الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الامامة والحكومة- محمد حسين الأنصاري

الامامة والحكومة

محمد حسين الأنصاري


[ 1 ]

الامامة والحكومة في الاسلام

[ 5 ]

تأليف محمد حسين الانصاري

[ 6 ]

الاهدأ: - أهدي مجهودي المتواضع هذا إلى استاذي الاول ومعلمي بأفعاله قبل أقواله.. والدي المبجل راجيا منه أن يقبل بعض نتاجه، فإنه أهل للعطأ والجود والكرم.. ودمتم يا والدي لخادمكم محمد حسين الانصاري

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وسيد بريته، الحاكم بامره محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه المنتجبين، والتابعين لهم باحسان إلى قيام يوم الدين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين: وقع الاختلاف بين الناس. والله يقول: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله). وكل يدعي أنه الحق.. (والله يقص الحق وهو خير الفاصلين). وهو القائل: (يا أيها الناس قد جأكم الرسول بالحق من ربكم). فعلى المسلمين كافة أن يرجعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ويتمعنوا فيما أتى وثبت. وعليهم أخيرا أن يذعنوا وألا يقولوا إلا سمعنا وأطعنا، إذعانا وتسليما لقوله

[ 8 ]

(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا). حتى نكون جميعا من المؤمنين، ونوفق للقول الثابت، والعمل الصالح في الحياة الدنيا وفي الاخرة. وهذا ما أردته في كتابي هذا. قم المقدسة محمد حسين الانصاري

[ 9 ]

القسم الاول: - الحكومة

[ 11 ]

تمهيد: - الحاكم وهو على زنة فاعل، مشتق من مادة حكم. وكل معاني مادة (حكم) لو تدبرناها لرأيناها مأخوذة من ربط شي بشي، بحيث تسد الفجوات وتملا الفراغات بلا خلل. سوأ قلنا أن الحكم هو (الصرف والمنع للاصلاح ومنه حكمة الفرس، ومنه الحكيم، والاحكام والاتقان أيضا) (1). أو قلنا أن الحكم هو (الفصل والبث والقطع على الاطلاق، وآيات محكمات معناه أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال) (2). قال الراغب في مفرداته: - حكم أصله منع منعا لاصلاح، ومنه سميت اللجام حكمة الدابة (3). والمنع، وسد الخلل كلاهما واحد، إذ بسد الخلل يمنع الاغيار من الدخول ويمنع الشي من الانحلال. ولقد أجاد صاحب الميزان قد. إذ قال: (مادة الحكم تدل على نوع من الاتقان، يتلائم به أجزأ الشي، وينسد به


(1) و (2) القاضى ايوب بن موسى الحنفي الكفوى (أبو البقاء) الكليات في اللغة / فصل الحاء / 16 الحكم / ص 144. (3) مادة حكم. (*)

[ 12 ]

خلله وفرجه، ولا يتجزئ إلى الا جزأ، ولا يتلاشى إلى الابعاض حتى يضعف أثره، ويكسر سورته، وإلى ذلك يرجع المعنى بين تفاريق مشتقاته، كالاحكام، والتحكيم، والحكمة والحكومة وغير ذلك) (1). إلى أن يقول قد.: - (وبالجملة الامر في أمره، والقاضي في قضائه، كأنهما يوجدان نسبة في مورد الامر والقضأ يحكمانه بها، ويرفعان به وهنا وفتورا، وهو الذي يسمى الحكم). ويقول بعدها (فهذا ما نعقله من معنى الحكم وهو إثبات شي لشي، أو إثبات شي عند شي) (2). ولو دققنا النظر لرأينا أن الحكم بإثبات شي لشي أو غيره، لا يتم إلا بوجود طرفين على الاقل، ويجب أن يكون صاحب الحكم ومنشؤه صاحب سلطة وسلطنة على الاطراف كلها، وإلا لما تعقلنا الامر كله فيه أصلا. وبما أن صاحب السلطنة الحقيقية هو الله تعالى لانه الموجد والمكون ولا يمكن للممكن أن يستمر بوجوده إلا بالواجب الوجود إذا يكون صاحب الحكم الحقيقي هو الله تعالى دائما. ومن هنا تعقلنا الحكم التشريعي، والحكم التكويني له تعالى. ويظهر الحكم التكويني له سبحانه في آيات كثيرة منها قوله تعالى في خطابه لرسوله صلى الله عليه وآله: (قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله..) (3). ولم يستعجلوا حكما تشريعيا، بل استعجلوا أمرا آخر من معجزات هم اقترحوها، وامور هم تصوروها.


(1) العلامة السيد محمد حسين الطبا طبائى / تفسير الميزان / ج 7 / ص 115 (2) نفس المصدر السابق. (3) الاية " 57 " سورة الانعام - 6 - (*)

[ 13 ]

وكذلك يظهر الامر هذا في سورة يوسف في خطاب يعقوب لولده (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب منفرقة وما أغني عنكم من الله من شي إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون) (1). فليس المراد به هنا الحكم التشريعي على ما هو الظاهر. بنأا على هذا يمكن أن نقسم الحكم بدوا إلى قسمين: - القسم الاول: الحكم التكويني. القسم الثاني: الحكم التشريعي. والحكم التشريعي بدوره يقسم إلى قسمين هما: 1 - الحكم التكليفي. 2 - الحكم الوضعي. وقد عرفوا الحكم التشريعي بقسميه الوضعي منه، والتكليفي بأنه: - (جعل بالتكليف أو بالوضع متعلق بفعل الانسان من حيث المنع عنه، والرخصة فيه، أو ترتب الاثر عليه) (2). والجاعل هو الله تعالى كما قدمنا لانه صاحب السلطنة الحقيقية أولا وبالذات. ومنه سبحانه وتعالى تمتد تلك السلطنة بحسب ما يريد هو لمن يريد لان من له الحكم له الحق ومن له الحق له الولاية، لان الولاية معناها السلطان على من عليه يكون متسلطا، وذلك لتمكنه منه، فتكون حينئذ الولاية المطلقة لله تعالى وحده أولا وبالذات. ثم منه تمتد تلك السلطنة كما في ولاية النبي على المؤمنين، ويظهر ذلك في قوله تعالى: -


(1) الاية " 67 " سورة يوسف - 12 - (2) السيد محمد بحر العلوم / بلغة الفقيه / في رسالته الموسومة ب " الفرق بين الحق والحكم " ط 4 / ج 1 / ص 13 (*).

[ 14 ]

(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم..) (1). وبنأا على تلك الولاية الاصلية والمترشحة قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..) (2). وقال تعالى (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا واطعنا) (3). فسلطنة النبي وحكمه منه سبحانه وتعالى وإذا بين حينئذ رسوله (صلى الله عليه وآله) بإن ما ثبت له ثبت لغيره يكون كلامه هو الحق الذي يجب اتباعه. (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (4). (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عند فانتهوا) (5). من هنا ثبتت سلطنة بعض على بعض. ومنها ثبتت ولاية علي عليه السلام على المؤمنين بتمهيد من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) في غدير خم في السنة العاشرة للهجرة المباركة في يوم (18) من ذي الحجة المبارك بقوله: - (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى يا رسول الله.. قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه،..) (6). فإذا تم هذا ثبتت له تلك السلطنة. ومنها ثبتت ولاية باقي الخلفأ الاثني عشر من قريش، وبأدلة مفصلة ثبتت سلطنة اخرى لنوابهم العلمأ بحسب الدليل سعة وضيقا.


(1) الاية " 6 " الاحزاب - 33 - (2) الاية " 36 " الاحزاب - 33 - (3) الاية " 51 " سورة النور - 24 - (4) الاية " 3 " - " 4 " سورة النجم - 53 - (5) الاية " 7 " سورة الحشر - 59 - (6) وستأتى تخريجاته. (*)

[ 15 ]

ولقد قال الله تعالى في بيان خطابه لداود على نبينا وآله وعليه السلام (إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) (1). وقال تعالى عن قوم آخرين (اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم.) (2). وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله (فاحكم بينهم بما أنزل الله) (3). بل خاطبه جل اسمه: - (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله..) (4). ولم يخاطب أحدا غيره بذلك أبدا. فالحكم بالاصالة له سبحانه وتعالى ويكون لغيره تبعا سعة وضيقا. وربما يكون ذلك للناس دون اصفيائه وخلصائه. قال تعالى: - (وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه) (5). ومثال ذلك واضح في أمور كثيرة منها مثلا العزة.. قال تعالى: - (فلله العزة جميعا) (6). بل أكد ذلك في مورد ثان فقال تعالى: (فإن العزة لله جميعا) (7). ثم قال في مورد آخر (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (8).


(1) الاية " 26 " سورة " ص " - 38 - (2) الاية " 89 " سورة الانعام - 6 - (3) الاية " 48 " سورة المائدة - 5 - (4) الاية " 105 " سورة النساء - 4 - (5) الاية " 47 " سورة المائدة - 5 - (6) الاية " 10 " سورة فاطر - 35 - (7) الاية " 139 " سورة النساء - 4 - (8) الاية " 8 " سورة المنافقون - 63 - (*)

[ 16 ]

بل قد ينسب الفعل له تارة واخرى لمسبباته التي جعلها له.. قال تعالى (الله يتوفى الانفس حين موتها) (1). وقال تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) (2). وقال تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) (3). وقال تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) (4). وهكذا..


(1) الاية " 42 " سورة الزمر - 39 - (2) الاية " 11 " سورة السجدة - 32 - (3) الاية " 28 " سورة النحل - 16 - (4) الاية " 32 " سورة النحل - 16 - (*)

[ 17 ]

الفصل الاول: - الحاكم الاول

[ 19 ]

الفصل الاول: - الحاكم الاول بعد هذه التوطئة نقول متوكلين على الله تعالى: - الحاكم الاول المطلق هو الله تعالى. الحاكم الاول في الاسلام المنصوص والمدلول عليه من قبل الله تعالى هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). قال تعالى: - (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (1). بعد استقرار الدليل العقلي على أن لله سبحانه وتعالى خلقا يمثلونه في الارض مبشرين ومنذرين. قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنا لما اثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسهم ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ولا يحاجهم ولا يحاجوه، فثبت أن له سفرأ في خلقه وعباده يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه


الاية " 65 " سورة النساء - 4 - (*)

[ 20 ]

فناؤهم، فثبت الامرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه. وثبت عند ذلك أن له معبرين وهم الانبياء وصفوته من خلقه، حكمأ مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب) (1). وقد ثبت ذلك في كتابه، قال تعالى: - (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) (2). وقال تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) (3). وهؤلا يصطفون من خلقه. قال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (4). وقال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (5). فتوفر شروط كثيرة في هذا المبلغ عن الله تعالى منها ظاهرية ومنها خفية لا يستطيع أن يلم بها بشر، بل هو سبحانه أعلم بها وبارشاد منه سبحانه وبيان نستدل بوجودها فيه، ومن أروعها وأجلاها العصمة. وكفى قوله تعالى دليلا على ذلك بالنسبة إلى نبينا (صلى الله عليه وآله) (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (6). ولذا أمرنا بطاعته مطلقا ويظهر ذلك جليا في آيات كثيرة منها: قوله تعالى


(1) الشيخ الصدوق " قدس " / التوحيد / ص 249 (2) الاية " 6 " سورة القصص - 28 - (3) الاية " 166 " سورة النساء - 4 - (4) الاية " 76 " سورة الحج - 22 - (5) الاية " 125 " سورة الانعام - 6 - (6) الاية " 3 "، " 4 " سورة النجم - 53 - (*)

[ 21 ]

(وما ارسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (1). بل طاعته طاعته بعينها قال تعالى (من يطع الرسول فقد اطاع الله) (2). بل قال تعالى: - (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا) (3).


(1) الاية " 56 " سورة النساء - 4 - (2) الاية " 81 " سورة نساء - 4 - (3) الاية " 37 " سورة الاحزاب - 33 - (*)

[ 23 ]

الفصل الثاني: - الحاكم الثاني

[ 25 ]

الفصل الثاني: - الحاكم الثاني وهو الذي يسمى عند المسلمين بالامام. والعبأ الذي يقوم به يسمى بالامامة. ويؤمن بالامامة المسلمون قاطبة، وعليها قام إجماعهم، وهي تمثل الخلافة عندهم. إلا أن الاختلاف وقع في نمطها وكيفيتها. فهل هي مثل النبوة لا تكون إلا بالتعيين من المصدر الاول للسلطة والحاكمية أم لا ؟ ! ! بل هي أمر متروك للرعية، فهي التي تختار. وعلى هذا تكون الامامة بنأا على الرأي الاول أصلا من أصول الدين. وتكون على الرأي الثاني فرعا من فروعه. فعلى الاول حينئذ لا يجوز فيها التقليد بتاتا ولا الاختيار، بل هي أمر تعبدي ثابت من السمأ يجب إتباعه لا يمكن تغييره كالنبوة. وعلى الثاني فيجوز التقليد فيها. ومن هنا حدث أهم أفتراق بين المسلمين.

[ 26 ]

الاطروحة الاولى: - الامامة الراجعة إلى الامة طريق ثبوتها إما أن يكون: - ألف - بالاجماع. ب - بالشورى. ح‍ - بالبيعة. وركيزة هذه الافرع الثلاثة أما أن يكون: - 1 - الكثرة. 2 - أو اتفاق أهل الحل والعقد. ولو أحببنا أن نسبر غور كلا منهما لرأينا. 1 - في جانب الكثرة لا يقف إلا زيادة العدد. وازدياد العدد لم يكن يوما من الايام بحجة شرعا ولا عقلا. ويشير إلى ذلك الفرآن الكريم في مواطن كثيرة، فها هو يذم الكثرة ويمدح القلة. قال تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) (1). وقال تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (2).


(1) الاية " 13 " سورة سبأ - 34 - (2) الاية " 187 " سورة الاعراف - 7 - (*).

[ 27 ]

وقال تعالى: (وأكثرهم للحق كارهون) (1). فلا نرى سببا عقلائيا واحدا يحدونا للتمسك بهذا أبدا. إذ حتى في أشد الامور احتياجا للكثرة، صرح القرآن بعدم نفعها مع وجود القلة المدركة إذ قال تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) (2). 2 - اتفاق أهل الحل والعقد. الامر فيه سيتضح بعد المداولة والمذاكرة لكل من الطرق الثلاثة. الطريق الاول: الاجماع ومدرك حجيته إما الكثرة وتقدم ما فيها - بالاضافة إلى أنها تحتاج إلى من يثبت حجيتها فترجع بهذا إلى الشق الثاني، أو غيرها. فإما أن تكون الحجية مصدرها الكتاب أو السنة أو العقل ولا يمكن أن يكون الاجماع للزوم الدور كما هو واضح.


(1) الاية " 70 " سورة الاعراف - 7 - (2) الاية " 249 " سورة البقرة - 2 - (*).

[ 28 ]

المصدر الاول: - 1 - الكتاب واستدلوا بآيات (لا تنهض دليلا على مقصودهم. وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين، وهي قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسأت مصيرا) (1). ويكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال: - والظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الاعدأ عنه نوله ما تولى. فكأنه لم يكتف بترك المشاقة، حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين من نصرته والذب عنه، والانقياد له فيما يأمر وينهى. ثم قال: (وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم)، وهو كذلك كما استظهره) (2). (فسبيل المؤمنين بما هم مجتمعون على الايمان هو الاجتماع على طاعة الله ورسوله وإن شئت فقل على طاعة رسوله - فإن ذلك هو الحافظ لوحدة سبيلهم). وقال تعالى: (وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل


(1) الاية " 114 " سورة نساء - 4 - (2) محمد رضا المظفر / اصول الفقه / ج 2 / ص 90 (*)

[ 29 ]

فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) (1) (2). (أما الايات الاخرى فقد اعترف الغزالي كغيره في عدم ظهورها في حجية الاجماع فلا نطيل بذكرها، ومناقشة الاستدلال بها) (3).


(1) الاية " 153 " سورة الانعام. (2) السيد محمد حسين طباطبائي / الميزان في تفسير القران / ج 5 / ص 82 (3) المظفر / الاصول / ج 2 / ص 90 (*)

[ 30 ]

المصدر الثاني: - 2 - السنة لقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) وما يؤدي هذا المعنى في عدة من الروايات. ويشكل أمر هذه الروايات من جهتين: - الاولى: جهة السند. الثانية: جهة المضمون، والدلالة.

[ 31 ]

الجهة الاولى: - السند وهو غير معتبر. أما لدى الخاصة فواضح. وأما عن طريق الجماعة فهي مروية بطرق مجهولة، ولذا لو حوكمت بميزان أصول الحديث لسقطت عن الاعتبار. فالصحاح الستة خالية منها. نعم رواها الحاكم في مستدركه، إلا أنه أشار إلى عدم نقأ سندها (1). (وأما تعدد الرواية فلا ينفعنا في المقام بدعوى الاستفاضة، فإننا نحتمل قويا اختلاقها بنكتة عامة لتصحيح الاجماع الذي تخيل أنه يصحح أساس مذهبهم، ومع احتمال نكتة عامة في الاختلاف لا يتحقق شرط الاستفاضة أو التواتر. ولعل من يلاحظ ظروف نقل هذه الروايات، وحال رواتها يزداد ظنا باختلاقها بنكتة عامة في الجميع) (2).


(1) من اراد تفصيل عدم نقاء السند فعليه بكتاب " مباحث الاصول " / ج 2 / من القسم الثاني / السيد كاظم الحائري / ص 289 / الهامش. (2) السيد كاظم الحائري / مباحث الاصول / تقريرا لابحاث السيد محمد باقر الصدر (قدس) / ج 2 / ص 292. (*).

[ 32 ]

الجهة الثانية: - دلالة المضمون (لا تجتمع امتي على ضلالة.) أو ما يؤدي هذا المعنى معناه: - أنها معصومة. فوصف العصمة هذا، هل يترشح إلى جميع الافراد بنحو أفرادي ؟ ولا أظن أن أحدا يقول به. وإذا كان على البعض دون الاخر، فهذا وصف البعض لا وصف الامة، فإذا اجتمع هذا البعض كانت العصمة، وفيه: - أولا: إن القائل لا يدعي العصمة لاحد، فكيف يصح منه هذا القول. ثانيا: إن ذلك سيكون وصفا لذلك البعض لا للامة فيصبح الكلام المقدس في غير محله، كما هو واضح. ثالثا: من رجح هذا البعض على الاخرين، ولم يبين رسوله الكريم ذلك ؟ ! وحديثنا في قوة ذلك المرجح لو كان. ورابعا: الاخبار كان عن جميع الامة، وأنها لا تجتمع على خطأ ولا على ضلال. والذي يراد أن يثبت هو اجتماع أهل الحل والعقد فاين هذا من ذاك. إذ أن أهل الحل والعقد جز من الامة، ولا يمكن أن يكونوا هم الامة هذا وأهل الحل والعقد لا يراد منهم في أغلب الاحيان إلا أنفسهم في زمن من الازمنة، وفي عصر من العصور. ولا يراد بهم في أحيان أخرى إلا فقهأا معروفين.

[ 33 ]

وهؤلا أيضا يكونون من طائفة معينة من الامة. وهذه كلها ليست أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بألفها ولامها ولا يأها، فكيف يصح لا تجتمع امتي، أو هذه الامة، على الضلالة إذا كان يراد منها ذلك ؟ ! ولذا صرح السيد الطبا طبائي في ميزانه بأن الرواية (أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الامة على خطأ، ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطأ، وللامة معنى ولاهل الحل والعقد معنى آخر. ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الاول). ثم أضاف (قدس). (وكذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الامة، بل تنفي الاجتماع على خطأ. وبينهما فرق) (1). ثم من حقنا أن نتسأل: - (ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي ! ؟ هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الامور غير مختصة بالامة المسلمة، بل كل امة من الامم العظام، بل الامم الصغيرة، بل القبائل والعشائر، لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الامور العامة، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الامم والاجيال وجدت موارد كثيرة اجتمع أهل الحل والعقد منهم في مهام الامور وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا، وربما أخطأوا، فالخطأ وإن كان في الارأ الفردية أكثر منه في الارأ الاجتماعية، لكن الارأ الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا. فهذا التاريخ وهذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا:


(1) الاية " 189 " سورة البقرة - 2 - (*)

[ 34 ]

فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل والعقد في الاسلام مصونا عن الخطأ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية، بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، ويكون حينئذ كرامة باهرة تخص بها هذه الامة تقيم صلبهم، وتحفظ حماهم، وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم، وبالاخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم، ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الامة العملية، نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية. فكان من اللا زم: - أن يبين القرآن حدوده، وسعة دائرته، ويمتن الله به كما امتن بالقرآن وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، ويبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما يبين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي صلى الله عليه وآله امته، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا بعده اهلا للحل والعقد، وتقلدوا ولاية الامة، وأن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الامر ما حقيقتها ؟ ! وما حدها ؟ ! وما سعة دائرة عملها ؟ ! وهل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الامور العامة لجميع الامة الاسلامية ؟ ! أو تنعقد في كل جمعية اسلامية جمعية أولي الامر فيحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ؟ ! ولكان من اللا زم أن يهتم بها المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ويبحثوا فيه وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالاهلة، وماذا ينفقون والانفال. قال تعالى: (يسألونك عن الاهلة) (1).


(1) الاية " 189 " سورة البقرة - 2 - (*).

[ 35 ]

(يسألونك ماذا ينفقون) (1). (يسألونك عن الانفال) (2). فما بالهم لم يسألوا ؟ ! ! أو أنهم سألوا ثم لعبت به الايدي فخفي علينا ؟ ! فليس الامر مما يخالف هوى أكثرية الامة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالاعراض، فالترك حتى ينسى. (ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال النبي صلى الله عليه وآله حينا بعد حين). فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب ؟ ! ! ولم تظهر بين قدمأ المفسرين من الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده) (3)، وقد أشار بهذا لما فسر عند من ذكر بأن أولي الامر الوارد في آية. (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (4). بأنهم أهل الحل والعقد. وأني لهم أن يثبتوا ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ؟ !


(1) الاية " 215 " سورة البقرة - 2 - (2) الاية " 1 " سورة الانفال - 8 - (3) السيد الطبا طبائي / الميزان / ج 4 / ص 394 - 396. (4) الاية " 59 " سورة النساء - 4 - (*).

[ 36 ]

ولنستعرض الروايات: - (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا). (لا يجمع الله هذه الامة (أو أمتي) على الضلالة). (لا يجمع الله أمتي (أو هذه الامة) على الضلالة أبدا، ويدالله مع الجماعة). أو كما نقل (لا تجتمع أمتي على خطأ) (1). نحاور هذه المرويات بطريق آخر: - نقول إن الرواية الاخيرة يمكن أن تكون اللام فيها للنهي لا للنفي، فتكون وصية للامة. ونقول بعدها: - أ - ورد عن طرق الفريقين بما لا مجال للشك فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة. وأي كانت هذه الفرقة. هل يشك شاك بعد هذا أن اجتماع فرقة من الامة، أو طائفة من الامة، لا يعني بأي حال من الاحوال اجتماع الامة ؟ ! ! نعم لو إلتزمنا بما يقولون جدلا فستكون النتيجة أن اجتماع تلك الفرق كلها على أمر، كاشف عن أن هذا الامر ليس فيه ضلالة كاجتماعهم على وجوب الصلاة مثلا، أو بقية الضروريات. وهذا اجنبي عن الاجماع المدعى. ب‍ - ورد عنه صلى الله عليه وآله عن طرق الفريقين أيضا (اختلاف أمتي رحمة)


(1) انظر مستدرك الصحيحين / الجلد الاول / ص 115 - 117 (*).

[ 37 ]

فعلى توجيههم لهذا الحديث، وأخذهم بظاهره كيف سيجتمع مع قوله صلى الله عليه وآله (لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة أبدا) فإذا كان الاختلاف رحمة، فالاجتماع الذي ليس فيه ضلالة لا تكون فيه الرحمة، أو أنه يريد أن يبين أن امته لا تجتمع على أمر أبدا فتكون النتيجة منافية لغرضهم فمن يلتزم بهذا ؟ ! نعم يمكن أن توجه الاحاديث تلك بطريقين اثنين لا ثلاث لهما: - الطريق الاول: - ما وجه به صاحب الميزان قد. مضمون تلك الروايات بمؤدى لا تجتمع أمتي على خطأ (إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الامة، بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: أما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد. فيوافق مادل من الايات والروايات على أن دين الاسلام، لا يرتفع من الارض بل هو باق إلى يوم القيامة. قال تعالى: (فإن يكفر بها هؤلا فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) (1). فعلى هذا تجتمع مع الروايات الواردة على افتراق الامة إلى ثلاثة وسبعين فرقة.


(1) الاية " 89 " سورة الانعام - 6 - (*)

[ 38 ]

الطريق الثاني: - بيان أن الامة المقصود منها قوم بالخصوص، لا كل المسلمين إذ ورد عن أبي عبد الله عليه السلام فيما رواه أبو بصير: - (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: من آل محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! قال ذريته. فقلت: أهل بيته ؟ ! قال: الائمة الاوصيأ. فقلت: من عترته ؟ ! قال: أصحاب العبأ. فقلت: من أمته ؟ ! قال: المؤمنون الذين صدقوا بما جأ به من عند الله عزوجل، والمتمسكون بالثقلين اللذين أمروا بالتمسك بهما: كتاب الله عزوجل، وعترته أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهما الخليفتان على الامة بعده) (1). وعلى هذين تخرج هذه المرويات عما استدلوا عليه أصلا.


(1) الشيخ الصدوق / معاني الاخبار / ص 94 (*).

[ 39 ]

المصدر الثالث: - 3 - العقل وغاية ما يمكن تصويره به أن الصحابة إذا بينوا أمرا وقطعوا به، فلابد أن يكون قطعهم راجعا إلى حجة شرعية، وكلما أزداد عددهم أزداد احتمال الاشتباه والخطأ عليهم بعدا. والتابعون بما أنهم أخذوا عنهم، فكلما اجتمعوا عليه فكذلك. وتابعوا التابعين كذلك. وهكذا. فيقرب من المستحيل، بل يستحيل عادة إلا يكونوا قد أدركوا الحكم الشرعي بهذا. وهذا كما ترى. فيه: أولا: المفروض أن الصحابة كلهم قد أجمعوا على أمر، وكذا الباقين فكيف إذا لم يكن ذلك، بل شذ عنهم من شذ. ثانيا: إذا اجتمعوا اجتماعا نستكشف به رأي المعصوم، الواجب الاتباع فبها ونعمت، وسيكون حينئذ رأي المعصوم هو المتبع، ولا يكون الاجماع حينئذ دليلا قائما بذاته مقابل كل من الكتاب والسنة الشريفة. ثالثا: إذا اجتمعوا وفرضنا بإننا لم نكتشف رأي المعصوم بهذا الاجتماع فسيكون قطعهم مهما كان قابلا للغفلة، أو الاشتباه، أو الغلط أو بعضها أو كلها مجتمعة، فكيف نقطع بحكمهم أنه هو الحكم الشرعي.

[ 40 ]

رابعا: ربما يكون هذا الاجماع قد أتى من مجرد عادة كانت عندهم، أو عقيدة طمست على أعينهم. بالاضافة إلى أن هذا كما ذكرنا سابقا يكون موردا للشك إذ ربما ميل إليه لاجل تصحيح ما حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة. ولذا اشترط المنطقيون في قبول الخبر المتواتر إلا يتطرق إليه احتمال اشتباه المخبرين، أو غلطهم في فهم الحادثة، أو تعمد الركون إلى أمر لتصحيح آخر دبر بليل. فلا تنفع حينئذ الاستفاضة ولا التواتر. ولذا لا يؤخذ بهما فيما استفاض أو تواتر عند الملل المنحرفة عندنا بأي حال من الاحوال. ونقول أخيرا: - إن الحقائق الدينية لاي دين سماوي يكون طريقها الوحي الالهي. ولا يخرج الاسلام عن هذه الدائرة. والوحي فيه متمثل بالقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والقرآن كما لاحظنا، ونلاحظ أكد على حجية سنة رسول الله صلى الله عليه وآله بمعناها الشامل، واشار أن لم يصرح بصورة واضحة إلى حجية سنة اهل البيت عليهم السلام كما بين ووضح واشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، فكانت عندنا حجية السنة بمعناها الاعم واضحة وضوحا لا مجال للشك فيه. ولا يعدو الاجماع عن ذلك.

[ 41 ]

فلابد من تصريح وتوضيح وبيان له ولحجيته. وإذا ألقينا السمع باصرين فلا يعدو الاجماع عن ان يكون بمنزلة (الخبر الواحد)، أو بمنزلة حكم الخبر الواحد. والخبر الواحد كما نعلم لا يفيد إلا ظنا. والظن لا يغني من الحق شيئا. فإذا قلنا أن الامامة من اصول الدين فالامر فيها واضح، إذ لا يكون - الظن - فيها حجة اصلا، لانها كما نعلم يجب أن تكون مستندة على امر وعلم قطعي، وهو ليس كذلك. وإذا قلنا أن الامامة فرع من فروع الدين فكذلك، وذلك لانه لا يكون الظن فيها حجة ما لم يقم دليل معتبر يبين حجية ذلك الظن بالخصوص من الكتاب والسنة كما قلنا أولا، أو بعد قبول حجية العقل أيضا عن طريقهما في هذه الامور، والعقل لا يقول بحجية الظن أصلا وخاصة في مثلها، إلا عند الانسداد والدليل موجود فلا إنسداد، ولا دليل معتبر على حجيته لا من الكتاب ولا من السنه، فالنتيجة تكون عدم حجية الاجماع باي حال من الاحوال. ب - الشورى. ج‍ - البيعة. والكلام المتقدم كله أوجله يأتي فيهما فلا نعيد (1). بقي شي: لو تنزلنا وقلنا بحجيتها وإن كان ذلك أشبه بالمستحيل لما بين أيدينا من أدلة قدمها القوم ويقدمونها لا تقوى على النهوض، وكأنهم بعملهم هذا يطرقون على حديد بارد، يريدون بذلك بعث الحياة فيه، وما هو بذي حياة، ولا هم بباعثين.


(1) وسيأتي زيادة توضيح في مطاوي البحوث التاليه. (*)

[ 42 ]

مصداقية الاجماع في حكومة الخلفأ: - نقول مقدما أن الحكومة ثبتت في الدولة الاسلامية لكل من أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب. ولم يحظ واحد منهم بنصيب من الاجماع إلا الاخير. بيان ذلك: - إن أريد بالاجماع كثرة الناس في ذلك الوقت، فهذا ليس بحجة جزما مع وجود المخالف. وإن أريد بالاجماع، الاجماع الحاصل من أهل الحل والعقد كما هو المدعى فالمناقشة فيه ظاهرة وثابتة على المسلكين المعروفين، على المسلك الاول من المسلمين وهو الذي يقول بأنه لا حجة بالاجماع ما لم يحرز دخول المعصوم فيه، وهذا الاجماع خال من المعصوم فلا يكون حجة. وعلى المسلك الثاني أيضا، وذلك لان قوة حجية الاجماع مأخوذة من اجتماع أهل الحل والعقد من امة محمد صلى الله عليه وآله، وهذا - مع الاسف - لم يحصل لا للخليفة الاول لان اللبنة الاولى للخلافة أسست في سقيفة بني ساعدة ولم يكن حاضرا فيها إلا مجموعة من الانصار ومجموعة أخرى من المهاجرين قد لا يتعدون أصابع اليد عددا (1)، أغلبهم لم يكن من أصحاب الحل والعقد، إن لم يكن كلهم. وأما أهل الحل والعقد من المسلمين فكانوا مشغولين بالنبي الكريم صلى الله


(1) وهم أبو بكر وعمر وابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابى حذيفة راجع كتب التاريخ والسير، ومنها شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد / ص 187 (*).

[ 43 ]

عليه وآله بالاتفاق، كعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن العباس والزبير بن العوام وطلحة، والمقداد بن أبي الاسود الدؤلي، وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وفروة بن عمرو، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، والبراد بن عازب، وقيس بن سعد بن عباده، وخزيمة بن ثابت، وبقية بني هاشم (1). ومن الغريب أنهم قالوا للانصار على لسان عمر (من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أهله وعشيرته) (2). ومن العجيب أنهم في ذلك اليوم تركوا النص الجلي في إمامة أمير المؤمنين علي وتشبثوا بنص آخر في حسم النزاع بينهم وبين الانصار، إذ بعد رد وبدل قال الانصار منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: الائمة من قريش. فسقط ما في أيدي الانصار، إذ قام عمرو أبو عبيدة وصفقا على يد أبي بكر وقالا: السلام عليك يا خليفة رسول الله. ولم يلحظ مدى صحة ذلك القول، المنسوب إليه صلى الله عليه وآله. ولا مدى دلالة ما جأ عنه صلى الله عليه وآله على هؤلا، أو أن المقصود بهذا غير أولئك، وهم ما أتفق عليه القوم كل القوم بانهم إثنا عشر، وأنهم من أهل


(1) انظر مروج الذهب / ج 2 / ص 301، العقد الفريد / ج 4 / ص 259، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 208، الكامل في التاريخ / ج 2 / ص 325، تاريخ اليعقوبي / ج 2 / ص 103، تاريخ ابي الفداء / ج 2 / ص 63 (2) وهم قد منعوا ابنته ميراثها، ومنعوا سلطان محمد صلى الله عليه واله ابن عمه وعميد عشيرته وقومه. راجع ما قالوه وما فعلوه كتب التاريخ مثل كتاب الطبري / ج 7 / ص 198 الامامه والسياسه / ابن قتيبه النظام السياسي في الاسلام / احمد حسين يعقوب 126 - 133 (*)

[ 44 ]

البيت، وأن جلهم من نسل علي وفاطمة، كل هذا ضاع في غمرة لحظات تلك الساعة القصيبة والحرجة ليس في تاريخ المسلمين فحسب بل في تاريخ الانسانية كلها.. (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (1). فتم الامر على حين غفلة من أولى الحل والعقد، وعجلة من قوم آخرين. ولذا خرج سعد بن عبادة مغضبا. وإذا قيل أن من ذكرت بايعوا بعد ذلك. فلقائل أن يقول: ان منهم من لم يبايع حتى قتلته (الجن) كسعد بن عباده سيد الخزرج بل الانصار يومها. كما أن اتفاقهم بعد ذلك لا يمكن أن يكون حجة، وذلك لاحتمال الاجبار والاكراه، والمحافظة على بيضة الاسلام وكلمته. وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. والاكراه وارد على كل حال، وظاهر لمن تتبع تاريخيا أحداث تلك الايام. ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في باب نبذ من أخبار عمر إن عمر هو الذي وطأ الامر لابي بكر، وقام فيه حتى أنه دفع في صدر المقداد، وكسر سيف الزبير، قال: - (وعمر هو الذي شيد بيعة أبي بكر ووقم المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لما جرده، ودفع في صدر المقداد، ووطي في السقيفة سعد بن عبادة، وقال: اقتلوا سعدا، قتل الله سعدا، وحطم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة عليها السلام


(1) الاية " 25 " سورة الانفال - 8 - (*)

[ 45 ]

من الهاشميين، وأخرجهم منها) (1). وفي موضع ثان قال: أن الحباب بعد ما قال ما قال أخذ ووطئ في بطنه ودسوا في فيه التراب (2). وقال غيره: - أنه نادى على سعد بغضب (أقتلوا سعدا، إنه منافق) (3). وقد قام إليه قائلا (لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، أو تندر عيونك) (4). وأخذ قيس بن سعد بلحية عمر قائلا (والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة) (5). وعندما رفع الزبير يومها سيفه قائلا (لا أغمده حتى يبايع على). قال عمر: (عليكم الكلب). فؤخذ سيفه منه، عندما عثر، وضرب به الحجر، وكسر (6). عندما بعث أبو بكر عمر وجماعة إلى من كان في بيت فاطمة الزهرأ بنت النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وقال له: (فإن أبوا فقاتلهم). فأقبل الرجل بقبس من نار، يريد إحراق بيت النبوة، فصاحت عليه الزهرأ فاطمة عليها السلام: (أجئت لتحرق دارنا ؟ !). قال: (نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة) (7).


(1) نهج البلاغة / شرح ابن ابي الحديد / ج 1 / ص 86 / نبذة من اخبار عمر. (2) النهج / ج 2 / ص 129. (3) ابن عبد ربه / العقد الفريد / ج 3 / ص 62، شرح النهج / ج 2 / ص 128 (4) نفس المصدرين السابقين (5) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 210 (6) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 199. (7) العقد الفريد / ج 3 / ص 63، ابن قتيبة / الامامة السياسة / ج 1 / ص 19، ابن ابى الحديد (*)

[ 46 ]

وفي رواية الطبري أنه قال: (لتخرجن إلى البيعة، أو لاحرقن على من فيها). فقيل له: (إن فيها فاطمة). قال: (وإن). فخرجت الزاهرأ عليها السلام بعدها وهي تنادي باعلى صوتها: - (يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة ؟ !) (1). وقد سيق الامام علي عليه السلام إلى المسجد، وقيل له: (بايع). فقال: (إن لم أفعل فمه ؟ !) فقال: (إذن والله الذي لا إله إلا هو، نضرب عنقك). قال: (إذن تقتلون عبد الله واخارسو له) (2). ولهذا وغيره كثير قالت أم مسطح بن أثاثة (3) وهي تخاطب الرسول صلى الله عليه وآله. قد كان بعدك انبأ وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (4) (وقال البرأ بن عازب:.. وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، وهم محتجزون بالازر الصنعانية، لا يمرون بأحد


< - / ج 2 / ص 134. والشهرستانى في الملل والنحل بلفظ مقارب / ج 1 / ص 56 (1) الامامة والسياسة / ج 1 / ص 20، اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج 4 / ص 114 (2) نفس المصدر الاول السابق (3) وقد تنسب هذه الابيات بالاضافة الى غيرها الى الزهراء فاطمة عليها السلام كما في الاحتجاج / 1 (4) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 2 / ص 136، ابن سعد / الطبقات / ط دار الفكر / ج 2 / ص 332. (*).

[ 47 ]

إلا خبطوه، وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه، شأ ذلك أو أبي، فأنكرت عقلي.. فمكثت أكابد ما في نفسي، ورأيت في الليل المقداد، وسلمان، وأبا ذر، وعبادة بن الصامت، وأبا الهيثم بن التيهان، وحذيفة، وعمارا، وهم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين) (1).


(1) شرح النهج / ابن ابي الحديد / ج / ص 106 وان كان في كلامه ونقله نحو تأمل، وذلك لان اعادة الامر شورى لا محل لها هنا اصلا، إذ لو رجعنا الى نص حديثه الذي يذكره هو بنفسه بعد ذلك في صفحة (184) فيقول فدعوني إليهم فاتيتهم، فوجدت المقداد بن الاسود.. ويذكرهم واحدا بعد واحد، وإذا بحذيقة يقول لهم " والله ليكونن ما اخبرتكم به، والله ما كذبت ولا كذبت، " فلو تأملت هذا القول ستري غرابة " وإذا القوم يريدون ان يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين "، ويحتمل في هذه الاضافة واحتمالين اما ان تكون قد جاءت من قبل الراوي، واضيفت الى كلام البراء أو انها جاءت تبرعا من الناقل نفسه، ولم يفهم حديثهم، فظن هذا الظن والا فمقتضي سياق الكلام ان حذيقة وبما انه من الاشخاص العارفين بالمنافقين وباسمائهم واشخاصهم، فلديه علم من المعصوم عليه السلام بما سيجري على هذه الامة بعد بيعة السقيفة، فاخبرهم بذلك، والقرينة على هذا قوله ما كذبت ولا كذبت فهذا يقتضى الاخبار لا الانشاء بحدوث امر معين هذا اولا، وثانيا قوله ثم قال: ائتوا ابي بن كعب، فقد علم ما علمت، قال فانطلقنا الى ابي، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب فقال: من انتم ؟ ! فكلمه المقداد، فقال ما حاجتكم ؟ ! فقال له: افتح عليك بابك فان الامر اعظم من ان يجري من وراء حجاب قال: ما انا بفاتح بابى، وقد عرفت ما جئتم له، كانكم اردتم النظر في هذا العقد. فقلنا: نعم فقال افيكم حذيقة ؟ ! فقلنا: نعم، قال: فالقول ما قال، وبالله ما افتح عنى بابي حتى يجرى على ما هي جارية، ولما يكون بعدها شر منها، والى الله المشتكي " شرح النهج / ج 1 / ص 184 وهناك قرينة خارجية توضح هذا الامر بصورة جلية إذ بعد قتل عثمان، ومبايعة علي عليه السلام، خطب حذيقة هذا في الكوفة مع شدة مرضه ومن جملة ما قال " فعليكم بتقوى الله وانصروا عليا وازروه، فوالله انه لعلى الحق اخرا واولا وانه لخير من مضى بعد نبيكم وخير من بقى الى يوم القيامة. ثم اطبق بيمينه على يساره ثم قال: اللهم اشهد اني قد بايعت (*)

[ 48 ]

وأما ما روي من طرق الخاصة فهو كثير. وقد كان بنو هاشم منشغلين بالنبي الكريم صلى الله عليه وآله، إذ مكث ثلاثة أيام لم يدفن. والقوم قد تلاقفوها تلاقف الكرة بيد الصبيان على حد وصية أبي سفيان لبني أمية أيام أن أتت إلى عثمان. وبهذا لم يثبت الاجماع المدعى على حكومة الخليفة الاول (1). وأما الثاني: فواضح فيه ذلك أكثر وذلك لانه قد تعين من قبله، فلا يكون ثمة إجماع. وأما الثالث: فالامر فيه كما في أخويه من قبل، لان الاجماع ما حصل، بل الذي حصل هو اجتماع ستة من المهاجرين قدتم تعيينهم مسبقا من قبل الحاكم الثاني، ودخلت الاهوأ في البين فضيعت على الامة فرصة النهوض تارة أخرى مع الاسف. وأما الرابع: فقد تم الامر له من قبل المهاجرين والانصار جميعا وسلموا له تسليما لولا هن وهن، فحدث ما حدث من سؤ تصرفات سابقة، وأمور لاحقة. نعم لا نقاش لنا مع من قال بانعقاد الخلافة لشخص بشخصين (2) إذ هذا لا يتعقل بدين كالاسلام، فضلا على أن ينظر فيه ويناقش. هذا هو حال الطريق الاول.


< - عليا " والتفت الى ابنيه صفوان وسعد قائلا لهما " احملاني وكونا معه فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا ان تستشهدا معه فانه والله على الحق ومن خالفه على الباطل ". راجع مروج الذهب / المسعودي / ج 3 / ص 65 - 66. (1) راجع " الاحتجاج " للطبرسي مثلا لتجد ذلك واضحا ج 1 / ص 75 - 80. (2) الاحكام السلطانيه / المارودى / ص 4. (*)

[ 49 ]

مصداقية الطريق الثاني: - الشورى ما قام الاول، ولا الثاني بالشورى كما هو واضح وأما الثالث فحدث ما حدث من أمرها، ولم يكن بقية أهل الحل والعقد من حضارها. ولا هم من عينوهم. فلا تكون شوراهم حجة حينئذ على مسلك من يقول بحجيتها. بل هذه الشورى صوريه، لا شكل لها ولا مضمون.. إذ كيف يجتمع قول من جعلها: - (إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش، على وعثمان وطلحة والزبير وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم) (1). وقوله بعد ذلك لطلحة: (أما إني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد، والبأو (أي الكبريأ) الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب) (2). وقد علق ابن أبي الحديد في شرحه على ذلك قائلا: (قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ لو قال لعمر قائل: انت قلت: أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الان لطلحة أنه مات ساخطا عليك للكلمة التي


(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 91. (2) نفس المصدر السابق. (*).

[ 50 ]

قلتها ؟ ! لكان قد رماه بمشاقصه) (1). وكذلك بين قوله الاول وبين أمره بقتلهم ؟ ! إذ أنه دعا أبا طلحة الانصاري، وقال له: (انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الانصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلا النفر بامضأ الامر وتعجيله، واجمعهم في بيت، وقف باصحابك على باب البيت، ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم، فإن أتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وأن اتفق أربعه وأبى إثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فأن أصرت الثلاثة الاخرى على خلافها فاضرب أعناقها. وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لانفسهم) (2). وما هذا التقسيم ؟ ! ! وما وجه ترجيح عبد الرحمن وهو قد خاطبه قبل ذلك (ولكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الامر ؟ ! !) (3). وكيف سيختار المسلمون لانفسهم ؟ ! إلى غيرها من الاستفسارات التي لا تجد جوابا أصلا لا في مسألة الشورى ونظريتها، ولا في أطروحة عدم التعيين. وانظر إلى قوله أولا (وقد رأيت أن اجعلها شورى بينهم ليختاروا لانفسهم). تجد العجب. هل جأ بذلك ملك كريم ؟ ! أم أنه أخذه عن رسول الله صلى الله عليه واله ؟ ! !


(1) نفس المصدر السابق / ص 92 (2) - (3) نفس المصدر السابق. (*).

[ 51 ]

أم ماذا ؟ ! ولا بأس بنقل خلاصة كلام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس). في أبطال مبدأ الشورى، حيث يذكر تلميذه السيد كاظم الحائري تلك الخلاصة بقوله: - (إننا لا نحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله قد اعتمد على مبدأ الشورى في تعيين الخليفة من بعده، وذلك لانه لو كان صلى الله عليه وآله اعتمد عليه، لكان على الرسول صلى الله عليه وآله أن يوضح هذا المبدأ، ولا يمكن أن يكتفي بهذه الاية - ويقصد بها (وأمرهم شورى بينهم) (1) إذ لابد من إيضاح حدود الشورى وشرائطها. وما هو الحل فيما لو اختلف المتشاورون، فهل يؤخذ برأي الاكثرية ؟ ! أو برأي الثلة الواعية ولو كانوا أقلية ؟ ! وما هي شرائط المشتركين في عملية الادلاء بالارأ ؟ !.. وما إلى ذلك.. فهذه الامور وغيرها لم توضح للامة، بل إننا نرى أن فكرة الشورى لم تكن موجودة حتى عند أعمدة الخط السني وقتئذ (أبي بكر، وعمر) أنفسهم، فحينما حضرت الوفاة أبا بكر نراه أوصى بالخلافة - من بعده - إلى عمر بن الخطاب. فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله قد أوضح للامة مبدأ الشورى، فمن عمل به، هل السنة أم الشيعة ؟ ! فالشيعة طريقهم واضح، والمسألة عندهم مسألة نص. وأما السنة، فهذا أبو بكر لم يعمل بشي من هذا القبيل، فقد عين عمر بن الخطاب. وكذا عمر بن الخطاب الذي كان قد ناقش في بيعة أبي بكر نفسه، حيث


(1) الاية " 38 " سورة الشورى - 42 - (*)

[ 52 ]

وصفها بأنها فلتة، ولم يعمل بهذا المبدأ عند ما حضرته الوفاة - أيضا - حيث حصر الامر في ستة أشخاص، وجعلها شورى بينهم فقط، ولم يجعلها شورى ضمن الامة كلها. إذن فمن الذي فهم فكرة الشورى وقتذاك ؟ فالشيعة لم يقولوا بها، والسنة لم يفهموها ولم يطبقوها حتى من قبل أئمتهم) (1). فلذا نرى لما تقدم مجانبة من عرف الدولة الاسلامية ببنود كان الخامس منها (إن الامة هي صاحبة الحق في السلطة، وتختار ولاة الامور عن طريق الشورى، واختيار الكفئ والاصلح قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) (2) (3). ونضيف لما تقدم أن الخليفة نفسه لا يلتزم بمبدأ الشورى بعد قوله (لو ادركت ابا عبيدة باقيا استخلفته ووليته، ولو ادركت معاذ بن جبل استخلفته. ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته، ولو ادركت سالما مولى أبي حذيفة وليته.) (4). بل لا يلتزم بما أخذ السلطة به من الانصار يوم السقيفة هو وصاحبه إذ في ذلك اليوم رفعا شعار (الائمة من قريش، نحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه


(1) السيد كاظم الحائري / امامة وقيادة المجتمع / ص 57. (2) الاية " 38 " الشورى - 42 - (3) كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه واله واهل بيته عليهم السلام / لجنة من مؤسسة البلاغ / ج 2 / ص 707 وفات اولئك بان تفسيرها لا يمكن ان يكون ذلك لاختلاف المصطلحات - بل مؤداه - بلسان العرب - هو مشاورة العقل، لا راى الاغلبيه كما هو المصطلح الان، هذا اولا وثانيا لو تنزلنا وقلنا بانه يؤدى الى راى الا غلبيه جدلا لبطل ما يذهبون إليه انفسهم من ترجيح " النخبة " ولا تقوم لهم بذلك قائمة ابدا (4) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 - 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذرى / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط. (*)

[ 53 ]

وآله، العرب لا ينبغي أن تولى هذا الامر إلا من كانت النبوة فيهم، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، نحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو متورط في هلكة) (1). إذ شتان بين هذه الاقوال وبين قوله الاخير هذا - وحبل الكذب قصير - فسالم من الموالي، ولا يعرف له نسب في العرب. ومعاذ من الانصار. (فابتسم ألما وحسرة بينك وبين نفسك إذ ترى حجم المؤامرة). وخالد من بني مخزوم، وقد اسلم بعد اللتيا والتي فلعله يعد من الطبقة العاشرة من طبقات الصحابة وليست له سابقة في الاسلام. فأين بقية المهاجرين والانصار ؟ ! ! واين الشورى وغيرها ؟ !


(1) راجع في ذلك كله الامامة والسياسة / ص 6 - 8 وموارد اخر منها تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580، الانساب للبلاذري / ج 5 / ص 16 بتفاوت بسيط (*)

[ 54 ]

مصداقية الطريق الثالث: - البيعة ولما تقدم نرى أن البيعة لم تكن حاصلة إلا بالاكراه والاجبار أو المباغتة وعدم الروية، أو بعد ذلك حفاظا على بيضة الاسلام وكلمته فلا تكون تامة بأي حال من الاحوال. والبيعة كما تقدم لا يمكن أن تكون لازمة إلا إذا كان لها رصيدها الالهي وحجيتها، فإين حجية بيعة القوم ؟ ! ! من الكتاب أو السنة، أو العقل المويد بهما. وكل ما جمعوه استحسانات وتقولات. وبعد الرجوع لاحداث تلك الساعات والايام والسنين والتي نقلنا جزا يسيرا منها، لاختفأ اغلبه، لانه ضد السلطة، والتاريخ يكتبه المنتصر، ومع هذا ظهر هذا وغيره فنرى أن ما اسسوه وما سماه اللاحق بعد السابق يصح أن يخاطبوا بان هذه الامور كلها ماهي إلا اسمأ سميتموها أنتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان. فالبيعة بما هي لا تكون حجة إلا إذا قامت على أسس شرعية صحيحة، وإلا لو تمت كما تمت لمروان بن الحكم بعد اتفاقه مع روح بن زنباع الذي كان معه أربعمائة رجل من حزام جعلهم يؤيدون ولده عبد العزيز بن مروان في تنصيبه لابيه (1)، هل تكون صحيحة مسلمة (2) ؟ ! !


(1) راجع الامامة والسياسة / ابن قتيبة / ج 2 / ص 16 (2) وقال الشاعر: (*)

[ 55 ]

وأخيرا لنا وقفة مع: - من قال: - أقل ما تنعقد به الامامة من أهل الحل والعقد خمسة يجتمعون على عقدها، أو يرضى أربعة منهم بما عقده الخامس منهم مستدلين على ذلك بأن بيعة أبي بكر تمت كذلك فقد بايعوه أولا خمسة، ثم تابع الناس ذلك (1). أولا: نقول له من حدد هذا العدد ألله ورسوله ؟ ! فجعل به سلطة لفرد من الامة على آلاف الناس من الامة بل ملايينها. وثانيا: الحكم حتى على مبنى من قال أن المصدر للتشريع هو الكتاب ثم السنة. لا يوجد هذا لا في كتاب الله ولا في سنته كما ذكرنا أولا، ؟ ؟ ؟ ؟ سنة الخلفأ أو غير الخلفأ لا يمكن أن تكون سنة مشرعة لنا، بأي حال من الاحوال، مع ما يلتزم القائل بهذا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ليس معصوما إلا في تبليغ الاحكام، كيف يقول بعصمة غيره ؟ ! وليس له أن يقول بأني لا أدعيها، فالالتزام بجعل تصرفه حجة ملزمة استنبط منها الحكم يجعله معصوما وهذا من موارد اختلاف النظرية عن التطبيق عند العامة كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا (المعايير العلمية لنقد الحديث). وثالثا: لو قال بأنكم نسيتم المصدرين الاخرين وهما الاجماع والعقل فالاجماع مر ما فيه فراجع، وأما العقل فأي عقل يقصدون ؟ ! ! لا يمكن أن يساعد على ما ذكر بأي حال من الاحوال، لما تقدم. < -


لي الله قوما امروا " خيط باطل " * * على الناس يعطي من يشاء ويمنع لان مروان هذا كان يمسي ب‍ " خيط باطل " / راجع مروج الذهب للمسعودي. (1) راجع / الاحكام السلطانية / المارودي / ص 4 (*)

[ 56 ]

وقال علمأ من الكوفة: إنها تنعقد بثلاثة. ومع من قال من علمأ الكوفة: بإنها تنعقد بثلاثة يتولا ها أحدهم برضا الاثنين ليكون ثمة حاكمان وشاهدان، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وأنت ترى ما في هذا كله. فعقد الولاية ليست كعقد النكاح. وحتى لو تنزلنا وقلنا هما واحد، فالنكاح متقوم ليس بالشاهدين ولا بالحاكم، بل هما يؤيدان رضى الطرفين وتلفظهما بهذا الرضا، واثبات ذلك. فالولاية لو جعلناها كذلك، فليست هي متقومه، بالشاهدين ولا بمن يحكم بإن هذا أصبح متوليا وواليا، بل تقول ان هؤلا يؤيدون رضى الطرفين وتلفظهما بالولاية، وإثبات ذلك وهما هنا الامة والحاكم المنصوب. والامة لا يمكن أن تمثل بأي حال من الاحوال بعد دمعين لا باثنين ولا بثلاثة ولا بخمسة، كما هو واضح لكل من تدبر وتفكر، وخاصة لو عقدوا بلا مشاورة ولا مراجعة. إذ من جعل السلطة لاي عدد من الناس في جعل زمام أمور امة كاملة بيد فرد واحد ؟ ! ما هذا إلا افترأ. من هذا نرى ما في قول من قال، من أنها تنعقد وإن لم تجتمع الامة، فلا يشترط في عقد الامامة الاجماع. والعجيب أنه أيضا يستدل بامامة أبي بكر وإنها لما عقدت ابتدر بإمضأ أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار. أو حتى من قال إنها لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضا عاما، والتسليم لامامته إجماعا.

[ 57 ]

لان هذا لم يحدث، ولن يحدث، لانه ما حدث عندما كان المجتمع قليلا فكيف يحدث والمجتمع بهذه السعة وبهذا العدد ! ؟ وكيف الامر سيكون لو بايعوه، ثم لم يرض به عدد منهم، أولم يرض به جلهم، أو لم يرض به كلهم ؟ ! ما هذا إلا أثارة فتن وعداوات وما هو إلا اختلاف كبير ولو كان من عند ألله لما وجدوا فيه اختلافا كبيرا. والعجيب أنهم يستدلون ببيعة أبي بكر وفيها: - أولا: إنها بحد ذاتها ليست حجة بأي حال من الاحوال. ثانيا: أنها (فلتة) على حد تعبير الخليفة الثاني وعلى حد تعبير الاول كذلك، فعلى أي معنى حملنا (الفلتة) فلا يمكن أن تكون مقياسا للحكم. وذلك لانه إن كانت فلتة بمعنى إنها ليست ذات أسس صحيحة وليس لها رصيد إلهي فهي ساقطة من الجذور جزما. وإن كانت على رأي من دافع عن الحاكمية الاولى بمعنى المباغتة فكذلك لان ما كان حاله كذلك كيف يجعل مقياسا لاستنباط الاحكام الالهية. وثالثا: إنها لم تثبت للخليفة الثاني كذلك. ورابعا: إنها لم تكن باعتراف الخليفة الثاني أيضا لا من الله ولا من رسوله إذ قام وقال بصريح العبارة وواضحها: - (ايها الناس إني كنت قلت لكم بالامس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وآله) (1). فالبيعة نعود ونكرر ونقول بإنها لا يمكن أن تكون حجة علينا أو على أي


(1) راجع سيرة ابن هشام / ح 4 / ص 311. (*)

[ 58 ]

مسلم ما لم تملك رصيدا إلهيا. كأن يكون وعلى أقل تقدير مثلا بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وقد رأيت فيما تقدم ما كان فيها من خدش. (قل الله أذن لكم..) (1). بل نفس أهل الحل والعقد من جعل لهم السلطة على هذا الامر ؟ ! ! وكما قلنا أولا بإن السلطة الحقيقية والاولى له سبحانه وتعالى ولا يمكن أن تترشح على أحد، ويدعيها أحد إلا منه وحده، فالذي يعطيها إياه فهو صاحب السلطة، وإلا فلا. وإذا جعل له سلطنة وسلطه في جعل السلطة والسلطنة لاي أحد كان الامر كما أفاد بحدودها التي يجعلها ويبينها هو، وإلا لتغيرت أحكام الله وقوانينه في البر والبحر. فلذا نقول بأنه لا يمكن أن يكون إجتماع أهل الحل والعقد حجة بأي حال من الاحوال ما لم يقم دليل واضح على حجيته. فتكون حينئذ سلطنتهم وسلطنته ثابتة ونافذة.


(1) الاية " 59 " سورة يونس - 10 - (*)

[ 59 ]

الاطروحة الثانية: - الامامة لا تثبت إلا بالتعيين نقول مقدما: - أضرار عدم التعيين وإشكالاته: - أولا: لا يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وهو العظيم في خلقه وخلقه أن يترك الانصار بعد وفاته عرضة لقريش واحقادها، ولقمة سهلة لمن وتربهم حينما أقاموا صرح الاسلام وشيدوه، إذا قام الموتورون أنفسهم بالامر من بعده، ووصلوا إليه، إن لم يعين فيكون بذلك خاذلا لمن نصره وأيده أول الامر - وحاشاه أن يكون كذلك -. (روى أبو بكر (أحمد بن عبد العزيز الجوهري) قال: أخبرنا أحمد بن إسحق بن صالح: قال حدثنا عبد الله بن عمر، عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت الانصار إلى سعد بن عباده، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيده، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير. إنا والله ما ننفس (أي نحسد) هذا الامر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من قتلنا أبنأهم وآبأهم، وإخوانهم). فقال عمر بن الخطاب: (إذا كان ذلك قمت إن استطعت..). قلت: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر بن محمد العلوي الحسيني المعروف

[ 60 ]

بابن أبي زيد نقيب البصرة في سنة عشر وستمائة من كتاب السقيفة لاحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: - (لقد صدقت فراسة الحباب، فإن الذي وقع يوم الحرة، وأخذ من الانصار ثأر المشركين يوم بدر) (1). ثانيا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله ولا ينبغي له أن يترك آله وذريته، عرضة لاطماع الطامعين والموتورين كذلك. ولذا أتم ابن أبي الحديد المعتزلي نقله بقوله: - (ثم قال لي: - ومن هذا خاف رسول الله صلى الله عليه وآله على ذريته وأهله، فإنه كان عليه السلام - وآله - قد وتر الناس وعلم إن مات وترك ابنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة، كانوا بعرض خطر عظيم، فمازال يعزز لابن عمه قاعدة الامر من بعده، حفظا لدمه ودمأ أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الامر كانت دماؤهم اقرب إلى الصيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم، فلم يساعده القضأ والقدر (2). وكان من الامر ما كان. ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى ما قد علمت.) (3). ثالثا: لا يمكن له صلى الله عليه وآله أن يترك ابن عمه، وناصره في المواطن كلها لهذا الخطر العظيم. (قرأت في كتاب صنفه أبو حيان التوحيدي في تقريظ الجاحظ.


(1) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 184 - 185 (2) تمعن في عبارته، لتجد الحق واهله.. لم لم يساعده القضاء والقدر ؟ ! هذا من عجائب الامر وغرائبه. (3) ابن ابي الحديد / شرح النهج / ج 1 / ص 185. (*).

[ 61 ]

قال: نقلت من خط الصولي قال: الجاحظ... (ولست ألوم العرب، لا سيما قريشا في بغضها له (1)، وانحرافها عنه، فإنه وترها، وسفك دمأها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب واكبادها كما تعلم. وليس الاسلام بمانع من بقأ الاحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عيانا، والناس كالناس الاول، والطبائع واحدة. فاحسب أنك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم وقد قتل واحد من المسلمين ابنك واخاك، ثم اسلمت أكان اسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنانه ؟ ! ! كلا. إن ذلك لغير ذاهب، هذا إذا كان الاسلام صحيحا، والعقيدة محققة، لا كأسلام كثير من العرب، فبعضهم أسلم تقليدا، وبعضهم للطمع والكسب وبعضهم خوفا من السيف، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الاسلام واعدائه. وأعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه وآله بسيف علي عليه السلام وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته صلى الله عليه وآله عصبت تلك الدمأ بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده، لانه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدمأ إلا بعلي وحده. وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدمأ القاتل، فإن مات، أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت بها أمثل الناس من أهله) (2). فإذا علم ذلك الجاحظ أجهله رسول الله صلى الله عليه وآله ! ؟


(1) يقصد بذلك عليا عليه السلام. (2) المصدر السابق / المجلد الرابع / ص 130 - 131. (*)

[ 62 ]

ولذا لا نعجب من سؤال ابن أبي الحديد حيث يقول: - (سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له: إني لاعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وكيف ما اغتيل، وفتك به في جوف منزله، مع تلظي الاكباد عليه ؟ ! فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الارض لقتل. ولكنه أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الاول، وذلك الشعار ونسي السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في الارض، أو راهبا في الجبال. ولما أطاع القوم الذين ولوا الامر، - ويصعب علي أن أنقل كلمته ولكن أذكرها لابين مدى الجرأة منهم على الله ورسوله وأوليأه - وصار أذل لهم من الحذأ (1) تركوه وسكتوا عنه. ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي الامر، وباطن في السر منه. فلما لم يكن لولاة الامر باعث وداع إلى قتله وقع الامساك عنه. ولولا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين). وهم كادوا يفعلون ولما، فها هو يتم حديثه قائلا (فقلت له: أحق ما يقال في حديث خالد ؟ ! فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك. ثم قال: وقد روي أن رجلا جأ إلى زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة فسأل


(1) وقد نقل هذه العبارة مع ضخامة وقعها على السمع والفؤاد والروح والجسد ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة بلا تعليق أو تعقيب مع انه يرد ابسط الكلمات ويوجهها إذا اتت موجهة للخلفاء، وقد نقلتها لرد اولئك الذين يدعون ان ابن ابى الحديد المعتزلي من الشيعة فهذا اوضح دليل وانصعه، لانه لو كان من شيعته لما نقلها، وإذا فعل لعلق بما يشفي الغليل. (*).

[ 63 ]

عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلاة بأمر غير التسليم، نحو الكلام والفعل الكثير والحدث. فقال: إنه جائز، قد قال أبو بكر في تشهده ما قال..) (1). فبنأا على ذلك نستبعد من شخص كريم، كرسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك من نصره وآواه على وجه العموم، وأهل بيته بالخصوص، وأقرب الناس إليه بالاخص غرضا لكل تلك الدواهي العظيمة.. فهيهات ثم هيهات. رابعا: أكان حرص أبي بكر على الاسلام أشد من حرص رسول الله صلى عليه وآله (أحضر أبو بكر عثمان - وهو يجود بنفسه فأمره أن يكتب عهدا، وقال: - أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (وهو اسم أبي بكر واسم أبيه) إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه.. وكتب عثمان قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب. وأفاق أبو بكر، فقال: اقرأ. فقرأه، فكبر أبو بكر، وسر. وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ! قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله. ثم أتم العهد. وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم.) (2). فإذا خاف أن يختلف الناس إن مات في غشيته، فكيف لا يخاف رسول الله


(1) شرح النهج / المجلد الرابع / ص 131 (2) راجع كتب الاخبار والسير ومنها / شرح النهج / ج 1 / ص 82، تاريخ الطبري / ج 3 / ص 429، سيرة عمر / ابن الجوزى / ص 37، تاريخ ابن خلدون / ج 2 / ص 120 (*).

[ 64 ]

صلى الله عليه وآله، وهو أولى بذلك. وأقف أخيرا مذهولا، وأزداد تعجبا ممن لا يقر بالنص وهو يقرأ هذا في التاريخ ! ! ! أكان أبو بكر أوعى من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أم كان أحرص على إلا يختلف الناس ؟ ! أم كانت الشورى واضحة لدى الخليفة، ولم يعرها أي أهمية، ونصب عمر على المسلمين فخالف الله ورسوله بذلك ؟ ! ثم لاحظ عبد الله بن عمر حين دخل على أبيه وهو يلفظ انفاسه الاخيرة قائلا له: - (يا أمير المؤمنين، استخلف على امة محمد، فإنه لو جأك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه ولا راعي لها للمته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة ؟ ! فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ؟ !) (1). أتراه وضح له من الامر ما لم يتضح لنبي الله صلى الله عليه وآله ؟ ! أو لاحظ قول عائشة قبل ذلك حين خاطبت عبد الله بن عمر هذا (يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راع، إستخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني اخشى عليهم الفتنة) (2). فلاحظ قولها ولا تدعهم بعدك هملا.. وقولها فإني اخشى عليهم الفتنة. فهل الرسول صلى الله عليه وآله يا - أم المؤمنين - ويا - مؤمنون - ويا - عقلا - قد ترك امته بعده هملا..


(1) الامامة والسياسة / ص 23، تاريخ الطبري / ص 34، مروج الذهب للمسعودي / ج 2 / ص 353. (2) المصدر السابق نفسه (*)

[ 65 ]

وهل لم يخش عليهم الفتنة.. مالكم كيف تحكمون ؟ ! وهل ينادي الرسول - صلى الله عليه وآله - من بعد - وحاشاه ثم حاشاه - مثل ما نادى خليفة خليفة المسلمين وآخذ الامور من بعده عمر بن الخطاب (كل الناس افقه منك يا عمر حتى المحجلات في البيوت.) ؟ ! خامسا: إن كتب التاريخ والسير تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما ترك المدينة في أيام حياته يوما، إلا وعين فيها واليا عليها من قبله، حتى يرجع، فكيف يتركها بلا تعيين من عنده، وهو يعلم بأنه سيفارق الدنيا. سادسا: الناس العاديون حتى البسطأ منهم يفعلون ذلك، فضلا عن القادة والملوك والرؤسأ، فكيف مالا يخفى على هؤلا خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائد النبيه، وبالاخص أن الامة لم تنضج بعد. سابعا: الامبراطورية الكسروية من جهة، والامبراطورية القيصرية من جهة ثانية وهما أقوى قوتين في عالم ذاك اليوم تراقبان بقلق كل ما يجري في الجزيرة العربية، كيف يترك القائد المحنك امته الفتية لسبب مهم للانقسام والفرقة مع وجود هاتين القوتين الضاربتين، مع وجود الاعوان لهم من الداخل المتمثلين بالمنافقين، وهي فرصة عظيمة للدخول في هذا الامر الخطير والتأثير على مجريات أحداث المنطقة كلها.

[ 67 ]

دواعي التعيين

[ 69 ]

دواعي التعيين: - كل ما مر عليك سابقا يستدعي التعيين، مع الحفاظ على كلمة الامة الفتية، وعدم نضوجها لاختيار القائد من بينها، وعدم توضيح الامر لهم وخصوصياته لا من سابق ولا من لاحق كما عرفت. وعدم ترك أي سبب للانقسام حتى وإن كان بسيطا في مجتمع لا زالت العصبية تلعب دورا مهما فيه، ووجود المنافقين والذين يتربصون الدوائر به. وكما هو ديدن العقلا في التعيين، والشارع رأسهم وأميرهم. ولذا حتى اعمدة الفكر الامني قد أقر بهذا ومنهم ابن خلدون حيث يقول (أن الامام ينظر للناس في حال حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته.) (1). فهل هذه الخصوصية لكل نبي الائمة، وإمام الانبياء ؟ ! مالكم كيف تحكمون ؟ ! وكما هو مقتضى كون الرسالة هي الرسالة الخاتمة، كما سيمر عليك. أو يشك فضلا على أن يقطع وحتى أن يظن بان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يعين ؟ ! ! (فإذا قال المسلمون أنه لم يعين المرجع من بعده، ولم يحدد من الذي سيقوم بوظائفه، ولا حدد من سيبين للناس أحكام العقيدة، ولامن الذي يحدد لهم دائرة


(1) ابن خلدون المقدمة (*).

[ 70 ]

الشرعية والمشروعية، ولا بين من هو ولي الامة من بعده، ولا من هو ركن مجدها القائم مقامه، ولا من هو ثقلها، ولا من هو مثلها الاعلى ولا من هو الذي سيقود معركة تحرير البشرية وإنقاذها. فإذا قال المسلمون ذلك، فإن قولهم هذا يناقض كمال الدين وتمام النعمة، لان هذه الامور من صلب الدين ومن صميم النعمة، ومن المحال أن تغفلها العقيدة الالهية، ثم أنهم لو اصروا على ذلك لوجدوا أن العقيدة الالهية تتحدى إصرارهم هذا وتعيبه ولا تقره، وان هذا الاصرار يتعارض مع المنطق، والعقل، واساسيات الحياة، فضلا عن تناقضه الصارخ مع قواعد العقيدة الالهية.) (1) التعيين: - الذي يمكن أن نستشف منه التعيين أمران: - الاول منهما: كلي له مصاديق كثيرة، قد لا يتحقق في بعض موارده إلا بمصداق واحد، وقد يذكر هذا المصداق في موارد أخر، وسنتعرض لبعضها على سعة المجال. والثاني: واقعة واحدة قد تكون نافعة في المقام عند بعض. ونقدم الحديث عن الواقعة الثانية أولا.


(1) نظرية عدالة الصحابة / احمد حسين يعقوب / ص 158 (*).

[ 71 ]

الواقعة اليتيمة في التعيين على الخليفة الاول: - وهو المورد الاول: - فأمر النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر بالصلاة بالمسلمين عندما اشتد به المرض، وجعله بذلك إماما في الصلاة يقتضي هذا الامر وهذا الفعل تقديمه على كافة المسلمين بمقدمة مفادها أن المقدم فيها مقدم في غيرها. فهل هذه الواقعة أولا ومقدماتها ثانيا ونتائجها ثالثا تتحمل الصمود أمام ما يأتيها من نقاش وتبقى على ثباتها، أم يكون حالها حال رماد اشتدت به الريح، لاقرار لها ولا اعتبار ؟ ! ! ! والمناقشة تتم من وجوه: - 1 - في نفس الواقعة 2 - في مقدمات ما جعلوه نصا. 3 - في النتائج بالاضافة إلى المقدمة. 4 - في الكل كمجموع. إن ذلك لو كان تاما فهو نص منه صلى الله عليه وآله، ولو كان كذلك لاحتج به هو نفسه وأنصاره يوم السقيفة فيما احتجوا به على الانصار. فكيف ما لم يكن حجة عندهم وعند الصحابة نجعله حجة وأصلا نبني عليه. 3 - في النتائج: - التقديم حتى لو ثبت فهو لا يعني شيئا، وإلا لو كان يعني لكان صهيب الرومي أولى من الستة الذين عينهم عمر بن الخطاب لاختيار من يلي المسلمين، لانه عين صهيبا ليصلي بالناس. 2 - في مقدمات الاستدلال: - إن التقديم في الصلاة لا يعني أنه مقدم في غيرها، ولا في الامامة بالخصوص أصلا وذلك: -

[ 72 ]

ألف - لان الصلاة أمر خاص، والامامة أمر عام، وما يدل على الخاص لا يمكن أن يدل على العام بأي وجه من الوجوه. ب - على مذهب القائل والمائل لهذا الرأي يجوز تقديم الفاسق في الصلاة جزما إذا كان يحسن القرأة، ولا يشترط العدالة فيها. أما من جهة الامامة فقد قام الاجماع على اشتراط العدالة في الامام بحيث لو فسق وجب على الامة عزله. فإذا كان كذلك بطل ما بنوا عليه الاستدلال من أن، كل مقدم في الصلاة مقدم في غيرها. لانه قد يتقدم من كان حاله الفسق فلا يتم الاستدلال. 1 - في نفس الواقعة: - هذا التقديم باطل عند الكل، لانه قد وردت روايات عند الخاصة والعامة توضح بإن ذلك لم يكن بامر من الرسول صلى الله عليه وآله. فإذا لم يكن منه صلى الله عليه وآله بطل الاستدلال من أصله. وأما من يدعي أن ذلك حصل بامر منه صلى الله عليه وآله فيمكن المناقشة بدعواه لما يلي: - أولا: إن ما جأ به بلال من الامر لم يكن مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وآله، بل كان بواسطة. ولم يعلم مدى صدق الواسطة بذلك، مع وجود لغط في كذبها، وهي - أي الواسطة - لم تكن معصومة باي حال من الاحوال، وإذا وجد احتمال ذلك لم تبق حجة في هذا الاخبار أصلا. بالاضافة إلى أن خروجه صلى الله عليه وآله وهو على تلك الحالة من المرض، وتنحيته لابي بكر من الصلاة، وصلاته هو بالناس يدل على ذلك بصورة واضحة جدا، هذا ثانيا.

[ 73 ]

وثالثا: إذا كان الامر منه صلى الله عليه وآله، فكيف خرج ونحاه وأتم الصلاة بنفسه الشريفة على ما اتفق روايته من الجميع، وما هما إلا عملان ينقض أحدهما الاخر، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل ذلك. ورابعا: لو ثبت ما قلتم أولا لثبت النسخ أخيرا، إذ أن تنحيته عن ذلك بمنزلة نسخه لذلك الامر الاول. وأخيرا نقول: - لو كان أمر إمامة الصلاة صالحا للدلالة على الامامة، لصلح أمر إمرة الجيش المبعوث - إمام الصلاة - فيه في الحملة الاخيرة بطريق أولى وأوضح، فهو تابع لا متبوع، فإذا تقدم هو تقدم ذاك عليه، لانه من مجموعته وهو الذي يعين من يتقدم بالصلاة ممن يتأخر. فكان من نصب أميرا جزما على من نصب لامامة الصلاة فقط أولى بالامامة قطعا، لانه أحد جنوده بامر صريح منه صلى الله عليه وآله. وبذا يكون اسامة بن زيد أولى بالامامة من أبي بكر أو أي فرد في حملته، فبهذا نرى بطلان هذا التقديم. لانه إما غير واقع أصلا، أو قد وقع إلا أنه لا يصلح أبدا لانه خاص والامامة أمر عام، أولا يدل على مزية، ولو كان ذا مزية فمزية الامر تقتضي التقديم على الجندي، أو أنه قد نسخ. وهذا الامر لما فيه لا يناسب أهمية التعيين وعظمته، فيسقط من الاعتبار. ولا يدفع كثيرا من مضار عدم التعيين التي سبق وذكرناها خاصة مع وجود قول غيره أوضح منه وأقرب.

[ 74 ]

المورد الثاني: - الذي هو كلي له مصاديق كثيرة، بعضها صريح في ذلك، وبعضها يستشف منها ذلك، وبعضها كلي والذي صرح به أحد المصاديق، وبعضها على شخص ذلك المصداق تنطبق أنطباقا، ولو لم يكن كل واحد منها دليلا قائما بنفسه، فعلى الاقل بعضها، ولو لم يكن هذا البعض كذلك فمجموعها يولد الاطمئنان بل الجزم بهذا الامر. النص في شريعتنا له طريقان لا ثالث لهما: - 1 - الكتاب. 2 - السنة. ونتعرض لذلك بحسب خطة الكتاب، وهو مطلب دقيق لا يمكن استيعابه بصورة شاملة وتامة، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العقائد المطولة، وبالمناظرات التاريخية المنقولة

[ 75 ]

الدليل الاول: - الكتاب الكريم بما أن الحاكمية لها طرفان طرف مرتبط بالحاكم ذي السلطة، وطرف مرتبط بالمحكوم. فيكون في الطرف الاول سلطه وسلطنة الحاكم التي معناها ولاية الحاكم على المحكوم، وإلا لما استطاع الحاكم أن يحكم الطرف الثاني فيصدر حكمه عليه أوله ولا أن ينفذ حكمه فيه. وهذا واضح لا لبس فيه. ومقابل هذا حتى يجري ما قرر الحاكم وينفذ يجب أن يكون هناك خضوع لتلك السلطة والسلطنة من الطرف الثاني وهذا ما يسمي بالاطاعة. فمن جانب هناك ولاية، ومن الجانب الاخر تكون إطاعة، ليتم الامر، وتجري الامور بالشكل المطلوب. وإذا أردنا أن نتبع كتاب الله المجيد لنجد هذه النقطة المهمة فيه، لرأينا آياته موافقة لحكم العقل الذي اثبت خالقية الباري عزوجل، وافتقار الممكن له، فثبتت سلطنته عليه باجلى صور السلطة والسلطنة، وهذا يظهر في الامور التكوينية باتم صورة واوضحها. قال تعالى: - (ثم استوى إلى السمأ وهي دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو

[ 76 ]

كرها قالتا أتينا طائعين) (1). فالسلطة الحقيقية، وأولا وبالذات له سبحانه وتعالى كما كررنا ذلك مرارا. إلا أنه لو أرادها لاحد فمقتضى سلطنته ونفوذها أنها تثبت له بالحدود التي حددها هو سبحانه وتعالى. فهل أشار القرآن الكريم إلى غير الباري عزوجل بهذا الامر الخطير ؟ ! لو تتبعنا آياته كاملة لرأينا أن ذلك ثابت لاشخاص معينين بأوضح صور التعيين وأدقها. ألف - الرسل والانبيأ. ب - الرسول الكريم صلى الله عليه وآله بالتعيين. وعن هذه الصورة التي نبحث عنها بالخصوص يتجلى الامر واضحا للنبي الكريم صلى الله عليه وآله الطرف الاول قال تعالى فيه: - (النبي أوى بالمؤمنين من أنفسهم..) (2). فثبتت له هذه الولاية وهي الطرف الاول.. أما الطرف الثاني الذي هو الاطاعة فقد برز في كثير من آياته منها قوله تعالى: (واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) (3). ومنها (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول..) (4). إلى ما شأ الله من الايات الكثيرة التي تبين بعضها أن إطاعته إطاعته قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (5).


(1) الاية " 11 " سورة فصلت - 41 - (2) الاية " 6 " سورة الاحزاب - 33 - (3) الاية " 132 " سورة ال عمران - 3 - (4) الاية " 33 " سورة محمد - 47 - (5) الاية " 80 " سورة النساء - 4 - (*).

[ 77 ]

فهل هذان الجانبان موجودان لاحد غيره.. ومن عجيب المقادير، ودقة الخلق، واتقان الامر، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1). نرى أن ذلك لم يثبت إلا لبعضهم باعلى مراتب الاثبات وانصعها.. فولايتهم جأ إثباتها وقد حصرت مع ولاية الله ورسوله باداة حصر، فلا ولاية لاحد بهذه السعة إلا للمحصورين بها، وقد أوضح ذلك الطرف الاخر الذي تذكر فيه الطاعة وقد جأت كذلك مقرونة مع إطاعة الله ورسوله فانظره وتفكر واغتنم. قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وإنما في لغة العرب تفيد الحصر، فنستفيد منها حصر الولاية بالله وبرسوله وبالذين آمنوا الذين لهم صفة خاصة قد وضحت وقد تعينت بالروايات المتضافرة أن لم تكن المتواترة بإنها مخصوصة بأفراد معينين، وجأ ذلك وله الحمد من طرق الفريقين. ولو أدعيت لاحد، فعلينا أن نبحث عن الطرف الاخر هل هو ثابت له من الكتاب المجيد، فإن وجد فالامر تام وإلا تبقى الدعوى لا رصيد لها ولا بقأ، تحتاج إلى تصريح من صاحب السلطة والسلطنة الحقيقية. فليس لاحد على أحد سلطه وسلطنة، وخاصة بهذه القوة إلا لمن قام الدليل القطعي عليه، وتمت الحجة على الناس به. فهل الاطاعة موجودة لاحد أدعى تلك المنزلة، وكان مصداقا للاية ؟ !


(1) الاية " 82 " سورة النساء - 4 - (*)

[ 78 ]

لو تتبعنا القرآن الكريم لشاهدنا أن الاطاعة قد وردت فيه لكل من: - 1 - الباري عزوجل. وهذا لا حديث فيه. 2 - الرسل والانبيأ. وهذا قد تم. 3 - رسولنا بالخصوص. وهو قد ثبت. 4 - إطاعة الشيطان، والسادات. الخ وهو ما عاب عليهم الله به. 5 - إطاعة الزوجة لزوجها. قال تعالى: - (الرجال قوامون على النسأ بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللا تي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) (1). فهي مخصوصة في النسأ فقط، وليس كلهن بل النسأ المتزوجات فالمورد خارج عن الحديث هذا أولا. ولدفع كثير من الالتباس والشبه نقول إن الطاعة هنا ليست مطلقة، بل جأت مقابل النشوز، فهي مخصصة المورد بلا ريب ولا شك. فإن اطعنكم في عدم النشوز فلا تبغوا عليهن سبيلا. والنشوز وعدمه قد بين في كتب الفقه بالمقدار الذي يعرفه كل مسلم تقريبا وعدمه التمكين. فالاطاعة ليست مطلقة على كل حال. وهذه المنزلة بينها الباري عزوجل بهذا المقدار لاهميتها.


(1) الاية " 34 " سورة النساء - 4 - (*)

[ 79 ]

ولاهمية البيت الاسلامي وتمشية أموره أمر بها، لكن بحدود عدم النشوز وقد ثبت بمالا مجال للشك فيه أن الاطاعة ليست مطلقة. فهذا بهذا يخرج من حديثنا لمحدوديته ولان الطرف الاول فيه عليه محدد بحدود قد بينته الروايات، ولم يشر إليه في كتاب الله المجيد، وقد ذكرناه دفعا للشبهة، ورفع اللبس، دفعا لمن يقول بإن الاطاعة قد وردت لغير من ذكرت. 6 - إطاعة قوم معينين: قال تعالى: - (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم..) (1). أولا نقول بدأ الباري عزوجل هذه الاية المباركة بخطاب الذين آمنوا وهو مزيد اعتنأ بالامر الذي سيصدر، وثانيا تنبيه على أن إطاعة ذلك الامر هو من صفات الذين آمنوا. وثالثا: إذا لاحظنا الاية المباركة لشاهدنا، إن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة أخرى، ولو كانت إطاعة الله وبجانبها إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله فقط لما كان ذلك مستغربا، إذ ورد ذلك في كثير من آياته، إلا أن هناك إطاعة وبجانبها إطاعة الرسول منظمة لها إطاعة قوم آخرين. وإطاعة الله معلومة وهو صاحب الحق الازلي. وإطاعة رسوله ثابتة ومفصلة وهي مترشحة منها. فتكون إطاعة أولئك أيضا بهذه القوة. وقد تعرضنا في كتابنا (المدخل إلى سنن التاريخ في القران الكريم) لتفصيل ما تؤدي إليه هذه الاية المباركة من الاطاعة المطلقة لله ولرسوله ولاولي الامر.


(1) الاية " 59 " النساء - 4 - (*)

[ 80 ]

وبما أن الله سبحانه وتعالى قد أمر الذين آمنوا بذلك مطلقا، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الرسول محض نور وأولوا الامر نورا مثله كذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كانوا معصومين. فباضافة هذا إلى ذاك نعلم من أن الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، والذين حصر الباري عزوجل ولاية المؤمنين بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وبهم، ما هم إلا أولوا الامر الذين أمر الذين آمنوا أن يطيعوهم كما يطيعون الله ورسوله. وبهذا تكتمل الصورة، الطرف الاول الولاية لهؤلا والاخر الاطاعة لهم. ولو تتبعنا تفاسير المسلمين قاطبة وأسباب النزول لعلمنا من هم أولئك القوم. بالاضافة إلى ورود سنة متظافرة من رسول الله صلى الله عليه وآله إن لم تكن متواترة توضح هذه الولاية بصورة أوضح واصرح، بظروف مناسبة لذلك جدا، وبهذا يتبين أنه حتى لو وجدت تفاسير أخر لقوم آخرين ستكون محكومة بالخيبة والكذب، لتوافق الكتاب في أكثر من مورد، مع الروايات لكلا الطرفين وهما ما اجتمعا عليه على أن ذلك لهؤلا وليس لاولئك، وقد تمت الحجة. ومن هنا نرى وضوح يوم الغدير وضوحا تاما. وقد ذكر المفسرون وعلمأ الفريقين أن هاتين الايتين المباركتين آية الولاية الاطاعة نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى أنه نقل الاجماع من بعضهم في ذلك كالقوشجي في مبحث الامامة من كتاب شرح التجريد (1).


(1) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغى. وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين زادوا هدى اخيرا فاتبعوا الصراط المستقيم فنطق بالحق وبه جاء (*).

[ 81 ]

وكذا قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أزل إليك من ربك..) (1) وقوله تعالى بعد ذلك بعد ادائه التبليغ في يوم الغدير العظيم (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.) (2). ولو استقصينا الايات الواردة في آل البيت عليهم السلام، وفي علي بالخصوص التي تدل على مرجعيتهم وإمامتهم للمسلمين والمؤمنين لرأيناها كثيرة، ومن أراد الاستزادة فعليه بالمطولات (3)


(1) و (2) ومن اراد معرفة المصادر الكثيرة لذلك فليراجع كتاب نظريه عدالة الصحابة للاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 190 وص 191 ففيه ما يبغي. وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لانه اثبت للقلب واكثر اطمئنانا لان مؤلفه كان من مفكري ومثقفي اخواننا السنة والذين (3) قد اقتصرنا هنا على الاكثر ظهورا ووضوحا في الحاكميه والامامة. (*).

[ 82 ]

الدليل الثاني: - السنة جأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث الثقلين ويعني بهما الكتاب الكريم وأهل بيت النبوة عليهم السلام في أكثر من طريق، وبعدة صيغ، من كلا الطرفين بحيث لا يشك المتتبع لما رواه الفريقان من أن هذا قد صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يكن تواترا لفظيا فهو متواتر تواترا معنويا عند كلا الطرفين بلا ريب ولا شك. فقد جأ عنه صلى الله عليه وآله. (يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) (1). وقد روي عنه صلى الله عليه وآله. (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السمأ إلى الارض، وعترتي أهل بيتي. ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ !) (2). فهنا إخبار وتأييد بعدم الضلال بالاخذ بهما، واخبار وتأييد بعدم افتراقهما، فكما علمنا عصمة القرآن الكريم يقتضي بهذا عصمة عترته أهل بيته أيضا مطلقا،


(1) صحيح الترمذي / باب مناقب اهل بيت النبي صلى الله عليه واله / ج 13 / ص 199 (2) المصدر السابق / ص 201، اسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الاثير في ترجمة الامام الحسن عليه السلام، الدر المنثور / السيوطي / في تفسير اية المودة (*)

[ 83 ]

وإلا لافترقا في موارد عدم العصمة، وما صدق حينئذ كلام الرسول صلى الله عليه وآله وهذا ما لا يقوله مسلم، هذا أولا وثانيا يريد أن يبين أن الذي يأخذ بالقرآن بالصورة الصحيحة لابد أن يرجع لاهل البيت عليهم السلام، وإلا لا يكون رجوعه الاول رجوعا للقرآن الكريم وذلك لعدم أفتراقهما واقرب مثال لذلك الصلاة، فالله تعالى يقول (إن الصلاة تنهى عن الفحشأ والمنكر) فعندما يصلي الانسان ولا تنهاه صلاته عن الفحشأ والمنكر يعلم جزما بإن صلاته ليست بتامة، بل وجودها كعدمها لان الله سبحانه وتعالى أكد في كتابه الكريم بأنها تنهى عن الفحشأ والمنكر والخارج ليس كذلك فيعلم من عدم وجود التالي عدم وجود المقدم. ومثله ورد في مكان آخر: - (إني تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟ ! فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1). وقد ورد الحديث بصيغة الامر كذلك. (إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به.. وأهل بيتي) (2). كما جأ بألفاظ مقاربة لهذه (3).


(1) مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 109. (2) صحيح مسلم / باب فضائل علي بن ابى طالب. مسند احمد / ج 4 / ص 366. سنن البيهقي / ج 2 / ص 148، ج 7 / ص 30 سنن الدارمي / ج 2 / ص 431 (3) مسند احمد في اكثر من مورد واحد ج 4 / ص 371، ص 467 (*).

[ 84 ]

وقد جأ عنه صلى الله عليه وآله أيضا (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى..) (1). وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (2). وقد ذكر الثعلبي في تفسيره باسناده في تفسير قوله تعالى (يوم ندعو كل


< - وكذلك ج 5 / ص 181 حلية الاولياء / ج 1 / ص 355، ج 9 / ص 64 مشكل الاثار / الطحاوي / ج 4 ص 368 اسد الغابة / ج 3 / ص 147 تاريخ بغداد / ج 8 / ص 442 كنز العمال / ج 1 / ص 48 مجمع الزوائد / الهيثمي / ج 1 / ص 163 - 164 (1) مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 343 الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 186 المعجم الكبير / الطبراني / ج 12 / ص 27 (2) مسند احمد / ج 4 / ص 96 صحيح مسلم شرح النووي / ج 12 / ص 440 صحيح البخاري / ج 5 / ص 13 باب الفتن، المعجم الكبير / الطبراني / ج 19 / ص 388 الحديث (910) كنز العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 1 / ص 103 الحديث (464) كنزل العمال / لابن حسام الدين الهندي / ج 6 / ص 65 الحديث (14863) وقد رواه كثير من الشيعة الامامية منهم الكليني في اصول الكافي في عدة موارد منها الحديث رقم 5 / ص 103 / ج 1 مجمع الزوائد / أبو بكر الهيثمي / ج 5 / ص 218 حلية الاولياء / ج 3 / ص 224 سنن البيهقي / ج 8 / ص 156 (*).

[ 85 ]

أناس بامامهم) (1) آلي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (كل قوم يدعون بإمام زمانهم). وقد جأ عنه صلى الله عليه وآله. (لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم أثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (2). (3) أو ما يؤدي هذا المعنى.


(1) الاية (71) سورة الاسراء (2) صحيح مسلم / ج 6 / ص 3 - 4 باب الناس تبع لقريش اخرجه من تسعه طرق (ج 2 / ص 119 كتاب الامارة). صحيح البخاري / ج 4 / ص 165 (كتاب الاحكام). باب الاختلاف صحيح الترمذي / في ابواب الفتن / باب ما جاء في الخلفاء / ج 2 / ص 54 مسند احمد / في عدة موارد / ج 5 / ص 86، ص 90، ص 93، / ص 101، ص 106 ص 108 حلية الاولياء / لابي نعيم الاصبهاني / ج 4 / ص 333 كنز العمال / ج 13 / ص 27 - 76 مسند الطيالسي / الحديث رقم (767) والحديث رقم (1278) تاريخ الخلفاء / السيوطي / ص 41 تاريخ البغداد / الخطيب / ج 2 / ص 126 المعجم الكبير / الطبراني / ج 2 / ص 412 (3) هذا ولو يراجع كتاب " المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي " من كتب سلسلة المعارف الاسلامية رقم (1) اصدار مركز الرسالة / ص 74 - 96 / ففيه تحليل لطيف لهذه الاحاديث وزيادة فائدة 1) - بعض مصادر حديث الدار عند نزول اية " وانذر عشيرتك الاقربين " 1 - مسند احمد / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 ص 111، ص 159 2 - التاريخ الكبير / الطبري / ج 2 / ص 316 - 317 / ط مصر 1300 ه‍ 3 - الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ج 2 / ص 41 - 42 / ط دار الكتاب العربي - بيروت / 1387 ه‍ 4 - البداية والنهاية / ابن كثير / ط مصر 1351 ه‍ / ج 3 / ص 39 (*).

[ 86 ]


< - 5 - تاريخ ابي الفداء / ج 1 / ص 119 / ط القسطنطينية 1286 ه‍ 6 - السيرة الجليه / علي بن برهان الدين الحلبي / ج 1 / ص 311 / ط مصر 1330 ه‍ 7 - نقض كتاب العثمانية للجاحظ / أبو جعفر الاسكافي / ص 21 / ط مصر 1352 هم 8 - كنز العمال / المتقي / ج 6 / ص 392 - 397 9 - كفاية الطالب / الكنجي / ص 204 - 207 / ط. الحيدرية 1390 ه‍ 10 - فرائد السمطين / الحمويين / ج 1 / باب 16 11 - تفسير الخازن / ط مصر 1217 / ج 2 ص 371 12 - الدر المنثور / السيوطي / ج 5 / ص 197 / ط مصر 1314 ه‍ 13 - خصائص النسائي / ط مصر 1208 ه‍ / ص 12 14 - مستدرك الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 2 / ص 133 / ط حيدر اباد 1342 ه‍ 15 - البغوي في تفسيره " معالم التنزيل " / ج 4 / ص 278 2) - مصادر لا سيف الا ذو الفقار لا فتى الا على 1 - الكامل لابن الاثير / غزوة احد 2 - تاريخ الطبري / ج 3 / ص 17 3 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 74 4 - كفاية الطالب / القريشي الكنجى الشافعي / ص 144 - 148 بتسعه طرق 5 - شرح نهج البلاغه لابن ابي الحديد / ج 1 / ص 9 / ج 2 / ص 236 / ج 3 / ص 281 / ط مصر. 1329 ه‍ 6 - فرائد السمطي / باب 49 / ج 1 3) - بعض مصادر سد الابواب الا بابه 1 - مسند احمد / ج 1 / ص 175 / ج 2 / ص 126 2 - مستدرك الصحيحين / ج 3 / ص 125 3 - جامع الترمذي / ج 2 / ص 462 4 - كنز العمال / ج 6 / ص 393 - ص 408 5 - الدر المنثور / السيوطي / ج 6 / ص 123 6 - ينابيع المودة / ص 87 (*)

[ 87 ]

هذا ولو تتبعنا القرآن الكريم، والسنة النبوية معا، لرأيناهما قد وضحا منذ بداية الخيط الاول من فجر الاسلام، وسلطا الضؤ على من يحمل الراية معه وبعده، إلى آخر لحظات بقأه في هذه الحياة، مرورا بكل موقف وواقعة.. فعندما نزلت (وانذر عشيرتك الاقربين). راجع التاريخ وسله عمن ارجع عشيرته إليه ليطاع ؟ ! ومن آزره على هذا الامر ؟ ! ولم قالوا لابي طالب وهو شيخهم مستهزئين أنه أمرك أن تطيع هذا الفتى


< - 7 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 76 4) - بعض مصادر حديث المنزله. 1 - صحيح البخاري / في غزوة تبوك / ج 14 / ص 386 / ج 17 / ص 475 2 - صحيح مسلم / في فضائل علي عليه السلام / ج 2 / ص 323 - 324 3 - مسند احمد / ج 1 ص 170 / بطرق كثيرة / ج 3 / ص 32 / ج 6 / ص 369 4 - مستدرك الحاكم / ج 2 / ص 108 5 - جامع الترمذي / ج 2 / ص 460 - 461 6 - سنن ابن ماجة / ط مصر 1313 ه‍ / ج 1 / ص 28 7 - خصائص النسائي / ط مصر 1308 ه‍ / ص 8، ص 28 8 - تاريخ الخطيب البغدادي / ط مصر 1349 ه‍ / ج 3 / ص 299 9 - البداية والنهاية / ج 7 / ص 239 - 340 10 - تاريخ ابن عساكر / ط مصر 1332 ه‍ / في ترجمة علي (ع) 11 - مصابيح السنة / البغوي / ط مصر 1318 ه‍ / ج 2 / ص 201 12 - الكامل في التاريخ / ابن الاثير / ط مصر 1303 ه‍ / ج 2 / ص 106 13 كنز العمال / المتقي الحنفي / ج 6 / ص 153 14 - ذخائر العقبى / المحب الطبري / ص 58 - 62 15 - وفيات الاعيان / ابن خلكان / ج 2 / ص 104 16 - كفاية الطالب / الكنجى الشافعي / ص 148، ص 151، ص 154 17 - العقد الفريد / ط بولاق 1302 / ج 2 / ص 194 (*)

[ 88 ]

ابنك ؟ ! (1) (126). ولم فعل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ ! ومن شهد له من السمأ فالارض ب‍ (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار) (2). ومن الذي بقي بابه كباب رسول الله صلى الله عليه وآله عندما سد الابواب كلها إلا بابه ؟ ! (3). ومن قال له رسول الله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (4). ومن... ؟ ! ومن.. ؟ !... ومن كان أخيرا صاحب بيعة الغدير ؟ ! ! إذا استعرضت هذا كله وغيره وتفكرت به علمت أن الرسول صلى الله عليه وآله أعين الخليفة من بعده أم لا ؟ ! ! وإذا روي لغيره ذلك أيضا، فقارن بين كل هذه الاحاديث وتلك والايات والروايات لترى ما هو الحديث الموضوع ولم وضع ؟ ! ! ! وعندها تعرف أن الرسول صلى الله عليه وآله إنه، إذا عين فمن الذي قد عين ؟ ! ! ! يقرب الامام علي عليه السلام ذلك لنا بقوله: (إن أولى الناس بالانبيأ اعلمهم بما جأوا به، ثم تلى: - (إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا) (5).


(1) و (2) و (3) و (4) مصادر هذه الاحاديث في الورقة الملحقة (5) الاية " 68 " سورة ال عمران - 3 - (*)

[ 89 ]

وهذا يمثل مساحة واسعة، يمكن للكل أن ينسبوا بعضها أو كلها لهم دون غيرهم أيضا. ولوقارنا ما جأت به السير وما نطق به الرسول صلى الله عليه وآله من مدح فلان وفلان لعلمنا من مدح واقعا ممن لم يمدحه إلا أن الوضاع قد وضعوه لاجل السلطة والمال والحقد والحسد. ولنبتعد قليلا عن الاستدلالات العميقة، والتي ربما يتشعب منها شعب بعد شعب. ونكمل الاستدلال بطريقة بسيطة يفهمها حتى البسيط من الناس. فنقول: إن أهل البيت عليهم السلام لهم منزلة خاصة وواضحة عند كل مسلم لا يشك فيها أحد - ولنترك تفصيل أن المقصود، منهم ما يعم الازواج أم لا - حتى أن الباري خاطب نبيه صلى الله عليه وآله قائلا له. (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (1). فإذا مودة القربى واضح وجوبها. ولو نوقش في ذلك، فإننا نتوجه بآية اخرى. (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2). فهذه تبين معان في الانتقأ والتطهير لم تذكر لغيرهم. فهم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله. وهم الذين أوجب الله مودتهم. وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وهم الذين باهل بهم نصارى نجران ونزلت.


(1) الاية " 42 " سورة الشورى - 42 - (2) الاية " 33 " الاحزاب - 33 - (*)

[ 90 ]

(فقل تعالوا ندعوا أبنأنا وابنأكم ونسأنا ونسأكم وأنفسنا وانفسكم) (1). وهم الذين.. وهم الذين.. فلا يمكن أن يتقدم عليهم أحد. ولعل لرسوخ ذلك في أذهان المسلمين كان الترجيح للمهاجرين على الانصار يوم السقيفة لكونهم من قريش فهم أولى بالنبي صلى الله عليه وآله. وفات الكل بإن بني هاشم أقرب من قريش له صلى الله عليه وآله. وإن أهل البيت أقرب من بني هاشم. وعلي عميدهم. وبهذا رسخ عند الكل ولا أهل البيت عليهم السلام، وتعظيمهم، ووجوب حبهم (بل حبهم فرض من ضروريات الدين الاسلامي التي لا تقبل الجدل والشك، وقد اتفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وآرائهم). (ولا يمكن أن نتصور أنه تعالى يفرض حب من يرتكب المعاصي، أو لا يطيعه حق طاعته فإنه ليس له قرابة مع أحد أو صداقه، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلا عبيدا مخلوقين على حد سوأ، وإنما أكرمهم عند الله اتقاهم. فمن أوجب حبه على الناس كلهم لابد أن يكون إتقاهم وافضلهم جميعا، وإلا كان غيره أولى بذلك الحب، أو كان الله يفضل بعضا على بعض في وجوب الحب والولاية عبثا أو لهوا، بلا جهة استحقاق وكرامة ؟ !) (2)، حاشا لله تعالى ذلك. ثم نضيف بعد ذلك بمالا يمكن إنكاره أيضا: - هذه الصلاة المكتوبة التي هي واجبة على كل مسلم، يؤديها كل يوم خمس


(1) الاية " 61 " سورة ال عمران - 3 - (2) الشيخ محمد رضا المظفر / عقائد الامامية / ص 324 / ط (*).

[ 91 ]

مرات على الاقل بملاحظة أنه يصلى الصلاة اليومية الواجبة فقط وإلا لو كان يؤدي المستحبة كذلك فالعدد يكبر والامر يتسع - وجوب الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله مما لا يمكن إنكاره من أغلب المسلمين ان لم يكن كلهم، ولا تتم الصلاة بالاخلال بها. ويقول الفخر الرازي في مفاتيح غيبه في تفسير آية (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) الدعأ للال منصب عظيم، ولذلك جعل خاتم التشهد، وهذا التعظيم لم يوجد في غير الال، وكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب. نقول: من تجب الصلاة عليه على كل مسلم في كل يوم تسع مرات على الاقل هل ميزانه عند الله تعالى - وهو اللطيف الخبير - مساو لمن قد لا تجب الصلاة عليه طول العمر ولو مرة واحدة ؟ ! كل هذه تساؤلات مشروعة، على كل مسلم أن يطرحها على نفسه ليعرف من الذي يكون حينذاك أحق بالاتباع ؟ ! ! فإن الاخرة اتية والله يبعث من في القبور فعلينا تهيئة الجواب والحجة وقد قال تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون). فمن هنا ومن غيره الكثير الكثير نعلم ويخترم بإن المقدم يجب أن يكون من الال انفسهم، ومنزلته عظيمة عند الله تعالى جدا، بحيث أوجب علينا ذلك كله له. ولو تتبعنا السيرة النبوية بعين الانصاف والعدل، لا بعين الاهوأ ورؤية الابأ لرأينا كل ذلك واضحا، فهي تبين التفصيل بعد الاجمال، والتوضيح بعد الابهام. وحتى القرآن الكريم لو ألقينا لباس التعصب لرأيناه يشخص ويعين لو تدبرنا آياته وأردنا اتباعه.

[ 92 ]

وإذا قارنت بعين الانصاف ما جأ عن الرسول صلى الله عليه وآله. تفصيلا، مع ما جأ به القرآن تلميحا وتأصيلا، مع ما حكم به العقل صريحا، لعلمت بان هذا الامر لا يخرج عن العرب دون الناس. وعن قريش دون العرب. وعن قريش دون العرب. وعن بني هاشم دون قريش. وعن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون بني هاشم. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام بالخصوص، وعن أولاده المعروفين المذكورين دون غيرهم قطعا. فإذا ورد هذا كله عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعدم الضلالة باتباع القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام وهم الحبل الممدود بين السمأ والارض، وإنهما لا يفترقان حتى يردا عليه الحوض. وأخبر صلى الله عليه وآله بأن الدين قائم مادام هناك إثنا عشر خليفة كلهم من قريش فيقتضي أنهم من قريش ومن أهل البيت عليهم السلام بالخصوص. وإذا تتبعنا واستقصينا لرأينا أنه يعينهم بما لا مزيد عليه، ويرفع بذلك اللبس عنهم (1). وإذا دققنا كتب القوم، ولم يكن كلهم قد ذكر أو اشير إليه، فعلى أقل تقدير أن علي ابن أبي طالب عليه السلام قد ذكر فيها، والزهرأ البتول عليها السلام قد ذكرت والحسن والحسين عليهما السلام، وإذا ذكر واحد من ولد الحسين عليه


(1) من احب الاطلاع على عدد لا باس به من المصادر التى تذكر عددهم واسماءهم فعليه بكتاب السيد طالب الخرسان اللؤلوة البيضاء / في الفضيلة (27) / ص 185 - 186 - 187 / ط قم المقدسة: (*)

[ 93 ]

السلام فهو، ولا يعنينا عدم الذكر، لان هذه الكتب أيضا روت أن الحجة والامام الذي سميلاها عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا هو من نسل علي وفاطمة، إن لم تصرح بعض المصادر بكونه إبنا للحسن العسكري، فقد ذكر الكنجي الشافعي في كتاب (المناقب) أن العسكري عليه السلام خلف ابنه وهو الامام المنتظر، وقال ابو المظفر ابن الجوزي في (الخصائص): وقد ذكرنا وفاة الحسن بن علي عليهما السلام وأنها سنة ستين ومائتين وذكرا ولادة منهم محمد الامام، ومثله رواه محمد بن طلحة الشافعي خطيب دمشق) (1).. (2). وقد اتعب القوم أنفسهم في توجيه هذه (الاثني عشر) فلم يأتوا العقلاء بامر


(1) اللؤلؤة البيضاء في فضائل فاطمة الزهراء السيد طالب الخرسان / ص 160 / ط قم المقدسة (2) وقد " ذكر منهم مؤلف (كشف الاستار) العلامة النوري اربعين عالما من مشاهير اعلامهم واستدرك عليه مؤلف والشيعة والرجعه " العلامة الطبسي ما يزيد على عشرين عالما وللباحث مجال واسع وطريق رحب للعثور على اضعاف ذلك العدد من علمائهم الذين قالوا بمقالة الشيعة في الامام عليه السلام والى القارى الكريم جملة منهم تأكيدا للباحث وتتميما للفصل وهم 1 - محمد بن طلحه الشافعي في كتابه (مطالب المسؤل) 2 - محمد بن يوسف الكنجى في كتاب (البيان في اخبار صاحب الزمان) 3 - ابن الصباغ المالكي في كتابه (الفصول المهمة) 4 - سبط ابن الجوزى في كتابه (تذكرة خواص الامة) 5 - محي الدين بن عربي في كتابه (الفتوحات) 6 - عبد الوهاب الشعرانى في كتابه (اليواقيت) 7 - ابن محمود البخاري في (فصل الخطاب) 8 - محمد بن ابي الغوارس في (الاربعين) 9 - البلخي في (ينابيع المودة) 10 - محمد بن الصبان في (اسعاف الراغبين) 11 - أبو المعالى سراج الدين الرفاعي في (صحاح الاخبار) 12 - البيهقى الشافعي في (شعب الايمان) (*).

[ 94 ]

مفيد أصلا (1). فإذا كان العقل يرجح التعيين. والانبيأ السابقون لهم أوصياؤهم. والظروف تستدعي التعيين. والخلفأ الاثنا عشر من قريش لا هوية لهم في توجيهات القوم أصلا (2). والقرآن الكريم والعقل يميلان لعصمة من يملا فراغ النبي صلى الله عليه وآله. إن لم يكن ظاهرا منهما ذلك. ويوجد قوم يدعون أنهم إتباع إثني عشر إماما، ويذكرون أسمأهم، فإذا بأولهم قد ذكره الرسول صلى الله عليه وآله في أكثر من مواطن بما ظاهره التقديم أن لم يكن نص منه. ويذكر إمامة إثنين منهما تصريحا (إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3). ويصرف الكل بهذا. ويذكر آخرهم أيضا وينعته بالامامة. وواحدهم ولد الثاني إلا الحسن والحسين عليهما السلام. فهم من قريش.


(1) لقد تعرض لهذا التوجيه عدة كتب منها تفسير ابن كثير ج 2 / ص 34 عند تفسير اية " ولقد اخذ الله ميثاق بنى اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا.. " من سورة المائدة، السلوك لمعرفة دول الملوك المقريزى ج 1 / ص 13 - 15 من القسم الاول (2) راجع بهذا الصدد ينابيع المودة للقندوزى الحنفي الباب (77) عند تحقيق هذا الحديث ص 105 / ج 3 لترى انه لا يمكن حمله لما حملوه كما وضح ذلك هناك بلا زيادة توضيح (3) اجمع عليه اهل القبلة، كما قال ابن شهر اشوب في مناقبه ذلك / ص 22 محمد رضا شمس الدين العاملي / المصلح المنتظر في الاسلام / اصدار مكتبه نينوي / ص 62 (*).

[ 95 ]

وهم من أهل البيت. وهم إثنا عشر كنقبأ بني إسرائيل (1). وهم يدعون العصمة، ويدعيها اتباعهم لهم. وهم علمأ، ابرار، أتقيأ، ليس فيهم مغمز ولا مهمز وحاشاهم من ذلك. وهم بهذه الكيفية والمواصفات والشروط التي يحكم بها القرآن، ويرشدنا إليها القرآن الكريم، ويشير إليها أن لم يصرح بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وينطق بها العقل. إلا يجعل ذلك كله الاطمئنان في نفوسنا بانهم هم المقصودون، وعلينا أن نأخذ معالم ديننا منهم ؟ ! ! ! فضلا عن ورود نصوص كثيرة عن طرق متبعيهم في نص الواحد على الاخر، وتروي بعضها المعاجز والكرامات الدالة على قربهم من الله سبحانه، وتدل بذلك على إمامتهم وربما نقل التاريخ بعضها. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! ! فأين يريد الذاهب أن يذهب. واين يريد السالك أن يسلك. وأين يريد القاصد أن يقصد. لابد أن ينتهي إلى الله... والله أراد ذلك (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير) فلذا والله العظيم يعتريني العجب عندما أقرأ القرآن الكريم واتدبر، وأقرأ


(1) بل ان لكل نبى اثنى عشر وصيا وقد استقصاهم المسعودي في كتابه (اثبات الوصية) وذكرهم مع بعض تراجمهم، وقد ذكر كذلك الائمة الاثنى عشر وذكر تراجمهم، فراجع (*).

[ 96 ]

السنة الشريفة واتمعن بها، واستقرأ التاريخ متفحصا.. يأخذني العجب من أن هناك قوما من العلمأ يذهبون لغير هذا وهم من حملة العلم، ويفهمون الكلام العربي جيدا.. وها هو القرآن قد لمح ووضح، واستطيع أن أقول بكل جرأة أنه نوه باسم علي عدة مرات بأبلغ من التصريح واثبت.. ولكي لا يكون القرآن العظيم بمعرض خطر من تغيير الاسم، كما فعلوا في ماروي عن الرسول صلى الله عليه وآله،. إلا أن العالم لو تفكر لرأى زيفها بما أتاه الله تعالى من العلم الذي هو حجة عليه يوم القيامة إن لم يتبع ما أنزل الله سبحانه.. وقال: حسبنا كتاب الله... وأخذ يؤل برأيه ويبين على هواه مخالفا لامر مولاه.. قد باع الاخرة بالاولى.. فتربت يداه.. ولعن بما قال.. وبئس ما اشتروا به أنفسهم.. والله المستعان.

[ 97 ]

ولنتكلم بشكل آخر: القسم الثاني: - الامامة

[ 99 ]

الامامة: - لا يمكن الولوج إلى عالم الامامة بصورة تامة إلا بالمرور بالقرآن والسنة والعقل ولو بصورة سريعة. ومن خلال تطابق ما يأمر به العقل وما جأ به الشرع، بحيث تكون الاطراف كلها متساوية، لا تبقى ثمة فجوة بدون أن تملا، لتكون الصورة حينئذ كاملة ناطقة، والمصداق ناصعا ومبينا. نقول توطئة بإن الجامع لشرائط التكليف عليه أن يعرف أمورا كثيرة: - منها: ما يجب عله معرفتها عن طريق الشرع والشرع فقط، ولا دخل لغيره فيها، وهذه هي التي ورد فيها: (فدعوا الرأي والقياس فإن دين الله لم يوضع على القياس (1). ومن هنا أبطل القياس والاستحسان من أبطله. وليس الحديث عن هذه من ابتلائنا الان. ومنها: ما يجب عليه أن يحصلها بما أنه عاقل، ولا دخل للشارع المقدس بها ابتدأا أصلا، لان الايمان بها عن طريقه لازم للدور المضمر أو الظاهر، وتنتفي بذلك فائدة بعثة الرسل: إذ يلزم { إفحام الانبياء واندحاض حجتهم، لان النبي عليه السلام إذا جأ إلى المكلف، وأمره بتصديقه واتباعه لم يجب عليه ذلك، إلا بعد العلم بصدقه، إذ


(عن) جعفر بن محمد الصادق عليه السلام... روى في كتاب الاحتجاح / ج 2 / ص 115 / ط النجف (*).

[ 100 ]

بمجرد الدعوى لا يثبت صدقه، بل ولا بمجرد ظهور المعجزة على يده، ما لم ينظم إليه مقدمات: منها: إن هذا المعجز من عند الله تعالى فعله لغرض التصديق. ومنها: إن كل من صدق الله تعالى فهو صادق. لكن العلم بصدقه حيث توقف على هذه المقدمات النظرية لم يكن ضروريا، بل يكون نظريا، فللمكلف أن يقول لا أعرف صدقك إلا بالنظر، والنظر لا أفعله إلا إذا وجب علي وعرفت وجوبه، ووجوبه لا أعرفه إلا بقولك وقولك ليس بحجة قبل العلم بصدقك فتنقطع حجة النبي عليه السلام ولا يبقى له جواب يخلص به. فتنتفي فائدة بعثة الرسل حيث لا يحصل الانقياد إلى قولهم، ويكون المخالف معذورا } (1). أو إذا لم نقل بذلك وأوجبنا أن يكون قوله حجة للعلم بصدقه عن طريق إخباره هو يلزم الدور كما هو ظاهر. ولا يمكن على هذا إثبات شريعة ولا منهاج أصلا. وليس للشارع المقدس في هذه الامور إلا الارشاد والتوضيح والتصحيح وبيان الحدود لها، بعد الايمان به بواسطتها. فعليه يجب على المكلف أن يعرفها بلا تقليد ولا أتباع (2). ولا فرق بين العامي والفقيه في ذلك أصلا، إلا أن الاختلاف في الايجاز والاطناب ورد الشبهه، وتوضيح الصورة بعد تشوشها عند العالم، وما يأتي من هنا وهناك عليها، إلا أن الايمان بها في الجملة حاصل منها بلا فرق.


(1) كشف الحق ونهج الصدق / العلامة الحلى (قدس) / ص 12 / ط بغداد سنة 1244 ه‍ (2) يراجع للتوسعة في ذلك الكتب العقائدية المطولة ككتاب الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد الشيخ محمد حسن الطوسي / الفصل (2) منه. ص 25) ط. الاداب - النجف الاشرف. (*)

[ 101 ]

ولو طرأت على العامي شبهة مثلا فعليه تحصيل معرفة ردها، وإلا فإنه سيحاسب على ذلك. وبهذا تتفاوت الاقدار. وهذه كما هو معلوم تسمى باصول الدين. واختلف في عددها: - وإن كان المتعارف جعلها ثلاثة هي التوحيد والنبوة والمعاد وهذه تسمى بأصول الاسلام، لان كل المسلمين يؤمنون بها ويدينون، وإن كان هناك اختلاف في الجملة في تفريعاتها. ومنهم من جعلها خمسة وسماها باصول الايمان وهي المذكورة مع إضافة العدل ثانيا والامامة بعد النبوة رابعا. وبما أن موضوعنا يدور حول الامامة نقول: -

[ 102 ]

لماذا كانت الامامة أصلا من أصول الدين ؟ ! الاصل: هو الاساس، وما يتبنى عليه غيره. فعليه أصول الدين هي ما يبتني عليه الدين. فإن { الحديث والفقه والتفسير مبنية على صدق الرسول، وصدق الرسول متوقف على ثبوت المرسل وصفاته وعدله وامتناع القبح عليه } (1) وهي كذلك مبنية كما سنرى على صدق الامام لكونه حافظا للشرع، ولكون اللطف الذي تبتني عليه الامامة بقاعدة قوية من ركائز العدل الالهي، وإن للناس بعد ذلك معادا وحسابا وإلا لبطل التكليف.. والمعاد يقتضيه إرسال المرسلين وإلا لكان عبثا. وكلما نجدد النظر إلى الامامة نراها بهذا الميزان الثقيل، ودليلنا من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: - 1 - كتاب الله: قال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..) (2). لو تتبعنا الايام التي تلت انتقال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله إلى الفردوس الاعلى لرأينا بان هناك عدة حوادث ذكرت وشاعت ليس لها علاقة بهذا الامر، وأراد بعضهم أن ينفخ فيها من روحه ليجعلها من قريب أو بعيد قريبة من هذه الفاجعة العظيمة فنجح في جانب وخاب آخر. ذكرت الكتب وزمرت عن الردة وحروبها.. لو تتبعنا من حورب بهذه الوقائع، ومن هم الاشخاص الذين ارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله لرأيناهم بين من ارتد في حياة الرسول محمد صلى الله عليه وآله امثال مسيلمة الكذاب فقد ارتد في سن 10 ه‍ وادعى النبوة (3).


(1) النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر / ص 4 / ط سنة 1270 ه‍ (2) الاية " 145 " سورة آل عمران - 3 - (3) و (3) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 128 / ط المعارف / مصر. (*)

[ 103 ]

وطليحة وقد ارتد بعد حجة الوداع وادعى النبوة (1). ومالك بن نويرة لم يشرك بعد إيمانه قط، ولكنه امتنع من أدأ الزكاة، بل امتنع من جمعها من قومه بني يربوع وقال لهم: (تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وننظر ما يكون من أمره) بل نهاهم عن منع الصدقة (2). حتى أن عمرا قد رأى هذا وأراد أن يقيم الحد على خالد بطل تلك الحروب يقول ابن جرير في تاريخه { ودخل المسجد - يعني خالدا - وعليه قبأ قد غرز في عمامته اسهما فقام إليه عمر فانتزعها فحطمها، وقال له قتلت أمرا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لارجمنك باحجارك - وخالد لا يكلمه يظن أن رأي أبي بكر مثله.. } (3). فمتى أرتد هذا ؟ وهو قد أدى صلاته أمامهم (4). وكيف علقت الاية المباركة أرتداد مثل هؤلا على وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أو قتله. إذا المقصود غيرهم جزما. كيف انقلبوا على اعقابهم ؟ ! ومتى ؟ ! أما السؤال الثاني فمعروف جوابه إذ أنه حدث بعد وفاته صلى الله عليه وآله. وأما الاول فلا يمكن أن يكون إلا بتركهم الولاية، لانه لم يكن هناك أمر جامع لانقلاب الغالبية إلا تخلفهم عن بيعة علي عليه السلام التي هي أس الامامة. فيكون رفضها كرفض الشهادتين فبرفض أحدهما يكون الارتداد ورفضها كان حاصلا خاصة إذا تدبرنا بالاية المباركة: - ففي الاية الاستفهام كما هو واضح ليس حقيقيا. لان حقيقة الاستفهام ليس إلا طلب الفهم، وهذا يقتضي سبق الجهل، وهو محال عليه سبحانه وتعالى.


2) المصدر نفسه / ج 2 / ص 276 / ط (3) و (6) تاريخ الطبري / ج 2 / ص 276 - 280. (*)

[ 104 ]

ولذا حصر الدسوقي في شرحه لمغني اللبيب ما ورد في القرآن من الاستفهام بالتقرير أو التوبيخ أو الانكار (1). وهنا الاستفهام ليس للتقرير لانه لا يريد منهم أن يقروا على شي كما هو واضح لكل لسان عربي. فلم يبق إلا الانكاري والتوبيخي وكلاهما يمكن إذ أنكر عليهم فعلهم ووبخهم عليه أشد توبيخ. وقد قيل بإن هذه الاية نزلت في أحد، فعليه كيف نقلت لما تقولون ؟ ! ولكنه ليس بشي كما ترى. أولا: لان الاية لا يمكن أن تجمد على الواقعة التي نزلت فيها وإلا لبطل القرآن، وبطل الاستدلال به، ولما قام للتشريع من قائمة. وثانيا: الذي يدل على ما نقول: إن الدعوى في ذلك اليوم المعين كانت قتل محمد وليس موته، فإذا كانت الاية مختصة به لما جي بذكر الموت أصلا، وقد جأ فيعلم بإن هذه الواقعة كان لها المجال الواسع للاشارة لما سيحدث بعد رحيله صلى الله عليه وآله وبالفعل أشار من خلالها فقال: (أفإن مات أو قتل انقلبتم..) (2). وأما صيغة المضي فيها فلا تدل على مطلبهم بعدما بينا الذي بيناه، بل تدل على الانقلاب الحقيقي بعد رحيله صلى الله عليه وآله، ولذا أخبر به لانه مكشوف لديه وكأنه لوقوعه قد وقع فعلا وما شأ الله من الاستعمالات القرانية في ذلك، وخاصة مع وجود الشرط والجزأ قال الشريف المرتضى (قدس). (لان الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل فيقول القائل إن زرتني زرتك يريد إن تزرني أزرك قال الله تعالى (إن شأ جعل لك خيرا من ذلك) يعني إن يشأ يجعل) (3) وقال (قدس) (ومما يقوي مذهب من وضع لفظة الماضي في موضع الحال والاستقبال


(1) حاشية الشيخ مصطفى محمد عرفه الدسوقي على مغني اللبيب / ج 1 / ص 9 / ط مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني - القاهرة. (2) الاية " 145 " سورة ال عمران - 3 - (3) امالي السيد المرتضى / ج 4 / ص 106 / ط 1907 / مصر (*).

[ 105 ]

قوله تعالى (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم) وقوله تعالى (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) وقولهم في الدعأ غفر الله لك.. قال الشاعر: فادركت من قد كان قبلي ولم أدع لمن كان بعدي في الفضائل مقعدا أراد لمن يكون بعدي) (1). 2 - قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته..) (2). بنأا على ما يحمله هذا التهديد الالهي من أمر جسيم لامر جسيم، يقا بل تبليغ الشهادتين وما تفرع عليهما بحيث إنه إذا لم يفعله لم يكن قد بلغ الرسالة أصلا، ومن هنا تظهر أهمية هذا الامر بقدر ما يحمله هذا التهديد من قوة لمثل من اتعب نفسه وجاهد في سبيل الله تعالى ذلك الجهاد المر. وما كان ذلك التبليغ إلا تبليغ إمامة علي عليه السلام كما صرح بذلك أهل التفسير (3)، وقد روى السيوطي في الدر المنثور (4) عن الحافظ بن مردويه باسناده عن أبي سعيد الخدري إنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب، واخرج حديثا آخر عن ابن مسعود. وقد ذكر تفسير الكشف والبيان لابي إسحاق الثعلبي النيسابوري مضمون ذلك عن ابن عباس وغيرهم كل في كتابه (5). وبهذا يظهر أنه أصل وأي أصل، ومنه تظهر اهمية الامامة وإنها بميزان كل ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله كميزان صاحبها عندما قال فيه صلى الله عليه وآله (برز الايمان كله إلى الشرك كله). يوم الخندق.


(1) المصدر نفسه / ج 4 / ص 107. (2) الاية " 68 " سورة المائدة - 5 - (3) وقد روى ذلك جمع غفير من علماء المسلمين وقد احصاهم الشيخ الاميني " قدس " في غديره فبلغوا ثلاثين نفسا من اجلائهم. (4) الدر المنثور / السيوطي / ج 2 / ص 298 (5) للاطلاع والاستزادة ومعرفة اسماء العلماء والكتب عليك بكتاب الغدير للشيخ الاميني (قدس) / ج 1 ص 214 - 229. (*).

[ 106 ]

2 - سنة رسوله صلى الله عليه وآله: - نستطيع أن نقسم الروايات الواردة الصالحة لمقامنا هذا إلى ثلاث طوائف: - الطائفة الاولى: الروايات الواردة بانقلاب الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كروايات الحوض. { بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت اين ؟ ! قال إلى النار والله. قلت وما شأنهم ؟ قال أنهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا اراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم } (1). وفي صحيح البخاري كذلك وصحيح مسلم عن أنس: { إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني، فلا قولن أي رب أصحابي، فيقال لي أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك }. وأخرجا كذلك عن سهل بن سعد (سمعت النبي صلى الله عليه وآله أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا. وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول ؟ ! فقلت نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول انهم مني فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك فاقول سحقا سحقا لمن بدل بعدي). وهكذا وردت روايات كثيرة مبثوثة في الصحاح وفي كتب الاحاديث حتى أن مسألة الحوض هذه تكاد تكون من المسلمات بل عدها الزبيدي صاحب تاج


(1) صحيح البخاري / كتاب الحوض (*)

[ 107 ]

العروس من الاحاديث المتواترة (1). فكيف أرتدوا على أدبارهم ؟ ! وماذا أحدثوا بعده صلى الله عليه وآله ؟ ! ولم يكن ثمة أمر ذا أهمية قد تركوه ورأ ظهورهم باغلبيتهم إلا مسألة بيعة علي عليه السلام ولذا جأت أخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وأحاديث كثيرة تبين أنقلاب الامة وتوضح أنهم سيحذون سنن بني أسرائيل حذو النعل بالنعل وبأنهم يرتدون على أدبارهم القهقرى ويصيرون إلى النار ولا يخلص منهم إلا مثل همل النعم وبان الامة ستغدر بامير المؤمنين (2). الطائفة الثانية: لسانها: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) أو نحو ذلك من الالفاظ ذات المعنى المذكور (3). فهذه لسانها عام ليس مخصصا بوقت دون وقت.. فمن هو إمام الزمان الذي يقصد به في هذه الاحاديث المباركة ؟ ! إن كان الخلفأ الراشدون هم الائمة فقد انتهوا وانتهى زمانهم معهم وأهل زمانهم بهم لحقوا فما بال القرون التالية ؟ ! وإن كان العلمأ هم المقصودين فلا أحد يجر أن يدعي هذه الدعوى وأن الفرد المسلم إذا مات ولم يعرف عالم وقته يموت ميتة جاهلية. فضلا عن أنه قد يكون هناك عدد كثير من العلمأ في أقاصي الدنيا فهل يجب


(1) اللالي المتناثرة في الاحاديث المتواتره / أبو الفيض محمد بن مرتضى الحسيني الزبيدي صاحب تاج العروس / تحقيق محمد عبد القادر عطا / ص 251 / الحديث السبعون / توزيع دار البار - مكة المكرمة. (2) الحاكم في المستدرك / ج 3 / ص 140 (3) وقد مرت تخريجاته. (*)

[ 108 ]

استقصاؤهم على المكلف المسكين ؟ ! أم يجب عليه أن يعرف بعضهم دون البعض الاخر ؟ وهذا يخالف المقام في أمور: - الاول: ترجيح لهذا البعض بلا مرجح أصلا. الثاني: تعبير الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله من مات ولم يعرف إمام زمانه الظاهر منه وحدة ذلك الامام وانه إمام لذلك الزمان. الثالث: نسبة الرسول صلى الله عليه وآله الامام إلى الزمان ألا يشعر بنكتة دفينة يخرجها التأمل.. لانه لو كان المقصود الذي يقولونه لما أضافه إلى الزمان بل لاضافه إلى المحلة أو المنطقة أو الولاية أو غير ذلك حسب المقام. وما خطر ذلك الامام الذي بسبب الجهل به يموت المسلم متية جاهلية ؟ ! فلا يحصل المطلوب على جميع الاقوال إلا على ما ذهبنا إليه من ثبوت الامامة على مالا يخفى على المتأمل. الطائفة الثالثة: الاخبار الكثيرة التي جعلت الايمان منوطا بحب آل محمد صلى الله عليه وآله والكفر ببغضهم. (لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي) (لو أن رجلا صف بين الركن والمقام فصلى وصام، ثم لقى الله مبغضا لاهل بيت محمد دخل النار) (1). والملازمة لمن تدبر واضحة.


(1) ذكره محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى / ص 28 / ط دار القادسية - بغداد (*)

[ 109 ]

فالايمان والكفر ماهيتان خاليتان من حب آل محمد وجودا وعدما - فلا بد أن يكون هذا كناية عن ذاك. (إلا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا، إلا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، إلا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا) (1). بل عن كنز العمال ما هو كالصريح في أنه أصل أن لم يكن صريحا بالفعل فعن النبي صلى الله عليه وآله: (أساس الاسلام حبي وحب أهل بيتي) (2). كما ورد أنهم الفلك الجارية وأنهم كسفينة نوح (3). إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة كما أننا سنستدل أخيرا إن شأ الله تعالى أن الامامة ثابتة كما ثبتت النبوة عين القذة بالقذة عقلا وهي أصل فهي أصل. وبعد أن تم استعراض الدليل الشرعي نستعرض الدليل في الحكمة.


(1) تفسير الكشاف / في تفسير قوله تعالى " قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى ". تفسير الثقلين / في تفسيرها كذلك (2) كنز العمال / المتقى الحنفي / ج 7 / ص 102 (3) الحاكم في المستدرك / ج 2 / ص 242 - ج 2 / ص 151 - كنز العمال ج 6 / ص 216 - الصواعق المحرقة / ابن حجر الاية السابقة الواردة في اهل البيت وقد ذكر ان التشبيه هذا (جاء من طرق عديدة يقوي بفصل بعضا) (*)

[ 110 ]

الدليل على وجوب الامامة في الحكمة: المقدمة الاولى: الانسان اجتماعي بالطبع. المقدمة الثانية: كل إنسان يريد أن تتقدم مصالحه وما ترجع به فائدته إليه لحب البقأ المرتكز في نفسه. المقدمة الثالثة: نعلم يقينا بإن الله تعالى عندما أوجد الخلق أوجدهم لترجع المصلحة إليهم أنفسهم. ولوجود المقدمة الثانية كان هناك الوازع والدافع الاساس في سحق مصالح الغير، بل سحقه سحقا. فيحدث التزاحم والتعارض والتشاحن، وربما يؤدي ذلك إلى نهاية الخلق وهو خلاف المقتضى لانشائه. فاقتضى ذلك وجود شرع ملزم لهم غير مكره لهم تكوينا، لمكان العقل فيهم، وإلا لاصبح الانسان كالبهائم والجمادات. وبما أن الله منزة عن الجسمية، كان وجود فرد إنساني يبين ويوضح لهم ذلك لابد منه، ومن هنا عبر الامام الصادق عليه السلام على ما جأ في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (قدس). (إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا.. وكان ذلك الصانع حكيما.. فثبت أن له سفرأ في خلقه..) (1). والانسان كما نعلم تارة يعلم الامر بواسطة عقله، وحتى هذا يحتاج في أغلب الاحيان إلى توضيح وبيان. وأخرى لا يعلم أصلا من الامر شيئا، إلا أن يعلمه الله به، فطريقه منحصر به دون سواه.


(1) كتاب التوحيد / الشيخ الصدوق / ص 249 (*).

[ 111 ]

كما أن الامور كلها بقسميها لابد لها من مذكر ومؤيد وحافظ كي لا يحدث للانسان السهو والنسيان والابتعاد عن حقيقة امرهما، ولو حدث هذا كله لسبب من الاسباب فذاك المذكر والمؤيد والحافظ يرجع الامر إلى نصابه. فالذي يقوم بالمهمة الاولى النبي والمرسل. والذي يقوم بالمهمة الاخرى أخيرا الامام. أو للبيان نقول بتعبير آخر: هناك هدايتان: هداية داخلية وهي العقل. وهداية خارجية وهي الشرع. والهداية الخارجية وظيفتها أما: 1 - أن تؤيد العقول فيما وصلت إليه وتوضح لها. 2 - أو تبين ما لم تصل إليه وبكلا الطريقين للهداية الخارجية حفظ ذلك كله من التلف والتغيير بالمتابعة. ثم بعد هذه المقدمة نقول: إن الاخبار قد كثرت عن صاحب الشرع نفسه صلى الله عليه وآله بحيث أختلط حتى التبيين والتوضيح، فلابد من وجود من يقوم مقامه للمهمة التي جأ من أجلها يوضح ويهدي الناس سبل الرشاد وإلا ضاعت فائدة البعثة أصلا. والذي يقوم بهذه المهمة الامام. ونوضح أكثر فنقول: بما أن نبينا خاتم الانبياء وشريعته خاتمة الشرائع، فلا نبي بعده كما هو ضروري. إذا تشريعه مستمر ما استمر الكون وبقى.

[ 112 ]

وبما أن من يأتي بعده لابد له من الاستمرار على نهجه وطريقه، فيجب أن يكون ذلك النهج والطريق محفوظا بكامله ولو اختفى لاي سبب شي منه فلابد من ظهوره يوما ما ناصعا واضحا لتستفيد البشرية منه، أي يكون النهج محفوظا ولا يمكن أن يكون محفوظا إلا بالامام. بيان ذلك: - لحدوث ما حدث، وحدوث ما سيحدث تغير ما تغير وسيتغير الشي الكثير كذلك فما أدرانا ما هو الصحيح من الفاسد ؟ ! فهل سينتهي التشريع ؟ وهل ضاع ؟ ! ولا يجاب بإن الصحيح هو قول المجتهدين والعلمأ. لانهم قد اختلفوا فيما بينهم وسيختلفون.. فما هو الحق ؟ ! ولطول الفترة قد يبتعد النهج عن النهج المرسوم لضياع كثير من الاحاديث وعدم معرفة المكذوب فيه من الصحيح. إذا لابد من حافظ لهذا الشرع وراع له. ومقتضى الحكمة والادلة العقلية لها وجوب وجود نبي من قبل الله تعالى ولا يمكن أن تتخلف الحكمة.. ولكن لدينا مقدمة أخرى ثابتة وهي من ضروريات دينينا بأنه لا نبي بعد نبينا وأن المنكر لذلك خارج عن ربقة المسلمين. فينحصر ذلك الوجود بالامام لانه يمثل النبي فالنبي يؤدي عن الله بلا واسطة من البشر وأما هو فيؤدي عنه بواسطة النبي.

[ 113 ]

وبصيغة أخرى نقول: إن حافظ الشريعة إما أن يكون: - ألف - التواتر: - (ولا يجوز أن تكون محفوظة بالتواتر لانه ليس جميع الشريعة متواترا بها، بل التواتر موجود في مسائل قليلة نزرة. فكيف يعمل بها في باقي الشريعة ؟ ! على أن ما هو متواتر يجوز أن يصير غير متواتر بأن يترك في كل وقت جماعة من الناقلين نقله، إلى أن يصير احادا، إما لشبهة تدخل عليهم، أو اشتغال بمعاش وغير ذلك من القواطع) (1). أو ب - الاجماع: - (ولا يجوز أن تكون محفوظة بالاجماع لان الاجماع ليس بحاصل في أكثر الاحكام بل هو حاصل في مسائل قليلة) (2). فضلا أنه قد يكون ثمة إجماعان متعارضين بحالات أخر. فأي منهما أحق بالاتباع وهو الحافظ ؟ ! أو ج‍ - يكون الحافظ أخبار الاحاد: - وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وإن ثبت فهو حجة للمجتهد بينه وبين الله تعالى، أما أنه هو حقيقة الشرع وهو الحكم الواقعي لله تعالى فلا. والشارع قد جعله حجة لئلا تتعطل أحكامه، وأما الاحكام الواقعية فإن لم تختف لحد الان، فإنها لا سامح الله ستختفي فيتبدل شرع الله كما هو ظاهر لعين الحق. وحتى على القول بإن أحكام الله الواقعية تابعة لاحكام المجتهدين - أي بنأا على ما يقوله المصوبة. فالاحكام بعد فترة تطول أو تقصر ستتغير وتتبدل، فيكون شرع محمد صلى الله عليه وآله غير شرعه، فلا يكون حلال محد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.


(1) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتماد / الشيخ الطوسي / ص 302 / منشورات جمعية منتدى النشر - النجف الاشرف. (2) المصدر نفسه / ص 302 (*).

[ 114 ]

أو د - القياس: - ولا يمكن الاحاطة بعليته وبه، لان دين الله لا يصاب بالعقول، ولعل ما نراه علة ليس بعلة، وما لا نراه كذلك هو علة. وقد بين بطلانه في كتب الاصول والمنطق ولم يترك هناك شك لكل ذي شك. كما أن الذي يقول به لا يقول به في جميع أحكام الشريعة فلا يمكن أن يكون حافظا. أو ه‍ - يكون الحافظ شخصا يقوم مقام النبي لحفظ الشريعة عن الانحراف عن الجادة الصحيحة، ولو انحرف لطول الفترة فسيظهر ليظهر الحق ويعيد الامر إلى نصابه. ولذا قال تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (1). على أن تكون هذه الواو أستئنافية لا عاطفة، أو باب عطف جملة على جملة أخرى. وأخيرا نقول: لو لم تكن الامامة واجبة، والامام موجودا، فالرسالة الاسلامية ليست بخاتمة الرسالات الاسلامية، لان الحكمة التي اقتضت الرسالات لم ترتفع أو تتبدل. وبما أنه من الضروري الثابت والذي لا ريب فيه أن الرسالة الاسلامية خاتمة الرسالات السماوية. إذا يجب أن تكون الامامة واجبة، والامام موجودا، كما هو واضح وبين بحمد الله تعالى وتوفيقه.


(1) الاية " 8 " سورة الرعد - 13 - (*)

[ 115 ]

ما هو طريق تعيين الامام ؟ ! قالوا باختيار الناس. وقلنا من الله. والحق قولنا لامور: 1 - { لا يجوز اسناد أمر الامامة إلى المكلفين لانها أهم أركان الدين، فالذي شرع الاحكام وجب عليه النص على من لا تتم الاحكام إلا بنصبه } (1). 2 - { وإذا كان الله تعالى ورسوله لم يتركا صغيرا ولا كبيرا من الامور إلا وبينا الحكم فيها - فيه -، وقطع الله بذلك عذر العباد بجعل تلك النواميس النظامية والعبادية، فكيف لا يجعل لهم المصلح الحافظ وهو القدير على إقامته، فيخل الله بالواجب أو يعجز عن إيجاد الحجة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا } (2). 3 - قد يكون الاختيار مفسدا للامة أكثر من عدم نصب الامام نفسه خاصة مع القول باكتفأ اختيار الواحد من الامة. كما حدث. 4 - قد يقع الاختلاف بين الامة في الاختيار إذ تختار كل طائفة واحدا، فتحدث الخصومة والنزاع فيقع ما استدعى دفعه النصب. وإذا قيل بثبوت المتقدم للامامة فهو كما ترى: ألف - لوقوع الاختلاف فيه مثلا. ب - والانتظار لهم إلى أن يختاروا من بينهم ربما كان مدعاة للفساد لطول الفترة مثلا أو لغير ذلك.


(1) الالفين الفارق بين الصدق والمين / العلامة / ص 25 (2) المصدر نفسه / ص 25 كذلك (*).

[ 116 ]

ج‍ - مع احتمال أن يكون الثاني أصلح. د - وهذا يوجب الضغينة بينهم، وربما يمد عنقه من ليس أهلا وقد حدثت الامور الثلاثة الاخيرة. 5 - ان تكليف الاختيار لا يخلو إما أن يكون: - 1 - بالجميع 2 - بالبعض 3 - بالواحد فقط. أما بالواحد فباطل للحيف الظاهر. وأما بالبعض فحيف كذلك وبلا سلطان من قبل الله تعالى جعله لهؤلا على كافة الناس. كما أنهم قد يجهلون، بل هم يجهلون عدالته الواقعية إذ عليهم الظاهر. وإذا كان قبول قولهم مشروط باطلاعهم على عدالته الواقعة وجمعه لشرائط الامامة فهو مستحيل، لعدم الاطلاع على دخائل النفس. فضلا عن معارضتها بشهادة أخرى كما يحدث كثيرا. مع أنهم لم يبينوا لنا (كيف يتم تكوينهم ؟ ! ما حدود سلطانهم ؟ ! هل يحق لهم عزل الامام ؟ ! ما الضمانات المكفولة لهم لتتم الانتخابات في حرية ؟ !) (1). كما تنبه لذلك الدكتور أحمد محمود صبحي في مناقشته لنظرية الامامة وواصل كلامه بقوله (فلم يعرف عن أهل الحل والعقد شي من الناحية النظرية وربما الواقعية كذلك مع أنهم أعلى السلطات، بل أن فيلسوفا مدققا كابن خلدون قد جعل حاشية الخليفة وبطانته واقاربه، بصرف النظر عن مدى علمهم واجتهادهم وتقواهم هم أهل الحل والعقد الذين عارضوا الخليفة المأمون أن ينقل الخلافة إلى علي الرضا من بعده) (2). وذلك باعتقادي لان الحجج العقلية الدامغة


(1) نظريه الامامة لدى الشيعة الاثنى عشريه / د. احمد محمود صبحي / ص 16 / ط دار المعارف - مصر. (2) المصدر السابق / ص 26 (*).

[ 117 ]

وربما الشرعية الناطقة تجبرهم على القول بالامامة، إلا أنهم لا يجدون لها سبيلا فيما ارتكب الاولون ولا تصحيحا غير هذا، فيخلطون الحابل بالنابل تخلصا من وصمات واضحة.. ربما ستلحق بهؤلا وهؤلا.. منها عدم المبالاة بالدين.. ولذا أخذوا يتكلمون ويخططون لامر هم صنعوه، ولا وجود له في الواقع كما تخيلوه كما هو ظاهر للمتأمل المنصف. 6 - لابد من عصمة الامام كما سنستدل على ذلك إن شأ الله تعالى، وهذا الامر لا يعلمه إلا الله سبحانه، فكيف لهؤلا من الوصول إليه ؟ ! 7 - إن تعيين الامام واجب على الله سبحانه، فسقط بذلك الوجوب عن الامة. وطريق ذلك كتاب الله حيث يقول: (إن علينا للهدى..) (1). ومن ركائز الهدى الامامة كما كانت النبوة كذلك، وبالخصوص في شريعتنا لما تقدم. وحيث يقول: (كتب ربكم على نفسه الرحمة..) (2). وكما كانت النبوة رحمة للعباد فكذا امتدادها. ويقول تعالى: - (إن الحكم إلا الله..) (3). وأساس الحكم وقوامه الامام. وقال تعالى: (ألا له الحكم..) (4) وأساس الحكم الامام.


(1) الاية " 13 " سورة الليل - 92 - (2) الاية " 55 " سورة الانعام - 6 - (3) الاية " 58 " سورة الانعام - 6 - (4) الاية " 62 " سورة الانعام - 6 - (*).

[ 118 ]

وللعقل طريق آخر لبيان هذا الوجوب: وقد اشار القران وربط ما جأ به ودل عليه العقل: أولا: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (1). وتمام دفع حجة الناس بعد الرسل، استمرار رسالة الرسل بحافظها والقائم بها وإلا فما فائدة الرسول بلا رسالة من هذه الزاوية التي جأ نور هذه الاية المباركة منها ؟ ! فعليه يجب وجود الحافظ والمبلغ الذي هو الامام وإلا لتمت الحجة للناس على الله تعالى. وثانيا: بقاعدة اللطف. 8 - قالوا أن خلو الوقت من خليفة موجب للفساد، فنصبه دفع ضرر مظنون، ودفعه واجب إجماعا. وعندما يقولون ذلك نقول لهم إذا كان الامر كذلك فكيف للعاقل أن يدعي بإن محمدا قد ترك أمته كذلك ؟ ! هل لم يكن يعقل ذلك وحاشاه ؟ ! أم.. ماذا ؟ ! 9 - إن خلو الوقت من خليفة ممتنع، وقد تواتر إجماع المسلمين في الصدر الاول على ذلك، ونقل على هذا قول أبي بكر على ما روي { إلا إن محمدا قد مات ولابد لهذا الدين ممن يقوم به }. فهل عرف شيئا قد جهله رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل ذلك جهله الله إذ لم يأمر رسوله بنصبه وهو يعلم بأنه سيفارق الامة عن قريب ؟ !


(1) الاية " 166 " سورة النساء - 5 - (*).

[ 119 ]

بل قال عمر (بيعة أبي بكر فلته..) (1). ولا يمكن أن يراد بالفلتة هنا المباغته، للقرينة المقالية في القول.. إذ قال بعد ذلك (وقى الله المسلمين شرها) فهي إذا تحمل شرا، ولا يمكن أن يكون دفع ضرر المسلمين مما أوجبه الله عليهم يحمل شرا وقد ورد أنه (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام) فكيف يكون اشغال مثل هذا المنصب الخطير شرا ؟ وأي شر هذا الذي يهدد به الخليفة الثاني ويجعله يقول { فمن عاد لمثلها فاقتلوه } ؟ ! فإذا كانت حقا كان القتل باطلا، وإذا كانت باطلا كان القتل حقا. فعن ايهما يمنع ؟ ! وبايهما يأمر ؟ ! 10 - قالوا بإن الشارع قد أمر باقامة الحدود وتجهيز الجيوش وسد الثغور، وهذه كلها واجبة شرعا، وهي لا تتم إلا بنصب إمام.. إذا نصب الامام واجب، لان ما لايتم الواجب إلا به واجب. وهذا مردود بما تقدم كا هو ظاهر، إذ بعد التعيين من قبل الله سبحانه وتعالى لا حاجة لتعيينه من قبلنا إلى غير ذلك من الامور المذكورة سابقا ولاحقا. فضلا عن أنه يناقش في محله من كتب الاصول هل ان ما لا يتم الواجب إلا به واجب مطلقا أم لا ؟ ! فليراجع. 11 - إن منصب الامامة كمنصب النبوة لها السلطة العامة على المكلفين جميعا، في الامور الدينية والدنيوية. والناس غير قادرين على هذا الاختيار الخطير لانهم لا يحيطون بالمصلحة الالهية. بل إن هذا الشخص نادر الوجود ولو وجد في وقت فما بال الوقت الذي لا


(1) تاريخ الطبري / ج 3 / ص 200 - السيرة الحلبيه / ج 3 / ص 388 - الكامل لابن الاثير / / ج 2 ص 135 شرح النهج لابن ابي الحديد / ج 2 / ص 26 / ط دار احياء الكتب العربيه كنز العمال / ج 3 / ص 139. وغيرها. (*).

[ 120 ]

يوجد فيه من يحمل هذه الصفات ؟ ! ولا يقال بإن ما تقولونه في حال الغيبة الكبرى نقوله هنا، لانا نقول بإنه في حال الغيبة الامام موجود إلا أنه لا يمكن الاطلاع عليه، أما في دعواكم وافتراضنا فلا وجود له ولا يمكن أن يخلو الزمان من إمام كما هو المفروض فقولكم على هذا باطل بالضرورة. ولو أمكن للناس اختيار مثل هذا الشخص فهذا يعني أنهم متمكنون من اختيار النبي ولترك لهم هذا الاختيار وهو باطل ضرورة. 12 - (ومن نختاره اليوم قد ننقم عليه غدا، ويتبين لنا باننا قد اخطأنا، ولم نحسن الاختيار، كما وقع ذلك لعبد الرحمن بن عوف نفسه عندما اختار للخلافة عثمان بن عفان، وندم بعد ذلك، ولكن ندمه لم يفد الامة شيئا بعد توريطها. وإذا كان صحابي جليل من الرعيل الاول وهو عثمان لا يفي بالعهد الذي اعطاه لعبد الرحمن بن عوف، وإذا كان صحابي جليل من الرعيل الاول وهو عبد الرحمن بن عوف لا يحسن الاختيار، فلا يمكن لعاقل أن يرتاح لهذه النظرية العقيمة، والتي ما تولد منها إلا الاضطراب، وعدم الاستقرار واراقة الدمأ. فإذا كانت بيعة أبي بكر فلتة كما وصفها عمر بن الخطاب وقد وقى الله المسلمين شرها. وقد خالف وتخلف جمع غفير من الصحابة. وإذا كانت بيعة علي بن أبي طالب بعد ذلك على رؤوس الملا - وهي أصح بيعة قامت على هذه المقاييس واتمها - ولكن بعض الصحابة نكث البيعة، وانجر ذلك إلى حرب الجمل، وحرب صفين، وحرب النهروان، وزهقت فيها أرواح بريئة. فكيف يرتاح العقلا بعد لهذه القاعدة التي جربت وفشلت فشلا ذريعا من

[ 121 ]

بدايتها، وكانت وبالا على المسلمين. وبالخصوص إذا عرفنا أن هؤلا الذين يقولون بالشورى يختارون الخليفة، ولا يقدرون بعد ذلك على تبديله أو عزله. وقد حاول المسلمون جهدهم عزل عثمان، فأبى قائلا: لا أنزع قميصا قمصنيه الله) (1). ثم يضيف الدكتور التيجاني (2): (فما اعظم عقيدة الشيعة في القول بان الخلافة أصل من أصول الدين، وما أعظم قولهم بإن هذا المنصب هو باختيار الله سبحانه، فهو قول سديد ورأي رشيد يقبله العقل، ويرتاح إليه الضمير، وتؤيده النصوص من القرآن والسنة) (3). 13 - وأخيرا نقول إذا كان نصب الامام لابد منه من قبل المسلمين على ما قالوا لما ذكروا من أمور، فمن حقنا أن نسأل: هل هذا مختص بوقت دون وقت ؟ ! إذ إننا لم نسمع أنهم قد نصبوا إماما بعد هؤلا مطلقا. فاين ذهب هذا الوجوب ؟ ! واين راحت الضرورة ؟ ! وإذا عطل هذا الامر المهم من قبل المتساهلين بامور الشرع، فما بال الملتزمين ؟ ! 14 - قال الصادق عليه السلام: - (. فلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول


(1) الدكتور محمد التيجاني السماوي / مع الصادقين / ط 2 / ص 113 (2) والدكتور هذا ممن راى الحق اخيرا فاتبعه بعد عمر طويل قضاه بين الادغال، وقد دافع عن العقيدة الحقه بنتاجات عديدة وبمناظرات عدة ثبتنا الله تعالى واياه على طريق الحق طريق اهل البيت العصمة عليهم السلام. (3) نفس المصدر / ص 114 (*).

[ 122 ]

ووجوب عدالته.) (1). وقال عليه السلام: - (إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شي فيقول لا أدري) (2). وقال سلام الله عليه: - (ولا يختار لرسالته ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به ويعبد الشيطان دونه، ولا يتخذ على خلقه حجة إلا معصوما) (3).


(1) كتاب التوحيد / ص 249. (2) المصدر نفسه / ص 275 (3) عن الخصال - التوحيد / ص 7 - 4. (*).

[ 123 ]

في وجوب العصمة: - 1 - الحفظ العلمي والعملي فللا مام كما كان للنبي حفظ الشريعة علما وعملا. وإذا كان واجبا عليه ذلك فيجب أن يكون معصوما.. وذلك: لان غير المعصوم إما أن يكون: - ألف - عادلا: وإذا كان كذلك ولم يكن معصوما لا تحصل فوائد نصب الامام ووجوده، حتى وإن كان معذورا بارتكاب ما يرتكبه من ذنوب وآثام، فإن المعذورية شي وتفويت الفوائد شي آخر. كما ان السهو بارتكابها لا يرفع إلا العقاب، فتبقى الحاجة إلى من يرد فاعلها. كما ان العادل قد يرتكب الصغائر، ولا يقدح ذلك بعدالته، بل قد يرتكب الكبائر سهوا.. فيحتاج في كليهما إلى من يرده، وبالخصوص إذا ارتكبها عمدا، وإن كان حصول ذلك نادرا ما يكون. بل قد يفسق، وإذا حصل هذا لا يستطاع عزله لكونه الامام المفترض الطاعة، بل أكثر من ذلك قد يبتلى الناس بإمام ظاهره العدالة وباطنه الفسق والفجور. فيجب على جميع هذي الوجوه نصب آخر، والحديث فيه كالحديث فيه، فيجب آخر وهكذا، وهو كما ترى. ب - فاسقا: فلا يصلح لهذا المنصب بطريق أولى. 2 - الانتصاف من الظالم للمظلوم: -

[ 124 ]

فإذا كان هو ظالما لفرض كونه غير معصوم فمن ينتصف منه ؟ ! 3 - رفع مادة الفساد والفتن: - فإذا كان هو بذرة لهما لكونه كذلك فمن يرفعه ؟ ! 4 - حمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم حدود الله والفرائض: - فإذا قصر في هذا كله أو بعضه لكونه خاليا من العصمة فمن يحمله على ذلك ؟ ولو قلنا بآخر لتسلسل كما في الوجوه المذكورة لان الحديث في الاخر هو الحديث نفسه كما هو اضح. 5 - بل في حالات وإن كانت نادرة ما أدرانا بأنه قد عصى وهو حافظ للشرع ؟ فالشرع سيكون خارجا عن الاستقامة ويصبح الشرع بعد مدة ولو طويلة شرعا آخر كما هو ظاهر لمن تدبر. 6 - لو عصى الامام لكونه غير معصوم لوجب ردعه وهذا يسبب له إيذأا ويجتمع بذلك النقيضان: - تفصيل ذلك: الله تعالى يقول (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1). إذا هو بمقتضى هذه الاية المباركة وكما سنتعرض لذلك عما قريب واجب الاطاعة. فإذا ارتكب معصية.. فيجب علينا مخالفته بل ردعه فيجتمع هنا مصداق الاطاعة ومصداق الردع كلاهما في واحد. 7 - لو صدرت منه المعصية لسقط محله من القلوب والنفوس فلا تنقاد


(1) الاية " 60 " سورة النساء - 4 - (*)

[ 125 ]

النفوس إليه، فيكون هذا مخالفا لغرض البعثة: - 8 - كما ان القاعدة المستفادة وهي حسنات الابرار سيئات المقربين تشمله، فيكون أقل شخص في المجتمع أكرم منه وأتقى، كما لا يخفى على المتدبر البصير: - 9 - قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) (1). والذنب ظلم لانه به يتعدى حدود الله، والله تعالى يقال. (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) (2). وإذا قيل، كما قيل بإن هذا في النبوة فكيف سقتموه هنا، قلنا إن الامامة والنبوة في خط واحد من هذه الجهة وهي القيادة والزعامة. كما ان الاية الكريمة صريحة في الامامة، والامام هو الذي يحذى حذوه، فلا يمكن للمحتذى إلا أن يكون معصوما. سوأ كان نبيا أم إماما. بل النبي بما أنه إمام وقدوة يجب أن يكون معصوما كما هو الظاهر. 10 - (أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (3). نستفيد من هذه الاية المباركة ما يلي (4): - الاستفادة الاولى: إطاعة الله مطلقة غير مقيدة بقيد، وبما أن إطاعة الرسول جأت كذلك وعطفت على إطاعة الله سبحانه إذا يجب أن تكون مطلقة كذلك. الاستفادة الثانية:


(1) الاية " 125 " سورة البقرة - 2 - (2) الاية " 230 " سورة البقرة - 2 - (3) الاية " 60 " سورة النساء - 4 - (4) ما ورد في هذه الاية المباركة من بحث قد كنت اوردته في كتابي الخطي السنن القرانيه لا سس المسار التاريخي للفرد والمجتمع (*).

[ 126 ]

بما أن الله سبحانه منيع العصمة إذا يجب أن يكون الرسول معصوما وإلا لاختلت الاطاعة الثانية ولما عطفت على الاطاعة الاولى كما هو ظاهر. الاستفادة الثالثة: قوله تعالى في نهاية هذه الاية المباركة: (فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا). يظهر وجوب كون الرسول صلى الله عليه وآله معصوما وإلا لطلب منهم إن يردوه إلى الله فقط لئلا يحدث الخطأ بخطأ رسوله صلى الله عليه وآله، ولما قال في نهاية الاية (ذلك خير واحسن تأويلا) لانه إن لم يكن معصوما لاغرانا الله بالباطل سبحانه وادلانا به. هذا أولا وثانيا إن الارجاع إلى الله غير واضح على ما هو عليه لان الله غير ملموس ولا محسوس فالارجاع إليه ارجاع إلى حكمه، وحكمه مستفاد من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي يمثله فقوله تعالى فردوه إلى الله كاف، أو إلى الرسول كاف على هذا إلا أنه لم يكتف بذلك بل قال فردوه إلى الله والرسول ليبين أن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وآله بمنزلة الرد إلى الله وما بينه الرسول بمنزلة ما بينه الله سوأ أظهر هذا الرسول وقال هذا حكم الله أم لم يظهر ذلك بل حتى وإن قال هذا حكمي كما هو بين في أي أمر صدر منه وما هذا الامر إلا العصمة. ولعله لما ذكرنا لم يكرر حرف الجر بل عطف الرسول على الله بدونه ليدلنا على عدم الاثنينية في ذلك، بعد أن كرر لفظ الاطاعة ليؤكدها وليركزها في أذهان الذين آمنوا. الاستفادة الرابعة: - عطف أولي الامر على الرسول واطاعتهما على إطاعة الله يقتضي عصمتهم لما قدمناه في عصمة الرسول صلى الله عليه وآله: بل نقول أكثر ببركة ورود أمر واحد بالاطاعة للرسول ولاولي الامر فاطاعتهما واحدة ولذا لم

[ 127 ]

يذكر أولي الامر مرة أخرى في نهاية الاية لاندكاكهم في الرسول صلى الله عليه وآله وللبيان والتوضيح أتى بهم أولا، وللاختصار ولبيان وحدتهم بعد أن جعل لهما اطاعة واحدة لم يذكر إلا الرسول صلى الله عليه وآله أخيرا وهو واضح بحمد الله وبركته ولو جوزنا إلا تكون إطاعة أولي الامر مطلقة كما كانت إطاعة الرسول صلى الله عليه وآله للزم أن يكون استعمال للفظ اما من باب استعمال المشترك في أكثر من معنى وهذا ما لا يجوزه أكثر أصحاب التحقيق إن لم يكن كلهم. أو من باب المجاز وهو خلاف الظاهر فضلا من أن السياق لا يساعد عليه بعد قوله تعالى (فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول..) ولم يذكر أولي الامر لما ذكرناه وبعد قوله ختاما (ذلك خير واحسن تأويلا) كما هو واضح لمن تدبر. وقد أقر الرازي بدلالة هذه الاية على العصمة ولكنه لحاجة في نفسه أول أولي الامر بأهل الاجماع (1). بلا دليل يرتكز عليه. وقد رده الشيخ محمد حسن المظفر (قدس). في دلائل الصدق (2). { وفيه أن المنصرف من أولي الامر من له الزعامة } وهذا خلاف أهل الاجماع. وهذا نوافق عليه. { إن ظاهر الاية إفادة عصمة كل واحد منهم لا مجموعهم لان ظاهرها إيجاب طاعة كل واحد منهم }. وهذا غير واضح من الاية وبذلك يستطيع أن يدعي خلافه. { على أن العمل بمقتضى الاجماع ليس من باب الطاعة لهم، لان الاجماع من


(1) يراجع للاطلاع على رأية تفصيلا كتابه مفاتيح الغيب / ج 3 / ص 357 (2) ص 10. (*).

[ 128 ]

قبيل الخبر الحاكي }. وهذا ليس محل ذلك ففيه ما فيه. فلم يبق إلا التمسك بأن تأويله لاولي الامر باهل الاجماع خلاف الظاهر أصلا ويحتاج إلى دليل واضح لا سبيل له ولا دلالة للاية المباركة عليهم لا من قريب ولا من بعيد مع الانصراف المذكور أولا فيتعين من له الزعامة والامامة، وهو الامام بزعمنا لا غير. وقد أشكل الرازي على أن المراد بهم الائمة عليهم السلام بوجوه مشوهه: الوجه الاول: إن الطاعة لهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم. وإذا قلنا أنه يجب علينا ذلك إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار مشروطا وهو مطلق. وفيه: - ألف - النقض: بطاعة الله ورسوله وطاعة أهل الاجماع على رأيه - الشريف -. ب - الحل: فالطاعة ليست مشروطة بمعرفتهم وبقدرة الوصول إليهم بل مطلقا كماهي طاعة الله ورسوله.. فيجب تحصيل المعرفة لهم كما في معرفة الله والرسول صلى الله عليه وآله وإلا لو التزمنا بما ذكر في أولي الامر لوجب ذلك أيضا في الله والرسول وهو كما ترى. الوجه الثاني: إن أولي الامر جمع وعندهم لا يكون في الزمان إلا أمام واحد وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر. { وفيه إن المراد هو الجمع ولكن بلحاظ التوزيع في الازمنة ولا منافاة فيه

[ 129 ]

للظاهر } (1)، بل نقول أكثر من ذلك وهو وجوب طاعتهم كلهم على حد سوأ وإن كان الامام واحدا في كل عصر وهذان مقامان مختلفان وهو واضح لمن تدبر. الوجه الثالث: (فإن تنازعتهم في شي فردوه إلى الله والرسول) ولو كان المراد بأولي الامر الامام المعصوم لوجب أن يقال فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الامام المعصوم. وفيه { إن الرد إلى أولي الامر أيضا مأمور به ولكن إكتفى عن ذكرهم في آخر الاية بما ذكره في أولها من مساواة طاعتهم بطاعة الله ورسوله } (2) بل نقول أكثر من ذلك من أن المصدر الرئيس للتشريع هو الله سبحانه ولا يجب إطاعة أي مخلوق فهو الاساس في الاطاعة والمصدر لها وإطاعة المخلوقين تأتي وتترشح من الباري عزوجل، فذكر تفصيلا من تجب طاعته إبتدأا وفصل، ثم أخيرا بين الطرفين الاساسيين في عملية الاطاعة وهي المرسل والمرسل لان الاساس إطاعة الله ثم بواسطة المرسلين تترشح هذه الاطاعة كما أنه بالمعاجز يثبتها وثبوت الامامة وولاية الامر متوقفة على الرسول لبيانها وتوضيحها فولاية الامر مستفادة من الله ورسوله. فولاية الامر هي كذلك من الامور التي يمكن أن يقع التنازع فيها كما وقع وهذا الارجاع إرجاع كلي ولو أرجع إليهم أيضا للزم الدور كما هو واضح فلذا لم يذكر الرد إلا إلى الله والرسول، وهو من الخفايا العجيبة التي استفدتها بعد التمعن ولله الحمد، وكما ذكرنا أولا ولاية الامر مندكة في المرسل لا تفترق عنه فهو المصدر لها ومبينها، ولهذا وذاك ذكر الارجاع إليه مكتفيا به كما هو واضح لمن ألقى السمع وهو بصير.


(1) و (2) دلائل الصدق / الشيخ محمد حسن المظفر " قدس ". / ص 11 (*).

[ 130 ]

ومن نافلة القول صرف عنان الكلام إلى بعض ما جأ في كتاب نظرية الامامة لدى الشيعة الاثني عشرية للدكتور أحمد محمود صبحي. وقد اخترنا بعض مواضيعه التي تعرضت لما تعرضنا له سابقا تتميما للفائدة ولدفع بعض التوهمات وتوضيح بعض النقاط. أولا وقبل كل شي نسأل الدكتور المحترم كيف ترمي الشيعه بعقائدها وتقول [ كيف يصح أن تكون دراسة عقائد الشيعة ضمن أبحاث الفلسفة الاسلامية مع ما تشتمل عليه هذه العقائد من سخف وخرافات، وما تقتضيه الفلسفة من أصالة في الرأي وطرافة في التفكير ؟ } (1). والحمد لله إنك انتبهت إلى مقالتك لهذه ورددت على نفسك بقولك { ليس يكفي الحكم على هذه العقيدة بعد أربعة عشر قرنا بالسخف لحسم الموضوع لان هذا حكم العاجز لا حكم الباحث } (2). وكأنك من صفحتك الاولى في مقدمتك منته من كون عقائدهم سخيفة وهذه ليست مقدمة الباحث. ثم تؤكد قولك حيث تقول { وما أكثر ما تشتمل عليه عقيدة الامامة من غيبيات وخرافات } (3). وأنت بعد لم تبتل قدماك بالبحث فإين قولك إذ تقول { وقد حاولت بصدد هذه الرسالة أن يكون كل تعقيب لي صادرا عن حرية يكتنفها تجنب الرعونة في أبدأ الرأي } (4). فأي تجنب هذا وانت متحامل على عقائد الشيعة من أول نطفتك في كتابك لاخر مضغتك منه حتى حشوته العظام حشوا. وأما قولك من أن الشيعة تمنت { أن لو بقي نظام الحكم المثالي زمن النبي بعده


(1) نظريه الامة لدى الشيعة الاثنى عشريه / د. احمد محمود صبحي / ص 9 (2) المصدر نفسه / ص 9. (3) المصدر نفسه - ص 13 (4) المصدر نفسه - ص 12 (*).

[ 131 ]

فصاغوا نظرية يوتوبية في السياسة تشخصت وتجسدت في علي } (1) فهذا مدح لهم لانهم تمنوا استمرار الحق وهذا ما يتمناه كل محب للحق. وأما أنهم صاغوا نظرية يوتوبية فهو مجانبة منك للحق حيث يقول الباري عز من قائل (وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم مأا غدقا..) (2). وهي سنة تاريخية ولذا قالت الزهرأ عليها السلام عندما دخلت عليها نسأ المهاجرين والانصار لعيادتها عندما مرضت عليها السلام في جملة ما قالت { ولسار بهم - تعني أمير المؤمنين عليه السلام - سيرا سجحا لا يكلم حشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه، ولاوردهم منهلا نميرا، صافيا رويا تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه، ولاصدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا - إلى أن تقول عليها السلام - ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمأ والارض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون والذين ظلموا من هؤلا سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين.) } (3) فهو الحق من ربك.. وقال الامام الحسن المجتبى عليه السلام: - (وأقسم بالله لو تمسكت الامة بالثقلين لاعطتهم السمأ قطرها، والارض بركتها، ولاكلوا نعمتها خضرأ، من فوقهم ومن تحت ارجلهم من غير اختلاف إلى يوم القيامة قال الله عزوجل: (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم) وقال عزوجل (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمأ والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا


(1) المصدر نفسه - ص 65. (2) الاية " 17 " سورة الجن - 72 - (3) الاحتجاج / الطبري / ص 148 / ج 1 / ط. 1966 (*).

[ 132 ]

يكسبون) (1). ونحن بحمد الله لا نتكلم بنظريات فارغة، بل نذكر حقائق دامغة وأدلة ناصعة، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أحاديث رويت عن النبي صلى الله عليه وآله من طرقهم لا من طرقنا وهذه الكتب بين اليدين وهذا أحدهم وهو الحاكم يذكر في آية (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (عن ابن عباس قال: لما نزلت - الاية - قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الانبياء قبلي) (2). فلا المأساة قد صنعت الشيعة ولا الواقعية الديمقراطية قد صنعت غيرهم كما هو ظاهر لادنى متعلم. وأما سؤالك وجوابك عندما قلت { لماذا ظلت مشكلة أحقية علي بالخلافة بعد النبي عقيدة حية إلى اليوم في قلوب الشيعة ؟ ! واجبت بعد ذلك ليست المسألة اختلافا بين أشخاص وإنما هي اختلاف المبادئ. تمنى الشيعة أن لو بقي نظام الحكم المثالي زمن النبي بعده فصاغوا نظرية يوتوبية في السياسة تشخصت وتجسدت في علي. وألتزم أهل السنة بما تم في الواقع بعد النبي فردوا على الشيعة بنظرية واقعية في السياسة. فالخلاف بين الفرقتين هو في جوهره اختلاف بين الثيوقراطية اليوتوبيه وبين


(1) الروائع المختارة من خطب الامام الحسن السبط / ص 58 / ط. مصر (2) شواهد التنزيل لقواعد التفضيل / الحافظ الكبير عبيد الله بن عبد الله بن احمد المعروف بالحاكم الحسكاني الحذاء الحنفي النيسابوري / ج 1 / ص 206 / منشورات الاعلمي - بيروت (*).

[ 133 ]

الديمقراطية الواقعية } (1). أولا نقول: ألم تتمن مثل غيرك من العقلا كالشيعة إن لو بقي النظام المثالي في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وثانيا: نقول كما قالوا أن (أهل السنة تشبثوا بكل شي ليبرروا هذا الواقع الذي حدث، تشبثوا بالنص، وعندما خذلهم النص تشبثوا بالافتراض، وعندما انهار الافتراض، تشبثوا بالشورى، وعندما أنهارت الشورى تشبثوا بالرأفة بالمسلمين، والحرص على مصلحتهم ووحدتهم ومستقبلهم حتى لا يتركوا هملا بلا راع. واستقروا بعد طول ترحال على مبدأ أن الامام القائم أو الخليفة القائم هو الذي يسمي من يليه، أي يحدد للامة الشخص الذي عليها أن تبايعه) (2) وثالثا: أي ديمقراطية واقعية كانت تلك ؟ ! مبايعة الخليفة الاول في السقيفة كانت منها ؟ ! وقد تخلف من تخلف. أم بيعة الخليفة الثاني كانت من الديمقراطية وقد نصبه أبو بكر نفسه ؟ أم مبايعة عثمان كانت منها ؟ ! ثم أنت تتكلم بالديمقراطية والواقعية ونحن نتكلم عن الاسلام وما يريده الله لا ما وقع. وإلا فمن جملة ما وقع أن يزيد أصبح أميرا - للمؤمنين - فهل هذا هو الحق والاسلام ؟ ! وهل الديمقراطية هي الاسلام ؟ "


(1) النظرية / ص 65 (2) احمد حسين يعقوب / نظريه عدالة الصحابة / ص 163، ومن اراد ان يستعرض جميع النظريات التي تشبث بها اهل السنة ونقدها بصورة علميه لطيفة فعليه بكتاب النظام السياسي في الاسلام للمؤلف نفسه / ص 8 فما فوق (*).

[ 134 ]

{ وتعني الديمقراطية حكومة الشعب أي أختيار الشعب لحكومته، وغلبة السلطة الشعبية أو سيطرة الشعب على هذه الحكومة التي يختارها } (1). وهل السلطة في الاسلام باختيار الشعب ؟ وأساس السلطة النبي، فيجب أن يتم اختياره من قبلهم، وهذا الاختيار قد سفهه الله في كتابه إذ قال تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك.) (2) وهو اختيار فاسد كما ترى (3). بل لو اختار هذا الشعب غير الاسلام فبنأا على هذا يكون ذلك صحيحا وواجب الاتباع والقرآن يصرخ بخلافه (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين) (4). أم إننا نتمسك باصطلاحات رنانة لها صداها اليوم لكي نثير في دواخلنا بعض ما تحمله تلك الكلمات في نفوسنا من بريق وصدى، والواقع خلافها. والحق يجيب عن السؤال الذي طرحوه. قد بقت أحقية علي بالخلافة بعد النبي عقيدة حية إلى اليوم، وستبقى إلى الغد في قلوب الشيعة، لان هذا هو الذي أمر به الله تعالى، وصدع رسوله بذلك، وأوجبه علينا اعتقادا وعملا، فضلا عن إننا لمسناه قبل ذلك بعقولنا فجأ الشرع مطابقا لما أمر به العقل كما هو ديدنه، ولكن متى سيفهم من لا يريد أن يفهم ؟ !. هذا أولا وثانيا قد صرح بعضهم وهو الحق من أن ذلك دليل قوي على كون الشيعة هم الفرقة الناجية، لان مقتضى القواعد والاسس التي جرى عليها سير


(1) الموسوعة السياسية / اشراف د. عبد الوهاب الكيالي وكامل زهيري / المؤسسة العربيه - بيروت / ص 273. (2) الاية " 32 " و " 33 " سورة الزخرف - 34 - (3) ولو سلمنا جدلا بعدم الفرق فهل تم اختيار الخليفة الثاني بغلبه السلطة الشعبيه ؟ ! ام بغلبتها قد تم اختيار الثالث فضلا عن الكلام المتشعب في الاول كما بينا بعض ذلك فيما سبق (4) الاية " 20 " سورة ال عمران - 3 - (*)

[ 135 ]

المجتمعات والافكار أن أي فرقة ومبدأ يمر بجز يسير مما مرت به هذه الفرقة من ضغوط وتشريد وقتل مقتضى ذلك أن تبيد وتنتهي فبقاؤها دليل على أن لله فيها شأنا وأن الحافظ لها هو دون أي أحد وإلا لا نطمرت وأصبحت في خبر كان كما هو واضح وبين. ويتم الكاتب المحترم كلامه في مرحلة أخرى فيقول { ولعل أعنف هذه الانتقادات هي ما ذكرها ابن تيمية مستنكرا بذلك وجه اللطف أو الفائدة للعباد من وجود إمام غائب إذ يقول: الامام الذي تصفونه مفقود غائب ومعدوم لا حقيقة له عند سواكم، ومثله لا يحصل به شي من مقاصد الامامة، بل الامام الذي يقوم وفيه جهل وظلم أنفع لمصالح الامة ممن لا ينفعهم بوجه، فإن احتج بإن الرعية لم تملكه فهو ذنبهم، قيل إذا كان عاجزا مقهورا عن دفع الظلم عن نفسه فما الظن برعيته، وكيف يتم اللطف وهو عندكم خائف لم يمكنه الظهور خوفا من القتل. ولا فرق بين أن يخلق الله إماما معصوما ولكنه غائب وبين ألا يخلقه فلا يكون ذلك واجبا عليه وحينئذ فلا يلزم وجوده، فالقول بوجوب وجوده، دون تمكينه باطل } (1). ويتم حديثه فيقول: { ويرد الحلي على هذه الانتقادات. بقوله: لكي تكون الامامة لطفا لابد أن تتم أمور: خلق الامام وتمكينه بالقدرة والعلوم والنص عليه باسمه ونسبه.. وهذا واجب على الله وقد فعله، ثم تحمل الامامة وقبولها وهذا يجب على الامام وقد فعله، ثم النصرة والذب عنه والامتثال لاوامره وقبول قوله وهذا يجب على الرعية، فعدم التمكين قصور من ناحية الامة لا من ناحية الله تعالى ولا من


(1) النظرية / ص 75 (*).

[ 136 ]

ناحية الامام، هذا فضلا عن أن التمكين من الله والاجبار ينافي التكليف، ولو جاز على الله تمكين الامام لجاز عليه قهر العباد على الطاعات ومنعهم عن المعاصي من غير واسطة الامام وفي هذا إلجأ، بينما طاعة الامام إمتثال لاوامر الله تعالى ونواهيه دون قهر على الطاعة أو على الامتثال } (1). وأنت ترى هذا كله حيث أن جواب العلامة (قدس). الذي نقله فيه الكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد فلا مجال لقوله بعد ذلك { غير أن الحلي قد بسط وجهة نظر الشيعة ولم يفند انتقادات أهل السنة التي لا تزال قائمة، يقول الرازي: إن الواحد منا إذا احتاج إلى هذا الامام - غير المتمكن ليستفيد منه علما أو دينا أو يجلب بواسطته إلى نفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة، فلو أتى أي حيلة كانت لم يجد منه البتة أثرا ولا خبرا، وإذا كان المقصود من نصب هذا الامام إما منفعة دينية أو دنيوية فالانتفاع يعتمد على إمكان الوصول إليه، فلما تعذر ذلك تعذر الانتفاع به، وإذا تعذر الانتفاع به لم تكن في نصبه فائدة أصلا، فكان القول بوجوب نصبه عبثا. والخوف من الامام مشروط بوجوده، لان الخوف من المعدوم محال فيستحيل حصول الخوف منه مع تجويز عدمه } (2). لاننا لا نقول بذلك مطلقا بل نقول إن أحد الاوجه من الانتفاع به هو إمكان الوصول إليه أما الحصر بهذا الوجه فلا، والفرق واضح. وإذا توقفنا على هذا الوجه فاتت فائدة أنبياء كثيرين في فترات كثيرة فهذا موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - ترك قومه وذهب يناجي ربه فهل بقي على نبوته في تلك الفتره أم انزاحت منه النبوة بذهابه، وعدم تمكنهم من الوصول إليه ؟ ! وما فائدة بقأه نبيا في تلك الفترة ؟ !


(1) المصدر نفسه / ص 75. (2) المصدر نفسه / ص 76 (*).

[ 137 ]

والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله عندما حوصر في شعب مكة وابتعد الناس عنه فأنه اقتضى عدم النفع به لهم فيكون وجوده عبثا ؟ ! وإن أجاب بإنه بعد ذلك أتى قومه فاستفادوا منه قلنا ذلك في الحجة عليه السلام إذ سيستفيد الناس منه بخروجه هذا أولا وثانيا نسأل: لو لم يسأل الرسول ولم يتبع ولم يؤمن به من آمن أكان امانا للعذاب لقومه أم لا ؟ ! مع علم الجاحدين بذلك أم لا. والجواب يكون من كتاب الله إذا استنطقناه بذلك. (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..) (1). ونقول في الامام ما قلناه في الرسول صلى الله عليه وآله لانه من نوره ومنهاجه وبه وبامثاله رفع العذاب عنا وعنهم. ولعله لذا وأمثاله ذكر سلام الله عليه وجه الانتفاع به عندما قال: - (وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب. وإني لامان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السمأ.) (2). وعندما يقول مؤيدا ومصفقا لابن تيمية { ولا يحلق ابن تيمية في الجدل النظري إنما ينتقد صميم العقيدة الشيعية في الامام المستور حين يقول: إن كان الله أوجب على الناس طاعتهم ولكن الخلق عصوهم قيل لم يحصل في العالم لا لطف ولا رحمة فالمنتظر لم ينتفع به من اقر به أو من جحده. } (3). نرى مدى جحده وبعده عن الحق بما قدمناه لانه حتى وإن قصر عقله عن استيعاب فائدة الامام المستور الان فلابد أن يستوعب بأن له فائدته عند رفع


(1) الاية " 34 " سورة الانفال - 8 - (2) عن توقيع صاحب الزمان عليه السلام كما ورد في كتاب الاحتجاج / ج 2 ص 284 (3) النظرية / ص 76. (*).

[ 138 ]

الستار عنه وإظهاره هذا أولا ولو لم يستوعبه. نقول ثانيا بإن الادلة التي سقناها بينت لنا وجوب وجود إمام معصوم وبإن الارض لا تخلو من ذلك لا زالت قائمة تصرخ في وجوههم مع غض النظر عن قاعدة اللطف أفلا يكفي في إظهار الحق ذلك ؟ ! ! ! ! ! !. ولا يكتفي بهذا بل يتم كلامه { وأما سائر الائمة الاثني عشر سوى علي فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بامثالهم من أئمة الدين والعلم وأما المنفعة المطلوبة من أولي الامر فلم تحصل بهم فما ذكر من اللطف تلبيس وكذب } (1). ترى مدى مجانبته عن الحق (2)، بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله (في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (3) أولا نسأله لفظ (نفع) ماذا يقصد به ؟ ! هل يقصد به الاخذ ومجرده بأي قول هو نفع بذلك القول ؟ ! أم ماذا ؟ ! وهل يرى المنصف أن فائدة الحسن عليه السلام في زمنه كفائدة معاوية. أم أن فائدة الحسين كفائدة يزيد.. أم أن فائدتهما عليهما السلام كفائدة بقية الصحابة وحتى لو أخذنا منهم ابن عباس مثلا.. لا أرى بإن أحدا من المسلمين يقول ذلك مع كرامة وعلم وفضل ابن


(1) المصدر السابق / ص 76 (2) للاستزاده وطلب معرفة مدى مجانبته للحق يراجع الصواعق المحرقة لابن حجر وكنز العمال وجامع الترمذي وغيرها من الكتب المعتبرة لترى علم ونفع ال بيت النبوه وشأنهم الذى وضحه الرسول الاكرم صلى الله عليه واله باعتراف الجميع. (3) الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 148، ينابيع المودة / القندوزى الحنفي / ص 226 ذخائر العقبى / محب الدين الطبري الشافعي / ص 17 (*).

[ 139 ]

عباس فكيف بغيره ؟ ! وهل نفع جعفر الصادق في أمته كنفع الجاحظ في محفله ؟ ! وهذه انباؤهم في التاريخ كان المتفقهون أمثال الذين يزمر لهم هذا وغيره يخشونهم ولا يخشون الله.. فضلا عن أن الائمة كانوا المرشدين الحقيقين للناس أما غيرهم فاغلبهم كان على الظن والشك وربما مجانبة الصواب. عن تفسير العياشي { عن زرقان صاحب ابن أبي داود وصديقه بشدة قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له في ذلك فقال وددت اليوم إني قد مت منذ عشرين سنة. قال: قلت له ولم ذاك ؟ ! قال لما كان من هذا الاسود أبا جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين المعتصم، قال: قلت وكيف كان ذلك ؟ ! قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره باقامة الحد عليه فجمع لذلك الفقهأ في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع ؟ قال: فقلت من الكرسوع لقول الله في التيمم: (فامسحوا بوجوهكم وايديكم) واتفق معي على ذلك قوم. وقال آخرون، بل يجب القطع من المرفق قال وما الدليل على ذلك ؟ ! قالوا لان الله لما قال (وأيديكم إلى المرافق) في الغسل دل على ذلك أن حد اليد هو المرفق. قال فالتفت إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر ؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين. قال: دعني بما تكلموا به أي شي عندك ؟ ! قال: أعفني عن هذا يا أمير المؤمنين. قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه.

[ 140 ]

فقال: أما إذا أقسمت علي بالله إني أقول أنهم أخطأوا فيه السنه، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الاصابع فتترك الكف. قال وما الحجة في ذلك ؟ ! قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضأ الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع ! أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: (وأن المساجد لله) يعني هذه الاعضأ السبعة التي يسجد عليها (فلا تدعوا مع الله أحدا) وما كان لله لم يقطع. قال: فاعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الاصابع دون الكف. قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنيت اني لم أك حيا. قال ابن أبي زرقان: إن ابن أبي داود قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم اني أدخل به النار. قال وما هو ؟ ! قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهأ رعيته وعلمائهم لامر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه فاخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك وقد حضر المجلس بنوه وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من ورأ بابه ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الامة بأمامته، ويدعون أنه أولي منه بمقامه ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهأ، قال: فتغير لونه، وانتبه لما نبهته له، وقال جزاك الله عن نصيحتك خيرا } (1).


(1) تفسير العياشي عن زرقان صاحب ابن ابى داود / كما ذكر ذلك صاحب الميزان في ميزانه / ج 5 / ص 335 (*).

[ 141 ]

أعن هؤلا الفقهأ يتكلم ؟ ! وإذا كان القياس كذلك فعلى الاسلام السلام. لان محمدا بشرعه كلينين بتشريعه. فهذا أتبع وهذا اتبع. وكيف يجرأ أن يقول هذا وهذا علي بن أبي طالب (1) يقول: { لا يقاسن بال محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة. } (2). وقال تعالى (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (3) وهي الاية المباركة التي جأ بها الامام الرضا عليه السلام محتجا على العلمأ الذين جمعهم الخليفة المأمون العباسي، مبينا لهم أن هذه الاية تقصد أئمة أهل البيت عليهم السلام وهم المصطفون ووارثوا الكتاب، وقد اعترفوا بذلك كلهم (4). وبعد ذلك يسوق أدلة الشيعة على وجوب نصب الامام، ثم بعدها يقول وقد أصاب بقوله { لا شك إن أدلة الشيعة جديرة بالاعتبار، ولا شك أن انتقاداتهم المتتالية لمبدأ الاختيار لها ما يبررها } (5). إلا أنه يحاول أن يبرر فعل الاخرين بالمشابهة والتطبيق بين نظامهم والنظام الديمقراطي حيث يوجه مصب هذه الانتقادات على ذلك النظام حينما يبدأ


(1) نهج البلاغة شرح ابن ابي الحديد / ج 1 / ص 45 (2) وفيما ذكرنا سابقا من احاديث تبين مقام اهل البيت عليهم السلام وفيما ذكره القوم المعين الصافي والكافي لمن طلب الحق وارادة. (3) الاية " 32 " سورة فاطر. (4) ابن عبد ربه / العقد الفريد / ج 3 / ص 42 (5) النظرية / ص 98 (*).

[ 142 ]

بالدفاع بقوله { والواقع أن هذه الانتقادات موجهة إلى النظام الديمقراطي بوجه عام حيث قيامه على مبدأ سلطة الامة وأحقيتها في أختيار الامام.. } (1). وكأننا في بحث سياسي ونريد أن نضع النقاط على الحروف بالنسبة لهذا النظام بالذات، وفاته بإن إسلامنا كامل، ولا يحتاج إلى اختبار واختبار وإلى إضافات رجال لكي يكون كاملا، وحديثه تام بلا شك ولكن ضمن القوانين الوضعية، وهذه من أساسيات انتقاداتها إلا أنه منحرف عن جادة الله وهي التي نتكلم بها والتي قال الله فيها (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) (2). فكيف يكون لهم العذر كما ذكر. وتراه حين يسوق أدلة الشيعة بوجوب صدور استخلاف من النبي لانه يعلم بتفرق امته إلى ثلاث وسبعين فرقة فكيف شجعهم على هذا الاختلاف المأتي من عدم نصب الامام ؟ ! وإذا لم يكن نبيا قد جأ بشرعه لكل الامم، فليكن سياسيا ومفكرا، له بعد نظر، لا يترك قومه والاخرين على شفا حفرة من الهلاك والضياع بين الاتجاه لهذا والاتجاه لذاك وليحدد مسيرتهم.. تراه حين يعرض ذلك بالتفصيل يقول { وقد استندوا في ذلك إلى برهان الخلف حين افترضوا عكس النتيجة التي أرادوا الوصول إليها ثم دللوا على بطلانها فإذا كانت الفتن قد لزمت من عدم الاستخلاف، وإذا كان النبي يعلم ذلك فلا بد أنه استخلف } (3)


(1) المصدر السابق / ص 99. (2) الاية " 4 " المائدة - 5 - (3) النظرية / ص 102. (*).

[ 143 ]

ثم يعقب على ذلك ويقول (غير أن برهان الخلف ليس هو النهج الصحيح الواجب إتباعه في استقرأ وقائع التاريخ وإنما يستند المنهج التاريخي إلى الخبر والرواية) (1). إلى أن يقول (فاستخلاف النبي أو عدم استخلافه إنما يرجع إلى ما روي عنه من أحاديث) (2). هذا الذي قاله أخيرا صحيح وتام ولذا نحن نرجع إلى ما روي عنه من أحاديث ونتمسك بمثل (أنت مني بمنزلة هرون من موسى..) (قل تعالوا ندعوا أبنأنا وأبنائكم ونسأنا ونسأكم وأنفسنا وأنفسكم) مرورا بغيرها من الايات والروايات وانتهأا بيوم الغدير الخالد (3). والشيعة عندما جأوا ببرهان الخلف ما جأوا به ليثبتوا أنه قد حدث هذا الخطأ الجسيم في الامة والمفروض عدم وقوعه إذا يجب أن يكون قد استخلف لان هذا القول معناه منطقيا فإذا كان قد استخلف فلا خطأ والخطأ موجود إذا فهو لم يكن مستخلفا هذا من جهة ومن جهة أخرى لان الوقائع التاريخية لا يمكن الرجوع لها واسترجاعها. إلا أنهم يقولون: - بإن رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم علم اليقين بأن الفتنة ستقع من جرأ عدم الاستخلاف، وعلمه هذا من الله تعالى، فحفاظا على أمته التي ضحى من أجلها كل غال ورخيص عليه أن يستخلف وينبههم على هذا الامر ويقيمه لهم واضحا لا أعوجاج فيه، وحتى لو لم يعلمه الله تعالى بذلك - وفرض المستحيل ليس مستحيلا - فعليه كقائد محنك ورئيس إنساني أن ينصب لهم هاديا ومرشدا


(1) و (2) النظرية / ص 102 (3) وقد تم تخريج اغلب الروايات حول هذا الامر المهم وتم الكلام فيه (*).

[ 144 ]

بعده ويلزمهم السير على نهجه، لا أن يترك لهم قاعدة عريضة لحد نهاية هذا القرن وبعد مئات السنين من التطبيق والفشل والفشل والتطبيق لم تبن معالمها ولم تعرف أطرافها. فيضيعوا. فعليه عليه أن يبين لهم هذا، وإذا انحرفوا كما أنحرفوا لسؤ أعمالهم فهو غير مسؤول عن إنحرافهم.. وبتعبير آخر نقول: إن الشيعة لم يقولوا فإذا كانت الفتن قد لزمت من عدم الاستخلاف فلابد أنه قد استخلف. بل يقولون إذا كانت الفتن لازمة لعدم الاستخلاف وهذا ما لا ينكره عاقل في مجتمع لم ينضج بعد فكريا لتشعب جذور الجاهلية في نفوسه ولقصر مدة الاسلام في ربوعه هذا أولا وثانيا أن أي مصلح وسياسي بسيط عندما يتبع لابد له من نصب خليفة له فكيف بمحمد صلى الله عليه وآله ؟ فإذا كأن كل ذلك فعليه يجب أن يكون قد استخلف.. ويضيفون بانه قد استخلف ومع استخلافه وتركيزه على هذا الاستخلاف أنكر ذلك حتى ضاع موقف شهده أكثر من مائه وعشرين ألف مسلم في رابعة النهار وتجرأ بعضهم فقال بإنه لم يستخلف ومشى قوله فحدث ما حدث وانكمش الحق باهله.. فكيف به لو لم يستخلف أصلا لضاع الحق وانطمر ولكان الاسلام بخبر كان هذا بعينه الذي يقو لونه يا دكتورنا الاجل وهو الذي يقررونه فراجع. (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا

[ 145 ]

الالباب) (1). (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (2).


(1) الاية " 10 " سورة الزمر - 39 -. (2) الاية " 36 " سورة يونس - 10 - (*).

[ 147 ]

يوم الغدير

[ 149 ]

يوم الغدير: - ومن هنا نرى وضوح يوم الغدير وضوحا تاما. وقد اغنانا عنأ البحث صاحب كتاب الغدير الشيخ عبد الحسين الاميني (قدس) واطنب وافاض. فمن أراد معرفة ذلك بالتفصيل فعليه بهذا الكتاب الممتع والحجة الدامغة ونحن سنحاول أن نلخص ما جأ منه (قدس) فيه مما له شأن بحديثنا: ذكر الغدير خمسة وعشرون من المؤرخين من البلاذري المتوفي في حدود سنة 279 ه‍ إلى نور الدين الحلبي في السيرة الحلبية المتوفى في سنة 1044 ه‍. ومن أئمة الحديث الشافعي، وأحمد بن حنبل وقد ذكر منهم 27 سبعا وعشرين واحدا (1). وذكر واقعة الغدير (2) من أئمة التفسير أحد عشر مفسرا. ومن المتكلمين أحد عشر متكلما. ومن اللغويين خمسة. فضلا من أن رواة الحديث من الصحابة الذين وصلت روايتهم إلينا (110) عشرة وازدادوا مائة. قد ذكرهم (قدس) على حروف الهجأ مبتدئين بابي هريرة الديوسي في حرف الالف ومنتهين بابي مرازم يعلي بن مرة بن وهب الثقفي، ويقول (قدس) بعد ذكرهم (هؤلا مائة وعشرة من اعاظم الصحابة الذين وجدنا روايتهم لحديث


(1) الغدير / الشيخ عبد الحسين الاميني / ج 1 / ص 7 (2) المصدر نفسه / ج 1 / ص 11 (*)

[ 150 ]

الغدير ولعل فيما ذهب علينا أكثر من ذلك بكثير، وطبع الحال يستدعي أن تكون رواة الحديث أضعاف المذكورين لان السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف أو يزيدون) (1). ثم يذكر (قدس) (84) من التابعين مع الكتب التي وردت روايتهم فيها. ثم ينتقل إلى من روى تلك الواقعة قرنا فقرنا.. ومجمل القول: إن حديث الغدير من الاحاديث المتواترة ولو لم يكن كذلك فلا خبر متواتر عند المسلمين أصلا. والخبر المتواتر حجة كما ثبت ذلك في محله. إذا واقعة الغدير حجة بلا شك ولا ريب. هذا أولا وثانيا فإن لحديث الغدير تسلط على طريق الرواية من جميع وجوهها وذلك لان الخبر إما أن ينقله رواة ثقات فيكون حجة من هذه الجهة، أو يكون متواترا فيكون حجة، أو يقوم على مضمونه الاجماع فيكون حجة، أو يكون الخبر ضعيفا فيجبر بعمل المشهور على رأي طائفة كبيرة من الفقهأ فيكون حجة.. أو يكون الطرق فيه كلها ضعيفة إلا أن مضمونها يشد بعضه بعضا فيكون حجة من كثرتها وأختلاف مصادرها. وحديث الغدير لو سلمنا وفرضنا - وفرض المستحيل ليس مستحيلا - ضعف طرقه فبالطريقين الاخيرين يكون حجة فضلا عن أنه قد ملك التواتر وملك أيضا صحة بعض طرقه إلى المعصوم مع توفر الطرق الاخرى فيكون حديث الغدير الحديث الوحيد الذي ملك كل هذا صحة وتواترا واستفاضة واجماعا وعملا.. وكيف السبيل وهذا هو الغدير حجة علينا مهما حاولنا التنصل والهروب ودفن الرؤوس في الرمال ؟ ! !


(1) المصدر السابق / ج 1 / ص 60 (*)

[ 151 ]

واقعة الغدير (1): إن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن جمع الناس وخطب بهم قال { فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين }.. إلى أن قال صلى الله عليه وآله [ فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ] ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤى بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون فقال: (أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ !). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: [ إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ] يقولها ثلاث مرات وفي لفظ أحمد بن حنبل إمام الحنابلة أربع مرات. ثم قال: [ اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. ]. الولاية: بالفتح مأخوذة من ولى، يلي، كوقى يقي. وهي لغة كما عن القاموس والمجمع مصدر بمعنى الربوبية والنصرة. و - بالكسر - إسم بمعنى الامارة. واصطلاحا: { هي سلطة على الغير عقلية أو شرعية، نفسا كان أو مالا أو كليهما بالاصل أو بالعارض } (2). وبعد أن عد السيد بحر العلوم في بلغته أنواع الولايات قال (قدس): -


(1) على ما نقله الشيخ الاميني (قدس) من واقعة الغدير على الاجمال من دون ان يدخل في تفاصيل اختلاف المتن، وفيما لا يضر في المتن الرئيس / ج 1 / ص 11 (2) بلغة الفقيه / السيد محمد آل بحر العلوم " قدس " / تحقيق السيد حسين بحر العلوم / ج 3 / ص 210 / دار مكتبه العلمين العامة - النجف الاشرف / ط 3 / 1976 (*)

[ 152 ]

{ ثم إن أكمل الولايات واقواها. هي ولاية الله سبحانه وتعالى على خلقه من الممكنات بعد أن كانت باسرها في جميع شؤونها وكافة أطوارها مفتقرة في وجودها إلى الواجب. مقهورة تحت سلطانه متقلبة بقدرته، إذ لا استقلالية للممكن في الوجود، لكونه ممكنا بالذات موجودا بالغير. وعدم التعلق في الممتنع لنقص في المتعلق، لا لقصور في التعلق وإلا فهو على كل شي قدير. } (1). ثم بعد أن كانت له الولاية المطلقة والتصرف التام في خلقه.. له أن يعطي من يشأ ما يشأ منها ضمن حسابات دقيقة لا نعلمها، الله يعلمها. وربما نشاهد بعض آثارها بحسب تفاوت الدرجات والقرب منه سبحانه. وهكذا كان.. وبعد أن أعطاها لله تعالى محمدا رسوله الكريم كما ذكر المهم منها في كتابه حيث قال: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2). فجعل له الولاية المطلقة عليهم كما هو ظاهر الاية المباركة.. وبعد أن عرفها المسلمون ووعوها أخذ إقرارهم بها في ذلك اليوم حيث قال صلى الله عليه وآله: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أو ما يؤدي مؤداها قالوا بلى يا رسول الله (3). وبعد الاقرار له بالولاية عليهم أثبت تلك الولاية بعينها لعلي عليه السلام حيث قال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه).


(1) المصدر نقسه / ج 3 / ص 213. (2) الاية " 7 " سورة الاحزاب - 34 - (3) وقد روى هذه المقدمة حوالي (64) من حفاظ اهل السنة وائمتهم اشار إليهم الاميني " قدس " في غديره / ج 1 / ص 271 (*)

[ 153 ]

(ويزيدك وضوحا وبيانا ما في (التذكرة) لسبط ابن الجوزي الحنفي ص 20 فإنه بعد عد معان عشرة للمولى وجعل عاشرها الاولى قال: والمراد من الحديث: الطاعة المخصوصة،، فتعين الوجه العاشر وهو الاولى ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به. وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الاصبهاني في كتابه المسمى بمرج البحرين فإنه روى هذا الحديث باسناده إلى مشايخه وقال فيه: فاخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي فقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه (1).


(1) الغدير / الشيخ الاميني / ج 1 / ص 371 - 372 (*)

[ 154 ]

الولاية.. إن الولاية على قسمين.. 1 - الولاية التكوينية.. ولمن يملكها التصرف المطلق بالامور التكوينية أو ضمن حدود محددة. وقد أشار إليها الكتاب العزيز بقوله تعالى: (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين) (1). فهذا العفريت له هذا التصرف العجيب.. حيث أنه يستطيع أن ينقل عرش بلقيس من اليمن إلى القدس بهذا الزمن البسيط. فما أعجب خلق الله.. ولا نقول بإن هذا يحدث اعتباطا أو دون أسس ودراية.. بل يحدث ضمن قوانين وأسس معينة الله ورسوله أعلم بها.. ويظهر ذلك أوضح عند قوله تعالى (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) (2). فكان ما وعد به.. وكذلك تظهر هذه الولاية ظهورا واضحا عند نبي الله داود حيث قال تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى معه والطير والناله الحديد) (3) (ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر واسلنا له عين


(1) الاية " 40 " سورة النمل - 27 -. (2) الاية " 41 " سورة النمل - 27 - (3) الاية " 11 " سورة سبأ - 34 - (*).

[ 155 ]

القطر..) (1). وقال تعالى على لسان عيسى على نبينا وآله وعليه السلام (وابرئ الاكمه والابرص واحيي الموتى بإذن الله) (2). فكان لكل من ذكر الولاية التكوينية على من شأ وما شأ كما هو ظاهر الايات المباركة المذكورة آنفا.. فكيف بحبيب الله وخليله وخاتم رسله صلى الله عليه وآله.. وكان ذلك لا بخصوصه لوليه، إذ كان من عنده علم من الكتاب يستطيع هذا فكيف بمن عنده علم الكتاب.. استنادا إلى تفسير آية (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (3). بأن المراد بمن عنده علم الكتاب هو علي بن أبي طالب عليهما السلام بضؤ الروايات الواردة في تفسيرها وهي متظافرة.. منها ما جأ في أصول الكافي للكليني (قدس). بتفسير هذه الاية المباركة عن السدير عن الامام أبي عبد الله عليه السلام (4). ومنها ما جأ عن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان الاحمر عن الصادق عليه السلام لا بتفسير هذه الاية، بل باعتباره افضل من وصي سليمان عليه السلام (5). وبهذا المضمون ما رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحكم عن محمد بن


(1) الاية " 13 " سورة سبأ - 34 -. (2) الاية " 49 " سورة آل عمران - 3 - (3) الاية " 44 " سورة الرعد - 12 - (4) أصول الكافي / الكليني / ج 1 / ص 257 (5) بحار الانوار / ج 14 / ص 115 (*).

[ 156 ]

الفضيل عن سعد أبي عمرو والجلاب عن أبي عبد الله عليه السلام (1).. (2). فضلا عن كونه نفس محمد صلى الله عليه وآله.. وقد عبر عنها السيد بحر العلوم في بلغته بالولاية الباطنية إذ قال بعد أن ذكر (قدس). ولاية الله تعالى { ومن رشحات هذه الولاية - ولاية النبي صلى الله عليه وآله وخلفائه المعصومين عليهم السلام بالولاية الباطنية فإن لهم التصرف في الممكنات من الذرة إلى الذروة بإذنه تعالى } (3). وقد قال الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) (4). قال صاحب شواهد التنزيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام، وكذلك ذكر مثله البحراني في غاية مرامه (5). فإذا كان علي عليه السلام ممن ورث الكتاب، وممن اصطفاه الله من عباده، وإذا كان الكتاب الكريم يقول: (ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى) (6). ويقول في موضع آخر: (وما من غائبة في السمأ والارض إلا في كتاب مبين) (7).


(1) المصدر السابق / ص 114 كل ذلك عن كتاب دراساتنا / الشيخ علي المروجي / ص 39 (2) راجع كتاب ينابيع المودة لسليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي / الباب " 30 " / في تفسير قوله تعالى " ومن عنده علم الكتاب " / ص 103 / ط دار الكتب العراقية. (3) بلغة الفقيه / السيد بحر العلوم / ج 3 / ص 213 (4) الاية " 32 " سورة فاطر - 35 - (5) الحسكاني الحنفي / شواهد التنزيل / ج 2 / ص 155 - 157 الحديث 782 - 783 البحراني / غاية المرام / ص 351. (6) الاية " 31 " سورة الرعد - 13 - (7) الاية " 75 " سورة النمل - 27 - (*)

[ 157 ]

وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي) (1). ألا يعني هذا بنأا على ترتب النتائج على المقدمات أنه يملك ذلك كله بواسطة هذه القوة الربانية. ولماذا نستبعد ذلك ؟ !.. ونضرب مثلا.. نحن لا نستبعد مثلا رفع الثقل الهائل ممن يرفعه بواسطة عتلات متحركه، مع أن الجسم البشري يعجز عن ذلك ؟ ! ولماذا نستبعد ذلك مع أن من يملك أي آلة من المخترعات الحديثة يستطيع أن يفعل بها ما كان يعجز عنه حتى عشرات البشر بل ملايينهم ؟ ! فهذا قد تصرف بهذا بهذا، وذاك يستطيع أن يتصرف بما أعطاه الله تعالى بذلك. وهناك ما شأ الله تعالى من الاحاديث والاخبار المستفيضة في أن عليا مع القرآن والقرآن مع علي. ويكفينا حديث الثقلين. فمن ذلك نعلم أنه أقرب الناس إلى القرآن، وبما أن الباري عزوجل قد خص قوما بوراثته فهو أرجح من غيره بهذه الوراثة، هذا إذا لم يرد خبر عن الرسول صلى الله عليه وآله بإنه هو الوارث، وإلا فالمعنى أثبت وأدق وأجلي. وهذا يظهر جلينا كذلك عند تمعنك في قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) (2). ومن هم هؤلا ؟ ! لعل قوله تعالى:


(1) الاية " 89 " سورة النحل - 16 - (2) الاية " 77 " و " 78 " و " 79 " سورة الواقعة - 56 - (*).

[ 158 ]

(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (1) يكشف لنا ذلك بصورة واضحة. فأهل البيت عليهم السلام هم المطهرون فهم المعنيون بتوضيح من القرآن الكريم نفسه.


(1) الاية " 33 " سورة الاحزاب - 33 - (*).

[ 159 ]

2 - الولاية التشريعية وتظهر كذلك في آيات كثيرة من كتاب الله.. قال تعالى (اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) (1). وما هذه الاطاعة إلا للولاية التشريعية إذ لا يكون قولهم إلا تشريعا ولذا أمرنا الله تعالى باطاعة من ذكر.. وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2). فله الولاية عليهم وقد اثبتها لوصيه كما قدمنا.. وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة..) (3). وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (4). فحذر بعد أن بين لهم. ثم ذكر من له الولاية. بصريح قوله (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (5). وهل بعد هذا البيان من بيان.. ؟ ! وهل قصر رسول الله صلى الله عليه وآله في دعوته وفي توضيحه لرسالته ؟ !


(1) الاية " 60 " سورة النساء - 4 - (2) الاية " 7 " سورة الاحزاب - 33 - (3) الاية " 37 " سورة الاحزاب - 33 - (4) الاية " 64 " سورة النور - 24 - (5) الاية " 56 " سورة المائدة - 5 - (*).

[ 160 ]

وهل ترك امته سدى بعد هذا كله ؟ ! وهل للامة الاختيار ؟ ! وما أنحراف المجتمعات إلا من ذلك الانحراف لقوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..) (1). فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد عبر السيد بحر العلوم (قدس) في بلغته عن هذه الولاية بالولاية الظاهرية إذ قال (قدس) { ولهم كما ستعرف الولاية الظاهرية أيضا على كافة الرعية.. } (2). وبهذا نرى سر أن يأخذ الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وآله إقرارهم بولايته ابتدأا ثم بعد ذلك يثبتها لعلي عليه السلام. لكي لا يبقى مجال لمغمز أو شبهة لمشتبه بل توضيح ما بعده توضيح.


(1) الاية " 26 " سورة الانفال - 8 - (2) بلغة الفقيه / السيد بحر العلوم / ج 3 / ص 213 (*).

[ 161 ]

الخاتمة: - وختاما لكل ما تقدم نقول هذا المدح والثنأ الالهي، وبيان المقام المكثف لال البيت عليهم السلام. وهذا المدح والثنأ المحمدي لاله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان مقامهم بكلماته وافعاله. وهذه المودة الواجبة لهم التي هي من ضروريات الدين. كل هذا ألا يعني شيئا ؟ ! ! هل هذا البيان المفصل لنا - نحن المسلمين - من الله ورسوله، وتبعا لذلك هذا الشعور الملازم لنا، لا يعني سوى أن حب آل البيت عليهم السلام مطلوب وكفى ؟ ! ! ألا يكون هذا أشعارا بأنه لو تعددت السبل، فسبيل آل البيت عليهم السلام هو الصحيح ؟ ! ! ألا يعني أنه إذا قال أناس نحن الفرقة الناجية، وقال اخرون ذلك أيضا فالمسلمون سيعرفون الفرقة الناجية بوجود آل البيت عليهم السلام معهم فيها ؟ ! ! والكل يدعي الولا والمحبة... وقلنا أن الكلام لا يفي، وقلنا أن سياق الادلة وكثرتها لا تدل على وجوب

[ 162 ]

المحبة القلبية فقط، لانها ليست بظاهرة، فالكل يدعيها. إذا نستطيع أن نشخص الضال ممن سلك طريق الهدى ببركة وجود آل البيت عليهم السلام. فالاخذ باحاديثهم لو تعددت الاحاديث. والاخذ بآرائهم لو تعددت الارأ. ف‍ (الغاية الشرعية من خصوصية القرابة حقيقة أنها تشريف، ولكنها بجوهرها تكليف لها معنى، ولها وظائف. فمعناها: - أنها نقطة ارتكاز للمسلمين، فبهم تكتمل الدائرة ويتحدد مركزها، فيستقطبون الامة كلما تفرقت، فتقدم لهم الحل بالتأشير على نقطة الارتكاز الالهية فلا يذهب المسلمون لا للشرق ولا للغرب، ولا للشمال ولا للجنوب، إنما يذهبون للقرابة الطاهرة، ويتجمعون حولها فتجمعهم، وهي بنفس الوقت مرجعية للدين، ومرجعية للمسلمين، فتبين الدين للمسلمين وغير المسلمين، وتسمع من المسلمين ثم تقدم لهم الفهم الامثل لهذا الدين والموافق للمقصود الالهي) (1) هذا هو مقتضى ضخامة هذا التراث الهائل في مودة أهل البيت عليهم السلام، وهو يعني بالضرورة النجاة، لو أردنا النجاة. وإلا فمجرد الحب الذي قد لا يظهر أثره أصلا في حياة المر ولو مرة واحدة أو مرات، لا يقوم مقابل هذا الوجود المكثف لال البيت عليهم السلام، في الايات القرآنية، والبيانات الرسالية. وبعد هذا كله أهناك قرية بعد مكة ؟ !


(1) نظرية عدالة الصحابة / الاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 122 - 123 (*)

[ 163 ]

فمعناها: - أنها نقطة ارتكاز للمسلمين، فبهم تكتمل الدائرة ويتحدد مركزها، فيستقطبون الامة كلما تفرقت، فتقدم لهم الحل بالتأشير على نقطة الارتكاز الالهية فلا يذهب المسلمون لا للشرق ولا للغرب، ولا للشمال ولا للجنوب، إنما يذهبون للقرابة الطاهرة، ويتجمعون حولها فتجمعهم، وهي بنفس الوقت مرجعية للدين، ومرجعية للمسلمين، فتبين الدين للمسلمين وغير المسلمين، وتسمع من المسلمين ثم تقدم لهم الفهم الامثل لهذا الدين والموافق للمقصود الالهي) (1) هذا هو مقتضى ضخامة هذا التراث الهائل في مودة أهل البيت عليهم السلام، وهو يعني بالضرورة النجاة، لو أردنا النجاة. وإلا فمجرد الحب الذي قد لا يظهر أثره أصلا في حياة المر ولو مرة واحدة أو مرات، لا يقوم مقابل هذا الوجود المكثف لال البيت عليهم السلام، في الايات القرآنية، والبيانات الرسالية. وبعد هذا كله أهناك قرية بعد مكة ؟ !


(1) نظرية عدالة الصحابة / الاستاذ احمد حسين يعقوب / ص 122 - 123 (*)

[ 163 ]

إذ يشدنا لال البيت عقلنا بما يسوق من أدلة لا تنطبق إلا عليهم. وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله: حيث لا بيان قبلها ولا سبيل. وقرآن الله، إن قرآن الله كان مشهودا.. حيث لا حجة بعده ولا دليل. والحمد لله رب العالمين. محمد حسين الشيخ عبد الغفار الانصاري

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية