الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 11

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 11


[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء الحادي عشر دار السيرة

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الاولى 1420 ه‍. 1999 م دار السيرة - بيروت لبنان

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته محمد وآله الطاهرين. وبعد.. فإنني أقدم إلى القارى الكريم هذا الجزء من كتاب " الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم " وأتمنى عليه أن يتحفني بما يراه ضروريا في نطاق الإضافة أو التصحيح أو التوضيح لمطالب هذا الكتاب. وأنني أعتذر سلفا للقارى الكريم عن أي نقص أو تقصير، وله مني وافر تقديري، وخالص شكري. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله.. جعفر مرتضى الحسيني العاملي

[ 7 ]

الباب الثاني غزوة بني قريظة

[ 9 ]

آيات في غزوة بني قريظة قيل: إن بعض الايات قد نزلت في غزوة بني قريظة وهي: قوله تعالى: (الذين عاهدت منهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة، وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين) (1). وقوله تعالى: " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب: فريقا تقتلون، وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأرضا لم تطأوها، وكان الله على كل شئ قدير) (2). صدق الله العلي العظيم. خلاصات عن غزوة بني قريضة: ونقدم هنا خلاصة عن غزوة بني قريظة، إذ بدون ذلك فسيكون من الصعب لملمة خيوطها من ثنايا ما قمنا به من بحوث موسعة نسبيا، فرضتها علينا التزاماتنا التي أخذنا على عاتقنا مراعاتها في هذا الكتاب


(1) سورة الانفال / 56 - 58. (2) سورة الاحزاب / 26 / و 27. (*)

[ 10 ]

ولسوف تكون هذه الخلاصة بمثابة عناوين عامة، وكليات لن يغني الاطلاع عليها عن الاطلاع على التفاصيل، والمناقشات، والاستفادات، والتحليلات التي رأينا من المناسب التعرض لها، حسبما اقتضاه الحال، وسمحت به المناسبة. وما نريد أن نلمح إليه هنا هو ما يلي: إنه قد تقدم: أنه كان بين بني قريظة وبين رسول الله (ص) عهد فنقضوه، فأرسل رسول لله (ص) سعد بن معاذ وآخرين إليهم، لاستطلاع الامر، فحاول سعد إقناعهم بالتخلي عن فكرة نقض العهد، فسمع منهم ما يكره. ولم يزدهم ذلك إلا استكبارا وإصرارا. فلما انقضى شأن الاحزاب في الخندق، بالهزيمة الذليلة، بعد قتل فارسهم عمرو بن عبدود، ومن عبر الخندق معه. عاد النبي (ص) والمسلمون إلى المدينة، فجاءه جبرئيل فورا، وأمره بالمسير إلى بني قريظة. وكان (ص) - على ما هو الاظهر - حينئذ في بيت فاطمة عليها السلام فدعا صلى الله عليه وآله وسلم عليا (ع)، وأمره بالتقدم إلى بني قريظة في مجموعة من المسلمين. ففعل. ثم أمر (ص) المسلمين بأن لا يصلوا العصر، أو الظهر - على ما هو الارجح - إلا في بني قريظة. وسار (ص) على حمار عري، يقال له: يعفور، حتى نزل على بئر لبني قريظة، يقال له: بئر " أنا " بأسفل حرة بني قريظة، وتلاحق به الناس. وجاء المسلمون أرسالا، ووصل بعضهم بعد العشاء الاخرة. ومنهم من لم يكن قد صلى الظهر أو العصر - بعد. وحاصر المسلمون بني قريظة أشد الحصر - ودعاهم صلى الله

[ 11 ]

عليه واله في بادئ الامر إلى الاسلام، فأبوا - واستمر الحصار أياما قيل: عشرة أيام، وقيل أكثر من ذلك، وتصاعدت الاقوال إلي شهر. وأرسل (ص) إليهم أكابر أصحابه، فهزموهم. فبعث عليا عليه السلام فكان الفتح على يديه، وكلموا رسول الله بالنزول على ما نزلت عليه بنو النضير، فأبي عليهم رسول الله ذلك، وأسلم ثعلبة، وأسيد أبناء سعية، وكذلك أسد بن عبيد، وانضموا إلى صفوف المسلمين. واستشار بنو قريظة أبا لبابة في النزول على حكم النبي (ص). فأشار إليهم بيده إلى حلقه: إنه الذبح. فنزلوا على حكم سعد بن معاذ. وزعموا: أن أبا لبابة قد تاب من ذنبه هذا، وربط نفسه إلى سارية في المسجد حتى أنزل الله توبته، فحله رسول الله بيده، ولم يثبت لنا صحة ذلك، كما سنرى. وحين نزلوا على حكم سعد، أمر بهم رسول الله (ص) فكتفوا، وجعلوا ناحية، وجعل النساء والذرية ناحية. وجاؤا بالأسرى إلى المدينة، وجعلوهم في دار أسامة بن زيد، ودار بنت الحارث.. وجعل السلاح والامتعة في دار بنت الحارث أيضا. وكان عدد السبي من الذراري والنساء سبع مئة وخمسين، وقيل: كانوا تسع مئة، وقيل: كانوا ألفا. وكان سعد يداوى من جرحه في خيمة رفيدة أو كعبية، فجاؤا به، وكلمه بعض الناس من الاوس في أمر العفو عن بني قريظة، فلم يجبهم. ثم أصدر حكمه بقتل من حزب على رسول الله (ص) منهم. فقال له رسول الله: حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. فقتل النبي (ص) من أنبت ممن حزب عليه من بني قريظة. وأمر

[ 12 ]

(ص) بأخذ فخدت، فضربت أعناقهم فيها، ثم رد عليهم التراب. وكان علي عليه السلام هو الذي قتلهم مع رؤسائهم. وقيل: إن الزبير قد شاركه أيضا. ولا مجال لتأكيد ذلك. وقيل أيضا: إن الاوس قد شاركوا في عملية القتل هذه. وقيل: إن نباته النضيرية، وأرفة بنت عارضة كانتا من جملة القتلى. وأسلم بعضهم، مثل رفاعة بن سموأل، فلم يقتل. وقد اختلفت كلمات المؤرخين في عدد من قتل منهم، فبلغت ثلاثة عشرة قولا، تتراوح ما بين الثلاثمئة رجل، والألف. ويظهر من النصوص: أن بني قريظة لم يقتلوا كلهم، بل قتل منهم خصوص من حزب على النبي والمسلمين. أما من استشهد من المسلمين، فلعله لا يزيد على رجلين أو ثلاثة. ثم جمعت أمتعتهم، وأخرج الخمس منها، ثم قسمت للفارس سهمان، وللرجل سهم واحد، وكانت خيل المسلمين ستة وثلاثين فرسا. أو ثمانية وثلاثين. أما السبي فبيع في من يزيد، ثم قسم ثمنه في المسلمين المشاركين في هذه الغزوة. وبعث (ص) ببعض السبي إلى نجد، أو الشام فبيع هناك، واشتري سلاح وخيل، وقسم (ص) ذلك بين المسلمين. وبعد أن انتهى أمر بني قريظة، انفجر جرح سعد بن معاذ، ودام نزفه حتى مات رحمه الله شهيدا، فكرمه الرسول (ص) مزيد تكريم، وحزن عليه، وبكاه أبو بكر وعمر، ورثاه حسان بن ثابت.

[ 13 ]

الفصل الاول المسير إلى حصون قريظة

[ 15 ]

بداية: لقد انتهت حرب الاحزاب (الخندق) التي كان المسلمون فيها يعانون من الجوع، والسهر، والخوف، والاشفاق من مهاجمة ذراريهم ونسائهم من قبل أعدائهم. وكان من الطبيعي أن يتنفسوا الصعداء حين رأوا عدوهم يغادر أرضهم خائبا، خائفا، خاسئا، وكانوا يتمون أن يصلوا إلى أهلهم، وذويهم، وبيوتهم، ليرتاحوا من ذلك العناء الطويل. ولكن هل يمكن لهم أن يطمئنوا على مصيرهم ومستقبلهم وإلى جوارهم أولئك الذين حزبوا الاحزاب، ورموهم بذلك البلاء العظيم، الذي كاد أن يقضي على الإسلام والمسلمين ويستأصل شأفتهم ؟ ومن جهة ثانية، ما هو الموقف الذي يمكن أن يتخذه النبي (ص) من بني قريظة الذين كانوا السبب في كل ما حصل ؟ " ولو افترضنا: أن النبي (ص) جدد العهد معهم في تلك الفترة فما الذي يمنعهم من نقضه والخروج عليه مرة ثانية كما فعلوا بالأمس، في حين أنهم لم يجدوا منه إلا الصدق والوفاء كما اعترف بذلك زعيمهم حينما دعاه حيي بن أخطب للاشتراك مع الغزاة " (1). لقد كان منطق الحرب، ومنطق الحذر يدعو إلى مهاجمتهم،


(1) سيرة المصطفى ص 511. (*)

[ 16 ]

لانهم العدو القريب، الذي يتربص الدوائر بالاسلام وبالمسلمين وحربهم امتداد لحرب الاحزاب.. وأحد فصولها، التي لا بد من إنجازها. ويبقي أن نشير إلى أن لا مجال لا حتمال أن يكون النبي (ص) حين رأى سرعة أصحابه للعودة إلى المدينة، قد فكر في أن يعطيهم فرصة للراحة فإنه لا مبرر لا حتمال كهذا وفق أي تقييم لما حدث ويحدث، فهذا الأمر الإلهي قد جاء ليظهر أن الله سبحانه يأبي أن يمهل الغدرة الفجرة، فربما يجدون أكثر من وسيلة للتملص والتخلص أو حتى لفرار البعض منهم.. من مواجهة الجزاء العادل لما اقترفته أيديهم. وقد كان حيي بن أخطب وكعب بن أسد يتوقعون هذه الحرب فقد أخذوا العهد على حيي أن يدخل معهم في حصنهم ويصيبه ما أصابهم. متى كانت غزوة بني قريظة: قد تقدم في أوائل الجزء التاسع من هذا الكتاب حديث عن تاريخ غزوة قريظة والخندق. وقد رجحنا أنهما كانتا في السنة الرابعة للهجرة بل قال ابن حزم: " فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة متصلا بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة " (1). ونحن نكتفي بما ذكرناه في ذلك الموضع فليراجعه من أراد. من هم بنو قريظة: قريظة: " فخذ من جذام إخوة النضير. ويقال: إن تهودهم كان في


(1) جوامع السيرة النبوية ص 156. (*)

[ 17 ]

أيام عاديا أي السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له " قريظة "، فنسبوا إليه. وقد قيل: إن قريظة اسم جدهم " (1). " وذكر عبد الملك بن يوسف في كتاب الانواء له: أنهم كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله (ع). وهو بمحتمل (كذا) فإن شعيبا كان من قبيلة جذام، القبيلة المشهورة. وهو بعيد جدا " (2). ولا يهمنا هنا تحقيق ذلك، ولا تتبع مصادره. نقض قريظة للعهد: وقد تقدم أنه كان بينهم وبين رسول الله (ص) صلح فنقضوه، ومالوا مع قريش. فوجه إليهم سعد بن معاذ، وآخرين، فذكروهم العهد، فأساؤا الإجابة. ويقول البعض: إن قوله تعالى: (الذين عاهدت منهم، ثم ينقضون عهدهم في كل مرة، وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم، لعلهم يذكرون. وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين) (3). قد نزل في شأن بني قريظة، كما قاله مجاهد، فإنهم كانوا قد عاهدوا النبي (ص) على أن لا يضروا به، ولا يمالئوا عليه عدوا، ثم مالؤا عليه الأحزاب يوم الخندق، وأعانوهم عليه بالسلاح. " وعاهدوا مرة بعد أخرى، فنقضوا " (4).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 33. (2) فتح الباري ج 7 ص 313 ووفاء الوفاء ج 1 ص 162. (3) سورة الانفال 56 - 58. (4) مجمع البيان ج 4 ص 552 والبحار ج 20 ص 191 وراجع: الدر المنثور ج 3 ص 191 عن ابن أبي شيبة وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ = (*)

[ 18 ]

ولم نجد فيما بأيدينا من نصوص تاريخية ما يدل على تكرر نقض العهد من بني قريظة. إلا ما رواه البخاري " عن ابن عمر قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم. حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم، وأموالهم وأولادهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي (ص)، فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي بالمدينة. ورواه أبو داود بنحوه، إلا أنه قال: حتى حاربت قريظة بعد ذلك، يعني بعد محاربتهم الأولى وتقريرهم. ويؤخذ من ذلك: أن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل بني قريظة " (1). وروي عن الزهري، ومجاهد أن قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) قد نزل في بني قريظة (2). وروي أيضا: أنها نزلت في بني قينقاع (3). ونقول: إن الآية لا تنطبق على بني قريظة، لانهم قد نقضوا العهد، وخانوا بالفعل، والآية إنما تتحدث عن خوف النبي (ص) من خيانة قوم ما.


= عن مجاهد باستثناء العبارة الاخيرة. (1) وفاء الوفاء ج 1 ص 309. (2) الدر المنثور ج 3 ص 191 عن أبي الشيخ عن الزهري، وعن ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. وأنساب الاشراف ج 1 ص 348 وراجع ص 309 عن الزهري. (3) أنساب الاشراف ج 1 ص 348 وراجع ص 309. (*)

[ 19 ]

وأما انطباقها على بني قينقاع فقد يكون له وجه، إذ أن ما فعلوه لا يصل إلى درجة ما فعله بنو قريظة، ولأجل ذلك جاء عقابهم أخف من عقاب أولئك. على أننا نقول: إن الآية الكريمة وإن كانت قد نزلت في هذه المناسبة إلا أنها أرادت أن تعطي قاعدة عامة صالحة للانطباق في كل زمان. آية نزلت في بني قريظة: وقد روي عن مجاهد: أن قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون، وتأسرون فريقا، وأورثكم أرضهم وديارهم، وأموالهم وأرضا لم تطأوها، وكان الله على كل شئ قديرا) (1) نزل في بني قريظة (2). وكذا روي عن قتادة (3) وسعيد بن جبير (4). ويؤيد ذلك بل يدل عليه: أن الضمير في " ظاهروهم " يعود إلى الذين كفروا في الآية السابقة، الذين هم الأحزاب، والذين ظاهروا الأحزاب، وأنزلهم الله من صياصيهم، وقتل المسلمون فريقا منهم وأسروا فريقا، هم بنو قريظة بالذات.


(1) سورة الأحزاب / 26 - 27. (2) الدر المنثور ج 5 ص 192 عن الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأنساب الاشراف ج 1 ص 348. (3) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) الدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن سعد. (*)

[ 20 ]

رؤيا كرؤيا عاتكة في بدر: قالوا: لما انصرف المشركون من الخندق، خافت بنو قريظة خوفا شديدا، وقالوا: محمد يزحف إلينا. وكانت امرأة نباش بن قيس قد رأت (1) - والمسلمون في حصار الخندق - الخندق ليس به أحد. وأن الناس تحولوا إليهم في حصونهم، فذبحوهم ذبح الغنم. فذكرت ذلك لزوجها، فذكره للزبير بن باطا. فقال الزبير: ما لها، لا نامت عينها ؟ تولي قريش، ويحصرنا محمد، والتوراة ؟ ولما بعد الحصار أشد منه (2). تعبير الرؤيا: ونريد أن نسجل هنا: 1 - أن الانسان يهتم كثيرا بكل ما يمس مصيرة ومستقبلة ويتحرك حتى على أساس التخيل والتوهم لمواجهة أي احتمال قادم إليه من المجهول. فنجده يلتجئ حتى لقارئة البخت التي يعلم أنها تكذب عليه، فإذا تكلمت بكلمات عامة وغائمة، تقولها عادة لكل إنسان، فإنه يتلقفها بلهفة، وبحساسية وشفافية متناهية، ويبدأ بتطبيقها على حاله وأحواله. فإذا قالت له مثلا: ستأتيك رسالة من صديق، تخيل أن فلانا الغائب هو الذي سيرسل إليه تلك الرسالة. ثم إذا قالت له: هناك من يحسدك أو يكرهك، وهو أمر قد


(1) أي رأت في منامها. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 496 / 497. (*)

[ 21 ]

يحدث لكل إنسان، فإنه يطبق ذلك على فلان أو فلان. وتضطرب الانفعالات في نفسه تجاهه. وهكذا.. أما إذا كان الذي يأتيه من المجهول، ويلامس مستقبله وحياته ومصيره له درجة من الواقعية مهما كانت هزيلة وضئيلة، فإن إحساسه بالخطر سوف يتعاظم إلى درجة كبيرة وخطيرة. ولسوف يؤثر على توازنه في حركته وفي مواقفه. بل وقد يفقده ثقته بكثير من خططه المستقبلية، ويفسدها عليه. ومن الواضح: أن المنامات والرؤى. قد أثبتت لها التجربة درجة من الواقعية، ولكنها درجة ضعيفة وخفيفة. ولكن هذا الانسان يتعامل معها بجدية وباهتمام أكبر وأكثر مما تفرضه واقعيتها تلك. والذي يدل على واقعية الرؤيا، وأن لها تعبيرا، ما ذكره الله تعالى في سورة يوسف، وأن يوسف عليه السلام قد عبر الرؤيا لصاحبي السجن، ثم لملك مصر، وصدقت الرؤيا، وصدق يوسف عليه السلام. هذا بالاضافة إلى رؤيا إبراهيم عليه السلام في قضية ذبح ولده إسماعيل عليه السلام. 2 - إنه لا شك في أن للاحلام من حيث مناشئها حتى الكاذبة منها صلة بالواقع، بنحو أو بآخر. فالكاذبة لها صلة بالحالة النفسية والجسدية للشخص، فقد تنشأ عن تأثير بعض المآكل أو المشاهدات، أو أي شئ يواجهه الشخص في حال يقظته مما كان له أثر في النفس أو اختزنته ذاكرته، أو ما إلى ذلك. وللصادقة صلة من نوع ما بالقوى الظاهرة والخفية والنواميس الطبيعية المهيمنة التي تؤثر في مسيرة الحياة، إيجابا أو سلبا، وليس

[ 22 ]

بمقدورنا تحديد حقيقة تلك لقوى ولا تحديد نوع تلك النواميس، كما أننا لا نستطيع تحديد أبعاد، ومدى، وكيفية ذلك التأثير الذي يربط بين عالم الرؤيا، وعالم الواقع الخارجي الكوني وقواه ونواميسه. والذي يزيد في حيرتنا هو ما نجده من تأثير حقيقي لتعبير الرؤيا في الواقع الخارجي، وتوجيهه باتجاه معين، لينتج واقعا محسوسا يختلف عن واقع محسوس آخر وأثر تعبير الرؤيا في إبعاد ذاك، ثم في حلول هذا مكانه. فما هو نوع هذا التأثير، ومداه ؟ ! وما هو مقتضياته ؟ ! وكيف تم ذلك ؟ ولماذا ؟ ! كل ذلك وسواه لا يزال مجهولا لدينا، وربما يبقى كذلك مجهولا، والمشيئة في ذلك كله إلى الله سبحانه. 3 - وواضح أن رؤيا هذه المرأة القريظية، قد جاءت لتقدم إنذارا لاولئك الذين اعتادوا على نقض العهود والمواثيق، ولتريهم مصيرهم الذي ينتظرهم. وهي من الرؤى الصادقة، تماما كرؤيا عاتكة التي حصلت لها. قبل حرب بدر، فإنها هي الاخرى قد جاءت إنذارا لأهل مكة المشركين، وإقامة للحجة عليهم. بطريقة تلامس الوجدان الانساني. وتثير ضميره، وتهزه روحيا من الاعماق. تزوير التاريخ: يقول بعض المستشرقين عن قبيلة قريظة: " ظلت هذه القبيلة على الحياد فيما يتعلق بالعمل العسكري، ولكنها قامت بمفاوضات مع أعداء محمد، ولو أنها وثقت من قريش وحلفائهم من البدو لا نقبلت على محمد. وقد هاجم محمد قريظة، بعد أن تخلص من أعدائه، ليظهر أن

[ 23 ]

الدولة الاسلامية الفتية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه. وانسحبت قريظة إلى أطمها، ولم ترد على الهجوم بحماس. ثم أرسلت تطلب الاستسلام بنفس الشروط التي استسلم بها بنو النضير، فأجيبت: أن عليها أن تستسلم بدون قيد أو شرط. فطلب اليهود استشاره أبي لبابة، فلبى نداءهم. أما ما جرى بينهما، فلا يزال سرا الخ.. " (1). ونقول: إننا نسجل على هذا الكلام النقاط التالية: 1 - إنه يظهر إن هذا الكاتب يريد تخفيف ذنب بني قريظة، وإبهام حقيقة تصرفاتهم، وما صدر منهم، بهدف إظهار أن النبي (ص) قد ظلمهم واعتدي عليهم، وعاقبهم عقوبة لا يستحقونها. فهو يوحي: أن قريظة لم تنقلب على محمد، لأنها لم تثق بقريش وحلفائها ! ! وهو يدعي: أنها لم ترد على الهجوم بحماس ! ! وانسحبت إلى أطمها. ويدعي أيضا أن موقف قريظة لم يزد على أن كان موقفا مشبوها. وقد هاجما النبي، ليظهر أن الدولة الإسلامية لا تسمح بمثل هذا الموقف المشبوه ! ! وقريظة بزعمه قد عرضت الاستسلام بشروط قبلها النبي (ص) من بني النضير، لكنه رفضها من بني قريظة ! ! بل كان (ص) - على حد زعمه - يريد أن تستسلم قريظة دون قيد أو شرط مع ما يتضمنه ذلك من معاني التحدي والعنفوان الاسلامي مع


(1) محمد في المدينة، لمونتجمري وات ص 326. (*)

[ 24 ]

الإمعان في إذلال قريظة وتحقيرها. وهو يدعي كذلك سرية ما جرى بين أبي لبابة وبني قريظة. ربما ليضفي - هذا القائل - المزيد من الغموض على حقيقة ما صدر من يهود قريظة، لأنه لا يصرح بتلاومهم على ما صدر منهم، ولا يصرح بمعرفتهم بحقيقة الحكم الذي سيصدر في حقهم - ليظهر أنهم قد أخذوا على حين غرة منهم - لا ينتج ذلك أنهم قد أخذوا خداعا وغدرا. 2 - لقد ادعي ذلك المستشرق: أن ما صدر هو مجرد مفاوضات مع أعداء محمد (ص)، لم تنته إلى اتفاق، وبقيت قريظة على ولائها، ولم تنقلب على محمد (ص). متناسيا حقيقة: أنهم نقضوا العهد، وأن النبي (ص) أرسل إليهم سعد بن معاذ، وآخرين ليقنعوهم بالعودة عن موقفهم، فرفضوا العودة عن نقض العهد، وأسمعوهم ما يكرهون. وتناسى أيضا: أنهم كانوا قد أرسلوا من تحرش بالنساء المسلمات في أطمهم، وقتلت صفية رحمها الله واحدا منهم. ثم تناسى أنهم أرسلوا إلى قريش بأحمال الطعام، فاستولى المسلمون على القافلة، وجرى لهم معها قتال، وكان هناك جرحى. وتناسى وتناسى.. إلى آخر ما هنالك من حقائق دامغة. 3 - قد زعم هذا القائل أن قريظة انسحبت إلى أطمها، ولم ترد على الهجوم بحماس. مع أن بعض النصوص التاريخية تقول: إنهم قد ناجزوا المسلمين خارج حصونهم وألحقوا بهم بعض الهزائم، كما سيأتي، فما معنى قوله: أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس.. إننا لا ندري من أين استنتج حقيقة أنهم لم يردوا على الهجوم بحماس، وهم قد قاتلوا المسلمين بإصرار خارج حصونهم، ثم تحصنوا

[ 25 ]

في داخلها مدة طويلة - سيأتي أنها استمرت أياما كثيرة تراوحت الاقوال فيها ما بين عشرة أيام إلى شهر - ولم يفكروا بالاستسلام إلا بعد أن سمعوا عليا يقسم على أنه لن يرجع عنهم حتى يفتح الله عليه. 4 - قوله: إن ما جرى بينهم وبين أبي لبابة قد بقي سرا، غير صحيح فقد ذكرنا موجزا عما جرى بينهم وبين أبي لبابة سيأتي في موضعه من هذا الجزء فراجع. جبريل يأمر بالمسير إلى بني قريظة: وتحدثنا الروايات في مختلف المصادر التاريخية: أن النبي (ص) سار إلى بني قريظة عند منصرفه من الخندق. وذلك يوم الأربعاء (كما ذكره الواقدي وغيره) لسبع بقين من ذي القعدة. وكانوا على بعض يوم من المدينة. وأضاف الواقدي: أنه انصرف عنهم لسبع خلون من ذي الحجة (1). ولما انصرف صلى الله عليه وآله من الخندق، ودخل المدينة، ووضع السلاح جاءه جبرئيل عليه السلام بأمر الله سبحانه في شأنهم بعد صلاة الظهر، فأمر (ص) المسلمين أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، كما ذكره البخاري وغيره (2).


(1) راجع المصادر التالية: التنبيه والاشراف ص 217 والمغازي للواقدي ج 2 ص 496 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الاضواء وعمدة القاري ج 17 ص 188. (2) راجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 والوفاء ص 695 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والثقات ج 1 ص 274 وجوامع السيرة النبوية ص 152 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244 / 245 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 وبهجة المحافل ج 1 ص 272 ونهاية الارب ج = (*)

[ 26 ]

وعن ابن إسحاق أنه (ص) أمر بلالا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة (1) لكن ذكر مسلم وآخرون أنه (ص) قال: لا يصلين أحد الظهر (2). ويقولون: إنه (ص) بعث يومئذ مناديا ينادي: " يا خيل الله اركبي " (3). في بيت عائشة أم في بيت فاطمة ؟ ! ولتفصيل القول فيما تقدم نقول: قد ذكر المؤرخون أن جبرئيل جاء إلى النبي (ص)، وهو في بيت عائشة فغسل رأسه، واغتسل، ودعا بالمجمرة ليجمر، وقد صلى الظهر، فأتاه جبرئيل على بلغة... على ثناياه النقع، فوقف عند موضع الجنائز، فنادي: عذيرك من محارب.


= 17 ص 187 ووفاء الوفاء ج 1 ص 305 والاكتفاه ج 2 ص 176 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 245 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224، والمغازي للذهبي ص 253 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 331 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 و 7. (1) فتح الباري ج 7 ص 314 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 9. (2) راجع في ذلك: إرشاد الساري ج 6 ص 328 / 329 وعمدة القاري ج 17 ص 189 / 190 وفتح الباري ج 7 ص 313 / 314 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 34 و 35 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 8 وإمتاع الاسماع ج 1 ص 242. (3) عيون الاثر ج 2 ص 68 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 242 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 9 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. (*)

[ 27 ]

فخرج (ص) فزعا. فقال له جبرئيل: ألا أراك وضعت اللامة، ولم تضعها الملائكة بعد. لقد طردناهم إلى حمراء الاسد. إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم. فدعا (ص) عليا إلخ (1). ويقول نص آخر عن عائشة: سلم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام رسول الله (ص) فزعا. فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي. فقال: هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة. قالت: فكأني برسول الله (ص) يمسح الغبار عن وجه جبرئيل (ع) (2). أو قالت: بينا هو عندي إذ دق الباب (أو: سمع صوت رجل) فارتاع لذلك رسول الله (ص)، ووثب وثبة منكرة، وخرج، وخرجت في أثره، فإذا رجل على دابة، والنبي (ص) متكي على معرفة الدابة يكلمه فرجعت... فسألته عن ذلك الرجل، فأخبرها أنه جبرئيل (3).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497، وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر، وإمتاع الاسماع ج 1 ص 241 / 242 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10. وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 331 و 332 و 333. (2) راجع: عمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 318 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 وتاريخ الاسلام (المغازي ص 254. (3) راجع: عيون الأثر ج 2 ص 68 والبداية والنهاية ج 4 ص 117 عن البيهقي ودلائل النبوة للأصبهاني ص 437 ومجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 8 و 10 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225 / 226. =

[ 28 ]

ونحن نرتاب في صحة هذه الروايات وأضرابها، وذلك لما يلي: أولا: هي مضطربة ومتنافرة إلى حد كبيرة، ونشير إلى موردين فقط من موارد التنافر والاختلاف هما: 1 - أن عائشة تذكر: أنها خرجت في أثر رسول الله (ص)، فرأته (ص) متكئا على معرفة دابة جبريل، فرجعت، فلما دخل النبي سألته عنه، فأخبرنا. لكن في رواية أخرى تقول عائشة: كأني أنظر إلى جبريل من خلل الباب، قد عصب رأسه العنان (الغبار) (1). وفي نص ثالث: كأني أنظر إلى رسول الله يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية الكلبي يارسول الله ؟ ! فقال: هذا جبرئيل (2). 2 - كان في بيت عائشة ساعتئذ، وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه، فجاءه جبريل (3). مع أن ما تقدم آنفا يقول: فغسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمر ليجمر، وقد صلى الظهر، فأتاه جبرئيل. وفي نص ثالث أنه وضع لامته واغتسل واستجمر (4).


(1) الوفا ص 694 و 697 والبداية والنهاية ج 4 ص 117 و 118 و 123 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 وفتح الباري ج 7 ص 318 وراجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 171 وأنساب الاشراف ج 1 ص 347. (2) سيرة ابن إسحاق ص 397. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 وراجع: ابن سعد ج 2 ص 75 / 76 وفيه: أنه نادى في الناس: أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل فأتاهم عند الحصن. (4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 438 = (*)

[ 29 ]

ثانيا: ذكرت الروايات المتقدمة أنه (ص) كان حين جاءه جبريل في بيت عائشة، مع أن ثمة روايات أخرى تخالفها في ذلك، فلاحظ ما يلي: 1 - إنه (ص) كان حين جاءه جبرئيل في بيت زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وفي الدر المنثور: يغسل رأسه، وقد غسلت شقه إذ جاء جبرئيل فقال إلخ (1). 2 - إنه (ص) قد كان في بيت أم سلمة (2). 3 - إنه (ص) كان حينئذ في بيت فاطمة عليها السلام، فقد قال الديار بكري: " وفي رواية في بيت فاطمة " (3). قال الزهري وعروة: " لما دخل النبي (ص) المدينة، وجعلت فاطمة تغسل رأسه، إذ قال له جبرئيل: رحمك ربك، وضعت السلاح، ولم يضعه أهل السماء ؟ ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء " (4). وفي نص آخر: " فضربت فاطمة ابنته غسولا، فهي تغسل رأسه إذ أتاه جبرئيل على بغلة، معتجرا بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق، معلق عليها الدر والياقوت، عليه الغبار (5) ثم يذكر سائر ما تقدم في


= ومجمع الزوائد ج 6 ص 145 عن الطبراني وسبل الهدي والرشاد ج 5 ص 8 و 9. (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 331 والدر المنثور ج 5 ص 193 عن ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. (2) راجع: زاد المعاد لابن القيم 2 ص 119. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493. (4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الاضواء. (5) إعلام الورى ط سنة 1390 ه‍. ق. ص 93 والبحار ج 20 ص 272 / 273 عنه. = (*)

[ 30 ]

النص السابق. ويؤيد هذا القول الأخير ما روي من أنه (ص) كان إذا سافر كان آخر عهده ببيت فاطمة، وإذا عاد من سفر، فإن أول ما يبدأ به هو بيت فاطمة (1). والمفروض: أن هذا الامر قد كان فور عودته من حرب الخندق. إلا أن يقال: إنه قد مرت فترة كبيرة تكفي لزيارة ابنته فاطمة، ثم انتقاله إلى بيت إحدي زوجاته: أم سلمة، أو زينب، أو عائشة. وهذا ما دعانا إلى اعتبار ذلك القول مؤيدا لا دليلا.. ونأمل أن لا يخفى على القارى الكريم أنه قد كان ثمة من يهتم بالتركيز على نقل خصوص ما يرتبط بعائشة، خصوصا إذا دخلت روايتها، أو روايتهم سيرة ابن إسحاق، أو ابن عقبة، أو الواقدي، أو الصحيحين، ثم يأتي الآخرون، ويقتصرون على نقل ما يجدونه في هذه.


(1) إحقاق الحق ج 10 ص 229 - 238 وج 19 ص 105 - 107 عن الاستيعاب ومصادر كثيرة أخرى، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 448 وج 3 ص 155 و 156 وحلية الاولياء ج 2 ص 30 وج 6 ص 123 ومقتل الحسين للخوارزمي ص 63 و 56 وذخائر العقبى ص 37 والجامع الصغير ج 2 ص 294 وينابيع المودة ص 198 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 189 و 190 ووفاء الوفاء ج 1 ص 331 وأعلام النساء ج 3 ص 1217 وسنن البيهقي ج 1 ص 26 ونظم درر السمطين ص 177 وتلخيص المستدرك للذهبي ج 3 ص 156 وكشف الغمة للشعراني ج 1 ص 145 ومسند أحمد ج 5 ص 275 ومختصر سنن أبي داود ج 6 ص 108 وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص 120. وعن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع وراجع: عوالم العلوم ج 11 ص 313 والبحار ج 43 ص 83 وج 88 ص 93. (*)

[ 31 ]

الكتب، التي تهتم بمنقولات عائشة، وابن أختها عروة بن الزبير، وأضرابهما. فيخيل - بعد هذا - للناظر في كتب التاريخ: أن القضية من المسلمات التاريخية، وأن ما عداها شاذ، لا يلتفت إليه. وهذا الامر ينسحب على كثير من القضايا التي حفلت بها كتب التاريخ، وتناقلته على أوسع نطاق. فإذا راجعت وقارنت، وتتبعت المصادر، فستجد أنها تنتهي إلى مصدر واحد تقريبا في أكثر الاحيان. وثالثا: قد ذكرت عائشة: أنها رأت جبرئيل من خلل الباب قد عصب رأسه العنان، وسيأتي: أن كثيرين من الصحابة قد رأوه، وأن النبي (ص) قد أخبرههم أنه جبرئيل. ولكن قد روي في المقابل: أن الذي يرى جبرئيل (ع) يبتلي بالعمى فما رآه أحد إلا طمست عيناه. فلماذا لم تبتل عائشة، ولا أحد من الصحابة بالعمى بسبب رؤيتهم جبرئيل ؟ ! وستأتي الاحاديث الدالة على ذلك بعد الفقرة التالية. المسلمون يرون جبرئيل ؟ ! ويقول المؤرخون: إن رسول الله (ص) خرج إلى بني قريضة فلما بلغ الصورين (1) (هو موضع قرب المدينة) قال: هل مر بكم أحد. قالوا: نعم، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء.


(1) قال الشامي: الصوران: اسم للنخل المجتمع الصغار. موضع في أقصى بقيع الغرقد مما يلي بني قريظة. سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 38. (*)

[ 32 ]

فقال رسول الله (ص): ذاك جبرئيل (1). وفي نص آخر: خرج (ص) فمر على مجلس من مجالس الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول الله (ص)، فقال لهم: هل مر بكم الفارس آنفا ؟ ثم أخبرهم أنه جبرئيل وليس دحية. زاد في نص آخر قوله: أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب (2). بل جاء في بعض الروايات ما يلي: " وتخلف النبي (ص)، ثم لحقهم، فجعل كلما مر رسول الله (ص) بأحد، فقال: هل مر بكم الفارس ؟ !. فقالوا: مر بنا دحية بن خليفة، وكان جبرئيل يشبه به " (3). ويقول نص آخر: " فخرج رسول الله (ص) فاستقبله حارثة بن نعمان. فقال له: ما الخبر يا حارثة ؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا دحية الكلبي ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.


(1) الثقات ج 1 ص 274 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 وعيون الاثر ج 2 ص 69. وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 247. (2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 14 و 9 و 11 ومجمع البيان ج 8 ص 351 والبحار ج 20 ص 210 عنه ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء والبداية والنهاية ج 4 ص 118 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 370 والسيرة الحلبية 2 ص 332. وراجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 137 والاكتفاء ج 2 ص 177 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237 و 226 و 227 و 228 وتاريخ الاسلام (المغازي) ص 254 / 255. (3) تفسير فرات ط سنة 1460 ه‍. ق. 174 والبحار ج 20 ص 266 عنه. (*)

[ 33 ]

فقال: ذاك جبرئيل " (1). غير أن نصا آخر يذكر: أنه (ص) مر بنفر من بني النجار بالصورين، فيهم حارثة بن النعمان، قد صفوا عليهم السلاح، فقال: هل مر بكم أحدا ؟ ! قالوا: نعم، دحية الكلبي... إلى أن قال: فأمرنا بلبس السلاح، فأخذنا سلاحنا وصففنا. وقال لنا: هذا رسول الله يطلع عليكم الآن. قال حارثة بن النعمان: فكنا صفين. فقال لنا رسول الله: ذلك جبريل (بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم). فكان حارثة بن النعمان يقول: رأيت جبريل من الدهر مرتين: يوم الصورين، ويوم موضع الجنائز، حين رجعنا من حنين (2). ونقول: إن الروايات المتقدمة تفيد أن الكثيرين من المسلمين خصوصا من بني النجار وكذلك حارثة بن النعمان قد رأوا جبريل، إما وهو ينادي في الناس، يأمرهم بالمسير إلى بني قريظة، أو حينما مر على مجالسهم، وطلب منهم أن يلبسوا السلاح لأجل ذلك. قال ابن حزم: " رأي قوم من المسلمين يومئذ جبرئيل في صورة


(1) تفسير القمي ج 2 ص 189 / 190 والبحار ج 20 ص 233 / 234. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 498 / 499 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 11 ولم يذكر قول حارثة الاخير، وكذا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 واليرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333. (*)

[ 34 ]

دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيفة، ثم مر عليهم دحية " (1). مع أنهم يروون: أن من يرى جبرئيل يصاب بالعمى، إذا لم يكن نبيا. ونذكر من هذه الروايات ما يلي: 1 - روي: أنه رأى ابن عباس رجلا مع النبي (ص)، فلم يعرفه. فسأل النبي (ص) عنه. فقال له النبي (ص): رأيته ؟ ! قال: نعم. قال: ذلك جبرئيل. أما إنك ستفقد بصرك فعمي بعد ذلك في آخر عمره (2). 2 - وروي أيضا: أن ابن عباس جاء إلى النبي (ص) وعنده رجل - قال فقمت خلفه. فلما قام الرجل التفت إلي، فقال: يا حبيبي، متى جئت ؟. قلت: منذ ساعة. قال: منذ ساعة. قال: فرأيت عندي أحدا ؟ ! قلت: نعم، الرجل. قال: ذاك جبرئيل. أما إنه ما رآه أحد إلا ذهب بصره، إلا أن يكون نبيا. وأنا أسأل الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك. اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، واجعله من أهل الإيمان (3).


(1) جوامع السيرة النبوية ص 152 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 123. (2) الاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 356 وقاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه وراجع: المعجم الكبير 10 ص 292 ومجمع الزوائد ج 9 ص 276 عنه وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 299. (3) تاريخ بغداد ج 14 ص 435 وقاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه. (*)

[ 35 ]

3 - وروي: أن ابن عباس قال في عماه بسبب رؤية جبرئيل، وإخبار النبي (ص) له بذلك: إن يأخذ الله من عيني نورهما * ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل * وفي فمي صارم كالسيف مأثور (1) 4 - وفي رواية أخرى: أن العباس أرسل ولده عبد الله إلى النبي (ص) في حاجة، فوجد عنده رجلا، فرجع ولم يكلمه، فلقي العباس رسول الله (ص) بعد ذلك، فذكر ذلك له: فقال (ص): يا عم، تدري، من ذاك الرجل ؟ ! قال: لا. قال: ذاك جبريل لقيني. لن يموت ولدك حتى يذهب بصره، ويؤتى علما (2). توضيح لا بد منه: إننا أردنا بما تقدم تسجيل تحفظ على ما يذكرونه من رؤية الناس لجبرئيل.. لكن هذا التحفظ لا يعني أن يكون جبرئيل لم يقم بأي عمل في غزوة بني قريظة، إذ من الجائز أن يكون (ع) قد نادى في الناس، وسمعوا صوته، ويكون النبي (ص) هو الذي أخبرهم بأن هذا هو صوت جبرئيل، وذلك كما حصل في أحد حين نادي: لا فتي إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار


(1) الاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 2 ص 356 وقاموس الرجال ج 6 ص 50 عنه. (2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 340 ومجمع الزوائد ج 9 ص 277 وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات. (*)

[ 36 ]

جبرئيل (ع) والنبي (ص): ومهما يكن من أمر فإن جبرئيل عليه السلام قال للنبي (ص) عن الأحزاب: ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1). أو قال له: لقد طردناهم إلى حمراء الأسد (2). ثم أمره بالمسير إلى بني قريظة، وفي بعض النصوص أنه قال له: إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم (3).


(1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 وإعلام الوري ص 93 ط سنة 1390 والبحار ج 20 ص 272 / 273 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 4 و 9 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332 وتفسير فرات ط سنة 1410 ه‍. ق ص 174 والبحار ج 20 ص 266. (3) سيرة مغلطاي ص 56 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 و 228 و 235 و 237 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 12 والبداية والنهاية ج 4 ص 16 وراجع ص 123 والوفا ص 694 وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والسيرة الحلبية ج 2 ص 331 و 332 / 333 والاكتفاء ج 2 ص 176 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 ومسند أحمد ج 6 ص 141 / 142 ونهاية الأرب ج 17 ص 187 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 ومجمع الزوائد ج 6 ص 136 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 255 ووفاء الوفاء ج 1 ص 305 و 306 وحدائق الأنوار ج 2 ص 594 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 244 وعيون الأثر ج 2 ص 68 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 و 23 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 / 242 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر، والمغازي للواقدي = (*)

[ 37 ]

وفي نص آخر أنه قال: والله لأدقنهم دق البيضة على الصخرة (1). أو قال له: " اخرج وقد أمرت بقتالم، وإني غاد بمن معي فنزلزل بهم حصونهم حتى تلحقونا، فأعطى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الراية، وخرج في إثر جبرئيل، وتخلف النبي (ص)، ثم لحقهم، فجعل كلما مر إلخ... " (2). ويقول نص آخر: فجاء جبرئيل ومن معه من الملائكة، فقال: يا رسول الله، انهض إلى بني قريظة. فقال: إن في أصحابي جهدا (فلو أنظرتهم أياما). قال: إنهض إليهم، لادخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم، ثم لاضعضعنهم (3). قال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطح الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار (4) وهم جيران


= ج 2 ص 497 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10. (1) إعلام الورى ص 93 ط سنة 1390 ه‍. ق والبحار ج 20 ص 272 / 273. (2) تفسير فرات ط سنة 1410 ه‍. ق ص 174 والبحار ج 20 ص 266، عنه. (3) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 77 ط صادر وفتح الباري ج 7 ص 313 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 و 9 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. (4) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق وراجع: صحيح البخاري ج 3 ص 22 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 56 وبهجة المحافل ج 1 ص 272 وفاء الوفاء ج 1 ص 306 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 437 والبداية والنهاية ج 4 ص 117 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 253 ودلائل = (*)

[ 38 ]

المسجد (1). وفي نص آخر: أن جبرئيل (ع) قال للنبي (ص) إنى قد قلعت أوتادهم، وفتحت أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال (2). النبي (ص) يندب الناس إلى بني قريظة: قال الطبرسي: فدعا رسول الله (ص) عليا، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة.. فقام علي عليه السلام، ومعه المهاجرون، وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد. وجعل النبي (ص) يسرب إليه الرجال، فما صلى العصر إلا بعد العشاء (3). وعند ابن شهر أشوب: " قدم عليا (ع) وقال: سر على بركة الله، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم. ومعه المهاجرون، وبنو النجار، وبنو الأشهل، وجعل يسرب إليه الرجال. فلما رأواه قالوا: أقبل إليكم قاتل عمرو فقال علي (ع): الحمد لله الذي أظهر الإسلام، وقمع الشرك " (4). وعن عائشة: أنه (ص) بعث بلالا، فأذن في الناس: إن رسول الله (ص) يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة.


= النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224. (1) مجمع الزوائد ج 6 ص 137 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 123. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493. (3) إعلام الورى ط سنة 1390 ه‍. ق ص 93 وبحار الأنوار ج 20 ص 272 / 273 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (4) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء. (*)

[ 39 ]

ولبس رسول الله (ص) السلاح، والمغفر، والدرع، والبيضة. وأخذ قناة بيده، وتقلد الترس، وركب فرسه (اللحيف). وحف به أصحابه، وتلبسوا السلاح، وركبوا الخيل (1). وفي نص آخر يقول: لبس (ص) لامته، وبيضته، وشد السيف في وسطه، وألقى الترس من وراء كتفه، وأخذ رمحه، وركب فرسه، واسمه لحيف، واجتنب فرسين (2). ولم يتخلف عنه من المهاجرين أحد، وأفاه عامة الأنصار (3). وساتخلف على المدينة ابن أم مكتوم (4) أو أبا رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين (5).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و 498 و 499. وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 - 11 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241 / 242 وراجع أيضا، تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332 و 333 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (4) الوفاء ص 695 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق ص 31 ونور اليقين ص 166 وجوامع السيرة النبوية ص 153 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 وعيون الأثر ج 2 ص 68 عنه وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط دار صادر والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 224 والبداية والنهاية ج 4 ص 116 وأنساب الأشراف ج 1 ص 347 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 ونهاية الأرب ج 17 ص 187 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333. (5) التنبيه والإشراف ص 217. (*)

[ 40 ]

ونحن نشير هنا إلى الأمور التالية: الأول: قدم راية المهاجرين: تقدم أن النص المنقول عن الطبرسي يقول: إن النبي (ص) قال لعلي عليه السلام: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة. فقام على (ع) ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلها، إلخ.. وأن عامة الأنصار كانوا معه أيضا. ونحن نشير هنا إلى ما يلي: إلف: قد يدور يخلد البعض أن هذا النص يهدف إلى الايحاء بأن عليا كان في هذه الغزوة يحمل راية المهاجرين فقط، لا راية الجيش كله.. ونقول: إن هذا لا يمنع من أن يكون لواء الجيش كله ورايته مع علي، بالإضافة إلى راية المهاجرين التي أعطاه رسول الله (ص) إياها أولا.. ومما يؤكد ذلك أن نفس الطبرسي قد صرح بأن الذين قاموا مع علي حين أعطاه راية المهاجرين هم المهاجرون، وبنو عبد الأشهل، وبنو النجار كلها. وجعل رسول الله يسرب. وسيأتي ما يؤكد: أن راية الجيش ولواءه كان في بني قريظة مع علي السلام. ولعل سر تصريح النبي (ص) في بادئ الأمر براية المهاجرين.. ثم ألحقها صلى الله عليه وآله براية الجيش كله هو ما يلي: 1 - إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد أن يفهم بني قريظة:

[ 41 ]

أنهم إذا كانوا قد نقضوا عهده من أجل أن ينصروا أهل مكة في صراعهم معه. فإن هؤلاء أيضا من أهل مكة. وقد جاؤا لحربهم وقتالهم، وعلى رأسهم ابن شيخ الأبطح علي بن أبي طالب عليه السلام. 2 - إنه إذا كان فريق من قبيلة الأوس يشعر بأن لبني قريظة معه علاقة من نوع ما، ولا بد من التعامل على أساس حفظ هذه العلاقة، وحفظ ما يترتب عليها من التزامات، فإن النبي ص) سوف لن يواجههم بما يعتبرونه تفريطا بالتزاماتهم تلك، أو عدم احترام لها، أو قلة وفاء بها، إلا بعد أن تتكون لديهم هم أنفسهم القناعة الكاملة، بما يريد لهم أن يلتزموا بموقف محدد تجاهه. ولا نبعد كثيرا إذا قلنا: إن هذا قد كان من أسباب بدئه بالمهاجرين في هذه الغزوة بإعطاء رايتهم لعلى (ع)، كما أنه كان أيضا من أسباب تقديم النبي (ص) أهل بيته في الحروب، بالاضافة إلى أسباب أخرى ليس هنا محل التعرض لها. كما أن هذا بالذات هو سبب إرسال سرايا المهاجرين في بداية الهجرة. حتى اقتنع الأنصار بأن مشاركتهم الحربية ليس فيها أي مساس بالتزاماتهم، ولا بما عقدوه مع الآخرين من عهود وعقود. كما أنه يعتبر من صميم التزاماتهم تجاه الإسلام ونبي الإسلام. ب: قد تقدم مبادرة بني عبد الأشهل، وبني النجار كلهم، ثم لحوق عامة الأنصار بهم، حيث كان النبي (ص) يسربهم إلى علي عليه السلام وذلك إن دل على شئ فإنما يدل على مزيد من الوعي، والإخلاص، والإحساس بالمسؤولية لدى الأنصار بصورة عامة.

[ 42 ]

الثاني: حمراء الأسد أو الروحاء: وقد ذكرت بعض النصوص المتقدمة أيضا: أن جبرئيل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1). ونحن نشك في صحة ذلك، لأن جبرئيل قد جاء إلى النبي ظهر اليوم الذي فر المشركون في ليلته، أو بعد الظهر بقليل. أي بعد فرار المشركين بنصف يوم أو أكثر بقليل. ولا يمكن للمشركين أن يقطعوا المسافة التي بين المدينة وبين الروحاء بهذه المدة القصيرة. وذلك لأن الروحاء كانت على بعد ليلتين من المدينة (2). بينهما أحد وأربعون أو اثنان وأربعون ميلا (3)، وقيل: ستة وثلاثون (4). وقيل: نحو أربعين (5) وقيل: ثلاثون (6). وقيل: أربعة برد (7).


(1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 وإعلام الورى ط سنة 1390 ص 93 والبحار ج 20 ص 272 / 273. (2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222. (3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222. (3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222. (4) راجع: معجم البلدان ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 87 وفيه: يوما. وهو خطأ. والصحيح ميلا. ومراصد الاطلاع ج 2 ص 637 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1222 وعن صحيح البخاري كتاب البيوع، باب 111 وعن صحيح مسلم كتاب الصلاة ح 15. (5) مراصد الاطلاع ج 2 ص 637 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1222 ومعجم البلدان ج 3 ص 87 دار الكتب العلمية وفيه: يوما وهو خطأ. والصحيح: ميلا. (6) المصادر المتقدمة. (7) وفاء الوفاء ج 4 ص 1222. (*)

[ 43 ]

فالصحيح هو تلك الرواية التي تقول: إن الملائكة طردت المشركين حتى بلغوا حمراء الاسد (1)، التي تبعد عن المدينة ثمانية أميال (2). الثالث: على حمار، أم على فرس: قد ذكر فيما سبق أنه (ص) ركب فرسه، وكان له (ص) ثلاثة أفراس كانت معه. مع أنه قد روي عن أبي رافع: أن رسول الله (ص) غدا إلى بني قريظة على حمار عري، يقال له: يعفور. زاد في بعض المصادر قوله: والناس حوله. وعند ابن سعد: والناس يمشون (3). وفي شمائل الترمذي: كان (ص) يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف ليف (4). وقال اليعقوبي: وركب حمارا له (5).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 وامتاع الأسماع ج 1 ص 24 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 9. وتفسير فراث ط سنة 1410 ه‍. ق ص 174 وبحار الأنوار ج 20 ص 266 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332. والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13، وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 254. (2) معجم البلدان ج 2 ص 346 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1196 ومراصد الاطلاع ج 1 ص 424. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط، وامتاع الأسماع ج 1 ص 242 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 11 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 76 ط صادر وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 333. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 493. (5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (*)

[ 44 ]

الرابع: من الذي نادي في الناس: علي أم بلال ؟ ! وذكر نص آخر ذكرنا فيما تقدم أيضا: أن النبي (ص) بعث بلالا، فأذن في الناس أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة. بينما نجد نصا آخر يقول: إن قتادة بن النعمان أخبر النبي (ص) أن دحية ينادي في الناس: ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فقال (ص): ذاك جبرئيل، ادع لي عليا. فجاء علي، فقال له: ناد في الناس ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فجاء أمير المؤمنين عليه السلام، فنادي فيهم، فخرج الناس، فبادروا إلى بني قريظة. وخرج رسول الله (ص)، وعلي بن أبي طالب بين يديه مع الراية العظمى إلخ (1). وإذا كنا نعلم: أن السياسة كانت تتجه إلى إعطاء كل الأدوار إلى الآخرين وتجاهل، بل وتزوير التاريخ لإبعاد علي عليه السلام عن الواجهة إلى درجة تجعل البعض يتخيل أنه لم يكن قد ولد بعد. فإننا ندرك السبب في أنهم يذكرون نصف هذا النص ويرددونه في كتبهم وصحاحهم، ويتجاهلون النصف الآخر، إلى درجة التجرؤ على استبدل علي عليه السلام ببلال. كما تقدم. فاقرأ واعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا.


(1) تفسير القمي ج 2 ص 189 / 190 والبحار ج 20 ص 233 / 234. (*)

[ 45 ]

الخامس: رواية لا تصح: وعن الزهري، عن ابن المسيب، بعد أن تحدث عن هزيمة الأحزاب، قال: " فندب النبي (ص) أصحابه في طلبهم. فطلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد. قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي (ص) لأمته، واغتسل، واستجمر، فنادي النبي (ص) جرئيل: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللامة، ولم نضعها نحن ! ! فقام النبي (ص) فزعا، فقال لأصحابه: عزمت عليكم ألا تصلوا العصر حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوها إلخ ". ونقول: أولا: لا ندري لماذا قام النبي (ص) فزعا. مع أن المقام مقام طمأنينة مع وجود العنايات الربانية، والتسديد والتوجيه الالهي، الذي يظهر جليا بمشاركة جبرئيل والملائكة في هذه الحرب. إلا أن يكون (ص) قد خشي من أن يكون قد ارتكب شيئا من التقصير في مطاردة أعداء الله، والقضاء على مصدر الشر والانحراف وحاشاه أن يقصر ! ! ثانيا: إن معظم المسلمين حين جلاء الأحزاب قد تنفسوا الصعداء، وبادروا إلى التوجه نحو المدينة، مخالفين بذلك أمر رسول الله (ص). كما قدمناه في أواخر الجزء التاسع. فما معنى القول: إنهم


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 369 وراجع: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 وأشار إليه في مجمع الزوائد ج 6 ص 140 عن الطبراني. (*)

[ 46 ]

طلبوهم حتى بلغوا حمراء الأسد ؟ ! ثالثا: قد تقدم آنفا: أن جبرئيل والملائكة (ع) هم الذين طاردوا المشركين إلى حمراء والأسد والروحاء (1) ولعل الأمر قد اشتبه على ابن المسيب بين غزوة الأحزاب وغزوة أحد، فإن المسلمين إنما طاردوا المشركين إلى حمراء الأسد في غزوة أحد لا الأحزاب. السادس: لماذا لم يعنف (ص) تاركي الصلاة ؟: قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن المسلمين اجتمعوا عند النبي (ص) عشاء، فمنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة، ومنهم من قد صلى، فذكروا ذلك لرسول الله (ص)، فما عاب أحدا منهم، وفي بعض النصوص: أن صلاة العصر حانت وهم في الطريق فذكروا الصلاة، فاحتج الذين لم يصلوا بقول النبي (ص) لهم: لا يصلين أحد العصر، أو الظهر إلا في بني قريظة (2).


(1) راجع الهوامش التي تقدمت تحت عنوان: جبرئيل والنبي. وتحت عنوان: في بيت عائشة أم في بيت فاطمة. وتحت عنوان: حمراء الأسد أو الروحاء. (2) راجع: فيما تقدم المغازي للواقدي ج 2 ص 500 وجوامع السيرة النبوية ص 152 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 و 114 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 245 وص 246 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 76 والسير النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و 14 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 و 245 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334 ومجمع البيان ج 8 ص 351 والبحار ج 20 ص 210 عنه والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 225 - 228 والبداية والنهاية ج 4 ص 117 و 119 والروض الأنف ج 3 ص 281 وحدائق الأنوار ج 2 ص 594 والمصنف للصنعاني ج 5 ص = (*)

[ 47 ]

وقد اختلفت الكلمات في توجيه ذلك، ونحن نجمل أولا ما ذكروا، ثم نشير إلى بعض النقاط التي تفيد في تأييد أو تفنيد ذلك، فنقول: 1 - قد ذكر البعض: أن عدم تعنيفه (ص) لأولئك الذين تركوا صلاة العصر إنما هو لأنهم أدركوا أن قيام الدولة الإسلامية، والعمل له ألزم من الصلاة، مع ما لها من مكانة في الإسلام، لأنها إن أقيمت دولة الإسلام أقيمت الصلاة، وسائر تعاليم الإسلام (1). ونقول: إن هذا الكلام لا يصح، وذلك لما يلي: أولا: إنه لم حين لم يعب أحدا منهم، فأما أن يكون الفريقان معا على صواب، وهذا غير معقول. أو يكون أحدهما مصيب والآخر مخطئ. فاللازم في هذه الحالة هو تعليم المخطئ وإرشاده إلى الخطأ الذي وقع فيه. ثانيا: لو صح هذا الكلام لكان بوسع كل من يسعى لإقامة دولة إسلامية أن يترك الصلاة ما دام يعمل في هذا السبيل. بل كان له أن يترك سائر شعائر الإسلام، وأحكامه، إذا جاز له


= 370 ومجمع الزوائد ج 6 ص 140 وبهجة المحافل ج 1 ص 272 / 273 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 253 و 254 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 - 10 و 33 - 35 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 173 وصحيح مسلم ج 5 ص 162 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 6 - 8 و 12 والاكتفاء ج 2 ص 177 ونهاية الأرب ج 17 ص 187 والثقات ج 1 ص 274 وعيون الأثر ج 2 ص 69 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 314. (1) التفسير السياسي للسيرة ص 279 - 280. (*)

[ 48 ]

ترك عمود الدين، للعلم القطعي بعدم خصوصية للصلاة في هذا المورد.. 2 - وذكر البعض توجيها آخر. لما ذكروا من عدم تعنيف النبي صلى الله عليه وآله لمن صلى. ولمن ترك الصلاة. فادعي: أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الأمر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت، وإنما لم يعنف (ص) الذين أخروها: لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر، ولأنهم اجتهدوا فأخروا امتثالا للأمر، لكنهم لم يصلوا إلى أن يكونوا في أصوب من اجتهاد الطائفة الأخرى (1). وعبارة البعض هنا تقول: " إن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت، مع أن المفهوم من قول النبي (ص): لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بني قريظة، المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يشتغل عنه بشئ لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه، من حيث أنه تأخير. فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرا إلى المعنى، لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوت الوقت. وأخذ آخرون بظاهر اللفظة وحقيقته، فأخروها. ولم يعنف النبي (ص) واحدا من الفريقين لأنهم مجتهدون (2). ونقول تعليقا على ذلك: إننا نرى: أن سبب عدم عيب النبي صلى الله عليه وآله من ترك


(1) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 35 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494. (2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98. (*)

[ 49 ]

صلاته ليس هو ما ذكره هؤلاء ولا يمكن استفادة ضابطة ولا تأسيس أي من القواعد التي استفادوها، وأسسوا وبنوا عليها، استنادا إلى فهمهم المنقول عنهم آنفا، لأنه فهم خاطى، ولا مرر له. بل السبب في أن النبي (ص) ما عاب، ولا عنف، ولا لام أحدا منهم على ذلك هو أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد عذرهم بفهمهم الخاطئ لمرمى كلامه، رغم وضوحه وظهوره. وذلك إن دل على شئ، فإنه ليس فقط لا يدل على اجتهادهم المدعى. بل هو يدل على تدن خطير مستوى تفكيرهم، إلى درجة يلحقهم بالقاصرين، الذين يعذرون فيما يأتونه ويرتكبونه عن جهل وقصور. فقد كان من الواضح: أنه صلى الله عليه وآله حين أمرهم بالمسير إلى بني قريظة على النحو المتقدم، إنما أراد منهم الإسراع في ذلك إلى درجة أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، أي أنه صلى الله عليه وآله يريد منهم أن يصلوا إليهما حينما يحين وقت صلاة العصر، أو قبل ذلك. وهذا بالذات هو الذي فهمه الذين صلوا في الطريق، كما ذكره البعض (1). لا أنه صلى الله عليه وآله أراد أن يسقط عنهم الصلاة في خارج منطقة بني قريظة. والذين صلوا في الطريق كانوا - فيما يظهر - هم الفئة الأكثر وعيا، وتفهما للكلام في مداليله اللغوية والعرفية. 3 - أما ابن حزم فقد قال: " أما التعنيف، فإنما يقع على العاصي المعتمد المعصية، وهو يعلم أنها معصية، وأما من تأول للخير، فهو -


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 118 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 227 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 35 و 34 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 وفتح الباري ج 7 ص 315 وأول ص 316. (*)

[ 50 ]

وإن لم يصادف الحق - غير معنف. وعلم الله أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة، ولو بعد أيام. ولا فرق بين نقله (ص) صلاة في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، وبين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، وصلاة العصر من يوم عرفة إلى وقت الظهر. والطاعة في ذلك واجبة (1). ونقول: لقد غلط ابن حزم هنا غلطا فاحشا، وذلك لما يلي: أولا: اعتبر أن النبي صلى الله عليه وآله قد نقل صلاة العصر إلى بني قريظة، بحيث لو لم يذهبوا إلى بني قريظة إلا بعد أيام لتركوا صلاة العصر في كل تلك الأيام. ولو كان ابن حزم معهم لفعل مثل فعلهم أيضا. مع أن النبي (ص) لم ينقل الصلاة، بل أمرهم بالإسراع في الحضور إلى بني قريظة، بهذا الأسلوب. بحيث لو تأخر بعضهم عمدا، أو انصرف عن الذهاب عصيانا، أو لعذر فإن صلاة العصر لا تسقط عنه، بل تبقى واجبة عليه، وعليه أن يصليها في مكانه أينما كان. ولو أن ابن حزم فعل غير هذا لكان هو الآخر مخطئا، كما أخطأ ذلك الفريق من الصحابة في تركهم الصلاة في وقتها. وثانيا: لقد ناقض ابن حزم نفسه حين أشار إلى أن الذين أخروا صلاتهم، قد تأولوا قصدا للخير، وإن لم يصادفوا الحق. ثم اعتبر - من جهة أخرى - أن صلاة العصر لم تكن واجبة عليهم إلا في بني قريظة. وثالثا: لماذا التزم ابن حزم باختصاص هذا الحكم بصلاة


(1) جوامع السيرة النبوية ص 152 / 153 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 118 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 118. (*)

[ 51 ]

العصر، أو الظهر، ولا يتعداها إلى غيرها، مع أن ما ذكره من التعليل بالتأول قصدا للخير يقتضى تعميم ذلك. كما أن تصريحه بنقل الصلاة إلى بني قريظة يجعل الحكم مختصا بصلاة العصر في ذلك اليوم فقط. ورابعا: قد ادعى: أن صلاة المغرب قد نقلت ليلة مزدلفة إلى وقت العشاء، وأن صلاة العصر قد نقلت يوم عرفة إلى وقت الظهر. وإن صلاة العصر قد نقلت يوم بني قريظة إلى بني قريظة. مع أن وقت المغرب مستمر إلى ما قبل منتصف الليل بقليل، وتختص هي في أول المغرب بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها وبين العشاء إلى ما قبل منتصف الليل بمقدار أربع ركعات وهو يختص بالعشاء. كما أن الظهر تختص في أول الزوال بمقدار أدائها، ثم يصير الوقت مشتركا بينها وبين العصر إلى ما قبل غروب الشمس بمقدار أربع ركعات التي هي خاصة بالعصر. غير أن وقت فضيلة الظهر وزيادة المثوبة عليها يمتد إلى حين يصير ظل كل شاخص مثله، ووقت فضيلة العصر وزيادة المثوبة عليها تمتد إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه. ويؤيد ذلك، بل يدل عليه قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا) (1). فإنه تعالى لم يذكر في كتابه الكريم إلا ثلاثة أوقات للصلاة، ولا ينطبق ذلك إلا على التقدير الذي ذكرناه آنفا. وخامسا: إن كلام ابن حزم لو سلمناه، فإنما يصح لو كانت قد فاتتهم صلاة العصر فقط: أما لو كان الفائت هو صلاتا الظهر والعصر


(1) الإسراء / 78. (*)

[ 52 ]

معا. كما في بعض الروايات وكان النبي (ص) قد قال لهم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فلا يستطيع ابن حزم أن يثبت نقل كلا الصلاتين إلى بني قريظة. لأن المذكور في كلامه (ص) هو إحداهما أما الأخرى وهي العصر، فإنه لم يصرح بنقلها، فكيف تركوها.. والنصوص التي هي محط نظرنا هي التالية: في البخاري - في جميع الروايات -: لا يصلين أحد العصر، وفي مسلم: الظهر. مع اتفاقهما على روايتهما عن شيخ واحد، بإسناد واحد (1). ووافق البخاري أبو نعيم، وأصحاب المغازي، والطبراني، والبيهقي في دلائله (2) والإسماعيلي. ووافق مسلما: أبو يعلى، وابن سعد (3)، وأبو عوانة (4)، وابن حبان (5) وقد جمع البعض بينهما باحتمال أن يكون بعضهم كان قد صلى الظهر قبل الأمر بالذهاب وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها: لا يصلين أحد العصر. أو أن طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر. وللتي بعدها: العصر.


(1) راجع: هامش كتاب الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 321. (2) راجع: ج 4 ص 8. (3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 76. (4) مسند أبي عوانة ج 4 ص 173. (5) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 4 ص 320 / 321. (*)

[ 53 ]

قال ابن حجر: وكلاهما جمع لا بأس به. لكن يبعده اتحاده المخرج، لأنه عند الشيخين بإسناد واحد، من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده قد حدث به على الوجهين، إذ لو كان كذلك لحمله واحد منهم عن بعض رواته على الوجهين، ولم يوجد ذلك. وقيل: في وجه الجمع أيضا: أن يكون صلى الله عليه وآله قال لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبا: لا يصلين أحد الظهر. وقال لغيرهم: لا يصلين أحد العصر (1). هذا كله، مع العلم بأن المسافة إلى بني قريظة لم تكن بعيدة بل كانت لا تحتاح إلى أكثر من ساعتين من نهار، كما سنرى. استفادات ودلالات: قد ذكروا أنه يستفاد من هذا التشريع أعني جواز ترك الصلاة استنادا إلى اجتهاد أو فهم مشابه - يستفاد - الأمور التالية: 1 - إن الخطأ مرفوع عنه الإثم، كما قال (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (2).


(1) راجع المصادر التالية: إرشاد الساري ج 6 ص 328 / 329 وعمدة القاري ج 17 ص 189 / 190 وفتح الباري ج 7 ص 313 / 314 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 33 و 34 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 والسيرة الحلبية ج 2 ص 332. (2) خاتم النبيين ج 2 ص 951 وفتح الباري ج 7 ص 315 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 34. (*)

[ 54 ]

2 - إن هذا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير (1). 3 - إن هذا منه (ص) تقرير لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية. 4 - إن المتخالفين في الاجتهاد معذوران، ومثابان " سواء قلنا: إن المصيب واحد، أو متعدد " (2). 5 - إن استئصال الخلاف في مسائل الفروع، التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم. حكمة ذلك كله هو أن تكون الاجتهادات المختلفة وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا، ليمكن للمسلمين أن يأخذوا بأيها شاؤوا حسب ظروفهم ومصالحهم. وهذا من مظاهر رحمة الله لهم (3). 6 - في هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب. وفي حكم داود وسليمان في الحرث أصل لهذا الأصل أيضا. ولا يستحيل أن يكون الشئ صوابا في حق إنسان. وخطأ في حق غيره. فيكون من اجتهد في مسألة، فأداه اجتهاده إلى التحليل مصيبا في استحلاله، وآخر اجتهد فأداه اجتهاده ونظره إلى تحريمها مصيبا في تحريهما. وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين. في حق شخص واحد " (4). وقال ابن الديبع: " وفي ذلك فسحة للمجتهدين رضي الله عنهم،


(1) خاتم النبيين ج 2 ص 351. (2) فقه السيرة للبوطي ص 307 / 308. (3) المصدر السابق. (4) الروض الأنف ج 3 ص 281 وفتح الباري ج 7 ص 315 وراجع السيرة الحلبية ج 2 ص 334. (*)

[ 55 ]

وأن كل مجتهد مصيب، أي في الفروع، إذا لم يخص واحدا من الفريقين بصواب ما ذهب إليه " (1). 7 - " فيه دلالة لمن يقول بالمفهوم. 8 - والقياس. 9 - ومراعاة المعنى. 10 - ولمن يقول بالظاهر أيضا " (2). 11 - وفيه أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل وسعه في الاجتهاد (3). ونقول: أولا: إن النبي (ص) إنما ترك تعنيف كلا الطائفتين ومجرد ترك التعنيف لا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين. ولا على التصويب لكلا الفريقين، ولا على كون المجتهد لا يعنف، وأن أخطأ، إذا بذل وسعه في الاجتهاد (4) كما أنه لا يدل على وجود مجتهدين في البين. ولا على كون المتخالفين في الاجتهاد معذورين ومثابين. ولا على القياس أو المفهوم، أو مراعاة المعنى..


(1) حدائق الأنوار ج 2 ص 595 وراجع: شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98. (2) النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98. (3) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 98 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 315. (4) راجع: شرح النووي على صحيح مسلم ج 2 ص 98 وفتح الباري ج 7 ص 315. (*)

[ 56 ]

ولا، ولا.. بل هو يدل فقط على عدم توجه العقاب على كلا الفريقين. ثانيا: بالنسبة للتصويب نقول: ألف: قد قلنا: إن هذه الحادثة لا تدل على وجود مجتهدين، لا بين الذين تركوا صلاة العصر، ولا بين الذين صلوها. ب: لو سلم وجود مجتهدين، وأن ما جرى قد نشأ عن اجتهاد من كلا الفريقين، فلا يدل موقت النبي (ص) على التصويب، بل على مجرد المعذورية في صورة الخطأ. أي أنه (ص) قد عذرهم بفهمهم الخاطي، وليس المورد من موارد الاجتهاد، فضلا عن كونه صوابا أو خطأ. ج: إن نظرية التصويب باطلة عقلا، فلا بد من التأمل في صحة أو في دلالة ما ظاهره ذلك، إذ لا يمكن أن يخالف الشرع العقل في أحكامه الصريحة. د: قد عبر البعض عن هذا التصويب، بأن يتمكن المسلمون أن يأخذوا بأيهما شاؤوا، تبعا لحاجاتهم، وظروفهم ومصالحهم. وهذا يعني: أن تكون الأحكام تابعة لأهواء الناس ومصالحهم. وهل هذا إلا تشريع التلاعب بالدين وأحكامه ؟ والقضاء على رموزه وأعلامه ؟ ! ثالثا: بالنسبة لجواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير نقول: ألف، إن هذا الكلام لم يظهر له معنى، إذا كان التأخير عن خطأ، كما صرح به هذا القائل نفسه، فإن المخطئ معذور في خطئه إن كان عن قصور، لا أنه يثبت له حكم شرعي في المورد الذي أخطأ فيه هو الجواز، أو غيره من الأحكام. ب: لا ندري ما معنى جواز التأخير بنية الأداء، بعد فوت الوقت.

[ 57 ]

فإن الفوات قد تحقق بعد غروب الشمس، فما معنى نية الأداء لصلاة العصر في خارج وقتها ؟ ! ورابعا: إن إثبات الاجتهاد لجميع أولئك الناس، الذين كان فيهم العالم والجاهل والكبير والصغير، ولو في أوائل بلوغه. والعالم والفلاح وإلخ... دونه خرط القتاد. وخامسا: إن المسافة بين المدينة وبين بني قريظة قريبة جدا، لا تحتاج إلى أكثر من ساعة أو ساعتين على أبعد تقدير لقطعها، والمفروض أن أمر النبي (ص) للمسلمين بالمسير قد كان قبل صلاة العصر، بل وربما قبل الظهر، فتأخر البعض في الوصول إلى بني قريظة إلى ما بعد العشاء الآخرة ليس له ما يبرره إلا تباطؤ هذا البعض في تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وآله. ويؤكد هذا أن قسما من الناس قد صلوا العصر في بني قريظة. ولم يقع منهم أي تأخير. وعدم صلاة ذلك الفريق الآخر حتى لو سلمنا أنهم قد فهموا الحكم الشرعي بصورة خاطئة، أو أنهم لم يفهموا حقيقة مغزي كلامه (ص) نعم إن عدم صلاتهم لا مبرر له إلا التباطؤ وعدم الاهتمام بتنفيذ مراداته (ص) وتحقيق مقاصده.. أمران يحسن إيضاحهما: إحدهما: إننا نرجح رواية: لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة، على رواية العصر. وذلك لعدة أسباب.. الثاني: بيان المسافة بين المدينة وقريظة، وأنها لا تستغرق أكثر من ساعتين على أبعد تقدير، وقد تباطأوا أو تواطأوا على التسويف في تنفيذ أمر النبي (ص).

[ 58 ]

ونحن نوضح هذين الأمرين، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، فنقول: 1 - لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة: أما بالنسبة لترجيح رواية: لا تصلوا الظهر، فقد تقدم منا: أن جبرئيل قد جاء إلى النبي (ص)، وإن على ثناياه لنقع الغبار، وأخبره: أن الملائكة لم يضعوا السلاح، بل ما زالوا يتعقبون المشركين إلى حمراء الأسد التي كانت تبعد عن المدينة ثمانية أميال فقط، ولا يحتاج الوصول إليها والرجوع منها إلى أكثر من ساعات قليلة لا تصل إلى ربع أو ثلث يوم. مع أنه كان قد مضى على انهزام الأحزاب حوالي نصف يوم. وإذا كان النبي (ص) قد بادر إلى أمر الناس بالمسير إلى بني قريظة بمجرد سماعه ذلك من جبرئيل، فإن معنى ذلك هو أنه قد طلب ذلك من الناس في وقت الضحى، وقبل صلاة الظهر بساعات يمكن فيها الوصول إلى بني قريظة قبل حلول وقت الظهر. وذلك واضح. 2 - المسير إلى قريظة في نحو ساعتين: وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني، وهو أن الوصول إلى بني قريظة لا يحتاج إلى وقت طويل نقول: إن ذلك يتضح إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما يلي: ألف: بنو قريظة في عوالي المدينة: إن منازل بني قريظة كانت بالعالية (عالية المدينة) على وادي

[ 59 ]

مهزور (1) حيث يقع مسجد بني قريظة الذي هو بالعوالى على باب حديقة تعرف بحاجزة - شرقي مسجد الشمس - (أعني مسجد الفضيخ)، الذي يقع هو الآخر شرقي مسجد قباء (2) في الحرة الشرقية المعروفة بحرة واقم، وتسمى حرة بني قريظة أيضا، لأنهم كانوا بطرفها القبلي (3). ب: كم يستغرق المسير إلى العوالي: قد وردت روايات تفيد: أن الذهاب إلى العوالي لا يستغرق وقتا كبيرا. فقد ذكرت نصوص: أن البعض كان يسير من مسجد المدينة بعد صلاة العصر، فيصل إلى العوالي، والشمس بيضاء حية، نقية، مرتفعة. وقد حددت نفس هذه النصوص المسافة التي كان يقطعها بميلين، وثلاثة، وأربعة، وستة وسيأتي تفسير هذا الاختلاف، والنصوص هي التالية: 1 - روي: أن رسول الله (ص) كان يصلي العصر، والشمس (بيضاء) مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيها، والشمس مرتفعة (4).


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 161 وج 3 ص 1076 وراجع: معجم البلدان ط دار الكتب العلمية ج 1 ص 346، وج 5 ص 234 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 1 ص 287. (2) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 823 و 824 و 821 ومرآة الحرمين ج 1 ص 419. (3) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1188. (4) راجع: صحيح مسلم ج 2 ص 109 وسنن الدارقطني ج 1 ص 253 وصحيح البخاري ج 1 ص 69 وج 4 ص 170 وسنن الدارمي ج 1 ص 274 والسنن الكبرى ج 1 ص 440 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 493 و 496 = (*)

[ 60 ]

وفي البخاري: أن النبي (ص) نفسه كان يذهب بعد صلاة العصر إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة (1). وبعض المصادر ذكرت النص المتقدم، ولم تذكر عبارة: فيأتي العوالي، أو فيأتيها (2). وعدم ذكر ذلك لا يضر في المقصود، لأنه إنما يتحدث عن التبكير في صلاة العصر. ولا يتم ذلك إلا إذا قدر الوصول إليها قبل المغرب، كما هو ظاهر. 2 - عن أنس: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله (ص). دار أبو لبابة بن عبد المنذر، وأهله بقباء، وأبو عبيس بن خير، ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع رسول الله (ص) العصر، ثم يأتيان قومهما، وما صلوا لتعجيل رسول الله (ص) بها (3). ويلاحظ: أن أبا لبابة إنما كان يسكن في منطقة بني قريظة، الذين


= وعون المعبود ج 2 ص 77 والمنتقى لابن تيمية ج 1 ص 509 ونيل الأوطار ج 1 ص 391 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 190 وشرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35 وفتح الباري ج 2 ص 23 و 24 والاستذكار لابن عبد البر ج 1 ص 244، والتمهيد ج 6 ص 178 و 179. (1) صحيح البخاري ج 4 ص 170. (2) سنن أبي داود ج 1 ص 111 ومختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 ومسند أحمد ج 3 ص 161 و 217 وسنن النسائي ج 1 ص 253 ومسند أبي عوانة ج 1 ص 351 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 223 والمصنف للصنعاني ج 1 ص 547 وكنز العمال ج 8 ص 27 عنه وعن ابن أبي شيبة. والسنن الكبرى ج 1 ص 440 ونصب الراية ج 1 ص 246 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 190 والتمهيد ج 6 ص 179 (3) سنن الدار قطني ج 1 ص 254 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 189 / 190 وشرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35. (*)

[ 61 ]

كانت منازلهم بالقرب من قبناء وقباء من العوالي (1). ولم يكن يسكن في قباء نفسها، كما يظهر من الرواية الآنفة الذكر ويدل على ذلك ما سيأتي من أنه تعهد بأن يهجر دار قومه التي أصاب فيها الذنب ودار قومه هي دار بني قريظة (2)، " لأن ماله وولده، وعياله كانت في بني قريظة " (3). وقد ذكر المؤرخون أن أبا لبابة كان مناصحا لهم. ومهما يكن من أمر فإن هذا يدل على أن بني قريظة كانوا يسكون في أدنى العالية، أي قرب منازل بني عمرو بن عوف. ولسوف يأتي تحديد العالية، قربا، وبعدا بعد قليل. 3 - روي أن النبي (ص) كان يصلي العصر، والشمس بيضاء، نقية مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة، ستة أميال، قبل غروب الشمس (4). 4 - سأل ثابت بن عبيد أنسا عن وقت العصر، فقال: وقتها أن


(1) راجع: إرشاد الساري ج 1 ص 494 وشرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35. (2) عيون الأثر ج 2 ص 70 / 71 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 179 والمغازي للواقدي ج 2 ص 509 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 246 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 18 و 19 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 وراجع: قاموس الرجال ج 2 ص 211. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 336 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495. (4) سنن الدارقطني ج 1 ص 252 والسنن الكبرى ج 1 ص 441. (*)

[ 62 ]

تسير ستة أميال إلى أن تغرب الشمس (1). 5 - عن أبي أروي: كنت أصلي مع النبي (ص) صلاة بالمدينة، ثم آتي ذا الحليفة، قبل أن تغيب الشمس، وهي على قدر فرسخين وفي نص آخر: ستة أميال (2) والفرسخان عبارة عن ستة أميال، لأن الميل ثلث فرسخ (3). قال الطحاوي: " قد يجوز أن يكون ذلك سيرا على الأقدم، وقد يجوز أن يكون سيرا على الإبل والدواب. فنظرنا في ذلك، فإذا..... عن أبي أروي: كنت أصلى العصر مع النبي (ص)، ثم أمشي إلى ذي الحليفة، فأتيهم قبل أن تغيب الشمس، ففي هذا الحديث: أنه كان يأتيها ماشيا " (4). ج: ما المراد بكون الشمس حية ؟ ؟: قد تقدم: التعبير بكون الشمس حية. وحياتها: أن تجد حرها كما عن خيثمة والخطابي (5).


(1) التمهيد ج 1 ص 298. (2) راجع: تحفة الأحوذي ج 1 ص 493 عن البزار، وأحمد، والطبراني في الكبير، والتمهيد ج 6 ص 181 وشرح معاني الاثار ج 1 ص 191. (3) عمدة القاري ج 25 ص 57 و 37 وإرشاد الساري ج 10 ص 333. (4) راجع: شرح معاوي الآثار ج 1 ص 191. (5) راجع: سنن أبي داود ج 1 ص 111 ومختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 والتمهيد ج 1 ص 300 وفتح الباري ج 2 ص 22 ونيل الأوطار ج 1 ص 391 والتعليق المغني على سنن الدار قطني ج 1 ص 253 والسنن الكبرى ج 1 ص 441 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122. (*)

[ 63 ]

وقيل: حياتها وجود ضوئها، وصفاء لونها، قبل أن يصفر ويتغير (1). وقال الزين ابن المنبر: حياتها: قوة أثرها: حرارة، ولونا، وشعاعا، وإنارة. وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشئ (2). د: بعد العوالي عن مسجد النبي (ص): وحين ذكر الحديث: أن النبي (ص) كان يصلي العصر، ثم يذهب هو أو غيره إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة. ألحق في نهاية هذا الحديث نفسه تحديدا لبعد العوالي عن المسجد النبوي. فقال: والعوالي من المدينة على ستة أميال (3). وفي نص آخر: وبعض (وبعد) العوالي من المدينة على أربعة أميال ونحوه (4). وعند السمهودي: " المعروف: إن ما كان في جهة القبلة فأكثر من المسجد النبوي فهو عالية ". ويدل على ذلك: أن السنح، وهو منازل بني الحارث بن الخزرج


(1) زهر الربي على المجتبى ج 1 ص 253 / 254 وعون المعبود ج 2 ص 77 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122 وإرشاد الساري ج 1 ص 493. (2) راجع: فتح الباري ج 2 ص 22. (3) سنن الدار قطني ج 1 ص 253 وإرشاد الساري ج 1 ص 493 عنه وكذا في عمدة القاري ج 5 ص 37 وفتح الباري ج 2 ص 23. (4) صحيح البخاري ج 1 ص 69 والسنن الكبرى ج 1 ص 440 وتحفة الأحوذي ص 493 و 496 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1261 ونيل الأوطار ج 1 ص 391 والمنتقى لابن تيمية ج 1 ص 210. (*)

[ 64 ]

بعوالي المدينة، وبينه وبين مسجد النبي (ص) ميل (1). وبعض المصادر تقول: والعوالي على ميلين، أو ثلاثة من المدينة، وأحسبه قال: أو أربعة (2). وفي بعضها: على ميلين أو ثلاثة (3). أو على أربعة أميال، أو ثلاثة (4). قال عياض: هذا حد أدناها، وأبعدها ثمانية أميال، وبه جزم ابن عبد البر، وصاحب النهاية (5). وفي العتيبة، أو المدونة، عن مالك: أقصى العالية ثلاثة أميال، يعني من المسجد النبوي (6). قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا، فأبعدها ثمانية


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1261. (2) سنن أبي داود ج 1 ص 111 ومختصر سنن أبي داود للمنذري ج 1 ص 239 ومسند أحمد ج 3 ص 161 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 547 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1261 والسنن الكبرى ج 1 ص 440 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 190 ونصب الراية ج 1 ص 246. (3) عمدة القاري ج 5 ص 37 وشرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35 وفتح الباري ج 2 ص 23. (4) السنن الكبرى ج 1 ص 440 وعمدة القاري ج 5 ص 37 عنه وصحيح البخاري ج 4 ص 170 وفتح الباري ج 2 ص 23 ووفاء الوفاء ج 1261. (5) إرشاد الساري ج 1 ص 493. (6) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1261 وقال: وذكره ابن حزم أيضا، ونقله الحافظ ابن حجر عن أبي عبيد، وعمدة القاري ج 5 ص 37 وفتح الباري ج 2 ص 23. (*)

[ 65 ]

أميال (1)، أو عشرة (2). أما السمهودي فقال: " طريق الجمع: إن أدنى العوالي من المدينة على ميل، أو ميلين. وأقصاها عمارة على ثلاثة أو أربعة أميال، وأقصاها مطلقا ثمانية أميال " (3). واعتبر البعض: أن أقرب العوالي ميلان، وأبعدها ستة (4). وعند النووي والشوكاني: " العوالي هي القرى حول المدينة، أبعدها على ثمانية أميال من المدينة، وأقربها ميلان، وبعضها ثلاثة أميال " (5). وقيل: أقرب العوالي من المدينة ميلان أو ثلاثة (6). ومنها ما يكون على ثمانية أميال أو عشرة (7). عذر أقبح من ذنب: ومن الغريب والعجيب - وما عشت أراك الدهر عجبا قول


(1) إرشاد الساري ج 1 ص 493 وعمدة القاري ج 5 ص 37 وفتح الباري ج 2 ص 23 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1261. (2) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35. (3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1262. (4) إرشاد الساري ج 1 ص 493. (5) شرح النووي على صحيح مسلم ج 5 ص 122 ونيل الأوطار ج 1 ص 391 وراجع: الاستذكار ج 1 ص 344. (6) الجوهر النقي (مطبوع بهامش) سنن البيهقي ج 1 ص 441 والتمهيد ج 6 ص 178 وراجع شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1261 وقال: ذكره ابن حزم أيضا ونقله ابن حجر عن أبي عبيد. (7) التمهيد ج 6 ص 178 وشرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 35. (*)

[ 66 ]

العسقلاني هنا: " أما من احتج لمن أخر بأن الصلاة حنيئذ كانت تؤخر كما في الخندق، وكان ذلك قبل صلاة الخوف. فليس بواضح، لاحتمال أن يكون التأخير في الخندق كان عن نسيان، وذلك بين في قوله (ص) لعمر، لما قال له: ما كدت أصلى العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال: والله ما صليتها، لأنه لو كان ذاكرا لها لبادر إليها كما صنع عمر، انتهى " (1). وهكذا، فإن نتيجة كلام العسقلاني هي أن عمر كان أذكر للصلاة من رسول الله (ص) ! ! وأكثر اهتماما بشأنها. ولم ينسها عمر (رغم انشغاله الشديد بأمر الحرب في الخندق حتى لقد حقق أعظم الانتصارات فيها ! ! وقتل أعظم فرسانها ! ! وهزم الأحزاب، وفرق جمعهم بسبب ضربته الكبرى، التي تعدل عبادة الثقلين (2). أو انشغاله بالهزيمة والاختباء في الحديقة هو وطلحة وآخرون، حتى فضحت أمرهم عائشة). أما النبي الذي لم يقم بأي شئ من ذلك فقد نسي صلاته وذلك يعني - كما يريد هؤلاء أن يقولوا - أن الصلاة كانت لا تمثل لدى هذا النبي (ص) شيئا ذا أهمية رغم كونه نبي هذه الأمة وهو الأسوة والقدوة. نعم، هذا ما يوحي به كلام العسقلاني الذي لم يعجبه نسبة تأخير الصلاة عمدا لبعض الصحابة، الذي قد يظهر أن بعضهم لا يجوز - بنظره - نسبة أي قصور أو تقصير إليه، بل لا بد من الاهتمام به والحفاظ عليه أكثر من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى على حساب


(1) فتح الباري ج 7 ص 316. (2) هذا الكلام قد جاء على سبيل التعجب والحقيقة هي أن عليا (ع) هو الذي فعل ذلك كله. (*)

[ 67 ]

عصمته ونبوته. والملفت هنا: أن مسلما يروي في صحيحه هذه القضية بصورة ليس فيها ذلك، فيقول: " عن عبد الله قال: حبس المشركون رسول الله (ص) عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله (ص): شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا إلخ... " (1).


(1) صحيح مسلم ج 2 ص 122 ومسند أبي عوانة ج 1 ص 356 والمنتقى لابن تيمية ج 1 ص 213 عن أحمد ومسلم وابن ماجة. (*)

[ 69 ]

الفصل الثاني الحصار والقتال

[ 71 ]

نزول النبي (ص) على بئر (أنا) ولما سار النبي (ص) إلى بني قريظة نزل على بئر من آبارهم (في ناحية أموالهم) يقال لها: (لنا) أو (أنا) عند حرة بني قريظة وتلاحق به الناس (1). وقال ابن زبالة: " عن عبد الحميد بن جعفر: ضرب رسول الله (ص) قبته حين حاصر بني قريظة على بئر (أنا). وصلى في المسجد الذي هناك. وشرب من البئر. وربط دابته بالسدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان " (2). كرامة إلهية للنبي الأعظم (ص): وقد ذكرت بعض المصادر أن كرامة قد حصلت لرسول الله صلى


(1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 245 والثقات ج 1 ص 274 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 وعيون الأثر ج 2 ص 69 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والمغازي للواقدي ج 2 ص 499، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 12 وجوامع السيرة النبوية ص 153 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 ونهاية الأرب ج 17 ص 187 و 188 ووفاء الوفاء ج 3 ص 950 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 والبداية والنهاية ج 4 ص 119 و 120. (2) وفاء الوفاء ج 3 ص 950. (*)

[ 72 ]

الله عليه وآله وسلم حين سار إلى بني قريظة فهي تقول: " فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم، ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه. ووافي رسول الله (ص) فقال: ما لكم لا تنزلون ؟ ! فقالوا: ما لنا مكان ننزل به، من اشتباك النخل فوقف في طريق بين النخل، فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض وأشار بيده يسرة، فانضم النخل كذلك، واتسع لهم الموضوع: فنزلوا " (1). ونقول: إن هذه الكرامة، لابد من أن تزيد من يقين المسلمين وتزيل من نفوسهم وبتعبير أدق من نفوس بعضهم أي تردد أو شك يمكن أن يراودهم ويعترض سبيل يقينهم، ثم هي تكسر عنجهية وعنفوان غيرهم من المعاندين، ولا سيما من اليهود، الذين كانوا يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكابرون، ويجحدون ما يعلمون أنه الحق. وإذا كان ثمة من مبرر لحصول هذه الكرامة الألهية في هذا الظرف الحساس بالذات، فهو عزاء أولئك الضعفاء من المسلمين الذين كان اليهود يحتلون مكانة متميزة في نفوسهم، لإزالة كل أثر سلبي أو عقدة تنشأ من الصدام مع اليهود، وإلحاق الأذى بهم. وهو كذلك يكشف كل زيف وخداع يمارسه اليهود لتضليل الناس فيما يرتبط بنبوة نبينا الأكرم صلى الله عيله وآله وسلم.


(1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 158 وراجع: تفسير القمي ج 2 ص 190 والبحار ج 20 ص 249 و 234 عنهما، على الترتيب. (*)

[ 73 ]

عدة وعدد المسلمين: ويقولون: إنه صلى الله عليه وآله قد سار إلى بني قريظة في ثلاثة آلاف مقاتل (1) وكان معه من الخيل ستة وثلاثون فرسا (2) وكانت للنبي (ص) ثلاثة أفراس (3). ونحن نشك في ذلك، وذلك لأن عدد المسلمين في غزوة الأحزاب لم يزد على الألف رجل، بل كانوا أقل من ذلك أيضا. والظاهر: أن ما يمكن للمدينة أن تقدمة من الرجال القادرين على القتال لا يزيد على ألف وست مئة رجل فراجع الجزء التاسع من هذا الكتاب لتجد بعض ما يفيد في هذا المجال. الراية واللواء مع علي (ع): روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام: أن رسول الله (ص) بعث عليا عليه السلام يوم بني قريظة بالراية. وكانت سوداء تدعى


(1) الوفا ص 695 ومحمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص 245 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 وعيون الأثر ج 2 ص 68 وإرشاد الساري ج 6 ص 327 وعمدة القاري ج 17 ص 188 وفتح الباري ج 7 ص 313 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر والمواهب اللدنية ص 115 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 ونهاية الأرب ج 17 ص 188 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333. (2) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق باستثناء المصدرين الأولين وإضافة تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20. (3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. (*)

[ 74 ]

العقاب، وكان لواؤه أبيض (1). وقال ابن إسحاق: " وقدم رسول الله (ص) علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة " (2). وصرح القمي بأنهما كانت الراية العظمى (3). وقال البعض: وخرج علي بالراية وكانت على حالها لم تطو بعد (4). ويظهر من روايات أخرى: أن راية المهاجرين أيضا كانت مع علي عليه السلام، فقد روي أن رسول الله (ص) دعا عليا، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة. فقام علي عليه السلام، ومعه المهاجرون، وبنو عبد الأشهل،


(1) قرب الاسناد ص 62 وبحار الأنوار ج 20 ص 246 عنه. (2) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق ص 31 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 وعيون الأثر ج 2 ص 69 وتفسير فرات ط سنة 1410 ه‍. ق ص 174، ومجمع البيان ج 8 ص 351 والبحار ج 20 ص 277 و 210. وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 11 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 227 والبداية والنهاية ج 4 ص 118 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 ووفاء الوفاء ج 1 ص 306، وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 11 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 245 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333 ونور اليقين ص 166 ومحمد رسول الله وأثره في الحضارة ص 245 وفقه السيرة للغزالي ص 338 وخاتم النبيين ج 2 ص 946 والثقات ج 1 ص 274 وجوامع السيرة النبوية ص 153. (3) تفسير القمي ج 2 ص 189 و 190 والبحار ج 20 ص 233 و 234 عنه. (4) تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121. (*)

[ 75 ]

وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد (1). ويظهر من روايات أخرى: أنه (ص) قد دفع إلى علي اللواء أيضا، فهي تقول: " فدعا (ص) عليا فدفع إلى لواءه. وكان اللواء على حاله، لم يحل من مرجعه من الخندق (2). وفي نص آخر: وخرج رسول الله (ص) يحمل لواءه علي بن أبي طالب (3)، وعن عروة بعث عليا رضي الله تعالى عنه على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله (ص) في أثره (4). وجمع نص آخر بين اللواء والراية فهو يقول: " وكان علي قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة... وغرز علي الراية عند أصل الحصن.. إلى أن قال أبو قتادة: وأمرني أن ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله (ص) أذاهم وشتمهم (5).


(1) إعلام الورى ط سنة 1390 ه‍. ق 93 والبحار ج 20 ص 272 / 273 عنه، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241 / 242 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10، والسيرة الحلبية ج 2 ص 33 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493. (3) الثقات ج 1 ص 274 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245، وعيون الأثر ج 2 ص 69 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 247. (4) عمدة القاري ج 7 ص 192 عن الحاكم، والبيهقي، وموسى بن عقبة، وفتح الباري ج 7 ص 318 عنهم، والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 10 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 256 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 14 ومجمع البيان ج 8 ص 351 والبحار ج 20 ص 210 عنه. (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 498 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 11 = (*)

[ 76 ]

علي (ع) في بني قريظة: قال الإربلي: " أنفذ أمير المؤمنين في ثلاثين من الخزرج، وقال: انظر بني قريظة: هل تركوا (نزلوا) من حصونهم. فلما شارفها سمع منهم الهجر. فرجع إلى النبي (ص) فأخبره، فقال: دعهم فإن الله سيمكن منهم. إن الذي أمكنك من عمرو لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، وأبشر بنصر الله، فإن الله قد نصرني بالرعب من مسيرة شهر. قال علي: فاجتمع الناس إلى، وسرت حتى دنوت من سورهم، فأشرف علي شخص منهم ونادي: قد جاءكم قاتل عمرو. وقال آخر كذلك: وتصايحوا بينهم. وألقى الله الرعب في قلوبهم، وسمعت راجزا يرجز: قتل علي عمروا * صاد علي صقرا قصم علي ظهرا * أبرم علي أمرا هتك علي سترا فقلت: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك. وكان النبي (ص) قال لي: سر على بركة الله، فإن الله قد وعدكم أرضهم وديارهم.


= و 12 وراجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 242 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494. (*)

[ 77 ]

فسرت متيقنا بنصر الله عزوجل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني يسبون رسول الله (ص)، فكرهت أن يسمعه رسول الله، فأردت أن أرجع إليه، فإذا به قد طلع (وسمع سبهم له) فناداهم يا إخوة القردة والخنازير، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا ولا سبابا. فاستحيا، ورجع القهقري قليلا، ثم أمر فضربت خيمته بإزاء حصونهم (1). وارتجاز راجزهم بما تقدم، وقول علي عليه السلام: الحمد لله الذي أظهر الإسلام وقمع الشرك، ذكره آخرون أيضا (2) وسيأتي تعليقنا على الفقرات الأخيرة إن شاء الله تعالى. النبي (ص) في بني قريظة: ويقول المؤرخون: قدم رسول (ص) علي بن أبي طالب برايته (العظمى) إلى بني قريظة، وابتدرها الناس. فسار حتى دنا من الحصون، فسمع منها مقالة قبيحة لرسول الله، فرجع حتى لقي النبي (ص) في الطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث (وفي نص آخر: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود). قال: لم ؟ أظنك سمعت منهم لي أذي.


(1) كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 207 / 208 والإرشاد للمفيد ص 63 / 64 والبحار ج 20 ص 261 / 262 وكشف اليقين ص 135. (2) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 3 ص 171. (*)

[ 78 ]

قال: نعم يا رسول الله. قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا منهم (زاد في نص آخر: أمرهم (ص) أن يستروه بجحفهم ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا). فناداهم: يا إخوان القردة (والخنازير)، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته ؟ ! فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا (أو: ما كنت فاحشا) إلخ (1). زاد في بعض النصوص قوله: " فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فقاتلهم رسول الله ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا أن ينزلوا على


(1) عيون الأثر ج 2 ص 69 وراجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 12 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 245 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333 ومجمع البيان ج 8 ص 351 والبحار ج 20 ص 210 وراجع: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 و 256 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 226 و 228 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 370 وراجع: دلائل النبوة لابي نعيم ص 438، وراجع المصادر التالية: إعلام الورى ط سنة ص 1390 ه‍. ق ص 93 والبحار ج 20 ص 272 / 273 ومحمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص 245 و 246، والبداية والنهاية ج 4 ص 119، ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 وحياة محمد لهيكل ص 306 والتفسير السياسي للسيرة ص 279 وجوامع السيرة النبوية ص 153 وخاتم النبيين ج 2 ص 946. (*)

[ 79 ]

حكم النبي (ص)، فنزلوا على داء " (1). وفي نص آخر أنهم: " أشرفوا عليه وسبوه " وقالوا: فعل الله بك، وبابن عمك، وهو واقف لا يجيبهم " (3). غير أن نصا آخر يشير إلى أن عليا سمع منهم قولا سيئا لرسول الله (ص)، وأزواجه رضي الله عنهن، فكره أن يسمع ذلك رسول الله (3). ويذكر القمي: أن عليا عليه السلام جاء، وأحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم، ويشتم رسول الله إلخ. قالوا: لما قال (ص) لهم: يا إخوة القردة والخنازير، وعبدة الطاغوت أتشتموني ؟ ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم. أشرف كعب بن أسيد بن الحصن، فقال: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا، فاستحيا رسول الله (ص) حتى سقط الرداء عن ظهره، حياء مما قاله وفي نص آخر: وجعل يتأخر استحياء، مما قاله لهم (4). قالوا: وكان علي قد سبق في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة " وغرز علي الراية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله (ص) وأزواجه.


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370، وراجع دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 وليس فيه: وأبو أن ينزلوا إلخ... (2) إعلام الوري ص 93 ط سنة 1390 ه‍ ق، والبحار ج 20 ص 272 / 273. (3) البداية والنهاية ج 4 ص 119 والسيرة النبوية لابن كثر ج 3 ص 228 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 / 256 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333. (4) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 189 والبحار ح 20 ص 233 / 234 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494. (*)

[ 80 ]

قال أبو قتادة: وسكتنا وقلنا: السيف بيننا وبينكم. وطلع رسول الله (ص)، فلنا رآه على (ع) رجع إليه، وأمرني أن الزم اللواء، وكره أن يسمع رسول الله (ص) أذاهم وشتمهم (1). أما الطبرسي رحمه الله فيقول: إنه (ص) قال لهم: يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت، اخسأوا أخسأكم الله، فصاحوا يمينا وشمالا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشا فما بدالك ؟ قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده وسقط رداؤه من خلفه، وجعل يمشي إلى ورائه، حياء مما قال لهم (2). ويقول نص آخر: فلما نزل رسول الله (ص) بحصنهم، وكانوا في أعلاه نادي بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم، فقال: أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله عز وجل، فحاصرهم (3). وعند اليعقوبي: أن النبي (ص) لما عرف من علي (ع): أنهم أساؤا القول، قال بيده هكذا، وهكذا. فانفرج الجبل حين رأوه.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 298 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 11 و 12 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 وتاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494. (2) إعلام الورى ط سنة 1390 ه‍. ق ص 93 والبحار ج 20 ص 272 / 273. (3) البداية والنهاية ج 4 ص 119 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 228 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 / 256 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333. (*)

[ 81 ]

وقال: يا عبدة الطاغوت، يا وجوده القردة والخنازير، فعل الله بكم وفعل. فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فاحشا. فاستحيا، فرجع القهقري (1). وفي نص آخر أنهم: لما ترسوا عن رسول الله (ص) وخاطبهم بيا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطواغيت أتشتموني، فجعلوا يحلفون بالتوراة التي أنزلت على موسى ما فعلنا، ويقولون: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا (2). ونقول: إننا نرتاب كثيرا في دعوى أن يكون رسول الله (ص) قد كلمهم بكلام فاحش، برر اعتراضهم عليه لأجله حتى استحيا مما صدر منه حتى سقطت العنزة من يده، والرداء عن ظهره، ورجع القهقرى استحياء. وذلك لأنه (ص) إنما يشير بقوله لهم: يا إخوان القردة والخنازير إلى المسخ على صورة القردة والخنازير، الذي وقع في إخوانهم وقومهم من بني إسرائيل، بسبب ما ارتكبوه في حق الدين وأهله. فهو (ص) لم يكن بذلك فحاشا، ولا قال لهم ذلك عن جهالة، بل أراد أن يذكرهم بعواقب التمرد على الله الذي لمسوه بأنفسهم، وعرفوا عواقبه السيئة ورأوها بأم أعينهم. فلم يكن تصرف الرسول تجاههم وموقفه منهم عن جهالة أيضا بل هو في غاية الحكمة والدقة،


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (2) المغازى ج 2 ص 299 / 500 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 12 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14. (*)

[ 82 ]

وليس فيه ما يوجب الاستحياء، ولا ما يستوجب سقوط العنزة من يده والرداء عن ظهره. مفارقة ما كنت جهولا ! ! إن من غريب الأمور أن نجد اليهود الغدرة، الفجرة، الذين ما فتئوا يوجهون أنواع السباب للمسلمين، ولخصوص الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم. بل لقد ذهبت بهم الجرأة إلى حد التعرض بالسباب لأزواجه عليه وعلى آله الصلاة والسلام. هؤلاء اليهود بالذات يتظاهرون الآن بأنهم من أنصار الالتزام بالقيم والمثل. ويذكرون النبي (ص) بها. مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتجاوز عما تفرضه القيم والمثل قيد أنملة، فإنه لم يخاطبهم إلا بما هو حق وواقع، بهدف ردعهم عن ممارساتهم المشينة واللا أخلاقية. على أن موقفهم هذا لم نجد له أثرا في تصحيح مواقفهم، والالتزام بما تمليه قواعد الخق السامي والنبيل، كما أنهم لم يستفيدوا مما عرفوه ووثقوا به واطمأنوا إليه من صفات النبل والكرامة. إلا في دفع غائلة إظهار بعض واقعهمم، وإيقاف ما يتعرضون له من فضح لهذا الواقع، حتى لا تزيد هذه الفضيحة وتنتشر، وتنفاعل، لتعيق وصولهم لبعض ما يطمحون للوصول إليه. وخلاصة الأمر: إنهم في حالة الأمن يغدرون، ويفعلون كل منكر، ويرتكبون كل ما هو سفه ونذالة. وإذا قدروا فإنهم لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق من يرون به خطرا على مصالحهم الدنيوية.

[ 83 ]

وإذا عجزوا، فإنهم يتظاهرون بالولاء للقيم، والمثل العليا في حين أنهم يتربصون ويترصدون الفرص لتجاوز حالة العجز تلك ليعدوا للانطلاق في مهمه ضلالاتهم، وممارسة أبشع أنواع الوغول في الدنس والرذالة والرذيلة. ويقول البعض: " هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، ويقتلون إذا قدروا ويذكرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا، ليستفيدوا منها وحدهم " لا لشئ آخر " (1). موقف مصطنع لابن حضير: ويقولون: " سار رسول الله (ص) إليهم، وتقدمه أسيد بن حضير، فقال: يا أعداء الله، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر. قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليكم دون الخزرج، وخاروا. وقال: لا عهد بيني وبينكم، ولا إل " (2). ونحن نرتاب في صحة هذه الرواية، ونقد أنها مصطنعة لصالح ابن حضير الذي كان ثمة اهتمام بنسبة الفضائل إليه، بسبب مواقفه المؤيدة للحكام بعد رسول الله والمناهضة لبني هاشم وسبب ريبنا في صحة هذه الرواية هو ما يلي:


(1) فقه السيرة للغزالي ص 339. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 499 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 243 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والسيرة الحلبية ج 2 ص 333 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 12 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 إلى قوله في جحر. (*)

[ 84 ]

أولا: إن الروايات تقول: إنه (ص) قدم عليا إلى بني قريظة، وليس ابن حضير، وقول الحلبي: " تقدم أسيد إلى بني قريظة يجوز أن يكون قبل مقدم علي لهم، ويجوز أن يكون بعده " (1). ليس له ما يبرره، إذا أن كلامه هذا لا يحل مشكلة التنافى بين تقديم علي (ع) وتقديم أسيد، إذ أن الثابت هو تقديم علي دون غيره. ويمكن المناقشة فيما ذكرناه بأنه النص المذكور لم يصرح بأن النبي (ص) هو الذي قدم أسيد بن حضير، فقد يكون أسيد قد ذهب إليهم من تلقاء نفسه وبصفته الشخصية، لا أنه كان على رأس الجيش. فإن النص يقول: " تقدمه أسيد بن حضير ". ولكن ذلك غير مقبول، فإن تحرك أسيد أو غيره من تلقاء نفسه، ومن دون إذن أو تقديم منه (ص) بعيد وغير سديد. ثانيا: يلاحظ: أن ابن حضير قد نسب الحلف الذي نفاه إلى نفسه لا إلى قومه حيث قال: " لا عهد بيني وبينكم، ولا إل " ! ! إلا أن يقال: إن نقض أحد زعماء القبيلة لحلف وكذلك عقده له هو عند العرب ملزم لقبيلته كلها. ثالثا: إن بني قريظة إنما خافوا وخاروا حينما نادى علي عليه السلام: " يا كتيبة الإيمان إلخ... "، فحينئذ أرسلوا إلى حلفائهم الأوس أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لبني قينقاع، وسيأتي ذلك تحت عنوان: الفتح على يد علي عليه السلام. القتال ثم الحصار: " ثم قدم رسول الله (ص) الرماة من أصحابه وأمرهم بأن يرموهم، ويراميهم اليهود واستمر الرمي إلى أن ذهبت ساعة من الليل، ورسول


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 333. (*)

[ 85 ]

الله (ص) واقف على فرسه عليه السلاح، وأصحاب الخيل حوله. ثم أمر (ص) أصحابه بالانصراف. قال كعب بن عمر المازني، فانصرفنا إلى منزلنا، وعسكرنا، فبتنا. وكان طعامنا تمرا بعث به سعد بن عبادة أحمال تمر، فبتنا نأكل منها. ولقد رئي رسول الله، وأبو بكر وعمر يأكلون من ذلك التمر " (1). وكان طعام الصحابة أيام الحصار التمر، يرسل به إليهم سعد بن عبادة، وقال (ص) يومئذ: نعم الطعام التمر (2). وكانوا يقاتلونهم في كل يوم من جوانب الحصن، ويرمونهم بالنبل والحجارة (3). وعن عائشة بنت سعد، عن إبيها، قال: قال لي رسول الله (ص): يا سعد، تقدم فارمهم. فتقدمت حيث تبلغهم نبلي، ومعى نيف عن الخمسين، فرميناهم ساعة وكأن نبلنا مثل جراد فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد. وأشفقنا على نبلنا أن يذهب، فجعلنا نرمى بعضها، ونمسك البعض (4). ويظهر من الرواية: أن ذلك قد كان فور وصول رسول الله (ص) إليهم، وبعد أن كلمهم.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 500 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 494. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 500 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 12 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334. (3) تاريخ الخيس ج 1 ص 494 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 13. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 500 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 494. (*)

[ 86 ]

وحاصرهم المسلمون أشد الحصار (1). وجعل المسلمون يعقب بعضهم بعضا، أي يقاتلهم فوج ويرتاح فوج. فلما أيقنو بالهلكة تركوا رمي المسلمين، وأرسلوا نباش بن قيس لمفاوضة المسلمين (2). ونقول: إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية: 1 - قال الواقدي: " ويقال: إنه لم يطلع منهم أحد، ولم يبادر (يبارز خ ل) للقتال في روايتنا " (3). وقال ابن سعد: " ورموا بالنبل، فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد " (4). وهذا لا ينافي ما تقدم من أنهم كانوا يرمون المسلمين من حصونهم. ولا ينافي قول اليعقوبي: " قتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم إلخ " (5). إذ أن الواقدي إنما يتحدث عن فترة الحصار، وأنه


(1) الوفا ص 695 وتاريخ الخميس ص 493 ومحمد رسول الله، سيرته وأثره في الحضارة ص 245 وإرشاد الساري ج 6 ص 329. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 13 والمغازي للواقدي ج 2 ص 501 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 243 وستأتي بقية المصادر في حديث مفاوضة نباش بن قيس. (3) المغازي ج 2 ص 504. (4) الطبقات الكبرى ج 2 ص 74 ط صادر. (5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 ط صادر. (*)

[ 87 ]

لم يحصل قتال بالسيف إبان هذه الفترة. وسيأتى: أنهم قد نزلوا لمواجهة بعض كتائب المسلمين التي قادها كبار الصحابة فهزموها. ثم لما جاءهم أمير المؤمنين هزمهم، واضطرهم إلى النزول على حكم الله ورسوله. وقد كان ذلك بعد الحصار وفي اليوم أو الأيام الأخيرة منه. وسيأتي الحديث عن ذلك، تحت عنوان: " الفتح على يد علي عليه السلام ". 2 - إننا لا نستغرب: أن يحاول سعد بن أبي وقاص، وابنته تسجيل فضيلة لسعد، لا سيما في مجال الرمي، الذي مارسه المسلمون في هذه الواقعة. ولكن ما يلفت نظرنا: أولا: أن لا يرد هذه الحديث إلا على لسان سعد نفسه، حدث به ابنته التي تفردت بروايته عنه، وكأنه لم يكن يجرؤ على أن يتحدث به أمام الناس، الذين كانوا يعرفون الحقيقة، وقد عاشوها وعاينوها، حتى لا يواجه ما لا يحب. ثانيا: ويستوقفنا أيضا: أن يتضمن حديث سعد لا بنته تلويحا ظاهر الدلالة إلى أن النبي (ص) كان هو البادئ في رمي بني قريظة، وهو أمر لا تؤيده الشواهد التاريخية، بل قد ثبت ما ينافيه ويرده، وأن النبي (ص) لم يكن يبدأ أحدا بقتال، حتى يبتدأ. وقد تقدم هذا الأمر عنه وعن علي أمير المؤمنين عليه السلام فراجع. 3 - قولهم: إن رمي المسلمين لبني قريظة قد استمر إلى أن أيقنوا بالهلكة، فأرسلوا نباش بن قيس لمفاوضة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع إليهم وأخبرهم: أنه (ص) لا يقبل إلا بأن ينزلوا على حكمه فأرسلوا حينئذ بطلب أبي لبابة.

[ 88 ]

إن هذا القول موضع شك وريب أيضا: فإن هناك نصوصا تدل على أنهم بعد أن رجع إليهم نباش استمروا أياما. صدوا خلالها حملات بقيادة بعض كبار الصحابة، فجاءهم علي عليه السلام، فقهرهم، واضطرهم إلى النزول على حكم سعد بن معاذ، كما سيأتي تفصيله. ولكن هؤلاء يريدون تجاهل دور سيد الوصيين قدر الامكان، حقدا منهم وحنقا، وخيانة للدين وللحقيقة. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. مدة الحصار: قد اختلفت كلمات الرواة والمؤرخين في مدة حصار المسلمين لبني قريظة وذلك على النحو التالي: 1 - حاصرهم أياما، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (1). أو: " فحصرهم حتى نزلوا على حكمه " (2). 2 - حاصرهم إحدي وعشرين ليلة (3) وفي نص آخر: بضعا وعشرين ليلة (4). 3 - عشرة أيام (5).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (2) أنساب الأشراف ج 1 ص 347. (3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 275 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 عن معالم التنزيل. (4) عمدة القاري ج 17 ص 188 وإرشاد الساري ج 6 ص 327. (5) عن ابن سعد في تاريخ الخميس ج 1 ص 494 ووفاء الوفاء ج 1 ص 306. (*)

[ 89 ]

4 - أربع عشرة ليلة (1) وفي نص آخر: بضع عشرة ليلة (2). 5 - خمسة عشر يوما (3). 6 - خمسة وعشرين (4).


(1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 76 عن ابن المسيب. (2) إرشاد الساري ج 6 ص 330 عن موسى بن عقبة، وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 318 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 35 وتاريخ الاسلام (المغازي) ص 256 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229 والبداية والنهاية ج 4 ص 119 (3) راجع المصادر التالية: إرشاد الساري ج 6 ص 329 وسيرة مغلطاي ص 56 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 74 ط صادر ووفاء الوفاء ج 1 ص 306 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 35 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494 ونهاية الأرب ج 17 ص 188 عن ابن سعد. وراجع: التنبيه والإشراف ص 217 وقال: وقيل: أكثر من ذلك. وراجع: عمدة القاري ج 17 ص 188 و 192 وفتح الباري ج 7 ص 318 والمواهب اللدنية ج 1 ص 15 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241. (4) المحبر ص 113 وراجع المصادر التالية: إعلام النوري ص 93 والثقات ج 1 ص 275 والإرشاد للمفيد ص 64 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 177 وعيون الأثر ج 2 ص 69 وإرشاد الساري ج 6 ص 159 و 330 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 15 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 و 153 و 130 وجوامع السيرة النبوية ص 143 والسيرة النبوية بن هشام ج 3 ص 246 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 241 ومجمع الزوائد ج 6 ص 137 وتاريخ الخيس ج 1 ص 494 ونهاية الأرب ج 17 ص 188 عن ابن إسحاق ووفاء الوفاء ج 1 ص 306 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 والعبر وديوان المبتدأ = (*)

[ 90 ]

7 - وقيل: حصرهم شهرا (1). الفتح على يد علي عليه السلام: قد تقدم أن بني قريظة قد طارت قلوبهم رعبا من علي عليه السلام حين قدم إليهم، ونزيد هنا: أن من الأمور المثيرة: أننا نجد الزبير بن بكار، يذكر لنا في كتاب المفاخرات نصا يفيد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث إلى بني قريظة أكابر أصحابه فهزموا، فبعث عليا، فكان الفتح على يديه تماما كالذي جرى في خيبر. فقد روى الزبير بن بكار مناظرة بين الإمام الحسن عليه السلام وبين عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، عند معاوية فكان مما قاله لهم الإمام الحسن عليه السلام.


= والخبر ج 2 ق 2 ص 31 وق 1 ص 293 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 251 ط دار الأضواء وكشف الغمة للأربلي ج 1 ص 208 وبهجة المحافل ج 1 ص 275 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 255 و 257 و 273 ومجمع البيان ج 8 ص 352 والبحار ج 20 ص 210 و 262 وأشار إليه في: سيرة مغلطاي ص 56 وعمدة القاري ج 17 ص 188 و 192 وفتح الباري ج 7 ص 318 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 و 237 و 250 والمواهب اللدنية ج 1 ص 15 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 35 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 246. (1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 246 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 والسيرة الحلبية ج 2 ص 334 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14. (*)

[ 91 ]

" وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون..... أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها " (1). وقال القاضي النعمان مشيرا إلى جهاد علي (ع) في بني قريظة: " وانصرف رسول الله صلوات الله عليه وآله على بني قريظة، فقتلهم، وسبى ذراريهم، وكان ذلك بصنع الله لرسوله صلوات الله عليه وآله، وللمسلمين، وبما أجراه الله على يدي وليه علي صلوات الله عليه، وكان مقامه ذلك من أشهر المقامات وأفضلها " (2). ويروي المؤرخون: أنه لما تباطأ اليهود في إجابة طلب النبي (ص) بالتسليم، والنزول على حكمه، صاح علي بن أبي طالب قائلا: " يا كتيبة الإيمان ". وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: " والله، لأذوقن ما ذاق حمزة أو اقتحم (أفتحن) حصنهم ". (فخافوا، وقالوا: ننزل على حكم سعد). فأرسل اليهود إلى حلفائهم من الأوس: أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم بني قينقاع إلخ.. (3).


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي ج 6 ص 289. (2) شرح الأخبار ج 1 ص 299 وراجع قول المفيد في الإرشاد ص 66 فإنه يقرب من هذا أيضا. (3) محمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص 247. وراجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 257 - 251 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 وعيون الأثر ج 2 ص 73 والبداية والنهاية ج 4 ص = (*)

[ 92 ]

ونقول: ليلا حظ القاري حشر اسم الزبير في هذا المقام ! ! وقال ابن الحجاج: أنا مولى الكرار يوم حنين * والظبا قد تحكمت في النحور أنا مولى لمن به افتتح الإس‍ * لام حصني قريظة والنضير والذي علم الأرامل في بدر * على المشركين جز الشعور من مضت ليلة الهرير وقتلاه * جزافا يحصون بالتكبير (1) وسام الفتح: ويحدثنا التاريخ: أن جماعة من الصحابة اعترضوا على أبي بكر علي إقدامه على غصب الخلافة من علي بعد وفاة النبي (ص). وكان أول من تكلم منهم خالد بن سعيد بن العاص الأموي فقال له: " اتق الله، وانظر ما تقدم لعلي بن أبي طالب، أما علمت أن النبي (ص) قال لنا، ونحن محدقون به، وأنت معنا في غزاة بني قريظة، وقد قتل علي عليه السلام عدة من رجالهم. (وعند البياضي: وقد قتل علي رجالهم. وعند ابن طاووس: وقد قتل علي (ع) عشرة من رجالهم، وأولى النجدة منهم): وكان الذين يحدقون به (ص) آنئذ: جماعة من ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار:


= والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 234 وخاتم النبيين ج 2 ص 929 وتاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121. (1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 2 ص 99. (*)

[ 93 ]

يا معاشر قريش، إني أوصيكم بوصية فاحفظوها عني، ومودعكم أمرا، فلا تضيعوه، إن علي بن أبي طالب إمامكم من بعدي، وخليفتي فيكم، وبذلك أوصاني جبرئيل عن الله عزوجل.. ". ثم تذكر الرواية احتجاج كل واحد من الاثنى عشر، وبعضهم احتج بحديث الغدير. قال: " وقال في اليوم الرابع (أو في يوم الجمعة) لما جاء معاذ وعثمان (وفي نص آخر: سالم) مولى حذيفة كل في ألف رجل، يقدمهم عمر، (وفي نص ابن طاووس: أتاه عمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل، فأتاه كل منهم متسلحا إلخ. زاد في نص آخر: مع كل واحد منهم عشرة من رجال عشائرهم). فلما توسط عمر المسجد، قال: يا أصحاب علي، إن تكلم فيكم أحد بالذي تكلم به الأمس لنأخذن ما فيه عيناه. فقام إليه خالد (بن سعيد) فقال: يا ابن الخطاب، أبأسيافكم تهددنا ؟ أم بجمعكم ؟ ! إن أسيافنا أحد من أسيافكم، وفينا ذو الفقار، وسيف الله، وسيف رسوله. وإن كنا قليلين ففينا من كثرتكم عنده قلة، حجة الله، ووصي رسوله. ولولا أني أؤمر بطاعة إمامي لشهرت سيفي، وجاهدت في الله حتى أبلغي عذري. فقال أمير المؤمنين عليه السلام شكر الله مقالتك، وعرف ذلك لك ". وتذكر نصوص هذه القضية أيضا: أن عمر أمر خالدا بالسكوت، لأنه ليس من أهل المشهورة، فقال له خالد بن سعيد: بل اسكت أنت، فإنك تنطق بغير لسانك، وتفوه بغير فيك، وأنك لجبان عند الحرب (كما يظهر) ما وجدنا لك في قريش فخرا.

[ 94 ]

وفي نص آخر: إنك ألأمها حسبا، وأقلها عددا (أدبا)، وأخملها ذكرا، وأقلها غناء عن الله عز وجل وعن رسوله، وإنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر، فأسكته خالد. زاد في الاحتجاج قوله، وأخسها قدرا (1). وثمة زيادات أخرى فراجع. قال ابن طاووس: " هذا الحديث روته الشيعة متواترين " (2). ولنا مع هذا الحديث وقفات، نقتصر منها على ما يلي: 1 - إنه (ص) إنما يوصي خصوص قريش بهذه الوصية بحضور ذوي القدر والشأن من أصحابه المهاجرين والأنصار. ولا نبعد إذا قلنا: إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان على معرفة تامة بنوايا قريش تجاه خلافة علي عليه السلام بعده، وقد كان وما يزال يلمح ويصرح به لهم في المناسبات المختلفة منذ أوائل بعثته صلى الله عليه وآله. وكان يدرك تململ قريش، ومن يدور في فلكها من هذا الأمر، ورفضها الباطني له هذا الرفض الذي كان يترجم في مواقف عملية لهم، وأسلوب تعامل هنا وهناك. وقد ذكرنا بعض ما يوضح هذا الأمر في كتابنا: الغدير والمعارضون، فليراجعه من أراد.


(1) راجع المصادر التالية: الاحتجاج ج 1 ص 190 و 191 و 300 ط سنة 1313 ه‍. ق: والصراط المستقيم ج 2 ص 80 و 82 وقاموس الرجال ج 3 ص 476 و 478 و 479 والخصال ج 2 ص 462 و 463 واليقين في إمرة أمير المؤمنين ص 108 - 110 عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، وعن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ في كتابه: مناقب أهل البيت عليهم السلام والبحار ج 28 ص 210 و 211 و 214 و 219 ورجال البرقي ص 63 و 64. (2) اليقين ص 108 والبحار ج 28 ص 214. (*)

[ 95 ]

2 - إنه (ص) لم يكن ليوصي ذوي القدر والشأن من المهاجرين والأنصار، بهذه الوصية الحساسة والخطيرة، والثقيلة جدا على الكثيرين منهم، إلا حين يكون علي عليه السلام قد حقق إنجازا كبير عجز عنه الآخرون. وقد ألمحت الرواية إلى هذا الانجاز، وهو أنه عليه السلام قد قتل رجالهم. أو عشرة من رجالهم، أولى النجدة منهم (أي من بني قريظة) وقد ذكرت النصوص المتقدمة أيضا: أن فتح قريظة كان على يديه عليه السلام، وتحدثت عن رعب بني قريظة منه بمجرد معرفتهم بقدومه إلى حصنهم، وتحدثت عن هزيمة كبار الصحابة الذين أخذوا الراية، ثم فتح الله على يديه، تماما كما جرى في خيبر. وكل ذلك يشجعنا على القول: إنه (ص) لم يكن ليطرح قضية إمامة علي عليه السلام بعده، وهو يعلم أن في أصحابه من يستميت في سبيل إبطال هذا الأمر وإفشاله، إلا حينما يكون ثمة هزيمة نكراء لأولئك المناوئين، ونصر مؤزر لأمير المؤمنين عليه السلام يلجمهم عن التفوه بأي اعتراض، ويصدهم عن السعي لبلبلة الأفكار، وتسميم الأجواء والتشكيك في صوابية ما يوصيهم به (ص)، ويأمرهم بالتزامه. ويلمح إلى هذا بل يصرح به نفس هذا النص الذي نحن بصدده، حيث ذكر أنه (ص) أنما قال لهم ذلك حين قتل عليه السلام رجال بني قريظة، أو عشرة من رجالهم وذوي النجدة منهم، حسبما تقدم. 3 - إن الهيئة الحاكمة وأنصارها حين أعوزتهم الأدلة والبراهين لجأوا إلى أسلوب التهديد، والوعى، والقمع، وعرض العضلات. ولولا أنهم كانوا على علم بأن قرار علي عليه السلام هو تجنب المواجهة المسلحة لكانوا قد حسبوا ألف حساب قبل أن يقدموا على ذلك. (*)

[ 96 ]

4 - إن وقائع هذه القضية تعطينا: أن هؤلاء الأعيان من الصحابة حين أعلنوا عدم شرعية ما أقدم عليه أبو بكر وحزبه، واعتبروا ذلك تعديا وغصبا، ومخالفة صريحة لأوامر النبي الأعظم (ص)، فإنهم قد انطلقوا في مواقفهم هذه. من ثوابت عقائدية، واستحبابه لشعور ديني وضميري وهاج ومرهف. ولكن هذه المواجهة - رغم ذلك - لم تتحول إلى غوغائية، أو حالة انفعالية، رغم استفزاز الحكم لهم، ومحاولته تطوير الصراع، لأنه كان يرى: أن من مصلحته تصعيد التحدي ليتفادي المأزق الذي يجد نفسه فيه، وهو يرى نفسه عاجزا عن تبرير ما أقدم عليه بصورة منطقية ومعقولة. ومن جهة أخرى، فإن هذه المعارضة قد عبرت في رفضها الاستجابة إلى استفزازت السلطة، عن أن ذلك ينطق من التزامها الدقيق بطاعة قيادتها، ومن انضباطية صارمة وملفتة للنظر، فهي التي تقرر حجم الصراع ومستواه، وأساليبه ووسائله، وهي التي تفرض ما تقرره على خصومها أيا كانوا. (5) إن خالد بن سعيد بن العاص الأموي قد وصف عليا هنا ب‍ " الوصي ". ونود أن نذكر القاري الكريم بأن هذا اللقب له عليه السلام كان معروفا لدى الصحابة، ولدى عموم الناس، وكانوا يطلقونه عليه صلوات الله وسلامه عليه في كثير من المناسبات، وقد ذكر المعتزلي طائفة من الأشعار والأرجاز التي أوردت هذا اللقب " (1). وتجده يتكرر كثيرا في كلمات وأشعار وأرجاز الناس في حربي الجمل وصفين، وغيرهما.


(1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 143 - 150 وراجع: كتب التاريخ التي تذكر وقائع الجمل وصفين. (*)

[ 97 ]

بل إن الخوارج قد احتجوا لخروجهم على أمير المؤمنين بقولهم: " زعم أنه وصي فضيع الوصية " (1) وتتبع النصوص التي أوردت هذا الوصف له عليه السلام يحتاج إلى توفر تام، وتأليف مستقل. 6 - لقد أظهر هذا النص: أن عمر بن الخطاب لم يكن له مكانة مرموقة في قريش. وإنما استفاد من الظروف السياسية والاجتماعية في أيام الإسلام الأولى، لينشئ لنفسه موقعا، ويحيط نفسه بهالة من نوع ما، ولا سيما في مجتمع المدينة، الذي كان أقل تجربة من المجتمع المكي، وأبعد عن أحابيل السياسة ومناورات وكيد السياسيين. 7 - لقد هدد خالد بن سعيد عمر بن الخطاب ومن معه بذي الفقار، وبعلي سيف الله وسيف رسوله. ولم يعترض عليه عمر بشئ. وهذا قد يلمح: إلى أن هذا اللقب " سيف الله " هو من ألقاب علي عليه السلام، وقد دلت على ذلك روايات كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 192. (2) فرائد السمطين ج 1 ص 138 ونظم درر السمطين ص 125 وذخائر العقبى ص 92، وينابيع المودة ص 214، وإحقاق الحق ج 15 ص 42 و 59 و 200 و 435 - 470، وج 4 ص 115 و 225 و 297 و 386 وج 5 ص 4 وج 6 ص 153 وج 20 ص 250 و 518 عمن تقدم وعن فتوحات الوهاب للعجيلي الشافعي ص 62 وأرجح المطالب ص 38 و 14 و 29 ومناقب علي للحيدر آبادي ص 57، و 37 وخلاصة الوفاء للسمهودي ص 39 مخطوط ووسيلة المآل ص 133 وانتهاء الإفهام ص 210 وعن مفتاح النجا (مخطوط) وشرف المصطفى والمناقب المرتضوية ص 93 وأئمة الهدى =

[ 98 ]

ولكن الآخرين قد سرقوا هذا اللقب، ومنحوه لخالد بن اللويد، مكافأة له على قتله ذلك الرجل المسلم مالك بن نويرة، ثم زنى بامرأته ليلة قتله. وقد برروا قتله له بأنه كان يمتنع عن إعطاء الزكاة للحاكم المغتصب لمقام الخلافة. مع أن السبب الحقيقي هو عشقه لزوجة المقتول. وقد أعطاه أبو بكر هذا الوسام حينما طالب لعمر المطالب بمجازاة خالد: " لإحن قديمة بينهما ما كنت لا شيم سيفا سله الله على أعدائه " (1). ثم نسبوا ذلك إلى رسول الله (ص) (2). مع أن صاحب اللقب الحقيقي هو علي عليه السلام كما أسلفنا. 8 - وآخر ما نذكره في تعليقنا على الحدث المتقدم: أنه يذكر: أن النبي (ص) قد أوصى قريشا بقبول خلافة وإمامة علي عليه السلام بعده، بعد أن قتل علي عليه السلام بني قريظة، أو رجالا من أهل النجدة فيهم.. وهذا يؤيد ما قاله ابن واضح اليعقوبي:


= للأفغاني ص 41 وشرح الجامع الصغير للمناوي ص 759 ودر بحر المناقب ص 42 وآل محمد للمردي ص 642 و 195 وعن مناقب الإمام علي عليه السلام لابن المغازلي. (1) راجع: الغدير ج 7 ص 158 - 163 وتاريخ الطبري ج 2 ص 503 والكامل في التاريخ ج 2 ص 359 وأسد الغابة ج 4 ص 295 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 105 والإصابة ج 3 ص 357، وتاريخ الخميس ج 2 ص 209. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 102 والإمامة والسياسة ج 1 ص 24 والإصابة ج 1 ص 414 والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 408 و 409. (*)

[ 99 ]

" وقتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم " (1). ثم كان الفتح أخيرا أيضا على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام كما أكدته سائر النصوص التي قدمناها. مبارزة الزبير لقريظي: عن عكرمة: " لما كان يوم بني قريظة، قال رجل من اليهود: من يبارز ؟ فقام إليه الزبير، فبارزه. فقالت صفية: واجدي. فقال رسول الله (ص): أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير، فقتله، فنفله رسول الله (ص) سلبه " (2). ونقول: 1 - قال الواقدي: " ولم يسمع بهذا الحديث في قتالهم، وأراه وهل هذا في خيبر " (3). 2 - تقدم أنه لم يطلع أحد من بني قريظة، ولم يبادر (يبارز) للقتال (4). أما حينما ذهب إليهم غير علي، فإن الذاهبين إليهم قد هزموا بمجرد أن رأوا بني قريظة ينزلون إليهم، وأما حينما ذهب إليهم علي نفسه، فإنه هو استنزلهم من حصونهم فنزلوا منها على حكم سعد بن معاذ (5).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (2) المغازي ج 2 ص 504. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 505. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 504. (5) راجع ص 91 من هذا الجزء. (*)

[ 100 ]

3 - تقدم أيضا ما يقرب من هذه القصة في غزوة الخندق، وأثبتنا أنها مكذوبة والظاهر: أن هؤلاء الناس متحيرون كيف يمكنهم تسطير الفضائل لمن يحبونهم. والله سبحانه لم يزل ولا يزال يكشف زيف دعاويهم العريضة وأقاويلهم وأباطيلهم، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. الحرب خدعة: ويقولون: إن النبي (ص) قال يوم بني قريظة: " الحرب خدعة " (1). ونحن نستبعد أن يكون (ص) قد قالها في هذه المناسبة، إذ لا مناسبة تقتضي ذلك، ولم يقم المسلمون بأي عمل فيه شئ من الخداع لبني قريظة. بل هم قد حاصروهم، وشددوا عليهم الحصار، وحصلت بعض المناوشات على الطريقة المعروف والمألوفة. ولم يوفق الذين قاموا بماجمتهم أولا، حتى هاجمهم علي أمير المؤمنين، فكان الفتح على يديه عليه السلام.


(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 243. (*)

[ 101 ]

الفصل الثالث فشل المفاوضات وخيانة أبي لبابة

[ 103 ]

إسلام أبناء سعية: " وقال ثعلبة، وأسيد أبناء سعية، وأسد بن عبيد عمهم: يا معشر بني قريظة، والله، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وإن صفته عندنا، حدثنا به علماؤنا، وعلماء بني النضير، هذا أولهم - يعني حيي بن أخطب - مع جبير ابن الهيبان، أصدق الناس عندنا، هو خبرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التوراة. فلما رأي هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا في الليلة التي نزلت قريظة، فأسلموا، فأمنوا على أنفسهم، وأهلهم، وأموالهم " (1). وأسيد، وأسد وثعلبة لم يكونوا من بني قريظة ولا النضير بل كانوا فوق ذلك (2). وهم نفر من هدل، من بني عم قريظة (3)، وليس من


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 503 وراجع حول إسلام هؤلاء: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 15 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 44 والثقات ج 1 ص 276. (2) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 15. (3) جوامع السيرة النبوية ص 154 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249 وعيون الأثر ج 2 ص 71 والبداية والنهاية ج 4 ص 121 ودلائل النبوية للبيهقي ج 4 ص 32 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 232 والبحار ج 20 ص 276 وتاريخ الخميس ج 1 ص 496 ونهاية الإرب ج 17 ص 190 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 والاكتفاء ج 2 ص 180 = (*)

[ 104 ]

هذيل، كما في بعض المصادر التي زعمت أيضا أنهم من هذيل إخوة قريظة والنضير (1). وكان سبب إسلامهم: أن ابن الهيبان - من يهود الشام - قدم على بني قريظة فأقام عندهم، وكان يستسقي لهم إيام القحط، فيسقون، فحضرته الوفاة، فأخبرهم: أن سبب خروجه إلى يثرب هو أنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، مهاجره المدينة ليتبعه. ثم أوصاهم باتباعه. فلما كان فتح بني قريظة قال أولئك النفر - وكانوا شبانا أحداثا: يا معشر يهود، والله، إنه الذي كان ذكر ابن الهيبان. فقالوا: ما هو به. قالوا: بلي والله، إنه لصفته. ثم نزلوا، وأسلموا، وخلوا أموالهم، وأولادهم، وأهاليهم. قال ابن إسحاق: وكانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح رح ذلك عليهم (2). ونقول: في النفس من هذه الرواية شئ، فإن ابن الهيبان قد مات قبل بعثة النبي (ص)، والبعثة كانت قبل فتح قريظة بحوالي ثمانية عشر عاما. ولا


= والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 248. (1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 296 ونهاية الإرب ج 17 ص 190. (2) سيرة ابن إسحاق ص 85 / 86 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 496 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 31 و 32 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 274 والاكتفاء ج 2 ص 180. (*)

[ 105 ]

بد أن يكون أبناء سعية حين موت ابن الهيبان شبابا، يدركون مغزي كلام ابن الهيبان، ويفهمون وصية، ولا أقل من أن يكون لهم من العمر عشر سنين، فيكون عمرهم حين فتح قريظة حوالي ثلاثين سنة، فكيف يكون أولئك النفر عند فتح قريظة شبابا أحداثا ؟ !.. إلا إذا كان يصدق على ابن الثلاثين أنه حدث ! وأما السؤال عن سبب هجرة ابن الهيبان إلى المدينة وليس إلى مكة فقد يجاب عنه، بإن مكة لم تكن تقبل بسكنى اليهود فيها. وإن كان هذا الجواب محل نظر وتأمل. ويحتاج إثبات ذلك أو نفيه إلى دراسة وافية لهذا الموضوع. عمرو بن سعدى ومحمد بن مسلمة: 1 - يذكر المؤرخون: أن عمرو بن سعدى اليهودي، قد صارح قومه بأنهم قد عاهدوا محمدا: ألا ينصروا عليه أحدا، وأن ينصروه ممن دهمه، فغدروا ولم يشركهم ابن سعدى في غدرهم، وقال لهم: " فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية، وأعطوا الجزية، فوالله، ما أدري يقبلها أم لا. قالوا: نحن لا نقر للعرب بخرج في رقابنا، يأخذوننا به. القتل خير من ذلك. قال: فإني برئ منكم. وخرج في تلك الليلة مع بني سعية، حتى أتى مسجد رسول الله، فبات فيه، فلما أصبح غدا، فلم يدر أين هو حتى الساعة

[ 106 ]

فسئل (ص) عنه، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه " (1). 2 - وقال المؤرخون أيضا: " خرج في تلك الليلة (أي ليلة نزول بني قريظة على حكم النبي (ص) عمرو بن سعدى القرظي، فمر بحرس رسول الله (ص) وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا ؟ ! قال: أنا عمرو بن سعدى. (وكان قد أبي أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله (ص). وقال: لا أغدر بمحمد أبدا). فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله. فخرج حتى أتى مسجد رسول الله (ص) بالمدينة تلك الليلة. ثم ذهب، فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا، فقال رسول الله فيه ما سبق. 3 - إن البعض يزعم: إنه كان أوثق برمة في من أوثق من بني قريظة، فأصبحت رمته ملقاة، ولا يدري أن يذهب، فقال رسول الله (ص) فيه تلك المقالة (2).


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 503 و 504 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 244 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 15 / 16 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 والسيرة الحلبية ج 2 ص 335 / 336. (2) راجع النصين المتقدمين في المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249 وعيون الأثر ج 2 ص 71 والبداية والنهاية ج 4 ص 121 وتاريخ الخميس ج 1 ص 496 والاكتفاء ج 2 ص 180 / 181 ونهاية الإرب ج 17 ص 190 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 247 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 = (*)

[ 107 ]

4 - إن ابن خلدون يقول: " وفرعنهم عمرو بن سعدي القرظي، ولم يكن دخل معهم في نقض العهد، فلم يعلم أين وقع " (1). 5 - قال الذهبي وغيره: " كان عمرو بن سعدي اليهودي في الأسري، فلما قدموه ليقتلوه، فقدوه، فقيل: أين عمرو ؟ ! قالوا: والله، ما نراه، وإن هذه لرمته التي كانت فيها (الرمة قطعة من حبل) فما ندري كيف انفلت. فقال رسول الله (ص): أفلت بما علم الله في نفسه " (2). ونقول: أولا: إنك ترى النصوص التاريخية لهذا الحدث مختلفة فيما بينها، مما يشير إلى وقوع تشويه عفوي أو عمدي في هذه القضية. وثانيا: إذا كان هذا الرجل قد أبي الدخول مع قومه في الغدر، فمن الواضح: أن النبي (ص) لن يعاقبه بما فعل الآخرون. وقد قال الله تعالى: (لا تزر وازرة وزر أخرى). بل سوف يجد نفسه معززا مكرما في ظل الإسلام، حتى ولو أراد أن يبقى على يهوديته. وذلك يجعلنا نشك كثيرا فيما يزعمونه من أن قد ربط مع قومه ليقتل ثم هرب وكذا ما يزعمونه من أنهم قدموه ليقتلوه فانفلت منهم دون أن يشعروا وكذا القول إنه هرب قبل ذلك، إذ لماذا يربط ؟ ولماذا


= ص 32 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 232 والبحار ج 20 ص 276 والسيرة الحلبية ج 2 ص 335 و 336 وراجع: النص الأول في: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 16. (1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 وجوامع السيرة النبوية ص 154. (2) تاريخ الإسلام المغازي ص 260 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20. (*)

[ 108 ]

يعرضونه للقتل ؟ ولماذا يهرب ؟ وهو لم يفعل ما يستحق به ذلك، ولماذا لا يعتمد على سماحة الإسلام وعفوه وكرمه ؟ وهو يعلم أن الإسلام لا يأخذ البرئ بذنب المسئ ؟ ولماذا يحتاج إلى تدخل إلهي لإنجائه حتى قال النبي ذاك رجل نجاه الله بوفائه. وهل كل (ص) عازما على قتله، مع علمه بوفائه، ثم نجاه الله منه ؟ ! وثالثا: هل يمكن إفلات أحد من أيدي حراسه دون أن يشعروا به، مع أنهم قدموه ليقتلوه ؟ ! فهل هو من نوع الجن أو الملائكة، الذين يمكنهم إخفاء أنفسهم والانفلات دون أن يشعر بهم أحد، حتى في هذه اللحظات العصيبة والحساسة، ومع اجتماع الناس لاجل ذلك. ورابعا: إن حديث إفساح محمد بن مسلمة له المجال لينفلت ويذهب إلى المسجد ليبيت فيه، ثم ذهب.. ينافي حديث ربطه مع قومه، وتقديمه للتقل، ولا ندري كيف نفسر هذا التصرف من محمد بن مسلمة، إذ لماذا لا يراجع فيه ابن مسلمة النبي (ص)، ويستأمره في شأنه بل تصرف من عند نفسه، حتى لا يحرمه الله إقالة عثرات الكرام ؟ وإذا كان عمرو بن سعدي لم يدخل مع قومه في الغدر، فأي عثرة له يريد محمد بن مسلمة أن يقيلها ؟ ! خامسا: ظاهر كلام البعض: أن ابن سعدى قد فر عن قومه، ولم يعلم أين وقع (1)، ومعنى ذلك: أنه لم يؤسر، ولم يوثق، ولم يهرب من رمته، ولا حين تقديمه إلى القتل. ونتيجة لما تقدم نقول:


(1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ص 31 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 154. (*)

[ 109 ]

إن الشبهة تحوم حول محمد بن مسلمة، الذي كانت له علاقات من نوع ما مع اليهود، وقد روي أن عليا عليه السلام قال لعمار بن ياسر: " ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود " (1). ولعله كان أخا له من الرضاعة، أو هو أخ له في الدين. فيظن أنه هو الذي أفسح له المجال للهرب، وفق تفاهم بينهما، لا مجال للتكهن بتفاصيله وأسبابه. كما أننا نرتاب في ما ينسب إلى النبي من قول في هذا المجال، ولعل الأقرب هو ما ذكره البعض من أنه (ص) قال: " أفلت بما علم الله في نفسه " (2) والله هو العالم بحقيقة الحال. لا يقرون للعرب بأي امتياز: والشئ الذي رأيناه يتكرر من اليهود هو هذه المشاعر العنصرية التي ألحقت الأذى بهم باستمرار، وأهلكتهم أو كادت. وقد عمل اليهود أنفسهم على تركيز هذا الاحساس القوي بالعنصر، حتى كأنهم فوق جميع البشر، وذلك من خلال ما انتهجوه من أساليب خادعة وما كرة لفرض هيمنتهم الثقافية على العرب، بعد أن فشلوا فشلا ذريعا في صراعهم العسكري معهم. وهذا في الحقيقة أمر امتحنهم الله فيه، أظهر من خلاله ما يخفونه من روح حاقدة ومتكبرة، ومتغطرسة وشريرة، ولا يحيق المكر السئ


(1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 54 وقاموس الرجال ج 8 ص 388 وراجع كتابنا هذا ج 5 ص 51. (2) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20. (*)

[ 110 ]

إلا بأهله (1). ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (2). مفاوضة نباش بن قيس مع النبي (ص): وحين أيقن بنو قريظة بالهلاك، بسبب رمي المسلمين لهم أنزلوا نباش بن قيس، فكلم رسول الله (ص) ساعة، وقال: يا محمد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير، لك الأموال، والحلقة، وتحقن دماءنا، ونخرج من بلادكم بالنساء والذراري، ولنا ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبي رسول (ص). فقالوا: فتحقن دماءنا، وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل. فقال رسول الله (ص): لا. إلا أن تنزلوا على حكمي. فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول الله (ص). فقال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة: والله، إنكم لتعلمون: أن محمدا نبي الله. وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبيا من بني إسرائيل، فهو حيث جعله الله ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد. ولكن البلاء، وشؤم هذا الجالس (يعني حيي بن أخطب) علينا وعلى قومه. وقومه كانوا أسوأ منا. لا يستبقي محمد رجلا واحدا إلا من تبعه. أتذكرون ما قال لكم ابن حواس، حين قدم عليكم، فقال: تركت الخمر والخمير والتأمير، وجئت إلى السقاء والتمر والشعير ؟ !


(1) سورة فاطر، الآية / 43. (2) سورة الأنفال، الآية / 30. (*)

[ 111 ]

قالوا: وما ذلك ؟ قال: يخرج من هذه القرية نبي. فإن خرج وأنا حي اتبعته ونصرته. وإن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه، فاتبعوه، وكونوا أنصاره وأولياءه. وقد آمنتم بالكتابين كليهما الأول والآخر. قال كعب فتعالوا، فلنتابعه، ولنصدقه، ولنؤمن به، فنأمن على دمائنا، ونسانا وأموالنا، فنكون بمنزلة من معه. قالوا: لا نكون تبعا لغيرنا، نحن أهل الكتاب والنبوة، ونكون تبعا لغيرنا ؟ ! فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم. قالوا: لا نفارق التوراة، ولا ندع ما كنا عليه من أمر موسى. قال: فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد وأصحابه، فإن قتلنا قتلنا وما وراءنا أمر نهتم به، وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء فتضاحك حيي بن أخطب، ثم قال: ما ذنب هؤلاء المساكين ؟ وقالت رؤساء اليهود: الزبير بن باطا وذووه: ما في العيش خير بعد هؤلاء. قال: فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، فإن لم تقبلوها فأنتم بنواستها. قالوا: وما هي ؟ ! قال: الليلة السبت. وبالحري أن يكون محمد وأصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله، فنخرج، فلعنا أن نصيب منهم غرة. قالوا: نفسد سبتنا، وقد عرفت ما أصابنا فيه ؟ !

[ 112 ]

قال حيي: قد دعوتك إلى هذا وقريش وغطفان حضور، فأبيت أن تكسر السبت، فإن أطاعتني اليهود فعلوا. فصاحت اليهود: لا نكسر السبت. قال نباش بن قيس: وكيف نصيب منهم غرة، وأنت ترى أن أمرهم كل يوم يشتد، كانوا أول ما يحاصروننا، إنما يقاتلون بالنهار، ويرجعون الليل، فكان هذا لك قولا، لو بيتناهم. فهم الآن يبيتون الليل، ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم ؟ ! هي ملحمة وبلاء كتب علينا. فاختلفوا، وسقط في أيديهم، وندموا على ما صنعوا، ورقوا على النساء والصبيان. وذلك أن النساء (والصبيان) لما رأوا ضعف أنفسهم هلكوا، فبكى النساء والصبيان، فرقوا عليهم (1).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 501 - 503 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 13 - 15 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 / 244 والسيرة الحلبية ج 2 ص 335 و 336 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و 15 ونهاية الإرب ج 17 ص 188 وتاريخ الخميس ج 1 ص 494. وأشار إلى ذلك أو ذكره بتفصيل في المصادر التالية: الاكتفاء ج 2 ص 178 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 15 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق ص 31 ومناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 وجوامع السيرة النبوية ص 153 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 / 247 وعيون الأثر ج 2 ص 69 / 70 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 وإرشاد الساري ج 6 ص 330 وفتح الباري ج 7 ص 318 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 / 116 ووفاء الوفاء ج 1 ص 307 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 257 وتاريخ الأم م والملوك ج 2 ص 246 / 247 ومجمع البيان ج 8 ص 351 و 352 والبحار ج 20 ص 211 و 234 وراجع: تفسير القمي ج 2 ص 190. (*)

[ 113 ]

وقفات مع ما تقدم: ونقول: يستوقفنا في هذا الحديث عدة أمور، نذكر منها ما يلي: 1 - قد تقدم عدم صحة قولهم: إنهم حين أيقنوا بالهلكة أرسلوا نباش بن قيس، فلما رجع إليهم بالفشل، طلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم ابن معاذ. والصحيح هو أنهم بعد عودة نباش بقوا أياما (1)، صدوا خلالها - كما تقدم - حملات بقيادة كمبار الصحابة، فجاءهم علي، ونادي يا كتيبة الإيمان، وانتهى الأمر باستسلامهم على يديه، وطلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم. 2 - إن العبارة الأخيرة قد أسندت الأمر إلى القضاء والقدر الذي لا مفر منه. وأنا كما يقول بنو قريظة: " ملحمة وبلاإ كتب علينا " وذلك من منطق اعتقادهم بالجبر الإلهي. رغم أن القرار في إبعاد هذه الملحمة والبلاء عنهم يعود إليهم، وبإمكانهم تغيير مسار الأحادث لو تصرفوا بحكمة وتعقل وإنصاف. وتركوا الانقياد إلى الهوى، وإلى العصبيات ولعنجهيات الفارغة. 3 - إن صغية اقتراح قتل النساء والذرية تظهر بوضوح حقيقة نظرة اليهود إلى عنصر المرأة، واعتبار من شؤون الرجل، وأن لا شخصية ولا كيان لها إلا بمقدار ما تخدم أغراض الرجل وأهواءه، وما تقدم له من متعة، فليلا حظ قوله: " وإن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء والأبناء ".


(1) تفسير القمي ج 2 ص 190 والبحار ج 20 ص 243 عنه: وفيه غزال بن شمول. بدل نباش بن قيس. (*)

[ 114 ]

4 - إن اليهود الذين هم عبيد الدنيا، إنما يريدون تحقيق انتصارات كبيرة دون أن يكونوا على استعداد لخسارة أي شئ ذي بال، ومن دون أن يخوضوا حربا. أو أن يقدموا شيئا من الأموال والنفائس. بل هم يريدون أن يصلوا إلى أهدافهم عن طريق المكر والخديعة والاحتيال. ولأجل هذا كانت مجالات تحركهم حين يواجهون الأزمات الكبيرة التي لا بد فيها من الصدام العسكري محدودة ومحصورة وضيقة إلى درجة كبيرة. 5 - لقد ابتلي اليهود بحب الدنيا، فقتلهم حب الدنيا بسيف الدنيا. وهذا هو غاية المهانة والخيبة، ومنتهى الخذلان والخسرات. 6 - قد يمكر الإنسان بكل أحد، ويخدع أي إنسان، حتى أقرب الناس إليه. ولكنه لم يكن ليخدع نفسه أبدا. اللهم إلا أن يكون على شاكلة الحطيئة الشاعر، الذي كان مولعا بهجو الناس، فلما لم يجد أحدا يهجوه هجا نفسه، فقال: أبت شفتاي اليوم إلا تكلما * بهجر فما أدري الذي أنا قائله أري لي شكلا قبح الله وجهه * فقبح من وجه وقبح حامله وهذا بالذات هو ما جرى ليهود بني قريظة، فإنهم رغم اعتراف عدد من كبارهم بالحق وتأكيدهم على أن ما جاء به الرسول (ص) هو محض الصدق،، وأنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فإنهم أصروا على رفض الاعتراف به، والتسليم والبخوع له، مع أنهم ما فتئوا يؤكدون على أنهم لم يفارقوا أمر موسى، ولا يريدون مفارقة التوراة، رغم أن نبوة محمد (ص) هي من التوراة. كما أنه ليس في اتباع محمد ترك للتوراة ولا

[ 115 ]

لموسى، بل هو التزام بهما بنحو أتم وأكمل، وأوفي وأدق وأشمل. 7 - لقد امتحن الله سبحانه بني إسرائيل في أمر حساس للغاية. حيث واجههم بالأمر الذي هو أساس الداء الوبيل فيهم، حينما بعث نبيا من غيرهم، فثارت فيهم روح التمييز العنصري، وأكل قلوبهم الحسد. والأنكى من ذلك أنهم كانوا يدركون ذلك ويصرحون به. ثم يسلمهم اللجاج، وحالة الاستكبار والصدود عن الحق إلى الدمار والبوار، وبئس المصير الذي اختاروه لأنفسهم، وفي العذاب هم مشتركون. خيانة أبي لبابة: وحين خاف اليهود من مهاجمة علي عليه السلام لهم، كما قدمناه. سألوا النبي (ص) أن يرسل إليهم أبا لبابة، ليساوروه في أمرهم فأرسله إليهم. وقال له: " فأتهم، وقل: معروفا " (1). قالوا: وكان أبو لبابة مناصحا لهم، لأن ماله، وعياله، وولده كانت في بني قريظة (2) واسم أبي لبابة: زيد بن عبد المنذر وهو من بني قريظة، ابتاعه النبي (ص) وهو مكاتب، فأعتقه (3) فلما طلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون، وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال من وراءك (4). وبما أن نص الواقدي، هو أجمع النصوص لخصوصيات ما حدث


(1) البحار ج 2 ص 267 وتفسير فرات ط سنة 1410 ه‍ ق. ص 175. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 495 والسيرة الحلبية ج 2 ص 336 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15. (3) أنساب الأشراف ج 1 ص 483. (4) البحار ج 20 ص 267 وتفسير فرات ط سنة 1410 ه‍. ق ص 175. (*)

[ 116 ]

فإننا نختاره على ما سواه ملخصا عنه ثم نشير إلى سائر المصادر التي ذكرت النص كله أو بعضه أو اختصرته، فنقول: لما اشتد الحصار على بني قريظة طلبوا من النبي (ص) أن يرسل إليهم أبا لبابة، فأرسله إليهم (ليلة السبت). قال أبو لبابة: فقام كعب بن أسد فقال: " أبا بشير، قد علمت ما صنعنا في أمرك، وأمر قومك يوم الحدائق وبعاث، وكل حرب كنتم فيها. وقد اشتد علينا الحصار وهلكن، ومحمد يأبي أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال لحقنا بأرض الشام، أو خيبر، ولم نطأ له حرا أبدا ولم نكثر عليه جمعا إبدا. ثم انحى أبو لبابة وكعب بن أسد باللائمة علي حيي بن أخطب، فقال حيي: ملحمة وبلاء كتب علينا. ثم استشاروا أبا لبابة في النزول على حكم النبي (ص)، فقال لهم: نعم، فانزلوا. وأشار إلى حلقه، هو الذبح. ثم ذكر أبو لبابة: أنه ندم، فاسترجع. فقال له كعب: مالك يا أبا لبابة ؟ ! قال: " فقلت: خنت الله ورسوله. فنزلت، وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم ". ثم ذكر أنه أخذ من وراء الحصن طريقا إلى المسجد، فارتبط إلى الاسطواني ة " المخلقة " وتسمى أسطوانة التوبة. قال: وبلغ رسول الله ذهابي، وما صنعت. فقال: دعوه، حتى يحدث الله فيه ما يشاء، لو كان جاءني استغفرت له. قال: فكنت في أمر عظيم خمس عشرة ليلة. ثم ذكر أنه كان قد رأي قبل ذلك رؤيا، فعبرها له أبو بكر، بقوله:

[ 117 ]

" لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك " فكنت أذكر قول أبي بكر (رض): وأنا مرتبط، فأرجوا أن تنزل توبتي (1). وعن الزهري: كان رسول الله (ص) قد استعمل أبا لبابة على قتالهم، فلما أحدث ما أحدث عزله واستعمل أسيد بن حضير. وارتبط أبو لبابة سبعا، وفي نص آخر: (عدة ليال) عند الاسطوانة التي عند باب أم سلمة، في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب وقال: ال: فلم يزل كذلك، حتى ما يسمع الصوت من الجهد. ورسول الله وص) ينظر إليه بكرة وعشية. ثم تاب الله عليه.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 506 و 507 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 16 و 17. وحديث أبي لبابة قد ذكره معظم المؤرخين مختصرا أو مطولا. فراجع على سبيل المثال: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 244 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 256 و 257 و 258 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ص 2 ص 31 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 153 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 247 / 248 والوفاء ص 695 والروض الأنف ج 3 ص 282 ووفاء الوفاء ج 2 ص 442 - 444. وعيون الأثر ج 2 ص 70 وحدائق الأنوار ج 2 ص 595 والبداية والنهاية ج 4 ص 119 و 120 والكامل في التاريخ ج 2 ص 185 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 74 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 273 والاكتفاء ج 2 ص 179 / 180 وتاريخ الأم م والملوك ج 2 ص 247 / 248 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 336 و 337 و 345 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 17 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229 - 233 و 237 و 227 والبحار ج 20 274 / 275 والثقات ج 1 ص 275 / 276 ومجمع الزوائد ج 6 ص 137 وسيرة مغلطاي ص 56 و 57. (*)

[ 118 ]

وقد نزلت توبته في بيت أم سلمة في السحر. فاستأذنت رسول الله أن تؤذنه بذلك فأذن لها. قالت: فقمت على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، فقلت: يا أبا لبابة، أبشر، فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه فأبي إلا أن يطلقه رسول الله (ص) بيده، فلما خرج رسول الله (ص) إلى الصبح أطلقه. تقول أم سلمة: رأيت رسول الله (ص) يحل عنه رباطه، وأن رسول الله صلى الله ليرفع صوته يكلمه، ويخبره بتوبته، ولا يدري كثيرا مما يقول من الجهد والضعف. ويقال: مكث خمس عشرة مربوطا. وكانت ابنته تأتيه بتمرات لفطرة، فيلوك منهن ويترك، ويقول: والله، ما أقدر أن أسيغها فرقا ألا تنزل توبتي. وتطلقه عند وقت كل صلاة، فإن كانت له حاجة توضأ، وإلا أعاد الرباط. وكان الرباط حز في ذراعه، وكان من شعر. وكان يداويه بعد ذلك دهرا. وكان يبين في ذراعه بعد ما برئ (1). ونقول:


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 - 509 وراجع بعض ما تقدم أو لكه في ما يلي: عيون الأثر ج 2 ص 70 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 17 و 18 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 وقاموس الرجال ج 2 ص 210 و 211 ونهاية الإرب ج 17 ص 189 ووفاء الوفاء ج 1 ص 307 وج 2 ص 442 - 444 والاكتفاء ج 2 ص 178 / 179 وتاريخ الأم م والملوك ج 2 ص 247 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 337 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 - 16 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 / 232 وبحار الأنوار ج 20 ص 275. (*)

[ 119 ]

إن لن مع هذه القضية وقفات: أولا: يلاحظ تناقض بين الروايات في مقدار المدة التي ببقي أبو لبابة مرتبطا فيها. فقد تقدم أنها خمسة عشر يوم، ورووا ذلك عن أم سلمة (1). وفي نص آخر: بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه، فما يكاد يسمع وكاد يذهب بصره وحتى خر مغشيا عليه (2). وقيل: سبع عشرة ليلة (3). وقال ابن إسحاق: خمسا وعشرين ليلة (4). وتقدم عن الزهري: أنه ارتبط سبعا بين يوم وليلة (5) حتى خر مغشيا عليه. وقيل: ارتبط قريبا من عشرين ليلة أو عشرين ليلة (6).


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 508، وإمتاع الأسمع ج 1 ص 245 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 345 وعيون الأثر ج 2 ص 70 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 18 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 وقاموس الرجال ج 2 ص 211 عن الاستيعاب والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 وسيرة مغلطاي ص 56 و 57 ووفاء الوفاء ج 2 ص 443. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 245. (4) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 17. (5) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 507 وحدائق الأنوار ج 2 ص 596 وبهجة المحافل ج 2 ص 273 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345 ووفاء الوفاء ج 2 ص 444. (6) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229 و 231 وتاريخ الإسلام = (*)

[ 120 ]

وقيل: ست ليال (1). ثانيا: لم نعرف السبب في ذهاب سمع أبي لبابة، ثم كاد أن يذهب بصره، فإن ترك الطعام والشراب، لمدة أسبوع أو أسبوعين لا يوجب الطرش، ولا العمي، فلماذا يحتاح النبي (ص) إلى أن يرفع صوته ليسمعه ؟ كما أننا لا نعرف السبب في أنه غشي عليه، فإن ذلك أيضا ليس من أسباب الإغماء. ثالثا: قد ذكرت رواية الزهري: أنه ارتبط في حر شديد (2). وكان يوما صائفا (3) لا يأكل ولا يشرب، فتسبب ذلك بذهاب سمعه، وكان أن يذهب بصره. ونقول: قد تقدم في الفصل الأول من غزوة الخندق: قولهم: إن الخندق كانت في أيام شاتية، وبرد وقر شديد، بدءا من حفر الخندق،


= (المغازي) ص 256 والبداية والنهاية ج 4 ص 119 و 120 عن موسى بن عقبة وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 17 وسيرة مغلطاي ص 56 و 57. (1) راجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 وجوامع السيرة النبوية ص 154 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 وعيون الأثر ج 2 ص 70 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 17 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 ونهاية الإرب ج 17 ص 190 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345 وسيرة مغلطاي ص 56 و 57. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 237. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 501. (*)

[ 121 ]

وانتهاء برحيل الأحزاب، فراجع، وقريظة بعد الخندق مباشرة. رابعا: قد تقدم أنهم لما عرفوا من أبي لبابة أن نزولهم على حكم رسول الله (ص) يعني الذبح. قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ (1). وذكر البعض رواية أخرى عكس هذه، تقول: إنهم قالوا لأبي لبابة: ما تري ؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ ! فأوما أبو لبابة إلى حلقه: أنه الذبح، فلا تفعلوا (2). وخامسا: رواية أبي لبابة للقضية تقول: إن ارتبط إلى الاسطوانة المخلقة، التي يقال لها: أسطوانة التوبة (3). لكن الواقدي يقول: " ويقال: ليس تلك، إنما ارتبط إلى اسطوانة كانت وجاه المنبر، عند باب أم سلمة، زوج النبي (ص). وهذا أثبت القولين " (4) وهو ما ذكرته رواية الزهري، ويفهم أيضا من الرواية المنسوبة إلى أم سلمة (5). وعن ابن عمر: الاسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة هي الثانية من القبر، وهي الثالثة من الرحبة (6). وجدير بالملاحظة هنا: أنه يوجد مسجد يقال له مسجد التوبة بالعصبة، منازل بني جحجبا، من بني عمرو بن عوف من الأوس.


(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والثقات ج 1 ص 275 و 276. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 336 وعيون الأثر ج 2 ص 71 عن أبي عمر بن عبد البر. راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 445. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 والسيرة الحلبية ج 2 ص 337 وغير ذلك من مصادر تقدمت. (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و 508 وغير ذلك من مصادر تقدمت. (6) وفاء الوفاء ج 2 ص 445. (*)

[ 122 ]

والعصبة في غربي مسجد قباء، فيها مزارع، وآبار كثيرة (1). قال السمهودي: " وما علمت السبب في تسميته بمسجد التوبة " (2). ونقول: إننا نرجح: أن يكون أبو لبابة، بعد أن فعل ما فعل التجأ إلى هذا المسجد بالذات، لأنه يقع في منطقته. وأما ما جرى في مسجد النبي، فهو ارتباط العشرة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأبو لبابة معهم، إذ لا معنى لأن يأتو إلى منازل بني جحجبا من بني عمرو بن عوف ليرتبطوا في مسجدهم. سادسا، بالنسبة للآيات نقول: 1 - اختلفوا في الآية التي نزلت في مناسبة توبة أبي لبابة، فهل نزل قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا، عسى الله أن يتوب عليهم) (3)، كما هو الأثبت عند الواقدي، والمقريزي، والحلبي (4).


(1) راجع: وفا الوفا ج 3 ص 876. (2) وفاء الوفاء ج 3 ص 877. (3) سورة التوبة / 102. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 509 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 / 249 والروض الأنف ج 2 ص 282 وحدائق الأنوار ج 2 ص 596 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 وبهجة المحافل ج 1 ص 273 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 245 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 والسيرة الحلبية ج 2 ص 336 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 18 والاكتفاء ج 2 ص 179 / 180 ووفاء الوفاء ج 2 ص 444 ونهاية الإرب ج 17 ص 189 وقاموس الرجال ج 2 ص 210 و 211 عن القمي وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 وعن =

[ 123 ]

أم نزل قوله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، والذين قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم) (1). أو نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم، وأنتم تعلمون) (2). أم أن آية لا تخونوا الله والرسول نزلت أولا ثم نزلت آية: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) حين حصول التوبة (3). 2 - إن الآيتين الأولى والثانية هما في سورة التوبة والمائدة، وهما من أواخر ما نزل من القرآن، ومن البعيد جدا أن تبقى هاتان الآيتان معلقتين في الهواء طيلة سنوات عدة، دون أن يجعلا في سورة من السور القرآنية. 3 - إن آية سورة التوبة لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها تتحدث


= دلائل النبوية للبيهقي. (1) سورة المائدة / 41. وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 وإمتاع الأسماع ص 245. (2) سورة الأنفال / 27، وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 وعيون الأثر ج 2 ص 71 عن أبي عمر بن عبد البر، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 والبداية والنهاية ج 4 ص 120، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 وبهجة المحافل ج 1 ص 273 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 245 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 17 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 180 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 والسيرة الحلبية ج 2 ص 336 ووفاء الوفاء ج 2 ص 442 و 444. (3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 273 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 والسيرة الحلبية ج 2 ص 337 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 والبداية والنهاية ج 4 ص 120. (*)

[ 124 ]

عن مجموعة من الناس خلطوا عملا صالحا، وآخر سيئا، وليس عن رجل واحد. ولو سلمنا، أنا أريد الفرد في سياق الحديث عن جماعة، فإننا نقول: إن هذه الآية لا تدل على أن الله سبحانه قد قبل توبة أبي لبابة. بل أبقت الأمر مؤرجحا بين الخوف والرجاء. وتحدثت عن إمكانية توبة الله عليهم في المستقل. وأجاب الحلبي بأن " الترجي في حقه تعالى أمر محقق " (1). ونقول: إنه محقق في صورة تحقق التوبة، وهذا الترجي يشير إلى أن توبة أبي لبابة كانت ظاهرية لا واقع وراءها. ومن جهة أخرى، فإن أبا لبابة لم يخلط بين العمل الصالح والآخر السئ، بل ما صدر منه هو محض العمل السئ، المتمثل بالخيانة، ثم أتبعه بالتظاهر بالتوبة. 4 - روي عن ابن عباس من وجوه: أن آية سورة التوبة قد نزلت في أبي لبابة، ونفر معه سبعة، أو ثمانية، أو سبعة سواه، تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا فتابوا، وربطوا أنفسهم بالسواري. إلخ (2). 5 - روي عن ابن عباس، وابن المسيب: أن آية سورة الأنفال: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا إلخ...) قد نزلت في أبي لبابة حين تخلف عن غزوك تبوك (3). 6 - إن آية سورة المائدة تثبت الكفر والنفاق لأبي لبابة. مع أن


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 33 ط. (2) عيون الأثر ج 2 ص 71. وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 ووفاء الوفاء ج 2 ص 444. وفيهم: أنهم كانوا عشرة. (3) راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 257 / 258. (*)

[ 125 ]

التاريخ لا يحدثنا أنه كان من المنافقين. إلا أن يقال: إن التاريخ إنما يثبت لنا ظواهر الأشخاص، ولا يمكنه الكشف عن بواطنهم وقولوبهم، فإذا النص القرآني فهو المعيار. إذا ثبت أن هذه الآية قد نزلت في أبي لبابة. 7 - إن آية سورة المائدة أيضا لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها أيضا قد تحدثت عن جماعة من الناس كانوا يسارعون في الكفر وقضية أبي لبابة هي قضية شخص واحد. أضف إلى ذلك: أن أبا لبابة - كما تحكى لنا قصته - لم يكن يسارع في الكفر، وإنما هي زلة، تداركها على الفور، وتاب منها. كما أن ما صدر منه - كما تحكيه القصة أيضا - لم يكن لأجل عدم إيمان قلبه بهذا الدين، وإنما أخذته الشفقة عليهم لما رآهم يبكون. ولا يفوتنا التنبيه إلى أن آية سورة المائدة، إن جاءت لتقرع أبا لبابة قبل توبته، فهي تأبى عن قبول حصول التوبة منه، لأنها تجعله من المنافقين، ثم تقرنه باليهود لعنهم الله، مع مزيد من التقريع الحاد والقوي. سابعا: " ذكر سعيد بن المسيب: أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك، حين أعرض رسول الله (ص) وهو عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك في من تخلف " (1). وبعبارة أخرى: إنه لما أشار إلى حلقه أخبر عنه رسول الله (ص) بذلك وقال له (ص): أحسبت أن الله غفل عن يدك حيث تشير إليهم إلى حلقك. فلبث جنبا ورسول الله (ص) عاتب عليه. ثم لما غزا تبوك كان أبو لبابة في من تخلف. فلما قفل (ص) جاءه أبو لبابة يسلم عليه،


(1) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 257. (*)

[ 126 ]

فأعرض عنه (ص)، ففزع أبو لبابة، وارتبط بالسارية (1). فهذا يعني: أن رسول الله بقي عاتبا عليه بما فعله يوم بني قريظة، إلى غزوة تبوك، فلو كان أبو لبابة قد تاب وارتبط إلى سارية المسجد، ثم إن الله قبل توبته، وحله رسول الله (ص) بيده، فلماذا يبقى عاتبا عليه بعد ذلك كل هذه المدة. وهل يمكن أن يرضى الله عن أبي لبابة، ويبقى الرسول غاضبا عليه ؟ ! كما أن رواية البيهقي والسيرة الحلبية تكاد تكون صريحة في أنه لم يتب مما فعله في بني قريظة. ثامنا: إن نفس ما يذكرونه هنا، من أن أبا لبابة ارتبط في المسجد إلى اسطوانة التوبة، حتى نزلت توبته في الآيات المتقدمة، ولم يرض بفك نفسه إلا أن يتوب الله عليه. فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه وجرى ما جرى من حل رسول الله (ص) له، إنما كان في غزوة تبوك (2). تاسعا: قد ذكرت روايات توبة أبي لبابة: أنه كان لا يأكل ولا يشرب مع أنه قد تقدم أن ابنته كانت تأتيه بالتمرات، فيلوك منهن ويترك، إلا أن يقال: إن ذلك كان يسيرا، لا يعتد به. عاشرا: ذكرت الروايات المتقدمة: أنه لم يرجع إلى النبي (ص) بل أخذ طريقا إلى المسجد من وراء الحصن، فربط نفسه فيه. مع أن رواية البيهقي والحلبي السابقة تقول: إنه عاد إلى النبي (ص)، فطالبه النبي (ص) بما فعل، وأن النبي (ص) بقي عاتبا عليه إلى غزوة تبوك. حادي عشر: زعمت الرواية السابقة: أن النبي (ص) قد استعمل


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 337 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 16. (2) عيون الأثر ج 2 ص 70 و 71 وعن أبي عمر، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 ووفاء الوفاء ج 2 ص 443 و 444. والسيرة الحلبية ج 2 ص 337 عن البيهقي والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16. (*)

[ 127 ]

أبا لبابة على قتال بني قريظة، ثم لما صدر منه ذلك استبدله بابن حضير. مع أن من البديهي: أن النبي لم يكن يؤمر أحدا سوي علي إذا كان عليه السلام حاضرا. إلا أن يكون هو وابن حضير من جملة الذين ولاهم قيادة الجيش في بني قريظة فانهزموا - تماما كما جرى في خيبر - وقد تقدم: أنه (ص) قد بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فستنزلهم على حكم الله ورسوله (1). أو يقال: إنه كان قد ولاه على بعض الفرق المقاتلة، وكانت القيادة العامة للجيش كله بيد علي عليه السلام. ونسجل هنا ملاحظة هامة، وهي: السؤال عن سبب تأخير النبي (ص) إطلاق سراح أبي لبابة إلى حين صلاة الصبح، رغم أنه لم يكن يبعد عنه سوى بضع خطوات. ثاني عشر: وزعموا: أن أبا لبابة جاء رسول الله (ص)، فقال: أنا أهجر دار قومي التي أصبت فيها هذا الذنب، فأخرج من مالي صدقة إلى الله ورسوله ؟ فقال النبي (ص) يجزى عنك الثلث. فأخرج الثلث، وهجر دار قومه، ثم تاب الله عليه، فلم بين في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا (2).


(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 6 ص 289. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 509 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 18 و 19 وعيون الأثر ج 2 ص 70 و 71. = (*)

[ 128 ]

ونقول: 1 - لم نفهم السر في أن يجزيه الثلث إذا تصدق به، فهل عقوبة من يخون الله ورسوله هي أن يتصدق بثلث ماله. أو بأزيد من ذلك، لكن الثلث يجزيه ؟ ! 2 - إن ظاهر هذه الرواية: إنه تصدق بثلث ماله وهجر دار قومه، قبل أن يتوب الله عليه. مع أنهم يقولون: إنه لما أذنب اتخذ طريقا من خلف الحصن إلى المسجد، وربط نفسه فيه، ولم يأت إلى رسول الله (ص). 3 - قولهم: فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا، غير صحيح، فقد تخلف مع من تخلف في غزوة تبوك، وربط نفسه في المسجد ليتوب الله عليه، كما تقدم. وبعد هذا فلا ندري مدي صدقه في تعهده بهجران مكان خان فيه ربه ونبيه، وكان له بها أموال فتركها (1)، وما إلى ذلك. إن صح أنه كان قد تعهد بذلك. بل إننا لا نكاد نصدق أن يكون أبو لبابة قد تصدق بثلث ماله، فضلا عن أن يتصدق به كله. ولا نصدق أيضا: أنه كانت له أموال في بني قريظة فتركها. وذلك لأن لدينا ما يشير إلى اهتمام أبي لبابة بالدنيا


= وتاريخ الخميس ج 1 ص 495 وراجع: مسند أحمد ج 3 ص 453 وقاموس الرجال ج 2 ص 211 ووفاء الوفاء ج 2 ص 444 و 443. (1) وفاء الوفاء ج 2 ص 296 وراجع: المصادر في الهامش السابق. والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 والاكتفاء ج 2 ص 179 وجوامع السيرة النبوية ص 153 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 247 والبداية والنهاية ج 4 ص 120 وحدائق الأنوار ج 2 ص 296. (*)

[ 129 ]

إلى درجة أن يرد طلب رسول الله (ص) في أمر يتيم. من أجل عذق من النخل، يقول الواقدي ما ملخصه: كان أول شئ عتب فيه رسول الله (ص) علي أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق، فقضى رسول الله (ص) بالعذق لأبي لبابة، فصيح اليتيم واشتكى إلى رسول الله (ص). فقال (ص) لأبي لبابة: هب لي العذق يا أبا لبابة ؟ لكي يرده (ص) إلى اليتيم، فأبى أن يهبه له (ص). فقال (ص) لأبي لبابة: أعطه اليتيم، ولك مثله في الجنة. فأبي أبو لبابة أن يعطيه. فقال رجل أنصاري اسمه ابن الدحداحة: أرأيت يا رسول الله، إن ابتعت هذا العذق، فأعطيته هذا اليتيم، ألى مثله في الجنة. فقال ص: نعم. فإبتاع ابن الدحداحة العذق من أبي لبابة بحديقها نخل كانت له، فأعطاه اليتيم، فلم يلبث ابن الدحداحة إن قتل في حرب أحد شهيدا فقال (ص): رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة (1). ما نثق به من قصة أبي لبابة: وربما يكون لقصة أبي لبابة أساس من الصحة، ولكن ليس بالصورة التي يذكرها المؤرخون. وذلك بأن يكون قد خان الله ورسوله، وربما تكون توبته قد تأخرت إلى غزوة تبوك، وربما كانت توبته خوفا من كشف خيانته من


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 505. (*)

[ 130 ]

جهة جبرئيل، فبادر إلى ما يدفع غائلة الفضيحة، فربط نفسه إلى أسطوانة في المسجد. وربما، وربما.. على أننا نريد أن نذكر القارى هنا بقول بعضهم: " ليس جريمة أن يخطئ المرء، ولكن الجريمة أن يتفيأ ظلال خطئه ". إلى أن قال: " لأن هذا التمادي هو جريمة نفسية قبل أن تكون مادية، ولذلك تاب أبو لبابة إلخ... " (1). ولكن الظاهر هو أن أبا لبابة قد تفيأ ظلال خطئنه، وارتكب هذه الجريمة النفسية، حتى خاف الفضيحة، فأظهر التوبة، وربما يكون إظهاره لها بعد نزول قوله تعالى: " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)، فيرتكبون جريمة الخيانة مرة بعد أخرى، مع اليهود تارة، ومع المنافقين المتآمرين تارة. ولا ندري إذا كان ثمة خيانات أخرى لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنها لسبب أو لآخر.. من سب فاطمة فقد كفر: قال السهيلي: " روي حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين: " إن فاطمة أرادت حله حين نزلت توبته، فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): " إن فاطمة مضغة (بضعة) منى. فصلى الله عليه وعلى فاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر. وأن من صلى عليها فقد صلى على أبيها (ص) " (2).


(1) التفسير السياسي للسيرة ص 283. (2) الروض الأنف ج 2 ص 282 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 والسيرة = (*)

[ 131 ]

وقال الحلبي: " ظاهر هذا: أنه رض) كان يبر باطلاق سيدتنا فاطمة (رض) له، فليتأمل " (1). لكن الأشخر اليمني اعترض على كلام السهيلي بقوله: " وهذا القول عجيب، ولا يؤخذ من هذا الحديث ما ذكره، فليتأمل " (2). أما الشامي فناقش في سند الرواية، بقوله: " علي بن زيد هو ابن جدعان، ضعيفان، وعلي بن الحسين روايته مرسلة " (1) ونقول: إنه إذا كانت الزهراء بضعة من رسول الله (ص)، فسب بضعة الرسول سب للرسول نفسه، لأن البضعة هي القطعة من الشئ، وسب بعض الشئ سب للشئ نفسه، ولذا حكم السهيلي بكفر من يسب فاطمة، لأنه إنما يسب قطعة وبضعهة من النبي (ص) نفسه. وأما ما ذكره الشامي، فهو أيضا غير مقبول. لأن الإمام السجاد إمام معصوم، ولو تنزلنا عن ذلك فهو إنما يروي عن أبيه عن جده، عن رسول الله (ص)، كما هو ثابت عنهم عليهم السلام، فتخرج الرواية عن حد الارسال، لتصل إلى أعلى درجات الاعتبار. أما بالنسبة لعلي بن زيد بن جدعان الذي هو من رجال صحيح مسلم (4) فإنما ضعفوه لأنه كان يتشيع.


= الحلبية ج 2 ص 345، وذكر الحديث أيضا في: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 18، ووفاء الوفاء ج 2 ص 443. إلى قوله " بضعة مني ". (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 345. (2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273. (3) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 8. (4) رجال صحيح مسلم لابن منجويه ج 2 ص 56. (*)

[ 132 ]

قال العجلي: كان يتشيع لا بأس به (1). وقال الجوزجاني: واهي الحديث ضعيف. وفيه ميل عن القصد (2). وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وهو أحب إلى من يزيد بن زياد، وكان ضريرا. وكان يتشيع (3). وقال يزيد بن زريع: رأيته، ولم أحمل عنه، لأنه كان رافضيا (4). وقال ابن عدي: لم أر أحدا من البصريين وغيرهم امتنع من الرواية عنه. وكان يغلو في التشيع. ومع ضعفه يكتب حديثه (5). وقال في العبر: كان أحد علماء الشيعة (6) وكان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه (7). وقال آخر: وكان علي بن زيد يتشيع، وكان يغلو في التشيع (8). وقالوا: أنكر ما حدث به حماد بن سلمة عنه، عن أبي نضرة، عن


(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 وتهذيب الكمال ج 20 ص 438 وراجع ميزان الاعتدال ج 3 ص 128 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 207. (2) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 وتهذيب الكمال ج 20 ص 438 / 439. (3) تهذيب التهذيب ج 8 ص 328 وتهذيب الكمال ج 20 ص 439 والجرح والتعديل ج 6 ص 187. (4) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 وتهذيب الكمال ج 20 ص 441 وميزان الاعتدال ج 3 ص 127 ومختصر تاريخ دمشق ج 17 وص 289. (5) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 وتهذيب الكمال ج 20 ص 439. (6) شذرات الذهب ج 1 ص 176. (7) سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207. (8) مختصر تاريخ دمشق 17 ص 289. (*)

[ 133 ]

أبي سعيد، رفعه: إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه. أو فارجموه (1). ومع ذلك كله. ومع تضعيفهم له، لأجل ما نسبوه إليه من تشيع قليل ! ! أو كثير ! على ما يظهر. نجد آخرين منهم يؤثقونه. فقد قال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث إلخ... (2). وقال الترمذي: صدوق، إلا أنه ربما رفع الشئ الذي يوقفه غيره (3). وقال أبو سلمة: كان وهيب يضعف علي بن زيد. قال أبو سلمة: فذكرت ذلك لحماد بن سلمة، فقال: ومن أين كان يقدر وهيب على مجالسة علي، إنما كان يجالس علي وجوه الناس (4). وقال ابن الجنيد: قلت لابن معين: علي بن زيد اختلط ؟ قال: ما اختلط قط (5). واعتبره الجريري من فقهاء البصرة، هو وقتادة وأشعث الحداني (6).


(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324. (2) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 وتهذيب الكمال ج 29 ص 438. (3) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 وتهذيب الكمال ج 20 ص 439 وصحيح الترمذي ج 5 ص 46 ح 2678 وميزان الاعتدال ج 3 ص 129 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 207، ومختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 288. (4) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 وتهذيب الكمال ج 20 ص 442 والجرح والتعديل ج 6 ص 186 وميزان الاعتدال ج 3 ص 289. (5) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324، وتهذيب الكمال ج 20 ص 440 ومختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 289. (6) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 وتهذيب الكمال ج 20 ص 443 وميزان = (*)

[ 134 ]

وقال الذهبي: حسن الحديث صاحب غرائب (1). وقال الساجي: كان من أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة عنه إلخ (2). وقال ابن العماد: كان أحد أوعية العلم (3). وقال الذهبي أيضا: أحد علماء التابعين (4) وقال: كان من أوعية العلم (5).


= الاعتدال ج 3 ص 127 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 207. (1) ديوان الضعفاء والمتروكين ص 283. (2) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324. (3) شذرات الذهب ج 1 ص 176. (4) ميزان الاعتدال ج 3 ص 127. (*) (5) سير أعلام النبلاء ح 5 ص 207. (*)

[ 135 ]

الفصل الرابع حكم الله من فوق سبعة أرقعة

[ 137 ]

نتائج الحرب، والأسري: وبعد أن جهدم الحصار، واستنزلهم أمير المؤمنين عليه السلام على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، أمر (ص) - كما يقول المؤرخون - بأسراهم، فكتفوا رباطا، وجعل على كتافهم محمد بن مسلمة، ونحوا ناحية، وجعلوا النساء والذرية ناحية، وكانوا ألفا. وجعل عليهم عبد الله بن سلام (1). ثم رجع (ص) إلى المدينة، " يوم الخميس لتسع (لسبع) ليال - كما ذكر محمد بن عمر، وابن سعد، وجزم بن الدمياطي - وقيل: لخمس - كما جزم به في الإشارة - خلون من ذي الحجة ". وعبارة البعض فرغ منهم يوم الخميس لسبع أو لخمس خلون إلخ (1).


(1) راجع: المغازي: للواقدي ج 2 ص 509 / 510، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 19 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ص 32 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 245 وعيون الأثر ج 2 ص 73 / 74، وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 75 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 338 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و 17 والوفا ص 695. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 ونهاية الإرب ص 192 والمواهب الدنية ج 1 ص 117 وسيرة مغلطاي ص 57 والجامع للقيرواني ص 280 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247. (*)

[ 138 ]

وحين رجع (ص) إلى المدينة حبس بني قريظة في بعض دور الأنصار وهي دار بنت الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس (1). واسمها نسيبة (2)، أو زينب (3)، أو قلابة (4) أو كبشة بنت كريز (5)، أو كيسة (6). ولعل كيسة تصحيف كبشة، أو العكس. أو رملة (7). وفي بعض النصوص: حبسهم في دار أسامة بن زيد (8).


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 251 وراجع المصادر التالية: كشف الغمة ج 1 ص 208 / 209 وعيون الأثر ج 2 ص 73 والكامل في التاريخ ج 2 ص 186 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 وبهجة المحافل ج 1 ص 274 والمغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 ونهاية الإرب ج 17 ص 192 ووفاء الوفاء ج 1 ص 307 و 308 والاكتفاء ج 2 ص 182 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والسيرة الحلبية ج 2 ص 240 والإرشاد للمفيد ص 64 / 65 والبحار ج 20 ص 262 / 263 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319. (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 124. (3) قالوا: إنها كانت تحت مسيلمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز. دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 22 و 23. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 497. (5) بهجة المحافل ج 1 ص 274. (6) إمتاع الأسماع ج 1 ص 247. (7) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22. (8) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني. وراجع: سبل الهدى = (*)

[ 139 ]

وجمع البعض بينهما فقال: أمر (ص) بالسبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد. والنساء والذرية إلى دار ابنة الحارث (1). وكان (ص) كان قد أمر بهم فكتفوا (2) " ثم أمر النبي (ص) حتى ذهبوا برجال بني قريظة إلى المدينة مقرنين في الأصفاد، حتى يرى ضعفاء الاسلام قوة الدين، وعزة ملة سيد المرسلين ". (3) ويقول نص آخر: أمر (ص) بأسلحتهم فجعلت في بيت (في بعض المصادر: في قبته) وأمر بهم فكتفوا إلخ (4). ولعل الصحيح: (في بيت)، وذلك لقول الواقدي: " وأمر (ص) بالسلاح والأثاث، والمتاع والثياب، فحمل إلى دار بنت الحارث. وأمر بالإبل والغنم، فتركت هناك ترعي في الشجر " (5).


= والرشاد ج 5 ص 20 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 ومجمع البيان ج 2 ص 352 والبحار ج 20 ص 211 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 19 وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319. (1) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 497. (2) راجع الهامش ما قبل السابق. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 497. (4) مجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني وراجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 ومجمع البيان ج 2 ص 352 والبحار ج 20 ص 211 ودلائل النبوة ج 4 ص 19. (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 247. (*)

[ 140 ]

اليهود والتوراة: قال الواقدي: " وجعلوا ليلتهم يدرسون التوراة، وأمر بعضهم بعضا بالثبات على دينه، ولزوم التوراة " (1). ونكاد نطمئن إلى أن التجاءهم للتوراة لم يكن بالنسبة لعلمائهم وزعمائهم إلا محاولة لخداع السذج منهم بها، لأنهم كانوا يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، وما زالوا يتوعدون به عرب الحجاز إلى أن بعث (ص). معاملة أسرى قريظة: وكان (ص) يقول: " أسقوهم العذب، وأعطموهم الطيب، وأحسنوا أسارهم " (2). وقال: أحسنوا أسارهم، وقيلوهم، وأسقوهم حتى يبردوا، فتقتلوا من بقي، لا تجمعوا عليهم حر الشمس، وحر السلاح " (3). وقد قال (ص) هذا بعد حكم سعد بن معاذ بقتل من حزب عليه منهم. " وأمر رسول الله (ص) بأحمال التمر، فنثرت عليهم، فباتوا يكدمونها كدم الحمر " (4).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513. (2) البحار ج 20 ص 238 وتفسير القمي ج 2 ص 192. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 24 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 248. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247 = (*)

[ 141 ]

حكم ابن معاذ في بني قريظة في النصوص التاريخية: قال الواقدي وغيره ما ملخصه: إنهم حين جاؤوا بالأسري، تنحى رسول الله (ص) فجلس، ودنت الأوس إلى رسول الله (ص)، وطلبوا منه أن يهب لهم حلفاءهم من بني قريظة، كما وهب لابن أبي ثلاث مئة حاسر، وأربع مئة دارع من بني قينقاع. ورسول الله (ص) ساكت لا يتكلم، حتى أكثروا عليه وألحوا، ونطقت الأوس كلها. فقال (ص): أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ ! قالوا: بلى ! قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. وكان سعد في خيمة رفيدة، أو كعيبة بنت سعد بن عتبة، في المسجد. وكانت كعيبة تداوي الجرحي، وتلم الشعث، وتقوم على الضائع، والذي لا أحد له. فجاءت الأوس إلى سعد، فحملوه على حمار، وطلبوا منه أن يحسن في مواليه، كما صنع ابن أبي في حلفائه. والضحاك بن خليفة يقول: يا أبا عمرو، مواليك ! مواليك ! قد منعوك في المواطن كلها، واختاروك على من سواك، ورجوا عياذك، ولهم جمال وعدد. وقال سلمة بن سلام بن وقش: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك وحلفائك. إن رسول الله (ص) يحب البقية. نصروك يوم البعاث


= وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22 و 23. (*)

[ 142 ]

والحدائق والمواطن، ولا تكن شرا، من ابن أبي. وسعد لا يتكلم، فلما أكثروا عليه، قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فقال الضحاك بن خليفة: واقوماه. وقال معتب بن قشير: واسوء صباحاه. وقال حاطب بن أمية الظفري: ذهب قومي آخر الدهر. فلما أقبل سعد إلى رسول الله (ص)، والناس جلوس حوله، قال (ص): قوموا إلى سيدكم. فكان رجال من بني عبد الأشهل يقولون: فقمنا على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله (ص). وطلبت الأوس الذين بقوا عند رسول الله (ص): من سعد أن يحسن في بني قريظة، ويذكر بلاءهم عنده. وقالوا له: إنما ولاك لتحسن فيهم. ثم قال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه: أن الحكم فيكم ما حكمت ؟ قالوا: نعم. فقال سعد للناحية الأخرى، التي فهيا رسول الله (ص)، وهو معرض عنها، إجلالا لرسول الله (ص): وعلى من هاهنا مثل ذلك ؟ ! فقال رسول الله (ص)، ومن معه: نعم. قال سعد: فإني أحكم فيهم: أن يقتل من جرت عليه الموسى، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال. فقال رسول الله (ص): لقد حكمت بحكم الله عز وجل من فوق

[ 143 ]

سبعة أرقعة، أو بحكم الملك. وكان سعد قد سأل الله في الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله: أن يقر عينه من بني قريظة، فأقر الله عينه منهم (1).


(1) راجع النص المتقدم في المغازي للواقدي ج 2 ص 510 - 512 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 246. وتجد هذه النصوص إجمالا أو تفصيلا في المصادر التالية: عيون الأثر ج 2 ص 72 و 73 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 19 - 21 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 338 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و 17 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 249 و 259 ووفاء الوفاء ج 1 ص 307 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 75 - 77. ونهاية الإرب ج 17 ص 190 و 191 والاكتفاء ج 2 ص 181 / 182 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 / 260 و 266 والجامع للقيرواني ص 280 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و 163 والوفا ص 695 وحدائق الأنوار ج 2 ص 597. وتاريخ الخميس ج 1 ص 496 / 497 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 274 والكامل في التاريخ ج 2 ص 186. وسيرة مغلطاي ص 57 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 والتنبيه والإشراف ص 217 ومناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 251 / 252. ومجمع الزوائد ج 6 ص 137 و 138 و 139 والبداية والنهاية ج 4 ص 121 و 122 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 250 و 251 و 249 وجوامع السيرة النبوية ص 154 / 155 والثقات ج 1 ص 277 و 276 وتفسير القمي ج 2 ص 190 وبحار الأنوار ج 20 ص 234 / 235 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 18 - 22 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 وإعلام الوري ص 93 / 94. وراجع أيضا خصوصا في قوله (ص) قوموا إلى سيدكم بالإضافة إلى ما تقدم البداية والنهاية، والسيرة النبوية لابن كثير، والحلبية، وتاريخ الخميس، وجوامع السيرة النبوية، والسيرة النبوية لدحلان، وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 31 = (*)

[ 144 ]

وذكروا أيضا: أن سعدا قد حكم بأن تكون الديار للمهاجرين دون الأنصار. قال: فقالت الأنصار: إخواننا، كنا معهم ! ! فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم (1). وفي مجمع البيان: قال للأنصار: إنكم ذوو عقار، وليس للمهاجرين عقار. فكبر رسول الله (ص)، وقال لسعد إلخ (2). ويذكر البعض: أن بني قريظة أبوا أن ينزلوا على حكم النبي، ونزلوا على حكم سعد فأقبلوا بهم، وسعد أسيرا (لعل الصحيح: يسير) على أتان حتى انتهوا إلى رسول الله (ص)، فأخذت قريظة تذكره بحلفهم، وطفق سعد بن معاذ ينفلت إلى رسول الله (ص) مستأمرا، ينتظره فيما يريد أن يحكم به، فيجيب به رسول الله (ص) يريد أن يقول: أتقر بما أنا حاكم ؟ ! وطفق رسول الله (ص) يقول: نعم.


= وصحيح البخاري ج 3 ص 23 وج 2 ص 200 وج 4 كتاب الاستئذان، باب قول النبي (ص): قوموا إلى سيدكم، وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 172. (1) راجع: عيون الأثر ج 2 ص 72 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 78 وفتح الباري ج 7 ص 319 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 21 ووفاء الوفاء ج 308 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 ولم يذكر اعتراض الأنصار. والبحار ج 20 ص 212 ومجمع البيان ج 8 ص 352. (2) مجمع البيان ج 8 ص 352 وبحار الأنوار ج 20 ص 212. (*)

[ 145 ]

قال سعد: فإني أحكم إلخ... (1) ويبدوا أن سعدا قد أبى أولا أن يحكم فيهم، لأنه يعلم أنه لا يحق له ذلك مع وجود النبي (ص). ففي حديث جابر، عند ابن عائذ: أن النبي (ص) قال: احكم فيهم يا سعد. قال: الله ورسوله أحق بالحكم. قال: قد أمرك الله تعالى أن تحكم فيهم (2). وعند البعض: أنه (ص) أرسل لسعد بعد نزول بني قريظة على حكم رسول الله (ص)، فأتي به محمولا على حمار، وهو مضنى من جرحه فقال له: أشر علي في هؤلاء. فقال: إني أعلم أن الله قد أمرك فيهم بأمر أنت فاعله. قال: أجل، ولكن أشر علي فيهم. فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم، وسبيت ذراريهم، وقسمت أموالهم. فقال: والذي نفسي بيده، لقد أشرت فيهم بالذي أمرني الله به (3). ونقول:


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 / 371 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 438. وليس فيه: أنهم أبوا النزول على حكم رسول الله (ص). (2) فتح الباري: 7 ص 317 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 21 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17. (3) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 266. (*)

[ 146 ]

إننا هنا نسجل الأمور التالية: بماذا حكم سعد ؟ ! ونحن وإن كنا نجد المؤرخين يذكرون: أن سعدا قد حكم بقتل الرجال، وسبي من عداهم، إلا أننا نشك في شمولية ذلك للجميع، لا سيما ونحن نجد ابن الجوزي يقول: " فحكم فيهم: أن يقتل كل من حزب عليه، وتغنم المواشي إلخ... " (1). ويؤيد ذلك قوله تعالى: " فريقا تقتلون وتأسرون فريقا). وسيأتي حين الكلام حول عدد المقتولين منهم، بعض ما يفيد في توضيح هذا الأمر، إن شاء الله تعالى. وبذلك يتضح: أنه يشك كثيرا في صحة ما يذكرونه، من أنهم كانوا يتأكدون من بلوغ البالغ منهم بالنظر إلى مؤتزره، فإن كان قد أنبت قتل وإلا ترك. إلا أن يقال: إن ذلك لا ينافي قول ابن الجوزي الآنف الذكر، لأن ذلك قد كان منهم بالنسبة إلى خصوص من حزب على المسلمين. لم يكن الحكم في المسجد: يفهم من كلام البخاري وغيره: أن حكم سعد بن معاذ إنما كان في مسجد النبي، حيث قال: فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم، وخيركم. فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم.


(1) الوفا ص 695. (*)

[ 147 ]

قال: قضيت بحكم الله. وربما قال: بحكم الملك (1). ونقول: إننا نسجل على هذا النص. أولا: إننا نجد الآخرين بعد ذكرهم حكم سعد، وقول النبي (ص) له تلك العبارة، يقولون: " ثم رجع إلى المدينة " (2). وهذا يعني أن حكم سعد فيهم كان خارج المدينة ولعله كان في المسجد المعروف بمسجد بني قريظة. ثانيا: إن خيمة رفيدة التي كان سعد يداوي فيها إنما كانت في المسجد النبوي نفسه، كما تقدم في النص السابق لقضية تحكيم سعد. وكما تقدم في هذا الكتاب (3). إذن فما معنى أن يؤتى بسعد على حمار، وطأوا له عليه بوسادة إلى آخر ما تقدم. ثالثا: لماذا خصص قول النبي (ص): قوموا إلى سيدكم وخيركم بالأنصار، مع أن الأنصار يقولون: إنه (ص) قد عم بهذه الكلمة ! ! إلا أن يكون قد صعب على هؤلاء أن يكون سعد خيرا منهم، أو سيدا لهم بما فيهم بعض الصحابة الذين يحبونهم، ويتولونهم. من المقترح لتحكيم ابن معاذ: قد ذكرت النصوص المتقدمة وغيرها: أن اليهود هم الذين


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 وج 2 ص 200 وراجع: صحيح مسلم ج 5 ص 160 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 / 259. (2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 وغير ذلك من مصادر. (3) ج 1 ص 297. (*)

[ 148 ]

اقترحوا تحكيم سعد بن معاذ (1) وأن النبي (ص) قال لسعد: هؤلاء نزلوا على حكمك (2). وفي نص آخر: نزلوا على حكم سعد بن معاذ (3) وأبوا أن ينزلوا على حكم النبي (ص) فنزلوا على داء (4). لكن نصوصا أخرى تفيد: أن رسول الله (ص) هو الذي حكم سعدا فيهم، وأن هذا كان قرارا مباشرا منه (ص). وقد تقدم في النص المذكور آنفا: أن النبي (ص) قد قال للأوس: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم ؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. ومعنى هذا: أنه (ص) كان هو المبادر لتحكيم سعد.. ويدل على ذلك أيضا: ما رواه مسلم، قال: فقاتلهم رسول الله (ص). فنزلوا على حكم رسول الله (ص)، فرد رسول الله (ص) الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ. قال: فإني أحكم فيهم ان إلخ (5).


(1) راجع النص السابق، والهوامش المذكورة لبيان مصادره. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 23 وج 2 ص 200 وصحيح مسلم ج 5 ص 160 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 258 / 259. (3) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 122 و 127 وفتح الباري ج 7 ص 318 ونهاية الإرب ج 17 ص 192 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52. (4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 / 371. (5) صحيح مسلم ج 5 ص 161 ومجمع الزوائد ج 6 ص 139 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 و 235. ومسند أبي عوانة ج 4 ص 167 و 169 و 171 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 26 والبداية والنهاية ج 4 ص 122 وفتح الباري ج 7 ص 318 و 319 وأنساب الأشراف ج 1 ص 347. (*)

[ 149 ]

ويقول نص آخر: فحصرهم حتى نزلوا على حكمه (ص) (1). ونرجح: أن يكون النبي (ص) قد قبل منهم بأن يختاروا من أصحابه من شاؤا فاختاروا سعد بن معاذ سيد الأوس. فقبل رسول الله (ص) ذلك منهم (2). وكان سبب امتناعهم عن قبول حكم رسول الله (ص) هو مشورة أبي لبابة (3) كما تقدم فجاء التعبير تارة بنزولهم على حكم رسول الله وأخرى على حكم سعد، لأنهم إنما نزلوا على حكم سعد برضي من رسول الله (ص). وأما خطاب النبي (ص) للأوص. فلعله كان قبل أن يعرفوا بنتيجة المفاوضة مع بني قريظة. قوموا إلى سيدكم: وقد ذكر النص المتقدم: أن النبي (ص) قال: قوموا إلى سيدكم.


(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 347 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 وراجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 266 والوفا ص 695 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 19. (2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 19 و 22 ومجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 20 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 ومجمع البيان ج 2 ص 352 والبحار ج 20 ص 211. (3) فتح الباري ج 7 ص 318 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 246 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244. (*)

[ 150 ]

وزاد في بعض المصادر (1) قوله: " فأنزلوه ". قال ابن الديبع: فقام المهاجرون (2). لكن غيره يقول: " أما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله (ص) الأنصار، والأنصار يقولون: قد عم بها المسلمين " (3). وهذا النص يعطينا صورة عن رفض مهاجري قريش وإبائهم عن أن يكون هذا الرجل الأنصاري العظيم له امتياز عليهم. ولا أقل من أنه يشير إلى حالة من الاستعلاء الخفي عن أن يكون للأنصار ما يعتزون به في مقابل المهاجرين. كما أن أولئك الذين يريدون تعزيز موقف بعض المهاجرين الذين يمثلون لهم رموزا دينية أو غيرها قد ادعوا ما هو أبعد من ذلك، فقالوا: إنما أمر رسول الله (ص) الأنصار بل خصوص الأوس بذلك (4). ونرى أن الأنصار كانوا في هذه القضية بالذات أكثر إنصافا،


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 124، ومجمع الزوائد ج 6 ص 138 وسبل الهدى ج 5 ص 20 عن أحمد وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 249 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237. (2) حدائق الأنوار ج 2 ص 597. (3) راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و 163 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249 - 251. وتاريخ الخميس ج 1 ص 496 / 497 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 20 و 21 والاكتفاء ج 2 ص 182 ونهاية الإرب ج 17 ص 191 والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 و 117 وحدائق الأنوار ج 2 ص 597 والبداية والنهاية ج 4 ص 121 و 122. وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و 339 وراجع بهجة المحافل ج 1 ص 274 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233. (4) راجع: فتح الباري ج 11 ص 43 وراجع: هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160. (*)

[ 151 ]

وأقرب إلى الحق فيما يرتبط بفهم مداليل الكلام ومراميه، أو هكذا يخيل لنا الآن. لا سيما إذ عرفنا أن مهاجري قريش بالذات، دون غيرهم من سائر المهاجرين هم الذين يهتمون أكثر من غيرهم برفض هذا الأمر. الأمر الذي يعطينا: أنهم يشعرون أنه يعنيهم أكثر من غيرهم. كما أن هذا قد يشير إلى أن غيرهم لا يشاركهم الرأي فيما يرتبط بفهم المدلول الحقيقي لأمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. على أننا نريد أن نلفت النظر هنا إلى التضحيات الجسام، التي قدمها الأنصار للمهاجرين. بل وحتى في هذه الغزوة بالذات، فإن سعد بن معاذ الشهيد نفسه قد حكم بأن تكون دور بني قريظة للمهاجرين دون الأنصار. هذا، ولا نجد مبررا لرفض المهاجرين سيادة سعد بن معاذ عليهم سوى الحسد، والاحساس بالتفوق والتميز عن الآخرين على أساس غير إسلامي، ولا إنساني مقبول، لأن المهاجرين يعتبرون أنفسهم عدنانيين، وأهل يثرب قحطانيون، وكان معظم المهاجرين من قريش، وهم سدنة للكعبة، ومن أهل مكة، وهم أيضا قوم وعشيرة رسول الله (ص). وبذلك يتضح السبب في رفضهم قبول أي امتياز لزعيم الأنصار عليهم. وهو منطق مرفوض من وجهة نظر إسلامية وإنسانية وإيمانية وكانت كلمات النبي واضحة الشمول لهم فإننا لم نجد في خطابه (ص) ما يبرر هذا الاختلاف. فقد خاطب الحاضرين عنده، والجالسين معه بخطاب واحد عام، ليس فيه أية دلالة على التخصيص بفريق دون فريق. إذ لو وجدت هذه الدلالة لم يكن ثمة اختلاف، أو تردد في المقصود. وهذا يعني: أن مبررات هذا الاختلاف خارجة عن دلالة اللفظة، وهي محض اجتهاد تمليه أجواء معينة لدى هذا الفريق أو ذاك.

[ 152 ]

ملاحظة: إن سيادة سعد هذه لا تشمل أولئك الذين أخبر الله ورسوله عن مقامهم وسيادتهم ووجوب طاعتهم على الناس كلهم، مثل علي (ع). فإن خروجهم عن دائرة رسول الله (ص) مفروغ عنه ومعروف للناس الذي حضروا وسمعوا. محاولة تملص وتخلص فاشلة: وقد حاول البعض أن يجد في نفس الكلام قرينة أو دلالة يقوي بها رأي المهاجرين، فقال: " قوموا: الخطاب للأنصار، وقيل: للحاظرين منهم ومن المهاجرين إلى سيدكم: هذا يقوي القول الأول، لأنه كان سيد الأنصار " (1). ولكنها محاولة فاشلة، فإنها لو صحت، فإن المناسب حينئذ أن يكون الخطاب لخصوص الأوص، لأنه سيدهم دون الخزرج أيضا. وقد قلنا: إن نفس الاختلاف في المراد يشير إلى أنه حين تكلم (ص) بهذه الكلمة لم يكن يمكن استفادة التخصيص من أية إشارة أو لفتة منه. ولو كان ثمة اختلاف في الفهم في تلك اللحظة لا ستفهموا منه (ص). ولو أن أحدا تخلف عن القيام، وسكت النبي (ص) عنه لاحتج المتخلف بسكونه (ص) عنه. القيام للإعانة: ومن الغريب حقا: أن نجد البعض يحاول أن يقف إلى جانب مهاجري قريش، ويقوي من حجتهم بطريقة تبدو وكأنها علمية منصفة. مع أنها أبعد ما تكون عن الإنصاف. يقول: " هذا القيام ليس للتعظيم، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا، بل كان على سبيل الإعانة على النزول لكونه وجعا. ولو كان المراد منه القيام


(1) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160. (*)

[ 153 ]

التوقير لقال: قوموا لسيدكم " (1). وهو استدلال لا يصح، لأن المراد من قوله: " قوموا إلى سيدكم " هو القيام لأجل تلقيه، إكراما له وإجلالا. وهذا هو مراد الشيخ أبي حامد بقوله: القيام مكروه على سبيل الإعظام، لا على سبيل الإكرام، وفي لفظ سيدكم إشعار لتكريمه (2). وقال الطيبي: " لا يلزم من كونه ليس للتعظيم أن لا يكون للاكرام، وما اعتل به من الفرق بين إلى واللام ضعيف، لأن إلى في هذا المقام أفخم من اللام، كأنه قيل: قوموا وامشوا إليه، تلقيا وإكراما. وهذا مأخوذ من ترتيب الحكم على الوصف المناسب، المشعر بالعلية، فإن قوله: " سيدكم " علة للقيام. وذلك لكونه شريفا، علي القدر " (3). وهو كلام جيد ومقبول. وقد حاول البعض أن يرد على مزعمة: أنه (ص) أمرهم بالقيام لسعد من أجل أن يعينوه على النزول، بأنه لو كان هذا القيام للإعانة لأمر بقيام واحد أو اثنين (4).


(1) راجع: هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 44 وعمدة القاري ج 22 ص 252 وإرشاد الساري ج 9 ص 153 وأشار إلى ذلك في البداية والنهاية ج 4 ص 127 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244. (2) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 41 - 44. (3) فتح الباري ج 11 ص 44 وعمدة القاري ج 22 ص 252 وإرشاد الساري ج 9 ص 153. (4) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 41 - 46. = (*)

[ 154 ]

ولكنه رد غير مقبول، إذ يمكن أن يكون (ص) قد خاطبهم بصيغة الجمع: " قوموا " وأراد قيام واحد، أو اثنين، فإن ذلك جائز في الاستعمال. فأنزلوه: وقد أضافت بعض المصادر المتقدمة كلمة " فأنزلوه " (1) إلى قوله: قوموا إلى سيدكم. وهي وإن كان ظاهرها: أن القيام للإعانة على النزول. لكن العلام ء حيث لم يلتفتوا إلى هذه الزيادة، ولا احتجوا بها، فإننا نفهم من ذلك: أنهم اعتبروا دخيلة على النص ومقحمة فيه. هذا بالإضافة إلى أن هذه الكلمة لو صحت، لم يكن معنى للاختلاف بين المهاجرين والأنصار في من توجه إليهم الخطاب حسبما تقدم. التزوير الخفي: وفي محاولة للتزوير الذكي والخفي، بهدف إفراغ هذه الكلمة الجليلة في حق سعد من محتواها التكريمي، وليفقد امتيازه بها على من يحبون ويودون. ادعوا: أن القيام لسعد، إنما كان " توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم، ليكون أبلغ في نفوذ حكمه " (2).


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 124 ومجمع الزوائد ج 6 ص 138 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 20 عن أحمد، وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 249 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237. (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 والبداية والنهاية ج 4 ص 127. (*)

[ 155 ]

فأقرا وأعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا، إذ لو صح ذلك لم يكن بحاجة إلى إعطائه وسام السيادة عليهم. هل هو تعليم أم اعتراض أم حسد ؟ ! في مسند أحمد من حديث عائشة: فلما طلع - يعني سعد - قال النبي (ص): قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. فقال عمر: السيد الله. أو قال: سيدنا الله (1). قال العيني: معناه هو الذي تحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، وأحب التواضع (2). ونقول: لا ندري كيف نفسر هذا الموقف من الخليفة الثاني، فهل هو اعتراض على رسول الله (ص)، وتخطئة له، لكونه قد فعل خلاف الأولى، حين مدح ذلك الرجل في وجهه ؟ وهل كان عمر أتقى لله سبحانه، وأكثر مراعاة لأصول التربية الإلهية للناس ؟ ! أم هو اعتراض على إثباته (ص) السيادة لغير الله، فيكون (ص) قد ارتكب خطأ عقائديا صححه له الخليفة الثاني، على سبيل الإرشاد والتعليم ؟ ! أما أنه حسد سعدا على هذه الكرامة التي أكرمه الله تعالى بها، فأظهر ذلك بطريقة غير مباشرة. ونفى عن سعد هذا الوسام بذكاء


(1) عمدة القاري ج 17 ص 191 ومسند أحمد ج 6 ص 142 وفتح الباري ج 7 ص 317 ومجمع الزوائد ج 6 ص 138 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237 وقال: هذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثيرة. (2) عمدة القاري ج 17 ص 191. (*)

[ 156 ]

ودهاء ؟ ! إننا نعترف بعجزنا عن معرفة حقيقة القضية، وواقع الأمر. الخوارج ومشروعية التحكيم: قال الإمام الحسن عليه السلام حين خاض الناس في امر الحكمين، بعد صفين: " وإنما الحكومة فرض الله، وقد حكم رسول الله (ص) سعدا في بني قريظة، فحكم فيهم بحكم الله لا شك فيه، فنفذ رسول الله حكمه. ولو خالف ذلك لم يجزه " (1). فالإمام الحسن عليه السلام قد ركز على أمرين: أحدهما: مشروعية التحكيم. ولكن لا من باب أن الأصل هو الجواز فيما لم يرد فيه نص، بل من باب النص على المشروعية، وصدور الحكم الإلهي بذلك فالحكومة - كما قال عليه السلام - فرض الله. الثاني: إن تنفيذ الحكم الصادر منوط بأن لا يخالف حكم الله عز وجل - فالتحكيم ما هو إلا امتداد للحكم الالهي، ومن مظاهر ومراحل تنفيذه، وليس في قبال الحكم الإلهي، كما يدعيه الخوارج. قال النووي: " فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين في أمورهم العظام. وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم انكروا على علي التحكيم، وأقام الحجة عليهم. وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل، صالح للحكم، أمين على هذا الأمر. وعليه الحاكم - بما فيه مصلحة للمسلمين. وإذا حكم بشئ لزم حكمه ولا يجوز للإمام ولا


(1) مناقب آل أبي طالب، ط دار الأضواء ج 3 ص 223. (*)

[ 157 ]

لهم الرجوع عنه، ولهم الرجوع قبل الحكم " (1). قضية التحكيم في الشعر: ومهما يكن من أمر، فقد تحدث الشعراء عن هذا التحكيم، وعن مشروعية، ونتائجه، فقال القاضي التنوخي في جواب ابن المعتز: وعبت عليا في الحكومة بينه * وبين ابن حرب في الطغام الأشايب وقد حكم المبعوث يوم قريظة * ولا عيب في فعل الرسول لعايب (2) وقال السيد الحميري: قال الجوار من الكريم بمنزل * يجري لديه كنسبة المتنسب فقضى بما رضي الإله لهم به * بالحرب والقتل الملح المخرب قتل الكهول وكل أمرد منهم * وسبى عقائل بدنا كالربرب وقضى عقارهم لكل مهاجر * دون الأولى نصروا ولم يتهيب (3) الأحكام المستخرجة: ويقولون: إن تحكيم سعد بن معاذ يشير إلى الأمور التالية: 1 - يدل على أن التعظيم بالقيام جائز لمن يستحق الإكرام، كالعلماء والصلحاء (4).


(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 92. (2) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 330. (3) ديوان السيد الحميري ص 110 ومناقب آل أبي طالب دار الأضواء ج 1 ص 252. (4) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 41 - = (*)

[ 158 ]

قال النووي: " احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه - وإنما ذلك في من يقومون عليه وهو جالس، ويمثلون قياما طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب. وقد جاء فيه أحاديث. ولم يصح في النهي عنه شئ صريح. وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء في جزء. وأجبت فيه عما توهم النهي عنه " (1). 2 - وفي هذه القضية أيضا: جواز تحكيم الأفضل من هو مفضول (2). 3 - وجواز الاجتهاد مقابل النص: قالوا: " وفيها جواز الاجتهاد في زمن النبي (ص). وهي خلافية في أصول الفقه. والمختار الجواز، سواء كان بحضور النبي (ص) أم لا. وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع. ولا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيا. وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته (ص)، كما في هذه القصة إلخ... " (3). ونقول: هذا الكلام لا يصح.


= 46 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 274. (1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 وراجع: فتح الباري ج 11 ص 41 - 46. (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 117 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497. (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 117 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 497 إلى قوله: أم لا. (*)

[ 159 ]

أولا: لأن حكم ناقضي العهد، والمحاربين، الذين لهم حالة بني قريظة ليس ظنيا، بل هو قطعي، يعرفه كل أحد. وكان سعد يعرفه، كما كان معتب بن قشير، وحاطب بن أمية، والضحاك بن خليفة يعرفونه. ولأجل ذلك نجد هؤلاء الثلاثة قد صرحوا بأن نهاية بني قريظة هي القتل بمجرد أن قال لهم سعد: إنه سوف يحكم فيهم بحكم الله، ولن تأخذه في الله لومة لائم. فالحكم الشرعي في هذه المسألة كان معروفا لدى الجميع، وليس من قبيل الاجتهاد الظني، كما يزعم هؤلاء. ثانيا: لو سلمنا أن هذه المسألة اجتهادية، فالاجتهاد إنما هو في تحديد موضوع الحكم المعلوم. لا في استنباط الحكم نفسه، فهو من قبيل حكم السرقة المعلوم لكل أحد. لكن القاضي يبحث عن كون هذا السارق مستجمعا لشرائط قطع اليد في السرقة، التي هي عشرة شرائط، إم ليس مستجمعا لها. مبررات الأوس لطلب العفو: ومن يراجع المبررات التي استند إليها الأوس الذين طلبوا الرفق ببني قريظة، يجدها ترتكز على أمور أنشأتها الروح القبلية، وصنعتها وغذتها مفاهيم الجاهلية، وتعاملت بها وعلى أساسها. فهم يبررون طلبهم ذاك بالحلف الذي كان بين الأوس وقريظة ضد الآخرين، وهو حلف لا يأبي الظلم والتعدي، ويهدف إلى تسجيل النصر في كل من ظروف الدفاع والتعدي على حد سواء، ولا يبتعد عن أجواء التعنجهية والابتزاز، والدعوة الجاهلية. مع أن الأوس أنفسهم قد رأوا بأم أعينهم كيف نقض بنو قريظة

[ 160 ]

عقدهم وعهدهم مع رسول الله (ص). وكان ذلك في مواجهة سعد بن معاذ الإوسي نفسه قبل أيام. مع ما رافق ذلك من إهانات لسعد سيدهم، وللنبي، وللمسلمين. كما تقدم توضيحه في غزوة الخندق. والغريب في الأمور: أنهم اعتبروا ندم قريظة على ما فرط منهم من نقض العهد كافيا لاستحقاقهم الاحسان إليهم.. مع أن هذا الندم لم يأت من خلال قناعات نشأت عندهم بقبح ما فعلوه، بل هو ندم نشأ عن خوف البوار والدمار، وحين رأوا البأس. أما حين كان ثمة أمل لديهم بأن تدور الدائرة على النبي والمسلمين، وذلك حين كان الأحزاب يحاصرونهم، فلم نجد لدى بني قريظة هذا الندم، ولا لاحظنا أي تردد منهم في أمر إبادة المسلمين، واستئصال شأفتهم، وخضد شوكتهم. تكريس المنطق القبلى مرفوض: أما بالنسبة لقول الأوس - والمقصود هو بعضهم - لرسول الله (ص)، عن بني قريظة: يا رسول الله، حلفاؤنا دون الخزرج، فهو يعطينا أن قبول النبي (ص) هذا المنطق منهم معناه الإقرار منه (ص) بالتعامل على أساس المنطق القبلي، وتكريس حالة الانقسام فيما بين الحيين: الأوس، والخزرج، الذين لم يزل النبي (ص) يعمل على إزالة الحساسيات من بينهم، بل وصهرهم في بوتقة واحدة هي الإسلام. ثم إن ذلك معناه الفصل بين قضايا الدين، وقضية القبيلة والفئة. فالاستجابة لهم على أساس قبول منطق الأوس السابق يعتبر هدما لما بناه، وتخليا عن الأسس التي لم يزل ينطق منها لبناء المجتمع الإسلامي الناشئ.

[ 161 ]

وإذا كان سعد قد اعتبر المعترضين على حكمه مجموعة من المنافقين، فكيف يمكن أن نتوقع من النبي أن يوافقهم على ما يريدون، ويحقق لهم ما يشتهون. وقد أشار البعض أيضا إلى هذه النقطة بالذات، فقال: " يبدو أن الأوس الذين طلبوا التسامح مع بني قريظة اعتبروا غير وفية لمحمد، وليس للأوس. وهذا يعني أن أنصار الشفقة كانوا يعتبرون أنفسهم قبل كل شئ أفراد الأوس وليس أفراد الأمة الإسلامية ". إلى أن قال: " لقد أدرك رجل بعيد النظر كسعد: أن السماح للعصبية القبلية بالتغلب على الولاء للإسلام يؤدي للعدوة إلى الحروب الأخوية التي كانت تأمل المدينة بالتخلص منها بمجئ محمد " (1). حراجة الموقف والحكمة النبوية: ومن الأمور التي تؤيد سعدا في اتهامه للمعارضين لحكمه. بأنهم لا خير فيهم حتى ولو كانوا من الأوس - أن هؤلاء الناس قد اتخذوا ابن أبي أمثولة لهم، واعتبروا أن الحكم علي بني قريظة بما يسوءهم لا يعدوا أن يكون عملا شريرا وسيئا. ومن الواضح: أن هذا يشير إلى أن المعارضين للحكم كانوا عددا يسيرا معلوم الحال، لا يوجب اتهامهم بذلك أي خلل في كيان الأوس، ولا في تماسكهم. ولا يحط من قدر الأوسيين، ولا يذهب شرف جهادهم وكفاحهم من أجل هذا الدين. وقد كان يمكن لنشاط هؤلاء القلة القليلة أن يكون مؤثرا في إثارة جو من التشكيك والبلبلة لولا حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم


(1) محمد في المدينة ص 328. (*)

[ 162 ]

في معالجة الموقف، حيث إنه (ص) قد أحرجهم، وتخلص من إلحاحهم، وأبعد شبح الخلاف والاختلاف، وأفقدهم إمكانية التأثير على السذج والبسطاء حين جعل الحكم إلى رجل أوسي، وبالذات إلى سعد بن معاذ، الرجل الحكيم والفذ، والسيد المطاع فيهم. وقد أكد (ص) على سيادة سعد، وعلى موقعه ومكانته حين قال لهم: قوموا إلى سيدكم. هل كذبوا ؟ أم فهموا خطأ ؟ ! ويلفت نظرنا هنا قولهم لسعد: إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم.. مع أن النبي لم يوله أمرهم لذلك، وإنما ليحكم فيهم بالحق. قومهم وعشيرتهم: ويستوقفنا أيضا قول حاطب بن أمية، حين أحسن من سعد: أنه ينوي أن يحكم فيهم بحكم الله: ذهب قومي اخر الدهر. وصاح الضحاك: واقوماه. فهم إذن يعتبرون هؤلاء اليهود قومهم وعشيرتهم. ولعل ابن معاذ قد قصد هؤلاء بالذات، حين قال عن الكارهين قتل بني قريظة: ما كرهه من الأوس من فيه خير. لو كان الكلام أكثر دقة: ويقول البعض: " لما رأي بنو قريظة جيش المسلمين خارت قواهم

[ 163 ]

وأيقنوا بالهلاك فتبرموا مما ارتكبوه من الغدر، وسألوا الرسول العفو، فأبي ذلك عليهم، وشدد الحصار عليهم خمسة وعشرين يوما حتى نزلوا على حكمه، وسألوا حلفاءهم الأوس أن يتوسطوا في إطلاقهم إلخ... " (1). ونقول: قوله: إنهم سألوا الرسول العفو، غير دقيق، إذ أنهم قد أبوا في البداية أن ينزلوا على حكم رسول الله (ص)، الأمر الذي يشير إلى تشكيكهم في عدالة حكمه ونزاهته. ثم إنه ليس للغادر المحارب أن يشترط لاستسلامه أي شرط كان. إلا أن باستطاعته أن يلتمس العفو وتخفيف العقوبة. أو يقدم المبررات لخيانته، والحربه، إن كان يرى أنها تكفي للإقناع. إذن، فلم يسألوا الرسول (ص) العفو، فأبي ذلك عليهم. كما يدعي هذا الكتاب. ومن جهة ثانية: فإن قوله أخيرا: إنهم نزلوا على حكمه (ص) ليس دقيقا، بل نزلوا على حكم سعد بن معاذ، ورفضوا النزول على حكم رسول الله (ص)، الأمر الذي يستبطن إعلانا بعدم الثقة بحكمه بالعدل والحق. فلو أن هذا الكاتب كان أكثر دقة لسلم كلامه من مغبة الايحاء بأن الرسول إنسان قاس، لا يعفو عن طالب العفو منه، بل يصر على أن يقتله، ويسبي النساء والأطفال ويصادر الأموال.


(1) تاريخ الإسلام والسياسي ج 1 ص 120. (*)

[ 164 ]

عدالة الحكم على بني قريظة: ويبقي هنا سؤال: أليس هذا الحكم في حق بني قريظة قد جاء قاسيا وقويا إلى درجة ملفتة ؟ ! ألم يكن من المناسب أن يستفيد بنو قريظة من عفو الإسلام وصفح النبي الكريم، كما استفاد إخوانهم بنو النضير، وبنو قينقاع من قبل. فيكتفي بإجلائهم، وتقسيم أموالهم وأراضيهم ؟ ! وقد طلبوا هم أنفسهم أن يعاملهم (ص) بنفس ما عامل به بني النضير من قبل، فرفض طلبهم، وأصر أن ينزلوا على حكمه. لقد " انتقد بعض الكتاب الأوروبيين هذا الحكم ووصفوه بأنه وحشي، وغير إنساني " (1). ونحن في مقامي التوضيح نلمح إلى الأمور التالية: أولا: إن بني قريظة أنفسهم قد رفضوا النزول على حكم رسول الله (ص) وقبلوا بالنزول على حكم حليفهم سيد الأوس، سعد بن معاذ، الأمر الذي يشير إلى أنهم كانوا يسيئون الظن فيما يرتبط بحكم رسول الله عليهم، ولا يثقون. أو فقل: لا يعتمدون على كرمه وحلمه وسماحته، وإمكانية صفحة عنهم، رغم أننا لا نستبعد صفحة صلى الله عليه وآله لو أنهم قبلوا بالنزول على حكمه. ويرون أن سعد بن معاذ وهو من الأوس حلفائهم في الجاهلية أقرب إلى أن يعاملهم بالصفح والعفو والكرم. وذلك حسب منطقهم الجاهلي، الجاهل بحقيقة الإسلام، وبما أحدثه في عقلية الناس ونفوسهم من تغيرات.


(1) محمد في المدينة ص 327. (*)

[ 165 ]

وثانيا: إن جريمة بني قريظة تختلف في حجمها وفي خطورتها على الإسلام والمسلمين ولا تقاس بجريمة بني النضير وقينقاع. فقد تحرك بنو قريظة في خط الخيانة، وتوغلوا فيها إلى درجة أصبح معها أساس الإسلام في خطر أكيد، وشديد، لا سيما وأن ما بنوا عليه كل مواقفهم هو استئصال شأفة الإسلام وإبادة الوجود الإسلامي بصورة تامة وحاسمة. ولم يكن بنو النضير ولا بنو قينقاع قد توغلوا في أمر الخيانة إلى هذه الحد. مع الإشارة إلى أن هدف بني قريظة كان في مستوى الحسابات العملية التي اعتمدوا عليها قريب المنال، وقد خطوا خطوات عملية لإنجاز هذا المهم، وللوصول إلى ذلك الهدف، حتى على مستوى التحرك العسكري، الذي يستهدف تمكين الأحزاب وهم معهم من اجتياح الوجود الإسلامي، وسحقه، وإبادة المسلمين. خصوصا النبي وبني هاشم. أما نقض بني النضير للعهد، فقد بقي في حدود الإصرار على إظهار التمرد، والغطرسة، والطغيان. فلا يمكن أن تتساوى عقوبة بني قريظة مع عقوبة بني النضير، وقد طلب القريظيون أن يعاملهم كبني النضير، فرفض إلا أن ينزلوا على حكمه. وثالثا: لا ريب في أن سكوت النبي على الغطرسة اليهودية، ثم القبول بترميم العلاقات مع اليهود ولو جزئيا. لا يبقى مصداقية للعهود والمواثيق، لما يتركه نقضها من سلبيات خطيرة في هذا المجال، حيث يضعف تأثيرها في ضبط الأمور، وحفظ الكيان العام، وسيزيد من الاعتماد على القوة المسلحة في حسم الأمور على مستوى العلاقات فيما بين القوى المتجاورة، وتقل فرص التعايش السلمي بين الفئات المختلفة في داخل الدولة الواحدة، وحتى على مستوى العلاقات بين

[ 166 ]

الدول والقوى المختلفة. أضف إلى ذلك: أن التساهل في مواجهة الأعمال الخيانية، التي بهذا الحجم لسوف يسهل على الآخرين خيانات قد تكون أشد خطرا، وأعظم أثرا في التدمير، على قاعدة: إن كان ثمة نجاح فهو غاية المنى، وإن فشلت المحاولة، فلن تكون النتيجة في غاية السوء، وإن كانت سيئة إلى حد ما. لكنها تسمح بانتظار فرص أكبر، وحظ أوفر. ورابعا: إن حكم سعد بن معاذ قد جاء وفق ما يحكم به اليهود أنفسهم على الآخرين، في حالات هي أدنى من حيث المبررات الموضوعية من الحالة التي توغل إليها بنو قريظة. فاليهود هم الذين كتبوا في توراتهم المحرفة عن المدينة التي يدخلونها عنوة " وإذا دفعها الرب الهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء، والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك. وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك " (1). وثمة نصوص أخرى، أكثر عنفا وقسوة في هذا المجال فراجع هذا الكتاب ج 4 ص 317 فإنها تأمر بإحراق المدينة بكل ما فيها مع بهائمها، وقتل جميع سكانها بحد السيف، ثم إحراق المدينة بالنار فتكون تلا إلى الأبد (2). وخامسا: ما الذي يضمن أن لا يعود بنو قريظة إلى نقض العهد، وتسديد الضرب القاصمة والقاضية، حين تسنح لهم الفرصة لذلك.


(1) سفر التثنية، الإصحاح العشرون - الفقرة رقم 13 - 14. (2) وراجع أيضا سفر العدد. الإصلاح 31 الفقرة 7 - 10 و 13 - 16. (*)

[ 167 ]

فإن ظروفا طارئة خارجة عن حدود اختيارهم أوجبت فشلهم في تنفيذ خطتهم الجرئية، وذلك بسبب الخندق، ثم ضربة علي عليه السلام القاصمة لقيادة جيش الشرك، ثم التدخل الالهي، بإرسال الريح والجنود. بالإضافة إلى الخلافات التي نشأت بينهم وبين الأحزاب، ثم ارتحال الأحزاب وغير ذلك من أمور تقدمت. ولولا ذلك لتحققت أهدافهم الشريرة، وكان الإسلام والمسلمون في خبر كان. ولو كان (ص) تركهم، ثم عادوا إلى الخيانة، فإن استئصالهم والحالة هذه قد يكون أصعب، بل قد يصبح متعذرا، بعد أن تلقى الناس صفحه عنهم في المرة الأولى بالقبول. وقد يفهم الكثيرون: أنه قد جاء عن استحقاق منهم للعفو، وأنه لا يحق له أن يتخذ في حقهم أي إجرا آخر. والذي لا بد من الوقوف عنده هنا، هو حكم سعد بن معاذ فيهم، الذي جاء مواقفا للحكم الشرعي الإلهي، ومنسجما معه، وذلك هو حكم العقل والفطرة، والضمير الحي، والوجدان الرضي. وقد ارتضوا هم أنفسهم بحكم سعد مسبقا، بل هم الذين اختاروه للحكم وسادسا: قال الدكتور إسرائيل ولفنسون. " وأما المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، ولم نعد نسمع لهم أعمالا وأقوالا تناقض إردة النبي وأصحابه، كما يفهم ذلك من قبل " (1). وبعد، فهذه هي جريمة القيادات المنحرفة التي تدمر كل شئ، ولا تشكر النعمة الالهية على حد قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين بدلوا


(1) السيرة النبوية للندوي ص 300 عن: " اليهود في بلاد العرب ص 155. (*)

[ 168 ]

نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار) (1). عهد قريظة مع الأوس وعهدهم مع النبي (ص): والغريب في الأمر أن نجد بني قريظة يلجأون إلى سعد بن معاذ نفسه لينقذهم من ورطتهم، وذلك استنادا إلى الحلف الذي كان بينهم وبين الأوس. مع أنهم هم أنفسهم قد نقضوا حلفهم مع محمد (ص) وأعلنوا بذلك صراحة لسعد بن معاذ نفسه، وقالوا له: أكلت (كذا) (1) أبيك، فهذا النقض للحلف، الذي جرهم لهذا المصير الأسود، قد كان سعد الطرف الرئيس فيه، وقد حاول معالجته لصالحهم، فلم يفلح، وأظهروا من الخبث ما جعله يعرفهم على حقيقتهم، ويطمئن لما هم فيه من سوء نية، وخبث طوية. وها هم اليوم يطالبون سعدا بترميم ما نقضوه من عهد استنادا إلى عهد آخر. لكن الفرق بين العهدين كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار، وكان سعد مدركا لذلك بلا ريب، فإن عهدهم مع الأوس قد فرضته ظروفهم الجاهلية، التي لا تتبني العدل وقضايا الإنسان والانسانية أساسا لما تبرمه من عهود أو تقوم به من تحالفات. أما عهدهم مع النبي والمسلمين، فقد فرضته قضية الإنسان، وضرورات الحياة الكريمة، والفاضلة، والحرص على إنسانية الإنسان، وبهدف إسعاده، وإبعاد الشرور والآفات عنه.


(1) سورة إبراهيم: الآية / 28 و 29. (2) كلمة فاحشة يقبح التصريح بها، تراجع في المصادر. (*)

[ 169 ]

تحكيم ابن معاذ لطف إلهي: ولا ننسى هنا: أن تحكيم سعد بن معاذ بالذات له دلالته الهامة، فإن ذلك من التوفيقات والألطاف الالهية بالمسلمين. وذلك من أكثر من جهة. 1 - فمن جهة كان سعد رئيس الأوس - بل كان سيد الأوس وغيرهم، كما أشار إليه النبي (ص) بقوله للصحابة: قوموا إلى سيدكم. ونود أن نمعن النظر جيدا في تأكيد النبي على سيادة سعد هنا، ثم أمره الصحابة بأن يقوموا لسيدهم. وإذا حكم الرئيس، فإن الجميع يرى حكمه ملزما ونافذا، ويراه صادرا وفق مصلحة مرؤوسيه، ومن خلال حسابات دقيقة، وعن إشراف تام على مختلف الحيثيات التي ينبغي ملاحظتها في حكم خطير كهذا، فليس ثمة أية رعونة في اتخاذ القرار، ولا يعاني القرار من جهل في الحيثيات الموضوعية والاجتماعية والسياسية التي لا بد من أخذها بنظر الاعتبار في إصدار أي حكم. 2 - ومن جهة ثانية: فإن هذا الحكم من سعد كما أنه أحرق كل خيوط الأمل لبني قريظة، فإنه أيضا قد أحرق قلوبهم، لأنه جاء من أولئك الذين يرون أنهم يهتمون بالحفاظ على حياتهم أكثر من الآخرين. وإذ بهم يهتمون بالقضاء عليهم ويصرون على ذلك فيحكمون عليهم بالموت، ثم يشاركون - عملا - في تنفيذ ذلك الحكم الصادر. فأي فجيعة لهم، أكثر من تلك الفجيعة، التي زادها ألما وضرما، ما يرونه من رسوخ الدعوة المحمدية، وعلو نجمها، واشتداد شوكتها، واتساع نفوذها يوما بعد يوم، بل وساعة بعد ساعة

[ 170 ]

قبول النبي (ص) بتحكيم سعد بن معاذ: وأما فيما يرتبط بقبول النبي (ص) بتحكيم سعد بن معاذ فقد تجلت فيه مرونة وانعطاف جدير بأن يبطل كل المبررات التي قد يستفيد منها أولئك الأوسيون المتعاطفون مع حلفائهم، لإثارة أجواء مسمومة حول صوابية القرار النبوي في حق بني قريظة، أو تصويره على أنه قاس، أو مجحف، أو ما إلى ذلك - ثم هو يسقط الذرائع التي كانوا يتذرعون بها لممارسة ضغوط على النبي (ص) لمنعه من تنفيذ حكم الله فيهم. ثم هو قد ألجم بني قريظة أنفسهم، ووضع حدا لمحاولاتهم تأليب الرأي العام ضد القرار النبوي، والاستفادة من سذاجة بعض المسلمين، ومن سوء سريرة البعض الآخر منهم، خصوصا أولئك الذين اتهمهم ابن معاذ بعدم الإخلاص في نواياهم، وحتى في دينهم.

[ 171 ]

الفصل الخامس القتلى والشهداء

[ 173 ]

حكم سعد بن معاذ في طريقه إلى التنفيذ: وقد تقدم قولهم: إن سعدا حكم على بني قريظة بقتل الرجال، وسبي النساء، وغنيمة الأموال. لكن الظاهر أنه حكم عليهم: " أن يقتل كل من حزب عليه، وتغنم المواشي، وتسبي النساء والذراري، وتقسم الأموال. فقال رسول الله (ص): لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " (1). فكلمة حزب عليه، أصبحت بعد تصحيفها وإضافة كلمة واحدة إليها للتوضيح هكذا جرت عليه الموسى (2). ويؤيد: أنه (ص) قتل من حزب عليه ما سيأتي من الاختلاف الفاحش في عدد المقتولين. ويصرح ابن شهر آشوب: أن عدد بني قريظة كان سبع مئة، لكن المقتولين منهم كانوا أربعمئة وخمسين (3).


(1) الوفا ص 695. (2) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 21. (3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء. (*)

[ 174 ]

وهو المناسب أيضا لقوله تعالى: (فريقا تقتلون، وتأسرون فريقا) (1). بداية النهاية: قال القمي: أمر رسول الله (ص) بأخدود، فحفرت بالبقيع (2). وقال آخرون: إنه (ص) حفر لهم خنادق في سوق المدينة، فضرب أعناقهم فيها (3). وقالت بعض المصادر: " قتلوا عند دار أبي جهل (جهم) بالبلاط. ولم تكن يومئذ بلاط. فزعموا: أن دماءهم بلغت أحجار الزيت "


(1) سورة الأحزاب / 26. (2) تفسير القمي ج 2 ص 191 والبحار ج 20 ص 236. (3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 251 و 252 وراجع: كشف الغمة ج 1 ص 208 / 209 والكامل في التاريخ ج 4 ص 124 وعيون الأثر ج 2 ص 73 الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 والإرشاد للمفيد ص 64 / 65 والبحار ج 20 ص 262 / 263 ومناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 252 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 وبهجة المحافل ج 1 ص 274 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 ونهاية الأرب ج 17 ص 192 ووفاء الوفاء ج 1 ص 307 / 308 والاكتفاء ج 2 ص 182 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 17 والسيرة الحلبية ج 2 ص 240 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 22 و 23 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247 وراجع عن ضرب أعناقهم في الخنادق: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ص 32. (*)

[ 175 ]

بالسوق (1). وعند الواقدي: " فأمر بخدود فخذت في السوق، ما بين موضع دار أبي جهم العدوي إلى أحجار الزيت بالسوق " (2). وجلس صلى الله عليه وآهل وسلم ومعه علية أصحابه، ودعا برجال بني قريظة، فكانوا يخرجون رسلا، رسلا، تضرب أعناقهم. ثم يذكرون كيف أنهم كان يلوم بعضهم بعضا. وكان الذين يلون قتلهم علي والزبير (3). وفي بعض المصادر: أنهم كانوا يخرجونهم أرسالا وحسب نص اليعقوبي: عشرة عشرة، ويلي قتلهم على والزبير، ورسول الله (ص) جالس هناك (4). وفي نص آخر: " تمادى القتل فيهم إلى الليل. فقتلوا على شعل السعف (5). قال محمد بن كعب القرظي: قتلوا إلى أن غاب الشفق، ثم


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 260. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513 سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22. (3) راجع المصادر في الهوامش السابقة. (4) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 ونهاية الأرب ج 17 ص 193 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 275. والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 254 والسيرة الحلبية ج 2 ص 240 والمغازي للواقدي ج 2 ص 513 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22. (5) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340 والمغازي للواقدي ج 2 ص 517. (*)

[ 176 ]

رد عليهم التراب في الخندق (1). و " عند قتلهم صاحت نساؤهم، وشقت جيوبها، ونشرت شعورها، وضربت خدودها وملأت المدينة بالنوح والعويل " (2). ونقول: إننا نشير هنا إلى الأمور التالية: 1 - قولهم: إنهم كانوا يخرجونهم أرسالا، أو عشرة عشرة. يقابله قول البعض: " فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل، فكان يضرب عنقه " (3). ولا بد من ملاحظة التناقض بين قولهم: تمادى القتل فيهم إلى الليل، فقتلوا على شعل السعف، أو إلى أن غاب الشفق. وبين قولهم: فلما أمسى أمر بإخراجهم رجلا رجلا ليضرب أعناقهم. ثم ملاحظة التناقض بين قولهم: إنهم قتلوا ورسول الله (ص) جالس، ومعه أصحابه، وبين ما سيأتي من أن النبي قد حضر قتل أربعة منهم فقط. 2 - وعن ذكر الزبير إلى جانب علي عليه السلام، وأن هذا كان يقتل عشرة، وذاك عشرة. نقول: إنه موضع شك وريب، وذلك لما يلي: أ: يقول نص آخر: " وخرج رسول الله (ص) إلى موضع السوق اليوم، وحضر معه المسلمون، وأمر أن يخرجوا وتقدم إلى أمير


(1) راجع: المصادر الثلاثة المتقدمة في الهامش السابق. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 249 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340. (3) تفسير القمي ج 2 ص 191 والبحار ج 20 ص 236. (*)

[ 177 ]

المؤمنين عليه السلام بضرب أعناقهم في الخندق، فأخرجوا أرسالا " (1). ب: تذكر رواية أخرى، أنه لم قتل حيي بن أخطب، ونباش بن قيس، وغزال بن سموأل، وكعب بن أسد، قام (ص) وقال لسعد بن معاذ: عليك بمن بقي، فكان يخرجهم رسلا رسلا يقتلهم (2). فهذا النص لم يذكر عليا ولا غيره، بل نسب القضية برمتها إلى سعد بن معاذ. ج: يقول نص آخر: " فقتل علي عشرة، وقتل الزبير عشرة. وقل رجل من الصحابة إلا قتل رجلا أو رجلين " (3). وهذا النص يحاول أن يعطي للزبير - دون غيره - دورا يضارع دور علي عليه السلام ثم أعطى بقية الصحابة نصيبا في هذا الأمر أيضا. د: وقد جاءت رواية أخرى لتقدم مبررا لإشراك الأوس من الصحابة في قتل بني قريظة، فهي تقول: جاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول الله، إن الأوس كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، ما كرهه من الأوس من فيه خير، فمن كرهه من الأوس لا أرضاه الله. ثم اقترح أسيد بن حضير - كما يزعمون - أن يرسل النبي (ص) إلى


(1) كشف الغمة ج 1 ص 208 / 209 والإرشاد للمفيد ص 64 / 65 والبحار ج 20 ص 262 / 263 وكشف اليقين ص 135. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 516. (3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء وراجع: إعلام الورى ص 93 / 94. (*)

[ 178 ]

كل دار (وفي نص آخر: قبيلة أوحي)، ليقتلوهم، فقبل (ص) بالاقتراح، وأرسل إلى كل دار - (قبيلة) من الأوس باثنين اثنين، فقتلوهم (1). ولست أدري لماذا جاء إلى النبي (ص) هذان الخزرجيان الذان كانا من المناوئين لأبي بكر في السقيفة، وهما سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر ؟ ثم جاء الحل الذي يقبله النبي (ص) ويعمل به من قبل ذلك القريب والنصير لأبي بكر في السقيفة أيضا. وأحد المهاجمين لبيت الزهراء، بعد وفاة أبيها (ص). وأعني به أسيد بن حضير ؟ ! ! ولست أدري أيضا: كيف أصبح اقتراح ابن حضير هو احل الأمثل، والعلاج للمشكة، مع أن ابن معاذ قد قرر: أن الكارهين لقتل بني قريظة هم فئة قليلة لا خير فيها، وتستحق البراءة منها، والدعاء عليها. ثم أليس يعد قسوة منه (ص) أن يأمر الحليف بقتل حليفه !) والنبي (ص) - كما نطق به القرآن - بالمؤمنين رؤوف رحيم. إلا أن يكون (ص) قد أراد بذلك أن يختبر مدى رضوخهم لحكم الله ورفضهم لأحكام الجاهلية وأحلافها. مشاركة الأوس في قتل حلفائهم: وثمة نقطة أخرى لا بد من إثارتها هنا، وهي أنه إذا صحت مشاركة الأوس أنفسهم في تنفيذ حكم سيدهم سعد فإنما كان مشاركة طوعية، منهم، وذلك هو المأمول بهم، فإذا كانت هذه المشاركة مستوعبة وشاملة، كما تقدم، فإن هذا الأمر سيمنع من حدوث أي


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 515 / 516 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247 ومجمع الزوائد ج 6 ص 140 عن الطبراني والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 23 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340 / 341. (*)

[ 179 ]

تململ في صفوف هؤلاء الحلفاء، وسد الطريق على ذوي النوايا المشبوهة فلم يعد بإمكانهم تحريك النعرات، والتلاعب بالعواطف، وإثارة البلبلة لخلخلة الوضع من الداخل، وخلق عقدة لدى هذا الفريق، أو ذاك. وأصبحت المشاركة الأوسية في قتل بني قريظة من مفاخرهم ومنجزاتهم التي يعتزون بها. ولا يمكن لأحد أن يغمز من قناتهم، ولا أن يتهمهم بالميل إلى الدفاع عن حلفائهم. تصحيح خطأ: قالوا: وكان علي عليه السلام هو الذي ضرب في بني قريظة " أعناق اليهود، مثل حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف " (1). والصحيح: كعب بن أسد، لأن ابن الأشرف كان قد قتل قبل ذلك بزمان. مضافا إلى أن ابن الأشرف كان من بني النضير، لا من بني قريظة. إلا أن يكون مراده: أن عليا هو الذي قتل ابن الأشرف أيضا، ثم زور المزورون للتاريخ هذه الحقيقة، فنسبوا قتله إلى غير علي عليه السلام، حسدا منهم، وحقدا، وبغيا عليه. قتل كل من أنبت: وقالوا: إن رسول الله (ص) قد أمر بقتل كل من أنبت من بني قريظة (2). وكان من شك في بلوغه نظر إلى مؤتزرره، فإن كان أنبت


(1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 2 ص 97. (2) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 308 والاكتفاء ج 2 ص 189 وتاريخ الأمم = (*)

[ 180 ]

قتل، وإلا طرح في السبي (1). قال محمد بن كعب القرظي: فكنت في من لم ينبت (2). وكان مسلم بن بجرة الأنصاري هو الذي تولى كشف عوراتهم. واستدل به الفقهاء على جواز كشف العورة للحاجة (3). لكن أسلم الأنصار يقول: جعلني رسول الله (ص) على أسري قريظة، فكنت أنظر إلى فرج الغلام، فإن رأيته قد أنبت ضربت عنقه. وإن لم أرده قد أنبت جعلته في مغانم المسلمين (4). ونقول: ها هنا مواقع للنظر، وهي التالية:


= والملوك ج 2 ص 252 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والبحار ج 20 ص 246 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340 وقرب الإسناد ص 63 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 249 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 24 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 55 - 57 ونهاية الأرب ج 17 ص 195 وجوامع السيرة النبوية ص 155 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 56 / 57 والبداية والنهاية ج 4 ص 125 وبهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن حبان، والحاكم، والترمذي والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 وتهذيب الأحكام للطوسي ج 6 / ص 173 / 339 والبحار ج 100 ص 35. والوسائل ج 1 ص 44 ط مؤسسة آل البيت. (1) المغازي للواقدي ج 2 ص 517 راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 56 / 57 والبداية والنهاية ج 4 ص 125 وبهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن حبان والحاكم والترمذي. (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن شاهين. (4) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الكبير والأوسط، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 24 / 25. (*)

[ 181 ]

1 - قولهم: إن رسول الله (ص) قد أمر بقتل كل من أنبت من بني قريظة، يقابله نص آخر يقول: إن سعدا هو الذي أمرهم بالنظر إلى مؤتزر من شكوا في بلوغه فصوبه النبي (ص) (1). 2 - قولهم: إنه (ص) قد أمر بقتل كل من أنبت لا يستقيم مع ما قدمناه وسيأتي أيضا من أنه (ص) إنما قتل خصوص من حزب عليه منهم. والباقون لم يقتلوا. فإن كان قد كشف عن مؤتزر أحد، فإنما ذلك في خصوص هذا الفريق من الخونة والأشرار. 3 - أما المتولي لكشف عوراتهم، فلعل أسلم الأنصاري هو نفس مسلم بن بجرة الأنصاري، أو أن مسلما هو ابن أسلم (2). وقد صحف الراوي، أو أسقط أحدهما. 4 - بقي أن نشير إلى أن بعض النصوص المتقدمة قد ذكرت محمد بن كعب القرظي على أنه هو الذي وجدوه لم ينبت فأطلقوا سراحه. مع أن محمد بن كعب إنما ولد في سنة أربعين للهجرة - ولا يصح أنه ولد في حياة النبي (ص) (3). والصحيح: أن أباه كعبا هو الذي نجا يوم بني قريظة (4).


(1) عوالي اللآلي ج 1 ص 221 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 86. (2) راجع: الإصابة ج 3 ص 414. (3) راجع الإصابة ج 3 ص 517 وتهذيب التهذيب ج 9 ص 421 و 422. (4) الإصابة ج 3 ص 517 عن البخاري في تاريخه وتهذيب الكمال ج 26 ص 340 و 341 و 343 والتاريخ الكبير للبخاري ج 1 / الترجمة رقم 479 ومختصر تاريخ دمشق ج 23 ص 181 وتهذيب التهذيب ج 9 ص 420 و 421 و 422. (*)

[ 182 ]

5 - قال ابن حزم: " واستحيا عطية القرظي، وله صحبة " (1). عن عطية قال: كان رسول الله (ص) قد أمر أن يقتل من بني قريظة كل من أنبت منهم. وكنت غلاما، فوجدوني لم أنبت، فخلوا سبيلي (2). قال السهيلي: " ففي هذا: أن الإنبات أصل في معرفة البلوغ، إذا جهل الاحتلام، ولم تعرف سنوه " (3). أما القول بأن عطية هذا هو جد محمد بن كعب القرظي (4)، فلا نراه صحيحا، بل عطية هذا رجل آخر. والصحيح هو ما تقدم عن تاريخ البخاري. فراجع، وليس تحقيق هذا الأمر مما يهمنا كثيرا لكونه ليس مما يترتب عليه أثر ذو بال.


(1) جوامع السيرة النبوية ص 155. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 وعيون الأثر ج 2 ص 75 والروض الأنف ج 3 ص 284 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 24 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 وراجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 55 و 56 والاكتفاء ج 2 ص 185 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 والسيرة الحلبية ج 2 ص 343 وراجع: الأمالي للطوسي ص 403 والبحار ج 20 ص 246 عنه ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 25 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 241 والبداية والنهاية ج 4 ص 125 / 126 وأسد الغابة ج 3 ص 413 وتهذيب الكمال ج 20 ص 157 و 158 وفي هامشه عن سنن أبي داود 4404 وابن ماجة رقم 2541 والترمذي رقم 1584 والنسائي ج 6 ص 155. (3) الروض الأنف ج 3 ص 284. (4) الروض الأنف ج 3 ص 284. (*)

[ 183 ]

وصايا الرسول (ص) بالأسري: وحين جئ بنباش بن قيس ليقتل، جابذ الذي جاء به حتى قاتله، فدق الذي جاء به أنفه فأرعفه. فسأل النبي (ص) الذي جاء به عن السبب، فذكره له: فقال نباش: كذب - والتوراة - يا أبا القاسم، ولو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتى أكون كأحدهم. ثم قال رسول الله (ص): " أحسنوا أسارهم، وقيلهم، واسقوهم حتى يبردوا، فتقتلوا من بقي. لا تجمعوا عليهم حر الشمس، وحر السلاح، وكان يوما صائفا. فقيلوهم، وسقوهم، وأطعموهم، فلما ابردوا راح رسول الله (ص) يقتل من بقي " (1). ونقول: قد تقدم في الفصل السابق، بعض وصاياه (ص) بأسرى بني قريظة. وإنما أعدنا بعضه هنا لاقتضاء المناسبة له، وهو قصة نباش بن قيس. ونسجل هنا ما يلي: 1 - إننا لا نكاد نصدق قوله: ولو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي إلخ... حيث إننا نلحظ مزيدا من الاهتمام بإضفاء صفة الشجاعة والبطولة والعنفوان لدي هؤلاء الخونة. كما سنرى. 2 - إننا قد أشرنا إلى وجود بعض الريب في أن تكون غزوة بني قريظة قد حصلت في الصيف، فراجع ما ذكرناه في غزوة الخندق في الجزء التاسع من هذا الكتاب.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 248 وسبل الهدى ج 5 ص 24. (*)

[ 184 ]

3 - إن وصايا الرسول بالأسري هنا. وقوله في مورد آخر عن بني قريظة، الذين خانوا عهده ومالأوا عدوه: " اسقوهم العذب، وأطعموهم الطيب، وأحسنوا إسارهم " (1). إن هذه الوصايا لا تتناقض أبدا مع قتل بني قريظة، فالقتل هو حكم شرعي إلهي لابد من إطاعته وتنفيذ في حقهم. أما إساءة المعاملة للأسير، فتعتبر تعديا على الأسير، وعلى شخصيته. ويعتبر الاحسان إليه هو الواجب الخلقي، الذي لابد من القيام به، حتى بالنسبة للمحكومين بحكم يصل إلى هذه الدرجة. إذن، هناك حكمان حيثيتان فرضتهما حالتان موجودتان في موردها فللأسير حقه كإنسان، وعليه العقاب بحسب نوع الجريمة التي ارتكبها، فإنها هي التي تفرض نوع العقاب. قتل كعب بن أسد: وأتى (ص) بكعب بن أسد، مجموعة يداه إلى عنقه - وكان حسن الوجه - فقال (ص): كعب بن أسد ؟ ! قال كعب: نعم يا أبا القاسم. قال: أما انتفعتم بنصح ابن خراش (جواس)، وكان مصدقا بي ؟ أما أمركم باتباعي ؟ وإن رأيتموني أن تقرئوني منه السلام ؟ ! قال: بلى - والتوراة - يا أبا القاسم. ولو لا أن تعيرني اليهود بالجزع من السيف لا تبعتك. ولكني على دين اليهود.


(1) تفسير القمي ج 2 ص 192 والبحار ج 20 ص 238. (*)

[ 185 ]

قال (ص): قدمه، فاضرب عنقه، فقدمه، فضرب عنقه (1). وسيأتي لنا كلام حول موقف كعب هذا. حيي بن أخطب يواجه الموت: ويقول المؤرخون: ثم أتي بحيي بن أخطب، مجموعة يداه إلى عنقه، فقال له رسول الله حين طلع، ألم يمكن الله منك يا عدو الله ؟ ! قال: بلى والله ما لمت نفسي في عداوتك. وقد التمسك العز في مكانه، وإبي الله إلا أن يمكنك مني. ولقد قلقلت كل مقلقل (أي ذهبت في كل وجه) ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، لا بأس بأمر الله، قدر وكتاب. ملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثم أمر به فضربت عنقه (2). (1) المغازي ج 2 ص 516 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 24 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و 18 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340 وكمال الدين ج 1 ص 198 والبحار ج 20 ص 247 عنه وفي ص 236 / 237 وتفسير القمي ج 2 ص 191. (2) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 513 / 514 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 247 / 248 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 23 / 24 والسيرة الحلبية ج 2 ص 340. وراجع أيضا: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 وكشف الغمة للأربلي ج 1 ص 309 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 وراجع ص 20 ومجمع البيان ج 8 ص 352 وبهجة المحافل وشرحه (أي متنا وهامشا) ج 1 ص 275 وبحار الأنوار ج 20 ص 212 و 263 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 وعيون الأثر ج 2 ص 73 والروض الأنف ج 3 ص 284 = (*)

[ 186 ]

زاد في بعض المصادر قوله: ثم أقيم بين يدي أمير المؤمنين، وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف. فقال له علي عليه السلام: إن الأخيار يقتلون الأشرار، والأشرار يقتلون الأخيار، فويل لمن قتله الأخيار، وطوبى لمن قتله الأشرار والكفار. فقال: صدقت لا تسلبني حلتي. قال: هي أهون علي من ذاك. قال: سترتني، سترك الله. ومد عنقه، فضربها علي، ولم يسلبه من بينهم (1). هذا، وقد قال جبل بن جوال الثعلبي في هذه المناسبة. لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يذخل فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغي العز كل مقلقل (2)


= والمصنف للصنعاني ج 5 ص 371 و 372 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 183 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 والكامل في التاريخ ج 2 ص 186 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 / 125 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 والإرشاد للمفيد ص 65 والبداية والنهاية ج 1 ص 124 / 125 ونهاية الإرب ج 17 ص 192 / 193. (1) كشف الغمة ج 1 ص 209 والارشاد للمفيد ص 65 والبحار ج 20 ص 263. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 ونهاية الأرب ج 17 ص 193 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 183 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 = (*)

[ 187 ]

زاد في بعض المصادر: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في ذلك: لقد كان ذا جد وجد بكفره * فقيد إلينا بالمجامع يقتل فقلدته بالسيف ضربة محفظ * فصار إلى قعر الجحيم يكبل فذاك مآب الكافرين ومن يطع * لأمر إله الخلق في الخلد ينزل (1) ولنا على ما تقدم ملاحظات، هي التالية: الأولى: بالنسبة للشعر المنسوب إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام نقول إنه ليس في المستوى الذي يؤهله لأن ينسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام. وذلك واضح بأدنى تأمل. الثانية: إن التجاء حيي بن أخطب إلى القدر والقضاء لتبرير ما يتعرض له هو وبنو قريظة ليس له ما يبرره. إلا محاولة التبرير والتزوير للحقيقة. ومحاولة التنصل من المسؤولية، بإلقاء اللوم على الله سبحانه، الذي لم يأمره بإن يتآمر، وينقض العهود والمواثيق، ولا طلب منه ومنهم أن يواجهوا نبيهم بالحرب، وهم يعرفون صدقه، وصحة نبوته كما يعرفون أبناءهم، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. وإذا كان لكلام حيي هذا أساس من الصحة، فصحته تكمن في أنه يبين أن الله سبحانه قد قدر على الباغي، والناكث، والمكذب للصادقين، وقتلة الأنبياء: أن يقتلوا جزاء ذلك البغي والنكث والتكذيب. الثالثة: إننا نرجح أن يكون حيي بن أخطب نفسه هو الذي قال


= وراجع: الإصابة ج 1 ص 222. (1) الإرشاد للمفيد ص 65 والبحار ج 20 ص 263 / 264. (*)

[ 188 ]

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه إلخ... كما ذكر البعض (1). بل ذكرت بعض النصوص: أن عليا عليه السلام سأل الذي جاء بحيي للقتل: ما كان يقول: وهو يقاد إلى الموت ؟ فقال: كان يقول: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يذخل الله يذخل فجاهد حتى بلغ النفس جهدها * وحاول يبغي العز كل مقلقل (2) وهي بحيي أنسب منها بجبل بن جوال خصوصا إذا كان جبل قد أسلم قبل قتل حيي وبني قريظة، إذ لا مجال له بعد أن أسلم ليرثي حيي بن أخطب بهذه الأبيات. وإن كان قد أسلم بعد ذلك، فيمن أن يكون قد رثاه بها. لكن ما حكي من سؤال أمير المؤمنين عليه السلام للذي جاء بحيي عما كان يقول حيي يرجح نسبتها لحيي، حيث أراد أن يترجم ما أجاب به النبي (ص) شعرا يتداوله الناس بعده. الرابعة: إننا نلمح في هذه الروايات، كما هو في غيرها قدرا من الاهتمام بإظهار مزيد من القوة والثبات لدى اليهود، والصبر على مواجهة المصاب الكارثة، ثم المزيد من التأكيد على أنهم قد اختاروا الموت كراما على الخضوع لما يخالف قناعاتهم.. وقد يكون ما ينسب لحيي هنا، وكذلك ما ينسب لنباش بن قيس،


(1) تفسير القمي ج 2 ص 191 / 192 والبحار ج 20 ص 237 وفي دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 قال: " وبعض الناس يقول: حيي بن أخطب قالها " وكذا في الإصابة ج 1 ص 222. (2) البحار ج 20 ص 263 وكشف الغمة ج 1 ص 209 والإرشاد للمفيد ص 265. (*)

[ 189 ]

وكعب بن أسد، وحتى ما ينسب لنساءهم، كنباتة النضيرية، قد صنع من أجل تحقيق هذا الهدف بالذات. ولعله أيضا بهدف التخفيف، أو فقل: التعتيم على ما لحقهم من عار النكث والخيانة. مع أن النصوص التاريخية تؤكد ذلهم، وخنوعهم، وجزعهم الشديد حين ذهب إليهم أبو لبابة، فكيف تحول ذلك الذل والخنوع والجزع إلى قوة وعزة وشهامة، وبطولة. لا ندري ولعل الفطن الذكي يدري. قتل نباتة النضيرية: ويقال: إنه كان ثمة امرأة من بني النضير، يقال لها نباتة تحت رجل قريظي. (قال السهيلي: هو الحاكم القرظي) يحبها، وتحبه. وكانت في حصن الزبير بن باطا - فخاف زوجها أن تسبى بعده، فأحب أن تقتل بجرمها. فطلب منها فدلت على المسلمين رحى من فوق الحصن، وكان المسلمون ربما جلسوا تحته، يستظلون في فيئة. وكان ذلك بعد اشتداد الحصار على بني قريظة. فلما أطلعت الرحي، رآها القوم فانفضوا، فأصابت خلاد بن سويد، فشدخت رأسه. فلما كان في اليوم الذي أمر رسول الله (ص) أن يقتلوا دخلت هذه المرأة على عائشة، فجعلت تضحك ظهرا لبطن، وهي تقول: سراة بني قريظة، يقتلون، فسمعت قول قائل: يا نباة. فقالت: أنا والله التي أدعي. قالت: ولم ؟ قالت: قتلني زوجي.

[ 190 ]

فسألتها عائشة عن ذلك، فذكرت لها أمر الرحي، وأنها قتلت خلاد بن سويد، فأمر (ص) بها فقتلت بخلاد بن سويد. قالت عائشة: لا أنسى طيب نفس نباتة، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل فكانت عائشة تقول: قتلت بنو قريظة يومهم، حتى قتلوا بالليل على شعل السعف (1). وذكرت بعض المصادر: أن زوجها قال لها: " غلب علينا محمد، سيقتل الرجال، ويسبي النساء والذراري " (2). وقسم من المصادر التي ذكرناها في الهامش ذكر: أن اسمها: بنانة. وقد يكون ذلك تصحيف نباتة، أو العكس. وسمتها بعض المصادر: بيانة. وقيل: مزنة. ولعل مزنة هي أرفة الآتي ذكرها.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 516 / 517 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 26 / 27 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 249 وفي السيرة الحلبية ج 2 ص 341 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18. أن اسمها: بيانة. وقيل: مزنة. ودخولها على عائشة وهي تضحك ظهرا لبطن في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 253 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 184. وراجع: عيون الأثر ج 2 ص 73 و 78 والبداية والنهاية ج 4 ص 126 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 / 498 ونهاية الأرب ج 17 ص 193 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 / 251 و 254 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242. وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 وجوامع السيرة النبوية ص 155 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 498. (*)

[ 191 ]

ونقول: إننا نسجل هنا الأمور التالية: 1 - شجاعة نباتة: إن مما يلفت نظرنا هنا ما نجده من محاولات جاد لإظهار شجاعة بني قريظة، وثباتهم وقوتهم، وصبرهم في مواجهة الموت التزاما ووفاء لقناعاتهم، وانسجاما مع أنفسهم في مواصلة الأخطار والكوارات، دونما رهبة أو وجل. وقد تجلى ذلك حتى في نسائهم، اللواتي يفترض فيهن أن يظهرن المزيد من الجزع والضعف والهلع في مواجهة الموت. ويكتسب اليهود عن طريق هذا التزوير للتاريخ: صفات الشهامة، والعزة والكرامة، والإباء والشمم، وهي الصفات التي لم نزل نعرف عنهم اتصافهم بما يناقضها وينافيها. أما النبي والمسلمون فيصبحون في موقع الناس القساة، الذين لا تظهر منهم بادرة رأفة ولا رحمة. بل هم أناس مجرمون، يحبون سفك الدماء، دونما شفقة أو وازع من ضمير. 2 - شكوك حول قصة نباتة: ويلفت نظرنا في قصة نباتة الأمور التالية: أولا: كيف دخلت هذه المرأة على عائشة مع أن سبايا بني قريظة، قد جعلوا جميعا في دار رملة بنت الحارث، كما تقدم، ودار

[ 192 ]

أسامة (1) ولم يكن يسمح لأي منهن بالتجول، ودخول المنازل. لا سيما قبد تنفيذ الحكم في رجالهن. وقبل تحديد مصير السبايا أيضا. بل لقد ذكروا: أن دخول نباتة على عائشة قد كان والنبي مشغول بقتل بني قريظة، كما ذكره دحلان وصاحب السيرة الحلبية. ثانيا: قال الشيخ المفيد: " قتل من نسائهم امرأة واحدة، كانت أرسلت عليه (أي على النبي (ص)) حجرا، وقد جاء النبي (ص) باليهود يناظرهم قبل مباينتهم له، فسلمه الله من ذلك الحجر " (2). ثالثا: قد تكرر ما يشبه هذه القصة، فذكر نظيرها في بني النضير، في خيبر، فلماذا لم يتعلم المسلمون مما سبق لهم ؟ ! رابعا: هل يعقل أن يجلس المسلمون في أصل الحصن للاستظلال به، مع وجود احتمالات إرسال الحجارة أو غيرها عليهم، وهم في حالة حرب مع عدوهم، ولا سيما مع اشتداد الحصار عليهم، كما صرحت به الرواية نفسها ؟ ! إن ذلك بعيد، ولا يفعله من له أدنى خبرة في مجال التعامل في أثناء الحرب، ومع إحساس العدو بالخطر الماحق، وبالدمار الساحق. خامسا: من أين علم زوجها: أنهم سيقتلون وتسبى ذراريهم ونساؤهم. ولماذا لم يفكر بحل المشكل بطريقة أخرى. ولماذا طاوعته زوجته على القيام بما طلبه منها، وقد كان من الطبيعي أن تعترض عليه بأن هو أن يلقى تلك الرحي.. وأيضا لماذا التفت المسلمون إلى فعلها، وهم لا يرونها، بحسب العادة، وبحسب موقعهم في جلوسهم بأصل الحصن.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 518 وراجع ص 512. (2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 65 / 66 وبحار الأنوار ج 20 ص 264. (*)

[ 193 ]

3 - حكم الارتداد لا يجري على نباتة: قال السهيلي: " وفي قتلها دليل لمن قال: تقتل المرتدة من النساء أخذا بعموم قوله عليه السلام: من بدل دينه فاضربوا عنقه. وفيه مع العموم قوة أخرى، وهي تعليق الحكم بالردة والتبديل، ولا حجة مع هذا لمن زعم من أهل العراق بأن لا تقتل المرتدة لنهيه عليه السلام عن قتل النساء والولدان. قلت: هما عامان تعارضا، وكل من الفريقين يخص أحد الحديثين بالآخر، فالعراقيون يخصون حديث: من بدل دينه فاقتلوه بحديث النهي عن قتل النساء ولاصبيان. وغيرهم يخالفهم، وتخصيص المخالف أولى لوجه ليس هنا موضع ذكره. وأما استدلاله بهذا الحديث على قتل المرتدة، ولم تكن هذه مرتدة قط، فعجيب، بل هي قاتلة قتلت خلاد بن سويد، ومقاتلة بتعاطيها ذلك، وناقضة للعهد. فالعراقي موافق لغيره في قتل هذه. وفي انفرادها بالقتل عن نساء بني قريظة ما يشعر بأنه لما انفردت به عنهن من قتل خلاد. فليس هذا من حكم المرتدة في ورد ولا صدر " (1). وأما حديث تخصيص أحد الحديثين بالآخر، ففيه مواضع للنظر ليس هنا موضع التعرض لها. قتل أرفة بنت عارضة: قال ابن الأثير: " وقتلت أرفة بنت عارضة منهم " (2).


(1) عيون الأثر ج 2 ص 78 وكلام السهيلي في الروض الانف ج 3 ص 284. (2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 186. (*)

[ 194 ]

وقد تكون أرفة هي مزنة (1)، كما تقدمت الإشارة إليه فيما سبق. الزبير بن باطا ونساء بني قريظة: وكان نساء بني قريظة يقلن: عسى أن يمن على رجالنا، أو يقبل منهم فدية، فلما أصبحن وعلمن بقتل رجالهن صحن، وشققن الجيوب، ونشرن الشعور، وضربن الخدود، فملأن المدينة. قال يقول الزبير بن باطا: " اسكتن، فأنتم أول من سبي من نساء بني إسرائيل منذ كانت الدنيا، ولا يرفع السبي عنهم حتى نلتقي نحن وأنتن. وإن كان في رجالكن خيرا فدوكن، فالزمن دين اليهودية فعليه نموت، وعليه نحيا " (2). ونقول: نحن نشك في هذا النص، لأن الزبير هذا، كان قد قتل في من قتل من رجال بني قريظة وأين رآهن الزبير حتى قال لهن هذا القول ؟ ! وقد كن محبوسات في مكان آخر منفصل عن حبس الرجال. كما أن النص المذكور يكاد يكون متناقضا في نفسه، فإن صدره يقول: إنهن علمن بقتل رجالهن فصحن، وشققن الجيوب إلخ.. وذيل النص يقول على لسان ابن باطا: وإن كان في رجالكن خير فدوكن إلخ فكيف يمكن لرجالهن فديتهن وهم محبوسون للقتل أو أنهم قد قتلوا بالفعل.


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 والسيرة الحلبية ج 2 ص 341. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 518. (*)

[ 195 ]

قتل الزبير بن باطا: ووهب (ص) لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا، فاستحيا منهم عبد الرحمان بن الزبير (كانت له صحبه) لكن الزبير نفسه أبي إلا أن يقتل مع قومه قبحه الله (1) وتفصيل ذكل وفقا لما ذكره الواقدي: أن البزير بن باطا الذي كان أعمى (2) كان قد من على ثابت بن قيس يوم بعاث، وجز ناصيته. فلما كان يوم قريظة استوهبه من رسول الله، وذلك بموافقة الزبير نفسه، فوهبه له. فرجع إلى الزبير، فأخبره، ثم رغب الزبير باستيهاب أهل، وولده، وماله، فوهب له رسول الله (ص) أهله، وماله، ووولده. فقال الزبير لثابت: أما أنت فقد كافأتني، وقضيت بالذي عليك يا ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية، تترائي عذاري الحي في وجهه - كعب بن أسد ؟ قال: قتل. قال: قال فما فعل سيد الحاضر والبادي، سيد الحيين كليهما، يحملهم في الحرب، ويطعمهم في المحل حيي بن أخطب ؟ قال: قتل. قال: فما فعل أول غادية اليهود إذا حملوا، وحاميتهم إذا ولوا - غزال بن سموأل ؟


(1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 155. (2) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 240 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 260. (*)

[ 196 ]

قال: قتل. قال: فما فعل الحول القلب الذي لا يؤم جماعة إلا فضها، ولا عقدة إلا حلها - نباش بن قيس ؟ قال: قتل. قال: فما فعل لواء اليهود في الزحف - وهب بن زيد ؟ قال: قتل. قال: فما فعل والي رفادة اليهود، وأبو الأيتام والأرامل من اليهود - عقبة بن زيد ؟ ! قال: قتل. قال: فما فعل العمران الذان كانا يقلتقيان بدراسة التوراة ؟ ! قال: قتلا. قال: يا ثابت، فما خير العيش بعد هؤلاء ؟ !.. ثم طلب منه، وأصر عليه أن يقتله بسيفه، فقدمه إلى الزبير بن العوام، فضرب عنقه. وفي نص آخر يذكر فيه نحو ما تقدم، لكنه حين يصل إلى غزال بن سموأل يقول بعده: فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قريظة، وبني عمرو بن قريظة. قال: ذهبوا، قتلوا، فطلب منه أنه يقتله، ففعل (1).


(1) راجع فيما تقدم، باختصار أو بتفصيل المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 518 - 520 ومجمع الزوائد ج 6 ص 141 / 142 عن الطبراني في الأوسط والبداية والنهاية ج 4 ص 125، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 240 والبحار ج 20 ص 277 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 275 / 276 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 ونهاية الأرب ج 17 ص 193 - 195 والاكتفاء ج 2 ص 184 / 185 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 251 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 - 24 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص = (*)

[ 197 ]

الهدف الحقيقي: وهذا النص كغيره من النصوص العديدة التي مرت معنا في هذه الغزوة وغيرها صريح في ما تكررت إشارتنا إليه، ولم نزل نؤكد عليه، من أن المقصود هو إظهار مزيد شهامة، ورجولة وإباء لدى اليهود، وتسطير المآثر لهم. ليعوضوهم بذلك عن الخزي الذي لحق بهم بسبب نقضهم العهود، وخيانتهم للمواثيق. ثم تكون نتيجة ذلك أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون هم الذين ارتكبوا جريمة، ولا أبشع منها في حق هؤلاء الكرام البررة ! ! وليس ثمة ما يبرر ذلك سوى حب التشفي، وإلا القسوة، وحب سفك دما الأبرياء. نعم، هكذا يريدون أن يصوروا لنا الحال، وما آلت إليه الأحوال. والأمر والأدهى من ذلك: أن نرى بعض الكتاب المسلمين ينخدعون بهذه المرويات، حتى ليقول بعضهم: " الحق أن هؤلاء اليهود قد أظهروا من الشجاعة النادرة، والصبر المدهش على هذه المحنة والجلد أمام القتل، ما يحسدون عليه " (1). وليت هذا الكاتب أشار أيضا إلى ما أظهره هذا النص من تسامح،


= 26 / 27 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 والسيرة الحلبية ج 2 ص 241 / 242 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 253 / 254 وعيون الأثر ج 2 ص 74 / 75 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 / 261 وراجع إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 ووفاء الوفاء ج 1 ص 308. (1) محمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص 249. (*)

[ 198 ]

وعفو وكرم من قبل رسول الله (ص). ثم ما ظهر من خسة وانحطاط خلقي. ومن صلف وقلة مبالات بالقيم بإصرار هذا اليهودي على موقفه الخياني الأثيم. وانسياقه وراء تسويلات شيطانية رخيصة. ويا ليته أشار أيضا إلى بكاء اليهود بين يدي أبي لبابة ضعفا وخورا وجبنا.. إسلام رفاعة بن سموأل: ونظر رسول الله (ص) إلى سلمى بنت قيس - وكانت إحدي خالاته - وكان رفاعة بن سموأل له انقطاع إليها وإلى أخيها سليط، وأهل الدار - وكان حين حبس أرسل إليها يطلب منها أن تكلم النبي (ص) في تركه، لأنها إحدى أمهاته. فقال (ص): مالك يا أم المنذر. فطلبت منه أن يهب لها رفاعة، وقد رآه (ص) يلوذ بها، فوهبه (ص) لها. ثم قالت: يا رسول الله، إنه سيصلي، ويأكل لحم الجمل. فتبسم (ص)، ثم قال: إن يصل فهو خير له، وإن يثبت على دينه فهو شر له. قالت: فأسلم، فكان يقال له: مولى أم المنذر، فشق ذلك عليه، واجتنب الدار، فأرسلت إليه: إنه والله ما أنا لك بمولاة، ولكنني كلمت رسول الله (ص) فوهبك لي، فحقنت دمك، وأنت على نسبك. فكان بعد يغشاها، وعاد إلى الدار (1).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 / 515. وأشار إلى ذلك أو ذكره تفصيلا في المصادر التالية: إمتاع الأسماع ج 1 ص 248 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 وعيون الأثر ج 2 ص 75 والبداية والنهاية ح 4 ص = (*)

[ 199 ]

لكن ابن حزم قال: " وهب رفاعة بن شمويل القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس من بني النجار - وكانت قد صلت القبلتين فأسلم رفاعة، وكان له صحبة، وكان ممن لم ينبت " (1). فإذا كان لم ينبت، فما معنى شفاعة أم المنذر فيه، فإنه لم يكن والحالة هذه في معرض القتل، إلا أن تكون الشفاعة ناظرة إلى إطلاق سراحة من السبي. عدد القتلى من بني قريظة: وقد ذكروا أرقاما متفاوتة جدا في عدد المقتولين من بني قريظة الأمر الذي يثير لدينا شكوكا في أن ثمة من يريد أن يستفيد من هذا الأمر ويوظفه إعلاميا لمقاصد سياسية، أو دينية، أو غيرها. والأقوال هي التالية: 1 - إن عدد المقتولين كان ألف إنسان، قال المعتزلي: " حصد من بني قريظة في يوم واحد رقاب ألف إنسان صبرا، في مقام واحد، لما علم في ذلك من إعزار الدين، وإذلال المشركين " (2). 2 - كانوا تسع مئة (3).


= 126 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 25 ونهاية الأرب ج 17 ص 195 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 252 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 241 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 والاكتفاء ج 2 ص 185 / 186 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19. والسيرة الحلبية ج 2 ص 343. (1) جوامع السيرة النبوية ص 155. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 291. (3) كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 208 والإرشاد للمفيد ص 64 وذكره بلفظ = (*)

[ 200 ]

3 - المكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مئة " (1). 4 - كانوا سبع مئة وخمسين (2). 5 - ما بين سبع مئة وثمان مئة (3). 6 - ما بين ست مئة إلى تسع مئة (4). 7 - كانوا سبع مئة أو نحو سبع مئة (5).


= قيل في حدائل الأنوار ج 2 ص 598 وكذا في عمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 36 والبحار ج 20 ص 262 وكشف اليقين ص 135. (1) راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 وعيون الأثر ج 2 ص 73 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 وبهجة المحافل ج 1 ص 275 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 36 ونهاية الأرب ج 17 ص 192 والاكتفاء ج 2 ص 183 وتاريخ الإسلام (المغازي) 261 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 وفتح الباري ج 7 ص 319 عن الروض الأنف ومحمد رسول الله، سيرته وأثره في الحضارة ص 249 والتفسير السياسي للسيرة ص 285. (2) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 52، والتشبية والإشراف ص 217 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والمغازي للواقدي ج 2 ص 518 عن ابن عباس. (3) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497. ووفاء ج 1 ص 308 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338. (4) الثقات ج 1 ص 278 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 1 ص 293. (5) البدء والتاريخ ج 4 ص 220 وراجع المصادر التالية: فتح الباري ج 7 ص 319 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 36 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 = (*)

[ 201 ]

8 - ما بين ست مئة إلى سبع مئة (1). 9 - كانواست مئة (2). 10 - كانوا أربع مئة وخمسين. وحسب نص ابن شهر آشوب: أنهم كانوا سبع مئة لكن المقتولين منهم كانوا أربع مئة وخمسين (3).


= ووفاء الوفاء ج 1 ص 308 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 عن بن عائذ، وعمدة القاري ج 17 ص 192 كما في مرسل قتادة. وتاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121 وحدائق الأنوار ج 2 ص 598 وتفسير القمي ج 2 ص 190 والبحار ج 20 ص 234 عنه. (1) راجع: المغازي للواقدي 2 ص 518 وراجع: التفسير السياسي للسيرة ص 283 ومحمد رسول الله، سيرته وأثره في الحضارة ص 249 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 75 وجوامع السيرة النبوية ص 155، والبداية والنهاية ج 2 ص 186 وبهجة المحافل ج 1 ص 275 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 250 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239. (2) راجع المصادر التالية: البحار ج 2 ص 212. المغازي للواقدي ج 2 ص 517 ومختصر التاريخ ص 43 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 وإرشاد الساري ج 6 ص 330، وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319 عن ابن إسحاق، وبه جزم أبو عمر، وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 36 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 249 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 ومجمع البيان ج 8 ص 352. (3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء وراجع: مجمع البيان ج 8 ص 352 والبحار ج 20 ص 212. (*)

[ 202 ]

11 - كانوا أربع مئة رجل (1). 12 - كانوا ثلاثة مئة فقط (2). أمور ثلاثة هامة: ونشير هنا إلى أمور ثلاثة لها ارتباط بما تقدم هي: الأول: إن ما تقدم من الأقوال في عدد المقتولين، قد يكون ناظرا إلى خصوص الذين قتلوا استنادا إلى حكم سعد بن معاذ فيهم. أما من قتلوا في المعركة وأثناء الحصار، فقد لا يكون محط النظر في هذه الأقوال. ونجد بعض النصوص يصرح بأن الذين قتلهم علي عليه السلام وحده في بني قريظة كانوا عشرة (3). ثم إنهم يصرحون: بأن عليا والزبير قد توليا قتلهم وهم يعدون


(1) راجع: إرشاد الساري ج 6 ص 330 عن الترمذي والنسائي، وابن حبان بإسناد صحيح. والبداية والنهاية ج 4 ص 122 و 124 ومحمد رسول الله: سيرته وأثره في الحضارة ص 249 وعمدة القاري ج 17 ص 192 وفتح الباري ج 7 ص 319 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 وسبل الهدى ج 5 ص 36 ووفاء الوفاء ج 1 ص 308 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 وتاريخ الخميس ج 1 ص 497 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 264 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 234. (2) حياة محمد ورسالته، لمولانا محمد علي ص 175. (3) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 171 ط دار الأضواء. (*)

[ 203 ]

بالمئات. إلا إن صححنا رواية توزيعهم على بيوت الأوس حسبما تقدم. الثاني: قد ذكر ابن شهر آشوب: أن عدة بني قريظة كانت سبع مئة، لكن المقتولين منهم كانوا أربع مئة وخمسين (1)، وعند غيره: أربع مئة، أو ثلاث مئة. وقد يكون هذا هو الأقرب إلى الواقع والحقيقة انسجاما مع ظاهر قوله تعالى: (فريقا تقتلون، وتأسرون فريقا) (2). وقد فسر البعض قوله تعالى: (تأسرون فريقا) بالسبايا والذراري. وهو تفسير غير مقبول فإن الأسر هنا إنما يناسب المقاتلين أما النساء والذراري فالأنسب التعبير عنهم بالسبايا. ومما يؤيد ما نقوله في عدد بني قريظة، قولهم: إن عدد الذراري والنساء كان سبع مئة وخمسين، أو تسع مئة أو ألفا على أبعد التقادير، مع أن السبي لا بد أن يكون أضعاف عدد المقاتلين، وهذا يؤيد أن يكون عدد المقاتلين ما بين المئة إلى المئتين على أبعد تقدير. الثالث: قد ظهر من الأقوال الآنفة الذكر مدى التفاوت والاختلاف في عدد قتلى بني قريظة فقد تراوحت الأقوال ما بين الثلاث مئة - إلى الألف، حتى لقد بلغت الأقوال إلى اثني عشر قولا. وكثرة الأقوال إلى هذا الحد تدل على أنه لم يكن ثمة من يملك معلومات دقيقة عن هذا الموضوع. ويبدو أنها تقديرات تبرعية. تأثرت


(1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء. (2) سورة الأحزاب / 26. (*)

[ 204 ]

برياح الأهواء السياسية، أو العصبيات الدينية، بهدف إظهار قسوة الإسلام ونبي الإسلام على أعدائه وخصوصا اليهود. ومن الغريب أن نجد معاوية الحاكم الأموي قد أفصح عن دخيلة نفسه فيما يرتبط بقتل كعب بن الأشرف اليهودي الغادر، حين اعتبر قتله نوعا من الغدر والخيانة. وقد تقدم ذلك في بعض فصول هذا الكتاب (1). ولا ندري، فلعل لهؤلاء الحكام بعض التأثير في هذه الأرقام الخيالية في قتلى بني قريظة. شهداء المسلمين: أما من قتل من المسلين في غزوة بني قريظة فهم كما يذكره المؤرخون: 1 - خلاد بن سويد الذي استشهد يوم بني قريظة حيث طرحت نباتة النضيرية عليه رحى فقتلته (2)، وكان قد دنا


(1) راجع: ج 6 ص 46. (2) راجع: الاكتفاء ج 2 ص 190 وأنساب الأشراف ج 1 ص 348 و 244 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 والسيرة الحلبية ج 2 ص 341 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 243 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 والمغازي للواقدي ج 2 ص 529 / 530 وجوامع السيرة النبوية ص 157 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 وعيون الأثر ج 2 ص 76 وتاريخ الخميس ج 1 ص 498 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 271 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 253 ومناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 252 والبداية والنهاية ج 4 ص 126 ونهاية الأرب ج 17 ص 196 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 276. (*)

[ 205 ]

ليكلمهم (1). فقال رسول الله (ص): إن له لأجر شهيدين (2). فقالوا: ولم يا رسول الله ؟ قال: لأن أهل الكتاب قتلوه (3). قال بعضهم: " قلت: فيؤخذ منه: أن مقتول أهل الكتاب له أجر شهيدين، والله أعلم بالحكمة في ذلك. وأخرجه أبو داود من رواية ثابت بن قيس بن شماس " (4). 2 - منذر بن محمد (5) أخو بني جحجبا (6). 3 - أبو سنان بن محصن، مات في الحصار فدفنه رسول الله (ص) في مقبرة بني قريظة، التي يدفن فيها المسلمون لما سكنوها اليوم، وإليه دفنوا أمواتهمه في الإسلام. كذا قاله ابن إسحاق (7).


(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 348. (2) راجع المصادر المتقدمة في الهامش ما قبل الأخير.. (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276. (4) المصدر السابق. (5) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 وعيون الأثر ج 2 ص 76 عن ابن عائذ. (6) عيون الأثر ج 2 ص 76. (7) تاريخ الخميس ج 1 ص 498 وراجع المصادر التالية: وفاء الوفاء ج 1 ص 307 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 273 والمغازي للواقدي ج 2 ص 529 / 530 وجوامع السيرة النبوية ص 157 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 وراجع: عيون الأثر ج 2 ص 76 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء والبداية والنهاية ج 4 ص 126 ونهاية الأرب ج 17 ص 196 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 253 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 243. (*)

[ 206 ]

ونقول: إن ذلك كله مشكوك فيه. وذلك لما يلي: ألف: بالنسبة لخلاد بن سويد نقول: لقد قال بعضهم: إنه لم يقتل (1). ونقول أيضا: لماذا اختص بأجر شهيدين، دون غيره من سائر الشهداء ؟ ! وهل ثمة فرق بين من يقتله أهل الكتاب وبين من يقتله غيرهم ؟ ! ولماذا لما ينل من يقتله المشركون أجر شهيدين أيضا ؟ ! أم أن جهاد أهل الكتاب أصعب من جهاد غيرهم ؟ أو أن سيوفهم أحد من سيوف من عداهم. والآلام التي يواجهها المجاهدون معهم أشد من الآلام مع غيرهم ؟ ! ولنا أن نحتمل هنا: أن الهدف هو تقديم خدمة جليله للسائب بن خلاد بن سويد الذي ولي لمعاوية اليمن (2) فلعلهم أرادوا تعظيم شأن من هو من حزبهم، ومكافأته على إخلاصه لهم، فاخترعوا لأبيه هذه الأوسمة: وسام الشهادة، ووسام أجر شهيدين. ب: أما بالنسبة لمنذر بن محمد، فشهادته أيضا في بني قريظة موضع شك وريب. وذلك لما يلي: 1 - قال ابن شهر أشوب: " لم يقتل فيه من المسلمين غير خلاد " (3).


(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 344 / 345. (2) أنساب الأشراف ج 1 ص 344 / 345. (3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 ط دار الأضواء، وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 126. ونهاية الأرب ج 17 ص 196. (*)

[ 207 ]

2 - قال ابن حزم عن خلاد بن سويد وأبي سنان بن محصن: " ولم يصب غير هذين " (1). ج: أما بالنسبة لموت أبي سنان بن محصن، فهو أيضا مشكوك فيه، إذ أن " منهم من قال: بقي إلى أن بايع تحت الشجرة " (2). وتقدم قولهم: لم يقتل من المسلمين غير خلاد.. فاتضح مما ذكرناه أنه لم يثبت استشهاد أي من هؤلاء الثلاثة في بني قريظة.. الشهدا أشخاص آخرون: وبعد ما تقدم نقول: إننا نجد في شعر حسان بن ثابت ما يشير إلى وجود قتلى غير هؤلاء، قد استشهدوا في هذه الغزوة. فهو يقول في رثاء سعد بن معاذ، وجماعة ممن استشهد يوم بني قريظة: صبابة وجد ذكرتني إخوة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت * منازلهم فالأرض منهم بلاقع (3) أما قول البعض: إن الذين قتلوا من المسلمين في قريظة كانوا ثلاثة نفر، وفي الخندق ستة (4) فلعله ناظر إلى أولئك الثلاثة الذين تقدمت أسماؤهم، وذكرنا ما يوجب الشك في صحة ذلك. أو هو ناظر إلى الذين ذكرهم حسان، ويزعم البعض من أن مجموع شهداء


(1) جوامع السيرة النبوية ص 157. (2) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 273. (3) البداية والنهاية ج 4 ص 136 وسيأتي في هذا الشعر مع بقية مصادره. (4) الكامل في التاريخ ج 2 ص 187. (*)

[ 208 ]

الخندق وقريظة، كان ستة نفر (1). لكن قد تقدم في الجزء التاسع ذكر عدد من استشهد من المسلمين في الخندق. وقد تراوحت الأقوال ما بين أربعة إلى ثمانية شهداء.. والأقوال في شهداء بني قريظة قد ذكرناها آنفا.. فما ذكره صاحب البدء والتاريخ، هنا لعله جاء نتيجة جمعه بين القولين وهما: الأربعة في الخندق، والاثنان في قريظة. أو خمسة في الخندق، وواحد في قريظة. وقد ظهر الحال مما ذكرناه فلا حاجة للإعادة.. لأنها ستكون خالية عن الإفادة.


(1) البدء والتاريخ ج 4 ص 220. (*)

[ 209 ]

الفصل السادس الغنائم والأسرى

[ 211 ]

الغنائم: قالوا: " وجعت أمتعتهم، فكانت ألفا وخمس مئة سيف، وثلاث مئة درع، وألفي رمح، وخمس مئة ترس وجحفة، وجمالا كانت نواضح، وأثاثا وآنية كثيرة. وماشية وشياها كثيرة. ووجدوا جرار خمر، فأهريق، ولم يخمس " (1). " وأمر بالسلاح والأثاث، والمتاع، والثياب، فحمل إلى دار بنت الحارث. وأمر بالإبل والغنم فتركت هناك ترعى في الشجر " (2). تخميس الغنائم وقستها: ثم قسم (ص) النساء، والأبناء والأموال، بعد أن أخرج الخمس،


(1) الوفا ص 695. وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 496 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 340 والمغازي للواقدي ج 2 ص 509 / 510 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 19 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 245 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 75 وعيون الأثر ج 2 ص 74. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 / 513 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 22. وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 75. (*)

[ 212 ]

والصفى منها. ويقولون: إنه (ص) أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. أما الراجل، فأعطاه سهما واحدا (1). وكانت خيل المسلمين ستة وثلاثين (2) أو ثمانية وثلاثين فرسا (3). ويزعم الواقدي أنه كان للزبير فرسان، فأسهم له النبي (ص) خمسة أسهم (4) وقاد رسول الله (ص) ثلاثة أفراس، فلم يضرب إلا سهما واحدا (5). قالوا: " ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا


(1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وراجع المصادر التالية: الثقات ج 1 ص 278 وجوامع السيرة النبوية ص 155 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 وعيون الأثر ج 2 ص 75 والكامل في التاريخ ج 2 ص 187 والبداية والنهاية ج 4 ص 126 وبهجة المحافل ج 1 ص 276 والاكتفاء ج 2 ص 186. وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 252 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 والمغازي للواقدي ج 2 ص 521 - 525 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28. (2) راجع المصادر في الهامش السابق والمغازي للواقدي ج 2 ص 522 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 75 ط صادر والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 ونهاية الأرب ج 17 ص 196. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 والارشاد للمفيد ص 65. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 525. (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28. (*)

[ 213 ]

لفرسين " (1). قالوا: ولم تقع القسمة ولا السهم إلا في غزاة بني قريظة (2). وقالوا أيضا: " كان هذا أول فئ وقعت فيه السهمان والخمس (3)، فعلى سنتها وما أمضى رسول الله (ص) فيها وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي " (4). وقال ابن سعد: " وأمر بالغنائم فجمعت، فأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع في من يزيد، وقسمه بين المسلمين " زاد الواقدي قوله: وقسمت النخل (5). وكان المسلمون ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثين فرسا. فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما (6).


(1) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 252. (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24. (3) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 وعيون الأثر ج 2 ص 75 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 والبداية والنهاية 4 ص 126 والكامل في التاريخ ج 2 ص 187 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 والاكتفاء ج 2 ص 186 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 252 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 والسيرة الحلبية ج 2 ص 339 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24. (4) راجع المصادر في الهامش السابق باستثناء سيرة ابن كثير والبداية والنهاية. (5) طبقات ابن سعد ج 2 ص 75 ط صادر وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 117 ونهاية الأرب ج 17 ص 196 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 521 - 525 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28. (*) (6) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 وراجع: =

[ 214 ]

أما الأموال فجزئت خمسة أجزا وكتب في سهم منا لله، وكانت السهمان يومئذ بواء (أي سواء) فخرجت السهمان. وكذلك الرثة، والإبل، والغنم والسبي، ثم فض أربعة أسهم على الناس. وأحذي (أي أعطى من الغنيمة، وفي نص آخر: أخذ فئ رسول الله) النساء، اللاتي حضرن القتال يومئذ: صفية بنت عبد المطلب وأم عمارة، وأم سليط، وأم العلاء، والسمراء بنت قيس، وأم سعد بن معاذ (1). وكبشة بنت رافع (2) ولعلها أم سعد بن معاذ نفسها. وأسهم لخلاد بن سويد، قتل تحت الحصن، ولأبي سنان بن محصن، مات ورسول الله (ص) محاصرهم، وكان يقاتل مع المسلمين (3). وكان (ص) يسهم ولا يتخير (4). وبتعبير آخر: " وكذلك صنع من رثتهم، قسمت قبل أن تباع، وكذلك النخل عزل خمسه، وكل ذلك يسهم عليه خمسة أجزاء. ويكتب في سهم منها فيئه، ثم يخرج السهم، فحيث طارسهم أخذه،


= نهاية الأرب ج 17 ص 196. (1) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 إمتاع الأسماع ج 2 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 / 29 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 339. (2) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 522 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 والسيرة الحلبية ج 2 ص 341. (4) المغازي ج 2 ص 524 و 523 وراجع: نهاية الأرب ج 17 ص 196. (*)

[ 215 ]

ولم يتخير " (1). وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، وهو الذي قسم المغنم بين المسلمين (2). ونقول: إن لنا هنا وقفات، وتأملات، نشير إلى طائفة منها فيما يلي: ألف: جرار الخمر في بني قريظة: قد ذكرت بعض النصوص: أنهم وجدوا جرار خمر، فهريق ما فيها. " وهذا يدل على أن الخمر كانت محرمة قبل ذم: " (3) وقد تحدثنا عن أن تحريم الخمر قد كان في أول الإسلام، وقبل الهجرة في موضع آخر من هذا الكتاب فراجع. ب: أول فئ جربت فيه السهمان: قالوا: إن فئ بني قريظة كان أول فئ جرت فيه السهمان. ونقول: قال الحلبي: فيه نظر، لأن ذلك " إنما كان في بني قينقاع، فإن الفئ الحاصل منهم خمس خمسة أخماس، أخذ (ص) واحدا، والأربعة * (هامش) (1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 / 524 وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 75 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 وراجع: نهاية الأرب ج 17 ص 196. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 339 / 340. (*)

[ 216 ]

لأصحابه " (1). وخمس أيضا الغنائم في بدر، بل وفي موارد أخرى أيضا. حسبما ذكرناه أثنا هذا الكتاب في موارده المناسبة. فلعل الصحيح هو أنه (ص) " أسهم للخيل، فكن أول يوم وقعت فيه السهمان لها " (2). وعلى حد تعبير اليعقوبي: " كان أول مغنم أعلم فيه سهم الفارس " (3). لكن من الواضح: أن الخيل كانت موجودة في غزوة بدر. فلا بد من التحقيق إن كان النبي (ص) قد جعل لها سهما أم لا. ج: سهام الخيل: وذكرت الروايات المتقدمة أنه (ص) أعطى للفرس سهمين، ولصاحبه سهما واحدا، وكان للزبير فرسان فأعطاه خمسة أسهم. ونقول: أولا: لا ندري ما هو المبرر لإعطاء الفرس سهمين، ولصاحبه سهما واحدا، فهل للفرس نشاط حربي يزيد على ما لصحابه ؟ ! ثانيا: قد روي عن الزير بن العوام أنه قال: شهدت بني قريظة فارسا، فضرب لي سهم، ولفرسي سهم (4). ثالثا: قال اليعقوبي: والشيخ المفيد: " قسمت أموال بني قريظة ونساؤهم وأعلم سهم الفارس، وسهم الراجل،، فكان الفارسي يأخذ


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 339. (2) فتح الباري ج 7 ص 319 ووفاء الوفاء ج 1 ص 308. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 والارشاد للمفيد ص 65. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 524. (*)

[ 217 ]

سهمين، والراجل سهما " (1). سبي بني قريظة: لم يكن الإسلام مهتما بالرق، وبالاسترقاق، لولا أنه يريد دفع غائلة الآخرين عنه وقصة سبي بني قريظة كما يرى البعض، تدل على أنه (ص) قد أنشأ الرق على أعدائه في ميدان القتال، معامللهم بالمثل، إذ لو أسروا المسلمين لاسترقوهم بل كان المشركون يسترقون الآخرين من غير قتال. بل كانوا أخذوا بعض المسلمين غدرا كما تقدم في غزوة الرجيع فباعوهم، وأذاقوهم أشد العذاب. فالنبي (ص) سبى في الحرب واسترق عملا بمبدأ المقابلة بالمثل، لكن أعداءه استرقوا من المسلمين بغير حرب (2). الصفى من السبي: وكان (ص) قد أخرجه الخمس من المغنم قبل بيعه، وتقسيمه، فكان يعتق من هذا الخمس، ويهب منه، ويخدم منه من أراد (3). وروي: أنه كان لرسول الله (ص) جارية يقال لها ربيحة، أخذها من سبي بني قريظة، وجعلها في نخل له يدعى نخل الصدقة.


(1) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 53 والارشاد للمفيد ص 65. (2) راجع: خاتم النبيين ج 2 ص 955 / 956. (3) راجع: المغازي ج 2 ص 523 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 75 والمواهب اللدنية ج 1 ص 117. (*)

[ 218 ]

وقد يظهر من بعضهم: أنها نفس ريحانة الآتي ذكرها (1). واختار من سبي بني قريظة جارية يقال لها: تكانة بنت عمرو. وكانت في ملكه فلما توفي (ص) زوجها العباس (2) وذكروا أيضا: أنه (ص) قد اصطفى عمرة بنت خنافة (3). وقال اليعقوبي: " إنه (ص) اصطفى من السبي ست عشرة جارية، فقسمها على فقراء بني هاشم، وأخذ لنفسه منهم واحدة، يقال لها ريحانة " (4). وقد كان يحق للنبي أن يصطفي من المغنم قبل قسمته، وقبل إخراج خمسه. وكان من الواضح: أن النبي لم يكن يهمه إلا حل مشكلات الفقراء والمعزوين، فلم يكن يستفيد مما يصطفيه استفادة شخصية، ليزيد من ثروته المالية، أو ليشبع نهما غريزيا له بالنساء. ريحانة جارية رسول الله (ص): وكان في جملة سبي بني قريظة جارية اسمها ريحانة. وقد اختلف في نسبها. فهل هي ريحانة عمرو بن خنافة (حذافة قنافة حصافة) (5) أم


(1) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 543 و 453. (2) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء 1 ص 209 عن تاج التراجم. (3) المصدر السابق ج 1 ص 252. (4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و 53. (5) الثقات ج 1 ص 278 وراجع: الإصابة ج 4 ترجمة ريحانة وجوامع السيرة النبوية ص 155 / 156 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 وعيون = (*)

[ 219 ]

هي بنت زيد (1). أم بنت شمعون بن زيد بن خنافة، بن عمرو، بن قريظة (2). وشمعون هو نفس عمرو (3) إلى آخر ما هنالك مما يمكن ملاحظة في المصادر المختلفة. وقالوا: إنها كانت من بني النضير، متزوجة من رجل من بني قريظة اسمه: الحكم (4) وعند ابن حبيب: عبد الحكم (5). وقد اصطفاها النبي (ص) لنفسه (6) وكانت جميلة وسمية (7). قال الواقدي وغيره ما ملخصه: إن النبي (ص) اصطفاها، فأبت أن


= الأثر ج 2 ص 75 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 والبداية والنهاية ج 1 ص 126 والكامل في التاريخ ج 2 ص 187 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 وقال: إن شمعون مولى رسول الله (ص). (1) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 209 والمغازي للواقدي ج 2 ص 520 / 521 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 27 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 وأنساب الأشراف ج 1 ص 454. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 والمحبر ص 94. وراجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 453 وراجع ص 515 و 443. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 346 وراجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 45 3 ولم يذكر اسمه. (4) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 520 و 521 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 27 / 28 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 وغير ذلك كثير. (5) المحبر ص 94. (6) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 وجميع المصادر التاريخية التي ذكرت أحداث هذه الغزوة. (7) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 27 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19. (*)

[ 220 ]

تسلم فوجد (ص) في نفسه. ثم ذكر ذلك لثعلبة بن سعية القرظي، فأقنعها بالإسلام، فأسلمت، فسر بذلك رسول الله (ص). ثم إرسلها إلى بيت سلمى بنت قيس، أم المنذر، فبقيت عندها حتى حاضت وطهرت، فخيرها النبي (ص) بين أن يعتقها، ويتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، وبين أن تكون في ملكه. فاختارت الثاني: فبقيت في ملكه، يطؤها حتى ماتت عند (1) مرجعه من حجة الوداع فدفنها بالبقيع (2). ويدل على ذلك ما عن ابن سيرين: أن رجلا لقي ريحانة بالموسم فقال لها: إن الله لم يرضك للمؤمنين أما فقالت: وأنت فلم يرضك الله لي ابنا (3). ونقول: إن لنا في هذا المقام نقاشا نلخصه فيما يلي: 1 - أما بالنسبة لما ذكره الواقدي وغيره عن ريحانة، فإننا نقول: أولا: إن عددا من المؤرخين يصرح، بأنها بقيت في ملكه (ص) حتى مات (4).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 520 / 521 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 / 347 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 27 / 28 وأنساب الأشراف ج 1 ص 454 ووفاء الوفاء ج 1 ص 309. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 347 وراجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 309. (3) أنساب الأشراف ج 1 ص 453. (4) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 126 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 / 243 ووفاء الوفاء ج 1 ص 308 وتاريخ الخميس ج 1 ص 49 8. 4990 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 252 / 253 وتاريخ ابن الوردي ج 1 = (*)

[ 221 ]

ثانيا: قولهم: إنه (ص) قد عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، ينافيه ما تقدم في قصة خيانة إلى أبي لبابة: عن أم سلمة، وكذا ما تقدم في الجزء التاسع من هذا الكتاب ص 295 عن عائشة: من أن الحجاب لم يكن قد فرض على نساء النبي حينئذ. ثالثا: إنهم يقولون: كانت بعد وفاة رسول الله (ص) تحتجب في أهلها، وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله (ص) قال الواقدي: فهذا أثبت الحديثين عندنا (1). رابعا: إنهم يقولون: إن النبي (ص) قد أعتقها تزوجها (2) بعد أن أسلمت، وحاضت، وأصدقها اثنى عشرة أوقية ونشا. أي نصفا، وأعرس بها في المحرم سنة ست (3). وقيل: بل جعل صداقها عتقها (4). خامسا: قد ذكروا: أن النبي (ص) طلقها بسبب غيرتها الشديدة،


= ص 163 والاكتفاء ج 2 ص 186 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 262 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 والبحار ج 20 من 278 والبدء والتاريخ ج 4 ص 220 والمحبر ص 94 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32. وجوامع السيرة النبوية ص 155 / 156 وراجع عيون الأثر ج 2 ص 75. (1) المغازي للواقدي ج 2 ص 521 وراجع: أنساب الأشرف ج 1 ص 454. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 521 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 249 وراجع: مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 209 وسيرة مغلطاي ص 57 ووفاء الوفاء ج 1 ص 309. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 والسيرة الحلبية ج 2 ص 347. (4) أنساب الأشراف ج 1 ص 454. (*)

[ 222 ]

ثم راجعها، وكان يقسم لها كسائر نسائه (1). سادسا: قال ابن شهر آشوب: إن ريحانة لم تسب في غزوة بني قريظة، بل أهداها المقوقس إليه هي ومارية القبطية. قال: ويقال: إنه أعتق ريحانة ثم تزوجها (2). ولم أجد هذا في أن مصدر آخر. واتفاق المؤرخين على سبيها يبعده كثيرا. 2 - أما بالنسبة لما نقله ابن سيرين، عن قصة ريحانة مع ذلك الرجل في موسم الحج فقد يناقش فيه بأن من الممكن أن يكون ذلك الرجل قد التقى بها في الموسم قبل زواج النبي (ص) بها في سنة ست. وهو كلام غير مقبول، إذ لم يمكن للمسلمين الحج إلى مكة إلا بعد فتح مكة في سنة ثمان. إلا أن يقال: إن عدم إمكان الحج إنما هو بالنسبة للنبي والمسلمين، لا بالنسبة لسبي بني قريظة، وبعض الأفراد الآخرين من الناس العاديين. ولكن هذا الكلام أيضا بعيد، فإن قريشا لم تكن تسمح لأحد من المسلمين بالحج في تلك الظروف الصعبة.. فلا تصلح رواية ابن سيرين، لا للاستدلال ولا حتى للتأييد. فالراجح بعد كل ما تقدم هو أنها قد بقيت بعد وفاة النبي (ص). لكن يبقى ثمة حالة من الشك فيما يقال عن تزوجل النبي (ص) منها، أو أنها بقيت في ملكه. وقد يكون الراجح هو عدم الزواج منها، طبقا للروايات الأخرى، ومنها ما ذكره ابن سيرين. (*)


(1) أنساب الأشراف ج 1 ص 454 والسيرة الحلبية ج 2 ص 347. (2) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 1 ص 209. (*)

[ 223 ]

ملاحظة هامة: إن ما يلفت نظرنا هو أنه (ص) لم يكره ريحانة على الإسلام، ولم يقدم لها مغريات مادية في هذا السبيل، إذ لا إكراه في الدين، ولأنه (ص) يريد لها أن تقتنع بالإسلام الصافي النابع من عمق ضميرها، وصافي وجدانها ولتقبل إليه عن قناعة عقلية وقلبية، وتفاعل مشاعري وروحي. ملاحظة أخرى: لعل عدم إسلام ريحانة قد كان في بادئ الأمر، حين عرض عليها ذلك. ثم لما استقر بها المقام وأعادت النظر في الأمور ظهر لها خطأ موقفها الأول، وعرفت الحق، فقبلته. عدد السبايا: قالوا: " وكانت نساؤهم وذراريهم سبع مئة وخمسين " (1) وقيل: تسع مئة (2). وقيل: كان السبي ألفا من النساء والصبيان (3). بيع السبي: وأمر (ص) فبيع السبي في من يريد (أو يزيد) (4) فاشترى أبو الشحم اليهودي امرأتين مع كل واحدة منهما ثلاثة أطفال غلمان، وجوار بخمسين ومئة دينار. وجعل يقول: ألستم على دين اليهود ؟ فتقول


(1) مجمع البيان ج 8 ص 352 والبحار ج 20 ص 212 وبهجة المحافل ج 1 ص 276. (2) بهجة المحافل ج 1 ص 276. (3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 16 والسيرة الحلبية ج 2 ص 338 والمغازي للواقدي ج 2 ص 523. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 521 و 522 و 524 و 525 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 28. (*)

[ 224 ]

المرأتان: لا نفارق دين قومنا حتى نموت عليه وهن يبكين (1). وباع من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف طائفته (2). وجعل عثمان لكل من جاء من سبيهم زيادة على الثمن الذي دفعه، وصار أكثر العجائز في سهم عثمان، فربح عثمان بذلك مالا كثيرا، لأن المال كان يوجد عند العجائز ولا يوجد عند الشواب. ويقال: لما اقتسما - أي عثمان، وابن عوف - جعلا الشواب على حدة، والعجائز على حدة، ثم خيره عبد الرحمان، فاختار عثمان العجائز (3). قال ابن سبرة: وإنما لم يؤخذ ما جاءت به العجائز، فيكون في الغنيمة، لأنه لم يوجد معهن إلا بعد شهر أو شهرين، فمن جاء منهن بالذي وقت لهن عتق، فلم يتعرض لهن (4). تفاوت الاهتمامات: ونود أو يتنبه القارئ العزيز إلى اهتمامات هذين الصحابيين المعروفين: عبد الرحمان بن عوف، وعثمان بن عفان، هنا، ويقارن بينها وبين قول علي (ع): يا دنيا غري غيري، ثم موقفه عليه السلام من


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 / 523 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 339. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 250 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 وإمتع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 346. (4) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29. (*)

[ 225 ]

سلب عمرو بن عبد ود الذي عاتبه فيه المعاتبون، وقد قدمنا ذلك في غزوة الخندق، فراجع. بيع السبايا وشراء السلاح: وبعث صلى الله عليه وآله وسلم سعيد (سعد) بن زيد الأشهلي. سبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خييلا وسلاحا (1). ويقولون أيضا: إنه صلى الله عليه وآله بعث بطائفة من سبي بني قريظة مع سعد بن عبادة إلى الشام، يبيعهم، ويشتري بهم سلاحا وخيلا (2). قال الحبي: " فاشتري بذلك خيلا كثيرا قسمها رسول الله (ص) على المسلمين " (3). ولعله (ص) قد أرسل إلى نجد وإلى الشام معا.


(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 وعيون الأثر ج 2 ص 75 والبداية والنهاية ج 4 ص 126 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 ونهاية الأرب ج 17 ص 196 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 186 والمحبر ص 93 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 252 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 ومجمع البيان ج 8 ص 352، والبحار ج 20 ص 212 و 278 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242. وراجع: خاتم النبيين ج 2 ص 955 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 276. (2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 / 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 29 و 24 و 25 والمغازي للواقدي ج 2 ص 523 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 346 ومجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الصغير الأوسط. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 346. (*)

[ 226 ]

ونقول: ألف: إن شراء السلاح يدخل في سياسة الردع السلبي، من خلال ما يثيره هذا السلاح الوفير، من خوف ورعب لدى أعداء الدعوة الإسلامية. ولا سيما إذا كانت مضاعة القوة التسليحية قد جاءت بعد حروب قوية ومصيرية، كحروف بدر، وأحد والأجزاب، وبعد القضاء على شكوة اليهود في محيط عاصمة الإسلام بعد استئصال شأفة بني قينقاع، والنضير، وبني قريظة. ب: والملفت للنظر هنا: أنه (ص) قد قسم الخيل والسلاح الذي اشتراه على المسلمين. الأمر الذي يعطي انطباعا بأن على الدولة أن تخطط للتسليح الكافي والوافي، ولا تقتصر على ما يتوفر لدى الناس العاديين. ج: ونكاد نطمئن إلى أن اذين باعهم في نجد، وفي الشام لم يكونوا من جملة الغنائم التي تعود ملكيتها للمقاتلين، بل هي من الخمس، الذي يعود البت فيه إلى رسول الله (ص) نفسه. إلا إذا قلنا - وذلك بعيد -: إن أرض بني قريظة لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فتعود ملكية كل ما يحصل منها إلى رسول الله (ص). ويكون إعطاء الرسول (ص) سهما للمقاتلين مع عدم حصول قتال، تفضل منه صلى الله عليه وآله وكرم. ويكون ما قالوه من تراشق بالنبال والحجارة بين المسلمين وبين بني قريظة غير دقيق، أو لم يصل إلى درجة يعد معها: إنه قد جرى قتال بين الجيشين. وأما إرسال أكابر أصحابه لفتح الحصن، ففشلوا ثم كان الفتح على يد علي عليه السلام، فهو لا يعني حصول اشتباكات قتالية بين

[ 227 ]

الفريقين أيضا. إذ قد يكون رعبهم من بني قريظة، أو احترامهم لهم، قد منعهم من قتالهم، فاثروا الهزيمة على الصمود. فلما جاء علي (ع) ونادى: يا كتيبة الإيمان. أدركوا أن عليا لن يكون كسلفه، فأخذهم ما قرب وما بعد، وكان الاستسلام الذليل. وكل ذلك يبقى مجرد رأي ولعلنا نجد في بيع سبي بني قريظة في الشام قرينة لذلك. لا يفرق بين الأم وولدها: وقد نهى (ص) أن يفرق بين سبي بني قريظة في القسم والبيع بين النساء والذرية. وقال يومئذ: لا يفرق بين الأم وولدها حتى يبلغوا فقيل: يا رسول الله، وما بلوغهم ؟ ! قال: تحيض الجارية، ويحتلم الغلام (1) وكان (ص) يومئذ يفرق بين الأختين إذا بلغتا، وبين الأم وابنتها إذا بلغت (2). وكانت الأم تباع وولدها الصغار لمشركي العرب، وليهود المدينة، وتيماء وخيبر، يخرجون بهم، فإذا كان الوليد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين، ولا من اليهود، إلا من المسلمين (3). وابتاع يومئذ محمد بن مسلمة امرأة من السبي معها ابناها بخمسة


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 والامتاع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 والحلبية 2 / 346. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 والحلبية 2 / 346. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 524. والإمتاع 1 / 252 وسبل الهدى وارشاد ج 5 / 30 وراجع: الحلبية 2 / 346. (*)

[ 228 ]

وأربعين دينارا (1). بلوغ الجارية بالسن، أم بالحيض: قد عرفنا، أنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد حدد البلوغ في غزوة بني قريظة بقوه: تحيض الجارية، ويحتلم الغلام، حسبما رواء الواقدي (2). ونقول: ان هذا موضع شك وريب عندنا، فقد ثبت عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أهل بيته الطاهرين: 1 - ان بلوغ الغلام لا ينحصر بالاحتلام، بل قد يكون بالسن، وبغيره أيضا. 2 - ان بلوغ الجارية إنما يتحقق بإتمامها تسع سنين، وقد دلت على ذلك روايات كثيرة. سيأتي التعرض لها إن شاء الله تعالى. وستأتي أيضا الروايات التي استند إليها القائلون بأن بلوغها يكون بالحيض. ذاكرين إن شاء الله تعالى ما يفيد في الجمع ورفع التعارض فيما بين تلك الروايات - ولكننا نشير قبل ذلك إلى أن بعض الناس قد استدل على بلوغ الجارية بالحيض بآية قرآنية، فنحن نشير إلى كيفية استدلاله على ذلك، وإلى وضوح وبداهة بطلان ما يدعيه، فنقول:


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 524. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 251 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 والسيرة الحلبية ج 2 ص 246. (*)

[ 229 ]

حتى إذا بلغوا النكاح: استدل البعض على أن بلوغ الجارية إنما هو بالحيض بقوله تعالى: (وابتلوا اليتامي، حتى إذا بلغو النكاح، فإن آنستم منهم رشدا، فادفعوا إليهم أموالهم) (1). معتبرا أن البلوغ الذي يجعل الإنسان مطالبا بتطبيق أحكام الشرع هو بلوغ النكاح، أي الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي، الذي يتحقق لدى الشاب بخروج المني، ولدى الفتاة بحدوث الحيض. ثم أيد ذلك بما نسبه إلى بعض الأطباء، الذين يعتبرهم أهل خبرة، وأن قولهم حجة. ومما قاله أيضا في هذا المجال: " إن الإنسان ذكرا كان أو أنثى يملك إرادته في أمواله وفي نفسه، عندما يبلغ. والآية الكريمة المتقدمة: (وابتلوا اليتامي، حتى إذا بلغوا النكاح) وهو مرحلة النضوج (فإن آنستم منهم رشدا، فادفعوا إليهم أموالهم) تدل على أن الفتاة البالغة إذا كانت رشيدة، فإنها تستقل في شؤونها، في الزواج، وفي المال، وفي غير ذلك. ونقول: أولا: إذا كان المعيار في البلوغ هو النضج الجنسي وكان التعبير الطبيعي عن ذلك هو خروج المني لدى الشاب، وحصول الحيض لدى الفتاة، فلا يبقى معنى لتحديد البلوغ بالسن كلية فإذا رأت الفتاة وهي في


(1) سورة النساء، الآية / 6. (*)

[ 230 ]

السابعة أو الثامنة من عمرها مثلا قبل بلوغها سن التاسعة دما بصفات دم الحيض فعلى هذا البعض أن يحكم بكونه حيضا، ويكون به بلوغها. مع أن الفقهاء يحكمون بكونه استحاضة وهو إجماعي عندهم (1) وأنه لا بلوغ قبل سن التاسعة ؟ مما يعني أن الروايات التي تحدث عن الحيض كعلامة للبلوغ، إنما أرادت أنه علامة على البلوغ في خصوص صورة الاشتباه في مقدار السن. وهي علامة مبنية على الغالب لا يلتفت معه إلى الشاذ النادر جدا فإذا علم بالسن كان هو المعيار، فلو خرج دم بصفة دم الحيض قبل سن التاسعة لا يعتد به، بل يعتبر استحاضة (2). ومهما يكن من أمر فمع الاشتباه في السن فإن الدم يكون علامة على البلوغ لأن الحيض لا يكون إلا بعد التسع فإذا علم بالحيض فقد علم بتجاوز التسع سنين. ويبقى لنا هنا سؤال وهو: ماذا لو تأخر دم الحيض (معيار النضج الجنسي) وكذلك تأخر خروج المني لدى الشاب إلى السادسة عشرة، أو الثامنة عشرة، أو أكثر ؟ ! فهل يحكم بتأخر البلوغ تبعا لذلك ؟ ! فإذا كان الجواب بالإيجاب فما معنى تحديد البلوغ بالخامسة عشرة لدى الشباب ؟ ! وبالثالثة عشرة لدى الفتاة حسبما صرح به نفس هذا القائل في موارد أخرى. وإذا كان الجواب بالنفي فذلك هو ما نريد بيانه وتقريره أن


(1) مفتاح الكرامة ج 1 ص 339 عن المعتبر والمنتهى، وشرح المفاتيح، والذكري والمدارك، ومجمع البرهان وستأتي إن شاء الله. (2) راجع: جواهر الكلام ج 26 ص 44 / 45. (*)

[ 231 ]

الحيض ليس هو الميزان في البلوغ. ثانيا: إن الآية لم تبين لنا: أن المقصود هل هو فعلية حصول قذف المني، وخروج دم الحيض أو حصول القابلية ؟ فإن القابلية تبدأ من سن التاسعة كما يستفاد من الروايات الآتية إن شاء الله. ومما يشير إلى ذلك: أنها عبرت ببلوغ النكاح أي حصول القابلية له ولم تشر إلى ما سوى ذلك. ثالثا: ليس في الآية الكريمة حديث عن البلوغ الشرعي، وإنما هي قد حددت شرطي تسليم أموال اليتامي إليهم وهما الرشد، وبلوغ النكاح، أي صيرورة اليتيم أهلا للزواج. فالأهلية للزواج شرط لدفع المال إليه، وإن كان الذي أصبح أهلا للزواج قد وضع عليه قلم التكليف قبل ذلك بسنوات. فلا ملازمة بين هذه الأهلية وبين البلوغ الشرعي بمعنى وضع قلم التكليف عليه. إذ قد تمنع الحالة الصحية والبنية الجسدية من تحقق أهلية الزواج والنكاح لكنها لا تمنع من وضع قلم التكليف. كما أن من الممكن أن يتأخر الرشد عن التكليف وعن حصول الأهلية للنكاح معا. ورابعا: لا نسلم أن بلوغ النكاح هو فعلية النضج الجنسي المتمثل بالحيض وقذف المني بل المراد القدرة على ممارسة الجنس دون أن يحدث ذلك سلبيات أو مشاكل عضوية كالإفضاء للفتاة وذلك في الظورف الطبيعية وحيث يكون ثمة تناسب بين الشريكين. أما بالنسبة للشاب، فبلوغ النكاح هو بخروج المني أو بلوغ السن الذي تتحقق معه قابلية النكاح عادة بالقياس إلى نوع الشباب وغالبيتهم وفي الروايات ما يفيد عدم الضمان إذا وطأ الزوجة بعد سن التاسعة

[ 232 ]

وثبوت الضمان لو وطأها قبل ذلك. كما دلت الروايات أيضا على أن الصبي الذي لا ينزل المني قد يطأ المرأة أيضا (1). خامسا: لو سلمنا: أن المراد هو النضج الجنسي فإننا نقول: إن هذا النضج والتجاوب الجنسي له مراتب، ولعل أقصاها هو حالة حصول الحيض في الفتاة وبلوغ سن الخامسة عشرة لدى الشباب. فقد يكون المراد ببلوغ النكاح هو بلوغ أولى تلك المراتب، كما تشير إليه كلمة (بلوغ). فإذا قيل: فلان بلغ درجة الاجتهاد مثلا فلا يعني ذلك أنه قد بلغ أعلى مراتبه بل يكفي بلوغه أولى تلك المراتب. وقد تكون أولى مراتب الحيوية والتجاوب الجنسي في الفتاة هي بلوغ البنت سن التاسعة. فلا يلزم من بلوغ النكاح حصول الحيض بالفعل، بل قد يبلغ النكاح مع علمنا بعدم حصول الحيض فعلا. وبعدما تقدم فإن النتيجة هي: أن المعيار هو السن وخروج المني في الذكور. وبلوغ التاسعة في الإناث ولكن بما أن ذلك قد يشتبه أحيانا، بسبب عدم ضبط الناس لتواريخ مواليدهم، أو لاحتمال التزوير فيها أحيانا، من أجل التخلص والتملص من أمر مكروه لهم فقد جعل الإنبات في الذكر والأنثى والحيض في الأنثى علامة على ذلك، لأن ذلك يعني إلا فيما ندر ندرة كبيرة أن من تحيض، أو من أنبت قد تجاوز السن المحدد للتكليف. وهذا بالذات هو ما حصل في بني قريظة (2) وأشارت إليه بعض النصوص التي تقول: فإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ، فإنه يمتحن بريح


(1) راجع: وسائل الشيعة، ط مؤسسة آل البيت ج 28 ص 82 و 83. (2) جامع المدارك ج 3 ص 362 وقد صرح بالإنبات فقط. (*)

[ 233 ]

إبطه، أو نبت عانته، فإذا كان ذلك، فقد بلغ (1). سادسا: إن هذا القائل قد جعل البلوغ منوطا بالنضج الجنسي المتمثل بزعمه بحدوث الحيض للفتاة بالفعل.. وجعل أمر الشارع بإعطاء المال لها في هذه الحال إذا كانت رشيدة من آثار هذا البلوغ الشرعي المصاحب للرشد. فإذا صح جعل إعطاء المال قرينة على تحقق البلوغ الشرعي، حين البلوغ الجنسي فلم لا يجعل جواز الوطء الذي هو ممارسة فعلية للجنس دليلا على هذا البلوغ الجنسي الشرعي. وقد حددت الروايات جواز الوطء هذا بسن التاسعة، سواء حصل حيض فعلا أم لم يحصل. كما أن الروايات قد ذكرت آثارا أخرى لذلك كوجوب استبراء الأمة إذا كانت بنت تسع سنين.. وغير ذلك والاستبراء يشير إلى امكانية الحمل وهو معنى النضج الجنسي. ونحن نشير فيما يلي إلى طائفتين من هذه الروايات، التي يمكن تصنيفها إلى طوائف، فلاحظ ما يلي: الطائفة الأولى: ذلك القسم الذي تحدث عن عم جواز وطء الجارية قبل بلوغ تسع سنين. أو أنه إذا دخل بها قبل ذلك فأفضاها كان ضامنا، ونذكر منها ما يلي: 1 معتبرة غياث ابن إبراهيم عن علي عليه السلام (2). 2 وثمة رواية أخرى عنه عليه السلام (3).


(1) الوسائل ج 13 ص 428 وتفسير القمي ج 1 ص 131. (2) راجع التهذيب للشيخ الطوسي ج 7 ص 410. والوسائل ج 20 ص 103 أبواب مقدمات النكاح باب 45 ج 7. (3) تهذيب الأحكام ج 3 أو 1 ص 234 ج 57. (*)

[ 234 ]

3 وصحيحة الحلبي عن الإمام الصادق. وثمة رواية أخرى عن الحلبي عن الصادق عليه السلام (1) أيضا. 4 ورواية أبي أيوب عنه عليه السلام (2). 5 وحديث أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام (3). 6 وصحيحة حمران عن الإمام الصادق عليه السلام (4). 7 ورواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام (5). 8 وموثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (6) التي ردد فيها بين التسع والعشر سنين.


(1) الكافي ج 5 ص 398 رقم 2 و 4. والوسائل ج 20 ص 101 / 103 باب 45 من أبواب / مقدمات النكاح. وتهذيب الأحكام ج 7 ص 410. وراجع: الخصال ص 420. ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 413. (2) الكافي ج 5 ص 429 ح 12 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 311 ح 49 و 50. (3) الكافي ج 5 ص 398 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 391 ح 42 وراجع: ص 451. وراجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 214 ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى ص 71 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 213، و 214 والوسائل ج 20 ص 102. (4) الوسائل ج 20 ص 104 ح 493 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 431 و 432. (5) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 413، وتهذيب الأحكام ج 7 ص 410. (6) تهذيب الأحكام ج 7 ص 451 ح 14 وص 410 وج 9 ص 184 ح 742 وراجع: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 412 ح 4440 وج 4 ص 221 والكافي ج 7 ص 68 وج 5 ص 398 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 214 والوسائل ج 19 ص 366 وج 18 ص 411 وج 20 ص 102. وراجع: الخصال ص 420. (*)

[ 235 ]

9 وصحيح رفاعة عن الإمام الكاظم عليه السلام (1) وفيها: أن الطمث قد تحبسه الريح. 10 ومرسل يعقوب بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام (2). 11 وحديث عمار السجستاني عن أبي عبد الله عليه السلام (3). 12 وعن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عليه السلام (4). 13 - وذكرت الروايات: أن عليا عليه السلام بني بفاطمة، وهي بنت تسع سنين " (5). 14 وروايات تدعي: أن النبي (ص) قد بني بعائشة، وهي بنت تسع أو عشر سنين (6) وإن كنا قد شككنا بقوة في صحة هذه الروايات، فراجع (7).


(1) الكافي ج 3 ص 108 وج 5 ص 475 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 468 ج 8 ص 177 والاستبصار ج 3 ص 364 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 94 والوسائل ج 2 ص 339 وج 21 ص 86. (2) الوسائل ج 20 ص 494 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 311 والاستبصار ج 4 ص 295 والكافي ج 5 ص 429. (3) الكافي ج 5 ص 398 / 399 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 391 و 451 والوسائل ج 20 ص 102. (4) الوسائل ج 20 ص 103 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 410. (5) الكافي ج 8 ص 340 والبحار ج 19 ص 113 و 116 ومصادر ذلك كثيرة فراجع ولادة فاطمة الزهراء في كتابنا هذا. (6) راجع: الكافي ج 7 ص 388 والبحار ج 22 ص 235 ومصادر ذلك كثيرة. (7) راجع ج 3 ص 285. (*)

[ 236 ]

15 رواية بريد العجلي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام (1). فإن الروايات المتقدمة كلها قد تحدثت عن جواز وطء بنت تسع سنين، وعدم الضمان لو حدث أمر ما بسبب ذلك. وبعضها كموثقة زرارة عن أبي جعفر قد رددت بين التسع والعشر سنين. فهذا الترديد إن كان من الراوي فلا إشكال. وإن كان من الإمام، فهو محمول على ملاحظة قدرة بنت تسع على تحمل الوطء أحيانا، بسبب ضعف بنيتها، أو بسبب عدم التناسب بينها وبين الطرف الآخر من ناحية جسدية. وإن كان البعض قد حمله على الترديد من حيث الأفضلية والاستحباب. الطائفة الثانية: هناك قسم آخر من الروايات تحدث عن وجوب استبراء الجارية إذا كانت بنت تسع سنين ووجوب العدة عليها كذلك، وإنه لا يجوز له وطؤها إذا لم يستبرئها ولا الزواج منها بدون ذلك وهو واضح الدلالة على وجود النضج الجنسي لديها، لأن إمكانية الحمل الذي يراد التحرز منه، لا يعني غير ذلك ونذكر من هذه الروايات ما يلي: 16 رواية عن الإمام الرضا عليه السلام، دالة على وجوب استبراء الجارية شهرا، إذا كانت بنت تسع سنين، إذا كانت لم تدرك مدرك النساء في الحيض، وإذا كانت دون تسع، فلا استبراء لها (2).


(1) تهذيب الأحكام ج 10 ص 249 والاستبصار ج 4 ص 294 والكافي ج 7 ص 314 ح 18 والوسائل ج 20 ص 494. (2) الوسائل ج 21 ص 85 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 19 رقم 44. (*)

[ 237 ]

17 رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله في عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض ويخاف عليها الحبل. قال: خمسة وأربعون ليلة (1). وراجع رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله (2) عنه (ع) والمراد ببلوغ المحيض هنا هو حدوث الحيض بالفعل. أي لم يحدث لها ذلك. 18 وكذا رواية ربيع بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام (3). 19 حديث عبد الله بن عمر، عن أبي عبد الله، في الجارية الصغيرة، يشتريها الرجل، وهي لم تدرك، أو قد يئست من المحيض. فقال عليه السلام: لا بأس بأن لا يستبرئها (4). 20 ورواية الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام مثل حديث ابن عمر (5). 21 وحديث أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، في الجارية الصغيرة التي لم تطمث، وليست بعذراء، يستبرئها ؟ قال (ع): أمر شديد، إذا كان مثلها يعلق، فيستبرئها (6).


(1) الوسائل ج 21 ص 84 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 172 والاستبصار ج 3 ص 358. (2) تهذيب الأحكام ج 8 ص 172 والاستبصار ج 3 ص 358 والوسائل ج 21 ص 84. (3) الوسائل ج 21 ص 84 / 85 و 104 / 105 وح 18 ص 258 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 170 والكافي ج 5 ص 473 والاستبصار ج 3 ص 358. (4) الوسائل ج 21 ص 85 وج 18 ص 260 والكافي ج 5 ص 472. (5) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 446 ح 4546 والوسائل ج 21 ص 85. (6) الوسائل ج 21 ص 85 والكافي ج 5 ص 475 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 176 والاستبصار ج 3 ص 362. (*)

[ 238 ]

22 رواية عبد الرحمان بن الحجاج عن الإمام الصادق عليه السلام، حول الثلاثة اللاتي يتزوجن على كل حال، أي من دون حاجة إلى عدة، وذكر أن بنت تسع ليست منهن، بل هي بحاجة إلى عدة. وفيها: أن التي لم تبلغ تسعا فهي لا تحيض، ومثلها لا تحيض (1). وقد وصف البعض هذه الرواية ب‍ " الموثقة ". ولكن آية الله الخوئي قد اعتبر هذه الرواية ضعيفة السند (2) وهو كما قال. 23 صحيحة الحلبي، حول جواز وطء الجارية التي لم تطمث بسبب كونها صغيرة، وأنها بحاجة إلى عدة، إن كانت قد بلغت (3). أي بلغت مرحلة الحبل، فإن العدة، إنما هي للاستبراء من هذه الناحية، كما ذكره آية الله الخوئي (4). 24 صحيحة حماد بن عثمان، عن الإمام الصادق. في الصبية التي لا يحيض مثلها والتي يئست من المحيض، قال: ليس عليها عدة (5) وإن دخل بها. 25 صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما في التي تحيض كل ثلاثة


(1) الكافي ج 6 ص 85 وراجع: تهذيب الأحكام ج 7 ص 469 وج 8 ص 67 و 137 والاستبصار ج 3 ص 337 والوسائل ج 22 ص 179 و 181 و 183. (2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى ج 6 ص 86. (3) الوسائل: ج 21 ص 83 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 171 والكافي ج 5 ص 473 والاستبصار ج 3 ص 357. (4) مباني العروة الوثقى ج 1 ص 154. (5) الوسائل ج 22 ص 178 و 171 و 182 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 66 و 137 والكافي ج 6 ص 85 والاستبصار ج 3 ص 337. (*)

[ 239 ]

أشهر، أو في ستة أو في سبعة أشهر، والمستحاضة، والتي لم تبلغ المحيض... إلى أن قال: فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر (1) ولا يكون ذلك إلا في فرض الدخول بهن. 26 رواية ابن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام: في الجارية لم تطمث، ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة، يقع عليها (2). 27 حديث هارون بن حمزة الغنوي عن الإمام الصادق عليه السلام، في جارية حدثة، طلقت، ولم تحض بعد، فمضى لها شهران، ثم حاضت أتعتد بالشهرين ؟ قال (ع): نعم. إلخ.. (3). 28 - وقريب منه حديث ابن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام (4). 29 حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: التي لا يحبل مثلها لا عدة عليها (5) فإن الكلام إنما هو في صورة الدخول بها. حيث يظهر أنه ناظر إلى التي لم تبلغ التاسعة، والتي يئست من المحيض.


(1) جواهر الكلام ج 32 ص 247 والوسائل ج 22 ص 183 / 184 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 119 و 120 والاستبصار ج 3 ص 323 والكافي ج 6 ص 99. (2) الوسائل ج 21 ص 83 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 171 والاستبصار ج 3 ص 357. (3) تهذيب الأحكام ج 8 ص 139 والوسائل ج 22 ص 181. (4) تهذيب الأحكام ج 8 ص 138 والوسائل ج 22 ص 180. (5) الوسائل ج 22 ص 170 و 182 والكافي ج 6 ص 85 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 68 والاستبصار ج 3 ص 338. (*)

[ 240 ]

30 عن أبي بصير قال: عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، والتي تعدت من المحيض ثلاثة أشهر (1) فإن أخذنا بروايات ابن أبي حمزة البطائني باعتبار أنهم إنما كانوا يروون عنه قبل وقفه فهذه الرواية تكون صحيحة ومعتبرة. وقد يقال: لم يظهر أن هذا هو ما يذهب إليه أبو بصير شخصيا أو أنه ينقله عن المعصوم. والجواب: إن أبا بصير لا يقول ذلك من عند نفسه في أمر توقيفي كهذا. لكن الشيخ وغيره قد حملوا هذه الرواية على المسترابة، أي التي لا تحيض، وهي في سن من تحيض (2). 31 رواية جميل بن دراج عن الإمام الصادق والامام الباقر عليهما السلام في الرجل يطلق الصبية، التي لم تبلغ وقد كان دخل بها، والمرأة التي قد يئست من المحيض، وارتفع طمثها ولا تلد مثلها، قال: ليس عيلهما عدة (3)، وإن دخل بها. روايات تحديد البلو بالتسع: أما الروايات التي حددت البلوغ بالتسع بشكل صريح فهي التالية:


(1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 67 و 138 والاستبصار ج 3 ص 338 والكافي ج 6 ص 85 والوسائل ج 22 ص 179. (2) راجع: الوسائل ج 22 ص 179 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 68 والمختلف ج 6 ص 611 والكافي ج 6 ص 86 عن معاوية بن حكيم. (3) من لا يحضره الفقيه ط جماعة المدرسين ج 3 ص 513 والكافي ج 6 ص 84 / 86 وتهذيب الأحكام ج 8 ص 66 والوسائل ج 22 ص 178 وعن هامشه عن السرائر. (*)

[ 241 ]

32 ما رواه محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن الإمام الصادق عليه السلام: حد بلوغ المرأة تسع سنين (1) وهي رواية معتبرة. 33 مرسلة أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام: إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها، وأقيمت الحدود التامة لها وعلهيا (2). ويلاحظ: أن الرواية قد أوجبت دفع المال للجارية في سن التاسعة، فهي تصلح تفسيرا لآية: (وابتلوا اليتامي حق إذا بلغوا النكاح). 34 موثق الحسن بن راشد، عن العسكري عليه السلام: إذا بلغ الغلام ثماني سنين، فجائز أمره، ووجب عليه الفرائض، والحدود، وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك (3). فهذه الرواية وإن كانت قد حددت البلوغ للجارية ببلوغ تسع سنين لكن تحديدها لبلوغ الغلام بثمان سنوات يبقى منشأ للإشكال فيها من هذه الناحية. 35 وخبر سليمان بن حفص المروزي، عن الرجل عليه السلام، إذا تم للجارية تسع سنين. فجائز أمرها. وقد وجبت عليها الفرائض


(1) الخصال ص 421 والوسائل ج 20 ص 104 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 86 / 87. (2) الوسائل ج 19 ص 367 وج 18 ص 411 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 221 ح 5522. (3) جوهر الكلام ج 26 ص 37 لكن في تهذيب الأحكام ج 9 ص 183 وفي الوسائل ج 19 ص 212: سبع سنين. والظاهر: أنه تصحيف تسع، لأنهما في الرسم متقاربان. وما أكثر ما يقع ذلك بسبب عدم وجود النقط في السابق. (*)

[ 242 ]

والحدود (1). 36 حديث يزيد الكناس عن أبي جعفر عليه السلام: إذا بلغت الجارية تسع سنين ذهب عنها اليتم، وزوجت، وأقيمت الحدود التامة عليها ولها. وإن لم تدرك مدرك النساء في الحيض (2). وإذا ثبت اتحاد يزيد هذا مع بردة العجلي كانت الرواية صحيحة. 37 وقريب من ذلك رواية حمران عن أبي جعفر عليه السلام (3). 38 موثقة عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام، التي عللت المثوبة والعقوبة للبنت ببلوغ تسع سنين، بأنها تحيض لتسع سنين (4). 39 وأخيرا، فقد قال صاحب الجواهر: إن بعض الروايات تقول: إذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها (5).


(1) تهذيب الأحكام ج 9 ص 184 ح 16 / 4 وج 10 ص 120 ح 481. والاستبصار ج 4 ص 249 ح 945 والوسائل ج 28 ص 397 وجواهر الكلام ج 26 ص 36 / 37 وفي هامشه عن المستدرك ج 1 ص 7. (2) الاستبصار ج 3 ص 237 ح 855 والكافي ج 7 ص 198 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 221 وتهذيب الأحكام ج 10 ص 38 ح 133 وج 7 ص 382 ح 1544 والوسائل ج 1 ص 43 وكتاب الحدود باب اشتراط البلوغ في وجوب الحد تاما. (3) الكافي ج 7 ص 197 و 198 وتهذيب الأحكام ج 10 ص 37 و 38 ح 132 و 133 والوسائل ج 17 ص 360 وج 18 ص 411. وراجع: مستطرفات السرائر ص 428. (4) الوسائل ج 19 ص 365 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 184 والكافي ج 7 ص 68. (5) جواهر الكلام ج 3 ص 142. (*)

[ 243 ]

مع احتمال أن يكون رحمه الله قد استفاد هذا الحكم من خلال الروايات المتقدمة، وليس هذا نص رواية بخصوصها. حصيلة ما تقدم: وقد اتضح من خلال طوائف الروايات المختلفة والكثيرة التي قدمناها مثل صحيحة الحلبي وغيرها: أن البلوغ غير مقيد بحدوث حيض فعلي، فقد تبلغ ولا تحيض، فيجب أن تعتد، وأن تستبرأ. وأفادت رواية يزيد الكناسي، وعدد آخر وغيرها: أن بلوغ تسع سنين يثبت أحكام البلوغ كإقامة الحدود، ووجوب الفرائض عليها، وإن لم تدرك مدرك النساء في الحيض. كما أن رواية عبد الرحمن بن الحجاج، وغيرها قد ذكرت أن التي تبلغ تسع سنين لا يجوز تزويجها على كل حال، بل تحتاح إلى عدة، وذلك لأن مثلها تحيض. وإن لم يتحقق الحيض منها بالفعل. وطائفة أخى كرواية ابن سنان قد عللت المثوبة والعقوبة حين بلوغ تسع سنين بأنها تحيض لتسع سنين. وصرحت روايات أخرى كصحيح رفاعة بجواز وطء التي لم تحض لأن المانع من الحيض ليس هو الحبل دائما، لأن المحيض قد تحبسه الريح. فاتضح: أن البلوغ إنما هو بتسع سنين، وإن بلوغ النكاح، المتمثل في الوصول إلى مرحلة الحبل يراد به إمكانية الحبل ولا يلازم ذلك حدوث الحيض فعلا. واتضح: أن الميزان ليس هو فعلية الحيض لكل فتاة، بل إمكانية ذلك، وحدوثه في بعض الموارد يكفي لإنشاء حكم عام على الجميع. (*)

[ 244 ]

وبذلك يتضح المراد من الروايات التالية: روايات البلوغ بالحيض: 1 - روي بسند حسن عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يصلح للجارية إذ حاضت إلا أن تختمر إلا أن لا تجده (1). فهذه الرواية لا تنفي لزوم الإختصار في مرحلة ما قبل الحيض. لأنها إنما تحدثت عن لزوم الإختمار عليها في هذه المرحلة وسكتت عما عداها. كما أن قوله عليه السلام: " إذا حاضت " ليس نصا في فعلية الحيض، وإنما هو نص في حصول القابلية له، وظاهر فيما سوى ذلك فلا ينافي الروايات التي هي نص في ذلك حيث حددت البلوغ بسن التاسعة. وهذا الكلام بعينه يجري فيما يلي من روايات: 2 - مرسلة الفقيه: على المرأة إذا حاضت الصيام (2). 3 - صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم عليه السلام: لا تغطي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة (3) أي ولو أن تصبح في سن تحيض فيه مثيلاتها. 4 - حديث قرب الإسناد، عن علي عليه السلام: إذا حاضت


(1) الكافي ج 5 ص 525. (2) الوسائل ج 1 ص 45 وراجع ج 10 ص 237 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 122. (3) الوسائل ج 20 ص 228 كتاب النكاح، باب 126 ح 2 والكافي ج 5 ص 533. (*)

[ 245 ]

الجارية، فلا تصلي إلا بخمار (1). (5) رواية إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام، الجارية إذا طمثت عليها لحج (2). (6) وكذا رواية شهاب عن أبي عبد الله عليه السلام حود ذلك أيضا (3). 7 - رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): على الجارية إذا حاضت الصيام والخمار (4). 8 - حديث يونس بن يعقوب، عن الإمام الصادق عليه السلام: لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا أن لا تجده (5). 9 - وعن علي عليه السلام بسند ضعيف أنه أتي بجارية لم تحض، قد سرقت، فضربه أسواطا، ولم يقطعها (6). 10 - موثقة عمار الساباطي: عن الصادق، عن الجارية: إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك، فقد وجبت عليها الصلاة،


(1) قرب الإسناد ص 41 ح 506. (2) الوسائل ج 11 ص 45 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 435. (3) الوسائل ج 11 ص 45 ص الكافي ج 4 ص 276 ح 8 وعن تهذيب الأحكام ج د ص 6 والاستبصار ج 2 ص 146. (4) الوسائل ج 10 ص 236 وج 4 ص 410 وعن التهذيب ج 4 ص 281 ح 851 وص 326 ح 1015 والاستبصار ج 2 ص 123 ح 398 وعن المقنع للصدوق ص 62. (5) الوسائل ج 4 ص 405 وعن الفقيه ج 1 ص 373. (6) الكافي ج 7 ص 232 والوسائل ج 28 ص 295 وتهذيب الأحكام ج 10 ص 121. (*)

[ 246 ]

وجرى عليها القلم (1). فإن الروايات السبع الأولى والعاشرة مع ضعف أسانيد أكثهرا قد اتضح أنها بملاحظة الشواهد التي ذكرناها فيما سبق لا تنافي الروايات التي تحدد البلوغ بالتسع، إذ لا غرو في أن تكون ناظرة إلى إمكانية الحيض منها ببلوغها تسعا، حيث يوجد في أمثالها من تحيض. وليس المراد فعلية حدوث الحيض لكل فتاة. أما حديث علي عليه السلام حول عدم قطع السارقة، فلا يفيد شيئا، إذ قد يكون عمر الجارية أقل من تسع، كما أن عدم قطعها ولو كانت في التاسعة قد يكون لأجل أنها لم تسرق من الحرز أو لسبب آخر كعدم كونها رشيدة مثلا. كما أنه لا يأبي عن الحمل على ما ذكرناه آنفا. أما حديث عمار فقد قال البحارني وغيره أنه غير معمول به (2). ولا يمكنه معارضة سائر الروايات التي أسلفناها، فإنها أكثر عددا، وأصلح سندا. لفت نظر: قال بعض كبار فقهائنا: " أما الأنثى فعندنا تسع سنين. وقال الشافعي: كالذكر. وقال أبو حينفة: سبعة عشر سنة، وقال صاحباه: كالذكر، وقال مالك كما حكي عنه: البلوغ أن يغلظ الصوت، أو ينشق الغضروف، وهو رأس الأنف. قال: وأما السن فلا تعلق له بالبلوغ " (3).


(1) الوسائل ج 1 ص 45 ح 82 وتهذيب الأحكام ج 2 ص 380 ح 1588 والاستبصار ج 1 ص 408. (2) راجع: الحدائق الناظرة ج 20 ص 349 وجامع المدارك ج 3 ص 366. (3) كنز العرفان ج 2 ص 102. (*)

[ 247 ]

فلعل صاحبناه قد أخذ ذلك من أهل السنة: كما عودناه في العديد من الموارد. البلوغ عند اليهود: وأخيرنا، فإننا نشير إلى أن بلوغ البنت عند اليهود هو ببلوغها سن الثانية عشرة، فقد قال أحمد شلبي نقلا عنهم: " وأما البنات فمن لم تبلغ منهن الثانية عشرة، فلعها النفقة والتربية حتى تبلغ هذه السن تماما وليس لها شئ بعد ذلك " (1). وقال أيضا: " السن المفروضة لصحة التزوج هي الثالثة عشرة للرجل، والثانية عشرة للمرأة ولكن يجوز نكاح من بدت عليه علامات بلوغ الحلم قبل هذه السن " (2). فاقرأ واعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا ! !


(1) مقارنة الأديان: اليهودية ص 301 عن المقارنات والمقابلات ص 334. (2) مقارنة الأديات اليهودية ص 302 عن المقارانات والمقابلات ص 371 و 372. (*)

[ 249 ]

الفصل السابع بعد ما هبت الرياح

[ 251 ]

هاجهم وجبريل معك: روى البخاري، عن البراء: أن النبي (ص) قال لحسان بن ثابت يوم قريظة: اهجهم، أو: هاجهم وجبريل معك. وفي نص آخر: أنه (ص) قال يوم قريظة لحسان بن ثابت اهج المشركين، فإن جبريل معك (1). ونقول: إننا نشك في ذلك. فأولا: لم نجد لحسان ولا لغيره هجاء ملفتا لبني قريظة سوى مقطوعة واحدة سنذكر ها فيما يلي، وسنرى: أنها إنما قيلت في غزاة بني النضير. أما المقطوعة الاخرى، فهي في شرح المصير السئ الذي لقيه بنو قريظة، وهي إنما قيلت بعد استئصال شأفتهم، مع وجود بعض الاشكالات فيها، كما سنرى. فلم يكن ثمة مهاجاة بينهم وبين حسان. فإن المهاجاة إنما تكون من طرفين ولم نجد أي ردة فعل منهم في مجال مهجاة حسان أو غيره. فلا يصح أنه (ص) قال له: هاجهم، أو اهجهم.


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 عنه. وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 131 وقال: وقد زواه البخاري، ومسلم، والنسائي من طرق، عن شعبة، بدون الزيادة التي ذكرها البخاري: يوم بني قريظة. (*)

[ 252 ]

إلا أن يكون (ص) قد أمر حسانا بهجائهم بعد قتلهم. ولا نجد لذلك مبررا مقبولا أو معقولا. كما أن المناسب والحالة هذه هي أن يقول له: اهجهم لا أن يقول له: هاجهم، لأن المهاجاة تكون من الطرفين. ثانيا: إذا كان العدو الحاضر، بعد هزيمة المشركين هم اليهود، فلا معني لان يأمر حسانا بهجاء المشركين دونهم. كما دل عليه النص الآخر... وبعد، فإن ما روي عن حسان في شأن بني قريظة هو ما يلي: ألف: قال حسان بن ثابت: لقد لقيت قريظة ما سآها * وما وجدت لذل من نصير أصابهم بلاء كان فيه * سوى ما قد أصاب بني النضير غداء أتاهم يهوي إليهم * رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنبة تعادى * بفرسان عليها كالصقور تركناهم وما ظفروا بشئ * دماؤهم عليها كالعبير فهم صرعى تحوم الطير فيهم * كذاك يدان ذو العند الفجور فأنذر مثلها نيصحا قريشا * من الرحمان إن قبلت نذيري (1) لكن قوله: فهم صرعى تحوم الطير فيهم.. مما لا تؤيده النصوص التاريخية، لأنها تقول: حسبما تقدم إنه (ص) خندق لهم خنادق وقتلهم وجعلهم فيها ورد عليهم التراب، فلم يكن ثمة مجال للطير لتحوم فيهم. ب: قالوا: وقال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة:


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 135 / 136 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 30 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 259. (*)

[ 253 ]

تعاقد معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه * وهم عمي من التوراة بور كفرتم بالقرآن وقد أتيتم * بتصديق الذي قال النذير فهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير (1) فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال: أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في طوائفها السعير ستعلم أينا منها بنزه * وتعلم أي أرضينا تضير فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا: لا مقام لكن فسيروا (2) ونقول: قد تقدم أن هذه الابيات قد قيلت في غزاء بني النضير. وهذا هو الانسب بمضمونها لانها إنما تتحدث عن حرق النخيل. وهو إنما كان في تلك الغزاة، لا في غزوة بني قريظة. لكن روى أبو عوانة عن محمد بن يحيى، عن الهيثم بن جميل، عن زائدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: " ان النبي (ص) حرق على بني قريظة، والنضير نخلا لهم، فقال حسان (رض): وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير قال الهيثم: كنت معه بأرض الروم، فحدثني بهذا الحديث وأمر


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 136. وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 31 والاكتفاء ج 2 ص 196 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 259. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 136 والاكتفاء ج 2 ص 196 وسيرة ابن كثير ج 3 ص 259 - 260. (*)

[ 254 ]

بالحريق " (1) ولا ندري مدى دقة ابن عمر في روايته هذه ان صحت عنه. ولم نعهد من هذا الرجل نباهة ودقة في النقل وهو الذي لم يحسن ان يطلق امرأته، وقصته في ذلك مشهورة (2). لن تغروكم قريش: ويقولون: انه لما انقضى شان بني قريظة قال (ص): لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكن تغزونهم " فكان كذلك (3). ورجع (ص) عن بني قريظة يوم الاثنين لأربع خلون من ذي الحجة (4). ونقول: قد تقدم أن النبي (ص) قد قال ذلك بعد الخندق، وهذا هو الانسب والاوفق بظاهر الحال، لأن قريشا إنما غزت المسلمين في الخندق، لا في بني قريظة إلا ان يكون القضاء على بني قريظة قد زاد من يأس قريش، لانها أدركت بذلك أنه لم يعد لها في منطقة المدينة من يمكنها أن تعتمد عليه في شئ.


(1) مسند أبي عوانة ج 4 ص 97. (2) 9 فتح الباري ج 7 ص 54 ومسند أحمد ج 2 ص 51 وصحيح مسلم ج 4 ص 180 و 181 والكامل في التاريخ ج 3 ص 65 وتاريخ الامم والملوك ج 3 ص 192 والغدير ج 10 ص 39. (3) راجع: سيرة مغلطاي ص 56 وعيون الاثر ج 2 ص 76 والسيرة الحلبية ج 2 ص 343 / 344 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19. (4) المحبر ص 114 والجامع للقيرواني ص 280. (*)

[ 255 ]

ابن معاذ الشهيد: وقد ذكرنا في الجزء التاسع من هذا الكتاب: أن سعد بن معاذ كان قد أصيب بسهم في أكحله في غزوة الخندق، فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة، فاستجاب الله له. وبعد ان حكم فيهم بحكم الله انفجر جرحه، فمات شهيدا رحمه الله (1). وفي نص آخر: " فإذا سعد يسيل جرحه دما له هدير " (2). ولا ندري مدى صحة هذه الفقرة الاخيرة ! ! ويقولون: إن رسول الله (ص) كان قد كواه مرتين، فانتفخت يده فيهما. فدعا الله سبحانه: ان كانت الحرب قد وضعت بينهم وبين قريش ان يفجر الجرح، ففجره الله. فأتاه (ص) في نفر من أصحابه يعوده، فوجدوه قد سجي في ملاءة بيضاء، وهو في السياق. وكان سعد رجلا أبيض طويلا. فجلس (ص) عند رأسه، وجعل رأسه في حجره، ثم قال: " اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسولك، وقضى الذي عليه، فاقبض روحه بخير ماتقبض فيه أرواح الخلق ".


(1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 وحدائق الانوار ج 2 ص 598 وصحيح البخاري ج 3 ص 23 وعيون الاثر ج 2 ص 75. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19. (*)

[ 256 ]

ففتح سعد عينيه حين سمع ذلك وقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك قد بلغت رسالته (1) فوضع (ص) رأس سعد من حجره. ثم قام وانصرف. فمات سعد بعد ذلك بساعة أو أكثر (2) وقيل: حضر النبي (ص) سعدا حين توفي (3). وزعم البعض: ان عنزا مرت على سعد، وهو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات (4) اهتز العرش لموت ابن معاذ: ولما مات سعد لم يشعر أحد بموته، حتى نزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بموت سعد، وأن عرش الرحمان قد اهتز لموته، فخرج (ص) فزعا الى خيمة كعيبة، يجر ثوبه مسرعا، فوجد سعدا قد مات. فاحتملوه الى منزله. فخرج (ص) في اثره (5).


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 525 وراجع: إمتاع الاسماع ج 1 ص 252 وتاريخ الاسلام (المغازي) ج 2 ص 267. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 526 وراجع: إمتاع الاسماع ج 1 ص 252 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 526 (4) عيون الاثر ج 2 ص 76 وعمدة القاري ج 17 ص 193 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 78 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 والمواهب اللدنية ج 1 ص 118. (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 526 وراجع المصادر التالية: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 / 29 ومجمع البيان ج 8 ص 352 والبحار ج 20 ص 212 ومرآة الجنان ج 1 ص 10 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 262 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 276 والاكتفاء ج 2 ص 187 / 188 = (*)

[ 257 ]

وقد روى حديث اهتزاز العرش لموت سعد، عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأسيد بن حضير، ورميثة بنت عمرو، وأسماء بنت يزيد بن السكن، وعبد الله بن بدر، وابن عمر، وحذيفة، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، والحسن، ويزيد بن الاصم مرسلا (1). وقال العسقلاني: " جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ، عن عشرة من الصحابة أو اكثر، وثبت في الصحيحين (2). وحضر جنازته سبعون ألف ملك، واهتز له عرش الرحمان (3). وحديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ، موجود في مختلف


= وتاريخ الاسلام (المغازي) ص 265 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 عيون الاثر ج 2 ص 75 / 76 وحدائق الانوار ج 2 ص 599 و 598 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والبداية والنهاية ج 4 ص 127. (1) عمدة القاري ج 16 ص 268 وراجع: الروض الانف ج 3 ص 286 فقد ذكر ايضا قسما منهم. (2) فتح الباري ج 7 ص 94. (3) سيرة مغلطاي ص 57 ومرآة الجنان ج 1 ص 10 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 و 248 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 و 29 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 وبهجة المحافل ج 1 ص 277 و 276 وإرشاد الساري ج 6 ص 331 والبداية والنهاية ج 4 ص 127 / 128 وعمدة القاري ج 16 ص 268 وج 17 ص 193 والمواهب اللدنية ج 1 ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 وحاشية السندي على البخاري ج 3 ص 23 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 264 وراجع ص 268 و 270 والروض الانف ج 3 ص 280 وراجع: عيون الاثر ج 2 ص 76. (*)

[ 258 ]

المصادر التاريخية (1). وقد قال رجل من الانصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك * علمنا به إلا لسعد ابي عمرو (2). وقد حاول البعض التشكيك في المراد من هذا الحديث. فقد روي عن ابن عمر: اهتز العرض فرحا بلقاء الله سعدا، حتى تفسخت اعواده على عواتقنا. قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه (3). وعن البراء بن عازب: المراد: أن سرير سعد اهتز (4).


(1) راجع: بالاضافة الى المصادر التي ذكرناها في الهامش السابق: الاكتفاء ج 2 ص 188 وجوامع السيرة النبوية ج 156 والروض الانف ج 3 ص 385 وهامش صحيح مسلم ج 7 ص 150 وإرشاد الساري ج 6 ص 158 وصحيح البخاري ج 2 ص 200 وفتح الباري ج 7 ص 93 - 94 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 16 ص 22 وشذرات الذهب ج 1 ص 11 وحدائق الانوار ج 2 ص 598 و 599 والثقات ج 1 ص 279 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263. ومجمع البيان ج 8 ص 352، والبحار ج 20 ص 212 إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال، بل لا حاجة لتتبعها، واستقصائها. (2) مرآة الجنان ج 1 ص 10 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 والاكتفاء ج 2 ص 188 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 249 والبداية والنهاية ج 4 ص 129 و 130 وبهجة المحافل ج 1 ص 276 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263. (3) إرشاد الساري ج 6 ص 158 وفتح الباري ج 7 ص 93 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 128 وراجع: تاريخ الاسلام (المغازي) ص 270 وراجع: لسان العرب ج 6 ص 313. (4) الروض الانف ج 3 ص 286 وصحيح البخاري ج 2 ص 200 والبداية = (*)

[ 259 ]

ونقول: 1 - وقد أنكر جابر على البراء قوله هذا، وقال: كانت بين هذين الحبيين من الأنصار ضغائن، سمعت رسول الله يقول: اهتز عرش الرحمان لموت سعد بن معاذ (1). 2 - كما أن العلماء لم يلتفتوا لقول البرء هذا (2) وقال القسطلاني: سياق الحديث يأباه، إذ أن المراد منه فضيلته، وأي فضيلة في اهتزاز سريره، إذ كل سرير يهتز إذا تجاذبته أيدي الرجال (3). وقال أيضا: " قال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو النعش. وهذا القول: باطل، يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم: اهتز لموته عرش الرحمان إلخ " (4). 3 - هذا بالاضافة إلى شعر الأنصاري المتقدم الذي يصرح فيه باهتزاز عرش الله، هذا كله عدا عن صراحة الروايات الكثيرة بذلك أيضا. واعتراض العيني على كلام جابر: بأن البراء أيضا هو من قبيلة الأوس مثل ابن معاذ (5) والحقد إنما كان بين الأوس والخزرج، لا بين الأوس أنفسهم. غير مقبول، لأن جابرا يتحدث عن علم ومشاهدة، فقد يكون بين


= والنهاية ج 4 ص 128 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 247. (1) راجع: الهمش السابق. (2) الروض الأنف ج 3 ص 286. (3) إرشاد الساري ج 6 ص 158. (4) المواهب اللدنية ج 1 ص 118. (5) عمدة القاري ج 16 ص 268 وفتح الباري ج 7 ص 93. (*)

[ 260 ]

حيين أو سيين أيضا. وأجاب العسقلاني: بأن جابرا كان خزرجيا، فلا يمنعني ذلك من قول الحق. ثم اعتذر العسقلاني عن البراء بأنه فهم ذلك، فجزم به، ولم يقصد تغطية فضل سعد (1). أما ابن عمر، فلعله ينطق في موقفه هذا من موق كونه مهاجريا، لا يريد إثبات فضيلة لسعد الأنصاري، الذي جعله رسول الله (ص) سيدا المهاجرين والأنصار على حد سواء، حسبما تقدم. 4 - وأخيرا، فإننا لم نستطع أن نفهم كيف صح إطلاق العرش، على النعش الذي يحمل عليه الميت، فإننا لم نجد مبررا لذلك، لا في اللغة، ولا فيما أهل اللغة في كتبهم، فإنما هو نفس حديث اهتزاز العرش لسعد. ثم أقوال المفسرين للرواية، فراجع (2). سبب كراهة مالك لرواية هذا الحديث: وروي عن مالك: أنه كره أن يقل: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ، ولم تعجب السهيلي من هذه الرواية عن مالك: وقال: " لا أدري


(1) راجع: فتح الباري ج 937. (2) ارجع لسان العرب ج 6 ص 313. (3) الروض الأنف ج 3 ص 286 وعيون الأثر ج 2 ص 77 / 78 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 وفتح الباري ج 7 ص 94 عن كتاب: العتيبة. (*)

[ 261 ]

ما وجه ذلك، ولعلها غير صحيحة عنه، فقد خرجه البخاري " (1)، وهو حديث صحيح، وقال أبو عمر: هو ثابت من طرق متواترة (2). قال ابن سيد الناس بعد أن ذكر أن هذا الحديث صحيح: " قلت: هذا يقتضي أن يكون إنكار. مالك محمولا عنده على أمر عنده يرجع إلى الإسناد.. وليس كذلك. بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يجنح فيه إلى التأويل. وما كانت هذه سبيله من الأخبار المشكلة فمن الناس من يكره روايته، إذا لم يتعلق به حكم شرعي، فلعل الكراهة المروية معن مالك من هذا الوجه " (3). وقال ابن رشد في شرح العتيبة: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل: أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرار الله، تبارك الله وتنزه عن مشابهة خلقه (4). قال العسقلاني: " الذي يظهر: أن مالكا ما نهى عنه لهذا، إذ لو خشي من هذا لما أسند في الموطأ حديث ينزل الله إلى سماء الدنيا، لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش. ومع ذلك فمعتقد سلف الأئمة، وعلماء السنة: أن الله منزه عن الحركة، والتحول، والحلول، ليس كمثله شئ. ويحتمل الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكف عن


(1) الروض الأنف ج 3 ص 286 وعيون الأثر ج 2 ص 77 / 78 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276. (2) الروض الأنف ج 3 ص 286. (3) عيون الأثر ج 2 ص 77 / 78. (4) فتح الباري ج 7 ص 94. (*)

[ 262 ]

التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنه ثابت، فرواه، ووكل أمره إلى فهم أولي العلم، الذين يسمعون في القرآن: " استوى على العرش "، ونحو ذلك. وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة، أو أكثر، وثبت في الصحيحين، فلا معنى لإنكاره " (1). ونقول: إن السلف الذين يتحدث عنهم العسقلاني لا ينزهون الله على النحو الذي ذكره فإن عامة أهل الحديث، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل قائلون بالتشبيه والتجسيم، وكلماتهم تكاد تكون صريحة في ذلك، بل هي كذلك بالفعل. فراجع كتاب العلامة السيد مهدي الروحاني: بحوث مع أهل السنة والسلفية. فإنه قد أوضح هذا الأمر، من خلال كلماتهم أيما إيضاح. الخلاف في المراد من اهتزاز العرش: وقد اختلفوا في معنى اهتزاز العرش لموت سعد، فقيل المراد سرور أهل أو حملة العرش بروحه، فهو على تقدير حذف مضاف. أو المراد: ارتياح العرش بروحه حين صعد به، لكرامته على ربه. أو تحركه فرحا. أو غير ذلك، من وجوه ذكرها المؤلفون (2)، وليس تحقيق ذلك


(1) فتح الباري ج 7 ص 94. (2) راجع: جوامع السيرة النبوية ص 156 والروض الأنف ج 3 ص 285 وهامش صحيح مسلم ج 7 ص 150 وإرشاد الساري ج 6 ص 158 = (*)

[ 263 ]

بالأمر المهم.. لكن لا بد من اعتماد الوجوه التي لا تنافي أحكام العقل، وما ثبت بالنصوص الصحيحة والصريحة. مراسم تجيهز وتشييع ودفن سعد: ويقولون: إنه (ص) أسرع المشي إلى سعد، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله، كما غسلت حنظلة. فانتهى (ص) إلى البيت وهو يغسل، وإمته تبكيه، وتقول: ويل أم سعد سعدا * حز امة وجدا فقال: كل نائحة تكذب إلا أم سعد (1). ودخل (ص) على سعد، وما في البيت أحد، فجعل يتخطى، فسئل عن ذلك، فقال: ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه. فجلست، ورسول الله (ص) يقول: هنيئا لك أبا عمرو، هنيئا لك أبا عمرو (2). ثم غسل سعد، وكفن (في ثلاثة أثواب)، ورئي (ص) يحمله بين


= وعمدة القاري ج 16 ص 268 وفتح الباري ج 7 ص 93 و 94 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 16 ص 22 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 277، والمواهب اللدنية ج 1 ص 118 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 / 278 ولسان العرب ج 6 ص 313. (1) تاريخ الإسلام (المغازي) ج 2 ص 267 / 268 وراجع ص 269. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 526 / 527 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344. (*)

[ 264 ]

عمودي سريره، حين رفع من داره إلى أن خرج (1). وغسله الحارث بن أوس بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش بحضره رسول الله (ص) (2). وصلى عليه رسول الله (ص) (3). وكان سعد جسيما " من أعظم الناس وأطولهم " (4). وسألوا رسول الله (ص) عن سبب خفة جنازته مع أنه كان جسيما. وقد ادعى المنافقون: أنه خف لأنه حكم في بني قريظة.. فقال (ص): كذبوا ولكنه خف لحمل الملائكة (5).


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 527 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 252. (2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 وراجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 278. (3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 وتاريخ الخميس ج 1 ص 500 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. والثقات ج 1 ص 279. (4) البداية والنهاية ج 4 ص 129. (5) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 528 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 وإرشاد الساري ج 6 ص 159 وعيون الأثر ج 2 ص 76 وعمدة القاري ج 16 ص 268 وج 17 ص 193 عن الترمذي وطبقات ابن سعد وفتح الباري ج 7 ص 94 والاكتفاء ج 2 ص 188 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 248 والبداية والنهاية ج 4 ص 129 وقال: إسناده جيد والمواهب اللدنية ج 1 ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 عن ابن سعد والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 265 وراجع ص 268 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 278. (*)

[ 265 ]

قالوا: ونزع رسول الله (ص) رداءه، ومشى في جنازته بغير رداء " (1). وزعموا: أنه (ص) مشى أمام جنازته (2). لكن هذا يخالف ما هو الثابت من طريق أهل البيت عليهم السلام من كراهة المشي أمام الجنازة (3). ودفن بالبقيع (4) وفي نص آخر: دفن إلى أس دار عقيل بن أبي طالب (5). وذكروا: أنهم وهم يحفرون قبره كان يفوح عليهم ريح المسك (6). ونزل في حفرته أربعة نفر: الحارث بن أوس، وأسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأبو نائلة، مالك بن سلامة (7). ورسول الله (ص) واقف على قبره على قديمه (8).


(1) إعلام الورى ص 94. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 20 والثقات ج 1 ص 279 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 252. (3) راجع: وسائل الشيعة ج 3 ص 149 ط مؤسسة آل البيت. (4) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 270. (5) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 268. (6) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 528 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 عن ابن سعد، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 وعمدة القاري ج 16 ص 268 والروض الأنف ج 3 ص 280 والمواهب اللدنية ج 1 ص 118. (7) الثقات لابن حبان ج 1 ص 279 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 252. (8) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252. (*)

[ 266 ]

وكان عمره حين استشهد سبعا وثلاثين سنة (1). وقد قال رسول الله (ص)، وقد أهديت له من صاحب دومة الجندل بغلة وحلة سندس: لمناديل سعد في الجنة أحسن (الين، خير) من هذه (2). ضغطة القبر: ويقولون: إنه لما وضع سعد في لحده تغير وجه رسول الله، وسبح (ص) وسبح معه المسلمون ثلاث مرات، ثم كبر وكبروا ثلاث مرات، حتى ارتج البقيع، فسئل (ص) عن ذلك، فقال: تضايق على صاحبكم قبره، وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرج الله عنه (3).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 500. (2) عيون الأثر ج 2 ص 76 وصحيح البخاري ج 2 ص 200 وصحيح مسلم ج 7 ص 150 و 151، راجع: سيرة مغلطاي ص 57 ومرآة الجنان ج 1 ص 10 والطبقات الكبير لبن سعد ط دار صادر ج 2 ص 78 والبداية والنهاية ج 4 ص 129 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 278 والمواهب اللدنية ج 1 ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 500 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 271 السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 248 و 249 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 529 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 253 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 والبداية والنهاية ج 4 ص 127 و 128 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 29 و 30 وتاريخ الخميس ج 1 ص 500 والمواهب اللدنية ج 1 ص 118 والاكتفاء ج 2 ص 188. وراجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 264 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 245. (*)

[ 267 ]

وعن عائشة: إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ (1) وروي من طريق محمد بن المكندر قال: قبض إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك. فقال رسول الله (ص) سبحان الله، سبحانه الله، مرتين تعجبا من كون تراب قبره مسكا. ثم قال: الحمد لله، شكرا له على تفريجه على سعد. لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد. ضم ضمة، ثم فرج الله عنه (3). واستفادوا من ذلك: " أن فيه إثبات عذاب القبر وأنه حق يجب الإيمان به " (3). سبب ضمة القبر لسعد: وأما عن سبب ضمة القبر لسعد، فإنهم يقولون: إن النبي (ص) قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضم ضمة اختلفت منها أضلاعه، من أثر البول (4). وذكر بعض أهل سعد: أن النبي (ص) قال: إن سبب ضمة القبر


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 وراجع: الروض الأنف ج 3 ص 280 والبداية والنهاية ج 4 ص 128 والاكتفاء ج 2 ص 188 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 269 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 والسيرة الحلبية ج 2 ص 344. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 عن ابن سعد، وأبي نعيم. (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277. (4) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 268. (*)

[ 268 ]

له: " أنه كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير " (1). قال الأشخر اليمني: " قلت: في النفس من صحة هذا الحديث شئ " (2). ونقول: 1 - لو صح هذ الحديث لأمكن تحاشي ضمة القبر، بأن يهتم المؤمنون بأمر الطهور من البول. فلا يقصرون فيه، وعلى هذا، فلا يبقي مبرر لقوله (ص): لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد. 2 - هذا، ولا ندري ما هو الربط بين الطهور من البول، وبين ضمة القبر ! ! 3 - ثم أليس قد نجدت فاطمة بنت أسد من ضمة القبر، لأنه (ص) ألبسها قميصه، واضطجع في قبرها حسبما قدمناه في هذا الكتاب حين الكلام عن وفاتها رحمها الله من أن سياق الكلام يشير إلى أنه لا ينجو من ضمة القبر أحد ". 4 - ما معنى أن يضم سعد بن معاذ ضمة اختلفت منها أضلاعه. مع أن عائشة تقول: إنها قالت: يا رسول الله، ما انتفعت بشئ منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، وضمته. فقال: يا عائشة، إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع (3).


(1) الروض الأنف ج 3 ص 281 والبداية والنهاية ج 4 ص 128 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 277 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 265 والسيرة الحلبية ج 2 ص 345 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 30. (2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 345 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 277. (*)

[ 269 ]

5 - بل إن سياق العبارات التي تقدمت تقتضي أن لا ينجو أحد من ضمة القبر حتى الأنبياء لأنها تقول: لو نجا أحد لنجا سعد. مع أنهم يقولون: " خص (ص) بأنه لا يضغط في قبره. وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولم يسلم من الضغطة صالح، ولا غيره سواهم. وكذا ما في التذكرة للقرطبي إلا فاطمة بنت أسد ببركته (ص) " (1). النظرة الأخيرة: " وجاءت أم سعد تنظر إليه في اللحد، وقالت: أحتسبك عند الله. وعزاها رسول الله (ص) على قبره، وجلس ناحية، والمسلمون يردون التراب على القبر حتى سوى. ورش عليه الماء. ثم وقف (ص) فدعا. ثم انصرف " (2). الحزن على سعد: قالت عائشة: " فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر بن بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله عز وجل: رحماء بينهم. قال علقمة: فقلن: أي أمة، فكيف كان رسول الله (ص) يصنع ؟ ! قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد. ولكنه كان إذا وجد، فإنما


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 345. (2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 253 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. والسيرة الحلبية ج 2 ص 345. (*)

[ 270 ]

هو آخذ بلحيته " (1). ونقول: 1 - نحن بدورنا لا نستطيع أن نقبل كلام عائشة هذا، فقد تواتر النقل عنه (ص): أنه بكى في أكثر من مورد، حين استشهاد أو موت بعض أصحابه، مثل جعفر، وحمزة، وعثمان بن مظعون، وزيد بن حارثة، وعلى ولده إبراهيم، وقد قال في مناسبة موت ولده تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وقد قدمنا بعض الكلام في ذلك في أواخر غزوة أحد في سياق الكلام عن استشهاد حمزة وقول النبي (ص): أما حمزة فلا بواكي له فراجع. 2 - إننا نذكر القاري بما هو معروف عن عمر في تشدده بالمنع من البكاء على الأموات حينا، وسماحه بذلك حتى لنفسه حينا آخر (2). أم سعد تبكي ولدها وترثيه: وقد قال النبي (ص) لأم سعد: " ألا يرقأ دمعك، ويذهب حزنك، بأن ابنك أول من ضحك الله له، واهتز له العرش " (3).


(1) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 138 وراجع: مسند أحمد ص والكامل في التاريخ ج 2 ص 187 والبداية والنهاية ج 4 ص 124 وتاريخ الخميس ج 1 ص 499 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 266 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 253 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 238 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 276. (2) راجع هذا الكتاب ج 6 ص 266 - 273. (3) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 270. (*)

[ 271 ]

ويلاحظ التعبير ب‍ " ضحك الله " الذي يشم منه رائحة التجسيم. وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: انتهى رسول الله (ص) وأم سعد تبكي، وتقول: ويل أم سعد سعدا * جلادة وحدا فقال عمر بن الخطاب (رض): مهلا يا أم سعد، لا تذكري سعدا. فقال النبي (ص): دعها يا عمر، فكل باكية مكثرة إلا أم سعد، ما قالت من خير فلم تكذب (1). وفي رواية ابن هشام: ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا وسؤددا ومجدا * وفارسا معدا سد به مسدا * يقد هاما قدا يقول رسول الله: كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ (2). لكن رواية أخرى تعكس هذا المضمون ليفيد ضد المعنى،


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 527. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 والبداية والنهاية ج 4 ص 130 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 277 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 252 وتاريخ الخميس ج 1 ص 500 والاكتفاء ج 2 ص 188 / 189 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 345 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 249 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 وفيه: أنه لما احتمل على نعشه بكت أمه، وقالت إلخ.. وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 267 / 268 وراجع ص 269. (*)

[ 272 ]

فهي تقول: إن أم سعد كانت تبكي وتقول: ويل أم سعد سعدا * حزامة وجدا فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد ؟ ! فقال رسول الله (ص): دعوها فغيرها من الشعراء أكذب. ونتوقف هنا أمام أمرين: أولهما: موقف عمر من رثاء أم سعد لابنها العظيم. فإن كان مراده النهي عن البكاء الذي تكرر منه أكثر من مرة، رغم أنه هو نفسه يبكي ويأمر بالبكاء على بعض الناس، ورغم نهي النبي (ص) المتكرر له عن التعرض لمن يبكون موتاهم (1). إذا كان مراده ذلك فإننا لا نستطيع قبوله منه هنا لأنه هو نفسه يبكي على سعد حسبما تقدم عن عائشة. وإن كان مراده: أن لا تذكر أم سعد فضائل سعد، وخصائصه الكريمة، ولا تذكر الناس بها. فذلك يعني: أنه كان ينفس على سعد خصائصه، ومزاياه تلك. وكان لا يحب أن يكون لأنصاري مقام رفيع كهذا، حتى بعد موته، وحتى لو كان شهيدا، وفي سبيل الله ؟ ! وهذا الموقف أيضا غير مقبول منه، لأن ذلك يخالف روح الإسلام، ويتنافي مع صريح نصوصه. ثانيهما: إن الرواية الأخيرة، قد نسبت الكذب إلى أم سعد في


(1) راجع: هذا الكتاب ج 6 ص 266 - 273. (*)

[ 273 ]

شعرها ولكنها قالت: إن غيرها من الشعراء أكذب منها ! ! وليت شعري أي كذب يوجد في شعر أم سعد. ألم يكن سعد بن معاذ يتحلى بتلك الخصال التي وصفته بها ؟ ! أم أن المقصود هو تزوير الحقيقة، وتشويه صورة سعد، الذي لم يكن يرتاح له المهاجرون وخصوصا قريش. وقد أثار حكمه حفيظة بعض الناس من قومه الأوس أيضا. وهم الذين وصفهم سعد بأنهم لا خير فيهم ؟ ! حسان يرثي سعدا وجماعة معه:


(1) وقال حسان بن ثابت يبكي سعدا وجماعة ممن استشهد يوم بني قريظة: ألا يا لقومي هل لما حم دافع * وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت * بنات الحشا وانهل مني المدامع صبابة وجد ذكرتني إخوة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت منازلهم فالأرض منهم بالاقع وفوا يوم بدر... الأبيات (1). ولحسان مقطوعات أخرى يهجو فيها بني قريظة، فمن أرادها فليراجها في مصادرها (2).

(1) البداية والنهاية ج 4 ص 136 وسبل الهدى ج 5 ص 32 والاكتفاء ج 2 ص 189 / 190 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 260. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 31 والبداية والنهاية ج 4 ص 130 وعن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 282 - 286. (*)

[ 274 ]

تآمر اليهود من جديد: وكان يهود بني النضير في خيبر، ويهود خيبر ينتظرون نتائج حصار بني قريظة، فبلغهم ما جرى عليهم، فأنحوا باللائمة على حيي بن أخطب، وبلغ النساء، فشققن الجيوب، وجززن الشعور، وأقمن المآتم. وضوى إليهن نساء العرب. وفزعت اليهود إلى سلام بن مشكم، وسألوه عن الرأي، فقال لهم: محمد قد فرغ من يهود يثرب، وهو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، وصانع بكم ما صنع ببني قريظة. قالوا: فما الرأي ؟ قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء، وفدك، ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب، بعد أن شرطتهم لهم تمر خيبر، نقضوا ذلك وخذلوكم، وطلبوا من محمد بعض تمر الأوس والخزرج، وينصرفون عنه. مع أن نعيم بن مسعود هو الذي كادهم بمحمد ومعروفهم إليه معروفهم. ثم نسير إليه في عقر داره، فنقاتل على وتر حديثه وقديم فقالت: اليهود: هذا الرأي. فقال كنانة بن الربيع بن أبي التحقيق: إني قد خبرت العرب، فرأيتهم أشداء عليه، وحصوننا هذه ليست مثل ما هناك، ومحم لا يسير إلينا أبدا لما يعرف. (*)

[ 275 ]

فقال: سلام بن مشكم: هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته. فكان ذلك والله محمود (1).


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 530 و 531. (*)

[ 277 ]

الباب الثالث إلى الحديبية

[ 279 ]

الفصل الأول غزوة المريسيع أحداث - وقضايا

[ 281 ]

تاريخ غزوة المريسيع: يقول عدد من المؤرخين: إن غزوة المريسيع كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس للهجرة (1). وقيل: إنها كانت في السنة السادسة وقيل: إن عليه أكثر المحدثين (2).


(1) قد ذكر هذا القول مستندا إليه، أو بلفظ قيل، في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 55، وفتح الباري ج 7 ص 332 والبدء والتاريخ ج 4 ص 214 والسيرة الحلبية ج 2 ص 278 والجامع للقيرواني ص 281، وأنساب الأشراف ج 1 ص 341 والثقات ج 1 ص 263 وحبيب السير ج 1 ص 357 وزاد المعاد ج 2 ص 112 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 63 وبه جزم الذهبي في تاريخ الإسلام (المغازي) ص 214 والمغازي للواقدي ج 1 ص 404 ونهاية الأرب ج 17 ص 164 والمواهب اللدنية ج 1 ص 108. وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 44 و 45 والاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 258 و 260 والإصابة ج 4 ص 465. (2) راجع هذا القوف في المصادر التالية: تاريخ مختصر الدول ص 95 والسيرة الحلبية ج 2 ص 279 والجامع للقيرواني ص 283 وسيرة مغلطاي ص 55 عن البخاري والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 وفتح الباري ج 7 ص 332 وبهجة المحافل ج 1 ص 241 عن ابن إسحاق. وقال: = (*)

[ 282 ]

وعن ابن عقبة: كانت في السنة الرابعة، كما في البخاري، وعليه جرى النووي في الروضة (1). لكن في مغازي ابن عقبة: سنة خمس (2). ونقول: إننا نرى: أن غزوة المريسيع قد كانت بعد الخندق. وقد تحدثنا عن هذا الأمر في كتابنا حديث الإفك الطبعة الأولى ص 96 - 106. ونحن نورد هنا بعض ما ذكرناه هناك مع بعض التقليم والتطعيم. فنقول: قلنا: في الجزء السابق: إن الصحيح هو أن غزوة الخندق كانت سنة أربع. ولا ريب في تأخر المريسيع عنها، وذلك لما يلي: أولا: إن فرض الحجاب - كما ذكره المؤرخون الأثبات - قد كان


= " الخندق على الأصح سنة أربع " وشذرات الذهب ج 1 ص 11 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 260 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 ونهاية الأرب ج 17 ص 164 عن ابن إسحاق والمواهب اللدنية ج 1 ص 108 مثله والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 عن ابن إسحاق أيضا وكذا في دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46 والاستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 258، والإصابة ج 4 ص 265. (1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 279 وراجع: سيرة مغلطاي ص 55 ولامواهب اللدنية ج 1 ص 108 عن ابن عقبة وصحيح البخاري ج 3 ص 24 عنه أيضا والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 197 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 كلاهما عن ابن عقبة. وفتح الباري ج 7 ص 332. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 والمواهب اللدنية ج 1 ص 108 وبهجة المحافل ج 1 ص 241. (*)

[ 283 ]

في سنة خمس في ذي القعدة (1) وغزوة المريسيع كانت في شعبان. وفيها كان حديث الأفك الذي كان بعد فرض الحجاب فلا بد أن يكون هو شعبان الذي بعد الحجاب في السنة السادسة لأن النبي (ص) قد تزوج بزينب بنت جحش، التي هي سبب الحجاب بعد بني قريظة (2). وقد تقدم في حديث عائشة، وأم سلمة ما يدل صراحة: على أن الحجاب لم يكن فرض يوم الخندق، وبني قريظة (3). ثانيا: قد ثبت أن ابن عمر قد شهد المريسيع، ومن المعلوم: أن أول مشاهدة الخندق كما تقدم في أول الجزء التاسع من هذا الكتاب، فهذا يعني: أن المريسيع كانت بعد الخندق. ومحاولة العسقلاني دعوى: أن من الممكن أن يكون قد حضرها دون أن يشترك في القتال. كما ثبت عن جابر: أنه كان يمنح أصحابه الماء في بدر، مع الاتفاق على عدم شهوده بدرا (4).


(1) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 231 والكامل في التاريخ ج 2 ص 177 والتنبيه والأشرف ص 217 ومروج الذهب ج 2 ص 289 وطبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 ق 1 ص 81 وج 8 ص 125 و 126 و 157 وصفة الصفوة ج 2 ص 46 ووفاء الوفاء ج 1 ص 310 وفتح الباري ج 8 ص 351 عن الواقدي وتاريخ الميس ج 1 ص 500 و 501 و 267 ونقله أيضا عن أسد الغابة والمنتقى والبداية والنهاية ج 4 ص 145 عن قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة والبيهقي، والسيرة الحلبية ج 2 ص 293. عن إمتاع الأسماع عن بعض أهل الأخبار. ثم أشكل عليه بما ورد في حديث الإفك وسيأتي عدم صحة ذلك. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 145. (3) حديث عائشة مع مصادره في الجزء التاسع من هذا الكتاب ص 295 وحديث أم سلمة تقدم في هذا الجزء في الحديث عن توبة أبي لبابة. (4) راجع: فتح الباري ج 8 ص 360. (*)

[ 284 ]

هذه المحاولة فاشلة، إذ أن التعبير بشهد غزوة كذا، أو أول مشاهدة غزوة كذا إنما يعني شهود قتال، لا مجر الحضور، فإرادة معنى آخر لهذا التعبير يحتاج إلى قرينة ودلالة، وهي مفقودة هنا. المريسيع: ويقولون: إن المريسيع ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع يومان (وعند ابن سعد نحو يوم) وبين الفرع والمدينة ثمانية برد (1). وقيل: إن المريسيع تقع على ستة مراحل من المدينة أو سبعة، مما يلي مكة من ناحية الجحفة (2). ويقال لها: غزوة محارب، وقيل: محارب غيرها (3). وتسمى هذه الغزوة أيضا بغزوة بني المصطلق، وهم بطن من خزاعة (4). سبب غزوة المريسيع: وسبب هذه الغزوة أن بني المصطلق كانوا ينزلون على بئر يقال لها المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل. وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار دعا قومه ومن قدر عليه من العرب إلى حرب رسول الله (ص)، فأجابوه، وتجمعوا، وابتاعوا خيلا وسلاحا، وتهيأوا


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 470 وسيرة مغلطاي ص 55 والتنبيه والإشراف ص 215 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 63. (2) الجامع للقيرواني ص 283. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 278. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 470. (*)

[ 285 ]

للحرب، والمسير معه. فبلغ رسول الله (ص) الخبر، فأرسل بريدة بن الحصيب الأسلمي ليتحقق ذلك. فأتاهم، ولقي الحارث، وكلمة، مظهرا أنه منهم، وقد سمع بجمعهم، ويريد الانضمام بقومه، ومن أطاعه إليهم، وعرف منهم صدق ما بلغهم عنهم. فرجع إلى رسول الله فأخبره بأنهم يريدون الحرب. وفي الحلبية: أن بريدة استأذن رسول الله (ص) أن يقول ما يتخلص به من شرهم، فأذن له. فلما أخبر بريدة النبي (ص) بصحة ما بلغه دعا (ص) الناس فأسرعوا الخروج، فخرج معه سبع مئة، ومعهم ثلاثون فرسا منها عشرة للمهاجرين وعشرون للأنصار وقد عد منهم الواقدي في مغازيه جماعة الفرسان على النحو التالي: " كان علي عليه السلام فارسا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان والزبير، وعبد الرحمان بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والمقداد بن عمرو. وفي الأنصار سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأبو عيسى بن جبر، وقتادة بن النعمان، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وسعد بن زيد الأشهلي، والحارث بن حزمة، ومعاذ بن جبل، وأبو قتادة، وأبي بن كعب، والحباب بن المنذر، وزيادة بن لبيد، وفروة بن عمرو، ومعاذ بن رفاعة. انتهى. وخرج لليلتين من شعبان. وخرجت معهم عائشة، وأم سلمة. وكان معه (ص) فرسان هما:

[ 286 ]

لزاز وظرب. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة (1). وجعل عمر بن الخطاب على مقدمة الجيش (2). هكذا زعموا. وزاد في بعض المصادر قوله: وخرج بشر كثير لم يخرجوا في غزاة قبلها وعبارة ابن سعد: " خرج معه بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلا " (3). قال الواقدي: ليس بهم رغبة في الجهاد، إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا، وقرب عليهم السفر (4). المعركة ونتائجها: وسار رسول الله (ص) باتجاه بني المصطلق، وأصاب عينا


(1) راجع ما تقدم في المصادر التالية: وبعض ما فيها يكمل البعض الآخر: طبقات ابن سعد ج 2 ص 63 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 303 وتاريخ الخميس ج 1 ص 470 والسيرة الحلبية ج 2 ص 278 و 279 وسيرة مغلطاي ص 55 ونهاية الأرب ج 17 ص 164 والمواهب اللدنية ج 1 ص 108 و 109 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 260 وأنساب الأشراف ج 1 ص 341 و 342 وحبيب السير ج 1 ص 357 وزاد المعاد ج 2 ص 112 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 214 و 215 والمغازي للواقدي ج 1 ص 404 و 405 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46 و 47 وبهجة المحافل ج 1 ص 241. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 270. (3) زاد المعاد ج 2 ص 112 والمغازي للواقدي ج 2 ص 405 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 63. (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 405. (*)

[ 287 ]

للمشركين كان وجهه الحرث ليأتيه بخبر رسول الله (ص). فسأله (ص) عنهم، فلم يذكر من أمرهم شيئا. فعرض (ص) عليه الإسلام فأبي، فأمر عمر بن الخطاب بضرب عنقه، فضرب عنقه (1). وبلغ الحارث مسير رسول الله (ص) إليهم، وبلغه أيضا قتل عينه، الذي كان يأتيه بخبر رسول الله (ص)، فسيئ بذلك هو ومن معه. وخافوا خوفا شديدا، وتفرق الأعراب الذين كانوا معه فما بقي أحد سواهم. وانتهى رسول الله (ص) إلى المريسيع، وضرب علية قبة من أدم، وتهيأوا للقتال، وصف رسول الله (ص) أصحابه. قال الحلبي والذهبي: " وأمر (ص) عمر بن الخطاب أن يقول لهم: قولوا: لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا " (2). ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، وقال الواقدي وخواند أمير: كان لواء المشركين مع صفوان الشامي. وكان شعار المسلمين يومئذ: يا منصور أمت أمت. قال الذهبي والواقدي: " فكان أول من رمى رجلا منهم بسهم ". فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر النبي (ص) أصحابه فحملوا على الكفار حملة واحدة، فقتل منهم عشرة، وأسر الباقون، ولم يفلت منهم أحد.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 266 وزاد المعاد ج 2 ص 112 وفي المغازي للواقدي ج 1 ص 506 أن عمر هو الذي قال: " يا رسول الله، اضرب عنقه. فقدمه فضرب عنقه ". (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 215. (*)

[ 288 ]

وسبوا الرجال والنساء والذراري، وأخذوا الشاء والنعم. وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف والسبي مائتي أهل بيت. قال الحلبي: واستعمل على الغنائم شقران ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد وبعث (ص) أبا نضلة (أو أبا ثعلبة) (أو أبا نملة) الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع. ولما رجع المسلمون بالسبي قدم أهاليهم فافتدوهم. كذا ذكره ابن إسحاق (1). السبى والغنائم: قالوا: " وأمر بالأساري فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة بن


(1) النص المتقدم يوجد في: تاريخ الخميس ج 1 ص 470 ويوجد أيضا باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 2 ص 279 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 260 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 والوفا ص 692 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 وراجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 341 والثقات ج 1 ص 263 و 264 والتنبيه والإشراف ص 215 وحبيب السير ج 1 ص 357 وزاد المعاد ج 2 ص 112 / 113 وفتح الباري ج 7 ص 333 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46 - 48 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 و 303 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 214 و 215 والمغازي للواقدي ج 1 ص 406 و 407 ونهاية الأرب ج 17 ص 164 و 165 والمواهب اللدنية ج 1 ص 109 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و 298 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 وبهجة المحافل ج 1 ص 241. (*)

[ 289 ]

الحصيب، وأمر بالغنائم فجمعت، واستعمل عليها شقران مولاه. وجمع الذرية ناحية، واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء. واقتسم السبي وفرق، وصار في أيدي الرجال وقسم النعم والشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرثة في من يزيد. وأسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وكانت الإبل ألفي بعير، والشاء خمسة آلاف شاة. وكان السبي ماءتي أهل بيت. وصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وابن عم له. فكاتباها على تسع أواق من ذهب. فسألت رسول الله (ص) في كتابتها، وأداها عنها، وتزوجها. وكانت جارية حلوة. ويقال: جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق. ويقال: جعل صداقها عتق أسير من بني المصطلق. ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها. وكان السبي منهم من من عليه رسول الله (ص) بغير فداء، ومنهم من افتدي. فافتديت المرأة والذرية بست فرائض. وقدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم. فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها. وهو الثبت عندنا " (1). وقال الواقدي: أخرج رسول الله (ص) الخمس من جميع المغنم. وجعل على خمس المسلمين محمية بن جزء الزبيدي. " وكان يجمع


(1) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 وراجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410 و 411 و 412 وفي نهاية الأرب ج 17 ص 165 ملخص عنه. (*)

[ 290 ]

الأخماس. وكانت الصدقات على حدتها، أهل الفئ بمعزل عن الصدقة. وأهل الصدقة بمعزل عن الفئ. وكان يعطي الصدقة اليتيم، والمسكين، والضعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفئ، وأخرج من الصدقة، ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعط من الصدقة شيئا، وخلوا بينه وبين أن يكتسب لنفسه. وكان رسول الله (ص) لا يمنع سائلا، فأتاه رجلان يسألانه من الخمس، فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، ولا حظ فهيا لغني، ولا لقوي مكتسب إلخ " (1). وقال البلاذري: " وقسم رسول الله (ص) الغنائم. وأخذ صفيه قبل القسم. ثم جزأ الغنائم خمسة أجزاء، ثم أقرع عليها، ولم يتخير، فأخرج الخمس، وأخذ سهمه مع المسلمين لنفسه، وفرسه، وكان له (ص) صفى من المغنم، حضر أو غاب، قبل الخمس: عبد، أو أمة، أو سيف، أو درع " (2). مدة غيبته (ص) وتاريخ عودته: قالوا: وكانت غيبته (ص) في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوما (3). وقدم المدينة لهلال شهر رمضان المبارك (4).


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410 و 411 و 412. (2) أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 341 / 342. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 والسيرة الحلبية ج 2 ص 291 وسيرة مغلطاي ص 55 والتنبيه والإشراف ص 215 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 65 ونهاية الأرب ج 17 ص 165 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 والسيرة الحلبية ج 2 ص 291 وطبقات ابن = (*)

[ 291 ]

وقبل أن نواصل الحديث عن سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، نتوقف قليلا لنسجل بعض ما نرى ضرورة لتسجيله هنا، فنقول: 1 - المريسيع ضربة موفقة لقريش: وإذا كانت غزوة المريسيع قد أسفرت عن نتائج حاسمة إلى هذا الحد، فإن ذلك يعتبر ضربة موفقة لنفوذ وكبرياء قريش لأنها قد جاءت في منطقة كانت إلى الأمس القريب تقع في نطاق النفوذ المكي إن صح التعبير، ولا أقل من أنها من المواقع المتقدمة في خط الدفاع عن طاغوت الشرك المتمثل في قريش ومن تبعها، وتحالف معها، في مكة وغيرها، مما قرب منها أو بعد عنها. ومن جهة ثانية، فإن الطريقة التي تمت بها هذه الضربة القاسية، والنتائج التي أسفرت عنها، لابد أن تقنع الكثيرين بأن الوقوف في وجه هذا المد العارم يكاد يلحق بالممتنعات. وحتى قريش ومكة عموما فإنها قد باتت مقتنعة تماما أنها وحدها غير قادرة على تحقيق نصر حاسم. وقضية أحد هي الشاهد الحي على ذلك، خصوصوا، وأن أحدا قد أظهرت وجود بعض الثغرات في الصف الإسلامي، وتهيأت الفرصة لتسديد ضربة موجعة. ولكنها رغم ذلك أيضا قد عجزت عن تحقيق أي شئ، بل هي قد خسرت بالإضافة إلى معنوياتها وروحياتها خسرت سمعتها وكثيرا من تحالفاتها. وتأتي هذه الضربات المتلاحقة هنا وهناك، فتزيد من قوة الإسلام والمسلمين، وتمعن في إضعاف شوكة الشرك والمشركين:


= سعد ج 2 ص 65. (*)

[ 292 ]

فكان لا بد من استباق الأمور، والتحرك بسرعة قبل أن يبلغ السيل الزبي، وقبل أن يستكمل المسلمون قضم أطراف مكة، وحتى أطراف الجزيرة، أو ما هو أبعد من ذلك ثم تصل النوبة إلى مكة نفسها، فيبتلعها التيار العارم، ويضربها الزلزال الهادم، حيث تتهاوى صروح الشرك والفساد ويعم السلام والهدى جميع العباد في مختلف الأصقاع والبلاد. وكان قرار مكة هو أنه لابد أن يشاركها الآخرون في مهمة القضاء على الإسلام والمسلمين. وعمدت إلى حشد أكبر عدد ممكن من الناس من القبائل التي كان لها تحالفات معها. أو ممن شاركوها في التآمر والبغي. ومن شأن الكثرة أن تقوي الضعيف، وتشجع الجبان، وتؤمن الخائف. فكان أن تحزبت الأحزاب مع قريش، وقصدوا محمدا والمسلمين في عقر ديارهم، ليجتثوهم من الجذور، ويقتلعوا منهم الآثار، ويخلوا منهم الديار. فكانت غزوة الأحزاب " الخندق ". والتي انتهت هي الأخرى بالفشل الذريع. وطاشت السهام، وخابت الآمل، وانقلب السحر على الساحر. وكان فشل قريش في هذه المرة فشلا ذريعا، ومنيت بهزيمة لا تشبه سائر الهزائم فقد كانت هزيمة مرة وحقيقية وأبدية أيضا. وهذا بالذات هو ما يميز غزوة الخندق عما سواها، حتى قال النبي بعدها: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. كما سنرى. (*)

[ 293 ]

2 - المستخلف على المدينة: ذكر فيما تقدم: أن النبي (ص) قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة رحمه الله. ويمكن المناقشة في ذلك بما يلي: أولا: سيأتي إن شاء الله: أن البعض يقول: إن زيد بن حارثة كان على الميمنة في المريسيع (1)، فكيف يكون خليفة له (ص) على المدينة ؟ ثانيا: إن ابن هشام يقول: إنه (ص) قد استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري. ويقول آخرون: استخلف عليها نميلة بن عبد الله الليثي (2). وقيل: أبارهم الغفاري (3). إلا أن تكون كلمة أبي رهم تصحيف لكلمة أبي ذر. ولم نجد أبارهم الغفاري في جملة الصحابة المترجم لهم. وهذا الذي ذكر من تولية أبي ذر على المدينة في غياب رسول الله (ص) عنه لا يتلاءم مع ما رووه عن النبي (ص)، أنه قال لأبي ذر:


(1) حبيب السير ج 1 ص 357. (2) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 156 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297. وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 والسيرة الحلبية ج 2 ص 279 وزاد المعاد ج 2 ص 112 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 ونهاية الأرب ج 17 ص 164 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 ويظهر منه أنه يرجح ولاية أبي ذر، لكونه ذكر نميلة بلفظ قيل. (3) الجامع للقيرواني ص 283. (*)

[ 294 ]

إني أراك ضعيفا، فلا تأمرن على اثنين (1). إلا أن يقال: أنه (ص) إنما قال له ذلك بعد أن اختبره، وعرف أمره.. على أن هذا الحديث تفوح منه رائحة الكيد السياسي لأبي ذر، الذي كان الشوكة الجارحة في أعين الذين يمسكون بزمام السلطة وقد جعلوا مال الله دولا، واتخذوا عباد الله خولا، وقد كان له معهم مواقف جريئة فضحتهم، وأظهرت زيفهم للأجيال كلها. 3 - سعد بن معاذ فارسا: وتقدم أن الواقفي قد ذكر سعد بن معاذ في جملة من كان معه فرس في حرب المريسيع، مع أننا قدمنا ما يثبت أن المريسيع كانت بعد بني قريظة، التي مات فيها سعد بن معاذ: 4 - عمر على مقدمة الجيش: ولا ندري هل نصدق أم نكذب ما زعمه الديار بكري من أن عمر بن الخطاب كان على مقدمة الجيش. إذ من الواضح: أن من يكون على المقدمة يكون هو رمز صمود الجيش، ولا بد أن يكون من الفرسان المعروفين الذين يرهب جانبهم، ولم يكن عمر بن الخطاب ذلك الرجل الذي له هذه الخصوصية، بل هو في ما يناقضها أذكر وأشهر، وقد أكد هو نفسه هذه الحقيقة بفراره المتعاقب في حرب أحد، والأحزاب،


(1) أمالى الطوسي ص 384 المجلس الثالث عشر ط سنة 1414 نشر دار الثقافة - قم إيران وصحيح مسلم ج 6 ص 6 و 7 وسنن النسائي ج 6 ص 255 وسنن أبي داود - كتاب الوصايا ح 4. (*)

[ 295 ]

وربما في قريظة أيضا، مع عدم ظهور أي تميز له في حرب بدر، بل لعل الذين كانوا إذا حمي الوطيس يلوذون برسول الله (ص) في بدر - كما قال علي عليه السلام - هم هذا الرجل وأمثاله. وعدا عن ذلك كله، فإنه لم يظهر منه ولم يؤثر عنه إلى حين موت رسول الله (ص) أية مواقف حربية شجاعة، بل عرف عنه الفرار في كل مواطن الشدة والحرج في الحروب كلها. وليس ما جرى في خيبر وحنين عن أسماعنا ببعيد. وكلمة أخيرة نقولها هنا وهي: أنه إذا كان المقصود من جعله على المقدمة هو جعله أميرا على الجيش كله، فذلك مما لا ريب في كونه كذبا، بعد أن قدمنا ما يدل بصورة قاطعة على أن عليا أمير المؤمنين كان صاحب لواء وراية رسول الله (ص) في المواطن كلها، باستثناء غزوة تبوك، فراجع أوائل غزوة أحد، من هذا الكتاب. 5 - راية المهاجرين كانت مع من ؟ ! وقد تقدم أيضا: أن راية المهاجرين كانت مع أبي بكر، ونحن نشك في ذلك. لما يلي: 1 - قال خواند أمير: إنه (ص) أعطى راية المهاجرين لعلي (ع)، وراية الأنصار لسعد بن عبادة، وعمر على المقدمة، وعلى الميمنة زيد بن حارثة، وعلى الميسرة عكاشة بن محصن (1). لكن قد تقدم: أن البعض يقول: إنه (ص) استخلف زيد بن حارثة على المدينة في هذه الغزوة (2).


(1) حبيب السير ج 1 ص 357. (2) أنساب الأشراف ج 1 ص 342 وثمة مصادر أخرى تقدمت. (*)

[ 296 ]

2 - ذكر البعض: أن راية المهاجرين كانت مع عمار بن ياسر (1). أما لواء الجيش وروايته فقد كانتا مع علي أمير المؤمنين، حسبما أثبتناه في غزوة بدر وأحد. 6 - المقتولون من بني المصطلق: وأما عن المقتولين من بني المصطلق، فقد: قالوا: إن عليا عليه السلام قتل منهم رجلين: مالكا، وابنه (2). وقتل أبو قتادة: صاحب لواء المشركين. وكان الفتح (3). ونحن لا نستطيع تأكيد ذلك أو نفيه، فالمغرضون يهمهم التلاعب في بعض الأمور، وقد يكون هذا منها. 7 - عدد الأسري والسبايا: أما بالنسبة لعدد الأسري والسبايا فقد تقدم أنهم مئتا أهل بيت


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 والمغازي للواقدي ج 1 ص 407 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 والبداية والنهاية ج 4 ص 92 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48. (2) تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 263 وحبيب السير ج 1 ص 358 والمغازي للواقدي ج 1 ص 407 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 306 والبداية والنهاية ج 4 ص 158 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48. (3) حبيب السير ج 1 ص 358 والمغازي للواقدي ج 1 ص 407 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48. (*)

[ 297 ]

وبعضهم يقول: إنهم كانوا سبع مئة (1). وقيل: إنهم كانوا أكثر من سبع مئة، وكانت برة بنت الحارث سيد بني المصطلق في السبي (2). وليس ثمة تناف بين هذه النصوص فإن مئتي أهل بيت قد يكون عددهم سبع مئة، أو أكثر من ذلك. 8 - قتال الملائكة في المريسيع: ويقولون: " كان رجل منهم ممن أسلم وحسن إسلامه يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا على خيل بلق، ما كنا نراهم قبل ولا بعد " (3). ولكننا لا نكاد نطمئن لصحة هذه المقولة، التي لم ينقلها إلا رجل مجهول الهوية منهم، رغم كثرة من أسلم منهم: فكيف تفرد ذلك الرجل بنقل هذا الأمر الغريب الذي تتوفر الدواعي على نقله من كل من يراه ؟ ! حتى ولو كان لم يتشرف بدين الإسلام أصلا ؟ ! وبعد، فما هو وجه الحاجة لقتال الملائكة هنا، مع أنه لم يكن ثمة داع إلى ذلك. حيث لم يتعرض المسلمون لخطر يستدعي التدخل الإلهي، بواسطة الامداد بالملائكة ؟ ! إلا أن يقال: إن ذلك يجعل المشركين يندفعون إلى الاسلام، ولا يشتدون في حربهم ضد المسلمين.


(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 279. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 285 وراجع: حبيب السير ج 1 ص 358 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 215 والمغازي للواقدي ج 2 ص 409 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 47. (*)

[ 298 ]

9 - من قتل من المسلمين: وقد تقدم أنه لم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد. والظاهر: أنه هشام بن صبابة (ضبابة)، الذي قاتل مع المسلمين في المريسيع حتى أمعن. وكان قد أسلم، وقد قتله أنصاري اسمه أوس، من بني عمرو بن عوف، كما يقوله الواقدي بطريق الخطأ، قتله وهو يرى أنه من العدو. وكان هشام قد خرج في طلب العدو، فرجع في ريح شديدة وعجاج (1). ثم قدم أخوه مقيس في سنة خمس من مكة، متظاهرا بالإسلام، وطلب دية أخيه هشام، فأقام عند رسول الله غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، ثم رجع إلى مكة مرتدا (2) فإهدر النبي (ص) دمه فقتل يوم فتح مكة (3). وهو متعلق بأستار الكعبة.


(1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و 408 الخميس ج 1 ص 470 / 471 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 وراجع: الإصابة ج 3 ص 603. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 والسيرة الحلبية ج 2 ص 285 والكامل في التاريخ ج 2 ص 194 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 263 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 / 306 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 / 157 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 والمغازي للواقدي ج 1 ص 408 وبهجة المحافل ج 1 ص 241 / 242. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 285 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 = (*)

[ 299 ]

ونزل فيه قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم) الآية (1). ونقول: 1 - قولهم: إن قدوم مقيس بن ضبابة كان سنة خمس، لا ينسجم مع ما قدمناه من أن غزوة المريسيع كانت سنة ست - وبعدها كان قدوم مقيس، إذا فرض أن أخاه الذي جاء لأخذ ثأره وديته قد قتل بعد المريسيع. 2 - يقول النص الآنف الذكر: أن آية سورة النساء: من يقتل مؤمنا متعمدا، قد نزلت في مقيس هذا. مع أنهم يقولون: إن هذه الآية قد نزلت بعد المريسيع بعدة سنوات، فقد روي عن ابن عباس: أنها في آخر ما نزل، ولم ينسخها شئ حتى قبض رسول الله (ص) (2) فكيف تأخر نزولها عن الحدث الذي نزلت من أجله. 3 - قد ذكر النص المتقدم أن أنصاريا اسمه أوس وهو من بني عمرو بن عوف قد قتل هشاما، لكونه خرج في طلب العدو، فرجع في ريح شديدة وعجاج، فقتله مقيس بأخيه، مع أن نصا آخر يقول: إن النبي (ص) بعث مقيسا ومعه رجل من بني فهر في حاجة للنبي (ص)، فاحتمل مقيس الفهري فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين.


= والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 والبداية والنهاية ج 4 ص 156. (1) بهجة المحافل ج 1 ص 242 والدر المنثور ج 2 ص 195. (2) الدر المنثور ج 2 ص 196 عن أحمد، وسعيد بن منصور، والنسائي، وابن ماجة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والنحاس في ناسخه. وحديث آخر عن ابن عباس أيضا في الدر المنثور ج 2 ص 196 عن عبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير. (*)

[ 300 ]

وأوضح نص آخر ذلك فقال: إن الفهري كان رجلا من قريش، أرسله النبي (ص) معه إلى بني النجار بقباء (1). 4 - وهذا النص يقول: إن رجلا اسمه أوس قد قتل هشاما، فقدم أخوه من مكة مطالبا بديته. مع أن نصا آخر يقول: إن هذين الأخوين قد أسلما وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني النجار، فانطلق إلى النبي (ص) فأخبره بذلك. فأرسل رسول الله (ص) معه رجلا من بني فهر من قريش، إلى بني النجار بقباء، أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الدية. فقالوا: إنهم لا يعلمون له قاتلا، وأعطوه ديته مئة من الإبل. فرجع هو الفهري من قباء، فوسوس إليه الشيطان بأن يقتل الفهري، فتغفله، فرماه بصخرة فشدخه، وارتد عن الإسلام، وركب بعيرا، وساق بقيتها إلى مكة. وقال في ذلك شعراء (2). ولعل هذه الرواية هي الأرجح بملاحظة ما ذكرناه آنفا في تاريخ نزول آية سورة النساء.


(1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 195 عن ابن جرير وابن المنذر وعن ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس، وعن سعيد بن جبير وراجع الإصابة ج 3 ص 603 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 242 عن تفسير البغوي. (2) راجع: المنثور ج 2 ص 195 / 196 عن ابن أبي حاتم، وعن البيهقي في شعب الإيمان، وراجع: الإصابة ج 3 ص 603 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 242 عن تفسير البغوي. (*)

[ 301 ]

10 - للفارس ثلاثة أسهم ! ! قد تقدم قولهم: إنه (ص) أعطى من الغنائم للفرس سهمين ولصاحبه سهما، فيصير المجموع ثلاثة أسهم. وأعطى للراجل سهما واحدا. وقد تحدثنا في غنائم بني قريظة: أن هذا لا يصح، وأن الصحيح هو أنه (ص) كان يعطي للفارس سهمين، أحدهما له والآخر لفرسه. فراجع ما ذكرناه هناك إن شئت. 11 - هل أغار النبي عليهم وهم غارون ؟ ! وفي الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغار على بني المصطلق، وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم وهم على الماء (1)، وكان ابن عمر في الجيش كما ذكره البلاذري. قالوا: والأول أثبت (2) أي أنه لم يغر عليهم وهم غارون.


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 470 / 471 والمغازي للواقدي ج 1 ص 407 / 408 والسيرة الحلبية ج 2 ص 285 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 64 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 215 والمواهب اللدنية ج 1 ص 109 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 والبداية والنهاية ج 4 ص 156 وفتح الباري ج 5 ص 23 وصحيح البخاري ج 2 ص 54 وصحيح مسلم ج 5 ص 139 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 36 وأنساب الأشراف ج 1 ص 342. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 والمغازي للواقدي ج 1 ص 407 وراجع: = (*)

[ 302 ]

ولعل سبب كونه هو الأثبت هو عدم صحة ما ذكر من قتل مقاتلتهم، لأن بني المصطلق قد بقوا بعد ذلك على كثرتهم، وانتشارهم، وقتل مقاتلتهم معناه أن لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك. 12 - استرقاق العرب: قد تقدم أن رسول الله (ص) أمر بالأساري، فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة (رض)، ثم فرق (ص) السبي، فصار في أيدي الناس (1). قال الحلبي: " وفي هذا دليل لقول إمامنا الشافعي (رض) في الجديد: يجوز استرقاق العرب. لأن بني المصطلق عرب من خزاعة. خلافا لقوله في القديم: إنهم لا يسترقون لشرفهم. وقد قال في الأم: لو أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا، أي عدم استرقاقهم. أي لا يجوز الرق على عربي " (2). ونقول: إن الشافعي وإن كان قد أصاب حين قال بجواز استرقاق العرب، خلافا لقوله القديم: إلا أنه في كتابه الأم يعود ليستسلم لمشاعره في التمييز العنصري، الذي كرسه عمر بن الخطاب في أقواله وتشريعاته حين تمنى عدم استرقاق العرب، وعدم جواز الرق على عربي، وكأنه لا يعجبه الحكم الإلهي الصائب، ويجد في نفسه حرجا مما قضى الله ورسوله.


= دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48 وفتح الباري ج 7 ص 333. (1) وراجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 280. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 280. (*)

[ 303 ]

13 - فداء الأسري موضع شك: قد تقدم: أنهم يقولون: إن أهالي الأسري قدموا فافتدوهم، وإن المرأة والذرية افتدوا بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم. فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها. مع أنهم يذكرون: أن جميع بني المصطلق قد أسروا، ولم يفلت منهم أحد حسبما تقدم. ونكاد نلمح من خلال تأكيداتهم على اطلاق سراحهم فورا: أن البعض لا يرتاح لأسر بني المصطلق الذين هم عرب. ويزعجه جدا أن تسبى نساؤهم، ولعل الفقرة الأخيرة المتقدمة: فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها. تشير إلى ذلك الانزعاج، وإلى الحرص على إبعاد شبح استرقاق العرب. ونعتقد: أن السبب في ذلك هو سياسات الخليفة الثاني تجاه العرب، وهو القائل: ليس على عربي ملك (1) وكره أن يصير السبي سنة على العرب (2) وقد أعتق سبي اليمن وهن حبالى، وفرق بينهن وبين من اشتراهن (3) وأعتق كل مصل من سبي العرب، وأوصى بعتق كل


(1) الأموال ص 197 و 198 و 199 والإيضاح ص 249 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 549 وسنن البيهقي ج 9 ص 73 و 74 ونيل الأوطار ج 8 ص 150 والمسترشد في إمامة علي عليه السلام ص 115 وقضاء أمير المؤمنين عليه السلام ص 264 وراجع: المصنف للصنعاني ج 10 ص 103 و 105 وج 7 ص 278 و 279 والنظم الإسلامية لصبحي الصالح ص 463. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 139. (3) الايضاح ص 249. (*)

[ 304 ]

عربي (1). وسياسات عمر هذه معروفة عنه. وقد فصلنا القول فيها في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي فليراجعه من أراد. 14 - جويرية بنت الحارث: ويقولون: إن عليا عليه السلام كان قد أسر جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية، ثم المصطلقية (2). وكانت متزوجة من ابن عمها عبد الله، كذا في السمط الثمين. وفي غيره: اسمه الشغر بن مسافع. وقتل في غزوة المريسيع (3). وقال البعض: كانت تحت مسافع بن صفوان (4). وتحت صفوان بن مالك (5) ولا يهمنا تحقيق ذلك. ويقولون: إنها وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، أو في سهمهما معا. فكاتبته. ثم سألت رسول الله (ص) إعانتها، فأدى (ص) عنها، وتزوجها وهي بنت عشرين سنة، وكان اسمها برة، فحوله (ص) إلى جويرية. كره أن يقال: خرج من عند برة، كذا في المشكاة (6).


(1) راجع: المصنف للصنعاني ج 8 ص 380 و 381 وج 9 ص 168 وراجع: المسترشد في إمامة علي عليه السلام ص 115. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 كشف اليقين ص 136 وفيه: أن عليا عليه السلام أيضا قتل مالكا وابنه. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 وراجع، الاصابة ج 4 ص 266. (4) الإصابة ج 4 ص 266 والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 265 والمواهب اللدنية ج 1 ص 207. (5) الإصابة ج 4 ص 265 عن ابن سعد، عن الواقدي. (6) راجع: ما تقدم كلا أو بعضا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص = (*)

[ 305 ]

وعن عمر بن الخطاب: أن رسول الله (ص) كان يقسم لها كما يقسم لنسائه وضرب عليها الحجاب (1). ويذكر أيضا: أن ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وزينب بن أبي سلمة، كانت أسماؤهن أيضا: برة، فغيره رسول الله (ص) (2). وزعم البعض أيضا: أن ثابت بن قيس جعل لابن عمه نخلات له في المدينة مقابل حصته في برة، ثم كاتبها على تسع أواق (3) فأداها عنها رسول الله (ص)، وتزوجها.


= 474 والسيرة الحلبية ج 2 ص 280 وراجع المصادر التالية الاصابة ج 4 ص 265 وكراهته (ص) الخروج من عند برة في ص 26 عن صحيح مسلم. وتاريخ اليعوقبي ج 2 ص 53 والوفا ص 692 والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 258 - 261 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 وحبيب السير ج 1 ص 358 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 64 ط صادر. المغازي للواقدي ج 1 ص 410 - 412 وراجع: نهاية الأرب ج 17 ص 165 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 207 وأنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 341. (1) المغازي للواقدي ج 1 ص 413. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 280 والروض الأنف ج 4 ص 19 وراجع: الإصابة ج 4 ص 250 و 251 و 265 و 313 و 411 و 417 و 266 عن صحيح مسلم والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ص 261 و 314 و 319 و 405. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 وراجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410 - 412 وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 64. (*)

[ 306 ]

زواج النبي (ص) من جويرية برواية عائشة: ونذكر هنا حديث عائشة حول زواج النبي (ص) ببرة هذه، فهي تقول: كانت جويرية امرأة ملاحة تأخذها العين. لا يكاد يراها أحد إلا ذهبت بنفسه، فجاءت تسأل رسول الله (ص) في كتابتها. فلما قامت على الباب، فرأيتها كرهت مكانها، وعرفت: أن رسول الله سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث، سيد قومه، وكان من أمري ما لا يخفى عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبته على نفسي، فجئت أسألك في كتابتي. فقال رسول الله (ص): فهل لك فيما هو خير لك ؟ ! فقالت: وما هو يا رسول الله ؟ ! قال: أودي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: قد فعلت. فأدي عنها كتابتها، وأعتقها، وتزوجها. قالت: فتسامع الناس: أن رسول الله قد تزوجل جويرية، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله لا ينبغي أن تسترق. قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة منها. وأعتق بسببها مئة أهل بيت من بني المصطلق. خرجه بهذا السياق أبو داود (1). واعتبر الواقدي هذا الحديث


(1) تاريخ الخمس ج 1 ص 474 والسيرة الحلبية ج 2 ص 280 وراجع ص = (*)

[ 307 ]

هو الأثبت (1). ونقول: لقد توالت على هذه الرواية العلل والأسقام، وظهرت الاختلافات والتناقضات بينها وبين سائر الروايات في أكثر الموارد، بصورة ملفتة ومثيرة للعجب. وفي محاولة منا لاستعراض جانب من هذه الاختلافات نقول: أولا: هل تزوج (ص) جويريرة لجاملها ؟ ! لقد ظنت عائشة أن جمال جويرية سوف يؤثر على مشاعر النبي (ص)، وأحاسيسه، ويدعوه إلى اتخاذها زوجة، فكرهتها لأجل ذلك. ونحن وإن كنا لا نستغرب غيرة عائشة هذه، فقد لمسناها منها


= 283. وراجع المصادر التالية: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 والإصابة ج 4 ص 265 والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 266 وسيرة مغلطاي ص 55 ونهاية الأرب ج 18 ص 183. وراجع: بعض ما تقدم أو كله في: الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 264 والتنبيه والإشراف ص 215 وحبيب السير ج 1 ص 358 وزاد المعاد ج 2 ص 113 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 307 و 308 وتاريخ الإسلام (المغازي) ص 217 والمغازي للواقدي ج 1 ص 411 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302 والبداية والنهاية ج 4 ص 159 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 49 / 50 وبهجة المحافل ج 1 ص 245 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 والمواهب اللدنية ج 1 ص 207 عن أبي داود. (1) المغازي للواقدي ج 1 ص 412. (*)

[ 308 ]

بالنسبة إلى جميع زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت تغار منهن، وتحسدهن، وتكرههن، وتدبر في الخفاء للكيد لهن. كما دلت عليه النصوص التاريخية والحديثية المتضافرة والمتواترة. كما أننا لا ننكر على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوج المرأة ذات الجمال، فإن ذلك هو ما تقتضيه الجبلة الإنسانية: ويدعو إليه الذوق السليم، والطبع السوي، وهو أيضا ما حبذته نصوص الشريعة الإلهية السمحة. إلا أننا ننكر على عائشة أن تفكر هي أو غيرها: أن الجمال والجمال فقط هو المعيار والفيصل في إقدام النبي (ص) أو إحجامه في هذا المجال. فإنه هو نفسه صلى الله عليه وآله قد ذكر، أن ثمة معايير أخرى إسلامية وإنسانية هي التي تتحكم في القرار الحاسم في أمر الزواج. والذي يظهر لنا هو أن عائشة - كما يظهر في موارد كثيرة - كانت تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنه رجل عادي جدا، تستخفه فتأسره مسحة جمال عارضة، وينشد وينجذب إليها، دون اختيار، فتفرض عليه موقفا هنا، وتصرفها هناك، تماما كما هو الحال بالنسبة لأي مراهق ناشئ، تثيره غرائزه، وتسيطر عليه أهواؤه وشهواته. وحاشا نبي الإسلام الأعظم صلى الله عليه وسلم أن تصدق فيه ظنون عائشة وأوهامها، وهو النبي المعصوم، الذي لا شك في طهارته، ونبله، وكبر عقله، وبعد نظره، وعزوفه عن الدنيا، بكل ما فيها من زبارج وبهارج ومغريات. لا سيما وأنه يقترب من سن الستين، الذي يكون فيه حتى الإنسان العادي قد تجاوز سن المراهقة، وبدأ يتجه نحو عقلنة طموحاته، والسيطرة عليها، فكيف بنبي الإسلام الأكرم صلى

[ 309 ]

الله عليه وآله وسلم. ثانيا: التناقض والاختلاف في أمر جويرية: هناك تناقضات كثيرة في قصة جويرة هذه، نذكر منها ما يلي: 1 - هذه الرواية تقول: إن الناس حين عرفوا بأن النبي (ص) تزوجها أرسلوا ما في أيديهم من أسري بني المصطلق. وعند الواقدي: " فلما أعتقني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم " (1). وفي نص آخر: " فلما أعتقي وتزوجني ما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني بفك الأسرى، فحمدت الله تعالى " (2). مع أن هناك ما ينا قض ذلك كله. فقد قيل: جعل (ص) صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق (3). وقيل: عتق أربعين من قومها (4). ويقال: إنه أعتقها وتزوجها على عتق مئة من أهل بيت قومها (5).


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 412 والبداية والنهاية ج 4 ص 159 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 2383 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 64 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50 والمغازي للواقدي ج 1 ص 412. (4) الثقات ج 1 ص 263 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 64 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50 والمغازي للواقدي ج 1 ص 412 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303 والبداية والنهاية ج 4 ص 159. (5) أنساب الأشراف ج 1 ص 341 / 342. (*)

[ 310 ]

وقيل: إن النبي (ص) وجه إلى أبيها، حين جاء بفدائها، ثم خطبها (ص) وتزوجها، وأصدقها أربع مئة درهم (1). وقال البعض: " كان الأسري أكثر من سبع مئة، فطلبته فيهم ليلة دخل بها، فوهبهم لها " (2). وقيل: بل جعل صداقها عتقها (3) فأي ذلك كله نصدق يا ترى. 2 - متى وكيف تزوجها النبي (ص) ؟ فهل تزوجها بعد قضائه عنها مال كتابتها، كما ذكرت رواية عائشة ؟ أم أن أباها هو الذي افتداها من ثابت بن قيس، ثم خطبها النبي (ص) إليه، فزوجها إياه (4) ؟ أم أنه افتداها من رسول الله (ص) مباشرة، حيث إنه كما يروي لنا ابن هشام وغيره: لما انصرف (ص) من غزوة بني المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الأنصار، وأمره بالاحتفاظ بها. وقدم (ص) المدينة. فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بهاء للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق. ثم أتى إلى النبي (ص) فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 والسيرة الحلبية ج 2 ص 282 و 283 والمواهب اللدنية ج 1 ص 207 وستأتي بقية المصادر لذلك. (2) الجامع للقيرواني ص 284 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53. (4) المغازي للواقدي ج 1 ص 412. (*)

[ 311 ]

فقال رسول الله (ص): فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟ فأسلم الحارث حينئذ، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما، ودفع الإبل إلى النبي (ص). ودفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت، وحسن إسلامها. فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها، وأصدقها أربع مئة درهم. وكانت قبله تحت ابن عم لها يقال له: عبد الله (1). ونص رابع يذكر: أن النبي أمر الحارث أن يخبر ابنته بإسلامه، فأخبرها، ثم طلب منها أن لا تفضح قومها بالرق. فاختارت الله ورسوله، فرضي أبوها بذلك (2). فأعتقها (ص)، وجعلها في جملة أزواجه (3). 3 - وعن فداء جويرية نقول: هل اشترى النبي (ص) جويرية من ثابت بن قيس (4) ؟ أم أنه (ص) أدى عنها كتابتها ثم تزوجها كما تقول رواية عائشة ؟


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 / 475 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 308 والسيرة الحلبية ج 2 ص 282 / 283 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303 والبداية والنهاية ج 4 ص 159 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 51 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267 وراجع: كشف اليقين ص 136 المناقب لابن شهر أشوب ج 1 ص 253 ط دار الأضواء. (3) راجع المصادر المتقدمة باستثناء دحلان. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 274 والسيرة الحلبية ج 2 ص 280. (*)

[ 312 ]

أم أن ثابت بن قيس وهبها للنبي (ص) (1). أم النبي (ص) أخذها من السبي، فلما بلغ ذات الجيش دفعها إلى رجل من الأنصار ليحتفظ بها، كما تقدم عن ابن هشام وغيره ؟ ! أم أن أباها هو الذي افتداها من ثابت بن قيس (2). أو من رسول الله (ص) (3). (4) ثم هل تزوجها النبي بعد رجوعه إلى المدينة كما تشير إليه الروايات المتقدمة ؟ أم أنه (ص) تزوجها - كما تقول عائشة - حين كان لا يزال على ماء المريسيع ؟ ! كما صرح به البعض (4). أو تزوجها في الطريق (5). وحسبنا ما ذكرناه من تناقضات واختلافات، ومن أراد استقصاء ذلك فيمكنه المراجعة للروايات والمقارنة بينها. ثالثا: تغيير اسم برة إلى جويرية: ذكرت الروايات المتقدمة: أنه (ص) غير اسمها من برة إلى:


(1) حبيب اليسر ج 1 ص 358. (2) المغازي للواقدي. 1 ص 412. (3) تقدمت مصادر ذلك حين ذكرنا للتناقضات والاختلافات تحت رقم 2. (4) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و 281 و 282 وفي 285 عن جويرية نفسها ما يدل على ذلك. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 474. (*)

[ 313 ]

جويرية (1) وذلك لأنه كره أن يقال: خرج من عند برة ونقول: إننا لا ندري ما وجه كراهته (ص) ذلك، فإنه اسم حسن الإيقاع، ومقبول الإيحاء والدلالة. كما أننا لا ندري لماذا اقتصر (ص) على تغيير اسم ميمونة، وزينب بنت جحش، وبنت أم سلمة، بالاضافة إلى جويرية ؟ ولم يأمر بتغيير اسم باقي م سمين ببرة. فلم يغير اسم برة بنت أبي نجراة وبرة بنت سفيان السلمية، أخت أبي الأعور. وبرة بنت عامر بن الحارث. وغيرهن. بل إنه (ص) لم يغير اسم إحدي جواريه، التي كان اسمها برة أيضا (2). ولا ندري أخيرا، لماذا لم يكره الناس هذا الاسم، فلم يبادروا إلى تغييره من عند أنفسهم. حين علموا بإصرارهم الأكرم على تغييره بالنسبة لهذه وتلك وسواها ؟ ثم لماذا لم يمتنعوا عن التسمية به بعد ذلك. رابعا: أبو جويرية: قد ذكرت الروايات المتقدمة أن الحارث بن أبي ضرار هو الذي افتدى ابنته جويرية، ثم خطبها النبي (ص) إليه، فزوجه إياها. مع أن المؤرخ الثبت الأقدم ابن واضح اليعقوبي يقول عن جويرية: " فكان ممن سبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار. وقتل


(1) وقد تقدمت مصادر ذلك، في أوائل الحديث عن جويرية، فراجع. (2) راجع: الإصابة ج 4 ص 250 و 251 و 254 و 411 والاستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 251 و 252 و 405 وغير ذلك كثير. (*)

[ 314 ]

أبوها، وعمها، وزوجها، فوقعت في سهم ثابت بن قيس إلخ.. " (1). خامسا: تخيير جويرية: جاء في مرسل أبي قلابة بسند صحيح - كما يزعمون - أن النبي (ص) سبا جويرية وتزوجها. فجاءها أبوها، فقال: إن بنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها. فقال: أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت ؟ ! قال: بلى. فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله (2). وفي نص آخر: أنه قال لها حين خيرها: يا بنية لا تفضحي قومك. قالت: اخترت الله ورسوله. ونقول: 1 - قد شكك البعض في هذه الرواية على أساس: أنه لا يعقل أن يأمره النبي (ص) بتخييرها، بعد أن تزوجها (3). إلا إذا كان (ص) يريد من وراء ذلك أن يثبت لأبيها: أنها لا توافق على العيش في أجواء الشرك والانحراف. ولكن يرد هذا قولهم: إن الحارث قد أسلم مع ابنين له. 2 - قد تقدم: أن أباها وعمها وزوجها قتلوا في غزوة


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53. (2) الإصابة ج 4 ص 265. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 282. (*)

[ 315 ]

المريسيع (1). 3 - إننا لا يمكن أن نصدق أن يأتي أبوها. الذي كان قد حشد تلك الحشود، ويكلم النبي (ص) بهذا الأسلوب الجاف، الممتلئ بالعنجهية. 4 - إنه إذا كان الروايات المتقدمة في أول هذا الفصل قد صرحت بأن جميع بني المصطلق قد أسروا، ولم يفلت منهم أحد، فلا معنى لقولهم: إن أباها قدم على النبي (ص) بعد ذلك، وفدى ابنته. ثم تزوجها النبي (ص). أو أنه وجد ابنته قد تزوجت النبي (ص)، فطلب منه أن يطلق سراحها. وانجر الأمر إلى تخييرها، فاختارت الله ورسوله. إلا أن يكون قد أطلق في من أطلق فذهب، ثم عاد: أو أنه لم يكن في جملة الأسرى ولا القتلى، بل كان تمكن من النجاة بنفسه. 5 - إنه إذا كان قد وجد ابنته معتقة ومتزوجة من رسول الله (ص)، فلا معنى لأن يقول له: ابنتى لا يسبى مثلها. بعد أن زالت عنها آثار السبي. بالعتق، وبالزواج من أعظم رجل شرفا، وسؤددا وشأنا في الجزيرة العربية، بل وفي العالم بأسره. 6 - قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن الحارث بن أبي ضرار قد أسلم مع ابنين له. فما معنى أن يخير بعد هذا ابنته جويرية بين الإسلام والشرك، لا سيما وأنها كانت قد تزوجته (ص) وآمنت به وآمن به أبوها وأخواها. فلا يعقل: بعد هذا أن يطرح أبوها مع النبي ومعها موضوع الانفصال عنه (ص)، والالتحاق بأبيها.


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53. (*)

[ 316 ]

كلمات أخيرة حول جويرية: يقول الديار بكري: كانت جويرية عند النبي (ص) خمس سنين، وعاشت بعده خمسا وأربعين سنة، وتوفيت بالمدينة سنة خمسين، وفي رواية سنة ست وخمسين، وهي بنت خمس وستين سنة، وصلى عليها مروان بن الحكم. وكان حاكما على المدينة من قبل معاوية (1). ملاحظات لا بد من تسجيلها: ونذكر القارئ أخيرا بما يلي: 1 - إن جويرية كانت من بيت عز وشرف، وقد عاشت حياتها بطرقة لا تنسجم، لا من قريب ولا من بعيد مع حياة الرق والعبودية. والإسلام هو الذي يقول: ارحموا عزيز قوم ذل. 2 - إنه (ص) لا يريد لهذه المرأة أن تعيش فيما بالمهانة في ظل الإسلام، بل يريد أن تلمس: أن الإسلام يحترم إنسانيتها، ويحفظ لها كرامتها. 3 - إن إكرام قومها وأبيها بها أن كان أبوها لم يقتل في المريسيع قبل سبيها لسوف يهيؤهم نفسيا للتفاعل مع تعاليم الإسلام، والانسجام مع قيمه ومثله، لأنهم عاشوها واقعا حيا، تجسد موقفا وسلوكا. وكان له تأثير على حياتهم، ووجودهم، ومصيرهم. 4 - إن علينا: أن لا ننسى أنه لم يكن من المصلحة القسوة على قوم هم من قبائل خزاعة التي كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل كان لا بد من درء الخطر أولا، ثم تهيئة الأجواء


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 475. (*)

[ 317 ]

لإعادة الاعتبار لهؤلاء الناس، الذين كان لهم موقف أكثر عقلانية وواقعية من غيرهم. فماذا لو أنهم لمسوا: أن هذه الواقعة منهم قد أثمرت ثمرات خيرة، وصالحة وعزيزة. واستطاعت أن تغير من مسار ومصير هذه القبيلة التي تنتمي إليهم، ولهم فيها أدنى ارتباط. 5 - أما اللفتة المثيرة للاعجاب، فهي أن تكون جويرية قد رأت في شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الرجل القادر على أن يدرك مشكلتها، وأن يتعامل معها بواقعية وبإنسانية، ومن خلال القيم المثلى، وبالطريقة الفضلى. مع أن هذا الرجل هو نفسه الذي قاد الجيش الذي أسرها، وأنزل في قومها الضربة المؤثرة والمثيرة.. 6 - ولا شك أنها قد لمست في الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعض ما حباه الله به من مزايا، وأكرمه به من خصال. وربما تكون أيضا قد استجابت لعامل الشعور بالعزة، والأنفة من أن تطلب المساعدة من أي كان من الناس، فكان طموحها متناسبا تماما مع واقعيات حياتها في بيت العزة والسؤدد، حين كان أبوها السيد المطاع في قومه. (*)

[ 319 ]

الفصل الثاني ليخرجن الأعز منها الأذل

[ 321 ]

ليخرجن الأعز منها الأذل: ويقول المؤرخون: إنه بعد أن هزم بنو المصطلق أزدحم على الماء - وكان قليلا - جهجاه بن سعد الغفاري - وكان أجيرا لعمر بن الخطاب، يقود له فرسه (1) - وسنان بن وبرة (أو فروة) (أو أنس بن سيار كما في القمي). وقال قتادة: (الجهني) حليف عمرو بن عوف من الخزرج - وفي المدارك: كان حليفا لابن أبي - فاقتتلا، فأعان جهجاها رجل من فقراء المهاجرين، يقال له: جعال. ولطم وجه سنان، فاستغاث سنان: يا للأنصار، يا للخزرج واستغاث جهجاه: يا لكنانة، يالقريش ! أو قال: يا معشر المهاجرين. وفي نص آخر: أن جهجاها ضرب سنانا، فسال الدم. وقيل: كسعه، أي دفعه. فتسارع إليهما القوم، وعمدوا إلى السلاح. فمشى جماعة من المهاجرين إلى سنان فقالوا: اعف عن جهجاه ففعل فسكنت الفتنة وانطفئت نائرة الحرب.


(1) ادعى البعض: أن جهجاها كان يريد أن يملأ قربا للنبي (ص)، وأبي بكر، وعمر فوجد الناس يزد حمون على الماء، فأمرهم بالامساك ليملا القرب المذكورة، فنازعه أنصاري كان أجيرا لابن أبي: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 270. (*)

[ 322 ]

زاد الحلبي وغيره قوله: فخرج رسول الله (ص)، فقال: ما بال دعوى الجاهلية، فأخبر بالحال، فقال: دعوها، فإنها منتنة. أو قال: من دعا دعوى الجاهلية كان من محشي جهنم. قيل له: وإن صام وصلي، وزعم أنه مسلم ؟ قال: وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم. وقال (ص) لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه ناصر، وإن كان مظلوما فلينصره (1). فسمع عبد الله بن أبي بالامر فغضب وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم، ذو الاذن الواعية، وهو غلام حديث السن. فقال ابن أبي: أفعلوها ؟ قد نافرونا، وكاثرونا في بلادنا ؟ ! وقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم ؟ والله، ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك. أما والله، لئن رجنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل. يقصد بالاعز نفسه، وبالاذل رسول الله (ص). ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم ! أما والله، لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولتحولوا إلى غير بلادكم. فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. قال دحلان: " وإلى ذلك أشار سبحانه وتعالى حكاية عنهم: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا). فقال له زيد بن أرقم: أنت والله الذليل القليل، المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمان، وقوة من المسلمين.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 286. (*)

[ 323 ]

فقال له ابن أبي: اسكت، فإنما كنت ألعب. فمشى زيد بن أرقم، (وقيل: سفيان بن تيم) إلى رسول الله (ص)، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال عمر: دعني أضرب عنقه يارسول الله !. فقال: إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب. فقال إن كرهت إن يقتله مهاجري، فأمر أنصاريا. أو قال له: فمر عباد بن بشر بقتله. وعند البعض، مر معاذا أن يضرب عنقه. قال العسقلاني: " وإنما قال ذلك لان معاذ لم يكن من قومه " وثمة نص آخر يقول: أو مر محمد بن مسلمة بقتله. فقال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ! ولكن آذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها. فارتحل الناس. قال دحلان: " ثم سار رسول الله (ص) سيرا حثيثا، بحيث صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها ". وذكروا أيضا: أنه (ص) سار بالناس حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، ويوم ذاك حتى آذتهم الشمس. ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الارض، فوقعوا نياما. وذلك ليشغلهم عن حديث الامس. وقالوا أيضا: إن الخزرج لاموا ابن أبي، فأنكر أن يكون قال شيئا، فلما سار رسول الله (ص) بهم ذلك السير جاءه ابن أبي، فحلف أنه لم يقل شيئا. لكن نصا آخر يذكر، أن النبي (ص) هو الذي أرصل إلى ابن أبي، فأتاه، فقال، أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني ؟ !.

[ 324 ]

فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب، ما قلت شيئا من ذلك. وإن زيدا لكاذب. أو قال له (ص): إن كانت سبقت منك مقالة، فتب. فحلف بالله ما قال شيئا من ذلك. وعند البخاري والترمذي وغيرهما: أنه لما حلف ابن أبي وأصحابه للنبي (ص) صدقهم وكذب زيدا. قال زيد فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في البيت (1). قال دحلان: وأنزل الله في حق عمر (رض): (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله، ليجزي قوما بما كانوا يكسبون. من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون) (2). قالوا: وكان عبد الله شريفا في قومه عظيما، فقال من حضر من الانصار من أصحابه: يارسول الله، شيخنا وكبيرنا، لاتصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون الغلام وهم في حديثه، ولم يحفظ ما قاله. فعذره النبي (ص). وفي الكشاف: (وقريب منه ما ذكره القمي) روي أن رسول الله (ص). قال لزيد: لعلك غضبت عليه. قال: لا. قال: فلعله أخطأ سمعك ؟ قال: لا.


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 130 و 131 والجامع الصحيح ج 5 ص 415. (2) سورة الجاثية / 14 و 15. (*)

[ 325 ]

قال: فلعله شبه عليك ؟ قال: لا. وفشت الملامة لزيد في الانصار وكذبوه. وكان زيد يساير النبي (ص) ولم يقرب منه بعد ذلك استحياء. فلما سار رسول الله (ص). لقيه أسيد بن حضير أو سعد بن معاذ كما في حبيب السير. أو سعد بن عبادة كما ذكره القمي، فحياه بتحية النبوة، وسلم عليه. ثم قال يا رسول الله، رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها ؟ !. فقال (ص): أما بلغك ما قال صاحبكم [ صاحبك ]، عبد الله بن أبي ؟ !. قال: وما قال ؟ !. قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل. فقال أسيد: (أو سعد) فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت. هو والله الذليل، وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، أرفق به، فوالله، لقد جاء الله بك، وإن قوله لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أبيه. فأتى رسول الله (ص) فقال: يارسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، لما بلغك عنه، فأن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وأني أخشى أن تأمر به غيري، فلا تدعني نفسي أن أنظر ألي قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، وأدخل النار.

[ 326 ]

فقال (ص): نرفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا. قال العسقلاني: " فكان بعد ذلك إذا حدث الحدث كان قومه هم الذين ينكرون عليه، فقال النبي (ص) لعمر: كيف ترى إلخ " (1). وفي رواية أخرى: " لما بلغ النبي (ص) بغض قوم ابن أبي له قال (ص) لعمر: كيف ترى يا عمر ؟ إني - والله - لو قتلته يوم قلت، لارعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتله. فقال عمر (رض): قد - والله - علمت، لامر رسول الله أعظم بركة من أمري " (2).


(1) راجع ما تقدم، باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 471 و 472 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 299 - 301 والبداية والنهاية ج 4 ص 157 و 158 وسيرة مغلطاي ص 55 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 33 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 303 - 305 والسيرة الحلبية ج 2 ص 286 - 288 وتاريخ الاسلام (المغازي) ص 218 - 221 والكامل في التاريخ ج 2 ص 192 / 193 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 260 - 262 وفتح الباري ج 8 ص 498 وزاد المعاد ج 2 ص 116 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و 165 وحبيب السير ج 1 ص 359 راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 65 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 ودلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 52 - 58 وصحيح البخاري ج 3 ص 130 و 131 والجامع الصحيح ج 5 ص 515 - 518 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 270 و 271 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 242 - 244 وتفسير القمي ج 2 ص وتقسير البرهان ج 4 ص 337 / 338 والدر المنثور ج 6 ص 222 - 226 عن مصادر كثيرة جدا. وراجع أيضا ج 2 ص 258 عن ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 294 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 263 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 والبداية والنهاية ج 4 ص 158 والسيرة (*)

[ 327 ]

قالوا: ولما دنوا من المدينة - وفي الوفاء: لما كان بينهم وبين المدينة يوم - تعجل عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة. فلما جاء عبد الله بن أبي قاله له ابنه: وراءك ! قال: مالك، ويلك ؟ ! قال لا والله، لا تدخلها حتي يأذن رسول الله (ص)، ويعلم اليوم: من الاعز، ومن الاذل ! فقال له: أنت من بين الناس ؟ !. فقال: نعم، أنا من بين الناس. فانصرف عبد الله حتى لقي رسول الله (ص)، فشكي إليه ما صنع ابنه، فأرسل (ص) إلى ابنه: أن خل عنه. فدخل المدينة (1). وفي المنتقى: أنه قال لابيه: لا أفاقرك حتى تقر أنك الذليل، وأن محمدا العزيز، فمر به رسول الله (ص)، فقال: دعه فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا (2). وفي نص آخر: أنه صار يقول: لانا أذل من الصبيان. لانا أذل من النساء، حتى جاء رسول الله فقال له: خل عن أبيك (3).


= النبوية لابن كثير ج 3 ص 301. (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 عن المنتقي والكشاف، والسيرة الحلبية ج 2 ص 290 و 291 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 301 والبداية والنهاية ج 4 ص 58 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد عن محمد بن سيرين. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 225 عن الترمذي. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 290 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 225 عن = (*)

[ 328 ]

وروي أنه قال له: لئن لم تقر لله ورسوله بالعزة لاضربن عنقك. فقال ويحك، أفاعل أنت ؟ !. قال نعم. فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. فقال (ص) لابنه: جزاك الله عن رسوله، وعن المؤمنين خيرا (1). نزول سورة المنافقين: قالوا: وأنزل الله تعالى سورة المنافقين في قضية ابن أبي المذكورة (2). أي في تكذيبه وتصديق زيد، فلما نزلت - وذلك بعد أن وافي (ص) المدينة - أخذ (ص) بأذن زيد وقال: إن الله صدقك، وأوفى بأذنك. وفي الاكتفاء قال: هذا الذي أوفى الله بأنه. وفي الكشاف: لما نزلت، لحق (ص) زيدا من خلفه، فعرك، أذنه، وقال: وفت أذنك يا غلام إن الله صدقك، وكذب المنافقين (3) ونزل قوله تعالى: (وتعيها


= الترمذي. (1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 472 والسيرة الحلبية ج 1 ص 291 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 272 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 225 عن الطبراني عن أسامة بن زيد، وراجع ما عن الحميدي عن أبي هارون المدني، أو ما عن ابن المنذر عن ابن جريح. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 291 وسيرة مغلطاي ص 55 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 262 وحبيب السير ج 1 ص 359 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 والسيرة الحلبية ج 2 ص 291 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 وراجع: تاريخ الاسلام (المغازي) ص 220 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 300 / 301 والبداية والنهاية ج = (*)

[ 329 ]

أذن واعية)، وصار يقال لزيد: ذو الاذن الواعية (1). نزول آية أخرى في ابن أبي: وقالوا: لما نزلت آية الاذن الواعية، وبان كذب ابن أبي قيل له: يا أبا حباب، إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله (ص)، يستغفر لك. فلوى رأسه، ثم قال: أمر تموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ! فأنزل الله: (وإذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم) الاية (2). وفي رواية أخرى: إنه بعد أن أنزل الله تعالى تكذيبا لابن أبي، وتصديقا لزيد بن أرقم (إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله) الايات. قال النبي (ص) لزيد: يا ذا الاذن الواعية، إن الله قد صدق مقالتك، وتلا (ص) الايات (3). ولم يلبث عبد الله بن أبي إلا أياما قلائل، حتى اشتكى ومات. (4)


= 4 ص 158 وبهجة المحافل ج 1 ص 243. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 291 وسيرة مغلطاي ص 56. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن معالم التنزيل وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 244 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 301 والبداية والنهاية ج 4 ص 158 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 222 - 226. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 271. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن معالم التنزيل والمدارك. وبهجة المحافل ج 1 ص 244.

[ 330 ]

موقفنا مما تقدم: ونقول: إن لنا مع جميع النصوص المتقدمة لهذه القصة وملابساتها، ونزول الايات فيها مواقع للنظر، وفيها الكثير مما يبعث الشك والريب، ونحن نجمل ذلك في ما يلي: تناقض النصوص، واختلافها: إن من يراجع نصوص القصة المذكورة آنفا يجد فيها الكثير من الاختلافات، التي تصل إلى درجة التناقض، الامر الذي يشير إلي عدم إمكان الاعتماد على أكثر تلك النصوص، لليقين بحدوث الكذب والتزوير، والتحريف فيها. ونذكر من ذلك النماذج الاتية. 1 - من الذي كسعه جهجاه ؟ هل هو سنان بن وبرة (فروة) أو أنس بن سيار، كما في رواية القمي ؟ !. 2 - هل الذي أخبر رسول الله بما كان من ابن أبي هو زيد بن أرقم، أم سفيان بن تيم ؟ أم أوس بن أقرم، أم عمر بن الخطاب ؟ ! 3 - هل قال عمر للنبي (ص): مر معاذا بقتله، أم قال له: مر عباد بن بشر بذلك ؟ أم محمد بن مسلمة ؟ ! 4 - هل الذي شكا له النبي (ص) ما كان من ابن أبي هو أسيد بن حضير، أم سعد بن معاذ، أم سعد بن عبادة. 5 - هل أرسل النبي (ص) إلى ابن أبي فجاءه. أم أن أبي هو الذي بادر بالمجئ إليه (ص) ؟ 6 - هل الذي أخبر زيدا بنزول براءته هو النبي (ص) بعد أن عرك

[ 331 ]

أذنه (1) أو أخذ أذنه فرفعه من الرجل كما عند القمي)، أم أن أبا بكر وعمر قد تبادرا إلى زيد ليبشراه، فسبق أبو بكر، فأقسم عمر: أن لا يبادره بعدها إلى شئ، كما ذكر ابن عبد البر (2). 7 - هل نزلت براءة زيد في الطريق إلى المدينة، أم نزلت في المدينة نفسها، بعد اعتزال زيد في بيته (3) ؟ 8 - هل كسع المهاجري الانصاري بسيفه، أم كسعه برجله، وذلك عند أهل اليمن شديد (4). آيات نزلت في عمر: قد ذكر دحلان: أن ثمة آيات نزلت في حق عمر في هذه المناسبة، وهي قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله، ليجزي قوما بما كانوا يكسبون. من عمل صالحا فلنفسه. ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون) (5). ونقول: 1 - هل أذنب ابن أبي مع شخص عمر بن الخطاب، ليأمره الله سبحانه بالعفو عنه ؟ !.


(1) راجع: بالاضافة إلى المصادر المتقدمة: الدر المنثور ج 6 ص 222 و 223 عن ابن سعد، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن المنذر، والحاكم والترمذي وصححاه، وابن مردويه، وابن عساكر، والبيهقي في الدلائل. (2) الاستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج 1 ص 557. (3) راجع: بالاضافة إلى مصادر التي تقدمت للرواية: الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه. (4) فتح الباري ج 8 ص 497. (5) السيرة النيوبة لدحلان ج 1 ص 271.

[ 332 ]

2 - إن الايات قد وردت في سورة الجاثية، وهي مكية قد نزلت قبل المريسيع وتبوك بسنوات عديدة. 3 - إنهم يقولون: إن هذه الايات منسوخة بآيات القتال. كما عن مجاهد (1). وعن قتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى في سورة الانفال / 57: (فإما تثقفنهم في الحرب، فشرد بهم) (2). (4) قد صرحت رواية أخرى عن قتادة بأنها نسخت بآية سورة التوبة / 5: (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (3). وعن ابن عباس: نسخت بالاية التي تأمر النبي (ص) بأن يقاتل المشركين كافة (4) وهي في سورة التوبة الاية / 36. والايات إنما تتعرض للمشركين، فذلك يعني: أن آيات الجاثية إنما تتحدث عن المشركين أيضا. ولم يكن ثمة تشريع لقتال المنافقين لا قبل ذلك ولا بعده. مع أن نسخها بآيات التوبة، مع وجود آيات تأمر بقتال المشركين في سورة الانفال غير واضح، إلا إذا أريد أن آيات التوبة تنص على تعميم القتال لكل مشرك بخلاف آيات سورة الانفال. لا تقدموا بين يدي الله ورسوله: ذكرت بعض الروايات: أنه لما بلغ عمر بن الخطاب قول ابن


(1) الدر المنثور ج 6 ص 34 / 35 عن أبي داود في تاريخه وابن جرير، وابن المنذر. (2) الدر المنثور ج 6 ص 34 عن عبد بن حميد. (3) الدر المنثور ج 6 ص 35 عن ابن جرير، وابن الانباري في المصاحف. (4) الدر المنثور ج 6 ص 34 عن ابن جرير، وابن مردويه. (*)

[ 333 ]

أبي: ليخرجن الاعز منها الاذل أخذ سيفه، ثم خرج عامدا ليضربه، فذكر هذه الاية: (يا أيها الذين آمنوا، لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) فرجع إلى النبي (ص)، فأخبره إلخ... (1). ونقول: أولا: إنه إذا كانت قضية ابن أبي هذه قد حصلت في غزوة المريسيع، فإن ثمة ما يدل على أن آية لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قد نزلت بعد ذلك. فقد روى عن الحسن: أنها نزلت في ناس ذبحوا قبل رسول الله (ص) يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله هذه الاية (2). وعن الحسن أيضا قال: ذبح رجل قبل الصلاة، فنزلت (3). إلا أن يقال: إن المراد ليس الذبح في الحج بل الذبح يوم النحر في المدينة. ولكنه احتمال بعيد. ثانيا إننا لم نعهد من عمر بن الخطاب شجاعة إلى هذا الحد. لا سيما بالنسبة لابن أبي الذي لا يجهل أحد موقعه في قومه. إلا أن يقال: إن عمر بن الخطاب حين شعر أنه محمي من قبل النبي (ص) والمسلمين، فانه يقدم على أمر كهذا، لا سيما إذا كان لا يواجه عددا مسلحا، وإنما هو يتولى قتل رجل أعزل يقتله وهو مطمئن إلي أنه غير قادر على أن يحرك ساكنا ضده. يا أبا حباب: قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنهم قالوا لابن أبي: يا أبا حباب،


(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن محمد بن سيرين. (2) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (3) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن ابن أبي الدنيا في الاضاحي. (*)

[ 334 ]

إنه قد نزل فيك آيات شداد (1). ونقول: ان هذا موضع شك وريب. 1 - أنهم يقولون: كان اسم عبد الله بن أبي حبابا، فغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمه، وقال: إن حبابا اسم شيطان (2) فما معنى قولهم له: يا أبا حباب وإذا كان النبي (ص) قد غير اسمه فلماذا لم يغير اسم ولده بل أبقاه. 2 - ولماذا لم يغير النبي (ص) اسم الحباب بن المنذر وابن قيظي، وابن عمرو، وابن عبد، وابن زيد، وابن جزء، وابن جبير وغيرهم. أو لماذا لم يغيروا هم أسماءهم حين عرفوا أن حبابا اسم شيطان ؟ وتذكر الروايات التقدمة: أن قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) نزل في زيد بن أرقم في هذه المناسبة. ونقول: أولا: المفروض أن قصة ابن أبي قد كانت بعد الهجرة بخمس أو ست سنوات وهذه الاية قد وردت في سورة الحاقة، التي نزلت في مكة قبل الهجرة (3). وفي كلام عمر بن الخطاب: أنها نزلت قبل أن يسلم (4) وهم


(1) وراجع أيضا: الدر المنثور ج 6 ص 224 عبد بن حميد، وابن المنذر. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 وإرشاد الساري ج 8 ص 251 وفتح الباري ج 8 ص 251 والدر المنثور ج 3 ص 264. (3) الدر المنثور ج 6 ص 258 عن البيهقي، وابن الضريس، والنحاصس، وابن مردويه عن ابن الزبير، وعن أحمد عن عمر. (4) الدر المنثور ج 6 ص 258 و 260 عن ابن الضريس، والنحاس، وابن = (*)

[ 335 ]

يدعون: أن عمر قد أسلم بعد البعثة بخمس أو ست سنين، وأن كنا قد ناقشنا في صحة ذلك، وأثبتنا: أنه أسلم قبل الهجرة بقليل. ولكن حتى هذا لا ينفع المستدل شيئا هنا لان سورة الحاقة قد نزلت على جميع التقادير قبل الهجرة، وهذه الحادثة قد كانت بعد الهجرة بسنوات كما قلنا. وثانيا: إن سياق الايات يأبي عن أن تكون هذه الاية قد نزلت في زيد ابن أرقم، فإنها تتحدث عما جرى لقوم عاد وثمود وفرعون، والمؤتفكات إلى أن تقول: (إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة، وتعيها واعية أي تعيها أذن تحصي هذه العبر والعظات، وهذه الاحداث العظام وتحفظها، وتعيها. فلا ربط للاية بما حدث بين زيد وابن أبي، لو صح أن شيئا من ذلك قد حدث فعلا. وثالثا: سيأتي إن شاء الله: أن أتصدي زيد لابن أبي مشكوك فيه، فلا معنى بعد هذا لدعوى نزول هذه الاية في هذه المناسبة، إلا بعد إثبات ذلك، إذ: العرش ثم النقش. رابعا: قد روي عن على عليه السلام، وعن بريدة، ومكحول، وأبي عمرو بن الاشج، وهو عثمان بن عبد الله بن عوام البلوي. وعن ابن عباس: وأنس. والاصبغ بن نباتة، وجابر وعمر بن علي وأبي مرة الاسلمي: أن هذه الاية نزلت في على عليه السلام، وقد روى ذلك أهل


- مردويه والبيهقي، عن ابن عباس. وفي الدر المنثور أيضا: عن ابن مردويه، عن ابن الزبير وفيه أيضا عن أحمد، عن عمرو: أنها نزلت قبل أن يسلم عمر. (*)

[ 336 ]

السنة والشيعة على حد سواء، فراجع (1).


(1) راجع هذه الروايات أو بعضها في المصادر التالية: مناقب الامام علي لابن المغازلي ص 318 و 319 و 365 وجامع البيان ج 29 ص 35 و 36 مناقب الامام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان ج 1 ص 196 - 142 - 158 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 413 عن ابن أبي حاتم، والطبري. وفرائد السمطين ج 1 ص 198 / 199 و 200 وشواهد التنزيل ج 2 ص 360 - 380 وفي هامشه مصادر كثيرة جدا. وترجمه علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 422 وحلية الاولياء ج 1 ص 67 وكنز العمال ط الهند ج 15 ص 119 و 157 عن ابن عساكر وأبي نعيم في المعرفة وعن الضياء المقدسي في المختارة، وابن مردويه وأسباب النزول ص 339 والكشاف ج 4 ص 600 والعمدة لابن البطريق ص 289 و 290 وراجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 131، وإن كان قد حذف ذلك الحديث. والتفسير الكبير ج 30 ص 107 وكفاية الطالب ص 108 و 109 و 110 ولباب التأويل (مطبوع مع جامع البيان) ج 29 ص 31 والجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 264 ومنتخب كنز المعمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج ص 48 والبحر المحيط ج 8 ص 317 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 ولباب النقول ص 225 وروح المعاني ج 29 ص 43 ونور الابصار ج 78 وينابيع المودة ص 120. وفتح الملك العلي ص 22 و 23 وشرح المقاصد ج 5 ص 297 والمناقب للخوارزمي ص 282 و 283 ومحاضرات الادباء ج 1 ص 39 وج 4 ص 447 ونظم درر السمطين ص 92 وأهل البيت لتوفيق أبي علم ص 225 و 226 وخصائص الوحي المبين ص 154 - 157 وكشف الغمة ج 1 ص 322 ومجمع البيان ج 10 ص 345 / 346 والبحار ج 35 ص 326 - 331 وغاية المرام ص 336 أنساب الاشراف ج 2 ص 121 (بتحقيق المحمودي) وتفسير فرات ص 500 و 501 وتفسير البرهان ج 4 ص 375 و 376 وفضائل الخمسة ج 1 ص 272 - 274 والدر المنثور ج 6 ص 260 عن ابن عساكر، وابن النجار، وابن جرير، وابن مردويه وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وسعيد بن = (*)

[ 337 ]

وقال في شرح المواقف: أكثر المفسرين على أنه علي (1). الشانئون والحاقدون: قال الحلبي الشافعي: " وذكر بعض الرافضة: أن قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) جاء في الحديث: أنها نزلت في علي كرم الله وجهه.


= منصور، والواحدي، وأبي نعيم. وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 147 - 154 ج 14، ص 220 - 241 وج 20 ص 92 - 97 عن أكثر من تقدم وعن المصادر التالية: شرح نهج البلاغة اللمعتزلي ج 4 ص 319 وج 2 ص 263، وإعراب ثلاثين سورة ص 103 مناقب مرتضوي ص 36 واكواكب الدرية للمناوي ص 39 والذريعة (للراغب) ص 92 وتوضيح الدلائل (مخطوط) ص 169 و 210 وتاريخ دمشق ج 2 ص 423 وج 36 ص 77 وعن لسان الميزان ج 6 ص 376 وسعد السعود ص 108 وما نزل من القرآن في علي (لابي نعيم) ص 266 و 286 ومنال الطالب ص 85 وغاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الانام ص 72، ونهاية البيان في تفسير البرهان ج 8 ص 40 والامام المهاجر ص 158 ومطالب السؤل ص 20 واكشف والبيان (مخطوط) ومفتاح النجاء (مخطوط) ص 40 و 41 وأرجح المطالب ص 161 و 160 و 63 والاربعين للسيد عطاء الله (مخطوط) ص 27 وطبقات الماكية ج 2 ص 72 وشرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص 180 والمختار في مناقب الاخيار ص 3 مخطوط. والروض الازهر ص 108 والكاف الشاف ص 177 ومعترك الاقران في إعجاز القرآن ج 2 ص 36 ووسيلة النجاة ص 136 و 156 والتعريف والاعلام ص 67 (مخطوط). ومناقب علي للعيني ص 55 وسمط النجوم ج 2 ص 504 وزين الفتى (مخطوط) ص 605 وجمع الجوامع ج 2 ص 308 وتفسير الثعلبي (مخطوط) ص 201. (1) شرح المواقف ج 8 ص 370.

[ 338 ]

قال الامام ابن تيمية: وهذا حديث موضوع باتفاق أهل العم. أي وعلى تقدير صحته لا مانع من التعدد " (1). ونقول: تقدم آنفا. 1 - أن حديث نزول هذه الاية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مروي عند أهل السنة، وبطريقهم، أكثر مما هو مروي عند الشيعة. والمصادر المتقدمة، وشخصيات الرواة توضح ذلك. بل إن بعض الرواة لن يكونوا في خط علي عليه السلام، ولا من أنصاره. 2 - قد عرفنا: أن أصل تصدي زيد لابن أبي مشكوك فيه. 3 - إن سياق الايات لا ينسجم مع قضية زيد. 4 - إن سورة الحاقة قد نزلت قبل الهجرة. إلا أن يدعى: أن هذه الاية مما تكرر نزوله. ولكنها دعوى تحتاج إلى شاهد، بل الشواهد المذكورة آنفا على خلافها. 5 - أضف إلى ذلك: أن هذه الدعوى لا تتنافى مع حديث نزولها في علي عليه السلام. 6 - لم يذكر لنا التاريخ أيا من أهل العلم قال: إن هذا الحديث موضوع، فضلا عن أن يكون أهل العلم قد اتفقوا على ذلك. وهذه هي الكتب والموسوعات متداولة بين أيدي جميع الناس فليراجعها من أراد.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 291. (*)

[ 339 ]

والسبب الحقيقي لما حدث: تقدم أن سبب قول ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل هو ما جرى بين جهجاه وسنان. مع أن زيد بن أرقم يروي: أن السبب هو أن رسول الله (ص) قدم في ناس من أصحابه على ابن أبي، فقال ابن أبي ذلك، فسمعه زيد، فأخبر النبي (ص) بذلك (1). وثمة حديث عن ابن عباس يقول: إن سبب ذلك هو خلاف على الماء وقع بين أصحاب عبد الله بن أبي وبين الفقراء المؤمنين. حيث سبقهم أصحاب ابن أبي إلى الماء، وأبوا أن يخلوا عن المؤمنين، فحصرهم المؤمنون، فلما جاء ابن أبي نظر إلى أصحابه، فقال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل (2) فلما عرف النبي (ص) بالامر دعا ابن أبي إلخ.. وفي نص آخر: إن ذلك قد كان في الحديبية (3) ؟ متى كانت هذه القضية: قد ذكرت رواية ابن سيرين: أنه بعد أن رجع ابن أبي إلى المدينة لم يلبث إلا أياما قلائل ثم توفي، وأنه طلب: أن يأتيه الرسول في مرضه الذي توفي فيه، فلما دخل عليه بكى، فقال له (ص): أجزعا يا عدو الله


(1) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن الطبراني. (2) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن المنذر. (3) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن عبد بن حميد. (*)

[ 340 ]

الان ؟ ! فقال: يا رسول الله، إني لم أدعك لتؤنبني، ولكن دعوتك لترحمني، فاغرورقت عينا رسول الله (ص)، ثم طلب منه ابن أبي أن يشهد غسله، وأن يكفنه في ثلاثة أثواب من ثيابه (ص)، ويمشي في جنازته، ويصلي عليه (1). ونقول: أولا: إننا لا نستطيع أن نصدق بأنه (ص) قد قال لابن أبي، وهو على فراش الموت، ومن دون أي موجب: أجزعا يا عدوالله الان. فإن أخلاق النبي (ص)، وسياسته لا تنسجم مع هذه القسوة البالغة، حتى مع المنافقين، لا سيما، وأن ابن أبي هو الذي طلب من النبي (ص) الحضور. ثانيا: إن هذه القضية تؤيد كون قصة ابن أبي، وقوله: ليخرجن الاعز منها الاذل، إنما كان في غزوة تبوك كما قيل (2)، وهي في السنة التاسعة، سنة موت ابن أبي (3). وقد تقدم قولهم بعد ذكر هم لتلك الحادثة مع زيد: ولم يلبث ابن أبي إلا أياما قلائل، حتى اشتكى ومات (4).


(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد عن محمد بن سيرين. (2) راجع: الجامع الصحيح ج 5 ص 417 والسيرة الحلبية ج 2 ص 286 و 287 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 1 ص 557 وفتح الباري ج 8 ص 494 عن النسائي، عن زيد بن أرقم. وعن عبد بن حميد بسند صحيح عن سعيد بن جبير، والدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 473. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن المدارك ومعالم التنزيل، وبهجة المحافل = (*)

[ 341 ]

فإذا كان قد مات في التاسعة، فلا بد أن تكون الحادثة أيضا في السنة التاسعة، وذلك يدل على أن الحادثة قد كانت في غزوة تبوك. لكن الحلبي بعد أن ذكر القول بأن هذه الحادثة قد كانت في غزوة تبوك قال: " فيه نظر ظاهر " (1). وإذا كان مستند الحلبي في هذا النظر هو الروايات التي ذكرت: أنها كانت في غزوة المريسيع، فلا مجال لقبول ذلك منه، بعد أن تواردت على تلك الروايات العلل والاسقام، كما رأينا وسنرى إن شاء الله تعالى. والخلاصة: أن وقوع هذه الحادثة في غزوة المريسيع أمر مشكوك فيه. ابن أرقم ؟ أم ابن أقرم ؟ أم غير هما ؟ ! إننا في حين نجد بعض الروايات تقول: إن زيد بن أرقم هو الذي تصدي لابن أبي، نجد في النصوص الاخرى، ما يخالف ذلك، فقد " ذكر ابن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة. وذكر موسى بن عقبة في مغازيهما هذه القصة، وزعما: أن أوس بن أقرم - وهو رجل من بني الحارث بن الخزرج - هو الذي سمع قول عبد الله بن أبي، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب. وذكر ذلك عمر لرسول الله (ص). وبعث رسول الله (ص) إلى ابن أبي، فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا. فقال له رسول الله (ص): إن كان سبق منك قول فتب. فجحد، وحلف.


= ج 1 ص 244. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 286 و 287. (*)

[ 342 ]

فوقع رجال بأوس بن أقرم، وقالوا: أسأت بابن عمك، وظلمته، ولم يصدقك رسول الله (ص). فبينما هم يسيرون إذ رأوا رسول الله (ص) يوحي إليه، فلما قضى الله قضاءه في موطنه ذلك، وسري عنه نظر رسول الله (ص) فإذا هو بأوس بن أقرم، فأخذ بأذنه فعصرها، حتى استشرف القوم. فقام رسول الله (ص) فقال: أبشر، فقد صدق الله حديثك، ثم قرأ عليهم سورة المنافقين إلخ " (1). وقد ادعى البعض تعدد هذه القضية لزيد بن أرقم، ولاوس بن أقرم كليهما (2). ونقول: لا مجال لقبول هذه الدعوى الاخيرة، إذ من البعيد حصول هذا التوافق في الخصوصيات والتفاصيل لك من الرجلين، كما يتضح بالمراجعة والمقارنة ودعوى: أن قصة أوس خطأ من أصحاب المغازي، وأن قائل ذلك هو زيد (3). ليس بأولى من العكس. لا سيما إذا علمنا: أن قصة زيد تتوارد عليها العلل والاسقام من كل جانب. هذا كله بالاضافة: إلى ما تقدم من أن الذي أخبر النبي (ص)


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 56 وفي هامشه قال: " نقله ابن عبد البر مختصرا في الدرر 189 ". وراجع: فتح الباري ج 8 ص 495 والاصابة ج 1 ص 79 عن الحاكم في الاكليل. (2) الاصابة ج 1 ص 79. (3) الاصابة ج 1 ص 79 عن الحاكم في الاكليل. (*)

[ 343 ]

بقول ابن أبي، هو سفيان بن تيم (1) وليس عمر بن الخطاب كما ذكرت هذه الرواية. جرأة زيد بن أرقم: ولا ندري مدى صحة ما ينسب لزيد بن أرقم - من جرأة نادرة على ابن أبي. ومن كلام قوي ورصين، وعالي المضمون، حيث قال له: " أنت - والله - الذليل، المنقص في قومك. ومحمد في عز من الرحمان، وقوة من المسلمين. فقال له ابن أبي: أسكت فإنما كنت ألعب ". ولم نعهد من زيد هذا المستوى من الجرأة، والتحدي، وهذا القدر من الوعي، والمعرفة بفنون الكلام، لا سيما وهو غلام يافع صغير السن، قد لا يزيد عمره على الخمس عشرة سنة. مع أننا نستغرب أن يكون جواب ابن أبي له: هو كلمة: " اسكت، إنما كنت ألعب " فإنه جواب ضعيف، لا ينسجم مع قوة كلامه في مقام التحدي السافر للنبي (ص). ولمن مع، وكيف سكت على إهانة زيد له. وادعائه: أنه منقص في قومه، وذليل ؟ ولماذا جاء الجواب بكنت ألعب، بدل أمزح ؟ إن أجواء الحوار تدعونا إلى رفض أن يكون الحوار قد سار على هذا النهج، وبهذ الطريقة. لو كان ثمة حوار ! !


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 287. (*)

[ 344 ]

ذكرت ذلك لعمي، أو لعمر ! ! ونجد في الكلام المنسوب لزيد ترديدا يثير الشبهة والريب، إلى درجة الاعتقاد بأن هذه القضية قد كانت عرضة للتلاعب لدوافع مختلفة، فهو يقول: " فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر " (1). فهل يعقل أن يكون زيد قد نسي ذلك الشخص الذي تحدث معه عن هذا الامر الذي نشأ عنه نزول آية قرآنية، فيها التكريم والتعظيم، والشرف، الذي لا يضاهى، والفضل الذي لا يناله إلا ذو حظ عظيم ؟ ! وهل يمكن أن يكون هذا الترديد قد جاء من الرواة، لا من زيد ؟ لا سيما ونحن نرى نصا آخر يؤكد على أنه كان رديفا لعمه، وأن عمه هو الذي انطلق فأخبر عمر بذلك، ثم رجع إليه فأنبه، بعد أن حلف ابن أبي لرسول الله (ص)، فصدقه (2). وذلك يبعد أن يكون الترديد من الراوي، لا من زيد. وإن كانت سائر الروايات التي تقدمت قد ذكرت أن زيدا قد أخبر عمر بذلك. فأي ذلك نصدق، وبماذا نوجه هذا التناقض والاختلاف ؟ ! إلا أن نقول كما يقوله الاخرون: " لا حافظة لكذوب ". مع أننا نتردد كثيرا في نسبة الكذب إلى زيد، بل نكاد نطمئن إلى


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 130. (2) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر. (*)

[ 345 ]

أن محبيه هم الذين أوقعوه في هذه الورطة. ولعل ذلك قد كان بعد موت زيد بعشرات السنين. من هو عم زيد بن أرقم: قد ذكرت بعض الروايات: أن عم زيد الذي أخبر النبي (ص) بما كان من ابن أبي هو سعد بن عبادة، كما ذكره. الطبراني، وابن مردويه (1). مع أن سعدا ليس عمه الحقيقي، وإنما هو سيد قومه الخزرج، وعمه الحقيقي هو ثابت بن قيس. وعمه زوج أمه هو عبد الله بن رواحة (2). رضوان الله تعالى عليه. فلماذا جعل ابن عبادة عما له في هذه القضية بالذات يا ترى ؟ ! على أننا نشك في أن يكون ابن عبادة أيضا هو الذي أخبر النبي بالامر، حتى لو قبلنا صحة تسميته بالعم. وذلك لما تقدم في رواية هذه القصة من أبن عبادة قد لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حينما سار بالناس، وسأله عن سبب ذلك، فقال له: أما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي ؟ !. قال: وما قال. قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل إلخ.. فإن ظاهر هذه الرواية: أن ابن عبادة إلى هذا الوقت لم يكن يعلم بما كان من ابن أبي. وأنه علم بذلك من النبي (ص). فكيف يكون هو


(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 223 وفتح الباري ج 8 ص 494. (2) فتح الباري ج 8 ص 494. (*)

[ 346 ]

الذي أخبره بما قاله زيد عن ابن أبي ؟ ! قربي ابن أرقم لابن أبي: على أن بعض النصوص قد ذكرت: أن الذي نقل إلى النبي ما جرى هو غلام من قرابة ابن أبي (1). وزيد بن أرقم ليس من أقرباء ابن أبي إذ هو ابن أرقم، بن زيد، بن قيس، بن النعمان، بن مالك بن الاغر، بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج (2). وعبد الله هو ابن أبي، بن مالك بن الحرث، بن مالك، بن سالم، بن غنم، بن عوف، بن الخزرج (3). فأين هي القرابة بين الرجلين ؟ ! إلا أن يكون مجرد كونهما يلتقيان في الخزرج نفسه يكفي لوصفه بكون من قرابته. النبي (ص) يضرب راحلته: وقد عرفنا أن البعض يقول: " ثم سار رسول الله (ص) بالناس سيرا حثيثا، بحيث صار يضرب راحلته في مراقها " (4). ولا ندري، ما هو ذنب الناقة التي لم تكن تدري بشئ - أو فقل لم يكن لها دور فيما حصل ويحصل من حولها.


(1) الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (2) الاصابة ج 1 ص 560. (3) الاصابة ج 2 ص 335. (3) الاصابة ج 2 ص 335. (4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 270 و 271. (*)

[ 347 ]

كما أننا لا نصدق: أنه (ص) يضرب ناقته من الاساس، فقد: 1 - روي عن عائشة: أنها ركبت بعيرا، وفيه صعوبة، فجعلت تردده، فقال رسول الله (ص): عليك بالرفق (1). 2 - وعن الزهري وكذا عن عائشة قالت: ما ضرب (ص) شيئا قط بيده، لا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله.. وعند الزهري: ما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب في سبيل الله (2). 3 - عن إبراهيم بن على، عن أبيه، قال: حججت مع علي بن الحسين عليه السلام، فالتاثت الناقة عليه في سيرها، فأشار إليها بالقضيب ثم قال: آه لولا القصاص. ورد يده عنها (3). 4 - وعن الصادق عليه السلام قال: حج علي بن الحسين عليه السلام على ناقة عشر سنين فما قرعها بسوط. ولقد بركت به سنة من السنين فما قرعها بسوط (4).


(1) الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 126. (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 292 و 293 والشفاء ج 1 ص 108 وصحيح مسلم ج 8 ص 23 والبداية والنهاية ج 6 ص 36 عن أحمد ومسلم ومسند أحمد ج 6 ص 171. (3) الارشاد للمفيد ص 288 ومناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 155 وإعلام الوري ص 261 والفصول المهمة ص 203 وبحار الانوار ج 46 ص 71 و 76 و 91 وج 61 / ص 215 - 216 والمحاسن ص 361 والمحجة البيضاء ج 4 ص 235 والوسائل ج 8 ص 354 / 355 و 396. (4) الوسائل ج 8 ص 354 و 396 ط المكتبة الاسلامية والمحاسن للبرقي ج 2 ص 109 والبحار ج 61 ص 204. (*)

[ 348 ]

وفي نص آخر: أربعين حجة (1) أو عشر (2). فهل يعقل أن يكون السجاد (ع) اتقى الله أو أعرف بالاحكام من نبي الاسلام الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! يحلفون بالله ما قالوا: تقدم أن بعض الروايات عن قتادة تقول: إن آية: (يحلفون بالله ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم) الاية (3).. قد نزلت في ابن أبي في هذه المناسبة. ونقول: أولا: إننا نجد في مقابل ذلك الاقوال التالية: 1 - ما روي عن كعب بن مالك، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، وابن عباس: أن هذه الاية قد نزلت في الجلاس بن سويد، حيث قال: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير. فسمعه عمير بن سعد (الذي كان ربيبا له) (4)، فأخبر النبي (ص)، فأتى الجلاس. وحلف


الوسائل ج 8 ص 353 المكتبة الاسلامية ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 393 والبحار ج 61 ص 212. (2) الوسائل ج 8 ص 395 و 396 والمحاسن ج 2 ص 109 والخصال ج 2 ص 518 والبحار ج 46 ص 70 و 91 وج 61 من 206 وعن ثواب الاعمال ص 46. (3) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) راجع: الاصابة ج 3 ص 32 والاستيعاب (مطبوع مع الاصابة ج 2 ص 487 والدر المنثور ج 3 ص 258 عن عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (*)

[ 349 ]

بالله: أنه ما قال ذلك. فأنزل الله: يحلفون بالله ما قالوا إلخ (1). وكان نزول هذه الاية في وقعة تبوك التي كان الجلاس قد تخلف عنها كما عن ابن عباس (2) وعروة (3). وفي نص آخر: إنها نزلت في منافق سمعه زيد بن أرقم يقول - والنبي (ص) يخطب -: إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فأخبر النبي (ص) إلى آخر القصة السابقة، كما روي عن أنس، وابن سيرين (4). 2 - عن ابن عباس: كان النبي (ص) جالسا في ظل شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه (ص)، فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، وأنزل الله: يحلفون بالله ما قالوا (5).


(1) الدر المنثور ج 3 ص 258 و 259 عن ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك. وعن عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن عروة. وعن عبد الرزاق، عن ابن سيرين والاستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج 2 ص 487 عن ابن إسحاق وغيره وعبد الرزاق. (2) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن أبي حاتم. (3) الاستيعاب (مطبوع مع الاصابة) ج 2 ص 487. (4) الدر المنثور ج 3 ص 258 و 259 عن ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أنس. وعن ابن المنذر، وأبي الشيخ عن ابن سيرين. (5) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، وأبي = (*)

[ 350 ]

ملاحظة: ونسجل هنا ملاحظة حول عمير بن سعد، فإنه قد شهد فتوح الشام، واستعمله عمر على حمص إلى أن مات. وكان عمر يقول: وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين (1). وثانيا: إن آية يحلفون بالله ما قالوا إلخ، هي في سورة التوبة. وهي قد نزلت بعد فتح مكة (2). بل هي من آخر القرآن نزولا (3) وهي آخر سورة نزلت تامة (4) والمريسيع قد كانت قبل ذلك بعدة سنوات.


= الشيخ،. (1) الاصابة ج 3 ص 32 وراجع الاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 2 ص 488. (2) الدر المنثور ج 3 ص 207 عن أبي الشيخ، عن ابن عباس. (3) الدر المنثور ج 3 ص 207 / 208 عن ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه وابن حبان، وأبي الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ومستدرك الحاكم ج 2 ص 330 / 331 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) والبرهان للزركشي ج 1 ص 235 وراجع ص 61 وفتح الباري ج 9 ص 37 و 39 وكنز العمال ج 2 ص 367 ط الهند عمن ذكرهم في الدر المنثور آنفا وعن أبي عبيد فضائله وابن الانباري في المصاحف، وأبي نعيم في المعرفة، وسعيد بن منصور وفواتح الرحموت (بهامش المستصفى) ج 2 ص 12 وعن أحمد، وأبي داود والترمذي، والنسائي، وابن حبان والحاكم ومشكل الاثار ج 2 ص 152 ومسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 والسنن الكبرى ج 2 ص 42 وجواهر الاخبار والاثار (مطبوع مع البحر الزخار) ج 2 ص 245 ومناهل العرفان ج 1 ص 347 ومباحث في علوم القرآن للقطان ص 142 والمرشد الوجيز لابي شامة ص 61 وعن أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10. (4) الدر المنثور ج 3 ص 208 عن ابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن الضريس، وابن المنذر والنحاس في ناسخه، وأبي الشيخ، وابن مردويه، = (*)

[ 351 ]

كثرة المسلمين بعد قضية زيد وابن أبي: أما العسقلاني، فاعتبر أن قول البخاري: ثم إن المسلمين كثروا بعد: " مما يؤيد تقدم القصة. ويوضح وهم من قال إنها كانت بتبوك، لان المهاجرين حينئذ كانوا كثيرا جدا، وقد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الانصار " (1). ونقول: إن كلام العسقلاني أيضا غير صحيح وما قاله لا يثبت: أن من قال: إن القضية كانت بتبوك كان وهما منه. وذلك لما يلي: 1 - إن البخاري ذكر أن المسلمين كثروا ولم يقل: إن خصوص المهاجرين كثروا. ومن الواضح: أن وفود القبائل ليعلنوا إسلامهم قد كان في السنة التاسعة فما بعدها. قد رووا عن النبي (ص): أنه قال: لا هجرة بعد الفتح (2) فلا معنى لقول العسقلاني: إن المهاجرين بعد الفتح قد كثروا حتى كانوا أكثر من الانصار. إلا أن يكون المقصود: إن القريشيين كثروا، وزاد عددهم بعد الفتح. لكن كثرتهم هذه ليست بهذا القدر الذي يصوره لنا العسقلاني أي إلى حد زاد عددهم على عدد الانصار.


= عن البراء. (1) فتح الباري ج 8 ص 498. (2) مسند أحمد 1 ص 226. (*)

[ 352 ]

يا لقريش: قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن جهجاها استغاث. فقال يالقريش. بل إن ثمة نصا آخر يقول: إن الحادثة قد جرت بين رجل من قريش، ورجل من الانصار (1). ونقول: إن من الواضح: أن جهجاها رجل غفاري، وليس من قريش. فلا يمكن الاعتماد على ما ذكر، ولا الاخذ به مع مخالفته لهذه الحقيقة الثابتة. جهجاه المكروه سياسيا. قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن جهجاها الغفاري هو صاحب المشكلة ومثيرها، ووصفته بأنه كان أجيرا لعمر بن الخطاب، يقود له فرسه. ثم إن بعض النصوص قد أظهرت حقدها على هذا الرجل بالذات، حيث تقول: " فكسع رجل من المنافقين رجلا من الانصار " (2). ومن المعلوم: أن المقصود بالمنافق هو خصوص جهجاه، لانه


(1) الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد، عن محمد بن سيرين. (2) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن سعيد بن منصور، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن جابر. (*)

[ 353 ]

هو الذي كسع الانصاري، الذي هو سنان كما تقدم. والذي نريد أن نلفت النظر إليه هنا هو. أولا: إن جهجاها لم يكن رجلا عاديا، يمكن أن يكون أجيرا لعمر بن الخطاب ليقود له فرسه. ولا كان عمر في موقع يجعلنا نقبل بأنه قد أصبح ميسور الحال، وفي موقع اجتماعي يؤهله لان يستأجر رجلا، لا لاجل الخدمة، وقضاء الحاجات، بل ليقود له فرسه ! ! ولا نرى أن جهجاها في موقع من يثير مشكلة في زحام الناس على الماء. فقد نجد له من الاحترام والتقدير، ما يجعلنا نربأ به عن أمر كهذا. ثانيا: إننا نشك في صحة بعض ما ينسب إلى هذا الرجل، ونرى أن ثمة يدا تحاول أن تسئ إلى هذا الرجل، وتصغر من شأنه. وتثير الشبهات حوله، إلى درجة أنها تصفه بالنفاق. وذلك بسبب مواقفه السياسية، التي لا تنسجم مع أهوائها، وطموحاتها، وتوجهاتها. فهو من المبايعين لعلي عليه السلام في خلافته (1). وروي عن أبي حبيبة قال: خطب عثمان الناس، فقام إليه جهجاه الغفاري، فصاح: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة، فانزل، فلندرعك العباءة ولنطرحك في الجامعة، ولنحملك على الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان. قال عثمان: قبحك الله، وقبح ما جئت به. قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلا عن ملا من الناس. وقام


(1) الجمل، للشيخ المفيد ص 103 (*)

[ 354 ]

إلى عثمان خيرته وشيعته من بني أمية، فحملوه، وأدخلوه الدار (1). وروى البارودي، من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال، قام جهجاه الغفاري إلى عثمان، وهو على المنبر، فأخذ عصاه، فكسره. فما حال على جهجاه الحول حتى أرسل الله في يده الاكلة، فمات منها (2). دعني أضرب عنقه: ونلاحظ: أن عمر بن الخطاب يقول لرسول الله (ص) عن ابن أبي: دعني أضرب عنقه يا رسول الله. فقال رسول الله (ص) إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب. ولكنه لم يقنع بذلك، بل عاد فطلب منه أن يتولى قتله عباد بن بشر، أو معاذ أو محمد بن مسلمة. فقال (ص) كيف يا عمر إذا تحدث أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ! (3) ونقول: قد تقدم ذلك كله. لكن ثمة نصا آخر يقول فيه عمر: لما كان من أمر ابن أبي ما كان جئت رسول الله (ص) وهو في فئ شجرة، عنده غلام أسود يغمز


(1) تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 400 وعنه في قاموس الرجال ج 2 ص 471 / 472. (2) الاصابة ج 1 ص 253 والاسيتعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 1 ص 253. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 287 وأشار إلى ذلك في تاريخ الاسلام للذهبي (المغازى) ص 219 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 271 وراجع المغازي للواقدي ج 2 ص 418 وسبل الهدي وارشاد ج 4 ص 292. (*)

[ 355 ]

ظهره، فقلت يارسول الله، كأنك تشتكي ظهرك ؟ ! فقال: تقحمت بي الناقة الليلة. فقلت: يا رسول الله، إئذن لي أن أضرب عنق ابن أبي، أو مر محمد بن مسلمة بقتله إلخ.. " (1). ونقول: 1 - إن محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، ومعاذا هم من حواريي الحكام بعد رسول الله (ص)، ومن مؤيدي سياساتهم، فلا غرو أن يكون ثمة اهتمام بشأنهم، وتأكيد على موقعهم ودورهم. وموقف محمد بن مسلمة ومعاذ في تأييد ما جرى على أمير المؤمنين والزهراء عليهما السلام ومشاركتهما في الهجوم على بيت الزهراء معروف ومشهور. 2 - إننا نشك في زعمهم: أن الناقة قد تقحمت بالنبي (ص)، وذلك لما يلي: ألف: تذكر لناقته العضباء أمور هامة، من كلامها له (ص) " وتعريفها له بنفسها، ومبادرة العشب إليها في الرعي، وتجنب الوحوش عنها، وندائهم لها: إنك لمحمد وإنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت (ذكره الاسفرائيني) " (2). ب: وعن عبد الله بن قرط: قرب إلى النبي (ص) بدنات خمس، أو ست، أو سبع لينحرها يوم عيد، فازدلفن إليه بأيهن يبدأ (3). (1) راجع: ي السيرة الحلبية ج 2 ص 287. (2) الشفاء لعياض ج 1 ص 313 وشرح الشفاء للقاري ج 1 ص 365. (3) البداية والنهاية ج 6 ص 140. والشفاء ج 1 ص 313 / 314 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 525 عن أبي داود ج 2 ص 369 وعن النسائي في الكبير، كما في التحفة ج 6 ص 405 وشرح الشفاء للقاري ج 1 ص 366 = (*)

[ 356 ]

ج: كما أن حماره يعفورا لما مات رسول الله (ص) تردى في بئر جزعا وحزنا، فمات (1). د: وقال (ص) لفرسه وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: لا تبرح، بارك الله فيك حتي نفرغ من صلاتنا، وجعله قبلته. فما حرك عضوا حتى صلى رسول الله (ص) (1). ه‍: وهناك نصوص كثيرة تتحدث عن طاعة الحيوانات له (ص) فلتراجع في مظانها (3). لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه: وبعد أن ظهر من ابن أبي ما ظهر، فقد كان يمكن للنبي (ص) أن يعتبر ذلك مسوغا لقتله. وينفذ فيه حكم الله سبحانه. ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم آثر أن لا يعطي ذريعة لاعداء الدين لينفثوا سمومهم، حين يتخذون ذلك ذريعة لتخويف الناس من الدخول في الاسلام، بحجة: أنهم لن يجدوا فيه الضمانات الكافية على حياتهم. خصوصا إذا صوروا لهم قتل ابن أبي من زاوية انحرافية ومظلمة، حين يزعمون لهم أن قتله إنما كان على سبيل الانتقام


= عن الحاكم والطبراني وأبي نعيم. (1) الشفاء ج 1 ص 315 والمواهب اللدنية ج 1 ص 368 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 406 عن السهيلي وشرح الشفاء للقاري ج 1 ص 367 عن أبي حيان وعن الروض الانف، وأبي نعيم، وابن عساكر، وغيرهم والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 716، والبداية والنهاية ج 6 ص 151 و 10. (2) الشفاء ج 1 ص 315. (3) راجع الشفاء لعياض ج 1 ص 309 - 315 والمواهب اللدنية ج 1 ص 366 - 369. (*)

[ 357 ]

الشخصي منه صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب تعرض ابن أبي للمساس بشخص النبي (ص) وليست القضية قضية كفر وإيمان، وإقامة لحدود الله سبحانه في حق من يكفر بالله بعد إيمانه، ويجترئ على المقدسات. ويفسخ بعمله ذاك المجال أمام الاخرين لجرأة مماثلة أو أشد ثم عرقلة دخول الناس في الاسلام، وفسح المجال أمام المغرضين للتلاعب وإثارة الاشاعات الباطلة، وتشكيك الاخرين الذين لا يملكون قدرا كافيا من المعرفة والوعي واليقين. ومن جهة ثانية، فإن قتل ابن أبي قد يتسبب في حدوث مشاكل كبيرة، وتشنجات خطيرة، كما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم في ما أجاب به عمر بن الخطاب، الذي حرضه على قتله، وعين له حتى من يتولى ذلك من المسلمين ! ! حيث قال له: " إني والله لو قتلته يوم قلت، لارعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ". بل لقد نصت الروايات المتقدمة على أن قوم ابن أبي أنفسهم قد بدأوا يضيقون ذرعا بابن أبي وتصرفاته، وصاروا يلومونه ويعنفونه على ما بدر منه. فقصية ابن أبي إذن لم تعد قضية شخص صدر منه ما يوجب الحد، بل هي قد تطورت لتلحق آثارها بالاسلام وبالمسلمين، وحتى على المدي البعيد أيضا. والنبي (ص) يعرف متى يحق له أن يصرف النظر عن إقامة حد على من يستحقه، إذا رأى ما يقتضي ذلك. والامر الغريب هنا: أننا نجد عمر بن الخطاب يصر على النبي (ص) بقتل هذا الرجل، رغم أنه (ص) قد أخبره بأن قتله يوجب خللا في الواقع القائم، ويعتر خطأ فاحشا حينما قال له: إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب.

[ 358 ]

فيتجاهل عمر هذا التوضيح والتصريح، ويقول له: إن كرهت أن يقتله مهاجري، فأمر أنصاريا. مع أن النبي (ص) قد أوضح له أن نفس القتل هو الذي سوف يفسد الامور، ولم تكن المشكلة تكمن في من يقتله. ولو كانت المشكلة هي هذه، فقد كان النبي يدرك أن إيكال أمر قتله إلى أنصاري يحل المشكلة، أو لا يحلها. النفاق، والمنافقون: وبعد كل ما تقدم نقول: إنه حين تكون الصفة الطاغية على حركة أو دعوة ما هي الضعف والوهن، وكانت بعيدة عن الالتزام بمعاني الاخلاق والانسانية فإن خصوم هذه الدعوة أو تلك الحركة سيواجهونها بالعنف، والاضطهاد، بقسوة وشراسة. فإذا ما تشبثت تلك الدعوة بأسباب القوة، فإن خصومها يتجهون نحو أساليب المكر والخديعة، ويوظفون ذلك إلى جانب ما يملكونه من أسباب القوة، ليسد ذلك المكر مواضع الضعف والخلل في تلك الاسباب، وتصبح من ثم قادرة على التأثير في تدمير قدرات تلك الدعوة، أو عرقلة حركتها بصورة أو بأخرى. فأذا ازدادت تلك الدعوة والحركة قوة، وازداد خصومها تقهقرا وضعفا، فإن أساليب أولئك الخصوم في مواجهتها سوف تتطور وفقا للمستجدات، حتي تنتهي بهم الامور إلى استخدام أساليب يأباها الشرف وينبو عنها الشعور الانساني النبيل. ذلك هو تاريخ المنافقين فليقرأه القارئون، ليجدوا فيه كل عجيب وغريب في هذا المجال.

[ 359 ]

وهكذا كان حال المنافقين في عهد الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، الذين ما فتئوا يكيدون للاسلام، ولنبي الاسلام، وللمسلمين، ويتربصون بهم الدوائر فكانوا يتآمرون مع الاعداء، ويحرضونهم، ويعدونهم النصر حينا، ثم كانوا يشاركون في الافتراء، وحياكة الاباطيل حينا آخر، إلى جانب تخذيلهم المسلمين، وبث الاشاعات الباطلة، وحبهم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. هذا كله، عدا عن كونهم عيونا للاعداء، يطلعونهم على عورات المسلمين، ويعلمونهم بأي تحرك منهم، حتى كان النبي (ص) كلما أراد غزوة ورى بغيرها، وكان يستخدم أساليب كثيرة، ومتنوعه ليعمي عليهم الامور، ويضللهم عن مقاصده الحقيقية. عداك عما كان أولئك المنافقون يمارسونه من أساليب اللمز والهمز. إلى جانب الكثير من الافك والافتراء، والهزء والازدراء. ولكنهم حين قويت شوكة المسلمين لم يجدوا مناصا من العض على الجراح، خصوصا بعد أن ظهر لهم: أن التحركات العسكرية للمسلمين في المناطق المختلفة كانت تسقط مواقع العدوان والتآمر الواحد تلو الاخر، وتقضي عليها، أو تحولها إلى مواقع قوة وصمود للمسلمين. فكان أن رأينا المنافقين يشاركون في غزوة بني المصطلق ولعلهم كانوا قد وثقوا بانتصار المسلمين، فأرادوا الحصول على مكاسب مادية لهم. ولكن نفاقهم الذي كانوا يصرون على التبرؤ منه لم يزل يظهر على صفحات وجوههم، وفي فلتات ألسنتهم، الامر الذي أثار حالة من

[ 360 ]

الارباك، الذي لو لم يتداركه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم لبلغ إلى حد حدوث فتنة داخلية، يخوض فيها ضعاف البصر والبصيرة حتي آذانهم، ويوقعون الاسلام والمسلمين في مأزق خطيرة، هم في المسلمين، ويعلمونهم بأي تحرك منهم، حتى كان النبي (ص) كلما أراد غزوة ورى بغيرها، وكان يستخدم أساليب كثيرة، ومتنوعه ليعمي عليهم الامور، ويضللهم عن مقاصده الحقيقية. عداك عما كان أولئك المنافقون يمارسونه من أساليب اللمز والهمز. إلى جانب الكثير من الافك والافتراء، والهزء والازدراء. ولكنهم حين قويت شوكة المسلمين لم يجدوا مناصا من العض على الجراح، خصوصا بعد أن ظهر لهم: أن التحركات العسكرية للمسلمين في المناطق المختلفة كانت تسقط مواقع العدوان والتآمر الواحد تلو الاخر، وتقضي عليها، أو تحولها إلى مواقع قوة وصمود للمسلمين. فكان أن رأينا المنافقين يشاركون في غزوة بني المصطلق ولعلهم كانوا قد وثقوا بانتصار المسلمين، فأرادوا الحصول على مكاسب مادية لهم. ولكن نفاقهم الذي كانوا يصرون على التبرؤ منه لم يزل يظهر على صفحات وجوههم، وفي فلتات ألسنتهم، الامر الذي أثار حالة من

[ 360 ]

الارباك، الذي لو لم يتداركه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم لبلغ إلى حد حدوث فتنة داخلية، يخوض فيها ضعاف البصر والبصيرة حتي آذانهم، ويوقعون الاسلام والمسلمين في مأزق خطيرة، هم في غني عنها. وقضية عبد الله بن أبي كانت من هذا القبيل كما اتضح من النصوص التي سلفت.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية