من جور الزمان (4) أي للاضراب (5) من الآية 19 سورة سبأ، (*)

[ 357 ]

(التأكيد) (معناه والغرض منه) (قال ابن الحاجب:) (التأكيد تابع يقرر أمر المتبوع في النسبة والشمول)، (قال الرضي:) قوله: (يقرر) التقرير ههنا: أن يكون مفهوم التأكيد ومؤداه ثابتا في المتبوع،. ويكون لفظ المتبوع يدل عليه صريحا، كما كان معنى (نفسه) ثابتا في قولك: جاءني زيد نفسه، إذ يفهم من زيد: نفس زيد، وكذا، كان معنى الأحاطة الذي في (كلهم) مفهوما من القوم في: جاءني القوم كلهم، إذ لا بد أن يكون القوم إشارة إلى جماعة معينة فيكون حقيقة في مجموعهم، ثم إن التأكيد يقرر ذلك الأمر، أي يجعله مستقرا متحققا بحيث لا يظن به غيره، فرب لفظ دال وضعا على معنى، حقيقة فيه، ظن المتكلم بالسامع أنه لم يحمله على مدلوله، إما لغفلته، أو لظنه بالمتكلم الغلط، أو لظنه به التجوز، فالغرض الذى وضع له التأكيد: أحد ثلاثة أشياء: أحدها: أن يدفع المتكلم ضرر غفلة السامع عنه، وثانيها: أن يدفع ظنه بالمتكلم الغلط، فإذا قصد المتكلم أحد هذين الأمرين، فلا بد أن يكرر اللفظ الذي ظن غفلة السامع عنه، أو ظن أن السامع ظن به الغلط فيه، تكريرا لفظيا، نحو: ضرب زيد زيد، أو: ضرب (*)

[ 358 ]

ضرب زيد، ولا ينجع هنا 1 التكرير المعنوي، لأنك لو قلت: ضرب زيد نفسه، فربما ظن بك السامع أنك أردت: ضرب عمرو، فقلت: نفسه، بناء على أن المذكور عمرو، وكذا ان ظننت به الغفلة عن سماع لفظ زيد، فقولك: نفسه، لا ينفعك، وربما يكرر غير المنسوب، والمنسوب إليه 2، لظنك غفلة السامع عنه، أو لدفع ظنه بك الغلط، وذلك إما في الحرف، نحو: ان ان زيدا قائم، أو في الجملة نحو قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا) 3، ولا يدخل هذا النوع من التأكيد في حد المصنف، لأنه يقرر أمر المتبوع ولكن لا في النسبة والشمول، ولا يضره ذلك 4 لأنه في حد التأكيد الاسمي، والغرض الثالث: أن يدفع المتكلم عن نفسه ظن السامع به تجوزا، وهو ثلاثة أنواع، أحدها أن يظن به تجويزا في ذكر المنسوب، فربما تنسب الفعل إلى الشئ مجازا وأنت تريد المبالغة، لا أن عين ذلك الفعل منسوب إليه، كما تقول: قتل زيد، وأنت تريد: ضرب ضربا شديدا، أو تقول: هذا باطل، وأنت تريد: غير كامل، فيجب، أيضا تكرير اللفظ حتى لا يبقى شك في كونه حقيقة، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل)، والثاني: أن يظن السامع به تجوزا في ذكر المنسوب إليه المعين، فربما، نسب الفعل إلى الشئ، والمراد ما يتعلق بذلك المنسوب إليه، كما تقول: قطع الأمير اللص، أي قطع غلامه بأمره، فيجب، إذن، إما تكرير لفظ المنسوب إليه، نحو: ضرب زيد زيد، أي ضرب هو، لا من يقوم مقامه، أو تكريره معنى، وذلك بالنفس والعين، ومتصرفاتهما 5 لا غير،


(1) أي لا يفيد في دفع هذا الظن، (2) أي الفعل والفاعل، أو المبتدأ أو الخبر (3) الآيتان 5، 6 سورة ألم نشرح (4) يعني لا يقدح في تعريفه للتأكيد، (5) يعني انتقالهما من الافراد إلى التثنية والجمع، (*)

[ 359 ]

والثالث: أن يظن السامع به تجوزا، لا في أصل النسبة، بل في نسبة الفعل إلى جميع أفراد المنسوب إليه، مع النه يريد النسبة إلى بعضها، لأن العمومات المتخصصة كثيرة، فيدفع هذا الوهم بذكر (كله)، و: (أجمع) وأخواته، و: (كلاهما)، وثلاثتهم وأربعتهم، ونحوها، فهذا هو الغرض من جميع ألفاظ التأكيد، قوله: (أمر المتبوع)، أي ما يتعلق به من نسبة الفعل المذكور إليه، أو كونها شاملة عامة له، فالتكرير لفظا أو معنى يقرر ما يتعلق بالمتبوع من اتصافه بكونه منسوبا إليه الفعل، وألفاظ الشمول تقرر ما يتعلق بالمتبوع، من اتصافه بكون ما نسب إليه عاما لأجزائه شاملا، وقوله: (في النسبة أو الشمول)، بيان للأمر المراد به صفة المتبوع وشأنه، كما يقال: شأنك في العلو أعظم من أن يوصف، وأمري في الفقر ظاهر، أي: في باب العلو، وباب الفقر، فالمعنى يقرر أمر المتبوع في باب كونه منسوبا إليه، وفي باب كون النسبة شاملة عامة لأفراده، فعلى هذا، يخرج عن حد التأكيد، نحو قوله تعالى: (لا تتخذوا إلهين اثين، إنما هو إله واحد) 1، فإن (اثنين) و (واحد)، وإن قررا وحققا أمر متبوعهما، وهو الاثنينية والوحدة، لكن لم يكن ذلك الأمر من باب كون المتبوع منسوبا إليه الاتخاذ الذي في قوله تعالى: (لا تتخذوا)، ولا من باب شمول الاتخاذ للالهين، وكذا في قوله تعالى: نفخة واحدة) 2 فلفظ (واحدة) لم تقرر كون (نفخة) منسوبا إليها قوله: (نفخ) ولا كون النفخ شاملا لآحاد النفخة، إذ لا آحاد لها، وقد أورد المصنف الاعتراض على نفسه بنفخة واحدة، فقال: إن لفظة (واحدة) تقرر الوحدة التي في (نفخة) فيجب أن تكون تأكيدا، وأجاب بأن (نفخة) وإن دلت


(1) الآية 51 سورة النحل ونكررت (2) الآية 13 سورة الحاقة، وتكررت، (*)

[ 360 ]

على الوحدة لكن ذلك دلالة تضمن لا مطابقة، لأن مدلولها بالمطابقة: نفخ موصوف بالوحدة، فمجرد الوحدة مدلول هذه اللفظة تضمنا لا مطابقة، ولقائل أن يقول 1: المدلول أعم من المدلول بالتضمن والمدلول بالمطابقة فكل مدلول لمتبوع، هو أمر ذلك المتبوع وشأنه، سواء كان ذلك مطابقة أو تضمنا أو التزاما، وأيضا: أجمعون، في قولك: جاءني الرجال أجمعون، يقرر مدلول الرجال تضمنا لا مطابقة، لأن كونهم مجتمعين في المجئ بحيث لم يخرج منه أحد منهم: مدلول اللفظ 2 من حيث كونه جمعا معرفا باللام المشار بها إلى رجال معينين، لا مدلول أصل الكلمة أعني كونهم رجالا مجتمعين، وهو مركب من الرجال ومن اجتماعهم، وكذا، جاءني الرجلان كلاهما، لفظة (كلا) موضوعة للاثنينية التي هي مدلول (الرجلان) ضمنا، وهو مع ذلك تأكيد، فإن قلت: بل معنى (كلاهما) في: جاءني الزيدان كلاهما: كلا الزيدين وكلا الزيدين: هما الزيدان، فمفهوم التأكيد مفهوم المؤكد مطابقة، قلت: هذا وهم، لأن التأكيد هو: كلا، المضاف، ومعناه: الاثنان، لا (هما) 3 الذي هو المضاف إليه الذي مدلوله مدلول الزيدين فمعنى: كلا الزيدين: اثناهما، إلا أنه لم يستعمل لفظ (اثناهما)، والاثنان، مدلول لفظ الزيدين تضمنا لا مطابقة، واعلم أنهم إذا أرادوا الوحدة، والاثنينية والاجتماع، لا باعتبار نسبة الفعل، لم يضيفوا الألفاظ الدالة على هذه المعاني، نحو: جاءني رجل واحد، ورجلان اثنان ورجال جماعة، ومع قصد تعيين عدد الجماعة تقول: رجال ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وعلى هذا القياس،


(1) هذه مناقشة لما أجاب به المصنف عن الاعتراض، (2) أي لفظ الرجال، (3) يعني لفظ (هما) في: كلاهما، (*)

[ 361 ]

أما إذا أرادوا الوحدة والاثنينية والاجتماع باعتبار نسبة الفعل، أضافوا 1 الألفاظ الدالة على هذه المعاني، إلا لفظ (جميع)، فإن الأغلب فيه، كما يجئ، قطعه عن الأضافة مع قصدك اجتماع المذكورين باعتبار نسبة الفعل، وهذه الألفاظ باعتبار هذا المعنى على ضروب: فبعضها لم يجئ إلا منصوبا على الحال وهو (وحده) فقط، تقول: جاءني زيد وحده، أي لم يشاركه أحد في المجئ، وبعضها لم يجئ إلا تابعا على أنه تأكيد، وهو (كلا)، ومعناه: اثنان، كما ذكرنا، إلا أن (اثنان) لم يستعمل مضافا في المشهور الفصيح، استغناء بكلا، ويستعمل العوام: بالزيدين اثنيهما، وأجمعون ومتصرفاته مثل (كلا)، لا تجئ إلا تابعة مضافة في التقدير، على رأي الخليل، وربما نصبت (جمعاء) و (جمع) حالين، كجاءتني القبيلة جمعاء والقبائل جمع، وهو قليل، وقد يضاف أجمعون، إضافة ظاهرة، فيؤكد به لكن بباء زائدة، نحو: جاءني القوم بأجمعهم 2، ولا يقال: جاءني القوم أجمعهم، بخلاف: (عينه) فانه يؤكد بها مع الباء وبدونها، نحو: رأيته عينه وبعينه، وأما جميع، فهو بمعنى (أجمعين)، ويستعمل على أحد ثلاثة أوجه، إما مقطوعا عن الأضافة، حالا، كقوله تعالى: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) 3، أي بهم أجمعين، وليس بمعنى مجتمعين في حال المجيى، وإن أردت ذلك المعنى فقل: يأتيني بهم معا، بل معناه أنه لا يتخلف منهم أحد، اجتمعوا في الأتيان أو افترقوا، كأجمعين، من حيث المعنى سواء،. وإما مضافا غير تأكيد تاليا للعوامل، نحو: مررت بجميع القوم، ورأيت جميعهم، وإما مضافا تأكيدا، وهو أقل الثلاثة، نحو: جاءني القوم جميعهم،


(1) يتكرر مثل هذا التعبير من الرضي وقد أشرنا إلى ذلك، ولفظ (أضافوا) جواب قوله (أما) فحقه الفاء، أو يقول فإذا أرادوا، (2) ورد فيه مع الباء: ضم الميم،. (3) من الآية 83 سورة يوسف،. (*)

[ 362 ]

وبعضها يستعمل مرة تابعا على التأكيد، ومرة حالا، وذلك من الثلاثة فما فوقها، كما مر في باب الحال 1، نحو: جاءني القوم ثلاثتهم، وجاءوني ثلاثتهم، ولا يؤكد بثلاثة وأخواتها إلا بعد أن يعرف المخاطب كمية العدد قبل ذكر لفظ التأكيد، وإلا لم يكن تأكيدا، بخلاف الوصف في نحو: جاءني رجال ثلاثة، فتبين بهذا أنك تقول في الوصف: واحد، واثنان، وجماعة لغير معين العدد، وثلاثة وأربعة فصاعدا لمعين العدد، وتقول في التأكيد أو الحال وهما بمعنى واحد ههنا: وحده، وكلاهما، وأجمعون وأخواته لغير معين العدد، وثلاثتهم وأربعتهم فما فوق ذلك، لمعين العدد، فإذا قصدت الوصف، لم يكن في هذه الألفاظ نظر إلى نسبة الفعل إلى متبوعاتها، وإذا قصدت بها التأكيد أو الحال فلا بد من النظر إلى متبوعها أو صاحبها، فعلمنا أنه لا فرق بين هذه الألفاظ: تواكيد، وصفات، إلا بالنظر إلى شمول النسبة، فلا تخرج هذه الألفاظ صفات عن حد التأكيد، إلا بقوله: أو الشمول، وإلا، فمعناها تأكيدا، وصفة، سواء، قال المصنف: يدخل عطف البيان في قولنا: يقرر أمر المتبوع، ويخرج بقولنا: في النسبة أو الشمول، أقول: إن كان معنى التقرير ما ذكرت، وهو تحقيق ما ثبت في اللفظ الأول ودل عليه، فليس جميع ما هو عطف البيان مدلولا عليه بلفظ المتبوع، نحو: جاءني العالم زيد، والفاضل عمرو، إذ لا دلالة للعالم على زيد، بلي، ربما دل بعض متبوعاته عليه، (لكن لا بعينه) 2، وذلك مع قلة الاشتراك نحو: 348 - أقسم بالله أبو حفص عمر 3


(1) انظر في هذا الجزء، ص 21. (2) جملة لكن لا بعينه زيادة جاءت في بعض النسخ وفي إثباتها توضيح للمعنى، (3) سيأتي هذا الشاهد مشروحا موضحا في كلام الرضي في باب البدل، (*)

[ 363 ]

إذا فرضنا أنه ليس هناك من سمي بأبي حفص إلا اثنان أو ثلاثة، وإن كان المراد بالتقرير: التوضيح، فالوصف داخل أيضا، وإن كان شيئا آخر فليس بواضح، وينبغي صيانة الحدود عن مثل هذه المحتملات، (أقسام التوكيد) (الألفاظ المستعملة في المعنوي) (قال ابن الحاجب:) (وهو لفظي ومعنوي، فاللفظي تكرير اللفظ الأول، مثل) (جاءني زيد زيد، ويجري في الألفاظ كلها، والمعنوي) (بألفاظ محفوظة، وهي: نفسه، وعينه، وكلاهما، وكله) (وأجمع وأكتع وأبتع وأبصع، فالأولان يعمان باختلاف) (صيغهما وضميرهما، تقول: نفسه نفسها، أنفسهما) (أنفسهم، أنفسهن والثاني، للمثنى: كلاهما كلتاهما) (والباقي لغير المثنى باختلاف الضمير في: كله، وكلها) (وكلهم، وكلهن، والصيغ في البواقي: أجمع، جمعاء) (أجمعون، جمع)، (قال الرضي:) اعلم أن التأكيد، إما لتقرير شمول النسبة، وهو بأن يكرر من حيث المعنى، ما فهم من المتبوع تضمنا لا مطابقة، وذلك، بكلا، وكل، وأجمع، وثلاثتهم وأربعتهم، ونحو ذلك، وإما لتقرير أصل النسبة، وهو إما بتكرير لفظ الأول، أو بتكرير ما دل عليه المتبوع مطابقة، وذلك بالنفس والعين، وما يتصرف منهما، والتكرير اللفظي يجري في الألفاظ كلها، أسماء كانت، أو أفعالا، أو حروفا، مفردة كانت أو جملا، أو غير ذلك، (*)

[ 364 ]

والمكرر إما مستقل أو غير مستقل، والمستقل: ما يجوز الابتداء به مع الوقف عليه، وغير المستقل: ما لا يجوز فيه ذلك، كالضمير المتصل وكل حرف، إلا التي تؤدي معنى الجملة وتحذف معها الجملة في الغالب، وهي: لا، ونعم، وبلى، فإن جميعها يصح الوقف عليها مع الابتداء بها، فغير المستقل إن كان على حرف واحد كواو العطف وفائه، ولام الابتداء، أو كان مما يجب اتصاله بأول نوع 1 من الكلم، كحروف الجر لأنها لا تنفك عن مجرور بعدها، أو بآخر نوع منها، كالضمائر المتصلة، فإنه لا يكرر وحده إلا في ضرورة الشعر، نحو قوله: فلا والله لا يلفى لمابي * ولا للما بهم أبدا دواء 2 - 130 وقوله: وصاليات ككما يؤتفين 3 - 131 والكاف واللام على حرف واحد مع وجوب اتصالهما بمجرور، بل يكرر مع عماده نحو: مررت بك بك، وانك انك، وضربت ضربت، وإن كان العماد في الأول معمولا ظاهرا، فالمختار: عمد الثاني بضميره، لا بظاهره، كقولك: زيد قائم في الدار فيها، وإن لم يكن غير المستقل على حرف ولا واجب الاتصال، جاز تكريره وحده، نحو: إن إن زيدا قائم، والأحسن الفصل بينهما نحو: إن في الدار ان زيدا قائم، وليت بكرا ليته قائم، ويجوز عمده بظاهر، أيضا، وقد جوزوا في تكرير الضمير المتصل وجها آخر غير تكرير العماد وهو أن تكرره


(1) يعني يكون من الألفاظ التي تتصل بأوائل بعض الكلمات أو بأواخرها، (2) تقدم ذكر هذا البيت في باب النداء حيث ذكر هناك استطرادا، (3) وكذلك هذا الشطر، تقدم في الموضع السابق، من الجزء الأول (*)

[ 365 ]

منفصلا، فتقول في المرفوع: ضربت أنت، وهو من باب تكرير اللفظ، وإن كان الثاني مخالفا للأول لفظا، إذ الضرورة داعية إلى المخالفة، لأنه لا يجوز تكريره متصلا بلا عماد، لئلا يصير المتصل غير متصل، وتقول في المجرور: مررت بك أنت ومررت به هو، لأنه لا ضمير للمجرور منفصل حتى يؤكد به، فاستعير له المرفوع، وأما المنصوب المتصل فأصله: ألا يؤكد إلا بالمنصوب المنفصل، إذ للمنصوب ضمير منفصل فيقال: رأيتك إياك، ورأيته إياه، لكنهم كما أجازوا تأكيده بالمنصوب المنفصل أجازوا تأكيده بالمرفوع المنفصل، نحو: رأيتك أنت ورأيته هو، فالمرفوع المنفصل يقع تأكيدا لفظيا لأي متصل كان، مرفوعا أو منصوبا، أو مجرورا، وإنما كان كذا دون المنصوب المنفصل لقوته وأصالته، إذ المرفوع قبل المنصوب والمجرور، فتصرف فيه أكثر، ومن ثم لم يقع الفصل 1، إلا بصيغة المرفوع المنفصل، كما يجئ في باب الضمائر، ولو لا هذا النظر، لكان القياس أن يؤكد الضمير المجرور بالمنصوب المنفصل، لما بين الجر والنصب من الأخوة، كما مر في باب المثنى وجمعي التصحيح 2، وباب ما لا يتصرف 3 وقال النجاة: إن المنفصل في نحو: ضربتك أنت: تأكيد، وفي: ضربتك إياك بدل، وهذا عجيب، فإن المعنيين واحد، وهو تكرير الأول بمعناه فيجب أن يكون كلاهما تأكيدا لاتحاد المعنيين، والفرق بين البدل والتأكيد معنوي كما يظهر في حد كل منهما، وقال الزمخشري في: مررت بك بك 4: إن الثاني بدل، وهذا أعجب من الأول،


(1) المراد ما يسمونه ضمير الفصل، (2) يعني في الكلام على أوجه إعرابهما ص 83 ج 1 (3) ص 100 ج 1 (4) شرح ابن يعيش على المفصل ج 3 ص 69، (*)

[ 366 ]

إذ هو صريح في التكرير لفظا ومعنى، فهو تأكيد لا بدل، وهذا مثل قوله في باب المنادي: إن الثاني في: يا زيد زيد: بدل، وجميع ذلك تأكيد لفظي، بلى يمكن في بدل البعض وبدل الاشتمال: إبدال الضمير المنصوب من المنصوب، نحو: ثلث الرغيفين أكلتهما إياه، وعلم الزيدين استحسنتهما إياه، كما يجئ في باب البدل، ولا يجوز: إذن، تخالف البدل والمبدل منه فلا يقال: أكلتهما هو، كما جاز ذلك في التأكيد، لأن المقصود في البدل هو الثاني، فكأنه باشره الناصب، فلا يجئ مرفوعا، ألا ترى أنك تقول في باب النداء: يا زيد أخ، فتجعله كالنداء المستقل، هذا كله في غير المستقل، وأما المستقل فتكرره بلا فصل، نحو جاءني زيد زيد، قال: 349 - فأين إلى أين النجاء ببغلي * أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس 1 وقال في الحرف المستقل: 350 - لا لا أبوح بحب بثنة انها * أخذت علي مواثقا وعهودا 2 أو مع فصل 3، كقوله: 351 - تراكها من إبل تراكها 4 وقال تعالى: (وهم بالآخرة هم كافرون) 5، ويحسن التكرير، إذا ذكرت ما يطلب شيئين، أولهما له ذيل، فيكرر المقتضى


(1) قائل هذا البيت مجهول، والاستشهاد به كثير في كتب النحو، ولم ينسبه أحد ممن استشهدوا به، (2) من كلام جميل بن معمر، الذي اشتهر بجميل بثينة، وبثنة في البيت هو اسمها، وتصغيره بثينة، (3) مقابل لقوله: فتكرره بلا فصل، (4) تراك اسم فعل بمعنى اترك، وقيل إن هذا الرجز لطفيل بن يزيد الحارثي وكان قد أغير على إبل له فلحق بالمغيرين وهو ينشد هذا الرجز، وفي البيت روايات وحكايات كثيرة أوردها البغدادي في الخزانة، (5) من الآية 37 سورة يوسف، وهي أيضا جزء من الآية 7 سورة فصلت، (*)

[ 367 ]

بعد تمام ذيل الأول، نحو قوله تعالى: (لا تحسبن) بالتاء 1، (الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم) بالتاء أيضا، (بمفازة من العذاب) 2، فإنه طال المفعول الأول بصلته، ثم، التأكيد اللفظي على ضربين، لأنك إما أن تعيد لفظ الأول بعينه نحو: جاءني زيد زيد، وجاءني جاءني زيد، أو تقويه بموازنه مع اتفاقهما في الحرف الأخير 3، ويسمى اتباعا، وهو على ثلاثة أضرب: لأنه إما أن يكون للثاني معني ظاهر، نحو: هنيئا مريئا، وهو سر بر، أو لا يكون له معنى أصلا، بل ضم إلى الأول لتزيين الكلام لفظا وتقويته معنى، وإن لم يكن له في حال الأفراد 4 معنى، نحو قولك: حسن بسن فسن 5، أو يكون له معنى متكلف غير ظاهر نحو: خبيث نبيث، من نبثت الشئ،. أي استخرجته، وقولهم: أجمعون، أكتعون أبصعون، قيل من القسم الثاني أي لا معنى لها مفردة، وقيل من الثالث، مشتقة من: حول كتيع أي تام، ومن تبصع العرق إذا سال أو من بصع أي روى ومن البتع وهو طول العنق مع شدة مغرزه، وعلى الوجهين يمكن أن يحمل ما قال ابن برهان 6: إن هذه الألفاظ تأكيد لأجمعون،


(1) هكذا جاء تمثيل الرضي، وأراد بذلك أن يحدد القراءة التي استشهد بالآية على أساسها ومن أجل هذا فصل بين أجزاء الآية، (2) الآية 188 سورة آل عمران، (3) وهو بذلك يكون من حيث اللفظ، نوعا من الجناس، ويكون الاتفاق في غير الحرف الأخير أيضا كما يتضح من الأمثلة، (4) أي حال استعماله وحده، (5) هكذا جاء هذا المثال بذكر الكلمة الثالثة، ولم أجدها في لسان العرب ولا في القاموس وشرحه مع أنهم ذكروا بسن على أنه اتباع لحسن، (6) تقدم ذكره، (*)

[ 368 ]

لا للمؤكد الأول، فكأنه جعلها إما من القسم الثاني أو من الثالث، لأنها بالنسبة لأجمعون، كحسن بسن أو: خبيث نبيث، وباب الاتباع بعضه مبني، كحيص بيص، وحيث بيث، كما يجئ في المركب، ويجب أن يراعى تجانس اللفظين في باب الاتباع بما يمكن فلهذا قلبوا واو (بوص) ياء، وأصله: حيص بوص، وقد يكون مع التأكيد اللفظي عاطف نحو: والله ثم والله، وقوله تعالى: (فلا تحسبنهم) 1 بعد قوله: لا تحسبن، بخلاف التأكيد المعنوي فإنه لا يعطف بعض ألفاظه على بعض، ولا يقطع، كما جاز العطف والقطع في الوصف، فلا يقال: جاءني القوم كلهم وأجمعون ولا جاءني القوم كلهم أجمعين، لأنه إنما جاز العطف في الوصف لكون الوصف المعطوف مستقلا بنفسه مستغنيا عما تقدم عليه، وجاز القطع فيه تنبيها على المدح أو الذم أو الترحم، الذي فيه، وألفاظ التوكيد ليست مستقله مستغنية عما تقدم عليها فيعطف بعضها على بعض، ولا فيها معنى المدح والذم والترحم فتقطع، فلو عطفت أو قطعت، لكان كعطف الشئ على نفسه، وقطع الشئ عن نفسه، وقد يفيد بعض الابدال معنى ألفاظ الشمول فيجري مجري التأكيد، وذلك قولهم: ضرب زيد ظهره وبطنه، أو: يده ورجله، وهو بدل البعض من الكل من الأصل، ثم يستفاد من المعطوف والمعطوف عليه معا معنى (كله)، فيجوز أن يكون ارتفاعهما على البدل، وعلى التأكيد، وكذا قولهم: مطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنا زرعنا وضرعنا، والمراد بالضرع: المواشي 2 ومطر قومك ليلهم ونهارهم، هذه الثلاثة في الأصل بدل الاشتمال فجرت مجرى التأكيد، لأن المعنى: مطرت أما كننا كلها، ومطرت أموالنا كلها، ومطرت أوقاتهم كلها،


(1) الآية 188 من سورة آل عمران، (2) لأنها إذا شبعت امتلأت ضروعها باللبن،. (*)

[ 369 ]

على حذف المضاف من متبوعاتها، فيجوز أن يكون ارتفاعها على التأكيد، ولجريها مجرى (أجمعون) جاز حذف الضمير منها، ولا يطرد ذلك في بدل البعض وبدل الاشتمال، فقيل 1: ضرب زيد الظهر والبطن، وضرب عمرو: اليد والرجل، ومطرنا السهل والجبل، ومطرنا الزرع والضرع ومطر قومك الليل والنهار، وقولنا مطرت أوقاتهم، كقولهم: صيد عليه يومان، على إسناد الفعل المبني للمجهول إلى الزمان، وقد جاء بعض هذه الخمسة منصوبا، نحو: ضرب زيد ظهره وبطنه، إما على أنه مفعول ثان 2، أي على ظهره وبطنه، كقوله تعالى: (واختار موسى قومه) 3، أي من قومه، أو على الظرف، أي: في ظهره وبطنه، نحو: دخلت البيت، ومشيت الشام، وعلى الوجهين، لا يقاس عليه 4، فلا يقال: ضرب زيد اليد والرجل، وتقول: مطرتهم السماء ظهرا وبطنا 5، نصب على الظرف أو المفعول الثاني، أو البدل، وكذا تقول: مطرنا السهل والجبل بالنصب على الظرف شاذا، قال الخليل: يقال أيضا: مطرنا الزرع والضرع وانتصابه على أنه ظرف أو مفعول ثان، وتقول: مطر قومك الليل والنهار، على الظرف، وهذا جميع ألفاظ التوكيد، قوله: (فالأولان)، يعني نفسه وعينه، قوله: (يعمان) أي يقعان على الواحد والمثنى والمجموع، في المذكر والمؤنث، فللواحد المؤنث تغير الضمير فقط، تقول في نفسه وعينه: نفسها وعينها، وتغير الصيغ مع الضمير في مثنى المذكر والمؤنث ومجموعهما، نحو: الرجلان أو المرأتان أنفسهما وأعينهما، وقد يقال: نفساهما وعيناهما، على ما حكى


(1) مرتبط بقوله: جاز حذف الضمير منها، (2) أي مفعول ثان بواسطة الحرف، (3) من الآية 155 سورة الأعراف، (4) يعني في حالة النصب، (5) هكذا في الأصل ويمكن أن يكون معناه: ما ظهر من أماكنهم وما بطن فيكون مثل سهلنا وجعلنا، (*)

[ 370 ]

ابن كيسان 1 عن بعض العرب، والأول أولى، لأن نحو: قلوبكما، أولى من: قلبا كما كما يجئ في باب المثنى، وتقول: الرجال أنفسهم وأعينهم، والنسوة أنفسهن وأعينهن، قوله: (والثاني)، يعني (كلا) لمثنى المذكر، و (كلتا) لمثنى المؤنث، تقول كلانا، وكلتاهما وكلتاكما، قوله: (والباقي)، أي: كله، وأجمع، إلى: أبصع، لغير المثنى أي: للمفردين، والجمعين باختلاف الضمير فقط في (كله) و (كلها) و (كلهم) و (كلهن)، وكذا: (جميعهم)، وإن لم يذكره المصنف، وباختلاف الصيغ في البواقي، يعني في: أجمع وما بعده، تقول للواحد المذكر: أجمع أكتع أبصع، وللواحدة: جمعاء كتعاء بتعاء بصعاء، ولجمع المذكر العاقل: أجمعون أكتعون أبتعون أبصعون، ولجمع المؤنث: جمع كتع بتع بصع، عاقلا كان أو غيره، ويجوز لك إجراء ما للواحدة: أعني جمعاء وأخواتها على كل جمع إلا جمع سلامة المذكر، لأنه لا يؤنث كما يجئ، فتقول: بالرجال أو بالنسوة أو بالقصور أو بالزينبات أو بالدور، كلها جمعهاء كتعاء بتعاء بصعاء، لتأويلك لها كلها بالجماعة، ويجوز لك، أيضا، إجراء جميع الجموع، إلا جمع المذكر السالم، مجرى جمع المؤنث نحو: بالقصور أو بالدور كلهن جمع كتع بتع بصع، كما تقول: بالنسوة وبالزينبات كلهن جمع كتع بتع بصع، وجوز الأندلسي 2 في جمع المذكر العاقل إذا كان مكسرا أن تقول: بالرجال كلهن جمع كتع.... على تأويل الجماعات مستشهدا بقول جرير: 352 - أقبلن من ثهلان أو وادي خيم * على قلاص مثل خيطان السلم 3


(1) ابن كيسان: أبو الحسن محمد بن أحمد ممن تقدم ذكرهم في هذا الجزء والذي قبله، (2) القاسم بن أحمد الأندلسي تقدم ذكره في هذا الجزء والذي قبله،. (3) من أرجوزة لجرير، في مدح الحكم بن أيوب الثقفي، ابن عم الحجاج وبعده: حتى أنخناها إلى باب الحكم * خليفة الحجاج غير المتهم، (*)

[ 371 ]

ومنه قولهم، الخوارج، جمع خارجة، أي فرقة خارجة، وقوله تعالى: (والصافات صفا) 1، أي الطوائف الصافات، وليس بشئ 2، لأن ذلك إنما جاز في نحو: الخوارج والصافات، لكون واحدها مؤنث اللفظ، كما ذكرنا، وقد أجاز الكوفيون والأخفش: لمثنى المذكر، أجمعان أبتعان أبصعان، ولمثنى المؤنث: جمعا وان كتعاوان بتعاوان بصعاوان وهو غير مسموع، (التأكيد بكل) (وشرطه) (قال ابن الحاجب:) (ولا يؤكد بكل وأجمع، إلا ذو أجزاء يصح افتراقها حسا) (أو حكما، نحو: أكرمت القوم كلهم، واشتريت العبد) (كله، بخلاف: جاء زيد كله)، (قال الرضي:) يعني بالذي يصح افتراق أجزائه حسا، نحو: القوم، والرجال، فان له أفرادا يتميز في الحسن بعضها من بعض، وبالذي يصح افتراق أجزائه حكما، مفردا متصل الأجزاء، كالعبد والدار وزيد، فإنه تفترق أجزاؤه حكما بالنسبة إلى بعض الأفعال، كالشراء والبيع،. فيجوز توكيده، إذن، بالكل نحو: اشتريت العبد كله، فانه يصح شراء بعضه دون الباقي، ولا تفترق 3 أجزاؤه حكما بالنسبة إلى بعضها، كالمجئ والذهاب فلا تقول:


= الاستشهاد بهذا البيت ضعيف وغير واضح لأنه يمكن أن يقال ان نون النسوة في أقبلن باعتبار الجماعات، (1) أول سورة الصافات (2) رد من الرضي على رأي الأندلسي، (3) معطوف على قوله: فإنه تفترق أجزاؤه حكما، (*)

[ 372 ]

جاءني العبد كله، وذهب زيد كله، فإن أجزاء العبد لا تفترق بالنسبة إلى المجئ، بأن يجئ بعضه ولا يجئ الباقي، فعلى هذا القياس: لا يقال: اختصم الزيدان كلاهما، لأن الزيدين لا يصح افتراقهما بالنسبة إلى الاختصام، إذ هو لا يكون إلا بين اثنين أو أكثر، فلا يصح أن يقال: اختصم زيد وحده، وأجاز الأخفش، اختصم الزيدان كلاهما، وهو مردود بما ذكرنا، وبعدم السماع، وقد كان يحتمل نحو: اشتريت العبدين واشتريت العبيد، من افتراق الأجزاء حكما، ما احتمل المفرد، أعني نحو: اشتريت العبد كله، لكنه لم يمكن رفع ذلك الاحتمال بالتأكيد، إذ لو قلت: اشتريت العبيد كلهم لرفع احتمال افتراق الأجزاء حكما، لاشتبه برفع احتمال افتراق الأجزاء حسا، والاحتمال الثاني أظهر، لكون الافتراق الثاني أشهر فيسبق الفهم إليه، فلا يحصل المقصود، فإذا أردت رفع أول الاحتمالين قلت اشتريت جميع أجزاء العبدين وجميع أجزاء العبيد، وإذا كان الاسم نكرة، لم يؤكد، إذ التأكيد، كما ذكرنا لرفع احتمال عن أصل نسبه لنفعل إلى المتبوع، أو عن عموم نسبته لأفراد المتبوع، ورفع الاحتمال عن ذات المنكر وأنه أي شئ، هو، أولى به من رفع الاحتمال الذي يحصل بعد معرفة ذاته، أي الاحتمال في النسبة، فوصف النكرة لتمييزها عن غيرها أولى من تأكيدها، ويستثنى من الحكم المذكور، أعني منع تأكيد النكرات، شئ واحد، وهو جواز تأكيدها إذا كانت النكرة حكما لا محكوما عليه، كقوله عليه الصلاة والسلام: (فنكاحها باطل باطل باطل) 1 ومثله قوله تعالى: (دكت الأرض دكا دكا) 2، فهو مثل: ضرب ضرب زيد، وأما تكرير المنكر في نحو قولك: قرأت الكتاب سورة سورة، وقوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) 3، فليس في الحقيقة تأكيدا، إذ ليس


(1) تقدم ذكره بتمامه في أول الباب، (2) الآية 21 سورة الفجر، (3) الآية 22 سوره الفجر، (*)

[ 373 ]

الثاني لتقرير ما سبق، بل هو لتكرير المعنى، لأن الثاني غير الأول معنى، والمعنى: جميع السور، وصفوفا مختلفة، وقد أجاز الكوفيون تأكيد المنكر إذا كان معلوم المقدار أو موقتا، كدرهم ودينار، ويوم وليلة وشهر، بكل وأخواته لا بالنفس والعين، وليس ما ذهبوا إليه ببعيد، لاحتمال تعلق الفعل ببعض ذلك المؤقت فعلى هذا، لا يشترط تطابق التأكيد والمؤكد تعريفا وتنكيرا عندهم، خلافا للبصريين، وأما نحو رجال ودراهم مما ليس بمعلوم المقدار فلا خلاف في امتناع تأكيده، واستشهد الكوفية لجواز ذلك بقوله: 353 - يا ليتني كنت صبيا مرضعا * تحملني الذلفاء حولا أكتعا 1 وقول الآخر: قد صرت البكرة يوما أجمعا 2 - 25 وأما قوله: 354 - أولاك بنو خير وشر كليهما * جميعا ومعروف ألم ومنكر 3 فحمل (كليهما) على البدل، عند أهل المصرين 4، أولى، لأن: خير، وشر، ليسا بمؤقتين،


(1) قال البغدادي نقلا عن العقد الفريد: نظر أعرابي إلى امرأة جميلة تحمل طفلا كلما بكى قبلته فقال: يا ليتني كنت صبيا.. الخ وبعد هذين الشطرين: إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا، * ولم يذكر أحد نسبته لأحد، والذلفاء مؤنث أذلف، والذلف استقامة الأنف وهو من علامات الجمال، (2) تقدم الاستشهاد بهذا البيت في الجزء الأول ص 120 (3) هذا آخر أبيات أربعة لمسافع بن حذيفة العبسي أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة، والشاعر يرثي بها قومه، وأول هذه الأبيات: أبعد بني عمرو أسر بمقبل * من العيش أو آسى على إثر مدبر (4) يعني البصريين والكوفيين، (*)

[ 374 ]

ويجوز مجئ (كليهما) غير تأكيد، إذا كان تابعا لما ليس بتأكيد كقوله تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) 1، فإنه عطف على (أحدهما) وليس لفظ (أحدهما) تأكيدا، والمعطوف في حكم المعطوف عليه، وفي قراءة 2: (إما يبلغان)، هو بدل، لأنه معطوف على البدل، وقد يحذف المؤكد، وأكثر ذلك في الصلة كقولك: جاءني الذي ضربت نفسه، أي: ضربته نفسه، وبعدها الصفة نحو: جاءني قوم ضربت كلهم، أجمعين، وبعدها خبر المبتدأ نحو: القبيلة أعطيت كلهم أجمعين، وذلك لما عرفت في باب المبتدأ من كون حذف الضمير من الصلة، أولى منه في الصفة، وكونه في الصفة أولى منه في خبر المبتدأ 3، وبعضهم منع من حذف المؤكد، لأن الحذف للاختصار والتأكيد للتطويل، فتنافيا، وقال هشام 4: إذا عطفت على شئ لم تحتج إلى تأكيده، ولعله نظر إلى أن العطف عليه دال على أنك لم تغلط فيه، والأولى الجواز، نحو: ضرب زيد زيد وعمرو، لأنك ربما تجوزت 5 في نسبة الضرب إلى زيد، أو ربما غلطت في ذكر زيد وأردت: ضرب بكر، وعطفت بناء على أن المذكور بكر، (تأكيد الضمير) (المتصل المرفوع) (قال ابن الحاجب:) (وإذا أكد المضمر المرفوع المتصل بالنفس والعين أكد بمنفصل)


(1) من الآية 23 سورة الأسراء، (2) هي قراءة حمزة والكسائي، من الكوفيين وبقية القراء السبعة على قراءة، إما يبلغن، (3) ص 240 من الجزء الأول، (4) هشام بن معاوية من زعماء الكوفيين، (5) أي في ظن السامع، كما تقدم في بيان الغرض من التأكيد، (*)

[ 375 ]

(نحو: ضربت أنت نفسك)، (قال الرضي:) قد مضى شرحه في باب العطف 1، (ترتيب ألفاظ التأكيد) (إذا اجتمعت) (قال ابن الحاجب:) (وأكتع وأخواته: اتباع لأجمع، فلا تتقدم، وذكرها دونه) (ضعيف)، (قال الرضي:) اعلم أنك لو أردت الجمع بين ألفاظ التوكيد المعنوي، قدمت النفس ثم العين، ثم الكل ثم أجمعين، ثم أخواته من أكعتين إلى أبصعين، أما تقدم النفس والعين على الكل، فلأن الأحاطة صفة للنفس ومعنى يها، فتقدم النفس على صفتها أولى، وأما تقديم النفس على العين فلأن النفس، لفظ موضوع لماهيتها حقيقة، ولفظ العين مستعار لها مجازا من الجارحة المخصوصة، كالوجه في قوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) 2 أي ذاته، وأما تقديم الكل على أجمع فلكونه جامدا واتباع المشتق للجامد أولى، ولا سيما إذا كان المشتق على وزن الصفة، وهو أفعل، وأيضا، ان (كلا) قد يقع مبتدأ دون أجمع فانه لا يقع إلا تأكيدا،


(1) انظر في هذا الجزء، ص 333 (2) من الآية 88 سورة القصص، (*)

[ 376 ]

وأما تقديم أجمع على أخواته فلكونه أدل على معنى الجمعية المرادة من جميعها 1، وأما تقديم أكتع، في الصحيح، على أخويه، فلكونه أظهر في إفادة معنى الجمع منهما، لأنه من قولهم: حول كتيع أي تام وهذا المعنى خاف فيهما، وإن لم تقصد الجمع بين هذه الألفاظ فلك الاقتصار على أيها شئت، ومن (النفس) إلى (أجمع) لا يلزم أن يكون الأخير تابعا للمقدم بل لك أن تذكر العين من دون النفس، وأجمع ومتصرفاته وأخواته، من دون كل، وأما أكتع وأخواه، فالبصريون، على ما حكى عنهم الأندلسي، جعلوا النهاية: أبصع ومتصرفاته، ولم يذكروا أبتع ومتصرفاته، قال: وهذا يدل على قلته، والبغدادية جعلوا النهاية أبتع وأخواته 2، فقالوا أجمع أكتع أبصع أبتع، وكذا ذكر الجزولي 3، والزمخشري 4 قدم أبتع، على أبصع، وتبعه المصنف، ولا أدري ما صحته، والمشهور: أبصع بالصاد المهملة، وقيل: بالضاد المعجمة، والمشهور أنك إذا ذكرت أخوات أجمع، وجب الابتداء بأجمع ثم تجئ بأخواته على هذا الترتيب: أجمع، أكتع أبصع أبتع، ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخير أجمع عن إحدى أخواته، وقال ابن كيسان: تبدأ بأيها شئت بعد أجمع، والقول الثالث أنه يجوز حذف أجمع مع وجوب رعاية الترتيب المذكور في الثلاثة الباقية، والقول الرابع: جواز حذف أجمع، مع جواز تقديم بعض الثلاثة الباقية على بعض، وسمع: جاءني القوم أكتعون، وسمع أيضا: أجمع أبصع، وجمع بصع، وأيضا:


(1) أي بقية الألفاظ التوابع لأجمع، (2) المراد وتصرفاته من تثنية وجمع وتأنيث، (3) تقدم ذكره في هذا الجزء وفي الذي قبله، (4) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 3 ص 46، وقوله وتبعه المصنف أي ابن الحاجب، (*)

[ 377 ]

جمع بتع، وأيضا: جمع بتع بصع، ولا خلاف أنك إذا أردت ذكر النفس والعين والكل وأجمع معا، وجب الترتيب المذكور، قال ابن برهان 1، إذا قلت: جاءني القوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون، فكلهم تأكيد للقوم وأجمعون تأكيد لكلهم، وكذا البواقي: كل واحد منهإ، تأكيد لما قبله، وقال غيره: الصحيح أن كلها 2 تأكيد للمؤكد الأول، كالصفات المتتالية، وقال المبرد، والزجاج في قوله تعالى: (مسجد الملائكة كلهم أجمعون) 3: ان (كلهم) دال على الاحاطة، وأجمعون: على أن السجود منهم في حالة واحدة، وليس بشئ لأنك إذا قلت: جاءني القوم أجمعون فمعناه الشمول والأحاطة اتفاقا منهم، لا اجتماعهم في وقت واحد، فكذا يكون مع تقدم لفظ (كلهم)، وكأنهما كرها 4 ترادف لفظين لمعنى واحد، وأي محذور في ذلك مع قصد المبالغة،


(1) تكرر ذكره، (2) قال الرضي في هذا الباب ان لفظ (كلهم) لا يقع تاليا للعوامل اللفظية، وهو يستعمله كذلك كثيرا، ونبهنا على ذلك، (3) الآية 30 سورة الحجر، وهي أيضا الآية 73 سورة ص، (4) محاولة لتبرير رأي المبرد والزجاج رد عليها بعد ذلك بقوله: وأي محذور في ذلك، (*)

[ 379 ]

(البدل) (تعريفه وصلته بعطف البيان) (قال ابن الحاجب:) البدل تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه)، (قال الرضي:) قوله: (مقصود بما نسب إلى المتبوع) يخرج التأكيد والوصف، وعطف البيان، كما قال 1، قوله: (دونه) يخرج عطف النسق، لأن المقصود هناك: التابع والمتبوع معا، والمقصود بالنسبة من البدل والمبدل منه: الثاني دون الأول، هذا قوله، ولا يطرد ما قاله في نحو: جاءني زيد بل عمرو، فإن المقصود هو الثاني دون الأول مع أنه عطف نسق، أقول: وأنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان، بل لا أرى عطف البيان إلا البدل، كما هو ظاهر كلام سيبويه، فانه لم يذكر عطف البيان، بل قال 2: أما بدل المعرفة من النكرة فنحو: مررت برجل عبد الله، كأنه قيل: بمن مررت ؟ أو ظن 3 أنه يقال له ذلك، فأبدل مكانه ما هو أعرف منه،


(1) أي ابن الحاجب في شرحه لهذا التعريف، (2) سيبويه ج 1 ص 224 وما بعدها، ونقل عنه المصنف إلى آخر البيتين الآتيين، (3) أي المتكلم،. (*)

[ 380 ]

ومثله قوله تعالى: (وأنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله) 1، ومن البدل، أيضا، قولك: مررت بقوم: عبد الله وزيد وخالد، والرفع جيد، أي: هم عبد الله وزيد وخالد ؟ قال: 355 - يا مي إن تفقدي قوما ولدتهم * أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس 2 عمرو وعبد مناف والذي عهدت * ببطن عرعر آبي الضيم عباس قالوا: 3 الفرق بينهما أن البدل هو المقصود بالنسبة دون متبوعه بخلاف عطف البيان فانه بيان، والبيان فرع المبين فيكون المقصود هو الأول، والجواب: أنا لا نسلم أن المقصود بالنسبة في بدل الكل هو الثاني فقط، ولا في سائر الأبدال، إلا الغلط، فإن كون الثاني فيه هو المقصود دون الأول ظاهر، وإنما قلنا ذلك، لأن الأول في الأبدال الثلاثة منسوب إليه في الظاهر ولا بد أن يكون في ذكره فائدة لم تحصل لو لم يذكر، كما يذكر في الأبدال الثلاثة 4، صونا لكلام الفصحاء عن اللغو، ولا سيما كلامه تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، فادعاء كونه غير مقصود بالنسبة، مع كونه منسوبا إليه في الظاهر، واشتماله على فائدة يصح أن ينسب إليه لأجلها: دعوى خلاف الظاهر، ثم تقول في بدل الكل: إن الفائدة في ذكرهما معا: أحد ثلاثه أشياء بالاستقراء: إما كون الأول أشهر والثاني متصفا بصفة، نحو: بزيد رجل صالح، أو كون أولهما متصفا بصفة والثاني أشهر، نحو: بالعالم زيد، وبرجل صالح زيد، وقد يكون 5 الثاني لمجرد التفسير بعد الأبهام، مع أنه ليس في الأول فائدة


(1) الآيتان 52، 53 سورة الشورى، (2) اختلف في نسبة هذا البيت والأرجح أنه لأبي ذؤيب الهذلي ولكنه نسب إلى شاعرين آخرين، وانظر خزانة الأدب للبغدادي، (3) أي النجاة وهذا تمهيد لمناقشتهم في عطف البيان وأنه هو والبدل شئ واحد، (4) أي أنه سيبين في الأبدال الثلاثة الفائدة من ذكر المبدل منه، (5) هذا هو الشئ الثالث من الأمور التي ذكر أنها فوائد ذكر البدل والمبدل منه بالاستقراء، (*)

[ 381 ]

ليست في الثاني، وذلك لأن للأبهام أولا ثم التفسير ثانيا وقعا وتأثيرا في النفس، ليس للأتيان بالمفسر أولا، وذلك نحو: برجل زيد، فإن الفائدة الحاصلة من (رجل)، تحصل من زيد، مع زيادة التعريف، لكن الغرض: ما ذكرنا، ولا يجوز العكس نحو: بزيد رجل، إذ لا فائدة في الأبهام بعد التفسير، ثم يسمى بعطف البيان من جملة بدل الكل: ما يكون الثاني فيه موضحا للأول، وذلك إما يكون لشئ اسمان هو بأحدهما أشهر من الآخر وإن لم يكن أخص منه نحو قوله: أقسم بالله أبو حفص عمر 1 فان ابن الخطاب رضي الله عنه، كان، بعمر، أشهر منه بأبي حفص، ولو فرضنا أنه ليس في الدنيا من اسمه عمر، ولا من كنيته: أبو حفص إلا إياه، وإما بأن يكون اسمان مطلقان على ذات، ثانيهما جامد وهو بعض أفراد الأول، سواء كان أشهر من الأول لو أفرد، أو، لا، كما إذا كان لك خمسة إخوة اسم أحدهم زيد، وهناك خمسة رجال مسمين بزيد: أحدهم أخوك، فإذا قيل: جاءني أخوك زيد فزيد أحد أفراد (أخيك) أي هو واحد من جملة ما يطلق عليه لفظ (أخيك) وكذا ان عكس فقيل: جاءني زيد أخوك، فأخوك واحد من جملة من يطلق عليهم زيد، فالثاني في الصورتين أخص من الأول عند الاقتران، وأما عند الانفراد فأحدهما مساو للآخر في الشهرة لأن كل واحد منهما يطلق على خمسة، والأغلب أن يكون البدل جامدا، بحيث لو حذفت الأول لاستقل الثاني ولم يحتج إلى متبوع قبله،


(1) تقدم ذكر هذا الشاهد في أول باب التأكيد، وسيأتي ذكره مرة أخرى يستوفي الشارح فيها الكلام عليه ويذكر قصة هذا الشعر، (*)

[ 382 ]

فإن لم يكن جامدا كقوله: 356 - فلا وأبيك خير منك إني * ليؤذيني التحمحم والصهيل 1 قدر الموصوف، أي فلا وأبيك رجل خير منك، بخلاف الصفة، فانك لو حذفت الأول في جاءني زيد العالم، لاحتاج الثاني إلى مقدر قبله، لأن الوصف لابد له من موصوف، فلذا قيل إن الثاني في: العائذات الطير 2، بدل، وفي: الطير العائذات: صفة، وبخلاف التأكيد، فإنه وإن كان جامدا، لكن كون معناه مفهوما من المتبوع لو سكت عليه، منع من اعتباره مستقلا، ولما لم يكن للبدل معنى في المتبوع حتى يحتاج إلى المتبوع، كما احتاج الوصف، ولم يفهم معناه من المتبوع كما فهم ذلك في التأكيد: جاز اعتباره مستقلا لفظا، أي صالحا لأن يقوم مقام المتبوع ولما كان إعرابه بتبعية الأول جاز أن يعتبر غير مستقل، أخرى 3، فالأول نحو: يا زيد أخ، ويا أخانا زيد مبنيين، والثاني نحو: يا غلام بشر وبشرا معربا بالوجهين، ويا الخانا زيدا بالنصب، وكذا قوله: أنا ابن التارك البكري بشر * عليه الطير ترقبه وقوعا 4 - 290 بالجر، وكذا المنسوق يجوز جعله مستقلا، نحو: يا زيد وعمرو، وغير مستقل نحو يا زيد والحارث، للعلة المذكورة بعينها،


(1) قال شمير بن الحارث الضبي وهو جاهلي في ضمن أبيات يذكر فيها حبه للخيل ورغبته أن يرزقه الله بشئ منها، وأول هذه الأبيات: دعوت الله حتى خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول قالوا: إن يسمع بمعنى يجيب، أما قوله ليؤذيني التحمحم الخ فقد اختلف في معناه بعد معرفة أن الشاعر يذكر حبه للخيل. فقيل ان التقدير ليؤذيني فقدهما، وأعجبني ما ذكره البغدادي من رأي لبعضهم أنه محرف عن: ليؤذيني بنونين أي يجعلني آذن أي أصغي إلى ذلك لحبي له، (2) إشارة إلى بيت النابغة الذبياني: والمؤمن العائذات الطير يمسحها.. الخ وتقدم في باب الأضافة (3) أي مرة أو تارة أخرى، (4) تقدم ذكره في باب الأضافة من هذا الجزء،. (*)

[ 383 ]

وإنما لم يجز: يا زيد وعمرا، ولا: يا زيد وعمرو بالتنوين، كما جاز: يا غلام بشر وبشرا في البدل، لأن العاطف كحرف النداء والمعطوف صالح لمباشرته له، والفائدة في بدل البعض والاشتمال: البيان بعد الاجمال والتفسير بعد الابهام، لما فيه من التأثير في النفس، وذلك أن المتكلم يحقق 1 بعد التجوز والمسامحة بالأول، تقول: أكلت الرغيف ثلثه، فتقصد بالرغيف ثلث الرغيف، ثم تبين ذلك بقولك ثلثه، وكذا في بدل الاستمال، فإن الأول فيه يجب أن يكون بحيث يجوز أن يطلق ويراد به الثاني نحو: أعجبني زيد علمه، وسلب زيد ثوبه، فانك قد تقول: أعجبني زيد، إذا أعجبك علمه، وسلب زيد، إذا سلب ثوبه على حذف المضاف، ولا يجوز أن تقول: ضربت زيدا وقد ضربت غلامه، وقال سيبويه 2 في قولهم: رأيت قومك أكثرهم، وصرفت وجوهها أولها: انك.. أردت: رأيت أكثر قومك وصرفت وجوه أولها ولكنك ثنيت 3 الاسم توكيدا، كقوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) 4، وهذا الذي قاله قريب، إلا أنه بالتفسير بعد الابهام أشبه، قالوا 5، والفرق الآخر: أن البدل في حكم تكرير العامل، ولو سلمنا ذلك فيما تكرر فيه العامل ظاهرا، فبأي شئ يعرف المخاطب ذلك فيما لم يتكرر فيه، ولنا أن ندعي ذلك فيما سموه عطف البيان مع التسليم في البدل، وفرقوا أيضا بينهما بعدم وجوب توافق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بخلاف عطف البيان،


(1) أي يأتي بالحقيقة بعد المجاز، (2) انظر الكتاب ج 1 ص 75، (3) يعني كررته، (4) الآية 73 سورة ص وتقدمت قريبا، (5) أي النجاة، (*)

[ 384 ]

والجواب: تجويز التخالف في المسمي عطف بيان أيضا، هذا الذي ذكرت، هو الذي يقوي عندي، (أقسام البدل) (قال ابن الحاجب:) (وهو بدل الكل، وبدل البعض، وبدل الاشتمال، وبدل) (الغلط، فالأول: مدلوله مدلول الأول، والثاني جزؤه) (والثالث بينه وبينه ملابسة بغيرهما، والرابع أن تقصد إليه) (بعد أن غلطت بغيره)،. (قال الرضي:) قوله: (فالأول مدلوله مدلول الأول) فيه تسامح، إذ مدلوله قولك: (أخيك) في: بزيد أخيك، لو كان عين مدلول زيد، لكان توكيدا، و: أخوك، يدل على أخوة المخاطب، ولم يكن يدل عليها زيد، لكن مراده أنهما يطلقان على ذات واحدة، وإن كان أحدها يدل على معنى فيها لا يدل عليه الآخر، قوله: (والثاني جزؤه)، أي بدل البعض: جزء الأول، نحو كسرت زيدا يده، قوله: (والثالث بينه وبينه ملابسة) بغير الكلية والجزئية، وهذا الاطلاق يدخل فيه بدل الغلط، نحو: جاءني زيد غلامه، أو حماره، ولقيت زيدا أخاه، ولا شك في كونها من بدل الغلط، وإنما قيل لهذا: بدل الاشتمال، قال ابن جعفر 1: لاشتمال المتبوع على التابع، لا


(1) محمد بن جعفر الأنصاري المرسي، تقدم ذكره في هذا الجزء، وفي الجزء الأول، (*)

[ 385 ]

كاشتمال الظرف على المظروف، بل من حيث كونه دالا عليه اجمالا ومتقاضيا 1 له بوجه ما، بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول مشوقة إلى ذكر ثان، منتظرة له، فيجيئ الثاني ملخصا لما أجمل في الأول مبينا له، وقال المبرد، والقولان 2 متقاربان: سمي بدل الاشتمال لاشتمال الفعل المسند إلى المبدل منه على البدل، ليفيد ويتم، لأن الأعجاب في قولك: أعجبني زيد حسنه، وهو مسند إلى زيد، لا يكتفي به من جهة المعنى لأنه لم يعجبك للحمه ودمه ، بل لمعنى فيه، وكذا: سلب زيد، ظاهر في أنه لم يسلب هو نفسه، بل سلب شئ منه، وكذا السؤال عن نفس الشهر في قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) 3، غير مفيد إلا أن يكون لحكم من أحكامه غير معين، وكذا: (قتل أصحاب الأخدود) 4، مطلق غير مفيد، إلا لفعلهم بذلك الأخدود ما استحقوا به اللعن، بخلاف: ضربت زيدا عبده، فانه بدل الغلط لأن ضرب زيد مفيد غير محتاج إلى شئ آخر، ولا نقول في بدل الاشتمال 5، نحو قتل الأمير سيافه، وبني الوزير وكلاؤه، لأن شرط بدل الاشتمال، ألا يستفاد هو من المبدل منه معينا، بل تبقى النفس مع ذكر الأول متشاقة إلى البيان للاجمال الذي فيه، وهنا: الأول غير مجمل، إذ يستفاد عرفا من قولك قتل الأمير، أن القاتل سيافه، وكذا في أمثاله فلا يجوز مثل هذا الأبدال مطلقا، ودليل حصر الأبدال في الأربعة: أنه لا يخلو مدلول الثاني من أن يكون مدلول الأول، أو، لا، الأول بدل الكل، والثاء إما أن يكون الثاني فيه بعض الأول، أو، لا، والأول بدل البعض، والثاني إما أن يكون فيه الفعل المسند إلى المبدل منه مشتملا على


(1) أي طالبا ومستدعيا له، (2) أي قول المبرد وقول ابن جعفر، (3) من الآية 217 سورة البقرة، (4) الآية 4 سورة البروج، وفي النسخة المطبوعة: لعن، وهو تحريف، (5) يريد أنه لا يصح التمثيل لبدل الاشتمال بما ذكر من الأمثلة، (*)

[ 386 ]

الثاني، أي متقاضيا له بوجه ما، أو، لا، والأول بدل الاشتمال، والثاني بدل الغلط، وهذا الذي يسمى بدل الغلط، على ثلاثة أقسام، إما بداء، وهو أن تذكر المبدل منه عن قصد وتعمد، ثم توهم أنك غالط، لكون الثاني أجنبيا، وهذا، يعتمده الشعراء كثيرا للمبالغة والتفنن في الفصاحة، وشرطه أن يرتقي من الأدني للأعلى، كقولك: هند نجم، بدر، شمس، كأنك، وإن كنت معتمدا 1 لذكر النجم، تغلط نفسك، وتري أنك لم تقصد في الأول إلا تشبييها بالبدر، وكذلك قولك: بدر شمس، وإما غلط صريح محقق، كما إذا أردت، مثلا، أن تقول: جاءني حمار فسبق لسانك إلى (رجل)، ثم تداركت فقلت: حمار، وإما نسيان، وهو أن تعتمد ذكر ما هو غلط 2، ولا يسبقك لسانك إلى ذكره لكن تنسى المقصود، ثم بعد ذلك تتداركه بذكر المقصود، ولا يجئ الغلط الصرف، ولا بدل النسيان في كلام الفصحاء، وما يصدر عن روية وفطانة 3، فلا يكون في شعر أصلا، وإن وقع في كلام فحقه الاضراب عن الأول المغلوط فيه ببل، ومعنى بدل الغلط: البدل الذي كان سبب الأتيان به الغلط في ذكر المبدل منه، لا أن البدل هو الغلط، وبدل الكل من الكل يجب موافقته للمتبوع في الافراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث فقط، لا في التعريف والتنكير، وأما الأبدال الأخر فلا يلزم موافقتها للمبدل منه في الافراد والتذكير وفروعهما أيضا،


(1) أي قاصدا ومريدا لذكره، (2) أي الذي تبين أنه غلط (3) يعني فيما يصدر بعد إعمال الفكر يما يريد المتكلم أن ينطق به، (*)

[ 387 ]

(التطابق والتخالف) (بين المبدل والمبدل منه وصور ذلك) (قال ابن الحاجب:) (ويكونان معرفتين ونكرتين ومختلفين، وإذا كان نكرة من) (معرفة، فالنعت، مثل: بالناصية ناصية كاذبة)، (قال الرضي:) اعلم أن البدل والمبدل منه، في الأبدال الأربعة، يقعان معرفتين، ونكرتين، والأول معرفة والثاني نكرة، وعلى العكس، والأربعة في أربعة: ستة عشر، فأمثلة الكل من الكل: بزيد أخيك، برجل أخ لك، بزيد أخ لك، برجل أخيك، وأمثلة البعض: بزيد رأسه، برجل رأس له، بزيد رأس له، برجل رأسه، وأمثله الاشتمال: بزيد علمه، برجل علم له، بزيد علم له، برجل علمه، وأمثلة الغلط: بزيد الحمار، برجل حمار، بزيد حمار، برجل الحمار، قوله: (وإذا كان نكرة)، أي إذا كان نكرة مبدلة من معرفة، فنعت تلك النكرة واجب، وليس ذلك على الأطلاق، بل في بدل الكل من الكل، وإذا رويت (نكرة) 1 بالنصب، فالمعنى: وإذا كان الثاني نكرة مبدلة من معرفة، قال أبو علي في الحجة 2، وهو الحق، يجوز تركه، أي ترك وصف النكرة المبدلة من المعرفة، إذا استفيد من البدل ما ليس في المبدل منه كقوله تعالى: ( بالواد المقدس طوى) 3،


(1) أي لفظ نكرة الواقعة في كلام المصنف أي إذا قرئت، (2) المراد أبو علي الفارسي وله كتاب في توجيه القراءات اسمه حجة القراءة، (3) الآية 12 سورة طه، (*)

[ 388 ]

إذا لم يجعل (طوى) اسم الوادي بل كان مثل: حطم وختع 1، من الطي، لأنه قدس مرتين، فكأنه طوي بالتقديس، وكقول الشاعر: 357 - إنا وجدنا بني جلان كلهم * كساعد الضب لا طول ولا قصر 2 أي: لا ذي طول، ولا ذي قصر، وقوله: فلا وأبيك خير منك... البيت 3 - 356 فإن لم تفد النكرة ما أفاده الأول، لم يجز 4، لأنه يكون إيهاما بعد التفسير نحو: بزيد رجل، وقد مر أنه لا فائدة فيه، (إبدال الظاهر من الضمير) (وعكسه) (قال ابن الحاجب:) (ويكونان ظاهرين، ومضمرين ومختلفين، ولا يبدل ظاهر) (من مضمر بدل الكل، إلا من الغائب نحو: ضربته زيدا)، (قال الرضي:) هذه قسمة أخرى للأبدال الأربعة، وهي بهذا الاعتبار، أيضا، ستة عشر: فهذه قسمة البدل باعتبار الأظهار والأضمار، وتلك كانت باعتبار التعريف والتنكير،


(1) الختع من أسماء الضبع ويستعمل بمعنى الرجل الحاذق البصير بالأمور (2) معنى التشبيه في قوله كساعد الضب يقصد به التساوي كقولهم هم كأسنان المشط قال البغدادي: المراد أنهم يتساوون في رشق السهام لا يتفاوتون في ذلك وقال بعد ذلك: لم أقف على قائله ولا تتمته، (3) تقدم هذا الشاهد قريبا، (4) يعني لم يجز الأبدال، (*)

[ 389 ]

فأمثله الكل من الكل وهما مظهران: بزيد أخيك، وإذا كانا مضمرين: فنحو: لقيتهم إياهم، إذا تقدم لفظا الزيدين، وإخوتك، وكان الزيدون اخوة المخاطب، نحو: جاءني الزيدون اخوتك 1، والنحويون يوردون في هذا القام نحو: زيد ضربته إياه، وهو تأكيد لفظي لرجوعهما إلى شئ واحد، وقد اتفقوا كلهم في مثل: (اسكن أنت وزوجك الجنة) 2، على أن (أنت) تأكيد، وكذا في: مررت بك أنت، وبه هو، فكذلك هنا، والمضمر من المظهر نحو: أخوك، لقيت زيدا إياه، بتقدير أن زيدا أخوك، ولو رجع (إياه) إلى (زيد) على ما يورده النجاة لكان تأكيدا لفظيا، أيضا، لأنه يكون كقولك: رأيت زيدا زيدا، كما أن: مررت بك أنت، تكرير لفظي عندهم، اتفاقا، والمظهر من المضمر نحو: أخوك، لقيته زيدا، والأخ هو زيد، وأمثلة البعض: قطعت زيدا يده، والمضمر من المضمر: كسرت زيدا يده ثم قطعته إياها، والمضمر من المظهر نحو: كسرت يد زيد وقطعت زيدا إياها، والنجاة يوردون في مثله نحو: يد زيد قطعت زيدا إياها، ويقولون هو تكلف، لأعادة الظاهر بلفظة في جملة واحدة، ونحن ذكرنا جملتين ليرتفع التكلف، إن كان من أجله، والمظهر من المضمر نحو: زيد قطعته يده، وأمثلة الاشتمال: كرهت زيدا جهالته، والمضمر من المضمر كرهت زيدا جهالته وأبغضته إياها، والمضمر من المظهر: كرهت جهالة زيد وأبغضت زيدا إياها، والمظهر من المضمر: زيد كرهته جهالته، وأمثلة الغلط: كرهت زيدا دابة، والمضمر من المضمر نحو: كرهته إياها، إذا تقدم ذكر زيد والدابة، والمضمر من المظهر: كرهت زيدا إياها مع تقدم ذكر الدابة، والمظهر من المضمر: زيد كرهته الدابة،


(1) تمثيل لتقدم مرجع الضميرين في المثال المذكور (2) الآية 35 سورة البقرة، (*)

[ 390 ]

وربما سمى بعضهم بدل البعض من الكل، بدل الاشتمال أيضا، لاشتمال الأول على الثاني، لكونه كلا له، ولكن المشهور إفراده بالتسمية ببدل البعض، ولا بد في بدل البعض والاشتمال إذا كانا ظاهرين من ضمير راجع إلى المبدل منه،. حتى يعرف تعلقهما بالأول وأنهما ليسا ببدل الغلط، بلى، يجوز ترك الضمير إذا اشتهر تعلق الثاني بالأول، كقوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود النار) 1، لاشتهار قصتهم وأنهم ملأوا الأخدود نارا، وقال الكوفيون: يجوز سد اللام مسد الضمير، نحو قولهم: مطرنا السهل والجبل، أي مطرت أرضنا السهل والجبل على حذف المضاف، أي: سهلها وجبلها، فهو نحو قوله: لحافي لحاف الضيف والبرد برده * ولم يلهني عنه غزال مقنع 2 - 284 قال ابن الخشاب 3: لا يجوز جاءني زيد الأخ، أي أخوه، اتفاقا وأما الاعتذار عن نحو: مطرنا السهل والجبل، فقد مضى في باب التأكيد 4، قوله: (ولا يبدل ظاهر من مضمر) إلى آخره، اعلم أن بدل البعض والاشتمال والغلط، إذا كان ظاهرا، يجوز أن يكون من ضمير المتكلم والمخاطب قال الشاعر في بدل البعض: 358 - أوعدني بالسجن والأداهم * رجلي فرجلي شتنة المناسم 5


(1) الآية 4 من سورة البروج وتقدمت (2) تقدم هذا الشاهد في باب الأضافة (3) ابن الخشاب: هو أبو محمد: عبد الله بن أحمد البغدادي ممن تقدم ذكرهم في الجزء الأول من هذا الشرح، توفي في منتصف القرن السادس الهجري، (4) انظر في هذا الجزء، ص 369. (5) نقل البغدادي عن ياقوت والعيني: ان هذا البيت للعديل بن الفرخ، شاعر إسلامي في دولة بني مروان، كان هجا الحجاج ثم هرب، في قصة طويلة، وقال ان ابن السيد قال: لا أعلم قائل هذا الرجز، والله أعلم بحقيقة الحال، (*)

[ 391 ]

وقال في بدل الاشتمال: 359 - ذريتي ان أمرك لن يطاعا * وما ألفيتني حلمي مضاعا 1 بخلاف بدل الكل من الكل، فإن غير الأخفش لا يجيز نحو: بي المسكين مررت، ولا: عليك الكريم المعول: قالوا 2: لأن البدل ينبغي أن يفيد ما لم يفده المبدل منه، ومن ثم لم يجز: بزيد رجل، وافادة بدل البعض والاشتمال والغلط ذلك: ظاهرة، لأن مدلول هذه الثلاثة غير مدلول الأول، وأما بدل الكل فمدلوله مدلول الأول فلو أبدلنا فيه الظاهر من الحد الضميرين، أي المتكلم والمخاطب، وهما أعرف المعارف كان البدل أنقص في التعريف من المبدل منه، فيكون أنقض في الأفادة منه، إذ المدلولان واحد وفي الأول زيادة تعريف، وجواب الأخفش بمنع اتحاد المدلولين في بدل الكل، كما ذكرنا في هذا الباب 3، ولو اتحدا، لكان الثاني تأكيدا لا بدلا، وإفادة الثاني في المثالين زيادة فائدة، من صفة المسكنة والكرم: ظاهرة، ولا يضر نقصان الثاني في التعريف عن الأول، ألا ترى إلى جواز: مررت بزيد رجل عاقل، فرب بكرة أفادت ما لا تفيدة المعرفة، وإن كان في المعرفة فائدة التعريف التي ليست في النكرة، واستدل الأخفش بقوله تعالى: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا) 4 والباقون يقولون إنه نعت مقطوع للذم اما مرفوع الموضع أو منصوبه، ولا يلزم 5 أن يكون كل نعت مقطوع، يصح اتباعه نعتا، بل يكفي فيه معنى الوصف، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا) 6،


(1) من أبيات لعدي بن زيد العبادي وهو شاعر جاهلي، (2) قالوا أي النجاة غير الأخفش على ما تقدم، (3) وضح الشارح هذا المعنى في أول الباب، (4) الآية 12 سورة الانعام، (5) رد عما يمكن أن يقال ان الأول في الآية ضمير وهو لا ينعت، (6) أول سورة الهمزة وتقدمت (*)

[ 392 ]

وقال ابن مالك: لا يبدل من الضمير اللازم الاستتار، وهو في: (افعل) أمرا، و (تفعل) في الخطاب، و (أفعل ونفعل)، وإذا وقع ما يوهم ذلك فهناك فعل مقدر من جنس الأول، نحو: تعجبي جمالك، أي: تعجبني: يعجبني جمالك، ولعل ذلك 1، استقباحا لأبدال الظاهر مما لا يقع لا ظاهرا ولا بارزا، وإذا أبدل مما تضمن معنى الاستفهام، فلا بد من اقتران الهمزة بالبدل، نحو: من لقيت ؟ أزيدا أم عمرا، لبيان أنه بدل من متضمن الاستفهام، وأما قوله تعالى: (عم يتساءلون، عن النبأ العظيم) 2، فهو كأنه جواب الاستفهام وليس ببدل، واختلف النجاة في المبدل منه، فقال المبرد: إنه في حكم الطرح معنى، بناء على أن المقصود بالنسبة هو البدل لا المبدل منه، وعلى ما ذكرنا من فوائد البدل والمبدل منه، يتبين أن الأول ليس في حكم الطرح معنى إلا في بدل الغلط، ولا كلام في أن المبدل منه ليس في حكم الطرح لفظا، لوجوب عود الضمير إليه في بدل البعض وبدل الاشتمال، وأيضا في بدل الكل إذا كان ضميرا لا يستغنى عنه نحو: ضربت الذي مررت به أخيك، أو ملتبسا بضمير كذلك نحو: الذي ضربت أخاه، زيد: كريم، وقد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، قال: 360 - وكأنه لهق السراة كأنه * ما حاجبيه معين بسواد 3 ولم يقل معينان، وقال:


(1) التماس وجه لتبرير ما ذهب إليه ابن مالك، (2) أول سورة النبأ،. (3) الشاهد فيه أنه أبدل الحاجبين من الضمير في كأنه، وما، زائدة، ثم قال معين فراعى الضمير المبدل منه،. والبيت في تشبيه البعير في نشاطه بالثور الوحشي الأبيض، والسراة أعلى الظهر، وفي سيبويه ج 1 ص 80 نسبته إلى الأعشى ولكن البغدادي قال انه من الأبيات الخمسين التي لم يقفوا لها على قائل، (*)

[ 393 ]

361 - إن السيوف غدوها ورواحها * تركت هوازن مثل قرن الأعضب 1 ولو كان في حكم الطرح لفظا لم يعتبر هو دون الثاني، وقد يبدل الفعل من الفعل، إذا كان الثاني راجح البيان على الأول، كقوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب) 2، وكقول الشاعر: 362 - إن علي الله أن تبايعا * تؤخذ كرها أو تجئ طائعا 3 ولو كان الثاني بمعنى الأول سواء، لكان تأكيدا لا بدلا، نحو: إن تنصر تعز: أنصرك، ولا أعرف له شاهدا، والذي يفصل به مذكور، إن كان وافيا بما في المذكور من الاعداد، جاز في التفصيل، الأتباع والقطع رفعا كقوله تعالى: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله) 4، أي: منهم فئة، وقال الشاعر: 363 - وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة * ورجل رمي فيها الزمان فشلت 5 يروى: رجل، رفعا وجرا، وإن لم يف، تعين الرفع نحو: مررت برجال، رجل فاضل، ورجل كريم، وقد جاء نصب الوافي وغيره في البدل باضمار (أعني) كما مر في باب الوصف 6،


(1) هذا البيت للأخطل التغلبي في مدح العباس بن محمد حفيد العباس بن عبد المطلب، من قصيدة أولها: بان الشباب وربما عللته * بالغانيات وبالشراب الأصهب وبعد أن مدح العباس المذكور، اقتضب الكلام وانتقل إلى قوله: ان السيوف غدوها ورواحها... إلى آخر ما قال،. (2) من الآيتين 68، 69 سورة الفرقان، (3) قال البغدادي: قلما خلا منه كتاب نحوي، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلوها، وهو في سيبويه ج 1 ص 78 (4) الآية 13 من سورة آل عمران، (5) من قصيدة كثير عزة المشهورة التي أولها: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا * قلوصيكما ثم انزلا حيث حلت (6) انظر في هذا الجزء، ص 322 (*)

[ 394 ]

(ترتيب التوابع) واعلم أن التوابع إذا اجتمعت، بدئ بالنعت ثم بالتأكيد ثم بالبدل ثم بالمنسوق، أما الابتداء بالنعت قبل التأكيد فلما مر في تعليل قولهم ان النكرة لا تؤكد، وابن كيسان يقدم التأكيد على النعت، إذ النعت يفيد ما لا يفيده الأول بخلاف التأكيد، وإنما يقدم التأكيد على البدل، لأن مدلول البدل غير مدلول متبوعه في الحقيقة، ومدلول التأكيد مدلول متبوعه، وأما تقديم البدل على المنسوق، فلأن البدل نسبة معنوية إلى المبدل منه، إما بالكلية أو بالبعضية، أو بالاشتمال، وأما بدل الغلط فنادر، والمنسوق أجنبي من متبوعه، (عطف البيان) (قال ابن الحاجب:) (عطف البيان تابع غير صفة، يوضح متبوعه، مثل: أقسم) (بالله أبو حفص عمر، وفصله من البدل لفظا، في مثل: أنا) (ابن التارك البكري بشر)، (قال الرضي:) قوله: (يوضح متبوعه)، يخرج التأكيد، لأنه لا يوضح المؤكد، بل يحقق أصل نسبته، أو شمول النسبة لأجزائه، وعدم إيضاح المنسوق لمتبوعه ظاهر 1، وكذا البدل، عند النجاة، لأن الأول عندهم في حكم الطرح وفي حكم المعدوم، فلم يبق إلا الصفة وعطف البيان، فلما قال: غير صفة، خرجت الصفة، والأولى أن يحد بهذا الحد: الأبدال الثلاثة، فيدخل فيها عطف البيان، كما ذكرنا،


(1) لأنه غيره غالبا، (*)

[ 395 ]

ويحد بدل الغلط، بما حد به المصنف مطلق البدل، قوله: (أقسم بالله أبو حفص عمر) 1، قصته: أنه: أتى أعرابي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ان أهلي بعيد، واني على ناقة دبراء عجفاء نقباء، واستحمله فظنه كاذبا فلم يحمله، فانطلق الأعرابي فحمل بعيره ثم استقبل البطحاء وجعل يقول: أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من نقب ولا دبر 1 - 348 اغفر له اللهم إن كان فجر وعمر مقبل من أعلى الوادي فجعل إذا قال: اغفر له اللهم إن كان فجر، قال: اللهم صدق، حتى التقيا، فأخذ بيده فقال: ضع عن راحلتك فوضع فإذا هي نقبة عجفاء، فحمله على بعيره، وزوده وكساه، قوله: في مثل: * أنا ابن التارك البكري بشر 2 - 290 قال 3 إنما قلت (في مثل)، إشارة إلى أن الفرق يقع في غير هذا الباب أيضا، كقولك: يا أخانا الحارث، ولا يجوز لو جعل بدلا، لعدم جواز يا الحارث، وكذا: يا غلام زيد وزيدا ولو جعل بدلا لوجب الضم، وقد ذكرت ما عليه في باب البدل 4، والفراء 5 يجوز: الضارب زيد، فلا يتم معه الاستدلال بهذا البيت على أن الثاني عطف بيان لا بدل، والمبرد أنكر رواية الجر وقال: لا يجوز في (بشر) إلا النصب بناء على أنه بدل، والبدل يجب جواز 6 قيامه مقام، المتبوع،


(1) تقدم ذكر هذا الشاهد وهنا استوفى الرضي الكلام على معناه، وذكر قصته ولم يذكر اسم قائله، وفي القصة روايات أخرى غير ما هنا، (2) تقدم في باب الأضافة، وسيذكر الشارح تكملته ويشرحه، (3) أي ابن الحاجب (4) انظر في هذا الجزء، ص 382 (5) رد آخر على ما قاله ابن الحاجب، وكذلك ما يأتي عن المبرد، (6) يعني يجب أن يكون صالحا لقيامه مقام المتبوع،. (*)

[ 396 ]

والبيت للمرار الأسدي، وتمامه: عليه الطير ترقبه وقوعا فعليه الطير: ثاني مفعولي: التارك، إن جعلناه بمعنى المصير والا فهو حال، وقوله: ترقبه، حال من الطير إن كان فاعلا ل (عليه) وإن كان مبتدأ فهو حال من الضمير المستحق المستكن في عليه، ونحو قولهم: أعجبني من زيد علمه، ومن عمرو جوده، الثاني فيهما كأنه عطف بيان والمعطوف عليه محذوف والأصل: أعجبني شئ من أوصاف زيد، علمه، وخصلة من خصال عمرو: جوده، وكذا: كسرت من زيد يده، أي كسرت عضوا من أعضائه، يده، حذف المعطوف عليه 1، وأقيم المعطوف مقامه، كما يحذف المستثنى منه ويقوم المستثنى مقامه في نحو: ما جاءني الأزيد، (قال الرضي:) 2 وهذا آخر قسم المعربات من الأسماء والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، وصحبه أجمعين، ثم الحمد لله على درك المسؤل وبلوغ المأمول، تم الجزء الأول بحمده تعالى وحسن تأييده،


(1) أي المعطوف عليه عطف بيان، (2) بهذا ختم الرضي الجزء الأول من الشرح حسب تقسيمه الذي جاءت عليه النسخ المطبوعة، وقد رأيت أن أكمل الجزء الثاني حسب التقسيم الذي اخترته لهذه الطبعة، ببعض المباحث من قسم المبنيات حتى يكون تقسيمي للكتاب إلى أربعة أجزاء متناسقا، لأن الجزء الثاني من تقسيم الشارح أكبر حجما من الجزء الأول، وقد اتفق التقسيم الذي اخترته مع ما أشير إليه بهامش المطبوعة من أن الجزء الأول ينتهي في تقسيم الشارح بنهاية باب اسم الأشارة وأن الجزء الثاني يبدأ بالموصول في بعض النسخ، والله الموفق والمعين على الأكمال بفضله وجميل تيسيره وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، (*)

[ 397 ]

(اسم المبنيات) (من الأسماء) (المبني وتعريفه) (قال ابن الحاجب:) (المبني: ما ناسب مبني الأصل، أو وقع غير مركب) (قال الرضي:) المبني، كما مر في حد المعرب، ضربان: إما مبني لفقدان موجب الأعراب الذي هو التركيب 1، كالأسماء المعددة، كواحد، اثنان، ثلاثة: و: ألف، با، تا، ثا، و: زيد، عمرو، بكر، وإما مبني لوجود المانع من الاعراب، مع حصول موجبه، وذلك المانع: مشابهة الحرف، أو الماضي، أو الأمر، وهي التي سماها: مبني الأصل، أو كونه اسم فعل، كما يجئ: قال 2: ولا يفسد الحد بلفظة (أو)، لأنها لمجرد أحد الشيئين ههنا، لا للشك الذي ينافي تبيين الماهية، قال: ولم أقل في حده: ما لا يختلف آخره، كسائر النجاة، لأن معرفة انتفاء الاختلاف: فرع على تعقل ماهية المبني، فلا يستقيم أن يجعل تعقل ماهية


(1) أي وقوع الاسم جزء كلام، (2) أي ابن الحاجب في شرحه على الكافية وكذلك ما يأتي من قوله: قال ولم أقل، (*)

[ 398 ]

المبني فرعا على معرفة انتفاء الاختلاف، فيؤدي إلى الدور، كما ذكر في حد الأعراب، هذا كلامه، وقد مر الكلام عليه في حد المعرب فلا نعيده 1، وهذا الحد لا يصح إلا لمن يعرف ماهية المبني على الأطلاق، ولا يعرف الاسم المبني، ولو لم يعرفها لكان تعريفا للمبني بالمبني، لأنه ذكر في حد المبني لفظ المبني، (ألقاب البناء) (قال ابن الحاجب:) (وألقابه: ضم وفتح وكسر ووقف) 2، (قال الرضي:) أي ألقاب حركات أواخره وسكونها، والضم والفتح والكسر: ألقاب مطلق الحركات وحدها، سواء كانت حركات المبني كقولك: حيث مبني على الضم، أو حركات المعرب كقولك، في (زيد): إنه متحرك بالضم في حال الرفع، أو، لا هذا ولا ذاك، كقولك في جيم (رجل): انه متحرك بالضم، ولا تقع على حروف البناء، فلا يقال إن: يا زيدان مبني على الضم، واما ألقاب الأعراب، فإنها كما تطلق على الحركات، تطلق على الحروف أيضا فيقال في نحو: جاءني زيد، والزيدان، والزيدون: إنها مرفوعة، هذا على مذهب المصنف، والذي يغلب في ظني، أن المتقدمين لم يضعوا ألقاب الأعراب أيضا، أعني الرفع والنصب والجر، إلا للحركات المعينة، فالرفع كالضم،


(1) ص 55 من الجزء الأول (2) في بعض النسخ بعد هذا: وحكمه أن لا يختلف آخره لاختلاف العوامل، ولم أثبتها لأن الرضي لم يكتب عليها في الشرح، وكأنها غير موجودة في النسخة التي شرحها، (*)

[ 399 ]

والنصب كالفتح، والجر كالكسر، ثم إنهم يطلقون على الحروف، لقيامها مقام حركات الأعراب، أسماء الحركات مجازا، فقولهم في نحو: رأيت الزيدين: إن (الزيدين) منصوب: مجاز، وكذلك إذا قام بعض الحركات مقام بعض، أطلقوا اسم المنوب عنه على النائب مجازا، فقالوا في (السموات) و (أحمد) في: خلق الله السموات، وبأحمد: ان الأول منصوب والثاني مجرور، فأيش 1 المانع، على هذا، أن يطلق على الحروف القائمة مقام حركات البناء: اسم تلك الحركات مجازا فيقال في: لا رجلين، إنه مفتوح، وكذا في: لا مسلمات، عند من يكسر، ويقال في: يا زيدان، ويا زيدون: انهما مبنيان على الضم، مجازا، فلا يكون إذن، لرد المصنف على النجاة اطلاقهم ان يا زيدان مبني على الضم ولا رجلين، على الفتح: وجه 2، هذا، والتمييز بين ألقاب حركات الأعراب وحركات البناء وسكونهما في اصطلاح البصريين متقدميهم ومتأخريهم: تقريب على السامع، وأما الكوفيون فيذكرون ألقاب الأعراب في المبني وعلى العكس ولا يفرقون بينهما، (حصر المبني من الأسماء) (قال ابن الحاجب:) (وهي المضمرات، وأسماء الأشارة والموصولات والمركبات)، (والكنايات، وأسماء الأفعال والأصوات، وبعض الظروف)، (قال الرضي:) حصر جميع المبنيات جملة، فليطلب لكل واحد منها علة البناء لأن الأصل في


(1) كلمة (أيش) مختصرة من قولهم: أي شئ وهي مستحدثة فيما رجحة أئمة اللغة وبعضهم ينكر استعمالها، وتقع كثيرا في استعمال الرضي، وقد نبهنا على ذلك، (2) يعني فلا يكون لرده على النجاة وجه، فكلمة وجه اسم يكون، (*)

[ 400 ]

الأسماء الأعراب، كما مر في أول الكتاب، وإن كان مبنيا على الحركة، فليطلب، مع ذلك، علتان أخريان: إحداهما للبناء على الحركة، فإن أصل البناء: السكون، لأنه ضد الأعراب وأصله الحركة، وأخرى للحركة المعينة ولم اختيرت دون الباقيتين، (*)

[ 401 ]

(الضمائر) (علة بنائها، والغرض من وضعها) (أنواعها) (قال ابن الحاجب:) (والمضمر ما وضع لمتكلم، أو مخاطب، أو غائب تقدم) (ذكره لفظا، أو معنى، أو حكما)، (قال الرضي:) اعلم أن المقصود من وضع المضمرات رفع الالتباس، فإن (أنا)، و (أنت)، لا يصلحان إلا لمعينين، وكذا ضمير الغائب، نص في أن المراد هو المذكور بعينه في نحو: جاءني زيد وإياه ضربت، وفي المتصل يحصل مع رفع الالتباس: الاختصار، وليس كذا: الأسماء الظاهرة، فإنه لو سمي المتكلم والمخاطب بعلميهما 1 فربما التبس، ولو كرر لفظ المذكور 2 مكان ضمير الغائب فربما توهم أنه غير الأول، وإنما بنيت المضمرات، إما لشبهما بالحروف وضعا، على ما قيل، كالتاء في (ضربت) والكاف في (ضربك)، ثم أجريت بقية المضمرات نحو: أنا، ونحن، وأنتما: مجراها 3، طردا للباب،


(1) أي بالاسمين الموضوعين علمين لها، وفي نسخة بعينهما، ورأينا أن ما أثبتناه أوضح، (2) المراد به مفسر الضمير، (3) يعني مجري التاء والكاف ونحوهما، (*)

[ 402 ]

وإما لشبهما بالحروف 1 لاحتياجها إلى المفسر، أعني الحضور للمتكلم، والمخاطب، وتقدم الذكر في الغائب، كاحتياج الحرف إلى لفظ يفهم به معناه الافرادي، وإما لعدم موجب الاعراب فيها، وذلك أن المقتضي لأعراب الأسماء: توارد المعاني المختلفة على صيغة واحدة، والمضمرات مستغنية باختلاف صيغها لاختلاف المعاني، عن الاعراب، ألا ترى أن كل واحد من المرفوع والمنصوب والمجرور له ضمير خاص، قوله: (ما وضع لمتكلم)، يخرج قول من اسمه (زيد): زيد ضرب، وقولك لزيد: يا زيد افعل كذا، وقولك لزيد 2 الغائب: زيد فعل كذا، فإن لفظ (زيد) وإن أطلق على المتكلم والمخاطب والغائب 3 إلا أنه ليس موضوعا للمتكلم ولا للمخاطب ولا للغائب المتقدم الذكر، بل الأسماء الظاهرة كلها موضوعة للغيبة مطلقا، لا باعتبار تقدم الذكر، فمن ثم قلت: يا تميم كلهم، نظرا إلى أصل المنادى قبل النداء، ولهذا يقول المسمى بزيد: زيد ضرب، ولا يقول: زيد ضربت، وكذا لا تقول للمسمى بزيد: زيد ضربت، لكنها ليست لغائب تقدم ذكره، كهو، وهي، ونحوهما، وإنما جاز: يا تميم كلكم، لأن (يا)، دليل الخطاب، وليس في: زيد ضرب، دليل التكلم، ويدخل في حده لفظ المتكلم والمخاطب، إلا أن يقال 4: ما وضع لمتكلم به، أو لمخاطب به، أي للمتكلم بهذا اللفظ الموضوع، وللمخاطب به، وكذا في حد أسماء الأشارة، ينبغي أن يقيد فيقال: ما وضع لمشار إليه به حتى لا يدخل لفظ (المشار إليه)، قوله: (لفظا، أو معنى، أو حكما)، قسم التقدم اللفظي قسمين، أحدهما متقدم


(1) يعني لشبهها بالحروف في المعنى، فهو غير الوجه الأول، (2) أي في الحديث عنه، (3) في الأمثلة التي ذكرها (4) في تفسير معنى التكلم وما معه (*)

[ 403 ]

لفظا تحقيقا، نحو: ضرب زيد غلامه، والآخر متقدم لفظا تقديرا نحو: ضرب غلامه زيد، إذ (زيد) متقدم في اللفظ تقديرا لكونه فاعلا، وقسم، أيضا، التقدم المعنوي قسمين، أحدهما أن يكون قبل الضمير لفظ متضمن للمفسر بأن يكون المفسر جزء مدلول ذلك اللفظ، كقوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) 1، أي: العدل أقرب، لأن الفعل يدل على المصدر والزمان، والثاني أن يدل سياق الكلام على المفسر التزاما، لا تضمنا، كقوله تعالى: (ولأبوية لكل واحد منهما.. 2)، لأنه لما ساق الكلام قبل، في ذكر الميراث لزم من ذلك السياق أن يكون ثم مورث فجرى الضمير عليه من حيث المعنى، هذا تقرير كلامه، رحمه الله، وفيه مخالفة لطريقته المألوفة، لأن عادته جعل التقدير قسيم اللفظ، لا قسمه، كما قال في أول الكتاب في المعرب، (لاختلاف العوامل لفظا، أو تقديرا) 3، وقال بعيد: 4 (التقدير فيما تعذر)، ثم قال: (واللفظي فيما عداه)، فجعل نحو: ضرب غلامه زيد مما تقدم معنى، أولى، إذ هو متقدم معنى وتقديرا، لا لفظا، فإذا جاز سلب اللفظية عن هذا التقدم بأن يقال: ليس لفظ المفسر مذكورا قبل الضمير، فكيف يكون التقدم لفظيا، فإن قال: أردت كأنه متقدم لفظا من حيث التقدير، قبل: فعد نحو: (اعدلوا هو أقرب)، أيضا من هذا القسم لأن المفسر فيه كأنه متقدم اللفظ أيضا في التقدير، ولا فرق بينهما، إلا أن المفسر في نحو: ضرب غلامه زيد، ملفوظ به، بخلاف المفسر في نحو: (اعدلوا هو أقرب للتقوى)، والتقد في كليهما ليس لفظيا، بل هو تقديري، وكلامنا في التقدم اللفظي، لا في المفسر الملفوظ به أو المقدر،


(1) الآية 8 سورة المائدة (2) الآية 11 سورة النساء، (3) انظر ص 55 من الجزء الأول، (4) أي بعد ذلك بقليل، (*)

[ 404 ]

وقد قرر على الصواب، في باب الفاعل 1، وهو قوله في: ضرب غلامه زيد، لا بد من متقدم يرجع إليه هذا الضمير تقدما لفظيا، أو معنويا، وهو راجع إلى (زيد) وهو متأخر لفظا، فلو لا أنه متقدم عليه من حيث المعنى، لم يجز، فجعله من باب المتقدم معنى لا لفظا، وهو الحق، وعلى هذا، فالحق أن يقول،: التقدم اللفظي: أن يذكر المفسر قبل الضمير ذكرا صريحا، سواء كان من حيث المعنى، أيضا، متقدما نحو: ضرب زيد غلامه، لأن الفاعل من حيث المعنى متقدم على المفعول، أو كان من حيث المعنى متأخرا، كقوله تعالى،: (وإذ، ابتلى ابراهيم ربه) 2، لأن المفعول من حيث المعنى متأخر عن الفاعل، واعلم أنه إذا تقدم مما يصلح للتفسير شيئان فصاعدا، فالمفسر هو الأقرب لا غير، نحو: جاءني زيد وبكر فضربته، أي ضربت بكرا، ويجوز، مع القرينة، أن يكون للأبعد، نحو: جاءني عالم وجاهل، فأكرمته، والتقدم المعنوي ألا يكون المفسر مصرحا بتقديمه، بل هناك شئ آخر غير ذلك الضمير يقتضي كون المفسر قبل موضع الضمير، وذلك ضروب: كمعنى الفاعلية، المقتضي كون الفاعل قبل المفعول رتبة، كضرب غلامه زيد، ومعنى الابتداء المقتضي لكون المبتدأ قبل الخبر، نحو: في داره زيد، ومعنى المفعول الأول، المقتضى تقدمه على الثاني، نحو: أعطيت درهمه زيدا، وكذا نحو 3: ضربت في داره زيدا، وكلفظ الفعل المتضمن للمصدر المفسر لضمير متصل بذلك الفعل نحو: هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرشا ان يلقها ذيب 4 - 81 أو منفصل عنه نحو قوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) 5، وقوله تعالى: (بل


(1) ص 187 من الجزء الأول، (2) الآية 124 سورة البقرة، (3) لأن (في داره) مفعول ثان بواسطة الحرف، (4) تقدم الاستشهاد بهذا البيت في الجزء الأول (5) الآية 8 من سورة المائدة وتقدمت قريبا، (*)

[ 405 ]

هو شر لهم) 1، وكذاا لصفة 2، كقوله: 364 - إذا زجر السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف 3 أي: إلى السفه، وكسياق الكلام المستلزم للمفسر، استلزاما قريبا، كقوله تعالى: (ولأبويه 4)، لأن سياق ذكر الميراث دال على المورث دلالة التزامية، أو بعيدا 5، كقوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب) 6، إذ العشي 7 يدل على تواري الشمس، وكقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر 8)، إذ النزول في ليلة القدر التي هي في شهر رمضان، دليل على أن المنزل هو القرآن، مع قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن 9)، وكذا قوله تعالى: (ما ترك على ظهرها من دابة 10)، فإن ذكر الدابة مع ذكر (على ظهرها) دال على أن المراد ظهر الأرض، وكذا الفناء مع لفظة (على) في قوله تعالى: (كل من عليها فان 11)، وكذا قوله تعالى: (وإن كانت واحدة 12)، أي إن كانت الوارثة واحدة، إذ هو في بيان الوارث، والتقدم الحكمي: أن يكون المفسر مؤخرا لفظا، وليس هناك ما يقتضي تقدمه على


(1) من الآية 180 سورة آل عمران، (2) مقابل قوله كلفظ الفعل المتضمن للمصدر الخ، (3) استشهد به كثير من أئمة النحو، ولم ينسبه أحد، ويروى إذا نهي، وهو بالبناء للمجهول مثل زجر، ومعنى قوله: والسفية إلى خلاف: أن ذلك من شأنه ودأبه، وبيان الشاهد ما قاله الشارح من أن مرجع الضمير ما تضمنه الوصف من المصدر، أي إذا زجر السفية جرى إلى السفة، (4) من الآية 11 سورة النساء، وتقدم بعضها، (5) أي استلزاما بعيدا، (6) من الآية 32 سورة ص، (7) المذكور في قوله: إذ عرض عليه بالعشي الصافات الجياد، في الآية التي قبل ذلك، (8) أول آية في سورة القدر، (9) الآية 185 في سورة البقرة، (10) من الآية 45 سورة فاطر، (11) الآية 26 سوره الرحمن،. (12) جزء من الآية 11 سورة النساء وتقدمت، (*)

[ 406 ]

محل الضمير، إلا ذلك الضمير، فنقول: إنه وإن لم يتقدم لفظا ولا معنى 1، إلا أنه في حكم المتقدم نظرا إلى وضع ضمير الغائب، وإنما يقتضي ضمير الغائب تقدم المفسر عليه لأنه وضعه الواضع معرفة لا بنفسه بل بسبب ما يعود عليه، فإن ذكرته ولم يتقدمه مفسره بقي مبهما منكرا لا يعرف المراد به حتى يأتي مفسره بعده، وتنكيره خلاف وضعه، فإن قلت: فأيش 2 الحامل لهم على مخالفة مقتضي وضعه بتأخير مفسره عنه، قلت: قصد التفخيم والتعظيم في ذكر ذلك المفسر، بأن يذكروا أولا شيئا مبهما، حتى تتشوق نفس السامع إلى العثور على المراد به، ثم يفسروه فيكون أوقع في نفس، وأيضا، يكون ذلك المفسر مذكورا مرتين، بالأجمال أولا، والتفصيل ثانيا، فيكون آكد، فإن قلت: فهذا الضمير الذي هذا حاله، أيبقي على وضعه معرفا أم يصير نكرة، لعدم شرط التعريف، أعني تقدم المفسر ؟، قلت: الذي أرى أنه نكرة، كما يجئ في باب المعرفة، وعند النجاة: يبقى معرفا، لكن تعريفه أنقص مما كان في الأول 3، لأن التفسير يحصل بعد ذكره مبهما، فقبل الوصول إلى التفسير، فيه الأبهام الذي في النكرات، ولهذا جاز دخول (رب) عليه، مع اختصاصها بالنكرات، وإنما حكموا ببقائه على وضعه من التعريف، لأنه حصل جبران 4 ما فاته بذكر المفسر بعده بلا فصل، فهو كالمضاف الذي يكتسي التعريف من المضاف إليه، أما الجبران في ربه رجلا، ونعم رجلا، وبئس رجلا، و: (ساء مثلا) 5 فظاهر، لأن الاسم المميز المنصوب لم يؤت به إلا لغرض التمييز والتفسير، فنصبه على التمييز مع عدم انفصاله


(1) يعني بالتفسير المتقدم للتقدم اللفظي والمعنوي، (2) المعنى: أي شئ وتقدم التنبيه عليها في أول الباب، (3) أي حالة تقدم المفسر، (4) مصدر قليل الاستعمال بمعنى التعويض عما فات ويستعمله الرضي كثيرا، (5) جزء من الآية 177 في سورة الأعراف، (*)

[ 407 ]

عن الضمير قائم مقام المفسر المتقدم، فالجبران، في مثله في غاية الظهور، وقريب منه: ضمير يبدل منه مفسره نحو: مررت به زيد، إذ لم يؤت بالبدل إلا للتفسير، وأما في ضمير الشأن والقصة 1، فالجملة بعده، وإن لم تأت كالتمييز المذكور لمجرد التفسير، إلا أن قصدهم لتفخيم الشأن بذكره مجملا ثم مفصلا مع اتصال الخبر المفسر بالمبتدأ، سهل الأتيان به مبهما فهذا التفسير دون الأول، وأما تأخر المفسر في باب التنازع نحو: ضربني وضربت زيدا، على مذهب البصريين، فالحق أنه بعيد، لأن مجوز تأخير المفسر لفظا ومعنى: قصد تفخيم المفسر مع الأتيان بالمفسر لمجرد التفسير بلا فصل كما في نعم رجلا زيد، أو قصد التفخيم مع اتصال المفسر كما في ضمير الشأن، والثلاثة في ضمير التنازع معدومة، أعني قصد التفخيم والأتيان بالمفسر لمجرد التفسير واتصاله بالضمير، فضعف 2، فمن ثم، حذف الكسائي الفاعل في مثله، مع أن فيه محذورا أيضا، وما أجازه المبرد والأخفش من نحو: ضرب غلامه زيدا، أعني اتصال ضمير المفعول المؤخر بالفاعل المقدم، ليس بأضعف مما ارتكبه البصرية 3، لأن الاتصال الذي بين الفاعل والمفعول إذا كانا لعامل واحد، أكبر من الاتصال الذي بين الضمير ومفسره على ما ذكره البصرية في باب التنازع، قال المصنف: أردت بالتقدم الحكمي: أنك إذا قصدت الأبهام للتفخيم، فتعقلت المفسر في ذهنك ولم تصرح به للابهام على المخاطب، وأعدت الضمير على ذلك المتعقل، فكأنه راجع إلى المذكور قبله، فلذلك المتعقل في حكم المفسر المتقدم ، ولا يتم ما ذكره في باب التنازع إذ لا يقصد هناك التفخيم،


(1) سيأتي الكلام عنهما، وأراد هنا بيان جبر ما فاته من تقدم مفسره عليه: كما بين ذلك في المجرور برب، وفاعل نعم وبئس الخ، (2) أي ضعف بسبب تأخير مفسره من غير تعويض وجبر له ومن غير وجود أحد الأشياء الثلاثة المذكورة فيه، (3) يعني في باب التنازع، والمراد أن ما ذهب إليه الأخفش والمبرد أقوى مما ذهب إليه البصريون في باب التنازع، وإن كان مذهبهما في ذاته ضعيفا، (*)

[ 408 ]

(المتصل والمنفصل) (في الضمائر) (قال ابن الحاجب:) (وهو متصل ومنفصل، فالمنفصل: المستقل بنفسه والمتصل) (غير المستقل)، (قال الرضي:) يعني بالمستقل بنفسه: أنه لا يحتاج إلى كلمة أخرى قبله يكون كالتتمة لها بل هو كالظاهر، سواء انفصل عن عامله نحو: (أمر ألا تعبدوا إلا إياه) 1، و: ما ضربت إلا إياك، أو اتصل به نحو: ما أنت قائما، عند الحجازية، وذلك لأنه يجوز استقلاله بنفسه وفصله عن عامله نحو: ما اليوم أنت قائما، فليس كالجزء مما قبله، وإلا لم يجز انفصاله عما قبله، والمتصل: ما يتصل بعامله الذي قبله ويكون كالتتمة لذلك العامل وكبعض حروفه، فالضمائر المستترة في نحو: زيد ضرب، ويضرب، وهند ضربت وتضرب، واضرب، أمرا، وأضرب، ونضرب، وتضرب في خطاب المذكر، وفي الصفات نحو: زيد ضارب والزيدان ضاربان إلى آخر تصاريفها 2: كلها متصلة، كما يجئ تحفيقها، وليس المستتر فيها: ما يبرز في نحو: زيد ضرب هو وعمرو، و: (اسكن أنت وزوجك الجنة) 3، وهند زيد ضاربته هي، بل البارز تأكيد الفاعل، لا فاعل، كما يجئ شرحه، وهو منفصل بدليل قولك: زيد ضرب اليوم هو وعمرو، واسكن اليوم أنت وزوجك، وهند زيد ضاربته اليوم هي،


(1) من الآية 40 سورة يوسف، (2) جاء في بعض النسخ ذكر هذه التصاريف كلها، وهي واضحة، (3) من الآية 35 سورة البقرة، (*)

[ 409 ]

(تقسيم الضمائر) (من حيث الأعراب) (قال ابن الحاجب:) (وهو مرفوع ومنصوب ومجرور، فالمرفوع والمنصوب متصل) (ومنفصل، والمجرور متصل، فذلك خمسة أنواع، الأول) (ضربت وضربت إلى ضربن وضربن، والثاني: أنا... إلى) (هن، والثالث: ضربني إلى ضربهن، والرابع: إياي إلى) (إياهن، والخامس: غلامي ولي، إلى غلامهن ولهن)، (قال الرضي:) اعلم أن الضمير إنما كان مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، لأن الضمير كما قلنا، قائم مقام الظاهر، لرفع الالتباس وحده، أو له، وللاختصار، فيكون كالظاهر مرفوعا ومنصوبا ومجرورا، وإنما لم يكن المجرور إلا متصلا، لأن المتصل، كما ذكرنا، هو الذي يكون كالجزء الأخير لعامله، يعني يجئ العامل أولا ثم يجئ الضمير بعده على وجه لا يمكن معه الفصل بينهما، والمجرور كذلك، فإن قيل: أليس الفصل جائزا بين المضاف والمضاف إليه في الشعر ؟، قلت: ذلك مع الظاهر قبيح 1، فامتنع في المضمر الذي هو أشد اتصالا بعامله من الظاهر، وكل واحد من هذه الأنواع الخمسة 2، يكون لثمانية عشر معنى، لأن كل واحد منها، إما أن يكون لمتكلم أو مخاطب أو غائب، وكل واحد من هذه الثلاثة إما أن يكون


(1) للرضي رأي في الفصل بين المتضايقين أدي إلى إنكاره لتواتر القراءات كما في باب الأضافة، (2) المستفادة من كلام المصنف، (*)

[ 410 ]

لمفرد أو مثنى أو مجموع، صارت تسعة، وكل واحد من التسعة إما أن يكون لمذكر أو مؤنث، فصارت للمتكلم ستة، وللمخاطب ستة وللغائب ستة، وضعوا للمتكلم منها لفظين يدلان على ستة المعاني المذكورة، كضربت وضربنا، فضربت مشترك بين الواحد المذكر والمؤنث وضربنا بين الأربعة: المثنى المذكر والمثنى المؤنث، والمجموع المذكر والمجموع المؤنث، وإنما شركوا في المتكلم بين المذكر والمؤنث، مفردا كان أو غيره، لأن المشاهدة تكفي في الفرق، وإنما ارتجل لمثنى المتكلم وجمعه صيغة وهي (نا) وكذلك قولك (نحن)، ولم يزيدوا للمثنى ألفا، وللجمع واوا كما فعلوا في مثنى المخاطب وجمعه، لأن مثناهما 1: اسم انضم إليه لفظ آخر مثله، بدليل أنك إذا قيل لك: فصل (أنتما) قلت: أنت يا زيد وأنت يا عمرو، وهذه حقيقة المثنى كما يجئ، وكذلك في الجمع إذا قيل لك: فصل (أنتم، قلت: أنت يا زيد، وأنت يا عمرو، وأنت يا خالد، وأما إذا قيل نحن، وأردت المثنى، فقيل لك فصل، قلت 2: أنا وزيد، أو أنا وأنت، أو النا وهو، وتقول في الجمع: أنا وزيد وعمرو، وليس كل أفرادة (أنا)، فلما لم يكن شرط المثنى والمجموع وهو اتفاق الاسمين أو الأسماء في اللفظ، حاصلا لم يمكنهم إجراء تثنيته وجمعه على وفق ما أجري عليه سائر التثاني 3 والجموع، فارتجلوا للمثنى صيغة، وشركوا معه الجمع للأمن من اللبس بسبب القرائن، وكثيرا ما يجئ في غير هذا الباب، أيضا، المثنى بصيغة الجمع نحو قوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما 4)، وقد يقول المعظم 5: فعلنا، ونحن، وإيانا، عادا لنفسه كالجماعة،


(1) يريد مثنى المخاطب، (2) تكررت الأشارة إلى استعمال الرضي هذا، وهو المجئ بجواب أما هكذا بدون فاء وكان أسهل لو قال: وإذا قيل لك... قلت، (3) أي سائر أنواع التثنية، (4) من الآية 4 سورة التحريم، (5) أي المعظم لنفسه، (*)

[ 411 ]

ووضعوا منها للمخاطب خمسة ألفاظ: أربعة منها نصوص، وهي: ضربت وضربت، وضربتم وضربتن، وواحد مشترك بين المثنى المذكر والمثنى المؤنث، وهو ضربتما، وحكم الغائب حكم الغائبة في النصوصية 1 والاشتراك، نحو: ضرب وضربت وضربا وضربتا وضربوا وضربن، والضمير هو الألف المشترك بين المثنيتين 2، والتاء حرف تأنيث، ويجب أن يكوزن المقدر في: ضرب وضربت متغايرين، كما في البارز نحو: هو، وهي، هذا، وبقية الأنواع الخمسة، جارية هذا المجرى أعني أن للمتكلم لفظين، وللمخاطب خمسة، وللغائب خمسة، فصار المجموع ثنتي عشرة كلمة، لثمانية عشر معنى، (التدرج) (في وضع الضمائر) (قال الرضي 3:) واعلم أن أول ما بدى بوضعه من الأنواع الخمسة: ضمير المرفوع المتصل، لأن المرفوع مقدم على غيره، والمتصل مقدم على المفضل، لكونه أخصر، فنقول:


(1) أي كون اللفظ نصا في شئ لا يحتمل غيره، وأشرنا إلى أن هذا تعبير مستحدث وهو من المصادر الصناعية، (2) يعني فيكون المجموع خمسة أيضا، (3) هذا استطراد من الرضي كعادته في كثير من المباحث، وقد أتى فيه بشئ عجيب، إذا كان يدل على قدرة فائقة في التوليد والاختراع فإننا نشير إلى ان الرضي كثيرا ما يرد على غيره ممن يوردون بعض الآراء الغريبة بقوله: من أين لهم هذا، أو بقوله: إن هذا من قبيل الرجم بالغيب، وفي هذا الشرح كثير من مثل هذه الاستطرادات أظهر فيها الرضي براعة زائدة، رحمه الله، (*)

[ 412 ]

إنما ضموا التاء في المتكلم لمناسبة الضمة لحركة الفاعل، وخصوا المتكلم بها لأن القياس وضع المتكلم أولا، ثم المخاطب، ثم الغائب، وفتحوا للمخاطب فرقا بين المتكلم وبينه، وتخفيفا، وكسروا للمخاطبة فرقا، ولم يعكسوا الأمر بكسرها للمخاطب وفتحها للمخاطبة، لأن خطاب المذكر أكثر فالتخفيف به أولى، وأيضا، هو مقدم على المؤنث، فخص، للفرق، بالتخفيف، فلم يبق للمؤنث إلا الكسر، وزادوا الميم قبل ألف المثنى في (تما) 1 وقبل واو الجمع في (تموا)، لئلا يلتبس المثنى بالمخاطب إذا أشبعت فتحته للاطلاق، والجمع 2 بالمتكلم المشبع ضمته، وكان أولى الحروف بالزيادة: الميم، لأن حروف العلة مستثقلة قبل الألف والواو، والميم أقرب الحروف الصحيحة إلى حرف العلة لغنها ولكونها من مخرج الواو: شفوية، ولذلك ضم ما قبلها، كما يضم ما قبل الواو، وحذف واو الجمع مع إسكان الميم إن لم يلها ضمير: أشهر من إثبات الواو مضموما ما قبلها، وذلك لأنهم لما ثنوا الضمائر وجمعوها، والقصد بوضع متصلها التخفيف، كما قلنا: لم يأتوا بنوني المثنى والمجموع بعد الألف والواو، كا أتوا بهما في: هذان، واللذان، والذين، فوقع الواو في الجمع، في الآخر مضموما ما قبلها، وهو مستثقل حسا، كما مر في الترخيم 3، فحذفوا الواو، وسكنوا الميم التي ضموها لأجله، للأمن من الالتباس بالمثنى، بثبوت الألف فيه دون الجمع، ومن أثبت الواو مضموما ما قبلها، فلأن ذلك مستثقل في الاسم المعرب كما يجئ في التصريف، وأما إن ولي ميم الجمع ضمير نحو: ضربتموه، وجب 4 في الأعراف رجوع الضم


(1) اقتصر في التمثيل على الجزء المطلوب في مثل ضربتما وضربتمو، (2) أي ولئلا يلتبس الجمع بالمتكلم، (3) ج 1 ص 409 والمراد عدم وقوع الواو طرفا مضموما ما قبلها ضما لازما في الأسماء المعربة وأما في المبني فقد يجئ، وهو ما سيأتي في التصريف، (4) جواب أما، وحقه الاقتران بالفاء وكان يمكن الاقتصار على قوله: وإن ولي... (*)

[ 413 ]

والواو لأن الضمير، لاتصاله، صار كبعض حروف الكلمة، فكأن الواو لم يقع طرفا، وجوز يونس حذف الواو وتسكين الميم مع الضمير، أيضا، ولم يثبت ما ذهب إليه، وإذا لقي ميم الجمع ساكن بعدها، ضمت الميم ردا لها إلى أصلها، وقد تكسر،. كما يجئ، وزيدت للمؤنث 1 نون مشددة، لتكون بازاء الميم والواو في المذكر، وإنما اختاروا النون لمشابهته، بسبب الغنة للميم والواو معا، مع كون الثلاثة من حروف الزيادة، واستتر ضمير الغائب والغائبة لأنه لما كان مفسر الغائب لفظا متقدما في الأصل، بخلاف المتكلم والمخاطب أرادوا أن تكون ضمائر الغيب أخصر من ضميريهما فابتدأوا في المفردين بغاية التخفيف، وهي التقدير، من دون أن يتلفظ بشئ منه، واقتصروا، لمثنى مذكره ومؤنثه على الألف الذي هو علامة التثنية في كل مثنى، وعلى الواو في جمع المذكر، وقد يستغنى بالضمة عن الواو في الضرورة، قال: 365 - فلو أن الأطبا كان حولي * وكان مع الأطباء الأساة 2 استثقالا للواو المضموم ما قبلها في الأخير، واقتصروا على نون واحدة في مقابلة الواو، إذ كانت واحدة 3، وقول النجاة: ان الفاعل في نحو: زيد ضرب، وهند ضربت: هو وهي: تدريس 4 لضيق العبارة عليهم، لأنه لم يوضع لهذين الضميرين لفظ، فعبروا عنهما بلفظ المرفوع


(1) يعني لجمع المؤنث (2) أورده صاحب الأنصاف: وكان مع الاطباء الشفاة، لأن بعده: إذن ما أذهبوا ألما بقلبي * وإن قبل الشفاة هم الأساة والأساة جمع آس وهو المعالج، ولم ينسب هذا الشعر لأحد غير أن البغدادي نقله عن الفراء، (3) أي بالنسبة للمؤنث، (4) أي تقريب من العلماء في تدريسهم لتصوير المعنى، (*)

[ 414 ]

المنفصل، لكونه مرفوعا مثل ذلك المقدر، لا أن المقدر هو ذلك المصره به، وكيف ذا 1، ويجوز الفصل بين الفعل وهذا المصرح به، نحو: ما ضرب إلا هو، فإن قلت: بل المفصول المصرح به غير المتصل، فهو تحكم 2، وإلى هذا نظر من قال من النجاة: ان المقدر في: ضرب وضربت ينبغي أن يكون أقل من الألف 3: نصفه أو ثلثة، وذلك لأن ضمير المفرد ينبغي أن يكون أقل من ضمير المثنى، وأما التاء في: ضربت وضربتا، فهي حرف للتأنيث، لا ضمير، بدليل: ضربت هند، وقل جعل الألف والواو والنون حروفا كتاء التأنيث، كما يجئ آخر الكتاب، نحو: قاما أخواك، وأكلوني البراغيث، و: 366 - ولكن ديافي أبوه وأمه * بحوران يعصرون السليط أقاربه 4 هذا كله في الماضي، وأما في المضارع والأمر، فلم يبرز الضمير في: أفعل، ونفعل لاشعار حرف المضارعة بالفاعل، لأن (أفعل) مشعر بأن فاعله (أنا)، و (نفعل) مشعر بنحن، الهمزة بالهمزة، والنون بالنون 5، وكذا (يفعل) نص في المفرد الغائب، فلم يحتاجوا إلى ضمير بارز، وأما (تفعل)


(1) يعني وكيف يكون ذلك مع جواز الفصل بين الفعل وهذا الملفوظ به، (2) قوله: فهو تحكم، جواب عن قوله: فإن قلت... (3) أي ألف المثنى، (4) هو من قصيدة للفرزدق، وديافي، منسوب إلى دياف: إحدى قرى الشام وينسب إليها كل من يراد أنه نبطي، والسليط: الزيت مطلقا، أو المستخرج من السمسم وحوران من قرى الشام أيضا، والمقصود بهذا الشعر هو عمرو بن عفراء الضبي وكان يكره الفرزدق، والاستدراك في قوله ولكن ديافي، مرتبط ببيت قبل ذلك يقول فيه الفرزدق: فلو كنت ضبيا صفحت ولو جرت * على قدمي حياته وعقاربه إلى أن قال ولكن ديافي، فهو بهذا ينفي عنه حتى انتسابه إلى ضبه، (5) يعني أن الهمزة في الفعل مشعرة بأن أول الضمير المستتر همزة في أنا، وكذلك القول في النون، (*)

[ 415 ]

فإنه، وإن كان محتملا للمخاطب والغائبة، لكنهم لم يبرزوا ضميره، إجراء لمفردات المضارع مجرى واحدا في عدم إبراز ضميرها، ولعل هذا هو الذي حمل الأخفش على أن قال: إن الياء في: تضربين ليس بضمير، بل حرف تأنيث، كما قيل في: هذي، والضمير لازم الاستتار، وانه استنكر الحكم بكون ضمير المفرد أثقل من ضمير المثنى، مع أن القياس يقتضي أن يكون أخف، وأما (فعل) أمرا، و (لا تفعل) نهيا، فحكمهما حكم (تفعل) للمخاطب لأن الأمر والنهي 1 مأخوذان من المضارع، كما يجئ في قسم الأفعال، ومذهب المازني: أن الحروف الأربعة في المضارع والأمر، أعني الألف في المثنيات، والواو في جمعي المذكر، والياء في المخاطبة، والنون في جمعي المؤنث علامات، كألف الصفات وواوها في نحو: ضاربان وحسنون، وهي كلها حروف والفاعل مستكن عنده، ولعل ذلك حملا للمضارع على اسم الفاعل، واستنكارا لوقوع الفاعل بين الكلمة وإعرابها أي النون، وأما الضمائر المرفوعة في الصفات أعني اسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، فلم يبرزوها، لأنها غير عريقة في اقتضاء الفاعل، بل اقتضاؤها له لمشابهة الفعل، فلم يظهروا فيها ضمير الفاعل، وكذا أسماء الأفعال، والظروف، على ما يجئ بعد، وأيضا، الألف والواو في مثنيات الأسماء وجموعها الجامدة، كالزيدان والزيدون: حروف زيدت علامة للمثنى والمجموع بلا ريب، فجعلت مثنيات الصفات وجموعها على نهج مثنيات الجامدة وجموعها، لأن الصفات فروع الجامدة، لتقدم الذوات على صفاتها، فصارت الألف علامة المثنى، والواو علامة الجمع، فلم يمكن أن يوصل ألف الضمير وواوه بالمثنى والمجموع، لئلا يجتمع الفان، وواوان، فاستكن الضميران: الألف في المثنى، والواو في المجموع،


(1) حقه أن يقتصر على الأمر لأن النهي مضارع حقيقة وليس مأخوذا منه كالأمر، (*)

[ 416 ]

والدليل على أن الألف والواو الظاهرين ليسا بضميرين: انقلابهما بالعوامل، نحو: لقيت ضاربين وضاربين، والفاعل لا يتغير بالعوامل الداخلة على عامله نحو قولك: جاءني زيد راكبا غلامه، فلم يعمل: (جاءني) في (غلامه)، وكذا، استكن النون في ضاربات ومضروبات، تبعا لاستتار الضمير في جمع المذكر إذ هو الأصل، وإذا استتر في المثنى، والمجموع، فالاستتار في مفرداتها أجدر، فلزم الاستتار في الكل، فلا ترى الفاعل ضميرا بارزا في الصفات إلا في نحو: أقائم هما، وما قائم أنتما، وأما في نحو: زيد عمرو ضاربه هو، فالمنفصل ليس بفاعل، بل هو تأكيد له لما سيجئ، ثم، لما فرغوا من وضع المرفوع المتصل في الأفعال والصفات أخذوا في وضع المرفوع المنفصل، قالوا: أنا للمتكلم: المذكر والمؤنث، وقد تبدل همزتها هاء نحو: هنا، وقد تمد همزته نحو: آنا فعلت، وقد تسكن نونه في الوصل، وهو عند البصريين، همزة ونون مفتوحة، والألف يؤتي بها بعد النون في حالة الوقف لبيان الفتح، لأنه لو لا الألف لسقطت الفتحة للوقف، فكان يلتبس بأن الحرفية، لسكون النون، فلذا يكتب بالألف لان الخط مبني على الوقف والابتداء، وقد يوقف على نونها ساكنة، وقد تبين فتحتها وقفا بهاء السكت، قال حاتم: هكذا فزدي أنه 1، وقال: 2


(1) فزدي يعني فصدي، وفصد الناقة أو البعير أن يجرحه فيسيل منه الدم فيشوى ويؤكل، وكان حاتم الطائي أسيرا فطلبت منه إحدى الجواري أن يفصد لهم ناقة ليشتووا دمها فقام إليها فنحرها فلطمته الجارية وقالت له إنما قلت لك افصدها، فقال: هكذا فزدي أنه، وإبدال الصاد زايا من لغة طيئ، وفي هذه القصة قال حاتم: لو ذات سوار لطمتني، (2) وقال: أي الشاعر، كما هو عادته، وليس المراد أن القائل حاتم، (*)

[ 417 ]

367 - إن كنت أدري فعلي بدنه * من كثرة التخليط في من أنه 1 وبنو تميم يثبتون الألف في الوصل، أيضا، في السعة، وغيرهم لا يثبتونها في الوصل إلا في الضرورة، كقوله: 368 - أنا سيف العشيرة فاعرفوني * حميد قد تذريت السناما 2 وجاء في قراءة نافع 3 إثبات الألف إذا كان قبل همزة مفتوحة، أو مضمومة دون المكسورة، قال أبو علي 4: لا أعرف فرقا بين الهمزة وغيرها، فالأولى ألا يثبت الألف وصلا في موضع، ومذهب الكوفيين أن الألف بعد النون من نفس الكلمة، وسقوطه 5 في الوصل، في الأغلب، مع فتح النون أو سكونه، ومعاقبة هاء السكت له وقفا: دليلان على زيادته وكونه لبيان الحركة وقفا، و: نحن، للمتكلم مع غيره، مثل: (نا) في المرفوع المتصل في صلاحيته للمثنى والمجموع، والعلة كالعلة، وتحريكه للساكنين وضمه: إما لكونه ضميرا مرفوعا، وإما لدلالته على المجموع الذي حقه الواو، وأما (أنت) إلى (أنتن)، فالضمير، عند البصريين (أن)، وأصله (أنا)، وكأن (أنا) عندهم ضمير صالح لجميع المخاطبين والمتكلم، فابتدأوا بالمتكلم، وكان


(1) قال البغدادي: لم أقف له على أثر، (2) قائله: حميد بن بحدل، واسمه حميد بن حريث بن بحدل من بني كلب وهو شاعر إسلامي، (3) تقدم ذكره وهو الحد القراء السبعة، (4) أي الفارسي ورأيه هذا يقرب من اتجاه الرضي وغيره من الطعن في القراءات (5) هذا رد على مذهب الكوفيين (*)

[ 418 ]

القياس أن يبينوه بالتاء المضمومة نحو: أنت إلا أن المتكلم لما كان أصلا، جعلوا ترك العلامة له علامة، وبينوا المخاطبين بتاء حرفية بعد (أن) كالاسمية 1 في اللفظ وفي التصرف، ومذهب الفراء أن (أنت) بكماله: اسم، والتاء من نفس الكلمة، وقال بعضهم: إن الضمير المرفوع هو التاء المتصرفة 2، فكانت مرفوعة متصلة، فلما أرادوا انفاصالها: دعموها بأن، المستقل لفظا، كما هو مذهب الكوفيين وابن كيسان في: إياك وأخواته، وهو أن الكاف المتصرفة كانت متصلة فأرادوا استقلالها لفظا لتصير منفصلة، فجعلوا (إيا) عمادا لها، فالضمائر التي تلي إيا، وإيا عماد لها، وما أرى هذا القول بعيدا من الصواب في الموضعين، وقالوا في الغائب: هو، وهما، وهم، وهي، وهما، وهن، فالواو، والياء في هو، وهي، عند البصريين، من أصل الكلمة، وعند الكوفيين للاشباع والضمير هو الهاء وحدها، بدليل التثنية والجمع فإنك تحذفهما فيهما، والأول هو الوجه، لأن حرف الأشباع لا يتحرك، وأيضا حرف الاشباع لا يثبت إلا ضرورة، وإنما حركت 3 الواو، والياء، لتصير الكلمة بالفتحة مستقلة حتى يصح كونها ضميرا منفصلا، إذ لو لا الحركة لكانتا كأنهما للاشباع على ما ظن الكوفيون، ألا ترى أنك إذا أردت عدم استقلالهما سكنت الواو والياء نحو: إنهو، وبهي، وكان قياس المثنى والجمع، على مذهب البصريين: هوما، وهي ما وهوم، وهين 4،. فخفف بحذف الواو والياء، والكلام في زيادة الميم وحذف الواو في جميع المذكر، وزيادة النونين في جمع المؤنث:


(1) يعني كالتاء الاسمية التي هي ضمير (2) أي التي تتغير بحسب المخاطب، (3) يعني بالنسبة لرأي البصريين، (4) أي بزيادة علامات التثنية والجمع بنوعية على صيغة المفرد مع بقائها على حالها، (*)

[ 419 ]

على ما ذكرنا في المتصل، سواء 1،. وهذه الضمائر المرفوعة المنفصلة، يشترك فيها الماضي والمضارع والأمر، والصفات، وليست كالمرفوعة المتصلة، فإنه لا شركة بين الماضي والمضارع فيها، إلا في الألف والواو والنون، كما ذكرنا، تقول: ما ضرب إلا هو، وما يضرب إلا أنا، و: أضارب هما...، وتسكين هاء هو، وهي، بعد الواو، والفاء، ولام الابتداء جائز، كما يجئ في التصريف 2، وقد تسكن بعد كاف الجر شاذا، وقد تحذف الواو والياء اضطرارا كقوله: 369 - فبيناه يشري رحله قال قائل * لمن جمل رخو الملاط نجيب 3 وقوله: دار لسعدى إذه من هواكا 4 - 82 ويسكنها قيس، وأسد، ويشددهما همدان، قال:


(1) أي هما سواء. (2) في بعض النسخ التي أشير إليها بهامش المطبوعة اختلفت الأمثلة تفصيلا لما أشار إليه بأنه سيجيئ في التصريف، كما تضمنت الأشارة إلى بيت لزياد بن منقذ وهو المرار العدوي، يقول فيه: فقمت للطيف مرتاعا فأرقني * فقلت أهي سرت أم عادني حلم وهو من الشواهد التي أوردها الجار بردي في شرح الشافية وكتب عليه البغدادي في شرحه لشواهد الشافية حيث أضاف إليه شواهد الجاربردي، (3) قوله يشري بمعنى يبيع، والبيت في وصف رجل فقد جمله ويئس من العثور عليه فعرض رحله للبيع ثم فوجئ بمن ينادي أنه عثر على جمل صفته كذا، وفي رواية... رخو الملاط ذلول، وهو بهذه الرواية من شعر للعجير السلولي، (4) يعني إذ هي من هواكا أي من مهويك وهو شطر تقدم ذكره في الجزء الأول ص 307 مع شطر آخر متصل به، وهو من شواهد سيبويه، التي لم يعرف قائلوها، وهو في سيبويه ج 1 ص 9. (*)

[ 420 ]

370 - وإن لساني شهدة يشتفى بها * وهو على من صبه الله علقم 1 ثم، لما فرغوا من وضع المرفوع، شرعوا في وضع المنصوب، لأن النصب علامة الفضلات بلا واسطة، والجر علامتها بواسطة، فابتدأوا بمتصل المنصوب، لتقدمه على منفصله، وشركوا بينه وبين المجرور كما يجئ بعيد، فوضعوا لمتكلمهما ياء، إما ساكنة أو مفتوحة، كما ذكرنا في باب الأضافة 2، و (نا) للمتكلم مع غيره، كما كان في متصل المرفوع، والكاف للمخاطب مثل التاء في التصرف، نحو: ك، كما، كم، ك، كما، كن 3، وبعض العرب يلحق بكاف المذكر إذا اتصلت بهاء الضمير ألفا، وبكاف المؤنث ياء، حكى سيبويه: أعطيتكماه، وأعطيتكيه، تشبيها للكاف بالهاء نحو: أعطيتهاه، وأعطيتهوه، قال أبو علي: وقد تلحق الياء تاء المؤنث مع الهاء، قال: 371 - رميتيه فأقصدت * وما أخطأت الرمية 4 وربما كسرت الكاف في التثنية والجمعين بعد ياء ساكنة أو كسرة تشبيها لها بالهاء نحو: بكما وبكم وبكن، وعليكما وعليكم وعليكن، والكلام في حدف واو (عليكموا) وإسكان الميم، كما مضى في نحو: ضربتم، ولما أرادوا وضع المتصل المنصوب الغائب من هذا القسم: اختصروا مفرديه من المرفوع


(1) لم يتعرض البغدادي في الخزانة لنسبة هذا البيت وكذلك لم ينسبه أحد ممن استشهدوا به بأكثر من قول بعضهم انه لشاعر من همدان، ومعروف أن هذه لغتهم، وأورده صاحب مغني البيب شاهدا على حذف العائد المجرور بحرف من الصلة، (2) انظر في هذا الجزء، ص 264. (3) اقتصر على الجزء المقصود من الضمير كما فعل في المرفوع (4) لم ينسب إلى قائل معين، وقال البغدادي: ان أبا حيان أورده في تذكرته نقلا عن ابن جني وأورده بعده بينه متعلقا به وهو قوله: بسهمين مليخين * أعارتكيهما الظبية ويروى البيت الشاهد: وما أخطأت في الرمية، (*)

[ 421 ]

المنفصل الغائب، فحذفوا حركة الواو والياء من هو، وهي، وقلبوا ياء (هي) ألفا، فصار (ها)، لأن ضمير المذكر إذا ولي الكسر، تقلب واوه ياء نحو: بهي، لما نذكره، فخافوا التباس المؤنث بالمذكر، وحركة هاء المذكر ضمة، إلا أن يكون قبلها ياء أو كسرة، فإن كان قبلها أحدهما فأهل الحجاز يبقون ضمتها ويقولون: بهو، ولديهو، وغيرهم يكسرونها، وعلته أن الهاء حرف خفيف فهو، إذن، حاجز غير حصين، فكأن الواو الساكنة وليت الكسرة أو الياء، فقلبت ياء، وكسرت الهاء لأجل الياء بعدها، وإن كان الساكن غير الياء، فضم الهاء متفق عليه، إلا ما حكى أبو علي أن ناسا من بكر من وائل يكسرونها في الواحد والمثنى والجمعين نحو: منه ومنهما ومنهن، إتباعا للكسر، وهذا هو الكلام في حركة الهاء، وأما الكلام في اشباع حركتها وتركه، فنقول: ننظر في هاء المذكر فإن وليت المتحرك أشبعت كسرتها نحو: بهي، وبهو، ولهو، وضربهو، وغلامهو، فيتولد من الضم واو، ومن الكسر ياء، وبنو عقيل، وكلاب، يجوزون حذف الوصل، أي الواو والياء بعد المتحرك اختيارا مع إبقاء ضمة الهاء وكسرتها، نحو: به وغلامه ويجوزون تسكين الهاء، أيضا، كقوله: 372 - فبت لدى البيت العتيق أريغه * ومطواي مشتاقان له أرقان 1


(1) هذا البيت الشاعر من شعراء الصعاليك اسمه يعلى الأحول الأزدي، كان شريرا يجمع الصعاليك ويغزو بهم ويؤذي الناس فرفع أمره إلى والي مكة من قبل مروان بن عبد الملك، وهو نافع بن علقمة، وهو خال مروان فسجنه، فقال قصيدة في سجنه يتشوق فيها إلى مكة وإلى حياته التي كان يحياها أولها: أو يحكما يا واشي أم معمر * بمن وإلى من جئتما تشيان ثم تحدث عن برق يجئ من ناحية مكة ويقول إنه ظل يترقبه هو وصديقان كانا معه وقوله أريغه أي أطلبه وقوله مطواي بكسر الميم مثني مطو وهو الرفيق أو النظير ولهذا كله قصة ذكرها البغدادي في خزانة الأدب، وفي بعض الروايات: ومطواي من شوق له أرقان، ولا شاهد فيه حينئذ، (*)

[ 422 ]

وغيرهم يجوزونهما، أي اختلاس الحركة وحذفها لضرورة الشعر، لا اختيارا، وإن وليت هاء الضمير ساكنا، حرف لين كان الساكن كعليه أو غيره كمنه، فالمختار: اختلاس الحركة، أي ترك الوصل، لأن الهاء حرف خفي، كما قلنا، فكأنه التقى ساكنان، وابن كثير 1، يصل مطلقا، نحو: عليهي، ومنهو، ونحوهما، فعلى هذا، تجئ في هاء المذكر الذي بعد الكسرة أو الياء، باعتبار ضمها وكسرها، واختلاسها ووصلها: أربع لغات، والكسر أشهر وأكثر، الأولى: كسر الهاء من غير وصل بياء، وهو بعد الياء أكثر منه بعد الكسر لأنه في الأول شبه التقاء الساكنين، والثانية: كسرها مع وصلها بياء نحو: بهي وعليهي، وهو بعد الكسر أشهر منه بعد الياء، لما ذكرنا، والثالثة: ضم الهاء بلا واو، نحو: عليه، وبه، والرابعة: ضم الهاء مع الواو نحو: عليهو، وبهو، ويجئ فيها إذا كانت بعد الكسر لغة خامسة، وهي إشمام كسر الهاء شيئا من الضم، بلا وصل 2، وإن حذف قبل هاء المذكر حرف لين جزما نحو: يرضه وتصله أو وقفا 3 نحو: فألقه، وأغزه: جاز اشباع حركة الهاء، اعتبارا بالمتحرك قبلها في اللفظ، وجاز اختلاسها، اعتبارا بالساكن المحذوف قبلها عارضا، وجاز إسكان الهاء، إجزاء للوصل مجرى الوقف وقد قرئ بها كلها في الكتاب العزيز 4،


(1) عبد الله بن كثير المكي أحد القراء السبعة، وهو من التابعين توفي سنة 120 ه (2) الاشمام في عرف القراء مما لا يدرك إلا بالبصر، لمن ينظر إلى المتكلم فيرى اشارته إلى الضم بشفتيه، (3) يريد بالوقف البناء المقابل للأعراب، (4) من ذلك قوله تعالى في سورة النور، الآية 52 (ومن يطع الله ورسوله، ويخش الله ويتقه فأولئك هم = (*)

[ 423 ]

وأما الهاء في المثني والجمعين، فإن كان قبلها فتحة أو ضمة فهي مضمومه لا غير، نحو: لهما وغلامهم، وإن كان ألف أو واو، أو ساكن صحيح فكذلك، إلا ما حكى أبو علي من نحو: منهما واضربهما واضربهم، على ما مضى، للاتباع وعد الحاجز غير حصين لسكونه،. وإن كان قبلها كسرة أو ياء، فمن قال في الواحد: بهو وعليهو وهم أهل الحجاز، قال في المثنى والجمعين أيضا بضم الهاء، نحو: إن غلاميهم وبغلامهما وبغلامهم، وحمزة 1، يخص بالضم في جمع المذكر: ثلاث كلمات: عليهم، وإليهم ولديهم،. قيل 2: ذلك لكون الياء فيها بدلا من الألف، فأعطي الياء حكم أصلها، وقد جاء: علاه، وإلاه، ولداه، على الأصل، وكان يجب، على هذا التعليل أن يقرأ، في الواحد والمثنى وجمع المؤنث: عليه وعليهما وعليهن، ولم يقرأ، ولعل ذلك لاتباع الأثر، وغير أهل الحجاز يكسرون الهاء في المثنى والجمعين مطلقا، كما في الواحد، وهو الأشهر، هذا كله في حركة الهاء، وأما ميم الجمع التي بعد الهاء المكسورة فلا يخلو من أن تقف عليها، أو، لا، فإن وقفت عليها، فلا بد من تسكين الميم بعد حذف صلتها وكذلك جميع الضمائر: تحذف صلاتها في الوقف، نحو: ضربه، وبه، وبكم، إلا في الألف في: ضربتها،. وبها،


= الفائزون، حيث قرأ غير حفص بكسر القاف مع اختلاس حركة الهاء، عند قالون، واشباعها عند الباقين غير أبي عمرو، فقد أسكنها، وأما حفص فقد أسكن القاف مع تحريك الهاء مختلسا حركتها، وجاء بعض هذه الأوجه لبعض القراء غير السبعة،. (1) هو حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة وتقدم ذكره، (2) يعني في تعليل ما قرأ به حمزة، ولم يرتضه الشارح واختار تعليلا غيره بقوله: ولعل ذلك لاتباع الأثر، (*)

[ 424 ]

وإن لم تقف عليها، فلا يخلو من أن يكون بعدها، متحرك أو ساكن،، فإن كان بعدها ساكن، فكسر الميم لأتباع كسر الهاء، ولالتقاء الساكنين أقيس، نحو: (من دونهم امرأتين 1)، و: (عليهم الذلة) 2، على قراءة أبي عمرو 3، وباقي القراء على ضم الميم، نظرا إلى الأصل، وإن، كان بعدها متحرك، فالاسكان أشهر، نحو: (أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) 4، وبعضهم يشبع ضم الميم نحو: عليهمو غير المغضوب عليهمو، كقراءة ابن كثير، واشباع الكسر في مثله أقيس للاتباع، فصار للميم بعد الهاء المكسورة خمسة أحوال: حالتان قبل الساكن، الكسر والضم، كلاهما مع اختلاس، أي ترك الوصل، وثلاث قبل المتحرك: السكون، واشباع الضم، واشباع الكسر، وكذا إن كان الميم بعد الهاء المضمومة في نحو: بهم وعليهم في لغة أهل الحجاز، وفي نحو: غلامهم، ولهم، وقفاهم، على ما هو متفق عليه، وفي نحو منهم على الأشهر، وكذا في: أنتم، وضربتم، وغلامكم، فلها، أيضا، خمسة أحوال: حالتان قبل الساكن: الضم وهو الأقيس والأشهر، للاتباع والنظر إلى الأصل، والكسر نظرا إلى الساكنين، وهو في غاية القلة، ومنعه أبو علي 5، وثلاث قبل المتحرك: الأولى الاسكان وهو الأشهر، الثانية ضمها ووصلها بواو، الثالثة، وهي مختصة بميم قبل هائها كسرة أو ياء: كسر الميم ووصلها بياء، نحو: عليهمي، وبهمي، فكسر الميم لمجانسة الياء أو الكسرة قبل الهاء، وقلب الواو ياء لأجل كسر الميم، ومنعها، أيضا، أبو علي، ثم لما فرغوا من وضع المنصوب المتصل، أخذوا في وضع المنصوب المنفصل، فجاءوا


(1) الآية 23 سورة القصص، (2) من الآية 112 سورة آل عمران، (3) المراد أبو عمرو بن العلاء، المازني البصري أحد القراء السبعة توفي سنة 18 ه وهو من زعماء النحو المتقدمين، (4) الآية الأخيرة من سورة الفاتحة، (5) أي الفارسي، (*)

[ 425 ]

بإيا، متلوا بصيغة ضمير المنصوب المتصل، واختلف النجاة فيه، فقال سيبويه، والخليل، والأخفش والمازني، وأبو علي: إن الاسم المضمر هو (إيا)، إلا أن سيبويه قال: ما يتصل به بعده حرف يدل على أحوال المرجوع إليه، من المتكلم والخطاب والغيبة، لما كان (إيا) مشتركا، كما هو مذهب البصريين في التاء التي بعد (أن) في: أنت، وأنت، وأنتما، وأنتم، وأنتن، وقد مضى، وقال الخليل والأخفش والمازني: ما يتصل به أسماء، أضيف (إيا) إليها، لقولهم: (فاياه وإيا الشواب) 1، وهو ضعيف، لأن الضمائر لا تضاف، وقال الزجاج والسيرافي: (إيا) اسم ظاهر مضاف إلى المضمرات كأن (إياك) بمعنى نفسك، وقال قوم من الكوفيين، وابن كيسان 2 من البصريين: إن الضمائر هي اللاحقة بإيا، وإيا، دعامة لها، لتصير بسببها منفصلة، وليس هذا القول ببعيد من الصواب، كما قدمناه، في: أنت، وقد تفتح همزة (إيا)، وقد تبدل الهمزة، مفتوحة ومكسورة، هاء، ثم حملوا ضمير المجرور على المنصوب، لأن المجرور مفعول لكن بواسطة، وحملوه على لفظ المنصوب المتصل، لوجوب كون المجرور متصلا على ما مضى، فضمير المجرور مثل ضمير المنصوب المتصل، سواء 3،


(1) من كلام العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإياه الشواب جمع شابة وهي المرأة الصغيرة، وروي فإياه وإيا السوءات: جمع سوأه وهي الخصلة القبيحة، (2) ممن تقدم ذكرهم في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (3) تقديره: هما سواء، وبهذا انتهت قصة الضمائر وما تخيله الرضي في كيفية وضعها والتدرج فيه خطوة خطوة، ورحم الله هذا العالم القدير وما أبرعه، (*)

[ 426 ]

(مواضع استتار الضمير) (قال ابن الحاجب:) (فالمرفوع المتصل خاصة، يستتر في الماضي للغائب والغائبة) (وفي المضارع للمتكلم مطلقا، والمخاطب والغائب، وفي) (الصفة مطلقا)، (قال الرضي:) اعلم أنه لا يستتر من المضمرات إلا المرفوع، لأن المنصوب والمجرور مفعولان، والمرفوع فاعل، وهو كجزء الفعل، فجوزوا في باب الضمائر المتصلة التي وضعها للاختصار: استتار الفاعل، لأن الفاعل، وخاصة الضمير المتصل، كجزء الفعل، فاكتفوا بلفظ الفعل عنه، كما يحذف في آخر الكلمة المشتهرة شئ، ويكون فيما بقي دليل على ما ألقي كما مضى في الترخيم، وعلة استتاره فيما يستتر فيه قد مضت 1، ولا يظهر، أصلا، الضمير المتصل في غائب الماضي وغائبته، وفي المضارع في: أفعل، ونفعل، ويفعل وتفعل مخاطبا وغائبة، وافعل، وفي جميع الصفات وأسماء الأفعال والظروف، وفي خمسة منها لا يظهر الفاعل، لا ظاهرا ولا مضمرا، وهي: أفعل، ونفعل، وتفعل مخاطبا، وافعل، أمرا، واسم فعل الأمر مطلقا، أي في الواحد والمثنى والمجموع، وما يظهر في نحو: (اسكن أنت وزوجك الجنة) 2، تأكيد للمستتر، لا فاعل، بدليل أنك لا تقول،: لا أفعل إلا أنا، ولا تفعل إلا أنت، وفي: فعل، وفعلت، ويفعل: وتفعل للغائبة، يظهر الفاعل المظهر والضمير المنفصل، نحو: ضرب زيد، وما ضرب إلا هو، وتضرب هند، وما يضرب إلا هي، وكذا في


(1) في أول الكلام على كيفية وضع الضمائر، (2) من الآية 35 سورة البقرة، (*)

[ 427 ]

الصفة المفردة، نحو: أقائم الزيدان وما قائم هما، وكذا في الظرف عند أبي علي، إذا اعتمد، نحو: أفي الدار زيد، وما في الدار إلا هو، وكذا في اسم الفعل إذا كان خبرا 1، يظهر الفاعل الظاهر، نحو: هيهات زيد، والضمير المنفصل، نحو: هيهات هما، (لا فصل) (مع إمكان الوصل) (قال ابن الحاجب:) (ولا يسوغ المنفصل إلا لتعذر المتصل، وذلك بالتقديم على) (عامله وبالفصل لغرض، أو بالحذف، أو بكون العامل) (معنويا، أو حرفا والضمير مرفوع، أو بكونه صفة جرت) (على غير من هي له، نحو: إياك ضربت، وما ضربك إلا) (أنا، وإياك والشر، وأنا وزيد، وما أنت قائما، وهند زيد) (ضاربته هي)، (قال الرضي:) اعلم أن أصل الضمائر: المتصل المستتر، لأنه أخصر، ثم المتصل البارز عند خوف اللبس بالاستتار، لكونه أخصر من المنفصل، ثم المنفصل عند تعذر الاتصال، فلا يقال: ضرب أنا، لأن (ضربت) مثله معنى وأخصر منه لفظا،. أقول الضمير المرفوع والضمير المنصوب، يصلحان، كما مر لأن يكونا متصلين ومنفصلين، دون الضمير المجرور، فلنذكر مواقعهما، فنقول: إن الأصل في الضمير المرفوع والمنصوب أن يتصلا بالفعل، لأن المتصل كما مر كالجزء الأخير من الكلمة التي يليها، وكون الشئ كجزء الكلمة إنما يتم، إذا كانت


(1) وهو ما عدا صيغة اسم فعل الأمر، وقوله إذا كان خبرا، يعني في كلام خبري، (*)

[ 428 ]

مقتضية له بالأصالة، ومن حيث الطبع والذات، والفعل مقتض للمرفوع كذلك، ومن ثمة لا يخلو منه فعل، فصح أن يجعل الضمير المرفوع كالجزء الأخير منه، وأما سائر ما يرفع، فهو إما ابتداء، عند البصريين، ولا يصح اتصال المرفوع به لأن المتصل كالجزء من الكلمة المتقدمة، والابتداء معنى وليس بكلمة، وإما مبتدأ وخبر، كما اخترنا في أول الكتاب 1، والمبتدأ اسم، وليس الاسم في اقتضاء المرفوع كالفعل، إذ ليس كل اسم رافعا، والخبر إما اسم وإما جملة، وليس المرفوع، أيضا، من لوازم أحدهما، وأما (ما) الحجازية، فليست، أيضا، كالفعل في طلب المرفوع، إذ هي حرف نفي، ودخولها على الفعل أولى، ومن ثم كان النصب في: ما زيدا ضربته، أولى من الرفع، وأيضا، عملها للرفع بالمشابهة لا بالأصالة، وأما (إن) وأخواتها، فالاسم المرفوع بها لا يجوز اتصاله بها نحو إن زيدا أنت، لما عرفت 2، فلم يكن الضمير المرفوع بهذه الأشياء، إذن، إلا منفصلا، وأما اسم الفاعل، أو اسم المفعول، أو الصفة المشبهة، أو المصدر، أو اسم الفعل، أو الظرف، أو الجار والمجرور فهي، أيضا، لا ترفع بالذات، بل بالحمل على الفعل، ويتصل المرفوع، من هذه الأشياء، بغير المصدر، لكن بشرط الاستتار، كما يجئ، وكذا نقول: الفعل هو المقتضي للمنصوب بالأصالة، وسائر ما ينصب الضمائر وهو إن وأخواتها، وما الحجازية نحو: ما زيد إياك، واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر واسم الفعل: إنما تنصب 3 بمشابهة الفعل والحمل عليه، وكان حق المنصوب، أيضا، ألا يتصل إلا بالفعل، أو الأسماء المشبهة له، كالمرفوع 4، لطلب الفعل له بالذات، والبواقي بالحمل عليه، لكنه لما جاز في الأصل، أي الفعل:


(1) اختار الرضي في الكلام على العوامل، أن المبتدأ والخبر يترافعان وعزر هذا الرأي وأجاب عن كل ما يمكن أن يرد عليه، انظر ص 66 من الجزء الأول، (2) وهو أن العمل فيها بالحمل لا بالأصالة، (3) خبر عن قوله: وسائر ما ينصب، (4) أي كما لا يتصل المرفوع بهذه الأشياء، (*)

[ 429 ]

أن يتصل به مع استغنائه عنه لكونه فضلة، جاز اتصاله بغير الفعل أيضا، إذا شابهه، كما يجئ، فإذا تقرر هذا قلنا: الضمير المرفوع والمنصوب، إما أن يعمل فيهما الفعل أو غيره، وفي الأول يجب اتصاله بعامله إلا في ثلاثة مواضع: الأول: إذا تقدم على عامله، ولا يكون إلا منصوبا، نحو: (إياك نعبد) 1، الثاني: إذا كان الفعل محذوفا نحو قولك: إن إياه ضربت، وإن أنت ضربت، ونحو: إياه، لمن قال: من أضرب ؟، وقد مر في باب التحذير أن: إياك والأسد، من باب تقدم المفعول على ناصبه، وإنما لزم الانفصال في الموضعين، لأن الضمير المتصل هو ما يكون كالجزء الأخير من عامله، فإذا لم يكن قبله عامل، بل كان 2 إما مؤخرا أو محذوفا فكيف يكون كالجزء الأخير من عامله، الثالث: إذا فصل عن عامله لغرض لا يتم بالفصل، وذلك في مواضع، منها: أن يكون تابعا: إما تأكيدا، نحو: (اسكن أنت وزوجك الجنة) 3، ولقيتك إياك، أو بدلا، كقولك بعد ذكر لفظة (أخيك): لقيت زيدا إياه، أو عطف نسق نحو: جاءني زيد وأنت، ولا يقع الضمير وصفا كما تقدم، ومنها: أن يقع بعد (إلا) نحو: ما ضربت إلا إياك، وما ضرب إلا أنا، وأما قوله: 373 - وما نبالي إذا ما كنت جارتنا * ألا يجاورنا إلاك ديار 4 فشاذ لا يقاس عليه، وكذا إذا وقع بعد معنى (إلا) كقوله:


(1) من الآية 5 سورة الفاتحة، (2) بل كان أي العامل في الأمور التي ذكرها، (3) جزء من الآية 35 من سورة البقرة، وتكرر ذكرها، (4) قال البغدادي عن هذا البيت انه مجهول القائل، (*)

[ 430 ]

374 - كأنا يوم قرى إنما نقتل إيانا 1 ومنها: أن يلي (إما)، نحو: جاءني إما أنت أو زيد، ورأيت إما إياك أو عمرا، والغرض منها: 2 إفادة الشك من أول الأمر، ومنها: أن يكون 3 ثاني مفعولي (علمت)، أو (أعطيت) ويورث اتصال الضمير: التباسه بالمفعول الأول، كما إذا أخبرت 4 عن المفعول الثاني في: علمت زيدا أباك، وأعطيت زيدا عمرا، قلت: الذي علمت زيدا إياه: أبوك، والذي أعطيت زيدا إياه: عمرو، ولا يجوز أن تقول: الذي علمته زيدا.. ولا: الذي أعطيته زيدا... لأنه يلتبس المفعول الثاني بالأول، فأما إذا لم يلتبس، فالاتصال في باب (أعطيت) أولى، والانفصال في باب (علمت) 5، كما إذا أخبرت عن المفعول الثاني في: أعطيت زيدا درهما، فقولك: الذي أعطيته زيدا: درهم، أولى من قولك: الذي أعطيت زيدا إياه: درهم، لأنك تقدر على المتصل بلا مانع من فساد اللفظ والمعنى، ومن جوز المنفصل 6، فتوطئة الأزالة اللبس في المفعولين اللذين يحصل فيهما اللبس بالاتصال نحو: أعطيت زيدا عمرا، وإذا أخبرت عن الثاني في: علمت زيدا قائما، فقولك: الذي علمت زيدا إياه:


(1) من شعر لذي الأصبع العدواني يصف موقعة جرت بين قومه وبين أعداء لهم أقوياء: وفيه يقول: لقينا منهم جمعا فأوفى الجمع ما كانا كانا يوم قرى إنما نقتل إيانا وقرى اسم موضع جرت فيه هذه المعركة ثم يقول: قتلنا منهم كل فتى أبيض حسانا (2) أي من (إما) أي من تقديمها، (3) أي الضمير الذي يجب فصله، (4) المراد الاخبار الذي يعبرون عنه بالتدريب وهو جعل شئ خبرا عن شئ وليس المراد الأخبار الذي يكون فيه اللفظ خبرا عن مبتدأ بالمعنى الاصطلاحي، وهو باب مشهور، وسيأتي في الجزء الثالث من هذا الشرح، (5) أي أولي، (6) يعني في حالة عدم اللبس، (*)

[ 431 ]

قائم، أولى من قولك: الذي علمته زيدا قائم، وذلك للتوطئة المذكورة، أو لرعاية أصل المفعول الثاني، إذ العامل فيه، في الأصل، ما يجب انفصاله عنه، كما في: كنت إياه على ما يجيئ، وإن كان الضمير مع غير الفعل، فإما أن يكون مرفوعا أو منصوبا، فالمرفوع لا يكون إلا منفصلا، إذا كان مبتدأ، أو خبرا، أو خبر (ان) وأخواتها، أو اسم (ما) لما مر، وأما إذا ارتفع باسم الفاعل أو المفعول، أو الصفة المشبهة أو اسم الفعل، أو الظرف، أو الجار والمجرور، فإن فصل عن عامله لغرض لا يتم إلا بالفصل، كما ذكرنا في الفعل: وجب انفصاله، نحو: زيد قائم أخوه وأنت، وضارب إما هو أو أخوك، وهيهات زيد وأنت، ومررت برجل في الدار أخوه وأنت، ومثله الضمير البارز بعد الصفة إذا جرت على غير 1 ما هي له، فإنه تأكيد للضمير المستكن فيها، لا فاعلها، كما في: (اسكن أنت وزوجك 2)، وذلك لأنك تقول مطردا نحو: الزيدون ضاربوهم نحن، والزيدان، الهندان ضارباهما، هما، وقد عرفت ضعف نحو: جاءني رجل قاعدون غلمانه 3، وقال الزمخشري في أحاجيه 4، بل تقول: ضاربهم نحن، وضاربهما، هما، فإن ثبت ذلك 5 فهو فاعل، كما قيل، وكذا يجب انفصال الضمير المرفوع بالصفة والظرف، إذا كانا مع المرفوعين جملتين، وذلك إذا اعتمدا على همزة الاستفهام أو حرف النفي نحو: ما قائم أنتم، و: أقدامك


(1) التعبير بما، ليعم كل الصور كما إذا كانت الصفة الجارية على غير ما هي له، لغير عاقل، (2) تكرر ذكرها وتقدمت قبل قليل،. (3) تقدم ذلك في باب النعت (4) لجار الله الزمخشري كتاب اسمه: الأحاجي النحوية والأحاجي جمع أحجية وهي ما يشبه اللغز، (5) أي ما رآه الزمخشري، وقد جاء المثال الثاني في النسخة المطبوعة: وضارباهما، هما وصححناه ليكون متفقا مع ما قاله الزمخشري، (*)

[ 432 ]

هما، و: أفي الدار أنتما، عند أبي علي 1، وذلك لأنه يعرض لهما، إذن، كونهما مع مرفوعيهما جملتين، فاعتني بالمرفوع لكونه أحد جزأي الجملة، فأظهر، إذن، إلى اللفظ، فرقاء بينه، كائنا أحد جزأي الجملة، وبينه إذا لم يكن كذلك، بخلاف اسم الفعل، فإن الضمير المرفوع به: أحد جزأي الجملة أبدا، فلم يحتج إلى الفرق، فاطراد استكنان الضمير فيه على ما هو حق ما شابه الفعل، كما يجيئ، فإن لم يفصل الضمير عن عامله 2، ولم يرتفع بالصفة والظرف المعتمدين، على ما مر، وجب اتصال المرفوع بهما، لكون اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم الفعل، والظرف وأخيه: سادة مسد الأفعال من غير حاجة إلى ضممية، كما احتاج المصدر في تقديره بالفعل إلى (أن)، لكن لا يكون هذا المتصل بهذه الأشياء إلا مستكنا، لكونها أضعف من الفعل في اقتضاء المرفوع، إذ هي فروع عليه في ذلك، فلم يجعل المرفوع بها كجزء من أجزائها في الظاهر، كما جعل في الأصل الذي هو الفعل كذلك، وأما الضمير المرفوع بالمصدر فلا يكون إلا منفصلا، وإن وليه بلا فصل، لأنه لا يقدر بالفعل إلا مع ضميمة (أن)، تقول: أعجبني ضرب أنت زيدا، إذا لم تضف، والأضافة أكثر، لأن الكلام بها أخف، وأعجبني الضرب أنت زيدا، هذا كله في الضمير المرفوع مع غير الفعل، وأما الضمير المنصوب، فكان حقه، أيضا، ألا يتصل إلا بالفعل كالمرفوع، لطلب الفعل له بالذات، والبواقي بالحمل عليه، لكنه لما جاز في الأصل الذي هو الفعل: أن يتصل به مع استغنائه عنه لكونه فضلة، جاز اتصاله بغير الفعل، أيضا، إذا شابهه، فإذا كان مع غير الفعل، فإن كان العامل مما وجب إنفصاله عن المنصوب وضعا،


(1) أي الفارسي واشتهرت نسبة هذا الرأي له، (2) الصورة الثانية لارتفاع الضمير بغير الفعل، (*)

[ 433 ]

كما، الحجازية، نحو: ما زيد إياك، أو فصل بينهما لغرض لا يتم إلا بالفصل، وجب انفصاله، كما ذكرنا في ضمير الفعل، نحو: ما أنا ضارب إلا إياك، وأنا ضارب إما إياك وإما زيدا، وأنا ضاربك إياك، وإن لم يكن كذلك، فلا يخلو من أن يكون الناصب حرفا، أو اسم فعل، أو مصدرا، أو صفة، فالحرف يجب اتصال الضمير به نحو: إنك قائم، وإنك في الدار، وليتك قاعد، ولا تقول: إن في الدار إياك، وذلك لأن الحرف غير مستقل، فالاتصال به واجب مع الأمكان، وكذا يجب الاتصال باسم الفعل، كقوله: تراكها من إبل تراكها 1 - 351 وتقول: رويده، وحيهله، وحكى يونس: عليكني، وإنما وجب الاتصال في القسمين، لما ذكرنا من أن المنفصل لا يجئ إلا عند تعذر المتصل، وجاز، أيضا، الانفصال فيما اتصل به الكاف 2 من أسماء الأفعال، نحو: رويدكه، ورويدك إياه، وعليكه وعليك إياه، تشبيها بنحو: أعطاك إياه وكما يجئ، وإن لم يكن الكاف ذلك الكاف، 3 وأما المصدر، فإن كان منونا: لم يتصل المنصوب به مع التنوين، للتضاد بين التنوين الدال على تمام الكلمة، والضمير المتصل الدال على عدم تمامها، مع ضعف مشابهة المصدر للفعل، فيجب أن تقول: أعجبني ضرب إياك، إن لم تضف، والأضافة أكثر، ولا يمتنع، على ما هو مذهب الأخفش في نحو ضاربك وضارباك، وضاربوك، أن يكون حذف التنوين في: ضربك، أيضا، للمعاقبة، 4 لا للاضافة، فيكون الضمير


(1) تقدم هذا الشاهد في هذا الجزء (2) المراد: كاف الخطاب التي تتصل باسم الفعل وتتصرف بحسب حال المخاطب،. (3) لأن المتصلة باسم الفعل حرف وتلك اسم، (4) يعني أنه يعاقب الأضافة في دلالة أحدهما على تمام الاسم والآخر على عدم التمام، (*)

[ 434 ]

منصوبا، كما مر في باب الأضافة، 1 وإن كان المصدر ذا لام، فالأشهر انفصال الضمير بعده نحو: أعجبني الضرب إياك، لمعاقبة الألف واللام للتنوين في تمام الكلمة، وجوز الأخفش: الضربك، والضمير منصوب، وأما اسما الفاعل والمفعول، ففي اتصال الضمير بهما، منونين كانا أو، لا: خلاف، كما مضى في باب الأضافة 2، واتصاله بهما أولى من اتصاله بالمصدر، لكون مشابهتهما للفعل أكثر من مشابهة المصدر له، تقول: ضاربك، وضارب إياك، والضاربك والضارب إياك، والمعطى إياك والمعطاك، ومعطى إياك ومعطاك، وأما الظرف، والجار والمجرور، فلكونهما قائمين مقام الفعل اللازم، لا يجئ بعدهما ضمير منصوب بهما، ولنعد إلى شرح ما يحتاج إلى الشرح من كلام المصنف، قوله: (أو بالفصل لغرض)، احتراز عن نحو: ضرب زيد إياك، فإنه يجوز ذلك مع وجود الفصل، وذلك لأن الفصل لا غرض فيه، إذ قولك: ضربك زيد، بمعناه، فإن قلت: أليس ذكر الفاعل قبل المفعول مفيدا أن ذكر المفعول ليس بأهم، ولو ذكرت المفعول قبل الفاعل أفاد أن ذكر المفعول أهم ؟ قلت: تقديم المفعول على الفاعل لا يفيد ذلك، بل قد يكون لا تساع الكلام، بلى، قيل إن تقديم المفعول على الفعل يفيد كونه أهم، والأولى أن يقال: إنه يفيد القصر كقوله تعالى: (بل الله فاعبد) 3، أي: لا تعبد إلا الله، وكذا تقول في المفعول المطلق: ضربته


(1) في هذا الجزء، ص 233. (2) في هذا الجزء، ص 233 (3) من الآية 66 في سورة الزمر، (*)

[ 435 ]

زيدا، أي ضربت زيدا ضربا، ولا تقول: ضربت زيدا إياه، وكذا تقول: يوم الجمعة لقيت زيدا، ولا تقول: لقيت زيدا إياه، وأما نحو قوله: 375 - بالباعث الوارث الأموات، قد ضمنت * إياهم الأرض في دهر الدهارير 1 فضرورة، قوله: (أو بكونه مسندا إليه صفة جرت على غير من هي له)، قد ذكرنا أنه ليس بمسند إليه الصفة، بل هو تأكيد للمسند إليه، ثم نقول: إنما برز هذا الضمير: تأكيدا إذا جرت الصفة على غير من هي له، ونعني بالصفة: اسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، ونعني بالجرى أن تكون نعتا، نحو: مرت هند برجل ضاربته هي، أو حالا نحو: جئتماني وجاءني زيد ضاربيه أنتما، أو صلة نحو: الضاربة أنت: زيد، أو خبرا نحو: زيد هند ضاربها هو، فنقول: إذا اختلف ما جرى عليه متحمل الضمير المؤكد، وما هو له في الأفراد وفرعيه، أعني التثنية والجمع، وفي التذكير وفرعه أي التأنيث، فلا لبس، سواء كان المتحمل للضمير صفة أو فعلا، نحو: زيد هند ضاربها هو، أو: يضربها هو، فلو لم تأت بالضمير في: ضاربها، أيضا، لعلم أن الضارب لزيد، 2 لا لهند،


(1) قوله بالباعث، متعلق بقوله: إني حلفت في بيت قبله وهو: إني حلفت ولم أحلف على فند * فناء بيت من الساعين معمور وفناء بيت تقديره في فناء بيت، يريد به الكعبة، ودهر الدهارير أي الدهر الطويل القديم، والمقسم عليه هو قوله بعد ذلك: لو لم يبشر به عيسى وبينه * كنت النبي الذي يدعو إلى النور وهو من قصيدة للفرزدق في مدح يزيد بن عبد الملك، وقد بالغ في مدحه إذ يقول إنه لو لا أن عيسى عليه السلام بشر بالنبي محمد لكنت أنت هذا النبي، (2) يعني أنه يعلم أن المقصود بلفظ الضارب زيد، لا هند، (*)

[ 436 ]

وإن اتفقا في الأفراد أو فرعيه، وفي التذكير أو فرعه، فإن اتفقا في الغيبة أيضا، فاللبس حاصل، فعلا كان المتحمل، أو صفة، ولا يرتفع ذلك اللبس بالأيتان بالمنفصل، نحو: زيد عمرو ضاربه هو، أو ضربه هو، والزيدان العمران ضارباهما هما، أو يضربانهما هما، وكذا في المؤنث والجمعين، وإن اختلفا في الغيبة والخطاب والتكلم فاللبس منتف في جميع الأفعال، نحو: أنا زيد ضربته أو أضربه، والزيدان نحن ضربانا أو يضرباننا، وهند أنا ضربتني أو تضربني، إلا في 1 غائبة المضارع مع المخاطب، وفي غائبتيه مع المخاطبين، نحو أنت هند تضربها وهند أنت تضربك، وأنتما الهندان تضربانهما، والهندان أنتما تضربانكما، فإن اللبس حاصل ههنا، ويرتفع بإبراز الضمير 2، وأما الصفة فاللبس حاصل في جميعها مع الاختلاف المذكور، ويرتفع بالتأكيد بالضمير، نحو: أنا زيد ضاربه أنا، ونحن الزيدان ضارباهما نحن، والزيدون نحن ضاربونا هم، وكقول المؤنث: أنا هند ضاربتها أنا، فلما رفع الأتيان بالمنفصل اللبس في هذه الصورة، طرد الاتيان به عند البصريين في صور الصفة الثلاث، أعني إذا كان لبس ويرتفع بالضمير، وإذا كان ولم يرتفع، وإذا لم يكن، وأما الكوفيون فأجازوا ترك التأكيد بالمنفصل في الصفة إن أمن اللبس، نحو: هند زيد ضاربته، قال: وإن امراءا أسرى إليك ودونه * من الأرض موماة وبيداء سملق - 195 لمحقوقة أنتستجيي لصوته * وأن تعلمي أن المعان موفق 3 وكذا إذا لم يرتفع اللبس بالضمير، ولا بعد في مذهبهم، وأما الفعل قد اتفقوا كلهم على أنه لا يجب تأكيد ضميره، ألبس أو لم يلبس،


(1) استثناء من قوله في جميع الأفعال، (2) سيأتي بعد قليل أنه لا عبرة بضمير المفعول في مثل هذه الصور وإن كان يرتفع اللبس به، (3) من قصيدة الأعشي في مدح المحلق، وتقدم ذكرهما في باب الحال من هذا الجزء (*)

[ 437 ]

لأن التأكيد فيه لا يرتفع اللبس إلا في أربعة مواضع فقط، كما ذكرنا، وهي: أنت هند تضربها، وأنتما الهندان تضربانهما، وهند أنت تضربك والهندان أنتما تضربانكما، بخلاف الصفة فإن رفع اللبس بالتأكيد، حاصل فيها في كل موضع اختلف فيه من جرت عليه ومن هي له غيبة وخطابا وتكلما، فإن قلت: 1 ضمير المفعول مع هذا الاختلاف، رافع للبس، ففي نحو قولك: أنا زيد ضاربه، بالهاء يعرف أن (ضارب) مسند إلى (أنا)، إذ لو كان مسندا إلى زيد لقلت: ضاربي، فلم لم يكتفوا في رفع اللبس بهذا الضمير ؟،. قلت: لما كان هذا الضمير لم يؤت به لمجرد رفع اللبس وكان مما يجوز حذفه، خيف الالتباس على تقدير حذفه، فأتي بضمير لا يجوز حذفه، لمجرد رفع اللبس 2، (جواز الفصل والوصل) (ومواضع كل منهما) (قال ابن الحاجب:) (وإذا اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا، فإن كان) (أحدهما أعرف وقدمته، فلك الخيار في الثاني، نحو:) (أعطيتكه وضربيك، وإلا فهو منفصل مثل أعطيته إياك) (وإياه)،


(1) هذا ما أشرنا من قبل إلى أنه لا يكفي في رفع اللبس، (2) متعلق بقوله أتي بضمير، (*)

[ 438 ]

(قال الرضي:) إذا ولي ضميران عاملا - خاليا من موانع الاتصال المذكورة 1 - فإن كان الثاني تابعا، فلا بد من اتصال الأول وانفصاله 2، نحو: (اسكن أنت) 3، ورأيتك إياك، لأن التابع ليس من مطلوبات الفعل حتى يتصل به ويكون كأحد أجزائة، وإن لم يكن 4، فإن كان أحدهما مرفوعا متصلا، فالواجب تقدمه على المنصوب، لما تقرر من كون المتصل المرفوع متوغلا في الاتصال وكائنا كجزء الفعل حتى سكن له لام الفعل، وكل ضمير ولي ذلك المرفوع فلا بد من كونه متصلا، سواء كان أعرف من ذلك المرفوع نحو: ضربتني، أو، لا، نحو: ضربتك، وقد عرفت أن الأعرف هو المتكلم ثم المخاطب ثم الغائب، وإنما وجب اتصال الثاني لكونه كالمتصل بذلك العامل، لأن المرفوع المتصل كالجزء من رافعه، على ما مر، وإن ولي ذلك العامل منصوب متصل بلا مرفوع قبله، نحو: أعطاك زيد، أو جاء المنصوب المتصل بعد ضمير مرفوع، نحو: أعطيتك، فالضمير الذي يلي ذلك المنصوب إما أن يكون أنقص مرتبة منه في التعريف، أو أعرف، أو مساويا، فالأول يجب اتصاله عند سيبويه، وغير سيبويه: جوز الاتصال والانفصال نحو: أعطا كه زيد، وأعطاك إياه زيد، وأعطيتكه، وأعطيتك إياه، وكذا خلتكه وخلتك إياه، وجه اتصاله أن المتصل الأول أشرف منه بسبب كونه أعرف، فلا غضاضة على الثاني بتعلقه بما هو أشرف منه


(1) قوله خاليا من موانع الاتصال المذكورة، زيادة أشير إليها في هامش المطبوعة وأنها في بعض النسخ، وفي إثباتها فائدة، (2) أي الثاني منهما (3) من الآية 35 من سورة البقرة وتكرر ذكرها، (4) أي وإن لم يكن تابعا، (*)

[ 439 ]

وصيرورته من جملته بالاتصال، ووجه انفصاله أن المتصل الأول فضلة، ليس اتصاله كاتصال المرفوع، والانفصال في باب (خلت) أولى منه في باب (أعطيت) لأن المفعول الأول في باب (أعطيت)، فاعل من حيث المعنى، كما مضى في باب ما لم يسم فاعله 1، فكأن الثاني اتصل بضمير الفاعل، وفي مفعولي (خلت)، فإذا بعد 2 رائحة المبتدأ والخبر اللذين حقهما الانفصال ووجب اتصال أولهما لقربه من الفعل، فالأولى في الثاني الانفصال رعاية لأصلة، والثاني، أعني الأعرف، يجب انفصاله عند سيبويه، وحكى سيبويه 3 عن النجاة تجويز الاتصال أيضا نحو: أعطاهوك وأعطاهاني، قال: 4 إنما هو شئ قاسوه، ولم تتكلم به العرب، فوضعوا الحروف غير موضعها، واستجاد المبرد مذهب النجاة، وإنما لم يجئ في الثاني الاتصال ههنا سماعا، لأن الثاني أشرف من الأول بكونه أعرف فيأنف من كونه متعلقا بما هو أدنى منه، والذي جوز ذلك قياسا لا سماعا، نظر إلى مجرد كون الأول متصلا،. وأما الثالث، أعني المساوي للمتصل المنصوب فنقول: إن كانا غائبين نحو: أعطاهوها، وأعطاهاه، قال سيبويه: جاز الاتصال، وهو عربي، لكنه ليس بالكثير في كلامهم، بل الأكثر: انفصال الثاني، وإن لم يكونا غائبين، فالمبرد يجيز اتصال الثاني ويستحسنه قياسا على الغائبين، ومنعه سيبويه، وألزم النجاة القائلين بجواز: أعطاهوك، وأعطاهاني تجويز: منحتنيني، أي: منحتني نفسي، وهذا


(1) ص 221 من الجزء الأول (2) تعليل لأولوية الانفصال في باب خلت، فكأنه قال وأما في مفعولي خلت الخ... (3) كلام سيبويه في هذا الموضع منقول بشئ من التصرف وهو في الكتاب ج 1 ص 384 وما بعدها، (4) أي سيبويه، (*)

[ 440 ]

دليل على أنهم لا يقولون به، وإنما كان الانفصال ههنا، أيضا: المشهور، لأنه يأنف الثاني من أن يتعلق بما هو مثله، ويصير من تتمته وذيوله، وإنما جاز ذلك 1 في الغائبين، لعود كل منهما إلى غير ما عاد إليه الآخر، بخلاف المخاطبين والمتكلمين، إذ يستقبح اجتماع المثلين لفظا ومعنى، وإنما لم يجئ في التابع نحو: ضربتهوه 2، كما جاء: أعطاهوه، لأن طلب الفعل المتعدي للمفعول ضروري من حيث المعنى، بخلاف طلبه للتأكيد، فلما كان جذبه للمفعول أشد، كان اتصاله به أليق من اتصال التأكيد، هذا، كله في الضميرين بعد الفعل، وأما إذا كانا بعد الاسم، والأول منهما مرفوع متصل ولا يكون إلا مستترا، كما مر، نحو: زيد ضاربك، فقد ذكرنا قبل، جواز اتصال الثاني وانفصاله، أيضا، نحو: زيد ضارب إياك، وإن كان الأول مجرورا، فإن كان الثاني منصوبا، فكما إذا كانا بعد الفعل وكلاهما منصوب، أي: ينظر إلى الثاني، هل هو أنقص تعريفا، أو أزيد، أو مساو، وتقول في الأنقص: ضربكها، وضربك إياها قال: 376 - فلا تطمع أبيت اللعن فيها * ومنعكها بشئ يستطاع 3 وكذا: اسم الفاعل نحو: معطيكها ومعطيك إياها، فهو مثل: أعطيتكه وأعطيتك إياه، إلا أن الانفصال فيما ولي الضمير المجرور أولى من الانفصال فيما ولي الضمير المنصوب،


(1) أن تعلق الثاني بما هو مثله، (2) أي مع قولنا ضربته اياه على أن الثاني من الضميرين تأكيد للأول، (3) سكاب اسم فرس، وهو مثل حذام وقطام في أعلام المؤنث، والبيت أحد أبيات في الحماسة غير منسوبة، وهي لشاعر كانت له فرس جيدة اسمها سكاب، وطلبها منه أحد الملوك فرد عليه بهذه الأبيات، وفي ضمنها مدح للفرس وضمن بها أن تباع أو تعار، وأنه مع من حوله من قومه قادر على منعها منه، (*)

[ 441 ]

لأن الفعل أقعد في اتصال الضمير به من المصدر واسم الفاعل، لأنه 1 يطلب الفاعل والمفعول لذاته، وهما لمشابهته، وكذا يشد الاتصال في الثاني فيهما 2 إذا كان أزيد، أو مساويا، نحو: ضربهوك، وضربهوه، قال: 377 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة * لضغمهماها يقرع العظم نابها 3 وإن كان بعد الضمير المجرور مرفوع، فلا بد من كونه منفصلا، سواء كان أعرف من المجرور أو أنقص أو مساويا، إذ البارز المرفوع المتصل، لا يتصل إلا بالفعل، كما ذكرنا، نحو: ضربك هو، وضربك أنا، وضربه هو، ولا يكون الأول منهما منصوبا إلا عند هشام 4 والأخفش كما مر، في باب الأضافة 5 في نحو: ضاربك، فحكم الضمير الذي يليه، عندهما، حكم الضمير الذي يلي المجرور، كما مر، قوله: (وليس أحدهما مرفوعا)، لأنه إن كان مرفوعا وجب تقديمه واتصال الثاني، كما تقدم، سواء كان الأول أعرف، أو، لا، قوله: (فإن كان أحدهما أعرف)، إنما كان ذلك لأنه إن لم يكن أحدهما أعرف،


(1) أي الفعل، (2) يعني في المصدر والوصف، (3) لشاعر جاهلي اسمه مغلس بن لقيط، كان له أخ عزيز عليه بار به فمات وبقي له اخوان أو قريبان اسمهما مدرك ومرة، لقي منهما ما يضايقه فتذكر أخاه الذي مات وقال في ذلك أبياتا منها: وأبقت لي الايام بعدك مدركا * ومرة، والدنيا كريه عتابها قرينين كالذئبين يقتسمانني * وشر صحابات الرجال ذئابها إلى أن قال: وقد جعلت نفسي تطيب،... يعني أنه أصبح يسره أن تنزل بهذين الرفيقين نازلة كنى عنها بالضغم أي العض الشديد الذي يجعل الناب يغوص في اللحم حتى يقرع العظم، وهذا الشاهد في سيبويه ج 1 ص 384. (4) المراد: هشام بن معاوية الملقب بهشام الضرير، من زعد النحو في الكوفة، وتقدم ذكره في هذا الجزء وفي الجزء الأول، (5) انظر ص 233 في هذا الجزء، (*)

[ 442 ]

ولم يكن أحدهما مرفوعا، وجب انفصال الثاني نحو: أعطاك إياك، وضربي إياي، قوله: (وقدمته)، أي قدمت الأعرف، لأنه إذا كان أحدهما أعرف وأخرته وليس أحدهما مرفوعا وجب انفصال الثاني، نحو: أعطاه إياك، فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة: أحدها ألا يكون أحدهما مرفوعا، والثاني أن يكون أحدهما أعرف، والثالث أن يكون الأعرف مقدما: كان 1 لك الخيار في الثاني، وعلل جميع ذلك مفهومة مما قدمنا، قوله: (وإلا فهو منفصل)، أي إن لم يكن أحدهما أعرف كأعطاك إياك، أو إن كان أعرف لكنه ليس بمقدم، كأعطاك إياي وأعطاه إياك، فالثاني منفصل، كما رأيت، (حكم الضمير) (بعد كان، ولو لا، وعسى) (قال ابن الحاجب:) (والمختار في خبر كان: الانفصال، والأكثر: لو لا أنت) (إلى آخرها، وعسيت إلى آخرها، وجاء: لو لاك وعساك) (إلى آخرها)، (قال الرضي:) إنما كان المختار في خبر (كان) وأخواتها: الانفصال، لأن اسمها في الحقيقة ليس فاعلا حتى يكون كالجزء من عامله، بل الفاعل في الحقيقة مضمون الجملة، لأن الكائن


(1) جواب قوله: فإذا اجتمعت الشروط... (*)

[ 443 ]

في قولك: كان زيد قائما: قيام زيد، كما يجئ في الأفعال الناقصة، قال عمر بن أبي ربيعة: 378 - لئن كان إياه لقد حال بعدنا * عن العهد والأنسان قد يتغير 1 وقال: 379 - ليت هذا الليل شهر * لا نرى فيه عريبا 2 ليس إياي وإياك، * ولا نخشى رقيبا وقد جاء، على ما حكى 3 سيبويه: ليسني وكانني، قال: 380 - عددت قومي كعديد الطيس * إذ ذهب القوم الكرام ليسي 4 وقيل لبعض العرب: إن فلانا يريدك، فقال: عليه رجلا ليسني، وقال أبو الأسود: 381 - فإن لا يكنها أو تكنه فإنه * أخوها غذته أمه يلبانها 5


(1) من قصيدته المشهورة التي أولها: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر * غداة غد أم رائح فمهجر وهي من جيد شعره، وقبل بيت الشاهد: قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه * أهذا المغيري الذي كان يذكر ؟ (2) نسبهما الأعلم في شرح شواهد سيبويه إلى عمر بن أبي ربيعة، وفي الأغاني أنهما للعرجي، وهو عبد الله ابن عمر بن عثمان بن عفان، والشاهد في سيبويه ج 1 ص 381، (3) انظر سيبويه، ج 1 ص 37، (4) من رجز لرؤبة بن العجاج، ويروى: عهدي بقومي... ويروى: عهدت قومي، والطيس: المراد العدد الكثير، وقيل ان معناه: كل ما على وجه الأرض، وقيل: هو كل خلق كثير النسل كالنمل والذباب ونحوهما من الهوام، وقيل انه أراد الرمل والله أعلم، (5) هذا البيت منسوب لأبي الأسود الدؤلي رحمه الله، وقبله بيت يوضح معناه وهو: دع الخمر يشربها الغواة فإنني * رأيت أخاها مجزئا بمكانها قالوا: أراد بقوله: أخاها، الزبيب، أو ما يصنع منه من النبيذ لأنهما، هما والخمر المصنوع من العنب ينتميان إلى أصل واحد، (*)

[ 444 ]

ووجه الاتصال كون الاسم كالفاعل، والخبر كالمفعول، فكنته، كضربته، قوله: (والأكثر لو لا أنت إلى آخرها)، يعني أن الأولى أن يجئ بعد لو لأ، خ خ، غير التحضيضية، ضمير مرفوع منفصل، لأنه: إما مبتدأ، أو فاعل فعل محذوف، أو مرتفع بلو لا، على ما مر في باب المبتدأ 1، فيجب على الأوجه الثلاثة: الانفصال، وقد يجئ بعدها الضمير المشترك بين النصب والجر، إلا عند المبرد فإنه منعه، قال هو خطأ، والصحيح وروده، وإن كان قليلا، كقوله: 382 - أومت بعينيها من الهودج * لولاك في ذا العام لم أحجج 2 وقوله: 383 - وكم موطن لولاي طحت كما هوى * بأجرامه من قلة النيق منهوى 3 والضمير، عند سيبويه مجرور، و (لو لا) عنده حرف جر ههنا خاصة، قال 4: ولا يبعد أن يكون لبعض الكلمات مع بعضها حال، فتكون (لو لا) الداخلة على الضمير المذكور حرف جر، مع أنها مع غيره غير عاملة، بل هي حرف يبتدأ بعدها نحو: لو لا


(1) ص 274 من الجزء الأول،. (2) من شعر عمر بن أبي ربيعة، ورووا بعده: أنت إلى مكة أخرجتني * حبا ولو لا أنت لم أخرج وقال بعضهم انه للعرجي لأن له قصيدة على الوزن والقافية أولها: عوجي علينا ربة الهودج * انك ان لا تفعلي تحرجي (3) من قصيدة جيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاصي الثقفي، فيها عتاب لأخيه عبد ربه، وأولها: تكاشرني كرها كأنك ناصح * وعيناك تبدي أن صدرك لي دوي لسانك لي حلو وغيبك علقم * وشرك مبسوط وخيرك منطوي وقوله: وصدرك لي دوي، على وزن فرح من دوي إذا امتلأ بالحقد والضغن. (4) كثير مما جاء هنا في هذا الموضع، من كتاب سيبويه ج 1 ص 388 وهو في الغالب منقول بالمعنى، وكذلك قوله بعد ذلك: ومثل ذلك أي جعله مثل لدن، (*)

[ 445 ]

زيد، ولو لا أنت، ومثل ذلك بلدن، فإنها تجر ما بعدها بالأضافة، إلا إذا وليتها (غدوة) فإنها تنصبها، كما يجئ، وفي قوله نظر، وذلك أن الجار إذا لم يكن كما في: بحسبك، فلا بد له من متعلق، ولا متعلق في نحو: لولاك لم أفعل، ظاهرا، ولا يصح تقديره، وقال أبو سعيد السيرافي: الجار والمجرور، أي: لولاك، في موضع الرفع بالابتداء، كما في: بحسبك درهم، وفيه نظر، لأن ذلك إنما يكون بتقدير زيادة الجار، وإذا لم يكن زائدا فلا بد له من متعلق، فيكون مفعولا لذلك المتعلق لا مبتدأ، وعند الأخفش والفراء: أن الضمير بعدها، ضمير مجرور ناب عن المرفوع، كما ناب المرفوع عن المجرور في: ما أنا كأنت، وإن رجح مذهب سيبويه بأن التغيير عنده تغيير واحد، وهو تغيير (لو لا) وجعلها حرف جر، يرجح 1 مذهب الأخفش بأن تغيير الضمائر بقيام بعضها مقام بعض، ثابت في غير هذا الباب، بخلاف تغيير (لو لا) بجعلها حرف جر، وارتكاب خلاف الأصل، وإن كثر، إذا كان مستعملا، أهون من ارتكاب خلاف الأصل غير المستعمل وإن قل، وكذلك: الأولى أن يجئ بعد (عسى) ضمير مرفوع متصل نحو عسيت وعسينا. إلى عسين، لأنه فعل، وما بعده فاعله، وقد جاء بعد (عسى) الضمير المنصوب المتصل نحو: عساك، وفيه ثلاثة مذاهب، قال سيبويه 2: عسى محمول على (لعل) لتقاربهما معنى لأن معناهما الطمع والاشفاق،. تقول: عساك أن تفعل كذا، تحمله على (لعل) في اسمه، فتنصبه به ويبقى خبره مقترنا


(1) جواب قوله: وإن رجح مذهب سيبويه، يريد أن لكل من المذهبين ما يرجحه وإن كان الرجحان أقوى إلى جانب مذهب الأخفش، (2) وهذا أيضا منقول بمعناه من كتاب سيبويه ج 1 ص 388 (*)

[ 446 ]

بأن كما كان مقتضاه في الأصل أعني في نحو: عسى زيد أن يخرج، فيكون الخبر من وجه محمولا على خبر (لعل) وهو كونه في محل الرفع، ومن وجه مبقى على أصله وهو اقترانه بأن، لأن خبر (لعل) في الأصل: خبر المبتدأ، ولا يقال: أنت أن تفعل، فاقتران المضارع بأن في: عساك أن تفعل لا يناسب خبر (لعل)، وقد يقال: عساك تفعل من غير (أن)، واستعماله أكثر من استعمال: عسى زيد يخرج، وذلك لحملهم (عسى) على (لعل) في اسمه، فأجروا خبره، أيضا، في طرح (أن) مجرى خبره، لكن لا يخرج بالكلية عن أصله، فلا يقال: عساك خارج، كما يقال: لعلك خارج، وربما يجئ خبر (لعل) مضارعا بأن 1، حملا لها على (عسى) في الخبر وحده، كما حمل (عسى) في: عساك أن تفعل، على (لعل) في اسمه وحده، قال: 384 - لعلك يوما أن تلم ملمة * عليك من اللائي يدعنك أجدعا 2 وقال بعضهم: إن الخبر محذوف، أي: لعلك تهلك أن تلم ملمة، أي لأن تلم وهذا الاستعمال في لعل، كثير في الشعر، قليل في النثر، فعلى مذهب سيبويه: عسى، مغير عن أصله والضمائر جارية على القياس، تبعا لتغير (عسى) كما قال في (لولاك)، وحمل (عسى) على (لعل) في نصب الاسم ورفع الخبر مخصوص بكون اسمه ضميرا، كما كان جر (لو لا 3) عنده مختصا بالضمير، فلا يقال: عسى زيدا يخرج، اتفاقا منهم، واستدل 4 على كون الضمير منصوبا بلحوق نون الوقاية في: عساني، قال:


(1) يعني مضارعا مقرونا بأن، (2) هذا من قصيدة متمم بن نويرة التي رثى بها أخاه مالكا، وهو في هذا الجزء من القصيدة بخاطب الشخص الذي جاء بنعي مالك مسرعا، واتهمه متمم بأنه فرح بموت مالك فهو يقول له لا تفرح ولا تشمت فإنك معرض لأن تلم بك ملمة من تلك الملمات اللاتي يدعنك ذيلا خاضعا، (3) أي عملها الجر، (4) أي سيبويه، انظر الموضع المشار إليه سابقا، (*)

[ 447 ]

385 - ولي نفس أقول لها إذا ما * تنازعني لعلي أو عساني 1 لأن هذه النون لم تلحق الياء بعد الفعل إلا إذا كانت منصوبة، وقال الأخفش 2: عسى باقية على أصلها، والضمائر المنصوبة بعدها قائمة مقام المرفوعة، اسما لعسى، وقولك: أن تفعل، أو: تفعل، منصوب المحل خبرا لها، كما كان في: عسيت أن تفعل، وعسيت تفعل، ونقل عن المبرد وجهان في نحو: 386 - يا أبتا علك أو عساكا 3 أحدهما: أن الضمير البارز منصوب بعسى خبرا لها، والاسم مضمر فيها مرفوع، فيكون كقولهم: عسى الغوير أبوسا 4، وهو ضعيف من وجوه: أحدها أن مجئ خبر (عسى) اسما صريحا شاذ، والثاني: أن ذلك لا يستمر إذا جاء بعد الضمير المنصوب: الفعل المضارع مع (أن) أو مجردا، نحو: عساك أن تفعل، أو تفعل، إلا أن يجعل (أن تفعل) بدلا من الكاف، بدل الاشتمال، أي عسى الأمر إياك فعلك، ويكون (تفعل) في: عساك تفعل، حالا من الكاف، ويضمر اسم عسى على حسب مدلول الكلام، كما تقول في عساك تظفر بالمراد:


(1) لعمران بن حطان، الخارجي، وهو من القعدية الذين كانوا يعقدون عن الحروب مع أنهم يحثون غيرهم عليها ويزينونها لهم، يقول: إذا نازعتني نفسي في أمر من أمور الدنيا قلت لها: لعلي أتورط فيها فأكف عما تدعوني إليه، وقيل في تفسيره، غير ذلك، (2) هذا هو المذهب الثاني، (3) شطر من الرجز لرؤية بن العجاج، ويزعم قوم أنه لأبيه العجاج، ورواية الشاهد هكذا هي المشهورة، وقيل ان الرواية: تقول بنتي قد أني إناكا * تأنيا علك أو عساك، ومعنى أني إناك، حان وقتك، أي وقت ارتحالك في طلب الرزق، (4) هذا من كلام الزباء في قصتها الشهيرة مع قصير، وكان قد غاب عنها فافتقدته فقيل لها انه ذهب إلى الغوير وهو مكان، فقالت: عسى الغوير أبؤسا، جمع بؤس، (*)

[ 448 ]

عسى الواصل إياك ظافرا، أو يكون المضارع بتقدير (أن) كما في قولهم: تسمع بالمعيدي 1 فيكون (تفعل) بدلا من الكاف كما في: عساك أن تفعل، وكل هذا تكلف، وأيضا، ليس لذلك المضمر مفسر ظاهر، وثاني الوجهين المنقولين عنه: أن الضمير المنصوب خبر، قدم إلى جانب الفعل فاتصل به، كما في: ضربك زيد، والاسم إما محذوف كما في قوله: يا أبتا علك أو عساكا 2 - 386 على حسب دلالة الكلام عليه، كما حذف في قولهم: جاءني زيد ليس إلا، أي ليس الجائي إلا زيدا، وإما مذكور كما في قولك: عساك أن تفعل وكذا في عساك تفعل، بتقدير (أن)، أقول: إن أراد بحذف الفاعل إضمارة، كما هو الظاهر في (ليس) فهو الأول، والظاهر أنه قصد الحذف الصريح، فيكون ذهب مذهب الكسائي في جواز حذف الفاعل كما مر في باب التنازع ويكون موضع الفاعل المحذوف بعد الضمير المنصوب، ويكون: عساك أن تفعل، عنده، بمنزلة قاربك الفعل كما أن: عسيت أن تخرج، عند النجاة، بمنزلة قاربت الخروج، ولا يكون الاسم والخبر مبتدأ وخبرا، لأن أحدهما جملة والآخر حدث، إلا أن يقدر في أحدهما مضاف، أي: عسى حالك أن تفعل، أو: عساك صاحب أن تفعل كما يجئ في أفعال المقاربة،


(1) المعيدي نسبة إلى معد بتشديد الدال وبصيغة التصغير فحذفت منه إحدى الدالين تخفيفا بدون قياس موجب لذلك، ونقلوا عن الكسائي أنه كان يقول هو بتشديد الدال على الأصل، (2) هو الشاهد المتقدم قريبا، (*)

[ 449 ]

(نون الوقاية) (الغرض منها ومواضع دخولها) (قال ابن الحاجب:) (ونون الوقاية مع الياء لازمة في الماضي، ومع المضارع عريا) (عن نون الأعراب، وأتت مع النون، ولدن، وإن وأخواتها) (مخير، ويختار في: ليت، ومن، وعن، وقد وقط،) (وعكسها لعل)، (قال الرضي:) اعلم أن نون الوقاية إنما تدخل الفعل لتقيه من الكسر، لأن ما قبل ياء المتكلم يجب كسره، كما مر في باب الأضافة، ولما منعوا الفعل الجر وكانت الكسرة هي أصل علامات الجر، والفتح والياء فرعاها كما تبين في أول الكتاب، كرهوا أن يوجد فيه ما يكون في بعض الأحوال علامة الجر، مبالغة في تبعيده من الجر، ودخولها في نحو أعطاني، ويعطيني: إما طردا للباب، أو لكون الكسر مقدرا على الألف والياء لو لا النون، كما في: عصاي وقاضي، ودخولها مع نون الأعراب نحو: يضربونني، ونون التأكيد نحو: اضربنني ومع ضمير المرفوع المتصل نحو: ضربتني وضربنني ويضربنني، إنما جاز لكون نوني الأعراب والتأكيد والضمائر المذكورة كجزء الفعل، ولم يحفظوا الفعل من الكسر الذي للساكنين في نحو: (قل ادعوا الله 1)، واضرب اضرب، لأن الكسرة العارضة للياء ألزم من الكسرة العارضة للساكنين في نحو: قل


(1) من الآية 110 في سورة الأسراء، (*)

[ 450 ]

ادعوا، إذ الياء لكونها ضميرا متصلا كجزء الكلمة، وثانية الكلمتين في نحو: قل ادعوا، مستقلة، فنقول: 1 تلزم هذه النون جميع أمثلة الماضي، وتلزم من المضارع ما ليس فيه نون الأعراب، والذي فيه نون الأعراب من المضارع: الأمثلة الخمسة: يفعلان وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين، فتلزم النون غير هذه الأمثلة، سواء كان فيه نون الضمير الأولى 2 نحو: بضربنني، أو نونا التأكيد الخفيفة والثقيلة، أو، لا، وقوله: 387 - هل تبلغني دارها شدنية * لعنت بمحروم الشراب مصرم 3 نونه الأولى فيه خفيفة والثانية نون الوقاية، وإنما جاز قيام نون الأعراب مقام نون الوقاية دون نون الضمير ونوني التأكيد، وإن كان اجتماع المثلين في الكل حاصلا، لأن نون الأعراب لا معنى لها كنون الوقاية، إذ إعراب الفعل ليس لمعنى، كما هو مذهب البصريين، على ما يأتي في قسم الأفعال، فكلاهما لأمر لفظي بخلاف نون الضمير ونوني التأكيد، هذا على مذهب من قال: المحذوف نون الوقاية، كالجزولي، لأن الثقل جاء منها، لا من نون الأعراب، أما على قول سيبويه، وهو أن المحذوف نون الأعراب، لأنها المعرضة للحذف بالجزم والنصب ولا معنى لها، فالعلة في عدم حذف نون الضمير ونوني التأكيد ظاهرة، لأنها ليست معرضة للحذف ولها معنى،


(1) شروع منه تفصيل مواضع دخول النون بعد أن بين الغرض منها، (2) يعني أن توجد في الفعل قبل نون الوقاية نون الضمير، فتكون هي الأولى، والتعبير فيه ضعف، (3) هو من معلقة عنترة العبسي، وشدنية منسوبة إلى شدن وهي حي باليمن، والمراد بمحروم الشراب: الضرع الذي حبس حتى لا يدر، أو الذي انقطع لبنه، وهو يريد أن هذه الناقة انقطعت عن الحمل والارضاع فهي قوية، (*)

[ 451 ]

وقد جاء حذف نون الوقاية، مع نون 1 الضمير للضرورة، قال: 388 - تراه كالثغام يعل مسكا * يسوء الغاليات إذا قليني 2 ولا يجوز أن يكون المحذوف نون الضمير، إذ الفاعل لا يحذف، وقد تدغم نون الأعراب في نون الوقاية، فعلى هذا يجوز مع نون الأعراب ثلاثة أوجه: حذف إحداهما وإدغام نون الأعراب في نون الوقاية، وإثباتهما بلا إدغام، وقرئ قوله تعالى: (أتحاجونني..) 3 على الثلاثة، قوله: (ولدن)، حذف نون الوقاية من (لدن) لا يجوز عند سيبويه، والزجاج إلا للضرورة، وعند غيرهما: الثوبت راجح، وليس الحذف للضرورة و لثبوته في السبع 4، وعلى كل حال، كان حق (لدن) أن يذكره المصنف، إما مع الماضي، أو مع (ليت) و (من) و (عن)، لكنه تبع الجزولي، فإنه قال في (لدن): أنت مخير، والقراءة حملتهما 5 على ما قالا، وإلحاق نون الوقاية في (لدن)، وإن لم يكن فعلا، للمحافظة على سكون النون اللازم،


(1) يعني المقترنة بنون الضمير، لا أن النون تحذف هي ونون الضمير، (2) قائله عمرو بن معد يكرب الزبيدي من كلمة له يخاطب فيها امرأته، يقول فيها: تقول حليلتي لما رأتني * شرائج بين كدرى وجون يريد بالشرائج: الأنواع والضروب يقصد تعدد لون شعره، والثغام نبت له زهر أبيض، وقوله يعل مسكا، أي يدهن بالمسك مرة بعد مرة، من العلل وهو الشرب بعد الشرب الأول، والبيت الشاهد في سيبويه ج 2 ص 154 (3) الآية 80 من سورة الأنعام، وقراءة نافع بحذف إحدى النونين وكذلك ابن عامر في إحدى الروايتين، وبقية السبعة بإدغام النونين، ولم يقرأ بإثباتهما من غير إدغام أحد من السبعة ، قال أبو حيان: لم يقرأ أحد ههنا بالفك وإن كان هو الأصل، وروي الأظهار بدون إدغام عن ابن عامر في إحدى الروايتين في قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد)، الآية 64 من سورة الزمر، (4) أي في القراءات السبع، والقارئ بهذه اللغة هو نافع، وتقدم ذكره، (5) أي المصنف والجزولي، (*)

[ 452 ]

وإنما لم يأتوا بها في: علي، وإلي، ولدي، وإن كان آخرها ألفا أيضا، ساكنا سكونا لازما، لأمنهم من انكسار ذلك الساكن لكونه حرف علة، وذلك أن ما قبل ياء المتكلم، إذا كان ألفا، أو واوا، أو ياء، تحركت الياء 1 بالفتح، وبقي ما قبلها على سكونه، كما تبين في باب الأضافة فلذلك لم يجلبوا نون الوقاية في نحو: فتاي ورحاي وعصاي وقاضي ومسلمي في مسلمين، وعشري ومسلمي في: عشرون ومسلمون، أو عشرين ومسلمين، فإن قلت: فكان يجب ألا تجلب في نحو: يدعوني، وضربوني، واضربوني، ورماني وضرباني، واضرباني واضربيني، وأن يقولوا: يدعي، وضربي واضربي، ورماي، وضرباي واضرباي واضربي، قلت: ذلك إجراء لباب الفعل مجرى واحدا، وحملا للفرع على الأصل، لأن أصل الفعل هو الصحيح اللام الخالي من الضمائر المرفوعة المتصلة، ولو لم تجلب له نون الوقاية لدخله الكسر، فحمل عليه ما لم يكن ليدخله الكسر مع عدم النون أيضا، وهو المعتل اللام، والمتصل به الضمائر المذكورة، قوله: (وإن وأخواتها)، يعني بأخواتها: أن، ولكن، وكأن، وأما ليت ولعل، فسيجئ حكمهما بعد، وإنما جاز إلحاق نون الوقاية بأن وأخواتها لمشابهتها الفعل على ما يجئ في الحروف، وأما الجواز حذفها فلأن الألحاق للمشابهة لا بالأصالة، ولاجتماع الأمثال في: إن وأن وكأن ولكن، إن الحقت مع كثرة استعمالها، قوله: (ويختار في ليت)، المشهور في (ليت) أن حذف نون الوقاية لا يجوز فيه إلا لضرورة الشعر، لا في السعة، كذا قال سيبويه 2 وغيره، قال:


(1) أي ياء المتكلم الواقعة بعد أحد هذه الثلاثة، (2) انظر الكتاب ج 1 ص 386. (*)

[ 453 ]

389 - كمنية جابر إذ قال ليتي * أصادفه وأفقد جل مالي 1 قوله: (من وعن وقد وقط)، كذا قال الجزولي: ان الأثبات فيها هو الأشهر، وعند سيبويه: الحذف في هذه الكلم ضرورة لا تجوز إلا في الشعر، قال: 390 - أيها السائل عنهم وعني * لست من قيس ولا قيس مني 2 وقال: 391 - قدني من نصر الخبيبين قدي * ليس الأمام بالشحيح الملحد 3 وإنما ألحق النون في هذه الكلم، لما قلنا في (لدن)، أي للمحافظة على السكون اللازم، ولم يحافظ على الفتح والضم اللازمين، قال سيبويه: 4 يقال في (لد) لدي، ولو أضفت الكاف الجارة إلى الياء لقلت: ما أنت كي، لأن 5 الاسم والحرف المبنيين على السكون يشابهان الفعل نحو: خذ وزن، ويبعدان من الأسماء المتمكنة بلزومهما السكون الذي لا يدخلها فأجريا مجرى الفعل في إلحاق النون، قوله: (وعكسها لعل)، أي حذفها معها أولى، لاجتماع اللامات فيه، وهي مشابهة للنون، قريبة منها في المخرج وليس بين الأولى والأخيرتين إلا حرف واحد، أعني العين،


(1) البيت لزيد الخيل وهو زيد بن مهلهل الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم: زيد الخير وقبله: تمنى مزيد زيدا فلاقى * أخا ثقة إذا اختلف العوالي ومزيد بكسر الميم وبالياء المثناة: رجل من بني أسد كان يتمنى أن يلقي زيدا فلما لقيه طعنه زيد فهرب منه، وقوله كمنية جابر متعلق بقوله تمنى... وقيل أراد بجابر قيس بن جابر فسماه باسم أبيه، (2) غير معروف القائل حتى إن بعض العلماء نسبه إلى بعض النحويين يعني أنه من صنعهم، وقال ابن هشام: في النفس من هذا البيت شئ، لأنا لا نعرف له قائلا، ولا نظيرا، (3) اختلف في قائل هذا البيت، فنسبه الأعلم في شرح شواهد سيبويه ج 1 ص 387، إلى أبي نخيلة، وقيل انه لحميد الأرقط يعرض بابن الزبير وكان يكني بأبي خبيب وثناه لأنه أراد معه: مصعب بن الزبير، وعلى أنه بصيغة الجمع يريد به أتباع عبد الله بن الزبير، (4) ج 1 ص 387 (5) هذا تعليل إلحاق النون لهذه الكلمات والمحافظة على سكونها، (*)

[ 454 ]

ولأن من لغاتها: لعن، وكذا الحذف في (بجل) أولى من الأثبات وإن كان ساكن الآخر مثل قد، وقط، لكراهة لام ساكنة قبل النون وتعسر النطق بها، ولفظ (ليس) كليت، أي أن الأثبات معها أولى، كما قال: عليه رجلا ليسني 1، وجاء: ليسي، قال: إذ ذهب القوم الكرام ليسي 2 - 380 حملا على (غيري)، وجاء: عساي، حملا على (لعلي) والأكثر: عساني، ويجوز إلحاقها في أسماء الأفعال لأدائها معنى الفعل، ويجوز تركها، أيضا، لأنها ليست أفعالا في الأصل، حكى يونس: عليكني، وحكى الفراء: مكانني، وقوله: ألا فتى من بني ذبيان يحملني * وليس حاملني إلا ابن حمال 3 - 286 شاذ، سواء جعلت النون للوقاية، أو تنوينا، كما ذكرنا في باب الأضافة، وقد ذكر الكوفيون في فعل التعجب: إسقاط النون، نحو: ما أقربي منك ومإ، أحسني وما أجملي، قال السيرافي: لست أدري: عن العرب حكوا ذلك، أم قاسوه على مذهبهم في: ما أفعل زيدا، لأنه اسم عندهم في الأصل ؟،


(1) تقدم أنه منقول عن سيبويه انظر الكتاب ج 1 ص 381،. (2) تقدم ذكره في هذا الجزء (3) وهذا الشاهد أيضا تقدم ذكره في باب الأضافة من هذا الجزء، (*)

[ 455 ]

(ضمير الفصل) (مواضعه وإعرابه) (قال ابن الحاجب:) (ويتوسط بين المبتدأ والخبر، قبل العوامل وبعدها، صيغة) (مرفوع منفصل مطابق للمبتدأ، يسمى فصلا، ليفصل بين) (كونه نعتا وخبرا، وشرطه أن يكون الخبر معرفة، أو أفعل) (من كذا، نحو: كان زيد هو أفضل من عمرو، ولا موضع) (له عند الخليل وبعض العرب يجعله مبتدأ، ما بعده خبر)، (قال الرضي:) قوله: (قبل العوامل)، نحو: زيد هو المنطلق، وقوله: (وبعدها)، أي بعد دخول عوامل المبتدأ والخبر، وهي باب (ظن) نحو: ظننته هو الكريم، وباب (إن) نحو: (إنه هو الغفور الرحيم 1)، و (ما) الحجازية، نحو: ما زيد هو القائم، وباب (كان) نحو: (كنت الرقيب عليهم) 2، قوله: (صيغة مرفوع)، لم يقل ضمير مرفوع، لأنه اختلف فيه، كما يجئ، هل هو ضمير، أو، لا، ولا يمكن الاختلاف في أنه صيغة ضمير مرفوع، 3


(1) من الآية 16 في سورة القصص، (2) من الآية 117 في سورة المائدة، (3) يعني أن التعبير بصيغة مرفوع أحوط لتصلح للمذهبين، (*)

[ 456 ]

قوله: (مطابق للمبتدأ)، أي في الأفراد وفرعيه، والتذكير وفرعه، والغيبة والتكلم والخطاب، نحو: (إنني أنا الله) 1، و: (إنه هو الغفور)، 2 و: فإنك أنت العزيز الحكيم)، 3 وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر، لقيامه مقام مضاف غائب كقوله: 392 - وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا 4 أي: يرى مصابي هو المصاب، قوله: (يسمى فصلا)، هذا في اصطلاح البصريين، قال المتأخرون: إنما سمي فصلا، لأنه فصل به بين كون ما بعده نعتا، وكونه خبرا، لأنك إذا قلت: زيد القائم، جاز أن يتوهم السامع كون (القائم) صفة فينتظر الخبر، فجئت بالفصل، ليتعين كونه خبرا، لا صفة، وقال الخليل وسيبويه: 5 سمي فصلا لفصله الاسم الذي قبله عما بعده، بدلالته على أنه ليس من تمامه، بل هو خبره، ومآل المعنيين إلى شئ واحد، إلا أن تقريرهما 6 أحسن من تقريرهم، والكوفيون يسمونه عمادا، لكونه حافظا لما بعده حتى لا يسقط عن الخبرية كالعماد للبيت، الحافظ للسقف من السقوط،


(1) إنني بنونين من الآية 14 سورة طه، وبنون واحد من الآية 30 في سورة القصص، (2) من الآية 16 في سورة القصص (3) من الآية 118 في سورة المائدة، (4) من قصيدة جرير التي مطلعها: سئمت من المواصلة العتابا * وأمسى الشيب قد ورث الشبابا واختلف في معنى البيت الشاهد، وقيل في تخريجه كلام كثير أسهله ما قاله الشارح هنا، ورواه الأخفش هكذا: وكم لي بالاباطح من صديق * وآخر لا يحب لنا إبابا (5) انظر سيبويه ج 1 ص 394، (6) أي الخليل وسيبويه والمراد بتقريرهما ما ذكراه من التعليل، وقوله أحسن من تقريرهم أي من تقرير المتأخرين، (*)

[ 457 ]

فالغرض من الفصل في الأصل: فصل الخبر عن النعت، فكان القياس ألا يجئ إلا بعد مبتدأ بلا ناسخ، أو منصوب بفعل قلب، بشرط كونه معرفة غير ضمير وكون خبره ذا لام تعريف، صالحا لوصف المبتدأ به، وذلك أنه إذا دخل على المبتدأ ناسخ يتميز به الخبر عن النعت بسبب تخالف اعرابيهما، نحو: كان أو إن أو ما الحجازية، لم يحتج إلى الفصل، وإذا كان المبتدأ نكرة، لم يؤت بالفصل، لأنه يفيد التأكيد ولا تؤكد النكرة، إلا بما سبق استثناؤه في باب التأكيد 1، وإنما قلنا ان الفصل يفيد التأكيد، لأن معنى: زيد هو القائم، زيد نفسه القائم، لكنه ليس تأكيدا 2، لأنه يجئ بعد الظاهر والضمير، والضمير لا يؤكد به الظاهر، فلا يقال: مررت بزيد هو نفسه، وأيضا، يدخل عليه السلام نحو: (إنك لأنت الحليم الرشيد 3)، ولا يقال: إن زيدا لنفسه قائم، وقد يجمع بين النفي والتأكيد بالضمير لاختلاف لفظيهما فيقال: ضربته هو نفسه، وضربته إياه نفسه، فيكون مثل قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون 4)، ولا يقال، عند سيبويه: ضربته هو هو، ولا: ضربته هو إياه لاجتماع ضميرين بمعنى واحد، وأجازه الخليل مع اختلاف الضميرين لفظا، نحو: ضربته هو إياه، ووافق سيبويه في منع المتفقين، ولم يجوز سيبويه، بناء على ذلك: ظننته هو إياه القائم، وإن جعلت أولهما فصلا والثاني تأكيدا، لأن الفصل كالتأكيد من حيث المعنى كما مر، قال: فإن فصلت بين الفصل والتأكيد، نحو: أظنه هو القائم إياه، جاز لعدم الاجتماع، وإنما قلنا: كان حق المبتدأ الذي يليه الفصل ألا يكون ضميرا، لأنه إن كان ضميرا،


(1) انظره في باب التأكيد من هذا الجزء، (2) أي ليس تأكيدا بالمعنى الاصطلاحي عند النجاة، (3) من الآية 87 في سورة هود (4) الآية 30 من سورة الحجر، وهي أيضا، الآية 73 من سورة ص، (*)

[ 458 ]

أمن من التباس الخبر بالصفة، لأن الضمير لا يوصف، وقلنا: كان حق الخبر الذي بعد الفصل أن يكون معرفا باللام، لأنه إذا كان كذا، أفاد الحصر المفيد للتأكيد فناسب ذلك تأكيد المبتدأ بالفصل، فالمبتدأ المخبر عنه بذي اللام: إن كان معرفا بلام الجنس فهو مقصور على الخبر، كقوله عليه السلام: (الكرم التقوي، والمال الحسب، والدين النصيحة)، أي: لا كرم إلا التقوي، ولا حسب إلا المال، ولا دين إلا النصيحة، لأن المعنى: كل الكرم التقوى وإن لم يكن في المبتدأ لام الجنس فالخبر المعرف باللام مقصور على المبتدأ، سواء كانت اللام في الخبر للجنس نحو: (أنت العزيز الحكيم) 1 أي: لا عزيز إلا أنت، فهو للمبالغة كقولك: أنت الرجل كل الرجل، أو للعهد، نحو: أنت الكريم، أي: أنت ذلك الكريم، لا غيرك، وسواء كان اللام موصولا، نحو: أنت القائم، أو زائدا داخلا في الموصول نحو: أنت الذي قال كذا، ثم إنه اتسع في الفصل، فأدخل حيث لا لبس بدونه أيضا، وذلك عند تخالف المبتدأ والخبر في الأعراب نحو: كان زيد هو القائم، وما زيد هو القائم، وإن زيدا هو القائم، وعند كون المبتدأ ضميرا، نحو: (أني أنا الغفور الرحيم)، 2 وعند كون الخبر ذا لام لا يصلح لوصفية المبتدأ، كقولك: الدين هو النصيحة، وعند كون الخبر: أفعل التفضيل، لمشابهته ذا اللام، ووجه المشابهة له، كون مخصصة، وعند كون الخبر: أفعل التفضيل، لمشابهته ذا اللام، ووجه المشابهة له، كون مخصصه حرفا يقتضيه أفعل التفضيل معنى، أعني (من) فهي ملتبسة به ومتحدة معه، كما أن مخصص ذي اللام، حرف متحد معه، أي اللام، ومن ثمة، جاز: ما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا، ولكون (من) التفصيلية كاللام معنى، لا يجتمعان، فلا تقول: الأفضل من زيد، كما يجئ في بابه،


(1) من الآية 188 في سورة المائدة وتقدمت قريبا، (2) من الآية 49 في سورة الحجر، (*)

[ 459 ]

وجوز أهل المدنية مجئ الفصل بعد النكرة في نحو: ما أظن أحدا هو خيرا منك، قال الخليل: 1 والله إنه لعظيم في المعرفة تصييرهم إياه لقوا، يعني 2: إذا كان مستبعدا في المعرفة مع أنه قياسه، كما مر، فما ظنك بالنكرة، وأجاز الجزولي وقوعه بين أفعلي تفضيل، نحو: خير من زيد هو أفضل من عمرو، ولست أعرف له شاهدا، وكذا 3 جوز بعضهم وقوعه قبل المضاف إلى المعرفة، كقوله تعالى: (إني أنا أخوك)، 4 وجوز بعضهم وقوعه قبل العلم نحو: إني أنا زيد، والحق، أن كل هذا ادعاء، ولم تثبت صحته ببينة من قرآن أو كلام موثوق به، ونحو قوله تعالى (اني أنا أخوك)، ليس بنص، إذ يحتمل أن يكون (أنا ) مبتدأ ما بعده خبره، والجملة خبر (ان)، بلى، لو ثبت في كلام يصح الاستدلال به نحو: ما أظن أحدا هو خيرا منك، وكان خير من زيد هو أفضل من عمرو، ورأيت زيدا هو مثلك أو غيرك، بنصب ما بعد صيغة الضمير المذكور في ذلك، لحكمنا بكونه فصلا، ولا يثبت ذلك بمجرد القياس، وإلغاء الضمير ليس بأمر هين، فينبغي أن يقتصر على موضع السماع، ولم يثبت إلا بين معرفتين ثانيتهما ذات اللام، أو بين معرفة ونكرة هي أفعل التفضيل، كما ذكر سيبويه 5، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته للاسم، وامتناع دخول اللام عليه، فشابه الاسم المعرفة، قال تعالى: (ومكر أولئك هو يبور) 6، قال: ولا يجوز: زيد هو قال،


(1) هذا الذي نسبه الشارح للخليل بن أحمد، نقله عنه سيبويه في ج 1 ص 397 والرضي نقله بشئ من التصرف، (2) أي الخليل، وهو تفسير لقول الخليل المتقدم، (3) وقع في بعض النسخ التي أشير إليها بهامش المطبوعة، اختلاف في هذا الموضع، وبعد النظر فيه انتهيت إلى إثبات ما هنا، وأرجو أن يكون هو الصواب إن شاء الله (4) من الآية 69 سورة يوسف، (5) جاء ذلك في الجزء الأول ص 397 من الكتاب لسيبويه، (6) الآية 10 سورة فاطر (*)

[ 460 ]

لأن الماضي لا يشابه الأسماء حتى يقال فيه كأنه اسم امتنع دخول اللام عليه، وهذا الذي قاله، أيضا، دعوى بلا حجة، وقوله تعالى: (ومكر أولئك هو يبور)، ليس بنص في كونه فصلا، لجواز كونه مبتدأ ما بعده خبره، وقوله: ولا يجوز: زيد هو قال، ليس بشئ، لقوله تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا)، 1 وروي عن محمد بن مروان، وهو أحد قراء المدينة: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم)، 2 بالنصب، وكذا روي عن سعيد بن جبير، قال أبو عمرو بن العلاء 3 احتبى 4 ابن مروان في لحنه، يعني بإيقاع الفصل بين الحال وصاحبها، وقد أجازوا الفصل بين الخبرين إذا كان للمبتدأ خبران معرفان باللام، نحو: هذا الحلو هو الحامض، حتى لا يلتبس الخبر الثاني بنعت الأول، وأنا لا أعرف له شاهدا قطعيا، ولا يتقدم الفصل مع الخبر المتقدم نحو: هو القائم زيد، لأمنهم من التباس الخبر بالصفة، إذ الصفة لا تتقدم على الموصوف، وجوزه الكسائي، كما جاز نحو قوله تعالى: (كنت أنت الرقيب عليهم) 5، مع الأمن من اللبس، هذا، وإنما جئ بصيغة ضمير مرفوع منفصل مطابق للمبتدأ، ليكون في صورة مبتدأ ثان ما بعده خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول فيتميز بهذا السبب، ذو اللام عن


(1) الآيتان 43، 44 سورة النجم، (2) من الآية 78 سورة هود، (3) أبو عمرو بن العلاء أحد أئمة النحو المتقدمين وأحد القراء السبعة، وقوله هذا نقله سيبويه عن يونس بن حبيب ج 1 ص 397، (4) أي صار لحنه حبوة بمعنى أنه اشتمل عليه وأحاط به، (5) الآية 117 المتقدمة، من سورة المائدة، (*)

[ 461 ]

النعت، لأن الضمير لا يوصف، وليس بمبتدأ حقيقة، إذ لو كان كذلك لم ينتصب ما بعده في نحو: ظننت زيدا هو القائم، وكنت أنت القائم، ثم لما كان الغرض المهم من الأتيان بالفصل: ما ذكرنا، أي دفع التباس الخبر الذي بعده بالوصف، وهذا هو معنى الحرف، أعني إفادة المعنى في غيره، صار حرفا، وانخلع عنه لباس الاسمية، فلزم صيغة معينة، أي صيغة الضمير المرفوع، وإن تغير ما بعده عن الرفع إلى النصب، كما ذكرنا 1، لأن الحروف عديمة التصرف، لكنه بقي فيه تصرف واحد كان فيه حالة الاسمية، أعني كونه مفردا ومثنى ومجموعا ومذكرا ومؤنثا، ومتكلما ومخاطبا وغائبا، لعدم عراقته في الحرفية، ومثله كاف الخطاب 2 في هذا التصرف، لما تجرد عن معنى الاسمية ودخله معنى الحرفية، أي إفادته 3 في غيره، وتلك الفائدة كون اسم الأشارة الذي قبله مخاطبا به واحد أو مثنى أو مجموع، مذكر أو مؤنث، فإنه صار حرفا مع بقاء التصرف المذكور فيه، فإن قلت: قلنا أسماء كثيرة مفيده للمعنى في غيرها، كالأسماء الاستفهامية والشرطية، مع بقائها على الاسمية، فهلا كان الفصل وكاف الخطاب كذلك ؟ قلت: بينهما فرق، وذلك أن أسماء الاستفهام والشرط دالة على معنى في أنفسها، ودالة على معنى في غيرها، والفصل وكاف الخطاب الحرفية، لا يدلان إلا على معنى في غيرهما، وقد تقدم في حد الاسم: أن الحد الصحيح للحرف، أن يقال: هو الذي لا يدل إلا على معنى في غيره، ولا يقال: هو ما دل على معنى في غيره 4، واعلم أنه إنما تتعين فصلية 5 الصيغة المذكورة، إذا كانت بعد اسم ظاهر وكان ما


(1) كما إذا وقع بعد مبتدأ منسوخ، (2) أي اللاحقة لاسم الأشارة كما سيشير إلى ذلك، (3) أي كونه مفيدا معنى في غيره، والعبارة هكذا وردت في الأصل المطبوع، (4) أيد الرضي في تعريف الاسم القول بهذا التعريف للحرف، انظر ص 41 من الجزء الأول، (5) أي كونها فصلا،. (*)

[ 462 ]

بعدها منصوبا، نحو: كان زيد هو المنطلق، أو إذا دخلها لام الابتداء وانتصب ما بعدها وإن كانت بعد مضمر، نحو: إن كنت لأنت الكريم، وذلك لأنها إذا كانت بعد مضمر بلا لام ابتداء جاز كونها تأكيدا لذلك الضمير، نحو: (إنه هو الغفور الرحيم) 1، فإنه قد يؤكد المتصل بالمنفصل المرفوع، كما مر في باب التأكيد، وأما إذا كانت بعد ظاهر وانتصب ما بعدها فإنها لا تكون تأكيدا، لأن المظهر لا يؤكد بالمضمر، ولا تكون مبتدأة، لانتصاب ما بعدها، وكذا إذا دخلها لام الابتداء مع انتصاب ما بعدها، فانه لا تدخل لام الابتداء على التأكيد، ولا تكون مبتدأة لانتصاب ما بعدها، وقوله تعالى: (إنك لأنت الحليم الرشيد 2)، يحتمل أن يكون مبتدأ وفصلا، ولا يجوز كونه تأكيدا لأجل اللام كما ذكرنا، قوله: (ولا موضع له عند الخليل)، الأظهر عند البصريين أنه اسم ملغى لا محل له بمنزلة (ما) إذا ألغيت في نحو (إنما)، ولهذا قال الخليل: 3 والله إنه لعظيم...، ولما ذكرنا قبل من طرءان 4 معنى الحرفية عليه، والكوفيون يجعلون له محلا من الأعراب، ويقولون: هو تأكيد لما قبله، فإن ضمير المرفوع قد يؤكد به المنصوب والمجرور، كما مر في باب التأكيد نحو: ضربتك أنت ومررت بك أنت، ويرد عليهم أن المضمر لا يؤكد به المظهر فلا يقال: جاءني زيد هو، على أن الضمير لزيد، ونحن نقول: إن زيدا هو القائم، ويرد عليهم أيضا، ان اللام الداخلة في خبر (إن)، لا تدخل في تأكيد الاسم، فلا يقال: إن زيدا لنفسه كريم،


(1) من الآية 16 سورة القصص وتقدمت في هذا البحث، (2) الآية 87 من سورة هود وتقدمت قريبا، (3) تقدم هذا القول مع تحديد موضعه في سيبويه قريبا، (4) مصدر طرأ، والرضي يستعمله كثيرا، (*)

[ 463 ]

وبعض النجاة يقول: حكمه في الأعراب حكم ما بعده، لأنه يقع مع ما بعده كالشئ الواحد، ولذا تدخل عليه لام الابتداء في نحو: إنك لأنت الحليم... وهو أضعف من قول الكوفية، لأنا لم نر اسما يتبع ما بعده في الأعراب، قوله: (وبعض العرب يجعله مبتدأ ما بعده خبره)، فلا ينتصب ما بعده في باب كان، وباب علمت، وما الحجازية، وعليه ما نقل في غير السبعة 1: (ولكن كانوا هم الظالمون) 2، و: (إن ترن أنا أقل منك 3) بالرفع، وقول عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه، فيه ثلاثة أوجه: أحدها أن في (يكون) ضمير الشأن، والثاني: أن فيه ضمير المولود، وقوله: أبواه هما اللذان، جملة خبر كان، في الوجهين، والثالث: أن يكون أبواه، اسم كان وقوله: هما اللذان: جملة خبر كان، وروي: هما اللذين، فأبواه، اسم كان، واللذين خبره، وهما، فصل،


(1) ممن قرأ بهد عبد الله بن أبي إسحاق، النجوي، (2) الآية 76 من سورة الزخرف، (3) الآية 39 سورة الكهف، (*)

[ 464 ]

(ضمير الشأن) (والقصة) (قال ابن الحاجب:) (ويتقدم قبل الجملة ضمير غائب يسمى ضمير الشأن،) (يفسر بما بعده ويكون منفصلا، ومتصلا بارزا ومستترا على) (حسب العوامل، نحو: هو زيد قائم، وكان زيد قائم،) (وإنه زيد قائم، وحذفه منصوبا ضعيف، إلا مع (أن) إذا) (خففت فإنه لازم)، (قال الرضي:) قوله (ضمير غائب)، إنما لزم كونه غائبا، دون الفصل 1، فإنه يكون غائبا وحاضرا، كما تقدم، لأن المراد بالفصل هو المبتدأ، فيتبعه في الغيبة والحضور، والمراد بهذا الضمير: الشأن والقصة، فيلزمه الأفراد والغيبة، كالمعود إليه، إما مذكرا، وهو الأغلب، أو مؤنثا، كما يجئ، وهذا الضمير كأنه راجع في الحقيقة إلى المسئول عنه بسؤال مقدر، تقول مثلا هو الأمير مقبل، كأنه سمع 2 ضوضاء وجلبة، فاستبهم الأمر فسأل: ما الشأن ؟ فقيل: هو الأمير مقبل، أي: الشأن هذا، فلما كان المعود إليه الذي تضمنه السؤال، غير ظاهر قبل، اكتفي في التفسير بخبر الضمير الذي يتعقبه


(1) أي بخلاف صيغة الفصل، (2) أي المخاطب بالمثال المذكور، (*)

[ 465 ]

بلا فصل، لأنه معين للمسئول عنه، ومبين له، فبان لك بهذا أن الجملة بعد الضمير لم يؤت بها لمجرد التفسير، بل هي كسائر أخبار المبتدآت، لكن سميت تفسيرا، لما بينته، والقصد بهذا الأبهام ثم التفسير: تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن، فعلى هذا، لابد أن يكون مضمون الجملة المفسرة شيئا عظيما يعتنى به، فلا يقال، مثلا، هو الذباب يطير، وقد يخبر عن ضمير الأمر المستفهم عنه تقديرا، بالمفرد، تقول: هو الدهر، حتى لا يبقى على صرفه باقية، قال أبو الطيب: 393 - هو البين حتى ما تأنى الحزائق * ويا قلب حتى أنت ممن أفارق 1 كانه قال: أي شئ وقع من المصائب، فقال: هو البين، وقوله: حتى ما تأني، مبني على ما يفهم من استعظام أمر البين المستفاد من إبهام الضمير، أي: ارتقى البين في الصعوبة حتى لا يتانى جماعات الأبل أيضا، وأجاز الفراء أن يفسر ضمير لشأن، أيضا، مفرد موول بالجملة نحو: كان قائما زيد، وكان قائما الزيدان أو الزيدون، على أن (قائما) في جميعها خبر عن ذلك الضمير، وما بعده مرتفع به، وكذا أجاز نحو: ظننته قائما زيد، أو الزيدان، أو الزيدون، وكذا: ليس بقائم أخواك، وما هو بذاهب الزيدان،


(1) هو مطلع قصيدة لأبي الطيب المتنبي في مدح الحسين بن إسحاق التنوخي وبعده: وقفنا ومما زاد بثا وقوفنا * فريقي هوي منا مشوق وشائق وقد صارت الأجفان قرحى من البكا * وصار بهارا في الخدود الشقائق على ذا مضى الناس، اجتماع وفرقة * وميت ومولود، وقال ووامق والرضي يورد كثيرا من شعر المتنبي وللعلماء آراء مختلفة في الاستشهاد بمثل شعره، (*)

[ 466 ]

والبصريون يمنعون جميع ذلك ولا يجوزون الا نحو ليس بقائمين اخواك وما هو بذاهبين الزيدان على ان يكون اخواك اسم ليس وبقائمين خبر مقدم أو يكون اسم ليس ضمير الشأن والجملة الابتدائية المتقدمة الخبر خبرها. وذكر السيرافي لتجويز ما اجازه الفراء من نحو: ما بذاهب الزيدان وجها وذلك ان الصفة مع فاعلها في نحو: ما ضارب الزيدان جملة لانها مبتدأ مستغن عن الخبر، فيكون ضمير الشأن مفسرا بجملة. وفيما ذكر نظر على مذهب البصريين لان الصفة عندهم انما تكون مع فاعلها جملة إذا اعتمدت على نفس (ما) لا على المبتدأ بعدها فخبر (ما) في نحو ما زيد بضارب اخوه، مفرد. وبعض البصريين يمنع من نحو: ليس بذاهبين اخواك، وما هو بذاهب زيد، على ان في ليس ضمير الشأن، قال: لان الشأن تفسيره جملة، ولا تكون الباء في خبر (ما) وليس الا كان مفردا. واما قوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر) 1 فيج. ز ان يكون (هو) ضمير التعمير الذي تضمنه قوله قبل: (لو يعمر) و (ان يعمر) بدل من (هو) أو يكون) (هو) راجعا الى (احدهم) و (ان يعمر) فاعل (بمزحزحه) نحو ما زيد بنافعه فضله. والبصريون يوجبون التصريح بجزأى الجلمة المفسرة لضمير الشأن لانها مفسره فالاولى استغناء جزأيها عن مفسر. وأجاز الكوفيون عدم التصريح باحد جزأيها نحو: انه ضربت وانه قامت وليس لهم به شاهد. وهذا الضمير يسميه الكوفيون: ضمير المجهول، لانه ذلك الشأن مجهول لكونه


(1) الاية 96 سورة البقرة. (*)

[ 467 ]

مقدرا إلى أن يفسر، ولا يعود إليه ضمير من الجملة التي هي خبره لما مر في باب المبتدأ، 1 ولا يبدل منه، ولا يقدم عليه الخبر لئلا يزول الأبهام المقصود منه، ولأ يؤكد، لأنه أشد إبهاما من المنكر، ولا تؤكد النكرات، ويختار تأنيث الضمير لرجوعه إلى المؤنث، أي القصة، إذا كان في الجملة المفسرة مؤنث، لقصد المطابقة، لا لأن مفسره ذلك المؤنث، كقوله تعالى (فإنها لا تعمي الأبصار 2)، وقوله: 394 - على أنها تعفو الكلوم، إنما * توكل بالأدني وإن جل ما يمضي 3 والشرط 4: ألا يكون المؤنث في الجملة فضلة، فلا يختار: أنها بنيت غرفة، وألا يكون كالفضلة، أيضا، فلا يختار: إنها كان القرآن معجزة، لأن المؤنث منصوب نصب الفضلات، وذلك لأن الضمير مقصود مهم فلا يراعى مطابقته للفضلات، وتأنيثه، وإن لم تتضمن الجملة المفسرة مؤنثا: قياس، لأن ذلك باعتبار القصة، لكنه لم يسمع، وإذا لم يدخله نواسخ المبتدأ فلا بد أن يكون مفسره جملة اسمية، وإذإ، دخلته، جاز كونها فعلية، أيضا، كما في قوله تعالى: (فإنها لا تعمي الأبصار 5)، وتقول: ما هو قام زيد،


(1) انظر ص 238 من الجزء الأول من هذا الشرح، (2) من الآية 46 في سورة الحج، (3) من أبيات لأبي خراش الهذلي واسمه خويلد بن مرة، وكان أخوه عروة قد قتل بمكان اسمه قوسى وكان ابنه خراش مع عمه عروة ونجا فقال أبو خراش في ذلك، حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا * خراش، وبعض الشرأهون من بعض فوالله لا أنسى قتيلا رزئته * بجانب قوسى ما مشيت على الأرض على أنها تعفو الكلوم... إلى آخره، (4) أي الشرط لتأنيث الضمير، (5) الآية السابقة من سورة الحج، (*)

[ 468 ]

قول (ويكون منفصلا)، وذلك إذا كان مبتدأ، أو اسم (ما)، ويكون متفصلا منصوبا بارزا في بابي: إن، وظن، ومتصلا مرفوعا مستترا في بابي كان، وكاد، قوله: (وحذفه منصوبا ضعيف)، لا يجوز حذف هذا الضمير، لعدم الدليل عليه، إذ الخبر مستقل، ليس فيه ضمير رابط، ولا يحذف المبتدأ، ولا غيره، إلا مع القرينة الدالة عليه، ومجوز حذفه منصوبا، مع ضعفه، صيرورته بالنصب في صورة الفضلات، مع دلالة الكلام عليه، نحو قوله: ان من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء 1 - 77 وقوله: 395 - إن من لام في بني بنت حسان * ألمه وأعصه في الخطوب 2 وذلك الدليل، أن نواسخ المبتدأ لا تدخل على كلم المجازاة، كما مر في باب المبتدأ، قوله: (إلا مع أن، إذا خففت فإنه لازم)، إذا خففت المفتوحة، جاز إعمالها في الاسم الظاهر، وإهمالها كالمكسورة، على ما قال الجزولي، قال ابن جعفر 3: لكن ترك إعمالها في الظاهر أكثر، وقال المصنف، كما يجيئ في باب الحروف: إعمالها في البارز شاذ، كقوله: 396 - فلو أنك في يوم الرخاء سألتني * طلاقك لم أبخل وأنت صديق 4


(1) تقدم هذا البيت في الجزء الأول ص 271 وهو من شعر الأخطل، (2) من قصيدة للأعشى الأكبر، يمدح فيها أبا الأشعث بن قيس الكندي ومنها قوله: تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب ويروى بيت الشاهد: من يلمني على بني بنت حسان * ألمه وأعصه في الخطوب ولا شاهد فيه على هذه الرواية، والبيت في سيبويه 1 - 439 (3) ابن جعفر: محمد بن جعفر المرسي الأنصاري تقدم ذكره، وكذلك الجزولي، (4) أنشده الفراء مع بيت ثان، ولم يعزهما لأحد، والبيت الثاني هو: (*)

[ 469 ]

والأكثر 1، مع الألغاء ظاهرا، لأنها تعمل في ضمير شأن مقدر، بخلاف المكسورة الملغاة فإنها إذا ألغيت ظاهرا، ألغيت مطلقا ولم تعمل تقديرا، وإنما عملت المفتوحة الملغاة ظاهرا، في ضمير شأن مقدر، ليحصل بينها وبين الجملة التي تليها رابط مقدر من حيث اللفظ بسبب هذا الاسم لأنه يكون لها باسمها ارتباط، ولاسمها بالخبر ارتباط، فيحصل بينها وبين الجملة التي هي خبر اسمها ارتباط، وإنما طلبوا الارتباط اللفظا بينهما، لارتباط بينهما معنوي تام، وذلك أنها حرف موصول، وهي مع صلتها في تقدير المفرد، أي المصدر، إذ هي حرف مصدري، فكأن (أن) وحدها بعض حروف ذلك المفرد، بخلاف (إن) المكسورة فإنها مع جملتها ليست بتقدير المفرد، هذا هو المشهور من مذهب القوم، أعني إعمال المفتوحة تقديرا في حال إلغائها لفظا، وقد أجاز سيبويه إلغاءها لفظا وتقديرا كالمكسورة، فتكون كما، المصدرية، هي مع جملتها في تقدير المفرد، مع أنه لا ربط بينهما لفظا، ولا يضر ذلك، وهذا المذهب ليس ببعيد، واعلم 2 أن أعلى المضمرات اختصاصا: ضمير المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب، ويغلب الأخص في الاجتماع، نحو: أنا وأنت وهو قلنا، وأنت وهو قلتما،


= فما رد تزويج عليه شهادة * ولا رد من بعد الحرار عتيق ورجح البغدادي أن المراد بقوله في يوم الرخاء: اليوم الذي لم يكن قد ثم فيه توثيق عقد الزواج حيث كان ممكنا، قال بدليل البيت الثاني، ونقد كل ما قيل في معنى البيت، (1) أي أكثر النجاة، (2) هذا استطراد من الرضي ختم به بحث المضمرات، (*)

[ 471 ]

(اسم الأشارة) (ألفاظه المستعملة) (قال ابن الحاجب:) (اسم الأشارة: ما وضع لمشار إليه، وهي خمسة: ذا،) (للمذكر، ولمثناه: ذان وذين، وللمؤنث: تا، وتي،) (وته، وذه، وذي، ولمثناه: تان وتين، ولجمعهما: أولاء،) (مدا وقصرا ويلحقها حرف التنبيه، ويتصل بها كاف) (الخطاب، وهي خمسة في خمسة، فيكون خمسة وعشرين) (وهي: ذاك إلى ذاكن، وذانك إلى ذانكن، وكذلك) (البواقي، ويقال: ذا للقريب، وذلك للبعيد، وذاك) (للمتوسط، وتلك، وذانك، وتانك، مشددتين وأولالك:) (مثل ذلك، وأما ثم وهنا، وهنا، فللمكان خاصة)، (قال الرضي:) اعلم أن أسماء الأشارة بنيت عند الأكثرين، لتضمنها معنى الحرف، وهو الأشارة، لأنها معنى من المعاني، كالاستفهام، فكان حقها أن يوضع لها حرف يدل عليها، وذلك أن عادتهم جارية، في الأغلب، في كل معنى يدخل الكلام، أو الكلمة أن يوضع له حرف يدل عليه كالاستفهام في: أزيد ضارب، والنفي في، ما ضرب عمرو، والتمني، والترجي، والابتداء، والانتهاء، والتنبيه، والتشبيه، وغيرها، الموضوع لها حروف النفي وليت ولعل ومن وإلى، وها، وكاف الجر، أو يوضع لها ما يجري مجرى الحرف (*)

[ 472 ]

في عدم الاستقلال، كالأعراب الدال على المعاني المختلفة، وكتغير الصيغ في الجمع والمصغر، والمنسوب، وفي الكلمات المشتقة عن أصل، كضرب، ويضرب، وضارب، ومضروب: من الضرب، وكذا المعنى العارض في المضاف، إنما هو بسبب حرف الجر المقدر بعده، وفي أسماء الأشارة معنى، ولم يوضع لهذا المعنى حرف، فكان حقها أن تكون كأسماء الشرط والاستفهام، على ما ذكرنا في حد الاسم، حذف حرف الشرط والاستفهام وضمنت معناهما، فتكون أسماء الأشارة كالمتضمنة لمعنى الحرف، وقيل: إنما بنيت لاحتياجها إلى القرينة الرافعة لأبهاهما، وهي: إما الأشارة الحسية، أو الوصف، نحو: هذا الرجل، كاحتياج الحرف إلى غيره، فإن قلت: المضمرات، وجميع المظهرات، وخاصة ما فيه لام العهد، داخلة في الحد، لأن المضمر يشار به إلى المعود إليه، والمظهرات إن كانت نكرة، يشار بها إلى واحد من الجنس غير معين، وإن كانت معرفة، فإلى واحد معين،. فالجواب: ان المراد بقولنا: مشار إليه: ما أشير إليه إشارة حسية أي بالجوارح والأعضاء، لا عقلية، والأسماء المذكورة ليست كذلك فإنها للمشار إليه إشارة عقلية ذهنية، فلم يحتج في الحد إلى أن يقول: لمشار إليه إشارة حسية، لأن مطلق الأشارة،. حفيقة في الحسية دون الذهنية، فالأصل، على هذا: ألا يشار بأسماء الأشارة إلا إلى مشاهد محسوس، قريب أو بعيد، فإن أشير بها إلى محسوس غير مشاهد، نحو: (تلك الجنة) 1، فلتصييره كالمشاهد، وكذلك إن أشير بها إلى ما يستحيل إحساسه ومشاهدته نحو: (ذلكم الله 2)، و: (ذلكما مما علمني ربي)، 3


(1) من الآية 63 سورة مريم، (2) من الآية 3 سورة يونس (3) من الآية 37 سوره يوسف، (*)

[ 473 ]

قال المصنف 1 ما معناه، انه ليس حده لأسماء الأشارة بقوله: ما وضع لمشار إليه، مما يلزم منه الدور، كما لزم من قولهم: العلم ما وجب لمحله كونه عالما، لأن المحدود: هو ما يقال له في اصطلاح النجاة: اسم الأشارة، وقولنا: لمشار إليه أراد به الأشارة اللغوية، لا الاصطلاحية، ومفهوم الأشارة اللغوية غير محتاج إلى الاكتساب، ولا تتوقف معرفته على معرفة المحدود، أي أسماء الأشارة الاصطلاحية كتوقف معرفة العالم على معرفة المحدود الذي هو العلم، حتى يلزم الدور هنا، كما لزم هناك، قلت: هذا السؤال غير وارد، والأشارة في قوله: أسماء الأشارة لغوية، إذ معناه: الأسماء التي تكون بها الأشارة اللغوية، كما أن قوله: مشار إليه، لغوي، وإنما لم يرد السؤال، لأن الأشارة جزء المحدود ولا يلزم من توقف المحدود على الحد، وعلى كل جزء منه، توقف جزء المحدود، أيضا، عليهما، إذ ربما كانت معرفة ذلك الجزء ضرورية، أو مكتسبة بغير ذلك الحد، قوله: (ذا للمذكر)، قال الأخفش: هو من مضاعف الياء لأن سيبويه حكى فيه الأمالة، وليس في كلامهم تركيب: حيوت 2، فلامه أيضا ياء، وأصله: ذبي، بلا تنوين لبنائه، محرك العين بدليل قلبها ألفا، وإنما حذفت اللام اعتباطا أولا، كما في: يد، ودم، ثم قلبت العين ألفا، لأن المحذوف اعتباطا كالعدم، ولو لم يكن كذا لم تقلب العين، ألا تري إلى نحو: مرتو، 3 فإن قيل: لعله ساكن العين، وهي المحذوفة، لسكونها، والمقلوب هو اللام المتحركة، قلت: قيل ذلك، لكن الأولى حذف اللام لكونها في موضع التغيير ومن ثم قل المحذوف العين اعتباطا، كسه 4، وكثر المحذوف اللام، كيد، ودم، وغد، وغيرها،


(1) في شرحه هو على الكافية، (2) يعني أن تكون العين ياء واللام واوا، (3) اسم فاعل من: ارتوى، يعني أنه لم تقلب واوه ألفا لأن لامه محذوفة لعلة فهي كالثابتة، (4) أصله سته حذفت عينه وأكثر استعماله: است بحذف اللام وتعويض همزة الوصل، (*)

[ 474 ]

وقيل أصله ذوى، لأن باب طويت، أكثر من باب حييت، ثم إما أن نقول: حذفت اللام فقلبت العين ألفا، والامالة تمنعه، 1 وإما أن نقول: حذفت العين، وحذفها قليل، كما مر، فلا جرم كان جعله من باب حييت أولى، وقال الكوفيون: الاسم: الذال وحدها والألف زائدة، لأن تثنيته ذان، بحذفها، والذي حمل البصريين على جعله من الثلاثية، لا من الثنائية: غلبة أحكام الأسماء المتمكنة عليه، كوصفة، والوصف به، وتثنيته وجمعه 2، وتحقيره، ويضعف بذلك قول الكوفيين، والجواب عن حذف الألف في التثنية، أنه لاجتماع الألفين، ولم يرد إلى أصله 3، فرقا بين المتمكن وغيره نحو: فتيان وغيره، كما حذفت الياء في: اللذان، قال ابن يعيش 4: لا بأس أن نقول هو ثنائي، كما، وذلك أنك إذا سميت به، قلت: ذاء، فتزيد ألفا أخرى ثم تقلبها همزة، كما تقول: لاء، إذا سميت بلا، وهذا حكم الأسماء التي لا ثالث لها وضعا، إذا كان ثانيها حرف لين وسمي بها، ولو كان أصله ثلاثة قلت: ذاي، ردا له إلى أصله، ومثناه: ذان بحذف الألف للساكنين كما ذكرنا، قال الأكثرون: ان المثنى مبني لقيام علة البناء فيه، كما في المفرد والجمع، وذان، صيغة مرتجلة 5، غير مبنية على واحده، ولو بنيت عليه لقيل: ذيان، فذان، صيغة للرفع، وذين صيغة أخرى للنصب والجر،. وقال بعضهم: بل هو 6 معرب، لاختلاف آخره باختلاف العوامل، وادعاء أن كل واحدة منهما صيغة مستأنفة: خلاف الظاهر،


(1) هذا رد من الرضي على هذا الرأي، (2) ذا الاشارية لم تجمع على لفظها، فلعل ذلك سهو، والمراد بتحقيره: تصغيره، وهو شاذ، (3) يعني عند التثنية بناء على هذا القول، (4) في شرح ابن يعيش على المفصل ج 3 ص 127 (5) أي غير متفرعة عن مفرد، (6) أي المثنى، (*)

[ 475 ]

وقال الزجاج: لم يبن شئ من المثنى، لأنهم قصدوا أن تجري أصناف المثنى على نهج واحد، إذ كانت التثنية لا يختلف فيها مذكر ولا مؤنث، ولا عاقل ولا غيره، فوجب ألا تختلف المثنيات إعرابا وبناء، بخلاف الجمع فإنه يخالف بعضه بعضا، والبحث في: اللذان واللذين، كما في: ذان وذين، وقد جاء: ذان وتان، واللذان، واللتان، في الأحوال الثلاث، وعليه حمل بعضهم قوله تعالى: (إن هذان 1)، وللمؤنث: تا، وذي، بقلب ذال (ذا) تاء، حتى صار (تا)، أو قلب ألفه ياء حتى صار (ذي)، وذلك لأن التاء والياء قد تكونان للتأنيث، كضاربة، وتضربين، ف (تا) من (ذا) 2، كالتي، من الذي، وذي، من ذا، كهي من هو، و: تي، بالجمع بين التاء والياء، ولا نقول إن التاء والياء ههنا علامة التأنيث، بل نقول: تخصيص إبدالهما بالمؤنث دون المذكر لأنهما يكونان في بعض المواضع علامتي التأنيث، كما في 3: أخت، وبنت، وكلتا، فإن تاءها ليست علامة التأنيث، و: ذه، بقلب ياء (ذي) هاء، وأصل ذلك أن تقلب هاء في الوقف، لبيان الياء، كما يجئ في باب الوقف، ثم يجري الوصل مجري الوقف، فيقال: ذه، في الوصل أيضا، و: ته، بقلب الذال تاء، وقد تكسر الهاءان 4، باختلاس، أي من غير صلة، نحو: ذه وته، في الوصل خاصة، وهو قليل، والأكثر: ذهي وتهي، بياء ساكنة،


(1) المراد قوله تعالى: ان هذان لساحران، في سورة طه، آية 63 وفي تخريجها أوجه كثيرة، (2) أي بالنسبة لها (3) التشبية في تخصيص الأبدال بالمؤنث، (4) يعني في ذه وته، (*)

[ 476 ]

وفي الوقف، تسكن الهاء وتحذف الياء، كما يجئ في بابه، وقد يقال في المؤنث: ذات 1، ولمثناه: تان وتين، على الخلاف المذكور في: ذان وذين، ولجمعهما: أولاء، عاقلا كان أو غيره، قال: 397 - ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام 2 وقد ينون مكسورا، ويكون التنوين للتنكير، كما في: صه، وإن كان أولاء معرفة، فيكون فائدته: 3 البعد، حتى يصير المشار إليهم كالمنكورين، فيكون (أولاء) 4 كأولئك، وقد يقصر فيكتب بالياء لأن ألفه مجهول الأصل، فحمل على الياء، لاستثقال اكتناف ثقيلين للكلمة، وهما الضمة في الأول والواو في الأخير، ولهذإ، يكتب أهل الكوفة ألف نحو: القوى، والضحى، بالياء، مع أن أصلها الواو، ومن ثم يثني بعض العرب مضموم الأول من هذا الجنس كله بالياء وإن كان ألفه عن واو، أيضا، وقد تبدل الهمزة الأولى من (أولاء) هاء، فيقال: هلاء، وقد تضم الهمزة الأخيرة نحو: أولاء، وربما تشبع الضمة قبل اللام نحو أولاء على وزن: طومار، 5 وأما قولهم: هؤلاء على وزن (توراب 6)، قال:


(1) بضم التاء مبنية، قال الصبان في حاشيته على الأشموني، وهي أغربها، (2) من قصيدة لجرير، في هجاء الفرزدق مطلعها: سرت الهموم فبتن غير يتام * وأخو الهموم يروم كل مرام يقول فيها: مهلا فرزدق إن قومك فيهم * خور القلوب وخفة الأحلام (3) أي التنوين اللاحق لأولاء، (4) أي المنون، (5) الطومار، بضم الطاء ممدودة بمعنى الصحيفة، (6) التوراب بفتح التاء وإسكان الواو: من أسماء التراب، (*)

[ 477 ]

398 - تجلد، لا يقل هؤلاء هذا * بكى لما بكى أسفا وغيظا 1 فليس بلغة، بل هو تخفيف: هؤلاء، بحذف ألف (ها)، وقلب همزة (أولاء) واوا، قوله: (ويلحق بها حرف التنبيه)، يعني (ها)، إنما تلحق من جملة المفردات: أسماء الأشارة كثيرا، لأن تعريف أسماء الأشارة في أصل الوضع، بما يقترن بها من إشارة المتكلم الحسية، فجيئ في أوائلها بحرف ينبه به المتكلم المخاطب، حتى يلتفت إليه وينظر: إلى أي شئ يشير من الأشياء الحاضرة، فلا جرم، لم يؤت بها إلا فيما يمكن مشاهدته وإبصاره، من الحاضر، والمتوسط، فهذا، أكثر استعمالا من: هذاك، لأن تنبيه المخاطب لأبصار الحاضر الذي يسهل إبصاره أولى من تنبيهه لأبصار المتوسط، الذي ربما يحول بينه وبينه حائل، ولم يدخل 2 في البعيد الذي لا يمكن إبصاره، إذ لا ينبه العاقل أحدا ليرى ما ليس في مرأي، فلذلك قالوا: لا تجتمع (ها) مع اللام، قوله: (ويتصل بها حرف الخطاب)، قد دللنا عند ذكر الفصل 3، على كون هذه الكاف حرفا، لا اسما، ويؤيد ذلك من حيث اللفظ: امتناع وقوع الظاهر موقعها، ولو كان اسما لم يمتنع ذلك، كما في كاف: ضربتك، ولنذكر ههنا علة تخصيص المتوسط والغائب البعيد بها، دون القريب، فإن فائدتها قد ذكرناها عند الفصل 4، فنقول: إن وضع أسماء الأشارة للحضور والقرب، على ما قلنا، إنه للمشار إليه حسا، ولا شار بالأشارة الحسية في الأغلب إلا إلى الحاضر الذي يصلح لكونه مخاطبا، فلما اتصلت كاف الخطاب به، وكان متمحضا بالوضع للحضور بحيث صلح لكونه مخاطبا،


(1) تعرض البغدادي لذكر رواية أخرى في هذا البيت لا تخرجه عن هذا الاستشهاد، ثم قال: لا أدري أي الروايتين ؟ لأني لم أقف عليه بأكثر من هذا، والله أعلم، ولم يتعرض غير البغدادي لنسبة هذا البيت، (2) أي حرف التنبيه، (3) أي صيغة الضمير التي تسمى فصلا، في البحث الذي سبق، (4) هي الدلالة على كون اسم الأشارة الذي قبله مخاطبا به مفرد أو مثنى الخ، (*)

[ 478 ]

أخرجته من هذه الصلاحية، إذ لا يخاطب اثنان في كلام واحد إلا أن يجمعا في كلمة الخطاب، نحو: يا زيدان فعلتما، وأنتما قلتما، أو بعطف أحدهما على الآخر، نحو: أنت وأنت فعلتما، مع أن خطاب المعطوف لا يكون إلا بعد الأضراب عن خطاب المعطوف عليه، فصار (ذاك)، مثل: غلامك، فلا تقول: هذاك، كما لا تقول: يا غلامك، ولا: غلامك قلت كذا، فالكاف توجب كون ما وليته غائبا في التعبير عنه، نحو: غلامك قال كذا، وإن لم يمتنع حضوره، إذ ربما قلت هذا مع حضور غلام المخاطب، فلما أوردت الكاف في اسم الأشارة معنى الغيبة، وقد كان كالموضوع للحضور من حيث كونه موضوعا للمشار إليه القريب، صار مع الكاف بين الحضور والغيبة، وهذا هو حال المتوسط، فإذا أردت التنصيص على البعد، جئت بعلامته وهي اللام فقلت: ذلك، ثم نقول: لفظ ذلك، يصح أن يشار به إلى كل غائب، عينا كان أو معنى، يحكى عنه أولا ثم يؤتى باسم الأشارة، تقول في العين: جاءني رجل فقلت لذلك الرجل، وفي المعنى: تضاربوا ضربا بليغا، فهالني ذلك الضرب، وإنما يورد اسم الأشارة بلفظ البعد، لأن المحكي عنه غائب، ويجوز في هذه الصورة على قلة: أن يذكر اسم الأشارة بلفظ الحاضر القريب نحو: قلت لهذا الرجل، وهالني هذا الضرب، أي: هذا المذكور عن قريب، لأن المحكي عنه وإن كان غائبا إلا أن ذكره جرى عن قريب فكأنه حاضر، وكذا يجوز لك في القول المسموع عن قريب: ذكر اسم الأشارة بلفظ الغيبة والبعد، كما تقول: بالله الطالب الغالب، وذلك قسم عظيم، لأفعلن، قال الله تعالى: (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم 1) مشيرا بذلك إلى ضرب المثل الحاضر المتقدم، وهو قوله: (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم 2)، الآية،


(1) من الآية 3 سورة القتال، (2) من تكملة الآية السابقة وهو قبل الجزء المتقدم، (*)

[ 479 ]

وإنما جاز ذلك، لأن ذلك اللفظ زال سماعه فصار في حكم الغائب البعيد، والأغلب في مثله: الأشارة إلى المعنى بلفظ الحضور فتقول: وهذا قسم عظيم، وكذلك يجوز الأتيان بلفظ البعيد، مع أن المشار إليه شخص قريب، نظرا إلى عظمة المشير، أو المشار إليه، وذلك لأنه يجعل بعد المنزلة بينهما كبعد المسافة، كقول السلطان لبعض 1 الحاضرين: ذلك قال كذا، وكقول بعضهم: ذلك السلطان يتقدم بكذا، ومنه قوله تعالى: (فذلكن الذي لمتنني فيه 2)، ويجوز أن يكون قوله تعالى: (ذلك الكتاب) 3، من باب عظمة المشار إليه، أو المشير، وقوله: 399 - فقلت له والرمح يأطر متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذلكا 4 من باب عظمة المشار إليه، ويجوز ذكر البعيد بلفظ القريب، تقريبا لحصوله وحضوره، نحو: هذه القيامة قد قامت، ونحو ذلك، فنقول: اسم الأشارة لما كان موضوعا للمشار إليه إشارة حسية، فاستعماله فيما لا تدركه الأشارة كالشخص البعيد، والمعاني: مجاز، وذلك بجعل الأشارة العقلية كالحسية مجازا، لما بينهما من المناسبة، فلفظ اسم الأشارة الموضوع للبعيد، إذن، أعني (ذلك) ونحوه، كضمير الغائب، يحتاج إلى مذكور قبل، أو محسوس قبل، حتى يشار إليه به، فيكون كضمير راجع إلى ما قبله،


(1) أي في شأن بعض الحاضرين، وذلك أحد معاني اللام بعد القول، (2) الآية 32 من سورة يوسف، (3) الآية الثانية من سورة البقرة، (4) من شعر خفاف بن ندبة، وكان قد غزا مع ابن عمه معاوية بن عمرو، فقتل ابن عمه فقال: قتلني الله إن برحت مكاني حتى أثار له، وحديثة في هذا البيت عن موقفه مع قاتل ابن عمه فهو يقول له: تأمل خفافا أي تأملني جيدا وانظر إلى فإني أنا ذلك الذي اعتزم أن تأخذ بثأره، فتأملني واعرف أني أنا الذي قتلتك، ورواية الأبيات في الخزانة: وقلت له.. الخ. (*)

[ 480 ]

وقد تلحق 1 كاف الخطاب الحرفية: بلى، وأبصر، وانظر، وكلا، وليس، ونعم وبئس، وحسبت، وكذا: رويد، والنجاء، وحيهل، وأرأيت بمعنى أخبرني، كما يجيئ، قوله: (ويقال 2: ذا للقريب.. إلى آخره)، لما رأي المصنف كثرة استعمال ذي القرب من أسماء الأشارة في موضع ذي البعد منها، وبالعكس، لضرب من التأويل كما ذكرنا، خالجه الشك في اختصاص بعضها بالقريب، وبعضها بالبعيد، فلم يأخذه مذهبا ولم يقطع به، بل أحاله على غيره فقال: ويقال، ذا، للقرب، يعني: لم يتحقق عندي ذلك، وأقول: أنا لا أرى بينهم خلافا في اختصاص بعضها بالقريب وبعضها بالبعيد، فإذا أردت معرفة ذلك، فاعلم أن لهم مذهبين، فمذهب بعضهم أنه لا واسطة بين البعيد والقريب، كما في حروف النداء، على ما يجيئ، فيقولون، أسماء الأشارة المجردة عن الكاف واللام: للقريب، والمقترنة بهما، أو بالكاف وحدها: للبعيد، وجمهورهم على أن بين البعيد والقريب واسطة، فقالوا: ذا، ثم ذاك، ثم: ذلك، وبعضهم يقول: آلك 3، وللمؤنث: تي وتاوذي وته وذه، بسكون الهاءين وبكسرهما، أيضا، إما مع الاختلاس، أو مع إشباع كما تقدم، وذات، ثم: تيك، وهي كثيرة الاستعمال، وتاك، وهي دونها، وأما: ذيك، فقد أوردها الزمخشري، وابن مالك، وفي الصحاح: لا تقل ذيك فإنه خطأ، 4


(1) لحاق الكاف فيما ذكره من الألفاظ، متفاوت في الكثرة، وأكثر هذه الكلمات بالنسبة للحاق الكاف: أرأيت حيث يقال: أرأيتك، وأرأيتكم إلى غير ذلك من تصرفات بحسب المخاطب بها، (2) يعني وبعضهم يقول ان (ذا) للقريب، وسيوضح الشارح ذلك، (3) الذي في القاموس وشرحه: ذائك بهمزة بعد الألف، وقالا: انها بدل من اللام في ذلك، ووردت كلمة: آلك في التسهيل في أول باب اسم الأشارة، (4) جاء ذلك في الجزء الأخير من الصحاح في الكلام على ذا، وفي تاج العروس نقل مثله عن ثعلب، وفي لسان العرب: ليس في كلام العرب ذيك البتة والعامة تخطئ فيه، وقد ذكرها ابن مالك في التسهيل، وأوردها = (*)

[ 481 ]

ثم: تلك، وهي كثيرة، وتلك بفتح التاء، وتيلك، وتالك ثلاثتها قليلة، وإنما حركت اللام بالكسر في ذلك، وسكنت في تلك، لأن الألف خفيفة فلم يقصدوا حذفها فحركت اللام بالكسرة للساكنين، وكذا في: تيلك لأن الياء التي بعد الفتحة قريبة من الألف في الخفة، وأما تلك فأدخلت اللام التي فيهإ، على (تي) ولم تحرك اللام بالكسر لاجتماع الكسرتين والياء، بل بقيت على سكونها فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وأما تلك بحذف ألف (تا) فلغة قليلة، وللمثنى: ذان، وذين، وتان وتين، وأما تشديد النون، فقال المبرد: هو في المثنيين، بدل من اللام في: ذلك وتلك، كأنه أدخل اللام مكسورة بعد نون التثنية، لأن اللام تدخل بعد تمام الكلمة كما في: ذلك، وأولالك، فاجتمع المتقاربان 1، فقلبت اللام نونا والقياس في الأدغام: قلب أول المتقاربين إلى الثاني، لأن المراد تغييره عن حاله بالأدغام في الثاني، فتغييره بالقلب 2 أولا، وإنما قلبت ههنا: الثانية إلى الأولى، لتبقى النون الدالة على التثنية، ويجوز 3 أن يدخل اللام قبل النون فيصير: ذالنك، فتقلب اللام نونا وتدغم فيها كما هو القياس، والأول أولى، لكون اللام بعد تمام الكلمة، وأيضا، إدغام اللام في النون ليس بقوي كإدغام النون في اللام، كما يجيئ في التصريف، إن شاء الله تعالى، وقال غير المبرد: ان التشديد عوض من الألف المحذوفة في الواحد، وهذا أولى، لأنهم قالوا في تثنية الذي والتي: اللذان واللتان مشددتي النون عوضا من الياء المحذوفة،


= الزمخشري في المفصل، كلاهما في باب اسم الأشارة، (1) في النسخة المطبوعة (المثلان) وهو خطأ واضح لأنهما لم يصيرا مثلين إلا بعد القلب، (2) يعني فتغييره عن حاله لهذا الغرض إنما يكون بالقلب أولا: (3) يريد أن يقول: ويجوز أن نقدر أن اللام دخلت في الكلمة ووضعت قبل النون وبذلك يتحقق ما هو القياس وهو قلب أول المتقاربين إلى الثاني، ورجح الشارح التقدير الأول بقوله لكون اللام المراد منها البعد إنما تدخل بعد تمام الكلمة، وبأن إدغام اللام في النون ليس بقوي.. الخ، (*)

[ 482 ]

وأيضا، لو كان التشديد عوضا من اللام لم يقل: هذان، بالتشديد مع ( ها)، كما لا يقال هذلك، وقال الأندلسي: لا فرق عند اللغويين بين المشدد والمخفف في القرب والبعد، والنجاة فرقوا بينهما، وذلك بناء على مذهب المبرد، فالبعيد والمتوسط عند غير المبرد وأتباعه في المثنيين: بلفظ واحد، وفي جمعهما: أولاء وأولى ثم: أولئك وأولاك، ثم أولا لك وأولاء بالتنوين، كما ذكرنا أن التنوين كاللام في إفادة البعد، وعلى رأي آخر: أولاء ثم أولاك، ثم أولئك وأولالك، وزعم الفراء أن ترك اللام في الكل لغة تميم، فيكونون قد اقتنعوا 1 للبعيد والمتوسط بالكاف وحدها، وقد يستعمل (ذلك) موضع (ذلكم)، كقوله تعالى: (ذلك لمن خشي العنت منكم) 2، وقوله: (ذلك أدنى أن لا تعولوا) 3، كما قد يشار بما للواحد إلى الاثنين كقوله تعالى: (عوان بين ذلك 4)، وإلى الجمع، كقوله تعالى: (كل ذلك كان سيئه 5)، بتأويل المثنى والمجموع، بالمذكور، وربما استغنى عن الميم في: (ذلكم) بإشباع ضمة الكاف، ويفصل هاء التنبيه عن اسم الأشارة المجرد عن اللام والكاف، تعويلا على العلم باتصاله به لكثرة استعمالها معه، وذلك 6 بأنا وأخواته كثيرا نحو: ها أنا ذا، و (ها أنتم


(1) يعني اكتفوا، (2) الآية 25 سورة النساء، (3) الآية 3 سورة النساء، (4) من الآية 68 سورة البقرة، (5) من الآية 38 سورة الأسراء، (6) أي الفصل المشار إليه بقوله ويفصل، (*)

[ 483 ]

أولاء 1) وها هو ذا، كما يجيئ في حروف التنبيه، وبغيرها 2 قليل، وذلك إما قسم، كقوله: 400 - تعلمن ها لعمر الله، ذا قسما * فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك 3 وقولهم: لا، ها الله ذا ما فعلت، كما يجئ في باب القسم، أو غير قسم كقوله: 401 - ها إن تا عذرة إن لم تكن نفعت * فإن صاحبها قد تاه في البلد 4 وقوله: 402 - ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا * فقلت لهم هذا لها، ها، وذا ليا 5 أي: هذا لها، وهذا ليا، ففصل بين (ها) و (ذا) بحرف العطف، قوله: (تلك) وذاتك، وتانك، مشددتين، وأولئك: مثل ذلك)، تعرض لبيان ما هو مثل (ذلك) الذي للبعيد، لأن الذي للقريب واضح، لأنه: المجرد عن الكاف واللام، وكذا الذي للمتوسط، إذ هو المقترن بالكاف وحدها، وأما هذه الكلمات ففيها بعض الأشكال لسقوط الياء في: تلك، وانقلابها 6 نونا في: ذانك وتانك، وعدم اتصالها باولاء الممدود مع أنه أشهر من: أولى، المقصور،


(1) إشارة إلى الآية 119 من سورة آل عمران (2) يعني والفصل بغير أنا وأخواته قليل، ثم ذكر صور ذلك القليل، (3) من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يخاطب بها الحارث بن ورقاء من بني الصيداء وكان قد أخذ غلاما لزهير ولم يرده إليه حين طلبه منه، ومن هذه الأبيات قوله: يا حار لا أرمين منكم بداهية * لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك ومعنى فاقدر بذرعك الخ، يقول له فكر في الأمر وقدر نتائج ما تفعل، (4) هذا آخر بيت في قصيدة النابغة الذبياني التي يعتذر بها إلى النعمان بن المنذر والتي أولها: يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد (5) نسب كثيرون هذا البيت إلى لبيد بن ربيعة ومنهم الأعلم الشنتمري شارح شواهد سيبويه، قال البغدادي: لم أره في ديوان لبيد، والبيت في سيبويه 1 - 379. (6) هو يريد انقلاب اللام، وكذا في قوله وعدم اتصالها ولعل ذلك تحريف، (*)

[ 484 ]

قوله: (وثم، وهنا وهنا للمكان خاصة)، يعني أن ههنا ألفاظا مختصة بالأشارة إلى المكان فقط، والمذكورة قبل صالحة لكل مشار إليه، مكانا كان أو غيره، وهنا، لازم للظرفية، إما منصوبا، أو مجرورا بمن وإلى، فقط، فهنا، للقريب، وهناك، للمتوسط، وهنالك للبعيد، وأما ثم، وهنا، بفتح الهاء وتشديد النون، وهو الأفصح، وهنا بكسر الهاء، فكهنالك للبعيد، وقد تنجر الثلاثة بمن، وقد تصحب هنا المشددة الكاف، ولا تصحب ثم، وقولهم: ثمك، خطأ، وقد يراد بهناك، وهنالك، وهنا: الزمان، قال الله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق 1)، أي: حينئذ، قال: حنت نوار، ولات هنا حنت * وبدا الذي كانت نوار أجنت 2 - 274 أي: لات حين حنت، فهي ظرف زمان، لأضافتها إلى الجملة، كما يجئ في باب الظروف المبنية، إن شاء الله تعالى، 3 الهاء، فكهنالك للبعيد، وقد تنجر الثلاثة بمن، وقد تصحب هنا المشددة الكاف، ولا تصحب ثم، وقولهم: ثمك، خطأ، وقد يراد بهناك، وهنالك، وهنا: الزمان، قال الله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق 1)، أي: حينئذ، قال: حنت نوار، ولات هنا حنت * وبدا الذي كانت نوار أجنت 2 - 274 أي: لات حين حنت، فهي ظرف زمان، لأضافتها إلى الجملة، كما يجئ في باب الظروف المبنية، إن شاء الله تعالى، 3 * * *


(1) الآية 44 سورة الكهف، (2) تقدم هذا الشاهد في باب لا العاملة عمل ليس من هذا الجزء، (3) جاء بهامش المطبوعة الأولى أن الجزء الأول في تقسيم الرضي ينتهى هنا في بعض النسخ، وقد اتفق هذا مع ما اخترناه من جعل هذا نهاية الجزء الثاني في التقسيم الذي اخترناه لهذا الكتاب، وقد أشرنا إلى ذلك عند نهاية الكلام على التوابع الذي هو نهاية الجزء الأول من المطبوعة، نسأل الله القدير أن يعين على إكمال هذا الكتاب، إنه سميع مجيب، يبدأ الجزء الثالث بالكلام على الموصول إن شاء الله تعالى، (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية