الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الإمام جعفر الصادق (ع)- عبد الحليم الجندي

الإمام جعفر الصادق (ع)

عبد الحليم الجندي


[ 1 ]

جمهورية مصر العربية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الإمام جعفر الصادق تأليف المستشار عبد الحليم الجندي يشرف على إصدارها محمد توفيق عويضة القاهرة 1397 ه‍ - 1977 م

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تقديم كان من المنطق أن يظهر هذا الكتاب قبل - أو مع - كتابنا (أبى حنيفة بطل الحرية والتسامح في الإسلام (سنة 1945) م أو كتاب (مالك بن أنس). فلقد تتلمذ أبو حنيفة ومالك للإمام الصادق، وتأثرا كثيرا به، سواء في الفقه أو في الطريقة. ومالك شيخ الشافعي. والشافعي يدلى إلى أبناء النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب من العلم والدم. وقد تتلمذ له أحمد بن حنبل سنوات عشرة. فهؤلاء أئمة أهل السنة الأربعة، تلاميذ مباشرون أو غير مباشرين للإمام الصادق. غير أن تعاقب الأئمة الأربعة لأهل السنة. وتقارب مذاهبهم في تعبيرها عن فقه " أهل السنة "، دفعا إلى وجه آخر. فظهرت كتبنا عنهم بين سنتى 1945، 1970 للميلاد. وإلى ذلك فقد تأكد في كتابنا " توحيد الأمة العربية " (سنة 1965) أن " وحدة القاعدة القانونية " هي الطريقة المثلى لربط المسلمين، في في شتى أقطارهم، بتشريح إسلامى شامل. تضؤل دونه التشريعات المعاصرة في الغرب أو في الشرق. والفقه " الشيعي " واحد من النهرين اللذين تسقى منهما حضارة أهل الإسلام. وإليه لجأ الشارع المصرى في هذا القرن لإجراء إصلاحات ذات بال في نظم الأسرة المصرية. والإمام جعفر الصادق يقف شامخا في قمة فقه أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. هو في الفقه إمام. وحياته للمسلمين إمام. والمسلمون

[ 4 ]

اليوم يلتمسون في كنوزهم الذاتية مصادر أصيلة للنهضة، مسلمة غير مخلطة ولا مستوردة. هو الإمام الوحيد من " أهل البيت " الذى أتيحت له إمامة دامت أكثر من ثلث قرن، تمحض فيها مجلسه للعلم، دون أن يمد عينيه إلى السلطة في أيدى الملوك. وبهذا التخصص سلم الأمة مفاتح العلم النبوى ومنه يبدأ التأصيل الواضح لمنهج علمي عام للفكر الإسلامي، نقلته أمم الغرب فبلغت به مبالغها الحالية. وعمل به بين يديه، ثم أعلنه، تلميذه جابر بن حيان أول كيمائى كما تبايع له " أو روبة الحديثة "، وهو " منهج التجربة والاستخلاص "، أي الاعتبار بالواقع وتحكيم العقل، مع النزاهة العلمية. فالأمام الصادق هو فاتح العالم الفكري الجديد، بالمنهج العقلاني والتجريبى، كأصحاب الكشوف الذين فتحوا أرض الله لعابده فدخلوها آمنين. والإمام الصادق هو الإمام الوحيد في التاريخ الإسلامي، والعالم الوحيد في التاريخ العالمي، الذى قامت على أسس مبادئه " الدينية والفقهية والاجتماعية والاقتصادية " دول عظمي. ومصر تذكر منها أكبر دولة عرفها التاريخ فيها من عهد الفراعنة - الدولة الفاطمية - التى امتد سلطانها من المحيط الأطلسي إلى برزخ السويس. ولولا هزيمة جيوشها أمام الأتراك لخفقت أعلامها على جبال الهملايا في وسط آسيا. والعالم كله مدين لها بمدينة القاهرة. والمسلمون يدينون لها بالجامع الأزهر، الذى حفظ القرآن والسنة واللغة العربية، وعلومها كافة. ويدينون لتعاليم الإمام بقيام دولة كبيرة في ايران. ومجتمع عظيم بالعراق. ومعاهد علمية يتصدرها النجف الأشرف، وشعوب قوية في الهند وباكستان واليمن وأفغانستان ووسط آسيا ولبنان وسورية كثير سواها. وهو الإمام الذى علم بالمواقف التى وقفها، قدر ما علم بالمبادئ التى

[ 5 ]

أرساها. فالمواقف أعمال. وهى أعلى صوتا من الأقوال. ولقد يعدل الموقف الواحد جهاد عمر كامل، أو مهمة حياة رجل. وهو، بمكانه من " أهل البيت "، وحقه في الخلافة، وإمامته للفقهاء بلا استثناء، كان غرضا يطلبه أعظم خلفاء بنى العباس ليضيفه إلى قوائم القتلى من صناديد القواد، أو الشهداء من " أهل البيت ". وكان درسا من السماء أن يسيطر الإمام على الميزان إذ يلتقيان، فيضعف الطالب عن المطلوب، ويرتفع الإمام الصادق بالخليفة القاتل إلى مستوى الحاكم العادل. * * * والمستقبليون الذين يتكلمون اليوم عن الأخذ بأسباب النهضة العلمية، كمثل السياسيين الذين لا يرون النهضة بالغة شأوها إلا أن تكون شاملة لأمور الدين والدنيا - هؤلاء وأولاء، بحاجة إلى أن يظهروا على حياة الإمام الصادق، ليروا مقدار ما تفلح الدعوة الصادقة بالمبادئ الصحيحة، والخطط المنجحة، في إقامة دول، ومجتمعات، قوامها الدين والعلم والعدل والاقتصاد العصرى. وكمثلهم دعاة الإصلاح الذين يمثلهم الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر في النصف الأول من هذا القرن عندما قال: " إن الأمم ليست بكثرة أفرادها وعديدها ولكن بروحها وإيمانها وخلقها. ولعمري إن سبيل ذلك لهو العلم " - وقال " إن كل إصلاح لا يقوم على أساس تقوية الروح الدينى في الأمة لا بقاء له. ولا خير فيه. وإذا قلت الروح الدينى فإنما أريد الأخذ العملي بالشريعة عن إيمان وثقة. لا أن نكتفي بما ينص عليه الدستور من أن دين الدولة هو الإسلام. ثم نكون في أكثر أحوالنا تشريعاتنا و أخلاقنا على خلاف ما يأمر به الإسلام وينهى عنه الإسلام ". والله نحمد: لقد غيرت مصر في سنة 1971 دستورها الذى أشار

[ 6 ]

الشيخ إليه. ونصت على أن " الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع " وهى دعوة صادقة لتقوم القوانين المطبقة جميعا على أساس الشريعة. * * * وبعد: فالكتاب الحالى يبلغ غرضه إذا كان صوتا يدعو إلى الوحدة. والمسلمون تجمعهم أصول فكرية واحدة، وإن اختلفت الفروع أو تعددت الآراء. وفي تعدد الآراء ثراء. ولما عرض تلميذ لأحمد بن حنبل تسمية كتاب له " كتاب الاختلاف " قال له " سمه كتاب السعة ". ألا: وإنه لا صلاح للمسلمين والعرب اليوم في مواجهة التحدي العالمي إلا بالوحدة. والعالم الغربي الذى تهز الأفكار المادية والإلحادية عقائده، ويزعزع الرعب النووي اطمئنانه، بحاجة إلى مبادئ الإسلام، وعرض شريعته علميا، كهيئة ما عرضها الإمام الصادق على الملاحدة في عصره فكانوا يسلمون. وكمثل ما علم تلاميذه ومعاصريه قواعد العلم والفقه والاقتصاد التى تكفل للمسلمين النماء الفكري والاجتماعي والاقتصادي. والعالم الغربي، الذى يحسب للعالم الاسلامي حساب الطاقة التى خزنتها السماء في الأرض الإسلامية، التى جعلها الله مقرا لبيته العتيق، وحساب المعادن التى تعكس الأقمار الصناعية لمعانها وإشراقها كلما صورت أرض العرب، هذا العالم الغربي الذى جمعته الحروب الصليبية في مقابلة العالم الإسلامي، والذى خططت حدوده الحالية حروب ومعاهدات دينية، وازدهرت قاراته الجديدة بعد هجرات تجرى في جذورها النوازع الدينية، هذا العالم الغربي جدير بأن يواجهه المسلمون كالبنيان المرصوص، لا كهيئة الحجارة المتناثرة، قد بعثرتها في مهاب الرياح الأربعة أمم غلبت عليها بالقوة، من الخارج، وبالتخلف الاجتماعي والعسكري والاختلاف الدينى في الداخل.

[ 7 ]

والمسلمون اليوم لا يتنازعون سلطة كما كان الأقدمون منهم يتنازعون من أجل السلطة. وإنما يتنازع غيرهم السلطة عليهم. وهم اليوم لا يتقاسمون القوة وإنما يتقاسمون الضعف المادى، في حين يختزنون القيم العليا للتقدم، والقوى التى تحصى وتعد. فحيثما ابتغوا الوسيلة وجدوا نصر الله. ويوم توجد فينا إرادة الانتصار سننتصر. والله متم نوره. * * * حياة إلامام تنقسم في ترجمتها قسمين: الأول عن الرجل، والثانى عن علمه. وعلى ذلك وردت الصورة التى صورنا فيها هذه الحياة في قسمين. كل منهما في ثلاثة أبواب. القسم الأول: يدور حول ظهور الإسلام وتألق " على " وأولاده من " فاطمة الزهراء " في الصدارة من الأشخاص والأحداث، والبيئة التى نتج فيها الإمام الصادق. فتعاونت على إعداده ظروف الوفاء، أو العداء، لأهل البيت، لتهئ منه إماما خصيصته تعليم العلم الذى تلقاه عن جديه، وطريقته الأسوة الحسنة في أعمال حياته، وتحمل التبعات حيث تزوغ الأبصار. والقسم الثاني: من الكتاب يعرض تصور المؤلف للعم الذى علمه الإمام، والمدرسة التى أنتجته، والمنهج العلمي، العالمي، الذى أخذ به العلماء الدينيون والفقهيون، والرياضيون والفلكيون والكيمائيون وعلماء الطبيعة الإسلاميون، ونقله عنهم رياضيو العصور الوسيطة في أوربة، ليصير " منهج التجربة والاستخلاص " الذى يعمل به الفكر المعاصر، بعد إذ ترجم من العربية في جنوب فرنسا واسبانيا وصقلية وسواها من جامعات أو روبة، وسبق إلى التنويه به " روجير بيكون " ثم نسب إلى " فرنسيس بيكون " بعد ثلاثة قرون - وكذلك المنهج السياسي

[ 8 ]

والاجتماعي والاقتصادي الذى أقام الدول العظمى والمجتمعات الإسلامية التى يباهى بها المسلمون في العصر الوسيط وفي العصور الحديثة. وفي هذا القسم باب أخير تبدو فبه عدالة التاريخ مصححة لانحراف الأعداء وافتياتهم على أبناء على. كما يظهر فيه نصر الله للمسلمين إذ يتحدون. والله نسأل أن يقينا الزلل.

[ 9 ]

القسم الأول الباب الأول ظهور الاسلام الباب الثاني بين السلطان والامام الباب الثالث امام المسلمين

[ 11 ]

الباب الأول ظهور الإسلام " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ليس بفرار. يفتح الله عز وجل على يديه ". " حديث شريف "

[ 13 ]

ظهور الإسلام الإمام جعفر الصادق نتاج قرن كامل من العظائم. يحنى لها الوجود البشرى هاماته. ويدين بحضاراته. على رأسها نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام. وفيها بطولات الإمام على إلى جوار النبي، واثرها في ظهور الإسلام، ومشاركته في إبان خلافة الخلفاء الراشدين الثلاثة الذين سبقوه. وآيات نبوغه وتبريزه في السياسة والإدارة والقضاء والفقه والتشريع والبيان العربي والعلم بوجه عام. وإجلال جميع المسلمين لمكانته والتفاف شيعته حوله وتفضيلهم له على سائر الخلفاء الراشدين. ثم قيام الفتنة في أخريات خلافة عثمان واغتياله وبيعة المسلمين لعلى، وخروج معاوية عليهم بأهل الشام، وقيام الحرب بين أمير المؤمنين وبين جيش معاوية، وخروج الخوارج واغتيال على، والبيعة لابنه الحسن. ثم تصالح الحسن ومعاوية حقنا للدماء. واستقرار الأمور للأخير نحو عشرين عاما. ولما آلت الأمور إلى ابنه يزيد استفتح حكمه بمذبحة كربلاء، حيث استشهد الحسين بن على أبو الشهداء. وأعقبتها وقعة الحرة، حيث سفك دم الصحابة والتابعين، ثم ضربت جيوشه الكعبة بالمنجنيق ومات وجيوشه تضرب الكعبة. فتولى بعده ابنه معاوية، فتنازل عن الخلافة. وولى بنو أمية مروان بن الحكم وتتابع بعده بنوه. أما أبناء الحسين فتتابعوا على حمل هموم المسلمين وإعلاء كلمة الدين والقيام في الأمة مقام جدهم الإمام " على بن أبى طالب " والنهوض بتبعات الإمامة بتوفيق الله سبحانه: من على بن الحسين (زين العابدين) إلى ابنه إلامام (الباقر) إلى حفيده الإمام (الصادق). والإشارات السريعة، إلى كل أولئك، مع الوجازة المفروضة، موضوع الفصلين الأول والثانى في هذا الباب. وفيها مدخل الكتاب

[ 15 ]

الفصل الأول أخو النبي صلى الله عليه وسلم " انت أخى وصاحبى " " حديث شريف "

[ 17 ]

أخو النبي صلى الله عليه وسلم أول من آمن بالله ورسوله أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وأبو بكر الصديق وعلى بن أبى طالب. واختلف في الأول منهما. والأكثرون يقولون عليا. واختلفوا في سن على يومئذ. قال ابن إسحق أن عليا أول من آمن بالله وصدق رسول الله، وهو ابن عشر سنين يومئذ. لكن حسان بن ثابت، وطائفة، قالوا إن أبا بكر هو الأول. وروى ابن إسحق كيف أسلم على بن أبى طالب بعد إسلام خديجة وصلاتها مع النبي بيوم واحد. إذا جاء فوجدهما يصليان. فقال على: يا محمد ما هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دين الله الذى اصطفى لنفسه وبعث به رسله. فأدعوك إلى عبادة الله وكفر باللات والعزى ". فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم. فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره. فقال له " يا على إن لم تسلم فاكتم ". فمكث على تلك الليلة. ثم إن الله أوقع في قلبه الإسلام. فأصبح غاديا إلى رسول الله حتى جاءه فقال: ماذا عرضت على يا محمد ؟ فقال " تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وتكفر باللات والعزى. وتبرأ من الأنداد ". ففعل على وأسلم. ومكث على يأتيه سرا خوفا من أبى طالب. وكان مما أنعم الله به على على أنه ربى في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام. ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة - أول مسلمين -

[ 18 ]

ولدت فاطمة الزهراء. ومن أبنائها ومن أبناء على وأبى بكر الصديق، أي من أبناء نبى الإسلام، والمسلمين الثلاثة الأولين، ولد جعفر بن محمد: الإمام الصادق. وبدعوة أبى بكر أسلم خمسة من العشرة الذين بشرهم رسول الله بالجنة ومات وهو عنهم راض: عثمان بن عفان و الزبير بن العوام وطلحة ابن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص. وهؤلاء الخمسة هم أهل الشورى، الذين جعل عمر الخلافة فيهم وفي " على بن أبى طالب "، ليختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون. فعلى بن أبى طالب يجئ دائما في صدارة أهل الإسلام. وأبوه وأمه في الصدارة كذلك: لقد كفل أبوه محمدا ابن أخيه عبد الله وهو ابن ثمانى سنين. وخرج به إلى الشام وهو ابن اثنئى عشرة. وهو الذى مثله في الزواج من أم المؤمنين خديجة. ولما ماتت فاطمة بنت أسد، أم على، نزل النبي في لحدها وألبسها قميصه - صلى الله عليه وسلم - وقال (لم يكن أحدأ بربي بعد أبى طالب منها). وجزى النبي صنيعهما في على. إذ كفله وهو ابن ست سنين، ثم جعله سابقا في الإسلام. فلما كان النبي يعبد الله في غار حراء كان على يعبد الله وهو صبى مميز. ثم بسق الفرع وسمق في جوار أخيه (1) ومربيه وعلى عين أبيه. وفي سنة سبع من المبعث تآمرت قريش على قتل الرسول. وأبى قومه بنو هاشم. وظاهرهم بنو عمهم " المطلب بن عبد مناف ". فأجمع المشركون من قريش على إخراجهم من مكة إلى الشعب. فخرجوا مؤمنهم وكافرهم. فلما عرفت قريش أن رسول الله قد منعه قومه أجمعت ألا تدخل إليه شيئا، وقطعت عنهم الأسواق ثلاث سنين (1)


(1) العرب تسمى ابن العم الشقيق أخا. (*)

[ 19 ]

وكان " أبو طالب " يأمر رسول الله أن يأتي فراشه كل ليلة، حتى يراه من أراد به شرا. فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه، فاضطجع على فراش الرسول. وأمره أن يرقد على بعض فرشهم فيرقد عليها. حتى إذا أكملوا ثلاث سنين أخبر الله رسوله أن العهد الذى تعاهدته قريش في صحيفة علقوها بالكعبة قد أكلته الارضة. ولحست باقى الصحيفة. فجرجوا من الشعب إلى قريش. وأنبأ أبو طالب قريشا أن الصحيفة قد أكلت، فخرجوا من الشعب إلى قريش. وأبنأ أبو طالب قريشا إن الصحيفة قد أكلت، وأسماءهم قد لحست، كما أخبره ابن أخيه، وأنباهم أنه وأهله سيحمونه عن آخرهم. وذات يوم سأل النبي أهله: أيكم يوالينى في الدنيا والآخرة ؟ - وعلى جالس - فسكتوا. وقال على: أنا أواليك في الدينا والآخرة. فكانت هذه أول موالاة من النبي لعلى. ولما حضرت الوفاة أبا طالب في السنة العاشرة من المبعث عن بضع وثمانين، جمع إليه وجوه قريش فقال بين ما قال (.. وإنى أوصيكم بمحمد فإنه الأمين في قريش. والصديق للعرب. وهو الجامع لكل ما وصيتكم به. وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن.. يا معشر قريش كونوا له ولاة..). والنبى يقول (ما زالت قريش كاعة حتى مات عمى أبو طالب). وماتت خديجة بعد أبى طالب بأيام أو أشهر أو أكثر. وأذن الله للرسول في الهجرة إلى المدينة. وكان قد أمر اصحابه بالهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة. ولم يبق فيها إلى جواره إلا أبا بكر وعليا. والأول هو الصديق والثانى هو " الفدائي الأول ". فلقد رأت قريش ذلك فأجمعت على قتل النبي فبيتوه ورصدوه طول ليلهم ليقتلوه إذا خرج. فأمر عليا أن ينام على فراشه. ودعا ربه أن يعمى على قريش أثره، وخرج وقد غشى أبناءها النوم. فلما أصبحوا خرج على عليهم وقال: ليس في الدار ديار. فعلموا أن رسول الله نجا.

[ 20 ]

وكان " الفدائي الأول " قد شارف العشرين من العمر. استبقاه الرسول لأمر يتعلق بحياة الرسول. ليضحى من أجله بحياتة. وسلمت الحياتان لأن الأولى حياة الإسلام، ولأن الثانية سوف تفديها وتحرسها مرة إثر أخرى. اخو النبي: أقام على بمكة أياما ليرد فيها ودائع كانت عند الرسول. ثم لحق به في المدينة. فنزل معه بقباء، حيث أقام رسول الله مسجدها ثم خرج إلى دور أخواله بنى عدى بن النجار فأقام بها أشهرا بنى فيها مسجده. وآخى بين تسعين من المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة والتوارث. حتى نزل قوله تعالى (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض). أما " أبو بكر " فآخى بينه وبين خارجة بن زيد. وأما " عمر " فآخى بينه وبين عتبان بن مالك. وأما " عثمان " فآخى بينه وبين أوس بن ثابت (أخى حسان). أما " على ". فآخى بينه وبين نفسه صلى الله عليه وسلم. بل هو قال له: " أنت أخى وصاحبى ". وفي ذلك رواية ابن عباس أن عليا كان يقول (والله إنى لأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليه). وهذه هي المؤاخاة الثانية. فالأولى كانت بمكة. ثم خرج المسلمون ليوم " بدر، فدفع رسول الله الراية إلى على. وراية أخرى لرجل من الأنصار. فهذه أولى معارك الإسلام وكبراها. وفعل على الأفاعيل بالعدو: قتل من المشركين بيده أربعة. وقيل خمسة. وقيل ستة: أكثرهم من أهل معاوية بن أبى سفيان. وهو ما يزال بين المشركين. ثم قدم الرسول فلذة كبده " لبطل بدر ". فبنى بفاطمة الزهراء وهى في الثامنة عشرة. (1)


(1) روى جميع بن عمير التيمى قال (دخلت مع عمى على عائشة فسألت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله ؟ قالت فاطمة. قيل من الرجال ؟ قالت زوجها. أن كان ما علمت صواما قواما) وفي مسند الإمام أحمد عن على أنه قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحسين فقام النبي إلى شاة لنا بكئ (قليلة اللبن) فحلبها فدرت فجاء الحسن فنحاه النبي فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنه أحبهما قال لا ولكنه استسقى قبله. ثم قال (أناو اياك وهذين، وهذا الراقد، في مكان واحد يوم القيامة). توفيت بعد رسول الله بستة أشهر وقيل ثلاثة. وقيل بسبعين يوما عن تسع وعشرين سنة أو ثلاثين. (*)

[ 21 ]

روى ابن الأثير في أسد الغابة (أخبرنا.. عن الحارث عن على فقال: خطب أبو بكر و عمر - يعنى فاطمة - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما. فقال عمر: أنت لها يا على. فقلت: ما لى من شئ إلا درعى أرهنها. فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة. فلما بلغ ذلك فاطمة بكت. قال: فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالك تبكين يا فاطمة ! فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم خلقا وأولهم سلما). أما العلم والحلم والسلم فهى التى احتاج فيها على - وهو في فتاء السن - إلى الشهادة بها من النبي لدى زهراء النبي. وأما ميادين الوغى فقد شهدت له فيها رايات " بدر ". وستشهد له فيها الرايات الأخر: في يوم أحد - أخطر معارك الإسلام - كان على في الحرس، إلى جوار النبي، حين أصيب النبي في المعركة. وكان طبيعيا أن يصاب على بستة عشر ضربة، كل ضربة تلزمه الأرض. وكما يقول سعيد بن المسيب سيد التابعين (فما كان يرفعه إلا جبريل عليه السلام) فلما اشتد الخطب، وقتل حامل الراية - مصعب بن عمير - دفع الرسول الراية لعلى.. فقتل على يومذاك واحدا وقيل ثلاثة مشركين. وفي يوم الخندق أزفت الآزفة حيث تيمم المشركون مكانا ضيقا فاقتحموه بخيلهم. فخرج لهم على بن أبى طالب في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التى اقتحموا منها. وكان عمرو بن عبدود - فارس العرب - يريد أن يعرف مكانه يوم الخندق. فنادى من فوق الخيل: هل من مبارز ؟ فبرز له على. قال له عمرو: ما أحب أن أقتلك لما بينى وبين أبيك.. وأصر على ونزل عمرو عن فرسه. تجاولا. فما انجلى النقع حتى قتله على. وفر أصحاب الثغرة بخيولهم منهزمين. وفي غزوة بنى قريظة كانت له راية المسلمين: وفي صلح الحديبية كان " كاتب " صحيفة الصلح على بن أبى طالب

[ 22 ]

يملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فذلك كان أيمن صلح عرفه التاريخ البشرى. فلقد أصبح الذين أسلموا بعده وقبل فتح مكة، أكثر ممن أسلموا قبله. وبه حفظت دماء الذين بايعوا تحت الشجرة، ليظهر الإسلام على أعدائه وييسر فتح مكة. وفي غزوة خيبر فتح الله على المسلمين حصنا واستعصى اثنان على أبى بكر وعمر. فقال عليه الصلاة والسلام: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ليس بفرار. يفتح الله عز وجل على يديه ". ولما أصبح دعا عليا وقال: " خذ الراية وامض حتى يفتح الله عليك ". وحمى الوطيس. وسقط ترس على. فتناول بابا وترس به نفسه. ولم يزل يقاتل حتى فتح الله عليه. وصدق أبو بكر بعد سنين في وصف على عندما حدث المسلمين عن على وعمر: إن عليا إذا اعترضته عقبة حاول اقتحامها. فإما كسرته أو كسرها. أما عمر فإنه إذا صادفته عقبة دار لها. وحمى الله فضائل الإسلام على يد على. فلم يره أحد في موقف المنكسر. ولما استشهد في دفاعه عن هذه الفضائل، كان الإسلام ينتصر. وفي يوم حنين أعجبت المسلمين كثرتهم. فكادوا ينهزمون. وثبت الرسول. وقتل على صاحب راية المشركين وأخذها منه، وكر المسلمون عليهم فهزموهم بإذن الله. ولما قتل خالد بنى خزيمة خطأ وسباهم - وهم مسلمون - بعث الرسول عليا فوداهم ورد إليهم أموالهم وقال لهم: انظروا إن فقدتم عقالا لأدينه. فبهذا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي السنة التاسعة خرج رسول الله إلى تبوك. واستعمل عليا على المدينة. فسأل على النبي في ذالك. فأجابه (إنما خلفتك لما تركت ورائي. فارجع فاخلفني في أهلى، وأهلك. فأنت منى بمنزلة هارون من موسى

[ 23 ]

إلا أنه لا نبى بعدى..) فكان تخليفه عن هذه الغزوة تقديما له. إذ وضعه موضع هرون من " موسى " عليه السلام. إى في منزلة أخ الرسول من الرسول. وتتابع التقديم. إذ نزلت عشر آيات من صدر سورة " براءة " من عهد كل مشرك لم يسلم إن يدخل المسجد الحرام بعد هذا العام. فقالوا للرسول: ابعث بها إلى أبى بكر. - وكان على الناس في حج البيت الحرام - فقال عليه الصلاة والسلام " لا يؤديها عنى إلا رجل من أهل بيتى " وبعث عليا على ناقته صلى الله عليه وسلم فأدرك أبا بكر في الطريق. فسأله أبو بكر هل جاء أميرا أو مأمورا ؟ قال على: بل مأمورا. فهو قد جاء بغرض خاص بتبليغ القرآن. أما إمارة الحاج فكانت لأبى بكر. وفي كتب السنن أن النبي بعد عودته من حجة الوداع نزل بغدير خم وأعلن أنه يترك القرآن و " عترته " للمسلمين ثم أخذ بيد على ودعا ربه " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وكان للرسول " كتابه " " والمنفذون " لأمره و " المفتون " في حياته - ثقة من الله والرسول في شجاعتهم وحكمتهم وسداد رأيهم - وفي كل صفة، وكل طائفة، كان على. فامتاز بهذا الخصيصة التى تحوى جماع خصائص أصحاب النبي. - فكتاب النبي. أبى بن كعب وأبو بكر وعمر وعثمان و " على " وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبى سفيان وحنظلة بن الربيع. - والمنفظون لأحكامه (ومنها ضرب الأعناق بين يدى النبي). " على " والزبير ومحمد بن مسلمة - والمفتون في عهده: أبو بكر وعمر وعثمان و " على " وأبى بن كعب وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وزيد بن ثابت وسلمان وأبو الدرداء وأبو موسى الاشعري. ولما بعث النبي عليه الصلاة والسلام عليا إلى اليمن قال على (يا رسول

[ 24 ]

الله تبعثني إلى اليمن ويسألونني عن القضاء ولا علم لى به). فضرب النبي بيده على صدره ثم قال " اللهم ثبت لسانه واهد قلبه " قال على (فوالذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما شككت في قضاء بين اثنين بعد). وهى خصيصة يدرك جلال اليقين فيها من ولى القضاء. بين الخلفاء الراشيدن: صعدت روح رسول الله إلى الرفيق الأعلى وعلى بطل جيوشه غير منازع. وكان قد دربه على القضاء والإفتاء. فهاتان الوظيفتان هما أسمى عمل في الدول. وبخاصة في الدولة المسلمة، حيث الحفاظ على الشريعة وإدارة الدول وسياسة الأمم واستقرار النظم واطمئنان الجماعة واجبات دينية. والإفتاء يعدل التشريع في أيامنا هذه. والقضاء هو توزيع العدالة. والعدل صفة الله سبحانه. لقد بعثه إلى اليمن. فقضى. وله قضاء مشهور عرض على النبي فاستحسنه. وله السؤال المشهور يومذاك إذ سأل: أكون كالسكة المحماة أو الشاهد يرى ما لا يراه الغائب ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام " بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب ؟ ". فدل بذلك على تفويضه في أن يجتهد، وأن يعمل بمقاصد الشريعة.. وكان أيامئذ عنفوان شبابه. فلم يفارقه الاجتهاد العظيم للأمة في كل مناسبة تقتضي الاجتهاد. وبالتربية النبوية في القضاء والإفتاء. نفذ على إلى صميم الفكر التشريعي في الأمة. أي صميم شريعة الإسلام. فاحتاج أبو بكر وعمر إليه في جوارهما (1) ليشير عليهما (2) ويقضى (3) و يفتى. أما فتاواه التشريعية فستبقى مثلا أعلى للفكر الإسلامي في سياسة الدولة وسياسة الناس. إذا اشتهر عمر بأنه المجتهد الأكبر من كثرة ما واجه من ظروف طارئة على الدولة المنتصرة في الشرق والغرب، ومن طول ما حكم وهو خليفة، واتساع ما فتح من الفتوح، واختلاف من أسلم من أهل البلاد المفتوحة،

[ 25 ]

فعلى كان يصصح الكثير للمجتهد الأكبر. وفي ذلك الحجة القاطعة على أنه في أسمى وظائف الفكر، وهما التشريع والقضاء كان بدوره مجتهدا أكبر. إليك قليلا من الأمثال، تخيرناها، من أمور معلمة في الدين والفقه والسياسة: - منع عمر تدوين الحديث - مخافة أن يخلط القران بشئ - وبهذا أبطأ التدوين عند أهل السنة قرنا بتمامه. وانفتحت أبواب للجرح والتعديل وللوضع، وللضياع. أما على فدون من أول يوم مات فيه الرسول. ولعله إذ دون صار مرجع الصحابة بما فيهم عمر. وهذا الاتجاه العلمي للتدوين، يؤازره اتجاه دينى، وفقهي، وسياسي، واقتصادي، لتوزيع الحقوق. - قال عمر للناس يوما: ما ترون في فضل فضل عندنا من هذا المال (مال الصدقة) قالوا يا أمير المومنين. قد شغلناك عن أهلك وضيعتك فهو لك. فالتفت إلى على وقال ما تقول ؟ قال قد أشاروا عليك. قال عمر: قل. قال على لم تجعل يقينك ظنا ؟ أتذكر حين بعثك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعيا فأتيت العباس بن المطلب، فمنعك صدقته. فقلت لى: انطلق إلى رسول الله - صلى الله ليه وسلم - فوجدناه خاثرا. فرجعنا ثم غدونا عليه. فوجدناه طيب النفس فأخبرناه بالذى صنع.. فقال لك: أما عملت أن عم الرجل صنو أبيه ؟ وذكرنا الذى كان من طيب نفسه في اليوم التالى فقال: اما انكما أتيتماني اليوم وكان عندي من الصدقة ديناران. فكان الذى رأيتماه من خثورى له. وأتيتماني اليوم وقد وجهتهما غدا (صباح اليوم) فذاك الذى رأيتما من طيب نفسي. - ودعا عمر امرأة فأجهضت ما في بطنها بفزعها فاستشار في الدية. فقال له عثمان و عبد الرحمن: لا عليك. إنما أنت مؤدب. وقال على: إن كانا قد اجتهد فقد أخطأ. وإن لم يجتهد فقد غشاك. أرى عليك الدية.

[ 26 ]

فقال عمر: عزمت عليك ألا تبرح حتى تفرصها على بنى عدى.. وهذه الفتوى تعتبر تقدما تحاول أن تبلغه الحضارة المعاصرة، ولا تكاد. - ورأى عمر ذات يوم رجلا مع امرأة على معصية. فاستشار في أن يقضى بعلمه أم لابد من شهادة غيره ؟ قال على (يأتي بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين - ولمفتح المسلمون الأمصار طلب الفاتحون لأنفسهم أربعة أخماس الأراضي المفتوحة أخذا بظاهر الآية. فاستشار عمر الصحابة. فاختلفوا. لكن عليا كان من الرأى الذى أخذ به عمر، وهو إبقاء الأرض في أيدى أصحابها وتكليفهم الخراج تسد من حصيلته حاجات الدفاع عن الأمة والإنفاق على المحتاجين. وفي بقاء الأرض في أيدى أصحابها بقاء لهم أو لمن يجيئون بعدهم وأثر هذه الفتوى في نشر الإسلام يذكر ويشكر. وعلى صاحب الرأى الشهير بتضمين الصناع ما يتلفونه إلا أن يثبتوا أنه من عمل غيرهم بعد إذ كانوا لا يضمنون لأن يدهم يد الأمين. لكن الزمان تغير فاقتضى تغير الناس التضمين. وفي ذلك قول على: لا يصلح الناس إلا ذاك. وهذا مضرب المثل على العمل بقصد الشارع من حفظ مصالح المسلمين وتوخى المصلحة الإسلامية حيث تكون. ورفعت إلى عمر قضية رجل قتلته امرأة وخليلها. فتردد هل يقتل الكثيرين بالواحد ؟ قال على أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور هذا عضوا وهذا عضوا. أكنت قاطعهم ؟ قال نعم. قال على: فكذلك. فكتب عمر إلى عامله أن: اقتلهما فو الله لو اشترك أهل صنعاء كلهم لقتلتهم. وجئ عمر يوما بأمراة زنت وأقرت فأمر برجمها. لكن عليا قال: لعل بها عذرا. ثم سألها: ما حملك على ما فعلت ؟ قالت: كان لى خليط وفى إبله ماء ولبن. ولم يك في إبلى ماء ولا لبن. وظمئت واستسقيته فأبى ان يسقينى حتى أعطيه نفسي. فأبيت عليه ثلاثا. فلما ظمئت وظننت نفسي ستخرج أعطيته الذى أراد فسقاني. قال على: الله أكبر (فمن اضطر

[ 27 ]

غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. إن الله غفور رحيم). لقد كان عمر على الحق إذا أمر ألا يفتى أحد بالمسجد وعلى حاضر. فجعل القضاء وقفا عليه في ساحة القضاء. وكان يقول اللهم لا تنزل بى شديدة إلا وأبو الحسن إلى جنبى. (1) بل يحيل سائليه على على. ويجيب أذينة العبدى إذ يسأله: من أين أعتمر ؟ إيت على بن أبى طالب فاسأله. بل يقول: لولا على لهلك عمر. ولعلى عهده المشهور إلى الأشتر النخعي (2) إذ ولاه مصر. فهو دستور سياسي وديني وعالمي يضؤل دونه كل العهود، بما فيه من شمول وتفصل لقواعد الحكم الصالح. وإليه يرجع كل من أراد نجاحا للحكم بصلاح الدنيا والدين. والمصريون - مسلمين ومسيحيين - يحفظون قوله فيه لواليه (واشعر قلبك الرحمة بهم المحبة لهم. واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم


(1) لا يتسع المقام في هذا الباب إلا لبعض أمثال: - قاضاه خصم إلى عمر وناداه عمر: قم يا أبا الحسن. ولا حظ عمر أنه تألم فسأله. فقال (تألمت إذ كنيتني ولم تكن خصمى فلم تسو بيننا). - وقاضاه يهودى - وهو خليفة - في درع - ولم تكن للخليفة بينة. فقضى القاضى ضده، فأسلم اليهودي لما رأى من العدل. - وأودع قرشيان مائة دينار - لدى قرشية على ألا تدفعها لأحدهما دون الآخر. ولبشا حولا ثم جاء أحدهما وادعى آن الآخر مات. فدفعت إليه المال. ثم جاءها الآخر فأخبرته. فترافعا إلى على. وعرف على أن الرجلين مكرا بها. فقال للرجل: أليس قلتما لها لا تدفعى لواحد دون صاحبه ؟ قال بلى. قال اذهب فجئ بصاحبك. فذهب ولم يرجع. وهذه اللفتات المرتجلة تصدر عن وحدة فكرية في أمور الأثبات والإجراءات وإدارة الجلسات وهى دلائل متضافرة على اقتدار مقطوع القرين " لعقل قضائي " أجمع الصحابة العظماء على أنه أقضاهم. (2) الأشتر أول من عبر التعبير الشهير في شأن معاوية حين سئل: أشهد معاوية بدرا ؟ فأجاب: نعم من الجانب الآخر (أي جانب المشركين). (*)

[ 28 ]

أكلهم. فإنهم: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل). - وعلى هو الذى يضبط فحوى الشرع ويرفعه إلى مقامه الحق في تعريفه للفقيه فيقول للمسلمين (الا أنبئكم بالفقيه، حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله. ولم يرخص لهم في معاصي الله. ولم يؤمنهم من مكر الله). كان منذ شبابه الرى أنضبحته أحداث النزال والطعان في الميدان - أعبد الناس وأكثرهم في عبادته جمعا مع الله. لا يقطع صلاته والسهام تقع بين يديه يمينا وشمالا. يربط على بطنه من الجوع في حين يتصدق بأربعة آلاف درهم، وعليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم. أما قوته فمن دقيق الشعير. يأخذ قبضة فيضعها في الماء فيصب عليها قدحا فيشربه.. وفي يده كل مال المسلمين ! ولما أصهر عمر إليه في " أم كلثوم " كان يتوسل إلى الآخرة بلحمة النسب. فلقد كان يقول: (لقد أعطى على بن أبى طالب ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلى من حمر النعم: تزويجه فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وسكناه المسجد مع رسول الله. يحل فيه ما يحل له). ولم يبرح عمر المدينة في خلافته الا استخلف عليا عليها. فلقد كان ذلك سنة عنده. أليس صاحبهما - صلى الله عليه وسلم - كان يستخلفه، إذا برح المدينة ؟. وعلى " باب مدينة العلم " يقول الرسول عليه الصلاة والسلام " أنا مدينة العلم وعلى بابها فمن أراد العلم فليأت بابه ". وهو " إمام البلاغة ". يجئ معاوية رجل من الكذبة فيقول له: جئتك من عند أعيا الناس - يقصد عليا - فيجيب معاوية، وهو أعدى الناس لعلى، (ويحك فوالله ما سن الفصاحة للناس غيره). كيف لا ؟ وبلاغته من بلاغة النبي.. مذ كان فكره من فكره، وكان قد رباه فأحسن تأديبه، حتى ليعيا بلغاء العرب عن فهم المعنى النبوى ويراه على بادى الرأى.

[ 29 ]

شكا العباس من مرداس للنبى قسمه من الفئ بقوله: أتجعل نهبى ونهب العبيد كنهب عيينة والأقرع (والعبيد فرس الشاعر. وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس من المؤلفة قلوبهم). (قال عليه الصلاة والسلام: " يا على اقطع لسانه " فأخذه على ومضى. قال العباس: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن ؟ قال على: إنى لممض فيك ما أمر.. ثم مضى به إلى إبل الصدقة وقال له: خذ ما أحببت. ومن " نهج بلاغته " يسقى بلغاء العربية وحكماء الإسلام. ومن تعليمه وضع النحو العربي (1). ووضع النحو بتعليم على يذكر بالمكانة الخاصة لعلى


(1) روى الأنباري في تاريخ الأدباء أن سبب وضع على كرم الله وجهه لهذا العلم ما روى أبو الأسود الدؤلى (67) حيث قال: دخلت على أمير المؤمنين على فوجدت في يده رقعة فقلت ما هذه يا أمير المؤمنين فقال: إنى تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعنى الأعاجم) فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه ثم ألقى إلى الرقعة ومكتوب فيها (الكلام كله اسم وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبئ به والحرف ما أفاد معنى) وقال لى انح هذا النحو وأضف إليه ما وقع عليك وأعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة.. ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر. وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر (أراد بذلك الاسم المبهم) قال ثم وضعت بابى العطف والنعت ثم بابى التعجب والاستفهام إلى أن وصلت إلى باب إن وأخواتها فكتبتها ما خلا " لكن " فلما عرضتها على أمير المؤمنين عليه السلام أمرنى بضم لكن الهيا. وكلما وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصلت ما فيه الكفاية. فقال ما أحسن هذا النحو الذى نحوت فلذا سمى النحو). وان المرء ليلاحظ أن هذا الفتح العظيم في العلم كان من اهتماماته وهو أمير للمؤمنين، ليس لديه يوم واحد خلا من معركة أو استعداد لمعركة. وأن أبا الأسود هو واضع علامات الإعراب في المصحف في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذى كتب به المصحف. فجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف. والضم نقطة إلى جانبه والكسر نقطة في أسفله والتنوين مع الحركة نقطتين ثم وضع نصر بن عاصم (89) تلميذ أبى الأسود النقط والشكل لأوائل لكلمات وأواسطها ثم جاء الخليل بن أحمد (175) فشارك في إتمام بقية الإعجام.. والخليل ميعى كأبى الأسود. وهو واضع علم العروض وصاحب المعجم الأول وواضح النحو على أساس القياس. فاللغة العربية مدينة لعلى وتلاميذ على. وكمثلها البلاغة العربية. وعلى معدود من خطباء التاريخ العالمي بخطبه والمناسبات التى دعت إليها. (*)

[ 30 ]

في علوم الإسلام. فالنحو العربي هو الذى حفظ العربية. لغة القرآن. وهو امر أصولي للغه، كأصول الفقه. وسنرى موقفه امبدع فيها. وكذلك كانت مواقف على بعد ظهور الإسلام، وفي خلافة سابقيه، تتصدى للأساسيات في الإسلام. لقد كان أطول الراشدين حياة في الإسلام مما يظهر أثره عميقا، عمق الحوادث والعلوم وأثرها في الإسلام، وطويلا لطول المدة التى حييها في المراكز الأولى منذ ظهور الأسلام. وربما أجمل القول في مكان على بين المسلمين قول ابن عباس: (لعلى أربع خصال ليست لأحد غيره: هو أول عربي أو أعجمى صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذى كان لواؤه معه يوم الزحف. وهو الذى صبر معه يوم فر غيره. وهو الذى غسله فأدخله قبره). أما عن العلم فيقول ابن عباس (إذا ثبت لنا الشئ عن على لم نعدل إلى غيره) واما عن العدل فيقول ابن مسعود معلم الكوفة وسادس المسلمين " كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة على ". من أجل هذا وكثير غيره، صح عند الشيعة أن النبي أفضى إليه بظاهر الشريعة وخافيها. وأنه أفضى بها ألى من خلفه. * * * وليس يملك أحد أن يفاضل بين الخلفاء الراشدين الأربعة الا باجتهادات تحتمل الخطأ والصواب. لقد بايعهم المسلمون بيعة صحيحة. وبايع على الثلاثة السابقين عليه. فكانت بيعته شهادة لهم وله. فلهم جميعا مكانة الراشدين التى بوأهم الله إياها في الزمن الذى أراده. ومن الحكمة أن ندرأ أسباب المراء والشحناء، فننتهى عن المفاضلة بين السابقين الأولين إلا لحاجة. وأولى الناس بذلك الصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم، وألا نجعل في قلوبنا غلا لهم. ولئن فاضل " الأشعري والغزالي " وبعض المتكلمين، بين الخلفاء الراشدين، فرتبوهم على حسب ترتيب استخلافهم، فربما كان الأرجح أن مجئ على في آخر الخلفاء الأربعة تنحصر دلالته في أن الله تعالى أجاءه الى حيث كان دوره - لا مرتبته - هو الرابع. ولله الحكمة البالغة.

[ 31 ]

وعلى في كثير من الأمور هو الأوحد: فالنبى هو الذى رباه. وآخاه. وأعده للعظائم فصنعها. وعهد إليه في تبليغ آى القرآن.. وهى جميعا " خصوصيات " لا يرقى رقيه فيها أحد. أما ما لم يشركه فيه بشر فهو ما أجمعت عليه كتب الشيعة وشاركها فيه كثيرون من علماء أهل السنة منذ القرون الأولى - كالمسعودي والحاكم والكنجى - حتى القرون الحديثة - كالآلوسي، وهو أن عليا ولد بالكعبة. وإذا كان للصديق مكان (الصديقية) فلعلي قوله عليه الصلاة والسلام (على منى وأنا منه). وإذا كانت لعمر مكانة الفاروق، فعمر نفسه كان يتمنى لو كان له واحدة من ثلاثة من خصال على. وإذا كان عثمان ذا النورين بإصهاره إلى النبي في زوجتين لعثمان. فعلى - وحده - صاحب النسب، والعقب، الباقي من رسول الله. لقد كان الحسن والحسين يسميان الرسول أباهما. كما كان الرسول يسميهما ابنيه طول حياته. ولم يناديا عليا بأنه أبو هما إلا بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيعة: لعلى - على ما رأينا - من فضل الله ما سلمه الجميع له وتؤثره من جرائه الشيعة، منذ القرن الأول، أي جيل الصحابة، ثم تلاحق عليه الجيلان التاليان. وهى الأجيال الثلاثة المفضلة بقوله صلى الله عليه وسلم (خير القرون قرنى - جيلى - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وتوالت على تكريمه به جماعة المسلمين إلا من ظلم. وهو موقعه الخاص من النبي ومن علوم الاسلام: إذ تتفرع عنه فروع النسب من أهل البيت. وتنبع منه بحار شتى للمعرفة تسقى منها المذاهب كافة. وفيها المتصوفة والمعتزلة، وتفيد منها العلوم كافة، ومنها العبادات والمعاملات والحرب والسلم والسياسة والاقتصاد والإدارة. فتطبع بطابعه العلوم الإسلامية عند الشيعة، وتظهر آثاره في علوم أهل السنة. " والشيعة " كلمة قرآنية (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم).

[ 32 ]

والتشيع لعلى مكانة للفوز تقررت بالسنة - روى السيوطي عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي فأقبل على فقال النبي (والذى نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة). وعن ابن عباس قال: لما نزلت (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال رسول الله لعلى (هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين). وعن أم سلمة - رضى الله عنها - أن النبي قال لعلى (أنت واصحابك في الجنة) وفي نهاية ابن الأثير ما نصه في مادة (لواقح) (وفي حديث على قال له النبي ستقدم على الله أنت " وشيعتك " راضين مرضيين ويقدم عليك عدوك غضابا مقمحين). والزمخشري يروى في ربيع الأبرار حديث النبي عن (شيعة ولدك) وهو يتحدث إلى على. وفي مسند أحمد بن حنبل وخصائص النسائي كثير في الدلالة على شيعة على. ويخصص المسلمون " الشيعة " بأنهم هم التابعون والمقتدون والمتميزون باتباعهم واقتدائهم الكامل بالامام على والأئمه من بنيه. وربما كان تعريف ابن حزم للشيعة جامعا مانعا. فهو يقول (من وافق الشيعة في أن عليا " أفضل " الخلق بعد رسول الله و " أحقهم " بالإمامة وولده من بعده. فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون. فإن خالفهم فيما ذكرنا فيس شيعيا). ظهر تفضيل الشيعة لعلى على جميع الصحابة بمجرد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ دعت إلى ذلك دواع سياسية. فقد اجتمع المهاجرون والأنصار - وعلى مشغول بتجهيز رسول الله لقبره - فبايعوا أبا بكر باقتراح عمر. وثقل على بطل الإسلام على أن يمضى الصحابة الأمور دونه، وثقل على الزهراء (1)


(1) لم يورث الخليفة الزهراء من أبيها. وقصد إليها مع عمر يذكران لها حديث الرسول في حرمانها من ميراثها. قال الصديق: إنى سمعته صلى الله عليه وسلم يقول (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) = (*)

[ 33 ]

على " شيعة على " من صحابة الرسول. كما رأى البعض أحقية على بالخلافة (1) ولكن عليا لم يلبث أن كمل اجماع المسلمين بالبيعة للصديق، وجمل خلافة الصديق بالمشاركة والمشورة، وتحميل في خلافة الفاروق أعباء في أخطر شئون الدولة والدين والناس والخليفة. لقد كان كله شجاعة نفس وسداد رأى يوم الردة. قالت عائشة رضى الله عنها (خرج أبى يوم الردة شاهرا سيفه راكبا راحلته. فجاء على رضى الله عنه فأخذ بزمان راحلته وقال: أقول لك ما قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد (شم سيفك لا تفجعنا بموتك. فو الله إن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدا).


= ثم قال الصديق: والله إن قرابة رسول الله أحب الى من قرابتي. وإنك أحب الى من عائشة (بنته). قالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله تعرفانه وتعملان به ؟ قالا: نعم. قالت: ألم تسمعا قول الرسول (رضا فاطمة من رضاى وسخط فاطمة من سخطى). قالا: سمعنا. قالت: إنى أشهد الله أنكما أسخطتماني. وما أرضيتماني. ولئن لقيت رسول الله لأشكونكما إليه.. وخرجا يبكيان. فلقد كانت تبكى. ولقد كانت لله لا للدنيا دموع الزهراء والصديق والفاروق ! واهل السنة ينحون نحوهما في تفسير الحديث النبوى. والشيعة لا يتسامحون في حرمان الزهراء ميراثها. ومن الغلاة في الحصومة للشيخين من يقولون إن عمر كان سبب البيعة لأبى بكر يوم السقيفة إذ قال له امدد يدك أبايعك. وإن أبا بكر كان مصدر البيعة لعمر يوم استخلفه ليصرفا الأمرى عن على، مع أن البيعة كانت عامة من الأمة. وأهل السنة على أن الصحابة اجتهدوا للمسلمين، وأن عليا أيدهم في اجتهادهم إذ بايع، بل تبع رأى عمر فيما بعد لما جعل (عمر) الأمر شورى في الستة. ثم كان أصدق المسلمين في طاعة عثمان. (1) ومنذئذ كانت لعلى شيعته. قال أبان بن تغلب " قلت لجعفر بن محمد (الصادق) جعلت فداك. هل كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر على أبى بكر فعله ؟ قال نعم: اثنا عشر رجلا. من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسى وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي. ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان. وسهل وعثمان ابنا حنيف. وخزيمة بن ثابت وأبى بن كعب. وأبو أيوب الأنصاري. (*)

[ 34 ]

ولقد كان كله شجاعة فكر، وبراعة فقه، يوم استشاره عمر في غزو الفرس بنفسه وكرر " أخو النبي " نصحه في بلاغة معلمة وأسانيد تترى. لكنه لم يذكر (السابقة) لعمر كما صنع مع أبى بكر. فالصديق هو إمام (الاتباع) الذى بلغ به مراتبه. اما عمر فهو " يجتهد " ويتبع. وعند على من (الاتباع) و (الاجتهاد) ما يروى الشيخين معا: قال لعمر بين ما قال: " إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة. وهو دين الله الذى أظهره.. ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه. فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع. فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب. وأصلهم دونك نار الحرب. إنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع من الفورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولون هذا أصل العرب فإن قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك ومطمعهم فيك.. " فلنلا حظ. هذه الخطة المتعددة الغايات بالحركة الواحدة: أن يبقى قطبا للرحى، وان يستديرها بالعرب، وأن يجعلهم يحاربون العدو بدلا من الخليفة. وأن يحميهم من تنازعهم ولم يكن قد مضى على توبة بعضهم من الردة الا شهور. ولنلا حظ ذلك الاحتياط في الحرب حتى لا يجد العدو الخليفة غرضا قريبا في متناوله يستميت في إصابته. ولنلا حظ تشبيه الخليفة بنظام العقد الذى يمسكه أن ينتثر. ولنلا حظ الوجازة، والنصاعة، والبلاغة " العلوية "، ومستواها في لسان العرب. ولما قبل الصديق والفاروق نصيحته في الحالين وضعته النصيحتان في موضعه معهما ومن المسلمين - وهو في صدر شبابه - في الصدارة. ولا ينال من هذه العبقرية في وضع الخطط، ما سيصيبه والمسلمين معه، يوم يستحبون الدعة، بعد ربع قرن عندما آلت إليه المقاليد، وجاء إلى الوجود جيل جديد، فعلت الفتن فيه أفاعيلها. فأتاحت لعلى بدلا من إنفاذ خططه،

[ 35 ]

أن يلقى خطبه الخالدة التى تعتبر مصادر للبلاغة العربية والحكمة السياسية والفلسفية على مر الزمان. فتخص الامام بمقام بين خطباء التاريخ لا يرقى إليه أحد. * * * عهد الصديق لعمر فكان عهده له فتحا من الفتوح على أبى بكر والأمة، منذ كان عمر كأبى بكر مطلوبين للأحداث، ولم يكن لدى المسلمين ساعة ليشتوروا، فأرواح الشهداء تساقط في الميادين، في الشرق والشمال، بالعراق والشمام، لتضئ العالم بأنوار الإسلام. ولا يمكن أن يرد على الذهن أن أبا بكر، في عهده لعمر، فكر لحظة واحدة تفكير بعض قريش في أن تصرف الخلافة عن بنى هاشم، مخافة أن تبقى وراثة فيهم، فلا تنال قريش حظوظها من السلطة. فإنما كانت هذه الفئة. في فكرها ظالمة لنفسها ولبنى هاشم، بمثل ما قد طالما ظلمت الصديق والفارق معا. فلقد عهد الفاروق لعلى بين الستة الذين عهد إليهم أن يختاروا للمسلمين من يبايعونه. وهو القائل عن على (لو ولوه لحملهم على الجادة). وكان الجميع يعلمون أن الخلافة دائرة بينه وبين عثمان.. ولم يشأ عمر أن يحمل مسئولية الاختيار - وهو طعين - وكانت المشورة ممكنة، لا خطرة، كما كانت عند وفاة أبى بكر. ولما جاء دور على - وهو طعين - لم يفكر في أن يعهد لواحد من بنى هاشم. بل قيل له (إن فقدناك - ولا نفقدك - هل نبايع الحسن ؟) فأجاب (لا آمركم ولا أنهاكم. أنتم أبصر). وترك الأمر شورى للمسلمين وكذلك ليس من الدقة أن يستنتج من تقدير عمر لعلى، أو لأهل البيت، أو لأم كلثوم بنت على - وهى تحت جناح عمر - أن عمر كان يتمنى شيئا خاصا لعلى في صدد الخلافة. فلقد كان عمر ينظر لمصلحة المسلمين أجمعين، يوم عهد إلى الستة أن يختاروا واحدا منهم يبايعه المسلمون. كان عمر ينظر لمصلحة المسلمين يوم دون الديوان. فدعا الأخ الأكبر لعلى، عقيل بن أبى طالب، ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وقال لهم: " اكتبوا الناس على قدر منازلهم " فكتبوهم مبتدئين ببنى هاشم ثم ببنى تيم

[ 36 ]

- قبيلة أبى بكر - ثم بنى عدى - قبيلة عمر - فقال (وددت أنه هكذا. وكلن ابدأوا بقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله). ويوم فضل بعض الناس في العطاء جزاء ما قدموا للإسلام. فلما ذكر له صنيع أبى بكر يوم رفض التفضيل وقال " إنما أسلموا لله. ووجب أجرهم عليه. يوفيهم ذلك في الآخرة. وإنما هذه الدنيا بلاغ " أجاب عمر (لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه..) ويوم فضل أهل بدر على من عداهم. ثم جعل الباقين درجات. ومع ذلك قدم الأدنين من رسول الله دون نظر ألى جهاد أو سابقة إسلام. ففرض للعباس - عم النبي - اثنى عشر ألف درهم. ولأخته صفية عمة النبي وعلى - ستة آلاف.. ولكل واحدة من زوجات النبي عشرة آلاف. وميز عائشة لمحبة رسول الله إياها فجعل لها اثنى عشر ألفا. ويوم فضل الحسن والحسين إذ فرض لكل واحد شهد بدرا خمسة آلاف، ولأبنائهم ألفين ألفين، الا الحسن والحسين ابني على من فاطمة الزهراء ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله. ففرض لكل منهما خمسة آلاف.. حتى أسامة بن زيد بن حارثة - مولى الرسول - فرض له أربعة آلاف. وأجاب ابنه عبد الله - فقيه المسلمين ومحدثهم - إذ راجعه قائلا (فرضت لى ثلاثة ولأسامة أربعة. وقد شهدت ما لم يشهد أسامة) فقال لابنه (زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله منك. ولأن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك). وعبد الله أخ شقيق لحفصة أم المؤمنين. ولما فرض لعمر بن أم سلمة - أم المؤمنين - أربعة آلاف، وكان من شيعة على، استعتب البعض الخليفة لحداثته فأجاب (فليأتني الذى استعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه). وأم المؤمنين أم سلمة أعلى الأصوات في الدفاع عن على. ولقد كان عمر صادقا يوم عدل إلى رأى أبى بكر وقال (لئن بقيت إلى

[ 37 ]

العام المقبل لألحقن آخر الناس بأولهم ولأجعلنهم رجلا واحدا) (1). وجرى قضاء الله بأن يطعن أبو لؤلؤة المجوسى عمر في المسجد فبعث عمر إلى قوم كانوا يجلسون بين منبر الرسول وقبره من يقول لهم: يقول لكم عمر أنشدكم الله. أكان ذلك عن رضا ؟ فتلكا قوم. فقال على " وددنا أنا زدنا في عمره من أعمارنا " - هكذا أصاب البعض الحصر. وواتت عليا الاجابة المواسية. وهى يقين عند عمر. أوصى عمر أن تكون الخلافة لواحد من الستة الذين مات النبي وهو عنهم راض. ثم اختاره الله إلى جواره. واجتمع أصحاب الشورى وأدار المداولات عبد الرحمن بن عوف، مذ أعلن أنه لن يكون له في الخلافة أرب. واستجوب الناس حتى استيقن من تحقيقاته أن لكل من على وعثمان مؤيدين في جماعة المسلمين - فرقى المنبر وجلس مجلس النبي وأخذ بيد على وقال هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبى بكر وعمر ؟ قال على: اللهم لا. ولكني أحاول من ذلك جهدي وطاقتي. فأرسل عبد الرحمن يده وقال: هلم إلى يا عثمان. فأخذ بيده وقال: هل


(1) ربما أوضح أن المال - بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم - لم يكن وسيلة للثراء وإنما كان حقا لهم يجئ من بيت المال، لينفقوه في وجوهه، ومساعدة المحتاجين، أن أم المؤمنين زينب بنت جحش تصدقت بالمال كله. وتمنت أن تموت قبل أن يحول الحول. فاستجاب لها ربها فكانت أسرع زوجات الرسول لحوقا به. وأن أم المؤمنين عائشة لم ترض أن تنماز عن أمهات المؤمنين. وأن أموالهن كانت تجرى إلى المسلمين. وروى الطبراني وأبو نعيم عن خزيمة بن أوس قال: قدمت على النبي يوم تبوك فسمعته يقول هذه الحيرة قد رفعت إلى. وإنكم ستفتحونها. وهذه الشيماء بنت فضيل الأزدي على بغلة سوداء معتجرة بخمار أسود - فقلت يا رسول الله. إن نحن دخلنا الحيرة فوجدناها على هذه الصفة فهى لى ؟ فقال عليه الصلاة والسلام (هي لك). فأقبلنا مع خالد نريد الحيرة فلما دخلناها كان أول من تلقانا الشيماء على بغلة سوداء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها رسول الله لى. فطلب منى خالد البينة. فأتيته بها. فسلمها لى. ونزل إلينا أخوها عبد المسيح فقال لى أتبيعنيها ؟ قلت. نعم. قال احتكم. قلت لا أبيعها بأقل من ألف درهم. فدفعها. فقيل لى لو قلت مائة ألف لدفعها ! قلت: لا أحسب مالا أكثر من ألف درهم. قال الطبراني: وبلغني أن البينة كانت محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر. (*)

[ 38 ]

أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله وفعل أبى بكر وعمر. قال عثمان: اللهم نعم.. قال عبد الرحمن: اللهم اشهد.. اللهم اشهد.. وبايع عبد الرحمن عثمان. وقام الناس فبايعوا.. وفيهم على بن أبى طالب. وظاهر أن فيصل التفرقة بين الجوابين هو قول على: أحاول جهدي وطاقتي. وهو جواب رجل طالما حاول جهدة وطاقته للنبى. ولأبي بكر وعمر. كما صنع أبو بكر وعمر، وكما سيصنع على في خلافته وسيصنع عثمان في خلافته. فلا عليه إن أجاب ذلك الجواب الفقهى، الصادق، من كل وجه. لكن السماء لم ترد أن يرضى ذلك الجواب عبد الرحمن، لتكون الخلافة يومئذ لعثمان بن عفان، باختيار من المسلمين، في حدود ما قدرته السماء. وكان في المسلمين يومئذ شبه إجماع على أن الخلافة آيلة إلى على بحكم سنه.

[ 39 ]

الفصل الثاني أبو الشهداء " هذان ابناى وابنا بنتى " " اللهم إنى أحبهما. فأحبهما. وأحب من أحبهما ". (حديث شريف) هما ريحانتاى من الدنيا (حديث شريف)

[ 41 ]

أبو الشهداء مضت سنوات ست على عثمان في الخلافة وهو راض مرضى يحدر إلى الثمانين أو منها، أعقبتها ست أخرى. منها أربعة تتناهى إلى سمعه فيها وشوشة الشكوى من كل صوب. ومنها اثنتان يتعالى فيهما تشويش المشوشين ممن لا يصبرون. ومراجعة الذين يتحملون المسئولية معه: غاضبه عبد الرحمن بن عوف الذى اختاره للمسلمين. وغضب هو على عبد الله بن مسعود وعلى أبى ذر - أصدق الناس لهجة - وعلى عمار بن ياسر، الذى واعده الرسول وأباه وأمه على الجنة. وهذان الأخيران، منذ انفجر فجر الإسلام، شيعة على. أما ابن مسعود فهو القائل يوم اختيار عثمان: بايعنا أفضلنا ولم نأل. وأما عبد الرحمن فقد أوصى لعثمان بين أهل بدر. ولما مات أخذ نصيبه. ونفى عثمان أبا ذر من المدينة الى الربذة (1) أو نفى أبو ذر نفسه، احتجاجا على ما صار إليه أمر معاوية وعثمان. في هذه الفترة الأخيرة اجتمع الناس فتذكروا الأحداث، وكلفوا عليا أن يكلم عثمان كما روى الطبري في أحداث سنة 34. وعلى وعثمان صهران للرسول: الأول في زهراء الرسول والثانى في ابنتى الرسول. والرسول يقول وهو يزوجه (لو كن عشرا الزوجتهن عثمان). ونصح على عثمان أغلى النصيحة، وأجابه عثمان بمبرراته في تعيين الولاة من أهله، ومما قال: " إن معاوية عينه عمر ". قال على: " لكنه كان أخوف له من خادمه يرفأ ". واستمر الناس في ضيقهم بالأمور، حتى إذا كان الموسم حج الولاة فجمعهم عثمان للمشورة فكانوا = معاوية بن أبى سفيان (الشام)


(1) قرية على مبعدة ثلاثة أيام من المدينة. (*)

[ 42 ]

وسعيد بن العاص (الكوفة) وكلاهما ابن عم لعثمان (1) وعبد الله بن سعد ابن أبى سرح (مصر) وهو أخو عثمان من الرضاع. وعبد الله بن عامر (البصرة) وهو ابن خال عثمان. (2) فلما انصرفوا إلى أقاليمهم رد أهل الكوفة سعيد بن العاص، وطلبوا أن يتولى عليهم أبو موسى الأشعري، فولاه عثمان. وأرسل المصريون في سنة 35 وفدا للعمرة يناظرون عثمان في سياسة ولاته. وكان على ومحمد بن مسلمة رسولي السلام بين الخليفة وبين الناس. (3) وانضم بعض أهل المدينة إلى الناقدين في نقدهم. وعنفوا على عثمان بالمسجد. فقنع بالبقاء في داره. وأحاط القوم بالدار. وأقبل بعض بنى أمية يحرسونها، لكن الحراسة الحق كانت حراسة أبناء الصحابة: الحسن بن على، والحسين بن على. و عبد الله بن عمر ومحمد ابن طلحة وعلى إمرتهم عبد الله بن الزبير إذ عينه الخليفة. وأمر الرجال ألا يحاربوا أحدا. ولم يخرج الخليفة للحج وأمر عليه عبد الله بن العباس. ولم يقدم للحج أحد من ولاة عثمان هذا العام، فلم يكن ذلك مفهوما لأحد، الا أن يكون تقصيرا من الولاة.. وليس في المدينة جند. فهى


(1) كان أبو سفيان إحدى تبعات معاوية، أرسل معه من دمشق أموالا وأغلا لا إلى عمر ليظهره على الأغلال التى كان أسارى المسلمين مقيدين بها في حصون الروم. فلما رجع أبو سفيان إلى المدينة ذهب إلى عمر بالأغلال ولم يذهب بالمال. فسأله عمر: أين المال ؟ قال: كان علينا دين ومئونة. ولنا في بيت المال حق. فإذا أخرجت لنا شيئا ؟ قال عمر: اطرحوه في القيود حتى يأتي. بالمال.. فأرسل أبو سفيان فجاء بالمال. (2) عبد شمس أخو هاشم جد النبي. وهما ابنا عبد مناف. ولعبد شمس بنون: منهم حبيب جد عبد الله بن عامر. ومنهم أمية أبو حرب والد أبى سفيان، والد معاوية. ومنهم أبو العاص وله أبناه منهم عفان أبو عثمان. والحكم أبو مروان. ومروان كاتب عثمان. ومنهم أبو عمرو وله أبناه منهم أبو معيط جد الوليد بن عقبة الذى حده عثمان للخمر، وهو وال له. ومنهم العاص أبو سعيد أحد ولاة عثمان. ومنهم أبو العيص جد عتاب بن أسيد عامل النبي على مكة. حيث ولى النبي أعداءه السابقين ولم يول أهله. (3) راجع مالك بن أنس إمام دار الهجرة للمؤلف حيث تفصيل أكثر للخلاف بين أهل المدينة وعثمان. (*)

[ 43 ]

كما يقول الرسول (حرم آمن). وإنما الجند في الأقاليم وبخاصة في الشام حيث معاوية. ولما تلا ابن عباس خطاب الخليفة على الحجيج لم يخفوا لنصرته.. وأصبح عثمان صائما غداة ليلة. وبقى يحدث الحرس ألا يقاتلوا، حتى أقبل الثوار وقتلوه. اجتمع أصحاب الرسول بعد مقتل عثمان يشتورون، وفيهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، فأتوا عليا وقالوا: لابد للناس من إمام. فقال لهم والضيق يغلب على نفسه (لا حاجة لى في أمركم. قمن اخترتم رضيت به) قالوا ما نختار غيرك. وألحوا. وهو يرفض ويقول: (لأن أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا). قالوا: والله ما نحن منصرفين عنك حتى نبايعك. ولما رأى إلحاح القوم خرج إلى المسجد وبايعه الناس. فصعد المنبر وقال (أيها الناس. عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم. وقد افترقنا أمس على أمر، وكنت كارها لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم. ألا وإنه ليسلي دونكم إلا مفاتيح أموالكم معى. وليس لى أن آخذ درهما دونكم). وفرق أمير المؤمنين عما له في الأمصار، وتوقف بعض الناس في بعض الأمصار، فجمع رجلى شوراه، طلحة والزبير، فقال (إن الأمر الذى كنت أحذركم قد وقع، وافترق المسلمون وسأمسك الأمر ما استمسك. فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكى. وكتب إلى الأمصار فأجمعت الطاعة إلا معاوية ابن أبى سفيان بالشام، حبس رسول أمير المؤمنين إليه ثلاثة أشهر، ثم بعث برده يصدره بقوله: من معاوية إلى على. كأنه ند له ! بل طالبه فيه بدم عثمان. كأنما على هو الذى قتله ! وكأنما معاوية صاحب دمه ! وهو واحد من تاركيه بالمدينة، للثوار، بلا نجدة ! وعبأ معاوية جيشه لقتال على. وفيما كان على يتجهز لقتال معاوية أتاه الخبر أن طلحة والزبير قد نقضا البيعة وأنهما، ومعهما أم المؤمنين عائشة وأهل مكة، خالفوه،

[ 44 ]

وخرجوا عليه، قاصدين إلى البصرة. فنهد للحرب. وكانت وقعة الجمل حيث انتصر، وذكر يومذاك الزبير بقول النبي للزبير (لتقاتلنه وأنت ظالم له) فترك الزبير حربه. وندم طلحة قبل أن يستشهد. ثم رجع أمير المؤمنين يسوى حسابه مع جيش الشام بقيادة معاوية، وتلاقي الجيشان في صفين (1) وفيها استشهد عمار بن ياسر، وهو في التسعين من العمر. وفيه قول الرسول (تقتلك الفئة الباغية). وهو حكم على جيش معاوية. أما أمير المؤمنين يومئذ ففيه يقول ابن عباس جوابا لرجل سأله أكان على يباشر القتال في صفين ؟ (والله ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلفة مثل على، رضى الله تعالى عنه. ولقد كنت أراه يخرج حاسرا عن رأسه بيده السيف إلى الرجل الدارع فيقتله). تراءت بشريات النصر للبطل الذى تعود النصر. فرفع جيش الشام المصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله بينهم، فأبى على أن يحارب والمصاحف مرفوعة. وتمت خدعة التحكيم باختيار معاوية عمرو بن العاص حكما يمثله، واختيار أصحاب على أبا موسى الأشعري، وخديعة عمرو لأبى موسى. إذ راوده على أن يخلع كل منهما صاحبه ويتركا الأمر للمسلمين يختارون من يشاءون. فقبل - ثم قدم عمرو أبا موسى فخلع صاحبه. فلما جاء دور عمرو ثبت صاحبه... ! وخرج من أصحاب على جماعة لقبوله التحكيم فيما هو حق له. فحاربهم وانتصر عليهم في " النهروان " وأطلق عليهم المسلمون اسم " الخوارج ". وأخذ يعبئ جنده لمنازلة جيش الشام، وبدا على جنده آثار التعب من القتال، وعلى جيش معاوية آثار شرائه للرجال. وانقسم المسلمون فهذا حزب على. وهذا حزب معاوية ! والذين عاصروا الإسلام منذ ظهوره،


(1) شهد صفين مع على ألفان وثمانمائة من الصحابة.. منهم سبعة وثمانون من أهل بدر وتسعمائة من الأنصار ومن بايعوا بيعة الرضوان. (*)

[ 45 ]

كالذين درسوه والذين صدقوا فيه، يفهمون المرارة في قول أمير المؤمنين (انزلني الدهر حتى قيل على ومعاوية !). رضى الله عن أمير المؤمنين وأرضاه. فما كان ذلك ليقع إلا في آخر الزمان الذى قدره الله للخلفاء الراشدين (1) وفي آخر الأيام التى قدرها الله لحياته لقد طعنه عبد الرحمن بن ملجم في السابع عشر من رمضان سنة 40، باتفاق بينه وبين زميلين من " الخوارج " أن يقتلوا عليا ومعاوية وعمرا. فأصيب معاوية في عجزه. ولم يصب عمرو إذ لم يخرج للصلاة وأناب نائبا عنه فقتل.


(1) أما أهل السنة فيمثل رأيهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل إذ سئل من الخلفاء ؟ وأجاب، أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم. قال: السائل فمعاوية ؟ قال أحمد (لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمن على من على. ورحم الله معاوية). ولما ذكر عنده سير عائشة مع طلحة والزبير قال: فكرت في طلحة والزبير، أهما كانا يريدان أعدل من على بن أبى طالب ؟ رضوان الله عليهم أجمعين - وجاءه يوما جماعة فأكثروا القول وأطالوه في خلافة على فرفع إليهم رأسه وقال: إن الخلافة لم تزين عليا ولكن عليا زينها. ومثل الشافي رأى المسلمين عندما قال رجل (ما نفر الناس من على إلا لأنه كان لا يبالى بأحد) فبهته الشافعي بقوله (كان له أربع خصال لا تكون واحدة منها لإنسان إلا ويحق له ألا يبالى بأحد: أنه كان زاهدا. والزاهد لا يباليى بالدنيا وأهلها. وكان عالما. والعالم لا يبالى بأحد. وكان شجاعا. والشجاع لا يبالى بأحد. وكان شريفا. والشريف لا يبالى بأحد). وأما الخوارج على جيشه فكانوا ثمانية آلاف دعاهم ليزيل شبهتهم. فأبوا أن يجيئوه إلا أن يقر بالكفر على نفسه ثم يتوب، فحاربهم ونصره الله عليهم. ثم حاربوا الأمويين العباسيين. ومع تكفير هم الكثيرين من جمهور المسلمين بدعوى التهاون في الدين فالمسلمون لا يكفرونهم لآنهم متأولون. وأمير المؤمنين على يعلم المسلمين ذلك بقوله عنهم: " إخواننا بغوا علينا ". وفقه على في معاملة العدو وفي الحرب عنوان على علم الإمام وحلمه. فهما من علم النبي وحلمه. إذا كانت هند بنت عتبة (أم معاوية) مثلث بجثة أسد الإسلام حمزة يوم أحد، وقال النبي يومذاك (ما وقفت موقفا قط أغيظ لى من هذا) فلما جاءه يوم فتح مكة " وحشى " قاتل حمزة اكتفى بقوله (ويحك غيب عنى وجهك). وقال يومذاك لهند بنت عتبة، آكلة الأكباد، (مرحبا بك.) وقال للأعداء (أنتم الطلقاء)، فلقد صنع على صنيعه " يوم الجمل " عندما ظفر بابن الزبير فاكتفى بأن قال له (لا أرينك بعد اليوم) وظفر بسعيد بن العاص فأعرض عنه. وظفر بأهل البصرة فصفح الصفح الجميل. (*)

[ 46 ]

أمر معاوية بالرجل فقتل. وأمر عمرو برجله فقتل. لكن أمير المؤمنين أمر باستبقاء قاتله قائلا - وهو الطعين المشرف - إنه إذا عاش فهو ولى دمه. وإذا مات فإنه ينهى عن المثلة. ليعلم الناس الدين، كمثل ما علم العالم جميعه " قوانين الحرب والسلام " في حروبه في " الجمل " سنة 35، و " صفين " سنة 36، و " النهروان " سنة 37. فتداولتها المذاهب الأربعة لتقدمها هدية من فقه الإسلام للقوانين المعاصرة. ومات أمير المؤمنين بعد يومين عن 65 أو 63 عاما، وأربعة أعوام وتسعة أشهر ويوم واحد في خلافة كلها معارك. ولما مات لم يوجود بخزائنه إلا ستمائة درهم استبقاها ليشترى بها خادما. بل - وكما لخص حياته سفيان الثوري - (ما بنى لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وإن كان ليؤتى بحبوته في جراب). الحبوة الخراج. وكما يقول محمد بن كعب القرظى (سمعت على بن أبى طالب يقول: لقد رأيتنى وأنا أربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي لتبلغ اليوم أربعة آلاف دينار). ولما قال معاوية لضرار من ضمرة: صف لى عليا، قال فيما قال: كان بعيد المدى، شديد القوى. يقول فصلا. ويحكم عدلا. يتفجر العلم من جوانبه. وتنطق الحكمة من لسانه. يستوحش من الدينار وزهرتها. ويستأنس بالليل ووحدته. وكان - والله - غزير الدمعة، طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه. ويبتدئنا إذا أتيناه.. ونحن - والله - مع تقريبه لنا ودنوه منا لا نكلمه هيبة له. لا يطمع القوى في باطله ولا يبأس الضعيف من عدله.. يبكى بكاء الحزين ويقول: يا دنيا إلى تعرضت أم إلى تشوفت. فهيهات، هيهات. غرى غيرى). * * * بايع المسلمون الحسن بن على أميرا للمؤمنين. فخرج بجيش قوامه أربعون ألفا للقاء جيش معاوية. وتخاذل جنده كهيئة تخاذل الجندبين

[ 47 ]

يدى أبيه. وجرت البرد بينه وبين معاوية فأحدث بينه وبين معاوية صلحا بعد خلافة دامت ستة أشهر وخمسة أيام (لعل لله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين). فذلك قول جده عليه الصلاة والسلام. و دخل المتصالحان الكوفة. فسمى البعض عامهما هذا عام الجماعة. وأسماه الجاحظ (عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة). حدث الشعبى قال: شهدت خطبة الحسن رضى الله عنه حين صالح معاوية وخلع نفسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (أما بعد فإن أكيس الكيس التقى. وإن هذا الأمر الذى اختلفت أنا ومعاوية فيه، إن كان له فهو أحق به منى، وإن كان لى فقد تركته إرادة لإصلاح الأمة وحقن دماء المسلمين. وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين). ورجع الحسن إلى المدينة. وعوتب على صلحه فقال (اخترت ثلاثا على ثلاث. الجماعة على الفرقة وحقن الدماء على سفكها والعار على النار). وليس بغير هذا يتكلم الحسن. فلقد كان رجل عباة وسلام للناس. خرج من ماله مرتين. وقاسم الله ماله ثلاث مرات. وحج عشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة. وفي ربيع الأول سنة 49 ه‍ شعر بالسم يسرى في جسده لتبدأ به سلسلة أئمة أهل البيت الذين يموتون مسمومين على أيدى بنى أمية وبنى العباس. فأوصى للحسين. وقال: (إذا مت فادفني مع جدى ما وجدت لذلك سبيلا). لكن مروان بن الحكم والى معاوية على المدينة منع من تنفيذ الوصية، فدفن الحسن بالبقيع. وسيدفن معه في قيره أئمة أهل البيت الرابع والخامس والسادس. فأكرم به قبرا: فيه أمير المؤمنين الحسن، وعلى زين العادبدين - بن الحسين - وابنه محمد الباقر وابن الباقر: " جعفر الصادق ". * * *

[ 48 ]

لما مات الحسن كبر أهل الشام: فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية. أعلى موت ابن فاطمة تكبر ؟ قال: ما كبرت شماتة بموته ولكن استراح قلبى. وقال له ابن عباس: والله يا معاوية لا تسد حفرته حفرتك ولا يزيد عمره في عمرك.. وطلب معاوية البيعة لنفسه من محمد بن مسلمة الفدائي الثاني من أصحاب الرسول - إذ على الفدائي الأول (1) فقال له (لعمري يا معاوية


(1) أول عمل فدائي في الإسلام قام به على ليلة نام في فراش النبي. ومحمد بن مسلمة هو الرجل الثاني في هذه المدرسة. سمع الرسول يقول - في المدينة - من لكعب ابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله - وكان كعب يؤذى المسلمين بهحائه ويحرض قريشا عليهم - فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال نعم. قال: فأذن لى أن أقول شيئا (مما يتقرب به إلى كعب وهو بحسب الظاهر طعن في الإسلام) قال النبي: قل ما بدا لك - فأتاه محمد بن مسلمة في نفر من الأنصار منهم أبو نائلة أخو كعب من الرضاع. قال ابن مسلمة: يا كعب إن هذا الرجل (يعنى النبي) قد عنانا بالصدقات وإنى قد أتيتك استسلفك. قال كعب: والله لتملنه. قال ابن مسلمة: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر ما يكون من شأنه. وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين. قال: فأرهنونى نساءكم. قال ابن مسلمة: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب. قال: فأرهنونى أبناءكم. قال ابن مسلمة: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين. نرهنك السلاح. فقبل... وتواعدوا على الليل حتى جاءوه فنزل إليهم من حصنه فضربوه بأسيافهم فقتلوه. وكان ابن مسلمة. يسمى " فارس رسول الله ". كان على رأس مائة فارس يسبقون المسلمين طلائع لهم يوم الحديبية. واستخلفه الرسول على المدينة عندما سار بجيش العسرة ليرد الروم إلى تخوم شبه الجزيرة بعد فتح مكة. وكان سعد بن أبى وقاص بطل القادسية وفاتح العراق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومنهم الراشدون الأربعة. والرسول يقول عنه هذا خالي. فليأت كل فتى بخاله ! وقد دعا له الرسول بالاستجابة لدعائه: فكان الكل يخشى أن يدعو عليه. لكن عمر بلغه أن سعد بن أبى وقاص بنى لنفسه قصرا وجعل عليه حاجبا فبعث إليه محمد بن مسلمة ليحرق عليه القصر وكتب إلى سعد يقول: (بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا ويسمى بيت سعد.. وجعلت بينك وبين الناس بابا. فليس بقصرك. ولكنه قصر الخبال) وصنع محمد بن مسلمة - وعاد بسعد وبالشاكين إلى عمر. فضن عمر بسعد عليهم ورفض أن يعيده إلى بلدهم.. وقال لعثمان إنى لم أعزله عن خيانة. ووضعه بين الستة أصحاب الشورى. = (*)

[ 49 ]

ما طلبت إلا الدنيا ولا اتبعت إلا الهوى. ولئن كنت نصرت عثمان ميتا لقد خذلته حيا. ونحن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب). ولما دخل سعد بن أبى وقاص على معاوية قال: السلام عليك أيها الملك. قال معاوية: ما كان عليك يا أبا إسحق إن قلت أمير المؤمنين ؟ كتب معاوية إلى عماله بنسخة واحدة (انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه) وأمر من يأتمرون بأمره ألا يرووا أحاديث فضائل على وشيعته، ثم تمادى، فكلف ولاته أن يلعنوا عليا ومن أحبه على المنابر. فكتبت إليه أم المؤمنين أم سلمة تقول (إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم لأنكم تلعنون عليا ومن أحبه وأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه). ولما دانت الدنيا لمعاوية قيل له: قد بلغت ما بلغت. فلو كففت عن الرجل ؟ فقال (لا والله حتى يربو عليها الصغير ويهرم الكبير) ولو عاش بضع سنين بعد عام موته لشهد انهيار دولته وانتهاء أسرته - أما الذين جاءوا بعده فسيشهدون صعود الشمس في السماء معلنة حق على، مؤذنة بظهور أهل بيت النبي.


= ولما دارت المكاتبات بين عمر وعمرو بن العاص. فاتح مصر - بعث إليه محمد بن مسلمة وكتب إليه يقول (إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن لك حين وليت مصر) وأجاب عمرو إن أرضنا أرض زرع وشجر ونحن نصيب فضلا عما نحتاج لنفقتنا. ورد عمر (إنى خبرت من عمال السوء ما كفى وكتابك إلى كتاب من أقلقه الأخذ بالحق. وقد سؤت بك ظنا. ووجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك. فأطلعه طلعلك. وأخرج إليه ما يطالبك. وأعفه من الغلظة. فقد برح الخفاء). فقاسم محمد عمرا. وعمرو يقول متوجعا (إن زمانا عاملنا فيه ابن حنتمة (أم عمر) هذه المعاملة لزمان سوء. لقد كان العاص يلبس الخز بكفاف الديباج) قال محمد (: لولا زمان ابن حنتمة هذا الذى تكره ألفيت معتقلا عنزا بفناء بيتك) قال عمرو (أنشدك الله لا تخير عمر بقولى فإن المجالس بالأمانة) قال محمد (لا أذكر شيئا مما جرى وعمر حى). (*)

[ 50 ]

جعل معاوية الخلافة ميراثا لابنه يزيد بالسيف على رؤوس أبناء الصحابة جهرة. وبالرعب في قلوب المستضعفين، وبالرشى في جيوب الآخرين !. أما الحسين بن على فلم يستدرج ولم يستضعف وأبى وأن يبايع ليزيد. وأما عبد الرحمن بن أبى بكر فقال لمعاوية كلمته الخالدة في خلافته وخلافة ابنه ومن جاءوا بعده: إنهم جعلوها (هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل). وعبد الرحمن بن أبى بكر هو جد " جعفر الصادق " من ناحية أمه وأمها. أما الحسين فجده من ناحية أبيه. كان رأى محمد بن مسلمة وسعد بن أبى وقاص أن معاوية، صاحب ملك... ولكن ملك معاوية كان بصلح مشروط. فلما خرج على الشروط، أمسى حقا لكل مجتهد أن يقول فيه باجتهاده، في المرة الأولى والمرة الآخرة. ولقد قل أمير المؤمنين على قوله فيه. وكشف الله لحكمة الإمام وجه الحق فيما صار إليه أمر معاوية وأمور المسلمين. فحسبنا وحسبه قول على فيه - وقد أسلفناه - بل قول النبي لعمار عن جيش معاوية " تقتلك الفئة الباغية ". أما عمرو فلأئمة السنة فيه ما يكفيه. وحسبه قول الشافعي فيه، حول أساطين جامعه، حيث راح الشافعي يروى بعد قرن ونصف قرن في (جامع عمرو) بفسطاط مصر، دخول ابن عباس على عمرو، وهو ابن بضع وثمانين، وقول عمرو: أصبحت وقد ضيعت من دينى كثيرا وأصلحت من دنياى قليلا، فلو كان الذى أصلحت هو الذى أفسدت والذى أفسدت هو الذى أصلحت لقد فزت.. فعظني بعظة انتفع بها يا ابن عباس. قال ابن عباس: هيهات.. قال عمرو: ابن بضع وثمانين وتقنطني من رحمة الله ! ثم رفع يديه وقال: اللهم إن ابن عباس يقنطنى من رحمتك. فخذ منى حتى ترضى.

[ 51 ]

قال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله. تأخذ جديدا وتعطى خلقا. قال: من لى منك يا ابن عباس. ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها ! والمسلمون يتناقلون قول الشافعي في جامع عمرو عن عمرو: قدم ابن عمامة على عمرو فألفاه صائما وقد أحضر إخوانه طعاما. وصلى صلاة فأتقنها. ثم أتى بمال فأمر بتفريقه. قال ابن عمامة: يا أبا عبد الله واتاك مال أنت به أحق من غيرك ففرقته. بم ذاك يا أبا عبد الله ؟ قال: ويحك يا ابن عمامة فلو كانت الدنيا مع الدين أخذناها وإياه. ولو كانت تنحاز عن الباطل أخذناها وتركناه. فلما رأينا ذلك كذلك خلصنا عملا صالحا وآخر سيئا عسى أن يرحمنا الله. وسمع العالم الشافعي في جامع عمرو يهتز تحتانا إلى أبناء على في الحجاز فينشد: يا راكبا قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفها والناهض.................................. إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أنى رافضي ريحانة النبي في كربلاء: انتهى عصر معاوية بعد خلافة طالت تسعة عشر عاما وثلاثة أشهر وخمسة أيام (1) ليبدأ عصر يزيد (61 - 64) فكان أفسدحكم. وقع


(1) بنو أمية: معاوية (41 - 60 (يزيد) 60 - 64 (معاوية بن يزيد) ثلاثة أشهر في سنة 64). بنو مروان: مدة الخلافة: مروان بن الحكم 64 - 65 عبد الملك بن مروان: 64 - 86 الوليد بن عبد الملك 86 - 96 سليمان بن عبد الملك 96 - 99 عمر بن عبد العزيز بن مروان 99 - 101 يزيد بن عبد الملك 101 - 105 هشام بن عبد الملك 105 - 125 الوليد بن يزيد بن عبد الملك 125 - 126 يزيد بن الوليد بن عبد الملك 126 ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك 126 مروان بن محمد بن مروان 127 - 132 ه‍ أو 750 م (*)

[ 52 ]

فيه أفظع ظلم، وأعمق جرح في قلوب أهل الإسلام. أنهاه الله بإنهاء عمره وانقطاع عقبه وعقب أبيه من سجل الدولة التى سعيا لها كل ذلك المسعى ! وسيخلفه ابنه معاوية بن يزيد. فيعلن أنه وأهله لا يستحقون الخلافة. ويعتزل بعد نحو أشهر ثلاثة. فكان اعتزاله من تلقاء نفسه وعباراته. وهو يعتزل، شهادتين بالفعل وبالقول، من نفس بنى أمية، بأنهم جائرون. أنهى يزيد سنوات حكمه بتجريد جيش على المدينة يسفك دمها. وينتهك حرمها، في وقعة الحرة سنة 63. ليقتل فيها ثمانين من صحابة الرسول. فلم يبق بعدهم على ظهر الأرض بدرى واحد ! وقتل من قريش والأنصار ثمانمائة ! ومن الموالى والتابعين وسائر الناس عشرة آلاف، ثم لفظ آخر أنفاسه وجيشه يحاصر الكعبة بعد أن أحرقها ! وأى نهاية لبشر أفظع من هذه النهاية ! بل أي نهاية لدولة أبلغ في الدلالة على غضب السماء عليها ! فما كان حرق الكعبة ولا قتل الصحابة وتذبيح الآلاف إلا تتابعا للأحداث التى بدأ بها السنوات الثلاثة. وختاما طبيعيا للبداية المفظعة لحكمه. وجزاء له ولدولته. ينزله بها وبنفسه. لقد استفتح حكمه بجريمة كربلاء في يوم عاشوراء ! في العاشر من المحرم سنة 61. فوقع فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، مثله أو قريبا منه، من استشهاد أبى الشهداء: الحسين بن على الذى دعا له النبي (اللهم إنى أحبه. فأحب من يحبه)، والذى عظمه الخلفاء الراشدون والناس جميعا على مدار العصور. وهو القدوة في عطائه وعبادته وتواضعه وشجاعته في كل موقف: في " الجمل " و " صفين " و " النهروان " إلى جوار أمير المؤمنين على وفى غزو أفريقية. وخراسان. وجرجان. والقسطنطينية. متصدا جيوش المسلمين في عهد معاوية.

[ 53 ]

كان بقية الرسول صلى الله عليه وسلم. وكانت آمال الأمة فيه آمالها في بقية الرسول. وكان أبعد الناس عن أن يستخلف على المسلمين يزيد يزيد الصفور، يزيد الخمور، كما لقبه معاصروه. فلم يكن أحد ليأمل شيئا من عهد يزيد، إلا دينا يصيبها أو أموالا يجمعها. ولذلك رفض الحسين أن يبايعه. ودعا أهل الكوفة الحسين إليهم فبعث قبله مسلما ابن عمه عقيل. وخرج في أثره. فقتل عبيد الله بن زياد والى الكوفة مسلما. وتخاذل أهل الكوفة عن نصرة الحسين فمضى حتى بلغ (كربلاء) على مبعدة خمسة وعشرين ميلا من الكوفة وفي ركبه ثمانية عشر رجلا من أهل بيته وستون من شيعته. هنا لك لقيهم جيش عبيد الله بن زياد، على رأسه عمر بن سعد والى عبيد الله على الرى، فأعلن لهم الحسين أنه لا يريد الحرب، وخيرههم بين ثلاث (أن تتركوني ألحق بيزيد. أو أن أعود من حيث جئت. أو أمضى إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها) ورفض ابن زياد إلا أن ينزل الحسين على حكمه، أي أن يستسلم ليصير أسيرا لابن زياد ويزيد ! ليصنعا فيه ما صنعاه بأهل المدينة، بعد عامين، من استرقاق الرجال والنساء. وحاول ابن بنت رسول الله أن يسير بأهله في أرض الله الواسعة، فسدت لجيوش أمامه كل مخرج، وانقضت عليه سهام الآلاف وسيوفهم، وهو يحارب كالأسد. وتسيل جراحات جسمه وهو في السابعة والخمسين (1) واستشهد رجال أهل البيت جمعيا.


(1) كان المحرض على قتل الحسين وأهل البيت شمر بن ذى الجوشن رقيب ابن زياد على قائد الجيش. أما قاتل الحسين فالتاث عقله، وحمل الرأس الكريم إلى فسطاط القائد فصاح في وجهه - وهو مراقب من شمر بن ذى الجوشن - أشهد أنك مجنون. وحذفه بقضيب. فلقد كان المجنون يصيح والرأس في يده: أوقر ركابي فضة وذهبا فقد قتلت السيد المحجبا قتلت خير الناس أما وابا وخيرهم إذ ينسبون نسبا (*)

[ 54 ]

والرجال الستون الذين يتألف منهم ركبه، إلا غلاما مريضا عاجزا أن يتحرك هو ابنه زين العابدين (على بن الحسين) ! وساق المجرمون الحريم. وجهز عبيد الله بن زياد، زينب بنت على (1) وهذا الابن الوحيد الباقي من ذرية النبي، ومن معهما من الحريم، مع الرأس التى طالما مسح عليها، وقبل فاها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يزيد بن معاوية في دمشق. وأعاد يزيد الوفد إلى المدينة. * * * إن في إنسانية البشر قابلية للفساد كهيئة قابلية المواد للهبوط إلى الأرض بقانون الجاذبية. والإسلام لذلك يرفع الناس إلى أعلى، إذ يدفع الأنفس إلى ما هو أقوم، بالعبادة اليومية على مدار الليل والنهار، وتطهير النفس على مدار العمر. ومن الفساد ما يستغلط فيحوج إصلاحه إلى آية من السماء مثل كسوف الشمس وخسوف القمر. وفي استشهاد أبى الشهداء آية من الآيات.


(1) اشتركت السيدة زينب أخت الحسين من أبيه وأمه معه في المعركة. وكان أثرها في مصير أهل البيت عظيما. كانت زوجا لابن عمها عبد الله بن جعفر وكان قد أذن لها في الخروج مع الحسين فكانت تمرض المصابين في الصفوف أثناء القتال. ولقد هم شمر بن ذى الجوشن بقتل زين العابدين، فاحتضنته لتقتل معه، فانصرف المجرم مذموما مدحورا. ولما انتهت المعركة اقتيدت بين الأسرى إلى ابن زياد في الكوفة وإلى يزيد في دمشق ومعها زين العابدين تكلؤه بعناية الله على يديها لينجب، فيتسلسل منه أئمة أهل البيت الاثنا عشر، بل كل نسل الحسين من الرجال. وكانت مثال الشجاعة والبلاغة العلويتين في وجه ابن زياد ويزيد. ولما أعيد الأسرى إلى المدينة أمر يزيد بإبعادها إلى مصر فسارت إليها، فاستقبلها أهل مصر في بلدة بلبيس على مبعدة عشرات الأميال من الفسطاط، وعلى رأس مستقبليها أمير مصر " مسلمة بن مخلد " فعاشت في مصر عاما. ثم ماتت سنة 62. قبرها في الحى المعروف باسمها وهو من أقدم أحياء القاهرة. وعلى مقربة منها حى السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن. جاءت إلى مصر مع زوجها في المائة الثانية للهجرة ولقيها الامام الشافعي ولما مات حملت جنازته إليها فصلت عليها وقالت (رحم الله الشافعي. إنه كان يحسن الوضوء) ويحمل اسم السيدة نفيسة حى معروف بالقاهرة، كما يحمل اسم " الحسين " المسجد الأشهر بالقاهرة والحى الذى يمجد عاصمة مصر وتتعالى فيه معاهد الجامع الأزهر وغيره من آثار الدولة الفاطمية والدولة الأيوبية ودولتي المماليك. (*)

[ 55 ]

كانت كربلاء قارعة رجت الأرض رجا بعيد الإسلام غضا في الأنفس، بما كان فيها من التصميم والإجماع على الاستشهاد في سلبيه لقد انقضى بين يوم وفاة النبي وبين كربلاء خمسون عاما، كانت ضرورية لتدهور إحساس بعض الرجال في أجيال، تدهورا كافيا ليقتلوا ابن نبيهم ! وهم يصلون عليه ! وعلى آله الذين يقتلونهم ! وحسب هؤلاء المجرمين حكما عليهم أن يقول لهم كبيرهم " يزيد ابن معاوية " وعيناء تدمعان: " قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ".. وإنما أطلق الروع دموعه، وأنطق الفزع لسانه، بقالة رياء. فلقد كرر جنده يوم " الحرة " ما فعلوه، منذ عامين، في كربلاء. كما صنعوه مرة ثالثة إذ قذفوا الكعبة بالمنجنيق من أعلى جبل أبى قبيس. فالجريمة الأولى تدفع إلى الثانية، فالثالثة وغيرها. والجرائم يصنعها المجرمون، وتصنع المجرمين. ويبقى هذا الرياء من يزيد، صيحة استهزاء بقوم باعوا أنفسهم للشياطين. لقاء متاع قليل، لا يلبث أن يزول. قد لا يرضى عنه من ارتكب لأجله، لكنه مأخوذ به، ولو لم يرض عنه. فالقائد الظالم مسئول عما يقع من جنده. فما يظلمون إلا بظلمه، إن لم يظلموا بأمر صريح منه. قالوا: كان الحسين يستطيع بالمداوره أو المناورة أن يكسب الزمن، أو يستطيع بالاستسلام أن يكسب الحياة، لكنه الذى قال فيه وفي أمه وأبيه وجده، إقبال: (1) هي بنت من ! هي زوج من ! هي أم من ! من ذا يدانى في الفخار أباها ! ومن قبله رفض أبوه رأى المغيرة بن شعبة أن يكسب الزمن بترك معاوية على الشام حتى يبايع. فلم يقبل على أن يناور أو يكسب الزمن. وناور المغيرة فصار عاملا لمعاوية !


(1) الشاعر محمد اقبال. شاعر الهند وباكستان. (*)

[ 56 ]

الحق أن الحسين قدم للمسلمين الذين تعاقبوا في آثاره على مدار الزمان، حجة بالغة من أهل بيت الرسول. إذ ينفردون في التاريخ بهذه الخصيصة التى لم يماثلهم، أو يقاربهم، فيها أهل بيت آخر في تاريخ الإنسانية: الاستهشاد في سبيل هداية البشر لما هو أقوم. وهى بعض خصائص الرسل. منح الاستشهاد اسما لكربلاء. وخلد الأسماء التى تساقط أصحابها كالكواكب المنتثرة من السماء فوق الصحراء، لا لتنكدر، ولكن لتقدم للبشر درس الدفاع عن الحق. من فئة قليلة، واثقة في الحق سبحانه، لا تهمها أرواحها، وإنما يهمها العمل الصالح في ذاته. ولا تنظر إلى الساعة التى هي فيها، وإنما تمد أبصارها إلى مستقبل الإنسانية كله، لترتفع بالدنيا إلى مستوى أفكار الأئمة. ولقد صدق الحسين المسلمين في كل موقف وقفه. وكان عند وصية أبيه له ولأخيه الحسن وهو يجود بأنفاسه الأخيرة (أوصيكما بتقوى الله. ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما) فلم يبتغ الدنيا واشترى بها الآخرة.. فأمس يقول (إنى لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما). وشملت السماء ابن النبي في كربلاء بمزيد من التأييد. بمعان جليلة من جلال الإسلام، تختار منها هنا واقعة منه وواقعة من عدوه: في الأولى أخذ إخذ أبيه فسقى جيش العدو من العين التى نزل عندها ولم يحرم الماء قاتليه. (1) وفي الأخرى ترك قائدان من القواد جيش ابن زياد، في وطيس المعركة، إلى الجماعة العزلاء حول الحسين، ليستشهدوا في


(1) وتعلم عليهما صلاح الدين في حربه مع الصليبين يوم أرسل طيبه إلى الملك رتشارد قلب الأسد قائد الصليبيين. وأين من قواعد الحرب الإسلامية قواعدها عند الأوربيين. إن ابقراط أبا الطب اليونانى الذى ورثت أوربة قسمه الأشهر يقسمه كل طبيب قبل أداء واجبه بالنزاهة والأمانة وعدم التعصب - لكن أبقراط علم الأوربين درسا آخر حين رفض أن يعالج مرضى الطاعون في الجيش الفارسى قائلا إن شرفه يمنعه من معالجة عدو لبلاده ! (*)

[ 57 ]

الدفاع عن سيد الشهداء، بين رجاله الذين ماتوا عن آخرهم، وهم عليمون أنهم يخوضون معركة، خاسرة بكل المقاييس التى يتقايس بها المتحاربون، مظفرة بمقاييس المؤمنين. ولو عاش هؤلاء الشهداء العظماء، سنوات أو أشهرا أخرى، لماتوا كما يموت الآخرون. لكنهم ماتوا شهداء " كربلاء "، ليحيوا في ضمير الزمان كله أمثالا للحق، وعناوين على عظمة الإسلام. كانت كربلاء رسالة من ابن النبي للمسلمين: هي الأولى من نوعها بما تحتويه من دروس. لا تحصى، فحسبنا أن نشير إلى البعض منها. وفي الدرس الواحد جماع دروس: وأول الدروس يتعلق بالحق ذاته. وفي الحق أعظم الدروس: أن لا يقر أحد الباطل. وأن يقدم في سبيل ذلك نفسه، وأن يكون قدوة. وألا يهاب المكثورون كثرة الظلمة. فالأمم تبقى بالمقاومة ولا تصيبها الهزيمة إن فقدت معركة، ما دامت فيها إرادة النصر، يسعى إيمانها بين يديها لتبلغ غرضها كله، إن لم يكن من فورها، فمرحلة بعد مرحلة. وأول من تعلم على الحسين بن على درسنة 61 كان عبد الله ابن الزبير باستشهاده بمكة بعد أعوام عشرة، وهو مكثور بجند عبد الملك ابن مروان بعد إذ حرقوا الكعبة، كما حرقها جند يزيد بن معاوية. وتعلم عمر بن عبد العزيز وعلم المسلمين - في مدة خلافته - أن الكلام أو الصياح، ليس الأداة المثلى للإصلاح، وإنما المواقف هي التى نهز وجدان الشعوب، فكان له أعظم المواقف إذ بدأ بنفسه وأهله فضحى فكانت فيه الأسوة الحسنة. وكلل الله سعيه في أقصر مدة: ثلاثين شهرا كانت كافية لإصلاح دولة أدماها نحو قرن من الفساد، ولإسعاد أمه تنتظر القدوة من حكامها فلا تجدها.

[ 58 ]

والدرس الثاني: يتعلق بجزاء السماء وبمصاير الطغاة وطرائقهم: إنهم يحسبون الدنيا تدوم ولا تدور، ولا يدركون أن (الدهر بالإنسان دوارى). كما يقول الشاعر العربي. وتركبهم شياطين الشهوة فيخالون أنهم يمسكون كرة الأرض في قبضتهم. يصطنعون أسباب الوثوب على أعدائهم من حين لآخر، ويتحينون الفرص المواتية، ويختلقون الأعذار الزيوف، ليقطعوا دابر العدو. وكلما جد جيل جدت لهم الأعذار ولم تغنهم النذر.. فالذي حاوله فريق معاوية. مع على في صفين ولم يظفر به - من إفناء شيعة على أو من الإطاحة بأخصامه بالسم من الوجود - قد أتاحته ليزيد فرصة في كربلاء. وللطغيان طبيعة ومنهج. ومن طبيعته أن يعمى ويصم. فلا ينظر ولا يسمع إلا ذاته وأصواته. وأما المنهج فهو الغليلة. مرة واحدة إن أمكنه، وإلا فوثبة وثبة. ولكل واحدة ما بعدها. والذى قارفه يزيد ليس مجرد سقطة وإنما كانت أم السقطات. فمن بعد كربلاء كانت وقعة الحرة، ثم كان حريق الكعبة.. في سنوات ثلاثة متعاقبة. فحق عليها جزاء السماء فأوردته حتفه.. والسماء تملى للظالم، حتى إذا أخذته لم تفلته. والدرس الثالث: يتعلق بأهل البيت أنفسهم. 1 - فهم العترة الطاهرة. يدخلون الجنة مع جدهم، بعملهم، فلا يعملون إلا العمل الأصلح. والذى صنعوه في كربلاء هو الذي كان يصنعه جداهم. والذى صنعه أصحابهم معهم هو الذي كان يصنعه الصحابة - وأعظم به وبهم صنيعا وصناعا. فما هو إلا صفحات جديدة يضيفونها إلى السيرة العطرة. 2 - وهم مثل جميع المسلمين، إن لم يكن قبل جميع المسلمين، مطالبون بالجهاد والتضحية وليس فضلهم ليسقط التكليف عنهم. كما يزعم بعض المتصوفة عن رجال من المتصوفين. وهذا درس للمتواكلين الذين لا يقبل الإسلام تواكلهم.

[ 59 ]

3 - وهم يبلغون الذروة فيما يعملون: إذا حاربوا ماتوا شهداء، ولم يعطوا الدنية أو يستسلموا. لأن للمسلمين فيهم، كما كان لهم في جدهم، الأسوة الحسنة. وفي بيتهم سمقت المبادئ الكبرى. فمنهم يطلب البلاء الممتاز. ومن هذا كان صغارهم، كالكبار منهم، أبطالا يستشهدون ولا يتراجعون. لقد أذن الحسين لصحبه في أن يعودوا تحت جنح الليل ويدعوه وحده يواجه مصيبره، فلم يقبل ذلك واحد منهم. ولم يرجف المرجفون من خصومهم، حتى اليوم، بأن واحدا منهم قد تردد. بل قال له ابنه زين العابدين، وهو مريض طريح على الثرى لا يقدر على الحركة، (ألسنا على الحق) قال (بلى والله الذى يرجع إليه العباد) قال الفتى (فإذن لا نبالي). والدرس الرابع: يدور حول وحدة العمل الصالح. وفيه يجتمع الحق والحقيقة في المبدأ والمنتهى وما بينها. فإذا كانت الحقيقة أن أبناء الرسول رجال سلم وعلم وقيادة، فهم لا يدارءون وراء هذه الحقيقة، فيقعدون عن الجهاد - جنودا - للحق، أو يكتفون دونه بالعلم إذا دعا الداعي إلى الجهاد، أو يوصون بالسلم حيث الحرب واجبة لإعلاء كلمة الله، بل يستمسكون بالحق ويضعون الحقيقة كلها في خدمته. والحق والحقيقة والعمل الصالح كل لا ينقسم. والأهداف العظيمة لا يبلغها الناس إلا باعمال عظيمة ووسائل سليمة. والدرس الخامس درس في الواجب وأدائه في كل الظروف. وإن وهم المطالب به أنه غير مجد عليه أو على غيره - فهو لم يصبح واجبا إلا لأن التكليف به يحقق المصلحة العامة أو الخاصة، إن حالة وإن مؤجلة، منظورة أو غير منظورة. وهو قد أصبح واجبا لأنه فضيلة وإذا لم يكن مجديا في لحظة، أو لرجل، ففى القيام به خير للناس، وللدنيا، في الظرف ذاته أو في ظروف أخرى.

[ 60 ]

والظروف غير المواتية لا تجعل الفضائل غير مواتية. فالفضائل مواتية أبدا، مطلوبة دائما. وإذا كانت القدرة شرط التكليف والرخص متروكا تقديرها للرجال، فبالمعاناة أو التضحية ينسلخ الأقوياء من مسلاخ الضعفة. ويخلع الناس على العظماء وصف العظمة. وما المعاناة والتضحية إلا محاولات للثبات في وجه الخطر، أو لا قتحامه. فهى درجات فضل وأدوات تقدم في معترك الوجود الإنساني. تضيف إلى تياره المتدفق أسباب طهر ونقاء، وأساليب بقاء، منظورة للكثيرين، وإن عمى عنها آخرون. والدرس السادس: يتعلق بوظيفة التاريخ. فهو يصحح العوج ويصوب الانحراف، بالاستقامة على الجادة، خضوعا للعدل. - وهو قانون السماء. إن الغلام المريض الذى بقى في خيمة أبيه يوم كربلاء (زين العابدين) سيحيا ثلاثة وثلاثين عاما حتى عام 94، لتتسلسل في عقبه ذرية ترفع أعلام الإسلام عالية في ضمائر البشر. في حين أن الطاغية الذى يرسل النار والدمار على البيت العتيق بالحجاز وعلى أهل البيت، في صحراء العراق، سيزول ملكه - هو - وينقطع دابره - هو - بعد ثلاث سنين بتنازل من ابنه عن ذلك الملك. لينقطع اسم معاوية بن أبى سفيان، ويزيد بن معاوية، من سجل الحوادث. وتخلد آثار أهل البيت ما تعاقب الجديدان، آية من السماء على أن دولة القتلة لم تعش. وأن دولة القتلى ستعيش أبدا. وأن دولة الظلم لا تبقى بمقاييس الزمن إلا ساعة أو هنية - أما دولة العدل فتبقى إلى قيام الساعة. وأنه تعالى صادق الوعد (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين). وما أكثر ما كانت الغلبة ببقاء أسباب الانتصار، يتحقق بها النصر في مكان آخر أو زمان آخر، بقوم يحبهم الله فينصرهم مهما كان عددهم، ويحبونه فيجودون بأرواحهم.

[ 61 ]

والدرس السابع: درس في مبلغ ما تنجح الاستقامة ويفلح الإخلاص: فإذا كان أقرب الخطوط إلى الهدف هو الخط المستقيم وإن كان ترسمه أشد رهقا، فإن استشهاد أبى الشهداء كان الاساس السليم لقيام الصرح العظيم الذى جمع بين عمله وبين اسمه فصير هما مبدأ. يحدث أثره في عمارة الدنيا وإصلاح الجماعة، في شكل قيام دولة، أو غلبة مذهب، أو وجود قدوة، أو ازدهار أمل، في بعث منتظر. بهذا دارت الأفكار الدينية والمذاهب الفقهية للشيعة، سواء الإمامي منها، أو الاسماعيلي، أو الزيدى. في آفاق الحسين العالية. وبلغت أوجها في الفقه العملي القدير على التطور وفق حاجات البشر، في العبادات والمعاملات والأخلاق والنهج العلمي. واستمسك المسلمون عموما والشيعة خصوصا، بالحسين وآله وأبنائه، واقتدوا ببطولاتهم، ومقولاتهم، فاستخرجوا منها أصولا زخارة. وبنوا عليها فروعا في الدين والاقتصاد والسياسة والاجتماع، لتقيم نظما سياسية وعلمية وفكرية واقتصادية متكاملة، هي كالنهر العظيم يجرى إلى جوار النهر الذى يسبح في تياره أهل السنة. والنهران يتجاريان، كأنهما البرحان يلتقيان، على أصول الإسلام. ويعملان - كل على شاكلته - في تدعيم مبادئه. * * * وفي استشهاد على بطعنة خارجي ركبته الشياطين، وفي ظلم معاوية وقومه له، حيا وميتا، وفي استشهاد الحسين وبنيه، وبنى أخيه، ومن كانوا معه من الشهداء الذين ذكرناهم، والذين سنذكر البعض منهم، على أيدى الكثيرين ممن سنرى فظائعهم بعد، نمت وترعرعت عقيدة أهل الإسلام. 1 - أن عليا قبل التضحية دائم، في جوار النبي، وبعده، هو وبنوه. وأنهم ضربوا الأمثال من أنفسهم، لا بمجرد النصيحة أو

[ 62 ]

الفصاحة. أو السياسة. ولكن بالدم الذى يتكلم، فتكون، له بلاغة الشهادة بين يدى الله سبحانه. فأصبحوا عنوانا على العدل المفتقد. والأمل المنتظر، وبابا للرجاء في عدل السماء. لتتدارك المسلمين برحمتها ومغفرتها. 2 - أن المسلمين يضيفون إلى حساب الحسين، من حساب بنى أمية وعمالهم وسفاحيهم. إذا أرادوا السلطة والمال وشفاء صدور قوم مبطلين. فقطعوا صلتهم بالله يوم قطعوا رأس ابن بنت رسول الله. وفي حين يتراءى قتلة أمير المؤمنين على " خوارج " كما تضافرت الأمة على وصفهم. أو " بغاة " كما سماهم أمير المؤمنين نفسه إذا لم يخرجوا عليه إلا لفهم مخالف من أجل الدين، يتدلى قتلة الحسين إلى أدنى درك في جهنم. سفاحين أجراء وتتعالى بطولات الحسين قدر ما تتعمق الحسرة من أجل استشهاده. فتبرز في إجماع المسلمين عليه بطلا، وفي الفكر الشيعي، حيث يضاف جهاده إلى الوصية له بالإمامة. فهذا يوم للحسين وحده. ناله بحقه. وفيه سند لإمامة الأئمة من أبنائه: على زين العابدين. فمحمد الباقر. فجعفر الصادق. فالباقين من الأئمة. * * * ظلت شجرة العدل، والعلم، والأمل، تسقى، بدماء الشهداء كلما رأت السماء مصلحة للأمة. فلم تلبث الكوفة بعد نحو عام واحد من وقعة الحرة أو ثلاثة أعوام من يوم كربلاء أن هز ضميرها تقصيرها. فقامت من الفور حركة التوابين سنة 64 (1) بين أهل الكوفة الندامى على ما فرط منهم من تقصير. فقتلوا قتلة الحسين وقواد جيش عبيد الله ابن زياد. ولم تنته الندامة بقتل المختار بن عبيد زعيم التوابين سنة 67،


(1) تزعمها المختار بن عبيد الله الثقفى قائد عمر لفتح العراق. وكان المختار بن عبيد الله ممن قدموا مع مسلم بن عقيل رسول الحسين إلى الكوفة فحبس ثم شفع له صهره عبد الله بن عمر فقبل ابن زياد الشفاعة فيه إذ لم يخف خطره. ولما خرج المختار أعلن أنه يحارب باسم محمد بن الحنفية (أخى الحسين لأبيه) ثأرا لدم الحسين. وانتصر المختار على جيوش بنى أمية. ثم قتله مصعب بن الزبير سنة 67. وأعلنت عليه حرب الدعايات فاتهموه بادعاء النبوة وأن من اتباعه من ينتظرون رجعته. (*)

[ 63 ]

بل توالت الحروب على دولة بنى مروان، بقيام دولة عبد الله بن الزبير، وخروج الخوارج، وقيام الفتن، ومنها فتنة ابن الأشعث وقد انضم إليها العلما. وخروج زيد بن على زين العابدين، وخذلان أهل الكوفة له سنة 121 كما خذلوا جده سنة 61. فاستشهد زيد ومثل برأسه (1) الخليفة هشام بن عبد الملك، ثم استشهد ابنه يحيى سنة 125. * * * وكان جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين شجرة باسقة. تترعرع في كل ورقة من أوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت في عصر جديد للعم. تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه ومن أبيه وجده. ولما استمسك بإمامته وقنع بمنصبه التعليمي، علا قدره في أعين طلاب السلطة. وأمنوا جانبه. واتخذوا من زهده فيها شهادة لهم ضد من يتازعونهم. لكنه كان الغرض الذى تنجذب إليه الأنظار: فهو يمثل العقيدة الدينية التى يقاس بفضائلها عمل الحكام في الإسلام، وما يتبعه من رضى العامة عنهم، أو سخطها عليهم. وهو - بوجه خاص - حجر الزاوية من صرح (أهل البيت) ترنو إليه أبصار الذين يدعون الخلافة بدعوى أنهم من " أهل البيت ". وهو مقيم في المدينة، العاصمة الأولة، والدائمة، للإسلام، يتحلق فيها المتفقهة، حول علماء الإسلام في مسجد الرسول، يحملون بأيديهم مصابيح السنة، أو يعلنون شرعية الحكومة أو عدمها، وحسن السيرة أو فسادها، وإقرار أهل العلم أو إنكارهم. وهى أمور أساسية، تحرص عليها الدولة العادلة، وتتجنب الاتهام بمخالفتها أي دولة.


(1) لم تمض أعوام حتى دالت دولة بنى مروان، ونبش العباسيون قبور معاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان فلم يجدوا فيها ما يصنعون فيه مثلة. أما قبر هشام فوجدوا فيه جثة هشام لم تبل بعد، فصنعوا فيها أكثر مما صنع برأس زيد. إذا أمر السفاح بضر بالسياط وصلبها وحرقها وتذريتها في الهواء. (*)

[ 64 ]

وإذا كانت دمشق قد أدارت ظهرها لمدينة الرسول، أو كانت بغداد قد فتحت أبوابها على العالم، وأوصدتها دون أهل المدينة، فالمسلمون يأتون إلى مدينة الرسول كل عام، خفافا وعلى كل ضامر، إذ يحجون إلى البيت العتيق بمكة، ويزورون قبر الرسول ويشهدون آثاره في المدينة. وإذا كان الخليفة المنصور يقول عن نفسه: " إنما أنا سلطان الله في الأرض " فهو يحس وطأة " سلطان الدين والعلم " في المدينة، حيث إمام المسلمين غير منازع " جعفر بن محمد " الذى يصفه الناس - وأبو جعفر المنصور في طليعتهم - " بالصادق ". ومن أوصافة كذلك: " الطاهر " و " الفاضل " و " الصابر ".

[ 65 ]

الباب الثاني بين السلطان والإمام " السلطان كراكب الأسد " يهابه الناس، وهو لمركوبه أهيب " افلاطون

[ 67 ]

مقدمة: آلت الخلافة إلى بنى العباس سنة 132 وكان " السفاح " أول خلفائهم. ثم مات فخلفه أبو جعفر المنصور، ليبقى في الخلافة اثنين وعشرين عاما (136 - 158). وطد فيها اركان الدولة العابسية، وأخضع الخارجين عليها في كل أرجاء " الإمبراطورية " فهى لم تعد دولة دينية كما دعوا لها منذ بئوا دعاتهم من فاتحة القرن. ولم تصر " للرضا من آل محمد " كما كانوا يدعون. بل غصبوا حق أبناء على، كما كان بنو على عند قيامها عاجزين عن تولى السلطة. وكان أحقهم بها - وهو جعفر بن محمد - عازفا عنها، عارفا أن مهمة حياته هي تعليم المسلمين. وجرت الأمور مجراها الطبيعي للغالبين على السلطة، يطوون أضالعهم على الخوف والحقد والحذر. ويشرعون أسلحتهم في كل مكان للدفاع عن دولتهم. وكان ذوو القربى في طليعة الأعداء. فاستعرت الشحناء بين الأقرباء. ثم سالت الدماء. وجعفر الصادق، بعزوفه واستعلائه، بعيد عن المذابح. لكن بعده عنها، لا يقيه بطش خليفة حذر، متنمر، تدعوه إلى المواجهة الشرسة ما توسوس له هو اجسه مخافة أهل البيت وشيعتهم. وكان توفيق السماء حليف الإمام في مواجهاته، وإن بقيت الدولة على حذرها، تنزل بأهل البيت العذاب والاسترهاب والحبس والقتل للخلاص منهم - مع التظاهر بالعدل فيهم، حتى تقطع دابرهم.

[ 69 ]

الفصل الأول بين السلطان والإمام " إنما أنا سلطان الله في الأرض " (أبو جعفر المنصور)

[ 71 ]

اهل البيت اختلف أهل التأويل في صدد أهل البيت، وهم يفسرون قوله تعالى في سورة الأحزاب (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) ثم يوجه الخطاب في الآيات 31، 32، 33، 34، - وفي الأخيرتين يقول - لنساء النبي - (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى. وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا). وإذ كان التطهير هو الدرجة العليا للبشر. والاختصاص به بين المسلمين يجعل لأهل البيت حقوقا وامتيازات تؤهل لإمامة الدين، وإمامة الدنيا، أي خلافة الدين والدنيا، وكان ثمة سنن مروية في تفضيل على وبنيه وجعلهم من الأمة مجعل الأوصياء أو الأئمة وهذا شأن لا يسلمه بنو أمية، ولا بنو مروان، ولا بنو العباس، ولا كثير من قريش، فقد ذهب الفقهاء عموما، والمفسرون خصوصا، مذاهب شتى في تعريف أهل البيت، يمكن تحصيلها فمايلى: 1 - قال الشيعة: إن أهل البيت هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وفاطمة والحسن والحسين. يؤيدهم في ذلك حديث أم سلمة أم المؤمنين أن النبي أجلس الأربعة حوله على كساء له وضعه فوق رؤوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ثم قال (اللهم هؤلاء أهل البيت. فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

[ 72 ]

وعن أم سلمة أن الآية نزلت والرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها وإنها عندئذ كانت على باب البيت فقالت: أنا يا رسول الله من أهل البيت ؟ وأنه قال (وإنك إلى خير وأنت من أزواج النبي) وعنها أنها قالت: يا رسول الله أدخلني معهم. وأنه قال (إنك من أهلى). 2 - وقال البعض: بل عنى الله بذلك أزواج النبي. والحجة في ذلك توجيه الخطاب إليهن. ونقلوا ذلك عن ابن عباس، تلميذ على، وشيعته، وعامله - وذهبوا إلى أن " البيت " أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم. 3 - وقال فريق: بل إن (أهل النبي) هم أهل بيته. ولو كان أهل البيت هم زوجاته فقط لكان النص (ليذهب عنكن الرجس) لا (عنكم) كما هو النص في الآية. فدخل في ذلك رجال. وأهل النبي - بدلالة السنن التى أشرنا إلى بعضها - هم فاطمة وعلى والحسن والحسين ويؤيد ذلك قول الآية (ويطهر كم). وهذا يوافق الرأى الاول. 4 - وإذا دخل الرجال فهم - كما قال فريق آخر - بنو هاشم. والبيت يراد به بيت النسب. فيدخل في ذلك أعمام النبي، وفيهم بنو العباس وبنو أبى طالب. 5 - ويتوسع محيى الدين بن عربي (560) - في الفتوحات المكية - فيدخل " الفارسى " في أهل البيت. إذ الرسول يقول (سلمان منا أهل البيت) ويضيف ابن عربي أن جميع ما يصدر عن أهل البيت معفو عنهم فيه. فهم مطهرون بالنص. معصومون. وإن توجهت عليهم الاحكام الشرعية. ويذكر البعض قول الرسول (سألت ربى أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتى فأعطانا ذلك) وقوله يا فاطمة. تدرين لم سميت فاطمة ؟ فقال على لم سميت ؟ قال عليه الصلاة والسلام (إن الله عز وجل قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة). 6 - وفريق يرى أن أبناء على من الزهراء هم الذرية المقصودة في سورة الطور حيث قوله - جل ثناؤه (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم

[ 73 ]

بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) ورووا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته). وبهذا ترتفع ذرية النبي - وهى ذرية على من الزهراء - فتلتحق بالنبي. وهذا المعنى تفيده الآية 23 من سورة الرعد (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) فأهل البيت ذرية داخلة الجنة مع جدها عليه الصلاة والسلام. 7 - وهذا فريق يوسع فيشمل ذوى القربى، وتشمل آل محمد، بقوله تعالى في سورة الشورى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى). وقال قوم إن للنبى قرابة في كل بطن من بطون قريش، وإن كان أخص القرابة هم الذرية. وظاهر أن كل هذه الأفراق على أن ذرية على من فاطمة من أهل البيت، وأن الخلاف فبما عدا ذلك، فيرجح البعض القرآن والسنة الشارحة يجعلان أهل البيت هم ذرية النبي من على وفاطمة، وهما، ومعهما أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن. لكن الشيعة يقولون قولا واحدا: إن الذرية وحدها وعليا وفاطمة هم أهل البيت، بدلالات شتى من الحديث. ثابت منها أن النبي طفق ستة أشهر - بعد نزول آية التطهير - يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة فينادى (الصلاة يا أهل البيت. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). فهذا نص. وأنص منه حديث أم سلمة. إذ أفصح عنهم. واستبعد سواهم. وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت الكساء ثم جعل يقول " اللهم إليك لا إلى النار وأنا وأهل بيتى. اللهم

[ 74 ]

هؤلاء أهل بيتى وخاصتي - وفي رواية وحامتى - اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا). وسيظل وصف أهل البيت قضية بين بنى العباس وبنى على. فهو من مسوغات الخلافة واستمرار الرضى عنها. سأل الرشيد يوما الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق: بم قلتم نحن ذرية رسول الله وأنتم بنو على ؟ قال: قال تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى) وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه. وكذلك ألحقنا بالنبي أمنا فاطمة. وزيادة على ذلك قال عز وجل (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مباهلة النصارى غير على وفاطمة والحسن و الحسين. ولم يكن لوصف أهل البيت كبير خطر، في دنيا الملوك من بنى أمية، فلقد غلبوا أهل البيت وعلى أمرهم جهارا نهارا، برماحهم، واستقرار الأمور لهم - لكن الدولة في عهد بنى العباس قامت على شعار الدعوة " للرضا من آل محمد " دون تسمية أحد بذاته. ولما أقبلت جيوش خراسان يقودها أبو مسلم الخراساني، بالدولة الجديدة، بعد ربع قرن من الإعداد السرى، كان مقدمها استجابة لهذا الشعار. * * * كتب أبو مسلم الخراساني أيامئذ إلى الإمام جعفر الصادق (إنى قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن بنى أمية إلى موالاة " أهل البيت ". فإن رغبت فلا مزيد عليك) وأجاب جعفر الصادق معلنا فلسفته

[ 75 ]

(ما أنت من رجالى. ولا الزمان زماني). (1) وفي الوقت ذاته بعث أبو سلمة الخلال - الملقب بوزير آل محمد، والذى سيصبح وزيرا للسفاح أول خلفاء بنى العباس - إلى جعفر الصادق، و عبد الله بن.. " الحسن "، وعمرو الاشرف، من أبناء على، مع رجل من موالى أبى سلمة قائلا له: إن أجاب جعفر فلا تذهب إلى غيره، وإن لم يجب فاقصد إلى عبد الله. فإن أجاب فأبطل كتاب عمرو. وذهب الرسول إلى جعفر فقال: مالى ولابي سلمة، وهو شيعة لغيري. ووضع الكتاب في النار حتى احترق - وأبى أن يقرأه. قال الرسول: ألا تجيبه ؟ قال: قد رأيت الجواب. ثم مضى الرسول إلى عبد الله. فقرأ الكتاب. وقصد إلى جعفر الصادق ينبئه بورد الكتاب إليه من شيعته بخراسان. قال الصادق له: ومتى كان لك شيعة بخراسان ؟ أأنت وجهت أبا مسلم إليهم ؟ هل تعرف أحدا منهم باسمه ؟ فكيف يكونون شيعتك وهم لا يعرفونك وأنت لا تعرفهم قال عبد الله: كأن هذا الكلام لشئ ؟ قال الصادق: قد علم الله أنى أوجب النصح على نفسي لكل مسلم. فكيف أدخره عنك ؟ فلا تمن نفسك فإن الدولة ستتم لهؤلاء. وذات يوم دخل على جعفر الصادق سدير الصيرفى قال: يا أبا عبد الله. ما يسعك القعود. قال لم ؟ قال لكثرة أنصارك... مائة ألف. مائتي ألف. فتسائل الإمام عن عدد المخلصين منهم. وأبدى زهدا وبصرا بالعواقب.


(1) خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب على بنى مروان سنة 127 في الرى بخراسان ثم استسلم لأبى مسلم بعد إذ ظفر الأخير بجيوش بنى مروان. وكتب إليه يستعطفه بقوله (من الأسير بين يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه. فان الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء رزقنا الله منك التحنن... فإنك أمين مستودع ورائد مصطنع. والسلام عليكم ورحمة الله) ولم يطلقه أبو مسلم. بل أورده حتفه. وقيل سمه. (*)

[ 76 ]

والحق أن زين العابدين وابنه وحفيده وبنيهم لم يتجهوا الى أن تكون لهم " دولة ". ومن ذلك قول الكاظم لهشام بن حكم (يا هشام كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا). ولما خرج زيد بن زين العابدين على هشام كان خروجه ثورة طارئة. والمنهج الزيدى غير منهج الإمام جعفر. وثورة زيد لم يسبقها إعداد بل استجاب لأهل الكوفه فخذلوه كما خذلوا جده. وإنما الذى فكر ودبر وانفذ الدعاة، وتابع الدعوة، هم بنو العباس. وإبراهيم الإمام يكتب إلى واحد من دعاته في خراسان (.. وإن استطعت ألا تبقى في خراسان من يتكلم العربية فافعل) وهو تعطش للدم في سبيل السلطة، وسفك لدماء العرب خاصة، لا يقول به واحد من الأئمة. * * * وكان بنو هاشم قد اجتمعوا قبل ذلك بالأبواء - مكان في أعلى المدينة - والقدور تغلى في خراسان، والجو يزخر بالنذر، فعلى الذين يرسلون الدعاة إلى خراسان، والذين تجرى الدعوة لهم، أن يتدارسوا أمورهم، ليعرفوا لمن تؤول الأمور. فمثل فرع العباس بن عبد المطلب عم النبي إبراهيم الإمام (بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس)، وأخوه أبو جعفر (المنصور). وعمهما صالح بن على. ومثل فرع بنى على بن أبى طالب، عبد الله بن الحسن (بن الحسن بن على) وابناه محمد وإبراهيم. ومحمد بن عبد الله بن.. عثمان ابن عفان (لأن أمه من بنى الحسن بن على) وهو أخو عبد الله لأمه. وأجمع الفرعان على " محمد بن عبد الله بن الحسن " الملقب بالنفس الزكية لورعه الكامل وعلمه المشهود به. بل قد تحمس له أبو جعفر، وكان يومئذ يلبس قباء أصفر. ولما حج محمد لقى أبا جعفر فبايعه مرة أخرى. بالمسجد الحرام ذاته. وأمسك أبو جعفر بركابه يومذاك وراح يقول للناس: هذا مهدينا أهل البيت. وإذ لم يكن لبيت الحسين ممثل في اجتماع يوم الأبواء بعث عبد الله بن

[ 77 ]

الحسن إلى كبيرهم جعفر بن محمد فحضر واعترض على بيعة محمد بن عبد الله قال: لا تفعلوا. فإن هذا الأمر لم يأت بعد. لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك. وفي رواية أخرى أنه أضاف: إن كنت ترى أن ابنك هذا هو المهدى فليس به. وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فإنا والله لا ندعك وأنت تشيخنا ونبايع ابنك. (1) فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول. ولكن يحملك على هذا الحسد لا بنى. (2) قال جعفر: والله ما ذاك يحملنى. ولكن هذا وأخوته وأبناؤهم دونكم.. إنها والله ما هي إليك ولكن لهم. وإن ابنيك لمقتولان. ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: " أرأيت صاحب القباء الأصفر " - " أبا جعفر " - قال نعم: قال: فإنا والله نجده يقتله. قال عبد العزيز: أيقتل محمدا ؟ قال نعم. قال عبد العزيز: فيما بعد (فقلت في نفسي حسده ورب الكعبه) ثم قال عبد العزيز: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما (محمدا وأباه). قال: فلما قال جعفر ذلك انفض القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها. وتبعه أبو جعفر وعبد الصمد (من أعمام أبى جعفر) فقالا: يا أبا عبد الله (جعفر الصادق) أتقول هذا ؟ قال نعم. أقوله والله وأعلمه.. قالوا: كان أبو جعفر يسميه الصادق لصدقه نبوءته. وقالوا: دعا محمد عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة لمبايعته فاعتل عليه وقال لا أبايع أحدا حتى أختبر عدله. ولقد ظلل أبو جعفر المنصور يذكر هذه لعمرو.


(1) وليس في نص الروايتين بيعة من جعفر الصادق لعبد الله أو لابنه محمد، كما وهم البعض، وإنما فيهما تفضيل للأب على الابن مع رفض البيعة. (2) وفي رواية أخرى أنه اضاف (ووالله ما اطلعك الله على غيبه) (*)

[ 78 ]

وكان جعفر الصادق إذا رأى محمد بن عبد الله بعد ذلك تغرغرت عيناه وقال: بنفسى هو.. إن الناس ليقولون إنه المهدى. وإنه لمقتول. ليس في " كتاب على " من خلفاء هذه الأمة.. بايع أبو سلمة الخلال للسفاح. ولم يبايع لأبى جعفر، الأخ الأكبر، لأن أمه كانت أم ولد بربرية تدعى سلامة. وبدأ حكم بنى العباس في سنة 132. وأذيع في الملأ أن محمد بن على - أبا السفاح - موصى له بوصية من " أبى هاشم " عبد الله بن محمد بن الحنفية بن على بن أبى طالب، إذ أحس عبد الله أثر السم الذى سقاه دسيس من الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان (98) فمال في الطريق إلى حيث مات عند محمد " بالحميمة ". وثمة من. يعتقد أن الإمامة قد انتقلت بعد استشهاد الحسين إلى أخيه محمد بن الحنفية (أمه خولة بنت جعفر من بنى حنيفة). وهذه الوصية تغنى بنى العباس عن الخلاف مع أبناء على، في أن يكون العباسيون من أهل البيت أو لا يكونون. بهذا صير بنو العباس محمد بن على بن عبد الله بن العباس إماما. فلما مات آلت الإمامة إلى ابنه إبراهيم فنودى بأنه " ابراهيم الإمام ". فلما قتل ابراهيم بايعوا للسفاح سنة 132. بين ابناء على وبنى العباس: قضى " السفاح " على الأحياء من بنى أمية، وبنى مروان. فاستحق في التاريخ لقبه. وأدار وجه للاخرين. فسأل عبد الله بن الحسن عن ابنه محمد (النفس الزكية) وأخيه إبراهيم، فلما علم باختفائهما سكت عن الطلب حينا. ثم عاجله أجله. وولى أبو جعفر سنة 136. وألح في طلبهما، فأعجزاه هربا. وللأقرباء، أو الأصدقاء، أولية في سورة السلطة إذا عريت من خشية الله. وأولى الناس بالفتكة البكر منها: الأقرباء إذا خيف أن يصيروا أعداء، والأصدقاء الذين يحتمل أن يقدروا على الإيذاء.. فالأولون يغرى السلطان بهم

[ 79 ]

الحسد أو الحقد أو الخوف من جانبه. لما يعرفون من دخائل يخشاها. أو لما يتضح لهم من عورات. أو فيهم من مطامع. أو استخفاف بالسلطان. الذى رأوه وهو سوقة. أو مطالبة السلطان لهم بإعطائه حقه، أو أكثر من حقه. والآخرون أحرى بالخوف والحذر. سدا لذريعة الوثوب وافتراص الفرص. أو شغلا لهم بأنفسهم، أو معالجة من السلطان لما يكابده من الشجن أو الفزع. من جراء الحكم، أو من العجز أو الجشع أو ضيق الصدر أو الأفق. وكالسلطان أعوانه. ولا يتوازن في سدة السلطة الا القليلون. وقل ما يتوازنون. وللامام الصادق في ذلك مقولة معلمة (إذا كان لك صديق فولى ولاية فأصبته على العشر مما كان لك عليه قبل ولايته فليس بصديق سوء). قيل لأبى جعفر " لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو " ! فقال: (لأن بنى مروان لم تبل رممهم بعد. ونحن بين قوم قد رأونا بالأمس سوقة ونحن اليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في نفوسهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة). وصاحب السلطة كراكب الأسد - على ما قال أفلاطون - يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب. لهذا أخذ بنو العباس أبناء على، أخذ ظلوم غشوم، وبطشوا، وغدروا بمن حذروهم من أنصارهم وذويهم، كعبد الله بن على عم المنصور. وأبى مسلم الخراساني قائدهم. وأبى سلمة الخلال وزيرهم، بمثل ما غدروا باعدائهم بعد أن أمنوهم. ولما أعطى أبو جعفر المنصور محمد بن عبد الله أمانا كتب إليه محمد ساخرا (أي أماناتك هو ؟ أأمان ابن هبيرة، أو أمان عمك عبد الله أو أمان أبى مسلم).. فقد أعطى أبو جعفر عهودا للكل، وقتل الأول والثالث ولم يكن قد قتل الثاني بعد. لكنه كان قد حبسه من سبع سنين ليقتله بعد أن يقتل محمد بن عبد الله بن الحسن ذاته. فصير خلافته، كالمسبعة، لا يأمن فيها الصديق، أو العدو، أو الصياد، أو الفريسة ! وزاد ضراوة أبى جعفر على أقربائه أن لواحد منهم في عنقه بيعة، على ملا منهم. كانت حرية أن تمنعهم وتمنعه، لولا ما للشهوة من خدر يطيع

[ 80 ]

بالتوازن، فسولت له نفسه أن يتخلص من البيعة بالخلاص ممن بايعه، وإن كان من قبل يمسك بركابه. بل طوعت له شهوته أن يتخلص ممن قد يشهد ضده حتى لا يراه الناس أو يسمعوه يحكى لهم ما قد رأى وقد سمع: قال يعقوب بن عربي: (سمعت أبا جعفر يقول في أيام بنى أمية ما في آل محمد أعلم بدين الله ولا أحق بولاية الأمر من محمد بن عبد الله. وبايع له. وكان يعرفني بصحبته، والخروج معه.. فلما قتل حبسني عشرين سنة). * * * طلب أبو جعفر من عبد الله بن الحسن ابنيه محمدا وإبراهيم. فأنكر مكانهما، فتقاولا. وأغلظ كل لصاحبه، وانصرف الخليفة من المدينة. فبث الجواسيس يأتونه من كل مكان بأخبار بنى الحسن. وفي سنة 140 قصد أبو جعفر للحج فنزل بالمدينة. ودعا عبد الله بن الحسن وطالبه بولديه. وكانا يأتيان أباهما معتمين في هيئة الأعراب فيستأذنانه في الخروج فيقول " لا تعجلا حتى تملكا. إن منعكما أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين ". ولما لم ينل أبو جعفر منالا انصرف من المدينة وأمر بحبس عبد الله، وأهل بيته، فبقوا في السجن ثلاث سنين في دار مروان - دار الإمارة في حكم بنى أمية - حتى إذا كانت سنة 144 ولى أبو جعفر المنصور رباح بن عثمان عاملا على المدينة. وحج في العام ذاته فتلقاه عامله بالربذة فرده إلى المدينة لإشخاص عبد الله ابن الحسن وأهل بيته - بما فيهم محمد بن عبد الله.. بن عثمان - شاهد البيعة يوم الأبواء - فكانوا خمسة عشر أخذوا في محامل إلى الربذة. ونظر الإمام الصادق إليهم وعيناه تهملان حتى جرت دموعه على لحيته. واقتيدوا إلى الربذة في الأغلال. ومزقت السياط جسد (محمد بن عبد الله.. بن عثمان) حتى إذا خرج أبو جعفر في محمل، ناده عبد الله بن الحسن قائلا: يا أبا جعفر. والله ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر.. فلوى أبو جعفر رأسه كبرا ولم يعرج.

[ 81 ]

وحمل أهل البيت تلقاء النجف. حتى إذا دخلوا الكوفة حبسوا في قصر كان لابن هبيرة في شرقي الكوفة.. وهدم عليهم البيت بعد ستين يوما. فمات الذين لم يموتوا في أثنائها. ودفن الجميع تحت الأنقاض. وشيخهم عبد الله في الخامسة والسبعين ! وخرج محمد بن عبد الله لليلتين بقيتا من جمادى سنة 145 فاستولى على المدينة. وخرجت المدينة بأسرها مع محمد. فكان في جيشه علماؤها الفحول. فيهم ابن هرمز شيخ مالك. وابن عجلان، وابن أبى سبرة، وعبد الله بن عمر العمرى. ومصعب بن ثابت الزبيري. اما مالك فاكتفى في الحرب بفتياه أن بيعة المنصور كانت مكروهة، ومن أجلها أصابه ما أصابه (1) من والى أبى جعفر وابن عمه سنة 146. وخرج مع محمد موسى وعبد الله ابنا الإمام جعفر الصادق. وقصد جعفر الصادق إلى محمد في مجلس حربه قال: أتحب أن يصطلم أهل بيتك (يستأصل) قال ما أحب ذلك. قال: فإن رأيت أن تأذن لى، فإنك تعرف علتى. قال محمد: قد أذنت لك. ومضى جعفر الصادق: فالتفت محمد إلى ابني جعفر وقال لهما: الحقا بأبيكما فقد أذنت لكما. والتفت جعفر فقال: ارجعا فما كنت لأبخل بنفسى وبكما. فحاربا مع محمد أعظم حرب، وكان لعبد الله بلاء ممتاز. ووجه المنصور إلى المدينة جيشا بقيادة ابن عمه، وولى عهده، عيسى بن موسى. وفي غرة رمضان خرج ابراهيم أخو محمد واستولى على أكثر من مكان في أقليم البصرة - ثم استشهد محمد في 14 من رمضان سنة 145 ه‍ واستشهد إبراهيم (2) عند باخمرى لخمس بقين من ذى القعدة. وأرسلت رأسه إلى أبى جعفر المنصور، فطوف بها في الآفاق.


(1) مالك بن أنس - عبد الحليم الجندي - طبعة دار المعارف ص 238 حيث تفصيل الواقعة (2) كان صاحب فقه وأدب. سأل عن صاحب له فقيل تركناه يريد أن يموت فضحك قوم: فقال: لقد ضحكتم منها عربية ! قال عز وجل (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه). يعنى يكاد أن ينقض. فوثب أبو عمرو بن العلاء فقبل رأسه وقال (لا نزال والله بخير مادام مثلك فينا) وأبو عمرو من أئمة اللغة الأولين. (*)

[ 82 ]

واستولى عيسى بن موسى على عين أبى زياد، ضيعة جعفر الصادق التى يقتات منها. ويشرك في ثمرها أهل المدينة. وسنرى المنصور بعد عامين من انتصار عيسى بن موسى يخلعه من ولاية العهد. ويولى ابنه المهدى سنة 147. وكان قد حبس عمه عبد الله بن على من سنة 138 في دار لتخر عليه فيموت سنة 147 ! وعبد الله عمه وقائده المنتصر على آخر ملوك بنى أمية يوم الزاب. لكنه خرج عليه. فأرسل إليه جيشا بقيادة أبى مسلم الخراساني، ولجأ عبد الله إلى أخويه سليمان وعيسى فأخذا له عهدا على المنصور كتبه " ابن المقفع " وفيه (ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه فناسؤه طوالق. ودوابه حبس. وعبيده أحرار. والمسلمون في حل من بيعته) فأما " أبو مسلم " فسيدعوه أبو جعفر إلى قصره بعد أمان يعطيه إياه ثم يخرج عليه عبيده فيقتلونه أمامه. وأما عبد الله بن المقفع فسيقتله والى أبى جعفر سنة 142. فيشفى صدر أبى جعفر. * * * روى الإمام الصادق ما كان بعد أن هدأت الأحوال. قال: (لما قتل إبراهيم بن عبد الله بباخمرى (حسرنا عن المدينة - ولم يترك فينا محتلم حتى قدمنا الكوفة. فمكثنا فيها شهرا نتوقع القتل. ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوى الحجى. فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد. فلما دخلنا عليه قال أأنت الذى تعلم الغيب ؟. قلت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: انت الذى يجبى إليه هذا الخراج ؟ قلت: إليك يجبى - يا أمير المؤمنين - الخراج. قال: أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت: لا. قال: أردت أن أهدم رباعلكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم. وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق. فإنهم لكم مفسدة. قلت له: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر. وان أيوب ابتلى فصبر. وان يوسف ظلم فغفر. وأنت من ذلك النسل.

[ 83 ]

فتبسم. وقال: أعد على ما قلت. فأعدت. فقال: مثلك فليكن زعيم القوم. وقد عفوت عنكم ووهبت لكم جرم أهل البصرة حدثنى الحديث الذى حدثتني عن أبيك عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: حدثنى أبى عن آبائه عن على عن رسول الله صلى الله عليه وآله: صلة الرحم تعمر الديار وتطيل الأعمار وإن كانوا كفارا. قال: ليس هذا. قلت: حدثنى أبى.. عن رسول الله صلى الله عليه وآله: الأرحام معلقة بالعرش تنادى: اللهم صل من وصلنى واقطع من قطعني. قال: ليس هذا. قلت: حدثنى أبى. أن الله عز وجل يقول: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمى فمن وصلها وصلته ومن بتها بتته. قال ليس هذا الحديث. قلت: حدثنى أبى.. أن ملكا من الملوك كان في الأرض كان بقى من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه، فجعلها الله ثلاثين سنة. قال: هذا الحديث أردت. أي البلاد أحب إليك ؟ فو الله لأصلن رحمى إليكم. قلنا المدينة. فسرحنا إلى المدينة. وكفى الله مؤنته. في هذا اللقاء دليل على ما يخشاه من بنى على، ومن الصادق بالذات. فما يخشاه من بنى على هو فتنة الناس إذ يجتمعون إليهم. أما ما ينعاه على الصادق - وهو الوحيد الباقي ممن يمكن أن يجتمع بنو على، والناس، حولهم - فلقد كان خليقا أن تطيب به نفسه لما فيه من مصلحة له. وهو الادعاء على الصادق بأنه يعلم الغيب. فإنه لم يبايع لأحد يوم الأبواء. بل ذكر أنها (الخلافة) ستكون لصاحب القباء الأصفر وهو أبو جعفر. لكن الصادق كان حاسما في رده عليه بأنه لا يعلم الغيب إلا الله. وكان مما يخشاه أن يجبى إلى الصادق خراج بعض الرعية، مما يعطى للإمام، وكان الصادق في ذلك حاسما أيضا. إذ أعلن أن الخراج لا يجبى إلا لأبى

[ 84 ]

جعفر، لأنه أمير المؤمنين. قال: إليك يجبى - يا أمير المؤمنين - الخراج. وجعل التسليم بإمارة المؤمنين يسبق كلمة الخراج، فهذه العبارة بيعة بتمامها. والخراج حق من بويع له. وكان انتقال أبى جعفر من استجوابهم إلى إخبارهم بأسباب دعوتهم، نقلة من الغضب إلى غيره. ومن الاستجواب إلى الوعيد، وإلى الاستعلاء. لكن الصادق نقله من عالم الكبرياء المظلم، إلى آيات الله التى تطمئن لها القلوب. فجعله - دون أن يشعر - مقارنا في موقفه بمواقف الأنبياء، لعله يهتدى بهم. وذكره كلام ربه جل وعلا. وذكره الشكر والصبر والمغفرة. وذيل ذلك كله بأنه من نسل الذين يغفرون ويشكرون ويصبرون. بهذا أمكن الرجل الذى قد قلبه من الصخر أن يبتسم. بل أقبل يسأل أن يتعلم. فحدثه الإمام الأحاديث، واحدا بعد واحد، حتى وقف منها عند حديث طول العمر. فلقد كان يروجو أن يطول عمر دولته، التى يخسر من أجلها في كل يوم آخرته، إلا أن يغفر الله له.. فظن أنه بهذا الحديث يجد أمانا لنفسه أو تخفيفا لما تكابده. وعندئذ ظهر ضعف نفسه، وجلال شأن المعلم الذى يتعلم عليه. ولم يكد الإمام يأخذ زمام الكلام حتى راح يعلمه درسا من الدروس في البداء: وهو أن القضاء الذى يتوقف على الشرط يتحقق عند وقوع الشرط. فهذا ملك وصل رحمه فطالت عمره من ثلاث إلى ثلاثين، - وكان أبو جعفر ملكا - ولكم طالت العمر على ملك بنيه وحفدته. فلقد كان كل خلفاء بنى العباس بعده منهم ملكوا خمسة قرون، حتى دمر الظلم دولتهم. إنما كان أبو جعفر يتداول الإمام الصادق بحذر خليق بما للصادق من كرامة عند الله والناس. وهو صاحب أكبر مدرسة شهدتها حواضر الإسلام في ذلك الزمان: المدينة ومكة والكوفة وبغداد والفسطاط.

[ 85 ]

وكان في الستين من العمر، يروى عنه الآلاف حديث النبي وفقه الصادق وأبيه وأجداده. والذين يحسنون الظن بالمنصور لا يتصورون حلمه يطيش فيفقد الأمة الإمام الذى لا ينازعه ملكه. وربما جاز للذين لا يحسنون الظن، أن يخالوه يحسب حسابا للأعداد التى لا تحصى من تابعي الإمام. وقد كان أبو جعفر يحسب حساب العلماء ومن بطش الحكام بالعلماء ما يدمر الدول. ومن فداء الأتباع ما يستهان فيه بعرين الأسد. لقد اقتحم الفدائيون من أتباع سنان (شيخ الجبل) خيمة صلاح الدين وهو في عسكره ليصيبوه بخناجرهم في وجهه. * * * ظاهر من حديث الإمام أنه حدثه في صلة ذوى الأرحام، وإن كانوا كفارا. فما أحراهم بالصلة إن كانوا غير ذلك. ويظهر مما يرويه الطبري أن أبا جعفر كان يود أيامئذ لو نسى الناس ما كان من أهل البيت في حقه. وما كان منه في حقهم. روى الطبري: لما أتى المنصور برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه وجلس مجلسا عالما وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيسلم ويتناول إبراهيم فيسئ القول فيه. ويذكر منه القبيح التماسا لرضى ابى جعفر، وأبو جعفر ممسك متغير لونه. حتى دخل كعفر بن حنظلة البهرانى فسلم ثم قال (عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك) فاصفر لون أبى جعفر وأقبل عليه فقال: أبا خالد. مرحبا وأهلا. فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه. فدخلوا فقالوا مثل ما قاله جعفر بن حنظلة. وربما دل على ذلك الميل ما يرويه عيسى بن رؤبة: لما جئ برأس إبراهيم فوضع بين يدى أبى جعفر بكى. حتى رأيت دموعه على خدى إبراهيم. ثم قال: أما والله إن كنت لهذا لكارها. لكنك ابتليت بى وابتليت بك.

[ 86 ]

ولقد ترك أبو جعفر الذين تواروا عنه ممن خرجوا مع محمد وإبراهيم، ومنهم الحسين بن زيد. وكان الحسين قد تربى في بيت جعفر الصادق بعد قتل زيد. وكان يسمى " ذا الدمعة الكبيرة " لكثرة بكائه على أبيه وأخيه يحيى. ولم يسائل أبو جعفر ولدى جعفر الصادق عبد الله وموسى، وقد خرجا مع محمد. وترك علماء المدينة. وترك عيسى بن زيد إذ توارى عنه. ولما قيل له من حرسه أو من المنافقين: إلا تطلبه ؟ قال لا. والله لا أطلب منهم رجلا بعد محمد وإبراهيم: أنا أجعل لهم ذكرا ؟ ومن ناحية أخرى ففقه الإمام الصادق يعلم الناس طاعة الإمام العادل. والصادق هو القائل. (لا يستغنى أهل بلدة عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دنياهم وآخرتهم. فقيه عالم ورع. وأمير خير مطاع. وطبيب بصير ثقة، فإن عدموا ذلك كانوا همجا). وهو فقه في طاعة الخليفة العادل أو الأمير الخير. وأبو جعفر يتمنى أن يظهر في الناس كذلك. والصادق يقول - ولا نحسبه يقصد إلا أبا جعفر وأبناء عمه - (ما تثبت الدنيا إلا على بنى العم المتعاطفين بالبر المتعلقين بالأدب المجتمعين على التناصر). فهذه يد ممدودة بالسلام من الإمام. ودرس للرعية لتسلم العنان لأمير خير. وما أحرى أبى جعفر أن يكونه. وفي سنة 147 عزم المنصور وهو راجع من موسم الحج أن يسير الإمام الصادق من المدينة إلى العراق فاستعفاه الإمام فلم يعفه وحلمه معه. ولكن الصادق كان يقبل عليه بمقدار فليست دنيا أبى جعفر لتجدر بالمقاربة. وفي ذات يوم أرسل إلى الصادق. لماذا لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس فأجابه (ما عندنا ما نخافك عليه ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له. ولا أنت في نعمة فنهنيك عليها. ولا نعدها نقمة فنعزيك عليها. فلم نغشاك) ؟ ويجيب أبو جعفر: تصحبنا لتنصحنا. ويجيب الإمام

[ 87 ]

(من أراد الدنيا فلا ينصحك ومن أراد الآخرة فلا يصحبك) فالذي يريد الدينا يسير في ركب صاحبها فلا يقول كلمة لله. والذى يريد الآخرة يعتزل مجالس رجل يعجزه عمله ويعميه أمله عن طريق الآخرة. وصدق " جعفر الصادق " ولم يكذب أبو جعفر المنصور فلقد كان أحوج الناس إلى النصيحة. وكانت صحبة الصادق له أمانا من النار. * * * دخل عليه سفيان الثوري يوما فقال له: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا فطأطأ رأسه وقال: ارفع حاجتك.. قال سفيان: حج عمر فقال للخازن كم أنفقنا من بيت المال قال: بضعة عشر درهما. وأرى هنا أموالا لا تطيق الجمال حملها... وخرج سفيان. ولما راجع المنصور كاتبه ليقتل سفيان قال له (اسكت يا أنوك (أحمق). فما بقى على الأرض من يستحى منه غير " مالك " وسفيان) (1) وإذا كان هذان الإمامان اللذان ليس في الأرض غيرهما، تلميذين في مجلس الإمام الصادق. يلتمسان علمه ويترسمان هديه. فما أحوج الخليفة إلى أن يقارب مجلس الصادق بإن يدعوه إلى مجلسه.


(1) يروى مالك أنه استدعاه فدخل فوجد عنده ابن أبى ذؤيب (159) والقاضى ابن سمعان فسأل مالكا عن حكمه (حكم المنصور) هو عدل أم جور ؟ فاستعفاه مالك من الجواب. فسأل ابن سمعان عن حكمه فأثنى عليه. فسأل ابن أبى ذؤيب فأجاب: أنت والله عندي شر الرجال. استأثرت بمال الله ورسوله وسهم ذوى القربى اليتامى والمساكين وأهلكت الضعيف وأتعبت القوى. وأمسكت أموالهم. فما حجتك غدا بين يدى الله) قال المنصور: ويحك. ما تقول: قال: رأيت أسيافا وإنما هو الموت ولابد منه. عاجله خير من آجله. قال مالك. ثم خرجا وجلست. فقال المنصور: أجد رائحة الحنوط عليك ؟ قلت أجل لما نمى إليك عنى ما نمى وجاءني رسولك ظننت أنه القتل... قال: أو ما تراني أسعى في أود الإسلام وإعزاز الدين عائذا بالله... يا أبا عبد الله انصرف إلى مصرك راشدا مهديا. وإن أحببت ما عندنا فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا. قلت إن يجبرنى على ذلك أمير المؤمنين فسمعا وطاعة. = (*)

[ 88 ]

......


= وإن يخيرني اخترت العافية.... قال انصرف إلى أهلك معافى مكلوءا. فلما أصبحنا أمر بصرر دنانير في كل صرة خمسة آلاف درهم ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تدفع إلى كل رجل منهم صرة. أما مالك إن أخذها فبسبيله. وإن ردها عليك فلا جناح عليه. وإن كان ابن سمعان ردها، فأتني برأسه وان أخذها فهى عافيته. وإن أخذها ابن أبى ذؤيب فأتني برأسه وإن ردها عليك فسبيله. قال مالك: أما ابن سمعان فأخذها وسلم. وأما ابن أبى ذؤيب فردها وسلم. وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر متوجها إلى العراق. وروى مالك أنه استدعاه يوما وعبيدالله بن طاووس بن كيسان. وكان طاووس فقيه اليمن حتى مات في سنة 106 (طاووس بن كيسان تلميذ ابن عباس جد أبى جعفر) قال أبو جعفر: حدثنى حديث أبيك. قال عبيدالله حدثنى أبى أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه. قال مالك فضممت ثيابي خوفا من أن يصيبني دمه... فقال المنصور ناولنى هذه الدواة.. ثلاث مرات. فلم يفعل. قال أبو جعفر لم لا تناولي ؟ قال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها. قال: قوما عنى. ذلك ما كنا نبغى. قال مالك فمازلت أعرف لابن طاووس فضله منذ ذلك اليوم. ويروى الإمام الشافعي حول أساطين جامع عمرو عن عمه محمد بن على بن شافع مثل ذلك. عندما قال له ابن أبى أخذت المال من غير حله وجعلته في غير أهله وأن المنصور رد عليه بقوله والله لولا أنا لأخذت أبناء الفرس والروم والديلم هذا المكان منك فو الله لولا أنى أعلم أنك صادق لقتلتك. أما عمرو بن عبيد فكان أبو جعفر المنصور يستقبله بالترحاب وينشد في نزاهته الشعر (كلكم يمشى رويد. كلكم طالب صيد. غير عمرو بن عبيد) وهو زعيم المعتزلة الذين يطلقون ألسنتهم في الملوك والصحابة. دخل عليه فقال له (إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تتمخص عن يوم لا ليلة بعده) قال الربيع بن يونس حاجب المنصور: يا عمرو غممت أمير المؤمنين. قال عمرو للمنصور (إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير لك عليه أن ينصحك يوما واحدا. وما عمل وراء بابك بشئ من كتاب الله ولا سنة نبيه) قال أبو جعفر المنصور: فما أصنع قلت لك خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني. قال عمرو: لا. أدعنا بعد لك، تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة اردد منها شيئا نعلم أنك صادق. ولما مات عمرو كان أول واحد من الرعية، وآخر واحد، ينظم في رثائه الخليفة شعرا. ومن أبياته: وإذا الرجال تنازعوا في شبهة وصل الحديث بحجة وبيان ولو ان هذا الدهر أبقى صالحا أبقى لنا عمرا أبا عثمان والجاحظ من تعصبه لزعيمه يقول فيه (إن عبادته تفى بعبادة عامة الفقهاء والمحدثين). وستبقى صلة المعتزلة بالدولة العباسية طويلا بعد وفاة عمرو وأبى جعفر لأن المعتزلة يمدون إلى بنى العباس سببا علميا وسببا سياسيا قالوا: إن واصلا (وهو زعيمهم مع أخى زوجته عمرو = (*)

[ 89 ]

الحق أن أبا جعفر كان من فزعه من الآخرة وحاجته إلى رضى الرعية صادق الرغبة في التقرب إلى العلماء، ومن أجل ذلك كان يرضى منهم ما يصك مسامعه من النقد وإن كان لا يستجيب له. طلب ذلك من صديقه عمرو بن عبيد. والمعافري (1)، فاعتزلاه لكثرة الظلم على بابه كما قالا له. وهز ضميره ابن أبى ذؤيب وتوعده بجهنم. وكمثله صنع ابن طاووس فقبل استعفاء الصديقين. وأقر صدق ابن أبى ذؤيب (2) فقال له: لولا أننى أعلم أنك صادق لقطعت عنقك، كما ارتاح لابن طاووس مع رفضه أن يطيعه مخافة أن تؤدى طاعته إلى المشاركة في معصية. ولقد رفض أبو حنيفة أن يجلس للقضاء في دولته بحجة الخوف من أن يظلم الناس إرضاء لحاشية يحب أبو جعفر أن يكرمها. وما إكرام الحاشية إلا الحكم لمصلحتها فيما ترتكب من مظالم، لحساب صاحب السلطان أو نتيجة إغضائه. وهذا رد فقهى من إمام أهل الرأى يتضمن التنديد بأبى جعفر وصحبته. وصحبة الظالم وجه مشاركة في الحكم، وربما في الظلم، بتوطيد الأمور للظالم أو بتمكينه أن يبلغ غرضه، أو تقديم مصلحته على مصلحة


= ابن عبيد) أخذ أصوله عن أبى هاشم (98) عبد الله بن محمد بن الحنفية - بن على بن أبى طالب وكان أبو هاشم قدريا مثلهم - ينفى القدر - ويضيفون أن محمد بن على من عبد الله بن عباس (1) تعلم على أبى هاشم (2) وتلقى منه الوصية بالإمامة بعده - دون بنى على بن أبى طالب - عندما أحس أبو هاشم بدنو أجله إذ دس السم إليه سلميان بن عبد الملك. (1) لما استخلف أبو جعفر قصد إليه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافرى قادما من القيروان وكان زميلا له في عهد الطلب، فعرض عليه المقام ببغداد. وقال له كيف رأيت ما وراء بابنا ؟ فأجابه: رأيت ظلما فاشيا وأمرا قبيحا. قال: لعله فيما بعد من بابى. فأجابه: بل كلما قربت استفحل الأمر وغلظ. قال: ما يمنعك أن ترفع ذلك إلينا وقولك مقبول عندنا ؟ فأجابه: رأيت السلطان سوقا. وإنما يرفع إلى كل سوق ما ينفق فيها. قال. كأنك كرهت صحبتنا ؟ فأجابه: ما يدرك المال والشرف إلا من صحبتكم. ولكني تركت عجوزا. وإنى أحب مطالعتها. (2) يفضل أحمد بن حنبل ابن أبى ذؤيب على مالك لمجاهرته بالحق في وجه أبى جعفر. وتقدير الشافعي لابن أبى ذؤيب يتراءى في رأى تلميذه أحمد. وفي رواية الشافعي عن عمه في صدده. أما تقدير مالك فكان عن مشاهدة أو مشاركة. (*)

[ 90 ]

المحكومين. وفيها شهادة له في الناس. فهى شركة خاسرة في الدنيا والآخرة. والإمام الصادق هو القائل (أيما مؤمن قدم مؤمنا إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم الله، فقد شركه في الإثم) وعلى يقول (كفاك خيانة أن تكون أمينا للخونة) وذات يوم دخل زياد الفندى على الصادق فقال له: وليت لهؤلاء ؟ - يقصد أصحاب السلطان - قال: نعم. لى مروة وليس وراء ظهرى مال. وإنما أواسى إخوانى من عمل السلطان. فقال (يا زياد. أما إذ كنت فاعلا، فإذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة الله عز وجل على عقوبتك وذهاب ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إلى نفسك عليك). وفي واحد من اللقاءات يقول الصادق لأبى جعفر (لقد بلغت ثلاثة وستين، وفيها مات أبى وجدى) ليعلن له الاستخفاف بالموت الذى يتهدد الناس به، وأن الإمامين اللذين قضيا - زين العابدين والباقر - لم يعمرا أكثر مما عمر، ولكل أجل كتاب. فماذا يهاب ؟ إنه يطلق إعلانه بلغة عالية، وفي هدوء قادر على أن يطفئ جذوة رجل خصم. وفي توكل على الله يبلغه مأمنه. فهو إذا واجهه واجهه والله معه. أرسل إليه أبو جعفر ذات يوم رزام بن قيس يدعوه للقائه، ففصلاه عن المدينة، حتى بلغا النجف فنزل جعفر عن راحلته فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين ثم رفع يديه وهو يقول: (اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوسل. اللهم سهل حزونته

[ 91 ]

وذلل لى صعوبته وأعطني من الخير أكثر مما أرجو واصرف عنى من الشر أكثر مما أخاف). ثم ركب راحلته حتى إذا بلغا قصر المنصور، أعلم المنصور بمكانه. فلم يحجبه قليلا أو كثيرا، بل تفتحت الأبواب. ورفعت الستر. فلما قرب من المنصور قام إليه فتلقاه. وأخذ بيده وماشاه. حتى انتهى به إلى مجلسه. ثم أقبل عليه يسأله عن حاله. وذات يوم عزم المنصور على حاجبه الربيع بن يونس أن يدعوه، وكانت تبرق في أساريره بوارق الخطر. فلما خرج من اللقاء بسلام سأل الربيع الإمام الصادق عن الدعاء الذى دعا به ربه فأكرمه الله في لقاء المنصور. فأخبره به. فالصادق يستحضر رضى بارئ السماء في كل آونة وتعينه السماء. ومع ذلك السلام الذى نشده الصادق وعلمه، يروى الطبري أن المنصور لما عزم الحج - في آخر أيامه - دعا ريطة بنت أبى العباس زوج المهدى، وكان زوجها بالرى، فأوصاها بما شاء ودفع إليها مفاتيح غرفة بها خزانته، وأمرها ألا تسلمها إلى المهدى إلا عندما يجئ نبأ موت المنصور فلما مات ذهبت ريطة والمهدى ففتحا الغرفة فإذا بقتلى من بنى على في آذانهم رقاع. فيها أنسابهم وهم بين شيوخ وشباب وأطفال. فلما رأى المهدى ذلك ارتاع. فحفرت لهم مقبرة دفنوا فيها ثم بنى عليها دكانا. لم يكن المنصور يكتفى بأن يقول مقالة لويس الرابع عشر بعد ثمانية قرون " أنا الدولة ". ذلك المقال الذى نبذه واستهجنه الساسة والمؤرخون في الشرق والغرب، بل كان المنصور يدعى دعوى أبعد وأشد. كان يخطب فيقول: " إنما أنا سلطان الله في الأرض " فيجمع في يده ما عجر عنه الأباطرة والبابوات جميعا ! فإنما تقاسم الإمبراطور والكنيسة الأشياء، في القرن التاسع للميلاد، فصار لقيصر ملك الأرض وللكنيسة.

[ 92 ]

مملكة السماء. أما أبو جعفر المنصور فادعى في الأرض سلطان السماء. وأى شئ يستبعد على صاحب هذه الدعوى ! ! * * * وأبو جعفر - مع ذلك - ليس إلا واحد من المستبدين الذين يزخر ثبت التاريخ بخطاياهم أو ضحاياهم. إليك مثلا واحدا من تاريخ الدولة التى تلقى إليها الديمقراطية الغربية مقاليدها: لقد أرسل (هنرى الأول) ملك إنجلترا فرسانه يقتلون (توماس) بيكت رئيس أساقفة لندن من أجل خلافه معه في ولاية العهد لابنه في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر. وفي الثلث الأول من القرن السادس عشر بعث (هنرى الثامن) ملك إنجلترا (توماس) ولزى رئيس أساقفة يورك إلى السجن ريثما ثدر عليه حكم الإعدام فمات قبل أن يعدم. ثم أرسل إلى المقصلة (توماس) مور كبير قضاته من أجل خلافهما له في زواجه وطلاقه. * * * ولقد كان فزع المنصور من أجل دولته حريا أي يخرجه عن الاتزان فيستحوذ عليه الشيطان، و لو لا إمساك الإمام الصادق بالأعنة كلها كلما لقيه، فكان يضعه في موضع النصفة. والذين يهابون لقاء الملوك ضعفاء عن إخفاء دخائلهم، من البغض أو الحسد أو الخوف. والذين ليس في قلوبهم من ذلك شئ يشجعون. أما الأئمة فالله معهم. وهو حسبهم.. وأين من هذا الذى معه مالك الأرض والمساء ملوك دولة أو أقليم ! من أجل ذلك يشجع الرجال الصدق أذ يستشهدون. ومن أجله نظر الصادق إلى أبى جعفر في شجاعة وصدق. فكان يلزمه القصد والنصفة. ولا عجب إذا كان أبو جعفر في دخيلة نفسه، يريد ليحفظ ظاهر الأمر في وقار من لا يسفك الدم إلا بقدر والصادق حجة له في ثبات حكمه، مذ كان لا يرى بيعة غيره.

[ 93 ]

وأبو جعفر عليم بما يجرى في ملكه: وهو من مطالع حكمه يستعمل العسس في كل اتجاه. فلم يلبث سنين حتى أصبح يعلم بكاء بنت مالك ابن أنس من الجوع في داخل الدار، وهى وأبوها يكتمانه إلى على الله سبحانه ! وأبو جعفر هو القائل عن أوتاد حكمه: ما أحوجنى إلى أن يكون على بابى أربعة نفر لا يكون على بابى أعطف منهم. وهم أركان الدولة لا يصلح الملك إلا بهم. أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة لأئم. والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوى. والثالث صاحب خراج يستقصى ولا يظلم الرعية. ثم عض على إصبعه السبابة ثلاف مرات يقول: آه آه. قيل ما هو يا أمير المؤمنين قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة.

[ 95 ]

الفصل الثاني الرجلان " يا بنى: إن الذين حولنا لو يعلمون عن على ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده ". عبد العزيز بن مروان

[ 97 ]

الرجلان الحق أن الاختلاف كان شديدا بين الإمام جعفر الصادق وبين الخليفة أبى جعفر المنصور: في طبيعتهما وطريقتهما وغاياتهما. هذا صاحب سلطان. فيه شركاء متشاكسون، تركبه هموم الدنيا، وتلبس جلده شياطينها. يترافع لينحني الناس له، ويجمع دنياهم في قبضته. شحيح النفس منقبض اليد، " دوانيقي "، يحسب بالدرهم والدانق (1) تبدو منه صعقات السلطان عند الفزع. وتحوله مطامعه من الدماثة إلى الشراسة. فلا يطمئن له أحد. أقام دولته على أشلاء الأعداء، وفزع الأقرباء، وجماجم أهل البيت. في خزائنه ! أما الإمام فرجل سلم لكل رجل: يتواضع ليرفع الناس كلهم، ولا تستعبده الدنيا قيد أنملة. يعطى ولا يأخذ. ويحيى أنفس الناس، بالعطاء المسماح من العلم، والجاه، والمال. (ما قال لا قط إلا في تشهده). فهكذا كان أبوه وجده. والحق كذلك أن المنصور - بنجاحه في إقامة أكبر دولة في التاريخ الوسيط - يعتبر واحدا من ثلاثة لا يعرف لهم التاريخ الإسلامي رابعا. ولا ينزل بهم التاريخ العالمي عن أعظم المؤسسين للدول. أولهم معاوية بن أبى سفيان، وثانيهم عبد الملك بن مروان. مصايرهم متشاكلة. ووسائلهم متشابهة، وخصامهم لأهل البيت أساس دولتهم. ونجاحهم في دنيا السلطة مقطوع القرين:. بدأوا علماء، وانتهوا ملوكا كالملوك الأعاجم ! والإسلام فضل من الله، يسخر لخدمته من يشاء. ولو مال عن الجادة رجل، فإنما يخذل نفسه ولا يصيب الإسلام بسوء.


(1) الدانق سدس درهم. (*)

[ 98 ]

لقد أخطأ معاوية في إقامة دولته وفي حربه. وكان لزاما أن يقوده خطؤه إلى أن يجعل الدولة. " هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل " فيكون ابنه يزيد أشأم وألأم خلف لسلف. لكن أحدا لا يتنازع في أن دولته - وإن لم تمثل دولة الدين - قد انتشرت في البر والبحر ونشرت الإسلام وجاهد في غزواتها الصحابة وبنوهم والعلماء والفقهاء، بل غزا وجاهد فيها بين جيوش المسلمين أبو الشهداء، الحسين بن على، في فتح أفريقية وغزو جرجان وطبرستان والقسطنطينية. ومعاوية هو الذى مهد لدولة ابن عمه مروان بن الحكم. وعبد الملك بن مروان هو المؤسس الحقيقي للدولة المروانية التى أينعت فروعها بالأندلس وأبقت الإسلام في أوربة ثمانمائة عام، لتهيئ للحضارة الحديثة أن تنطلق من جامعات الأندلس وجوامعها. وهو عم عمر بن عبد العزيز وصهره. وعمر: خامس الراشدين في مدة خلافته. الذى كتب لعامله على المدينة يوم ولى الخلافة: اقسم في ولد فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار فقد طالما تخطتهم حقوقهم. وقال معلنا حق على وباطل بنى أمية ومروان (كان أبى (1) إذا خطب فنال من على تلجلج. فقلت يا أبت إنك تمضى في خطبتك فإذا أتيت على ذكر على عرفت منك تقصيرا ؟) قال: أو فطنت إلى ذلك ؟ يا بنى إن الذين حولنا لو يعلمون من على ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده...). لكن أبا جعفر كان أثقل الثلاثة حملا. إذا كان معاوية وعبد الملك قد سبقا ففصلا بين الدين والدولة فجزءا نظرية الدولة الإسلامية، وكان هو قد سار على الدرب الذى اختطاه، إن المعارك التى خاضها من أجل دولته كانت أوسع مدى.


(1) عبد العزيز بن مروان بن الحكم، عينه عبد الملك على مصر وأفريقية. وهو الذى بنى مدينة حلوان ضاحية الفسطاط - القاهرة. وفيها عاش عمر بن عبد العزيز زمانا. وجيوش أفريقية هي التى فتحت الأندلس بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير. (*)

[ 99 ]

ففزعه من أبى مسلم وجنده لم يكن إلا رجع الصدى لصوت يتصايح في آفاق حياته، وأعماق ذاته: أنهم سرقوا الدولة من أبناء على. ومن هنا خوفه المستمر من انتقاض أهل خراسان الذين جاءوا لمبايعة " الرضا من آل محمد ". وأهل البيت أولى منه في أنظار الذين جاءوا به وبأخيه إلى السلطة. وخوفه من أعضاء بيته أشد. فلقد كان عمه عبد الله بن على قائد جيش الشام، لكنه خرج عليه، وأخمد فتنته أبو مسلم الخراساني، حتى إذا استسلم - على عهد - حبسه أبو جعفر ليقتله بعد زمن من قتله أبا مسلم ذاته. وكذلك غدر بعيسى بن موسى الذى انتصر على محمد وإبراهيم فسلبه حقه في ولاية العهد، وولى ابنه المهدى عهده. فكان غدره كهيئة ما غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق في ولاية العهد، قائلا: (ما اجتمع فحلان في شول إلا أخرج أحدهما صاحبه). وما كان نقض معاوية عهده مع الحسن بن على، إلا درس المعلم الأول للرجلين: أن يستعملا الزمن. وأن ينتهزا الفرص. وأن يحركا الحوادث بدهاء: وأن يقطفا الثمر: ثمرة ثمرة. وأبو جعفر لا يتردد في إعلان التشابه بينهم وفي تعطشه للدم. فيعلن في الناس أن (الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه زياده. و عبد الملك وكفاه حجاجه. وأنا. ولا كفاة لى) كأنما لم يكن فيما سفكه كفاية. فكان يريد أن يسفك له دما أكثر سفاحون أصغر ! الواقع أن أزمات أبى جعفر كانت آخذة بخناقه من كل صوب فهى في نفسه، وفي بيته، وفي دولته، وفى صلته بالأمة: أن كانت القوة العسكرية التى أجاءته إلى الحكم، قد تخلت عنه بل حملت السلاح ضده. وكانت القوة الفكرية التى قامت عليها الدولة، قد صار أصحابها فرائس له. وكانت القوة العصبية، قوة أسرته، تترنح بخروج عمه

[ 100 ]

عبد الله وقتله. وبمغامراته للاستئثار لبنيه بالخلافة دون سائر أهله. فإذا كان ثمة من أحبه، فإن حبهم كان أقبح من البغض، مذ كانوا يؤلهونه، فيكفرون أنفسهم ويفضحونه، بل كادوا يقتلونه، يوم أحاط الراوندية بقصره فلم يمكنه الله منهم إلا بمساعدة عدو كان يطلب رأسه، هو معن بن زائدة الشيباني. وكان معن حريا أن يقتله في وطيس المعركة. حتى الذى أنجاه كان عدوا له ! وفي سنة 145 انتفضت خراسان فقتلت جيوشه من أهلها سبعين ألفا وأسرت بضعة عشر ألفا. ولم يكن شغله بالجويش المحاربة في المشرق أو في جزيرة العرب أهم أشغاله. ففى افريقية خرج عليه محمد بن الأشعث والى افريقية، فجرد عليه جيشا بقيادة الأغلب بن سالم، وسيقتل الأغلب بعد سنين سنة 150. ولم ينهزم الخوارج إلا بعد أن خاضوا ثلثمائة وخمسة وسبعين وقعة ! وأمام جيش قوامه خمسون ألفا. كل أولئك وهو من شح نفسه، ومن اصطحاب جماجم أهل البيت في خزائنه، في أمر مريج. يحسب أن كل صيحة عليه هي العدو. وأن كل خروج عليه يدعو الجميع ليخرجوا. وهم على خروج قادرون. مع كل ذلك نجح أبو جعفر بالحذر والغدر ومعاجلة الخصوم. فاستبقي دولته لتكون أطول الدول الإسلامية عمرا. وأبعدها في في الحضارة العالمية أثرا. لكن التاريخ - وقانونه الاستقامة - وطبيعة الأشياء - وقانونها (لكل فعل رد فعل، مساو له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه) - لم يتركا أبناءه حفدته دون عقاب. وكأنما كان طول عمر دولته تطويلا للعقاب عليهم وتكثيرا لمن ينزل بهم. * * *

[ 101 ]

كان من لوازم السلطة أو علامات عدم الثقة بالنفس أو بالغير، أن تتراءى من أبى جعفر في لقائه لأهل البيت أو التعامل معهم نزعات المستوفز الحذر، أو مظاهر الاستعلاء عند مواجهة الأعداء، أو من يضعهم في مواضع الأعداء. لكن الإمام " الصادق " كان يمسك بالزمام فيرد الخليفة دائما إلى حيث يطلب الموعظة، أو العلم. ومن إمساك الزمام في أحد هذه اللقاءات إمساك الخليفة ذاته أن يميل على أهل البيت. فيقول له (لا تقبل في رحمك وأهل الرعاية من أهل بيتك من حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار. فإن النمام شاهد زور وشريك إبليس في الإغراء بين الناس. فقد قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنيأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) ونحن أنصار وأعوان. وللملك دعائم وأركان، ما أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن، وأرغمت بطاعتك الله أنف الشيطان. وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكثرة علمك ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. فإن الكافي ليس بالواصل. إنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها. فصل رحمك يزد الله في عمرك، ويخفف عنك الحساب يوم حشرك). ويقول المنصور: قد صفحت عنك لقدرك. وتجاوزت عنك لصدقك. فحدثني عن نفسي بحديث أتعظ به ويكون لى زاجر صدق عن الموبقات. وبهذا السؤال انتشل المنصور نفسه من موقع قاطع الرحم، إلى موضع المواسى لذوى القرابة، ومكانة طالب الموعظة، فأدلى بها إليه الإمام. قال (عليك بالحلم فإنه ركن العلم. واملك نفسك عند أسباب القدرة. فإنك إن تفعل ما قدرت عليه كنت كمن شفى غيظا وداوى حقدا، وأحب أن يذكر بالصولة. وأعلم أنك إن عاقبت مستحقا لم يكن غاية ما توصف به إلا العدل. والحال التى توجب الشكر أفضل من الحال التى توجب الصبر).

[ 102 ]

تلك آداب الله، وأسباب الحكم الصالح، وملاك السيطرة للحاكم المسلم على قلوب الرعية. وظاهر أن أبا جعفر كان يتظاهر بالاستعلاء إذ يدعى الصفح، وليس الديه تهمة. ولو كانت عنده تهمة للصادق لما طلب الموعظة إليه. وللملوك سماعات، أو أبواق دعايات، منتشرة في الرعية، تلتقط موجات الرضا والغضب، والهدوء والقلق، وتبث نظائرها، حسب الحاجة. والنمامون كثر، كالفراشات التى تدور حول النور، تلتمس الدفء أو الظهور. ولأبي جعفر جهاز لاينى عن استعماله ليروع خصومه، أو ليجعلهم في قبضة يده.... فلقد يدس من أجهزته دسيسا بعد دسيس على بنى الحسن، والحسين، مثل أن يدعو ابن مهاجر ذات يوم فيقول له: خذ هذا المال وإيت المدينة والق عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد (الصادق) وأهل بيتهم وقل لهم إنى رجل من خراسان من شيعتكم وقد وجهوا إليكم هذا المال. فادفع إلى كل واحد منهم على هذا الشرط. كذا وكذا فإذا قبض المال فقل إنى رسول. وأحب أن تكون معى خطوطكم بقبض ما قبضتموه منى... وذهب ابن مهاجر. فلما رجع قال له أبو جعفر ما وراءك ؟ قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم ما خلا جعفر بن محمد. قال لى يا هذا: اتق الله ولا تغرن أهل بيت محمد. فإنهم قريبو العهد بدولة بنى مروان. وكلهم محتاج. فقلت وما ذاك أصلحك الله. فقال ادن منى. فدنوت فأخبرني بجميع ما جرى بينى. وبينك كأنه ثالثنا. قال المنصور: يا ابن مهاجر إنه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيهم محدث. وإن جعفر بن محمد محدثنا اليوم. فالصادق يكشف للمنصور ودسيسه، حقائق يعلمونها، وينبههما على ألا يورطا أهل البيت من جراء حاجاتهم. يريد لأهله السلامة. وللخليفة الاستقامة، وللأمة الطمأنينة. وفي كل ذلك خير لأبى جعفر المنصور.

[ 103 ]

ولقد كان المنصور - نفسه - يجعل الصادق حجة من حججه، وإذا فأخر أهل البيت فاخرهم به ! كتب إليه محمد بن عبد الله (النفس الزكية) يدعوه ليبايعه، وعيره بأمهات العباسيين لأنهن أمهات ولد. وأم المنصور بربرية تدعى سلامة، يتردد اسمها على ألسنة الذين فاخروه. فتولى المنصور كبره في الرد على محمد. ولم يدع الفرصة تفوته ليستفيد حجة من مكانة الإمام الصادق. قال فيما قال (وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من على بن الحسين زين العابدين. وهو لأم ولد. ولهو خير من جدك حسن ابن حسن. وما كان فيكم بعده مثل محمد بن على الباقر وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك. ولا مثل ابنه جعفر. وجدته أم ولد، وهو خير منك). وغض المنصور طرفه عن أن أم الولد في شجرة الباقر " شاه زنان " بنت كسرى ملك الفرس. وأين منها - بعد إذ أسلمت - سلامة ! على أن اللقاءات - أو الاحتكاكات - بين الرجلين لا تتوقف. فهذان قطبان. لكل منهما عالمه. وهما ضدان لهما مستويان. والشرف فيهما لرجل الدين والزهد والعلم. والملوك أحوج إلى العلماء من العلماء إلى المولك. وأبو جعفر حريص غدر، يسلط على الصادق من وقت لآخر، وفي مكان بعد آخر، وجوها من التهديد لشخصه والاتهام لولائه والإزارء بعلمه. يقول له ذات يوم في لقاء له بالكوفة: أنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وفسادك على أهل البيت من بنى العباس. وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد، وما تبلغ به ما تقدره. - فيجيبه الصادق: (والله ما فعلت شيئا من ذلك. ولقد كنت في ولاية بنى أمية - وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم، وأنه لا حق لهم في هذا الأمر - فوالله ما بغيت عليهم ولا بلغهم عنى شئ مع جفائهم الذى كان لى. وكيف أصنع هذا الآن. وأنت ابن عمى. وأمس الخلق بى رحما. وأكثر عطاء وبرا فكيف أفعال هذا) !

[ 104 ]

والصادق بهذا يسجل للخليفة بره. ويقدر له أولية ذوى الأرحام عنده في البر بهم، ويقرر له حقه في الخلافة.. وليس للمنصور فوق ذلك طلبات. وبهذا يستل الضغن من صدره، ليدعه في ميدانه الذى يسره الله له. ومع ذلك يعاد المشهد في بغداد، بعد سنة 145، فيستحضره المنصور لمراجهة جديدة. يقول له: يا جعفر. ما هذه الأموال التى يجبيها لك المعلى بن خنيس ؟ قال الصادق: معاذا الله ما كان من ذلك شئ. قال المنصور: تحلف على براءتك بالطلاق والعتاق. قال الصادق: نعم أحلف بالله ما كان من ذلك شئ. قال المنصور: بل تحلف بالطلاق والعتاق. قال الصادق: ألا ترضى بيمينى: الله الذى لا أله ألا هو ! قال أبو جعفر: لا تتفقه على. قال الصادق: وأين يذهب الفقه منى ؟ قال المنصور: دع عنك هذا فإنى أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذى رفع عنك هذا حتى يواجهك. فأتوه بالرجل.. قال الصادق: تحلف أيها الرجل أن الذى رفعته صحيح ؟ قال: نعم. ثم بدأ باليمين: قال والله الذى لاإله إلا هو الغالب الحى القيوم. قال الصادق: لا تعجل في يمينك فإنى استحلفك. قال أبو جعفر: ما أنكرت من هذه اليمين ؟ قال الصادق: إن الله تعالى حى كريم إذا أثنى عليه عبده لا يعاجله بالعقوبة. ولكن قل أيها الرجل: أبرأ إلى الله من حوله وقوته. وألجأ إلى حولي وقوتى. إنى لصادق بر فيما أقول.

[ 105 ]

قال المنصور للرجل: احلف بما استحلفك به أبو عبد الله. قال راوي الخبر: فحلف الرجل. فلم يتم الكلام حتى خر ميتا. فارتعدت فرائص المنصور. وقال للصادق: سر من عندي إلى حرم جدك إن اخترت ذلك. وإن اخترت المقام عندنا لم نأل جهدا في إكرامك. فو الله لا قبلت بعدها قول أحد أبدا. وأين يذهب الفقه من إمام المسلمين، وهو الذى يوجه اليمين، ومن حقه صياغتها ! وفي الصيغة ما ذكر المفترى بعظم افترائه وبالخالق سبحانه (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا). ومن الإنساني، ومن جلال مقام الإمام عند الله والناس، أن يخر صريعا من يفترى على الله وعلى الإمام، في مجلس الخليفة. بهذه الآية هدى جبار السموات جبارا على الأرض لا يطأطئ، رأسه. فأذا حركها عند ما يناوشه الذباب سأل حضاره كالمستنكر: لم خلق الله الذباب ! !. وكان الصادق حاضرا يوما فأجاب: ليذل الله به الجبابرة. ولئن كان في وجود الذباب في المجلس تذكرة للجبابرة، ففى سقوط المفترى على الإمام بين أيديهم آية ما بعدها آية. وكما يضمن أبو جعفر طاعة الإمام بالبغتات يصطنعها من حين الآخر، لا يتورع عن محاولة إفحام الإمام، بين علماء العصر، أو تسخير أعظم علماء العراق، لينصب منه شركا يوقع فيه الإمام ! وليس هوى أبى جعفر مع أي منهما. ولا بأس عنده إذا أعجز كل منهما، أو أحدهما، صاحبه. وإن المرء ليلمس خساسة الحيل الظاهرة من أبى جعفر، باتخاذ العلم والفقه أداة للشر المدبر، وعظماء العلماء وسائل للاساءة للمسالمين الذين يأمن جانهبم. فلنقس عليها فظاعة تدابيره السرية لمن يخشى العواقب منهم، ولندرك جلالة الحق إذ ينتصر على الحيلة، وجلجلة الحقيقة إذ تظهرها وسيلة أريد بها طمس معالمها، ومكانة الإمام الصادق في العلم إذ يتواضع أمامه العظماء من الفقهاء، في مجلس علمي يسيطر عليه خليفة عالم:

[ 106 ]

أقدم المنصور الإمام الصادق من المدينة إلى العراق وبعث إلى أبى حنيفة فقال له: إن الناس قد افتتنوا بجعفر. فهيئ له المسائل الشداد. ويقول أبو حنيفة عن لقائه بعد ذلك (بعث إلى أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته. فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه. فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلنى لأبى جعفر فسلمت عليه، فأومأ إلى فجلست. ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة. قال جعفر: إنه قد أتانا. ثم التفت إلى المنصور وقال: يا أبا حنيفة ألق على أبى عبد الله (الصادق) مسائلك. فجعلت ألقى عليه فيجيبنى فيقول: أنتم تقولون كذا. وأهل المدينة يقولون كذا. ونحن نقول كذا. فربما تابعهم. وربما خالفنا جميعا. حتى أتيت على أربعين مسألة)... ولقد قال أبو حنيفة في مقام اخر (ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس). وإنما يقصد أبو حنيفة باختلاف الناس الاجتهاد الفقهى للمقارنة بين مذاهب المجتهدين... فأبو حنيفة - وهو الإمام الأعظم عند أهل السنة - يقرر أن الإمام الصادق أعلم الناس باختلف الناس في المدينة حيث علم المحدثين، وفي الكوفة حيث علم أهل الرأى. كانتا قد بلغتا أوجهما، على أيدى أبى حنيفة ومالك. وهما التلميذان في مجالس الإمام الصادق. كمثلهما كان إمام العراق الآخر سفيان الثوري. وأبو حنيفة أكبر سنا من جعفر الصادق. ولد قبله بأعوام وسيموث بعده. وكان أبو حنيفة كما قال مالك لو حدثك أن السارية من ذهب لقام بحجته. والجاحظ كبير النقدة يقول بعد مائة عام (جعفر بن محمد الذى ملأ ا لدنيا علمه وفقهه ويقال إن أبا حنيفة من تلاميذه وكذلك سفيان الثوري. وحسبك بهما في هذا الباب). والجاحظ يذكر تلاميذ العراق. ولو ذكر تلاميذ المدينة لما نسى مالك بن أنس. * * *

[ 107 ]

بلغ الإمام الصادق بمسالمته للمنصور بعض آماله لأهل بيته، بقية أيام حياته، بل طوال خلافة أبى جعفر المنصور. فكان ميمون النقيبة بالسلام الذى نشده، والأمان الذى دعا له، وأطال زمانه. ومنع كثيرا من الطغيان الذى طالما شكاه أبوه، على ما سيروى ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة - (ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل. ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا. ووجد الكاذبون والجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا... فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذبة ورووا عناما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس. وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن. فقتلت شيعتنا بكل بلدة. وقطعت الأيدى والأرجل على الظنة. ومن يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سبحن أو نهب ماله أو هدمت داره. ثم لم يزل اللاء يزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين. ثم جاء الحجاج (1) فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة. حتى أن الرجل يقال له زنديق أحب إليه من أن يقال شيعة على). وفي عصر الباقر كان الحسن البصري (110) الجسور (قاضى عمر بن عبد العزيز وشيخه الذى لا يهاب الخلفاء) إذا روى عن أمير المؤمنين على قال (قال أبو زينب) ليخفى الاسم الذى لا خفاء له !. بل كان الشعبى (104) شيخ المحدثين بالعراق يقول (ماذا لقينا من آل على إذا أحببناهم قتلنا وإذأ بغضناهم دخلنا النار). وكان طبيعيا في دولة " هرقلية " أن يكون همها الملك لا الدين، تعاقب من تتوهم خطره عليها وتترك من تزندق، أن تزداد الاستهانة بالدين في مقابل السلام الذى تنشده الدولة، والبلهنية التى يؤثرها دعاة الدعة. بدأ ذلك من عهد معاوية وسيستمر استمرار فساد الدولة. وستستبقيه لتصرف الناس عن الاهتمام بأهل بيت النبي، أو توقع بهم لفرطات تفرط من أحدهم، أو تعزى كذبا إليهم، منتهزة للفرص حينا، أو مفتعلة لها في أغلب الأحيان.


(1) أطلق الخليفة سليمان بن عبد الملك من سجون الحجاج في يوم واحد ثمانين ألفا. منهم ثلاثون ألفا بغير ذبن. ومنهم ثلاثون ألف امرأة. (*)

[ 108 ]

كانت الأوامر تصدر من بغداد إلى أرجاء الأمبراطورية التى تدين لبنى العباس. ومنها مصر. أن (لا يقبل علوى ضيعة. ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها. وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد (والرقيق يومذاك قوة العمل) وإن كانت بين العلوى وبين أحد خصومة فلا يقبل قول العلوى. ويقبل قول خصمه بدون بينة) ! وكانوا يسفرون من الأطراف إلى العاصمة ليكونوا تحت الرقابة. بل أمر الرشيد أن يضمن العلويون بعضهم بعضا. وكانوا يعرضون على السلطان كل يوم، فمن غاب عوقب... وكأن " أهل بيت النبي " جالية من العدو أو شرذمة من المشبوهين. * * * ولقد كان يكفى للحيطة أقل القليل من حاكم يريد أن يطمئن. وإنما كان ذلك الكيد سياسة إبادة مستمرة، يشترك في تنفيذها الخلفاء، والأشياع الظلمة، تدفع الثائرين إلى أن يثوروا، فيؤخذوا بثوراتهم، أو يؤخذ غيرهم بجرائر تنسب إليهم، أما سياسة أهل البيت فواضحة من شعار أبناء على في كلمة مسلم بن عقيل (إنا أهل بيت نكره الغدر) قالها عندما عرض عليه البعض قتل عبيد الله بن زياد في إحدى زياراته. فنجا ابن زياد بهذا الشعار ليقتل مسلما فيما بعد. أما شعار حاشية معاوية فكان (إن لله جنودا من عسل) يقصدون دس السم إلى أعدائهم فيه. ولقد طالما استعمل الطغاة السم في أهل البيت في القرون التالية. فإن لم يكن سم في خفاء فالقتل جهرة. ومن الروايات أن أئمة أهل البيت - الاثنى عشر - ماتوا مسمومين ما عدا أمير المؤمنين عليا وأبا الشهداء الحسين - ماتا شهيدين. في أيام الخليفة الهادى (سنة 169) كان أهل بيت النبي في المدينة يستعرضون كل يوم ! لكل واحد منهم كفيل من نسيب أو قريب. بل ولى عليهم واحد من ذرية عمر بن الخطاب هو عبد العزيز بن عبد الله. فولى بدوره على أهل البيت رجلا يقال له عيسى الحائك. فحبسهم الحائك في المقصورة. فثارت لأجلهم المدينة إذ ثاروا، وكسرت السجون

[ 109 ]

وأخرج المسجرنون، وبويع للحسين بن على بن الحسن. فبقى واحدا وعشرين يوما بالمدينة ثم ارتحل الى مكة فأقام بها إلى زمن الحج. وكرر التاريخ نفسه في خروج الحسين ومن معه من أهل المدينة إذ جاءه الإمام موسى الكاظم يستقيله من الخروج معه، كما صنع أبوه مع النفس الزكية (محمد بن عبد الله). قال الكاظم للحسين (أحب أن تجعلني في حل من تخلفي عنك) قال أنت في سعة. قال الكاظم (أنت مقتول... وعند الله عز وجل أحتسبكم من عصبة...). وجهز الهادى جيشا لاقاه حيث استشهد في موقع يقال له (فخ) معه كثير من العلويين. وحملت رأس (الحسين شهيد فخ) الى القائد العباسي بالبشرى ! مع رءوس مائة آخرين. واستعرض القائد الرؤوس بالمدينة فقال الإمام الكاظم عندما عرضوا رأس الحسين (إنا لله وإنا إليه راجعون. مضى والله مسلما. صالحا. صواما قواما آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. ما كان في أهل بيته مثله). وكان مع الحسين يحيى بن عبد الله بن الحسن (أخى محمد وإبراهيم، وأدريس أبناء عبد الله بن الحسن) فلما انتهت المعركة استتر، ثم ظهر، فخرج على الرشيد في بلاد الديلم، ووجه إليه الرشيد جيشا بقيادة الفضل بن برمك حتى استسلم بعهد مكتوب. ومع ذلك استفنى الرشيد العلماء لقتله، فأبى ذلك محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة وصاح: ماذا تصنع لو كان محاربا وولى كان آمنا. لكن الرشيد وجد من علماء السوء من أفتاه بقتله، وكان هو أقدر على النفاق السياسي من مفتيه. أخذ من المفتى ما يملكه، ليصنع هو ما يقدر عليه... فسجن يحيى وضيق عليه الخناق حتى مات في سجنه، كمثل ما سيموت في سجن الرشيد الإمام موسى الكاظم ويشهد الرشيد الناس عليه، ليبرئ نفسه من تهمة اغتياله. أما الأخ الرابع إدريس فأفلت هاربا إلى مصر، ثم إلى المغرب، وقيل دس إليه الرشيد هناك من سمه. فأسس ابنه دولة الأدارسة.

[ 110 ]

وسيموت في حبس الرشيد كذلك عبد الله بن الحسن (الأفطس). قتله جعفر بن برمك وزير الرشيد. وسيموت في حبسه محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن الحسن، و العباس بن محمد بن عبد الله، وكذلك الحسين ابن... عبد الله بن جعفر. (1) وفي عهد المأمون وجه إلى جماعة من آل أبى طالب. فحملوا إليه في مرو عاصمة خراسان وفيهم الإمام على الرضا (بن الكاظم بن الصادق) فخاطبه في أن يكون ولى عهده. فأبى. فتهدده بقوله. (إن عمر جعل الشورى في ستة آخرهم جدك. وقال من خالف فاضربوا عنقه. ولا بد من قبول ذلك) فقبل. وبايع له المأمون والعباس بن المأمون. ثم دعاه المأمون للخطبة فأوجز، وكأنه يتوقع وجازة أيامه. فاكتفى بعد أن حمد الله بقوله (إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله. ولكم علينا حق فإذا أديتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم). لكنه مات بعد قليل في ظروف مبهمة لا يستبعد منها دس السم كما تؤكد الشيعة، فموت على الرضا كان حلا لإشكالات بنى العباس سواء من يحبون المأمون، أو الكارهين للرضا، أو للمأمون ذاته. (2)


(1) وتسمتر عجلات الطغيان في الدوران. وتتوالى مقاتل الطالبين توالى الخلفاء العابسيين - ففى بدء عهد المأمون يقتل بالعراق: الحسن بن الحسين بن زيد عند قنطرة الكوفة مع أبى السرايا. والحسن بن اسحق بن على في وقعة السوس مع أبى السرايا. ومحمد بن الحسن بن الحسين يقتل باليمن في أيام أبى السرايا. وعلى بن عبد الله بن محمد يقتل باليمن في أيام أبى السرايا ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل (وهو ابن طباطبا) الخارج مع أبى السرايا سنة 199 مطالبين بالبيعة (للرضا من آل محمد). وقد انهزموا بجيش هرثمة بن أعين قائد المأمون سنة 200. وقتلى العلويين على يد هذا الجيش كثيرون. * (2) وفي عهد المعتصم خرج محمد بن القاسم... بن على بالطالقان فقبض عليه عبد الله بن طاهر وبعث به إلى الخليفة. وحبس المعتصم عبد الله بن الحسن... بن جعفر حتى مات في مخبئه. فلما جاء الواثق أمن العلويون بضع سنين. إذ جمعوا ثم حبسوا، عن الانطلاق خارج العاصمة سامرا، فتطامنوا وأطمأنت السلطة. ثم هبت عليهم في أيام المتوكل ريح عاتية من جنون الفزع. فلقد أزال قبر الحسين وحرثه حتى لا يزار. وشتت شمل شيعته وفرقهم في النواحى. فمنهم من حبسوا ومنهم من تواروا حتى ماتوا في مهربهم - وتناقل الناس أشعارا منسوبة إلى ابن السكيت عالم النحو الكبير، وكان يعلم ولدى المتوكل. وفي هذه الأشعار: تالله إن كانت أمية قد أتت قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله هذا لعمرك قبره مهدوما = (*)

[ 111 ]

ولا نستطرد للسرد. فليس في تاريخ البشرية، كلها، أسرة شردت وجردت، وذاقت العذاب والاسترهاب، مثل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. بدأ بهم تاريخ الإسلام مجده. واستمر فيهم بعبرته وعظمتها. قدم أبوهم للبشرية أسباب خلاصها بكتاب الله وسنة الرسول. وقدم أهل بيته أرواحهم في سبيل القيم التى نزل بها القرآن وجاءت بها السنة. كانت مصابيحهم تتحطم لكن شعلتهم لا تنطفئ، لتخلد الجهاد والاستشهاد والإرشاد، بالمثل العالي الذى كانوه، والضوء الذى لم تمنع الموانع من انتشاره، وعلم فيه أبناء النبي أمته بعض علومه: أن الاستشهاد حياة، للمستشهدين وللأحياء جميعا.


= أسفوا على ألا يكونوا شاركوا في قتله فتتبعوه رميها ! وربما أراد المتوكل أن يتيقن من صدور هذا الشعر أو من ولاء العالم حين سأله: أيهما أحسن: ولداى (المؤيد والمعتز) أم الحسن والحسين ؟... ولم يرضه جوابه. فأمر بقتله فقتلوه. ولم يلبث المتوكل إلا قليلا حتى قتله ابنه " المنتصر " في مؤامرة ! وإنما كانت فظاعة الجريمة الأخيرة قصاصا عجلت به السماء، لمقتل عالم آثر الصدق. ولم يصلح للعلويين بال إلا أشهرا بعد مصرع المتوكل. ليعود البطش بهم إلى عنفوانه في أيام المستعين. فمنهم من خرج وخرج الناس معه، كيحى بن عمر خرج فقتل. ومنهم من خرج ولم يخرج الناس معه، فحبس ليموت سنة 271. وهو الحسن بن محمد المعروف بالحرون. ومنهم محمد بن جعفر خرج وحبس حتى مات في سامراء ليتتابع سجل الشهداء... (1) نقف عن السرد، عند أبيات لابن الرومي (321 - 384) من جيميته في رثاء يحى بن عمر بعد مقتله إذ خرج على بنى العباس في القرن الرابع من جراء ظلمهم: أمامك فانظر أي نهجيك تنهج طريقان شتى. مستقيم وأعوج أكل أوان للنبى محمد قتيل زكى بالدماء مضرج ؟ بنى المصطفى كم يأكل الناس شلوكم لبلواكمو عما قليل مفرج أبعد المسمى بالحسين شهيد كم تضاء مصابيح السماء فتسرج ؟ أيحى العلاء لهفى لذكراك لهفة يباشر مكواها الفؤاد فينفج لمن تستجد الأرض بعدك زينة فتصبح في أثوابها تتبرج ؟ سلام وريحان وروح ورحمة عليك ومحدود من الظل سجسج الا أيها المستبشرون بيومه أظللت عليكم غمة لا تفرج نظار لكم أن يرجع الحق راجع إلى أهله يوما فتشجوا كما شجوا غررتم إذا صدقتمو أن حالة تدوم لكم. والدهر لونان. أخرج أبى الله إلا أن يطيبوا وتخبثوا وأن يسبقوا بالصالحات ويفلجوا لعل قلوبا قد أطلتم غليلها ستظفر منكم بالشفاء فتثلج (*)

[ 113 ]

الباب الثالث إمام المسلمين أنت يا جعفر فوق ال‍ مدح والمدح عناء جاز حد المدح من قد ولدته الأنبياء (عبد الله بن المبارك)

[ 115 ]

امام المسلمين قامت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة حيث طبق الدين أكمل تطبيق. فلم تكن العاصمة المناسبة لدول ثلاثة أقامها أصحابها من أجل خلافة الدنيا لا خلافة الدين. والمدينة هي المقر الأمثل لأهل بيت الرسول حيث يرتبطون بكل أثر فيها وترتبط بهم المعاني التى خلد بها الإسلام، وانتصر المسلمون. والسنة هي الشجرة المباركة وفروعها. في ثمرها اليانع رحمة ويسر ومعرفة. وفي ظلالها الوارفة مودة وإيلاف وتواصل. ومن هذه العناصر نتج الفكر الرفيع للمجتمع العظمى، يسقى من القران ويحيا به. وبالقرآن والسنة، والفكر الرفيع والفقه المحيط، اعتصم أهل البيت في المدينة. فاختصم وإياهم خلفاء الدول الثلاثة الأموية والمروانية والعباسية، وولاتهم على المدينة. لكنها ظلت مدرسة السنة والفقه. وتتابع فيها أئمة أهل البيت: زين العابدين والباقر، والصادق. والفصل الثاني من الباب الحال مداره مجلس إمام المسلمين جعفر الصادق، وأمثال لما يجرى فيه من أقوال، ومن بشرف بالانتهاء إليه من رجال، ليسوا كسائر الرجال. فهم أئمة الفكر الإسلامي جميعه. من سننن وفقه، وزهد وكلام، وعلوم تطبيقية. منذ القرن الثاني للهجرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

[ 117 ]

الفصل الأول في المدينة المنورة " اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإنه دعاك لمكة. وإنى أدعوك " للمدينة " بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه ". (حديث شريف)

[ 119 ]

في المدينة المنورة ولى مروان بن الحكم إمرة المدينة لمعاوية سنة 42. وكان مروان طلبة الثوار على عثمان. لو تسلموه لما قتلوا الخليفة - كما قيل - وكان مروان يبحث لنفسه في الفتنة عن مكان. ومن أجل ذلك رمى معاوية المدينة به، أو رماه بها، من فور ولايته للسلطة وهو ابن عمه وابن عم عثمان. كان معاوية يصرفه عن الإمرة ثم يعيده. وآثر مروان وأهله الإقامة بالمدينة، في الحالين، على الذهاب إلى دمشق عاصمة بنى أمية، حيث الصدارة لغيره. وحسن صلاته بأهل المدينة. فلما وقعت مجزرة كربلاء كانت عواطفه مع أهل بلدته. ثم أجاءته الرياح إلى حيث نصبه أهله خليفة سنة 64 بعد اعتزال معاوية ابن يزيد. ثم خلف مروان ابنه عبد الملك لتبقى خلافته عشرين عاما من سنة 66 إلى سنة 86. وفي عبد الملك يقول عبد الله بن عمر: إن لمروان ابنا فقيها فاسألوه. لكنه بعد الخلافة صار ظلوما غشوما: أدخل عليه الأسرى ذات يوم فأمر بضرب أعناقهم - دون استجواب ! فقال له رجل من أهل الشام كان يعرفه أيام تنسكه - لقد أقست الخلافة قلبك. وكنت رعوفا ! فأجاب: كلا. ولكن أقساه الضغن بعد الضغن. كان يستنكر ضرب جيوش يزيد بن معاوية للكعبة سنة 63 في حصار مكة، حتى إذا ولى الخلافة ضربها الحجاج له في سنة 73 ! ولما سئل الحسن البصري أن يقول قوله في عبد الملك بن مروان أجاب: ماذا أقول في رجل، الحجاج إحدى سيئاته ! !.

[ 120 ]

ولم يتمهد الملك لابنه الوليد إلا بعد عشرين عاما من حكم عبد الملك. فلقد بويع لابن الزبير بمكة سنة 64 من أهل الحجاز والعراق ومصر، فدارت رحى الحرب، واستمرت بيعة العراق لابن الزبير حتى سنة 71 عندما قتل جند عبد الملك مصعب بن الزبير، وهدموا قصر الخلافة الزبيرية بالكوفة. وفي العام التالى استرجع " المدينة " لعبد الملك طارق ابن عمر، وفي سنة 73 قتل عبد الله بن الزبير، واستسلم للحجاج أهل " مكة ". وفي حياة الإمام جعفر كان على إمرة المدينة أبان بن عثمان حتى سنة 82 حين عزله عبد الملك بهشام بن إسماعيل، الذى ضرب سعيد بن المسيب سنة 85 من جراء رفضه بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وطاف به في المدينة. ثم عزل الوليد هشاما بعمر بن عبد العزيز سنة 87. وعمر زوج أخته وهو زوج أخت عمر. والأربعة حفدة مروان. وأمر الوليد عمر أن يوقف هشاما للناس أمام دار مروان، ولكل عنده مظلمة. فمر الناس به يلمزونه ويغمزونه. فصاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد متكأ. وكان هشام من كثرة ما أساء إلى على بن الحسين (زين العابدين) يقول: ما أخاف إلا من على زين العابدين - فلو أزرى به زين العابدين لحق عليه الدمار من العابدين ومن العامة - لكن زين العابدين ومواليه خاصته مروا به لا يتعرضون له بكلمة. فلما مروا وسلم هشام، صاح: الله يعلم حيث يجعل رسالته. ورد عمر بن عبد العزيز لأهل البيت فدكا. وكان النبي قد أعطاها لفاطمة الزهراء ولم يورثها أبو بكر وعمر لها. فكان اجتهاد عمر بن عبد العزيز خلافا في الفقه مع أبى بكر ومع جده عمر بن الخطاب. ومنع عمر الشعار الأموي الآثم. وهو سب على. وزاد إصافا فاستعاض عنه شعارا تبدو فيه معاني التوبة النصوح والاستغفار من الذنوب،

[ 121 ]

وهو الآية الكريمة (ربنا اغفر لنا. ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان). وكان معاوية قد استحدث نظام القصص ليثنى القصاص على الخلفاء من بنى أمية ويزينوا للناس حالهم. فأمرهم عمر أن يقصروا الثناء (على المؤمنين). وفي عمر يقول أحمد بن حنبل " ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر ابن عبد العزيز " ويخاطبه كثير، وهو من شعراء الشيعة، بقوله: وليت ولم تسبب عليا ولم تخف مريبا ولم تقبل مقالة مجرم وصدقت بالقول الفعال مع الذى أتيت فأمسى راضيا كل مسلم. وفي العام التالى لولاية عمر على المدينة حج الوليد، وبدا له أن يأمر بتوسعة المسجد، لتدخل فيه حجرات أمهات المؤمنين وبيت على، الذى أذن له به النبي، في حين ردم أبواب سائر الصحابة. فتصح الناس الخليفة أن يعود إلى مقر الملك في دمشق ويصدر أوامره منها بتوسيع المساجد عامة في مكة والمدينة وبيت المقدس، وأن يبنى مسجدا بدمشق، وبهذا يتحقق غرضه دون أن يلومه الناس. فرجع الى دمشق وأصدر منها أوامره. وشق الأمر على أهل المدينة وتظاهروا عليه طالبين ترك (الحجرات) كما تركها صاحب الشريعة. فأصر الوليد وأنفذ، لتنفيذ أمره، بعثة من العمال من بلاد الروم. قال حبيب بن عبد الله بن الزبير لعمر (نشدتك الله يا عمر أن تذهب بآية من آيات الله تقول (إن الذين ينادونك من وراء " الحجرات " أكثرهم لا يعقلون)... وطعن في بنى أمية، وبلغ خبره الوليد بدمشق فأمر بجلده. فجلد. ومضى زمن ومات خبيب. فكان عمر يقول كلما بشره بالجنة أحد: (كيف. وخبيب على الطريق !). وفي سنة 91 حج الوليد فزار المسجد، وخطب على منبر الرسول قاعدا في كبرياء. فنفر الفقهاء. وترضى السادات. فاستفز الفقراء.

[ 122 ]

وكان عمر يؤوى، بالمدينة، من يتهددهم بطش الحجاج في العراق لكن الوليد ولى الحجاج على الحج سنة 92، فاستعفاه عمر من مرور الطاغية بمدينة الرسول فقبل ولم يكن عدل عمر مانعا، بل ربما صار مقتضيا، أن يعزله الوليد بعثمان ابن حيان المرى سنة 93، فأنزل الوالى الجديد النكال بالعلماء، ومنهم ناسك المدينة محمد بن المنكدر فقيه بنى تيم قبيلة أبى بكر واخوال جعفر الصادق، وقذف أهل المدينة من فوق المنبر بقوله (أيها الناس إنا وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه). و امتدت يد البطش إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (وجده عمرو عامل الرسول)، فأمر بحلق لحيته لو لا أن عزل الخليفة الجديد (سليمان بن عبد الملك) عثمان بأبى بكر ذاته سنة 96. وبقى أبو بكر أميرا على المدينة حتى سنة 101. واجتمع له القضاء والإمرة عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز. ولما عزله يزيد بن عبد الملك بعد وفاة عمر، بعبد الرحمن بن الضحاك بن قيس عذب الوالى الجديد أبا بكر. فلما عزل عبد الرحمن سنة 104، حاقت البأسا والضراء بعبد الرحمن، حتى صار يلتمس الصدقة من سوء حاله. وفي سنة 106 تولى إبراهيم بن هشام بن إسماعيل - وهو خال الخليفة هشام بن عبد الملك - فبقى إبراهيم واليا إلى سنة 114. ثم عزل بخالد ابن عبد الملك بن الحارث بن أبى العاص، فبقيت له الإمرة حتى سنة 118. وخطب خالد على منبر الرسول، فانتقص أولاد الرسول وأباهم عليا. فقام إليه داود بن قيس فبرك على ركبتيه وقال: كذبت كذبت. حتى حيل بينهما. ثم عزل بمحمد بن هشام بن اسماعيل أخى إبراهيم فبقى حتى سنة 125. وكما ولى محمد وإبراهيم ابنا هشام، لخولتهما لهشام بن عبد الملك، ولى الوليد ابن يزيد إمرة المدينة " خاله " محمد بن يوسف الثقفى. وأمره أن يعذبهما.

[ 123 ]

أن يقيمهما للناس، وأن يبعث بهما إلى والى العراق ليذيقهما الهوان حتى يموتا من العذاب. ففعل. وبقى حتى سنة 126 فعزل بعبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز ليبقى ثلاث سنوات حتى سنة 129، فيحل محله عبد الواحد ابن سليمان بن عبد الملك وفي ولاية عبد الواحد كانت شمس بنى أمية في الغروب 6 لقد طرد الحارث بن سريج عاملهم نصر بن سيار من أقصى الشرق في مرو - وأقبل أبو حمزة " الخارجي " يخرجهم من قلب الإسلام في المدينة سنة 130 بعد وقعة قديد وفيها قتل من أهل المدينة خلق كثير. وهرب عبد الواحد. وسفر إلى أبى حمزة. وهو على أبواب المدينة، السفراء: شيخ بنى هاشم عبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وكان محسوبا مع بنى هاشم لما يجمعه بهم من رحم، وعبد الرحمن بن القاسم ابن محمد بن أبى بكر خال الإمام جعفر، وعبد الله بن عمر بن... عمر، ومعهم ربيعة الرأى شيخ مالك بن أنس، في رجال آخرين. فعامل أبو حمزة الوفد معاملة الخوارج للصحابة: عبس وبسر في وجه الأولين حفيدي على وعثمان. وبشر في وجه الثالث والرابع - حفيدي الشيخين: أبى بكر وعمر. وقال لهما: والله ما جئنا إلا لنسير بسيرة أبويكما. قال شيخ بنى هاشم والله ما جئناك لتفضل بين آبائنا. ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة. وهذا ربيعة يخبرك بها... أقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر ثم خرج لقتال جند الشام فانهزم... * * * ثم جاءت دولة بنى العباس. وتولى إمرة المدينة للسفاح عمه داود بن على فقام فخطب فقال: أيها الناس أغركم الإمهال حتى حسبتموه الإهمال ؟... والسيف مشهر: حتى يبيد قبيلة فقبيلة ويعض كل مثقف بالهام ويقمن ربات الخدور حواسرا يمسحن عرض ذوائب الأيتام لكن الله عاجله بعد ثلاثة أشهر فلقى حتفه - وولى بعده زياد بن عبد الله بن المدان خال السفاح.

[ 124 ]

وأحاط السفاح ببنى أمية: دعاهم، ومنحهم الأمان، حتى إذا اجتمعوا به أعمل رجاله السيوف فيهم. وكانوا نيفا وثمانين رجلا. وفي سنة 133 قتل عما له من أشياعهم ثلاثين ألفا بالشام. واستدعى عبد الله بن على، أخو داود، وقائد جيش الشام، الإمام الأوزاعي أمام الشام ألى عسكره فسأله: ما تقول في بنى أمية ؟ قال: لقد كانت بينك وبينهم عهود. وكان ينبغى أن تفوا بها. قال: ويحك. اجعلني وإياهم لا عهد بيننا. يقول الأوزاعي (فأجهشت نفسي وكرهت القتل. فذكرت مقامي بين يدى الله فقلت (دماؤهم عليك حرام) فانتفخت عيناه وأوداجه وقال: ويحك لم ؟ قلت (قال رسول الله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: ثيب زان ونفس بنفس وتارك دينه. قال: أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوصى لعلى ؟ فسكت... وجعلت أتوقع رأسي يسقط... وقال أخرجوه فخرجت). وروى عبد الله بن على رماحه من الدم بما لم يسمع التاريخ بمثله. حتى أذا ولى أبو جعفر المنصور (136 - 158) - عزل زياد بن عبد الله بن المدان عن المدينة بمحمد بن خالد القسرى. وأمر بحمل زياد بن عبد الله إلى العراق مكبلا بالحديد. ثم عزل محمد بن خالد وولى مكانه رباح بن عثمان بن حيان سنة 141. وهو ابن عم مسلم بن عقبة (الذى يسميه البعض مجرم بن عقبة - فهو قائد الجيش الذى دمر المدينة وارتكب الفظائع في معركة الحرة سنة 63) ففاخر الناس بنقائصه قال أنا الأفعى بن الأفعى أنا ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة المبيد خضراء كم المفنى رجالكم. فوثب عليه الناس فحصبوه بالحصى ورموه بالحجارة. وفي إمرته اقتحم الجند منازل أهل البيت فأخرجوا منها رجالهم إلى السجون. ومرت مواكب أهل البيت في شوارع المدينة وهم في

[ 125 ]

الأصفاد، هزلهم العذاب والأيام الشداد: ثم سيقوا إلى الكوفة، ليودعوا السجن حيث حبسوا - كما يقول المسعودي في مروج الذهب - في سرداب تحت الأرض لا يعرفون الليل من النهار حتى مات أكثرهم، ثم خر عليهم، ليموت تحت أنقاضه الأحياء منهم، ويدفن الذين سبقوهم إلى الموت دون أن يعنى بهم أحد. وبقى رباح حتى خرج محمد بن عبد الله (النفس الزكية) على المنصور وقبض الخارجون على رباح وأدخلوه سجن المدينة هو وأخاه. ولما انتهت الحرب عين المنصور على المدينة عبد الله بن الربيع الحارثى فبقى حتى سنة 147 ثم عزل. فولى مكانه جعفر بن سليمان بن سلميان ابن على بن عبد الله بن عباس، فبقى واليا حتى سنة 149. وهو الذى أمر بضرب مالك بن أنس حتى انخلعت كتفه وطافوا به في المدينة. وفي ولاية جعفر بن سليمان مات الإمام الصادق. * * * بهذه الوجازة العجلى لأمر الولاة في نحو قرن من الحكم الأموي والمرواني والعباسي للمدينة، عاش فيه الإمام الصادق، تتكشف أمور حسبنا أن ننبه على بعضها الآن: 1 - ففى حكم بنى مروان، لم يكن لأهل البيت، بخاصة، مشكلة مع الدولة. وإنما كانت المشكلة لأهل المدينة عامة مع العاصمة. أما خروج زيد بن على زين العابدين سنة 121 وابنه يحيى سنة 125 (1)


(1) ادعى خالد بن عبد الله القسرى ما لا قبل زيد وأبناء الصحابة. فدعاهم الخليفة هشام ابن عبد الملك إلى العاصمة وسألهم فأنكروا مزاعمه. فأعادهم إلى واليه على العراق يوسف بن عمر ليستحلفهم. وقيل إن هشاما لم يرد السلام على زيد فأغلظ له زيد في الكلام. وكان زيد في الذروة من فقهاء العصر - ولما رجعوا إلى الكوفة استحلفهم يوسف فحلفوا. لكنه ابقاهم محبوسين في انتظار رأى هشام. فأمره بإخلاء سبيلهم فخرج زيد من الحبس قاصدا القادسية. واجتمع إليه شيعة الكوفة وطلبوا إليه الخروج على الخليفة وتعهدوا بنصره. فخرج إليهم، فجمعوا له أربعة آلاف رجل ثم انفضوا من حوله. فحارب حرب الأبطال حتى استشهد سنة 121. فكان منهم معه ما كان من آبائهم مع جده أي (فعلوها حسينية) كما قال. ثم خرج ابنه يحيى فقتل سنة 125. (*)

[ 126 ]

فكان في أواخر ايام بنى مروان. وكذلك كان خروج عبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر سنة 127، بعد عامين من استشهاد يحيى بن زيد. ولقد سلم عبد الله نفسه لأبى مسلم الخراساني بعد أن انهزم نصر بن سيار والى خراسان لبنى مروان. فقضى أبو مسلم عليه بعد أن استسلم. بهذا يمكن القول إن زين العابدين وابنه محمدا الباقر عاشا أكثر من نصف قرن في سلام مع السلطة. وبهذا السلام تبوءا الذروة من الاحترام والطمأنينة اللذين يمهدان للعلم أن ينتشر، وللقدوة الصالحة أن يشيع هداها، كالشعاع ينشر النور في المدينة ويحمل الدفء إلى الأفئدة الوافدة من شتى الأقطار. 2 - كان الأمراء على المدينة إما أقرباء للخلفاء في دمشق والأنبار والكوفة، وإما صنائع لهم. لكنهم كانوا - عدا عمر بن عبد العزيز - مستضعفين من الجميع، يعزلون، ويقامون للناس، ليتخذوهم سخريا أو ينكلوا بهم. وفي أواخر أيام بنى مروان سخر الناس منهم علانية، واشتجروا معهم، إذا مسوا أمير المؤمنين عليا بسؤء. وكان عبد الملك قد أوصى عامله على المدينة بقوله (جنبني دماء بنى هاشم فإنى رأيت آل حرب لما تهجموا عليهم لم ينصروا) - وهو الباطش، الذى تولى له بالعراق الحجاج، وبخراسان المهلب بن أبى صفرة، وبمصر هشام بن إسماعيل وابنه عبد الله، وباليمن محمد أخو الحجاج، وبالجزيرة محمد بن مروان (أخو عبد الملك). وكل من هؤلاء ظالم فاتك. ولما سئل عبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أم الحجاج ؟ أجاب (لا أقول أبو مسلم خير من أحد، لكن الحجاج شر منه). 3 - أما في عهد العباسيين - أبناء العمومة - فقد هبت على بنى على ريح صرصر، من الطغيان المدمر، لتنزل بهم وبأحفاد الصحابة والتابعين الفزع الأكبر، كهيئة ما صنع بنو أمية في كربلاء والحرة وطبائع الطغيان واحدة.

[ 127 ]

اهل المدينة: غاضبت دمشق العراق والحجاز أيام صيرها معاوية حاضرة بنى أمية. وتابعته على ذلك دولة بنى مروان. لكن المدينة بلدة طيبة وشعب كريم. وثب أهلها بالأمويين بعد كربلاء ثم تركوهم يجلون عنها، على موثق من أهلها، ألا يدلوا جند يزيد على عوراتها. وجلا الأمويون إلى الشام إلا زوج مروان بن الحكم، عائشة بنت عثمان بن عفان، توجهت إلى الطائف في حماية " على زين العابدين ". والمدينة واحة في قفر، والرزق نزر في الصحارى الساخنة، إلا ما يرد إلى الناس من تجارة أو عطاء، متقطع كسحائب الصحراء، يجرى، ويجف، حسب الشهوات، في دمشق. وأهل البيت تجيئهم حقوقهم في بيت المال أو لا تجئ، لكنهم ينفقون المال خفية وعلانية - ولو كان بهم خصاصة - فعلى زين العابدين مصدر من مصادر الرزق المجهولة للناس، لا يعرف إلا بعد أن يموت، فيتفقد الناس المصدر فيعرفونه. وكذلك أبناؤه، يتزعمهم الباقر. وهو القائل: إن استطعت ألا تقابل أحدا إلا ولك الفضل عليه فافعل. أما ابن عمهم عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فكان وثيق العرى بالخلفاء. سأله يزيد بن معاوية يوما كم عطاؤك ؟ قال ألف ألف درهم. قال يزيد: قد أضعفناها لك. قال ابن جعفر فداك أبى وأمى. وما قلتها لأحد قبلك. فضاعف يزيد عطاءه مرة ثانية. ولما خرج عبد الله من المجلس، قال: جلساء يزيد: تعطى رجلا واحدا أربعة آلاف ألف درهم ! قال: ويحكم إنى أعطيتها أهل المدينة أجمعين. فما يده فيها إلا عارية. والحق أن الفقراء كان لهم في أمواله حق معلوم، فكانوا يستدينون في انتظار ورود عطاء عبد الله بن جعفر من العاصمة.

[ 128 ]

وكان الخلفاء يحجرون على شباب قريش أن يبرحوا الحجاز إلا بإذن فأمسى سجنا واسعا لمن فيه منهم. وازداد أهله انعزالا وارتباطا فتراحموا، وتصاهروا، لتصير المدينة مجتمعا مقطوع القرين، نرى فيه: " سكينة بنت الحسين " يبنى بها " مصعب بن الزبير " ثم يبنى بضرة لها " عائشة بنت طلحة "... أي أطراف يوم الجمل تجتمع في بيت واحد. وإليك أطرافا أخرى في أختها فاطمة: ولدتها أم إسحق بنت طلحة. وتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ويرزقان محمدا. وله بنت من خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير تدعى حفصة. وأم عروة أسماء بنت أبى بكر. فهؤلاء: رسول الله وخمسة من العشرة المبشرين بالجنة على وأبو بكر وعثمان وطلحة والزبير يجتمعون في حفصة ! أما الإمام جعفر الصادق فآية من الآيات. جده لأبيه زين العابدين. وزين العابدين وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبى بكر أولاد خالات ثلاثة. هن بنات كسرى يزد جرد. وأبوه الباقر ولدته لزين العابدين بنت عمه فاطمة بنت الحسن. وأمه أم فروة بنت " القاسم " بن محمد بن أبى بكر. وقد تزوج أمير المؤمنين على أم محمد، أسماء بنت عميس، بعد موت أبى بكر. فصار ربيبه، وترعرع في كنفه حتى شهد معه الجمل. وكان على الرجالة. وشهد معه صفين. وولاه مصر حتى قتلته جيوش معاوية في مصر. وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبى بكر عم القاسم وشقيق عائشة. شهد اليمامة مع خالد. وقتل محكم اليمامة في الحصن فاقتحمه المسلمون. وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم فردها وقال لا أبيع دينى بدنياى. وعبد الرحمن هو القائل وهو يرفض البيعة ليزيد (جعلتموها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل). فجعفر قد ولده النبي عليه الصلاة والسلام مرتين. وعلى مرتين،

[ 129 ]

والصديق مرتين، ليدل بهذا المجد الذى ينفرد به في الدنيا على أنه نسيج وحده. ومن الناحية الأخرى ولده كسرى مرتين. ليدل الدنيا - من أعلى مواقعها - على أن الإسلام للموالي والعرب. فذلك هو الدين الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والذى دافع من أجله عن المساواة بين المسلمين، كافة، أمير المؤمنين على. هكذا وحدت المدينة مجتمعها. ورفعت أبناء الصحابة إلى أعلى مقام. وأهل البيت إلى صدارة المجتمع، يمدون أنسابهم إلى هاماته وأسبابهم إلى طبقاته. وذات يوم أصهر الحجاج إلى عبد الله بن جعفر في بنته أم كلثوم. فأبرد إليه الخليفة عبد الملك ليسوغ أباها المهر ويعجل طلاقها، لأنه تجاوز قدره. وهى حجة ظاهرة، قد تخفى حجة حقيقية، إذا كان يخشى أن يمد الحجاج بسبب إلى أسرة قد يشمله هداها، أو يأسره الإخلاص لها، أو يبعده عن أن يكون - بجمعه - لعبد الملك، وبقسوته على من عداه. * * * لكن العلم ظل الخصيصة الكبرى " للمدينة ". ففيها وضعت القواعد العامة لتطبيق المبادئ الإلهية التى بعثت بها السماء آخر رسلها لإصلاح البشر. ووضعت أسس الدولة ومبادئ الجماعة وانتشر الدين، في القارات الثلاثة المعروفة. لتقدم الحضارة الإسلامية، سياسة وإدارة، وتشريعا، دوليا ومدنيا وجنائيا، واقتصاديا، وقواعد علمية، وعلوما تطبيقية ورياضية، لم تشهدها القرون قبل. وستبنى عليها الحضارات جميعا. فتكون مجازا للبشرية من جهالات القرون الأولى، إلى حضارات العصور الحديثة العلمية والاقتصادية والتشريعية والاجتماعية. ولما انقضى عهد الرسالة والراشدين الأربعة، تابعت عاصمة الإسلام، وإن لم تعد عاصمة الدولة، رسالتها بالفقه. وهو في الحضارة

[ 130 ]

الإسلامية كحجارة الأساس في البنيان: أن كانت منه قواعد الفكر الإسلامي كافة، وكانت الحرية الفكرية لحمته وسداه، والفضيلة الإنسانية مبدأه ومنتهاه. وفيه صلاح الناس، والتخفيف عليهم، وفتح أبواب الرجاء لهم، وتمكينهم من التطور لملاحقة حاجات الأعصر، بأداته " الديناميكية " - المحركة - نحو التقدم، وهى اجتهاد الرأى. وفي أهل البيت كان النبي مدينة العلم وعلى بابها، وريحانتا الرسول من الدنيا الإمام " الحسن " والإمام " الحسين " يمثلون الجيل الأول. وفي الجيل الثاني كان السجاد - من كثرة السجود - أو زين العابدين - من كمال عبادته - وابناه الإمام الباقر وزيد. وكان لزيد مذهبه. أما الجيل الثالث من القرون المفضلة فقد تراءى فيه للمسلمين جعفر ابن محمد، الصادق، بدر تمام، لجيل كان ختام أجيال. وأما من عدا أهل البيت فقد نهض عنهم الصحابة وأبناؤهم وأحفادهم بعبء العلم نهضة جديرة بدين يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. فاشتهرت بينهم أما المؤمنين عائشة وأم سلمة، وزينب بنت أبى سلمة. والعبادلة الأربعة أبناء العباس، وعمر، والزبير وعمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن أبى بكر، وبنته حفصة وعروة بن الزبير ابن أخت عائشة، وابن أخيها القاسم بن محمد بن أبى بكر، وراويتها عمرة بنت عبد الرحمن، وهؤلاء الثلاثة أعلم الناس بحديث عائشة، وسالم بن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار، وتعلم عليهم جيل جديد: فيه محمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن المنكدر، ومحمد وعبد الله ابنا أبى بكر بن حزم، وربيعة الرأى، وهؤلاء مشيخة مالك بن أنس. ومالك يعاصر في النصف الثاني من القرن الثاني نهاية الأجيال المفضلة.

[ 131 ]

ثم هو شيخ المدرسة التى نجب فيها محمد بن إدريس الشافعي وتلميذه أحمد بن حنبل. ولقد طالما زاحم التلاميذ أشياخهم في العلم وإن لم يزاحموهم في مكانتهم عند الله والناس. * * * ومن المدينة انطلق الفقه لإسلامي إلى العراق، حيث أقام عبد الله بن مسعود زمانا معلما ووزيرا كما سماه عمر، وتعلم عليه تلاميذه وتلاميذ على، كعبيدة، وعلقمة، والحارث. وعن طريق علقمة تعلمت مدرسة النخعيين يتقدمها الأسود وعبد الرحمن، ويتوسط عقدها إبراهيم ابن يزيد شيخ حماد بن أبى سليمان. وفي حلقة حماد بالكوفة قضى أبو حنيفة عشرين عاما يتعلم، ليصبح علما على مدرسة الرأى والقياس الذى قعد قواعده الشافعي فانتشر في كل فروع العلم الإسلامي. وهوى أبى حنيفة مع أبناء على معروف وصلة فكره بزعماء أهل البيت واضحة، وإن مذهبه ليقارب المذهب الزيدى أكثر مما يقارب المذهب الحنفي غيره من مذاهب أهل السنة كما قيل. ولقد استشهد زيد - بن زين العابدين - سنة 121. وفي ذلك العهد جلس أبو حنيفة مجلس حماد بن أبى سليمان بعد وفاته. وشرع يدون بعض مذهبه وكثيرا من الفروع. ثم مكن أبو يوسف للمذهب بتولية زملائه القضاء، ليلزموا الناس به، ثم نشره محمد بن الحسن بتدوينه في كتبه الشهيرة. وتدوين الفقه في كتاب " المجموع " قد سبق به زيد مدرسة أبى حنيفة. ولعل أبا حنيفة تعلم تدوين الفقه عليه - بل إن الجميع قد قلدوا فيه صنيع أهل البيت أنفسهم. ولديهم الكتب فيها العلم، أحاديث وفقها، يتعلمونه كابرا عن كابر.

[ 132 ]

فالحجاز والعراق قد تضامنا في إنتاج الفقه. لتتابعهما بعد ذلك شتى الحواضر، في الفسطاط ودمشق وقرطبة والقيروان، وفي المغرب وفي المشرق، وفي الإندلس، ووسط آسيا. وظاهر من هذا التأريخ أمور: 1 - أن المذاهب الفقهية جميعا بما فيها المذاهب الباقية إلى اليوم لأهل السنة، يتصدرها في الظهور مذهب أهل البيت على يد زيد بن على زين العابدين. وكذلك يسبق " المذهب الزيدى " مذهب الإمام جعفر الصادق، الذى تبعه الأئمة من نسله، وصار يسمى مذهب (الإمامية). فالصادق، صار إماما بموت أبيه الباقر في العقد الثاني من المائة الثانية، ثم كانت وفاته بعد استشهاد عمه زيد سنة 121 بسبعة وعشرين عاما سنة 148. أما أبو حنيفة فمات في سجن أبى جعفر المنصور سنة 150. وأما مالك فمات بعد أبى حنيفة بتسعة وعشرين عاما سنة 179. و الشافعي مات بعد أبى حنيفة بأربعة وخمسين عاما سنة 204. ولحق بهم ابن حنبل سنة 241. وأصحاب المذاهب الأخرى بين معاصرين لهم أولا حقين. 2 - أن الإمام (جعفر) كما سنرى، ينهى عن استعمال القياس كمثل ما يرفضه فقهاء المدينة عموما والمحدثون خصوصا. وهم زعماء الفقه في المائة الأولى. وسنرى بعد أن نهى " الصادق " عن القياس لا يعارض الاجتهاد، بل إنه ليأمر به، ويبلغ بمنهاجه في الاجتهاد ما يبلغه سواه. وسنرى أن منهاجه في الاعتبار والاستخلاص هو منهج الفكر الإسلامي، نقله عنه الفكر العالمي. 3 - أن البيئة التى عاش فيها أهل البيت ستين عاما بعد مجزرة كربلاء، كانت منجبة، بظهور العلم والعلماء من الرجال والنساء. فشاركت المرأة في العلم من عهد أمهات المؤمنين. ووجدت الفقيهات في جيل التابعين وتابعي التابعين من أهل السنة، فتصدرت نساء أهل البيت.

[ 133 ]

سكينة بنت الحسين (171) رضى الله عنهما. وكانت برزة، تساجل فحول الشعراء، بل الفقهاء. وهى بهذه المساجلات إمام في استعمال الحرية الشخصية والفكرية (1) تعلم المسلمين والمسلمات، أن المرأة نصف الناس، وأن إظهار مواهبها، وصقلها وتنميتها، خير للنصف الذى هو المرأة، وخير للنصف الآخر. ومن المساواة بينهما تقررت للمرأة حقوقها كاملة، وسلم لها بالحرية الفكرية التى قد تفهم من كلمات الإمام على بن أبى طالب يوم لقى عائشة، في إثر انتصاره يوم الجمل، فقال لها: غفر الله لك. قالت: ولك.. وما استغفر لها إلا لخطأ منها في الاجتهاد رآه. وإذا كان النصفان يجتهدان ويجاهدان، فالأمة كلها في حالة تقدم، أو محاولة تقدم - والاجتهاد في ذاته تقدم - بالعلم أو السعي إليه. وهو بعض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وبهما وبالتقوى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). 4 - وفي الهدأة الوقور في هذه البيئة ازدهر العلم. على النحو الذى كان حريا بالمدينة، وبأهل البيت، من حفظ لحديث الرسول وتريث


(1) زارها الفرزدق بالمدينة. فقالت له: من أشعر الناس ؟ قال أنا. قالت: بل جرير حيث يقول.. فعاد لها في اغداة بشعر جديد يسوع له قصب السبق. قالت بل جرير حيث يقول... وكذلك صنعت في اليوم الثالث إذ عاد بجديد. ووقفت يوما على عروة بن أذينة شيخ مالك بن أنس فقالت له: أنت الذى يقال له الرجل الصالح وأنت تقول: إذا وجدت أوار الحب في كبدي عمدت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقد فال نعم. قالت: وأنت القائل: قالت وابثثتها وجدى وبحت به قد كنت عندي تحب الستر فاستتر ألست تبصره من حولي ؟ فقلت لها غطى هواك وما ألقى على بصرى قال نعم: فالتفتت إلى جوار، كن حولها، وقالت: هن حرائر إذا كان خرج هذا من قلب سليم قط ! (*)

[ 134 ]

في النظر والمناظرة، وتلبث في إبداء الآراء، لما فيها من شبهة المخاطرة، وصدق في خدمة حديث النبي بالعمل به وتعليم الناس إياه. وإنما اشتعلت الثورات، وشققت الفلسفات، في العراق. ففيها تعاقبت ثورات التوابين، والخوارج، والخارجين - كابن الزبير وابن الأشعث والآخرين - ومن غليان المراجل هنا لك أحدثت المبادئ الهدامة أو الغواء أو الخصومات آثارها، كمثل ما نسب إلى عبد الله بن سبأ أو غيره من عقائد الغلاة الذين تبرأ منهم الشيعة، كما تبرأ الإمام على ممن ألهوه، فحرقهم بالنار. لكن آراء الغلاة وأعداء الاسلام لم تكن تكاد تفد على المدينة حتى تخرج منها واهنة أو محطمة. ففى جوها النقى، تفتحت أبواب بيت النبي، وتخرج في علومها الأئمة. (زين العابدين) 38 - 94 تعاظم بيت زين العابدين في عدد أفراده يوما بعد يوم، وقدم " السجاد " لنا ابنه " الباقر "، ثم قدم الباقر ابنه " الصادق ". فكانوا مثلا عليا في العزوف عن السلطة والانصراف إلى تعليم الناس العلم الصحيح والعمل الصالح والأسوة الحسنة. روى عن جابر بن عبد الله وابن عمر إلى جوار روايته علم أهل البيت وحديثهم عن أبيه الحسين وأم المؤمنين أم سلمة. وسمع ابن عباس. ليروى عنه فيما بعد ابناه عبد الله والباقر وخلق كثير. ورأى بعينى المريض العاجز عن الاستشهاد، مصاير أبيه العظيم، وإخوته وأعمامه وأولادهم يوم كربلاء.

[ 135 ]

وتجلت فيه الفضائل المنبثقة من الورع والرحمة: يصلى لله في اليوم والليلة ألف ركعة. لهذا سمعي " السجاد ". إذا توضأ اصفر لونه وإذا قام أرعد من الفرق. ولما سألوه قال: أتدرون من أريد أن أقف بين يديه ومن أناجي ؟ ومع تألق عبد الله بن جعفر بالمدينة، وهو الصحابي الذى يحرص الخلفاء في دمشق على مرضاته، وتفريق عبد الله عطاءه الجزل في فقراء المدينة، واستشهاد ابنين له يوم الحرة، وثالث في كربلاء، ومع أنه زوج زينب بنت على، عمة زين العابدين، مع هذا كله كان زين العابدين يحتل مكانه في الصدارة، ويحمل وصفه بجدارة. وفي ذلك نص يروى عن مالك بن أنس قال: (سمى زين العابدين لعبادته). علمته المحنة والورع الحكمة وحسن الخطاب، فكان في باكورة حياته على علم عظم. قال له يزيد يوم أدخل عليه - مريضا - مع نساء أهل البيت الناجيات من كربلاء - أبوك الذى قطع رحمى وجهل حقى ونازعني سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت. قال زين العابدين (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) قال يزيد: (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم). قال زين العابدين: (هذا في حق من ظلم لا من ظلم) (1) تتابع على الكذب ولاة الشام والأمصار من عهد معاوية يشتمون


(1) ولما جئ بزين العابدين في أسرى كربلاء أقيم على درج دمشق. فقال له رجل من أهل الشام: الحمد لله الذى قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة. قال زين العابدين: قرأت القرآن ؟ قال الرجل: نعم. قال: قرأت ال‍... حم ؟ قال الرجل نعم. قال: أما قرأت (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قال الرجل: فإنكم إياهم ؟ قال نعم. ويقصد الإمام الآية 23 من سورة الشورى (ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات. قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) وأول آيات سورة الشورى (حم). (*)

[ 136 ]

عليا بأمر بنى أمية، فكان يبقى من كذبهم شئ في عقول العامة، أو الصبية، الذين لا يعلمون. كان عبيد الله بن مسعود من فقهاء المدينة السبعة. وكان معلم عمر ابن عبد العزيز وهو صبى أودعه أبوه أخواله - بنى عدى قوم عمر ابن الخطاب - بالمدينة. فسمع يوما شتم على. فقال لعمر. يا بنى. متى علمت أن الله غضب على أهل بدر ؟ قال الصبى: وهل كان على في بدر ؟ قال عبيد الله: وهل كانت بدر كلها إلا لعلى ! فلما ولى عمر الخلافة أبطل شتم أهل البيت. ورد إليهم حقوقهم. وقال رجل من أنصار الأمويين بالشام: دخلت المدينة فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا ثوبا ولا سمتا ولا دابة منه. فسألت فقيل هذا على بن الحسين بن على. فأتيته - وقد امتلأ قلبى له بغضا - فقلت له: أنت ابن على بن أبى طالب ؟ قال: أنا ابن ابنه. فقلت: بك وبأبيك أسب عليا. فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا ؟. مل بنا إلى الدار فان احتجت منزلا أنزلناك. أو إلى مال واسيناك. أو إلى حاجة عاوناك على قضائها. فانصرفت من عنده، وما على الأرض أحد أحب إلى منه. ويروى أنه احترق البيت الذى هو فيه وهو قائم يصلى. فلما انصرف (من الصلاة) قيل له ما بالك لم تنصرف حين اشتعلت النار ؟ قال: اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى. وأنه لما حج وأراد أن يلى أرعد. واصفر وخر مغشيا عليه. فلما أفاق سئل فقال: إنى لأخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك - فشجعوه حتى لبى. فغشى عليه حتى خر عن راحلته.. وكان يرحل من المدينة إلى مكة فلا يقرع راحلته مرة واحدة ! * * * يقول الأصمعى (لم يكن للحسين رضى الله عنه عقب إلا من ابنه زين العابدين. ولم يكن لزين العابدين نسل إلا من ابنة عمه الحسن، فجميع الحسينيين من نسله).

[ 137 ]

أما أكبر صدقته فبالليل. يقول: (صدقة الليل تطفئ غضب الرب). ومع عظم مكانه كان أذا دخل المسجد تخطى الرقاب حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، إذا كان هنالك. فيقول له نافع بن جبير بن مطعم: أنت سيد الناس. تأتى تتخطى خلق الله وأهل العلم من قريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود ؟ فيجيب (إنما يجلس الرجل حيث ينتفع. وإن العلم يطلب حيث كان). ولقد كان يريد أن يجلس إلى سعيد بن جبير وقيل له ماذا تصنع بلقاء سعيد ؟ فأجاب (أريد أن أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها) (1) وزين العابدين لا ينسى أن النبي أمر زيد بن حارثة - وكان مولى النبي - على جعفر بن أبى طالب وجعل له القيادة، فإن قتل كانت لجعفر، فإن قتل كانت للصحابي عبد الله بن رواحة. وزين العابدين بهذا يضع السوابق لأهل البيت ليتعلموا العلم المقارن من فقه المسلمين كافة. ولذلك سيجلس ابنه الباقر إلى نافع مولى ابن عمر. وسيجلس حفيده الصادق إلى عكرمة (103) مولى ابن عباس وإلى عطاء بن أبى رباح (114) مولى قريش، يجلس في المسجد الحرام مجلس ابن عباس. كما يجلس الصادق إلى عبد الله بن أبى رافع مولى أمير المؤمنين على.


(1) وهو بهذا يعلم الجميع أن العلم شرف يسمى إليه الشرفاء. ولو كانوا قمة الشرف. والنبى رسالته التعليم. ومن ذلك كان تنافس أبناء الصحابة على أن يتعلموا العلم وأن يعلموه وكانت المشقة واقتحام المخاطر والفلوات لتحصيله وإنفاقه في الناس. يستوى في ذلك من لا مال عنده كابن حنبل ومن عنده الأموال كيحيى بن معين، كان عنده مليون درهم أنفقها في تحصيل الحديث. أو كابن حزم، قال له أبو الوليد الباجى - عالم المالكية: أنا أعظم منك همة في طلب العلم. أنت طلبته وأنت تعان عليه. تسهر بمشكاة الذهب. وأنا طلبته و وأنا أسهر بقنديل السوق. وأجابه ابن حزم: أنت طلبته في حال فاقة تريد تبديلها لمثل حالى. وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته. لا أرجو إلا علو القدر في الدنيا والآخرة.. (*)

[ 138 ]

فإذا جلس زين العابدين في المسجد جلس بين القبر والمنبر، وانعقدت حلقة كحلقة. أبيه في روضة كرياض الجنة، يقول عنها القائل (إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبى عبد الله مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه). ولقد يتحدث مع سليمان بن يسار (107) مولى أم المؤمنين ميمونة إلى ارتفاع الضحى. فإذا أرادا أن يقوما قرأ عليهما عبد الله بن أبى سلمة سورة، فإذا فرغ عبد الله من التلاوة دعوا الله سبحانه. ولقد يدخل ابن شهاب الزهري (124) وصحبه فيسأله فيم كنتم ؟ فيجيبه أنهم كانوا يتذاكرون الصوم وأنهم لم يروه واجبا إلا في رمضان فيقول السجاد: الصوم على أربعين وجها. ثم يشرحها له وجها وجها. فمنها ما يجب. ومنها ما هو بالخيار أو الأباحة. إلخ. وفي علمه يقول محمد بن سعد. صاحب الطبقات (كان زين العابدين ثقة مأمونا كثير الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. عالما. ولم يكن من أهل البيت مثله) ويقول الزهري (ما رأيت أفقه من زين العابدين لولا أنه قليل الحديث). وهذه الشهادة بالفقه من شيخ مالك بن أنس تعلن رأى جيل التابعين. بل إن الزهري يعلن مكانة زين العابدين بين كال الأحياء بقوله (ما رأيت قرشيا أفضل منه). قصد إليه يوما، ونفسه تكاد تبسل من ذنب ألم به. فرده الإمام إلى صميم الإسلام قال (قنوطك من رحمة الله التى وسعت كل شئ أعظم من ذنبك). والشافعي الذى يقول في ابن شهاب الزهري (لو لا الزهري لذهبت السنن من المدينة) يضع زين العابدين في أعلى مكان. فيعده أعلم أهل المدينة. كان كثير البكاء من يوم كربلاء. فقيل له قى ذلك فقال (إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه من الحزن على يوسف - ولم يتحقق

[ 139 ]

موت يوسف - وقد رأيت بضعة عشر رجلا من أهلى يذبحون في غداة واحدة). وربما فسر لنا هذا المقال بعض أسباب انصرافه إلى تعليم المسلمين دينهم، لصلاح دنياهم، وإجماع المسلمين على إجلاله. (1) وفي سنة 94 سنة الفقهاء، مات جمع من فقهاء المدينة، عروة ابن الزبير، والسعيدان: ابن جبير وابن المسيب. وأبو بكر بن عبد الرحمن. وارتفعت فيها أو في سنة 95 روح زين العابدين إلى الرفيق الأعلى. مخلفا أربعة عشر ولدا منهم عشرة رجال كبيرهم محمد، أبو جعفر، المكنى بالباقر وفيهم زيد بن على.


(1) حج هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه - فرأى رجلا ينجفل الناس إليه، ويفسحون في الطواف له، في حين لا يحفل الناس بابن الخليفة، فسأل من هذا ؟ وسمع الفرزدق السؤال. فأنشد ميميمته الطويلة المشهورة في الأدب العربي ومما جاء فيها: هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقى النقى الطاهر العلم هذا الذى تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهى الكرم ينمى إلى ذروة العز التى قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم يغضى حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قد را وعظمه جرى بذاك له في لوحه القلم وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم ما قال " لا " قط إلا في تشهده لو لا التشهد كانت لاؤه نعم من معشر حبهم دين. وبغضهم كفر. وقربهم منجى ومعتصم من يعرف الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم وغضب هشام وأرسل زين العابدين للفرزدق أربعة آلاف درهم، ردها الفرزدق قائلا: إنما مدحتك بما أنت أهله. وردها الإمام قائلا: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده. (*)

[ 140 ]

(الباقر) 57 - 114 انصرف الإمام محمد الباقر للعلم بكله. فهذا أول دروس أبيه له. بقر العلم أي تبحر فيه. فسمى الباقر. روى علم أبيه وجديه الحسين والحسن وجد أبيه - على - وجادل عبد الله بن عباس. وعنه روى بقايا الصحابة والتابعين. وكان يقصد الحسن البصري ونافعا مولى ابن عمر. سأل سائل عبد الله بن عمر في مسجد الرسول فأشار إلى حيث يجلس الباقر وقال (اذهب إلى هذا الغلام وسله وأعلمنى عما يجيبك) فلما عاد إليه بالجواب قال (إنهم أهل بيت مفهمون) وروى عنه الفطاحل: أخوه زيد وابنه جعفر الصادق. ثم الأوزاعي إمام الشام. وابن جريج إمام مكة. وأبو حنيفة. و عبد الله بن أبى بكر ابن حزم شيخ مالك إمام المدينة. وحجاج بن أرطاة (145) ومكحول ابن راشد. وعمرو بن دينار (115). ويحيى بن كثير (129). والزهرى (124)، وربيعة الرأى (136). شيخا مالك. والأعمش (148) والقاسم بن محمد بن أبى بكر (106) وابان بن تغلب (141) وجابر الجعفي (128) وزرارة بن أعين (150) والثلاثة الأخيرون من كبار علماء الشيعة ورواة ابنه جعفر الصادق. يقول محمد بن المنكدر - شيخ مالك بن أنس - في الباقر (ما كنت أرى أن مثل على بن الحسين يدع خلفا يقاربه في الفضل حتى رأيت ابنه محمدا الباقر).

[ 141 ]

وما هو في سجاياه إلا خليفة " السجاد " يطوف بالبيت فيركع، ويسجد، فإذا مكان سجوده قد بلله الدمع.. يقول عنه الحسن البصري: (ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء). عايش الباقر أباه زمانا طويلا. ولم يمتحن محنة أبيه في كربلاء، أو محنة أخيه زيد أذ أخرجه أهل الكوفة وخذلوه، ولم تعتور حياته الامتحانات المتعاقبة التى اعتورت حياة ابنه - الإمام الصادق - أو خلافات بنى عمومته - أبناء الحسن - أو الإرهاب الفكري أو الفعلى من الخليفة المنصور. فأتيح للباقر أن يبلور اتجاه أهل البيت - من نسل الحسين - إلى العلم والتعليم، ويبرز فيه العناية بفقه العبادات والمعاملات. وكثر ترديد اسمه مصاحبا لاسم ابنه الإمام الصادق في كتب الفقه الشيعي. وإليه يرجع أصحاب الكلام في العقائد الشيعية، كثير من الفقه المستنبط من القرآن والسنة. روى عنه جابر الجعفي أكثر من خمسين ألف حديث وروى عنه محمد بن مسلم ثلاثين ألفا. وكان عبد الملك بن مروان يعرف له حقه، وهو في صدر شبابه، في حياة أبيه إليك أمثالا لفكره في السياسة والفقه والتفسير: - روى الكسائي: دخلت على الرشيد فقال: هل علمت أول من سن الكتابة على الذهب والفضة ؟ قلت عبد الملك بن مروان. قال ما السبب ؟ قلت لا أعرف: قال: كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر على دينهم. وكانت تطرز (أبا وابنا وروحا) وتخرج من مصر تدور في الآفاق. فأمر عبد العزيز - وكان عامله على مصر - بإبطال ذلك. وإن تطرز بصورة التوحيد. مشهدا الله ألا إله إلا هو.. فلما وصلت القراطيس إلى ملك الروم كتب إلى عبد الملك إن لم يرد هذا الطراز على ما كان عليه فسينقش على القراطيس شتم النبي. فاستشار عبد الملك، فلم يجد عند أحد رأيا، فاستشار الباقر.

[ 142 ]

فقال له: لا يعظم عليك هذا الأمر من جهتين. الأولى: أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم. والثانية أن تتهدد من يتعامل بغير دنانيرك فلما علم ملك الروم أن دنانيره سيبطل التعامل بها إن حوت شتما، كف عما تهد به. - وفي الاحتكار ورفع الأسعار يقول في مسجد الرسول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " أيما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا، يريد غلاء المسلمين، ثم باعه فتصدق بثمنه، لم يكن كفارة لما صنع ". - واليمين عند الشيعة لا تنعقد إلا قسما بالله وأسمائه الحسنى وصفاته الدالة عليه صراحة، فمن حلف بغيرها لا يحنث إذا لم يفعل. سئل الباقر عن قوله تعالى (والليل إذا يغشى) (والنجم إذا هوى) وما إلى ذلك فأجاب: إن لله عز وجل أن يقسم بما شاء من خلقه وليس لخلقه أن يقسموا إلا به. - وسئل: أبا الناس حاجة إلى الإمام ؟ فأجاب: أجل. ليرفع العذاب عن أهل الأرض. وذكر قوله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). تعاقب على الخلافة في حياة الباقر أربعة من أبناء عبد الملك وزوج ابنته عمر بن عبد العزيز - خامس الراشدين في مدة خلافته - وكان عمر يتردد على الامام الباقر يستنصحه. والباقر يوصيه بالمسلمين أجمعين - فيقول له بين ما يقول (أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا. وأوسطهم أخا. وأكبرهم أبا. فارحم ولدك. وصل أخاك. وبر والدك. فإذا صنعت معروفا فربه) أي تعهده. وكان نشر التشيع لأهل البيت همه. قال سعد الإسكافي: قلت لأبى جعفر الباقر (انى أجلس فأقص وأذكر حقكم وفضائلكم) قال: (وددت لو أن على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك).

[ 143 ]

وحج هشام بن عبد الملك في أيام ملك (105 - 125) فرأى الباقر بالمسجد يعلم الناس في مهابة وجلال، تعاليم الإسلام وآدابه وفرائضه وأحكامه والناس خشع في مجلسه. وغلبت هشاما غريزة المعاجزة لأهل البيت. فبعث إليه من يسأله: ما طعام الناس وشرابهم يوم المحشر ؟ وأجابه الباقر بآيات الكتاب الكريم. واستطرد في تعليمه وتعليم من أرسله. وسمعه الحجيج - عامئذ - يقول للناس (الحمد لله بعث محمدا بالحق نبيا. وأكرمنا به. فنحن صفوة الناس من خلقه وخيرته من عباده وخلفائه. فالسعيد من تبعنا. والشقى من عادانا). ورجع هشام إلى عاصمة.. فأرسل في دعوة الباقر، وابنه الصادق، إلى قصبة الملك في دمشق. يقول الصادق: (فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثا. ثم أدخلنا في اليوم الرابع).. وكأنما أراد هشام أن يظهرهما على أنه إذا لم تكن له مكانة في جوار البيت العتيق ومسجد الرسول أو كانت الكرامة كلها، في الحج الأكبر، لأهل البيت، فإن له بيتا في دمشق وحجابا ومواعيد. * * * والباقر، كالأئمة من أبنائه، يفضلون عليا على سائر الصحابة. لكنهم لا يبرءون من الشيخين: يقول لجابر الجعفي (يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر رضى الله عنهما. ويزعمون أنى أمرتهم بذلك. فأبلغهم أنى إلى الله منهم برئ. والذى نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم. لا نالتنى شفاعة محمد أبدا إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما). وهو لا يترحم عليهما فحسب. ولكنه يأمر تلميذه بأن يتولاهما. وأن ببرأ من أعدائهما. يقول لتلميذه سالم (يا سالم. تولهما. وابرأ من عدوهما. فإنهما كانا إمامى هدى رضى الله عنهما). بل إنه يتخذ عمل أبى بكر حجة

[ 144 ]

في الفقه: سئل عن حلية السيف فجوزها، قال (لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق رضى الله عنه سيفه). قال السائل: وتقول الصديق ؟ فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال (نعم الصديق. فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة).. وفي سنة 114 اختاره الله إلى جواره لتبدأ إمامة ابنه جعفر الصادق.

[ 145 ]

الفصل الثاني إمام المسلمين (إن الله أراد منا شيئا. فما أراده بنا طواه عنا. وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا). (الإمام الصادق)

[ 147 ]

إمام المسلمين ولد الإمام الصادق في السابع عشر من ربيع الأول سنة 82 على قول، أو غرة رجب. وفي أقوال أخرى أنه ولد سنة 80 أو سنة 83. وتتابع بعده أبناء الباقر، ولهذا يكنى الباقر أبا جعفر. أما أخوه الشقيق فعبد الله. وأما أولاد الصادق فإسماعيل وعبد الله - وبه يكنى أبا عبد الله - وأم فروة من زوجته فاطمة بنت الحسين.. بن الحسين بن على، وموسى (الكاظم) واسحق ومحمد. وأمهم أم ولد، تدعى حميدة. والعباس وعلى وأسماء من أمهات متفرقات. واسم جعفر في بيت زين العابدين مذكر بأول الشهداء من بيت أبى طالب. فعلى هو الثاني فيه. والحسين هو الثالث. أما الأول فجعفر بن أبى طالب قائد جيش مؤتة وشهيدها، الطيار في الجنة، وذو الجناحين. كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكما روى البخاري ومسلم: قال له رسول الله (أنت أشبهت خلقي وخلقي). وهو أول زوج لأسماء بنت عميس (1) جدة أم فروة أم: جعفر الصادق. ولقد مر بنا كيف ولده رسول الله مرتين، وعلى مرتين، والصديق مرتين، ليدل التاريخ على أنه نسيج وحده. وإن كسرى يزد جرد ملك الفرس قد ولده مرتين. ليدل على أن الإسلام للموالي والعرب.


(1) يقال عن أمها " هند " أكرم الناس أحماء: أما أسماء فزوج جعفر ولها منه عبد الله. وزوج أبى بكر ولها منه محمد. وزوج على ولها منه يحيى. أما أخواتها فميمونة أم المؤمنين ولبابة زوج العباس عم النبي. وجدة خلفاء الدولة العباسية. وسلمى زوج حمزة بطل أحد وشهيدها وعم النبي. وأم الفضل الكبرى (أخت أسماء لأمها) أم خالد بن الوليد. وهكذا تتصل بأسماء بنت عميس أسماء هي أحرف الهجاء في تاريخ الإسلام: النبي وعمية وابنى عمه والصديق وسيف الإسلام خالد. (*)

[ 148 ]

فالباقر - وهو من هو - أكفأ الناس لأم فروة (1) المنحدرة من صلب أبى بكر أول الخلفاء الراشدين، والقاسم بن محمد (2) الذى يرشحه للخلافة عمر بن عبد العزيز - خامس الخلفاء الراشدين. وكأنما سلم الباقر ابنه شعار حياته في مقولتين صيرتاه ربانيا من كل وجه. الأولى (شيعتنا من أطاع الله) والثانية (إن الله خبأ رضاه في طاعته. فلا تحقرن من الطاعات شيئا فلعل رضاه فيه. وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من معصية شيئا فلعل سنحطه فيه وخبأ أولياءه في خلقه. فلا تحقرن أحدا فلعله ذلك الولى). تلقى الصادق من أبيه كل ما وعاه قلبه وقرأ كل ما حوته كتبه. واستمع إلى علماء العصر. وانتفع بعلوم جده لأمه القاسم بن محمد بن أبى بكر (106) وكان مثلا عاليا للأمة وواحدا من الأعمدة السبعة المسمين " علماء المدينة السبعة ". (3) يعلن عمر بن عبد العزيز أنه " لولا خوف الفتنة من بنى أمية لا ستخلفه على الأمة " ويوصى عمر عماله أن يكتبوا السنن من عنده. فهذا رجل له ورع عمر بن عبد العزيز، وعنده كل علم المدينة، وإنه ليستطيع أن يقول - من صلة على الوثقى بأبيه محمد بن أبى بكر - إنه أوثق أهل


(1) حجت أم فروة متنكرة فاستلمت الحجر بيدها اليسرى فقال لها رجل لا يعرفها: يا أمة الله أخطأت السنة ! فأجابت يا هذا إنا عن علمك لأغنياء. (2) وللقاسم وأبيه أكبر الصلات بأم المؤمنين عائشة. إذ صمته إليها بعد مقتل أبيه محمد، على أيدى جند معاوية. ومحمد ربيب على. سيره معها بعد وقعة الجمل إلى المدينة في كوكبة من النساء في ملابس الرجال. وكان تسيير أخيها معها كرامة يحفظ بها أخو الرسول أم المؤمنين. وفي بيت عائشة سقى القاسم علمها الذى أراد عمر بن عبد العزيز تدوينه عن طريقه، وعمر خليفة، حتى لا يضيع علم المدينة. فكتب بذلك إلى قاضيه وواليه على المدينة أبى بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم. وسنرى الإمام جعفر الصادق يروى عن خاله عبد الرحمن بن القاسم وعن عروة بن الزبير (ابن أسماء أخت عائشة). وعروة من كبار رواتها ورواة الصحابة. (3) يقول فيه يحيى بن سعيد (143) تلميذ فقهاء المدينة السبعة (ما أدركنا بالمدينة أحدا نفضله على القاسم) وابن حنبل يقول في يحيى (أثبت الناس). (*)

[ 149 ]

بيته صلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأول من تبعه، عليا كان أو أبا بكر. بل بهما معا. وعندما نذكر أن القاسم بن محمد ظل مصدرا للعلم حتى شارف الصادق ربع القرن من حياته، وأن الصادق شهد حلقات عكرمة مولى ابن عباس، (104) وعطاء بن أبى رباح، بمكة حيث كان يجلس ابن عباس، وأن أوامر الولاة في الموسم كانت (لا يفتى الناس إلا عطاء)، كما شهد بالمدينة حلقة عبد الله بن أبى رافع - مولى أمير المؤمنين على - الذى أملى على عليه كتابه إلى معاوية، وحلق خاله عبد الرحمن بن القاسم، وعروة بن الزبير (94) الراوية عن خالته عائشة، ومحمد بن المنكدر (130) شيخ مالك، فليس علينا أن نحاول البحث عما تلقاه جعفر بن محمد الصادق في صباه. ولقد كان علم أهل البيت حسبه - فكيف إذا اجتمع إليه علوم هؤلاء، ليملأ بالفقه الشيعي وبالفقه المقارن مدينة الرسول، من يوم مات أبوه وهو بعد في ثلاثيناته. والصبى من " أهل البيت " لا ينفق صباه في " عمل لا شئ " فذلك هو اللهو. أو في " عدم عمل شئ ". فهذا هو الفراغ.. وعلى الأجيال المتعاقبة منهم تبعات في تعاقب الإمامة. لا تدع لهم محيصا عن الإحاطة الكاملة بما لدى غيرهم من علم، فوق علمهم. وما هو إلا القرآن والسنة والسيرة. والقرآن كما يقول ابن عباس " في بيتهم نزل ". والسنة من بيتهم صدرت. والسيرة سيرتهم. واللغة طريق ذلك كله، وهى بعد حصيلته. وإنك لتدرك منزلة جعفر بن محمد في البيان العربي من تداوله للتفسير في اقتدار على تخريج المعاني لا قرين له. وسنراه غدا عمدته النصوص في الفقه والدين، يستخرج منها أعمق المعاني بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، شأن أمراء البيان. ومن تكن النصوص عمدته الأولى، فالبلاغة عدته الكبرى. ولئن لم يتميز الأطفال أو الصبية في بيت زين العابدين والباقر بخصوصيات تكبر وتنمو فتبرز إذ هم شيوخ وأئمة، إن بيت زين العابدين ذاته كان

[ 150 ]

" خصوصية " في مجتمع الإسلام. فيه المثل الأعلى من العلم المحيط والورع الكامل والتفرغ للخدمة العامة، وتعلق القلوب به، واتجاه الأبصار تلقاءه. على هذا درج بيت زين العابدين، مع الأستمرار والاستقرار. فلم يعكر الصفوفيه غير مصرع زيد في سنة 121، بعد إذ خذ له أهل الكوفة في مخرجه، فمصرع ابنه يحيى. وحمل الصادق الأمانة في ذوى رحمه - منذ صار إماما بوفاة الباقر سنة 114 - فكان يحنو على الأحياء من أبناء عمه زيد ويأسو جراحات من سقط أباؤهم في الحرب من رجال زيد، فبعث ألف دينار فرقت في ورثتهم. * * * وليس أحد بحاجة في ترجمة أئمة أهل البيت ليسترسل في وصف خصال من يرث أخلاق الأنبياء ويعلمها. فلنستحضر، ونحن في بيت النبي، ما كان يصنعه النبي، ولنتيقن أن الإمام الصادق كان يحاول أن يصنع نظيره. ولنستحضر فعال على وزهراء النبي، والحسن والحسين، وزين العابدين، والباقر. فهى أصول يتلقاها الخلف عن السلف، ليعملوا بها، ثم يعلموا بها. وربما أجزأ في هذا المقام ذكر أمثال عادية من الحوادث اليومية تصور صميم " الشخصية ". وفيما نذكره دلايل على كثير لم نذكره. فحياة الإمام مدرسة وتطبيقاتها. والعمر أيام تتكرر. والحياة جماع أعمال يدل بعضها على البعض الآخر. ومنها الجزئي الذى يستنبط منه الكلى. وكثيرا ما كان العمل الواحد (رد فعل) عفوى أو فورى، صادرا عن عدة قواعد يجرى عليها العقل أو الشعور أو السليقة أو الطريقة - فردود الأفعال شهادات عيان بدخائل الإنسان. 1 - مات بين يدى الإمام ولد صغير. فبكى. وقال " سبحانك " ربى لئن أخذت لقد أبقيت. ولئن ابتليت لقد عافيت ". وحمله إلى النساء. وعزم عليهن ألا يصرخن. وقال " سبحان من يقبض أولادنا ولا نزداد له إلا حبا إنا قوم نسأل الله ما نحب فيعطينا. فإذا نزل ما نكره فيمن نحب رضينا ".

[ 151 ]

فأى قلب، في اطمئنانه واتزانه، كمثل ذلك الذى يفيض بالشكر، حيث يغيض الصبر عند الغير !. 2 - ونهى أهل بيته عن الصعود - فدخل يوما فإذا جارية من جواريه تربى بعض ولده، قد صعدت السلم، والصبى معها. فلما نظرت الإمام ارتعدت لعصيانها وسقط الصبى من يدها. فمات. فخرج الصادق متغير اللون. فسئل عن ذلك فقال (ما تغير لوني لموت الصبى. وإنما تغير لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب) ثم قال لها بعد ذلك (أنت حرة لوجه الله. لا بأس عليك). فهذا أمر واحد عادى، تبعته وقائع ثلاثة غير عادية، أعقبها من الإمام تصرفات لاتصدر إلا عن الإمام. في كل واحدة منها أنواع فضائل. تبدأ باحترام إنسانية الإنسان. وتنتهى بعطاء، دونه كل عطاء، يختمه بالكلمة الطيبة - لا بأس - ويبدؤه بأعلى القيم الإنسانية. إذ يمنحها حريتها. 3 - وذهب مرة يعزى أحد المصابين بفقد ولده. وانقطع في الطريق شسع نعله، فتناوله من رجله ومشى حافيا. فخلع ابن يعفور شسع نعله وقدمه له. فأعرض عنه كهيئة المغضب وقال لا. فصاحب المصيبة أولى بالصبر عليها.. فلإمام لا يلقى متاعبه على من دونه. بل يتحمل الأذى ليتعلم الناس وجوب العمل، ولزوم التحمل. وليعلم الكبراء أنهم كبراء بما يضربونه من المثل. وليدرك الجميع أن الصبر على المصيبة شطر الإيمان. وأحق الناس به من أتيحت الفرصة له. 4 - وذات يوم دعا للطعام عابر سبيل لم يقرئه السلام. فراجعه حضاره متسائلين بين يديه: أليست السنة أن يسلم الرجل أولا، ثم يدعى للطعام ؟ فأجاب الإمام " هذا فقه عراقى فيه بخل ". ففقه الإمام " علوى " يبدأ بالعطاء. وعملى فيه مبادرة. واجتماعى يسعى به المعطى إلى الآخذ. وإسلامى، إنساني، كله كرامة.

[ 152 ]

لقد ولد في دار شعارها البدار، بالعطاء مع الإخفاء. حتى الصدقة يقول فيها الباقر " أعط ولا تسم. ولا تذل المؤمن ". وفى ذلك السنة.. وسنرى تطبيقات شتى من الإمام لهذا الفقه في المنهج الاقتصادي.. 5 - وصحا رجل من الحاج فلم يجد هميانه (الكمر الذى يلفه المحرم حول بطنه وفيه نفقته من النقود) فخرج فوجد الإمام الصادق يصلى فتعلق به وهو يقول: أنت أخذت هميانى. قال الصادق كم كان فيه ؟ قال: ألف دينار. فأعطاه ألف دينار. ومضى الرجل فوجد هميانه فرجع يعتذر ويرد ألف دينار. فأبى الصادق أن يأخذها وقال: شئ خرج من يدى فلا يعود. قال الرجل لمن حوله: من هذا ؟. قالوا: جعفر الصادق. قال: لا جرم هذا فعال مثله. فإمام المسلمين لا ينعزل عنهم، فلا ينماز منهم، حتى ليخطئ الجاهلون منهم في شخصه. فيعرض عن الجاهلين. ويخف ليخفف كرب المكروب، لا يحزنه وهمه أو اتهامه، وإنما تحزنه همومه. فيشركه فيها بالصنيع النابه مرة إثر أخرى. والناس أسمع للصوت الذى لا صرير له. وأبصر بالإخلاص الذى لا يتصايح صاحبه به. والأفضال أفعال تدرك آثارها الحواس الخمسة. ولا نستطرد في السرد. ففى كل واقعة سلفت " عدسة " صغيرة تريك العالم الكبير الذى وراءها، من مناقب كالنجوم وإن كان أصحابها من البشر. هذه سماء تسعى على الأرض. وهؤلاء بقية النبي عليه الصلاة والسلام، يعيشون في الدنيا !

[ 153 ]

مجالس العلم: شهد الإمام الصادق انحدار الناس بعد عصر الخلفاء الراشدين، ورأى بعين الصبى المأمول من أهل بيت الرسول ما صنعه عمر بن عبد العزيز في خلافته بين سنتى 98 - 101 إذ أعاد الدين غضا في نحو من ثلاثين شهرا، وأثبت للدينا، وأن (المدة) كما سمى الناس خلافته، كانت كافية لتعيد الناس إلى الإسلام الصحيح عندما يوجد خليفة صادق العزم، يتخذ الخلافة - كما قال - سبيلا إلى الجنة. وكان بعض الصالحين يستعجلون عمر ليصنع كل ما صنع في أول يوم ولى الخلافة. قال له ابنه عبد الملك، (يا أبت ما بالك لا تنفذ الأمور، فو الله لا أبالى في الحق لو غلت بى القدور) لكن عمر كان يتأتى للأمور في رفق وأناة وإصرار. قال (لا تعجل يا بنى إن الله تعالى ذم الخمر مرتين، وحرمها في الثالثة. وإنى أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، فتكون فتنة). بهذا قدر على أن يرد المظالم وأغنى الله الناس على يديه. فأصبح عمر لا يجد فقراء يوزع المال عليهم. في المدينة أو في القرية. لكن الإمام " الصادق " تعلم من حياة الخليفة الصادق العزم: أن إصلاحاته لم تؤت ثمارها بعد مماته، إذ دمرها الخلفاء الذين جاءوا بعده، وتتابع الباقون يدمرون. وشهد الإمام الصادق مقدم بنى العباس وكيف ناقضوا شعارات دولتهم وحكموا حكم جاهلية. هكذا رأى رأى العيان أن صلاح الأمر لا يكون بتولى السلطة، أو بمجرد إصلاحها مدة قصيرة أو طويلة. وكل عمر قصيرة. وإنما الصلاح في إصلاح الأمة. فكيفما تكونوا يولى عليكم. ولكل أمة الحكومة التى تستحقها.. واستيقنت نفسه الصواب فيما صنعه أبوه وجده، وهو أن يعلموا الأمة. فإذا تعلمت صلحت فلم يستضعفها حكامها. وهى عندئذ تأمرهم بالمعروف وتنهاهم.

[ 154 ]

عن المنكر وتشركهم تبعاتهم. فالأمة القوية لا تظلم حكامها ولا يظلمونها. وبشعار الثقة بالله سبحانه (الله وليى وعصمتي من خلقه) وبنقش الخاتم الذى يعلن مصدر قوته (ما شاء الله. لا قوة إلا بالله. استغفر الله) قصد إلى مجلس العلم، في مسجد النبي أو في داره، يستعمل البعد المكانى، حيث يجلس للتعليم في مدينة الرسول، والبعد الزمانى، فهو تابعي يعيش في جيل التابعين وتابعي التابعين، والعبد الثالث وهو ارتفاع نسبه إلى النبي وعلى. أما البعد الرابع فعمق علمه وعلم أبيه وجده. * * * في هذا المجلس المهيب بالمدينة أو بالكوفة، يجلس رجل ربعة. ليس بالطويل ولا بالقصير. أزهر له لمعان كالسراج. يسعى نوره بين يديه. رقيق البشرة، أسود الشعر جعده، أشم الأنف. أنزع قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهرا، له إشراق. وعلى خده خال أسود - المسلمون أيامئذ أحوج إليه ليعلمهم، منهم إليه ليحكمهم.. كل ما يحيط به يوحى بالرجاء في فضل الله. فلما طعن في السن زاد جلالا وسناء وإحياء للأمل. يلبس الملابس التى عناها جده عليه الصلاة والسلام حينما قال (كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة.). رآه سفيان الثوري وعليه جبة خزدكناء فقال: يا ابن رسول الله ما هذا لباسك ! فقال (يا ثورى. لبسنا هذا لله، ثم كشف عن جبة صوف يلبسها، وقال: ولبسنا هذا لكم). كان جده على يختار الخشن من الألبسة.. ويلح الجوع عليه فيعلل معدته بقرص شعير. يخيط نعله إن لم يكن مشغولا، أو يتركه لمن يخيطه بأجر إذا انشغل. لكن الزمان يتغير فيغير الصادق ليظهر أثر النعمة. يقول للناس (إذا أنعم الله على عبده بنعمة أحب أن يراها عليه لأن الله جميل يحب الجمال). ويقول (إن الله يحب الجمال والتجمل. ويكره البؤس والتباؤس..)

[ 155 ]

والنظافة من الإيمان. فيها الكرامة والسلامة للنفس وللأسرة وللمدينة. فعلى المرء كما يقول الإمام (إن ينظف ثوبه ويطيب ريحه ويجصص داره ويكنس أفنيته). وذات يوم رآه " عباد بن كثير البصري " في الطواف فقال له: تلبس هذه الثياب في هذا الموضع وأنت في المكان الذى أنت فيه من على ؟ فأجاب كما يروى الإمام نفسه (فقلت: فرقبى - نسبة إلى " فرقب " حيث تصنع ثياب كتان أبيض - اشتريته بدينار. وقد كان على في زمن يستقيم له ما لبس فيه. ولو لبس مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس: هذا مرائى مثل " عباد "...) قيل له يوما: كان أبوك وكان.. فما لهذه الثياب المروية (حرير مرو) فأجاب: ويلك فمن " حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق " ؟ وإنك لترى آثار النعمة على مالك وأبى حنيفة، وإجابات مشتقة بدقة من هذه الإجابات، في ردود الرجلين بشأن ملابسهما وأنعم الله عليهما - وكان كلاهما لباسا - فالمذموم من الثياب ما فيه خيلاء. والمحمود ما كان إظهارا لنعمة الله على عبده. حتى تلميذه العظيم الثالث سفيان الثوري - وهو إمام الزهد والورع و الحديث والفقه - قد انتفع بدروس الإمام في الملبس فأمسى يقول: الزهد في الدنيا هو بقصر الأمل ليس بأكل الخشن ولا بلبس الغليظ. ازهد في الدنيا ثم نم. لا لك ولا عليك. إن الرجل ليكون عنده المال وهو زاهد في الدنيا. وإن الرجل ليكون فقيرا وهو راغب فيها. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يلبس ما تيسر من الصوف تارة ومن القطن تارة ومن الكتان تارة. وكانت مخدته من أدم حشوها ليف نخل. ولما قال له رجل يا رسول الله أنا أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة. أفمن الكبر ذاك ؟ قال (لا. إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس).

[ 156 ]

ولم يعب الصحابة بعضهم على بعض الملابس من أعلى وأدنى. لا يعيب صاحب الخز على صاحب الصوف ولا صاحب الصوف يعيب على صاحب الخز. * * * في هذا المجلس تتلمذ الإمام جعفر وروى عنه - كما يقول أرباب الإحصاءات - أربعة آلاف من الرواة وكتب عنه أربعمائة كاتب. كلهم يقول: قال جعفر بن محمد. فأى مجلس كان ذلك المجلس ! تتراءى فيه اشياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعضها مادى يجرى في أصلاب رجل بعد رجل. وبعضه معنوى يتراءى في معانيه وفحوى مقولاته، لكل هؤلاء. ليس بالمجلس لجاجة ولا حجاج عقيم. يقول للتلامذة (من عرف شيئا قل كلامه فيه. وإنما سمى البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأدنى سعيه). إذا سأل سائل عن خلافات الصحابة أجاب (علمها عند ربى في كتاب. لا يضل ربى ولا ينسى). يهتدى بهديه الكبراء في الامتناع عن الجواب في خلاف الصحابة. يقول أحمد بن حنبل إذ يسأل عما كان بين الصحابة: كان بينهم شئ الله أعلم به. ومع ذلك يعجب ويتساءل عن طلحة والزبير: أكانا يريدان أعدل من على ؟ ولا يضيع الحق في المجلس: سمع أن أحد الولاة نال من أمير المؤمنين على.. ! فوقف الصادق فقال (ألا أنبئكم بأعلى الناس ميزانا يوم القيامة وأبينهم خسرانا ؟ من باع آخرته لغيره. وهذا هو الفاسق). وعرف الناس الفاسق الذى باع آخرته لمن يشتهون أن يقدح لهم في على بن أبى طالب. والمقياس عند صاحب المجلس هو الإخلاص لله والرسول. يقول ويروى عن آبائه عن أمير المؤمنين على (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية. ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة).

[ 157 ]

والقاعدة هي المساواة بين الناس، مساواة فطرية - مهما اختلفت العقائد والأجناس - يقول - (الناس في آدم مستوون). حتى عبدة النار يقول فيهم: " سنوابهم سنة أهل الكتاب ". وللنساء والبنات عنده المكانة العالية. قياما بوصية جده بالنساء في آخر خطبه عليه الصلاة والسلام - روى الجارود بن المنذر: قال لى أبو عبد الله الصادق " بلغني أن لك ابنة فتسخطها. ما عليك منها ؟ ريحانة تشمها. قد كفيت رزقها. وقد كان رسول الله أبا بنات). وأى مثل في الإسلام كمثل رسول الله. وأى نعمة أن يكون للمرء ريحانة أو رياحين ! وأى فضل كفضل البنات يكفى رزقهن الله ! يقول الصادق (إن إبراهيم سأل ربه ابنة تبكيه وتندبه بعد موته) لينبه على بقاء الوفاء في أفئدة البنات بعد الممات. ومن الدروس الأولية في هذا المجلس تعليم الناس أن يسعوا لعمارة الدنيا بالعمل للرزق، ومجانبة الخلائق الفاقرة بالتواكل، أو البطالة. وبهذا المبدأ أصبح المجتمع الشيعي مجتمع العاملين، وبلغ حظه - حيثما كان - من النماء، والاسغناء، والانتفاع بما منحه الله للبشر من مواهب، وأتاح لهم من وسائل. جاء مجلس الإمام يوما جماعة من الزهاد يريدون منه إظهار التقشف والزهد الكامل. فقال لهم: (حدثنى أبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ابدأ بمن تعول. الأدنى فالأدنى... هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم.. قال العزيز الحكيم (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما). أفلا ترون أن الله تعالى قال غير ما أراكم تدعونني إليه ؟... فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير. فلا يعطى جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له. للحديث الذى جاء عن النبي (إن أصنافا من أمتى لا يستجاب دعاؤهم: رجل يدعو على والديه. ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه. ورجل يدعو على زوجته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده. ورجل يقعد في بيته ويقول رب ارزقني، ولا يطلب الرزق،

[ 158 ]

فيقول الله عز وجل: يا عبدى ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب.. ألم أرزقك رزقا واسعا ؟ فهلا اقتصدت كما أمرتك ولم تسرف فيه وقد نهيتك عن الإسراف. ورجل يدعوني في قطيعة رحم...) ثم علم الله عز وجل كيف ينفق فقال (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) فهذه أحاديث رسول الله يصدقها الكتاب. والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين... وفيهم سلمان الفارسى وأبو ذر رضى الله عنهما: فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته حتى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا ؟ فكان جوابه أنه قال: ترجون لى البقاء وقد خفتم على الفناء. أما علمتم أن النفس قد تلتاث على صاحبها ما لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه. فإذا أحرزت معيشتها اطمأنت. وأما أبو ذر فكانت له. نويقات وشويهات يحلبها، ويذبح منها إذا اشتهى اللحم، أو نزل به الضيف.. ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهما رسول الله ما قال.. ولم يبلغا من الزهد أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم.. ويؤثرون على أنفسهم وعيالهم...) فالإمام يريد مجتمعا عاملا، متواصلا، فيه قصد وجد. فبهذا يعين الله من يعين نفسه من عباده. التلاميذ الأئمة: كان سفيان الثوري إمام العصر في الورع والسنن والفقه، للعراق كافة. وكانت له في مجابهة الخليفة مواقف لا يمل الحديث فيها. وكان كثيرون من رواد المجلس كسفيان مكانة في المسلمين: منهم عمرو بن عبيد الذى نشأت على يديه فرقة المعتزلة، وأبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ترب أبى حنيفة، وإمام المدينة مالك بن أنس. وأبو حنيفة هو الإمام الأعظم لأهل السنة. ومالك أكبر من تلقى عليه الشافعي علما. وأطولهم في تعليمه زمانا. والشافعي شيخ أحمد بن حنبل.

[ 159 ]

وكمثلهم كان المحدثون العظماء: يحيى بن سعيد محدث المدينة وابن جريج وابن عيينة محدثا مكة. ابن عيينة هو المعلم الأول للشافعي في الحديث. فلندع الأئمة وصف مكانهم من الإمام - وفيه وصف مجالس علمه: يقول مالك بن أنس (كنت أرى جعفر بن محمد. وكان كثير الدعابة والتبسم. فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال. إما مصليا وإما قائما وإما يقرأ القرآن. وما رأيته يحدث عن رسول الله إلا على الطهارة. ولا يتكلم فيما لا يعنيه. وكان من العلماء والعباد والزهاد الذين يخشون الله. وما رأيته قط إلا ويخرج وسادة من تحته ويجعلها تحتي). وفي مقولة أخرى يضيف مالك (وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، إذا قال (قال رسول الله) اخضر مرة واصفر أخرى حتى ينكره من يعرفه. ولقد حججت معه سنة فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كلماهم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر عن راحلته. فقلت: يا ابن رسول الله. أولا بد لك أن لبيك وأخشى أن يقول الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك).. وإنا لنذكر ما كان يصنعه جده زين العابدين في هذا المقام. وأصبح مالك إذا ذكر النبي اصفر لونه. فإذا تساءل جلساؤه قال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون. ويذكر لهم حال ابن المنكدر (1) ثم يعقب بحال جعفر.


(1) محمد بن المنكدر (130) من معادن الصدق بالمدينة وأشياخ مالك، من بنى تيم قبيلة أبى بكر، وهم مشهورون بالرقة والورع. وهم أجداد الأمام جعفر - كان لا يسأل ابن المنكدر أحد عن حديث إلا بكى. وما لك يقول (كنت إذا وجدت من نفسي قسوة آتى ابن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأبغض نفسي أياما). وابن المنكدر يقول (كابدت نفسي في ذلك أربعين عاما حتى استقامت). وكان من بنى المنكدر إخوة ثلاثة فقهاء: محمد وأبو بكر وعمر أبناء المنكدر. (*)

[ 160 ]

إنما كان مالك يجد ريح الرسول في مجلس ابن بنته.. ويحس، أو يكاد يلمس، شيئا ماديا، يتسلسل من الجد لحفيده، وأشياء غير مادية تملك اللب والقلب: فالرؤية متعة والسماع نعمة. والجوار - مجرد الجوار - تأديب وتربيب.. وفي كل أولئك طرائق قاصدة إلى الجنة. وصاحب المجلس طهر كله. لا يتحدث عن جده إلا على الطهارة. يقول (الوضوع شطر الإيمان) ومن أجل ذلك لم يعد الوضوء عنده أو في مذهبه، مجرد وسيلة لغيره - أي للصلاة - بل أمسى مستحبا لذاته كالصلاة المستحبة. يتهيأ به المتوضئ لدخول المساجد، وقراءة القرآن، بل الزوجان ليلة زفافهما، والمسافر إلى أهله.. والقاضى ليجلس للقضاء، والإمام الذى يفتى أو يعلم. وما هو بدع أن يشغف به مالك - وهو الأموي بهواه - فإنما هو حب الرسول وأهل بيته. فحبهم إيمان. وما كان تعبير مالك إلا حبا، وهو - بعد - التلميذ النجيب لفقهاء بنى تيم (قبيلة أبى بكر) سواء كانوا من مواليهم - كربيعة الرأى - أو من أنفسهم كمحمد بن المنكدر، أو أمهم منهم، كالإمام جعفر. وأبو بكر الصديق يقف في قمة التاريخ العلمي لمصادر مالك باتباعه واجتهاده وأبنائه وبنى تيم.. تعلم مالك الكثير من السلوك على الإمام جعفر فكان إذا حدث لا يحدث إلا على الطهارة. ويحمى مجلسه ممن يخرجونه عن قصده. كما يكرم تلامذته. بل صار إماما لليسر الذى تتمثل فيه خصائص المدينة. وأمسى عنوانا على العلم: فإذا خاصم السلطة خاصمها من أجل النزاهة العلمية فحسب. وفي منهجه الاحتفال الكامل بالواقع. وفي طريقته العمل للرزق، حتى لا يحتاج لأحد، مما يعبر عن اقتداء كامل بالإمام الصادق. وكهيئة الإمام الصادق، لم يجار فقهاء العراق في قولهم أرأيت أرأيت. إى افتراض الفروض واستباق الحوادث وإبداء الرأى فيما لم يحدث حتى سماهم خصومهم (الأرأيتيين).

[ 161 ]

ومن رضا الإمام عن التلميذ كان " الصادق " يشير بإتيان حلقة مالك. روى عنوان البصري أنه كان يختلف إلى الإمام جعفر يتعلم عليه فغاب الإمام عن المدينة فاختلف إلى مالك سنتين ثم عاد الصادق فعاد عنوان إلى مجلسه. فنصحه أن يجلس إلى مالك. ولقد يدخل الإمام المسجد - فيقدم إليه تلميذ من تلاميذه ابن أبى ليلى (1) (148) قاضى الكوفة. فيقول الإمام: أنت ابن أبى ليلى القاضى ؟ ويجيب: نعم. فينبهه الإمام على جلال خطر القضاء بقوله: (.. تأخذ مال هذا وتعطيه هذا. وتفرق بين المرء وزوجه لا تخاف في ذلك أحدا... فما تقول إذا جئ بأرض من فضة وسماء من فضة ثم أخذ رسول الله بيدك فأوقفك بين يدى ربك فقال: يا ربى هذا قضى بغير ما قضيت !). واصفر وجه ابن أبى ليلى مثل الزعفران. لكنه خرج من المسجد مزودا بزاد من خشية الله زوده به ابن رسول الله. ولما سئل مرة: أكنت تاركا قولا أو قضاء لرأى أحد ؟ أجاب: لا. إلا لرجل واحد. هو جعفر بن محمد الصادق. وابن أبى ليلى قاضى بنى أمية وبنى العباس. وهم أعداء الإمام. * * * في هذا المجلس بالمدينة، أو بالكوفة في إحدى قد مات الإمام جعفر إلى العراق، دخل أئمة الكوفة مجتمعين: أبو حنيفة وابن أبى ليلى وابن شبرمة (144) على الإمام جعفر. فجعل الصادق ينبه أبا حنيفة مكتشف أداة " القياس "، على خطرها في حضور العالمين الآخرين. وفي مواجهة هذين يقول الإمام الصادق لأبى حنيفة: " اتق الله ولا تقس الدين برأيك ". ولقد يكون أبو حنيفة في حلقته بالكوفة أو في المدينة فيقف عليها الإمام الصادق، ولا تقع عليه عين أبى حنيفة، فإذا لمحته عيناه هب أبو حنيفة


(1) أول من تعلم عليه أبو يوسف صاحب أبى حنيفة هو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى. وفي الخلاف بينه وبين أبى حنيفة وضع أبو يوسف كتابه الشهير اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى. وكثيرا ما رجح فيه آراءه. ومن ذلك أخذه برأيه في قضية رفعت على الخليفة الهادى أمامه. وبهذا دفع الخليفة لصاحب الحق حقه (راجع أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح للمؤلف. ص 100 طبعة المجلس الأعلى للشئون الأسلامية). (*)

[ 162 ]

واقفا وهو في مجلس الدرس، فقال (يا ابن رسول الله - لو شعرت بك أول ما وقفت ما رأني الله أقعد وأنت قائم) ليشهد الله على دخيلة نفسه أنها لا تقبل الجلوس والإمام قائم. وأبو حنيفة (80 - 150) أكبر عمرا من الإمام الصادق. لكن الصادق يشد أزره بعبارات مشجعة. فيقول له (اجلس يا أبا حنيفة فعلى هذا أدركت آبائى) يريد بذلك إعظام مجالس العلم. ووقوف الجميع. وجلوس الأستاذ. انقطع أبو حنيفة إلى مجالس الإمام طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيهما يقول (لولا العامان لهلك النعمان) - وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقوله " جعلت فداك يا ابن بنت رسول الله ". ولقد يتحدى الإمام الصادق في مجلسه أبا حنيفة ليختبر رأى صاحب الرأى فيسأل: ما تقول في محرم كسر رباعية الظبى. ويجيب أبو حنيفة: يا ابن رسول الله لا أعلم ما فيه. فيقول له الإمام الصادق: أنت تتداهى. أو لا تعلم أن الظبى لا تكون له رباعية !.. وإنما سكت أبو حنيفة لأنه لم يعلم كما قال، أو لأنه يمتنع عن أن يصحح للإمام السؤال. وما كان أعظم أدب أبى حنيفة بين نظرائه. فما بالك به بين يدى الإمام. فإذا جاء ابن شبرمة وحده يسأل عما لم يقع - كدأب تلاميذ أبى حنيفة ومدرسة الكوفة - لم يتردد الإمام في دفعه، بالحسنى: ذهب إليه ذات يوم يسأله عن القسامة في الدم فأجابه بما صنع النبي. فقال ابن شبرمة: أرأيت لو أن النبي لم يصنع هذا، كيف كان القول فيه ؟ فأجابه: أماما صنع النبي فقد أخبرتك به. وأما ما لم يصنع فلا علم لى به. والصادق عليم بالاختلاف بين آراء الفقهاء، أي بعلم المدينة وعلم الشام وعلم الكوفة، وهو يروى عشرات الآلاف من الأحاديث، في حين كانت قلة ما سلمه أهل العراق من الحديث آفة علمائه، حتى صوبهم

[ 163 ]

الشافعي في نهاية القرن، بالقوة التى لا نزاع فيها لخبر الواحد، وبوضع قواعد القياس. والحسن بن زياد اللؤلؤي يعلن رأى صاحبه في إحاطة الإمام الصادق فيقول (سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه الناس ممن رأيت فقال: جعفر ابن محمد). ولما استفتى أبو حنيفة في رجل أوصى " للإمام "، بإطلاق الوصف، قال انها لجعفر بن محمد. فهذا إعلان لتفرده بالإمامة في عصره. ولم تكن السنتان اللتان حيى بسببهما النعمان بن ثابت (أبو حنيفة) ولم يهلك، إلا تكملة لسنين سابقة كان يتدارس فيها فقه الشيعة. ومن ذلك كان يشد أزر زيد بن على في خروجه على هشام بن عبد الملك. وقيل مال إلى محمد وإبراهيم (ولدى عبد الله بن الحسن) في خروجهما على المنصور. وأن قد جاءته امرأة تقول إن ابنها يريد الخروج مع هذا الرجل - في إبان خروج إبراهيم - وأنا أمنعه. فقال لها لا تمنعيه. ويروى أبو الفرج الأصفهاني عن أبى إسحق الفزارى: جئت إلى أبى حنيفة فقلت له: أما اتقيت الله. أفتيت أخى بالخروج مع إبراهيم حتى قتل ! ! فقال (قتل أخيك حيث قتل، يعدل قتله لو قتل يوم بدر. وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة). ولئن كان مجدا لمالك أن يكون أكبر أشياخ الشافعي، أو مجدا للشافعي أن يكون أكبر أساتذة ابن حنبل، أو مجدا للتلميذين أن يتلمذا لشيخيهما هذين، إن التلمذة للإمام الصادق قد سربلت بالمجد فقه المذاهب الأربعة لأهل السنة. أما الإمام الصادق فمجده لا يقبل الزيادة ولا النقصان. فالإمام مبلغ للناس، كافة، علم جده عليه الصلاة والسلام. والإمامة مرتبته. وتلمذة أئمة السنة له تشوف منهم لمقاربة صاحب المرتبة. لقد يجئ للمناظرة عمرو بن عبيد (144) زعيم المعتزلة، الذى لم يضحك أبو حنيفة طول حياته بعد أن قال له عمرو إذ ضحك مرة في إبان مناظرته: بافتى تتكلم في مسألة من مسائل العلم وتضحك ؟، والذى يبلغ من وقاره أن

[ 164 ]

يراه الرائى فيحسبه أقبل من دفن والديه. فإذا انتهى الكالم قال عمرو للإمام (هلك من سلبكم تراثكم ونازعكم في الفضل والعلم). ويجئ إمام خراسان عبد الله بن المبارك، وهو إمام فقه، وبطل معارك. تلمذ للإمام زمانا، ولأبي حنيفة، فتعلم ما جعله يخفى بطولاته في الفتوح " لأن من صنعها لأجله - سبحانه - مطلع عليها ". (1) وفي الإمام جعفر شعره الذى ورد فيه: أنت يا جعفر فوق ال‍ مدح. والمدح عناء إنما الأشراف أرض ولهم أنت سماء جاز حد المدح من قد ولدته الأنبياء فإذا كان الصادق في مواجهة مع المنصور، حيث القواد والعلماء يجلسون على مبعدة منه، فإن مجلس الإمام عن يمينه.. حتى ولو دعاه يخوفه. فلقد طالما انتهت اللقاءات بالموعظة يلقيها الإمام من حديث رسول الله، ولحديث رسول الله شرف المجلس، ولابن رسول الله شرف من رسول الله. ولو جلس الصادق على مبعدة أو مقربة من الخليفة، لكان الشرف، حيث يجلس. ربما قربه الخليفة ليلتمس لنفسه القربى إلى الناس في الدنيا، ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا، وعندما تلتمس الشفاعة. وأبو جعفر المنصور يقر بمكانه من العلم والتقوى مع ضيق صدره بمكانته في الأمة. يقول (هذا الشجى المعترض في حلقى أعلم أهل زمانه. وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا).


(1) استعصى على المسلمين حصن من حصون الروم. فتصدى له فارس ملثم فاقتحمه وتتابع وراءه المسلمون واختفى الفارس في الجند. ولما سئل ابن المبارك فيما بعد، عن إخفاء نفسه، قال (لأن من صنعت ذلك لأجله - سبحانه - مطلع عليه). وخرج إلى الحج فمر بأمرأة رآها تخرج غرابا ميتا من حيث ألقى به. فسألها فقالت إنها وزوجها لا يجدان ما يطعمانه. فقال لوكيله: كم معك من نفقة الحج ؟ قال: ألف دينار. قال: (عد منها عشرين تكفى للعودة إلى مرو (عاصمة خراسان) وأعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا هذا العام). ورجع ولم يحج. وكان الرشيد بالرقة يوما وأقبل عليها ابن المبارك. فانجفل الناس خلفه ورأته أم ولد الرشيد فقالت: هذا والله الملك. لا ملك هارون الذى يجمع الناس بشرطة وأعوان. ولما مات ابن المبارك جلس الرشيد فتقبل العزاء فيه. (*)

[ 165 ]

ومن نص الإقرار ما يدل على أن مجلس " الصادق " للعلم، لم يكن ليسلم من مراقبة أعوان السلطان، وصاحب المجلس شجى معترض في حلقه. وهو قد ينبئ عن أن الفرصة متاحة للإمام ليلقى دروسه، مع الحيطة الواجبة، حتى لا يغص الخليفة بريقه مما ينقل إليه، وإن كان المؤكد أن مجرد وجود الإمام كان فيه الشجى المعترض. كل العلوم: والمجلس مورد عذب كثير الزحام - لكل فيه ما يغنيه - فالإمام في مجلسه الرفيع يروى السنة عن آبائه. وما يقوله يجرى عند الشيعة مجرى الأصول. فإذا أبدى الرأى في واقعة معينة جعله الشيعة مجعل السنة والتزموها باعتبارها نصا عنه. أما أهل السنة فيأخذونه مأخذ اجتهاد الأئمة. واللسان العربي علم العلوم. وإمام المسلمين إمام في البلاغة العربية، عبر عن أسلوبه أبو عمرو بن العلاء حين قال عن أساليب العربية (العرب) تطيل ليسمع منها وتوجز ليحفظ عنها). وعند الصادق لكل مقام مقال. يسهب ويستطرد كما ستقرأ، بعد، أو يوجز ليحفظ عنه ويتذوق منه، بحروف لها جرس في الأذن ونغم في الفم. كأن يقول: (لا تصل فيما خف أو شف وكلاهما كاشف. ويجرى على لسانه الشعر الرفيع مثل الذى يرويه عنه سفيان الثوري: لا اليسر يطرؤنا يوما فيبطرنا ولا لأزمة دهر نظهر الجزعا إن سرنا الدهر لم نبهج لصحته أو ساءنا الدهر لم نظهر له الهلعا مثل النجوم على مضمار أولنا إذا تغيب نجم، آخر طلعا أو مثل قوله جوابا لسفيان إذ يسأل: يا ابن رسول الله لم اعتزلت الناس ؟

[ 166 ]

قال " يا سفيان قد فسد الزمان وتغير الإخوان فرأيت الانفراد أسكن للفؤاد " و أنشد: ذهب الوفاء ذهاب أمس الذاهب والناس بين مخاتل وموارب يفشون بينهم المودة والصفا وقلوبهم محشوة بعقارب ومثل قوله: فلا تجزع وإن أعسرت يوما فقد أيسرت في زمن طويل ولا تيأس فإن اليأس كفر لعل الله يغنى عن قليل ولا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل ومثل قوله: لا تجز عن من المداد فإنه عطر الرجال وحلية الآداب فإذا جاءه المناظرون من كل فج عميق، أو التلاميذ الفقهاء، يمثلون أقطار الإسلام، ويجادلون في الأصول أو الفروع، فهو البحر لا تنزفه الدلاء. يروى العقول ويشفى الصدور. فالديصاني، رغيم فرقة ملحدة، وصاحب الإ هليلجة طبيب هندي. وعبد الكريم بن أبى العوجاء (1) عربي ملحد. عبد الملك مصرى يتزندق. وعمرو بن عبيد شيخ المعتزلة. وأبو حنيفة إمام الكوفة، ومالك إمام المدينة، وسفيان الثوري، وغيرهم. كل هؤلاء تملأ مجادلاته معهم الكتب، ولا يضيق صدرا بجدالهم. بل يضرب الأمثال، بمسلكه معهم واتساع صدره لهم، على الحرية الفكرية التى يتيحها الإمام للناس في مجلسه، ليفهموا العلم، أو ليؤمنوا عن


(1) عبد الكريم بن أبى العوجاء هو خال معن بن زائدة الشيباني أحد قواد بنى مروان، وكبير من كبار الولاة لأبى جعفر. وهو الذى أنقذ أبا جعفر من الموت يوم الرواندية وأبلى - وأهله بنو شيبان أعظم البلاء في الدفاع عن بنى العباس. ولما قدم ابن أبى العوجاء للقتل للزندقة سنة 161 قال (لن يقتلوني. لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحللت فيها الحرام وحرمت الحلال) لكن علماء الجرج والتعديل فطنوا إليها جميعا واستبعدوها. (*)

[ 167 ]

فهم، دون إكراه أو إعنات، وعلى سعة الخلاف الفقهى لكل اتجاهات المسلمين. وعلى اليسر والرحمة في الشريعة. فكل هذه أسباب لنشر الإسلام وخلود فقهه. يقول ابن المقفع - وهو متهم بالمجوسية أو بالزيغ على الأقل - إذ يومئ إلى " الصادق " في موضع الطواف (هذا الخلق ما منهم أحد أوجب له بالإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس). ويذهب ابن أبى العوجاء ليناظره فتعتريه سكتة. فيسأله الإمام: ما يمنعك من الكلام ؟ فيقول: (إجلالا لك. ومهابة منك. وما ينطق لساني بين يديك. فإنى شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلنى من هيبة أحد منهم ما تداخلنى من هيبتك). رآه الإمام مرة بالحرم فقال له: ما جاء بك ؟ قال: عادة الجسد وسنة البلد. ولنبصر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمى الحجارة. قال الصادق: أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم ؟ فذهب يتكلم. فقال الإمام: لا جدال في الحج. ونفض رداءه من يده وقال: إن يكن الأمر كما تقول، وليس كما نقول، نجونا ونجوت. وإن يكن الأمر كما نقول، وليس كما تقول، نجونا وهلكت. وأى صبر في حرية الفكر كمثل هذا الصبر من الإمام الصادق ؟ وحيث تؤدى المناسك ! وإنما ترك الإمام رجلا ملحدا سيقتل - بعد - في إلحاده سنة 161. * * * وإذا لم يأخذ الملحدين بالشدة، فتحا لأبواب الهداية لهم، فهو صارم في صدد المغالين في على، أو فيه. ليكفهم عن غلوائهم. ومنهم بيان بن سمعان التميمي. كان يعتقد ألوهية على والحسن والحسين ثم محمد بن الحنفية، ثم ابنه أبى هاشم. بل زعموا أنه قال إنه - بيانا -

[ 168 ]

المراد بقوله تعالى (هذا بيان للناس). وادعى المغيرة بن سعيد الانتماء إلى الباقر، وصار يؤله عليا ثم جعفر الصادق، ويكفر أبا بكر وعمر ومن لم يوال عليا. وكذلك كان بشار الشعيرى. يقول جعفر الصادق لمرازم: " تقربوا إلى الله فإنكم فساق كفار مشركون " ويقول له " إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيرى وقل له يا كافر يا فاسق أنا برئ منك " دخل عليه بشار يوما فصاح به " اخرج عنى لعنك الله. والله لا يظلنى وإياك سقف أبدا " فلما خرج قال: " ويحه. ما صغر الله أحد تصغير هذا الفاجر. والله إنى عبد الله وابن أمته ". ويقول عن المغيرة بن سعيد (لعن الله المغيرة بن سعيد. لعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها الشعر والشعبذه والمخاريق. فو الله ما نحن إلا عبيد، خلقنا الله واصطفانا، ما نقدر على ضرر ولا نفع إلا بقدرته.. ولعن الله من قال فينا ما لا نقول في أنفسنا). ويقول: (من قال إننا أنبيا فعليه لعنة الله ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله). وينبه الأذهان على دسائس خصوم الشيعة بالاختلاق عليهم فيقول (إنا أهل بيت صادقون لا نعدم من يكذب علينا عند الناس. يريد أن يسقط صدقنا بكذبه علينا). ويقول لخيثمة (أبلغ شيعتنا أننا لا نغنى من الله شيئا. وأنه لا ينال ما عند الله إلا بالعمل. وأن أعظم الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره...) وهى مقولات لا تترك مجالا لدعاوى المغالين في جعفر الصادق وآبائه وبنيه من الأئمة. وتنفى عنه ما ادعوه من علم الغيب. فلا يعلم الغيب إلا الله. كما تجعل الأئمة مجعل البشر، وهى آراء أبيه وجده. سأل سائل جده زين العابدين: متى يبعث على ؟ فأجاب (يبعث

[ 169 ]

- والله - يوم القيامة. وتهمه نفسه) أي أنه يحاسب يوم الحساب كما يحاسب غيره. وأما تعبير الأحلام فالصادق يرى أنها (لو كانت كلها تصدق كان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلا لا معنى لها. فكانت تصدق أحيانا لينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يحذر منها. و تكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد). فرؤى الأنبياء حقائق من هدى النبوة. أما رؤى الآخرين فأصداء أفكار تتحرك في باطنهم. منها ما يصدقه الواقع ومنها ما يكذبه. * * * روى هشام بن الحكم: كان بمصر زنديق يبلغه عن أبى عبد الله (الإمام الصادق) أشياء. فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه وقيل له إنه خارج بمكة. فخرج إلى مكة، ونحن مع أبى عبد الله، فصادفنا في الطواف. وكان اسمه عبد الملك. وكنيته أبو عبد الله. فضرب كتفه كتف أبى عبد الله.. فقال له أبو عبد الله.. فمن هذا الملك الذى أنت عبده. من ملوك الأرض أو من ملوك السماء ؟ وأخبرني عن ابنك عبد إلاه السماء أم عبد إلاه الأرض. قل ما شئت تخصم.. إذا فرغت من الطواف فائتنا. فلما فرغ أتاه الزنديق فقعد بين يديه.. قال أبو عبد الله: أيها الرجل: ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم. ولا حجة للجاهل.. يا أخا مصر إن الذين يذهبون إليه ويظنون أنه الدهر، إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم ؟ وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم ؟ - يا أخا مصر لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة ؟ لم لا تنحدر السماء على الأرض ؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طبقاتها ؟ ولا يتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟ قال الزنديق أمسكهما الله ربهما وسيدهما... فآمن الزنديق..

[ 170 ]

فقال: اجعلني من تلامذتك.. فقال: يا هشام بن الحكم. خذه إليك. فعلمه هشام. فسار يعلم أهل الشام وأهل مصر الإيمان.. ويروى هشام (أن زعيم الديصانية وفد على مجلس الإمام فقال له: دلنى على معبودي ولا تسألني عن اسمى. فإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها.. فقال: يا ديصانى. هذا حصن مكنون له جلد غليظ. وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق. وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة.. فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة. ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة. فهى على حالها. لم يخرج بها مصلح فيخبر عن صلاحها. ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها. ولا يدرى أللذكر خلقت أم الأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أو لا ترى لها مدبرا ؟ فأطرق الديصانى ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدا عبده ورسوله. وأنك إمام وحجة من الله على خلقه. وأنا تائب مما كنت فيه). * * * قصد إليه في مجلسه ذات يوم نفر من المعتزلة يطلبون إليه بيعة " محمد بن عبد الله " النفس الزكية. فطلب إليهم أن يختاروا واحدا منهم ليناظره. فاختاروا زعيم المعتزلة عمرو بن عبيد. وظاهر أن تاريخ ذلك المجلس كان معاصرا لرفض الإمام الصادق أن يبايع يوم الأبواء قبل قيام الدولة العباسية سنة 133. فلقد كان عمرو بن عبيد من أنصارها. له صلة خاصة بالمنصور، واشتهر عنه أنه لم يبايع محمدا وقال إنه لم يختبر عدله، وربما كان ذلك المجلس في إثر مقتل الوليد ابن يزيد سنة 126، أو فترة الحروب الأخيرة لبنى مروان، التى قامت على أثرها الدولة العباسية. قال عمرو: قتل أهل الشام خليفتهم وضرب الله بعضهم بقلوب بعض وشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروءة

[ 171 ]

وهو محمد بن عبد الله بن الحسن. فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه.. وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك. فإنه لا غناء لنا عنك لفضلك. قال الصادق: إنا نسخط إذا عصى الله. فإذا أطيع الله رضينا. أخبرني يا عمرو: لو أن الأمة قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة فقيل لك ولها من شئت. من كنت تولى ؟ قال عمرو: كنت أجعلها شورى بين المسلمين. قال الصادق: بين كلهم ؟ قال نعم. قال قريش وغيرهم ؟ قال عمرو: العرب والعجم. قال الصادق: يا عمرو: أتتولى أبا بكر وعمر أم تتبرأ منهما ؟ قال أتولاهما. قال الصادق: يا عمرو إن كنت رجلا تتبرأ منهما فإنه يجوز الخلاف عليهما. وإن كنت تتولاهما فقد خالفتهما. فقد عمد عمر إلى أبى بكر فبايعه ولم يشاور أحدا. ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا. ثم جعلها عمر شورى بين ستة فأخرج منها الأنصار. ثم أوصى الناس بشئ. وما أراك ترضى به أنت ولا أصحابك. قال عمرو: وما صنع ؟ قال الصادق: أمر صهيبا أن يصلى بالناس ثلاثة أيام. وأن يتشاور أولئك الستة ليس فيهم أحد سواهم الا ابن عمر يشاورونه وليس له من الأمر شئ. وأوصى من بحضرته من المهاجرين والأنصار إن مضت الثلاثة ولم يفرغوا ولم يبايعوا أن يضرب أعناق الستة. وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضى ثلاثة ايام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين. أفترضون بهذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين ؟. قال: لا. قال الصادق: أرأيت لو بايعت صاحبك الذى تدعو إليه ثم اجتمعت لكم الأمة ولم يختلف منهم رجلان. أفمضيتم إلى المشركين ؟

[ 172 ]

قال: نعم. قال الصادق: فتفعلون ماذا ؟ قال عمرو: ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية. قال الصادق: فإن كانوا مجوسا وعبدة النار والبهائم وليسوا أهل الكتاب ؟ قال عمرو: سواء... وبعد محاورة في شأن الجزية والصدقات أقبل على عمرو والناس وقال (اتق الله يا عمرو. وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله. فإن أبى حدثنى وكان خير أهل الأرض وأعلم بكتاب الله وسنة رسول الله أن رسول الله قال (ومن ضرب بسيفه ودعاهم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف). مع القرآن: كان جده على يقول (سلونى عن كتاب الله. فو الله ما من آية إلا أنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، في سهل نزلت أم في جبل) فلقد كان دائما إلى جوار الرسول. وهو باب مدينة العلم. والإمام جعفر يصدر من المنبع ذاته. يقول مثل جده على " كان أصحاب محمد يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل. إن القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلا. وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فقف عندها وأسأل الله تعالى. وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار ". للقرآن عنده المقام الأول. يسأل عمن يؤم القوم فيجيب (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يتقدم القوم أقرؤهم للقرآن. فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة. فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا. وإن كانوا في السن سواء فأعلمهم بالسنة، وأفقههم في الدين. ولا يتقدمن أحد الرجل في منزله. وصاحب السلطان في سلطانه). ونصوص القرآن حاضرة كلما أراد أن يدلى بحجة. وهو في قمة البلاغة العربية تسعفة اللغة. لا يلجأ إلى التأويل بديلا من التفسير. فهو في فهم النصوص أنفذ بصيرة. لم يعلم له تفسير نوقض فيه. والتفسير بتخريج مجازات

[ 173 ]

القرآن لا يقدر عليه الا البلغاء (1). ومن القرآن ينبثق فقه الإمام في كل باب: يسأله سائل عن قوله تعالى (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) فيجيب: من أخرجها من هدى إلى ضلال فقد - والله - قتلها. - ويجيئه زنديق يسأله عن تفسير قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وقوله تعالى في آخر السورة (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) فيفحم الإمام الزنديق فيقول: " أما قوله فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإنما عنى النفقة. وأما قوله ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فإنما عنى المودة. فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة). - ويقول عن الرزق الذى يحض الله على الإنفاق منه (ومما رزقناهم ينفقون) فيفسرها " ومما علمناهم يبثون " فالعلم رزق. وإذاعته إنفاق واجب. - ومن تعبيره عن حجية القرآن أبدا يسأله السائل: لم صار الشعر والخطب يمل ما أعيد منهما والقرآن لا يمل ؟ فيجيب: (لأن القرآن حجة على أهل العصر الثاني كما هو حجة على أهل العصر الأول. فكل طائفة تراه عصرا جديدا. ولأن كل امرئ في نفسه، متى أعاده وفكر فيه، تلقى منه في كل مدة علوما غضة. وليس هذا كله في الشعر والخطب (2).


(1) في القرآن مجاز كثير مثل عرض الأمانة على السموات والأرض، يفسرها بعض العلماء أنها الطاعة. ومثل يد الله فوق أيديهم يفسرها البعض بأنها القدرة - وهؤلاء المخرجون يبدأون من أن (الله ليس كمثله شئ) والآخذون بالتأويل يبدأون من ذلك المبدأ ثم يؤولون الآيات المتشابهة على أساس الآيات المحكمة. كقوله تعالى (إلى ربها ناظرة) يفسرونها على أساس قوله (لا تدركه الأبصار) فيكون المقصود الرضى عنها. وللمؤولين تفاسير كثيرة ألقى كثير منها في غياهب الإهمال وبخاصة تفاسير المعتزلة، بقى منها الكشاف للزمخشري الفقيه الحنفي، وللبلاغة العربية فيه أعظم مكان.. (2) يروى الشاطبي - في كتابه الاعتصام - ما يوضح حاجة العصور كافة لهدى القرآن: رووا للأوزاعي (157) قول أحد الصحابة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بزمان: (لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة) فقال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم ؟.. كان ذلك في منتصف القرن الثاني للهجرة وفيه تابعو التابعين - فكيف الأمر فيما تلاه من قرون وقرون. (*)

[ 174 ]

- ويقول المفضل: قلت، أخبرني عن قول الله عز وجل (وجعلها باقية في عقبه) قال: (يعنى بذلك الإمامة) جعلها في عقب الحسين إلى يوم القيامة) فقلت فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعا ولدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة ؟ فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين أخوين فجعل الله النبوة في صلب هارون دون صلب موسى. ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك. فإن الإمامة خلافة الله عز وجل جعلها في صلب الحسين دون صلب الحسن لأن الله هو الحكيم في أفعاله. لا يسأل عن فعله وهم يسألون. - ويعلن الامام رأيه بوجوب الإمامة. فيسأله السائل عن منزلة الأئمة. ومن يشبهون ؟ فيقول: كصاحب موسى وذى القرنين. كانا عالمين. ولم يكونا نبيين. (1) - وفي قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت) يقول الإمام " وهل يمحو الله إلا ما كان ثابتا. وهل يثبت الله إلا ما لم يكن " ويقول (لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) وإنما يقصد استجابة الله لدعاء العباد. وفي ذلك قوله (ما عظم الله بشئ مثل البداء). - ويسأله عمرو بن عبيد عن الكبائر " من كتاب الله ". فيسردها، ويضع في جوار كل كبيرة النص عليها من الكتاب العزيز فهى:


(1) يحدد الصادق الإمامة بتشبيه قرآني يفسر وجوبها، إذ يسأل عن حديث الرسول " من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية " هل هي ميتة كفر ؟ فيجب " ميتة ضلال " - وكذلك يحدد جده زين العابدين معنى العصمة بحد قرآني إذ يسأل عن معنى المعصوم فيقول (هو من اعتصم بحبل الله المتين أي القرآن. فلا يفترق الإمام عن القرآن إلى يوم القيامة فالإمام يهدى الناس إلى القرآن والقرآن يهدى الناس إلى الإمام بقوله تعالى (إن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم..) ويلاحظ أن الذى فتق الكلام في الإمامة وفصل وأصل فيها هم تلاميذ الإمام. وربما بدأ الكلام فيها في عهده كما يقول المستشرق رونالدسن. أما التعريفات الوافية فتنسب إلى الإمام الرضا (202) حفيد الامام الصادق يقول الإمام الرضا (الامامة منزلة الأنبياء. ووراثة الأوصياء. الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول. والإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين) والماوردي من فقهاء أهل السنة يحدد غرضها فيقول (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا). (*)

[ 175 ]

الشرك: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) اليأس من روح الله: (لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون). عقوق الوالدين: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا). قتل النفس: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) قذف المحصنات: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة). أكل مال اليتيم: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا). أكل الربا: (الذين يأكلون الربا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس). الفرار من الزحف: (ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير). السحر: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق). الزنا: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا). اليمين الغموس: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم). الغلول: (ومن يغلل يأت مما غل يوم القيامة). منع الزكاة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). كتمان الشهادة: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). شهادة الزور: (والذين لا يشهدون الزور). نقض العهد وقطيعة الرحم: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون). كفران النعمة: (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). نحس الكيل: (ويل للمطففين).

[ 176 ]

وترك الصلاة: (....) واللواط: (....) وقول الزور: (....) وشرب الخمر: (....) والبدعة: (....) - ومن علم الامام جعفر بالقرآن أخذ القراءت عليه حمزة بن حبيب التيمى. وفيها مد وإطالة وسكت على الساكن قبل الهمز * * * - وفي صفات الله يقول الإمام لعبد الملك بن أعين (تعالى الله الذى ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. تعالى عما يصفه الواصفون المشبهون لله بخلقه.. إنا المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله عز وجل فانف عن الله تعالى البطان والتشبيه فلا نفى ولا تشبيه.. هو الله الثابت الموجود). ويقول لمن سأله هل رأى رسول الله ربه (نعم لقد رآه بقلبه - أما ربنا جل جلاله فلا تدركه أبصار الناظرين ولا تحيط به أسماع السامعين). وسأله الأعمش - شيخ المحدثين - عن مكان الله فقال: (لو كان في مكان لكان محدثا). ولما سئل عن استوائه على العرش قال: (إنه يعنى أنه لا شئ أقرب إليه من شئ). سئل عن قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) فقال (العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسي وعاؤه. وفي وجه آخر هو العلم الذى أطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه. والكرسي هو العلم الذى لم يطلع عليه أحدا من أنبيائه ورسله وحججه). وسئل عن قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) وقول البعض إن العرش كان على الماء والرب فوقه ؟ فأجاب (كذبوا من زعم هذا فقد صير الله محمولا، ووصفه بصفة المخلوق ولزمه أن الشئ الذى يحمله أقوى منه). وواضح من ذلك نهى الإمام عن التجسيد والتشبيه وتصحيحه أفهام تلاميذه. كيوم جاءه يونس بن ظبيان يقول: إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما..

[ 177 ]

يزعم أن الله تعالى جسم ! قال الإمام (ويله أما علم أن الجسم محدود متناه. فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان. فإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخولقا !). - وواضح منحى الإمام في الاحتجاج بنظام الكون، ونظام الجسم الإنساني، وبالعقل وهو درس من جده على يلفت النظر إلى بديع صنع المبدع جل جلاله. وفي ذلك قول على: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ؟ يجئ الإمام رجل من أهل مصر أوصى أخوه للكعبة بجارية مغنية فارهة كانت له فقيل له ادفعها إلى بنى شيبة (وفيهم سدانة الكعبة). واختلف الناس في أداء الوصية. وأخيرا أشاروا عليه أن يأتي الإمام. قال الإمام (إن الكعبة لا تأكل ولا تشرب وما أهدى إليها فهو لزوارها. فبع الجارية وناد: هل من محتاج ؟ فإذا أتوك فسل عنهم وأعطهم). - ويسأل عن القضاء والقدر فيجيب (هو أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض) (1) ويحسم القضية بين الجبرية والقدرية فيقول (ما من قبض ولا بسط إلا لله فيه مشيئة ورضاء وابتلاء).


(1) الجبر أن الإنسان مجبر على أعماله. والتفويض أن الإنسان مخير فيها. وهما نظريتان لمفكرين كانو أحياء في بدايات حياة الامام - قال بالجبر الجعد بن درهم متأثرا بقول بيان ابن سمعان. وقال بالتفويض غيلان الدمشقي ومعبد الجهنى - وقد قتل الأربعة. الأولان قتلهما خالد بن عبد الله القسرى والى بنى أمية. والأخير ان قتل الأول منهما هشام بن عبد الملك. أما معبد فقتله الحجاج لخروجه عليه في فتنة ابن الأشعث. وتابع جهم بن صفوان الجعد. وقد قتله سالم بن أحوز المازنى بمرو في أواخر أيام بنى أمية. وفي حياة الامام الصادق ازدهرت نظرية الإرجاء إلى الله، حتى يكون يوم الحساب، فيحاسب الناس على عملهم مع وجوب قيامهم بالعمل الصالح. قال بها سعيد بن جبير وجماد ابن أبى سليمان شيخ أبى حنيفة. ومقاتل بن سليمان - وهو من السابقين الأولين في التفسير - هؤلاء مرجئة السنة. أما مرجئة البدعة فيرجئون الحساب ولا يوجبون العمل الصالح. والأولون يقولون إن الله يعاقب مرتكب الكبيرة لكنه قد يغفرها ولا يكفره الناس في الحياة الدنيا لذلك الأمل. (*)

[ 178 ]

يسأل عن الجبر والتفويض جعلت فداك. أجبر الله العباد على المعاصي ؟ فيجيب: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها. فيقول السائل: جعلت فداك ففوض إليهم ؟ فيجيبه لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهى. فيقول السائل جعلت فداك فبينهما منزلة ؟ فيجيب (نعم. ما بين السماء والأرض). وفي مجلس آخر يسأله السائل: وما أمر بين أمرين ؟ فيجيب (مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته. فتركته. ففعل تلك المعصية. فليس، حيث لم يقبل منك فتركته، كنت أنت الذى أمرته بالمعصية). ويقول لسائل آخر (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله. ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه. ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله. ومن كذب على الله أدخله النار). ويقول (إن الله أراد منا شيئا. وأراد بنا شيئا. وما أراده منا أظهره لنا. فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا). مع اهل الكوفة وابى حنيفة: ولقد يقول له قائل: إن لى جارا يزعم أنك تبرأ من أبى بكر وعمر ! فيجيب: برئ الله من جارك. والله إنى لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبى بكر. أو يسأله السؤال ذاته سالم بن أبى حفصة فيجيب بما أجاب أبوه الباقر (يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما. فإنهما كانا إمامى هدى رضى الله عنهما). يقول سالم قال لى جعفر (أيسب الرجل جده ؟ أبو بكر جدى. لا نالتنى شفاعة محمد يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما). ولقد كان لجده زين العابدين ابن أسماء عمر. وكان زين العابدين يترحم على أبى بكر وعمر وعثمان. ويقول أبو حنيفه (أستأذنت عليه فحجبتي. وجاء قوم من أهل الكوفة استأذنوا لهم فدخلت معهم. فلما صرت عنده قلت:

[ 179 ]

يا ابن رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ - فإنى تركت فيها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم ! فقال: لا يقبلون منى. فقلت: ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول الله ؟ فقال الصادق: أنت أول من لا يقبل منى. دخلت بغير إذنى. وجلست بغير أمرى. وتكلمت بغير رأيى. وقد بلغني أنك تقول بالقياس. فقلت: نعم أقول به. فقال: ويحك يا نعمان أول من قاس إبليس حين أمر بالسجود لآدم فأبى وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين. أيهما أكبر يا نعمان القتل أم الزنا ؟ قلت القتل. قال: فلم جعل الله في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة ؟ أيقاس لك هذا ؟ قلت لا. قال: فأيهما أكبر البول أو المنى. قلت البول. قال: فلماذا أمر في البول بالوضوء وأمر في المنى بالغسل. أيقاس لك هذا ؟ قلت: لا. قال أيهما أكبر الصلاة أم الصوم ؟ قلت: الصلاة. قال: فلم وجب على الحائض أن تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة ؟ أيقاس ذلك ؟ قلت لا. قال: فأيهما أضعف المرأة أم الرجل قلت المرأة. قال: فلم جعل الله للرجل سهمين في الميراث وللمرأة سهما ؟ أيقاس ذلك ؟ قلت: لا. قال: وقد بلغني أنك تقرأ أية من كتاب الله (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم): أنه الطعام الطيب والماء البارد في اليوم الصائف. قلت: نعم. قال: لو دعاك رجل وأطعمك وسقاك ماء باردا، ثم امتن عليك. ما كنت تنسبه إليه ؟ قلت: البخل. قال: أفبخل علينا ؟ قلت فما هو:

[ 180 ]

قال حبنا أهل البيت (1).


(1) يلاحظ أن مدرسة المحدثين ضائقة الصدر بالقياس. و مدرسة المدينة، وعلى رأسها مالك، تقدح في أهل العراق لكثرة إبداء الآراء باستعمال القياس ولئن كان لنا أن نلاحظ تأثر أبى حنيفة الكامل بمنهج الامام الصادق في الاعتبار باآيات الدالة على الحقائق (أبو حنيفة - بطل الحرية و التسامح في الإسلام للمؤلف صفحة 178 طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) أو تأثر مالك بمنهج الامام الصادق في عدم المجازفة بالرأى (مالك ابن أنس المؤلف صفحة 76 وما بعدها طبعة دار المعارف) إننا نقطع كذلك بأثره في النهى عن القياس. فلقد نفع النهى القياسين أنفسهم فضبطوا القياس وتحروا كل الدقة فيه ليتفادوا المجازفة ثم جاء الشافعي فأصله وقعده. وهو القائل " والاجتهاد القباس ". يقول الفخر الرازي " العجيب أن أبا حنيفة كان تعويله على القياس و خصومه يذمونه بسبب كثرة القياسات. ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه صنف في إثبات القياس ورقة. ولا أنه ذكر في تقريره شبهة. فضلا عن حجة. ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه في إنكار القياس بل أول من قال في هذه المسألة وأورد فيها الدلائل هو الشافعي ". فأبو حنيفة استعمل القياس والشافعي استعمله وأصله وقعد القواعد العاملين به. ولقد أفاد الشيعة كثرة ما آل إليهم من السنة ونصوص الحديث فلم يلجأوا للقياس، كما كانت قواعدهم الأخرى كافية لبلوغ غرضهم. ومن أسباب الاقبال على القياس في العراق قلة ما سلموه من نصوص السنة. وانما اتسع فقه أحمد بن حنبل بكثرة السنن التى جمعها واعتمد أصحابه عليها - مع تعويله على أصل الصحابة فزاد مصادر الفقه أصلا بتمامه. والقياس الذى يلجأ إليه المجتهدون من أهل السنة. هو إلحاق أمر لم يرد في حكمه نص أو إجماع بأمر ورد في حكمه نص أو اجماع لاشتراكهما في المعنى الذى شرع هذا الحكم من أجله فثمة أركان أربعة: الأصل وهو النص والفرع وهو الأمر الذى لم يرد في حكمه نص. والمعنى: الذى من أجله شرع الحكم. والمطلوب وهو الحكم. وهم يضعون للقياس شروطا: 1 - أن يكون حكم الأصل ثابتا بنص في الكتاب أو السنة أو الاجماع. 2 - أن يكون لحكم الأصل علة يدركها العقل. فمن الاحكام ما هو تنفيذي لا يجوز القياس فيه. كتحديد عدد الركعات. ومقدار الأنصباء في الاموال التى تجب فيها الزكاة وتحديد عدد الطواف حول الكعبة. فهذه مقدرات لا يقاس عليها لأن العقل لا يدرك علية مقاديرها. وجميع الأحكام إلا قليلا منها، كالتى سبق، يمكن للعقل إدراك المعاني التى شرعت الأحكام لأجلها. 3 - أن يتساوى الفرع والاصل في المعنى الذى شرع حكم الأصل من أجله. وإلا كان القياس فيه مع الفارق. وأن يكون المعنى ظاهرا. لأنه معرف للحكم الخفى والخفى لا يعرف الخفى. 4 - أن لا يكون في الفرع نص أو إجماع يدل على حكم يخالف القياس. = (*)

[ 181 ]

والمسلمون يرفعون أبا حنيفة إلى مكانته العليا بين كبار المجادلين من أهل الإسلام، ولا يجدونه ساكتا في يوم من الأيام، كهيئة ما كان في ذلك المقام. فأما تفسير القرآن بما ينفى البخل عن المعطى جل شأنه فحجة الصادق فيه لا راد لها. واما حجاجه بعدم طاعة أهل الكوفة فظاهر لأبى حنيفة، إمام الكوفة في الفقه والأدب الدينى والاجتماعي، الذى دخل وجلس وتكلم، دون أن يطيع، ثلاث مرات. اما أسئلته عن القياس فقد وضعت القياس موضع التهمة. ولم يحر أبو حنيفة جوابا، وهو المقتدر. ولو سأل الصادق أبا حنيفة عن حكمة كل حكم لأجاب وأضاف: أن كل ذلك ليس يمنع القياس عنده. وربما كان أبو حنيفة يومذاك كهيئته يوم سكت عن الرد بأن الظبى لا تكون له رباعية، مخافة أن يظن به ظان أنه يريد ردا على الإمام، في حين أنه قد جاء إلى مجلسه ليتعلم. أو إجلالا منه لمقام الإمام وهو بين يديه. فذلك أدب الأئمة الذى جعل الشافعي وهو يصلى عند قبر أبى حنيفة لا يرفع يديه ويقول: (أدبا مع هذا الإمام أن أظهر خلافه بحضرته). طعم أبو حنيفة يوما مع الإمام الصادق - فرفع الإمام يده حمد الله ثم قال: اللهم هذا منك ومن رسولك. قال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله أجعلت مع الله شريكا ؟ قال الإمام: إن الله يقول في كتابه (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ومن فضله) فقال أبو حنيفة " لكأنى ما قرأتها قط في كتاب ولا سمعتها إلا في هذا الموقف.


= 5 - أن لا يكون حكم الاصل خصوصية من الخصوصيات كاختصاص الرسول بزواج من زدن على الأربع. واختصاص خزيمة بأن تعدل شهادته رجلين وأن لا تكون العلة قاصرة على الأصل لا يمكن تعدية حكمها إلى الفرع. وبالقياس أمكن أهل السنة البناء على النصوص واستعمال العلل في تحقيق مقاصد الشارع. (*)

[ 182 ]

ولقد يدخل عليه سفيان الثوري وفيه قول القائل (ما رأيت الغتى أذل منه في مجلس الثوري ولا الفقير أعز منه في مجلس الثوري). والذين يجلون ورع الإمام أحمد بن حنبل يشبهونه فيه بسفيان الثوري. وسفيان الثوري يسمى (أمير المؤمنين في الحديث). وحسبه أن يكون من تلاميذه في الحديث ابن جريح إمام مكة والأوزاعي إمام الشام ومالك بن أنس إمام المدينة، وابن اسحق امام المحدثين في السيرة. وهو فوق كل ذلك إمام عامل. رمى كتاب المهدى له في دجلة - وفيه توليته للقضاء - وهرب من السلطان فولى شريكا بدله. وكان سفيان كثير المغاضبة للخلفاء - ولهذا كثر ما كان الخليفة يطلب دمه، وكان يختفى عن عيونه. يستأذن سفيان على الإمام. فلا يرفض الإذن بل يدخله ليعلن له أن ظهوره في المجلس العلمي، وهو مختف، أمر غير سائغ. صيانة للمجلس العلمي من أن يكون مجلس المطلوبين، وحماية للمطلوب ذاته. وحفظا لعلاقة الإمام بالخليفة. ومع ذلك لا يضن الإمام عليه بالحكمة. يقول ابن أبى حازم: (كنت عند جعفر الصادق يوما وإذا بسفيان الثوري بالباب فقال: إيذن لى. فدخل. فقال له جعفر: إنك رجل يطلبك السلطان في بعض الأحيان. ونحضر عنده وأنا أتقى السلطان. فأخرج عنى غير مطرود. قال سفيان: " حدثنى حديثا أسمعه وأقوم ". قال الإمام (حدثنى أبى عن جدى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله. ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن حزنه أمر فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله) طلب إليه سفيان يوما أن يعظه. فقال: يا سفيان لا مروءة لكذوب ولا أخ لملول. ولا راحة لحسود. ولا سؤدد لسئ الخلق). فقال سفيان زدنى. قال (يا سفيان ثق بالله تكن مؤمنا. وارض بما قسم الله تكن غنيا. وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما. ولا تصحب.

[ 183 ]

الفاجر يعلمك فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل). فاستزاده سفيان فقال (من أراد عزا بغير عشيرة، وغنى بغير مال، فلينتقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته). فإذا أوصى زرارة عندما ولى القضاء، ذكره حساب السماء، قال (إنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم) فالقضاء أمانة الله. وإذا كان القاضى يجرى عليه قضاء الله فهو مسئول عما يجرى به قضاؤه على غيره. ويوصى الإمام ابنه موسى الكاظم فيقول: (يا بنى. من رضى بما قسمه الله له استغنى. ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا. ومن لم يرض بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه. ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره. يا بنى: من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن سل سيف البغى قتل به. ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها. ومن داخل السفهاء حقر. ومن خالط العلماء وقر. ومن دخل مداخل السوء اتهم. يا بنى: إياك أن تزرى بالرجال فيزرى بك. وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك. يا بنى قل الحق لك أو عليك. يا بنى: كن لكتاب الله تاليا وللإسلام فاشا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا. ولمن قطعك واصلا. ولمن سكت عنك مبتدئا. ولمن سألك معطيا. وإياك والنميمة. فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف). وتصبح هذه الوصية تراثا للأئمة بعده. فيعلن الإمام الثامن (على الرضا) أنه (ما ترك هذه الوصية إلى أن توفى) * * *

[ 184 ]

ولقد يفد على المجلس الكميت - شاعر أهل البيت - كما كان يدخل على زين العابدين (1) والإمام يعرف انبعاث الشاعر. ويخشى عليه من الخيال الصادق في تصوير ظلم يعانيه أهل البيت. وشعر الكميت من أسير الشعر في الأدب العربي - والبرد تنقل للخليفة الخبء من أي شئ - فيستأذن الكميت الإمام قائلا: جعلت فداك. ألا أنشدك ؟ فينبهه. الإمام قائلا: " إنها أيام عظام. " فيقول الكميت عن القصيدة: إنها فيكم. ويقول الإمام: هات فينشده قصيدتة التى مطلعها: الأهل عم في رأيه متأمل وهل مدبر تعد الإساءة مقبل إلى أن قال: كلام النبيين الهداة كلامنا وأفعال أهل الجاهلية تفعل رضينا بدنيا لا نريد فراقها على أننا فيها نموت ونقتل ونحن بها مستمسكون كأنها لنا جنة مما نخاف ونعقل


(1) دخل الكميت على زين العابدين فأنشده قصيدتة التى مطلعها من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام وقال الإمام: ثوابك نعجز عنه لكن الله لا يعجز عن مكافاتك. اللهم اغفر للكميت. ثم قسط على نفسه وعلى أهله أربعماتة ألف درهم. أعطاه القسط الأول. قائلا: خذ يا أبا المستهل. قال الكميت لو وصلتني بدانق كان شرفا لى ولكن إن أحببت أن تحسن إلى فادفع لى بعض ثيابك، التى تلى جسمك أتبرك بها. فنزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال: اللهم إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس. وأظهر ما كتمه غيره من الحق فأحيه سعيدا. وأمته شهيدا. وأراه الجزاء عاجلا وأجزل له المثوبة آجلا. فإنا قد عجزنا عن مكافاتة - قال الكميت فيما بعد: فما زلت أعرف بركات دعائه. ولئن كان عطاء الشعراء جوائز تشجيع لهم إن تقسيط العطاء آية سخاء في التشجيع، وارتباط طويل بالمودة بين من قرض الشعر وبين من أجازه. وتعجيل العطاء بالاستدانة درس تعلمه زين العابدين على جده - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث شهرا ما يستوقد نارا، إن هو إلا التمر واللبن. ومع ذلك لا يرد أحدا يسأله، بل يعطيه إذا كان عنده وإلا وعده. وذات يوم جاء رجل. فقال: عليه الصلاة والسلام " ما عندي شئ. ابتع على فإذا جاء شئ قضيناه ". قال عمر يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ما قال عمر. وقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذى العرش إقلالا. فتبسم صلى الله عليه وسلم. وقال " بهذا أمرت ". (*)

[ 185 ]

فكثر ابكاء وارتفعت الأصوات إلى أن قال: كأن حسينا والبها ليل حوله لأسيافهم ما يختلى المتبقل فلم أر مخذولا أجل مصيبة وأوجب منه نصرة حين يخذل فرفع جعفر الصادق يديه وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر. وما أسر وما أعلن. وأعطه حتى يرضى. ثم أعطاه ألف دينار وكسوة. قال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردتها لأتيت من هي لديه، ولكني أحببتكم للآخرة. فأما الثياب التى أصابت أجسامكم فإنى أقبلها لبركتها. أما المال فلا أقبله. المذهب الجعفري أخرج الحكام في تاريخ بالإسناد إلى أبى بكر عن رسول الله قال (من كتب على علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقى ذلك العلم أو الحديث). وأجمع أبو بكر أيام خلافته على تدوين الحديث فجمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا. قالت عائشة. فغمنى تقلبه. فلما أصبح قال لى: " أي بنية هلمى الأحاديث التى عندك " فجئت بها فأحرقها. وعن الزهري عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما فقال (إنى كنت أريد أن أكتب السنن. وإنى ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله. وإنى والله لا أشوب كتبا الله بشئ أبدا). لكن عليا دون. وخلف في شيعته طريقة (التدوين). فلقد كان على ثقة من طريقته. وهو الذى يقول فيه الرسول (على مع القرآن

[ 186 ]

والقرآن مع على ولن يفترقا حتى يردا على الحوض) وعنه قال الرسول (يا معشر قريش. والله ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان فيضربكم على الدين قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال لا. ولكن ذلك الذى يخصف النعل) وكان على يخصف نعلا للنبى عند ذلك. وبالتدوين الفقهى استقر المذهب في صدور الحفظة والنقلة، من على إلى بنيه، فبنيهم، وبخاصة زين العابدين وزيد والباقر والصادق. ثم عملت مجالس الإمام الصادق في نشره كمثل عمل التدوين في استقراره. وأدرك الأئمة الذين تلمذوا له وتلاميذهم أمورا ترفع مجلس الصادق فوق المجالس، سواء مجالس أهل السنة أو " أهل البيت " منها: 1 - أن الذى يلقى هذا العلم إمام موصى إليه " باسمه " من أبيه. وبهذا ينماز من عمه زيد بن على صاحب المذهب الزيدى ومن غيره من الشيعة. 2 - أن هذا الإمام يقف بين العلماء جميعا في مكان خاص. فالسنة عند الشيعة بعد موته تثبت عن طريقه - إلا ما ندر - فعنه يروى آلاف، وعنهم جاءت الأحاديث المروية في كتبهم. 3 - أن الآراء الفقهية في أصول الدين وأصول الفقه وفروع المعاملات والعبادات سيراها اللاحقون منسوبة إليه. وربما اقترن به أبوه الباقر، أو أشير إلى رأى جده، السجاد، لكن نبع العلم منه هو الأشهر والأكثر. وإذا لم يعرف التاريخ إماما في السنن من درجته أو إماما في الفقه من مرتبته. فالتاريخ - كذلك - لا يعرف إماما اجتمعت له الإمامتان مثله، 4 - أنه الإمام الذى يوثقه أئمة المسلمين جميعا. ويستوى في ذلك من أهل السنة أئمة الرأى فهم تلاميذه، وأئمة الحديث فهو في القمة منهم.

[ 187 ]

وروايته للحديث يوثقها واضع الأساس العلمي لقبول الحديث " الشافعي "، وعلماء الجرح والتعديل كيحى بى معين وأبى حاتم والذهبي وابن حنبل والآخرين وتتردد في كتب الصحاح أحاديثه. كما يبايعه إمام أهل البيت الذى سبق بفرقة عظيمة وفقه خالد. عمه زيد بن على زين العابدين، صاحب " المذهب الزيدى ". ويضعه موضع الإمامة فيقول في كل زمان رجل من أهل البيت يحتج به الله على خلقه وحجة زماننا ابن أخى جعفر لا يضل من كان من شيعته ولا يهتدى من خالفه). 5 - أن هذا الإمام هو أول وآخر واحد من صلب آبائه وأجداده من الله عليه بهذه الفرصة: أواخر الدولة المروانية المشغولة عنه بتثبيت دعائمها المهتزة، وأوائل عهد الدولة العباسية، التى تمد إليه بسبب، من الإسلام أو الخصام، وآصرة من النسب، تخدمانه أو تخدمانها - وهى ترفع شعار أهل البيت والدفاع عن الدين - وبهذا أتيحت له حرية الجلوس لكل الناس، والتدريس لكل العلوم، وأن تسيل الأ باطح بأعناق المطى إليه من بقاع العالم، في حقبة ممتازة من التاريخ العالمي والإسلامي. 6 - أنه الإمام الذى طمأن الخلفاء (الملوك) في الدولتين، وكانوا سفاحين غلاظ الأكباد. فهو كما يقول الشهرستاني أبو نعيم في الملل و النحل وحلية الأولياء (ما تعرض للإمامة قط ولا نازع في الخلافة أحدا. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط. ومن تعلى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط) 7 - أنه الإمام الذى أتيح له على مدار ثلث قرن من الزمان بعد موت أبيه سنة 114 أن يكون " الإمام ". فامتد به عصر سلام، ضروري لنشر العلم، باطمئنان طالبه، وواهبه، والدولة التى ينتشر في رعاياها. * * * هذه العناصر التى لم تجتمع لواحد من آبائه أو أبنائه جميعا، هي التى سوغت لمن تبع فقهه من الشيعة أن يطلقوا على مذهبه المذهب (الجعفري). وما هو في

[ 188 ]

صميمه إلا " مذهب على ". وإنما تخول السماء بركاتها لبعض الأسماء في شكل حظوظ. وكان الإمام جعفر الصادق جدير ابنعمة السماء قدر ما صدق وكافح في خدمة الإسلام. وما كان على بحاجة إلى ما يخلد اسمه. فالإسلام في أعظم أيامه يقترن باسم على، قدر ما اقترن اسم على بالنبي وبيت النبي. والمذهب يحمل اسم جعفر لأنه صاحب مدرسة سقيت منه السنة الصحيحة، ومصادر الفقه العظيم، والمنهاج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذى نهجه تابعوه، وروى ذلك كله الآلاف. وروى عنهم أمثالهم. وفي الجدود، بمعنى الحظوظ، جد وجد لكنها ليست خبط عشواء: فاسم أمريكا قد خلد اسم أمريجو قسپوتشى، لأن أمريجو قسپوتشى كان كاشفا حقيقيا لبعض شواطئها سنة 1499. ولم يغمط حظ الكاشف الثاني حق كرستوفر كولمبس، الكاشف الأول لها في سنة 1493. فاسم كولومبوس ما يزال يجرى على كل لسان على أنه كاشف العالم الحديث. والتاريخ - كله - يقدمه على قسپوتشى. ولسنا في مقام مقارنات برجال، فعلى وجعفر فوق المقارنات، بما قدموا للعالم كله - وسيطه وحديثه - من عناصر الحضارة، التى نقلت العالم من جهالات العصور القديمة وظلمات العصور الوسطى، إلى الحضارة المعاصرة، على عجلات التقدم، يحركها العلم الصحيح، والاجتهاد الذى لا يتوقف. وكسب الأمم من علم الأئمة. كاقتران أسماء أصحاب الكشوف بكشوفهم وأرباب الابتكارات بفتوحهم، ليس صدفة. ولا محض جزاء. وإنما هو توفيق من الله للإنسانية وللناس، لتكريم أمم، ورجال، فتحوا أرض الله لعباده. أو مكنوههم من أنعم السماء، أو سنن الأنبياء، ليشجع الشجعان، ويستمر ضوء الفكر الإنساني في إشراقه. حفزا للعزائم وظهورا للعم.

[ 189 ]

ومنذ القرن الميلادى الماضي يطلق العلماء أسماء الرجال الذين يسروا للناس أسرار الطبيعة على مقاييس الطبيعة: الوات نسبة إلى Watt والفرد نسبة إلى Faraday والأمبير نسبة إلى Ampere والفولت نسبة إلى Volta والأهم نسبة إلى Ohm والميجاهرتز نسبة لهزتز Hertz رونتجن نسبة إلى. Rontigen وهم إنجليزيان وفرنسي وإيطالي وثلاثه من الألمان. وأين تجربة أو تجارب أو كشف أو كشوف من شريعة بتمامها، وإمام في الصدر من أئمتها، وطأ نصوصها، وأصل أصولها، وقعد القواعد لها، وأقام عليها دولا باقية بقاء الزمان، ومجتمعات خالده بخلود الإسلام، ينسب المذهب فيها إلى صاحبه، فيكون المذهب " الجعفري " أو المذهب " الإمامي " المنسوب إلى الإمام جعفر وإلى القول " بإمامة الأئمة الاثنى عشر ".

[ 191 ]

القسم الثاني الباب الرابع المدرسة الكبرى الباب الخامس المنهج العلمي الباب السادس الى الرفيق الأعلى

[ 193 ]

الباب الرابع المدرسة الكبرى يا أهل بيت رسول الله حبكمو فرض من الله في القرآن أنزله كفا كمو من عظيم القدر منزلة من لم يصل عليكم لا صلاة له (الشافعي)

[ 195 ]

مقدمة: في هذا الباب محاولة لرسم خطوط تفريبية للبنيان العظيم لفكر الشيعة الجعفرية (الاثنا عشرية أو الإمامية) الذى كان الإمام الصادق في طليعة بناته، والذى يحمل اسمه، وإن شاركت في رفع صرحه مدرسة كاملة من السابقين عليه، والآخذين إخذه، من تلاميذه وتلاميذهم. بدأت بالنبي عليه الصلاة والسلام، مدينة العلم، وعلى بابها. وتتابع فيها الصحابة العظماء، والتابعون وتابعو التابعين. وفي الأجيال الثلاثة الإمام على والحسن والحسين ثم زين العابدين فالباقر فالصادق. ثم تلمذ للإمام الصادق فريق المخضرمين ممن تعلموا على أبيه أو أبيه وجده، ومن الشباب الذين تعاونت قرائحهم في تفتيق الكلام في العقيدة، وتشقيق المعاني في الفقه، ليصبحوا للذين جاءوا بعدهم، حتى اليوم، علامات على الطريق. وفي مشيخة هذه المدرسة ورد الفصل الأول. والفصل الثاني يتناول أمورا أساسية في فكر المدرسة، دون حصر لتفاصيله أو تطرق للاختلاف عليه بينهم وبين أهل السنة، أو بينهم وبين فرقهم، حتى لا نخرج من إطار الصورة التى نحاول رسمها، وتنقيتها مما تبرأ منه الشيعة، وتقع التبعات فيه على الغلاة المطرودين. وقد خصصنا بالبيان في هذا الفصل مسألتين أصوليتين، لكل منهما أثر في الفقه، سواء أكان فقه معاملات أم فقه عبادات - فبدأنا " بالحديث " وشروط قبوله وثنينا " بالإمامة ". وأضفنا كلمات عن مسائل خلافية بين المذهب الجعفري وبين غيره من المذاهب التى تتقاسم أهل السنة. تخيرناها من شتى مناحى التفكير الفقهى، لتتم أبعاد الصورة للقارئ، ويزداد جانبها الخلفى جلاء: أن الدين واحد عند أهل السنة والشيعة.

[ 197 ]

الفصل الأول المدرسة الكبرى ماذا لقينا من أبناء على. إذا أحببناهم قتلنا وإذا عاديناهم دخلنا النار. (الشعبى)

[ 199 ]

المدرسة الكبرى أخذ الفروع والأصول عن الإمام جعفر جمع غفير من ثقات الشيعة، ورووا ذلك لمن بعدهم على سبيل التواتر القطعي. ورواه هؤلاء، لمن خلفوهم قرنا بعد قرن. فالصادق يروى علم من قبله، ويروى الأئمة من أبنائه علمه. كما يرويه تلامذته. فهو الحلقة التى تتوسط السلسلة، أو العروة الوثقى بين كتب آبائه وبين ما كتب بعده " الإماميه ". المصحف الخاص أو كتاب الاصول: آلى أمير المؤمنين على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله، ألا يرتدى إلا للصلاة أو يجمع القرآن. فجمعه مرتبا على حسب النزول. وأشار إلى عامه وخاصه. ومطلقه ومقيده. ومحكمه ومتشابهه. وناسخه. ومنسوخه. وعزائمه ورخصه. وسننه وآدابه. ونبه على أسباب النزول فيه. ومن جلال شأن هذا الكتاب قال فيه محمد بن سيرين (لو أصبت هذا الكتاب كان فيه العلم). فهو كما يظهر من محتوياته مصحف خاص وكتاب أصول من صنع على. والجامعة: كتاب طوله سبعون ذراعا من إملاء النبي وخط على. فيه ما يحتاجه الناس من حلال وحرام وغيره. حتى ليصل في التفصيل إلى أرش الخدش. (التعويض عنه). وقد وصفها بذلك الباقر والصادق. شهدها عندهما الثقات من أصحابهما ومنهم أبو بصير. قال الصادق (أما والله عندنا ملا نحتاج إلى أحد. والناس يحتاجون إلينا. إن عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وخط على بيده. صحيفة طولها سبعون ذراعا. فيها كل حلال وحرام). وقال (إن الجامعة لم تدع لأحد كلاما. فيها الحلال والحرام. إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدهم من الحق إلا بعدا. وإن دين الله لا يصاب بالقياس).

[ 200 ]

قالوا: سميت الجامعة والصحيفة. كتاب على. والصحيفة العتيقة. كان أمير المؤمنين يخطب الناس فيقول (والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة - وكانت معلقة بسيفه - أخذتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله). ولقد دعا الخليفة أبو جعفر المنصور بكتاب على هذا، فجاء به الإمام الصادق وقرأ فيه أن النساء ليس لهن من عقار الرجل، إذا توفى عنهن، شئ. وقال أبو جعفر: هذا والله خط على وإملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو جعفر من العلماء كما قال عنه مالك إمام المدينة، وكما أقر له الجاحظ كبير النقدة. فهو قد يقسم لأنه قرأ كتابة قبل ذلك لعلى، أو لأن لديه من العلم. ما يعرفه أنها بإملاء النبي. وكتاب الديات: وهو يغطى ما يسمى في الفقه المعاصر " المسئولية المدنية " عن الفعل الضار بالجسم، أورد محتوياته ابن سعد في كتابه المعروف بالجامع. وروى عنه أحمد بن حنبل في المسند الأعظم. وذكره البخاري ومسلم. ورويا عنه. مصحف فاطمة ومن التراث العلمي عند الشيعة ما يسمى مصحف فاطمة. حدثوا عن الصادق إذا سئل عنه (أن فاطمة مكثت بعد رسول الله خمسة وسبعين يوما وكان قد دخلها حزن على أبيها. وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها ويطيب نفسها. ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها. وكان على يكتب ذلك. فهذا مصحف فاطمة). فليس هذا مصحفا بالمعنى الخاص بكتاب الله تعالى وإنما هو أحد المدونات. التدوين يروى " الصدوق " في الأمالي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قال (المؤمن من إذا مات ترك ورقة واحدة عليها علم تكون تلك الورقة يوم القيامة سترا بينه وبين النار).

[ 201 ]

وفي حياة النبي أو حياة على، اقتدت بعلى شيعته في التدوين. أو قل: هديت لتنفيذ أمر الرسول. يقول ابن شهر اشوب: (أول من صنف في الإسلام على بن أبى طالب. ثم سلمان الفارسى ثم أبو ذر). والاثنان شيعة على. والسيوطي يروى أن عليا و الحسن بن على ممن أباحوا كتابة العلم بين الصحابة وفعلوها. وألف أبو رافع مولى الرسول، وصاحب بيت مال على بالكوفة، كتاب السنن والأحكام والقضايا. يقول موسى بن عبد الله بن الحسن: سأل أبى رجل عن التشهد فقال أبى: هات كتاب أبى رافع. فأخرجه فأملاه علينا. أما على بن أبى رافع فكتب كتابا في فنون الفقه على مذهب أهل البيت - أي آراء على بن أبى طالب - وكانوا يعظمون شأن هذا الكتاب ويحملون شيعتهم عليه. ومن الشيعة زيد الجهضمى. حارب مع على وألف كتابا يحوى خطبه. ومنهم ربيعة بن سميع له كتاب في زكاة النعم. ومنهم عبد الله بن الحر الفارسى. له لمعة في الحديث جمعها في عهد رسول الله. ومنهم الأصبغ بن نباته صاحب على. روى عنه عهده إلى الأشتر النخعي. ووصيته إلى ابنه محمد بن الحنفية. ومنهم سليم بن قيس الهلالي صاحب أمير المؤمنين، له كتاب في الإمامة، وله مكانة عليا في المذهب من حيث الأصول. وذات يوم كان الحكم بن عيينة عند الباقر يسأله فقال: يا بنى قم فأحضر كتاب على. فأحضر كتابا مدرجا عظيما ففتحه. وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، و قال: هذا خط على وإملاء رسول الله. وأقبل على الحكم وقال (اذهب أنت وسلمة والمقداد حيث شئتم يمينا وشمالا. فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبريل).

[ 202 ]

ومن قبل الإمام الباقر وجدت عند الإمام زين العابدين الصحيفة المسماة الصحيفة الكاملة. وعن زين العابدين آلت إلى الشيعة رسائل عدة منها رسالة الحقوق. ورسالة إلى ابن شهاب الزهري (1). وكذلك ألف عمرو بن أبى المقدام جامعا في الفقه يرويه عن الإمام زين العابدين. فلما صارت الإمامة للصادق حض على تدوين العلم أيا كان موضوعه، دينيا أو دنيويا، فقه عبادات أو معاملات أو علوما تطبيقية. وكان يقول (القلب يتكل على الكتابة) وكان يملى على تلاميذه. ويجيئهم بالدواة والقرطاس. ويقول " اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا ". ويلمتس سفيان الثوري إليه أن يحدثه بحديث خطبة الرسول بمسجد الخيف. ويرجوه ليأمر له بقرطاس ودواة ليثبته، فيأمر له، ثم يمليه (بسم الله الرحمن الرحيم. خطبة رسول الله في مسجد الخيف. نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها. وبلغها من لم تبلغه. يا أيها الناس: ليبلغ الشاهد منكم الغائب. فرب حامل فقه ليس بفقيه. ورب حامل فقه إلى من هوا أفقه منه). وكتب عبد الله الحلبي كتابا عرضه على " الصادق " فصححه واستحسنه. وسنرى حفيده الإمام العسكري يعرض عليه يونس بن عبد الرحمن كتاب (يوم وليلة) فيصححه ويأمر بالعمل به. ولما غاب " المهدى " في النصف الثاني من القرن الثالث أحوجت " الغيبة " إلى الرجوع للمدونات التى تزخر بها خزائن الشيعة. إذ لم يكن لديهم إمام ظاهر يسألونه. وكثرت الكتابة عندهم في القرن الرابع. * * * كان أول المستفيدين بالتدوين الباكر أولئك الذين يلوذون بالأئمة من أهل البيت فيتعلمون شفاها أو تحريرا، أي من فم لفم أو بالكتابة.


(1) وفي العصر ذاته كان سعيد بن المسيب أول فقهاء المدينة السبعة يخاف أن يكتب عنه العلم. جاءه رجل فسأله عن شئ فأملاه عليه. ثم سأله عن رأيه فأجابه. وكانوا من كثرة افتائه يسمونه سعيد بن المسيب الجرئ. فكتب الرجل. فقال جلساء سعيد: أتكتب يا أبا محمد ؟ فقال سعيد للرجل ناولنيها. فناوله الصحيفة فخرقها. (*)

[ 203 ]

فما تناقلته كتب الشيعة من الحديث، هو التراث النبوى - في صميمه - بلغ الشيعة في يسر طوع لعلمهم الازدهار. في حين لم يجمع أهل السنة هذا التراث إلا بعد ان انكب عليه علماؤهم قرنا ونصف قرن حتى حصلوا ما دونوه في المدونات الأولى. ثم ظلوا قرونا أخرى، يجوبون الفيافي والقفار في كل الأمصار، فتطابقت السنة - في مجموعها - عند هؤلاء وأولاء، إلا أمورا لا تتصل بأصل الدين، وخلافات في الفروع ليست بدعا في الأمة. وربما كان اختلاف مذاهب أهل السنة فيما بينهم وبين أنفسهم أكثر ظهورا في بعض المسائل من خلافهم فيها مع فقهاء الشيعة. وإذا لا حظنا أن من الرواة من قيل إنه روى عشرات الآلاف من الحديث عن الإمام، تجلت كفاية الترات الموثوق به عند الشيعة لحاجات الأمة. وإذا لا حظنا توثيق الشافعي ومالك وأبى حنيفة ويحيى بن معين وأبى حاتم والذهبي للإمام الصادق - وهم واضعو شروط المحدثين وقواعد قبول الرواية وصحة السند - فمن الحق التقرير بأن حسبنا أن نقتصر على التفتيش عن رواة السنة عن الإمام الصادق. والشيعة يكفيهم أن يصلوا بالحديث إلى الإمام. لا يطلبون إسنادا قبل الإمام جعفر. بل لا يطلبون إسنادا قبل الأئمة عموما. لأن الإمام بين أن يكون يروى عن الإمام الذى أوصى له، وبين أن يكون قرأ الحديث في كتب آبائه - إلى ذلك فإن ما يقوله سنة عندهم. فهو ممحص من كل وجه. فليست روايته للحديث مجرد شهادة به، بل هي إعلان لصحته. وإذ كان ما رواه الصادق، رواية الباقر ورواية السجاد عن الحسين عن الحسن أو عن على عن النبي، فهذا يصحح الحديث على كل منهج فالثلاثة الأخيرون من الصحابة المقدمين. يروون عن صاحب الرسالة، إذ يروى الحسن والحسين عن على عنه. ولا مرية كان منهج على ومن تابعه في التدوين خيرا كبيرا للمسلمين، منع المساوئ المنسوبة إلى بعض الروايات، وأقفل الباب دون افتراء الزنادقة

[ 204 ]

والوضاعين. فالسبق في التدوين فضيلة الشيعة. ولما أجمع العلماء بعد زمان طويل على الالتجاء إليه كانوا يسلمون بهذه الفضيلة - بالإجماع - لعلى وبنيه. والسنة شارحة للكتاب العزيز. وهو مكتوب بإملاء صاحب الرسالة. فهى كمثله حقيقة بالكتابة. إنما كان المحدثون من أهل السنة في القرون الأولى مضطرين لسماع لفظ الحديث من الأشيخ، أو عرضه عليهم، لأن السنن لم تكن مدونة. فكانت الرحلة إلى أقطار العالم لتلقى الحديث على العلماء وسيلتهم الأكيدة. ولم يغير ذلك النظر انتشار التدوين في نهاية القرن الثاني ومنتصف الثالث، وكثرة الحديث المدون في المسانيد والمجاميع والصحاح التى ألفت بعد تلك الفترة، ومنها مسند أحمد بن حنبل (241) حوى ثلاثين ألفا دون المكرر. اختارها من ثلاثه أرباع مليون جمعها من أفواه العلماء من أقصى الأرض وأدناها، وحدث بها تلاميذه لينقلوها إلى الأجيال التالية. وكان في أواخر أيامه يستوثق لنفسه فيروى للناس الحديث ويطلب المسند يقرأ فيه. ثم جاءت أجيال تأخذ الحديث من الصحف الموثوق بصحة صدورها من صاحبها دون أن يرتحل إليه. وهذا ما أطلقوا عليه الوجادة - (لفظ مولد من " وجد " غير مسموع من العرب) يقولون: وجدنا بخط فلان. وفي القرن الرابع اعتبر ابن يونس الصفدى (347) إماما حافظا للحديث وإن لم يرحل. * * * قلنا في كتابنا (أحمد بن حنبل إمام أهل السنة) (1) (والبعض من المحدثين لم يكونوا يروون عن الإمام جعفر الصادق لأنه يحدث بما قرأه في الكتب... سئل أبو بكر بن عياش وهو من أول أشياخ أحمد " لماذا لم تسمع من جعفر وقد أدركته ؟ قال سألناه عما يحدث من الأحاديث أشئ


(1) الطبعة الأولى - طبعة المجلس الأعلى للشئون الاسلامية القاهرة - ص 261 (*)

[ 205 ]

سمعته ؟ قال لا. لكنها رواية رويناها عن أبائنا "..).. وعقبنا ذلك بقولنا (والشافعي (1) ويحيى بن معين (2) متفقان على توثيقه. وهو شيخ مالك. وليس بعد هؤلاء أدلة على جواز طريقة الإمام جعفر مع علمه الضخم في كل باب). وفي كتابنا (الإمام الشافعي) (3) أجملنا الكلام عن موضع الإمام من الإسلام كله في كلمات (الإمام جعفر... يمثل صميم الإسلام.. يجتمع في نسبه النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعلى. وهو إمام في الدين والفقه. وبحر في العلوم الطبيعية). وهذا البحر، والقطعة من الإسلام والمسلمين الثلاثة الأولين - بل الأربعة الأولين وفيهم أم المؤمنين خديجة - إمام يهتدى بهديه واجتهاده أئمة أهل السنة كافة. أما الشيعة الإمامية، فقول الإمام المعصوم يجرى عندهم مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد. ولقد توسع علماؤهم في اصطلاح السنة إلى ما يشمل " قول كل واحد من المعصومين وفعله وتقريره ". فالأئمة المعصومون ليسوا، بهذه المثابة، من قبيل رواة السنن، بل هم منصوبون من الله تعالى، على لسان النبي، لتبليغ الأحكام عن طريق الإلهام، كالنبى بطريق الوحى إليه، وهو خاص به، أو عن طريق التلقى من المعصوم الذى يسبق.


(1) يذكر ابن النديم في الفهرست (وكان الشافعي شديدا في التشبع. ذكر له رجل يوما مسألة فأجاب فيها. فقال له خالفت على بن أبى طالب رضى الله عنه. فقال له أثبت لى هذا عن على بن أبى طالب حتى أضع خدى على التراب وأقول قد أخطأت وأرجع عن قولى إلى قوله) وحضر الشافعي ذات يوم مجلسا لأحد الطالبيين فقال (لا أتكلم في مجلس يحضره أحدهم. هم أحق بالكلام ولهم الرياسة والفضل). (2) يقول فيه أحمد بن حنبل (كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث) وهو من آباء علوم الحديث. ومؤلفاته مراجع فيها - وهى علوم أوصلها الحاكم النيسابوري إلى اثنين وخمسين علما وأوصلها النووي إلى خمسة وستين. (3) الامام الشافعي ناصر السنة وواضح الأصول - الطبعة الثانية ص 171 طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. (*)

[ 206 ]

أما فعل المعصوم فدليل على الإباحة. وأما تركه فدليل على عدم الوجوب. وتآليف الإمام الصادق كثيرة. منها رسالة في شرائع الدين. ووصاياه للإمام الكاظم. ورسالة في الغنائم ووجوب الخمس، وتوحيد المفضل، وكتاب الأهليلجة، وكتاب مصباح الشريعة، وكتاب مفتاح الحقيقة، ورسالة إلى أصحابه، ورسالة إلى أصحاب الرأى والقياس. ورسالة لمحمد ابن النعمان. وأخرى لعبد الله بن جندب. ورسالة في وجوه المعايش للعباد. ووجوه إخراج الأموال. ورسالة في احتجاجه على الصوفية فيما ينهون عنه من طلب الرزق، ورسالة حكم قصيرة. والرسالتان الأخيرتان عملان أساسيان في الاقتصاد والاجتماع، يدلان على منهاج الإمام في صلاح الدنيا بالعمل والعبادة معا. وثمة الرسائل العلمية المقترنة بجابر بن حيان. أما كتاب الجفر المنسوب إلى الإمام الصادق - فيقول عنه ابن خلدون (732 - 806) (1332 - 1406) (واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هرون بن سعيد البجلى - وهو رأس الزيدية - كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذى يقع لمثلهم. وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه عنه هرون البجلى وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذى كتب عليه. لأن الجفر في اللغة هو الصغير. وصار هذا الاسم علما على الكتاب عندهم. وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق. وهذا الكتاب لم تتصل روايته ولا عرف عينه. وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل. ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه. فهم أهل الكرامات. وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصبح كما يقول).

[ 207 ]

والروايات متضافرة على أن الجفر غير (الجامعة). والبعض يقول إن الجفر من مؤلفات على أملاه عليه النبي (1). وهو جفران: الأبيض وهو وعاء من أدم فيه علوم الأنبياء والوصيين والذين مضوا من علماء بنى اسرائيل. والأحمر فيه علم الحوادث والحروب. * * * كان تلاميذ الصادق مدونين كبارا، فلقد عاشوا في عصر نهضة علمية كبرى أعجب بها العالم، تبارت فيها يراعات المدونين. ودارت عجلات التدوين كهيئة ما دارت عجلات الطباعة عند ظهور المطبعة. بدأها عمر بن عبد العزيز على رأس القرن إذ أمر بتدوين السنة. وتابعها علماء الأمة من أهل السنة. ومن بعد وفاة الصادق في عام 148 دون أربعة آلاف من التلاميذ في كل علومه، ومن جملتها ما يسمى (الأصول الأربعمائة). وهى أربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف من فتاوى الصادق. وعليها مدار العلم والعمل من بعده. وخير ما جمع منها كتب أربعة هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم إلى اليوم. وهى " الكافي " " ومن لا يحضره الفقيه " " والتهذيب " " والاستبصار ". والكافي - للكليني أبى جعفر محمد بن يعقوب الكليني (329) - أعظمها وأقومها، وأحسنها وأتقنها. فيه. 16190 حديثا ألفه الكليني في عشرين سنة. وأما كتاب من لا يحضره الفقيه، فوضعه ابن بابويه القمى - محمد بن


(1) يقول ابن قتيبة عن الجفر في " أدب الكاتب " إن الامام الصادق كتبه، وإن فيه كل ما يحتاجونه إلى يوم القيامة. وإلى هذا الجفر، واحتوائه على كل شئ، بشير أبو العلاء المعرى في شعره: لقد عجبوا لآل البيت لما أتاهم علمهم في جلد جفر فرآة المنجم وهى صغرى تريه كل عامرة وقفر وربما نسبوا من أجل ذلك إلى الامام علوم كشف الغيب أو النجامة. (*)

[ 208 ]

على بن موسى بن بابويه القمى (1) الملقب (بالصدوق) - (دخل بغداد سنة 350 ومات بالرى سنة 381). وفيه 5963 حديثا. وهذا الكتاب أهم مؤلفاته مع أنه ألف ثلاثمائة كتاب. وأما " التهذيب " " والاستبصار " فوضعهما بعد نحو قرن محمد بن الحسن ابن على الطوسى (460) الملقب (شيخ الطائفة). وكان فقيها في مذهبي الشيعة وأهل السنة. وفي التهذيب 13590 حديثا وفي الاستبصار 5511 حديثا. دخل الطوسى بغداد سنة 408 واستقر بها في أيام الشيخ المفيد. محمد ابن النعمان (336 - 411) صاحب شرح عقائد الصدوق وأوائل المقالات. ونحو مائتي مؤلف. وتلمذ الطوسى بعد موت الشيخ المفيد للشريف المرتضى فنجب في مدرسة الشرف، وفي " دار العلم " التى أنشأها، وكان يجرى عليه اثنى عشر دينارا في الشهر طوال ملازمته له حتى وفاة المرتضى. وانتفع بكتب المرتضى والكتب التى حوتها مكتبته. فألف في كل علوم الإسلام. واجتهد الاجتهاد المطلق. فكان حجة في فقه الشيعة والسنة. ومن أجل آثاره تدريسه فيه مجالسه، وأماليه " بالنجف الأشرف " في جوار مشهد أمير المؤمنين على. وبهذا افتتح عصر العلم النجف الأشرف فصار صنوا للأزهر الأغر - الذى أقامته دولة من دول الشيعة - والمعهدان هما اللذان حفظا علوم الإسلام. فالطوسي، والشريفان الرضى والمرتضى، والشيخان المفيد والصدوق، والكليني، قد وصلوا ما انقطع من التأليف منذ عصر الإمام الصادق حتى منتصف القرن الخامس، ليستمر التيار في التدفق. والشريفان في مدرسة جدهما صنوان. أبوهما أبو أحمد الموسوي (نسبة إلى جده الإمام موسى الكاظم). وفيه قول ابن أبى الحديد شارح نهج البلاغة


(1) نسبة إلى مدينة قم في ايران وهى أقدم المدن التى بدأ فيها الشيعة الإمامية في ايران. وقد نشأت على أيدى جماعة من الناجين من جيش ابن الأشعث (83). (*)

[ 209 ]

للشريف الرضى: كان أبوه أحمد جليل القدر عظيم المنزلة في دولة بنى العباس وبنى بويه. ولقب " بالطاهر ذى المناقب " ولقبه أبو نصر بن بويه " بالطاهر الأوحد ". ولى نقابة الطالبيين عدة دفعات. كما ولى النظر في المظالم. وحج بالناس مرارا على الموسم. عاش أبو أحمد طوال القرن الرابع (304 - 400) وكان يستخلف على الحج ولديه " الرضى " " والمرتضى ". والشريف الرضى (358 - 406) هو شاعر العربية الشهير. وجامع " نهج البلاغة " الأشهر، من خطب أمير المؤمنين على. تولى نقابة (الطالبيين) في حياة أبيه ومن بعده. وتولى النيابة عن الخليفة العباسي. فهذه ولاية ينفرد بها في التاريخ، تجمع بين نقابة الطالبيين وبين نيابة الخلافة السنية. وللشريف الرضى تآليف عظمية في تفسير القرآن منها (1) تلخيص البيان في معجزات القرآن (2) حقائق التأويل ومتشابه التنزيل (3) معاني القرآن. كذلك له (4) مجازات الآثار النبوية (5) خصائص الأئمة. أما الشريف المرتضى (436) فيقول عنه الثعالبي في " يتيمة الدهر " - وهما متعاصران - " انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم. وله شعر نهاية في الحسن. و مؤلفاته كثيرة. منها أمالى المرتضى - الشافي - تنزيه الأنبياء - المسائل الموصلية الأولة - مسائل أهل الموصل الثانية - مسائل أهل الموصل الثالثة - المسائل الديلمية - المسائل الطرابلسية الأخيرة - المسائل الحلبية الأولة - المسائل الجرجانية - المسائل الصيداوية - وتآليف أخرى كبيرة في الفقه و القياس ورفضه. وقد شرح تلميذه الطوسى أكثر من مؤلف له ". ومن أعظم آثاره إنشاء " دار العلم " ببغداد ورصده الأموال عليها وإجراؤه العطاء على التلاميذ وإطعامهم وإسكانهم. وكان يتبع " دار العلم " هذه مكتبته التى تحوى أكثر من ثمانين ألف مجلد. وحسبه أن يكون الطوسى من تلاميذه.

[ 210 ]

وفي آثار هذا السلف العظيم تتابع ركب العلماء والمؤلفين الفحول يخلدون فقه الإسلام. مشيخة العلماء: كان مع الكتب التى آلت عن على ومعاصريه، مؤلفات كبيرة أو صغيرة، وضعها من جاءوا بعده، وسير لهذا الثبت الضخم من شيعته من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. فهذا هو التراث التاريخي للشهداء وأشياع الشهداء. لا تكف الأمة عن ترديده، جهرة وخفية، يتصدرهم الصحابة العظماء، وإليك بعض الأسماء: سلمان الفارسى والذى يطلق عليه سلمان المحمدى). وأبو ذر (أصدق الناس لهجة). وعمار الذى (تقتله الفئة الباغية) وهو في التسعين يحارب مع على. والعباس بن عبد المطلب. وأبو أيوب الأنصاري. والمقداد بن الأسود الكندى الذى قال لعلى يوم بيعة السقيفة (إن أمرتنى ضربت بسيفي وإن أمرتنى كففت، قال: (اكفف). وخزيمة ذو الشهادتين. وأبو التيهان. وعبد الله والفضل ابنا العباس. وبلال بن رباح. وهاشم بن عتبة المرقال. وابان وخالد ابنا سعيد بن العاص. وأبى بن كعب سيد القراء. وأنس بن الحرث بن نبيه. وعثمان وسهل ابنا حنيف. وبريدة. وحذيفة. وقيس بن سعد بن عبادة رئيس الأنصار. وهند بن أبى هالة - أمه أم سلمة أم المؤمنين - وجعد بن هبيرة المخزومى - أمه أم هانئ بنت أبى طالب - وجابر ابن عبد الله الأنصاري. وسيجرى في آثار الصحابة التابعون لهم وتابعو التابعين. فيضيفون إلى التراث العظيم آثار رجال عظماء منهم، من أشياع على، الأحنف بن قيس. سويد بن غفلة. الحكم بن عيينة. سالم بن أبى الجعد. على بن أبى الجعد: السعيدان. ابن جبير وابن المسيب (1). يحيى بن نظير العدواني.


(1) سعيد بن جبير هو الشهيد الوحيد الذى قتل من الرعب قاتله ! سأله الحجاج وهو يقدمه القتل: أي قتلة تشاء ؟ فأجابه: " اختر أنت فالقصاص أمامك ". ذلك أن القصاص قتل بقتل. فكان الحجاج بعد استشهاد سعيد يهب من نومه فزعا وهو يقول: مالى ولسعيد بن جبير ! ! ثم مات بعده بشهر. مات في رمضان وسعيد في شعبان سنة 95 = (*)

[ 211 ]

الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض. أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء مؤسس علم الصرف. وفي مدرسة التابعين هذه برز أبو هاشم (عبد الله بن محمد بن الحنفية ابن أمير المؤمنين). وأبو هاشم أول من تكلم في علم الكلام. ومن بعده نشأت مدرسة المعتزلة يتزعمها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد. وبأبى هاشم تبدأ مدرسة المتكلمين من الشيعة. ومن جيل التابعين هشام بن محمد بن السائب الكلبى وأبو مخنف الأزدي المؤرخان. ويتوالى موكب العلم العظيم من عهد على. وتتعالى أصوات الدعاة العظماء للمذهب الشيعي، كالنابغة الجعدى: شهد سفين مع أمير المؤمنين، وله فيها أشعاره المشهورة، وكان معه عروة بن زيد الخليل، ولبيد بن ربيعة، وكعب بن زهير صاحب قصيدة " بانت سعاد ". ومن بعدهم: الفرزدق، وكثير عزة من شعراء القرن الأول، ثم الكميت، وقيس بن ذريح، والسيد الحميرى، ودعبل الخزاعى، وأبو تمام، والبحتري، وديك الجن، والحسين بن الضحاك وابن الرومي، والأشجع السلمى.....


(1) = ورفض ابن المسيب أن يبايع لولدي عبد الملك بن مروان - الوليدى وسليمان - وتمسك برأيه فأخذوه ليقتلوه، ثم اكتفوا بضربه بالسياط وجردوه من ثيابه وطافوا به. ورفض أن يزوج بنته للوليد بن عبد الملك، وهو ولى عهد عبد الملك، وآثر أن يزوجها تلميذا فقيرا من تلاميذه. (1) من الطبيعي أن يكون كثرة الشعراء شيعة. فالشعر ضمير الجماعة وصوتها الصداح. والضمير الاسلامي كله، يثقله أو يعذبه، أو يهيج قرائحه، ما أصاب أهل البيت من ظلم الدول. ويخفف عنه ما يعقده حول أهل البيت من أمل. لهم وله. و كلما أحس الشعب ظلما طلب الرجاء والاقتداء بأبناء النبي صل الله عليه وسلم - وبهذا انضاف إلى الثبت الحافل السابق ذكره: ابن هانئ الأندلسى. ومهيار الديلمى. وأبو فراس الحمداني. والناشئ الصغير. والناشئ الكبير. وكشاجم. وأبو بكر الخوارزمي. والبديع الهمداني. الطغرائي. والسرى الرفا. وعمارة اليمنى. بل أصبح ثناء على الشاعر أن يقال (يترفض في شعره) أي يتشيع، وللمتنبئ وأبى العلاء شعر شيعي. = (*)

[ 212 ]

وعلم أهل البيت علم كل الأمة. فأمير المؤمنين على في قمة السند عند الجميع من سنة وشيعة. لكن الذين ينقلون عنه - من الشيعة أو أهل السنة - محل تفاوت. فالشيعة لا يقبلون كلمة ممن حارب عليا أو ظلمه من الصحابة أو التابعين. وأهل السنة، مع اختلافهم من ناحية شروط الرواية والراوي، لا يقبل بعضهم مالا يصل إليه بطريقته، ويتشكك بهضهم في بعض ما يرويه الشيعة لأمور تتعلق بالسند أو بالمتن أو براويه من الشيعة. وفي أسناد الشيعة فحول - بكل المقاييس - في العدالة والنزاهة والعلم. تتردد أسماؤهم عالية في " كتب الحديث " والصحاح، التى يقوم عليها العلم عند أهل السنة - والحق أن " جوهر الحديث النبوى " واحد عند هؤلاء وأولاء، مع تعدد الطرق. ومن هؤلاء: - الحارث بن عبد الله همداني (65) صاحب أمير المؤمنين على وخاصته. حديثه في كتب السنن الأربعة: قال ابن سيرين " كان من أصحاب ابن


= وأما أشراف العلويين فمنهم الشريف الرضى والشريف المرتضى. وكان الشريف على الجمانى يقول (أنا شاعر وأبى شاعر وجدى شاعر) ومنهم الشريف الشجرى. بل كان من الأمويين متشيعون: ابان بن سعيد بن العاص وخالد بن سعيد بن العاص وعمر بن عبد العزيز. وعبد الرحمن أخو مروان بن الحكم. ومروان بن محمد السروجى الذى يقول: يا بنى هاشم بن عبد مناف أنا منكمو بكل مكان ولئن كنت من أمية إنى لبرئ منهمو إلى الرحمن وأبو الفرج الأصفهاني (284 - 356) جده السابع مروان بن محمد آخر خلفاء بنى مروان. وأبو الفرج صاحب " الأغاني " " ومقاتل الطالبين ". ومن العباسيين شيعة: المأمون، والمعتضد. وأحمد بن الموفق. ومن الأيوبيين كان الأفضل بن صلاح الدين. ومن الفلاسفة متشيعون: الكندى فيلسوف العرب (246) والفارابي (339) وابن سينا (428). ومن الوزراء المشهورين: أبو سلمة الخلال - قتله السفاح - ويعقوب بن داود. حبسه المهدى وأفرج عنه الرشيد - والفضل والحسن ابنا سهل - قتل المأمون الأول وأصهر إلى الثاني ليستل سخيمته. وبنو طاهر الخزاعى. ووزراء المأمون. أبو دلف العجلى والصاحب بن عباد الخ. (*)

[ 213 ]

مسعود خمسة يؤخذ عنهم أدركت أربعة منهم وفاتني الحارث، فلم أره. وكان يفضل عليهم وكان أحسنهم. ويختلف في هؤلاء أيهم أفضل: علقمة ومسروق وعبيدة ". - علقمة بن قيس النخعي (62) عم الأسود وأخويه أبناء يزيد. كان من أولياء آل محمد. والشهرستانى يعده من الشيعة فهو قد شهد صفين مع أمير المؤمنين. واستشهد فيها أخوه أبى. وخضب علقمة سيفه من دماء الخوارج. ولم يزل عدوا لمعاوية حتى مات. ومكانة علقمة عند أهل السنة من المسلمات: كان عنده كل علم ابن مسعود. وفي بيت علقمة نشأت مدرسة النخعيين. وفيها نجب إبراهيم بن يزيد واسطة العقد في فقه العراق - ظالم بن عمرو قاضى البصرة لعلى (أبو الأسود الدؤلى) (69). احتج به أصحاب الصحاح الستة. وهو واضع علم النحو. ومكان النحو من اللغة، ومكانة اللغة من القرآن والسنة وكل علوم الأمة، يضعان أبا الأسود في أعلى مكان. - عبد الله بن شداد بن الهاد (81). أمه سلمى بنت عميس أخت أسماء أم عبد الله بن جعفر ومحمد بن أبى بكر ويحيى بن على. وهو أخو عمارة بن حمزة لأمه. وحمزة بطل أحد وشهيدها. روى عن على وأمى المؤمنين عائشة و ميمونة. خرج مع القراء أيام ثورة ابن الأشعث فقتل يوم دجيل. احتج بحديثه أصحاب الصحاح وسائر الأئمة أصحاب المسانيد. - سليمان بن صرد الخزاعى (65) كبير الشيعة في عصره. وبطل من أبطال صفين. يحتج به المحدثون. وحديثه عن رسول الله بلا واسطة، أو بواسطة الصحابي جبير بن مطعم، موجود في صحيحي البخاري ومسلم. وحديثه في غير هما كثير. وهو أمير التوابين الخارجين للثأر لدم الحسين. وكانوا أربعة آلاف ساروا إلى عبيد الله بن زياد وهو في سبعين ألفا، فتلاقوا في موضع يقال

[ 214 ]

له " عين الوردة " حيث استشهد سليمان عن ثلاثة وتسعين عاما وهو يحارب جيش عبيد الله بن زياد. أما عبيد الله بن زياد فقتله إبراهيم بن الأشتر النخعي بيده. - صعصعة بن صوحان العبدى: أسلم في عهد النبي ولم يره. وهو من مشاهير خطباء العربية الذين خلدت بلاغتهم، فهو تلميذ في مدرسة أمير المؤمنين. شهد معه " الجمل " ومعه أخواه زيد وسيحان. وكانت الراية بيد سيحان يوم ذاك، فقتل فأخذها زيد فقتل، فأخذها صعصعة وانتصر. ثم شهد صفين مع أمير المؤمنين. روى عن على وابن عباس. ونفاه المغيرة بن شعبة والى العراق بأمر معاوية، إلى الجزيرة في البحرين فمات - احتج به النسائي. - عمرو بن وائلة - أبو الطفيل - (110) كان صاحب راية المختار ابن عبيد الثقفى. وهو آخر الصحابة موتا. قدم على معاوية يوما فقال له: كيف وجدك على خليلك أبى الحسن ؟ (يقصد أمير المؤمنين عليا) فأجاب: كوجد أم موسى على موسى. و أشكو إلى الله التقصير. قال معاوية: كنت فيمن حصر عثمان ؟ قال لا ولكن فيمن حضره. قال معاوية: فما منعك من نصره. قال: فما منعك أنت من نصر عثمان ؟ كنت في أهل الشام وكلهم تابع لك فيما تريد. قال معاوية: أو ما ترى طلبى لدمه نصرة له ؟ قال: إنك لكما قال أبو جعف: لألفينك بعد الموت تطلبني وفي حياتي ما زودتني زادا وحديثه في صحيح مسلم. روى عن رسول الله وعن على وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وحذيفة بن سعد وابن عباس وعمر ومعاذ. - إبراهيم بن يزيد النخعي (95) أبوه يزيد بن عمرو بن الأسود

[ 215 ]

النخعي. وأخواله الأسود وإبراهيم و عبد الرحمن أبناء يزيد بن قيس. يؤلفون - مع علقمة بن قيس - مدرسة النخعيين. وابن قتيبة يعتبر إبراهيم من الشيعة. وروايته في الصحيحين. وعنه يروى حماد بن أبى سليمان. وعن حماد يروى أبو حنيفة. ومن فحول القرن الثاني كثيرون نختار منهم بعض الأسماء: عطية العوفى (111) كان أبوه من أصحاب على. وعلى هو الذى أعطاه اسمه. ضربه الحجاج 400 سوطا لا متناعه عن سب على (وجد الجلد مائة !) له ذرية نبلاء من الشيعة. منهم الحسين بن الحسن بن عطية الذى ولى القضاء. يحتج به أبو داود والترمذي. - جابر بن يزيد الجعفي (127) قالوا إنه كان يؤمن بالرجعة. وأحاديثه في مسلم. وروى عنه النسائي والترمذي وأبو داود وأخذ عنه شعبة. ومن أجل قولهم عنه وثاقته يروى ابن عبد الحكم عن الشافعي " أن سفيان (بن عيينة) قال لشعبة: لئن تكلمت في جابر لأتكلمن فيك ". - شعبة بن الحجاج (160) أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين. - عبد الرزق بن همام (210) شيخ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحق بن راهويه. سئل يحيى، وهو أستاذ الجرح والتعديل، عن الرواية عن عبد الرزاق مع تشيعه. فقال: لو ارتد عن الإسلام ما تركنا حديثه. وكان عبد الرزاق يتكلم في عثمان. ذكر أمامه معاوية مرة فقال: لا تقذروا مجالسنا بذكر ولد أبى سفيان (1).


(1) سأل الترمذي أحمد بن حنبل عن عائشة والزبير وطلحة فأجاب: " من أنا حتى أقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ! كان بينهم شئ الله أعلم به ". فأحمد لا يسيغ قدحا = (*)

[ 216 ]

- لأعمش - سليمان بن مهران الأسدى الكوفى - (148). يحتج به أصحاب الصحاح الستة. ويروى عنه شعبة وجرير والسفيانان (الثوري إمام الكوفة وابن عيينة إمام المدينة). بعث إليه هشام بن عبد الملك ليكتب له مناقب عثمان ومساوئ على. فأخذ القرطاس وأدخلها في فم شاة وقال للرسول: قل له هذا جوابه. قال الرسول: لقد أقسم أن يقتلنى إن لم آت بجوابك. فكتب (أما بعد، فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كان لعلى مساوئ أهل الأرض ما ضرتك. فعليك بخويصة نفسك. والسلام). - ابن لهيعة (174) قاضى مصر. يقول عنه سفيان " عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع ". - شريك بن عبد الله النخعي القاضى (177). كان يقول " على خير البشر فمن أبى فقد كفر ". سأله الخليفة المهدى يوما: ماذا تقول في على بن أبى طالب ؟ قال: ما قال فيه جداك العباس وعبد الله. قال ما قالا ؟ قال شريك: أما العباس فمات وعلى عنده أفضل الصحابة. وكان يرى المسلمين يسألونه عما ينزل من النوازل. وما احتاج هو إلى أحد حتى لحق بالله. وأما عبد الله فإنه كان يضرب بين يديه بسيفين. وكان في حروبه سيفا منيعا وقائدا مطاعا. فلو كانت إمامته على جور كان أول من يقعد عنها أبوك لعلمه وفقهه في أحكام الله. ولم يمض طويل وقت حتى عزل شريك (1).


= في الصحابة لورعه. وهم بأعمالهم وآرائهم أصل من أصوله.. حتى انه أصوله.. حتى انه ليبعث إلى يحيى بن معين يقول له: هو ذا تكثر الحديث عن عبد الله بن موسى العبسى وقد سمعته تناول معاوية. وقد أكثر الحديث عنه. فقال يحى للرسول (اقرأ على أبى عبد الله أحمد بن حنبل السلام وقل له: أنا وأنت سمعنا عبد الرزاق (بن همام) يتناول عثمان بن عفان. فاترك الحديث عنه. فإن عثمان أفضل من معاوية). ولم يترك أحمد حديث عبد الرزاق. (1) ربما كان في هذه الفترة الحرجة ما قيل من أنه دخل يوما على المهدى. فقال المهدى: على بالسيف والنطع. قال شريك: ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال المهدى: رأيتك في منامي كأنك تطأ بساطى وأنت معرض عنى. فقصصت رؤياي على من عبرها فقال لى: يظهر لك طاعته = (*)

[ 217 ]

- خالد بن مخلد القطوانى (213) شيخ البخاري. قال عنه أبو داود. صدوق ولكن يتشيع ! - هشيم بن بشير أول أشياخ أحمد بن حنبل المحدثين (163). - عبد الله بن موسى العبسى (263) من مشايخ البخاري. - معروف الكرخي (200) زعيم الصوفية. وصف ابن حنبل معروفا لابنه عبد الله بن حنبل عندما سأله: هل عنده علم ؟ فقال: كان عنده رأس الأمر كله. تقوى الله. التلاميذ من الشيعة: صنف الحافظ أبو العباس بن عقدة كتابا جمع فيه رجال الصادق ورواة حديثه وأنهاهم إلى أربعة آلاف. وكتب من أجوبته أربعمائة مصنف. وإنما أمكنه من ذلك انقطاعه المخلص للتعيم عامة وتعليم السنن والفقه والتفسير خاصة، للشيعة ولغيرهم.


= ويضمر معصيته. قال شريك: والله ما رؤياك برؤيا ابراهيم الخليل. ولا معبرك بيوسف عليه الاسلام. أفبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ؟ فاستحى المهدى وقال: اخرج عنى وأبعده. وكان الحقد على أمير المؤمنين على غذاء يوميا على موائد بنى العباس. لا تخلو منه واحدة حتى ولو كانت مائدة لخليفة يتشيع هو المأمون. أنبأه عمه ابراهيم بن المهدى - وكان شديد الانحراف عن على - أنه رأى في المقام عليا فمشيا حتى جاءا قنطرة فتقدم لعبورها فأمسكه ابراهيم وقال: أنت تدعى هذا الأمر بامرأة (يقصد أمر الخلافة وفاطمة الزهراء وأن عليا يتقدم بزواجه منها). فما رأيت له بلاغة في الجواب.. ما زادني على أن قال: سلاما سلاما. فنهره المأمون على ما افتضح من عقله الباطن في صورة حلم. قال: لقد أجابك أبلغ الجواب. عرفك أنك جاهل لايجاب مثلك. قال الله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). ولقد نهره أحمد بن أبى دؤاد مرة أخرى إذ لم يتوقر في مجلس القضاء. فقال له (يا ابراهيم إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءا فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتا ولا أشرت بيد. وليكن قصدك أمما. وريحك ساكنة. وكلامك معتدلا. ووف مجالس الخليفة حقها من التوقير والتعظيم.). وكان مغنيا يعربد. نصبه أهله خليفة لمدة عامين في ثورة على المأمون. ثم عفا عنه المأمون بعد أن ضبطوه يحاول الفرار في ثياب امرأة. (*)

[ 218 ]

كان الرواة من تلامذته ومن غيرهم - كما يقول اليعقوبي - يروون عنه فيقولون: قال (العالم). وكثيرا ما جلس في مجلس الإمام المخضرمون إلى جوار الجيل الجديد من المتفقهة، ومن الأولين قيس الماصر، وأبان بن تغلب، ومؤمن الطاق. وكثيرا ما درب التلاميذ بين يديه ليصنعوا على عينيه: يفد على المدينة وافد من الشام فيعدو إلى المجلس يناقشهم في " وجوب تنصيب الإمام " فيتجارون في جداله حتى يسلم لهم. ثم يعلق الإمام الصادق على طريقتهم أو قدرتهم. فيقول لحمران بن أعين " تجرى الكلام على الأثر فتصيب ". ثم يلتفت لهشام بن سالم فيقول له " تريد الأثر ولا تعرفه ". ويلتفت إلى الأحوال (الطاقى) ويقول " قياس رواغ تكسر باطلا بباطل. لكن باطلك أظهر ". ويقول لقيس الماصر " تتكلم وأقرب ما تكون إلى الخبر عن رسول الله. أنت والأحوال قفازان حاذقان ".. وأخيرا يقول لهشام بن الحكم (يا هشام: لا تكاد تقع. تلوى رجليك. إذا هممت بالأرض طرت. مثلك يكلم الناس. فاتق الزلة.. " ولقد يلاحظ المرء من ذلك تعدد طرقهم وتفاوت علمهم ونفاذ بصر الإمام إلى خصائصهم، ودوره في تصويب وتدريب كل منهم. وهو لا يتركهم دون تشجيع: يشير إلى زرارة بن أعين وبريد العجلى وأبى بصير المرادى ومحمد بن مسلم فيقول: (لولا هؤلاء لا نقطعت آثار النبوة واندرست). وكان في أسرة زرارة الحفاظ المدققون يتصدرهم تلميذا الإمام، الحسن والحسين ابنا زرارة. والإمام يهب الأسرة جلال الذكرى في التاريخ فيقول: (لولا أسرة زرارة ونظرائه لا نقطعت أحاديث أبى). وهو إذ يثنى على أسرة زرارة، يشجع النظراء، وربما لا يتركهم الإمام دون تضييف:

[ 219 ]

فالمستشرق رونلدسن يصور بعض مجالس الإمام مع تلاميذه فيقول ما تعريبه (ومن الوصف الذى نقرؤه عن إكرام جعفر الصادق ضيوفه في بستانه الجميل في المدينة، واستقباله الناس على اختلاف مذاهبهم، يظهر لنا أنه كانت له مدرسة شبه سقراطية. وقد ساهم تلاميذه مساهمة عظمي في تقدم علمي الفقه والكلام. وصار اثنان من تلامذته وهما (أبو حنيفة ومالك) فيما بعد من أصحاب المذاهب الفقهية. وأفتوا بالمدينة أن اليمين التى أعطيت في بيعة المنصور لا تعتبر، ما دامت أعطيت بالإكراه. ويروى أن تلميذا آخر من تلامذته وهو " واصل بن عطاء " رئيس المعتزلة جاء بنظريات في الجدل مما أدعى إلى إخراجه من حلقة تدريس الإمام جعفر وكان " جابر بن حيان " الكيماوى الشهير من تلامذته أيضا ". اليك بعض الاسماء: " أبان بن تغلب " (141) تلميذ زين العابدين والباقر والصادق. قال له الباقر (اجلس في المسجد وأفت الناس. فأنا أحب أن يرى في شيعتي مثلك) وقال له الصادق: (ناظر أهل المدينة فأنا أحب أن يكون مثلك من رواتي ورجالى). كان إذا دخل على الصادق عانقه وأمر بوسادة تثنى له، و أقبل عليه بكله، ولما مات قال: أما والله لقد أوجع قلبى موت أبان. روى عن الصادق ثلاثين ألف حديث. وهو - بهذه المثابة - شاهد على التعاقب و الاستمرار والشمول في علم أهل البيت. يعرف الشيعة بأنهم (الذين إذا اختلف الناس أخذوا بقول على وإذا اختلف الناس عن على أخذوا بقول جعفر بن محمد) فهو القائل في جعفر بن محمد (ما سألته عن شئ إلا قال: قال رسول الله). كان إذا جلس بالمسجد تقوضت إليه الحلق. وأخليت له سارية النبي. فيجيئه الناس يسألونه فيجيئهم بمختلف الأقوال. ثم يذكر قول أهل البيت ويورد حججه. ومن أجل هذا المنهج في التدريس كان

[ 220 ]

الصادق يوصى التلاميذ بأن يعبوا من منابعه، يقول لأبان بن عثمان: إيت أبان فإنه سمع عنى ثلاثين ألف حديث فاروها عنه. فهو لا يتردد في تفضيله حتى ليجعله طبقة بينه وبين سميه في الرواية عنه. وقد احتج بحديثه مسلم بن الحجاج في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة. وروى عنه سفيان بن عيينة شيخ الشافعي. وله كتب شتى منها كتاب في الأصول. - ثابت بن دينار (150) - أبو حمزة الثمالى - تلميذ الصادق والسدى المفسر. يقول فيه الرضا حفيد الصادق: أبو حمزة في زمانه كلقمان في زمانه. استشهد بنوه الثلاثة حمزة ونوح ومنصور في خروجهم مع زيد بن على - روى عنه الترمذي. - " مؤمن الطاق " - كما يسميه الشيعة - نسبة إلى " طاق المحامل " حيث كان متجره. أو " شيطان الطاق " كما يسميه فقهاء السنة: هو محمد بن على بن النعمان الأحول. ويقال ان أبا حنيفة هو الذى لقبه بشيطان الطاق لمناظرة جرت بين الخوارج وبينه أمام أبى حنيفة. والراجح أن خصومه سموه كذلك لعبقريته. أما الإمام الصادق فيناديه بعبارة بارعة يرضاها الجميع " يا طاقى " أو يقول (صاحب الطاق) كان مناظرا لا يشق له غبار. رآه تلميذ آخر يناظر، وأهل المدينة يضيقون بمناظرته حتى قطعوا آراءه، وهو لا ينكف عن الجدل. فنبهه على أن الإمام ينهاهم عن الكلام. فالتفت إليه وقال: أو أمرك أن تقول لى ؟ قال لا. ولكنه أمرنى أن لا أكلم أحدا. قال: اذهب فأطعه فيما أمرك. وسمع الصادق بالواقعة، من التلميذ، فتبسم. بل هو قال له: إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير. أما أنت إن قصوك لن تطير. ويروى أنه ناظر زيد بن على في إمامة الإمام الصادق.

[ 221 ]

كان أبو حنيفة يتهمه بالرجعة. وهو يتهم أبا حنيفة بالقول بالتناسخ. تلاقيا بالسوق يوما ومع صاحب الطاق ثوب يبيعه. قال أبو حنيفة أتبيعه إلى حين رجعة ؟ قال: إن أعطيتني كفيلا أن لا تمسخ قردا. ولما مات الإمام الصادق قال له أبو حنيفة: مات إمامك. فأجابه: لكن إمامك لا يموت إلا يوم القيامة. إمامك إبليس ! وله كتاب في مناظراته لأبى حنيفة. - أبان بن عثمان بن أحمر البجلى. يروى عن الصادق ثم عن الكاظم، وله مؤلفات شتى، وذكره ابن حيان في الثقات. وهو على رأس الستة الذين أجمع الشيعة على تصحيح ما يصح عنهم والإقرار بالفقه لهم. وهم: أبان. وجميل بن دراج. وعبد الله ابن مسكان. وعبد الله بن بكير. وحماد بن عيسى. وحماد بن عثمان. - هشام بن الحكم: (179) نشأ بالكوفة ودخل بغداد للتجارة واستقر بها. ولزم الإمام الصادق ثم صار خصيصا بالإمام الكاظم يقول عنه ابن النديم: هومن جلة أصحاب جعفر. وهو من متكلمي الشيعة ممن فتقوا الكلام في " الإمامة " عمل مدة من الزمان قيما بمجالس الكلام عند يحيى بن برمك وزير الرشيد. وكان أول أمره من أصحاب جهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالإمامة في شبابه. فكان الصادق يدعو له (لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). ونفذ هشام إلى المعتزلة من خلال (النظام). وظل أثره قويا في غير المعتزلة حتى ظهر المذهب الأشعري. وهشام هو الذى يقول. ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاه الله من سمائه فعزلوه وإلى من عزله الله من سمائه فولوه (يقصد تبليغ على سورة براءة بدلا من أبى بكر. وقول جبريل للرسول: لا يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك).

[ 222 ]

كان إذا قصد إفحام معارضيه لم يثبت أمامه رجل. سمعه الرشيد في بعض مجالس يحيى بن برمك وكان يحضرها من وراء ستر فقال: " إن لسان هشام أوقع في نفوس الناس من ألف سيف ". ولما فتك الرشيد بالبرامكة طلب هشاما فاختفى. فأخذ به خلقا كثيرا ثم أطلقهم بعد أن مات هشام مستترا. ولم تكن مجالس المناظرات خالية من الخطر. يسأل هشاما سائل ذات يوم (أما عملت أن عليا نازع العباس (جد الرشيد) - إلى أبى بكر ؟ فأيهما كان الظالم لصاحبه ؟ - قال هشام فيما بعد " قلت في نفسي إن قلت العباس بلغ ذلك الرشيد، وإن قلت عليا ناقضت نفسي " - قال هشام: لم يكن فيهما ظالم. قال السائل أفيختصم اثنان.. وهما محقان ! ! قال هشام: نعم اختصم الملكان إلى داود، وليس فيهما ظالم. وإنما أرادا أن ينبهاه. كذلك اختصم هذان إلى أبى بكر ليعلماه ظلمه). فهو ينجو من المزالق، ويكرم الرجلين، ويفضل عليا على أبى بكر. ومن وصية الإمام الصادق له قوله: (يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فليفزع إلى الله في مسألته إن كل له عقل. فمن عقل قنع بما يكفيه. ومن قنع استغنى. ومن لم يقنع لم يدرك الغنى أبدا.. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا.. العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه. إن الزرع ينبت في السهل... من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه). وكان يحذره من التشبيه والتجسيم، وقد كانت تبلغه عنه زلات في هذا الشأن. ومع ذلك لا يكف عن تشجيعه. فيستعيده رواية ما وقع منه مع عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة. ويستحى هشام. فيقول له الإمام: " إذا أمرتكم بشئ فافعلوا ". فيقول هشام: (بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة. فعظم ذلك على. فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة وأتيت

[ 223 ]

المسجد، وإذا بحلقة عظيمة فيها عمرو.. والناس يسألونه.. فقعدت في آخر القوم على ركبتي. ثم قلت: أيها العالم. إنى رجل غريب. تأذن لى في مسألة.. قلت: ألك عين ؟ قال نعم. فقلت ألك أنف ؟.. ألك لسان ؟.. ألك أذن ؟ قال نعم. قلت ألك قلب ؟ قال نعم. قلت فما تصنع به ؟ قال أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح والحواس قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب. قال لا. قلت لابد من القلب وإلا لم تستيقن الجوارح ؟ قال نعم. فقلت: يا أبا مروان. والله تعالى لم يزل جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وتتيقن به مما شكت فيه. ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم. ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه شكك وحيرتك ؟.. فسكت. ثم التفت إلى وقال: أنت هشام بن الحكم).. فضحك الإمام وقال: من علمك هذا ؟ قال: شئ أخذته منك.. قال: (هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى). وظاهر أن طريقته كانت طريقة الإمام في استعمال المحسوسات والاعتبار بها في الإثبات واستعمال العقل بنزاهة في الاستدلال وسنعرض لها فيما بعد. بلغت مؤلفات هشام سبعة عشر مؤلفا منها كتاب " الإمامة ". كتاب الوصية والرد على من يطلبها. وكتاب الحكمين. " جابر بن حيان " - أول من استحق في التاريخ لقب كيميائي، كما تسميه أوربة المعاصرة. وهو الذى يشير إليه الرازي (240 - 320) - جالينوس العرب - فيقول (استأذنا أبو موسى جابر بن حيان). والمؤرخون - إلا بعضا من غير المسلمين - متفقون على تلمذته للإمام. وعلى صلته أو تأثره به في العلم والعقيدة. وأكثرهم على أنه صار بعد موت الإمام من الشيعة الإسماعيلية. يقول في كتابه الحاصل (ليس في العالم شئ إلا وفيه من جميع الأشياء. والله لقد وبخنى سيدى (يقصد الإمام الصادق) على عملي

[ 224 ]

فقال: والله يا جابر لولا أنى أعلم أن هذا العلم لا يأخذه عنك إلا من يستأهله وأعلم علما يقينا أنه مثلك، لأمرتك بإبطال هذه الكتب من العلم). وكانت كتب رياضة وكيمياء تسبق العصور بجدتها.. قيل إنه أخذ علمه عن خالد بن يزيد ثم أخذ عن الإمام جعفر. وهو يشير إلى الإمام دائما بقول " سيدى ". ويحلف به. ويعتبره مصدر الإلهام له. يقول في مقدمة كتابه الأحجار (وحق سيدى لولا أن هذه الكتب باسم سيدى - صلوات الله عليه - لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد). ذكر له المستشرق كراوس Kraus ناشر كتبه في العصر الحديث أربعين مؤلفا. وأضاف ابن النديم في القرن الرابع للهجرة عشرين كتابا أخرى. وينقل ابن النديم قوله (ألفت ثلثمائة كتاب في الفلسفة وألفا وثلثمائة رسالة في صنائع مجموعة، وآلات الحرب، ثم ألفت في الطب كتابا عظيما ثم ألفت كتبا صغارا وكبارا، وألفت في الطب نحو خمسمائة كتاب. ثم ألفت في المنطق على رأى أرستطاليس. ثم ألفت كتاب الزيج أيضا نحو ثلثمائة ورقة. ثم ألفت كتابا في الزهد والمواعظ. وألفت كتبا في العزايم كثيرة حسنة وألفت في الأشياء التى يعمل بخواصها كتبا كثيرة. ثم ألفت بعد ذلك نحو خمسمائة كتاب نقضا على الفلاسفة. ثم ألفت كتابا في الصنعة يعرف بكتب الملك. وكتابا يعرف بالرياض). * * * وتلاميذ الصادق، المشهورون، فيما عدا من سلف ذكرهم، من كبار أهل السنة أشاخ للفقهاء في جميع المذاهب منهم: سفيان بن عيينة. وسعيد ابن سالم القداح. وإبراهيم بن محمد بن أبى يحيى. وعبد العزيز الدراوردى. وقد روى الشافعي عن كل هؤلاء. وجرير بن عبد الحميد، وأبراهيم بن طهمان، وعاصم بن عمر.. بن عمر بن الخطاب.. وأبو عاصم النبيل (212) شيخ أحمد بن حنبل. وأبو عاصم آخر تلاميذ الصادق وفاة، وقد روى عنه كتابا. والكسائي عالم اللغة، وعبد العزيز بن عبد الله الماجشون زميل المالك

[ 225 ]

في الفتيافى موسم الحج، وعبد العزيز بن عمران.. بن عبد الرحمن بن عوف. وابن جريح إمام مكة. والفضيل بن عياض. والقاسم بن معن. وحفص بن غياث والثلاثة أصحاب أبى حنيفة، ومنصور بن المعتمر. ومسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي بمكة. يحيى بن سعيد القطان. وإنما أحدثت السياسة الخلافات بين فقهاء السنة والشيعة فأنتجت وجوها لخلافات فقهية وحديثية. فوجدنا للشيعة رواة ليسوا من رواة الكتب التى يتداولها أهل السنة ومنها الصحاح الستة المشهورة. فالشيعة لا يقبلون أحاديث من حاربوا عليا أو أخطأوا في حقه. ومن الناحية الأخرى وجدنا في بعض كتب الحديث لأهل السنة، أوصافا للرواة من الشيعة، تتضح منها جذور هذه الخلافات. وإليك بعض أمثال: - كان الشعبى - شيخ المحدثين بالكوفة على رأس المائة الأولى - يكذب الحارث الهمداني، صاحب على فيسلط الله على الشعيى ثقات أثباتا من الرواة يستخفون به وأبان بن تغلب نجبة مدرسة السجاد والباقر والصادق. يقول فيه الحافظ السعدى: زائغ مجاهر. ويقول فيه الجوزجانى: زائغ مذموم المذهب. ويقول عنه الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (شيعي جلد. ولكنه صدوق. فلنأخذ صدقه وعليه بدعته). - وعلى هذا النحو تجد خالد بن مخلد القطوانى (213)، وهو من مشايخ البخاري، يقول عنه ابن سعد إنه كان مفرطا في التشيع. ويقول عنه أبو داود: " صدوق " لكنه يتشيع. - وتجد تليد بن سليمان. يقول فيه أبو داود - تلميذ أحمد - رافضي يشتم أبا بكر وعمر. فلنا " صدقه " وعليه " بدعته ". لكن ابن حنبل يأخذ عنه. وحسب الرجل شهادة ابن حنبل. - وجعفر بن سليمان يقول فيه ابن عدى (أرجو أنه لا بأس به)، في حين أن أحمد بن حنبل عندما يقال له إن سليمان بن حرب يقول لا تكتبوا

[ 226 ]

حديث جعفر بن سليمان، يرد أحمد (لم يكن ينهى عنه إنما كان جعفر يتشيع) فيبين سبب ظلم سليمان له. - ولقد تجد الراوية يقول بالرجعة، فيضعفه يحيى بن معين، أستاذ الجرح والتعديل وزميل أحمد بن حنبل، لكنك تجد عبد الرازق بن همام يقول بالرجعة ومع ذلك يروى عنه الأعمش وسفيان وشعبة وابن حنبل ويحيى نفسه وسفيان بن عيينة شيخ المحدثين بمكة وأستاذ الشافعي. وأحمد ابن حنبل صاحب المسند الأعظم. - أو تجد زبيد بن الحارث، يقول فيه الجوزجانى (كان ممن لا يحمد الناس مذاهبهم). ويضيف (احتملهم الناس لصدق ألسنتهم في الحديث) لذلك يحتج به أصحاب الصحاح وأرباب السنن، وكمثلهم الشعبى وإبراهيم ابن يزيد النخعي. والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب يقول في الجوزجانى (وأما الجوزجانى فلا عبرة بحطه على الكوفيين فالتشيع في عرف الأقدمين هو.. أن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ. مع عدم تقديم الشيخين. وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله. وإذا كان معتقد ذلك ورعا دينا، صادقا، مجتهدا، فلا ترد روايته). وهذا هو الذى جعل روايات الرواة الذين ذكرناهم، وأمثالهم، تتردد في كتب الصحاح والسنن. هكذا كان انقسام الأمة نقمة على العلم. وكان الوقوف على أبواب السلاطين نقمة أخرى. والوسائل طيعة، من ترهيب وترغيب وبث للعيون والأرصاد، وبخاصة على الشيعة. مما أورث هؤلاء العمل بالتقية. والتقية أو الحذر يوجبان الانطواء أو التباعد. وفي عصر الخلافة العباسية كان " مذهب السلطان " مذهب أبى حنيفة في المشرق، ومذهب مالك بإفريقية في المغرب، في حين كانت المعتزلة تتزعم التجديد وتلتصق بالخلفاء. وكان - الشافعية - كإمامهم - أساتيذ

[ 227 ]

جدل، وكمثلهم كان أهل الظاهر أتباع داود، وقد بدأ شافعيا. وأما المحدثون فقد كانوا يمثلون السلف والدفاع عن السنة. وكانت خلافات المتفقهة سمة العصر، ومثلهم المالكية. وفي القرن الرابع الهجرى جاب المقدسي (380) العالم الإسلامي، فذكر أن أهل الأندلس كانوا إذا وقعوا على معتزلي أو شيعي قتلوه، ثم وصف تناحر الوسط العلمي في عصره بعبارت حادة، قال (قلما رأيت في بغداد من فقهاء أبى حنيفة إلا رأيت أربعا: الرياسة، مع لباقة فيها، والحفظ، والخشية، والورع. وفي أصحاب مالك أربعا: الرياسة، مع لباقة فيها، والحفظ، والخشية، والورع. وفي أصحاب مالك أربعا: النقل والبلادة والديانة والسنة. وفي أصحاب الشافعي: النظر والشغب وامروءة والحمق - وفي أصحاب داود: الكبر والحدة والكلام واليسار: وفي الشيعة: البغضة، والفتنة، واليسار، والصيت). أما الصفتان الأوليان اللتان يصف بهما الشيعة فمردهما إلى التمسك بمقدساتهم وعلومهم في مواجهة المتعصبين الذين لا يكفون عن التناؤش معهم من قريب أو بعيد. وأما الصيت، فأى صيت في الأمة أبعد من صيت أهل البيت أو محبيهم ! وأما اليسار فمرده إلى فتوح الله عليهم، بالعلم الذى طالما علمهم الإمام جعفر الصادق، في " منهج كامل في الاقتصاد " سنعرض له فيما بعد.

[ 229 ]

الفصل الثاني الدرس الكبير لكل نبى وصى ووارث. وإن وصيى ووارثى على بن أبى طالب (حديث شريف)

[ 231 ]

الدرس الكبير أحدث انقسام الأمة بفعل بنى أمية أثره في الفقه. وليس كلام بعض المسلمين في أفراد من الصحابة إلا أثر من آثار هذا الانقسام. ومن الطبيعي ألا تمتنع الألسنة عما لم تمتنع عنه الأسلحة. وأن تستمر معارك الكلام وإن توقفت رحى الحرب. شق أهل الشام عصا الطاعة لأمير المؤمنين منذ استخلف. وانتهت يوم " وقعة الجمل " فتنة عمياء فيومئذ قال محمد بن الحنفية وهو يحمل الراية: هذه والله الفتنة الكاملة العمياء. وناداه أمير المؤمنين (هل عندك في جيش، مقدمه أبوك، شئ !). ونفر البطل للقاء أهل الشام في صفين. ورفع جيش معاوية المصاحف. ثم كانت خدعة التحكيم وخروج الخوارج وهزيمتهم. ولكنهم ظلوا يمثلون التعصب العميق لفكر لم يتمرس بالسياسة وتبعات القيادة و حقن الدماء. فلاموا عليا لقبوله التحكيم مع معاوية (1). وعندئذ لم يوالوا عليا ولا من والاه - لكن الدولة لم تؤل إليهم، ولهذا قل أثرهم في الاتجاه العام للأمة. وإنما الذى أحدث أثره العظيم في الأمة خلاف معاوية. إذ ولى الحكم وألزم ولاته بالطعن في على. والتنكيل بمن والاه. ونظرت العامة إلى مصلحتها العاجلة في توقى الشرور من السلطة. ونظر المتفقهون - ومعهم جمهور الأمة -


(1) كفروا على لقبوله التحكيم ورأوا أن الخلافة لابد لها من بيعة الجمهور. وأنها لا تنحصر في بيت معين وبرئوا من على وعثمان ومعاوية. الأول لقبوله التحكيم والثانى لمخالفة سياسة الشيخين أبى بكر وعمر والثالث لاستيلائه على الأمر بالقوة.. يأخذون بظاهر العبارة من القرآن. ولا يأخذون من السنة إلا ما يرويه من يتولونهم. وعمدتهم في ذلك الأحاديث المروية على عهد الشيخين. وكل من تعدى حدود الله عندهم فاسق. ولذلك عدوا أشياع معاوية والذين لم يتبرءوا من على وعثمان - وهؤلاء جمهور الأمة - خارجين على الإسلام واستحلوا ما لهم وقتلهم، وبهذا نفر الناس منهم. (*)

[ 232 ]

بفقه طابعه الشمول، أنزل الخلفاء الراشدين الأربعة منازلهم. وسبحت ثلة منهم بزوارق السلطة خوفا أو طمعا. ورأى البعض إرجاء إبداء الآراء. وبطش بنو أمية جبارين. فقل عدد الشيعة أو توارى بعضهم تقية، كما قل اتصال أهل البيت بالعامة وفقهاء الجمهور. واستمسك الشيعة بفقههم وروايات الأحاديث من من أئمتهم أو عن أئمتهم. ولما قتل معاوية حجر بن عدى، لغضب الصحابي الجليل من القدح في أهل البيت، كان معاوية يقتل استقلال الآراء عن السلطة. ثم كانت البطشة الكبرى بأهل البيت في كربلاء (سنة 61) متابعة من يزيد لأبيه في حماية " العرش " الأموي بغير حساب. ثم صفت وقعة الحرة (63) جيل الصحابة من المهاجرين والأنصار. وفصلت حروب المختار بن عبيد بين أشياع السلطة وبين على من جديد - ولم تكن حرب ابن الزبير مع أهل الكوفة، ولا حربهم لبنى مروان، الا أسبابا جديدة لا نكماش الشيعة. والحجاج - والى عبد الملك بن مروان - مصلت سيفه. وكمثله الولاة بعده. في أخريات هذا العهد كان زين العابدين قد ملأ الأفق بورعه وعلمه وسخائه، حتى مات. وبزغ نجم الباقر في سماء المدينة، وأعقبه الصادق، ليبدأ إمامة مهد لها أبوه. ومكن لهم أن ينشروا العلم، الانصراف عن السياسة أو المطالبة باالحكم، فأشرق الفجر الجديد. لكن خروج زيد بن على، ثم هجوم الخوارج على المدينة، ثم هزيمتهم، ثم هزيمة بنى مروان أمام العباسيين، ثم فتكات العباسين بأبناء على، وقد تضاءلت بالنسبة لها صعقات الأمويين، كل أولئك زاد القطيعة بين أصحاب السلطة وبين أهل البيت، والانطواء من الشيعة على أنفسهم، والانفصال بين معظم الرواة من أهل السنة وبينهم: فرأينا عامر بن شراحبيل الشعبى (104) شيخ المحدثين في العراق وقاضي بنى مروان يقول: " ماذا لقينا من آل على إذا أحببناهم قتلنا وإن عاديناهم دخلنا النار ".

[ 233 ]

ومن كثرة ما عمل للخلفاء، صار دربا على معاملة الأمراء: سأله الحجاج كم عطاءك قال ألفين: فاستدرك الحجاج وقال: ويحك كم عطاؤك ؟ قال ألفان. قال لم لحنت ؟ قال: لما لحن الأمير لحنت. ولما أعرب أعربت... وسمعنا الحسن البصري (110) الجسور، إذ يروى عن على، يقول: " قال أبو زينب " - ولما سأله ابن عياش (ما هذا الذى يقال عنك إنك قلته في على ؟) أجاب (يا ابن أخى. احقن دمى من هؤلاء الجبابرة. لولا ذلك لسالت بى أعشب. ولما تقطعت بين الشيعة وغيرهم الأسباب، اضمحلت، أو قلت، المشاركة العلمية. وصار هنا لك عالمان فقيهان متقاطعان. * * * ولم يكن غريبا في هذه القطيعة أن تقل رواية أهل السنة عن أهل البيت. أو أن نرى مالك بن أنس - في المدينة ذاتها - يسأل عن سبب ندرة الرواية منه عن على وابن عباس فيجيب: لم يكونا ببلدي. (يقصد أن عليا كان بالكوفة وابن عباس بمكة). أو نراه يقتصر، فيما يرويه عن الإمام الصادق، على أحاديث قليلة جدا في الموطا، وفيه نحو من ألف حديت (1). ولما قال البخاري بعد أكثر من مائة عام من قيام الدولة العباسية - عن صحيحه (ما وضعت فيه إلا الصحيح وما تركت من الصحاح أكثر)،


(1) من أدلة وحدة العلم أو التقارب فيه حديث، من هذه القلة، هو حديث اليمين مع الشاهد. وهى مسألة أريق فيها مداد كثير لفقهاء أهل السنة. جاء في الموطأ رواية محمد بن الحسن: (أخبرنا مالك أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد). قال محمد بن الحسن - ذكر ذلك ابن أبى ذئب عن ابن شهاب قال سألته عن اليمين مع الشاهد فقال بدعة. وأول من قضى فيها معاوية. - وابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره. وكذلك ذكر ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح قال: (كان القضاء الأول: لا يقبل إلا شاهدان وأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان..). وهذا الحديث وارد في سنن الترمذي وابن ماجه ورواه عن ابن عباس مسلم وأبو داود والنسائي ومسند أحمد. والصحاح الخمسة تذكره موصولا - وتعمل به المدينة ومكة، وقد ذكر ابن الجوزى أن رواة الحديث يزيدون عن عشرين صحابيا. والمذاهب الثلاثة تعمل به. وأبو حنيفة لا يعمل به. (*)

[ 234 ]

كان في هذا القول دلالة على الاحتياط العلمي، وعلى أن أحاديث صحاحا قد أغفت. وأنها أكثر مما تضمنه كتابه من الصحيح. ولعله بهذا يقصد، فيما يقصد، أحاديث " على " وأهل البيت فيما تركه من صحاح. فهو لم يرو أحاديث أهل البيت، في حين احتج بها الجميع (1) وورود الكثير منها في سائر الصحاح والمسانيد (2).


(1) والشافعي الذى يرى زين العابدين أعلم أهل المدينة، يقول في دفاعه العلمي المجيد عن حجية خبر الواحد في الرسالة - (وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفى بعض هذا منها... ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل.. ووجدنا على ابن حسين (يقصد زين العابدين) يقول: أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال: (لا يرث المسلم الكافر) فثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة. ووجدنا كذلك محمد بن على بن حسين (يقصد الباقر) يخبر عن جابر عن النبي وعن عبد الله ابن أبى رافع عن أبى هريرة فيثبت كل ذلك سنة. ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم. ونافع بن جبير بن مطعم، ويزيد بن طلحة بن ركانة، ومحمد بن طلحة بن ركانة. ونافع بن هجير بن عبد يزيد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وحميد بن عبد الرحمن، وطلحة بن عبد الله به عوف، وابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وخارجة بن زيد بن ثابت. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وعبد الله بن أبى قتادة. وسليمان ابن يسار. وعطاء بن يسار، وغيرهم من محدثي أهل المدينة، كلهم يقول حدثنى فلان لرجل من أصحاب النبي عن لنبى أو من التابعين عن رجل من أصحاب النبي، فيثبت ذلك سنة. وإنك لتلاحظ أن الشافعي يستند إلى رواية زين العابدين والباقر فيضع زين العابدين في مقام خاص به. هو الأول. ويضع ابنه الباقر في المقام التالى لأبيه. ثم يجئ بالأبناء العلماء، للصحابة العظماء، وراء هذين المقامين، ويجئ بهم مجموعين، ثم يجئ بفضلاء التابعين بعد هؤلاء جماعات. (2) روى أحمد بن حنبل أحاديث أهل البيت في مسنده الأعظم. وروى كذلك مسلم بن الحجاج (261) وسليمان بن الأشعث السجستاني (أبو داود - 275) ومحمد بن عيسى الترمذي (279) ومحمد بن يزيد بن ماجه (279) والنسائي أحمد بن على بن شعيب (303) بقية أصحاب الصحاح كما يسميها أهل السنة. والنسائي من شهداء الوفاء لعلى: خرج من مصر إلى الشام فسألوه عن فضائل معاوية - إذ كان قد ألف في فضائل على - وقيل إنه أجاب: ألا ترضى رأسا برأس حتى تفضل ؟ أو قال لا أعلم له فضيلة. فما زالوا يدفعونه في خصيته حتى أخرجوه من المسجد وقد أشرف على الموت فقال احملوني إلى مكة فحمل إليها حيث توفى. (*)

[ 235 ]

ومع أن الحرب الكلامية والافتراءات الموجهة للرواة كانت ضروسا فقد وثق الأئمة الفقهاء والمحدثون - أعظم التوثيق - الإمام جعفر الصادق. وشرفوا بالرواية عنه. ووقفت المذاهب الأربعة موقف الإجلال له. فكان ذلك إعلانا من أهل العلم أن ائمة أهل البيت للجميع لا للشيعة وحدهم. وأن الحديث متى ثبت عنهم هو حديث جدهم صلى الله عليه وسلم: كان يوسف بن أبى يوسف يروى عن أبيه عن أبى حنيفة عن " جعفر ابن محمد " عن سعيد بن جبير عن ابن عمر حديث رسول الله. وفي الوقت ذاته يروى عن أبيه عن أبى حنيفه عن اسحاق بن ثابت عن أبيه عن على بن الحسين حديث رسول الله، مع أن على بن الحسين (زين العابدين) لم يرجده - واللقاء من شروط البخاري - ويروى يوسف عن أبيه عن أبى حنيفة عن " جعفر بن محمد " حديث رسول الله - مع أن الصادق حفيد زين العابدين - فهذا أبو حنيفة ومن روى عنهم - كمثل مالك وغيره - يروون عن أئمة أهل البيت، ويأخذون بحديثهم عن رسول الله، مع أنهم لم يلقوه أو لم يكن بينهم وبين الرسول صحابي. والكتب التى يقوم عليها الفقه الشيعي تروى كلها عن الإمام جعفر الصادق أو الأئمة المعصومين. يستوى في ذلك الكتب الأربعة الشهيرة وغيرها. في هذه الأضواء نستطيع أن نفهم انقسام العلم بانقسام مصادره. وانحسار هذا البحر من بحاره عن الجمهور، باقتصاره على الشيعة. ولاجرم كانت فيه كفاية لإنتاج دق الفقه وجله، بما فيه عن غزارة، وباعتماده على النقل والعقل معا. وبإقبال الشيعة - شأن الأقليات جميعها - على تعميق علومها، وتقوية شعوبها. وساعدهم انفتاح الفكر واجتهاد الرأى في تطهير وسطهم العلمي والاجتماعي ممن ينتسبون، أو ينسبهم الخصوم، إليهم، من الغلاة في على بن أبى طالب (1). ثم تمييز العلمهم من علم المخالفين الذين يتولون غير الامام جعفر


(1) كان وجود غلاة في الشيعة فرصة للمغرضين، إذ نسبوا عمل الغلاة إلى الشيعة كلهم. فأحدثوا بذلك أثرا كاذبا في أفهام الآخرين، بدعاوى هم منها براء، مثل أن الإمام هو الله ظهورا واتحادا. وهو غلو يبلغ الكفر. وأكثر المنسوبين للشيعة غلوا أتباع ابن سبأ وأبى الخطاب الأسدى الذين يؤلهون عليا والأئمة. وهؤلاء ليسوا مسلمين. = (*)

[ 236 ]

وغير أبيه كالزيدية (1).


= ولقد حرق على النار من ألهوه وتبرأ الصادق من أبى الخطاب الأسدى. وقتله جند أبى جعفر. وكان ابن سبأ يهوديا من صنعاء أسلم وانطلق إلى الحجاز والبصرة والشام ومصر. المؤرخون الأولون كالطبري (210) والمؤرخان الشيعيان أبو خلف القمى (301) والنوبختى (310) يؤكدون وجوده، في حين يشكك في وجوده آخرون ممن جاءوا بعد ذلك. كان ابن سبأ يحرض أبناء العشائر ضد عثمان. قائلا إن لعلى مكانا فوق الصحابة بل فوق سائر الخلق. ولما قتل على قال انه سيرجع. وقد نفاه على إلى المدائن إذ كان يقول له (أنت أنت) ثم صار يقول (عجبا من الذين يكذبون رجوع محمد في حين يقولون إن عيسى يرجع) ويقول ان محمدا خاتم النبيين وعليا خاتم الأوصياء. ويقول ان عثمان ولى الخلافة بغير حق. وقال البعض إن ابن سبأ دفع أبا ذر ليقول ما قال لعثمان. ولا شك أن ابن سبأ أقل من أن يرتفع إلى مستوى تحريض أبى ذر. وأن نسبة أثار ضخمة جدا لأراجيف ابن سبأ في محيط صغير جدا وزمان قصير جدا - ليس إلا وجه من تعليق الأوزار، التى ارتكبتها أجيال أفرخت فيها الفتن، على عاتق رجل لا قيمة له. والكثيرون من المؤرخين على أن ابن سبأ لم يلق أبا ذر. وتعليق الأوزار هروب. وهو عيب قديم في المجتمعات التى تفقد صدق الرؤية، فتبري، نفسها - ظلما - من عيوبها، فتلقيها على الآخرين. وهو أيا كانت الحال غلو في تضخيم شأن ابن سبأ وأشباهه لتبغيض الشيعة إلى الآخرين. ولقد طالما أحدث هذا التبغيض من قوم لا يعلمون الحقائق آثاره في نفس قوم مخلصين. وفي ظلمات هذه الجهالات يتوارث المسلمون فرقة يفرضها عليهم من يفيدون لأنفسهم ومن يجهلون. (1) الزيدية. أتباع زيد بن على زين العابدين - أخى الباقر - قالوا إنه فوض في الإمامة قبل أن يستشهد إلى محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية). وكان زيد يجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل لمصلحة يراها المسلمون. ولهذا أجاز خلافة أبى بكر وعمر. فرفضه شيعة العراق فسموا رافضة. ومنذئذ أطلق على الشيعة الامامية اسم الرافضة. وقيل سموا الرافضة لرفضهم إمامة أبى بكر وعمر. والأول رأى الشهرستاني والأخير رأى أبى الحسن الأشعري. والشهرستانى من الشيعة والأشعري من أهل السنة. وزيد يقول إن الأدلة اقتضت تعيين على إماما " بالوصف " لا بالشخص. ويقول ان - الشيوخ يختارون " الأفضل " من أولاد على من فاطمة، عموما، " بالاجتهاد ". ومن شروط الزيدية أن يجتهد أئمتهم. لذلك كثر فيهم الآئمة المجتهدون. ومن شروطهم أن يخرج الإمام داعيا لنفسه. وعلى هذا الشرط جادل الباقر أخاه زيدا بقوله " على قضية مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج ". ومن الزيدية اليعقوبية يقولون بولاية أبى بكر وعمر ولا يتبرئون ممن يبرأ منهما وينكرون رجعة الأموات. وبقية الزيدية تتوقف في أمر الرجعة لا يقولون بها ولا ينكرونها. = (*)

[ 237 ]

أو من علم الذين يتولون غيره وغير أبيه وجده (1) كالكيسانية. يقول الشيخ المفيد في غلاة الشيعة (وهم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام إلى الألوهية والنبوة، ووصفوهم في الدين والدنيا بما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد. فهم ضلال وكفار). والإمامية لا يجيزون القدح في الصحابة. فإذا وجد قادحون منهم فآراؤهم فردية، في أفراد، من الصحابة. يبديها المتطرفون. أشباههم موجودون في أهل السنة، ممن قدحوا في بطل الإسلام " على "، وريحانتي النبي " الحسن " و " الحسين ". والقدح " معصية " لا تخرج من الإسلام.


= وظهرت في المذهب الزيدى مذاهب منها الهادوى والقاسمي والناصري والهارونى التى تخالف الأصل في فروع يسيرة وتسير عليه في جملة الفروع وتلتقي بمذاهب أهل السنة، وبخاصة المذهب الهادوى الذى أسسه امام اليمن الإمام الهادى (يحيى بن الحسن بن إبراهيم بن القاسم) صاحب صعدة (280 - 289) وكان أئمة المذهب الهادوى من عظم اتفاقهم مع المذهب الحنفي يرون الأخذ بالمذهب الحنفي إذا لم يجدوا عن الإمام الهادى نصا في المسألة. بل يذهبون إلى أبعد من ذلك فيأخذون بأرجح ما في المذاهب الأخرى. والزيدية ترى أن كل من دعا لنفسه من أولاد على من فاطمة الزهراء، وكان مستكمل الصفات وجب اتباعه. وقد كتب لهم النجاح في اليمن وطبرستان إلى الجنوب من بحر قزوين. والعرب تسمى بحر قزوين بحر طبرستان. وقد ملك طبرستان الحسن بن زيد..... بن الحسن بن على سنة 250 حتى سنة 270. وكانت ثورة ابن طباطبا في بغداد في أيام المأمون زيدية. (1) الكيسانية يقولون بإمامة محمد بن الحنفية بعد وفاة أبيه. وإن الحسن والحسين انما خرجا بإذنه. ومن الكيسانية أشياع المختار بن عبيد الله الثقفى. (67). ومنهم الهاشمية. الذين يقولون إن محمدا أفضى إلى ابنه أبى هاشم بالأسرار التى أفضى إليه بها أبوه. ولما مات أبو هاشم انقسمت فرقته فرقا. واحدة تقول انه أوصى لأخيه على. وان الوصية لا تخرج عنهم حتى " يرجع " محمد بن الحنفية. وواحدة تنقسم إلى فرق. منها فرقة تقول انه أوصى إلى معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (وقد قتله أبو مسلم الخراساني). وفرقة تقول انه أوصى إلى محمد بن على بن عبد الله بن العباس. وهاتان فرقتان تخرجان الإمامة إلى غير أبناه على. وتفسران أهل البيت تفسيرا يسع غير أبناء على. (*)

[ 238 ]

ولا يعتبر معصية اجتهاد " مجتهد " تأول فأخطأ. وقد نظر علماء السنة هذا النظر الأخير إلى خلافات المعتركين من الصحابة في الجمل وصفين. فاعتبروها اجتهادات فيها الخطأ والصواب. والإمام على معلم أول للأصول والفقه وأدب الدنيا والدين: يقول عن الخوارج الذين كفروه ! وطلبوا إليه التوبة ! (إخواننا بغوا علينا). (1) والإمامية يقولون إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى إلى اثنى عشر إماما بأسمائهم. كل منهم يبين خلفه باسمه. إذ يكشفه الله له. أولهم على الذى أوصى للحسن. وأوصى الحسن للحسين. وتتابعت لزين العابدين ومنه للباقر الذى أوصى للصادق. وتتابعت الوصية من الصادق إلى ابنه موسى الكاظم (183) فابن الكاظم على الرضا، (203) فابن الرضا محمد الجواد (220) فابن الجواد على الهادى (254) فابن الهادى الحسن العسكري (260) فابن العسكري محمد المهدى المولود بسامرا سنة 256، والمختفي بعد عام 260 والمنتظر ظهوره ليملأ الدنيا عدلا. السنة: يروى الحارث الأعور: قلت يا أمير المؤمنين إذا كنا عندك سمعنا منك ما يشد ديننا وإذا خرجنا من عندك سمعنا أشياء مختلفة ولا ندرى ماهى ؟ قال: أو فعلتموها ؟.. سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول (أتانى جبريل فقال: يا محمد ستكون في أمتك فتن. قلت فما المخرج منها ؟ فقال كتاب الله)


(1) ويقول ابن أبى الحديد في شرح نهج البلاغة (وكل من عاداه أو حاربه وأبغضه فإنه عدو لله سبحانه وتعالى وخالد في النار مع الكافر والمنافقين إلا من ثبتت توبته ومات على توليه وحبه فأما الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله.. رأيناه رضى إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم و أنكحهم وأكل فيئهم.. ألا ترى أنه لما برئ من معاوية برئنا منه. ولما لعنه لعناه. ولما حكم بضلال أهل الشام ومن كان بينهم من بقايا الصحابة كعمر بن العاص وعبد الله ابنه حكمنا أيضا بضلالهم.. والحاصل أننا لم نجعل بينه وبين النبي إلا رتبة النبوة. وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه. ولم نطعن في أكابر الصحابة. الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم). وقول ابن أبى الحديد منطقى في اتباع على. ومن المنطق كذلك ترتيب الآثار على بيعة الجمهور لخليفة جديد، هو أمير المؤمنين الحسن بن على، ثم انعقاد الصلح بينه وبين معاوية في السنة الحادية والأربعين، فلا تسوغ معاملة أشياع معاوية معاملة المحاربين أو الخارجين على الإسلام. فلقد أصلح الله بالحسن بين هاتين الفئتين من المسلمين. (*)

[ 239 ]

وإذا كان في الكتاب حل لكل مشكلة، فالسنن موضحة ومنفذة لأحكامه. والسنن إذ تروى عن جعفر بن محمد الصادق أو عنه عن آبائه أو تروى عن الأئمة عامة لا يوجد فيها صحابي يختلف الشيعة معه. وعلى أساس هذه الأحاديث قام فقه الشيعة الإمامية. مرويا عن الإمام فلا يناقشونه. فكلامه نصوص. أي هو سنة. في غنى عن الإسناد، تغنى عن الاجتهاد. وفي كتبهم كما قيل ما يكفى الأمة حتى أرش الخدش. وقد دون علم الأئمة وفقههم في كتبهم. ومنه علم لدنى عن الإمام المعصوم. ومنه تفسيرهم للقرآن (1) والأئمة - عندهم - قد اختصوا بعلم ما لم ينص عليه وما لم يعلنه النبي - صلى الله عليه وسلم. وأقوال الأئمة حجة تلى الكتاب والسنة. والفقهاء الشيعة لا يتجهون إلى الأدلة إلا في غيبة الإمام أو حديث الإمام. والسنة أساسها القرآن. يقول الإمام الصادق " إذا رويت لكم حديثا فسلوني أين أصله من القرآن ". روى يوما نهى النبي " عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال " فقيل له أين هذا من كتاب الله ؟ فأجاب: إن الله تعالى يقول " لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " وقال تعالى " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما " وقال تعالى " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ". فهذه أصول قرآنية ثلاثة لحديث واحد في السلوك. وهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى. وإذا لم يكشف الإجماع عن رأى الامام المعصوم فباب الاجتهاد مفتوح لطلب الحكم الشرعي فيما ليس فيه نص. والعقل - مع الضوابط التى يضعوبها من قواعد وأصول - قدير على أن يبلغ المجتهد طلبه. * * * روى هشام بن سالم قول الصادق (إنما علينا أن تلقى إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا) - وفى نهج البلاغة جملة من الأصول التى نبه عليها أمير المؤمنين


(1) والشيعة تنفى قول القائلين بالصرفة وهو ما يزعمه بعض المعتزلة (النظام) من أن الله صرف المشركين عن أن يحاولوا الإتيان بمثله. فهذا القول مصيره نفى الإعجاز. والإعجاز آية الرسول صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 240 ]

على، وتكلم فيها الأئمة الباقر والصادق والرضا: كالكلام عن الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنوافل والفرائض والرخصة والعزيمة والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والواجب وغير ذلك. ومما ردده الأئمة الثلاثة قواعد الجمع بين الحديثين المتعارضين، والترجيح بينها، والتخيير، وأحكام النسخ، ولزوم رد المتشابه إلى المحكم، وجواز الأخذ بخبر الواحد، والعمل بالظاهر، ومنع القياس أو تفسير القرآن بالرأى، والعمل بالاستصحاب، وأصالة الحل والإباحة، والطهارة والبراءة والصحة. وقواعد الفراغ واليد والقرعة. وكلام الامام الصادق في هذه الأبواب كثير. ولهشام بن الحكم كتاب في مباحث الألفاظ وفي الأصول. وكذلك ليونس بن عبد الرحمن كتاب في الأصول. والسنة المتواترة هي التى يتكاثر رواتها ويتفرقون إلى حد لا يمكن معه اتفاقهم على الكذب. وبهذا يتحصل علم قاطع بأنهم لم يجمعهم جامع على الكذب. والتواتر عن الرسول كالتواتر عن الإمام المعصوم. والإمام الصادق يقول (حديثى حديث أبى وحديث أبى حديث جدى. وحديث جدى حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين. وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله. وحديث رسول الله قوله تعالى). والتعبير بأن حديث الرسول هو قوله تعالى يعدل القول بأن السنة هي الحكمة التى ذكر القرآن أن الرسول يعملمها للمسلمين. وخبر الواحد مقبول لدى جمهور الفقهاء عندهم. وحجتهم في ذلك - على الجملة - كحجج أهل السنة (1). والصادق لا يرى بأسا في رواية الحديث بالمعنى. سأله تلميذه: أسمع منك الحديث فأزيد وأنقص ؟ فأجاب: (أن تريد معانيه فلا بأس).


(1) أما الرواة عموما فيشترط أن يكونوا من الإمامية الاثنا عشرية يروون عن " إمام " عن النبي. وثمة من يقبل رواية غير الإمامي مادام موثقا أي أمينا عند الإمامية. قالوا (لو كان بعض رجال السند غير إمامى مصرحا بالتوثيق أو مصرحا بالمدح لابد من كون الباقي إماميا موثقا). (*)

[ 241 ]

ولا يضيقون صدرا بالإرسال من الثقات، بغير معارض، فلقد تقرأ (صحيح فلان عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام) (1). ويمكن القول إجمالا إن الحديث عندهم صحيح وحسن وموثق وضعيف. فالحديث الصحيح هو الذي ينقله العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات حتى الإمام المعصوم. والحديث الحسن هو المتصل السند بالإمام المعصوم. فإن انقطع السند لم يعد حسنا. ويشترط أن يكون الراوى ممدوحا من غير معارضة ذم وإن لم تثبت العدالة. فلو ثبتت لكان صحيحا. ولا يمكن أن تصل رواية غير الإمامي إلى إحدى هاتين الدرجتين مهما كانت منزلته من التقى والفقه. والحديث الموثق هو مادخل في طريقه غير إمامى إذا كان الأصحاب الإمامية يوثقونه. وهنا لا يشترط الاتصال بالإمام المعصوم. وهناك من يشترط أن يتوسط غير الإمامي إماميين. وهناك من يرفضه. والحديث الضعيف غير هذه الأقسام الثلاثة: ومالا يبلغ حد التواتر يسمى خبر الواحد. فوصف الواحد يراد به عدم التواتر، وقد يكون عن متعددين. فالخبر المستفيض والمشهور نوع من خبر الواحد. المستفيض ما رواه أكثر من اثنين. والمشهور ما اشتهر على الألسن وفي الكتب، وإن كان رواية واحد (2). * (هامش) (1) والإرسال لايمنع قبول الحديث عند أهل السنة. كان إبراهيم النخعي يروى الحديث مرسلا. فيقول له الأعمش. إذا رويت لى حديثا فأسنده فيجيب: إذا قلت حدثنى فلان عن ابن مسعود فهو الذى رواه. وإذا قلت قال عبد الله فغير واحد. والحسن البصري يقول (إذا قلت لكم حدثنى فلان فهو حديثه ومتى قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن سبعين). (2) الخبر الذى يحصل العلم بصدوره من قرائن داخلية أو غيرها مطابقة لظاهر القرآن أو معانيه أو لأدلة العقل، حجة معتبرة، لا للشهرة أو الاستفاضة أو التواتر أو أي شئ آخر، بل العلم بصدوره الذى هو حجة بنفسه - فالخبر المتواتر أو المعلوم بصدوره لا حاجة لشروط في روايته. وإنما الشروط في خبر الواحد. = (*)

[ 242 ]

أما الشهادة فيقول فيها الإمام جعفر (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء، والأوصياء. فمن لم تره بعينيك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر. وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنبا). وإذا كان في بعض المذاهب من لا يقبل شهادة أصحاب الصنائع التى يسمونها (دنيئة)، فالإمامية يرون قبول شهادتهم. والله يقول (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فليس في الصناعات شريف ومشروف، وإنما الصناع فيهم من هؤلاء وهؤلاء. والشيعة - مع هذا - ضائق صدرهم بالطفيليين والمستجدين. فهؤلاء متساهلون في عزة النفس التى أمر الله بها المسلمين. * * * والصادق يقول (إن الإجماع لاريب فيه). وهو عند الإمامية (اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأى المعصوم) فلا يخلو عصر من وجود الإمام ظاهرا أو خافيا. وإذ كان اتفاق جماعة من الإمامية فيخرج غيرهم. ومن أجل ذلك عرفت أراء الصادق من خلال اتفاق تلاميذه. وليست الحجة للإجماع بل هي لرأى الإمام المعصوم الذى يكشف عنه الإجماع.


= وقد يعملون بالضعيف إذا اشتهر العمل به بين الأقدمين - أما علامات وضع الحديث فهى كمثلها عند أهل السنة تقريبا. وليس عجيبا أن تكون السنة التى يتمسك بها الشيعة في مجموعها هي السنة التى يتمسك بها أهل السنة. فخلافات الروايات واسنادها أو إضافة مصدر الأئمة، لم تدخل في التراث النبوى العظيم ما يغيره. ومشايخ الإمامية يوثقون المخطئين في الاعتقاد. والإمام الصادق إذ يقول (خذوا مارووا. وذروا ما رأوا) يقصد أراءهم. ولقد طالما رفض مجتهدوهم أحاديث ذكرت في كتبهم، وأخذوا بما جاء في صحيحي البخاري ومسلم لتفحصهم أحوال رجالهما. (*)

[ 243 ]

والإجماع يثبت بالتواتر والمشاهدة وبخير الواحد. وليس اجتماع الرجال شرطا عندهم. والإجماع من عصر أو عصرين لا يجعل الحكم ضرورة دينية أو مذهبية. بل يكون اجتهاديا يقبل الجدال. أما إجماع الأمة في كل عصر ومصر، من عهد الرسول للآن، فيجعل الحكم من ضرورات الدين. والإجماع من الصحابة يدخل فيه على بن أبى طالب. فهو الإمام المعصوم. * * * والعقل يكشف عن نظر الإمام إن لم يوجد نص أو إجماع. فالاجتهاد (1) مفتوح أبدا في الظنيات التى ليس فيها دليل من الشرع يفيد اليقين، وليس للعقل فيها حكم واجب حتم. كخلاف الصحابة في العول في المواريث وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها. وكالمعاملات. أما القطعيات فلا اجتهاد فيها كالعقائد الواجبة، وما ثبت من الأحكام العملية بالتواتر. والعقائد كاتصاف الله بالكمال وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والبعث والحساب. والأحكام العملية كالصلاة والصوم والحج. وليس من وسائل اجتهاد الشيعة القياس. فالإمام الصادق يقول (إن السنة إذا قيست محق الدين) ولما قيل له أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ قال (ما أجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لسنا من أرأيت في شئ) لكن وسائل استعمال العقل مباحة للمجتهد. والإمام الصادق يقول: " ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال ". وآيات الأحكام قليلة، وكمثلها قلة أحاديث أصول الأحكام، (2) فوجب الاجتهاد.


(1) يشترط الشيعة في المجتهد (1) العلم باللغة (2) بالكلام. (3) بكتاب الله والسنة (4) بطرق الإستنباط (5) المسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها الجتهاد (6) الفطنة وإدراك الحقائق (7) العلم بمواطن الخلاف. كل ذلك (8) وهو إمامى. (2) آيات الكتاب (6236) آية على طريقة عد الكوفيين كما ورد في التعليق على المصحف المتداول بمضر من سنة 1337 هجرية أحصى بعض فقهاء أهل السنة نحو (140) في العبادات، و (70) في المعاملات، و (70) في الأحوال الشيخصية والمواريث، (20) في الجنايات، و (13) في المرافعات، و (20) في القضاء والشهادة، (10) في الاقتصاديات = (*)

[ 244 ]

ونحن مأمورون باستعمال العقل. وحكم السماء تظهر للعقول بالتدريج. كان أصحاب النبي يجتهدون في وجوده وازدادت حاجتهم للاجتهاد بعد موته. والدنيا أطوار تحتاج للفقه الذى يطبق عليها حكم الشريعة لتبقى الحياة محكومة بالدين، وتتطور في حدود مقاصد الشارع. وحكم الله في كل مسألة معين، نصب الله دليلا عليه. فمن المجتهدين من يصل إليه ويصيبه. ومنهم من لا يصل إليه ويظن غيره. فهو مخطئ معذور. مغفور له خطؤه ما دام قد بذل جهده دون هوى. وللمصيب أجران لصوابه واجتهاده وللمخطئ أجر واحد على اجتهاده فذلك حكمه صلى الله عليه وسلم (1) ومن أجله كانت السماحة التى اتصف بها الصحابة إذ يختلفون. والمنصفون من كل المذاهب يعلنون أن في المذاهب الفقهية المعتبرة خطأ وصوابا. وليس منها مذهب واحد كله خطأ أو كله صواب. لذلك كان التعصب المطلق آفة تؤوف الفقهاء. لقد كثرت مخالفات على لعمر، ونزول عمر عند رأى على. وعلى هو القائل بأنه ترك لعمر تنفيذ رأيه (في بيع أمهات الأولاد) في حياة عمر، ولما آل إليه الأمر أنفذ رأيه. فعلمنا أمورا: منها: 1 - أن المذهب الشيعي وهو يدور حول آراء على، إنما هو مذهب حى في حياة الخلفاء الراشدين أنفسهم. فلما آل إليه الأمر وأتيحت له الفرصة التى أتيحت لغيره لتطبيق اجتهاداته أنفذها - ولكن المكان والزمان ضاقا عليه لتوزع جهده في الحروب، وانحصار سلطانه على الأرض، ومعاجلته بيد الخوارج. 2 - حق الخليفة في إنفاذ رأيه. ومن ثمة أنفذ عمر رأيه في أمور شتى كما أنفذ أبو بكر رأيه من قبل. والرأى اجتهاد.


= و (10) في المسائل الدستورية، (25) في المسائل الدولية - وأحاديث أصول الأحكام عندهم نحو (450) بين آلاف الأحاديث أكثرها بيان مجمل أو تفصيل موجز أو تشريع ما سكت عنه. (1) يقول عليه الصلاة والسلام لمن سأله أجتهد وأنت حاضر ؟ نعم. إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر. (*)

[ 245 ]

3 - مشروعية الخلاف. وهو درس تعلمه الصحابة من صاحبهم صلى الله عليه وسلم. مطلوب من الجميع أن يتعلموه. وأن يعلموا الناس أنه وسيلة التقدم. روى النسائي أن رجلا أجنب فلم يصل. فذكر ذلك للنبى فقال: أصبت. وأجنب رجل فتيمم وصلى، فذكر ذلك للنبى فقال أصبت. وروى البخاري عن عمران بن حصين أنه قال للرجل الذى اعتزل فلم يصل في القوم (فما يمنعك أن تصلى) فقال أصابتني جنابة ولا ماء. قال (عليك بالصعيد. فإنه يكفيك). ورأى عمرو بن العاص فيما فهم من قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديك إلى التهلكة) جواز التيمم للجنب إذا خاف على نفسه البرد. والآثار في الخلاف بين الصحابة كثيرة جدا (1) والخلاف بين المجتهدين أجل من أن يحصر. وفيه ثراء للفكر، وسعة في الدنيا ورحمة بالأمة. كان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الفصد والحجامة والرعاف. فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلى خلفه ؟ فقال: كيف لا أصلى خلف " مالك " وسعيد بن المسيب " ؟ وكان مالك يفتى الرشيد أنه لا وضوء عليه إذا هو احتجم. فصلى يوما بعد الحجامة وصلى خلفه " أبو يوسف " صاحب " أبى حنيفة " (وهو يرى الوضوء من الحجامة) واغتسل أبو يوسف في الحمام، وأخبر بعد صلاة الجمعة أنه كان


(1) راجع نحو تقنين جديد للمعاملات والعقوبات من الفقة الإسلامي (من مطبوعات لجنة تجلية مبادئ الشريعة الاسلامية) - عبد الحليم الجندي - طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية نقرات 42 إلى 48 (*)

[ 246 ]

في بئر الحمام فأرة ميتة فلم يعد صلاته وقال (نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا). فهؤلاء أئمة المذاهب لا يتسامحون في خلافاتهم فحسب بل يتجاوزون الخلاف العلمي إلى التطبيق العملي. من أجل ذلك يقول أحمد لتلميذ إسحق بن بهلول إذ ألف كتابا يريد أن يسميه " كتبا الاختلاف ": (سمه كتاب السعة). ويقول عمر بن عبد العزيز " ما سرنى باختلافهم حمر النعم ". الامامة: الإسلام دين ودولة. فالدولة تكفل لمبادئ الإسلام التطبيق، والانتشار، وانتفاع الجماعة والأفراد به. وبالدين عزة الفرد والجماعة، ورسوخ أركان الدولة. والدين للدولة روح للجسد. وهو للفرد دم نقى يجرى في عروقه أو هواء صحي يتنفسه. ولا حياة إلا بالدم والتنفس. وكان من آيات الإعجاز الإسلامي أن يبلغ المسلمون الذروة أفرادا أو دولا أو مجتمعات في عصر، أو في أشهر، بل في ساعات، بمجرد إخلاصهم في التمسك بالإسلام. لقد بلغوا ما يدعو إليه الإسلام في " خلافة " أبى بكر وعمر، والسنين الستة الأولى من " خلافة " عثمان، وفي أقل من ثلاثين شهرا في " خلافة " عمر بن عبد العزيز. و الخلافة الراشدة قياده مسددة. ولقد بلغ المحاربون مبالغهم، في يوم واحد، هو العاشر من رمضان سنة 1393، إذ كانوا يقتحمون حصون إسرائيل وهم يتنادون: الله أكبر: الله أكبر. والإمامة - أو الخلافة - قد تكون خلافة عن النبي في تبليغ الأمور الدينية أو في الولاية السياسية أو فيهما جميعا. وهى عند الشيعة دينية وسياسية محصورة في أهل البيت. لكنها عند جمهور أهل السنة تجوز لأى قرشي عادل، يختاره المسلمون بشورى صحيحة، وبيعة عامة.

[ 247 ]

ولا تبقى الخلافة إلا ما بقى الخليفة قائما بالعدل. فإذا انحرف لم تبق خلافة نبوية بل استحالت سلطة دنيوية أي ملكا. والشافعية والمالكية والحنابلة يرون القرشى العادل إذا تغلب. فبايعة المسلمون بيعة صحيحة راضين مرضيين، تكون البيعة له صحيحة. وإن تأخرت عن الولاية التى نالها بالغلبة. أما الحنفية فيشترطون سبق البيعة ضمنانا للحرية وكفالة للمشورة. والشيعة الإمامية يرون الإمامة ثابتة لاثنى عشر إماما بذواتهم لا بالبيعة لهم ولكن بالوصية إليهم. وهم على وبقية الاثنى عشرة، والله يعلن الإمامة لمن قبله فيوصى السلف للخلف. وليست بيعة الجماعة لهم إلا إعلان رضا المسلمين بهم، لا ترشيحهم أو اختيارهم. والشيعة الإمامية يرون " واجبا على الله تعالى " أن ينصب إماما للناس لطفا منعه بعباده. وأهل السنة يرون نصب الإمام " واجبا على الناس ". أما الخوارج فلا يرون واجبا نصب الإمام بل يرونه " جائزا "، إلا إذا قامت الحاجة إليه فيجب. وهم كالمعتزلة يرون أن الخلافة يصلح لها أصلح رجل في الأمة عربيا أو غير عربي، ويرون أنها تكون بانتخاب حر. ويؤثرون أن ينتخب غير قرشي، لييسر نزعه إن أخطأ. يقول الإمام الصادق (لا يموت الإمام حتى يعلم من يكون من بعده فيوصى له) ويقول: أترون الموصى منا يوصى إلى من يريد ؟ لا والله. ولكن عهد من الله ورسوله لرجل فرجل، حتى ينتهى الأمر إلى صاحبه). ويقول لتلميذ له (يا أبا محمد إن الله افترض على أمة محمد صلى الله عليه وسلم خمس فرائض. الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا. فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة. ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا. لا والله ما فيها رخصة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام " من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية ". عليكم الطاعة فقد رأيتم أصحاب على).

[ 248 ]

ومن توفيق الإمام جعفر، وأبنائه، أنهم لم يطلبوا لأنفسهم خلافة دينوية. وبهذا يتميز تاريخ الشيعة الإمامية من الشيعة الإسماعيلية، التى ستظهر بعد موت الإمام بوقت طويل. والتى كان من أهدافها ولاية السلطة، وإقامة الدول. قال سليمان بن خالد للإمام الصادق: إن الزيدية قوم عرفوا وخرجوا وشهدهم الناس، وما على الأرض محمدى أحب إليهم منك. فان أردت أن تدنيهم وتقربهم منك فافعل. فأجاب (إن كان هؤلاء السفهاء يريدون أن يصدونا عن علمنا إلى جهلهم، فلا مرحبا بهم، وإن كانوا يسمعون قولنا وينظرون أمرنا، فلا بأس). ومع أن " مؤمن الطاق " - تلميذ الإمام الصادق - ثبط زيدا عن الخروج، " فالصدوق " يروى عن الإمام " الكاظم " قول أبيه (رحم الله عمى زيدا. إنه دعا إلى الرضا من آل محمد. ولو ظفر لو في). فزيد لم يدع لنفسه، لأن الإمامة كانت للباقر. وإنما كان خروجه تجديدا للاستشهاد عندما تدعو دواعيه. يقول الصادق (مضى والله عمى زيد وأصحابه شهداء على مثل ما مضى عليه الحسين بن على بن أبى طالب وأصحابه) - بل هو يعلن الاستعداد للاستشهاد، ويراه واجبا من واجبات أهل البيت عامة، والأئمة خاصة وأبو بصير يروى عنه قوله إن الله تعالى أعفى نبيكم أن يلقى من أمته ما لقيت الأنبياء من أممها. جعل ذلك علينا). والشيعة مجمعون أن عليا أولى بالخلافة - دينية أو دنيوية - من الصديق ومن عمر ومن عثمان - لكن عليا سما عن أن يترك في الأمة صدعا يوم بايع لأبى بكر، وقبل استخلاف أبى بكر لعمر، وبايع لعثمان مع المسلمين. وتسبيب البيعة بأنها كانت لرأب الصدع فيه تسليم بأن ولاية شئون الدولة يمكن أن تفصصل عن الخلافة الدينية. فلو كانت غير ذلك لما سلم على في أمر يخالف الدين. ولقد طالما عالن الخلفاء الثلاثة برأيه الشجاع. وأجمعوا دائما على تقديره، ونزلوا عنده - وسيبقى له في ضمير التاريخ وصحفه أنه دخل

[ 249 ]

في إجماع المسلمين. فذلك درس لهم - من دروسه التى لا تكاد تحصني - ليعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا. والذين يقولون - من أي فريق - إن عليا بايع " مرغما " يتأولون. فعلى أعلى صوتا ومكانا من أن يرغم، أو لا يعلن رأيه، مواجهة. ولما بايع عمر لأبى بكر يوم السقيفة، كان يومئذ - كعلى يوم بايع - يرأب الصدع بين المهاجرين والأنصار، وهم بين أظهرهم ولما جعل عمر الخلافة شورى في الستة بعده، كان مسئولا عن المسلمين، كما كان أبو بكر يوم استخلفه. وعلى في طليعة السمئولين، كمثله الأئمة بعده. * * * والذين ينسبون إلى الشيعة ما صنعه أو فهمه الدهماء منهم من قدح في أبى بكر أو في عمر ظالمون. ومن الشيعة مفكرون يعلنون أن من تعود البعض من الشيعة أن يلعنوه في احتفالات مآتم عاشوراء - وقد ظهرت بعد موت الإمام جعفر الصادق بقرن في عهد دولة بنى بويه - هو عمر بن سعد قائد الجيش الذى قتل الحسين. جاء في كتاب الأستاذ أحمد مغنية عن الإمام جعفر الصادق (وقد حورب المذهب الجعفري في عهد العثمانيين والأتراك.. كما أن المفرقين أنفسهم وجدوا في اتفاق الاسمين: عمر بن الخطاب وعمر بن سعد قاتل الحسين، ميدانا واسعا يتسابقون فيه في تشويه الحقائق.. يعرف الناس جميعهم أن الشيعة يعنون عناية تامة في المآتم الحسينية التى تقام أيام عاشوراء وغير عاشوراء من أيام السنة.. والحسين هو موضع تلك المآتم.. وكان طبيعيا أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد. ومن من المسلمين وغير المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله ؟.. لا أنكر وجود أفراد - بالأمس - من سواد الشيعة وبسطائهم لا يفرقون بين هذين الاسمين بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقيا وشقيا... وساعد على بعد الشقة وتوسيع نطاق الفتنة شيوخ جهلة مرتزقة أئمة من كلتا الطائفتين السنية والشيعة...) وأيا كانت الجهالة أو العصبية فهى بلاء ابتليت به الأمة يتفجر بذاء وخصومات في المناسبات - وفيما كان يقع بين مذاهب أهل اسنة مشابه

[ 250 ]

منها - والمؤكد أن أئمة المذاهب منها براء. وأن الجيل الذى تعلم عليهم برئ من التعصب أو الافتراء. وأن العلماء الصدق بعيدون عن متابعة السواد والبسطاء (1). * * * وفقه المذهب غزير في الإمامة مذفتق الكلام فيها التلاميذ في حياة الإمام وبعد مماته. مستندين إلى أحاديث للنبى، صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وردت في كتبهم وفي كتب أهل السنة ذاتها - ويرتبون عليها نظرية الإمامة. أما أهل السنة فلهم في شأن هذه الأحاديث وجهات نظر أخرى حول السند وحول المعنى اللازم. إليك " بعض " الأحاديث: يقول عليه الصلاة والسلام (يا أيها الناس. إنى تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا. كتاب الله وعترتي، أهل بيتى) (2) ويقول (إنى تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب الله حبل ممدود من السماء وعترتي أهل بيتى. ولن يفترقا حتى يردا على الحوض. فانظروا كيف تخلقوني فيهما) (3) ويقول (إنى تارك فيكم خليفتين كتاب الله. وعترتي أهل بيتى) (4) ويقول (إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي.. فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (5) أو (إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتى. وانهما لن يفترقا.....) (6) - ذلك أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من حجة


(1) يذكر الراغب الأصفهاني في المحاضرات من قرون مضت: سئل رجل كان يشهد بالكفر على آخر عند جعفر بن سليمان فقال: إنه رجل معتزلي، ناصبى. حرورى. جبري. رافضي. يشتم عمر بن الخطاب. وعمر بن أبى قحافة. وعلى بن أبى طالب. وأبا بكر بن عثمان. ويشتم الحجاج الذى هدم الكوفة على أبى سفيان. وحارب الحسين بن معاوية يوم القطائف فقال جعفر (قاتلك الله. ما أدرى على أي شئ أحسدك. أعلى علمك بالأنساب أم بالأديان أم بالمقالات). (2) أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر. (3) أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم. (4) أخرجه أحمد بن حنبل بطريقين صحيحين وأخرجه الطبراني. (5) أخرجه أحمد بن حنبل وآخرون. (6) أخرجه الحاكم في المستدرك وآخرون ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (*)

[ 251 ]

الوداع نزل بغدير خم يوم 18 ذى الحجة في السنة العاشرة - والشيعة تعتبره عيدا يسمى عيد الغدير - وكان قد نزل عليه الوحى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته. والله يعصمك من الناس)، فأمر بدوحات فقممن فقال (كأنى دعيت فأجبت. إنى قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي. فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض... ثم قال: إن الله عز وجل مولاى. وأنا مولى كل مؤمن. ثم أخذ بيد على وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). وابن حجر في صواعقه يقرر أن لهذا الحديث طرقا كثيرة وردت عن نيف و عشرين صحابيا مع اختلاف في المكان أهو غدير خم أم الطائف أم المدينة. أما طرقه عن أهل البيت فنحو ثمانين طريقا. وفي على قوله صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتى ويدخل الجنة التى وعدني ربى فليوال عليا وذريته من بعده. فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة) (2). وفي أهل البيت قوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن مثل أهل بيتى فيكم مثل سفينة نوح. من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وإنما مثل أهل بيتى فيكم مثل باب حطة في بنى إسرائيل. من دخله غفر له) (3) وقوله (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأهل الأرض من الاختلاف) (4) والشيعة مؤمنون بأنه لا ينقض حجة هذه الأحاديث على منزلة أهل البيت ومكانة على، تأويلها من بعض أهل السنة أو التشكيك فيها من البعض الآخر.


(1) أخرجه الحاكم من طريقين عن زيد بن أرقم. وأخرجه مسلم في صحيحه حتى كلمة الحوض مع خلاف في بعض الكلمات. (2) مسند أحمد بن حنبل - ابن حجر - كنز العمال - وبهذا المعنى في المستدرك. (3) الصواعق لا بن حجر (4) أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس. وفي مسند أحمد أن عمر كان أول المهنئين لعلى يوم الغدير. كما هنأه الصحابة الحاضرون. (*)

[ 252 ]

والآخرون يرونها سندا صحيحا في تكريم على ولا يرونها سندا في الإمامة بالمعنى الذى يريده الشيعة. * * * ولقد كان الصحابة يجلون عليا كل الاجلال. والكثرة منهم لا تسلم له بأولوية الخلافة على سابقيه من الخلفاء. ثم جاء جيل جديد أصبح فيه إنكار هذه الأولوية وسيلة للسلطة لتثبيت شرعيتها، بل طريقا إلى أصحاب السلطة، يسلكه من يلتمسون المصلحة أو الجاه أو الراحة. لكن الأمة بقيت على حب على وأبنائه. وكثرتها ككثرة الصحابة في إجلاله. فالشافعي - أكبر عقل علمي - يضع حب أهل البيت. بين فرائض الدين. ويذكر المسلمين بأن الصلاة على أهل البيت جزء من الصلاة لله. يقول: يا أهل بيت رسول الله حبكمو فرض من الله في القرآن أنزله كفا كمو من عظيم القدر أنكمو من لم يصل عليكم لا صلاة له والإمام أحمد يقول (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله من الفضائل ما جاء لعلى) وتشيع أبو حنيفة محل إقرار أو إنكار. وهو القائل (لو لا السنتان لهلك النعمان) قاصدا مدة دراسته على الإمام الصادق. ومالك بن أنس من أنبه تلاميذ الإمام جعفر ذكرا. والأربعة أئمة أهل السنة. أخرج أحمد بن حنبل عن عائشة (جاء رجل فوقع في على وعمار عند عائشة. فقالت: أما على فلست قائلة لك فيه شيئا. وأما عمار فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه (لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشد هما). ولقد كان عمار من أول حياته في الإسلام، حيث كان في آخر يوم في حياته في الدنيا، مع على. وفي جنده مات في صفين وهو في التسعين. قتلته الفئة الباغية عليه وعلى على معه.

[ 253 ]

ولقد أوصى (1) النبي لعى أن يغسله صلى الله عليه وسلم ويجهزه ويدفنه ويفى دينه وينجز وعده، ويبرئ ذمته ويبين للناس ما اختلفوا فيه. وما ذلك إلا لأن عليا منه ومن أهل بيته حيث هو. من هذه المكانة لعلى كان معه في صفين ثمانون من الصحابة الأحياء كلهم بدرى، وهؤلاء من أهل الجنة. أما معاوية فمعه الواهمون أو أهل الدنيا الذين يعدهم ويمنيهم، لتصير الأمور إلى ما انتهت إليه في أيامه وما بعد أيامه. وأما الأمة فجعلت مكانه معاوية من على، مثلا سائرا في اللسان العربي. (وأين معاوية من على). يقول الأحنف بن قيس: دخلت على معاوية فقدم إلى الحار والبارد والحلو والحامض مما كثر تعجبي منه. ثم قدم لونا لم أعرف ما هو. فقلت ما هذا ؟ قال: هذا مصارين البط محشوة بالمخ... قد قلى بدهن الفستق. وذر عليه بالطبرزد ! فبكيت. فقال ما يبكيك ؟ قلت: ذكرت عليا...: بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره (إذ كان صائما) وسألني المقام. فجئ له بجراب مختوم. فقلت ما في الجراب ؟. قال: سويق شعير. قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به ؟ قال: لا. ولا أحدهما. ولكني خفت أن يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت. فقلت: محرم هو يا أمير المؤمنين ؟


(1) ومن نصوص وصية النبي الصريحة بالإمامة لعلى: عن محمد بن حميد الرازي - وقد وثقة الآئمة: أحمد، ويحيى، وابن جرير الطبري، والبغوى - عن أبى بريدة (لكل نبى وصى ووارث وإن وصيتى ووارثى على بن أبى طالب) ومثله - بالمعنى مروى عن سلمان الفارسى. وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة (يا فاطمة. أما ترضين أن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض فاختار اثنين أحدهما أبوك والآخر بعلك) وعن أبن عباس أن الرسول قال لها ؟ أما ترضين أنى زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما وأنك سيدة نساء أمتى كما سادت مريم نساء قومها. أما ترضين يا فاطمة أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار رجلين فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك ؟) ومنها أن النبي يقول عن الحسين (ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تاسعهم قائمهم). (*)

[ 254 ]

قال لا. ولكن يجب على أئمة الحق أن يعتدوا أنفسهم من ضعفة الناس لن لا يطغى الفقير فقره. فقال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله. * * * يرى الشيعة أهل البيت ثانى الثقلين وأو لهما القرآن، والثقل كل خطير نفيس. وهم عدل القرآن في الأمة، وخلفاء الرسول في الحفاظ على الشريعة. فللائمة جميع ما له من المناصب ما عدا رتبة النبوة. ولديهم الكتب التى دون فيها علم النبوة، وفيهم ينحدر الهدى النبوى، وتنحصر الإمامة. وأن الله سبحانه وتعالى يختار للنبوة من يشاء ويختار للإمامة من يشاء. ويأمر نبيه بالنص عليه وتنصيبه للناس بعده للقيام بوظائفه، إلا أن الإمام لا يوحى إليه بل يتلقى الأحكام عن النبي مع تسديد السماء له، فهو مبلغ عن النبي، في حين أن النبي مبلغ عن الله جل شأنه. والإمامية يرون الإمام إنسانا من البشر. لكنه أفضل أهل زمانه. ولا تجوز عبادته فهذا عمل من خداع إبليس. وأن من هذا شأنه يجب أن يكون معصوما من الخطأ. فالناقص لا يكمل غيره ووجه الحاجة إلى العصمة فيه وفي النبي واحد (1). وهو حفظ الأحكام عن الخطأ. وإذ كان ذلك كذلك، فما يرد عن الإمام سنة. سواء أكان رواية عن النبي أم كان رأيه لأنه نص. أما مالا لا يرد عن الإمام فهو محل للاجتهاد وفق القرآن والسنة والإجماع والدليل العقلي. أما ولاية الحكم، فقد رأينا الإمام الصادق وآباءه لم يطلبوها كما لم يطلبها الأئمة بعده. يقول الكاظم لهشام (كما تركوا لكم الحكمة اتركوا لهم الدنيا). فما أحراهم أن يتركوا للملوك ما يتناحرون عليه.


(1) يقول الشريف المرتضى في كتابه (تنريه الأنبياء) (قالت الشيعة الإمامية لا يجوز عليهم (الأنبياء) شئ من المعاصي والذنوب. كبيرا كان أو صغيرا لا قبل النبوة ولا بعدها. ويقولون في الأئمة مثل ذلك). (*)

[ 255 ]

ويعتبر الشيعة الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثنى عشر من أصول الدين عندهم. وأنها " رديفة " التوحيد والنبوة، وفي حين لا يوافق أهل السنة على ذلك، لا تكفر الشيعة أهل السنة في إنكارها هذا الأصل. ولا يكفر أهل السنة الشيعة باعتقادها في الإمامة. وإنما يشتد الخلاف من جراء الغلو في الأئمة ونسبة أشياء إليهم يختلف في بعضها أهل السنة أنفسهم، كالرجعة، أو القدح في بعض الصحابة، كعمرو ومعاوية والمغيرة. أو يختلف فيها الشيعة أنفسهم كولاية المفضول، والنص على الإمام بالاسم لا بالوصف. مما حدا بالأضداد والاشياع إلى تبادل أزمة الثقة. أما الفاقهون فأدخلوا خلافاتهم في إطار ما يختلف فيه المجتهدون. وأما المتعصبون، من كل ملة، فيتقاطعون.. وما يتقاطعون إلا للمصلحة أو للغلواء أو لضيق الأفق. (1)


(1) دخل ابراهيم بن هرثمة على المنصور فتهدده لانه يمدح أهل البيت. ولما خرج إبراهيم لقى علويا سلم عليه فصاح به: لا تشط بدمى. وفي سنة 350 استعانت الجماهير بالجند ضد الشيعة. وفي سنة 363 قتل الكثيرون من أجل اقامة الشيعة لشعائرهم. وفي سنة 403 صدر مرسوم بلعن العلويين خلفاء مصر و إنكار نسبهم. وكانت موقعة الكرخ فتكا بأموال الشيعة أرواحهم وأطفالهم. وفي سنة 439 كبست دار الطوسى ببغداد. وفي سنة 448 و 449 أحرقت مكتبة الطوسى فترك بغداد إلى النجف. وعدوان المالكية على الشافعي في جامع عمرو مشهور. وطرد المالكية والحنفية من أجل الشغب في جامع عمرو بعد ذلك بأمر القاضى الحارث بن مسكين معروف. وكذلك فتنة الحنابلة في مجلس الطبري (310) وفي عهد البر بهارى وفيما بعده وقد طالما أرهجت بغداد. ومن الإزراء بالتعصب المذهبي تتردد على الألسن سخرية الزمخشري، وهو حنفى إذا سألوا عن مذهب لم أبح به وأكتمه... كتمانه لى أسلم فإن حنفيا قلت، قالوا بأننى أبيح الطلى وهو الشراب المحرم وإن شافعيا قلت، قالوا بأننى أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن مالكيا قلت، قالوا بأننى أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم. ولقد طالما كفرت جماعة جماعة أخرى: بغيا عليها أو تحاملا منها في التعبير عن الخلاف معها. كان نظام الملك (385) وزيرا عظيما: ينشر العلم وينشئ المدارس، ويعمل للوحدة، ويحاول أن يجمع الخلافتين العباسية والفاطمية، أي أهل السنة والشيعة الإسماعيلية، وكان يجتمع لديه علماء الفرق، فدخل عليه عبد السلام بن محمد القزويني شيخ المعتزلة وعنده أبو محمد التميمي ورجل = (*)

[ 256 ]

ومرد عدم التكفير (1) بين الشيعة وأهل السنة مع الخلاف في الاعتقاد بالإمامة، إلى أن الأصول - كما يقول الشيعة - ثلاثة التوحيد، والنبوة،


= آخر أشعرى، فقال له: أيها الصدر. لقد اجتمع عندك رءوس أهل النار. أنا معتزلي وذلك أشعرى وهذا مشبه. وبعضنا يكفر بعضا ! ! وفي سنة 412 صدر مرسوم في بغداد كفر به الخليفة القادر المعتزلة وأمر باستتابتهم، وقد سبق منهم العمل عند الخلقاء لقهر المحدثين والفقهاء في عصر المأمون والمعتصم والواثق وفي حياة الفيروز ابادى الشافعي قامت الفتنة على الشافعية سنة 479. وفي سنة 507 قال قاضى الحنفية بدمشق: لو كان لى من الأمر شئ لوضعت الجزية على الشافعية. وفي سنة 567 قال أبو حامد الطوسى المقال نفسه في الحنابلة ! وفي سنة 554 حرقت الأسواق في أصفهان لنزاع الحنفية والشافعية. وفي سنة 469 هاج الحنابلة في بغداد إذ ولى القشيرى الوعظ بالمدرسة النظامية. ومن قبل ذلك بعام سنة 468 انتقل السمعاني من مذهب أبى حنيفة إلى مذهب الشافعي فثار الحنفية بمدينة مرو في خراسان فنفاه سلطانها حقنا لدمه. وفي العصر ذاته أمر ابن تاشفين بإحراق كتب الغزالي في احتفال رسمى بمسجد قرطبة ! وذات يوم رأى الوالى الحنفي في بلاد ما وراء النهر في مخرجه للصلاة في الصباح مسجد اللشافعية فقال: أما آن لهذا الكنيسة أن تغلق ؟ وفي جيلان كان القوم حنابلة إذا قدم عليهم حنفى قتلوه ! وجعلوا ما له فيئا للمسلمين ! وأما أهل الأندلس فكانوا مالكية يطردون من الأندلس الحنفي أو الشافعي أو الحنبلى إذا وقد عليها. فإن كان معتزليا فربما قتلوه... ومن سد الذريعة أفتى البعض بتعزير من يترك مذهبا لمذهب. وفي القرن الثامن من الهجرة فصل من التدريس بمصر أبو العباس الحنبلى (716) لأنه ذكر أن عمر منع تدوين الحديث، وأن ذلك كان سبب تعارض النصوص في الحديث وخلاف العلماء. وفي القرن العاشر علقت على باب زويلة رأس المولى ظهير المدين الأردبيلى لأنه قال ان مدح الصحابة ليس بفرض ! وفي تركيا قتل في عهد السلطان سليم الأول (926) نحو أربعين ألفا من الشيعة. وهكذا تدور رحى البطش في كل اتجاه، لكن لها قانونا لا يتخلف هو أن الباطشين اليوم مبطوش بهم غدا. (1) أهل السنة لا يكفرون إلا من يجحد فرائض الإسلام لأنه جاحد للاصل. يقول الغزالي: (أعلم أن شرح ما يكفر به ولا يكفر به يستدعى تفصيلا طويلا. فاقنع الآن بوصية وقانون. أما الوصية فأن تكف لسانك عن أهل القبلة، ما أمكنك، ما داموا قائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأما القانون فهو أن تعلم أن النظريات قسمان. قسم يتعلق بأصول القواعد وقسم يتعلق بالفروع. وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع. واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا. إلا في مسألة واحدة وهى أن ينكر أصلا دينيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر. لكن في بعضها تخطئة كما في الفقيهات....) (*)

[ 257 ]

والبعث - ويكفى من التوحيد الإيمان بوحدانية الله تعالى.. ويكفى من النبوة الإيمان بأن محمدا صلى الله عليه و سلم رسول الله صادق فيما أخبر به معصوم.. ويكفى من المعاد الاعتقاد بأن كل مكلف يحاسب بعد الموت.. أما الفروع التى هي من ضرورات الدين فهى كل حكم اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كافة، من غير فرق بين مذهب ومذهب كوجوب الصلاة.. فإنكار حكم من هذه الأحكام إنكار للنبوة وتكذيب لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة.. وضرورات " المذهب الشيعي " نوعان... نوع يعود للاصول وهو الامامة فيجب أن يعتقد كل " شيعي " إمامة الاثنى عشر إماما.. والنوع الثاني يرجع إلى الفروع كنفى العول ونفى التعصيب.. فمن أنكر فرعا منها كان غير شيعي وإن كان مسلما. والإيمان والإسلام عند الشيعة مترادفان. يثبتان لم آمن بالتوحيد والنبوة والبعث. ويطلقان على معنى أخص هو هذه الأركان ومعها ركن العمل بدعائم الإسلام - وهى الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد - ويزيدون ركنا خامسا هو الاعتقاد بالإمامة، وأنها منصب إلهى كالنبوة، منصوص على من يليها. وأن الإمام أفضل أهل زمانه. ومعصوم. فمن اقتصر على الأركان الأربعة الأولى مسلم مؤمن. وإما الاعتقاد بالإمامة له أثر في منازل القرب والكرامة يوم القيامة. يقول الإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء (نعم يظهر أثر التدين " بالإمامة " في منازل القرب والكرامة يوم القيامة - أما في الدنيا فالمسلمون بأجمعهم سواء. وبعضهم لبعض أكفاء. وأما في الآخرة فلا شك أن المسلمين تتفاوت درجاتهم ومنازلهم حسب نياتهم وأعمالهم. وأمر ذلك وعلمه عند الله سبحانه. ولا مساغ للبت به لأحد من الخلق. والغرض أن أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو القول بإمامة الأئمة الاثنى عشر. وبه سميت هذه الطائفة الإمامية. إذ ليس كل الشيعة تقول بذلك.. والقول بالاثنى عشر ليس بغريب عن أصول الإسلام وصحاح كتب المسلمين فقد روى البخاري وغيره في صحاحه حديث الاثنى عشر خليفة بطرق متعددة،

[ 258 ]

فيها بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن هذا الأمر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة..). (1)


(1) في النصف الأول من القرن الحالى جرت " المراجعات " بين شيخ للأزهر هو الشيخ سليم البشرى وبين الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي (1290 - 1377) مدة إقامة الأخير بمصر، وهى مراجعات أطراها الطرفان وثبت منها التزام المسلمين جميعا أصول الإسلام، وسعة الفقة للخلاف حول الفروع. ومن اتساع الفقه للخلاف وجدنا المأمون، المعتزلي الفكر، السنى الفقه، يولى عهده عليا الرضا إمام الشيعة. ووجدنا الصاحب بن عباد الذى وزر للدولة البويهية ثمانية عشر عاما من 367 إلى 385 وزيرا معتزلي الفكر لدولة زيدية العقيدة، تحكم دولة الخلافة السنية. ووجدنا الشريف الرضى نائبا للخليفة العباسي. كما وجدنا الدولة الأدريسية دولة سنية بحكمها الأدارسة وهم شيعة من نسل الحسن بن على لكنهم لا يظهرون التشيع. وابن تومرت يقول إنه - كالأدارسة - من نسل الحسن بن على ومع ذلك لا يقسر الدولة على التشيع. وكذلك بنى حمود من نسل الحسن بن على يحكمون دولة سنية ولا يقسرونها على التشيع.. بل سنجد فقهاء عظما - حجة في المذهب الإمامي وفي مذاهب أهل السنة. وفي سنة 525 عين الخليفة الفاطمي بمصر قضاة أربعة: ثلاثة من مذاهب السنة ورابعا شيعيا لأن الشعب كان سنيا والدوية شيعية. وكان الحافظ السلفي (478 - 576) يلقى دروس الشافعية في مدرسة بناها له ابن السلام الوزير الفاطمي. وفي النصف الأخير من القرن الحالى أفتى المرحوم الشيخ محمود شلتوت (أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة. فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك. وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق المذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته تابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب. فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهللا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم. ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات). وقال الشيخ شلتوت عن فتواه بعد.. (ثم تهيأ لى بعد ذلك - وقد عهد إلى بمنصب مشيخة الأزهر - أن أصدرت فتواي في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر المتبعة لسبيل المؤمنين ومنها مذهب الشيعة الإمامية (الاثنا عشرية).. وها هو ذا الأزهر الشريف ينزل على حكم هذا المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب المذاهب المختلفة، فيقرر دراسة هذه المذاهب الإسلامية سنيها وشيعيها دراسة تعتمد على الدليل والبرهان وتخلو من التعصب لفلان وفلان كما أنه اهتم في تكوين مجمع البحوث الإسلامية بأن يكون أعضاؤه ممثلين لمختلف المذاهب الإسلامية).. والشيخ عبد المجيد سليم شيخ أسبق لأزهر يقول تحت عنوان (القطعيات والظنيات) (قد علمنا من استقراء المذاهب الفقهية وآراء الفرق الكلامية أن في كل منها خطأ وصوابا. ولم نعلم مذهبا من المذاهب الإسلامية المعتبرة خطأ كله أو صوابا كله. وإذا كان الأمر كذلك فلا = (*)

[ 259 ]

والشيعة يعتقدون أن الأرض لا تخلو من حجة على العباد من نبى أو وصى، ظاهر أو مستور، فالإمام " المهدى " الثاني عشر " غائب " منتظر. والإمامة منصب دينى لا يجوز التنازل عنه لأنه من الله. ولما تنازل على للخلفاء السابقين عليه كان التنازل عن الخلافة الدنيوية. وحدها، وبناء على أسباب. أمور خلافية في الفقه يظهر من استعراض كبريات مسائل الخلاف بين الشيعة وبين مذاهب أهل السنة، في الفقه، أنها لا تمس أصل الدين. وأنها تحتمل الاجتهاد، وتتسع للخلاف عليها. كما اتسعت أمور أمثالها للخلاف بين مذاهب أهل السنة ذاتها - إلا زواج المتعة. فالخلاف فيه يتميز مما عداه: أما الفرائض الدينية فواحدة عندهم وعند أهل السنة. في " الصلاة ": الفروض واحدة لدى أهل السنة ولديهم. وعدد الركعات فيها واحد. اما المندوب عندهم فلا حصر له. وأفضله عندهم " الرواتب " وعددها " على المشهور " ثمانية للظهر وثمانية للعصر قبل الفريضة وأربع للمغرب بعد الفريضة وللعشاء ركعتان جالسا ويجوز قائما وثمانية ركعات صلاة الليل وركعتا الشفع وركعة الوتر وركعتا الصبح قبل الفريضة.. فالرواتب عندهم كثيرة.. ويشترطون القراءة في الصلاة باللغة العربية. ولا يجيزون الترجمة. ويشترطون الجهر بالبسملة. وفي " الزكاة " ووجوه البر، لا يختلفون عن جمهور المسلمين. بل هم يضيفون إليها " خمس " الدخل، الذى يجبى للإمام، لإنفاقه في مصارفه الدينية.


= ينبغى أن تطغى العصبية المذهبية على المسلمين. ولا ينبغى أن يكون هم الحنفي مثلا هو الانتصار لكل ما جاء في مذهب الحنفية. ولا أن يكون هم الإمامي أو الزيدى هو الانتصار والتعصب لكل ما جاء به الإمامية والزيدية. وهكذا. بل الواجب على المسلمين أن يأخذوا بما ظهر بالبرهان صوابه وأن يكون قصاراهم الرغبة الصادقة في الوصول إلى الحق دون أن يقيموا وزنا لما سوى الحق. بذلك يصبحون فلا أمة واحدة). (*)

[ 260 ]

وفي " الصوم ": يرون الكذب على الرسول يفطر الصائم. وفي " الحج ": جهاد لا يسقط بالموت بل يؤديه الوارث عن مورثه. وللغير أن يؤديه عنه من مال للمورث قبل أن تقسم التركة. ويكثرون من مظاهر " الروح الإسلامي " في العقود. فيستحبون البدء بالبسملة في كل معاملة، ويحرصون على الصيغة العربية. ويكرهون معاملة تارك الصلاة والمستهتر. ويحرمون الاتجار بما يترتب عليه فساد المجتمع. وفي ما يلى أنواع خلاف بينهم وبين أهل السنة، لعلها تبين الإطار تبين الإطار العام أو المعالم المهمة. للوفاق وللخلاف بين الفريقين. 1 - الجمع بين الصلاتين: المسلمون مجمعون على جواز الجمع في الحج في جبل عرفة بين الظهر والعصر وفي المزدلفة بين المغرب والعشاء للحجاج خاصة - اما غير ذلك فمحل خلاف. فالشيعة يجيزون الجمع مطلقا جمع تقديم وتأخير. لعذر وغير عذر. في السفر والحضر. وإن كان التفريق عندهم أفضل - إلا إذا حدث حرج وحجة الشيعة مشتقة من صحاحهم ومن تفسير الإمام الصادق لقوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا). فالغسق هو تراكم الليل واشتداد الظلمة. بهذا تكون أوقات الصلاة الأربعة ممتدة من الزوال إلى نصف الليل. فالظهر والعصر ينتهيان في الغروب. والمغرب والعشاء إلى نصف الليل. أما الصبح فقد اختصها الله بقوله (وقران الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا). 2 - الاذان: كان بلال - مؤذن الرسول - يؤذن لصلاة الصبح فيقول بعد " حى على الفلاح " " الصلاة خير من النوم ". وأقره الرسول على ذلك. والشيعة يقولون إن الاذان كان فيه (حى على خير العمل) حتى عهد عمر - كما قال الإمام الباقر. وسبب رفعها من الأذان أن المؤذن وجد عمر

[ 261 ]

نائما عند أذان الصبح فأضاف - الصلاة خير من النوم) - كما أورد الزرقاني في تعليقه على الموطأ - فاستحسنها عمر فأمر أن تضاف إلى أذان الصبح. وأخرج ذلك ابن أبى شيبة. (1) وعلماء الشيعة متفقون على أن قول " أشهد أن عليا ولى الله " ليس من فصول الأذان وأجزائه. وأن من يأتي به بنية أنه من الأذان فقد أبدع في الدين، أي أدخل فيه ما هو خارج عنه. ويقول الشيعة إن إسقاط (حى على خير العمل). كان بأمر من أولى الأمر في عهد عمر، حرصا منهم على أن تفهم العامة أن الجهاد في سبيل الله هو خير العمل، وأن النداء على الصلاة بخير العمل مقدمة لفرائضها الخمسة ينافى التحريض المطلوب للجهاد. فخطب عمر فنهى عنه (2).


(1) الشيعة يستدلون على أن الأذان كان فيه عبارة (حى على خير العمل) بما هو ثابت بالسند الصحيح عن الإمام جعفر (لما هبط جبرائيل على رسوله الله بالأذان أذن جبرائيل وأقام وعندها أمر رسول الله عليا أن يدعو بلالا فدعاه فعلمه رسول الله الأذان وأمره به) وكان أذان الإمام جعفر هكذا: الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله حى على الصلاة. حى على الصلاة حى على الفلاح. حى على الفلاح حى على خير العمل. حى على خير العمل الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. (2) وقد تعاقبت التصرفات في صدد الأذان من المسلمين. كان عليه الصلاة والسلام يأمر في فجر رمضان بأذانين أو لهما يوقظ الغافلين ليتسحروا. والثانى للصلاة. وكان أذان الجمعة في عهده يبدأ عندما يجلس على المنبر. وهو الأذان الوحيد الذى يؤدى من مكان مرتفع بالمسجد أو القرية كسقفه ومنارته. فلما كثر الناس في عهد عثمان استحدث نداء آخر على الزوراء وبقى النداء الأول كما كان - وفي عهد هشام بن عبد الملك (105 - 125) اكتفى بآذان المنارة. ونقل الأذان الثاني وجعله بين يدى الخطيب. هذا وليس الكلام القليل بين يدى الخطيب، ولا عند الأذان، ليبطله. (*)

[ 262 ]

المسح على الرجلين: يختلف الناس في أن مسح القدمين هو الفرض أو الغسل هو الفرض، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ و مسح على قدميه. والشيعة تستدل بمسح الرسول على قدميه على أن المسح هو الفرض - ومروى عن ابن عباس أنه قال: ما صح عن رسول الله الا غسلتين ومسحتين. و يفسرون الآية (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) بما يسعفهم في المسح. 4 - الزواج والطلاق: في الزواج: - المهر لا يقدر قلة ولا كثرة: إلا أن يقصر عن التقويم كأن يقول حبة قمح ! أما الكثرة ففيها قول الله (وآتيتم إحدا هن قنطارا)، وإن كان يكره تجاوز مهر السنة الذى أصدقه النبي زوجاته وهو خمسمائة درهم. - ويجوز النظر إلى وجه المطلوب زواجها دون استئذان ومع الوجه الكفين. وينظرها قائمة وماشية. وللمرأة أن تنظر إلى الرجل - ولا يجوز العزل عن المرأة إلا بإذنها. وللمرأة - بكرا أو ثيبا - أن تزوج نفسها ممن تريد إذا بلغت رشدها. وإن كان من المستحسن أن تستأذن وليها في ذلك. في الطلاق: أما الطلاق الثلاث بفم واحد: فجعله عمر ثلاثا زجرا للناس. وبقى الأمر كذلك ثلاثة عشر قرنا ظهر فيها ما أحوج إلى العودة إلى الأمر الأول. والشيعة لم يقبلوا عمل عمر من بادئ الأمر. فالطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع مرة واحدة. ولا حلف عندهم بالطلاق على عمل. وهذان إصلاحان أحدثتهما مصر في سنة 1929. - وهم يوجبون حضور شاهدين للطلاق، في حين لا يوجبون حضور شاهدين للزواج. فالزوجية تنشأ دون شهود. لكن الطلاق واجب له الشهود.

[ 263 ]

والمتفقهة الآن من أهل السنة في مصر يستحسنون إيجاب حضور شاهدين للطلاق، بل هذا تعديل مطلوب في مشروع قانون للأحوال الشخصية. - وهم يمنعون طلاق المغضب. والمنهج والمنزعج. ويقررون أن الطلاق الذى أمر به الله ورسوله هو الذى يقع إذا حاضت المرأة وطهرت من حيضتها، فأشهد الرجل شاهدين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقة. ثم هو أحق برجعتها ما لم تحض ثلاثا. فإن مضت ثلاثة قروء قبل أن يراجعهها فهى أملك لنفسها. فإن أراد أن يخطبها مع الخطاب خطبها. فإن تزوجها كانت عنده. - وليس للمريض أن يطلق. وله أن يتزوج. فإن تزوج ودخل بها فجائز. وإن لم يدخل ومات بطل الزواج. ولا مهر ولا ميراث للزوجة. فلن لا حظ اليسر في الزواج عندهم. والتشدد في الطلاق. ورعاية المرأة. في كل حال. والحرص على الأسرة. 5 - زواج المتعة: (إلى أجل معين): والشيعة يسمونه الزواج المؤقت. ويرجعونه إلى قوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن). والمفسرون متفقون على أن جماعة من الصحابة العظماء أفتوا بإباحتها منهم إبن مسعود وأبى بن كعب وابن عباس وجابر بن عبد الله وعمران بن حصن. بل كانوا وهم يتلون الآية ينطقون بتفسيرها فيقرأون (فما استمعتم به منهن (إلى أجل مسمى). فالمشروعية ثابتة والعمل بها ثابت. وإنما يجزم أهل السنة بأنها أبيحت لدواعيها ثم نسخت بأحاديث جازمة. والشيعة لا يرونها أحاديث ثابتة. ويقولون إن الحلال القطعي الثبوت لا ينفيه تحريم غير قطعي. وهم يقولون إن المتعة سائغة في السفر لطلب العلم والتجارة والجهاد، فلقد كانت مشروعيتها للسفر وللجهاد. وإنه زواج عادى، لو لا أنه إلى أجل. فالزوجة في زواج المتعة تعتد إذا انتهى الأجل، ككل طلاق. ولا بد من المهر.. والابن من الزواج هو ابن عادى، له الميراث والنفقة. اما الزوجة فلا نفقة ولا ميراث لها، إلا إذا اشترطت. وليست النفقة من لوازم الزوجية،

[ 264 ]

فالناشز زوجة ولكنها بلا نفقة. ومن النساء من ترث وليست زوجة. كمن طلقت في مرض الموت ومات زوجها قبل مضى سنة. والثابت أن عمر أعلن تحريم المتعة إذ خطب الناس فقال (متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد أبى بكر. رضى الله عنه، وأنا انهى عنهما...) وأنه حرمها وهو بصدد قضية لعمرو بن حريث ثم أطلق النهى. وأهل السنة يقررون أن نهى عمر عنها كان إعلانا لتحريم ثابت قبل ذلك. ولم تقبل الشيعة نهى عمر من بادئ الأمر بل قال على (لو لا نهى عمر عن المتعة ما زنى إلا شفا (قليل أو مشف على الهلكة) أو شقى. وثبت عن الإمام الصدق قوله (ثلاث لا أتقى فيهن أحدا متعة الحج ومتعة النساء والمسح على الخفين). ومن نوادر يحيى بن أكثم قاضى المأمون أنه سأل شيخا من أهل البصرة بمن اقتديت في جواز المتعة ؟ قال بعمر. قال كيف وكان من أشد الناس فيها ؟ (1) قال: إنه صعد المنبر فقال: أيها الناس. متعتان أحلهما الله ورسوله لكم. وأنا أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما. فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه (2).


(1) كان يحيى مع المأمون عند ما رأى - وهو على رأس - جيشه لمحاربة الروم - جواز المتعة، فهى أول ما شرعت شرعت في الحرب، فأمر فنودى بتحليلها للمحاربين. قال يحيى لصاحبين كانا معه في سفر المأمون: بكرا إليه غدا فإن رأيتما للقول وجها فقولا. وإلا فأمسكا حق أدخل. فدخلا عليه فسمعاه مغتاظا يقول متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبى بكر وأنا أنهى عنهما. ومن أنت.. حتى تنهى عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه ؟ (يقصد عمر بكلامه) - فأو مأ أحد الرجلين لصاحبه وقال: رجل يقول في عمر أبن الخطاب... نكلمه نحن ! وأمسكا حتى جاء يحيى... فقال المأمون ليحيى: مالى أراك متغيرا ؟ قال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال المأمون: وما حدث في الإسلام ؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال المأمون الزنا ! = (*)

[ 265 ]

الميراث: للشيعة تفسير في المواريث في صالح البنات، لذواتحن، ولمن يتوصل للميراث بهن.


= قال نعم المتعة زنا - قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال لا. قال: فهى الزوجة التى عند الله ترث وتورث... ولها شرائطها ؟ قال لا. قال يحيى: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وهذا الزهري روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن على بن أبى طالب قال: أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادى بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان قد أمر بها. وقال المأمون: محفوظ هذا من حديث الزهري ؟ قال يحيى: رواه جماعة منهم مالك. قال استغفر الله نادوا بتحريم المتعة. ولا غرابة في أن يعدل المأمون. فلقد طالما جلس هو وأخوه الأمين وأبوهما - الرشيد - في حلقة مالك. (2) ولى يحيى القضاء في البصرة وعمره نحو عشرين سنة. فاستصغره أهل البصرة. فقال لهم أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذى وجه به النبي قاضيا على مكة يوم الفتح. وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذى وجه به النبي قاضيا على اليمين. وأنا أكبر من كعب بن أبى الذى وجه به عمر قاضيا على البصرة. وكان يحيى حسن التأتى للأمور ومنها سياسة القضاء والخلفاة: دخل على المأمون رجل يشكو وكيلا للمأمون أنه اشترى منه جواهر بثلاثين ألف دينار. فقال المأمون: لعل الوكيل اشترى لنفسه أو سلم الشاكى المال. قال الشاكى: فإذن أدعوك إلى القاضى الذى نصبته لرعيتك. وجئ بيحيى بن أكثم. فقال للمأمون: إنك لم تجعل ذلك مجلس قضاء: قال: قد فعلت: قال: فإنى أبدا بالعامة أولا يصلح المجلس للقضاء... ففتح الباب - وقعد في ناحية من الباب وأذن للعامة. ثم دعى بالرجل. فقال له يحيى ما تقول: قال: أقول أن تدعو بخصمى أمير المؤمنين. فنادى المنادى فإذا المأمون قد خرج ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس. فطرح المصلى ليقعد عليها فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس.. فطرح للرجل مصلى آخر، ثم نظر في دعوى الرجل. وطالب الرجل المأمون باليمين فحلفها المأمون. ووثب يحيى بعد فراغ المأمون من يمينه فقام على رجليه. قال المأمون: ما أقامك ؟ قال إنى كنت في حق الله جل وعز حتى أخذته منك. وليس الآن من حقى أن أتصدر عليك. فأمر المأمون أن يحضر ما ادعى الرجل من المال فقال له: خذه إليك والله يعلم ما دفعت إليك هذا المال إلا خوفا من هذه الرعية لعلها ترى أنى تناولتك من وجه القدرة وإنها لتعلم الآن أنى ما كنت أسمع لك باليمين وبالمال. (*)

[ 266 ]

يقول تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت. فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) - وهم يرون البنت ولدا في اللغة والعرف. لذلك يعطون البنت دائما. ولا يعطون الأخت أو الأخ إ كان هناك بنت أو ابن فكلاهما ولد. وهم يسقطون الوصية مادام هناك ولد (ابن أو بنت). وللشيعة قاعدة: أن كل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة، تكون مقدمة عند " العول ". وكل فريضة، إذا زالت عن فرضها، لم يكن لها إلا ما بقى، تكون مؤخرة. مثال ذلك للزوج النصف فإن هبط له الربع. فإن دخل عليه في التقسيم. ما يزيد عن السهام رجع إلى الربع المفروض. ولا يزيله عن الفرض شئ. ومثله الزوجة والأم. اما البنات والأخوات فلهن النصف والثلثان. فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلا ما بقى. فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدئ بما قدم الله فأعطى حقه كاملا. فإن بقى شئ كان لما أخر. وهو تطبيق لحديث ثابت عندهم. أورده الشهيد الثاني - وأورده الحاكم في المستدرك وقال إنه صحيح على شرط مسلم - ويستشهد أهل السنة بآيات ويستهشد الشيعة بآيات وهم ينفردون بما يسمى (الحبوة) للولد الأكبر: ملابس أبيه و ثيابه ومصحفه وخاتمة زيادة على حصته في الميراث - كما ينفردون بعدم توريث الزوجة من عقار الزوج ورقبة الأرض عينا وقيمة، لأخبار وردت عن الأئمة مروية عن النبي. 7 - متعة الحج: ينشئ الحاج إحرامه من ميقاته (أماكن القصد إلى البيت الحرام) والمتمتع يأتي مكة ويطوف بالبيت. ثم يقصر ويحل من إحرامه ويقيم بعد ذلك حلالا. ثم يفيض إلى المشعر الحرام. ثم يأتي بأفعال الحج بإحرام جديد. وهذان التقصير والإحلال تيسير بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخللة بين الإحرامين. وهذا ما كرهه عمر وحرمه قائلا: هي سنة رسول الله لكنى أخشى أن يعرسوا

[ 267 ]

يهن - نسائهم - تحت الأراك ثم يروحون بهن حجاجا. فخطب ونهى عن هذه المتعة مع متعة الزواج. ومع ذلك فابن عمر يقول عن عمل أبيه: أرأيت إن نهى عنها أبى وصنعها رسول الله أأمر أبى أتبع أم أمر رسول الله ؟ وابن عباس كعلى لا يحرمان ما حرمه عمر. ولما قدم على من اليمن وجد فاطمة الزهراء قد حلت ولبست صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبى أمرنى بهذا. فذهب إلى رسول الله فقال: صدقت صدقت. والشيعة لهذا يرون متعة الحج. 8 - التفسير بالتأويل: يروى الشيعة عن النبي أنه قال (ان للقرآن ظاهرا وباطنا ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن) ويروون عن على أنه قال (ما من آية قرآنية. إلا ولها ظاهر وباطن. وحد ومطلع) ويروى هذا البيان عن " سهل التسترى "، من المفسرين الصوفيين. وأنه أضاف. فالظاهر التلاوة. والباطن الفهم. والحد حلالها وحرامها. والمطلع إشراف القلب على المراد به فقها عن الله عز وجل.. قيل له ما الباطن ؟ قال: فهمه. ويروون عن الإمام الصادق أنه قال (إن في كتاب الله أمورا أربعة. العبارات والإشارات، والحقائق واللطائف. فالعبارات للعوام. والإشارات للخواص. واللطائف للأولياء. والحقائق لأنبياء الله) والمتتبع لتفسيرات الإمام الصادق وأجوبته على المسائل يجدها تنبع من من بحر عميق في فهم القرآن واللسان العربي، أمكنه أن يكشف للناس بين الفينة والفينة ما فيه من شمول وما بينه وبين السنة من صلة الأصل بفرعه. وبذلك قدر الإمام أن يفسر القرآن بالقرآن - ففى بيته نزل - وأن يجد للحديث الواحد أصولا عدة، في آيات متفرقة، بمجرد أن يدلى إليه سائل بسؤال ! وهو منهج سيتتابع عليه عظماء الأئمة من أهل السنة. وفي طليعتهم أحمد بن حنبل.

[ 268 ]

ولا يسوغ لنا أن نعتبر تفسيرات الصادق من أضرب التفسير بالرأى أو بالمأثور أو بهما - وهى مصنفة بين عقلي ونقلى وصوفى ورمزي وقصصى... الخ - وفي البعض منها تأويل باطني. وابن عطية من كبار مفسري أهل السنة ينفى صحة نسبة تفسير باطني أو رمزي إلى الإمام الصادق، ويقول (.. وهذا قول جار على طريقة الرموز. ولا يصح عن جعفر بن محمد - رضى الله عنه - ولا ينبغى أن يلتفت إليه). إليك مثلا - بين نظائر تجل عن الحصر - لاستعمال اللسان العربي في التفسير: يقول زرارة للامام الصادق: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس ؟ ويجيب الإمام: لمكان الباء في قوله تعالى (وامسحوا برءوسكم). يقصد أن الباء للبعضية. ولقد تتابع على هذا التفسير الأئمة في اللغة والفقه. جاء في المصباح المنير في مادة (بعض) أن الباء (في قوله تعالى (وامسحوا برءوسكم) للتبعيض.. ونص على مجيئها للبعض ابن قتيبة... وأبو على الفارسى وابن جنى.. وذهب إلى مجئ الباء بمعنى البعض الشافعي وهو من أئمة اللسان. وقال بمقتضاء أحمد وأبو حنيفة) ومن استعمال ظاهر اللسان العربي تفسير " الكوثر " بأنه الذرية الكثيرة. في قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر ". فهى صيغة مبالغة من الكثرة (فوعل) يؤيد ذلك الآية التى تجئ فيما بعد " إن شائنك هو الأبتر " والأبتر من لا عقب له. وبهذا ساغ تفسير الشيعة بأن الكوثر هو الذرية. وقد رزق الله النبي الذرية الكثيرة من فاطمة. فهى الكوثر المقصود. والآخرون يقولون إن الكوثر نهر في الجنة. وغيرهم يؤولونه بأنه النبوة. ولقد أسلفنا طائفة من تفسيرات الامام، كالخوف من عدم العدل بين النساء، والإنفاق من رزق الله، ورؤية الله جل شأنه، وقتل النفس بإخراجها من الهدى إلى الضلال، والتفسيرات التى جعلت أبا حنيفة يقول عن آية (وما نقموا إلا أن أعناهم الله ورسوله من فضله) لكأنى ما قرأتها قط في كتاب الله ولا سمعتها الا في هذا الموقف. وهى جميعا صادرة عن فهم دقيق للسان العربي الذى نزل به القرآن.

[ 269 ]

والتفسير بالظاهر ممن يفهم البلاغة العربية، ومجاز انها المتعددة، والاستعارة، والإيجاز اللفظى، وهو بعض خصائص الإعجاز البيانى في القرآن، لا ينفى استعمال العقل، بل فيه مجال واسع له. ولا ينفى القيمة العظيمة لتفسير الزمخشري المعتزلي، وهو حجة في اللغة، وحجة في الجمع بين الظاهر وبين وجوه " الرأى "، بالمعاني الدقيقة وأسرار البلاغة (1). وممن أثارهم الإعجاب به الإمام يحيى بن حمزة العلوى (749) صاحب كتاب الطراز. وما من تفسير ثبت عن إمام عن أهل البيت إلا تلقته العقول بالقبول، لأنه لا يغاير النص من القرآن والسنة. وإنما يشرحهما في نورانية باهرة (2)، في حين أن المعتزلة يؤولون ليخضعوا المعنى لأصولهم الخمسة. (3) وهذا خلاف عظيم بين الموولين وبين الامام جعفر والشيعة الامامية.


(1) يؤول المعتزلة الألفاظ ليفسروا معاني الآيات طبقا لأصولهم. وعلى ذلك أولوا الاآيات التى قد تنم عن التشبيه والجهة والجسمية. والتفسير بالرأى يقوم على قاعدة كصمام الامان للذين ينهجونه. فبالكتاب آيات محكمات وأخر متشابهات والمحكمة آيات لا يتمارى في معناها أحد. فإذا وردت آية متشابهة فسرت على أساس الآية المحكمة. مثل قوله تعالى (إلى ربها ناظرة) تفسر على أساس قوله تعالى (لا تدركه الأبصار) فيكون معناها الرضى عنها وتوقع النعمة من الله. ومثل قوله (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) تفسر على أساس قوله (إن الله لا يأمر بالفحشاء). وأكثر المؤولين يلجئون للمجاز. وفي القرآن كثير منه مثل قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) فمعناها القدرة - وهم ككل المفسرين - يبدأون من أن الله تعالى ليس كمثله شئ. أما التفسير بالمأثور فنتصدره مدرسة الإمام الطبري: يجمع الأقوال والآثار ويختار منها. (2) إليك مثلا تفسير " الإمام العسكري " للحروف المقطعة مثل (ا. ل. م...) في فواتح السور يراها تنبيها على أن هذا الكتاب الذى أنزله الله هو هذه الحروف المقطعة. وأنه بلغتكم وهجائكم فأتوا بمثله ان كنتم صادقين. وما يزال هذا التفسير في طليعة تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور. (3) أصول المعتزلة الخمسة - 1 - التوحيد الذى ينفى عن الذات صفات الأجسام والمكان. وأهل السنة يرون صفات الله خاصة به وأنه تعالى " كما وصف نفسه ". فليس في ذلك تشبيه لله بخلقه - 2 - العدل وفحواه أن الله لا يأمر إلا بالحسن ولا ينهى إلا عن القبيح وما يفعله الناس عمل من أعمالهم ولذلك يثابون ويعاقبون. وأهل السنة يقولون إن الله خالق العمل والعبد كاسب له = (*)

[ 270 ]

اما الإسماعيلية - فلهم بعض التأويلات الباطنية التى تهمل المعنى الظاهر وتحمل الألفاظ ما لا تحتمله. والاسماعيلية فرقة شيعية لم تظهر إلا بعد موت الإمام جعفر بقرن أو أكثر. 9 - البداء: و مفهومه الشائع: الظهور بعد الخفاء: نسب إلى الشيعة القول بأن الله يبدو له فيغير ما قرره لظهور طارئ. وأطلقوا على ذلك لفظ البداء. والشيعة الإمامية لا تقول شيئا بهذا المعنى - بل تعتقد أن الله عالم بكل شئ... وعلمه أزلى بما كان وما يكون. يقول الإمام الصادق (ما بدا لله في شئ إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) وسأله منصور بن حازم.. هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قال (لا.. من قال هذا فقد أخزاه الله) قال منصور: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله ؟ قال (بلى قبل أن يخلق الخلق) و يروى عنه قوله (إن الله لم يبد له عن جهل). فجميع الكائنات الممكنة، قبل أن تخلق، قدرها الله تعالى وكتبها بمشيئته وإرادته في اللوح المحفوظ. والله تعالى يقول (يمحو الله ما يشاء ويثبت) وكل ما يتعلق به القضاء، و التقدير، لا بد له من تعلق الإراده والمشيئة به. وما لا يكون قضاؤه وتقديره حتميا مما هو مورد المحو والإثبات تتعلق المشيئة بمحوه وإثباته. وقد يكون وجوده، وتكوينه بإرادة الله تعالى، منوطا أي مشروطا، بتحقق أمر آخر. فيكون قد جرى في علمه تعالى أن يوجد إذا حصل ما اقتضت المضلحة، التى يعلمها الله، أن تكون شرطا. والله تعالى يقول (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا) ويقول: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).


= 3 - الوعد والوعيد أو الثواب والعقاب ملازمان للفعل وأهل السنة يرون التوبة قد يقبلها الله من مرتكب الكبيرة - 4 - المنزلة بين المنزلتين. فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر بل فاسق وإن كان عقابه أقل من الكافر - 5 - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع اشتدادهم في ذلك عندما كانت السلطة في أيديهم. (*)

[ 271 ]

وروى أحمد في المسند أن النبي قال (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. ولا يرد القدر إلا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلا البر). وعن أبى سعيد أن النبي قال (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يستجيب لدعوته أو يصرف عنه من السوء مثلها أو يدخر له من الأجر مثلها. قالوا: يا رسول الله إذن نكثر. قال: الله أكثر). ومن القضاء علم مخزون لا يطلع الله عليه أحدا. فلا بداء فيه. وقضاء أخبر به ملائكته ورسله. فهذا أيضا لا بداء فيه. وقضاء معبر عنه بلوح المحو والإثبات. وفي هذا القسم يرد قول الشيعة بالبداء (يمحو الله ما يشاء ويثبت). والشهرستانى ينفى عن الإمام جعفر ما ينسب إليه من أقوال في الغيبة والبداء بمعنى تغيير إرادة الله. 10 - الرجعة: القول " برجعة " " المهدى " المنتظر ليس مجمعا عليه في الفكر الشيعي. فمنهم من لا يعتبرها عقيدة. ومنهم من يأخذ بها، كما أخذ بعض أهل السنة، ببعض أنباء الغيب وحوادث المستقبل وأشراط الساعة. مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجال الذى يظهر قبل الإمام بقليل فيقتله الإمام، وخروج السفياني - الذى يخرج من الوادي اليابس حتى ينزل بدمشق، فذلك اختراع لحساب بنى أمية ضد بنى مروان. ومن قبلهم وجد (القحطاني) المنتظر - رجل في قحطان يسوق العرب بعصاه - بل ادعى عبد الرحمن بن الأشعث أنه القحطاني المنتظر. بل إن سعيد بن المسيب علامة التابعين يعتبر عمر بن عبد العزيز المهدى المنتظر (للمدينة). وقد سمى العباسيون لهم مهديا (الخليفة المهدى بن المنصور). وأبو جعفر المنصور يقول عن محمد النفس الزكية " هذا مهدينا أهل البيت ". ولقد سمى الكثيرون من يتولونهم بالمهدي.

[ 272 ]

فأتباع محمد بن الحنفية لقبوه بالمهدي. وابن صرد يلقب الحسين بالمهدي. وأشياع المختار الثقفى لقبوه بالمهدي.. بل إن كثرة الزيدية يقولون إن كل واحد من الأئمة مهدى. فزيد مهدى. وابنه يحيى مهدى. ومحمد بن عبد الله بن الحسن " النفس الزكية " مهدى. وكل فاطمي شجاع عالم زاهد يدعو إلى الحق بالجهاد فهو لدى الزيدية إمام " مهدى " (1) ومن الناس من ينتظر عودة من يسمونهم كذلك. وفي مسند أحمد بن حنبل: سمعت عليا يقول قال رسول الله (لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث الله عز وجل رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا). ويقول بعض الشيعة إن عقيدة البعث أصل مجمع عليه، وإنه عندما يؤخذ القول بالرجعة على أنها بعث فلا وجه لنفى العدالة عمن يفهمها كذلك (2). ولقد رددت كتب السنن الكلام في المهدى وظهوره. ومنها سنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ولم يرد ذكره في صحيحي البخاري ومسلم. وتكلم البعض في أسناد الأحاديث المروية في السنن. وفي الوقت ذاته نجد السيوطي في كتابه (العرف الوردى في أخبار المهدى) وابن حجر في كتابه (القول المختصر في


(1) يقول الإمام محمد آل كاشف الغطاء من أئمة الشيعة (الإمامية) المعاصرين (وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم. ولا إنكارها بضار وإن كانت ضرورية عندهم ولكن لا يناط التشيع بها وجودا أو عدما). ويقول (وحديث الطعن بالرجعة كان هجيرى علماء السنة.. فكان علماء الجرح والتعديل إذا ذكر بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدثيهم ولم يجدوا مجالا للطعن فيه لو ثاقته وورعه وأمانته نبذوه بأنه يقول بالرجعة فكأنهم يقولون يعبد صنما أو يجعل لله شريكا. ونادرة مؤمن الطاق مع أبى حنيفة معروفة. وأنا لا أريد أن أثبت في مقامي هذا ولا غيره صحة القول بالرجعة وليس لها عندي من الإهتمام قدر قلامة ظفر...). (2) يقول الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه (عقائد الشيعة): من يستغرب الرجعة يكون بمثابة من يستغرب البعث فيقول " من يحيى العظام وهى رميم " فيقال: " قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم "، وينهى بحثه في هذا الصدد بقوله: على كل حال. فالرجعة ليست من الأصول التى يجب الاعتقاد بها. وإما اعتقادنا بها كان تبعا للآثار الصحيحة الواردة عن آل البيت الذين ندين بعصمتهم من الكذب. وهى من الأمور الغيبية التى أخبروا بها ولا يمتنع وقوعها. (*)

[ 273 ]

أخبار المهدى المنتظر (وهما من فحول علماء أهل السنة)، وآخرين غيرهم، يكتبون عن المهدى، ويروون أحاديث في ظهوره. وفي تفسير الأحاديث إذا صحت تتغاير الأنظار (1). وابن الجوزى الحنبلى يسمى القائلين بالرجعة في كتابه " تلبيس إبليس " (الرجعية). ولقد أسلفنا تضعيف بعض محدثي أهل السنة للقائلين بالرجعة.


(1) في كتب أهل السنة أقاويل شتى: يتكلم الشعرانى عن الولاية أنها " مواهب مخصوصة للأوتاد والأبدال والأئمة من أصحاب الدوائر والأعداد وأصحاب النوب والأفراد " ثم يقول " وقد اجتمعت هذه المراتب كلها في خاتم الولاية المحمدية وهو المهدى أخو عيسى عليهما السلام، في الختمية، لقوله في حقه يقفو أثرى ولا يخطئ. كما جمع له مرتبة الدعوة إلى الله تعالى بالسيف وإقامة الحجة وهذه هي مرتبة العصمة التى لا يتصف بها إلا نبى أو خليفة الله تعالى... ثم اعلم أن العلوم الحاصلة عن طريق الكسب والوهب من علوم التوحيد يجب سترها عن الناس لما فيها من الغرابة والتبرى من المعقول والمنقول. وقد اقتفت الكمل من الأولياء هذه الآثار عن الصحابة والتابعين شفقة على ضعفة الناس الجاهلين بهذه الطريقة اتباعا لقوله صلى الله عليه وسلم " حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". ومن الآخذين بسبيل التصوف قائلون بعلم الباطن وما فيه. وفي قواميسهم شطحات ومقولات كثيرا ما تتجه اتجاهات غريبة عن الإسلام كمقولات " وحدة الوجود، والفناء، والمحو والحلول " وما قول الحلاج من أقوالهم ببعيد (أنا الحق وما في جيبى إلا الحق) ! ! ! ولقد ازدهرت في القرنين السادس والسابع الهجرى أفكار فلسفية غريبة على تصوف أهل السنة. وهو متمثل في زهد الصحابة وحده. ومن هذه الأفكار فكرة تطهير الروح بالارتياض والخلاص من مطالب الجسد. يصل بها الإشراقيون إلى القول بأن الرياضة الروحية وتهذيب النفس هما الوسيلة الوحيدة للمعرفة. أما الغلاة فيعذبون الجسد تعذيب البراهمة والبوذيين الهنود. وآخرون يأخذون من الهنود فكرة الوحدة الثابتة الجامعة لكل ما في الوجود. فالكل واحد. والحلاج (309) ومن ذهب مذاهبه يقولون بالحلول الإلهى في بعض المخلوقين. ومن المسلمين من أصبحت (الوحدة) أنشودة على لسانه مثل محى الدين بن عربي. ومنهم من وصل الذات الإنسانية الفانية بذات الله الخالدة، وصلا سبيله المحبة التى تبلغ درجة السكر والغيبوبة عن الحس، مثل ابن الفارض (638) وابن عطاء السكندرى. وعند بعضهم كلام جيد يفهمه البعض فهما ضارا - وقد ترتب على هذه الأفكار نشوء أفكار أخرى، كالإيمان بالخوارق ! ! ! وكرامات الأولياء ! ! وأصبح الولى عند البعض مكشوفا عنه الحجاب مادام يفتى في ذات الله ويخرج عن المألوف ! !. (*)

[ 275 ]

الباب الخامس المنهج العلمي إن العلم هو علم محمد صلى الله عليه وسلم. في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. (ابن تيمية)

[ 277 ]

في الباب الحالى فصول ثلاثة تحاول تصوير منهج الإمام الصادق " العلمي "، و " الحضاري " " السياسي والاقتصادي "، كما رسم خطوطه بالفعل وبالقول، وكما اقتفى آثاره وبنى عليه علماء الإسلام، الفقهاء منهم والرياضيون والتطبيقيون، مستمتعين بحرية الفكر والبحث التى وردت بها نصوص الكتاب العزيز وأمرت بها السنة. وكان الإمام الصادق من الأوائل في تعليمها للمسلمين، ممن انتسبوا إليه وممن أخذوا عنهم. يستوى في ذلك الشيعة وفقهاء أهل السنة. على هؤلاء الفقهاء والعلماء تعلم أهل أوربة منهج النزاهة العلمية والواقعية الذى تبلور في طريقة " التجربة والاستخلاص ". والذى أعلنه جابر بن حيان، أول من استحق في العالم لقب كيميائي كما يعبر عنه الأوربيون. ومن المنهج الحضاري: المنهج السياسي والاقتصادي الذى يستهدف عمارة الدنيا بالعدل في الناس. والعمل للحياة، والتكافل بين أعضاء الجماعة، والسعى لاستثمار طاقات الناس وأموالهم - وهى قواعد بلغ بها الفقه الشيعي غايته، ابتداء من منهج أمير المؤمنين على، معمولا به في حياته أو خلافته، أو منصوصا في عهده للأشتر النخعي. وكله سياسة واجتماع واقتصاد، إلى رسالة حفيده زين العابدين في الحقوق، وهى تجرى في آثاره، إلى برنامج حفيده جعفر الصادق العلمي والحضارى، السياسي والاقتصادي، يدلى به للناس، ويطبقه بنفسه. ويضع به الأسس لدول أو مجتمعات، أو جماعات. أو جمعيات، تعمل بمنهاجه لتبلغ أو جها به. وهذه خصيصة لا يجارى الصادق فيها عالم من العلماء في التاريخ. وحسبنا في هذا المقام كلمات، كالإشارات، تضمنتها الفصول الثلاثة التى حواها هذا الباب.

[ 279 ]

الفصل الأول التجربة والاستخلاص أما إذا خرجت من الإنكار إلى منزلة الشك، فإنى أرجو أن تخرج إلى المعرفة. (جعفر الصادق) لو أتيح لى الأمر لحرقت كتب أرسطو كلها، لأن دراستها يمكن أن تؤدى إلى ضياع الوقت وإحداث الخطأ ونشر الجهالة. روجير بيكون (1294 ميلادية) لم يكن روجير بيكون في الحقيقة إلا واحدا من رسل العلم الإسلامي والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية روبر بريفو

[ 281 ]

التجربة والاستخلاص أتيحت للإمام الصادق حقبة طويلة للتعليم يتلقاه أو يلقيه. فلم يحبس كمثل ما حبس الكثيرون من أهل بيته. أو يقتل كما قتل عظماؤهم. ولم يصطدم مذهبه الفقهى بمذهب فقهى للسلطان. فبنو أمية وبنو العباس، حتى عهده، لم يكن لهم مذهب فقهى - أن لم تظهر المذاهب " رسميا " إلا في أخريات القرن الثاني للهجرة، عندما صير أبو يوسف مذهب أبى حنيفة مذهب السلطان. استعصمت المدينة بفقهها، ثم ظهر الشافعي في أواخر القرن الثاني. ولم يصطدم الإمام بمذهب سياسي للخليفة - أن لم يظهر اعتناق الدولة للاعتزال إلا في عصر المأمون في فاتحة القرن الثالث. وكان الجهميون والقدريون مستضعفين. ولم يكن لمناقشات أصحاب الملل والنحل شأن يستلفت النظر. بهذا أتيح للإمام في مجلسه العلمي، واقتداره الذى يسلم به الجميع. أن يرسى في أمنة و الطمئنان. قواعد " منهج علمي " ما يزال يعبر القرون باعتباره فتحا من الفتوح التى فتحها الله على البشر. وفحوى المنهج أن العلم " مشاهدة " و " نزاهة فكرية " في " استخلاص " النتائج لا يقبل الله سواها من عالم أو متعلم. في هذا الفحوى قول الإمام " اطلبوا العلم. فانه السبب بينكم وبين الله ". - و السبب إلى الله لا يقوى الا بقلب خاشع. ومن ثم وجب إخلاص النية فيه، وصدق الهمة في تلقيه، وقبول حقائقه دون تلويثها بشوائب الهوى أو الغرض أو المقررات السابقة. أو العوامل الخارجية. وبهذه الخصائص تصبح " النزاهة العلمية " سمعتا للعباة وشأوا للسيادة - يقول الإمام (الملوك حكام على الناس والعلم حاكم عليهم.. حسبك من العلم أن تخشى الله. وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك).

[ 282 ]

ولتحقيق ذلك يأمر الإمام طالب العلم - من بدء أمره - بالتحلى بخصال. وينهاه عن نقيضها. يقول: (لا تطلت العلم لثلاث: لترائى به ولا لتباهي به ولا لتمارى به. ولا به. ولا تدعه لثالث: رغبة في الجهل وزهادة في العلم واستحياء من الناس) وما المراء أو الإصرار على عدم المعرفة أو تحقير العلم أو خوف النقد إلا خروق واسعة تتساقط منها كنوز العلماء. ومواهب المتعلمين، وواجب الفرد في أن يتعلم، في أمة فرض رسولها العلم على كل مسلم ومسلمة. فالعلم في الإسلام طريق للبقاء والتقدم. ويقول لمحمد بن النعمان (مؤمن الطاق). وهو المناضل الجدل. (يا ابن النعمان: إياك والمراء فإنه يحبط عملك. وإياك والجدل فإنه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات فإنها تبعدك من الله. وإن من قبلكم كانوا يتعلمون. وأنتم تتعلمون الكلام.. إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء.. إن أبغضكم إلى المترئسون، المشاءون بالنمائم، الحسدة لإخوانهم. وإنما أوليائي الذين سلموا لأمرنا وابتعو آثارنا. وليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان. ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة). ويضيف. (يا ابن النعمان. إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه ولا تجارينه ولا تباهينه. لا تطلع صديقك من سرك إلا على مالو اطلع عليه عدوك لم يضرك. فإن الصديق قد يكون عدوك يوما..) - ومن أدوات المنهج طمأنينة المعلم والمتعلم. بالاسغناء عن الناس. فالإمام يحث تلاميذه على العمل للرزق. ويمدهم بالمال، ليتجروا، ويستغنوا عن الناس ليستمع إليهم الناس. وليقدروا على الاستمرار في التلقى وفي الإلقاء. ومن أدواته التعمق والتخصص. فالعلم لا يعطيك بعضه إلا أن تعطيه كلك، كما يقول أبو يوسف: فأبان بن تغلب وزرارة بن أعين متخصصان للفقه. يفتيان الناس في مسجد الرسول.

[ 283 ]

وحمران بن أعين حجة في علوم القرآن. ومؤمن الطاق للكلام = علم التوحيد. وهشام بن الحكم للكلام في العقائد وفي الإمامة. وأبان بن عثمان للكلام في الاستطاعة وما إليها. - والمنهج شامل: يسأل الإمام عن قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) فيقول: " الحكمة هي المعرفة والتفقه في الدين ". ولما جمع للحكمة المعرفة والتفقه في الدين كان يعلم الناس أن الفقه وحده ليس الحكمة وإنما هو درجة فيها. وهو القائل (تفقهوا في الدين فإن من لم يتفقه منكم فهو أعرابي). ولما جعل مطلق المعرفة بعض الحكمة فتح الباب لكل أنواع العلوم. فليست المعرفة قاصرة على العلم الدينى. فهذا ينفيه نصه على التفقه في الدين معها. وإنما قصد الإمام العلم عموما. ومنه العلوم التطبيقية والفلسفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى كان لها في مجالس الإمام الصادق مكان، هو أول مكان تلقاه في حلقة إمام للدين في مدارس الإسلام. كمكان جابر بن حيان. وهذه التفرقة بين ألوان المعرفة يوجبها المنهج العلمي على الدارسين. وهذا الجمع لشتى العلوم إيذان بتطبيق المنهج الإسلامي في فنون العلم العالمي كما سنرى بعد. - وللمنهج - بعد - شعار من حب رسول الله، و تقدير أصحابه (محمد رسول الله والذين معه). فلا يقبل العلم من رجل، أو يقبل العلم على رجل، قصر إيمانه عن صيانتهم. يقول الإمام لجابر الجعفي (أبلغ أهل الكوفة أنى برئ ممن يتبرأ من أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وأرضاهما).

[ 284 ]

فهذا العلم دين. والمجلس العلمي كمجالس العادبدين. والشيخان، وإن خالفتهما نظريات الشيعة، محل إجلال المسلمين. وكمثل الشيخين في حفظ الكرامة. عثمان بن عفان. وهم جميعا - كعلى بن أبى طالب - أصحاب بل أصهار لصحاب الشريعة. وتعليم الشريعة أول أعمال الإمام. والإمام سيد عصره. لا تسقط من حضار مجلسه كلمة نابية. بهذه النزاهة الفعلية والفكرية، وبالإخلاص للمعرفة. والتزام قيم الإسلام، استعمل الإمام الصادق " العقل " أصلا من الأصول، إلى جوار القرآن والسنة والإجماع. * * * والنص على العقل واستعماله مستمد من القران الذى طالما خاطب فطرة البشر " لتعتبر " بما تدركه الحواس من آيات الله، وتتدبرها، وتستصحبها، لترى آلاءه على عباده. وتشهد تقديره وتدبيره. فتقنعهم بوجوده ووحدانيته وقدرته، فتصبح الدليل ما بعده دليل (1). وكما استعمل " الصادق " العقل، استعمل الحرية، التى منحها القرآن للإنسان: لا يكره الناس على أن يكونوا مؤمنين، ولا يستعمل في جدالهم إلا التى هي أحسن. ولا في وعظهم إلا الموعظة الحسنة. حتى ثبوت الألوهية لا يرضاه الله بإكراه. والعقل لا يعمل إلا حرا. وإذا أكره تعطل أو انحرف. والجدال بعنف تعسف. و للعقل كرامة. والكرامة هي الحرية. والاعتبار بالآثار والأشياء المحيطة بالناس، بالمشاهدة والاستخلاص، ثم الحرية والأمانة في التفكير والتقدير. أي النزاهة الفكرية. هما صميم المنهج. وهو لا يتجلى في الدلالة على الله جل ثناؤه. إليك مثلا من زنديق تحداه بقوله: كيف يعبد الله الخلق ولم يروه ؟ - قال الصادق: (رأته القلوب بنور الإيمان. وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان. وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف. ثم الرسل وآياتها. والكتب ومحكماتها. واقتصر العلماء على ما رأوه من عظمته دون رؤيته).


(1) (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) للمؤلف مطبعة دار الاتحاد العربي صفحات 11 الى 54. (*)

[ 285 ]

فنلاحظ أنه يبدأ بآثار الله التى يراها الناس في نور الإيمان، ويثبتها العقل والبصر. ثم يثنى بالرسل اللافتين أنظار الناس إلى آيات الله، وبالنصوص المحكمة التى جاءوا بها. وأخيرا يذكر ما يحصله العلم المحدود بما يراه العلماء من آثار ذلك. لكن الزنديق يستمر: أليس هو قادرا أن يظهر لهم. فيعرفوه فيعبد على يقين ؟ قال الصادق (ليس للمحال جواب). قال الزنديق: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا ؟ قال الصادق (إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عن جميع ما خلق. وكان ذلك الصانع حكيما. لم يجز أن يشاهده خلقه أو يلامسوه... ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم..) ومثلا مما يروى محمد بن سنان (حدثنى المفضل بن عمر قال: كنت ذات يوم بين القبر والمنبر - قبر الرسول بالمدينة - وأنا أفكر فيما خص به الله تعالى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم... إذ جاء ابن أبى العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه... فخرجت من المجلس محزونا متفكرا فيما بلى به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها. فدخلت على مولاى. عليه السلام. منكسرا فقال: مالك ؟ فأخبرته. فقال: بكر على غدا.. فلما أصبحت غدوت فاستؤذن لى فجلست وقمت بين يديه فقال: (إن الشكاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة. وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة. فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود.. فهم في ضلالهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وفرشت بأحسن الفرش.. ووضع كل شئ من ذلك موضعه.. فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا.. محجوبة أبصارهم عنها.. والإنسان كالمالك لهذا البيت.. ففى هذا دلالة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءمة، وأن الخالق له واحد..). وهو هنا يدلل بما تلمسه الحواس على لزوم وجود مالا تلمسه. فهو يستعمل العقل والواقع معا. ويروى ابن بابويه القمى (381) (كان ابن أبى العوجاء وابن المقفع يلاحظان الجمع الذى كان يطوف بالكعبة فقال ابن المقفع لأصحابه:

[ 286 ]

لا واحد من هؤلاء يستحق اسم الإنسانية إلا هذا الشيخ الجالس - وأشار إلى جعفر بن محمد - فقام ابن أبى العوجاء إلى الشيخ. وتحدث معه ثم رجع إلى صاحبه وقال: ما هذا ببشر. إن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا، أو يتروح إذا شاء باطنا، فهو هذا.. ظل يحصى لى قدرة الله التى في نفسي. والتى لم أستطع رفضها، حتى ظننت أن الله قد نزل بينى وبينه. ونزول الله بين الإمام وبين ملحد، باعتراف الملحد، آية باقتدار المنهج على بلوغ غرضه، وقدرة مجادل جمع الآيات الربانية حججا بين يدى منكر أخذته حجة الأمر الواقع فأبلس. فإذا تصدى الإمام لأصحاب الأغلوطات أزرى بالسفسطات. وبدههم. - كدأبه - " بالواقع ". فبهتتهم - كأن لم يشهدوها قبل - حقائق الأمر الواقع. طلب واحد من تلاميذه بيانا عن قول أبى شاكر الديصانى - رئيس الطائفة الديصانية - وهى طائفة ملحدة تنعم بحرية العقيدة في بلدان الإسلام - إن في القرآن ما يدل على أن الإله ليس واحدا. ففيه (وهو الذى في السماء إله وفي الأرض إله) فأجاب الإمام بقوله: قل له ما اسمك في الكوفة فيقول فلان. فقل له ما اسمك في البصرة فيقول فلان. فقل له فكذلك: ربنا في السماء إله وفي الأرض إله وفي البحار إله وفي كل مكان إله. * * * وفي كتاب الإهليلجة المروى عن طريق المفضل بن عمر يستعمل الجدل العلمي، في تنبيه الشكاك على أنهم في بدابة الطريق نحو المعرفة يقول (.. أخبرني هل رقيت إلى الجهات كلها وبلغت منتهاها ؟.. فهل رقيت إلى السماء التى ترى أو انحدرت إلى الأرض السفلى فجلت في أقطارها.. فما يدريك لعل الذى أنكره قلبك هو بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك.. أما إذ خرجت من الإنكار إلى منزلة الشك فإنى أرجو أن تخرج إلى المعرفة). فلنلاحظ أنه يجادل الرجل بأن يرتفع من الإدراك المادى إلى حيث يفكر. وأنه يرفع المفكر إلى حيث يستيقن. فيطالب الشاك بمزيد من التجربة المحسوبة الملموسة. ليصل من الشك إلى المعرفة. وهى مراحل العلم الذى يصل إليه الناس بوسائل مأمونة ومجربة.

[ 287 ]

وهذا المنهج " الواقعي " القائم على النزاهة الفكرية والحرية العقلية هو الآن منهج عالمى، يدين به الجميع للقرآن وأصول الفكر الإسلامي على ما سنرى بعد (1) ففى حين استخلص علماء العالم القديم من اليونان " نظريات " عمموها ليخضعوا لها نتائج الاستنباط، وفرضت سيادة الفكر الارستطاليسى على العقل في أوربة منطق النظريات والعمومات، وقاومت الكنيسة في تاريخها القديم حرية التفكير، نرى القرآن ينبه " العقل " على الاعتبار بالمحسوس التى يتمثل في " الواقع " وأن يرفض الاستسلام للعمومات التى تحكم مقدما أي أمر واقع. ويرشد الإنسان إلى استعمال فكره " بحرية " من أي قيد. بل نرى الإمام الصادق يعتبر " التقليد " مذلة عقلية " واستعبادا للنفس "، ويحاجج في ذلك حجاج القرآن، ويفسره تفسيره الرائع. عن أبى بصير عن أبى عبد الله الصادق في معنى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال (أما والله ما دعوهم إلى عبادة، ولو دعوهم ما أجابوهم. ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا. فعبدوهم من حيث لا يشعرون). وفي تعبير آخر يقول: عن أبى بصير عن أبى عبد الله الصادق: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال (والله ما صاموا لهم ولا صلوا. لكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم). فالاتباع دون فهم، في الحلال والحرام، أو غيرهما، ترك لزمام النفس في قبضة


(1) والارتباط بين فروع المعرفة أحد " الأساسيات " العلمية، وهى جميعا تستعمل الطريقة التجريبية وتلتزم حقائق الحياة الواقعة وقوانين الكون التى لا تتخلف ولا تدع مجالا للفراغ أو المجازفة أو الصدفة. كل شئ بمقدار. وكل أمر موزون - في الإنسان والحيوان والنبات والجماد. وفيما بينها. وفي العلوم الطبيعية والرياضية وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية. والعلميون يستعملون مقولات: الوحدة والتفاضل والتكامل. واطراد العلل والنتائج. والآخرون يستعملون مقولات الوحدة، والتناسب والتناسق، والتزاوج والانسجام، في الأشياء والأشكال والألوان والأحجام. ويستوى في ذلك الذين يلتزمون بالدين أو الذى يلتزمون بإنكاره. ومن الموضوعية " سلطان الإرادة " الإنسانية في التعاقد، أي حريتها، مع تقيدها بالقانون الذى يجتمع عليه الناس. وهذا مظهر الحرية الشخصية والفكرية التى أتاحها الله لعباده وأمرهم أن يستعملوها لأنها وسيلة للحياة الكريمة وللتقدم. وهو معلم من معالم السبق التشريعي الإسلامي. (*)

[ 288 ]

الغير، وإهدار لحريتها وقدرتها، وتلك عبادة لغير الله. وليس بعد ذلك كفر. وليس أبلغ من هذه العبارات في الدعوة للحرية الفكرية والحث على الاجتهاد واستعمال العقل. * * * يقول الشافعي عن مكانة على في علوم الإسلام (كان على كرم الله وجهه قد خص بعلم القرآن والفقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له. وأمره أن يقضى بين الناس. وكانت قضاياه ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيمضيها). ولقد آلى على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول صلى الله عليه وعلى آله ألا يرتدى إلا للصلاة أو يجمع القرآن - كما أسلفنا - فجمعه مهتما بأمور " أصولية " في الشريعة وفقهها تتعلق بالمحكم والمتشابه، أي بما لا يحتمل الاجتهاد وما يحتمله، وبالنصوص التى نسخت والتى هي واجبة التطبيق، وبالمطلق منها والذى يحتمل التخصيص، والعزائم والرخص، وبالفروض والمندوبات، وفيها المحرم والمكروه، وما هو تهذيب للأمة من فضائل وآداب (1). وفي نهج البلاغه طائفة من اصول الفقه التى ينبه عليها أمير المؤمنين رضى الله عنه


(1) بهذا كان على إمام المفسرين. قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: المن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ قال لا. فتلوت عليه الآية التى في " الفرقان ". قال: هذه مكية نسختها آية مدنية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا). ورووا أن ابن عباس ناظر عليا في الآية. فقال على: من أين لك أنها محكمة ؟ قال (تكاثف الوعيد). قال على: إن الله نسخها بآيتين آية قبلها وآية بعدها في النظم. الأولى قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " وأما التى بعدها في النظم فهى قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) والمفسرون يضيفون إلى الآيات قوله تعالى " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق " إلى قوله تعالى " ويخلد فيه مهانا " ثم استثنى بقوله (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا). لكم صدق ابن عباس حينما سئل عن علمه وعلم ابن عمه (على) فقال: كالقطرة إلى جوار البحر المحيط. (*)

[ 289 ]

وهذه وتلك أساسيات أصول الفقه. والأصول أدلة في طريق أو نهج. ولا إمامة إلا بمنهج. والفقه السنى يعتبر الشافعي أول من اتجه إلى تجلية أصول الفقه في كتابه (الرسالة) وقد وضعه، والناس يتحلقون حوله، في جوار الكعبة بعد سنة 184. وليس غريبا أن نجد النبوغ الشافعي يتلاقى وأمورا أساسية أهمت من بادئ الأمر على بن أبى طالب. أو نجد أفكارا " علوية " أو آراء " شيعية " تظهر بقوة في مذهب الشافعي وآرائه. والشافعي من أبناء عمومة النبي وعلى، يباهى بحب أهل البيت ويتحدى به. وهو إمام في اللسان العربي. له لغة خاصة تعلنها قواميس اللغة. طوعت له إمامته فيها أن يفهم القرآن فهم الذين نزل فيهم. واتصال اللغة والبلاغة بالفقه في الإسلام أساسى، لأن الفقه فهم للقرآن. والقرآن عربي. فالشافعى في استنباط للأصول من القرآن كان موجها بفهم عربي عميق للكتاب الكريم، الذى صنعت على أسسه العقيلة الإسلامية. يقول أحمد بن حنبل - وهو الإمام الرابع لأهل السنة في الفقه، فوق، أنه إمام في اللغة - (الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة. واختلاف الناس. والمعاني. والفقه). وهذه هي الأمور الأساسية في كل فقه. وسواء أنبثقت الأصول من اهتمامات على، في جوار قبر النبي بالمدينة غداة صعود روح النبي إلى الرفيق الأعلى، أو ممن نحوا ذلك النحو من الشيعة، أم انبثقت من " رسالة الشافعي " في جوار البيت الحرام بمكة. وسواء أطلع الشافعي على كتب لأهل البيت أو على آرائهم، أم لم يطلع، فالأصول قرآنية المبدأ والمنتهى. مشتقة من نصوص القرآن والسنة ومنهاجهما وأسلوبهما. ومن ذلك شرفها في الفكر الدينى والعلمي. وحرية التفكير توجب " الاجتهاد " على أساس العلم كما يقرر الشافعي في " رسالته "، مع النزاهة الفكرية الكاملة، غير مقيدة إلا بما تثق بوجوده، وتحقيق المناط وتنقيحه، والتدقيق في الفرع وفي الأصل، والسند، فيما ليس

[ 290 ]

قطعي الورود في السنة أو قطعي الدلالة فيها أو في الكتاب العزيز، ومع اتخاذ الأهبة والدربة، وهذه كلها أمور يوجبها القرآن والسنة. والحضارة العالمية مدينة بهذا المنهج للإسلام بما طور من فكر الأمم التى دانت به، في أربعة عشر قرنا، ومن أساليبها، ووسائلها العلمية، حتى صبغ فكرها، في شكله وموضوعه، صبغة الله. ومن أحسن من الله صبغة ! وكما ارتفع العرب درجات بالإسلام انتفع به كل الأمم ممن أسلموا، وممن لم يسلموا. ومن ثمة كان الإسلام خيرا كله للعالم كله. فتلك خصائص رسالته: العالمية. والأبدية. والسمو. والطريق إليه مفتوحة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وما تقدم الإنسانية إلا حاصل دفع الله الناس بعضهم ببعض، وأخذ بعضهم بيد البعض - ومن أجل ذلك اختص الفقه الإسلامي بخصيصة القدرة على إحداث التطور ومواكبته، مع اليسر وحفظ الدين، " بالاجتهاد " الذى أمر به الله على أصول القرآن والسنة (1). * * * أعلن " على " تمسكه " بالاجتهاد ". إذا تولى إمارة المؤمنين بعد عمر ابن الخطاب. ومن أجل ذلك وحده. لم يبايع له عبد الرحمن يبايع له. " فالاجتهاد " شعار من شعارات " على " من بادئ الأمر. وشعارات الشيعة من بعده. ومن ذلك لم يصخ عظماؤهم إلى ذلك الصوت البغيض الذين أعلن إقفال باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجرى، لتنفتح أبواب التقليد، وتخبو شعلة الفكر. بل شهد الشيعة في القرن الرابع ذاته نهضة شاملة تترائ في أعمال عظمائهم. فاستعمال العقل أصل. والأصل لا يتعطل. وما الاجتهاد إلا الحرية الفكرية في استخلاص النتائج، والنزاهة العلمية أو الاعتبار


(1) كتاب نحو تقنين جديد للمعاملات والعقوبات من الفقه الإسلامي: للمؤلف (طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سنة 1974 الفقرات 3 إلى 73 والفقرات 93 إلى 127). (*)

[ 291 ]

" بالواقع والصحيح ". وهاتان العجلتان اللتان تحملان موكب الفكر الإنساني المنجب. هما شعار مجالس الإمام الصادق كما سلف البيان. بل هما أساس ما استخلصه تلميذه جابر بن حيان. من تجاربه العلمية. وعنه انتقل إلى أوربة المنهج التجريبي: أو منهج " التجربة والاستخلاص " كما يسمى في العصور الحديثة. ومن نزاهة المنهج في الفقه. كان الإقرار بضعف الإنسان. فليس الاجتهاد مقابلا للحقيقة. وإنما هو أحسن أداة يمكن أن يصل بها المرء إليها. يقول أبو حنيفة (علمنا هذا رأى فمن جاءنا بأحسن منه كان أولى بالصواب منا). ولما قال الشافعي (الاجتهاد القياس) وإنهما اسمان لمعنى واحد. واستطرد فقعد له القواعد. ليجرى علماء أهل السنة في مضماره، صلى الأصوليون من أهل السنة بعده في حلبة الفكر العالمي. منذ القرن الثاني للهجرة، والتاسع للميلاد. فوضعوا القواعد التى لم يبدأ في تعرفها الأوربيون إلا بعد ثمانية قرون تحت عناوين اطراد العلة. وأنها إذا توفرت ثبت الحكم. أو قانون اطراد الحوادث. لوجود " نظام " في الكون. أو تناسق. تخضع له الأشياء طردا وعكسا، باطراد أسبابها وملابساتها فيها. وهذا ما قرره الأصوليون المسلمون عند تماثل العلل لاستنباط الأحكام. غير أن الأصوليين المسلمين فاقوا في تمحيصهم " جون ستيوارت مل " في أبحاثه. إذا تعمقوا في مسالك العلة، ودققوا في الاستقراء والاستنباط، مع الورع الكامل والنزاهة الفكرية المثلى. فكان عندهم لكل ركن من أركان " القياس " أبحاثه، وضمانات صحته، باتساع الاختبار وامتحان الاستخلاص. وإيجاب أن تجمع الأصل " المقيس عليه " " والفرع " " المقيس " " علة "، لتنتج ثمرة القياس وهى " الحكم ". وأولى الأصوليون العلة وتخريجها اهتماما مقطوع النظير. فشرطوا لها مسالك نقلية من نص أو إجماع، أو عقلية من تحقيق المناط بوجود العلة، وتنقيح المناط بحذف ما لا يدخل في الاعتبار، وبطرائق السبر والتقسيم والطرد.

[ 292 ]

لحصر الأوصاف التى تصلح للعلية. واستبعاد ما لا يصلح منها، ومقارنة الأوصاف للحكم، ودوران العلة مع المعلول وجودا وعدما الخ.. مع تكامل اختبار الوقائع وسلامة النتائج ثم قبولها. كل أولئك دون دخل لمقررات أو نظريات سابقة. ومع التقرير بأن ما يصل إليه المجتهد وإنما هو الراجح بغلبة الظن. فإن اجتهادا آخر قد يغيره. والاجتهاد مفتوح. وقانونه الحرية. فإذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران. وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. وعلى هذا التحديد أخذ المنهج التجريبي في الوجود: تمحيص الواقعة والاستخلاص بحرية ونزاهة. والقرآن يحوى جميع صور الاستدلالات العقلية ومنها قياس الأولى. وفي هذه الصور تبرز طريقة الاعتبار بآيات الله المادية الواقعية المحيطة بالناس والتى تحسها حواسهم. وكذلك كانت طريقة الأنبياء في الاستدلال على الله بلفت النظر إلى آياته أو بقياس الأولى. وهو ما يكون الحكم المطلوب فيه أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه - وكان أحمد بن حنبل يستعمل هذا القياس. وهو القائل إنه لا يصار إلى القياس إلا عند الضرورة. وابن تيمية يجعل للفطرة مكانها في الميزان الذى تعرف به الأحكام ويروى أن معرفة الاختلاف والتماثل أمر فطرى. واستعماله ضروري. و الميزان عنده هو العدل. وما يعرف به العدل. وإنه هو القياس العقلي القرآني (1).


(1) يقول (فليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام. ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية، وهذا خطأ. إن العلم هو علم محمد صلى الله عليه وسلم. وعلم في ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. وغير هذا العلم لا يكون علما. لقد بين صلى الله عليه وسلم - مختتما دورة الرسالة العظمى - العلوم العقلية التى يتم بها دين الناس علما وعملا. وضرب الأمثال. فكانت الفطرة بما ينبهها عليه... ولذلك أتى الخبر من السماء... القرآن والحديث - بهذا. يبين الحقائق لا بطريقة خبرية فقط بل " بالمقاييس العقلية " فبين طريقة التسوية بين المتماثلين والتفرقة بين المختلفين). ويضرب ابن تيمية أمثالا من الآيات للتسوية بين متماثلين والتفرقة بين مختلفين. ويقول (وكذلك أنزل الله سبحانه الميزان في القلوب..... لما بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب = (*)

[ 293 ]

والوزير الصنعانى (840) صاحب كتاب ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، يذكر أن أئمة أهل البيت لم يعرفوا المنطق (اليونانى والإرسططاليسى) ولم يصوغوا أدلتهم على التوحيد في صور منطقية. وإنما في " منهج قرآني أساسه الاعتبار ". وأن الإمام عليا لم يعرفه في خطبه ومواعظه وأن الأئمة قدموا أدلة التوحيد من غير ترتيب مقدمات المنطق ولا تقاسيم المتكلمين. ويقرر الوزير الصنعانى أن أسلوب المسلمين أرجح وأحجى من أسلوب المناطقة (فهذا أسلوب الأنبياء والأولياء والأئمة والسلف في النظر. وخالفهم بعض المتكلمين وأنواع المبتدعة فتكفوا وتعمقوا وعبروا عن المعاني الجلية بالعبارات الخفية). والذين ينكرون القياس. من أهل السنة، كداود (270) إمام أهل الظاهر وابن حزم (465). أو من المعتزلة كالنظام (إبراهيم بن سيار شيخ الجاحظ)، يعتمدون على النص وحده وقد أسعفتهم النصوص في إقامة مذهب بتمامه. ولم تخذ لهم قدرتهم الفقهية في استخراج الفقه باستعمال كليات الشريعة في الاجتهاد. فدل هؤلاء على أن نصوص الكتاب والسنة تجعل كليات الشرع وقواعده كافية " للعقل " ليبلغ بالفقه الإسلامي مبالغه. فيحقق أن الله تعالى ما فرط في الكتاب من شئ. فلكل واقعة حكم. وعلى المجتهد طلبه بالعقل والنقل معا. والشافعي من حرصه على العمل بهما معا. يندد " بالاستحسان ". ويسميه تلذذا. مع أن الاستحسان في جملة أمره استعمال لنص خاص أو قاعده متعلقة " بالواقعة " المطلوب لها الحكم (1).


= ذلك. فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى تعرف التماثل والاختلاف وتضع والآلات الحسية ما يحتاج له في ذالك. كما وضعت موازين النقد وغير ذلك.. قال الله تعالى (والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) فالميزان هو العدل وما يعرف به العدل. وهو القياس القرآني المنزل، ليتعرف به صحيح الفكر من باطله. بالإضافة إلى أن نزن الأمور عامة حسية أو عقلية). (1) كان داود (بن خلف الأصفهاني) صاحب المذهب الظاهرى شافعي المذهب ثم صار ظاهريا ينكر القياس ويعتمد على النص وحده. قالوا إنه سئل لم تركت مذهب الشافعي قال: قرأت كتاب إبطال الاستحسان للشافعي فوجدت كل الأدلة التى يبطل بها الاستحسان يبطل بها القياس. (*)

[ 294 ]

وأهل القياس مجمعون على أن المنهى عنه هو الاجتهاد مع النص القطعي، أو إطلاق العنان لاستخراج الأحكام دون تقيد بالنصوص الخاصة أو العامة. وهم يجمعون على قياس العلة ويختلفون فيما عداه * * * ومن المعاني الجامعة التى تتردد في أبواب الاجتهاد أن أحكام الشريعة جميعا - حتى في الأعمال غير التعبدية - فيها معنى تعبدي. أي حق لله، يطاع فيه الله ويعيد. فمن أحسن بيعه وشراءه وإجارته وإعارته، أو قضاءه أو فتواه... الخ فهو يطيع الله ويستحق ثوابه. ومن ساءت معاملته فهو خاسر في أمرين، قضاء الناس ضده، وغضب الله عليه. لأنه يعصى الله فيما عمل من عمل غير صالح. ومن ثمة تأثير الجانب الروحي أو الوازع الدينى في الحياة الواقعة، وفي الدراسته العلمية، وفي طلب الأحكام الفقهية، في المجتمع الإسلامي. وهو امتياز لا تبلغه الأمم الأخرى أو مجتمعاتها. وفي منهج اعتبار بالواقع أو بالآثار الدالة على المطلوب " واقعية " أدنى إلى التصديق من مجازفات الفكر. وفي الواقع المادى ضمان أن لا يبعد الاستخلاص من الملموس والمحسوس بالحواس الخمس. وهذه الواقعية أو النزاهة الفكرية، تسبق واقعية " أوجست كومت " (1) بقرون عشرة. وعقلانية " ديكارت " بقرون تسعة، كما تسبق " جون سيتوارت مل " في نظرية اطراد العلل بقرون عشرة. وبهذه القرون يقاس سبق الحضارة الإسلامية. وإلى جوار المشاهدة الواقعية والتحقيق النزيه والاستخلاص الصادق، يضيف الفقه الإسلامي ضمانا جديدا هو اعتبار الاجتهاد سعيا لبلوغ الحق لا بلوغا له. فثمة عوامل أخرى قد تكون موجودة أو قد يدركها عقل آخر فتجعله أدنى


(1) أوجست كومت 1798 7581 - Auguste Comte صاحب الفلسفة الواقعية في القرن الماضي. انتفع بمؤلفات لبنتز وديكارت وفرنسيس بيكون والقديس توماس الأكوينى وروجير بيكون والأخيران من أكبر من نشروا العلم الإسلامي وتأثروا به. وكثير من كتاباتهما تستعمل تعبيرات إسلامية. (2) جون ستيوارت مل 1806 - 1873 (*)

[ 295 ]

إلى السداد. أو تجعله يصل إلى السداد. وهذا الاحتمال الذى يلازم الاجتهاد يحتمل تداخل العناصر. فالنتائج نسبية حتى تقطع التجربة بأنها لا تتخلف أبدا.. وهى في الفقه تبقى نسبية حتى تبلغ الحكم الذى شرعه الشارع - فشرع الله هو الثابت. الذى يقصد المجتهدون قصده. * * * وربما كان الكلام المنقول عن " جابر بن حيان " أوضح كلام في الدلالة على المنهج التجريبي الذى تعلمه في مجلس الإمام أو من كتب الإمام. يخاطب جابر الإمام في مقدمة كتابه الأحجار بقوله: (وحق سيدى - لو لا أن هذه الكتب باسم سيدى - صلوات الله عليه - لما وصلت إلى حرف من ذلك إلى الأبد). ويقول جابر في كتابه الخواص عن طريقته (اتعب أولا تعبا واحدا. واعلم. ثم اعمل. فإنك لا تصل أولا. ثم تصل إلى ما تريد). وفي كتابة السبعين يقول (من كان دربا (مجربا) كان عالما حقا. ومن لم يكن دربا لم يكن عالما. وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يحذق وغير الدرب يعطل). ويحصل جابر طريقته في عبارته المأثورة (علمته بيدى. وبعقلي. وبحثته حتى صح وامتحنته فما كذب) وفي هذا المقام يقول أستاذ الفلسفة الإسلامية المعاصر في جامعة القاهرة. د. زكى نجيب محمود (.. فلو شئت تلخيصا للمنهج الديكارتى (1) كله لم تجد خيرا من هذا النص الذى أسلفناه عن جابر). ويرى الصيدلي المعاصر د. محمد يحيى الهاشمي إن " الواقعية " هي التى سوغت لجابر أن يقسم القياس أو الاستدلال والاستنباط إلى ثلاثه أقسام - المجانسة ومجرى العادة وبالآثار - ومن دلالة المجانسة دلالة الأنموذج كمن يريك بعض الشئ دلالة على كله. وهو استدلال غير قاطع. إذ الأنموذج لا يوجب وجود شئ من جنسه يساويه تماما في الطبيعة والجوهر. وكذلك دلالة مجرى العادة فإنه - كما يقول جابر (ليس فيه علم يقين واجب اضطرارى برهانى


(1) ديكارت 1596) * (0561 - Rene Descartes

[ 296 ]

أصلا. بل علم إقناعى يبلغ أن يكون: أحرى وأولى وأجدر لا غير، لكن استعمال الناس له وتقبلهم فيه واستدلالهم به والعمل في أمورهم عليه أكثر كثيرا جدا.. وليس في هذا الباب علم يقين واجب. وإنما وقع منه تعلق واستشهاد الشاهد على الغائب. لما في النفس من الظن والحسبان فان الأمور " ينبغى أن تجرى على نظام ومشابهة ومماثلة " فانك تجد أكثر الناس يجرون أمورهم على هذا الحسبان والظن). يقول جابر (.. و بالجملة فليس لأحد أن يدعى أنه ليس في الغائب إلا مثل ما شاهد... إنما ينبغى له أن يتوقف حتى يشهد البرهان بوجوده من عدمه..) فهو ينقد القياس من الناحية المنطقية أو الرياضية ليترك المجال مفتوحا للحقائق القاطعة التى تثبت بالتجارب. وحسبك دليلا على دقة طريقة التدليل بآثار الأشياء، أن تجدها احدى المسلمات في المعامل والجامعات، في القارات جميعا. منذ بدأ الأخذ بطريقة التجربة والاستخلاص حتى اليوم. وستبقى أبدا. وعند ما توضع أقوال جابر (1) في القرن الثاني للهجرة إلى جوار أقوال " الحسن بن الهيثم " (354 - 430) بعد أكثر من قرنين. وقد عمل في خدمة الدولة الفاطمية، وهى دولة من دول الشيعة، وله 47 كتابا في الرياضيات و 58 كتابا في الهندسة، تتأكد لنا طريقة التجربة والاستخلاص


(1) يقول جابر " وكذلك ينبغى إذا ذهب الدهرى (القائلون: إنما يخلقنا ويهلكنا الدهر - لا الله) يمنع أن يكون العالم مكونا مصنوعا، لأنه لم يشاهد، ولا واحد من الناس، بدء تكوينه، أن يقال له: ما ينكر أن يكون وجود الناس بعد وجود العالم بوقت طويل... وتذكر كون مدينة أو قصر ولا يذكر أحد من أهل بلده إبتداء بنائه ؟ فسلم أن يثبت قدم ذلك بالعلة التى أثبت بها قدم العالم. وإذا قال: إنما علمت أن المدينة والقصر التى لم نشاهد، ولا من توفى، أبتداء بنائها، أنها مبنية من قبل، أنى رأيت مثلها بنى، ولم أر مثل العالم مبنيا (قبل له إن هذا يعينه ما نقول. وندفع كونه في طريق الاستدلال - فمن أين قلت إن كل عالم تشاهده، وليس له شبيه ولا مثيل، موجود. وأن كل ما لم تشاهده وليس له شبيه ولا مثيل فليس بموجود ! إذ قد بان تقصيرك وتقصير أمثالك عن مشاهدة جميع الموجودات فأمكن أن يكون أكثر الموجودات مما لم تشاهده ". (*)

[ 297 ]

التى سلكها الإمام الصادق وأتقن العمل بها ووصفها جابر والحسن. وقد أحسن الحسن التعبير عنها بمنهج علمي واضح الفحوى محدد العبارات (1). ويشهد بها من أهل أوربة درايير في كتابه (النزاع بين العلم والدين) فيقول: كان الأسلوب الذى توخاه المسلمون سبب تفوقهم في العلم. فإنهم تحققوا أن الأسلوب النظرى لا يؤدي إلى التقدم. وأن الأمل في معرفة الحقيقة معقود بمشاهدة الحوادث ذاتها. ومن هنا كان شعارهم في أبحاثهم هو " الأسلوب التجريبي ". وهذا الأسلوب هو الذي أرشدهم إلى اكتشاف علم الجبر وغيره من علوم الرياضة والحياة. وإننا لندهش حينما نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من ثمرات العلم في هذا العصر). * * *


(1) راجع مقدمة كتاب الدكتور مصطفى نظيف. مدير جامعة عين شمس - بالقاهرة - عن الحسن بن الحسن الهيثم البصري أكبر عالم في الرياضيات والطبيعة في العصور الوسطى. وفد الحسن من العراق إلى القاهرة ليعمل مهندسا في خدمة الدولة الفاطمية في عصر الحاكم بأمر الله. وكان من رأيه جواز إقامة آلات على النيل يحركها تيار مياهه. والدكتور نظيف يقول إنه ينبغى لنا أن نستبدل بأسماء روجير بيكون ومور ليكوس ودافنشى وكبلر ودلابورتا، اسم الحسن بن الهيثم. فعلى يد الحسن أخذ علم الضوء وجهة جديدة بمنهجه الإسلامي وهو (استقراء الموجودات وتصفح أحوال المبصرات وتمييز خواص الجزئيات وما يخص البصر في حال الإبصار. وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس. ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدرج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج. ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى. ونتحرى في سائل ما نميزه وننقده طلب الحق لا الميل مع الآراء فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذى يثلج الصدور ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التى عندها يقع اليقين. نظفر من النقد والتحفظ بالحقيقة التى يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات). فهذا جمع للاستقراء والقياس.. وما هو إلا منهج علماء الرياضيات والطبيعة المسلمين تابعهم فيه ابن الهيثم ونقله علماء أوربة ابتداء من الكندى (252) عالم الطبيعة أو الطبيب الفيلسوف. والرازي (320) جالنبوس العرب أو الطبيب الفيلسوف الذى يتخذ الإحساسات بالجزئيات أساسا لكل عمله ويدلل بالكائنات الحية على وجود الخالق. وابن سينا (428) الرئيس. أو الفيلسوف الطبيب الذى يمثل فكرة المثل الأعلى في العصور الوسط كما يقول سارتون. وللأخيرين صورتان معلقتان على جدران جامعة باريس، الآن، مع جراح العظام ابن زهر.. راجع الإمام الشافعي للمؤلف - ص 174 - 175 الطبعة الثانية طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. يراجع كذلك (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) - للمؤلف - مطبعة دار الاتحاد العربي للطباعة سنة 1976 م حيث تفصيل الأدلة على أخذ أوربة المنهج العلمي المعاصر عن علماء المسلمين. (*)

[ 298 ]

والقارئ يلاحظ في هذا المقام أمورا. منها: الأول: أن جابرا يقرر إذ يقسم بالإمام، استرشاده في طريقته هذه به. وأن علمه منه هو سبب توفيقه. ولو كان قد تلقى الطريقة عنه دون لقاء له لما نقص الفضل فذلك شأن العلماء في كل زمان. الثاني: أن ممارسة جابر لطريقته مع إقرار الإمام له، قد ضبطتها مدارسة أبى حنيفة للإمام. إذ أنبهت القياسين على وجوب ضبط طريقة القياس بوضع حدود له واستبعاد ما ليس منه (1). وظاهر من قبول أبى حنيفة لنهى الإمام عن القياس وعدم مجادلته للإمام بكلمة. أن أبا حنيفة أدرك أن النهى عن القياس نهى عن القول في الدين بالرأى. وليس مقصودا به النهى عن الاجتهاد واستعمال العقل. وظاهر أن الإمام بلغ مراده من أبى حنيفة وممن تابعوه في القياس. فلم يقل أحد منهم في الدين برأيه. والتزم القائلون بالقياس كل الدقة. بعد إذ جاء الشافعي وفصل شروطه تفصيلا. الثالث: أنه يظهر من محاورة الإمام لأبى حنيفة يوم استأذن عليه فحجبه فدخل مع أهل الكوفة التى سلف ذكرها أمران: 1 - أن الأحكام التى ذكرها الإمام لأبى حنيفة. وارد فيها نصوص. مما يجعل لتحريم القول في الدين بالرأى أو مطلق القياس حجة مسلمة 2 - أن الإمام ذكر أبا حنيفة بقياس إبليس. إذ أعلن إبليس أنه يخرج عن طاعة الله برأيه. فكان رأيه عصيانا صريحا. لأمر صريح. وخروجا على نص وارد على سبيل الجزم. وليس عجيبا وإنما هو التواتر على استعمال العقل. أن يقرر أئمة أهل


(1) يقول أحمد بن حنبل (أنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه) و (سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة) وفي حالة الضرورة هذه أباح أحمد (أن يقاس الشئ إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا.. خطأ فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي شئ منه). (*)

[ 299 ]

السنة جميعا أن باب الاجتهاد مفتوح إذا لم يكن ثمة نص. وأن يجمع علماؤهم أن أحدا لا يقول الكلمة الأخيرة فيه. وأن يكون هذا منهج الفقه الشيعي الذى دأب عليه علماؤه. يقول ابن إدريس (598) من فقهاء الشيعة المتقدمين. (إذا فقدت الثلاثة - الكتاب والسنة والإجماع - فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل). ومن فحولهم المحقق نجم الدين الحلى (676) يقسم الدليل العقل قسمين الأول يتعلق بالخطاب - فحواه ولحنه ودليله - والثانى ما ينفرد العقل بالدلالة عليه الحسنه أو قبحه. والشهيد الأول محمد بن مكى (786) يوسع في القسم الأول ويفصل في القسم الثاني فيزيد البراءة الأصلية. وما لا دليل عليه. والأخذ بالأقل عند التردد بين الأكثر والأقل. والاستصحاب. وربما أجمل التفصيل قوله بعضى المتأخرين (1) من الأصولين عن الدليل العقلي: إنه كل حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي. فالدليل العقلي يوجب القطع. وليس بعد القطع حجة. بالعقل أدرك الإنسان وجود ربه. ودان برلرسالات. وأدرك المعاني والعلل. وقد على تمييز القبيح والحسن يفطرة البشر. فالقبح مفسدة والحسن مصلحة (2) وما يدركه العقل منهما هو حكم عقلي يستقل الإنسان بتقريره وما يستقل العقل بتقريره من مصلحة أو مفسدة هو مصلحة أو مفسدة شرعية. وعلى كليهما تدور الأحكام. فالشرع هاد للبشر والبشر مفطورون على استعمال نعمة الشارع. ولا يمنع هذا التأييد الشرعي للعقل أو التأييد العقلي للشرع، أن توجد بعضى مصالح يراها الشرع ولا يفطن لها العقل العادى فيتردد أمامها بظنه.


(1) الشيخ محمد رضا المظفر (2) الحسن والقبيح قضية يمسك بطرفيها الأشاعرة فيقولون إن الشرع وحده هو الذي يطعى الفعل وصفه. والشيعة ويتبعهم في ذلك المعتزلة، يقررون أنهما وصفان ذاتيان يستقل العقل بادراكهما. فالصدق والمروءة أمران حسنان. والكذب وانعدام المروءة أمران قبيحان. (*)

[ 300 ]

وإذا كان أصل استعمال العقل يسع كل وسائل النظر، فالفقيه ملزم بالاحتياط - وهو أول ما تستوجبه النزاهة العقلية - لوجود احتمال التزاحم والتعارض. فلا تجوز المجازفة بالتحليل والتحريم مع وجود هذا الاحتمال.. وإنما يلجأ الفقيه لاستخراج الحكم، عند عدم ظهور النص، إلى استعمال العقل، وبقواعد يمليها العقل والنقل، مثل وجوب دفع الضرر المحتمل ومثل عدم العقاب بلا بيان والعقل إذ يقرر قبح العقاب بلا بيان. يسوغ للمكلف أن يصنع ما يراه عند عدم البيان. وبتعبير آخر تصبح الإباحة هي الأصل. والحرية هي الأصل، حتى تتقيد بنص. يقول الإمام الصادق (كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه) ومن هنا اتسع مجال النشاط الإنساني. فلا حرام إلا ما حرم الله. والنص نقطة الثبات، أو حجر الزاوية في الفقه. فلا اجتهاد مع وروده. والتزام فحواه أو التزام مقاصد الشارع التى ينطق النص بها، أو يدل على معناها مجموع النصوص، لا يدخل بالمصلحة أو بالقياس شيئا على الشرع ليس منه. * * * والإمام الصادق يفتح أبواب رحمة الله ويرفع الحرج و يبيح الرخص. يقول (الوضوء نصف الإيمان) ويقول (إنه توبة من غير استغفار) ومع هذا سئل عن رجل يكون معه الماء في السفر ويخاف قلته ؟ فقال: " يتيمم بالصعيد ويستبقى الماء ". ويقول: " من خاف عطشا فلا يهريق قطرة. وليتيمم بالصعيد. فالصعيد أحب إلى ". سئل عن رجل ليس معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك (الغلوة مسافة مرمى السهم) ؟ فقال " لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع ". وسئل عن رجل بالركية (البئر) وليس معه دلو. قال: " ليس عليه أن يدخل الركية. لأن رب الماء هو رب الأرض. فليتيمم. إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا ".

[ 301 ]

ويقول: إن أبا ذر قال: يا رسول الله هلكت. جامعت أهلى على غير ماء. فقال صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين ". وسئل عن رجل به القروح والجراحات فيجنب ؟ قال: لا بأس بأن يتيمم ولا يغتسل. و الفقهاء يقولون: إن نفى الحرج في الشريعة من باب الرخصة لأن تحمل الألم و المشقة غير منهى عنه. ونفى الضرر من باب العزيمة لأن الضرر منهى عنه. يقول تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). يقول الصادق (لا صلاة إلا إلى القبلة) فقيل له أين حد القبلة. قال (ما بين المشرق والغرب كله قبلة) ويشرح ذلك قوله (يجزى التحرى أبدا إذا لم يعلم وجه القبلة). والفقهاء يصرحون بالإذن لمن يشك في الدليل بأن يستعمل قواعد الشرع من أصول الحل والطهارة والتخبير واستصحاب الحال - ومعناه استدامة ما كان ثابتا، ونفى ما كان منفيا - فمن شك في قيامه بالوضوء قبل أن يصلى فعليه أن يتوضأ. لأن الوضوء شرط واجب قبل الصلاة، والحال قبل الوضوء للصلاة حال تقتضي الوضوء. ومن توضأ ثم شك في نقض الوضوء فهو على وضوء. ومن شك في أنه توضأ بعد أن دخل في الصلاة قطعها وتوضأ، ليحرز شرط الصلاة. فإن شك بعد إتمام الصلاة فليس عليه أن يعيدها. فقد فرغ منها. لكن عليه أن يتوضا لصلاة تالية لأنه لم يبدأها ولم ينته منها. أي لم يتجاوز الشئ الذى شك فيه إلى غيره. سئل الإمام الصادق عن رجل شك في الأذان وقد دخل في الإقامة ؟ قال يمضى. قيل له شك في الإقامة وقد كبر. ؟ قال يمضى.. وفي التكبير وقد قرأ ؟ قال يمضى.. وفي القراءة وقد ركع ؟ قال يمضى.. وفي الركوع وقد سجد ؟ قال يمضى.. إلى أن قال " إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ. " يقول " إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ. إنما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه ". وسئل عن رجل يشك كثيرا في صلاته. فقال فيما قال (إن الشيطان

[ 302 ]

خبيث معتاد لما عود. فليمض أحدكم في الوهم) أي لا يحفل به... وبنى الفقهاء على ذلك قاعدة: لا شك لكثير الشك. يقول الإمام الصدق (من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك). وهذا إعلان عن دليل استصحاب الحال، واعتماد الواقع والظاهر كمن استأجر أرضا وشاع أمره في الناس يعامل معاملة المستأجر. ولا يقبل منه ادعاء الملك إلا بدليل. وتتعاون مع هذا الأصل أصول أخرى مثل أصل البراءة والإباحة حتى يرد منع الشارع. ويستثنى الفقهاء الشيعة من المنع من القياس حالتين: 1 - حالة العلة المنصوصة. وكثير ما هي في الكتاب والسنة. 2 - حالة مفهوم الأولوية، كقول أف للوالدين إذ نهى الله عنها، فمن باب أولى ما هو أشد. ويفرعون على العمومات والمبادئ الكلية الواردة في النصوص والإجماع. كمثل قواعد الوفاء بالعقود ودرء الحدود بالشبهات وجواز كل شرط إلا أن يحل حراما أو يحرم حلالا. وعلى هذه الكليات مدار الفقه. والاجتهاد بها واجب. وبالاجتهاد بلغ الفقه الشيعي ما بلغه فقه أهل السنة. كل على شاكلته. * * * ندب الرسول عليا إلى اليمن. فسأله الإمام: أكون كالسكة المحماة أو الشاهد يرى مالا يرى الغائب ؟ - أي اجتهد رأيى فيما بين يدى مما ليس بين يديك - قال عليه الصلاة والسلام " بل الشاهد يرى مالا يراه الغائب ". فهو يأذن له أن يجتهد أو يأمره أن يجتهد. ويقول ابن مسعود للقضاة والمفتين والمجتهدين (من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله. فان لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون - فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون - فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه. فإن لم يحسن فليقم ولا يستحى). والشيعة في اجتهادهم يعملون بأصل الاحتياط الواجب، مع العلم بالتكليف الملزم، وأصل التخبير إذا تردد الفعل بين الوجوب والحرمة. ويرون

[ 303 ]

الحسن والقبح أمرين " عقليين " ثابتين بالعقل. وما أمر الشارع ونهيه في صددهما إلا لأن العقل يأمر بهما. فلا حاجة إذن لسؤال الشرع ابتداء. بل يسأل العقل. فعدم العلم بالنهي كاف للحل. ولا تحتاج الإباحة لدليل، وإنما يحتاج ادعاء عكسها إلى دليله. فالاختراعات الحديثة مباحة استنادا إلى ما ثبت شرعا من أن كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى. والجواز في التصرف مطلق لا يقيده إلا التثبت من حق الغير. فالمعاملات، أية كانت، صحيحة ما لم تزاحم حقا عاما أو خاصا أو يوجد نص أو معنى يحرمها. وفي كثير من الأحيان، يكون عمل الفقيه مجرد تحكيم النصوص بعضها على بعض. مثل قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقول الرسول (لا ضرر ولا ضرار) وقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وقاعدة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وهذه أمثال للأدلة الحاكمة على أدلة سواها. فالعمل بها ليس تخصيصا للنص بالمصلحة، وإنما هو حكومة نص على نص. أي رفع اليد عن الكتاب والسنة بدليل منهما - أيضا - مجعول في ظرف خاص يزاحم الدليل الآخر أو يحكم عليه. والشيعة إذ يبنون فهمهم على أن الله يأمر بالفعل لمصلحة، وينهى عن الفعل لمفسدة، لا يعتبرون مخالفا للأمر والنهى من يوجد في حالة اضطرار، وإنما يشترطون أن تكون المخالفة على قدر الضرورة، وارتفاع المسوغ حالة انتهاء الاضطرار، أو عند تجاوز المقدار. يقول تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) و (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) و (يريد الله أن يخفف عنكم). وبالانتفاع بهذه الرخص يظهر أن الاضطرار نسبي. بل يظهر أنه ليس إلا خيار، وفيه إرادة. والإجبار هو ما يعدم الاختيار بما يزيل من القدرة - وهى شرط التكليف. فالمضطر في الواقع " يختار " الفعل لعامل خارجي أو داخلي (نفسي). كمن لا يملك إلا ثوبا واحدا يلبسه ليستره (ويختار) أن يبيعه ليأكل، إذ يؤثر العرى على الجوع إذا لم يقدر أن يواجه جوعه بطريق آخر. * * *

[ 304 ]

ولا عجب أن تتآمر كثرة الأوربيين بالصمت عن مناهج العلم الحديث المنقولة من نهج المسلمين. كدأبهم في تنكير صلة آباء العلوم الرياضية والهندسية بالمهد الذى نشأت فيه. فذلك استمرار للحرب الصليبية، وإخضاع للحقائق العلمية للتعصب الدينى المتأصل في الحضارة الأوروبية. فهم لا يذكرون أن فيثاغورث وأرشميدس وإقليدس آباء الرياضيات ألقوا الدروس وتلقوها في مدرسة الإسكندرية بمصر - ولا يذكرون أنهم لم يعرفوا كتاب إقليدس المسمى (الأساسيات) أو (العناصر) إلا عن نسخة عربية. ولا يذكرون أن أو روبة المعاصرة أخذت عن العلم الإسلامي المنهج العلمي المعاصر، أي منهج التجربة والاستخلاص. يقول الشاعر محمد إقبال (1) إن دبرنج Dubring يقول (إن آراء روجير بيكون أصدق وأوضح من آراء سلفه.. ومن أين استمد روجير بيكون دراسته العلمية ؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس). ويقول بريفو (2). Robert Briffault إنه لا ينسب إلى روجير بيكون (1294) (3) ولا إلى سميه الآخر فرانسيس بيكون (1626) أي فضل في


(1) في كتابه إعادة تكوين الفكر الدينى في الإسلام The Reconstruction of Religious Thinking (2) في كتابه صنع الإنسانية Making of Humanity (3) مات روجير بيكون سنة 1294 واستمرت الجامعات العربية والعرب في الأندلس قرنين بعد ذلك، إلى جوار المعاهد التى أنشئت لترجمة علومهم في فرنسا والأندلس وإيطاليا وألمانيا وكان يجيد اللغة العربية والعبرية، ويمارس التجارب العلمية في الطبيعة والكيمياء، وقاومه معاصروه لكن البابا شد أزره. وكان جزاؤه السجن في باريس من أجل كتاباته. وهى تعتبر طلائع لكشوف علمية حديثة (كالعدسات والسيارات ذات المحرك البدائي والطائرات) وهو القائل (الفلسفة مستمدة من العربية. فللاتيني - على هذا - لا يستطيع فهم الكتب المقدسة والفلسفة إلا إذا عرف اللغة التى نقلت عنها). ومن قبل ذلك بقرون - وعلى التحديد في سنة 920 طلب ملك الصقالبة إلى الخليفة أن يبعث إليه معلمين وفقهاء فصنع. وكان الجغرافيون العرب في أرمينية منذ القرن التاسع للميلاد. كذلك تلقى البابا سلفستر (999 - 1003) علومه بجامع قرطية، وكان اسمه الراهب جلبير، قبل أن يصير رئيسا لدير رافنا. وهو ناقل العلوم العربية والأرقام العربية إلى أوربة. وقد أنشأ مدرسة في ايطاليا وأخرى في ريمس بألمانيا لنقل العلوم العربية. وثاب أن مدرسة الوعاظ في طليطلة نشأت مدرسة لتدريس اللغة العربية سنة 1250 م ثم أمر مجلس فينا سنة 1311 م بتدريس العلوم العربية في باريس وسلامنكا وغيرها. = (*)

[ 305 ]

....


= وفي سنة 1207 أنشأت جنوه جامعة لنقل الكتب العربية، وفي سنة 1209، 1215 قرر المجمع المقدس منع تدريس كتب ابن رشد وابن سينا لما فيها من حرية فكرية. وفي سنة 1296 قرر المجمع اللاهوتى تحريم تدريس الفلسفة العربية وحرمان (كل من يعتقد أن العقل الإنساني واحد في كل الناس).. وكان الامبراطور فردريك الثاني قد أنشأ جامعة نابولى لنقل العلوم العربية فوق ما تنقله مدرسة سالرنو المجاورة. وأنشأ العرب المطرودون من اسبانيا مدرسة مونيليه في بروفانس بجنوب فرنسا. والشريف الإدريسى هو معلم روجار ملك صقلية. صنع له كرة من فضة، ككرة الأرض، سنة 1153، قبل أن تعرف أوربا أن الأرض كروية. ومن الثابت أن فيبروناتشى Fibronacci أول عالم اشتغل بعلم الجبر قد رحل إلى مصر وسورية في عصر الملك فردريك الثاني ملك صقلية وأن ادلارد البائى Adilard of Bath درس على العرب علمي الفلك والهندسة. وما هؤلاء إلا طلائع للعصر الذى عاشوا فيه. وفي العصر ذاته كانت مدرسة صقلية وكمثلها مدرسة سالرنو في جنوب ايطاليا وجامعة نابولى التى أنشأها الإمبراطور فردريك الثاني تذيع العلم العربية واحتل العرب جزر البحر الأبيض ابتداء من كريت سنة 212 إلى صقلية سنة 216 أي في النصف الأول من القرن التاسع للميلاد كما استولوا على بارى وبرنديزى في وسط ايطاليا وتوطدت سيطرتهم على مقاطعتي كاميينا وأبروزى وأقاموا فيهما إمارات عربية. وامتد سلطان عرب الأندلس إلى جنوب فرنسا في مقاطعة بروفانس. وحاصروا روما. وكانت ملابس البابا موشاة بالأحرف العربية. وتأثر دانتى بالثقافة العربية واضح في الكوميديا الإلهية. وهو يذكر صلاح الدين الأيوبي والدوق جود فرى (الملك جود في ملك بيت المقدس في حرب الصليبين) في كتابه. وكانت السفارات بين الملوك والأمراء الفرنجة والسلاطين تمد إلى أوربة أسباب الحضارة. وكانت كتب ابن رشد والغزالي أيامئذ تقدم الغذاء العلمي للفكر الأوربى. وكتابات القديس توماس الأكوينى (القديس توما) ناطقة بالتأثر الظاهر أو بالنقل الكامل. وأول مرصد فلكى أقيم في أوربة أقامه العرب بأشبيليه وأول مدرسة طبية في أوربة هي التى أقاموها في ساليرت. ومنذ سنة 970 كان في غرناطة باسبانيا 120 مدرسة منها 17 مدرسة كبيرة و 27 مدرسة مجانية يتعلم فيها نبلاء أوربة علوما عربية. ولما سقطت طليطلة في سنة 1085 في أيدى الأسبان أقاموا المدارس لترجمة العلوم العربية فيها ولم يتوقف النقل بل أتيحت له مصادر جديدة بسقوط قرطبة سنة 1236 ثم بسقوط غرناطة سنة 1492. وكان بلاط الفونسو السادس بعد سقوط طليطلة مصطبغا بالثقافة العربية. بل هو أعلن نفسه امبراطور العقيدتين. المسلمة والمسيحية. وكان الفونسو الخامس الملقب بالحكيم ملك قشتاله من سنة 1252 إلى 1284 أكبر دعاة الثقافة العربية. وقد جمع له اليهود كل كتب العرب = (*)

[ 306 ]

اكتشاف المنهج التجريبي في أوروبا. ولم يكن روجير بيكون في الحقيقة إلا واحدا من رسل العلم الإسلامي والمنهج الإسلامي إلى أوربة المسيحية. ولم يكف بيكون عن القول بأن معرفة العرب وعلمهم هما الطريق الوحيد للمعرفة.. ولقد انتشر منهج العرب التجريبي في عصر بيكون وتعلمه الناس في أو روبة يحدوهم إلى هذا رغبة ملحة). ويضيف (إنه ليس هناك وجهة نظر من وجهات العلم الأروبى لم يكن للثقافة الإسلامية عليها تأثير أساسى. وإن أهم أثر للثقافة الإسلامية هو تأثيرها في العلم الطبيعي والروح العلمي وهما القوتان المميزتان للعلم الحديث) ثم يضيف: (إن ما يدين به علمنا للعرب ليس ما قدموه لنا من اكتشاف نظريات مبتكرة غير ساكنة. إن العلم مدين للثقافة الإسلامية بأكثر من هذا. فقد أبدع اليونان المذاهب وعمموا الأحكام. لكن طرق البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة المفصلة العميقة والبحث التجريبي كانت كلها غريبة عن المزاج اليونانى.. إن ما ندعوه بالعلم ظهر في أو روبة نتيجة لروح جديد في البحث. ولطرق جديدة في الاستقصاء. طريقة التجربة و الملاحظة والقياس، ولتطور الرياضيات، صورة لم يعرفها اليونان. وهذه الروح وهذه المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوروبى). أو كما يقول المستشرق المعاصر برنارد لويس (إن أوربة القرون الوسطى


= وفي سنة 1250 أنشأت جماعة الوعاظ في طليطلة - مدرسة لتدريس اللغة العربية والعبرية بقصد تنصير المسلمين كما ألفت الكتب للدفاع عن المسيحية ضد المسلمين. وكان الأسقف ستيفن في باريس يناقش كتب ابن رشد. وفي آخر أيام المسلمين بالأندلس أنشئت محاكم التفتيش لمقاومة العلم والفلسفة اللذين خيف انتشارهما من كتب المسلمين. وفي بحر ثمانية عشر عاما من (1481 - 1499) أحرقت هذه المحاكم 220 و 10 رجلا أحياء. وشنقت 6860. وعاقبت بعقوبات أخرى سبعة وتسعين ألفا. وفي سنة 1502 قرر مجمع لا ترانا لعن من ينظر في فلسفة ابن رشد. لأنه يقول بحرية العقل. يراجع الفصل الثاني (وعنوانه (قوة الحضارة العلمية) من الباب الأول في كتابنا (توحيد الأمة العربية. فقرات 4 إلى 18). (*)

[ 307 ]

تحمل دينا مزدوجا لمعاصريها العرب. وهم الواسطة التى انتقل بها إلى أو روبة جزء كبير من ذلك التراث الثمين. كما تعلمت أوربة من العرب طريقة جديدة وضعت العقل فوق، السلطة ونادت بوجب البحث المستقل والتجربة. وكان لهذين الأساسين الفضل الكبير في القضاء على العصور الوسطى والإيذان بعصر النهضة). وروجير بيكون يعلن تأثره بالمنهج العربي ورفضه للمنهج الأرسطى الذى سيطر على الفكر الأروبى من جراء الفساد في بعض استنتاجاته في العلوم الطبيعية فيقول: If it had my way , I should burn all books of Aristotle , for the study of them can lead to a loss of time , produce error , increase ignorance وتعريبه (لو أتيح لى الأمر لأحرقت كل كتب أرسطو. لأن دراستها يمكن أن تؤدى إلى ضياع الوقت والوقوع في الخطأ ونشر الجهالة). وكما قال جوستاف لوبون بعد ست قرون من وفاة بيكون (أدرك العرب بعد لأى أن التجربة والمشاهدة خير من أفضل الكتب. ولذلك سبقوا أو روبة إلى هذه الحقيقة. فالمسلمون أسبق إلى نظام التجربة في العلوم.

[ 309 ]

الفصل الثاني في السياسة والاجتماع " وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء " " العامة من الأمة. فليكن صغوك لهم. وميلك معهم " (على بن أبى طالب)

[ 311 ]

في السياسة والاجتماع لم تكن خلافة أمير المؤمنين على هادئة أو هانئة. لو هدأت لحمل الناس على الجادة بعلمه وعدله، وشجاعة رأيه وزهده. والزهد آية على صدق الولاة. وسبيل معبدة لهم إلى أنفس الرعية. فالشجاعة تروعها. أما الزهادة فتقنعها. وعلى رضى عنه إمام الزاهدين والمتقشفين من الصحابة. أجمع عليه العلماء والفقهاء والبلغاء وأبطال الحروب والحكماء وكل محب لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. والصوفية يمدون إليه بالأسباب، فيضعونه في قمتهم. كما يصرح بذلك: الشبلى. والجنيد. وسرى السقطى. وأبو يزيد البسطامى. ومعروف الكرخي. وهم يسندون إليه الخرقة التى يتخذونها شعارا لزهدهم. وأحمد بن حنبل - والصوفية يعتبرونه من أئمتهم - يقول إنه " ما اجتمعت لأحد من الفضائل بالأسانيد الصحاح ما اجتمع لعلى "، يقابله الجاحظ زعيم المعتزلة. أي في الطرف الأقصى من الخصومة لأحمد. ومع ذلك يتلاقى الطرفان في " على " حيث يقول الجاحظ (لا يعلم رجل من أهل الأرض: متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التى يتناحر الناس عليها، كان مذكورا في هذه الخلال كلها، إلا على). والمعتزلة يمدون إليه أسبابهم الفكرية عن طريق حفيده أبى هاشم بن محمد بن الحنفية. وفي مكان بعيد جدا من المعتزلة يقف محيى الدين بن عربي، من فلاسفة المتصوفة، ليقول (على من أصحاب العلم وممن يعلمون من الله ما لا يعلمه غيره) ويقول السراج الطوسى (لأمير المؤمنين على - رضى الله عنه - من بين جميع أصحاب رسول الله " خصوصية " بمعاني جليلة وإشارات لطيفة وألفاظ مفردة وعبارات ومعان للتوحيد والمعرفة والإيمان والعلم، وغير ذلك، وخصال شريفة تعلق وتخلق بها أهل الحقائق من الصوفية).

[ 312 ]

ولقد طالما افتتن بشخصيته الناس ومنهم المستشرقون الذين يتحدثون عنه، على طريقتهم في الإيضاح عن آرائهم، مثل كارادى فو. حيث يتصوره (ذلك البطل المتوجع المتألم. والفارس الصوفى. والإمام ذو الروح العميق القرار، التى يمكن في مكامنها سر العذاب الإلهى). وإذا ذكرت كلمة (الإمام) مطلقة، انصرفت إلى على بن أبى طالب دون سائر الصحابة. ولم يكن النهج العلمي الذى أوجزنا الإشارة إليه، قبل، إلا استعمالا لأصول تهدى إلى معرفة حكم الشرع ودليله، لبلوغ " السعادة في الدنيا والآخرة ". وكان طبيعيا، وقد تضافرت في رسم حدود هذه السعادة، وضوابطها، والعلاقات الهادية إليها نصوص القرآن والسنة. أن بحلى الإمام على في هذا المجال. وأن يتخلف لنا من حياته وسنوات حكمه على قصرها، وانحسار سلطته فيها، مواقف معلمة، ونصوص شارحة، وأن يتتابع في نسقها أعمال الأئمة من بنيه ليتشكل منها " مذهب سياسي واجتماعى واقتصادي " متكامل: فنرى الحسن يضرب مثلا في العطاء وحقن الدماء. ونرى الحسين يضرب مثلا للجهاد في حروب الأمة وللاستشهاد في سبيل الحق. ونرى الأئمة بعدهما يفصلون القواعد للمجتمع العظيم، والدولة المثلى، والأسرة الفاضلة، والإنسان الذى يتغيا الكمال. وكان لزاما، أن تكون بين تعاليمهم تعاليم دستورية واقتصادية واجتماعية. فالإمام على، والأئمة من عقبه، بناة دول، وحماة مجتمعات. ازدهرت فيها الأسرة وصلح بها الرجل والمرأة. واستغنى الناس فيها بكدهم وكدحهم. في الدولة وقواعدها لم يكد أمير المؤمنين يتلقى البيعة حتى أطلق كلماته كالصواعق رجوما للمنحرفين. أو كالبوارق المتألقة بآمال المصلحين. في منهاجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي الجامع. المساواة اساس الدولة لقد خطب في اليوم التالى لمبايعته فقال (أما بعد.. ألا لا يقولن رجال منكم

[ 313 ]

غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الرقيقة وصار ذلك عليهم عارا وشنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التى يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون حرمنا ابن أبى طالب حقوقنا). فلما كان الغد غدا الناس لقبض حقوقهم. فأمر كاتبه عبيد الله بن أبى رافع أن يبدأ بالمهاجرين. وأعطى كل من حضر منهم ثلاثة دنانير. ثم ثنى بالأنصار ثم سائر الناس كلهم. سوى بينهم الأحمر فيهم والأسود. فقال له سهل بن حنيف: هذا غلامي أعتقته بالأمس. قال: نعطيه كما نعطيك ثلاثة دنانير. وقد تخلف عن هذه القسمة طلحة والزبير وسعد بن أبى وقاص وعبد الله ابن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم. وقال على (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق قديم لا يبطله شئ، ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرقه في البلدان لرددته إلى حاله. فإن في العدل سعة. ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق). ولما جاءته امرأتان فسوى بينهما، قالت إحداهما: إنى امرأة من العرب. وهذه أعجمية ! فقال: " إنى لا أرى لبنى اسماعيل في هذا الغنى فضلا على بنى إسحق ". وغضب البعض مما يصنع أمير المؤمنين. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يقول (ما كنت صانعا فاصنع..). ودعى البعض في السر إلى رفض على لمساواته بينهم وبين الأعاجم. ولما بلغه ذلك صعد المنبر متقلدا سيفه وقال (.. ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة الرسول.. قال الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ثم صاح بأعلى صوته (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين)..

[ 314 ]

في هذه الأيام الأولى وضح منهاجه الدستوري: المساواة في الحقوق. والعدل بين الناس. ومنهاجه الاقتصادي: المساواة في العطاء بين فئات الشعب. ومنهاجه الاجتماعي: ليس في الإسلام شريف ومشروف. ولا أحمر وأسود. ولا عربي وأعجمي، وإنما أكرم الناس أتقاهم. وكان عدله مع الذين حاربوه أو كفروه أو قتلوه دروسا في الفقه: روى الغزالي في المستصفى أن قضاته استشاروه في شهادة الخوارج بالبصرة فأمر بقبولها كما كانت تقبل قبل خروجهم عليه. لأنهم إنما حاربوا على تأويل. وفي رد شهادتهم تعصب وإثارة خلاف.. حتى قاتله عبد الرحمن بن ملجم نهى عن المثلة به وبالمساواة التى هي خصيصة الإسلام الأولى، بعد التوحيد، أهرع أبناء البلاد المفتوحة - من غير العرب - إلى اعتناق الإسلام. ثم اختار كثير منهم الانضمام تحت لواء الشيعة. ولما سادت الدعوة لأهل البيت في خراسان أقبلت جيوشها تقيم دولة الدين على أنقاض بنى أمية وبنى مروان. وكانت تولية " الرضا " من " أهل البيت " والتسوية بين " الموالى والعرب "، شعار الدولة التى أقامها أبو مسلم الخراساني والتى سرقها بنو العباس من بنى على، كما أوضحنا قبل (1).


(1) كان بنو أمية يجعلون للعرب درجة على الموالى - بالعلوج. بل قال جرير: قالوا نبيعكه بيعا فقلت لهم بيعوا الموالى واستغنوا عن العرب والمبرد يقول: (وتزعم الرواة أن الذى أنفت منه جلة الموالى هذا البيت لأنه حطهم ووضعهم). وتزوج أعجمى من عربية من بنى سليم فشكاهما محتسب إلى والى المدينة (إبراهيم بن هشام صهر الخليفة عبد الملك بن مروان) ففرق بينهما لعدم الكفاءة. وعزر الزوج لأنه ارتكب جريمة ! بأن ضربه مائتي جلدة ثم حلق لحيته وشاربه. فقالوا عن الوالى: قضيت بسنة وحكمت عدلا ولم ترث الحكومة من بعيد. وإبراهيم بن هاشم خال الخليفة هشام بن عبد الملك. وسأل هشام جليسه في فاتحة القرن الثاني للهجرة عن فقهاء الأمصار. قال: من فقيه المدينة ؟ قال: نافع مولى ابن عمر. قال فمن فقيه أهل مكة ؟ قال: عطاء بن أبى رباح. قال مولى أم عربي ؟ = (*)

[ 315 ]

* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *


= قال: مولى. قال فمن فقيه اليمن ؟ قال: طاوس بن كيسان قال مولى أم عربي ؟ قال: مولى. قال: فمن فقيه أهل اليمامة ؟ قال: يحيى بن أبى كثير قال: مولى أم عربي ؟ قال: مولى قال: فمن فقيه أهل الشام ؟ قال: مكحول قال مولى أم عربي ؟ قال مولى. قال: فمن فقيه أهل الجزيرة ؟ قال: ميمون بن مهران قال مولى أم عربي ؟ قال: مولى. قال فمن فقيه أهل الجزيرة ؟ قال: الضحاك بن مزاحم قال مولى أم عربي ؟ قال مولى. فمن فقيه أهل البصرة ؟ قال: الحسن وابن سبرين. قال: موليان أم عربيان ؟ قال موليان. قال: قال فمن فقيه أهل الكوفة ؟ قال: إبراهيم النخعي قال: مولى أم عربي ؟ قال: عربي. قال: كادت نفسي تزهق ولا تقول واحد عربي. ! ومن هذا التعصب للعرق وتمييز العرب ثار من عدا العرب في خراسان (ما وراء العراق حتى وسط آسيا) وأجاء أهل خراسان بنى العباس إلى الخلافة بشعارين يكمل كل منهما الآخر: (1) إعادة حكم اللدين وتولية أهل البيت (2) مساواة الموالى والعرب. وانطبعت الدولة العباسية في أغلب أمرها. بطابع غير عربي. يقول الجاحظ عن المائة الأولى من عمرها (دولتهم أعجمية خراسانية. ودولة بنى أمية عربية أعرابية). وكان مؤسسو الدولة العباسية يشيرون إلى خراسان على أنها (باب الدولة). وفي خواتيم المائة الأولى حاول الرشيد أن يستعيد مقاليد الأمور من الفرس فكانت مصارع البرامكة. فلم يلبث الفرس إلا سنين حتى قتلت جيوشهم الأمين - العربي الأب و الأم - وجاءوا بالمأمون إلى عرش الخلافة وأمه خراسانية. وشهدت المائة الثانية من عمر الدولة دولا قادمة من خراسان تستقل بممالكها أو تحكم الدولة العباسية كلها: بنى سامان (261 - 389) يحكمون في الشرق من خراسان من عهد المستعين (248) والدولة الصفارية في عهد المعتز (252) ثم بنى بويه (324 - 423) يحكمون فارس والرى وأصفهان والجبل. ولم تنشأ دولة عربية إلا في الموصل وديار بكر وربيعة وهى دولة بنى حمدان (317 - 358). (*)

[ 316 ]

ولقد وهم الذين نسبوا أسباب التشيع في خراسان إلى ما زعموه من تشابه تتابع الخلافة النبوية والدينية في بيت الرسول، وتوارث الملك عند الفرس في الدولة الكسروية، وحكم كسرى " بالحق الآلهى ". فلقد ترك الفرس دين كسرى بتمامه إلى الإسلام وقواعده. إنما كانت تفرقة الولاة والحكام بين العجم وبين العرب سببا لتصبح المساواة صيحة التجمع منهم على أمير المؤمنين على وبنيه. وكان أهل البيت مضطهدين، تهوى إليهم الأفئدة. وكانوا شجعانا يستشهدون. فاجتمع على إيجاب الانضمام إليهم الدين والعقل والمصلحة. وهى دوافع كافية للجهاد ضد بنى أمية. أما زعم الزاعمين أن إصهار الحسين إلى الفرس في أم زين العابدين كان سببا لتشيعهم فينقضه أن ابني عمر وأبى بكر أصهرا إليهم في أختين لها، ومع ذلك لم يتعص الفرس لأبويهما. لامراء كان طلب المساواة هو الباعث على التشيع لعلى، من قوم سلبت حقوقهم في المساواة. وهم في قمة المجتمع العلمي والدينى يحملون مسئوليات الدين الجديد مع العرب. (1) والدول العظيمة، والحروب الدامية، وتغيير التاريخ، لا يحدثها الغضب من أجل النسب. وإنما تحدثها المبادئ الخالدة والبطولات الرائعة وابتغاء مستقبل أفضل. وتفسير التاريخ على أساس النسب تفسير أو ربي يدفع المستشرقين إليه سوابق " الزواج السياسي " بين ملوكهم و " حروب الوراثة " بين دولهم. العدل - ونزاهة الحكم: في حياة على ومبادئه، وخطبه وأقضيته، عن هذين، ما لا نظير


(1) ومن المستشرقين من يلقى القول على عواهنه: " فلهوزن " مثلا يخلط بين أشياع على وأتباع ابن سبأ الذى يبرأ الشيعة منه. فيقول إن بعض العقيدة الشيعية نبع من اليهودية، أكثر مما نبع من الفارسية. " ودوزى " يرى إن الأصل في التشيع فارسي. لأن الفرس يدينون بالملك والوراثة فيه والحق الإلهى. " وفان فلوتن " يرى أن التشيع كان مباءة للعقائد الآسيوية. ومن المؤرخين من تابعوا المستشرقين. (*)

[ 317 ]

له في أي عصر، والمقام يضيق عن الاستقصاء. فحسبنا أن نقف قليلا عند فقرات من عهده لمالك بن الحارث (الأشتر النخعي) فهذا عهد مقطوع القرين في شكله وموضوعه، في التراث العالمي والإسلامي، وبخاصة في السياسة الإسلامية، والحكم الصالح، سواء في صياغته أو محتوياته. وهذا العهد يضع اسم على في ذروة المؤسسين للدول (واضعى الدساتير) حيث يتكلم عما يسمى في الدساتير العصرية بالمقومات الأساسية، وواجبات الولاة نحو الأمامة، وطريقة قيامهم بحقوق الجماعة، بالتفصيل اللازم. والتنبيه على ملء الفراغ، فيما سكت عنه، بالرجوع إلى أصل الشريعة: القرآن والسنة. ولقد تتابعت على هذا العهد شروح الأئمة من بعد، فرأينا لزين العابدين في رسالة الحقوق تفصيلات جديدة يقتضيها الزمان، وشهدنا الإمام جعفر الصادق يضيف التطبيق، والتفصيل الدقيق، لما تضمنته رسالة زين العابدين وعهد على - فيجعل من تنفيذهما وشروحه لهما، عهدا جديدا للمسلمين وللشيعة، تبلغ به مجتمعاتهم أو دولهم مبالغها كلما التزموهما أو قاربوا الالتزام بهما. يبدأ " عهد على " بتحديد مهمة الوالى (حين ولاه مصر، جباية خراجها جهاد عدوها وإصلاح أهلها وعمارة بلادها) فهو قد جمع له ولاية الخراج وولاية الحكم وقال: (واعلم أن الرعية طبقات. لا يصلح بعضها إلا ببعض. ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله. ومنها كتاب العامة. ومنها قضاة العدل (1). ومنها عمال الإنصاف والرفق. ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات. و منها الطبقة السفلى من ذوى الحاجة والمسكنة. وكلا قد سمى الله سهمه. فالجنود بإذن الله حصون الرعية. وزين الولاة. وعز الدين. وسبيل الأمن. وليس تقوم الرعية إلابهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله تعالى لهم من الخراج... ثم لاقوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب. لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.


(1) يراجع شرح القسم القضائى من هذا العهد في كتابنا (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن ص (145 - 160). (*)

[ 318 ]

ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوى الصناعات... ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم. وفي الله لكل سعة. وعلى الوالى حق بقدر ما يصلحه..) أما ولاية الإدارة عامة، والعمال والكتاب خاصة. فيقول عنها: (فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ورسوله ولإمامك. وأطهرهم جببا وأفضلهم حلما.. ثم الصق بذوى المروءات... ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما.. ولا تحقرن لطفا تتعاهدهم به وإن قل... وليكن آثر جندك عندك من واساهم في معونته.. وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد بظهور مودة الرعية...). وأما عن العدالة، وقوامها القضاء، فيبداء المشترع العظيم - في التعبير الأوربى - الكلام فيها عن القانون الواجب التطبيق فيقول: (واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من من الأمور. فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) - فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة). ويقرن القانون الإلهى بالقاضي كما يتطلبه الإسلام فيعقب على ما سبق بقوله عن صميم القضاء (ثم اختر للحكم بن الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور. ولا تمحكه الخصوم. ولا يتمادى في الزلة. ولا يحصر عن الفئ إلى الحق إذا عرفه. ولا تشرف نفسه على طمع. ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه: أو قفهم في الشبهات. وآخذهم بالحجج. وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم. وأصبر هم على تكشيف الأمور. وأصرمهم عند اتضاح الحكم... ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح علته وتقل حاجته إلى الناس. وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك. ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك).

[ 319 ]

ولئن كانت رسالة عمر إلى أبى موسى الأشعري قد جمعت جمل الأحكام في كلمات مختصرة، لا يجد محق عنها معدلا، إن عهد على للأشتركان في زمان مختلف، فجاء جامعا، بل مضيفا - في الموضوع الذى وردت فيه رسالة عمر - أمورا شتى يحتاجها زمان على وكل زمان بعده. وورود القانون، والدعوى، واختيار القاضى، وسلوكه، وطريقة القضاء واستقلال القضاء، في فقرتين بين فقرات ذالك العهد، مظهر من مظاهر شموله واتساع نطاقه، وأسباب خلوده. * * * أما الادارة العامة - عمال الوالى - ففيهم يقول أمير المؤمنين: (انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختيارا ولا تولهم محاباة وأثرة... وتوخ منهم أهل التجربة الحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام. فإنهم أكرم أخلاقا وأصح أعراضا.. ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم. وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم. وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أنو خانوا أمانتك... ثم تفقد أعمالهم..). وأما الكتاب ففيهم قوله (ثم انظر في حال كتابك. فول على أمورك خيرهم واخصص رسائلك التى تدخل فيها مكائدك وأسرارك، بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ.. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستقامتك وحسن الظن منك.. ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم في العامة أثرا...) ثم يقول عن الضعفة: (وتعهد أهل اليتم وذوى الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه... واجعل لذوى الحاجات منك مجلسا عاما... فلا تكونن منفرا ولا مضيعا. فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله حين وجهنى إلى اليمن كيف أصلى بهم فقال (صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما).

[ 320 ]

الشورى والعناية بالعامة: في بداية العهد إلى الأشتر أمران: الأول خاص بالأشتر. والثانى خاص بالعامة والخاصة. والأمران عصريان في كل عصر ومطلوبان في كل مكان. ومن كل الحكام: أما الأول: ففيه قوله له (إن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك. ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجرى بهم على ألسنة عباده.. فاملك هواك. وشح بنفسك عما لا يحل لك.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاربا تغتنم أكلهم. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق. يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل. ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذى تحب وترضى أن يعطيك الله...) (1). وقوله (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك.. فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم...) ويقول عن الشورى (ولا تدخلن في مشورتك من يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر. ولا جبانا يضعفك عن الأمور ولا حريصا يزين لك الشر، بالجور، فإن البخل والجبن غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله.. والصق بأهل الورع والصدق.. ثم رضهم على أن لا يطروك... ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة..). وأما الثاني: ففيه قوله: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق. وأعمها في العدل. وأجمعها لرضى الرعية. فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة. وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة. وليس أحد


(1) ولما عهد لمحمد بن أبى بكر كان مما جاء في عهده له قوله (اعلم يا محمد بن أبى بكر أنى قد وليتك أعظم أجنادى في نفسي، أهل مصر، وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم وسركم علانينكم. ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم). (*)

[ 321 ]

من الرعية أثقل على الوالى مؤنة في الرخاء وأقل معونة في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأخف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. وإنما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء، العامة من الأمة. فليكن صغوك لهم وميلك معهم). * * * بأبى أنت وأمى يا أمير المؤمنين ! " إن رسول الله يقول (اطلعت في الجنة فوجدت أكثر أهلها الفقراء) وأنت في طليعة أهل الجنة. تحب أكثر أهلها عددا في الحياة الدنيا. ومن أجل ذلك تكرم العامة، وهم كثرة الأمة. وتؤثر منها الفقراء. ولقد كنت دائما قدوة. وأردت الخاصة على أن تكون قدوة. وحذرتها من مطامعها ومزالقها. ولو حذرت، للزمت الجادة، وصلح أمر هذه الأمة. إن من يضع دستورا في العصر الحديث خليق بأن يرتوى من عهدك، ويروى الأمة من ينابيعك، في تطبيق الشريعة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وأمانة الولاة، ونزاهة الإدارة، واحترام العامة، وإلزام الخاصة أن تكون قدوة في الأمة. * * * يقول ابن المقفع في شأن الخاصة بعد مائة عام، في كتابه لأبى جعفر (وقد علمنا علما لا يخالطه الشك أن عامة قط لم تصلح من قبل نفسها. ولم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها... وحاجة الخواص إلى الإمام الذى يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك). ويتصدى الإمام زين العابدين في " رسالة الحقوق " بالشرح الشامل، والتفصيل الطويل، لسلوك الجماعات والأفراد وما يجب لها شرحا وتفصيلا تقتضيهما حالة الناس وظروف الزمان في النصف الثاني من القرن، عصر كربلاء والحرة وضرب الكعبة والدولة الهرقلية وتغبر الناس. واستقصاء السجاد فيها للأحكام مظهر لتحمله مسئولية تعليم المسلمين أمور دينهم وشئون دنياهم: فهى تبدأ بحقوق الله عز وجل. وأكبرها ما أوجبه الله تعالى من حقه. فجعل للجوارح حقوقا ولأفعالها حقوقا

[ 322 ]

(ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوى الحقوق الواجبة عليك وأوجبها عليك حق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك. فهذه حقوق يتشعب منها حقوق. فحقوق أئمتك ثلاثة.. وحقوق رعيتك ثلاثة... وحقوق رحمك كثيرة متصلة.. فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك.. ثم حق مولاك المنعم عليك ثم...) (1) وتطرقت رسالة الحقوق للعلاقات الحكومية والقضائية والاجتماعية التى تنظم الجماعة الإسلامية. فنظمت آدابها والتزاماتها الخلقية والقانونية بالتفصيل. وربما أجزأ في تقريب منهاجها إلى الألباب مثل ننقله منها عن معاملة السلاطين حيث يقول: (وأما حق سائسك بالسلطان. فأنت تعلم أنك جعلت له فتنة. وأنه مبتلى فيك بما جعله الله له عليك من السلطان. فعليك أن تخلص له في النصيحة. ولا تماحكه وقد بسطت يده عليك. فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه...... وتلطف لعطائه ما يكفه عنك دون أن


(1) فأما حق الله الأكبر عليك فأن تعبده ولا تشك به شيئا. فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة.. وأما حق نفسك عليك.. وأما حق اللسان وأما حق السمع.. وأما حق بصرك.. وأما حق رجليك.. وأما حق يدك.. وأما حق بطنك.. وأما حق فرجك.. ثم حقوق الأفعال: وحق الصلاة.. وحق الحج.. وأما حق الصوم.. وأما حق الصدقة.. وأما حق الهدى - ثم حق الأئمة.. فأما حق سائسك بالسلطان.. وأما حق سائسك بالعلم.. وأما حق سائسك بالملك. ثم حقوق الرعية.. فأما حقوق رعيتك بالسلطان.. والعلم.. بملك النكاح.. بملك اليمين. وأما حق الرحم.. وأما حق أمتك.. وأما حق ولدك.. وأما حق أخيك.. وأما حق المنعم عليك.. وأما حق مولاك الجارية نعمته عليك.. وأما حق ذى المعروف عليك.. وأما حق المؤذن.. وأما حق إمامك في صلواتك.. وأما حق الجليس.. وأما حق الجار.. وأما حق الصاحب.. وأما حق الشريك.. وأما حق المال.. وأما حق الغريم المطالب لك.. وأما حق الخليط.. وأما حق الخصم المدعى عليك.. وأما حق الخصم المدعى عليه.. وأما حق المستشير.. وأما حق المشير عليك.. وأما حق المستنصح.. وأما حق الناصح.. وأما حق الكبير.. وأما حق الصغير.. وأما حق السائل.. وأما حق المسئول.. وأما حق من سرك الله به وعلى يديه.. وأما حق من ساءك القضاء عليه.. وأما حق أهل ملتك عامة وأما حق.. وأما حق.. (*)

[ 323 ]

يضر بدينه. وتستعين عليه في ذلك بالله فلا تعانده.... فإنك إن فعلت ذلك عققته وعققت نفسك وعرضتها للمكروه). الحكام: تابع الإمام الصادق عمل آبائه في التنبيه على قواعذ الحكم الصالح ومنها حقوق العامة - وهى جسم الجماعة - بنصوص دستورية يوجزها. لتحفظ عنه وتنقل منه.... وإليك أمثالا: يقول: " أفضل الملوك من أعطى ثلاث خصال: الرحمة والجود والبذل ". ويقول: " ليس للملوك أن يفرطوا في ثلاثة: حفظ الثغور وتفقد المظالم واختيار الصالحين لأعمالهم ". وما هي إلا أركان الدولة الثلاثة: الجيش والقضاء والإدارة. أو مبادئ الحكم الثلاثة: المنعة في الخارج بالجيش. والعزة في الداخل بالعدل. والحكم الصالح بالإدارة الحسنة. والرسول يقول: (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم) وهو مقال موجه للعامة والخاصة في أمة خصيصتها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وأول المسئولين عنهما الولاة والعلماء والقادورن. والصادق يقول لكل هؤلاء (خير الناس أكثر هم خدمة للناس "، يقول للحكام (كفارة عمل السلطان قضاء حاجات الإخوان) ويقول " المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل " (العثرات). وهى مقولة تنطق بها سجلات الطغيان. حيثما كان، وفي جميع الحقب. فالزلة الواحدة تزعزع قوام الطاغية أو المتعصب أو المتحكم. فهو كالواقف على قدم واحدة. وتعاليم الصادق في العدل والرفق بالرعية مقولات دستورية في الامة. يقول " ما أوسع العدل وإن قل " ويقول " أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم ". ويقول لوالى المنصور على الأهواز إذ استنصحه: (.. فاعلم أن خلاصك ونجاتك في حقن الدماء وكف الاذى عن أولياء الله والرفق بالرعية. والثانى حسن المعاشرة مع لين في غير ضعف. وشدة في

[ 324 ]

غير عنف.. وإياك والسعاة وأهل النمائم.. ولا تستصغرن من حلو وفضل طعام في بطون خالية.. إياك يا عبد الله أن تخيف مؤمنا). تلك دروس جده صلى الله عليه وسلم. وهو القائل (سبعة يظلهم الله يوم القيامة. إمام عادل..) فبدأ بالعدل. بل يقول عليه الصلاة والسلام (عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة..). والدنيا قد تدوم، والدولة قد تقوم، مع العدل والكفر. لكنها لا تبقى مع الظلم، وإن كان الظلم واقعا على غير مسلم. والله تعالى يقول في محكم كتابه " كونوا قوامين لله شهداء بالقسط. ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى " (1). يقول الإمام الصادق: " من نكد العيش السلطان الجائر والجار السوء والمرأة البذيئة ". فالسلطان الجائر أذى دائم، ومنكر مستمر، تضيق الدنيا به، وإن رحبت. كما يضيق المكان - على رحبه - بالجار السوء، وتضيق الحياة - وإن طالت أو اتسعت - مع المرأة الطويلة اللسان. والإمام يبدأ بالسلطان الجائر لأن أذاه يفسد الدينا وإن صلحت، والأسرة وإن هنؤت. وإذا عم العدل احتمل الناس همومهم حيث هم. ومن فساد السلطان أن يتولى سدته المتكبرون. والمتعالون في دخيلتهم منحطون. يقول الصادق " ما من أحد يتيه إلا من ذلة وجدها في نفسه ". ومن ذلك ينحى عن الرياسات من يجرون أزرهم خيلاء، فهؤلاء لا ينتفعون بتجربة من أنفسهم، وإلا لما تكبروا على الناس، أو من غيرهم، وإلا لما غرهم الغرور. يقول (لا يطمع القليل التجربة المعجب برأيه في الرياسة) ويقول (من طلب الرياسة هلك).


(1) لما فتح هولاكو بغداد استفتى العلماء: أيهما أفضل. السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر ؟ فجمعوا لذلك بالمدرسة المستنصرية. وكان على بن طاوس حاضرا. وهو المقدم المحترم. فتناول الفتيا ووضع خطه عليها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر. ووضع العلماء خطوطهم على ذلك. (*)

[ 325 ]

فإذا ولى الحاكم فليخش الله في الناس. وليعلم أن فيهم ضعفا، وأنه مطالب بالعفو والصفح الجميل. يقول الإمام " أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وأنقص الناس عقلا من ظلم من دونه. ولم يصفح عمن اعتذر إليه. والناس مطالبون بأن يمحضوا النص بإخلاص. وليس الإخلاص مجرد النية الحسنة أو البدار بالكلام. وإنما هو الفكر الجاد، وتقليب الأمور على وجوهها. والاستماع إلى المخالفين. فالإمام يقول " لا تكن أول مشير. وإياك والرأى الفطير ". وكثيرا ما تأذى الناصح بنصحه، وركبت المنصوح شياطين غلوائه. وقد يستفيد الظنة المتنصح. وينبه الإمام الأمة على ألا تشترى الراحة بالرياء إذ " المؤمن يدارى ولا يمارى " كما يقول. وينبه الناس - ومنهم الحكام - على أن يسارعوا إلى الخيرات بإصلاح عيوبهم، وإعلانها دون تأثم أو تحرج. والناس يمدون أيديهم إلى من يصارحهم بمصاعبه، فيشركونه في متاعبه. يقول " أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه وأشدها مؤنة إخفاء الفاقة.... " وكما يقول " من لم يتفقد النقص في نفسه دام نقصه. ومن دام نقصه فالموت خير له.. " ولعل أنفع الناس للمرء، من يهدى إليه عيوبه: بأن ينبهه عليها. المجتمع الجعفري الإمام مبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم علمه. وهذا العلم أجناس وأنواع، نشير في هذا المقام إلى بعض منها في السياسة والاجتماع، والاقتصاد، وهو حسب أي مجتمع ليقيم دولة راسخة الأركان، وأمة تعمل كخلية النحل، لا مجرد جمعية للإصلاح أو جماعة متطلعة للتقدم، كالجمعيات والجماعات التى تزخر بها المجتمعات في العصور الحديثة، بقصد إصلاح جزئي أو الدعوة لمبادئ معينة.

[ 326 ]

وكثير من المبادئ التى تحدثنا عنها قبل، والتى سنتحدث عنها بعد، شذرات من دروس، متداولة عن الإمام، لو حاولنا جمعها كنا كمن يجمع مصابيح السماء. وقد يكفى في هذا المقام ذكر بعض توجيهات الإمام " لشيعتنا " كما يقول. أو " للجعفري " الجدير بالانتساب للإمام، كما يسمى تابعيه. وإذ كانت هذه التوجيهات إشارات إلى مؤهلات الانتساب إليه فهى تقطع بأنه كان يعد " دعاة " يدعون لمجتمع يدين بمبادئه. وهذه المبادئ، مضافة إلى الفقة المدنى والجزائي ونظرية الإمامة، كافية لإقامة مذهب متكامل تقوم على قواعده " دولة " تكفل الجزاء والثواب، فالقاعدة القانونية، مع العقيدة الدينية والنظريات الخلقية، كالماء الذى يسقى البذور الصالحة التى تنتظر الزمن لتشق الأرض و تظهر، في حماية الدولة. ولقد كلل الله بالنجاح سعيه. وظهرت دول ومجتمعات ازدهرت في العالم، مع اصطناع التغييرات التى تستدعيها حاجات السلطان والزمان والمكان، أو الدعاية للدولة، كما كان الشأن في الدول والمجتمعات الاسماعيلية كالفاطميين المنتسبين إلى اسماعيل بن الإمام جعفر. وأحدثت هذه المبادئ آثارا منجحة في المجتمعات الشيعية، في أمم إسلامية أو غير إسلامية، أنمت التمسك الدينى بفضائل الإسلام. وأمكنت من الدفاع عنه بقوة وإيمان. وأبدعت عبقريتها الاقتصادية التى طالما حضت عليها تعاليم الإمام. فالتعاليم الصادرة عن الإمام الصادق ليست مجرد أصول فقهية أو فروع علمية كما هو دأب الأئمة من أهل السنة. بل هي تتعدى ذلك المجال إلى كل مجال للناس فيه نشاط سياسي أو اجتماعي أو اقتصادى.. ومن أجل ذلك العموم في رسالة الإمام و مقامه في الإسلام، كان شعور أبى حنيفة ومالك وسفيان الثوري وعمرو بن عبيد ونظرائهم أو المقاربين لهم أنهم في مجلسه تلامذة. واعتبار الأمة أنهم هنا لك كذلك وإن كانوا أئمة.

[ 327 ]

ومن نفاذ البصيرة. وعظمة الطريقة، وجلال السمت، واتساع العلم، كان اعتراف خصوم المسلمين أنفسهم بأنه - بين الحجيج جميعا - الفرد العلم. * * * أما المبادئ الفقهية ومبادئ العقيدة والسياسية فقد تكلمنا عنها. وتبقى كلمات، كالاشارات، عن المبادئ الخلقية والاجتماعية التى أنتخبنا بعضها لتدل على اتجاهه بها نحو تكوين مجتمع قوى وإعداد الدعاة له.. أوضي الإمام المفضل بن عمر بخصال يبلغهن من وراءه من " شيعة أهل البيت ". أن تؤدى الأمانة إلى من أئتمنك. وأن ترضى لأخيك ما ترضاه لنفسك. واعلم أن للامور أواخر فاحذر العواقب. وأن للامور بغتات فكن منها على حذر. وإياك ومرتقي جبل سهل إذا كان المنحدر وعرا ". وأوصاهم: " صلو عشائركم. واشهدوا جنائزهم. وعودوا مرضاكم. وأدوا حقوقهم. فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الامانة وحسن خلقه مع الناس قيل " هذا جعفرى " ويسرني ذلك. وإذا كان غير ذلك دخل على بلاؤه وعاره. وقيل هذا أدب " جعفر " ! فوالله إن الرجل كان يكون في القبيلة من " شيعة على " فيكون زينها. آداهم للامانة. وأقضاهم للحقوق. وأصدقهم. يحمل إليه وصاياهم وودائعهم. تسأل العشيرة عنه ويقال: " من مثل فلان ؟ ". وأوصاهم: (أوصيكم بتقوى الله واجتناب معاصيه. وأداء الأمانة لمن أئتمنكم. وحسن الصحابة لمن صحبتموه. وأن تكونوا لنا دعاة صامتين). فهو بهذا يربط إحسان العمل بالانتساب لأهل البيت ويضع القواعد المثلى للتجمع. دخل عليه المفضل بن قيس ذات يوم يسأله الدعاء. وكما قال: " فشكوت إليه بعض حالى وسألته الدعاء فقال: يا جارية هاني الكيس.. فقال " هذا كيس فيه فيه أربعمائة دينار فاستعن بها ". قلت ما أردت هذا الكيس

[ 328 ]

ولكن أردت الدعاء لى. قال " ولا أدع الدعاء لك. ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم. " هكذا تتابع منه العطاء غير المطلوب، والدعاء المطلوب، والنصح الواجب. فهو معلم في المقام الأول. أعطى فأغنى. ثم نصح، ليقبل النصح منه. والأعمال أعلى صوتا من الأقوال. وهو يزيد العلاقة بين أصحابه وثاقة. قال يوما لبعض أصحابه: ما بال أخيك يشكوك ؟ قال: يشكوني إذ استقصيت عليه حقى. فقال مغضبا " كأنك إذا استقصيت حقك لم تسئ ؟ أرأيت ما حكى الله عن قوم يخافون سوء الحساب ؟ أخافوا أن يجور عليهم ؟ ولكن خافوا الاستقصاء. سماه الله سوء الحساب ؟ فمن استقصى فقد أساء ". أرأيت - إلى مدى ما يستنبط الإمام من النص ؟ وإلى مقدار ما يدخل في أنفس أمته من الإحساس الرقيق بمتاعب بعضهم. كالجسم تتداعى أعضاؤه بإدارك مرهف وتكافل كامل ؟ ذلك أدب جده صلى الله عليه وعلى آله. والإمام يعلمهم أن تكون لهم اليد العليا بالابتداء بالعطاء. في السؤال رهق. والصلة تفقد رونقها، وربما قيمتها، إن لم تكن فيها مبادرة: دخل عليه رجل من خراسان قال: لقد قل ذات يدى ولا أقدر على التوجه إلى أهلى إلا أن تعينوني.. فنظر الإمام للجالسين وقال. أما تسمعون ما يقول أخوكم ؟.. إنما المعروف ابتداء. فأما ما أعطيت بعد ما سأل فإنما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه.. وقد قال رسول الله عليه وسلم (والذى فلق الحب وبرأ النسمة وبعثنى بالحق نبيا لما يتجشم أحدكم من مسألته إياك أعظم. مما ناله من معروفك..) فجمعوا له خمسمائة درهم. وبهذا اشترك الجميع في أداء الواجب. وهو القائل " أغنى الغنى ألا تكون للحرص أسيرا ". والتنبيه على الإرهاق في الاستقصاء، وعلى انعدام فضل المسئول على

[ 329 ]

السائل، خصيصتان إسلاميتان ترفعان قدر الجماعة - بما فيهما مؤالفة وتكافل. والتعبيرات العالية عنهما تعبيرات إمام: قال مصادف (كنت عند أبى عبد الله فدخل رجل فسأله الإمام: كيف خلقت إخوانك ؟ فأحسن الثناء عليهم. فسأله: كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم ؟ قال الرجل: قليلة. قال الإمام: كيف مساعدة أغنيائهم لفقرائهم ؟ قال قليلة. قال الإمام ؟ فكيف يزعم هؤلاء أنهم " شيعتنا " ؟ الجهاد: يقول أبو الدرداء (من رأى أن الغدوة إلى العلم ليست بجهاد فقد نقص في عقله ودينه) والصادق لا يكتفى بالتعليم بل يحض على الجهاد بالنفس والمال ويقول للمسلمين: (الجهاد واجب مع إمام عادل. ومن قتل دون ماله فهو شهيد). ويرى الانحياز إلى الظالمين تمكينا لهم. والجهاد مع العادلين تثبيتا للاسلام. سأل يوما عبد الملك بن عمرو (لم لا تخرج إلى هذه الديار التى يخرج إليها أهل بلادك ؟ - أي تجاهد مع الولاة - قال عبد الملك: أنتظر أمركم والاقتداء بكم. قال الإمام: أي والله لو كان خيرا ما سبقونا إليه. قال عبد الملك: إن الزيدية يقولون ليس بيننا وبين جعفر خلاف إلا أنه لا يرى الجهاد. قال الإمام: أنا لا أرى الجهاد ؟... ؟ بلى والله. إنى أراه. لكنى أكره أن أدع حلمي إلى جهلهم. ولقد كان عظيما جهاد جده الحسين في جيوش معاوية، بل جهاد الحسين ضد معاوية نفسه، إذ يخاطبه بقوله (ثم سلطته (زيادا) على العراقيين يقطع أيدى المسلمين وأرجلهم ويصلبهم على جذوع النخل.. فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين على. فقتلهم ومثل بهم بأمرك.....). أما كربلاء فملحمة في الإسلام. فإذا كان الجهاد للدفاع عن الإسلام إذا ما تهدده العدو. أو حين يغزو أرض المسلمين عدو. فذلك فرض عين على كل فرد. ولو كان تحت إمرة أمير جائر. سئل الإمام الرضا عن الرجل يرابط تجاه العدو..

[ 330 ]

كيف يصنع ؟ قال يقاتل عن بيضة الإسلام لا عن هؤلاء. يقصد الحكام الظلمة. والمرابطة في الثغور إن كانت للاستطلاع فلها مدة. وهى مستحبة. وإذا كانت لملاقاة العدو فهى واجبة. والرجل المسلم كفء لرجلين عند اللقاء يقول الإمام الصادق (من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر). والجهاد لغير الدفاع، أي لمجرد الغزو، فرض كفائى، قال الصادق " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى راغب في الجهاد نشيط. فقال له صلى الله عليه وسلم " فجهاهد في سبيل الله " قال الرجل: إن لى والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بى ويكرهان خروجي. قال النبي (أقم مع والديك. والذى نفسي بيده لأنسك بهما يوما وليلة خير من جهاد سنة). " والإمام بهذا يعلم الناس إيثار الوالدين بالرعاية. فهما النواة التى تزدوج لتصنع الأسرة. وهى بدورها نواة الأمة. والتمكين لهذه تكوين لتلك. أما إذا الحتيج للرجل لكفاءة خاصة فيه فالجهاد فرض عين عليه. والصادق يعلم المسلمين قوانين الإسلام في الحروب فيقول (إذا أخذت أسيرا فعجز عن المشى ولم يكن معك محمل فأرسله ولا تقتله) ويعلن أن (إطعام الأسير حق على من أسره. وإن كان يراد من الغد قتله. فإنه ينبغى أن يطعم ويسقى ويرفق به. كافرا كان أو غيره). ويعلم المسلمين (أن رسول الله كان إذا بعث سرية دعا أميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثم قال: سيروا باسم الله وعلى سبيل الله.. ولا تغدروا. ولا تغلوا. ولا تمثلوا. ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها. ولا تقتلوا شيخا فانيا. ولا صبيا. ولا امرأة). وينهى الصادق عن قتل الرسل. أو قتل الرهن. أو استعمال السم، حتى في حرب المشركين. فإذا كانت حرب فلتكن حربا نظيفة. أي إسلامية.

[ 331 ]

ولنتذكر في هذا المقام قول " على " وهو يسير الجند للقتال (لا تقاتلوهم حتى يبدءوكم. فإنكم بحمد الله على حجة. وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح. ولا تهيجوا النساء بأذى... إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وهن مشركات..). وقول الصادق " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى السم في جهاد المشركين.. وعن قتل النساء والولدان في دار الحرب. وعن الأعمى. والشيخ العانى.. وما بيت عدوا قط في ليل...). وقول الصادق لإحسان معاملة أهل الذمة (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الجزية من أهل الذمة على ألا يأكلوا الربا ولا لحم الخنزير، ولا ينكحوا الأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت. فمن فعل ذلك منهم فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله). فعلى المسلمين ألا يتعرضوا لأهل الذمة بسوء. بل إن عليهم أن يدافعوا عنهم، ما داموا لا ينشرون الدعوة ضد الإسلام، ولا يتظاهرون بارتكاب المنكرات ولا يؤون إليهم أعداء الإسلام. وكل من له كتاب كاليهودي والنصراني، أو شبه كتاب، كالمجوس، فهو ذمى، إذا قبل شروط الذمة والتزم بها. فإذا لم يلتزم فحكمه حكم الحربى.. (في المجتمع ودعائمه) الأسرة: إذا رتبت تعاليم الإمام تصدر تعاليمه للناس قوله (أصل الرجل دينه وتقواه. الناس في أدم مستوون) وهذه المساواة الفطرية تسبقها البنوة لآدم، ثم يبلغها أغراضها حدب القوى على الضعيف، والعالم على الجاهل، والذى أتيحت له الفرصة على من لم تتح له. ولما سأل الإمام رجلا: من سيد هذه القبيلة فأجاب: أنا. قال الإمام: لو كنت سيدهم ما قلت أنا.

[ 332 ]

ولما فصل المكرمات المطلوبة من الناس قال (المكارم عشر: صدق الناس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وقرى الضيف وإطعام السائل، والمكافأة على الصنائع، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب. ورأسهن الحياء). فهو يبدأ بالصدق وأداء الأمانة. ثم يتبعها صلة الرحم ولها عنده أعلى مقام. فيها قيام الأسرة - وهى نواة المجتمع الإسلامي - بتنظيمها القانوني الذى لا ضريب له في أمم غير أمة الإسلام. يقول: " خمسة لا يعطوا شيئا من الزكاة. الأب والأم والولد والزوجة والمملوك. لأنهم عياله ولازمون له " فالانفاق على هؤلاء فرض. والصدقات مع وجوبها وتعميمها والحث عليها، لا تستحق للناس إلا أن يكتفى ذوو الأرحام. يقول الإمام " لا صدقة وذو رحم محتاج ". ولو ظن واصل ارحم أنه يضع المعروف في غيره موضعه - وللمعروف دائما موضع - فالإمام يقول له: " لا تقطع رحمك وإن قطعك ". وقع كلام بينه وبين عبد الله بن الحسن (وربما كان ذلك من جراء يوم الأبواء، وسلف القول فيه) وكان عبد الله أعلى أهل البيت سنا، فأغلظ عبد الله القول. فلم يرد الصادق، ثم افترقا ثم تلاقيا على باب المسجد. فابتدره الصادق يقول " كيف أمسيت يا أبا محمد " ؟ (فهو أبو محمد المهدى - النفس الزكية - وإبراهيم والباقين، من بنى عبد الله بن الحسن). وقال عبد الله كالمغضب: بخير. قال الصادق: يا أبا محمد. أما علمت أن صلة الرحم تخفف الحساب ؟ ثم تلا قوله تعالى (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) فقال عبد الله: فلا تراني بعدها قاطعا رحما. يقول الصادق إن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله إنى لى أهلا قد كنت أصلهم وهم يؤذوننى وقد أردت رفضهم. فقال له رسول الله " إن الله يرفضكم جميعا " قال الرجل كيف أصنع ؟ قال " تعطى من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك. فإذا فعلت ذلك كان الله عز وجل لك عليهم ظهيرا ".

[ 333 ]

وكان الإمام يصلى عن ولده في كل ليلة ركعتين وعن والده في كل يوم ركعتين.. يقول في صدد الصلاة عن المبت إنه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له خفف الله عنك ذلك الضيق لصلاة فلان أخيك عنك. * * * وربما أجمل منهاج الصادق في القول والعمل للناس عامة، كلمات له يتناقلها الناس في كل مكان. (خير من الصدق قائله وخير من الخير فاعله). فهنا فضائل كثيرة مجتمعة. هي الخير. وصنعه. وإمكان الاقتداء بصانعه. وإعلان لرأى الإمام بأن الإيمان عقيدة وعمل. وأن العمل الصالح يحول الفكر المجرد، إلى فعل نافع أو أمر واقع. والعمل هو الوسيلة المنجحة إذا جرى مجرى الأصول. والصادق يروى عن على: (سمعت رسول الله يقول: عليكم بسنتى: فعمل قليل في سنة خير من كثير في بدعة). والإمام يرى أن " رأس الحزم التواضع " وأن التواضع هو " الرضى بأن تجلس من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت. وأن تترك المراء وإن كنت محقا ". ويقول " من أكرمك فأكرمه ومن لم يكرمك فأكرم نفسك عنه ". ويضيف إلى ذلك " إنك لن تمنع الناس من عرضك إلا بما تنشره عليهم من فضلك ". وهذا الفضل بعض المعروف. أما عن تمام المعروف فيقول (المعروف لا يتم إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره وستره). يقول " العافية نعمة يعجز عنها الشكر " بل يقول " المعروف زكاة النعم ". والله تعالى يقول " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ". فما أكثر ما يستحق الناس من المعروف عند المسلم الصادق.

[ 334 ]

والسخاء سمو، ولو من الجاهل يقول الإمام " جاهل سخى أفضل من ناسك بخيل ". فلنتصور مجتمعا يسود فيه السخاء. ويعم العطاء، ويتواتر المعروف، ليتعاون الناس في دنياهم. وتستوثق القربى فيهم، فتزداد لحمة الأسرة وثاقة، ثم تلتزم الجماعة والأفراد بالمكارم العشرة التى نص عليها الإمام ! إنه المجتمع الإسلامي !. لنقرأ وصية الإمام لعبد الله بن جندب، لنلمس مواقع الجمال والكمال في هذا المجتمع. (لا تكن بطرا في الغنى ولا جزعا في الفقر. ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك. ولا تكن واهنا يجفوك من عرفك. ولا تشار من فوقك. ولا تسخر ممن دونك. ولا تنازع الأمر أهله. يا ابن جندب: لا تتصدقن على أعين الناس يزكوك. فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك. ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك. فإن الذى تتصدق له سرا يجزيك علانية. فقد علم ما تريد). الأخوة كان طبيعيا أن تمتد هذه المبادئ السياسية والاجتماعية، الموجهة للأفراد، إلى بيئتهم. وأن يكون المقام العظيم للأصحاب والصحبة. وهى القرابة التى يختارها المرء لنفسه ولا تفرض عليه من أسلافه. والصحبة أداة منجحة للتكافل والتكامل. وبها تجتمع " الخلية الأولى " للجماعة الهادفة. ولعل في اهتمام الإمام بالصحبة والأخوة دليلا على اتجاهه نحو إيجاد مجتمع أو جماعات تتآخى في التشيع. وبمثل هذه الجماعات قامت الدول الشيعية على نظم مشهورة في الدعوة لها، خافية أو معلنة، وبخاصة نظم الدعوة الاسماعيلية. وكما حفلت مجالس الإمام ومقولاته بوصف (الجعفري) وبعبارة (شيعتنا)، حفلت بتوكيد أسباب التعاون بين الإخوان. هو أولا يجعل المودة بينهم من الدين فيقول (من حب الرجل دينه حبه إخوانه) ثم ينتقل من الوضع الدينى إلى الاجتماعي فيقول " وطن نفسك على

[ 335 ]

حسن الصحبة لمن صحبت. وحسن خلقك وكف لسانك واكظم غيظك. أما يستحى الرجل منكم أن يعرف جاره حقه ولا يعرف حق جاره. ليس منا من لم يحس مجاورة جاره ". وقديما قيل لأبى الأسود الدؤلى تلميذ " على " " بعت دارك " ؟ قال " بعت جارى " وقيل " الرفيق قبل الطريق ". والإمام الصادق يقول " أيسر حق من حقوق الإخوان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك وأن تتجنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره وتعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك. وأن تكون عينه ودليله ومرآته. ولا تشبع ويجوع. ولا تروى ويظما. ولا تلبس ويعرى. أن تبر قسمه. وتجيب دعوته. وتعود مريضه وتشهد جنازته. فإذا علمت أن له حاجة تبادر إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألكها). فكل وجه من الوجوه المشار إليها أداة تراحم. تمكن للأخوة الإسلامية. وكل تفريط، مهما قل أمره، أو ضاق زمنه، تنقص من الأخوة الإسلامية. فإذا أطال المسلم قطيعة أخيه. فهى إحدى الكبر. فالمجتمع المتقاطع، هو كالمجتمع بين أعداء.... أو كالجزر المتنازحة في اليم، حدود كل منها مصالحها. يقول النبي عليه الصلاة والسلام (هجرة الرجل أخاه سنة كسفك دمه) وما أدق نصح الإمام في معاشرة الناس " لا تفتش الناس فتبقى بلا صديق. المؤمن يدارى ولا يمارى. مجاملة الناس ثلث العقل ". وهو ينهى عن الظنة. فالظنين متهم. يقول " ضع أمر أخيك على أحسنه. ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا ". أما من فرط حيث تجب اليقظة فلا يلومن إلا نفسه - يقول الإمام " من كتم سره كانت الخيره بيده " ويقول " لا تثقن بأخيك كل الثقة فإن سرعة الاسترسال لا تقال " ويقول " صدرك أوسع لسرك " و " سرك من دمك فلا تجره في غير أو داجك ". ويقول: " من خان لك خانك. ومن ظلم لك سيظلمك. ومن نم إليك سينم عليك ".

[ 336 ]

ولما سئل عن الرجل العدل قال " من غض طرفه عن المحارم ولسانه عن المآتم وكفه عن المظالم ". والإخوان - عند الإمام - هم المواسون، فهم بين ثلاثة " مواس بنفسه وآخر مواس بما له وهما الصادقان في الإخاء، وآخر يأخذ منك البلغة ويريدك لبعص اللذة فلا تعده من أهل الثقة ". * * * والإمام يأمر بالرفق بالناس. فينبه الذين يتطاولون ليطامنوا. فيقول (من الجور قول الراكب للراجل: " الطريق ") فهو الراكب، وبيده الزمام، والطريق للناس كافة. وكفى الراجلين أنهم يمشون. وكافه أنه فوق ظهر. يقول الإمام " لا تسم الرجل صديقا، سمة معرفة، حتى تختبره بثلاثة: تغضبه فتنظر غضبه أيخرجه عن الحق إلى الباطل. وعند الدينار والدرهم. وحتى تسافر معه ". ويقول " ثلاثة لا تعرف إلا في مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب. ولا الأخ إلا عند الحاجة " ومن التبذل تنقص الكرامة. يقول " لا تمار فيذهب بهاؤك. ولا تمزح فيجترأ عليك. ولا جهل أضر من العجب ". والغضب عند الإمام " مفتاح كل شر، بما فيه من ذبذبة للذات وزعزعة للتوازن، فعنده أن " من ظهر غضبه ظهر كيده "، بل إن " من لم يملك غضبه لم يملك عقله " في حين أن " المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق وإذا رضى لم يدخله رضاه في باطل ". ويهتف الإمام بالشيعة " يا شيعة محمد. ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ويحسن صحبة من صاحبه، ومرافقة من رافقه، ومخالفة من خالفه ". وأى أدب للنفس والعقل كمثل ذلك الذى يعبر عنه الإمام بإحسان المخالفة ! - وما هو إلا الحلم والأناة. قرظهما رسول الله للمنذر إذ أتاه، في وفد عبد القيس، فقال له (فيك خلتان يحبهما الله عز وجل: الحلم والأناة).

[ 337 ]

وفي عبارات تأخذ شكل ثلاثيات، قليلة العدد جليلة الفحوى، يجمع الإمام آلاف الرذائل المدمرة في ستة أصحاب خرق. هم كالجيوب المخرورقة للمجتمع لا تبقى ولا تذر: وهم المرائى والكسلان والمسرف والمنافق والحاسد والظالم، تشتعل بنقائصهم نيران الرذالات جمعاء، وإذ يتكاثرون في كل مكان، بالعدوى والتناتج، ويستهين الناس بخطرهم على أنفس الأفراد ومقومات الجماعة وقوة الدولة. مع أن أخطارهم السلبية تتوازن في ضررها مع أعظم الإيجابيات فتفقد الأمم تماسكها. وجمعها في صعيد واحد، وإجمالها في كلمات، آية على نفاذ البصيرة وإحسان البيان: يقول الإمام: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده. وينشط إذا كان الناس عنده. ويحب أن يحمد بما لم يفعل. وللكسلان ثلاث علامات. يتوانى حتى يفرط.. ويفرط حتى يضيع. ويضيع حتى يأثم. وللمسرف ثلاث علامات. يشترى ما ليس له. ويأكل ما ليس له. ويلبس ما ليس له. وللمنافق ثلاث علامات. إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا أؤتمن خان. وللحاسد ثلاث علامات. يغتاب إذا غاب. ويتملق إذا شهد. ويشمت بالمصيبة. وللظالم ثلاث علامات. يعصى من فوقه. ويعتدى على من دونه. ويظاهر الظالمين. ولكل واحدة من هذه العلامات شعب يبلغ العلم بها أكثر من ألف باب.

[ 338 ]

المرأة في فقه الإمام عناية بالغة بالنساء في الزواج والطلاق والميراث... وهى دعائم الأسرة وقوائم المجتمع. وقد عرضنا لبعضه. قبل. لكن اهتمامه الاجتماعي بالأسرة أو بالمرأة لا يقف عند الحكم الفقهى وإنما يتعداه إلى الترغيب والتهذيب بالنصح الدءوب. فمرآة المجتمع العظيم الأسرة السعيدة، وزينتها وحليتها المرأة الصالحة. وهى نصف الناس. وأم الجميع. يقول الإمام (اتقو الله في الضعيفين: اليتيم والنساء). ويقول (البنات حسنات والبنون نعم. الحسنات يثاب عليها. والنعم مسئول عنها). وإذا كان البنات حسنات يلقى بهن المرء بارئه، فيزدنه درجات، فالإمام يجعل للامهات درجة في طاعة أوامرهن، فيأمر بالمبادرة بطاعة الأم. إذا دعا الأبوان. ويلقى على الأم في دارها واجب استثمار الزمن في خدمة الأسرة والأمة. و يفرض على المجتمع واجب إحصان أفراده بالتيسير في المهور. وعلى المرأة واجب التعاون في إنجاح الزوجية بالوفاء بحق الزوج. ويجمع بين حسن التبعل وبين حسن الجوار. فيقول: " الشؤم في المرأة كثرة صداقها وعقوق زوجها - وفي الدار ضيق ساحتها وشر جيرانها ". يقول عليه الصلاة والسلام (عملوا أبناءكم السباحة والرماية ونعم لهو المرأة في بيتها المغزل) فهن مطالبات ألا يفتحن الأبواب للشيطان بالفراغ. مطالبات بأن يعملن ما يجمل بهن. والمرأة التى تمسك المعزل بيد. وتهز مهد الطفل بيد. تضم بين ذراعيها أسرة سعيدة. ولقد كان النساء آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام (صلاح حال التعايش على مكيال ثلثاه فظنة وثلثه تغافل) وهذه الا ثلاث تتردد في مضامين ثلاثيات شتى. تجتمع وتفترق. لكنها كلها أركان لسعادة المجتمع الكبير الذى هو الأمة، والصغير الذى

[ 339 ]

هو الأسرة. وقد سلف علينا في ثلاثية سابقة كيف قرن نكد الزوجية، بالنكد في الجيرة والسلطان الجائر. وهنا يستلفت الأنظار إلى ما يجب من إحسان العشرة، بالسلوك الرفيع والإنفاق اللازم. واحترام الذات حيث يقول " إن المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلفها، وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة. وسعة بتقدير، وغيرة بتحصن ". ثم يقول ليبين أثر المرأة في سلام الأسرة " ثلاث من ابتلى بهن كان طائح العقل: نعمة مولية، وزوجة فاسدة، وفجيعة نجيب " فهو يضع فسادها في منزلة بين المنزلتين. النعمة الضائعة، والفجيعة الحالة. في حين يقدمها عند صلاح حالها على فلذة الكبد والصديق الصافى إذ يقول " الأنس في ثلاثة: الزوجة الموافقة والولد البار والصديق الصافى ". والرجل رأس الأسرة، لا يلقى مقاده أو مقادها إلى الزوجة، وإلا غرقت السفينة. يقول الإمام " ثلاثة من استعملها فسد دينه ودنياه. من ساء ظنه، وأمكن من سمعه، وأعطى قياده حليلة ". وفي هذه الثلاثية تجتمع سلبيات خلقية ثلاثة في دنيا الرجل. فتحل الأشباح محل الأشياء، والأصداء محل الأصوات، والنساء محل الرجال. وليس هذا عالم المسلمين. وفي ثلاثية أخرى نرى تصنيفا من نوع خاص " النساء ثلاثة: واحدة لك وواحدة عليك ولك. وواحدة عليك. أما التى لك فهى العذراء. والتى لك وعليك فهى الثيب. أما التى عليك فهى المتبع التى لها ولد من غيرك " وإنما ينبه الإمام الرجال ليزداد برهم بمن يمكن أن تكون لهم أو عليهم، كى يتكلفوا لها خصالا نص عليها: معاشرة جميلة وسعة بتقدير وغيرة بتحصن. * * * العلم أينما ذهبت في سيرة الإمام فثم وجه العلم، والتعويل على العلماء، والتمسك بالخلق العلمي وأساليبه:

[ 340 ]

يقول لعنوان البصري: " اسأل العلماء ما جهلت وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة. وإياك أن تعمل برأيك شيئا. وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلا. واهرب من الدنيا هربك من الأسد..). ويقول لحمران بن أعين " العمل الدائم القليل، على اليقين، أفضل عند الله من العمل الكثير، على غير يقين ". وهذان القولان لعنوان وحمران نصيحتان نابعتان من منهج الإمام في الفقه وأصوله. فهو يلتزم الأشياء الثابتة والنصوص الواضحة. لأنها نقطة الارتكاز. وينصح بعدم المجازفة في طريق غير مؤكدة، يقول " العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير إلا بعدا ". ومن المنهج حسن التلقى وحسن الأداء فهو لا يحب المحال والعنت كما قال لعنوان " الجهل نقص في الدين والخلق ومعاملة الناس "، أو كما قال " الجهل في ثلاث: الكيد، وشدة المراء، والجهل بالله ". ويقول " ثلاثة يستدل بهن على إصابة الرأى: حسن اللقاء وحسن الاستماع وحس الجواب " - أما البلاغة فهى " ليست بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة ". وقديما قيل: البلاغة الإيجاز. وقيل: من البلاغة حسن الاستماع. والصادق ينبه العلماء والأدباء وكل صاحب موهبة، على أن " من أدب الأديب دفن أدبه ". إنما الطريق القاصدة طريق التقوى والاجتهاد والتأمل. يقول كثرة النظر في العلم تفتح العقل وكثرة النظر بالحكمة تلقح العقل " و " من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، و المعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم " و " الرجال ثلاثة عاقل وأحمق وفاجر: العاقل إن كلم أجاب. وإن نطق أصاب. وإن سمع وعى. والأحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذهل، وإن حمل على القبيح فعل. والفاجر إن أئتمنته خانك وإن حدثته شأنك ". ومن إجلاله وظيفة المعلم يقول (أربعة ينبغى لكل شريف ألا يأنف منها. أولها خدمته لمن تعلم منه...... ".

[ 341 ]

و " العلم جنة.. والعالم بزمانه لاتهجم عليه اللوابس. والله ولى من عرفه. العاقل غفور والجاهل ختور... ومن خاف العاقبة تثبت فيما لا يعلم. ومن هجم على أمر من غير علم جدع أنف نفسه ". و " أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا ". و " الخشية طريق العلم. والعلم شعاع المعرفة وقلب الإيمان. ومن حرم الخشية لا يكون عالما ". الدعاء منهج أهل البيت في إصلاح الدنيا هو المعرفة. وأولها معرفة الخالق جل شأنه بالعقل، وتثبيت الفهم بالخشوع والتقوى. فليس في غير هما قناعة أو جدوى. يقول عليه الصلاة والسلام وعلى آله (أعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع). وفي ذات يوم ذهب قوم يقولون للإمام الصادق: ندعو. فلا يستجاب لنا ! فأجاب (لأنكم تدعون من لا تعرفونه) فمعرفة الله مطهرة للحياة وصلة وثقى بين الرجاء والرضى وبين الدعاء والاستجابة. والدعاء تزكية للنفس وسبيل لها إلى خالقها - بإخلاص تام - فهو ترياق من نفس الإنسان ومعراج إلى رضاء السماء بالالتجاء الكامل إلى الله، والانفصال في وقت الدعاء وحواليه عن الرذيلة. فإذا تعددت أوقاته، تكرر الانفصال مما يشين. وازداد العبد قربا. وأوقات قرب، من خالقه سبحانه. بالتكرار، وإخلاص النية. - ومن أجل ذلك يبرز الدعاء في مناهج الشيعة. ومؤلفاتهم كالصحيفة السجادية - نسبة إلى زين العابدين وفيها عشرات الأدعية. والبعض يسميها مزامير أهل البيت - ومصباح التهجد ومختصر المصباح وهما من مؤلفات الطوسى. ومن ضروب التربية العصرية الإيحاء إلى الذات.. وفي الدعاء إيحاء ورجاء، وتوجه إلى الله، وسعى لمرضاته. وللأئمة دعوات مأثورة، تحويها صحف مشهورة، ولها مناسبات معلومة وأوقات تمارس فيها. في الاصباح والأمسية والأيام والليالي والشهور. كأدعية ليلة الجمعة، أو رجب أو شعبان أو رمضان. وللصادق

[ 342 ]

أدعية تتردد في كتب الصوفية. فيها الإيحاء العميق بالفضائل إلى نفس من يدعو، في موقف يعلم أن الله حاضره. وأنه المرجو سبحانه. فهى أدلة إصلاح نفساني مقطوع النظير، فوق أنها نداء، يتعالى نحو السماء، في التماس المغفرة. يقول " الشعبى " شيخ المحدثين من أهل السنة (عجبت ممن يقنط ومعه الممحاة). قيل وما الممحاة. (قال الاستغفار). ولقد كان الصادق يدعو الله في كال أوقاته. ومنها لقاءاته مع أبى جعفر حيث كان يدعو الله قبل أن يدخل عليه. فيثبت الله جنانه. ويحيل بطش الجبابرة إلى ما يشبه طنين الذباب. ومن المأثور عنه قوله " إن الدعاء يرد القضاء. وإن المؤمن ليذنب فيذهب بذنبه الرزق ".

[ 343 ]

الفصل الثالث المنهج الاقتصادي " ليس خيركم من ترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته. خيركم من أخذ من هذه لهذه ". (حديث شريف)

[ 345 ]

المنهج الاقتصادي ليس المنهج السياسي أو الاجتماعي - ومنهما الاقتصادي - إلا متابعة للمنهج العلمي من الواقعية وإعمال العقل والعمل للتقدم، وفق حاجات الزمن واختلاف الأقاليم. على أساس المساواة بين الناس وعمارة الدنيا بالعدل وإحسان القيام على مرافقها. والمنهجان - سواء العلمي أو السياسي الاجتماعي - ينبعان من القرآن وتطبيقات السنة. وهما وجهان لعملة واحدة هي القيم الإسلامية. فكل ما أبعد من هذه القيم لا يكون إسلاميا وإن انتظم مسلمين. فالمسلمون لا يصلحون إلا أن يلتزموا قيم دينهم. وقد أصلها الإمام على. وتابعه فيها الأئمة من بنيه. ومن القيم الاجتماعية السليمة تنشأ القيم الاقتصادية المنجحة. ولذلك تتجلى الوحدة الموضوعية بين الدين والسياسة والاقتصاد. والوحدة الفنية بين علمي المالية والاقتصاد وبينهما وبين فن الإدارة. في عهد أمير المؤمنين على بن أبى طالب للأشتر النخعي وسنرى بعض المقولات فيه تكاد تكتب في النصف الثاني من القرن العشرين للميلاد بأيدى المصلحين الاقتصاديين العالميين. فهى عصرية أبدا لأنها إسلامية خالصة يقول (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم. ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم. لأن الناس عيال على الحراج واهله.... وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في جبابة الخراج. لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد. ولم يستقم أمره إلا قليلا... ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤنة عليهم فإنهم

[ 346 ]

ذخر يعود عليك في عمارة بلدك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك (1) باستفاضة العدل فيهم.. فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم). أما عن " نشاط الأفراد " في التجارة والصناعة والزراعة و الخدمات، والبيع والشراء، وعن حرية الاتجار والانتقال والعمل كأداة للإنتاج، ففيها التعبير العلمي الرفيع عن التاجر والعامل، إذا يسميهما " المضطرب بماله " و " المترفق ببدنه ". وفيها التأييد والتيسير والإشراف والمتابعة من السلطة والتعاون بين الراعى والرعية حيث يقول: (ثم استوص بالتجار وذوى الصناعات وأوص بهم خيرا، المقيم منهم، والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه. فإنهم مواد المنافع واسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارع... فإنهم سلم لا تخاف بائقته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشى بلادك. واعلم مع ذالك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا... وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع. فامنع من الاحتكار...) أما الطبقة الأخرى. وهى التى تمثل اليد السفلى، لعجزها، ولأنها تأخذ من اليد العليا لاقتدارها، فأوامره في صددها قاطعة. يقول: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى. فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا.. واجعل لهم قسما من بيت مالك..). ولقد سلف القول عن المنهج السياسي لدى أمير المؤمنين. وهو المساواة التامة بين المسلمين في العطاء وحقوق بيت المال وترك الأرضين في أيدى أصحابها بعد الفتح. وغير ذلك مما يكشف لنا منهاجه الاقتصادي بتمامه. وفيما أوضحناه إشارة إلى ما لم نعرض له بتوضيح. والنظريات تكشفها كليات. والكليات والجزئيات والتطبيقات ينتظمها جميعا أصل ثابت من قول الرسول:


(1) فرحك (*)

[ 347 ]

(ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه. ولكن خيركم من أخذ من هذه لهذه). (العمل) العمل عند الشيعة قوة الإنتاج الكبرى. ومن أجل ذلك كان العمل للمعاش فرضا على المؤمن ليحيا في هذه الدنيا. ولا يجوع فيها ولا يعرى، أو تجرفه القوى. أو يحرفه الفراغ واللهو. أو تفسده طراوة الدعة - وأول ما ينبغى له البدء بتقوية النفس. وتبرئتها من الشح والطمع. وحثها على طلب الحلال. يقول الإمام (مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب العطشان منه ازداد عطشا) و (أربعة تذهب ضياعا. الأكل بعد الشبع والسراج في القمر، والزرع في السبخة. والصنيعة عند غير أهلها) - أما المؤمن فهو " من طاب مكسبه وحسنت خليقته ووضحت سريرته و أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من كلامه. وكفى الناس شره وأنصف الناس من نفسه. وهو حسن المعونة خفيف المؤنة جيد التدبير لمعاشه ولا يلسع من جحر مرتين ". ثم يضع الإمام الضوابط للسعى في الحياة وتحصيل المعايش فيقول: " ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع. ودون طلب الحريص الراضي بدنياه. المطمئن إليها. أنزل نفسك من ذلك بمنزلة المنصف المتعفف. وترفع بنفسك عن منزلة الواهن الضعيف. وتكسب مالابد منه للمؤمنين ". وهو إذ يوصى بالإجمال في الطلب. ينادى بالحكمة في الإنفاق، فيقول " إن السرف يورث الفقر وإن القصد يورث الغنى ". وتدبير المعاش أساسى ليجتمع للمرء مال يكفى نفسه. ويفصل منه على غيره. ويؤدى به واجبه في الدين والدنيا. ومن أجل ذلك كان الصادق يعمل بيده. ويتجر. وينفق أمواله على الناس. وهو الإمام القدوة. ليوجه أنظار شيعته للعمل في الحياة الدنيا. كى يقدروا على أعباء الحياة وأداء الزكاة وصلة الرحم والإنفاق في المحتاجين. ولا يمكن المرء من كل

[ 348 ]

ذلك إلا رزق يحصله من دأبه. يقول الإمام " من لم يكن فيه خصلة من ثلاث لم يعد نبيلا. من لم يكن له عقل يزينه أو جدة تعينه أو عشيرة تقصده ". والصحابة العظماء كانوا يعملون يعيشوا. وما أكثر ما عمل " على " ليعيش - وهو تراث أهل البيت الذين لا يضيعون الزمان سدى. يقول الإمام " الأيام ثلاثة: يوم مضى لا يدرك. ويوم الناس فيه فينبغي أن يغتنموه. وغد في أيديهم أمله " وما الاغتنام إلا بالعمل الصالح للنفس وللناس. أما من قعد يلتمس عطاء الآخرين فيده هي السفلى. ومثله مثل القاعد عن العبادة. أو كالذى ينتظر الذهب والفضة تساقطان من السماء. يقول عن القاعدين: " الداعي بلا عمل كالرامى بلا وتر ". والشيعة في كل مجتمعاتهم يدأبون كدأب آبائهم أو أشد. ويتقلبون في البلاد بتجاراتهم، كهيئة ما كانوا يتقلبون في الأيام الأولى. مع إلزام صاحب المال المسئولية عن طريقة كسبه وأبواب إنفاقه.... يقول يحيى بن معاذ (مصيبتان لم يسمع بمثلهما في الأولين والآخرين للعبد في ماله عند موته: يؤخذ منه كله. ويسأل عنه كله). وهم إلى جوار إيجابهم العمل يوجبون الاستقلال فيه. وعدالة توزيع الرزق منه. فلا يجوزون الشركة المطلقة بين اثنين في كل نشاطهما... وشرط الشركة وجود رأس المال. وهم يسمون الشركة بدونه " شركة أبدان " ولا يصححونها. لأن كل إنسان مستقل بجهده. ومنافع جهده له - فإذا أخذ من الآخر أخذ مالا يستحق - وفي هذا حض على الاستقلال الشخصي، والسعى الخاص، حتى لا يكون أحد كلا على غيره. وكمثلهم الشافعي لا يجوز هذه الشركة. فلكل ما سعى. وهم أعداء للتواكل - جاء أمير المؤمنين عليا العلاء الحارثى فقال: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخى عاصما. لبس العباءة وتخلص من الدنيا. قال: على به. فلما جاء قال (يا عدو نفسه. لقد استهام بك الخبيث. (الشيطان) أما رحمت أهلك وولدك. أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره

[ 349 ]

أن تأخذها: أنت أهون على الله من ذلك) قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ! قال: (ويحك إنى لست كأنت. إن الله قد فرض على أئمة العدل أن يقدورا أنفسهم بضعفة الناس). ولكم كان رقيقا صاحب هذا الملبس الخشن إذا عامل الضعفاء.. ولو كانوا غير ناس، أو كانوا من الأعداء: كان يوصى من في يده إبل الصدقة ألا يحول بين ناقة وفصيلها، وأن لا يبالغ في حلبها خشية أن يضر ذلك بوليدها. وأن لا يركب ناقة ويدع غيرها. بل يسوى في الركوب بينها وبين صاحباتها. ولما حال بينه وبين الماء جند معاوية حاربهم عليه فأجلاهم عنه. ثم سقاهم منه ! ليسويهم في الماء بجنده ! المضطرب بماله والمترفق بيده. أو: التجارة والصناعة إذا كانت الحضارة الغربية لم تفطن إلى أن العمل أداة الإنتاج الأولى إلا في العصور الأخيرة فلقد طالما أعلنت ذلك السماء. والعمل التجارى أو اليدوي ميراث الأنبياء. ومن عمل الصحابة تعلم الناس جلال قدر المضطرب بماله أو المترفق بيده، أو ببدنه، كما يعبر أمير المؤمنين والصادق يمسك المسحاة ويعمل في بستان له، وحبات العرق تنساب كالبلور المذاب، على الجبين المزهر ! فيهيب به تابع له: جعلت فداك. أعطني المسحاة أكفك. فيجيبه (إنى أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة) وكان عندئذ يلبس قميصا ويفتح الماء بالمسحاة ويقول: " إنى لأعمل في بعض ضياعي ولى ما يكفيني ليعلم الله عز وجل أنى أطلب الرزق الحلال ". وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتناوب ركوب راحلته ويقول لزميليه في السفر (على وأبى لبابة) حينما أرادا أن يستمر راكاب في نوبتهما (ما أنتما بأقوى على المشى منى. وما أنا بأغنى عن الأجر منكما) وكان

[ 350 ]

ينزل عن بغلته ليركب من يأخذ بزمامها معه. ويقول لمن يريد حمل شئ بدلا منه (صاحب الشئ أولى بحمله). أما أمير المؤمنين على فيحمل لأهله التمر والبلح في ثوبه ويقول: لا ينقص الكامل من كماله ما جر من نفع إلى عياله ويروى " على " أن الزهراء أجرت الرحى حتى أثرت الرحى بيدها. وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها. وأوقدت القدر حتى اسودت ثيابها وأصبها من ذلك ضر. ويقول عطاء. إن كانت فاطمة لتعجن حتى أن قصتها لتصيب الجفنة. وأى عظمة في الدنيا كعظمة اليد العليا، وهى تعمل لبناية الدنيا فتعطى لقد قبل رسول الله اليد التى تحمل المسحاة يوم أقبل من تبوك. فلقيه سعد الأنصاري فنظر إلى يد سعد وقال: " ما هذا الذى أكتب يديك " ؟ فقال: يا رسول الله أضرب بامر والمسحاة فأنفقه على عيالي. فقبل رسول الله يده وقال: " هذه يد لا تمسها النار ". ولما أعطى الرسول اليد العاملة أمانا من النار، جعل العمل عبادة. وإن ورد النص على العمل البدني. فما هي إلا إشارة لكل عمل. وهو عليه الصلاة والسلام القائل (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتى الحبل فيجئ بحزمة حطب على ظهره فيبيعها. ويستغنى. خير له من أن يسأل الناس. أعطوه أو منعوه). وهو عليه الصلاة والسلام - وعلى آله - ينبه على قيمة الوقت والالتزام بالواجب. والبدء بالعمل النافع فيقول (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها. وإن استطاع ألا تقوم الساعة حتى يغرسها فليغرسها). وأى جلال كجلال رسول الله وهو يعمل بيده. من أجل تحرير شيخ من أشياخ الشيعة العظماء. ليحفظ الشيعة لأنفسهم وللدنيا

[ 351 ]

معهم، ذلك الدرس العظيم: أن العمل والحرية صنوان. وأن كلا منهما وسيلة للآخر. أرسل النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب إلى خليسة مؤلاة سلمان الفارسى، وكانت قد اشترته بثلثمائة درهم من أعراب حملوه إلى يثرب. ومكث معها ستة عشر شهرا حتى قدم النبي يثرب. فسميت المدينة. فأتاه سلمان فأرسل النبي عليا إلى خليسة، بعد إذ أسلمت. لتعتق سلمان. قالت: قل للنبى إن شئت أعتقته، وإن شئت أعتقته، وإن شئت فهو لك. قال صلى الله عليه وسلم: " أعتقيه أنت " فأعتقته. فغرس لها رسول الله ثلثمائة فسيلة. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (سلمان منا أهل البيت) (1) ومع أن الإمام الصادق يرى إنفاق المال في البر تجارة مربحة فيقول


(1) أضافه النبي إلى أهل البيت فصلا من النبي في تنازع المهاجرين والأنصار عليه إذ كان كل من الفريقين يريده واحدا منهم. وكان سلمان في انتسابه لأهل البيت حيث أراد صاحبه صلى الله عليه وسلم. فهو صاحب الرأى بحفر الخندق في يوم غزوة الخندق (الأحزاب) وعلى هو الذى قتل عمرو بن عبدود فارس العرب يوم ذاك - فلأهل البيت في هذه المعركة القدح المعلى. وكان حكيما. إذا خلا به رسول الله لم يبغ أحدا غيره. عينه عمر أميرا على المدائن عاصمة فارس فكان يوزع عطاءه على الناس (خمسة آلاف درهم) ويعمل الخوص بيده ويبيعه بثلاثة دراهم ينفق واحدا ويتصدق بواحد ويشترى خوصا جديدا بواحد. وذات يوم دخلوا عليه دار الإمارة فوجدوه يعجن بيده. قال: بعثنا الخادم في عمل فكرهنا أن نجمع عليه عملين. رآه رجل قادما من الشام فحسبه من ضخامة جسمه حمالا. فأعطاء حملا وقال اتبعنى. فحمله وتبعه. ورآه الناس فتسارعوا يحملون حمل الأمير قال: لا... فرجاه الرجل، إذ أدرك مقامه، فأبى وقال: لا حتى أبلغ منزلك وثمة وضع الحمل في مكانه وقال (أنى احتسبت بما صنعت خصالا ثلاثة: أنى نفيت عنى الكبر. وأعنت رجلا من المسلمين على حاجته. وإن لم تسخرنى سخرت من هو أضعف منى فوقيته بنفسى). فهو يحمل الحمل عن رجل ضعيف. ولا يخزى صاحب الحمل بتعريف نفسه. وينفى عنها الكبر وهو أمير فارس ! لكنه يحفظ وصية صاحبه صلى الله عليه وسلم فيقول (أوصاني خليلي ألا يكون متاعى من الدنيا إلا كزاد الركب). وحسبه قول أمير المؤمنين على عنه (من لكم بمثل لقمان الحكيم). (*)

[ 352 ]

(إنى لأملق أحيانا فأتاجر مع الله بالصدقة فيربحنى وأتسع) أي أنه يوجب الإنفاق، في حالى اليسر والإملاق، ويرى علاجا للفقر أن يتعامل مع الله بعطائه للفقراء. فهو في الوقت ذاته يشجع الناس على العمل. والمجتمع الشيعي مجتمع العاملين لا يتسع للمتوسلين والإمام الصادق - من جراء ذلك - يوثثر عطاء الذين لا يسألون الناس على الذين يسألون. ولو قام أهل الإسلام بواجب الإنفاق لما افتقر مسلم واحد. فالعمل بكل أموال الأمة يجعل الحبة الواحدة مائة جنه ذلك تقدير العزيز الحكيم في تشريعه. والصدقة تربى أو على الأقل لا تنقص. يقول عليه الصلاة والسلام (ما نقصت صدقة من مال) بل يقول (إنما ترزقون بضعفائكم). والعمل في الصناعة والتجارة مدرسة الدنيا. ووسيلة لعمارتها بالكسب الحلال. وأداء حق المال. وهو محل إكبار المسلمين أجمعين. يتراءى في كثير من أسماء جلة الفقهاء (1). والصادق هو القائل: " الشاخص في طلب الحلال كالمجاهد في سبيل الله " والقائل " إنى لأرى الرجل فيعجبني فأقول: أله حرفة ؟ فإن قالوا (لا) سقط من عينى ". ويقول الإمام الباقر (الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذى مرة سوى). فالمحترف غنى بحرفته. وذو القوة غنى باقتداره على العمل. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: " ملعون من ألقى كله على الناس ". سأل إبراهيم بن أدهم (162) تلميذه شقيق البلخى (195) وهما


(1) أطلقت الأوصاف من كثير من الحرف على عظماء الفقهاء الذين يحترفونها (الخصاف - القدورى - الكرابيس - القفال - الصابونى - الحلواني - النعالى - البقالى - الصفار - الجصاص التبان.. الخ) - وقد عمل أئمة أهل السنة الأربعة. وعمل الصحابة التابعون. ومن علماء الشيعة نصر بن مزاحم (مؤلف كتاب صفين) وداود بن أبى يزيد. وداود بن سرحان: كانوا عطارين. وميثم التمار ببيع التمر. ومؤمن الطاق. وخالد بن سعيد ومحمد بن خالد وصبيح بن أبى الصباح كانوا صيارفة. والشيخ آدم. كان يبيع اللؤللؤ. ورفاعة بن موسى كان نحاسا. وابن حدير كان طحانا. وعبد الله بن ميمون كان قداحا (يبرى القداح). (*)

[ 353 ]

الزاهدان الشهيران: ما بدء أمرك الذى أبلغك هذا ؟ قال شقيق: مررت ببعض الفلوات فرأيت طائرا مكسور الجناحين في فلاة من الأرض. فقلت أنظر من أين يرزق هذا. فقعدت بحذائه: فإذا بطير أقبل وفي منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير مكسور الجناحين. فقلت في نفسي: إن الذى قيض هذا لهذا قادر أن يرزقنى حيث كنت. فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة. قال إبراهيم: ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذى أطعم الطير العليل حتى تكون أفضل منه ؟ أما سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن " اليد العليا خير من اليد السفلى ". وخرج الإمام الصادق يسعى للرزق في يوم صائف شديد الحر. فقالوا: يا ابن رسول الله هذه حالك عند الله عز وجل، وقرابتك من رسول الله، وأنت تجهد نفسك في هذا اليوم ! فقال لمن حدثه " خرجت في طلب الرزق لأستغنى عن مثلك ". ولما أخبروه يوما عن رجل يقول: لأقعدن ولأصلين ولأعبدن الله قال " هذا أحد الذين لا يستجاب لهم ". * * * ولا بأس أن يجد العامل في عمله بعض مشقة. فما هي إلا زيادة في الفضيلة فيه أو الهناءة به. جاءه من يرجوه ليدعو الله ألا يجعل رزقه على أيدى العباد، فأجابه: (أبى الله عليك ذلك. آلى الله ألا أن يجعل رزق العباد، بعضهم من بعض. ولكن ادع الله أن يجعل رزقك على أيدى خيار خلقه. فإنه من السعادة. ولا يجعله على أيدى شرار خلقه. فإنه من الشقاوة). والصادق بهذا التنبيه يلفت النظر إلى أن التعامل يقتضى وجود طرفين، والسعيد من صلح طرفه الآخر. وهو فوق ذلك يكمل نقصا لدى كثير من الصالحين الذين يفوتهم أن خوض الغمرات للرزق، مع النجاة من ارتكاب الإثم في تحصيله، درجة أعلى في الفضل - بل هو يبصرهم بالمكروه الذى يلقاه الناس إذ يبتغون غضارة العيش أو نضارة الحياة.

[ 354 ]

يقول (ليس من أحد وإن ساعدته الدنيا بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه). والغضارة نضارة ووضاءة وصلاح بال. لا يمكن أن تكون بمعدى عن المكاره، ومنها الإيجابى الذى يستوجب النضال، ومنها سلبى، يتراءى فيما يفقده المرء من ذات نفسه بإضعاف قدرته على التحمل، أو منعها من العمل، أو مصير ذاته إلى الترهل. ومنها ما يتقاضاه الناس من أعراض الناضرين إذ يمسون أغراضا لسهام الكلام. وإنما ينضر الله عبدا سمع مقال الرسول ووعاه أسلوبا في الحياة، وما هو إلا الجد وأداء الواجب. والاقتصاد في مظاهر الرفاه وهو أقوم وأسلم. وينضر الإمام وجه العمل ذاته ليزيد العامل قوة. ويزيد الأداء أناقة. وصلات المتعاملين وثاقة. حيث يقول (كل ذى صناعة مضطر إلى ثلاث خصال يجتلب بها الكسب: أن يكون حاذقا بعمله. مؤديا للأمانة مستميلا لمن استعمله). ولما ختم الخصال الثلاثة بالاستمالة كان يوجه من استعمل غيره أو استعمله غيره: ليدخل قلب عميله في حسابه. فهذا درس اسلامي اجتماعي في المحبة، مثلما أنه درس اقتصادى في إحسان الصناعة ووثاقة العلاقة ولباقة الأخذ. ولياقة العطاء والحياة كلها أخذ وعطاء. التجارة: روى المعلى بن خنيس تابع الإمام (1) رأني أبو عبد الله وقد تأخرت عن السوق فقال: اغد إلى عزك.


(1) قتله داود بن على - أمير المدينة لأبى جعفر المنصور - وصادر ما تحت يديه، من أموال كانت أموال الإمام الصادق، في نوبة من نوبات البطش التى اجتاحت المدينة وأهل البيت، بتهمة أنه لم يدل داود على اثنين من العلويين كان يبحث عنهما - وقصد الإمام إلى دار الإمارة يصيح في وجه داود بل يتهدده (قتلت مولاى وأخذت مالى. أما علمت أن الرجال لا ينام على الحرب) ؟ فتنصل داود من المسئولية وأمر بقتل القاتل فصاح هذا الأخير (يأمروني بقتل الناس فإذا أمرت بقتلهم قتلوني !). (*)

[ 355 ]

قال معاذ. قلت لأبى عبد الله هممت أن أدع السوق قال " إذن يسقط رأيك ولا يستعان بك على شئ ". وقال لمن ترك التجارة " لا تتركها فإن تركها مذهبة للعقل. اسع على عيالك. وإياك أن يكونوا هم السعاة عليكم ". وسأل عن تلميذ له: ما حبسه عن الحج ؟ فقيل قل شيئه. فاستوى جالسا - وكان متكئا - وقال: لا تدعوا التجارة فتهونوا. وكسب المال من حله وإنفاقه في محله واجبان على المسلم. والتجارة ممارسة وتعامل، أي مران على الشئون العامة والخاصة. والتاجر أعلى عينا بالأمور. وأقدر على مد يد العون اللآخرين - وفي الاضطراب في الأسواق إثراء للجماعة، وتخطيط مشترك للمعايش، وهو قبل ذلك امتحان مستمر للنزاهة والبعد عن المحرمات. وعناية الشيعة بتوضيح الحلال والحرام في التجارة ظاهرة في نصوص الفقه. فالمحرم مما يكتسب به. أنواع: 1 - الأعيان النجسة كالخمر. 2 - الآلات المحرمة... كآلات القمار. 3 - ما يقصد به المساعدة على المحرم كبيع السلاح لأعداء الدين. 4 - ما لا ينتفع به كالمسوخ. 5 - الأعمال المحرمة كالغناء عدا المغنية لزف العرايس، إذا لم تغن بالباطل ويدخل عليها الرجال، والنوح بالباطل: أما بالحق فجائز. وهجاء المؤمنين. وتعليم السحر والكهانة. 6 - الأجرة على القدر الواجب من تغسيل الأموات. ولا بأس بالرزق من بيت المال. وكذا على الأذان. أما جوائز الظالم فمحرمة إن علمت بعينها، والولاية من العادل جائزة. وربما وجبت. والولاية من الجائر محرمة، إلا مع الخوف، - فلو تيقن التخلص من المأثم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر استحبت.

[ 356 ]

وكما يعمل الإمام بيده ليتعلم الناس، يتجر بماله ليعلمهم دروسا في التجارة - بالتطبيق العملي الذى تشهده الملايين فتتعلم. وهو أجدى عليها من أن تعطى ملايين تنفقها ولا تتعلم. دعا يوما مولاه مصادف فأعطاه ألف دينار وقال له تجهز حتى تخرج إلى مصر فإن عيالي قد كثروا. فتجهز بمتاع. وخرج مع التجار حتى إذا دنوا من مصر، استقبلتهم عير خارجة منها، فسألوهم عن المتاع الذى يحملونه ما حال في مصر، وما متاع العامة ؟ فعلموا منهم أن ليس بمصر منه شئ. فتحالفوا على ألا ينقصوا من ربح دينار دينارا.. ووسع عليهم في الربح. ثم فصلت العير عن مصر إلى المدينة بالكسب العميم. ودخل مصادف على مولاه ومعه كيسان في كل منهما ألف دينار. وقال: جعلت فداك. هذا رأس المال وهذا الربح. قال الصادق: إن هذا الربح كثير. ماذا صنعتم ؟ فحدثه كيف سألوا وكيف توافقوا وكيف باعوا. قال الصادق: سبحان الله تحلفون بالله على قوم ألا تبيعوا أو يربح الدينار دينارا ! ثم أخذ واحدا من الكيسين فقال: هذا رأس مالى ولا حاجة لنا في الربح. ثم قال: " يا مصادف. مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال ". هكذا بورك لمصر في متاع الإمام. لكن الإمام لم يقبض درهما من أموال مصر. أن قد أساء البيع الو كلاء. مذ كانوا محتكرين ولا " يحتكر إلا خاطئ ". وهذا أول الدروس. وهى كثيرة. منها أن زيادة الجهد واجبة عند كثرة العيال. وأن ترك ما فيه شبهة هو الحق، وأن النظر إلى الأمد كلها واجب. وهو أوجب على العلماء والرعاة. كان إذا جاع الناس صنع صنيع آبائه فأخذ جرابا فيه الخبز واللحم والدراهم على عاتقه، فذهب إلى ذوى الحاجات من أهل المدينة.

[ 357 ]

فقسمها فيهم وهم لا يعرفونه. حتى إذا مات افتقدوه فعلموا أنه " الإمام الصاق ". وما جاع قار إلا ذكر البطون الخاوية. وفي سعة أرزاق الحمقى عبرة للعقلاء. يقول الإمام: (إن الله تعالى وسع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء ويعلموا أن الدنيا لا ينال ما فيها بعمل ولا حيلة). و (كم من طالب للدنيا لم يدركها. ومدرك لها قد فارقها. فلا يشغلنك طلبها عن عملك. والتمسها من معطيها. ومالكها. فكم من حريص على الدنيا قد صرعت.. ما الدنيا ؟ هل الدنيا إلا ألك أكلته أو ثوب لبسته. أو مركب ركبته ؟) ولا تعاب القلة وإنما تعاب الرزيلة ومنها التظاهر والإعلان الكاذب. والصدق صفة المتعاملين مع الله. والقليل مع الصدق كثير. ومن ثمة بركات الله. في النفس والعقل والمال. للصادقين. والصادق يعد بهذا كله في كلمته الجامعة " من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله من أكثر مما أراد ". يقول لمن ساعد - بغير أجر - في عمل لم يجد صاحبه ما لا ليكرى من يساعده فيه (اما أنك إن تساعد أخاك أحب إلى من طواف أسبوع في البيت). وترى من ذلك بروز " العمل الصالح " في أبواب العبادة وتقديمه بين النوافل. والصادق يخصص بعض ماله للإصلاح أيا كان وجهه. تشاجر رجلان على ميراث فمر بهما المفضل بن عمر - صاحب الإمام - فدعا هما إلى منزله فأصلح بينهما بأربعمائة دينار من جيبه، حتى إذا استوثق كل منهم من صاحبه، قال المفضل: إنها ليست من مالى إن الإمام أمرنى إذا رأيت اثنين من أصحابنا يتنازعان أن أصلح بينهما من ماله. 2 - المال: هذه القوة الكبرى للإنتاج و هي العمل. تعاونها قوة أخرى هي المال، شريطة أن يستعمل. فإذا لم يستعمل تنقصة الزكاة عاما بعد عام حتى

[ 358 ]

تقضى عليه. ومن أجل ذلك صار مباحا الاتجار في مال اليتيم لحسابه حتى لا يأكله الزمن - وإنما يستعمل المال في التجارة وفي الصناعة والزراعة وسائر الوجوه. فلا يكنز ولا يؤخذ عليه ربا، بل بتواصل المسلمون فيه بالمعروف. سئل الصادق: لم حروم الله الربا ؟ وأجاب لئلا يتمانع الناس المعروف). والمعروف مطلوب في العلاقات العادية والمالية وبين جميع المتعاملين، في القروض ونظرة الميسرة أو المشاركة في مخاطر الاتجار أو الاستصناع والمزارعة والخدمات، وسواها، لتجرى الأرزاق لهم، من الله، على أيديهم. وأول الواجبات في المال أن يكون أداة تعمير للدنيا باستثماره، وللأنفس بمشاركة المحتاجين إليه، سواء للعمل به أو للعيش منه. وألا يكون وسيلة للاستعلاء وإنما وسيلة للتواصل. يتأدى بها المسلم إلى المسلم إلى العمل الصالح. ومن الأوليات في هذه الواجبات الاقتصاد والترفق: يقول الإمام " أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق. والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال ". والرفق لا يعجز عن شئ. والتبذير لا يبقى معه شئ. وفي القليل كفاية مع القناعة. والكثير لا يغنى مع السرف.. وفي المعنى ذاته يقول الصادق " ضمنت لمن أقتصد الا يفتقر " وإنما يفتقر من يتجاوز الحدود، ويبعثر قواه، ويخسر أشياءه. وبالرفق في الأمور تجرى الحياة بين الناس على نسق مقبول. يقول الإمام " من كان رفيق في أمره نال ما يريده من الناس ". والله تعالى يحب الرفق في الأمر كله. العبادة وانفاق المال: يكاد أكثر ما جمع من تعاليم الإمام في الأبواب الاجتماعية والاقتصادية، يتجه بفحواه شطر هذا الوجه من وجوه العبادة.

[ 359 ]

والله تعالى يصف المتقين في محكم كتابه، في أول صفحاته، بأنهم (الذين يؤمنون بالغيبت ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). وكل نعمة رزق. يقول عليه الصلاة والسلام (نعمتان مغبون فيها أكثر الناس. الصحة والفراغ) فهاتان نعمتان يسأل عنهما الإنسان. والإمام يقول: " المعروف زكاة النعم ". فالمعروف زكاة واجبة لمجرد الفراغ من التبعات والسلامة من المرض. * * * ومن التطبيق الإسلامي للإنفاق ووجوهه المادية والمعنوية يظهر أنه العبادة الإسلامية الشاملة لكل الناس، ولكل شئ ولكل ساعة في الحياة يتاح فيها مد يد بالمودة للغير. بالعطاء أو قبول العطاء، والإقراض أو الاقتراض، ودفع الأذى، أو مجرد المعونة بالفعل أو القول، أو بالعمل المادى، أو بمجرد الكف عن الأذى، وما إلى ذلك من أبواب التعاون بين أفراد المجتمع. سواء بالمال أو بالسعي أو بالجاه أو بمجرد الاهتمام. واهتمام المسلم بما أهم المسلم هو الذى يهب المغرور دفئا والمكروب برءا والمنكوب طمأنينة. يقول صاحب الشريعة (من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم) ولما حصرت الشريعة الفرائض رحمة من الله بعباده المكلفين، أطلقت المندوبات. لتتيح لهم أن يتطوعوا بالعمل الصالح كيفما قدروا وحيثما وفقوا - وبخاصة في إنفاق المال - ثم أكثرت الحض عليه. ثم جعلته ممكنا للجميع. وفي وجوه النشاط الإنساني جميعها. يقول الإمام " ليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه شهرا في المسجد الحرام " وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " ليس لمسلم أن يعسر مسلما. ومن أنظر مسلما أظله الله يوم القيامة بظله حيث لا ظل إلا ظله.. "

[ 360 ]

وذات يوم قال رجل: إن بينى وبين رجل منازعة في أمر وإنى أريد أن أتركه فيقال لى إن تركك ذلة. فقال الإمام (إن الذليل هو الظالم). فهو لا يرى الترك عيبا إنما العيب بالظلم، أيا كان مصدره، التارك أو المتروك له. ودخل عليه عمار الساباطى فقال له: " يا عمار إنك رب مال كثير فتؤدى ما افترض عليك الله من الزكاة ؟ قال نعم. قال: فتخرج الحق المعلوم من مالك ؟ قال نعم. قال: فتصل قرابتك ؟ قال: نعم. قال فتصل إخوانك قال نعم. قال: يا عمار إن المال يفنى. والبدن يبلى. والعمل يبقى. والديان حى لا يموت. يا عمار. ما قدمت فلم يسبقك. وما أخرت فلن يلحقك ". والأيادي قروض، والإمام يعد بالرد المضاعف، ويعلن فضل من أعطى. ويؤثر عليه فضل الآخذ. والعرف لا يذهب بين الله والناس قال له تليمذ: إنى لا أتغذى أو أتعشى إلا ومعى اثنان أو ثلاثة. أو أكثر. فأرضاه الإمام بالجزاء الموعود، وأعلن له أن فضلهم يفوق فضله. قال (فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم. إذا دخلوا عليك دخلوا بالرزق الكثير) (1). * * * والإمام يحض على دوام التواصل، إذ يجعل النعمة التى يخولها المعطى للآخذ نعمة تتكرر إذ تشكر، لتتكرر. يقول " اشكر من أنعم عليك. وأنعم على من شكرك. فإنه لا إزالة لها إذا شكرت ولا إقالة لها إذا كفرت ". والبخل قبض القادر يده عن العطاء ونفسه عن الأمل. فذلك داء البخلاء. والإمام الذى يوجب السخاء عند إقبال الدنيا وحين يفيض الخير، يوجب الرجاء والصبر عند إدبارها. فالدنيا تدور. يقول


(1) قارن هذا المجتمع الإسلامي الذى يقول فقهاؤه (ما المعطى عن سعة بأفضل من الآخذ لو كان محتاجا) بالمجتمع الإنجليزي الذى جاء بعد ذلك بقرون سبعة في عصر الملكة اليزابيث (1558 - 1603) وفيه صدرت قوانين بإعدام المتسولين وأعدم بها المئات. (*)

[ 361 ]

(عجبت لمن يبخل بالدنيا وهى مقبلة عليه أو يبخل بها وهى مدبرة عنه. فلا الإنفاق مع الإقبال يضره. ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه) ففيم يقف البخلاء دورة المال أو نعمة الرجاء ! والصادق يروى عن جده أمير المؤمنين " قيل يا نبى الله. أفى المال حق سوى الزكاة ! قال نعم. بر الرحم إذا أدبرت. وصلة الجار المسلم. فما أقربى شبعان وجاره المسلم جائع. ثم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". وفي كل مشاركة فضل، يقول صفوان بن يحيى - من أصحاب الإمام كاظم - جاءني عبد الله بن سنان قال: هل عندك شئ ؟ قلت نعم فبعثت ابني يشترى لحما بدرهم فقال: أين أرسلت ابنك فأخبرته فقال: رده. عندك زيت ؟ قلت نعم قال هات فإنى سمعت أبا عبد الله " الصادق " يقول (هلك امرء احتقر لأخيه ما يحضره. وهلك امرؤ احتقر لأخيه ما قدمه إليه). والجود بالموجود جود. وفي التكليف رهق. وفي كل إرهاق أذى. والسمح لا يؤذى، ولا يحس الأذى فيما هو طبيعي. ومن السماحة في الأخذ والعطاء ينتشر التواصل، بأى شئ وفي كل شئ. فالإمام لا يتكلف لأحد. ويعلن فضل الطاعم على صاحب الطعام. قال هشام بن سالم دخلنا على أبى عبد الله ونحن جماعة. فتغذينا وتغذى معنا. وكنت أحدث القوم سنا. فكنت أقصر وأنا كل فقال لى (كل. أما علمت أنه تعرف مودة الرجل لأخيه بأكله طعامه). يقول الإمام لأضيافه: " أشدهم حبا لنا أكثرهم أكلا عندنا ". وكانت " عين زياد " ضيعة له فجعلها له وللناس. يأمر وكيله بأن يثلم في كل حيطان الضيعة ثلما ليدخل الناس فيأكلوا. ويأمر كل يوم بعشر ثبنات يقعد على كل واحدة منها عشرة يطعمون. كلما قام عشرة جاء عشرة. يلقى لكل منهم بعض الرطب. أما الذين لا يجيئون

[ 362 ]

من جيران الضيعة فلكل منهم مد يرسل إليه، حتى إذا جاء أوان قطع الثمار أعطى الوكلاء العمال أجورهم عنه، وأمر الإمام بالباقي فحمل إلى المدينة فقرق في أهلها، كل حسب استحقاقه. يقول ابن أبى طيفور: رأيت عند أبى عبد الله ضيفا فقام يوما في بعض حوائجه فنهاه وقام بنفسه إلى هذه الحاجة وقال (نهى رسول الله عن استخدام الضيف). أداء حقوق الآخرين في المال: وإذا واسى الصادق أعطى فأغنى: سأله فقير فأعطاه ألف درهم فلما مضى الرجل أمر خادمه ليرجعه. قال الخادم: يا سيدى سئلت فأعطيت. فماذا بعد العطاء ؟ قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير الصدقة ما أبقت غنى) وقال للرجل: (إنا لم نغنك. فخذ هذا الخاتم فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم). ولا مرية في أنه لم يغن الرجل ليأكل، وإنما أغناه بالمال ليعمل. فالعطاء ليس طعاما يعطى وإنما هو فرصة عمل بالتعبير الاقتصادي المعاصر. أي تمكين من أداة إنتاج تحفظ إنسانية الإنسان وتزيد ثراء الجماعة. والعطاء وفاء بحقوق. وليس مجرد أريحية. فأمير المؤمنين على هو القائل (إن الله فرض على الأغيناء في أموالهم ما يكفى الفقراء فإن جاعوا أو عروا فيظلم الأغنياء) والقائل (الفقر هو الموت الأكبر) وسئل الباقر عن الزكاة تجب في مواضع لا يتمكن السائل من أدائها فيها فأجاب: (اعزلها فإن اتجرت بها وأنت لها ضامن ولها الربح). ويقول الصادق (إن الله عز وجل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم - ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم. إنهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله عز وجل.. ولكن أتوا من منعهم حقهم. ولو أن الناس أدوا حقوقهم كانوا عايشين بخير). وبنص عنه (إن الله تبارك وتعالى شرك بين الفقراء والأغنياء في الأموال. فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم).

[ 363 ]

وعلى أساس هذه النصوص يتساءل الفقهاء: هل الفقير " شريك " في ملك العين (في خصوص الزكاة)، أو أن له " مجرد حق " فيها. فالبعض على أنه شريك بمقدار حصته. والبعض على أنه صاحب حق فيها. وهو مقدار نصيبه. وصاحب النصيب من لا يملك مؤنة سنة له ولعياله. والأغنياء من يملكون ذلك المقدار. يقول الإمام الصادق (تحرم الزكاة على من يملك قوت سنة) ولا يدع الإمام الناس، فقراء أو أغنياء، دون تنبيههم على أصل الداء، وهو الطمع. فيعالنهم بمقولة من مقولاته. التى تتناقلها الأجيال: (إن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك). * * * لحقوق الفقراء على الأغنياء عند الشيعة مصدر آخر زاخر، فوق مصدر الزكاة، وهو خمس المكاسب. والله تعالى يقول " (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) والشيعة تفسر الآية تفسيرا يسع أكثر مال يكتسب. إذ يدخل فيه خمس أرباح التجارات والصناعات والإجارات والعمل والوظائف والهدية والوصية وأرباح مالك المنجم والمدخرات من الكسب الحرام إذا اختلط بالحلال ولم يتميز. فإن تميز أخرج كله. واللؤلؤ المستخرج والمواريث التى لم يؤد عنها الخمس. وذلك بعد أن يستنزل المكلف مؤنة الحفظ ومؤنة الذين يعولهم ومركبه ومسكنه ونفقات أضيافه لمدة سنة كاملة، وما زاد عن ذلك ففيه الخمس. كتب رجل إلى الإمام الباقر: أخبرني عن الخمس أهو على جميع ما يستفيده الرجل من قليل أو كثير.. وكيف ذلك ؟ فكتب الإمام بخطه: " الخمس بعد المؤنة ". ولا يحمل الخمس إلى غير بلدة إلا مع عدم وجود المستحق فيه. ويجوز أن تخص به طائفة واحدة. والأحوط قسمته. والفقهاء يقررون أن للإمان نصف الخمس وأن نصفه الباقي ليتامى آل النبي ومساكينهم وفقرائهم وأبناء السبيل منهم.

[ 364 ]

والآن - حيث الإمام غائب - فالأقوال كثيرة في توزيع حق الإمام. وربما جاز من تعددها اختيار الإنفاق على المصالح التى تحفظ للأمة دينها وشريعتها. والرسول عليه الصلاة والسلام يكلف المسلمين أن يقصدوا بالبر الفقراء، وأن يتطهروا بين الفقراء، ويتقوا الله تقوى الفقراء، يقول صلى الله عليه وسلم (من أراد الله فليطلبه عند الفقراء). كنز المال أمير المؤمنين على هو الذى ذكر عمر بخثور نفس رسول الله حتى وزع مالا كان عنده. وأعلن ساعة استخلافه أن الدولة ليس لها في المال إلا أن تقسمه في المسلمين متساويين - فرقى المنبر يقول للمسلمين عن نفسه (.. إلا وإنه ليس لى دونكم إلا مفاتيح أموالكم معى. وليس لى أن آخذ درهما دونكم. جئ ذات مساء بمال أفاءه الله على المسلمين. فأشار إليه وقال: اقسموه. قالوا: أمسينا فأخره إلى غد. قال: تقبلون لى أن أعيش إلى غد ؟ قالوا ما يأيدينا ذلك. قال: فلا تؤخروه. فقسموه من فورههم. ولما بعث أبو موسى إلى عمر من العراق ألف ألف درهم فرقها ففضلت فضلة فاختلفوا أين يضعها، خطب عمر الناس قائلا: أيها الناس قد فضلت لكم فضلة بعد حقوق الناس. فقام صعصعة - وهو بعد غلام شاب أسلم في حياة النبي ولم يره - وقال " يا أمير المؤمنين إنما يتشاور الناس فيما لم ينزل فيه قرآن. وأما ما نزل به قرآن فضعه مواضعه التى وضعه الله عز وجل فيها ". فقال عمر " صدقت. أنت منى وأنا منك ". فقسمه بين المسلمين. وصعصعة - كما أسلفنا - بطل " يوم الجمل " إلى جوار أمير المؤمنين على. استشهد أخواه وهما يحملان الراية. ثم حملها صعصعة وانتصر. وأبو ذر أب من آباء الشيعة العظماء. وسيرته درس تحتفى به

[ 365 ]

مجالسهم وأمالى كبرائهم. ينبه الناس من قديم على خطر الفقر واقترانه بالكفر. وتعريضهما العقيدة والوطنية ووحدة الجماعة للدمار. فيقول. (إذا ذهب الفقر إلى بلد. قال الكفر خذنى معك). ولقد حرم كنز المال بحبسه عن المسلمين في بيوت الأموال، أو حرمانهم منه وتعريضهم للافتقار، فأوجب على الدولة توزيع المال في أصحاب الحق فيه من الرعية. وحرم النعيم على من يعيش بين الجياح. فإذا كان إخوة المسلم في عيشة راضية فالنعيم يباح. ولما أرسل إليه عثمان مائتي دينار مع رسول يقول: هذه من مال عثمان. وهو يقول لك إنها من صلب ماله ما خالطها حرام. قال أبو ذر: هل أعطى أحدا من المسلمين مثلما أعطاني ؟ قال كلا. قال: اذهب أنت والدراهم. إنما أنا رجل من المسلمين يسعنى ما يسعهم. ولست في حاجة إلى المال. قال رسول: اصلحك الله إنى لا أرى في بيتك قليلا ولا كثيرا. فرفع أبو ذر الوسادة وأراه قرصين من خبز الشعير وقال: بل عندي هذان وإنى لغنى بهما وثقتى بالله. ومر أبو ذر بمعاوية وهو يبنى داره الخضراء فصاح به: " من أين لك هذا ؟ إن كنت بنيتها من مال المسلمين فهى الخيانة. وإن كنت بنيتها من مالك فهى الإسراف ". فشكاه معاوية إلى عثمان. وظاهر من هذا النهج، النحو الاقتصادي الذى ينحوه الشيعة من تداول المال، وعدم كنزه عن الأمة ولو كان في يده الدولة، ووجوب تقسيمه في المسليمن أو العمل به لهم. والاستكثار من طرحه في التداول (1)،


(1) روى المسعودي في مروج الذهب حادث أبى ذر وكعب الأخبار في مجلس أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قال: إن أبا ذر كان في مجلس الخليفة حين (أتى بتركة عبد الرحمن ابن عوف فنضت البدر حتى حالت بين عثمان والرجل القائم. فقال عثمان إنى لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنه كان يتصدق ويقرى الضيف وترك ما ترون. وقال كعب الأحبار صدقت يا أمير المؤمنين... فشال أبو ذر العصا وضرب بها رأس كعب. وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل = (*)

[ 366 ]

وإنفاق الخمس الذى يجبى للإمام. وإذا أضفنا إلى ضخامة نسبة الخمس، تحصيله عن أكثر الكسب، وتيسير حسابه على العاملين على الصدقات، والدافعين للزكوات، والإنفاق الواجب والمندوب، وإلزام القادر العمل بنفسه وبما له، ومعونة المستحقين للعون بالمال دون ربا، من نظرة الميسرة، ومع التواصل حيثما قدر القادرون، واحتاج غير القادرين، يتجلى مبلغ ما تتفتح الميادين الواسعة أمام الجهد الإنساني في المجتمع الإسلامي لتثمير ثرائه وإغناء فقرائه، وإيلاف أنفس المسلمين فيه. ذلك قول الإمام جعفر (لو أدى الناس زكاة أموالهم ما بات مسلم فقيرا). 3 - التعاون: العنصر الثالث في الاقتصاد - كما هو ظاهر من تعاليم الإمام في فصول هذا الباب - هو التعاون. وليس كمثله " منظم داخلي " أو " محرك ذاتي " للنشاط الفردى أو القومي. ولقد مر بنا أنه واجب " قانوني " يخرج من الإيمان من بات شبعان وجاره جائع. كما أسلفنا القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى شرعها الإسلام وشرحها الإمام، ليخلف للأمة منهاجه الذى اعتزت به الأمة فبلغت شأوها العالي بالمنهج العلمي، العصرى أبدا، والمنهج الاجتماعي الذى جعلها كلبنيان المرصوص، والمنهج الاقتصادي الذى يستعمل العلم والعمل والمال في تعاون مأمور به، أي في تكافل كامل. ولئن مرت بها فترات مظلمة، وإن مردها إلى الخروج على قواعد المنهج. وإنما عصمتها في الرجوع إلى الأمر الأول.


= مات وترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله غهدا بذلك ! وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما يسرنى ان أموت وأدع ما يزن قيراطا)... وقال عثمان لأبى ذر: وار عنى وجهك). (*)

[ 367 ]

الباب السادس إلى الرفيق الأعلى " الحمد لله الذى لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للناس جميع ما تحتاج إليه ". (الإمام جعفر الصادق)

[ 369 ]

الى الرفيق الأعلى كان الإمام في لقاءاته الأخيرة مع الخليفة (أبى جعفر المنصور) يقول له " لا تعجل، لقد بلغت الرابعة والستين وفيها مات أبى وجدى ". فلقد كان يحس باقتراب يومه. ويلتمس من ذلك قوة عند اللقاء. تؤيده في الصدام معه والثبات في وجهه، والدفاع عن حقوق الله والناس عنده، وتذكيره بالآخرة. وهو إلى ذلك يهئ الدولة، والناس، لما بعد موته. والناس الذين يستاءلون متى نصر الله، يولون وجوههم شطر الإمام. مذ قطع أبو جعفر أسباب الأمل في الأمان والاطمئنان بالنكال يصبه على من عارضه، وخص أهل البيت بكفل زاخر من عذابه. فمال الكثيرون عنه إليهم. ولم يكن باقيا من مشيختهم إلا الإمام الصادق. تهوى إليه الأفئذة من بعيد وقريب. ويتكاب عليه التلامذة من أشياخ العلماء. ومضت الأيام، والناس بين البأساء والنعماء، والفزع والرجاء والإمام في دروسه ومجالسه يرسى مبادئه. للأجيال القادمة. ويهدى بالقول والعمل، وبمجرد أن به حياة. وجاء ذلك اليوم الذى قال فيه، وهو رخى البال، (الحمد لله الذى لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للناس جميع ما تحتاج إليه). وهو إفصاح عن اكتمال المذهب الشيعي في تعاليمه، ونظام الدولة الشيعية، إن أمكن أن تظهر، والمجتمع الشيعي في كل حال. وإن شئت قلت مقاله - المجتمع الجعفري، أو مقال الفقهاء: مجتمع " الشيعة الإمامية ". وجاءت ساعة الموت.. وهو في تمام صحوه، وأهل البيت حافون حوله:

[ 370 ]

قالت زوجه " حميدة " أم الإمام موسى الكاظم، وكانت من البربر، لرجل من أصحابه: له رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجبا: فتح عينيه ثم قال (إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة). أما رواية الإمام موسى الكاظم فنصها: لما حضرت أبى الوفاة قال لى (يا بنى لا ينال شفاعتنا من استخف بالصلاة). فهذا إمام تنتهى إمامته يعهد لإمام تبدأ أيامه. فينبهه، والناس، على حقهم في شفاعة أهل البيت، وواجبهم لينالوها، بإقامة عمود الدين. وتضيف مولاته " سالمة " ساعة الموت حسنات فتقول (غمى عليه. فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن على (بن على بن الحسين) سبعين دينار، وأعطوا فلانا كذا، وفلانا كذا. قلت: أتعطى رجلا حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك ؟ قال: أتريدون ألا أكون من الذين قال عنهم الله عز وجل (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) ؟ نعم يا سالمة. إن الله خلق الجنة وطيب ريحها. ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم). أجل: كان الإمام قطعة من صميم الإسلام. جده عليه الصلاة والسلام " خلقه القرآن " أما هو فخلقه " سنة جده ". وجده يعلن سنته حيث يقول " أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح ". ويقول إن أول الواجبات في المال بعد الزكاة (بر الرحم إذا أدبرت). فالإمام في ساعة الموت يوصى لمن يليه. ويذكر الشفاعة. والصلاة. وصلة الرحم. وهو يريح رائحة الجنة. * * * صعدت روح الإمام إلى الرفيق الأعلى في شوال 148. لتترك أبا جعفر في الفزع الأكبر. فلقد غابت عن الدنيا أسباب سلام يثق بها. ولاح في السماء نجم جديد. بإمام جديد، ليس له به عهد.

[ 371 ]

وأبو جعفر ليس الرجل الذى ينتظر حتى ينكشف له أمر فيه غرر. بل هو يبتدر الخطر. قال أبو أيوب الجوزى: بعث إلى أبو جعفر المنصور في جوف الليل فدخلت عليه وهو جالس على الكرسي وبين يديه شمعة. وفي يده كتاب. فلما سلمت عليه رمى الكتاب إلى، وهو يبكى، وقال: هذا ابن سليمان (والى المدينة) يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات. فإنا لله وإنا إليه راجعون قالها ثلاثا. ثم قال: وأين مثل جعفر ؟ ثم قال: اكتب. فكتبت صدر الكتاب، ثم قال (اكتب إن كان قد أوصى إلى رجل يعينه فقدمه واضرب عنقه). هكذا يأمر بقتل من يجهله. ويحرمه حق المحاكمة. لمجرد أن من فحوى الوصية لرجل بعينه أنها رسالة للأمة تعلن الإمام الجديد !. لكن الله كف بطش أبى جعفر. فرجع الجواب إليه أن الإمام أوصى إلى خمسة هم: أبو جعفر المنصور وابن سليمان، وعبد الله وموسى وحميدة. والأخيرون ولدا الإمام وزوجه. فليس هنا وصى بعينه. والأولان أبو جعفر ذاته وواليه. وليس إلى قتل هؤلاء من سبيل ! وما كانت وصية " الصادق " لأبى جعفر وواليه إلا توصية لهما بالأمة. وتذكيرا لهما بأنهما ملاقيا الله مثله. وأبو جعفر أجدر خلق الله بأن يذكره الناس بالموت. وأن يذكروه عند الموت، إن محبين له وإن مبغضين. ولما قرن الإمام أبا جعفر بابنيه وزوجه، كان يذكره أن يخاف الله فيهم وفي ذوى رحمه. * * * كان أبو جعفر يسابق الموت إلى من تتم الوصية إليه وحده. ففوتت عليه وصية الإمام بغيا، لم يمنعه من مقارفته تساقط دمعه، أو أن يسترجع الله مرات ثلاثة، كأنه يجعل الدمع مدادا لأمر يهتبل الفرصة لإصداره، ليقطع رأس إمام جديد من أهل البيت يطاف بها في المدائن. وأنسته شياطين الفزع والطمع، أن يذكر ما علمه الصادق من صلة الرحم. وازداد نسيانا يوم لا أحد ينسى !

[ 372 ]

وجرى المهدى والرشيد في أثر أبى جعفر يهتدون به، ويدسون الجواسيس ليعرفوا من يجتمع إليه الناس بعد موت الإمام - سأل سائل موسى الكاظم فقال الكاظم " إذا هدأت الرجل وانقطعت الطريق فأقبل " وسأله آخر فقال له (سل تخبر. ولا تذع. فإن أذعت فإنه الذبح). بل كان هشام بن سالم ينبه زملاءه الشيعة حتى لا يقعوا في خبائل أبى جعفر. وظاهر من ذلك أن المجالس العظيمة. التى كانت تنعقد في حياة الإمام الصادق، قد ولى زمانها. * * * ولى الإمامة موسى الكاظم بعد أبيه فتتابع في حياته عهد الهادي ثم عهد بالرشيد. واقتصر كما سيقتصر الأئمة من بعده. على العلم و إمامة الدين، دون أن يمدوا عينا أو فكرا إلى الخلافة الدنيوية. ومع هذ حبس الرشيد الإمام الكاظم حتى سنة 183. ثم أمرا فأدخل الناس السجن ليروه ميتا. ليس به آثار قتل، والشيعة يقولون: مات مسموما. وخلف الكاظم في الإمامة ابنه على الرضا، حتى إذا صار المأمون خليفة ولاه عهده، على رغمه، سنة 201. وأمر ابنه وبنى العباس بمبايعته. فصنعوا. وزوجه من بنته " أم حبيب " في سنة 202. كما زوج ابنه محمدا الجواد بنته " أم الفضل ". إلا أن عليا الرضا مات سنة 203 فجأة ! مسموما، في أكلة عنب، كما يقولون، في أثناء عودته في ركب المأمون من مرو إلى بغداد ! وفي رحلة العودة هذه، وفي ركب المأمون ذاته. قتل وزيره الذى دبر له كل أمره، - الفضل بن سهل - وكان شديد التشيع. وتوجه محمد الجواد بزوجته إلى المدينة - بعيدا من بغداد. فلما ولى المعتصم أشخصه إليها. فقدمها لليلتين بقيتا من المحرم سنة 220. وفي نهاية السنة مات. والناس تقول في موته ما قالوه عن موت أبيه وجده وما سيقولونه في موت ابنه ابنه على الهادى بعد أن صار إماما استقدمه الخليفة إلى العسكر في سر من رأى حيث قصر الخلافة. فلما مات الهادى سنة 254 - قام

[ 373 ]

بالإمامة ابنه الحسن الخالص حتى سنة 260. عام وفاته، ليخلفه ابنه محمد آخر الأئمة الأثنى عشر.. قالوا دخل سردابا فلم يرجع. والناس ينتظرون رجوعه.. وهو عند الشيعة الإمامية " المهدى المنتظر " (1). بهذا التاريخ يختم الأئمة الاثنا عشر حقبة من الزمن علموا فيها المسلمين العلم الذى آل إليهم عن آبائهم - عن طريق الإمام الصادق - بعيدين عن السلطة، مدركين جلال ما يقدمون للأمة، من تراث جدهم صلى الله عليه وسلم. يعضون عليه بالنواجذ، ويبرونه من الزيوف. ويتبرءون ممن غلوا فيهم (2).


(1) الأئمة الإثنا عشرية على (1) محمد بن الحنفية (2) أبو هاشم (98) الحسن (50) عبد الله محمد. إبراهيم. يحيى. ادريس (3) الحسين 61 (4) على زين العابدين 94 (5) محمد الباقر 114 (6) جعفر الصادق 148 (7) موسى الكاظم 183 (8) على الرضا 203 (9) محمد الجواد 220 (10) على الهادى 254 (11) الحسن العكسرى 260 (12) محمد المنتظر. ولد بسامر سنة 256 واختفى بعد سنة 260 إسماعيل محمد سعيد (عبيد الله المهدى) (2) من الفرق الغالية - العميرية (أصحاب عمير بن بيان العجلى) عبدوا جعفر الصادق فتبرأ منهم. وصلبه يزيد بن هبيرة والى بنى أمية سنة 128. ومنها أتباع أبى الخطاب الأسدى (محمد ابن أبى زينب) - زعيم الخطابية - زعم أن جعفرا إله فتبرا منه الإمام فادعى الألوهية لنفسه. وحاربه المنصور وأسره وصلبه في الكوفة - ومنها البزيغية (أصحاب بزيع بن موسى) عبدوا جعفر الصادق (والمعمرية) أصحاب (معمر بن الخيثم) - الخياط بالكوفة. وهم فرقة من الخطابية يقولون إن النور خرج من جعفر ودخل في أبى الخطاب فصار جعفر ملاكا وأبو الخطاب إلاها. و (المفضلية) أصحاب المفضل بن عمر الصيرفى (170) يقولون بإمامة معمر وألوهية جعفر. (والسرية) أصحاب السرى بن منصور (200) يقولون إن السرى رسول جعفر. وجعفر هو الله والسلام والإسلام. وكانوا في الحج يقولون: لبيك يا جعفر لبيك. يقول ابن النديم في الفهرست إن أتباع أبى الخطاب أظهرتهم الفرقة الميمونية - أي الاسماعيلية - ويقول النوبختى (310) عن أتباع أبى الخطاب (خرج من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن اسماعيل بن جعفر فدخلوا في فرقته وسمى أتباع محمد بن اسماعيل " الاسماعيلية "). (*)

[ 374 ]

أقامت الأمم الإسلامية الدول تترى، في القارات الثلاثة في العالم المعروف، منتسبة إلى أهل البيت من أبناء الحسين أو أبناء عمومتهم، ومجتمعات مزدهرة، وحضارات يضرب بها الأمثال، في العراق واليمن وخراسان وإيران وأفغانستان وباكستان والهند ولبنان وسورية والكويت والبحرين وشرق أفريقية وكثير سواها. ففى المغرب أقام الدولة الإدريسية إدريس بن إدريس بن عبد الله (أخى الشهداء الثلاثة محمد وإبراهيم ويحيى أبناء عبد الله بن الحسن) وكان قد فر إلى المغرب الأقصى عن طريق مصر سنة 172 هاربا من بطش الرشيد. ثم قيل: بعث إليه الرشيد من سمه. وفي المشرق قامت دولة أخرى على يد الحسن بن زيد بن... الحسن (250 - 270) وأعقبه فيها أخوه. وهما فقيهان زيديان. وقامت الدولة الساسانية بخراسان. عاصمتها بخارى في روسيا السوفيتية الآن. وأقام أئمة الشيعة الاسماعيلية دولة كبرى في أفريقية وآسيا (الدولة الفاطمية). ثم قامت الدولة الإمامية الكبرى في إيران حيث بقيت العقيدة الإمامية والفقة الإمامي عقيدة وشريعة حتى اليوم. وسيطرت الدولة البوبهية (324 - 447) على الخلافة العباسية بتمامها. ووضعت مراسم التشيع وأعياده. فجعلت يوم كربلاء مأتما قوميا، ويوم الغدير عيدا إسلاميا. وأمر معز الدولة بن بويه فكتب على المساجد في بغداد (لعن الله معاوية ابن أبى سفيان. ولعن من غصب فدكا. ومن منع أن يدفن الحسن في قبر جده عليه السلام. ومن نفى أبا ذر الغفاري. ومن أخرج العباس من الشورى) فحكه الناس. فاكتفى بأن أمر أن يكتب على المسجاد (لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم) وأمر ألا يذكر في اللعن إلا معاوية. وتحول بنو بويه عن زيديتهم، وسلكوا مسلكا إماميا. وولوا الشريف أبا أحمد نقابة الطالبيين وإمارة الحج. بل ولوا ابنه الشريف الرضى النيابة

[ 375 ]

عن الخلافة العباسية. ومع ذلك كان بين حين وآخر يشعر بالسخط فيجرى على لسانه الشعر الذى يمجد الخلافة الاسماعيلية. أي عذر إلى المجد إن ذل ل غلام في غمده المشرفى ألبس الذل في ديار الأعادي وبمصر الخليفة العلوى ! فهذا زعيم إمامى: يفاخر بخليفة اسماعيلي. وهو في الوقت ذاته قد ولى نيابة الخليفة السنى. عدالة السماء والدول - كالكائنات الحية و كالأفراد والمجتمعات - تشتق قانونها من أسباب وجودها. وتلتزمه فتبقى وتسلم. أو تخرج عليه فتفقد سببا أو أكثر من أسباب تقدمها ونمائها. وربما فقدت سبب بقائها. وكلما أصابها السقم رجعت إلى سبب وجودها تلتمس السلامة. لقد نشأت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي على قواعد الإسلام في السنة الأولى للهجرة. فأخضعت دول العالم المعروف في بضعة عشر عاما، من حياة النبي وأصحابه. وأقامت المجتمع الأفضل الذى صنع على يد الرسول وعلى عينه.. وكلما أبعد المسلمون من هذا الفضل، قل الشبه في الصورة عنه في الأصل. وكلما فكروا في العودة إلى الأمر الأول ولوا وجوههم شطره. وما هو إلا عمل النبي وآله وصحبه. فكل عمل أو بحث لإقامة الدولة المثلى لمجتمع مسلم يتجه بالطبيعة إلى أيام النبوة، والعمل بالقرآن والسنة. وآل النبي هم أقرب الرجال إلى الصميم من ذلك وإلى قلوب الأمة. وهم أرفع شعار يمكن تحريك الجموع به.. فهم أهل النبي والقرآن والسنة جميعا. لا بالعرق وحده، وإنما بسيرتهم التى ليس لها في التاريخ نظير. والإمام الصادق يتوهج كالنجم الثاقب في هذه السماء. فهو مدرسة العلم مع الزهادة في السلطة. وهو إمام فقه في الدين والعلم. وصاحب

[ 376 ]

مناهج للدنيا. ومعلم للإصلاح والتشريع والسياسة والاقتصاد. وهى الوسائل المحركة للتقدم في جميع الأمم. فلا عجب أن كانت دعوات الإصلاح، ودعاءات الرجاء في كل العصور، تتلمس في علمه المدون، وسيرته التى يمجدها المسلمون، ذكريات فضائل تمشى على الأرض، وتطبيقات مفلحة، لتعاليم كفيلة بإقامة حكم صالح يرد الحكام إلى الدين. ويعيد الدين غضا في أنفس الناس كما كان في أفئدة السلف الصالح. ويتراءى مصداق هذه الحقيقة " للقانون الطبيعي " للإسلام، أو للطبيعة الدينية للمجتمع المسلم، في قيام الدولة العباسية بدعوى " تصحيح التاريخ " وبشعار " الدعوة إلى الرضا من آل محمد ". فلما أجهضت هذه الدولة مبادئها بخعت نفسها. فصارت ملكا عضودا خيراته للملوك. فلم يك معدى عن إعادة التصحيح بالعودة إلى رسالة النبي وتعاليمه وآله. وإنما انحرفت الدولة الإسلامية في تجاربها التى أقامتها الدول الأموية والمروانية والعباسية لغصبها حقوق أهل البيت، ونصبها العداء لهم، في موجة انصراف الحكام، عن مصالح الأمة وشريعتها، إلى شهواتهم. فتصحيح التاريخ يبدأ بإقرار حق على وأبناء النبي والعمل بالشريعة. والتاريخ خاضع لقانون الطبيعة أو قانون الحركة (لكل فعل رد فعل. مساو له في المقدار. ومضاد له في الاتجاه). والحقائق الكبرى في التاريخ، كالظواهر العظمى في الطبيعة، لا تخفى. والذى يخفى الحرارة أو البرودة لا يبغته الغليان أو التجمد، أو رعدة الحمى أو رعشة البرد. والذى يخفى الضغط الجوى لا يأخذه الانفجار أخذ الفجاءة. " وعمر بن عبد العزيز " " والمأمون " هما الانفجاران المحتومان في دولتي بنى مروان وبنى العباس. لأنهما الممثلان الصادقان للضمير الإسلامي، في الدولة أو الجماعة أو الأفراد، أو في العلم أو الحكم أو العدل أو الجهاد، على رأس المائة الأولى ورأس المائة الثانية. * * *

[ 377 ]

أما عمر فنما في أكناف بيت طالما حاول طمس فضائل على. فلما شب عن الطوق أصبح يعلن للناس إسرار أبيه له أن الناس لو عرفوا فضائل على لا نصرفوا إليه عن دولتهم، حتى إذا ولى إمرة المدينة أبطل سب على على المنابر. وكان عمر يرزح تحت الرقابة الشديدة من الخليفة الوليد، والسباق المجنون من الحجاج لظلم بنى على، مع استرضاء بنى مروان للحجاج، حتى ليعزل الوليد عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، لإرضاء الحجاج ابن يوسف الثققى ! ! فلما ولى عمر الخلافة أقسم أن يتخذها طريقا إلى الجنة. فرد لأهل البيت مظالمهم وأعاد لهم " فدكا ". وبعث إليهم عشرة آلاف دينار ليعوضهم عما سلبهم سابقوه. وكانت الشهور الثلاثون - مدة خلافته - تلقى على كاهل رجل هزل الورع جسده، أعباء الدين والدنيا، يدرك أن أيامه معدودات، ويتهمه أهله بأنه يوشك أن يخرج الخلافة منهم إلى بنى على (1) بل أعلن عمر أنه لو استطاع لعهد بالخلافة لمن كان مثله، فقال: " لو كان لى من الأمر شئ لا ستخلفت أعيمش بنى تيم القاسم بن محمد بن أبى بكر ". وهو العليم أن محمدا ترعرع في حجر " على " قبل أن يستخلف. وأنه حارب معه معاوية. فلما ولاه مصر، باء بدمه قواد معاوية فهو عدو بنى أمية من كل وجه. وأن " القاسم " همزة الوصل بين الصديق وبين " أهل البيت " بنته أم فروة تحت جناح الباقر، وابنهما " جعفر الصادق " في عنفوان صباه، أمل تتجه الأبصار تلقاءه. وأما " المأمون " فعبقري العلم، سواء العلم الدينى من أصول وفقه ودين وحديث، أو العلم العام، وفيه التاريخ والفلسفة والعلوم التطبيقية والرياضية.


(1) أتى " العمرى " مالكا فقال له: يا أبا عبد الله. بايعني أهل الحرمين. وأنت ترى سيرة أبى جعفر فما ترى ؟ فقال له مالك: أتدرى ما الذى منع عمر بن عبد العزيز أن يولى رجلا صالحا ؟ قال لا أدرى. قال مالك لكنى أنا أدرى: إنما كانت البيعة ليزيد (بن عبد الملك) بعده، فخاف عمر إن ولى رجلا صالحا أن لا يكون ليزيد بد من القيام، فتقوم هجمة ويفسد مالا يصلح.. (*)

[ 378 ]

والفلكية حيث له جوار قصره مرصد يرصد فيه النجوم. وهو بطل حروب " ورجل دولة " عالمى. لا يعرف التاريخ، من عهد اليونان والرومان حتى الآن. ملكا بلغ مبالغه في كل أولئك مجتمعا. وهو يقف في القمة من الدولة العباسية. فمن بعده بدأ الانحدار. وكانت الأعوام السبعون التى انصرفت من عمرها وانحرفت في إبانها تشير إلى الحاجة إلى عقل عبقري فيه إنصاف، ليحدث عودا على بدء. فأعلن تشيعه. بل عهد من بعده لإمام الشيعة في عصره. بل زوجه وابنه من بنتين له (1). ولقد كان حقيقا أن يبلغ غرضه لولا أن الإمام " عليا الرضا " مات فجاة. كمثل ما كان السياسيون في العهد العباسي يموتون فجأة ! ولولا أن المأمون رأى أن يأمن في سربه انتقاضات أهله. بعد إذ حاربوه بجيوشهم لمدة عامين. من جراء تشيعه، لكان قد ولى عهده، بعد على الرضا زوج بنته الأخرى، الإمام التاسع محمدا الجواد. وكانت خلافة المأمون تمثل حكما يحاول أن يستقر على " أساس دينى ". وهذا ظاهر في عهده لعلى الرضا. وعلى " أساس علمي " وهذا ظاهر في عمله لإلزام الناس برأى المعتزلة. وعلى " سند سياسي ". ليقدر على مقاومة تيارات تتناوشه من شتى الجهات. سياسية كالوافدة من الفرس والروم. أو عائلية كنزاعات أهله. أو فكرية كالقضايا التى آلت إلى. المسلمين من مواريث اليهودية والمسيحية. يحمل ألوية الجدال فيها المعتزلة.. والمأمون من كبرائهم. ولما فقد الذين جاءوا بعده قدرتهم على التوازن بين الزوابع. كهيئة توازنه. آلت الدولة إلى الترك. وتتابع تقسيمها أقاليم ودولا. ولم يعد للدين في الدول الجديدة الكلمة العليا. بل أصبحت للمعايش والأرزاق


(1) وفي سنة 211 أمر المأمون فنودى (برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وفضله على أحد من الصحابة). كما أمر بتفضيل الإمام على. وأنه أفضل الناس بعد رسول الله. وأوصى أخاد المعتصم بقوله (وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين على. فأحسن صحبتهم. وتجاوز عن مسيئهم. واقبل من محسنهم. وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة عند محلها. فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى). (*)

[ 379 ]

ومداراة الحكام. وبهذا دب التدهور في الأفراد، والمجتمعات والدولة. وأفسدت الدولة الفرد وأفسد الفرد، بدوره، الدولة. * * * ومن تصحيح التاريخ للأشياء كانت أول دولة استقلت عن بنى العباس في القرن الثاني دولة إدريس بن إدريس بن عبد الله في المغرب فدولة الحسن بن زيد في المشرق. وتتابعت الدول في القرن الثالث بخراسان ومصر وأفريقية وفي اليمن حيث ملك القاسم بن إبراهيم (246 - 286) وإليه تنسب الزيدية القاسمية. ثم الهادى بن القاسم وإليه ينسب الهادوية. وبقيت دولة الشيعة باليمن حتى إعلان الجمهورية سنة 1962 للميلاد. وفي القرن الرابع قامت دولة بنى بويه 324 - 447 - 945 - 1055 وهى شيعة زيدية في العراق وفارس حيث عاصمتهم شيراز. وقام الحمدانيون في العراق والشام 317 - 358. وهم شيعة إمامية يذكر الإسلام لهم الدفاع عنه ضد غزوات الإمبراطورية الرومانية من بيزنطة. وتدين لهم الأمة العربية بأحسن أشعار أبى الطيب المتنبي، وبشعر أبى فراس الحمداني، وفلسفة الفارابى فيلسوف المسلمين - المعلم الأول عند العرب - أو المعلم الثاني في العالم حيث أرسطو هو المعلم الأول. وفي القرن الخامس كان بنو حمود بالأندلس (407 - 447) وهم من أبناء الأدراسة - وفي القرن السادس كان ابن تومرت (... بن عبد الرحمن.. بن محمد بن الحسن بن على) مؤسس دولة الموحدين، وكانت خطبة الجمعة عندهم تشتمل على الصلاة عليه باعتباره (الإمام المرحوم المهدى (المعلوم) وإن كانت دولته ودولة الأدارسة أو بنى حمود، أو الدولة الفاطمية، تحكم شعوبا سنية. ولا شك أن كبرى الدول التى أقامها الشيعة كانت الدولة الفاطمية (الاسماعيلية).

[ 380 ]

الاسماعيلية (1): قامت الدولة الفاطمية (نسبة إلى فاطمة الزهراء) في المغرب ثم مصر منتسبة إلى " اسماعيل " بن الإمام جعفر الصادق، وكان قد مات في حياة الصادق. والاسماعيلية ينفون ذلك. ومنهم من يقول إن أباه ادعى موته اتقاء لأذى أبى جعفر المنصور له. وفي أواخر القرن كان عبد الله بن ميمون القداح (198) من أتباع الخطابية، ينشر دعوة لنفسه بالبلاد. فأجابه حمدان بن الأشعث - قرمط - ثم مات القداح، فخلفه أبناؤه ودعوا لأنفسهم باعتبار أنهم من ولد عقيل. ثم هرب أحفاده إلى المغرب في أفريقية. وبجهدهم أو جهد (منصور اليمن - ابن حوشب - 266) في بلاد المغرب ظهر عبيد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية سنة 298 لتبقى دولة عظمي حتى سنة 567. فتحت جيوشها فسطاط مصر في 17 شعبان سنة 358 (7 - 7 - 969). وفي ليلة الفتح وضع جوهر الصقلى قائد الجيش حجارة الأساس لمدينة القاهرة. وتم بناؤها في رمضان سنة 371. وفتح الأزهر للصلاة في الشهر ذاته وهو يوافق يونيو - يوليو سنة 972. وفي صفر سنة 365 عقد القاضى أبو على الحسن بن النعمان أول حلقاته في الجماع الأزهر، فكان أول مدرس فيه - فدرس للناس مختصر أبيه في فقه آل البيت. وفي سنة 366 عين أبو على بن النعمان قاضيا للقضاة. فعرفت مصر هذه الوظيفة لأول مرة. هكذا نشأ الأزهر معهدا شيعيا. ثم صار جامعة لكل علوم الإسلام. وهكذا نشرت الدولة الفاطمية ألوية الإسلام وعلوم الشيعة في مصر والشام والحجاز ووسط آسيا، وأقامت مدينة القاهرة، وأنشأت الجامع الأزهر، وخطب لها في مكة والمدينة على المنابر.


(1) ويلقبون - في مراجع أهل السنة - القابا أخرى. أهمها " الباطنية " (*)

[ 381 ]

وفي سنة 450 خطب لها الخطباء على منابر بغداد لمدة نحو عام (1). وعليها خرجت طائفة الدروز التى ألهت " الحاكم بأمر الله " فقاتلهم المصريون فهربوا إلى الشام سنة 408. أما " الحاكم بأمر الله " فقد شاركت في قتله أخته " ست الملك " لاضطهاده رعيته وفساد آرائه كما قيل. وكانت أمها جارية رومية قبطية من سرارى الخليفة العزيز بالله. وكان التسامح الدينى من تقاليد هذه الدولة حتى صار حديث التاريخ. ولقد عين العزيز بالله أرسانيوس، وأريسطيس، " خالي ست الملك " بطريقين للأسكندرية ولبيت المقدس. فقوى نفوذ النصارى في الدولة. وكان وزيره يعقوب بن كلس يهوديا أسلم. وهو الذى نظم التدريس في الأزهر (2). أما الاسماعيلية في المشرق فعلا نجمهم على يد الحسن بن الصباح. وقد أمضى سنوات بمصر اتصل في إبانها بالخليفة المستنصر، فدعا له


(1) خلفاء الدولة الفاطمية: عبيد الله المهدى - مؤسس الدولة - 322 - المنصور 341 - المعز لدين الله 365 - العزيز بالله 386 - الحاكم بأمر الله 412 - الظاهر 427 المستنصر (من 427 حتى 487) ثم تعاقب الآمر والحافظ فالظاهر والفائز والعاضد. وهو الذى أنهى صلاح الدين الدولة الفاطمية بخلعه سنة 567. وبسط الفاطميون سلطانهم على افريقية من المحيط الأطلسي حتى برزخ السويس والشام. وكانت لهم السلطة في اليمن. ولولا هزيمة جيوشهم أمام الأتراك بقيادة طغرل بك سنة 451 لبلغوا جيال الهملايا. وإنما أبقى الأتراك الخلفاء العباسيين لمقاومة الفاطميين. ففى ذى القعدة سنة 450 دخل البساسيرى على رأس إمدادات عسكرية من مصر وخطب في جامع المنصور الخليفة الفاطمي المستنصر أربعين جمعة - وأرسلت عمامة الخليفة العباسي (القائم) إلى القاهرة فبقيت بها أكثر من قرن. وكسر الفاتحون منبر المسجد الجامع وهم يقولون (هذا منبر نحس أعلن عليه بغض آل محمد) ولما وردت إلى مصر الأخبار بذلك غنى المغنون أمام المستنصر غناء هو في صميمه اعلان " بعدالة التاريخ ": يا بنى العباس ردوا ملك الأمر معد (اسم المستنصر) ملككم ملك معار والعوارى تسترد وبالنفوذ الفاطمي تقوى الشيعة الإمامية في العراق وفارس. وتقوى الإسماعيلية في فارس. (2) وكان الخليفان المعز والعزيز يعقدان مجالس للمناظرة بين المسيحيين والمسلمين. ومن التسامح أذنت الدولة بأعياد الغطاس ورأس السنة والنيروز وسائر أعياد النصارى. (*)

[ 382 ]

بعد إذ عاد إلى إقليم فارس. ثم دعا من بعده لابنه نزار. وفي سنة 1483 استولى على قلعة الموت. ثم اشتد ساعده بأصفهان. وسيطر الحسن بن الصباح بأساليب السياسة العادية وغير العادية على أقاليم كبيرة في فارس. فقتل أتباعه الوزير نظام الملك (408 - 485) - منشئ المدرسة النظامية في بغداد (1) - وفي سنة 500 قتلوا الوزير فخر الدين كما قتلوا من فقهائها الشافعية المشهورين: أبا المظفر الخجندى سنة 496، وتلميذه أبا جعفر المشاط سنة 498 وأبا المحاسن بن إسماعيل الرويانى سنة 502. وكان يقول (لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها). ولا مراء في أن الخلاف بين الاسماعيلية وبين المدرسة النظامية راجع إلى الخصومة الشديدة التى تتبدى في الصحيفة 67 من كتاب " سياسة نامة " الذى يدين بوجوده " لنظام الملك " وفيها وجوب الطعن في " الروافض " ووصفهم بأنهم مارقون عن الدين. ولما صار الحسن بن الصباح داعى الدعاة للنزارية الفاطمية، أبى أن يدعى الإمامة، حتى توفى سنة 518. فخلفه آخرون. انتسب واحد منهم إلى نسل " نزار " الفاطمي (2).. وفي سنة 654 استولى هولاكو على معاقلهم فقصدوا إلى الشام والهند.


(1) من تلاميذ المدرسة النظامية السعدى شاعر الفرس الكبير. وعماد الدين الأصفهاني. وبهاء الدين بن شداد - عاملا صلاح الدين - وابن تومرت مؤسس دولة الموحدين في أفريقية. وأبو اسحق الشيرازي أول أشياخها. ومن أشياخ المدرسة وتلاميذها الغزالي صاحب الكتاب الشهير في فضائح " الباطنية ". (2) أصهر الخليفة المستنصر (427 - 487) إلى فائد. الأرمني الأصل بدر الجمالى. ولما مات المستنصر كان ولى عهده ابنه " نزار " فولى بدر مكانه ابن أخته " المستعلى " وحبس نزارا حتى قتله فأصبحت الشيعة في مصر مستعلية. ومنها اسماعيلية اليمن وبعض بلاد الشام. ومن اسماعيلية اليمن ذهب الدعاة إلى الهند فقامت الاسماعيلية البهرة. (والبهرة معناها تاجر) - وأصبح الاسماعيلية في الهند وإيران والشام نزارية. و للاسماعيلية مركز عظيم في بومباى - وهم يدافعون عن الإسلام حينما يكونون: يرون الإمام سبعية تتم بالإمام السابع. هو إسماعيل. ثم تبدأ دورة جديدة أئمتها مستورون. ومن الاستتار لم يعرف بالضبط كثير من أمورهم. واتسمت دعايتهم بالسرية مع دقة تنظيمها. (*)

[ 383 ]

وفي الشام حالفوا الرهبان الصليبيين فترة، وخالفوا صلاح الدين فترة، ودخل أتباعهم خيمته في عسكره وطعنوه بخناجرهم. ومنهم الفدائيون الذين قتلوا أمير طرابلس الصليبى (الكونت ريمون) ويمتاز الاسماعيلية بالتنظيم والدعاية السريين. وأنهم يطورون أمورهم. من وقت لآخر، لكن الأصل الأصيل عندهم هو أن الإمام المعصوم من نسل محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق. وعندهم أن من قام بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والولاية، لكنه عصى الإمام، فطاعته غير مقبولة (1). وهم يذهبون إلى أن لكل ظاهر " باطنا " وأن تأويل الباطن من عند الله، اختص به على بن أبى طالب. ومن ذلك يقولون بمشاركة على للنبى. ويستدلون بقصة موسى مع الرجل الصالح، في " سورة الكهف ". ويفسرون القرآن تفسيراتهم. ويقولون إن نور الله حل بالإمام. ومن تعاليمهم ما تأثر بفلسفات الأقدمين. وللشيعة الاسماعيلية في العصور الحديثة مواقف مشهورة في الدفاع عن الإسلام ونشره.


(1) وهم يجعلون للأئمة صفات " باطنية " غير بشرية لا يعرفها الشيعة الآخرون، وتؤخذ عليهم أشعار الشعراء المشهورين منهم مثل ابن هاني الأندلسى الذى يقول للخليفة الفاطمي: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار ! والأخفش يقول للخليفة الآمر: بشر في العين إلا أنه عن طريق العقل نور وهدى جل أن تدركه أعيننا وتعالى أن تراه جسدا وقول شاعر آخر: هذا أمير المؤمنين بمجلس أبصرت فيه العقل والتنزيلا وإذا تمثل راكبا في مجلس عاينت تحت ركابه جبريلا ! والأمير تميم بن معد يمدح أخاه الخليفة العزيز بالله فيقول: مضى من العلة الأولى التى سبقت خلق الهيولى وبسط الأرض والمطر (*)

[ 384 ]

كانت الدولة الفاطمية أكبر دول العالم، قوة عسكرية وفكرية، في العصور الوسطى. تتمثل فيها وحدة المسلمين وسماحة الدين (1). وفيها أثبتت وحدة القاعدة القانونية في الأمة، بل وحدة الدين في المذاهب، اقتدارها على أن تجمع المسلمين في دولة واحدة، هي أعظم الدول حضارة في القارات المعروفة في ذلك الزمان، عاصمتها مصر - القاهرة، وجامعتها الأزهر. سعد فيها المسلمون والمسيحيون واليهود والذميون، حتى غزاها من الداخل انقسام شعوبها، وقيام إمارات شتى، وسفه الوزراء، وضعف الخلفاء. وأغرى غزو شعوبها أنفسهم في داخلها، بانقسامهم وتفككهم، الصليبيين، ليقوموا بالغزو الخارجي. وصدهم المسلمون مرات، حتى إذا ادلهم الخطب، استعانت الدولة الشيعية في مصر بالدولة السنية في دمشق وعلى رأسها السلطان نور الدين محمود (569). أستاذ صلاح الدين (589) ليثبت أهل مصر والشام أن الإسلام واحد وإن اختلف المذاهب. ولما وحد صلاح الدين إمارات المسلمين في بضع سنين من الموصل


(1) سبق الفاطميين بمصر (358 - 567) الإخشيديون. وكانوا ينشرون التسامح الدينى فيها. وقد خصص المقريزى فصلين للكنائس والأديرة وحسن التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، وبخاصة في الدولة الفاطمية. ولم يعكر صفو هذا التفاهم إلا أيام الحاكم بأمر الله. ثم جاء الظاهر - (411 - 427) فالمستنصر (427 - 467) يعاقب قائده بالقتل لقيامه باضطهاد المسيحين. وكان أسقف الأشمونين ساويرس يجادل الفقهاء، المسلمين، في أمور الدين. وتولى الخليفة الآمر (من سنة 485 حتى سنة 525) وكان يزور الأديرة ويصادق الرهبان. ومن خواص كتابه (أبو نجاح) وهو مسيحي. وفي هذا الجو ظهر نوابغ المسيحين ابتداء من ساويرس بن المقفع (328) وهو مؤلف كتاب الرد على اليهود والمعتزلة. ورسالة عن التثليث. أخرى في الرد على النساطرة. وشرح الإنجيل وتاريخ المجامع الكنسية. وفي القرن السادس ظهر أولاد العسال الثلاثة: أبو الفرج والصفى وأبو اسحق. وظهر المكين جرجس المتوفى سنة 672. وقديما اصطنع عمر بن الخطاب الكتاب من سبى قيسارية. واستعمل أبو موسى الأشعري كاتبا نصرانيا. وكان بنو أمية يستعملون ابن أثال الطيب النصراني ويضعون عنه الجزية. (*)

[ 385 ]

إلى حلب ودمشق والقاهرة، استقام له المحور القوى، فنهد للقاء الصليبيين ونصره الله في حطين. وهذا درس في الوحدة مطلوب إلى المسلمين أن يتدارسوه. * * * والمجتمع الإسلامي ينماز من المجتمعات المعاصرة بأنه مجتمع دينى الأساس بأطوار تاريخه وطبيعته، وبأن تعاليم القرآن والسنة هي غذاؤه اليومي، وهواؤه النقى، الذى يتنفسه المسلمون: العائلة فيه محكومة بقوانين دينية وتقاليد إسلامية، في الزواج والطلاق والأبوة والبنوة والنفقة والحضانة وسائر علاقات الأسرة. والفرد فيه واقف بين يدى الله على مدار ساعات النهار وزلفا من الليل. والمجتمع كله مفروض عليه، فرض وجوب، والفرد مفروض عليه، فرض كفاية، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. أي يتكافل في دفع كل خروج على الدين. بهذا صار الحفاظ على الإسلام وقيمة مسئولية قانونية وعامة. أصبح التمييز بين الحلال والحرام حجر الأساس في المجتمع، وفي علاقات الأفراد والأسرة. وأمس لزاما على كل دولة إسلامية أن تتأخى أواخى الدين، وهى تنظر إلى المصالح المادية والسياسية، لها، والناس. ولقد بقى الأمر كذلك طوال القرون العشرة التى كانت فيها الدول الإسلامية مستقلة، تتعلم علومها الحضارة الغربية، حتى إذا اضمحلت، ران الظلام السياسي والركود الاقتصادي على القلوب. فانتقلت شمس الحضارة من الشرق إلى الغرب في أوربة، وبدأت العصور الحديثة وحضارتها الأوربية في الظهور، منذ ختام القرن الخامس عشر للميلاد. ولم يكن مصادفة وإنما كان لزاما للتحلل والتقاطع والتخاذل، أن يبدأ طرد العرب - في ذلك القرن - من اسبانيا. وأن تكون محاولات طردهم معاصرة للثورات الدينية في المسيحية، وللإرهاب الدينى في دولها، وأن يكون نصيب المسلمين من هذا الإرهاب فوق ما يتصور البشر، من العذاب والتقتيل والتحريق والتنصير، بل قتل من يتنصر بدعوى عدم الإخلاص في التنصر ! !

[ 386 ]

وفي ظلمات الجهالة والتخلف بهرت المقهورين حضارة أوربة فلم تبق لهم ذاتهم، ولم يصيروا أوربيين. وعجزوا عن أن يطردوا الغزو الأوربى، في حين قدر آباؤهم على دفع الغزو الصليبى لأنهم كانوا أقرب إلى القيم الإسلامية. وتلاحق التدهور حتى بداية النهضة الحديثة للمسلمين. حتى إذا أخذت الشعوب الإسلامية بأسباب العلم، نظرت إلى داخلها تلتمس القوة من ذاتها. فاستشعرت حقائق القوة في طاقاتها. وعادت تلتمس الأسباب في صميم حضارتها، وفي تمسكها بعقيدتها، التى اشتقت منها منهجها العلمي. وهو الذى صار " المنهج العلمي العالمي " الذى نقلته عنها أوربة منذ القرون الوسطى (1). * * * والتاريخ معلم كبير. وأول علومه: أن كثيرا من صفحاته تتكرر. وأنه خطاب مستمر، مفتوح السجل لكل ذى بصر. ويعلمنا التاريخ أن الوحدة هي التى تصنع النصر. سواء أكانت وحدة شاملة، كمثل ما كان الأمر في الصدر الأول، أم كانت وحدة للحرب، كما صنع الخليفة الفاطمي " الشيعي " وسلطان دمشق " السنى "، لرد غائلة الصليبيين. أم وحدة القوى كما صنع صلاح الدين ليعيد بيت المقدس للمسلمين.. كل أولئك صيحات عالية بأن الإسلام واحد، كلما جد خطر. وأن الاعتصام به مصدر الضفر. ولما اتحد العرب، تجمع المسلمون، بعد العاشر من رمضان سنة 1393 حتى العالم هاماته لهم. ويعلمنا التاريخ أن أمتنا بلغت شأوها كلما استمسكت بعقيدتها و التزمت تعاليمها، وأن التقصير في جانب الدين كالخرق الواسع، لا يبقى على شئ مهما يجمع الناس. والمصلحون الاجتماعيون والسياسيون، الذين تعمى أبصارهم عن هذه الحقيقة، يضربون في حديد بارد.


(1) يراجع كتاب (المنهج العلمي المعاصر مستمد من القرآن) للمؤلف طبع مطبعة دار الاتحاد العربي بالقاهرة 1976. (*)

[ 387 ]

إنه تعالى يقول (ويريكم آياته. فأى آيات الله تنكرون. أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم). * * * والعمل بالقيم الإسلامية داع إلى سن القانون الإسلامي الموحد لتجرى أمور المسلمين، ومعاملاتهم كافة، وعقوباتهم إذا انحرفوا عن الجادة، على نسق واحد. يسمو بهم في معاملاتهم كل يوم، ويمنع الجريمة، وينتشل الهلكى من أعماق السجون. ويصون المعنى التعبدى في كل حكم فقهى، والجانب الإنساني في كل حكم جنائى. ولا جرم إن تقنين الفقه الإسلامي والعمل به هو الإسهام الأعظم منافى الحضارة المعاصرة، وبأعظم ما نملك من القيم. ونحن قادرون على ذلك باستعمال مصادرنا العلمية. وأين من شرع الله قوانين البشر ! والخطر اليوم يملأ الأفق: لقد تطرقت إلى الأرض العربية والإسلامية الدعوات الإلحادية والمادية المدمرة للقوى الذاتية للأمة، يؤيدها امتياز القوة، والمال المبذول بسخاء، والتكنولوجيا التى تخطف البصر. ورفع الاستعمار الفكري والسياسى والاقتصادي أعلامه عالية ! وما التبشير الدينى الأوربى والأمريكي في بلدان المسلمين إلا وجه واحد من وجوهه أما الغزو الداخلي للإسلام - من داخل مجتمعات المسلمين - فشر مكانا وأنفذ أثرا. والأوربيون - من كل معسكر - يسلطون علينا أسبابه. إن التاريخ يعلمنا أن وجود إسرائيل في الأرض التى كان الصليبيون يحتلونها - بالذات - ليس مصادفة. بل هو فكر غربي قديم. أقام بالفعل، وبالقوة، دولة صليبية - هنا - في هذا المكان. وإنما يكرر الفكر الأوربى نفسه، بعد سبعة قرون، بغرس دولة " يهودية "، بدلا من دولة " صليبية "، في القلب، من جسم العرب. وإسرائيل دولة " دينية " مد الغرب إلينا بها مخالبه والدفاع ضد دولة

[ 388 ]

دينية يهودية يقتضى الالتجاء إلى القيم الدينية، وإن لم يستلزم إقامة دولة دينية. ولقد طالما استعملت أوربة الأسلحة الدينية ضد المسلمين (1). * * * إن الحضارة الأوربية - من شرق وغرب - تحسب حساب " قوة عربية إسلامية " في مفترق الطرق إلى العالم، وفي ملتقى المصالح للدول العظمى، وأنها قوة يبلغ عددها الآن مائة مليون. قد تكون مائتين في نهاية القرن الميلادى. يزخر إقليمها بأسباب القوة، وتنصع صحراواتها بالمعادن، فتضئ في صور الأقمار الصناعية الدائرة حول الأرض ليل نهار. والحضارة الأوربية تحسب حسابا آخر لاجتماع المسلمين على " المبادئ " التى سادوا بها كلما اجتمعوا. والحضارة الأوربية، أو الأمريكية، وإن كانت ذات منهاج وثنى، راسخة الجذور في الفكر الدينى (2). لقد كانت " الحرب الصليبية " صيحة التجمع لشعوب أوربة المشتتة في العصور الوسطى، وكانت معاهدة " وستفاليا " راسمة حدود دولها الحالية من (1648). وهى نصفان: نصف " دينى " لإرضاء البروتستنت ونصف سياسي " لمنع الحروب الدينية " - بعد منح حرية العقيدة. وهذه المجتمعات و الدول في أوربة وأمريكا، آخذة الآن في العودة إلى الدين، التى سادوا بها كلما اجتمعوا. والحضارة الأوربية، أو الأمريكية، وإن كانت ذات منهاج وثنى، راسخة الجذور في الفكر الدينى (2). لقد كانت " الحرب الصليبية " صيحة التجمع لشعوب أوربة المشتتة في العصور الوسطى، وكانت معاهدة " وستفاليا " راسمة حدود دولها الحالية من (1648). وهى نصفان: نصف " دينى " لإرضاء البروتستنت ونصف سياسي " لمنع الحروب الدينية " - بعد منح حرية العقيدة. وهذه المجتمعات و الدول في أوربة وأمريكا، آخذة الآن في العودة إلى الدين، وإلى التكتل تحت أسماء أو صور مختلفه، كالحلف أو المعاهدة أو المنظمة أو المؤتمر. ومنها السياسي والاقتصادي والعلمي والاجتماعي. فما أحرانا أن نتحد على تسامح الإسلام وقيمه العالية... لنبقى ونقوى. ألا و " إن هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله ".


(1) كان فرسان المعبد Templars = Knights of the Temple جنودا محاربين على ميمنة الجيوش الصليبية في كل الحروب. وكان على ميسرتها الفرسان الإسبتالية Hospitalars وكلا التنظيمين تنظيم رهبان متقشفين لا يتزوجون. والأولون عملهم حربى محض ضد المسلمين. وما تزال كنيسة المعبد في لندن Temple Church شاهدة بعمل فرسان المعبد. وفيالق التبشير، منذئذ، تفد علينا من دول أروبة وأمريكا، مستعملة كل الأسلحة، مالية أو علمية أو طبية أو اجتماعية أو سياسية. وكثيرا ما عملت في خدمة الجيوش المحاربة أو عملت الجيوش في خدمتها. أما العالم الشيوعي فيصدر إلى الشرق والغرب أفكار الملحدين. (2) للبحث عن الحرية الدينية وصلت السفينة زهرة الربيع Mayflower براكبيها في 21 ديسمبر سنة 1620 إلى شواطئ أمريكا لينشئوا مستعمرة (انجلترا الجديدة) ويطلق عليهم (الآباء الحجاج). وأعقبهم طلاب " حرية دينية " آخرون بلغوا في السنوات العشرة من سنة 1630 إلى 1640 عشرين ألفا. وهؤلاء نواة الولايات المتحدة الأمريكية. أما دول أمريكا الجنوبية فنواتها الآسبان وأهل البرتغال الذين صنعوا بالمسلمين ما صنعوا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية