الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 8

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 8


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء الثامن

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م - 1415 ه‍

[ 5 ]

الباب الثامن: غزوة بني النضير

[ 7 ]

الفصل الأول: الصوص والآثار

[ 9 ]

تمهيد ضروري: هناك بعض الأحداث الهامة، والمواقف الحساسة ث، التي تحمل في طياتها الكثير من العبر والعظات، وتترك لها آثارا بارزة على منحى وعمق الفكر الإنساني، والرسالي، وعلى الفهم الدقيق للمسار العام في خط الرسالة.. هذا عدا عن التأثير الظاهر لها في ي البنية العقائدية، والحركة، والسلوك، للانسان في مختلف مراحله وأدواره، وفي كثير من أحوال وأطواره. ولكن هذه الأحداث والمواقف بالذات، وخصوصا ما كان منها في العهد النبوي الشريف لم تنل قسطها من البحث والتقصي، من قبل العلماء وأهل الفكر بل مروا عليها - تقريبا - مرور الكرام، فبدت: وكأنها أمورا تافهة وحقيرة، ومحدودة وصغيرة، وخيل إلى الثيرين: أنها ليس فيها ما ينفع ولا ما يجدي.. فكان طبيعيا أن تبقى الكثير من جوانبها، وحقائقها، وظروفها وملابساتها رهن الابهام، والاهمال. وكأنها ليست حقيقة ثابتة، وإنما هي محض وهم أو خيال ولا نبعد كثيرا إذا قلنا: غزوة بني النضير، كانت واحدة من هذه الأحداث، التي لها هذه الحالة التي أشير إليها، فهي حدث فريد ومتميز لا يقل في أهميته عن أي من الأحداث الكبرى في العهد النبوي

[ 10 ]

الشريف ويتضح ذلك بصورة أجلى وأتم من خلال دراستنا لكثير من النصوص والآثار التي وردت في هذه الواقعة.. ولا أدل على ذلك من أنهم يقولون: إن سورة الحشر - بتمامها - قد نزلت في هذه المناسبة.. وهذا يبرهن على الأهمية البالغة لهذه الواقعة، وعلى أنها كانت تمثل تحولا كبيرإ وإيجابيا، في مسيره العمل والعاملين في سبيل الله سبحانه من جهة.. كما أنها تعتبر - من الجهة الأخرى - ضربة قاسيه وقاصمة لأعداء الله، وأعداء دينه من الكافرين.. فقد كان اليهود - الذين كان بنو النضير - أقواهم شوكة، وأشدهم شكيمة، وأعزهم عزة يعيشون في قلب الدولة الإسلامية، وحيث كان بإمكانهم الإصلاع على أدق دقائقها، وعلى حقائق خقاياها ونواياها، ثم الوقوف على المستوى الحقيقي والدقيق لما تملكه من قدرات وإمكانات مادية ومعنوية.. وعلى كل الواقع الذي كان قائما في داخل المجتمع المجتمع، أو سائر المجالات، ومختلف المواقع. كما أنهم - أعني اليهود - كانوا يمللكون أذرعة، ظاهرة، وخفية، ممتدة هنا وهناك، وفي عمق المجتمع الإسلامي الجديد، حتى على مستوى بعض القيادات فيه، والتي كانت تساهم بشكل فعال في صنع القرار، أو في عرقلته وتعطيله. ثم إن لليهود الهيمنة الروحية والثقافية والعلمية على الأكثرية الساحقة، التي يفترض فيها: أن تكون القاعدة الصلبة، والقرية، التي تعتمد عليها تلك القيادة في تنفيذ القرار، وفي فعاليته، وفي فعالته، وقوة تأثيره، ثم في الحفاظ عليه وحمايته على المدى القريب أو البعيد على حد سواء..

[ 11 ]

هذا.. وعلينا أن لاننسى أن اليهود كانوا يملكون قوة كبيرة في حساب الثروات والأموال.. وبكفي أن نذكر: أنهم كانوا يملكون من (الحلي) الشئ الكثير، قال بعضهم: إنهم كانوا يعيرون للعرب من أهل مكة وغيرهم. وكان يكون عند آل أبي الحقيق (1)، وسيأتي فيي غزوة خيبر: أن آل أبي الحقيق قد قتلوا بسبب ذلك الحلي كما ذلك غير أيضا (2). هذا.. بالاضافة إلى ما كان لليهود من ديون على الناس، قد بلغت حدإ، جعلهم يجدون فيها حائلا دون تسهيل أمر رحيلهم، لولا أن تصدى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لحل هذا المشكل بالصورة التي لم يبق لهم معها أي خيار، حينما أمرهم بالوضع (أي حذف بعض المال) وبالتعجيل في الآجال (3) وعلينا أن لا ننسى: أن هذه الضربة القاسية والقاصمة التي تلقاها اليهود عامة، وبنو النضير بصورة أخص، إنما تمثل إضعافا لواحد من أهم مصادر القوة والتحدي لدى أعداء الإسلام والمسلمين، ولا سيما بالنسبة إلى المشركين، وكل من يتعاطف مههم من القبائل والطوائف في المنطقة العربية، حيث خسروا واحدا من أهم حلفائهم، وذوي القوة والنفوذ فيهم. وقد نجد فيما يأتي من فصول إلماحة أو أكثر إلى هذا الأمر، وإلى غيره من أمور فرض علينا البحث التذكير بها، والإلماح إليها. ولذا.. فإننا سوف نكتفي هنا بهذا القدر، ونبدأ - بحول الله وقوته - بالحديث عن غزوة بني النضير، حسبما يتهيأ لنا فيي نطاق مراعاة نسق (هامش) (1) السير الحلبية ج 2 ص 267. (2) الاموال ص 242 وزاد المعاد ج 2 ص 136 (3) المغازي للواقدي ج 1 ص 374. (*)

[ 12 ]

الكتاب ومستواه، وكثير من الأمور الأخرى التي لابد لنامن مراعاتها، فيما يرتبط بمقتضيات الحبث بصورة عامة.. فنقول.. ومن الله نستمد الحول والقوة، ومنه نطلب التوفيق والتسديد. إننا نذكر في البداية نصا لهذه الغزوة، نخاتاره مما هو بحوزتنا من نصوص، وسوف يكون هذه المرة لإبن كثير في سيرته، وفي بدايته ونهايته، مع حذف بعض ما رأينا من المناسب حذفه.. ثم نشير في نهاية النص إلى جانب من المصادر والمراجع، التي يمكن الرجوع إليها للاطلاع على نصوص هذه الغزوة: فنقول: نص ابن كثير: قال ابن كثير عن سورة الحشر فيي صحيح البخاري عن أبن عباس أنه كان يسميها سورة بني النظير. وحكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت بنو النضير بعد بدربستة أشهر قبل أحد. وقد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به. وهكذا روى حنبل بن إسحاق، عن هلال بن العلاء، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن مطرف بن مازن اليماني، عن معمر، عن الزهري، فذكر غزوة بدر فيي سابع عشر رمضان سنة إثتين. قال: ثم غزابني النضير، ثم غزا أحدا فيي شوال سنة ثلاث، ثم قائل يوم الخندث في شوال سنة أربع. وقال البيهقي: وقد كان الزهري يقول: هي قبل أحد.

[ 13 ]

قال: وذهب آخرون إلى أنها بعدها، وبعد بئر معونة أيضا. قلت: هكذا ذكر ابن إسحاق كما تقدم، فإنه بعد ذكره بئر معونة ورجوع عمرو بن أمية قتله ذينك الرجلين من بني عامر، ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله (ص): ولهذا قال له رسول الله (ص): (لقد قتلت رجلين لأدينهما). قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله (ص) إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمر وبن أمية، للعهد الذي كان (ص) أعطاهما، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عهد وحلف، فلما أتاهم (ص) قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله (ص) إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه. فانتدب لذلك عمر وبن جحاش بن كعب، فقال: أن لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله (ص) في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة. فلما استلبث النبي (ص) أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله (ص) حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدربه. قال الواقدي: فبعث رسول الله (ص) محمد بن مسلمة يأمره بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرفونهم على المقام ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمي حيي بن

[ 14 ]

أخطب، وبعثوا إلى رسول الله (ص): أنهم لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهود. فعند ذلك أمر الناس بالخروج إليهم. قال الواقدي: فحاصروهم خمس عشر ليلة. وقال ابن إسحاق: وأمر النبي (ص) بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم. قال ابن هشام: وساتعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في شهر ربيع الأول. قال ابن إسحاق: فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر حينئذ، وتحصنوا في الحصون، فأمر رسول الله (ص) بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها. قال: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ووديعة ومالك وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلت قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم. فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقه وقال العوفي: عن ابن عباس، أعطى كل ثلاثة بعيرإ يعتقبونه (و) وسقا (1). رواه البيهقي. وروى من طريق يعقوب بن محمد، عن الززهري، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن ابيه، عن جده، عن محمد بن (هامش) (1) الوسق: حمل البعير. (*)

[ 15 ]

مسلمة، أن رسول الله (9) بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال. وروى البيهقي وغيره أنه كانت لهم ديون مؤجلة، فقال رسو الله (ص): ضعوا وتعجلوا. وفي صحته نظر. والله أعلم. قال ابن إسحاق: فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف (1) بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان من أشراف من ذهب منهم إلى خيبر: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها. فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقبلوا بالنساء والإبناء والإموال، معهم الدفون والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر، ما رؤي مثله لحي من الناس في زمانهم. قال: وخلوا الأموال لرسول الله (ص)، يعني النخيل والمزارع، فكانت له خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن هسهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، وأضاف بعضهم إليهما الحارث بن الصمة. حكاه السهيلي. قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان وهما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمر وبن جحاش وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله (ص) (هامش) (1) النجاف: أسكفة الباب. (*)

[ 16 ]

قال ليامين: ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني ؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمر وبن جحاش، فقتله لعنه الله. قال ابن إسحاق: فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكاملها، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله، وما عمل به فيهم. إلى أن قال ابن كثير: فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال، فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم، على أنهم لا يصحبون شيئا من السلاح إهانة لهم وإحتقارا، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار. إلى أن قال: وقد روى البخاري ومسلم جميعإ عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله (ص) حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين). وعند البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله (ص) حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت: وهان على سراة بن لوي حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول: أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بستر وتعلم أي أرضينا نضير قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل

[ 17 ]

كعب ابن الأشرف فالله اعلم: لقد خزيت بغدرتها الحبور (1) * كذاك الدهر ذو صرف يدور وذلك أنهم كفروا برب * عظيم أمره أمر كبير وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير نذير صادق ادى كتابا * وآيات مبينة تنير فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير فقال: بلى لقد أحديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يخز الكفور فلما أشربوا غدرا وكفرا * وجد بهم عن الحق النفور ارى الله النبي براي صدق * وكان الله يحكم لا يجور فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره نعم النصير فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير (2) غداة أتاهم في الزحف رهوا (3) * رسول الله وهو بهم بصير وغسان الحماة مؤازروه * على الأعداء وهولهم وزير فقال السلم ويحكم فصدوا * وخالف أمرهم كذب وزور فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور


(1) الحيور: جمع حبر، وهم علماء اليهود. (2) أبارهم: أهلكهم. (3) رهوا: يسيرا سهلا. (*)

[ 18 ]

وقد ذكر ابن أسحاق جوابها لسمال اليهودي، فتر كناها قصدا. قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف الأشجعي: أهلي فداء لا مرئ غير هالك أحل اليهود بالحسي المرسم (1) يقيلون في جمر العضاة وبدلوا أهيضب عودا بالودي المكمم (2) فإن يك ضني صادقا بمحمد تروا خيله بين الصلا ويرمرم (3) يؤم بها عمر وبهثة إنهم عدو وما حي صديق كمحرم عليهن أبطال مساعير في الوغى يهرون أطراف الوشيج المقوم (4) وكل رقيق الشفرتين منهد توورن من أزمال عاد وجرهم فمن مبلغ عني قريشا رسالة فهل بعدهم في المجد من متكرم بأن أخاهم فاعلمن محمدا تليد الندى بين الحجون وزمزم فدينوا له بالحق تجسم اموركم وتسمو من الدنيا إلى كل معظم نبي تلاقته من الله رحمة ولا تسألوه أمر غيب مرجم فقد كان في بدر لعمري عسيرة لكم يا قريش والقليب الملمم غداة اتى في الخزر جية عامدا إليكم مطيعا للعظيم المكرم معانا بروح القدس ينكى عدوه رسولا من الرحمن حقا لم يتلعم رسولا من يتلو كتابه فلما أنار الحق لم يتعلثم أرى أمره يزداد في كل موطن علوا لأمر حمه الله محكم (هامش) * (1) الحسي: ما يحسى من الطعام. والمزنم: الرجل يكون في القوم ليس منهم، يريد: أحلهم بأرض غربة في غير عشائرهم، وانظر الروض الأنف ج 177 2. * (2) جمر: الأصل خمر. وما اثبته من ابن هشام، والعضاه، شجر، واهيضب: مكان مرتفع. والودي: صغار النخل: والمكمم: الذي خرج كمامه. * (3) الصلا: موضع، ويرمرم جبل. * (4) الوشيج: شجر الرماح.

[ 19 ]

قال ابن إسحاق: وقال علي بن ابي طالب، وقال ابن هشام: قالها رجل من المسلمين، ولم أر أحدا يعرفها لعلي. عرفت ومن يعتد ليعرف وايقنت حقا ولم أصدف عن الكلم المحكم اللاء من لدى الله ذي الرأفة الأرأف رسائل تدرس في المؤمنين بهن اصطفى أحمد المصطفى فأصبح أحمد فينا عزيزا عزيز المقامة والموقف فيا أيها الموعدوه سفاها ولم يأت جورا ولم يعنف ألستم تخافون أدنى العذاب وما آمن الله كالأخوف وأن تصرعوا تحت اسيافه كمصرع كعب أبي الأشرف غداة رأى الله طغيانه واعرض كالجمل الأجنف نانزل جبريل في قتله بوحي إلى عبده ملطف فدس الرسول رسولا له بأبيض ذي هبة مرهف فباتت عيون له معولات متى ينع كعب لها تذرف وقلن لا حمد ذرنا قليلا فإنا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال أظعنوا دحورا على رغم الانف وأجلى النضير إلى غربة وكانوا بدار ذوى أخرف إلى اذرعات ردافإ وهم على كل ذي ذمر اعجف وتركنا جوابها أيضا من سمال اليهودي قصدا. ثم ذكر تعالى حكم الفئ، وأنه حكم بأموال بني النضير لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وملكها له، فوضعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث أراه الله تعالى. كما ثبت في الصحيحين، عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت أموال بني النضير مما افاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله (ص) خاصة، فكان يعزل نفقة أهله

[ 20 ]

سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، إلى أن قال: قال الإمام أحمد: حدثنا عارم وعفان، قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثانا أنس بن مالك، عن نبي الله (ص): أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، قال: فجعل يرد بعد ذلك. قال: وإن أهلي أمروني أن آتى نبي الله (ص) فأسأله الذي كان أهله أعطوه، أو بعضه. وكان نبي الله (ص) أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله. قال: ويقول لك كذا وكذا، وتقول: كلا والله. قال: ويقول لك كذا وكذا، حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله، أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما قال. أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به. ثم ذكر ابن كثير وغيره: قصة عمرو بن سعدى القرظي: حين مر على ديار بني النضير وقد صارت بعدها ليس بها داع ولا مجيب، وقد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة، حتى حداه ذلك على الإسلام وأظهر صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من التوراة. قال الواقدي حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمر وبن سعدى فأطاف بمنازلهم، فرأى

[ 21 ]

خرابها وفكر، ثم رجع إلى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة، فنفخ في بوقهم: فاجتموا، فقال الزبير بن باطا: يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل. وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية. قال: رأيت اليوم تزل. وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية. قال: رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها، رأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد، والشرف الفاضل، والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروج ذل، ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزهم ثم بيته في بيته آمنا، وأوقع بابن سنينة سيدهم، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم أهل جد يهود، وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم فلم يخرج إنسان منهم رأسه حتى سباهم. وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا، والله إنكم لتعلمون انه نبي قد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير وابن حراش، وهما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه وأمرانا بإتباعه، جاءانا من بيت المقدس وامرانا أن نقره منما السلام، ثم ماتا على دينهما ودفناها بحرتنا هذه. فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم. ثم أعاد هذا الكلام ونحوه، وخرفهم بالحرب والسباء والجلاء، فقال الزبير بن باطا: قد والتوراة قرأت صفته في كتاب باطا، التوراة التي نزلت على موسى، ليس في المثاني الذي احدثنا. قال: فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمان من إتباعه ؟ قال: أنت يا كعب، قال كعب: فلم ؟ والتوراة ما حلت بينك وبينه قط. قال الزبير: بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فإن اتبعته اتبعناه وإن أبيت أبينا. فأقبل عمر وبن سعدى على كعب، فذكر ما تقاولا في ذلك، الى أن

[ 22 ]

قال عمرو: ما عندي في أمره إلا ما قلت. ما تطيب نفسي أن أصير تابعا ! رواه البيهقي (1) (هامش) * (1) السيرة النبوية لا بن كثير ج 3 ص 145 - 156 والداية والنهاية ج 4 ص 74 - 81 والنصوص المتقدمة موجودة - كلا أو بعضا - في المصادر التالية: الثقات ج 1 ص 240 - 243 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 والطبقات الكبرى ج 2 ص 57 وفتوح البلدان قسم 1 ص 18 - 22 والوفاء ص 689 - 213 والتنبيه والاشراف ص 213 والبدء والتاريخ ج 4 ص 212 - 213 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 422 - 431 وتاريخ الخميس ج 1 ص 460 - 463 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 - 197 ومجمع البيان ج 9 ص 257 - 462 والبحار ج 20 ص 157 - 173 وتفسير القمي ج 2 ص 359 و 360 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 197 و 198 و 119 - 123 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 173 و 174 وحياة الصحابة ج 2 ص 397 و 398 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 199 - 212 وبهجة المحافل ج 1 ص 213 وشرحه بهامشه، نفس الصفحات والمصنف للصنعاني ج 5 ص 357 - 361 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 - 263 وأنساب الأشراف قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ج 1 ص 339 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 550 - 555 ط دار المعارف ولباب التأويل ج 4 ص 244 فما بعدها، ومدارك التنزيل بهامشه، نفس الجزء والصفحة، وتفسير جامع البيان ج 28 ص 19 فما بعدها، وغرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 29 فما بعدها والجامع لا حكام القرآن ج 18 ص 2 فما بعدها وأسباب النزول ص 236 - 239 وأحكام القرآ لابن العربي ج 4 ص 1764 فما بعدها والتفسير الكبير ج 29 ص 278 فما بعدها وزاد المعاد 2 ص 110 و 71 - 72، وكذلك في ج 4 ص 398 فما بعدها والعبر وديوان المبتدأ والخبرج 2، قسم 2 ص 28 وجوامع الجامع ص 486 - 488 وتفسير الصافي ج 5 ص 153 فما بعدها وتفسير البرهان ج 4 ص 313 والدر المنثر ج 6 ص 178 - 202 وحبيب السير ج 1 ص 355 - 356 ومغازي الواقدي ج 1 ص 365 - 383 والسيرة الحلبية ج 2 ص 263 - 270 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 4 ص 330 - 344 وعمدة القاري ج 12 ص 43 وج 17 ص 125 فما بعدها. (*)

[ 23 ]

والنضير إسم جبل نزلوا به، فسموا باسمه (1) القتال.. في بني النضير: يقول اليعقوبي، بعد أن ذكر إنذار النبي (ص) إياهم بالخروج من ديارهم وأموالهم: فلم يمتثلوا استنادأ لوعود ابن أبي والمنافقين: (.. فسار إليهم رسول الله (ص) بعد العصر، فقاتلهم، فقتل منهم جماعة، وخذلهم عبد الله بن أبي وأصحابه، فلما رأوا: أنه لا قوة لهم على حرب رسول الله طلبوا الصلح: فصالحهم على أن يخروجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل، خرتي (2) متاعهم: لا يخرجون معهم بذهب، ولا فضة، ولا سلاح) (3). وقال ابن الجوزي: (فقاموا على حصنهم يضربون بالنبل والحجارة) (4). وعند البعض: أنه لما جاء يستعينهم: (هموا بالغدر به، وخرجوا يجمعون الرجال والسلاح) (5). وسيأتي - حين الحديث عن خراب بيوتهم - ما يدل على ذلك أيضا.. وبعد أن ذكر الواقدي قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) لحصارهم، قال: (هامش) * (1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49. * (2) الخزتي: أردأ المتاع، راجع: لسان العرب ج 2 ص 145. * (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49. * (4) الوفاء ص 689 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461 وراجع: سيرة مغلطاي ص 53 وراجع البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني وغيره وزاد المعاد ج 2 ص 71 ومغازي الواقدي ج 1 ص 371 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265. * (5) البدء والتاريخ ج 4 ص 212.

[ 24 ]

(.. وجعلوا يرمون ذلك اليوم بالنبل والحجارة، حتى أظلموا، وجعل أصحاب رسول الله) ص) يقدمون من كان تخلف في حاجته، حتى تتاموا عند صلاة العشاء: فلما صلى رسول الله (ص) العشاء رجع إلى بيته فيي عشرة من أصحابه، عليه الدرع، وهو على فرس، وقد استعمل عليا على العسكر، ويقال: أبا بكر. وبات المسلمون يحاصرونهم، يكبرون حتى أصبحوا. ثم أذن بلال بالمدينة: فغدا رسول الله (ص) بأصحابه الذين كانوا معه، فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم) (1). وسيأتي عن قريب: أن بعض النصوص تقول: إنه (ص) حصرهم، وطلب منهم: أن يعطوه عهدا: فأبوا: فقاتلهم يومهم ذاك، ثم غذا على بني قريظة، ودعاهم إلى أن يعاهدوه: فغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء. وإنما قاتلهم لأنه كان بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد ومدة، فنقضوا عهدهم (2). قال السمهودي بعد ذكره رواية ابن إسحاق: " وأصح منه ما رواه ابن مردويه، بسند صحيح: أنهم أجمعوا على الغدر، فبعثوا إلى النبي (ص): أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فان آمنوا بك اتبعناك. فاشتمل اليهود الثلاثه على الخناجر، فأرسلت إمرأة من بني النضير (هامش) * (1) مغزي الواقدي ج 1 ص 371 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 265. * (2) تفسير القمي ج 2 ص 359. ومصادر كثيرة أخرى ستأتي في الفصل الثاني حين الكلام حول تاريخ غزوة بني النضير. (*)

[ 25 ]

إلى أخ لها من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير: فأخبر أخوها النبي (ص) بأمر بني النضير قبل أن يصل إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب: فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة، فحاصرهم فعاهدوه: فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء إلخ " (1). نصوص أخرى حول قضية بني النضير: وفي بعض النصوص: أنه " صلى الله عليه وآله " أجلهم عشرا - أو ثلاث ليال - فمن رؤي بعد ذلك ضرب عنقه، فمكثوا أياما يتجهزون، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر، وتاروا من أشجع ابلا، فأرسل إليهم ابن أبي: أن معه الفين من قومه، وغيرهم من العرب، يدخلون معهم حصنهم، ويموتون عن آخرهم، وتمدهم قريظة، وحلفاؤهم من غطفان، فطمع حيي بن أخطب إلخ... (2) وتذكر بعض النصوص: أنهم حين حاصرهم " صلى الله عليه وآله " وقطع نخلهم، قالوا: نحن نخرج من بلادك.. فقال " صلى الله عليه آله ": لا أقبله اليوم. ولكن اخرجوا منها، (هامش) * (1) وفاء الوفاء ج 1 ص 398 وحياة الصحابة ج 1 ص 296 - 297 وفتح الباري ج 7 ص 255 وقال الكاندهلوي: وأخرجه أيضا أبو داود من طريق عبد الرازق عن معمر بطوله مع زيادة، وعبد الرزاق، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل كما في بذل المجهود ج 4 ص 124 عن الدر المنثور. وعن عبد بن حميد في تفسيره وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 214 والمصنف ج 5 ص 359 وراجع: تفسير لباب التأويل ج 4 ص 244 وأسباب النزول ص 237 وراجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرازق، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 264 - 263 وراجع: تفسير القمي ج 2 ص 359 * (2) راجع على سبيل المثال: طبقات ابن سعد ج 2 ص 57. (*)

[ 26 ]

ولكم دماؤكم، وما حملت الإبل، إلا الحلقة، فنزلت يهود على ذلك. وكان حاصرهم خمسة عشر يوما.. إلى أن قال: وتحملوا على ستمائة بغير (1). ونلاحظ هنا: إختلاف النصوص في مدة الحصار، من خمسه عشر يوما حسبما أشير إليه آنفا.. إلى: ست ليال (2) وقيل خمسا وعشرين (3) أو ثلاثا وعشرين وفيها نزلت صلاة الخوف (4) (هامش) * (1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 وعمدة القاري ج 17 ص 126 وحول حصوهم خمسة عشر يوما راجع: الوفاء ص 690 والتنبيه الاشراف ص 213 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 429 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 وسيرة مغلطاي ص 53 والبحار ج 20 ص 165 - 166 عن الكازروني وغيره، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 553 وانساب الأشراف (قسم حياة النبي " صلى الله عليه وآله ") ص 339. * (2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 59 والبدء التاريخ ج 4 ص 213 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن سيرة ابن هشام، وعن الوفاء، وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 198 ووفاء الوفاء ج 1 ص 297 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 220 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 وحبيب السير ج 1 ص 355 والمغازي للواقدي ج 1 ص 394 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332. (3) عمدة القاري ج 17 ص 265 (4) عمدة القاري ج 17 ص 126 والجامع للقيرواني ص 278 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265. (*)

[ 27 ]

أو نيفا وعشرين (1) أو قريبا من عشرين (2) أو عشرين (3) أو إحدى وعشرين (4) ومن جهة أخرى روي عن بعض أهل العلم أن بني النضير قد ألقوا الحجر على رسول الله " صلى الله عليه واله " فأخذه جبرئيل (5). وفي نص آخر: أنه لما أشرف حامل الصخرة بها أخبر النبي " صلى الله عليه وآله " جبرئيل بالأمر (6). وكان الذين ذهبوا مع النبي " صلى الله عليه وآله " إلى بني النضير، لا يبلغون عشرة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة (7). " وفي رواية: لما رأوا قلة أصحابه (ص) قالوا: نقتله، ونأخذ


مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 261 (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 265. (4) البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني وغيره تاريخ الخميس ج 1 ح 462 الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 وبهجة المحافل ج 1 ص 214 والكتشاف ج 4 ص 498 ولباب التأويل ج 4 ص 244 ومدارك التنزى بهامش لباب التأويل ج 4 ص 244 (5) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 423. (6) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 وراجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 365. (7) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 والمغازي ج 1 ص 364 وعمدة القاري ج 17 ص 125 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260. (*)

[ 28 ]

أصحابه أساري إلمكة: فنبيعهم من قريش " (1) " ولزم رسول الله (ص) الدرع فبات فيه " (3). ولم يغثهم أحد، ولم يقدر ابن أبي أن يصنع شيئا، فجهدهم الحصار، وضاقت عليهم الأحوال: فأرسلوا إلى النبي " صلى الله عليه وآله " بقبولهم الجلاء (4). وبعد حصارهم، وقطع نخلهم " قالوا: يا محمد نخرج من بلادك، واعطنا مالنا، فقال: لا، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل، فلم يقبلوا ذلك، فبقوا أياما ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الإبل، فقال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه: فخرجوا على ذلك " (5). وكان منهم جماعة من أولاد الأنصار، لأن المرأة من الأنصار كان إذ لم يعيش لها ولد تهوده، فلما أجليت بنو النضير، قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، وأنزل الله: لا إكراه في الدين، وهي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الإسلام، وإلا.. فإكراه


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 263. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 372. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 372 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265. (4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461. (5) تفسير القمي ج 2 ص 359 والبحار ج 2 ص 169 - 170 عنه وراجع حول عدم قبول النبي " صلى الله عليه وآله " منهم: لباب التأويل ج 4 ص 244 - 245 ومدارك التنزيل بهامشه نفس الجلد والصفحة. وغرائب القرآن، مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33 - 38 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وتفسير الصافي ج 5 ص 155. (*)

[ 29 ]

الكفار الحربيين سائغ إلخ... (1). وقد ذكر البعض: أن ابن يامين قد جعل لرجل عشرة دنانير، ليقتل عمر وبن جحاش (2). وذكر البعض: أن المسلمين قد مشوا إلى بني النضير على أرجلهم: لأنهم كانوا على ميلين من المدينة، وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله " على حمار فحسب (3) أو على جمل (4) وكانت منازلهم بناحية الفرع، وما يقربها، بقرية يقال لها: زهرة (5). ليخبرن بما هممتم به: وتذكر النصوص: أنهم حين أئتمروا بالقاء الصخرة عليه " صلى الله عليه وآله " قال لهم: سلام بن مشكم: لا تفعلوا، والله، ليخبرن بما


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 267 والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 عن أبي داود ولباب التأويل ج 1 ص 185 وفتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه والبيهقي في السنن والضياء في المختارة والدر المنثور ج 1 ص 328 عنهم وعن ابن مندة في غرائب شعبة عن النحاس في ناسخه وعبد بن حميد وسعيد بن منصور. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 374. (3) تايخ الخميس ج 1 ص 461 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 وراجع ص 261 وذكر المسافة في فتح القدير ج 5 ص 197. وراجع: الجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 11. (4) غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 38 وراجع: الجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 11. (5) وسيأتي توضيح ذلك مع مصادر أخرى إن شاء الله تعالى.. (*)

[ 30 ]

هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه (1). زاد الواقدي: ألا فو الله، لو فعلتم الذي تريدون، ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود، ويظهر دينه (2). وفي نص آخر: إنه " صلى الله عليه وآله " حين قام من بين أصحابه، وأبطأ، ولم يرجع قال: كنانة بن صوريا: جاءه والله الخبر الذيي هممتم به (3). وفيي نص آخر: أنه قال لهم: هل تدرون لم قام معمد ؟ ! قالوا: لا والله، ما ندري، وما تدري أنت ! قال: بلى والتوارة إني لأدري، قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، والله، إنه لرسول الله، وما قام إلا لأنه أخبر بما هممتم به، وإنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون، فجعله الله حيث شاء. وان كتبنا، الذي درسنا في التوراة التي لم يغير ولم تبدل: أن مولده بمكة، ودار هجرته يثرب، وصفته بعينها لا تخالف حرفا مما في كتابنا، وما يأتيكم به أولى من محاربته إياكم، ولكأني أنظر اليكم ظاعنين، يتضاغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا وأموالكم، وإنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، والثالثة لا خير فيها.


(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وزاد المعاد ج 2 ص 71 والسيرة الحلبية ج 2 ص 263 وعمدة القاري ج 17 ص 125. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 365. (3) الثقات ج 1 ص 241 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 552 والمغازي للواقدي ج 1 ص 365 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 وزاد: من الغدر، فلا تخدعوا انفسكم والله، إنه لرسول الله، فأبوا يقبلوا. (*)

[ 31 ]

قالوا: ما هما ؟ قال: تسلمون وتدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم، وأولادكم، وتكونون من علية أصحابه، وتبقى بأيديكم أموالكم، ولا تخرجون من دياركم. قالوا: لا نفارق التوارة، وعهد موسى. قال: فإنه مرسل إليكم: أخرجوا من بلدي، فقولوا: نعم، فإنه لا يستحل لكم دما ولا مالا، وتبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، وإن شئتم أمسكتم. قالوا: أما هذا فنعم. قال: أما والله إن الأخرى خيرهن لي، قال: أما والله، لولا أني أفضحكم لا سلمت، ولكن والله، لا تعير شعثاء باسلامي أبدا، حتى يصيبني ما أصابكم: وابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها، فقال: سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها إلخ.. " (1) ثم أرسل إليهم النبي " صلى الله عليه وآله " محمد بن مسلمة وذكرهم بما كانوا ذكروه له من علامات النبي الموعود، والمنطبقة على رسول الله " صلى الله عليه وآله ". وتستمر الرواية إلى أن تذكر رفض حيي بن أخطب مغادرة بلادهم، فقال له سلام بن مشكم: لا تفعل يا يا حيي، فوالله، إنك لتعلم ونعلم معك: أنه رسول الله: وأن صفته عندنا، وإن لم نتبعه، حسدناه حين خرجت النبوة من بني


(1) مغاري الواقدي ج 1 ص 365 - 366 ودلائل النيوة لأبي نعيم ص 426 - 427 ويوجد ملخص عنه في اعلام الوري ص 88 - 89 والبحار ج 20 ص 163 - 169 وتفسير القمي ج 2 ص 369 وتفسير الصافي ج 5 ص 153. (*)

[ 32 ]

هارون: فتعال: فلنقبل ما أعطانا من الأمن، ونخرج من بلاده فقد عرفت أنك خالفتني في الغدر به، فإذا كان آوان الثمر جئنا، أو جاءه من جاء منا إلى ثمره: فباعها وصنع ما بداله، ثم أنصرف إلينا: فكأنا لم نخرج من بلادنا إذا كانت أموالنا بأيدينا إلخ.. (1) وفي نص آخر: " فجاء عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة، ليطرحها عليه، فأمسك الله يده، وجاء فأخبره، فخرج رسول الله (ص) راجعا إلى المدينة ثم دعا عليها، وقال: لا تبرح مقامك: فمن خرج عليك من أصحابي، فسأللك عني، فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي، حتى انصبوا إليه، ثم تبعوه ولحقوا به " (2). كانت تلك طائفة من النصوص الواردة حول قضية بني النضير، وقد حان الآن وقت تسجيل ما يفيد ويجدي في الإستفادة منها، أو في التأييد، أو التفنيد، لأي منها، فنقول.


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 428 - 429. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 460 وراجع البحار ج 20 ص 164 عن الكازروني وغيره وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 214. (*)

[ 33 ]

الفصل الثاني: قبل أن تدق الطبول

[ 35 ]

بداية: قد تقدمت في الفصل السابق طائفة من النصوص التي تتحدث عن غزوة بني النضير، أو عن بعض ما يتصل بها، وسنجد فيما يلي من مطالب وفصول كثيرا من النصوص التي اقتضى البحث إيرادها، لسبب أو لآخر.. وحيث إن لنا الكثير من الوقفات والتساؤلات، بل وتراودنا شكوك قوية حول عدد منها، فإننا نشير إلى شئ من ذلك ضمن البحوث التي أوردناها في هذا الفصل وفيما يليه من فصول، فنقول.. ومن الله نستمد العون، ومنه نطلب التوفيق والتسديد. إن أول ما يطالعنا في نصوص قضية بني النضير هو: الإختلافات الفاحشة: إن هناك الكثير من الموارد التي أختلفت فيها النصوص وتناقضت بصورة فاحشة وظاهرة. وما دام: أن المهم هو الإلماح إلى أن الواقع لا يمكن أن يكون هو كل ما تضمنته تلك الروايات والمنقولات، وإنما هو واحد، وواحد فقط.. فإننا نكل أمر تقصي هذه الإختلافات إلى القارئ نفسه، إن وجد ضرورة إلى ذلك

[ 36 ]

ولأجل ذلك، فنحن نصرف عنان الكلام إلى التركيز على مفاصل أساسية، نجد أنها بحاجة لمزيد من البحث، والجهد. وإن كنا قد اكتفينا فيها بما يتناسب في حجمه ومستواه مع سائر بحوث الكتاب وفصوله. وأول ما نبدأ الحديث عنه هنا هو: تاريخ غزوة بني النضير: قالوا: إن غزوة بني النضير كانت سنة أربع، في شهر ربيع الأول منها، خرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، ثم راح إليهم عشية الثلاثاء. وقد جعلها ابن إسحاق بعد سرية بئر معونة. وهذا مذكور في معظم المصادر فلا حاجة إلى تعداد مصادره.. ولكن قال الزهري، وكذا روي عن عروة وعن عائشة: إنها كانت بعد غزوة بدر بستة أشهر (1).


(1) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 442 - 443 - 44 وليراجع في قوله الزهري وحده، أو منضما إلى غيره المصادر التالية: الروض الأنف ج 3 ص 350 والمواهب اللدنية ج 1 ص 104 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وأحكام القرآن لا بن العربي ج 4 ص 1765 وسيرة مغلطاي ص 53 وتاريخ الخميس ج 1 ص 460 والجامع للقيرواني ص 278 - 279 والطبقات الكبرى ج 2 ص 57 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 - 334 والأموال ص 15 ووفاء الوفاء ج 1 ص 297 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 وصحيح البخاري ج 3 ص 10 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 119 - 197 والدر المنثور ج 6 ص 187 عن البيهقي في الدلائل، وعن ابن مردويه، وعن الحاكم وصححه. وفتح الباري ج 7 ص 253 و 255 و 256 ومجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 160 - 162 عنه وزاد المعاد ج 2 = (*)

[ 37 ]

وها ما جرى عليه البخاري، وذهب إليه النووي وغيره (1). أما نحن فنقول: إن هذا هو الصحيح، وذلك للأمور التالية: 1 - إنهم يقولون: إن أبا سلمة بن عبد الأسد قد استفاد من أرض بني النضير (2) ومن المعلوم: أن أبا سلمة قد مات قبل شهر ربيع الأول سنة أربع، وقبل بئر معونة. وقال ابن حبان: بعد ذكره غزوة بني النضير مباشرة: " ثم رجع رسول الله (ص) إلى المدينة، ثم بعث رسول الله (ص) أبا سلمة بن عبد الأسد إلى ماء لبني أسد إلخ.. (3) ".


= ص 71 و 110 والبداية والنهاية ج 4 ص 74 وعمدة القاري ج 17 ص 126 وبهجة الحافل ج 1 ص 213 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145 كلاهما عن: البخاري، والبيهقي، وتفسير أبن حبان، والمصنف ج 5 ص 357 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وفتح القدير ج 5 ص 198 وفتوح البلدان قسم 1 ص 18 ومرآة الجنان ج 1 ص 9. (1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 223 - 213 وفتح القدير ج 5 ص 205 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 263 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 36 وجوامع الجامع ص 448. وفتح الباري ج 7 ص 255 حيث استغرب من السهيلي ترجيحه قول الزهري وراجع أيضا: وفاء الوفاء ج 1 ص 297 وصحيح البخاري ج 3 ص 10 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 - 197. (2) الطبقات الكبرى ج 1 ص 58 والمغازي للواقدي ج 1 ص 380. وقالا: إنه " صلى الله عليه وآله " أعطاه أرضا تسمى " بويلة " ووفاء الوفاء ج 4 ص 1157 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (3) الثقات ج 1 ص 243. (*).

[ 38 ]

2 - إنهم يقولون: إن الحارث بن الصمة قد استفاد هو الآخر من أراضي بني النضير (1) مع أنهم يدعون: أن الحارث هذا قد قتل في بئر معونة، فكيف تكون غزوة بني النضير بعدها.. هذا.. بالإضافة إلى أننا قد قدمنا: أن تاريخ سرية بئر معونة كان قبل السنة الرابعة، فراجع ما ذكرناه هناك. وجعل قتله في بئر معونة دليلا على ضعف هذا الخبر (2). ليس بأولى من العكس، أي جعل استفادته من أراضي بني النضير دليلا على عدم صحة قتله في بئر معونة. ولا أقل من أنه يدل على تقدم غزوة بني النضير على تلك الغزوة التي يقال: إنه قد قتل فيها. ويتأكد ذلك إذا عرذفنا أن أحدهما ليس ناظرا إلى الآخر. مع ملاحظة: أنه لا داعي للجعل والوضع في أي من الموردين، بالنسبة إلى هذا الرجل بخصوصه. تذكير بما سبق: ولنا هنا ملاحظة وهي: أن ابن التين قد قوى أن تكون غزوة بني


(1) مجمع البيان ج 9 ص 260 وتاريخ الخميس ج 1 ص 251 عن المدارك، وعن معالم التنزيل الحلبية ج 2 ص 268 ولباب التأويل ج 4 ص 246 وجوامع الجامع ص 487 والتفسير الكبير ج 29 ص 285 والكشاف ج 4 ص 505 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وراجع ص 14 - 24 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1771 - 1772 وتاريخ الخميس ج 1 ص 462 والروض الأنف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق، وبهجة المحافل ج 1 ص 462 والروض الأنف ج 3 طالب ج 1 ص 197 والسيرة الحلبية ج 2 ص 269. السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (*)

[ 39 ]

النضير بعد سرية بئر معونة، وذلك إستنادا إلى دليل لا يصح، وقد ذكرناه مع جوابه في سرية بئر معونة في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع هناك. 3 - إنه لا شك في كون غزوة بني النضير قد كانت قبل حرب الخندق بثمانية أشهر في أقل الأقوال. وقد قوينا: أن تكون الخندق قد حصلت في السنة الرابعة من الهجرة وليس في السنة الخامسة منها (1). فتكون غزوة بني النضير قبلها.. بل إن ابن إسحاق، الذي ذكر: أن إجلاء بني النضير قد كان بعد أحد أي في السنة الرابعة.. قد ذكر: ان فتح قريضة كان مرجعه " صلى الله عليه وآله " من الأحزاب (أي الخندق)، وبينها سنتان (2). فإذا كان بينهما سنتان (وإذا كانت قريظة التي هي بعد الخندق مباشرة) في السنة الرابعة فلا شك في كون غزوة بني النضير قد حصلت في السنة الثانية، بعد بدر مباشرة، لا بعد غزوة أحد. 4 - إن بعض النصوص تذكر: أن سبب غزوة بني النضير هو: أن كفار قريش كتبوا - بعد بدر - إلى اليهود يهددونهم، ويأمرونهم بقتال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": فأجمع حينئذ بنو النضير على الغدر، وأرسلوا إلى النبي " صلى الله عليه وآله ": أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك. ثم تذكر الرواية كيف: أن النبي " صلى الله عليه وآله " غدا عليهم


(1) راجع كتابنا: حديث الإفك ص 96 - 106 والجزء السادس من هذا الكتاب حين الحديث عن تحرس سلمان المحمدي (الفارسي) من الرق. (2) مجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 160 عنه وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 462 ولباب التأويل ج 4 ص 245 وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 2 18) ص 36 وراجع أيضا: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121.

[ 40 ]

بالكتائب فحصرهم، وطلب منهم العهد، فقاتلهم يومه ذاك ثم تركهم وغدا إلى بني قريظة، ودعاهم إلى أن يعاهدوه ففعلوا: فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء (1). وعند العسقلاني: ان هذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير هو طلبه " صلى الله عليه وآله " منهم المساعدة في دية العامريين (2). 5 - إن عددا من النصوص يذكر: أن كعب بن الأشرف كان لا يزال حيا إلى حين غزوة بني النضير، أنه قد قتل حينها، أو بعدها.. ومن المعلوم: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة، ومعنى ذلك هو صحة ما ذكر من أن هذه الغزوة قد كانت بعد ستة أشهر من بدر. ونذكر من الشواهد على دور كعب في هذه الغزوة ما يلي: ألف: إن بعض النصوص تقول: إنه لما جاء النبي " صلى الله عليه وآله " إلى بني النضير يستسلفهم في دية العامر يين قصد أولا كعب بن الأشرف، فلما دخل عليه قال كعب: مرحبا يا أبا القاسم وأهلا. وقام كأنه


(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر والبيهقي: وابي داود وتاريخ الخميس ج 1 ص 463 والسيرة الحلبية ج 2 ص 263، والمصنف للصنعاني ج 5 ص 360 وسنن أبي داود ج 3 ص 156 - 157 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445 - 446 وفتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، وعبد بن حميد في تفسيره عن الرزاق وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 ووفاء الوفاء ج 1 ص 298 وحياة الصحابة ج 1 ص 397 ولباب التأويل ج 4 ص 244 ومدارك التنزيل بهامشه نفس الصفحة وأسباب النزول ص 236. (2) فتح الباري ج 7 ص 255. (*)

[ 41 ]

يصف له الطعام، وحدث نفسه بأن يقتل رسول الله، ويتبع أصحابه، فنزل جبرئيل إلى النبي " صلى الله عليه وآله " فأخبره (1) ب: إن كعب بن الأشرف ذهب إلى مكة في أربعين رجلا، فاجتمع بأبي سفيان، وكان في أربعين رجلا أيضا، وتعاهدا بين الأستار والكعبة، فنزل جبرائيل بسورة الحشر: فبعث النبي " صلى الله عليه وآله " محمد بن مسلمة بقتله: فقتله في الليل ثم قصد إليهم، وعمد على حصارهم، فضرب قبته في بني خطمة (2). ج: ولكن ذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) وغيره: أن قتل كعب بن الأشرف قد كان حين قتل أمير المؤمنين " عليه السلام " للعشرة، الذين خرجوا يلتمسون غرة من المسلمين، قال المفيد (رحمه الله): " وفي تلك الليلة قتل كعب بن الأشرف واصطفى رسول الله " صلى الله عليه وآله " أموال بني النضير " (3). ويفهم من الأربلي وغيره أيضا: أن قتل ابن الأشرف كان أثناء حصار بني النضير، فراجع (4).


(1) تفسير القمي ج 2 ص 359 واعلام الورى ص 89 والبحار ج 2 ص 163 - 169 وتفسير البرهانج 4 ص 313 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 وتفسير الصافي ج 5 ص 153. وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196. (2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 169 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 214 وشرحه بهامش نفس الصفحة ولباب التأويل ج 4 ص 244. وراجع: البحار ج 20 ص 158 وراجع: مجمع البيان ج 9 ص 257 وراجع: غرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 33. (3) الإرشاد للمفيد ص 50 وكذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197. (4) راجع: كشف الغمة ج 1 ص 201 وفتح الباري ج 7 ص 156 وراجع المصادر المتقدمة.. (*)

[ 42 ]

د: ولكن آخرين يذكرون: أنه " صلى الله عليه وآله " إنما أمر بقتل كعب حين ذهب إلى بني النضير، يستعينهم في دية العامريين، فاطلع على محاولتهم الغدر به، فانصرف راجعا، وأمر بقتل كعب بن الأشرف ثم أصبح غاديا عليهم بالكتب، وكانوا بقرية يقال لها زهرة، فوجدهم ينوحون على كعب، فقالوا: يا محمد، واعية إثر واعية، ثم حشدوا للحرب، وفي آخره: قالوا: ذرنا نبكي سويعة، ثم أئتمر أمرك (1). وعلى كل حال، فإن عددا من المؤرخين والمؤلفين قد صرحوا بأن غزوة بني النضير، كانت صبيحة قتل ابن الأشرف (2) ه‍: ويؤيد ذلك الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين " عليه السلام " في هذه المناسبة: فمنها قوله " عليه السلام " وان تصرعوا تحت اسيافه كمصرع كعب أبن الأشرف إلى أن قال: فدس الرسول رسولا له بابيض ذي هبة مرهف فباتت عيون له معولات متى ينع كعب لها تذرف وقلن لا حمد ذرنا قليلا فانا من النوح لم نشتف


(1) راجع بهجة المحافل ج 1 ص 214 عن البخاري وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 عن مسلم وأبي داود والترمذي، ولباب التأويل ج 4 ص 244 وراجع: تاريخ الخميس ح 1 ص 461. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن معالم التنزيل، وفتح الباري ج 7 ص 256 عن عبد بن حميد في تفسيره وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 والتفسير الكبير ج 29 ص 278 والكشاف ج 4 ص 398 وجوامع الجامع ص 486، والسيرة الحلبية ج 2 ص 263 والمصادر المتدمة في الهامش السابق وراجع مجمع البيان ج 9 ص 257 والبحار ج 20 ص 158 - 159 ووفاء الوفاء ج 1 ص 298 عن عبد بن حميد في تفسيره. (*)

[ 43 ]

فخلاهم ثم قال اظعنوا دحور على رغم الآنف وأجلى النضير إلى غربة إلخ.. (1) فإن هذه الإبيات إنما تقرر القصة المذكورة فيما تقدم.. و: ويؤيد ذلك أيضا: أن البعض يقول: إن آية: فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا (2)، يقال: نزلت في كعب بن الأشرف (3). وكذا قوله: وقذف في قلوبهم الرعب، قيل: بقتل سيدهم كعب بن الأشرف (4). ومعنى ذلك: أن قتل كعب كان سبيا في هزيمتهم، وأن قتله قد كان بعد غدرهم، وإعلانهم للحرب على رسول الله " صلى الله عليه وآله " كما يفهم من الآيات الشريفة. ز: وأخيرا، فإن بعض النصوص تقول: - وذاك أمر غريب حقا - إن كعب بن الأشرف قد اعتزل قتال بني النضير، وزعم: أنه لم يظاهر على المسلمين، فتركه النبي " صلى الله عليه وآله " ثم انبعث يهجوه والمؤمنين، ثم سار إلى قريش يستدعيهم على رسول الله " صلى الله عليه وآله "


(1) السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 207 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 152 - 153 والبداية والنهاية ج 4 ص 79. (2) الحشر الآية: 2. (3) الروض الأنف ج 3 ص 251 وراجع: مجمع البيان ج 9 ص 158 والبحار ج 20 ص 160 عنه وراجع غزائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 34 ومدارك التنزيل المطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 245 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 3 عن أبي صالح، والسدي، وأبن جريح والتفسير الكبير ج 29 ص 279 وراجع: الكشاف ج 4 ص 499 وجوامع الجامعص 484 وفتح القدير ج 5 ص 195. (4) فتح القدير ج 5 ص 196. (*)

[ 44 ]

إلخ... (1). ولعل المراد: أنه اعتزل قتال بدر، وإلا.. فإن: بقاءه إلى ما بعد غزوة بني النضير، مما تضافرت النصوص التاريخية على خلافه فراجع حكاية مقتله في سيرة ابن هشام، والطبري، وتاريخ الخميس، وغير ذلك. 6 - وسيأتي أنهم يقولون: إن آية: لا إكراه في الدين قد نزلت في غزوة بني النضير، ومعلوم أن هذه الآية قد وردت في سورة البقرة، التي نزلت في أوائل الهجرة ويبعد: أن يستمر نزولها إلى ما بعد بدر، حيث نزلت سورة الأنفال. ولم يرد: أنه " صلى الله عليه وآله " قال لهم ضعوا هذه الآية في السورة الفلانية، فالظاهر: انها في جمله الآيات التي نزلت تدريجا، فراجع في كيفية نزول القرآن ما ذكرناه في كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم، فصل: الترتيب والنزول. 7 - ونشير أخيرا إلى أن الحاكم قد ذكر: أن إجلاء بني النضير وبني قينقاع قد كان في زمان واحد (2) تهافت ظاهر: وبعد ما تقدم: فإن القول بأن هذه الفضية قد حصلت في السنة الرابعة، لا يجتمع مع القول بأنها كانت متزامنة مع قتل كعب بن الأشرف - كما صدر من البعض (3) - لأن ابن الأشرف قد قتل قبل هذا التاريخ بحوالي سنتين. كما يعلم بالمراجعة لكتب التاريخ والرواية.


(1) تاريخ المدينة ج 2 ص 461 - 462 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 9 والبداية والنهاية ج 4 ص 5 كلاهما عن البخاري والبيهقي. (2) فتح الباري ج 7 ص 256. (3) راجع على سبيل المثال ما قاله اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 49. (*)

[ 45 ]

سبب غزوة بني النضير: لقد ذكرت معظم المصادر: أن سبب هذه الغزوة هو: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد جاءهم يستعينهم في دية العامريين، الذين قتلهما بعض أصحابه بعد سرية بئر معونة، فأرادوا الغدر به، فجاءه الخبر من السماء. إلى آخر ما تقدم ذكره. قال البعض: " وكانوا قد عاهدوا النبي (ص) على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات " (1) ولكننا نجد في مقابل ذلك أقوالا أخرى، وهي: الأول: إن السبب هو أنهم قد طلبوا من النبي " صلى الله عليه وآله ": أن يخرج إليهم في ثلاثة نفر، لينا قشره في أمر الدين، وكانوا قد خبأوا الخناجر، فأرسلت إليه إمرأة منهم - بواسطة أخيها - تعلمه بخيانتهم فلما أخبره بالأمر، رجع قبل أن يصل إليهم (2). ويبدو أن هذه هي نفس الرواية القائلة: إنهم طلبوا إليه أن يخرج إليهم في ثلاثين رجلا، وهم في مثلهم، ثم لما رأوا: أنه لا يمكن التفاهم فيما بين هذا العدد الكبير اقترحوا خروجه " صلى الله عليه وآله " في ثلاثة، ومنهم كذلك.. وقد كان ذلك بسبب تهديد قريش لهم بعد غزوة بدر (3)،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 460 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 213، وشرحه للأشخر اليمني، مطبوع بهامشه، نفس الجلد والصفة. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264 ووفاء الوفاء ج 1 ص 298 وتاريخ الخميس ج 1 ص 462. (3) راجع هذه القضية في دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 446 445 والمصنف ج 5 ص 359 - 361 ولباب التأويل ج 4 ص 244 ومدارك التنزيل مطبوع بهامشه نفس الصفحة وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 وحياة الصحابة ج 1 ص 397 = (*)

[ 46 ]

وقد تقدم: أن العسقلاني قد اعتبر هذه الرواية اقوى مما ذكره ابن إسحاق، ووافقه عليه جل أهل المغازي، من أن السبب هو أنه خرج إليهم في دية العامريين (1) وقد عرفنا فيما تقدم. أن هناك العديد من الدلائل والشواهد التي تؤكد على أن غزوة بني النضير، قد كانت قبل بئر معونة.. فإن العامريين المشار إليهما هما اللذان قتلا بعد بئر معونة، فلا ينسجم ذلك مع ما تقدم. ولا يصح ما ذكره ابن إسحاق، وإن كانا قد قتلا قبل ذلك، وفي مناسبة وقضية أخرى، فلا إشكال فيه من هذه الناحية. الثاني: قبل: إنه إنما ذهب إليهم لأخذ دية العامريين لأن بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر (2). فيسهل الدفع منهم: لكون المدفوع لهم من حلفائهم (3) ولكن لا ندري لماذا يريد أن يأخذ الدية من حلفاء المقتول، فهل جرت عادة العرب على ذلك ؟ ! أم أنه يريد إذلال بني النضير في ذلك ؟ ! فإذا كان كذلك، فهفل المراد الإيحاء بأن ناقض العقد في الحقيقة


= عن فتح الباري، وعن بذل المجهود ج 4 ص 142 عن الدر المنثور وفتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، وبعد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق، وأسباب النزول ص 236 وسنن أبي داود ج 3 ص 156 - 157 وتاريخ الخميس ج 1 ص 462 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 والسيرة الحلبية ج 1 ص 263 والدر المنثور ج 6 ص 189 عن عبد الرزاق، وابن المنذر، وابي داود، وعد بن حميد، والبهقي في الدلائل، ووفاء الوفاء ج 1 ص 298. (1) فتح الباري ج 7 ص 255. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260. (*)

[ 47 ]

هو نفس رسول الله " صلى الله عليه وآله " وذلك بغيا منه وتعديا في أمر لا حق له به.. نعوذ بالله من الخطأ والخطل، في القول العمل.. الثالث: إن البعض يقول: إنه " صلى الله عليه وآله " قد ذهب إلى بني النضير، ليسألهم كيف الدية عندهم، وذلك للعهد الذي كان بينهم وبين بني عامر (1).. ولا ندري لماذا لم يكتف بارسال بعض أصحابه إليهم ليسألوهم عن ذلك، وهل كان ثمة اتفاق خاص في مقدار الدية فيما بين بني النضير وبني عامر، يختلف عن مقدارها لدى سائر الناس الذين يعيشون في تلك المنطقة ؟ ! وإذا كان كذلك، فكيف يريد هو أن يدفع خصوص هذا المقدار الذي اتفق عليه هؤلاء، ولماذا لا يدفع المقدار المتعارف عليه فيما بين سائر الناس ؟ !.. وإذا كان يريد أن يدفع المقدار المتعارف عليه بين عامة الناس، فهل كان " صلى الله عليه وآله " يجهل هذا المقدار ؟ !. وإذات كان - والعياذ بالله - يجهل به، فهل لم يكن أحد من أصحابه، من سائر أهل المدينة، وسائر القبائل والأقوام الذين يعيشون فيها وحولها، يعلم بمقدار الدية ؟ ! حتى يحتاج إلى المسير مع جماعة من أصحابه إلى خصوص بني النضير ؟ !.. أم أن المقصود هو إظهار: ان النبي " صلى الله عليه وآله " لم يكن يعرف أحكام الشريعة السابقة - شريعة اليهود خاصه - دون غيرهم من سائر اهل الملل. فلابد أن يتفضل عليه اليهود، ويعلموه مما عندهم، ويصبح مدينا لهم، هو وشريعته، وكل اتباعه من بعده.


(1) المصدر السابق. (*)

[ 48 ]

ثم ليثبت من خلال ذلك: أن النبي " صلى الله عليه وآله " كان يعمل، بشريعة اليهود وأحكامهم ! ! مع أنه " صلى الله عليه وآله " كان يخالفهم في كل شئ حتى لقد عبروا عن استيائهم من أنه يريد أن لا يدع من أمرهم شيئا إلا خالفهم فيه (1). لا ندري.. ولعل الفطن الذكي يدري.. فإنا لله وانا إليه راجعون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. الرابع: قد تقدم أن بني النضير لما هزم المسلمون في أحد ارتابوا ونقضوا العهد، فركب كعب بن الأشرف في أربعين رأكبا من اليهود إلى مكة، وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد، ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب بن الأشرف في أربين المسجد، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة. ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، ونزل جبرائيل، فأخبر النبي " صلى الله على وآله " بما تعاقد عليه كعب بن الأشرف وأبو سفيان، وأمره بقتل كعب بن الأشرف، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاة من الرضاعة (2). الخامس: ورد في ن آخر ما ملخصه: أنه ذهب مع أصحابه يستقرض ملا من كعب بن الأشرف، فحدث كعب نفسه بقتل النبي، فاخبره جبرائيل، فقام كأنه يقضي حاجة، وعرف: أنه لا يقتلون أصحابه


(1) راجع حول إصرار النبي " صلى الله عليه وآله " على مخالفة اليهود: الجزء الرابع من هذا الكتاب ص 106. (2) راجع: البحار ج 20 ص 158 ومجمع البيان ج 9 ص 257 وراجع: مناقب آله أبي طالب ج 1 ص 196 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 460 وقد تقدمت بقية المصادر حين الحديث عن تاريخ غزوة بني النضير، فلتراجع هناك. (*)

[ 49 ]

وهو حي، وأخذ طريق المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب، فأخبر كعبا بذلك، ورجع المسلمون. فأخبرهم ابن صوريا بأن رب محمد أطلعه على ما هموا به، وأنه سوف يأمرهم بالجلاء إن لم يسلموا، فاختاروا الجلاء (1). وقد اسلفنا: أننا نرجح هذه الرواية التي تنص على وجود كعب بن الأشرف، وعلى دور له في قضية بني النضير، وقد استحق بذلك الدور أن يأمر النبي " صلى الله عليه وآله " بقتله فقتل. ولكننا لا ندري حقيقة هذا الدور، فلعل كعبا قد عاقد أبا سفيان على حرب النبي " صلى الله عليه وآله " ثم هجا المسلمين، وشبب بنسائهم، ثم حاول نقض حاول نقض العهد حين طلب منه النبي " صلى الله عليه وآله " الوفاء بتعهداته المالية، حيث قد كان ثمة عهد ينص على التعاون في الديات. وكان ذلك من كعب بالتعاون مع قومه، حين أنتدب عمرو بن جحاش لتنفيذ المهمة. فكان أن تركهم رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وقفل عائدا إلى أصحابه، فأمر بقتل كعب بن الأشرف، ثم غدا على بني النضير بالكتائب. فإن من الطبيعي أن نجد رسول الإسلام الأكرم " صلى الله عليه وآله " يتحمل منهم نقض العهد أكثر من مرة، من أجل أن يقطع لهم كل عذر، وتعلل في ذلك، وليتضح لكل أحد ما بيتوه من مكر وخداع، وما


(1) راجع: اعلام الورى ص 8988 والبحار ج 20 ص 163 و 169 والبحار ج 20 ص 163 و 169 وتفسير الصافي ج 5 ص 153 وتفسير القمي ج 2 ص 359 وتفسير البرهان ج 4 ص 313 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 وراجع: مناقب آل أبي أبي طالب ج 1 ص 196. (*)

[ 50 ]

أبطنوه من ختل وغدر، ويحق الله الحق بكلماته، وليخزي الفاسقين، بفضل صبر الرسول " صلى الله عليه وآله " وأناته. ثم جاء أهل الحديث والرواية فذكروا كل واحدة مما تقدم على أنها سبب مستقل، لما جرى على هؤلاء الغدرة الفجرة، مع الذهول عن أن تكرر ذلك منهم قد جعل من مجموع تلك الأسباب والعوامل سببا واحدا لما حصل.. رواية لا يعتمد عليها: وتقدم في الفصل الأول من هذا الباب رواية تقول: إنهم حين جاءهم الرسول " صلى الله عليه وآله " ومعه بعض أصحابه. فكروا في أن يقتلوه، ويأخذوا من جاء معه من أصحابه أسرى، ويبيعوهم من أهل مكة. ونحن نشك في هذه الرواية أيضا: فإن أسر من جاء معه وبيعهم إلى أهل مكة، معناه إثارة حرب طاحنة فيما بين بني النضير، وبين الأوس والخزرج، ومن معهم من سائر المسلمين، ولن يمكنهم الوصول بهم إلى مكة قبل أن تندر الرؤوس، وتطيح الأيدي، وتخرب البلاد، وتهلك، العباد.. وقد جرب اليهود حظهم مع الأوس والخزرج فيما سبق، واستطاع هؤلاء أن يخرجوا أولئك من المدينة ليعيشرا حواليها، وفي أطرافها. وقد كان هذا وأمر اليهود مجتمع: فكيف تكون الحال بعد أن أجلي منهم بنو قينقاع مع كون العلاقات بين بني قريظة والنضير غير متكافئة ولا طبيعية بسبب التمييز الظالم لبني النضير عليهم، حسبما أو ضحناه حين الحديث، حول كونهم بمنزلة بني المغيرة في قريش كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وبعد أن أصبح بنو النضير أضعف ناصرا وأقل عددا، فإن التفكير بهذا الأمر يصبح في عداد المحالات والممتنعات..

[ 51 ]

وذلك أمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان، ولا إلى إقامة برهان. نقض العهد.. والتكبير: وقد ورد في بعض النصوص: أنهم حين أبلغوا رسول الله " صلى الله عليه وآله " بنقض بني النضير للعهد أظهر التكبير، وقال: الله أكبر، حاربت يهود. وكبر المسلمون بتكبيره (1) كما تقدم: أن المسلمين باتوا يحاصرون بني النضير، ويكبرون حتى أصبحوا.. ونقول: إن إظهار المسلمين للتكبير، وتكبير النبي " صلى الله عليه وآله " بالذات أمر له دلالاته الهامة، وآثاره الظاهرة، ويتضح بعض ذلك ضمن النقاط التالية: 1 - لقد كان من الطبيعي أن يتوقع اليهود: أن يواجه النبي " صلى الله عليه وآله " والمسلمون نقضهم للعهد بكثير من من القلق، وعدم الارتياح، بل وحتى بالخوف، وبالوجود الناجم عن الإرتباك، والتزلزل.. ولكن النبي " صلى الله عليه وآله " والمسلمين قد قابلوا ذلك - وبسرعة غير متوقعة - بموقف لا يمكن أن يخطر لليود على بال، الأمر الذي من شأنه أن يريكهم، ويوقعهم في حيرة، ويثير لديهم أكثر من


(1) راجع في ذلك ما يلي: الثقات ج 1 ص 242 والطبقات الكبرى ج 2 ص 57 - 58 وتاريخ الخميس ج 1 ص 460 وتفسير القمي ج 2 ص 359 والبحار ج 20 ص 169 عنه والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262، وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 553 وزاد المعاد ج 2 ص 71 وتفسير الصافي ج 5 ص 154 وتفسير البرهان ج 4 ص 313 والمغازي للواقدي ج 1 ص 370 والسيرة الحلبية ج 2 ص 264 وعمدة القاري ج 17 ص 126. (*)

[ 52 ]

سؤال، ثم يزعزع ثباتهم، ويذكي مخاوفهم، بصورة كبيرة وخطيرة 2 - إنه إذا كان يوجد فيما بين المسلمين من ينظر إلى اليهود نظرة إجلال وإكبار، ويكن لهم في نفسه قدرا من الثقة والإحترام: فان معنى ذلك هو أن نشاطات المنافقين - وعلى رأسهم عبد الله بن أبي - في التخذيل عن حربهم، والصد عن مواجهتهم، لسوف تجد مجالا واسعا، ولسوف تترك آثارها السلبية على تماسك الصف الإسلامي في مواجهتهم.. ولعل وجود أبناء للمسلمين في بني النضير لسوف يجعل اتخاذ موقف حازم ضدهم على درجة من الصعوبة بالنسبة لكثير من الآباء، ومن يتصل بهم بسبب، أو بآخر. ولأجل ذلك: فإن توفر جو حماسي جماهيري، لسوف يضعف حالة التردد لدى هؤلاء وأولئك، وينقلهم من أجواء الإنسياقات العاطفية، والإندهاش والإنبهار بالإنتفاخات غير الواقعية، التي تؤثر في نشوء حالة من التقديس غير المنطقي. - ينقلهم - إلى أجواء الشعور بالقوة، ثم التغلب على عوامل الضعف النفسي من خلال مساعدة العامل الداخلي، بعامل خارجي يعطيه، القدرة على الصمود والتصدي، كما ويعطية المناعة والمصونية من التأثر بعامل العاطفة منفصلا عن الإحساس بالمسؤولية، أو التأثر بعامل التوهمات، والتقديسات، التي لا ترتكز على الدليل المقنع، ولا تقوم على التأمل القاطع لكل الشبهات، ولكلالتساؤلات المنطقية، التي يثيرها العقل الفطري السليم والراشد.. وهكذا، فإن هذا العامل المساعد للإحساس الواقعي بالمسؤولية، والقادر على المواجة الحازمة، القائمة على الدراية والعقل. لسوف يضعف من قدرة اليهود والمنافقين على التأثير في درجة التصميم على التصدي، أو التأثير في خلخلة الوضع الداخلي، وتمييع الموقف

[ 53 ]

بالإستفادة من عامل العاطفة أو عامل الإنبهار القائم على التخيل والتوهم غير المنطقي ولا المسؤول. 3 - وإذا كان القرآن الكريم، والنبي الأمي " صلى الله عليه وآله " وكذا التاريخ الطويل الزاخر بالأحداث قد قدم للمسلمين صورة تكاد تكون واضحة عن الحالة الأخلاقية الذميمة لليهود، وعن طموحاتهم اللامنطقية والامشروعة والتي كانوا يدعمونها بتعاليم دينية مزيفة، ويعملون على تحقيقها بسياساتهم الخبيثة في مجال الإعلام والسياسية، والإقتصاد، وكل نشاطاتهم الإجتماعية - إذا كان كذلك - فان صدق هذه النبوءة، المتمثل في بروز صفة الغدر والخيانة فيهم على صعيد الواقع بصورة ملموسة وظاهرة للعيان، لسوف يمسح عن أعين الكثيرين غبار الخداع والانخداع، ولسوف يكون في ذلك خ آية أخرى تدل على صدق هذا النبي الأكرم، وعلى حقانية موقفه، وصواب سياساته منهم ويقطع من ثم كل عذر، ويزيل كل شبهة، فقد، (تبين الرشد من الغي) (1)، (فقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) (2). نقض العهد والمؤامرة: هذا، ونجد: أن النبي " صلى الله عليه وآله " قد اعتبر تآمرهم على حياته، ومحاولتهم اغتياله، وإن لم ينجحوا في مجال تنفيذ ذلك، نقضا للعهد يبرر مواجهتهم بالموقف الصارم والحازم. وواضح: أن إغتيال القيادة الإسلامية هو أجلى مظاهر الخيانة، وأخطرها، ولا يجب أن ننتظر من الخائنين إعلانهم للحرب، والتصدي


(1) البقرة: 256 (2) الكهف: 29. (*)

[ 54 ]

الفعلي والظاهر لها، كما ربما يفترضه البعض. المعاهدات في الإسلام: ويحدثنا التاريخ: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد عاهد بني النضير، كما عاهد غيرهم، ولعل أبرز عهد عقده هو عهد الحديبية، حيث أمر بكتابة نسختين للكتاب (1) لأن بالكتابة يتم الحفاظ على النص، ويمكن الإلتزام به، ويكون مرجعا لا يمكن التشكيك ولا المراء فيه، فيما إذا ثار خلاف، وقد اعتبر الإسلام هذه العهدد وسيلة لا يقاف الحروب، وللمنع من نشوبها، يتوفر للإنسان المسلم في ظلها حرية التعبير، وحرية العمل والحركة كما سنرى. وهذا بالذات هو السر في أننا نجد الإسلام قد أولى العهود والإتفاقات أهمية بالغة، ورسم لها حدودها، وبين بوضوح تام مختلف الأصول والأهداف التي لابد من رعايتها، والحفاظ عليه فيها. وبديهي: أن دراسة هذا الموضوع بعمق، والإلمام بجميع جوانبه إسلاميا وتاريخيا، يتطلب بذل جهد كبير، ويحتاج إلى دارسة مستقلة ومنفصلة، وإلى وقت يتيح الفرصة للإطلاع على قدر كاف من الإيات الشريفة والنصوص الواردة عن النبي " صلى الله عليه وآله " والأئمة " عليهم السلام "، ثم دراسة المعاهدات التي عقدت في صدر الإسلام وظروفها، ولا نجد أنفسنا قادرين على توفير ذلك في ظروفنا الراهنة. إلا أن ذلك لا يمنع من إيراد إلماحة سريعة، ترتكز - عموما - على بعض ما ورد في هذا المجال في خصوص نهج البلاغة، فنقول: من عقد الأشتر: قال " عليه السلام " في عهده لمالك الأشتر:


(1) آثار الحرب في الفقه الإسلامي ص 659 عن السياسة الشرعية، للبنا. (*)

[ 55 ]

".. ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا: فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك، بعد صلحه: فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو البسته منك ذمة: فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالإمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت: فانه ليس من فرائض الله شئ الناس اشد عليه إجتماعا، مع تفرق أهوائهم، وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر (1): فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعدك، ولا تختلن عدوك: فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره: فلا إدغال، ولا مدالسة ولا خداع فيه. ولا تعقد عقدا يجوبز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب أنفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق أمر ترجو إنفراجه، وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله طلبته، فلا تستقيل فيها دنياك وآخرتك " (2).


(1) هذا يؤيد بما قدمناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب من أن العرب كانوا أفياء بعهودهم، وقد فرض عليهم هذا الأمر طبيعة الحياة التي كانوا يعيشونها حيث رأوا: أنه لا يمكنهم العيش بدون ذلك (2) نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 117 - 118 ومعادن الحكمة ج 1 ص 109 = (*)

[ 56 ]


= وتحف العقول ص 126 ودعائم الإسلام ج 1 ص 350، والبحار ج 8 ص 609 ثم شرحه، وج 77 ص 240 عن النهج والتحف، ومستدرك الوسائل ج 3 ص 195 وأضاف العلامة المحقق الأحمدي: أن بعضه قد نقل في كنز العمل ج 15 ص 165 - 166 عن الدينوري، وابن عساكر، ومآثر الإنافة ج 3 ص 6 عن صبح الأعشى، ومفتاح الأفكار. وأشار إليه النجاشي في رجال ص 7 وذكر سنده أيضا الشيخ في الفهرست. وقال في معج رجال الحديث ج 3 ص 222: طريق الشيخ إلى عهد مالك الأشتر صحيح. وذكره في نهج السعادة ج 5 ص 58 عن جمع ممن تقدم، وقال: روى قطعة منه مسندا في تاريخ الشام ج 38 ص 87 وفي النسخة المرسلة ص 193. وذر في خاتمة المستدرك ص 218 عن مجلة لمقتطف 42 ص 248: أنه نقله عن نسخة السلطان بايزيد الثاني، وفي دستور معالم الحكم ص 149 شواهد لهذا العهد، ونقله في مصادر نهج البلاغة عن جمع ممن تقدم، وغن نهاية الإرب للنويري ج 6 ص 19. ثم ذكر في مصادر نهج البلاغة بعض من شرح هذا العهد، مثل: آداب الملؤك لرفيع الدين التبريزي، وأساس السياسة في تأسيس بالرئاسة للكجوري الطهراني، والتحفة السليمانية للبحراني، والراعية لتوفيق التفكيكي، والسياسة العلوية لآل مظفر (خطية). وشرح عهد أمير المؤمنين " عليه السلام " للمجلسي، وشرح عهد أمير المؤمنين " عليه السلام " للميرزا حسن القزويني، وشرح عهد أمير المؤمنين " عليه السلام، للميرزا محمد التنكابني. وشرح عهد أمير المؤمنين " عليه السلام " للشيخ هادي القائيني البيرجندي، وشرح الفاضل بدايع نكار المثبت في المآثر والآثار، ونصايح الملوك لأبي الحسن العاملي. ومقتبس السياسة وسياح الرئاسة للشيخ محمد عبده، انتزع من شرحه وطبع = (*)

[ 57 ]

الوفاء بالعهد: أما بالنسبة إلى ضرورة الإلتزام بالعهود والوفاء بها، حتى لغير المسلمين، فإن الله تعالى يقول: (فأتموا إليهم عهدهم ومدتهم) (1). ويقول سبحانه: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) (2). ويقول: (.. وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم..) إلى أن تقول


= على حدة، والقانون الأكبر في شرح عهد الأشتر للسيد مهدي السويج (مخطوط) ومع الإمام في عهده لمالك الأشتر للشيخ محمد باقر الناصري. ونزيد هنا في ما يرتبط بشروحه، ما اورده السيد هبة الدين الشهرستاني في مقدمته لكتاب الراعي والرعية ص 8 - 9 والشيخ آقا برزك الطهراني في كتابه الذريعة ص 373 - 375 وج 15 ص 353، حيث اضافا إلى شروح العهد: شرح الحسين الهمداني الموسوم بهدية الحسام لهداية الحكام. وشرح محمد صالح الروغني القزويني، من علماء القرن الحادي عشر، ودستور حكمت. وترجمه الوصال الشيرازي المتوفي سنة 1274 ونظمه شعرا بالفارسية. وترجم محمد جلال هذا العهد إلى التركية، ونظمه شعرأ بالتركية. فرمان مبارك لجواد فاضل. وعنوان رياست (ترجمة لهذا العهد أيضا للسيد علي أكبر بن سلطان العلماء السيد محمد النقوي اللكنهوري). هذا كله عدا عن شرح شراح النهج له في ضمنه كالمعتزلي وابن ميثم وغيرهما. بقي أن نشير إلى أن صاحب الذريعة قد قال في ج 15 ص 262: (نسخة العهد بخط ياقوت المستعصمي موجودة في المكتبة الخديوية بمصر تاريخ فراغها سنة ثمانين وستمائة كما في فهرسها.) (1) التوبة: 4. (2) الإسراء: 24. (*)

[ 58 ]

الآية: وان جنحوا للسلم فاجنح لها) (1). فقد جعل الله العهد الأعداء عهدا لله سبحانه.. الشرط الأساس في كل عهد: وبعد.. فإن أمير المؤمنين " عليه السلام " قد قرر أن الشرط الأساس في كل عهد هو أن يكون " لله فيه رضا " كما ورد في عهده " عليه السلام " للأشتر " رحمه الله ". وواضح: أن رضا الله سبحانه إنما هو في حفظ مصلحة الإسلام العليا، وكرامة المسلمين، وحريتهم في الدعوة إلى الله سبحانه بأمن ودعة وإطمئنان. وحين يكون الداعي للصلح الذي فيه رضا الله سبحانه، هو العدو فان معنى ذلك هو أن العدو قد اعترف بك، وبموقعك، واصبح على إستعداد لأن يقبل شروطك العادلة، ومعنى ذلك هو أنك تكون قد سجلت نصرا من أقرب طريق وأيسره. وأما إذا دعاك هذا العدو إلى صلح ظالم وفيه ذل للمسلمين، ووهن على الإسلام، فإن من الطبيعي أن ترفض صلحا كهذا لأنه تسجيل إنتصار للعدو من أسهل طريق.. وثمة شرط آخر: وثمة شرط آخر، لابد من توفره في أي عهد، وذلك من أجل أن يحتفظ بقيمته، وبفعاليته، في حسم الصراع، ثم من أجل أن لا يوجد عقد العهد ضعفا في موقف المسلمين، وفتح باب التشكيك في حقهم، أو إعطاء فرصة المناورة للباطل.


(1) النحل: 91.

[ 59 ]

وهذا الشرط لابد للجانب المحق من الاهتمام به، والعمل على توفيره بصورة أجلى وأتم، وهو أن " لا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ". أي أنه لابد أن لا يكون في العهد إبهامات يمكن التشبث بها من قبل العدو، كما أنه لابد أن يكون نفس العهد هو المعيار والموجع والفيصل في الأمور، فلا يعتمد على مواعيد أو لحن قول، فان ذلك يوجب وهنا في العهد نفسه، وفيه فتح باب النقض، والخيانة، من دون أن يكون ثمة حرج ظاهر في ذلك.. وذلك يعتمد على نباهة ودقة ذلك الذي يتصدى لعقد العهد، وهو يتحمل مسؤلية أي تقصير في هذا المجال. العهود لا تنقض، وهي ملزمة للجميع: 1 - ونجد في نص المعاهدة التي كتبها علي أمير المؤمنين " عليه السلام " فيما بين ربيعة، واليمن، ما يد على أن العهد ملزم لكل الآخرين الذين ينتمى إليهم المباشرون لعقد العهد... وذلك يقطع أي عذر، ويمنع من أي تعلل، أو محاولة خداع. وهذا مطلب عادل، وسليم، فان كل الأمور التي تمس حياة المجتمعات، لا يمكن أن يعتمد فيها مبدأ موافقة كل فرد منها ولا سيما مع اختلاف المصالح، وتشتت الآراء، وتباين الأهواء، حسبما ذكر أمير المؤمنين " عليه السلام " في الفقرة المنقولة عنه في عهده للأشتر النخعي " رحمه الله ".. 2 - إن عتب العاتبين، وغضب الغاضبين، لا يجوز أن يجعل ذريعة لنقض العهد، ما دام أن إرضاء كل أحد غير ممكن، ولا سيما في الأمور المرتبطة بمستقبل الجماعات، وعلاقاتها ومواقفها، حتى ولو كان العاتبون

[ 60 ]

والغاضبون فريقا ثالثا، يريد أن يحصل على مكاسب سياسية أو غيرها، ويكون له دور ما في التحرك السياسي، أو تأثير - إبجابي أو سلبي - على ساحة الصراع. فإذا كان القانون العام هو عدم نقض العهد بسبب ذلك، فلابد أن تنقطع أطماع الطامعين، ما دام أن عتبهم، لن يجدي نفعا، ولن يؤثر شيئأ. 3 - إن العهد لا ينقض لأجل استذلال قوم قوما، ولا لمسبة قوم قوما: فان تعرض فريق للاستذلال من قبل فريق آخر، بسبب عقده للعهد، وكذا اتخاذ عقد العهد من قوم وسيلة لتعييرهم ومسبتهم، لا يبرز للعاقدين له نقض عهدم.. وإذن.. فإن من يقدم على عهد، لابد وأن يعلم مسبقا: أنه لابد له من الوفاء بما عقده، حتى في أشق الأحوال، وأصعبها، فهو إذن عالم بما يفعل، ومطلع على نتائجه مسبقا، وقد أقدم مختارا على ذلك.. فعلية أن الذي نتائج ما أقدم عليه.. وقد أشار علي أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى ذلك كله في العهد الذي كتبه بين اليمين وربيعة، فقد جاء فيه: ".. لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب، ولا لغضب غاضب، ولا لإستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما على ذلك شاهدم وغائبهم، وسفيههم وعالمهم، وحليمهم وجاهلهم، ثم إن عليهم عهد الله إلخ.. " (1).


(1) نهج البلاغة ج 3 ص 148 الرسالة رقم 74.

[ 61 ]

إحترام أمور المعاهدين: وحين يكون المعاهدون يتمتعون بحماية دولة الإسلام، فأن أموالهم - كأموال المسلمين - لا تذمس، بل تبقى لهم، ويمارسون حريتهم التجارية بصورة تامة.. قال علي أمير المؤمنين " عليه السلام " في كتاب له إلى عمال الخرج: " ولا تمسن مال أحد من الناس، مصل، أو معاهد، إلا أن تجدوا فرسا، أو سلاحا إلخ " (1). المعاهدون لا يجفون ولا يقصون: وقد كتب علي أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى بعض عماله: " واعزز المسلمين، ولا تظلم المعاهدين " (2). وكتب أيضا إلى عامل آخر له، يقول: " أما بعد، فإن دهاقين أهخل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة، وإحتقارا وجفرة، ونظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وأمزج لهم بين التقريب والإدناء والإبعاد والإقصاء (3).


(1) نهج البلاغة بشرح عبد ج 3 ص 90 الرسالة رقم 51. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 200 - 201. (3) نهج البلاغة ج 3 ص 21 الرسالة رقم 19، وأنساب الأشراف ج 2 ص 161 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 203. (*)

[ 62 ]

من نتائج الصلح والعهد: وعن نتائج الصلح والعهد، فهي: 1 - دعة الجنود. 2 - الراحة من الهموم. 3 - الأمن لبلاد المسلمين. وذلك معناه: أنك أصبحت قادرا على التخطيط للمستقبل لأنك قد ارتحت من همومك، وأصبحت قادرا أيضا على تنفيذ خططك، لأنك تملك الوقت الكافي، والطاقات الفاعلة، المهيأة للعمل الجاد والدائب، دونما مانع أو رادع.. كما أن هذا السلم والأمن لسوف يجنب بلادك التعرض للأزمات الإقتصادية الحادة، ويحفظ مرافقها الإقتصادية والحيوية من التدمير، أو التعطيل، أو صرفها في مواجهة متطلبات الحرب. هذا، عدا عن حفظ القوى الفاعلة والمؤمنة من أن تتعرض للتدمير، أو للتشويه، ثم ما ينشأ عن ذلك من آثار إجتماعية لا تجهل. ويجب أن لاننسى أن حالة عدم الإستقرار، بل والخوف وعدم الأمن في أحيان كثيرة، من شأنها أن تشل حركة المجتمع في المجالات المختلفة، وتمنعه من أن يقوم بدوره على النحو المطلوب والمؤثر. ثم هناك الحالة الفكرية والنفسية وكثير من السلبيات الأخرى، التي تنشأ عن ظروف الحرب، وتتفاعل بصورة تصاعدية في كثير من المجالات، والقطاعات.. وكل ذلك يمثل هموما حقيقية لأي حاكم يشعر بمسؤولياته الإلهية، والإنسانية تجاه مجتمعه وأمته.

[ 63 ]

العهد.. والحذر: وإذا كان عقد العهد مع العدو لا يعني أإ العدو قد تنازل عن كل طموحاته، وصرف النظر عن كل مراداته وخططة، فإنه ربما يكون قد قارب ليجد الفرصة للوثوب، وايراد الضربة القاصمة.. فقد جاء النهي عن الإطمئنان لهذا العدو، حيث قد تقدم قول أمير المؤمنين " عليه السلام " في عهده للأشتر: " ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه: فان العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن ". وقال تعالى: (وخذوا حذركم) (1). الخيانة في حجمها الكبير: وبما أن الله سبحانه قد جعل عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فان الشرط الأساس فيه هو أنه لا إدغال. ولا مدالسة ولا خداع فيه: فإذا رأى أن العدو لا يعمل بضروط الصلح ومقتضيات العهد، وإنما هو يتآمر، ويعد العدة للغدر، فان نفس هذه الأعمال تكون نقضا منه للعهد، وتخليا عن شروطه، فلا معنى حينئذ للالتزام بهذا العهد، من طرف واحد، وإنما لابد من نبذ العهد إليه ومعاملته معاملة الخائن المجرم قال تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة، فانبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين) (2). وعن علي " عليه السلام ": الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر


(1) التوبة: 7 (2) الأنفال: 58. (*)

[ 64 ]

بأهل الغدر وفاء عند الله (1) وبالنسبة إلى بني النضير، فإنهم قد مارسوا الخيانة في أبشع صورها وأفظعها، حين تآمروا على القيادة الإسلامية والإلهية، فرد الله كيدهم إلى نحورهم، وحفظ الله نبيه، وأعز دينه، وأدال المسلمين من أعدائهم، من أسهل الطرق، وأيسر السبير. الوفاء بالعهد ضرورة حياتية: ونجد أمير المؤمنين " عليه السلام " قد أوجب على واليه الوفاء بالعهد. بل هو قد طليب منه أن يجعل نفسه جنة دون ما أعطاه. وقد علل ذلك بأنه من الأمور التي اتفقت عليها جميع الناس، رغم تفرق أهوائهم، وتشتت آرائهم، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم، وذلك إنطلاقا من إحساسهم بضرورة ذلك، حين رأوا: عواقب الغدر الوخيمة، التي من شأنها أن تدمر حياتهم، وتقضي على كل نبضات الراحة والإستقرار فيها. ولكنهم قد خالفوا ضميرهم ووجد انهم، وكل المعايير الأخلاقية، والعقلية فيي تعاملهم مع المسلمين، حيث أجازوا لأنفسهم نقض عهودهم معهم، وتحمل كل ما لذلك من تبعات ونتائج.. وذلك يدلل على عدم إنسجامهم مع قناعاتهم ولا مع فطرتهم في مواقفهم تجاه الإسلام والمسلمين.. وقد اعتبر " عليه السلام ": من يخيس بعهده، ويغدر بذمته، ويختل


(1) نهج البلاغة ج 3 ص 210 الحكمة رقم 259 وغرر الحكم ج 1 ص 60 وروض الأخيار ص 111 وربيع الأبرارج 3 ص 375 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 249. وغرر الخصائص الواضحة ص 59 ومصادر نهج البلاغة ج 4 ص 4 وص 401 عن بعض من تقدم وعن شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 216. (*)

[ 65 ]

عدوه، ويجتري على الله جاهلا لا يعرف الأمور ومواردها، ولا الصالح من الطالح، وهو شقي أيضا، لأنه بالإضافة إلى أنه يكون متجرئا على الله سبحانه في ذلك، فإنه يكون قد جر على نفسه الكثير من المصائب والبلايا نتيجة لسياساته الخاطئة هذه. وخلاصة الأمر: إن العهد في الإسلام ليس وسيلة للمكر والخداع بهدف الإيقاع بالعدو، وانما هو أمانة ضميرية، ذات قاعدة إيمانية أساسية: فلابد من رعايتها والوفاء بها ولا يسوغ نقض العهد (بغير حق) حتى ولو كان فيه ما يوجب الضيق كما تقدم في عقد علي " عليه السلام " للأشتر، وروى عن النبي " صلى الله عليه وآله " قوله: " لا دين لمن لا عهد له " (1). وقد مدح الله من يفي بعهده فقال: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) (2). وقد ذم علي " عليه السلام " عمر وبن العاص فقال: " يسأل فييخل، ويخون العهد " (3). وقد ذم " عليه السلام " أهل البصرة بقوله: " وعهدكم شقاق " (4). وقال " عليه السلام ": " وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون وانتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون " (5).


(1) السن الكبرى ج 9 ص 231 وغرر الخائص الواضحة ص 60 (2) البقرة: 177. (3) نهج البلاغة ج 1 ص 145 الخطبة رقم 80 (4) النهج الخطبة رقم 12 ج 1 ص 40 والأخبار الطوال ص 151 وربيع الأبرار ج 1 ص 308. (5) النهج الخطبة رقم 102 ج 1 ص 204. (*).

[ 66 ]

الغدر عجز، وعدم ورع: وقد قال علي " عليه السلام ": " إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد إتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم ؟ قاتلهم الله، قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه: فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين " (1). الغادر هو الذي يعاقب: وطبيعي أن ينال العقاب خصوص اولئك الذين ينقضون العهد، ويخونون أماناتهم، وقد أوضح ذلك أمير المؤمنين " عليه السلام " حينما قال: " مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله، ولذي النصيحة حقه، غير متجاوز متهما إلى برئ، ولا ناكثا إلى وفي " (2). السلاح في أيدي المعاهدين: كما آن من الطبيعي: أن يحتاط الحاكم الإسلامي، فلا يترك في أيدي المعاهدين، الذين يعيشون في ظل حكمه، وتحت حمايته، من السلاح والتجهيزات ما يشكل خطرا على أمن الدولة، مع التأكيد على إحترام كل ما يعود إليهم من أموال وممتلكات، وعد المساس بها في أي حال، قال علي أمير المؤمنين " عليه السلام ":


(1) نهج البلاغة بشرح عبده ج 1 ص 188 الخطبة رقم 40. (2) نهج البلاغة، بشرح بعده ج 3 ص 41 الرسالة رقم 29 (*).

[ 67 ]

".. ولا تمسن مال أحد من الناس، مصل ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام: فإنه لا ينبغي للمسلم إن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام: فيكون شوكة عليه الخ.. " (1). موقف له دلالاته: ومن المعلوم أن مواقف علي أمير المؤمنين تعتبر التجسيد الدقيق والحي لمفاهيم الإسلام، وأحكامه، وسياساته، والتاريخ يحدثنا: أن حين بلغة " عليه السلام " إغازة خيل معاوية على بلاد المسلمين، خطب " عليه السلام " خطبة الجهاد المعروفة، وقد جاء فيها: " هذا أخو غامد، وقد وردت خيلة الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها. ولقد بلغني: أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى لمعاهدة، فينتزع حججلها، وقلبها، وقلائدها، ورعاثها (2) ما تمنع منه إلا بالإسترجاع والإسترحام، ثم أنصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، ولا أريق لهم دم: فلو أن أمرءا مسلما مات من بعد هذا أسفار ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا " (3). ونحن نسجل هنا ما يلي: 1 - إن هذا الموقف منه " عليه السلام " يوجح لنا قيمة الإنسان في الإسلام. واهتمامه البالغ في الحفاظ على موقعه، وعلى كرامته ووجوده،


(1) نهج البلاغة ج 3 ص 90 الرسالة رقم 51. (2) الرعاث: جمع رعثة، القرط والحجل: الخلخال. والقلب: السوار. (3) نهج البلاغة، بشرح عبده ج 1 ص 64 - 65 خطبة رقم 26 والأخبار الطول ص 211 و 212 والغارات ج 2 ص 475 و 476 والمبرد في الكامل ج 1 ص 20 والعقد الفريد ج 4 ص 70 ومعاني الأخبار ص 310 وأنساب الأشراف ط الأعلمي ج 2 ص 442 (*).

[ 68 ]

حتى إن الرجل الأول في الدولة الإسلامية ليعاني من الألم والأسى بسبب الإعتداء على كرامة الإنسان ما يجعل الموت أسفا على ما جرى أمرا مقبولا، بل يجعله هو الجدير واللائث به. ثم هو " عليه السلام " يقرر: أن هذا الحدث لابد أن يؤثر بهذا المستوى أيضا في كل إنسان مسلم، من كان ومهما كان. 2 - إنه يعطي: أن أمير المؤمنين " عليه السلام " - وهو الذي يمثل نظرة الإسلام الأصيلة - بعين المساواة إلى كل من هم تحت سلطته، أو تحت حمايته، فهو يتألم للمرأة كما يتألم للرجل، وهو يتألم كذلك للمعاهدة والتي هي على غير دينه، بنفس المستوى الذي يتألم فيه للمسلمة، وهو يطلب موقفا حازما تجاه الإعتداء على كرامتهما معا من كل مسلم، بنفس القوة والفعالية والتأثير في رفع الظلامة واعادة الحق إلى نصابه. 3 - إنه " عليه السلام " قد حاول إثارة الناس وتحريكهم بأسلوب عاطفي يلامس مشاعرهم وأحاسيسهم: فتحدث عن سلب المغيرين حلي النساء المسلمات والمعاهدات، وفي ذلك إثارة عاطفية، وتحريك لا شعوري للناس، الذي سوف يسوؤهم الإعتداء على هذا الموجود الذي يمثل جانبد الرقة، والحنان في المجتمع. 4 - إنه " عليه السلام " إنما توقع من المرء " المسلم " أن يموت أسفا، واعتبره جديرا بذلك، وحريابه.. ولعل هذا الأمر يشير إلى أن الإسلام هو ذلك الدين الذي يغرص في الإنسان معاني إنسانيته، ويربيه تربية إلهية يحيا بها وجدانه، وتتنامى فيها خصائصه ومزاياه الإنسانية، فيصبح حي الشعور، صافي النفس، سليم الفكر، وإلهي المزايا.. 5 - كما ونجده صلوات الله وسلامه عليه.. قد أهدر دماء

[ 69 ]

المعتدين، واعتبر أن أدنى جزاء لهم هو أن ينالهم كلم وجرح، وتهرق دماؤهم. رغم أن ما ارتكز عليه بيانه، وجعله منطلقا له في تقريره هذا الجزء القاسي هو أمر لا يزيد على سلب الحجل والقلب والرعاث من إمرأة مسلمة وأخرى معاهدة.. وذلك لأن الميزان في العقاب إنما هو درجة الجرأة على الله وعلى المحرمات، ثم ما ينشأ عن ذلك من فساد وإفساد، في البلاد والعباد.. 6 - إنه " عليه السلام " إنما ركز على الجانب الإنساني: فحاول أن يؤكد للناس لزوم نصرة الضعيف، والدفاع عنه والحفاظ عليه، وأن ذلك هو مسؤولية كل فرد قادر بالنسبة إليه.. وقد أثار إنتباه الناس إلى جانب الضعف هذا حين قال: " ما تمنع منه إلا بالإسترجاع والإسترحام ".. وليكن من ثم مبدأ نصرة الضعيف والدفاع عنه من الأوليات التي يفرضها الوجدان الحي، والضمير الإنساني.. 7 - ثم هناك الجانب التربوي، الذي يستهدف تركيز مفهوم العدالة في التعامل، فلا يفرق بين مسلم ومعاهد، ثم مفهوم عدم التغاضي عن المعتدين والمجرمين، وعدم التواكل في رد العدوان. إلى غير ذلك مما لا مجال لتفصيله هنا. وفاء اليهودي هو الغريب المستهجن: وبعد فإننا حين نقرأ التاريخ، فما يلفت نظرنا هو تكرر الغدر من اليهود، واستمرارهم في نقض العهود والمواثيق، مرة بعد أخرى، كما كان الحال بالنسبة لبني قينقاع، وبني النضير، وبني قريضة. ونجد في مقابل ذلك إلتزاما تاما من قبل النبي " صلى الله عليه وآله " بالعهود والمواثيق المعقودة. ونحن نشير هنا إلى الأمور الثلاثة التالية:

[ 70 ]

الأول: بالنسبة لعدم التزام اليهود في عهودهم نقول: إن ذلك طبيعي بالنسبة إلى قوم يزنون الأمور بموازين الربح والخسارة في الدنيا: فإن من كان كذلك، لا يلتزم بالصدق - مثلا - لأجل أن له قيمة أخلاقية أو إنسانية، أو لأن فيه رضا الله سبحانه وتعالى وإنما يلتزم به لأنه يجلب له نفعا دنيويا ملموسا، أو يدفع عنه ضررا كذلك.. وبدون ذلك: فإنه لا يجد مبرا ولا دافعا للالتزام به، بل هو حين يلتزم بصدق لا يشعر بنفعه الدنيوي يجد نفسه متناقضا مع مبدئه، ومع منطلقاته في التفكير وفي العمل، التي رضيها لنفسه. وكذلك الحال بالنسبة لسائر الكمالات والفضائل الإنسانية، وبالنسبة لكل الإلتزامات، والعهود، والمواثيق، التي يفرضها عليه واقع دنيوي معين: فانه إذا تجاوز ذلك الواقع، فسوف لا يجد ما يبرر التزامه بذلك الكمال، وتلك الغضيلة، أو وفاءه بهذا العهد والميثاق، أو ذاك. بل كل المبررات متضافرة لديه، وكل القناعات حاكمة عليه بلزوم نقضها، والنكث بها، والإلتزام بضدها. الثاني ث: بالنسبة لإلتزام النبي " صلى الله عليه وآله " والمسلمين بعهودهم ومواثيقهم، فقد اتضح: أنهم لابد أن يكونوا فيها على العكس من اليهود تماما، إذ قد أصبح من البديهي: أن العهد، والميثاق وكل شئ آخر يفرضه عليهم الشرع، والعقل، والإنسانية، إنما يمثل لهم قيمة أخلاقية وإنسانية، وحدا شرعيا، لابد لهم من الالتزام به، والموقوف عنده، إن ذلك يمثل جزءا من وجودهم، ومن شخصيتهم، وإن الإخلال به سوف يوقعهم في تناقض مع أنفسهم بالدرجة الأولى، ولسوف يجعلهم وجها لوجه مع

[ 71 ]

أحكام العقل، ومقتضيات الفطرة. الثالث: أما بالنسبة لموقف المسلمين الصارم والحازم من ناقضي العهود والمواثيق، فإن ذلك هو ما تفرضه عليهم المسؤوليات الإنسانية والإسلامية أيضا، بعد أن رضي أولئك المعتدون والناقضون للعهود بتحمل نتائج عملهم، وأصبحوا وباء يريد أن يغتال فرص الخير من بين ايدي أهلها، وأحق الناس بها.. وذلك لأن نقض العهود معناه إستخدام مناشئ القوة في سبيل ضرب مواقع الخير، ومناشئه، وتكريس الإمتيازات لجهة الشر، والإنحراف، الذي لابد وأن تنال سلبياته، ويمتد وباؤه الى كل مواقع الخير، والسلامة ويضيي عليها.. فتصبح الحركة لضرب الشر في مواقعه ومناشئه حالة طبيعية يمارسها الإنسان المسلم، ومسؤولية إلهية وإنسانية، وعقلية، وفطرية، يفرضها واقع الحياة، وحق الدفاع عن الوجود، وعن الإنسانية والفطرة. الجراة ومبرراتها: وبعد كل ما تقدم، فان السؤال الذي ربما يراود ذهن البعض هو: انه قد تقدم: أن اليهود، وكل من لا يؤمن بالك خرة، وكذلك كل من يرى: أن الدنيا هي كل شئ بالنسبة إليه.. لا يمكنهم أن يقدموا على الموت وعلى التضحية بالنفس إلا في حالات نادرة، تتدخل فيها عناصر من شأنها أن تلقي ولو في فترات قصيرة وخاطفة تأثيرات تلك الرؤية، وذلك الفهم الخاطئ، لموضوع المعاد والجزاء، ولآخرة، وأنعكاسات ذلك الفكر، أو حيث لا يكون ثمة لهم خيار آخر يمكنهم اللجوء إليه، والاعتماد عليه. ومعنى ذلك هو: أن اليهود، وكذلك المشركون، سوف لا يكونون

[ 72 ]

قادرين على اتخاذ قرار الحرب، وهم يرون أنها سوف تحرق الاخضر واليابس: فكيف يمكن فهم غدرهم بعهودهم، ونقضهم لمواثيقهم، ثم سعيهم لإثارة الحروب مع الآخرين، ثم تحالفهم مع المشركين والمنافين لحرب المسلمين ؟ ! أليس الأنسب بطريقتهم في التفكير، والأخرى والأجدر بهم، في ظل ما ديتهم، وعدم إيمان الكثيرين منهم بالآخرة، أن يعيشوا بسلام مع المسلمين، ومع غيرهم، وأن يبتعدوا فأنفسهم عن كل ما يثير، ويوجب تأزما في العلاقات، مع أي طرف كان ؟ ! والجوا: إن ذلك صحيح في حد نفسه لولا أن اليهود كانوا واقعين تحت تأثير التصورات والأمور التالية: 1 - إنهم يرون: أن الخطر الذي يتهددهم من جهة المسلمين، أعظم وأشد، وهو حتمي بالنسبة إليهم.. أما الخطر الآتي من قبل نكث العهود، وما ينشأ عنه من حروب، ومشاكل، فليس - بنظرهم بهذه الدرجة من الحتمية، ولا هو بهذا المستوى من الخصورة، فقد كانت الحرب نفسها تخضع لإحتمالات إيجابية بالنسبة إليهم. سواء على مستوى القرار لديهم، لا حتمال مساعدة المشركين والمنافقين لهم. أو على مستوى القرار لدى الفريق الآخر، وهم المسلمون - ولا سيما بملاحظة وجود المنافقين فيهم - حيث يرون أن الوضع العام للمسلمين لا يسمح لهم باتخاذ قرار الحرب، الأمر الذي يجعل ارتكاب أخطار الحرب أهون عليهم، وأقرب إلى احتمالات السلامة لهم. أو على مستوى النتائج، والآثار، بالنسبة لكلا الفريقيق على حد سواء. 2 - إن المسلمين، وإن كانوا قد أثبتوا - ولا سيما في حرب بدر -

[ 73 ]

أنهم مقاتلون من الدرجة الأولى، وأنهم لا يهمهم شئ سوى رضا الله سبحانه... فإن هذا الامتياز يمكن أن يصبح غير ذي أهمية، حينما يكون ثمة حصون، قادرة على جعل كل هذه الكفاآت بدون أثر ولا جدوى، وهو ما أشار إليه سبحانه بقوله: (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم) (1) ومن الواضح: أن المسلمين لم يثبتوا بعد: أن لديهم قدرات، وكفاءات لمواجهة حصون اليهود، أو غيرهم. 3 - إن اليهود يعتقدون: أنهم أبناء الله وأحياؤه، وأنهم شعب الله المختار، ومعنى ذلك هو أن دعوة محمد " صلى الله عليه وآله " سوف تصبح خطرا أكيدا على امتيازهم هذا الذي يرون فيه مبرر وجودهم، ورمز كل عزتهم، وخلاصة مجدهم. فكانوا يجدون أنفسهم ملزمين بإضعاف أمر هذه الدعوة، وإسقاطها، فقدر ما هم مكلفون بالحفاظ على حياتهم ووجودهم، وكل خصائصهم. وهو معنيون أكثر من أي فريق آخر بذلك: لأن خسارتهم هذه الورقة، وفقدانهم هذا الأمر إنما يعني خسارتهم لكل شئ. وما ذلك إلا لأنهم يزنون الأمور بميزان مادي بحث من جهة.. ولأن الحالة الشعورية الإنفعالية قد أصبحت هي المهيمنة على كل تفكيرهم، وعلى كل تصوراتهم، وهي التي تحركهم في هذا الإتجاه تارة، وفي ذا الإتجاه أخرى.


(1) الحشر: 2. (*)

[ 74 ]

التصوير الحاقد، والتزوير الرخيص: ويحاول البعض أن يقول: إن يقول: إن النبي " صلى الله عليه وآله " قد ذهب إلى بني النضير، ليطلب منهم مساعدة لدفع دية العامريين، ولما كانت النضير حليفة عامر: فلا شك أن تعقيدات نتجت عن ذلك، وإن كانت المصادر لا تتحدث عنها. ولربما فكر محمد بأن على اليهود أن يدفعوا أكثر مما يدفعه متوسط سكان المدينة، فراق لليهود أن يدفعو أقل (1). ونقول: إن ملاحظة العبارات الآنفة الذكر تعطينا: أن الهدف هو الإيجاء بأن النبي " صلى الله عليه وآله " كان يطلب من بني النضير، دفع شئ لم يكونوا ملزمين بدفعه. وأنه قد أحرجهم بطلبة ذاك، للحلف الذي كان بينهم وبين بني عامر. وإذن فبنوا النضير يصبحون ضحية أطماع مالية لا مبرر لها، ولا يصح مطالبتهم بها، لا واقعا، ولا أخلاقيا.. كما أن إحراجهم بسبب الحلف المشار إليه، يصبح عملا لا إنسانيا ولا أخلاقيا. فكيف إذا كانت المساومة فيما بين المستجدي، والضحية، قد بلغت حدا نتجت عنه تعقيدات نزل الوحي الشيطاني بها على هؤلاء زغم أن المصادر لم تتحدث عنها ؟ ! وفوق ذلك، فقد بلغ الصلف، والظلم، والإبتزاز حدا من الدناءة والسوء جعل محمدا - والعياذ بالله - يفكر في أن يحملهم القسط الأكبر في


(1) محمد في المدينة ص 322. (*)

[ 75 ]

دية رجلين لم يكن لهم في قتلهما يد، لا من قريب، ولا من بعيد، وينزل الوحي الشيطاني أيضا على هؤلاء ليقول لهم: إن محمدا قد فكر في ذلك، لكن راق لليهود أن يدفعوا أقل.. ولكن اليهود المظلومين (! !) الذين وقعوا في فخ الأطماع الرخيصة (! !) عادوا فاستسلموا لهذا الظلم المقيت (! !) وأعلنوا أنهم على استعداد لأعطاء جواب مرض. ثم تعاملوا مع هذا الذي يريد أن يبتزهم بأخلاقية عالية ونبيلة، حين طلبوا منه أن يستريح، بينما كانوا يعدون له الطعام.. مزيد من التجني: ثم يتابع هذا الحاقد كلامه عن ذكر إرسال النبي " صلى الله عليه وآله " إليهم يأمرهم بمغادرة المدينة، تحت طائلة الموت في مدة عشرة أيام، على أن يبقى نخلهم لهم: ويحتفظوا بنصف المحصول، فيقول: " إن هذا الإنذار لا يتناسب مع الإهانة، أو الإدعاءات الغامضة، بصدد خيانة مقصودة.. ومع ذلك، ذلك يمكن لهذه الادعاءات: أن لا تبدو غامضة لرجل غربي في أيامنا هذه: فقد كان الفريقان يعلمان كيف عامل بعض المسلمين كعب بن الأشرف. وكان محمد يعلم جيدا - حسب الآراء السائدة في الجزيرة العربية انذاك - أنه إذا سنحت الفرصة المناسبة انتهزها أعداوه، وقتلوه. وكان التأخير في إعطاء الجواب لإتاحة الفرصة لقتله، ولهذا اعتبر عملا عدائيا.. " (1)


(1) محمد في المدينة ص 323 322. (*)

[ 76 ]

إننا لم نفهم السبب في وضوح هذه الإدعاءات، وخروجها عن الغموض لخصوص الرجل الغربي في أيامنا هذه (! !) كما أن هذا الباحث (! !) لم يقل لنا: ما هو حجم الإنذار الذي يتناسب مع الإهانة والخيانة، إذا كان إنذاره " صلى الله عليه وآله " لا يتناسب معهما (! !). فهل يقصد هذا الباحث (! !) أن المفروض هو أن يكون قتل بني النضير هو الجزاء العادل لخيانتهم، وتآمرهم، ونقضهم للعهد ؟ أم أنه يقصد: أن طلب الجلاء منهم مع إحتفاظهم بنخلهم، ويكون لهم نصف المحصول، كان جزاء ظالما، لا يصح طلبه من الخائن المتآمر، الناقض العهود، والمواثيق ؟ !.. وبعد.. فان هذا الباحث (! !) يريد أن يوحي لقرأئه بأن كعب بن الأشرف قد قتل مظلوما أيضا، وأن المسلمين قد عاملوه بقسوة لا يستحقها. ولا ندري إن كان قبل أن يظهر تعاطفه مع هذا الرجل قد اطلع على سلسلة خيانات ابن الأشرف، ومواقفه الظالمة، وسعية الحثيث للايقاع بالمسلمين، أم لم يطلع على شئ من ذلك.. وهل يستطيع: أي نظام حكم غربي - يدعي لنفسه الحضارة والرقي - في هذا العصر، أن يحكم على أمثال كعب بن الأشرف ويجازيه بأقل مما حكم عليه به المسلمون، وجازوه به ؟ !.. وبعد كل ما تقدم، لماذا اعتبر هذا الباحث: أن ما يذكره النبي " صلى الله عليه وآله " والمسلمون عن خيانات بني النضير، وتآمرهم، ونقضهم العهد مجرد إدعاءات ؟ ! وها نحن نراها واضحة وضوح الشمس، وتقدم تفصيلات وافيه، مستندها الوحي الإلهي عن خطط

[ 77 ]

اليهود، ومواقفهم. ولم يستطع اليهود: أن يدفعوا التهمة عن أنفسهم، ولا حاولوا ذلك ولو مرة واحدة.. هذا كله، عدا عما تقدم من أن أخبار المؤامرة والخيانة قد وصلت إلى المسلمين أيضا عن طريق بعض اليهود أنفسهم (1). ونكتفي بهذا القدر من الأسئلة، التي لن تجد لها لدى هؤلاء الحاقدين جوابا مقنعا ومفيدا.. فإنما هي: " شنشنة أعرفها من أخزم ".


(1) تقدم ذلك مع مصادره حين الكلام عن إخبار المرأة أخاها المسلم عن تآمر اليهود على حياة النبي " صلى الله عليه وآله ". (*)

[ 79 ]

الفصل الثالث: القرار والحصار

[ 81 ]

القرار الحكيم: لقد كان من المتوقع - بعد نقض بني النضير للعهد، وخيانتهم الظاهرة - أن يكون قرار النبي " صلى الله عليه وآله " هو حربهم وقتالهم، وإيادة خضرائهم: فإن ذلك هو الجزاء العادل لكل خائن وغادر، ولا سيما إذا كان يخطط ويتآمر، ثم يعمل على تنفيذ خططه بضرب الإسلام في الصميم، على مستوى ضرب مقام النبوة والقيادة في أعلى مستوياتها، وأخلص تجلياتها. ولكن الملاحظ هو أن الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله " قد آثر أن يعامل بني النضير - كما عامل بني قينقاع قلبهم - بمزيد من الرفق والتسامح، ولعل ذلك يرجع إلى الأمور التالية: 1 - إن هؤلاء القوم قد عاشوا دهوا في هذه المنطقة، وأصبحت لديهم الكثير من العلاقات الإقتصادية والتجارية، وغيرها، إلى جانب علاقات الصداقة والمحبة مع سائر أهل البلاد الذين قبل كثير منهم الإسلام دينا وهواهم الله للايمان.. وإذن.. فقد يعز على الكثيرين ممن لهم معهم علاقات كهذه أن يروهم وقد حاقت بهم المصائب والبلايا، واختطفت الكثيرين منهم أيدي المنايا، فيعتبرون أنهم قد عوملوا بقسوة بالغة، وبلا شفقة ولا رحمة، وقد كان يمكن أن يكون الموقف أكثر مرونة وانعطافا وملاءمة من ذلك.

[ 82 ]

إن الكثيرين من الناس كانوا مبهورين بأهل الكتاب واليهود بالذات، وينظرون إليهم على أنهم مصدر العلوم والمعارف، وعندهم الكثير من الخفايا والأسرار.. وعلى هذا فقد يفسر ضربهم بقسوة على أنه ناشئ عن حالة من التخوف منهم، أو الحسقد والبغي عليهم. وإذا كان كذلك فلا حرج من أن يتخيلهم المتخيلون شهداء وأبطالا، لابد من التأسف عليهم، بل والحنين إليهم.. 3 - ومن جهة أخرى، فإن رؤية ذلهم وصغارهم، ثم مراقبة ما يصدر منهم خلال ذلك من مواقف ماكرة وعادرة، ومن مخالفات صريحة للأعراف، ولأحكام العقل والفطرة، والضمير، لسوف يساهم في كشف زيفهم وخداعهم وغشهم للإسلام وللمسلمين. كما أن رؤية الكرامات الإلهية الظاهرة، والتأييدات الربانية الخفية منه تعالى لنبيه وللمسلمين، ونصره تعالى عليهم لسوف يرسخ حقانية موقف الإسلام، ونبي الإسلام منهم. هذا.. مع توفر المزيد من الفرص للإنسان المسلم الواعي للتأمل والتدبر في ذلك كله، بعيدن عن الإنفعالات والتشنجات، وفي منأى عن أعمال التضليل والتزوير، التي ربما يمارسها الكثيرون من المنافقين، ومن هنا.. فقد جاء قرار إجلائهم عن المدينة ليكون القرار الحكيم والصائب، وليكون هو الأوفق والأنسب والأقرب لتحقيق الأهداف الإلهية السامية والكبرى. وقد أبلغهم النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله " بقراره هذا، عن طريق رسول أرسله إليهم، ليرى ماذا يكون جوابهم ويعلم الناس حقيقة موقفهم..

[ 83 ]

لماذا كان الرسول أوسيا ؟: إن النص التاريخي يقول: إن رسول " صلى الله عليه وآله " حين أراد أن ينذر بني النضير، قال: أدعوا لي محمد بن مسلمة، فحين أتى أرسله إليهم ينذرهم بوجوب مغادرتهم مساكنهم (1) ولابد لنا من وقفة هنا، لنعلم السر في إختياره " صلى الله عليه وآله " هذا الرجل بالذات - محمد بن مسلمة - ليكون رسوله إلى اليهود بني النضير، فنقول: إن الأوس كانوا حلفاء لبني النضير (2)، ولربما كان يدور بخلدهم أن يكون للأوس دور إيجابي لصالحهم، ولا أقل من أن يكون لهم موقف فيه شئ من العطف، وعدم القسوة تجاههم.. إذا عرفنا ذلك، فإن إختيار رجل الأوس ليحمل رسالة النبي " صلى الله عليه وآله " إليهم يأمرهم فيها بالجلاء، لسوف يزيد من يأسهم، ويضاعف من تخوفاتهم وهو يمثل ضربة روحية موفقة ساهمت في المزيد من إضعاف معنوياتهم، وجعلتهم، وجعلتهم يراجعون حساباتهم بجدية، ثم يرضخون للأمر الواقع. ويكفي أن نذكر شاهدا على ذلك: أنهم حين جاءهم محمد بن مسلمة الأوسي بالخير، قالوا:


(1) الثقات ج 1 ص 241 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 552، والمغازي للواقدي ج 1 ص 367 ودلائل النبوة الأبي نعيم ص 427. وإرسال محمد بن مسلمة إليهم موجود في مختلف المصادر، فراجع على سبيل المثال: السيرة الحلبية ج 2 ص 264 وتفير القمي ج 2 ص 359 واعلام الورى ص 89 وتاريخ الخميس ج 1 ص 460 ومجتمع البيان ج 9 ص 258 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 147 والبحار ج 20 ص 160 و 164 و 169 عن بعض من تقدم، وعن الكازروني وغيره. وراجع سائر المصادر التي سلفت وستأتي. (2) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 425 وراجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 364.

[ 84 ]

" يا محمد، ما كنا نظن: أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس. فقال محمد بن مسلمة: تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود. فقالوا: نتحمل. فأرسل إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا إلخ.. " (1) بلب في بعض النصوص: أن محمد بن مسلمة هو الذي تولى إخراجهم من ديارهم (2). وقال الواقدي: " كان محمد بن مسلمة الذي ولي قبض الأموال والحلقة، وكشفهم عنها " (3). وواضح: أن ذلك أيضا يضاعف ذلهم وخزيهم، ويزيد من آلامهم، وقد كان يفترض فيهم: أن يأخذوا من ذلك عظة وعبرة، وأن يراجعوا حساباتهم، بشأن هذا الرسول ودعوته: فقد تبين لهم أن الإسلام قد هيمن على القلوب وغيرها، ومحا الإسلام العهود، ومعنى ذلك هو أن ثمة رعاية إليهة له " صلى الله عليه وآله "، ولدينه، ورسالته الظافرة، وقد تجاوزت هذه الرعاية كل التوقعات، وقلبت جميع الموازين لديهم، ولدى غيرهم من المشركين، الذين كانوا يعيشون في المنطقة، وكانوا يتعاملون مع النبي " صلى الله عليه وآله " ومع الدين الذي جاء به من موقع التحدي، والمكابرة، والجحود.. فما كان أحراهم بعد أن عاينوا ما عاينوا من آيات بينات، ومن كرامات ومعجزات، أن يسلموا ويشهدوا لنبي الإسلام بالرسالة والنبوة، ولكنهم لم يفعلوا.. بل جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم


(1) الثقات ج 1 ص 241 والمغازي للواقدي ج 1 ص 367. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 460 والبحار ج 20 ص 165 عن الكازروني وغيره، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 والمغازي للواقدي ج 1 ص 374. (3) المغازي للواقدي ج 1 ص 377. (*)

[ 85 ]

ظلما وعلوا. حامل اللواء: وقال الرسول الله " صلى الله عليه وآله " لعلي " عليه السلام ": تقدم إلى بني النضير، فأخذ أمير المؤمنين الراية، وتقدم، وجاء رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وأحاط بحصنهم (1). وحسب نص آخر: وحمل لواء رسول الله " صلى الله عليه وآله " علي بن أبي طالب (2). ولكن الواقدي قال: " وقد استعمل عليا " عليه السلام " على العسكر، وقيل: أبا بكر " (3). ونقول: لابد من الإشارة هنا إلى أمرين: الأول: بالنسبة لاستعمال أبي بكر على العسكر، فإنه قول منسوب إلى مجهول، لم يجرؤ الواقدي على ذكر اسمه، ولا مستنده، ونحن نشك في كونه مختلقا وموضوعا على أبي بكر: وذلك لما قدمناه من أن عليا كان


(1) تفسير القمي ج 2 ص 359 وعنه في البحار ج 20 ص 169 والصافي ج 5 ص 154. (2) الثقات ج 1 ص 242 والطبقات الكبرى ج 2 ص 58 والوفاء ص 689 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 والبحار ج 20 ص 165 عن الكازروني وغيره، وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 74 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 555 وزاد المعاد ج 1 ص 71 وحبيب السير ج 1 ص 355 والسيرة الحلبية ج 2 ص 264 - 265 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261. (3) المغازي للواقدي ج 1 ص 371 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265. (*)

[ 86 ]

صاحب لواء رسول الله " صلى الله عليه وآله " في بدر وفي كل مشهد (1). وقد صرحوا بأنه " صلى الله عليه وآله " لم يؤمر على علي أحدا (2)، وقد كان " عليه السلام " في غزاة بني النضير، فكيف يكون قد أمر أبا بكر عليه ؟ ! وعدا عن ذلك كله.. فإن أبا بكر لم يكن معروفا بالشجاعة والإقدام، إن لم نقل: إن الأمر كان على عكس ذلك تماما، حسبما أو ضحناه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، حين الكلام حول حرب بدر، وما يذكر من شجاعة أبي بكر فيها، لبقائه مع رسول الله " صلى الله عليه وآله " في العريش. ومن الواضح: أن إمارة الجيوش وراياتها إنما تكون بيد الشجعان وأصحاب النجدة، قال علي " عليه السلام ": وهو يحث أصحابه على القتال:


(1) راجع: ترجمة الإمام علي أمير المؤمنين، من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 154. وذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، والطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 14 وكفاية الطالب ص 336 وفي هامشه عن كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، وراجع: هامش ص 180 من احتجاج الطبرسي عن الرياض النضرة ج 2 ص 267 و 202 عن نظام الملك في أماليه. وراجع أيضضا مناقب أمير المؤمنين لإبن المغازلي صص 200 والمناقب للحوارزمي ص 258 و 259 وعمدة القارئ ج 16 ص 216 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 500 وتلخيصه بهامش نفس الصفحة للذهبي وصححاه على شرط الشيخين والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288 وحياة الصحابة ج 2 ص 514 - 515 وتاريخ الخميس ج 1 ص 434 وفتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد وأسد الغابة ج 4 ص 20 وأنساب الأشرف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 106، وشرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 6 ص 289، والغدير للعلامة الأميني ج 10 ص 168 عنه. (2) المناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 223 والبحار ج 47 ص 127 عنه. (*)

[ 87 ]

" ورأيتكم فلا تميلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، والمانعين الذمار منكم: فان الصابرين على نزول الحقائق، هم الذين يحفون براياتهم ويكتفونها: حفافيها، ووراءها، وأمامها، لا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها، فيفردوها " (1). ولعل الهدف من تلك الأكذوبة التي نسبها الواقدي إلى القيل هو التشكيك فيما هو حق وصدق فيما يرتبط بعلي " عليه السلام "، والتخفيف من حدة النقد الموجه إلى أبي بكر، بسبب ما عرف عنه من إحجام عن خوض الغموات، والفرار في مواطن الخطر، والتحدي الحقيقي، كما جرى له في أحد وخيبر وغيرهما، مما هو مسطور في كتب الحديث والتاريخ. الثاني: إن الواضح: أن حمله " عليه السلام " لراية رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وقيادته للعسكر لمما يزيد في رعب اليهود، ويهزمهم نفسيا. كيف لا.. وقد كانت أخبار مواقفه وبطولاته في بدر - وكذا في أحد، لو صح كون غزوة بني النضير بعدها، وقد استبعدناه - قد أرهبت وأرعبت القاصي والداني، من أعداء الله وأعداء رسوله ودينه. فهو قد قتل نصف قتلى المشركين، وشارك في قتل النصف الثاني في حرب بدر، وفي أحد - لو كانت القضية بعدها - كان الفتح وحفظ الإسلام على يديه، وقد آثرت قريش الفرار على البقاء والقرار، حينما علمت أنه " عليه السلام " يلاحقها في غزوة حمراء الأسد، رغم ما كانت تشعر به زهو وخيلاء بالنسبة للنتائج التي تمخضت عنها حرب أحد.


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 5 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 17 والفتوح لإبن أعشم ج 3 ص 73 وصفين ص 235 والكافي ج 5 ص 39. (*)

[ 88 ]

الفتح على يد علي " عليه السلام ": لما توجه رسول الله " صلى الله عليه وآله " إلى بن النضير عمد إلى حصارهم، فضرب قبته في أقصى بني خطمة من البطحاء. فلما أقبل الليل رماه رجل من بني النضير بسهم، فأصاب القبة، فأمر النبي " صلى الله عليه وآله " أن تحول قبته إلى السفح، وأحاط بها المهاجرون والأنصار. (وعند الواقدي: أنها حولت إلى مسجد الفضيخ). فلما اختلط الظلام فقدوا أمير المؤمنين " عليه السلام ": فقال الناس: يا رسول الله، لا نرى عليا. فقال " صلى الله عليه وآله ": أراه (1) في بعض ما يصلح شأنكم: فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الذي رمى النبي " صلى الله عليه وآله " - وكان يقال له: عزورا - فطرحه بين يدي النبي " صلى الله عليه وآله ". فقال له النبي " صلى الله عليه وآله ": كيف صنعت ؟ فقال: إني رأيت هذا الخبيث جريا شجاعا: فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، يطلب منا غرة. فأقبل مصلتات بسيفه، في تسعة نفر من اليهود: فشددت عليه، وقتلته، فأفلت أصحابه، ولم يبرحوا قريبا: فابعث معي نفرا فإني أرجو أن أظفر بهم. فبعث رسول الله " صلى الله عليه وآله " معه عشرة، فيهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف: فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن: فقتلوهم، وجاؤا برؤوسهم إلى النبي " صلى الله عليه وآله " فأمر أن تطرح في بعض آبار بني خطمة. وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير.


(1) في مغازي الواقدي والسيرة الحلبية: دعوه فإنه في بعض شأنكم.

[ 89 ]

وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: لله أي كريهة أبليتها ببني قريظة والنفوس تطلع أردى رئيسهم وآب بتسعة طورا يشلهم وطورا يدفع يشلهم بالسيف: يضربهم ويطردهم. وحسب نص الواقدي ودحلان: أن القبة كانت من غرب (ضرب من الشجر) عليها مسوح، أرسل بها إليه سعد بن عبادة فأمر بلالا فضربها في موضع المسجد الصغير الذي بفضاء بني خطمة وصلى بالناس في ذلك الفضاء، فلما رماها، " عزوك " بالسهم حولت إلى مسجد الفضيخ. إلى أن تقول الرواية: فيئسوا من نصرهم، فقالوا: نحن نخرج من بلادك الخ (1). ونحن نسجل هنا الأمور التالية: 1 - الحكمة.. والمعجزة: إن تحويل النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله " قبته إلى السفح، حتى لا تنالها يد العدو، يعطينا: أنه " صلى الله عليه وآله " كان يتحرك من موقع الحكمة والتدبير، وفقا لأحكام العقل وجريا على مقتضيات الفطرة. وأما المعجزة، والتصرف الإلهي الغيبي، فإنما كان في حالات خاصة، حيث تمس الحاجة لذلك، وتفرضه ضرورة حفظ الإسلام، ورمزه الأول، كما كان الحال بالنسبة لإخبار جبرائيل " عليه السلام " للنبي " صلى


(1) راجع ما تقدم في المصادر التالية: الإرشاد للمفيد ص 50 49 والبحار ج 20 ص 172 - 173 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 196 - 197 والمغازي للواقدي ج 1 ص 371 - 372 وكشف الغمة للإربلي ج 1 ص 201 و 255 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262. (*)

[ 90 ]

الله عليه وآله " بتآمر بني النضير على حياته " صلى الله عليه وآله "، حينما ذهب إليهم يستمدهم في دية العامريين، حسبما تقدم.. وكما كان الحال بالنسبة إلى الإمداد بالملائكة في حرب بدر، إلى غير ذلك من موارد فرضت التدخل الإلهي، وحدوث المعجزة والكرامة، من أجل حفظ الإسلام في منطلقاته الأساسية، وفي رموزه الأولى والكبيرة. ولعل تحول النبي " صلى الله عليه وآله " إلى السفح بعد وصول النبل إلى تلك الخيمة كان يهدف إلى تعليم المسلمين هذا الدرس بالذات بالاضافة إلى دروس أخرى تأتي.. 2 - الشعور بالمسؤولية: أن تحرك أمير المؤمين " عليه الصلاة والسلام " لمواجهة الخطر اليهودي إنما جاء من منطلق الإحساس بالمسؤولية، ونتيجة للشعور بالواجب، والثقة بالله سبحانه.. حتى ولو لم يصدر الأمر به من رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وتفاديا لبعض السلبيات. وهذا الإحساس والشعور لم نجده عند سائر الصحابة، الذي كانوا حاضرين مع النبي " صلى الله عليه وآله "، وشهدوا ما شهده على " عليه السلام "، وعاينوا ما عاينه. 3 - الأسرار العسكرية: إن سرية تحرك أمير المؤمنين " عليه الصلاة والسلام "، وعدم إفصاح النبي " صلى الله عليه وآله " عن طبيعة المهمة التي كان أمير المؤمنين بصدد تحقيقها، حتى إنه " صلى الله على وآله " لم يشر إلى أن طابعها كان عسكريا أو استطلاعيا، أو تموينيا، أو غير ذلك.. إن هذه السرية مطلوبة في كل عمل عسكري - إلا ما كان ذا طبيعة

[ 91 ]

خاصة - ليمكن تحقيق الأهداف المتوخاة من ذلك العمل على النحو الأفضل والأكمل. وقد كان من الطبيعي أن يتسرب الخبر في ظروف كهذه إلى بني النضير - لو أفصح به النبي " صلى الله عليه وآله " - عن طريق المنافقين، ولعل ذلك يؤدي إلى تفويت الكثير من الفرص، وإلى أن نفقد العملية عناصر هامة من شأنها أن تساعد على إحراز نصر كبير فيها. كأن يتمكن بنو النضير من نجدة سريتهم العاملة، ولا أقل من تمكن المنافقين من مساعدة عناصر السرية اليهودية على الفرار والنجاة، أو الإختفاء في الأمكنة المناسبة لذلك.. 4 - دراسة شخصية العدو: إن قول أمير المؤمنين " عليه السلام ": " إني رأيت هذا الخبيث جريا شجاعا: فكمنت له، وقلت: ما أجرأه أن يخرج إذا اختلط الليل، فيطلب منا غرة " يعطينا: أنه لابد من دراسة حالات العدو، وخصائصه النفسية، فإن لذلك أثرا كبيرا في العمل العسكري، وله دور هام في تعيين مستقبل الحرب، وأسلوب حركتها ونتائجها. 5 - إستباق مخططات العدو: وإن كلمة أمير المؤمنين " عليه السلام "، الآنفة الذكر، لتعطينا: أنه لابد من أن يكون لدى الكوادر القيادية القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يخطط له العدو، وطرح كافة الإفتراضات والخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها، لمواجهتها من موقع الوعي والدراسة والتخطيط، حتى لا تتحول إلى مفاجأة يتعامل معها من موقع العفوية والإرتجال، وردة الفعل، والانفعال..

[ 92 ]

6 - العمليات الوقائية: وبعد.. فلم تكن مبادرة أمير المؤمنين لإفشان المخططات المحتملة للعدو إلا إيذانا بضرورة القيام بعمليات وقائية، وضرب العدو في مواقعه، وبصورة مفاجئة، وقوية، فإن ذلك من شأنه أن يلحق به هزيمة نفسية، فضلا عن الهزيمة العسكرية الساحقة.. 7 - إرهاصات: إن شعر حسان الآنف الذكر يدل على أن عليه " عليه الصلاة والسلام " هو الذي آب بالتسعة، وأنه قد قتل بعضهم، وآب بالبعض الآخر أحياء.. ولعل دور العشرة الذين أرسلهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " معه قد اقتصر على أمور ثانوية وهامشية في عملية أسر التسعة، أو قتلهم، وإن الدور المصيري والأهم إنما كان لأمير المؤمنين " عليه السلام ". ولأجل ذلك لا يصغى إلى ما ذكره الحلبي، حينما ذكر إرسال العشة مع علي " عليه السلام " لقتل التسعة فقتلوهم، وطرحوهم في بعض الآبار. حيث قال الحلبي: ".. وفي هذا رد على بعض الرافضة حيث ادعى: أن عليا هو القاتل لأولئك العشرة " (1). 8 - الفتح على يد على " عليه السلام ": وكان من الطبيعي: أن يكون لهذه الضربة تأثير كبير على معنويات بني النضير، وأن يضج الرعب في قلوبهم، فإن تصدي رجل واحد من المسلمين لعشرة منهم، ثم قتل العشرة جميعا، يؤذن بأن المسلمين قادرون على إبادتهم، واستئصال شأفتهم بسهولة ويسر.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 265. (*)

[ 93 ]

وإذا كان يمكن اعتبار حرق الأشجار وقطعها تهديدا، وممارسة لمستوى من الضغط، قد يتم التراجع عنه، حين يؤول الأمر إلى سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، فإن هذا التراجع قد أصبح غير محتمل على الإطلاق، بعد أن باشر المسلمون عملا عسكريا بهذا المستوى، وبهذه الشدة والصلابة والتصميم.. ولقد ياشر هذا الأمر رجل هو أقرب الناس إلى رسول الله، وأعرفهم بنواياه وآرائه، وأشدهم اتباعا له، رجل عرفوا بعض مواقفه المرعبة في بدر وربما في أحد.. وهو علي بن أبي طالب " عليه الصلاة والسلام ".. إذن.. وبعد أن تخلى عنهم حلفاؤهم، ولم يف لهم المنافقون بما وعدوهم به، فإنهم لم يبق لهم إلا هذه الأحجار التي يختبؤن خلفها - كالفئران - ولكن إلى أي حد يمكن لهذه الحجارة أن تدفع عنهم، وكيف وأنى لهم برد هجوم الجيض الإسلامي عنها حين يصمم على تدميرها ؟ ! ! فقد جاءهم ما لم لم يكن بالحسبان، (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب) (1) و " كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير " كما تقدم في النص السابق.. ومن جهة أخرى، فان الضربة الموفقة لابد وأن تقوي من معنويات الجيش الإسلامي. وقد حصنته من أن يصاب بالضعف والوهن لدى المواجهة الأولى مع عدو لا يرى سبيلا إليه، ما دام بالحصون المنيعة، بالإضافة إلى قدرات قتالية عالية لديه بنظر الكثيرين. ومما ذكرناه يتضح معنى العبارة المنقولة عن النبي " صلى الله عليه وآله " هنا، حينما سئل عن علي " عليه السلام " حيث يقول: " أراه في بعض ما يصلح شأنكم ".


(1) الحشر: 2 (*)

[ 94 ]

فإن هذه العملية كان لها أثر كبير في إصلاح شأن المسلمين - كل المسلمين - وإفساد أمر أعدائهم، ودحرهم وكسر شوكتهم، حيث أتاهم الله من خبث لم يحتسبوا. 9 - قتل قائد المجموعة: ونلاحظ أيضا: أن الهدف العسكري الذي وضعه علي " عليه السلام "، هو قائد المجموعة بالذات، وهذا العمل يعتبر نموذجيا وناجحا عسكريا مائة في المائة، فان حدوث فراغ على مستوى القيادة يزعزع كل الثوابت، ويفقد المجموعة بأسرها كل فاعليتها وحيويتها، وتتحول إلى ركام خاو ورماد خامد. 10 - الإشكال في شعر حسان: ويلاحظ: أن شعر حسان قد ذكر: أن هذه القضية وقعت في بني قريظة، لكن الرواية تنص على حدوث ذلك في بني النضير، وهذا تناقض ظاهر، ولعل ملاءمة كلمة: " بني قريظة " لوزن الشعر، أكثر من كلمة " بني النضير " يؤيد: أن يكون الشعر صحيحا وغير محرف.. ولكن هذا المقدار لا يكفي للحكم على الرواية بالتلاعب والتصرف فيها.. وذلك لأن الرواية قد صرحت بأنه " صلى الله عليه وآله " في حصار بني النضير قد ضرب قبته في أقصى بني خطمة من البطحاء. وهذا يعني: أن بني خطمة كانوا يسكنون في مجاورة بني النضير. وإذن فمن المفيد أن نحدد موقع بني خطمة، وبني النضير، وبني قريضة: ليتضح من ثم أن حصول التلاعب في الشعر هو الأقرب والأنسب فنقول:

[ 95 ]

تحديد المواقع: أما بالنسبة لبني قريظة، فانهم يقولون: إنهم نزلوا بالعالية على وادي مهزور (1) وذلك حيث يقع مسجد بني قريضة، الذي هو شرقي مسجد الشمس (أعني مسجد الفضيخ) الذي يقع هو الآخر شرقي مسجد قباء (2) في الحرة الشرقية، المعروفة بحرة واقم، وتسمى حرة بني قريظة أيضا، لانهم كانوا بطرفها القبلي (3). أما بنو النضير، فقد نزلوا بالعالية أيضا على وادي مذينب، وهو شعبة من سيل بطحان (4) وقد نقل ابن عساكر والحموي عن الواقدي: أن منازلهم كانت بناحية الغرس وما والاها مقبرة بني حنظلة (5) أو خطمة (6). قال السمهودي: " الظاهر: أنهم كانوا بالنواعم، وتمتد منازلهم وأموالهم إلى ناحية الغرس، وإلى ناحية الصافية، وما معها من صدقات النبي " صلى الله عليه وآله " وبعض منازلهم كانت بجفاف، لأن فاضجة (أطم لبني النضير / 232) به، ورأيت بالحرة شرقي النواعم آثار حصون وقرية بقرب مذينب، يظهر أنها من جملة


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 161 وج 3 ص 1076 وراجع: معجم البلدان ج 1 ص 346 وج 5 ص 234. (2) راجع: الوفاء ج 3 ص 823 و 821 وراجع: مرآة الحرمين ج 1 ص 419. (3) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1188. (4) راجع وفاء الوفاء ج ص 161 وج 3 ص 1076 وراجع: معجم البلدان ج 1 ص 446 وج 5 ص 290 و 234. (5) وفاء الوفاء ج 3 ص 1075 و 1076 وج 1 ص 161 ومعجم البلدان ج 4 ص 193. (6) التنبيه والإشراف ص 213. (*)

[ 96 ]

منازلهم " (1). وأما منازل بني خطمة، فإن المطري يقول: إنها قرب مسجد الشمس بالعوالي (2). لكن السمهودي قد رد على ذلك بقوله: " والأظهر عندنا: أنهم بقرب الماجشونية، لقول ابن شبة في سيل بطحان: إنه يصب في جفاف، ويمر فيه، حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة، والأغرس، وقوله في مذينب: إنه يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف، فضاء بني خطمة. وسيأتي: أن ذلك عند تنور النورة، الذي في شامي الماجشونية. وقد رأيت آثار القرية والآطام هناك " (3). إذا عرفت هذا فإننا نقول: إن الرواية هي الصحيحة، وإن شعر حسان هو الذي تعرض للتلاعب العفوي أو المتعمد: وذلك لأن الرواية قد صرحت - كما صرح غيرها - بأن فضاء بني خطمة ملاصق للمواقع المحاصرة، لأن السهام كانت قد نالت القبة التي ضربها النبي " صلى الله عليه وآله " في أقصى بني خطمة. وقد كان بنو خطمة قرب بني النضير لا قرب بني قريظة.. وكان الفاصل بين قريظة والنضير شاسع جدا، فقد كان بنو قريظة جنوبي المدينة شرقي مسجد قباء، ومسجد الشمس، في الطرف القبلي للحرة الشرقية. أما بنو النضير، فقد كانوا شرقي المدينة المتمايل إلى جهة الشام شمالا.. ونحن في مقام التدليل على هذين الأمرين: أعني بعد قريظة عن


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 163. (2) وفاء الوفاء ج 1 ص 198 وج 3 ص 873. (3) وفاء الوفاء ج 3 ص 873 وراجع ص 1075 - 1077. (*)

[ 97 ]

النضير، وقرب بني خطمة من هؤلاء لا أولئك نقسم الكلام إلى قسمين: فنقول: 1 - بنو النضير شرقي المدينة: أما بالنسبة لكون بني النضير شرقي المدينة: فيدل على ذلك: أولا: قال ابن كثير: " كانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها، شرقيها " (1). وثانيا: إن الصافية، وبرقة، والدلال والميثب متجاورات بأعلى الصورين، من خلف قصر مروان بن الحكم (2). وهذه المواضع المشار إليها هي من أموال مخيريق، التي أوصى بها إلى النبي " صلى الله عليه وآله "، وكان هذا الرجل من بني النضير، وكانت حوائطه سبعة، وهي الأربعة المتقدمة بالإضافة إلى: حسنى، والأعراف، ومشربة أم إبراهيم. وقيل: بل هو من يهود بني قينقاع، كان نازلا بني النضير، وكانت أمواله فيهم، وهي عامة صدقات رسول الله " صلى الله عليه وآله " (3). وعليه.. فإذا كانت تلك المواضع الأربعة متجاورات بأعلى الصورين، وكانت من أموال بني النضير، فنقول إنهم يقولون إن الصورين، وكانت من أمووال بني النضير، فنقول إنهم يقولون إن الصورين يقعان في ادنى الغابة، والغابة في عوالي المدينة من جهة الشام (4).


(1) تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 133. (2) راجع: تاريخ المدينة ج 1 ص 173 ووفاء الوفاء ج 3 ص 993. (3) راجع: فتح الباري ج 6 ص 148 ومعجم البلدان ج 5 ص 290 - 291 وتاريخ المدينة ج 1 ص 175 ووفاء الوفاء ج 3 ص 989 و 990 عنه وعن ابن زبالة. (4) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1275. (*)

[ 98 ]

وحسب نص آخر: أنها كانت على بريد من المدينة على طريق الشام (1). (والصوران أيضا موقع في البقيع (2). والبقيع يقع داخل المدينة) وليس هذا الموضع قرب قصر مروان، فلا يتوهم ذلك. وثالثا: قد صرحوا بأن مشربة أم إبراهيم، وهي من أموال بني النضير، من مخيريق، قد كانت في " القف "، كما أن سائر أموال مخيريق قد كانت بقرب القف أيضا (3) ومعلوم: أن القف يقع في شرقي المدينة، لأن زهرة مما يليه، كما سنرى (4). ورابعا: قد صرحوا بأن بني النضير كانوا يسكنون في قرية يقال لها: زهرة (5). وزهرة تقع في شرقي المدينة، وبها تقع الصافية (6). التي كانت من أموال مخيريق، وصارت إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله ". كما أتهم قد ذكروا: أن زهرة هي الأرض السهلة بين الحرة والسافلة مما يلي الفف (7).


(1) معجم البلدان ج 4 ص 182. (2) معجم البلدان ج 3 ص 432. (3) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1229 و 1230 وفي ج 3 ص 826 عن الإستيعاب. (4) راجع: وفاء الوفاء ج 978 3. (5) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 460 والبحار ج 20 ص 164 عن الكازروني وغيره، وفي هامشه عن: المنتقى في مولود المصطفى ص 125. وراجع أيضا: بهجة المحافل ج 1 ص 214 ولباب التأويل ج 4 ص 244. (6) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 993. (7) وفاء الوفاء ج 4 ص 1229. (*)

[ 99 ]

ولعل التعبير الأدق، أن يقال: إن رهرة مما يلي طرف العالية، وما نزل عنها، فهو السافلة وأدنى العالية ميل من المسجد (1). وخامسا: إن سهم عثمان الذي أعطاه إياه رسول الله " صلى الله عليه عليه وآله " من بني النضير أيضا (2). وغافر والرزتان أيضا، وهما من طعم أزواج النبي " صلى الله عليه وآله " من بني النضير (3). وفي بئر أريس أيضا (4). ولعل كيدمة هي نفس الجزع الذي بقرب مشربة أم إبراهيم، والمعروف بالحسينيات، (وهو قرية في زهرة) ويعرف بلفظ (كيادم) بصيغة الجمع (5). ثم إن السمهودي بعد أن ذكر: أن المعروف اليوم هو بئر أريس غربي مسجد قباء، وأنها ليهودي من بني محمم. قد رد ذلك بأن ما تقدم من كون سهم عثمان وعبد الرحمان بن عوف من بني النضير موجود فيها يدل على خلاف ذلك: أن مهزورا يشق في أموال عثمان، يأتي على أريس، وأسفل منه، حتى يتبطن السورين، فصرفه عثمان مخافة على المسجد الذي في بئر أريس. ومن الواضح: أن الموضع المعروف بقباء لا يمكن وصول شئ


(1) وفاء والوفاء ج 4 ص 1230. (2) راجع: وفاء والوفاء ج 3 ص 944 وستأتي بعض المصادر لكيدمة وكونها سهم ابن عوف من بني النضير في فصل: كي يكون دولة بين الأغنياء. (3) وفاء الوفاء ج 3 ص 992 عن ابن زبالة وراجع ص 993. (4) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 992 وج 4 ص 1139. (5) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 945 - 946. (*)

[ 100 ]

من مهزور إليه (1). وسادسا: روي عن جعفر: أن سلمان كان لناس من بني النضير: فكاتبوه على أن يغرس لهم نخلا، ثم أفاءها الله على نبيه، فهي الميثب صدقة النبي " صلى الله عليه وآله " بالمدينة (2). وفي رواية أخرى: أن امرأة من بني النضير قد كاتبت سلمان على أن يحيى لها موضعا إسمه " الدلال ". فأعلم النبي " صلى الله عليه وآله " بذلك، فجاء، فليس على " فقير "، ثم جعل يحمل إليه الودي: فيضعها " صلى الله عليه وآله " بيده، فقال: " والذي تظاهر عندنا: أنها " (أي الدلال) من أموال بني النضير، ومما يدل على ذلك: أن مهزورا يسقيها، ولم يزل يسمع أنه لا يسقي إلا أموال بني النضير (3). قال السمهودي: " الذي يتحصل من مجموع ما تقدم: ان نخل سلمان الذي غرصه هو " الدلال " وقيل: برقة، والميثب " وقيل: الميثب " (4). مناقشة للسمهودي لا تصح: وقد ذكر السمهودي هنا: أن " الفقير " الذي جلس عليه النبي إسم الحديقة بالعالية، قرب بني قريضة. ثم أورد على ذلك بأن " الفقير " ليس من صدقات النبي " صلى الله عليه وآله "، وإنما هو من صدقات علي " عليه السلام " (5).


(1) المصدر السابق. (2) وفاء الوفاء ج 3 ص 991. (3) تاريخ المدينة ج 1 ص 174. (4) وفاء الوفاء ج 3 ص 991. (5) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 992 وج 4 ص 1282 وتاريخ المدينة ج 1 ص 222. (*)

[ 101 ]

ونقول: إننا نلاحظ هنا: أن التعبير الوارد هو " جلس على فقير ". فإذا كان هذا اللفظ إسما لحديقة، لم يصح قوله: جلس عليه، بل يقال: ذهب إليه، وجلس فيه، أو في بعض جوانبه ونواحيه. والصحيح هو: أن " الفقير " هو الحفرة التي توضع فيها النخلة حين غرسها. فالنبي " صلى الله عليه وآله " قد جلس فوقها بانتظار أن يأتيه سلمان بالودي ليضعه فيها: فصح أن يقال حينئذ: جلس على فقير.. مناقشة أخرى وردها: ولكن يبقى إراد آخر، وهو: أن رواية رواها أحمد والطبراني وغيرهما تفيد: أن الذي اشترى سلمان هو رجل من بني قريظة (1). ويدل على ذلك أيضا: نفس كتاب المفاداة الذي صرح باسم ذلك الرجل، وانه قرظي (2). ونقول: إنه يمكن أن يكون ذلك القرظي زوجا لمالكة سلمان، التي كانت نضيرية. وكانت أموالها في منطقة قبيلتها. وقد تولى زوجها كتب الكتاب عنها، وذلك ليس بالأمر الغريب، ولا البعيد عن المألوف. 2 - قرب بني خطمة إلى بني النضير: أ - وأما بالنسبة للقسم الثاني، أعني قرب بني خطمة من منازل بني النضير، وبعدهم عن منازل بني قريظة، فيدل على ذلك بالإضافة إلى صراحة نفس الرواية التي هي موضع البحث في ذلك:


(1) الثقات ج 1 ص 254 ووفاء الوفاء ج 3 ص 991. (2) راجع كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي، الفصل الثاني.

[ 102 ]

أولا: قول المسعودي: " كانت منازل بني النضير، بناحية الغرس، وما والاها ومقبرة بني خطمة " (1). ثانيا: تصريحهم بان بئر غرس، حيث منازل بني النضير، إنما تقع في جهة بني خطمة (2). فبنو خطمة إذن هم في منطقة زهرة منازل بني النضير.. وثالثا: إن فضاء بني خطمة يقع شامي الماجشونية - كما ذكره السمهودي (3) - والماجشونية تقع قرب تربة صعيب وبلحارث، كما أن منازل بني النضير تقع بناحية الغرس، وهي قرب تربة صعيب أيضا (4). وذلك يعني: أن بني خطمة كانوا قرب بني النضير، لا قرب بني قريظة. ورابعا: إن مما يدل على بعد بني خطمة عن بني قريظة: أن البويوة التي وقع الحريق فيها قد كانت قرب تربة صعيب ودار بلحارث بن الخزرج ليست هي البويرة المعروفة في قبلة مسجد قباء. ويدل على ذلك ما رواه ابن زبالة، من أنه " صلى الله عليه وآله " قد وقف على السيرة التي على الطريق، حذو البويرة: فقال: إن خير نساء ورجال في هذه الدور. وأشار إلى دار بني سالم، ودار بلحبلى، ودار بلحارث بن الخزرج.


(1) التنبيه والإشراف ص 213. (2) راجع: وفاء الوفاء ج 3 صق 978. (3) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 873 وراجع ص 1075 - 1077. (4) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 197 و 198 وج 4 وص 1157 و 1298. (*)

[ 103 ]

وهذا الوصف لا يطابق الموضع الذي في قبلة مسجد قباء: لبعده جدا (1). وقد أكد السمهودي في غير موضع من كتابه على هذا الأمر، ورد القول بأن البويرة هي في قبلة مسجد قباء، فراجع (2). بل لقد ذكر البعض: أن البويرة موضع بين المدينة وتيماء (3) ولكن العسقلاني قد زاد على ذلك قوله: " وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى الغرب " (4). ومعلوم: أن تيماء موضع بين المدينة والشام. ومنازل بني قريظة إنما هي قبلي المدينة شرقي مسجد قباء أي في الجهة المقابلة لجهة الشام، فكيف يتلائم قول العسقلاني هذا مع قوله بأنها إلى جهة تيماء ؟ ! ومما يؤكد قول السمهودي المتقدم: أنهم يقولون في قصة إجلاء بني النضير: " فخرجوا على بلحارث بن الخزرج، ثم على الجبلية، ثم على الجسر، حتى مروا بالمصلى، ثم شقوا سوق المدينة، والنساء في الهوداج " (5). وحين هم اليهود بالغدر برسول الله " صلى الله عليه وآله " ورجع إلى المدينة، وتبعه أصحابه لقوا رجلا خارجا من المدينة، فسألوه: هل لقيت رسول الله " صلى الله عليه وآله ".


(1) وفاء الوفاء ج 3 ص 1157. (2) المصدر السابق. (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 214 وفتح الباري ج 7 ص 256. (4) فتح البار ج 7 ص 256. (5) المغازي للواقدي ج 1 ص 374.

[ 104 ]

قال: لقيته بالجسر داخلا (1). وخامسا: ومما يدل على ذلك أيضا: أن وادي مهزور يأتي من شرقي الحرة، ومن هكر، وحرة صفة، حتى يأتي على حلاة بني قريظة. ثم يسلك منه شعيب: فيأخذ على بني أمية بن زيد بين البيوت في واد يقال له مذينب، ثم يلتقي وسيل بني قريضة بفضاء بني خطمة، ثم يجتمع الواديان: مهزور، ومذينب، فيفترقان بالأموال (2)، ويدخلان في صدقات رسول الله كلها إلا مشربة أم إبراهيم، ثم يفضي إلى السورين على قصر مروان بن الحكم (3). ونص آخر يقول: أن دار بني أمية بن زيد شرقي دار الحارث بن الخزرج، أي أنهم كانوا قرب النواعم، ويمر سيل مذينب بين بيوتهخم ثم يسقي الأموال، ويشهد لذلك: أن ابن إسحاق ذكر في مقتل كعب بن الأشرف - وكان من بني النضير - أن محمد بن مسلمة ومن معه بعد أن قتلوه سلكوا حسب قول ابن مسلمة على بني أمية بن زيد، ثم على بنيي قريضة ثم على بعاث إلى آخره (4). فقد اتضح من هذا النص: أن فضاء بني خطمة متصل بالأموال والصدقات (التي هي في زهرة، ومن أموال بني النضير) وأن قريظة منصلة عن فضاء بني خطمة أمية بن زيد.


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 366. (2) هي أموال مخيريق التي أوصى بها إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله " ويعبرون عنها بالصدقات لما سيأتي في فصل: كي لا يكون دولة بين الأغنياء. (3) راجع وفاء الوفاء ج 3 ص 1077. (4) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 874 وج 4 ص 1150. (*)

[ 105 ]

خلاصة أخيرة: وأخيرا، فان المتحصل مما تقدم هو: أن النبي " صلى الله عليه وآله " قد نصب قبته في أقصى بني خطمة، وكانت نبال المحاصرين تناله، فانتقل إلى السفح، وهناك صلى بأصحابه. وأن بني النضير كانوا أقرب إلى بني خطمة من بني قريظة.. مناقشة مع الواقدي: ويبقى أن نشير هنا: إلى أن ما ذكره الواقدي، ودحلان، من أن المسلمين قد جعلوا القبة أولا عند مسجد بني خطمة، فلما رماها (عزوك) اليهودي بالسهم، حولت إلى مسجد الفضيخ. أن هذا لا يصح، وذلك: أولا: لأن مسجد الفضيخ يقع شرقي مسجد قباء، على شفير الوادي، على نشز من الأرض (1). وقد عرفنا: أن منازل بني النضير بعيدة عن هذا الموضع جدا، كما أن فضاء بني خطمة كان بعيدا أيضا. إلا أن يقال: إن كون مسجد الفضيخ في قباء، موضع شك، ولا يصح، وإنما هو في بني خطمة، وسيأتي ما يدل على هذا حين الكلام عن تحريم الخمر.


(1) وفاء الوفاء ج 3 ص 821 ومرآة الحرمين ج 1 ص 418. (*)

[ 106 ]

وثانيا: إن النصوص تصرح بأنه " صلى الله عليه وآله " قد ضرب قبته في أقصى بني خطمة، على مرمي سهم من بني النضير.. ويبعد أن بنو خطمة مسجدهم في أق صى يارهم، إلى جانب بني النضير. قطع النخل، أو حرقه: وتذكر الروايات: أن النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله " قد أمر المسلمين بقطع نخل بني النضير، والتحريق فيه، وكان ذلك في موضع يقال له بالبويرة: فناداه اليهود: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها، فأنزل الله: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) (1)


(1) الآية في سورة الحشر رقم 5. وأمر الرسول " صلى الله عليه وآله " بحرق وقطع النخيل موجود في المصادر التالية: جامع البيان ج 28 ص 23 وأسباب النزول للواحدي ص 237 و 238 ومسند الحميدي ج 2 ص 301 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 97 والطبقات الكبرى ج 2 ص 58 وفتوح البلدان قسم 1 ص 19 - 20 والجامع الصحيح ج 4 ص 122 وج 5 ص 408 ومسند أحمد ج 2 ص 8 و 52 و 80 و 86 و 123 و 140 ومسند الطيالسي ص 251 والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 - 32 وسنن الدارمي ج 2 ص 22 والمحلى ج 7 ص 294 ووفاء الوفاء ج 1 ص 290 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 429 وسيرة مغلطاي ص 53 ومعجم البلدان ج 1 ص 512 وصحيح البخاري ج 3 ص 11 و 128 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 50 و 147 و 149 و 150 والبداية والنهاية ج 4 ص 79 و 77 والثقات ج 1 ص 242 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197. والأحكام السلطانية ص 64 وفتح الباري ج 7 ص 254 و 256 والروض الأنف ج 3 ص 250 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 948 وجوامع الجامع = (*)

[ 107 ]

زاد البعض: أن أهل التأويل قالوا: " وقع في نفوس المسلمين من هذا الكلام شئ، حتى أنزلب الله: ما قطعتم من لينة إلى آخره... " (1). هل هذا العدد صحيح ؟ ! قال ابن شهر آشوب: " أمر بقطع نخلات.. إلى أن قال: ثم أمسك عن قطعها بمقالهم، واصطلحوا أن يخرجوا " (2) " وقيل: أحرقوا نخلة،


= ص 486 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 والمغازي للواقع ج 1 ص 381 و 372 وحبيب السير ج 1 ص 355 واحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1768 وسنن أبي داود ج 3 ص 38 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 و 6 و 7 عن مسلم ولباب التأويل ج 4 ص 246 والتفسير الكبير ج 29 ص 283 وزاد المعاد ج 2 ص 71 والكشاف ج 4 ص 501 وتفسير الصافي ج 5 ص 154 وتفسير البرهان ج 4 ص 313 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 و 333 و 334 والإكتفاء ج 1 ص 147 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 وصحيح مسلم ج 5 ص 145 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 وفتح القدير ج 5 ص 199 ووفاء الوفاء ج 1 ص 298 وبهجة المحافل ج 1 ص 298 وبهجة المحافل ج 1 ص 214 و 251 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 ومنهاج السنة ج 4 ص 173 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 552 والأموال ص 15 ومجمع البيان ج 9 ص 257 وغرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 36 والبحار ج 2 ص 159 و 165 و 169 وتفسير القمي ج 2 ص 359 والكامل في التاريخ ج 2 ص 173 والدر المنثور ج 6 ص 188 عن بعض من تقدم وعن سعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردوية والنسائي وابن أبي حاتم وابن إسحاق والتراتيب الإدارية ج 1 ص 310 ومسند أبي يعليج 10 ص 207. (1) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 250 وفتح القدير ج 5 ص 196 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 وتعليقات محمد فؤاد عبد الباقي على سنن ابن ماجة ج 2 ص 949. (2) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 (*).

[ 108 ]

وقطعوا نخلة، وقيل: كان جميع ما قطعوا وأحرقوا ست نخلات " (1). ونحن شك في أن يكونوا قد قطعوا هذا العدد القليل من النخل، أو أحرقوه، فان قطع نخلة واحدة، وحتى ست نخلات، لا يوجب خضوع بني النضير، وقبولهم بالجلاء، وخزي الفاسقين بصورة عامة، كما نصت عليه الآية الكريمة. كما أنه لا يوجب نزول آية قرآنية تتحدث عن هذا الأمر، وتخلده كأسلوب ناجح في إرعاب العدو وإرهابه.. فإنه لابد أن يكون القطع قد بلغ حدا جعلهم يجنحون إلى الإستسلام، والقبول بما يريده الرسلول، ثم نزلت آية كريمة تتحدث عن هذا الموضوع، وتفصل الأمر فيه، وتحسم فيه النزاع. تفاصيل أخرى في حرق وقطع النخيل: وجزعوا على قطع العجوة، فجعل سلام بن مشكم يقول: يا حيي العذق خير من العجوة، يغرس فلا يطعم ثلاثين سنة، يقطع. فأرسل حيي إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله ": يا محمد، إنك كنت تنهى عن الفساد، لم تقطع النخل ؟ نحن نخرج من بلادك. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": لا أقبله اليوم الخ (2). " وكانت النخلة ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف " (3).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 والبحار ج 20 ص 165 عن الكازروني وغيره، وفتح القدير ج 5 ص 196 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 6 والسيرة الحلبية ج 2 ص 266 والقول الأول ذكره في الأحكام السلطانية ص 64. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 373. (3) البحار ج 20 ص 165 عن الكازروني وغيره، ولباب التأويل ج 4 ص 246. (*)

[ 109 ]

وجاء في نص آخر: أن " الذي حرق نخلهم وقطعها عبد الله بن سلام، وعبد الرحمان بن كعب، أبو ليلى الحراني، من أهل بدر. فقطع أبو ليلى العجوة، وقطع ابن سلام اللون، فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": لم قطعتم العجوة ؟ ! قال أبو ليلى: يا رسول الله، كانت العجوة أحرق لهم وأغيظ، فتزل: ما قطعتم من لينة أو تركتموها الآية.. فاللينة: ألوان النخل والقائمة على أصلولها: العجوة. فنادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد إلخ (1). وصرحت بعض النصوص بأن النبي " صلى الله عليه وآله " قد استعمل ابن سلام، وأبا ليلى المازني على قطع النخل (2). أو أمرهما (3). أو أشار إليها بذلك (4). وأضاف الديار بكرى قوله: " أما أبو ليلى فكان يقطع أجود أنواع التمر، وهي العجوة، ويقول: قطع العجوة أشد عليهم. وأما عبد الله بن سلام، فكان يقطع أردأ أنواع التمر، وهو تمر يقال له: اللون، ويقول: إني أعلم: أن الله سيجعلها للمسلمين الخ.. " (5).


وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 461 وإرساد الساري ج 7 ص 375. (1) الثقات ج 1 ص 242 وراجع التفسير الكبير 29 ص 283 وحبيب السير ج 1 ص 355 والمغازي للواقدي ج 1 ص 381 والسيرة الحلبية ج 2 ص 265. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 381 والسيرة الحلبية ج 1 ص 265 والإصابة ج 2 ص 420. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن روضة الأحباب وراجع المغازي للواقدي ج 1 ص 372. (4) حبيب السيرة ج 1 ص 355. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 وراجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 372 وليراجع: = (*)

[ 110 ]

فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل: فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": مالهن ؟ ! فقيل: يجز عن على قطع العجوة. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": إن مثل العجوة جزع عليه. إلى أن قال: فلما صحن صاح بهن أبو رافع: أن قطعت العجوة هاهنا، فان لنا بخيبر عجوة. قالت عجوز منهن: خيبر يصنع بها مثل هذا. فقال أبو رافع: فض الله فاك، إن حلفائي بخيبر عشرة آلاف مقاتل: فبلغ رسول الله " صلى الله عليه وآله " فتبسم. ونحن نسجل هنا الأمور التالية: لماذا ابن سلام ؟ ! إننا نجد: أنه " صلى الله عليه وآله " قد استعمل ابن سلام - وهو كان من اليهود، من علمائهم - مع ذلك الرجل الدري على قطع نخل يهود بني النضير.. ومن الطبيعي أن يكون لذلك أثر ظاهر في بث اليأس في نفوسهم، وفي إذلالهم وخزيهم، ويساهم في كسر شوكتهم، ويثير فيهم المزيد من الحنق، والغيظ والألم، وهم ذوو العطرسة، والعنجهية والخيلاء، كما سيأتي توضيحة في موضعه إن شاء الله تعالى. 2 - شكوك تصل إلى حد التهمة: ونلاحظ هنا: كيف أن ابن سلام قد اختار أردأ أنواع التمر، على


= الكشاف ج 4 ص 501 و 502 والتفسير الكبير ج 29 ص 283 لكنهما لم يسميا الرجلين. (*)

[ 111 ]

الرغم من أنه " صلى الله عليه وآله " قد أمر بقطع النخل بصورة مطلقة، ولم يقيد بشئ، ورغم أنه قد كان من الواضح: أن الهدف من هذا الإجراء هو الضغط على هؤلاء القوم، وإغاظتهم، وإذلالهم. وذلك إنما يتحقق بقطع ما له أثر ظاهر في ذلك، كما فهمه وعمل به ذلك الرجل الدري، الذي جعله الرسول إلى جانب ابن سلام. ولا نريد أن نسترسل في شكوكنا حول ابن سلام هذا ونواياه: فنتهمه بالتعاطف مع اليهود الذين كان في وقت ما أحد علمائهم وكبرائهم، حسبما يذكره التاريخ عنه. ولعل هذه الشكوك تجد لها أكثر من مؤيد، وشاهد فيما ينقل عن هذا الرجل من مواقف، وأقوال، وإتجاهات، وأحوال، ولا سيما بعد وفاة الرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ". ولسنا هنا في صدد عرض ذلك واستقصائه، فلنكف عنان القلم - إذن - إلى ما هو أهم، ونفعه أعم وأتم. البعض لم يفهم الآية: ومن العجيب هنا قول البعض: " لما أمر النبي (ص) بقطع النخل، وإحراقها ترددوا في ذلك، فمنهم الفاعل، ومنهم الناهي، ورأوه من الفساد وعبرهم اليهود بذلك، فنزل القرآن العظيم بتصديق من نهى، وتحليل من فعل، فقال تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) (1). مع أن الآية ظاهرة الدلالة في تأييد أولئك الذين امتثلوا أمو النبي " صلى الله عليه وآله "، وأن أمره إنما كان بإذن الله، وليس من عند نفسه


(1) بهجة المحافل ج 1 ص 215. (*)

[ 112 ]

فالآية في الحقيقة قد جاءت لتقريع وئأنيب المخالفين لأمر الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله " لكن هذا الرجل قد عكس الآية في مفادها ومدلولها. ولم يلتفت إلى المراد منها. 3 - الحرق أم القطع ؟ ! وبعد... فإننا نجد النصوص التاريخية تكاد تكون مجمعة على أنه " صلى الله على وآله " قد حرق النخيل، ولكن الآية الكريمة التي نزلت في هذه المناسبة لم تشر إلى ذلك. أصلا، وإنما سجلت القطع فقط، فلربما يكون الأمر منه " صلى الله عليه وآله " قد صدر بالقطع دون الحرق، فكان الحرق من بعض المسلمين، إجتهادا منهم، ولعله لم يكن ثمة حرق أصلا، والله أعلم. الحكم الفقهي في قطع الأشجار وحرقها: لقد أفتى عدد من الفقهاء بحرمة قطع الأشجار في الحرب، إلا في حال الضرورة (1). وحكم كثير من الفقهاء بالكراهة (2).


(1) راجع: المهذب لا بن البراج (مطبوع ضمن الينابيع الفقهية) كتاب الجهاد ص 88 مقيدا للأشجار ب‍: " المثمرة " وفي منتهى المطلب ج 2 ص 909 عن أحمد، وقد حكي القول بعدم الجواز عن الليث بن سعد، وأبي ثور، والأزاعي فراجع: فتح الباري ج 5 ص 7 والجامع الصحيح ج 4 ص 122 وفقه السيرة ص 280 وعن شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 50. (2) تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و 413 وراجع: السرائر ص 157 وتحرير الأحكام ج 1 ص 135 وشرائع الإسلام ج 1 ص 312 والقواعد (المطبوع مع الإيضاح) ج 1 ص 357 والجامع لأحكام الشرائع ص 236 ومنتهى المطلب ج 2 ص 909 = (*)

[ 113 ]

وقيد البعض بصورة ما لو رجي صيرورته للمسلمين، وكان مما يقتات به (1). حرق النخيل، والفساد في الأرض: وقد عرفنا في ما تقدم: أن التاريخ يؤكد على أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " هو الذي أمر بحرق نخل بني النضير، أو قطعه وقد تحدث القرآن عن القطع هذا، بأسلوب الرضا والقبول، حسبما تقدم.. وروي أيضا: أنهم قد قطعوا الشجر والنخل بالطائف، بالاضافة إلى قطع النخل بخيبر، وروي أيضا قطع شجر بني المصطلق وإحراقه (2). وعن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله (ص) إلى قرية يقال لها: " أبنى ". فقال: " إئت أبنى صباحا ثم حرق ". أي بيوتهم وزروعهم، ولم يرد تحريق أهلها (3). وفي مجال آخر فإنه " صلى الله عليه وآله " قد أمر بحرق مسجد الضرار وهدمه (4).


= والوسيلة (المطبوع ضمن الجوامع الفقهية) ص 696 والخراج لأبي يوسف ص 210 والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 عن الأوزاعي والمبسوط للشيخ الطوسي رحمة الله ج 2 ص 11 وعون المعبود ج 7 ص 275 ومجمع الأنهر ج 1 ص 590. (1) الروض الأنف ج 3 ص 350. (2) راجع: تذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 وراجع أيضا: السرائر ص 157 والجواهر ج 21 ص‍ 67 ومنتهى المطلب ج 2 ص 909 والمبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 11 والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 32. (3) سنن ابن ماجة ج 2 ص 948 وهامشه لمحمد فؤاد عبد الباقي، والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 31 وسنن أبي داود ج 3 ص 38 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 ومسند أحمد ج 5 ص 205 و 209. (4) راجع: زاد المعاد ج 3 ص 17 والتنبيه والإشراف ص 237 والتراتيب ج 1 ص 309. (*)

[ 114 ]

وامر " صلى الله عليه وآله " بتحريق متاع الغال (1). وروي أنه " صلى الله عليه وآله " هم بحرق بيوت تاركي الصلاة الجماعة (2). وقد بلغه " صلى الله عليه وآله ": أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله (ص) في غزوة تبوك فبعث إليهم نفرا، وأمرهم أن يحرقوا عليهم بيت سويلم (3). وبعد ما تتقدم.. فإن السؤال الذي يتطلب منا الإجابة هنا هو: إنه إذا كان رسول الله قد أمر بذل بذلك كله، أوهم به، فكيف نوفق بين أمره هذا وبين فتوى الفقهاء بالحرمة، أو بالكراهة، حسبما تقدم ؟ ! !. بل لقد ورد: أنه " صلى الله عليه وآله " كان حين يرسل سرية،


(1) زاد المعاد ج 2 ص 66 وسسن الدارمي ج 2 ص 231 والجامع الصحيح ج 4 ص 61 وسنن أبي داود ج 3 ص 69 ومسند أحمد ج 1 ص 22. (2) زاد المعاد ج 3 ص 17 والسنن الكبرى ج 3 ص 55 و 56 وسنن أبي داود ج 1 ص 150 وسنن الدارمي ج 1 ص 292 ومسند أحمد ج 1 ص 292 و 402 و 422 و 449 و 450 وج 2 ص 224 و 292 و 214 و 319 و 367 و 376 و 377 و 416 و 424 و 472 و 479 و 531 و 539 وج 5 ص 206 وصحيح مسلم ج 2 ص 123 و 124 وفيض الباري ج 2 ص 191 وصحيح البخاري ج 1 ص 78 و 79 وج 2 ص 40 وج 259 4 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 89 و 90 والمعجم الصغير ج 2 ص 57 وج 1 ص 172. والجامع الصحيح ج 1 ص 422 وسنن النسائي ج 2 ص 107 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 296 والموطاء (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 150. (3) راجع: السيرة النبوية لإبن هشام ج 4 ص 160 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 309. (*)

[ 115 ]

يوصيهم بأن لا يقطعون شجرا إلا أن يضطروا إليها (1). وعن ثوبان: أن سمع رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: " من قتل صغيرا، أو بيرا، أو احرق نخلا، أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة لاهابها، لم يرجع كفافا " (2). أضف إلى ذلك كله: أن اليهود أنفسهم قد اعترضوا على النبي " صلى الله عليه وآله " بأنه ينهي عن الفساد، فلم يقطع النخل ؟ ! وقد تقدم ذلك.. جواب السهيلي، لا يصح: فقد يقال في مقام الإجابة على ذلك إستنادا إلى رواية ثوبان المتقدمة: أن المنهي عنه هو قطع الشجر المثمر، وعلى حد تعبير السهيلي: أنه " صلى الله عليه وآله " إنما أحرق ما ليس بقوت للناس. قال السهيلي: " لينة: الوان التمر، ما عدا العجوة، والبرني: ففي هذه الآية: أن النبي (ص) لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس. وكانوا يقتاتون العجوة.. (ثم ذكر أهمية العجوة والبرني، ثم قال): في قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة). (ولم يقل: من نخلة، على العموم) تنبيه على كراهة قطع ما يقتات، ويغذو من شجر العدو. إذا رجى


(1) الكافي ج 5 ص 30 والبحار ج 19 ص 177 - 199 وتذكرة الفقهاء ج 1 ص 412 و 413 ومنتهى المطلب ج 2 ص 908 و 909 وجواهر الكلام ج 21 ص 66 والوسائل ج 11 ص 43 و 44 والمحاسن للبرقي ص 355 وفي هامشه عن الوسائل، وعن التهذيب ج 2 ص 46. (2) مسند أحمد ج 5 ص 276. (*)

[ 116 ]

أن يصير إلى المسلمين. وقد كان الصديق (رض) يوصي الجيوش ألا يقطعوا شجرا مثمرا. وأخذ بذلك الأوزاعي: فإما تأولوا حديث بني النضير، واما رأوه خالصا للنبي " عليه السلام " (1). ولكننا لا نوافق السهيلي على ما قاله، وذلك لما يلي: أ: بالنسبة لما ذكره في معنى اللينة، نجد كثيرا من أهل اللغة لا يوافقونه على ما ذكره في معناها، فقد: قال الراغب وغيره: " ما قطعتم من لينة: أي من نخلة ناعمة، ومخرجه مخرج فعلة، نحو حنطة، ولا يختص بنوع منه دون نوع ". وكذا نقل عن ابن زيد، وعمر وبن ميمون، ومجاهد " (2). وقال: سعيد بن جبير، ومالك، والخليل، ويزيد بن رومان، ورجحه النووي، وكذا قال الفراء والزهري، وعكرمة، وقتادة، وابن عباس، ونسب إلى أهل المدينة: اللبنة " كل شئ من النخل سوى العجوة: فهو من اللين، واحدته لينة " (3).


(1) الروض الأنف ج 3 ص 250 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 256 - 257 وأشار إلى أن العجوة كانت قوت بني النضير في السيرة الحلبية ج 2 ص 266. (2) المفردات للراغب ص 257 وراجع: التبيان ج 9 ص 559. (3) راجع: لسان العرب ج 13 ص 393 و 395: وفتح الباري ج 7 ص 257 وعمدة القارئ ج 17 ص 128 والسيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 202 وشرح المحافل ج 1 ص 215 والتبيان ج 9 ص 559 ولباب التأويل ج 4 ص 246 وجامع البيان ج 28 ص 22 وفتح القدير ج 5 ص 197، ومجمع البيان ج 9 ص 259 والبحار ج 20 ص 161 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1768 ويلاحظ: أن المذكورين في المتن قد ذكرت أسماؤهم في بعض المصادر دون بعض. (*)

[ 117 ]

وقال الزبيدي: كذا عن ابن عباس ومقاتل، وعن الحسن، ومجاهد وعطية: " اللينة - بالكسر - النحل " (1). وقيل: هي كل الأشجار (2). وقال سفيان: هي كرام النخل وكذا عن مجاهد، وابن زيد (3). وقال آخر، ونسب ذلك إلى مجاهد، وعطية: (ما قطعتم من لينة) الحشر / 5: أي من نخل، والنخل كله، ما عدا البرني (4). وعن مقاتل، هي: " ضرب من النخل يقال لتمرها: اللون، وهي شديدة الصفرة، يرى نواها من خارج، تغيب فيها الاضراس، وكانت من


(1) راجع تاج العروس ج 9 ص 338 وفتح الباري ج 7 ص 257 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1768 وعمدة القارئ ج 17 ص 126 وإرشاد الساري ج 7 ص 375 وجامع البيان ج 28 ص 22 و 23 وفتح القدير ج 5 ص 199 و 197 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 9 والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 408 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 ولباب التأويل ج 4 ص 246 وجوامع الجامع ص 486 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 والأحكام السلطانية ص 65. (2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 وعمدة القارئ ج 17 ص 128 والأحكام السلطانية ص 65. (3) عمدة القارئ ج 17 ص 128 وتاريخ الخميس ج 1 ص 461 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 ومجمع البيان ج 9 ص 259 والبحار ج 20 ص 161 عنه وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 215 ولباب التأويل ج 4 ص 246 وجامع والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 9 والأحكام السلطانية ص 65 والتبيان ج 9 ص 559 ومدارك التنزيل بهامش لباب التأويل ج 4 ص 246 وجامع البيان ج 28 ص 23 وغرائب القرآن مطبوع بهامشه ج 28 ص 37 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1768 والتفسير الكبير ج 29 ص 283 والكشاف ج 4 ص 500. (4) الدر النظيم في لغات القرآن الكريم ص 207 وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن مجاهد وعطية. (*)

[ 118 ]

أجود تمرهم، وأحبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف: فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم " (1). وقيل: هي الدقل (2). إلى غير ذلك من أقوال. ب: قولهم: إنه قطع اللين وترك العجوة، لا تؤيده النصوص التاريخية. فقد: قال دحلان: ".. فقطع لهم نخل يسمى " العجوة "، وآخر يسمى: اللين. وكان ذلك أحرق لقلوبهم: لأن ذلك خير أموالهم: فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل ". وكذا قال غيره (3). زاد الحلبي قوله: وكانت العجوة خير أموال بني النضير لأنهم كانوا يقاتونه (4). وعن الماوردي: واكانت العجوة أصل الإناث كلها، فلذلك شق على اليهود قطعها (5) وعن الإمام الصادق " عليه السلام " في تفسير اللين: أنها العجوة خاصة (6).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 وإرشاد الساري ج 7 ص 375 وراجع: الأحكام السلطانية ص 64. (2) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 1769 والدقل: نوع من التمر، قيل: هو أردأ أنواعه. راجع: لسان العرب ج 11 ص 246. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 س والسيرة الحلبية ج 2 ص 266. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 266. (5) الجامع لأحكان القرآن ج 18 ص 9. (6) فتح القدير ج 5 ص 197 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 9 وأحكام القرآن لإبن الغربي ج 4 ص 1768 وتفسير البرهان ج 4 ص 313. (*)

[ 119 ]

وتقدم: أن أبا ليل قطع العجوة، وأن ابن سلام قطع اللون. وتقدم أنهم جزعوا على قطع العجوة، فراجع ما جاء تحت عنوان " تفاصيل أخرى في حرق وقطع النخيل ". ج: ولو قبلنا تفسير السهيلي لكلمة " لينة " فإن ما ذكره لا يحل الإشكال: ما دام أنه كان ينهى سراياه عن قطع مطلق الشجر، فكان يقول لهم: " ولا تقطعوا شجرا ". ولا يختص ذلك بالشجر الذي يقتات منه، ولا بالشجر المثمر.. د: ولو قبلنا أيضا أن المراد هو خصوص ما يقتات منه، فإن ما عدا العجوة والبرني كان أيضا مما يقتات به، ويؤكل.. غاية الأمر أن جودة ثمره لم تكن في مستواهما وإنما هو ردئ بالنسبة إليهما. ه‍: لو قبلنا كل ما ذكره السهيلي فإننا نقول.: إن قوله بكراهة قطع الشجرة ع في صورة ما لو رجي أن يصير للمسلمين، في غير محله: فإن النهي عن قطع الشجر مطلق، ولم يقيد بصورة الرجاء المذكور، نعم هو قد جاء على لسان الحبر اليهود عبد الله بن سلام، ولم يعلم من النبي " صلى الله عليه وآله " أنه قبله ورضيه. و: وأما قوله، إن الأوزاعي وأبا بكر: قد تأولا حديث بني النضير، أو أنهما رأيا أنه مختص برسول الله " صلى الله عليه وآله " حيث منعا من قطع الشجر المثمر مطلقا. فليس في محله أيضا: فانهما قد فهما ذلك من كلامه " صلى الله عليه وآله " في نهية عن قطع الشجر، فحكما بمقتضاه، ولم يخصصا حكمهما هذا بشخص ولا بشئ، وإنما هما قد وجدا: أنه " صلى الله عليه وآله " قد اضطر إلى قطع شجر بني النضير، فأجازا ذلك للضرورة: فإن قطع الشجر لأجل الضرورة مما رخص به النبي " صلى الله عليه وآله " في نفس وصاياه لسراباه، حسبما ألمحنا إليه (1). وإذن.. فهما


(1) راجع ما تقدم عن قريب وراجع أيضا: ج 3 ص 140 من هذا الكتاب. (*)

[ 120 ]

لم يريا أن ذلك من الأحكام المختصة به " صلى الله عليه وآله ". ضرورة قطع الأشجار، وحرقها: لقد نزل القرآن ليرد على الذين عابوا قطع الأشجار، وليؤكد على أن ذلك إما كان بإذن من الله سبحانه، تماما كما كان ترك ما ترك منها بإذن الله تعالى.. إذن، فلا بد لنا من التعرف على السر الكامن وراء تجويز هذا العمل، وصيرورته مقبولا، بعد أن كان مرفوضا، ومأذونا به بعد أن كان ممنوعا عن فنقول: إن الذي يبدو لنا هو: أن بني النضير أهل الزهر والخيلاء، والعزة (1). كانوا يحسون في أنفسهم شيئا من القوة، والمنعة في قبال المسلمين، ويجدون: أن بإمكانهم مواجهة التحدي، فيما لو أتيح لهم أطالة أمد المواجهة، حيث يمكنهم أن يجدوا الفرصة لإقناع حلفائهم بمعونتهم، ولا سيما إذا تحرك أهل خيبر الذي كان لديهم العدة والعدد الكثير، حسبما تقدم في كلمات سلام بن مشكم. كما أن ابن ابي ومن معه قد يراجعون حساباتهم، ويفون لهم بما وعدوهم به من النصرة والعون.. ولا أقل من أن يتمكن أن يتمكن أبن أبي واتباعه من إحداث بلبلة داخلية، من شأنها إرباك المسلمين وزعزعة ثباتهم من الداخل.. وقد يمكن لقريش، ولمن يحالفها من قبائل العرب أن يتحركوا أيضا لحسم الموقف لصالح بني النضير، وصالحهم بصورة عامة.. ولا أقل من أن يتمكن يهود بني النضير من الإحتفاظ بمواقعهم،


(1) سيتضح ذلك حين الكلام عن كونهم في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، فانتظر.. (*)

[ 121 ]

وبأرضهم وديارهم، حين يجد المسلمون: أن مواصلة التحدي لهم لن تجدي نفعا، ما داموا قادرين على الإحتماء بحصونهم، والدفاع عنها مدة طويلة، فيتراجعون عن حربهم، ويتركونهم وشأنهم، من أجل التفرغ إلى ما هو أهم، وأولى. وإذا كمانت قضية بني النضير قد حصلت بعد وقعة أحد - وإن كنا لم نرتض ذلك - فلابد أن يكون اليهود قد فكروا: أن محمدا " صلى الله عليه وآله " وأصحابه قد أصبحوا الآن في موقف الضعف والتراجع، ولعل في تسويف الوقت معهم، في الوقت الذي يحس فيه المسلمون بالفشل وبالكارثة، نتيجة لما نزل بهم في أحد، لسوف يجعلهم يفكرون في انتهاج سبيل السلامة، والإنسحاب من موقع التحدي إلى موقع المساومة، ومن سبيل الحرب إلى سبيل السلم، وتوفير الأمن، ومواعاة جانب هؤلاء وأولئك، وعدم إثارة العداوات الكبيرة داخل بلادهم، وفي قلب مواضعهم ومواقعهم. وأما إذا كانت قضية بني النضير قد حصلت قبل ذلك، وبعد ستة أشهر من حرب بدر، حسبما قويناه، استنادا إلى العديد من الدلائل والشواهد.. فلعل يهود بني النضير قد فكروا: أن المسلمين لسوف لا يفرطون بهذا النصر الكبير الذي حققوه، ولعلهم على إستعداد لمداراة هؤلاء وأولئك، في سبيل الحفاظ على صلابة الموقف، وثباته ولسوف لا يقدمون على أي عمل من شأنه احداث خلخلة في بنية مجتمعهم، ولعل اليهود يعتقدون: أن حرب بدر كانت أمرا اتفاقيا صنعته الصدفة، والحظ السئ للمشركين. وليس نتيجة قدرات حقيقية كانت لدى المسلمين. وإذن فليس ثمة ما يخيف، وليس هنالك ما يثير قلقا.. أما هم - أعني بني النضير - فيجدون في أنفسهم القوة والمنعة،

[ 122 ]

ولهم حلفاء كثيرون، وكثيرون جدا. وبعد كل ما تقدم، فقد جاء موقف الإسلام، المتمثل في موقف رسوله الأعظم " صلى الله عليه وآله "، في دقته، وفي ثاقب بصيرته - قد جاء - على خلاف ما يتوقعون، وبغير ما يريدون ويشتهون. فقد رأى المسلمون، من خلال الموقف النبوي الحازم والقوي: أن النصر في بدر، وكذلك الضربة القاسية التي نزلت في أحد، لابد أن تعمث فيهم إيمانهم، وارتباطهم بالله سبحانه، وتقوي من صمودهم، وتشد من عزائمهم، وقد جعلهم هذا النصر، وتلك المأساة يشعرون بمسؤولية أكبر تجاه الرسالة، حيث أصبحوا في موقع التحدي السافر لكل مظاهر الظلم والجبروت والطغيان ومصادره. وعليهم من الآن فصاعدا أن يطردوا من آفاقهم كل مظاهر الضغف، وأن ينقوا أجواءهم من جميع عوامل التشرذم والتشتت، وأن يبعدوا عن وأقعهم وعن علاقاتهم، جميع مصادر الخلل، وعدم الإنسجام. فالتحدي كبير، والمسؤوليات جليلة وخطيرة، فلابد من الاستعداد ولا بد من التصدي، بصورة أعمق، واوثق وأوفق، ما دام أنهم قد وصلوا الى نقطة اللارجوع، وأصبح الثمن غاليا، وهو دماء زكية، وأرواح طاهرة، ونقية، فالحفاظ على القضية، وعلى منجزاتها، التي دفعوا ثمنها جزء من وجودهم ومن ذواتهم وأرواحهم أخمر حتمي، أذ أن التخلي عنها يساوق التخلي عن الحياة وعن الوجود، وعن كل شئ. وقد اتضح لديهم: أن أي تراجع أمام التحديات الكبيرة الراهنة، لسوف تلحقه تراجعات أعظم، ويستتبع انحسارا أكبر عن كثير من المواضع والمواقع الحساسة، لصالح كل الاعداء والطامعين، في منطقة العمل والكفاح الاسلامي المقدس. كما أن هذا التراجع والانحسار لسوف يزيد من اشتهاء الآخرين

[ 123 ]

للحصول على المزيد من المكاسب، ويضاعف من تصلبهم وشدتهم في مواجهة المد الاسلامي العارم. ولسوف تنتعش الآمال، وتحيا الأماني، باضعاف هذا المد تدريجا، ثم القضاء عليه قضاء مبرما ونهائيا في الوقت المناسب. وأما بالنسبة الى أولئك الذين يميلون الى الدخول في هذا الدين الجديد، فإنهم حين يرون ضعفه، وتراجعه، وقوة خصوصة وشوكتهم. لسوف يجدون في أنفسهم المبررات الكافية للتأني والتريث بانتظار المستجدات، وما ستؤول إليه الأمور. ولربما يتشجع الكثيرون أيضا على نقض تحالفاتهم، التي كانوا قد عقدوها مع المسلمين ما دام أن ذلك لن يستتبع خطرا، ولا يصطدم بصعوبات ذات بال.. كما أن الآخرين الذين يعيشون حالة الترقب سوف لا يجدون في أنفسهم حاجة لعقد تحالفات ومعاهدات مع المسلمين في هذه الظروف المستجدة. وأخبرا، فإننا نضيف الى كل ما تقدم: أن من الطبيعي أن يكون خوض معركة كبيرة مع اليهود. وربما مع كثير من حلفائهم، الذين قد يتشجعون لمساعدة اليهود بعد طول المدة، وبعد إحساسهم بقوتهم وصلابتهم في وجه الحصار، وبضعف في موقف المسلمين - سوف يوجب ان تلحق بالمسلمين خسائر كبيرة، مادية وبشرية، لو أمكن توفيرها لما هو أهم لكان أجدر وأولى. فإذا استطاع النبي " صلى الله عليه وآله " والمسلمون كسر عنجهية وغزو بني النضير قبل أن يستفحل الامر، وافهامهم - ومن هو على مثل رأبهم - مدى التصميم على المواجهة والتحدي، حتى يفقدوا الامل بجدوى المقاومة، وليفهموا - بصورة عملية - أنهم أذا كانوا يطمعون بالبقاء في أرضهم، فان عليهم ان يقبلوا بها أرضا محروقة، جرداء، ليس فيها اي

[ 124 ]

أثر للحياة، ولا تستطيع ان توفر لهم حتى لقمة العيش التي لا بد منها. هذا فيما لو قدر لهم أن يحتفظوا بالحياة، ويخرجوا أو بعضهم سالمين من هذه الحرب التي جروها على أنفسهم.. نعم.. إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " إذا استطاع ذلك، فانه يكون قد وفر على نفسه، وعلى الإسلام والمسلمين الكثير من المتاعب، والمصاعب، والمصائب، التي ألمحنا إليها. وهذا هو ما اختاره رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فعلا، وبادر إليه عملا. فكان قطع النخيل يمثل قطع آخر آمالهم، وتدمير كل أمانيهم، وغاية ذلهم وخزيهم. ورأروا حينئذ: ان لا فائدة من الاستمرار في اللجاج والتحدي إلا تكبد المزيد من الخسائر، ومواجهة الكثير من النكسات.. وهذا بالذات هو ما يفسر لنا قوله تعالى في تعليل اذن الله سبحانه بقطع النخل: (.. وليخزي الفاسقين). فقد كان قطع النخل ضروريا ولازما، من اجل قطع آمال بني النضير، وكل آمال غيرهم أيضا، وخزيهم وخزي سائر حلفائهم، وعلى رأسهم ابن أبي، ومن معهم من المنافقين، ثم كل من يرقب الساحة، ويطمع في ان يستفيد من تحولاتها في تحقيق مآربه ضد الإسلام، والمسلمين. ومن هنا نعرف السر في قوله تعالى: (ليخزي الفاسقين) بدل: " الكافرين "، من اجل ان يشمل الخزي كل من يسوءه ما جرى لبني النضير، حتى أولئك الذين يتظاهرون بالإسلام، أو بالمودة الكاذبة للمسلمين. وهذه ما يفسر لنا الإهتمام الكبير الذي أولاه سبحانه لموضوع قطع النخل، حتى لقد خلده في آية قرآنية كريمة. فإن القضية كانت أكبر من

[ 125 ]

بني النضير، وأخطر، حسبما أوضحناه. المهاجرون ! ! وقطع النخل: بقي علينا ان نشير هنا إلى البعض يذكر: أن المهاجرين هم الذين اختلفوا فيما بينهم حول قطع النخل. فعن مجاهد، قال: نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل، قالوا: إنما هي مغانم للمسلمين (1). ونلاحظ: ان هذا بالذات كان رأي عبد الله بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم، رغم ان رسول الله " صلى الله عليه وآله " كان قد أمره بقطع النخل، فعلل إختياره للردئ بذلك كما ذكرنا. ولنا ان نتساءل هنا: لماذا المهاجرون هم الذين ينهون عن ذلك ؟ ! ولماذا لم يكن فيهم أحد من الانصار ؟ سوى ابن سلام ! ! وربما رجل آخر أيضا ! ! فهل أدرك المهاجرون أمرا عجز الانصار عن إدراكه ؟ ! أم أنهم قد اتخذوا هذا الموقف إنطلاقا من مصالح رأوا أنها لربما تفوتهم، لو استمر الأمر على النحو الذي خطط له رسول الله " صلى الله عليه وآله " ؟ ! أم أنه قد كانت ثمة خلفيات أخرى، لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنها، لسبب، أو لآخر ؟ ! وإذا كانت النصوص كلها تقريبا تؤكد على ان الرسول الاعظم نفسه


(1) جامع البيان ج 28 ص 23 و 22 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 333 وفتح القدير ج 5 ص 196 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 والدر المنثور ج 6 ص 188 عن عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل. (*)

[ 126 ]

هو الذي أمر بقطع نخلهم (1)... فإن معنى ذلك هو ان اعتراض هذا الفريق من المهاجرين قد كان متوجها الى رسول " صلى الله عليه وآله " بالذات. وان الفريق الآخر منهم إنما كان ينفذ امر رسول الله " صلى الله عليه وآله ". ولا نملك هنا إلا التذكير بأنه قد سبق لبعض المهاجرين: ان اعترضوا على رسول الله، حينما اراد قتل اسرى بدر، واصروا عليه في ترك ذلك، حتى نزل القرآن مصوفا رأيه " صلى الله عليه وآله ". ولكنهم لم يقنعهم ذلك، رغم أنه " صلى الله عليه وآله " قد أخبرهم: أنه سيقتل بعدتهم فيما بعد، لو تم إطلاق سراحهم.. وهكذا كان. وقد سجلنا بعض الشكوك والتساؤلات حول موقف بعض المهاجرين في حرب أحد (2) فلا نعيد. ومهما يكن من امر، فإننا لا نستطيع أن نفهم موقف هذا الفريق من المهاجرين هنا، وكذلك موقف بعضهم في بدر، وأحد، بصورة ساذجة ولا أن نفسره بطريقة سطحية، ما دام أن الدلائل تشير إلى خلفيات، ودوافع غير معلنة، ولا ظاهرة، يؤثر الوقوف عليها في استجلاء كثير من الحقائق، والوقوف على براطن وكوامن كثيرة، ولربما على مبهمات خطيرة، تؤثر على فهمنا العام الكثير من المواقف في حياة العديد من الشخصيات التي كان لها دور مرموق في كثير من الأحداث الخطيرة في التأريخ الاسلامي. وخلاصة الامر: إن البحث الموضوعي يقضي بتقصي النصوص


(1) قد تقدمت المصادر لذلك. (2) راجع هذا الكتاب ج 4 ص 283 - 285. (*)

[ 127 ]

والمواقف واستنطاقها، لمعرفة مدى تعاطف بعض المهاجرين مع قومهم المكيين، ومع يهود المدينة، ليمكن لنا تقييم مواقفهم، وفهم معاني كلماتهم، وإشاراتها ومراميها، بصورة أدق وأعمق، وليكون تصورنا أقرب إلى الواقع، وأكثر شمولية، واتم وأوفى. وفي إشارة خاطفة نذكر: باننا قد تحدثنا عن أن المهاجرين كانوا يشكلون تكتلا مستقلا، له تطلعاته وطموحاته، وله فكره المتميز في آفاقه وفي خصائصه، ولا سيما في ما يرتبط بالسياسة والحكم والتخطيط له. أما الانصار، فلم يكونوا كذلك، بل كانوا فريقا آخر، يحرم من إهتمامات الحكام، ويستثني من مختلف الامتيازات، إلا حيث يحرج الحاكم، ولا يجد من ذلك بدا ولا مناصا. وقد روي عن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب قوله: أوصى الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين: ان يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصية بالانصار، الذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم: أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم (1). فيلاحظ: الفرق النوعي فيما يطلبه ثاني الخلفاء ممن يلي الامر بعده بالنسبة لهؤلاء، وبالنسبة لاولئك. وعلى هذا الأساس، ومن منطلق هذه الفوارق جاء قول ابن ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوؤا الدار والايمان، والذين جاؤا من بعدهم: فاجهد: ألا تخرج من هذه المنازل. وقال بعضهم: كن شمسا، فان لم تستطع، فكن قمرا فان لم


(1) فتح القدير ج 5 ص 202 وصحيح البخاري ج 3 ص 128 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 337، وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1775 والدر المنثور ج 6 ص 195 عن البخاري، وابن أبي شيبة، وابن مردوية. (*)

[ 128 ]

تستطع فكن كوكبا مضيئا: فان لم تستطع فكن كوكبا صغيرا، ومن جهة النور لا تنقطع. ومعنى هذا: كن مهاجريا، فان قلت: لا أجد، فكن أنصاريا، فان لم تجد فاعمل كأعمالهم الخ (1). ولا ندري من اين جاءت هذه الطبقية، وكيف قبل الناس هذا التمييز الذي لا يقوم على تقوى الله، وإنما على عناوين وخصوصيات فرضتها طبيعة التحرك في مجال نشر الدعوة وتركيزها. ويوضح ذلك ان عمر بن الخطاب حين خطب بالجابية قال: " ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فان الله تعالى جعل له خازنا وقاسما. ألا وإني باد بأزواج النبي " صلى الله عليه عليه وآله " فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، أنا وأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا " (2). ومهما يكن من امر فانك تجد في كتابنا هذا إشارات ونصوص كثيرة في مواضع مختلفة توضح ما عاني منه الانصار، واختص به المهاجرون، واستيقاء البحث في هذا يحتاج الى توفر تام، وتأليف مستقل. التصويب في الاجتهاد: لقد استدل البعض بقوله تعالى: " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على اصولها، فبإذن الله، وليخزي الفاسقين) على جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين (3).


(1) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 31. (2) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 20 وحول مصادر تمييز عمر بين الناس في العطاء، وتفضيل بعضهم على بعض راجع كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي. (3) فتح القدير ج 5 ص 197 وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 عن = (*)

[ 129 ]

كما واستدلوا على جواز الاجتهاد بحضرة الرسول، وعلى أن كل مجتهد مصيب، بالرواية التي تقول. إن رجلين، أحدهما كان يقطع العجوة، والآخر اللون، فسألهما " صلى الله عليه وآله " فقال هذا: تركتها لرسول الله. وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار (1). ونقول: إن الإستدلال بما ذكر لا يصح، وذلك لما يلي: 1 - بالنسبة للاستدلال بالرواية على التصويب فقد قال ابن العربي " وهذا باطل، لان رسول الله (ص) كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله (ص) " (2). 2 - إن الرواية المذكورة لم تصرح بأن النبي " صلى الله عليه وآله "، أمضى اجتهادهما، أم لا. حيث إنها ذكرت اعتذارهما للنبي " صلى الله عليه وآله " بهذا الشأن، فهل ايد هذا الفريق ؟ أو ذاك ؟ أو لم يؤيد أيا منهما ؟ كل ذلك لا دليل عليه، ولا شئ يشير إليه. 3 - إنه - لو فرض ان هذا اجتهاد - فإنما هو اجتهاد بالتطبيق، فواحد يرى: أن هذا جائز، لأن فيه نكاية في العدو، والنكاية في العدو، واغاظته مطلوبة منه وواجب عليه. وذاك يرى: ان تقوية المسلمين مطلوبة، وأن


= الماوردي، وعن الكيان الطبري وراجع: غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 28 ص 37 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1769. (1) التفسير الكبير ج 29 ص 283 والكشاف ج 4 ص 501 و 502 وقد تقدم اسم هذين الرجلين، ومصادر موقفهما هذا فليراجعه من أراد. (2) أحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1769 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8. (*)

[ 130 ]

في الاحتفاظ بالنخل تقوية لهم، وعمل بالحكم الشرعي. فليس ثمة إجتهاد في حكم شرعي كلي من الاحكام الخمسة، وإنما هم مختلفون تشخيص موضوع الحكم الشرعي اي فيما هو المصلحة لهم، وما فيه نكاية في العدو.. 4 - من الذي قال: إن هؤلاء الذين اختلفوا في قطع النخل وعدمه، كانوا قد بلغوا رتبة الاجتهاد، فلعل أحدا منهم لم يكن قد بلغ هذه المرتبة الشريفة، ولعل احد الفريقين قد بلغها دون الاخر، ولعل ولعل. 5 - إنه إذا كان الرسول " صلى الله عليه وآله " هو الذي امر بقطع النخل، كما صرحت به النصوص المتقدمة عن مصادر كثيرة جدا فان الاستدلال على جواز الاجتهاد والتصويب فيه بالآية الكريمة يصبح في غير محله، وذلك لأن عدم القطع يصير اجتهادا في مقابل النص، بل هو عصيان لامر الرسول، وشك في صواب ما يصدر منه " صلى الله عليه وآله ". ولعله " صلى الله عليه وآله " قد أمرهم بقطع نوع من النخيل، فلم يعجبهم ذلك، فعصوا الامر. 6 - إن التصويب باطل، ولا يصح، لا عقلا، ولا شرعا، وقد تكلم الاصولين على هذا الأمر بالتفصيل، فمن أراد الوقوف على ذلك فليراجع المطولات (1). هذا الشعر لمن ؟ ! قال السمهودي: - كما قال غيره -: " ولما حرق رسول الله (ص) نخلهم " قال حسان رضي الله عنه يعير قريشا من أبيات: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير


فواد الأصول، للشيخ الأنصاري ص 25. (*)

[ 131 ]

فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولم يكن اسلم حينئذ: أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا تضير أي ستعلم أينا منها ببعد، وأي الارضين أرضنا أو أرضكم يحصل لها الضير، أي الضرر، لان بني النضير إذا خربت اضرت بما جاورها، وهو أرض الأنصار، لا أرض قريش. ونقل ابن سيد الناس، عن أبي عمر والشيباني: ان الذي قال البيت المتقدم، المنسوب لحسان هو أبو سفيان بن الحارث، وأنه لما قال: وعز على سراة بني لؤي. بدل: هان قال: ويروى (بالبويلة) بدل (بالبويرة) وأن المجيب له بالبيتين المتقدمين هو حسان. وما قدمناه هو رواية البخاري. قال ابن سيد الناس: وما ذكره الشيباني اشبه. قلت كأنه استبعد ان يدعو أبو سفيان في حالة كفره على ارض بني النضير، وقد قدمنا وجهه (1). انتهى كلام السمهودي. ولكننا بدورنا نؤيد ما ذكره ابن سيد الناس، وذلك لأن تفسير السمهودي للبيت الثاني غير مفهوم، فاإ حريق النخل لا يلزم منه لحرق الضرر بأراضي الأنصار. كما أن تفسيره، الذي ذكره لا يدفع كلام ابن سيد الناس، وذلك لأن البيت الاول من بيتي الجواب، فيه الدعاء والطلب


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 298 و 299 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 215، عن ابن سيد الناس، والجواب عن ابن حجر وعمدة القارئ ج 17 ص 129 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 257 و 258 ومعجم البلدان ج 1 ص 512 و 513. (*)

[ 132 ]

من الله ان يديم هذا الصنيع. وظاهره: ان ذلك الدعاء يصدر من رجل محب وموال وموافق على هذا الحريق.. كما ان من البعيد أن يكون قد وصل خبر حرق النخل الى مكة، ثم وصل شعر حسان إليهم، وأجابوا عليه بالطلب من الله إدامة هذا الامر من أجل أن تحترق أراضي الأنصار. فان أمر بني النضير قد فرغ منه خلال أيام. ومن جهة أخرى فإن البيت الاول يناسبة كلمة وعز: لأن سراة بني لؤي - وهم مشركوا مكة - يعز عليهم حدوث هذا الحريق في بني النضير، ولا يهون عليهم.. إلا إذا كان يقصد بسراة بني لوي النبي " صلى الله عليه وآله " ومن معه. أو كان يقصد: أن هذا الحريق لا تهتم له قريش ولا يضرها بشئ، فأجابه حسان بأن ذلك سوف يضيرهم قطعا، ولن تتضرر أرض الأنصار منه. ومهما يكن من أمر، فإنه لم يتضح لنا وجة تقويته لأن يكون البيت الأول لحسان.. والبيتان الآخران لأبي سفيان بن الحارث.. ولعل كلام ابن سيد الناس أولى بالقبول، وأقرب إلى اعتبارات العقول.. وأخبرا.. فقد قال فقد قال العيني: في ترجيح قول ابن سيد الناس: " يصلح للترجيح قول أبي عمرو الشيباني، لأنه أدرى بذلك من غيره على ما لا يخفى على أحد " (1). * (1) عمدة القارئ ج 17 ص 129. (*) الفصل الرابع:

[ 133 ]

الجزاء الأوفى

[ 135 ]

تحسبهم جميعا، وقلوبهم شتى، قال تعالى (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) (1). قد أعطت هذه الآية الشريفة تصورا متكاملا عن حالة أولئك الذين لا يملكون صفة الإيمان، حيث أرجعت هذه الحالة إلى عللها وأسبابها، وربطتها بمناشئها الحقيقية، بصورة واضحة ودقيقة. ولا نريد أن نستعرض هنا كل ما تعرضت له الآية تصريحا، أو تلويحا، فإن ذلك يحتاج الى توفر تام، وتأمل ودقة وجهد، لا نجد لدينا القدرة على توفيره فعلا، وإنما نريد ان نسجل هنا حقيقة واحدة، نحسب أن الإلفات إليها يناسب ما نحن بصدده، وهي: أن النظرة المادية للحياة، وعدم الإيمان بالآخرة، أو عدم تعمق الايمان بها يجعل الإنسان يقيس الامور بمقياس الربح والخسارة في الدنيا. وهذا - ينظره - هي الذي يعطيها القيمة، أو يفقدها أياها، ولتصبح الحياة الدينا - من ثم - هي الغاية، وهي النهاية، وهي كل شئ بالنسبة الى هذا النوع من الناس، فأذا فقدها، فلا شئ له بعد ذلك على الإطلاق. ويصبح شخصه كفرد هو المعيار والميزان للصلاح والفساد،


(1) الحشر: 14 (*)

[ 136 ]

وللحسن والقبيح، وللواجب والحرام، فهو لا يمارس شيئا ولا يرتبط بشئ إلا بمقدار ما يجر إليه نفعا، أو يدفع عنه شرأ وضرا. وتفقد الحياة والاجتماعية معناها ومغزاها إلا في الحدود التي تخدم وجود الفرد، ومصالحه، فهو مع الناس، وإنما لاجل نفسه، وهو وحده لا شريك له، وكل ما في الموجود يجب أن يكون من اجله وفي خدمته. ويجب أن يضحى بكل غال ونفيس في سبيله، فهو القيمة لكل شئ، وليس لأي شئ آخر أية قيمة تذكر. وعلى هذا، فإن جميع القيم تسقط، ويبقى هو فلا معنى للتضحية إلا إذا كانت من الآخرين من أجله، ولا معنى للإيثار إلا إيثار الآخرين له على أنفسهم. ولا معنى للشهادة في سبيل الله إلا إذا نالت الآخرين دونه، ولا معنى للحق وللباطل، وللعذر والوفاء، وللصدق والكذب وووالخ... إلا من خلال ما يجلب له نفعا، أو يدفع عنه ضرا وشرا. وإذا كان مع الجماعة فانه لا يشاركهم في شئ، ولا يهمه من أمرهم شئ، بل هو يريد منهم أن يدفعوا عنه، ويموتوا من أجله وفي سبيله. وهذا بالذات ما يفسر لنا قوله تعالى: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى.). نعم.. إن قلوبهم (شتى) بكل ما لهذه الكلمة من معنى لأنهم لا يفكرون في شئ واحد، وإنما هم يفكرون بأشياء متباينة، ومتعددة، بعددهم جميعا، فنفس كل فرد منهم تخضع لفكرين متناقضين فصاحبها يفكر في حفظها، وبقائها، وكل من معه يفكرون في إتلاف هذه النفس من أجل حفظ وجودهم هم دونه. وهكذا الحال بالنسبة لنفس كل فردمنم، وإذا فكر أحد منهم بحفظ نفوس الآخرين، فإنما ذلك حين

[ 137 ]

يرى فيه ضمانة لبقائه، وحفظ نفسه هو أولا. وذلك يوضح لنا أيضا السر في هؤلاء لا يقاتلون المؤمنين إلا من وراء جدر، أو في قرى محصنة، حسبما أو ضحته الآية الشريفة. وما ذلك إلا لأن هؤلاء لا يعقلون معنى الحياة وأسرارها، ولا حكمة الخلق وأهداف الوجود، وفإن ذلك إنما جاء وفق المعايير، والأحكام العقلية والفطرية، فهو لا يشذ عنها، ولا يختلف ولا يتخلف عن أحكامها ومقتضياتها. ولو أنهم فكروا واطلقوا عقولهم من عقال الهوى، لأدركوا ذلك كله، ولتغيرت نظرتهم للكون الحياة، ولعرفوا بعضا من أسرار الخلق والوجود، ولتبدلت المعايير والقيم، التي كانت تستند إلى أوهام وخيالات، وتؤكدها وتفرضها الفطرة الخالصة عن الشوائب، والبعيدة عن تجاذب الاهواء. إذن.. فعدم التزامهم بهدى العقل، ورفضهم الانصياع لأحكامه، هو أصل البلاء، وسبب العناء، وهو ما أكدته الآية الكريمة، التي أرجعت حالتهم التي هي غاية خزيهم وذلهم وذلهم الى ذلك، فهي تقول: (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). اليهود والمنافقون لا ينصرون حلفاءهم: ونلاحظ هنا: ان المعاهدات التي كان النبي " صلى الله عيله وآله " يبرمها مع اليهود، لم يظهر اليهود فيها وحدة متكاملة، بل كانوا شيعا واحزابا فقد عاهد " صلى الله عليه وآله " كل قبيلة منهم على حدة: النضير وقينقاع وقريظة، وكذلك الحال بالنسبة لخيبر وفدك وغير ذلك، ومعنى ذلك هو أنهم كانوا فيما بينهم شيعا وأحزابا. ويلاحظ أيضا: ان أيا من قبائلهم تنهض للدفاع عن القبيلة

[ 138 ]

الأحرى. كما أن أحلافهم من غطفان، ومن المنافقين، لم يهبوا لنصر أي من القبائل والجماعات التي حالفوها ووعدوها النصر، وهو ما نص عليه الله تعالى حين قال عنهم: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن اخرجتهم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد انهم لكاذبون لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون) (1)... (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) (2). وقد علم معنى الآيات مما قدمناه. وعن علي " عليه السلام " أنه قال: المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء، وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة، وإن اجتمعت أبدانهم (3)، وكان مما قاله سلام بن مشكم لحي بن أخطب حول وعد ابن أبي لهم بالنصر: " ليس قول ابن أبي بشئ، إنما يريد ابن أبي: أن يورطك في الهلكة، حتى نحارب محمدا، ثم يجلس في بيته ويتركك. قد أراد من كعب بن اسد النصر، فأبى كعب، وقال: لا ينقضن العهد رجل من بني قريظة وأنا حي. وإلا فان ابن أبي قد وعد حلفاءه من بني قينقاع مثل ما وعدك حتى حاربوا ونقضوا العهد، وحصروا أنفسهم في صياصيهم، وانتظروا نصرة ابن أبي، فجلس في بيته، وسار محمد إليهم، فحصرهم


(1) الحشر: 11 و 12. (2) الحشر: 13. الدر المنثور ج 6 ص 199 عن الديلمي. (*)

[ 139 ]

حتى نزلوا على حكمه. فابن أبي لا ينصر حلفاءه، ومن كان يمنعه من الناس كلهم، ونحن لم نزل نضربه بسيوفنا مع الأوس في حربهم كلها، إلى أن تقطعت حربهم، فقد محمد فحجز بينهم. وابن أبي لا يهودي على دين يهود، ولا على دين محمد، ولا على دين قومه، فكيف تقبل منه قولا قاله ؟ قال حيي: تأبى نفسي إلا عداوة محمد وإلا قتاله.. قال سلام: فهو والله جلاؤنا من أرضنا إلخ.. " (1) ويلاحظ من كلام سلام: أنه كان يشك في نوايا عبد الله بن أبي تجاههم.. ومما يؤكد هذه التهمة قول الواقدي بعد ذكره إرسال ابن أبي إلى قريظة يطلب منهم نصر إخوانهم من بني النضير، ورفضهم لذلك: " فيئس ابن أبي من قريظة، واراد أن يلحم الأمر فيما بين بني النضير، ورسول الله، فلم يزل يرسل الى حيي، حتى قال حيي: أنا أرسل إلى محمد اعلمه: أنا لا نخرج من دارنا ومن أموالنا إلخ... " (2). فصدق الله العظيم. وصدق رسوله الكريم " صلى الله عليه وآله وسلم ". وصدق أمير المؤمنين علي " عليه الصلاة والسلام " وصدق الائمة من ولده صلوات الله عليهم أجمعين. يخربون بيوتهم بأيديهم: هناك أقوال كثيرة في بيان المراد من قوله تعالى عن بني النضير:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 369 والسيرة الحلبية ج 2 ص 264. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 368. (*)

[ 140 ]

(يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) (1). ونحن نشير هنا إلى بعضها، فنقول: قال البعض: " يخربونها من داخل (أي ليهربوا) ويخربها المؤمنون من خارج (أي ليصلوا إليهم). وقيل: معنى بأيديهم: بما كسبت أيديهم من نقض العهد، وأيدي المؤمنين، أي بجهادهم " (2). ولعل هذا القول هو الذي أشار إليه الزجاج حين قال: معنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك (3). وكان المسلمون يخربون ما يليهم ويحرقون حتى وقع الصلح (4). وقال البعض: " كانوا ينظرون الى منازلهم فيهدمونها، وينزعون منها الخشب، ما يستحسنونها، فيحملونها على إبلهم، ويخرب المؤمنون بواقيها.. الى أن قال: قال ابن زيد: كانوا يقلعون العمد، وينقضون السقف، وينقبون الجدر، وينزعون الخشب حتى الاوتاد، ويخربونها، حتى لا يسكنها


(1) سورة الحشر: 2 (2) راجع: الروض الأنف ج 3 ص 251 ومجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 160 و 161 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و 5 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1766 وراجع الكشاف ج 4 ص 499 والقرل الأول موجود في التبيان ج 9 ص 558 وكذا في جامع البيان ج 28 ص 20 وراجع: غرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 35 ولباب التأويل ج 4 ص 245 ومدارك التنزيل بهامش نفس الصفحة. (3) مجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 161 عنه وجوامع الجامع ص 486 وراجع: مدارك التنزيل ج 4 ص 245 بهامش لباب التأويل وفتح القدير ج 5 ص 196 والتفسير الكبير ج 29 ص 281 والكشاف ج 4 ص 500. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 374. (*)

[ 141 ]

المؤمنون، حسدا وبغضا " (1). وقيل: ان سبب خرابهم لبيوتهم حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها أفواه الازقة، وان لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها للمسلمين، وان ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب، والساج المليح. أما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم وممتنعهم، وان يتسع لهم مجال الحرب (2). وقال القمي: " وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا ظهر بمقدم بيوتهم، حصنوا ما يليهم، وخربوا ما يليه، وكان الرجل ممن كان له بيت حسن خربه.. " (3). وثمة أقوال أخرى في المقام، وبعضها يرجع إلى ما تقدم. منها: قول عكرمة: إن منازلهم كانت مزخرفة، فحسدوا المسلمين ان يسكنوها، فخربوها من داخل، وخربها المسلمون من خارج (4). وقول آخر: أنه كلما هدم المسلمون شيئا من حصونهم، جعلوا


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 462 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 266 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 ولباب التأويل ج 4 ص 245 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 عن الزهري وعروة ابن الزبير، وابن زيد والتفسير الكبير ج 29 ص 281 - 280 وقول ابن زيد في غرائب القرآن المطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 35 وكذا في فتح القدير ج 5 ص 196. (2) الكشاف ج 4 ص 499 - 500 ومدارك التنزيل، مطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 245 وراجع: غرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 35. (3) تفسير القمي ج 2 ص 359 والبحار ج 20 ص 169 وتفسير الصافي ج 5 ص 154 وتفسير البرهان ج 4 ص 313. (4) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 5 وراجع: التفسير الكبير ج 29 ص 280. (*)

[ 142 ]

ينقضون بيوتهم، ويخربونها ليبنوا ما هدم المسلمون (1). وقول ثالث: انهم كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها، لتتسع لهم المقاتل، وجعل اليهود ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها، فيتحصنون فيها، ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فلما كادت اليهود أن تبلغ آخر دورها، وهم ينتظرون المنافقين، حتى يئسوا منهم طلبوا الصلح (2). وثمة قول رابع: أنهم دربوا الأزقة وحصونها، فنقضوا بيوتهم، وجعلوها كالحصون على أبواب الازقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب (3). الى غير ذلك من أقوال لا مجال لتتبعها واستقصائها. نجاف الباب ووصية موسى: تنص الروايات على أن الرجل من بني النضير كان يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به (4).


(1) فتح القدير ج 5 ص 196 وجامع البيان ج 28 ص 21 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4. (2) راجع المصادر التالية: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 والإكتفاء ج 2 ج 29 ص 280 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 ولباب التأويل ج 4 ص 245 ومدارك التنزيل بهامشه، نفس الصفحة، والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 4 و 5 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 35. (3) التفسير الكبير ج 29 ص 280. (4) راجع على سبيل المثال: تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 554 والإكتفاء ج 2 = (*)

[ 143 ]

وقد فسر البعض هذه الظاهرة، فكتب يقول: " هدم نخاف (1) البيوت يتعلق بعقيدة تلمودية معروفة، هي: أن كل يهودي يعلق على نجاف داره صحيفة تشتمل على وصية موسى لبني اسرائيل: أن يحتفظوا بالإيمان بإله واحد، ولا يبدلوه ولو عذبوا وقتلوا. فاليهود حين ينزحون عن منازلهم يأخذونها معهم. وهي عادة متبعة عند اليهود إلى يومنا هذا. ويظهر: أن يهود بلاد العرب كانوا يضعون تلك الصحيفة داخل النجاف، خوفا من إتلاف الهواء، أو مس الايدي فلما رحلوا عن ديارهم هدموا نجاف البيوت، وأخذوها... " (2). روايات غير موثوق بصحاتها: ونحن نشك كثيرا في عدد من الروايات التي تقدمت في الفصل الأول من هذا الباب وفي غيره من الفصول، والتي تحاول أن تعطي لغزوة بني النضير طابعا حربيا عنيفا، حتى ليذكر البعض منها: أن المسلين كانوا يخربون بيوت بني النضير من الخارج ليتسع لهم ميدان القتال، وكان بنوا النضير يخربون بيوتهم من الداخل لأجل التحصين بها، وأنهم قد بلغوا أقصى دورهم، وهم على هذه الصفة. إلى غير ذلك من نصوص وروايات تصب في هذا الاتجاه..


= ص 148 وجامع البيان ج 28 ص 21 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 147 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 ومنهاج السنة ج 4 ص 173 وراجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 380 و 374 والسيرة الحلبية ج 2 ص 266. (1) النجاف: ما بني ناتئا فوق الباب، مشرفا عليه. (2) اليهود في القرآن ص 78 عن كتاب: اليهود في بلاد العرب ص 138 تأليف: ولفنسون. (*)

[ 144 ]

فإننا وإن كنا نقول: إنه قد كان ثمه حصار، وقطع للاشجار، ورشق بالنبل من قبل بني النضير، وخراب للبيوت بأيدي بني النضير، وبأيدي المؤمنين، ثم قتل أمير المؤمنين " عليه السلام " عشرة منهم، فدب الرعب في قلوبهم، واقتنعوا: أن لا طاقة لهم بالحرب، فآثروا الاستسلام والقبول بالجلاء. وأفاء الله على رسوله أراضيهم، وسوغه أموالهم.. ولكن الإصرار على إظهار جانب العنف والقتال والحرب القوية والضارية من البعض، إنما هو لأجل الايحاء بأن أرض بني النضير قد فتحت عنوة، وأن المسلمين قد أخذوها عن استحقاق، ولم يكن النبي " صلى الله عليه وآله " متفضلا عليهم في إعطائهم إياها ! ! ومعنى ذلك هو أن المطالبة بها من قبل الورثة الحقيقيين للرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد وفاته تصبح بلا معنى، وبلا مبرر ظاهر.. رغم أن القرآن قد صرح بأن أرضهم كانت فيئا، وأنها خاصة برسول الله " صلى الله عليه وآله "، ولكن تبرير موقف السلطة، والتعتيم على مظالمها أهم وأولى من الحفاظ على القرآن، وأحكامه. بنظر هؤلاء المتحذلقين، الذين يستخدمون كل وسائل التزوير والتحوير والإبهام في خدمة أهوائهم ومصالحهم واتجاهاتهم.. ضيعوا حقها المبين بتزوير وهل عندهم سوى التزوير ؟ ! لأول الحشر: قد ذكرت سورة الحشر - التي يرى المؤرخون والمفسرون: أنها تتحدث عن حادثة بني النضير، الذي أخرجهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " -: أن هذا هو أول الحشر لهم..

[ 145 ]

وقد اختلفوا في المراد من ذلك. فروى موسى بن عقبة: أنهم قالوا: إلى اين نخرج يا محمد ؟ قال: إلى الحشر. يعني: أرض المحشر، وهي الشام.. هذا في الدنيا، والحشر الثاني يوم القيامة إلى الشام أيضا (1). وقيل: إن أول الحشر هو إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخر الحشر إخراجهم من خيبر إلى الشام (2). وقيل: إنما قال لأول الحشر: لأن الله فتح على نبيه " صلى الله عليه وآله " في أول ما قاتلهم (3). وقيل: المراد بالحشر: الجلاء. وقد كان بنو النضير من سبط من بني إسرائيل لم يصبهم جلاء. زاد الطبرسي، وغيره: أن الحشر الثاني هو إخراج إخوانهم من جزيرة العرب (أي على يد عمر بن الخطاب) لئلا يجتمع في جزيرة العرب دينان (4).


(1) راجع: مجمع البيان ج 9 ص 258 وإرشاد الساري ج 7 ص 375 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 254 والبحار ج 20 ص 160 عنه والتبيان ج 9 ص 557 ولباب التأويل ج 4 ص 245 ومدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة، وراجع: الروض الأنف ج 3 ص 351 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 و 3 وجوامع الجامع ص 486 وراجع أيضا: فتح القدير ج 5 ص 195 والتفسير الكبير ج 29 ص 278 و 279 وبعض من تقدم قد ذكر بعض ذلك دون بعض. (2) فتح القدير ج 5 ص 195 وراجع: التفسير الكبير ج 29 ص 278 و 279. (3) مجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 160 عنه. (4) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 189 عن الرزاق، وعبد بن حميد، والبيهقي في الدلائل، وأبي داود، وابن المنذر، ومجمع البيان ج 9 ص 258 والبحار ج 20 ص 160 والروض الأنف ج 3 ص 251 وبهجة المحافل ج 1 ص 215 و 216 (*)

[ 146 ]

وقيل: إن الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن: فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا: وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف (1). وقال العيني: " إن بني النضير أول من أخرج من ديارهم " (2). ونقول: بل أجلي بنو قينقاع قبلهم. وقال الكلبي: كانوا أول من أجلى من أهل الذمة من جزيرة العرب ثم أجلى آخرهم في زمن عمر بن الخطاب: فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر لهم (3). قال السهيلبي، بعد ذكره ما تقدم: "... والآية متضمنة لهذه الأقوال كلها، ولزائد عليها: فان قوله: لأول الحشر، يؤذن: أن ثم حشرا آخر: فكان هذا الحشر والجلاء إلى خيبر، ثم أجلاهم عمر من خيبر إلى تيماء، وأريحا، وذلك حين بلغه


= وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 34 والكشاف ج 4 ص 499 وجوامع الجامع ص 486 والمصنف ج 5 ص 358 و 359 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 والتبيان ج 9 ص 557 عن البلخي، ولباب التأويل ج 4 ص 245 ومدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة وجامع البيان ج 28 ص 19 و 22 وراجع: فتح القدير ج 5 ص 199 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268. (1) الروض الأنف ج 3 ص 251 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 216 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 ولباب التأولى ج 4 ص 245 ومدارك التنزيل بهامشه في نفس الصفحة وراجع: جامع البيان ج 28 ص 20 وغرائب القرآن بهامشه ج 28 ص 34 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 20 وغرائب القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1764 والتفسير الكبير ج 29 ص 279 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268. (2) عمدة القارئ ج 17 ص 126. (3) فتح القدير ج 5 ص 195 والكشاف ج 4 ص 499 وراجع: التفسير الكبيرج 29 ص 278 و 279 وراجع: جوامع الجامع ص 286. (*)

[ 147 ]

التثبت عن النبي (ص) أنه قال: لا يبقين دينان بأرض العرب " (1). كما أن عبد الرزاق الصنعاني، بعد أن ذكر: أن النبي: " صلى الله عليه وآله " قد دفع خيبر إلى اليهود، على أن يعملوا بها، ولهم شطرها قال: " فمضى على ذلك رسول الله (ص) وأبو بكر، وصدر من خلافة عمر، ثم أخبر عمر: أن النبي (ص) قال في وجعه الذي مات فيه: لا بجتمع بأرض الحجاز - أو بأرض العرب - دينان: ففحص عن ذلك حتى وجد عليه الثبت، فقال: من كان عنده عهد من رسول الله (ص) فليأت به، وإلا فإني مجليكم. قال: فأجلاهم ". وكذا ذكر غير عبد الرزاق أيضا (2). وقد نص المؤرخون على أن عمر أجلى من يهود من لم يكن معه عهد من رسول الله (3). ونقول:


(1) الروض الأنف ج 3 ص 251 وستأتي مصادر أخرى. (2) المنف للصنعاني ج 4 ص 126 وراجع ج 10 ص 359 و 360 وراجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 717 والسيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 371 والبداية والنهاية ج 4 ص 219 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 415 وعمدة القارئ ج 13 ص 306 وفتح الباري ج 5 ص 240 عن ابن أبي شيبة وغيره، والموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 88 وغريب الحديث لإبن سلام ج 2 ص 67 وراجع وفاء الوفاء ج 1 ص 320. (3) راجع تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 21 وراجع: الكامل في التاريخ ج 3 ص 224 والإكتفاء ج 2 ص 271 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 415 والبداية والنهاية ج 4 ص 219. (*)

[ 148 ]

إن حديث أجلاء عمر لليهود، حين بلغة الثبت عن رسول الله " صلى الله عليه وآله ": لا يجتمع بأرض العرب دينان، يحتاج إلى شئ من البسط والتوضيح.. وقد كنا نود إرجاء الحديث عن هذا الأمر الى وقعة خيبر، ولكن ما ذكره السهيلي وغيره هنا قد جعلنا نتعجل الإشارة الى بعض من ذلك ولكننا قبل أن ندخل في مناقشة هذا الأمر نشير الى أمرين: الاول: إن تصريح الرواية المتقدمة بأن الخليفة قد نفذ ما كان قد سمعه من النبي " صلى الله عليه وآله " في وجعه الذي مات فيه، يحتاج إلى مزيد من التأمل، بعد أن كان هو نفسه قد قال عن النبي " صلى الله عليه وآله " في نفس ذلك المرض: إنه يهجر، أو غلبه الوجع أو نحو ذلك.. (1) وصرحت المصادر: أنه " صلى الله عليه وآله " قد قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأنه لا يجتمع فيها دينان، بعد قول عمر الآنف الذكر، وتنازعهم


(1) الإيضاح: ص 359 وتذكرة الخواص ص 62 وسر العالمين ص 20 وصحيح البخاري ج 3 ص 60 وج 4 ص 5 و 173 وج 1 ص 21 و 22 ص 115 والملل والنحل ج 1 ص 22 وصحيح مسلم ج 5 ص 75 والبدء والتاريخ ج 5 ص 59 والبداية والنهاية ج 5 ص 227 والطبقات الكبرى ج 2 ص 244 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 192 و 193 والكامل في التاريخ ج 2 ص 320 وأنساب الأشراف ج 1 ص 562 وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 51 وتاريخ الخميس ج 2 ص 164 ومسند أحمد ج 1 ص 355 و 3324 و 325 وتاريخ ابن خلدون ج 2 قسم 2 ص 62 والسيرة الحلبية ج 3 ص 344. وراجع المصادر التالية: نهج الحق ص 273 والصراط المستقيم ج 3 ص 6 و 3 وحق اليقين ج 1 ص 181 و 182 والمراجعات ص 353 والنص والإجتهاد ص 149 - 163 ودلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 63 - 70. (*)

[ 149 ]

عنده (1). فمن غلبه الوجع: ومن كان يهجر - والعياذ بالله - لا يوثق بما يقوله، ولا ينبغي الالتزام به، حتى ولو ورد بالطرق الصحيحة والصريحة، نعوذ بالله من الزلل والخطل في القول والعمل.. وعصمنا الله من نسبة ذلك لرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. الثاني: إنا لا نريد أن نسجل إدانة صريحة للخليفة الثاني: حول ما تذكره الرواية من جهله بآخر أمر صدر من النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، حول وجود الاديان في جزيرة العرب.. بأن نقول: إن ذلك لا يتناسب مع مقام خلافة رسول الله " صلى عليه وآله وسلم ". لا.. لا نريد ذلك، لأننا نشك في أن يكون الخليفة قد استند في موقفه من اليهود إلى قول رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ".. ونحن نوضح ذلك فيما يلي: سبب إخراج عمر لليهود: إن من المسلم به: أن النبي " صلى الله عليه وآله " حين أفتتح خيبرا قد أبقى اليهود في شطر منها، يعملون فيه، ولهم شطر ثماره، ولكن عمر قد أخرجهم منها إلى تيماء وأريحا (2).


(1) راجع المصادر المتقدمة، فقد ذكر عدد منها ذلك، مثل صحيح البخاري ووفاء الوفاء ج 1 ص 319 و 321. (2) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 32 و 129 صحيح مسلم ج 5 ص 27 ومسند أحمد ج 2 ص 149 ووفاء الوفاء ج 1 ص 320 والسيرة الحلبية ج 3 ص 58 والروض الأنف ج 3 ص 251. (*)

[ 150 ]

ولكن ما ذكروه في سبب ذلك، من أنه قد فعل امتثالا لأمر رسول الله " صلى الله عليه وآله " وتدينا منه، والتزاما بالحكم الشرعي، لا يمكن المساعدة عليه، ولا الالتزام به، حيث اننا نشك في ذلك، وذلك لما يلي: أ: لماذا لم يفعل ذلك أبو بكر، فهل لم يبلغه ذلك ؟ ! والذين ابلغوا عمر بن الخطاب لماذا لم يبلغوا سلفه أبا بكر ؟ ! ب: قولهم: إن عمر لم يكن يعلم بلزوم إجلاء اليهود، حتى بلغه الثبت عن رسول الله ينافيه ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أخبرني عن عمر بن الخطاب: أنه سمع رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلما (1). فلماذا توقف عن إخراجهم، حتى بلغه الثبت عن رسول الله ؟ الم يكن هو قد سمع ذلك من النبي " صلى الله عليه وآله " مباشرة، فلماذا لم ينفذ ما سمعه ؟ !. ولماذا أيضا لم يخبر عمر نفسه رفيقه وصديقه الحميم أبا بكر بهذا القول منه " صلى الله عليه وآله " ؟ ! إلا أن يقال: إن هذا لا يدل على أنه (ص) قد أمر الخليفة بعده بذلك. ج: إن ثمة حديثا يفيد: أن سبب إخراج عمر ليهود خيبر هو أنهم اعتدوا على ولده، فقد روى البخاري وغيره:


(1) صحيح مسلم ج 5 ص 160 والجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 156 وفيه: لإن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب. وكنز العمال ج 4 ص 323 عن ابن جزير في تهذيبه ومسند أحمد ج 3 ص 345 وج 1 ص 29 و 32 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 359. (*)

[ 151 ]

عن ابن عمر، قال: لما فدع (1) أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: أن رسول الله (ص) كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: نقركم ما أقرم الله. وان عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه،، ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا، وقد أقرنا محمد، وعاملنا على الاموال، وشرط ذلك لنا ؟ ! فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله: كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدوبك قلوصك ليلة بعد لية ؟ ! فقال: كانت هذه هزيلة (أي فرحة) من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو الله. فأجلاهم عمر إلخ.. (2). ونشير في هذه الرواية الى أمرين: الأول: إنها تصرح بأن إجلاء اليهود كان رأيا من عمر، وليس أمتثالا لأمر رسول الله " صلى الله عليه آله ". وأن الدافع له هو ما فعلوه بولده.


(1) الفدع: زوال المفصل. (2) صحيح البخاري ج 2 ص 77 - 78 وراجع المصادر التالية: كنز العمال ج 4 ص 324 وعنه وعن البيهقي ووفاء الوفاء ج 1 ص 320 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 352 و 353 والبداية والنهاية ج 4 ص 200 و 220 والإكتفاء ج 2 ص 271 والمغازي للواقدي ج 2 ص 716 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 416 والسيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58 والسيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 378 ومسند أحمد ج 1 ص 15 بنص أكثر تفصيلا، كما هو الحال في بعض المصادر الآنفة الذكر وراجع ايضا: زاد المعاد لإبن القيم ج 2 ص 79. (*)

[ 152 ]

ومن الواضح: أن ذلك ليس مبررا كافيا لذلك، فقد سبق لليهود أن قتلوا عبد الله بن سهل بخيبر، فاتهمهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " والمسلمون بقتله، فأنكروا ذلك، فوداه رسول الله " صلى الله عليه وآله "، ولم يخرجهم بسبب ذلك (1). الثاني: إن ما نقله عمر لأحد بني الحقيق، لم يكن هو المستند لإخراجهم، بل صرح عنمر بأن ذلك كان الرأي رآه بسبب ما فعلوه بولده.. كما أن إخبار النبي هذا ليس فيه ما يدل على أنهم يخرجون بحق أو بغير حق، ولا يفيد تأييد هذا الإخراج ولا تفنيده، ولعل لأجل ذلك لم يستطع أن يستند إليه الخليفة في تبرير ما يقدم عليه. د: وفي بعض المصادر: أضاف إلى ما صنعوه بابن عمر، أنهم غشوا المسلمين (2). ولا ندري إن كان يقصد: أن غشهم هذا كان بفعل مستقل منهم، أم أن ما فعلوه بابن عمر هو الدليل لهذا الغش.. قال دحلان: " استمروا على ذلك إلى خلافة عمر (رض). ووقعت منهم خيانة وغدر لبعض المسلمين، فأجلاهم إلى الشام، بعد أن استشار الصحابة (رض) في ذلك " (3).


(1) راجع: السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 369 و 370 وعمدة القارئ ج 13 ص 306 والإصابة ج 2 ص 322 وفيه: أن هذا الحديث موجود في الموطأ وأخرجه الشيخان في باب القسامة، وأسد الغابة ج 3 ص 179 و 180 والإكتفاء ج 2 ص 270 والمغازي للواقدي ج 2 ص 714 و 715 والسيرة الحلبية ج 3 ص 57 و 58. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 200 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 352 وفتح الباري ج 5 ص 240 وعمدة القارئ ج 13 ص 305 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 379. (3) السيرة النبوية ج 3 ص 61. (*)

[ 153 ]

وعبارة دحلان هذه ظاهرة في أن المقصود بخيانتهم وغدرهم هو نفس ما صدر منهم في حق بعض المسلمين، وهو ابن عمر بالذات. ولا ندري لماذا لم يصرح باسمه ونسبة هنا (! !). ه‍: ومما يدل على أن إجلاءهم كان رأيا من الخليفة الثاني، ما رواه أبو داود وغيره، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال: أيها الناس، إن رسول الله (ص) كان عامل يهود خيبر على انا نخرجهم إذا شئنا، فمن كان له مال فليلحق به، فاني مخرج يهود. فأخرجهم (1). ومعنى ذلك: هو أنه لم يكن يرى اخراجهم واجبا شرعيا، كما أنه قد احتج لما يفعله بشرط النبي " صلى الله عليه وآله " إبقاءهم بالمشيئة - إذا شئنا - ولا يحتج لذلك بما ثبت له عنه " صلى الله عليه وآله وسلم "، من عدم بقاء دينين في ارض العرب. مع أنه لو كان هذا هو السبب والداعي، لكان الاحتجاج به أولى وأنسب. ومما يؤيد ذلك ويعضده: أن اليهود حين اعترضوا عليه بقولهم: لم يصالحنا النبي " صلى الله عليه وآله " على كذا وكذا ؟ ! قال: بلى على أن نقركم مابدا لله ولرسوله، فهذا حين بدالي إخراجكم. فأخرجهم (2).


(1) سنن أبي داود ج 3 ص 158 والبداية والنهاية ج 4 ص 200 وأشار إليه في فتح الباري ج 5 ص 241 عن أبي يعلى، والبغوي. والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 380 وكنز العمال ج 4 ص 325 عن أبي داود، والبيهقي، وأحمد وراجع: المصنف للصناني ج 10 ص 359. (2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 125 وسيأتي الحديث بلفظ آخر بعد قليل تحت رقم: (*)

[ 154 ]

و: إنه قد أخرج نصارى نجران، وانزلهم ناحية الكوفة (1). ز: قد ذكر بعض الروايات أن السبب في أجلائهم هو استغناء السملمين عنهم، وليس هو وصية النبي " صلى الله عليه آله " باخراجهم. يقول ابن سعد وغيره: إنه لما صارت خيبر في أيدي المسلمين، لم يكن لهم من العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها النبي " صلى الله عليه وآله " الى اليهود، يعملونها على نصف ما يخرج منها. فلم يزالوا على ذلك حتى كان عمر بن الخطاب، وكثر في أيدي المسلمين العمال، وقوا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود الى الشام، وقسم الاموال بين المسلمين إلى اليوم (2) وقريب من ذلك ذكره ابن سلام أيضا، فراجع (3). وبعد أن ذكر العسقلاني هذهخ الرواية، وذكر رواية عدم اجتماع دينين في جزيرة العرب، ثم رواية البخاري عن فدع اليهود لعبد الله بن عمر، قال: ".. ويحتمل أن يكون كل هذه الأشياء جزء علة في إخراجهم " (4). ولكنه احتمال غير وارد، فان ظاهر الروايات: أن السبب في إخراجهم هو خصوص ما تذكره دون غيره، ولا سيما حين يكون الحديث، والتعليل في مقام الاحتجاج والاستدلال ودفع الشبهة، من نفس ذلك الرجل الذي تصدى لذلك.


(1) الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 3 ص 283. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 114 وفتح الباري ج 5 ص 240 وتاريخ المدينة ج 1 ص 188. (3) الأموال ص 142 و 162 و 163. (4) فتح الباري ج 5 ص 240. (*)

[ 155 ]

ح: قولهم: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر بإجلاء اليهود والنصارى من بلاد العرب، وأنه قال: لا يجتمع ببلاد العرب دينان، أو نحو ذلك. ينافيه: 1 - قولهم: - حسبما روي عن سالم بن أبي الجعد -: " كان أهل نجران بلغوا أربعين الفا، وكان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين، فتحاسدوا بينهم، فأتوا عمر، فقالوا: إنا قد تحاسدنا بيننا، فأجلنا. وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد كتب لهم كتابا: أن لا يجلوا. فاغتنمها عمر، فأجلاهم إلخ (1). 2 - وفي نص آخر: إنما أخرج عمر أهل نجران، لأنهم أصابوا الربا في زمانه (2). 3 - وعن علي " عليه السلام ": أنه نسب إجلاء أهل نجران إلى عمر أيضا فراجع (3) إلا أن يقال: إن نسبة ذلك إليه لا يدل على عدم الأمر به من النبي (ص). ط - عن ابن عمر: ان عمر أجلى اليهود من المدينة، فقالوا: أقرنا النبي (ص) وأنت تخرجنا ؟ !


(1) كنز العمال ج 4 ص 322 و 323 عن الأموال، وعن البيهقي، وابن أبي شيبة وراجع هامش ص 144 من كتاب الأموال. (2) الأموال ص 274. (3) راجع: كتاب الخراج، للقرشي ص 23. (*)

[ 156 ]

قال: أقركم النبي (ص)، وأنا أرى أن اخرجكم، فأخرجهم من المدينة (1). فلو أن النبي " صلى الله عليه وآله " كان قد أمر بإخراجهم لم ينسب عمر اخراجهم الى رأيه الشخصي. ي: إنه يرد هنا سؤال، وهو: لماذا يخرجهم من بلاد العرب، ولا يخرجهم من بلاد المسلمين كلها، فهل لبلاد العرب خصوصية هنا ؟ ! وما هي هذه الخصوصية سوى التعصب القومي، والتمييز العنصري، والشعور بالتفوق على الآخرين، بلا مبرر ظاهر.. ك: عن يحي بن سهل بن أبي حثمة، قال: أقبل مظهر بن رافع الحارثي الى أبي باعلاج من الشام، عشرة، ليعملوا في أرضه، فلما نزل خيبر أقام بها ثلاثا، فدخلت يهود للاعلاج، وحرضوهم على قتل مظهر، ودسوالهم سكينين أو ثلاثا ! فلما خرجوا من خيبر، وكانوا بثبار، وثبوا عليه، فبعجوا بطنه، فقتلوه. ثم انصرفوا إلى خيبر، فزودتهم يهود وقوتهم حتى لحقوا بالشام. وجاء عمر بن الخطاب الخبر بذلك، فقال: إني خارج الى خيبر، فقاسم ما كان بها من الاموال، وحاد حدودها، ومورف أرفها (2)، ومجل يهود عنها، فان رسول الله (ص) قال لهم: أقركم ما أقركم الله. وقد أذن الله في اجلائهم.


(1) كنز العمال ج 4 ص 323 عن ابن جرير في التهذيب، وتقدم نحوه عن المصنف للصنعاني ج 4 ص 125. (2) الأرف: جمع أرفة، وهي الحدود والمعالم. راجع: النهاية لإبن الأثير ج 1 ص 26. (*)

[ 157 ]

ففعل ذلك بهم (1). وفي الواقدي: أن عمر خطب الناس، فقال: أيها الناس إن اليهود فعلوا بعبد الله ما فعلوا، وفعلوا بمظهر بن رافع، مع عدوتهم على بعد الله بن سهل في عهد رسول الله (ص)، لا أشك أنهم أصحابه، ليس لنا عدو هناك غيرهم: فمن كان له هناك مال: فليخرج: فأنا خارج فقاسم.. إلى أن قال: الا أن يأتي رجل منهم بعهد، أو بينة من النبي (ص) أنه أقره، فأقره.. ثم ذكر تأييد طلحة لكلام عمر، ثم قال عمر له: من معك على مثل رأيك ؟ ! قال: المهاجرون جميعا، والأنصار. فسر بذلك عمر (2). ل: قال الحلبي الشافعي بعد ذكره رواية مصالحة النبي " صلى الله عليه وآله " لهم، وأنه " صلى الله عليه وآله " قال لهم: على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم: " أي وهذا يخالف ما عليه أئمتنا من أنه لا يجوز في عقد الجزية، أن يقول الإمام، أو نائبه: أقركم ما شئنا، بخلاف ما شئتم، لانه تصريح بمقتضى العقد: لأن لهم نبذ العقد ما شاؤا. وذكر أئمتنا: أنه يجوز منه " صلى الله عليه وآله " - لا منا - أن يقول: أقررتكم ما شاء الله: لأنه يعلم مشيئة الله دوننا " (3). ونقول: إن ذلك محل نظر: إذ:


(1) كنز العمال: ج 4 ص 324 و 325 عن ابن سعد، والمغازي للواقدي: ج 2 ص 716 و 717 وفي السيرة الحلبية: ج 3 ص 57، كما في الواقدي. (2) راجع: المغازي للواقدي: ج 2 ص 716 و 717. (3) السيرة الحلبية ج 3 ص 57. (*)

[ 158 ]

1 - من الذي قال: إنه " صلى الله عليه وآله " يعلم - في هذا المورد بخصوصه - مشيئة الله سبحانه ؟ !. 2 - لماذا لا يصح للنبي، ولغيره أيضا أن يقول ذلك ؟ !، أليس حكمهم الجلاء، وقد عادت الأرض إلى الرسول " صلى الله عليه وآله "، لتكون خالصة له ؟ فهو يزارعهم في ملكه، وله أن يمنعهم من العمل والسكني فيها مت شاء. لا أن الأرض لهم، وهو " صلى الله عليه وآله " ينتظر نقضهم للعهد، حتى تكون المشيئة إليهم في النقض وعدمه، كما يريد هؤلاء أن يفهموا. م: إن عمر إنما أجلاهم إلى أريحا وتيماء من جزيرة العرب (1) وقد حاول الحلبي الشافعي دعوى: أن المقصود بجزيرة العرب خصوص الحجاز، وأريحا وتيماء ليستا من الحجاز، ولعله استند في ذلك الى بعض النصوص التي عبرت بكلمة " الحجاز " بدل " جزيرة لعرب " كما يفهم من كلامه ضمنا (2). ونقول: أولا: إن الروايات متناقضة، فبعضها قال: اليهود والنصارى. وبعضها قال: المشركين. وفي بعضها: لا يبقى دينان في جزيرة العرب. وفي بعضها: اليهود. ومن جهة أخرى: فان بعضها: ذكر الحجاز، وبعضها ذكر جزيرة العرب.. وفي بعضها أنه قال: اخرجوا اليهود من الحجاز، وبعضها ذكر جزيرة العرب.. وفي بعضها أنه قال: اخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل


(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 58 ووفاء الوفاء ج 1 ص 320. (2) المصدر السابق. (*)

[ 159 ]

نجران من جزيرة العرب (1). وهذا الاختلاف يوجب ضعف الرواية إلى حد كبير. وثانيا: قال السمهودي: " لم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلاهم من اليمن، مع أنها من الجزيرة " (2) ثم قال: فدل على أن المراد الحجاز فقط. ونقول: بل دل ذلك على ضعف الرواية من الأساس لا سيما وأن عددا من الروايات يصرح بأن النبي قال: لا يبقين دينان بأرض العرب. وارض العرب لا تختص بالحجاز كما هو معلوم. وثالثا: إن تيماء من الحجاز ايضا، قال ابن حوقل، قال ابن حوقل: بينهال وبين أول الشام ثلاثة أيام (3). وهي تقع على ثمان مراحل من المدينة بينها وبين الشام، وهي تعد من توابع المدينة (4). ومدين التيي ة ي من اعراض المدينة تقع في محاذاة تبوك (5) وتبوك أبعد من تيماء كما هو ظاهر. وآخر عمل المدينة " صرغ "، بوادي تبوك، على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة (6).


(1) المصدر السابق، والأموال ص 142 و 143 و 144 ووفاء والوفاء ج 1 ص 320 321 وراجع مصادر الحديث ونصوصه في المصادر في الصفحات المتقدمة. (2) وفاء الوفاء ج 1 ص 321. (3) صورة الأرض ص 41. (4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1164. (5) راجع: وفاء الوفاء ج 4 ص 1160 و 1233. (*)

[ 160 ]

وقالوا عن سرغ: إنها أول الحجاز، وآخر الشام (1). بل لقد قال الحرقي: تبوك وفلسطين من الحجاز (2). ولكن قال السمهودي: إن عمر " لم يخرج أهل تيماء ووادي القرى، لأنهما داخلتان في أرض الشام. ويرون: أن ما دون وادي القرى الى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام " (3). ولكن السمهودي نفسه ينقل عن صاحب المسالك والممالك وعن ابن قرقول: أنهما قد عدا وادي القرى من المدينة (4). كما أن ابن الفقيه قد عد دومة الجندل من أعمال المدينة، ووادي القرى تقع فيها (5). وقال ياقوت وغيره: إن وادي القرى من أعمال المدينة، أيضا (6). وعدها ابن حوقل وغيره من الحجاز (7). وبعد هذا: فان كلام السمهودي يصبح متناقضا وغير واضح، وإن كان يمكن الاعتذار عنه بأنه ينسب بعض ما يقوله لغيره، وذلك لا يدل على رضاه وقبوله به. ولكن هذا الإعتذار إنما يصح في بعض الموارد دون بعض، مع


(1) معجم البلدان ج 3 ص 211 ومراصد الإصلاع ج 2 ص 707. (2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1184. (3) وفاء الوفاء ج 4 ص 1329. (4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1328. (5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1212 وراجع وراجع ص 1328. (6) راجع: مراصد الإطلاع ج 3 ص 1417 ومعجم البلدان ج 5 ص 345. (7) صورة الأرض ص 38 ومسالك الممالك ص 19. (*)

[ 161 ]

ملاحظة: أننا لم نجده يعترض على ما ينقله عن الآخرين، بل ظاهره أنه مصدق ومعترف به. دعاوى لات تصح: وقد حاول الحلبي هنا: أن يجعل من أسباب كثيرة سببا واحدا، فوقع في التناقض والاختلاف، فانه بعد أن ذكر: عزم عمر على إجلاء اليهود، بسبب ما فعلوه بولده وبعبد الله بن سهل، وبمظهر بن رافع، قال: " فلما اجمع الصحابة على ذلك، أي على ما أراده سيدنا عمر جاءه أحد بني الحقيق فقال له: يا أمير المؤمنين إلخ.. " فذكر القصة المتقدمة وأن عمر لم ينس قول النبي لابن ابي الحقيق حول خروجه. ثم قال: " ثم بلغه (رض): أنه (ص) قال: لا يبقى دينان في جزيرة العرب ونصوصا اخرى تقدمت ". ثم ذكر ان المراد بالجزيرة خصوص الحجاز. إلى أن قال: " ففحص عمر عن ذلك حتى تيقنه وثلج صدره فأجلى يهود خيبر، أي وأعطاهم قيمة ما كان له من ثمر وغيره وأجلى يهود فدك، ونصارى نجران، فلا يجوز إقامتهم أكثر من ثلاثة ايام غير يومي الدخول والخروج، ولم يخرج يهود وادي القرى وتيماء، لأنهما من أرض الشام لا من الحجاز " (1). فهو يقول: إن عمر هو الذي عزم على إجلاء اليهود، ثم يقول: إن الصحابة قد أجمعوا. ثم يذكر أنه عرف بأوامر النبي " صلى الله عليه وآله " حول اليهود بعد هذا العزم وبعد ذلك الاجماع، فلما تيقنه وثلج صدره أجلاهم.


(1) راجع: كلامه بطوله في السيرة الحبية ج 3 ص 58. (*)

[ 162 ]

كما أنه يذكر العبارات المتناقضة حول جزيرة العرب والحجاز، ويدعي أن المقصود بالجزيرة هو خصوص الحجاز، ولكنه يدعي أن تيماء ووادي القرى ليستا من الحجاز، مع ان النصوص الجغرافية على خلاف ذلك، حسبما أوضحناه. ثم يذكر: أنه أعطاهم ثمن أموالهم.. ولا ندري السبب في ذلك، إن كان إخراجهم بسبب نقضهم للعهد، فإن ناقض العهد لا يعطى ذلك.. وأخيرا، فإنه ادعى عدم جواز اقامتهم أكثر من ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج، فهل هذا الحكم مأخوذ من النبي " صلى الله عليه وآله "، أم أنه حكم سلطاني متأخر عن زمنه " صلى الله عليه وآله " لهم من البقاء في أرض العرب. كما أننا لا نعرف من أين جاء استثناء يومي الخروج والدخول. إلى غير ذلك من الأسئلة التي يمكن استخلاصها من مجموع ما ذكرناه. الرواية الأقرب الى القبول: ولعلنا لا نبعد كثيا إذا قلنا: إن حديث " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان " هو من قول عمر، وقد نسب إلى النبي " صلى الله عليه وآله " ما يوجد ذلك حبسما المحنا إليه: فقد قال أبو عبيد الله القاسم بن سلام: " حدثنا يحيي بن زكريا بن أبي زائدة، ومحمد بن عبيد، عن

[ 163 ]

عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قال: أجلى عمر المشركين من جزيرة العرب، وقال: " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان " وضرب لم قدم منهم أجلا، قدر ما يبيعون سلعهم " (1) إنتهى. فترى في هذا الحديث: أنه قد نسب القول بعدم اجتماع دينين في جزيرة العرب إلى عمر نفسه من دون إشارة إلى رسول الله، ولعله الأوفق والأولى، وقد تقدم ما يشير إلى أن ذلك كان رأيا من عمر، فلا نعيد. لا إكراه في الدين: قد تقدم في الفصل الأول في هذا الجزء: أن آية لا إكراه في الدين قد نزلت في مناسبة غزوة بني النضير، حيث كان معهم أولاد للأنصار أراد آباؤهم أن يمنعوهم من الخروج معهم فنزلت هذه الآية. ونقول: إن ذلك موضع مناقشة وغير مسلم: وإن أصر عليه القرطبي (2). فأولا: قد روي في سبب نزول الآية: 1 - أن سبب نزولها هو جود ابناء للانصار في بني النضير، على طريق الاسترضاع فثبتوا على دينهم، فلما جاء الاسلام أرادهم اهلوهم على الاسلام فنزلت (3).


(1) الأموال ص 143. (2) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280. (3) راجع فتح القدير ج 1 ص 276 عن سعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن جزير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وعن الحسن والدر المنثور ج 1 ص 329 عنهم وعن أبن عقدة في غرائب شعبة والنحاس في ناسخه وعبد بن حميد وسعيد بن = (*)

[ 164 ]

2 - عن السدي: أنها نزلت في ابي حصين الأنصاري، الذي تنصر ابناه، ومضيا إلى الشام، فطلب من النبي " صلى الله عليه آله " أن يبعض من يردهما، فنزلت (1). وثانيا: إن منع الأنصار أولادهم من الخروج مع اليهود لا يعني إجبارهم على الدخول في الإسلام، ولم يرد الآباء ذلك من أولادهم، وإنما أرادوا منعهم من الخروج فقط.. إلى خيبر، أم إلى الشام ؟ وتقول بعض المصادر: إن بني النضير " تحملوا إلى الشام " كما هو مذكور في بعض الروايات.. أي إلى أذرعات منها (2).


= منصور وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 والسيرة الحلبية ج 2 ص 267 ولباب التأويل ص 185. (1) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 ولباب التأويل ج 1 ص 186 ومدارك التنزيل بهامشه ج 1 ص 185 وفتح القدير ج 1 ص 276 عن ابن إسحاق، وابن جرير عن ابن عباس: وكذا أخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عبيدة نحوه، وكذا أخرج أبو داود في ناسخة وابن جرير وابن المنذر عن السدي نحوه والدر المنثور ج 1 ص 329 عنهم جميعا أيضا. (2) راجع: فتح القدير ج 5 ص 199 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 والبدء والتاريخ ج 4 ص 213 وتفسير الصافي ج 5 ص 153 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 والمغازي للواقدي ج 1 ص 380 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 232 والمصف للصنعاني ج 5 ص 358 و 359، وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 553 و 554 والتبيان ج 9 ص 557 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 119 وحياة الصحابة ج 1 ص 398 ومدارك التنزيل المطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 س 244 وجامع البيان ج 28 ص 19 و 20 و 22 والدر المنثور ج 6 ص 188 و 189 و 187 عن بعض من تقدم وعن: ابن مردوية = (*)

[ 165 ]

وتذكر مصادر أخرى: أنهم أجلوا إلى خيبر (1) وفدك (2). فقد يتخيل وجود تناقض فيما بين هذه النصوص.. فإذا ضممنا ذلك إلى نصوص أخرى، فان هذا التناقض يتأكد، حيث نجد بعضها يقول: " تحملوا إلى خيبر، وإلى الشام، وممن سار منهم إلى خيبر، أكابرهم، كحيي بن اخطب، وسلام بن أبن الحقيق، وكنانة بن الربيع، فدانت لهم خيبر " (3). وقال آخر: " ومضى من بني النضير إلى خيبر ناس، وإلى الشام ناس " (4).


= والبيهقي في الدلائل، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن المنذر، والحاكم وصححه. وراجع شعر أمير المؤمنين " عليه السلام " المذكور في الفصل الأول من هذا الباب وفي السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 208. (1) الثقات ج 1 ص 243 ومرآة الجنان ج 1 ص 9 والتنبيه والإشراف ص 213 وسيرة مغلطاي ص 53 والدر المنثور ج 6 ص 188 عن عبد بن حميد، وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 233 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 وفيه: أن إجلاءهم إلى أذرعات ونجد، وقيل: إلى تيماء وأريحا، كان على يد عمر. (2) التنبيه والإشراف ص 213. وقد يظهر منه: أنه " صلى الله عليه وآله " قد سمح لهم بالذهاب إلى فدك أيضا، فاختاروا خيبرا. (3) الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 8 (4) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وراجع: أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 وجوامع الجامع ص 486 ومجمع البيان ج 9 ص 255 والبحار ج 20 ص 157 عنه عن مجاهد، وقتادة والدر المنثور ج 6 ص 99 عن ابن المنذر، وابن إسحاق، وأبي نعيم في الدلائل، والسيرة الحلبية ج 2 ص 267 وتفسير القرآن ص 173 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 والسيرة النبوية لإبن = (*)

[ 166 ]

وآخر يقول: " خرجوا إلى أذرعات، وأريحا، وخيبر، وحيرة " (1). وبعض آخر يذكر ذلك، من دون ذكر الحيرة (2). ونص آخر يذكر: أنهم لحقوا بأذرعات بالشام وأريحا، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حبي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة (3). وجاء في بعض النصوص قوله: " وطاروا كل مطير، وذهبوا كل مذهب، ولحق بنو أبي الحقيق بخيبر، ومعهم آنية كثيرة من فضة، فرآها النبي (ص) والمسلمون، وعمد حبي بن اخطب حتى قدم مكة على قريش، فاستغواهم على رسول الله (ص) (4). وآخر نص نذكره هو ما قاله البعض: " وقع قوم منهم الى فدك، ووادي القرى، وخرج قوم منهم إلى الشام " (5).


= هشام ج 3 ص 201 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 554 والإكتفاء ج 2 ص 148 وجامع البيان ج 28 ص 19 وزاد المعاد ج 2 ص 110 وعمدة القارئ ج 17 ص 126 وفتح الباري ج 7 ص 254 ومنهاج السنة ج 4 ص 173. (1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262. (3) راجع: غرائب القرآن مطبوع بهامش البيان ج 28 ص 33 والتفسير الكبير ج 29 ص 278 والكشاف ج 4 ص 498 ص 499 ومجمع البيان ج 9 ص 257 والبحار ج 2 ص 209 عنه وبهجة المحافل ج 1 ص 215 ولباب التأويل ج 4 ص 245. (4) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122. (5) تفسير القمي ج 2 ص 359 والبحار ج 20 ص 170 وتفسير الصافي ج 5 ص 154 وتفسير البرهان ج 4 ص 313. (*)

[ 167 ]

السلاح للمؤمنين فقط: ونلاحظ: أنه " صلى الله عليه وآله " قد أجلاهم، وسمح لهم بأن يأخذوا ما أقلته الإبل، إلا الحلقة.. وتذكر بعض النصوص إحصائية لما حصل عليه المسلمون من سلاح، فتقول: " فوجد من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلاثمائة سيف، وأربعين سيفا " (1). ومن الواضح: أن في ذلك قوة للمسلمين الذين يواجهون العدو المتربص بهم ليل نهار وفي كل اتجاه.. ثم هو إضعاف لعدوهم، ماديا ومعنويا، وله تأثيرات سلبية على معنويات كل أولئك الذين يتعاطفون معهم، ويميلون إليهم. ومن وجهة نظر مبدئية، وعقيدية، فإن السلاح لا يكون إلا للمؤمنين، وهم وحدهم الذين يملكون الحق في السلاح، لأنهم إنما ينصرون به الحق، ويدمرون به الباطل.. أما الآخرون فعلى العكس من ذلك، ولا أقل من أنه - إذا كان السلاح بأيدي غير المؤمنين - فإنه يصبح له حالة ردع تلقائية، وتخوف في قلوب المؤمنين الذين لا بد لهم أن يعملوا على نشر الدين، وإعزازه، واستئصال الباطل وإذلاله. حزن المنافقين: وإن ما جرى لبني النضير، وهم أعز يهود منطقة الحجاز، قد جعل المنافقين، الذين كانوا يلتقون معهم في العداء للإسلام، والخلاف له


= (1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 والوفاء ص 690 والبحار ج 20 ص 166 عن الكازروني وغيره، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 وزاد المعاد ج 2 ص 72 ومغازي الواقدي ج 1 ص 377 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268. (*)

[ 168 ]

وعليه، وقد ثقل عليهم إقامة شعائره، والالتزام بأحكامه، وأن يربوا أنفسهم تربية صالحة، وفقا لاهدافه ومراميه - قد جعلهم - يحسون بالضعف، ويشعرون بأنهم قد خسروا واحدا من أهم حلفائهم ومن هم على رأبهم، ولهم نفس أهدافهم وطموحاتهم بالنسبة إلى مستقبل الإسلام والمسلمين.. فخابت آمالهم، إذ أن من الواضح: أن مجاراة المنافقين للمسلمين، إنما كان - في الأكثر - يهدف إلى الحصول على بعض الإمتيازات والمنافع، ثم يديرون ظهورهم إليهم ويواصلون مسيرتهم بالطريقة التي تروق لهم، وبالاسلوب الذي يعجبهم ويحلو لهم. فليس الإسلام والمسلمون سوى وسائل توصلهم إلى تلك المآرب، وتحقق لهم هاتيكم الأهداف.. وأما أولئك الذين أظهروا الإسلام، لأن ظروفهم، وعلاقاتهم قد تلقوا ضربة هائلة ومخيفة، وهم يرون الإسلام تقوى شوكته، ويتعمق ويتجذر، ويستقطب، ويجتاح كل خصومهم، ويدمرهم، أو يقضي على مصادر القوة فيهم.. فكان من الطبيعي أن نجد المنافقين من أولئك وهؤلاء يشتد حزنهم، ويتضاعف كمدهم، ويكبر خوفهم، ولم يخف حالهم على أحد، وسجله التاريخ على صفحاته، ليخلد خزيهم، وذلهم، فذكر المؤرخون: أنه حين أجلي بنو النضير: " حزن المنافقون عليهم حزنا شديدا " (1).


(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 57 ومغازي الواقدي ج 1 ص 376 والسيرة الحلبية ج 2 ص 267. (*)

[ 169 ]

نماذج مثيرة: ونجد فيما حفظه لنا التاريخ من تأوهات، وصرخات مكتومة وظاهرة لبعض هؤلاء الذين كانوا يتعاطفون مع اليهود، رغم ما يرونه من غدرهم ومجانبتهم للحق - نجد - بعض ما يثير فينا عجبا لا حد له.. فإن بعض الناس الذين كنا وما زلنا نرى ونسمع لهم الكثير من المدح والثناء، والتعظيم والتبجيل، قد عبروا عن عميق إحترامهم، وعن تعاطفهم مع أولئك الغدرة الفجرة، أعداء الله، وأعداء رسوله، فاقرأ النص التالي، واعجب ما بدا لك: حسان بن ثابت يتعاطف مع اليهود: حينما أجلى النبي " صلى الله عليه وآله " بني النضير.. " قال حسان بن ثابت، وهو يراهم وسراة الرجال على الرجال: أما والله، إن لقد كان عندكم لنائل للمجتدي، وقرى حاضر للضيف، وسقيا للمدام، وحلم على من سفه عليكم، ونجدة إذا استنجدتم. فقال الضحاك بن خليفة: واصباحاه، نفسي فداؤكم: ماذا تحملتم به من السؤدد والبهاء، والنجدة والسخاء. قال: يقول نعيم بن مسعود الأشجعي: فدى لهذه الوجوه التي كأنها المصابيح، ظاعنين من يثرب. من للمجتدي الملهوف ؟ ومن للطارق السغبان ؟ ومن يسقي العقار ؟ ومن يطعم الشحم فوق اللحم ؟ ما لنا بيثرب بعدكم مقام. يقول أبو عبس بن جبر، وهو يسمع كلامه: نعم، فالحقهم حتى تدخل معهم النار. قال نعيم: ما هذا جزاؤهم منكم، لقد استنصرتموهم، فنصروكم على الخزرج، ولقد استنصرتم سائر العرب: فأبوا ذلك عليكم.

[ 170 ]

قال أبو عبس: قطع الإسلام العهود. قال: ومرواوهم يضربون الدفوف والمزامير الخ.. (1) ونلاحظ هنا: أ: أن حسان بن ثابت يمدح بني النضير بأنهم كانوا يسقون المدام ! ! وكذلك نعيم بن مسعود الأشجعي.. ومعنى ذلك هو أن إسلام هؤلاء لم يكن معمقا، ولا راسخا في نفوسم، وأنهم لا يزالون يهتمون بالمدام (أو العقار) ويتعشقونها، رغم نهي النبي عنها، ونزول القرآن بتحريمها.. ب: إننا نلاحظ: أن حسان بن ثابت كان مقربا من الهيئة التي حكمت الناس بعد رسول الله " صلى الله عليه وآله "، كما أنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب " عليه السلام "، ولم يبايعه، بل يقال: إنه سب عليا " عليه السلام " وهجاه (2). ج: إن الأمور التي تمدح بها هؤلاء الأشخاص اليهود، لا تنطلق - في أكثرها - من قيم إنسانية سامية، وإنما هي الحالات والأوضاع التي يتطلبها واقع حياتهم، وخصوصيات معيشية في مجتمع لا يملك نظرة بعيدة، ولا تقييما سليما للكون والوجود، وللحياة وللإنسان.. فلتراجع الفقرات بدقة ليتضح ذلك.. د: إن هذا التعاطف الذي نراه لا ينطلق من الإحساس، الإنساني، ولا من مثل أعلى، وإنما هو ينطلق من حالة هلع وأسف على فوات منافع دنيوية ومادية للمتأسفين بالدرجة الأولى..


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 375. (2) راجع: قاموس الرجال ج 3 ص 118 فما بعدها. (*)

[ 171 ]

ه‍: إن تأسف حسان بن ثابت وغيره على بني النضير، رغم أنهم قد رأوا بأم أعينهم ظلمهم وبغيهم، وغدرهم، ومجانبتهم للحق، لأمر يثير العجب حقا. ولا ندري إن كان ذلك يكفي لعد هؤلاء في جملة الذين عنتهم الآية القرآنية التي تقول: (ألم تر إلى الذين نافقوا، يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن أخرجتهم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا) (1). فهي لا تشمل الذين يفدون اليهود بأنفسم، ويتأسفون عليهم لما نالهم، ويرون: أنهم لم يعاملوا بما يليق بهم، بل كانوا مظلومين فيما أصابهم: أم أن الآية لا يجوز أن تتجاوز عبد الله بن أبي وأصحابه المجهولين، على اعتبار أن حسانا وسواه من حواريي الحكام بعد النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله "، لا يفسقون بما يفسق به الآخرون - كما جاء في السيرة الحلبية (2) - ولا تشملهم الآيات التي تشمل غيرهم ممن هم على شاكلتهم وطريقتهم، ما دام أن نفس رضا الحكام عنهم يعطيهم مناعة وصلابة تجعلهم في مأمن من كل العوادي، وترفعهم عن مستوى هذا البشر العادي.. إن المراجع لتأريخ التزوير والتحوير لسوف يدرك الحقيقة، ويعرف الغثاء ويميزه عن ذلك الذي يمكث في الأرض مما ينفع الناس: رواية شاذة لابن عمر: وقد جاء في رواية عن ابن عمر:


(1) الحشر: 11. (2) السيرة الحلبية: ج 2 ص 204.

[ 172 ]

".. إن يهود بني النضير وقريظة، قتل رجالهم، وقسم نساؤهم، وأموالهم، وأولادهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحق برسول الله (ص) فآمنهم، وأسلموا، وأجلى رسول الله (ص) يهود المدينة من بني قينقاع، وهم قوم عبد الله بن سلاح الخ.. " (1). وواضح: أن ذلك لا يصح بالنسبة إلى بني النضير: لأنه " صلى الله عليه وآله " لم يقتل رجالهم، ولا سبى نساءهم وأولادهم، ليقسمها فيما بين المسلمين. وإنما أجلاهم عن أرضهم، وقسم أرضهم بين المسلمين.. وعليه.. فلا يصح ما ذكره إلا بالنسبة لبني قريضة: فانهم هم الذين جرى لهم ذلك.. هذا.. وقد ذكرت هذه الرواية نفسها عن ابن عمر في ذلك المصدر بالذات، وقد فصل فيها ما جرى لبني قريظة، ولبني النضير على نحو أصح. فذكر جلاء بني النضير وقتل بني قريظة، وسبي نسائهم وأولادهم، فليراجعها من أراد (2). رواية أخرى تحتاج إلى إصلاح: قال الهيثمي: " باب غزوة بني النضير: عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: جاء جبريل إلى النبي (ص)، وقد كل أصحابه، وهو يغسل رأسه، فقال: يا محمد، قد وضعتم أسلحتكم، وما وضعت الملائكة بعد


(1) مسند أبي عوانة: ج 4 ص 163. (2) مسند أبي عوانة ج 4 ص 164. (*)

[ 173 ]

أوزارها. فكف رسول الله (ص) شعره قبل أن يفرغ من غسله: فأتوا النضير: ففتح الله له. رواه الطبراني، وفيه نعيم بن حيان، وهو ضعيف، وقد وثقة ابن حبان، وقال: يخطئ " (1) س وسياق الحديث يدل بينة على أن المقصود هو بنو قريظة: فان هذه القصة إنما حدثت معهم: لا مع بني النضير، ولعل هذا من أخطاء نعيم الذي ذكر ابن حبان: أنه يخطئ، وإن كان ثقة.. بنو النضير بمنزلة بني المغيرة: وقد جاء في بعض النصوص: " وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ستمائة بغير، فقال رسول الله (ص): هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش " (2). وكلمة الني " صلى الله عليه وآله " هذه تشير إلى أن " صلى الله عليه وآله " كان يعرف بدقة وبعمق خصائص الفئات ومزاياها، سواء في ذلك اولئك الذين عاش معهم منذ نعومة اظفاره، وهم مشركوا مكة، وقبائلها، أو اولئك الذين فرضت عليه الظروف أن يكون له منهم موفق سلبي أو إيجابي. وإذا رجعنا الى التاريخ، ونصوصه، فاننا نستطيع أن نعرف وجه الشبه بين بني المغيرة في قريش، وبني النضير في اليهود.. فقد ذكرت بعض النصوص: أن بني النضير: أن بني النضير كانوا من بني


(1) مجمع الزوائد: ج 4 ص 163. (2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 258 وزاد المعاد ج 2 ص 72 ومغازي الواقدي ج 1 ص 375. (*)

[ 174 ]

هارون (1)، وذلك مما يزيد في شرفهم وعزهم بالنسبة إلى سائر اليهود، كبني حارثة، وغيرهم، أما بنو قريظة، فانهم، وإن كانوا من بني هارون أيضا، إلا أن بني النضير، كانوا اكثر منهم مالا، وأحسن حالا، وكانوا ألف رجل، وبنو قريظة سبعمائة، وكانوا إذا قتل قريظيا، فإنه يدفع نصف الدية ويجبه، ويحمم (أي يسود وجهه، ويحمل على جمل، ويكون وجهه الى ناحية ذنبه، ويطاف به) وإذا قتل قريظي نضيريا، فانه يدفع الدية كاملة، ويقتل به. وللنضير القوة والسلاح والكراع (2). ومن جهة ثا، فان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على نفسيات بني


(1) التنبيه ولإشراف: ص 213 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وفتح القدير ج 5 ص 195 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 2 وتفسير القمي ج 1 ص 168 والبحار ج 20 ص 166 - 168 وراجع المصادر الآتية في الهامش التالي: وذكر في السيرة النبوية ج 3 ص 212 ذلك في شعر لعباس بن مرداس. وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1764 وعمدة القارئ ج 17 ص 125. (2) تفسير البرهان: ج 1 ص 472، وراجع ص 472، وراجع ص 473 و 478 وتفسير القمي ج 1 ص 168 و 169 والبحار ج 20 ص 166 و 168 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 523 و 524. وراجع وراجع: جامع البيان ج 6 ص 154 و 157 و 164 و 165 و 167 وغرائب القرآن للنيسابوري بهامش جامع البيان ج 6 ص 145 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 60 والجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 176 و 187 و 191 والتبيان: ج 3 ص 521 وراجع ص 524 و 525 والتفسير الحديث ج 11 ص 107 ومجمع البيان ج 3 ص 194 وفتح القدير ج 2 ص 43 و 44 والتفسير الكبير ج 11 ص 325 ص 12 ص 6 وعون المعبود ج 12 ص 136 ولباب التأويل ج 1 ص 468 وفي ظلال القرآن ج 2 ص 894 والدر المنثور ج 2 ص 381 و 283 و 284 و 285 و 278 و 288 عن أحمد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبن مردويه، وعبد بن حميد، وابن إسحاق، وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم، وصححه، والبيهقي في سننه. (*)

[ 175 ]

النضير، وأن يشعروا بالزهو والخيلاء، حتى إننا لا نجد مبررا لتكذيب النص الذي يقول: " إنهم استقبلوا بالنساء والابناء والاموال، معهم الدفوف، والمزامير، والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر، ما رؤي مثله من حي من الناس في زمانهم " (1) وعند الديار بكري: (فعبروا من سوق المدينة) (2). وقال ابن الوردي: " فخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير تجلدا " (3). وقال الواقدي: ".. ثم شقوا سوق المدينة، والنساء في الهوادج، عليهن الحرير والديباج، وقطف الخز، الخضر، والحمر، قد صف لهم الناس. فجعلوا يمرون قطارا في إثر قطار، فحملوا على ستمائة بعير. إلى أن قال: ومروا يضربون بالدفوف، ويزمرون بالمزامير، وعلى النساء المعصفرات وحلي الذهب. قال: يقول جبار بن صخر: ما رأيت زهاءهم لقوم زالوا من دار الى دار. ونادى أبو رافع، سلام بن أبي الحقيق - وزفع مسك الجمل - (في الحلبية: ان هذا المسك كان مملوءا من الحلي) وقال: هذا مما نعده لخفض الأرض ورفعها، فان يكن النخل قد تركناه، فانا نقدم على نخل بخيبر " (4).


(1) السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 201 والبداية والنهاية ج 4 ص 76 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 148 وتاريخ الخميس ج 1 ص 462 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 554 ومنهاج السنة ج 4 ص 173. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 462. (3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159. (4) المغازي للواقدي ج 1 ص 374 و 375 والسيرة الحلبية ج 2 ص 267. (*)

[ 176 ]

وحسب نص المسعودي: ".. فخرجوا يريدون خيبر، وهم يضربون بالدفوف، ويزمرون بالمزامير، وعلى النساء المصبغات، والمعصفرات، وحلي الذهب، مظهرين بذلك تجلد " (1). ولقد كان هذا أمرا متوقعا من فئة لم تزل موضع احترام وتبجيل من اليهود، ولا تريد أن تعترف بالهزيمة، وبكسر شوكتها، وذهاب عزها، وافول نجمها.. وقد بلغ هذا العز والمنعة: أن المسلمين ما ظنوا أن يخرجوا من ديارهم، كما صرحت به الآية الكريمة.. وعدا عن ذلك، فقد كان بنو النضير أهل جبروت وقسوة وبغي، وعنجهية، واعتداد بالنفس، حتى إنهم ليظلمون إخوانهم من بني قريظة، وهم أيضا من بني هارون، ظلما فاحشا ومخالفا لأحكام التوراة الصريحة، وحتى لاحكام أهل الجاهلية أيضا. ثم لا يوجد بينهم من يأنف من هذا الظلم ويمنع منه، أو يندد به، ويرفضه، لا من رؤسائهم، ولا ممن هم دونهم، من عقلائهم وأهل الدين منهم. هذا باختصار حال بني النضير في قومهم. أما حال بني المغيرة في قريش، فإنها أيضا تشبه حالة هؤلاء إلى حد كبير. فقد كان بنو المغيرة، وهم من بني مخزوم، وكان العدد والشرف والبيت فيهم (2)، وكانت قريش - فيما زعموا - تؤرخ بموت هشام بن


(1) التنبيه والإشراف ص 213. (2) نسب قريش لمصعب ص 299. (*)

[ 177 ]

المغيرة (1)، الذي أثنى عليه الكثيرون. وكذا الحارث بن هشام فانه منهم، وهو موضع الثناء والتعظيم أيضا (2) ومنهم كذلك الوليد بن المغيرة، الذي هو أحد العظيمين الذين أشار اليهما الله تعالى في الآية الكريمة: (وقالوا: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (2). وقد رثى أو طالب " رحمه الله " أبا أمية بن المغيرة فقال: وقد أيقن الركب الذي أنت فيهم إذا رحلوا يوما بأنك عاقر فسمي زاد الراكب، واسمه حذيفة، وكانت عنه عاتكة بنت عبد المطلب (4). وقد ذكر المعتزلي طائفة كبيرة من رجالهم وأمجادهم في الجاهلية، وشطرا ممن تقلد منهم مناصب جليلة في حكم الأمويين، وغيرهم، فليراجعه من أراد (5). وإن المتتبع لسيرة رجال بني المغيرة من أمثال خالد بن الوليد، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة وغيرهم ليجد فيهم الكثير من الزهو والخيلاء، حتى إن خالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة وزنى بامرأته في ليلة قتله، قد عاد إلى أبي بكر، وقد غرز في عمامته أسهما، فانتزعها عمر، فحطمها، ثم قال له: أرئاء قتلت أمرء مسلما، ثم نزوت على امرأته ؟ !


(1) نسب قريش ص 301 وراجع: شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 18 ص 300 و 286. (2) راجع: شرح النهج للمتزلي الشافعي ج 18 ص 287 و 290 و 293 و 294. (3) شرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 291 18. (4) نسب قريش ص 300 وراجع: شرح النهج 18 ص 291. (5) راجع: شرح النهج للمعزلي الشافعي ج 18 ص 285 و 309. (*)

[ 178 ]

والله، لأرجمنك بأحجارك، والقصة معروفة (1). كما أن شدتهم وقسوتهم وجبروتهم تعتبر من الأمور الظاهرة، وقد عبر أمير المؤمنين " عليه السلام " عنهم بالفراعنة، حين قال: ".. وقد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس، وفراعنة بني سهم، وجمج، ومخزوم " (2). فإن فراعنة بني مخزوم كانوا من بني المغيرة، لأنهم هم الذين كان العدد والشرف والبيت فيهم، كما المحنا إليه فيما سبق. وإذن فلا يجرؤ أحد على مناوأتهم والرد عليهم، إلا إن كان من بني عبد مناف، الذين لا يدانيهم احد في الشرف والسؤود. هذا كله.. بالإضافه إلى وضعهم المادي المتميز، كما يظهر من ملاحظة حياة الكثيرين منهم. ملاحظة حياة الكثيرين منهم. وهم بالأضافة إلى ذلك كله. أهل سياسة وكياسة، يأنس الإنسان إلى حديثهم، ويستلذ الجلوس إليهم، حيث قد روي أن أمير المؤمنين " عليه السلام " قال: " أما بنو مخزوم، فريحانة قريش، تحب حديث رجالهم، والنكاح في نسائهم " (3). وبعد ذلك كله: فقد أصبح واضحا إلى حد ما سر جعل بني النضير بمنزلة بني المغيرة في قريش..


(1) تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 280، وقاموس الرجال ج 3 ص 491 عنه. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 84. (3) نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 178 الحكمة رقم 120 وراجع مصادر نهج البلاغة وأسانيده ج 4 ص 109. (*)

[ 179 ]

ملاحظة: وأخيرا.. فإن الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الأسرة والقدوة في كل شئ، وإن معرفته الدقيقة بواقع المجتمع الذي يعيش فيه، ويتعامل معه.. لتعطينا: أن هذه المعرفة لازمة وضرورية لكل إنسان يصل إلى موقع القيادة، ويفترض فيه أن يتعامل مع الناس، ويسجل موقفا تجاههم: فإن العارف بزمانه لا يهجم عليه اللوابس (1). نزول آية سوره المائدة في بني النضير: ويقول البعض: إن قوله تعالى: " (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) (2). قد نزلت في قضية بني النضير، ومحاولتهم الغدر بالنبي " صلى الله عليه وآله " (3). ونقول: إننا نشك في ذلك، لما يلي: أولا: إن نفس هذا القائل قد عاد فذكر بعد بضعة أسطر: أن هذه الآية قد نزلت في قضية غورث بن الحارث (4).


(1) تحف العقول ص 356 والبحار ج 57 ص 269. (2) المائدة: 11. (3) البدء والتاريخ ج 4 ص 212 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 221 والسيرة النبوة لدحلان ج 1 ص 261 وفتح الباري ج 7 ص 255 والسيرة الحلبية ج 1 ص 264. (4) البدء والتاريخ ج 4 ص 213 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 422 و 424 وراجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261 والدر المنثور ج 2 ص 266 عن ابن إسحاق، وأبي نعيم في الدلائل، وابن المنذر، وابن جرير وعبد بن حميد. (*)

[ 180 ]

وذكرت حوادث أخرى في شأن نزول الآية، فلتراجع في مظانها (1). ودعوى البعض: جواز تكرار النزول (2)، تحتاج إلى إثبات. وثانيا: إن سورة المائدة كانت من آخر ما نزل على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فلا يعقل أن يحتفظ بهذه الآية عدة سنوات، معلقة في الهواء، حتى تنزل سورة المائدة، فيجعلها فيها (3). وثالثا: إنهم يقولون: إن سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة (4). التربية القرانية: إن من الأمور الظاهرة لكل أحد: أن القرآن الكريم، وفي نطاق اهتمامه الكبير بتربية الإنسان، وصقل فكره، وعقله، ومشاعره، وكل مناحي وجهات شخصيته، ليجعله إنسانا واعيا، وقويا وغنيا في كل مواهبه، وطاقاته، قد اختار في أسلوبه التربوي المنحي والاسلوب الواقعي ليتصل به، ويدخل إلى حياتة، ويدخل إلى حياته، وينفذ إلى شخصيته، ولى عمق وجوده، عن هذا الطريق، فإن هذا الأسلوب هو الذي يتصل بالعقل، فيعطيه وضوحا ووعيا وأصالة، ويتفاعل مع الشعور ليمده بالحيوية والفاعلية،


(1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 265 و 267 والسيرة الحلبية ج 2 ص 264. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 264. (3) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، وأبي عبيد في فضائله والنحاس في ناسخه، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، والترمذي وحسنه، وسعيد بن منصور، وابن جرير. (4) الدر المنثور ج 2 ص 252، فإنهم قد صرحوا بتاريخ نزول سورة المائدة، وصرح بأنها قد نزلت دفعة واحدة كل من: أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن جرير، ومحمد بن نصر في الصلاة، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الإيمان. (*)

[ 181 ]

وينقله إلى رحاب الضمير، ليتربى ويتكامل في ظل الوجدان، وتحت حمايته، ليصبح حالة متوازنة، واضية ومقبولة.. وهذا بالذات هو ما يفسر لنا اهتمام الإسلام بالتركيز على الحدث، ثم ربطه بالحقائق الكلية، بما لها من عموم وشمول، ليصبح ذلك الحدث هو الوسيلة الواقعية لربط هذا الانسان بتلك الحقائق، وتفاعله معها. وهكذا.. يتضح: أن القرآن حين يتحدث عن الوقائع والاحداث، فانه يفهمنا: أنه لا يريد أن يلقي على الإنسان حقائق مجردة، ومنفصلة عن الواقع، ولا تلامسه ولا تلتقي معه، وذلك حينما تبقى مجرد صورة ذهبية، وتخيلات مثالية باردة، لا تؤثر في المشاعر، ولا تتصل بالعقل، ولا تتفاعل مع الوجدان. وإنما هو ير يدها حركة في الفككر، وثورة في الشعور، وحالة متوازنة في الوجدان. وتجسيدا واقعيا لكل ذلك صعيد السلوك والموقف. الله هو الذي أخرجهم: قال تعالى في سورة الحشر: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار) (1). فنجده تعالى ينسب ما جرى لبني النضير إلى نفسه، ويؤكد على ذلك بصور مختلفة.. حتى كأن ما فعله المسلمون ليس بشئ يعتد به في موضوع الحاق الهزيمة بهذا العدو..


(1) الحشر: 2.

[ 182 ]

بل إن المسلمين أنفسهم ما كانوا يظنون خروجهم، ولا يتصورونه، كما أن اليهود أنفسهم كانوا مطمئنين إلى أن حصونهم ستمنعهم. ولكن الله فتح حصونهم من الداخل، فقذف الرعب في قلوبهم، فلم تنفعهم الحصون المادية شيئا.. ومن الواضح: أن الهزيمة من الداخل، هي الأساس للهزيمة المادبة، فإذا سقطت القلوب، وتهاوت، وقذف فيها الرعب، فلسوف لن تنتفع بأي شئ آخر بعد ذلك، مهما كان قويا وكبيرا. ونفهم من الآية بالإضافة إلى ما تقدم، ما يلي: 1 - إن الحرب النفسية لها دور كبير، بل لها الدور الأكبر في تحقيق النصر الكبير عسكريا، فليلاحظ قوله: وقذف في قلوبهم الرعب. 2 - إن العمل العسكري الناجح، لابد أن يعتمد مبدأ المباغتة، من النواحي التي لا يحسب العدو لها حسابا.. 3 - إن الإعتماد على الله في تحقيق النصر، إنما يعني إمكانية مواجهة العدو حتى في حالة تفوقه العسكري، ومعنى ذلك.. أننا يجب أن لاننتظر حتى يتحقق التوازن عسكريا، وتسليحيا فيما بين قوى الإيمان وقوى الكفر، بل يمكن المبادرة لمواجهته، حتى في صورة عدم التكافؤ في الإمكانات المادية. 4 - إن العامل المادي ليس هو القوة الوحيدة، فإن العامل الروحي والمعنوي له قسط منها، فلابد من أخذه بنظر الاعتبار. العز، والذل.. بماذا ؟ ويذكر النص التاريخي: أن سلام بن مشكم قد نصح حيي بن أخطب بقبول الجلاء من أول الأمر، حيث تبقى لهم أموالهم ونخلهم، فكان مما قاله له:

[ 183 ]

" إنا إنما شرفنا على قومنا بأموالنا وفعالنا، فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنا كغيرنا من اليهود في الذلة والإعدام " (1). ونقول: إن هؤلاء يرون: أن أموالهم هي مصدر عزتهم وعنوان شرفهم.. ولكن الإسلام يقول: إن مصدر العزة والشرف والكرامة هو الله سبحانه، فعن الصادق " عليه السلام " " من أراد عزا بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل عن ذل معصية الله الى عز طاعته " (2). و " من أراد ان يكون اعز الناس، فليتق الله عز وجل " (3)، فإنه " لا عز أعز من التقوى " (5). إلى غير ذلك من النصوص التي تجعل من العز وسيلة لتكامل الانسان في مدارج إنسانيته، وتهذيب نفسه، وتنزيهها عن كل النقائص، وإيعادها عن كل ما يشين أو يزري بها. ثم هي تربط العز بالمنشأ لكل الكمالات، والمصدر لكل فيوضات الخير، ونزول البركات. إلا وهو الله سبحانه وتعالى، تقدست أسماؤه، وتباركت ذاته، وتعالت صفاته.. مبالغات لا مبرر لها: ".. وفي الحديث: يخرج في الكاهنين رجل يدرس القرآن درسا، لم يدرسه أحد قبله، ولا يدرسه أحد بعده. فكانوا يرونه محمد بن كعب


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 369. (2) و (3) و (4) ميزان الحكمة ج 6 ص 290 و 291. (5) ميزان الحكمة ج 6 ص 294. (*)

[ 184 ]

القرظي الخ.. " (1). ونحن بدورنا لا نستطيع قبول هذه الرواية. ولا نرى صحة انطباقها على الشخص المذكور. فأولا: قد اشتهر كثير من الصحابة بدراسة القرآن، وذكرت في الروايات أقوال منسوبة إلى النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله " في حقهم، وأقوال أخرى منسوبة لغيره أيضا تشير إلى تفوقهم على محمد بن كعب في دراسة القرآن: فراجع ما يرونه في حق أبي بن كعب مثلا (2)، وكذا ما يروونه في حق ابن مسعود (3)، أو علي أمير المؤمنين " عليه الصلاة


(1) الروض الأنف ج 3 ص 251. لكن المصادر الأخرى قد ذكرت هذا الحديث، ولم تذكر فيه عبارة: " لم يدرسه أحد قبله " فراجع: سير أعلام النبلاء ج 5 ص 68 وتهذيب التهذيب ج 9 ص 412 والطبقات الكبرى ج 7 ص 501. (2) الإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 49 وراجع ص 50 وتهذيب الأسماء ج 1 ص 109 وأسد الغبة ج 1 ص 49 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 188 وراجع: الإيضاح لإبن شاذان ص 323 و 330 و 231 وفي هامشه عن طائفة من المصادر، والجامع الصحيح ج 5 ص 350 و 351 وصحيح البخاري ج 3 ص 147 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 305 وج 2 ص 224 وتلخيص مستدرك الحاكم للذهبي بهامشه، والطبقات الكبرى ج 2 ص 339 ومسند أحمد ج 5 ص 131 وحلية الأولياء ج 1 ص 251، وج 4 ص 187 مجمع الزوائد ج 9 ص 312 والدر المنثور ج 6 ص 378 والبداية والنهاية ج 7 ص 340. (3) راجع: كشف الأستاذ ج 3 ص 250 و 249 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 318 وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه، والإيضاح ص 223 و 232 ومجمع الزوائد ج 9 ص 287 و 288 عن أحمد، وأبي يعلى، والبزار، والطبراني، وصفة الصفوة ج 1 ص 399 والنهاية في اللغة ج 3 ص 371 ومسند أحمد ج 1 ص 445 والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 82 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 14 وتفسير القرآن العظيم ج 4 (الذيل) ص 28 والإصابة ج 2 ص 369 والإستيعاب بهامشه ج 2 ص 320. (*)

[ 185 ]

والسلام " (1) هذا عدا عما يروونه ويقولونه في حق غير هؤلاء أيضا.. ومن مثل علي أمير المؤمنين " عليه الصلاة والسلام " وهو الذي يقول: " لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت " (2) ؟ !. وثاينا: إننا لم نفهم المقصود من دارسي القرآن ممن سبقوا محمد بن كعب ! ! فهل كان القرآن موجودا قبل الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله "، وقد درسه الناس، وعرفوه ؟ ! فان محمد بن كعب القرظي، قد أسلم على يدي النبي " صلى الله عليه وآله " وعاش معه ! ! وثالثا: إن ما ذكروه عن محمد بن كعب يلغي دور عبد الله بن سلام الذي كان من نفس هؤلاء اليهود، والذي يروون في حقه - وإن كان ذلك كذبا أيضا - أنه هو الذي عنده أم الكتاب (3). مع أن الصحيح: هو أنه علي بن أبي طالب " عليه السلام " (4). وقد تقدم تحقيق ذلك (5).


(1) راجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 16 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 42 والغدير ج 6 ص 308 عن: طبقات القراء ج 1 ص 546 وعن مفتاح السعادة ج 1 صص 351. (2) التراتيب الإدارية ج 2 ص 183، وتفسير البرهان (المقدمة) ص 16 وعن بشارة المصطفى. (3) الإصابة ج 2 ص 321 والإستيعاب بهامشه ج 2 ص 383 والدر المنثور ج 4 ص 69 عن: ابن مردويه، وابن جرير، وابن ابي شيبة، وابن سعد، وابن المنذر. (4) راجع: شواهد التنزيل ج 1 ص 310 وراجع ص 308 و 307 وراجع: مناقب الإمام علي " عليه السلام " لإبن المغازلي ودلائل الصدق ج 2 ص 135 ونقل عن: العمدة لإبن البطريق ص 61 وعن غاية المرام ص 357 و 360 و 104 عن تفسير الثعلبي، والحبري " مخطوط " وعن الخصائص ص 26 (5) راجع: هذا الكتاب ج 3 ص 11 و 16. (*)

[ 186 ]

ولعل سر تعظيم محمد بن كعب يرجع إلى أنه لابد أن يصبح الخبراء في القرآن، والدارسون له، والواقفون علس أسراره هيمنتهم العلمية على الناس، ويستمرون في نفث سمومهم، ونشر أضاليلهم، وتتاح لهم الفرص كلها لتحريف هذا الدين، والتلاعب بمفاهيمه وأحكامه، وليستهدف ذلك التلاعب والتحريف نفس القرآن، الذي هو المنشأ والأساس لكل حقائق الإسلام، وتشريعاته.. صلاة الخوف في بني النضير: وقد ذكر البعض: أن صلاة الخوف قد شرعت في بني النضير، وقيل: في ذات الرقاع (1). وحيث إننا سوف نتحدث إن شاء الله عن هذا الأمر في غزوة ذات الرقاع، حيث يذكرون أن هذه الصلاة قد شرعت حينها، أو في غزوة الحديبية، كما سنرى، فإننا نرجئ الحديث عنها إلى هناك. تحريم الخمر في غزوة بني النضير: قال اليعقوبي وغيره: ".. وفي هذه الغزوة شرب المسلمون الخمر، فسكروا: فنزل تحريم الخمر " (2) وقال ابن الوردي: " نزل تحريم "


(1) الجامع للقيرواني ص 279 وتاريخ الخميس ج 1 ص 464 عن شرح صحيح مسلم للنووي، وعن أسد الغابة. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 وراجع: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 198 وراجع: السيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 200 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 7 وزاد المعاد ج 2 ص 110 ومنهاج السنة ج 4 ص 173. (*)

[ 187 ]

الخمر وهو محاصرهم (قلت): قال في الروضة: إن غزوة بني النضير سنة ثلاث: وإن تحريم الخمر بعد غزوة أحد والله أعلم " (1). عن جابر بن عبد الله (رض) قال: حاصر النبي " صلى الله عليه وآله " بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، وكان يصلي في موضع الفضيخ ست ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب، ونفر من الأنصار، وهم يشربون فيه فضيخا، فحلوا وقاء السقاء، فهراقوه فيه، فبذلك سمى مسجد الفضيخ (2) وروى القمي: أنه لما نزل تحريم الخمر خرج رسول الله " صلى الله عليه وآله " إلى المسجد فقعد فيه، ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينتبذون فيها، فأكفأها كلها، وقال: هذه كلها خمر، وقد حرمها الله، وكان أكثر شئ أكفئ يومئذ من الأشربة الفضيخ، فلذلك سمي المسجد ب‍ " مسجد الفضيخ " (3). وأكثر من ذلك كله جرأة على الله ورسوله " صلى الله عليه وآله " ما رووه عن ابن عمر: أن النبي " صلى الله عليه وآله " أتي بجرة فضيخ بسر، وهو في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مجد الفضيخ (4). والفضيخ: عصير العنب، وشراب يتخذ من بسر مفضوخ، ومسجد الفضيخ هو المعروف بمسجد الشمس.


(1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وراجع: أيضا التنبيه والإشراف ص 213. (2) تاريخ المدينة لإبن شبة ج 1 ص 69 ووفاء الوفاء ج 3 ص 821 عنه وعن ابن زبالة ومرآة الحرمين ج 1 ص 418. (3) البحار ط مؤسسة الوفاء ج 63 ص 387 و 388 وج 76 ص 132 و 131. (4) مسند أبي يعلى ج 10 ص 101 ومسند أحمد ج 2 ص 106 ومجمع الزوائد ج 4 ص 12 وج 2 ص 21.

[ 188 ]

هذا كله عدا عن روايتهم: أن هناك من كان يهدي لرسول الله خمرا عدة سنوات إلى أن حرمت الخمر. ونقول: أولا: إن تحريم الخمر - كما تقدم في كتابنا هذا - قد كان في مكة.. فإن كان لهذه الرواية حظ من الصحة فلابد أن يكون الأصحاب قد خالفوا حكم الله فيها، وارتكبوا الحرام، فنهاهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " عن ذلك، وما ذكر آنفا عن أيوب ونفر من الأنصار دليل على صحة ذلك.. وثانيا: إن منازل بني النضير لم تكن في جهة قياء، ولا مسجد الفضيخ، وذلك لأنهم يقولون: إن مسجد الفضيخ يقع في شرقي مسجد قباء، على شفير الوادي، على نشز من الأرض (2). وقد تقدم: أن منازلهم كانت بعيدة جدا عن هذا الموضع، فراجع ما ذكرناه في هذا الجزء حين الكلام حول شعر حسان بن ثابت في الرواية التي تبين أن فتح بن النضير كان على يد علي حين قتل عشرة منهم وجاء برؤوسهم إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله ". وثالثا: قد روى أحمد في مسنده، عن ابن عمر: أن النبي " صلى الله عليه وآله " أتي بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه، فلذ لك سمي مسجد الفضيخ (3).


(1) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 93 عن أبي يعلى، وعن أحمد في عدة مواضع. (2) وفاء الوفاء ج 3 ص 821 ومرآة الحرمين ج 1 ص 418. (3) مسند أحمد ج 2 ص 106 ووفاء الوفاء ج 3 ص 822 عنه، وعن أبي يعلى. (*)

[ 189 ]

ونحن.. وإن كنا نكذب بصورة قاطعة شربه " صلى الله عليه وآله " للفضيخ، كيف، وقد كانت الخمر وكل مسكر قد حرم في مكة. كما أن الخمر مما قد تسالمت الشرائع على تحريمه (1) وقد رفض شربها عدد من الناس في الجاهلية كما ذكرناه في الجزء الخامس من هذا الكتاب.. - وإن كنا نكذب ذلك - إلا أننا نقول: لا مانع من أن يؤتي إليه " صلى الله عليه وآله " بذلك، فيرفضه وينهى عنه، وقد يسمى المكان بما يشير إلى ذلك، لأجل استغراب الناس عمل ذلك الرجل الذي أتى إلى النبي " صلى الله عليه وآله " بشئ قد حرمه منذ بعث، ولا يزال يؤكد تحريمه، ويمنع عنه..


(1) راجع الكافي ج 6 ص 395، والوسائل ج 17 ص 237 باب تحريم شرب الخمر، والتهذيب ج 9 ص 102 وراجع: التنقيح الرائع ج 1 ص 15 وراجع أيضا: مفتاح الكرامة ج 4 ص 2. (*)

[ 191 ]

الفصل الخامس: كي لا يكون دولة بين الأغنياء

[ 193 ]

الخيانة والفداء: قد علمنا فيما سبق: أنه قد كان فيما بين بني النضير، وبين المسلمين عهد وعقد.. وقد نقض بنو النضير عهدهم هذا، وخانوا وغدروا، فكان من الطبيعي أن يهب المسلمون للدفاع عن أنفسهم، وأن يقاتلوا عدوهم، وأن يلقى هذا العدو جزاء غدره وخيانته.. وحين رأى بنو النضير: أن الأمور تسير في غير صالحهم، وأنهم قد أخطأوا في حساباتهم خطأ فاحشا، وأن لا أحد يستطيع أن يمنع المسلمين من إنزال العقاب العادل بهم، فإنهم قد رضوا بأن يقدموا أموالهم وأرضهم لرسول الله " صلى الله عليه وآله " في مقابل الإبقاء عليهم، وعدم قتلهم جزاء غدرهم وخيانتهم وصالحوا النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله " على ذلك: فكانت جميع أموالهم وأراضيهم خالصة له " صلى الله عليه وآله " يتصرف فيها كما يشاء. أموال بني النضير في النصوص والآثار: قال السهيلي: " ولم يختلفوا: أن سورة الحشر نزلت في بني النضير، ولا اختلفوا في أموالهم: لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قذف الرعب في قلوبهم، وجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم: فقسمها النبي (ص) بين

[ 194 ]

المهاجرين، ليرفع ذلك مؤونتهم عن الأنصار: إذ كانوا قد ساهموهم في الأموال والديار. غير أنه أعطى أبا دجانة، وسهل بن حنيف لحاجتهما. وقال غير ابن إسحاق: " وأعطى ثلاثة من الأنصار، وذكر الحارث بن الصمة فيهم " (1). وعن عمر بن الخطاب: قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله (ص) لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله (ص) خالصة. وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، وقال مرة: قوت سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عزوجل (2). ونقول: لو صح ذلك من فعلى النبي " صلى الله عليه وآله "، فإنه يكون تبرعا منه " صلى الله عليه وآله " بما هو له، كسائر الأموال التي


(1) الروض الأنف ج 3 ص 251. وحكاية الإجماع حول أموالهم في فتح الباري ج 7 ص 254. (2) مسند أحمد ج 1 ص 25 وفتح القدير ج 5 ص 199 عن الصحيحين وغيرهما، ومسند أبي عوانة ج 4 ص 132 - 140 وصحيح البخاري ج 3 ص 128 وصحيح مسلم ج 5 ص 151 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 335، والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 429 وفتوح البلدان قسم 1 ص 20 و 34 والجامع الصحيح ج 4 ص 216 وسنن النسائي ج 7 ص 132 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 393 وسنن أبي داود ج 3 ص 141 والخراج للقرشي ص 34 والمغني لإبن قدامة ج 7 ص 308 و 309 والتبيان ج 9 ص 561 وراجع ص 562 وراجع: أحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1772 والدر المنثور ج 6 ص 192 عن بعض من تقدم وعن ابن المنذر والأموال ص 14 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 123 وتاريخ المدينة ج 1 ص 208 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 262 و 263 والإكتفاء ج 2 ص 148 ومعجم البلدان ج 5 ص 290 ومدارك التنزيل مطبوع بهامش لباب التأويل ج 4 ص 247 لكن ليس في المصادر الثلاثة الأخيرة: أن القائل هو عمر. (*)

[ 195 ]

يملكها الإنسان ويرغب في إنفاقها في مورد خاص. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أيضا قوله: مال بني النضير، كان فيئا لرسول الله " صلى الله عليه وآله " خاصة (1) وكان عمر أيضا يقول: " كانت لرسول الله " صلى الله عليه وآله " ثلاث صفايا، فكانت بنو النضير حبسا لنوابه.. "، ثم ذكر بقية الصفايا (2) وعبارة بعض المصادر: أنها كانت حبسا لنوائبه (3)، وفي نص آخر: حبسا لمواليه (4). ولعله تصحيف. وقال الزهري: ".. وكانت بنو النضير للنبي (ص) خالصا، لم يفتحوها عنوة، افتتحوها على صلح الخ.. " (5). وكان أول أرض افتتحها رسول الله " صلى الله عليه وآله " أرض بني


(1) التبيان ج 9 ص 561 وأنساب الأشراف قسم حياة النبي " صلى الله عليه وآله " ص 519 و 518 وراجع المصادر التالية: (ولكنها لم تصرح باسم عمر) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 120 والكامل في التاريخ ج 2 ص 174 والسيرة النبوية لإبن هشام ج 3 ص 201 وراجع 203 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 360 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 555 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 13 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 ونسب هذا القول إلى الزهري ومحمد بن إسحاق في كتاب الخراج للقرشي ص 32. (2) المغازي ج 1 ص 377 وفتح القدير ج 5 ص 199. (3) فتوح البلدان قسم 1 ص 20 والسيرة الحلبية ج 2 ص 269 عن الإمتاع وفتح الباري ج 6 ص 143 والمغازي للواقدي ج 1 ص 378 وسنن أبي داود ج 3 141 والدر المنثور ج 6 ص 192 عنه وعن أبن مردويه الخراج للقرشي ص 34. (4) مسند أبي عوانة ج 4 ص 142. (5) سسن أبي داود ج 3 ص 143 وجامع البيان ج 28 ص 24 وراجع: الأموال ص 14 وذكر النص نفسه في فتح القدير ج 5 ص 197 و 198 ولم يذكر أنه عن الزهري. (*)

[ 196 ]

النضير (1). " وبقي منها صدقة رسول الله (ص) التي أيدي بني فاطمة (2). " واصظفى منها رسول الله (ص) أموال بني النضير، وكانت أول صافية قسمها رسول الله بين المهاجرين الأولين (والأنصار). وأمر عليها: فحاز ما لوسول الله (ص) فجعله صدقة، وكانت في يده، مدة حياته، ثم في يد أمير المؤمنين " عليه السلام " بعده، وهو في ولد فاطمة " عليها السلام " حتى اليوم " (3). وأرجع (ص) - بعد فتح بني النضير - الأراضي والأشجار، التي كانت قد وهبت له إلى أصحابها من الأنصار. وقيل: بل كان ذلك حين فرغ (ص) من خيبر (4).


(1) فتوح البلدان قسم 1 ص 17. (2) سنن أبي داود ج 3 ص 157 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121 ووفاء الوفاء ج 3 ص 998 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 361 والدر المنثور ج 6 ص 189 عن عدة مصادر وفتح الباري ج 6 ص 140 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 331 والمناقب لإبن شهر آشوب ج 1 ص 197 والإرشاد للمفيد ص 50 وتاريخ الخميس ج 1 ص 463. (3) راجع: البحار ج 20 ص 173 والإرشاد للمفيد ص 50 والمناقب لإبن شهر آشوب ج 1 ص 197 وكشف الغمة ج 1 ص 201 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463. (4) راجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 174 - 176 وصحيح مسلم ج 5 ص 162 و 163 وصحيح البخاري ج 3 ص 11 وج 2 ص 125 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 و 369 والجاخع لأحكام القرآن ج 18 ص 25 و 26 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1777 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 336 وفتح الباري ج 7 ص 256 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 270. (*)

[ 197 ]

أموال بني النضير لم تخمس: قالوا: " كانت بنو النضير صفيا لرسول الله " صلى الله عليه وآله " خالصة له حبسا لنوائبه، ولم يخمسها، ولم يسهم فيها لأحد. وقد أعطى ناسا من أصحابه، ووسع في الناس منها، فكان ممن أعطى الخ.. " (1). ولكننا نجد بعض الروايات تقول: " إنه " صلى الله عليه وآله " خمسها، وذهب إليه الشافعي، وأعطى منها ما أراد لمن أراد، ووهب العقار للناس، وكان يعطي من محصول البعض أهله وعاليه نفقة سنة، ويجعل ما بقي مجعل مال الله " (2). ولكن دعوى تخميسها لا تصح: فان الثابت هو أنها لم تفتح عنوة، وأنها مما أفاءة الله على رسول، والفئ لا يخمس. وإنما تخمس الغنيمة المأخوذة عنوة في الحرب. إلا أن يكون المراد: أن يكون " صلى الله عليه وآله " قد خمس بعش ما أخذ من متاع القوم قبل وقوع الصلح.. فعممه هؤلاء لحاجة في النفس قضيت.. ولعل دعوى الخميس لها تهدف إلى القاء الشبهة على مطالبة علي " عليه السلام " وفاطمة " عليها السلام " والعباس بها، مع أن عمر بن الخطاب نفسه يصرح في رواية المطالبة هذه (3) بتركة رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حينما انفرد أبو بكر برواية: نحن معاشر الأنبياء لا نورث


(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 462 وراجع: البحار ج 20 ص 166 عن الكازروني. وراجع: تاريخ المدينة ج 1 ص 176 وزاد المعاد ج 2 ص 71. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 462. (3) ستأتي هذه الرواية مع مصادرها في الفصل السادس إن شاء الله تعالى. (*)

[ 198 ]

وفيما سبق بأن أموال بني النضير كانت من الفئ. بل لقد ورد: أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ألا تخمس ما أصبت من بني النضير ؟ كما خمست ما أصبت من بدر ؟ ! فقال: لا أجعل شيئا جعله الله لي دون المؤمنين بقوله: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى الآية.. كهيئة ما وقع فيه السهمان (1). توضيحات للواقدي: قال الواقدي: " إنما كان ينفق على أهله من بني النضير، كانت له خالصة، فأعطى من أعطى منها، وحبس ما حبس، وكان يزرع تحت النخل زرعا كثيرا. وكان رسول الله (ص) يدخل منها قوت أهله سنة، من الشعير والتمر لأزواجه، وبني عبد المطلب، وما فضل جعله في الكراع والسلاح، وإنه كان عند أبيي بكر وعمر من ذلك السلاح، الذيي اشتري على عهد رسول الله (ص)، وكان رسول الله (ص) قد استعمل على أموال بني النضير أبا رافع مولاه، وربما جاء رسول الله بالباكورة منها. وكانت صدقاته منها، ومن أموال مخيريق، وهيي سبعة حوائط إلخ.. (2). ونقول: إن لنا على ما تقدم ما يلي: أ: التعبير ب‍ " صدقات " و " صوافي ": فإن التعبير عن أموال بني النضير، وعن أموال مخيريق ب‍ " صدقات رسول الله " نجده لدى معظم المؤرخين والمؤلفين من إخواننا أهل السنة.


(1) المغازي ج 1 ص 377 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 378. (*)

[ 199 ]

وهو تعبير فني مدروس، قد جاء ليؤكد اتجاها سياسيا، فرضه مرقف السلطة مما حدث، من أجل تأكيد الحديث المزعوم الذي يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. هذا الحديث الذي أنكره علي وفاطمة " عليهما السلام " والعباس وغيرهم. فما كان من الفريق الآخر إلا أن أطلق على ما تركه الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " من أموال، وعقار اسم: " صدقة " (1)، أو " صدقات " وقالوا " كل ما ترك رسول الله " صلى الله عليه وآله " تصدق به " (2) ليركزوا ذلك الأمر الذي انفرد به أبو بكر وأنكره أهل البيت في أذهان الناس بصورة، تلقائية ولا شعورية. أما بالنسبة لقول عمر: إن بني النضير كانت من صوافي رسول الله " صلى الله عليه وآله " حبسا لنوائبه، فإن ذلك بهدف الإيحاء بأنها لابد أن تعود إلى بيت المال بعده، أو للخليفة لتكون حبسا لنوائبه أيضا. ولنا أن نعتبر هذا النحو من التعامل من لطائف الكيد السياسي، ومن جملة حبائله.. ولكن ذلك لم يجدهم شيئا في تغيير الحقيقة، فقد عبر الآخرون عن آرائهم بصراحة، وأبطلوا كيد هؤلاء ولم يمكن لأهل المكر والخداع والكيد: أن يحققوا من مكرهم هذا شيئا. ب: حبائل ماكرة أخرى: كما أننا نلاحظ: أن ثمة تعمدا وإصرارا على أمر آخر، يراد للناس أن يقبلوه ويصدقوه، وهو: أن رسول الله الأكرم " صلى الله عليه وآله "


(1) في الطرائف ص 283. " لعل أبا بكر وأتباعه هم الذين سموها صدقات ". (2) التراتيب الإدارية: ج 1 ص 401 عن السهيلي.

[ 200 ]

يطعم أهله من أراضي بني النضير، وخيبر، من أراضي بني النضير، وخيبر، وحوائط مخيريق، قوت سنة، ثم يجعل الباقي في الكراع والسلاح. وقد تقدم ذلك عن عمر بن الخطاب نفسه. وليس من البعيد أن يكون سبب ذلك هو إرادة الإيحاء بأنه " صلى الله عليه وآله "، لم يكن يرى نفسه مالكا، بل هو يتعامل مع هذه الأراضي، كما لو كانت ترجع إلى بيت مال المسلمين، الأمر الذي يؤكد صدق الحكام بعد رسول الله " صلى الله عليه وآله " في دعواهم: أنه " صلى الله عليه وآله " لا يورث، فان تعامله هذا يدل على أنه لم يكن مالكا. وإذن.. فما وعد به أبو بكر، من أنه يطعم آل رسول الله قوت سنة، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح، لا يعتبر خروجا عما رسمه رسول الله " صلى الله عليه وآله " بل يكون متبعا له، ومقتديات به: فرفض أهل البيت " عليهم السلام " لهذا العرض يصبح بلا مبرر ظاهر. وتكون الزهراء " عليها السلام " لهذا العرض يصبح بلا مبرر ظاهر. وتكون الزهراء " عليها السلام " هي المخالفة للرسول الكريم، ولأحكام الشرع والدين، وتطلب ما ليس لها بحق، وتصر على طلبها هذا، رغم توضيح الأمر لها !. ولكننا مع ذلك نقول: إنه حتى لو صح أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " كان يفعل ذلك، وصح أيضا: أن هذا السلاح قد بقي عند أبي بكر وعمر: فإنه لا يدل على عدم ملكية الرسول " صلى الله عليه وآله " لتلك الأراضي، بعد أن نص القرآن العظيم على ملكيته " صلى الله عليه وآله " لها. حيث يمكن أن يكون إنما يفعل ذلك تبرعا، وإيثارا لرضا الله سبحانه، وطلبا لمثوبته التي يرغب بها كل مؤمن. لا سيما وأن القرآن قد حث الناس على أن يجاهذوا في الله بأموالهم وبأنفسهم. ومن أولى من الرسول الله الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " بالمسارعة إلى امتثال أمر الله هذا ؟ !.

[ 201 ]

أموال بني النضير فئ أم غنيمة ؟ قال النيسابوري: " اعترض بعضهم: بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال: لأنهم حوصروا أياما، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء: فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة، لا من الفئ. وأجاب المفسرون من وجهين: الأول: إنها لم تنزل في بني النضير، وإنما نزلت في فدك، ولهذا كان رسول الله (ص) ينفق على نفسه، وعلى عياله من غلة فدك، ويجعل الباقي في السلاح والكراع. الثاني: تسليم أها نزلت فيهم، ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل، ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة: فمشوا على أرجلهم، ولم يركب إلا رسول الله (ص)، وكان راكب جمل: فلما كانت العاملة قليلة، ولم يكن خيل، ولا ركب، أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة " (1). ونقول: 1 - إن ما ذكره من أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " منها.. محل مناقشة وبحث، فإن من المقطوع به: أن النبي " صلى الله


(1) راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 284 و 285، وغرائب القرآن (مطبوع) بهامش جامع البيان ج 28 ص 37 و 38 وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 و 12 فإنه ذكر ذلك ضمنا وأجاب عنه كذلك، حيث قال: ولم يكن ثمة قتال على التحقيق: بل جرى مبادئ القتال، وجرى الحصار الخ. (*)

[ 202 ]

عليه وآله " قد أعطى فدكا لا بنته فاطمة " عليها السلام "، وقد استولت عليها السلطة بعد عشرة أيام من وفاته " صلى الله عليه وآله ". وقذ جرى بين الزهراء " عليها السلام " وبين أبي بكر مناقشات ومحاورات أنتهت بإصرار الخليفة على ما أقدم عليه، فغضبت الزهراء عليه، حتى ماتت، وهي مهاجرة له ولنصيره عمر، وأوصت بأن تدفن ليلا ولا يحضرا جنازتها (1). ففدك لم تكن في يد رسول الله " صلى الله عليه وآله " ولسوف نتحدث عن هذا الأمر، بشئ من التفصيل بعد غزوة خيبر إن شاء الله تعالى. 2 - إنه إذا كانت فدك خالصة لرسول الله " صلى الله عليه وآله " وإذا كان قد أنفق غلتها في الكراع والسلاح: فإنما فعل ذلك تكرما، وطلبا للاجر والثواب، وإيثارا منه " صلى الله عليه وآله " على نفسه، حسبما المحنا إليه، وليس لأجل أن حكم الفئ هو ذلك - وأن كان نحتمل قويا - أن تكون دعوى ذلك من موضوعات خصوم أهل البيت " عليهم السلام " بهدف التشكيك في أن يكون " صلى عليه وآله قد نحلها لفاطمة الزهراء عليها صلوات ربي وسلامه. 3 - ولربما يؤيد القول بأن سورة الحشر قد نزلت بعد واقعة بني النضير، التعبير بقوله: " من أهل القرى " حيث إن وادي القرى قد افتتحت بعد ذلك. ولكنه تأييد غير تام: فإن الحكم في الفئ عام، ولا يختص بأهل وادي القرى. كما أنه لم يثبت كون المراد بأهل القرى هو وادي القرى، إذ


(1) ستأتي مصادر ذلك كله إن شاء الله، حين الحديث حول فدك بعد غزوة خيبر إن شاء الله تعالى. وبالأمكان مراجعه كتاب: أصول مالكيت للأحمدي، وفدك للقزويني، ودلائل الصدق، وغير ذلك. (*)

[ 203 ]

يمكن أن يكون المراد: أهل البلاد مطلقا. أضعف إلى ذلك: أن الآية التالية، المشيرة إلى إعطاء المهاجرين، وعدم تغيظ الأنصار من إعطاء إخوانهم، بل هم يؤثرنهم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة - ان هذه الآية - تؤيد كون المراد هو بنو النضير، لأن النبي " صلى الله عليه وآله " لم يعط الأنصار من أموالهم شيئا، سوى رجلين أو ثلاثة، كما أوضحناه حين الكلام حول تقسيم أراشي بني النضير، فليراجعه من أراد. 4 - إن ما ذكر في الجواب الثاني غير تام، فان كثرة الخير والركاب، وقلتها، وبعد المسافة وقربها لا يؤثر شيئا في حكم الفئ، ما دام أن الملاك هو الأخذ عنوة وعدمه. كما أن كثرة القتال وقلته لا يؤثر في ذلك شيئا. الجواب الأمثل: وعليه.. فالأولى في الجواب: أن يقال: إن القتال الذي كان - إن صح أنه قد كان ثمة قتال - لم يكن به الفتح، وإنما فتحت صلحا، وهذا هو الميزان في الفئ والغنيمة، فإن كان الفتح صلحا كان فيئا، وإن كان بقتال كان غنيمة. فالحكم تابع للنتيجة، مهما كانت مقدماتها. هذا.. بالإضافة إلى أن ما أرعب اليهود وجعلهم ييأسون، وحملهم على الصلح لم يكن هو القتال المشار إليه، وإنما كان قطع النخيل، وإحراقه. ثم كان قتل أمير المؤمنين " عليه السلام " للعشرة هو السبب في استجابتهم للصلح، كما تقدم.. وأما بالنسبة لما يذكرونه من قتال. فنحن لا نستطيع أن نؤكد صحته، بل القرآن والتاريخ يدل على عدمه، وإن كنا لا نمنع من أن تكون قد جرت بعض المناوشات اليسيرة، ولكنها لم تكن سبب الفتح قطعا.

[ 204 ]

المهاجرون.. وأموال بني النضير: لقد. هاجر من مكة عدد كبير من الذين أسلموا، وتركوا ما كانوا يملكونه وراءهم. وقد قدم الأنصار لهم كل ما أمكنهم تقديمه من العون والرعاية، حتى لقد أرادوا أن يقاسموهم أموالهم: فمنعهم النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأمرهم أن يعملوا في مزارعهم وبساتينهم وفقا لقواعد المساقات والمزارعة، وهكذا كان (1). وحين أفاء الله على رسوله أموال أراضي بني النضير، كانت خالصة له " صلى الله عليه وآله "، بمقتضى قوله تعالى: (.. وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى: فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل) (2). وقد روى القرشي عن الكلبي أنه قال: " قسم رسول الله (ص) أموال بني النضير، إلا سبعة حوائط منها، أمسكها ولم يقسمها " (3). حكاية قسمة الأراضي: ثم إنه " صلى الله عليه وآله " قد خير الأنصار، بين أن يقسم ما أفاءه الله عليه، وعلى المهاجرين، ويكون المهاجرون مع الأنصار كما كانوا، وبين أن يخص المهاجرين بها، فيستقلون عن الأنصار، ويرجعون إليهم أراضيهم.


(1) مسند أبي عوانة: ج 4 ص 174 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 116 والسيرة الحلبية ج 2 ص 2 ص 269 وصحيح مسلم ج 5 ص 162. (2) الحشر: 7 وليراجع هنا: مجمع البيان ج 9 ص 260 والتبيان ج 562 9 والإكتفاء ج 2 ص 147 و 149. (3) الخراج للقرشي: ص 36. (*)

[ 205 ]

فقال السعدان - سعد بن معاذ، وابن عبادة -: بل نقسم أموالنا وديارنا على المهاجرين، ويؤثر ونهم بالقسمة أيضا، ولا يشاركونهم فيها. فاقتدى بهما سائر الأنصار. فانزل الله: (ويؤثرون على أنفسم ولو كان بهم خصاصة). فقسمها النبي " صلى الله عليه وآله " بين المهاجرين، وأموهم برد ما كان للانصار حسب تعبير الحلبي (1). فكانت أول صافية قسمها " صلى الله عليه وآله " بين المهاجرين الأولين (2). وفي بعض المصادر: أن المهاجرين إنما ردوا ما كان للأنصار بعد


(1) راجع: فيما تقدم، كلا، أو بعضا المصادر التالية: البحار ج 20 ص 171 و 172 وفي هامشه عن الإمتاع للمقريزي ص 182 وتفسير القمي ج 2 ص 360 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 و 369 ومجمع اليان ج 9 ص 260 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 175 والسنن الكبرى ج 6 ص 116 وفتح الباري ج 7 ص 256 ووفاء الوفاء ج 1 ص 299 وتاريخ المدينة ج 2 ص 489 وتاريخ الخميس ج 1 ص 463 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 263 والسيرة الحلبية ج 2 ص 268 و 269 وصحيح مسلم ج 5 ص 163 ولباب التأويل ج 4 ص 249 وغرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 41 و 42 وفتح القدير ج 5 ص 201 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 25 و 23 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1776 والتفسير الكبير ج 29 ص 287 والكشاف ج 4 ص 505 وجوامع الجامع ص 487 وتفسير البرهان ج 4 ص 313 والمغازي للواقدي ج 1 ص 379 والخراج للقرشي ص 33 وراجع: الروض لأنف ج 3 ص 250 وعمدة القارئ ج 15 ص 47 وإرشاد الساري ج 5 ص 210. (2) فتوح البلدان: قسم 1 ص 21 والبحار ج 20 ص 173 وفي هامشه عن المناقب ج 1 ص 169 و 170 وعن الإرشاد ص 49 و 48. (*)

[ 206 ]

الفراغ من خيبر (1). محاسبات دقيقة: إننا رغم نشك في إرجاع المهاجرين أموال الأنصار، ونحتمل قويا: أن يكون الهدف من هذا الزعم هو تقوية موقف المهاجرين، حيث لا يكون للأنصار - والحالة هذه - فضل يذكر، إلا أننا نغض النظر عن ذلك فنقول: يرد هنا سؤال، وهو: أنه إذا كانت أموال بنيي النضير خالصة لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، بنص القرآن الكريم، فلماذا يطلب " صلى الله عليه وآله " موافقة الأنصار على أن يخص المهاجرين بها ؟ أليس هو " صلى الله عليه وآله " حر التصرف فيما ملكه الله إياه، يضعه حيث يشاء، ويعطيه لمن يشاء !. ونحن فيي مقام الإجابة على هذا السؤال نشير إلى ما يلي: 1 - إنه " صلى الله عليه وآله " يريد أن لا يسيئ أحد من الأنصار تفسير تصرفه ذاك، فيتوهم: أن ذلك منه " صلى الله عليه وآله " بسبب حبه لقومه، دونهم، أو لغير ذلك من أسباب. كما أنه " صلى الله عليه وآله " لا يريد أن يثير فيي الأنصار حسدا لا مبرر له، أو ما هو أكثر من الحسد، وهم يرون إخوانهم يحصلون على الأموال والأراضي دونهم، حتى ولو كانوا يعلمون: أن هذا المال ملك لرسول الله " صلى الله عليه وآله " يضغه حيث يشاء، ويعطيه لمن أراد، ويعلمون أيضا: أنه لا ينطلق في إعطائه ذلك من سلبيات يخشون وجودها.


(1) صحيح مسلم ج 5 ص 162 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 368 والسيرة الحلبية ج 2 ص 270. (*)

[ 207 ]

2 - إنه يريد للمسلمين جميعا: أن لا يفهموا هذا التصرف على أنه امتياز لهم دون غيرهم، وليتخذ ذلك اصحاب الأهواء منهم ذريعة للابتزاز، أو لإعمال سياسات ظالمة تجاه إخوانهم من الأنصار، حينما تسنح لهم الفرصة لذلك. 3 - إنه يريد للمسلمين جميعا أن يفهموا: أن على القيادة أن لا تستبد بالرأي وبالتصرف، فان التفاهم، والمشاركة في الرأي، وعدم التفرد فيه، يجب أن يكون هو السمة المميزة للانسان المسلم. 4 - إنه " صلى الله عليه وآله " يريد أن يعلم الانصار، ويستفيد من ذلك المهاجرون درسا فيي الإيثار على النفس ما دام أن ذلك من شأنه أن يوثق عرى المودة، ويثير كوامن الحب فيي مجتمع يشعر أعضاؤه بآلام ومشاكل بعضهم البعض، ويعملون على حلها، ويبذلون جهدهم فيي هذا السبيل. 5 - كما أننا نستفيد بالاضافة إلى ما تقدم الأمور التالية: أ: إنه كما أن من مسؤوليات قائد الأمة تصريف أمور الرعية، ورعاية شؤونها، وإدارتها، وهدايتها إلى أفضل السبل وأجداها فيي دفع الأخطار الكبرى عنها، وحل المعضلات التيي ربما تواجهها.. كذلك فإن من مسؤولياته تربية الأمة تربية صالحة، ورعاية شؤونها الروحية وتزكيتها، وبعث الفضائل والسجايا الكريمة فيي نفوس أبنائها جماعات وآحادا، ثم إبعاد كل ريب ورين عنها، لتكون خالصة خلوص الجوهر، نقية صافية صفاء النور. هذا بالإضافة إلى رعاية العلاقات الروحية فيما بين أفراد وجماعات الأمة، لتبقى سليمة وحميمة، وقائمة على أسس قوية وثابتة من تلك السجايا والسمات والصفات الراسخة فيي أعماق الذات الإنسانية.. فلا يجوز أن يصدر منه أيي عمل - حتى ولو كان بملاحظة خصوصيته

[ 208 ]

الفردية، والعادية حلالا ومباحا له - من شأنه أن يلحق أدنى ضرر في البنية الإجتماعية، سواء على المستوى النفسي أو الفكري، أو المادي، أو غير ذلك. كما أن عليه أن يتكهن بآثار أي عمل يصدر منه، ويقدر ماله من سلبيات وإيجابيات مستقبلية، وعلى جميع المستويات. ب: إن ما تقدم يوضح لنا مدى حساسية موقع هذه القيادة، وخطورة مسؤولياتها، ويوضح كذلك: أنه ليس باستطاعة كل أحد، أن يتسلم أزمة الحكم، ويتولى مسؤوليات قيادية، إلا إذا اجتمعت فيه خصال ومواصفات ذات طابع معين، من شأنها أن تساعد على تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من الأهداف التيي تتوخاها الأمة من قياداتها. ج: إن ما فعله الرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله " قد أفهمنا: أنه بفترض فيي القائد: أن يرعى الشؤون المادية للأمة، ولو من ماله الخاص، حينما لا يكون ثمة مصادر أخرى قادرة على سد حاجاتهم في هذا المجال. د: ودرس آخر نتعلمه من موقف النبي " صلى الله عليه وآله " هنا، وهو: أن الإنسان، وإن كان له الحق في أن يتصرف في ماله كيف يشاء، ولكن حينما تنشأ عن هذا التصرف سلبيات من نوع ما، فان عليه أن يعمل على معالجة تلك السلبيات، وأن يعطي تصرفه مناعات كافية، تحصن الواقع من أن تنشأ فيه تلك السلبيات، أو أن تؤثر أثرها البغيض المقيت، حتى ولو كانت تلك السلبيات ناشئة عن تقصير الآخرين، أو عن سوء تصرفهم، أو عن عدم التزامهم الأكيد بالحدود والقيود التي يفترض التزامهم بها، أو غفلتهم عن ذلك، بل وحتى لو كان ذلك من قبيل الطموحات الباطلة واللا مشروعة، أو التي تستتبع حسدا لا مبرر له لدى الآخرين، أو حقدا كذلك.

[ 209 ]

ه‍: إننا نلاحظ: أنه " صلى الله عليه وآله " قد كانت معالجته لسلبيات لا مبرر لها بطريقة بناءة ورائدة، ثم هيي زاخرة بالمعاني الإيجابية الكبيرة، التي من شأنها ليس فقط أن تؤثر في الصيانة والحصانة بدرجة كافية، وإنما هيي تساهم بدرجة كبيرة في تكامل الأمة، وفي حصولها على المعاني والسجايا الإنسانية، ثم تعميقها وترسيخها بصورة عملية، لا بمجرد التنظير، وإطلاق الشعارات في الهواء. وهذا هو الأسلوب الأمثل الأجدى في بناء الأمة، وتأكيد خصائصها الإنسانية، وسجاياها الكريمة الفضلى.. المستفيدون من أراضي بني النضير: ويذكر المؤرخون أسماء طائفة من الناس أعطاهم الرسول " صلى الله عليه وآله " من أراضي بني النضير، بل يرى البعض: ف أنه لم يعط سوى الأشخاص التالية أسماؤهم وهم: 1 - أبو بكر بن أبي قحافة: فقد حصل على موضع يقال له: بئر حجر " (1). 2 - عمر بن الخطاب، الذي حصل على موضع يقال له: " جرم " (2). 3 - عبد الرحمن بن عوف، الذي حصل على موضع يقال له:


طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 ومغازي الواقديي ج 1 ص 379 وراجع: فتوح البلدان قسم 1 ص 18 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269 ومعجم البلدان ج 5 ص 290. (2) راجع: المصادر المتقدمة باستثناء فتوح البلدان.

[ 210 ]

" سوالة "، أو " كيدمة ". وهو الذي يقال له: " مال سليم " (1). 4 - الزبير بن العوام، الذي حصل على أرض يقال لها: " بويلة " (2). 5 - صهيب بن سنان، حصل على أرض يقال لها " ضراطة " (3). 6 - أبو سلمة بن عبد الأسد، حصل على أرض من بني النضير، عند الواقدي أن اسمها " بويلة " شاركه الزبير فيها أيضا، كما أشرنا إليه (4). 7 - أبو دجانة. 8 - وسهل بن حنيف، حصلا على أرض يقال لها: " مال ابن خرشة " (5).


(1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1296 وج 3 ص 945 ومعجم البلدان ج 4 ص 497 وراجع ج 5 ص 290 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 58 ومغازي الواقدي ج 1 ص 379 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وراجع: فتوح البلدان قسم 1 ص 18 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 58، لكنه ذكر بويلة له ولأبي سلمة بن عبد الاسد، وفتوح البلدان قسم 1 ص 21 و 22 ووفاء ج 4 ص 1157 وإرشاد الساري ج 4 ص 210 والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 7 ص 147 عن صبح الأعشى ج 13 ص 105 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269، ونيل الأوطار ج 6 ص 57. (3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 58 وراجع ج 3 ص 104 ومغازي الواقدي ج 1 ص 379 و 380، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (4) طبقات ابن سعد ج 2 ص 58 ومغازي الواقدي ج 1 ص 380 وذكرا أنه " صلى الله عليه وآله " أعطاه " بويلة " ووفاء الوفاء ج 4 ص 1157 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (5) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 380 و 379 والسيرة النبوية ج 3 ص 201 = (*)

[ 211 ]

9 - الحارث بن الصمة، استفاد هو الآخر من ذلك حسبما ذكروه (1).


= و 202 وتاريخ الخميس ج 1 ص 462 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 555 والتبيان ج 9 ص 563 والإكتفاء ج 2 ص 148 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 28 ص 38 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وراجع ص 14 و 24 وراجع: البحار ج 20 ص 171 وتفسير القمي ج 2 ص 360 وفي هامش البحار عن الإمتاع ص 182، ومجمع البيان ج 9 ص 260 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1771 و 1772 والتفسير الكبير ج 28 ص 285 وزاد المعاد ج 2 ص 110 ومنهاج السنة ج 4 ص 173 والخراج للقرشي ص 32 وتفسير البرهان ج 4 ص 313 وجوامع الجامع ص 487 والعبر لإبن خلدون ج 2 قسم 2 ص 28 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 49 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 58 وراجع: فتوح البلدان قسم 1 ص 18 و 19 و 21 والمصنف ج 6 ص 361 لكنه لم يسم الرجلين، ولباب التأويل ج 4 ص 246 وجامع البيان ج 28 ص 28 وأشار إليه في سنن أبي داود ج 3 ص 143 و 157 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 122 ووفاء الوفاء ج 1 ص 299 وتاريخ المدينة ج 2 ص 490 والكامل في التأريخ ج 2 ص 174 والدر المنثور ج 6 ص 192 عن ابن مردويه والسيرة الحلبية ج 2 ص 269 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 332 وأنساب الأشراف (قسم حياة النبي) ص 518 ومعجم البلدان ج 5 ص 290. (1) مجمع البيان ج 9 ص 260 وتاريخ الخميس ج 1 ص 251 و 462 عن المدارك، ومعالم التنزيل والسيرة الحلبية ج 2 ص 269، وجوامع الجامع ص 487، التفسير الكبير ج 29 ص 285 والكشاف للزمخشري ج 4 ص 505، والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وراجع ص 14 و 14 وأحكام القرآن لإبن العربي ج 4 ص 1771 و 1772 والروض الأنف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق، وبهجة المحافل ج 1 ص 216، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 197. (*)

[ 212 ]

وعند البعض: الحرث بن أبرهة (1). والظاهر: أنه تصحيف. 10 - وأعطى - زعموا - سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق (2). 11 - وأعطى عثمان بن عفان أيضا، بعض أراضي بني النضير، في مكان يقال له: الدومة (3). نصان غير متوافقين: ونشير هنا إلى نصين غير متوافقين، وهما: 1 - ما قاله العيني: ".. ولم يخمس، ولم يسهم منها لأحد، إلا لأبي بكر، وعمر، وابن عوف، وصهيب بن سنان، والزبير بن العوام، وأبي سلمة بن عبد الأسد، وأبي دجانة " (4). فالعيني إذن يرى: أنه " صلى عليه وآله " لم يعط أحدا غير هؤلاء. ولكن التعبير ب‍ " يسهم " فيه شئ من المسامحة: لاشعاره بأنها مفتوحة عنوة، وليس الأمر كذلك. 2 - قال ابن شبة: ".. عن محمد بن إسحاق، قال: قسمها رسول الله (ص) في المهاجرين إلاسهل بن حنيف، وأبي دجانة، وكذا نفرا،


(1) غرائب القرآن، مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 38. (2) تاريخ الإسلام للذهبي (قسم المغازي) ص 112 وتاريخ الخميس ج 1 ص 463 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 11، والمغازي للواقدي ج 1 ص 379، والسيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج 2 ص 269. (3) وفاء الوفاء ج 3 ص 944 عن ابن شبة. (4) عمدة القارئ ج 18 ص 126. (*)

[ 213 ]

فأعطاهما منها " (1). وقال النسفي: قد أعطى ثلاثة من الأنصار (2). لكنه لم يذكر لنا أسماءهم بالتحديد. فنجد العيني لا يذكر سهل بن حنيف، ونجد آخرين يذكرون سهلا وأبا دجانة، ونجد عددا آخر يصر على أنهم ثلاثة من الأنصار، ولعله يقصد الحارث بن الصمة: فإنه أنصاري أيضا. ولكن إبن شبة ذكر سهلا وأبا دجانة، وكذا نفرا من الأنصار. ومعنى ذلك هو أنه قد أعطى الثلاثة الآنفة أعماؤهم. مع أن ظاهر النصوص الحصر بهم، أو بواحد، أو بإثنين منهم. فالأولى الأقصار على ذلك إلى أن يرد ما يؤيد كلام ابن شبة. كي لا يكون دولة بين الأغنياء. وقد علل الله سبحانه عطاء بعض الفئات دون بعض، من الفئ بقوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أو جفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شئ قدير ما أفاء الله على رسول من أهل القري فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) (3).


(1) تاريخ المدينة ج 2 ص 490. (2) مدارك التنزيل (مطبوع بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 264. (3) الحشر: 6 و 7. (*)

[ 214 ]

ونستفيد من هذه الآية الأمور التالية: الأول: إنه سبحانه قد علل إعطاء الفئ للفقراء اليتامى، والمساكين، وابن السبيل بأن لا يكون المال محصورا بين الأغنياء، يتداولونه فيما بينهم. وهذا يعطي: أن الإسلام يريد أن يمكن الجميع من الحصول على المال، ولا يكون حكرا على جماعة دون غيرها.. أي أنه يريد للمال أن يترك، وأن ترتفع الموانع والحواجز من طريقة وينطلق من خلال الالتزام بالحكم الإلهي، والوقوف عند الحدود الشرعية، للتتداوله جميع الأيدي فلا بغي من أحد على أحد، ولا استئثار بشئ دون الآخرين وإنما الإيثار على النفس، ولو مع شدة الحاجة خ والخصاصة. كما أنه يريد للفقير: أن يحصل على المال بصورة مشروعة، ومن دون منة من أحد عليه، ما دام ان المال قد أعطاه الله إياه، وليس لأحد من الخلق فيه أي دور. الثاني: إن الإسلام حين قبل بالملكية الفردية، وجعل القرانين والنظم لحمايتها، وقبل أيضا بملكية الدولة والجهة، وأعطى المجال لطموحات الإنسان، وقدراته الخلاقة للتعبير عن نفسها، وتأكيد وجودها، فانه قد قرر إلى جانب ذلك قاعدته، وأعطى ضابطته التي لا مجال لتخطيها في شأن المال بقوله: " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم "، فانه وذلك لأن الإسلام، وإن كان قد قبل بالملكية الفردية، إلا أنه قد حدد مصادر الحصول عليها في جهات معينة، لا يجوز تعديها، إلى غيرها.. كما أنه قد وضع من الأحكام والضوابط في مختلف شؤون الحياة وجهاتها، ما يمنع من تكدس المال بصورة فاحشة لدى افراد بخصوصهم.

[ 215 ]

وقد بين الله سبحانه هذا الأصل الأصيل بعبارة واضحة وموجزة حينما قال: " لا يكون دولة بين الأغنياء ". ثم هو قد حرم وأدان، وعاقب عل كل عمل من شأنه أن يهدم هذا الأصل، ويضر في مسيرة تحقيقة، أي ما يوجب صيرورة المال " دولة بين الأغنياء "، فحرم الربا، ومنع من الإحتكار، ومن أكل المال بالباطل، ووالخ. وبما تقدم يتضح أيضا: البون الشاسع فيما بين المذاهب الإقتصادية الأخرى، - كالإشتراكية - وبين نظام الإسلام الإقتصادي، كما هو ظاهر لا يخفى. الثالث: إن ما أفاءه الله على رسوله، ليس لأحد أن يدعي أن له فيه أدنى أثر أو أي دور في تحصيله. فإن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وإنما عاد إلى رسول الله بسبب تسليط الله رسله على من يشاء، كاليهود الناقضين للعهود والمواثيق. ومعنى ذلك هو أنه ليس لأحد الحق في أن يدعي: أنه قد تنازل للنبي " صلى الله عليه وآله " عن شئ هو له، أو ساهم فيه، وجاء الحكم الإلهي ليأخذه منه، ويعطيه للنبي لمصلحة كامنة في ذلك، كما ربما يتوهم في الزكاة والخمس، وذلك لأن الله قد صرح بأن تسليط الله سبحانه للرسول على أولئك الناس قد كان سببا في حصول ما يسمى بالفئ، فالفئ إذن هو نتيجة عمل إلهي، وتصرف رباني في واقع سلطة الرسول وبسطها على أولئك المعاندين.. وأما مناشئ هذه السلطة، ومقوماتها، فيجب أن لا تكون منحصرة في العدة والعدد والحشود لدى المسلمين، فان ذلك يتحقق بتأييدات إلهية

[ 216 ]

غيبية، تساهم فيها معرفة اليهود بنبوته " صلى الله عليه وآله "، ورؤيتهم لمعجزاته وكراماته، وحبهم للدنيا، وخوفهم من الموت وغير ذلك من أمور. الرابع: بقي أن نشير إلى أن الآيات قد نصت على أن الفئ لله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، فكيف نوفق بين ذلك وبين ما هو معلوم من أن الفئ خالص لرسول الله " صلى الله عليه وآله " ؟ ونقول في الجواب: إن الآيات لم تتعرض لتشريع حكم الفئ، وبيان تقسيماته اللازمة شرعا، من حيث مالكية هؤلاء الأصناف له، وإنما هي تبين قضية في واقعة، يراد توضيح المراد فيها، وإزالة الشبهة عن موقف النبي " صلى الله عليه وآله " منها، ذلك لأن الآيات التالية لتلك الآية، قد بينت: أن المراد بهؤلاء الأصناف هو خصوص المهاجرين منهم، أما الأنصار: فانهم لا يجدون في أنفسهم حرجا في أن يأخذ إخرانهم المهاجرون من الفئ دونهم، رغم ما كان يعاني منه الأنصار من حاجة وخصاصة، بل هم يؤثرونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. كما أن الآية الآنفة الذكر قد بينت: أن المراد هو الفئ الحاصل من أهل القرى، لا كل فئ، وذلك يؤيد أنها في صدد الحديث عن ثضية في واقعة، من أجل إبراز ما بها من خصوصيات، ومن معان إنسانية هامة، ومن دقائق أخرى لا بد من الإلفات إليها، والتنبيه عليها، وليست في صدد اعطاء الضابطة والقاعدة العامة. ومعنى ذلك هو: أن المراد بيان أن ما فعله النبي " صلى الله عليه وآله " في الفئ الحاصل له من أهل القرى، حيث قسمه على المهاجرين دون الأنصار، رغم وجود الخصاصة في الأنصار، إنما كان لمصالح اقتضت التخصيص منه " صلى الله عليه وآله ". ولا حرج على النبي والإمام

[ 217 ]

في أن يلاحظ المصالح، ويقدم قوما على قوم، ويعطي هؤلاء، ويحرم أولئك، لأجل تلك المصالح المقتضية لذلك، ولا يجب عليه أن يساوي بين الناس دائما، فان المساوات ليست مطلوبة على كل حال، وإنما هي الفئات التي يراد المساواة بينها. وإذن فلا معنى لا ستغلال هذا الأمر للدعاية ضد نبي الإسلام، واتهامه بالتحيز والتجني، ولا سيما إذا علمنا أن ما بقسمه إنما هو حقه الشخصي، وهو حر في أن يجعل ما يختص به لمن يشاء، كيف يشاء. الخامس: ولابد من التذكير أخيرا بأن آية الفئ هنا كآية الخمس في سورة الأنفال، قد ذكرت اصنافا ستة: ثلاثه منهم من قسم الواجب، وهم: سهم الله، وسهم الرسول، وسهم ذوي القربى، وثلاثة لا يجب ذلك فيهم، وهم اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.. لماذا اختص ذووا القربى بالخمس والفئ ؟ من الغريب العجيب أن البعض بعد أن ذكر: أن المراد بذوي القربى في الآية التي في سورة الحشر، وفي آية الخمس هم قرابة رسول الله، قد علل البعض اختصاصهم بالفئ والخمس بقول: " إن كانت الصدقات لا تحل لهم فليس لهم في الزكاة نصيب، وإن كان النبي لا يورث فليس لذوي قرابته من ماله شئ، وفيهم الفقراء الذين لا مورد لهم، فجعل لهم من خمس الغنائم نصيبا، كما جعل لهم من هذا الفئ وأمثاله نصيبا " (1). إذن فهذا البعض يرى: أن فقر الفقراء منهم، وحرمانهم من الإرث


(1) في ظلال القرآن ج 6 ص 3524. (*)

[ 218 ]

والزكاة كان هو السبب في ذلك ! ! ونقول: إن كلامه غير صحيح، وذلك لما يلي: 1 - لقد علق هو نفسه في هامش كتابه على كلمة " الفقراء " بقوله: " هناك خلاف فقهي، هل الفقراء من قرابة الرسول هم المستحقون ؟ ! أم جميعهم، والراجح جميعهم " (1). ومعنى ذلك هو: أن فقرهم ليس هو سبب إعطائهم، إذ ليس ثمة خصوصية للفقراء منهم تقتضي ترجيحهم على سائر الفقراء، وإنما السبب في الترجيح هو - فقط - قرابتهم من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". 2 - لا ندري كيف حرمهم الله هذا المقدار القليل من إرث النبي " صلى الله عليه وآله " ثم عوضهم هذه الأموال الهائلة والطائلة، التي تحصل من الفئ والغنائم ! !.. 3 - ثم إننا لا ندري كيف يرحم شخص واحد وهو الزهراء صلوات الله عليها، ثم يعوض جميع قرابة رسول الله " صلى الله عليه وآله " حتى من لم يكن في طبقتها في الإرث، بل وحتى جميع بني هاشم، ولو لم يكونوا من أولاده " صلى الله عليه وآله " ولا من وراثه ! ! بل لقد نال هذا التعويض جميع بني هاشم إلى يوم القيامة. وما كان أحراه أن يكون إهتمامإ بأمور الفقراء والضعفاء من سائر الناس، فيورث فاطمة " عليها السلام "، ثم يتعامل مع جميع بني هاشم على أنهم بعض من غيرهم.، فلا يحرمهم من ذلك ليعطيهم من هذا أكثر مما يستحقون، وأضعاف ما به كانوا يطالبون. اليس في ذلك تضييع لحقوق الكثيرين من الفقراء من غيرهم ؟ !


(1) المصدر السابق. (*)

[ 219 ]

حاشاه أن يصدر ذلك منه، أو أن يفكر فيه. 4 - هذا كله عدا عن أن حديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، والذي تفرد بروايته الخليفة الأول أبو بكر ! ! قد أثبت العلماء بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة عدم صحته. وقد رد علي وفاطمة " عليهما السلام " وكثير غيرهما روايته كما ذكرته الروايات الكثيرة وليس هاهنا محل بحث هذا الأمر فمن أراد ذلك، فليراجع كتب العقائد.

[ 221 ]

الفصل السادس: أراضي بني النضير والكيد السياسي

[ 223 ]

الغاصبون: وتذكر المصادر: أن السلطة قد استولت على باقي أموال بني النضير، التي احتفظ بها رسول الله " صلى الله عليه وآله "، ولم يقسمها بين أصحابه، وقد طالب بها أهل البيت فمنعوا منها ثم إن عمر بن الخطاب قد ردها إليهم، بعد سنين من توليه الحكم. ولكن حكاية مطالبة أهل بيت النبوة للخليفة الثاني بإرجاعها إليهم. قد تعرضت للدس والتشويه بصورة بشعة ومخجلة. ونحن نذكر نص الرواية هنا أولا، ثم نشير إلى بعض وجوه التشويه فيها، وإن كانت واضحة وظاهرة لكن أحد. نص الرواية: يقول النص التاريخي، وهو الذي ذكره مسلم بن الحجاج في صحيحه: " حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية: عن مالك، عن الزهري: أن مالك بن أوس حدثه قال: أرسل إلى عمر بن الخطاب، فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير، مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم، فقال لي: يا مالك، إنه قد دف أهل أبيات من قومك. وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فاقسمه بينهم.

[ 224 ]

قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري. بقال: خذه يا ملك. قال: فجاء يرفأ، فقال: هل لك - يا أمير المؤمنين - في عثمان وعبد الرحمان بن عوف، والزبير، وسعد ؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم فدخلوا. ثم جاء فقال: هل لك في عباس، وعلي ؟ قال: نعم. فأذن لهما، فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذه الكاذب الآثم، الغادر الخائن ! فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم. (فقال مالك بن أوس: يخهيل إلي: أنهم قد كانوا قدموهم لذلك). فقال عمر: اتئدا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون: أن رسول الله (ص) قال: لا نورث، ما نركنا صدقة ؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس، وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون: أن رسول الله (ص) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة ؟ قالا: نعم. فقال عمر: إن الله جل وعز كان خص رسوله (ص) بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره، قال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا)، قال: فقسم رسول الله (ص) بينكم أموال بني النضير فوالله، ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله (ص) يأخذ منه نفقة سنة،

[ 225 ]

ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون، ذلك ؟ قالوا: نعم. ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك ؟ قالا: نعم. قال: فلما توفي رسول الله (ص) قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله (ص) فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله (ص): ما نورث ما تركنا صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما، غادرا، خائنا، والله يعلم: إنه لصادق بار، راشد، تابع للحق. ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله (ص) وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبا، آثما، غادرا، خائنا، والله يعلم: إني لصادق بار، راشد، تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وانتما جميع، وأمر كما واحد، فقلتما: ادفعها الينا. فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله: أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله (ص)، فأخذتماها بذلك. قال: أكذلك ؟ ! قالا: نعم. قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما، فوالله، لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة، فان عجزتما عنها، فرداها إلي (1).


(1) صحيح مسلم ج 5 ص 151 - 153 وشرح النهج للمعتزلي الحنفي ج 16 ص 221 - 223 وراجع ص 229 وراجع: جامع البيان ج 28 ص 26 و 27 = (*)

[ 226 ]

زاد في نص آخر قوله: فغلب علي عباسا عليها، منعه إياها، فكانت بيد علي، ث كانت بيد الحسن، ثم كانت بيد الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن زاد في نص آخر: ثم عبد الله بن الحسن بن الحسن (1). قال الزهري: حدثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه، قال: فذكرت ذلك لعروة، فقال:


= وتاريخ المدينة ج 1 ص 202 - 204 وراجع ص 205 و 206 و 208 و 209 والصواعق المحرقة ص 35 و 36 وصحيح البخاري ج 3 ص 11 وراجع ج 2 ص 121 ووفاء الوفاء ج 3 ص 996 - 998 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 469 - 471 وسنن أبي داود ج 3 ص 139 و 140. وراجع ص 144 والبداية والنهاية ج 4 ص 203 وج 5 ص 287 و 288 والسيرة النبوية لإبن كثير ج 3 ص 386 وعمدة القارئ ج 14 ص 185 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 136 - 140 و 132 و 134 والجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 158. والأموال ص 17 و 18 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 335 و 336 ولباب التأويل ج 4 ص 246 و 247 والجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 11 وسنن النسائي ج 7 ص 136 ومسند أحمد وج 1 ص 208 و 209 و 60 وأشار إلى ذلك في الصفحات التالية: 20 و 48 و 49 و 162 و 164 و 179 و 191 وكنز العمال ج 7 ص 167 و 168 عن بعض من تقدم وعن: البيهقي وعبد بن حميد، وابن حبان، وابن مردويه والدر المنثور ج 6 ص 193 عمن تقدم وراجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 138 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 403. (1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 22 والطرائف ص 283 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 471 وراجع: صحيح مسلم ج 5 ص 155 ووفاء الوفاء ج 3 ص 998 والصواعق المحرقة ص 36 وصحيح البخاري ج 3 ص 11 وتاريخ المدينة ج 1 ص 202 و 205 وراجع ص 207 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 203 و 204 وج 5 ص 288 وفتح الباري ج 6 ص 145 والتراتب الإدارية ج 1 ص 402. (*)

[ 227 ]

صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة تقول: أرسل أزواج النبي (ص) عثمان بن عفان إلى أبي بكر، يسأل لهن ميراثهن من رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه، حتى كنت أردهن عن ذلك، فقلت: ألا تتقين الله، ألم تعلمن: أن رسول الله (ص) كان يقول: " لا نورث ما تركناه صدقة - يريد بذلك نفسه - إنما يأكل آل محمد من هذا المال ". فانتهى أزواج النبي (ص) إلى ما أمرتهن به (1). قال ابن كثير: " ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه، ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان، فغلبه عليها علي، وتركها له العباس، بإشارة ابنه عبد الله (رض) بين يدي عثمان - كما رواه أحمد في مسنده - فاستمرت في أيدي العلويين " (2). ونقول: إننا وإن كنا لا نستبعد أن يكون علي " عليه السلام " والعباس


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 223 وصحيح البخاري ج 3 ص 12 وأنساب الأشراف ج 1 (قسم حياة النبي " صلى الله عليه وآله ") ص 520 وراجع: صحيح مسلم ج 5 ص 153 لكن فيه: أنهن أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر، فيسألنه ميراثهن الخ. ومسند أبي عوانة ج 4 ص 145 وراجع ص 143 وطبقات ابن سعد ج 5 ص 471 و 472 والصواعق المحرقة ص 36 وراجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 150 والموطأ مطبوع بهامش تنوير الحوالك ج 3 ص 154 والبداية والنهاية ج 4 ص 203 وج 5 ص 288 وفتوح البلدان ج 4 ص 34 ومعجم البلدان ج 4 ص 239 والإيضاح لإبن شاذان ص 257 - 262 وراجع هوامشه. (2) السيرة النبوية ج 4 ص 573 والبداية والنهاية ج 5 ص 288 (*)

[ 228 ]

" رحمه الله " قد طظالبا عمر بن الخطاب بأراضي بني النضير، ولكننا نرى: أن حكاية هذه القطية بالشكل الآنف الذكر، لا ريب في كونها مكذوبة ومصنوعة، بهذف تبرئة ساحة الهيئة الحاكمة فيها أقدمت عليه من مصادرة أموال رسول الله " صلى الله عليه وآله " فور وفاته، وحرمان إبنته من إرثه. ولكن مخترعها، أو فقل الذي حرفها، وصاغها بهذا الشكل لم يكن ذكيا بالقدر الكافي، ولا له معرفة تؤهله للإحتراس من المؤخذات الظاهرة والواضحة، تاريخية كانت، أو تف سيرية، أو شرعية، أو غيرها كما سنرى. والأبدع من ذلك ! !: أننا نج الرواية قد ذكرت في كتب الصحاح، التي هي أصح الكتب - عند أآصحابها - بعد القرآن.. فكيف خفي أمرها على مؤلفي هذه الكتب، وهم الأئمة الكبار والعارفون، والضليعون في فنهم، حسبما يصفهم به اتباعهم ومحبوهم، والآخذون عنهم.. وقبل أن نشير إلى نقاط الضعف التي في هذه الرواية نذكر القارئ الكريم بأن ما سوف نذكره من نقاط - وان كان أكثره قد خطر في بالنا - ولكنه أيضا مما قد تنبه له الآخرون، ولذا فإننا سوف نشير إلى هؤلاء الذين سبقونا إلى ذلك، ناسبين الكلام إليهم، بل ومعتمدين في أحيان كثيرة في صياغة العبارة عليهم.. فنقول: المؤاخذات التي لا محيص عنها: وبعد.. فإنه يرد على الرواية المتقدمة: أولا: إن رواية مسلم تذكر: أن العباس، قال لعمر: " اقض بيني وبين هذا الآثم الغادر الخائن ". وهذا مما لا يتصور صدوره من العباس، إذ كيف ينسب هذه الأوصاف إلى من اعتبرته آيه المباهلة نفس النبي الأمين، ولمن شهد الله سبحانه له بالظهارة.

[ 229 ]

وكيف يسبه، وقد علم أن من سبه سب الله ورسوله.. فلا بد أن يكون هذا القول مكذوبا على العباس من المنافقين الذين يريدون سب الإمام الحق، على لسان غيرهم (1). ونشير هنا إلى ما يلي: أ: " استصوب المازري صنيع من حذف هذه الالفاظ من هذا الحديث وقال: لعل بعض الرواة وهم فيها " (2). فالمازري إذن يؤيد ويستوصب تحريف النصوص، وذلك من أجل الحفاظ على ماء الوجه. أمام الحقائق التاريخية الدامغة، فانهم حينما رأوا: أن كذبها صريح إلى درجة الفضيحة، ورأوا: أنها موجودة في صحاحهم، وتلك فضيحة أخرى أدهى وأمر - نعم حينما رأوا ذلك - التجأوا إلى هذا الأسلوب الساقط والرذل، ألا وهو التحريف والاسقاط، كما اعترف به المازري واستصوبه.. وهذا الأسلوب لا يزال متبعا عند خلف هؤلاء القوم، فنجد الوهابيين يحرفون كتب علمائهم، وغيرها، وكذلك غيرهم من أولئك الذين يخونون دينهم وأمتهم، بخيانتهم أماناتهم (3). ب: قال العسقلاني: إن المازري قال: " أجود ما تحمل عليه: أن العباس قالها دلالا على علي، لانه كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه. وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن عمد.


(1) دلائل الصد ج 3 قسم 1 ص 33. (2) فتح الباري ج 6 ص 143. (3) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التأريخ والإسلام ج 1، البحث الأول، ففيه بعض النماذج من ذلك. (*)

[ 230 ]

قال: ولا بد من هذا التأويل، لوقوع اذلك بمحضر الخليفه، ومن ذكر معه، ولم يصدر منهم إنكار لذلك، مع ما علم من تشددهم في إنكار المنكر " (1). ونقول للمازري: مرحبا وأهلا بهذا الدلال الوقح والمشين ! فهل كل من كان بمنزلة الوالد يحق له أنيسب الناس، ويتهمهم بالغدر، والخيانة، والإثم ؟ !. وأيضا.. فان رواية البخاري تقول: إنهما قد استبا (2)، فهل سب عليه " عليه السلام " للعباس كان دلالا أيضا وهل كان علي بمنزلة الوالد بالنسبة للعباس ؟ !. وهل كان هذا الدلال مما جرت عليه عادة العرب ؟ !. وهل يصح الردع عن الخطأ بهذا الأسلوب الفاحش والبذئ ؟ !. ثم إننا لم نعلم ما الذي فعله علي " عليه السلام " بأرض بني النضير حتى استحق الوصف بالغدر والخيانة ؟ !، فهل فعل فيها غير ما كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " يفعله ؟ ! ولو أنه تعدى في فعله، فهل يكون غادرا، وخائنا ؟ ! ولمن يا ترى ؟ ! وهل يمكن أن يظن علي بالعباس: أنه يرتكب الخطأ الفاحش الذي هو على حد الخيانة والغدر عن عمد وقصد ؟ !. أسئلة ننتظر الجواب عنها بصورة منصفة ومقنعة، وهيهات. وثانيا: قال العلامة المظفر: " إنه يصرح بأن عمر ناشد القوم ومن جملتهم


(1) فتح الباري ج 6 ص 143. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 11 وغيره.

[ 231 ]

عثمان، فشهدوا بأن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قال: لا نورث. وهو مناف لما رواه البخاري (1) عن عائشة، إنها قالت: أرسل أزواج النبي عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله، فكنت أنا أردهن الحديث.. فإنه يقتضي أن يكون عثمان جاهلا بذلك، وإلا لامتنع أإ يكون رسولا لهن، إلا أن يظن القوم فيه السوء ". وهذا أيضا قد أورده المعتزلي الحنفي (2). وقد حاول المعتزلي الإعتذار عن ذلك،: فقال: " اللهم إلا أن يكون عثمان وسعد، وعبد الرحمن، والزبير، صدقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه، وحسن الظن. وسموا ذلك علما لأنه قد يطلق على الظن إسم العلم ". ثم ذكر: أنه يجوز أن يكون عثمان في مبدأ الأمر شاكا في رواية أبي بكر، ثم يغلب على ظنه صدقه لا مارات اقتضت تصديقه. وكل الناس يقع لهم مثل ذلك (3). ونقول: أ: إن نفس المعتزلي يقول: إن أكثر الروايات: أنه لم يرو خبر " لا نورث " غير أبي بكر، ذكر ذلك أعظم المحدثين (4).. فمن أين جاءت هذه الإمارات على الصدق. لا سيما مع تكذيب


(1) تقدمت مصادر الرواية عن قريب، فقد رواها البخاري ومسلم وعبد الرزاق وغيرهم، فراجع. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 23 وشرح نهج البلاغة ج 16 ص 223. (3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 223 و 324. (4) سيأتي كلام المعتزلي هذا بعد أسطر. (*)

[ 232 ]

فاطمة له، وهي المطهرة بنص الكتاب العزيز، وكذلك مع إنكار علي والعباس، وغيرهم من خيار الأصحاب وأكابرهم.. ولو كان لديهم أدنى احتمال بصدق الحديث - ولو بأن يحتملوا أن يكون " صلى الله عليه وآله " قد أسر به إلى أبي بكر - لما بادروا إلى إنكاره، واستمروا على ذلك، حتى لقد توفيت الصديقة الزهراء " عليها السلام " مهاجرة له لأجل ذلك. إن المعتزلي وغيره - والحالة هذه - حين يصدقون حديث لا نورث، فإنهم يكونون قد طعنوا بالقرآن الذي نزه الزهراء، وعليها، وأهل البيت عليهم صلوات ربي وسلامه.. ب: إن ما ذكر، يبقى مجرد احتمال. ويبقى احتمال أن يكون قد جارى عمر، وشهد بما لا يعلم قائما وقويا، بعد أن كانت السلطة، التي كان عثمان أحد مؤيديها ومعاضديها، تتجه نحو تثبيت دعوى أبي بكر، وزعزعة موقف آل رسول الله " صلى الله عليه وآله ". وثالثا: قال العلامة الشيخ محمد حسن المظفر رحمه الله تعالى: " لو كان الذين ناشدهم عمر عالمين بما رواه أبو بكر لما تفرد أبن بكر بروايته عند منازعته فاطمة " عليها السلام ". فهل تراهم ذخروا شهادتهم لعمر، وأخفوها عن أبي بكر، وهو إليها أحوج ؟ ! " (1). وحول تفرد أبي بكر برواية الحديث، قال ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي:


(1) دلائل الصدق: ج 3 قسم 1 ص 33. (*)

[ 233 ]

".. إن أكثر الروايات: أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده، ذكر ذلك أعظم المحدثين. حتى إن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد. وقال شيخنا أبو علي: لا تقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة. فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم، واحتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده: نحن معاشر الأنبياء لا نورث الخ.. " (1). ورابعا: قال العسقلاني - وذكر ذلك غيره أيضا -: " وفي ذلك إشكال شديد، وهو: أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليها، قد علما: أنه " صلى الله عليه وآله " قال: لا نورث، فإن كانا سمعاه من النبي " صلى الله عليه وآله " فكيف يطلبانه منأبي بكر ؟ ! (2) وإن كان إنما سمعاه من أبي بكر، أؤ في زمنه، بحيث أفادهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر ؟ ! " (3). وقال العيني: ".. هذه القصة مشكلة، فانهما أخذاها من عمر


(1) شرح نهج البلافة ج 16 ص 227 وراجع ص 245. (2) وقد طالب العباس وفاطمة أبا بكر بالميراث أيضا، فراجع في ذلك: صحيح البخاري ج 3 ص 12 وشرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 24 وراجع: الصواعق المحرقة ص 37 ووفاء الوفاء ج 3 ص 996 وتاريخ المدينة ج 1 ص 197 والبداية والنهاية ج 5 ص 285 وج 4 ص 203 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 472 ومسند أبي عوانة ج 4 ص 145 ومسند أحمد ج 1 ص 10 و 4 وتلخيص الشافي ج 3 ص 131 و 132 ونهج الحق ص 360. (3) فتح الباري بج 6 ص 145 وراجع: دلائل الصد ج 3 قسم 1 ص 33 وراجع: حاشية السندي على صحيح البخاري، وهي مطبوعة بهامشه ج 2 ص 121 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224. (*)

[ 234 ]

(رض) على الشريطة. واعترفا بأنه " صلى الله عليه وآله قال: ما تركناه صدقة، فما الذي بدا لهما بعد ذلك حتى تخاصما ؟ ! " (1). وبعد أن ذكر العلامة المظفر " رحمه الله " تعالى. ما يقرب مما ذكره العسقلاني، وأن صريح أحاديث البخاري: أن العباس، وعليا " عليه السلام " قد طلبا الميراث من عمر، مع علمهما بأنه " صلى الله عليه وآله " قال: لا نورث.. قال: ".. وهو من الكذب الفضيع، لمنافاته لدينهما وشأنهما، وكونه من طلب المستحيل عادة، لأن أبا بكر قد حسم أمره، وكان أكبر أعوانه عليه عمر، فكيف يطلبان منه الميراث ؟ ! ومع ذلك، فكيف دفع لهما عمر مال بني النضير، ليع ملا به عمله، وعمل رسول الله (ص)، وأبي بكر ؟. وهما قد جاءاه يطلبان الميراث، ومخالفين لعلمهما، غير مبالين بحكم الله ورسوله، حاشاهما، فيكون قدحا في عمر " (2). واحتمال: أن يظنا بأن عمر لسوف ينقض قضاء أبي بكر.. قد دفعه المعتزلي بقوله: " وهذا بعيد، لأن عليا والعباس - في هذه المسألة - يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على لك، ألا تراه يقول: نسبتماني ونسبتما أبا برك إلى الظلم والخيانة ؟. فكيف يظنان: أنه ينقض قضاء أبي بكر، ويورثهما ؟ ! " (3).


(1) عمدة القارئ ج 21 ص 17. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 33 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 229 و 330. (3) شرح نهج البلاغة ج 16 ص 230. (*)

[ 235 ]

وأجابوا عن ذلك كله بجوابين: الأول: " كأن المراد: تسألني التصرف فيما كان نصيبك، لو كان هناك إرث " (1). وعلى حد تعبير ابن كثير: ".. كأن الذي سألوه، بعد تفويض النظر إليهما - والله أعلم -: هو أن يقسم بينهما النظر، فيجعل لكل واحد منهما نظر ما يستحقه بالأرض، لو قدر أنه كان وارثا.. إلى أن قال: وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة: بسبب إشاعة النظر بينهما. إلى أن قال: فكأن عمر تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث، ولو في الصورة الظاهرة، محافظة على امتثال قوله: لا نورث، ما تركناه صدقة " زاد العيني قوله: " فمنعهما عمر القسم، لئلا يجري عليها اسم الملك، لأن القسم يقع في الأملاك، ويتطاول الزمان، فيظن به الملكية " (2). أما الهيثمي، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال: " إستباب علي والعباس صريح في أنهما متفقان على أنها غير إرث، وإلا.. لكان للعباس سهم، ولعلي سهم زوجته. ولم يكن للخصام بينهما وجه، فخصامهما إنما هو لأجل كونها صدقة، وكل منهما يريد أن يتولاها، فأصلح بينهما عمر (رض)، وأعطاه لهما إلخ " (3)


(1) حاشية السندي على صحيح البخاري، مطبوعة بهامشه ج 2 ص 121. (2) راجع: البداية والنهاية ج 5 ص 288 وعمدة القارئ ج 21 ص 17 وراجع فتح الباري ج 6 ص 145. عن إسماعيل القاضي، وعن أبي داود في السنن، قال العسقلاني: وبه جزم ابن الجوزي، والشيخ محيي الدين، وتعجب العسقلاني من جزمهما هذا، فراجع. (3) الصواعق المحرقة ص 37. (*)

[ 236 ]

وقال إسماعيل القاضي: إنما تنازعا - يعني عند عمر - في ولاية الصدقة، وفي صرفها كيف تصرف (1). الثاني: ما أجاب به العسقلاني بقوله: " إن كلا من علي وفاطمة والعباس اعتقد: أن عموم قوله لا نورث، مخصوص ببعض ما يخلفه دون بعض، ولذلك نسب عمر إلى علي والعباس: أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك " (2). ونقول: إن ذلك لا يصح، أما بالنسبة لما عدا الجواب الأخير، فلما يلي: أ: إننا نقول: لو صح ما ذكروه لكان عمر اقتصر على ذكر هذا المعنى ولم يكن بحاجة إلى المناشدة المذكورة، والاستدلال على عدم كونها إرثا بحديث لا نورث. ب: قال العسقلاني: " لكن في. رواية النسائي، وعمر بن شبة (3)، من طريق أبي البخترى، ما يدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: ثم جئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا أريد نصيبي من امرأتي، والله، لا أقضي بينكما إلا بذلك، أي إلا بما تقدم من تسليمها لهما علي سبيل الولاية. وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس نحوه ". ثم ذكر دعوى أبي داود: أنهما أرادا من عمر أن يقسمها بينهما


(1) فتح الباري ج 6 ص 145. (2) المصدر السابق. (3) سنن النسائي ج 7 ص 136 وتاريخ المدينة ج 1 ص 204 وشرح النهج ج 16 ص 222 وراجع سائر المصادر التي تقدمت للرواية في أوائل هذا الفصل. (*)

[ 237 ]

للانفراد بالنظر فيما يتوليان، وأن أكثر الشراح اقتصروا عليه واستحسنوه ثم تنظر فيه بما تقدم. ثم إنه بعد ذلك تعجب من ابن الجوزي ومن الشيخ محيي الدين، لجزمهما بأن عليا والعباس لم يطلبا إلا قسمة النظر والولاية.. مع أن السياق صريح في أنهما جاءاه مرتين في طلب شئ واحد، ثم اعتذر بأنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون اللفظ الوارد في البخاري (1). ج: إن العم لا يرث مع وجود البنت لبطلان التعصيب، كما سيأتي. د: قول ابن كثير: إنه كان قد وقع بين علي والعباس خصومة شديدة، بسبب إشاعة النظر بينهما محض رجم بالغيب، إذ ليس في الرواية ما يدل على أن سبب الخصومة هو ذلك، ولا حدثنا التاريخ بشئ عن السبب المذكور. بل الأمر على العكس كما تقدم عن العسقلاني. ه‍: لم نفهم معنى لهذا التحرج المدعى من قبل عمر، فإنه إذا كان الأنبياء لا يورثون، فإن قسمة النظر بينهما لا تخالف حديث لا نورث - إن صح - لا في الظاهر ولا في الباطن، وإذا كان حديث لا نورث باطلا، وكانوا يورثون، فمخالفة الحديث لا ضير فيها ولا حرج. و: لم نفهم لماذا لا تصح القسمة إلا في الأملاك - كما ذكره العيني - وكيف غفل علي والعباس عن ذلك، وكيف لم يقل لهما عمر، ولا أحد ممن حضر الخصومة: إن القسمة لا تقع في الأملاك ؟ !. ز: لم نفهم كيف أسبح استباب علي والعباس دليلا على كون أرض بني النضير ليست إرثا، أليس الأرث يحتاج إلى القسمة، وقد يقع الخلاف في هذا القسم أو ذاك ؟ !، فلعل أحدهما يريد هذه القطعة، وذاك


(1) فتح الباري ج 6 ص 145. (*)

[ 238 ]

يريدها أيضا، فيقع الخصام، ويحتاج إلى الفصل بينهما، وإراحة كل منهما من الآخر. وأما بالنسبة لجواب العسقلاني، فإننا نقول: أ: قد صرح المعتزلي الشافعي بأن خبر أبي بكر يمنع من الإرث مطقا، قليلا كان أؤ كثيرا، ولا سيما مع إضافة كلمة: " ما تركناه صدقة ". وأضاف: " فإن قال قائل: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا، ولا فضة، ولا أرضا، ولا عقارا، ولا دارا.. قيل: هذا الكلام يفهم من مضمونه: أنهم لا يورثون شيئا أصلا، لأن عادة العرب جارية بمثل ذلك. وليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئا ما على الإطلاق " (1). وإن كان لنا تحفظ على إضافته المذكورة، فإن ظاهر قوله: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة إلخ.. أنهم ما جاؤا لأجل جمع حطام الدنيا لأنفسهم، وليورثوه أبناءهم، وإنما هم زهاد تاركون للدنيا، ولا يجمعون ذهبا ولا فضه ليقع في ميراثهم لمن بعدهم. ب: قول العسقلاني: إن اعتقاد علي والعباس ظلم من خالفهما يدل على اعتقادهما باختصاص حديث لا نورث ببعض الأموال دون بعض.. لا يصح، إذ كما يمكن أن يكون ذلك لأجل اعتقادهما بما ذكر، كذلك يمكن أن يكون لأجل اعتقادهما بعدم صحة أصل الحيدث، وأنه مجعول ومختلق.


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224. (*)

[ 239 ]

وهذا الثاني هو الصحيح، لإنكار علي " علية السلام "، وفاطمة " عليها السلام "، والعباس " رحمه الله " هذا الحديث من الأساس، ومطالبتهم بتركة رسول الله " صلى الله عليه وآله "، كما هو ظاهر لا يخفى. خامسا: إن العم لا يرث مع وجود البنت، كما هو الحق الذي لا محيص عنه. وإنما ترث البنت الواحدة نصف التركة بالفرض، والنصف الباقي بالرد عليها، والتعصيب يعني توريث العصبة النصف - كالعم - مع البنت، بالطل ولا يصح، وقد استدل العلماء على بطلانه بما لا مزيد عليه، فليراجع في مظانه (1). ويبدو: أن توريث العم - مع البنت الذي هو من التعصيب الباطل - قد نشأ عن إرادة تقوية موقف أبي بكر، وإضعاف موقف فاطمة وعلي " عليهما الصلاة والسلام ".. سؤال.. وجوابه: ويرد هنا سؤال، وهو: أنه إذا كان العباس لا يرث، فلماذا شارك في المطالبة بإرث النبي " صلى الله عليه وآله " من أبي بكر، ثم من عمر ؟ !. وأجاب السيد ابن طاووس بأن هذه المطالبة، بل وحتى إظهار الخصومة مع علي في ذلك عند عمر، قد كان لأجل مساعدة علي وفاطمة " عليهما السلام "، وقطع حجة أبي بكر، وإقامة الحجة على عمر في ذلك، ثم ذكر ابن طاووس هنا قصة الجارية التي قالت للرشيد العباسي:


(1) راجع: جواهر الكلام ج 39 ص 99 - 105، وتلخيص الشافي ج 1 هامش ص 254 - 259 ونهج الحق ص 515 واللمعة الدمشقية ج 8 ص 79 و 80 والحدائق الناضرة - كتاب المواريث - ص 49 - 55 وأي كتاب فقهي لشيعة الإمامية تعرض فيه لمسائل الإرث. (*)

[ 240 ]

إن عليا والعباس كانا في هذه القضية كالملكين، الذين تحاكما إلى داود في الغنم، حيث أرادا تعريفه وجه الحكم، فكذلك أراد علي والعباس تعريف أبي بكر وعمر: أنهما ظالمان لهما بمنع ميراث نبيهما (1). وقد يجاب عن ذلك بأن العباس كان يظن في ظاهر الحال أنه يرث النبي (ص) لعمرمته له، وكان علي " عليه السلام " يرفض ذلك، على اعتبار أن العم لا يرث، فترافعا إلى عمر على هذا النحو ليقيما الحجة عليه. سادسا: قال الشيخ المظفر " رحمه الله ": " إن أمير المؤمنين لو سمع ذلك، أي حديث: لا نورث الخ..، فلم ترك بضعة الرسول أن تطالب بما لا حق لها فيه ؟ ! أخفى ذلك عنها راضيا بأن تغصب مال المسلمين ؟ ! أو أعلمها فلم تبال ؟ ! وعدت على ما ليس لها فيه حق ! فيكون الكتاب كاذبا، أو غالطا بشهادته لهما بالطهارة، فلا مندوحة لمن صدق الله، وكتابه، ورسوله " صلى الله عليه وآله " أن يقول بكذب هذه الأحاديث " (2). وقال المعتزلي: ".. وهل يجوز أإ يقال: إن عليا كان يعلم ذلك، ويمكن زوجته أن تطلب مالا تستحقة ؟ ! خرجت من دارها، ونازعت أبا بكر، وكلمته بما كلمته إلا بقوله، وإذنه ورأيه ! " (3). سابعا: قال المظفر والمعتزلي: " إن أمير المؤمنين والعباس، لو كان سمعا


(1) راجع: الطرائف ص 283 - 285. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 33. (3) شرح النهج ج 16 ص 224. (*)

[ 241 ]

من النبي ما رواه أبو بكر، حتى أقرا به لعمر، فكيف يقول لهما عمر: - كما في حديث مسلم -: رأيتما أبا بكر كاذبا، آثما، غادرا، خائنا. ورأيتماني آثما، غادرا، خائنا " (1). ثامنا: قال العلامة الحلي ما حاصله: إن عمر بن الخطاب قد أخبر: أن عليا والعباس يعتقدان فيه وفي أبي بكر بأنهما: كاذبان آثمان غادر ان خائنان، فإن كان ذلك حقا، فهما لا يصلحان للخلافة، وإن كان كذبا، لزمه تطرق الذم إلى علي والعباس، لا عتقادهما في أبي بكر، وعمر ما ليس فيهما، فكيف استصلحوا عليا للخلافة. مع أن الله قد نزهه عن الكذب والزور وطهره.. وإن كان عمر قد نسب إلى العباس وعلي شيئا لا يعلمانه، لزمه تطرق الذم إلى عمر نفسه، لأنه يفتري عليهما، وينسب إليهما ما لا يعتقدانه.. مع أن البخاري ومسلما ذكرا في صحيحيهما: أن قول عمر هذا لعلي والعباس، قد كان بمحضر مالك بن أوس، وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، والزبير وسعد. ولم يعتذر أمير المؤمنين عن هذا الاعتقاد الذي نسب إليهما، ولا أحد من الحاضرين اعتذر لأبي بكر وعمر (2). وأجاب البعض عن ذلك: بأنه قد جاء على لسان عمر على سبيل الفرض والتقدير، والزعم، فإن الحاكم إذا حكم بخلاف ما يرضي الخصم، يقول له: تحسبني ظالما ولست كذلك، ولذلك لم يعتذر علي


دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 33 وشرح النهج للمعتزلي الشافعي ج 16 ص 226. (2) نهج الحق ص 365 و 366 وراجع دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 124 و 125. (*)

[ 242 ]

ولا العباس ولا غيرهما ممن حضر (1). ورد عليه العلامة المظفر " رحمه الله "، بأن هذا مضحك، إذ كيف لا يكون على سبيل الحقيقة، وهما إنما يتنازعان عند عمر في ميراث النبي " صلى الله عليه وآله " بعد سبق رواية أبي بكر وحكمه، فإن هذا النزاع بينهما لا يتم إلا بتكذيبهما لأبي بكر في حديثه، وحكمهما عليه بأنه آثم غادر خائن على وجه يعلمان: أن عمر عالم بكذب حديث أبي بكر، وأن موافقته له في السابق كان لسياسة دعته إلى الموافقة، ولو لم يكونا عالمين بأن عمر عالم بكذب حديث أبي بكر، لم يصح ترافعهما إلى عمر من جديد (2). تاسعا: إن من المعلوم: أإ الحكام بعد رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد دفعوا الحجر إلى زوجاته " صلى الله عليه وآله " (3). كما أن خلفاء بني العباس قد تداولوا البردة والقضيب (4) وقد قال ابن المعتز مخاطبا العلويين: ونحن ورثنا ثياب النبي فلم تجذبون بأهدابها لكم رحم يا بني بنته ولكن بنو العم أولى بها (5)


(1) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 126. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 128 و 129. (3) راجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 129 و 130 ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 129 ونهج الحق ص 366. (4) تلخيص الشافي ج 3 ص 147 و 148. (5) ديوان ابن المعتز ص 29 وراجع: تلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش والغدير ج 6 ص 52. (*)

[ 243 ]

فأجابه الصفي الحلي بقوله: وقلت ورثنا ثياب النبي فكم تجذبون بأهدابها وعندك لا يورث الأنبياء فكيف حظيتم بأثوابها (1) وقال الشريف الرضي " رحمه الله ": ردوا تراث محمد ردوا ليس القضيب لكم ولا البرد (2) كما أنهم دفعوا آلته وبغلته وحذاءه مخاتمه وقضيبه إلى علي " عليه الصلاة والسلام " (3). وعليه فيرد ما أورده المعتزلي الشافعي هنا حيث قال: " إذا كان " صلى الله عليه وآله " لا يورث، فقد أشكال دفع آلته ودابته، وحذائه إلى علي " عليه السلام "، لأنه غير وارث في الأصل. وإن كان إعطاؤه ذلك لأن زوجته بعرضة أن ترث لولا الخبر، فهو أيضا غير جائز، لأن الخبر قد منع أن يرث منه شيئا، قليلا كان أو كثيرا ". (ثم ذكر ما تقدم عنه آنفا حين الجواب على ما ذكره العسقلاني، الذي ادعى: أن عليا " عليه السلام " والعباس توهما: أن " لا نورث " ليست عامة) ثم قال: ".. فإنه جاء في خبر الدابة والآلة، والحذاء: أنه روي عن النبي " صلى الله عليه وآله ": " لا نورث، ما تركناه صدقة " ولم يقل:


(1) راجع: ديوان الصفي الحلي وراجع تلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش والغدير ج 6 ص 53. (2) ديوان الشريف الرضي ج 1 ص 407 وتلخيص الشافي ج 3 ص 148 هامش. (3) راجع: مناقب آل أبي طالب لإبن شهر آشوب ج 1 ص 262 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224 و 214 وتلخيص الشافي ج 3 ص 147 وفي هامشه أيضا عن: الرياض النضرة. (*)

[ 244 ]

" لا نورث كذا وكذا " وذلك يقضي عموم انتفاء الأرث عن كل شئ " (1). عاشرا: لقد قال أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما قبض رسول الله " صلى الله عليه وآله " أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أأنت ورثت رسول الله أم أهله ؟ !. فقال: لا بل أهله. فقالت: فأين سهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " ؟ ! فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: " إن الله إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده ". فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: فأنت وما سمعت عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " (2). فنلاحظ: أإ الخليفة يعترف بأإ أهل النبي " صلى الله عليه وآله " يرثونه. وذلك يكذب دعوى: أن الأنبياء لا يورثون (3). ولكنه عاد فادعى أنه يعود إليه لأنه قام بعد الرسول. ولعل قول فاطمة أخيرا: فأنت وما سمعت من رسول الله، ظاهر في أنها تشك في صحة الحديث، وأرجعت الأمر إلى الله سبحانه ليحكم في


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 224. (2) مسند أحمد ج 1 ص 4 والبداية والنهاية ج 5 ص 289 وشرح النهج للمتزلي ج 16 ص 218 و 219 ودلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 44 عن كنز العمال ج 3 ص 130 عن أحمد وابن جرير، والبيهقي وغيرهم وراجع: سنن أبي داود ج 3 ص 144. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 219. (*)

[ 245 ]

هذا الأمر.. ولنا أن نحتمل: أن السلطة قد سارت في موضوع إرث النبي " صلى الله عليه وآله " بخطوات تراتبية تصعيدية، وربما تكون هذه القضية للزهراء " عليها السلام " مع أبي بكر من الخطوات في هذا الإتجاه، ثم تلاها غيرها إلى أن انتهوا إلى إنكار إرثها " عليها السلام " من الأساس. حادي عشر: قد اعترض ابن طاووس على دعوى: أن عليا قد غلب العباس على أرض بني النضير، وقال: إن ذلك غير صحيح. " لا ستمرار يد علي " عليه السلام " وولده على صدقات نبيهم، وترك منازعة بني العباس لهم، مع أن العباس ما كان ضعيفا عن منازعة علي، ولا كان أولاد العباس ضعفاء عن المنازعة لأولاد علي في الصدقات المذكورة ". ثم ذكر " رحمه الله " روايتين عن قثم وعن عبد الله إبني عباس، يقرران فيها: أن الحق في إرث رسول الله " صلى الله عليه وآله " لعلي " عليه السلام " (1). ويجب أن لا ننسى مدى حرص الحكام على كسر شوكة علي " عليه السلام "، وإبطال قوله وقول أهل بيته، سواء في ذلك اولئك الذين استولوا على تركة النبي " صلى الله عليه وآله "، أو الذين أتوا بعدهم من الأمويين أؤ العباسيين. ثاني عشر: قال العلامة: " كيف يجوز لأبي بكر أن يقول: أنا ولي رسول الله، وكذا لعمر، مع أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " مات، وقد جعلهما من


(1) راجع: الطرائف لإبن طاووس ص 284 و 285.

[ 246 ]

جملة رعايا أسامة بن زيد " (1). وأجاب البعض: أن المراد بالولي: من تولى الخلافة، فإنه يصبح المتصرف في أمور رسول الله " صلى الله عليه وآله " بعده، وتأمير أسامة عليهما لا يجعلهما من رعاياه، بل هم جميعا من رعايا النبي " صلى الله عليه وآله " (2). وهو جواب لا يصح، فقد قال الشيخ محمد حسن المظفر " رحمه الله "، ما حاصله: إن الولي للشخص هو المتصرف في أموره، لسلطانه عليه ولو في الجملة، كالمتصرف في أمور الطفل والغائب، ولا يصدق على الوكيل أنه ولي، مع أنه متصرف في أموره، فلا أقل من أن ذلك إساءة أدب معه " صلى الله عليه وآله " لم يستصلحهما حين وفاته إلا أإ يكونا في جملة رعايا أسامة، فكيف صلحا بعده للإمامة على الناس عامة ومنهم أسامة. على أن إضافة الولي إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله "، من دون اعتبار السلطنة في معنى الولي تقتضي ظاهرا: أن تكون الولاية مجعولة من النبي " صلى الله عليه وآله "، لأنها من إضافة الصفة إلى الفاعل، لا إلى المفعول، وذلك باطل بالإتفاق. وإكار إطلاق الرعية على مثل تأمير أسامة في غير محله (3). ثالث عشر: قال العلامة الحلي ما حاصله: كيف استجاز عمر أن يعبر عن النبي


(1) نهج الحق ص 364 وراجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 124. (2) هذا كلام ابن روزبهان في كتابه المسمى: " إبطال نهج الباطل " فراجع دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 125. (3) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 126. (*)

[ 247 ]

" صلى الله عليه وآله " للعباس: تطلب ميراثك من ابن أخيك، مع أن الله تعالى يخاطبه بصفاته، مثل يا أيها الرسول، يا أيها النبي، ولم يذكره باسمه إلا في أربعه مواضع شهد له فيها بالرسالة لضرورة تخصيصه وتعيينه.. وقد قال الله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعطا) (1). ثم عبر عمر عن ابنته مع عظم شأنها وشرف منزلتها بقوله: يطلب ميراث إمرأته (2). أضف إلى ذلك: أنه عبر عن أمير المؤمنين " عليه السلام " بإسم الإشارة، فقال: " هذا ". وأجاب البعض: بأنه " إنما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث كيف يقسم أن لو كان هناك ميراث، لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام " (3). وقال آخر: هذا القول من عمر قد جاء على طريق محاورات العرب، وهو يتضمن ذكر علة طلب الميراث، وهو كونه ابن أخيه، وليس فيه إساءة أدب، وعمر لم يذكر النبي باسمه.. وبالنسبة للزهراء، فإن الأولى ترك ذكر النساء باسمائهن في محضر


(1) النور: 63. (2) نهج الحق ص 365 وراجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 123 وراجع: ميزان الإعتدال ج 2 ص 611 وسير أعلام النبلاء ج 9 ص 572 وفي هامشه عن الضعفاء للعقيلي ص 265 و 266. (3) فتح الباري ج 6 ص 144 و 145. (*)

[ 248 ]

الرجال، فهو متأدب في ترك ذكر اسمها، لا مسئ للأدب بذلك (1). ولكنها أجوبة لا تصح، فقد قال العلامة المظفر " رحمه الله " تعالى، ما حاصله: إن محاورات العرب إذا اقتضت التوهين برسول الله " صلى الله عليه وآله "، فلا بد من تركها، فإنه لا يصح ترك أدب القرآن، والعمل بآداب الأعراب، وأهل الجاهلية.. وبالنسبة إلى علة الميراث، فإنه لا حاجة إلى ذكرها، وترك الأدب مع الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". فهل لم يكن علي " عليه السلام " والعباس (ر 5) أو أحد من الحضور يعلم هذه العلة ؟ !. هذا.. بالإضافة إلى أنه كان يمكنه ذكر علة الميراث، ومراعاة الأدب معه " صلى الله عليه وآله " في آن واحد. وبالنسبة إلى أن عمر لم يذكر النبي " صلى الله عليه وآله " باسمه الشريف، فإن المقصود: أن تكريمه " صلى الله عليه وآله " مطلوب، وليس في عبارته ذلك، وقد قال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا). كما أن تعبيره ب‍ " إمرأته " ليس فيه علة الميراث التي هي بنوتها لرسول الله " صلى الله عليه وآله ". وقد كان يمكنه إحترام الزهراء بذكر بعض ألقابها. وعدم ذكر النساء بأسمائهن لا يحل المشكلة، فقد كان يمكنه تجنب إسمها " عليها السلام "، وذكرها ببعض ألقابها المادحة لها (2). الإنتصار لرسول الله (ص)، أم لعمر الفاروق:


(1) هذا كلام الفضل بن روزبهان، راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 125. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 127. (*)

[ 249 ]

قال العقيلي: " سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق، فأكثر عنه، ثم خرق كتبه، ولزم محمد بن ثور، فقيل له في ذلك، فقال: كنا عند بعد الرزاق، فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان الحيدث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: " فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث إمرأته من أبيها ". قال عبد الرزاق: أنظروا إلى الأنوك يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث إمرأته من أبيها ألا يقول: رسول الله (ص) ؟ !. قال زيد بن المبارك، فقمت، فلم اعد إليه، ولا أروي عنه. قال الذهبي: " لا اعترض على الفاروق (رض) فيها، فإنه تكلم بلسان قسمة التركات " (1). وقال: " إن عمر إنما كان في مقام تبييين العمومة والبنوة، وإلا.. فعمر (ض) أعلم بحق المصطفى وبتوقيره " صلى الله عليه وآله " وتعظمه من كل متحذلق متنطع. بل الصواب ان نقول عنك: أإظروا إلى هذا الأنوك الفاعل - عفا الله عنه - كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق ؟ ! (2). ونقول:


(1) راجع: الضعفاء الكبير ج 3 ص 110 وميزان الإعتدال ج 2 ص 611 وسير أعلام النبلاء ج 9 ص 572 وفي هامشه عن الضعفاء للعقيلي ص 265 و 266 ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 127. (2) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 572. (*)

[ 250 ]

1 - إن بيان العمومة والبنوة ليس ضروريا هنا، وذلك لوضوحه لكل أحد.. 2 - إن بيانهما والتكلم بلسان قسمة التركات لا يمنع من الإتيان بعبارة تفيد توقير رسول الله " صلى الله عليه وآله " واحترامه. 3 - إن التكلم بلسان قسمة التركات في غير محله، لأن العباس لا يرث، لبطلان التعصيب.. 4 - إذا صح: أن النبي " صلى الله عليه وآله " لا يورث، فلا حاجة إلى التحدث بلسان قسمة التركات، لا سيما وأن المطلوب - حسب ما يدعون - هو قسمة النظر، كما تقدم. وتقدم بطلانه.. 5 - إن زيد بن المبارك لا يعود إلى عبد الرزاق، لأنه رآه ينتصر لرسول الله " صلى الله عليه وآله "، وينتقد عمر علي عدم توقيره للنبي " صلى الله عليه وآله ". وهذا من ابن المبارك عجيب ! ! وعجيب جدا ! !. 6 - إن الذهبي، وغيره يغضبون لعمر، ويشتمون عبد الرزاق لتوهينه عمر، ولا يغضبون لرسول الله " صلى الله عليه وآله "، ولا يقبلون حتى بانتقاد من يتصدى لإهانته " صلى الله عليه وآله وسلم ".. 7 - إنهم يطلبون من عبد الرزاق أن يذكر عمر بألقابه، ولا يطلبون من عمر أن يذكر النبي بألقابه التي شرفه الله تعالى بها.. فإنا الله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. يحسبهم الجاهل أغنياء: وبعد.. فإن إلقاء نظرة فاحصة على حياة فاطمة الزهراء " عليها السلام "، تعطينا: أنها " صلوات الله وسلامه عليها "، لم تتغير حياتها - بعد فتح بني النضير وخيبر، وملكها فدكا وغيرها - عما كانت عليه قبل

[ 251 ]

ذلك، رغم غلتها الكثيرة والوافرة، فهي لم تعمر الدور، ولم تبن القصور، ولا لبست الحرير والديباج، ولا اقتنت النفائس، ولا احتفظت لنفسها بشئ. وهكذا كانت حال زوجها علي " عليه الصلاة والسلام " رغم توفر الأموال له. بينما نجد: أن بعض أولئك الذين استفادوا من أموال بني النضير وغيرها قد خلفوا من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، ويكفي أن نذكر هنا.. 1 - أن الزبير بن العوام بنى داره المشهورة بالبصرة، وفيها الأسواق، والتجارات، وبنى دارا في الكوفة، ومصر، والإسكندرية، وبلغ ثمن ماله خمسين ألف دينار، وترك أذلف فرس، وألف مملوك، توخططا بمصر والإسكندرية، والكوفة والبصرة (1). وقالوا: كان للزبير خمسون مليونا ومئتا ألف. وقيل: بل مجموع ماله سبعة وخمسون مليونا وست مئة ألف (2). 2 - أما عبد الرحمان بن عوف: فقد كان له ألف بعير، وعشرة آلاف شاة، ومائة فرس، وصولحت إحدى نسائه على ربع ثمن ماله بأربعة وثمانين ألف دينار (3). وعن أم سلمة: أن عبد الرحمن بن عوف دخل عليها، فقال: يا


(1) مشاكلة الناس لزمانهم ص 13 وحديث الألف مملوك موجود أيضا في: ربيع الأبرار ج 1 ص 830 وراجع: حيالة الصحابة ج 2 ص 242 وحلية الأولياء ج 1 ص 90 وجامع بيان العلم ج 2 ص 17 وراجع: البداية والنهاية ج 5 ص 345 وراجع: التراتب الإدارية ج 2 ص 397 - 404 و 24 - 29. (2) راجع: حياة الصحابة ج 2 ص 244 والبداية والنهاية ج 7 ص 249. (3) راجع: البداية والنهاية ج 7 ص 164 ومشاكلة الناس لزمانهم ص 14 وحديث ربع الثمن هذا موجود في جامع بيان العلم ج 2 ص 16 و 17. (*)

[ 252 ]

أمه، قد خفت أن تهلكني كثرة مالي، وأنا أكثر قريش مالا إلخ (1). وحينما مات ابن عوف جئ بتركته إلى مجلس عثمان، فحالت البدر بين عثمان وبين الرجل القائم في الجهة الأخرى، وفي هذه المناسبة ضرب أبو ذر كعب الأحبار بالعصا على رأسه فكانت النتيجة هي نفي أبي ذر (2). وبعد إخراج وصاياه كلها، فإنه قد ترك مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفؤوس، حتى مجلت أيدي الرجال (3). 3 - إن عمر بن الخطاب الذي استفاد هو الآخر من أموال بني النضير وغيرها، كان أيضا يملك ثروة هائلة في أيام خلافته، بل هو يدعي: أنه كان في مكة من أكثر قريش مالا كما ذكره ابن هشام، حين الحديث عن هجرته هو وعياش بن أبي ربيعة، فقد أصدق إحدى زوجاته أربعين ألف دينار أو درهم (4)، وقيل: عشرة آلاف. وأعطى صهرا له قدم عليه من مكة عشرة آلاف درهم من صلب ماله (5).


(1) كشف الأستار ج 172 3 وراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 72 وقال: رجاله رجال الصحيح. (2) راجع:، مروج الذهب ج 2 ص 340 ومسند أحمد ج 1 ص 63 وحلية الأولياء ج 1 ص 160. (3) البداية والنهاية ج 7 ص 164 وراجع في مقدار تركته مآثر الإنافة ج 1 ص 96 وهناك تفاصيل عجيبة ذكرها في التراتيب الإدارية ج 2 ص 397 حتى ص 405 و 24 - 29. (4) راجع: الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 55، والبحر الزخار ج 4 ص 100 والتراتيب الإدارية ج 2 ص 405. (5) طبقات ابن سعد ج 3 ص 219 والفتوحات الإسلامية ج 2 ص 390، وحياة الصحابة ج 2 ص 256 عن ابن سعد، وعن كنز العمال ج 2 ص 317، وعن ابن جرير، وابن عساكر. (*)

[ 253 ]

كما أن: " إبنا لعمر باع ميراثه من ابن عمر (1) بمائة الف درهم " (2). وفي نص آخر: أن ثلث مال عمر كان أربعين ألفا، أوصى بها. وإن كان الحسن البصري قد استبعد ذلك، واحتمل أن يكون قد أوصى بأربعين ألفا فأجازوها (3). لقد كان هذا في وقت كان يعيش الناس فيه أقسى حياة تمر على إنسان، حتى إن بعضهم لم يكن يملك سوى رقعتين، يستر بإحداهما فرجه، وبالأخرى دبره (4). فهؤلاء يجمعون الأموال، ويتنعمون بها، يرثها عنهم أبناؤهم وزوجاتهم، ليكون لها نفس المصير أيضا. وفي المقابل، فإن عليا أمير المؤمنين " عليه الصلاة والسلام "، الذي وقف على الحجاج مائة عين استنبطها في ينبع (5) يروى عنه: أن صدقات


(1) لعل الصحيح: من عمر، وذلك لأن المفروض: أن الوارث هو ابن عمر، فالمتورث لابد أن يكون هو عمر نفسه. واحتمال أن يكون المراد بابن عمر هو عبد الله، ويكون أحد أبناء عمر قد باع ميراثه من ابيه إلى أخيه عبد الله بمائة الف. هذا الإحتمال بعيد عن مساق الكلام وقد كان ينبغي الفات النظر إلى ذلك مع العلم بأن هذا الإحتمال، لا يضر بما نريد أن نستفيده من هذا النص، وذلك ظاهر. (2) جامع بيان العلم ج 2 ص 17. (3) المصدر السابق. (4) المصنف لعبد الرازاق ج 6 ص 367 وراجع: ص 268 والسنن الكبرى ج 7 ص 209. (5) أصول مالكيت ج 2 ص 79 عن المناقب ج 2 ص 123 وراجع البحار ج 41 ص 32 وراجع حول ثورته عليه السلام ايضا ج 41 ص 125 ففيه قصة طريفة حول هذا الموضوع وراجع الوسائل ج 12 ص 225. (*)

[ 254 ]

أمواله قد بلغت في السنة أربعين الف دينار (1). وكانت صدقاته هذه كافية لبني هاشم جميعا (2)، إن لم نقل إنها تكفي أمة كبيرة من الناس من غيرهم، إذا لا حظنا أن ثلاثين درهما كانت كافية لشراء جارية للخدمة، كما قاله معاوية لعقيل. وكان الدرهم يكفي لشراء حاجات كثيرة بسبب قلة الأموال حينئذ، ولغير ذلك من أسباب.. نعم.. إننا نجد عليا " عليه السلام " لم يلبس ثوبا جديدا، ولم يتخذ ضيعة، ولم يعقد على مال، إلا ما كان بينبع، والبغيبغة، مما يتصدق به " (3). كما أنه لم يترك حين وفاته سوى سبع مائة درهم أراد أن يشتري بها خادما لأهله (4) وقد أمر برد هذه السبع مائة درهم إلى بيت المال بعد وفاته،


(1) راجع: كشف المحجة ص 134 والبحار ج 41 ص 26 و 43 وأنساب الأشراف ج 2 ص 117 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 560 ومسند أحمد ج 1 ص 159 وينابيع المودة ص 372 عن فصل الخطاب لخواجة پارسا وأسد الغابة ج 4 ص 23 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 199 ومجمع الزوائد ج 9 ص 123 والتراتيب الإدارية، ج 1 ص 407 وتهذيب الأسماء ج 1 ص 346 وصيد الخاطر ص 26 وملحقات إحقاق الحق ج 8 ص 574 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 72 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 450 و 451 وحلية الأولياء ج 1 ص 86 وكنز العمال ج 15 ص 159 عن أحمد وأبي نعيم والدورقي، والضياء في المختارة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 207. والرياض النضرة ج 4 ص 208 وعن ارجح المطالب ص 166 وعن ربيع الأبرار وراجع: أصول مالكيت للأحمدي ج 2 ص 74. (2) كشف المحجة ص 124 والبحار ج 41 ص 26. (3) مشاكلة الناس لزمانهم ص 15. (4) البحار ج 40 ص 340 وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 وينابيع المودة ص 208 والإمامة والسياسة ج 1 ص 162 والفتوح لإبن أعثم ج 4 ص 146 والإستيعاب بهامش الإصابة ج 3 ص 48 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 207. (*)

[ 255 ]

كما ذكره الإمام الحسن " عليه السلام " في خطبته (1) آنئذ. وعاش ومات، وما بنى لبنة على لنة، ولا قصبة على قصبة (2). وباع سيفه وقال: لو كان عندي ثمن عشاء - أو إزار - ما بعته (3). ويقول عنه معاوية: " والله، لو كان له بيتان، بيت تبن وبيت تبر لأنفذ تبره قبل تبنه " (4). وكان مصير تلك الأراضي ولأموال والأملاك، أنه " عليه السلام " تصدق بها، ووقفها على المسلمين، ولم يبق منها شئ حين وفاته " صليوات الله وسلامه عليه (5)، كما هو صريح خطبة ولده السبط حين توفي والده. وقد قال " عليه السلام ": أنا الذي أهنت الدنيا (6) وقد كان من أهم أسباب انصراف العرب عن على " عليه السلام " سيرته في المال، حيث لم يكن يحابي أحدا في هذا الأمر (7). (1) الفتوح لإبن أعثم ج 4 ص 146. (2) تهذيب الأسماء ج 2 ص 346 وأسد الغبة ج 4 ص 24 والمناقب للخوارزمي ص 70 والبداية والنهاية ج 8 ص 55 والبحار ج 40 و 322. (3) كشف المحجة ص 124 وراجع: أصول مالكيت ج 2 ص 78 - 98 عن مصادر كثيرة والبحار ج 41 ص 324. (4) كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين للحلي ص 475 وكشف الغمة ج 2 ص 47 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمحودي) ج 3 ص 58 و 60. (5) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 وكشف المحجة ص 126 والبحار ج 4 ص 340. (6) ترجمة الإمام علي (لإبن عساكر) بتحقيق المحمودي ج 3 ص 202 وحياة الصحابة ج 2 ص 310 والبداية والنهاية ج 8 ص 5. (7) البحار ج 41 ص 133 عن المعتزلي في شرح نهج البدغة. (*)

[ 256 ]

وكذلك كان حال زوجته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء " عليها صلوات ربي وسلامه "، فإنها لم تزل تتصدق بغلة فدك وغيرها، وتنفف الأموال في سبيل الله سبحانه، لتعيش هي " عليها السلام " حياة الزهد، والعزوف عن الدنيا، وعن زبارجها وبهارجها. وحتى هذه الموقوفات والصدقات، فإنها لم تسلم من الظلم والظالمين، فقد استولى الحكام عليها، ومنعوا من استمرار انفاقها في سبيل الله، ومن انتفاع الفقراء والمحتاجين بها، ولتصبح بأيدي خصماء أهل البيت من بني أمية، الذين كانوا يخضمون مال الله خضم الإبل نبته الربيع، على حد تعبير علي " عليه اليلام " في خطبته الشقشقية المذكورة في نهج البلاغة. الزهد.. الحرية: وكلمة أخيرة نود تسجيلها هنا، وهي: أن بعض الناس يرى في الزهد معنى غير واقعي، ولا سليم. فيرى: أن الزهد هو: أن يلبس الإنسان الخشن، ويأكل من فضول طعام الناس، ويتخلى عن كل شؤون الحياة، فلا يعمل، ولا يسعى، ولا يكد على عياله، ولا يملك شيئا من حطام الدنيا.. وذلك لأن عمله، وحصوله على المال إنما يعني: أنه يحب الدنيا، وليس ذلك من الزهد في شئ. وإذا كان لا مال لديه، فلا يكون مكلفا بشئ، ولا يتحمل أية مسؤولية مالية، لا تجاه نفسه، ولا تجاه غيره. ونقول: إن هذا الفهم للزهد، غير مقبول في الإسلام، بل هو خطأ كبير وخطير، فإن الحصول على المال لا ينافي الزهد ما دام يضعه في مواضعه

[ 257 ]

التي يريدها الله، فقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قوله: نعم المال الصالح للرجل الصالح (1). فالإسلام يقول: إنك إذا استطعت أن تحصل على المال لتوظفه في قضاء حاجات المؤمنين، وليكون وسيلة لإحياء الدين، ونشر تعاليمه، ويكون قوة على الأعداء، وسببا في دفع البلاء. فإن ذلك لازم إن لم يكن واجبا شرعيا، يعاقب الله على تركه، وعلى عدم التقيد به.. غاية الأمر: أنه يقول: لا يجوز أن يتحول هذا المال إلى إله يعبد، وإلى سيد يطاع، وإلى مالك لرقبة صاحبه، فإنه: " ليس الزهد أن لا تملك شيئا، ولكن الزهد أن لا يملكك شي ". والتعبير عن الزهد بأنه حرية وانعتاق قد ورد عنهم " عليهم الصلاة والسلام " فلتراجع كتب الحديث والرواية (2). وهذا.. بالذات هو المنهج الذي سار عليه النبي " صلى الله عليه وآله " الذي ملك الفئ والخمس وغير ذلك، ولكنه لم يصبح مملوكا لما ملكه.. وكذلك الحال بالنسبة إلى بضعته الصديقة الطاهرة، وعلي أمير المؤمنين " عليه السلام "، والأئمة الطاهرين من ولده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. الزهراء.. في مواجهة التحدي: إن مطالبة علي " عليه السلام " بأموال بني النضير، ومطالبة الزهراء بفدك، وبسهمها بخيبر، وبسهمها من الخمس، وبإرثها أيضا من أبيها الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله ".. وآصرارها على تحدي السلطة


جامع بيان العلم ج 2 ص 16 ومسند أحمد ج 4 ص 197 و 202. (2) راجع: ميزان الحكمة ج 4 ص 263 عن غرر الحكم. (*)

[ 258 ]

في إجراءتها الظالمة ثم مغاضبتها للغاصبين حتى توفيت، حيث أوصت أن تدفن ليلا - إن ذلك كله - يمكن تفسيره على أنه رغبة في حطام الدنيا، وحب للحصول على المال.. فإن حياتها وهي الصديقة الطاهرة، والزاهدة، والفانية في الله، حتى إنها كانت تقوم الليل حتى تورمت قدماها.. وكذلك ما شاع وذاع حول كيفية تعاملها مع الأموال التي كانت تحصل عليها من فدك وغيرها، وكيف كانت تصرفها - إن ذلك - لخير دليل على ما نقول، وأوضح شاهد عليه. وهذا بالذات هو ما يجعلنا نتساءل عن السر الكامن وراء تلك المطالبة، وذلك الإصرار ولعلنا نستطيع أن نفسر ذلك بما يلي: 1 - أن نفس الإنتصار للحق، وتأكيده، ورفض الباطل وإدانته أمر مهم ومطلوب ومحبوب، وهو من القيم والمثل التي لابد من الإلتزام بها والتأكيد عليها، في مختلف الظروف والأحوال. 2 - إن في موقف فاطمة الزهراء " عليها السلام " في وقت لا يزال فيه الإسلام طرى العود، ويمكن أن يصبح فيه السكوت على الإنحراف سببا في قبول الناس له على أنه أمر لا يتنافى مع أحكام الشرع والدين - إن في هذا الموقف - حفاظا على مبادئ الإسلام، وعلى قوانينه وأحكامه، وصيانة له عن الفهم الخاطئ وعن التحريف.. 3 - إن فاطمة " عليها السلام " بموقفها هذا قد أفهمت كل أحد: أنه لابد من قول الحق، وإطلاق كلمة " لا " في وجه الحاكم، وأنه ليس في منأى عن الحساب والعتاب والعقاب، وأن الإنحراف مرفوض من كل أحد حتى من الحاكم، وليس هو فوق القانون، بل هو حام للقانون، ومدافع عنه، وأن سلطته وحكمه ليس امتيازا له يصول به على الآخرين، ويستطيل به عليهم، وإنما هو مسؤولية، لا بد وأن يطالب هو قبل كل أحد بالقيام بها، وبالالتزام بما يفرض الشرع عليه الإلتزام به في نطاقها..

[ 259 ]

4 - إن الاعتراض حيث لابد منه حتى على الحاكم، مهما كان قويا وعاتيا، هو مسؤولية كل حتى النساء بالمقدار الذي يمكن. ولا يختص ذلك بالرجال. 5 - إن التصدي للمطالبة بالحق وتسجيل الموقف، لا يجب أن ينحصر في صورة العلم بإمكان الحصول على ذلك الحق، أو احتمال ذلك، بل إن ذلك قد يجب حتى مع العلم بعدم إمكان الحصول على شئ، فإن فاطمة " عليها السلام " كانت تعلم بأن مطالبتها لن تجدي شيئا في إرجاع ما اغتصب منها إليها، ولكنها مع ذلك قد سجلت موقفا حاسما وأدانت الإنحراف، وتصدت له، وماتت وهي مهاجرة وغاضبة على أولئك الذين أخذوا حقها، واستأثروا به دونها. وحتى حين طلب منها أمير المؤمنين أن تستقبلهما، فإنها لم تجب بالقبول، بل قالت له " عليه السلام ": البيت بيتك، والحرة زوجتك، إفعل ما تشاء. فدخلا عليها، وحاولا استرضاءها وبكيا لديها، ولكنها فضحت خطتهما، وأوضحت لهما، من خلال حملها إياهما على الإقرار بأنهما قد أغضباها، وبأن الله يغضب لغضبها، ويرضى لرضاها - أوضحت لهما: أنها لا تزال غاضبة ساخطة عليهما (1)، لا سيما وأنهما ما زالا يصران على غصبها حقها، ومنعها إرثها، وسائر أموالها. وذلك لأنها عرفت أن بكاءهما وخضوعهما لها إنما يرمي إلى التأثير عليها عاطفيا، من دمن تقديم أي تراجع عن موقفهما السابق، أؤ تقديم أي إعتذار مقبول عنه.


(1) البحار ج 43 ص 198 و 199 وكتاب سليم بن قيس ص 211 و 212 وراجع: كنز العمال ج 5 ص 351 و 352 والغدير ج 7 ص 228 و 229 والإمامة والسياسة ج 1 ص 14 وأعلام النساء ج 4 ص 124 وعن رسائل الجاحظ ص 300. (*)

[ 260 ]

ومعنى ذلك هو أنهما قد أراداد من وراء استرضائهما إياها " عليها السلام "، هو أن يصبح بإمكانهما دعوى: أن فاطمة قد رضيت، وطابت نفسها، بل وأقرتهما على ما فعلاه وسلمت لهما بما ادعياه. ولكن وصيتها بأن تدفن ليلا، ثم تنفيذ هذه الوصية من قبل أمير المؤمنين علي " عليه السلام " قد فوت الفرصة على كل دعوى، وسد السبيل أمام أي تزوير. فلم يبق أمام أؤلئك الذين يقدسون هؤلاء الغاصبين ويؤدونهم إلا الإعلان بالخلاف، والإصرار على الباطل، بل إن بعضهم لم يستطع إخفاء ما يجنه من حقد وضغينة، فجاهر بالطعن، والإنتقاص، والنيل من مقامها، وحاول - ما أمكنه - تصغير عظيم منزلتها.. فأنكر بعضهم كونها واجبة العصمة (1) لأجل ذلك، رغم أن الكتاب العزيز قد نص على طهارتها، وعلى أنها بريئة من أي رجس أور رين... كما أن الحديث المتواتر عن رسسول الله " صلى الله عليه وآله " حول أن الله يغضب لغضبها (2) يدل على عصمتها كذلك. لماذا لم يسترجع علي " عليه السلام " ما اغتصب ؟ ! وأما لماذا لم يسترجع علي " عليه الصلاة والسلام " فدكا وغيرها مما اغتصب منهم " عليهم السلام "، مع أنه كان قادرا على ذلك أيام خلافته.. فقد ذكرت الروايات الواردة عن الأئمة " عليهم السلام " الأسباب التالية:


(1) راجع: البداية والنهاية ج 5 ص 289 وراجع: ج 4 ص 203. (2) تقدمت مصادر كثيرة لهذا النص في الجزء الرابع من هذا الكتاب، في فصل: سرايا وغزوات قبل بدر، حين الحديث حول تكنية علي بأبي تراب، والإفتراء عليه باغضابه لفاطمة " عليها السلام ". (*)

[ 261 ]

1 - إن الظالم والمظلوم كانا قد قدما على الله عز وجل، وأثاب الله المظلوم، وعاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه غاصبه، وأثاب عليه المغصوب (عن الصادق عليه السلام) (1). 2 - للإقتداء برسول الله " صلى الله عليه وآله " لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول الله، ألا ترجع إلى دارك ؟.. فقال " صلى الله عليه وآله ": وهل ترك عقيل لنا دارا، إنا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما، فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولي (عن الصادق عليه السلام) (2). 3 - لأنا أهل بيت لا نأخذ حقوقنا ممن ظلمنا إلا هو (يعني: إلا الله)، ونحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم، ونأخذ حقوقهم ممن ظلمهم، ولا نأخذ لأنفسنا (عن الإمام الكاظم عليه السلام) (3).


(1) الطرائف: ص 251 وعلل الشرائع ص 154 و 155. (*)

[ 263 ]

الباب التاسع: حتى الخندق

[ 265 ]

الفصل الأول: غوة ذات الرقاع.. تاريخ وأحداث

[ 267 ]

بداية: قد اتضح من كل ما ذكرناه في كتابنا هذا: أن جل إن لم يكن كل ما يذكره المؤرخون والمحدثون من نصوص وآثار يحتاج إلى تمحيص وتحقيق وفق المعايير الصحيحة التي تستطيع أإ تقرب إلى ما هو الواقع والصحيح. وليست النصوص التي نقلت لنا أحداث غزوة ذات الرقاع مستثناة من هذه الظاهرة. ولأجل ذلك، فنحن نود منها بعض نصوصها، ثم نختار بعضه لنركز الأضواء عليه، بهذف إعطاء صورة متقاربة الملامح عن الواقع والحقيقة، حسبما يتيسر لنا في هذا الظرف، فنقول: الرصد الدقيق: إن من الأمور الواضحة: أن ليقظة القائد الفذ، وتنبهه للأمور، وصدها بدقة ووعي، ثم قدرته على استشفاف المستقبل واستشرافه، دورا كبيرا في إحكام الأمور، وفي ترسيخ قواعد الحكم والحاكمية، ثم في إبعاد الأخطار عن المجتمع الذي يرعاه. وحسن تدبير شؤونه: وسلامة التحرك في نطاق تصريف الأمور على النحو الأفضل والأمثل. وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتفهم بعمق ما نشهده من مبادرات متكررة للرسول الأعظم صلى الله العيه وآله وسلم لضرب أي تجمع أو

[ 268 ]

تحرك ضد المسلمين، قبل أن يشتد عوده، ولا يعطيه أية فرصة ليتماسك، ويقوى: ويستفحل أمره. وذلك لأن الانتظار إلى أن تحتشد جموع الأعداء معناه أن يواجه المسلمون صعوبات كبيرة وربما خطيرة للتخلص من شرهم، وتفويت الفرصة عليهم. وهذا ما يفسر لنا ما نجده من رصد دقيق من قبل المسلمين لكل القوى المعادية التي كانت معنية بالوجود الإسلامي في بلاد الحجاز.. ثم نعرف سر السرعة التي كان يظهرها المسلمون في ردة الفعل، غزوة ذات الرقاع: يذكر المؤرخون: أن قادما قدم المدينة بجلب له، فأخبر أن أنمارا، وثعلبة، وغطفانا قد جمعوا جموعا بقصد غزو المسلمين. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك استخلف على المدينة عثمان بن عفان، أو أبا ذر الغفاري، وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربع مئه المبادرة إلى حسم الموقف بقوة وحزم، بمجرد تلقيهم أي نبأ يشير إلى وجود حشود، أو استعدادات أو حتى تآمر وتخطيط يستهدفهم. فيبادرون إلى إرسال السرايا، وتنظيم الغزوات ضد أعدائهم من مجرمين ومتآمرين. ثم تكون النتيجة في أغلب الأحيان هي فرار القوى المعادية، وتفرقهم قبل الاشتباك معهم، أو إثر مناوشات يسيرة، تكون الخسائر فيها معدومة أو تكاد، بل واتفق أن ظفر المسلمون بجميع أعدائهم فقتل من قتل منهم، وأسر الباقون.. نتائج وآثار: وقد نتج عن ذلك 1 - أن أولئك الأعراب الجفاة، الذين مردوا على شن الغارات،

[ 269 ]

وقطع الطرق، قد أصبحوا يعيشون حالة الرعب والخوف من المسلمين إلى درجة كبيرة، وكانوا إذا تناهى إليهم ما يشير إلى تحرك المسلمين باتجاهم، فإنهم لا يجرؤون على الظهور بمظهر التحدي، ولا يتخذون قرارا بالهجوم، أو التصدي للدفاع، وإنما يقررون الفرار إلى رؤوس الجبالل، والتمنع فيها، أو التخفي في أي من المسارب المهارب، حتى ولو أدى ذلك إلى استيلاء المسلمين على أموالهم، ومراشيهم، وحتى على نسائهم وأولادهم أحيانا. 2 - أضف إلى ذلك: أن ذلك قد هيأ الجو للنبي (ص) ليعقد تحالفات كثيرة مع كثير من القبائل في ذلك المحيط. وقد نتج عن ذلك، وعن الجهد الذي بذله (ص) لرد كيد أعدائهم وإفشال مخططاتهم، بواسطة ما أرسله من سرايا وغزوات. أن تأكدت قوة المسلمين، وظهرت شوكتهم، وعرف الناس كلهم مدى تصميمهم على تحقيق أهدافهم، ومواصلة طريقهم الرامي إلى نشر هذا الدين، والدفاع عنه، وبذل كل غال ونفيس في سبيله. وقد كان من الطبيعي أن ينزعج المكيون لذلك، وأن يضايقهم، ويفقدهم كثيرا من الامتيازات الساسية والعسكرية وغيرها. كما أنه يحد إلى حد بعيد - من حريتهم في التحرك لعقد تحالفات واسعة ومؤثرة ضد المسلمين، ما دام أن الكثيين من سكان المنظقة لن يجرؤا على عمل من هذا القبيل بسبب هزيتهم النفسية حسبما تقدم. 3 - كما أن ذلك قد هيأ للمسلمين أجواء ومناخات مريحة إلى حد ما استطاعوا فيها مضاعفة نشاطهم الإعلامي، وكان ذلك سببا في انتشار دعوتهم، وبعد صيتها، حتى أصبحت الحديث اليومي للصغير والكبير في مختلف البلاد، والعباد. وترسخت هذه الدعوة وامتدت جذورها باطراد، واطمأن كثير من الناس إليها، وعولوا عليها. وتلمسوا فيها كل المعاني الخيرة والنبيلة، الموافقة لما تحكم به عقولهم، وتقضي به فطرتهم. وقد

[ 270 ]

ساعد على ذلك ما ظهر لهم من قوة المسلمين، بعد أن بسطوا هيبتهم على المنظقة بأسرها. رجل. (وقيل: في سبع مئة (1) وقيل في ثمان مئة) (2)، حتى أتى وادي الشقرة. فأقام بها يوما، وبث السرايا، فرجعوا إليه مع الليل، وأخبروه: أنهم لم يرو أحدا. ثم سار صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه حتى أتى محالهم، فلما عاينوا عسكره، ولوا عن المسلمين، وكرهوا لقاءهم. فتسنموا الجبل، وتعلقوا في قلته. ولحق بعضهم ببطون الأودية. ولم يبق إلا نسوة، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذهن، وفيهن جارية وضيئة. ولم يكن قتال (3).


راجع: تاريخ الخميس ج 464 1 والسيرة الحلبية ج 270 2 وسيرة مغلبطاي ص 54 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 201 والطبقات الكبرى ح 2 ص 61 والمغازي للواقدي ج 1 ص 396 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161 والبداية والنهاية ج 4 ص 83 ونهاية الارب ج 17 ص 158 والمواهب اللذنية ج 1 ص 106 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 271. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 270 والمغازي للواقدي ج 1 ص 396 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264. (3) راجع تفصيل غزوة ذات الرقاع أو إجماله في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 وأنساب الأشراف ج 1 ص 340 والسيرة النبوية لزيني دحلان ج 1 ص 264 والسيرة الحلبية ج 2 ص 271 وسيرة مغلطاي والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 والوفاء ص 691 والكامل في التاريخ ج 2 ص 174 والثقات ج 1 ص 257 و 258 والتنبيه والإشراف ص 214 وحبيب السير ج 1 ص 356 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 61 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 و 215 والمغازي للذهبي ص 201 والمغازي للواقدي ج 1 ص 395 و 396 والسيرة = (*)

[ 271 ]

ثم قفل صلى الله عليه وآله وسلم نحو المدينة، وبعث جعال بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته، وسلامة المسلمين (1). وقدم صلى الله عليه وآله وسلم صرارا يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم. وصرار موضع على ثلاثة أميال من المدينة، وهي بئر جاهلية على طريق العراق (2). وكانت هذه الغزوة بأرض غطفان من نجد. وكانت غيبته صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوة خمس عشرة ليلة (3). نقاط لا بد من بحثها: أما النقاط التي لا بد من بحثها في هذا الفصل، فهي التالية: 1 - سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع. 2 - تاريخ هذه الغزوة، ولسوف نثبت: أن الصحيح هو أنها قد


= النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 و 161 والبداية والهاية ج 4 ص 83 ونهاية الارب ج 17 ص 158 والمواهب اللدنية ج 1 ص 106 و 107. (1) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 ونهاية الارب ج 17 ص 162 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 والسيرة الحلبية ج 2 ص 273 قال: " وهو الذي تمثل به إبليس لعنه الله يوم أحد، حين نادى: إن محمدا قد قتل ". (2) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 والمغازي للواقدي ج 1 ص 395 ونهاية الارب ج 17 ص 162 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 والسيرة الحلبية ج 2 ص 273 وسيرة مغلطاي ص 54. والتنبيه والإشراف ص 214 ونهاية الارب ج 17 ص 162 والمواهب اللدنية ج 1 ص 107 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371 وحبيب السير ج 1 ص 357 والمغازي للواقدي ج 1 ص 395 والطبقات الكبرى ج 2 ص 61. (*)

[ 272 ]

كانت بعد غزوة الحديبية. 3 - ثم نشير بعد ذلك إلى ما يحاول أن يدعيه البعض من أن غزوة ذات الرقاع لم تكن واحدة بل هناك غزوتان كل منهما تحمل هذا الاسم. 4 - وبعد ذلك يأتي كلام حول أن النبي (ص) حينما خرج إلى ذات الرقاع قد جعل أبا ذر واليا على المدينة. 5 - ثم نذكر قصة يقال: إنها جرت لعباد بن بشر وعمار بن ياسر، حينما كان يحرسان المسلمين في موضع نزلوه وهم راجعون. مع تعليق تحليلي على الحدث. 6 - ولا ننسى أن نذكر قصة غورث بن الحارث، وشكوكنا حولها ومبررات هذه الشكوك، ثم نورد القصة الأقرب إلى القبول في هذا المجال. مع تعليق تحليلي حولها. ونرجئ الحديث عن بقية النقاط المرتبطة بهذه الغزوة إلى فصل لاحق. فنحن وفقا لهذا الذي ذكرناه نقول: التسمية بذات الرقاع: قد اختلفت كلمات المؤرخين في سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع. ونحن نجمل الأقوال في ذلك على النحو التالي: 1 - سميت بذات الرقاع: لأنه لم يكن في تلك الغزوة ما يكفي لركوبهم في سيرهم إليها، فنقبت أقدامهم من الحفاء، فلفوا عليها الخرق، وهي الرقاع. كما في البخاري وغيره. 2 - سميت بذلك لأن المسلمين رقعوا راياتهم فيها. 3 - أو لأن الصلاة قد رقعت فيها، لوقوع صلاة الخوف فيها، قاله

[ 273 ]

الداودي. 4 - أو لأجل شجرة كانت هناك يقال لها ذات الرقاع. 5 - أو لأجل جبل هناك اسمه الرقاع، لأن فيه بياضا، وسوادا، وحمرة. ويقع قريبا من النخيل، بين السعد والشقرة. 6 - أو لأجل أن الخيل كان فيها سواد وبياض، كما قاله ابن حبان، مع احتمال أن يكون ابن حبان قد صحف كلمة " جبل " فقرأها " خيل " كما ذكره البعض (1). 7 - أؤ لأجل كل الأمور السابقة (2). وتحقيق ذلك ليس بذي أهمية، وإن كنا نستبعد بعض ما ذكر كالقول الثالث لما سيأتي من أن صلاة الخوف قد صليت في غزوات أخرى قبل أو بعد هذه الغزوة، فلا وجه لا ختصاص هذه الغزوة بهذه التسمية لأجل


(1) راجع: فتح الباري ج 7 ص 323 والمواهب اللذنية ج 1 ص 106. (2) راجع هذه الأقوال أو بعضها في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 53 وتاريخ الخميس ج 1 ص 464 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 و 201 والمواهب اللذنية ج 1 ص 106 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 والروض الأنف جد 3 ص 253، والمغازي للواقدي ج 1 ص 395. والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 والبداية والنهاية ج 4 ص 83 وبهجة المحافل ج 1 ص 232 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 232 وفتح الباري ج 7 ص 323 ونهاية الإرب ج 17 ص 158 وشرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 197 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 371 و 372. والسيرة الحلبية ج 2 ص 274 والبدء والتاريخ ج 4 ص 213 وحبيب السيرج 1 ص 356 و 357 وزاد المعاد ج 2 ص 111 والطبقات الكبرى ج 2 ص 61، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 و 29 والوفا ص 691 والكامل في التاريخ ج 2 ص 174 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 227 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وأنساب الاشراف ج 1 ص 334 والثقات ج 1 ص 258 والتنبيه والإشراف ص 214 واعلام الورى ص 89 والبحار ج 20 ص 176.

[ 274 ]

ذلك. كما ونستبعد القول الثاني أبضا بالإضافة إلى أقوال أخرى. وتسمى هذه الغزوة أيضا ب‍ " غزوة الأعاجيب ". لما وقع فيها من أمور عجيبة. وتسمى أيضا ب‍ " غزوة محارب " و " غزوة بني ثعلبة " و " غزوة بني أنمار " (1). تاريخ هذه الغزوة: وقد اختلفوا في تاريخ غزوة ذات الرقاع. فقال فريق: هي بعد غزوة بني النضير في السنة الرابعة: في شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى (2) وحسب قول البعض: إنها بعد غزوة بني النضير بشهرين وعشرين يوما (3). وقال القيرواني: خرج لخمس من جمادى الأولى، وانصرف يوم الأربعاء لثمان بقين منه (4).


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 270 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وسيرة مغلطاي ص 54 والسيرة الحلبية ج 2 ص 270 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 369 و 370 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 213 و 214 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 ونهاية الإرب ج 17 ص 158 وكتاب الجامع ص 279 وفتح الباري ج 7 ص 321. (3) راجع: تاريخ الخمسى ج 1 ص 463 عن خلاصة الوفاء وإعلام الورى ص 89 والبحار ج 20 ص 176 و 178 و 177 عن ابن الأثير في الكامل وعن المناقب، وعن اعلام الورى. (4) الجامع ص 279. (*)

[ 275 ]

وقال آخوون: إنها كانت في شهر محرم (1). وقيل: كانت بعد غزوة بد الصغرى (2). وتردد ابن عقبة في كونها قبل بدر أو بعدها، أو قبل غزوة أحد أؤ بعدها (3). وقيل: كانت في سنة خمس (4). وجعلها أبو معشر في سنتين حينما قال: إنها كانت بعد بني قريظة في ذي القعدة، سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر هذه السنة، وأول التي تليها (5). وقال بعضهم: إنها كانت بعد خيبر سنة سبع (6). وهو ما ذهب إليه


(1) راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 9 وسيرة مغلطاي ص 54 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29. وشذرات الذهب ج 1 ص 11 والتنبيه والإشراف ص 214 وراجع: زاد المعاد ج 2 ص 110 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 61 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 ووومغازي الواقدي ج 1 ص 395 ونهاية الإرب ج 17 ص 158 والمواهب اللذنية ج 1 ص 106 عن ابن سعد، وابن حبان ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 270 وفتح الباري ج 7 ص 332. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 464 عن المواهب اللدنية وفتح الباري ج 7 ص 321. (4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 عن ابن سعد، وابن حبان والمواهب اللدنية ج 1 ص 106 عنهما وعن أبي معشر، وأنساب الأشراف ج 1 ص 334 والجامع للقيراوني ص 281 و 279 وسيرة مغلطاي ص 54 وراجع: شذرات الذهب ج 1 ص 11 والكامل في التاريخ ج 2 ص 175 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 227 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 والثقات ج 1 ص 257 و 259 وحبيب السير ج 1 ص 356 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 والمواهب اللدنية ج 1 ص 106. (6) راجع صحيح البخاري ج 3 ص 23 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 عن فتح الباري والبخاري والسيرة الحلبية ج 2 ص 270 عن البخاري وعن الشمس = (*)

[ 276 ]

البخاري، وهو ما نذهب إليه أيضا. وقال الغزالي: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات، قالوا " وهو غلط واضح، وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره " وقد ذكر ذلك زيني دحلان فراجع (1). الصحيح والمعقول: وبعد ما تقدم نقول: إ تشريع صلاة الخوف، ونزول الآية قد كان في الحديبية، ثم بعد ذلك كانت غزوة ذات الرقاع فصلى النبي فيها صلاة الخوف أيضا. ومستندنا في ذلك ما يلي: 1 - سيأتي في هذا الفصلب: أن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة الحديبية (2). وأن الصدوق يروي في الفقية بسند صحيح: أن النبي (ص) قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع (3) فتككون متأخرة عن الحديبية. 2 - روى أحمد عن جابر قال: " غزا رسول الله (ص) ست غزوات قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف ي السنة السابعة " (4). ومن المعلوم: أن صلاة الخوف قد صليت في غزوة ذت الرقاع، فتكون هذه الغزوة في السنة السابعة بعدها.


الشامي، والمواهب اللدنية ج 1 ص 106 و 109 وغير ذلك. (1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 وفتح الباري ج 7 ص 327 والمواهب اللدنية ج 1 ص 106. (2) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 411. (3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 260 رقم الحديث 1334 ط جماعة المدسين وتفسير البرهان ج 1 ص 411. (4) الدر المنثور ج 2 ص 214 ومسند أحمد ج 3 ص 348. (*)

[ 277 ]

لكن عبارة البخاري هكذا: " عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: إن النبي (ص) صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع " (1). فإن كان المراد: الغزوة السابعة التيي حضرها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن فيها جميعها قتال. كانت هذه الغزوة قبل أحد، وهو غير مقبول، للاتفاق على أن ذات الرقاع لم تكن قبل أحد، وإن كان موسى بن عقبة قد تردد في ذلك. لكن تردده في ذلك لا معنى له، للاتفاق على تأخر صلاة الخوف عن هذا التاريخ، بالإضافة إلى الأدلة التي تقدمت وستأتي. وإن كان المراد: الغزوة السابعة من الغزوات التي حضرها الرسول، مما كان فيه قتال، فإنها تكون والحال هذه بعد خيبر، وهو المطلوب. وإن كان المراد: السنة السابعة، فهو المطلوب أيضا، ويؤيد إرادة هذا الأخير رواية مسند أحمد المتقدمة (2). ونحن نرجح هذا الشق الأخير، لما ذكرناه وما سيأتي. وأما الاحتمال الثاني، فيرد عليه: أن غزوة ذات الرقاع لم يقع فيها قتال، فما معنى جعلها سابعة للغزوات التي وقع فيها قتال. والأنسب بالعبارة المنقولة، هو إرادة السنة السابعة، وذلك بملاحظة عدم وجود لام التعريف في المضاف، حيث قال: " غزوة السابعة " ولم يقل: الغزوة السابعة ". وادعى العسقلاني: أنه لو كان المحذوف هو كلمة سنة لم يحتج البخاري إلى الاستدلال على تأخرها برواية أبي موسى وغيره. ولعل


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 وفتح الباري ج 7 ص 324 و 324 وتاريخ الخميس ج 1 ص 464 وراجع البدء والتاريخ ج 4 ص 213. (2) فتح الباري ج 7 ص 323 و 324. (*)

[ 278 ]

المراد: غزوة السفرة السابعة. ونقول، إن نسبة الغزوة إلى السفرة مما لا يحسن هنا، ونسبتها إلى النسة أنسب وأوضح في التقدير لا سيما مع رواية أحمد المتقدمة فكلام العسقلاني في غير محله. ولكن يبقى هنا سؤال، وهو: لماذا يعبر في الرواية عن ذات الرقاع بأنها " غزوة السابعة " مع أن ثمة ما هو أهم منها قد وقع في سنة سبع مثل غزوة خيبر ؟ !. إلا أن يجاب عن ذلك بأن ما وقع فيها من أعاجيب، وقضايا قد جعلت لها أهمية خاصة، بالنسبة لغيرها من الغزوات. لا سيما وأن غيرها قد عرف باسمه الخاص به، وشاع وذاع أمره، بذلك الاسم بالذات. أما بالنسبة لذات الرقاع، فلم يكن الأمر كذلك. أو فقال: إن من الممكن أن تكون غزوة ذات الرقاع قد حصلت قبل سائر غزوات سنة سبع، فأطلق عليها اسم غزوة السابعة، ثم جاءت سائر الغزوات، فأطلقوا عليها أسماءها الخاصة بها بعد ذلك، فلم يوجب ذلك تغييرا في اسم هذه الغزوة. أو فقل: لم يوجب ذلك خللا في فهم المراد من هذه العبرة حين إطلاقها. 3 - ما احتج به البخاري من أن أبا موسى الأشعري ذكر أنه قد حضر غزوة ذات الرقاع، فقال: " خرجنا مع النبي (ص) في غزاة، ونحن في ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، غزوة ذات الرقاع " (1)


(1) صحيح البخاري ج 23 وفتح الباري ج 7 ص 321 وراجع ص 322 وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 372 و 369 وبهجة المحافل ج 1 ص 232 والسيرة

[ 279 ]

وأبو موسى إنما جاء من الحبشة بعد خيبر، فتكون ذات الرقاع بعد خيبر أيضا. مؤيدات. 1 - ويؤيد ذلك: أن عددا من المؤرخين يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استخلف أبا ذر الغفاري على المدينة حين غزا ذات الرقاع. وأبو ذر أ نما قد المدينة بعد أن مضت بدر، وأحد، والخندق. وسأتي توضيح ذلك مع ذكر المصادر إن شاء الله تعالى حين الحديث عن الذي ولاه النبي (ص) المدينة في هذه الغزاة. 2 - ويؤيد ذلك أيضا: ما روي عن ابن عمر الذي اجازه النبي بالخروج إلى الغزو في وقعة الخندق أنه قال: غزوت مع رسول الله (ص) قبل نجد، فذكر صلاة الخوف (1). 3 - ويؤيد ذلك أيضا، قول أبي هريرة: " صليت مع النبي (ص) في غزوة نجد صلاة الخوف " وإما جاء أبو هريرة إلى النبي (ص) أيام


= الحلبية ج 2 ص 270 وسيرة مغلطاي ص 54 وحبيب السير ج 1 ص 356 و وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 والروض الأنف ج 3 ص 253 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 161، والبداية والنهاية 4 ص 83 والمواهب اللدنية ج 1 ص 106 والسيرة النبوية لزيني دحلان ج 1 ص 264 وصحيح مسلم ج 5 ص 200 وزاد المعاد ج 2 ص 111. لكنه جعل الحديث مؤيدا لا دليلا. ولعله تخيل وجود احتمال أن يكون أبو موسى لا يتحدث عن حضوره هو، بل ينقل ذلك عن بعض الصحابة، مع أن الرواية صريحة بأنه قد نقبت قدماه. وسقطت أظفاره. (1) راجع: المصادر التالية: صحيح البخاري ج 3 ص 23 وج 1 ص 110 وفتح الباري ج 7 ص 323 و 321 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 369 وراجع ص 379 والسيرة النبوية لا بن كثير ج 3 ص 161 والبداية والنهاية ج 4 ص 83 وزاد المعاد ج 2 ص 111 واستدل به. والمواهب اللدنية ج 1 ص 106 ونصب الراية ج 2 ص 244. (*)

[ 280 ]

خيبر (1). لماذا مؤيدات ؟ ! ألف: إما جعلنا تولية أبي ذر على المدينة مؤيدا لا دليلا، لأنه سيأتي: أنه قد حضر إلى المدينة حينما أسملم سلمان، بسبب ما رآه من علامات النبوة في الرسول (ص) وقد شهد على كتاب عتق سلمان. كمان أن ذلك لا يدل إلا على تأخر غزوة ذات الرقاع عن الخندق، ولا يدل على كونها في السنة السابعة، أو غيرها. ب: بالنسبة لرواية ابن عمر نقول: إنها لا تدل إلا على أن ذات الرقاع قد كانت بعد الخندق، ولا تدل على أكثر من ذلك. أضف إلى ذلك: أنه لم ينص على اسم الغزوة، بل ذكر أن ذلك قد حصل في غزوة نجد، فلعل هناك غزوات أخرى قد كانت قبل نجد، وقد صلى فيها النبي (ص) صلاة الخوف أيضا. إلا أن يقال: إن غزوة نجد المعهودة في كلماتهم منحصرة بذات الرقاع. ج: ورواية أبي هريرة، يرد عليها نفس ما يرد على رواية ابن عمر. كلام الدمياطي: وقد اتضح من جميع ما تقدم: أنه لا يصغى لقول الدمياطي: إن ما ورد عن أبي موسى في حضوره غزوة ذات الرقاع غلط، لأن جميع أهل السير على خلافه (2). وذلك لأن كلام أهل السير لا عبرة به إذا قال الدليل على خطأهم


(1) راجع المصادر المتقدمة. (2) فتح الباري ج 7 ص 322 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 106. (*)

[ 281 ]

فيه، وقد ثبت عن أهل البيت، وكذلك سائر ما قدمناه من أدلة: أن ذات الرقاع قد كانت في الحديبية، فلا مجال للشك في ذلك، أو التشكيك فيه. دليل الرأي الآخر: وبعد ما تقدم نقول: قد يقال: إن الراجح هو أن تكون غزوة ذات الرقاع قبل الخندق. ومستند ترجيح ذلك ما يلي: 1 - ما روي من أن جابرا قد دعا النبي (ص) يوم الخندق إلى طعام في بيته، صنعته زوجته لهم في قصة مفصلة ظهرت فيها كرامة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الطعام (1). وفي غزوة ذات الرقاع لم يكن النبي (ص) يعلم شيئا عن تزوج جابر بأي من النساء منذ استشهد أبوه في أحد، حيث سأله، إن كان قد تزوج أم لا، ثم لما أجابه بالإيجاب، عاد فسأله، إن كانت التي تزوجها بكرا أو ثيبا في محاورة جرت بينهما ستأتي إن شاء الله. وقد صرح له فيها: بأنه إنما اختارها ثيبا لأجل أن أباه مات وترك له أخوات يحتجن إلى من يجمعهن ويمطهن، ويقوم عليهن (2). ونقول: إن هذا النص لا يكفي لمعارضة الأدلة المتقدمة، وذلك لا مكان المناقشة في دلالته على المطلوب من حيث أنه يمكن أن يكون جابر قد


(1) صحصح البخاري ج 3 ص 21 وستأتي سانر المصادر في غزوة الخندق إن شاء الله. (2) راجع هذه المحاورة في النبوية لا بن هشام ج 3 ص 217 و 218 وصحيح مسلم ج 4 ص 176 وبهجة المحافل ج 1 ص 238 وراجع: صحيح البخاري 2 ص 8 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 381 و 383 والمغازي للواقدي ج 1 ص 399 - 401 ونهاية الإرب ج 17 ص 161 و 162 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 166 والبداية والنهاية ج 4 ص 86 و 87 والثقات ج 1 ص 258. (*)

[ 282 ]

انفصل عن زوجته الأولى بموت لها أو طلاق. أو تكون قد أصبحت لسبب أو لآخر عاجزة عن القيام بمسؤولياتها تجاه أخواته، وكان (ص) يعلم بذلك، ويعلم أن جابرا قد كان بصدد الزواج من جديد، فجرت المحاورة بينه وبين جابر على النحو المذكور، وكان اعتذار جابر عن اختيار الثيب هو ذلك. لا يجب أن يكون (ص) عارفا بما تركه جابر من بنات، أو كان (ص) عارفا، ولا يمنع ذلك جابرا من جعل ذلك هو العذر لا ختياره الثيب للزواج. غزوتان أم غزوة واحدة: قد أشار البيهقي إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين، إحداهما قبل خيبر، والأخرى بعدها (1). وقال الذهبي: " والظاهر أنهما غزوتان " (2). ونقول: إن منشأ هذا الاحتمال هو رواية أبي موسى الأشعري السابقة. وقد تقدم: أن أبا موسى قال: " ونحن في ستة نفر بيننا بعير " وهذا يقرب أن يكون أبو موسى يتحدث عن غزوة ثانية أطلق عليها اسم غزوة ذات الرقاع أيضا. ولكننا في قرارة أنفسنا نشك في وجود غزوة من هذا القبيل، فإنه يبعد أن يقوم بغزوة يكون قوامها ستة نفر فقط لا غير ! !.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 463 وفتح الباري ج 7 ص 321 و 331 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 271 وراجع ص 270 وحبيب السير ج 1 ص 357 وراجع: زاد المعاد ج 2 ص 111 وراجع: المواهب اللذنية ج 1 ص 106. (2) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 201 وراجع فتح الباري ج 7 / 322 / 323 وراجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 300. (*)

[ 283 ]

ولعل المراد: أن الذين كانوا يعتقبون الجمل مع أبي موسى - كانوا ستة أشخاص، في ضمن جيش كثيف يقوده النبي في غزوة ذات الرقاع. من استخلف النبي (ص) على المدينة: يظهر من عدد من المؤرخين: أإهم يرجحون أن يكون النبي (ص) قد استخلف على المدينة في حال غيابه عنها إلى غزوة ذات الرقاع أبا ذر الغفاري، وليس عثمان بن عفان. لأنهم ذكروا الأول بصورة طبيعية، ثم عقبوا ذلك بالإشارة إلى تولية عثمان بلفظ قيل (1) وإن ادعى ابن عبد البر: أن عيله الأكثر.. وقد ناقش في أن يكون أبو ذر هو المتولي لها بأن أبا ذر ملا أسلم رجع إلى بلاد قومه، فلم يجئ حتى مضت بدر وأحد، والخندق (2). ولكن هذه المناقشة موضع نظر: أولا: لأن ثمة ما يدل على قدوم أبي ذر إلى المدينة قبل الخندق، حيث إنه قد شهد على كتاب عتق سلمان وهو مؤرخ في السنة الأولى للهجرة (3). * (هامش) (1): السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 والسيرة الحلبية ج 2 ص 271، والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والسيرة النبوية لا بن كثير ج 3 ص 160 والبداية والنهاية ج 4 ص 83 ونهاية الإرب ج 17 ص 158 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 271 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214. (3) ذكر أخبار اصبهان ج 1 ص 52 وتاريخ بغداد ج 1 ص 170 وراجع كتاب العتق ايضا في: تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199 ومجموعة الوثائق السياسية ص 328 عن الأولين وعن جامع الآثار في مولد المختار محمد بن ناصر الدين الدمشقي، وطبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 226 و 227 ونفس الرحمان في فضائل سلمان ص 20 / 21 عن تاريخ كزيده، ومكاتيب الرسول ج 2 ص 409 عن أكثر من تقدم = (*)

[ 284 ]

وثانيا: هناك حديث آخر يذكر فيه أن أبا ذر كان حين قضية سلمان في المدينة، وذلك حين كان في حائط لمولاته، فجاء النبي (ص) وعلي عليه السلام، وأبو ذر، والمقداد، وعقيل، وحمزة وزيد بن حارثة، ولم يكن سلمان يعرفهم.. ثم ذكر قصته معهم والعلامات التي وجدها في النبي (ص). وبعض أسانيد هذه الرواية صحيحة فراجع المصادر (1). وثالثا: يؤيد ذلك مؤاحاة النبي (ص) فيما بين سلمان وأبي ذر (2). إلا أن يدعى: أنه إما آخى بينهما بعد غزوة الخندق فلاحظ !. ورابعا: إن ما ذكروه إنما يتم بناء على ما قيل من أن غزوة ذات الرقاع قد كانت قبل غزوة الخندق. وأما بناء على ما هو الصحيح من أنها إنما كانت بعد خيبر، فلا يبقى محذور في أن يكون أبو ذر هو الذي ولي المدينة، بعد قدومه إليها بعد الخندق. تضحيات عباد بن بشر: وفي غزوة ذات الرقاع نزل رسول الله (ص) ليلا، وكانت ليلة ذات ريح. وكان نزوله في شعب استقبله. فقال: من رجل يكلونا هذه الليلة، * (هامش * = وقال: " وأوعز إليه في البحار عن الخرائج ". (1) راجع: البحار ج 22 ص 358 وإكمال الدين ج 1 ص 164 / 165 وروضة الواعظين ص 276 - 278، والدرجات الرفيعة ص 203 عن إكمال الدين ونفس الرحمان ص 5 و 6 و 22 عن إكمال الدين، والراوندي في قصص الأنبياء، وروضة الواعظين، والحسين بن حمدان، والدر النظيم. (2) راجع: بصائر الدرجات ص 25 والكافي ج 1 ص 331 وج 8 ص 162 والغدير ج 7 ص 35 عنهما. واختيار معرفة الرجال ص 17 والبحار ج 22 ص 343 و 245 ومصابيح الأنوار ج 1 ص 348 وقاموس الرجال ج 4 ص 418 ونفس الرحان ص 91. (*)

[ 285 ]

فقام عباد بن بشر أو عمارة بن حزم. وقام أيضا عمار بن ياسر، فقالا: نحن يارسول الله نكلؤكم. وعبارة البعض: انتدب رجل مهاجري، وآخر أنصاري فجلسا على فم الشعب، فقال عباد لعمار: أنا أكفيك أول الليل، وتكفيني آخره، فنام عمار، وقام عباد يصلي. وكان زوج بعض النسوة اللاتي أصابهن رسول الله (ص) غائبا، فلما جاء وعرف ما جرى، تتبع الجيش، وحلف لا ينثني حتى يصيب محمدا، أو يهريق في أصحاب محمد دما. فلما رأى سواد عباد قال: هذا ربيئة القوم، ففوق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عباد، فرماه بآخر، فانتزعه. فرماه بثالث فانتزعه كذلك. فلما غلبه الدم أيقظ عمارا، فلما رأى ذلك الرجل عمارا جلس علم أنه قد نذر به فهرب. فقال عمار لعباد: ما منعك أن توقظني له في أول سهم يرمى به ؟ فقال: كنت أقرأ في سورة الكهف فكرهت أن أقطعها - أضاف في نص آخر: فلما تابع علي الرمي أعلمتك. وفي نص آخر: أنه (ص) جعلهما بإزاء العدو فرمي أحدهما بسهم وهو يصلي، فأصابه، ونزفه الدم ولم يقطع صلاته، ثم رماه بثان وثالث وهو يصيبه ولم يقطع صلاته. ويقال: إن عبادا قال معتذرا عن إيقاظ صاحبه: لولا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول الله (ص) ما انصرفت ولو أتى على نفسي (1).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 271 / 272. والكامل في التاريخ ج 2 ص 175 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 228 / 229 وزاد المعاد ج 2 ص 111 / 112 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 218 / 219 والمغازي للواقدي ج 1 ص 397 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 164 و 165 والبداية والنهاية ج 4 ص 85 و 86 وراجع السنن = (*)

[ 286 ]

ويقال: إن الأنصاري هو عمارة بن حرم (1). قال الحلبي الشافعي: (وبهذه الواقعة استدل أئمتنا على أن النجاسة الحادثة من غير السبيلين لا تنقض الوضوء، لأنه (ص) علم ذلك ولم ينكره. وأما كونه صلى مع الدم، فلعل ما أصاب ثوبه وبدنه منه قليل. ولا ينافي ذلك ما تقدم في الرواية قبل هذه: فلما غلبه الدم. إذ يجوز مع كونه كثيرا أنه لم يصب ثوبه ولا بدنه إلا القليل منه) (2). تسجيل تحفظ: ونحن وإن كنا لا نملك معطيات كثيرة في مجال البحث حول هذه، القضية، إلا أننا نرتاب في أن يكون الذي تعرض للسهام هو خصوص عباد بن بشر، لأننا نشعر من خلال مراجعة ما لدينا من نصوص حول هذا الرجل: أنه كان موضع اهتمام فريق خاص يعنى بتسجيل الكرامات له. فراجع ترجمته (3). كما أن ما ذكر آنفا لتصحيح صلاة عباد بالدماء ليس كافيا في ذلك


= الكبرى ج 150 9 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 358 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 378. (1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 379. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 272. (3) الإصابة ج 2 ص 263 والاستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 2 ص 452 - 456 وأسد الغابة ج 3 ص 100 و 101 وسير أعلام النبلاء ج 1 ص 337 - 340 وفي هامشه عن المصادر التالية: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 2 ص 16 وطبقات خليفة ص 58 وتاريخ خليفة ص 113 والتاريخ الصغير ص 36 والجرح والتعديل ج 6 ص 77 ومشاهير علماء الأمصار ص 113 والاستبصار ص 220 - 222 وتاريخ الإسلام ج 1 ص 370 والعبر ج 1 ص 15. (*)

[ 287 ]

كما هو ظاهر. مع الحدث في مراميه ودلالاته: إن من الواضح: أن حرب بدر بكل ظروفها، وأحداثها وملابساتها قد أقنعت أهل الإيمان بأن الجهاد ليس مجرد إنجاز عسكري يتجلى، ويتجسد من خلال جهد يبذل في ساحة القتال، تتجلى فيه فاعلية السلاح المتفاعل مع عنصري الشجاعة الذاتية من جهة، والطموح من جهة أخرى: حيث يرسم معالمهما جهد تربوي، وتعليمي، وشحن روحي ونفسي، بالإضافة إلى تأثير النواحي التنظيمة، وما يتبع ذلك من تخطيط عسكري مستند إلى الخبرات الواسعة، والدراسات المعمقة، إلى أن ينتهي الأمر بحسن الأداء. والدقة في التنفيذ والالتزام. إن حرب بدر ثم ما تلاها من حروب وأحداث، وكذلك ما سبقها من ذلك أيضا قد أقنعت أهل الأيمان: بأن الحرب ليست هي مجرد ما ذكرناه آنقا. وإنما الحرب والجهاد عبادة وفناء في ذات الله، وباب قد فتحه الله ولكن ليس لكل أحد، وإنما لخاصة أوليائه، حيث يخرج من عالم ويدخل من ذلك الباب إلى عالم جديد بكل ما لهذه الكلمة من معنى. يعبر الإنسان فيه بوابة الموت ليصل إلى الحياة، وهي الحياة الحقيقية التي يصبح فيها هؤلاء الأموات الأحياء شهداء على الناس. لأنهم أصبحوا قادرين على فهم الواقع بعمق. ومن دون أية حواجز وموانع تقلل من درجة الإتداك، سواء كانت تلك الحواجز مادية، ولو كانت هي نفس الواسائل التي يستخدمها الإنسان للحصول على العلم بما يحيط به من حوله، أو كانت من نوع الشهوات والأهواء، وغيرهما مما يمنع من إدراك الأشياء على حقيقتها.

[ 288 ]

فالصلاة والجهاد من سنخ واحد. فإذا كانت الصلاة تساعد الإنسان على ممارسة الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس، فإن القتال والحرب جهاد أصغر يمكن من دحر العدو الذي يهدف إلى تسديد الضربة إلى الإسلام والمسلمين، أو يهدف إلى سلب الإنسان المسلم حرية الرأي وحرية الاعتقاد، وحرية التفكير. حرية الممارسة. ولأجل هذه السنخية بين الصلاة، وبين الجهاد، فإننا لا نستغرب بعد هذا أن يكون أولئك المجاهدون، الذين يقفون في موقع متقدم لحمايته من الأعداء، تنصرف همتهم في هذه المواقع بالذات إلى ممارسة الجهاد الأصغر، والتربية النفسية عن طريق ترويض النفس، وتربيتها بالصلاة التي هي عمود الدين. فتكون الصلاة والعبادات هي الشغل الشاغللهم في هذه المواقع بالذات، حيث يرون أنفسهم فيها فيما بين الدنيا والآخرة، فتلين قلوبهم. وتصبح نفوسهم أكثر شفافية وصفاء، ويصبحون أكثر شجاعة وصبرا تحملا للمكاره.. وما قصة عباد وعمار المذكورة إلا شاهد صدق على ما نقول. 2 - إننا نلاحظ: أن الرجل الذي استهدفه ذلك المشرك بسهامه لم يوقظ رفيقه لانهزامه أمام سهام ذلك العدو الغادر، وإنما من إحساسه بالمسؤولية تجاه ما كلفه به النبي (ص)، فهو يوقظه، لأنه يريد مواصلة الصمود بذلك، لكي لا يضيع ثغرا من ثغور المسلمين. أي أنهه لم يوقطه ليستعين به على الدفع عن نفسه، وليجد فيه قوة له كفرد، وإنما أراده ليحفظ الإسلام وثغوره. قصة غورث بن الحارث: ويذكر المؤرخون والمحدثون هنا قصة مفادها:

[ 289 ]

إنه حين تحصن بنو محارب في رأس جبل في غزوة ذات الرقاع قال لهم غورث بن الحارث: ألا أقتل لكم محمدا ؟ ! قالوا: بلى، وكيف تقتله ؟ ! قال: أفتك به. أي يقتله على حين غفلة فجاء إلى النبي (ص) وسيفه (ص) في حجره، فقال: يا محمد، أرني أنظر إلى سيفك هذا (وكان محلى بفضة (1)، فأخذه من حجره، فاستله، ثم جعل يهزه، ويهم به، فيكبته الله (أي يخزيه) ثم قال: يا محمد، أما تخافني ؟ ! قال: لا، بل يمنعني الله تعالى منك. ثم دفع السيف إليه (ص) فأخ ذة أل إب ى (ص) وقال: من يمنعك مني ؟ ! قال: كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله.. قال: أعاهدك على أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. قال: فخلى رسول الله (ص) سبيله، فجاء قومه، فقال: جئتك من عند خير الناس ! !. زاد في بعض المصادر قوله: وأسلم هذا بعد، وكانت له صحبة (2).


(1) راجع: البدء والتاريخ ج 213 4 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 216. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 والكامل في التاريخ ج 2 ص 174 وتاريخ الأمم والموك ج 2 ص 228 وبهجة المحافل ج 1 ص 237 وشرحه مطبوع معه بهامشه وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وأشار إلى ذلك أيضا في: الوفاء ص 691 وزاد المعاد ج 2 ص 111 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 376 وفتح الباري = (*)

[ 290 ]

زاد في نص آخر قوله: فلما حضت الصلاة صلى رسول الله (ص) صلاة الخوف فكانت للنبي (ص) أربع ركعات، وللناس ركعتين (1). وفي بعض نصوص الرواية: أنه لما هم غورث برسول الله (ص) " منعه الله عز وجل لذلك، وانكب على وجهه، فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) (2) الآية. ولهذه الرواية نص آخر، لا يختلف كثيرا عما ذكرناه فراجع (3). قال القسطلاني وغيره: " وذكر الواقدي في نحو هذه القصة: أنه أسلم، ورجع إلى أهله، فاهتدى به خلق كثير " (4). قصة أخرى تشبه قصة غورث: وهناك قصة أخرى يقال: إنها قد حصلت في هذه الغزوة أيضا،


= ج 7 ص 331 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 316 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 202 ومسند أحمد ج 3 ص 390 والمواهب اللدنية ج 1 ص 107 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 والبداية والنهاية ج 4 ص 84 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264. (1) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 376. (2) نهاية الإرب 17 ص 160 والبدء والتاريخ ج 4 ص 213 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 163 و 161 و 162 والبداية والنهاية ج 4 ص 84 و 85 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 228 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 32 ص 216 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 422 - 424 والدر المنثور ج 2 ص 266 عن ابن جرير، وابن إسحاق، وأبي نعيم في الدلائل، وابن المنذر، وعبد بن حميد والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 261. (3) الطبقات الكبرى ج 2 ص 61 و 62 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 وراجع: نهاية الإرب ج 17 ص 160. (4) المواهب اللدنية ج 1 ص 107 وفتح الباري ج 7 ص 331. (*)

[ 291 ]

وهي تشبه قصة غورث. وقد استبعد البعض اتحاد القصتين، لاختلاف سياقهما. وملخصها: أنه (ص) لما قفل راجعا إلى المدينة أدركته القائلة يوما بواد كثير العظاه، أي الأشجار العظيمة، التي لها شوك، وتفرق الناص في العظاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله (ص) تحت ظل شجرة ظليلة. قال جابر: تركناها للنبي (ص)، فعلق (ص) سيفه فيها، فنمنا نومة فإذا قال جابر: تركناها للنبي (ص)، فعلق (ص) سيفه فيها، فنمنا نومة فإذا رسول الله (ص) يدعونا، فجئنا إليه، فوجدنا عنده أعرابيا جالسا، فقال: إن هذا اخترط سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت، وهو في يده مصلتا، فقال لي: من يمنعك مني ؟ ! قلت: الله. قال ذلك ثلاث مرات. فشام السيف، وجلس، فلم يعاقبه رسول الله. وعند مسلم والبخاري، وفي فتح الباري: فهدده أصحاب رسول الله، فاغمد السيف وعلقه (1).


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 201 / 202 وصحيح البخاري ج 2 ص 100 و 101 وج 3 ص 24 و 25 وصحيح مسلم ج 7 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 و 163 والبداية والنهاية ج 4 ص 84 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 373 - 375 وبهجة المحافل ج 1 ص 237 وفتح الباري ج 7 ص 330. وراجع: اعلام الورى ص 78 و 79 والبحار ج 20 ص 175 و 176 عن مجمع البيان ج 3 ص 103. ولكنهما ذاكر: أن ذلك كان في غزوة محارب وبني أنما. وأنه (ص) انصرف لأجل قضاء حاجته، وكان المطر يرش وجاء السيل قبل أن يفرغ من حاجته، فحال الوادي بينه وبين أصحابه. وكان العدو يرونهم، ولا يراهم المسلمون فأرسلوا غورث أو دعثور لقتل رسول الله (ص)، فكان ما كان من دفع جبرئيل في صدره. فراجع. (*)

[ 292 ]

وفي رواية أخرى: " أنه جعل يضرب برأسه الشجرة، حتى انتثر دماغه " (1). زاد في نص آخر قوله: " فأغمد السيف وعلقه، فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا " وذكر صلاة الخوف " (2). ونص آخر يقول: " كان قتادة يذكر نحو هذا ويقول: إن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي (ص)، فأرسلوا هذا الأعرابي، ويتلو:، واذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم الخ " (3). ونقول: إننا نشك في صحة هذه القصة وتلك، على حد سواء. ونذكر القارئ بأن هذه القصة تشبه قصة دعثور، التي يقال: إنها كانت في غزوة ذي أمر، بل لقد قال البعض إنهما قضية واحدة (4). كما أنها تشبه قصة عمرو بن جحاش، التي يقال: إنها قد حصلت في غزوة بني النضير (5). وقد تحدثناعن القصة الأولى في الجزء الرابع من هذا الكتاب في فصل. وأشرنا إلى الإشكال في الثانية في فصل: الجزاء الأوفى، تحت (*) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 237 عن البغوي في التفسير. (2) دلائل النبوة لبيهقي ج 3 ص 375 عن صحيح مسلم. (3) دلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 374. (4) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 272 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 331 وراجع بهجة المحافل ج 1 ص 237. (5) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 216 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 162 والبداية والنهاية ج 4 ص 84 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 و 261 والبدء والتاريخ ج 4 ص 212 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 121 وفتح الباري ج 7 ص 255 والسيرة الحلبية ج 2 ص 264. (*)

[ 293 ]

عنوان: نزول آية سورة المائدة في بني النضير. و " في الشفاء: وقد حكيت مثل هذه الحكاية: أنها جرت له يوم بدر، وقد انفرد عن أصحابه لقضاء حاجته، فتبعه رجل من المنافقين، وذكر مثله " (1). ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما يلي: أولا: إن هذه القضايا لا يمكن قبولها، لأنها تصور لنا رسول الله (ص) بصورة إنسان بسيط وساذج، لا يفكر بعواقب الأمور، بل يخدعه أعرابي، دون أن يستعمل أي أسلوب بمتميز، بل هو لا يزيد على أن طلب منه أن يعطيه سيفه، لينظر إليه. ومعنى ذلك هو أن هذا النبي، الذي يطلب من أي مؤمن عادي أن يكون كيسا وفطنا، وحذرا (2)، لم يلتزم هو بأبسط قواعد الحذر أو الكياسة والفطانة، وقد أمر الله المؤمنين بالحذر في صلاة الخوف، وأمرهم بذلك أيضا في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم، فانفروا ثبات، أو انفروا جميعا) (3). وثانيا: إن هذا النبي الكريم والعظيم صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر باتخاذ الحرس للجيش يطوفون به، وكان مواظبا على الاستعانة بهم، والاعتماد عليهم في غزواته (4).


(1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 237. (2) راجع: الخصال ج 1 ص 99 / 100 وعيوان أخبار الرضاج 1 ص 257 والبحار ج 68 ص 339 وج 64 ص 307. (3) سورة النساء: 71. (4) راجع في جعل النبي الحرس أفرادا، وجماعات: المغزي للواقدي وج 2 ص 602 والمواهب اللدنية ج 1 ص 93 وتاريخ الخميس ج 1 من 422 والسيرة الحلبية ج 2 ص 221 وشرح النهج للمتعزلي ج 4 ص 228 وتاريخ الأمم والملوك = (*)

[ 294 ]

وأين كان عنه علي عليه السلام الذي كان يتولى حراسته بنفسه، في الحضر، وفي السفر، وكان في حرب بدر والحرب قائمة لا يزال يتفقد رسول الله (ص) في موضعه (1). وكان هو المدافع عنه والحامي له في حرب أحد. وفي غيرها. وكان له في مسجد النبي (ص) أسطوانة أمام الحجرة. يجلس إليها لحراسته صلى الله عليه وآله وسلم (2). وزعموا: أن غير علي عليه السلام أيضا كان يحرس النبي (ص) (3). وثالثا: كيف يترك جيش بأكمله قائدهم، ونبيهم وحيدا فريدا في غابة، تكثر فيها المفاجئات، ولا يلتفت ولو واحد منهم إلى رجل يتسلل إلى موضعه (ص)، حتى يهدد حياته بخطر أكيد ؟، ثم ينجيه الله منه. وهل نام الجيش بأكمله في آن واحد ؟ ! ورابعا: قد ذكرت بعض النصوص ما يفيد: أن النبي (ص) قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في هذه المناسبة، مع أنه لم يكن - حسبما يستظهر من تلك النصوص - يواجه هدوا يخشاه. بل كان ذلك في طريق عودته إلى المدينة. وإن كان يظهر من بعض الروايات الأخرى: أن ذلك كان حينما كان رسول الله (ص) يواجه أعداءه في غزوة ذات الرقاع.


= ج 2 ص 151 والسيرة النبوية لابن هشام ج 280 2 وج 3 ص 249 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 356 و 358. (1) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 275 و 276 عن البيهقي، وعن النسائي في اليوم والليلة وحياة الصحابة ج 1 ص 501 عنه وعن كنز العمال ج 5 ص 267 عن الحاكم والبزار، وأبي يعلى، والفريابي. (2) وفاء الوفاء ج 2 ص 448. (3) الإصابة ج 2 ص 428 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 357 وصحيح مسلم ج 7 ص 124 والجامع الصحيح ج 5 ص 650 و 651 و 251 ومسند أحمد ج 1 ص 391 و 450 وج 4 ص 134 والتراتيب الإدارية ج 1 ص 356 و 392 و 393. (*)

[ 295 ]

وخامسا: قد ذكرنا فيما سبق أن آية: (أذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم)، قد وردت في سورة المائدة الآية / 11. وهي قد نزلت قبل وفاة النبي (ص) بشهرين أو ثلاثة دفعة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). إلا أن يدعى تكرر نزول الآية، وهو يحتاج إلى إثبات، ما دام أنه لا يمكن إبقاء آية معلقة بالهواء، عدة سنوات والقرآن ينزل، ثم تنزل سورة، فيأتي بها ويضعها فيها. وسادسا: الآية ذكرت: أن قوما قد هموا أن يبسطوا أيديهم لضرب المسلمين، وهي لا تناسب شخصا واحدا كما هو مورد البحث هنا. ومن يدري. فقد تكون هذه الآية قد نزلت في الذين تآمروا على النبي (ص) ليلة العقبة، لينفروا به ناقته، ويقتلوه. وسابعا: (2) يلاحظ مدى التناقض فيما يرتبط بمصير هذا الرجال الذي تقول رواية: إنه ضرب رأسه بالشجرة حتى انتثر دماغه، وأخرى تقول: إنه أسلم واهتدى به خلق كثير. وتناقض آخر، وهو أنه لما دعا رسول الله (ص) أصحابه، وجدوا رجلا جالسا عنده، فأخبرهم النبي (ص) بما جرى له معه. وفى رواية


(1) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 430 والدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، وأبي عبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والترمذي، وحسنه، وسعيد بن منصور، وابن جرير. وممن صرح أنها نزلت دفعة واحدة كما في المصدر المتقدم: أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والطبراني، ومحمد بن نصر في الصلاة، وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإيمان. والبرهان ج 1 ص 430. (2) راجع ما تقدم في السيرة الحلبية ج 2 ص 273 - 264. (*)

[ 296 ]

أخرى: إنهم تهددوه حتى اغمد السيف. وفي النص الأول المتقدم: أنه رد السيف إلى النبي (ص). وفي نص رابع: أن جبريل دفع في صدره فوقع السيف من يده (1). إلى تناقضات أخرى يستطيع من يقارن بين نصوص الروايات أن يقف عليها، ويلتفت إليها. ثامنا: لماذا يعيد غورث بن الحارث السيف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حسبما ذكرته الرواية الأولى ؟ ! هذا كله عدا عن عدم معقوليته أن يضرب رأسه حتى ينتثر دفاعه، سوف يغمر عليه من أول ضربة شديدة يتعرض لها رأسه. نقول ذلك كله مع أننا على يقين من أن من الممكن أن يتسلل بعض الناس إلى جهة النبي (ص)، في ظروف معينة. ولكن لا بهذه الطريقة ولا على حساب كرامة النبي (ص)، حين يكون الهدف هو النيل من شخصيته بصورة أو بأخرى. القصة الأقرب إلى القبول: ونعتقد: أن القصة الأقرب إلى القبول هي ما رواه أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " نزل رسول الله (ص) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة، على شفير واد، فأقبل سيل، فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين، والمسلمون قيام على شفير الوادي نتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا. فجاء وشد على رسول الله (ص) بالسيف، ثم قال: من ينجيك مني يا محمد ؟.


(1) فتح الباري ج 7 ص 330. (*)

[ 297 ]

فقال: ربي وربك. فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط على ظهره. فقام رسول الله (ص)، وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني يا غورث ؟ ! فقال: جودك وكرمك يا محمد. فتركه، فقام، وهو يقول: والله، لأنت خير مني وأكرم " (1). كيف نفهم هذه القصة ؟ ! وبعد، فإنه إذا كان لهذه القصة أصل، وقبلنا منها ما يتوافق مع الطوابط العامة، ومع النظرة الواقعية لشخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع الظروف التي كانت قائمة آنذاك. وبعد أن تصبح عناصر القصة في حدود المعقول والمقبول، فإننا إذا أردنا أن نستفيد منها في مجال التقييم والتقويم، فإن ما يمكن أن نقوله هو: إن الله يزل يرعى نبيه، ويظهر له المزيد من الكرمة، ويحوطه بألطافه، ويكلؤه، ويحفظه، ويصونه. ويلفت نظرنا هنا تأثير جواب النبي (ص) لذلك الرجل بأن الله هو الذي يمنعه منه، في ظرف لم يكن ذلك الرجل يفكر بالله سبحانه، ولا يخطر في باله أن يتدخل الله في موقف كهذا لنصرة أي من الفريقين، ورأى من ثقة النبي (ص) بالله واعتماده عليه حتى إنه لم يتطرق ذرة من الخوف إلى قلبه الشريف حتى في موقف كهذا - رأى من ذلك ما أرعبه، وهز كيانه، وأثار أمامه أكثر من سؤال، فتزعزعت الثوابت التي كانت


(1) الكافي ج 8 ص 127 والبحار ج 20 ص 179 عنه واعلام الورى ص 89. (*)

[ 298 ]

تتحكم في كيانه وتهيمن على وجوده. فلم يعد ثمة ما يحمي له قراره بقتل محمد، وأصبحت اليد الممدودة لس لها مدد من إرادة، ولا رافد من عزيمة، فكان من الطبيعي أن تسقط، ويسقط السيف الذي كانت تحمله. ثم لما رأى السيف في يد النبي، ورجع إلى كيانه ووجوده، فرآه موزعا وخاويا. وراجع حساباته، كلها، فرأى أنه لا يملك أي رصيد يخوله أن يعتمد عليه، ويستند إليه، كان لا بد له من الاعتراف بأن لا أحد يمنع أو يدفع عنه، فما دام الله ليس معه، فإنه لا أحد معه، وهذه حقيقة لابد من الاعتراف بها والانصياع لها قبل فوات الأوان، وهكذا كان.

[ 299 ]

الفصل الثاني: حدث وتشريع

[ 301 ]

ماذا في هذا الفصل ؟ ! إننا لا ستكمال الحديث عن الأمور المرتبطة بغزوة ذات الرقاع نتحدث في هذا الفصل عن عدة أمور بالترتيب التالي: 1 - إنهم يقولون: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع، وصلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه فيها، وهي أول صلاة خوف في الإسلام. ونحن نرى: أن ذلك غير سليم، وأن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية، وهي قبل ذات الرقاع. بل قد يقال: إنها قد شرعت قبل الحديبية أيضا. 2 - ثم نشير إلى الاختلافات الواردة في كيفية صلاة الخوف. 3 - ونتحدث أيضا بإجمال عما يقال عن عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق، لأنها لم تكن شرعت آنئذ.. 4 - ثم نعقب ذلك بفلسفة تحليلية لتشريع صلاة الخوف في حدود ما تسمح به المناسبة. 5 - ثم نتوجه إلى الحديث عن قصر الصلاة، حيث يقال: إن ذلك قد حدث في غزوة ذات الرقاع أيضا. 6 - ثم نستطرد في الحديث إلى موضوع آخر يرتبط بقصر الصلاة،

[ 302 ]

وهو ما اشترطته الآية للقصر، من كونه في مورد خوف الفتنة، وذلك من أجل بيان المواد من هذا الشرط، ثم المبرر لإدراجه في الآية الشريفة. 7 - ولا ننسى أن نستطرد أيضا إلى موضوع قصر عثمان للصلاة في منى وعرفات في أيام الحج، وما نشأ عن ذلك وما انتهى إليه. ونذكر أيضا أعذارا وتوجيهات لهذا الأمر لا يمكن أن تصح، ولا يصح الاعتماد عليها. 8 - ثم نختم الحديث عن هذا الموضوع بالإشارة إلى أن القصر في السفر رخصة أم عزيمة، من أجل أن يتضح المقصود من آية القصر، حيث إن الحديث عن القصر فيها إنما هو بصيغة: ليس عليكم جناح أن تقصروا. 9 - وأما الحديث عن أن آية التيمم قد نزلت في غزوة ذات الرقاع أيضا فنرجئه إلى الحديث عن غزوة المريسيع بعد الخندق، حيث يتم التعرض له هناك إن شاء الله تعالى.. هذه خلاصة ما سوف نتحدث عنه في هذا الفصل، وأنت ترى: أنه كله حديث عن تشريعات ادعي أنها قد حصلت في غزوة ذات الرقاع. ثم استطرادات مفيدة في نطاق الحديث عن هذه التشريعات. ونحن نرجو أن يكون فصلا مفيدا للقارئ وممتعا له في نفس الوقت.. فإلى ما يلي من مطالب، ومن الله نستمد العون والقوة، وعليه نتوكل.. صلاة الخوف: يقال: إن صلاة الخوف قد شرعت في غزوة ذات الرقاع. حيث إنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الغزوة واجه جمعا من الأعداء " فتقارب الجمعان، وثم يكن بينهما حرب. وقد خاف بعضهم بعضا، من غير أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي (ص) صلاة الخوف، ثم انصرف

[ 303 ]

بالناس " (1). وهي أول صلاة خوف في الإسلام (2). ونقول: إننا نسجل هنا ما يلي: 1 - قولهم: إنها أول صلاة خوف صليت في الإسلام لا تؤيده الروايات على اختلافها، فقد ذكروا - وإن كنا قد رددنا ذلك فيما يأتي - أن صلاة الخوف إنما شرعت في غزوة بني النضير (3) وهي قبل غزوة ذات


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 464 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 264 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 / 29 والسيرة الحلبية ج 2 ص 271 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 200 والمغازي للواقدي ج 1 ص 396 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 160 والبداية والنهاية ج 4 ص 83 وراجع: صحيح البخاري ج 3 ص 23 و 25 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 174 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 227 وأنساب الأشراف ج 1 ص 340 وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 61 وتفسير البرهان ج 1 ص 110 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 214 وراجع: نصب الراية ج 2 ص 246 و 247 وراجع صحيح مسلم (باب صلاة الخوف) ج 2 ص 214 ونهاية الإرب ج 17 ص 158 والمواهب اللدنية ج 1 ص 107 والدر المنثور ج 2 ص 212 و 213 عن أبي داود، وابن حبان، والحاكم وصححه والبيهقي، وعن مالك، والشافعي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني. (2) حبيب السير ج 1 ص 357 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 61 والمواهب اللدنية ج 1 ص 107 والجامع ص 279 وراجع المصادر المتقدمة أيضا، فبعضها قد ذكر ذلك ونصب الراية ج 2 ص 248 و 249 عن الواقدي وغيره. ص 271، والتنبيه والإشراف ص 214 وحبيب السير ج 1 ص 357 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 215 ونهاية الإرب ج 17 ص 159 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 370 وصحيح البخاري ج 3 ص 23، وفتح الباري ج 7 ص 325 وبهجة المحافل ج 1 ص 232. (*)

[ 304 ]

الرقاع قطعا. 2 - ومن جهة أخرى ثمة روايات تقول: إن آيات صلاة الخوف قد نزلت في غزوة عسفان، فصلى بهم النبي (ص) صلاة الخوف - وفي رواية الترمذي وابن جرير: أن جبرئيل هو الذي علم النبي (ص) كيف يصليها، وذلك، بين ضجنان، وعسفان. وعسفان كانت بعد الخندق (1). 3 - وسأل سليمان اليشكري جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل ؟. فقال جابر بن عبد الله: وعير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل... ثم ذكر ما جرى، وصلاة النبي (ص) بهم صلاة الخوف، ثم قال: فأنزل الله في إقصار الصلاة (2). ولكن قال ياقوت: إن نخلا " موضع بنجد، من أرض غطفان مذكور في غزاة ذات الرقاع " (3).


(1) الدر المنثور ج 2 ص 211 و 213 عن المصادر التالية: عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي، والترمذي، وابن جرير. وعن البزار عن ابن عباس، وعن أبي عياش والبيهقي، والترمذي،، وأبن جرير. وعن البزار عن ابن عباس، وعن أبي عياش الزرقي، وأبي هريرة، ومجاهد. وفتح الباري ج 7 ص 327 والسيرة الحلبية ج 2 ص 271 ونصب الراية ج 2 ص 248، ومسند أحمد ج 4 ص 59 وفي هامش نصب الراية عن سنن أبي داود ج 2 ص 11 و 12 وسنن البيهقي ج 3 ص 257 وراجع: سنن النسائي ج 3 ص 174 والجامع الصحيح ج 5 ص 243 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 504 / 505 وجامع البيان ج 5 وكشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 326. (2) الدر المنثور ج 2 ص 211 عن عبد بن حميد، وبان جرير، وجامع البيان وبغية الألمعي (مطبوع مع نصب الراية) ج 2 ص 2248 وسنن النسائي ج 3 ص 176. (3) معجم البلدان - ط دار الكتب العلمية ج 5 ص 320. (*)

[ 305 ]

وعن السمهودي، أنه قال: " حتى نزل نخلا، وهي غزوة ذات الرقاع " (1). وقال السمهودي أيضا: " وكأن أبا حاتم رأى اتحادهما، فلم يذكر ذات الرقاع. وهي بنخل عند بعضهم، فلذلك لم يذكرها أيضا " (2) ونقول: إن هذا اشتباه واضح، فإن نخلا إذا كانت بنجد لم يكن ثمة مناسبة بينها وبين عير قريش الآتية من الشام، فلمراد إذن هو نخل التي من جهة الشام دون سواها. 4 - وعن مجاهد أنه قال بالنسبة لصلاة الخوف في عسفان: " فلم يصل رسول الله (ص) صلاة الخوف قبل يومه، ولا بعده " (3). 5 - عن جابر قال: غزا رسول الله (ص) ست غزوات قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة (4). فالقول بأنها في ذات الرقاع، وذات الرقاع في السنة الرابعة، لا يصح. الرواية الاقرب إلى القبول: والمعتمد عندنا في هذا المجال هو الرواية التي رواها علي بن ابراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الإمام الصادق عليه السلام:


(1) بغية الألمعي (مطبوع بهامش نصب الراية) ج 2 ص 248 عن وفاء الوفاء ج 1 ص 381. (2) وقاء الوفاء ج 1 ص 280. (3) الدر المنثور ج 2 ص 214 عن ابن أبي شيبة، وابن جرير، وراجع جامع البيان ج 5 ص 156. (4) الدر المنثور ج 2 ص 214 عن أحمد. ومسند احمد ج 3 ص 348. (*)

[ 306 ]

(فانها نزلت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى الحديبية، يريد مكة، فلما وقع الخبر الى قريش بعثوا خالد بن الوليد في ماءتي فارس كمينا يستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ فكان يعار رسول الله ] على الجبال. فلما كان في بعض الطريق، وحظرت صلاة الظهر، فأذن بلال، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس. فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم، وهم في الصلاة لاصبناهم، فإنهم لا يقطعون صلاتهم، ولكن تجئ لهم الآن صلاة اخرى هي أحب إليهم من ضياع ابصارهم، فإذا دخلوا في الصلاة اغرنا عليهم. فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة الخوف في قوله: (وإذا كنت فيهم الآية..) (1). ولا يعارض ذلك ما رواه ابن بابويه في الفقيه بسند صحيح إلى عبد الرحمان بن ابي عبد الله: أن النبي (ص) قد صلى بأصحابه صلاة الخوف في ذات الرقاع ; فإن هذه الرواية ليس فيها: أن جبرئيل قد نزل بصلاة الخوف آنئذ، ولا أن الآية قد نزلت أيضا في غزوة ذات الرقاع. وإن كان الإمام عليه السلام بعد أن ذكر كيفية صلاته (ص) بأصحابه صلاة الخوف، قد أورد الآية، مظهرا بذلك موافقه فعل من النبي (ص) لمضمونها، فراجع (2). فتشريع صلاة الخوف قد كان في الحديبية التي كانت في سنة ست ثم صلاها (ص) مرة اخرى بأصحابه في غزوة ذات الرقاع، التي كانت في السنة السابعة حسب ما قدمنا


(1) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 411. (2) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 411 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 460 ط جماعة المدرسين. (*)

[ 307 ]

كيفيد صلاة الخوف: قد اختلفت رواياتهم في كيفية صلاة الخوف التي صلاها رسول الله (ص) في مغازية، حتى ليقول لبعض: (قد رويت صلاة الخوف على ستة عشر صورة كلها صائغ فعله) (1). وقال الآخر: (ووراء ذلك من الكيفيان المتباينات، والخلافات المتعددات بحسب اختلاف الروايات، ما يطول ذكره، ويعز حصره) (2). وقد أغنانا ذلك التناقضات الكثيرة والاختلافات الفاحشة بين الروايات المختلفة. والحل الأمثل هو الرجوع الى بيت اهل النبوة، ومعدن الرسالة، فإنهم هم احد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما، وهم سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى. وقد ذكروا ان صلاة الخوف في ذات الرقاع كانت قصرا (3). صلاة الخوف في غزوة الخندق: وقد زعم البعض: أن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، وإلا لكان صلاها حينئذ، لانهم جسوه عن صلاة الظهرين والعشاءين فصلاهن جميعا. وذلك قبل نزول صلاة الخوف (4).


(1) سيرة مغلطاي ص 53 / 54 وراجع: الروض الانف ج 3 ص 253 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 234 وراجع: التنبيه والاشراف ص 214 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 227. (2) بهجة المحافل ج 1 ص 233. (3) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 411. (4) راجع: زاد المعاد ج 2 ص 111 والسيرة الحلبية ج 2 ص 270 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 327.

[ 308 ]

ونقول: إن هذا الاستدلال لا يصح، إذ لعل العدو كان في جهة القبلة فصلاها المسلمون إيماء أو كان الوضع الحربي لا يسمح بالصلاة جماعة بسبب تلاحم المقاتلين، والمناوشة بينهم، حيث يكفي في هذه الحالة التهليل والتسبيح، والتحميد، والدعاء، كما حدث في صفين ليلة الهرير (1). وسيأتي عدم صحة ما يذكرون حول هذا الامر في موضه ان شاء الله تعالى.. صلاة الخوف لماذا ؟ !: ولربما يراود ذهن البعض سؤال عن السبب في الاصرار على الصلاة جماعة حتى في خال الحرب، مع ان الامكان ان يصلى المسلمون فرادا متفرقين، مع الاحتفاظ بمواجهة العدو بالكثرة العددية في ساحة القتال. خصوصا مع اتساع الوقت لاداء الصلاة بصورة متوالية من العناصر، بحيث لا يذخل ذلك بالحالة التي يتخذونها تجاه العدو بهدف ارهاقه. أو دفع شره. وللإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من الاشارة الى ان هذا امر مصود لله عز وجل، لانه يمثل مطلبا اساسيا في اكثر من اتجاه. فهو من جهة يمثل اصرار المسلمين على الجهر بمعتقداتهم، وممارسة حقهم بحرية التعبير عنها، وحرية ممارسة شعائرهم الدينية. رضي الناس ذلك ام غضبوا. كما انه يمثل اضهارا للالتزام بالقيادة المثلى، والاقتداء بها. والتلاقي عليها ومعها لتكون رمز وحدة الامة، من خلال وحدة الهدف، ثم


(1) البرهان ج 1 ص 411 و 412. (*)

[ 309 ]

وحدة الموقف، واتمعاءا بوحدة المصير. ومن جهة اخرى فإن هذا المظهر العبادي الوحدوي التنظيمي ووحدة الشعار، لا بد ان يثير لدا اعداء اكثر من سؤال يرتبط بالموقف السياسي والعسكري، الذي يتخذه ذلك العدو، ويتحرك ويتعامل معهم على اساسه ومن خلاله، حتى إذا ما راجع حساباته في هذا السبيل، فلسوف يجد أنه لم يكن منطقيا، ولا منصفا في عدائه لهم، ولا في مواقفه منه، التي اتخذها انطلاقا من عدم قناعته بما اقتنعوا به، أو فقل: من عدم قبوله بما هم عليه. فهل عدم اتناع شخص بأفكار، ومعتقدات، وقناعات، شخص آخر، يعطيه الحق في تدمير ذلك الشخص واستأصاله من الوجود ؟ !.. وهل إذا قال هؤلاء ربنا الله وليس الصنم الفلاني، يستحقون ان يواجهوا بالحرب وبالحرمان وبالقطيعة وبجميع اشكال الاضتهاد والتنكيل ؟ !. انص لاة ال خوف هذه لسوف تقنع عذا العدو بالذات ان ما يحاربهم من أجله ويصرون هم عليه انما يعنيهم هم اولا بالذات وليس له هو حق في اتخاذ اي موقف سلبي منهم لاجل امر يخصهم ويرجع إليهم. ف‍ (لا اكراه في الدين) فإن الدين يقوم على اساس القناعات وعلى أساس المشاعر، وعقد القلب وإحساسه بالامن واستشعاره الايمان. ولا يمكن ان يفرض هذا على احد ولا يتحقق الاكراه فيه. ولا يملك احد ان يصادر حرية الآخرين في ان يعتقدوا ما شاؤا. ولا يمنكه ان يمنعهم من ممارسة كثير مما يريدون ممارسته. بل إن هذا يخضع للمنطق وللبرهان وللدليل أولا مع إعطاء دور رئيس لتكون عامل الثقة والصراحة والصدق والانصاف والحرية وغير ذلك مما هو ضروري في مجال التحرك الواعي والمسؤول في مجال

[ 310 ]

الدعوة لتحقيق الاستجابة الحقيقية الواعية ولمسؤولة. فصلاة الخوف شعار وموقف وبلاغ ودعوة وتصميم ووحدة. وخلوص والتفات حول القيادة وتربية وتعليم وتحد ثم هي حرب نفسية وسلاح قاطع. وليس ثم رسالة ابلغ منها للعدو ليعرف ان هؤلاء الناس قد بلغوا من إصرارهم على مواقفهم وتمسكهم بمبادئهم وفنائهم فيها حدا يجعلهو يرون قضيتهم ودينهم ودعوتهم هي الاهل من كل شئ وأن حياتهم وكل شئ يملكونه لا بد ان يكون لها ومن اجلها وفي سبيلها وهم يمارسون ذلك عملا ويقدمون على البذل والعطاء في سبيله بكل رضى ومحبة وصفاء وسخاء ومن جهة ثانية ان ذلك يؤكد للإنسان المسلم مدى اهمية الصلاة حتى انها لا تترك لحال حتى للغريق المشرف على التلف وحتى للمقاتل الذي يواجه الأخطار الكبرى على حياته ووجوده.. وتأتي الصلاة في هذه الحال بالذات - حال الخوف - لتربط الانسان بمصدر الامن والسلام والطمأنينة للقلوب وانسجام المشاعر وتلاقيها ليعيش الانسان في الآفاق الملكوتية روح الطهر والخلوص ليصبح قادرا على التخلص مما يربطه بهذا الدنيا ويشهده على هذه الارض ليخلد إليها ويحجبه ذلك عن مصدر القدرة وعن الانطلاق في رحابه وفي آفاق ملكوته ومعاين د آلائه وتلمسها والتصذيق بها قصر الصلاة وقالوا: ان الصلاة قد قصرت في غزوة ذات الرقاع (1) حيث نزل


(1 تاريخ الخميس ج 1 ص 464 وكتفي في السيرة الحلبية ج 2 ص 278 بالقول: بأن قصر الصلاة كان في الرابعة.

[ 311 ]

قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) (1). ونقول: ان الكلام هنا في عدة جهات نذكر منها ما يلي: 1 - تاريخ قصر الصلاة: إن القول بأن ذلك في غزوة ذات الرقاع يقابله الرواية التي تقول: إن ذلك قد كان في غزوة عصفان. فقد روي عن مجاهد في قوله ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة قال انزلت يوم كان النبي والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلى النبي (ص) بأصحابه صلاة الظهر اربعا ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جمعا فهم بهم المشركون ان يغيروا على امتعتهم وأثقالهم فأنزل الله فلتقم طائفة منهم معك. فصلى العصر فصف اصحابه صفين ثم كبر بهم جميعا ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجودوا حتى قام النبي (ص) ثم كبر بهم وركعوا جميعا فتقدم الصف الآخر واستاخر الصف المتقدم فتعاقبوا السجود كما فعلوا اول مرة وقصر العصر الى ركعتين (1). ونقول: ن هذه الرواية صريحة من ان آية قصر الصلاة قد نزلت بعد أو حنين تشريع صلاة الخوف وثمة روايات أخرى يظهمر منها انهم يتحدثون عن


(1) النساء / 101. (2) الدر المنثور الجزء 2 ص 210 عن عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم وجامع البيان ج 5 ص 156 والمصنف ج 2 ص 504. (*)

[ 312 ]

آية القصر ويقصدون منها صلاة الخوف فقط (1) ولعل هذا قد نشأ عن كونهما قد نزلتا في زمان واحد. وقد تقدم أن صلاة الخوف قد شرعت في الحديبية ثم صلاها النبي (ص) في ذات الرقاع التي كانت بعدها فمعنى ذلك: أن قصر الصلاة قد شرع في الحديبية أيضا. أو بعدها وذلك واضح لا يحتاج الى بيان.. لكن ثمة رواية تقول: إن نزول الآية وتشريع صلاة القصر قد كان قبل نزول آية صلاة الخوف بنسبة ; فشرع القصر على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم حين سأله تجار يضربون في الا رض عن كيفية صلاتهم فراجع (2). فيكون تشريع القصر قبل غزوة الحديبية بسنة ! القصر في حالتي الامن والخوف: ومن الامور التي تساءل بعض الناس عنها هو: أن آية قصر إنما تتحدث عن إيجاب القصر بشرط خوف الفتنة من قبل الذين كفروا مع أن القصر ثابت مع خوف البدنة وبدونه. ود حاول البعض الهروب من هذا الاشكال بدعوى أن القصر لم يذكر في القرآن أصلا (3).


(1) راجع الدر المنثور ج 2 ص 210 عن عبد الرزاق عن طاووس وابن الجرير وابن أبي حاتم عن السدي والمصنف ج 2 ص 517 وغيرها وجامع البيان ج 5 ص 154. (2) الدر المنثور ج 2 ص 209 وجامع البان ج 5 ص 155 عن علي عليه السلام وبهجة المحافل ج 1 ص 228. (3) سنن النسائي ج 3 ص 117 وسنن البهيقي ج 3 ص 136 وسنن ابن ماجه ج 1:

[ 313 ]

وبعض آخر كعائشة وسعد بن ابي وقاص ادعوا: أن الواجب هو القصر في حال الخوف فقط أما في حال الامن فكانا يتمنان في السفر (1). وروي عن عائشة خلاف ذلك ايضا (2). وقد يحلو للبعض ان يدعي: أن القرآن قد نسخ بالسنة جيث إن القرآن نص على القصر في حالة الخوف ثم نسخ ذلك بقول النبي (ص) حيث جعله صلى الله عليه وآله وسلم في مطلق السفر (3). إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. ونقول: إن مجرد كون القرآن قد نص على القصر في مورد خوف الفتنة ثم جاء تعميم ذلك الى مطق السفر على يسان النبي لا يوجب اعتبار اذلك من قبيل نسخ القرآن بالسن د إذ قد يكون القرآن قد ذكر لهم ما كان محلا لابتلائهم أو أورد ذلك مورد الغلب فإذا كان القرآن قد بين قسما


= ص 339 البيان ج 5 ص 136 والدر المنثور ج 2 ص 209 و 210 عنهم وعن عبد بن حميد وابن الحبان وابن ابي حاتم والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 444 والمستدرك على الصحيحين ج 1 ص 258 والموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 162 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 518 ومسند أحمد بن حمبل ج 2 ص 65 / 66. (1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 110 عن ابن جيرير وابن ابي حاتم وعبد الزراق ونصب الراية ج 2 ص 118 و 189 ونيل الاوطار ج 3 ص 249 وراجع: الجامع الصحيح ج 2 ص 430 وعن عائشة في المصنف ج 2 ص 515 وراجع أيضا: الام ج 1 ص 159. (2) راجع: الام ج 1 ص 159 وصحيح مسلم ج 2 ص 142 و 143 والمصنف الصنعاني ج 2 ص 515 والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 446 و 447 والدر المنثور ج 2 ص 210 عن بعض من تقدم وعن البخاري ومالك وعبد بن حميد واحمد البيهقي في سننه (3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 227 و 228.

[ 314 ]

يجب فيه القصر ثم بينت السنة باقي لموارد فليس ذلك من قبيل النسخ بل هو إما من باء القاء الخصوصية أو من باب التعميم والتتميم إذ ليس فيه الغاء للحكم الثابت للقرآن. وقد اشارت الروايات الى ذلك ايضا فقد روي ان يعلى بني امية قال لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة ان خفتم ان يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس. فقال لع عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله (ص) عن ذلك فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم فاقبلوا صدقته (1). وعن ابي العالية قال: سافرت الى مكة فكنت اصلي بين مكة والمدينة ركعتين فلقيني قراء اهل هذه الناحية فقالوا: كيف تصلي ؟ ! قلت: ركعتين. قالوا: أسنة، أو قرآن ؟ ! قلت: كل سنة وقرآن صلى اللع عليه واله وسلم (ص) ركعتين. قالوا: ان كان في حرب. قالوا: انه كان في حرب. قلت: قال الله لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن


(1) الدر المنثور ج 2 ص 209 عن ابن ابي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير ج 5 ص 154 وابن المنذر وابن ابي حاتم والنحاس في ناسخه والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 6 ص 448 و 450 ونصب الراية ج 2 ص 190 وصحيح مسلم - باب صلاة المسافر ح 2 ص 134 وسنن ابي داود ج 2 ص 3 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 176 ومسند أحمد ج 1 ص 25 و 36 وسنن النسائي ج 3 ص 116 و 117 والجامع الصحيح (كتاب التفسير) ج 5 ص 242 / 243. وبهجة المحافل ج 1 ص 227 و 228 وسنن البهيقي ج 3 ص 134 و 140 و 141 وسنن الدارمي ج 1 ص 354 ومصابيح السنة ج 1 ص 460 وشرح معاني الآثار ج 1 ص 415 والمصنف ج 2 ص 517 والأم ج 1 ص 159.

[ 315 ]

المسجد الحرام ان شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصصرين لا تخافون. وقال وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة. فقرأ حتى بلغ: فإذا اطماننتم (1). إتمام عثمان للصلاة في مني وعرفات: ومن الامور التي طعن بها الصحابة المسلمون على عثمان بن عفان (2): أنه أتم الصلاة بمعنى وبعرفات فخالف بذلك رسول الله (ص) الذي قصر الصلاة فيهما. وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان نفسه عدة سنوات أيام خلافته (3). الصامدون والمتزلفون:


(1) جامع البيان ج 5 ص 155 والدر المنثور ج 2 ص 209 عنه والام ج 1 ص 159 ونيل الأوطار ج 3 ص 247. (2) تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 322 وأنساب الاشراف ج 5 ص 39 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 254. (3) راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 126 و 189 وصحيح مسلم ج 2 ص 145 و 146 والموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 314 والكامل لابن الاثير ج 3 ص 103 ونصب الراية ج 2 ص 192 و 187 وسنن النسائي ج 3 ص 120 و 118 ومسند أحمد ج 1 ص 378 وج 2 ص 159 ونيل الاوطار ج 3 ص 249 والمحلى (*)

[ 316 ]

وقد كان ابن عمرو بعد ان بتم خلف عثمان يعيد صلاته بعد أن يرجع الى بيته (1) أما ابن مسعود الذي اعترض على عثمان لفعله ذاك فإنه عاد فصار يصلي اربعا بحجة ان الخلاف شر (2) وكذلك تماما كان من عبد الرحمان بن عوف فإنه ناقش عثمان أولا ثم تابعه وعمل بعمله أخيرا (3). ولكن عليا امير المؤمنين عليه السلام وحده الذي اضر على الرفض فقد روي عن جعفر بن محند عن ابيه قال: اعتل عمان وهو مبنى فأتي علي فقيل له: صل بالناس. فقال: إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله (ص)، يعني ركعتين قالوا: لا، إلا صلاة امير المؤمنين - يعني عثمان - أربعا فأبى (4). معاوية والامويون وسنة عثمان: ولكن معاوية حين قدم حاجا صلى الظهر ركعتين فجاءه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما حاب احد ابن عمك بأقبح مما عتبه به. فقال لهما: وما ذاك ؟ !


(1) المحلى ج 4 ص 270 والمطوطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 164. (2) الأم ج 1 ص 159 وج 7 ص 175 وسنن البهيقي ج 3 ص 144 والغدير 8 ص 100 عنهم وصحيح البخاري ج 1 ص 126 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 والمصنف ج 2 ص 516 والكامل في التاريخ ج 3 ص 104. (3) تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 302 وأنساب الاشراف ج 5 ص 39 والكامل في التاريخ ج 3 ص 103 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 وراجع: العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 140 والغدير ج 8 ص 98 - 102 عنهم. (4) المحلي ج 4 ص 270 وحاشية ابن التركماني على سنن البهيقي مطبوعة بهامش السنن ج 3 ص 144. والغدير ج 8 ص 100. (*)

[ 317 ]

قال: فقال له: الم تعلم بأنه اتم الصلاة بمكة. قال: فقال لها: ويحكمها وهل كان غير ما صنعت قد صليتهما مع رسول الله (ص) ومع ابي بكر وعمر رضي اللع عنهما قالا: فإن ابن عمك قد اتمها وإن خلافك اياه له عيب. قال: فخرج معاوية الى العصر فصلاها بنا أربعا (1). وقال ابن عباس بعد ان ذكر صلاة عثمان شطرا من خلافته قصرا ثم صلاها اربعا ثم أخذ بها بنو أمية (2). أعذار لا تصح: قد ذكروا اعذارا كثيرة للخليفة ونحن نختار منها نموذجا ونجيل القارئ في الباقي الى المصادر فنقول: 1 - لقد اعتذر الخليفة نفسه بأنه إنما فعل ذلك لانه تأهل بمكة لما قدمها (3). وقال العسقلاني (هذا الحديث لا يصح لانه منقطع وفي رواته من لا يحتج به ويرده إلخ..) (4).


(1) مسند احمد ج 4 ص 94 ومجمع الزوائد ج 2 ص 156 وعن احمد الطبراني وقال: رجال احمد موثقون. (2) الغدير ج 8 ص 101 كنز العمال ج 8 ص 154 عن بد الرزاق والدار قطني. (3) وفتح الباري ج 2 ص 470 عن أحمد والبهيقي ومسند احمد ج 1 ص 62 الاشراف ج 5 / 39 وكجمع الزوائد ج 2 ص 470.

[ 318 ]

ويرده ايضا أن النبي (ص) كان يسافر بزوجاته ويقصر (1). وقال العلامة الاميني: (ما المسوغ له ذلك وقد دخل مكة محرما ؟ وكيف يشيع المنكر ويقول: تأهلت بمكة مذ قدمت ؟ ولم يكن متمتعا بالعمرة - لانه لم يكن يبيح ذلك أخذا برأي من حرمها كما يأتي تفصيله - حتى يقال انه تأهل بين الاحرامين بعد قضاء نسك العمرة فهو لم يزل كان محرما من مسجد الشجرة حتى احل بعد تكام النسك بمنى).. إلى أن قال: (وقد صح من طريق عثمان نفسه عن رسول الله (ص) من قوله: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) (2). ثم ذكر رحمة الله نصوصا أخرى حول عدم جواز التزوج حال الاحرام فلتراجع (3). هذا بالاضافة إلا انه لا معنى للحكم بالاتمام للمسافر إذا تزوج إمرأة في بلد ما لان المرأة هي التابعة للرجل وليس العكس. ولو كان حكم عثمان الاتمام لانه تزوج إمرأة هناك فلماذا يتم سائر الناس الذين يأتمون به ؟ ! ولماذا يصر على علي عليه السلام بالإتمام حينما أراده على الصلاة مكانه ؟ ! ولماذا يصرون على معاوية بالعمل بسنة عثمان ثم يستمر بنو أمية على ذلك ؟ !


(1) راجع المصدر السابق. (2) ذكر في الغدير ج 8 ص 104 المصادر التالية: الموطأ ج 1 ص 321 وفي طبعة أخرى 254 والام ج 5 ص 160 ومسند احمد ج 1 ص 57 و 64 و 65 و 68 و 73 وصحيح مسلم ج 1 ص 935 وسنن الدارمي ج 2 ص 38 وسنن ابي داود ج 1 ص 290 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 606 وسنن النسائي ج 5 ص 192 وسنن البهيقي ج 5 ص 65 و 66. (3) والغدير ج 8 ص 104 و 105.

[ 319 ]

ولماذا يصلي ابن مسعود وعبد الرحمان بن عوف بأصحابه تماما - لأن الخلاف شر ؟ ! ولماذا ؟. ولماذا ؟ !... 2 - وثمة عذر آخر وهو أنه إنما أتم في منى وعرفه لانه كان له مال بالطائف (1). وهو اعتذار لا يصح أيضا لان وجود ملك أو دار في مكة فضلا عن الطائف لا يوجب الإتمام. وقد قصر الصحابة الذين حجوا مع الرسول الله (ص) ولم يأمرهم النبي (ص) بالاتمام ولا اتموا بعد رسول الله (ص) (2). هذا بالإضافة الى أن الذين ائتموا به لم يكن كلهم له املاك هناك. ولماذا يصر على علي (ع)، ويصر بنو امية على الإتمام بعد ذلك. ولماذا ؟ ! ولماذا ؟ ! 3 - واعتذر أيضا بأنه خاف أن يظن أهل اليمن والأعراب المقيمون: أن الصلاة للمقيم ركعتان (3) ولكن هذا العذر غير مقبول أيضا إذ قد كان يمكن تعليم الناس


(1) أنساب الاشراف ج 5 ص 39 وتاريخ الامم والملوك ج 3 ص 322 والكامل في التاريخ ج 3 ص 103 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 140 وسنن أبي داود ج 2 ص 199. (2) الام ج 1 ص 165 وسنن البهيقي ج 3 ص 153. (3) راجع: أنساب الاشراف ج 5 ص 39 وتاريخ الامم والملك ج 3 ص 322 وزاد المعاد ج 1 ص 129 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 والكامل في التاريخ ج 3 ص 103 وسنن ابي داود ج 2 ص 200 وسنن البهيقي ج 3 ص 144 ونيل الاوطار ج 2 ص 260 وكنز العمال ج 8 ص 152 عن البهيقي وابن عساكر والغدير ج 8 ص 100 والمصنف ج 2 ص 518.

[ 320 ]

عل الحكم الشرعي بأسلوب آخر.. كما أن هذا الفعل قد يوجب أن يظن أهل اليمن والاعراب: أن الصلاة في السفر أربع ركعات. اضف الى ذلك ان رسول الله لم يفكر في تعليم الناس بهذه الطريقة مع انه كان يوجد في زمنه اعراب وكان اهل اليمن يحجون في عهد أسلاف عثمان ايضا. وقد قال رسول الله (ص) لأهل مكة بعد ان صلى ركعتين: (أتموا الصلاة يا اهل مكة فإنا سفرة أو قال: يا أهل البلد صلوا اربعا فإنا سفره) (1).. ر. ي ان عمر أيضا گكان يفعل ويقول ذلك فراجع (2). 4 - ان منى اصبحت قرية وصار فيها منازل فتأول عثمان أن القصر إنما هو في حال السفر (3). ونقول: معنى هذا ان عثمان كان لا يعرف حكم القصر وأنه كان يظن القصر إنما يجب في حال المشئ في الصحراء فقط فإذا بلغ المسافر قرية ونزل فيها فإنه يتم حينئذ مع أن النبي (ص) قد قصر في مكة نفسها وقد كانت مكة بلدا كبيرا ومعمورا اكثر من منى وعرفات بمراتب. 5 - إنه أقام بها ثلاثا والمقيم يتم (4).


(1) سنن البهيقي ج 3 ص 136 و 157 وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 254. (2) سنن البهيقي ج 3 ص 126 والمحلى ج 5 ص 18 والموطأ ج 1 ص 164 وفتح الباري ج 2 ص 470. (3) زاد المعاد ج 1 ص 129. (4) زاد المعاد ج 1 ص 129.

[ 321 ]

وهم عذرواه إذ أن النبي (ص) قد اقام في مكة ما يقرب في عشرة أيام ولم يزل فيها قصرا (1). 6 - إنه كان قد نوى الاقامة بعد الحج والا ستيطان بمنى واتخاذاها دار الخلافة ثم بداله بعد ذلك (2). وعلى حسب مصاهر ستيطان بمنى واتخاذاها دار الخلافة ثم بداله بعد ذلك (2). وعلى حسب مصاهر: انه قد نوى الاقامة بعد الحج (3). ولجواب عن ذلك: اولا: ما قاله العسلاني من ان سنده مرسل وثانيا: ان الاقامة في مكة على المهاجرين حرام (4). وثالثا: لو صح ذلك ايضا، فلماذا يتم سائر الناس !. ولماذا يفتدي به الامويون ! ولماذا يصر هو على علي (ع) بالامتمام ؟ ! ولماذا كان قصر معاوية عيبا له ولماذا ؟ ولماذا ؟ ! 7 - ان الامام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته فكأنه وطنه (5). والاسئلة الآنفة الذكر آتية هنا. هذا بالاضافة الى ان النبي (ص) كان امام الخلائق فلماذا لم يتم (6). وقد قصر أبو بكر وعمر وعثمان نفسه شطرا من ولايته.


(1) راجع: الغدير ج 8 ص 108 و 109 (2) الغدير ج 8 ص 109 وزاد المعادج 1 ص 129. (3) راجع فتح الباري ج 2 ص 470 ونيل الاوطار ج 3 ص 260 وزاد المعاد ج 2 ص 25. والمصنف ج 2 ص 516 وسنن ابي داود ج 2 ص 199. (4) راجع المصادر في الهامش الآنف الذكر. (5) راجع الغدير ج 8 ص 109 وفتح الباري ج 2 ص 470 وزاد المعاد ج 1 ص 129. (6) فتح الباري ج 2 ص 479 وزاد المعاد ج 1 ص 129.

[ 322 ]

8 - ان التقصير في السفر رخصة لا عزيمة (1) كما اعتذر به المحب الطبري. ونقول. اولا ان ذلك لا يبصح بسبب ورود احاديث كثيرة دالة على ان التقصير في السفر حكم الزامي ولا يجزي الاتمام عن بل لا بد من اعادة الصلاة لو صلى تماما في موضع القصر عمدا (2) وثانيا: لو كان ذلك رخصة فلماذا يصر عثمان على الاتمام حينما طلب من علي امير المؤمنين ان يصلي بالناس ؟ ! ولماذا يصر الأمويون بعد ذلك على العمل بسنة عثمان وترك سنة رسول الله (ص) ؟ ! وثالثا: لماذا يصر عثمان على الاتمام في هذا المورد بالذات دون سائر الاسفار ؟ ولماذا ينكر عليه الصحابة ذلك ويعترضون عليه فيه ولماذا لم يعتذر هو بهذا العذر لهم بالذات ليسكتهم عنه. بل اعتذر عن دذلك بأنه رأي رآه (3). التقصير رخصة ام عزيمة: قد تخيل البعض ان القصر في السفر رخضة ولعب منشأ فهمهم هذا هو أن الآية قد قررت ذلك بعبارة: (ليس عليكم جناح ان تقصروا) قال العامري:


(1) الرياض النظرة ج 3 ص 100. (2) راجع: الغدير ج 8 ص 110 - 116 (3) راجع: تاريخ الامم الملوك ج 3 ص 322 والغدير ج 8 ص 101 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 140 والبداية والنهاية ج 7 ص 154 والكامل في التاريخ ج 3 ص 103 و 104

[ 323 ]

(ظاهرها يدل على ان رخصته مشروطة بالخوف ودلة السنة على الترخيص مطلقا... الى ان قال: ثم لا يبعد ان بيح الله الشئ في كتابه بشرط ثم يبيحه علسى لسان نبيه بإنحلال ذلك الشرط إلخ) (1). وقد قال بعض الفقهاء بأن التقصير رخصة فراجع (2). ولكن هذا التخيل مردود. اولا: للأخبار الكثيرة الدالة على ان اللتقصير في السفر عزيمة وليس رخصة وكلام الرسول مسفر للقرآن ومبين لمعناه وقد ذكر العلامة الاميني رحمه الله طائفة منها (3). سوف لن تطيب نفوسهم بترك ركعتين من الصلاة ويرون في هذا الامر تضيعا للاهداف الالهية وتساهلا في امتثال اوامره تعالى فجاء التعبير بلا جناح ليدفع هذا الوهم وليطمئنهم الى انه لا غظاظة عليهم لو فعلوا ذلك ولا نقص ولا حرج فيه. نزول آية التيمم: وقالوا في هذه الغزوة نزلت آية التيمم (4).


(1) بهجة المحافل ج 1 ص 227 (2) راجع كنز العرفان ج 1 باب صلاة الخوف والقصر في السفر وغير ذلك من كتب الفقه (3) راجع كتاب الغدير ج 8. تاريخ الخميس ج 1 ص 464 وزاجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 275 و 278 وشذرات الذهب ج 1 ص 11.

[ 324 ]

وقيل: بل شرع التيمم في غزوة بني المصطلق. وقيل: في غزوة اخرى (1) ونحن نرجئ الحديث عن ذلك الى غزوة بني المصطلق فإلى هناك


(2) السيرة الحلبية ج 2 ص 278

[ 325 ]

الفصل الثالث: عظاة وكرامات أو سياسات الهية

[ 327 ]

ماذا في هذا الفصل ؟ !: وهذا فصل يتعلق ببعض ما يقال: انهخ حصل في دات الرقاع وهي الامور التالية: 1 - القاء الاضواء على قضية شراء النبي (ص) جملا من جابر بن عبد الله الانصاري وذلك في طريق العودة من هذه الغزوة وضهور كرامة للنبي (ص) بالنسبة لاستادة ذلك الجمل قوته بعد ان كان في آخر الركب. ثم سوغ (ص) جابرا الجمل وثمنه. بالاضافة الى حديث جرى بين النبي (ص) وجابر في طريق العودة الى المدينة ثم القاء الاضواء على القيمة الحقيقية لهذين الحدثين بالمقدار الذي يسمح لنا له المجال 2 - ثم نتحدث عن قضية أخرى لجابر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترتبط بقضاء دين كان على عبد الله والد جابر وهي قضية مثيرة وقد تحدثن عن بعض دلالاتها الهامة بصورة موجزة ايضا 3 - ونذكر ايضا ما قاله النبي (ص) في هذه الغزوة حينما جاء رجل بفرخ طائر فأقبل احد ابويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي اخذ فرخه والقينا الاضواء على هذه الحادثة حسب ما اقتضته المناسبة. 4 - ثم تكلمنا عن قصة اخرى يقال: انها حدث في هذه الغزوة

[ 328 ]

حيث جائت اعرابية الى النبي (ص) بابن لها ليعالجه فاستجاب (ص) لطلبها مع الماحة إلى بعض بعض دلالات هذه القضية بصورة موجزة ايضا.. 5 - ثم نشير الى قصة أخرى في هذه الغزوة ظهرت فيها كرامة للنبي (ص) حيث أكل اصحابه من ثلاث بيضات نعام وشبعوا والبيض في القصعة كما هو مع اشارة موجزة الى بعض ما يستفاد من هذا الحدث. 6 - وينتهي بنا المطاف الى الحديث عن قضية اخرى يقال: إنها قد حدثت في هذه في الغزوة وهي قصة ذلك الجمل الذي جاء يستعدى على صاحبه فبادر النبي (ص) إلى تفريح كربه وحل مشكلته. 7 - ثم استطردنا الى الحديث عن الكرامات والمعجزات وعن لزوم معرفة النبي (ص) بلغات البشر وظهر لنا: أن ذلك كله وسواء من التصرفات المتميزة والملفتة إنما هي مقتضيات طبيعة لقيادته (ص) - وكذلك الإمام عليه السلام - لمسيرة البشرية نحو كمالها المنشودة ونحو تحقيق الاهداف الالهية من الخلق كله.. وقد اقتضى ذلك ان نشير بصورة موجزة الى جهات اخرى ترتبط بهذا البحث أو تنتهي إليه فإلى ما يلي من مطالب. ومن الله نستمد العون والقوة وهو الهادي الى سواء السبيل جمل جابر: يقول المؤرخون: إن النبي (ص) وهو في طريقه الى المدينة اشترى من جابر جملا بأوقية واشترط له ظهره الى المدينة واستغفر له في الطريق خمسا وعشرين مرة وفي وفي الترمذي سبعين مرة زاد ابن سعد: وسأله عن دين أبيه فأخبره به (1).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464 والسيرة الحلبية ج 2 ص 273 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 61.

[ 329 ]

وتفصيل ذلك: أن جابرا كان على جمل ثقال في سفر في آخر القوم فمر به النبي (ص) فقال: من هذا ؟ فقلت: جابر بن عبد الله. قال: فمالك ؟ قلت: اني على جمل ثقال. قال: أمعك قضيب ؟ قلت: نعم. قال: أعطنيه، فضربه، فزجره، فكان من ذلك المكان من اول القوم قال: بعنيه قلت: بل هو لك يا رسول الله. قال: بل بعنيه، فقد اخذته بأربعة دنانير، ولك ظهره الى المدينة. فلما قدمت المدينة. قال: يا بلال، اقضه وزده فأعطاه اربعة دنانير وزاده قيراطا. قال جابر رضي الله عنه: وأعطاني الجمل وسهمي مع القوم (1). وفي لفظ عن جابر قال: دخل النبي (ص) المسجد، فدخلت إليه، فعلفت الجمل في ناحية اليلاط، فقلت: يا رسول الله هذا جملك


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 وراجع دلائل النبوة لابي نهيم ص 375 و 376 وراجع: الثقات ج 1 ص 258 و 259 وراجع السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 218 واشار الذهبي الى قصة الجمل في تاريخ الاسلام. وراجع: نهاية الارب ج 17 ص 160 و 161 وراجع: المواهب الدنية ج 1 ص 107 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 166 ولا بأس بمراجعة صحيح مسلم ج 4 ص 176.

[ 330 ]

فخرج (ص) فجعل يطوف بالجمل، قال: اثمن والجمل لك (1). وحسن نص آخر قال جابر: وتجدثت مع رسول الله (ص) فقال لي: أتبعني جملك هذا يا جاير ؟ قال: لا ولكن بعنيه. قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله. قال: قد أخذته بدرهم. قال: قلت: لا، اذن تغبنني يارسول الله. قال فبدرهمين. قال قلت لا قال: فلم يرل يرفع لي رسول الله (ص) في ثمنه حتى بلغ الاوقية قال: قلت: فقد رضيت يا رسول الله ؟ قال: نعم. قلت: فهو لك قال: قد اخذته ثم قال يا جابر هل تزوجت بعد ؟ (2) قال: قلت نعم يارسول الله قال: أثيبا أو بكرا ؟ ! قلت: لا بل ثيبا قال: افلا جارية تلاعبها وتلاعبك قال: قلت: يا رسول الله ان ابي اصيب يوم أحد وترك بنات له


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 273. (2) في الواقدي ذكر هذه المحاذثة بعد قصة شرائه الجمل منه.

[ 331 ]

سبعا (1) فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن. قال: أصبت ان شاء الله أما إنا لو قد جئنا صرارا (موضع على ثلاثة اميال من المدينة) امرنا بجزور فنحرت واقمنا عليها يومنا ذاك وسمعت بن فنفضت نمارقها. قال: قلت: والله يا رسول الله مالنا من نمارق. قال: إنها ستكون فإذا انت قدمت اعمل عملا كيسا. قال: فلما جئنا صرارا امر رسول الله (ص) بجزور فنحرت واقمنا عليها ذلك اليوم فلما امسى رسول الله (ص) دخل ودخلنا قال: فحدثت امرأة الحديث وما قال لي رسول الله (ص) قالت: فدونك فسمع وطاعة. قال: فلما اصبحت اخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى انخته على باب رسول الله (ص) قال: ثم جلست في المسجد قريبا منه. قال فخرج رسول الله (ص) فرأى الجمل فقال: ما هذا قالوا: يا رسول الله هذا جمل جابر جاء به قال: فأين جابر ؟ قال: فدعيت له. قال: يا ابن اخي خذ برأس جملك فهو لك. ودعا بلالا فقال له: إذهب بجابر فأعطه أوقية. قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا قال: فو الله


(1) في الواقدي تسع بنات وفي صحيح مسلم ج 4 س 176: وترك تسع بنات أو سبع وفي شرح بهجة المحافل ج 1 ص 238 تسعا وستا وجمع بين هاتين الروايتين بأن منهن ثلاث متزوجات لم يعدهن في رواية الست ودلائل النبوة للبهيقي ج 3 ص 381 / 382 و 383 وراجع صحيح مسلم ج 4 ص 177 و 176 وراجع صحيح البخاري ج 2 ص 7 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 238 وشرحه بهامش نفس الجزء والصفحة

[ 332 ]

ما زال يمني عندي ويرى مكانه من بيتنا حتى اصيب امس فيما اصيب لنا يعني يوم الحرة (1). وفي نص آخر: (ثم قدم رسول الله (ص) قبلي وقدمت بالغداة فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد فقال: الآن حين قدمت ؟ قلت: نعم. قال: فدع جملك وادخل وصلي ركعتين. قال: فدخلت فصليت ركعتين إلخ...) (2). ثم ذكر هبة النبي (ص) الجمل وثمنه له. وفي بعض روايات مسلم عن جابر: أن هذه القضية قد حصلت له وهم مقبلون من مكة الى المدينة. (3) اختلافات الروايات في نقدار ثمن الجمل: إن المراجع لنصوص هذه الرواية يجد: ان قيها العديد من الموارد الاختلاف والتناقص خصوصوا فيما يرتبط بقيمة جمل جابر. فقيل: اشتراه منه بأوقية (4) وهي اربعة دنانير. قال الاشخر اليمني: (وهي اكثر الروايات كما نقله البخاري عن


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 217 و 218 وراجع المغازي للواقدي ج 1 ص 399 - 401 ونهاية الإرب ج 17 ص 161 و 162 والسرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 166 والبداية والنهاية ج 4 ص 86 و 87. (2) دلائل النبوة للبهيقي ج 3 ص 382 وصحيح مسلم ج 4 ص 177 وصحيح البخاري ج 2 ص 7 وبهجة المحافل ج 1 ص 238 و 239. (3) بهجة المحافل ج 1 ص 237. (4) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 273 والثقات ج 1 ص 259 والروض الانف ج 3 ص 355 وبهجة المحافل ج 1 ص 239.

[ 333 ]

الشعبي (1). وقيل بأوقتين (2) وقيل بثلاث (3) وقيل بأربع (4) وقيل: بخمس (5) وقيل بست أواق (6). وقيل بثمان مئة درهم (7). وقيل بخمسة دنانير (8). وقيل بدينارين ودرهمين (9). وقيل بعشرين دينارا (10) وحملها البعض على انها كانت دنانير صغارا ؟ ! (11) وقيل: بأربعة دنانير بعدان اعطاه درهما ممازحا له (12) وهذا القول الاخير الاخير لا ينافي القول بأنه اشتراه بأوقية لأن ذلك في معنى الاوقية (13).


(1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 239. (2) راجع بهجة المحافل ج 239 1. (3) راجع المصدر السابق. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 والروض الانف ج 3 ص 355 وبهجة المحافل ج 1 ص 239. (5) راجع: المصادر الثلاثة المتقدمة. (6) بهجة المحافل ج 1 ص 239 (7) المصدر السابق. (8) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 والروضة الانف ج 3 ص 355 (9) الروضة الانف ج 3 ص 355 عن صحيح مسلم. (10) السيرة الحلبية ج 2 ص 274 وبهجة المحافل ج 2 ص 237 (11) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 239 (12) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 والروضة الانف ج 3 ص 355 (13) راجع الروضة الانف ج 3 ص 355.

[ 334 ]

الزيادة المباركة: والروايات تصرح بأن النبي (ص) زاد جابرا على ثمن جمله وتصرح بعض الروايات بأنه قد زاده قيراطا (فقال جابر لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحفظه حتى اصيب منه يوم الحرة ففيه التبرك في آثار الصالحين) (1). تاريخ قصة جمل جابر: قيل: ان قصة جمل جابر قد كانت في غزوة ذات الرقاع حسبما تقدم وبعض الروايات تقتصر على القول بأنها كانت في رحوعه من مكة الى المدينة (2) وقيل: كانت في رجوعه من عزوة تبوك (3) وهي متأخرة عن غزوة ذات الرقاع وقد يناقش في ذلك بأن سؤال النبي (ص) له عن كونه قد تزوج أو لا واعتذاره لتزوجه ثيبا بأنه قد لاحظ حال اخواته اللواتي تركهن له أبوه المستشهد في احد يدل على انه انما تزوج بعد مقتل ابيه في أحد ولم يؤخر ذلك الى غزوة تبوك الا ان يقال انه قد يكون تزوج اكثر من مرة وتكون مشكلة اخواته موجودة في المرتين أو يكون قد تأخر زواجه طيلة هذه المدة وإن كان ذلك بعيدا


(1) بهجة المحافل ج 1 ص 240 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 وبهجة المحافل ج 1 ص 237 (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 وزاد المعاد ج 2 ص 111 (*)

[ 335 ]

القيمة الحقيقة لهذا الحدث اننا حين نراجع قصة جمل جابر فإننا نجد فيها 1 - ملامح غنية من الخلق الرفيع لرسول الله صلى الله على وآله وسلم بسم الله لما انطوت عليه من لطف ورقة ومحبة واريحية ظاهرة تظهر لنا ان علاقاته صلى الله عليه وآله وسلم بسم الله بأصصحابه انما كانت من منطق الحب والعطف ولاصفاء والمودة مع جلال منهم له واكبار وتقديس 2 - اننا نجد الرسيول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذه القصة - كما هو في غيرها - يعيش آلام الاخرين ويشاركهم الشعور بها وقد كان والد جابر بن عيد الله قد استشهد في حرب أحد واصبح جابر هو المسؤول عن الاسرة بعد أبيه وكان عليه ان يختار للزواج امرأة تستوعب وتتفهم الواقع الذي استجد نتيجة لذلك وتشاركه في معالجته بأحسن وجه واتمه الفقيه وقد ظهرت رقة حال جابر من الجهة المالية والمعيشية في أن الجمل الذي اعده لهذه الاسفار البعيدة والشاقة كان من الضعف بحيث اصبح في آخر الركب. ولم يكن الرسول صلى الله عيه وآله وسلم بالذي يغفل عن تفقد حال اصحابه والوقوف عليها عن كثب ليشاركهم حياتهم حلوها ومرها. وها هو يجد جابرا على جمله الضعيف المكدود في آخر الركب 3 - ان من الملاحظ: ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الفقه كان يسير معا الناس وفي اواخرهم احينا الله فيعرف حال اصجحابه في مسيرهم ذاك بصورة اتم واوفى الله ولم يكن يقتصر على حملة الاخبار إليه صلى الله عليه وآله وسلم فكان يندفع للتعرف على الامور بنفسه ومن دون ايتي وسائط ربما تؤثر التوجهات السياسية والارتباطات الاجتماعية وغيرها

[ 336 ]

على مستوى دقتهم واستيعابهم لسائر الخصوصويات التي يكون الوقوف عليها مفيدا بل وضروريا في كثير من الاحيان هذا كله لو فرض ان هؤاء النقلة على درجة من الحيطة ابدينية والورع والصفاء والوفاء وقد لا يكون الكثيرون منهم كذلك بالفعل 4 - قد لاحظنا ان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد دخل مع جابر بأسلوب رضي وسليم - الى حياته الخاصة بل والى اعماقها فعرف السر الذي لاجله اقدم جابر على التزوج بمرأة اثيب وعرف ما يعاني منه جابر من ظغط الظروف وما يتحمله من مسؤوليه نجمت عن فقد ابيه ووجود اخوته السبع ثم عرف ايضا ان جابرا لا يملك شيئا متن النمارق أو غيرها مما يتنعم به المتنعون ثم انه (ص) لم يترك توصية لجابر بأن يعمل عملا كيسا ويتسم بالعقلانية والتدبير كما انه قد افسخ في آماله وطموحاته حينما اخبره ان حالته لسوف تغير وتتحسن من الناحية المعيشية ولسوف يملك حتى النمارق في المستقبل وما عليه من اجل الحصول على ذلك والوصول إليه الا ان يعمل عملا كيسا 5 - ان عرض النبي على جابر شراء بعيرة بطريقة فيها نوع من المداعبة له ليفتح قلبه وليسقط حواجر الرهبة لديه انما اراد ان يجعل احداث تغير اساسي فيها - ولكن بطريقة لا تبقي مجالا للتساؤل ولا الاعتراض من احد بسم الله بخلاف ما لو بادر الى تقديم هذا المال الى جابر دون مبرر ظاهر.

[ 337 ]

6 - ولا نريد ان نترك الحديث عن هذه القضية دون الالماح الى ان ذلك يعطينا درسا دقيقا ورائعا عن طبيعة العلاقات التي تربط بين القائد والزعية فهي ليست علاقات السيد والمسود والامير والمأمور أو القوي والضعيف اوما الى ذلك وانما هي علاقات الانسان بالانسان من خلال الاحساس بالمسؤولية والواجب الالهي والانساني ونزيد ذلك توضبحا حين نقول ان سلك النبي (ص) هذا من جهة ذاته ليس تواضعا منه ولا هو احسان وتفظل فقط وانما هو مقتضى إنسانيته الكاملة وهو عمل بواجبه الالهي والانساني وان كان من جهة قياسه بما هو خارج عن مقان ذتاته يعد من التواضع والاحسان والتفظل في اعلى درجاتها واوضح تجلياتها وفقنا الله للسير على هدى النبوة والتأسي برسوله الاكرم الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم كرامة وتكريم قال الواقدي: وحدثني اسماعيل بن عطية بن عبد الله بن أنيس عن ابيه عن جابر بن عبد الله قال: لما انصرفنا راجعثن (1) فكنا بالشقرة قال لي رسول الله (ص): يا جابر ما فعل دين أبيك ؟ ! فقلت عليه انتظرت يا رسول الله ان سجذ نخله قال رسول الله (ص) إذا جذذت فاحضرني. قال: قلت: نعم.


(1) اي من غزوة ذاتن الرقاع. (*)

[ 338 ]

ثم قال من صاحب دين أبيك ؟ فقلت: أبو الشحم اليهود له علي ابن سقفة جمع وسق تمر. فقال لي رسول الله (ص) فمتى تجذها ؟ قلت: غدا. قال: يا جابر فإذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها والوان التمر على حدتها. قال: ففعلت فجعلت الصيحاني على حدة وامهات الجرادين على حدة والعجوة على حدة ثم عمدت الى جماع من التمر مثل نخبة وقن وشحقة وغيرها من الانواع وهو اقل التمر وجعلته حبلا واحدا ثم جئت رسول الله (ص) فخبرته فانطلق رسول الله (ص) ومعه عليه اصحابه فدخلوا الحائط وحضر أبو الشحم. قال: فلما نظر رسول الله (ص) الى التمر منصفا قال: اللهم بارك له. ثم انتهى الى العجوة فمسها بيده وأصناف التمر ثم جلس وسطها ثم قال: ادع غرينك فجاء أبو الشحم فقال: اكتل. فاكتال حقه كله من حبل وتحد وهو العجوة وبقية التمر كما هو. ثم قال: يا جابر هل بقي على ابيك شئ ؟ قال: قلت: لا. قال وبقي سائر التمر فأكلنا منه دهرا وبعنا حتى ادركت الثمرة من قابل ولقد كنت اقول لو بعت اصلها ما بلغت ما كان على ابي من الدين.. إلخ (1).


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 401 و 402.

[ 339 ]

مع الحدث في دلالته وخصوصياته: وفي وقفه قصيرة مع هذا الحدث نلمح باقتصار شديد الى النقاط الثالية: 1 - إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسى اولئك الصفوة الابرار الذين استشهدوا في سبيل الله سبحانه، فيسعى لحل العقد والمشكلات التي ربما تكون لا تزال عالقة وبحاجة الى حل. فيها هو يريد ابراء ذممهم من حقوق الناس وديونهم ما وجد الى ذلك سبيلا لكي تطيب سمعتهم ويذكرهم الناس بالإجلال والإكبار ومن دون أي حزارة أو غضاضة. ثم لتطيب نفوس ابنائهم وأقاربهم ويزول شعورهم بالحرج أمام الناس وفي أنفسهم حتى يواجهون انفراجا في حالتهم المعيشية التي تتسم بشئ من الضيق والصعوبة. 2 - زغم ان ذلك الدائن لعبد الله والد جابر كان رجلا من اليهود إلا أننا لم نجد ترددا من النبي صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم في أمر ارجاع المال إليه ولا ااخذ بنضر الاعتبار مواقف اليهود الحاقدة على الاسلام وعلى المسلمين ومؤامراتهم وكيدهم والتي كان ولا يزال هو والمسلمون بعانون منها. وقد يكون من أسباب ذلك بالإضافة إلى ان هذا هو حكم الاسلام وهذه هي أخلاقياته حتى مع اعدى اعدائه وهو ينطلق في ذلك مما يملكه من قيم ومبادئ انسانية والهية سامية ومقدسة هو: أنه يريد بذلك ان يقيم حركة التعمامل فيما بين الناس على أسس وضوايط ثابتة يمكن للناس ان يعتمدوا عليها ويرجعوا إليها وان يطمأنوا الى هذا الثبات فيها ليمكنهم التحرك الفاعل والمؤثر بالفعل والتخطيط

[ 340 ]

لبناء الحياة في المستقبل إذا بدون هذا الثبات ومن دون وضوح ضوابط التعامل فإن الحيااة تصبح قلقة وغير مشجعة للقيام بما باردات ذات طابع حيويي وشمولي 3 - ان والد جابر قد استشهد في حرب احد وكانت هذه القضية قد جرت حين رجوع النبي (ص) من غزوة ذات الرقاع التي كانت بعد الحديبية حسب ما اثبتنا فيما سبق ومعنى ذلك هو أنه قد مضت عدة سنوات ولم يستطع جابر ان يقضي دين ابيه ولعله قد مضى شطرا من ذلك الدين في السنوات والمواسم السابقة نعم تمضي عدة سنوات ولا ينسى النبي صلى الله عليه وآله وكل من يحبه وسلم ذلك الدين الذي لم ستطع جابر ان يتخلص منه ولم تسنح الفرصة بعد لرسول الله (ص) ايضا للمبادرة الى ذلك ! 4 - ان النبي (ص) قد قبل ان يكون وفاة دين عبد الله من نفس النخلاة التي كانت له ولم يبادر الى تقديم اية ضمانة في ان يتم وفائها من بيت مال المسلمين إذ ان عبد الله كان قد استفاد من ذلك المال ولديه ما يمكن الاعتماد عليه في وفاء ذلك الدين واستشهاده لا ينقل هذا الحق عن ماله ليصبح حقا على بيت مال المسلمين 5 - ن طريق وفاء دين عبد الله قد اخذت صفة الكرامة الالهية من الله لرسوله صلى الله عليه واله وسلم حينما ضهرت صفة الكرامة الالهية من الله لرسوله صلى الله عليه واله وسلم حينما ضهرت البركة في التمر حتى ليقول جابر بعد ان استوفى ذلك اليهودي حقه من خصوص العجوة التي هي افظل انواع التمر (وبقي سائر التمر، فأكلنا منه دهرا وبعنا حتي ى ادركت الثمرة من قابل ولقد كنت اقول بعت اصلها ما بلغت ما كان على ابي من الدين)

[ 341 ]

6 - ونلفت النظر هنا الى ان طريقة تعامل النبي (ص) مع هذه القضية تشبر الى انه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطط الاضهار هذا المر بطريقة تجسيد الواقع حيث نجد انه صلى الله عليه وآله وسلم قد خطط ليكون الحدث في البستان نفسه ولم يققنع بأن يأتي بالثمرة الى البيت ثم هو يأمره بتقسيم التمر كل قسم على حدة ثم هو يلمس العجو بيده الشريفة وكذا سائر الانواع ثم يجلس في وسط التمر بالافضافة الى انه لا يأتي وحده بل يأتي ومعه عليه اصحابه وليس خصوص الاشخص العاديين منهم ثم يشهد الجميه عذا التكريم لجابر ويشهدون هذه الكرامة الالهية التي اضهرها الله على يد رسول (ص) الى غير ذلك من دروس وعبر يمكن استفادتها من هذا الحديث فصلى الله على رسوله وعلى الائمة المياين من آله وسلم تسلميا كثيرا رحمة الله بعباده وفي هذه الغزوة ايضا جاء رجل بفرخ طائر فأقل احد ابويه حتى طرح نفسه بين يدي ابذي اخذ فرخه فعجب الناس من ذلك فقال (ص) اتعجبون من هذا الطائر ؟ اخذتم فرخه فطرح نفسه رحمتا لفرخه والله لربكم ارحم بكم من هذا الطائر بفرخه (1)


(1) السبيرة الحلبية ج 2 ص 274 والمغازي بالواقدي ج 1 ص 398 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 165 والبداية والنهاية ج 4 ص 86 ودلائل النبوة بالبيهقي ج 3 ص 379.

[ 342 ]

وما يلفت في هذه الرواية - علا تقدير صحتها ولا نرى داعيا للوضع فيها - هو أننا نجده (ص) يستفيد حتى من مناسبة كهذه ليقوم بدوره في تعريف أصحابه على أمر يلزمهم أن يعرفوه بعمق وصفاء وذالك من خلال الاستفادة من أسلوب التجسيد الضاهر للحقيقه التي يراد اطلاعهم عليها واقناعهم بها حيث يكون ذلك اوقع في النفس مما لو اكتفى بأسلوب التعليم النظري والمجرد خصوصا إذا أدركنا ان هذا التجسيد قد ترك اثره النفسي فيهم وأثار فيهم انفعالات ضهرت على شكل تعجب من رحمة ذلك الطائر بولده فكان لا بد من الاستفادة من هذا الحالة النفسية وتوظيفا لصالح الإدراك الشعوري بالحقيقة التي يراد لهم لمسها بروحهم ومشاعرهم بالدرجة الاولى ثم بعقلهم في مرحلة لاحقة النبي يعالج ابن الاعرابي: روي: أنه في هذه الغزوة جاءت امرأة بدوية بابنها الى النبي (ص) فقالت له: يا رسول هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان ففتح فاه فبزق فيه وقال: إخسأ عدو الله انا رسول الله ثم قال رسول الله (ص) لها شأني بابنك لن يعود إليه شيئا مما كان يصيبه فكان كذلك (1) وذكرت هذه القصة في غزوة المريسيعة ايضا (2) التي ستأتي في حوادث السنة السادسة ونقول 1 - ان هذه الاعرابية قد جاءت بولدها الى النبي (ص) ليداويه لها من ساقه في ذلك بدافع من احساسها الفطري بما لرسول الله (ص) من


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 274 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 292.

[ 343 ]

قداسة وطهر وكرامة على الله سبحانه وبانه مصدر للبركات والكرامات وقد استجاب (ص) لها وعالج ولدها بطريقة تكرس هذا الشعور لديها ولدا كل من حظر وعاينة ما يجري حيث تفل في فم ولدها وأخبرها بالنتيجة بصورة قطعية وذلك يكذب ما يريد البعض ان يدعيه من انه صلى الله عليه وآله وسلم مجرد طارش ورسول ابلغ الناس رسالة وانتهى ولا شئ سوى ذلك ثم يقولون ان القداسة انما هي لرسالته وليست له فلا داعي للغلوا فيه ولا للتبرك بآثاره 2 - ان ذلك يشير ايضا الى ان على الناس ان يعوا: ان للامور المعنوية والروحية دورها في دفع البلايا التي يتعرض لها الانسان كما ان عليهم ان يؤمنوا بأن ما يعتي الانسان من اعراض وأمراض ليس كله نا شئا عن تحولات مادية فيه ولا يمكن تفسيره كله على هذا الاساس فإن هناك قوى خفية تشارك ايضا في التأثير في حياة الانسان وفي سلامته وان معالجة آثار وتصرفاتها لا يكون من خلال الوسائل المادية في أحيان كثيرة بل لا بد من وسائل اخرى قد لا يؤمن بها كثير من الماديين كرامة اخرى لرسول الله (ص): ويذكر المؤرخون في حوادث هذه الغزوة: أن رجلا جاء للنبي (ص) بثلاث بيضاتت من بيض النعام فقال (ص) لجابر: دونك يا جابر فاعمل هذا البيضات قال جابر فعملتهن ثم جئت بهن في قصعة فجعلن نطلب خبزا فلم نجد فجعل (ص) واصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى كل الى حاجته اي الى الشبع والبيض في القصعة كما

[ 344 ]

هو (1) وذكت هذه القصد في غزوة المريسيع (2) ونقول: وفيها أيضا كرامة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربما يكون ظهور هذه الكرامات ضروريا من أجل ان لا يغتر المسلمون بأنفسهم فيرون: ان ما يحققونه من انتصارات على اعدائه ثم ما يحصلون عليه من مكاسب مادية ومعنوية وشوكة ونفوذ على مستوى المنطقة بأسرها انما كان بالدرجة الاولى بسبب هذه الالطاف الايهية التي يشملهم الله بها وليس التأثير مقتصرا على قدراته الذاتية وحسن تدبيرهم في الاستفادة منها في الوقت المناسب وفي المحيط المناسب ومن جهة ثانية فإن من الواضح ان وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانهيم لا ينبغي ان يؤثر على نوع ومستوى العلاقة التي يجب ان تحكم نظرتهم إليه صلى اله عليه وآله وسلم فلا يجوز ان يعتادوا عليه الى درجة ان يصبح رجلا عاديا فيما بينهم بل لا بد من الاحتفاظ بذلك الشعور العفوي لديهم ولذي يؤكد على ارتباطه صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب بالمصدر الاول جل وعلى.. فتاتي هذه الكرامات لتحدث التصحيح في مسار تعاملهم مع ونظرتهم إليه لان هذا التصحيح ضروري ئلا بد منه إذا اريد لكل كلمة وموقف منهم صلى الله عليه وآله وسلم ان يحدث الاثر العميق والدقيق في روح الانسان وفي مشاعره وفي سلوكه فضلا عن أن يحدث التغييير


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 274 والمغازي للواقدي ج 1 ص 399. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 292.

[ 345 ]

الجذري في تكوينه الفكري والعقيدي بصورة عامة.. ولاجل ذلك قلنا: الن ظهور هذه الكرامات كان ضروريا في فترة لاخرى حسب ما تقتضيه المصلحة الايمانية والاسلامية في مختلف المجالات على جميع المستويات وهذا واضح لا يكاد يخفى على أحد جمل يستعدى على صاحبه وفي هذه الغزوة أيضا - كما يقولون - جاء جمل حتى وقف عنده (ص) وارغا فأخبر النبي (ص) أصحابه بأم هذا الجمل يستعيديه على سيده يزعم: انه كان يحرث عليه منذ سنين وأنه أراد أن ينحره إذهب يا جابر الى صاحبه فأت به. قال جابر (رض) فقلت لا اعرفه قال انه سيدلك عليه قال جابر فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه فجئته به فكلمه (ص) في شأن الجمل (1) ونقول: قد ذكرت هذه القصة أيضا في غزوة بني المصطلق المريسيع (2). ونحن نسجل هذه النقاط التالية: 1 - قد ذكرت هذه الرواية ان الناس كانوا يحرثون على الابل في ذلك الزمان ولا ندري مدى صحة ذلك. 2 - إن هذه الرواية تؤكد ما ورد في الروايات المتواترة التي قد تعد


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 273 وراجع: بصائر الدرجات ص 348 و 350 / 351 و 352. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 292.

[ 346 ]

بالمئات وتؤكد على ما للحيوانات من حقوق يلزم مراعاتها والالتزام بها وقد ألف سماحة العلامة الحجة الشيخ علي الاحمدي كتابا قيما جمع فيه هذه الروايات نسأل الله سبحانه ان يوفقه لتقديمه إلى المطبعة ليستفيد منه طلاب العلم ورواده. معرفة النبي (ص) بلغات البشر والحيوان والجماد والشجر: 3 - قد أوضحت هذه الرواية: ودلت الروايات الكثيرة غيرها على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليشتكي سيده الذي كان يحرث عليه منذ سنين والآن يريد ان ينحذه إلخ.. ونجد في كتب الحديث والتاريخ والشئ الكثير مما يتحدث عن كرامات لرسول الله (ص) منذ ما قبل بعثته وحتى وفاته مثل تسليم الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وآله وتسبيح الحصى في كفيه. وكذلك امتثال الشجر أوامره وشهادته له ومجئ الشجرة إليه لتظله وتسلم عليه وتأمين اسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه وتسبيح الطعام بين اصابعه. وإخبار الشات لها بأنها مسمومة وشكوى البعير له قلة العلف وكثرة العمل وشكوى بعض الطيور له (ص) أخذ بيضه أو فراخه وسجود البعير الغنم له وتكليم الحمار له وشهادة الجمل هنده أنه لصاحبه الاعرابي دون من ادعاه وسؤال الظبية ان يخلصها لترضع ولدها وتعود وغير ذلك (1).


(1) هذه الكرامات وسواها موجودة في كتب الحديث والسيرة فراجع على سبيل المثال: السيرة الحلبية ج 3 ص 283 و 284 والسيرة النبوية لدلحان (بهامش الحلبية ج 3 ص 128 فلمل بعدها

[ 347 ]

ومن جهة ثانية فقد دلت النصوص الكثيرة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف لغات البشر ايضا وقد تكلم في عدد منه في مناسبات عديدة (1). سؤالان يحتاجان الى جواب: 1 - السؤال الاول: والسؤال الذي يواجهنا بادئ ذي بدء هو: هل ان هذه القضايا وكثيرا غيرها مما زخرفت به المجاميع الحديثة والتاريخية وغيرها لا بد من تصنيفها في عداد الكرامات والمعجزات وخوارق العادات التي تهدف الى مواجهة الإنسان المكابر أو الشاك بالصدمة التي توصد امامه كل ابواب التملص والتخليص والتجاهل للواقع ودلائله الظاهرة وأعلامه الباهرة وحججه القاهرة ؟ !. أم أن الامر يتعدى ذلك ليصب في خانة تجلي السنن والنواميس الحقيقية التي تحكم المسار العام فيما ترتبط بتبلور الشخصية القيادية الواقعية في نطاق يهمنه هذه القيادة على المسار الواقعي العام من خلال تلك النواميس وعلى أساسها ؟ ! عملا بأن ذلك لا يقلل عن قيمة تلك الكرامات والمعجزات بل هو يجليها بصفتها ضرورية حياته في نطاق الهداية الالهية التامة على اساس نواميس الواقع ومقتضياته. 2 - السؤال الثاني: وثمة سؤال آخر نعرض له هنا وهو انه إذا كان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله يعرف جميع اللغات فلماذا يصر على مراسلة عظيم


راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 15 و 16.

[ 348 ]

فارس وعظيم الروم وملك الحبشة والمقوقس وغيرهم بخصوص اللغة العربية ؟ ! وأكثر من ذلك: إننا نجد الاسلام لا يرضى في عباداته وفي موارد معينة اخرى بغير اللغة العربية فلا تصح الصلاة مثلا بالغات الاخرى من أي كان من الناس العربي والرومي والحبشي والفارسي وغيرهم فما هو السر والدافع على هذا الالزام والابتزام يا ترى ؟ !. الإجابة والتوضيح: ونحن في مقام الاجابة على هذين السؤالين نقدم الحديث والإجابة على ثانيهما فنقول: 1 - الإجابة على السؤال التالي: إنه يفترض في كل حضارة تستدف احداث اتغييرات حقيقة وجذزية في المجالات الحياتية المتنوعة من سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وغيرها وحتى في بناء الشخصية الإنسانية التأثيرية والتغيير في مشاعر الانسان واحاسيسه وعواطفه فضلا من خصائصه ومزاياه وكل وجوده. نعم انه يفترض في هكذا حضارة ان تقرض على الشعوب والامم التي تريد ان تحيا في ظلها همينة فكرها وثقافتها وأن تزرع فيها مصطلحاتها وتعابيرها الخاصة بها ذات الايحت ءات والمداليل المعينة والهادفة وتنفذ من خلال هذه المصطلحات وعلى اساس ذلك الفكر وبروافد من تلك الثقافة الى مناطق اللاوعي في الاحاسيس والمشاعر وفي القلوب والضمائر لتلك الامم والشعوب وتغلغل في اعماقها

[ 349 ]

لتصبح جزءا لا يتجزء من وجودها ومن شخصيتها ومن وجودها ومن شخصيتها ومن كيانها العتيد بل لقد رأينا انه حتى الدول لا تألوا جهدا في فرض لغتها وعاداتها ومفاهيمها على الشعوب التي تهيمن عليها وإذا كان الله سبحانه قد ارسل نبيه الى جميع الامم فلا بد - والحالة هذه - من ان تهيمن لغة القرآن وثقافة الاسلام والإيمان على العالم بأسره لان القرآن كتاب العالم ودستور البشرية جمعاء ولعل هذا هو الذي يفسر لنا بعض ما ورد في الحث على تعلم اللغة العربية وتعليمها فراجع. الإجابة على السؤال الآخر: أما الإجابة على السؤال الآخر وهو اول السؤالين المتقدمين فإننا نقول: هناك معجزات وكراهات في اتجاهات ثلاثة: الأول: من الواضح: ان هناك معجزات قد ظهرت للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وللانبياء السابقين وكذلك للاوصياء حيمنا كانوا يواجهون التحدي الوقح من اهل الشرك والعناد بحيث لو لم تظهر المعجزة أو الكرامة لاستطاع اولئك الشياطين ان يثيروا الشبهات المضعفة للدعوة والموجبة لزعزعة درجة الطمأنينة والوثوق لدى كثير ممن آمن بها وأطمأن إليها أو يحدث نفسه بذلك فتأتي المعجزة لتثبت اولئك وتشجع هؤلاء ولتسحق ايضا كبرياء المستبكرين وتكسر شوكتهم ويكون بها خزي المعاند وبوار كيد الماكر والحاقد الثاني: وثمة معجزات وكرامات وخوارق عادات اكرم الله بها انبياؤه واوليائه تشريفا لهم وتجلة وتكريما واعزاز لجانبهم وقد يستفيد

[ 350 ]

منها المؤمن القوي سموا ورسوخ قدم في الايمان ويثبت بها ضعيف الايمان فيزداد بصيرة في الامر وتسكن نفسه ويطمأنن قلبه على قاعدة قوله تعالى: (اولم تؤمن ؟ قال: بلا ولكن ليطمأن قلبي) (1). وعلى قاعدة: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) (2). الثالث: ذلك القسم الذي ظهر فيه انه يتعامل فيه مع المخلوقات من موقع المدبر والراعي والحافظ لها من موقع انها جزء من التركيبة العامة حيث لا بد من التعامل معها على هذا الاساس هذا القسم الاخير هو الذي يعنينا البحث عنهم هنا فنقول: ان الله سبحانه قد أراد لهذا الانسان ان يدخل الى هذا الوجود ليقوم بدور هام فيه وقد اختار الله له هذه الارض ليتحرك عليها وينطلق فيها ومنها وكان عليه ان يستفيد مما خوله الله اياه من طاقات وامكانات لاعمارها وبث الحياة فيها بل والهيمنة والتسلط على كل ما في هذا الكون، وتسخيره، والاستفادة مما أودعه الله فيه من طاقات وقدرات، من خلال تفعيل نواميسه الطبيعية وإثاره دفائنه وكوامنه وتوظيفتها في مجالات البناء الايجابي والصحيح الذي يسهم في اسعاد هذا الانسان وفي تكامله ونموه المطرد في مختلف جهات وجوده حتى في جوانبه النفسية والروحية والفكرية والعقيدية فضلا من النواحي الأخرى من اجتماعية واقتصادها وغيرها.


(1) سورة البقرة، الآية / 260. (2) سورة الإسراء، الآية / 1. (*)

[ 351 ]

كل ذلك وقفا للخطة المرسومة في نطاق التربية الربانية والاعداد والمواكبة المستمرة لهذا الانسان في تحركه نحو الاهداف الانسانية والإلهية السامية والنبيلة العليا وهو دائب الكدح الى الله وم أجله وفي سبيله لا غير وليس إلا (يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه) (1). ولكي يتضح ما نرمي إليه بصورة اوفى واصفى نذكر هنا آيات قرآنية أشارت الى ان جميع ما في هذا الكون مسخر للبشر. وآيات اخرى تتحدث عن وجود درجة من الشعور والإدراك لدى المخلوقات متن حيوانات وغيرها بالإضافة الى نماذج من التعامل الإيجابي وآفاقه وما يترتب على ذلك، فنقول: تسخير المخلوقات للإنسا في الآيات القرآنية: لقد أشارت الآيات القرآنية الى تسخير للإنسان ويتضح ذلك بالتأمل في الآيات التالية: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم) (2). (ألم تروا: ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ؟ !) (3). (وسخر لكم ما في السماوات والارض جميعا منه) (4).


(1) سورة الانشقاق، الآية / 6. (2) سورة هود، الآية / 61. (3) سورة لقمان، الآية / 20. (4) سورة الجاثية، الآية / 13. (*)

[ 352 ]

وسخر لكم الفبك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الانهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (1). وهو الذي سخر البحر لتأكلوا من لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها (2). الشعور والإدرام لدى المخلوقات: ثم إن الانسان يريد ان يتعامل مع كون ليس جمادا بقول مطلق وإنما كل الموجودات فيه تمتلك درجة من الشعور والإدراك وإن كنا لا نعرف كنهه ولا حدوده وقد تحدث القرآن عن السماوات والارض والجبال والطير وكل الموجودات بطريقة تركز هذا المعنى وتدفع اي تشكيك أو ترديد فيه. فلنقرأ معا الآيات التالية: قال تعالى مخاطبا نبيه موسى عليه السلام: (قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلا ربه للجبل جعله دكا) (3). وقال تعالى: (إنا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفق منها حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) (4).


(1) سورة ابراهيم: الآيات / 32 - 34. (2) سورة النحل من آية 14 حتى آية 18. (3) سورة الاعراف، الآية / 143. (4) سورة الاحزاب، الآية / 72.

[ 353 ]

وقال سبحانه عن داود: (إنا سخرنا الجبال معه يسجن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له اواب) (1). وقال في آية أخرى عن داود أيضا: (يا جبال اوبي معه والطير) (2). والمراد بالتأويب ترجيع التسبيح على ما يظهر. وقال تعالى (ويسبح الرعد بحمده) (3). وقال: (والنجم والشجر يسجدان) (4). وقال تعالى: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ ان لا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) (5). وتسبيح ما في السماوات والارض مذكور في عدة آيات (6). وقال سبحانه: (لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) (7). وقال تعالى: (ألم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) (8).


(1) سورة ص الآيتان / 18 و 19. (2) سورة سبأ الآية / 10. (3) سورة الرعد الآية / 13. (4) سورة الرحمان الآية 6. (5) سورة الاسراء الآية / 44. (6) راجع: سورة الحشر الآيات / 1 و 24 والتغابن / 1 والصف / 1 والجمعة / 1 والحديد / 1. (7) سورة الحشر الآية / 21. (8) سورة الحج الآية / 18.

[ 354 ]

وقال جل وعلا: (ألم تر ان الله يسبح له من في السماوات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (1). فكل ما تقدم يشير بوضوح الى ان هذه المخلوقات تملك حالة شعورية وادراكية معينة وليست مجرد جمادات أو حيوانات خاوية من ذلك بصورة نهائية. وهذا ما يفسر لنا أننا نجد ان الله قد تعاطى معها بطريقة تكسر هذا الفهم وترسخه ولا تبقي مجالا لاي تشكيك أو ترديد فيه. نماذج حية من تسخير الموجودات العاقلة: فإذا كات الله سبحانه قد سخر المخلوقات لهذا الانسان واتضح ان هذه المخلوقات تمتلك صفة الشعور والإدراك ولها أعمال عقلانية ومرتبط بالشعور ومستنده إليه فإننا نذكر هنا نموذجا قرآنيا حيا وواقعيا لهذا التسخير تجلت فيه طريقته وأبعاده ومجالاته بصورة ظاهرة حيث ذكرت الآيات ان الله سبحانه قد سخر الريح والطير والجبال والجن لسليمان وداود عليهما السلام بالاضافة الى هيمنتهما بدرجة ما على نواميس الطبيعة التي تفيد الهيمنة عليها بتحقيق الغايات التي يتم بالسعي لها والتحرك باتجاهها كما اشار إليه الله سبحانه حين تحدث أنه تعالى قد الآن الحديد لداود. فلنقرأ ذلك كله بالآيات التالية: قال تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال يسجن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره الى الارض التي بار كنا


(1) سورة النور، الآية / 14.

[ 355 ]

فيها وكنا بكل شئ عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعلمون عملا دون ذلك) (1). (انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة له كل له اواب) (2). وقال تعالى عن سليمان: (فسخرنا الريح تجري بأمره رخاء حيث اصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخريتن مقرين في الاصفاد) (3) قصة سليمان وداود نموذج فذ: وإذا راجعنا صورة النمل فإنها نجحد فيها نماذج فذة عن تعاطي سليمان وداود مع نا آتاهما الله سبحانه في هذا المجال واول ما يواجهنا في الحديث عنهما عليهما السلام هو انه تعالى قد وفر لهما الادوات الضرورية للتعامل مع هذه المخلوقات في نطاق رعايتها وهدياتها وتوجيههنا فنحدها تبدأ الحديث بان الله قد آتاهما علما وعلما منطق الطير واوتيتا من كل شئ ثم ذكرت الآيات نماذج تطبيقية لهذا العلم وللمعرفة بجميع الالسنة ثم لتأثير ما آتاه الله سبحانه في ادارة الامور وتوجيهها ورعايتها والهيمنة عليها بصورة حيوية وبناءة وايجابية لا تأتي إلا بالخير ولا تؤدي الا الى الفلاح. آيات من سورة النمل: (.. ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا: الحمد لله الذي فضلنا


(1) سورة الانبياء الآيات / 79 - 82. (2) سورة ص الآيتان / 18 و 19. (3) سورة ص الآيات / 36 - 38.

[ 356 ]

على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود وقال يا ايها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ ان هذا لهو الفضل المبين. وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون. حتى إذا اتوا على وادي النمل قالت نملة: يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها) (1) ثم تحدث الآيات عن قصته عليه السلام مع الهدهد والدور الذي قام به ثم ما كان من الإتيان بعرش بلقيس بواسطة ما كان لدى ذلك الآتي به من علم من الكتاب وان ذلك قد تم قبل ان يرتد طرف سليمان إليه مع آيات سورة النمل: وقد اضهرت الآيات المتقدمة كيف تم توضيف كل القدرات المادية وغيرها في تحقيق رضى الله سبحانه وبناء الحياة وتكاملها باتجاه الاهداف الالهية ووفقا بالخطة المعقولة والمقبولة له تعالى بدءا من قصة تبسم سليمان من قول النملة مرورا بقصة الهدهد والإتيان بعرش بلقيس بتلك الطريقة المثيرة ثم تنكير عرشها لها وانتهاء بأمرها بدخول الصرح الذي حسبته لجة مع أنه صاح ممرد من قوارير. وقد تجسد ذلك كله من خلال حاكمية وامامة سليمان عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام ورعاية وهدايته التامة والشاملة وقد كانت هذه الهداية والرعاية مستندة الى علم آتاه الله إياه والى امكانات ذاتن صفة شمولية: (واوتينا من كل شئ) فلم يكن ثمة اي


(1) سورة النمل، الآية / 15 - 19.

[ 357 ]

قصور في القدرات الذاتية فقد علم سليمان منطق الطير وأوتي من العلم ما يكفيه في مهمته الكبيرة والخطيرة كما أنه لم ثمة نقص في الإمكانات المادية كما اشرنا وكان أيضا سليمان يحظى برعاية الله تعالى له وولطفه به وتسديده وتإييده الى درجة العصمة فلم يبق والحالة هذه الا المبادرة الى القيام بالدور المرصود له في نطاق الاستفادة الواعية والإيجابية والبناءة من كل المخلوقات المسخرة لهذا الانسان وتوجيهها لتؤدي دورها في الحياة كاملا غير منقوص.. وهذا ما حصل في الفعل فكانت المعجزة الكبرى وكان الإنجاز العظيم وهذا ما سوف يتحقق بصورة اكثر رسوخا وشموخا وعظمة في عهد ولي الامر قائم آل محمد عليهم الصلاة والسلام إعادة اتوضيح وبيان: إنه ما دام ان المفروض بالانسان هو ان يتعاطى مع جميع المخلوقات التي سخرها الله تعالى له فقد كاتن لا بد من ان يخضع تعامله هذا وكذلك تعامله مع نفسه ومع ربه ومع كل شئ لضوابط تحفظه من الخطأ ومن التقصير أو التعدي ولقصور الانسان الظاهر فقد شاءت الارادة الالهية من موقع اللطف والرحمة أن تمد يد العون له وهدايته في مسيرته الطويلة المخفوفوة بالمزالق والأخطار هداية تامة تقضي به الى نيل رضى الله سبحانه وتثمر الوصول الى تلك الاهداف الكبرى واسامية وتحقيفها وهي اعمار الكون وفق الخطة الالهية التي تريد من خلال ذلك بناء إنسانية الانسان وايصاله الى الله سبحانه حيث يصبح جديرا بمقامات القرب منه تعالى حيث الرضوان والزلفى

[ 358 ]

وإذا كان كذلك فإنه يصبح واضحا ان المثل القرآني الذي يتمثل في تجربة سليمان وداود عليهما السلام إنما اراد أن يجسد ولو بصورة مصغرة هذه الحقيقية بالذات ليلتمس هذا الإنسان الاهداف الالهية وهي تتجسد واقعا حيا ملموسا وليس مجرد خيالات أو شعارات أو آمال وطموحات غير عقلانية ولا مسؤولة وهي ايضا تجسد معنى القيادة المطلوبة والصالحة لتحقيق هدف كهذا حتى ان طائرا وهو الهدهد يضطلع بدور حيوي وفي مستوى ملك بأسره وأحد الحاضرين في مجلس سليمان ياتي بعرش بلقيس بواسطة العلم الذي عنده من الكتاب - قبل ان يرتد الطرف. كما ان هذه الشواهد القرآنية وتلك الكرامات والمعجزات النبوية ومنها قصة الجمل التي هي مورد البحث قد رسخت هذه الحقيقة سواء بالنسبة لدور الانسان في الكون وتعاطيه معه أو بالنسبة الى حقائق راهنة لا بد ان تأخذ دورها وحقها ويحسب حسابها على مستوى التخطيط وعلى مستوى الممارسة أو بالنسبة الى الدور الذي لا بد لهذه القيادة ان تضطلع به في مقام الرعاية التامة والهداية العامة وما يتطلبه ذلك من طاقات ومن إمكانات ومواصفات قيادية خاصة ومتنوعة لا تحصل إلا بالرعاية والتربية إلالهية لها ولا تكون الا في نبي أو في وصي وتصبح معرفة لغات الحيوانات والوقوف على كثير من اسرار الخلقة ونواميس الطبيعة ضرورة لا بد منها لهذه القيادة التي لا بد ان ترعى وتوازن وتربي وتحفظ لكل شئ حقه وكيانه ودوره في الحياة حيث لا بد لها من التدخل المباشر في احيان كثيرة لحسم الموقف ولحفظ سلامة المسار كما لا بد لها من توجيه الطاقات والاستفادة منها في الوقت المناسب وفي الموقع المناسب بصورة قومية

[ 359 ]

وسليمة كما كان الحال بالنسبة لني الله دواود، ونبي الله سليمان عليهما وعلى نبينا محمد وآله الصلاة والسلام النقاط على للحروف: وبذلك يتضح انه لا بديل عن قيادة المعصوم إذ ان كل القيادات الاخرى إذا كانت عادلة لن يكون لها اكثر من دور الشرطي الذي ينجح في درء الفتنة حينا ويفشل احيانا اما إذا كانت قيادة منحرفة فهناك الكارثة الكبرى التي عبرت عنها الكلمة المنسوبة الى امير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام حيث يقول: (أسد حطوم، خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم، خير من فتنة دوم) (1). وقد اتضح ايضا ان وجود الامام المعصوم في كل عصر وزمان امر حتمي وضروري حتى ولو كان غائبا ومستورا لان هذا الامام لسوف يحفظ ويرعى كثيرا من المواقع والمواضع في هذا الكون المسخر للإنسان التي لو لا ورعايتها لوقعت الكارثة ولساخت الارض بأهلها وبذلك نعرف السر في ان الروايات قد ذكرت: انه لو بقيت الارض بغير امام أو لوان الامام رفع من الارض ولو ساعة لساخت باهلها وماجت كما يموج البحر بأهله (2). واصبح واضحا معنى الرواية التي تقول: واما وجه انتفاع الناس بي


(1) البحار ج 75 ص 359 عن كنز الفوائد للكراجكي وراجع دستور معالم الحكم ص 170 وغرر الحكم ودرر الكلم ج 1 ص 437 وج 2 ص 784. (2) راجع بصائر الدرجات ص 488 و 489 والكافي ج 1 ص 179 و 198 والغيبة للنعماني ص 139 و 138. (*)

[ 360 ]

في غيبتي فكالشمس إذا جللها عن الانظار السحاب. واتضح ايضا سر معرفة الائمة بعلوم الانبياء وبالسنة جميع البشر وبألسنة اصناف الحيوان ايضا (1) الى غير ذلك من خصائص وتفصيلات في علومهم عليهم السلام وفي حدود ولايتهم ورعايتهم لهذا الانسان في هذا الكون الارحب.


(1) راجع كتاب بصائر الدرجات ففيه تفاصيل واسعة حول علوم الائمة عليهم السلام في جميع المجالات وراجع ايضا البحار للعلامة المجلسي والكافي ج 1 وغير ذلك كثير

[ 361 ]

الفصل الرابع: بدر الموعد

[ 363 ]

بداية الحديث عن بدر الموعد: كانت حرب احد قد تمخضت عن نتائج مادية تختلف تماما عن نتائجها المعنوية والسياسية. فعلى صعيد الخسائر مني المسلمون بخسائر كبيرة حيث قتل منهم العشرات حينما خالف الرماة الذين كانوا على فتحة الجبل أمر رسول الله (ص) له بالبقاة في أماكنهم فنسخت الفرصة للمشركين وأوقعوا بالمسلمين وقتلوما مننهم عددا كبيرا من الناس ولكن هذه النتيجة لا تمثل كل الواقع ولا يمكن اعتبارها معيارا تقاس عليه سائر النتائج الت تمخضت عنها تلك الحرب على صعيد الربح والخسارة والتأثير في الواقع النفسي لكلاء الفريقين ثم في الوقع السياسي والعسكري حيث ان النتائج كانت في هذه المجالات لصالح المسلمين إذ انتهت المعركة بهزيمة حقيقية فاحشة مني بها المشركون في الجهات الثلاث جميعا اي من الناحية العسكرية والنفسية وعلى صعيد الحالة السياسية في المنطقة بصورة عامة غير أن أيا سفيان قد حاول ان يقوم بمبادرة اعلامية جريئة تحفظ للمشركين بعض هيبتهم وتعيد البإيهم شيئا من معنوياتهم حيث اعلن ان المعركة التالية والتي قد تكونهي الحاسمة سوف تكون بعد عام من

[ 364 ]

تاريخ غزوة احد. وقد نسي أو تناسى أن نفس هذا الاعلان ليس في الحقيقية الا إعلان فشلهم في تحقيق الأهداف الاهداف التي كانوا يسعون الى تحقيقها من خلال خوضهم هذه الحرب ثم كانت حركة المسلمين السريعة في مطاردتهم عقب انتهاء غزوة أحد بمثابة فضيحة مخزية للمشركين لا سيما وأنه (ص) قد قرر أن تكون هذه المطاردة مقتصرة على خصوص جرحى احد بقيادة علي امير المؤمنين عليه السلام. وبعد مرور نحو عام واقتراب الموعد الذي ضربه أبو سفيان كان لا بد من التحرك وكانت نتيجة هذا التحرك المزيد من الخزي لابي سفيان وكل معسكر الشرك والبغي والمزيد من العزة والشوكة للمسلمين وللإسلام في ظل قيادة نبيه الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم فما الذي جرى في بدر الموعد ؟ ! وما الذي نتج عنه ؟. هذا ما سوف نتعرض له في ما يلي من مطالب.. تاريخ غزوة بدر الموعد: يذكر المؤرخون: أن غزوة بدر الصغرى (الموعد) (الثالثة) قد كانت في هلال ذي القعدة في السنة الرابعة وقيل: في شوال. وقد غاب فيها رسول الله (ص) ست عشرة ليلة. والمقصود هو بدر الصفراء التي كانت سوقا للعرب في الجاهلية يجتمعون فيها في كل عام لمدة ثمانية ايام ابتداء من اول ذي القعدة ثم يفترقون (1).


(1) راجع في جميع ما ذكرناه كلا تاو بعضا: مغاي الواقدي ج 1 ص 384 وتاريخ الخميس ج 1 ص 465 والسيرة الحلبية ج 2 ص 275 وسيرة مغلطاي ص 53 =

[ 365 ]

وقد ربح المسلمون فيها في تجارتهم في سوق بدر في هذه المناسبة بصورة ملفتة كما سنرى وأما قول موسى بن عقبة: إنها كانت في شوال سنة ثلاث (1). فلا يصح ; لانها كانت لاجل تنفيذ طلب ابي سفيان بعد انتهاء حرب أحد بأن يلتقوا للحرب في بدر بعد عام وأحد إنما كانت في السنة الثالثة كما هو معلوم (2). كما أن الأشبه: انها كانت في ذي القعدة وكان بينهما سنة (3). والصحيح: انها كانت في شعبان كما سيأتي في غزوة الخندق. النص التاريخي لبدر الصغرى: يذكر المؤرخون: ان ابا سفيان لما اراد ان ينصرف من أحد نادى: يا محمد الموعد بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت نلتقي بها فنقتتل.


= الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 59 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 204 ونهاية الإرب ج 17 ص 154 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 108 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 229 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وانساب الاشراف ج 1 ص 339 والتنبيه والإشراف ص 214 وزاد المعاد ج 2 ص 112 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 169 و 172 والبداية والنهاية ج 4 ص 87 و 89 و 93 و 94 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 ودلائل النبوة للبهيقي ج 3 ص 388. (1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 275 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 والبداية والنهاية ج 4 ص 89 والدر المنثور ج 2 ص 101. (2) اشار الى ذلك ايضا في السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 والبداية والنهاية ج 4 ص 89. (3) راجع: نهاية الإرب ج 17 ص 154. (*)

[ 366 ]

وعن مجاهد - كما في الوفاء - أنه قال: يا محمد موعدكم بدر حيث قتلتم اصحابنا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بن الخطاب: قل: نعم إن شاء الله فافترق الناس على ذلك. ثم يذكر المؤرخون وقائع غزوة بدر الموعد. ونحن من اجل ان نلم بأكثر الخصوصيات للتي قيلت في هذه الغزوة وعنها، نجمع شتات كلمات الرواة والمحدثين ونقلة الاخبار والمؤرخين ونؤلف بينها ثم نشير في نهاية ذلك الى المصادر التي قد يكون فيها اكثر الذي ذكرناه أو بعضه فنقول: لما مضى على احد ما يقرب من عام وقرب الموعد الذي ضربه أبو سفيان كره الخروج وخاف من عواقبه ثم قرر رأيه بعد المشاورة على الخروج شيئا يسيرا ثم يعود فخرج في اهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران يقال: عسفان وكان في الفي رجل ومعهم خمسون فرسا. ويقول البعض: إنه بعد ان خرج الى عسفان أو مجنة القى الله الرعب في قلبه فبدا له في الرجوع. فلقي نعيم بن مسعود الاشجعي وقد قدم معتمرا فطلب منه ان يلحق بالمدينة ويثبط المسلمين ويعلمهم: ان ابا سفيان في جمع كثير ولا طاقة لهم بهم ووعده ان يعطيه عشرة - وعند الواقدي: عشرين - من الإبل، يضعها على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها سهيل له وحمله على بعير.

[ 367 ]

ومما قاله له بعد ان ذكر له: ان هذا عدم جدب قد بدا لي ان لا اخرج إليها واكره ان يخرج محمد ولا اخرج فيزيدهم ذلك جراءة فلان يكون الخلف من قبلهم احب الي ان يكون من قبلي وبعد ضمان سهيل بن عمرو والإبل لنعيم خرج مسرعا حتى اتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لمعياد ابي سفيان فسألهم فأخبروه بما يريدون فقال لهم: (بئس الرأي رأيتم اتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم الا الشريد فتريدون ان تخرجوا وقد جمعئا لكم عند الموسم ؟ ! والله لا يفلت منكم احدا). وجعل يطوف بهذا القول في اصحاب رسول الله (ص). فكره اصحاب رسول الله (ص) الخروج وزاد الواقدي قوله: (حتى نطقوا بتصديق قول نعيم أو من نطق منهم واستبشر بذلك المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع). حتى بلغ رسول الله (ص) ذلك وتظاهرت به الاخبار عنده حتى خاف رسول الله (ص) ان لا يخرج معه احد فجاء ابي بكر بن ابي قحافة (رض) وعمر بن الخطاب (رض) وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا يا رسول الله ان الله مظهر دينه ومعز نبيه وقد وعدنا القوم موعدا ونحن لا نحب ان نتخلف عن القوم فيرون ان هذا جبن مناعهم فسر لموعدهم فوالله إن في ذلك لخيرة. فسر رسول الله (ص) بذلك ثم قال: (والذي نفسي بيده لاخرجن ولو وحدي) (قال عثمان: لقد رأيتنا وقد قذف الرعب في قلوبنا فما أرى أحدا له نية في الخروج). فأما الجبان فإنه رجه وتأهب الشجاع للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

[ 368 ]

واستخلف رسول الله (ص) على المدينة عبد الله بن رواحة [ أو عبد الله بن ابي سلول (1) ] وحمل لواءه الاعظم علي بن ابي طالب، في الف وخمس مائة رجل. والخيل عشرة افراس. قال الواقدي (2) (فرس لرسول الله (ص)، وفرس لابي بكر، وفرس لعمر، وفرس لابي قتادة، وفرس لسعيد بن زيد، وفرس للمقداد، وفس للحباب، وفرس للزبير، وفرس لعباد بن شر). وخرجوا بضائع لهم وتجارات. وقالوا: ان لقينا ابا سفيان فهو الذي خرجنا له وان لم نلقه ابتعنا ببضائعنا فجعلوا يلقون المشركين، ويسألون عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم، يريدون ان يرهبوا المسلمين. فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل. وفي نص آخر: قال لهم المنافقون: قد قتلوكم عند بيوتكم، فكيف إذا اتيمتوهم في بلادهم، وقد جمعوا لكم، والله لا ترجعون ابدا. ومهما يكن من امر فإنهم لما قربوا من بدر قالوا لهم: انها امتلات من الذين جمعهم أبو سفيان، يرعبونهم ويرهبونهم، ونزلت آية: الذين قال لهم الناس: ان الناس قد جمعوا لكم إلخ... فلما بلغوا بدرا وجدوا اسواقا لا ينازعهم فيعا احد [ وفي الحلبية (3) فأنزل الله: الذين قال لهم الناس... إلخ ] وقال مجاهد وعكرمة: في هذه الغزوة نزل قوله تعالى (الذين


(1) هذا القيل ذكره في السيرة الحلبية ج 2 ص 275 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 ولم يذكر غيره، وكذا في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 220 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 169 والبداية والنهاية ج 4 ص 87. (2) المغازي ج 1 ص 387. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 276 (*)

[ 369 ]

استجابوا لله والرسول). وعند اكثر المفسرين نزلت هذه الآية في غزوة حمراء الاسد. وبلغ المسلمون بدرا ليلة هلال ذي القعدة. والصحيح في شعبان. وقد اقام النبي (ص) بها ثمانية ايام، ينتظر ابا سفيان. وباع المسلومن تجاراتهم وبضائعهم في سوق بدر واصابوا بالدرهم درهمين. وقد سمع الناس بمسيرهم، وذهب صيت جيشهم الى كل جانب، فكبت الله بذلك عدوهم. وانصرفوا الى المدينة سالمين غانمين. اما المشركون فراى لهم أبو سفيان ان يخرجوا، فيسيروا ليلة أو ليلتين ثم يرجعون فان كان محمد قد خرج احتجوا بان السنة كانت سنة جدب، وان لم يخرج كانت هذه لهم عليه. فخرجوا، وهم الفان، ومعهم خمسون فرسا، حتى انتهوا الى مجنة، وهو سوق معروف بناحية الظهران، وقيل الى عسفان. ثم رجعوا. وفي نص آخر: ان ابن حمام قدم على قريش، فاخبرهم بمسير المسلمين الى بدر، فأرعب ابي سفيان ورجع الى مكة. فسماهم اهل مكة: جيش السويق. اي خرجوا يشربون السويق. وبلغ المشركين خروج المسلمين الى بدر وكثرتهم، وأنهم كانوا أصحاب الموسم، فقال صفوان بن أمية لابي سفيان: نهيتك أن تعد القوم، ولم تسمع كلامي ثم قد اجترؤا علينا ورأوا: انا قد اخلفناكم. ثم أخذوا بالكيد والتهيأ لغزوة الخندق. كانت تلك الصورة مأخوذة من نصوص ذكرت هنا وهناك في المصادر

[ 370 ]

المختلفة (1) اوردناها في سياق واحد، لتكون الصورة التي يرسمها لنا المؤرخون اكثر انسجاما، واستجماعا للملامح الضرورية التي يريدون توجيه الانظار إليها. وقد ذكروا ايضا: ان عبد الله بن رواحة، أو حسان بن ثابت قد قال في جملة ابيات له: وعدا ابا سفيان وعدا لم نجد * لميعاده صدقا وقد كان وافيا (2) ولنا هنا مناقشات وشكوك في بعض ما ذكروه، كما ان لنا بعض الإيضاحات والتحليلات التي ربما تكون مفبدة هنا، ونحن نذكر ذلك فيما يلي من مطالب، فنقول:


(1) راجع في جميع ما تقدم، كله أو بعضه: تاريخ الخميس ج 1 ص 465 و 466 والسيرة الحلبية ج 2 ص 275 - 277 وحبيب السير ج 1 ص 356 وزاد المعاد ج 2 ص 112 والطبقات الكبرى ج 2 ص 59 و 60 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 67 وسيرة مغلطاي ص 53 وحياة محمد لهيكل ص 279 و 280 ومغازي الواقدي ج 1 ص 484 - 490 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 220 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 203 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 والوفاء ص 690 والكامل في التاريخ ج 2 ص 175 ونهاية الارب ج 17 ص 154 و 155 والمواهب اللدنية ج 1 ص 108 وتاريخ الامم والملك ج 2 ص 229 و 230 وتايخ ابن الوردي ج 1 ص 160 وانساب الاشراف ج 1 ص 340 والثقات ج 1 ص 244 / 245 والتنبيه والاشراف ص 214 والسيرة النبوية لابتن كثير ج 3 ص 169 والبداية والنهاية ج 4 ص 87 - 89 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 384 - 388 والدر المنثور ج 2 ص 101 و 103 و 104 عن عبد بن حميد وابن ابي حاتم وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر. (2) راجع: البدء والتاريخ ج 4 ص 214 وانساب الاشراف ج 1 ص 340 واسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 221 ومغازي الواقدي ج 1 ص 389 ونهاية الارب ج 17 ص 156 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 170. (*)

[ 371 ]

آيات سورة آل عمران: قد تقدم قولهم: ان آية: (الذين استجابوا لله والرسول، من بعد ما اصابهم القرح، للذين احسنوا منهم واتقوا اجر عظيم. الدين قال لهم الناس: ان الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم ايمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء إلخ) (1)... قد نزلت في مناسبة بدر الموعد، لان المسلمين قالوا ذلك. ولكننا لا نستطيع قبول ذلك، فعدا عن تناقض الروايات في مكان نزولها: في المدينة، أو في الطريق الى بدر، أو في بدر نفسها، كما تقدم، يسجل الامور التالية: الاول: قال العسقلاني، بالنسبة لاية: الذين استجابوا لله: (والصحيح: ان هذه الآية نزلت في شأن حمراء الاسد، كما نص عليه العماد ابن كثير) (2). وقد روى المحدثون والمؤرخون، والمفسرون: انها نزلت في حمراء الاسد، فراجع ما رووه عن: ابن عباس، والحسن، وابن جريج، وعائشة، وابي السائب، والسدي، وقتادة وأنس. ومن طريق العوفي. وعن عبد الله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (3).


(1) سورة آل عمران، الآية / 172 - 174 (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 108 وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265. (3) تجد هذه الروايات كلها في الدر المنثور ج 2 ص 101 - 103 وقد نقلها بدوره بصورة متنوعة عن المصادر التالية: ابن اسحاق، وابن جرير، والبخاري، ومسلم، واحمد، وسعيد لن منصور، وابن ابي شيبة، وابن المنذر، والحاكم، وابن ابي حاتم، والبيهقي في الدلائل، وابن ماجة، والنسائي والطبراني، وعبد بن حميد، والخطيب، وابن مردويه.

[ 372 ]

وروي أيضا عن ابي رافع بطرق كثيرة، وكذا عن ابي مريم. وعن جابر، عن الإمام الباقر عليه السلام: انها نزلت في علي عليه السلام في حمراء الاسد (1). الثاني: إن سياق الآيات لا يتلاءم مع غزوة بدر الصغرى، فهي تمدح الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما اصابهم القرح. وذلك إنما يناسب غزوة حمراء الاسد ; حيث إن الذين قاموا بها هم خصوص أولئك الذين جرحوا في حرب أحد. اما في بدر الصغرى، فكان قد مضى عام بكامله على تلك الجراح. ولم يكن في بدر الصغرى، فكان قد مضى عام بكامله على تلك الجراح. ولم يكن في بدر الصغرى نفسها حرب ولا جراح. الثالث: ان هذه الآيات تتمدح اولئك الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم ايمانا. مع ان الروايات التي تتحدث عن قصة بدر الصغرى نفسها حرب ولا جراح. الثالث: إن هذه الآيات تتمدح اولئك الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم ايمانا. مع ان الروايات التي تتحدث عن قصة بدر الصغرى، قد صرح كثير منها بأن أصحاب رسول الله (ص) قد كرهوا الخروج الى بدر الموعد، حتى نطقوا بتصديق قول نعيم بن مسعود، الذي كان يخذلهم ويخوفهم، واستبشر المنافقون واليهود، حتى بلغ رسول الله (ص) ذلك، وتظاهرت به الاخبار عنده، حتى خاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يخرج منهم أحد. حتى قال (ص): والذي نفسه بيده، الخرجن ولو وحدي. وقال عثمان بن عفان: لقد رأيتنا وقد قذف العرب في قلوبنا، فلما ارى احدا له نية في الخروج..


(1) تفسير البرهان ج 1 ص 326 والدر المنثور ج 2 ص 103 عن ابن مردويه. وقد يكون ثمة مبرر لاحتمال ان يكون ثمة تعمد لدعوى نزول الآيات في بدر الموعد، من أجل إبعاد هذا الامر عن ان يكون فيه تكريم لعلي عليه السلام، وإشادة بمواقفه الرسالية والجهادية. وقد تعودنا من هؤلاء الشئ الكثير الذي يصب في هذا الاتجاه، كما هو معلوم. (*)

[ 373 ]

مواقف لابن من التأكد عن صحتها: ويذكر البعض: ان نعيم بن مسعود قدم المدينة: (وأرجف بكثرة جموع ابي ابي وصار يطوف فيهم حتى قذف الرعب في قلوب المسلمين ولم يبق لهم نية في الخروج واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمح. فجاء أبو بكر، وعمر رضي اللع عنهما الى النبي (ص) وقد سمعا ما ارجف به المسلمون وقالا له: يارسول الله ان الله مظهر نبيه ومعز دينه وقد وعدنا القوم موعدا لا نحب ان نختلف عنه فيرون أن هذا جبن. فسر لموعدهم، فوالله ان في ذلك لخيرة. فسر رسول الله (ص) بذلك صم قال: والذي نفسي بيده لاخرجن وإن لم يخرج معي احد فاذهب الله عنهم ما كانوا يجدون وحمل لواء رسول الله (ص) علي ابن ابي طالب الخ...) (1). ونقول: إنما يذكر هنا من موقف لابي بكر وعمر لا يتلاءم مع سائر موقفهما في غزوة بدر مثلا ثم موقفهما في الاحزاب وخبير وغيرها بالاضافة الى فرارهما في الموطن ومنها غزوة احد هي والغزوة التي ضرب فيها الموعد لبدر الصغرى هذه ! ! وقد تقدم: ان المسلمين كرهوا الخروج وتظاهرت بذلك الاخبار عند رسول الله (ص) حتى خاف ان لا يخرج معه احد وقال: والذي نفسي بيده لاخرجن ولو ولو لوحدي وقال عثمان بن عفان لقد رأيتنا وقد قذف الرعب في قلوبنا فما ارى احدا له نية في الخروج فكلام عثمان نكرة في سياق النفي يشمل


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 276 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 265

[ 374 ]

حتى عمر وابا بكر فلا يتلاءم مع ما يذكر من موقفهما هنا. فان صح ما نقل عن الشيخين هنا، ولا أراه يصح، فإننا نجد أنفسنا أمام احتمالين لا يد ان يكون احدهما هو السبب ونرجح ثانيهما وهما: الاول: ان يكونا قد رايا تصميم رسول الله (ص) على المسير الى درجة عرفا انه صلى الله عليه واله وسلم لن يتراجح عن قراره بأي ثمن كان ولو كان وحده فموقفهما ذا لن يكون له اثر في ذلك ولسوف يكون مفيدا في تسجيل موقف ايچابي لهما يمكن ان يكون مفيدا لهما ف تحسين موقعهما عند النبي (ص) والمسلمين ولا سيما بعد فرارهما في أحد وبعد مشورتهما المتخاذلة في بدر الثاني: إنهما ربما يكونان قد وقفا من نعيم بن مسعود أو من غيره على حقيقة أمر أهل مكة وأنهم خائفون من مواجهة النبي (ص) والمسلمين بالحرب لا سيما منع ما نلمحه من وجود قدر من التفاهم والانسجام في المواقف احيانا كما تقدم في غزوة بدر حول الاستشارة في الحرب ثم في قصة الاسرى وبعد ذلك في غزوة احد حينم وضعنا بعض علامات الاستفهام حول تحركات الخليفة الثاني. والخلاصة: انهما إذا كانا قد علما بحقيقة امر المشركين فهما يعلمان مسبقا: أن خروج النبي (ص) والمسلمين الى بدر الموعد لن يشكل اي خطر على مشركي قريش الا من الناحية الاعلامية والسياسية والنفسية كما انهما انفسهما سوف لا يواجهون اي خطر يخشونه ولو في ضمن زحمة المعركة كما قد حصل في أحد. الافراح والاتراح: إننا - وان كنا قدر الواقدي في حدود معينة ونراه منصفا شيئا ما وهو من حيث نقله ينقل سيرة النبي الاعظم صلى الله وآله وسلم

[ 375 ]

بصورة افضل وأدق مما ينقلها البعض ولكننا نعتب عليه احيانا ليس لاجل ايراده ما ثبت بالدليل القاطع زيفه أو التزيد فيه من المروات فان ذلك امر مألوف ومعروف ولم ينج منه مؤلف في قضايا التاريخ وغيرها.. بل لاجل وقوعه احيانا - كغيره - في المتناقضات أو فريسة لاصحاب الاهواء واهل الزيغ من الحاقدين والموتورين وقد وقع هنا في هذا الخطأ بالذات حين صور لنا ان المشركين كانوا يعيشون افراح التاهب لحرب بدر الموعد وكان المسلمون يعيشون الاتراح ويهيمن عليهم الرعب والخوف والجبن فهو يقول عن المشركين: (وتهيأوا للخروج وأجلبوا وكانوا هذا عندهم اعظم الايام لانهم رجعوا من أحد والدولة لهم طمعوا في بدر الموعد ايضا بمثل ذلك من الظفر (1). ويقول عن المسلمين: (فيقدم القادم على اصحاب رسول الله (ص) فيراهم على تجهز فيقول: تركت ابا سفيان قد جمع الجموع وسار في العرب ليسير إليكم لموعدكم فيكره ذلك المسلمون ويهيبهم ذلك) (2). ونقول: قد ذكرنا في بداية الحديث: ان المشركين لم ينتصروا في أحد بل انهزموا هزيمة نكراء وقد اتصح لديهم: انما جرى على السلمين آنئذ لن يتكرر في المستقبل لان ذلك انما نشأ عن عدم الانضباطية لدى الرماة الذين كانوا يحرسون في الجبل ولم يكن يسبب ضعف في القدرات الحربية ولا لجبن في المقاتلين أو خور في عزائمهم ولا


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 384. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 385. (*)

[ 376 ]

بسبب تفرق الاهواء ولا الجل نقص في كفاءة القيادة وانما هو مجرد خطأ شخصي اعقبته حركة قتالية فريدة تجلت فيها كفاءات لا يمكن مواجهتها في اي زمان أو مكان ولا سيما من علي امير المؤمنين عليه، السلام ثم بعض من لحقه من الصحابة الاخيار. فلا معنى اذن لابتهاج المشركين بحرب لو كانت تشبه حرب احد فذلك يعني الدمار الكامل والشامل لهم. واما بالنسبة لحالة المسلمين التي تحدث عنها الواقدي فنحن لا نوافق المؤرخين ولا المحدثين على ما ذكروه من خوف شامل في المسلمين من مواجهة المشركين في بدر الموعد إذ لم يكن ثمة مبرر لذلك لا سيما بعد ان حقق المسلمون انتصارات رائعة ومثيرة على المشركين في بدر وأحد رغم خطأ الرماة التي تسبب بحدوث كارثة. ثم انهم بجهود علي عليه السلام تلافوا الخطأ وهزموا عدوهم. هذا بالاضافة الى انتصاراتهم على اليهود ثم تحركهم في المنطقة بصورة زادت من هيمنتهم ونفوذهم وجعلتهم اكثر قوة وشوكة وثقة بالمستقبل. ولنا ان نتساءل: إذا كانوا المسلمون ارتعبوا حتى خاف النبي (ص) ان لا يخرج معه احد فكيف ارتفع هذا الخوف عنهم حتى خرج من الشجعان معه الف وخمس مئة رجل مع ان الذين خرجوا معه الى احد ليدافعوا عن بلدهم االمدينة كانوا الف رجل (رجع منهم ثلاث مئة مع ابن ابي) ؟ ! مع الاشارة الى ان عدد المسلمين لم يكن يزيد عن الخارجين معه الا يسيرا. وهل يمكن ان يذكر لنا التأريخ اسم واحد من أولئك الذين تخلفوا غن الخروج خوفا وجبنا ؟ ! أما مشركوا مكة فقذ تقلص نفوذهم في المنطقة بدرجة كبيرة

[ 377 ]

وتشكك كثير من الناس في قدرتهم على تحقيق نصر حاسم على المسلمين بسهولة لا سيما بعد الهزائم سياسيا وعسكريا التي لحقت بهم حسبنا اشرنا إليه ثم ما تتعرض لهم قوافبهم التجارية وعدم قدرتخم على توفير الامن لها بالاضافة الى توسع منطقة نفوذ المسلمين وتحالفاتهم على حساب ما كان لهم من نفوذ وتحالفات. ولعل ما يقال عن رعب في المسلمين وتلكؤ قد أريد له ان يجسد المصداق للآيات التي تتحدث عن تخويف الناس لهم مع ان الايات تذكر تكذيبا لهذه الشائعة وان هذا التخويف قد زاد المسلمين ايمانا وتصميما مع ان الآيات انما نزلت في غزوة حمراء الاسد. ولعلع قد اريد بتريب اجواء مناسبة ليقدم ابي بكر وعمر مشورتهما بلزوم المواجه لتظهر شجاعته مات دون سائر المسلمين وليعوضهما ذلك بعض ما كانا قد فقداه في حالات سابقة. ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن اراد الرشد والهداية. المجتمع المفتوح: وقد قرأنا فيما تقدم: ان نعيم بن مسعود الاشجعي قد ذهب الى المدينة بهدف تخذيل المسلمين عن الخروج الى بدر الموعد ولعل تردد المشركين الى المدينة بتجاراتهم ومتابعة شؤونهم ومصالحهم هو من الامور الواضحة والبديهية تاريخا. وربما يحمل ذلك بعض السلبيات للمسلمين احيانا كما لوحظ في هذه المرة التي قامفيها نعيم بدور مخرب ومضر جدا. ولكن من الواضح أن الاسلام وهو يرير للآخرين الذين يناوؤونه أن يعيدوا النظر في مواقفهم فترة بعد أخرى فكان بعيدا عن اجواء التشنج يفسخ لهم المجال للتعامل مع المسلمين بصورة مباشرة ليلتسموا

[ 378 ]

بأنفسهم وبصورة علمية وميدانية محاسن الاسلام وآدابه وسياساته وكل آفاقه بحرية تامة ومن دون الاعتماد على الشائعات ولا على الإعلام الموجه الذي قد يحتفظ الكثيرون تجاهه لانهم قد يتخيلونه غير قادر على ان يعكس بعض الواقعيات بدقة وامانة. ثم ان هذا التعامل الطبيعي والحر من شأنه ان يزيل عقدا كثيرة ربما لا يمكن ازالتها بدونه بل هي قد تزيد رسوخا وتجذرا وتتراكم حولها وفيها الادران الى درجة كبيرة وخطيرة إذا كانت الابواب موصدة امامهم ولا يعرفون عن الاسلام والمسلمين إلا نتفا قد تسرب - لسبب أو لآخر - فتصل إليهم سليمة أو مشوهة حسب الظروف. وبعد فان الاسلام واثق من كل ما لديه وليس ثمة شئ محرج له على الاطلاق لا في المجال العقيدي ولا التشريعي ولا السلوكي ولا في دائرة الدوافع والنوايا وال في محيط المرامي والاهداف ولا في غير ذلك في مجالات. واما ما ينشأ عن التعامل مع المشركيم من سلبيات احيانا فإنه يمكن تلافيه ولا أقل يمكن التقليل من آثاره واخطاره من خلال تحصين الامة بالوعي وبالايمان وبالتربية الصالحة في مختلف المجالات. بالاضافة الى دور الاساسي والمحوري الذي تقوم به القيادة المؤهلة - وحدها - لان تهدي الامة وتقودها الى الفلاح والسداد والنجاح وهي قيادة الانبياء والائمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام. استخلاف ابن ابي على المدينة: وقد ذكر ما تقدم: ان هناك من يقول: إن النبي (ص) قد استخلف عبد الله بم ابي سلول على المدينة حين سار الى بدر الموعد.

[ 379 ]

ونحن نشك في صحة ذلك ونرجح ان يكون ابن وراحة هو المستخلف عليها كما ذكرته النصوص كثيرة اخرى إذ من البعيد ان يستخلف النبي (ص) رأس النفاق ذلك الرجل الذي كان يميل الى المشركين واليهود اكثر مما كان يميل الى المسلمين ولم تزل تظهر منه فلتات وكلمات خطيرة لو اردا النبي (ص) ان يجازيه عليها لم يكن جزاؤه أقل من القتل وإنما استخلف (ص) عليا (ع) في غزوة تبوك خوفا من تحرك المنافقين فيها كما سنرى إن شاء الله. إلا أن يقال: إن من الممكن أن يكون النبي (ص) يريد ان يتالفه بذلك كما كان يتالف غير باسناده بعض المهام إليهم. قوة الاسلام: قال الواقدي: (واقبل رجل من بني ضمرة يقال له: مخشي بن عمرو - وهو الذي خالف رسول الله (ص) على قومه حين غزا رسول الله (ص) ودان في المرة الاولى - فقام - والناس مجتمعون في سوقهم، وأصحاب رسول الله (ص) اكثر اخل ذلك الموسم - فقال: يا محمد قد اخبرنا: انه لم يبق منكم احد فما اعلمكم الا اهل الموسم ! فقال رسول الله (ص) ليرفع ذلك الى عدوه من قريش: ما أخرجنا الا موعد ابي سفيان وقتال عدونا وإن شئت مع ذلك - نبذنما اليك والى قومك العهد ثم جادلناكم قبل ان نبرح من منزلنا هذا فقال الضمري: بل نكف ايدينا عنكم ونتمسك بحلفك وسمع بذلك معبد بن ابي معبد الخزاعي فانطلق سريعا وكان مقيما ثمانية ايام وقد راى اهل الموسم وراى اصحاب رسول الله (ص) وسمع كلام مخشي فانطلق حتى قدم مكة فكان اول من قدم بخبر

[ 380 ]

موسم بدر فسألوه فأخبرهم بكثرة اصحاب محمد وأنهم اهل ذلك الموسم وما سمع من قول رسول الله (ص) للضمري وقال: محمد في الفين من اصحابه إلخ... قال البيهقي: فافزعهم ذلك ثم يذكر ملامة صفوان بن امية لابي سفيان (1) وقد يستشف البعض من هذه القضية: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسلميا قد اجس من مخشي بن عمرو: انه قد قال ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية مقابله النبي (ص) بهذا الاسلوب (2) ومن الواضح انه (ص) لم يكن لينقض العهد ولا يباشر حربا مع أحد الا إذا اضطرته الضروف (وكان مع ذلك لين الطبع كريم النفس وقد بلغ الغاية من النبل والاخلاق الكريمة حتى انزل الله فيه: وإنك لعلى خلق عظيم (3) وبعبارة اخرى: انه انما تخذ هذا الموقف من اجل ان يعيد الى ذلك الرجل توازنهم وليفهمه: ان الامور اعمق واخطر من ان يتلاعب ويستخف بها قاروا النضر الذين لا يشعرون بالمسؤولية ولا يحسنون فهم الامور. ونقول: ان كلام مخشي بن عمرو لا يوحي بأنه كان في مقام الاستهزاء غير أن من الواضح ان هذا الرجل كان يسعده ان يرى المسلمين وقد ابيدت خضرائهم وقتلت رجالهم وسبيت نسائهم ولعله صدق ما بلغه من


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 388 وراجع السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 169 والبداية والنهاية ج 4 ص 88 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 229 / 230 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 320 وراجع تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 203 و 204 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 385 و 387. (2) سيرة المصطفى ص 455. (3) سرة المصطفى ص 455.

[ 381 ]

ذلم ثم فوجئ بعكس ما كان يتوقعه وسمع به فجاء ليعرف السر في ذلك وكأنه كان على قناعة بأن مشركي مكة قادرون على ذلك وأن المسلمين على درجة كبيرة من الضعف والوهن في قبال المشركين وربما يكون ما جرى في أحد الذي لم ينقل إليه والى سائر الناس في صورته الحقيقية قد عزز هذه القناعة لديه لانه انما وقف على نتائج حرب احد ولم يعرف ملابساتها وأنها لم تكن نتيجة ضعف حقيقي في عزيمة المسلين ئلا لتخاذل منهم في ساحة الحرب والجهاد وبذل المنهج وخوض اللجج في سبيل الله سبحانه كما أنه لم يكن لاجل قوة متميزة في جانب عدوهم جعلته ينتزع النصر انتزاعا استنادا الى قوة السيف والسنان وثبات في العزيمة وشجاعة في الجنان كما ربما يحاول القرشيون أن يعيثوه. فاراد رسول الله الاعظم ان يبدد هذه الغشاوة عن بضره وبصر كل من يسمعون أو سوف يبغلهم هذا القول ويواجهه بالحقيقة الناصعة ويقول له: إنه (ص) ليس فقط قادرا على سحق قريش بكل ما لديها من حشد وعتاد وقوة وانما هو على استعداد لمواجهتها ومع كل من يلتقون معها ويشاركونها الموقف والرأي والبغي على الاسلام والمسلمين وعزتهم فإذا كان مخشي وقومه بل وكذلك سائر لا قبائل التي حضرت ذلك الموسم التجاري الواسع قد تحركت في نفوسهم نوازع خيانية أو خالجتهم أحاسيس حول ضعف المسلمين أو شعروا: ان لقريش بعض القوة بسبب ما جرى في احد فان عليهم أن يتأكدوا من صحة تصوراتهم ومعلوماتهم قبل ان يقدوما على اي عمل أو يتخذوا اي قرارا فهناك امور

[ 382 ]

قد خفيت عليهم حتما وجزما. وما جرى في أحد لا يمكن ان يكون معيارا وميزانا ولا يفيدهم شيئا في حسابات الربح والخساره والنصر والهزيمه والقوة والضعف فقولهم: إنه (ص) انما اراد بذلك مقابلة حالة الاستهزاء والسخرية بالتهديد بنقض العهد لا يصح فان جوابه (ص) لا يتلاءم وهذا الامر وذلك لانه (ص): قد اعطى لمخشي وقومه حرية التصرف في هذا الاتجاه واكتفى هو بالاحتفاظ لنفسه بحق المقابلة بالموقف الحازم والحاسم لو نقض الآخرون عهدهم. وذلك ظاهر لا يخفى. لا بد من الندم: إن من الواضح: أن ما اقدم عليه أبو سفيان في نهاية حرب احد حيث قطع على نفسه وعدا بلقاء المسلمين بعد عام في بدر الصغرى كان خطأ فاحشا ورأيا فطيرا تعوزه البصيرة بالامور والواقعية في النظرة وفي الموقف. وذلك الن المسلمين بعد ما جرى في أحد قد أصبحوا اكثر تصميما على توجيه ضربة موجعة وقوية لكبرياء قريش بعد ان وترتهم في حرب احد التي لا بد أن يكون المسلمون قد استفادوا منها الدروس والعبر ولن يمسحوا أبدا بتكرر الخطأ الذي وقعوا فيه فيها مهما كان الثمن وقد ادرك أبو سفيان خطاه الكبير ذاك ولكن بعد فوات الاوان وكان صفوان بن أمية قد نبه الى ذلك فللم يلتفت إليه. وذلك لان المشركين وإن كانوا قد فاجأوا المسلمين في بلادهم ولم يجدوا الفرصة للإعداد والاستعداد ولكن المشركين لم يحققوا ما حققوه في تلك الحرب نتيجة لتنامي قدراتهم القتالية

[ 383 ]

في المسليمن وذلك فان القوي وان لم تكن متكافئة بين الفريقين من حيث العدو والعدة الا ان حرب بدر قد اثبتت للجميع ان ذلك ليس هو الفيصل في الحرب وليس هو الذي يقرر نتائجها. هذا بالاضافة الى ان حرب احد نفسها قد اثبتت للمشركين: أن نتائج هذه الحرب - لو استمرت - لن تكون افضل من نتائج حرب بدر لولا الخطأ الذي ارتكبه الرماة على الجبل حيث جعلهم النبي (ص) هناك ليمنعوا من حصول اي تسلل محتمل للعدو فتركوا مراكزهم من أجل الحصول على بعض الغنائم ثم تسلل المشركون من ذلك الموضع بالذات وأوقعوا بالمسلمين الذين كانوا قد انصرفوا عن الحرب الى جمع الغنائم - حسبما اوضحناه في غزوة احد في جزء سابق. وحتى بعد أن بد المسلمون يستعيدون وضعهم القتالي فإن المشركين أحسوا بالخطر الداهم فآثروا ترك ساحة القتال والانصراف إلى مكة. فلو كان بإمكانهم تسجيل نصر حاسم فلن يجدوا المسلمين في حالة أضعف من الحالة التي هم عليها الآن وقد كان يهمهم جدا انهاء أمر المسلمين والقضاء عليهم نهائيا والى الابد. وحتى حينما كان ابي سفيان يطلق وعوده باللقاء في بدر من العام المقبل متبجحا بما تنحقق لهم في معركة أحد فإنه لم يكن في موقع يمكنه من حسم الامر لصالحه ولصالح المشركين آنئذ. وقد ادرك في وقت متأخر: أن الخطأ الذي وقع فيه المسلمون في احد ربما لت بتكرر في المستقبل مع ادراكه ان اي جحرب سيخوضها ضد المسلمين سوف يكون المسلمون فيها أكثر استبسالا وأعظم بلاء من ذي قبل. كما أنهم سوف يكونون أكثر التزاما بأوتمر قيادتهم الإلهية بعد أن

[ 384 ]

صح لهم ان تلك القيادة لا تنقصها الحكمة ولا الشجاعة ولا التدبير وقد لمسوا صوابية مواقفها وبعد نضرتها الى الامور ودفعوا ثمن التساهل في الالتزام بأوامرها غاليا وغاليا ومن هنا فاننا لا نفاجأ إذا رأينا المسلمى يصرون على الاحتفاظ بزمام المبادرة وعلى الهيمنة العسكرية على المنطقة وكان لا بد لابي سفيان من الاحتفاظ بماء الوجه ولو شكليا ولكنهم فشل في ذلك حتى اظطر الى ان يتراجع ويخلف في وعده متذرعا بما لا يخفى على احد وهنه معدم واقعية حتى ان اهالي مكة انفسهم كانوا يتندرون بما حدث ويسمون جيشهم المهزوم روجحيا ونفسيا بأنهم جيش السويق اي انهم خرجوا لشرب السويق في الطريق لا للحرب والقتال ولو كان العام عام جدب فعلا فلماذا خرج أبو سفيان بهذا الجيش الكثيف من مكة الم يكن يدري حين جهز جيشه بهذا الجدب الذي زعمه اكتشفه بعد ان قطع مسافة من الطريق وبلغ الى مجنة من ناحية مر الظهران ؟ !. الانتضار ثمانية أيام: وإذا كانت بدر تستضيف الكثيرين الذين يأتونها من مناطق نختلفة لاجل السوق فان حضور المسلمين في هذا السوق على هذه الصورة الملفتة والمثيرة لسوف يكون له تأثيره القوي على الناس الذين يعيشون في المناطق على اختلافها خصوصا إذا لاحظ الناس هذا الاصرار من المسلين على لقاء عدوهم حتى انهم لينتضرون ثمانية أيام ثم يتخلف عدوهم من الحضور رغن انه كان هو الطالب والراغب بمناجزة المسلمين وقتالهم في هذا الموضع.

[ 385 ]

وإذا كان هذا العدو هو مشركوا مكة بمالها من هيبة ونفوذ وليس عدوا عاديا من سائر القبائل فإن القضية سوف تصبح أكثر حساسية بالنسبة لاولئك الناس ولسوف يكون لها أكثر من مغزى عنيق ودقيق وأكثر من أثر سلبي وإيجابي على مشاعرهم وأحاسيسهم وعلى نظرتهم الى المستقبل بصورة عامة وهكذا فإن الكل سوف يدرك أن ما جرى في أحد لم يؤثر ولم يغير في المعادلة شيئا ان لم نقل: إنه قد كانت له آثار سلية على المشركين وإيجابية على المسلمين كما هو ظاهر. الاتجار في بدر الموعد: إن البعض قد رأى: انه غير المعقول ان يحمل المسلمون معهم الى بدر بضائع للتجارة مات داموا ذاهبين الى القتال والى منطقة يجتمع فيه خلائق من الناس الذين يلتقون مع قريش في أهدافها وفي عقائدها ومواقفها تجاه الاسلام والمسلمين. إذن فموضع لقاء المسلمين بالمشركين ليس هو بدر التي هي سوق للعرب. كما انهم قد ذهبوا الى الحرب بلا بضائع وليس لأجل البيع والشراء (1). ونقول: إننا لا نستطيع أن نوافق هذا الباحث على رأيه المشار إليه وذلك لان سوق بدر لم يكن المجتمعون فيه مستدعين لخوض حرب تحتاج الى تجهيزات كثيرة ومتنوعة من خيول ودروع وأعتدة مختلفة كما أن سيطرة


(1) راجع سيرة المصطفى ص 454.

[ 386 ]

الجيش الإسلامي على الموقف سوف تمنحه الفرصة للتعامل مع الآخرين وعقد الصفقات التجارية بكل طمأنينة وثقة. أضف الى ذلك: ان جهاز الاستخبارات الإسلامي كان من القوة بحيث أنه كان يرصد أي تحرك يحصل في مختلف أنحاء الجزيرة العربية على اتساعها وترامي أطرافها وينهيه الى الرسول الاكرم في الموقع المناسب ويدل على ذلك: أنا نجد النبي (ص) يفاجئ أعداءه الذين يتآمرون ويتأهبون لقتاله وهم غارون وقبل أن تصدر منهم أية بادرة أو أن يجدوا الفرصة لاي تحرك والتفاف ولو من خلال إعادة تنظيم وأمرهم ولم شعثهم. فجهاز الاستخبارات هذا لا يعجز عن رصد حالة الناس في تلك السوق كما أنه لا يعجز عن موافاة النبي (ص) في الوقت المناسب بحقيقة نوايا قريش وما أزمعت عليه من كيد ومكر إعلامي فاشل. ومن الجهة الاخرى فان المسلمين كانوا وما زالوا رغم حروبهم مع أعدائهم منفخين حتى على أولئك الاعداء في النواحي التجارية والإنمائية. حتى إننا لنجد تجار المشركين لا يزالون يترددون على المدينة بتجاراتهم المختلفة ويحدثنا التاريخ: أن النبي (ص) نفسه كان يشجع هذا التوجه بصورة عامة كما اوضحناه في كتابنا: السوق في ظل الدولة الإسلامية فراجع. ويكفى أن نذكر: أنه (ص) قد أطلق الصناع وأصحاب الحرف في خبير لينتفع بهم المسلمون كما سيأتي حين الحديث عن غزوة خبير. فالجيش الاسلامي إذن لا بد ان يقدم نموذجا من الوفاء والتضحية والانضباطية أولا كما أنه في نفس الوقت يقيم علاقات تجارة مع الآخرين ويتعامل معهم بطريقة سليمة وعفوية وبريئة من خلال

[ 387 ]

إحساسه بالثقة وبالقوة والثبات. أضف الى ذلك: أن المسلمين كانوا يشكون في وفاء أبي سفيان بالوعد قال: موسى بن عقبة: (وخرجو ببضائعهم وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا) (1). ومنم يدري فلعل النبي (ص) نفسه قد طلب من المسلمين ذلك من أجل خدمة تلك العلاقات والروابط بالذات ئمن اجل اهداف تدخل في نطاق الحرب الإعلامية والنفسية للاعداء واعطاء فرص ايجابية الى اولئك الاخرين الدين كان ينتفعون من هذه الفرص لتركيز قناعاتهم وتبلور مفاهيمهم عن الاسلام والمسلمين الامر الذي ستكون له ايجابياته في المستقبل. غزوة دومة الجندل: إيضاحات: 1 - دومة الجندل: مدينة بينها وبين دمشق خمس ليال وتبعد عن المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة وهي بقرب تبوك (2). وقيل: دومة الجندل اسم حصن (3). 2 - صاحب الدومة الجندل هو اكيدر بن عبد الملك الكندي، وهو

[ 388 ]

يدين بالناصرية وهو في طاعة هرق ملك الروم (1) 3 - هذه الغزوة أول غزوات النبي صلى الله عليه وآه وسلم الى الروم (2) 4 - قال المقدسي عن سنة خمس من الهجرة وهي سنة الزلازل (3). تاريخ هذه العزوة: صرح البعض بأن دومة الجندل كانت في أواخز السنة الرابعة (4). وقال بعض آخر: إنها كانت لعد غزوة ذات الرقاع بشهرين وأربعة أيام (5) وثالث يقول: إن الخندق كانت في السنة الرابعة ودومة الجندل بعدها في الخامسة (6). والاكثرون على أنها كانت في السنة الخامسة في شهر ربيع الأول منها (7).

[ 389 ]

وعند ابن سعد: فهو شهر ربيع الاول على رأس تسعة واربعين شهرا من مهاجرة (1). هذه الغزوة: قال البعض اراد رسول الله (ص) ان يدنوا الى ادنا الشام وقيل له: إنها طرف من افواه الشام فلو دنوت لها كان ذلك مما يفرغ قيصر الخ (2). وقال بعض آخر: انهم كانوا يعترضون المسافرين الى المدينة وتجارهم (3). غير أن جمعا آخر المؤرخين يقولون: انه صلى الله عليه وآله وسلم سمع ان جمعا من قضاعة وغسان تجمعوا بكثرة في دومة الجندل وكان بها سوق عظيم وتجار بلغ رسول الله (ص): أنهم يظلمون من مر بهم وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة. فاستخلف (ص) على المدين د سفاه بن عرفطة بسم الله الرحمن الرحيم الغفاري - وعند المسعودي: استخلف ابن أم مكتوم - وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الاول في الف من اصحابه.

[ 390 ]

فكان يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بني عذرة يقال له مذكور وقد نكب عن طريقهم فلما كان بينه وبين دومة يوم قال الدليل: يا رسول الله ان سوائمهم ترعى عندك فأقم فأقم حت انظر. وسار مذكور حتى وجد آثار النعم فرجع وقد عر مواضعهم فهجم بالنبي (ص) على ما شيتهم فأصاب من اصاب وهرب من هرب في كل وجه. وجاء الخبر الى دومة النجدل فتفرقوا ورجع النبي (ص). وفي نص آخر: ونذر به القوم فتفرقوا فلم يجد إلا النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من اصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر اهل دومة فتفرقوا. ونزل صلى الله عليه وآله وسلم بساحتهم فلم يلق بها احدا فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها فرجعوا ولم يصادفوا منهم احدا وترجع السرية بالقطعة من الإبل. فرجع (ص) ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر فكانت غيبته خمسا وعشرين ليلة وقال المقدسي ان التجار والسابلة شكوا

[ 391 ]

أكيدر الكندي عامل هرقل عليها فسار اليهال في الف رجل يسير الليل ويكمن النهار واحس بذلك أكيدر فهرب واحتمل الرحل وخلى السوق وتفرق أهلها فلم يجد رسول الله (ص) أحدا فرجع (1). كانت تلك الصورة عما يقوله المؤرخون عن هذه الغزوة قد جمعنا شتاتها وألفنا بين مفترقاتها ومختلفاتها فراجع المصادر التي في الهوامش. وقبل ان نواصل الحديث نتوقف قليلا لنسجل بعض الملاحظات والتحفظلت فنقول: مدة غيبته (ص) عن المدينة: قولهم: إن مدة غيبته صلى الله عليه وآله وسلم عن المدين ة في هذه الغزوة كانت خمسا وعشرين ليلة لا يصح. لانهم يقولون: ان دومة الجندل تبعد عن المدينة مسافة خمسة عشرة أو ستة عشرة ليلة (1) فالذهاب والاياب منها واليها وسوف يستغرق أكثر من شهر يضاف الى ذلك انه كان يسير الليل ويكمن النهار فقد يحتاج المسير إليها والحالة هذه الى اكثر من ذلك ايضا. هذا بالاضافة الى انهم يقولون: إنه اقام بها اياما يبث السرايا فكيف تكون مدة غيبته عن المدينة خمسا وعشرين ليلة فقط ؟ !. رجوع النبي (ص) قبل بلوغ دومة ! !


(1) البدء والتاريخ ج 4 ص 214 وأشار إليه الذهبي في تاريخ الإسلام (المغازي ص 212. (2) تقدمت مصادر ذلك في اول هذا الفصل تحت عنوان: إيضاحات.

[ 392 ]

قد ادعى البعض كابن شام ان النبي بسم الله الرحمت لا أن النبي (ص) رجع قبل ان يصل الى دومة الجندل (1). وقد يكون لنا الحق في أن نشك في صحة هذا القول ما دام أنه يعطي انطباعا سلبيا عن حالة المسلمين فإن الرجوع لا بد أن يكون لاحد سيبين أو وكلاهما مرفوض. وهما: الاول: إنه خاف من التعرض لقيصر فإنه قد راجع حساباته في الطريق فادرك ان هذا في غير صالحة فآثر الرجوع ولو تسبب ذلك بنوع من الشعر بالضعف لدى المسلمين وسوف يؤكد ذلك هيبة ملك الروم في نفوسهم وهذا مما لا ينمكن قبوله في حق النبي (ص). الثاني: إنه قد أحس بأن المدينة تتعرض لخطر من نوع ما في حال غيابه عنها سواء من دخلها من قبل المنافقين واليهود وغيرهم ممن لم يسلم حتى الآن أو من خارجها من قبل قريش ومن معها من المشركين المتربصين حول المدينة وفي سائر المناطق. وهذه ايضا نقطة ضعف أخرى كان من المفروض ان يكون (ص) قد حسب حسابها وأعد العدة لمواجهتهتا قبل ان يخرج من المدينة فلا يمكن ايضا قبول هذا السبب لما بتضمنه من سبب القصور أو التقصير - والعياذ بالله - الى ساحة قدس النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم. التوجيه الاقرب: وإذا صح أنه رجع ولم يبلغها فالاظهر أنه قد بلغه أن اهلها قد عرفوا


(1) راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 224 وتاريخ الخميس ج 1 ص 469 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 177 عن ابن إسحاق والبداية والنهاية ج 4 ص 92 ودلائل النبوة ج 3 ص 390 (*)

[ 393 ]

بمسيره إليهم فتنحوات عنها الى جهة غير معلومة بحيث لم يعد ثمة فائدة من المسير إليهم. لكن الذي يعترض طريق قبول ذلك هو تلك التفاصيل الكثيرة والدقيقة التي يذكرها المؤرخون مما كان قد حصل في غزوة دومة الجندل. ولا سيما نع تصريحهم بأنه لما كان بينه وبين دومة الجندل يوم قال الدليل: يا رسول الله إلخ.. وتصريح بأنهم اقام اياما يبث السرايا في النواحي. فالاقرب أن يقال: ان هؤلاء الذين ادعوا: أنه قد رجع قبل أن يبلغها قد غلطوا في ذلك وليس الغلط من مثل هؤلاء بعزيز. ونسجل هنا ما يلي: ألف: إننا نلاحظ: أن النبي (ص) يختار المسير ليلا والكمون نهارا ليمكن له مفاجأة العدو وأخذه على حين غرة فيحقق بذلك الغرض من دون أن يتكبد المسلمون خسائر كبيرة لو أن المشركين كانوا مستعدين للحرب عارفين بمسير المسلمين إليهم. ويكون بذلك قد قدم لنا ايضا مثلا في التدبير الحربي السليم الذي يوفر مزيدا من الفرض لتسجيل النصر الحاسم من خلال الاستفادة من عنصر التخفي في التحرك نحو الهدف المطلوب. ب: إن تحرك النبي (ص) والمسلمين كان بهدف الحفاظ على حرية حركة الناس وضرب مصدر المتاعب حينما أصبحت طرق المواصلات والإمدادات والتموين الذي يأتي عن طريق التجارة مع المناطق الشمالية كسورية وما والاها - إنه (ص) قد تحرك ليصبح طريق الناس آمنا وليمكنهم من أن يتواصلوا وينفع بعضهم من خلال نقل التجارب

[ 394 ]

والمعارف ونقل المنتجات وغير ذلك وهذا يشير الى ان حق الحرية هذا مقدس ولا يمكن المساس به من أي كان وأنه لا يمكن للحاكم العادل ان يقف تجاه انعدام الامن موقف اللامبالاة ويعتبر أن ذلك لا يعينه وإنما هو مسؤولية غيره بل عليه أن يبادر الى تحمل مسؤولية حماية حرية الناس في تحركاتهم وترددهم بتجاراتهم وغيرها رغم أن ذلك يحمل في طياته خطر الاصطدام بعامل هرقل عظيم الروم ثم بهرقل ذاته من بعده. ج: يضاف الى ما تقدم: أن ما جرى في بدر الموعد قد اعطى المسلمين المزيد من النشاط وجعلهم يتحركون بصورة أكثر حيوية وفاعلية حينما توجهوا الى شمال الجزيرة - بعد ان توطدت هيبتهم في الجنوب بسبب ما جرى في غزوتي بدر الموعد وحمراء الاسد وغيرهما. ومعنى ذلك هو انهم قد عطفوا نظرهم الى منطقة يعتبر قيصر الروم فيها هو الاقوى والاعظم نفوذا ولا يتوقع القيصر أن تنشأ في جزيرة العرب حركة تجترئ عليه أو تسمح لنفسها بالتفكير بالتطاول على هيبته وسلطانه. د: والاكثر وقعا وتأثيرا في هذه الغزوة ان نجد النبي (ص) حينما وصل الى دومة الجندل وفر أولئك الاشرار منها قد بقي يبث السرايا والبعوث عدة أيام في مختلف الاتجاهات بحثا عن اولئك الاشرار الهاربين. ومعنى ذلك هو أن هذا الهجوم قد كان مدروسا بعناية وهدوء ويراد له أن يترك أثاره في المنطقة كلها ولم يكن ثمة تسرع في اتخاذ القرار فيه ولا كان ناشئا عن اندفاع عاطفي أو ما اشبه ذلك. ه‍: إن سرعة تحرك جيش بهذه الكثافة الى بلد يبعد عنه مسيرة أيام

[ 395 ]

كثيرة وثقته بنفسه واطمأنانه الى عدم جرأة أحد على البعث بالامن في بلده من بعده ليدل على مدى ثقة هذا الجيش بنفسه وبقدراته وعلى أنه قادر على تسديد ضربته لكل من تسول له نفسه أن يتآمروا أو يشارك في التآمر ضده وعليه أن يحسب ألف حساب قيل ان يقدم على التخالف مع اعدائه ومناوئيه. وإذا كان المسلمون فإنه يصبح أكثر صعوبة من القبائل التي لا تتوفر لديها أعداد ضخمة وكافية لحماية نفسها من قوة لها هذا النشاط وبهذا الحجم والمستوى. وهذا من شأنه أن يضعف أمر قريش ويقلل من الفرص المتاحة لجمع الحشود وتحزيب الاحزاب لمواجهة المد الاسلامي العارم. و: إن النبي (ص) والمسلمين وهو يحاولون ان يقللوا من الخسائر البشرية ما أمكنهم فانهم يعتمدون طريقة الضغط السياسي والروحي على الخصم وكذلك إضعافه اقتصاديا بصورة رئيسية باستيلائهم على مواشيهم واموالهم المر الذي ي يضعف مقائتهم وقدرتهم على تنظيم المؤامرات وبذل الاموال لتجييش الجيوش لحرب المسلمين. وليس ذلك لاجل حب السلب والنهب وجمع الاموال والشاهد

[ 396 ]

وضعوا السلاح أمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف. نراه (ص) لما بلغه ذلك تبرأ من فعل خالد ثم ارسل عليا فودى لهم الدماء وما اصيب لهم من الاموال حتى إنه ليدي ميلغة الكلب (1). دومة الجندل حقيقة ام خبال ؟ !: قال العلامة الحسني ان اخبار هذه الغزوة أكثرها عن الواقدي وإخباره في الغالب من نوع المراسيل ومن البعيد ان يترك النبي المدينة قرابة شهر كامل كما يدعي المؤلفون في السبيرة الى مكان بعد مسافة تزيد عن خمسة عشر يوما والاعراب من حولها لا يزالون على الشرك وهم يترقبون المسلمين ويستغلون الفرصة المناسبة للوقيعة بهم ومن ذا يمنعهم من المدينة إذا غاب عنها النبي مع ألف من أصحابه وفيها من المنافقين ما لا يقل عددا عن المسلمين وكانوا على اتصال دائم بقريش وأحلافها من المشركين. من البعيد ان يتركها ليغزو أطراف الجزيرة المتاخة لحدود الشام في مثل هذه الضروف الا ان يكون مأمورا بذلك ن الله سبحانه ونقول: 1 - إننا لا نستطيع ان نوافق على ما ذكره العلامة الحسني رحمه الله تعالى لان ذلك لو كان لكان مانعا من التحرك نحو اي من المناطق الاخرى قريبة كانت أو بعيدة فإن كثيرا من الغزوات كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغيب فيها اياما كثيرة فقد غاب في غزوة بدر الموعد ست

[ 397 ]

عشرة ليلة منها ثمانية ايام أقامها في بدر والباقي في الطريق ذهابا وإيابا وكانت غيبته في ذات الرقاع خمس عشرة ليلة وكانت غيبته في غزوة بني المصطلق ثمانية وعشرين يوما. فقد كان بإمكان الاعداء ان يغتنموا فرصة غيابه للإغارة على المدينة بصورة سريعة وخاطفة أو احتلالها لا سيما مع وجود اليهود والمنافقين والمشركين فيها وحولها. فقد كان بإمكان الاعداء أن يغتنموا فرصد غيابه للإغارة على المدينة بصورة سريعة وخاطفة أو احتلالها لا سيما مع وجود اليهود والمنافقين والمشركين فيها وحولها. 2 - ومن جهة ثانية فإن سير الاحداث يعطي ان الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان له أجهزة استخبارات قوية وفاعلة لا يفوتها رصد اي تحركات أو تجمعات مربية بل وحتى المؤامرات والنوايا أحيانا. وقد كانت مبثوثة في مختلف الانحاء والارجاء قريبة كانت أو بعيدة كما المحنا إليه فيما سبق. ومن الواضح: ان مهاجمة المدينة في غياب الرسول يحتاج الى جمع قئوى كثيرة من مختلف القبائل ولن يخفى ذلك على عيون الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - أضف الى ذلك: أن النبي كان قد عقد تحالفات ومعاهدات كصيرة في المنطقة كما انه قد عقد تحالفات مع سكتن المدينة أنفسهم يلزمهم فيها الدفاع والنصر خصوصا إذا هوجم فكيف إذا هوجموا. 4 - وحين يظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عم المدينة فإنه لا يخليها نهائيا بحيث لا تبقى فيه أية قوة عسكرية قادرة على ضبط الوشع داخليا والدفاع ضد العدو الخارجي قد الإمكان لو دهمهم أمر. والى ان يأتي الرسول ويسمك هو بزمام المبادرة. 5 - مضافا الى ان ضرب المدينة في غياب النبي لا يحسم الامر بل هو يعرض من تسول له نفسه ويقدم على ذلك ال العقاب الصارم الذي لن يكون قادرا على دفعه عن نفسه فإن الكل كانوا أصغر

[ 398 ]

من ان يجرؤا على ذلك بعد أن عجزت قريش وفشلت ذلك الفشل الذريع ولم يكن لاي من القبائل ما كان لقريش من قوة وشوكة ونفوذ ومنعه في المنطقة بأسرها ذكريات ابي موسى الاشعري في دومة الجندل: ويذكر المؤرخون: أن تحكيم الحكمين قد كان بدومه الجندل (1). وفي كتاب الخوارج عن عبد الرحمان بن ابي ليلى قال: مررت مع ابي موسى بدومة الجندل فقال: حدثني حبيبي (ص) انه حكم في بني اسرائيل في هذا الموضع حكمان بالجور وإنه يحكم في أمتي حكمان بالجور في هذا الموضع. قال فما ذهبت الايام حتى حكم هو وعمرو بن العاص فيما حكماه قال: فليته فقلت: يا ابا موسى قد حدثني عن رسول الله. فقال: والله المستعان كذا اورده المجد (2). موادعة عيينة بن حصن الغادر: ويذكر المؤرخون: أنه لما رجع النبي صلى اللع عليه وآله وسلم من

[ 399 ]

دومة الجندل وادع عيينة بن حصن الذي كانت ارضه قد اجدبت ان يرعى بتغلمين وما والاه الى المراض وكان ما هناك قد اخصب وهو موضع بينه وبن المدينة ستة وثلاثون ميلة على طريق الربذة (1). وسيأتي انه لما سمن حافره وانتقل الى ارضه اغار على لقاح رسول الله (ص) بالغابة.. حكومة القيم أم حكومة المشاعر: وغني عن القول هنا: أن عيينة بن حصن كان لا يزال هو ومن معه على الشرك والكفر الذي كان يناوئ الدعوة الإسلامية بكل الوسائل. ولم يكن النبي (ص) حين سمح له بما سمح يطمح في الحصول على اي نفع من قبله فلم يكن يريد في مقابل ذلك مالا ولا كان يريد منه أن ينصره على عدوه ويتقوى به على مناوئيه لا في مال ولا رجال كما أن عيينة لم يكن يملك قوة خارقة للعادة بحيث يخشاه النبي (ص) وينصاع لما يطلبه منه. كما أننا نلاحظ: أن النبي (ص) لم يحاول استغلال حاجة عيينة ومن معه ليفرض عليهم شروطا ويحصل على امتيازات سياسية أو مادية أو غير ذلك بل هو لم يطلب حتى السماح لدعاته بأن يطرحوا مع الناس هناك قضية الاسلام والايمان فضلا عما هو ابعد من ذلك. بل تصرف النبي (ص) على اساس ما لديه من مثل وقيم وقناعات ومنطلقات إيمانية وإنسانية ومن ثوابت اخلاقية ودينية.

[ 400 ]

فالنبي (ص) يرى ان الحرب انما تهدف الى منع قوى الهيمنة والاستكبار من فرض إرادتها ومصادرة حرية الآخرين في الفكر وفي الايمان. والى دفع غائلة العدو الذي يريد سحق قوى الخير ونسف قواعد الإيمان وليس للحرب اي دور حين تجري الامور بصورة طبيعية فإن السلاح الذي يعتمد عليه الاسلام هو الدليل القاطع والبرهان الساطع والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة والحسنة والجدال التي هي أحسن... بل إن كل الجرائم التي ارتكبها مشركوا قريش في حق الاسلام والمسلمين لم تمنع النبي (ص) من ارسال الاموال الى مكة حبن علم ان اهلها يعانون من ضائقة كبيرة بسبب الجدب. ولم يكن منطلفة في ذلك ولا في موقفه هنا من عواطف تأثره تتحرك باندفاع وبعنفوان بصورة غير واعية ولا متزنة في الحالات الطارئة بل منطلقة صلى الله عليه واله هو القيم والمثل العليا وكل المعاني الانسانية الصافية والنبيلة فليس ثمة تناقص بين الاحاسيس والمشاعر وبين الموقف الرسالي والمبدأي بل ان مشاعره (ص) وأحاسيسه قد نمت وتربت في ضل مبادئة وقيمة ومن خلالها وإفمتنها تنطلق واليها تنتهي هناك قضية الاسلام والايمان فضلا عما هو ابعد من ذلك. بل تصرف النبي (ص) على اساس ما لديه من مثل وقيم وقناعات ومنطلقات إيمانية وإنسانية ومن ثوابت اخلاقية ودينية.

[ 400 ]

فالنبي (ص) يرى ان الحرب انما تهدف الى منع قوى الهيمنة والاستكبار من فرض إرادتها ومصادرة حرية الآخرين في الفكر وفي الايمان. والى دفع غائلة العدو الذي يريد سحق قوى الخير ونسف قواعد الإيمان وليس للحرب اي دور حين تجري الامور بصورة طبيعية فإن السلاح الذي يعتمد عليه الاسلام هو الدليل القاطع والبرهان الساطع والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة والحسنة والجدال التي هي أحسن... بل إن كل الجرائم التي ارتكبها مشركوا قريش في حق الاسلام والمسلمين لم تمنع النبي (ص) من ارسال الاموال الى مكة حبن علم ان اهلها يعانون من ضائقة كبيرة بسبب الجدب. ولم يكن منطلفة في ذلك ولا في موقفه هنا من عواطف تأثره تتحرك باندفاع وبعنفوان بصورة غير واعية ولا متزنة في الحالات الطارئة بل منطلقة صلى الله عليه واله هو القيم والمثل العليا وكل المعاني الانسانية الصافية والنبيلة فليس ثمة تناقص بين الاحاسيس والمشاعر وبين الموقف الرسالي والمبدأي بل ان مشاعره (ص) وأحاسيسه قد نمت وتربت في ضل مبادئة وقيمة ومن خلالها وإفمتنها تنطلق واليها تنتهي وعلى اساساها تقوم وتدوم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية