الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 9

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 9


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (صلى الله عليه واله)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (صلى الله عليه واله) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء التاسع

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1416 ه‍ - 1995 م دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس 834265 - 317425 - تلكس: 225970 20777 MCS بلاغ ص ب 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان دار السيرة - بيروت لبنان - ص. ب 49 / 25

[ 5 ]

القسم الرابع من الخندق الى فتح مكة

[ 7 ]

الباب الاول غزوة الخندق

[ 9 ]

آيات حول غزوة الخندق بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب) * (1) * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا. إذ جاؤوكم من فوقكم، ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * * (وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا. ولو دخلت عليهم من اقطارها، ثم سئلوا الفتنة


(1) سورة البقرة / 214 (*)

[ 10 ]

لاتوها، وما ثلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار، وكان عهد الله مسؤولا. قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتعون إلا قليلا. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم: هلم إلينا. ولا يأتون الباس إلا قليلا. أشحة عليكم، فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم، كالذي يغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد، أشحة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله اعمالهم، وكان ذلك على الله يسيرا. يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب. يسألون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر، وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرا. وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا

[ 11 ]

وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها. وكان الله على كل شئ قديرا) * (1)


(1) سورة الاحزاب / 9 - 27 (*)

[ 13 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. إهدنا الصراط المستقيم والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، وبعد فان حديثنا في هذا الجزء سيكون - إن شاء الله - عن غزوة الاحزاب: " الخندق " وهي الغزوة التي سميت سورة قرآنية باسمها بسبب اهميتها البالغة وحيث ان الحديث عن هذه الغزوة سوف يتخذ منحى تحقيقيا وتتبعيا، بالاضافة إلى وقفات تحليلية سريعة ومقتضبة، ومتناثرة هنا وهناك، فسيكون من الصعب على القارئ لملمة أطراف الحديث وجمع شتات المطالب، وربط بعضها ببعض ولو في حدود الخطوط العامة للحدث. ولاجل ذلك رأينا أن نذكر نصا مختصرا لهذه الغزوة يكاد يقتصر على عناوينها العامة فنقول: موجز عن غزوة الخندق: إنه في السنة الرابعة - كما هو الاقوى - أو في الخامسة - سار

[ 14 ]

عدد من اليهود إلى مكة واستنفروا أهلها لقتال النبي (صلى الله عليه واله)، واستئصال المسلمين. واتصلوا ايضا بقبيلة غطفان، وقبائل عربية اخرى وحرضوهم على حرب محمد، ووعدوهم بالاموال. فساروا وهم ألوف كثيرة إلى المدينة لانجاز هذا المهم فبلغ النبي (صلى الله عليه واله) خبرهم، فحفر خندقا حول المدينة من الجهة المكشوفة منها. وجعل للخندق أبوابا، وجعل على الابواب حرسا وقد شارك النبي (صلى الله عليه واله) بنفسه في حفر الخندق، وظهرت له صلى الله عليه واله حينئذ كرامات ومعجزات، سنذكرها في الموضع المناسب إن شاء الله تعالى وقد عسكر صلى الله عليه واله إلى جنب جبل سلع، وجعل الخندق بينه وبين الاحزاب. وجعل النساء والصبيان في بعض حصون المدينة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. وكان لواء النبي (صلى الله عليه واله) مع علي عليه السلام ولما وافى الاحزاب فوجئوا بالخندق. ونزلوا في الجهة الاخرى منه. وحاصروا المسلمين وذهب حيي بن اخطب اليهودي إلى بني قريظة، ولم يزل بهم حتى نقضوا العهد مع المسلمين فلما بلغ النبي (صلى الله عليه واله) ذلك أرسل إليهم من يثبت له الامر فرجعوا إليه وأخبروه بان ما بلغه صحيح. فاشتد الامر على المسلمين وضاقت عليهم الارض بما رحبت. وعظم البلاء، ونجم النفاق، وكثر الخوض. وبلغت القلوب الحناجر. وقال المنافقون والذين في قلوبهم

[ 15 ]

مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وكان أمير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله بالليل يحرسهم، فان تحرك أحد من قريش نابذهم. وكان النبي (صلى الله عليه واله) يحرس بنفسه بعض مواضع الخندق ولم يكن بين المسلمين والمشركين قتال إلا الرمي بالنبل والحصا. وكان المشركون يتناوبون على الخندق، فلا يمكنهم عبوره والمسلمون يمنعونهم بالنبل والحجارة وأصيب يومئذ سعد بن معاذ رحمه الله بسهم، رماه به حبان بن العرقة. وقيل: رماه به أبو أسامة الجشمي، أو خفاجة بن عاصم فجعل سعد رحمه الله في خيمة رفيدة، التي كانت تداوي فيها الجرحى. ويبدو أن جماعات من المسلمين قد تركوا النبي (صلى الله عليه واله) وفروا، واختبأوا في حديقة هناك وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة، وقد كشفت عائشة أمرهم، وذلك بعد اصابة سعد بن معاذ كما إن النصوص تؤكد على أن النبي (صلى الله عليه واله) قد بقي في ثلاث مئة من المسلمين، بل في نص آخر: انه لم يبق مع النبي (صلى الله عليه واله) سوى اثني عشر رجلا فقط وقد تحدثت الآيات القرآنية عن هؤلاء الفارين، فراجع سورة الاحزاب ومهما يكن من أمر فقد انتدب فوارس من المشركين فأتوا مكانا ضيقا من الخندق، وأكرهوا خيلهم على عبوره، فعبره عكرمة بن ابي جهل، وعمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن ابي وهب، وحسل بن عمرو بن عبد ود، ونوفل بن عبد الله المخزومي

[ 16 ]

فخرج أمير المؤمنين في نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها وطلب عمرو بن عبد ود البراز فلم يبرز إليه أحد من المسلمين، وخافوا منه خوفا شديدا، لما يعرفون من شجاعته وفروسيته، وكان يعد بالف فارس. وطلب علي من النبي أن يأذن له بمبارزته فلم يأذن له فكرر النداء، وأنشد الشعر، وعير المسلمين المحجمين عنه فطلب علي الاذن مرة أخرى فلم يأذن له الرسول فلما كان في المرة الثالثة، ولم يبادر إلى ذلك سوى علي عليه السلام أذن له النبي (صلى الله عليه واله) وعممه ودعا له، وقال: برز الايمان كله الى الشرك كله. فبارزه علي عليه السلام فقتله. وقتل ولده حسلا، ونوفل بن عبد الله، وفر الباقون. فقال صلى الله عليه واله، ضربة علي يوم الخندق تعدل (أو أفضل من) عبادة الثقلين إلى يوم القيامة وزعمت بعض الروايات: أن الذي قتل نوفلا هو الزبير، وسيأتي الاشكال في ذلك وتزعم بعض الروايات أن نعيم بن مسعود قد ساهم في احداث الفتنة بين بني قريظة وبين المشركين. ولكن الظاهر هو ان النبي (صلى الله عليه واله) هو الذي القى فيما بينهم بذور الخلاف والشك كما سنوضحه ثم أرسل الله سبحانه الريح على المشركين فكانت تكفأ قدورهم، وتطرح خيامهم، وتعبث بكل ما يحيط بهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فعادوا بالخزي والخيبة، والرعب يلاحقهم، وكفى الله المؤمنين القتال

[ 17 ]

وقال النبي (صلى الله عليه واله) حينئذ الان نغزوهم ولا يغزوننا، فكان كما قال.. وفي هذا الجزء تجد التفصيل لكل ذلك، مع بعض التحقيق والتكذيب والتصديق، والتعديل والتحليل، حسبما يقتضيه المقام فإلى ما يلي من مطالب وفصول

[ 19 ]

الفصل الاول: الاحزاب إلى المدينة

[ 21 ]

تمهيد وبيان لقد كان لتوالي الحروب في المنطقة فيما بين المسلمين من جهة وبين أعدائهم من اليهود والمشركين ومن تبعهم من جهة اخرى، وانشغال المسلمين الدائم بهذه الحروب تأثير قوي على حالة المسلمين الاقتصادية، حيث اختلت الحياة التجارية، والحرفية وظهرت عوارض خطيرة فيما يختص بالشأن الزراعي، حيث كانت الزراعة بمثابة العمود الفقري للاقتصاد بالنسبة لاهل المدينة على الخصوص وقد بدأت بوادر الحاجة الملحة في النواحي المعيشية، وشحة المواد الغذائية تظهر بصورة وبأخرى في هذا المجتمع الاسلامي الصغير الناشئ، والمحاط بالاعداء، والمستهدف بالشر والسوء من كل ناحية ومكان وبعد ان خاض المسلمون عدة حروب، ومروا بأزمات كثيرة في أكثر من اتجاه، وبعد كسر شوكة بني النضير، وكشف خياناتهم وافشال مؤامراتهم. وبعد غزوة ذات الرقاع وغيرها.. جاء تأجيل المشركين للحرب في بدر الموعد بسبب رعبهم وخوفهم ثم استفادة المسلمين تجاريا من سوق بدر بهذه المناسبة أمرا يبعث على الارتياح، ويثير البهجة والامل، والشعور لديهم بامكانية تحسن

[ 22 ]

الاوضاع المعيشية، حيث يتوفر الوقت الكافي لاعادة تنظيم مواسمهم الزراعية، والانتعاش اقتصاديا في مجالات اخرى من حرفية، وتجارية وغيرها في أجواء يهيمن عليها السلام والامن، والطمأنينة النسبية هذا بالاضافة إلى توفر الوقت لمواجهة المشكلات التي خلفتها الحروب السابقة، فردية كانت أو اجتماعية، ومحاولة وضع الحلول المناسبة لها، أو التخفيف من وطأتها وعسى ولعل يمكنهم ايضا ترتيب العلاقات بمن يحيطون بهم في المنطقة بصورة اكثر حميمية وصفاء، وصياغتها بصورة اكثر قوة وثباتا عنها من ذي قبل ثم انهم بعد وفوق كل ذلك يصبحون أقدر على ممارسة دور الاعلام المركز والهادئ للدعوة الالهية التي يحملونها، ويقومون بواجبهم في نشرها، لتقوم على اسس متينة ورصينة من القناعات العقلية والوجدانية، ولتثمر من ثم حياة في الفكر، ويقظة في الضمير ومسؤولية وطهرا في الوجدان فجاءت حرب الاحزاب المفاجئة لتبدد كل هذه الامال، ولتزيد من قسوة الظروف، ومرارة المعاناة، ولتكون الكابوس المخيف والمخيف جدا. خصوصا بما تميزت به من حشد بشري هائل، واعداد واستعداد لم تعرفه المنطقة من قبل. مع هذا الاجماع المستقطب تقريبا على العداء لهم من مختلف القبائل والديانات والشعوب التي تعيش في المنطقة. يصاحبه إطمينان إلى التعاطف والتأييد من كل الاخرين من أي الديانات، أو الفئات كانوا، في جزيرة العرب، أو في خارجها ثم ان حركة الاحزاب قد جاءت محرجة للمسلمين إلى درجة كبيرة وخطيرة من الناحية العسكرية والاستراتيجية الحربية، لانها

[ 23 ]

اتخذت صفة هجوم شامل عليهم، من مختلف المواضع والمواقع، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم يقابل ذلك ضعف ظاهر لدى المسلمين، في العدة وفي العدد واختراق خطير من قبل الاعداء لصفوف اهل الايمان، من خلال قوى النفاق التي كانت تتغلغل داخل جسم هذا المجتمع الاسلامي الصغير والناشئ هذا كله بالاضافة إلى المشاكل المعيشية، والحياتية على مستوى الفرد والجماعة. سواء تلك المشاكل الناشئة عن الحروب والمواجهات مع الاعداء، أو المشاكل التي تنشأ عادة من صياغة حياة إجتماعية لفئات تعاني اصلا من تناقضات كثيرة فيما بينها، بسبب اختلافها في مستوياتها وفي حالاتها الطبيعية والعارضة، وبسبب وجود الكثير مما هو من مخلفات الجاهلية الرعناء ولا ننسى هنا الاشارة إلى ضعف تأثير العامل القبلي لدى الفريق الاسلامي، لان المسلمين كانوا لا يشكلون تيارا قبليا زاخرا وهادرا ذا لون واحد، لانهم عبارة عن مجموعات صغيرة من قبائل شتى، فيبقى الشعور والعصبية للقبيلة هو العامل الاضعف تأثيرا على صعيد رص الصف، وتقوية البنية، وتأكيد اللحمة الداخلية. وإنما الحالة الايمانية والدينية وحدها هي التي توحدهم، وتشد من أزرهم، وتشحذ فيهم الهمم، وتبعث فيهم روح الاباء والشمم. وقد كانت هذه الروح في بدايات تكوينها لدى الكثيرين منهم فلم تكن مؤهلة للصمود كثيرا وطويلا في المواضع الصعبة والخطيرة وأخيرا.. نشير إلى أن تحزيب الاحزاب قد انطلق من خلال قناعة تامة، ومن شعور اكيد بأن قوة المسلمين قد بلغت حدا لم يعد

[ 24 ]

يمكن القضاء عليها إلا بحشد كامل وشامل لكل القدرات والقوى المادية والمعنوية على مستوى المنطقة باسرها. وهذا ما حصل بالفعل، كما سنرى. ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين تحزيب الاحزاب في روايات المؤرخين لقد ذكر المؤرخون - والنص في اكثره للواقدي - أنه لما أجلى النبي (صلى الله عليه واله) يهود بني النضير، ساروا الى خيبر. وكان بها من اليهود قوم أهل عدد وجلد (وليست لهم من البيوت والاحساب ما لبني النضير) فخرج عدد من اليهود، بعضهم من بني وائل. والباقون من بني النضير، وهم بضعة عشر رجلا، أو حوالي عشرين، خرجوا إلى مكة يدعون قريشا واتباعها إلى حرب محمد (صلى الله عليه واله). وكان ذلك في السنة الرابعة، أو الخامسة أو السادسة للهجرة وهؤلاء هم: - كما ورد في النصوص المختلفة - حيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي (أو الوالبي كما في الارشاد) وهو أوسي من بني خطمة، وابو عامر الراهب أو أبو عمار، - الوائلي - أو أبو عمارة الوالبي، كما عند المفيد في نفر من بني والبة وزاد البعض: سلام بن مسلم (واضاف آخر: حوج بن عامر، وأبا رافع، والربيع بن ابي الحقيق (1))


(1) راجع: جامع البيان ج 5 ص 86 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 513، وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 408 فقد ذكر أبا عمار وحوج بن عمرو (*)

[ 25 ]

(واضاف غيره سلام بن ابي الحقيق، لكن عند ابن الاثير: عبد الله بن سلام بن ابي الحقيق) قال المفيد: " فصاروا إلى ابي سفيان لعلمهم بعداوته لرسول الله، وتسرعه لقتاله، فذكروا له ما نالهم منه. وسألوه المعونة على قتاله. فقال: إنا لكم حيث تحبون، فاخرجوا إلى قريش، فادعوهم إلى حربه، واضمنوا النصرة لهم، والثبوت معهم حتى تستأصلوه فطافوا على وجوه قريش، ودعوهم الى حرب النبي " ويستمر الواقدي وغيره فيقولون: فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا أو قالوا: سنكون معكم عليه، حتى نستأصله ومن معه قال أبو سفيان: هذا الذي اقدمكم ونزعكم ؟ قالوا: نعم. جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله قال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. زاد في نص آخر قوله: " ولكن لا نأمنكم إلا إن سجدتم لآلهتنا، حتى نطمئن إليكم. ففعلوا (1) " قال النفر: فأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها، أنت فيهم، وندخل نحن وأنت بين أستار الكعبة، حتى نلصق اكبادنا بها ثم نحلف بالله جميعا: لا يخذل بعضنا بعضا، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل، ما بقي منا رجل


(1) ويقال: ان ذلك ايضا قد كان في مرة سابقة، وذلك حين جاء كعب بن الاشرف ومن معه، يطلبون منهم المسير إلى حرب محمد (صلى الله عليه واله) والمسلمين. وربما يكون ذلك قد حصل مرة واحدة، لكن الامر قد اشتبه على الرواة. والله هو العالم بحقيقة الحال (*)

[ 26 ]

ففعلوا، فتحالفوا على ذلك، وتعاقدوا ثم قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الاول، فسلوهم عما نحن عليه ومحمد: أينا أهدى ؟ ! قالت قريش: نعم فقال أبو سفيان: يا معشر اليهود، انتم أهل الكتاب الاول والعلم، اخبرونا عما أصبحنا فيه نحن ومحمد، ديننا خير أم دين محمد ؟ ! فنحن عمار البيت، وننحر الكوم، (أي الناقة عالية السنام) ونسقي الحجيج، ونعبد الاصنام قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق، انكم لتعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه. فانزل الله في ذلك: * (الم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) * (1) فاتعدوا لوقت وقتوه وفي نص آخر: " فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله (صلى الله عليه واله) واجمعوا لذلك واتعدوا له " فقال صفوان بن أمية: يا معشر قريش، إنكم قد وعدتم هؤلاء القوم لهذا الوقت وفارقوكم عليه، ففوا لهم به ! لا يكون هذا كما كان، وعدنا محمدا بدر الصفراء، فلم نف بموعده، واجترأ علينا


(1) سورة النساء / 51 (*)

[ 27 ]

بذلك. وقد كنت كارها لميعاد ابي سفيان يومئذ فخرجت اليهود حتى أتت غطفان [ وقيس عيلان ] وأخذت قريش في الجهاز، وسيرت في العرب تدعوهم الى نصرها. وألبوا أحابيشهم ومن تبعهم ثم خرجت اليهود حتى جاؤا بني سليم، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش. ثم ساروا في غطفان، فجعلوا لهم تمر خيبر سنة. وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد، إذا ساروا فأنعمت بذلك غطفان، ولم يكن احد اسرع الى ذلك من عيينة بن حصن قال ابن خلدون: وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع (1)


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 441 - 443. وذكرت هذه النصوص باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 512 و 513 وعيون الاثرج 2 ص 55 وحبيب السير ج 1 ص 359 والكامل في التاريخ ج 2 ص 178 والثقات ج 1 ص 264 و 265 والدر المنثور ج 2 ص 172 عن ابن اسحاق، وابن جرير. وجامع البيان ج 5 ص 86 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 225 و 226 واعلام الورى ص 90 وتفسير القرآن الكريم ج 2 ص 513، والوفا ص 692 وانساب الاشراف ج 1 ص 343. وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 398 ففيه نصوص تختلف عن الذي ذكرناه وراجع ص 408 و 409 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 233 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 233 فما بعدها والبداية والنهاية ج 4 ص 94 و 95 وجوامع السيرة النبوية ص 148 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 و 182 والبدء والتاريخ ج 4 ص 216 و 217 وتجارب الامم ج 1 ص 149 ونهاية الإرب ج 17 ص 166 و 167 وزاد المعاد ج 2 ص 117 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 والسيرة الحلبية ج 2 ص 309 = (*)

[ 28 ]

وذكر البعض: أن كنانة بن ابي الحقيق جعل نصف تمر خيبر لغطفان في كل عام (1) وذكروا ايضا: أن قريشا كتبت الى رجال من بني سليم، بينهم وبينهم أرحام، استمدادا لهم، فأقبل أبو الاعور بمن تبعه من بني سليم مددا لقريش ثم كتب اليهود الى حلفائهم من بني سعد أن يأتوا الى امدادهم (2) وحسب نص البلاذري: " وكان عيينة بن حصن الفزاري أسرع القوم إلى اجابتهم، ثم أتوا بني سليم بن منصور فسألوهم مثل ذلك فأنجدوهم وساروا في جميع العرب ممن حولهم، فنهضوا معهم


= و 310 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 188 و 189 وتفسير القمي ج 2 ص 176 - 188 والبحار ج 20 ص 216 - 233 و 197 و 250 و 251 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 262 و 263 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 وامتاع الاسماع ج 1 ص 216 - 218 وحدائق الانوار ج 2 ص 584 باختصار والارشاد للمفيد ص 50 و 51 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 201 و 202 ومجمع البيان ج 8 ص 340 (1) الاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158. لكن ذكرت مصادر اخرى: انهم جعلوا لهم ثمر خيبر سنة، فراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 217 وانساب الاشراف ج 1 ص 343 والسيرة الحلبية ج 2 ص 310. وراجع ايضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمغازي للواقدي ج 2 ص 443 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 وفتح الباري ج 7 ص 301 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 وراجع: الاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 159 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 398 / 399 (*)

[ 29 ]

فخرجت قريش في من ضوى إليها ولافها من كنانة وثقيف وغيرهم ولحقتهم أفناء العرب عليه قادتها وكبراؤها " (1) تجمع القوى: ويستمر الواقدي فيقول: وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة (زاد في بعض المصادر قوله: وحمله عثمان بن ابي طلحة، وقائد القوم أبو سفيان) وقادوا معهم ثلاث مئة فرس، وكان معهم من الظهر ألف بعير، وخمس مئة بعير وأقبلت سليم فلاقوهم بمر الظهران. وبنو سليم يومئذ سبع مئة يقودهم سفيان بن عبد شمس، حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الاعور، الذي كان مع معاوية بن أبي سفيان بصفين. لكن عند القمي: ان قائدهم هو عباس بن مرداس. وخرج ايضا الاقرع بن حابس في قومه وخرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب وخرجت بنو أسد، وقائدها طلحة (طليحة ظ) بن خويلد الاسدي وخرجت بنو فزارة وأوعبت، وهم الف يقوهم عيينة بن حصن (ونص اخر يقول: خرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن)


(1) انساب الاشراف ج 1 ص 343 (*)

[ 30 ]

وخرجت اشجع وقائدها مسعود بن رخيلة (أو مسعر بن زحيلة أو جبلة) وهم اربع مئة، ولم توعب اشجع [ وعند المفيد: ووبرة بن طريف في قومه من اشجع ] وخرج الحارث بن عوف يقود قومه بني مرة، وهم اربع مئة (1) الاحزاب إلى المدينة: ووافى الاحزاب المدينة بعد ان فرغ رسول الله (صلى الله عليه واله) من حفر الخندق (2) وكان الذين وافوا من قريش، وسليم، وغطفان، واسد


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 444 وذكر ذلك باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: الاكتفاء ج 2 ص 159 اعلام الورى ص 90 وفاء الوفا ج 1 ص 301 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 / 481 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 233 و 236 والوفا ص 692 / 693 والثقات ج 1 ص 265، وعيون الاثر ج 2 ص 55 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 190 والكامل في التاريخ ج 2 ص 178 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 / 231 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 197 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 189 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 148 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 233 و 234 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 والبداية والنهاية ج 4 ص 95 وراجع ص 102 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 110 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 والامتاع ج 1 ص 218 و 219 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 513 و 514 والارشاد للمفيد ص 51 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 وتفسير القمي ج 2 ص 177 والبحار ج 20 ص 217 عنه وص 197 و 251 ومجمع البيان ج 8 ص 340 ونهاية الارب ج 17 ص 167 وعيون الاثر ج 2 ص 56 ومحمد في المدينة ص 54 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 301 وشرح الاخبار ج 1 ص 291 (2) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 236 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 (*)

[ 31 ]

عشرة آلاف بقيادة ابي سفيان. فنزلت قريش برومة، ووادي العقيق في أحابيشها، ومن ضوى إليها من العرب. ونزلت غطفان بالزغابة إلى جانب أحد وجعلت قريش تسرح ركابها في وادي العقيق، في عضاهه وليس هناك شئ للخيل إلا ما حملوه معهم من علف. وكان علفهم الذرة. وسرحت غطفان ابلها إلى الغابة، في أثلها وطرفائها وقدموا في زمان حصد الناس زرعهم قبله بشهر. وأدخلوا حصادهم، واتبانهم. وكانت غطفان ترسل خيلها في اثر الحصاد - وكانت خيل غطفان ثلاث مئة - فيمسك ذلك من خيلهم لكن ابلهم كادت تهلك من الهزال. وكانت المدينة ليالي قدموا جديبة (1) ويقول نص اخر: نزلت كنانة برومة، وغطفان بالزغابة الى نقمي (2)


= ص 262 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 وتاريخ الخميس ج 1 ص 483 وحدائق الانوار ج 2 ص 587 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 197 وغير ذلك (1) المغازي للواقدي ج 2 ص 444. وراجع اجمال أو تفصيل ذلك في: الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 والثقات ج 1 ص 266 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 190 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 231 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 236 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 236 و 237 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 و 198 والبداية والنهاية ج 4 ص 102 و 103 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 525 و 526 وتفسير القمي ج 2 ص 179 و 180 والبحار ج 20 ص 221 وعيون الاثر ج 2 ص 58 (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 455 (*)

[ 32 ]

وعند البعض: نزلت قريش بمجتمع السيول من رومة، بين الجرف وزغابة. ونزل عيينة ومن معهم من أهل نجد الى جانب أحد بباب نعمان (أو ذنب نقمي) (1) ونص اخر يقول: نزلت قريش بمجتمع السيول من رومة، بين الجرف ورباعة (2) ولعله تصحيف: زغابة اما القمي فقال: نزلت قريش وحلفاءها من كنانة بالعقيق ونزلت فزارة بالزغابة ونزلت سليم وغيرهم حصن بني ذبيان (3) مناقشات وايضاحات: ولنا فيما تقدم العديد من المناقشات والتحفظات، كما انه يحتاج الى بعض الايضاحات ونحن نذكر فيما ياتي نماذج لكلا هذين الامرين، فنقول: تاريخ غزوة الخندق: لقد اختلف المؤرخون في تاريخ غزوة الخندق. فقالت طائفة منهم: انها كانت سنة خمس من الهجرة: ذهب الى ذلك الواقدي


(1) الاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 236 وفتح الباري ج 7 ص 307 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 وتاريخ الخميس ج 1 ص 483 وفيه: انه واد بجانب أحد. وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 109 وفيه: نزلوا بنقمين وجوامع السيرة النبوية ص 149 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 483 (3) تفسير القمي ج 3 ص 180 والبحار ج 20 ص 221 عنه (*)

[ 33 ]

وابن اسحاق، والمقريزي، والطبري، وابن الاثير، والبيهقي، والذهبي، وابن حبيب، وابن الكازروني والمقدسي، وابن القيم، وابن حجر، وابن العماد، والمسعودي. وكذا روي عن عروة، وقتادة واحمد. وغيرهم كثيرون، كما يتضح من المصادر في الهامش (1)


(1) لكي تجد القول بان هذه الغزوة كانت في السنة الخامسة، إما بصورة قول تبناه المؤلف أو يذكره بلفظ قيل: راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 440 / 441 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 224 و 241 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 158 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 395 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 وصححه، وشذرات الذهب ج 1 ص 11، ومختصر التاريخ ص 42 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 134 وعيون الاثر ج 2 ص 55 و 64 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 والكامل في التاريخ ج 2 ص 178 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 233 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 188 و 195 وتفسير القمي ج 2 ص 176 والبحار ج 20 ص 216 و 208 عنه ونقله في ص 271 عن اعلام الورى لكن الموجود في اعلام الورى انها في الرابعة والمحبر ص 113 ومروج الذهب ج 2 ص 219 والثقات ج 1 ص 264 ووفاء الوفاء ج 1 ص 300 وحبيب السير ج 1 ص 359 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 262 وبهجة المحافل ج 1 ص 262 بلفظ: قيل. وامتاع الاسماع ج 1 ص 216 والجامع للقيرواني ص 279 و 281 والتنبيه والاشراف ص 115 وانساب الاشراف ج 1 ص 343 ومجمع البيان ج 8 ص 208 ونهاية الارب ج 17 ص 166 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 302 عن ابن اسحاق والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 ونسبه الى الجمهور. وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 93 و 94 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 و 181 وتاريخ الخميس ج 1 ص 479 و 480 عن ابن اسحاق وفتوح البلدان ج 1 ص 23 وصفة الصفوة ج 1 ص 455 - 459 والطبقات الكبرى ج 2 ق 2 ص 47 وج 4 ق 1 ص 60 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 367 وسيرة مغلطاي ص 56 (*)

[ 34 ]

اما اليعقوبي فيقع في الغلط حيث يقول: ان الخندق كانت " في السنة السادسة، بعد مقدم رسول الله بالمدينة بخمسة وخمسين شهرا (1) فان عدد الاشهر المذكور يقتضي ان تكون في السنة الخامسة لا السادسة، كما هو ظاهر وثمة فريق آخر يقول: ان هذه الغزوة كانت في السنة الرابعة وهو ما ذهب إليه مالك، ورواه احمد في مسنده عنه. وذهب إليه ايضا: ابن العربي وعياض، وابن حزم، وابن الديبع، والصاحب بن عباد وابن حبيب، وصححه ابن خلدون، والنووي في الروضة وقواه البخاري ورواه موسى بن عقبة عن الزهري، وبه قال الفاكهاني في رياض الافهام. ويعقوب بن سفيان (2)


= والعبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 والرصف ج 1 ص 60 بلفظ قيل وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 148 وتاريخ الاسلام للذهبي والمغازي ص 205 وسير اعلام النبلاء ج 1 ص 289 / 290 (1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 ط صادر (2) راجع المصادر التالية، فانها قد ذكرة هذا القول: عنوان المعارف في ذكر الخلائف ص 12 وجوامع السيرة النبوية ص 148 وقال: الثابت انها في الرابعة بلا شك. والمحبر ص 113 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 وفتح الباري ج 7 ص 302 والبداية والنهاية ج 4 ص 93 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 واعلام الورى ص 90 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وشرح صحيح مسلم للنووي بهامش ارشاد الساري ج 8 ص 64 والعبر لابن خلدون ج 2 ق 2 ص 29 و 33 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 وتاريخ مختصر الدول ص 95 ووفاء الوفاء ج 1 ص 300 وتاريخ الاسلام (المغازي) للذهبي ص 205 وص (*)

[ 35 ]

بل قال ولي الدين العراقي: " المشهور انها في السنة الرابعة " (1) ومقتضى هذا القول: ان ابا سفيان قد خرج لبدر الموعد في شعبان ثم عاد وخرج إلى الخندق في شوال السنة الرابعة، كما ذهب إليه البعض (2) وعند الواقدي انها كانت في ذي القعدة وقد حاول البيهقي الجمع بين هذين القولين، فقال: " قلت: لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لان رسول الله (صلى الله عليه واله) قاتل يوم بدر لسنتين ونصف من مقدمة المدينة في شهر رمضان، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمة المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على راس اربع سنين ونصف من مقدمة المدينة فمن قال سنة اربع اراد بعد اربع سنين، وقبل بلوغ الخمس ومن قال: سنة خمس، اراد بعد الدخول في السنة الخامسة


= 244 عن ابن عقبة عن ابن شهاب وعروة عن ابن عقبة والنووي وشذرات الذهب ج 1 ص 11 عن النووي، والجامع للقيرواني ص 279 و 281 عن مالك، وسيرة مغلطاي ص 56 وبهجة المحافل ج 1 ص 262 وعيون الاثر ج 2 هامش ص 55 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 393 و 395 و 400 و 394 ومجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 ومناقب آل ابي طالب ج 4 ص 76 ومرآة الجنان ج 1 ص 9 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 216 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 وحدائق الانوار ج 1 ص 52 متنا وهامشا عن الدرر في اختصار المغازي والسير للقرطبي ص 179 وذهب إليه العاقولي في الرصف ج 1 ص 60 (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 396 (*)

[ 36 ]

وقبل انقضائها (1) ونقول: إن الظاهر هو صحة قولهم: إن غزوة الخندق كانت في السنة الرابعة، وفقا لما اعتادوه من التاريخ، ولا حاجة إلى وجه الجمع الذي ذكره البيهقي ولا لغيره. وذلك لما يلي: 1 - لقد قوى البخاري القول بانها كانت في السنة الرابعة بقول ابن عمر: ان النبي (صلى الله عليه واله) قد عرضه يوم أحد، وهو ابن اربع عشرة سنة، فلم يجزه. ثم عرضه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.. ومن المعلوم: أن أحد كانت في سنة ثلاث وقد استدل بهذا ايضا النووي، وابن حزم، وابن خلدون وغيرهم (2)


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 395 (2) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 20 وج 2 ص 69 والعبر وديوان المبتدا والخبر ج 2 ق 2 ص 29 و 33 وجوامع السيرة النبوية ص 148 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 205 و 244 وفتح الباري ج 7 ص 302 وشرح صحيح مسلم للنووي (مطبوع بهامش إرشاد الساري) ج 8 ص 64. وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 والبداية والنهاية ج 4 ص 94 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 والطبقات الكبير لابن سعد ج 4 ص 105 وانساب الاشراف ج 1 ص 343 / 344 باضافة كلمة: " وأشف منها " والمغازي للواقدي ج 2 ص 453 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 310 و 311 ومسند احمد بن حنبل ج 2 ص 17 وصحيح مسلم ج 6 ص 30 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 850 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 و 315 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 396. والجامع الصحيح للترمذي، كتاب الاحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة ج 3 = (*)

[ 37 ]

وقد احتمل البعض: ان يكون إبن عمر في غزوة أحد اول ما طعن في الرابعة عشرة. وفي الاحزاب كان قد استكمل الخامسة عشرة. وبهذا اجاب البيهقي (1) ثم أيد البعض هذا الاحتمال بان ابا سفيان قال للمسلمين. حين انتهت حرب أحد: موعدكم العام المقبل ببدر ثم لم يأت إلى بدر في ذلك الموعد، بسبب الجدب. وخرج إليها النبي (صلى الله عليه واله) في شعبان سنة اربع، ورجع، ولم يلق كيدا. وهي الغزوة المسماة ببدر الموعد فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد ذلك بشهرين لاجل غزوة الخندق (2) ويؤيد ذلك ايضا: قول البعض: " كانت وقعة الاحزاب بعد أحد بسنتين (3)


ص 632 و 633 وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 241 و 242 والغدير ج 10 ص 4 عن البخاري، وفتح الباري، وعن عيون الاثر ج 2 ص 6 و 7 وعن تاريخ الطبري ج 2 ص 296 (1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 480 وفتح الباري ج 7 ص 302 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 244 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 والبداية والنهاية ج 4 ص 94 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 وراجع دلائل النبوة للبيهقي ج 3 هامش ص 395 (2) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 93 و 94 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 180 وفتح الباري ج 7 ص 302 والطبقات الكبير لابن سعد ج 2 ق 1 ص 43 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 561 (3) المصنف للصنعاني ج 5 ص 362 و 367 انساب الاشراف ج 1 ص 345 والمغازي للذهبي (تاريخ الاسلام) ص 244 والسيرة الحلبية ج 2 ص 148 (*)

[ 38 ]

ونقول: لو صح ما ذكروه لكان الفرق بين أحد التي هي في شوال السنة الثالثة، والخندق التي هي في ذي القعدة السنة الخامسة سنتين وشهرا. وهذا يعني: ان ابن عمر كان عمره في الخندق ست عشرة سنة فإذا جاز ان يقول: انه ابن اربع عشرة سنة، لانه كان اول ما طعن فيها، كان عليه ان يقول: انه كان في الخندق ابن ست عشرة سنة، لانه كان طعن فيها ايضا بصورة اوفى. وذلك ليجري الكلام في صدره وذيله على نسق واحد ولكان على عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب ان يجعلا العطاء لمن بلغ ست عشرة سنة، استنادا إلى قضية ابن عمر المذكورة، فكيف فرضا إلى ابن خمس عشرة سنة استنادا الى ذلك ؟ ! (1) وقد صرح ابن حزم بانه قد صح انه لم يكن بين أحد والخندق إلا سنة واحدة فقط وانها قبل دومة الجندل بلا شك (2) اما قولهم: انه لا يعقل ان ياتوا المدينة بعد شهرين من بدر الموعد. فجوابه: ان ذلك معقول، إذا كان التعلل من قبل المشركين بالجدب كان جبنا منهم، وهروبا من المواجهة، ثم لما وجدوا الرجال والاموال، وجمعوا عشرة آلاف مقاتل أو اكثر بكثير، فلا شئ يمنعهم


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 311 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 181 والبداية والنهاية ج 4 ص 94 (2) جوامع السيرة النبوية ص 148 (*)

[ 39 ]

عن انتهاز الفرصة، في اي من الظروف والاحوال 2 - ومما يدل على ان غزوة الخندق كانت سنة اربع: قولهم: ان ابا زيد بن ثابت قد قتل يوم بعاث، وكان عمر زيد حينئذ ست سنين، وكانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين (1) وكان عمر زيد حين قدم النبي صلى الله عليه واله وسلم المدينة احدى عشرة سنة (2) ثم يقولون: ان اول مشاهد زيد الخندق (3) لانه (صلى الله عليه واله) قد اجازه يوم الخندق (4) وهو ابن خمس عشرة سنة (5) ويروى عن زيد قوله: اجازني رسول الله (صلى الله عليه واله) يوم الخندق


(1) تهذيب الكمال ج 10 ص 27 و 30 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وراجع: شذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 عن زيد نفسه، وتهذيب التهذيب ج 3 ص 399 والثقات ج 3 ص 136 وصفة الصفوة ج 1 ص 704 وسير اعلام النبلاء ج 2 ص 427 / 428 وتهذيب الكمال ج 10 ص 25 و 27 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 200 / 201 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 1 ص 551 وشذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 (3) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 وشذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 وراجع: تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 عن الواقدي (4) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 ومجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 وكنز العمال ج 10 ص 281 عن الطبراني وص 284 عن ابن عساكر (5) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 ومجمع الزوائد ج 9 ص 345 (*)

[ 40 ]

وكساني قبطية (1) وعنه: أجزت يوم الخندق. وكانت وقعة بعاث وانا ابن ست سنين (2) وعنه: لم أجز في بدر، ولا في أحد، واجزت في الخندق (3) وتوفي زيد سنة ثمان واربعين، وسنة تسع وخمسون سنة (4) وقال الواقدي: مات سنة خمس واربعين، وهو ابن ست وخمسين سنة (5) وكل ذلك يؤيد ما قلناه ويدل عليه واورد بعضهم على كون الخندق في السنة الرابعة بان من المعلوم: ان غزوة بني قريظة قد كانت في السنة الخامسة، ومعلوم انها كانت عقيب الخندق (6) وأجيب عن ذلك بان الخندق يمكن ان تكون قد استمرت الى اواخر الرابعة (7) لا سيما إذا صح قولهم: انهم استمروا في حفر الخندق شهرا (8) وان الحصار قد استمر شهرا ايضا (9) مع ملاحظة: ان ابن سعد يقول: ان الخندق قد كانت في شهر ذي القعدة (10) هذا


(1) سير اعلام النبلاء ج 2 ص 432 وفي هامشه عن الطبراني وتهذيب الكمال ج 10 ص 29 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 (2) سير اعلام النبلاء ج 2 ص 433 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 وتهذيب الكمال ج 10 ص 30 (3) الاصابة ج 1 ص 561 (4) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 (5) صفة الصفوة ج 1 ص 704 / 705 (6) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 والسيرة الحلبية ج 2 ص 228 و 229 (7) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 وراجع السيرة الحلبية ج 2 ص 229 (8) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 (9) ستأتي الاقوال في ذلك، حينما نتكلم عن مدة حفر الخندق في هذه الغزوة (10) السيرة الحلبية ج 2 ص 228. وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 440 (*)

[ 41 ]

بالاضافة إلى حصاره (صلى الله عليه واله) الطويل لبني قريظة حسبما سيأتي وبعد ما تقدم نقول: انه لا جاجة الى الافاضة في بيان خطأ قول البعض: ان الخندق كانت سنة خمس باتفاق المؤرخين باستثناء ابن خلدون (1) غزوة الخندق في زمن الحصاد: وذكرت النصوص الانفة الذكر: ان الاحزاب قدموا المدينة في زمان حصد الناس زرعهم قبله بشهر. وادخلوا حصادهم واتبانهم وكانت غطفان ترسل خيلها في اثر الحصاد - وكان خيل غطفان ثلاث مئة - فيمسك ذلك من خيلهم. لكن ابلهم كادت تهلك من الهزال. وكانت المدينة ليالي قدموا جديبة (2) ومن جهة ثانية، فان غزوة بني قريظة كانت بعد الخندق مباشرة ويذكر الزهري ان ابا لبابة الذي خان الله ورسوله فيها، قد ارتبط في المسجد في حر شديد (3) وكان يوما صائفا (4) ومعنى ذلك هو ان الاحزاب قد قدموا المدينة في اواسط فصل الصيف، أو اواخره، لان الحصاد يكون عادة في اوائل فصل الصيف لاسيما في بلاد الحجاز المتميزة بشدة الحر فيها وهذا يلقي ظلالا من الشك على ما يزعمونه من ان غزوة الخندق كانت " في ايام شاتية " (5) أو " في برد


(1) محمد رسول الله (صلى الله عليه واله) تأليف محمد رضا ص 227 (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 444 والامتاع ج 1 ص 219 وسبل الهدى والرشاد وغير ذلك من مصادر تقدمت (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 (5) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 (*)

[ 42 ]

شديدا " (1) و " في زمن شات، وليال باردة كثيرة الرياح " (2) وسيأتي ان عائشة كانت تدفئ رسول الله (صلى الله عليه واله) وهم يحفرون الخندق، كما يزعمون وستأتي سائر النصوص والمصادر لذلك حينما نتكلم اسباب هزيمة الاحزاب وعن حفر الخندق إلا ان يقال: ان الحصاد قد يستمر الى الخريف، فلا مانع من البرد والشتاء حينئذ هل أخطأ التقويم التطبيقي ؟ ! وبالمناسبة فان كتاب " التقويم التطبيقي لالف وخمس مئة سنة هجرية قمرية وميلادية " (3) قد ذكر ان اول شهر شوال للسنة الرابعة الهجرية يوازي 6 شهر آذار سنة 626 م واول شهر ذي القعدة بوازي 4 شهر نيسان واول ذي الحجة يوازي 4 ايار اما في سنة خمس فان شوال وذا القعدة وذا الحجة توازي 23 شباط حتى 23 ايار وهذا التطبيق يخالف ما ذكره المؤرخون في تاريخ غزوة الخندق اما بناء على ما ذكره الواقدي فواضح، لاننا قدمنا ان مقتضى كلام الواقدي هو ان غزوة الخندق قد حصلت في اواخر الصيف وان


(1) الجامع للقيرواني ص 281 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 والبداية والنهاية ج 4 ص 95 و 96 عن البخاري (2) تجارب الامم ج 2 ص 152 (3) راجع الكتاب: تقويم تطبيقي هزار وبانصد ساله هجري قمري وميلادي قسم الجداول ص 1 تأليف: فردينا ندوو ستنفلد، وادوارد ماهلر (*)

[ 43 ]

انصراف الحزاب من الخندق كان في الخريف واما بناء على ما ذكره الاخرون، فان من الواضح: انهم يذكرون: ان الاحزاب قد انصرفوا في ليلة باردة شاتية، وان انصرافهم كان في اواخر ذي الحجة، اي في اواخر شهر ايار، ومن الواضح: ان الجو في الحجاز، وي المدينة لا يكون في هذا الوقت باردا ولا شاتيا فضلا عما يذكرونه من برد كان يقايسه رسول الله (صلى الله عليه واله) وهم يحفرون الخندق - كما سيأتي - في شوال أو في ذي القعدة. فان الجو في المدينة يكون في هذه الايام في اعدل احواله. كما هو معلوم من حال منطقة الحجاز لكل احد مشاركة الحارث بن عوف في الخندق: قد ذكرت النصوص المتقدمة: ان الحارث بن عوف قد شارك في حرب الخندق. ولكن قد روى الزهري وكذلك بنو مرة خلاف ذلك فذكروا: انه لما اجتمعت غطفان السير ابي الحارث بن عوف المسير، وقال لقومه: " تفرقوا في بلادكم، ولا تسيروا إلى محمد، فاني ارى ان محمدا امره ظاهر. ولو ناواه من بين المشرق والمغرب لكانت له العاقبة " فتفرقوا في بلادهم، ولم يحضر واحد منهم (1) وفي نص اخر: انه قال لعيينة بن حصن، ولقومه من غطفان: " يا قوم اطيعوني، ودعوا قتال هذا الرجل، وخلوا بينه وبين عدوه من العرب " فغلب عليهم الشيطان، وقطع اعناقهم الطمع، ونفذوا لامر


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 443 وراجع: الاكتفاء ج 2 ص 159 (*)

[ 44 ]

عيينة على قتال رسول الله (صلى الله عليه واله) وكتبوا الى حلفائهم من بني اسد فاقبل طلحة في من اتبعه من بني اسد الخ (1) وقال المقريزي والحلبي الشافعي: " وقيل لم تحضر بنو مرة (2) " لكن الواقدي يصر على ان بني مرة قد شهدوا الخندق، بقيادة الحارث بن عوف، وهجاه حسان شعرا. وذكروا: انه كان بينه وبين النبي جوار. وقال الواقدي: " فكان هذا اثبت عندنا: انه شهدة الخندق في قومه. ولكنه كان امثل تقية من عيينة (3) " وقال الواقدي ايضا: " لم يحضر الخندق الحارث بن عوف ولا قومه. ويقال: حضرها الحارث بن عوف. قال ابن واقد: وهو اثبت القولين عندنا " (4) أبو رافع قتل بعد أحد: وقد ذكرت بعض النصوص ايضا ابا رافع اليهودي في جملة من حرض المشركين وحزب الاحزاب في غزوة الخندق (5) ونقول: ان ابا رافع قد قتل كما يقولون في السنة الثالثة في جمادى


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 والاكتفاء ج 2 ص 159 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 311 والامتاع ج 1 ص 219 (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 444 (4) المغازي ج 4 ص 477 وعيون الاثر ج 2 ص 57 (5) راجع: جامع البيان ج 5 ص 86 والدر المنثور ج 2 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 513 (*)

[ 45 ]

والاخرة منها (1) وذلك بعد قتل ابن الاشرف، وقيل بعد أحد، وقيل في السنة الرابعة (2) ولكن من الواضح ان ذلك كان قبل وقعة الخندق، التي كانت في اواخر الرابعة، واستمرت حتى الخامسة، هي وغزوة بني قريظة، كما رجحناه، أو كانت في السنة الخامسة ولو كان أبو رافع حيا في غزوة الخندق، لكان المناسب ان يذكر مقتله، بعد الخندق، لا بعد أحد، فراجع ولاحظ كلماتهم هل كان أبو الاعور في الخندق ؟ !: وقد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: ان ابا الاعور السلمي كان قائد بني سليم في غزوة الاحزاب ضد المسلمين (3) ولكن الظاهر هو صحة ما ذكره الواقدي وغيره، من ان ابي الاعور السلمي هو الذي حضر مع الاحزاب في حرب الخندق (4) ويدل على ذلك: قول قيس بن سعد للنعمان بن بشير: انه لم يكن مع معاوية غيره وغير صويحبه مسلمة بن مخلد (5) كما سيأتي، فلو كان أبو


(1) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 182 والكامل في التاريخ ج 2 ص 146. (2) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 148 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 183 (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 197 ومجمع البيان ج 8 ص 340 ونهاية الارب ج 17 ص 180 وبحار الانوار ج 20 ص 197 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 والاكتفاء ج 2 ص 159 (4) راجع المغازي للواقدي ج 2 ص 444 وامتاع الاسماع ج 1 ص 218 (5) صفين للمنقري ص 449 (*)

[ 46 ]

الاعور صحابيا لم يصح قول قيس هذا. فيظهر ان الراوي أو الناسخ قد اسقط كلمة (أبا) الاولى، إما اشتباها أو سهوا، أو لحاجة في نفسه قضاها. والذي نخشاه هو ان يكون هذا الاسقاط قد جاء لخدمة هدف سياسي من نوع ما، كأن يكون هو دعوى ان ابا الاعور قد لقي النبي صلى الله عليه واله وسلم ورآه، وذلك بهدف الايحاء بصحة دعوى كون ابي الاعور من الصحابة، وذلك تدعيما لموقف معاوية بتكثير عدد الصحابة معه، وايجاد شبهات حول بغيه على امام زمانه. ولكن مراجعة كتب الرجال والتراجم توجب المزيد من الشك والريب في هذا الامر، فقد قال العسقلاني: " قال ابن ابي حاتم، عن ابيه: أدرك الجاهلية، ولا صحبة له وحديثه مرسل. وتبعه أبو احمد العسكري. وذكره البخاري في من اسمه عمر. ولكن لم يذكره في الصحابة.. إلى ان قال: وقال ابن حبان: في ثقات التابعين، يقال له صحبة " (1) ونقل ابن منظور عن ابن عساكر قوله: " يقال: له صحبة. ويقال: لا صحبة له " (2)


(1) الاصابة في تمييز الصحابة ج 2 ص 540 وج 4 ص 9 وراجع: اسد الغابة ج 4 ص 109 وج 5 ص 138 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة ج 4 ص 14) (2) مختصر تاريخ دمشق ج 19 ص 218 (*)

[ 47 ]

توثيق أبي الأعور ! !: والذي يلفت نظرنا هنا هو توثيقهم لابي الاعور (1)، رغم تصريحهم بانه كان أشد من عند معاوية على علي عليه السلام. وكان علي عليه السلام يدعو عليه في القنوت في آخرين (2) بل لقد قال ابن الاثير: " كان من اعيان اصحاب معاوية، وعليه كان مدار الحرب بصفين " (3) فمقام ابي الاعور لدى معاوية وخدماته لعرش الشام وضديته مع علي عليه السلام قد جعل الكثيرين ممن يسيرون في هذا الاتجاه يهتمون بصياغة الفضائل له، لانها ستكون في نهاية الامر فضائل لمعاوية نفسه. ولعلهم أرادوا ان يلبسوه ثوب الصحبة لرسول الله (صلى الله عليه واله) من أجل تكثير الصحابة عند معاوية، بهدف ايجاد شبهات حول بغيه على إمام زمانه، كما قلنا وقد تعودنا من هذا النوع من الناس محاولات من هذا القبيل، تهدف إلى تقليل عدد الصحابة مع علي عليه السلام، وزيادتهم مع خصومه، حتى ليروون عن الشعبي انه قال: " من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر إلا اربعة فكذبه. كان علي وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية " (4)


(1) الاصابة ج 2 ص 540 و 541، ونهاية الارب ج 17 ص 167 (2) راجع: اسد الغابة ج 2 ص 138 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 14 (3) اسد الغابة ج 4 ص 109 (4) العقد الفريد ج 4 ص 328 (*)

[ 48 ]

ويظهر أن أمير المؤمنين عليه السلام واصحابه قد التفتوا إلى هذا الامر ولذلك نجدهم يتحدثون عن حضور الصحابة معهم، ويعطون ارقاما دقيقة في هذا المجال فقد رووا: أن ناسا من قراء أهل الشام لحقوا بعلي عليه السلام فقال عمرو بن العاص لمعاوية عن علي عليه السلام في جملة كلام له: " وإنه قد سار إليك باصحاب محمد صلى الله عليه المعدودين، وفرسانهم، وقرائهم، واشرافهم، وقدمائهم في الاسلام، ولهم في النفوس مهابة الخ.. ". فجمع معاوية أجناد أهل الشام وخطبهم، فبلغ عليا عليه السلام ذلك، فامر الناس فجمعوا. قال أبو سنان الاسلمي: " وكأني أنظر الى علي متوكئا على قوسه، وقد جمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه عنده، فهم يلونه و [ كأنه ] أحب أن يعلم الناس: أن اصحاب رسول الله متوافرين عليه، فحمد الله ثم قال الخ (1) " وقال سعيد بن قيس في خطبة له: " وقد اختصنا الله منه بنعمة فلا نستطيع أداء شكرها، ولا نقدر قدرها: أن اصحاب محمد المصطفين الاخيار معنا، وفي حيزنا. فوالله الذي هو بالعباد بصير: أن لو كان قائدنا حبشيا مجدعا إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا الخ " (2) ويقول الاشتر في صفين: " وانتم مع البدريين، قريب من مائة بدري، ومن سوى ذلك من اصحاب محمد صلى الله عليه " (3)


(1) صفين للمنقري ص 222 و 223 (2) صفين ص 236 (3) صفين ص 238 (*)

[ 49 ]

وقد كان لهم اثر عظيم في الحرب ولا سيما الانصار منهم كما اعترف به معاوية فراجع (1) وقد قالوا: كان مع علي عليه السلام ثمان مئة رجل ممن بايع النبي (صلى الله عليه واله) تحت الشجرة وعن سعيد بن جبير: كان مع علي رضي الله عنه يومئذ ثمان مئة رجل من الانصار، وتسعمائة ممن بايع تحت الشجرة وعن الاعمش: كان معه ثمانون بدريا. وثمان ماءة من اصحاب محمد (صلى الله عليه واله) (2) وقال الزبير بن بكار: شهد صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام من اهل بدر سبعة وثمانون رجلا، منهم سبعة عشر رجلا من المهاجرين وسبعون من الانصار. وأما من باقي الصحابة فكان معه الف وثمان مئة، منهم تسعون رجلا بايعوا رسول الله (صلى الله عليه واله) تحت الشجرة " (3) ويعترف معاوية بان المهاجرين والانصار كانوا مع علي عليه السلام، فهو يقول لابن عباس: " فاذكروا علي بن ابي طالب ومحاربته إياي، ومعه المهاجرون والانصار، الخ.. " (4)


(1) صفين ص 445 - 449 (2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 450 (3) تذكرة الخواص ص 81 / 82 وراجع: المعيار والموازنة ص 22 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 104 والغدير ج 10 ص 163 عن بعض المصادر الاخرى (4) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 239 (*)

[ 50 ]

وقال قيس بن سعد للنعمان بن بشير: " انظر اين المهاجرون والانصار والتابعون باحسان، الذين رضي الله عنهم، ثم انظر، هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك الخ " (1). والمراد بصويحبه: مسلمة بن مخلد آية سورة النساء متى وفيمن نزلت: لقد تحدثت النصوص التاريخية المتقدمة عن قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله، فلن تجد له نصيرا. أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا. أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله الخ " (2) فذكرت ان هذه الايات قد نزلت في هؤلاء اليهود الذين ذهبوا إلى مكة، وإلى سائر القبائل ليحرضوهم على قتال النبي (صلى الله عليه واله) فجمعوا الجموع، وحزبوا الاحزاب، فكانت غزوة الخندق. ونقول: إننا نشك في أن تكون هذه الاية قد نزلت في هذه المناسبة وذلك لما يلي: 1 - هناك روايات تقول: إن هذه الاية قد نزلت في مناسبة اخرى سبقت غزوة الخندق. وذلك لما ذهب كعب بن الاشرف إلى


(1) صفين ص 449 وراجع ابتداء من ص 445 (2) سورة النساء / 51 - 54 (*)

[ 51 ]

قريش، يحرضهم على غزو المسلمين، فسألوه عن أن أي الفريقين أهدى، فأجابهم بما يقرب مما سبق، وذكروا ايضا انهم طلبوا منهم أن يسجد لاصنامهم، ليطمئنوا إلى أنه لا يمكر بهم. ففعل، مجاراة لهم وظاهر بعض النصوص الاخرى أن هذه الايات قد نزلت في مكة قبل الهجرة حيث ذكرت نزول سورة الكوثر في هذه المناسبة ايضا، وهي انما نزلت قبل الهجرة (1) إلا أن يقال: إنها مما تكرر نزوله 2 - قيل: كان أبو برزة كاهنا في الجاهلية، فتنافس إليه ناس ممن اسلم، فنزلت الاية. عن عكرمة (2)


(1) الدر المنثور ج 2 ص 171 - 173 عن الطبراني، والبيهقي في الدلائل عن عكرمة عن ابن عباس. وعن سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن ابي حاتم، عن عكرمة مرسلا. وعن احمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ابي حاتم عن ابن عباس. وعن عبد الرزاق، وابن جرير عن عكرمة. وعن ابن جرير عن مجاهد. وعن عبد بن حميد، وابن جرير عن السدي، عن ابي مالك. وعن البيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه عن جابر عن عبد الله. وعن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ابي حاتم عن قتادة والجامع لاحكام القرآن ج 5 ص 249 ومجمع البيان ج 3 ص 59 والتفسير الكبير ج 10 ص 128 والتبيان ج 3 ص 223 و 224 و 225 والبحر المحيط ص 271 والنهر الماد من البحر (مطبوع بهامش البحر المحيط) ج 3 ص 271 والكشاف ط دار الفكر ج 1 ص 532 وجامع البيان ج 5 ص 85 و 86 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 513 وفتح القدير ج 1 ص 478 و 479 وتفسير الخازن ج 1 ص 368 ومدارك التنزيل للنسفي (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 1 ص 369 (2) مجمع البيان ج 3 ص 59 (*)

[ 52 ]

توضيح وتصحيح: ان القصة التي يحكيها المؤرخون قد فرضت وجود فريقين هما: جماعة اليهود، والمشركون. وقد سأل المشركون اليهود عن الاهدى هم ؟ أم المسلمون ؟ فأجابهم اليهود: انتم اولى بالحق. مع ان الاية تفرض الفريقين يتحدثان عن فريق ثالث اشير إليه بقولهم: هؤلاء اهدى من الذين آمنوا سبيلا. أي ان اليهود قالوا للمشركين: هؤلاء أهدى، ولم يقولوا لهم: انتم اهدى. فلا ينطبق مدلول الاية على روايات المؤرخين، سواء رواية كعب بن الاشرف، أو حيي بن اخطب، أو رواية ابي برزة الانفة الذكر إلا أن يقال: في الاية التفات من الخطاب بالضمير إلى الاشارة بكلمة. هؤلاء. والالتفات موجود في القرآن والنكتة المسوغة لهذا الالتفات هي: أن الله سبحانه قد قال: " ويقولون للذين كفروا " فجاء بصيغة المضارع ليفيد ان هذا النهج في التعامل مستمر في هذا النوع من الناس. وليست القضية قضية مضت وذهبت، قد يكون لها ظروفها ومبرراتها، فلا تمثل خطا مستمرا لهؤلاء الناس فلما عبر تعالى عما حدث بصيغة المضارع، فانه لم يعد بالامكان أن يقول: " أنتم أهدى "، لان الخطاب لما صار فعليا فيحتمل فيه ان يكون موجها لهؤلاء الناس الذين يسمعون الاية من النبي (صلى الله عليه واله)، ويخاطبهم (صلى الله عليه واله) بها، ويحتمل ان يكون خطابا للكافرين ايضا

[ 53 ]

فهو من قبيل ما لو قلت لرجل: زيد قال لعمروا: انت رجل فاسق، فكلمة انت رجل فاسق يحتمل فيها ان تكون موجهة لمخاطبك انت، ويحتمل ان تكون موجهة لعمرو إذن، فلا بد في الاية من التصرف في خطاب أولئك الناس والاتيان بالمضمون بطريقة تدفع هذا الالتباس. وهكذا كان، فانه تعالى استخرج مضمون كلامهم وهو ان هؤلاء اي الكفار المشركون الذين خاطبهم اهل الكتاب (وهم غير من يخاطبهم النبي بالقرآن فعلا)، أهدى من المؤمنين فاتضح ان الاية لا تنافي سياق الحدث التاريخي الذي هو مورد البحث تحريض اليهود: لقد رأى اليهود عن كثب كيف ان المسلمين يزدادون قوة ويزداد الاسلام انتشارا باستمرار ويرون ان نفوذهم كمصدر وحيد للمعارف بدأ ينحسر ويتلاشى وها هو الاسلام ينتقد ما يدعيه اليهود من ذلك ويفنده، ويبين الصحيح من المزيف منه. وهو بذلك يزلزل مكانتهم، ويفقدهم الشئ الذي كانوا ولا يزالون يعتزون ويفتخرون ويتسامون به على الناس ويبطل مزعمتهم بانهم شعب الله المختار، ويرفع شعار: " ان اكرمكم عند الله اتقاكم " ولا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى. فاحترقت قلوبهم يالغيظ وطفحت بالحقد. وتآمروا على هذا الدين ونقضوا عهودهم التي قطعوها على أنفسهم، وجروا على أنفسهم

[ 54 ]

البلاء والعناء. وكانت واقعة بني قينقاع، ثم واقعة بني النضير. وهم يريدون ان يأخذوا بثأرهم حسب زعمهم. ولكنهم يدركون عجزهم عن ذلك بانفسهم، فالتجأوا الى تأليب قريش والعرب الموتورين من الاسلام، والطامعين بتحقيق مكاسب مالية وغيرها من حرب كهذه. ويقول القاضي النعمان ما ملخصه: إن يهود المنطقة، وهم أهل نعم واموال، واصحاب رياسة، قد ازعجهم انتشار الإسلام، لانهم رأوا أنهم يفقدون هيمنتهم على المنطقة وعلى اهل الشرك الذين يكذبون بالبعث، فجحدوا رسول الله وشككوا الاخرين ما امكنهم بنبوته. فلما كان من أمر أحد ما كان ندموا على عدم المساعدة على حرب محمد، لأنهم رأوا أنها كانت فرصة. ولو أقام المشركون على الحرب لظفروا بالمسلمين فأرسلوا إلى أبي سفيان ووعدوه النصر، فوجد انها فرصة. وطلب منهم ان يعلنوا للناس بتكذيب محمد، لأن الناس يركنون إليهم، لأنهم أهل كتاب. فمضى وجوههم وساداتهم الى مكة، وشهدوا للمشركين بأنهم أهدى من محمد سبيلا، فوثقوا بهم، ومشوا معهم الى قبائل العرب ليقنعوهم بحرب محمد (صلى الله عليه واله) واستأصاله، وتعاقدوا على ذلك الخ (1) الداء الدوي: قد اتضح مما تقدم: أن اليهود كانوا هم الذين خططوا لحرب الخندق، واتصلوا بقريش وبغطفان، وسائر القبائل، وحرضوهم،


(1) شرح الاخبار ج 1 ص 288 - 291 (*)

[ 55 ]

وشجعوهم، وساعدوهم على التفاهم والإتفاق ثم المبادرة الى غزو النبي محمد، والمسلمين في المدينة وبذلوا لهم من اموالهم ثلث ثمار خيبر أو اكثر من ذلك. وقد بدا واضحا من سير الأحداث ان اليهود أشد حقدا وحنقا على الاسلام والمسلمين. وانهم رغم كل الايات والحقائق التي كانوا يعرفونها ويشاهدونها لم يستطيعوا ان يتفاعلوا مع هذا الدين، ولا تذوقوا طعم الايمان به. إلا أفراد قليلون منهم وفقهم الله لنيل هذه الكرامة والفوز بهذا الشرف العظيم من امثال مخيريق الشهيد السعيد رحمة الله تعالى عليه ورضوانه. ثم إنهم منذ دخل الاسلام الى المدينة لم تجتمع لهم هم كلمة على حربه، لأنه دخل قويا عزيزا بتحالقه مع القبائل ذات النفوذ في المنطقة، ولا سيما الاوس والخزرج. ثم من عقد النبي (صلى الله عليه واله) تحالفات معهم بين الحين والاخر. ولم يزل اليهود في موقع الضعف والهوان في قبال عز الاسلام ومنعته، ونفوذه وشوكته. فالتجأوا منذ اللحظة الأولى إلا مناوأته بأساليب التأمر والغدر والخيانة، وإذكاء الفتن، وإثارة النعرات العرقية وغيرها، وكان هذا هو السبيل الذي اختاروه لأنفسهم، بعد أن صدوا عن سبيل الله، واتخذوا آيات الله هزوا. أما المشركون فانهم حين يستجيبون لليهود، فانما يستجيبون لانقاذ سمعتهم، واستعادة هيبتهم التي اهتزت واصيبت بنكسة قوية بسبب تخلفهم عن بدر الموعد. لدواعي حقد دفين يعتل في نفوس الكثيرين منهم. أو إلى نوازع الطمع والجشع وحب الحصول على شئ من حطام الدنيا كتمر خيبر، لدى كثيرين آخرين، كما ويستجيب

[ 56 ]

فريق آخر لنداء الشيطان، الذي يزين لهم أعمالهم ويعدهم ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فيصرون على الجحود وعلى الإستكبار والعتو والعلو. وإن ربك لبالمرصاد. ولكن حين يفرض الايمان والاسلام نفسه عليهم، فانك تجد الامر لا يصل في صعوبته وتعقيده إلى الدرجة التي نجدها عند اليهود رغم وضوح الامر لدى اليهود، حتى إنهم ليعرفون هذا النبي كما يعرفون ابناءهم، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وليس الامر بالنسبة للمشركين كذلك، إلا انهم يرون المعجزات والكرامات، ويقيم صلى الله عليه واله وسلم عليهم الحجة، حتى لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة. هذا، ومن المضحك المبكي هنا: أننا نجد اليهود يريدون ان ينتصروا على محمد والمسلمين بواسطة قريش والقبائل العربية، وقريش تريد ان تحقق هذا الهدف بالذات بالافادة من خيانة اليهود، ومساعدة قبائل غطفان وغيرها. أما غطفان وغيرها من القبائل العربية فتريد الحصول على المال ولكن بالاعتماد على جهد القريشي وكيد اليهودي. ولم يكن اهتمامهما باستئصال شأفة الاسلام والمسلمين يصل الى درجة اهتمام قريش واليهود بذلك - كما ربما يظهر من بعض المؤلفين أهداف الحرب اما اهداف الحرب فهي كما يظهر من كلامهم السابق استئصال محمد ومن معه، ولكننا إذا اردنا تحديد ذلك بدقة، فاننا نقول: لقد حدد علي عليه السلام هدف الاحزاب والعرب من الحرب وقال: " إن

[ 57 ]

قريشا والعرب تجمعت، وعقدت بينها عقدا وميثاقا، لا ترجع من وجهها حتى تقتل رسول الله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب " (1) ونعتقد: أن هذا الكلام هو الاقرب والانسب فيما يرتبط بتحديد الهدف الاقصى للحرب، فان كلامهم المتقدم في النصوص التي اوردناها، وان كان ينص على استئصال محمد ومن معه، إلا ان استئصال جميع من مع النبي من الاوس والخزرج، وسائر قبائل العرب لن يكون سهلا ولا ميسورا لهم. ولا يمكن لهم ان يقدموا على اذكاء نار قد لا يمكنهم اطفاء لهيبها على مدى اجيال ولسوف ينالهم منها الشئ الكثير والخطير كما هو معلوم.. اما قتل محمد وبني عبد المطلب، فهو الاسهل والايسر، وبه يتحقق المطلوب، ولماذا يذهبون الى ابعد من ذلك ؟ ! غير ان من الواضح: ان هذا لن يقنع اليهود، لان هدفهم هو استئصال محمد وجميع من معه. ولعل ذلك يفيدهم في اعادة بسط هيمنتهم ونفوذهم على يثرب وعلى المنطقة. اما غطفان وسائر القبائل فيهمها تمر خيبر بالدرجة الاولى، اما استئصال محمد والمسلمين فلا ترى فيها اية سلبية، بل هو امر محبوب بالنسبة إليها ومطلوب الأحقاد هي المحرك قد قرأنا فيما سبق: ان اليهود يقولون للمشركين: " جئنا


(1) الخصال - باب السبعة - ج 2 ص 368 والبحار ج 20 ص 244 وشرح الاخبار ج 1 ص 287 والاختصاص ص 166 / 167 (*)

[ 58 ]

لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله ". فأجابهم أبو سفيان: " مرحبا واهلا، احب الناس إلينا من اعاننا على عداوة محمد ". والذي نريد ان نلفت النظر إليه هنا، هو ان هؤلاء الناس لم يكلفوا انفسهم حتى تلطيف عباراتهم، وعقلنة تصريحاتهم. بل اظهروا كل ما يضمرونه من سوء دونما رادع من خلق، أو وازع من عقل أو شرف أو منطق فلم يقولوا لاهل مكة مثلا: اننا جئنا لاجل ان نتدارس الامور، بموضوعية وانصاف، ثم بحكمة وبمسؤوليه، واضعين في حسابنا الحفاظ على المصالح الاجتماعية العامة، وتوفير الامن والاستقرار للناس، وتجنيبهم مأسي الحروب وسلبياتها على جميع الاصعدة، وفي مختلف الاتجاهات، واعطاء الناس الفرصة لبناء حياتهم بناء سليما، ثم الاعداد لمستقبلهم، في ظلال من السلام والامن، وفراغ البال واطمئنان الخاطر كما انهم قد اخفوا ما يضمرونه من الطموح الى تحقيق مكاسب سياسية، وامتيازات على صعيد النفوذ والهيمنة على المنطقة، أو فيما هو اوسع منها ولم يعترفوا ايضا: ان مصالحهم الدنيوية، وما فيها من اموال وتجارات ومواقع ومناصب، ولذائذ لها دور في اندفاعهم الى حرب محمد ومن معه، لظنهم انهم سوف يخسرون الكثير مما سيتأثرون به لانفسهم على حساب غيرهم من الناس المستضعفين والمحرومين بل غاية ما صرحوا به هو ان دافعهم ليس الا الاحقاد والضغائن، والعداوات الباطلة، والبغي والحسد، بل مبرر ظاهر سوى انهم لا يريدون لهؤلاء الناس ان يقولوا: ربنا الله، وليس الحجارة

[ 59 ]

ولا يريدون ان يتخذوا الطواغيت اربابا من دون الله وصدق الله تعالى حيث يقول: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا " (1) يريدون ليطفئوا نور الله سبحانه: قد عرفنا: ان اليهود امنا قدموا مكة ليتحالفوا ويتعاقدوا مع المشركين على استئصال محمد (صلى اله عليه واله) ومن معه حسب زعمهم، حيث قالوا لقريش: " نحن معكم حتى نستأصل محمدا " أو " سنكون معكم حتى نستأصله ومن معه " كما انهم وهم يقررون ما ينعاقدون عليه، قالوا: " ولتكون كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل " وذلك يعني: أ - ان هدفنا المعلن هو استئصال شأفة الاسلام والمسلمين 2 - انهم مصممون على تحقيق هذا الهدف باسلوب الحرب حتى آخر رجل منهم 3 - ان هذه المبادرة منهم قد جاءت عن طريق خيانتهم لعهودهم ومواثيقهم التي كانوا قد ابرموها مع نفس الذي يريدون استئصالهم مع العلم بان ذلك الطرف لم يزل وفيا بعهده حافظا لمواثيقه معهم، ولم يحدث ان خان أو تردد في عهد مع اي فريق منهم. ولم يسئ إليهم ولا الى غيرهم بشئ الا ما يجرونه هم على انفسهم بخياناتهم المتتالية


(1) سورة المائدة الاية 82 (*)

[ 60 ]

وهم يرتكبون هذه الخيانة رغم انهم قد راوا بأم اعينهم عواقب خيانة بني قينقاع، ثم خيانة بني النضير، واكثرهم نضيريون - كما تقدم 4 - ان مبرر هذا الاجرام العظيم والبشع هو مجرد الحسد والحقد منهم. بالاضافة الى مكاسب سياسية، واجتماعية وغيرها يحلمون بتحقيقها على مدا البعد من خلال فرض هيمنتهم على المدينة وعلى غيرها بصورة وباخرى فلم يكن الهدف عقيديا ولا انسانيا ولا اخلاقيا. بل هم قد داسوا باقدامهم الانسانية والخلاق وحتى مبادئهم وعقيدتهم التي يدعون انهم ينتسبون إليها وهذا هو منتها الاسفاف، وغاية التردي في حماة الجريمة والبغي الايمان والمواثيق لا تجدي: وبعد، فان الملفت للنضر هنا اننا نجد اليهود يفقدون صفة الاخلاقية والمبدئية في مواقفهم، وفي مجمل تحركهم في مواجهة الاسلام والمسلمين. وكذلك نجد المشركين خصوصا ابا سفيان لا يختلف عن اليهود في ذلك.. فابو سفيان يحاول ان يخدع قومه في حركته الهادفة الى دفعهم الى مواجهة الاسلام، حيث ان اليهود يتصلون به اولا، ثم يتفق معهم على دعوة الناس الى استئصال النبي، وحين يطلبون ذلك من الناس علنا يظهر أبو سفيان بمظهر من يسمع هذا الكلام لاول مرة ! ! ثم انهم يصرحون بانهم جاؤا للتحالف على العداء لمحمد، فلم

[ 61 ]

يكن هذا المجئ. لمحاولة فهم دعوة هذا الرجل، والتعامل معه ومعها بانصاف وبموضوعية، وتعقل وتدبر كما أسلفنا كما انهم يفضلون الاتصال اولا بابي سفيان، ولم يكن المبرر لذلك الا انهم يعلمون بعدواته لرسول الله، وتسرعه لقتاله، فهم يريدون إذن توظيف حالة الحقد غير المسؤول لدى ابي سفيان، وحالة التسرع اللاواعي عنده لصالح تحقيق الاهداف التي يرمون الى تحقيقها أضف إلى ما تقدم: انهم لا يتورعون عن ارتكاب جريمة النضليل الاعلامي والتعليمي، ومخالفة قناعاتهم، وحتى اصول دينهم في هذا السبيل، فهم يقررون للمشركين أن الشرك أهدى من التوحيد وأن دعوى الجاهلية خير من الهدي الإلهي هذا كله عدا عن استخدامهم المال ايضا كوسيلة لتحريك بعض الفئات لحرب محمد (صلى الله عليه واله) ومن معه وإذا صحت الرواية التي تقول: إن ابا سفيان قد طلب من اليهود ان يسجدوا للاصنام لان قريشا خافت من مكرهم، فاستجاب اليهود وسجدوا للاوثان. وكذلك فعل كعب بن الاشرف ومن معه، حين جاؤا في مرة سبقت حرب الخندق لتحريض المشركين على حرب محمد - إذا صح ذلك - فان الامر يصبح في غاية الوضوح، حيث يكون اليهود قد أسقطوا عن وجوههم جميع الاقنعة، وتجاوزوا كل حد، وكل الارقام القياسية في سحق المثل والقيم، والمبادئ الاخلاقية والانسانية وأثبتوا أنهم وصوليون بكل ما لهذه الكلمة من معنى.. والغريب في الامر: أننا نجدهم يعتمدون على الايمان والمواثيق

[ 62 ]

لاحكام أمرهم مع المشركين، وللحصول على الحد الادنى من الاطمئنان والوثوق ببعضهم البعض. رغم انهم قد مارسوا - عمليا - أساليب من شأنها أن تنسف كل عوامل الثقة ولو بمستواها الاضعف والادنى.. وإلا، فهل يمكن أن يكون المشركون قد وثقوا باليهود لمجرد أنهم قد رأوهم يسجدون للاوثان ؟ ! وهل اعتقد المشركون: أن اليهود قد تركوا يهوديتهم، ودخلوا في الشرك ؟ ! وإذا كانت الاجابة بالنفي، فما معنى وثوقهم بأيمانهم ومواثيقهم ؟ ! وما معنى اطمينانهم إلى عدم مكرهم بهم، وخديعتهم لهم ؟ ! أليست نفس استجابتهم لطلب المشركين بالسجود للاوثان دليلا على انهم لا عهد، ولا ميثاق، ولا أيمان لهم ؟ بل هي دليل على انهم يخادعونهم ويمكرون بهم، ويريدون استخدامهم فيما يريدون بأية صورة كانت، وبأي ثمن كان ؟ ! ألم يدرك المشركون: أن وثوقهم باليهود استنادا إلى ذلك معناه انهم يخدعون انفسهم ؟ ! ويظهرون للملأ: انهم على درجة كبيرة من الرعونة والسذاجة ؟ ! 2 - ومما يزيد في ضراوة هذه الشكوك: اننا نجد اليهود، حين سألهم المشركون عن ذلك، قد طلبوا من المشركين ان يعرضوا عليهم دينهم ودين محمد، ليحكموا لهم أو عليهم فلما عرضوا ذلك عليهم أصدروا حكمهم لصالح دين

[ 63 ]

المشركين، وانهم اولى بالحق كما تقدم. والسؤال هنا هو هل صحيح ان اليهود كانوا لا يعرفون دين المشركين. الذين يعيشون بينهم ويتعاملون معهم منذ عشرات السنين ؟ ! وهل كان المشركون أعرف بأمر محمد (صلى الله عليه واله) وبدعوته، من اليهود، وهو يعيش بين ظهرانيهم، وقد عقدوا معه التحالفات وخاضوا معه الحروب، ولم يزل يدعوهم إلى دينه ويحتج عليهم وقد جاؤا ليحرضوا الناس على حربه واستئصاله ؟ ! 3 - والاغرب من ذلك ان يخطر ببال احد من المشركين وغيرهم: ان يجيب اليهود، الذي جاؤا للتحريض على استئصال محمد، بغير ما أجابوا به ! ! 4 - والاعجب من ذلك: أن يعتبر الشرك دينا يصلح للمقارنة مع ما جاء به النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم من عند الله تعالى تمر خيبر: بقي أن نشير أخيرا إلى هذا السخاء الذي تجلى في اليهود حتى جعلوا تمر خيبر سنة، أو نصفه كل سنة لغطفان لتوافق على المشاركة في الحرب ضد الاسلام ولا ندري ما هو الدافع لهم للاقدام على هذه الخطوة فهل كان هذا يستبطن غدرا ونقصا كما هو معروف عن اليهود أي انهم بعد ان يتخلصوا من عدوهم الاقوى والاخطر بنظرهم يرفضون الوفاء بما تعهدوا به لغطفان وهل فكرت غطفان في هذا الامر بصورة جدية وواقعية ؟ !

[ 64 ]

وما هو المبرر لهذه العداوة الراسخة من اليهود للاسلام ولنبي الاسلام ؟ ! وكيف نفسر هذا السخاء الذي لا نظير له من قوم لم نعرف عنهم الا المزيد من الحرص على المال وعلى الدنيا، والا الشح المزري، والبخل المشين ؟ ! هذا السخاء قد جاء من اجل استئصال أناس لم يروا منهم الا الوفاء والصدق، والنبل والالتزام بالقيم الانسانية والمثل العليا ! ! إن التفسير الوحيد المعقول لذلك هو انهم يشعرون ان الاسلام يمثل خطرا يتهدد دنياهم وامتيازاتهم، وهو يتناقض بصورة عميقة واساسية مع ما يفكرون به، ويخططون له من استغلال لثروات البلاد، واذلال واستعباد للعباد فلماذا إذا، لا يضحون ببعض المال من اجل ازاحة هذا الكاسبون الجائم على صدورهم، فإذا تمكنوا من ذلك، فانهم سوف يستقبلون الدنيا العريضة بكل ما لديهم من خطط ماكرة، واساليب شيطانية، تجعلهم يتحكمون بكل مقدارات الامم، ويهيمنون على كل نبضات الحياة فيها تأثير المال في تحزيب الاحزاب: وان من الواضح: انه لم يكن لقوى الكفر قيادة موحدة، ترسم الخطة، ثم تتخذ القرار، ثم تعمل على تنفيذه. بل كانت لهم قيادات متعددة ومختلفة، وذلك من شأنه ان يضعف امرهم، ويوهن وحدتهم، مع وجود فرص تساعد على القاء الخلاف فيما بينهم

[ 65 ]

واذكاء روح التنافس، واشاعة روح التشكيك ببعضهم البعض كما حصل لبني قريظة كما ان من البديهي: انه لم يكن بامكان كل قبيلة ان تستقل بعداوة محمد وقتاله. وكانت كل قبيلة تخشى من مواجهة المؤمنين وحدها. فكان لا بد من تفاهم القبائل فيما بينها لتحصيل اجماع على الاجتماع على قتال محمد وصحبه. فبادر اليهود الى العمل لتحصيل هذا الاجماع، على امل ان يحسموا الامر لمصالحهم، ويكونون بذلك قد تأثروا لانفسهم، وتصبح - من ثم - لهم هم الكلمة الاولى والاخيرة في المدينة على الاقل، ويكون لهم النفوذ والثأثير القوي في المنطقة باسرها.. ثم انه قد كان من جملة العوامل التي ساعدت على تجييش الجيوش وتحزيب الاحزاب، هو الوعود المالية السخية للناس، إذا نفروا لحرب المسلمين. حتى لقد رفض بنو مرة نصيحة الحارث بن عوف، إذ قد " غلب عليهم الشيطان، وقطع اعناقهم الطمع " (1) الارهاب الفكري والخداع للسذج وقد اظهر النص المتقدم ان قريش - والظاهر ان المقصود هو الزعماء منها - ارادة خداع السذج والبسطاء من الناس بالاستفادة من حالة الانبهار باهل الكتاب، التي كانت لدى عامة الناس في المنطقة العربية، التي كانت حين ظهور الاسلام تعاني من الجهل الذريع، الذي مكن لشياطين اهل الكتاب ان يصوروا لهم: انهم هم مصدر العلوم والمعارف، وهم المرجع الموئل والمفزع للناس فيما يهمهم من امور الدين، والمعارف الدينية


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 (*)

[ 66 ]

واستطاع اهل الكتاب ان يمسكوا بعواطف الناس، البسطاء والسذج والجهلة باستخدام طريقة التهويل والاحالة على الغيب الذي يضعف اقوى الناس امامه إذا كان يلامس مصيره ومستقبله بصورة أو اخرى والملفت هنا: ان يستغل زعماء قريش هذه الفرصة للاستفادة من هذا الانبهار من اجل سوق الناس بالالتجاه الذي يريدون، ويرون انه يتحقق لهم مأربهم، ويوصلهم الى اهدافهم الشريرة فيطلبون من الناس: ان يسألوا اليهود عن الاهدى من الفريقين: اهم بشركهم وضلالاتهم ؟ ام محمد (صلى الله عليه واله) وما جاء به من عند ربه من الهدى ؟ وياخذ أبو سفيان هنا زمام المبادرة ليلقي سؤاله بطريقة فنية وذكية، حينما ضمن كلامه خليطا من الامور التي ترضي آنئذ غرور الانسان العربي والقرشي على وجه الخصوص، بملاحظة طبيعة حياته، وعاداته وموقعه، ككونهم ينحرون الجزور الكوماء، ويسقون الحجيج، وكونهم عمار البيت، ثم هم يعبدون الاوثان فيفهم اليهود ما يرمي إليه ويناغمونه الكيد والتزوير. ويحكمون لهم بانهم اولى بالحق من محمد بالاستناد الى نفس ما اراد أبو سفيان ان يستندوا إليه والقى إليهم به الحارث بن عوف ينصح قومه: ويستوقفنا هنا ما قاله الحارث بن عوف لقومه، وهو ينهاهم عن المسير الى حرب محمد (صلى الله عليه واله)، فانها نصيحة مهمة تعبر عن ادراك حقيقي لما يجري، ثم هو يقيم الواقع بصورة متوازنة، وعاقلة، حيث

[ 67 ]

عبر لهم عن اعتقاده ان امر الاسلام ظاهر وغالب، ولو ناواه ما بين المشرق والمغرب لكانت له العاقبة ونعتقد: انه قد ادرك هذا الامر بحسن تقديره للامور، وهو يراقب ما يطرح هذا الدين للناس من مفاهيم وتشريعات، وما يمارسه من تدابير وسياسات تنسجم مع احكام العقل والفطرة السليمة، ومع الخلق السامي والنبيل ثم هو يرى الواقع السياسي، وكل التحولات التي تستجد على المنطقة بصورة مطردة ومستمرة، ويرى ان هذا الدين لا يزال ينتشر، ويتجذر، ويترسخ وتتنامى هيبته وتتأكد هيمنته، رغم كل الكيد الذي يواجهه به اعداؤه، وكل الحقد الذي يعامله به مناوؤوه عقدة بدر الموعد: وان الماح صفوان بن أمية الى ما جرى في بدر الموعد، ليدل دلالة واضحة على ان المسلمين قد سجلوا فيها نصرا مؤزرا للاسلام وهزيمة روحية وسياسية ساحقة لكبرياء الكفر والشرك ليس في مكة وحسب، وانما في المنطقة باسرها. ولكن من دون ان يكلف ذلك المسلمين أية تضحيات، بل هم قد ربحوا في تجاراتهم في سوق بدر، حسبما تقدم بيانه عيينة بن حصن والمعاني الانسانية: ربما يفهم من كلام البعض: ان الحارث بن عوف كان يرتبط مع النبي (صلى الله عليه واله) بجوار، لكنه اعتبره احسن تقية من عيينة بن حصن

[ 68 ]

ولعل السر في ذلك هو: ان الحارث، وان كان قد نقض الجوار، الذي قد يقال: انه يعني الالتزام بعدم الاعتداء، حفظا للجوار، مع ان البعض كالزهري، وبني مرة ينكرون ان يكون الحارث قد فعل ذلك، ويصرون على انه لم يحضر حرب الخندق الا ان عيينة قد زاد على ما فعله الحارث: انه لم يحفظ الجميل، بل جازى الاحسان إليه بالاساءة، ولكنها اساءة جاءت على درجة كبيرة من القبح، لانها تضمنت خروجا على كل الاعراف، والقيم، وحتى اعراف الجاهلية. فقد تقدم ان النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم كان قد سمح لعيينة، حينما اجدبت ارضه: ان يرعى في منطقة نفوذ وسيطرة وحاكمية الرسول صلى الله عليه واله وسلم، لينقذهم من الخطر الذي يتهددهم، ويساعدهم على التغلب على المشكلة الحياتية التي يعانون منها، رغم انهم كانوا يختلفون معه (صلى الله عليه واله)، من جهة انهم كانوا على شركهم وضلالهم. ففعل (صلى الله عليه واله) ذلك من دون اي مقابل، ودون ان يسجل لنفسه اي امتياز وقد عرف عن العرب انهم يعتزون ببعض المعاني التي يرون فيها شيئا من القيمة، مثل: حسن الجوار، وحفظ الجوار، والوفاء بالعهد، ومقابلة الاحسان بمثله. ويعتبرون ذلك هو الرصيد الذي يؤهلهم لاحتلال مواقع اجتماعية متميزة، حتى إذا ما تبين لهم ان احدا لا يملك شيئا من هذا الرصيد، فانه يبوء بذل العمر، وعار الدهر، وهو عندهم ساقط ومرذول، أو هكذا زعموا ولكن الامور عند هؤلاء الناس قد انعكست الآن، حيث اصبح العداء للاسلام ولنبي السلام هو العمل الصالح عندهم الذي يبيح لهم كل محرم، وتتهاوى وتسقط معه كل قيمهم ومثلهم، التي يعتزون بها،

[ 69 ]

ويعطون الاوسمة والامتيازات من خلالها وعلى اساسها فنقض العهود، وخفر الجوار، والاساءة لمن احسن، وكل خزي وعار لم يعد مهما عندهم إذا كان ذلك في قبال محمد (صلى الله عليه واله) وضد الاسلام والمسلمين. بل ان هذه المخازي قد اصبحت اوسمة لهم، ومن دواعي تأكيد شخصيتهم، وبسط هيمنتهم بزعمهم والا، فكيف نفسر احتفاظ عيينة بن حصن، وكثيرين من امثاله بمواقعهم الاجتماعية، وهم قد اثبتوا اكثر من مرة انهم لا يملكون شيئا، من هذه المعاني التي قبلها العرب، وتبنوها، وتغنوا وافتخوا بها وقبل ان نخلص الى نهاية القول: نقول: ان من الطبيعي للانسان الذي يحتفظ بميزاته وخصائصه الانسانية ان يشعر بالامتنان تجاه من يحسن إليه، ويشعر بالاحترام والتقدير تجاه من يحسن جواره وكذلك تجاه من يتعامل معه بطريقة اخلاقية وانسانية، حتى ولو كان يختلف معه في الرأي، وفي العقيدة والدين. فإذا أراد أن يكون له موقف يختلف عن هذا، فلا بد أن يتناقض اولا مع نفسه، ويقوم صراع حاد مع تلك الخصائص النبيلة، ولن يكون قادرا على اتخاذ ذلك الموقف إلا بعد أن يتم التغلب عليها وقهرها وتختلف صعوبة اتخاذ القرار، والموقف هذا باختلاف درجات البشاعة والشين فيه، إلا إذا فرض: أن تلك المعاني الانسانية قد تناهى بها الضعف، بسبب ممارسات سابقة، حتى بلغت درجة فقدت معها تأثيرها وفاعليتها. واصبح الانسان بذلك على درجة كبيرة من الصلف واللا مبالات، والوقاحة، وتحول إلى مجرم محترف، لا يبالي أي شئ يرتكب ويقترف، كما كان الحال بالنسبة لعيينة بن حصن، الذي

[ 70 ]

هو موضع البحث واخيرا، فان عيينة بن حصن هذا هو الذي يروى أن النبي وصفه بالاحمق المطاع، وكان من المؤلفة قلوبهم، وقد ارتد عن الاسلام بعد ذلك، وقاتل تحت قيادة طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة. فلتراجع ترجمته في كتب الرجال والتراجم شك المشركين: والملفت للنظر هنا: اننا نجد المشركين يشكون في صحة ما هم عليه، كما ان طلب ابي سفيان من اليهود تصديق ما هم عليه يشير الى طغيان هذه الشكوك إلى درجة كبيرة حتى احتاجوا الى تسكينها وطمأنة الناس وتثبيتهم

[ 71 ]

الفصل الثاني: الخندق في خطة الحرب والدفاع

[ 73 ]

المفاجأة 1 - إن معرفة الانسان بعدوه تجعله أقدر على التعاطي معه من موقع القوة والحزم، من خلال ما تهئ له تلك المعرفة من قدرة على رسم الخطة السليمة، ثم التنفيذ الدقيق والواعي ولا تقتصر هذه المعرفة المؤثرة على معرفة عناصر الضعف والقوة في العدة وفي العدد، وسائر النواحي العسكرية، والامتيازات الحربية. بل تتعداها إلى الاشراف على خصائص شخصية العدو والمعرفة بطبائعه، واخلاقياته، ومبادئه ومفاهيمه، وعاداته وتقاليده ومستواه الفكري والعلمي، وما إلى ذلك، مما له دور وتأثير في اتخاذ القرار العسكري، أو تسجيل الموقف على الصعيد السياسي، أو التعامل في مجال السلوك. وهكذا على كافة الصعد. ثم انعكاسات ذلك كله على التحرك باتجاه حشد الطاقات، ورسم الخطط، والاعداد والاستعداد للمواجه والتصدي فان التعامل مع العدو الذي يلتزم بالعهود والمواثيق، يختلف عنه مع من عرف أن من طبيعته الغدر، وعدم الوفاء. كما أن التعامل مع من يلتزم بعهده لدوافع دينية وعقيدية ومبدئية يختلف عن التعامل مع من يلتزم بذلك لدوافع اخرى... وهكذا الحال في سائر النواحي ومختلف المواضع والمواقع

[ 74 ]

2 - ونبينا الاكرم صلى الله عليه واله وسلم كان يعرف تماما حقيقة ما يفكر به المشركون، واليهود والمنافقون، وسائر القوى التي تحيط به. ثم هو يعرف طبيعة تركيبتهم السياسية، والاجتماعية وواقعهم الثقافي والاقتصادي. ثم هو يعرف نهجهم، واساليبهم وطموحاتهم وطريقتهم في الحياة وقد اثبتت له التجربة الحسية في اكثر من موضع وموقع ما ينطوون عليه من غدر وخيانة، ومن روح أنانية وتآمرية حاقدة وشريرة وغير ذلك من اوضاع وحالات وهذا الواقع العدائي، والروح التآمرية، وتلك الاعمال الخيانية التي كانت تهيمن على اعداء الله والانسانية، قد فرضت على النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم والمسلمين أن يعيشوا حالة الحذر القصوى، فكان أن بث رسول الله (صلى الله عليه واله) عيونه وارصاده في طول البلاد وعرضها في الجزيرة العربية، هذا بالاضافة إلى ما كان يلمسه (صلى الله عليه واله) من التسديد بالوحي والالطاف الالهية به (صلى الله عليه واله) وبالمسلمين في الفترات الحرجة، والخطيرة وهذا ما يفسر لنا ما نشهده من معرفة النبي التامة بواقع ما يجري حوله، فلم يكن ليفاجئه امر داهم، بل كان هو الذي يفاجئ أعداءه ويباغتهم. إما يسبقه لتوجيه الضربة الاولى لهم، وإما بمواجهتهم بالخطة التي تبطل كيدهم، وتفشل مؤامراتهم، ومكرهم السئ، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله وهذا بالذات هو ما حصل في حرب الخندق، حيث فاجأ المشركين بحفر الخندق حول المدينة، وتحصين سائرها، الامر الذي احبط خطتهم، وتسبب لهم بالفشل الذريع، والخيبة القاتلة والمريرة

[ 75 ]

3 - أما معرفة اعداء النبي بالنبي (صلى الله عليه واله) فهي تختلف في مضمونها، وفي آثارها ونتائجها عن معرفته بهم، فانهم وان كانوا يعرفون نبوته وصدقه وامانته، ولا يشكون في حقانية ما جاء به إلا انه يجهلون الكثير الكثير من آثار الاسلام، والايمان، ولا يعرفون الكثير عما يحدثه الالتزام بتعاليمه وشرائعه من تغييرات عميقة في فكر وروح الانسان وفي شخصيته، وفي كل وجوده نعم، انهم يعرفون صدق هذا النبي، وصحة نبوته، وحقانية ما جاء به، إلى درجة أن اليهود يعرفونه كما يعرفون ابناءهم، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل أما المشركون، فقد عاش النبي (صلى الله عليه واله) بينهم، وعرفوه طفلا ويافعا، وشابا ومكتهلا، وهم الذين سموه بالصادق الامين. ورأوا منه الكثير من المعجزات والكرامات والخوارق. وعاينوا وسمعوا منه من الحجج ما يقطع كل عذر، ويزيل كل شبهة وريب، حتى لم يعد امامهم الا البخوع والتسليم، أو الاستكبار والجحود على علم فالزموا انفسهم بالخيار الثاني، كما حكاه الله تعالى عنهم: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " فكال من نتيجة ذلك: أن أصبح محض الحق، يواجه محض الكفر والجحود وظهر بذلك صحة قوله (صلى الله عليه واله) حين برز علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود الذي وضع المشركون فيه كل آمالهم: " برز الايمان كله إلى الشرك كله " ولا عجب بعد هذا إذا تعاون أهل الشرك والاوثان، مع اليهود مدعي التوحيد. بل لا عجب إذا رأينا هؤلاء اليهود، الذين يدعون

[ 76 ]

أنهم يعبدون الله يشهدون لاهل الاوثان بأنهم أهدى من أهل التوحيد رغم أن ذلك يستبطن اعترافا من اليهود ببطلان دينهم وعقيدتهم ! ! وبعد ما تقدم، فاننا نستطيع ان نتفهم بعمق السبب في ان هذه الحرب فيما بين المسلمين وأعدائهم لا بد ان تكون مريرة وقاسية وتتميز بالشمولية والاتساع، والعمق. ثم برسوخ آثارها على كل صعيد. ما دام ان اعداء الاسلام يرون ضرورة ان تستنفذ جميع الطاقات المتوفرة لديهم للهدم وللاستئصال، والابادة الشاملة، فان الهدف من استئصال محمد ومن معه. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين المشورة، والتخطيط: ويقول المؤرخون: إنه لما فصلت قريش من مكة الى المدينة خرج ركب من خزاعة إلى النبي فساروا من مكة الى المدينة أربعا فاخبروا النبي صلى الله عليه واله وسلم بالامر. فذلك حين ندب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الناس، واخبرهم الخبر وشاورهم في امرهم، وامرهم بالجد والجهاد، ووعدهم النصر، إن هم صبروا واتقوا، وامرهم بطاعة الله وطاعة رسوله وشاورهم (صلى الله عليه واله) - وكان يكثر من مشاورتهم في الحرب - فقال: أنبرز لهم من المدينة ؟ أم نكون فيها ونخندقها علينا ؟ أم نكون قريبا ونجعل ظهورنا إلى الجبل ؟ ! فاختلفوا. [ زاد المقريزي قوله: وكان سلمان الفارسي يرى رسول الله (صلى الله عليه واله)

[ 77 ]

يهم بالمقام بالمدينة (1) ويريد أن يتركهم حتى يردوا ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها فاشار بالخندق ] فقال سلمان: يا رسول الله ! إنا إذ كنا بارض فارس، وتخوفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك يا رسول الله ان نخندق ؟ ! فاعجب رأي سلمان المسلمين. وأحبوا الثبات في المدينة فركب رسول الله (صلى الله عليه واله) فرسا له، ومعه نفر من اصحابه من المهاجرين، والانصار، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه: أن يجعل سلعا - جبل معروف بسوق المدينة - خلف ظهره ويخندق على المذاد، إلى ذباب، إلى راتج فعمل يومئذ الخندق وندب الناس، وخبرهم بدنو عدوهم، وعسكرهم الى سفح سلع (2) واختصر ذلك المفيد وابن شهر آشوب، فقال: " فلما سمع النبي (صلى الله عليه واله) باجتماعهم استشار اصحابه، فاجتمعوا على المقام بالمدينة وحربهم على انقابها " (3) ولنا مع هذا الذي يذكره المؤرخون وقفات، وهي التالية:


(1) لا ندري من اين فهموا: انه كان يرى ذلك، ولو كان حقا يرى ذلك فلا ندري من اين فهموا ان رسول الله كان يهم بالمقام في المدينة (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 444 والامتاع ج 1 ص 219 و 221 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 والمح الى ذلك في: الثقات ج 1 ص 265 و 266 وراجع سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 514 و 515 (3) مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 197 والارشاد ص 51 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 والبحار ج 20 ص 251 (*)

[ 78 ]

من أخبر النبي (صلى الله عليه واله) بمسير الاحزاب: قد تقدم ان ركبا من خزاعة قدم إلى المدينة في مدة اربعة ايام فأخبروا النبي (صلى الله عليه واله) بمسير الاحزاب إليه ولكننا نجد نصا آخر عن علي عليه السلام يقول: إن النبي صلى الله عليه واله وسلم قد علم بذلك من جهة جبرئيل عليه السلام " فخندق على نفسه ومن معه " (1) ولا نستبعد ان يكون كلا الامرين قد حصل وقد ذكرنا فيما سبق ان خزاعة كانت ترتبط مع الهاشميين بحلف عقده معها عبد المطلب رحمه الله، وقد بقيت وفية لهذا الحلف وكانت عيبة نصح لرسول الله (صلى الله عليه واله) وقد اشرنا فيما سبق الى انها قد دفعت ثمن هذا الوفاء غاليا فيما بعد وفاة رسول الله الاكرم صلى الله عليه واله وسلم. فجزى الله انصار الله، وانصار رسوله خير جزاء وأوفاه. إنه ولي قدير، وبالاجابة حري وجدير من المشير بحفر الخندق ؟ ! إن السياق المذكور آنفا يدل على ان النبي صلى الله عليه واله وسلم هو الذي بادر الى اقتراح حفر الخندق، ثم لما اختلف المسلمون تكلم سلمان الفارسي رحمه الله بطريقة بين لهم فيها وجه


(1) الخصال - باب السبعة ج 2 ص 268 والبحار ج 20 ص 244 عنه (*)

[ 79 ]

الحكمة في اعتماد اجراء كهذا، فاعجبهم ذلك حينئذ، فقبلوه واجتمعت كلمتهم عليه ولكن كلمات كثير من المؤرخين قد اظهرت ان سلمان هو المشير بحفر الخندق (1) من دون ان تشير الى أي تحفظ في ذلك وهذا هو ما استنتجه بعض المشركين حين فوجئوا بالخندق (2) بل قال مسكويه: " فأشار سلمان على رسول الله صلى الله عليه


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 300 وج 4 ص 1206 والثقات ج 1 ص 266 والتنبيه والاشراف ص 216 وسيرة مغلطاي ص 56 والكامل في التاريخ ج 2 ص 178 والوفا ص 693 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 و 479 والروض الانف ج 3 ص 276 وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 وانساب الاشراف ج 1 ص 343 ومناقب آل ابي طالب ج 3 ص 134 و ج 1 ص 198 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 234 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وفتح الباري ج 7 ص 301 وعيون الاثر ج 2 ص 57 والبحار ج 20 ص 251 و 218 و 197 وج 41 ص 8. ومجمع البيان ج 8 ص 340 ونهاية الارب ج 17 ص 168 وتفسير القمي ج 2 ص 177 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 99 والخرايج والجرايح ج 1 ص 152 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 وبهجة المحافل ج 1 ص 263 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 514 وحدائق الانوار ج 2 ص 515 والارشاد للمفيد 51 وزاد المعاد ج 2 ص 117 ومختصر التاريخ ص 43 وحبيب السير ج 1 ص 359 وسعد السعود ص 138 (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 وتفسير القمي ج 2 ص 182 وبحار الانوار ج 20 ص 224 والمغازي للواقدي ج 2 ص 470 ونهاية الارب ج 17 ص 173 وراجع: الارشاد للمفيد ص 52 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 315. وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 484 (*)

[ 80 ]

لما رآه يهم بالمقام بالمدينة، ويدبر ان يتركهم حتى يردوا، ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها: أن يخندق. ففعل ذلك " (1) لكن مؤرخين آخرين قد عبروا عن شكهم في هذا الامر، فقال بعضهم: " استشار النبي (صلى الله عليه واله) سلمان - فيما يزعمون - بأمر الخندق " (2) وقال آخرون: " فحفر الخندق. قيل: اشار به سلمان " (3) وفي مقابل ذلك نجد ابن اسحاق وكذا غيره ينسب حفر الخندق الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولا يشير الى مشورة سلمان، ولا من قريب ولا من بعيد (4) بل ان النبي (صلى الله عليه واله) قد كتب في رسالته الجوابية لابي سفيان: " وأما قولك من علمنا الذي صنعنا من الخندق، فان الله الهمني ذلك " (5)


(1) تجارب الامم ج 1 ص 149 (2) البدء والتاريخ ج 4 ص 217 وراجع: اعلام الورى ص 90 (3) راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 والبداية والنهاية ج 4 ص 95 والمختصر في اخبار البشر ج ص 134 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 / 183 وراجع قول ابن هشام في السيرة النبوية ج 3 ص 235 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 150. (4) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226 وجوامع السيرة النبوية ص 148 وعيون الاثر ج 2 ص 55 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 189 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 عن ابن عقبة وص 409 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 182 وتاريخ الاسلام للذهبي المغازي ص 234 وشرح الاخبار ج 1 ص 292 (5) الامتاع ج 1 ص 240 وخاتم النبيين ج 2 ص 942 (*)

[ 81 ]

وكل ذلك يجعلنا نميل الى ان كلام الواقدي قد جاء اكثر دقة في هذا المجال. وهو يفسر لنا السر في كلام ابن اسحاق من جهة، وكلام غيره المقابل له من جهة اخرى... اما اولئك الذين ظهر منهم التردد في ذلك فلعلهم لم يقفوا على كلام الواقدي. ولم يتمكنوا من الجمع بين كلام ابن اسحاق وهو الحجة الثبت في السيرة، وبين كلام غيره وعي سليمان: ولا نخفي هنا اعجابنا بهذا الوعي من سليمان المحمدي، حيث بادر في الوقت المناسب الى تقديم تبرير لاولئك الناس الذين اختلفوا على رسول الله صلى الله عليه واله، يتوافق مع طريقة تفكيرهم، حيث قرر لهم: ان الخندق المقترح من شأنه ان يحد من فاعلية الخيل في الحرب، ويدفع غائلتها، ويصبح الجهد الشخصي للافراد هو الذي يقرر مصير الحرب ونتائجها فكان ان استجاب المسلمون لاقتراح حفر الخندق، واعلنوا موافقتهم عليه، وتحملوا مسؤولية الخيار والاختيار، وهذا بالذات هو ما أراده الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم لو كان الخندق باشارة سلمان: وقد رأينا: ان عددا من المؤرخين قد زعم ان الخندق حفر باشارة سلمان، وان كنا نرجح: ان النبي (صلى الله عليه واله) هو الذي بادر الى اقتراحه فاختلف المسلمون، فكان دور سلمان ان بين لهم وجه

[ 82 ]

الحكمة في ذلك، حسبما تقدم بيانه عن الواقدي ومهما يكن من امر، فقد ظهر ان المشركين قد فوجئوا بالخندق وقالوا عنه: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها (1) ولعل الانظار قد اتجهت الى سلمان الفارسي منذئذ.. وسواء أكان ذلك بمشورة سلمان أم لم يكن فان ما نريد ان نؤكد عليه هو ان الاسلام لا يمنع من الاستفادة من تجارب الاخرين ومن خبراتهم في المجالات الحياتية البناءة فقد روي: أن " الحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها " وفي معناه غيره (2) نعم، إن المؤمن احق بالحكمة من غيره، ما دام أن ذلك الغير قد يستفيد منها لتقوية انحرافه، وتأكيد موقعه المناوئ للحق وللاصالة والفطرة وقد رأينا: أن النبي (صلى الله عليه واله) قد اطلق الصناع واصحاب الحرف في خيبر لينتفع بهم المسلمون (3) وامر النبي صلى الله عليه واله وسلم المشركين في بدر، الذين لا يجدون ما يفتدون به: أن يعلم الواحد منهم عشرة من اطفال


(1) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 (2) امالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 238 وتحف العقول ص 138 و 292 وغرر الحكم ج 1 ص 394 والبحار ج 75 ص 34 و 38 و 307 وج 2 ص 17 و 96 و 97 ومواضع اخرى منه. وراجع: دستور معالم الحكم ص 19 والمجروحون ج 1 ص 105 والتراتيب الادارية ج 2 ص 348 (3) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 75 وستأتي إن شاء الله بقية المصادر في غزوة خيبر (*)

[ 83 ]

المسلمين القراءة والكتابة، ويطلق سراحهم في مقابل ذلك (1) ولكن هذه الاستفادة مشروطة بأن لا تنشأ عنها سلبيات اخرى كما لو كان ذلك يعطي لأولئك المنحرفين فرصة لتضليل الناس وجرهم الى مهالك الانحراف، أو يعطيهم بعض النفوذ والهيمنة أو يجرؤهم على التدخل في الشؤون الخاصة بالمسلمين، وما الى ذلك وهكذا، فانه يصبح واضحا: ان المرفوض اسلاميا هو التبعية للاخرين والانبهار الغبي بهم، وتقليدهم على غير بصيرة. واما الاستفادة الواعية من منجزاتهم الحيوية لبناء الحياة، والتغلب على مصاعبها، بصورة تنسجم مع احكام الشرع، ومن دون أن تنشأ عنه سلبيات خطيرة فذلك أمر مطلوب، ولا غضاضة فيه وحتى لو كان الخندق باشارة سلمان من الاساس، وكان سلمان قد استفاد ذلك من بيئته وقومه، الذين ما كانوا على طريقة الاسلام ولا على دين الحنيفية، فلا ضير ولا غضاضة في قبول مشورته. بل الغضاضة في ترك العمل بتلك المشورة إذا كانت موافقة للصواب ويتسبب الاعراض عنها بوقوع المسلمين في مأزق، وهم في غنى عنه ولا مبرر للوقوع فيه. مع وجود مخرج ليس في العمل به حرج ولا تنشأ عنه أية سلبيات يرغب عنها


(1) مسند احمد بن حنبل ج 1 ص 247 وتاريخ الخميس ج 1 ص 395 والسيرة الحلبية ج 2 ص 193 والروض الانف ج 3 ص 84، والطبقات الكبرى ج 2 ق 1 ص 14، والتراتيب الادارية ج 2 ص 348 وج 1 ص 48 / 49 عن السهيلي، وعن المطالع النصرية في الاصول الخطية، لابي الوفا نصر الهوريني، وعن الامتاع للمقريزي ص 101 (*)

[ 84 ]

طريقة استشارته (صلى الله عليه واله) اصحابه: هذا، ولا نرى اننا بحاجة الى التذكير بمبررات مشاورة النبي (صلى الله عليه واله) اصحابه، في امر الحرب، فقد تحدثنا عن ذلك، وعن اسبابه وآثاره الايجابية في اوائل غزوة أحد غير اننا نشير هنا إلى أننا نلمح في طريقة مشاورة النبي صلى الله عليه واله وسلم لاصحابه خصوصيتين رائعتين تجلتا لنا في النص الذي ذكره الواقدي إحداهما: إنه صلى الله عليه واله وسلم هو الذي بادر الى اقتراح حفر الخندق ثم انتظر مبادرة سلمان الاقناعية، متعمدا أن تسير الامور بهذه الطريقة، سياسة من (صلى الله عليه واله) لاصحابه، وترويضا لعقولهم، واعدادا لهم ليبادروا الى تحمل المسؤولية، ولغير ذلك من امور الثانية: إنه صلى الله عليه واله وسلم في نفس الوقت الذي يمارس فيه اسلوب المشاورة بهدف تحسيس اصحابه بالمسؤولية وافهامهم عملا، لا قولا فقط - أنهم الجزء الحركي والفاعل والمؤثر حتى على مستوى التخطيط، والقرارات المصيرية، وأن القضية قضيتهم، بما يعنيه ذلك كله من ارتفاع ملموس في مستوى وعيهم وتفكيرهم السياسي، والعسكري، وغير ذلك من امور كانت محط نظره صلى الله عليه واله وسلم نعم، انه في هذا الحين بالذات يطرح امامهم خيارات من شأنها أن تخرجهم من حالة الضيق والحرج، وتفتح امامهم نوافذ جديدة على أفاق رحبة من التدبير العسكري، الذي يحفظ لهم وجودهم، ويبعد عنهم شبح الهزيمة المرة، أو التعرض لحرب تحمل معها أخطار القتل الذريع، دون ان يجدوا في مقابل ذلك أيا من تباشير النصر، أو التفاؤل به

[ 85 ]

الخندق في إيجابياته الظاهرة: قد تحدثنا في غزوة أحد في الفصل الاول منها، في فقرة: ما هو رأي النبي صلى الله عليه واله في أحد، ما يفيد الاطلاع عليه في فهم إيجابيات البقاء في المدينة، والتمنع فيها، فيرجى مراجعة ما ذكرناه هناك أما هنا، فتقول: انه لم يطل بالمسلمين الامر، حيث إنهم سرعان ما ادركوا: ان حفر الخندق هو ذلك التدبير الذكي الرائع الذي فوت على عدوهم ما كان يحلم به من منازلتهم ومكافحتهم الى درجة الحاق الهزيمة بهم ثم استئصالهم وإبادة خضرائهم، وتقويض عزهم وقد اعطى الخندق المسلمين القدرة على ممارسة التسويف في الوقت، وهو الامر الذي لم يكن المشركون قادرين على تحمل التسويف فيه الى أجل غير مسمى وقد رأى المسلمون بأم أعينهم: 1 - كيف ان عدوهم لم يستطع الصبر طويلا، بسبب بعده عن مصادر الامداد البشري والتمويني، مع ملاحظة محدودية طاقاتهم التموينية، لعدم امكان توفير مدخرات كافية لهذا العدد الهائل من الناس، ولكل ما معهم من خيل وظهر كانوا بحاجة إليه في حربهم فان منطقة الحجاز لم تكن قادرة - بحكم طبيعة حياة الناس فيها - على توفير هذا النوع من القدرات والامكانات بهذا المستوى الكبير والحجم الهائل - ولا أقل من ان المشركين لم يفكروا مسبقا بإيجاد خطوط تموين لحرب طويلة الامد. ولا خططوا أبدا لمثل هذه

[ 86 ]

الحرب، كما انهم لم يعتادوا حروبا كهذه ولا ألفوها، فمن الطبيعي - والحالة هذه - ان يملوا حربا كهذه، وينصرفوا عنها 2 - إن هذا الخندق قد استطاع ان يحفظ لهم وجودهم وكرامتهم، فلم يسجل عليهم عدوهم نصرا وقد كبت الله به عدوهم وردهم بغيظهم لم ينالوا شيئا مما كانوا يحلمون به، دون ان يكلف ذلك المسلمين خسائر تذكر، وحرم المشركين بذلك من امكانية اشراك اعداد ضخمة في المواجهات مع المسلمين 3 - ثم وجد المسلمون انفسهم بعد ذلك امام فرص اكبر، وحظ اوفر من ذي قبل، واستمروا يواصلون جهدهم وجهادهم للحصول على المزيد من اسباب القوة، والمنعة، والعمل على اضعاف عدوهم وتقويض هذا التوافق فيما بين فئاته لصالح بقاء هذا الدين، وترسيخ دعائمه واركانه 4 - إنه صلى الله عليه واله قد جمع بين أن خندق على المدينة وبين جعل جبل سلع خلف ظهر المسلمين - كما سنرى - فيكون بذلك قد استفاد من الموانع الطبيعية، ثم أحدث مانعا مصطنعا من الجهة الاخرى، لتكتمل خطته بحرمان العدو من أية فرصة للنيل من صمود المسلمين، أو إحداث أي إرباك، أو تشويش، أو خلخلة، أو مناطق نفوذ وتسلل في صفوفهم واخيرا، فنجد نصا عن سلمان الفارسي يصرح فيه بالمبررات لحفر الخندق، فهو يقول: " يا رسول الله، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة. قال: فما نصنع ؟ قال: نحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجابا، فيمكنك منعهم في

[ 87 ]

المطاولة. ولا يمكنهم ان يأتونا من كل وجه. فانا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة فنزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال: أشار سلمان بصواب (1) بين الاصالة والتجديد: وآخر ما نقوله هنا: أن حفر الخندق قد أفهم المسلمين: أنه ليس من الضروري أن يبقى الانسان أسير الافكار والعادات والاساليب المتداولة في المحيط الذي يعيش فيه، فإذا كان باستطاعته أن يبتكر أساليب، ويحدث وسائل جديدة، تمكنه من تحقيق أهدافه على النحو الافضل والامثل، فعليه أن يبادر الى ذلك، ويكسر حاجز الاستغراب والاستهجان والرهبة، ويتحرر من عقدة الحفاظ على القديم، أو على العادة والتراث لمجرد أنه قديم وتراث، ومن موقع الجمود، والخواء والتقوقع أما إذا كان هذا القديم يمثل الاصالة، والعمق والانتماء، ويعيد للانسان هويته الحقيقية، ويحول بينه وبين التخلي عن خصائصه الانسانية الاصيلة، فذلك القديم يكون هو الجديد النافع، في مقابل كل ما هو غريب، أو يجر الانسان إلى غربة حقيقية، تبعده عن واقعه وتجرده من خصائصه الانسانية الاصيلة، ليعيش في الظلام والضياع حيث الشقاء والبلاء، وحيث الوحشة والوحدة والغربة، بكل ما لهذه


(1) تفسير القمي ج 2 ص 177 والبحار ج 20 ص 218 (*)

[ 88 ]

الكلمات من معنى. فالتجديد الايجابي البناء هو الاصالة ذاتها. أما التجديد الذي يفقد الانسان أصالته، فهو الذي يمثل العودة إلى الوراء، وهو حقيقة التغرب والانحطاط، والسقوط والتراجع. وهو بالتالي الكارثة الحقيقية والمدمرة له إن في الحاضر أو في المستقبل أضف إلى ما تقدم: أن التعارف فيما بين الشعوب المختلفة حين ينتهي إلى توظيف حصيلة تجاربها الحياتية لاستكمال سماتها الاصيلة للحياة بكل امتداداتها وعلى مختلف المساحات في الآفاق الرحبة، فان هذا التعارف يصبح ضرورة لا بد منها ولا غنى عنها لاية أمة تريد لنفسها الخير والسعادة والفلاح. وتريد كذلك ان تستثمر ذلك كله في خط التقوى والعمل الصالح. وفي صراط حصحصة الحق ليكون هو الملاذ، والرجاء، في كل شدة ورخاء. وقد قال تعالى: * (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن اكرمكم عند الله اتقاكم) * (1) أين كان الخندق وما هي مواصفاته: قد تقدم: أن النبي (صلى الله عليه واله) قد ركب فرسا وخط لهم الخندق وقد بينت النصوص التاريخية لنا مواضع الخندق وخصوصياته ومواصفاته بشئ من التفصيل، ونحن نذكر طائفة من هذه النصوص فنقول: 1 - موضع الخندق: قال الواقدي: " كان الخندق ما بين جبل بني عبيد بخربى، إلى


(1) سورة الحجرات / 13 (*)

[ 89 ]

راتج. قال: وهذا أثبت الاحاديث عندنا " (1) وفي نص اخر: " من المذاد، الى ذباب، إلى راتج " (2) وعند القمي: " فأمر (صلى الله عليه واله) بمسحه من ناحية أحد إلى راتج " (3) وفي نص اكثر تفصيلا: " حفر النبي (صلى الله عليه واله) الخندق طولا، من أعلى وادي بطحان، غربي الوادي، مع الحرة، إلى غربي مصلى العيد، ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين، اللذين في غربي الوادي. ومأخذه قول ابن النجار " إلى أن قال: " والحاصل: أن الخندق كان شامي المدينة، من طرف الحرة الشرقية، إلى طرف الغربية " (4) وروي بسند معتبر، عن عمرو بن عوف قال: " خط رسول الله (صلى الله عليه واله) الخندق عام الاحزاب من أجم الشيخين (السمر) طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد (المداحج) " (5). والمذاد بطرف منازل بني


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 450 - 452 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 312. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 والمغازي للواقدي ج 2 ص 445 والثقات ج 1 ص 266 (3) تفسير القمي ج 2 ص 177 وبحار الانوار ج 20 ص 218 وقال الطبرسي في مجمع البيان ج 8 ص 342 وعنه في بحار الانوار ج 20 ص 203 " كان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق: المذاد " (4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1204 والفقرة الاخيرة ص 1206 ايضا وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والعبارة الاخيرة في السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3. (5) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 235 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 418 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 (*)

[ 90 ]

سلمة، مما يلي مساجد الفتح، ومنازلهم في جهة الحرة الغربية (1) قال السمهودي: " سيأتي أن الشيخين أطمأن شامي المدينة بالحرة الشرقية، أما المداحج فلا ذكر لها في بقاع المدينة " (2) وأقول: لعل كلمة " المداحج " تصحيف لكلمة المذاد، ولعل كلمة: السمر، تصحيف لكلمة الشيخين 2 - جعل الابواب للخندق: " وذكروا: أن الخندق له ابواب، فلسنا ندري أين موضعها " (3) وحسب نص اخر: " جعل له رسول الله (صلى الله عليه واله) ابوابا، وجعل على الابواب حرسا " (4) ولكن كعب بن مالك قد اشار الى وجود خندقين، فهو يقول: بباب خندقين كأن أسدا شوابكهن يحمين العرينا (5) ويقول ضرار بن الخطاب: كأنهم إذا صالوا وصلنا بباب خندقين مصافحونا (6) وقال الفرزدق:


(1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1205 (2) المصدر السابق (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 452 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 312 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 (4) المصادر السابقة، وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 (5) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 554 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 267 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1206 (6) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 266 (*)

[ 91 ]

بدر له شاهد والشعب من احد والخندقان ويوم الفتح قد علموا (1) وذكر القمي: ان عدد الابواب كان ثمانية (2) 3 - خصوصيات ومواصفات اخرى: " والخندق فيه قناة، ياتي من عين قباء الى النخل الذي بالسنح، حوالي مسجد الفتح وفي الخندق نخل ايضا وانطم اكثره، وتهدمت حيطانه " (3) وذكروا ايضا: انه قد " بلغ طول الخندق نحوا من خمس آلاف ذراع وعرضه تسعة اذرع، وعمقه سبعة اذرع " (4) الموقع الجغرافي للخندق: ونحن إذا راجعنا الواقع الجغرافي للمدينة، فانه يتضح: ان الخندق قد ضرب على المدينة في مواقع من الجهة الغربية والشمالية اما الجهة الشرقية والجنوبية فقد شبكت بالبنيان، ولم يخندق المسلمون عليها ولعل ذلك يرجع ان المواقع التي تستوعب الوف الفرسان، وتصلح ان تكون ساحة حرب ونزال هي المنطقة الواقعة بالقرب من


(1) مناقب آل ابي طالب ج 4 ص 174 (2) تفسير القمي ج 2 ص 179 وعنه في بحار الانوار ج 20 ص 220 (3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1204 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 (4) الرسول العربي وفن الحرب لمصطفى طلاس ص 240 / 241 والسيرة النبوية للندوي ص 281 (*)

[ 92 ]

ثنيات الوداع شمال غرب المدينة حتى تنتهي بجبل أحد. وهي منطقة واسعة ومسطحة ومكشوفة، وليس فيها عراقيل مهمة، وهي المنطقة التي حفر الخندق فيها أما سائر المناطق حول المدينة فلم تكن تصح لذلك، ولا سيما بالنسبة لجيوش كبيرة تعد بالالوف، من فرسان ورجالة، بالاضافة الى ما يتبع هذه الجيوش من دواب وخيول تحمل ازوادهم وامتعتهم، وتحمل الرجالة منهم ايضا في سفرهم الطويل ذلك لان سائر المناطق حول المدينة كان فيها من الجبال والودية، ومن التضاريس والاشجار وحجارة ما يحد من قدرة تلك الجيوش الغازية على الحركة الفاعلة، والمؤثرة، ويفقدها الكثير من الامتيازات الحربية، ويحرمها من الاحتفاظ بزمام المبادرة، ويفوت عليه نصرا تطمع الى تحقيقه ويوضح ذلك: انه كانت توجد في الجهة الشرقية حرة واقم وفي الجهة الغربية حرة الوبرة، وهي مناطق عرة فيها صخور بركانية وتمثل حواجز طبيعية. وكان في جهة الجنوب اشجار النخيل وغيرها بالاضافة الى الابنية المتشابكة. وكل ذلك لا يتيح لجيش المشركين ان يقوم بنشاط فاعل وقوي ضد المسلمين وحيث ان بعض المواضع في جهتي الشرق والجنوب كان يمثل النقطة الاضعف من غيرها، الامر الذي يحمل معه احتمالات حدوث تسلل تكتيكي للعدو، يهدف الى ارباك الوضع العسكري والنفسي للمسلمين فقد كان لابد من سد تلك الثغرة، ورفع النقص، وتفويت الفرصة على العدو، حتى لا يضطر المسلمون لتوزيع قواهم وبعثتها هنا وهناك بطريقة عشوائية، أو من شأنها ان تضعف فيهم درجة

[ 93 ]

الصمود والتصدي في ساحة الصراع الحاسم في ميدان الكر والفر الاول والاساس.. فكان ان بادرة المسلمون الى تشبيك المدينة بالبنيان وذلك في مواقع الضعف المشار إليها. وهذه الاجراءات كلها قد حالت دون استخدام قوات كبيرة في مهاجمة المدينة الا من جهة الخندق، وهي قد اصبحت مشلولة بسبب حفر الخندق تجاه الهدو فيها غير ان هذا الذي ذكرناه لا يعني ان يمر القادم من مكة على ثنية الوداع، وهي الجهة الشمالية للمدينة. فان طريق المسافرين، الذين تضمهم في الغالب قوافل صغيرة محدودة العدد ليس كطريق الجيوش الضخمة التي تضم ألوفا كثيرة من الناس ومن وسائل النقل المختلفة، حسبما المحنا إليه.. وبذلك يتضح: ان من الممكن ان نتفهم انه لا مانع من ان تاتي الجيوش الى جهة ثنية الوداع من جهة الشام، ولكن المسافرين يأتون من طريق اخر. ولا يمر القادم من مكة على ثنية الوداع ولا يراها، كما جاء في النص التاريخي (1) يقول مصطفى طلاس: " وبحفر الخندق استطاعت قيادة الجيوش الاسلامي ان تعزل قوات العدو عن مكان التجمع الرئيسي للقوات المدافعة عن المدينة، وان تحول بينها وبين اقتحام مداخل المدينة، لان هذه المداخل اصبح من الممكن حراستها بعد حفر الخندق


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1172 و 1170 وزاد المعاد ج 3 ص 10 والتراتيب الادارية ج 2 ص 130 (*)

[ 94 ]

وقد افادت قوات الثورة الاسلامية من مناعة جبل سلع، الذي كان الى يسارها والى الخلف، كما افادت من وعورة حرة الوبرة لحماية جناحها الايسر. ومن وعورة حرة واقم بحماية جناحها الايمن. ومن الحرة الجنوبية وجبل عسير لحماية المؤخرة " (1) تشبيك المدينة بالبنيان: وكان سائر المدينة مشبكا بالبنيان، شبكوها من كل ناحية، وهي كالحصن (2) قال في خلاصة الوفاء: " كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشبكة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها " (3) ثم انه صلى الله عليه واله " اختار ذلك الجانب المكشوف للخندق. وجعل معسكره تحت جبل سلع " (4) وبذلك يكون صلى الله عليه واله وسلم قد سد الثغرات التي يمكن للعدو ان يتسلل منها ليحدث ارباكا خطيرا في معسكر المسلمين


(1) مصطفى طلاس: الرسول العربي وفن الحرب ص 234 (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 315 ومغازي الواقدي ج 2 ص 450 وراجع ص 446 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1205 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 481 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 315 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1206 (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 (*)

[ 95 ]

ثم جعل للخندق ابوابا، وجعل على الابواب حرسا، بطريقة تمنع من التسلل، ومن التواطؤ عليه كما سنرى ثم اختار الجانب المكشوف للخندق، وجعل معسكره تحت جبل سلع، مستفيدا منه كمانع طبيعي يصب على العدو اجتيازه لمهاجمة المسلمين مدة حفر الخندق: وقال المؤرخون: " وجعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدو عليهم " (1) الاقوام في مدة حفر الخندق وهي التالية: كان حفر الخندق ستة ايام وحصنه (2) وقيل بضع عشر ليلة (3) وقيل: شهرا أو قريبا من شهر. قال البعض: وهو اثبت (4)


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 411. والمغازي للواقدي ج 2 ص 445 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 178. وراجع البدء والتاريخ ج 4 ص 217. وفتح الباري ج 2 ص 302. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 454 وسيرة مغلطاي ص 56 والوفا ص 693 وتاريخ الخميس ج 1 ص 482 وحبيب السير ج 1 ص 360 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 وامتاع الاسماع ج 1 ص 224 ونهاية الارب ج 17 ص 170 وعيون الاثر ج 2 ص 57 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1204 و 1208 و 1209 و 1205. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 وعيون الاثر ج 2 ص 57 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1209 (4) المصدر السابق ووفاء الوفاء ج 4 ص 1209 عن الهدى لابن القيم وكذا في (*)

[ 96 ]

ووقع عند موسى بن عقبة: انهم اقاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين ليلة (1) وعند الواقدي: اربعا وعشرين (2) وجزم النووي في الروضة انهم حفروه في خمسة عشر يوما (3) وصرح القمي بانه (صلى الله عليه واله) قد فرغ من حفر الخندق قبل قدوم قريش والاحزاب بثلاثة ايام (4) ونقول: ان الارقام التي تقول: انهم اقاموا يعملون في الخندق عشرين يوما أو شهرا أو نحو ذلك، يبدو انها بعيدة عن الصواب، لان المفروض ان ركب خزاعة قد خرج الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعد ان فصلت قريش من مكة الى المدينة. وبقي اربعا حتى وصل إليها، وأبلغ الرسول بالامر... ولنفترض ان مسير قريش الى المدينة قد استغرق اربع اضعاف الاربعة ايام المذكورة، فتكون قد وصلت الى المدينة خلال ستة عشر يوما فمع حذف الاربعة ايام الاولى لمسيرة ركب خزاعة فانه يبقى اثنا


المواهب اللدنية ج 1 ص 111 وفتح الباري ج 7 ص 302 (1) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 482 وعنه والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 314 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1208 راجع فتح الباري ج 7 ص 32 (2) المصادر السابقة وعيون الاثر ج 2 ص 57 ووفاء الوفاء ج 1 ص 1208 و 1209 (3) راجع: المصادر السابقة في الهامش ما قبل السابق (4) تفسير القمي ج 2 ص 179 والبحار ج 20 ص 221 (*)

[ 97 ]

عشر يوما تم حفر الخندق فيها، فكيف يقال: ان العمل في الخندق قد استمر عشرين أو اربعا وعشرين أو ثلاثين يوما ؟ ! هذا.. ولكن يمكننا ان نخفي دهشتنا واعجابنا بهذا الانجاز الضخم والسريع جدا، مع ملاحظة ضعف الوسائل والامكانات المتوفرة للعاملين في حفر الخندق آنئذ، بالاضافة الى وجود المثبطين عن العمل، كما سنرى... فحيا الله هذه الهمم، وبورك لهم جهادهم المبارك والرائد تحت قيادة وفي طاعة رسول الاسلام الاعظم والاكرم صلى الله عليه واله وسلم زمام المبادرة بيد من ؟ ! وقد اتضح من خلال النصوص المتوفرة لدينا: ان العدو وان كان قد فرض على النبي وعلى المسلمين معركة غير متكافئة من حيث العدد والعدة. واختار هو التوقيت لحشد جيوشه وتحزيب احزابه لكنه بمجرد وصوله الى المدينة قد فقد زمام المبادرة ليصبح في يد النبي والمسلمين بصورة نهائية فاصبح (صلى الله عليه واله) يتحكم بمسار الحرب، وهو يفرض على عدوه الموقع الذي يريد، في هذا المكان أو في ذاك، ولا يملك عدوه اية وسيلة للتغيير في المواقع والمواضع فلا يمكنه ان يجر المسلمين الى هذا الموقع أو الى ذلك الموقع كما انه صلى الله عليه واله وسلم اصبح يتحكم بالزمام والتوقيت للحرب، ولا يستطيع عدوه ان يهاجمه في وقت لا يرغب هو بالدخول الحرب فيها

[ 98 ]

ثم انه صلى الله عليه واله وسلم قد اصبح قادرا على اختيار الوسيلة الحربية التي تلائمه، وتنسجم مع ظروفه وقد اسقط العتاد والعدة الحربية للعدو من الخيول وغيرها من الفاعلية المؤثرة واصبحت عبئا على العدو، لا بد ان يهئ العدو لها ظروف بقائها وصيانتها من التلف في مصابرته على الحصار الطويل، الذي كان يستنزف طاقته وصبره، حتى انتها الامر به الى هزيمة مخزية، كما سيتضح وهذه هي ثمرة التخطيط الواعي والمسؤول، وثمرة الادراك الواعي للواقع وللظروف المحيطة، التي كان لا بد من التعامل معها والتغلب على سلبياتها، والاستفادة من ايجابياتها على نحو الاكمل والافضل والامثل

[ 99 ]

الفصل الثالث: حفر الخندق: أحداث ودلالات

[ 101 ]

شدائد ومتاعب ان من الواضح: ان حفر خندق بهذا الحجم حول مدينة كبيرة، ليس بالامر السهل، ولا سيما بالنسبة لاناس لم يقوموا بعمل ضخم طيلة حياتهم نقطة خصوصا مع بدائية الوسائل ومحدوديتها، حتى اضطروا لاستعارة بعضها من يهود قريظة، كما سنرى، هذا بالضافة الى انقطاع المسلمين عن العمل في سبيل لقمة العيش، فانقطعت موارد ارزاقهم فكان من الطبيعي ان يعاني المسلمون من هذا الامر من متاعب كبيرة، وشدائد لا تطاق، وذلك من ناحيتين احداهما: في نفس هذا العمل الشاق والكبير، وما يحتاج لانجازه في فرصة محدودة وقصيرة جدا، من جهد مضن لم يعتمد هؤلاء الناس على اقل القليل منه، ولا واجهوا نظيره، ولو مرة واحدة طيلة حياتهم الثانية: في الضائقة المالية التي كانوا يعانون منها، التي تتجلا فيما يصفه لنا المؤرخون من حالة الضعف والجهد، وخصاصة والجوع في تلك الظروف بالذات.. وقد يحاول البعض ان يقول: ان هذه الضائقة لم تزل جميع الناس آنئذ، لان الناس - كما يروى الواقدي والمقريزي - وقد كان كثير

[ 102 ]

منهم في وفرة معقولة في تلك الفترة، لان مجئ الحزاب كان بعد انتهاء موسم الحصاد، وقد أدخل الناس غلاتهم واتبانهم، ولا يزال معظمها موجودا لدى اصحابها أضف إلى ذلك: أن بعض الروايات الاتية التي تحكي لنا قصة جابر تقول: إن الذين احتاجوا للاصابة من طعام جابر كانوا ثلاث مئة أي حوالي ثلث المشاركين في حفر الخندق. فالباقون لم يكونوا بحاجة ماسة الى طعام، أو لعل اكثرهم كان كذلك ونقول: إن هذه المحاولة غير كافية لاثبات ذلك، إذ قد صرح المؤرخون أن العام كان عام جدب. ولم يكن ثمة غلات في مستوى يؤثر في تغيير ظاهرة الفقر والخصاصة والجوع، التي كانت مهيمنة على عامة الناس آنئذ. ولو كان ثمة غلات بهذا الحجم لبادر اصحابها إلى تقديمها طوعا، إلى هؤلاء الناس. بل كان النبي (صلى الله عليه واله) يأمرهم ببذلها لاخوانهم، ولا سيما في ظروف الحرب هذه. ولكنا قد رأيناهم يتسابقون على دفع أذى الجوع عن شخص النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم، الذي يتسابقون على نيل بركاته والفوز برضاه.. إلا أن ذلك لا يمنع من ان يكون لدى المنافقين قسطا من تلك الاموال، كانوا يضنون بها ويبخلون عن بذلها ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه حفر الخندق في روايات المؤرخين: ونحن نذكر هنا طائفة من النصوص التاريخية، المرتبطة بحفر

[ 103 ]

الخندق، متوخين فيها - قدر الامكان - تبويبها وتقسيمها، حسبما يتهيأ لنا، ثم نعقب ذلك ببعض ما يرتبط بما أجمل منها أو اشكل، ومن الله نستمد القوة والحول فنقول: المساحي والمكاتل: ويقولون: إنه (صلى الله عليه واله) قد استعار من بني قريظة آلة كثيرة، من مساحي وفؤوس ومكاتل، يحفرون به الخندق - وهم يومئذ سلم للنبي (صلى الله عليه واله) ويكرهون قدوم قريش (1) ونقول: لا ندري مدى صحة هذا القول، بعد ان كان رسول الله - حسبما تقدم، حين الكلام حول ايمان ابي طالب - يدعو الله أن لا يجعل لكافر ولا لمشرك عنده يدا أو نعمة إلا أن يكون صلى الله عليه واله قد قرر عليهم المعونة بهذا المقدار، إن دهمهم عدو، حسبما تقدم في معاهدته (صلى الله عليه واله) مع يهود المدينة. فلا تبقى لهم بذلك منة على احد، بل لله المنة عليهم، وانما يعملون بما أخذ عليهم العمل به تقسيم العمل في الخندق: قال الواقدي: " وكل بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 445 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 والامتاع ج 1 ص 220 وراجع وفاء الوفاء ج 4 ص 1207 (*)

[ 104 ]

فكان المهاجرون يحفرون من جانب راتج الى ذباب، وكانت الانصار تحفر من ذباب إلى جبل بني عبيد " وفي نص آخر: إلى خربي (1) وفي نص آخر: وخندقت بنو عبد الاشهل عليها بما يلي راتج إلى خلفها، حتى جاء الخندق من وراء المسجد. وخندقت بنو دينار من عند خربي الى موضع دار ابن ابي الجنوب اليوم (2) ومن جهة اخرى، فانه (صلى الله عليه واله) قطع الخندق اربعين ذراعا بين كل عشرة (3) وقال القمي: " جعل على كل عشرين خطوة، وثلاثين خطوة قوم من المهاجرين والانصار يحفرونه " (4) وفي نص آخر يقول: " وجعل لكل قبيلة حدا يحفرون إليه " (5) لكن القطب الراوندي يقول: " قسمه بين المهاجرين والانصار بالذراع


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 446 و 450 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 220 وحدائق الانوار ج 2 ص 585 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 313 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1205 (2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 450 و 451 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1205. (3) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 235 والبحار ج 20 ص 189 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 215 ومجمع البيان ج 2 ص 427 و 341 وبهجة المحافل ج 1 ص 263 وشرحه مطبوع بهامشه، وقال: رواه الطبري والطبراني، والحاكم، وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والكامل في التاريخ ج 2 ص 179 والخرائج والجرائح ج 1 ص 152 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 418 وفتح الباري ج 7 ص 305 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1205 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192 (4) تفسير القمي ج 2 ص 177 وعنه في بحار الانوار ج 20 ص 218 (5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 (*)

[ 105 ]

فجعل لكل عشرة منهم عشرة أذرع " (1) النبي (صلى الله عليه واله) يشارك في حفر الخندق: وقد شارك النبي صلى الله عليه واله المسلمين في حفر الخندق كما صرحت به النصوص التاريخة، وذلك رغبة في الاجر ولينشط المسلمين (2) وقد أجهد المسلمون أنفسهم، والنبي (صلى الله عليه واله) يكابد معهم (3) النصب والجوع وقد استمرت هذه المشاركة حتى فرغ من حفر الخندق (4) وكان (صلى الله عليه واله) يضرب مرة بالمعول، ومرة يغرف بالمسحاة التراب، ومرة يحمل التراب بالمكتل، قال أبو واقد: ولقد رأيته يوما بلغ منه، فجلس، ثم اتكأ على حجر على شقه الايسر، فذهب به النوم، فرأيت ابا بكر وعمر واقفين على رأسه ينحيان الناس ان يمروا به فينبهوه. وانا قريب منه، ففزع، ووثب فقال: ألا أفزعتموني ؟ !


(1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 152 والبحار ج 18 ص 32 عنه (2) راجع ما يلي: المغازي للواقدي ج 2 ص 445 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 189 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226. وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 95 وامتاع الاسماع ج 1 ص 220 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 234 ونهاية الارب ج 17 ص 168 وعيون الاثر ج 2 ص 55 و 57 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 409 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1407 والاكتفاء ج 2 ص 159 وفتح الباري ج 7 ص 301 (3) بهجة المحافل ج 1 ص 263 وحدائق الانوار ج 2 ص 585 (4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 (*)

[ 106 ]

فأخذ الكرزن (الفأس) يضرب به، وإنه ليقول: اللهم إن العيش عيش الاخرة * فاغفر للانصار والمهاجرة اللهم العن عضلا والقاره * فهم كلفوني أنقل الحجارة (1) وكان (صلى الله عليه واله) يحمل التراب على ظهره، أو على عاتقه (2) حتى إن التراب على ظهره وعكنه (3) وربما كان يحفر معهم حتى يعيا، ثم يجلس حتى يستريح. وجعل اصحابه يقولون: يا رسول الله، نحن نكفيك، فيقول: اريد مشاركتكم في الاجر (4) وعن ام سلمة بسند صحيح - عند احمد - كان النبي (صلى الله عليه واله) يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد اغبر شعر صدره (5) وفي نص آخر ذكره البخاري وغيره: " رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه - وكان كثير الشعر - فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة: والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 453 والسيرة الحلبية ج 2 ص 312 وامتاع الاسماع ج 1 ص 225 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 518 وراجع المواهب اللدنية ج 1 ص 111 (2) راجع: حدائق الانوار ج 2 ص 585 وامتاع الاسماع ج 1 ص 221 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516 (3) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 وفي المغازي للواقدي ج 2 ص 449 عن أنس: على صدره وبين عكنه (4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1207 عن تفسير الثعلبي (5) فتح الباري ج 7 ص 308 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516 وعن ابي يعلى واحمد برجال الصحيح (*)

[ 107 ]

إن الاولى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا ثم يمد بها صوته: أبينا، أبينا (1) وقد سجل العسقلاني تحفظا هنا، فهو يقول: " ظاهر هذا أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فان في صفته (صلى الله عليه واله) أنه كان دقيق المسربة، أي الشعر الذي في الصدر إلى البطن. فيمكن أن يجمع انه كان مع دقته كثيرا " (2) ولكنه جمع غير ظاهر الوجه، بعد أن كان التعبير الوارد في الرواية ياباه. ولكن المهم عند هؤلاء هو تصحيح رواية البخاري بأي ثمن وقد صرح القمي بأن رسول الله (صلى الله عليه واله) كان هو البادئ في حفر الخندق، فهو يقول: وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه


(1) راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 85 والبداية والنهاية ج 4 ص 96 عن الصحيحين وصحيح البخاري ج 3 ص 21 باب غزوة الخندق وصحيح مسلم - الجهاد والسير، باب غزوة الاحزاب وفتح الباري ج 6 ص 46 وج 7 ص 308 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 245 وبهجة المحافل ج 1 ص 263 والمواهب اللدنية ج 1 ص 111 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 والسيرة الحلبية ج 2 ص 312 وامتاع الاسماع ج 1 ص 222 و 223 وتفسير القرآن العظيم ج 3 ص 579 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 517 وراجع: حدائق الانوار ج 2 ص 585 و 586 ومجمع البيان ج 8 ص 341 وبحار الانوار ج 20 ص 199 ونهاية الارب ج 17 ص 169 والمغازي للواقدي ج 2 ص 449 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 413 و 414 وكنز العمال ج 10 ص 281 والغدير ج 7 ص 206 عن ابن كثير وعن طبقات ابن سعد (2) فتح الباري ج 7 ص 308 (*)

[ 108 ]

وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب من الحفرة، حتى عرقة رسول الله (صلى الله عليه واله) وعيي، وقال: لا عيش إلا عيش الاخرة * اللهم اغفر للانصار والمهاجرين فلما نظر الناس الى رسول الله (صلى الله عليه واله) يحفر اجتهدوا في الحفر، ونقلوا التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا الى الحفر، وقعد رسول الله (صلى الله عليه واله) في مسجد الفتح، فبينا المهاجرين والنصار يحفرون إذ عرض لهم الخ " (1) علي (عليه السلام) وشيعته أعظم الناس عناء: قال القاضي النعمان: " وكان علي صلوات الله عليه وشيعته اكثر الناس عناء، وفيه عملا. وكان في ذلك من الاخبار ما يطول ذكره " (2) وثمة تفاصيل أخرى: قد عرفنا فيما سبق: ان النبي (صلى الله عليه واله) كان هو البادئ في حفر الخندق. وكان (صلى الله عليه واله) يحفر، وعلي ينقل التراب من الحفرة. وقد استمرت مشاركة النبي (صلى الله عليه واله) لهم في العمل حتى انتهوا من الخندق وأنه (صلى الله عليه واله) كان يضرب مرة بالمعول، ومرة يغرف التراب بالمسحاة، ومرة يحمل التراب بالمكتل على ظهره، أو على عاتقه وكان (صلى الله عليه واله) يعاطيهم اللبن، الامر الذي يدل على انه كان ثمة


(1) تفسير القمي ج 2 ص 177 / 178 وبحار الانوار ج 20 ص 218 عنه (2) شرح الاخبار ج 1 ص 292 (*)

[ 109 ]

بناء في الخندق اضف الى ذلك انهم يقولون: انهم كانوا يحملون المكاتل على رؤوسهم، وإذا رجعوا بها جعلوا فيها الحجارة، يأتون بها من جبل سلع، يسطرونها مما يليهم كأنها حبال التمر وكانت الحجارة من اعظم سلاحهم، يرمونهم بها والقوم يرتجزون، ورسول الله (صلى الله عليه واله) يقول: هذى الجمال لا جمال خيبر * هذا أبر ربنا واطهر (1) وما كان في المسلمين يومئذ احد الا يحفر في الخندق، أو ينقل التراب وكان أبو بكر وعمر لا يتفرقان في عمل، ولا مسير ولا منزل، ينقلان التراب في ثيابهما من العجلة، لم يكن مكاتل لعجلة المسلمين (2) وقال جابر: وعمل الناس يومئذ كلهم، والنبي (صلى الله عليه واله). وجعلت الانصار ترتجز وتقول: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا ابدا فقال النبي (صلى الله عليه واله)، وفي لفظ اخر: فيجيبهم اللهم لا خير إلا خير الاخرة * فاغفر للانصار والمهاجرة (3)


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 446 وراجع: الامتاع ج 1 ص 220 وراجع السيرة الحلبية ج 2 ص 312 (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 449 و 448 والسيرة الحلبية ج 2 ص 313 والامتاع ج 1 ص 222. وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516 (3) المغازي للوادي ج 2 ص 452 و 453 وراجع كنز العمال ج 10 ص 290 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 وحدائق الانوار ج 2 ص 585 / 586 وصحيح البخاري (المغازي) باب غزوة خيبر وصحيح مسلم، الجهاد (*)

[ 110 ]

وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد الى غيره فاعانه، حتى كمل الخندق (1) وعن انس قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه واله) الى الخندق، فإذا المهاجرين والانصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى مل بهم من النصب والجوع. وفي نص اخر: فلما رآهم يحملون التراب على متونهم، وما بهم من نصب وجوع، قال: اللهم ان العيش عيش الاخرة، فاغفر للانصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا ابدا (2) وبعد ما تقدم نقول: عمل المنافقين في الخندق: قالوا: وأبطأ عن رسول الله (صلى الله عليه واله) وعن المسلمين في عملهم


والسير - باب غزوة الاحزاب ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 410 و 411 و 412 وراجع فتح الباري ج 7 ص 392 وعن مسلم باب غزوة الاحزاب وعن البخاري وغير ذلك (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516 (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 والبداية والنهاية ج 4 ص 95 و 96 وبهجة المحافل ج 1 ص 263 والمواهب اللدنية ج 1 ص 111 وتاريخ الخميس ج 1 ص 482 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516 و 517 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 410 / 411 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 245 وعن فتح الباري ج 7 ص 392 (*)

[ 111 ]

ذاك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل وحسب نص اخر: تخلف طائفة من المنافقين، يعتذرون بالضعف. وتسلل عنه صلى الله عليه واله مسلم جماعة من المنافقين الى أهليهم بغير علم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فأنزل الله تعالى في ذلك: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم) *. ثم كان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لا بد منها يستاذن رسول الله (صلى الله عليه واله) فيقضي حاجته، ثم يعود، فانزل الله تعالى: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستاذنوه، أن الذين يستاذنونك اولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) * واللواذ استتارة بالشئ عند الهرب (1) هناك الذين كانوا يتسللون زاعمين ان بيوتهم عورة - اي


(1) راجع ما تقدم كلا أو بعضا، في المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226 و 227 والكتفاء للكلاعي ج 2 ص 159 و 160 والكامل في تاريخ ج 2 ص 179 و 178 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 234 والسيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 312 ونهاية الارب ج 17 ص 168 وعيون الاثر ج 2 ص 55 و 56. وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 95 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 وراجع ص 112 و 113 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 والدر المنثور ج 5 ص 60 عن ابن اسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 522 و 523 والتهذيب سيرة ابن هشام ج 3 ص 189 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 409 (*)

[ 112 ]

مكشوف للغزاة، ومعض للحتلال (1) - وليس الامر كذلك ولنا مع ما تقدم وقفات، نشير إليها فيما يلي من مطالب 1 - توزيع المهام على العاملين: ومن الواضح: ان تحديد المسؤوليات، وتقسيم المهام على العاملين من شأنه ان يرفع من درجة الاحساس بالمسؤولية، الامر الذي يفرض على العاملين قدرا اكبر من الدقة والتحري، الذي ينعكس على العمل اتقانا وتناسقا وجمالا هذا عدا عن انه يذكي روح التنافس البناء والهالف، الذي يؤدي الى نشوء نوع من الرقابة العفوية، التي تنتهي الى الانضباط، والى الاسراع في الانجاز ومن جهة ثانية فانه يقطع الطريق على اولئك الكسالى والاتكاليين، ممن يضعف لديهم الشعور بالمسؤولية، ويريدون ان يفيدوا ويستفيدوا من جهد الاخرين، دون ان يقدموا هم انفسهم اي جهد، أو ان يبذلوا اي عناء. ومنعهم من ثم من التواكل المؤدي الى الفشل، والى التضييع والبلبلة والاختلاف وقد روي عن علي عليه الصلاة والسلام: انه كتب في وصيته للامام الحسن، صلوات الله وسلامه عليه: " واجعل لكل انسان من خدمك عملا تأخذه به، فإنه احرى ان لا يتواكلوا في خدمتك " (2)


(1) سيرة المصطفى ص 496 (2) نهج البلاغة بشرح عبده، اخر وصية الامام الحسن ج 3 ص 63، الكتاب رقم 31 (*)

[ 113 ]

كما ان عدم تحديد المسؤوليات يؤدي الى تخلخل في البينة الداخلية، نتيجة للاحساس بالغبن لدى من تفرض عليه ظروف عمله ان يكون هو الذي يتحمل عب ء انجاز ما فرط الاخرون في انجازه وعسى ولعل ان يتجه الفرقاء الى اثارة الالسئلة والشكوك، ثم الى التراشق بالتهم لتبرير حالة الضعف القائمة بسبب ذلك وعلينا بعد ذلك كله: ان نتوقع ظهور عوارض الخلل والضعف في أية خطة ترسم وتعتمد، وتفقد الكثير من حيويتها وفاعليتها في مجال التطبيق والتنفيذ كما ان توزيع الحصص على العاملين بهذه الطريقة يضمن تحقق المساواة والعدل في تحمل مشاق العمل، فلا يعمل هذا اكثر من ذاك وإذا استطاعة التفوق على اقرانه في العمل، فان ذلك يظهر للاخرين ويتجلي امتيازه على سائرهم - كما سنقرؤه بالنسبة لسلمان الفارسي، الذي ظهرت قوته في العمل، فتنافس فيه المهاجرون والانصار اما المتواكل المتخاذل،، فلا مجال للتستر عليه، إذا كان يريد أن يتوانى في عمله ويتواكل فيه. وقد فضح القرآن المنافقين، الذين اتبعوا هذا السبيل كما تقدم هذا كله، بالاضافة إلى أن قسمة العمل على النحو المتقدم من شأنها أن تؤثر في زرع روح التفاؤل بامكانية انجاز هذا العمل الضخم وتقلل من رهبته في صدور العاملين، حينما تنحسر النظرة الى ذلك العمل الهائل لتصبح في مدى أذرع يسيرة يتعاون على انجاز العمل فيها عشرة من المؤمنين

[ 114 ]

2 - النبي والشعر: قد تقدم بعض ما يدل على ان النبي (صلى الله عليه واله) كان يتمثل ببعض الشعر، أو ينشد مع الصحابة ما ينشدون، ونزيد هنا: قال دحلان وغيره: عن سهل بن سعد: كنا مع النبي في الخندق ننقل التراب على أكتافنا، فقال (صلى الله عليه واله): اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة * فأكرم الانصار والمهاجرة وهو من كلام ابن رواحة، وأصله: لا هم إن العيش عيش الاخرة. فنطق به النبي (صلى الله عليه واله): اللهم لا عيش الخ... لانه يعسر عليه النطق بالشعر، وإن كان من قول غيره (1) وعن ابي عثمان النهدي، أو سلمان: أنه (صلى الله عليه واله) حين ضرب في الخندق قال: باسم الاله وبه بدينا * ولو عبدنا غيره شقينا * ياحبذا ربا وحب دينا (2)


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 عن البخاري والسيرة الحلبية ج 2 ص 312 وراجع البداية والنهاية ج 4 ص 96 عن البخاري ومسلم والحديث في نهاية الارب ايضا ج 17 ص 169 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 وفيه: فاغفر للمهاجرين والانصار (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 111 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 والسيرة الحلبية ج 2 ص 312 والامتاع ج 1 ص 221 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 517 والبداية والنهاية ج 4 ص 96 / 97 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 414 والسيرة النبوية لابن كثير (*)

[ 115 ]

قال دحلان: " وهو من كلام بعض اصحابه يتمثل به. أو من كلامه بناء على أن الرجز ليس بشعر. أو ان الشعر شرطه أن يكون مقصودا كونه شعرا موزونا. أما إذا خرج موزونا بلا قصد، فلا يسمى شعرا " (1) ونقول: إن بعض الناس حسبما تقدم، وكما هو مذكور في كتب التفسير، في تفسير قوله تعالى: * (وما علمناه الشعر، وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) * (2) يريد أن يدعي: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم غير قادر على التفوه بكلام موزون، أو أن الرجز ليس بشعر. أو ما إلى ذلك.. ولكنها دعاوى ليست على درجة من القوة والاستقامة، فان المراد بالاية الكريمة * (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) *: أنه صلى الله عليه واله ليس بشاعر، بمعنى أنه ليس لديه ملكة الشعر، لا انه يعسر عليه التكلم بشعر غيره والنطق به. ولا حاجة بعد هذا إلى دعوى: أن الرجز ليس بشعر، كما لا حاجة إلى اشتراط القصد أو عدمه في إيراد الشعر الموزون. فان النظر هو إلى ملكة الشعر الذي يتضمن الانسياق وراء الاوهام والتخيلات، والمبالغات، والتصويرات غير الواقعية بالاضافة إلى الوزن والموسيقى. وفقا لما أشار إليه تعالى بقوله: * (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم


ج 3 ص 186 وفتح الباري ج 7 ص 304 (1) اليسرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 (2) سورة يس، الاية رقم 69 (*)

[ 116 ]

يقولون ما لا يفعلون) * (1) 3 - دور عضل والقارة: وقد ذكرت رواية ابي واقد: أنه (صلى الله عليه واله) قال: اللهم العن عضلا والقارة * هم كلفوني أنقل الحجارة وليس هذا الكلام واضح المأخذ والمغزى، إلا ان تكون هاتان القبيلتان: عضل والقارة، قد قامتا بنشاط واسع في تحزيب الاحزاب فاق نشاط اليهود وقريش حتى صح أن ينسب (صلى الله عليه واله) إلى هاتين القبيلتين حتى نقل الحجارة للخندق وليس فيما بأيدينا من نصوص ما يدل على ذلك أو يشير إليه من قريب ولا من بعيد 4 - الامثولة المواساة: وما أروع هذا التنويع في المهمات التي تصدى الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم لها في حفر الخندق، حيث لم يقتصر على نوع واحد من العمل فيه، بل شارك (صلى الله عليه واله) كل العاملين في اعمالهم وأذاق نفسه الشريفة مبلغ جهدهم، فصدق بذلك الخبر الخبر، وتجلت المواساة بأبهى صورها، وتجسدت الامثولة الرائدة بأروع وأدق وأصدق معانيها


(1) الشعراء، الاية 224 - 226 (*)

[ 117 ]

5 - المتحذلقون الاغبياء: ومن الامور التي تلفت النظر هنا. أن البعض يحاول أن يفرغ هذه التضحيحة الرائعة، والامثولة الفريدة للنبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم من معناها ومغراها، فيدعي رجما بالغيب: أن النبي صلى الله عليه واله كان لا يرى الشدة في حمل الحجارة (1) رغم صراحة رواية ابي واقد المتقدمة بأن أبا واقد رأى النبي (صلى الله عليه واله) وقد بلغ منه وعلى حد تعبير نص آخر: " وهو (صلى الله عليه واله) يكابد معهم " وفي نص ثالث: وربما كان يحفر حتى يعيا، ثم يجلس حتى يستريح وفي نص رابع: " حتى عرق رسول الله (صلى الله عليه واله) وعيي ". وكل ذلك قد تقدم مع مصادره 6 - لا عيش الا عيش الاخرة: ولا ننسى أن نلفت نظر القارئ هنا إلى مضمون الشعر الذي كان يترنم به العاملون في الخندق، وما يتضمنه من ربط لهم بالاخرة وبما يرجو المؤمنون تحقيقه من فوز وفلاح فيها كما أنه يحمل في ثناياه مقارنة عفوية فيما بين الدنيا والعيش فيها، وتفضيل عيش الاخرة عليه. ثم يشاركهم النبي في ترديد هذا الشعر، فتكون مشاركة للوجدان وللاحساس، ويتعمق لدى هذا الانسان الكادح المجاهد الشعور بالله سبحانه، وبالطافه ومواهبه، وما أحوجهم في هذا الظرف العصيب بالذات إلى احساس كهذا


(1) الزهد والرقائق ص 256 (*)

[ 118 ]

7 - الحماس والمثابرة: وقد كان لمشاركة النبي (صلى الله عليه واله) هذه تأثير كبير في إثارة الحماس لدى العاملين في حفر الخندق. وقد اذكى هذا الحماس ايضا معرفتهم بتحرك الاعداء باتجاه المدينة. واحساسهم بالخطر الذي يتهددهم 8 - الاسوة الحسنة: لقد أجمع المؤرخون على ان النبي (صلى الله عليه واله) قد شارك في حفر الخندق. وتتفق هذه النصوص على انها كانت مشاركة فعالة وحقيقية وجدية. وما نريد أن نلفت النظر إليه هنا هو: أ - إن هذه المشاركة لم تكن شكلية، ومجرد تمثيل، كما عهدناه وألفناه من رؤساء الجمهوريات والوزراء وكبار المسؤولين في عصرنا الحاضر، حيث يضرب أحدهم بالمعول مثلا ضربات أمام الجماهير في احتفال تكريمي ليظهر على شاشات التلفزيون، وعلى صفحات الجرائد في استعراض اعلامي مزيف، يهدف إلى تكريس زعامته ونفوذه، ولا شئ غير ذلك ثم يتابع رقابته على العمل والعاملين من موقع الآمر، من قصره المنيف أو من برجه العاجي الزاهر فجاءت مشاركة النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) في حفر الخندق بصيغة المعاناة الحقيقية والصادقة، التي تمثل الاسوة في المعاناة الكادحة لا مجرد الرمز والمثال. ولنسمع النشيد العفوي والصادق: لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك منا العمل المضلل يقول البعض: " ان التاريخ لم يدون لنا غير حادثة مفردة عن

[ 119 ]

شخصية كان لها سلطان روحي وزمني ايضا على امة من الامم. ومع ذلك فقد عملت مثل عامل عادي، وجنبا إلى جنب مع اتباعها في ساعة الحرج الوطني العظيم " (1) ب - إن مشاركته صلى الله عليه واله وسلم في حفر الخندق تجسد عمليا للمسافة بين جميع فئات المجتمع، تخرجها عن ان تكون مجردة شعار، يراد له ان بيقى في حدود إثارة المشاعر، في النشاط الاعلامي الجماهيري، دون ان تجاوز ذلك ليصبح حياة وحركة، نهجا وسلوكا المساواة في نظر الاسلام نهج وسلوك، وخلق اسلامي وانساني رفيع ونبيل، تنطق من خلاله وعلى اساسه مثل وقيم في جهات حياتية شتى. ولاجل ذلك نجد النبي صلى الله عليه واله وسلم يشارك اصحابه في حفر الخندق مشاركة حقيقية، فهو يتعب كما يتعبون، ويرتجز كما يرتجزون، ويجوع كما يجوعون، ويشاركهم حلو العيش ومره، ويشترك معهم في تحمل المتاعب والمواجهة المصاعب ويكون اكثرهم عناء، واعظمهم غناء ج - ان هذه المشاركة منه (صلى الله عليه واله) لم تكن عن تواضع يريد من ورائه نيل رضاهم ومن خلال المواساة التي يتلمسونها في مشاركته تلك. بل هي منطلقة بالاضافة الى ذلك من قناعة راسخة بالقيم والمبادئ، وبالمثل الاسلامية والانسانية، التي تجعل ذلك عبادة إلهية، وعبودية له سبحانه وتعالى، تلك العبادة والعبودية التي لا تستثني ولا تجامل ولا تحابي احدا أيا كان


(1) حياة محمد ورسالته ص 165 تأليف: مولانا محمد علي (*)

[ 120 ]

د - ومن الواضح: ان ارتباط النبي صلى الله عليه واله وسلم بالناس لم يكن بالنوع الروابط التي تقوم بين الزعيم وبين قاعدته الجماهيرية، ولا كانت هي رابطة حاكم ورعية، وان ما كانت رابطة الابوة المسؤولة والواعية، التي يدفعها احساسها الابوي لتريد الخير لمن هم تحت تكلفها من مواضع الوعي والتدبير، لا من موقع العاطفة الهوجاء، ولا من منطلق التفكير المصلحي، الذي يريد ان يستفيد من ذلك لتكريس زعامته، أو كسب امتيازات سياسية، أو اجتماعية أو غيرها ولاجل ذلك كان مواساته صلى الله عليه واله وسلم لاصحابه في حالات الجوع ثم مشاركته لهم في تلبيته لدعوة جابر لتناول الطعام رغم ان جابرا لم يجد في بيته إلا ما يكفي بضعة اشخاص ولكن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم قد دعا الجميع واطعم الجميع منع حسان وكعب بن مالك من الشعر: وقال المؤرخون ايضا عن كعب بن مالك قال: جعلنا يوم الخندق نرتجز ونحفر، فعزم رسول الله (صلى الله عليه واله) علي ان لا اقول شيئا ! فقلت: هل عزم على غيري ؟ ! قالوا: حسان بن ثابت قال: فعرفت ان رسول الله (صلى الله عليه واله) انما نهانا لوجدنا له، وقتله على غيرنا. فما تكلمت بحرف حتى فرغنا من الخندق وقال (صلى الله عليه واله) يومئذ: لا يغضب احدا مما قال صاحبه، لا يريد

[ 121 ]

بذلك سوءا. إلا مما قال كعب وحسان فانهما يجدان ذلك (1) وعند البيهقي: نهاهما ان يقولا شيئا يحفضون به شيئا (2) وكان جعيل بن سراقة رجلا صالحا. وكان دميما قبيحا. وكان يعمل معهم في الخندق. وكان (صلى الله عليه واله) قد غير اسمه يومئذ وسماه عمرا. فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون: سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا وجعل رسول الله لا يقول شيئا بل يقفي معهم فقط، ويقول: عمرا. ظهرا (3) قال الحلبي: " وسياق اسد الغابة يدل على أن هذا الذي غير رسول الله (صلى الله عليه واله) اسمه وسماه عمرا غير الجعيل المذكور " (4) ونشير نحن هنا الى ما يلي:


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 447 وراجع: الامتاع ج 1 ص 221 وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 (3) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 516. وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 447 و 448 متنا وهامشا وراجع دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 409 و 410. والسيرة النبوة لابن هشام ج 3 ص 227 / 228 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 234 و 235 والبداية والنهاية ج 4 ص 95 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 183 وبهجة المحافل ج 1 ص 264 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 / 312 وراجع: الامتاع ص 222 واسد الغابة ج 1 ص 290 وقال: اخرجه أبو موسى والاصابة ج 1 ص 240 (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 512 وراجع اسد الغابة ج 1 ص 290 (*)

[ 122 ]

الكلمة المسؤولة القرار الحاسم: ان هذه النصوص التي ذكرناها قد اظهرت ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قد اتخذ قرارا حاسما يمنع حسان بن ثابت وكعب بن مالك من انشاد أو قول شئ حين حفر الخندق والذي يظهر لنا من ثنايا الكلمات هو ان حسانا وكعب بن مالك لم يلتزما بالضوابط الاخلاقية والاسلامية فيما قالاه وانشداه بل هما قد تجاوزا الحد، واغضبا الاخرين ويشير الى ذلك: 1 - انه صلى الله عليه واله وسلم قد اختص هذين الرجلين بالمنع، ولم يعزم على احد غيرهما 2 - كما ان قوله (صلى الله عليه واله) يومئذ: لا يغضب احد مما قال صاحبه لا يريد بذلك سوءا الخ.. صريح في انه قد قيل ثمة ما يوجب الغضب، حتى احتاجة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم للتدخل لتلطيف الاجواء، وسل الخيمة 3 - ولعل قصة جعيل بن سراقة هي احد الشواهد على هذا التعدي على الاخرين، حيث كان من الطبيعي ان ينزعج هذا الرجل، الذي وصف بالقبح والدمامة من ارتجازهم الشعر في حقه ويعد ذلك نوع من العبث والاستهانة به، والاحتقار له ومن هنا، فاننا نشك كثيرا في قولهم: ان النبي (صلى الله عليه واله) جعل يقفي معهم، ويقول: عمرا، ظهرا... من اننا نلاحظ على النص المذكور: انه قد المح الى ان سكوت النبي عن انشادهم الشعر في حق جعيل كان ملفتا للنظر، حيث يقول النص: " فجعل رسول الله لا يقول شيئا، بل يقفي معهم فقط "

[ 123 ]

وبعد ما تقدم نقول: اننا نلمح في النصوص المتقدوة محاولة للتحريف والتصرف في النص بهدف التعميم على حقيقة ما جرى حيث حاول ان يصور لنا: ان منع حسان وكعب من قول شئ انما كان لاجل قدرتهما على قول الشعر وقلته على غيره مع ان القضية ما كانت تتطلب الكثير من قول الشعر آنئذ، بل يكفي البيت أو البيتان ليرددهما الاخرون مدة طويلة، وفقا لما حفظه لنا التاريخ في هذه المناسبة. بالضافة الى ان الكثيرين كانوا يجيدون الشعر مثل كعب وحسان وام يكن ثمة داع لتحاسد القوم في امر كهذا في مناسبة كهذه ولا كان اللازم هو ان يحسدوا حسانا وكعب بن مالك في سائر المناسبات، ويمنعهما النبي (صلى الله عليه واله) من هجاء المشركين ومن نظم الشعر في كثير من المناسبات الاخرى ولم نجد في ما بايدينا من نصوص تاريخية ان حدث ما يشبه هذه القضية في اي مناسبات اخرى، لا مع النبي ولا مع غيره وذلك بجعلنا نطمئن الى حدوث تجاوز منهما للحد اوجب ان يقف النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم منهما هذا الموقف الحازم والحاسم فليتأمل في تاريخ حياة هذين الرجلين فقد يجد المتتبع فيها الكثير مما لا يحسن ولا يجمل، وقد تقدم في اواخر الحديث عن غزوة بني النضير شئ غريب صدر في حسان، وربما تاتي الاشارة لاشياء اخرى صدرت منه ومن غيره، والله هو المسدد والهادي

[ 124 ]

زيد بن ثابت: " كان زيد بن ثابت ممن ينقل التراب، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله) في حقه: اما انه نعم الغلام، وغلبته عينه، فنام في الخندق. فاخذ عمارة بن حزم سلاحه، وهو نائم. فلما قام فزع على سلاحه، فقال له (صلى الله عليه واله): يا بار، [ يا ابا رقاد ] قد نمت حتى ذهب سلاحك ؟ ثم قال: من له علم بسلاح هذا الغلام ؟ ! فقال عمارة: انا يا رسول الله، هو عندي فقال: رده عليه ونهى ان يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا " (1) وكان المسلمون قد انكشفوا يريدون يطيفون بالخندق ويحرسونه، وتركوا زيدا نائما ولا يشعرون به. ونقول: لا ندري مدى صحة ما ينسب إلى النبي: أنه قاله في حق زيد بن ثابت. دون سائر من كانوا ينقلون التراب من شباب وغيرهم، من دون مبرر ظاهر، أو سبب معقول، أو فعل متميز من زيد على من سواه، يستدعي ان يخلع عليه النبي الاوسمة، ويخصه بالتقاريض والمدائح غير أننا نعلم: ان زيدا كان ممن تهتم السلطة بأمره. وتعمل على رفعة شأنه، وتخصيصه بكل غال ونفيس ما وجدت إلى ذلك سبيلا، لانه كان من أعوانها بل من أركانها كما أشرنا إليه في فصل تعليم زيد للغة العبرانية، فلا نعيد


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 213 والامتاع ج 1 ص 222 والاصابة ترجمة زيد بن ثابت والمغازي للواقدي ج 2 ص 448 (*)

[ 125 ]

سلمان منا أهل البيت: ويقولون: إن المسلمين جعلوا إذا رأوا في الرجل فتورا ضحكوا منه. وتنافس الناس يومئذ في سلمان الفارسي، فقال المهاجرون: سلمان منا. وكان قويا عارفا بحفر الخنادق وقالت الانصار: هو منا ونحن أحق به فبلغ رسول الله (صلى الله عليه واله) قولهم فقال: سلمان رجل منا أهل البيت (1) " ولقد كان يومئذ يعمل عمل عشرة رجال، حتى عانه (أي أصابه بالعين) يومئذ قيس بن ابي صعصعة فلبط به (أي صرع وسقط إلى الارض) فسألوا رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال: مروه فليتوضأ له، وليغتسل به، ويكفأ الاناء خلفه ففعل، فكانما حل من عقال (2) " وحسب نص اخر أوضح وأصرح " روي انه كان يعمل في الخندق عمل الرجلين. وفي رواية كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 446 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 وراجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 235 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 263 وراجع: سيرة المصطفى ص 495. عن الطبري وتاريخ الخميس ج 1 ص 482 السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 والامتاع ج 1 ص 221 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 ومجمع البيان ج 2 ص 427 وج 8 ص 341 والبحار ج 20 ص 189 و 198 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 400 و 418 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 598 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1205 وراجع ص 1207 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192 (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 447 والامتاع ج 1 ص 221 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 515 (*)

[ 126 ]

الخندق، وعمقها ايضا خمسة اذرع، فعانه قيس بن صعصعة، فصرع وتعطل من العمل، فاخبر بذلك رسول الله (صلى الله عليه واله) فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان، ويجمع وضوءه في ظرف، ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ويكفأ الاناء خلف ظهره ففعل، فنشط في الحال كما ينشط البعير من العقال " (1) وقصة التنافس في سلمان وقول النبي (صلى الله عليه واله) سلمان منا أهل البيت مذكورة في العديد من المصادر، فلتراجع في مظانها (2) ونص آخر يقول: إنه حين حفر الخندق كان المسلمون ينشدون سوى سلمان، فرأى النبي صلى الله عليه واله وسلم ذلك، فدعا الله تعالى: أن يطلق لسان سلمان، ولو ببيتين من الشعر. فأنشد سلمان ثلاثة ابيات هي: ما لي لسان فأقول شعرا * أسأل ربي قوة ونصرا على عدوي وعدو الطهرا * محمد المختار حاز الفخرا حتى أنال في الجنان قصرا * مع كل حوراء تحاكي البدرا فضج المسلمون، وجعلت كل قبيلة تقول: سلمان منا. فقال


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 482 والسيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 314 وراجع: الامتاع ج 1 ص 221 وراجع المغازي للواقدي ج 2 ص 447 (2) الطبقات الكبير لابن سعد ج 4 قسم 1 ص 59 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 235 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 179 والبحار ج 2 ص 189 عن مجمع البيان ج 2 ص 427 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 وراجع أسد الغابة ج 2 ص 331 وذكر اخبار اصبهان ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 200 ونفس الرحمان ص 34 / 35 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 598 (*)

[ 127 ]

النبي صلى الله عليه واله: سلمان منا اهل البيت (1) ونقول: إننا نشك في صحة ذلك كله، وذلك للامور التالية: اولا: إنه عدا عما في هذه الابيات الاخيرة من الهنات. لا نجد المبرر المذكور لدعاء النبي (صلى الله عليه واله) لسلمان كافيا في تبرير ذلك، لان الذين كانوا ينشدون الشعر، ما كانوا ينشدون من نظمهم، بل كان الناظم واحد من الناس، والباقون يرددون المنظوم بطريقة معينة ووقع خاص يتناسب مع الحالة التي يعيشونها، وقد كان باستطاعة سلمان ان يردد ذلك النشيد مع المرددين، من دون حاجة إلى أن ينظم شعرا، كما صورته لنا الرواية وثانيا: إن ما ذكروه في سبب اطلاق هذه الكلمة النبوية الخالدة في حق سلمان: " سلمان منا اهل البيت " لا يعدو ان يكون امرا عاديا بل وتافها، لان معناه: ان تكون قضية الاستفادة من قوة سلمان البدنية موضع تنافس الفرقاء، وقد حسم النبي (صلى الله عليه واله) نزاعهم، بتحويل سلمان إلى القسم الذي كان يعمل هو صلى الله عليه واله واهل بيته فيه فكانت تلك الكلمة ايذانا بذلك وهذا معناه ان تفقد هذه الكلمة قيمتها واهميتها. وهكذا الحال بالنسبة لحكاية اطلاق لسان سلمان بالشعر، ثم تنافس الفرقاء فيه فجعله صلى الله عليه واله جزءا من فئة تحسن التكلم بالعربية، وتحب ان تكرمه وتشجعه، لانه نطق بلغتها


(1) راجع: المناقب لابن شهر اشوب ج 1 ص 85 وقاموس الرجال ج 4 ص 424 والدرجات الرفيعة ص 218، ونفس الرحمان ص 43 (*)

[ 128 ]

إذن، فلم يكن هذا الوسام لسلمان قد استحقه لعلمه، أو لدينه أو لمواقفه، أو لغير ذلك من امور تدخل في نطاق صفات واعمال الخير والصلاح فيه وبعد هذا فلا يبقى مبرر لما نلاحظه في كلمات الائمة عليهم السلام من تركيز على هذا الوسام، وتأكيد لواقعيته ومصداقيته فيه رضوان الله تعالى عليه كما لا معنى لاستدلال ابن عربي على عصمة سلمان بهذه الكلمة المأثورة عن النبي (صلى الله عليه واله) في حقه، باعتبار أن اهل البيت معصومون مطهرون، بنص آية التطهير (1) الصحيح في القضية: ولعل الصحيح في القضية، الذي ينسجم مع وقائع التاريخ ومع ما عهدناه من سياسات انتهجها الحكام طيلة عشرات السنين هو النص التالي: " إن سلمان الفارسي رضي الله عنه دخل مجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم، فعظموه، وقدموه، وصدروه، اجلالا لحقه، واعظاما لشيبته، واختصاصه بالمصطفى واله فدخل عمر، فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب ؟ ! فصعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم المنبر، فخطب، فقال:


(1) راجع: سلمان الفارسي، للعلامة السبيتي ص 40 ونفس الرحمان ص 32 كلاهما عن الفتوحات المكية (*)

[ 129 ]

إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط لا فضل للعربي على العجمي، ولا للاحمر على الاسود إلا بالتقوى. سلمان بحر لا ينزف، وكنز لا ينفد، سلمان منا اهل البيت " (1) وهكذا يتضح: أن سلمان المحمدي قد تعرض لمحاولة تحقير وامتهان، من قبل رائد " التمييز العنصري " بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله) الذي شاع وذاع عنه أنه لم يحب تزويج سلمان. وكان يكره الفرس ويمقتهم وقد حرمهم من أبسط الحقوق (2) فانتصر النبي صلى الله عليه واله وسلم لسلمان، وأدان المنطق الجاهلي، والتمييز العرقي والعنصري، بصورة صريحة، وقوية وقاطعة تقتلك الفئة الباغية: روي في صحيح مسلم " عن ابي قتادة: أن رسول الله (صلى الله عليه واله) قال لعمار حين يحفر الخندق، فجعل يمسح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية " (3) لكن القمي قد فصل ذلك حيث قال: " قوله: يمنون عليك أن اسلموا، نزلت في عثكن (عثمان) يوم


(1) الاختصاص ص 341 ونفس الرحمان في فضائل سلمان ص 29 والبحار ج 22 ص 348 (2) قد تكلمنا حول سياسات عمر تجاه غير العرب ومع سلمان في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي فراجع (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 481 عن صحيح مسلم وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 312 (*)

[ 130 ]

الخندق. وذلك انه مر بعمار بن ياسر، وهو يحفر الخندق، وقد ارتفع الغبار من الحفر، فوضع كمه على أنفه ومر. فقال عمار: لا يستوى من يبتني المساجدا * يظل (فيصلي) فيها راكعا وساجدا كمن يمر بالغبار حائدا * يعرض عنه جاحدا معاندا فالتفت إليه عثكن، فقال: يا ابن السوداء إياي تعني ؟ ثم أتى رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال له: لم ندخل معك لتسب اعراضنا فقال له رسول الله (صلى الله عليه واله): قد أقلتك اسلامك فاذهب. فأنزل الله: يمنون عليك أن اسلموا الخ " (1) وقد تقدم في جزء سابق حين الحديث عن بناء مسجد المدينة: أن ذلك قد حصل في تلك المناسبة في قضية حصلت بين عمار وعثمان، ونقول: إننا لا نريد أن ندخل في موضوع تحقيق الحق في كون ذلك قد حصل في البناء الاول للمسجد أو الثاني، أو في حفر الخندق، فان تحقيق ذلك ليس له كبير أهمية ما دام أن أصل القصة، وكلمة الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم مما لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه، وقد أجمع عليه المحدثون والمؤرخون، بل والمسلمون قاطبة وأصبح من المسلمات غير أننا نذكر القارئ هنا بأمر هام، وهو: أن طريقة النبي صلى الله عليه واله وسلم والائمة الاطهار في التربية والتعليم لها مرتكز أساس، وهو الاعتماد على بلورة المعايير والمنطلقات الاساسية في النهج الفكري والعقيدي للناس بصورة عامة، ثم تفويض أمر اختيار ما يتناسب مع تلك المعايير، ويتطابق مع


(1) تفسير القمي ج 2 ص 322 والبحار ج 20 ص 243 (*)

[ 131 ]

هاتيك الضوابط إلى الناس أنفسهم، فنجد الناس مثلا هم الذين يقومون بعملية التعرف على الامام، بما لديهم من ضوابط ومعايير يمارسون تطبيقها بانفسهم، وتوصلهم إلى الامام الحق، بصورة قويمة وسليمة، من دون حاجة إلى التنصيص عليه بالاسم، كما كان الحال حينما أوصى الامام الصادق إلى خمسة احدهم الامام موسى، حيث عرف الشيعة أن الامام لا يمكن أن يكون ذلك الحاكم الظالم، كما لا يمكن ان يكون هو زوجة الامام، ثم لا يمكن ان يكون هو الولد الاكبر مع إشراك الاصغر في الوصية (1) والامر في قصة عمار ايضا من هذا القبيل، حيث قدم النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم للناس آنئذ ضابطة يعرفون بها فريق البغاة، ويميزونه عن غيره، دون أن يصرح صلى الله عليه واله وسلم بالاسم أو بالاسماء، الامر الذي قد يحمل معه سلبيات كثيرة ومتنوعة بشكل أو بآخر.. ومن الواضح: أن لهذه التربية الفكرية ولصياغة الشخصية الاسلامية بهذه الطريقة آثار إيجابية كبيرة وهامة جدا. وذلك لما ينتج عنها من حصانة ومناعة لدى الانسان المسلم في مقابل محاولات الخداع والتضليل التي ربما يتعرض لها من قبل اهل الدعوات الفاسدة والمشبوهة، ويصبح في مأمن من الوقوع في شراكهم التي ينصبونها له ولامثاله.. كما انها تجعله قادرا على نقل المفاهيم التي يؤمن بها إلى الاخرين بالطريقة المنطقية والمقبولة والمعقولة


(1) راجع: البحار ج 47 (*)

[ 132 ]

ثم هي تمكنه من أن ينأى بنفسه عن أن يكون من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، ويسيرون في ركاب كل قبيل، دون وعي أو نأمل في الامور وفي عواقبها أضف إلى ذلك: أنها تخرج الانسان المسلم عن دائرة التلقين الاعمى، ليصبح قادرا على التفاعل مع الفكرة، أو مع أية قضية تعرض عليه، ولكن لا من موقع التأثر والانفعال العاطفي أو اللاشعوري، بل من موقع التأمل والتروي والوعي والضبط والانضباط بكل ما لهذه الكلمات من معنى دقيق، وعميق وهذا بحث هام ومتشعب، يحتاج إلى توفر تام، من أجل حشد الشواهد والدلائل الكثيرة والمتنوعة للاستفادة منها كطريقة عمل ومنهج حياة، وسبيل صلاح واصلاح، إن شاء الله تعالى

[ 133 ]

الفصل الرابع: كرامات في نطاق السياسة الالهية

[ 135 ]

مما سبق: قد تحدثنا في الجزء السابق، في غزوة ذات الرقاع عن معرفة الانبياء والاوصياء بلغات البشر، بل منطق الطير وسائر الحيوانات وتحدثنا ايضا هناك عن الكرامات التي نقلت عن نبينا الاكرم صلى الله عليه واله وسلم وعن الائمة الاطهار وعن الانبياء السابقين وغيرهم. مما أشار القرآن إلى بعض منه ايضا. وقد ذكرنا ثمة توضيحا لا غنى عن المراجعة إليه، من أجل جعل الامور في نصابها في نطاق فهم هذه الكرامات والمعجزات التي سجل لنا القرآن والتاريخ والحديث منها العشرات والمئات في مختلف الشؤون والمجالات فنرجو من القارئ الكريم ان لا ينسى مراجعة ما كتبناه هناك، وبدون ذلك، فان فهم هذه القضايا ليس فقط سوف يكون ناقصا، وانما قد يكون غير واقعي ولا دقيق الكرامات والمعجزات في الخندق: لقد كان المسلمون يواجهون يوم الخندق أعظم تحد واجهوه

[ 136 ]

سواء من حيث العدد، أو من حيث العدة، بالاضافة الى حالة الحصار التي يعانون منها ثم يتعاظم احساسهم بالخطر الذي يتهددهم: وهم يجدون امارات الغدر والخيانة قد ظهرت، لدى اولئك الذين كان لهم معهم عهود ومواثيق، فلم تعد العهود قادرة على اعطاء ادنى شعور بالامن والسكون إليها. كما ان كل ما عمله النبي والمسلمون من احسان، وما اتخذوه من مواقف انسانية قد اتضح انه لم يمنع من تلقوا ذلك الاحسان من ان يحالفوا العدو، وينقلبوا على ما احسن إليهم ليقابلوه بالاساءة، فيكتشف المسلمون انهم مجموعة من الذئاب، والسباع الشرسة، التي تفقد كل المعاني الانسانية، وكل الشيم التي يعتز بها الانسان العربي، ويفتخر بها ثم هناك وجود المنافقين فيما بين المسلمين، الذين كانوا ينخرون في جسم الامة، ويعملون على تمزيقها، وزرع الشكوك القاتلة، وايجاد الريب المهلك فيها. فتأتي هذه الكرامات لتكون صمام الامان لهذه القلوب الخائفة، والمفجوعة، وليربط الله بها على قلوبهم، ولتزيد في يقينهم وبصيرتهم. وتشد من عزيمتهم قال الشيخ محمد ابي زهرة: " ان الايات المادية قد تؤثر في اولئك الماديين الحسيين، وخصوصا إذا كانت في موطن الفزع، فانها إذا جاءت من غير سبب يألفونه ويعرفونه، فانها قد تأخذ عقولهم إلى التفكير السليم، وتخلعها من الوثنية، إذ يدخل إليها نور الحق شيئا فشيئا، والنور كلما دخل اشرق، وإذا أشرق

[ 137 ]

اتجهوا الى الحق وطلبوه " (1) ويلاحظ هنا: ان بعض هذه الكرامات قد اقترنة بإخبار النبي صلى الله عليه واله للمسلمين بأن البلاد سوف تفتح عليهم حتى الامبراطوريات العظمى التي كانت تحكم العالم آنئذ، وهما امبرطوريتا الروم وفارس. وإذا جاء الخبر من الصادق المصدق، الذي يعتقد المسلمون انه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، في حالة مواجهة الاخطار الكبرى والمصيرية، فانه يكون اكثر رسوخا في النفس، واعظم اثرا في اثارة الهمم وشحذ العزائم ونحن نشير هنا الى طائفة من هذه الكرامات، بقدر ما يمسح لنا به المجال، فنقول: نبوءة صادقة للنبي (صلى الله عليه واله): يقول المقريزي وغيره: " وضرب بالكرزن، فصادفة حجرا، فصل الحجر (اي ترددة صوته في صليل الفأس)، فضحك رسول الله (صلى الله عليه واله). فقيل: مم تضحك يا رسول الله ؟ ! قال: أضحك من قوم يؤتى بهم من المشرق في الكبول (الكبل القيد العظيم)، يساقون إلى الجنة وهم كارهون " (2)


(1) خاتم النبيين ج 2 ص 944 (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 223 والمغازي للواقدي ج 2 ص 449 وكنز العمال ج 10 ص 285 عن ابن النجار (*)

[ 138 ]

والظاهر: ان هذا اشارة لاهل فارس. ومن الواضح: ان هذه البشارة منه (صلى الله عليه واله) للمسلمين انما يراد منها ان تعطيهم انطباعا بصورة عفوية وتلقائية بان هذه الدعوة مستمرة وباقية، فلا يهولنهم جمع قريش والاحزاب لهم: فما ذلك إلا: " سحابة صيف عن قليل تقشع ". كرامة أخرى لرسول الله (صلى الله عليه واله): عن جابر بن عبد الله قال: اصبح الناس كدية يوم الخندق، فضربوا فيها بمعاولهم حتى انكسرت، فدعوا رسول الله (صلى الله عليه واله)، فدعا بماء فصبه عليها، فعادت كثيبا أهيل. وفي نص اخر - ذكره البخاري وغيره: انه (صلى الله عليه واله) قام وبطنه معصوبة بحجر ولبثنا ثلاثة ايام لا نذوق ذواقا الخ.. (1)


(1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 452 وصحيح البخاري ج 3 ص 21 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 228. والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 160 واعلام الورى ص 90 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 234 و 246 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 186 والبداية والنهاية ج 4 ص 97 و 98 عن ابن اسحاق، واحمد، والبخاري والبيهقي، وامتاع الاسماع ج 1 ص 224 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 519 وحدائق الانوار ج 2 ص 591 ومجمع البيان ج 8 ص 341 والبحار ج 20 ص 198، ونهاية الارب ج 17 ص 170 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 415 و 416 و 423 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 358 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 134 وعيون الاثر ج 2 ص 57 والمواهب اللدنية ج 1 ص 111 وجوامع السيرة النبوية ص 148. (*)

[ 139 ]

ويبدو ان هذه قضية اخر يغير قضية سليمان الاتية التي اخبر (صلى الله عليه واله) المسلمين فيها عن الفتوح التي يفتحها الله عليهم. قصور الروم وفارس: ومن الامور التي يذكرها المؤرخون هنا قصية الصخرة التي اجهت المسلمين وهم يحفرون الخندق وكان سببا في ان يخبر النبي المسلمين بأخبار غيبية تحققت فيما بعد ونحن نذكر النص التاريخي للرواية اولا. ثم نشير الى بعض ما يرتبط به، فنقول: كان سليمان، وحذيفة والنعمان بن قرن، وعمرو بن عوف، وستة من النصار يعملون في اربعين ذراعا فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول. فأعلموا النبي صلى الله عليه واله بالمر. وفي نص اخر يقول فيه عمرو بن عوف: فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب [ والظاهر: ان الصحيح: تحت ذباب ] (1) اخرج الله من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا، وشقت علينا فطلبوا من سليمان ان يخبر النبي صلى الله عليه واله بامرها. " فإما ان نعدل عنها، فان المعدل قريب، واما ان بأمرنا فيها بامره، فانا لا نحب ان نتجاوز خطه فرقى سليمان الى رسول الله (صلى الله عليه واله)، وهو ضارب عليه قبة تركية فاخبره فهبطة مع سليمان وبطنه معصوب بحجر، ولبثوا ثلاثة ايام لا


(1) ذباب: جبل بجبانة المدينة. وهو الجبل الذي عليه مسجد الراية. واسمه ذوناب ايضا. راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 482 (*)

[ 140 ]

يذوقون ذواقا، والتسعة على شفير الخندق. وفي نص اخر عن سليمان، قال ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت علي ورسول الله (صلى الله عليه واله) قريب مني، فلنا رآني أضرب، وراى شدة المكان علي اخذ المعول، وضربها به ضربة فصدعها. وبرق منها برق اضاء منها بين لابتي المدينة، فكبر (صلى الله عليه واله) تكبيرة، وكبر المسلمون ثم ضربها ثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك ايضا، فصدعها فاخذ بيد سليمان ورقى، فسأله سليمان عن الامر الذي رآه ورآه المسلمون، وعن تكبير النبي (صلى الله عليه واله)، فاخذهم صلى الله عليه واله: انه بالبرقة الاولى أضاءت له قضور الحيرة ومدائن كسرى، واخبره جبرئيل بان امته ظاهرة عليها وفي الثانية اضاءت له القصور الحمر من ارض الروم. واخبره جبرئيل بان امته ظاهرة عليها وفي الثالثة اضاءت له قصور صنعاء، واخبره جبرئيل بان امته ظاهرة عليه فابشروا فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق، وعند النصر بعد الحصر فقال المنافقون، ومنهم معتب بن قشير: الا تعجبون من محمدا ! ! ويمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم بانه يصير من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وانها تفتح لكم. وانتم انما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون ان تبرزوا. فنزل القرآن: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما

[ 141 ]

وعدنا الله ورسوله إلا غرورا الخ (1). وقيل: ان قائل ذلك هو عبد الله بن ابي بن سلول (2).


(1) للرواية نصوص مختلفة. فراجعها على اختلافها في المصادر التالية. تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و 483 وراجع ص 484 وعيون الاثر ج 2 ص 58 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1207 وفتح الباري ج 7 ص 350 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و 4 و 5 والامالي للشيخ الصدوق ص 258 وحبيب السير ج 1 ص 360 والسيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 314 و 318 وبحار الانوار ج 20 ص 253 و 219 ص 189 و 190 وج 18 ص 32 ومجمع البيان ج 2 ص 427 و 328 وج 8 ص 341 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 / 400 وراجع ص 417 و 419 - 421 والكامل في التاريخ ج 2 ص 179 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 235 و 236 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 519 و 520، عن احمد، والشيخين، وابن سعد وابن جرير، وابن ابي حاتم، وابي نعيم، والطبراني والبيهقي، وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 228 وحدائق الانوار ج 1 ص 53 والخصال ج 1 ص 162 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و 160 واعلام الورى ص 90 وكنز العمال ج 10 ص 281 والروض الانف ج 3 ص 277 وصحيح البخاري ج 3 ص 21 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 228 ط الهند، والوفاء ص 693 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 246 و 234 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 و 97 و 98 و 100 و 101 و 102 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 135 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 598 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 191 - 195 والمغازي للواقدي ج 2 ص 452 والمواهب اللدنية ج 1 ص 111 - 112 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 432 وعن سنن النسائي ج 2 ص 65 وعن ابن اسحاق وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 51 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 وتفسير القمي ج 2 ص 178 والخرايج والجرايح ج 1 ص 152 وفيه أن المسلمين هم الذين رأوا تلك البلاد (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 (*)

[ 142 ]

وفي نص آخر: أن المنافقين قد قالوا ذلك عند ميجئ الاحزاب (1) وهذا هو ما نرجحه، لان سياق الايات إنما يناسب حالة الشدة التي عانى منها المسلمون بعد مجئ الاحزاب، وحدوث الحصار كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ويظهر من نص للطبراني: أن هذه القضية قد حدثت بعد قصة دعوة جابر للنبي وأهل الخندق للطعام (2) كما سيأتي. وصرح القمي بأن هذه القضية قد كانت في اليوم الثاني من بدء حفر الخندق (3) وذكر نص آخر: أنه صلى الله عليه واله وسلم " جعل يصف لسلمان أماكن فارس، ويقول سلمان: صدقت يا رسول الله، هذه صفتها، أشهد أنك رسول الله ثم قال رسول الله (صلى الله عليه واله): هذه فتوح يفتحها الله بعدي يا سلمان " (4) وعن ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: لما حفر رسول الله الخندق مرو بكدية، فتناول رسول الله (صلى الله عليه واله) المعول من يد


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 192 (2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 194 والبداية والنهاية ج 4 ص 101. (3) تفسير القمي ج 2 ص 178 وبحار الانوار ج 20 ص 219 عنه (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 والمغازي للواقدي ج 2 ص 450 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 520 (*)

[ 143 ]

امير المؤمنين، أو من يد سلمان، فضرب بها ضربة، فتفرق بثلاث فرق فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): لقد فتح الله علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر فقال أحدهما لصاحبه يعدنا كنوز كسرى وقيصر، وما يقدر أحدنا يخرج يتخلى (1) والمراد باحدهما وصاحبه هو أبو بكر وعمر ولم يذكر اسميهما صراحة تقية ونقول: لكن هذه الرواية تخالف ما تقدم عن ابن الوردي وزيني ودحلان من ان الذي قال ذلك هو معتب بن قشير، أو عبد الله بن ابي نص اخر يخالف ما سبق: ويقولون ايضا: كان عمر بن الخطاب يضرب يومئذ بالمعول فصادف حجرا صلدا، فأخذ (صلى الله عليه واله) منه المعول، وهو عند جبل بني عبيد فضربه، فذهبت اولها برقة الى اليمن. ثم ضرب اخرى فذهبت برقة الى الشام، ثم ضرب ثالثة فذهبت برقة نحو المشرق. وكسر الحجر عند الثالثة فكان عمر بن الخطاب يقول: والذي بعثه بالحق. لصار كانه سهلة (رمل ليس بالدقاق) وكان كلما ضرب ضربة يتبعه سلمان ببصره، فيبصر عند كل ضربة برقة، فسأله عن ذلك، فأخبره صلى الله عليه واله وسلم: أنه رأى في الاولى قصور الشام، وفي الثانية قصور اليمن، وفي الثالثة قصر كسرى الابيض


(1) بحار الانوار ج 20 ص 270 / 271 عن الكافي (*)

[ 144 ]

بالمدائن. وجعل يصفه لسلمان. فصدقه سلمان، وشهد له بالرسالة فقال صلى الله عليه واله وسلم: هذه فتوح يفتحها الله عليكم بعدي يا سلمان لتفتحن الشام، ويهرب هرقل الى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحدا ولتفتحن اليمن، وليفتحن هذا المشرق. ويقتل كسرى بعده قال سلمان: فكل هذا قد رأيت (1) ونقول: إن هذا النص - كما ترى - يخالف جميع النصوص الاخرى الواردة في كتب الصحاح، والمسانيد، وفي كتب التاريخ، التي سجلت لنا هذا الحدث الهام حيث إنه يذكر: أن عمر بن الخطاب هو الذي صادف الحجر الصلد، الذي ضربه النبي صلى الله عليه واله وسلم، فبرقت البرقات الثلاث مع أن النصوص التي اوردتها سائر المصادر المعتبرة بالاسانيد الموثوقة قد نصت على أن القضية بجميع فصولها وخصوصياتها وجزئياتها قد كانت مع سلمان الفارسي. بل قد ذكر النص الذي اوردناه اولا اسماء ثلاثة ليس عمر بن الخطاب احدهم. ثم صرح بأن الستة الباقين جميعهم من الانصار بل إن نفس هذا النص الذي ذكرناه آنفا، والذي أراد حشر اسم


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 450 و 449 وامتاع الاسماع ج 1 ص 223 واشار إليه في سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 519 و 520 عن الواقدي ووفاء الوفاء ج 4 ص 1208 (*)

[ 145 ]

الخليفة الثاني في هذه القضية، قد عاد والتزم جانب سلمان، بمجرد أن أخذ النبي صلى الله عليه واله المعول لبضرب به ذلك الحجر ولم يعد لعمر فيه أي دور يذكر.. وكل ذلك يعطينا: أن ذكر اسم الخليفة الثاني هنا قد جاء سهوا من الراوي، ولعل ثمة حاجة في النفس قضيت القيادة الحازمة، والانضباط أساس النجاح: وبعد، فان سيطرة القيادة النبوية الشريفة على الموقف واشرافه صلى الله عليه واله وسلم على كل تحرك، وتصرف واستتباب حالة الانضباط التام لدى الفئات التي كانت تعمل معه وتحت قيادته، له تأثير كبير في حسم الموقف، وفقا لما ترسمه القيادة ويحقق اهدافها وقد تجلت الهيمنة القيادية للرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم في اكثر من مجال في غزوة الاحزاب، وقد قرأنا آنفا: انهم حين ظهرت الكدية والصخرة قالوا: إنهم ما كانوا يتجاوزون ما خطه رسول الله صلى الله عليه واله أبدا، رغم أن المعدل قريب وتقدم ايضا: أن أحدا لم يكن يترك موضعه وعمله لحاجة يريدها إلا أن يأذن له النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم. وهذا هو ما طالب به أمير المؤمنين بعض اصحابه في صفين حين قال له: طاعة امامك اوجب عليك من مبارزة عدوك. ونجد امثال هذه الكلمة في مغزاها ومرماها الكثير في مختلف المواضع والمواقع وهذا الانضباط هو الضمانة للنجاح في أية خطة ترسم، إذ أن القبول بالانسياق وراء الاجتهادات المختلفة يفقد القيادة الثقة بامكانية

[ 146 ]

تحقيق أية خطة تضعها للمواجهة، ثم هو يفسح المجال لتمرير بعض الخدع التي تفيد الاعداء، وتهيئ لهم الظرف الملائم لتسديد ضرباتهم الموجعة، والخطيرة في احيان كثيرة. أضف الى ذلك ما يمكن ان ينشأ عن ذلك من منافسات ثم من نزاعات، إلى أن ينتهي الامر الى التراشق بالتهم وتصدع الصف الواحد، الذي يفترض أن يكون كالبنيان المرصوص. ولم ينس المسلمون بعد ما أصابهم في حرب أحد حيث تسبب الرماة والذين تركوا مراكزهم على ثغرة الجبل بكارثة حقيقية مني بها المسلمون كما سبق بيانهم ومهما يكن من أمر فان الانضباط في غزوة الاحزاب، والتقيد بأوامر النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم قد هيأ الفرصة لتحقيق النجاح الكبير الذي غير مسار تاريخ المواجهة مع المشركين، حتى قال النبي صلى الله عليه واله: الان نغزوهم ولا يغزوننا كما سيأتي ذلك مع مصادره في الفصل الاخير من هذا الباب إن شاء الله نقول هذا رغم اننا نجد المنافقين يحاولون التملص من تحمل مسؤولياتهم، ويختلقون الذرائع والحجج المختلفة لذلك. ولكن ذلك كان يتم وفقا لقوانين الانضباط أيضا، فقد كانوا يورون بالضعيف من العمل، وكانوا يستأذنون لحاجات وهمية، وما الى ذلك، ولكنه كله كان تحت سمع وبصر القيادة وفي نطاق علمها، وسيطرتها على الموقف كما هو معلوم مدائن كسرى وقصور الروم وصنعاء: إننا حين نقرأ هذه القضية نشعر: أن المسلمين كانوا يواجهون اكبر تجمع لقوى الشرك، ويتهيأون للدفاع عن وجودهم وحياتهم

[ 147 ]

وهم يشعرون بعظيم الخطر الداهم، وتختلف في نفوسهم عوامل اليأس تارة، وعوامل الرجاء تارة اخرى ولعل المنافقين، ومن وراءهم اليهود قد أسهموا بتضعيف عوامل الرجاء بما أشاعوه وأذاعوه مما يؤكد ويقوي حالة التشاؤم الى درجة اليأس لدى الكثيرين ممن لم ترسخ لهم بعد قدم في الايمان والتسليم، والتوكل فتأتي قصة رؤية قصور الحيرة والروم وصنعاء، ومدائن كسرى حينما ضرب النبي صلى الله عليه واله وسلم تلك الصخرة المستعصية في الخندق ضربات ثلاث، - تأتي - لتعيد للمسلمين ثقتهم بنفسهم وبربهم، وتطلعاتهم ونظراتهم القوية والثاقبة للمستقبل، ويبتعد حينئذ تلقائيا شبح الخوف المذل والاستسلام الخانع لعوامل اليأس، التي لو تمكنت وترسخت فيهم لجرتهم الى مزالق الذل ولكان ذلك سببا في ذهاب ريحهم وسقوطهم في حمأة الهوان، والبوار، إذ أن الحادثة قد استنبطت: ان ما هم فيه ما هو إلا " سحابة صيف عن قريب تقشع " وأنهم سيخرجون من هذه الضائقة التي يواجهونها مرفوعي الرأس، ليواصلوا مسيرتهم الظافرة من نصر الى نصر، ومن فتح الى فتح - حتى ينتهي بهم الامر الى فتح الفتوح، حيث تفتح لهم البلاد، وتدخل العباد في دينهم أفواجا، ويملكون كنوز كسرى وقيصر، حسبما أخبرهم به الرسول (صلى الله عليه واله) منذ فجر دعوته في مكة ومما يدخل في هذا السياق: ما روي من أنه صلى الله عليه واله وسلم قال يوم الخندق لاصحابه: لئن أمسيتم قليلا، لتكثرن، وان امسيتم ضعفاء لتشرقن، حتى تصيروا نجوما يهتدى بكم، وبواحد منكم (1)


(1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 66 (*)

[ 148 ]

الامل بالنصر: وذلك كله يوضح لنا سر اطمئنان المؤمنين بنصر الله لما رأوا الاحزاب، وقد أحاطوا بالمدينة، وضيقوا عليها الخناق، فلم ينهزموا أمام كل تلك الحشود، وما وهنوا لما أصابهم. بل واجهوا ذلك بكل صلابة عزم، وبكل تصميم قاهر، تحدث الله عنه سبحانه حينما قال: " ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم الا ايمانا وتسليما (1) " أما المنافقون، فاتخذوا ما أخبر به النبي صلى الله عليه واله وسلم ذريعة للمزيد من السخرية، والتندر والاستهزاء، الذي يعبر عن انهزامهم النفسي والروحي أما القوى الغازية قال تعالى: * (وإذ يقول المنافقون، والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * كرم وكرامة: وقضية وليمة جابر في الخندق تروى بنصوص مختلفة نلخصها فيما يلي: قال جابر: رأيت رسول الله (صلى الله عليه واله) يحفر، ورأيته خميصا ورأيت بين عكنه الغبار. فاستأذن من النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يذهب الى بيته، فأذن له


(1) فتح الباري ج 7 ص 305 (*)

[ 149 ]

فعاد الى امرأته - واسمها سهيلة بنت مسعود الانصارية. فاتفق معها على أن يصلحا ما عندهما، وهو مد من شعير، وعناق (شاة) أو شويهة غير سمينة. ثم يدعوا النبي (صلى الله عليه واله) للطعام فذهب ليدعوه مع رجل أو رجلين. فسأله النبي صلى الله عليه واله وسلم عما عنده فأخبره. فقال (صلى الله عليه واله) كثير طيب. ثم دعا أهل الخندق جميعا، وقال لهم: إن جابرا قد صنع لهم سورا فأقبلوا معه. قال جابر: فقلت: والله إنها الفضيحة. فأتيت المرأة فأخبرتها (أي بأنه صلى الله عليه واله وسلم قد جاءها بالجند أجمعين. أو قد جاءك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه أجمعون) فقالت: أنت دعوتهم، أو هو دعاهم ؟ فقلت: بل هو دعاهم قالت: دعهم، هو أعلم وفي نص آخر: أنها سألته إن كان رسول الله (صلى الله عليه واله) قد سأله عما عنده ؟ فأجابها بالإيجاب، فقالت له ذلك وذكرت نصوص اخرى: أنه صلى الله عليه واله وسلم أقبل وأمر أصحابه، فكانوا فرقا عشرة عشرة، ثم قال اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه. ففعلوا، فجعلوا يغرفون، ثم يغطون البرمة، ثم يفتحونها فلا يرون أنها نقصت شيئا. ويخرجون الخبز من التنور، ثم يغطونه فما يرونه ينقص شيئا. فأكل الجميع حتى شبعوا وقال (صلى الله عليه واله): كلوا واهدوا، فان الناس أصابتهم مجاعة شديدة فأكلنا وأهدينا وفي نص آخر: فلم نزل نأكل ونهدي يومنا ذلك أجمع، فلما

[ 150 ]

خرج رسول الله (صلى الله عليه واله) ذهب ذلك ولهذه الرواية نصوص تختلف من حيث التفصيل والاختصار لم نر حاجة الى ايرادها، ويمكن لمن يريد ذلك أن يراجع المصادر التي في الهامش (1) وقد صرحت بعض المصادر: بأن الذين اكلوا عند جابر كانوا ألف رجل. وهم جميع أهل الخندق. وقيل: كانوا ثلاث مئة، وقيل: ثمان مئة وقيل: تسع مئة (2)


(1) راجع النصوص المختلفة لهذه القضية في: المغازي للواقدي ج 2 ص 452 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 186 - 190 وتفسير القمي ج 2 ص 178 - 179 وبحار الانوار ج 20 ص 219 و 220 و 198 و 199 وج 18 ص 26 ج 7 وص 32 حديث 25 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 416 و 415 و 427 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 31 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 234 / 235 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 / 330 وصحيح البخاري ج 3 ص 21 والبداية والنهاية ج 4 ص 97 - 99 عن البخاري، واحمد، والبيهقي، وابن ابي شيبة، ومسلم، وابن اسحاق وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 520 و 521 عمن تقدم، وعن الحاكم والطبراني وحدائق الانوار ج 1 ص 212 وج 2 ص 592 وشرح الشفاء للقاري ط سنة 1264 ج 1 ص 245 / 246 وعيون الاثر ج 2 ص 57 و 58 ودلائل النبوة لابن نعيم ص 358 و 360 والشفاء ج 1 ص 291 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 36 وصحيح مسلم، كتاب الاشربة، باب جواز استتباعه غيره والخرايج والجرايح ج 1 ص 27 و 152 - 154 واثبات الهداة ج 2 ص 88 (2) البداية والنهاية ج 4 ص 98 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 188 و 189 و 190 عن البخاري وابن ابي شيبة وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 521 و 564 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 360 والشفاء ج 1 ص 291 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 424 و 426 وعن فتح الباري ج 7 ص 395 (*)

[ 151 ]

وفي بعض النصوص: حتى شبع المسلمون كلهم زاد ابن شهر اشوب: فلم يكن موضع للجلوس، فكان يشير الى الحائط، والحائط يبعد، حتى تمكنوا، فجعل يطعمهم بنفسه (1) وفي نص اخر: أنه (صلى الله عليه واله) قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟ فدلوه على رجل، فذهب الى بيته. ولكنه كان في الخندق يعالج نصيبه، فأرسلت إليه امرأته، فأقبل يسعى، فذبح لهم جديا كان عنده فأكل منه عشرة، ثم ذهبوا، وجاء عشرة اخرون فأكلوا " ثم قام (صلى الله عليه واله) ودعا لربة البيت، وسمت عليها، وعلى أهل بيتها (2) قضية اخرى فيها كرامة لرسول الله (صلى الله عليه واله): وأرسلت أم متعب (أو أم عامر) الاشهلية بقعبة فيها حيس (3) إلى


وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 229 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 161 واعلام الورى ص 90 والسيرة الحلبية ج 2 ص 233. وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 234 / 235 والختصر في اخبار البشر ج 1 ص 134 و 135 وعيون الاثر ج 2 ص 57 و 58 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 وحدائق الانوار ج 1 ص 53 و 212 وج 2 ص 592 (1) دلائل النبوة لابي نعيم ص 360 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 188 وراجع: الخرائج والجرائح ج 1 ص 154 و 155 والبحار ج 18 ص 32 حديث 25 والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 103 (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 193 / 194 والبداية والنهاية ج 4 ص 101 و 100 عن الطبراني، وراجع فتح الباري ج 7 ص 305 (3) الحيس: طعام متخذ من التمر والسمن، والدقيق والفتيت (*)

[ 152 ]

رسول الله (صلى الله عليه واله)، وهو في قبته مع أم سلمة، فأكلت حاجتها، ثم خرج بالقعبة فنادى مناديه: هلم الى عشائه، فأكل اهل الخندق حتى نهلوا، وهي كما هي (1) كرامة اخرى للنبي (صلى الله عليه واله): وبعث أبو طلحة انسانا باقراص من الشعير تحت ابطه، ففتها (صلى الله عليه واله) وأطعم منها ثمانين (2) يعم الجيش كله حفنة من تمر: ومما ذكره في هذا السياق: ان ابنة بشير بن سعد (3) جاءت بحفنة من تمر الى ابيها وخالها عبد الله بن رواحة فرآها رسول الله (صلى الله عليه واله)، وهي تلتمس اباها وخالها، فأخذ ذلك منها في كفه فما ملأتها، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب ثم أمر جعال بن سراقة فصرخ في اهل الخندق: ان هلم الى الغداء. فاجتمعوا، فجعلوا يأكلون منها، وجعل يزيد، حتى صدر اهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من اطراف الثوب (4)


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 235 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 522 عن ابن عساكر، والمغازي للواقدي ج 2 ص 477 والسيرة الحلبية ج 2 ص 330. (2) حدائق الانوار ج 2 ص 592 وسنن الدارمي ج 1 ص 21 و 22 (المقدمة). (3) هي اخت النعمان بن بشير. (4) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 228 / 229 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 521 و 522 عن ابي نعيم، وابن اسحاق والاكتفاء للكلاعي ج 2 (*)

[ 153 ]

كرامة أخرى لرسول الله (صلى الله عليه واله): عن معاوية بن الحكم قال: لما اجرى اخي علي بن الحكم فرسه فدق جدار الخندق ساقه، فأتينا به الى رسول الله صلى الله عليه واله على فرسه، فقال: بسم الله، ومسح ساقه، فما نزل عنها حتى برئ (1) بين نظرتين: أ - ويلفت نظرنا في قصة جابرا قد تصرف وفق ما وجد انه متوفر لديه من معطيات مادية. حيث رأى ان ما عنده لا يكفي إلا لعدد يسير من الاشخاص، ولكن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لم يكن ليجعل نفسه أسيرة للاسباب المادية في حدودها الظاهرة. بل تجاوز ذلك ليتعمل مع مسبب الاسباب، ومفيض الوجود، وهو الله سبحانه مباشرة، ولم يكن الله ليبخل على نبيه في وقت يحتاج فيه هؤلاء الناس الى الشعور برعاية الله سبحانه لهم.


ص 160 / 161 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 / 161 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 235، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 190 و 191 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 وامتاع السماع ج 1 ص 235 وجوامع السيرة النبوية ص 148 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 427 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 433 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 134 وعيون الاثر ج 2 ص 57 والمغازي للواقدي ج 2 ص 476 وبحار النوار ج 20 ص 247 والخرائج والجرائح ج 1 ص 110 و 123 وفيه: انها اخت عبد الله بن رواحة وكذا في مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 102 (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 522 عن الطبراني، وابي القاسم البغوي (*)

[ 154 ]

وحتى مع اغماض النظر عن ذلك كله، في الاسوة والقدرة لم يكن ليميز نفسه عن الناس، بل هو سوف يواسيهم بنفسه فيما قل وكثر، وفيما صغر وكبر. وذلك هو ما تمليه عليه التعاليم والمبادئ التي جاء بها من عند الله جل وعلا. الذي يستأثر بأعجابنا العميق هو تللك اللفتة الواعية من زوجة جابر، والتي تظهر لنا ايضا مدى ايمان هذه المرأة ومدى تسليمها لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم. كما انها تحكي لنا طبيعة ونوعية ونسخ اعتقادها بهذا الرسول الكريم والعظيم. وذلك حينما أخرجت زوجها جابرا من حيرته المحرجة بسؤالها له: إن كان النبي قد علم بمقدار الطعام المتوفر عندهم، فأجابها الإيجاب، فقالت: الله وزسئله أعلم. ومن يدري فلعل النبي الكرم صلى الله عليه واله وسلم قد عرف ان هذا الاخلاص من جابر وزوجته، ثم الإيثار منه (صلى الله عليه واله)، وحبه لاصحابه، واقدامه على تقسيم هذا القليل من الطعام معهم، ثم اخلاص صحابته الخيار في دفاعهم عن انفسهم، وعن كرامتهم، وشرفهم ودينهم، ونبيهم، وهذه المتاعب الكبيرة، والمصاعب الخطيرة التي تواجههم بالاضافة الى ان الله سبحانه لن يخيب نبيه ووليه وصفيه. نعم ان ذلك كله إذا اقترنة بان اللطف الالهي لا بد ان يظهر في هذه الفترة العصيبة بالذات ليطمئن المؤمنون الى نصر الله سبحانه، فان زيادة الطعام الذي قدمه جابر، حتى ليأكل المسلمون كلهم حاجتهم منه تصبح امرا وقبولا ومعقولا، وفي محله..

[ 155 ]

التزوير الرخيص: زعم الشعراني: " انه شاهد شيخه الشيخ محمد الشناوي، وقد جاء من الريف، ومعه نحو خمسين رجلا، ونزل بزاوية شيخه الشيخ محمد السروي، فتسامع مجاوروا الجامع الازهر بمجيئه، فأتوا لزيارته، فامتلأت الزاوية، وفرشوا الحصر في الزقاق. ثم قال لنقيب شيخه: هل عندك طبيخ ؟ ! قال: نعم، الطبيخ الذي افعله لي ولزوجتي. وقال له: لا تغرف شيئا حتي أحضر. ثم غطى الشيخ الدست بردائه، واخذ المغرفة، وصار يغرف الى ان كفى من في الزاوية، ومن في الزقاق. وهذا شئ رأيته بعيني " (1). ونحن إذا قارن بين هذا الكلام وبين قضية وليمة جابر، فاننا نجد ان هذا النص اراد ان يعطي الشناوي نفس الكرامة التي ثبتت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين استجاب لدعوة ذلك الرجل الصالح رحمه الله، والذي يستوقفنا هنا ثقة الشناوي بحصول الكرامة له، وكأنه يمارس عملا عاديا لا يشك في انتهائه الى النتيجة التي يريدها. تماما كما كان الحال بالنسبة للنبي في الخندق. وليت شعري لماذا لم يشتهر أمر الشناوي في الآفاق، وتسير به الركبان من بلد الى بلد، ويصبح قبره كقبر النبي في المدينة المنورة تشد إليه الرحال، وتقصده النساء والرجال من أقصى بلاد المعمورة ؟


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 331. (*)

[ 156 ]

مع اننا نجدهم يقصدون زيارة قبور أناس صالحين لم يظهر لهم حتى ولو كرامة واحدة من هذا القبيل ! ! الجهد، والضعف والجوع: قد تحدثت النصوص التي سلفت في هذا الفصل، وفي غيره من الفصول عن المعاناة التي كان يتعرض لها المسلمون بسبب شحة الاقوات في تلك السنة بالذات حيث " كان المسلمون قد اصابهم مجاعة شديدة، وكان اهلوهم يبعثون إليهم بما قدروا عليه (1) ". وذكر نص آخر: ان حفر الخندق كان في زمان عسيرة، وعام مجاعة حتى ان الاصحاب كانوا يشدون على بطونهم الحجر من الجهد والضعف الذي بهم من الجوع، ويقول البخاري: إنهم لبثوا ثلاثة ايام لا يذوقون ذواقا، وكذا النبي (صلى الله عليه واله) (2). وفي نص آخر: " يأتون بمل ء كفي شعير، فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن " (3). ويقول أبو طلحة: " شكونا الى رسول الله (صلى الله عليه واله) الجوع، ورفعنا


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 235 والمغازي للواقدي ج 2 ص 476 (2) راجع مصادر حديث جابر الذي اوردناه في فقرة: كرم وكرامة. وراجع ايضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 329 وتاريخ الخميس ج 1 ص 482 (3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 184 والبداية والنهاية ج 4 ص 96 عن البخاري، وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 245 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 517 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 412 وعن فتح الباري ج 7 ص 397. (*)

[ 157 ]

عن بطوننا عن حجر، حجر، فرفع رسول الله (صلى الله عليه واله) عن بطنه حجرين " (1). ويقول نص آخر: " وكانوا في قر شديد وجوع " (2). وعن علي أمير المؤمنين عليه السلام، قال: كنا مع النبي (صلى الله عليه واله) في حفر الخندق إذا جاءته فاطمة، ومعها كسرة خبز، فدفعتها الى النبي (صلى الله عليه واله) وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما هذه الكسرة ؟ ! قالت: قرصا خبزتها للحسن والحسين، جئتك منه بهذه الكسرة. فقال النبي (صلى الله عليه واله): أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث (3) ولنا هنا وقفات: الاولى: النبي (صلى الله عليه واله) وصوم الوصال: لقد ذكروا: أن النبي (صلى الله عليه واله) نهى عن صوم الوصال، فقالوا له: ما لك تواصل يا رسول الله ؟ ! قال: إني لست مثلكم، إني ابيت يطعمني ربي ويسقيني. قال ابن حبان: ويستدرك بهذا الحديث على بطلان ما ورد: انه (صلى الله عليه واله)، كان يضع الحجر على بطنه، لانه كان يطعم ويسقى من ربه إذا واصل. فكيف يترك جائعا مع عدم الوصال، حتى يحتاج الي ربط


(1) السيرة النبوية للندوي ص 282 عن الترمذي. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529. (3) عيون اخبار الرضا ج 2 ص 40 وذخائر العقبى ص 47 وبحار الانوار ج 20 ص 245 وصحيفة الامام الرضا (عليه السلام) ط دار الاضواء ص 71 / 72. (*)

[ 158 ]

الحجر على بطنه ؟ ! قال: وانما لفظ الحديث: الحجز، بالزاي، وهو طرف الازار. فصحفوا، وزادوا لفظ الجوع. واجيب بانه لا منافاة، كان (صلى الله عليه واله) يطعم ويسقى إذا واصل في الصوم. اي يصير كالطاعم والساقي، تكرمة له. ولا يحصل له ذلك دائما، بل يحصل له الجوع في بعض الاحايين، على وجه الابتلاء الذي يحصل للانبياء، عليهم الصلاة والسلام، تعظيما لثوابهم " (1). اضف الى ذلك ان توجه ابن حبان هذا، ودعواه تصحيف كلمة الحجز بالحجر لا تلاءم مع تقدم عن علي عليه السلام، ولا مع ما تقدم عن جابر في قصة اندفاعه لتهيئة طعام للنبي (صلى الله عليه واله) لما رآه خميصا. ولا مع ما ذكر في قصة سليمان حينما طلب من النبي (صلى الله عليه واله) ان يعالج الصخرة. الثانية: العزم والثبات: ويلفت النظر هنا: انه رغم كل ما كان يعانيه المسلمون من جهد وضعف وجوع، وبرد - كما يقولون - فان ذلك لم ينل من عزمهم، ولم يؤثر على ارادتهم، ولا هزمهم روحيا. بل استمروا في تصميمهم على تنفيذ قرارهم بالمواجهة. ولم يحملهم ذلك على الدخول في أي مساومة، وتقديم أية تنازلات. ولا شك في ان للعامل الايماني دوره الحساس في هذا المجال، ولعل العامل الاهم هنا هو توفر القيادة الحكيمة والواعية


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 329. (*)

[ 159 ]

والحازمة. المرتبطة بالله سبحانه المتمثلة بشخصية النبي الكرم صلى الله عليه واله وسلم. الثالثة: الخصاصة والجوع: قد تعودنا من اولئك الذين يتعاقبون على كراسي الحكم: ان يكونوا من اصحاب الاموال الطائلة، واهل الثراء الفاحش، مع السعي حثيث منهم للتمتع بمباهج الحياة، والتقلب في ملذاتها، واهتمام ظاهر بما فيهي من زينة، وبهارج، في حين تكون شعوبهم تعاني من النصب والحرمان، ومن الحاجة والخصاصة بدرجة قبيحة ومزرية. إن لم نقل: إن الكثيرين من هؤلاء الحكام هم الذين يمتصون دماء شعوبهم، ويعبثون بمقداراتها، ويختلسون كل ما قدروا عليه من اموالها. اما نبينا الاكرم صلى الله عليه واله وسلم، فانه على عكس ذلك تماما، فها هو في ايام الخندق يربط الحجر، ولا يستأثر نفسه بشئ من حطام الدنيا. بل انه حتى حينما يرغب احدهم في استضافته على الشئ القليل جدا في هذا الظرف العصيب بالذات، لا يرضى صلى الله عليه واله إلا ان يشاركه المسلمون جميعا في ضيافته تلك، فيبارك الله سبحانه في ذلك الطعام، وتكون الكرامة من الله سبحانه لرسوله الكرم صلى الله عليه واله وسلم. ثم نجد عليا أمير المؤمنين عليه السلام خير من يتاسى برسول الله، ويسير على نهجه، وينسج على منواله، فانه رغم انه كان قد أنشأ - بكد يده، بعرق جبينه - الكثير من الضياع والبساتين، لكنه لم يكن. يستفيد منها بتحسين وضعه المعيشي، ولا أحدثت تغييرا في حياته

[ 160 ]

الخاصة، بل كان يتصدق بها ويوزعها على الفقراء والمحتاجين، وقد اوقف عامتها على جهات البر المختلفة، ثم لم يزل يلبس الخشن، ويأكل الخشب إلى ان توفاه الله سبحانه. وحسبك ما كتبه لعثمان بن حنيف، يلومه على حضوره وليمة دعي إليها. قال عليه السلام: " ألا وان لكل مأموم اماما يقتدي به، ويستضئ بنور علمه، ألا وان امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألاوانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن اعينوني بورع، واجتهاد، وعفة وسداد. فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا اعددة لبالي ثوبا طمرا، ولا حزت من ارضها شبرا، ولا اخذت منه إلا كقوت دبرة. ولهي في عيني أوهى واهون من غصة مقرة " (1). إلا ان قال: " ولو شئت لا اهتديت الطريق الى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات ان يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة، ولعل الحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع. أو ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى، واكباد حرى، أو اكون كما قال القائل: وحسبك داء ان تبيت ببطنة * وحولك اكباد تحن الى القد أأقنع من نفسي بان يقال: هذا أمير المؤمنين ولا اشارك في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ؟ فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها، أو المرسلة،


(1) مقرة: مرة. (*)

[ 161 ]

شغلها تقممها (1)، تكترش (2) من اعلافها، وتلهو عما يراد بها ". إلا ان قال: " وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن ابي طالب، فقد قعد به الضعف على قتال الاقران، ومنازلة الشجعان. ألا وان الشجرة البرية اصلب عودا، والروائح الخضرة أرق جلودا، والنباتات العذية (3) اقوى وقودا، وابطأ الخ (4) ".


(1) القمم: التقاط القمامة. (2) تكترش: تملأ كرشها. (3) العذي: الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر. (4) نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصالح، ط سنة 1387 ه‍. ق) ص 417 و 418 (*)

[ 163 ]

الفصل الخامس: جيش المسلمين، وجيش المشركين في المواجهة

[ 165 ]

الاعداد والاستعداد: قال البلاذري: " بلغ رسول الله (صلى الله عليه واله) الخبر، فندب المسلمين الى قتال الاحزاب، وخرج فارتاد لعسكر المسلمين " (1) وكان خروجه بعد ان استخلف على المدينة ابن ام مكتوم (2) وحسبة نص الصالحي الشامي: " ركب فارسا ومعه عدة من المهاجرين والانصار فأرتاد وموضعا، وكان اعجب المنازل إليه ان يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، ويخندق الخ... (3) " وكان خروجه (صلى الله عليه واله) لثمان خلون من ذي القعدة، أو شوال،


(1) انساب الاشراف ج 1 ص 343. (2) راجع: الثقات ج 1 ص 266 والتنبيه والاشراف ص 216 وزاد المعاد ج 2 ص 117 وجوامع السيرة النبوية ص 149 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 والعبر ج 2 ق 2 ص 29 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 والبداية والنهاية ج 4 ص 103 و 102 وتاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 و 314 وامتاع السماع ج 1 ص 216 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 523 والنهاية الاب ج 17 ص 168 والمغازي للواقدي ج 2 ص 441 وعيون الاثر ج 2 ص 57. (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 414 / 415. (*)

[ 166 ]

حسبنا تقدم. ويقال: ان خروجه (صلى الله عليه واله) كان في يوم الاثنين (1) واختار صلى الله عليه واله ذلك الموضع المكشوف للخندق، وجعل معسكره تحت جبل سلع (2) أو سفح سلع، أو سطح سلع، أو جعل سلعا وراء ظهره، والخندق بينه وبين القوم (3) يقول البعض: " فلو ان العدو عبر الخندق لقدمت سلع للمدافعين نفش المزايا التي حصلوا عليها في أحد " (4). ويستفاد مما تقدم ان موقعهم كان عند سلع من جهة الشام


(1) راجع: نهاية الارب ج 17 ص 170 وغير ذلك من المصادر السابقة والاحقة (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 481 السيرة الحلبية ج 2 ص 315. (3) راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة، والبداء والتاريخ ج 4 ص 217 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 و 300 وج 4 ص 1204 والمغازي للواقدي ج 2 ص 454 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 وزاد المعاد ج 2 ص 117 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 والكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و 163، وانساب الاشراف ج 1 ص 343 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 236 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 237 وجوامع السيرة النبوية ص 149 وفتح الباري ج 7 ص 307 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 415 و 514 و 523 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 190 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 وبهجة المحافل ج 1 ص 264 والمواهب اللدنية ج 1 ص 112 وامتاع الاسماع ج 1 ص 125 والبداية والنهاية ج 4 ص 102 ومجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 200 ونهاية الارب ج 17 ص 168 وراجع سعد السعود ص 138 (4) محمد في المدينة ص 56 (*)

[ 167 ]

والمغرب (1) مقر القيادة: " وضربت له صلى الله عليه واله وسلم قبة من اديم احمر، على القرن في موضع مسجد الفتح " (2) وتقدم في الفصل السابق، حين الكلام عن قصور الروم وفارس: انها قبة تركية وعلى حد تعبير الواقدي: " وضربة قبة من آدم. وكانت القبة عند المسجد الاعلى الذي باصل الجبل، جبل الاحزاب " (3) ونسجل هنا: أ - انه يستفاد من هذا ومما تقدم مع ان بعض النصوص ذكرت انه (صلى الله عليه واله) جعل معسكره سطح (أو سفح) سلع: انه صلى الله عليه واله قد اختار من السفح موضعا مشرفا، ومرتفعا نسبيا يمكنه من مراقبة الوضع بدقة، ثم المبادرة الى اتخاذ القرار اللازم في المواضع المناسب ب: انه إذا كان المشركون انما يفكرون بالدنيا، ويرون العزة بما يحصلون عليه من حطامها، فان رؤيتهم رسول الله (صلى الله عليه واله) في مكان مشرف عليهم، وهو في قبة ذات لون متميز من أدم أحمر، سيكون مغيظا لهم، وسنزيد من حسرتهم وحنقهم، حين يرغمون على


(1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1200 (2) وراجع ايضا: تاريخ الخميس ج 1 ص 481 (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 454 و 457 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 314 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 (*)

[ 168 ]

التراجع، وهم يجرون أذيال الخيبة والخسران. وقد خلفوا وراءهم قتلى من رؤسائهم وأبطالهم، كما سنرى عرض النبي (صلى الله عليه واله) الخارجين الى الحرب: ثم عرض (صلى الله عليه واله): الجيش، وهو يحفر الخندق فعن ابي واقد الليثي قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه واله) يعرض الغلمان، وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز، ورد من رد وكان الغلمان يعملون مع الذين لم يبلغوا ولم يجزهم. ولكن لما لحم الامر، أمر من لم يبلغ أن يرجع الى أهله، الى الآطام مع الذراري. الى أن قال: فكان ممن أجاز رسول الله (صلى الله عليه واله) يومئذ ابن عمر وهو ابن خمس عشرة، وزيد بن ثابت وهو ابن خمس عشرة، والبراء بن عازب وهو ابن خمس عشرة (1) " وابا سعيد الخدري ولم يردهم. ويقال: إنه أجازهم قبل ذلك " (2) قال العسقلاني: " عرض الجيش اختبار أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيبتهم وترتيب منازلهم وغير ذلك " (3)


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 453 وانساب الاشراف ج 1 ص 343 و 344 وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 481 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 314 / 315 وامتاع الاسماع ج 1 ص 224 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 523 (2) انساب الاشراف ج 1 ص 344 راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 315 (3) فتح الباري ج 7 ص 302 (*)

[ 169 ]

ومهما يكن من أمر فقد أصبحت المدينة بسبب حفر الخندق كالحصن، حسبما تقدم (1) النساء والاطفال في الآطام: ويذكر المؤرخون كافة تقريبا، وهم يتحدثون عن غزوة الخندق: أن النبي (صلى الله عليه واله) قد جعل النساء والصبيان في الآطام (2) قال الواقدي: " ورفع النساء والصبيان في الآطام، ورفعت بنو حارثة الذراري في أطمهم. وكان أطما منيعا. وكانت عائشة يومئذ فيه ورفع بنو عمرو بن عوف النساء والذرية في الآطام وخندق بعضهم حول الآطام بقباء. وحصن بنو عمرو بن عوف ولفها، وخطمة، وبنو امية، ووائل، وواقف فكان ذراريهم في آطامهم " (3) الحرس على ابواب الخندق: ويذكر المؤرخون: أنهم بعد أن حفروا الخندق، وحصنوه " جعل له رسول الله أبوابا (4) وجعل على الابواب حرسا، من كل قبيلة


(1) (1) امتاع الاسماع ج 1 ص 223 وراجع اواخر الفصل الثاني، حين الكلام عن تشبيك المدينة بالبنيان (2) قد ذكرت ذلك مختلف المصادر التي تقدمت في هذا الفصل، فمن أرادها فليراجعها (3) المغازي ج 1 ص 451 (4) راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 452 و 450 وسبل الهدى والرشاد ج 4 (*)

[ 170 ]

رجلا، وعليهم الزبير بن العوام، وأمره إن رأى قتالا أن يقاتل " (1) وفي نص آخر: " وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الانصار مع جماعة يحفظونه " (2) وتقدم: أن ابواب الخندق كانت ثمانية تركيبة الحرس مثار تساؤل: وأما لماذا إختار النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم أن تكون تركيبة الحرس على ابواب الخندق بهذا الشكل، فربما يكون السر فيه هو أنه صلى الله عليه واله وسلم قد أراد أن يقطع الطريق على أي تفكير تآمري، من خلال اتصالات سرية فيما بين المشركين والمنافقين أو غيرهم، للتواطؤ على المسلمين. ولو عن طريق الاغراء بالمال، أو الاحتيال، أو التغفيل، حيث يتمكنون من احداث ثغرة أو أكثر، من شأنها أن تعرض المسلمين للخطر الكبير وحين يكون الحرس من كل قبيلة رجلا، فإن الرقاب على بعضهم البعض تصبح طبيعية، ولن يعود من السهل فتح علاقة مشبوهة مع أي منهم. ويصبح احتمال تواطؤهم أبعد. واتفاقهم على الخيانة يكون أصعب وأعقد


ص 515 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 2 ص 312 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 267 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1206. (1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 (2) تفسير القمي ج 2 ص 179 وبحار الانوار ج 20 ص 220 (*)

[ 171 ]

ويلفت نظرنا هنا ذلك النص الذي بين فيه اهتمام النبي بمشاركة الانصار للمهاجرين في هذا الامر. ونحن نعلم ان امكانية اختراق مشركي أهل مكة للمهاجرين اسهل وأيسر، لانهم إخوانهم وأبناؤهم، ولم نزل نجد في المهاجرين من يحابي قومه ويهتم بعدم الحاق المزيد من الاذى بهم بدءا من حرب بدر، حسبما أوضحناه هناك في قضية فداء الاسرى بل لقد وجدنا حتى زوجة النبي تخرج عن وقارها، وتندفع لتحرض على رسول الله (صلى الله عليه واله) في بدر، فراجع ما ذكرناه هناك ايضا عن سودة بنت زمعة. وتجد في كتابنا هذا، وفي كتاب الغدير والمعارضون شواهد كثيرة وغزيرة ومثيرة عن مواقف قريش من النبي (صلى الله عليه واله) وأهل بيته. ولا نراى حاجة لاعادة التذكير بها هنا الذراري والنساء في الآطام: وإن جعل النساء والذراري في مواضع حصينة، وتجميعهم في اماكن معينة يعتبر إجراء حكيما، لانه يوفر على المسلمين معاناة حالة التوزع في الاهتمامات، وانتشارها، ويركزها في نقطة أو نقاط محددة يمكن التركيز عليه في الرعاية الامنية، وتسهيل تقديم المعونة الفاعلة والمؤثرة والسريعة، وفق خطة مرسومة في الوقت المناسب لو فرض تعرضها لاي خطر من قبل الاعداء ثم هي تمكن هؤلاء الضعفاء من أن يفيدوا من مناعة تلك الآطام للدفع عن انفسهم بدلا من بيوت واهنة لا تساعد على حمايتهم، ولا تدفع عنهم في شئ

[ 172 ]

وبذلك لم يعد النساء والاطفال منتشرين على مساحات واسعة بصورة تجعلهم هدفا سهلا لكل عابث، وعرضة لاطماع الاعداء والسفهاء، الامر الذي يوجب إرباكا نفسيا لدى القوى التي يفترض فيها أن تصب كل اهتماماتها على نقطة واحدة، وواحدة فقط، وهي دفع العدو، وابطال كيده، والحاق الهزيمة المخزية به وقد يمكن للعدو - لو لم تجعل الذراري والنساء في الآطام - أن يستفيد من الوضع القائم، فيعتدي أو يتظاهر بالاعتداء على المواقع المختلفة المنتشرة على مساحة المدينة بأكملها. وذلك بهدف زعزعة حالة الاتحاد والانسجام لدى الجيش الاسلامي، ليتمكن من إنزال ضربته القاصمة في الوقت المناسب وقد كان بنو قريظة يعرفون تفاصيل مسالك المدينة، لانهم من أهلها، فقيامهم بأي تسلل إليها سوف يربك الوضع في ساحة القتال بصورة كبيرة وخطيرة وقد كان المسلمون يعرفون ذلك، فكانوا يعيشون حالة القلق لولا هذا الإجراء الذي اتخذه صلى الله عليه واله وسلم ومما زاد في الربط على القلوب، وتهدئة المشاعر، واستقرار الحالة النفسية أنه صلى الله عليه واله قد جعل حراسا يطوفون في المدينة، حتى أصبح واضحا ليهود بني قريظة ولغيرهم: أن أي تحرك سوف ينتهي بنكسة خطيرة لهم وقد كان للتجربة التي قام بها بعضهم للوصول الى حصن حسان الذي كان فيه النساء، وانتهت بقتل ذلك الرجل على يد زينب بنت جحش عبرة لهم وبلاغ

[ 173 ]

عقد الالوية للحرب: أما بالنسبة لعقد الوية الحرب فاننا نقول: ألف: بالنسبة للمشركين، فالمؤرخون يقولون: إنهم عقدوا لواءهم في دار الندوة، وحمله عثمان بن ابي طلحة، وقائد القوم أبو سفيان (1) ثم وافى المشركون المدينة، فأنكروا أمر الخندق، وقالوا: ما كانت العرب تعرف هذا (2) ب: بالنسبة للمسلمين، يقول المؤرخون: " وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الانصار بيد سعد بن عبادة، وكان (صلى الله عليه واله) يبعث الحرس على المدينة، خوفا على الذراري من بني قريظة " (3)


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 480 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 والامتاع ج 1 ص 218 وعيون الأثر ج 2 ص 56 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 513 (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 484 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530، والمغازي للواقدي ج 2 ص 470 وتفسير القمي ج 2 ص 182 وبحار الانوار ج 2 ص 224 ونهاية الارب ج 17 ص 173 وراجع: الارشاد للمفيد ص 52 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 483 وراجع ص 481 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وراجع امتاع الاسماع ج 1 ص 225 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 (*)

[ 174 ]

ونقول: إننا لا نهتم لتحريفات المؤرخين هذه، حيث نراهم يتجاهلون الحقيقة الدامغة إرضاء لاسيادهم، وانسياقا مع أهوائهم وعصبياتهم وتعصباتهم البغيضة فها هم يهملون هنا ذكر صاحب الراية العظمى، للجيش كله وصاحب لواء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في كل مشهد، وهو علي أمير المؤمنين عليه السلام مع تصريحهم باسم حامل لواء المهاجرين، وحامل لواء الانصار ونقول هنا: 1 - إنه قد تقدم في حرب أحد في فصل: قبل نشوب الحرب وفي بدر ايضا طائفة من النصوص التي تضافرت وتواترت في كتب السيرة والتاريخ والحديث بالاسانيد الصحيحة والموثوقة: أن عليا عليه السلام هو صاحب لواء وراية النبي في كل مشهد، وتقدم أن ذلك من فضائله وخصائصه التي اشتهر بها. وهذه حقيقة مؤلمة لمبغضي وشانئي علي عليه السلام ولاجل ذلك فهم يحاولون تجاهلها، والدس الرخيص للتشكيك بها، ولو وسعهم الجهر، بإنكارها لبادروا الى ذلك 2 - وقد ورد في احتجاج الامام الحسن المجتبى عليه السلام على معاوية وابن العاص، والوليد الفاسق قوله: " ثم لقيكم يوم أحد، ويوم الاحزاب ومعه راية رسول الله ومعك ومع ابيك راية الشرك " (1)


وراجع: نهاية الارب ج 17 ص 170 وعيون الاثر ج 2 ص 58 (1) كفاية الطالب ص 336 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 289 والغدير (*)

[ 175 ]

3 - روى الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس، قال: كانت راية رسول الله (صلى الله عليه واله) مع علي (عليه السلام) في المواقف كلها: يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، ويوم الاحزاب، ويوم فتح مكة. وكانت راية الانصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها، ويوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي عليه السلام " (1) وهذا يدل على أن قولهم: كانت راية المهاجرين يوم الاحزاب مع زيد بن حارثة غير صحيح شعار الحرب: ويقول المؤرخون: كان شعار المهاجرين أيام الخندق: " يا خيل الله " (2) وقالوا ايضا: كان شعار اصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) يوم الخندق وبني قريظة: حم. لا ينصرون (3)


ج 10 ص 168 عنه. وجمهرة الخطب ج 2 ص 23 (1) اعلام الورى ط دار المعرفة ص 191 (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 230 والمغازي للواقدي ج 2 ص 466 وتاريخ الخميس ج 1 ص 485 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 483 عن ابن هشام وص 485 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 والكافي ج 5 ص 47 ونهاية الارب ج 17 ص 178 والمغازي للواقدي ج 2 ص 474 وعيون الاثر ج 2 ص 62 عن ابن هشام، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237 وتهذيب سيرة ابن هشام (*)

[ 176 ]

ونقول: لقد رأينا: أن شعار المسلمين في حروبهم مع أعدائهم، سواء في زمن رسول الله (صلى الله عليه واله) أو في زمن علي عليه السلام في حروبه مع البغاة هو: " حم، لا ينصرون ". وكذا عبارة: " يا منصور أمت " وهاتان الكلمتان لهما دلالاتهما وايحاءاتهما في ظرف كهذا حيث انها تزرع الطموح الى النصر في قلب وروح المقاتل المسلم فيزداد جرأة على القتال وإقداما على التضحية، ويتذرع بالصبر الجميل على ما يواجهه من مكاره يترقب الفرج والفوز بعدها بمزيد من الطمأنينة والثقة ويكون تحركه في ساحة القتال والحالة هذه تحرك الواثق، الذي يريد من خلال تفعيل طاقاته القتالية بحكمة وحنكة وتعقل أن يتجاوز هذا الواقع، الذي يرى فيه وضعا استثنائيا ونشازا - لا تساعد على بقائه عوامل راسخة ولا طبيعية ثم إن هذا الشعار، حين يبدأ بواحدة من مفردات الحروف المقطعة التي اختص بها القرآن، فإنه يكون قد أوحى مسبقا لهذا الانسان المؤمن بصدق هذا الوعد الالهي، الذي يتلفظ به هو نفسه ويطلقه شعارا له في هذا الوقت بالذات الذي يحتاج إليه عمليا. فهو


ص 194 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 وزاد المعاد ج 2 ص 118 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 271 و 272 عن الترمذي، وابي داود والوسائل ج 11 ص 105 والكافي ج 5 ص 46 و 47 وكنز العمال ج 10 ص 291. وجوامع السيرة النبوية ص 150 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 169 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 وقال: " لعل المراد بالمسلمين الانصار، فلا يخالف ما في الامتاع، وكان شعار المهاجرين: يا خيل الله " ونقول: إن هذا التوجيه لا يمكن المساعدة عليه (*)

[ 177 ]

شعار يتجه نحو الواقع ليتجسد حقيقة ملموسة له، ويساهم هو في صنعها وفي بلورتها والامر الملفت للنظر هنا: ان يكون هذا اليقين قد أيقظه في نفسه كلمة حم، التي هي رمز التحدي الفكري كما تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب مفصلا. وقد اقترن هذا التحدي الفكري بالتحدي بالعنف والقتال، كنتيجة طبيعية لعجز قوى الشرك، وهزيمتها المخزية والنكراء في مجال الفكر والمثل والقيم وأما بالنسبة للمشركين فالامر سيكون على عكس ذلك تماما فانهم حين يسمعون هذه الكلمة (حم، لا ينصرون) لسوف يتمثلون حالة العجز والسقوط والهزيمة بكل انحائها، وبكل مجالاتها. ولسوف تزرع هذه الكلمة اليأس والفشل في نفوسهم. فإنها كانت رمز التحدي القرآني لهم ولكل من هو على شاكلتهم، بالاضافة الى إيحاءات اخرى، المحنا إليها فيما سبق كانت إيجابية بالنسبة لقوى الايمان ولسوف تكون معكوسة وسلبية بالنسبة لقوى الشرك والطغيان فليتأمل المتأمل فيما ذكرناه، وليتدبره كيف يتحول الى الضد من ذلك على قوى الشرك، حتى لا نضطر الى إعادة تفصيلية له غير أننا نلمح هنا الى نقطة واحدة نضيفها الى ما سبق، وهي أن هذا الشعار يقول: " لا ينصرون " بصيغة المبني للمجهول ولم يقل: " لا ينتصرون " ففيه الماح الى أن المشركين لا يملكون معطيات النصر في أنفسهم فلا بد أن ينتظروا النصر من غيرهم، وليس ثمة ناصر لهم ولا معين، فهزيمتهم حتمية لفقدهم مقومات النصر من الجهتين فالمشرك يرى العجز والفشل الفكري والعقيدي بكلمة حم. كما انه يتمثل الخواء من أي من القدرات والطاقات التي تخوله ان يصنع نصرا. فهو

[ 178 ]

مهزوم في الحالتين، والمؤمن يأتيه النصر من الله، وهو على يقين من هذا النصر فاجتمع على قوى الشرك عاملان من عوامل الضعف ولقوى الايمان عاملان من عوامل القوة هذا عدا عن أن الصيغة صيغة إخبار، تعطي: مزيدا من الثقة بتحقق ذلك، حتى كأنه أمر واقع وملموس، يصح الاخبار عنه بهذه الدرجة من الجزم والثبات الطمأنينة. ولسوف يتيقن المشركون صدق هذا الوعد، ما دام أنه هدي قرآني استقر في نفوسهم: انهم اعجز واصغر من أن يشككوا في اي من آياته وحقائقه وهذا درس نافع نستفيده من هذا الشعار، نسأل الله التوفيق للتوفر على دراسة هذا الموضوع بصورة أتم وأوفى، وأوضح وأجلى وأصفى، وهو الموفق والهادي الى سواء السبيل عدة وعدد المسلمين: هذا وقد اختلفت كلمات المؤرخين في عدة وعدد الجيش الاسلامي الذي واجه الاحزاب في حرب الخندق فأما بالنسبة للعدة، فقد " ذكر ابن سعد: أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا " (1) واما بالنسبة الى العدد فنشير الى الاقوال التالية:


(1) المواهب اللدنية ج 1 ص 110 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 عن ابن سعد، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 والمغازي للواقدي ج 2 ص 457 (*)

[ 179 ]

1 - قيل كان المسلمون سبع مئة، وهو قول ابن اسحاق (1) وقد حكم البعض على ابن اسحاق بانه " وهم في ذلك " وغلط وزعم ابن القيم: ان منشأ الغلط هو ارتكاز عدد من خرج معه (صلى الله عليه واله) في أحد (2) 2 - قيل: كانوا ألفا أو نحوها، وهو صريح رواية البخاري ومسلم عن جابر. وصرح به قتادة ايضا (3) 3 - وقيل: تسع مئة أضاف ابن خلدون قوله: " وهو راجل بلا شك " وقال ابن حزم: " وهو الصحيح الذي لا شك فيه، والاول وهم " (4) يريد بالاول: القول بأنهم كانوا ألفا


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 والسيرة الحلبية ج 2 ص 314 عن ابن اسحاق. وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 224 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 وراجع ص 565 وتفسير القمي ج 2 ص 177 والبحار ج 20 ص 218 عنه وزاد المعاد ج 2 ص 117 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 314 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 وامتاع الاسماع ج 1 ص 224 وزاد المعاد ج 2 ص 117 (3) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 301 وفتح الباري ج 7 ص 301 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 565 وحدائق الانوار ج 1 ص 212 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 394 (4) راجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 225 وجوامع السيرة النبوية ص 149 (*)

[ 180 ]

4 - وذهب أكثر المؤرخين الى أنهم كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها (1) ونقول: أ: إننا نحتمل قويا ان يكون القول الثالث هو نفس قول ابن اسحاق، لكن النساخ صحفوا سبعمئة بتسعمئة، لتقارب رسم الخط في الكلمتين، وعدم وجود النقط في السابق، وما أكثر ما يقع الاشتباه والختلاف بين سبع وتسع، من اجل ذلك. ب: إننا نرجح قول ابن اسحاق، وان حكم عليه البعض


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 224 و 225 ومجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 200 عنه، وراجع هذا القول في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 56 والتنبيه والاشراف ص 216 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 وج 4 ص 1204 عن المطري عن ابن اسحاق والثقات ج 1 ص 266 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 والوفا ص 693 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 197 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 2 ص 233 و 236 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 236 و 237 والعبر وديوان المبتدا والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 والبداية والنهاية ج 4 ص 102 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 و 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 و 481 و 483 وبهجة المحافل ج 1 ص 264 والسيرة الحلبية ج 2 ص 314 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 و 565 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 197 وشرح النهج للمعتزلي، ومنشورات دار مكتبة الحياة ج 4 ص 267 والبحار ج 20 ص 272 عن المناقب ونهاية الارب ج 17 ص 168 وعيون الاثر ج 2 ص 57 و 58 والتهذيب سيرة ابن هشام ص 190 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 ومختصر التاريخ ص 43 وحبيب السير ج 1 ص 359 وجوامع السيرة النبوية ص 149 وفتح الباري ج 7 ص 301 و 307 وسعد السعود ص 138. (*)

[ 181 ]

كالحلبي وغيره، بانهم قدوهم أو غلط في ذلك ولو تنزلنا عن ذلك، فاننا نأخذ بالقول الثاني، أما القول بأنهم كانوا ثلاثة آلاف، فلا مجال للاعتماد عليه، وذلك للامور التالية: 1 - ما تقدم في قصة إطعام جابر لاهل الخندق جميعا وكانوا سبع مئة رجل، أو تمان مئة، أو الف رجل، فراجع حديث جابر المتقدم في الفصل السابق، وراجع المصادر التي أشير إليها في الهامش هناك 2 - وري عن الامام الصادق عليه السلام: انه صلى الله عليه واله وسلم شهد الخندق في تسع مئة رجل (1) ويحتمل ان تكون كلمة تسع تصحيفا لكلمة سبع ايضا 3 - روي: أن النبي (صلى الله عليه واله) قال: اكتبوا لي من تلفظ بالاسلام فكتب حذيفة بن اليمان له الفا وخمس مئة رجل. وفي نص اخر: ونحن ما بين الست مئة الى السبع مئة. قال الدماميني: قيل: كان هذا عام الحديبية (2) ويرى البعض: ان المسلمين كانوا في أحد بعد رجوع المنافقين سبع مئة رجل، وبين أحد والخندق سنة أو اكثر بقليل. ويبعد ان يزيد المسلمون خلال سنة واحدة هذه الزيادة الكبيرة، بحيث


(1) الكافي ج 5 ص 46 والوسائل ج 11 ص 105 (2) راجع حصيح البخاري ج 2 ص 116 وصحيح مسلم ج 1 ص 91 ومسند احمد ج 5 ص 384 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1337 والتراتيب الادارية ج 1 ص 220 و 223 وج 2 ص 251 و 252 وعن المصنف لابن ابي شيبة ج 15 ص 69 (*)

[ 182 ]

يصلون الى ثلاثة آلاف (1) وما جرى في الخندق يوضح: ان عدد سكان المدينة لا يصل الى الخمس آلاف نسمة بما في ذلك الاطفال والنساء عدد المشركين: ووافى المشركون المدينة، وأحاطوا بها من جميع جهاتها واشتد الحصار على المسلمين (2) وقد اختلفت الاقوال في عدد المشركين. وذلك على النحو التالي: 1 - قال المسعودي: " سارت إليه قريش وغطفان وسليم وأسد، وأشجع وقريظة ونضير، وغيرهم من اليهود، فكان عدة الجميع اربعة وعشرين ألفا. منها قريش وأتباعها أربعة آلاف " (3) 2 - وقال ابن شهر آشوب: " كانوا ثمانية عشر آلف رجل " (4) 3 - وقال ابن الدبيع: كانوا أحد عشر ألفا (5) وذكر في موضع آخر: انهم كانوا عشرة آلاف. ولعله حين عد معهم بني قريظة ذكر الرقم الاول، وحين غض النظر عنه عدهم عشرة آلاف 4 - إن عدد جيش المشركين بجميع فئاته كان عشرة آلاف: قريش وكانوا اربعة آلاف، ومن اجابهم من بني سليم، واسلم،


(1) الرسول العربي وفن الحرب، هامش ص 238 (2) راجع: حدائق الانوار ج 2 ص 587 (3) التنبيه والاشراف ص 216 (4) مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 197 والبحار ج 20 ص 272 عنه (5) حدائق الانوار ج 1 ص 52 ويفهم ذلك من الزمخشري في الكشاف ج 3 ص 526 وعنه في سعد السعود ص 138 (*)

[ 183 ]

وأشجع، وبني مرة، وكنانة، وفزارة، وغطفان (1) 5 - إنهم كانوا مع يهود بني قريظة والنضير زهاء اثني عشر الفا (2) 6 - ولكننا نجد آخرين من المؤرخين يتحدثون عن هذا الامر بطريقة تؤيد أحد القولين الاولين. فقد قال ابن الوردي وغيره: " أقبلت قريش في أحابيشها، ومن تبعها من كنانة في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من اهل نجد " ثم ذكر انضمام بني قريظة إليهم (3)


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن ابن اسحاق والمغازي للواقدي ج 2 ص 444 و 445 وتفسير القمي ج 2 ص 177 و 176 وعيون الاثر ج 2 ص 57 وزاد المعاد ج 2 ص 117 وبحار الانوار ج 20 ص 217 ونهاية الارب ج 17 ص 168 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 وسيرة مغلطاي ص 56. والوفاء ص 693 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 233 و 236 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 428 وراجع: العبر وديوان المبتدا والخبر ج 2 ق 2 ص 29 وفتح الباري ج 7 ص 301 و 307 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 و 4 وبهجة المحافل ج 1 ص 264 والسيرة الحلبية ج 2 ص 311 وحدائق الانوار ج 2 ص 587 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 514 ومنهاج السنة ج 4 ص 170 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 (3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 197 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 135 وراجع المصادر التالية: الاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 231 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 236 و 237 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 197 والبداية والنهاية ج 4 (*)

[ 184 ]

7 - ثم هناك من يقول: ان عدد جيش الاحزاب كان اربعة آلاف فقط (1) ولا نشك في ان هذا القول ناظر الى حشود قريش، أو ان بعض المؤرخين رآهم يذكرون ان عدد الجمع القريشي كان هذا المقدار فتوهم انه يقصد بيان عدد الجيش كله عدة جيش الشرك: وأما بالنسبة لعدة اهل الشرك، فقد قال المسعودي: انه كان " معهم ثلاث مئة فرس، وألف وأربع مئة بعير، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب " (2) وذكر آخرون انه كان معهم ألف وخمس مئة بعير، وثلاث مئة فرس (3)


ص 102 والبدء والتاريخ ج 4 ص 217 وتاريخ الخميس ج 1 ص 483 والمواهب اللدنية ج 1 ص 112 ومختصر التاريخ ص 43 وجوامع السيرة النبوية ص 149 وفتح الباري ج 7 ص 307 ومجمع البيان ج 8 ص 341 / 342 والبحار ج 20 ص 200 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 190 ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 (1) راجع هذا القيل في: وفاء الوفاء ج 1 ص 301 وفتح الباري ج 7 ص 301 والسيرة الحلبية ج 2 ص 310 و 311 وتاريخ الخميس ج 1 ص 480 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 394 عن قتادة (2) التنبيه والاشراف ص 216 (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 310 و 311 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 2 والامتاع ج 1 ص 218 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 513 ونهاية الارب (*)

[ 185 ]

وذكر الديار بكري: انهم كانوا اربعة آلاف معهم ثلاث مئة فرس والف بعير، وعند غيره: الف وخمس مئة بعير (1) ويظهر من المقريزي: انه كان مع المشركين بالاضافة الى الف وخمس مئة بعير: ثلاث مئة فرس مع قريش، وثلاث مئة أخرى مع غطفان (2) وفي كلام حيي بن أخطب لكعب بن أسد: " والخيل الف فرس وسلاح كثير (3) " وصرح النويري: ان غطفان وفزارة كان مهما الف بعير (4) ومن الواضح: ان لا مجال لتحديد الرقم الحقيقي لذلك كله ولا لغيره، لكن مما لا شك فيه: ان هذا العرض للنصوص والاقوال يوضح مدى التفاوت فيما بين عدة وعدد المسلمين، واعدائهم من الاحزاب الذين جاؤا من كل حدب وصوب معنوبات جيش الشرك: وقد كان من الواضح: ان تفوق المشركين في العدد والعدة. ثم ما كان من تحالفهم مع بني قريظة الذين كانوا في الجهة الأخرى المدينة


ج 17 ص 167 وحبيب السير ج 1 ص 359 (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 وعيون الاثر ج 2 ص 56 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 233 ولم يذكر عدد الابل (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 218 و 219 (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 455 (4) نهاية الارب ج 17 ص 167 (*)

[ 186 ]

اضف الى ذلك هذا الاجماع الحاصل من مختلف القبائل العربية وكذلك بسبب الاعلام المسموم الذي اعقب حرب أحد، وصور لاهل الشرك انه قد حققوا فيها نصرا كبيرا وبسبب الحقد الذي يتغلغل في نفوس الكثيرين منهم على الاسلام والمسلمين نعم انه بسبب ذلك كله، وسواه مما لم يذكره كان جيش الشرك يعيش في بدايات حصاره للمسلمين حالة من الانتعاش الروحي، والشعور بالقوة والتفوق، وبإمكانية تحقيق بعض ما كانوا يصصبونه إليه ولكن الامر لم يدم على هذا الحال طويلا فقد تبخرت الآمال وحل محلها الشعور بالخيبة، وتلاشة حال الانتعاش، لتخلفها حالة التململ والشعور بالضيق حتى إذا جاءت ضربة علي القاصمة لجيش الشرك، تبدل كل شئ ليواجه هذا الجيش حالة من الرعب والخوف. وتصبح تلك الكثرة في العدد وفي العدة عبئا ثقيلا، ومصدر متاعب لذلك الجيش بالذات، فقد اصبحت العدة من افراس ومن وسائل نقل - أبعرة - بسبب طول المدة، وبسبب الجدب امرا يحسن التخلص، أو على الاقل يحسن التخفيف منه وتحجيمه كما ان اجماع القبائل لم ينجح في توحيد القيادة لهم، ولا استطاع ان يحجب الروح القبيلة، ويمنعها من الهيمنة على مسيرة التحرك، حتى في مواقع القتال وكانت كثرة هذا الجيش تستبطن التمزق، وكان تكثر الانتماءات

[ 187 ]

في الولاء والطاعة، يحمل معه بذور الفساد والافساد، والخلاف والشقاق لاتفه الاسباب أضف الى ما تقدم: ان الاعلام المزور والمسموم قد اوجب انتفاخا كاذبا، واذكى توقعات كبيرة، يعلم قادة الاحزاب انفسهم انهم اعجز عن ان ينالوها، أو ان يحققوا ادناها وبعد ما تقدم، فهل يمكن للجيش كهذا ان يقوم بتجربة حربية ضد المسلمين، مع انه لا يمكن ضمان نتائجها، لا سيما بعد ان عرف وراى ميدانا ان الامور قد اصبحت على غاية من التعقيد والخطورة، ولم يكن قد حسب لكل هذه المستجدات أي حساب وبعد كل ما تقدم، فان علينا ان لا ننسى ان تلك القبائل كانت تفتقر الى ترسيخ عامل الثقة فيما بينها. ولم يكن ثمة ضمانات حقيقية لوفاء بني قريظة للمشركين، ولا العكس، مع علمهم: ان الذي يجمع كل هذه المتفرقات هو الخوف من التفرق، وليس شيئا غير ذلك.. جيش أهل الايمان: وأما بالنسبة لجيش اهل الايمان فان الامر يختلف تماما، فهو يرى ان وجوده معرض للاستئصال والفناء، ولا بد له من الدفاع، ولن يجد ملجأ له إلا بذل الجهد، وإلا الجهاد من أجل البقاء كما ان هذا الجيش ينطلق في حركته وفي جهاده من قاعدة ايمانية تجمع بين متفرقاته، وتؤلف بين مختلفاته وهو وان كان قد تعرض - في بادئ الامر - لهزة من نوع ما حين صار المنافقون وضعفاء الايمان يتسللون ويتركون مواضعهم باعذار

[ 188 ]

مختلفة ولكن حزم القيادة، وهيمنتها، وحسن تدبيرها لم يفسح المجال للتأثر بالشائعات، واستطاعت هذه القيادة، حين فضحت امر هؤلاء المنافقين بالوحي القرآني، وحين ظهرت الكرامات الباهرة على يدها، واطلقت البشارات بالنصر الاكيد استطاعت ان تعيد للجو الايماني صفاءه ونقاءه، وتحصنه من كل ما من شأنه ان يشيع روح التخاذل، ويزرع اليأس والخوف في نفوس المخلصين والمؤمنين. وقطعت الطريق على اي كان من ان يتخذ موقفا أو يتصرف تصرفا من شأنه ان يعطي للعدو أية فرصة من اي نوع كانت الغطرسة القرشية: وعن علي عليه السلام قوله: " فقدمت قريش، فأقامت على الخندق محاصرة لنا، ترى في انفسها القوة وفينا الضعف ترعد وتبرق، ورسول الله (صلى الله عليه واله) يدعوها الى الله عز وجل، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى، ولا يزيدها ذلك الا عتوا " (1) ونقول: ليس غريبا على قريش هذا العتوا، وهذه الغطرسة، ما دامت تقيس الامور بمقاييس مادية، وترى القوة في أنفسها، والضعف في المسلمين، الذين جاءت لاستئصالهم، وإبادة خضرائهم. ولكن هذا العتو وتلك الغطرسة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها الضعف والخنوع، والخيبة القاتلة، كما سنرى


(1) الخصال ج 2 ص 68، باب السبعة، والبحار ج 20 ص 244 (*)

[ 189 ]

وليس غريبا ايضا أن نجد النبي (صلى الله عليه واله) ومن موقع الشعور بالمسؤولية يعتمد الاسلوب الانساني، ويستثير العاطفة الناشئة عن صلات القربى ولحمة النسب، والتي يكون لها هيمنة حقيقية على الانسان ولا بد أن تجتاح هزاتها الجامحة كل كيان الانسان، وكل وجوده. ثم هو (صلى الله عليه واله) يقرن ذلك بالدعوة الى الله عزوجل، الذي هو مصدر الخير والقوة والبركات رسالة تهديد من ابي سفيان ويقال، إن ابا سفيان كتب الى النبي مهددا إياه بما جمعه من الاحزاب لقتاله، ولعله قد كتب هذا الكتاب بعد وصوله الى المدينة وحصول المواجهة، والكتاب هو: أما بعد، فإنك قد قتلت أبطالنا، وأيتمت الاطفال، وأرملت النساء، والان قد اجتمعت القبائل والعشائر يطلبون قتالك، وقلع آثارك وقد جئنا اليك نريد نصف نخل المدينة، فإن أجبتنا الى ذلك وإلا أبشر بخراب الديار، وقلع الاثار تجاوبت القبائل من نزار * لنصر اللات في بيت الحرام وأقبلت الضراغم من قريش * على خيل مسومة ضرام فرد عليه النبي صلى الله عليه واله وسلم بالرسالة التالية: بسم الله الرحمن الرحيم: وصل كتاب أهل الشرك والنفاق، والكفر والشقاق، وفهمت مقالتكم، فوالله، ما لكم عندي إلا أطراف الرماح، وشفار الصفاح

[ 190 ]

فارجعوا ويلكم عن عبادة الاصنام، وأبشروا بضرب الحسام، وبفلق الهام، وخراب الديار، وقلع الاثار، والسلام على من اتبع الهدى " (1) قال الشيخ محمد ابي زهرة: " ونشك في نسبة هذا الكتاب الى النبي (صلى الله عليه واله) لما فيه من السجع (2) " ولا نرى: أن السجع في الكتاب يبرر الشك فيه، فإن خطب الزهراء، وخطب علي عليه السلام لم تخل من ذلك، كما يظهر لمن راجعها


(1) خاتم النبيين ج 2 ص 920 و 921 عن كتاب السيرة لابن جرير الطبري (2) خاتم النبيين ص 921 (*)

[ 191 ]

الفصل السادس: غدر بني قريظة

[ 193 ]

بنو قريظة ينقضون العهد: يقول المؤرخون: إن بني قريظة كانوا اصحاب حصون بالمدينة وموضعهم من المدينة على قدر ميلين. وهو الموضع الذي يسمى: بئر بني المطلب. وعددهم سبع مئة مقاتل (1) وصاحب عقدهم وعهدهم كعب بن أسد القرظي، وكان وادع رسول الله على قومه وعاهده وكان حيي بن أخطب سيد بني النضير، يقول لقريش في مسيره معهم: إن قومي بني قريظة معكم. وهم أهل حلقة وافرة. وهم سبع مئة مقاتل وخمسون مقاتلا فلما دنوا قال له أبو سفيان: ائت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد (2) فلما جاء حيي إلى بني قريظة كرهوا دخوله إلى دارهم، فكان أول من لقيه غزال بن سموأل، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد. هذه قريش قد حلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة


(1) تفسير القمي ج 2 ص 177 والبحار ج 2 ص 217 عنه (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 315 و 316 وامتاع الاسماع ج 1 ص 225 والمغازي للواقدي ج 2 ص 454 (*)

[ 194 ]

قال غزال: جئتنا - والله - بذل الدهر قال حيي: لا تقل هذا ثم توجه إلى باب كعب بن اسد فدق عليه (1) فأغلق كعب دونه باب الحصن، وقال: بيني وبين محمد عقد، ولن انقض ما بيني وبينه وفي نص اخر: " لم أر منه إلا وفاء وصدقا " زاد الواقدي: " والله، ما أخفر لنا ذمة، ولا هتك لنا سترا. ولقد أحسن جوارنا " وعند البيهقي: " لم أر رجلا أصدق ولا أوفى من محمد وأصحابه. والله، ما أكرهنا على دين، ولا غصبنا مالا إلخ " فقال حيي: افتح الباب أكلمك فقال كعب: ما أنا بفاعل فقال: والله، إن أغلقت دوني الباب إلا على جشيشتك (2) أن آكل معك منها. فأحفظه حتى فتح له، فقال: ويحك يا كعب (جئتك بعز الدهر، وببحر طام) جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنختهم بالمدينة. وجئتك بغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 455 (2) الجشيشة هي: البر يطحن غليظا (*)

[ 195 ]

فتأبى كعب، وقال: جئتني بذل الدهر، بجهام هراق ماؤه وبرعد وببرق ليس فيه شئ (زاد الواقدي قوله: وأنا في بحر لجي لا أقدر على أن أريم داري، ومالي معي والصبيان والنساء) فدعني ومحمدا، وما أنا عليه، فلم أر منه إلا وفاء وصدقا فلم يزل يفتله في الذروة وفي الغارب، حتى أعطاه عهدا من الله وميثاقا أن يكون معه، على أنه إن رجعت تلك الجموع خائبة ولم يقتلوا محمدا: أن يرجع معه إلى حصنه، يصيبه ما أصابه، ونقض كعب ما بينه وبين رسول الله، وبرئ مما كان عليه له (1) " ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد، وجمع رؤساء قومه


(1) راجع: تجارب الامم ج 1 ص 149 والمغازي للواقدي ج 2 ص 455 و 456 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 وبهجة المحافل ج 1 ص 265 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 والمواهب اللدنية ج 1 ص 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 483 و 484 وزاد المعاد ج 2 ص 117 وراجع حبيب السير ج 1 ص 360 وجوامع السيرة النبوية ص 149 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 231 و 232 وتهذيب سيرة ابن هشام ج 3 ص 190 و 191 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 والسيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 315 وامتاع الاسماع ج 1 ص 226 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 400 و 401 و 428 و 329 وراجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 303 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 526 و 527 ومجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 200 و 201 و 221 و 223 ونهاية الارب ج 17 ص 170 و 171 وعيون الاثر ج 2 ص 59 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 237 والبداية والنهاية ج 4 ص 103 وراجع: تفسير القمي ج 2 ص 179 - 181 والاكتفاء ج 2 من 163 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 198 و 199 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 236 و 237 (*)

[ 196 ]

وهم: الزبير بن مطا (باطا)، وشاس (نباش) بن قيس، وعزال بن ميمون (سموأل)، وعقبة بن زيد (وكعب بن زيد) وأعلمهم بما صنع من نقض العهد، وشق الكتاب الذي كتبه رسول الله (صلى الله عليه واله)، فلحم الامر لما اراد الله من هلاكهم. وكان حيي بن أخطم في اليهود يشبه بابي جهل في قريش " وعند القمي: غزال بن شمول وياسر بن قيس، ورفاعة بن زيد، والزبير بن باطا (1) وقال البعض: ان الزبير بن باطا كان شيخا كبيرا، مجربا، قد ذهب بصره، وقد قال لهم: إنه قرأ التوراة، ووجد فيها: انه يبعث نبي في آخر الزمان في مكة، ويهاجر إلى المدينة، وذكر له صفته فادعى حيي بن أخطب: ان هذا النبي هو من بني إسرائيل وهذا من العرب. ولا يكون بنوا إسرائيل اتباعا لولد إسماعيل ابدا لان الله قد فضلهم على الناس جميعا، ثم ادعى ان محمدا (صلى الله عليه واله) ساحرا. ولم يزل حتى اقنعهم بنقض العهد، فنقضوه (2) ويقول نص آخر: " ووعظهم عمرو بن سعدى، وخوفهم سوء فعالهم، وذكرهم ميثاق رسول الله (صلى الله عليه واله) وعهده، وقال لهم: إن لم تنصروه، فاتركوه وعدوه، فأبوا. وخرج إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) من بني قريظة بنو سعنة: أسد،


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 316 وامتاع الاسماع ج 1 ص 226 وتفسير القمي ج 2 ص 180 وبحار الانوار ج 20 ص 221 و 222 عنه وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 456 و 457. (2) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 180 و 81 وبحار الانوار ج 20 ص 222 و 223 عنه. (*)

[ 197 ]

وأسيد وثعلبة، فكانوا معه، وأسلموا. وأمر كعب بن أسد حيي بن أخطب: أن يأخذ لهم من قريش، وغطفان رهائن تكون عندهم " (1) " لئلا ينالهم ضيم، إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا: وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم: فنازلهم حيي على ذلك، فعند ذلك نقضوا العهد، ومزقوا الصحيفة التي فيها العقد، إلا بني سعنة (2). لابد من التثبت: " وبلغ رسول الله (صلى الله عليه واله) ذلك فغمه غما شديدا، وفزع أصحابه " (3) ويقال: إن الذي أبلغ النبي ذلك هو عمر بن الخطاب، فاشتد الامر على رسول الله (صلى الله عليه واله)، وشق عليه ذلك (4) (فقال: حسبنا الله، ونعم الوكيل) فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة (وبعض النصوص لم تذكر الاخيرين وذكرت بدلهما أسيد بن حضير) (5) يستخبرون الامر، فوجدوهم مكاشفين بالغدر،


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 والبداية والنهاية ج 4 ص 103 وراجع ص 13 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401 (2) البداية والنهاية ج 4 ص 103. (3) تفسير القمي ج 2 ص 181 وبحار الانوار ج 20 ص 223 عنه (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 316 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 227 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 والمغازي للواقدي ج 2 ص 457. (5) السيرة الحلبية ج 2 ص 316 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 227 والمغازي للواقدي ج 2 ص 458 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 وتفسير القمي ج 2 ص 181 وبحار الانوار ج 20 ص 223 عنه، وفيهما: " فقال رسول الله (صلى الله عليه واله) لسعد بن معاذ، وأسيد بن حصين، وكانا من (*)

[ 198 ]

والنيل من رسول الله (صلى الله عليه واله) فشاتمهم سعد بن معاذ وكانوا أحلافه، وانصرفوا وكان رسول الله (صلى الله عليه واله) قد أمرهم إن وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا، لئلا يفتوا في أعضاد الناس، فلما جاؤا إليه قالوا: يا رسول الله، عضل والقارة. يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع " (1) وقال ابن اسحاق وآخرون: (إن الذي شاتمهم هو سعد بن عبادة. وكان رجلا فيه حدة، فقال ابن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة) (2)


الاوس. وكانت قريظة حلفاء للاوس " والظاهر: ان كلمة " حصين " هي تصحيف: حضير. وذلك كثير (1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 29 / 30 وراجع المصادر التالية: بهجة المحافل ج 1 ص 265 والمواهب اللدنية ج 1 ص 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وزاد المعاد ج 2 ص 117 وجوامع السيرة النبوية ص 149 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 237 وعيون الاثر ج 2 ص 59 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 232 و 233 والسيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 317 وامتاع الاسماع ج 1 ص 227 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 191 و 192 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 429 و 430 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 103 و 104 وتفسير القمي ج 20 ص 181 وبحار الانوار ج 20 ص 223 و 201 ومجمع البيان ج 8 ص 342 والمغازي للواقدي ج 2 ص 458 و 459 (2) راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 265 عن البغوي، وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 وعيون الاثر ج 2 ص 59 والسيرة الحلبية ج 2 ص 316 و 317 عن الشيخين وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527، ومجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 201 والمغازي للواقدي ج 2 (*)

[ 199 ]

والذي شاتم ابن عبادة هو نباش بن قيس (1) وقال أسيد بن حضير لكعب: أتسب سيدك يا عدو الله ؟ ! ما انت له يكفؤ يابن اليهودية. ولتولين قريش إن شاء الله منهزمين، وتتركك في عقر دارك، فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا (2) و " قال موسى بن عقبة: فدخلوا معهم حصنهم، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، فقالوا: الان وقد كسر جناحنا وأخرجهم ؟ (يريدون بني النضير) ونالوا من رسول الله (صلى الله عليه واله) فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة. ثم ناداهم سعد فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمر منه فقالوا: أكلت أير أبيك فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن " إلى أن قال: فأمرهم بكتمان خبرهم (3) وعند القمي انه لما رجع سعد بن معاذ وأسيد إلى النبي وأخبراه


ص 458 ونقل في البداية والنهاية ج 4 ص 104 عن ابن اسحاق عكس ذلك (1) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 227 عن ابن عقبة، والواقدي، وابن عائذ، وابن سعد (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 و 528 والمغازي للواقدي ج 2 ص 458 (3) البداية والنهاية ج 4 ص 104 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 403 (*)

[ 200 ]

بنقض قريظة قال (صلى الله عليه واله) " لعناء، نحن أمرناهم بذلك. وذلك أنه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه واله) عيون لقريش يتجسسون خبره " (1) وفي نص آخر: أنهم لما قالوا للنبي: عضل والقارة، قال صلى الله عليه واله: " الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين " (2) أو قال أبشروا بنصر الله وعونه (3) زاد البعض قوله: " إني لارجو أن أطوف بالبيت العتيق، وآخذ المفتاح وليهلكن كسرى وقيصر، ولتنفقن أموالهم في سبيل الله يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب، ثم تقنع إلخ " (4) ويقول الحلبي إنه قال: " نصرة الله وعونه، وتقنع بثوبه واضطجع، ومكث طويلا، فاشتد على الناس البلاء والخوف، حين رأوه (صلى الله عليه واله) اضطجع، ثم رفع رأسه وقال: أبشروا بفتح الله ونصره " (5)


(1) تفسير القمي ج 2 ص 181 والبحار ج 20 ص 223 عنه (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 484 والسيرة الحلبية ج 2 ص 317 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 ومجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 201 وعيون الاثر ج 2 ص 6 وزاد المعاد ج 2 ص 118 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 237 (3) امتاع الاسماع ج 1 ص 227 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 والمغازي للواقدي ج 2 ص 459 (4) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 (5) السيرة الحلبية ج 2 ص 317 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 459 (*)

[ 201 ]

ثم إنه قد بقيت لنا مع النص المتقدم وقفات ونحن نلخصها في المطالب التالية النزعة العنصرية لدى اليهود: أول ما يستوقفنا هنا الطريقة التي أحبط بها حيي مقالة الزبير بن باطا حول نبي تحدثت عنه التوراة، يبعث في مكة، ويهاجر إلى المدينة فإنه ضرب على الوتر الحساس لدى اليهود، حين طرح لهم مقولة: أن هذا النبي لا بد أن يكون إسرائيليا، مستندا إلى مقولة ترتكز على النزعة العنصرية لدى اليهود، حيث قال لهم: لا يكون بنو إسرائيل أتباعا لولد اسماعيل إلخ... وقد أشرنا إلى هذا الموضوع بصورة اوسع في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي وفاء اليهود: وقد اتضح ايضا: أن اليهودي حين يلتزم بعهده، فإنه لا ينطلق في ذلك من شهامة، ولا كرامة ولا نبل، ولا لاجل أنه يلتزم بشرف الكلمة.. وإنما لانه يرى أن نقضه له سوف يلحق به ضررا من نوع ما، فإذا اطمأن إلى عدم وجود ضرر في ذلك فانه يبادر إليه، دونما


ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 403 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199 / 200 (*)

[ 202 ]

وازع أو رادع وقد رأينا: أن كعب بن أسد ينقض العهد حين تخيل أنه سيحقق ما يتمناه، من استئصال محمد (صلى الله عليه واله) ومن معه، واقتنع بان القوة التي حشدها الاحزاب كافية في تحقيق هذه الامنية، وان المستقبل الرغيد والسعيد سيكون بانتظاره، واصبح على الابواب طريقة حيي للتأثير على كعب بن أسد: ويلفت نظرنا هنا الطريقة التي أثار فيها حيي بن أخطب حفيظة كعب بن أسد حتى فتح له، حيث اتهمه بأنه لا يفتح له خوفا من أن ياكل من طعامه. ففتح له حينئذ الباب، الذي كان باب الخزي والخسران، والذل الابدي، والبوار في الدنيا والاخرة ولكن كعبا هذا رغم اعترافه بانه لم ير من النبي إلا الوفاء والصدق، وغير ذلك فإنه ينقض العهد معه، حبا للدنيا، وطمعا بها فكان له الدمار والهلاك وحسبك بهذا دلالة على تفاهة تفكير هؤلاء الناس، وسفاهة عقولهم، وتناقضهم السافر في مواقفهم دوافع نقض العهد: أما ما قدمه من امتياز لكعب بن أسد ولبني قريظة ليثير شهيتهم لنقض العهد، والدخول معهم في حرب محمد فهو استئصال محمد ومن معه وقد اشترط كعب لنفسه إن لم يتحقق هذا الهدف أن يواجه

[ 203 ]

حيي بن أخطب معه كل السلبيات التي تنشأ عن عدم استئصال محمد ومن معه، حيث شرط عليه ان يدخل معه حصنه، ويصيبه ما أصابه فقبل حيي بن أخطب ذلك وذلك يوضح لنا صوابية القرار الذي اتخذه الرسول (صلى الله عليه واله) بتنفيذ حكم سعد بن معاذ في بني قريظة. وهو الحكم الذي أعطاه بنو قريظة أنفسهم موافقتهم المسبقة عليه. بل هم الذين اقترحوا تحكيم سعد بن معاذ فيهم وسيأتي بحث هذا الموضوع في غزوة بني قريظة إن شاء الله تعالى جهام بلا ماء: ولم يكن كعب بن أسد يرى في كل تلك الجموع قدرة على تحقيق الهدف الذي تسعى له، أو يشفي الغليل، وما هي إلا رعد وبرق فارغ، وسراب خادع ولعل مما ساعد على تكون تلك النظرة لديه هو ما جرى في حرب بدر وأحد، وقينقاع، والنضير، وغيرها. مع رؤيته وجود فرق كبير فيما بين قدرات المسلمين في السابق وفي اللاحق، فقد تنامت قدراتهم، واتسع نفوذهم، وتأكدت هيمنتهم على المنطقة بأسرها كما أن الخطة التي اتبعها رسول الله (صلى الله عليه واله) في مواجهة الاحزاب قد كانت على مرأى ومسمع من بني قريظة، وهم يعرفون: أنها خطة ناجحة إلى حد كبير، ولا يمكن اختراقها، وتحقيق فجوة فيها بسهولة

[ 204 ]

الشعور بالذنب والخيانة: وإذا كان كعب يعترف بوفاء وصدق محمد، وبسائر المواقف النبيلة، والانسانية لنبي الاسلام، فانه يكون قد اعترف ضمنا بالخيانة وبالغدر، فهل كان حقا قد شعر بالذنب وبتأنيب الضمير ؟ ! لو كان قد شعر بذلك حقا لبدرت منه بادرة تراجع أو ندم ولكن الله لا يوفق كل ظلوما كفار، ولن يكون لغادر فلاح، ولا لخائن نجاح. والمصير الذي انتهى إليه بنو قريظة خير شاهد على ذلك عدة مبعوثين لمهمة واحدة: لقد رأينا فيما سبق: أن النبي (صلى الله عليه واله) قد أرسل أكثر من شخص واحد لكشف خبر بني قريظة. ولعل ذلك يرجع إلى أن الجماعة تكون في مناسبات مشحونة بالتوتر أكثر تدبرا للامور في المواقع التي تشهد تصعيدا خطيرا، وعلى درجة كبيرة من الحساسية. ويمكن لبعضهم أن يستعين بالبعض الاخر، ويسدده ويعضده، لو كان ثمة ما يقتضي اتخاذ موقف أو القيام بمبادرة من نوع ما كما ان ذلك يجعل الخبر الذي يأتي به هؤلاء، ليتخذ على أساسه قرارات في غاية الخطورة، ترتبط بمستقبل ومصير أمة من الناس. يجعله أكثر دقة، ووضوحا، وأبعد عن اللبس، وعن احتمالات تدخل الاهواء في صياغته وفي أدائه. بالاضافة إلى أن يقطع العذر لمن يريد أن يغدر ويمكر، ثم يجنب نفسه عواقب هذا الغدر و المكر، حتى تلوح له بوادر فشله، وخيبته. إذ لا بد ان يحيق به مكره السئ، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله

[ 205 ]

والملفت للنظر هنا بالذات: أنه (صلى الله عليه واله) لا يختار لهذه المهمة أناسا عاديين، بل يختار لها الرؤساء والكبراء الذين يحترمهم رؤساء بني قريظة، وقد اختار (صلى الله عليه واله) ان يكونوا جميعا من الانصار، وفيهم خصوص سعد بن معاذ، سيد الاوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، لكي يلمس اليهود وجود التفاهم والانسجام الكامل، والعميق والراسخ فيما بين هاتين القبيلتين، اللتين لهما تاريخ طويل من الصراع. ثم ليستمعوا من هذين الزعيمين، وخصوصا من سعد بن معاذ. ما يزيل لهم كل شبهة ويدفع اي لبس أو تشكيك في حقيقة موقفهما. مع ملاحظة ان بين بني قريظة وبين الاوس حلف وعهد، يلزمهم الوفاء به ثم إن هذه البادرة منه صلى الله عليه واله وسلم ما هي إلا تعبير لهم عن حسن النية، وتدخل في سياق تهيئة الاجواء لهم ليعودوا عن قرارهم الخياني، إذا كانوا يطمعون بوفاء سعد، وقبيلته لهم. وهم الذين يفترض بهم أن يعيشوا معهم بعد رحيل الاحزاب، وعليهم أن يفكروا بان لا يحرقوا السفن وراءهم، فإن ذلك سوف يحرمهم من السلامة في نهاية المطاف طريقة الرمز في نقل المعلومات الحساسة: وقد طلب (صلى الله عليه واله) من رسله إلى بني قريظة: أن يستعملوا طريقة الرمز في تأدية المعلومات إليه، إذا كانت تلك المعلومات ذات طابع خاص يميزها بالخطورة والحساسية، وكان للجهر بها أثر سلبي على المعنويات كما أن ذلك يفرض أن يكون الذين يتم اختيارهم لمهمات من هذا القبيل لديهم المؤهلات الكافية لاختيار أسلوب الرمز المناسب

[ 206 ]

مع قدرتهم على تصنيف المعلومات نفسها وفقا للخطة التي ترسمها القيادة البشائر النبوية بالنصر: وحين بلغ النبي (صلى الله عليه واله) خبر نقض بني قريظة للعهد، الذي من شأنه أن يهد العزائم، ويثير حالة من الهلع في صفوف أهل الاسلام فإنه يعلن بالتكبير، الذي يؤذن بالغلبة والفلاح والنجاح، ثم يبشرهم بالنصر الاكيد الساحق، وبالسيطرة على العالم بأسره ولكنه (صلى الله عليه واله) لم يذكر لهم مضمون البشارة إلا بعد أن اضطجع وتقنع بثوبه، وطال انتظارهم له، واشتد عليهم البلاء، والخوف فجاءت البشارة لتبخر ذلك الخوف، وتكشف البلاء. وليفهمهم أن كلامه هذا ليس لمجرد التطمين ورفع المعنويات حدة سعد بن عبادة: وقد أشرنا فيما سبق إلى أن وصفهم لسعد بن عبادة بالحدة ليس له ما يبرره، ويبدو أن ذلك من تزييفات الحاقدين على سعد، لا قدامه على طلب الخلافة في يوم السقيفة، وهو ذنب يصعب أن يغفره له الاخرون، وان كان أبو بكر قد استطاع بما لديه من حنكة ودهاء أن يقلب الامور رأسا على عقب، ويفوز هو بالامر كما يعلمون كما أن سعدا هو والد قيس نصير علي والحسن، والمجاهد بين أيديهما في سبيل الله

[ 207 ]

أسيد بن حضير: وقد ذكر أسيد بن حضير فيما سبق كبديل عن بعض الشخصيات التي أرسلها النبي لكشف خبر بني قريظة ثم أعطوه دورا هاما جدا، وهو أنه قد أخبر بني قريظة بتفاصيل ما سوف يجري لهم، وقد تحقق ما قال حرفا فحرفا، وكأنه يقرؤه في كتاب ونحن لا نصدق كل ذلك عن أسيد، الذي كان يحظى يعناية خاصة من قبل بعض التيارات، لانه كان قريب ابي بكر، وكان له دور هام في توطيد أمر ابي بكر في يوم السقيفة. وكان أحد المهاجمين لبيت فاطمة. وكان للسلطة اهتمام ظاهر به، وسعي لتسطير الفضائل والكرامات له، ومنحه الاوسمة، بسبب وبلا سبب (1) فضيلة مكذوبة للزبير: عن عبد الله بن الزبير، قال: كنت يوم الاحزاب، انا وعمر بن ابي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت، فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة، مرتين، أو ثلاثا، فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف ! قال: رأيتني يا بني ؟ ! قلت: نعم قال: كان رسول الله (صلى الله عليه واله) قال: من يأت قريظة، فيأتيني بخبرهم ؟ !


(1) راجع كتابنا حديث الإفك - فصل: الفضائل والسياسة (*)

[ 208 ]

فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول (صلى الله عليه واله) ابويه، فقال: " فداك أبي وأمي " (1) وفي رواية اخرى: أن عمر بن الخطاب لما أخبر النبي (صلى الله عليه واله) بنقض بني قريظة للعهد، قال (صلى الله عليه واله) من نبعث يعلم لنا علمهم ؟ ! فقال عمر: الزبير بن العوام فكان اول الناس بعث رسول الله (صلى الله عليه واله) الزبير بن العوام، فقال: إذهب إلى بني قريظة، فذهب الزبير فنظر، ثم رجع، فقال: يا رسول الله، رأيتهم يصلحون حصونهم، ويدربون طرقهم، وقد جمعوا ماشيتهم فذلك حين قال رسول الله (صلى الله عليه واله) إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ابن عمتي ثم تذكر القصة إرسال السعدين إلى بني قريظة (2) ونقول:


(1) المواهب اللدنية ج 1 ص 112 والسيرة الحلبية ج 2 ص 217 وراجع ص 327 و 328 كلاهما عن الشيخين. وقال الترمذي: حديث حسن والتاريخ الكبير للبخاري ج 6 ص 139 وقول الزبير الاخير موجود في السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 10 وكذا في سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 لكنه لم يصرح ببني قريظة وحدائق الانوار ج 2 ص 590 عن الصحيحين، وليس فيهما تصريح ببني قريظة ايضا. وفيه: انه لما قال له الزبير: أنا قال: إن لكل نبي حواري وإن حواريي الزبير وراجع صحيح البخاري كتاب اصحاب النبي، باب مناقب الزبير (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 457 وامتاع الاسماع ج 1 ص 227 (*)

[ 209 ]

إن هذه الرواية لا تصح، وذلك للامور التالية: اولا: إنها تخالف سائر الروايات وتناقضها. لانها مجمعة على أن السعدين هما اللذان جاءا بخبر نقض بني قريظة للعهد وحاول البعض توجيه ذلك، ورفع التنافي فقال: " لا منافاة بين ارسال الزبير وارسال هؤلاء، لاحتمال أنهم أرسلوا دفعة، أو بعد ارساله. وخص هؤلاء القوم بالارسال لانهم حلفاؤهم، فيحتمل أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه حياء من حلفائهم، فغلبت عليهم الشقوة " (1) وقال الحلبي: " ولعل هذا - أي ارسال السعدين ومن معهما - كان بعد إرسال الزبير إليهم ليأتي بخبرهم، هل نقضوا العهد استثباتا للامر " (2) ونقول: ان احتمال ارسال الزبير بعد تلك الجماعة ليس له ما يبرره، إذ أن إخبار هؤلاء الكبار كان يكفي في ثبوت هذا الامر لديه (صلى الله عليه واله) وأما إرسال الزبير قبلهم، فهو ايضا في غير محله، إذا كان (صلى الله عليه واله) عازما من اول الامر على إرسال تلك الجماعة، إذ أن إرساله لا يفيد شيئا في حصول اليقين له (صلى الله عليه واله) أما مجرد الاحتمال فقد حصل باخبار عمر له اولا حسبما تقدم وثانيا: أضف إلى ما تقدم: اننا لم نفهم السر في أن الزبير حين ارسله النبي ليأتيه بخبرهم، قد تردد، إليهم مرتين أو ثلاث، ألم


(1) اليسرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 317 (*)

[ 210 ]

تكن المرة الاولى كافية لوقوفه على حقيقية أمرهم ؟ ! ولماذا الترديد بين المرتين والثلاث، فهل نسي ولده عبد الله عدد المرات التي رصدها وسأل أباه عنها ؟ ! وثالثا: إننا لم نعرف وجه تسمية الآطم ب‍ " أطم حسان "، مع أن النساء كن في أطم بني حارثة الا أن يكون قد أراد الاشارة إلى أن جبن حسان قد تجلى في هذا الاطم بالذات، ثم اشتهر به بسبب ذلك ولكن ذلك - على كل حال - يحتاج إلى اثبات ورابعا: قال ابن عبد البر: " ثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي رسول الله (صلى الله عليه واله) ابويه مرتين: يوم أحد، ويوم بني قريظة، فقال: ارم فداك أبي وأمي فقال: ولعل ذلك كان في أحد: إن لكل نبي حواري، وإن حواريي الزبير إلخ.. " (1) وخامسا: إن ابن الزبير كان يوم الخندق طفلا صغيرا، لا يعقل مثل هذه الامور، فلا يصح أن يسأل أباه هذا السؤال، ثم يجيبه ابوه بذلك الجواب الذي لا يدرك مغزاه إلى ذو الحجى، ولا يخاطب به طفلا صغيرا، عمره على أبعد الاقوال أربع سنوات، أو سنتان ونصف سنة - كما هو قول الاكثر - فضلا عن القول الذي يذكر: أنه ولد في أحد، أو في الخندق بالذات، ولتوضيح ذلك نقول: انهم رغم انهم يقولون: ان ابن الزبير كان اول مولودا في


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 317. (*)

[ 211 ]

الاسلام من المهاجرين (1) مع وضوح خطأ الرازي في قوله: إنه أول مولود ولد في الاسلام (2) - رغم ذلك - فانهم قد اختلفوا في تاريخ ولادته، على النحو التالي: 1 - فريق يقول: إن أسماء حملت بعبد الله في مكة، وخرجت مهاجرة إلى المدينة، فلما دخلت المدينة نزلت قباء، فولدته بقباء (3) 2 - وبعضهم أطلق القول في ولادته، فقال: ولد عام الهجرة، أو ما يقرب من هذه العبارة، وبعضهم ذكر ذلك بلفظ قيل (4)


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 231 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 301 و 302 وتهذيب الاسماع ج 1 ص 266 وسير اعلام النبلاء ج 3 ص 363 و 365 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 548 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) وتاريخ الصحابة ص 150 والتهذيب الكمال ج 14 ص 509 وراجع: أسد الغابة ج 3 ص 161 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 170 و 171 و 172 والبداية والنهاية ج 3 ص 230 والسيرة الحلبية ج 2 ص 89 و 80 والتبيين في أنساب القريشيين ص 257 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 213 والاصابة ج 2 ص 309 و 310 (2) الجرح والتعديل ج 5 ص 56 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 197 (3) تاريخ الصحابة لابن حبان ص 150 والاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 3 ص 301 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 والتاريخ الكبير ج 5 ص 6 وحلية الاولياء ج 1 ص 333 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171 والتبيين في انساب القريشيين 257 والسيرة الحلبية ج 2 ص 79 والثقات ج 3 ص 212 والجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص 240 ونسب قريش لمصعب ص 237 (4) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 230 ووفيات الاعيان ج 3 ص 71 ومستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي ج 3 ص 548 والاصابة ج 2 ص 309 (*)

[ 212 ]

3 - ونجد الاخرين يقولون: انه ولد في شوال السنة الثانية، للهجرة النبوية الشريفة (1) والقائلون بهذا القول هم الاكثر (2) لكن عبارة عدد منهم هكذا: هاجرت به أمه وهي حامل، فولدة بعد الهجرة بعشرين شهرا (3) قال العسقلاني: " لا يتجه إلا بتقدير ان يكون قد اقام في بطنها نحو سنتين. ولم أر من صرح بذلك " (4) ولعل هذا هو السبب في انه قد استظهر ان يكون القول بولادته


وراجع: سيرة اعلام النبلاء ج 3 ص 363 وأسد الغابة ج 3 ص 163 وتهذيب الكمال ج 14 ص 509 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 213 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 166 وانساب الاشراف ج 5 ص 375 (1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 551 والاصابة ج 2 ص 309 عن الواقدي ومن تبعه، وسير اعلام النبلاء ج 3 ص 363 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 197 وتهذيب الاسماع ج 2 ص 266 والمحبر ص 275 و 276 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 231 وراجع: أسد الغابة ج 3 ص 161 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171 عن الزبير بن بكار والسيرة الحلبية ج 2 ص 80 عن الواحدي وغيره (2) تهذيب التهذيب ج 5 ص 214 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 551 (3) راجع: الاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 2 ص 301 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 213 وراجع: أسد الغابة ج 3 ص 161 وتهذيب الكمال ج 14 ص 509 والبداية والنهاية ج 3 ص 230 والمحبر ص 275 و 276 والجمع بين رجال الصحيحين لابن العسقلاني ج 1 ص 240 (4) تهذيب التهذيب ج 5 ص 213 / 214 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 80 (*)

[ 213 ]

في اول سني الهجرة اقرب الى الصحة. وان كان الاكثر على خلافه (1) 4 - ويؤيد القول بانه قد ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا وانه قد ولد في السنة الثانية قولهم: انه قتل في السنة الثلاث وسبعين، وله أثنتان وسبعون سنة (2) 5 - انهم يقولون: ان النعمان بن بشير ولد قبل ابن الزبير بستة أشهر، على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة (3) وقال الذهبي: ولد سنة اثنتين (4) وقالوا ايضا: إن النعمان هذا قد ولد قبل وفاة النبي (صلى الله عليه واله) بثمان سنين وسبعة اشهر. وقيل: ست سنين. والاول أصح. وقال ابن الزبير: النعمان اكبر مني بستة اشهر. وهو اول مولود للانصار بعد الهجرة (5) وذلك يعني ان ابن الزبير قد ولد في السنة الثالثة 6 - انهم يقولون: ان ابن الزبير يكبر مروان بن الحكم بأربعة


(1) تهذيب التهذيب ج 5 ص 214 (2) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 303 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 198 وج 24 ص 190 ووفيات الاعيان ج 3 ص 74 والجمع بين رجال الصححين ج 1 ص 240 والكامل في التاريخ ج 2 ص 359 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 5 ص 43 (3) البداية والنهاية ج 3 ص 230 والاصابة ج 3 ص 559 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 151 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 448 و 447 والمحبر ص 276 وتهذيب الاسماع ج 2 ص 129 (4) سير اعلام النبلاء ج 3 ص 411 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 448 (5) أسد الغابة ج 5 ص 22 (*)

[ 214 ]

اشهر (1) ومروان ولد في الثالثة يوم احد كما عن مالك، أو في الرابعة، أو يوم الخندق - كما عن ابن عبد البر - أو في الثانية فراجع ترجمة مروان في كتب السير والتراجم (2).. 7 - ويقولون ايضا: كان لابن الزبير حين موت النبي (صلى الله عليه واله) ثمانية سنين واربعة اشهر (3) ولعل قول ابن اسحاق: كان له تسع سنين (4). لا ينافي ذلك، إذ كان قد قال ذلك على سبيل التقريب، لا التحديد.. 8 - قال العسقلاني عن عمر بن ابي سلمة: " ولد بالحبشة في السنة الثانية. وقيل قبل ذلك. وقبل الهجرة إلى المدينة. ويدل عليه قول عبد الله بن الزبير: كان اكبر مني بسنتين الخ " (5). وجزم ابن عبد البر بأنه ولد في الثانية، وعند الذهبي: ولد في أواخرها (6)


(1) سير اعلام النبلاء ج 3 ص 476 (2) راجع على سبيل المثال: الاصابة ج 3 ص 477 و 478 وتهذيب الاسماء ج 2 ص 87 واسد الغابة ج 4 ص 348 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 91 و 92 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 425 والبداية والنهاية، وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 5 ص 611 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 5 ص 36 وفي مختصر تاريخ دمشق ج 24 ص 184 و 179: ان عمر مروان حين موت النبي كان ثمانية سنين. وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 192 (3) راجع تهذيب الكمال ج 14 ص 509 وسير اعلام النبلاء ج 3 ص 364 ومختصر تاريخ دمشق ج 12 ص 171 (4) الاصابة ج 2 ص 301 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 514 (5) الاصابة ج 2 ص 518 وتهذيب التهذيب ج 7 ص 456 (6) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 475 وراجع: الثقات ج 3 ص 263 و الجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص 339 والمحبر ص 293 (*)

[ 215 ]

9 - وأخيرا، فقد روى البخاري عن عروة: أن الزبير أركب ولده عبد الله يوم اليرموك فرسا وهو ابن عشر، ووكل به رجلا (1) وقد كانت وقعة اليرموك سنة 13 ه‍ أو 15 ه‍. وعليه الجمهور (2) ويدل عليه كتاب الصلح الذي كتبه خالد للنصارى حينما أراد النهوض الى اليرموك. وقد أرخه بسنة خمس عشرة (3) فتكون ولادة ابن الزبير في السنة الثالثة أو الخامسة. وهو ما أيدته بعض الشواهد المتقدمة، خصوصا قولهم في ولادة مروان وقد اعتذر العسقلاني وغيره عن قصة اليرموك هذه: بانها قد جاءت على سبيل الغاء الكسر (4) ولكنه اعتذار واه، لانه الغاء خمس أو ثلاث سنوات، من أصل خمس عشرة سنة بعيد ومستهجن، خصوصا إذا كان في مقام التحديد، من أجل اظهار فضيلة وخصوصية خاصة للزبير ولو سلمنا، فإنما يقبل هذا الاعتذار بعد ثبوت كون سن عبد الله هو عشر سنين. وهو لم يثبت. بل الظاهر خلافه كما قلنا


وراجع: تهذيب التهذيب ج 7 ص 456 وتهذيب الاسماء ج 2 ص 16 (1) صحيح البخاري ج 3 كتاب المغازي، باب قتل ابي جهل، وسير اعلام النبلاء ج 3 ص 365 (2) عمدة القاري ج 17 ص 90 وذكر هذا التاريخ في مصادر كثيرة، فراجع على سبيل المثال: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 191 وارشاد الساري ج 6 ص 252 وفتح الباري ج 7 ص 233 (3) فتوح البلدان ص 130 والبداية والنهاية ج 7 ص 21 (4) فتح الباري ج 7 ص 233 وعمدة القاري ج 17 ص 91 وارشاد الساري ج 6 ص 253 (*)

[ 216 ]

من الذي شاتم بني قريظة: وقد ذكرت احدى الروايات السابقة: ان ابن اسحاق وبعضا آخر يقولون: إن سعد بن عبادة هو الذي شاتم بني قريظة، وكان رجلا فيه حدة ونقول: 1 - قد روي عن ابن اسحاق ما يخالف ذلك، وأن الذي شاتمهم هو ابن معاذ 2 - إن قول اسيد بن حضير لكعب بن اسد: أتسب سيدك يا عدو الله، يشير إلى أن الذي شاتمهم هو ابن معاذ، لانه هو الذي كان بينه وبينهم حلف، ويحسن وصفه بانه سيدهم. أما ابن عبادة فحاله معهم حال سائر الناس إلا أن يقال: إنه إنما قال ذلك لاظهار عظمة ابن عبادة وامتيازه عليهم، بالاسلام، وبانه رئيس قومه والذي نستقربه هو ان المشاتمة قد حصلت لكلا الرجلين، فإبن معاذ شتم من قبل كعب بن اسد، وابن عبادة شتم من قبل شاس (نباش) بن قيس حسبما تقدم، ثم قال احدهما للاخر: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة عمر عرف بأمر بني قريظة: ويذكر النص التاريخي: أنه لما نقض بنو قريظة العهد " بلغ عمر بن الخطاب نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول الله (صلى الله عليه واله) بخبرهم " (1)


(1) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 وبقية المصادر تقدمت تحت عنوان: لا بد من التثبت (*)

[ 217 ]

ونقول: إن لم تكن هذه القضية كاذبة، فاننا لا ندري ما السبب في أن ذلك بلغ خصوص عمر بن الخطاب دون النبي، ودون كل المسلمين الاخرين، فهل كان لعمر جواسيس لدى بني قريظة يخبرونه بكل مواقفهم وتحركاتهم ؟ أم أنه علم ذلك من جهة المشركين ؟ إننا نعترف بالعجز عن ادراك الحقيقة، وليس في النصوص التي بين أيدينا، ما يكشف لنا عن هذا الامر ولا نريد أن نذكر القارئ بما ذكرناه في غزوة أحد، وبما سيأتي في هذه الغزوة من أن رموز الشرك، كخالد بن الوليد، وضرار بن الخطاب كانوا يتحاشون ايصال الاذى إلى عمر بن الخطاب، ولا ندري سر وسبب ذلك، لا سيما وأنهم يصرحون له بأنهم يتخذون ذلك يدا لهم عنده. هذا بالاضافة إلى قضايا اخرى لا مجال للتذكير بها الان، رغم ان أهل الشرك إلى أن انقضت غزوة الخندق، كانوا يعتقدون أن بالامكان اقتلاع الاسلام واستئصاله من جذوره، وكانوا يهتمون بقتل كل من تصل إليه أيديهم، ولا سيما من بني هاشم كحمزة وعبيدة بن الحارث، وعلي وغيرهم. فلماذا يريدون قتل هؤلاء، ولا يريدون قتل غيرهم من رجالات الاسلام ؟ احلاف عبادة بن الصامت: ويذكر البعض: انه لما خرج النبي (صلى الله عليه واله) يوم الاحزاب قال عبادة بن الصامت: يا رسول الله، إن معي خمس مئة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فأستظهر بهم على العدو..

[ 218 ]

فأنزل الله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ، إلا أن تتقوا منهم تقاة. ويحذركم الله نفسه، والى الله المصير (1) ونقول: إن هذا الكلام لا يصح أولا: لان ظاهر الاية يأبى الانطباق على واقعة من هذا القبيل فإنها تزجر عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولم يكن عبادة يريد أن يتخذهم أولياء من دون المؤمنين، بل هو يريد أن يشركهم في الدفاع عن أهل الايمان، حبا منه بسلامة المؤمنين. فهذا التحذير القوي، واستثناء حالة مصانعتهم تقية. والتنصيص على أنه يواليهم من دون أهل الايمان يبعد القضية عن أن تكون في شأن عبادة وثانيا: من أين يأتي عبادة بخمس مئة يهودي ليقاتلوا معه، فقد أجلى بنو قينقاع وبنو النضير عن ديارهم، ولم يكونوا ليدافعوا عن الاسلام، بل كانوا هم المحرضين للاحزاب على حرب النبي والمسلمين. وبنو قريظة قد نقضوا العهد، وأصبحوا مع الاحزاب عريش جديد لابي بكر: ويستفاد من كلام الواقدي: أنه قد كان ثمة ما يشبه العريش - عريش بدر - لابي بكر فيذكر: أن ابا بكر كان مع النبي (صلى الله عليه واله) " في قبة


(1) الجامع لاحكام القرآن ج 4 ص 58 وتفسير الخازن ج 1 ص 227 (*)

[ 219 ]

من أدم مضروبة في أصل الجبل، عند المسجد الذي في أسفل، معه أبو بكر رضي الله عنه، والمسلمون على خندقهم يتناوبون " (1) فجاء عمر، الى النبي (صلى الله عليه واله) وأخبره بنقض بني قريظة للعهد.. لكن قد تقدم: أن ذلك لا يصح، أو على الاقل يشك كثيرا في صحته. وقد تحدثنا في غزوة بدر عن عدم صحة قصة العريش المزعوم لابي بكر والنبي (صلى الله عليه واله) فراجع ما ذكرناه هناك.. ولسنا ندري لماذا ترك أبو بكر الناس يتناوبون على خندقهم أليس هو خندقه ايضا، ولماذا استثناه رسول الله (صلى الله عليه واله) ليكون معه دون كل من عداه، وكيف لم يعترض على ذلك أي من الناس الذين كانوا يقومون بواجباتهم في الحفظ والحراسة وكان النبي (صلى الله عليه واله) نفسه يفعل ذلك ايضا


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 457 (*)

[ 221 ]

الفصل السابع: معنويات الجيشين، والرعب والخوف ايام الحصار

[ 223 ]

الحالة المعنوية لجيش الاحزاب: لقد حاصر المشركون المسلمين في المدينة مدة طويلة سنتحدث عنها في الفصل التالي، ولا شك في أن جيش الشرك كان مطمئنا الى أنه سوف يحقق في مسيره ذاك لحرب المسلمين نتائج طيبة ومثيرة وربما حاسمة، وذلك استنادا الى ذلك الحشد الهائل الذي استطاع أن يوفره، والذي لم يسبق له مثيل ثم فوجئ بالخطة الدفاعية التي اعتمدها المسلمون في المواجهة، ولكنه لم يفقد الامل، وحرص على متابعة الاعداد والاستعداد، بحمله بني قريظة على نقض العهد، وذلك على أمل ان يجد الوسيلة لتجاوز عقدة الخندق، للتوصل الى المواجهة الحاسمة التي كان يأمل فكان من الطبيعي ان نجد جيش الاحزاب يتظاهر بالانفة والشموخ والعنجهية، والاستعلاء والفرح. قال ابن شهر أشوب: " كان الكفار على الخمر، والغناء، والمدد، والشوكة " (1) وكيف لا يكونون كذلك، وهم يرون أنفسهم في موقع من يحاصر اعداءه، ويضيق عليهم الخناق. ويتسبب لهم بالمزيد من الالم والاذى والخوف والرعب، مع ما يعانون من جوع وحاجة، وشدة


(1) مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 وبحار الانوار ج 20 ص 272 (*)

[ 224 ]

وان كان فيما بعد - وبعد قتل علي لطليعة فرسانهم - انقلب السحر على الساحر كما سنرى وما يهمنا هنا هو بيان حالة المسلمين في مواجهة الاحزاب فنقول: المسلمون في مواجهة الاحزاب: قد تحدث القرآن عن حالة المسلمون بصورة عامة في يوم الاحزاب، وتحدث عن حالات المنافقين ومواقفهم وأساليبهم في هذه المناسبة. وذكر ايضا حالة أهل الايمان والاخلاص، وميزهم عن غيرهم ونحن نذكر هنا الايات التي تعرضت للفرقاء الثلاثة فنقول: الحالة العامة: لقد كان ثمة حالة من الخوف والرعب تهيمن على الاجواء العامة للمسلمين، الذين لم يستحكم الايمان في نفوسهم وقلوبهم حتى زاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر. قال تعالى: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب) * (1) حيث يذكر المفسرون: أن هذه الاية قد نزلت يوم الاحزاب


(1) سورة البقرة / 214 (*)

[ 225 ]

وقيل: نزلت في أحد (1) وقد زاد هذا الخوف والرعب باستمرار الحصار، وظهور بعض المناوشات. وقد أشار الله سبحانه الى ذلك، فقال: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها. وكان الله بما تعملون بصيرا) * * (إذ جاؤوكم من فوقكم، ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزوا زلزالا شديدا) * (2) يقين أهل الايمان: أما عن خصوص الثلة االمؤمنة الصابرة المجاهدة، فإنهم كانوا مطمئنين الى نصر الله تعالى لهم على أعدائهم. دون أدنى شك أو ريبة منهم، فقد قال تعالى: * (ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا ايمانا وتسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبديلا) * * (ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم، ان الله كان غفورا رحيما) * (3)


(1) بحار الانوار ج 20 ص 188 عن مجمع البيان ج 2 ص 309 وراجع: الدر المنثور ج 1 ص 243 عن عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وعن ابن جرير، وابن ابي حاتم، عن السدي (2) سورة الاحزاب / 9 - 11 (3) سورة الاحزاب 22 - 24 (*)

[ 226 ]

حالة المنافقين: أما المنافقون: فانهم ما زالوا منذ البداية يشككون في قدرة المسلمين على المواجهة، وقد تقدم انهم حين حفر الخندق اظهروا نفاقهم الذي رافق جميع مراحل المواجهة وقد حكى الله تعالى ذلك عنهم، فقال: * (وإذ يقول المنافقون، والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم، فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: ان بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا. ولو دخلت عليهم من اقطارها، ثم سئلوا الفتنة لأتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيرا. ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل: لا يولون الادبار، وكان الله مسؤولا) * قل: * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، واذن لا تمتعون إلا قليلا) * قل: * (من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا، ولا نصيرا) * * (قد يعلم الله المعوقين منكم، والقائلين لاخوانهم: هلم الينا، ولا تأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم، فإذا جاء الخوف، رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم، كالذي يغشى عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد، أشحة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فاحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا) * يحسبون الاحزاب لم يذهبوا، وإن يأت الاحزاب يودوا ولو انهم

[ 227 ]

بادون في الاعراب، يسألون عن أنبائكم، ولو كان فيهم ما قالوا الا قليلا (1) " النصوص التاريخية: قد ظهر من الايات الشريفة: ان ما كان يثيره المنافقون من شائعات، وما كانوا يتخذونه من مواقف، قد اثر على الحالة العامة، واسهم في اثارة مشاعر الخوف التي كانت متحفزة، بسبب ما يرونه من حشود هائلة، وبسبب الحصار الذي يعانون منه وترافق مع الحاجة الملحة، الامر الذي بث روح الانهزام، والتخاذل والتردد فيما بينهم ضعفاء النفوس، وقليلي التدبر وقد حملت لنا النصوص التاريخية بعض التفاصيل، التي يحسن الوقوف عندها، الى جانب اخرى يحسن الالمام بها والاطلاق عليها، والاستفادة منها ونحن نذكر هنا بعضا من ذلك ولا نصرف النظر عن جميع ما لدينا من ملاحظات وتحفظات، بل نذكر بعضا من ذلك، حسبما يقتضيه المقام، فنقول: عن جابر بن عبد الله، قال: كان خوفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش، حتى فرج الله ذلك (2) وعن أم سلمة: انها قالت: انها شهدت مع النبي (صلى الله عليه واله) مشاهد فيها قتال وخوف: المريسيع، وخيبر، والحديبية، والفتح، وحنين،


(1) سورة الاحزاب / 12 - 21 (2) المغازي ج 2 ص 468 (*)

[ 228 ]

ولم يكن من ذلك أتعب لرسول الله (صلى الله عليه واله) ولا أخوف عندنا من الخندق. وذلك ان المسلمين كانوا في مثل الحرجة، وان قريظة لانأمنها على الذراري الخ (1) " وكانوا يبيتون بالخندق خائفين، فإذا أصبحوا أمنوا " (2) " واشتد البلاء والحصر على المسلمين، وشغلتهم انفسهم، فلا يستريحون ليلا، ولا نهارا " (3) وقال ابن شهر آشوب: " وكان الكفار على الخمر، والغناء، والمدد، والشوكة. والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو والنبي (صلى الله عليه واله) جاث على ركبتيه، باسط يديه، باك عيناه، ينادي بأشجى صوت: " يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي، وكربي، فقد ترى حالي " (4) يقولون: لما صح عند رسول الله (صلى الله عليه واله) نقض بني قريظة للعهد ضاق ذرعا، وخشى ان يفت ذلك في اعضاد المسلمين، فعظم البلاء، واشتد الخوف، واتاهم عدوهم من فوقهم، ومن اسفل منهم، حتى


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 231 والمغازي للواقدي ج 2 ص 467 وتاريخ الخميس ج 1 ص 485 (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 228 (3) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406 (4) مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 وراجع ج 3 ص 134 وبحار الانوار ج 20 ص 272 وراجع ج 14 ص 88 (*)

[ 229 ]

ظن المؤمنين كل ظن، ونجم النفاق، وكثر الخوض واقام رسول الله (صلى الله عليه واله) واصحابه فيما وصف من الخوف والشدة لتظاهر الاعداء عليهم، واتيانهم من فوقهم ومن اسفل منهم حتى كان ما كان من كيد نعيم بن مسعود الخ (1) وستأتي قصة نعيم، وما فيها من هنات واشكال قال ابن الجوزي: " قال علماء السير: كان اشتد الخوف يوم الخندق، وفشل الناس، وخيف على الذراري والاموال " (2) وفي نص آخر: " ولما فشى نقض بني قريظة، واشتد الخوف، وعظم عند ذلك البلاء، فبينما هم على ذلك إذ جاءتهم جنود - يعني الاحزاب - وهم قريش وغطفان، ويهود بني قريظة... الى ان قال: فجاء بنو اسد، وغطفان، وفزارة، واليهود من فوقهم، من جهة المدينة، وقائدهم حارث بن عوف، وعيينة بن حصن. وجاء قريش


(1) تجارب الامم ج 1 ص 150 واشار الى ذلك في المصادر التالية تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 والمواهب اللدنية ج 1 ص 112 / 113 والسيرة الحلبية ج 2 ص 318 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 و 201 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 / 165 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 و 111 ومجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 202 والمغازي للواقدي ج 2 ص 459 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 135 وعيون الاثر ج 2 ص 60 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 192 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وبهجة المحافل ج 1 ص 264 وامتاع الاسماع ج 1 ص 227 / 228 و 281 (2) الوفاس 693 وراجع سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 ونهاية الارب ج 17 ص 171 (*)

[ 230 ]

وكنانة من جانب أسفل الوادي، وقائدهم أبو سفيان بن حرب " (1) " وقال ابن عباس: كان الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان، كذا في الوفاء ومن هيبة كثرتهم، وشدة شوكتهم رعبت قلوب ضعفاء أهل الاسلام، وزاغت أبصارهم " (2) وقال القيرواني: " جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هاهنا والمجد من هاهنا. يريد هوازن " (3) ومعنى ذلك هو ان المسلمين كانوا محاصرين من جهات ثلاث ويقول الطبرسي: " من فوقكم: من فوق الوادي، من قبل المشرق: قريظة والنضير، وغطفان ومن أسفل منكم: اي من قبل المغرب، من ناحية مكة: أبو سفيان في قريش ومن تبعه " (4) مواقف المنافقين: وقال القمي: " لما طال على اصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) الامر واشتد عليهم الحصار. وكانوا في وقت برد شديد، واصابتهم مجاعة


(1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 والسيرة الحلبية ج 2 ص 317 و 318 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 (3) الجامع ص 281 (4) مجمع البيان ج 8 ص 339 وبحار الانوار ج 20 ص 192 عنه (*)

[ 231 ]

وخافوا من اليهود خوفا شديدا. وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم ولم يبق احد من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) إلا نافق إلا القليل وقد كان رسول الله (صلى الله عليه واله) أخبر اصحابه: أن العرب تتحزب ويجيئون من فوق. وتغدر اليهود ونخافهم من اسفل، وإنه ليصيبهم جهد شديد، ولكن تكون العاقبة عليهم فلما جاءت قريش، وغدرت اليهود قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا.. وكان قوم لهم دون في اطراف المدينة. فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا ان نرجع الى دورنا، فإنها في اطراف المدينة، وهي عورة ونخاف اليهود ان يغيروا عليها وقال قوم: " هلموا فلنهرب، ونصير في البادية، ونستجير بالاعراب، فان الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله " (1) وقال البيهقي: انه بعد حصار دام قريبا من عشرين ليلة، وبعد حصول قتال دام الى الليل، شغل المسلمين عن صلاة العصر: " فلما اشتد البلاء على النبي (صلى الله عليه واله) واصحابه نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة واني لارجو أن أطوف بالبيت القتيق آمنا، وان يدفع الله عزوجل الي مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزوجل


(1) تفسير القمي ج 2 ص 186 وبحار الانوار ج 20 ص 229 و 230 (*)

[ 232 ]

وقال رجل ممن معه لاصحابه: ألا تعجبون من محمد ! ! يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق، وان نقسم كنوز فارس والروم، ونحن هاهنا لا يأمن احدنا ان يذهب الى الغائط، والله ما يعدنا الا غرورا وقال آخرون ممن معه: ائذن لنا، فان بيوتنا عورة وقال آخرون: " يا اهل يثرب، لا مقام لكم فارجعوا " (1) ويقول نص آخر: " ونجم النفاق من بعض المنافقين. وقال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا ان نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وان اموالهما تنفق في سبيل الله، واحدنا اليوم لا يأمن على نفسه ان يذهب الى الغائط: " ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا " وقال رجال ممن معه: " يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا " (2)


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 402 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 460 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 وراجع المصادر التالية: حدائق الانوار ج 2 ص 587 ووفاء الوفاء ج 1 ص 303 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 238 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 وامتاع الاسماع ج 1 ص 288 وعيون الاثر ج 2 ص 60 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 135 والسيرة الحلبية ج 2 ص 318 وفتح الباري ج 7 ص 307 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 51 ومجمع البيان ج 8 ص 347 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 192 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 / 165 والمغازي (*)

[ 233 ]

من الذي قال: بيوتنا عورة: تقدم في النصوص التي اوردناها: أن هناك من قال: بيوتنا عورة، من اجل الحصول على إذن من النبي (صلى الله عليه واله) لهم بترك مواقعهم والرجوع الى بيوتهم، فمن هم هؤلاء الذين قالوا ذلك ياترى ؟ إن بعض النصوص التاريخية تقول: هم " عبد الله بن ابي واصحابه وقيل: هم بنو سالم من المنافقين وقيل: إن القائل لذلك أوس بن قبطي ومن وافقه على رأيه، عن يزيد بن رومان " (1) وقال ابن الكلبي: إن ابا مليل، سليك بن الازعر - شهد بدرا - هو الذي قال يوم الخندق بيوتنا عورة (2) وقال الديار بكري: " وكان جماعة من المنافقين مثل أوس بن القيظي، ومتابعيه ينفرون جيش الاسلام، ويقولون: ارجعوا الى منازلكم، واعتلوا بان منازلكم عورة، خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، ونحن نخاف ان يظفر بها جيش العدو " (3)


للواقدي ج 2 ص 459 / 450 وبحار الانوار ج 20 ص 193 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 وراجع: سعد السعود ص 138 (1) مجمع البيان ج 3 ص 347 والبحار ج 20 ص 193 عنه وراجع: نهاية الارب ج 7 ص 181 (2) راجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 229 (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 133 (*)

[ 234 ]

ويقول نص آخر: " عظم الامر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة وهم بالفشل بنو حارثة، وبنو سلمة، معتذرين بان بيوتهم عورة خارج المدينة، ثم ثبتهم الله " (1) لكن البعض قال: إن المستأذنين هم بعض بني حارثة لا كلهم فراجع (2) ويروي لنا الواقدي هذه القضية بنحو اكثر تفصيلا، فيقول: إن بني حارثة بعثوا بأوس بن قيظي الى النبي يقولون: إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الانصار مثل دارنا. ليس بيننا وبين غطفان احد يرد عنا، فاذن لنا فلنرجع الى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا فاذن لهم (صلى الله عليه واله) ففرحوا بذلك، وتهيأوا للانصراف فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم، إنا والله، ما اصابنا واياهم شدة قط إلا صنعوا هكذا، فردهم (3)


والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 (1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وراجع المصادر التالية: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 وامتاع الاسماع ج 1 ص 227 و 228 وزاد المعاد ج 2 ص 118 ومجمع البيان ج 2 ص 347 وبحار الانوار ج 20 ص 193 (2) راجع: جوامع السيرة النبوية ص 149 (3) المغازي للواقدي ج 2 ص 463 وراجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 229 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 وليس فيه موقف ابن معاذ: وراجع المصادر التالية: وان لم تشر لموقف ابن معاذ: عيون الاثر ج 2 ص 60 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 233 وتهذيب سيرة ابن (*)

[ 235 ]

من بقي مع النبي (صلى الله عليه واله) في المواجهة: قال دحلان: " فجعل المنافقون يستأذنون، ويقولون: بيوتنا عورة، اي من العدو، لانها خارج المدينة، وحيطانها قصيرة، يخشى عليها السرقة، فاذن لنا نرجع الى نسائنا، وابنائنا، وذرارينا فياذن (صلى الله عليه واله) لهم قيل: ولم يبق معه تلك الليلة إلا ثلاث مئة " (1) وعن حذيفة: " ان الناس تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه واله) ليلة الاحزاب، فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا " (2) وقال القاضي النعمان: " وتسلل عن رسول الله صلوات الله عليه وآله اكثر اهل المدينة، فدخلوا بيوتهم كالملقين بأيديهم " (3) وتقدم قول القمي: " ولم يبق أحد من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله) إلا نافق إلا القليل " وهذا يؤيد ما سيأتي من ان سبب النصر هو بطولات علي عليه السلام، وما جرى على المشركين من مكابدة ما تثيره الرياح


هشام ص 192 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 435 و 436 (1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 وستأتي بقية المصادر في الفصل الاخير من هذا الباب تحت عنوان: مهمة حذيفة بن اليمان (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 450 و 451 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 249 / 250 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 31 (3) شرح الاخبار ج 1 ص 294 (*)

[ 236 ]

والاعاصير من متاعب لهم، وما تزرعه من خوف ورعب في قلوبهم. بعد أن آتت النشاطات النبوية لزرع الشكوك فيما بينهم ثمارها، كما سنرى وقبل أن نمضي في الحديث عن سائر الوقائع نتوقف قليلا للاشارة الى الامور التالية: الحارث بن عوف: ذكرت بعض الروايات المتقدمة الحارث بن عوف في المشاركين في حصار المدينة، وقد تقدم ان قومه ينكرون حضوره حرب الاحزاب، فراجع الفصل الاول من هذا الباب. رهبة الليل وقد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: ان الليل كان بالنسبة لكثير من المسلمين بمثابة كابوس مخيف لما يتوقعونه من مفاجئات لم يحسبوا لها حسابا، ونحن وإن كنا نصدق أن لليل رهبته، ولكن وجود الرسول فيما بينهم، وهو الذي لم يزل يطمئنهم الى نصر الله وعونه، كان ينبغي أن يطمئنهم، ويذهب حالة الخوف والرعب من نفوسهم لو كانوا راسخي القدم في الايمان، والتسليم لله ولرسوله خوف الرسول: وقد تحدثت بعض كلمات المؤرخين عن خوف النبي (صلى الله عليه واله) في حرب الاحزاب ونحن لا نشك في عدم صحة هذه النصوص، ولا أقل من أنها لم تتحر الدقة في نقل الوقائع والاحداث، فإن الرسول صلى الله عليه

[ 237 ]

واله وسلم كان يبشر المؤمنين بنصر الله وعونه، ابتداء من حفر الخندق، ثم حين نقض بني قريظة لعهدهم، وفي غير ذلك من مناسبات فلم يكن هو ليعاني من حالة الرعب والخوف، وهو الذي كان مصدر السكينة والامن والطمأنينة للناس بل إننا إذا كنا نرى ان القرآن يتحدث عن المؤمنين بانهم كانوا على درجة من التسليم والتصديق بوعد الله، وما زادهم مجئ الاحزاب، ورؤيتهم لهم الا ايمانا وتسليما. فإن النبي الاعظم لن يكون أقل ايمانا منهم والذي نراه هو ان النبي صلى الله عليه واله. قد تعب كثيرا في انجاز المهام حين صار اصحابه يتركونه، حتى بقي في قلة قليلة منهم. بل ان بعضهم حتى طلحة، وعمر قد تركوه، واختبأوا في حديقة هناك، وقد كشفت عائشة امرهم، واحرجتهم بصورة ظاهرة كما ذكرناه في موضعه فيمكن ان يكون بعض المؤرخين خلط بين التعب والمعاناة للنبي (صلى الله عليه واله) وبين الخوف، فنسب إليه الخوف، مع ان الصحيح هو نسبة التعب كما قالته ام سلمة، وغيرها فليلاحظ ذلك اتهام أحد البدريين بالنفاق: وقد ذكرت النصوص المتقدمة: ان متعب بن قشير هو الذي قال: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر الخ...

[ 238 ]

مع أن ابن هشام يقول: قيل: لم يكن متعب من المنافقين، وقد شهد بدرا (1) وقال العسقلاني: " ذكروه في من شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقا، وانه الذي قال يوم احد: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا. وقال: انه تاب. وقد ذكره ابن اسحاق في من شهد بدرا " (2) وقال أبو عمر: " شهد بدرا وأحدا، وكان قد شهد العقبة. ويقال: انه الذي قال: لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا هاهنا " (3) ولا نريد تتبع سائر المصادر التي اشارة الى بدرية متعب بن قشير. فكيف نوفق بين وصف القرآن له بالنفاق، وبين بدريته، التي توجب - حسبما يزعم هؤلاء - ان يغفر له كل ذنب، ويطهر من كل رجس، وقد تحدثنا عن هذا الامر في غزوة بدر فراجع هيكل يخطئ في تصويراته وتصوراته: قال محمد حسين هيكل: " لاهل يثرب أبلغ العذر إن كان بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم، ولمن قال منهم العذر في أن يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه ان يذهب الى الغائط، وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها. أليس هو الموت الذي يرون آتيا تقدح بالشرر عينه، مصورة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش، وفي أيدي غطفان


(1) عيون الاثر ج 2 ص 60 (2) الاصابة ج 3 ص 443 (3) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 462 (*)

[ 239 ]

وتدب الى القلب مخافته، متسللة من منازل قريظة الغدرة الخائنين " (1) ونقول: لقد اشتبه هيكل في تصوره وفي تصويره أيما اشتباه، وذلك لامور: الاول: ان الله سبحانه قد حكى طائفة مما ذكر آنفا عن المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، فقال: " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم: يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي، ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا " (2) فهل كان المنافقون والذين في قلوبهم مرض على حق في قولهم هذا ؟ ! وقد صرح المؤرخون - حسبما تقدم وسيأتي ايضا - بان المنافقين هم الذين قالوا: يعدنا محمد كنوز كسرى الخ الثاني: ان هذه الاقوال - كما تقدم - إنما صدرت بادئ الامر من المنافقين قبل مجئ الاحزاب، وقبل نقض بني قريظة للعهد، إذ قد صرحت الروايات بأنهم قد قالوا ذلك حين حفر الخندق، توقعا لمجئ قريش والاحزاب، ثم قالوا بعد اشتداد الحصار. فلو سلمنا لهيكل قوله ذاك، نقول له: ما هو المبرر لرعبهم قبل مجئ الاحزاب ولم يكن ثمة ما يوجب الخوف إلى هذه الدرجة


(1) حياة محمد ص 325 الطبعة الثانية سنة 1354 ه‍. ق دار الكتب المصرية (2) سورة الاحزاب / 12 - 13 (*)

[ 240 ]

الثالث: إننا لا نوافق أن من حقهم أن يقولوا ذلك، حتى لو كان القائلون هم المؤمنون، وذلك لانهم قد رأوا من الايات والخوارق والكرامات للنبي (صلى الله عليه واله) وهم يحفرون الخندق الشئ الكثير. فكان من المفروض فيهم أن يتيقنوا بنصر الله سبحانه لهم، وبصدق ما أخبر به نبيهم الاكرم صلى الله عليه واله وسلم. ولكن لم تكن تلك الكرامات تقتصر على مجرد التصور العقلي لهم. بل كانت تتعدى ذلك لتكون ممارسة حسية لكل فرد فرد منهم، كما كان الحال بالنسبة لاطعام اهل الخندق جميعا من وليمة جابر الرابع: ان مراجعة الايات القرآنية تعطينا: أن الذين زاغت ابصارهم وبلغت قلوبهم حناجرهم، وظنوا بالله الظنون هم غير المؤمنين الذين كانوا ثابتين في حصون الايمان لكن هؤلاء المؤمنين قد تأثروا من حالة إخوانهم، فوقعوا في البلاء والزلزال، فقد قال تعالى مخاطبا المسلمين " إذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا " (1) فترى أنه تعالى قد تحدث عن المؤمنين بطريقة الحديث عن الغائبين، مع انه لو كان المراد جميع المسلمين لكان السياق يقتضي أن يقول: " هنالك ابتليتم وزلزلتم " أضف الى ما تقدم: أنه لو كان الامر كذلك لم يقل: " هنالك


(1) الاحزاب / 10 و 11 (*)

[ 241 ]

ابتلي " بل كان عليه ان يقول: وابتليتم. فكلمة " هنالك " تشير الى أن الابتلاء للمؤمنين قد حصل حينما ظننتم بالله الظنون، وبلغت قلوبكم حناجركم على ان من الواضح: أن ظن الظنون بالله لا ينسجم مع الايمان بل هو ينافيه. وقد تحدث تعالى عن المؤمنين فذكر انهم لم يظنوا الظنون هنا، بل زاد ايمانهم عمقا ورسوخا. فقال تعالى: * (ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا ايمانا وتسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا) * بقي ان نشير هنا الى أن المراد بابتلاء المؤمنين هو أن مسؤولياتهم أصبحت أكبر وأخطر من ذي قبل، وأصبحت كل المصائب والالام الناتجة عن هذا الحصار، من انهزام المسلمين روحيا، والخوف على الذراري والنساء، وما صاحب ذلك من تحمل مشقات وجهد وسهر - ان ذلك كله - قد انصب على رؤوس ثلة قليلة مجاهدة صابرة، قد لا يتجاوز عددها عدد اصابع اليدين أو حتى اليد الواحدة إذ أن من الغني عن البيان: ان تحقيق وعد الله ورسوله لهم بالنصر، لا يعني أن لا يتحملوا المشقات والمصاعب والالام الكبيرة وان لا يبتليهم بالمواجهات الخطيرة، التي تصل الى درجة الاستشهاد بالنسبة الى بعض الافراد، لان الوعد إنما هو للمجموع العام ولاهل هذه الدعوة بصفتهم العامة، وان كان افراد كثيرون يستشهدون، أو يمتحنون بالمصائب والبلايا والرزايا

[ 242 ]

العقد المزعوم بين عيينة بن حصن: قال ابن المسيب: " حصر رسول الله (صلى الله عليه واله) واصحابه بضع عشرة حتى خلص الى كل منهم الكرب.. الى ان قال: فبينما هم على ذلك من الحال أرسل رسول الله (صلى الله عليه واله) الى عيينة الخ " (1) وذكر نص آخر: أنه بعد أن حوصر المسلمون، ونقض بنو قريظة العهد، وضاقت الامور على المسلمين، واحيط بهم، وهم بالفشل بنو حارثة، وبنو سلمة، بعث رسول الله (صلى الله عليه واله) الى عيينة بن حصن والحرث بن عوف: أن يرجعا، ويخذلا الاعراب، ولهما ثلثا ثمار المدينة - كما في بعض المصادر - لكن أكثر المصادر تقول: ثلث ثمار المدينة زاد في نص آخر قوله: " فجرى بينهما المراوضة في الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح " (2)


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 477 وراجع المصنف للصنعاني ج 5 ص 367 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 485 وراجع المصادر التالية: العبر والديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 36 ونهاية الارب ج 17 ص 172 و 173 والمغازي للواقدي ج 2 ص 477 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 والارشاد للمفيد ص 51 و 52 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 والبحار ج 20 ص 252 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 238 وعيون الاثر ج 2 ص 60 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 192 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 430 وانساب الاشراف ج 1 ص 346 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 (*)

[ 243 ]

وشاور صلى الله عليه واله وسلم في ذلك: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فأبيا، وقالا: يا رسول الله، أشئ أمرك الله به فلا بد منه ؟ ! ام شئ تحبه، فتصنعه، فنصنعه لك ؟ ! ام شئ تصنعه لنا ؟ ! قال: بل اصنعه لكم، اني رأيت ان العرب رمتكم عن قوس واحدة فقال سعد بن معاذ: قد كنا معهم على الشرك والاوثان، ولا يطمعون منا بتمرة شراء ولا بيعا. فحين اكرمنا الله بالاسلام، واعزنا بك نعطيهم اموالنا ؟ ! والله، لا نعطيهم إلا السيف فصلب رسول الله (صلى الله عليه واله) (1)


(1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وراجع: المصادر التالية: سيرة المصطفى ص 499 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و 6 والسيرة الحلبية ج 2 ص 318 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 و 202 وامتاع الاسماع ج 1 ص 236 وفتح الباري ج 7 ص 307 وشرح نهج البلاغ للمعتزلي الشافعي ج 10 ص 180 وانساب الاشراف ج 1 ص 346 وزاد المعاد ج 2 ص 118 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 531 وراجع: الارشاد للمفيد ص 52 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 وبهجة المحافل ج 1 ص 266 وجوامع السيرة النبوية ص 149 / 150 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 238 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 239 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و 181 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 203 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 و 105 والبحار ج 20 ص 252 ونهاية الارب ج 17 ص 172 و 173 وعيون الاثر ج 2 ص 60 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 430 و 431 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 وتهذيب سيرة ابن هشام 192 و 193 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 367 و 368 وشرح الاخبار ج 1 ص 293 / 294 (*)

[ 244 ]

زاد البعض هنا قوله: " فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الآن قد عرفت ما عندكم، فكونوا على ما انتم عليه، فان الله تعالى لن يخذل نبيه، ولن يسلمه حتى ينجز له ما وعده ثم قام رسول الله صلى الله عليه واله في المسلمين، يدعوهم الى جهاد العدو، ويشجعهم، ويعدهم النصر من الله تعالى (1) " وترك ما كان هم به من ذلك " (2) وقد تفننت بعض الروايات في تصوير وقائع هذه القصة فهي تقول: انه (صلى الله عليه واله) أرسل الى رئيسي غطفان: عيينة بن حصين والحارث بن عوف ان يجعل لهما ثلث ثمار المدينة، ويرجعان بمن معهما فجاءا متخفيين من ابي سفيان مع عشرة من قومهما الى النبي (صلى الله عليه واله)، فطلبا نصف ثمار المدينة، فأبى عليهما إلا الثلث فرضيا. فجرى بينه وبينهم الصلح، واحضر رسول الله (صلى الله عليه واله) الصحيفة والدواة، واحضر عثمان بن عفان، حتى كتب كتاب الصلح، ولم يقع الاشهاد وعند الواقدي المقريزي: أحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان الصلح، وعبادة بن بشر على رأس رسول الله (صلى الله عليه واله) مقنع بالحديد


(1) الارشاد للمفيد ص 52 وراجع: كشف الغمة للاربلي ج 1 ص 203 وبحار الانوار ج 20 ص 252. ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 (2) بهجة المحافل ج 1 ص 266 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 180 و 181 (*)

[ 245 ]

لما ارادوا ان يكتبوا الشهادة جاء أسيد بن حضير، فرأى عيينة بن حصين قد مد رجله بين يدي رسول الله (صلى الله عليه واله) وعلم ما جاء له فاقبل الى عيينة وقال: يا عين الهجرس، اتمد رجلك بين يدي رسول الله (صلى الله عليه واله) ؟ ! فوالله، لو لا مجلس رسول الله لانفذت جنبك بهذا الرمح ثم اقبل بوجهه الى النبي فقال: يا رسول الله، ان كان هذا شيئا أمرك الله به لا بد لنا من عمله، أو أمرا تحبه، فاصنع ما شئت، ما نقول فيه شيئا. وان كان غير ذلك، فوالله ما نعطيهم إلا السيف، متى كانوا يطمعون مان ؟ ! فسكت النبي (صلى الله عليه واله) ولم يقل شيئا. وعلى حد تعبير الواقدي فأسكت رسول الله (صلى الله عليه واله) فدعى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما فيه (خفية)، فقالا مثل ما قال أسيد (وأبوا اعطاء الدنية، فأمره النبي (صلى الله عليه واله) بشق الكتاب) فاعتذرة (صلى الله عليه واله) بانه قد رأى العرب رمتهم عن قوس واحدة الى ان تقول الرواية: فتناول سعد، اي ابن وععاذ الصحيفة واخذها من عثمان فمحا ما في الكتاب، ومزقة الكتاب ثم تذكر الرواية محاورة بين عبادة بن بشر وعيينة. ثم ذكر رجوع عيينة والحارث. وعلما: ان لا يد لهم في المدينة، لما رأوا من اخلاص الانصار، واتفاقهم مع رسول الله. ودخل في امرهما فتور وتزلزل (1)


(1) راجع في النصوص المتقدمة لاختصار تارة وباسهاب اخرى المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 485 / 486 والمغازي للواقدي ج 2 (*)

[ 246 ]

وتشير بعض النصوص الى دور لسعد بن الربيع ايضا (1) نقاط ضعف في هذا الاتفاق: لقد حفلت هذه القصة بنقاط ضعف كثيرة لا نرى ضرورة للتعرض لها بالتفصيل ونكتفي هنا بالاشارة الى الامور التالية 1 - التناقض والاختلاف: اننا نلاحظ هنا: تناقض واختلاف نصوص هذه الرواية، الامر الذي يعني انه لا بد من استعباد طائفة من هذه النصوص حتى لا يبقى ثمة تناقض واختلاف فيما بينها. فليلاحظ مثلا اختلافها. في انه (صلى الله عليه واله) اعطاهما ثلث ثمار المدينة، ام ثلثين ؟ ! وهل كتب كتاب، ثم رفض السعدان ام رفضا ذلك قبل ان يكتب الكتاب. وهل استشارة السعدين، ام استشار السعود


ص 477 و 478 وفي تفصيلات لا مجال لايرادها. والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 والسيرة الحلبية ج 2 ص 318 ونهاية الارب ج 17 ص 172 و 173 وعيون الاثر ج 2 ص 60 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 266 وتاريخ الاسلام السياسي ج 1 ص 118 و 119 وامتاع الاسماع ج 1 ص 235 و 236 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 و 531 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 234 والبداية والنهاية ج 4 ص 105 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 239 وراجع: حول هذا العقد المزعوم ايضا: الرسول العربي وفن الحرب ص 246 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 260 وج 17 ص 199 وخاتم النبيين ص 936 و 932 و 933 والكتفاء للكلاعي ج 2 ص 164 و 165 وسيرة المصطفى ص 507 (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 318 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 (*)

[ 247 ]

2 - الحارث بن عوف: وقد تقدم ان البعض ينكر مشاركة الحارث بن عوف في حرب الخندق، وان كان الواقدي يصر على هذه المشاركة، فراجع فصل: الاحزاب الى المدينة. فقرة: تحفظ تاريخي 3 - سعد بن الربيع: قد ذكرت بعض النصوص: انه قد كان لسعد بن الربيع دور في هذه القضية ايضا. مع ان سعدا هذا قد استشهد في حرب أحد، وهي قبل الخندق بزمان طويل، فراجع 4 - استشارة السعود، واعطاء الدنية: بعض النصوص تقول: ان عيينة بن حصين جاء مهددا متوعدا فهي تقول انه قال يا محمد ناصفنا تمر المدينة، والا ملأتها عليك خيلا ورجالا فقال حتى استامر السعود: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وسعد بن ربيعة وسعد بن مسعود فكلمهم رسول الله (صلى الله عليه واله) في ذلك، فقالوا: لا والله ما اعطينا الدنية في انفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله تعالى بالاسلام فرجع الحارث فاخبره، فقال: غدرت يا محمد (1) فما معنا هذا التهديد والوعيد من عيينة، ألم يملأها حتى الان خيلا ورجالا ؟ وهل بقي عنده خيل ورجال غير هؤلاء لم يأت بهم لحرب محمد ؟ !


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 532 (*)

[ 248 ]

والملفت في هذا النص: ان جميع الذين يريد النبي (صلى الله عليه واله) ان يستشيرهم اسمه سعد، فما هذه المصادفة العجيبة ! ! الم يكن في الانصار احدا من رؤساء له اسم آخر ؟ وامر ثالث يلفت النظر هنا وهو انه اعتبروا ان ذلك معناه اعطاؤه الدنية. فهل كان النبي بصدد ان بعطي الدنية للاعداء ؟ الم يكن يعلم انهم يعطوها في الجاهلية فكيف وقد جاء الله تعالى بالاسلام ؟ ! 5 - المراوضة وكتابة الصلح والامر الذي يصعب علينا تفسيره وهو انه كيف تمت كل هذه المراحل، من دون علم السعدين، أو السعود الاربعة، وغيرهم من زعماء الانصار فالنبي (صلى الله عليه واله) يرسل للاعداء ويستقدوهم، ويأتون إليه وتجري مراوضة في شأن الصلح، ثم يرسل النبي (صلى الله عليه واله) وراء عثمان وياتي، ويكتب الكتاب - كل ذلك يحصل، ولا احد من زعماء الانصار يعرف بشئ. حتى يرسل إليهم النبي، ويحضرهم فهل لم يكونوا يحضرون مجلس النبي، الا ان يحضرهم إليه النبي (صلى الله عليه واله) نفسه ؟ ! وهل صحيح انهم كانوا يغيبون عنه فترات طويلة هذا المقدار ولا سيما في حرب الخندق، التي يفترض فيما تواجدهم حوله باستمرار ليتلقوا الاوامر ؟ ! وكيف غاب جميع من كان رسول الله بحاجة الى استشارتهم ولم يحضر ولا احد منهم ولو صدفة. الا ان أسيد بن حضير حضر بصورة مفاجئة ؟ !

[ 249 ]

6 - العجز والفشل: ولا ندري بعد هذا كيف يقدم النبي صلى الله عليه واله وسلم على امر لا يثق من قدرته على انجازه ؟ ام يعقل: انه كان واثقا من ذلك ثم فوجئ بما احبط سعيه، وخيب امله ؟ ! 7 - رأي النبي ورأي غيره: هل صحيح ان للنبي آراء يطلقها من عند نفسه، ولا تنتهي الى الارادة الالهية ؟ ! وكيف نفهم قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * ؟ ! أم أن هذه الاية تتحدث عن خصوص ما ينطق به من آي القرآن أو عن امور يطلب منه تبليغها كالاحكام الشرعية، ونحوها ؟ ! وكيف وبماذا نخصص الاية بما ذكر ؟ ! وإذا سلمنا ذلك جدلا - فهل صحيح ان للنبي بعض الاراء التي يخطئ فيها، أم أنه ذو اجتهاد صواب دائما ؟ ! وبعد ما تقدم لا بد ان نسأل عن الوسائل التي يمكننا ان نفرق فيها بين ما هو رأي واجتهاد له، وبين ما يأتي به من قبل الله سبحانه 8 - اتهام النبي (صلى الله عليه واله): ولا ندري ايضا: كيف نفسر قولهم للنبي: " أم شئ تحبه فتصنعه لك " فهل يتصورون أن النبي يمكن أن يقوم بعمل خطير كهذا لانه يحب أن يصنع شيئا لنفسه دونهم ؟ ! وهل هذه إلا إساءة أدب وسوء ظن خطير برسول الله (صلى الله عليه واله) يصل الى حد التهمة ؟ ! 9 - فصلب رسول الله (صلى الله عليه واله)

[ 250 ]

ويستوقفنا هنا قولهم: فصلب رسول الله (صلى الله عليه واله) فهل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد ضعف أمام أعداءه، فبدأ يقدم لهم التنازلات ويعطيهم الامتيازات إن نصا آخر ذكرناه آنفا يكاد يكون صريح الايحاء بان رسول الله صلى الله عليه واله كان بصدد التخلي عن جهاد العدو، حيث يقول: " ثم قام رسول الله (صلى الله عليه واله) في المسلمين، يدعوهم الى جهاد العدو، ويشجعهم، ويعدهم النصر من الله تعالى " وترك ما كان هم به من ذلك 10 - الاحتفاظ بسرية هذا العقد: كيف استمر هذا الامر خافيا على ابي سفيان، وكيف لم يسر به النبي والمسلمون الى مسامع زعيم قريش، ليكون مثار خلاف فيما بين زعماء الاحزاب انفسهم، كما جرى لبني قريظة فإنه إذا كان الامر بالنسبة لبني قريظة لم يبعد حدود الاعلام بهدف تدمير حالة الثقة القائمة بينهم وبين المشركين، فان الامر هنا اصبح أكثر واقعية، بعد أن قطع المتفاوضون مراحل واسعة باتجاه عقد الاتفاق، حتى لقد كتب الكتاب. وإن لم تقع الشهادة والصلح إلا ان يقال: إن تسريب امر خطير كهذا سوف يكون مضرا بالمسلمين، لانه يعطي للمشركين انطباعا عن ضعف المسلمين وانهيار معنوياتهم، الامر الذي ربما يثير لدى قوى الشرك شهية مواصلة الحصار، ومضاعفة الضغوط للوصول بالمسلمين الى حالة الانهيار الكامل كما أن هذا التسريب لم يكن في صالح زعماء غطفان، لانه

[ 251 ]

سوف يعقد العلاقات مع حلفائهم، ويثير لهم معهم مشاكل هم في غنى عنها اما المنافقون، فلعلهم لم يجدوا في تسريب معلومات كهذه ما يخدم مصالحهم، أو يفيد في إخراجهم من الورطة التي يجدون انفسهم فيها 11 - أدب عيينة، وغيرة ابن حضير: ولا يفوتنا الالماح الى ان عيينة بن حصن بمد رجليه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا يزجره النبي، ولا أحد من الصحابة الحاضرين ولا حتى عمر بن الخطاب، ولا أبو بكر، الذين لم نسمع لهما ذكر في هذه القضية ولا في غيرها إلا في مواقع ما كنا نحب ان نراهم فيها والاهم من ذلك: أن عليا ايضا لا يعترض. ويبقى الجميع ينتظرون قدوم أسيد بن حضير ليقف هو فقط ذلك الموقف الغيور والنبيل والشجاع. حتى إنه يتهدد عيينة بأن ينفذ جنبه بهذا الرمح لو لا احترامه مجلس رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا بد من تسطير الفضائل لأسيد. هذا لانه من المهاجمين لبيت فاطمة، ومن موطدي الامر لابي بكر، والقائمين به. لما بينهما من قرابة. ولامور اخرى لا مجال للافاضة فيها الان 12 - فأسكت رسول الله (صلى الله عليه واله) والاكثر غرابة هنا: ما ذكره الواقدي في هذا السياق من جرأة على مقام النبوة الاقدس. حين ذكر انه بعد ان قال أسيد بن حضير ما قال: " فأسكت رسول الله "

[ 252 ]

يا لها من جرأة قاسية، وإهانة وقحة لنبي الاسلام، من قبل أناس لا يرون الا مصالحهم، ولا يهمهم إلا تمشية سياساتهم، حتى ولو على حساب كل القيم والمثل الاسلامية والانسانية هذا كله عدا عن ظهور نبرات فيها ظلال ثقيلة من الاعتداد بالنفس والتحدي في كلمات أسيد في مواجهة النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم. فراجع كلماته وتأمل هذا ما أحببنا الالماح إليه في هذا المجال، ولننظر الان ماذا يقول الاخرون الذين يهتمون بالتبرير، ويبرعون في التصوير، فنقول المساس بشرف الاسلام: قد حاول البعض شرح ما جرى، بطريقته الخاصة، فهو يقول: " على الرغم من المجاعة التى قاساها المسلمون، والضيق الذي الم بهم من جراء الحصار المتطاول، والسهر، والحراسة الموصولين، فقد رأوا ان في القبول بمثل هذا الذل جرحا لكرامتهم وقال الانصار الذين عنتهم هذه المساومة المقترحة مباشرة: أنهم لم يدفعوا أي جزية إليهم حتى في الجاهلية، فكيف يطيقون الاذعان لهم، خاصة وان في الامر مساسا بشرف الاسلام نفسه " (1) وليت شعري كيف يقدم النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم على امر فيه مساس بشرف الاسلام ؟ ! إلا أن يكون (صلى الله عليه واله) لم يدرك أن الامر ينطوي على المخاطرة بهذا الشرف الراسخ، والعز الباذخ ؟ ! أو


(1) حياة محمد ورسالته ص 168 (*)

[ 253 ]

أن شرف الاسلام لم يكن يعنيه كثيرا، وكان يعنيهم هم وحدهم دونه ؟ ! استفادات وتوجيهات: 1 - لقد استفادوا من هذا الحدث فوائد وعوائد، فقد: قال أبو زهرة: " قد أفاد عرض الصلح امرين عظيمين اولهما: أن النبي (صلى الله عليه واله) علم عزمة اصحابه، وأنهم يريدون لقاءهم ثانيهما: أن ذلك أطمع غطفان ومن معهما من القبائل، والطمع إذا سكن حل العزيمة. وقد ترتب على ذلك الاطماع انهم تململوا بطول الحصار. وجرى بينهم وبين القرشيين خلاف، وهموا ان يعودوا من حيث جاؤا " (1) وقال: " إن ذلك يثير طمعهم، ويفت في عضدهم، وإن كان امر الصلح لم يبت فيه، ولكن بابه مفتوح ولم يغلق " (2) وقال: إنه (صلى الله عليه واله) أراد " أن يخذل المشركين بعضهم عن بعض بإثارة الطمع في بعضهم، فيتخلون عن باقيهم " (3) ولعل هذا هو ما يرمي إليه البعض، حين اعتبر ان هذا الصلح يهدف الى " صرفهم عن قريش، ليفت ذلك في عضدهم، فيرجعوا ايضا


(1) خاتم النبيين ص 933 (2) خاتم النبيين ص 936 (3) خاتم النبيين ص 932 (*)

[ 254 ]

" وقد تجلت حنكته السياسية في مساومته غطفان لزلزلتها عن موقفها الى جانب قريش " (1) وقال: " لما فاوض الرسول غطفان، واطمعهم في ثلث غلة المدينة، ثم عدل عن ذلك، ورفضه، توهمت غطفان: ان مركزه قد تحسن، وانه مقبل على حرب الاحزاب وإجلائهم ومما زاد هذا الوهم تحقق غطفان من عدول بني قريظة عن مناصرة الاحزاب، وعزمها على تقديم سادات قريش وغطفان الى الرسول ليقتلهم " (2) وثمة هدف آخر له (صلى الله عليه واله) وهو انه كان يريد أن يطمئن الى ما يتمتع به اصحابه من قوة معنوية واعتماد على نصر الله وتوفيقه، لانه لم يكن يحب ان يسوق اصحابه الى حرب أو مغامرة لا يجدون في انفسهم شجاعة لخوضها، أو لا يؤمنون بجدواها، ولذلك عرض عليهم رأيه، وابلغهم انه ليس تبليغا من الله تعالى (3) وبعد ان ذكر البعض: ان النبي (صلى الله عليه واله) كان " يعرف حق المعرفة: أن دوافع غطفان للغزو هي مادية فبل أي شئ آخر " (4) قال: " وقد حققت هذه المناورة السياسية اغراضها على الرغم من انها لم تنته الى اتفاق مكتوب كما علمنا، ذلك ان كل المصادر التاريخية تجمع: انه لم يكن لغطفان اي دور عسكري بعد هذه المقابلة التي


(1) تاريخ الاسلام السياسي ج 1 ص 119 و 120 (2) تاريخ الاسلام السياسي ج 1 ص 120 هامش (3) فقه السيرة للبوطي 300 - 301 (4) الرسول العربي وفن الحرب ص 246 (*)

[ 255 ]

أكدت لهم اصرار رجال الثورة الاسلامية على القتال في سبيل عقيدتهم. ولكنهم ظلوا مرابطين في معسكراتهم حتى امرهم القائد أبو سفيان بالانسحاب وفك الحصار " (1) 2 - واما بالنسبة للدلالات لهذا الحدث، فهم يقولون: أ: إنها محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه (2) ب: إنها تدل أيضا على " جواز اعطاء المال للعدوا لمصلحة المسلمين. وقد صالح معاوية ملك الروم على الكف عن ثغور الشام بمال دفعه إليه، ذكره أبو عبيدة " قال السهيلي: قيل: كان مئة الف دينار (3) " ج: وزعم البعض ان هذا الحدث يدل على انه يجب على المسلمين ان يدفعوا الجزية الى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة. وعلى جواز صرف المسلمين اعداءهم عن ديارهم باقتطاع شئ من ارضهم أو خيراتهم لهم وقد ناقش ذلك البعض بما حاصله:. اولا: إن الرأي المعروض للاستشارة، لا يعتبر دليلا تشريعيا لان المقصود بالاستشارة مجرد استطلاع ما في النفوس، فهي ممارسة لعمل تربوي بحت. والذي يحتج به من تصرفاته (صلى الله عليه واله) واقواله هو


(1) المصدر السابق ص 248 (2) فقه السيرة للبوطي ص 300 - 302 (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 266 عن البغوي. وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 565 والروض الانف ج 3 ص 278 (*)

[ 256 ]

خصوص ما لم يرد اعتراض عليه من كتاب الله تعالى. اما ما كان في حدود الاستشارة والرأي، فلا يعتبر دليلا بحال ثانيا: " لسنا ندري ما الصلة بين الجزية، وما يمكن ان يتصالح عليه فريقان متحاربان إن قلت: إن اضطر المسلمون - بسبب ضعف طارئ - الى التخلي عن بعض اموالهم حفظا لحياتهم، وحذرا من استئصال شأفة المسلمين، أليس لهم ان يفعلوا ذلك ؟ ! فالجواب: ان قد تستلب اموال المسلمين، ويغنمها اعداؤهم ولكن ليس ذلك عن اختيار من المسلمين، ولا لاجل تشريع ذلك فتوائيا. وانما هو الجاء واكراه لهم. والاحكام الشرعية لا يخاطب بها المكره، ولا الملجأ، ولا الصبي ولا المجنون بهذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف لا ينتزع فيها حكم تكليفي، يختار على اساس الرأي والمصلحة والمراوضة (1) " هذا ما ذكره ذلك البعض هنا، ولنا فيه ومعه مناقشات ووقفات نجملها في النقاط التالية: مناقشة سريعة: أ: قول ابي زهرة: ان اطماع غطفان نشأ عنه تململهم بطول الحصار، لا ندري كيف نفهمه، إذا ما هو الربط بين اطماعهم، وبين تململهم


(1) فقه السيرة للبوطي ص 300 - 302 (*)

[ 257 ]

ب: كما ان ما ذكره من حدوث خلافات بين قريش، وبين غطفان لا ندري من اين جاء به، وعن اي مصدر نقل ذلك ؟ ! ج: هل كان النبي (صلى الله عليه واله) جاهدا بعزمة اصحابه، وبمقدار استعدادهم للقاء عدوهم ؟ انما لدينا من وصف دقيق لحالتهم، ومن نصوص سجلة لنا مواقفهم وتصرفاتهم لا تترك مجالا للشك في حقيقة النوايا، ودرجة استعداد عندهم للقاء عدوهم، سلبا أو ايجابا. ولا في مستوى القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله لدى اصحابه د: ما معنى قوله ان امر الصلح لم يبت فيه، وبابه مفتوح لم يغلق. الم يغلق السعدان باب هذا الصلح.. وبتا الامر فيه ؟ ! ه‍: لا ندري كيف توهمت غطفان ان مركز النبي قد تحسن حين عدل عن الصلح، وهم قد رأوا بأم اعينهم بسبب العدول عن الصلح، وانه ضغوط تعرض لها، ورفض من اصحاب الثمار انفسهم، ولم يطرأ أي شئ على الحالة العسكرية، ولا على التحالفات القائمة بين الفرقاء من كلا الجانبين.. فكيف تتوهم غطفان ان مركز النبي (صلى الله عليه واله) قد تحسن الى درجة انه مقدم على حرب الاحزاب واجلائهم و: واما ان هذه المناورة قد جعلت غطفان تحجم عن الاضطلاع باي دور عسكري خوفا من مقاومة المسلمين. ولكنه ظلوا في معسكراتهم حتى امرهم أبو سفيان بالانسحاب فهو كلام عجيب غريب، فان دور غطفان العسكري لا يقل عن دور غيره فالكل يحاصرون المسلمين، والكل يتناوبون على

[ 258 ]

الخندق. وسيأتي حديث أم سلمة عن هجوم خيل غطفان على بعض نواحي الخندق. وان غطفان قد شاركت في الهجوم الشامل على المسلمين الذي فوت على المسلمين بعض صلواتهم كما سيأتي.. ز: الشورى فيما لا نص فيه:. واما بالنسبة للشورى فيما لا نص فيه، فلا يصح استفادتها من هذا المورد إذ ان المفروض: انه (صلى الله عليه واله) قد قضى في المورد بالصلح، فما معنا اعتراض أسيد بن حضير عليه ؟ ! ونقض ما كان قد ابرمه ؟ ! ثم ان مبدأ الشورى انما يعمل به قبل اتخاذ القرار، فما معنى ان يستشير النبي (صلى الله عليه واله) بعد اتخاذه القرار، واستقدام عيينة واصحابه ؟ ! ح: ولا يصغى بعد هذا لما ذكره البوطي، من ان ما صدر من النبي لم يخرج عن حدود استشارة والرأي، فلا يعتبر دليلا تشريعيا على جواز اعطاء الجزية للمشركين فان ما صدر عن النبي (صلى الله عليه واله) كان اكثر من مجرد استشارة في هذا الامر، بل قد تعداه الى استقدام عيينة، ثم استدعاء عثمان وكتابة الكتاب ط: وأما بالنسبة لغنيمة الاعداء لاموال المسلمين بسبب ضعف طارئ، فإن ذلك لا يغير الحال، بل يبقى عنوان غنيمة اموال المسلمين بالكره عنه ولو اضطروا لاعطاء الجزية، فإن اكراههم على ذلك لا يرفع عنوان الجزية عن اعطائهم ذاك. بل هي جزية سواء كان من يعطيها مختارا أو مضطرا لاجل الحفاظ على وجوده وحياته ي: ثم ان البوطي قد خلط بين المكره والمضطر، فإن

[ 259 ]

الاضطرار الى شئ لا يرفع الحكم التكليفي، والاكراه غير الاضطرار فطلاق المكره وهو الذي تخضع ارادته لارادة الغير، لا يصح. أما طلاق المضطر، وبيعه، فلا إشكال فيه، كمن اضطر لبيع بيته بثمن زهيد لاجل علاج ولده فالخلط بين المكره والمضطر في غير محله المشورة وقيمة رأي النبي (صلى الله عليه واله) قال المعتزلي: " كيف يقول المرتضى: إنه صلى الله عليه واله لم يكن محتاجا الى رأي أحد، وقد نقل الناس كلهم رجوعه من رأي إلى رأي عند المشورة، نحو ما جرى يوم بدر من تغير المنزل لما اشارة عليه الحباب بن المنذر. ونحو ما جرى يوم الخندق من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة الى عيينة بن حصن ليرجع بالاحزاب عنهم لاجل ما رآه سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة من الحرب، والعدول عن الصلح، ونحو ما جرى من تلقيح النخل بالمدينة، وغير ذلك " (1) ؟ ! ونقل عن الاسكافي في رده على الجاحظ قوله: " ولقد كان اصحاب النبي (صلى الله عليه واله) يشيرون عليه بالرأي المخالف لما كان أمر به وتقدم فيه، فيتركه ويعمل بما اشاروا به، كما جرى يوم الخندق في مصانعته الاحزاب بثلث تمر المدينة، فإنهم اشاروا عليه بترك ذلك فتركه وهذه كانت قاعدتهم معه، وعادته بينهم " (2)


(1) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي الشافعي ج 17 ص 199 (2) المصدر السابق ج 13 ص 260 (*)

[ 260 ]

ونقول: وقد ناقشنا في كل ما استشهد به المعتزلي والاسكافي حول تغير رأي النبي، وخطأه في آرائه في قصة تأبير النخل، ثم قصة مشورة الحباب في بدر فراجع. وقصة عيينة في الخندق قد ظهر عدم امكان قبولها بأي وجه، فلا معنى لاعتراض المعتزلي على السيد المرتضى فيما قاله الصحيح والمقبول في هذه القضية: ولا نمنع ان يكون ثمة عمل ذكي من قبل النبي (صلى الله عليه واله) من خلال اطلاق اشاعة عن امر كهذا من شأنها ان تحدث فجوة في جدار الثقة الذي يحمي جسم جيش الشرك وصفوفه من التصدع تماما كما كان الحال بالنسبة لما فعله (صلى الله عليه واله) بين قريظة وقريش وجيش الشرك كما سيأتي. ولكن الرواة حرفوا هذه القضية ونسجوا حولها من خيالهم الشئ الكثير، ثم استفاد المصطادون في الماء العكر من ذلك، فنفثوا سمومهم للنيل من الشخصية النبوية الشريفة. ثم لتبرير ما صدر من معاوية من عمل ذليل مخز، حين قبل ان يعطي ملك الروم مئة ألف دينار ذهبا ليتفرغ لحرب سيد الوصيين علي امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بهدف الاجهاز على آخر حصون الاسلام المنيعة، وإعادة حكم الجاهلية بل لقد وجدنا في كلمات الزبير بن باطا ما يشهد على ان غطفان هي التي أرسلت الى النبي (صلى الله عليه واله) تعرض عليه ان يعطيها بعض ثمار المدينة مقابل الانسحاب من المواجهة معه، فأبى (صلى الله عليه واله) أن يعطيها إلا

[ 261 ]

السيف، يقول الزبير بن باطا وهو يحاول اقناع اصحابه بعدم طلب الرهن من قريش: " وهذه غطفان تطلب الى محمد ان يعطيها بعض ثمار المدينة فأبى ان يعطيهم إلا السيف " (1)


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 543 و 544 (*)

[ 263 ]

الفصل الثامن: الحصار والقتال:

[ 265 ]

بداية الحديث: من الواضح: ان وجود الخندق قد أفشل خطة الاحزاب، وشل حركتهم، ولكنهم لم يفقدوا الامل، فقد كان الامل لا يزال يراودهم بامكانية ان يجدوا فرصة، ويحدثوا ثغرة تمكنهم من توجيه ضربة قاسية للوجود الاسلامي، ولو بالتعاون مع يهود بني قريظة، الذين يتواجدون في مؤخرة الجيش الاسلامي، مع علم المشركين بالحالة الصعبة التي كان يعاني منها المسلمون خصوصا من حيث التموين ووسائل الدفاع والصمود، مع وجود المنافقين الذين يمكن التعاون مع بعضهم ايضا لاحداث إرباكات خطيرة داخل الجيش الاسلامي وقد تحدثنا في الفصل السابق عن معنويات كلا الجيشين بالاضافة الى موضوعات اخرى، ونتحدث الان عن الحصار، وعن بعض الاحداث التي حصلت فيه، فنقول، وعلى الله نتوكل، ومنه نستمد العون والقوة: مدة الحصار: قد تقدم ان المشركين احاطوا بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبه، واخذوا بكل ناحية (1) وقد استمر هذا الحصار مدة طويلة. اختلف فيها المؤرخون وهل كانت خمسة عشرة يوما (2) أو


(1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 209 (2) راجع: شذرات الذهب ج 1 ص 11 والتنبيه والاشراف ص 216 وراجع = (*)

[ 266 ]

عشرين يوما (1) أو أكثر من عشرين يوما (2) أو شهرا (3) أو قريبا من شهر (4)


= سيرة مغلطاي ص 56 ومرآة الجنان ج 1 ص 9 و 10 وامتاع الاسماع ج 1 ص 239 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 وبه جزم الواقدي، وابن سعد، والبلاذري، والنووي في الروضة والقطب وانساب الاشراف ج 1 ص 345 وراجع بهجة المحافل ج 1 ص 271 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 115 وراجع: تفسير القمي ج 2 ص 185 والبحار ج 20 ص 228 عنه والمغازي للواقدي ج 2 ص 440 و 491 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 (1) وفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن ابن عقبة وراجع فتح الباري ج 7 ص 301 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 490 و 492 وحبيب السير ج 1 ص 364 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 239 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 والمغازي للواقدي ج 1 ص 419 (2) راجع هذا القول في شذرات الذهب ج 1 ص 11 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 وفيه: بضع وعشرون. وكذا في اعلام الورى ص 91 وكذا في مناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 ومرآة الجنان ج 1 ص 10 لكن ظاهر عدد منهم: أنهم يتكلمون عن مدة ما قبل قتل عمرو بن عبد ود وكذا في مجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 و 252 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 309 (3) التنبيه والاشراف ص 216 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 30 لكنه قال: ولم تكن حرب وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 وزاد المعاد ج 2 ص 118 (4) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 30 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 239 وسبل الهدى = (*)

[ 267 ]

أو تسعة وعشرين ليلة (1) وقيل: سبعة وعشرين (2) ولعل احدهما: (السبعة، والتسعة) تصحيف للاخر، فلا يخالفه وبعض اخر يقول: اربعة وعشرين يوما (3) ونذكر اخيرا قول من قال: بضع عشرة ليلة أو يوما (4)


= والرشاد ج 4 ص 562 وحدائق الانوار ج 1 ص 52 وج 2 ص 587 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 ونهاية الارب ج 17 ص 175 وبهجة المحافل ج 1 ص 271 وجوامع السيرة النبوية ص 149 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165 وراجع سعد السعود ص 138 (1) البدء والتاريخ ج 4 ص 217 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492 (3) سيرة مغلطاي ص 56 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 والوفا ص 694 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 و 492 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 115 وحبيب السير ج 1 ص 364 (4) راجع: الوفا ص 694 وامتاع الاسماع ج 1 ص 235 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 238 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 198 والارشاد للمفيد ص 51 وتاريخ مختصر الدول ص 95 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 ونهاية الارب ج 17 ص 175 والمغازي للواقدي ج 2 ص 491 وتاريخ الخميس ج 1 ص 490 وانساب الاشراف ج 1 ص 345 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 201 وتاريخ الاسلام للذهبي (الواقدي) ص 238 الا ان يقال: ان ذلك ناظر الى فترة ما (*)

[ 268 ]

ونقول: الصحيح هو ان الحصار قد دام شهرا كاملا بل اكثر، فقد قال ضرار بن الخطاب يوم الخندق في جملة ابيات له: فأحجرناهم شهرا كريتا * وكنا فوقهم كالقاهرينا نراوحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مدججينا (1) أحجرناهم: حصرناهم. وشهرا كريتا: تاما كاملا بل لقد ذكر عبد الله بن الزبعرى: ان مدة الحصار قد دامت اكثر من شهر، وبلغت اربعين يوما. فهو يقول: حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب شهرا وعشرا قاهرين محمدا * وصحابه في الحرب خير صحاب (2) إذن، فلا يمكن قبول قولهم: ان الحصار دام مدة خمسة عشر يوما، أو عشرين أو بضع عشر ليلة، أو ما الى ذلك الحراسة: وقد كانت الحراسة المستمرة واليقظة الدائمة من الامور الضرورية. وكان المسلمون يقومون بها باستمرار. وكانت حراستهم


قبل المفاوضة على ثلث ثمار المدينة، أو ما قبل قتل عمرو بن عبد ود كما هو صريح عدد من المصادر الانفة الذكر. وان كان ظاهر الواقدي وغيره خلاف ذلك (1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 366 (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 269 وعيون الاثر ج 2 ص 66 (*)

[ 269 ]

تتركز على الامور الرئيسية بالدرجة الاولى، وهي 1 - مركز القيادة (النبي صلى الله عليه واله) 2 - العسكر 3 - الخندق 4 - المدينة 5 - الرصد لتحركات العدو 6 - النساء والذراري وتعاهدهم في الآطام 7 - ابواب الخندق وقد ذكرت هذه الامور وغيرها من تفاصيل في النصوص التاريخية، والحديثية، التي نختار منها ما يلي: أ: قال النويري وغيره: " كان رسول الله (صلى الله عليه واله) يبعث سلمة بن أسلم في ماءتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاث مئة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير. وذلك انه كان يخاف على الذراري من بني قريظة وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله (صلى الله عليه واله) مع غيره من الانصار، يحرسونه كل ليلة " (1) وكانت المدينة تحرس حتى الصباح، يسمع فيها التكبير حتى


(1) نهاية الارب ج 17 ص 171 / 172 وراجع المصادر التالية: عيون الاثر ج 2 ص 58 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 والمغازي للواقدي ج 2 ص 460 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و 5 وامتاع الاسماع ج 1 ص 228 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 (*)

[ 270 ]

يصبحوا خوفا (1) ب: وفي بعض المصادر: " وجعل المسلمون يتحارسون في عسكرهم " (2) ج: وقال النويري: " ورسول الله (صلى الله عليه واله) والمسلمون وجاه العدو، لا يزولون، يعتقبون خندقهم ويحرسونه. والمشركون يتناوبون الخ... " (3) ويفصل لنا الواقدي ذلك فيقول: ان المسلمين كانوا " على خندقهم يتناوبون، معهم بضعة وثلاثون فرسا. والفرسان يطوفون على الخندق ما بين طرفيه، يتعاهدون رجالا وضعوهم في مواضع منه الى ان جاء عمر (ر ض) فقال: يا رسول الله، بلغني ان بني قريظة قد نقضت الخ... " (4) وتقدم انه (صلى الله عليه واله) كان قد جعل للخندق ابوابا، وجعل على الابواب حرسا وقال الواقدي: " كانوا يطيفون بالليل حتى الصباح يتناوبون. وكذلك يفعل المشركون ايضا، يطيفون بالخندق حتى يصبحوا " (5) " ورسول الله (صلى الله عليه واله) والمسلمون قبالة عدوهم، لا يستطيعون


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 231 والمغازي للواقدي ج 2 ص 467 (2) انساب الاشراف ج 1 ص 343 (3) نهاية الارب ج 17 ص 171 و 172 وعيون الاثر ج 2 ص 58 (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 457 (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 474 (*)

[ 271 ]

الزوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه " (1) واسيد بن حضير كان يحرس في جماعة على الخندق ايضا (2) د: وتقول عائشة: " كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه إذ أعجلهم الحال. وكان يخاف عليه عبور الاعداء منه. وكان النبي (صلى الله عليه واله) يختلف ويحرسه بنفسه. ثم تذكر قصة حراسة سعد بن ابي وقاص لذلك الموضع في تلك الليلة (3) وكان النبي (صلى الله عليه واله) بنفسه في الليالي يحرس بعض مواضع الخندق (4) وسيأتي حديث ام سلمة في ذلك في موضع آخر إن شاء الله تعالى ه‍: وكان عباد بن بشر - كما يدعون - ألزم الناس لقبة رسول الله (صلى الله عليه واله) يحرسها (5) وذكروا الزبير بن العوام في جملة من حرس النبي (صلى الله عليه واله) يوم الخندق (6)


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528 (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 230 وستأتي بقية المصادر حين الحديث عن القتال، وتناوب المشركين على الخندق (3) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 463 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 9 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 / 485 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 484 وتقدم حديث عائشة في ذلك (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 464 وامتاع الاسماع ج 1 ص 230 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 (6) عيون الاثر ج 2 ص 58 ومناقب آل ابي طالب ج 1 ص 163 وقد اطلق كلامه في ان الزبير كان حارس النبي (صلى الله عليه واله) في الخندق وكذا في السيرة (*)

[ 272 ]

بل جاء ان عباد بن بشر، والزبير بن العوام كانا على حرس رسول الله (صلى الله عليه واله) (1) وقد ظهر من بعض النصوص المتقدمة: ان المسلمين كانوا يتناوبون الحراسة (2) أو حراسة نبيهم (3) و: كان بنو واقف قد جعلوا ذراريهم ونساءهم في أطمهم وكانوا يتعاهدون اهليهم بانصاف النهار، فينهاهم النبي (صلى الله عليه واله) فإذا ألحوا أمرهم (صلى الله عليه واله) أن يأخذوا السلاح، خوفا عليهم من بني قريظة فإنهم على طريقهم (4) " وكان كل من يذهب منهم إنما يسلكون على سلع، حتى يدخلوا المدينة، ثم يذهبون الى العالية (5) وقال (صلى الله عليه واله) للنساء حين جعلهن في أطم بني حارثة: " إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف " (6) ز: حراسة العسكر ورصد العدو:


الحلبية ج 3 ص 327 والمواهب اللدنية ج 1 ص 217 والغدير ج 7 ص 202 عنهما وعن عيون الاثر ج 2 ص 316 وشرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 204 (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 230 وتقدمت نصوص اخرى ايضا (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 والمغازي للواقدي ج 2 ص 465 (4) المغازي للواقدي ج 2 ص 451 و 474 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 234 (5) المغازي للواقدي ج 2 ص 474 (6) وفاء الوفاء ج 1 ص 301 عن الطبراني، وتاريخ الخميس ج 1 ص 489 (*)

[ 273 ]

أما بالنسبة لحراسة العسكر ورصد تحركات العدو، فان القمي يقول: " كان رسول الله صلى الله عليه واله امر اصحابه ان يحرسوا المدينة بالليل. وكان امير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله باليل يحرسهم، فان تحرك احد من قريش نابذهم وكان امير المؤمنين عليه السلام يجوز الخندق، ويصير الى قرب قريش، حيث يراهم، فلا يزال اليل كله، قائما وحده يصلي، فإذا اصبح رجعة الى مركزه ومسجد امير المؤمنين هناك معروف، يأتيه من يعرفه، فيصلى فيه، وهو من مسجد الفتح الى العقيق اكثر من غلوة نشابة " (1) وقفات مع ما تقدم: ونقول: ان الحذر من العدو، وسد المنافذ في وجهه، وحرمانه من فرصة تسديد ضربة هنا وضربة هناك، بهدف ارباك صفوف الجيش الاسلامي، أو احداث ثغرات خطيرة فيه. وهو الذي كان بامس الحاجة الى التماسك والتقوي ببعضه البعض - إن ذاك - هو اولا مهمات القيادة الحكيمة والواعية، التي تريد ان تصل الى اهدافها باقل قدر ممكن من الخسائر، واعلى درجة من الانضباطية والانسجام ومن الواضح: ان الاساليب الامنية التي كان النبي صلى الله عليه واله وسلم ينتهجها كانت ولا تزال كسائر افعاله، واقواله، ومواقفه


(1) تفسير القمي ج 2 ص 186 والبحار ج 20 ص 230 عنه (*)

[ 274 ]

مصدر إلهام، لكل المؤمنين والواعين، الذين رأوا في هذا النبي الكريم اسوة وقدوة لهم. في كل الحالات والظروف وقد تمثل النشاط الامني للمسلمين في غزوة الخندق - بعد ايجاد الموانع الطبيعية، التي يصعب على العدو اختراقها مثل حفر الخندق. وتشبيك سائر المنافذ بالبنيان - في الامور التالية: 1 - جعل الحرس على ابواب الخندق، بطريقة يصعب على العدو ايجاد مواضع نفوذ فيها، حين جعل الحرس من فئات شتى، ومتنافسة يرقب بعضهم بعضا، حيث اختار من كل قبيلة رجلا لهذه المهمة، كما تقدم بيانه 2 - ان من الواضح: ان جعل الحرس في نقاط ثابتة ربما يهئ للعدو فرصة للتخطيط للنفوذ الداخل، بطريقة يتحاشى معها الصدام بنقاط الحراسة، أو حتى امكانية التفاتها الى حقيقة ما يجري فكانت الطريقة الافضل والامثل هي ان تنضم إليها دوريات للحراسة غير خاضعة لقيد الزمان ولا المكان. الامر الذي يضيع على العدو الحساس بالمن والنجاح والفلاح في أية محاولة يبادر إليها، ويقدم عليها. فكان (صلى الله عليه واله) يبعث بالحرس على المدينة خوفا من بني قريظة، وكان يتجولون فيها، ويظهرون فيها التكبير 3 - بديهي ان التعرض للنساء يمثل ضربة روحية قاسية للمسلمين والمقاتلين، الذي قد يصل الى درجة الاحباط لدى البعض، ويدفع البعض الاخر الى التحرك بصورة غير واعية، ولا مسؤولة، الامر الذي يؤثر على درجة الانضباط والتماسك والنبي (صلى الله عليه واله) يعرف: ان العدو لن يتاخر عن تسديد ضربة في هذا الاتجاه لو سنخت له الفرصة، ويعتبر ذلك من الاهداف

[ 275 ]

الاستراتيجية والهامة له. فكان تجميع النساء والاطفال في الآطام من شأنه ان يسهل امر حمايتهم من اي اعتداء، مع كونه يهئ للمسلمين جوا من الطمأنينة وتمركزا في مواضع الاهتمام والتحرك لودهم امر.. كما انه لا بد من الاحتياط للامر، وعدم الاكتفاء بالحراسة الثابتة والمتنقلة. فوضع فيما بينه وبين النساء رمزا يمكن الاستفادة منه لافشال أية محاولة تستهدفهن وحين يرين ان الحالة الامنية غير مؤايتة، مع عدم وجود احد يمكن الاعتماد عليه في المواجهة ودفع غائلة العدو قال (صلى الله عليه واله) لهن: " ان لم يكن احدا فالمعن بالسيف " ويلاحظ هنا: انه (صلى الله عليه واله) قد اعتمد في الاسلوب، ولم يطلب منهن الصراخ والاستغاثة ونحوها مما يمثل اثارة عاطفية للمقاتلين والمسلمين، وقد نشأ عنها حالة من التضعضع والرباك وانشغال الخواطر الى درجة الاخلال بالنشاط الحربي المطلوب، في مواجهة احزاب الشرك في الجهة الاخرى 4 - وغني عن القول اخيرا: ان بني واقف كانوا يخطئون في ترددهم الى اهليهم بانصاف النهار بلا سلاح، وقد يطمع ذلك العدو فيهم، وقد يفاجؤهم العدو وهم على غير استعدا فتقع الكارثة اضف الى ذلك انه لا بد من الابتعاد عن النساء والاطفال في ايام الحرب، لان ذلك يثبط من عزائم المقاتلين ويشدهم الى الارض ويمنعهم من السمو في تفكيرهم وفي طموحاتهم وتصبح التضحيات واقتحام الاهوال، والصبر على المكاره اكثر صعوبتا عليهم، واشد وقعا على نفوسهم، ويهيؤهم نفسيا للابتعاد عن مواطن الخطر، أو التعب والضرر، ولو كان ذلك بتوطين انفسهم على مواجهة عار

[ 276 ]

الهزيمة، وخزي عصيان امر النبي صلى الله عليه واله وسلم 5 - ونلمح في النص المتقدم اصرارا من بني واقف على زيارة نسائهم وعوائلهم في الاطم الذي كانوا فيه رغم نهي النبي (صلى الله عليه واله) لهم وربما يكون امر النبي صلى الله عليه واله وسلم لهم بحمل السلاح يرمي الى الايحاء غير المباشر لهم باجواء الحرب، والاحتفاظ بدرجة من الاستعداد الروحي والنفسي لها، بالاضافة الى ان ذلك هو مقتضى العمل بالحيطة والحذر وهما الامران المطلوبان في ظروف كهذه بالصورة اكيدة وقاطعة. ولا اقل من ان ذلك يفيد في نطاق التعليم والتأسي لكل من يأتي بعده صلى الله عليه واله وسلم 6 - والاهم من ذلك هو حراسة العسكر، الذي كان يتولاه علي عليه السلام، هذا العسكر الذي كان بامس الحاجة الى بعض الشعور بالامن والراحة في هذه الاجواء المثقلة بالهموم والشدائد، والمشحونة بالخوف الذي يصل لدى الكثيرين الى حد الرعب. حتى لقد بلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون الباطلة والسيئة ولقد كانت لدى حركة في اي موضع في اطراف ذلك العسكر كفيلة باحداث ارباك خطيرة في ذلك العسكر كله فكانت هذه الحراسة ضرورية لهذا الجيش، الذي يطمئن الى انه لن يؤخذ والحال هذه على حين غرة، بل هناك من يبصر له وينذره في الوقت المناسب 7 - وكان لا بد من رصد جيش الاعداء ايضا، لان حراسة المعسكر، وان كانت تعطي قدرة الى حد ما على التصدي، إلا ان معرفة تحركات العدو، وحجمها، واتجاهها في وقت مبكر يعطي هو الاخر، فرصة اكبر من مواجهة بالاساليب وبالمستوى الملائم، ويمنع

[ 277 ]

من العجلة والتشويش في اتخاذ الاجراءات المؤثرة في دفع غائلة هذا العدو وكان علي عليه السلام، يقوم بدور الراصد لكل تحركات الاعداء، وكان هو العين الساهرة في المواقع المتقدمة في خط المواجهة. التي لم يكن يجرؤ عليها احد سواه، كما ظهر من تجربة المسلمين مع عمرو بن عبد ود 8 - وبعد، فرغم ان الله قد وفق لبقاء المسجد الذي يشهد لجهاد وتضحيات علي عليه السلام، وكان هذا المسجد معروفا، ويقصده المؤمنون للصلاة فيه، فاننا لا نكاد نجد لعلي عليه السلام ذكرا في هذا المجال ولا ندري ان كان هذا المسجد قد استطاع ان يصمد طويلا امام حقد الحاقدين على كل ما يمت لعلي واهل بيته بصلة، حتى انتهى ميراث هذا التجلي الوقح والغبي الى من يطلق عليهم اسم: الوهابيين الذين لا تزال تظهر في كلماتهم وفي افعالهم بوارد كثيرة تدل على حقد وكراهية وامتهان، ليس فقط لقدسية علي واهل البيت عليه وعليهم السلام، بل وحتى لمقام النبوي الاقدس بالذات وقد اسلفنا بعضا مما يشير الى ذلك في الجزء الاول من هذا الكتاب. ولا باس بمراجعة الجزء الثالث من كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام، وبحث: ادارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم. فضائل موهومة لسعد ولعائشة: رووا عن عائشة ما ملخصه: إنه كان في الخندق موضع لم

[ 278 ]

يحسنوا ظبطه، إذ أعجلهم الحال، وكان (ص) يختلف إليه ويحرسه بنفسه، خوفا من عبور المشركين منه. ورجع مرة من الخندق. وكانت تدفئه عائشة في حضنها - فإذا دفئ خرج الى تلك الثلمة. قالت: فبينا رسول الله في حضني قد دفئ، وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس الليلة هذا الموضع (أو قال: يحرسني. أو: يحرس هذه الثلمة الليلة)، إذ سمع قعقعة السلاح، فقال: من هذا ؟ ! قال: سعد بن أبي وقاص. فأمره أن يحرس هذا الموضع: فذهب سعد يحرسه، فنام النبي (ص) حتى نفخ. وكان إذا نام نفخ (1). ونقول: إننا نشك في صحة هذه القصة، ونعتقد أن المقصود بها هو تسجيل فضيلة لسعد، ولعائشة على حد سواء. وسبب شكنا هو ما يلي:. اولا: إذا كان في الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه، فلماذا لا يبادرون الى ضبطه، وما المبرر لان يترك ليكون مصدر خوف للمسلمين من عبور المشركين منه.


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 463 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 9 وتاريخ الخميس ج 1 ص 484 / 485. وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 وامتاع الاسماع ج 1 ص 229 / 230. (*)

[ 279 ]

مع أن سلمان حين رأى مكانا يمكن أن تطفره الخيل، قال لاسيد بن حضير، بعد أن ردوا عمرو بن العاص الذي كان في حوالي مئة رجل يريدون العبور من ذلك الموضع، قال سلمان لاسيد: " إن هذا مكان من الخندق متقارب، ونحن نخاف تطفره خيلهم، وكان الناس عجلوا في حفره. وبادروا فباتوا يوسعونه، حتى صار كهيئة الخندق. وأمنو أن تطفره خيلهم " (1). فلماذا يبادر سلمان للامر باصلاح ذلك الموضع، فيتم ما أراده في ليلة، ولا يبادر النبي (ص) الى مثل ذلك ؟ !. وثانيا: لماذا يتمنى (ص): " أن يأتي رجل صالح ليحرس ذلك الموضع في تلك اليلة " ألم يكن بإمكانه أن يأمر جماعته بحراسة ذلك الموضع ؟ ! والناس كلهم تحت امره، ورهن إشارته ؟ !. وثالثا: حين كان يرجع الى عائشة لتدفئه في حضنها ! ! من الذي كان يحرس تلك الثلمة ؟ ! فلو أن العدو استطاع أن يتسلل منها في ذلك الوقت ألم يكن النبي (ص) هو الذي فرط في هذا الامر، تسبب به ؟ !. ولا نريد أن نسجل تحفظنا على دعوى: أن عائشة كانت تدفئ النبي (ص) في حضنها ! !. ولا على حديث: أنه (ص) نام حتى نفخ. وكان إذا نام نفخ ! !


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 وامتاع الاسماع ج 1 ص 230. (*)

[ 280 ]

نساء النبي في غزوة الخندق: يقول البعض: " كان النبي يعقب بين نسائه، فتكون عائشة أياما. ثم تكون أم سلمة. ثم تكون زينب بنت جحش. فكان هؤلاء الثلاث اللاتي يعقب بينهن في الخندق. وسائر نسائه في أطم بني حارثة، ويقال: كن في " المسير " (النسر) أطم في بني زريق، وكان حصنا. ويقال: كان بعضهن في فارع، وكل هذا قد سمعنا " (1). ونقول:. إننا نشك في صحة ذلك. أولا: لقد صرحت أم سلمة بقولها: " كنت مع رسول الله (ص) في الخندق فلم أفارق مقامه كله. وكان يحرس الخ... " (2). ثانيا: لا يمكننا أن نقبل بأن يصدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترجيح وميل لبعض زوجاته على حساب البعض الاخر، إذ لماذا يعقب بين خصوص هؤلاء: دون سائر زوجاته. ولم نسمع أن احداهن تنازلت عن حقها لرفيقاتها في غزوة الخندق، وإن كان ذلك محتملا في حد ذاته. والذي نظنه: أنه لو صح حديث ذلك البعض، فالسبب في ذلك هو أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عنده سوى هؤلاء الثلاث،


(1) المغازي للواقدي ج (2) ص 454 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 518 وامتاع الاسماع ج 1 ص 225 والسيرة الحلبية ج 2 ص 314. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 464. (*)

[ 281 ]

بالاضافة الى سودة بنت زمعة، التي كانت مسنة، وكانت قد وهبت ليلتها الى عائشة. فلا بد من مراجعة تاريخ زواجه (ص) بزوجاته. ونظن أن النتيجة ستكون هي ما ذكرناه. فمن أراد التوسع فعليه أن يقوم بذلك. المواجهة بين الفريقين: " وأمر رسول الله صلوات الله عليه وآله المسلمين بالثبات في مكانهم، ولزوم خندقهم... ونظر المشركون الى الخندق فتهيبوا القدوم عليه، فجعلوا يدورون حوله بعساكرهم، وخيلهم، ورجلهم. ويدعون المسلمين:. ألا هلم للقتال والمبارزة. فلا يجيبهم أحد الى ذلك. ولا يرد عليهم فيه شيا، ولزموا مواضعهم كما أمرهم رسول الله صلوات الله عليه وآله، قد عسكروا في الخندق، وأظهروا العدة، ولبسوا السلاح. ووقفوا في مواقفهم. وتهيب المشركون أن يلجوا الخندق عليهم. فلما طال ذلك، ونفذت أكثر أزوادهم، اجتمعوا الخ (1). ثم يذكر ما جرى لعمرو بن عبد ود. القتال بين المسلمين والمشركين: تقول النصوص التاريخية.


(1) شرح الاخبار ج 1 ص 292 ملخصا. (*)

[ 282 ]

" وصار المشركون يتناوبون، فيغدو أبو سفيان في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدوا هبيرة بن أبي وهب يوما، ويغدوا عكرمة بن ابي جهل يوما، ويغدوا ضرار بن الخطاب يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويفترقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله (ص)، أي يقربون منهم، ويقدمون رجالهم فيرمون. ومكثوا على ذلك المدة المتقدمة. ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصا (1) ". وذكر البعض: أن ذلك كان في أكثر الايام (2). " وكان المشركون يتناوبون الحرب، لكن الله تعالى لم يمكنهم من عبور الخندق، فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال والاحجار " (3) واستمر الامر على ذلك " حتى عظم البلاء، وخاف الناس


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 315. وراجع: نهاية الارب ج 17 ص 171 / 172 وراجع المصادر التالية: امتاع الاسماع ج 1 ص 230 و 231 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 5 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 530 والمغاري للواقدي ج 2 ص 468 وعيون الاثر ج 2 ص 58. والفقرة الاخيرة موجودة أيضا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 486 وحدائق الانوار ج 2 ص 590 والارشاد للشيخ المفيد ص 51 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 202 والكامل في التاريخ ج 2 ص 180 والسيرة النبوية لابن كثيرة ج 3 ص 200 و 201 وفتح الباري ج 7 ص 301 و 307 عن ابن اسحاق. (2) حبيب السير ج 1 ص 363. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 484. (*)

[ 283 ]

خوفا شديدا " (1). لكن البعض يذكر: أن الحرب كانت " ثلاثة أيام بالرمي بغير مجالدة ولا مبارزة " (2) سوى ما كان من قتل الفرسان الذين عبرو الخندق. وكان أبو سفيان في خيل يطيفون بمضيق من الخندق، فراماهم المسلمون حتى رجعوا (3). وفي مرة أخري: كان عمرو بن العاص في نحو الماءة يريدون العبور من الخندق من مكان تطفره الخيل، فراماهم أسيد بن حضير، ومن معه من الحرس بالنبل والحجارة حتى ولوا. وكان مع المسلمين في تلك اليلة سلمان، فقال لاسيد: إن هذا مكان من الخندق متقارب، ونحن نخاف تطفره خيلهم. وكان الناس عجلوا في حفره. وبادروا فباتوا يوسعونه، حتى صار كهيئة الخندق، وأمنوا أن تطفره خيلهم (4). " وكان عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد كثيرا ما يطلبان غرة


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 231 والمغازي للواقدي ج 2 ص 468. (2) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 وفتح الباري ج 7 ص 302 وبهجة المحافل ج 1 ص 266 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50. (3) امتاع الاسماع ج 1 ص 230. (4) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 وامتاع الاسماع ج 1 ص 230. (*)

[ 284 ]

ومضيقا، من الخندق يقتحمانه، فكان للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالي " (1). وقال ضرار بن الخطاب: نراوحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مدججينا (2) " ثم إن خالد بن الوليد كر بطائفة من المشركين، يطلب غرة للمسلمين، أي غفلتهم، فصادف أسيد بن حضير على الخندق في ماءتين من المسلمين، فناوشوهم. أي تقاربوا منهم ساعة، وكان في أولئك المشركين وحشي، قاتل حمزة رضي الله عنه، فزرق الطفيل بن النعمان، فقتله. ثم بعد ذلك صاروا يرسلون الطلائع بالليل، يطمعون في الغارة، أي في الاغارة فأقام المسلمون في شدة من الخوف " (3). لكن صاحب تجارب الامم يقول. تفرق ذلك الجمع من غير قتال إلا ما كان من عدة يسيرة اتفقوا على الهجوم على الخندق، يحكى: ان فيهم عمرو بن عبد ود فقتلوا (4). إلا أن يكون المراد: أنه لم يكن قتال بالسيوف والرماح، أما الرمي بالنبل والحصا فليس محط نظره.


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 230 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 465 السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 226. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 323. (4) تجارت الامم ج 2 ص 153. (*)

[ 285 ]

ملاحظة: وقبل أن نمضي في الحديث نلفت نظر القارئ الى هذا الاءهتمام الظاهر بإبراز دور اسيد بن حضير، الذي قلنا: إن السياسة كانت تهتم بشأنه، وتعمل على تكريس وتكديس الفضائل له، مكافأة له على هجومه على بيت فاطمة، وقيامه بدور فاعل في تشييد خلافة قريبه أبي بكر. كلام العلامة الحسني: وذكر العلامة الحسني: أن المشركين الفوا ثلاثة كتائب لمحاربة المسلمين، فأتت كتيبة أبي الاعور السلمي من فوق الوادي، وكتيبة عيينة بن حصن من الجنب، ووقف أبو سفيان ومن معه في الناحية الثانية من الخندق (1). لكننا قدمنا في فصل: الاحزاب الى المدينة: أن أبا الاعور لم يكن له أي دور في الخندق. وأن أباه وهو الذي شارك فيها. روايات مشبوهة عن محمد بن مسلمة قال: كنا حول قبة رسول الله (ص) نحرسه، ورسول الله (ص) نائم نسمع غطيطه إذ وافت أفراس على سلع، فبصر بهم عباد بن بشر، فأخبرنا بهم. قال: فامضي الى الخيل. وقام عباد على باب قبة النبي (ص) آخذا بقائم السيف ينظرني. فرجعت فقلت: خيل المسلمين أشرفت عليها سلمة بن اسلم بن


(1) سيرة المصطفى ص 499. (*)

[ 286 ]

حريش، فرجعت الى موضعنا. ثم يقول محمد بن مسلمة: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه الله (1). وعن محمد بن مسلمة: أن خالد بن الوليد تلك الليله أقبل في مئة فارس، من جهة العقيق حتى وقفوا بالمذاد وجاه قبة النبي (ص) فنذرت بالقوم، فقلت لعباد بن بشر - وكان على حرس قبة النيي (ص) وكان قائما يصلي - أتيت، فركع، ثم سجد. وأقبل خالد في ثلاثة نفر هو رابعهم، فأسمعهم يقولون: هذه قبة محمد، إرموا. فرموا، فناهضناهم حتى وقفنا على شفير الخندق، وهم بشفير الخندق من الجانب الاخر. فترامينا، وثاب الينا أصحابنا، وثاب إليهم أصحابهم، وكثرت الجراحة بيننا وبينهم. ثم اتبعوا الخندق على حافتيه وتبعناهم، والمسلمون على محارسهم. فكلما نمر بمحرس نهض معنا طائفة، وثبت طائفة، حتى انتهينا الى راتج، فوقفوا وقفة طويلة، وهم ينتطرون قريظة، يريدون أن يغيروا على بيضة المدينة، فما شعرنا إلا بخيل سلمة بن اسلم يحرس. قد أتت من خلف راتج. فلاقوا خالدا فاقتتلوا واختلطوا، فما كان إلا حلب شاة حتى نظرت الى خيل خالد مولية. وتبعه سلمة بن اسلم حتى رده من حيث جاء. فاصبح خالد وقريش وغطفان تزري عليه وتقول: ما صنعت شيئا في من في الخندق، ولا في من أصحر لك.


(1) الغمازي للواقدي ج 2 ص 468.

[ 287 ]

فقال خالد: أنا أقعد الليلة، وابعثوا خيلا حتى انظر أي شئ تصنع " (1). ونقول: إن هذه الرواية موضع ريب وشك، لان إصحار سلمة بن اسلم ومن معه لخالد ومن معه واختلاطهم بهم يصعب تصديقه، لان عبور سلمة وأصحابه الى الجانب الاخر من الخندق أو مجيئهم من خلف راتج، من طرف الخندق، الى جهة المشركين ينطوي على مخاطرة كبرى لما فيه من تعريض أنفسهم للابادة الحتمية على يد ألوف المقاتلين من المشركين الذين كانت تعج بهم المنطقة. ويلفت نظرنا هنا: أن الرواية لم تشر الى مبادرة خالد لمطاولة هذه الجماعة القليلة، ثم طلب المدد من الجيش الذي هو أحد قواده. وقد كان عليه أن ينتهزها فرصة ذهبية نادرة ليلحق بالمسلمين نكبة هائلة ومروعة. ثم إن تلك الرواية قد تحدثت عن أن خالدا كان في مئة فارس، ولكنه حين أراد أن يرمي قبة النبي (ص) كان في ثلاثة نفر هو رابعهم. وحين ترامى خالد وأصحابه، ومحمد بن مسلمة وأصحابه اين كان عنه أصحابه، حتى يقول الراوي - وهو محمد بن مسلمة - وثاب الينا أصحابنا، وثاب إليهم أصحابهم. وما معنى قوله: ثم اتعبوا الخندق على حافتيه وتبعناهم. فهل كان خالد وأصحابه على حافتي الخندق، الامر الذي يعني أن خالدا ومن معه قد عبرو الخندق الى جهة المسلمين، أو العكس.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 466. (*)

[ 288 ]

ثم إننا لا ندري مدى صحة هذه الرواية التي لم يروها لنا إلا محمد بن مسلمة، الرجل الذي كانت تهتم السلطة في اعطائه الادوار الحساسة، لانه كان من أعوانها. ولكن الغريب في الامر: أننا نجد المؤرخين لم يعيروا هذه الرواية أي اهتمام رغم أهمية وحساسية المعلومات التي تدعيها فيما يرتبط بحرب الخندق. دعوى قتل طليعة للنبي: وعن مالك بن وهب الخزاعي: أن رسول الله (ص) بعث سليطا وسفيان بن عوف الاسلمي طليعة يوم الاحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفت عليهما خيل لابي سفيان، فقاتلا حتى قتلا، فأتي بهما رسول الله (ص)، فدفنا في قبر واحد. فهما الشهيدان القرينان (1). ونحن نشك في صحة ذلك. لما يلي: أولا: بالنسبة لسنده، قال البزار: " لا نعلم روى مالك إلا هذه " (2). وقال: اليثمي: " فيه جماعة لم أعرفهم ". وقريب من ذلك عند


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 514 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 2 ص 332 / 333 ومجمع الزوائد ج 6 ص 135 واسد الغابة ج 4 ص 297 عن أبي نعيم وأبي موسى والاصابة ج 3 ص 358 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وراجع: الرسول العربي وفن الحرب ص 245. (2) كشف الاستار عن مسند البزار ج 2 ص 333. (*)

[ 289 ]

العسقلاني (1). وثانيا: إن من الواضح: أن سفيان بن عوف الاسلمي وهو الغامدي، هو الذي كان يغير علي أطراف علي، ويرتكب الجرائم، ويهتك الحرمات، وقد ذكره أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " وان اخا غامد إلخ.. " وكان من قواد معاوية الاساسيين، وكان يعظمه. وقد مات سنة اثنتين أو ثلاث، أو أربع وخمسين (2). ولنا أن نحمتمل أن تكون دعوى صحابية سفيان هذا قد جاءت لاجل اعطائه بعض المصونية والشأن الرفيع، حفاظا على سيدة معاوية من جهة، وإضعافا لموقف علي من جهة ثانية، وتبريرا لمواقفه المخزية، وجرائمه الخطيرة التي ارتكابها بحق المسلمين الذين اغار عليهم وقتلهم، وهتك حرماتهم من جهة ثالثة. حديث أم سلمة عن أم سلمة قالت: كنت مع رسول الله (ص) في الخندق، فلم أفارقه مقامه كله. وكان يحرس بنفسه في الخندق. وكنا في قر شديد، فإني لانظر إليه قام فصلى ما شاء الله أن يصلي في قبته، ثم خرج فنظر ساعة، ثم قال: هذه خيل المشركين تطيف بالخندق، من لهم ؟. ثم نادى: يا عباد بن بشر. قال: لبيك.


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 135 والاصابة ج 3 ص 358. (2) راجع: الاصابة ج 2 ص 56 وراجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 183 - 185 وغير ذلك من كتب التراجم. (*)

[ 290 ]

قال: أمعك أحد ؟. قال: نعم، أنا في نفر أصحابي حول قبتك. قال: فانطلق في أصحابك، فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرة. اللهم ادفع عنا شرهم، وانصرنا عليهم. واغلبهم، لا يغلبهم غيرك. فخرج عباد في أصحابه، فإذا هو بأبي سفيان في خيل المشركين يطيفون بمضيق الخندق، فرماهم المسلمون بالحجارة والنبل، فرجعوا منهزمين. ثم جاء عباد الى النبي فوجده يصلي، فأخبره: قالت أم سلمة: فنام حتى سمعت غطيطه (1). ويستوقفنا في هذا الحديث: 1 - قول أم سلمة أنها كانت مع رسول الله في غزوة الخندق. وأنها لم تفارقه فيها أصلا. وهذا يكذب ما يقوله البعض: من أنه (ص) كان يعقب بينها وبين عائشة وزينب بنت جحش. 2 - عبارة أم سلمة: فنام حتى سمعت غطيطه. لا ندري مدى صحة حصول الغطيظ منه (ص)، ونحن نتوقع منه خلاف ذلك. فان الغطيظ من المنفرات التي يتنزه عنها النبي. 3 - قولها: وكنا في قر شديد. قد تقدم في الفصل الاول ما يوجب الشك في هذا الامر.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 464. ولا بأس بمراجعة: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 529 و 530 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 وامتاع الاسماع ج 1 ص 229 و 230. (*)

[ 291 ]

4 - لا ندري كيف لم يلتفت عباد بن بشر ومن معه الى خيل المشركين وهي تطيف بالخندق، وكيف رآها النبي (ص) دونهم ؟ فهل علم (ص) ذلك عن طريق الوحي ؟ ! إن ظاهر الرواية هو أنه (ص) علم ذلك بواسطة عينه الباصرة. 5 - أين كان سائر المسلمين عن حراسة خندقهم، ألم يكونوا يتناوبون عليه يحرسونه، ويطوفون به. لكن ذلك لا يعني أن تكون الرواية كاذبة من أساسها، فلعل النبي (ص) قد نبه المسلمين لمحاولة تسلل من المشركين لم يكونوا قد التفتوا إليها، لانشغالهم بحديث فيما بينهم. حديث آخر ينسب لام سلمة: عن أم سلمة قالت: والله، إني لفي جوف الليل في قبة النبي (ص)، وهو نائم الى أن سمعت الهيعة، وقائل يقول: يا خيل الله (وكان رسول الله قد جعل شعار المهاجرين: يا خيل الله) ففزع (ص) بصوته، وخرج من القبة، فإذا نفر من الصحابة عند قبته يحرسونها منهم عباد بن بشر. فقال (ص) ما بال الناس ؟ قال عباد: يا رسول الله هذا صوت عمر بن الخطاب، الليلة نوبته، ينادي: يا خيل الله، والناس يثوبون إليه، وهو من ناحية حسيكة، ما بين ذباب ومسجد الفتح. فأمر (ص) عبادا أن يأتيه بالخبر. فذهب ثم رجع الى النبي (ص) فقال: يارسول الله، هذا عمرو بن عبد في خيل المشركين، معه مسعود بن رخيلة في خيل غطفان، والمسلمون

[ 292 ]

يرامونهم بالنبل والحجارة. قالت: فدخل (ص) فلبس درعه ومغفره وركب فرسه، وخرج معه أصحابه، حتى أتى تلك الثغرة، فلم يلبث ان رجع وهو مسرور، فقال: صرفهم الله، وقد كثرت فيهم الجراحة. ثم دخل (ص) فنام، فسمعوا هائعة أخرى، فانتبه (ص) فأخبروه أنه ضرار بن الخطاب فلبس (ص) درعه ومغفره وركب فرسه الى تلك الثغرة، وعاد في وقت السحر، وهو يقول: رجعوا مفلولين قد كثرت فيهم الجراحة (1). ونقول: قد يمكن للبعض أن يشكك في صحة هذه الرواية، على اعتبار: أن الروايات الاخرى قد تحدثت عن هزيمة عمربن الخطاب أمام ضرار، وأنه كاد أن يقتله، ثم كف عنه، لانه كان لا يقتل قرشيا قدر عليه، كما سيأتي. كما أن الطبري وغيره يذكرون: أنه قد اختبأ هو وطلحة وغير هما في بستان إبان حرب الخندق. كما سيأتي عن قريب. ولكن هذا التشكيك يمكن دفعه بأن عمر لم يواجه حربا بنفسه هنا، بل واجهها بغيره، أي بواسطة المسلمين الذين تصدوا للمشركين، وليس بالضروة أن يصل به الرعب والخوف الى حد الهزيمة من ساحة الحرب، حتى حين يكون المتحاربون هم الاخرون. غير أن ما يلفت نظرنا هنا هو ما نراه بوضوح من محاولات


(1) راجع المغازي للواقدي ج 2 ص 466 و 467 وراجع امتاع الاسماع ج 1 ص 230 و 231 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 4 85. (*)

[ 293 ]

جادة لايجاد دور ما لاشخاص بأعيانهم، كان لهم دور سلطوي بعد وفاة رسول الله (ص)، أو دور في تركيز دعائم السلطة بعده (ص) أو مناوأة آل ابي طالب بشكل أو بآخر. فنجد الاهتمام بإبراز دور ما لابي بكر، ولعمر، وللزبير، ولمحمد بن مسلمة، ولسلمة بن اسلم، وعباد بن بشر، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير. والمطلع على تاريخ هؤلاء يجد أنهم كانوا على العموم من المناوئين لعلي وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ومنهم من هو من أركان الحكم وأعوانه، أو من المشاركين في الاعتداء على الزهراء حين قيامهم بعدة هجمات على بيتها صلوات الله وسلامه عليها. إصابة سعد بن معاذ بسمهم: ويذكر المؤرخون: أنه كان للمشركين رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين، أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة، وأبو أسامة الجشمي في آخرين. فتناوشوا يوما بالنبل ساعة، وهم جمعيا في وجه واحد، وجاه قبة رسول الله (ص). ورسول الله (ص) قائم بسلاحه على فرسه، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم، فأصاب أكحله. وقال: خذها وأنا ابن العرقعة. فقال رسول الله (ص): عرق الله وجهك. باالنار (أو قال له سعد نفسه ذلك). ويقال: بل رماه أبو أسامة الجشمي، وقيل: خفاجة بن عاصم (1).


(1) راجع النص المتقدم في امتاع الاسماع ج 1 ص 231 و 232 والغمازي للواقدي ج 2 ص 468 و 469 وراجع قسما مما تقدم في المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 537 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207 (*)

[ 294 ]

وقال سعد: اللهم إن ابقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وأخرجوه وكذبوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية (1).


والبداية والنهاية ج 4 ص 108 والكامل في التاريخ ج 2 ص 182 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 240 وراجع ص 241 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وجوامع السيرة النبوية ص 151 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 101 ومجمع البيان ج 8 ص 344 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 وبحار الانوار ج 20 ص 206 / 207 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 وأنساب الاشراف ج 1 ص 347 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 170 و 171 ودلائل النبوة ص 436 والعبر وديوان المتبدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وعيون الاثر ج 2 ص 63 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 238 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 و 441 و 442. (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 537 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 240 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 238 و 239 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 وبحار الانوار ج 20 ص 231 و 232 و 207 ومجمع البيان ج 8 ص 344 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 ودلائل النبوة ص 436 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وعيون الاثر ج 2 ص 63 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 240 والبدء والتاريخ ج 4 ص 218 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 267 و 268 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وجوامع السيرة النبوية ص 151 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 170 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207 و 208 وسير اعلام النبلاء ج 1 ص 281 و 282 وراجع مسند أحمد ج 6 ص 141 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 وصحيح البخاري ج 3 (*)

[ 295 ]

أضاف البعض هنا قوله: فلما قال سعد ما قال إنقطع الدم (1). حديث عائشة حول سعد: وتقول عائشة - كما روي - إن ابن معاذ مر عليها، وهي في الحصن، حصن بني حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة - وذلك قبل أن يفرض علينا الحجاب (2) - وعليه درع مقلصة قد خرجت منها أذرعه كلها. وفي يده حربة يرقد (يرقل) بها، وهو يقول: لبثت قليلا يشهد الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الاجل فقالت له أمه: الحق بني فقد - ولله - أخرت. فقالت لها عائشة: والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي عليه. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. فقالت أم سعد: يقضي الله ما هو قاض. فقضى الله أن أصيب يومئذ (3).


ص 23. (1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 والبداية والنهاية ج 4 ص 108 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 28 وج 3 ص 441. (2) هذا العبارة ذكرها الواقدي، والديار بكري، وابن سيد الناس، وابن هشام، وابن كثير، والكلاعي، وابن اسحاق والبيهقي فراجع / الهامش التالي. (3) راجع فيما تقدم - وان اختلفت في بعض الالفاظ - المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 525 والغمازي للواقدي ج 2 ص 469 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 207 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 265 و 266 والبداية والنهاية ج 4 ص 108 وتاريخ الامم والملوك ج 2 (*)

[ 296 ]

ونقول: إننا نرجح أن يكون أبو أسامة الجشمي هو الذي قتل ابن معاذ، وذلك. أولا: لان بعض المصادر تذكر لابي اسامة الجمشي أبياتا فيها أنه هو الذي رمى سعدا فأصابه، فقد قال قال مخاطبا عكرمة، ومشيرا الى قتله سعدا: اعكرم هلا لمتني إذ تقول لي * فداك بآطام المدينة خالد الست الذي ألزمت سعدا مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند قضى نحبه منها سعيدا فاعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد الابيات (1). ثانيا: ذكرت الروايات: أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يوم أحد حبان بن العرقة بسهم فوقع في ثغرة نحره (أو في نحره) فوقع على ظهره وبدت عورته، فضحك (ص) حتى بدت نواجذه. فهل عاش حبان من جديد ؟ أو لم يمت من سهم أصابه في نحره ! ! - وعاش - حتى رمى سعد بن معاذ في اكحله في الخندق (2) ؟.


ص 240 والروض الانف ج 2 ص 192 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 440 / 441 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 169 وسير اعلام النبلاء ج 1 ص 281 وعيون الاثر ج 2 ص 62 و 63 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237. (1) البداية والنهاية ج 4 ص 108. (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 133 والسيرة الحلبية ج 2 ص 227 و 229 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 201 ط دار الكتب العلمية. (*)

[ 297 ]

إلا أن تكون قصة أحد قد صنعها محبوا سعد بن أبي وقاص لاثبات فضيلة له، وذلك عن هؤلاء غير بعيد، فقد رأيناهم يفعلون ذلك في كثير من المواضع. ثم سرعان ما ينسيهم الله ذلك، فتظهر الحقيقة على ألسنتهم من جديد، ويكذبون أنفسهم من حيث لا يشعرون. الاختلاف في من قاتل سعد بن معاذ: وأما الاختلاف في قاتل سعد بن معاذ، فهو يعود - فيما يظهر لنا - إلى ان اللذين كانوا يرمون باتجاه سعد والمسلين كانوا اكثر من واحد، فاختلطت السهام، واستطاع كل منهم أن يدعي لنفسه ؟ أنه تمكن من قتل سيد قبيلة الاوس في المدينة وهو - باعتقادهم - شرف عظيم أراد كل منهم أن يخص نفسه به. مع أنه في الحقيقة غاية الخزي والعار، لو كانوا يعلمون. سعد في خيمة رفيدة: وأمر (ص) بنقل سعد حينما جرح الى خيمة رفيدة التي كانت أقامتها في مسجد النبي (ص) لمداواة الجرحى. زاد القمي قوله: وكان يتعاهده بنفسه (1).


(1) عيون الاثر ج 2 ص 72 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 250 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 200 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 272 عن البغوي والمواهب اللدنية ج 1 ص 116 وجوامع السيرة النبوية ص 154 والبداية والنهاية ج 4 ص 121 ونهاية الارب ج 17 ص 191. والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233 وتاريخ الاسلام للذهيي (*)

[ 298 ]

ونستفيد من ذلك: إمكانية أن تتولى المرأة مداواة الجرحى. وقد تحدثنا عن ذلك بشئ من التفصيل في كتابنا: الاداب الطبية في الاسلام، فنحن نرجع القارئ الذي يريد التوسع إليه. اصابة أبي بن كعب في اكحله: وتذكر بعض الروايات عن جابر: أن أبي بن كعب، رمي يوم الاحزاب على اكحله، فكواه رسول الله (ص). وعنه أي عن جابر: بعث رسول الله (ص) الى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا، ثم كواه عليه (1). ونحن نتساءل عن السبب الذي لم يقدم لاجله النبي على معالجة سعد بن معاذ، بهذه الطريقة حتى يشقى. أم أنه عالجه، لكن لم يفده العلاج لان جراحته تختلف عن جراحة أبي ؟ ! هل فر عمر وطلحة في غزوة الخندق ؟ والذي يثير فينا العجب هنا أننا نجد عائشة تروى لنا ما يدل على


(المغازي) ص 267 وسير اعلام النبلاء ج 1 ص 287 والسيرة الحلبية ج 2 ص 238 وفتح الباري ج 7 ص 317 وتفسير القمي ج 2 ص 188 وبحار الانوار ج 20 ص 232 ولاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 311 والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 387 والتراتيب الادارية ج 2 ص 113 وج 1 ص 462 و 453 / 454 والاصابة ج 4 ص 302 و 303 عن ابن اسحاق، وعن البخاري في الادب المفرد. وفي التاريخ بسند صحيح والمستغفري، وأبي موسى. (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن مسلم. كذا في المشكاة. (*)

[ 299 ]

فرار جماعة من الصحابة في حرب الخندق، واختبائهم في حديقة هناك. قال الطبري: " حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا محمد بن بشر، قال حدثنا محمد بن عمرو. قال: حدثني أبي عن علقمة، عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فوالله إني لامشي إذ سمعت وئيد الارض خلفي - يعني حس الارض - فالتفت فإذا أنا بسعد، فجلست الى الارض، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس - شهد بدرا مع رسول الله (ص)، حدثنا بذلك محمد بن عمرو - يحمل مجنه، وعلى سعد درع من جديد، قد خرجت أطرافه منها، قالت: وكان من أعظم الناس وأطولهم. قالت: فأنا أتخوف على أطراف سعد، فمربي، يرتجز ويقول: لبث قليلا يدرك الهيجا حمل * ما أحسن الموت إذا حان الاجل قالت فلما جاوزني قمت، فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تسبغة له - قال محمد: والتسبغة: المغفر لا ترى الا عيناه - فقال عمر: إنك لجرية، ما جاء بك ؟ ما يدريك ؟ لعله يكون تحوز، (تحرف) أو بلاء. فوالله ما زال يلومني حتى وددت أن الارض تنشق لي فأدخل فيها، فكشف الرجل التسبغة عن وجهه: فإذا هو طلحه. فقال: إنك قد اكثرت. أين الفرار، وأين التحوز (التحرف) إلا الى الله عز وجل (1).


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 241 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 435 و 436 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 266 وسير اعلام النبلاء ج 1 (*)

[ 300 ]

نقول: إن طلحة يتضايق من جهر عمر بالفرار أمام عائشة. ثم لما رأى أنه يكرر ذلك لها. يستنكر أن يكون هذا فرارا، ويعتبره فرارا الى الله عزوجل. ونلفت النظر هنا: الى تجاهل جل المؤرخين لهذه الرواية، رغم أنهم يرون في الطبري المثل الاعلى لهم، وهم ينقلون عنه ويعتمدون عليه. ولعله هو بالاضافة الى سيرة ابن هشام، يأتي على رأس القائمة في أي مراجعة للسيرة، أو تسجيل أي حدث، أو موقف منها. كما أننا لا نستبعد: أن تكون هذه هي القضية الصحيحة، لا قضية عائشة مع أم سعد. ثم إننا لا ننسى أن نسجل هنا تساؤلا يبقى حائرا، وهو أنه كيف سوغت عائشة لنفسها أن تخرج من الحصن الذي وضعها النبي (ص) فيه، مع خطورة الموقف وحساسيته المتناهية، ومع عدم إذن النبي (ص) لها بذلك، إذ لو كانت مأذونة منه (ص) لاحتجت به على عمر، ولم تصبر على هذا التفريع المر الذي واجهها به، حتى إنها لتود أن تنشق لها الارض، فتدخل فيها. ولعل مما يؤيد فرار الكثيرين يوم الخندق: ما سيأتي في حديث حذيفة حينما ارسله النبي (ص) لكشف خبر قريش، حيث ذكر أنه لم يبق مع النبي سوى اثني عشر رجلا فقط (1).


ص 284 والطبقات الكبرى ج 3 قسم 2 ص 3 كنز العمال ج 1 ص 280 عن ابن عساكر. (1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 31 وتلخيصه للذهيي بهامشه وصححاه ودلائل (*)

[ 301 ]

والرواية الاخرى تقول: إن الناس تفرقوا ولم يبق من العسكر غير ثلاثة مئة (1). من بطولات سعد: ويقولون: " كان يوم الخندق رجل من الكفار معه ترس، وكان سعد راميا. وكان الرجل يقول كذا بالترس، يغطي جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلما رفع رأسه رماه سعد لم يخطئ هذه منه، يعني جبهته، فانقلب وأشال برجله، فضحك النبي (ص) حتى بدت نواجذه، يعني من فعله بالرجل " (2). ونقول: إننا نشك في صحة ذلك. أ: إن الذين قتلوا من المشركين معروفون. وستأتي أسماؤهم، واسماء الذين قتلوهم. وهم عمرو بن عبد ود، وولده حسل. وقد قتلهما علي أمير المؤمنين عليه السلام. ونوفل بن عبد الله، قتله علي عليه السلام أيضا، وقيل. بل قتله الزبير، وسيأتي أنه غير صحيح. ومنبه بن عثمان، أو عثمان بن أمية بن منبه. أصابه سهم غرب فمات منه بمكة. وسيأتي ذلك مع مصادره في الفصل الاخير من هذا الباب. فأين ذلك الرجل الذي قتله سعد بسهم ؟ !.


النبوة للبيهي ج 3 ص 450 و 451 وتاريخ الاسلام للذهبي (الغمازي) ص 249 / 250. (1) سيأتي ذلك في الفصل الاخير من هذا الباب. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 488 عن التزمذي في الشمائل. (*)

[ 302 ]

إلا أن يقال: إنه اصابه في جبهته، والنقلب وأشال برجله، لكنه لم يمت. ب: إن هذه الرواية هي - تقريبا - نفس الحكاية التي تحكى لسعد مع حبان بن العرقة في غزوة أحد. إلا أنها ذكرت: أن هذا كان يتلاعب بترسه، فرماه سعد في جبهتة. وقد أشرنا غير مرة الى أننا نجد اهتماما خاصا بتسطير الفضائل لسعد لتعويضه عن فراره في المواطن. ولرد الجميل له على مواقفه المؤيدة للسلطة التي اغتصبت مقام الخلافة بعد الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أشرنا ال ذلك في غزوة أحد حين الكلام عن بطولات سعد الموهومة، فراجع. بطولات وهمية للزبير: روى البيهقي من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الاطم (يعني حصنا) ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي، فأصعد على ظهره، فأنظر إليهم كيف يقتتلون. أطأطئ له فيصعد فوق ظهري، فينظر. قال: فنظرت الى أبي، وهو يحمل مرة هاهنا، ومرة هاهنا، فما يرتفع له شئ إلا أتاه. فلما أمسى جاءنا الى الاطم. قلت: يا أبه، رأيتك اليوم وما تصنع.

[ 303 ]

قال: ورأيتني يا بني ؟ !. قلت: نعم. قال: أما إن رسول الله قد جمع لي أبويه. قال: فدا لك أبي وأمي (1). ونقول: قد قدمنا في فصل: غدر بني قريظة: أن عبد الله بن الزبير كان آنئذ طفلا صغيرا جدا، ولم يكن بحيث يمكن أن يصدر منه ذلك فقد كان عمره أقل من سنتين على ما يظهر - فراجع ما قدمناه. هذا بالاضافة الى أننا لم نفهم معنى لما يدعيه ابن الزبير من حملات لابيه هنا، وحملات هناك، ونحن نعلم أن ذلك لم يحدث في الخندق، بل الذي كان هو المراماة بالنبل والحصا في بعض الاحيان. أما قضية المبازرة فانما كانت بين علي وعمرو بن عبد ود، كما سيأتي. هذا بالاضافة الى أن هذا الحديث زبيري سندا ومتنا، ولم نجد من روى لنا هذه المواقف البطولية للزبير في حرب الاحزاب. قدامة بن مظعون في حرب الخندق: " عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعثني خالي عثمان بن مظعون


(1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 439 و 440 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206 / 207 والبداية والنهاية ج 4 ص 107 وكنز العمال ج 10 ص 286. (*)

[ 304 ]

لاتيه بلحاف. فأتيت النبي (ص)، فاستإذنته - وهو بالخندق - فأذن لي، وقال لي: من لقيت منهم فقل لهم: إن رسول الله (ص) يأمركم أن ترجعوا. قال فلقيت الناس فقلت لهم... الى أن قال ابن عمر: والله ما عطف علي منهم اثنان أو واحد " (1). ونقول: أ: إن هذه الرواية موضع ريب، لان عثمان بن مظعون، قد توفي قبل الخندق بزمان، فإنه أول من مات بالمدينة من المهاجرين. وذلك بعد بدر في السنة الثانية من الهجرة الشريفة. وقد احتمل البعض أن يكون المقصود هو قدامة بن مظعون فراجع (2). ب: قد يقال: إن هذه الرواية تدل على أن طائفة من الناس قد فروا يوم الخندق، وفقا لما تقدم من فرار جماعة فيهم عمر وطلحة، وقد اختبأوا في حديقة هناك، فاكتشفتهم عائشة. وسيأتي أيضا: أن الناس قد تفرقوا عن النبي حتى بقي في ثلاث مئة. بل في اثني عشر رجلا كما في رواية القمي والحاكم في المستدرك بسند صححه هو والذهبي. لكن قد يجاب عن ذلك بأن من الممكن أن تكون الرواية ناظرة


(1) عيون الاثر ج 2 ص 56 وفتح الباري ج 7 ص 309 بإسناد صحيح عن الطبراني. (2) عيون الاثر ج 2 ص 56. (*)

[ 305 ]

الى حالة المسلمين لما بلغهم فرار المشركين، فإنهم تركوا النبي وقصدوا المدينة لا يلوون على شئ. وسيأتي ذلك في آخر فصل: نهاية حرب الخندق. إلا أن هذا الجواب لا يكفي، إذ لا معنى لطلب النبي من الناس الرجوع الى مواقعهم، بعد ذهاب الاحزاب. ج: إن هذه الرواية تشير الى أنه قد كان ثمة دقة في التنظيم، وهيمنة قيادية، قد فرضت عدم تغيب أي عنصر مشارك في الحرب الا بإذن من الرسول مباشرة، الامر الذي يتيح للقيادة أن تبقى على اطلاع تام بحجم وفعالية القوة التي تعمل تحت قيادتها، فتتمكن من التخطيط الدقيق والسليم وفي نطاق وحدود القدرات المتوفرة لديها. والاسئذان هذا كان من الجميع حتى من المنافقين لاعذار مختلفة. القتال بين المسلمين وبين بني قريظة: قد ذكرت النصوص التاريخية عدة موارد يقال: إنها حصلت فيها مناوشات فردية بين المسلمين واليهود. وذكرت أيضا حوادث محدودة في نطاق التدبير العسكري فيما بين الفريقين. بالاضافة الى تحركات عامة في دائرة التفاهم لشن هجوم مشترك على المسلمين. ونذكر هذه الامور في ضمن النقاط التالية: ألف: التفكير بمباغتة المدينة: قال الديار بكري: " واستعان بنو قريظة من قريش ليبيتوا المدينة فعلم به النبي (ص) - فبعث سلمة بن الاسلم في ماءتي رجل، وزيد بن

[ 306 ]

حارثه في ثلاث مئة رجل حتى حرسوا حصون المدينة ومحلاتها " (1). ويفصل ذلك البعض، فيقول: همت بنو قريظة أن يغيروا على بيضة المدينة ليلا، فأرسلوا حيي بن أخطب الى قريش أن يأتيهم منهم الف رجل، ومن غطفان الف فغيروا بهم. فجاء الخبر بذلك رسول الله (ص)، فعظم البلاء،. بعث سلمة بن اسلم في مئتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاث مئة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير. ومعهم خيل المسلمين، فإذا أصبحوا أمنوا. فكان أبو بكر يقول: لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان. ولقد كنت أوفي على سلع، فأنظر الى بيوت المدينة، فإذا رأيتهم هادين حمدت الله عزوجل، فكان مما رد الله به بني قريظة عما أرادوا: أن المدينة كانت تحرس " (2). ونقول: إنه ربما يستفاد من قوله تعالى: (إذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم) أن بني قريظة قد تحركوا لقتال المسلمين، أو لمحاصرتهم. أو عملوا على ذلك بطريقة أو بأخرى. هذا ولم تذكر لنا الرواية سبب عدم استجابة قريش وغطفان


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 484. (2) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 260 وامتاع الاسماع ج 1 ص 228 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 و 5 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 528. (*)

[ 307 ]

لطلب بني قريظة، ولا الطريقة التي علم بها رسول الله بإرسال بني قريظة تلك الرسالة الى الاحزاب. كما أننا لا نكاد نطمئن الى ان النبي (ص) لم يبادر الى حراسة المدينة إلا بعد أن علم بعزمهم على تبييت المدينة، فإن النبي لم يكن ليغفل عن حراسة المدينة من أول يوم خرج فيه لحفر الخندق ومواجهة الاحزاب بل من أول ساعة. أضف الى ذلك كله: أن تخصيص خمس مئة مقاتل لحراسة المدينة، أي ما ربما يزيد على نصف جيش المسلمين، ثم الاكتفاء بالنصف أو بأقل من ذلك - حسبما تقدم عن عدة المسلمين - ليواجهوا جيش الاحزاب - ان هذا - قد يكون امرا مبالغا فيه. لعله كان يرسل مئتين على التناوب، فتاره يرسل سلمة وتارة يرسل زيدا، وهكذا. ب: قصة خوات بن جبير واليهودي: وبعث (ص) خوات بن جبيز لينظر غرة لبني قريظة، أو خللا من موضع، فكمن لهم، فنام، فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم. فأفاق، فعرف أن حامله طليعة لبني قريظة، فأمكنه الله من الرجل وقتله، ولحق بالنبي (ص) وأخبره، بعد أن كان (ص) قد عرف بالقضية من جهة جبرئيل (1). ونقول: إننا لا ندري لماذا يفضل ذلك اليهودي حمل عدوه على ظهره ؟ ! ولا يبادر الى قتله، والتخلص منه. والذي نعلمه في حالات كهذه هو


(1) امتاع الاساع ج 1 ص 228 والمغازي للواقدي ج 2 ص 460 و 461. (*)

[ 308 ]

أن يكون نوم من ينام قلقا وغير مستقر، حتى إن النائم ليتنبه لادنى حركة أو لمسة له، ونجد أن هذا اليهودي يحمل هذا النائم ويرفعه الى كتفه ولا يشعر به. ثم كيف عرف خوات بن جبير أن حامله طليعة لبني قريظة ؟ ! هذا ما لم تصرح لنا الرواية به. وإذا اغمضنا النظر عن ذلك، فإن اهتمام النبي بالعمل الاستخباري في حروبه ظاهر للعيان. ولكن طلب الغرة لبني قريظة والخلل من موضع، انما يتناسب مع التخليط لمهاجمتهم، وذلك لم يكن متيسرا، أو فقل لم يكن مطروحا للتداول به والتخطيط له في غزوة الخندق. فلعل رسول الله (ص) كان يمهد لغزوهم حين فراغه من الاحزاب، فكان ارسال الطلائع تمهيدا لذلك. ج: تحركات، وتحرشات: وخرج نباش (ولعل الصحيح: شاس) بن قيس في عشرة من اليهود يريد المدينة، ففطن بهم نفر من أصحاب سلمة بن اسلم، فرموهم حتى هزموهم (1). ومر سلمة في من معه، فأطاف بحصون يهود، فخافوه، وظنوا: أنه البيات. ومن الواضح: أن هؤلاء اليهود لا يشكلون خطرا جديا على


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 229 والمغازي للواقدي ج 2 ص 462. (*)

[ 309 ]

المسلمين، إلا من حيث أنهم طليعة للعدو وتريد أن تحصل على معلومات تفيد في توجيه ضربة عسكرية للمسلمين، أو من حيث أنهم يريدون الحصول على مكاسب مادية، لظنهم أن المسلمين في غفلة عن بعض المواقع التي يمكنهم التسلل إليها للحصول على ما يمكن الحصول عليه منها. أو من حيث إحداث بلبلة في صفوف المسلمين، حين يشعرون أن نساءهم في معرض خطر أكيد من قبل الاعداء. ومن الملفت للنظر أيضا هذا الرعب من قبل اليهود لمجرد رؤيتهم سلمة بن اسلم يطيف بحصونهم، مع أنهم يظنون أنهم مانعتهم حصونهم. د: قتل مغامر: روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن رافع بن خديج قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي (ص) النساء والصبيان والذراري فيه وقال لهن: إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف. فجاءهن رجل من بني (ثعلبة) حارثة بن سعد، يقال له نجدان. أحد بني جحاش على فرس، حتى كان في أصل الحصن، ثم جعل يقول لهن: انزلن الي خير لكن. فحركن السيف، فأبصره أصحاب رسول الله (ص)، فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظفر بن رافع. فقال: يا نجدان ابرز. فبرز إليه، فقتله، وأخذ راسه فذهب به الى

[ 310 ]

النبي (ص) (1). ولنا ملاحظة على هذا النص، وعلى نص سابق شبيه به، وهو أنه (ص) قد قال لهن: إن لم يكن أحد فالمعن بالسيف، فهل هذا يعني: أن يلمعن بالسيف لايهام الاعدا وجود اسلحة معهم ؟ ! الجواب: قد يكون لا، لان هذا لو صح لكان الانسب ان يقول لهن، فالمعن بالسيوف، إلا أن يكون المقصود هو جنس السيف، لا السيف الواحد. والظاهر أنه (ص) يريد أن يلمعن بالسيف لو تعرضن لاي هجوم من الاعداء ليعرف المسلمون بالامر، لينجدوهم بالرجال. ومعنى ذلك هو أن موضع النساء كان قريبا من جيش المسلمين، وفي مقابلهم. كما أن هذه الطريقة لن تنفعهم إلا في وقت النهار، وحيث تكون السماء صافية والشمس طالعة لا مطلقا. إذ في الليل وحيث لا شمس لا يلمع السيف. صفية وحسان بن ثابت واليهودي: روى الزبير بن العوام: أن صفية كانت في حصن فارع (وفي نص آخر: في حصن حسان بن ثابت) مع نساء النبي (ص). وكان معهن حسان بن ثابت، فرقى يهودي الحصن حتى أشرف عليهن، فقالت صفية: يا حسان قم إليه حتى تقتله. وفي نص آخر: ان اليهودي جعل يطوف بذلك الحصن. فخافت صفية أن يدل على عورة الحصن.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن الوفاء عن الطبراني ووفاء الوفاء ج 1 ص 301 / 302 عن الطبراني وكنز العمال ج 10 ص 284. (*)

[ 311 ]

قال: لا والله، ما ذاك في، ولو كان في لخرجت مع رسول الله (ص). قالت صفية: فاربط السيف على ذراعي. ثم تقدمت إليه حتى قتلته، وقطعت رأسه، فقالت له: خذ الرأس وارم به على اليهود. قال: وما ذاك في. فأخذت الرأس فرمت به على اليهود. فقالت اليهود: قد علمنا: انه لم يك يترك أهله خلوفا، ليس معهم أحد. ويذكر نص آخر: أنها طلبت منه أنه يسلبه فرنض. ونص آخر يذكر: أنها قتلته بواسطة عمود. وفي غيره: قتلته بفهر. وتذكر رفض حسان لسلبه، ولا تذكر حديث قطع رأسه (1).


(1) راجع المصادر التالية: وفاء الوفاء ج 1 ص 302 عن البزار. وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 و 525 عن ابن اسحاق، والواقدي، وأبي يعلى، والبزار بسند حسن عن الزبير، بسند رجاله رجال الصحيح عن عروة مرسلا وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 241 و 242 وكنز العمال ج 10 ص 286 واسد الغابة ج 2 ص 6 وتاريخ الخميس ج 1 ص 489 عن الوفاء، والهيثمي، والسيرة الحلبية ج 2 ص 317 ومسند أحمد والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 239 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 442 و 443 وامالي الشيخ الطوسي ص 267 و 268 وبحار الانوار ج 20 ص 245 والاكتفاء للكلاعي، 2 ص 171 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 208 و 209 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 240 والكامل في التاريخ ج 2 ص 181 والبداية والنهاية ج 4 ص 109 وأنساب الاشراف ج 1 ص 347 ووفاء الوفاء ج 1 ص 303 وغرر الخصائص الواضحة ص 358. (*)

[ 312 ]

وقد " زاد أبو يعلى: فأخبر بذلك رسول الله (ص) فضرب لصفية بسهم، كما يضرب للرجل " (1). لكن نصا آخر يقول: إن غزال بن سموأل أقبل مع عشرة من اليهود نهارا فجعلوا يستترون ويرمون الحصن. " وقد حاربت قريظة، ورسول الله (ص) في نحر العدو، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهمم الينا إذا أتاهم آت " (2). ونقول: يلفت نظرنا في هذه الرواية أمور عدة، نذكر منها: ألف: جبن حسان: قال البلاذري والوقداي: " كان حسان رجلا جبانا " (3). وقال ابن الاثير: " كان حسان من أجبن الناس حتى إن النبي (ص) جعله مع النساء في الاطام يوم الخندق (4) ".


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 525. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 524 و 525 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 462 و 463 وسيرة المصطفى ص 505 و 506 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 489 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 442 و 443 وراجع: الاكتفاء ج 2 ص 171. (3) انساب الاشراف ج 1 ص 347 والغمازي للواقدي ج 2 ص 462 و 463 وفاء الوفاء ج 1 ص 302 و 303 وتاريخ الخميس ج 1 ص 489. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 489 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 15 وراجع: الروض الأنف ج 3 ص 281 ووفاء الوفاء ج 1 ص 302 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 564 واسد الغابة ج 2 ص 6. (*)

[ 313 ]

وقال الحليي: " وهذا يدل على ما قيل: إن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس كما تقدم " (1). وقد صرحوا بأن حسانا لم يشهد مع رسول الله (ص) مشهدا قط لانه كان جبانا (2). وكان حسان ضاربا وتدا في ناحية الاطم، فإذا حمل اصحاب النبي (ص) على المشركين حمل على الوتد فضربه بالسيف، وإذا أقبل المشركون ترك الوتد كأنه يقاتل قرنا. كان يرى انه يجاهد جبنا عن القتال (3). وقال الاسكافي: " لو كان الضيعف والجبان يستحقان الرياسة بقلة بسط الكف، وترك الحرب وان ذلك يشاكل فعل النبي، لكان أوفر الناس في الرياسة، واشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت " (4). و " قال ابن الكلبي: كان حسان بن ثابت لسنا شجاعا، فأصابته علة، أحدثت فيه الجبن، فكان لا ينظر الى قتال ولا يشهده " (5). وقالت صفية: " كنت أعرف انكشاف المسلمين وانا على الاطم برجوع حسان الى اقصى الاطم " (6).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 317. (2) المعارف ص 312 ط سنة 1960 م وغرر الخصائص الواضحة ص 358 وأسد الغابة ج 1 ص 6. (3) كنز العمال ج 10 ص 286. (4) شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 282. (5) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 564. (6) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 16 والمغازي للواقدي ج 1 ص 288. (*)

[ 314 ]

وكلام ابن الكلبي هذا يدل على عدم صحة ما رد به السهيلي وغيره على هذا بحجة أنه لو صح أنه كان جبانا لهجاه به الشعراء، لانه كان يهاجيهم كضرار وابن الزبعري. فلعل حسان - لو صح أنه كان مع النساء في الاطم - كان معتلا بعلة منعته من شهود القتال (1). أضف الى ذلك: أن المؤرخين قد حكموا على حسان بالجين بصورة مطلقة معللين ابقاءه مع النساء بذلك، الامر الذي يظهر منه أن جبنه كان معروفا لديهم، لا أنهم استندوا في ذلك إلى خصوص هذه الرواية. وأما لماذا لم يعير الشعراء حسانا بالجبن، فقد قال الزرقاني: " إن ابن اسحاق لم ينفرد به، بل جاء بسند متصل حسن كما علم، فاعتضد حديثه. وقال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعييره بذلك من أعلام النبوة لانه شاعره (ص) (2) ". ونزيد نحن على ذلك: أن هجاءهم لحسان لا مبرر له، وإنما هم يردون هجاء الاسلام، ورسول الاسلام، وجماعة المسلمين، ولا يهمهم حسان كشخص من قريب ولا من بعيد. وهذا بالذات هو ما يطغى على شعرهم المتبادل فيما بينهم.


(1) راجع: الروض الانف ج 3 ص 281 ووفاء الوفاء ج 1 ص 302 و 303 وتاريخ الخميس ج 1 ص 489 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 564. (2) هامش السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 240 تحقيق الابياري، والسقا، وشلبي. (*)

[ 315 ]

ب: قصة حسان في الخندق أم في أحد: وقد رويت قصة جبن حسان، وقتل صفية لليهودي في غزوتي أحد والخندق معا (1). وقد تقدمت هذه الرواية في غزوة أحد أيضا. ونرجح أنها كانت في الخندق لان اليهود إنما غدروا في الخندق (2). وهذا هو ما رجحه السمهودي أيضا استنادا الى ذلك، والى أن الطبراني قد روى بسند رجاله رجال الصحيح عن عروة مرسلا: أنها كانت في الخندق، وممن ذكر القصة في الخندق ابن اسحاق أيضا (3). ج: تأثير هذه القضية على اليهود قد ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن قتل صفية لليهودي قد جعل اليهود يعتقدون: أن النبي قد جعل أناسا لحماية النساء والذرية، وليحفظوا مؤخرة الجيش عن أن تتعرض لاي عمل حربي، حيث قالت اليهود: إنه لم يك يترك أهله خلوفا، ليس معهم أحد. وذكر في نص سابق، أن عشرة من اليهود، " جعلوا يستترون ويرمون الحصن، ورسول الله (ص) في نحر العدو، ولا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم الينا إذا أتانا آت ".


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 302 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 288 وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 15 / 16. (2) وفا الوفاء ج 1 ص 303 وتاريخ الخميس ج 1 ص 489. (3) المصدران السابقان. (*)

[ 316 ]

ولكننا نشك في صحة ذلك، إذ قد كان ثمة حرس للمدينة يبلغ حوالي خمس مئة مقاتل. وقد كان يكفي لرد هؤلاء العشرة عشرة مثلهم، فضلا عن المئات. ثم إن وصول عشرة من بني قريظة الى مكان قريب من الجيش الاسلامي وفي قبال ذلك الجيش مع احتمالهم أن يكون ثمة حرس يعتبر مجازفة منهم، لا نرى أن اليهود يقدرون عليها. وقلنا: إن موضع النساء قريب من جيش المسلمين، لان النبي كما تقدم قد طلب من النساء أن يلمعن بالسيف إذا تعرضن لاي مكروه. فلماذا لم يلمعن بالسيف كما صنعن في قصة أحد بني جحاش، الذي تم التخلص منه بهذه الطريقة بالذات. إلا أن يكون الناس في ذلك الوقت قد شغلتهم الحرب حتى لا يستطيع أحد منهم، ولا حتى مفرزة صغيرة بمقدار خمسين فارسا: أن تنجد النساء والاطفال. ونحن لا نظن أن النبي (ص) لم يحسب حسابه لساعات كهذه، وترك الامر يتطور الى أن يصل الى هذه الدرجة من الخطورة. ولهذا فنحن نعتقد: أن هذه مبادرة من صفية رحمها الله لمواجهة رجل تسلل الى موضع قريب، وقد نجحت في المهمة التي أحبت أن تبادر لانجازها، ثم زاد الاخرون ما شاؤوا على ذلك إكراما لولدها الزبير، ولال الزبير، ولعل هذه الزيادات لا تبعد كثيرا عن نشاطات عروة ونظرائه ممن يسيرون في نفس الخط الذي هو فيه.

[ 317 ]

د: ربط السيف على الذرع وتناقض الرواية: ولا ندري كيف يربط السيف على الذراع، ولا ندري أيضا كيف يمكن تفسير هذه الاختلافات والتناقضات لنصوص هذه الرواية، فإن ذلك مما يضعف وثوقنا بها أيضا. غنيمة المسلمين من المشركين: وقال أبو سفيان لحيي بن أخطب: قد نفدت علافتنا فهل عندكم من علف ؟ !. فقال حيي: نعم. فكلم كعب بن اسد، فقال: مالنا مالك، فأرسل المشركون إليهم عشرين بعيرا، فحملوها لهم شعيرا، وتمرا وتبنا، وخرجوا بها الى قريش، فلما كانوا بصفنة. وهم يريدون أن يسلكوا العقيق، جاؤا جمعا من بني عمرو بن عوف، وهم يريدون منازلهم بأنصاف النهار، يطلبونهم. وهم عشرون رجلا. فيهم أبو لبابة، وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي، خرجوا لميت مات منهم في أطمهم ليدفنوه. فناهضوا الحمولة، وقاتلهم القرشيون ساعة، وكان فيهم ضرار بن الخطاب، فمنع الحمولة، ثم جرح وجرح، ثم السلموها، وكثرهم المسلمون، وانصرفوا يقودونها، حتى أتوا بني عمرو بن عوف، فدفنوا ميتهم، ثم ساروا الى رسول الله (ص) بها. فكان أهل الخندق يأكلون منها، فتوسعوا بذلك، وأكلوه حتى نفد، ونحروا من تلك الابل أبعرة في الخندق، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة. (*)

[ 318 ]

فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفيان: إن حييا لمشؤوم، ما أعلمه إلا قطع بنا. ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا (1). ولكننا نسجل تحفظا هنا، ينطلق من كلام ابي سفيان هذا، فان حييا لم يقطع بهم. كما أن هذه الغنيمة لم تكن خيلا ولا ابلا بل كان شعيرا وتمرا وتبنا، وبعض الابل، فما معنى قوله: ما نجد ما نتحمل عليه إذا رجعنا. الجن الذين في المدينة: وكان يستأذنون أن يطلعوا الى أهليهم، فيقول (ص) إني أخاف عليكم بني قريظة، فإذا الحوا يأمرهم بأخذ السلاح معهم. " وكان فتى حديث عهد بعرس، فأخذ سلاحه وذهب، فإذا امرأته قائمة بين البابين، فهيأ لها الرمح ليطعنها، فقالت، اكفف حتى ترى ما في بيتك، فإذا بحية على فراشه، فركز فيها رمحه، فاضطربت، وخر الفتى ميتا. فما يدري أيهما كان أسرع موتا. فقال رسول الله - لما أخبر بذلك - إن بالمدينة جنا قد اسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فأذنوه ثلاثة أيام، فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فانما هو شيطان " (2). والذي يلفت نظرنا في هذا النص.


(1) القصة في: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 539 / 540 ووفاء ج 1 ص 304 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 والسيرة الحلبية ج 2 ص 323. (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 234 / 235 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 538 والمغازي ج 2 ص 475. (*)

[ 319 ]

الف: لماذا يؤاذنونه ثلاثة أيام، لا أقل ولا أكثر ؟ ! فإن الجن إذا كان مؤمنا، فإنه لا يعتدي على الناس، ولا يأخذ فراش الناس، ويكون فيه. ب: لماذا يبادر الى طعن زوجته بالرمح إذا رآها بين البابين ألم يكن بوسعه أن يسألها عن سبب كونها في ذلك المكان ؟ وهل وجودها في هذا المكان دليل خيانة وانحراف ؟ ! ج: هل الجن قادر على مواجهة الانسان بهذه الصورة ؟ وهل لم يكن بوسع تلك الحية الجنية أن تتخلص من رمح ذلك الفتى ؟ ! وهل إذا مات الجن يبقى جسده ماثلا للعيان ؟ ويكون من لحم ودم ؟ !. اشتباك مع الاخوة وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا، فالتقيا، ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو، فكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الاسلام: حم، لا ينصرون. فكف بعضهم عن بعض، وجاؤا، فقال رسول الله (ص): جراحكم في سبيل الله، ومن قتل منكم فإنه شهيد. فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعض نادوا بشعارهم (1).


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 234 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 537 و 538 والمغازي للواقدي ج 2 ص 474 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321. (*)

[ 320 ]

لعن الله الراكب، والقائد، والسائق: قال سبط بن الجوزي: إن الامام الحسن عليه السلام قال لمعاوية: " نظر النبي (ص) إليك يوم الاحزاب، فرأى أباك على جمل يحرض الناس على قتاله. وأخوك يقود الجمل، وأنت تسوقه، فقال: " لعن الله الراكب، والقائد والسائق " (1). آية قرانية في خوات بن جبير: محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وأحمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، جميعا عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام في قول الله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم) الاية (2)، فقال: نزلت في خوات بن جبير الانصاري، وكان مع النبي (ص) في الخندق وهو صائم، فأمسى وهو على تلك الحال. وكانوا قبل أن تنزل هذه الاية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام والشراب. فجاء خوات إلى أهله حين أمسى، فقال: هل عندكم طعام ؟ ! فقالوا: لا، تنم حتى نصلح لك طعاما. فاتكأ فنام، فقالوا له: قد فعلت ؟ قال: نعم.


(1) تذكره الخواص ص 201 والغدير ج 10 ص 169 عنه. (2) البقرة 187. (*)

[ 321 ]

فبات على تلك الحال، فأصبح ثم غدا الى الخندق، فجعل يغشى عليه، فمر به رسول الله (ص)، فلما رأى الذي به أخبره كيف كان أمره. فأنزل الله عزوجل فيه الاية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) (1). والحديث صحيح السند. كما هو ظاهر. لكن صرح في رسالة الحكم والمتشابه بأن ذلك كان حين حفر الخندق في شهر رمضان المبارك. وان اسم الرجل هو مطعم بن جبير. ونقول: 1 - الذي نعرفه في رجال الصحابة هو جبير بن مطعم، لا العكس. 2 - قد وصف رواية القمي والسيد المرتضى خوات بن جبير بأنه كان حينئذ شيخا كبيرا ضعيفا. مع أنهم يقولون: إن خوات بن جبير قد توفي سنة اربعين، أو اثنتين واربعين وهو ابن أربع وسبعين سنة (2)، ومعنى ذلك هو أنه كان


(1) الكافي ج 4 ص 99 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 144 و 145 وتفسير القمي ج 1 ص 66 ومن لا يحضره الفقيه ط جماعة المدرسين ج 2 ص 130 / 131 والوسائل ج 7 ص 80 و 81 ورسالة المحكم والمتشابه ص 10 والبحار ج 20 ص 241 / 242 وتفسير البرهان ج 1 ص 186 و 187 عن الكافي والقمي، وعن تفسير العياشي. ومجمع البيان ج 1 ص 280. (2) راجع: الاصابة ج 1 ص 458 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 330 واسد الغابة ج 2 ص 126 وراجع تهذيب ج 3 ص 171 والطبقات (*)

[ 322 ]

يوم الخندق في عز شبابه، وغاية نشاط وقوته. وقيل: كان سنه حين توفي احدى وسبعين سنة (1) عن ابن نمير. وإن كان الاستيعاب قد سجل أربعا وتسعين سنة (2)، ولعلها تصحيف سبعين، فإن الاشتباه بينهما كثير. 3 - إن الرواية تقول: إنها نزلت في خوات، لكن روايات أخرى ذكرت: أنها نزلت في صرمة بن قيس أو غيره (3). 4 - الرواية تقول: إن المسلمين كانوا إذا نام أحدهم قبل أن يفطر حرم عليه الطعام والشراب الى الليلة القابلة - وهذا هو المروي بكثرة عجيبة - من طرق غير أهل البيت. ونقول: إن هذه كانت طريقة أهل الكتاب. وقد نزلت الاية لردع المسلمين عنها (4) فلعل بعض المسلمين بسبب انبهاره قد انساق وراء أهل الكتاب في ذلك فنزلت الاية لتردعهم عنه، وقال رسول الله (ص) أيضا: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب اكلة السحر (5).


الكبرى لابن سعد ط صار ج 3 ص 478 و 477 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 108. (1) تهذيب التهذيب ج 3 ص 171. (2) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 1 ص 44 4 وكذا في تهذيب الاسماء ج 1 ص 179. (3) الدر المنثور ج 1 ص 197 و 198 عن مصادر كثيرة. (4) الدر المنثور ج 1 ص 198 عن عبد بن حميد. (5) الدر المنثور ج 1 ص 198 عن ابن أبي شيبة وأبي داود، والترمذي، والنسائي. (*)

[ 323 ]

الفصل التاسع: ضربة علي يوم الخندق: تعدل عبادة الثقلين

[ 325 ]

عبور الخندق: يقول المؤرخون: إنه بعد أن جرح سعد بن معاذ أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جمعيا، وجاؤا يريدون مضيقا يقحمون منه خيلهم الى النبي، فوجدوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون، فلم تدخله خيولهم، فعبره عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله المخزومي، وضرار بن الخطاب الفهري، وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود. وزاد المفيد رحمه الله: مرداسا الفهري. وزاد البعض: حسل بن عمرو بن عبد ود في من عبر الخندق أيضا. ووقف سائر المشركين وراء الخندق (1).


(1) راجع: المصادر التالية: امتاع الاسماع ج 1 ص 232 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 532 و 533. والبداية والنهاية ج 4 ص 105 ونهاية الارب ج 17 ص 173 والمغازي للواقدي ج 2 ص 470 وتاريخ الخميس ج 1 ص 286 والارشاد للمفيد ص 52 ومناقب آل أبي طالب ج 8 ص 1 ص 198 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 197 و 198 و 203 والكامل في التاريخ ج 2 ص 181 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 239 ومجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 و 253 وعيون الاثر ج 2 ص 61 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 193 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436 و 437 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 وشرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 وجوامع السيرة النبوية ص 150 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 238 و 239 وراجع: الوفاء ص 693 وراجع العبر وديوان (*)

[ 326 ]

ويقول القاضي النعمان: إن النبي (ص) أمر عليا بأن يمضي بمن خف معه ليأخذ الثغرة عليهم، وقال: " فمن قاتلكم عليها فاقتلوه " (1). فخرج علي أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من المسلمين، حتى أخذ الثعرة وسلمها إليهم. وتقدم عمرو، فلما رأى المسلمين، وقف هو والخيل التي معه، وقال: هل من مبارز (2). وكان ذلك كما يقول القاضي النعمان بعد شهر من الحصار (3) وقال غيره غير ذلك، كما ذكرناه في موضع آخر. وصفهم لعمرو: قالوا: وكان عمرو قد بلغ تسعين سنة. وقد حرم الدهن حتى


المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30. (1) شرح الاخبار ج 1 ص 294. (2) راجع المصادر التالية: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 والارشاد للمفيد ص 52 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 207 و 203 والكامل في التاريخ ج 2 ص 181 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 239 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 ومجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 302 و 253 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487 وعيون الاثر ج 2 ص 61 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 193 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 والبدء والتاريخ ج 4 ص 218 وبهجة المحافل ج 1 ص 266 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 202 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 239. (3) شرح الاخبار ج 1 ص 293. (*)

[ 327 ]

يثأر بمحمد وأصحابه. وذلك أنه في بدر قد اثبتته الجراحة، وارتث فلم يشهد احدا (1). ونعتقد: أنهم يبالغون في مقدار عمر عمرو، ولعله بهذف بيان أنه كان في هذا الوقت قد ضعف وشاخ ولم يعد قتله بذلك الامر المهم. ولكن جبن المسلمين عن مواجهته - كما سنرى - وهم جيش بأكمله، وكذلك ما قاله النبي (ص) في حق قاتله، وغير ذلك مما سيأتي، يبطل كيد الخائنين، إن شاء الله تعالى. وقالو أيضا: كان عمرو بن عبد ود فارس قريش (2). وكان يعد بألف فارس (3)، ويسمى فارس يليل (4)، لانه أقبل في ركب من قريش حتى


(1) راجع المصادر التالية، فقد تعرضت لذلك كله أو بعضه: إمتاع الاسماع ج 1 ص 232 والسيرة الحلبية ج 2 ص 218 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 533 والكامل في التاريخ ج 2 ص 181 والغمازي للواقدي ج 2 ص 470 وتاريخ الخميس ج 1 ص 486 وعيون الاثر ج 2 ص 61 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 وشرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 و 63 وج 15 ص 85 و 86 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 202 و 203 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 239 والوفاء ص 693 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30. (2) مجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237. (3) مجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 وتاريخ الخميس ج 1 ص 486 وحبيب السير ج 1 ص 361 وينابيع المودة ص 95. (4) مجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 20 ص 203 و 226 وج 41 ص 88 (*)

[ 328 ]

إذ هو بيليل، وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد، فقال لاصحابه: امضوا. فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك (1). وكان " من مشاهير الابطال، وشجعان العرب " (2). وعن علي عليه السلام: " وفارسها (أي قريش) وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم... الى أن قال: والعرب لا تعد لها فارسا غيره " (3). وسيأتي: أن مسافع بن عبد مناف يبكي عمروا، ويقول: عمرو بن عبد كان أول فارس * جزع المذاد، وكان فارس يليل وقال أبو زهرة: " كان - كما قيل - لهم يهزم في مبارزة قط " (4). " وكان أشد من فيهم وأنجدهم، يعرف له ذلك جميعهم " (5). وكان عمرو يلقب بعماد العرب، وكان في مئة ناصية من الملوك، وألف مقرعة من الصعاليك (6).


وتفسير القمي ج 2 ص 183 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135. (1) مجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 وج 41 ص 88 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 486. (3) الخصال ج 2 ص 368 والبحار ج 20 ص 244 والاختصاص ص 167 وشرح الاخبار ج 1 ص 287. (4) خاتم النبيين ج 2 ص 938. (5) شرح الاخبار ج 1 ص 293. (6) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 134 والبحار ج 41 ص 88 عنه. (*)

[ 329 ]

المواجهة بين عمرو والمسلمين وذكر القمي (ره): أنه لما جاء الفرسان الى الخندق ليعبروه كان (ص) قد صف أصحابه بين يديه، فلما طفروا الخندق. صاروا قبال رسول الله (ص) سباشرة، والمسلمون خلف ظهر النبي (ص). رواية مشكوكة: وادعى بعضهم: أن بعض المهاجرين قال لرجل من اخوانه بجنبه: أما ترى هذا الشيطان عمرو ؟ ! لا والله لا يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليتقله، ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله على نبيه في ذلك الوقت قوله: قد يعلم الله المعوقين منكم، والقائلين لاخوانهم هلم الينا، ولا يأتون الباس إلا قليلا، أشحة على الخير... الى قوله: وكان ذلك على الله يسيرا (1). وصرح في موضع آخر: هذه الاخر: أن هذه الاية نزلت في عمر بن الخطاب لما قال لعبد الرحمان بن عوف: هلم ندفع محمدا الى قريش ونلحق بقومنا: يحسون الاحزاب لم يذهبوا إلخ... (2). ونقول: إن هذه الرواية موضع شك وريب. أولا: إن مضمون الايات لا ينسجم مع هذا الحدث الذي تقول


(1) تفسير القمي ج 2 ص 182 و 183 والبحار ج 20 ص 225. (2) تفسير القمي ج 2 ص 188 والبحار ج 20 ص 232. (*)

[ 330 ]

الرواية: إن الآية نزلت لأجله، ولا يتطابق معه، بل هي لا تشير إليه لا من قريب ولا من بعيد. وثانيا: ما معنى قوله: هلموا ندفع إليه محمدا ليقتله ونلحق نحن بقومنا ؟ فهل إن محمدا، الذي معه سائر المهاجرين والانصار أصبح الان خاضعا لابن عوف ولرفيقه، وأصبحا هما أصحاب القرار في أمره ؟ ! وثالثا: ولو أنهما جهرا بهذا القول، ألم يكونا يخافان بأس علي وصولته، فضلا عن غيره من أصحابه المخلصين ؟ ! أخذ الثغرة على عمرو وأصحابه وقد لا حظنا: أن عليا عليه السلام قد بادر الى أخذ الثغرة التي عبر منها الفرسان، عليهم، حتى لا يمكنهم الرجوع منها، وليمنع بقية قوى الاحزاب من عبورها لمساعدة عمرو ومن معه. وهذه المبادرة تعتبر من وجهة نظر عسكرية هي الاجراء الامثل والافضل لانها أيضا قد أدت الى محاصرة المجازفين، والسيطرة على الموقف، وافشال خطتهم. ولكن علينا: أن لا نهمل التذكير بأن هؤلاء الذين جاؤا مع علي عليه السلام، وأخذوا الثغرة على عمرو ومن معه، ما كانوا ليجرؤا على الوقوف في مواقعهم لولا وجود علي الى جانبهم، ثم اطمئنانهم الى أنه سيكون هو الذي ينجدهم لو تعرضوا لاي مكروه من قبل عدوهم عمرو وأصحابه. فإنما الى علي عليه السلام استندوا، وعلى مبادرته لحمايتهم، (*)

[ 331 ]

والدفاع عنهم اعتمدوا، يدلنا على ذلك: أن المسلمين كانوا كان على رؤسهم الطير خوفا وفرقا من عمرو كما سنرى. طلب البراز، وخرج علي لعمرو: لما وقف عمرو وأصحابه على الخندق قالوا: والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، فقال عمرو: يالك من مكيدة ما أنكرك * لا بد للمهلهوب من أن يعبرك ثم زعق على فرسه في مضيق، فقز به الى السبخة، بين الخندق وسلع (1). وجعلوا يجيلون خيلهم فيما بين الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم أحد منهم عليهم. وجعل عمرو بن عبد ود يدعو للبراز وكان قد أعلم ليرى مكانه - ويعرض بالمسلمين، فقال (ص) على ما في الروايات: من لهذا الكلب ؟ فلم يقم إليه أحد. فلما أكثر قام علي عليه السلام، فقال: أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، انتظارا منه ليتحرك غيره. وأعاد عمرو النداء والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، لمكان عمرو، والخوف منه وممن معه، ومن وراءه. فقال عمرو: أيها الناس، إنكم تزعمون: أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار ؟ أفما يحب أحدكم أن يقدم على الجنة، أو يقدم عدوا له الى النار ؟.


(1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198. (*)

[ 332 ]

فلم يقم إليه أحد. فقام علي عليه السلام دفعة ثانية، قال: أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس. فجال عمرو بفرسه مقبلا مدبرا. جاءت عظماء الاحزاب، ووقفت من وراء الخندق، ومدت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو: أن أحدا لا يجيبه قال: ولقد بححت من النداء * يجمعهم هل من مبارز ووقفت مذجبن المشجع * موقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز فقام علي عليه السلام، فقال: يا رسول الله ائذن لي في مبارزته. فلما طال نداء عمرو بالبراز، وتتابع قيام أمير المؤمنين عليه السلام، قال له رسول الله: ادن مني يا علي فدنا منه، فقلده سيفه (ذا الفقار)، ونزع عمامته من رأسه، وعممه بها، وقال: إمض لشأنك. فلما انصرف قال: اللهم أعنه عليه (1). ولكن ابن شهر آشوب قال: إن عمروا جعل يقول: هل من مبارز ؟ ! والمسلمون يتجاوزون عنه.


(1) راجع المصادر التالية: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 63 و 64 والارشاد للمفيد ص 59 و 60 وعيون الاثر ج 2 ص 61 وإعلام الورى ص 194 و 195 والمغازي للواقدي ج 2 ص 470 و 471 وحبيب السير ج 1 ص 361 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 والبحار ج 41 ص 88 و 89 وج 20 ص 225 - 228 - 203 و 205 و 254 - 256 وتفسير القمي ج 2 ص 181 - 185 وكشف الغمة ج 1 ص 204 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 والسيرة الحلبية ج 2 ص 319. (*)

[ 333 ]

فركز رمحه على خيمة النبي (ص)، وقال، ابرز يا محمد. فقال (ص): من يقوم الى مبارزته فله الامامة بعدي. فنكل الناس عنه. الى أن قال روي أنه لما قتل عمرو أنشد علي (ع): ضربته بالسيف فوق الهامة * بضربة صارمة هدامة أنا علي صاحب الصمصامة * وصاحب الحوض لدى القيامة أخو رسول الله ذي العلامة * وقال إذ عممني عمامة أنت الذي بعدي له الامامة (1) وعند الحسكاني عن حذيفة قال: فألبسه رسول الله (ص) درعه ذات الفضول. وأعطاه سيفه ذا الفقار. وعممه بعمامته السحاب على رأسه تسعة اكوار، ثم قال: تقدم. فقال النبي لما ولي: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قديمه (2). ويضيف البعض: أنه رفع عمامته، رفع يديه الى السماء بمحضر من أصحابه، وقال: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحرث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب. رب لا تذرني فردا، وأنت خير الوارثين (3).


(1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 والبحار ج 41 ص 88. (2) مجمع البيان ج 8 ص 343 وبحار الانوار ج 20 ص 203 وج 41 ص 88. وشواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍. ق. ج 2 ص 11 وينابيع المودة ص 95 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135. (3) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 61 وج 13 ص 283 / 284 (*)

[ 334 ]

وتصور لنا رواية عن علي عليه السلام الحالة حين عبور الفرسان الخندق فهو يقول: " وفارسها وفارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود، يهدر كالبعير المغتلم، يدعو الى البراز، ويرتجز، ويخطر برمحه مرة، وبسيفه مرة، لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع فيه طامع، فانهضني إليه رسول الله (ص)، وعممني بيده، وأعطاني سيفه هذا، - وضرب بيده الى ذي الفقار - فخرجت إليه نساء أهل المدينة بواك اشفاقا علي من ابن عبد ود، فقتله الله عزوجل بيدي، والعرب لا تعد لها فارسا غيره (1) ". ونحن نشك في الفقرة التي تذكر خروج نساء المدينة بواكي إلى رسول الله (ص). ويذكر البعض: أنه (ص) " أدناه، وقبله، وعممه بعمامته، وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه. ثم لم يزل (ص) رافعا يديه الى السماء، مستقبلا لها بوجهه، والمسلمون صموت حوله - كان على رؤوسهم الطير اللخ " (2). برز الاسلام كله إلى الشرك كله: وقال (ص) حينئذ: برز الاسلام أو الايمان كله، إلى


وكنز الفوائد للكراجكي ط دار الاضواء ج 1 ص 297. وراجع: السيرة النبوية لحدلان ج 2 ص 6 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487، والسيرة الحلبية ج 2 ص 319 وبحار الانوار ج 20 ص 215 وكنز العمال ج 12 ص 219 وج 10 ص 290 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 221. (1) الخصال ج 2 ص 368 والبحار ج 20 ص 244 وشرح الاخبار ج 1 ص 287 و 288 والاختصاص ص 166. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 285. (*)

[ 335 ]

الشرك كله (1). فخرج له علي وهو راجل، وعمر فارسا، فسخر به عمرو. ودنا منه علي (2) ومعه جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله، لينظر ما يكون منه ومن عمرو (3). وصرحت بعض الروايات بأن النبي (ص) قد قال لاصحابه: أيكم يبرز الى عمرو وأضمن له على الله الجنة ؟ فلم يجبه منهم أحد هيبة لعمرو، واستعظاما لامره. فقام علي ثلاث مرات والنبي يأمره بالجوس (4). وحسب نص ابن اسحاق، وغيره من المؤرخين: خرج عمرو بن عبد ود، وهو مقنع بالحديد، فنادى: من يبارز ؟ !... فقام علي بن أبي طالب، فقال أنا (له) يا نبي الله. فقال: إنه عمرو، إجلس. ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز ؟ فجعل يؤنبهم، ويقول: أين


(1) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 205 وينابيع المودة ص 94 و 95 واعلام الورى ص 194 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 وشرح نهج البلاغة ج 13 ص 261 و 285 وج 19 ص 61 والطرائف ص 60 وكنز الفوائد للكراجكي ص 137 ومجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 20 ص 205 و 273 وج 41 ص 88 وج 39 ص 1 ونهج الحق ص 217. (2) امتاع الاسماع ج 1 ص 232. (3) راجع الارشاد للمفيد ص 59 و 60 وحبيب السير ج 1 ص 361 وكشف الغمة ج 1 ص 204 واعلام الورى ص 194. (4) كنز الفوائد للكراجكي ص 137. (*)

[ 336 ]

جنتكم التي تزعمون انه من قتل منكم دخلها ؟ أفلا تبرزون الي رجلا ؟ !. فقام علي فقال: أنا يا رسول الله. فقال: اجلس. ثم نادى الثالثة، فقال: ولقد بححت من النداء * لجمعهم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع * موقف القرن المناجز ولذاك اني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز قال: فقام علي رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أنا له. فقال: إنه عمرو. فقال: وإن كان عمروا. فأذن له رسول الله (ص)، فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة * والصدق منجا كل فائز إني لارجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى * ذكرها عند الهزاهز وفي الديون المنسوب لعلي عليه السلام بيتان آخران هما: ولقد دعوت الى البراز * فتى يجيب الى المبارز يعليك ابيض صارما * كالملح حتفا للمبارز فقال له عمرو: من أنت ؟.

[ 337 ]

قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف ؟. قال: انا علي بن أبي طالب. فقال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني اكره أن أهريق دمك. فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك. فغضب، فنزل، وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته، فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه. وضربه علي على حبل عاتقة فسقط، وثار العجاج، فسمع رسول الله التكبير، فعرفنا أن عليا قد قتله، فثم يقول علي: أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي الأبيات: الى أن قال: وخرجت خيولهم منهزمة، حتى اقتحمت الخندق (1).


(1) راجع المصادر التالية: البداية والنهاية ج 4 ص 106 عن البيهقي في دلائل النبوة، عن ابن اسحاق. وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 204 ومجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 25 ص 203 و 204 و 239 وج 41 ص 89 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 135 و 136. وتاريخ الخميس ج 1 ص 486 / 487 وعيون الاثر ج 1 ص 61 و 62 والروض الانف ج 3 ص 27 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 438 / 439 (*)

[ 338 ]

الخصال الثلاث وقتل عمرو: وقد ذكرت بعض النصوص: أن عليا لما بارز عمروا عرض على عمرو خصلتين، وهما: الاسلام، فرضه، أو النزال، فاعتذر بالخلة بينه وبين أبي طالب، أو بغير ذلك (1). لكن بعض الروايات ذكرت: أنه عرض عليه ثلاث خصال. فهي تقول: قال علي لعمرو: يا عمرو، إنك كنت تقول في الجاهلية: لا


وراجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 والسيرة الحلبية ج 2 ص 319 و 320 وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 261 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 167 و 168 وراجع: ديوان أمير المؤمنين علي عليه السلام ص 67 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 32 و 33 والمناقب للخوارزمي ص 104 وراجع: ينابيع المودة ص 95 و 96 وراجع أيضا كنز الفوائد للكراجكي ص 137. (1) راجع عرض الخصلتين على عمرو، ثم قتل علي عليه السلام له في المصادر التالية: الارشاد للمفيد ص 58، وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 203 و 198 و 199 والكامل في التاريخ ج 2 ص 181 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 240. وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 105 والبحار ج 20 ص 253 و 254 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 266 و 267 ونهاية الارب ج 17 ص 173 و 174 وكنز العمال ج 10 ص 288 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 و 167 وعيون الاثر ج 2 ص 61 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 193 و 194 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436 و 437 والسيرة الحلبية ج 2 ص 319 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 32 وشرح الاخبار ج 1 ص 295. (*)

[ 339 ]

يدعوني أحد الى واحدة من ثلاث إلا قبلتها. قال: أجل. قال علي: فإني أدعوك الى أن تشهد ان لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله، وتسلم لرب العالمين. قال: يا ابن أخي، أخر عنى هذه. قال: وأخرى، ترجع الى بلادك، فإن يك محمد صادقا كنت اسعد الناس به، وإن كاذبا كان الذي تريد. وفي نص آخر: كفتهم ذؤبان العرب أمره. قال: هذا ما لا تحدث به نساء قريش أبدا، وقد نذرت ما نذرت، وحرمت الدهن (1). قال: فالثالثة ؟. قال: البراز. فضحك عمرو، وقال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، فمن أنت ؟ !. قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: يا ابن أخي، من أعمامك من هو أسن منك، فإني اكره أن أهريق دمك. فقال علي رضي الله عنه: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك. فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها، وسل سيفه كأنه شعلة


(1) زاد في نص القمي: ولا تنشد الشعراء في اشعارها انه جبن ورجع، وخذل قوما رأسوه عليهم. وعند المعتزلي: إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاما خدعني. (*)

[ 340 ]

نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا، واستقبله علي بدرقته. ودنا أحدهما من الاخر وثارث بينهما غبرة، فضربه عمرو. فاتقى علي الضربة بالدرقة، فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه، فشجه. الخ. أما المفيد وغيره فقالوا: إن عمروا قال لعلي: إنى لأنى لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديما. وعند الواقدي: " فأنت غلام حديث إنما أردت شيخي قريش: أبا بكر وعمر. فقال علي (ع): لكني أحب أن أقتلك، فأنزل إن شئت، فأسف عمرو، ونزل، وضرب وجه فرسه حتى رجع " انتهى. وعند آخرين: انه عرقب فرسه، وضرب عليا بالسيف، فاتقاه بدرقته، فقطها، ثبت السيف على رأسه. وقال القمي وغيره: فقال له عليه السلام: أما كفاك أني بارزتك، وأنت فارس العرب، حتى استعنت علي بطهر ؟ !. فالتفت عمرو الى خلفه، فضربه على ساقيه، فقطعهما جمعيا. وعبارة حذيفة هكذا: " وتسيف علي رجليه بالسيف من اسفل فوقع على قفاه " (1). وتستم رواية القمي فتقول: وارتفعت بينهما عجاجة، فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة، فنظروا،


(1) راجع عبارة حذيفة في مجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 20 ص 204 وج 41 ص 90 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 و 137. (*)

[ 341 ]

فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره آخذ بلحيته، يريد أن يذبحه. فذبحه، ثم أخذ رأسه، وأقبل الى رسول الله (ص)، والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم، وهو يقول والرأس بيده: أنا علي وأنا ابن المطلب * الموت خير للفتى من الهرب فقال له (ص): يا علي، ماكرته ؟ !. قال: نعم يا رسول الله، الحرب خدعة. وينقل المفيد عن جابر، ونقله غيره من دون تصريح باسم الراوي قوله: فثارت بينهما قترة، فما رأيتهما. فسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن عليا عليه السلام قد قتله. فانكشف أصحابه، حتى طفرت خيولهم الخندق. وتبادر أصحاب النبي (ص) حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد الله الخ (1).


(1) راجع فيما تقدم بتفصيل أو اجمال المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 والارشاد للمفيد ص 59 و 60 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 204 و 203 واعلام الورى ص 194 و 195 وتفسير القمي ج 2 ص 181 - 185، والبحار ج 20 ص 225 - 228 و 203 فما بعدها و 254 - 256 وج 41 ص 90 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 6 و 7 والسيرة الحلبية ج 2 ص 319، والمغازي للواقدي ج 2 ص 470 و 471 وشرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 63 و 46 وراجع: بهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 266 و 267 وحبيب السير ج 1 ص 361 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والمختصر في اخبار البشر ج 1 ص 135 وراجع (*)

[ 342 ]

وعند المعتزلي: ثارث الغبرة، وسمعوا التكبير من تحتها، فعلموا أن عليا قتل عمروا فكبر رسول الله (ص)، وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين (1). وروي: أن عمروا جرح رأس علي عليه السلام، فجاء الى رسول الله، فشده، ونفث فيه فبرئ وقال: أين اكون إذا خضب هذه من هذه (2). وفي القاموس وغيره: كان علي ذا شجتين في قرني رأسه، احداهما من عمر بن ود. والثانية من ابن ملجم. ولذا يقال له: ذو القرنين (3). وعنه عليه السلام أنه قال عن عمرو: " وضربني هذه الضربة. وأومأ بيده الى هامته (4) ".


المصادر التالية: شواهد التنزيل ج 2 ص 11 سنة 1411 ه‍. ق وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 239 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487 والبدء والتاريخ ج 4 ص 218 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 166 وراجع: شرح الاخبار ج 1 ص 295 و 296 وكنز العمال ج 10 ص 290 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 139. (1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 284. (2) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 220. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 وتاج العروس ج 9 ص 307 والنهاية لابن الاثير ج 4 ص 52 و 51 والقاموس المحيط ج 4 ص 258 ولسان العرب ج 13 ص 332 و 333 وراجع مستدرك الحاكم ج 3 ص 123 لتجد حديث: انك لذو قرنيها. وكذا نوادر الاصول ص 307. (4) الخصال ج 2 ص 268 و 269 وبحار الانوار ج 20 ص 224. (*)

[ 343 ]

نص الحسكاني: وقد ذكر لنا الحاكم الحسكاني بعض التفصيلات الهامة هنا، فقال: " ثم ضرب وجه فرسه فأدبرت، ثم أقبل الى علي، وكان رجلا طويلا، يدواي دبرة العبير وهو قائم. وكان علي في تراب دق، لا يثبت قدماه عليه. فجعل علي ينكص الى ورائه يطلب جلدا من الارض يثبت قدمه، ويعلوه عمرو بالسيف. وكان في درع عمرو قصر، فلما تشاك بالضربة، تلقاها علي بالترس، فلحق ذباب السيف في رأس علي، حتى قطعت تسعة اكوار، حتى خط السيف في رأس علي. وتسيف علي رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه. وثارث بينهما عجاجة، فسمع علي يكبر. فقال رسول الله (ص): قتله والذي نفسي بيده. فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب، فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو. فكبر عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، قتله. فحز علي رأسه، ثم أقبل يخطر في مشيته، فقال له رسول الله، يا علي، إن هذه مشية يكرهها الله عزوجل إلا في هذا الموضع الخ (1).


(1) شواهد التنزيل ج 2 ص 11 و 12 وط سنة ه‍. ق. ومجمع البيان (*)

[ 344 ]

وفي نص آخر عند الحسكاني عن علي عليه السلام أنه لما برز لعمرو دعا بدعاء علمه إياه رسول الله (ص): اللهم بك أصول، وبك أجول، وبك أدرؤ في نحره (1) لكن البعض يقول: " أتى برأسه وهو يتبختر في مشيته، فقال عمر: ألا ترى يا رسول الله الى علي كيف يتيه في مشيته ؟ ! فقال (ص): انها مشية لا يمقتها الله في هذا المقام (2). نصوص أخرى: وذكر نص آخر: أنه احتز رأسه، وحمله، وألقاه بين يدي النبي (ص)، فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأس علي، ووجه رسول الله (ص) يتهلل، فقال: هذا النصر، أو قال: هذا أول النصر (3). وقال له أبو بكر: المهاجرون والانصار رهين شكرك ما بقوا (4). وقالوا: إن عليا عليه السلام ضرب عمروا على حبل العاتق فسقط وثار العجاج. وقيل: طعنه في ترقوته حتى اخرجها من مراقه، فسقط وسمع رسول الله (ص) التكبير، فعرف أن عليا قتله (5). وحكى البيهقي عن


ج 8 ص 243 وبحار الانوار ج 20 ص 204 عنه. (1) شواهد التنزيل ج 2 ص 13 ط سنة 1411 ه‍. ق.. (2) كنز الفوائد للكراجكي من 137. (3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 والارشاد للمفيد ص 61 وكشف الغمة لاربلي ج 1 ص 205 ومجمع البيان ج 8 ص 344 والبحار ج 20 ص 206 وج 41 ص 91 وحبيب السير ج 1 ص 362. (2) مناقب آل طالب ج 3 ص 138. (5) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 من 533 و 534 والبداية والنهاية ج 4 (*)

[ 345 ]

ابن اسحاق: أن عليا طعنه في ترقوته (1). وقالوا أيضا: أنه حين قتل علي عمروا ومن معه " انصرف الى مقامه الاول، وقد كادت نفوس القوم الذين خرجوا معه الى الخندق تطير جزعا " (2). وقال علي عليه السلام في المناسبة أبياتا نذكرها، ونضم ما ذكروه بعضه الى بعض، وهي: أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخرجوا أصحابي اليوم تمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بناب آلى ابن ود حين شد ألية * وحلفت فاستمعوا الى الكذب أن لا أصد ولا يولي والتقى * رجلان يضطربان كل ضراب عرف ابن عبد حين ابصر صارما * يهتز أن الأمر غير لعاب أرديت عمروا إذ طغى بمهند * صافي الحديد مجرب قضاب نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب (3).


ص 106 و 107 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 وخاتم النبين ج 2 ص 937. (1) البداية والنهاية ج 4 ص 107 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (2) راجع: الارشاد للمفيد ص 60 وبحار الانوار ج 20 ص 254. (3) هذه الأبيات توجد موزعة ومجتمة في مصادر كثيرة. لكن رواية السهيلي لها تختلف جزئيا عما ذكرناه هنا. مهما يكن من أمر، فإن ما ذكرناه مذكور كله، أو بعضه في المصادر التالية وغيرها: (*)

[ 346 ]

قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي رضي الله تعالى عنه (1). وستأتي لنا وقفة مع ابن هشام فيما يرتبط بكلامه هذا، وما أشبهه مما سيأتي. وخرجت خيولهم منهزمة اقتحمت الخندق. قال ابن هشام وغيره: والقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت في ذلك: فر والقى لنا رمحمه * لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم * ما إن تجور عن المعدل


سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 199 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 33 والبداية والنهاية ج 4 ص 105 والارشاد للمفيد ص 59 و 61 واعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 و 101 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 239 وراجع: مجمع البيان ج 8 ص 343 / 344 والبحار ج 41 ص 91 عن المناقب وج 20 ص 205 و 206 عنه وص 254 و 257 عن الارشاد وص 65 عن الديوان المنسوب لامير المؤمنين عليه السلام ص 23 وعيون الاثر ج 2 ص 61 والبدء والتاريخ ج 4 ص 218 وحبيب السير ج 1 ص 362 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 168 / 169 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137 / 138 وشرح الاخبار ج 1 ص 296 وكنز الفوائد للكراجكي 137 و 138. (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 236 والبداية والنهاية ج 4 ص 105 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 عن ابن هشام. (*)

[ 347 ]

ولم تلق ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل (1) وحول مبارزة علي لعمرو، وقتله على يده. راجع المصادر الموجودة في الهامش (2) وبعضها قد صرح بأن النبي (ص) قد رد عليا عليه السلام مرتين، وأجازه في الثالثة (3). وذكرت أبيات عمرو في طلب البراز، وجواب علي له بشعر على نفس الوزن والقافية في كثير من المصادر أيضا (4).


سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 و 535 وراجع: خاتم النبيين ج 2 ص 938 ونهاية الارب ج 17 ص 174 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 237 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 194 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 106 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 وبهجة المحافل ج 1 ص 266. والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 203 و 205 وشرح الاخبار ج 1 ص 296. (2) راجع فيما عدا المصادر التي تقدمت في الهوامش السابقة ما يلي: مرآة الجنان ج 1 ص 10 وزاد المعاد ج 2 ص 118 وراجع: جوامع السيرة النبوية ص 150 والوفا ج 2 ص 693 وامتاع الاسماع ج 1 ص 232 وانساب الاشراف ج 1 ص 345 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 266 و 267 وراجع: اعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 30 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 239 وتجارب الامم ج 2 ص 153 والاوئل للعسكري ج 2 ص 223 والطرائف ص 60 والبحار ج 39 ص 1 عنه. (3) خاتم النبيين ج 2 ص 937 وينابع المودة ص 94 وشواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍. ق. ج 2 ص 10 وينابيع المودة ص 136. (4) راجع عدا المصادر المتقدمة ما يلي: كشف الغمة للاربلي ج 1 ص 198 و 199 وتفسير القمي ج 2 ص 183 والبحار ج 20 ص 225 و 266 و 239 وعن ديوان أمير المؤمنين ص 67 وشرح نهج البلاغة (*)

[ 348 ]

يقول أهلكت مالا لبدا: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر في قوله: يقول أهلكت مالا لبدا. قال: هو عمرو بن عبد ود، حين عرض عليه علي بن أبي طالب الاسلام يوم الخندق، وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا. وكان قد انفق مالا في الصد عن سبيل الله، فقتله علي (1). ولم نجد هذه الرواية الا في تفسير القمي، فليلاحظ ذلك ولنا مع ما نجد تقدم وقفات، هي التالية: لماذا طلب عمرو من علي أن يرجع: قال المعتزلي الشافعي، حين بلغ في حديثه الموضع الذي يطلب فيه عمرو من علي أن يرجع لانه لا يحب أن يقتله: " كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب النحوي يقول - إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع -: والله، ما أمره بالرجوع ابقاء عليه، بل خوفا منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله. فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الابقاء والارعاء وإنه لكاذب فيهما " (2).


للمعتزلي ج 19 ص 63 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 533 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 167 و 168 والبداية والنهاية ج 4 ص 106 والسيرة الحلبية ج 2 ص 318 و 319. (1) تفسير القمي ج 2 ص 422 والبحار ج 20 ص 242. (3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64 وراجع البحار ج 20 ص 274 وسيرة المصطفى ص 502. (*)

[ 349 ]

علي (ع) غلام حدث ؟ ! وشيخنا قريش: وقد تقدم أن رواية الواقدي تقول: " فأنت حدث، إنما أردت شيخي قريش أبا بكر وعمر " (1). ورواية المعتزلي تقول: " إذن تتحدث نساء قريش عني: أن غلاما خدعني " (1). ونقول: ألف: أما بالنسبة لصغر سن علي عليه السلام فقد كان عمر علي حينئذ سبعة وعشرين أو ثمانية وعشرين عاما. كما هو الاصح والاقوى، بل بعض الاقوال تزيد في عمره عدة سنوات أخرى على ذلك. ولا يقال لمن هو بهذا السن: أنه غلام حدث. ب: بالنسبة لابي بكر وعمر، فإنهما لم يكونا شيخي قريش آنئذ، ولا قبل ذلك أيضا. ولم يكونا أيضا معروفين بالفروسية والشجاعة ليقصدهما عمرو بالبراز، الذى يريد أن يكتسب به مجدا وشهرة عامة. فقتلهما لم يكن ليكسر شوكة المسلمين العسكرية. أما قتل علي فهو المقصود بعد النبي لهم، لانه هو الذي قتل فرسانهم في بدر وأحد. ومن جهة ثالثة: فقد تقدم أن ضرار بن الخطاب وخالد بن الوليد لم يقتلا عمر في أحد وفي الخندق، رغم تمكنهما من ذلك.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 471. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64. (*)

[ 350 ]

بل كان الموقف منه ترشح منه روائح المودة والمحبة، والاهتمام بنجاته. وهل خلص أسرى المشركين في بدر غير أبي بكر حسبما تقدم بيانه ؟. جرح علي (ع): وهل جرح علي حقا بسيف عمرو ؟ ! وكان ذا شجتين ؟ ! أم أن المقصود هو أظهار شجاعة عمرو وفروسيته في مقابل علي عليه السلام ؟ !. إن البلاذري يقول: ويقال: إن عليا لم يجرح قط (1). الكبرياء والغطرسة: ذكر الحاكم الحسكاني: أن عليا عليه السلام حينما برز لعمرو وكان عمرو طويلا. " جاء حتى وقف على عمرو، فقال: من أنت ؟ !. فقال عمرو: ما ظننت أني أقف موقفا أجهل فيه، أنا عمرو بن عبد ود، فمن أنت ؟. قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال: الغلام الذي كنت أراك في حجر أبي طالب ؟. قال نعم.


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 وانساب الاشراف ج 1 ص 345. (*)

[ 351 ]

قال: إن أباك كان لي صديقا، وأنا أكره أن اقتلك. فقال له علي: لكني لا أكراه أن أقتلك. ثم ذكر تخييره بين الخصال الثلاث، فرفضها، فقال له علي: فأنت فارس وأنا راجل. فنزل عن فرسه وقال: ما لقيت من أحد ما لقيت من هذا الغلام (1). فعلي اذن يريد إذلال عمرو، وتحطيم كبريائه. وقد تحقق له ما أراد، حتى شكا ذلك عمرو نفسه كما ترى. إنه عمرو: قد اعتبر الاسكافي: أن النبي صلى الله عليه وآله قد ضن بعلي عليه السلام عن مبارزة عمرو، حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا، وفي كلها يحجمون، ويقدم علي، فيسأل الاذن له في البراز، حتى قال له رسول الله: إنه عمرو. فقال: وأنا علي (2). ونقول: إننا لا نعتقد: أن هذا الكلام دقيق، فإن النبي (ص) كان يعلم قدرات علي عليه الصلاة والسلام، ومدى ما عنده من استعداد للتضحية والاقدام في سبيل الله سبحانه، ومواقفه في بدر، وصده


(1) شواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍. ق. ج 2 ص 11. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 283 و 284. (*)

[ 352 ]

للكتائب في أحد، حتى نادى الملك بين السماء والارض: لا فتى إلا علي * لا سيف إلا ذو الفقار وقد كانت هذه المواقف لدى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من أي شئ شخص آخر. وهو الذي ربي عليا عليه السلام، وعلمه وهذبه، ودربه. والصحيح هو ما ذكره بعض المؤرخين حسبما تقدم وهو أنه أراد أن يفسح المجال أمام الاخرين، فكان يأمره بالجلوس، انتظارا منه ليتحرك غيره. وليعلم بذلك فضله، ويظهر زيف دعوى من سوف يحاول الدس والتشويه، واطلاق الدعاوى الفارغة، لاهداف سياسية، وغيرها. إذن، فنستطيع أن نلخص الاسباب في ضمن النقاط التالية:. 1 - لكي يظهر للجميع: أن غير علي عليه السلام قد أحجم عن مبارزة عمرو خوفا وجبنا. ولولا أنه (ص) أمره بالجلوس ثلاث مرات لكان من الممكن للبض أن يدعي: أن كل واحد من المسلمين كان قادرا على مبارزة عمرو وقتله، لكن عليا سبقهم إلى الاستئذان لمبارزته، رغبة منه في الثواب، على الاجر. وهو أمر يشكر عليه. 2 - إنه (ص) كان يريد أن يظهر للناس جمعيا: أن عليهم النظر إلى بواطن الامور، فلا تغرهم الدعاوى العريضة والشعارات الرنانة والانتفاخات الكاذبة في حالات الامن والرخاء. ولا يجوز أن يخططوا ويقرروا ويتخذوا المواقف استنادا إلى ذلك بل لا بد من اختبار القدرات والطاقات في الحالات الصعبة، واللحظات المصيرية.. 3 - وكان لا بد من التنويه بجهاد علي عليه السلام، وتعريف

[ 353 ]

الناس بمن يضحي ويبذل نفسه في سبيل الله سبحانه، وبمن يستثمر تضحيات الاخرين ويسرق جهدهم وجهادهم. لمصلحة نفسه أو من يمت إليه بصلة أو رابطة.. ويتضح ذلك من قوله (ص) لعلي: إنه عمرو (1). وبذلك يتضح: أن عدم الاذن لعلي عليه السلام بمارزة عمرو في بادئ الامر، لم يكن رغبة بعلي المخاطر، وحبا بالابقاء عليه، وتعريض غيره لذلك. 4 - وقوله (ص) له: إنه عمرو، فارس يليل أو نحو ذلك، ليفهم الناس: أن هذا الاقدام من علي عليه السلام ليس مجرد نزوة طائشة، ألقى نفسه بسببها في المهالك، دون أن يكون عارفا بحقيقة عمرو، ومكانته في الفروسية، ثم حالفه الحظ فقتله، لان عليا رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب، كما يريد أعداؤه أن يقولوا. بل كان هذا الاقدام منه عن علم وتثبت، واطلاع تام على شجاعة عمرو، ومكانته بين فرسان العرب. الخصال الثلاث: وحين عرض علي عليه السلام الخصال الثلاث على عمرو، نجد أن هذه الخصال قد جاءت من خلال الوعي والاحساس بالمسؤولية، وفي أعلى درجات السداد، وفي منتهى الموضوعية والنصفة. وتركت عمروا يبوء بعار البغي، والعدوان، والتجني بلا


(1) تفسير القمي ج 2 ص 183 والبحار ج 20 ص 226 و 203 ومجمع البيان ج 8 ص 343. (*)

[ 354 ]

مبرر، ولا سبب على الاطلاق. فلم يفرض عليه أن يسلم فقط، بل هو كما عرض عليه أن يسلم من منطلق الانصاف في الدعوة، ولا عطائه فرصة أخيرة لينقذ نفسه من النار، فإنه أيضا يقدم له خيارا آخر لا يتعارض مع رغائبه وطموحاته، ولا مع آرائه ومعتقداته. وهو أن يرجع عن حرب محمد والمسلمين، ثم قدم له ما يثير اهتمامه، ويقربه إلى اختيار هذه الخصلة مثيرا أمامه ما يوجب اعادة النظر في صوابية القرار الذي اتخذه في خصومته لمحمد، مستثيرا في نفسه نوازع الطموح ومستحثا في داخله المشاعر القبلية التي ينزع إليها، ويعتمد عليها. حين ذكر له: أنه إن يكن محمد صادقا كان أسعد الناس به. وإن يك كاذبا كفتهم ذؤبان العرب أمره. وفي كلمته الاخيرة تلويح يقرب من التصريح بما يراود النفوس عادة من حب السلامة والراحة والابتعاد عن المشاكل والمخاطر. ولكن ما احتج به عمرو لا تخاذه قراره برفض هذ الخصلة الثانية ما كان غير سراب خادع ينطلق من غرور وعنجهية لا مبرر لهما، إلا روح الاستكبار والبغي والتجني والظلم الذي جره بالتالي إلى الخزي والخسران في الدنيا وفي الاخرة، وساء للظالمين بدلا. ولم يبق أمام أمير المؤمنين إلا أن يبادر إلى دفع غائلة هذا الظالم المتجبر فكان النصر على يديه، وكانت ضربته له التي تعدل عبادة الثقلين. قطع رجل عمرو: ويقول ابن شهر آشوب: " وتبادر المسلمون يكبرون، فوجدوه على فرسه برجل واحدة، يحارب عليا عليه السلام، ورمى رجله نحو

[ 355 ]

علي. فخاف من هيبتها رجلان، ووقعا في الخندق " (1). وهذا النص غير معقول، وذلك لانه إذا كان على فرسه برجل واحدة، فإنه لا يستطيع أن يأخذ رجله عن الارض يرمي بها عليا أو غيره، لانها حين تقطع لا بد أن يقع القسم المقطوع منها على الارض إلا أين يكون قد فعل ذلك بعد وقوعه على الارض. علي ودرع عمرو: لما قتل علي عمرا، وأقبل نحو رسول الله (ص)، ووجهه يتهلل قال له عمربن الخطاب: هلا سلبته يا علي درعه ؟ ! فإنه ليس في العرب درع مثلها. فقال علي عليه السلام: إني استحييت أن أكشف سوأة ابن عمي. أو قال: ضربته فاتقاني بسوأته، فاستحييت من ابن عمي أن أسلبه. وعند الحسكاني: أن النبي (ص) سأل عليا عن سبب عدم سلبه له (2).


(1) مناقب آل طالب ج 3 ص 137. (2) راجع: الارشاد للمفيد ص 61 ومجمع البيان ج 8 ص 343 وشواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍. ق ج 2 ص 12 والبحار ج 20 ص 257 و 204 وج 41 ص 73 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 534 و 535 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 33 والبداية والنهاية ج 4 ص 107 والروض الانف ج 3 ص 280 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 439 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 والسيرة الحلبية ج 2 ص 320 وخاتم النبيين ج 2 ص 938 ونهاية الارب ج 17 ص 174. (*)

[ 356 ]

ويقال: إنه حين جلس على صدر عمرو، يريد أن يذبحه، وهو يكبر الله ويمجده طلب منه عمرو أن لا يسلبه حلته، فقال له علي: هي علي أهون من ذلك ثم ذبحه (1). وزعم الحلبي: أن هذا اشتباه من الرواة، وأن ذلك كان في حرب أحد مع طلحة بن أبي طلحة (2). ويرد قوله: أنه قضيهة أحد كان السؤال من سعد لعلي. وفي الخندق كان السؤال من عمر لعلي، فهما قضيتان. ونعود فنذكر كلام المعتزلي، وهو يقارن بين علي وسعد بن أبي وقاص في ذلك: " قلت: شتان بين علي وسعد، هذا يجاحش على السلب، ويتأسف على فواته (كما في قصة أحد) وذلك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، وهو فارس قريش وصنديدها، ومبارزه فيعرض عن سلبه، فيقال له: كيف تركت سلبه، وهو أنفس سلب ؟ !. فيقول: كرهت أن أبز السبي ثيابه. فكأن حبيبا (أي أن أبا تمام) عناه بقوله: إن الاسود اسود الغاب همتها * يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (3) ونقول: إننا لا نريد أن نضيف إلى ذلك شيئا، غير أن ما يستوقفنا هنا


(1) كنز الفوائد للكراجكي ص 137. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 320. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237. (*)

[ 357 ]

هو ما نجده من حرص واهتمام ظاهر لعمربن الخطاب بأمر الدرع كي لا تفوت عليا، وكأنه يظن أنه عليه السلام إنما يحارب ليحصل على الغنائم والاسلاب. ولم يلتفت إلى أن ما يهم عليا هو الدفاع عن أساس الدين، وفتح باب الامل على مصراعيه أمام المسلمين المهزومين نفسيا، كما أخبر الله عنهم: (إذ جاؤكم من فوقكم، ومن أسفل منكم. وإذ زاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنون. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا.. إلى أن قال: وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا). أما جواب أمير المؤمنين عليه السلام لعمر، ففيه تأكيد منه على أنه عليه السلام: لم يزل ولا يزال يتصرف وفق قواعد النبل والرجولة والقيم، حتى في مثل هذا الموقف الذي هو أكثر المواقف صعوبة وخطرا، حيث تزل فيه الاقدام، وتضيع فيه المعايير والضوابط في زحمة الاهوال والمخاطر، وفي خضم ثورات النفوس والمشاعر. فسلام الله عليك يا أبا الحسن، يوم ولدت في الكعبة، ويوم اغتالتك يد الافك والحقد في مسجد الكوفة، ويوم تبعث حيا، حيث تقف لتسقي المؤمنين والمجاهدين من يدك على حوض الكوثر. قتله في الله: ولما أدرك علي عليه السلام عمرو بن عبد ود لم يضربه، فوقعوا في علي عليه السلام، فرد عنه حذيفة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: مه يا حذيفة، فإن عليا سيذكر سبب وقفته.

[ 358 ]

ثم إنه ضربه. فلما جاء سأله النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فقال: قد كان شتم أمي، وتفل في وجهي، فخشيت أن أضربه لحظ نفسي، فتركته حتى سكن مابي، ثم قتلته في الله (1). نعم، هذا هو الرجل الالهي، الذي يتعامل مع كل الامور من موقع المعرفة، والوعي، والثبات والتثبت، ويصل كل أعماله، ما دق منها وقل، وما عظم وجل بالله سبحانه، ليقربه خطوة إليه. إنه ذلك الجبل الاشم الشامخ، الذي لاتزله الرباح العواصف، وهو الانسان القوي والرصين، الذي لا يثور ولا نغضب إلا لله، ولله فقط، وحده لا شريك له. فبارادة الله ورضاه يسل سيفه، ويقاتل الابطال، ويسحق كل جبروتهم وكبريائهم، وهو يغمد سيفه ويستسلم لارادة الله سبحانه وامتثالا لامره، حين يهجمون عليه في بيته، ويضربون زوجته، ويسقطون جنينها، ويحرقون عليه بيته، أو يكادون. وهو علي هنا، وهو علي هناك، ولا أحد غير أحد غير علي يستطيع أن يفعل ذلك. الوسام الالهي: عن ابن مسعود، وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، قال: قال رسول الله (ص) لمبارزة علي (أو قتل علي) لعمرو بن عبدود (أو ضربة علي يوم الخندق) أفضل (أو خير) من عبادة الثقلين، أو أفضل من أعمال


(1) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 115 والبحار ج 41 ص 51. (*)

[ 359 ]

أمتي إلى يوم القيامة (1). وفي نص آخر عن ابن مسعود: أبشر يا علي، فلو وزن عملك اليوم بعمل أمتي لرجح عملك بعملهم (2)، زاد المجلسي، والطبرسي قوله: " وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو. ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز


(1) راجع النصوص التي تشير الى ذلك في: كنز العمال ج 12 ص 219 وتاريخ بغداد ج 13 ص 19 ومقتل الحسين للخوارزمي ص 45 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 32 وتلخيصه للذهبي بهامشه والمناقب للخوارزمي ص 58 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 138 وشرح المواقف ج 8 ص 371 وفرائد السمطين ج 1 ص 256 وشواهد التنزيل ج 2 ص 14 ط سنة 1411 ه‍. و الغدير عن بعض من تقدم، وعن هداية المرتاب ص 148 والتفسير الكبير للرازي ج 32 ص 31 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 323 وحبيب السير ج 1 ص 362 وينابيع المودة ص 94 و 95 و 96 وسعد السعود ص 139 والطرائف ص 60 وكنز الفوائد للكراجكي ص 137 والسيرة الحلبية ج 2 ص 319 و 320 وشرح المقاصد للتفتازاني ج 5 ص 298 وفردوس الاخبار ج 3 ص 455 ونفحات اللاهوت ص 91 ومجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 41 ص 91 و 96 وج 20 ص 205 واحقاق الحق (الملحقات) ج 8 وج 6 ص 5 وج 16 ص 403 عن بعض من تقدم، وعن حياة الحيوان ط القاهرة ص 274 وعن المصادر التالية: نهاية العقول ص 114 (مخلوط) وروضة الاحباب للدشتكي (مخلوط) ص 327 وتجهيز الجيش للدهلوي (مخلوط) ص 407 و 163 ومفتاح النجا ص 26 وتاريخ آل محمد لبهجت أفتدي ص 57 ومناقب علي ص 26 ووسيلة النجا ص 84. (2) ينابيع المودة ص 94 وشواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍ ص 12. (*)

[ 360 ]

بقتل عمرو (1). تمحلات وتعصبات ابن تيمية: وقد اعتبر ابن تيمية حديث: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين، ونحوه، من الاحاديث الموضوعة، التي ليس لها سند صحيح، ولم يروه أحد من علماء المسلمين في شئ من الكتب التي يعتمد عليها. بل ولا يعرف له اسناد صحيح ولا ضعيف. وهو كذب لا يجوز نسبته إلى النبي (ص)، فإنه لا يجوز أن يكون قتل كافر أفضل من عبادة الجن والانس، فإن ذلك يدخل فيه عبادة الانبياء. وقد قتل من الكفار من كان قتله أعظم من قتل عمرو، مثل أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، وشيبة. وقصته في الخندق لم تذكر في الصحاح (2). أما الذهبي، فقال عن حديث: ضربة علي أفضل من عبادة الثقلين إلخ: " قبح الله رافضيا افتراه " (3). ونقول: قد رد الحلبي استبعاده أن تكون ضربة عمرو أفضل من عبادة


(1) راجع: مجمع البيان ج 8 ص 343 والبحار ج 20 ص 205 وشواهد التنزيل ط سنة 1411 ه‍ ج 2 ص 12 وكنز الفوائد للكراجكي ص 137. (2) منهاج السنة ج 4 ص 171 و 172 باختصار. والسيرة الحلبية ج 2 ص 320 وسيرة الرسول ص 220 ط سنة 1968 دار الفكر للجميع. (3) تلخيص مستدرك الحاكم للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك نفسه) ج 3 ص 32 والسيرة الحبية ج 2 ص 320. (*)

[ 361 ]

الثقلين بقوله: " فيه نظر، لان قتل هذا كان فيه نصرة للدين، وخذلان للكافرين " (1). فإنه إذا كانت قد زاغت الابصار، وبلغت القلوب الحناجر، وصاروا يظنون الظنون السيئة بالله سبحانه. وإذا كان المسلمون قد أحجموا عن مبارزة عمرو، خوفا ورعبا، وكانوا كأن على رؤوسهم الطير. وإذا كان عمرو هو فارس الاحزاب، الذين هم ألوف كثيرة، وقد جاؤا لاستئصال المسلمين، وهم قلة، وقد جاءهم اليهود من جانب، وقريش من جانب، وغطفان من جانب. وكانوا في أشد الخوف على نسائهم وذراريهم. وإذا كان المنافقون لا يألون جهدا في تخذيل الناس وصرفهم عن الحرب، حتى أصبح الرسول (ص) في قلة قليلة، لا تزيد على ثلاث مئة رجل. بل قيل لم يبق معه سوى اثني عشر رجلا كما سنرى. وإذا كان الجوع والبرد يفتكان فيهم، ويضعفان من عزائمهم.. نعم، إذا كان ذلك، فمن الطبيعي: أن يكون قتل هذا الكافر فيه حياة الاسلام، وانتعاش المسلمين، وفيه خزي الاحزاب، وفشلهم، وسيأتي بعض الكلام حول: أن النصر كان بسبب قتل عمرو في الفصل التالي إن شاء الله. وأما بالنسبة لضعف سنده، وعدم ذكره في الصحاح، فلا يقلل ذلك من قيمته واعتباره إذ ما أكثر الاحاديث الصحيحة، والمتواترة


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 320. (*)

[ 362 ]

التي لم تذكر في كتب الصحاح. وقد عرفنا تحصب أصحاب الصحاح على عليه السلام وأهل بيته، وقول ابن تيمية ليس له سند ضعيف ولا صحيح يكذبه رواية المستدرك لهذا الحديث عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه، عن جده وقد قال أبو داود: بهز بن حكيم أحاديثه صحاح (1). شهادة حذيفة: قال المفيد: " روى قيس بن الربيع، قال: حدثنا أبو هرون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنا لنتحدث عن علي عليه السلام ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي عليه السلام. هل أنت محدثي بحديث فيه ؟. فقال حذيفة: يا ربيعة، وما تسألني عن علي عليه السلام ! فوالذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد (ص) في كفة الميزان، منذ بعث الله محمدا إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي عليه السلام في الكفة الاخرى لرجح عمل علي (ع) على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد. فقال حذيفة: يا لكع: وكيف لا تحمل ؟ وأين كان أبو بكر،


(1) خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 381. وراجع سائر كتب الرجال والترجم مثل تهذيب التهذيب، وتهذيب الكمال، وغير ذلك. (*)

[ 363 ]

وعمر، وحذيفة، وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يوم عمرو بن عبد ود، دعا إلى المبارزة، فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا (ع)، فإنه برز إليه وقتله الله على يده. والذي نفس حذيفة بيده - لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد (ص) إلى يوم القيامة (1). شهادات، ومواقف أخرى: شهادة أبي الهذيل والمعتزلي. قال المعتزلي: 1 - " فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود، فإنها أجل من أن يقال: جليلة، وأعظم من أن يقال: عظيمة. 2 - وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل، وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله، علي، أم أبو بكر ؟ فقال: يا ابن أخي، والله، لمبارزة علي عمروا يوم الخندق. تعدل أعمال المهاجرين والانصار وطاعاتهم كلها، تربي عليها، فضلا عن أبي بكر وحده. 3 - وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو


(1) الارشاد ص 55 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 205 وسيرة المصطفى ص 504 شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 60 و 61 وإعلام الورى ط دار المعرفة ص 195 والبحار ج 20 ص 256 و 257 ونهج الحق ص 249 / 250 وشرح الاخبار ج 1 ص 229 / 300. (*)

[ 364 ]

أبلغ منه (1) إلخ... ". وعن حذيفة: لو قسمت فضيلة علي عليه السلام بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لو سعتهم (2). 4 - وقال أبو بكر بن عياش: لقد ضرب علي ضربة ما كان في الاسلام أعز منها - يعني ضربة عمرو بن عبد ود - ولقد ضرب علي ضربة ما ضرب الاسلام أشأم منها - يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله (3). 5 - وقال الحافظ يحيى بن آدم - جابر بن عبد الله الانصاري: ما شبهت قتل علي عمروا إلا بقوله تعالى: (فهزمهوم باذن الله، وقتل داود جالوت) (4).


(1) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 19 وص 60. وعنه في احقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 8 وسيرة المصطفى ص 503 والبحار ج 20 ص 273. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 284. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 61 والنص للمفيد في الارشاد ص 61 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 205 ومجمع البيان ج 8 ص 344 والبحار ج 20 ص 206 و 258 وج 41 ص 91 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 138 (4) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 535 والارشاد للمفيد ص 60 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 205 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 34 وتلخيصه للذهبي بهامشه واعلام الورى ط دار المعرفة ص 196 والبحار ج 20 ص 256 و ج 41 ص 91 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 19 ص 61 و 62 والمناقب للخوارزمي ص 106 وكنز الفوائد للكراجكي ص 138 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137. (*)

[ 365 ]

6 - وروي أن عمروا قال لعلي: ما أكرمك قرنا (1). لا نأكل ثمن الموتى: قال ابن إسحاق - كما رواه البيهقي عنه - وبعث المشركون إلى رسول الله (ص) يشترون جيفة عمرو بن عبد ود بعشرة آلاف. فقال رسول الله (ص): هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى (2). وقال أبو زهرة: " ويظهر: أنه كان عظيما بين المشركين، يعتزونه، فأرسلوا يطلبون جثمانه (3). وقد ذكرت نفس هذه الحادثة بالنسبة لجيفة نوفل بن عبد الله بن المغيرة، ونكاد نشك في صحة ذلك. ولعل الزبيريين قد حرفوا ما جرى لجيفة عمرو ليكون لصالح جيفة نوفل وذلك بهدف تضخيم شأن نوفل، ليصبح أهم من عمرو بن عبد ود، زعما منهم أن روايتهم المكذوبة: أن الزبير قد قتل نوفلا قد راجت على الناس. وسيأتي أن عليا أيضا هو الذي قتل نوفلا وغيره. وإن كنا نحتمل أيضا: أن يكون بنو مخزوم قد طلبوا جيفة صاحبهم ليرفعوا من شأنه حتى لا يكون أقل من عمرو.


(1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 136 والبحار ج 41 ص 90. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 535 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 والبداية والنهاية ج 4 ص 107 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 205 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 والسيرة الحليبة ج 2 ص 320. (3) خاتم النبيين ج 2 ص 938. (*)

[ 366 ]

فرح الملائكة بقتل عمرو: عن الصادق (ع): لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه الحسن (ع) وقال: قل لامك تغسل هذا الصيقل، فرده وعلي عند النبي (ص) وفي وسطه نقطه لم تنق. قال: أليس قد غسلته الزهراء. قال: نعم. قال: فما هذه النقطة ؟. قال النبي: يا علي، سل ذا الفقار يخبرك. فهزه، وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ !. قال: نعم. قال: فما هذه النقطة ؟. قال النبي: يا علي، سل ذا الفقار يخبرك. فهزه، وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ !. فأنطق الله السيف فقال: بلى، ولكنك ما قتلت بي أبغض ألى الملائكة من عمرو بن عبد ود، فأمرني ربي فشربت هذه النقطة من دمه. وهو حظي منه، فلا تنتضيني يوما إلا ورأته الملائكة وصلت عليك (1). وليس لدينا ما يثبت أو ينفي صحة هذه الرواية. وحين يصعب علينا فهم بعض ما ورد فيها، فإن علينا أن نكل علم ذلك إلى أهله، ما دام أن ذلك لا يمس أساس العقيدة، ولا يؤثر على الضوابط والمرتكزات العامة للبحث العلمي الرصين.


(1) البحار ج 20 ص 249 / 150 والخرائج والجرائح ج 1 ص 215 / 216. (*)

[ 367 ]

قتل عمرو هزم بني قريظة والاحزاب وحين أرسل النبي (ص) عليا إلى بني قريظة قال له: " إن الذي أمكنك من عمرو بن عبد ود، لا يخذلك " (1). قال علي عليه السلام: " فاجتمع الناس إلي، وسرت حتى دنوت من سورهم، فأشرفوا علي، فلما رأوني صاح صائح منهم: قد جاءكم قاتل عمرو. وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو. وجعل بعضهم يصيح ببعض، ويقولون ذلك. وألقى الله في قلوبهم الرعب، وسمعت راجزا يرتجز: قتل علي عمروا * صاد علي صقرا قصم علي ظهرا * أبرم علي أمر هتك علي سترا فقلت: الحمد الله الذي أظهر الاسلام وقمع الشرك (2). وكما كان قتل سببا لهزيمة بني قريظة فإنه كان أيضا سببا لهزيمة الاحزاب كما سيأتي. وقد أقنع قتله ابنه ونوفل بن عبد الله أقنع قريشا ومن معها: أن أية مغامرة من هذا القبيل سيكون مصيرها الفشل الذريع، والخيبة القاتلة. وسيأتي في أواخر الفصل التالي نصوص تدل على أن قتل عمرو ومن معه كان سبب هزيمة الاحزاب فانتظر.


(1) الارشاد للمفيد ص 57 والبحار ج 20 ص 261 وج 41 من 95 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 145. (2) الارشاد للمفيد ص 58 والبحار ج 20 ص 261 / 262 وج 41 ص 95 و 96 ومناقب آل طالب ج 3 ص 145. (*)

[ 368 ]

الخوارج وحديث قتل عمرو: كنا نتوقع كل شئ من أعداء علي عليه الصلاة والسلام. إلا أننا لم نتوقع أبدا أن يشككوا في قتل علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود. وقد ألفت نظري الحاكم النيسابوري، وهو يورد في مستدركه. أحاديث صحيحة تثبت قتل علي (ع) لعمرو، فتساءلت في نفسي عن الداعي لايراد أحاديث في أمر هو من أوضح الواضحات وأجلاها. وإذا به هو نفسه يصرح بسبب ذلك. ويبين لنا: أن أعداء علي قد حاولوا التشكيك حتى بهذا الامر. فهو يقول: " قد ذكرت في مقتل عمرو بن عبد ود من الاحاديث المسندة، ومما عن عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار ما بلغني، ليتقرر عند المصنف من أهل العلم: أن عمرو بن عبد ود لم يقتله، ولم يشترك في قتله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وإنما حملني على هذا الاستقصاء فيه قول من قال من الخوارج: أن محمد بن مسلمة أيضا ضربه ضربة، وأخذ بعض السلب. ووالله، ما بلغنا هذا من أحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم. وكيف يجوز هذا وعلي رضي الله عنه يقول ما بلغنا: إني ترفعت عن سلب ابن عمي، فتركته. وهذا جوابه لامير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 369 ]

وسلم " (1) انتهى. متى قتل عمرو ؟: أما متى قتل عمرو، فإن اليعقوبي يقول: قتله كان بعد مضي خمسة أيام من الحصار (2). لكن آخرين يقولون: إن ذلك كان بعد مضي بضع وعشرين ليلة منه (3). وفريق ثالث يقول: بعد مضي شهر من الحصار (4). ونحن نستقرب هذا الاخير، وذلك لما تقدم من أن الحصار قد دام شهرا، وقد علمنا أن قتل عمرو، كما سيأتي في أواخر الفصل التالي كان سبب هزيمة الاحزاب بالاضافة إلى الريح العاتية التي أرسلها الله تعالى عليهم. قتل حسل بن عمرو بن عبدود: قال ابن هشام: حدثني الثقه، أنه حدث عن ابن شهاب الزهري، أنه قال: قتل علي بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبد ود،


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 34. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50. (3) الارشاد للمفيد ص 57 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 203 وإعلام الورى ص 91 ومجمع البيان ج 8 ص 342 والبحار ج 20 ص 202 و 251 و 253 وعيون الاثر ج 2 ص 60 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 436. (4) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 532 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 165. (*)

[ 370 ]

وابنه حسل بن عمرو. قال ابن هشام: عمرو بن عبد ود. يقال: عمرو بن عبد (1). قتل نوفل بن عبد الله: قد ادعت بعض المرويات: أن الزبير بن العوام هو الذي قتل نوفل بن عبد الله فهي تقول: " رجع المشركون هاربين، وخرج في آثارهم الزبير وعمر بن الخطاب، فناوشوهم ساعة. وحمل الزبير من العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف، حتى شقه باثنين. وقطع ابدوج (أو اندوج) سرجه. حتى خلص إلى كاهل الفرس. فقيل: يا أبا عبد الله، ما رأينا سيفك ! !. فقال: والله، ما هو السيف، ولكنها الساعد " (2). وذكر البعض: أن نوفلا سأل المبارزة، فبارزه الزبير، فشقه باثنتين، حتى فل في سيفه فلا، وانصرف، وهو يقول:


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 وراجع: سيرة المصطفى ص 502 / 503 عنه والبداية والنهاية ج 4 ص 116 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 198 و 198 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 وراجع: نهاية الارب ج 17 ص 179. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 535 والمغازي للواقدي ج 2 ص 471 و 472 لكنه ذكره بلفظ يقال، وراجع المصادر التالية، السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 248 وفيه: عثمان بن عبد الله. (*)

[ 371 ]

إني امرؤ أحتمي * عن النبي المصطفى الامي (1) لكن نصا آخر يقول: إنه لما وقع نوفل في الخندق، وجعل المسلمون يرمونه، وطلب أن ينزل بعضهم إليه ليقاتله، فقتله الزبير بن العوام (2). وفي الوفاء: بارزه الزبير، فقتله، ويقال قتله علي، ورجعت بقية الخيول منهزمة (3) قال دحلان: " ويمكن أن عليا والزبير رضي الله عنهما اشتركا في قتله " (4). ونقول: إننا نشك في ذلك كثيرا، وذلك للامور التالية: 1 - إن البعض ينسب قتل نوفل إلى المسلمين، فهو يقول عن عمرو: " ودنا علي، فلم يكن بأسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الادبار. وسقط نوفل بن عبد الله عن فرسه في الخندق، فرمي بالحجارة


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 107 وراجع: الرسول العربي وفن الحرب ص 249 ونهاية الارب ج 17 ص 174 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 437 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206، وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 320. (2) مجمع البيان ج 8 ص 343 وبحار الانوار ج 20 ص 205. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 ووفاء الوفاء ج 1 ص 303 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 307 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (4) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (*)

[ 372 ]

حتى قتل " (1). 2 - وقال البلاذري وغيره: " ونجا أصحاب عمرو إلا رجلا سقط في الخندق، فتكسر، ورماه المسلمون حتى مات " (2). 3 - أما ابن الاثير فقد حاول أن يبهم الامر، حيث قال: " وقتل مع عمرو رجلان، قتل علي أحدهما، وأصاب الاخر سهم ماب منه بمكة " (3). فإذا عرفنا: أنه مقصوده بالرجل الاخر الذي قتله علي ليس هو حسل بن عمرو، لان كثيرا من المؤرخين سكتوا عن ذكره، وهم مجمعون على قتل نوفل بن عبد الله. وعرفنا أيضا: أن الذي أصابه سهم فمات منه بمكة هو - كما سيأتي - منبه بن عثمان، أو عثمان بن أمية بن منبه (4). فإننا نعرف أنه يقصد بالذي قتله علي هو نوفل بن عبد الله بالذات.


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 232 والمغازي للواقدي ج 2 ص 471 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5. (2) أنساب الاشراف ج 1 ص 345 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487 عن معالم التنزيل، وراجع: عيون الاثر ج 2 ص 60 عن ابن عائذ. وراجع أيضا: المواهب اللدنية ج 1 ص 113 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 و 320. وراجع كذلك: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5. وراجع كنز العمال ج 10 ص 289 عن ابن أبي شيبة. (3) الكامل في التاريخ ج 2 ص 182. (3) ستأتي مصادر ذلك حين الكلام عن عدد الشهداء من المسلمين، والقتلى من المشركين، أواخر الفصل التالي إن شاء تعالى. (*)

[ 373 ]

وثمة فريق آخر يقول: بصراحة إن عليا عليه السلام هو الذي قتل نوفلا فقد. 4 - قال اليعقوبي: " وكبا بنوفل بن المغيرة فرسه، فلحقه علي فقتله " (1). وقال الطبرسي، وابن كثير، والطبري: إنه لما تورط في الخندق جعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتل، وطلب المشركون رمته، فمكنهم من أخذه (2) وذكرت بعض المصادر: أنه عليه السلام ضربه بالسيف فقطعه نصفين (3). وذكر ابن اسحاق: أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه، فمات في الخندق (4).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 266. (2) راجع: تاريخ الامم والملوك ط الاستقامة ج 2 ص 240 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 536 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487 / 488 وراجع، مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137 والبحار ج 41 ص 90 وخاتم النبيين ج 2 ص 938 والبداية والنهاية ج 4 ص 107 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وراجع ص 320 وسيرة المصطفى ص 502 والبحار ج 20 ص 274 ومحمد رسول الله، لمحمد رضا ص 231 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و 5 وشرح النهج للمعزلي ج 19 ص 64 وبهجة المحافل ج 1 ص 267 وحبيب السير ج 1 ص 362 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 206 والارشاد للمفيد 60 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 204 وإعلام الورى ص 195. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315. (4) مجمع البيان ج 8 ص 343 ودلائل النبوة ج 3 ص 438 عن ابن اسحاق والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 والبحار ج 20 ص 205 و 256 وج 41 ص 90 والارشاد للمفيد ص 59 / 60 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 (*)

[ 374 ]

5 - هذا كله، عدا عن أن الشعر المنسوب إلى الزبير أنه قاله $ في هذه المناسبة غير مستقيم الوزن، فليلا حظ ذلك. وأخير.. فإننا نذكر القارئ الكريم بأن هؤلاء الناس قد عودونا أن يغيروا على فضائل علي وعلى موافقه عليه السلام، وينسبوها لغيره، ممن لهم فيه هوى. ولو لم يستطع أن يسجل حتى موقفا رساليا وجهاديا واحدا طيلة حياته. إنما هي جيفة حمار: وأرسلت بنو مخزوم يطلبون جيفة نوفل بن عبد الله، يشترونها، وأعطوا فيها عشرة آلاف درهم. فقال (ص): إنما هي جيفة حمار، وكره ثمنه، فخلى بينهم وبينه (1). وقال البعض: إنهم عرضوا الدية، فقال (ص): إنه خبيث الدية، فلهنه الله ولعن ديته، فلا إرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه (2).


ص 64 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 137. (1) امتاع الاسماع ج 1 ص 234 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 107 والمغازي للواقدي ج 2 ص 474 والسيرة الحلبية ج 2 ص 315 وراجع: عيون الاثر ج 2 ص 60 وحديث العشرة آلاف موجود في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5. (2) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 536 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وراجع: عيون الاثر ج 2 ص 60 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 وخاتم النبيين ج 2 ص 938. (*)

[ 375 ]

وفي رواية أخرى: أنهم عرضوا اثني عشر ألفا ثمنا لجسد رجل من المشركين يوم الاحزاب (1). ونص آخر يقول: إن أبا سفيان هو الذي بعث بديته مئة من الابل (2). ولهذا الحديث نصوص مختلفة، فلتراجع في مصادرها (3). وبعد هذا فلا يمكن الاعتماد على رواية الحاكم عن إبن عباس قال: قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوه أن يواروه فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أعطوه الدية (4). فإنها رواية لا تصح بأي وجه. الزبير وهبيرة بن وهب: يقول القمي: إنه بعد أن قتل علي عليه السلام عمروا " (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير إلى هبيرة بن وهب، فضربه على


دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 440 وتاريخ الاسلام (المغازي) للذهبي ص 247 و 248 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 305 و 306. (2) راجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 234 وكنز العمال ج 10 ص 289 عن ابن أبي شيبة. (3) راجع بالاضافة إلى جميع المصادر المتقدمة ما يلي: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 240 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 و 492 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 206 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 267 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 252. (4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 32 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) وقالا: إنه حديث صيحح. (*)

[ 376 ]

رأسه ضربة ففلق هامته " (1). وتقول رواية أخرى، أدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب، فضربه، فقطع ثف (2) فرسه، وسقطت درع كانت عليه، فأخدها الزبير (3). ونص ثالث يقول: ومر عمر بن الخطاب في أثر القوم، فناوشهم ساعة وسقطت درع هبيرة بن أبي وهب، فأخذها الزبير (4). وهبيرة هو زوج أم هاني أخت علي وأبو أولادها وكان فارس قريش كما يقولون (5). نحن نشك في صحة ذلك، وذلك استنادا إلى ما يلي: 1 - لو كان الزبير قد ضرب هبيرة بالسيف حتى فلق هامته، فاللازم أن يكون قد قتل، مع أن الجميع متفقون على أنه لم يقتل آنئذ. 2 - قد ذكرت بعض النصوص: أن عليا لحق هبيرة فأعجزه، وضرب قربوس سرجه، فسقطت درع كانت عليه وفر عكرمة، وهرب ضرار (6). (1) تفسير القمي ج 2 ص 185 والبحار ج 20 ص 228. (2) الثفر: سير في مؤخر السرج. (3) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 64 والسيرة الحلبية ج 2 ص 320 وسبل الهدى والرشاد ج 4 من 535 والرسول العربي وفن الحرب ص 249 والمغازي للواقدي ج 2 ص 472 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (4) امتاع الاسماع ج 1 ص 232. (5) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 318 و 320 و 321. (6) راجع: الارشاد للمفيد ص 60 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 204 (*)

[ 377 ]

3 - ويفصل ذلك نص آخر، فيقول: ثم حمل ضرار بن الخطاب وهبيرة على علي، فأقبل علي عليهما. فأما ضرار فولى هاربا ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت أولا، ثم ألقى درعه وهرب. وكان فارس قريش وشاعرها (1) وسئل ضرار عن سبب فراره، فقال: خيل إلي أن الموت يريني صورته (2). 4 - قد اعتذر هبيرة بن أبي وهب عن فراره من وجه علي عليه السلام، فقال. لعمرك ما وليت ظهرا محمدا * واصحابه جنبا ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد * لسيفي غناء إن رقفت ولا نبلي إلخ. ويؤيد قولهم بأن الفرسان قد هاجموا عليا بعد قتله عمروا قوله عليه السلام. أعلي تقتحم الفوراس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي ولعل مواجهته لعلي عليه السلام ولو للحظات جعلته يستحق وسام فارس قريش وشاعرها. 5 - ثم إننا لم نفهم السبب في أن الذين خرجوا في أثر الهاربين هما الزبير وعمر فقط ؟ ! وأين كان عنهم سائر فرسان المسلمين ؟ ولماذا لم


والبحار ج 20 ص 254 و 256 وراجع: إعلام الوري ص 195 وتاريخ الخميس ج 1 ص 487 و 488 عن روضة الاحباب. (1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 487. (*)

[ 378 ]

يتبعهم علي نفسه. واحدي يا رسول الله: وروى ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة: أن رجلا من المشركين قال يوم الخندق: من يبارز. فقال النبي (ص): قم يا زبير. فقالت صفية بنت عبد المطلب: واحدي يا رسول الله. فقال: قم يا زبير. فقام الزبير فقتله. ثم جاء بسلبه إلى النبي (ص) فنفله إياه (1). ونقول: إننا نشك في صحة هذه الرواية. أولا: لان صفية كانت مع النساء في حصن حسان حسبما تقدم، فما الذي جاء بها إلى ساحة القتال، في هذه الساعة الحساسة والحاسمة بالذات. وهل كان (ص) يسمح للنساء بالتردد ساحة الحرب ؟ !. وثانيا: إن هذا الحديث مرسل، وهو ينتهي أيضا إلى عكرمة المعروف بالكذب والوضع، وقد تحدثنا عن بعض حاله في كتابنا: أهل البيت في آية التطهير فليراجع.


(1) فتح الباري ج 7 ص 312 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 وكنز العمال ج 10 ص 289. (*)

[ 379 ]

وثالثا: إننا نستبعد أن يكون (ص) قد خص الزبير بالطلب إليه أن يبارز ذلك الرجل، وهو قبل قليل قد طلب التطوع من المسلمين بمبارزة عمرو. فما هذه السياسة، وما هي مبرراتها يا ترى ؟ ! عمر وضرار بن الخطاب: قال المعتزلي: " وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد مس الرمح رفعه عنه. وقال: إنها لنعمة مشكورة، فاحفظها يا ابن الخطاب، إني كنت آليت أن لا تمكنني يداي من قتل قرشي، فأقتله. وانصراف ضرار راجعا إلى أصحابه " (1) وهم عند جبل أبي عبيد. وفي نص آخر ذكر حملة الزبير وعمر بقية أصحاب عمرو، وقد كان ضرار يفر، وعمر يشتد في أثره. فكر ضرار راجعا، وحمل على عمر بالرمح ليطعنه ثم أمسك وقال: " يا عمر، هذه نعمة مشكورة أثبتها عليك، ويد لي عندك غير مجزي بها فاحفظها " (2). لكن القمي ذكر للرواية نصا آخر، فقال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما. فقال ضرار: ويحك يا بن صهاك،


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 64 والبحار ج 20 ص 274 عنه والمغازي للواقدي ج 2 ص 471 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 487 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7. (*)

[ 380 ]

أترميني في مبارزة ؟ والله، لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته. فانهزم عنه عمر، ومر نحوه ضرار. وضربه على رأسه بالقناة، ثم قال: احفظها يا عمر، فإنني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه. فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي، فولاه (1). ونشير نحن هنا إلى ما يلي. ألف - إن من الممكن أن يكون (ص) قد أمر عمر بمبارزة ضرار، أثناء مبارزة علي عليه السلام لعمرو، فحمل عليه ضرار، حتى إذا وجد مس الرمح رفعه وقال له مقالته تلك. ثم لما قتل عمرو وحسل وهجم علي على ضرار وهبيرة ونوفل فهربوا، عاد وقتل نوفلا. ب - إننا لا نصدق أن يكون ضرار قد فر من عمر، لان ضرارا يعرف عمر ومدى شجاعته، إلا ان يكون فر من السهم الذي حاول عمر أن يرميه به، ثم عاد فهاجهم عمر، وجرى بينهما ما جرى. ج - إن هذهع القضية قد حدثت أيضا بين ضرار وبين عمر في غزوة أحد، وقال له نفس هذه المقالة المذكورة عنه آنفا، وقد ذكرهما الواقدي في كتاب المغازي. وحسب نص الحليي: إنه ضرب عمر بالقناة ثم رفعها وقال: ما كنت لاقتلك يا ابن الخطاب (2). د: إننا نجد عمر يهتم بأمر ضرار بصورة ملفتة للنظر، فقد ذكر


(1) تفسير القمي ج 2 ص 185 والبحار ج 20 ص 228 عنه. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 321 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 64 وبحار الانوار ج 20 ص 274 عنه والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 و 8. (*)

[ 381 ]

القمي: أنه ولاه - وقد تقدم - كما أنه حين قال عبد الرحمان بن عوف لرباح وهم في طريق مكة: غننا. قال له عمر: إن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب (1). وهذا التظيم لضرار قد سرى إلى الاخرين حتى قالوا عنه: إنه فارس قريش وشاعرهم (2) ولعلهم أعطوه هذا الوسام لانه أراد أن يقدم عمر ليس أخا ضرار: وقد قال البعض: إن ضرار بن الخطاب كان أخا لعمر بن الخطاب (3). وهذا غير صحيح، فإن عمر بن الخطاب كان من بني عدي، أما ضرار فكان من بني فهر، وشتان ما بينهما. والذي أوجب الغلط لدى هؤلاء هو أن أبويهما كان اسمهما الخطاب، فتخيلوا أن الخطاب رجل واحد. الان نغزوهم ولا يغزوننا: قال المفيد رحمه الله: " فتوجه العتب إليهم، والتوبيخ والتقريع والخطاب، ولم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير أمير المؤمنين عليه


(1) الاصابة ج 2 ص 209. (2) الاستيعاب مطبوع بهامش الاصابة ج 2 ص 210. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 7 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321. (*)

[ 382 ]

السلام، إذ كان الفتح له وعلى يديه، وكان قتله عمروا ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين. وقال رسول الله (ص) بعد قتله هؤلاء النفر: الان نغزوهم ولا يغزونا " (1). الاشعار في غزوة الخندق هناك أشعار كثيرة في مناسبة غزوة الخندق نختار باقة منها وهي التالية: عن علي عليه السلام أنه قال: وكانوا على الاسلام إلبا ثلاثة * فقد خر من تلك الثلاثة واحد وفر أبو عمرو هبيرة لم يعد * ولكن أخو الحرب المجرب عائد نهتهم سيوف الهند أن يقفوا لنا * غداة التقينا والرماح مصائد وعنه عليه السلام: الحمد لله الجميل المفضل * المسبغ المولى العطاء الجزل شكرا على تمكينه لرسوله * بالنصر منه على الغواة الجهل كم نعمة لا أستطيع بلوغها * جهدا ولو أعملت طاقة مقول لله أصبح فضله متظاهرا * منه علي سألت أم لم أسأل


(1) الارشاد للمفيد ص 62. وستأتي فقرة: الان نغزوهم ولا يغزوننا، مع مالها من مصادر في أواخر الفصل التالي إن شاء الله تعالى. (*)

[ 383 ]

قد عاين الاحزاب من تأييده * جنده النبي وذي البيان المرسل ما فيه موعظة لكل مفكر * إن كان ذا عقل وإن لم يعقل وعنه عليه السلام مخاطبا لعمرو بن عبد ود: يا عمرو قد لا قيت فارس بهمة * عند اللقاء معاود الاقدام من آل هاشم من سناء باهر * ومهذبين متوجين كرام يدعو إلى دين الاله ونصره * وإلى الهدى وشرائع الاسلام بمهند عضب رقيق حده * ذي رونق يقري الفقار حسام ومحمد فينا كأن جبينه * شمس تجلت من خلال غمام والله ناصر دينه ونبيه * ومعين كل موحد مقدام شهدت قريش والقبائل كلها * أن ليس فيها من يقوم مقامي (1) وروي أنه لما قتل عمروا أنشد: ضربته بالسيف فوق الهامة * بضربة صارمة هدامة أنا علي صاحب الصمصامة * وصاحب الحوض لدى القيامة أخو رسول الله ذي العلامة * قد قال إذ عممني عمامة أنت الذي بعدي له الامامة (2)


المقطوعات الثلاثة المتقدمة في البحار ج 20 ص 279 و 280 وج 41 ص 89 و 91 و 90 عن ديوان علي أمير المؤمنين عليه السلام ص 46 و 109 / 110 و 126 / 127 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 136 و 137. (2) البحار ج 41 ص 88. (*)

[ 384 ]

وقال حسان بن ثابت: أمسى (الفتى) عمر بن عبد يبغي * بجنوب يثرب عادة لم تنظر ولقد وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر ولقد رأيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب المحسر أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر (1) قال ابن هشام: وبعض أهل العلم ينكرها لحسان فأجابه فتى من بني عامر: كذبتم وبيت الله لا تقتلوننا * ولكن بسيف الهاشميين فافخروا بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغا * بكف علي نلتم ذاك فاقصروا ولم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكم * ولكنه الكفؤ الهزبر الغضنفر علي الذي في الفخر طال بناؤه * ولا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا فلما أتاهم حمزة وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر فقالوا: نعم اكفاء صدق فاقلبوا * إليهم سراعا إذ بغووا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما عتوا وتكبروا


(1) الارشاد للمفيد ص 56 والبحار ج 20 ص 259 وج 41 ص 98 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 381 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 206 وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 290 والبيت الاول فيه وفي البحار عن الارشاد هكذا. أمسى الفتى عمربن عبد ناظرا * كيف العبور وليته لم ينظر (*)

[ 385 ]

فليس لكم فخر علينا بغيرنا * وليس لكم فخر نعد ونذكر (1) وروي أن عليا لما قتل عمروا لم يسلبه، وجاءت أخت عمرو حتى قامت عليه فلما رأته غير مسلوب سلبه قالت: ما قتله إلا كفؤ كريم، ثم سألت عن قاتله، قالوا: علي بن أبي طالب، فأنشأت هذين البيتين (2): ولكن نصا آخر يقول: لما نعي عمرو إلى أخته قالت: من ذا الذي اجترأ عليه ؟ ! فقالوا: ابن أبي طالب. فقالت: لم يعد موته إلا على يد كفؤ كريم. لارقأت دمعتي إن هرقتها عليه. قتل الابطال، وبارز الاقران، وكانت منيته على يد كفؤ كريم من قومه. (وفي لفظ آخر: على يد كريم قومه) ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر. ثم أنشأت تقول: لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكي عليه آخر الابد لكن قاتل عمرو لا يعاب به * من كان يدعى قديما بيضة البلد (3) وقال المعتزلي: " فأما قتلاه، فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر، أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:


(1) الارشاد للمفيد ص 56 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 206 والبحار ج 20 ص 259 وج 41 ص 99. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 488 وحبيب السر ج 1 ص 362. (3) الارشاد للمفيد ص 57 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 وكشف الغمة ج 1 ص 207 والبحار ج 20 ص 260 وج 41 ص 73 و 97. (*)

[ 386 ]

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الابد لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد (1) وقالت أيضا في ذلك: أسدان في ضيق المكر تصاولا * وكلاهما كفؤ كريم باسل فتخالسا مهج النفوس كلاهما * وسط المدار مخاتل ومقاتل وكلاهما حضر القراع حفيظة * لم يثنه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله * قول سديد ليس فيه تحامل والثار عندي يا علي فليتني * أدركه والعقل مني كامل ذلت قريش بعد مقتل فارس * فالذل مهلكها وخزي وشامل ثم قالت: والله، لا ثأرث قريش بأخي ما حنت النيب (2). وقال مسافع بن عبد مناف يبكي عمرو بن ود. لما جزع المذاد، أي قطع الخندق: عمرو بن عبد كان أول فارس * جزع المذاد وكان فارس مليل (3)


(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 20 والبيتان في لسان العرب أيضا ج 8 ص 195 وفيه: بكيته ما أقام الروح في جسدي. وراجع مستدرك الحاكم ج 3 ص 33 وتلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه. (2) الارشاد للمفيد ص 57 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 199 وكششف الغمة للاربلي ج 1 ص 207 والبحار ج 20 ص 260 وج 41 ص 98. (3) الصحيح: يليل، وهو واد ببدر. (*)

[ 387 ]

إلى أن قال: سأل النزال هناك فارس غالب * بجنوب سلع ليته لم ينزل فاذهب علي ما ظفرت بمثلها * فخرا ولو لا قيت مثل المعضل نفسي الفداء لفارس من غالب * لاقى حمام الموت الخ (1) وعند ابن هشام: تسل النزال علي فارس غالب. وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي، يعتذر من فراره عن علي بن أبي طالب وتركه عمروا يوم الخندق. ويبكيه: لعمرك ما وليت ظهرا محمدا * وأصحابه جنبا ولا خيفة القتل ولكنني قلبت أمري فلم أجد * لسيفي غناء إن وقفت ولا نبلي إلى أن يقول: كفتك علي لن ترى مثل موقف * وقفت على شلو المقدم كالفحل فما ظفرت كفاك يوما بمثلها * أمنت بها ما عشت من زلة النعل (2) وقال هبيرة بن أبي وهب يرثي عمروا ويبكيه: لقد عليا لؤى بن غالب * لفارسها عمرو إذ ناب نائب


(1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 288 وذكرها في آخر العثمانية ص 336 عنه. وراجع: مجمع البيان ج 8 ص 342 وبحار الانوار ج 20 ص 203 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 278 / 279. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 289 وعيون الاثر ج 2 ص 67 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 280 والملحق بالعثمانية ص 336. (*)

[ 388 ]

وفارسها عمرو إذا ما يسوقه (يسومه) * علي، وإن الموت لا شك طالب عشية يدعوه علي وإنه * لفارسها إذ خام عنه الكتائب فيا لهف نفسي إن عمروا لكائن * بيثرب لا زالت هناك المصائب لقد أحرز العليا علي بقتله * وللخير يوما لا محالة جالب (1) وقال حسان: لقد شقيت بنو جمح ابن عمرو * ومخزوم وتيم ما نقيل وعمرو كالحسام فتى قريش * كأن جبينه سيف صقيل فتى من نسل عامر أريحي * تطاوله الاسنة والنصول دعاه الفارس المقدام لما * تكشفت المقانب والخيول أبو حسن فقنعه حساما * جرازا لا أفل ولا نكول فغادره مكبا مسلحبا * على عفراء لا بعد القتيل (2) وقال مسافع يؤنب الفرسان الذين كانوا مع عمرو، فأجلوا عنه وتركوه: عمرو بن عبد والجياد يقودها * خيل تقادله وخيل تنعل أجلت فوراسه وغادر رهطه * ركنا عظيما كان فيها أول عجبا وإن أعجب فقد أبصرته * مهما تسوم علي عمروا ينزل لا تبعدن فقد أصبت بقتله * ولقيت قبل الموت أمرا يثقل


(1) المصدر السابق ج 3 ص 289 و 290 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 281 والملحق بالعثمانية ص 337. (2) مسلحب: منبطح. والابيات في شرح نهج البلاغة للمعتزلي، ج 13 ص 290 والملحق بالعثمانية ص 337. (*)

[ 389 ]

وهبيرة المسلوب ولى مدبرا * عند القتال مخافة أن يقتلوا وضرار كان الباس منه محضرا * ولى كما ولى اللئيم الاعزل (1) قال ابن هشام: بعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. وقال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبد ود: بقيتكم عمرو أبحناه بالقنا * بيثرب نحمي والحماة قليل ونحن قتلنا كم بكل مهندا إلخ... قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان (2). وروى المعتزلي عن بعض شعراء الامامية قوله: إذ كنتم ممن يروم لحاقه * فهلا برزتم نحو عمرو ومرحب (3) ولا ننسى هنا قول الازري رحمه الله: فانتضى مشر فيه فتلقى * ساق عمرو بضربة فبراها وإلى الحشر رنة السيف منه * يملا الخافقين رجع صداها يالها ضربة حوت مكرمات * لم يزن ثقل أجرها ثقلاها هذه من علاه إحدى المعالي * وعلى هذه فقس ما سواها المكر المفضوح: إن من يلاحظ سيرة ابن هشام التي ادعى أنها تلخيص لسيرة ابن


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 280. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 381. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 7. (*)

[ 390 ]

اسحاق، ويقارن بينها وبين ما وصل إلينا من سيرة ابن اسحاق، من طرق الاخرين يجد: أن ابن هشام لم يكن يريد مجرد تلخيص سيرة ذلك الرجل العلامة الخبير والمعتمد في شأن السيرة النبوية الشريفة. بل أراد أيضا: أن يستبعد نصوصا ذات طابع معين رأى ان الاحتفاظ بها يضر ببعض الاتجاهات أو يضع علامة استفهام كبيرة عليها. وهذا الامر يضع عمل ابن هشام في السيرة في عداد الاعمال الخيانية بالنسبة للحق وللحقيقة. من منطلق تعصب مذهبي بغيض ومقيت. والذي يلاحظ تعليقات ابن هشام على الاشعار المتقدمة يجد: أنه يحاول التشكيك في خصوص ذلك النوع من الشعر الذي يمقته ويبغضه، ولا يطيقه، فيدعي أن أكثر أهل العلم ينكره لحسان، أو لعلي، أو لمسافع. إلخ.. رغم أننا لم نعثر ولو على رجل واحد قد أنكر أيا من تلك المقطوعات، أو شكك في نسبتها لاصحابها. ما عدا أولئك الذين لا جود لهم إلا في مخيلة ابن هشام. ولا نريد بعد هذا أن نسأل ابن هشام ولا غيره عن سبب تشكيكهم ذاك فاننا لن نسمع منه جوابا مقنعا ولا مقبولا، مهما طال بنا الانتظار. تعصب يثير الغثيان: كنا نتوقع كل شئ من التجني، والافتراء، والتحريف للحقائق الثابتة، بدافع من الحقد والتعصب ضد علي وأهل بيته عليهم السلام، إلا أننا لم نتوقع أن يتجاهل هؤلاء الحاقدون الاغبياء مواقف وبطولات، وأثر علي في حرب الخندق، خصوصا قتله كبش كتيبة

[ 391 ]

جيش الشريك وعمرو بن عبد ود العامري، لان تجاهل مثل هذا الحدث المصيري، الذي شاع وذاع، يحتاج إلى درجة كبيرة من الشجاعة النادرة، أو فقل إلى درجة عالية من الوقاحة الفاجرة. وهذا ما حصل بالفعل، حيث نجد بعضهم ليس فقط لا يذكر لعلي عليه السلام خبرا، ولا يورد في مواقفه أثرا. بل هو يكاد يجهر بانكار تلك المواقف الرسالية الرائدة، حيث يقول أحدهم. " ولم يكن بين القوم قتال إلا الرمي بالنبل والحصا، فأوقع الله بينهم التخاذل، ثم أرسل الله عليهم في ظلمة شديدة من اليل ريح الصبا الشديدة في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وزلزلتهم. حتى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظلمة فارتحلوا خائبين " (1) ثم إرسال الزبير بن لكشف خبر القوم. بينما نجد رجلا مسيحيا، لا يرغب بالاعتراف للمسلمين بشئ ذي بال، يعتبر قتل علي لعمرو ولصاحبه " سبب هزيمة الاحزاب على كثرة عددهم، ووفرة عددهم (2) ". فشتان ما بين هذا الرجل، وبين أولئك ولا حول ولا قوة بالله. من تشكيلات الجاحظ وتعصباته: قد ادعى ابن تيمية: أن عمرو بن عبد ود لم يعرف له ذكر إلا


(1) حدائق الانوار ج 2 ص 590 وراجع أيضا الزمخشري في الكشاف ج 3 ص 526 وقد تعجب منه في سعد السعود ص 138 / 139. (2) تاريخ مختصر الدول ص 95. (*)

[ 392 ]

في هذه الغزوة (1) وقد حاول الجاحظ أن يدعي: أن شهرة عمرو بن عبد ود بالشجاعة مصنوعة، من قبل محبي علي، حتى تركوه أشجع من عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث، وبسطام بن قيس، مع أنه لم يسمع لمعرو ذكر في حرب الفجار، ولا في الحروب بين قريش ودوس. وقد رد عليه الاسكافي بما حاصله: إن أمر عمرو بن عبد ود أشهر من أن يذكر، ولينظر ما رثته به شعراء قريش لما قتل. ثم ذكر شعر مسافع بن عبد مناف، وشعر الاخر في رثائه له. وليس أحد يذكر عمروا إلا قال: كان فارس قريش وشجاعها. وقد شهد بدرا، وجرح فيها، وقتل قوما من المسلمين. وكان عاهد الله عند الكعبة أن لا يدعوه أحد إلى احدى ثلاث خصال إلا قبلها. وآثاره في أيام الفجار مشهورة. كما أنه لما جزع الخندق في ستة فرسان هو أحدهم، جبن المسلمون كلهم عنه، وهو يوبخهم ويقرعهم، وملكهم الرعب والوهل، فإما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه، أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب وأذلهم وأفشلهم. وإنما لم يذكر مع الفرسان الثلاثة لانهم كانوا أصحاب غارات ونهب، وأهل بادية، وقريش أهل مدينة، وساكنوا مدر وحجر، لا


(1) منهاج السنة ج 4 ص 172 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 وسيرة الرسول ص 220. (*)

[ 393 ]

يرون الغارات، ولا ينهبون غيرهم من العرب، وهم مقيمون ببلدتهم، فلم يشتهر اسمه كاشتهار هؤلاء (1). هذا كله، بالاضافة إلى أنه كن قد نذر في بدر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدا. وكان أيضا معروفا بفارس يليل، وقد ذكر ذلك مسافع بن عمرو في شعره الذي يرثيه فيه. وقد وصفه النبي (ص) لعلي بأنه فارس يليل أيضا. هذا وقد قتل عمرو في بدر عمير بن أبي وقاص، وسعد بن خيثمة (2) وكان على ميسرة قريش في بدر (3). المعركة، التي لا حقيقة لها: قالوا: ولما قتل عمرو، ورجع المنهزمون إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شئ. ارجعوا. فنفرت قريش إلى العقيق، ورجعت غطفان إلى منازلها، واتعدوا يغدون جمعيا، ولا يتخلف منهم أحد، فباتت قريش يعبئون أصحابهم، وكذلك غطفان. ووافوا رسول الله (ص) بالخندق، قبل طلوع الشمس، ولم يتخلف منهم أحد. وعبأ (ص) أصحابه، وحضهم على القتال، ووعدهم النصر إن صبروا. والمشركون قد جعلوا


(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 291 وراجع الملحق آخر العثمانية ص 335 - 339. (2) قد تقدمت مصادر كثير مما ذكرناه. وراجع أيضا: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 207 وراجع أيضا السيرة الحلبية ج 2 ص 320. (3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 120. (*)

[ 394 ]

المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم. فأحدقوا بكل وجه من الخندق، ووجهوا نحو خيمة رسول الله (ص) كتيبة غليظة، فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم إلى الليل. وكان القتال من وراء الخندق. فلما حان وقت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي، ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا. فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أنه (ص) قال: شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطوبهم (أو قبورهم) نارا. وفي نص آخر: أنه (ص) ما قدر على صلاة ظهر، ولا عصر، ولا مغرب، ولا عشاء. فجعل أصحابه يقولون: ما صلينا. فيقول: ولا أنا - والله - ما صليت. حتى كشف الله المشركين، فرجعوا متفرقين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله. وقال أسيد بن حضير في ماءتين على شفير الخندق، فكرت خيل المشركين يطلبون غرة، وعليها خالد بن الوليد، فناوشهم ساعة، فرزق وحشي الطفيل بن النعمان (وقيل: الطفيل بن مالك بن النعمان) بن خنساء الانصاري السلمي مبزارقة، فقتله، كما قتل حمزة رضي الله عنه بأحد فلما صار رسول الله (ص) إلى موضع قبته أمر بلالا، فأذن وأقام للظهر، وأقام بعد لكل صلاة إقامة، فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها. وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف. (أضاف البعض هنا قوله (ص): ما على وجه الارض قوم

[ 395 ]

يذكرون الله تعالى في هذه الساعة غيركم). وقال يومئذ رسول الله (ص): شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى، صلاة العصر، ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا. " ولم يكن لديهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل طمعا بالغرة " (1). ونحن نشك في صحة ذلك، لما يلي:. أولا: صرح بعض المؤرخين بأنه بعد قتل عمرو ورفاقه لم يحصل أي قتال، فقال: " ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميا، حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل، يطمعون بالغارة " (2). وثانيا: إنه إذا كان القتال بهذا العنف، فأين القتلى والجرحى، لاسيما مع اجتماع ألوف من الناس ؟ أم يعقل أن تكون جميع تلك السهام والحجارة، والحصى، كانت تذهب سدى ولا تصيب أحدا ؟ !.


(1) راجع هذه النصوص باختيار تازة، وبتطويل أخرى في المصامر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 536 - 539 وامتاع الاسماع ج 1 ص 233 والمغازي للواقدي ج 2 ص 472 و 474 ونهاية الارب ج 17 ص 174 و 175 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 والوفا ص 694 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 وعيون الاثر ج 2 ص 63 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401 و 402 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 268 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 109 و 110 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 - 212 وراجع: المواهب الدنية ج 1 ص 114 وراجع: أنساب الاشراف ج 1 ص 345. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 536 عن ابن سعد ووفاء الوفاء ج 1 ص 304 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488. (*)

[ 396 ]

وثالثا: إن القتال لا يمنع من الصلاة بصورة نهاية، فقد كان من الممكن أن يصلوا منفردين، أو أفواجا. وقد ذكر الفقهاء: أن الصلاة لا تسقط حتى عن الغريق. فكيف بالمقاتلين، وصلاة المطاردة حال القتال مذكورة في الكتب الفقهية، وإذا كان المسلمون لا يعرفونها، فالنبي (ص) كان يعرفها، فلماذا لم يصلها ؟ !. ورابعا: إن تناقص الروايات في كثير من خصوصياتها يفقدنا الثقة بها، وبالمراجعة والمقارنة يتضح ذلك بجلاء. ويكفي أن ننبه إلى اختلاف الروايات في الصلاة أو الصلوات التي فاتت النبي والمسلمين. فهل فاتتهم صلاة فقط كما في حديث جابر (1) وعلي (2)


(1) راجع المصاد المتقدمة، وصحيح البخاري ج 3 ص 22 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 وتاريخ الاسلام (المغازي) للذهبي ص 248 الحلبية ج 2 ص 322 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 444 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 والبداية والنهاية ج 4 ص 109 عن الشيخين، والترمذي والنسائي وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 538 وامتاع الاسماع ج 1 ص 233 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 474 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 وراجع: بهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 268. (2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 576 وراجع مسند أحمد ج 1 ص 81 و 82 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 234 والبداية والنهاية ج 4 ص 109 عن الخمسة إلا ابن ماجة والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 ومسند أحمد ج 1 ص 81 و 79 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 538 وعن فتح الباري ج 6 ص 105 وج 7 ص 405 والدر المنثور ج 1 ص 303 عن الستة وعن عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي وابن أبي حاتم وراجع: مسند الطيالسي ص 16 وكنز العمال ج 2 ص 240 عن البخاري والبيهقي، وعبد الرزاق، وأحمد، أبي (*)

[ 397 ]

وابن عباس (1) وحذيفة وأمن حبيبة (2). أم أنهم شغلوا عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كما عن جابر أيضا، وأبي سعيد وابن مسعود (3). أو عن الظهر والعصر، كما عن سعيد بن المسيب وابن عباس وعمر وعلي عليه السلام (4). أو الظهر والعصر والمغرب كما في رواية أبي هريرة، وأبي سعيد (5).


عبيد في فضائله والعدني، ومسلم والنسائي وابن جرير، وابن خزيمة، وأبي عوانة وابن زنجويه، وعبد بن حميد وغير ذلك. (1) كنز العمال ج 1 ص 240 عن الطبراني وص 286 عن البيهقي. (2) كنز العمال ج 10 ص 283 و 288. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 321 و 322 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 538 عن أحمد، والنسائي وأحمد عن ابن مسعود، وعن البزار عن جابر وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 110 و 111 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 445 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 212 و 213 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وكنز العمال ج 10 ص 285 عن مصادر عديدة وص 288 عن ابن أبي شيبة. (4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 576 وامتاع الاسماع ج 1 ص 233 وعيون الاثر ج 2 ص 63 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 عن الموطأ وكنز العمال ج 2 ص 240 ومجمع الزوائد ج 1 ص 309 عن الطبراني والدر المنثور ج 1 ص 304 و 303 عن الطبراني، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، ومسلم والنسائي والبيهقي وكنز العمال ج 10 ص 280. (5) البداية والنهاية ج 4 ص 110 وتاريخ الخميس ج 1 ص 488 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 212. (*)

[ 398 ]

وفي الموطأ: أن الفائتة هي الظهر (1). وكذا عن جابر وأم سلمة وعلي وابن مسعود (2). وبعض الروايات عن ابن عباس وحذيفة، لم تعين الصلاة أو لم تعين العدو. قال المقريزي: " فاحتمل أن يكون كله صحيحا، لانهم حوصروا في الخندق، وشغلوا بالاحزاب أياما " (3). وقد جمع النووي بين هذه الروايات بأن فوات الصلاة قد حصل مرتين لان الحرب استمرت في الخندق عدة أيام (4). استفادات غير موفقة: وقد حاول البعض أن يستفيد من هذا الحديث المشكوك أحكاما شرعية وغيرها، بعضهم: " إن هذا يدل على جواز الجمع بين الصلاتين جمع تأخير لعذر الحرب، واجازه أحمد وغيره " وقال: " وتكون الصلاة


(1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 268. (2) راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 309 و 310 والدر المنثور ج 1 ص 304 عن البزار وص 303 عن مصادر أخرى. وكنز العمال ج 10 ص 239 عن مصادر كثيرة وكشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 196 و 197. (3) امتاع الاسماع ج 1 ص 233. (4) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 والسيرة الحلبية ج 2 ص 321 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 ومحمد رسول الله (ص) لمحمد رضا ص 23. (*)

[ 399 ]

المؤخرة أداء لا قضاء " (1). واستدلوا على ذلك ايضا أي على جواز التأخير لعذر القتال بقوله (ص): لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فمنهم من صلاها في الطريق، ومنهم صلاها بعد الغروب في بني قريظة، ولم يعنف واحدا من الفريقين. وقالوا: إن هذا قد نسخ بتشريع صلاة الخوف، ولو كانت مشرعة لم يؤخروها (2). لكن هذا الكلام لا يصح إذا كان (ص) والمسلمين قد أجبروا على تأخير الصلاة بحيث لم يكن لديهم أي خيار في ذلك، ولا يصح بناء على قول من قال: إن تأخير الصلاة يوم الخندق كان نسيانا (3) وقد صرحت بذلك رواية عن ابن عباس، قال: إن رسول الله (ص) نسي الظهر والعصر يوم الاحزاب فذكر بعد المغرب، فقال: الهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملا بيوتهم نارا (4). وعن أبي جمعة: إن النبي (ص) صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل أحد منكم علم أني صليت العصر ؟ ! فقالوا: يا رسول الله ما صليت، فأمر المؤذن فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد


(1) خاتم النبيين ج 2 ص 940 وراجع ص 951 والبداية والنهاية ج 4 ص 110 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 211 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 268 وفقه السيرة ص 303. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 110 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 211 و 212 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114. (3) راجع المصادر المتقدمة. (4) الدر المنثور ج 1 ص 304 عن الطبراني. (*)

[ 400 ]

المغرب (1). أضاف الحلبي: " أقول: يحتاج إلى الجواب عن اعادة المغرب. وقد يقال: أعادها مع الجماعة " (2). الصحيح في القضية: وأخير، فنحن لا نمانع من أن يكون قد حصل تأخير في أداء الصلاة إلى حد يصدق معه الاضطرار ليمكن للمكلف أن يصلي صلاة المضطر، أو صلاة المطاردة. فإن قوله تعال: (وإن خفتم فرجالا أو ركبانا) (3) قد ورد في سورة البقرة، النازلة في أوائل الهجرة. وقد روي أن النبي (ص) صلى يوم الاحزاب ايماء (4) ومعنى ذلك: هو أن الاية المذكورة قد نزلت غزوة الخندق. وهذه الاية هي غير الاية التي تحدثت عن صلاة الخوف جماعة فراجع. السر والسبب: 1 - إننا بعد أن استظهرنا عدم صحة ما ذكروه نرى: أن السبب الذي يدعو البعض لاشاعة أمور كهذه هو الرغبة في تبريز تهاون الحكام بصلاتهم، وتأخيرهم، وتأخيرهم لما عن أوقاتها - كما ذكرناه في الجزء


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 539 والسيرة الحلبية ج 2 ص 322. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 323. (3) البقرة / 239. (4) تفسير نور الثقلين ج 1 ص 199 ومجمع البيان ج 1 ص 344. (*)

[ 401 ]

الاول من هذا الكتاب، ولا يهمهم أن يكون ذلك على حساب كرامة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والنيل من عصمته، وعقله وحكمته. 2 - قد يكون السبب هو ما جرى لعمر بن الخطاب حيث فاتته الصلاة في غزوة الخندق، حيث قال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي (ص): والله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله (ص) إلى بطحان. فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها. فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (1). 3 - إن دعوى وجود قتال ضار استمر ثلاثة أيام، أو أكثر أو أقل قد يكون الهدف منها هو التضخيم والتهويل في قوة المشركين، والتأكيد على شوكتهم وعلى ارتفاع معنوياتهم بعد قتل عمرو بن عبد ود ورفاقه، الامر الذي ينتج عنه أن لا يكون علي عليه السلام قد حقق إنجازا ذا بال، فضلا عن أن يكون ما جرى قد أسهم في هزيمة المشركين بطريقة أو بأخرى. 4 - إن ذلك أيضا سوف يحدث ترديدا وتشكيكا في قيمة الاوسمة التي حباه بها رسول الله، وفي استحقاقه عليه السلام لها، وفي جدارته لحملها.


(1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 22 والسيرة الحلبية ج 2 ص 322 وتاريخ الاسلام (المغازي) للذهبي ص 248 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 444، والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 والبداية والنهاية ج 4 ص 109 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 210 عن الشيخين، والترمذي والنسائي. (*)

[ 403 ]

الفصل العاشر: كيف انتهت حرب الخندق

[ 405 ]

ما فعله نعيم بن مسعود: لقد حاول المؤرخين، والمحدثوو الذين الذين توجههم التيارات والقوى والتعصبات السياسية، والمذهبية، والاحقاد - حاولوا - التعتيم على النصر المؤزر الذي سجله علي أمير المؤمنين في حرب الاحزاب بطريقة أخرى غير طريقة تضخيم الامور، وادعاء حصول قتال شغلهم عن صلاة العصر، وغيرها. فادعوا: أن نعيم بن مسعود قد قام بدور فاعل وأساس في تخذيل القوم، والقاء الريب والشك ببعضهم البعض فيما بينهم. فيدعي المؤرخون: أن نعيم بن مسعود الغطفاني جاء إلى رسول الله (ص) مسلما - وكان من دواهي العرب - فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت أنته إليه (1). فقال له صلى الله عليه وآله: إنما أنت رجل واحد فينا، وإنما غناؤك أن تخذل عنا ما استطعت. وعليك بالخداع، فإن الحرب


(1) يقول القمي في تفسيره ج 2 ص 181 والبحار ج 20 ص 223 عنه: إن قريظة قد نقضوا العهد نهارا، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود إلى النبي، وكان قد أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام. ونقول: لماذا أخر نعيم مجيئه إلى النبي (ص) ليعلن إسلامه هذه المدة الطويلة ؟ ! وآثر البقاء في صفوف أهل الشرك. (*)

[ 406 ]

خدعة. وحسب نص المقدسي أنه (ص) قال له: إن الحرب خدعة، فاحتل لنا. فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة، وكان نديما لهم، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ومن التف معهم جاؤا لحرب محمد، فإن ظاهرتموهم عليه، فليسوا كهيئكم. وذاك أن البلد بلدكم، به أموالكم، وأولادكم، ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا إلى غيره. فأما قريش وغطفان، فإن أموالهم، وأبناءهم، ونساءهم ببلاد غير بلادكم، فإن رأوا نهبة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل. والرجل ببلادكم لا طاقة لكم به، وإن خلا لكم. (زاد الواقدي.. وقد كبر عليهم جانب محمد، أجلبوا عليه بالامس إلى الليل، فقتل رأسهم عمرو بن ود وهربوا منه مجرحين). فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى يناجزوه. قالوا: لقد أشرت علينا برأي ونصح. ثم خرج أتى قريشا. فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه: يا معشر قريش: قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكم، نصحا لكم، فاكتموا علي. قالوا: نفعل.

[ 407 ]

قال: اعلموا: أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا - وأنا عندهم - أن قد ندمنا على ما صنعنا، فهل يرضيك عنا: أن نأخذ من القبيلتين (مئة رجل، كما عند المقدسي) من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، وكبرائهم، ونعطيكهم، فتضرب أعناقهم. ثم نكون معك على بن بقي منهم (أضافت بعض المصادر: وترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم - يعنون بني النضير)، فإن بعثت إليك يهود، يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا. فوقع ذلك من القوم وخرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت. قال: فاكتموا علي. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثلما قال لقريش، وحذرهم مثل ما حذرهم. فأرسل أبو سفيان (1)، ورؤس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن


(1) وذكرت بعض المصادر: أن اليهود هم الذين أرسلوا عزال بن سموأل يطلبون التواعد على الزحف بشرط اعطائهم رهائن من أشرافهم سبعين رجلا، فلم يرجعوا إليهم بجواب. أضافت بعض المصادر: أن نعيما عاد إلى بني قريظة وأخبرهم: أن أبا سفيان قال بعد أن عزال: لو طلبوا مني عناقا ما رهنتها. راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 543 وامتاع الاسماع ج 1 (*)

[ 408 ]

أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقال لهم: إنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليه: أن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا (وكان قد أحدث فيه بعض الناس شيئا فأصابه ما لم يخف عليكم) ومع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم (سبعين رجلا)، يكونون بايدينا ثقة حتى نناجز محمدا، فاننا نخشى - إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال - أن تشمروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد. وأرسلت غطفان مسعود بن رخيلة في رجال بمثل ما راسلهم به أبو سفيان.. فلما رجعت الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله، إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق. فارسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ما ندفع إليكم رجلا واحدا، فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا (1).


ص 237 والمغازي للواقدي ج 2 ص 482 و 485 والسيرة الحليبة ج 2 ص 325 و 326. (1) ويذكر الواقدي: أن الزبير بن باطا قد نصحهم بعدم طلب الرهن من قريش، لانها لا تعطيهم إياه، وهم أكثر عددا ومعهم كراع ولا كراع مع بني قريظة " وهم يقدرون على الهرب ونحن لا نقدر عليه. وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة، فابى أن يعطيهم إلا السيف " فلم يوافق الزبير أحد من قومه، فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان إلخ (*)

[ 409 ]

فقالت بنو قريظة حين ادت إليهم الرسل: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فان وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل. فأرسلوا إلى القوم: إنا - والله - لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. قالوا: وتكررت رسل قريش وغطفان إلى بني قريظة، وهم يردون عليهم بما تقدم، فيئس هؤلاء من نصر هؤلاء. وتخاذل القوم، واتهم بعضهم بعضا. وذلك في زمن شات، وليال باردة، كثيرة الرياح، تطرح أبنيتهم، وتكفأ قدورهم إلخ.. ولما طالب أبو سفيان حيي بن أخطب بالأمر، حاول حيي أن يقنع بني قريظة بالعدول عن ذلك، فلم يفلح (1) ورواية القمي تختلف


راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 543 و 544. (1) تجارت الامم ج 1 ص 150 - 152 والمغازي للواقدي ج 2 ص 481 - 484 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 541 - 545. وتجد هذه القضية بتخليص أو بدونه في المصادر التالية: الكامل في التاريخ ج 2 ص 182 وامتاع الاسماع ج 1 ص 23 6 - 238 والبداية والنهاية ج 2 ص 111 و 112 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 242 و 243 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 240 - 242 وتفسير القمي ج 2 ص 181 و 182 و 185 و 186 وبحار الانوار ج 20 ص 23 و 224 و 228 و 229 و 207 و 208 ومجمع البيان ج 8 ص 344 ونهاية الارب ج 17 ص 175 - 177 وتاريخ (*)

[ 410 ]

عن هذه الرواية فلتراجع (1). ونقول كان ما تقدم هو النص الذي يذكره أكثر المؤرخين مطولا أو ملخصا، لهذه القضية. وتساورنا شكوك حول صحة ذلك. نرى أن ما جرى لم يكن بهذا الشكل، وذلك بالنظر إلى الامور التالية: أولا: يقول البعض عن دور نعيم: " يمكن أن يكون في ذلك مبالغة، لان القصة تروى عن نعيم نفسه، بواسطة رواة أشجع " (2). ثانيا: بالنسبة لطلب الرهائن تقول رواية نعيم بن مسعود: ان ذلك قد كان بعد نقض بني قريظة للعهد مع النبي. وبعد أن طال الحصار على قريش. وبإيحاء من نعيم بن مسعود بالذات. لكن هناك نص يقول: إنهم قد طلبوا الرهائن حين كلمهم حيي


الخميس ج 1 ص 490 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ص 2 ص 30 و 31 وعيون الاثر ج 2 ص 64 و 65 وحبيب السير ج 1 ص 363 وجوامع السيرة النبوية ص 151 و 152 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 172 - 174 وشرح الاخبار ج 1 ص 297 - 299 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 - 216 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 241 و 242 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 وفتح الباري ج 7 ص 309 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 194 - 196 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 446 - 219 و 220 وزاد المعاد ج 2 ص 118 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 267 - 271. (1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 182 والبحار ج 20 ص 224 وففيه أن نعيم بن مسعود حرض أبا سفيان على طلب الرهن من بني قريظة، عشرة رجال من أشرافهم. (2) محمد في المدينة ص 139. (*)

[ 411 ]

بن أخطب في نقض العهد. فإنهم طلبوا منه: أن يأخذ لهم رهائن من قريش وغطفان تكون عندهم. تسعين رجلا من أشرافهم (1) وذلك قبل إسلام نعيم. وقد حاول البعض أن يحل هذا الاشكال، فقال: " قد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا إلى رسول الله (ص) يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير إلى المدينة " (2). وهو حل غير مقبول لانهم بعد أن يئسوا من انتظام أمرهم مع المشركين، وصيرورتهم في الموقف الاضعف، وأصبتحوا يخشون على أنفسهم من مغبة غدرهم، وعواقب خيانتهم وما جنته أيديهم، لم يكونوا ليجرؤا على اشتراط إرجاع بني النضير إلى أراضيهم. أضف إلى ذلك: أن هذا الاحتمال الذي ذكره ابن كثير لا يحل اشكال أن يكون طلب الرهائن قبل إسلام نعيم. حسبما أوضحناه. وثالثا: إننا لا نكاد نصدق دعوى نعيم: أن قريظة قد أرسلت بحضوره إلى النبي (ص) تعده بأخذ سبعين، أو تسعين رهينة من أشراف قريش وغطفان ليقتلهم. إذا أن نعيم بن مسعود نفسه كان من غطفان، فهل يجهر بنو قريظة أمام غطفاني - مهما كانت درجة إخلاصه لهم - بأنهم يريدون أخذ أشراف قومه ليسلوهم إلى القتل ؟ !. وهل يمكن أن يصدقه المشركون: أنه قد سمع ذلك حقا من بني


(1) راجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 527 والبداية والنهاية والنهاية ج 4 ص 113 و 10 3 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 401. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 113. (*)

[ 412 ]

قريظة ؟ !. ورابعا: لو صحت قصة نعيم النحو المذكور آنفا، لكان يجب أن نتوقع من حيي بن أخطب موقفا آخر من بني قريظة. فيتملص من تعهداته لهم، ولا يسلم نفسه إلى القتل بدخوله معهم في حصنهم بعد رحيل قريش، لان لديه حجة واضحة، وهي أن الاخلال وإفشال ما جمعه من كيد إنما من قبل بني قريظة أنفسهم، فإنهم هم الذين أخلوا بتعهداتهم تجاه قريش، وليس العكس. وخامسا: هناك العديد من الروايات التي تؤكد على أن النبي الاعظم صلى الله وآله وسلم نفسه هو الذي أفسد العلاقة بين قريش والمشركين من جهة، وبين بني قريظة من جهة أخرى. وليس نعيم بن مسعود بل كان هو الاخر غافلا عن حقيقة التدبير النبوي في هذا المجال. والنصوص المشار إليها هي التالية: 1 - قال ابن عقبة: إن نعيم مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث. فاتفق أنه مر بالقرب من رسول الله (ص) ذات يوم عشاء، فأشار إليه (ص) أن فجاء فقال: ما وراءك ؟ !. فقال: إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا إليهم فيناجزوك. فقالت قريظة: نعم، فأرسلوا إلينا بالرهن. قال: فقال له رسول الله (ص): إني مسر إليك شيئا فلا تذكره. قال: " إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح، وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم " فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان.

[ 413 ]

وقال رسول الله (ص): الحرب خدعة. وعسى أن يصنع لنا. فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم. فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة وجماعة معه. فاتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم، فاعتلت اليهود بالسبت. ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة، فأوقع الله بينهم واختلفوا. (1) ونعتقد أن هذه الرواية هي الاقرب إلى الصواب. ويشهد لذلك ما يلي. 2 - قال القمي: إنه لما بلغ النبي (ص) نقض بني قريظة للعهد، قال " لعناء، نحن أمرناهم بذلك. وذلك أنه كان على عهد رسول الله (ص) عيون لقريش، يتجسسون خبره " (2). 3 - عن علي عليه السلام قال: الحرب خدعة. إذ حدثتكم عن رسول الله (ص) حديثا، فوالله، لان أخر من السماء أو تخطفني الطير أحب إلي من أن أكذب على رسول الله (ص). وإذ حدثتكم عني، فإن الحرب خدعة. فإن رسول الله (ص) بلغه: أن بني قريظة بعثوا إلى أبي سفيان: إنكم إذا التقيتم أنتم ومحمد (ص) أمددناكم وأعناكم.


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 113 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 216 و 217 وراجع: الامالي للشيخ الطوسي ص 267 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 404 و 405 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 541 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10. (2) تفسير القمي ج 2 ص 186 وبحار الانوار ج 20 ص 223 عنه. (*)

[ 414 ]

فقام النبي (ص)، التقينا نحن وأبو سفيان أمددونا وأعانونا. فبلغ ذلك أبا سفيان، فقال: غدرت يهود، فارتحل عنهم (1). 4 - عن عائشة: كان نعيم رجلا نموما، فدعاه (ص)، فقال: إن يهود قد بعث إلي: إن كان يرضيك عنا: أن نأخذ رجالا رهنا من قريش وعطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك فتقتهم. فخرج من عند رسول الله (ص)، فأتاهم، فأخبرهم بذلك. فلما ولى نعيم، قال رسول الله (ص): إنما الحرب خدعة (2). 5 - ويروي الواقدي عن أبي كعب القرظي: أنه لما جاء حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد يريده على نقض العهد قال له: لا تقاتل حتى تأخذ سبعين رجلا من قريش وعطفان رهانا عندكم. وذلك من حيي خديعة لكعب حتى ينقض العهد. وعرف أنه إذا نقض العهد لحم الامر. ولم يخبر حيي قريشا بالذي قال لبني قريظة، فلما جاءهم عكرمة يطلب منهم أن يخرجوا معه البست قالوا: لا نكسر البست، ولكن يوم الاحد. ولا نخرج حتى تعطونا الرهان. فقال عكرمة: أي رهان ؟ ! قال كعب: الذي شرطتم لنا. قال: ومن شرطها لكم ؟.


(1) راجع: قرب الاسناد ص 63 والبحار ج 20 ص 246 عنه وج 100 ص 31 والوسائل ج 11 ص 102 و 103. (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 447 وفتح الباري ج 7 ص 309. (*)

[ 415 ]

قالوا: حيي بن أخطب. فأخبر أبا سفيان ذلك، فقال: يا يهودي، نحن قلنا لك كذا وكذا. قال: لا، والتوراة ما قلت ذلك. قال أبو سفيان: بل هو الغدر من حيي. فجعل حيي يحلف بالتوراة ما قال ذلك (1). وفي نص آخر: قال كعب: يا حيي، لا نخرج حتى نأخذ من كل أصحابك من كل بطن سبعين رجلا رهنا في أيدينا. فذكر ذلك حيي لقريش ولغطفان، وقيس. فغعلوا، وعقدوا بينهم عقدا بذلك حتى شق كعب الكتاب. فلما أرسلت إليه قريش تستنصره قال: الرهن. فأنكروا ذلك واختلفوا (2). 6 - قال نص آخر ما ملخصه:. حدثني معمر، عن الزهري: أرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان: أن ائتوا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من رائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود، وكان موادعا للنبي (ص) فأقبل إلى النبي (ص) فأخبره. فقال (ص): فلعلنا أمرناهم بذلك. فقام نعيم بكلمة رسول الله (ص)، وكان نعيم رجلا لا يكتم


(1) المغازي ج 2 ص 485 / 486 وذكر ابن عقبة أيضا ما فعله عكرمة راجع السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 199. (2) المغازي ج 2 ص 48 6 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 301 (*)

[ 416 ]

الحديث فلما ولى من عند رسول الله (ص) ذاهبا إلى غطفان قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما هذا الذي قلت ؟ إن كان أمر من الله تعالى فأمنضه، وإن كان هذا رأيا من قبل نفسك، فإن شأن بني قريظة هو أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك. فقال (ص): بل هو رأي رأيته، الحرب خدعة. ثم أرسل (ص) في أثر نعيم فدعاه، فقال (ص) له: أرأيت الذي سمعتني قلت آنفا ؟ اسكت عنه، فلا تذكره فإنمما أغراه. فانصرف من عند رسول الله (ص) إلى عيينة ومن معه من غطفان، فقال لهم: هل علمتم محمدا قال شيئا قط إلا كان حقا ؟ ! قالوا: لا. فإنه لي فيما أرسلت به إليكم بنو قريظة: " فلعلنا نحن أمرناهم بذلك " ثم نهاني أذكره لكم. فأخبر عيينة بن حصن أبا سفيان بذلك، فقال: إنما في مكر بني قريظة. فقال أبو سفيان: نرسل إليهم الان فنسألهم الرهن، فإن دفعوا الرهن إلينا، فقد صدقونا، وإن أبو ذلك فنحن منهم في مكر. فأرسلوا إليهم يطلبون الرهن ليلة السبت، فامتنعوا من اعطائه لاجل السبت. فقال أبو سفيان ورؤس الاحزاب: هذا مكر بني فريظة، فارتحلوا فقد طالت اقامتكم، فاذنوا بالرحيل، وبعث الله تعالى عليهم الريح، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله. فارتحلوا، فولوا منهزمين. ويقال: إن حيي بن أخطب قال لابي سفيان: أنا آخذ لك من بني قريظة سبعين رجلا رهنا عندك حتى يخرجوا فيقاتلوا، فهم أعرف بقتال محمد وأصحابه. فكان هذا الذي قال: إن أبا سفيان طلب الرهن.

[ 417 ]

قال ابن واقد: وأثبت الاشياء عندنا قول نعيم الاول (1). ونقول: إننا نلاحظ: أن هذه الرواية، وكذلك رواية جعل ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن تظهر: أن سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب، يعتقدون أن النبي (ص) يتصرف أحيانا انطلاقا من هدى الوحي، ووفق التدبير والتسديد الالهي. ويتصرف أحيانا أخرى، انطلاقا من رأيه الشخصي، ووفقا لهواه الذي قد يصيب وقد يخطئ. وهذا بالذات هو ما عبر عنه عمر بن الخطاب هنا. ثم أظهرت هذه الرواية وتلك: أنه (ص) قد اعترف هو نفسه بهذا الامر وقرره بصراحة ووضوح. مع أن نبينا الاكرم أجل من أن يتصرف أو يتكلم بوحي من الهوى وبغير إذن من الله سبحانه. ولا يخرج من بين شفتيه إلا الحق والصدق، والهدى، ولا شئ غير ذلك. وملاحظة أخرى نسجلها على هذه الرواية وهي: أن نعيم بن مسعود قد أخبر عيينة بن حصن ومن معه من غطفان بمقالة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالطريقة التي لا بد أن يعرفوا منها: أن نعيما هو الذي أخبر النبي (ص) بما أرسلت به قريظة إليهم. وهو ينطوي على مخاطرة واضحة حين يكتشف عيينة وغطفان أن نعيما قد انهم $ وأفش سرهم، ولن يسكتوا عن هذا الامر أبدا.


(1) المغازي للواقدي ج 2 ص 486 و 487 والمصنف ج 5 ص 368 و 369 وكنز العمال ج 10 ص 292 و 293 عن ابن جرير. (*)

[ 418 ]

إلا أن يكون الرواي قد نقل أصل الحدث ذاهلا عن الصياغة الحقيقية التي أظهرها نعيم لقومه. اللمحات الاخيرة: 1 - قد يظهر من بعض النصوص المتقدمة: أن نعيم بن مسعود كان يتجسس للمشركين. وأن رسول الله (ص) كان عارفا بأمره، فاختاره (ص) ليلقي إليه قوله ذاك الذي انتهي بتخديل الاحزاب، وشكهم ببعضهم البعض. 2 - ثم إن لنا تحفظا آخر هنا، وهو أن تسليم سبعين رهينة من أشراف قريش وغطفان إلى النبي (ص) ليقتلهم، إنما يعني أن يستقل اليهود من بني قريظة بعداوة الاحزاب وكل من له بهم صلة أو هوى في المنطقة بأسرها، ولا طاقة لليهود أبيهم. يمكن أن يصدق المشركون أن يقدم اليهود على أمر كهذا ؟ !. وهذا يعني أن ما ذكرته النصوص الاخرى المتقدمة أقرب إلى الصواب. وأولى بالاعتبار. 3 - وقد تقدم في بالجزء الثامن: أن نعيم بن مسعود وحسان بن ثابت قد أظهرا تعاطفا واضحا مع بني النضير حينما أجلاهم رسول الله (ص) فتصدى لهما أبو عبس ورد عليهم بقوة (1)، فراجع. وقد يستفيد البعض من ذلك: أن نعيم بن مسعود كان حينئذ مسلما. فما معنى قولهم هنا: إنه قد اسلم في غزوة الخندق ؟ !.


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 375. (*)

[ 419 ]

التبرير بلا مبرر: ويقول البعض: " كان لوحدة الصف الاسلامي، وانضباط المسلمين ووقوفهم صفا واحدا خلف قائدهم أثر كبير في تطور الموقف ونتائجه، سيما وأن خصومهم كانوا على نقيض ذلك. وهذا ما سهل كثيرا مهمة الدبلوماسية الاسلامية، التي اعتمدت اعتمادا رئيسيا على هذه الناحية، فنجحت في تفريق صفوف الاحزاب، وتشتيت شملهم " (1). ونقول: أن هذا الكاتب قد نسي المتخاذلين والمنافقين، الذين كانوا يتسللون لواذا، ويتركون النبي صلى الله وسلم، ويحتجون لانسحابهم من المعركة بحجج واهية. وكان لهم دور رئيس في تخذيل الناس، وبث الرعب والخوف في نفوس الكثيرين منهم. ونسي أيضا تخاذلهم عن عمرو بن عبد ود ورفاقه، وهم أقل عددا من أصابع اليد الواحدة. نعم لقد نسي ذلك، وجاء ليدعي أن الصف الاسلامي كان على غاية من القوة والتماسك خلف قائده. مع أنهم يذكرون - كما تقدم وسيأتي إن شاء الله - أنه صلى الله عليه وآله قد بقي في ثلاث مئة من أصحابه، بل ذكرت بعض النصوص: أنه لم يبق معه سوى اثني عشر رجلا فقط. كما أن هذا الكاتب لم يعرف: أن نعيم بن مسعود لم يكن هو بطل القصة. بل كان المحرك والمحور الاساس فيها هو


(1) الرسول العربي وفن الحرب ص 256. (*)

[ 420 ]

رسول الله (ص) نفسه حسبما أوضحناه آنفا. الشائعات والحرب النفسية: قد روي عن علي عليه السلام، أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول يوم الخندق: الحرب خدعة ويقول: تكلموا بما أردتم (1). وقد اتضح مما تقدم أيضا: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعمل على ايقاع الشك والريب فيما بين الاحزاب بالطريقة الاعلامية الذكية والواعيه، حتى تحقق له صلى الله عليه وآله ما أراد، واستطاع من خلال ذلك أن يفشل كل مخططاتهم، ويبطل كل ما بذلوه من جهد وكيد. وقد تجلت لنا من خلال ذلك أهمية الاعلام الحربي الموجه، وأنه قد يهزم الجيوش، ويثل العروش. إذا كان هادفا وواعيا وذكيا. الدعاء والابتهال: لقد دعا النبي صلى الله عليه وآله على الاحزاب، فاستجاب الله تعالى له. يقول المؤرخون والمحدثون: إنه (ص) أتى مسجد الاحزاب يوم الاثنين، والثلاثاء، والاربعاء. فدعا عليهم يوم الاربعاء بين الصلاتين، قال جابر: فعرفنا البشر في وجهه (2).


(1) وسائل الشيعة ج 11 ص 102 وفي هامشه عن التهذيب ج 2 ص 53. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 540 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 490. و 491 وإعلام الورى ط دار المعرفة ص 100 والكافي ط دار الاضواء ج 8 (*)

[ 421 ]

وفي نص آخر: انتظر (ص) حتى زالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو، فاصبروا، واعلموا: أن الجنة تحت ظلال السيوف (1). ثم قال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم وزلزلهم (2). وعن ابن المسيب أنه (ص): لما اشتد عليهم الحصار قال: " اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد " (3).


ص 233 والبحار ج 20 ص 268 و 269 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 والمغازي للواقدي ج 2 ص 487 والسيرة الحلبية ج 2 ص 324 وفيه: " الاحاديث التي جاءت بذم يوم الاربعاء محمولة على آخر أربعاء في الشهر ". (1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 540 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 والسيرة الحلبية ج 2 ص 323. (2) راجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 541 والبداية والنهاية ج 4 ص 111 عن الصحيحين، وصحيح البخاري ج 3 ص 22 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 والسيرة الحلبية ج 2 ص 323 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 109 و 110 ط مؤسسة آل البيت، والجعفريات ص 218 وتيسير المطالب ص 246 وبحار الانوار ج 20 ص 272 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 268 وصحيح مسلم ج 5 ص 143 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 250 والمغازي للواقدي ج 2 ص 487 وتاريخ الخميس ج 1 ص 490، ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 456 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 وكنز العمال ج 10 ص 285. (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 541 وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 (*)

[ 422 ]

وعند الراوندي: أنه (ص) صعد مسجد الفتح، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الارض بعدها، فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين إلخ.. إلى أن قال: ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره، فصاح بحذيفة بن اليمان، وكان قد ناداه قريبا ثلاثا إلخ... ثم ذكر إرساله لكشف خبرهم (1). وقد ذكرت أدعية أخرى عديدة له (ص) في يوم الاحزاب فلتراجع في مصادرها (2). ولعله صلى الله عليه وآله قد دعا بذلك كله في مواقف مختلفة. وآخر ما نذكره نحن هنا: ما عن الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هل من شئ نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فصرف الله تعالى ذلك (3).


ص 403 و 404 وأنساب الاشراف ج 1 ص 345 والبداية والنهاية ج 4 ص 104 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 200 والمغازي للواقدي ج 2 ص 477 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 367. (1) الخرائج والجرائح ج 156 1 والبحار ج 20 ص 248 وراجع ص 230 وتفسير القمي، ح 2 ص 186 وغير ذلك. (2) راجع بحار الانوار ج 91 ص 212 و 213 ومهج الدعوات ص 70 و 71 والوسائل ج 10 ص 276 و 277. (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 541 والبداية والنهاية ج 4 ص 111 عن أحمد، وابن أبي حاتم وتاريخ الخميس ج 1 ص 491 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 213 والسيرة الحلبية ج 2 ص 323 وفتح الباري ج 7 (*)

[ 423 ]

ونقول: إن لنا هنا وقفات: احداها: إن رواية عبد الله بن أبي أوفى المتقدمة موضع ريب وشك، لان المسلمين لم يتمنوا لقاء العدو آنئذ، بل كان الحال يزداد شدة وصعوبة عليهم يوما بعد يوم، وكان الخوف مسيطرا على الكثيرين، فإن كان النبي (ص) قد قال كلاما من هذا النوع، فلا بد أن يكون قد قاله في مناسبة أخرى، غير مناسبة الخندق. أضف إلى ذلك: أننا نستبعد كثيرا: أن يقول النبي (ص) كلاما من هذا النوع، وذلك لما يحمل في طياته من تضعيف وتخذيل لم يكن النبي (ص) ليقدم عليه في حالات الحرب. الثانية: إننا نجد النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم يلتجئ للصلاة وللدعاء، ويوجه الناس إلى الله سبحانه في هذه الظروف الحرجة، التي يكون فيها الانسان أكثر من أي وقت مضى مؤهلا للتفاعل مع الحالات الروحية. يساعد على ذلك أنه في هذه الظروف بالذات تكون نظرته إلى الامور واقعية وسليمة، لا تشوبها نوازع نفسية، ولا أهواء ولا غيرها مما من شأنه أن يضخم الامور له، أو يمنعه من رؤيتها على حقيقتها. وذلك لانه حين تصبح القضية لها مساس بمصيره وبحياته، فإنه لا بد له من أن يحدق بها، ويكشف كل خباياها وخفاياها، وتتبلور فيه حساسية خاصة تجاه أية بادرة يلاحظها، إذا كانت تصب في نفس


ص 309. (*)

[ 424 ]

الاتجاه الذي يسير فيه، أو تؤثر على الواقع الذي يتعامل معه، سلبا كان ذلك التاخير أو ايجابا. وإذا كان ثمة ارتباط في هذه الناحية بالذات بالغيب، وبالله سبحانه على الخصوص، فإن التأثير يصبح أكثر عمقا وأصالة وشمولية، لانه يرتكز على الناحية العقيدية والايمانية والشعورية، ومداها، قبل أن يدخل في الحسابات المادية وفي نطاقها. فإذا كانت الناحية الايمانية تقوم على أساس فكري راسخ وتستند إلى القناعة من خلال الدليل الصحيح والقاطع، فإنها تستمد حينئذ من اللامحدود، وتستند إلى المطلق، الذي الذي يملك القدرة على استيعاب المحدود، مهما كانت قوته، ومهما اشتد وتعاظم خطره. الثالثة: من الواضح: أن التربية الروحية بحاجة إلى القول وإلى المعل، فإن ذلك يفيد في نيل درجات القرب، ويؤثر أيضا في التصفية والتزكية، بما توحي به الكلمة عن معان، وتنشره من ظلال روحية، وتثيره من نسمات ايمانية أنيسهة ودافئة. كما أن العمل العبادي بما يمثله من تجسيد للحالة الروحية والنفسية يستطيع أن يرسخ الوعي في المشاعر وفي الخواطر، فتثير لديه وعيا جديدا، وأملا وليدا. الريح والملائكة: قد عرفنا فيما تقدم: أن رسول الله (ص) قد دعا على الاحزاب، في مسجد الاحزاب، يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء، فاستجب له يوم الاربعاء.

[ 425 ]

1 - قالوا: فلما كان ليلة السبت بعث الله الريح على الاحزاب، حتى ما يكاد أحدهم يهتدي لموضع رحله، ولا يقر لهم قدر ولا بناء. وقام رسول الله (ص) يصلي إلى أن ذهب ثلث الليل. وكذلك فعل ليلة قتل كعب بن الاشرف، وكان إذا حزبه أمر أكثر من الصلاة (1). وكان ذلك في أيام شاتية (2) وبرد شديد (3). وقال البعض: أرسل الله تعالى الريح، فهتكت القباب، وكفأت القدور، ودفنت الرجل، وقطعت الاوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، وأنزل الله إلخ " (4). وكانت الريح التي أرسلها الله سبحانه عليهم هي ريح الصبا، فأكفأت قدورهم، وطرحت آنيتهم، نزعت فساطيطهم (5). وفي نص آخر، بعث الله عليهم ريحا وظلمة، فانصرفوا هاربين لا يلوون علي شئ، حتى ركب أبو سفيان ناقته وهي معقولة. فلما


(1) امتاع الاسماع ج 1 ص 238 وراجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 488 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 8 و 12 وحبيب السير ج 1 ص 364. (2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135. (3) الجامع للقيرواني ص 281. (4) سبل الهدى والرشاد 4 ص 545 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 326 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و 12. (5) راجع: البحار ج 20 ص 192 عن مجمع البيان ج 8 ص 339 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 وتاريخ الخميس ج 1 ص 491 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12. (*)

[ 426 ]

بلغ رسول الله (ص) ذلك قال: عوجل الشيخ (1). ويقول نص آخر: " كان الله عزوجل قبل رحيلهم قد بعث عليهم بالريح بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق الله لهم بيتا يقوم، ولا رمحا، حتى ما كان في الارض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا والريح أشد ما كانت، معها جنود الله لا ترى. كما قال الله عزوجل إلخ. (2). ولكن هذا النص الاخير لا ينسجم ما تقدم، وما سيأتي في حديث حذيفة أيضا: من أن إرسال الريح عليهم إنما كان بعد دعاء النبي (ص) عليهم، وذلك بعد قتل عمرو بن عبد ود. وأن ذلك لم يدم إلا مدة يسيرة انتهت بفرارهم. بل لقد أخبرهم النبي (ص) ليلة الاحزاب بالريح، كما صرحت به النصوص. كما أننا لا نرى مبررا لان يصمدوا أمام هذه الريح العاتية هذه المدة الطويلة. والنصوص التاريخية حول ما صنعته الريح بهم كثيرة، وسيأتي في حديث حذيفة المزيد. أما بالنسبة لارسال الملائكة، فإن النصوص فيه أيضا كثيرة. ويذكر المفسرون أن آية قرآنية قد ذكرت إرسال الريح والملائكة على الاحزاب، وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود،


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وراجع الخرائج والجرائح منشورات مصطفوي ص 152 والبحار. ج 20 ص 249. (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406. (*)

[ 427 ]

فأرسلنا عليهم ريحا، وجنودا لم تروها. وكان الله بما تعملون بصيرا) (1). ويظهر من بعض النصوص: أن ما فعلته الريح هو نفس ما فعلته الملائكة، وأن حركة الريح هي حركة الملائكة بالذات، فهو يقول: وكثير يومئذ، تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، وكانوا ألفا. ولم تقاتل يومئذ، وسمعوا قعقة السلاح، ولكن قلعت الاوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، واطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فارتحلوا، وتركوا ما استثقلوه من متاعهم (2). 1 - وقيل: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ، بل كانوا يشجعون المؤمنين، ويجبنون الكافرين (3). 2 - في رواية: أن الملائكة قطعت أوتاد الخيام، وأطفات نيرانهم، ورأى الجيش أنه لا خلاص لهم إلا بالفرا (4). 3 - قال البعض: وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم، حتى إذا اجتمعوا عنده


(1) سورة الاحزاب / 9. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 491 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 عن ابن ظفر في الينبوع، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 والمواهب اللدنية ج 1 ص 114 وراجع، سعد السعود ص 138. (3) مجمع البيان ج 8 ص 339 والبحار ج 20 ص 192 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 491. (4) حبيب السير ج 1 ص 364. (*)

[ 428 ]

قال: النجاة النجاة، أتيتم (1)، لما بعث الله عليهم من الرعب. 4 - قال البلاذري: " وغشيتهم الملائكة تطمس أبصارهم " (2). 5 - قيل إنما بعث الله الملائكة تزجر خيل العدو وابلهم، فقطعوا مدة ثلاثة أيام في يوم واحد فارين منهزمين (3). 6 - جاءت الملائكة، فقالت: يا رسول الله، إن الله قد أمرنا باطاعة لك، فمرنا بما شئت. فقال: زعزعي المشركين وأرعبيهم، وكونوا من ورائهم.. أي فهي قد نفثت الرعب في قلوبهم (4). 7 - وقالوا إن الملائكة لم تقاتل يومئذ (5). مهمة حذيفة بن اليمان: وبعد أن بقي النبي (ص) في اثني عشر رجلا (6)، أو في ثلاث


(1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 296 وراجع: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 546 ولم يذكر الملائكة. والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 وسعد السعود ص 138. (2) أنساب الاشراف ص 345 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 546. (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 546. (4) راجع الخرائج والجرائع ج 1 ص 156 و 157 والبحار ج 20 ص 248 وراجع ص 230 وراجع تفسير القمي ج 2 ص 186 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 والسيرة الحليبة ج 2 ص 10 والسيرة الحليبة ج 2 ص 326. (5) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 545 عن البيهقي، والسيرة الحلبية ج 2 ص 326 وراجع السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10. (6) متسدرك الحاكم ج 3 ص 31 وتلخيصه للذهبي بهامشه. (*)

[ 429 ]

مئة رجل - كما في روايات أخرى عن حذيفة -، يحدثنا حذيفة عن تلك الليلة قام الرسول فيها على التل، الذي عليه مسجد الفتح في ليلة ظلماء ذات قرة (1). وكان المسلمون صافين قعود، والاحزاب فوقهم، وقريظة أسفل منهم، يخافونهم على ذراريهم، ونحن نلخص كلامه هنا، فقد قال: ما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله، ويقولون: " إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة " فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون، ونحن ثلاث مئة، أو نحو ذلك. فطلب النبي أن يأتيه أحد من شدة الجوع والقر والخوف، فقال أبو بكر: يارسول الله، ابعث حذيقة فلما كلم النبي حذيقة تقاصر إلى الارض، كراهية أن يقوم فأمره (ص) بالقيام، فقال له (ص): إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم. وفي نص آخر: إن الله قد أخبرني: أنه قد أرسل الرياح على قريش فهزمهم. فشكى إليه البرد، فقال له (ص): لا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إلي. فذكر له أنه يخاف الاسر والتمثيل به فقال: إنك لن تؤسر، فخرج حذيفة، فدعا له النبي (ص)، فذهب الفزع، والبرد عنه.


(1) إعلام الورى ط دار المعرفة ص 101 والكافي ج 8 ص 278 والبحار ج 20 ص 268 وراجع ص 230 وتفسير القمي ج 2 ص 186. (*)

[ 430 ]

قال حذيفة: فمضيت كأنما أمشي في حمام (1). فلما وليت دعاني، فقال: يا حذيفة، لا تحدثن في شيئا حتى تأتيني. وفي رواية: أنه (ص) قال له: إئت قريشا، فقل: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا، أن يقولوا: أين قريش ؟ أين قادة الناس ؟ أين رؤوس الناس، فيقدموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم. ثم ائت بني كناية، فقل: (وعلمه ما يشبه الكلام السابق لقريش، وكذا الحال بالنسبة لقيس). فذهب حذيفة فلما دنا منهم رأى أدهم ضخما عند نار توقد، وحوله عصبة، وقد تفرق الاحزاب عنه، و هو يقول: الرحيل الرحيل. ولم يكن حذيفة يعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزع سهما ليرميه. فذكر وصية النبي (ص) له، فأمسك. قال: فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه. فضربت بيدي على يد الذي عن يمني، فأخذت بيده، فقلت: من أنت ؟ ! قال: معاوية بن أبي سفيان. ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي، فقلت: من أنت ؟ قال: عمرو بن العاص. وفي نص آخر: سهيل بن عمرو وفي آخر: سبحان الله أما تعرفني ؟ ! أنا فلان بن


(1) في تفسير القمي ج 2 ص 187 والبحار ج 20 ص 231: أنه بعد أن اجتاز الخندق شعر كأنه يمشي في حمام وراجع: الخرائج والجرائح ج 1 ص 157. (*)

[ 431 ]

فلان، فإذا رجل من هوازن. وعند الراوندي: خالد بن الوليد. فعلت ذلك خشية أن يفطن بي، فبدرتهم بالمسألة. ثم تلبثت فيهم هنيهة، وأتيت بني كناية وقيسا، وقلت ما أمرني به رسول الله (ص). ثم دخلت في العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر. ونادى عامر بن علقمة: يا بني عامر، إن الريح قاتلي وأنا على ظهر، وأخذتهم ريح شديدة. وصاح بأصحابه. فلما رأى ذلك أصحابه جعلوا يقولون: يا بني عامر، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكر المشركين ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إني لاسمع صوت الحجارة في رحالهم، وفرشهم، والريح تضربها، فلما دنا الصبح نادوا أين قريش ؟ أين رؤس الناس ؟. فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. فقالوا: أين كنانة ؟. فقالوا: أيهات هذا الذي أتينا به البارحة. أين قيس ؟ أين أحلاس الخيل ؟. فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. فلما رأى ذلك أبو سفيان، أمرهم بأن تحملوا. فتحملوا، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم. حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول فجعل يستحثه ولا يستطيع أن يقوم حتى حل بعد. فعاد إلى النبي، فلما انتصف به الطريق التقى بعشرين فارسا، أو بفارسين فقط، فقالا: أخبر صاجبك: أن الله تعالى كفاه القوم بالجنود

[ 432 ]

والريح. فرجع إلى النبي (ص) فوجده يصلي، وعاد إليه البرد والقر، فسدل عليه فضل شملته فنام، ثم أخبره: ثم أخبره: أنه تركهم يرحلون. وذكر ابن سعد: أن عمرو بن العاص وخالد بن الواليد أقاما في ماءتي فارس ساقة للعسكر، وردءالهم، مخافة الطلب (1). نص آخر لقضية حذيقة: إننا نذكر نصا مختصرا آخر لقضية حذيفة، ثم نحيل القارئ إلى المصادر التي ذكرت هذه القضية بتفصيل أو بإجمال ليراجعها من اراد الاستقصاء والمقارنة. فنقول: بعد أن ذكر المؤرخون ما قام به نعيم بن مسعود من كيد بين قريظة، وقريش وغطفان - وإن كنا نحن قد سجلتا فيما سبق تحفظات قوية عليه - قالوا: " وتخاذل القوام، واتهم بعضهم بعضا، وذلك في زمن شات، وليال باردة كثيرة الرياح، تطرح أبينهم، وتكفأ قدورهم. وضاق ذرع القوم، وبلغ رسول الله (ص) اختلاف القوم، وما هم فيه من الجهد، فدعا حذيقة بن اليمان فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا. قال حذيقة: فذهبت فرأيت من الرياح أمرا هائلا، لا يقر لهم


(1) راجع هذا النص الذي حاولنا تلخيصه في سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 547 - 549 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وأبي نعيم في دلائلهما، ومسلم، وابن عساكر، وابن إسحاق، وستأتي بقية المصادر في الهامش الذي بعد التالي وكنز العمال ج 10 ص 282 و 283. (*)

[ 433 ]

نارا ولابناء. فقام أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ جليسه. قال: فبادرت وأخذت بيد الرجل الذي إلى جانبي، فقلت: من أنت ؟ !. قال: أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: إنكم يا قوم ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلقنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم ما نكره، ولقينا من الجهد والشدة، وهذه الريح ما ترون، فارتحلوا، فإني مرتحل (1). ثم قال إلى جمله، وقام الناس معه. (في نص آخر: قام إلى جملهم وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم). وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانصروا إلى بلادهم. وتفرق ذلك الجمع من غير قتال، إلا ما كان من عدة يسيرة، اتفقوا على الهجوم إلخ. ثم ذكر قتل علي عليه السلام لعمرو.. ثم قال: وانتقض ذلك ذلك الجمع والتدبير كله (2).


(1) وفي نص آخر أنه قال: " إن كنا نقاتل أهل الارض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا نقاتل أهل السماء كما يقول محمد، فلا طاقة لنا بأهل السماء إلخ " الخرائج والجرائح ص 157 والبحار ج 2 ص 248 عنه. (2) تجارب الامم ج 2 ص 152 و 153. وحديث حذيفة هذا موجود بايجاز أو بتفصيل في المصادر التالية: امتاع الاسماع ج 1 ص 239 والكامل في التاريخ ج 2 ص 184 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 244 والبداية والنهاية ج 4 ص 113 - 155 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 217 - 221 وإعلام الورى ط دار المعرفة (*)

[ 434 ]

وذكرت المصادر: أنه (ص) نادى حذيفة مرتين، فلم يجبه، وأجابه في الثالثة. فقال له: تسمع صوتي ولا تجيبني ؟ ! فاعتذر عن عدم اجابته بالخوف والبرد والجوع (1).


ص 101 وعيون الاثر ج 2 ص 65 و 66 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 243 ومجمع البيان ج 8 ص 344 و 345 ونهاية الارب ج 17 ص 177 و 178 والمغازي للواقدي ج 2 ص 489 و 490 وتاريخ الخميس ج 1 ص 491 و 492 والوفا ج 2 ص 694 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 433 - 435 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 195 - 197 وبحار الانوار ج 20 ص 208 و 209 و 268 و 230 و 231 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 449 - 455 وفتح الباري ج 7 ص 307 و 308 و 312 والكافي ج 8 ص 278 و 279 وتفسير وصححاه، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد باب غزوة الاحزاب والسيرة الحلبية ج 2 ص 326 - 328 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 243 و 249 / 250 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 - 12 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 270 و 271 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 174 و 175 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 148 / 149 وكنز العمال ج 10 ص 285. (1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 187 والبحار ج 20 ص 230 والخرايج والجرائح ج 1 ص 157 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 226 والمغازي للواقدي ج 2 ص 489 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 و 11 ولم تصرح المصادر الثلاثة الاخيرة بانه (ص) ناداه باسمه ثلاث مرات وكذا في المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 148 / 149 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 244 والبداية والنهاية ج 4 ص 133 و 144 وراجع: مجمع البيان ج 8 ص 244 و 245 وتاريخ الخميس 1 ص 491 والبحار ج 20 ص 208 و 20 9 وعيون الاثر ج 2 ص 65 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 174 و 175 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 242 و 243 و 249 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 217 - 219. (*)

[ 435 ]

وثمة نص آخر يقول: إنه (ص) أراد أن يبعث رجلا من أصحابه يعبر الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رجلا فطلب منه ذلك فاعتل، فتركه. وأتى آخر، فاعتل أيضا فتركه، وحذيفة، يسمع، ولكنه صامت لا يتكلم، فأتاه (ص) وهو لا يدري من هو، فسأله إن كان قد سمع ما جرى، فأجاب بالايجاب، ثم اعتذر عن عدم مبادرته لاجابة طلبه (ص) بالجوع والضر. ثم أمره (ص) بالذهاب إلخ (1). ونقول: إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة قضية حذيفة بمالها من خصوصيات وتفاصيل مذكورة آنفا، وإن كنا لا نمنع من أن يكون النبي (ص) قد أرسله لكشف خبر الأحزاب، فعاد إايه فأخبره بأنهم بدأوا بالرحيل.. وكشنا فيما عدا ذلك من تفاصيل وأحداث مزعومة، يستند إلى عدة أمور، نذكر منها. أولا: إننا نجد حذيفة يذكر أنه رأى أبا سفيان في ضوء النار الموقدة، وهو يستدفئ بها مع أصحابه، وأراد أن يرميه بسهم، لولا أنه ذكر وصية النبي (ص) له. وقد رآه رجلا ضخما أدهما.. فكان من الوضوح له أنه استطاع أن يميز لونه، ويعرف أنه أدهم. ولكنه يأتي ويجلس بين نفس تلك العصبة التي حول أبي سفيان. ولا يستطيع أن يراه أحد من تلك العصبة، ولا أحس به. رغم وجود النار والنور. ورغم احساس أبي سفيان بأن رجلا غريبا دخل بينهم. وإذا كانت الظلمة شديدة إلى هذا الحد، فكيف استطاع حذيفة


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 406 و 407. (*)

[ 436 ]

أن يجد مكانه بينهم دون أن يصطدم ولو جزئيا بواحد منهم ؟ !. وكيف استطاع حذيفة أن يرى العصبة وأبا سفيان، ويرى تفرق الأحزاب عنه. ثم لا يراه أحد، ولا يحس به أي منهم على الاطلاق ؟. وثانيا: إذا كان أبو سفيان حين ورود حذيفة ينادي: الرحيل الرحيل، وكذلك كان عامر بن علقمة بن علاثة ينادي الرحيل الرحيل، لا مقام لكم، فما معنى أن يقوم حذيفة بدوره في تخذيلهم، وقف ما علمه الرسول إياه. وثالثا: هناك اختلاف في نصوص الرواية. ونذكر تناقضا صريحا واحدا هنا وهو واقع في الرواية التي ذكرناها أولا نفسها، فهي تقول: إن الريح كانت في عسكر المشركين، ما تجاوز عسكرهم شبرا. مع أنه قد جاء في بداية الرواية نفسها قوله: " ما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحا منها، في أصوات ريحها مثل الصواق، فجعل المنافقون يستأذنون إلخ.. ". ورابعا: تقول الرواية التي ذكرناها أولا: إن النبي (ص) قد أمر حذيفة بأن يأتي قريشا فيقول: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إلخ... ثم يأتي كناية فيقول كذا وكذا، ثم يأتي قيسا فيقول كذا وكذا.. وهذا لا ينسجم مع عنصر السرية الذي الذي كان مطلوبا لحذيفة في ظروف كهذه. كما لا ينسجم مع ما جرى بينه وبين جليسيه حين طلب أبو سفيان أن يعرف كل منهم جليسه. وخامسا: ألف: إن بعض المصادر ذكرت: أنه لما سأل حذيفة

[ 437 ]

جليسه عن اسمه. قال: سبحان الله، أما تعرفني ؟ ! أنا فلان بن فلان، فإذا رجل من هوازن. فما معنى تعجب هذا الرجل ؟ فهل رأى حذيفة وجهه في ذلك الظلام الدامس ولم يعرفه، فأثار ذلك تعجبه ؟ ! ب: كما أننا نعرف أن حذيفة قد حضر حرب أحد، وكان أبو سفيان قائد جيش المشركين في أحد، فهل لم يكن قد رآه آنئذ، ليقول هنا: إنه لم يكن يعرف أبا سفيان حتى ذلك الوقت ؟ !. وحين رآه واقفا يوقد النار ويستدفئ بها كيف عرف أنه أبو سفيان، فلعله رجل آخر من هذا الجيش الكثيف. ج - تذكر رواية الراوندي: أن حذيفة قال: " فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان، وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة، وتخبو أخرى، فانسللت فجلست بينهم ". (1) والسؤال هو: لماذا لم يجد إلا خيمة أبي سفيان، فهل استعصت هذه الخيمة فقط على الريح التي أرسلها الله سبحانه عليهم ؟ !. ودمرت خيام جيش يعد بالالوفلا ؟ ! وسادسا: إن البعض قد أورد ما يشبه هذه الرواية، لكنه يجعل بطلها الزبير من العوام، فهو يقول: قال رسول الله (ص) يوم الاحزاب: من يأتينا بخبر القوم ؟ !. فقال الزبير: أنا.


(1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 157 والبحار ج 20 ص 248 عنه. (*)

[ 438 ]

ثم قال: من يأتينا بخبر القوم ؟ ! فقال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: إن لكل نبي حواري، وإن حواري الزبير (1). ونقول: إذا كان هذا صحيحا فلماذا ترك الزبير، ولم يرسله. وأرسل حذيفة ؟ !. فأجاب البعض: بأن حذيفة إنما ليأتيه بخبر المشركين. أما الزبير فقد كشف خبر بني قريظة (2). ولكنه كلام يصح. لان ابن الديبع قد صرح بأن الزبير هو الذي سمع أبا سفيان ينادي، ويأمرهم بسؤال جلسائهم عن أنفسهم. قال الزبير: فبدأت بجليسي وقلت: من أنت ؟ (3). وقد حاول دحلان أن يجيب ذلك التساؤل بطريقة أخرى، فقال:.


(1) حدائق الانوار ج 2 ص 590 و 591 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 148 وعيون الاثر ج 2 ص 65 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 431 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 247 والسيرة الحلبية ج 2 ص 326 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 270 عن البخاري ومسلم، وسنن الترمذي، وابن ماجة، وفي الاخير عن علي. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 562 و 563 والمواهب اللدنية ج 1 ص 113 وفتح الباري ج 7 ص 312. (3) حدائق الانوار ج 2 ص 590 و 591. (*)

[ 439 ]

" فدعا حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما وأرسله كما سيأتي، ولم يرسل الزبير (رض) مع سؤاله ذلك ثلاثا، لان له حدة وشدة، لا يملك معها نفسه أن يحدث بالقوم شيئا مما نهى عنه حذيفة فيما يأتي، فاختار ارسال حذيفة ذلك. هذا هو التحقيق عند ائمة السير. وهو أن المرسل إنما هو حذيفة (رص). ونسب الارسال إلى الزبير، وهو اشتباه. وإنما إرسال الزبير (رض) في كشف خبر بني قريظة لما نقصوا العهد " (1) انتهى. ونقول: قد تقدم: أن ارسال الزبير إلى بني قريظة لا يصح أيضا، فراجع. وأما أنه (ص) عدل عن الزبير إلى حذيفة لاجل حدة كانت في الزبير، فإنما هو على فرض تسليم أصل القصة. وهي مردودة جملة وتفصيلا، لان حذيفة يصرح بأنه (ص) ناداهم ثلاثا فلم يجب منهم أحد، وهذا يكذب أن يكون الزبير قد أجاب ثلاث مرات. حقيقة القضية: ونعتقد: أن ما يذكر للزبير هنا إنما هو من مجعولات محبيه، لينال وساما عن غير جدارة ولا استحقاق. أما حذيفة، فقد يكون النبي صلى الله عليه وآله أرسله لكشف خبر المشركين. فراقبهم عن بعد، أو عن قرب، وسمع بعض


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 10 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328. (*)

[ 440 ]

أقوالهم. ثم الرواة على ذلك ما شاؤا حتى أخرجوا القضية عن حدود المعقول والمقبول. رسالة أبي سفيان للنبي (ص) قبل الرحيل: وكتب أبو سفيان إلى النبي (ص) رسالة النبي (ص) رسالة يقول فيها: لقد سرت إليك في جمعنا. وإنا نريد ألا نعود إليك أبدا حتى نستأصلك، فرأيتك قد كرهت لقاءنا وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا ؟. فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد، تبقر فيه النساء. وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجمشي. فقرأه له أبي بن كعب. فكتب إليه (ص): أما بعد، فقديما غرك بالله الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر الله يحول بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق، فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك. وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح. وليأتين عليك يوم اكسر فيه اللات يوالعزى، واساف، ونائلة، وهبل حتى أذكرك ذلك (1).


(1) المغازي ج 2 ص 492 والامتاع ج 1 ص 240 وخاتم النبيين ج 2 ص 942 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 وراجع أنساب الاشراف ج 1 ص 344 وراجع النزاع والتخاصم ص 17 و 18 والغدير ج 3 ص 252 عنه. (*)

[ 441 ]

ثمة نص آخر لكتاب كتبه أبو سفيان فليراجع (1). الرحيل الذليل: وذكر الواقدي: أن أبا سفيان جلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه، فوثب على ثلاث قوائم، فما أطلق عقاله إلا بعد ما قام. فناداه عكرمة: إنك رأس القوم وقائدهم، تقشع ؟ وتترك الناس ؟. فاستحيا، فأناخ جمله نزل عنه، وأخذ بزمامه وهو يقوده. وقالوا: ارحلوا قال، فجعل الناس يرتحلون وهو قائم حتى خف العسكر. ثم قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، لا بد لي ولك أن نقيم في جريدة من خيل بازاء محمد وأصحابه، فإنا لا نأمن أن نطلب حتى ينفذ العسكر. فقال عمرو: أنا أقيم. وقال لخالد بن الوليد: ما ترى يا أبا سليمان ؟. فقال: أنا أيضا أقيم. فأقام عمر وخالد في ماءتي فارس وسار العسكر إلا هذه الجريدة على متون الخيل. وأقامت الخيل حتى السحر، ثم مضوا فلحقوا الاثقال والعسكر مع ارتفاع النهار بملل. ولما ارتحلت غطفان وقف مسعود بن رخيلة في خيل من


(1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 493 والسيرة الحلبية ج 2 ص 331. (*)

[ 442 ]

أصحابه، ووقف الحارث بن عوف في خيل من أصحابه، وقف فرسان من بني سليم في أصحابهم، ثم تحملوا في طريق واحدة، وكرهوا أن يتفرقوا حتى أتوا على المراض (موضع على ستة وثلاثين ميلا من المدينة) ثم تفرقوا إلى محالهم (1). لكن الراوندي يقول: إن أبا سفيان قال لخالد: إما أن تتقدم أنت إلي الناس، ليلحق بعضهم ببعض، فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا وتكون على الساقة. قال بل أتقدم أنا وتتأخر أنت. فقاموا جمعيا، فتقدموا، وتأخر أبو سفيان فخرج من الخيمة، وأنا اختفيت في ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال، فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت إلخ (2). فالرواية المتقدمة تقول: إن خالدا قد بقي هو وعمرو بن العاص في جريدة من مائتي فارس، وهذه تقول: إن خالدا تقدم على أبي سفيان، وإبن العاص حيث بقي أبو سفيان على ساقة العسكر، وابن العاص في الجريدة، التي تأخرت. ومهما يكن من أمر، فقد روي عن قتادة: أن سيد كل حي كان يقول: يا بني فلان هلم إلي، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النحاة،


(1) المغازي ج 2 ص 490 وأشار إلى في عيون الاثر ج 2 ص 66، وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 11 و 12 والسيرة الحلبية ج 2 ص 327 وراجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 239. (2) الخرائج والجرائح ج 1 ص 157 والبحار ج 20 ص 248 عنه. (*)

[ 443 ]

النجاة أتيتم. لما بعث الله عليهم من الرعب، وتركوا ما استثقلوه من متاعهم (1). ويقول البلاذري: بعد أن ذكر: أن الله سبحانه قد أرسل عليهم ريحا صفراء، فملات عيونهم فداخلهم الفشل والوهن، وانهزم المشركون وانصرفوا إلى معسكرهم، ودامت عليهم الريح.. " وقالت غطفان وسليم: والله، لمحمد أحب إلينا، وأولى بنا من يهود، فما بالنا نؤذيه وأنفسنا، وكانت تلك السنة مجدبة، فجهدوا، وأضر مقامهم بكراعهم، فانصرفوا، وانصرف الناس " (2). وكفى الله المؤمنين القتال (بعلي) (ع): إن ملاحظة معظم المؤخرين تعطينا: 1 - إن ما فعله نعيم بن مسعود - حسب زعمهم - من الفتنة بين بني قريظة والمشركين، ثم إرسال الريح عليهم. كان هو السبب في هزيمة الاحزاب (3). 2 - وبعضهم يرى: أن السبب هو الريح فقط، أو الريح والجنود (4).


(1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 269 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 546 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12. (2) أنساب الاشراف ج 1 ص 345. (3) راجع على سبيل المثال: فتح الباري ج 7 ص 302. (4) راجع سيرة مغلطاي ص 56 والدر المنثور ج 5 ص 192 عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن السدي وقتادة. (*)

[ 444 ]

3 - والبعض يرى: أن ما فعله نعيم هو السبب (1). بل يقول البعض: إن دور الريح والملائكة كان صوريا. والسبب الحقيقي هو الفرقة التي بثها رسول الله (ص) بين صفوف المهاجمين، فأصبح بعضهم لا يأمن بعضا قبل المعركة قبل المعركة، فكيف يأمنه إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق ؟ !. ولذلك ما إن هبت عليهم الرياح التي أرسلها الله حتى اتخذوها ذريعة للانسحاب من ميدان القتال يحملون في قلوبهم الضغائن على بعضهم (2). وهو كلام عجيب لما فيه من الجرأة والوقاحة على نفي كلام القرآن، الذي يصرح بالدور القوي للملائكة وللريح في حسم الموقف، كما تقدم في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذا جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها). فهل يرى هذا الكاتب أن ما أرسله الله سبحانه لم يكن له أي أثر أو دور إلا أنه اتخذ ذريعة للفرار من قبل المشركين ؟ !. وقد ورد أنه صلى الله عليه وآله كان يقول: " لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب (أو وهزم) الاحزاب وحده، فلا شئ بعده " (3).


(1) الدر المنثور ج 2 ص 195 عن ابن سعد بن المسيب. (2) التفسير السياسي السيرة ص 262 / 263. (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550 عن البخاري والبداية والنهاية ج 4 ص 11 1 و 115 عن الصحيحين ومجمع البيان ج 8 ص 245 وتاريخ (*)

[ 445 ]

ونقول: إن النصوص المختلفة تلمح وتصرح: بأن هزيمة الاحزاب كانت لاسباب ثلاثة: الاول: وهن أمر المشركين بسبب تضعضع ثقتهم ببعضهم البعض، مع طول الحصار، ثم مع ما واجهوه من مصاعب فيما يرتبط بالناحية المعيشية لهم ولكراعهم. وذلك لان خروجهم إلى حرب النبي بعد انقضاء زمن الحصاد، وفي سنة مجدبة، قد تسبب بنكسة قوية. وهو يدل على أنهم لم يدرسوا الموقف من جميع جوانبه، ولعل ذلك لاجل أنهم كانوا مطمئنين إلى أنهم سيحسمون الموقف لصالحهم في فترة وجيزة ففاجأهم الرسول بخطته الحربية التي التي كانت الظهر بالنسبة إليهم. الثاني: ما أرسله الله سبحانه عليهم من الريح والجنود التي لا ترى، فإن الاية وإن لم تصرح بأن هزيمتهم كانت بسبب ذلك إلا أن عدم التصريح هذا لان ذلك لم يكن هو تمام السبب في الهزيمة، بل كان من المؤثرات فيها. الثالث: ما قذفه في قلوبهم من الرعب، بسبب قتل فرسانهم وكبش كتيبتهم، حتى يئسوا من أن يلجوا الخندق مرة أخرى قال ابن


الاسلام للذهبي (المغازي) ص 250 وعن مسلم كتاب الذكر ج 8 ص 83 والبحار ج 20 ص 209 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 456 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 وبهجة المحافل ج 1 ص 271 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 214 و 221 وعن فتح الباري ج 7 ص 406. (*)

[ 446 ]

العبري: " وبقوا بضعة وعشرين يوما لم يكن بينهم حرب. ثم جعل واحد من المشركين يدعو إلى البراز، فسعى نحوه علي بن أبي طالب، فقتله وقتل بعده صاحبا له، وكان قتلهما سبب هزيمة الاحزاب، على كثرة عددهم، ووفرة عددهم " (1). ب: وقال المعتزلي: " الذي هزم الاحزاب هو علي بن أبي طالب، لانه قتل شجاعهم وفارسهم عمروا لما اقتحموا الخندق، فأصبحوا صبيحة تلك هاربين مفلولين، من غير حرب سوى قتل فارسهم " (2). ج: وقال الشيخ المفيد: " فتوجه العتب إليهم، والتوبيخ والتقريع، والخطاب. ولم ينج من ذلك أحد بالاتفاق إلا أمير المؤمنين عليه السلام، إذ كان الفتح له، وعلي يديه. وكان قتله عمروا ونوفل بن عبد الله سبب هزيمة المشركين " (3). د: ويقولون أيضا: " وفر عكرمة، وهبيرة، ومرداس، وضرار، حتى انتهوا إلى جيشهم، فأخبروهم قتل عمرو نوفل، فتوهن من ذلك قريش، خاف أبو سفيان. وكادت أن تهرب فزارة، وتفرقت غطفان " (4). ه‍: تقدم عن علي عليه الصلاة والسلام أنه قال عن قتله لعمرو بن عبد ود يوم الاحزاب.


(1) تاريخ مختصر الدول ص 95. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 5 ص 7. (3) الارشاد ص 62 والبحار ج 20 ص 258. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 487 / 488 عن روضة الاحباب. (*)

[ 447 ]

" فهزم الله قريشا والعرب بذلك، وبما كان في مني فيهم من النكاية " (1). و: ثم هناك ما روي عن ابن مسعود من أنه كان يقرأ - على سبيل التفسير والبيان طبعا - وكفى الله المؤمنين القتال بعلي (2). فكلمة: بعلي ليست من القرآن، وإنما هي زيادة تفسيرية للاية، للتأكيد على نزولها في أمير المؤمنين عليه السلام. وما أكثر القراءات التفسيرية هذه. فراجع كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم. ز: عن ابن عباس: كفاهم الله القتال يوم الخندق، بعلي بن أبي


(1) الخصال للشيخ الصدوق ج 2 ص 369 والبحار ج 20 ص 244. (2) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 192 عن ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر وينابيع المودة ص 94 و 96 و 137 عن المناقب وأبي نعيم وميزان الاعتدال ج 2 ص 380 ومناقب آل طالب ج 3 ص 134 والارشاد للمفيد ص 62 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 206 وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 323 والبحر المحيط ج 7 ص 224 ورورح المعاني ج 21 ص 175 وكفاية الطالب ص 234 ومجمع البيان ج 8 ص 350 و 34 3 والبحار ج 20 ص 196 و 205 و 259 وج 41 ص 88 وشواهد التنزيل ط وزارة الثقافة والارشاد الايرانية ص 7 و 8 و 9 ج 2 ونهج الحق ص 199 وترجمة الامام علي من تاريخ دمشق ج 2 ص 420. وملحقات إحقاق الحق للمرعشي النجفي ج 3 ص 376 - 380 وج 14 ص 327 - 329 وج 20 عن مصادر تقدمت وعن المصادر التالية: معارج النبوة للكاشفي ج 1 ص 163 ومناقب مرتضوي ص 55 ومفتاح النجا للبدخشي ص 41 مخلوط وتجهيز الجيش ص 81 مخلوط ودر بحر المناقب ص 85 مخلوط. وارجح المطالب ص 75 و 186. (*)

[ 448 ]

طالب، حين قتل عمرو بن عبد ود (1). وذكر القمي أيضا نزول الاية في علي فراجع (2) وكذا روي عن الامام الصادق (3). ح: تقدم في الفصل السابق قول الحافظ يحيى بن آدم، أو جابر بن عبد الله الانصاري: ما شبهت قتل علي عمروا إلا بقوله تعالى: فهزموهم باذن الله، وقتل داود جالوت. ط: قال الشيخ المفيد: " وقال الله بعد قتله هؤلاء النفر (يعني: عمروا وأصحابه): " الان نغزوهم ولا يغزوننا " (4). وعند المعتزلي الشافعي: أنه صلى الله عليه وآله قال عند قتل عمرو: " ذهبت ريحهم، ولا يغزوننا بعد اليوم، ونحن نغزوهم إن شاء الله " (5). اشجع الامة: قال المحقق التستري: تدل الاية بناء على قراءة ابن مسعود: " على كون أشجع من كل الامة. وأنه تعالى به عليه السلام كفى


(1) شواهد التنزيل ط وزراة ا 0 لثقافة والارشاد الايرانية ج 2 ص 10 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 13 ص 284 عن الاسكافي. (2) تفسير القمي ج 2 ص 189 والبحار ج 20 ص 233. (3) ينابيع المودة ص 96 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 134 والبحار ج 41 ص 88. (4) الارشاد ص 62 والبحار ج 20 ص 258. (5) شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 19 ص 62 والبحار ج 20 ص 273 عنه. (*)

[ 449 ]

شر العدو عنهم يوم الاحزاب، فيكون أفضل منهم، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " (1). وقال المظفر: "... فمنه حياة الاسلام والمسلمين، ولولا أن يكفيهم الله تعالى القتال بعلي لاندرست معالم الاسلام، لضعف المسلمين ذلك اليوم، وظهور الوهن عليهم إلخ... " (2). مفارقة في الموقف: وقد ذكرت إحدى الروايات: أن هند بنت عمرو بن حزام، حين قتل زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله، وابنها في حرب أحد. قالت لعائشة: أما رسول الله (ص) فصالح، وكل مصيبة بعدة جلل. واتخذ الله من المؤمنين شهداء. " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لما ينالوا خيرا. وكفى الله المؤمنين القتال. وكان الله قويا عزيزا ". قال المعتزلي: قلت: هكذا وردت الرواية. وعندي أنها لم تقل كل ذلك. ولعلها قالت: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم " لا غير، وإلا فكيف يواطئ كلامها آية من كلام الله تعالى، أنزلت بعد الخندق. والخندق بعد أحد. هذا من البعيد جدا (3). ونقول: إننا نوافق المعتزلي على ما قاله. ولكننا نقول له: كيف صار


(1) احقاق الحق ج 3 ص 381. والاية في سورة النساء 95. (2) دلائل الصدق ج 2 ص 175. (3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 14 ص 262. (*)

[ 450 ]

هذا من البعيد جدا، ولم تكن موافقات عمر للقرآن (1) على اختلافها وتنوعها، من البعيد جدا أيضا ؟ !. أم أن عبقرية عمر ليست لغيره من البشر، حتى الانبياء وأوصيائهم، فضلا عن النساء ؟ أم أن حق التأليف القرآني محفوظ لعمر بن الخطاب بالاشتراك مع العزة الالهية ؟ ! تعالى الله عما يقول الجاهلون والوضاعون لفضائل عمر علوا كبيرا. الان نغزوهم، ولا يغزوننا: وذكروا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال يوم الاحزاب، حين أجلاهم الله سبحانه: الان نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم. أو قال: لن تغزوكم قريش بعد عامهم (أو عامكم) هذا. أو نحن ذلك (2) فلم كفار قريش المسلمين بعد


(1) راجع: على سبيل المثال تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 32 - 34 وراجع: الغدير للعلامة الاميني ج 5 ص 43 - 65. (2) راجع المصادر التالية: سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 549 عن أحمد، والبخاري، والبزار، والبيهقي، وأبي نعيم. وفتح الباري ج 7 ص 312 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 394، و 457 و 458 والسيرة النبوية لابن لدحلان ج 2 ص 12 ووفاء الوفاء ج 1 ص 305 وشرح النهج للمعتزلي ج 19 ص 62 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 251 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 وصحيح البخاري ج 3 ص 22 والبحار ج 20 ص 258 و 273 و 209 والارشاد للمفيد ص 62 ونهاية الارب ج 17 ص 178 وعيون الاثر ج 2 ص 66 وراجع ص 76 (*)

[ 451 ]

الخندق (1). متى قال النبي كلمة: وقد صرح المفيد والمعتزلي بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قال ذلك حين قتل عمرو وأصحابه. لكن المؤرخين الاخرين. يذكرون ذلك بعد جلاء الاحزاب والظاهر هو أنه لا فرق بين القولين، لان جلاء الاحزاب. كان في اليوم الثاني، أو الثالث، من قتل الفرسان. فلم يكن هناك فاصل زماني يعتد به. ولا حدثت بعد قتلهم أحداث متميزة ومهمة سوى ما أرسله الله سبحانه على الاحزاب من الريح. ولعل البعض قد حاول تعمية الامر هنا، لاجل أن يقلل من أهمية الانجاز الكبير الذي حققة علي عليه السلام، الذي ابتلي بأناس لا يزالون يحاولن انكار فضائله، واطفاء نور جهاده الرسالي الرائد.


وحدائق الانوار ج 2 ص 592 والكامل في التاريخ ج 2 ص 184 والبداية والنهاية ج 4 ص 115 عن ابن اسحاق ومجمع البيان ج 8 ص 344 وبهجة المحافل ج 1 ص 271 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 221 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492. (1) امتاع الأسماع ج 1 ص 241 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 549 والبداية والنهاية ج 4 ص 115 ومجمع البيان ج 2 ص 345 والبحار ج 20 ص 209 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 ودلائل النبوة للبيهي ج 3 ص 458 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 266 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 221 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 207 والبحر المحيط ج 7 ص 224. (*)

[ 452 ]

لماذا لن تغزوهم قريش بعد اليوم: لقد المشركون بعد حرب أحد: أن المسلمين قد هزموا، وتكبدوا خسائر فادحة، رغم أن نهايات حرب كانت كبداياتها قد أرعبت جيش الشرك، وهزمته روحيا وعسكريا. وإن كانت قد حصلت نكسة في أواسط المعركة، تكبد المسلمون بسببها خسارة كبيرة ولكنهم بفضل جهاد علي عليه السلام، ثم عودة الخلص من المسلمين للقتال قد استعادوا زمام المبادرة، وانتهت الحرب بهزيمة المشركين وكسر عنفوانهم، وتكبدوا هم أيضا خسائر كبيرة على مستوى القيادات وغيرها. ولكن الخسارة التي مني بها المسلمون كانت أكبر - كما قلنا - فكان أن أشاع المشركون أنهم قد انتصروا في حرب أحد، كمحاولة دعائية فارغة لرد الارعتبار. ثم حزبوا الاحزاب، وجمعوا الجموع، واتفقوا مع يهود بني قريظة، فانتعشت آمالهم من جديد. بدا واضحا لهم: أن أمر المسلمين قد انتهى. وأصبحت المسألة مسألة وقت لا أكثر ولا أقل. وقد كانت المشاركة الشاملة للقبائل الفاعلة في المنطقة تطمئن زعماء قريش، الذين حشدوا كل ما لديهم من قوى بشرية ومادية لحسم هذا الامر، والتخلص من هذا الكابوس الجاثم على صدورهم. ولكن وجود الخندق، حسن ادارة الرسول لامر الحرب معهم، قد هيأ للمسلمين فرصة للمطاولة في أمر الحرب، حتى مل الاحزاب طول الحصار، وأصبحوا يواجهون مشكلات على مستوى التموين وغيره. ثم ظهرت خلافات زعزعت الثقة فيما بين الفرقاء المؤتلفين،

[ 453 ]

حيث فسد الامر بينهم وبين بني قريظة وكان الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم السبب في ظهورها، حسبما أوضحناه. ثم كان قتل علي عليه السلام لعمرو، فارس الاحزاب وكيش كتيبتهم، ولمن معه، وفرار الباقين، هو الضرة القاصمة لهم، والمرعبة لقلوبهم. وجاءت الريح لتثير في نفوسهم المزيد من الخوف والرهبة، والاحساس بالوحشة والوحدة. حيث يجد كل منهم نفسه مسؤولا عن حفظ نفسه في مواجهة طغيان هذه الريح. ولا أحد يستطيع مساعدته والدفع عنه. فآثروا الفرار على القرار، خوفا من أن يبطش بهم سيف الاسلام من جديد، دون أن يتمكنوا من لم شعثهم، وتسوية صفوفهم. بل وحتى دون أن يتمكنوا من رؤية ما حولهم، لانهم أصبحوا في ظلمة شديدة، وحالة مزرية إلى أبعد الحدود. فكانت الهزيمة، وكان الخزي والعار لهم، دون أن يتمكنوا من تحقيق أي شئ سوى أنهم قتلوا أفرادا قليلين، قد لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة وقد خسروا في المقابل ما يعادل نفس هذا العدد، إلا أن من بينهم فارس قريش والعرب عمرو بن عبد ود العامري لعنه الله. فإذا كان هذا أكبر حشد يمكن لقوى الشرك والكفر في المنطقة كلها أن تقوم به، وقد طار صيت هذا الحشد في مختلف البلاد، وشدت إليه الانظار، وانتظر الناس أخباره في الليل والنهار، وتوقعت القبائل نتائجه في مختلف أرجاء الجزيرة العربية بفارغ الصبر لا سيما وأن الهدف الذي أعلنوه لهذاه الحرب، هو استئصال محمد ومن معه،

[ 454 ]

حسبما تقدم (1). فإن النتائج التي قدمها هذا الحشد كله، قد جاءت بمثابة زلزال هز المنطقة من الاعماق. وبث روح الفشل والوهن في كل قلب، وزرع الخوف والرعب في كل بيت. وحدثت الهزيمة الساحقة والماحقة لكل عنفوان الشرك، وجبروت الكفر حيث فهم الجميع أن أقصى ما يمكن لهم أن يفعلوه ضد الاسلام ونبي الاسلام قد فعلته قريش والاحزاب ولم ينته إلى نتيجة. وكانت النتيجة كذلك هي أن قريشا قد فقدت الكثير من نفوذها ومكانتها، ولم تعد الكثير من القبائل تجد نفسها ملزمة بالخط أو الموقف الذي تريد قريش الزامها به. ولم يعد بالامكان اقناع الكثير من القبائل بالمخاطرة بمستقبلها، والدخول في حرب جديدة مع الاسلام ومع المسلمين. أضف إلى ذلك: أنه لم يعد بالامكان تحصيل درجة كافية من الوثوق بالاخرين، الذين لا بد من ضمان مشاركتهم الفاعلة حتى النهاية. بعدما أثبتت التجربة مع بني قريظة، بل وفيما بن فئات المشركين أنفسهم أن الرهان على ذلك رهان فاشل، بل هو رهان على يباب وسراب. وهكذا فإن القبائل التي باتت على يقين من عجزها عن مواجهة


(1) راجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 241 وخاتم النبيين ج 2 ص 942 والمغازي للواقدي ج 2 وبقية المصادر، وهي كثيرة جدا - تجدها في فصل: الاحزاب إلى المدينة: وفي فصل: غدر بني قريظة. (*)

[ 455 ]

الاسلام تسير باتجاه ترميم علاقاتها، وتحسينها مع التيار الاسلامي الجديد، الذي لا يزال يتنامى ويتاظم في المنطقة بصورة مطردة. وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نغزوهم ولا يغزوننا أما هو قريب من هذا. وأصبح زمام المبادأة العسكرية على الخصوص بيد المسلمين. منذ هزيمة الاحزاب واليهود في حرب الخندق. وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا. غلط حسابات المعتزلي: وقد ادعى المعتزلي: أن النبي " انتصر يوم بدر، وانتصر المشركون عليه يوم أحد وكان يوم الخندق كفافا، خرج هو وهم سواء لا عليه ولا له، لانهم قتلوا رئيس الاوس، وهو سعد بن معاذ. وقتل منهم فارس قريش، وهو عمرو بن ود. وانصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك التي كانت " (1). وقد اشتبه الامر المعتزلي في موضعين. أحدهما: قول: إن المشركين انتصروا على النبي (ص) يوم أحد. وقد بينا في غزوة أحد: أن النصر فيها كان المسلمين، وأن المشركين قد فروا من ساحة الحرب، خوفا من أن يدال المسلمون منهم بصورة أشد وأعنف. نعم قد حصلت نكسة للمسلمين في وسط المعركة، ثم تجاوزوها بفضل جهاد علي. وقتله العديد من قادة


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 220. (*)

[ 456 ]

كتائب المشركين، فراجع. الثاني: دعواه: أنه يوم الاحزاب لم يكن النصر لاحد، مع أن النصر فيها كان للمسلمين، وذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان. وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم من نصوص وبحوث. إلا أن يكون محط نظر المعتزلي هو عدد القتلى الذين سقطوا من الفريقين في هذه المعارك. ولكن من الواضح: أن تعبيره بالنصر والهزيمة - والحالة هذه - يصبح بلا مبرر. الشهداء والقتلى: 1 - الشهداء من المسلمين: قال مالك: لم يستشهد يوم الخندق إلا أربعة، أو خمسة (1). وقال أبو زهرة: خمسة (2). وقيل: كان الشهداء ستة، منهم سعد بن معاذ. وزاد الكازروني: أنهم من الانصار (3).


(1) وفاء ج 1 ص 304 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 عن الوفاء والجامع للقيرواني ص 281. (2) خاتم النيين ج 2 ص 938. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 وراجع: البداء والتاريخ ج 4 ص 220 ومختصر التاريخ ص 43 والوفاء ص 694 وامتاع الاسماع ج 1 ص 240 و 241، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 198 وبهجة المحافل وشرحه ج 1 ص 272 وحبيب السير ج 1 ص 364 ووفاء ج 1 ص 304 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550 و 551 والمغازي للواقدي ج 2 ص 495 و 496 وعيون الاثر ج 2 ص 67 (*)

[ 457 ]

وقال البعض: استشهد سعد في سبعة من الانصار (1). وقال البعض: قتل من المسلمين ثمانية، مضيقا الرجلين اللذين قيل: إنهما كانا طليعة للمسلمين فقتلا (2) وقد تقدم عدم صحة ذلك. 2 - القتلى من المشركين: وقتل من المشركين ثمانية (3) وقيل ثلاثة (4). وقيل: أربعة جميعهم من قريش (5). وقد سمت بعض المصادر الشهداء والقتلى. أما الشهداء، فهم: ثلاثة من بني عبد الاشهل: سعد بن معاذ. رمي بسهم وأنس بن أوس، قتله خالد بن الوليد. وعبد الله بن سعد. رماه رجل من بني عويف فقتله. واثنان من بني جشم، هم: الطفيل بن النعمان. قتله وحشي. بن عمة. قتله هبيرة بن أبي وهب.


والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 و 265 والبداية والنهاية ج 4 ص 115 و 116 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 252 وراجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ونهاية الارب ج 17 ص 178 و 179 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 206 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. (1) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32. (2) الرسول العربي، وفن الحرب. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 50. (4) راجع المصادر التي تقدمت للقول بأن شهداء المسلمين ستة. (5) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 32 والرسول العربي وفن الحرب ص 254 وروح المعاني ج 21 ص 175. (*)

[ 458 ]

وواحد من بني النجار (أو دينار) هو كعب بن زيد. أصابه سهم غرب فقتله. وقيل: قتله ضرار بن الخطاب. والثلاثة الذين من المشركين هم: منبه بن عثمان (أو عثمان بن أمية بن منبه) أصابه سهم فمات بمكة. ونوفل بن عبد الله. وعمرو بن عبد ود (1). وعبيد بن السباق (2) فليتأمل في هذا الاخير وليراجع كلام ابن اسحاق. وتقدم أن حسل بن عمرو بن عبد ود قد قتل هو الاخر مع أبيه. فراجع الفصل السابق. وقال ابن شهر آشوب: أن عليا عليه السلام قتل يوم الاحزاب: عمرو بن عبد ود وولده، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، ومنبه بن عثمان العبدري، وهبيرة بن أبي هبيرة المخزومي (3). وزاد الدمياطي في الشهداء من المسلمين: قيس بن زيد بن عامر، وعبد الله بن أبي خالد، وأبا سنان بن صيفي بن صخر. ذكر


(1) راجع: امتاع الاسماع ج 1 ص 240 و 241 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550 و 551 والمغازي للواقدي ج 2 ص 495 و 496 وعيون الاثر ج 2 ص 67 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 و 265 والبداية والنهاية ج 4 ص 115 و 116 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 222 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 252 وتاريخ الامم والملوك ج 2 وتاريخ الخميس ج 1 ص 492 ونهاية الارب ج 17 ص 178 و 179 وتهذيب سيرة ابن هشام ص 206 وحبيب السير ج 1 ص 364 وبهجة المحافل ج 1 ص 272 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 والبحر المحيط ج 7 ص 224 وروح المعاني ج 21 ص 175. (2) البحر المحيط ج 7 ص 224. (3) مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 83. (*)

[ 459 ]

الحافظ في الكنى: أنه شهد بدرا، واستشهد في الخندق (1). العودة إلى المدينة: قالوا: " وأصبح رسول الله (ص) بالخندق، وليس بحضرته أحد من عساكر المشركين. قد هربوا وانقشعوا إلى بلادهم. فأذن للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم. فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك. فكره رسول الله (ص) أن تعلم بنو قريظة حب رجعتهم إلى منازلهم. فأمر بردهم، فبعث من ينادي في أثرهم، فما رجع منهم رجل واحد " (2). زاد في نص آخر قوله: " من القر والجوع. قالا: وكره رسول الله (ص) سرعتهم، وكره أن يكون لقريش عيون. قال جابر: فرجعت إلى رسول الله (ص) فلقيته في بني حرام منصرفا، فأخبرته، فضحك (ص) " (3). ويقول القمي عن الاحزاب: " ففروا منهزمين. فلما أصبح رسول الله (ص) قال لاصحابه: لا تبرحوا. فلما طلعت الشمس دخلوا


(1) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 551 وعيون الاثر ج 2 ص 67 و 68 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. (2) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550 والمغازي ج 2 ض 491. وفي امتاع الاسماع ج 1 ص 239 اكتفى بالقول: " وأصبح (ص)، فأذن للمسلمين بالانصراف، فلحقوا بمنازلهم ". (3) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550 عن الطبراني، والواقدي. والمغازي للواقدي ج 2 ص 492. (*)

[ 460 ]

المدينة، وبقي رسول الله (ص) في نفر يسير (1) ". ويقول الراوندي: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس. فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا. فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله (ص)، ومن كان معه، فلما دخل منزلة إلخ " (2). وكان انصرافه (ص) من غزوة الخندق لسبع ليال بقين من ذي القعدة (3). وكان المنافقون بناحية المدينة يتحدثون بنبي الله (ص) وأصحابه، ويقولون: ما هلكوا بعد ؟ !. ولم يعلموا بذهاب الاحزاب. وسرهم أن جاءهم الاحزاب، وهم بادون في الاعراب (4).


(1) تفسير القمي ج 2 ص 187 والبحار ج 20 ص 231. (2) الخرائج والجرائح ج 1 ص 158 والبحار ج 20 ص 248 عنه. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 492 وعيون الاثر ج 2 ص 66 وراجع: نهاية الارب ج 17 ص 178 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 12 والمواهب اللدنية ج 1 ص 115 وفتح الباري ج 7 ص 311. (4) سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 550. (*)

[ 461 ]

عثمان وبنت النبي في الخندق: وقد روى قطب الدين الراوندي قصة المغيرة بن أبي العاص في غزوة الخندق وملخص ما هو محط نظرنا منها: أن المغيرة بن أبي العاص ادعى: أنه رمى رسول الله (ص) فكسر رباعيته، وشق شقتيه وكذب، وادعى أنه قتل حمزة وكذب. فلما كان يوم الخندق ضرب الله على أذنيه، فنام ولم يستيقظ حتى أصبح، فخشي أن يجئ الطلب فيأخذوه، وجاء إلى منزل عثمان، وتسمى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن. فأدخله عثمان منزله، فلما علمت امرأة عثمان ما صنع بأبيها وعمها صاحت، فأسكتها عثمان. ثم خرج إلى رسول الله، فطلب منه الامان للمغيرة ثلاث مرات، والنبي يحول وجهه عنه حتى آمنه في الثالثة. وأجله ثلاثا، ولعن من أعطاه راحلة، أو رحلا، أو قتبا، أو سقاء، أو قربة، أو إداوة، أو خفاء، أو نعلا، أو زادا أو ماء. فأعطاه عثمان هذه الاشياء. ولم يوفق للخروج من محيط المدينة فأعلم حتى أصبح، فخشي أن يجئ الطلب فيأخذوه، وجاء إلى منزل عثمان، وتسمى باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن. فأدخله عثمان منزله، فلما علمت امرأة عثمان ما صنع بأبيها وعمها صاحت، فأسكتها عثمان. ثم خرج إلى رسول الله، فطلب منه الامان للمغيرة ثلاث مرات، والنبي يحول وجهه عنه حتى آمنه في الثالثة. وأجله ثلاثا، ولعن من أعطاه راحلة، أو رحلا، أو قتبا، أو سقاء، أو قربة، أو إداوة، أو خفاء، أو نعلا، أو زادا أو ماء. فأعطاه عثمان هذه الاشياء. ولم يوفق للخروج من محيط المدينة فأعلم جرائيل النبي بمكانه، فأرسل زيد بن حارثة والزبير، فقتله زيد لان النبي كان قد آخى بين زيد وحمزة. فرجع عثمان إلى امرأته، واتهمها بأنها كانت قد أخبرت أباها بمكان عمه، فحلفت له بالله ما فعلت، فضربها بخشبة القتب ضربا مبرحا - كان سبب وفاتها في اليوم الثاني، وقد منع النبي (ص) عثمان

[ 462 ]

- الذي كان قد ألم بجاريته ليلة وفاتها - من حضور جنازتها (1). ولكن قد تقدم بعد غزوة حمراء الاسد: أن هذه القضية قد حصلت بعد واقعة أحد. وربما تكون رواية الراوندي أقرب والله هو العالم.


(1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 94 - 96 والبحار ج 22 ص 158. وقال في هامش الخارئج: ورواه: بنحو آخر في الكافي ج 3 ص 251 والتهذيب ج 3 ص 333 وأخرجه في الوسائل ج 2 ص 818. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية