الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 7

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 7


[ 1 ]

الصحيح

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء السابع

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م - 1415 ه‍ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 20777 79522 - MCS بلاغ - ص ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان. دار السيرة - بيروت - لبنان - ص. ب: 49 / 25.

[ 5 ]

الفصل الثاني: سلمان الفارسي حرا

[ 7 ]

تذكير ضروري: إننا قبل أن ندخل في موضوع تحرر سلمان من الرق، نشير إلى أن هذا البحث قد كتب، بالاضافة إلى بحوث اخرى تتعلق بسلمان، كموضوع التمييز العنصري، الذي عانى منه سلمان كما عانى منه الاخرون، وموضوع بيان السبب في قبوله الاشتراك في الحكم، في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، مع أنه يعتبر من المعارضين لخلافة من عدا أمير المؤمنين (عليه السلام)، وموضوعات اخرى. قد كتبت هذه البحوث، لتكون جزءا من هذا الكتاب، ثم رأينا أنها قد أصبحت من السعة بحيث لا مناص من افرادها، كتأليف مستقل، يمكن الرجوع إليه، للراغبين في الاطلاع عليه، فأفردناها في كتاب بإسم سلمان الفارسي في مواجهة التحدي. ولكننا لم نجد بدا هنا من ايراد الفصل الذي يرتبط بتحرير سلمان من الرق، لانه يعتبر جزا من هذا الكتاب بالذات ولعل الاحالة على ذلك الكتاب فيه، لا تخلو من بعض المحاذير. فرضينا لانفسنا: أن نقع في محذور ايراد هذا الفصل في كتابين، وهو أمر لم نكن نحب أن يصدر منا، من أجل أن نوفر على القارئ معاناة محذور الاحالة على كتاب لربما لا يكون متوفرا لديه: فنقول:

[ 8 ]

متى تحرر سلمان ؟ ! ويقولون: إن تحرير سلمان من رق العبودية بصورة كاملة، قد كان في أول السنة الخامسة من الهجرة النبوية الشريفة (1). وذلك قبل وقعة الخندق، التي يرى عدد من المؤرخين: أنها كانت سنة خمس، في ذي القعدة منها (2). ولكننا بدورنا نقول: إن ذلك مشكوك فيه من ناحيتين: الاولى: في تاريخ وقعة الخندق. الثانية: في تاريخ عتق سلمان. تاريخ غزوة الخندق: فاما بالنسبة للناحية الاولى، اعني تاريخ غزوة الخندق، فإننا نقول: 1 - لو سلم أنها كانت في السنة الخامسة، فإن مجرد ذلك لا يكفي، في تعيين زمان عتقه على النحو المذكور، إذ قد يكون العتق قد تم


الثقات: ج 1 ص 257 وتاريخ الخميس ج 1 ص 352 و 468. (2) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 53 وتاريخ الامم والملوك للطبري طبع الاستقامة ج 2 ص 233 والكامل في التاريخ، ج 2 ص 178 وتاريخ الخميس ج 1 ص 179 والمحبر ص 113 وفنون البلدان ج 1 ص 23، وليراجع: صفة الصفوة ج 1 ص 455 - 459 ومختصر التاريخ لابن الكازروني ص 42 والسيرة الحلبية ج 2 ص 328، وشذرات الذهب ج 1 ص 11 والتنبيه والاشراف ص 115 والبدء والتاريخ ج 4 ص 216 ومغازي الواقدي ج 2 ص 440 و 441 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 67 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 47 وج 4 قسم 1 ص 60 وتاريخ بغداد ج 1 ص 170، وأنساب الاشراف ج 1 (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ص 343. (*)

[ 9 ]

بعد أحد بأشهر يسيرة، في السنة الرابعة مثلا، ثم حضر الخندق، بعد ذلك بسنة أو أكثر، أو أقل. 2 - لقد جزم البعض بأن الخندق كانت في سنة أربع، وصححه النووي في الروضة، وفي شرحه لصحيح مسلم (1). بل لقد قال ولي الدين العراقي عن غزوة الخندق: (المشهور أنها في النسة الرابعة للهجرة) (2). وقال عياض (إن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية، التي اصابته، وذلك سنة أربع بإجماع أهل السير، إلا شيئا قاله الواقدي) (3). فقوله: (بإجماع أهل السير) يحتمل رجوعه إلى سنة أربع، فيكون قد ادعى الاجماع على كون الخندق في سنة أربع، ويحتمل رجوعه إلى موت سعد بن معاذ بعد الخندق، وتكون كلمة (وذلك سنة أربع) معترضة، ولا تعبر إلا عن رأيه. ومما يدل على أن الخندق قد كانت سنة أربع.


(1) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 والجامع لابن أبي زيد القيرواني ص 279 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 302 والمحبر ص 113 وعنوان المعارف في ذكر الخلائف ص 12 والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 76 وشرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج 8 ص 64 ونقله في وفاء الوفاء ج 1 ص 300 وفي تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 160 عن النووي في الروضة، وأصر عليه ابن خلدون في كتابه: العبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و 33 وراجع: صحيح البخاري ج 3 ص 20. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 480 والمواهب اللدنية ج 1 ص 110. (3) شرح صحيح مسلم للنووي، بهامش إرشاد الساري ج 10 ص 226 وفتح الباري ج 8 ص 360. (*)

[ 10 ]

1 - أنهم يذكرون بالنسبة لزيد بن ثابت: أن أباه قتل يوم بعاث وهو إبن ست سنين، وكانت بعاث قبل الهجرة بخمس سنين (1) وقدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة وعمر زيد إحدى عشرة سنة (2). ثم يقولون: إن أول مشاهد زيد، الخندق (3)، لان النبي (ص) قد أجازه يوم الخندق (4) وهو ابن خمس عشرة سنة (5). والخندق إنما كانت في شوال سنة أربع (6). ويروى عن زيد قوله: أجازني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الخندق، وكساني قبطية (7).


(1) تهذيب الكمال ج 10 ص 27 - 30 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وراجع: شذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 عن زيد نفسه. وتهذيب التهذيب ج 3 ص 399 والثقات ج 3 ص 136 وصفة الصفوة ج 1 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 427 - 428 وتهذيب الكمال ج 10 ص 25 - 27 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 200 - 201 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 551 وشذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449. (3) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 وشذرات الذهب ج 1 ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 وراجع: تهذيب التهذيب ج 3 ص 399 عن الواقدي. (4) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 ومجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31. (5) تهذيب الكمال ج 10 ص 30 و 31 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 ومجمع الزوائد ج 9 ص 345. (6) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31 وتقدمت طائفة أخرى من المصادر. (7) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 432 وفي هامشه عن الطبراني، وتهذيب الكمال ج 10 (*)

[ 11 ]

وعنه: أجزت يوم الخندق، وكانت وقعة بعاث وأنا ابن ست سنين (1). وعنه: لم أجز في بدر، ولا في أحد، وأجزت في الخندق (2). وتوفي زيد سنة ثمان وأربعين، وسنة تسع وخمسون سنة (3). وقال الواقدي: مات سنة خمس وأربعين هو إبن ست وخمسين سنة (4). وقد استدل النووي، وإبن خلدون - وربما يظهر ذلك من البخاري - على أن غزوة الخندق قد كانت سنة أربع (5): بأنهم قد أجمعوا على أن حرب أحد، كانت سنة ثلاث ولم يجز النبي (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن عمر أن يشترك فيها، لان عمره كان أربع عشرة سنة، ثم أجازه في وقعة الخندق لانه كان قد بلغ الخامسة عشرة (6)، فتكون الخندق بعد أحد بسنة


ص 29 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449. (1) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 433 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449 وتهذيب الكمال ج 10 ص 30. (2) الاصابة ج 1 ص 561. (3) مجمع الزوائد ج 9 ص 345 وتهذيب الكمال ج 10 ص 31. (4) صفة الصفوة ج 1 ص 704 - 705. (5) راجع فتح الباري ج 7 ص 302 وشرح صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 8 ص 64 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 29 و 33 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 480. المواهب اللدنية ج 1 ص 110 وصحيح البخاري ج 3 ص 20 طبع سنة 1309 ه‍. فإنه نقل في عنوان الباب عن موسى بن عقبة: أن الخندق كانت سنة أربع. (6) سنن ابن ماجة ج 2 ص 850 ومسند الامام أحمد بن حنبل ج 2 ص 17، وصحيح البخاري ج 3 ص 20 وج 2 ص 69، وصحيح مسلم ج 6 ص 30، (*)

[ 12 ]

واحدة. وقد حاول البعض الاجابة على ذلك بطرح بعض الاحتمالات البعيدة، وقد اجبنا عنها في كتابنا: (حديث الافك) ص 96 - 99، فليراجعه من اراد. ومهما يكن من أمر، فإن احتمال أن يكون تحرر سلمان من الرق قد تم قبل السنة الخامسة من الهجرة، يصبح على درجة من القوة. تاريخ الحرية: وأما بالنسبة لتحديد تاريخ الحرية، فإننا نقول: إننا نكاد نطمئن إلى أنه قد تحرر في السنة الاولى من الهجرة. بل لقد ورد في بعض الروايات ما يدل على أنه قد أعتق في مكة (1). ويدل على تحرره في السنة الاولى: 1 - أن روايات عتقه يدل عدد منها على أنه قد أعتق عقيب اسلامه بلا فصل، وهو إنما أسلم - أو فقل: أظهر إسلامه - في السنة الاولى من الهجرة (2).


والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج 5 ص 310 - 311 وطبقات ابن سعد ج 4 ص 105 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 343 - 344 بإضافة كلمة: واشف منها، والمواهب اللدنية ج 1 ص 110 وراجع نسب قريش ص 350. (1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 603، 604 وغيره ستأتي رواية اخرى تدل على انه كان هو المشير بدعوة أبي بكر الى الاسلام. (2) راجع: نفس الرحمان ص 20، وهو ظاهر ان لم يكن صريح الرواية التي ذكرها ص 5، 6 وإعتبرها أصح الروايات، وهو موجودة في إكمال الدين ص 162 - 165 وفي روضة الواعظين ص 275 - 278 والبحار ج 22 ص 355 - 359 والدرجات (*)

[ 13 ]

2 - قد صرح البعض - كتأريخ كزيده - بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد اشتراه في السنة الاول من هجرته (1). وسيأتي التصريح بذلك عن الشعبي وعن بريدة. وذلك حين الكلام عن كونه من موالى رسول الله (صلى الله عليه وآله). 3 - ومما يدل على أن سلمان قد تحرر في أول سني الهجرة: كتاب النبي (ص) في مفاداة سلمان: حيث يقولون: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أملى كتاب مفاداة سلمان على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو - والنص لابي نعيم - كما يلي. هذا ما فادى محمد بن عبد الله، رسول الله، فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الاشهل اليهودي، ثم القرظى، بغرس ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية ذهب، فقد برئ محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي، وولاؤه لمحمد بن عبد الله رسول الله، وأهل بيته، فليس لاحد على سلمان سبيل. شهد على ذلك: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الاسود، وبلال مولى أبي بكر، وعبد الرحمان بن عوف رضي الله عنهم. وكتب علي بن أبي طالب يوم الاثنين في جمادى الاول، مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله).


الرفيعة ص 203 ونقلها النوري أيضا عن الدر النظيم، وعن قصص الانبياء للراوندي وعن الحسين بن حمدان. (1) نفس الرحمان ص 20. (*)

[ 14 ]

وقد ذكرت بعض المصادر هذا الكتاب من دون ذكر الشهود (1). تأملات في الكتاب: (قال الخطيب: في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الاولى من الهجرة لم يفته شئ من المغازي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأيضا، فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته (2). وقال العلامة المحقق الاحمدي: (أما الشهود فإن فيهم أبا ذر الغفاري (ره) وهو لم يأت المدينة إلا بعد خندق، مع أن صريح الكتاب أن ذلك كان في السنة الاولى من الهجرة. وتوصيف أبي بكر بالصديق يخالف رسوم كتب صدر الاسلام (3). قال هذا حفظه الله بعد ان ذكر: ان الخطيب قد تنظر في الكتاب وأنه لم يذكر الشهود. كما وذكر. حفظه الله أن ابن عساكر والنوري في نفس الرحمان لم


(1) ذكر أخبار أصفهان ج 1 ص 52، وتاريخ بغداد ج 1 ص 170 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199 ومجموعة الوثائق السياسية ص 328 عن الاولين وعن جامع الاثار في مولد المختار لشمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي وطبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 236 - 227 ونفس الرحمان في فضائل سلمان ص 20 - 21 عن تاريخ كزيده ومكاتيب الرسول ج 2 ص 409 عن اكثر من تقدم، وقال: (وأوعز إليه في البحار عن الخرائج). (2) تاريخ بغداد ج 1 ص 170. (3) مكاتيب الرسول ج 2 ص 410. (*)

[ 15 ]

يذكرا الشهود ايضا (1). الرد على الشكوك المشار إليها: ونقول: إن لنا هنا ملاحظات، سواء بالنسبة لما ذكره الخطيب أو بالنسبة لما ذكره العلامة الاحمدي. فأما بالنسبة إلى ما ذكره الخطيب فنشير إلى ما يلي: أولا: قوله: إن أول مشاهد سلمان الخندق، وذلك ينافي ما ورد في الكتاب من أنه قد كوتب في السنة الاولى للهجرة. هذا القول لا يصح وذلك لما يلي: 1 - إن من الممكن أن يتحرر في أول سني الهجرة، ثم لا يشهد أيا من المشاهد، لعذر ما، قد يصل إلينا، وقد لا يصل. 2 - إن مكاتبته في السنة الاولى لا تستلزم حصوله على نعمة الحرية فيها مباشرة، إذ قد يتأخذ في تأدية مال الكتابة، فتتأخر حريته. وإن كنا قد ذكرنا آنفا: أن سلمان لم يكن كذلك، بدليل نفس ما ورد في ذلك الكتاب الانف الذكر، وأدلة أخرى. ولكننا نريد أن نقول للخطيب: إن ما ذكرته ليس ظاهر اللزوم في نفسه، ولا يصح النقض به، مجردا عن أي مثبتات أخرى، كما يريد هو أن يدعيه. 3 - إن البعض قد ذكر: أن سلمان قد شهد بدرا واحدا أيضا (2).


(1) المصدر السابق. (2) الاستيعاب ج 2 ص 58 بهامش الاصابة. وراجع الاصابة ج 2 ص 62 وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 والبحار ج 22 ص 390 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 139 والدرجات الرفيعة ص 206 ونفس الرحمان ص 20. (*)

[ 16 ]

ويظهر من سليم بن قيس عد سلمان في جماعة أهل بدر (1). ولعل هذا يفسر لنا سبب فرض عمر له، خمسة آلاف، الذي هو عطاء أهل بدر (2). وقد حاول البعض أن يقول: إن مراد القائلين بحضوره بدرا: أنه حضرها وهو عبد، ومراد القائلين بأنه قد شهد الخندق فما بعدها، ولم يحضر بدرا، أنه لم يحضرها وهو حر (3). ونقول: إن هذا جمع تبرعي، لا يرضى به أولئك، ولا هؤلاء، لان مدار النفي والاثبات هو أصل الحضور والشهود، من دون نظر إلى الحرية والعبودية، ولذا تجد في بعض العبارات المنقولة التعبير بأن لم يفته مشهد بعد الخندق، فإنه يكاد يكون صريحا في فوات بعض المشاهد، قبل ذلك. وثانيا: قول الخطيب إن التاريخ الهجري لم يكن في عهد الرسول، وأن عمر بن الخطاب هو أول من أرخ به. لا يمكن قوله: فقد أثبتنا في كتابنا هذا: ان النبي (ص) هو واضع التاريخ الهجري وقد ارخ به هو نفسه (صلى الله عليه وآله) اكثر من مرة، وهذا الكتاب يصلح دليلا على ذلك ايضا. وأما بالنسبة لكلام العلامة البحاثة الاحمدي، فنحن نشير إلى ما يلي:


(1) راجع: سليم بن قيس ص 52 ونفس الرحمان ص 20 عنه. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 215 وراجع ج 18 ص 35 وذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 48 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 58 وقاموس الرجال ج 4 ص 424 وتاريخ الامم والملوك ج 3 ص 614. (3) راجع نفس الرحمان ص 20 وراجع تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 566. (*)

[ 17 ]

أ: قوله: إن الخطيب، وإبن عساكر، ونفس الرحمان لم يذكروا الشهود، ليس في محله، كما يعلم بالمراجعة. ب: إن ما ذكره حول توصيف أبي بكر الصديق صحيح، وقد تحدثنا في كتابنا هذا: أن تلقيبه بهذا اللقب، لا يصح لا في الاسراء والمعراج، ولا في أول البعثة، ولا في قضية الغار، حسب إختلاف الدعاوى. وذكرنا هناك: أن الظاهر: هو أن هذا اللقب قد خلع عليه بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بمدة ليست بالقصيرة. ونضيف إلى ذلك: أنه إن كان أبو بكر نفسه قد كتب هذه الكلمة على كتاب عتق سلمان، فنقول: إن من غير المألوف أن يطلق الانسان على نفسه ألقاب التعظيم والتفخيم. بل إن الانسان العظيم، الذي يحترم نفسه، يعمد في موارد كهذه إلى إظهار التواضع والعزوف عن الفخامة والابهة. وإن كان الاخرون هم الذين اطلقوا عليه لقب (الصديق)، وأضافوه إلى الكتاب من عند انفسهم، تكرما وحبا ورغبة في تعظيمه، وتفخيمه. فذلك يعني: أنهم قد تصرفوا بالكتاب، وأضافوا إليه ما ليس منه، دون أن يتركوا أثرا يدل على تصرفهم هذا، وهو عمل مدان، ومرفوض، إن لم نقل إنه مشين، لا سيما وأنهم أهملوا صديقه عمر بن الخطاب، فلم يصفوه بالفاروق كما أهملوا غيره أيضا. ولا يفوتنا التذكير هنا: بأن النوري قد أورد الكتاب في نفس الرحمان عن تاريخ كزيده وليس فيه وصف أبي بكر ب‍ (الصديق)، بل وصفه ب‍ (إبن أبي قحافة). وهو الانسب، والاوفق لظاهر الحال. ج: وأما قولهم: إن أبا ذر لم يكن قد قدم المدينة حينئذ، لانه إنما قدمها بعد الخندق.

[ 18 ]

فإننا نقول: المراد: أنه إنما قدمها مستوطنا لها بعد الخندق، أما قبل ذلك، فلعله قدمها للقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو لبعض حاجاته، فصادف كتابة هذا الكتاب، فشهد عليه، ثم عاد إلى بلاده. وثمة رواية أخرى تشير إلى حضوره (1). فلتراجع. د: أضف إلى ذلك: أن وصف بلال بأنه مولى أبي بكر، قد يكون من تزيد الرواة أيضا، إذ قد ذكرنا في ما سبق من هذا الكتاب: أن بلالا لم يكن مولى لابي بكر. وأخيرا فإن مما يدل على أن الرواة والكتاب قد زادوا شيئا من عند انفسهم: إضافة عبارة: (رضي الله عنهم) إلى الشهود، إذ لا شك في أن ذلك قد حصل بعد كتابة ذلك الكتاب، بل ويحتمل ان يكون الشهود جميعا قد اضيفوا بعد ذلك، وإن كان هذا إحتمالا بعيدا جدا. حديث الحرية بطريقة اخرى: وقد جاء في بعض الروايات، أن الرق قد شغل سلمان حتى فاته بدر وأحد، حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كاتب يا سلمان، فكاتب سيده على ثلاث مئة نخلة (وقيل: على مئة وستين فسيلة، وقيل: خمس مئة وقيل: مئة فقط) يحييها له، وأربعين أوقية من ذهب. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعينوا أخاكم بالنخل. فأعانه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخمس والعشر حتى اجتمعت عنده، فأمره (ص) أن يفقر لها، ولا يضع منها شيئا حتى يكون


(1) راجع البحار ج 22 ص 358 وإكمال الدين ج 1 ص 164 - 165 وروضة الواعظين ص 276 - 178 والدرجات الرفيعة ص 203 عن إكمال الدين، ونفس الرحمان ص 6 و 22 عن الحسين بن حمدان وص 5 وصححها عن إكمال الدين، وعن الراوندي في قصص الانبياء، وعن روضة الواعظين، وعن الدر النظيم. (*)

[ 19 ]

النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الذي يضعها بيده، ففعل، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغرسها بيده، فحملت من عامها. وقال (ص): إذا سمعت بشئ قد جاءني، فأتني، أغنيك بمثل ما بقي من فديتك، فبينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم في أصحابه، إذ جاء رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب. فقال رسول الله (ص): ما فعل الفارسي المكاتب ؟ فدعي له سلمان، فقال: خذ هذه فاد بها ما عليك يا سلمان. إلى أن تقول الرواية: فأخذها فأوفى منها حقهم كله: أربعين أوقية (1)، وفي بعض المصادر: إنه بقي منها مثل ما أعطاهم. وأعتق سلمان، وشهد الخندق ثم لم يفته معه مشهد (2).


(1) الاوقية: وزن أربعين درهما. (2) راجع: الثقات ج 1 ص 256 - 157 وتاريخ الخميس ج 1 ص 468 وحلية الاولياء ج 1 ص 195 وتاريخ بغداد ج 1 ص 169 وراجع 163 و 164 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 209 - 223 ودلائل النبوة لابي نعيم طبع ليدن ص 213 - 219 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 228 - 236 وأسد الغابة ج 2 ص 330 وطبقات ابن سعد ج 4 ص 197 - 199 عن أبي يعلى والمصنف للصنعاني ج 8 ص 418 و 420 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 227 ومجمع الزوائد ج 9 ص 335 - 337 - 340 وقاموس الرجال ج 4 ص 427 - 428 والبحار ج 22 ص 265 و 367 و 390 وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 و 39 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 57 وصفة الصفوة ج 1 ص 352 - 533 عن أحمد وفي هامشه دلائل البيهقي وعن الطبراني في الكبير وعن الخصائص للسيوطي ج 1 ص 48 عن دلائل البيهقي ونفس الرحمان ص 2 - 6 عن قصص الانبياء للراوندي وعن المتقى للكازروني وعن السيرة الحلبية، وعن سيرة ابن هشام وراجع مسند أحمد ج 5 ص 438 و 439 و 440 و 441 و 444. (*)

[ 20 ]

مناقشات لابد منها: إننا نشك في بعض ما جاء في هذه الرواية: 1 - لانها تقول: إنه هو الذي كاتب سيده، وأعانه الصحابة على أداء دينه، وأعانه الرسول أيضا بالذهب. مع أن صريح كتاب المفاداة: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) هو الذي أدى جميع ما على سلمان، وان رسول الله (ص) قد إشتراه وأعتقه، وأن ولاءه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وقد دلت على ذلك نصوص أخرى أيضا ستأتي إن شاء الله تعالى: 2 - إن كونه قد أعتق في السنة الخامسة، أو الرابعة، مشكوك فيه أيضا، وقد قدمنا بعض ما يرتبط بذلك، وانه قد أعتق في أول سني الهجرة. 3 - قول الرواية: إنه قد فاته بدر وأحد، قد عرفنا: أنه غير مسلم، فقد قيل: إنه حضرهما أيضا. أضف إلى ذلك، ان رواية أبي الشيخ تنص على أنه قد أخبر النبي بأنه قد كاتب سيده، فور إسلامه، حين مجئ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة مباشرة (1) فراجع. كما أن القول بأن الصحابة قد أعانوا النبي (ص) على اداء دينه فيما يرتبط بفداء سلمان. هو الاخر لا يصح، إذ قد كان على الراوي أن يقول ذلك، ويصرح به، وكان على النبي (صلى الله عليه وآله): أن يطلب منهم أن يعينوه هو، لا أن يعينوا أخاهم سلمان، كما هو صريح الرواية. الرواية الاقرب إلى القبول:


(1) طبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 215. (*)

[ 21 ]

ولعل الرواية الاقرب إلى القبول هو: أنه (صلى الله عليه وآله) قد غرس النوى، وكان علي (عليه السلام) يعينه، فكان النوى يخرج فورا، ويصيرح نخلا، ويطعم بصورة إعجازية له (ص) كما ظهرت معجزته (صلى الله عليه وآله)، في وزن مقدار أربعين أوقية ذهبا، من حجر صار ذهبا (1) من مثل البيضة، أو من مثل وزن نواة. النخلة التي غرسها عمر: ونجد في بعض المصادر: أن عمر بن الخطاب قد شارك في غرس نخلة واحدة ولكنها لم تعش، فانتزعها النبي (صلى الله عليه وآله) وغرسها بيده، فحملت (2). وفي رواية أخرى: ان التي لم تعش كان سلمان هو الذي غرسها (3).


(1) نفس الرحمان ص 21 والبحار ج 22 ص 367 والخرايج والجرايح ج 1 ص 144 وذكر غرس النوى في حديث آخر، فراجع: روضة الواعظين ص 278 والبحار ج 22 ص 358 وإكمال الدين ص 165 والدرجات الرفيعة ص 203 ونفس الرحمان ص 6 عن بعض من تقدم وعن قصص الانبياء للراوندي، وعن الحسين بن حمدان وعن الدر النظيم. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 337 عن أحمد، والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وتاريخ الخمس ج 1 ص 468 وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 35 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 58 وقاموس الرجال ج 4 ص 227 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 198 - 199 وشرح الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء نفسه) ج 1 ص 332 والبحار ج 22 ص 390، والدرجات الرفيعة ص 205 ونفس الرحمان ص 16. (3) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 57 - 58 وشرح الشفاء للقاري ج 1 ص 384 عن البخاري، ومزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج 1 (*)

[ 22 ]

أما عياض، فلم يسم أحدا، وإن كان قد ذكر غرس غيره أيضا (1). ولعلها كانت فسيلة حاضرة لدى عمر، أو سلمان، فأحب المشاركة في هذا الامر، فغرسها، ولعله غرس نواة كانت في حوزته، وإن كانت الروايات قد صرحت بالاول لا بالنواة فيتعين ذلك الاحتمال. وقد حاول البعض الجمع بين الروايتين المشار إليهما، أعني رواية غرس عمر للنخلة التي لم تعش، ورواية غرس سلمان لتلك النخلة: بأن من الممكن أن يكونا - عمر وسلمان - قد اشتركا في غرسها، فصح نسبة ذلك لهذا تارة، ولذاك أخرى (2). (ويجوز أن يكون كل واحد من سلمان وعمر غرس بيده النخلة، أحدهما قبل الاخر (3)). ولنا أن نعلق على ذلك: بأنه بعد نهي النبي (صلى الله عليه وآله) لسلمان عن ذلك، فلا يعقل أن يقدم على مخالفة النبي (ص)، وسلمان هو من نعرف في انقياده، وإلتزامه المطلق بأوامر الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله)، فلا يمكن ان نصدق: أنه قد خالف أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكيف لم يتدخل في غرس مائتين وتسع تسعين، وتدخل في خصوص هذا الواحدة دون سواها ؟ !


ص 332 عن البخاري في غير صحيحه، ونفس الرحمان ص 16 ومسند أحمد ج 5 ص 440. (1) الشفاء ج 1 ص 332. (2) شرح الشفاء، لملا علي القاري ج 1 ص 384 ومزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (مطبوع بهامش الشفاء) ج 1 ص 332. (3) نفس الرحمان ص 16. (*)

[ 23 ]

هذا بالاضافة إلى صحة سند ما روي عن عمر، وكثرة الناقلين له، وعدم نقل ذلك عن سلمان إلا عند ابن سعد في طبقاته. وإذا كان الراجح - إن لم يكن هو المتعين - أن سلمان لم يتدخل في هذا الامر، ولا خالف النهي المتوجه إليه من قبل رسول الله (ص). وإذا كان النهي إنما توجه إلى سلمان، لا إلى عمر، فإن إقدام عمر على هذا الامر، يصبح اكثر معقولية، وأقرب إحتمالا. فهو قد أراد أن يجرب حظه في هذا الامر ايضا، ولعله يريد إظهار زمالته للرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو القائل (أنا زميل محمد) (1)، فكما أن النخل يثمر على يد رسول الله (ص)، فانه يثمر على يده أيضا وكما أن الرسول يقوم ببعض الاعمال، فإن غيره ايضا، قادر على أن يقوم بهما، فليس ثمة فرق كبير - فيما بينهم وبينه (ص)، على حد زعمه، أو هكذا خيل له على الاقل. وأما أنه لماذا لم يغرس سوى نخلة واحدة، فلعله يرجع إلى أنه حين رأى النبي (صلى الله عليه وآله) ينهى سلمان عن أن يغرس شيئا منها، فإنه قد تردد في ذلك، وحاذر من أن يتعرض لغضب النبي (ص)، وإنكاره ثم تشجع اخيرا، وجرب حظه في نخلة واحدة، الامر الذي تفرد فيه دون سائر الصحابة الاخرين، ولم يقدم عليه لا أبو بكر، ولا غيره. وقد يكون السبب في ذلك هو أنه لم يكن في حوزته سوى هذه النخلة. ولكن شاءت الارادة الالهية: أن يحفظ ناموس النبوة، وأن تخيب كل الطموحات، وتتحطم كل الامال، التي تريد أن تنال من ذلك الناموس، أو تستفيد منه في مسار إنحرافي آخر، لا يلتقي معه، ولا ينتهي إليه، وتجلى هذا اللطف الالهي في أن النخل قد أثمر كله، سوى هذه،


(1) راجع: تاريخ الامم والملوك للطبري ج 3 ص 291 طبع الاستقامة. (*)

[ 24 ]

حتى أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) غرسها بيده الشريفة من جديد، فظهرت البركات، وتجلت الكرامة الالهية. دور خليسة في عتق سلمان: وقد جاء في بعض روايات عتق سلمان: أنه كان لامرأة إسمها خليسة، كانت قد اشترته، ثم بعد أن أسلم سلمان أرسل إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)، يقول لها: إما أن تعتقي سلمان وإما أن أعتقه، فإن الحكمة تحرمه عليك. فقالت له: قل له: إن شئت أعتقه، وإن شئت فهو لك. قال رسول الله: أعتقيه أنت، فاعتقته. قال: فغرس لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث مئة فسيلة. وفي لفظ آخر قالت: ما شئت. فقال: اعتقته (1). ونقول: 1 - إن الرواية التي قدمناها في مكاتبته لمولاه على غرس النخل، حتى تطعم، وعلى أربعين أوقية. وغير ذلك مما دل على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد إشتراه، واعتقه، ينافي ذلك. 2 - إن كتاب المفاداة المتقدم ينافي ذلك أيضا، لانه كتب بإسم


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 وأسد الغابة ج 5 ص 440 والاصابة ج 4 ص 286 عن ابن مندة، وقالوا أخرجه أبو موسى، في الاحاديث الطوال ونفس الرحمان ص 22 عن المنتقى وأشار الى ذلك في تهذيب التهذيب ج 4 ص 138 - 139 عن العسكري. (*)

[ 25 ]

عثمان بن الاشهل القرظي: إلا أن يدعى: أن خليسة كانت زوجة لعثمان هذا، أو من أقاربه أو غير ذلك، فلا مانع من كتب الكتاب بإسمه نيابة عنها. ولكن ذلك مجرد إحتمال، يحتاج إلى شاهد وعاضد، وهو مفقود. 3 - لماذا يأمرها النبي (صلى الله عليه وآله) بعتق سلمان، ولم يأمر غيرها، من الذين كانوا يملكون ارقاء المسلمين (1). 4 - ما معنى قوله: إما أن تعتقيه أنت، أو أعتقه أنا، فهل يريد الرسول (صلى الله عليه وآله) إستعمال ولايته في هذا المجال ؟ ! 5 - وإذا كانت قد أسلمت قبل أن يرسل، إليها هذا الامر (2)، فما معنى قوله: (صلى الله عليه وآله): فإن الحكمة تحرمه عليك ؟ ! فهل كانت قد تزوجته، وهل يصح تملك المرأة لزوجها ؟ أم أنه كان أبا لها ؟ ! أم ماذا ؟ ! هذا ما أنه حتى لو فرض ذلك، فإنه ينعتق عليها قهرا في الفرض الثاني، وينفسخ النكاح في الفرض الاول. 6 - وإذا كانت لم تملكه لانه كان حرا، وقد ظلموه، فباعوه لها، فإن ذلك لو صح أنه كاف في ذلك، لمنع من أصل عبوديته، فلا حاجة بعد ذلك لعتقه، لا من قبله (صلى الله عليه وآله) ولا من قبلها. 7 - وإذا كانت تملكه، ولا بد من عتقه، فلماذا لا يشتريه منها ؟ أو لماذا لم تكاتبه هي ؟ ! ولماذا تؤمر بعتقه من الاساس. إلا على


(1) قد يقال بعدم وجود أرقاء مسلمين في أيدي غير مسلمين، ولكن يرد عليه: أن خليسة قد أسلمت حسب نص الرواية فلماذا يوجب عتقه عليها. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469. (*)

[ 26 ]

سبيل الحث والترغيب في الاجر، لا على سبيل التهديد، وبأسلوب القهر. 8 - وما معنى التناقض في رواية عتقها له تارة، وعتق النبي (ص) له تارة أخرى ؟ ! بقي علينا أن نعرف: من الذي حرر سلمان ؟ هناك نصوص كثيرة تفيد: ان النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي حرر سلمان من الرق. 1 - فقد عده كثير من العلماء والمؤرخين من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). 2 - وعن بريدة: (كان لليهود، فاشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكذا وكذا درهما، وعلى أن يغرس له نخلا، ويعمل فيها سلمان حتى تطعم، فغرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) النخل) (2). 3 - وسئل الشعبي: هل كان سلمان من موالي رسول الله (ص) ؟


(1) رجال ابن داود ص 175 وخلاصة الاقوال للعلامة ص 41 والفهرست للشيخ الطوسي ص 158 وتاريخ الامم والملوك طبع الاستقامة ج 2 ص 419 وراجع المصادر التالية: ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 54 وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 34 ومصابيح الانوار ج 1 ص 356 عن القرطبي، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 57 وقاموس الرجال ج 4 ص 433 عنه، والبحار ج 22 ص 390 وحلية الاولياء ج 1 ص 195 ونفس الرحمان ص 20 و 21 عن بعض من تقدم، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 171. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 337 عن أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، وشرح النهج المعتزلي ج 18 ص 35. وشرح الشفاء لملا علي القاري ج 1 ص 384. (*)

[ 27 ]

قال: نعم. افضلهم. كان مكاتبا، فاشتراه، فأعتقه (1). 4 - وقال الخطيب البغدادي: (أدى رسول الله (ص) كتابته، فهو إلى بني هاشم) (2). 5 - وقال المبرد: (وكان (صلى الله عليه وآله) أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): سلمان منا أهل البيت) (3). 6 - وقال أبو عمر: (وقد روي من وجوه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إشتراه على العتق) (4). 7 - وتقدم كتاب المفاداة، الذي ينص على أن ولاء سلمان هو لمحمد بن عبد الله رسول الله، وأهل بيته، فليس لاحد على سلمان سبيل. 8 - وفي مهج الدعوات، في حديث حور الجنة وتحفها، مسندا عن فاطمة عليها السلام: فقلت للثالثة: ما اسمك ؟ قالت: سلمى. قلت: ولم سميت سلمى ؟ قالت: خلقت أنا لسلمان الفارسي، مولى أبيك رسول الله) (5). 9 - وفي رسالة سلمان إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، كتب


(1) أنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ج 1 ص 487 وقاموس الرجال ج 4 ص 429 عنه. (2) تاريخ بغداد ج 1 ص 164 و 163. (3) الكامل ج 4 ص 14. (4) الاستيعاب، بهامش الاصابة ج 2 ص 57. (5) نفس الرحمان ص 21. (*)

[ 28 ]

له سلمان، من سلمان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). 10 - وروى الحاكم أن علي بن عاصم ذكر في حديث إسلام سلمان: أنه كان عبدا، فلما قدم النبي (ص) المدينة، أتاه، فأسلم فابتاعه النبي (ص) وأعتقه (2). 11 - وفي حديث سلام سلمان على أهل القبور، قال رحمه الله: سألتكم بالله العظيم، والنبي الكريم إلا أجابني منكم مجيب، فأنا سلمان الفارسي: مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). 12 - وعن إبن عباس قال: رأيت سلمان الفارسي رحمه الله في منامي، فقلت له: يا سلمان، الست مولى النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: بلى، فإذا عليه تاج من ياقوت الخ.. (4). 13 - هذا بالاضافة إلى الحديث الذي يقول سلمان في آخره: فأعتقني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسماني سلمانا (5). أبو بكر وعتق سلمان: وبعد كل ما تقدم، فإننا نعرف: أن دعوى: أن أبا بكر قد إشترى


(1) الاحتجاج ج 1 ص 185 ونفس الرحمن ص 21 عنه. (2) معرفة علوم الحديث ص 198. (3) نفس الرحمان ص 21 عن فضائل شاذان بن جبرائيل القمي. (4) روضة الواعظين ص 281 ونفس الرحمان ص 21 عنه. (5) روضة الواعظين ص 278 والبحار ج 22 ص 358 والدرجات الرفيعة ص 203 وإكمال الدين ص 165. ورواه في نفس الرحمان ص 6 عن بعض من تقدم، وعن قصص الانبياء للراوندي وعن الحسين بن حمدان وعن الدر النظيم. (*)

[ 29 ]

سلمان، فأعتقه (1) لا يمكن ان تصح بأي وجه. ويكفي في ردها حديث كتاب المفاداة المتقدم، بالاضافة إلى النصوص الانفة الذكر. إلى جانب النصوص الاخرى، التي تدعي: أنه قد أعانه الصحابة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أدى ما عليه من مال الكتابة، وإن كان سيتضح أنها غير خالية عن المناقشة. لماذا يكذبون ؟ ولعل أهمية سلمان، وعظمته وجلالته في المسلمين، قد جعلت البعض يرغبون في أن يجعلوا للشخصيات التي يحترمونها، ويهتمون في حشد الفضائل لها، نصيبا في هذا الرجل الفذ، وفضلا لها عليه. حتى ولو كان ذلك على حساب كرامات وفضائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه، فإن الاغارة على بعض فضائله وكراماته (ص)، ونسبتها إلى غيره، لا تنقص من شأنه - بزعمهم - شيئا، إذ يكفيه شرفا: أنه النبي الهادي لهذه الامة، وأنه رسول الله. كما أن ذلك يمكن أن يكون ردة فعل على تلك الرواية التي لا يجدون دليلا ملموسا على ردها وتكذيبها، والتي تقول: إنه أسلم في مكة، وحسن إسلامه، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) شاوره - امتحانا له - فيمن يبدأ بدعوته في مكة، فجال سلمان في أهل مكة يخبرهم، ويشيرهم، ويجتمع مع النبي (صلى الله عليه وآله) وابي طالب لهذا الغرض، ثم أشار بدعوة أبي بكر، لانه معروف بين العرب بتعبير


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 469 وتهذيب ج 6 ص 199 عن البيهقي ونفس الرحمان ص 21 عن المنتقى والحديث بطوله في مستدرك الحاكم ج 3 ص 599 - 602. (*)

[ 30 ]

الاحلام، وهم يرون فيه ضربا من علم الغيب، مع معرفته بتواريخ العرب، وأنسابها بالاضافة إلى أنه معلم الصبيان، ويطيعه ويجله من أخذ عنه من فتيانهم، ولكلامه تأثير فيهم، فإذا آمن فلسوف يكون لذلك أثره، ولسوف تلين قلوب كثيرة. لا سيما وان معلمي الصبيان راغبون في الرئاسة، فاستصوب النبي (ص)، وأبو طالب ذلك، وشرع سلمان في دلالة الرجل، وإدخاله في الاسلام (1). فلعل سلمان - كان تدل عليه هذه الرواية، ويظهر من غيرها - كان في بدء أمره في مكة وأسلم هناك، ثم انتقل إلى المدينة. وعن تقدم إسلام سلمان، نجد عددا من الروايات تشير إلى ذلك (2) ومن ذلك: أن إعرابيا سأل النبي (ص) عنه قال: أليس كان مجوسيا، ثم أسلم ؟ ! فقال (صلى الله عليه وآله): يا أعرابي، أخاطبك عن ربي، وتقاولني ؟ ! إن سلمان ما كان مجوسيا، ولكنه كان مضمرا للايمان، مظهرا للشرك (3).


(1) راجع: نفس الرحمان ص 48 عن بعض الكتب المعتبرة وص 27 - 28 عن كتاب الكشكول فيما جرى على آل الرسول للعبيدلي. (2) راجع: ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 51 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 193 والبحار ج 22 ص 355 - 359، وإكمال الدين ص 162 - 165 وروضة الواعظين ص 275 - 178 والدرجات الرفيعة ص 203 ونفس الرحمان ص 5 - 6 عن بعض من تقدم وعن غيرهم. (3) الاختصاص ص 222 والبحار ج 22 ص 347 وقاموس الرجال ج 4 ص 429 ونفس الرحمان ص 4. (*)

[ 32 ]

الفصل الثالث: ولاة الحسين (ع) وبعض ما قيل حولها

[ 33 ]

بداية: إن الحديث عن ولادة سيد شباب أهل الجنة، الامام الحسين (عليه السلام)، وما رافق ذلك من اهتمام ظاهر من قبل الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) بهذا الوليد المبارك، وأهداف ذلك، وابعاده، ومراميه لهو حديث محبب للنفوس المؤمنة وتتطلبه عقول ذوي النهى، ما دام ان ذلك يجسد لنا المعاني الحقيقية التي تريد الاسوة والقدوة لنا أن نتلمسها ونتحسسها ونتوصل إليها، ونعيشها. ولكن بما أن هذا الكتاب، قد اتخذ - عموما - منحى يغلب عليه طابع التعامل مع النصوص تأكيدا، أو تفنيدا، فقد أصبح طرح حقائق كهذه لا يتلاءم مع أسلوب الكتاب، ولا يناسب توجهه العام. ولاجل ذلك، فنحن نكتفي في طرحنا لقضية ولادة الحسين (عليه السلام) أيضا ببعض ما لا يخرجنا عن هذا الاتجاه، ولا يضر بذلك المنحى، فنقول: ولادة الامام الحسين (عليه السلام): وفي السنة الرابعة للهجرة، في الخامس من شعبان، أو لثلاث، أو لاربع، خلون منه، كانت ولادة الامام الحسين بن علي - عليهما السلام -،

[ 34 ]

في المدينة المنورة (1). وقيل: ولد في آخر شهر ربيع الاول، سنة ثلاث من الهجرة (2). وقال قتادة: إنه (عليه السلام) ولد بعد أخيه الحسن بسنة وعشرة أشهر، لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ (3). (1) راجع: إعلام الورى ص 215 ونور الابصار ص 125 والفصول المهمة، لابن الصباغ ص 156 والاصابة ج 1 ص 332 والاستيعاب، بهامشه ج 1 ص 378، وأسد الغابة ج 2 ص 18 وذخائر العقبى ص 118 وكفاية الطالب ص 416، وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 12 و 23 و 25 و 288 و 293 و 295، وتاريخ بغداد ج 1 ص 141، وصفة الصفوة ج 1 ص 762 وروضة الواعظين ص 153 ونظم درر السمطين ص 194 وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 316 وكشف الغمة ج 2 ص 215 وإحقاق الحق قسم الملحقات ج 11 ص 256 - 259 وج 19 ص 181 و 361 - 363 ومجمع الزوائد ج 9 ص 164 وتذكرة الخواص ص 232، والارشاد للمفيد ص 218، والاتحاف بحب الاشراف ص 40 وتاريخ إبن الوردي ج 1 ص 160 وإسعاف الراغبين، بهامش نور الابصار ص 185 والبحار ج 43 ص 227 و 250 و 260 وسيرة المصطفى ص 149 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 163 والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 76، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 555 والتنبيه والاشراف ص 213 وبهجة المحافل ج 1 ص 230، وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 ومقاتل الطالبين ص 78 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 345 ومروج الذهب ج 2 ص 289 والجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص 38 ونسب قريش لمصعب ص 40، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143 ونزل الابرار ص 148 وراجع عمدة الطالب ص 191 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 206 وراجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 176. (2) راجع: الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 378 وأعلام الورى ص 215 والكافي ج 2 ص 385 وتاريخ الخميس ج 1 ص 464 ويفهم من قول ابن الخشاب، كما في كشف الغمة ج 2 ص 252. (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 416 وذخائر العقبى ص 118 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 378 وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 وفيه: بعد الحسن (*)

[ 35 ]

وقال الجزري تفريعا على قول قتادة: فولدته لست سنين، وخمسة أشهر ونصف (1). وقال الدولابي: ولد لاربع سنين وستة اشهر من الهجرة (2). وقيل ولد سنة سبع، وليس بشئ (3). ومن جهة أخرى، فقد قيل: لم يكن بينه وبين أخيه، إلا الحمل، والحمل ستة أشهر (4). وزاده في بعض الروايات قوله: وعشرا (5). وقيل: كان أصغر من الحسن بسنة (6). وقول آخر: يفيد أنه كان بين ولادة الحسن وولادة الحسين عشرة أشهر وعشرين يوما (7).


بستة عشر شهرا. وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 14 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 177 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 233. (1) أسد الغابة ج 2 ص 18 وراجع: المعارف لابن قتيبة ص 158 وكشف الغمة ج 2 ص 266. (2) ذخائر العقبى ص 118. (3) الاصابة ج 1 ص 332. (4) أعلام الورى ص 215 وذخائر العقبى ص 188 عن ابن الدراع، وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 واحقاق الحق ج 11 ص 259 وراجع: تفسير البرهان ج 4 ص 172 - 174 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 11 - 12 وفي نزل الابرار ص 148: وفي بعض الروايات ولد بعده بستة أشهر. (5) الكافي ج 1 ص 385، 386 والبحار ج 43 ص 247 و 258. (6) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 416 وذخائر العقبى ص 120 وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 25 وإحقاق الحق ج 11 ص 502. (7) البحار ج 43 ص 237. (*)

[ 36 ]

وفي رواية أخرى: أنها حملت به بعد وضعها الحسن عليه السلام بخمسين يوما (1). وفي نص آخر: لم يكن بينهما إلا طهر واحد (2). وقال ابن قتيبة: (حملت به بعد أن وضعت الحسن بشهر واحد واثنين وعشرين يوما، وأرضعته وهي حامل ثم أرضعتهما جميعا) (3). ومن الواضح أنه لا منافاة بين النصوص الاربعة الاخيرة على تقدير كون الحمل به تسعة أشهر، ولكن العسقلاني يقول: (قلت: فإذا كان الحسن ولد في رمضان، وولد الحسين في شعبان، احتمل ان يكون ولدته


(1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 166 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 537 والجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص 38 ونور الابصار ص 125 وتذكرة الخواص ص 232 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 156 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 230 والبدء والتاريخ ج 5 ص 75 وكشف الغمة ج 2 ص 215 وكفاية الطالب ص 416 وذخائر العقبى ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 464 وإحقاق الحق ج 9 ص 362 وترجمة الامام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق ص 23 و 295 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 143 ونزل الابرار ص 148 وعمدة الطالب ص 191 وكتاب الجامع للقيرواني ص 276. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 417، 464 وتهذيب دمشق ج 4 ص 416 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 592 وج 9 ص 361 - 363 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 345 وأسد الغابة ج 2 ص 18 والاصابة ج 1 ص 332 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 378 والبحار ج 43 ص 247 و 258، وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 13 و 295 ومجمع الزوائد ج 9 ص 185 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 398 والكافي ج 1 ص 385، 386، وتهذيب الاسماء ج 1 ص 163 وكفاية الطالب ص 417 ونظم درر السمطين ص 194 وذخائر العقبى ص 118 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 12 وعمدة الطالب ص 191 وكتاب الجامع للقيرواني ص 276. (3) المعارف ص 158. (*)

[ 37 ]

لتسعة أشهر، ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين) (1). ونقول: إن في كلامه بعض المناقشة. أولا: إنه مبنى على ما يذهبون إليه، من أن النفاس يمكن أن يكون أربعين يوما، ويكون شهرين وأكثر وأقل وغير ذلك. أما على ما هو الثابت من مذهب أهل البيت عليهم السلام، ويؤيده الواقع، من أن اكثر النفاس عشرة أيام ولاحد لاقله، فلا معنى لاستمرار نفاسها إلى شهرين. وثانيا: إنه حتى على ما ذكره، فإن نفاسها يكون خمسين يوما، إذا كان حملها قد استمر تسعة أشهر، إلا ان يكون كلامه تقريبيا، ولا تحديد فيه. وثالثا: قد ورد في الروايات: أنها صلوات الله وسلامه عليها لم تر الدم حين الولادة أصلا (2). الحلق، والعقيقة، والتسمية: (ولما ولد عليه السلام، أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) به، فجاءه، وأخذه، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، واستبشر به (صلى الله عليه وآله)، وسماه (حسينا) وعق عنه كبشا، وفي رواية كبشين، وقال لامه: احلقي رأسه، وتصدقي بوزنه فضة، وافعلي به كما فعلت


(1) الاصابة ج 1 ص 332. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 417، لكن الرواية عن أسماء بنت عميس، مع أنها كانت في الحبشة، فلا بد أن تكون هي الانصارية، وزيد كلمة (بنت عميس) من قبل الرواة، جريا على ما هو المألوف عندهم، وتبعا لما ارتكز في أذهانهم.. وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 259 عن عمدة الاخبار ص 394. (*)

[ 38 ]

بأخيه الحسن) وزاد البعض: وأعطى القابلة رجل العقيقة، وختنه يوم السابع من ولادته. وزاد آخرون: إنه (صلى الله عليه وآله) حنكه بريقه، وتفل في فمه، ودعا له، وسماه حسينا، يوم السابع (1). وعن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية (2).


(1) راجع فيما تقدم كلا أو بعضا المصادر التالية: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 156 والبحار ج 43 ص 237 - 260 وأسد الغابة ج 2 ص 18 وروضة الواعظين ص 155 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 179 و 180 وتلخيصه للذهبي بهامشه، ونور الابصار ص 125 وتذكرة الخواص ص 232 والارشاد للمفيد ص 218 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 378 ونظم درر السمطين ص 208 و 194 والاتحاف بحب الاشراف ص 40 وذخائر العقبى ص 118 - 120 وكشف الغمة ج 2 ص 215 و 216 وأعلام الورى ص 215 وكفاية الطالب ص 417 ومجمع الزوائد ج 9 ص 185 عن الطبراني وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 418 وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 316 وإسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 185 وترجمة الامام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص 11 ونزل الابرار ص 148 وذكر في تاريخ بغداد ج 10 ص 151 حديث أنه عق عن الحسنين كبشا كبشا وكذا في حلية الاولياء، وراجع: سنن البيهقي ج 9 ص 299 و 300 وراجع مشكل الاثار ج 1 ص 456، وراجع بقية المصادر في إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 260 - 264 وج 19 ص 182 وج 10 ص 490 - 530 فقد نقل ذلك عن مصادر كثيرة.. (2) الصواعق المحرقة ص 190 وتاريخ الخلفاء ص 188 والبحار ج 43 ص 252 عن المناقب، وبهجة المحافل ج 1 ص 196 وأسد الغابة ج 1 ص 18 وذخائر العقبى ص 119 عن الدولابي، وتاريخ الخميس ج 1 ص 418 وإحقاق الحق ج 10 ص 488 - 491 ص 183 عن شرح ثلاثيات مسند أحمد ج 2 ص 557 وعن حلى الايام ص 218 ومصادر كثيرة أخرى. (*)

[ 39 ]

لا منافاة بين الروايات: وفي حين نجد بعض الروايات تقول: إن فاطمة عليها السلام قد عقت عن الحسنين (عليهما السلام) (1). فإننا نجد الروايات المتضافرة الاخرى تفيد: أنه (صلى الله عليه وآله) هو الذي عق عنهما عليهما السلام (2). كما ان بعض الروايات تفيد: أن فاطمة عليها السلام هي التي حلقت رأسهما يوم سابعهما، وتصدقت بوزن شعرهما فضة (3). بينما غيرهما يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه هو الذي تولى ذلك منهما (4). ولعله لا منافاة بين جميع ما ذكر، إذ أن الرسول (ص) أمرها بذلك، حسبما صرحت به الروايات، فهي عليها السلام قد تولت أمر العقيقة والحلق، والنبي (صلى الله عليه وآله) يكون هو الذي اشترى العقيقة، ودفع الفضة التي تصدقت بها (عليها السلام). ويمكن أن يكون (ص) قد شارك الصديقة الطاهرة في ذبح الكباش وتوزيعها، كما وشاركها في أمر الحلق أيضا. فصح نسبة الفعل إليه (ص)


(1) راجع المصادر المتقدمة في الهامشين السابقين وغيرهما وذخائر العقبى ص 118 وتاريخ الخميس ج 1 ص 418 والبحار ج 43 ص 240 و 257. (2) وراجع جميع المصادر في الهوامش المتقدمة وذخائر العقبى ص 119 والبحار ج 43 ص 439 و 257 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 261، 262. (3) راجع المصادر في الهوامش المتقدمة، وذخائر العقبى ص 119 والبحار ج 43 ص 340 و 256 و 257 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 507 - 510 وسنن البيهقي ج 9 ص 299، وصرح في بعض رواياته بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة بالحلق ومسند أحمد ج 6 ص 292 و 290 و 291. (4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 418 وسنن البيهقي ج 9 ص 299. (*)

[ 40 ]

تارة، وإليها صلوات الله وسلامه عليها أخرى (1) والله العالم. اليافعي، وثقافته الواسعة: قال اليافعي: (في رمضان منها (أي سنة ثلاث) ولد الحسن رضوان الله عليه. قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما، وزمان وفاتهما: أن يكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم. ثم وقفت على كلام للامام القرطبي المالكي يذكر فيه: أنه ولد في شهر شعبان في السنة الرابعة. فعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ومثل هذا غريب في العادة، نادر الوقوع. ويؤيد هذا ما قفت عليه بعد ذلك، ومن نقل الواحدي: ان فاطمة رضي الله تعالى عنها علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة والله أعلم (2). وإنما ذكرنا كلام اليافعي - وهو من أعلام القرن الثامن الهجري ويعبر عنه ب‍ (الامام) - بطوله، ليقف القارئ على سعة اطلاع هذا الرجل، ومعرفته بتاريخ حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأحد سبطيه، وسيد شباب اهل الجنة صلوات الله وسلامه عليه. مع أنه هو نفسه يذكر تواريخ دقيقة لكثير من الناس الذين لا شأن ولا منزلة لهم إلا من


(1) راجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 510 و 508. (2) مرآة الجنان ج 1 ص 6 و 7. (*)

[ 41 ]

خلال مواقفهم وعداواتهم لاهل البيت عليهم السلام. حملته أمه كرها: وجاء في وراية عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام: أنه لما أعلم جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) بأن أمته ستقتل الحسين (عليه السلام) - وذلك قبل ان يولد (عليه السلام) - كرهت فاطمة عليه السلام حمله. وحينما وضعته كرهت وضعه، لانها علمت أنه سيقتل وفيه نزلت: * (ووصينا الانسان بوالديه حسنا، حملته أمه كرها، ووضعته كرها، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (1). زاد في المناقب: ولم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى والحسين. وفي نصوص أخرى: أنها (عليها السلام) رضيت لما أخبرها بأن الامامة والولاية في ذريته (2). وأقول: 1 - لا أستطيع أن أؤكد صحة هذا الخبر، ما دمت أرى أنه لا يناسب فاطمة عليها السلام أن تفكر بهذه الطريقة التي تصب في الاتجاه الشخصي، وأقول: إن فاطمة ترضى ما يرضاه الله سبحانه لها، ولم تكن لتكره عطيته سبحانه، ولا سيما إذا كانت هذه العطية هي الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة.


(1) الاحقاق: آية 15. (2) الكافي ج 1 ص 386 والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 50 عن كتاب الانوار وتفسير البرهان ج 4 ص 172 و 173 و 174 وكامل الزيارات ص 55 - 57 ونور الثقلين ج 5 ص 11 - 14 عن عدة مصادر والبحار ج 43 ص 246 و 453. (*)

[ 42 ]

2 - كما أنني أريد أن أحتمل هنا: أن المقصود أيضا هو التقليل من كرامة الحسين نفسه، حتى إن أقرب الناس إليه وهو أمه، لم ترض بحمله، ولا بوضعه، وكان وجوده ثقيلا عليها. 3 - ويمكن أن يناقش في هذه الرواية بأن الاية قد وردت في سورة الاحقاق، وهي مكية (1)، والحسين (عليه السلام) إنما ولد في المدينة. وقد يمكن دفع ذلك بأمرين: الاول: بما ورد في بعض الروايات من أنه (صلى الله عليه وآله) كان إذا نزلت آية يقول لهم ضعوها في المكان الفلاني (2) ويمكن ان تكون هذه الاية نزلت في المدينة، ووضعها الرسول (ص) في سورة مكية، تقدم نزولها، وقد ورد الاستثناء لهذه الاية بخصوصها فراجع المصاحف المطبوعة. الثاني: إنه يمكن أن يكون قد تكرر نزول هذه الاية بهذه المناسبة، ولذلك نظائر كثيرة (3) فلا إشكال. رواية اسماء: وأما بالنسبة لرواية اسماء بنت عميس لما جرى حين ولادته (عليه السلام) وأخيه الحسن (عليه السلام) وحكم بعض المحققين عليها بأنها غير مستقيمة فقد تقدم في المجلد الخامس: أن سبب ذلك هو الاشتباه في قراءة كلماتها.


(1) الدر المنثور ج 6 ص 37 عن ابن مردويه. (2) مسند أحمد ج 1 ص 57 والاتقان ج 1 ص 61 و 62 وراجع كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم. (3) راجع: الاتقان ج 1 ص 35، 36. (*)

[ 43 ]

وإن كان في بعض نصوصها شئ من التهافت الناشئ من خلط الرواة بين بنت عميس وغيرهما (1). وملخص هذه الرواية حسبما جاء في روضة الواعظين: قالت اسماء بنت عميس: قبلت فاطمة بالحسن والحسين (عليهم السلام)، فلما ولد الحسن (عليه السلام) جاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا أسماء (أي وهي غير بنت عميس)، هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النبي (ص) وقال: يا أسماء، ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء فلفته في خرقة بيضاء، ودفعته إليه، فأذن في أذنه اليمنى. ثم تذكر الرواية تسمية النبي (صلى الله عليه واله) له، وحلقه رأسه، وتصدقته بزنته ورقا، وعقه عنه، وطلي رأسه بالخلوق، ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية. (ولعله لانهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فغير (ص) هذه السنة السيئة). فلما ولد الحسين، جاء (صلى الله عليه وآله) وقال: يا أسماء (أي وهي غير بنت عميس) هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره، وبكى، فقالت أسماء: قلت فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟ فقال: على ابني هذا. قلت: إنه


(1) والرواية موجودة أيضا في روضة الواعظين ص 153، 154 والنص فيه ظاهر فيما نقول، لان ظاهرها أن بنت عميس تحدث عن امرأة أخرى اسمها أسماء.. وراجع: أعلام والورى ص 218 وذخائر العقبى ص 120 وتاريخ الخميس ج 1 ص 418 وراجع: إحقاق الحق، قسم الملحقات ج 10 ص 502 والبحار ج 43 ص 239 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 26. (*)

[ 44 ]

ولد الساعة. قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية إلى آخر الرواية (1). فأسماء بنت عميس فيها تروي عن أسماء أخرى، ولعلها بنت يزيد الانصارية. أما ما روي عن السجاد (عليه السلام)، من أنه قال: لما حان وقت ولادة فاطمة بعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسماء بنت عميس وأم أيمن، حتى قرأنا عليها آية الكرسي والمعوذتين (2). فهو أيضا موضع إشكال، لان بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب في الحبشة، ولم تقدم إلى المدينة إلا عام خيبر. والظاهر - أيضا - أن كلمة (بنت عميس) مقحمة في هذه الرواية من قبل الرواة، أؤ المؤلفين جريا على عادتهم وما هو المألوف عندهم، وتكون أسماء هي واحدة أخرى من النساء الصحابيات، بنت يزيد، أو غيرها. ومما يدل على هذا الاقحام: أننا نجد الديار بكري، راوي الرواية السابقة عن علي بن الحسين (عليه السلام) يروي رواية اخرى عن المحب الطبري، فيقحم فيها من عند نفسه كلمة (بنت عميس) فيقول: (عن أسماء بن عميس، قالت: قبلت فاطمة بالحسن، فلم أر لها دما، فقلت: يا رسول الله اني لم أر لفاطمة دما في حيض ولا نفاس ؟ ! فقال (ص): (أما علمت أن أبنتي طاهرة مطهرة، لا يرى لها دم في طمث، ولا ولادة أخرجه الامام علي بن موسى الرضا (3)). فراجعت ذخائر العقبى ص 44 فرأيت الرواية نفسها، ولكنها عن


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 417. (2) روضة الواعظين ص 153 وراجع البحار ج 43 ص 239. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 417. (*)

[ 45 ]

أسماء من دون ذكر لعبارة (بنت عميس) فيها. وهذه الرواية الصحيحة، لان بنت عميس كانت حين ولادة الامام الحسن (عليه السلام) في الحبشة، لا في المدينة حسبما المحنا إليه آنفا. وثمة روايات أخرى عن أسماء بنت عميس (1)، والكلام فيها هو الكلام. أي أننا نحتمل أن يكون لفظ: (بنت عميس) من اقحام الرواة، إنطلاقا مما هو مرتكز في اذهانهم، دون ان يلتفتوا إلى المفارقة المذكورة. التشريف والتكريم: هذا وقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لما عرج برسول الله (صلى الله عليه وآله)، نزل بالصلاة عشر ركعات: ركعتين، ركعتين، فلما ولد الحسن والحسين، زاد رسول الله سبع ركعات شكرا لله، فأجاز الله ذلك (2). وقال ابن شهر آشوب: (من كثرة فضلهما، ومحبة النبي إياهما: أنه جعل نوافل المغرب، وهي اربع ركعات، كل ركعتين منهما عند ولادة كل واحد منهما) (2). هذا وقد أشرنا في المجلد الرابع من هذا الكتاب في فصل: قضايا واحداث غير عسكرية إلى موضوع الزيادة في الصلاة فلا نعيد. ولكننا نشير هنا إلى ان بعض الروايات تشير إلى أن سبب زيادة الركعتين أمر آخر، وهو إرادة الحفاظ على إتيان الصلاة من قبل المكلفين بصورة معقولة. وقيل غير ذلك فليراجع كتاب الوسائل ج 3 باب عدد


(1) البحار ج 43 ص 255 عن كشف الغمة. (2) البحار ج 43 ص 258 عن الكافي والوسائل ج 3 ص 35 وليلاحظ هامشه. (*)

[ 46 ]

الفرائض اليومية ونوافلها وجملة من احكامها. ولا مانع من كون الداعي إلى ذلك هو كلا الامرين، كما أن رواية ابن شهر آشوب (1) لا تنافي الرواية التي قبلها، كما لا تنافي سائر الروايات المبينة لسبب جعل النوافل، فإن جعل النافلة عند ولادتهما تشريفا لهما، لا ينافي ان تكون علة هذا الجعل شيئا آخر. وذلك ظاهر. ارضاع الحسين بلبن قثم لا يصح: عن أم الفضل بنت الحارث قالت: رأيت فيما يرى النائم: أن عضوا من أعضاء النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتي، فقصصتها على النبي (ص)، فقال: خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما، فترضعيه بلبن قثم، فولدت فاطمة غلاما، فسماه حسينا، فدفعه الى ام الفضل، فكانت ترضعه بلبن قثم (2). وفي نص أخر: لم يذكر إرضاعها له بلبن قثم، بل اكتفى بأنه (ص) أخبرها بأنه يكون في حجرها، فكان كذلك، وتفصيل القصة يراجع في مصادرها (3).


(1) راجع: المناقب ج 3 ص 395. (2) راجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 316 وتاريخ الخميس ج 1 ص 418، 419 عن الدولابي، والبغوي في معجمه وتذكرة الخواص ص 232 وينابيع المودة ص 221 و 318 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1293 مع الترديد في الاسم وكفاية الطالب ص 419 وذخائر العقبى ص 121 وترجمة الامام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص 10 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 180 وتلخيصه للذهبي والبداية والنهاية ج 6 ص 230 ومسند أحمد ج 6 ص 339 وفيه أنها كانت ترضع الحسن والحسين، والاصابة ج 4 ص 484 وعمدة الطالب ص 191. (3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 176 وكشف الغمة ج 2 ص 219 وأعلام الورى (*)

[ 47 ]

ولكننا قد قدمنا في هذا الكتاب، آخر فصل: شخصيات وأحداث، حينما تحدثنا عن ولادة الامام الحسن (عليه السلام) ما يلي: 1 - ان العباس لم يكن قد هاجر حينئذ الى المدينة، وقد كانت زوجته عنده في مكة، كما هو الظاهر. 2 - إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلا. وأخيرا، فيحتمل ان تكون رواية ام الفضل هذه هي نفس الرواية التي تقدمت في هذا الكتاب في آخر فصل شخصيات وأحداث. لكن الرواة بسبب عدم نقط الكلمات وتقارب كلمتي الحسن والحسين، قد صحفوا أحدهما بالاخر. ونضيف هنا: 3 - إنه قد ورد في بعض الروايات - والنص للبحراني - أنه: (لم يرضع الحسين (عليه السلام) من فاطمة عليها السلام، ولا من انثى، كان يؤتى به النبي (صلى الله عليه وآله) فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه، اليومين، والثلاثة، فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ودمه من دمه) (1). وفي نص آخر: أنه كان يؤتى بالحسين، فيلقمه لسانه، فيمصه،


ص 218 ونور الابصار ص 126 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 158 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 159 والبداية والنهاية ج 6 ص 230 ومشكاة المصابيح ص 572، وراجع ملحقات إحقاق الحق ج 10 ص 397 - 2 - 4 وج 19 ص 373 و 374 ففيه مصادر أخرى والارشاد للمفيد ص 281 وكفاية الطالب ص 418 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 211. (1) راجع: الكافي ج 1 ص 386، والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 50 وتفسير البرهان ج 4 ص 173 و 174 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 14 وراجع: البحار ج 43 ص 254. (*)

[ 48 ]

فجتزئ به، ولم يرتضع من انثى (1). وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان رسول الله (ص) يأتي مراضع فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويقول لفاطمة: لا ترضعيهم (2). وإن كان ربما يقال: ان هذا لا يدل على أنه لم يرضع من أخريات. وبعد، فقد تقدم: أن الظاهر هو أن صاحبة القضية المذكورة، وصاحبة المنام المشار إليه، ليست هي أم الفضل، وإنما هي أم أيمن (3)، حسبما جاء في بعض الروايات، وأشرنا إليه في جزء سابق حين الكلام حول ولادة الحسن (عليه السلام). أوهام لابي نعيم: عن هارون عن عبد الله قال: سمعت أبا نعيم يقول: (قتل الحسين على رأس سنة ستين، يوم السبت، يوم عاشوراء، وقتل وهو ابن خمس وستين، أو ست وستين). وفي هذه الرواية وهم من جهتين، في القتل، والمولد. فأما مولد الحسين، فإنه كان بينه وبين أخيه الحسن طهر. وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. وأما الوهم في تاريخ موته، فأجمع أهل التاريخ: أنه قتل في المحرم، سنة أحدى وستين، إلا هشام ابن الكلبي، فإنه قال: سنة اثنتين


(1) راجع الكافي ج 1 ص 387، والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 50 والبحار ج 43 ص 245 و 254 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 12 وتفسير البرهان ج 4 ص 173 وعلل الشرايع ص 206. (2) البحار ج 43 ص 250. (3) راجع بالاضافة إلى ما قدمناه في المجلد الرابع: روضة الواعظين ص 154 والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 70. (*)

[ 49 ]

وستين، وهو وهم أيضا) (1). ونزيد نحن في توضيح ذلك: أن معنى كلام أبي نعيم: هو أن الامام الحسين (عليه السلام)، قد ولد قبل الهجرة بست سنين، مع أن عليا (عليه السلام) قد تزوج بالزهراء بعد الهجرة، وولدت له الحسن (عليه السلام) في سنة ثلاث. أضف إلى ذلك: أن أبا الفرج يقول: (إن الاصح هو أنه عليه السلام قد استشهد يوم الجمعة، لا يوم السبت (2). ويقول عن القول بأنه استشهد يوم الاثنين: إنه: (لا أصل له، ولا حقيقة، ولا وردت فيه رواية (3). رواية أخرى لا تصح: قال أبو الفرج: (وروى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد: أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون سنة، وان الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي) (4).


(1) راجع فيما تقدم: تاريخ بغداد ج 1 ص 142 وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمش، بتحقيق المحمودي ص 282. (2) مقاتل الطالبيين ص 78. (3) مقاتل الطالبيين ص 79 وراجع ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 281. (4) مقاتل الطالبيين ص 79 وراجع الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 382 وترجمة الامام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 279 وفي هامشه عن الطبراني في المعجم الكبير وليس في رواية الطبراني ذكر للامام الحسن (عليه السلام) وكذا في مجمع الزوائد ج 9 ص 198 عن الطبراني ايضا. (*)

[ 50 ]

قال سفيان: (وقال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذا السن في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله عليه) (1). قال أبو الفرج: (وهذا وهم، لان الحسن، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي في سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنه على هذا ثمان وأربعون سنة، أو نحوها) (2). ونقول: أولا: قول أبي الفرج، عن الامام الحسن إنه (توفي سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك). محل نظر، إذ أن كثيرين يقولون: إنه (عليه السلام) قد توفي في سنة تسع وأربعين، وقيل في سنة خمسين وقيل في سنة ثمان وأربعين وقيل غير ذلك (3). وبالنسبة لسن السجاد والباقر عليهما السلام، فهو أيضا ليس على حسب ما جاء في الرواية، فليراجع البحار والكافي، وغير ذلك من المصادر المشار إليها في الهامش على الفقرة السابقة. وثانيا: بالنسبة للمدة التي عاشها الامام الصادق (عليه السلام)،


(1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 382. (2) مقاتل الطالبيين ص 79. (3) راجع المستدرك للحاكم ج 3 ص 169 والاصابة ج 1 ص 331 والاستيعاب بهامشها ج 1 ص 374 والبدء والتاريخ ج 5 ص 74 ونظم درر السمطين ص 204 و 205 وأعلام الورى ص 206 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 151 ونور الابصار ص 123 والارشاد للمفيد ص 211 وروضة الواعظين ص 168 والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 29 والمعارف لابن قتيبة ص 212 وكفاية الطالب ص 415 وأسد الغابة ج 2 ص 14 وذخائر العقبى ص 141 - 142 وتذكرة الخواص ص 211 والكافي ج 1 ص 383 و 384 وغير ذلك كثير، وراجع البحار ج 44 ص 132 - 164 ومجمع الزوائد ج 9 ص 179. (*)

[ 51 ]

فالمقل يقول: إنه (عليه السلام) قد عاش ثلاثا وستين سنة، والاكثر على انه عاش خمسا وستين، وقيل أكثر من ذلك (1). اشتباهات حسابية: وهذه الاشتباهات كثيرة، نذكر منها ما يلي: 1 - قال المقدسي: (قتل الحسين (عليه السلام) سنة إحدى وستين من الهجرة، يوم عاشوراء، وهو يوم الجمعة، وكان قد بلغ من السن ثمانيا وخمسين سنة) (2). وقال في موضع آخر: (قتل يوم عاشوراء سنة إثنتين وستين) (3). والتنافي بين هذين القولين ظاهر. كما انه بعد ذكره: ان الحسن (ع) قد توفى سنة سبع وأربعين (4) ذكر: (ان الحسين (ع) قد قتل سنة اثنتين وستين، بعد الحسن بسبع عشرة سنة) (5). مع أن ما بين سبع وأربعين وإثنتين وستين وهو خمس عشرة سنة لا أكثر. وفي مورد آخر يذكر: ان الحسين (عليه السلام) قد ولد بعد الحسن بعشرة اشهر أي في السنة الرابعة (6)، ثم يذكر أنه استشهد سنة


(1) راجع: البحار ج 47 ص 1 حتى ص 11. (2) البدء والتاريخ ج 6 ص 12. (3) المصدر السابق ج 5 ص 75. (4) المصدر السابق ج 5 ص 74. (5) المصدر السابق ج 5 ص 75. (6) المصدر السابق ج 5 ص 75. (*)

[ 52 ]

إحدى وستين وعمره ثمان وخمسون سنة. مع أن عمره يكون سبعا وخمسين سنة. إلا أن يكون قد أضاف أشهرا يسيرة على العمر الصحيح، الذي هو سبع وخمسون سنة وأشهرا. كما أنه تارة يذكر أن الحسين (عليه السلام) قد ولد بعد الحسن (عليه السلام) بعشرة أشهر وعشرين يوما، وأن الحسن قد ولد في السنة الثالثة. وتارة يذكر: أن الحسين (ع) قد ولد بعد الهجرة بسنتين (1). 2 - ويصرح إبن الوردي، وغيره بأن الحسين (عليه السلام) قد ولد في سنة اربع (2) وتوفي سنة إحدى وستين. ولكنه يغلط بالحساب، فيقول: (والصحيح: أن عمره رضي الله عنه وعنا بهم: خمس وخمسون سنة وأشهر (3). 3 - وقال الحافظ عبد العزيز: ولد في شعبان سنة أربع، وقتل يوم، عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو إبن خمس وخمسين سنة وستة أشهر (4). والخطأ في حساب سني عمره الشريف واضح، والصحيح: أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر. 4 - أما الشيخ المفيد رحمه الله تعالى، فإنه ذكر أن ولادته (عليه


(1) البدء والتاريخ ج 6 ص 20. (2) تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 160 وترجمة الامام الحسين (عليه السلام) من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 293. (3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 233 وترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 293. (4) كشف الغمة ج 2 ص 252. (*)

[ 53 ]

السلام) كانت في شعبان سنة أربع ووفاته في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وعمره ثمان وخمسون سنة (1). وقد قدمنا: أن الصواب هو أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر، ولعله رحمه الله لم يعتن بهذه الاشهر الباقية، فأطلق حكمه ذاك على سبيل التسامح.


(1) الارشاد ص 218 و 283. (*)

[ 56 ]

الفصل الرابع: عبرة ومنافسة

[ 57 ]

بداية: نتحدث في هذا الفصل عن وفيات بعض الاشخاص الذين عاشوا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك إنطلاقا من المبررات التي المحنا إليها في بداية الفصل السابق. ولكننا نشير هنا إلى أننا سوف نجعل ذلك أيضا ذريعة إلى التعرض لامور أخرى ترتبط بهؤلاء الاشخاص من قريب، أو من بعيد، من أجل أن نسجل تحفظا، أو ننوه بما ينبغي التنويه به، والتنبيه إليه، فنقول: 1 - عبد الله بن عثمان: فإنهم يقولون: إن عبد الله بن عثمان بن عفان، سبط رسول الله، حيث ان أمه هي رقية بنت النبي (صلى الله عليه وآله) (1). قد توفي في جمادى الاولى، من السنة الرابعة (2).


(1) الاصابة ج 3 ص 67: تاريخ الخميس ج 1 ص 464، واسد الغابة ج 3 ص 244 والبداية والنهاية ج 4 ص 89 وأنساب الاشراف ج 1 ص 401 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 والكامل لابن الاثير ج 2 ص 176 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 555. (2) تاريخ الاصابة ج 1 ص 464 وأسد الغابة ج 5 ص 456 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 300 والبداية والنهاية ج 4 ص 89 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 206 والكامل في التاريخ ج 2 ص 176. (*)

[ 58 ]

وكان قد ولد في الاسلام في الحبشة، فبلغ ست سنين، فنقره ديك في عينه، فمرض فمات (1). وحين دفن دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبره (2). ونحن نشك في أكثر ما تقدم، ونذكر ذلك ضمن النقاط التالية: عبد الله بن عثمان سبط الرسول (ص) ! ! في قولهم: إن عبد الله بن عثمان كان سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله). نقول: قد تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب شكنا في كون زوجتي عثمان، كانتا بنتي رسول الله (ص) وقلنا: إن الظاهر هو أنهما كانتا ربيبتيه، فراجع. سماه النبي (صلى الله عليه وآله) ! إننا لا ننكر أن يكون النبي (ص) كان يؤتى بأولاد الصحابة يسميهم، ويبرك عليهم حين ولادتهم، وقد حفظ التاريخ لنا وقائع كثيرة من هذا القبيل (3). ولكن قولهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الذي سمى ابن عثمان ب‍ (عبد الله) (4).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464 و 275 وأسد الغابة ج 5 ص 456 والاصابة ج 4 ص 304 والاستيعاب بهامشه ج 4 ص 300 وبهجة المحافل ج 1 ص 231. (2) أسد الغابة ج 3 ص 224 عن ابن مندة وأبي نعيم. (3) راجع كتاب: تبرك الصحابة والتابعين للعلامة الشيخ علي الاحمدي. (4) أسد الغابة ج 3 ص 224 عن ابن مندة وأبي نعيم. (*)

[ 59 ]

غير ظاهر الوجه، بعد أن كان قد ولد في الحبشة، فهل يعقل أن يبقى طفل هذه المدة الطويلة، التي تصل إلى سنوات من دون تسمية ! ! أضف إلى ذلك: أن ظاهر، بل صريح كلام مصعب الزبيري، والزهري، وأم عباس (أو عياش) التي يقال: إنها مولاة رقية هو: أن عثمان نفسه هو الذي سمى ولده (1). إلا أن يدعى: أنهم قد سموه أولا، ثم لما قدموا المدينة، ورآه رسول الله (ص) جدد له التسمية. ولكن ذلك يبقى مجرد إحتمال لا دليل عليه، وليس ثمة ما يؤيده. ولعل الهدف هو جعله في مستوى سيدى شباب أهل الجنة، الذين سماهما النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا أقل من ان لا يكون ذلك مختصا بهما عليهما السلام. وفاة عبد الله: قولهم: إن عبد الله قد توفي في السنة الرابعة، يقابله قول أبي سعد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى: أنه مات قبل أمه بسنة، فيكون قد مات في أول سني الهجرة (2). وذكر الدولابي: (انه مات وهو رضيع) (3).


(1) راجع: الاصابة ج 3 ص 67 والاستيعاب بهامشه ج 4 ص 299 وتاريخ الخميس ج 1 ص 275 وأسد الغابة ج 3 ص 224 وج 5 ص 456. (2) الاصابة ج 3 ص 67. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 275 والاصابة ج 4 ص 304. (*)

[ 60 ]

دخول النبي (ص) قبر ابن عثمان: قولهم: إن النبي (ص) قد دخل قبره، ينافيه قولهم: إن عثمان هو الذي دخل قبره (1). إلا أن يقال: يمكن ان يكون النبي (صلى الله عليه وآله)، وعثمان أيضا قد دخلا حفرته، ولكنه احتمال بعيد، إذ قد كان على ناقل دخول عثمان أن ينبه على دخول النبي أيضا، لان ذلك شرف عظيم لا يهمل ذكره ليذكر ما لا شرف فيه، مع توفر الدواعي على تكريس الفضائل والكرامات لعثمان، وكل من يلوذ به. بل قولهم: (صلى عليه رسول الله (ص)، ونزل في حفرته أبوه عثمان) (2) يأبى عن هذا التوجيه إن لم يكن ظاهرا في ضده ونقيضه. ابن عثمان، حقيقة أم خيال ؟ وأخيرا فنحن نشك في أصل وجود هذا الطفل، فضلا عن كل تلك الادعاءات. قال قتادة: (لم تلد رقية لعثمان) (3). وعلقوا على ذلك بقولهم: (وهو غلط، والاصح ما تقدم) وإنما أختها أم كلثوم لم تلد له) (4).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464. (2) الاصابة ج 4 ص 304 والاستيعاب بهامشها ج 4 ص 400 وأسد الغابة ج 5 ص 456 وتاريخ الخميس ج 1 ص 275 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 226 ط الاستقامة وأنساب الاشراف قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ص 401 والبداية والنهاية ج 4 ص 89 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172. (3) و (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 275 والاصابة ج 4 ص 304 وأسد الغابة ج 5 ص 256 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 300. (*)

[ 61 ]

لكن الحقيقة هي أن قتادة التابعي القريب العهد من عصر النبوة، والذي يأخذ علمه عن الصحابة الشاهدين للاحداث مباشرة (قتادة هذا لا بد أن يكون أعرف بهذا الامر من الديار بكري وغيره). ويكفي أن يكون قول قتادة هذا موجبا للشك والشبهة في هذا الامر الخطير، لا سيما ونحن نعلم: أن هناك من يهتم بصياغة الفضائل والمناقب لعثمان، كما أشرنا إليه غير مرة. التناقض والاختلاف: هذا كله، بالاضافة إلى ما تقدم من الاختلاف الفاحش في المدة التي عاشها بين ان تكون ست سنين، ثم مات، أو أنه مات وهو رضيع. 2 - زينب بنت خزيمة: قد أشرنا فيما سبق إلى وفاة زينب بنت خزيمة، وذلك حين الكلام عن زواج النبي (صلى الله عليه وآله) بها، ولكنها كانت إشارة عابرة وسريعة، فأثرنا هنا ان نذكر ذلك بنحو أكمل وأتم. فنقول: إنهم يقولون: إن زينب بنت خزيمة، بنت الحارث الهلالية، قد تزوجها النبي (ص) في سنة ثلاث، فلبثت عنده (صلى الله عليه وآله) شهرين، أو ثلاثة، ثم توفيت، ودفنت في البقيع، ذكره الفضائلي، والذهبي. وعند الديار بكري: أنها مكثت عنده (ص) ثمانية أشهر، ذكره الفضائلي. وقال البلاذري: أقامت عند النبي (صلى الله عليه وآله) ثمانية أشهر، تزوجها في شهر رمضان سنة ثلاث، وماتت في آخر ربيع الاول سنة أربع: ودفنها في البقيع. وكانت أولا تحت عبد الله بن جحش، قتل عنها يوم أحد، كما قال

[ 62 ]

ابن شهاب، قال في المواهب: وهو أصح. وقال قتادة: كانت قبله (صلى الله عليه وآله) عند الطفيل بن حارث. وقال أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني النسابة: كانت عند الطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها عبيدة بن الحارث. قال: وكانت زينب أخت ميمونة، لامها. قال أبو عمر: ولم أر ذلك لغيره. ويقال: إنها كانت تدعى في الجاهلية بأم المساكين، ونزل في قبرها إخوتها. وكان سنها يوم ماتت ثلاثين سنة، أو نحوها (1). تأييد قول الجرجاني: ونقول: إن الظاهر: أن الصحيح هو قول الجرجاني النسابة، ويؤيده ما ذكره ابن سعد وغيره، من أن الطفيل بن الحارث طلقها، فخلف عليها اخو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقتل عنها يوم بدر (2).


(1) راجع في ما تقدم كلا أو بعضا: الاصابة ج 4 ص 315 و 316 والاستيعاب بهامشه ج 4 ص 312 والبداية والنهاية ج 4 ص 90 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 173 و 174 وقاموس الرجال ج 10 ص 445 وأسد الغابة ج 5 ص 466 و 467 وتاريخ الخميس ج 1 ص 463 و 417 وطبقات ابن سعد ج 8 ص 82 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 232 وأنساب الاشراف قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ص 429 والسيرة الحلبية ج 3 ص 318 و 319 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208 ومرآة الجنان ج 1 ص 7 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 545. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 82 وقاموس الرجال ج 10 ص 445 عن البلاذري والسيرة الحلبية ج 3 ص 319 وأنساب الاشراف قسم حياة النبي (صلى الله عليه (*)

[ 63 ]

من اشتباه الاسماء: وأما ما قاله الزهري، وتبعه غيره، من أنها كانت تحت عبد الله بن جحش، فقد قال التستري: (لعل الاصل في قول كونها عند عبد الله بن جحش، خلطها بأم حبيبة، فإنها كانت قبل النبي (صلى الله عليه وآله) عند عبد الله بن جحش، والله العالم) (1). ولكننا لم نفهم المبرر لهذا الخلط، ولا سيما من الزهري، فهل هو اشتباه نسخ الكتاب الذي قرأ ذلك فيه، أم أن الرواة خلطوا في سماعهم لفظ: أم حبيبة، فسمعوه: بنت خزيمة ! ! كل ذلك بعيد عن الاحتمال المقبول، والمرضي، ولعل دعوى الخلط بين عبد الله بن جحش، وعبد الله بن الحارث أقرب إلى الاعتبار، بملاحظة ما بينهما من الاتفاق والتقارب في اللفظ لو كان ثمة خلط حقيقة. أسرعكن لحوقا بي: قال ابن الاثير: (ذكر ابن مندة في ترجمتها قول النبي (ص): (أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا) فكان نساء النبي (صلى الله عليه وآله) يتذارعن، أيتهن أطول يدا. فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير). قال: (وهذا عندي وهم، فإنه (صلى الله عليه وآله) قال: أسرعكن


وآله) ص 429 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 173 والبداية والنهاية ج 4 ص 90 وتاريخ الخميس ج 1 ص 417 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208. (1) قاموس الرجال ج 10 ص 445. (*)

[ 64 ]

لحوقا بي، وهذه سبقته، إنما أراد: أول نسائه تموت بعد وفاته، وقد تقدم في زينب بنت جحش، وهو بها أشبه، لانها كانت أيضا كثيرة الصدقة من عمل يدها، وهي أول نسائه توفيت بعده) (1). ونضيف نحن إلى ذلك: أن من غير المعقول أن يقول النبي الاعظم (ص) كلاما مبهما لا يفهم المقصود منه، حتى لقد صدر منهن، ما يوجب الضحك والسخرية، وهو أنهن صرن يتذارعن ليرين أيهن أطول يدا. لانه (صلى الله عليه وآله) حين قال لهن ذلك، إنما أراد به حثهن على المسابقة في الصدقات وعمل الخير، وهذا هو اللائق بشأنه (صلى الله عليه وآله)، والمتوافق مع أهدافه ومراميه. فالحق هو أنها زينب بنت جحش، كما قالوا. ولا نرى أن قولهم: كان نساء النبي (صلى الله عليه وآله) يتذارعن. يصح بوجه، ولا مبرر له. 3 - فاطمة بنت أسد: وقد كانت فاطمة بنت أسد أمرأة صالحة، وكان رسول الله (ص) يزورها، ويقيل في بيتها (2). وهي أول إمرأة بايعت النبي (صلى الله عليه وآله) بمكة بعد خديجة (3). قال إبن عباس: وفيها نزلت: * (يا أيها النبي إذا جاءك


(1) أسد الغابة ج 5 ص 466، 467 والاصابة ج 4 ص 415، 416 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 232. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 161 والاصابة ج 4 ص 380. (3) تذكرة الخواص ص 10 وقاموس الرجال ج 11 ص 7 عنه وراجع: تفسير البرهان ج 4 ص 326 و 327 ومقاتل الطالبيين ص 10. (*)

[ 65 ]

المؤمنات يبايعنك) * (1). وأول إمرأة هاجرت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة على قدميها ماشية حافية (2). وكانت حادية عشرة، يعني في السابقة إلى الاسلام. وكانت بدرية (3). وحينما حضرتها الوفاة أوصت إلى النبي (ص) فقبل وصيتها (4). وتوفيت في السنة الرابعة من الهجرة، وصلى عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتولى دفنها، ونزع قميصة وألبسها إياه، وإضطجع معها في قبرها، وقرأ فيه القرآن، واحسن الثناء عليها. فلما سوى عليها التراب سئل عن سبب فعله ذلك، فقال: إلبستها لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت معها في قبرها لاخفف عنها ضغطة القبر، إنها كانت أحسن خلق الله صنعا بي بعد أبي طالب. وعند السمهودي أنه (صلى الله عليه وآله) نزع قميصه وأمر أن تكفن فيه، وأنه (ص) صلى عليها عند قبرها وكبر عليها تسعا وأنه (صلى الله عليه وآله) حفر اللحد بيده وأخرج ترابه بيده. وأضاف السلفي: أنه (ص) تمرغ في قبرها وبكى، وقال: جزاك


(1) تذكرة الخواص ص 10. (2) راجع: تفسير البرهان ج 4 ص 326 / 327 وتذكرة الخواص ص 10 والكافي ج 1 ص 377. (3) مقاتل الطالبيين ص 9 وتفسير البرهان ج 4 ص 327 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 14. (4) مقاتل الطالبيين ص 8 والكافي ج 1 ص 377. (*)

[ 66 ]

الله من أم خيرا، لقد كانت خير أم، وكانت ربت النبي (ص) (1). وأضاف الكليني: أنه (صلى الله عليه وآله) حمل جنازتها على عاتقه، فلم يزل حتى أوردها قبرها، وأخذها على يديه، ووضعها فيه، وانكب عليها طويلا يناجيها ولقنها ما تسأل عنه، حتى إمامة ولدها علي عليه السلام. وحينما سئل عن ذلك قال: (اليوم فقد بر أبي طالب، إن كانت لتكون عندها الشئ، فتؤثرني به على نفسها وولدها إلى آخر ما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وعند الكليني: أنه هو نفسه (صلى الله عليه وآله) قد قال للمسلمين. (إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك، فسلوني: لم فعلته (3). وعند السمهودي ان قبرها حفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة (4).


(1) راجع ما تقدم في المصادر التالية: مقاتل الطالبيين ص 8 و 9 وقاموس الرجال ج 11 ص 6 و 7 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 382 والاصابة ج 4 ص 380 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 358، 359 وأسد الغابة ج 5 ص 517 وتذكرة الخواص ص 10 والكافي ج 1 ص 377 والارشاد للمفيد ص 10 وأعلام الورى ص 153 وتاريخ الخميس ج 1 ص 468 ووفاء الوفاء المجلد الثاني ص 897 و 898 و 899 وبهجة المحافل ج 1 ص 231 و 232 وراجع: الفصول المهمة للمالكي ص 13 و 14. (2) راجع: الكافي ج 1 ص 377 وقاموس الرجال ج 11 ص 6 عنه وراجع: وفاء الوفاء المجلد الثاني ص 898. (3) المصدران السابقان. (4) وفاء الوفاء المجلد الثاني ص 897. (*)

[ 67 ]

ودفنت رحمها الله تعالى في البقيع، ودفن الحسن عندها كما نص عليه المفيد وغيره (1). ولكن أبا الفرج يقول: إنها دفنت في الروحاء مقابل حمام أبي قطيفة (2). ولم نفهم المبرر لدفنها هناك، لو صح ذلك. ووصية الامام الحسن بدفنه عندها، ثم دفنه في البقيع تدل على خلاف ذلك، والحسنان عليهما السلام أعرف بقبر جدتهم من غيرهم. وأخيرا، فقد قيل: إنها توفيت في مكة قبل الهجرة، قالوا: وليس بشئ، واستدلوا على ذلك بأن عليا (عليه السلام) قال لها: إكف فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سقاية الماء تكفيك الداخل، والطحن والعجن (3). ونضيف نحن إلى ذلك: ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: إنه أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلة استبرق، فقال: اجعلها خمرا بين الفواطم، فشققتها أربعة أخمرة، خمارا لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخمارا لفاطمة بنت أسد، وخمارا لفاطمة بنت حمزة، ولم يذكر الرابعة، قال ابن حجر (قلت) ولعلها أمرأة عقيل الاتية (4). (1) الارشاد ص 211 وراجع: ص 213 وأعلام الورى ص 206 وراجع: ص 212. (2) مقاتل الطالبيين ص 10 والبرهان ج 4 ص 327 عنه. (3) راجع: أسد الغابة ج 5 ص 517 والاصابة ج 4 ص 380 وراجع الاستيعاب بهامشها ج 4 ص 382 وتاريخ الخميس ج 1 ص 468 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 358. (4) الاصابة ج 4 ص 481 وأسد الغابة ص 519. (*)

[ 68 ]

التوازن والتكريم: وقد تقدم: أنه (صلى الله عليه وآله)، حينما أراد ان يقوم ببعض الاعمال، ويتخذ بعض المواقف تجاه فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، يقول للمسلمين: (إذا رأيتموني قد فعلت شيئا لم أفعله قبل ذلك، فسلوني: لم فعلته ؟). ونرى: أنه (صلى الله عليه وآله) يهدف من وراء ذلك إلى تركيز أمرين اثنين لهما أهمية فائقة. أولهما: الاشارة إلى أن أهم شئ تقوم عليه التربية الالهية لهذا الانسان هو: إقرار حالة من التوازن بين ما ينبغي أن يكون عليه الانسان المسلم من لزوم التعبد والتسليم والانقياد لله وللرسول (صلى الله عليه وآله) ولكل ما هو شرع ودين، عملا بقوله تعالى: * (ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا) * (1). وقوله تعالى: * (أطيعوا الله، واطيعوا الرسول، وأولي الامر منكم) * (2). والايات الامرة بهذه الاطاعة كثيرة. وبين أن يبقى العقل والفكر طليقا، يمارس حقه الطبيعي في التأمل، والتدبر والاستنتاج، وإصدار الاحكام، وفقا للمعايير الصحيحة والسليمة، التي يقبلها العقل وأقرها الشرع. حتى إذا ما واجه هذا الانسان أحيانا مشكلة على مستوى الفهم والنظر والتأمل، فإن عليه أن يبحث، ومن حقه أن يسأل ويستوضح.


(1) الحشر الاية: 7. (2) النساء الاية: 59. (*)

[ 69 ]

ذلك: أن ذلك التسليم والتعبد والانقياد لا يتنافى مع هذا الفكر، والعقل والفهم، والادراك الوجداني. وإنما هو ملازم له، وبحاجة إليه في نظر الاسلام. فالاسلام لا يريد لهذا الانسان ان يعيش حالة الكبت والقهر، وسلب الاختيار ثم الجمود، ليكون - من ثم - آلة بلهاء، لا حياة فيها، ولا حركة. وإنما يريده حرا، مختارا طليقا، يزخر بالحيوية، ويجيش بالحركة، والتطلع والتوثب، يتفاعل مع ما يحيط به، ويعي ما يدور حوله، ويفهمه، ويعيشه، بروحه، وعقله، وبوجدانه، وعاطفته، وبكل وجوده. وذلك من أجل أن يجد السبيل إلى أن يتكامل به ومعه، ويستوعب خصائصه الانسانية ولينسجم - من ثم - مع نفسه، وفكره، ومع وجدانه وفطرته. والاسلام يرى في الفكر والعقل، وفي الفطرة أيضا خير نصير ومعين له، في مجال تحقيق أهدافه، حيث إن ذلك يسهم في تجلي عظمته، ويظهر مزاياه الفريدة، وخصائصه الكريمة والمجيدة. وقد اهتم القرآن والحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وعن المعصومين من أهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين كثيرا في التركيز على الدور الطليعي والرائد، للعقل وللفكر، وللنظر وللتدبر، وذم التقليد والانقياد الاعمى، ولا نرى حاجة لايراد الشواهد. على ذلك، فإن ذلك أظهر من النار على المنار، وأجلى من الشمس في رابعة النهار. والعبارة المتقدمة عنه (صلى الله عليه وآله) ليس إلا واحدا من الشواهد الكثيرة على اهتمام النبي (ص) بإثارة دفائن العقول، وتحريكها نحو الفهم والفكر، والتعقل والتدبر، ليصبح التعبد مرتكزا على أساسه القوي المتين، ومستندا إلى ركنه الشديد الوثيق.

[ 70 ]

ويشبه ما نقرؤه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم هنا. ما نقرؤه عن سبطه ووصيه ووراثه الامام الرضا (عليه السلام)، حينما سأله الحسين بن خالد عن نقش خاتم جده أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقال له: (ولم لم تسألني عما كان قبله) ؟ ! ثم يذكر له خواتيم الانبياء السابقين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (1). وفي مورد آخر، نجد الاصبغ بن نباتة يروي عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال: (ما من شئ تطلبونه إلا وهو في القرآن، فمن اراد ذلك، فليسألني عنه) (3). نعم. وقد أثرت هذه التربية الالهية في شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وبلغت حدا فريدا من نوعه. حتى لنجد زرارة ذلك الرجل العالم التقي يواجه إمامه الامام الباقر (عليه السلام) الذي يعتقد عصمته، وأن قوله قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يواجهه بسؤال: (من أين علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس، وبعض الرجلين ؟ فضحك، ثم قال: يا زرارة، قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ونزل به الكتاب من الله (ثم يذكر له آية الوضوء وغير ذلك من استدلالات لا مجال لذكرها هنا) (3).


(1) راجع الحديث ومصادره في: نقش الخواتيم لدى الائمة الاثنى عشر ص 10 و 11 للمؤلف. (2) الكافي ج 2 ص 457 والوسائل ج 18 ص 135. (3) علل الشرايع ص 279 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 103 والاستبصار ج 1 ص 62، 63 والتهذيب ج 1 ص 61 والكافي ج 1 ص 30 والوسائل ج 1 ص 391 وج 2 ص 980. (*)

[ 71 ]

وكتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق لخير دليل على مدى اهتمامهم (عليهم السلام) بإيراد علل الاحكام لسائلين عنها، وتفهيمهم إياها بالصورة المقبولة والمعقولة، وذلك لما أشرنا إليه. أضف إلى ذلك أنهم (عليهم السلام) كانوا يعلمون شيعتهم كيفية استنباط المعاني والاحكام من أدلتها ومصادرها وذكر شواهد ذلك له مجال آخر (1). ثانيهما: إنه (صلى الله عليه وآله) قد أراد بوصيته للمسلمين بسؤاله عما يفعل في هذه المناسبة. أن يفهمهم، وكل من يصل إليه نبأ هذه الواقعة: أن الاسلام يحفظ للمحسن إحسانه، ولا يبخسه منه شيئا، حيث لا يضيع عند الله عمل عامل من ذكر أو أنثى. ولكنه في حين يريد: أن يعلن أن هذه المرأة الصحالة قد أعطت وقدمت من التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى، ما يجعلها مؤهلة للتكريم والتقدير، والمعاملة المتميزة وعلى المستوى الاعلى، وبالذات من قبل أفضل الخلق، وخاتم الانبياء محمد (صلى الله عليه وآله). إنه في حين يريد أن يعلن ذلك لسبب أو لاخر نجده يختار لهذا التكريم والتقدير، ولهذه المعاملة المتميزة إتجاها لم نعهده من غيره في مجالات كهذه على الاطلاق. فلقد كان هذا التكريم لا يهدف إلى المكافأة الدنيوية، التي ليس فقط يكون مصيرها - كسائر حالات الدنيا وشؤونها - إلى الزوال والفناء. وإنما هي قد تضر بحال من تكون له أو لاجله، نفسيا وروحا - على


(1) راجع على سبيل المثال: الكافي ج 1 ص 33 والتهذيب ج 1 ص 363 والاستبصار ج 1 ص 77، 78 وأطائب الكلم في بيان صلة الرحم للكركي ص 20 والوسائل ج 1 ص 327. (*)

[ 72 ]

الاقل، حينما يأخذ العجب والغرور، والاحساس بالتميز بالنسبة لغيره من إخوانه وأقرانه - وأقل ما يقال في ذلك: أنه من الادواء الخطيرة والمرعبة، ولا أخطر من ذلك ولا أدهى. وإنما اتخذت تلك المكافأة وذلك التكريم، منحى أكثر واقعية، وأعظم نفعا، وابعد عن مزالق الخطر، ومخاطر الادواء، حيث البسها قميصه لتكسى من حلل الجنة، واضطجع في قبرها لتهون عليها ضغطة القبر. وهذا في الحقيقة هو محض الخير، ومنتهى الاحسان، وغاية النعمة حيث تحس به الروح الانسانية أحساسا حقيقيا وواقعيا، وعميقا، حينما يمكن للروح أن تتلقاه عن طريق العقل بكل ماله من شفافية وطهر وصفاء. لم يتكدر صفاؤه، ولا تأثر طهره بأعراض الحياة الدنيا وزخارفها، ولا خفف من درجة الاحساس به حجب الشهوات ولاهواء، ولا الانصراف ولا الانشغال بشواغل وصوارف اللهو واللعب. كما قال تعالى: * (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وزينة وتفاخر بينكم، وتكاثر في الاموال والاولاد، كمثل غبث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا، ثم يكون حطاما وفي الاخرة عذاب شديد ومغفرة...) * (1). وما ذلك إلا لان الدار الاخرة هي التي يتاح للانسان فيها: أن يعيشها بكل خصائصه الانسانية، وبكامل قدراته الحياتية، وهي التي يجد الانسان فيها حقيقتها، ويدرك واقعه كإنسان، وكإنسان فقط. * (وإن الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * (2).


(1) الحديد الاية: 20. (2) العنكبوت الاية: 64. (*)

[ 73 ]

4 - وفاة عمرة بنت مسعود (أم سعد): وفي السنة الخامس في ربيع الاول منها، في غياب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى غزوة دومة الجندل توفيت عمرة بنت مسعود، أم سعد بن عبادة، وكان ولدها سعد غائبا مع النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا وكانت من المبايعات: وقالوا: إنه لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة اتى قبرها، فصلى عليها وذلك بعد أشهر من موتها (1). والكلام حول هذا التكريم قد تقدم فلا نعيد. 5 - وفاة ابى سلمة: ويقال: إن أبا سلمة، عبد الله بن عبد الاسد المخزومي، إبن عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لان امه هي: برة بنت عبد المطلب (2)، - إن أبا سلمة هذا - قد توفي في السنة الرابعة كما سيأتي. كان قد أسلم رحمه الله، بعد عشرة انفس، وكان الحادي عشر، قاله إبن اسحاق (3). وكان قد شهد (بدرا، واحدا، وجرح فيها، جرحه أبو أسامة الجشمي، رماه بمعبلة (4) في عضده، فمكث شهرا يداوي جرحه فبرئ.


(1) راجع: طبقات ابن سعد ج 8 ص 330 و 331 والاصابة ج 4 ص 367 وتاريخ الخميس ج 1 ص 469 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 210. (2) راجع: أسد الغاب ج 3 ص 195 والاصابة ج 2 ص 335 والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 338 والبداية والنهاية ج 4 ص 90 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 وذخائر العقبى وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 209. (3) الاصابة ج 2 ص 335 والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 138، 338 وأسد الغابة ج 3 ص 196 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) 209. (4) المعبلة بكسر الميم، نصل طويل عريض. (*)

[ 74 ]

فيما يرى، وقد اندمل الجرح على بغي لا يعرفه، فبعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة سرية إلى بني أسد، بقطن. فغاب بضع عشرة ليلة، ثم قدم المدينة، فانتقض به الجرح، فاشتكى ثم مات لثلاث ليال بقين من جمادى الاخرة) (1). وإذن. فقد كانت وفاته في اوائل السنة الرابعة (2)، ونسب ذلك إلى الجمهور. وقيل: توفي رحمه الله في سنة ثلاث، في جمادى الاخرة ونقل هذا عن أبي عمر أيضا (3). وفي نقل آخر عن ابي عمر، وابن مندة: أنه توفي سنة اثنتين (4).


(1) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 171 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 450 وتهذيب الاسماء واللغات قسم اللغات ج 2 ص 240 وذخائر العقبى ص 253، 254 والاصابة ج 2 ص 335 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 174 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 و 90 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 209. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 350 عن المتقى، والمواهب اللدنية وأسد الغابة ج 3 ص 196 عن مصعب الزبيري وأنساب الاشراف ج 1 (سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)) ص 429 والبداية والنهاية ج 4 ص 90 و 62 والسيرة النبوية لابن كثيرة ج 3 ص 174 و 122 والمغازي للواقدي ج 1 ص 343 والاصابة ج 2 ص 335 عن ابن سعد وأبي بكر، زنجويه، ثم قال: (.. وبه قال الجمهور، كابن أبي خيثمة، ويعقوب بن سفيان، وابن البرقي، والطبري وآخرون). (3) أسد الغابة ج 3 ص 196 وتاريخ الخميس ج 1 ص 450 عن الصفوة، والاصابة ج 2 ص 335 عن أبي عمر، والاستيعاب بهامشه ج 4 ص 82 وج 2 ص 338. (4) أسد الغابة ج 3 ص 196 و 197 والاصابة ج 2 ص 335 والاستيعاب بهامشه ج 4 ص 421، 422 ذكر زواج النبي (صلى الله عليه وآله) بأم سلمة في شوال في السنة الثانية.. (*)

[ 75 ]

فيقع التنافي بين كلامي أبي عمر، في نفس الكتاب. وقد قدمنا في الجزء الخامس: أن الاقرب هو أن النبي (ص) قد تزوج بأم سلمة في السنة الثانية، ومعنى ذلك أن زوجها الاول، وهو أبو سلمة كان قد مات قبل ذلك. وذلك يدل على ان سرية قطن قد كانت في السنة الثانية ايضا. ومهما يكن من أمر، فقد حضر النبي (صلى الله عليه وآله) موت أبي سلمة، وأغمضه بيده (1)، كان قد أتاه ليعوده، فصادف خروج نفسه (2) فضج ناس من أهله، فقال (صلى الله عليه وآله): لا تدعوا على انفسكم إلا بخير، فان الملائكة يؤمنون. ثم قال: اللهم اغفر لابي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا، وله يا رب العالمين (3). (فغسل من (اليسيرة)، بئر بني أمية بن زيد بالعالية. وكان ينزل هناك حين تحول من قباء. غسل بين قرني البئر. وكان اسمها في الجاهلية (العبير) فسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اليسيرة) ثم حمل من بني أمية بن زيد، فدفن في المدينة) (4). من حياة أبي سلمة: واخيرا. فانهم يقولون: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كان


(1) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 172 وتاريخ الخميس ج 1 ص 450 وأسد الغابة ج 3 ص 196 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 209. (2) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 172. (3) أسد الغابة ج 3 ص 196 وراجع: ذخائر العقبى ص 254 وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 172. (4) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 172 والمغازي للواقدي ج 1 ص 343. (*)

[ 76 ]

قد آخى بين ابي سلمة، وبين سعد بن خيثمة (1). ولما اقطع رسول الله (ص) الدور في المدينة، جعل لابي سلمة موضع داره، عند دار بني عبد العزيز الزهريين اليوم، وكانت معه أم سلمة، فباعوه بعد ذلك، وتحولو إلى بني كعب (2). واستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابا سلمة على المدينة، لما سار إلى غزوة العشيرة، سنة اثنتين من الهجرة (3). وسيأتي حين الكلام على سرية قطن، بعض ما يذكرونه عنه: انه فعله في هذه السرية. ورغم: ان الكثير مما تقدم يحتاج إلى بحث وتحقيق، لكننا سوف نعتبره من الامور التي لانجد ضرورة ملحة لمعالجتها في الوقت الحاضر، ولاجل ذلك، فنحن نرجئ الحديث عنها إلى فرصة اخرى، ووقت آخر، ونكتفي بتسجيل ملاحظات يسيرة، رأينا في الاشارة إليها بعض الفائدة، أو هكذا خيل لنا. والملاحظات هي التالية. هجرة ابي سلمة إلى الحبشة وإلى المدينة: ويقولون: ان ابا سلمة كان قد: (هاجر إلى الحبشة، وكان اول من هاجر إليها. وقال ابن مندة، هو اول من هاجر بظعينته الى الحبشة، وإلى المدينة) (4) فهو إذن قد كان الاول من الهجرتين معا.


(1) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 171. (2) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 171. (3) أسد الغابة ج 3 ص 196 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 338. (4) ذخائر العقبى ص 253 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 209 وثمة مصادر كثيرة أخرى تقدمت طائفة منها في الجزء الثالث من هذا الكتاب. (*)

[ 77 ]

وكان أبو سلمة قد التجأ - في أول الامر - إلى خاله أبي طالب، شيخ الابطح رحمه الله، حينما اشتد البلاء على المسلمين، فمنعه أبو طالب، ورفض تسليمه إلى بني مخزوم (1) ثم كانت الهجرة إلى الحبشة، فكان أول من هاجر إليها. وأما بالنسبة إلى هجرته إلى المدينة، فإنه حينما قدم من الحبشة إلى مكة وآذته قريش، وقد بلغه إسلام من أسلم من الانصار، خرج إليها، وذلك قبل بيعة العقبة (2). وكان قدومه إلى المدينة لعشر خلون من المحرم، ونزل على مبشر بن عبد المنذر (3). ومما تقدم يظهر: أن قولهم: إن عثمان كان أول من هاجر إلى الحبشة بأهله، لا يصح، ولا أقل من أنه يصير محل شك وريب، وقد المحنا إلى ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: الهجرة إلى الحبشة. أبو سلمة في حنين (! !) قال ابن مندة: شهد أبو سلمة بدرا، وأحدا، وحنينا والمشاهد ومات بالمدينة، لما رجع من بدر (4). ونقول: اولا: إن غزوة حنين قد كانت سنة ثمان، فمن مات بعد رجوعه من


(1) أسد الغابة ج 3 ص 196. (2) ذخائر العقبى ص 253. (3) طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 171. (4) أسد الغابة ج 3 ص 196 و 197. (*)

[ 78 ]

بدر، التي كانت في شهر رمضان المبارك، في السنة الثانية كيف يشهد حرب حنين ؟ ! وثانيا (1): قد تقدم أنه مات في السنة الرابعة على ما قاله الجمهور، أو في الثالثة، ونحن قد قوينا: أن وفاته كانت في الثانية. ونسب ذلك إلى أبي عمر، ولكن في كلام أبي عمر تناقض حسبما ألمحنا إليه. نزول آية في أبي سلمة: ويقولون: إن قوله تعالى: * (فأما من أوتى كتابه بيمينه فيقول: هاؤم اقرؤا كتابيه) * (2). قد نزلت في أبي سلمة رحمه الله تعالى (3). ولكن قد ورد أن هذه الاية قد نزلت في أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، روي ذلك عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق، وابن عباس، فراجع (4).


(1) أشار إلى هذين الايرادين على ابن مندة في أسد الغابة ج 3 ص 197. (2) الحاقة الاية: 19. (3) راجع: اسد الغابة ج 3 ص 196، والتبيان ج 10 ص 100 وفيه: أبو سلمة بن عبد الاسود، وروى ذلك عن الفراء، والجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 270، عن الضحاك، ومقاتل، والاصابة ج 2 ص 335 عن الاوائل لابن أبي عاصم، عن ابن عباس. (4) تفسير البرهان ج 4 ص 377 و 378 وراجع: تفسير الميزان ج 19 ص 402. (*)

[ 80 ]

الفصل الخامس: رجم اليهوديين حقيقة أم خيال

[ 81 ]

اليهود والرجم في القرآن (! !) ويقولون: إن بعض الايات القرآنية قد نزلت في مناسبة ترتبط باليهود، وموقفهم من الرجم في الزنا. والايات في سورة المائدة، وهي التالية: بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه، فاحذروا، ومن يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الاخرة عذاب عظيم، سماعون للكذب أكالون للسحت، فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم، فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوارة فيها حكم الله، ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا، والربانيون والاحبار، بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس، واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل

[ 82 ]

الله، فأولئك هم الكافرون، وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس والعين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون) * (1) إلى آخر الايات رقم 50. وأما القصة التي يقال: ان الايات نزلت من أجلها، فإن نصوصها شديدة الاختلاف، بينة التهافت، ونحن نذكر خلاصات عنها على النحو التالي. نص الرواية: ذكروا: انه في ذي القعدة من السنة الرابعة رجم رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهوديا، ويهودية، زنيا، ونزل في هذه المناسبة قوله تعالى: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) * (2). وقيل: بل كان ذلك في شوال من السنة الرابعة (3). وعن أبي هريرة: إن ذلك كان حين قدوم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة (4) وللرواية نصوص متعددة ومختلفة نذكر منها: 1 - عن ابن عمر: إن اليهود أتوا النبي (صلى الله عليه وآله) برجل


(1) المائدة الاية: 41 - 45. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 467 وراجع: عون المعبود ج 12 ص 131 عن القسطلاني، وشرح الموطأ للزرقاني ج 5 ص 80 والسيرة الحلبية ج 2 ص 117 أما الذهبي، فذكر ذلك في السنة الرابعة من دون تحديد الشهر فراجع: تاريخ الاسلام (المغازي) ص 210. (3) التنبيه والاشراف ص 223. (4) نصب الراية ج 3 ص 326 وسنن أبي داود ج 4 ص 156 وعمدة القاري ج 18 147 وفتح الباري ج 12 ص 151 و 152. (*)

[ 83 ]

وامرأة منهم قد زنيا، فقال ما تجدون في كتابكم ؟. (وحسب نص آخر عنه: كيف تفعلون بمن زنى منكم ؟). فقالوا نسخم وجوههما، ويخزيان. وفي نص آخر عنه: نفضحهم، ويجلدون، وفي نص ثالث أيضا: نحممهما، ونضربهما)، فسألهم: إن كان يجدون الرجم في التوراة، فانكروا. فقال (صلى الله عليه وآله): كذبتم، إن فيها الرجم، فاتوا بالتوراة، فاتلوها إن كنتم صادقين (وفي نص آخر: عن ابن عمر أيضا: ان ابن سلام قال لهم ذلك). فجاؤا بالتوراة، وجاؤا بقارئ لهم أعور، يقال له: ابن صوريا. (وفي نص آخر عنه: فدعا - أي النبي (صلى الله عليه وآله) - ابن صوريا). فقرأ، حتى انتهى إلى موضع منها، وضع يده عليه، فقيل له: (وفي نص آخر، فقال له ابن سلام) ارفع يدك، فرفع يده، فإذا هي تلوح، فقال: أو قالوا: إن فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله (ص) فرجما (وفي نص آخر عنه: فرجمهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بالبلاط). (وفي نص ثالث عنه أيضا: إنهما رجما قريبا من حيث توضع الجنائز في المسجد). قال: فلقد رأيته يجانئ عليها، يقيها الحجارة بنفسه (1).


(1) راجع في النصوص المختلفة لرواية ابن عمر، المصادر التالية: منحة المعبود ج 1 ص 301 ومسند الطيالسي ص 253، 254 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 854 ومسند أحمد ج 2 ص 5 وأشار إلى ذلك بصورة مجملة أو مفصلة في ص 7 و 62 و 63 و 76 و 126 و 280 وج 4 ص 355 وج 5 ص 91 و 97 و 94 و 104 وراجع: المسند للحميدي ج 2 ص 306 والجامع الصحيح ج 4 ص 43 والمنتقى ج 2 (*)

[ 84 ]

2 - وفي نص آخر: إن اليهود دعوا رسول الله (ص) إلى القف (1)، فأتاهم في بيت المدارس فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم. فوضعوا للرسول (صلى الله عليه وآله) وسادة فجلس عليها، ثم قال: ائتوني بالتوراة. فأتي بها. فنزع الوسادة من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: آمنت بك، وبمن أنزلك. ثم قال: ائتوني بأعلمكم. فأتي بفتي شاب.


ص 706 وكنز العمال ج 5 ص 244 و 245 وعمدة القاري ج 24 ص 19 و 18 وج 23 ص 294 والمصنف للصعناني ج 7 ص 318 و 319 وجامع البيان ج 6 ص 103 و 163 و 152 و 156 و 157 والمغني ج 10 ص 129 و 130 والشرح الكبير بهامشه ج 10 ص 162 وعون المعبود ج 12 ص 138 - 145 والسيرة الحلبية ج 2 ص 116 و 117 والدر المنثور ج 2 ص 282 ونصب الراية ج 3 ص 326 عن الستة وعن ابن حبان في صحيحه وصحيح البخاري ج 4 ص 117 وراجع ص 114 وج 3 ص 74 وتاريخ الخميس ج 1 ص 467 وسنن الدارمي ج 2 ص 178، 179 والسنن الكبرى ج 8 ص 246 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 58 وراجع: فتح الباري ج 12 ص 114 و 115 و 148 - 153 والموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ج 3 ص 38 وسنن أبي داود ج 4 ص 153 وراجع: صحيح مسلم ج 5 ص 122 وأعلام الموقعين ج 4 ص 467، 368 وفتح القدير ج 2 ص 44 وتفسير الخازن ج 1 ص 464 وفي ظلال القرآن ج 2 ص 894. (1) القف - بالضم -: اسم واد بالمدينة. وفي بعض المصادر: الاسقف: بدل القف. (*)

[ 85 ]

ثم ذكر قصة الرجم (1). 3 - في نص آخر: عن البراء بن عازب قال: مر النبي (صلى الله عليه وآله) بيهودي محمم مجلود (2) فدعاهم، فقال: هكذا تجدون في كتابكم حد الزاني ؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزنى ؟ قال: لا، ولولا انك نشدتني لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في اشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا اخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد. ثم تذكر الرواية اختيارهم هذا الحل. إلى أن تقول الرواية: وأمر به فرجم فأنزل الله: * (يا أيها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر..) * إلى قوله: * (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه..) * إلى قوله: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * قال: في اليهود، إلى قوله: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون) *. قال: في اليهود وإلى قوله: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون إلخ) * (3).


(1) سنن أبي داود ج 4 ص 155 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 58، والجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 178 وعمدة القاري ج 23 ص 294 وفتح الباري ج 12 ص 149. (2) محمم أي مسود الوجه بالحمم، وهو ما أحرق من خشب ونحوه. (3) راجع في الحديث: سنن البيهقي ج 8 ص 246 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 855 والنص لهما وصحيح مسلم ج ص 122، 123 وسنن أبي داود ج 4 ص 154 والمنتقى من أخبار المصطفى ج 2 ص 706، 707 ومسند أحمد ج 4 ص 286 وجامع البيان للطبري ج 6 ص 150 و 164 وتفسير النيسابوري بهامشه ج 6 ص 141 وتفسير القرآن ج 2 ص 59 والدر المنثور ج 2 ص 282 و 285 عن أحمد ومسلم وابن داود والنسائي، والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وابن مردويه والجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 177 وراجع: (*)

[ 86 ]

4 - وفي رواية عن جابر: جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ائتوني بأعلم رجلين فيكم، فاتوه بإبني صوريا. ثم تذكر الرواية مناشدته (ص) لهما، وإقرارهما بالرجم في التوراة، إذا شهد أربعة أنهم نظروا إليه مثل الميل في المكحلة، إلى أن قالت الرواية: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشهود فجاء أربعة فشهدوا، فأمر برجمهما (1). 5 - وفي نص آخر، عن الامام الباقر (عليه السلام) ما ملخصه: أن المرأة كانت من خيبر، وكانت ذات شرف، زنت مع آخر من أشرافهم، وكانا محصنين، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة، ليسألوا النبي (ص) طمعا في أن يأتيهم برخصة، فانطلق قوم منهم كعب بن الاشرف، وكعب بن اسيد بن عمرو، وشعبة ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم، فسألوه، فنزل جبرئيل بالرجم، فأخبرهم، فأبوا، فقال له جبرئيل، اجعل بينك وبينهم إبن صوريا. وهو شاب امرد ابيض أعور يسكن بفدك، فناشده، (صلى الله عليه وآله) أن يخبره عن الرجم في التوراة، فاعترف به، إذا شهد أربعة شهداء بالرؤية المباشرة، ثم كان سؤال وجواب. ثم أمر النبي (ص) بهما فرجما عند باب مسجده. فأنزل الله: * (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما


فتح الباري ج 12 ص 150. (1) راجع مجمع الزوائد ج 6 ص 271، 272 وكشف الاستار ج 2 ص 219 وسنن أبي داود ج 4 ص 156 وتفسير الخازن ج 1 ص 464 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 59 والدر المنثور ج 2 ص 282 و 283 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وابن المنذر والحميدي في مسنده، وأبي داود وابن ماجة، وابن مردويه وتفسير الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 177 وفتح الباري ج 12 ص 150. (*)

[ 87 ]

كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير) * (1). ثم تذكر الرواية طلب ابن صوريا من النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يذكر الكثير الذي عفا عنه في الاية، فاستجاب لطلبهم، ثم سأله ابن صوريا بعض الاسئلة، ثم أسلم، فوقعت فيه اليهود، وشتموه، فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظه ببني النضير. ثم تذكروا الرواية ما سيأتي من قضية القود والدية والتحميم والتجبيه عند قتل واحد من هذه القبيلة أو تلك، فانتظر (2). 6 - وعن إبن عباس: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر برجمهما عند باب المسجد، فلما وجد اليهودي مس الحجارة أقام على صاحبته، فحنى عليها، يقيها الحجارة حتى قتلا جميعا، فكان مما صنع الله لرسوله (ص) في تحقيق الزنا منهما. وعند الطبراني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) أتي بيهودي ويهودية فد أحصنا، فسألوه أن يحكم بينهما بالرجم، فرجمهما في فناء المسجد (3).


(1) المائدة الاية: 15. (2) راجع تفسير البرهان ج 1 ص 472، 473 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 522 ومجمع البيان ج 3 ص 193 وروي عن غيره نظيره فراجع: تفسير الخازن ج 1 ص 463، 464 والسيرة الحلبية ج 2 ص 116، 118 117 وراجع: شرح الموطأ للزرقاني ج 5 ص 80 ص 83 والتفسير الكبير ج 11 ص 232، 233 وفتح القدير ج 2 ص 23 وتفسير النسفي بهامش الخازن ج 1 ص 465 وتفسير الطبري ج 6 ص 103 و 104 و 157 وتفسير النيسابوري بهامشه ج 6 ص 142 وتفسير التبيان ج 3 ص 520. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 271 عن أحمد والطبراني ومسند أحمد ج 1 ص 261 وراجع: فتح الباري ج 12 ص 151. (*)

[ 88 ]

7 - وفي نص أخر عنه: ان رهطا أتوا النبي (ص)، جاؤا معهم بإمرأة، فقالوا: يا محمد، ما أنزل عليك بالزنا ؟ فقال: إذهبوا فأتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فذهبوا فاتوه برجلين أحدهما شاب فصيح، والاخر شيخ قد سقط حاجبه على عينيه، حتى يرفعهما بعصابة، فناشدهما أن يخبراه بما أنزل الله على موسى في الزاني، فأخبراه بنزول الرجم... إلى أن تقول الرواية: فقال: إذهبوا بصاحبتكم ؟ فإذا وضعت ما في بطنها فارجموها (1). 8: وعن أبي هريرة رواية طويلة مفصلة، وملخصها: أن يهوديين زنيا، فقرر علماؤهم رفع أمرهما إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإن حكم بالرجم، كما في التوراة خالفوه، كما لم يزالوا يخالفونها في ذلك، وإن حكم بما هو أخف من ذلك أخذوا به، واعتذروا إلى الله، بأنهم عملوا بفتيا نبي من أنبياءه. فأتوه إلى المسجد، فسألوه، فلم يجبهم، بل قام ومعه بعض المسلمين حتى أتى مدارس اليهود. وهم يدرسون التوراة، فقام (صلى الله عليه وآله) على الباب، وناشدهم أن يخبروه بحكم التوراة في الزاني المحصن قالوا: يحمم ويجبه (والتحميم تسويد الوجه، والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل اقفيتهما، ويطاف بهما). وسكت حبرهم الشاب. ثم اعترف للنبي بالرجم في التوراة، ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله) برجمهما. (فبلغنا: أن هذه الاية انزلت فيه: * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى،


(1) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 271 عن الطبراني وراجع تفسير جامع البيان للطبري ج 6 ص 153 وراجع الدر المنثور ج 2 ص 282 عن ابن جرير، والطبري، وابن مردويه، وراجع فتح الباري ج 12 ص 149. (*)

[ 89 ]

ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) * (1) وكان النبي (ص) منهم (2). 9 - وفي رواية أخرى عنه، جاء في آخرها: فخير في ذلك، قال: * (فإن جاؤوك، فاحكم بينهم، أو أعرض عنهم) * (3). 10 - وعند البيهقي عنه: أن أحبار يهود، إجتمعوا في بيت المدارس، حين قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة، وقد زنا منهم رجل بعد إحصانه بامرأة من اليهود قد أحصنت، فقالوا: إنطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد (ص) فسلوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم عليهما، فإن عمل بعملكم فيهما من التجيه... إلى أن قال:


(1) المائدة الاية: 44. (2) راجع: كنز العمال ج 5 ص 245 - 247 والمصنف ج 7 ص 316 - 318 وليراجع: سنن أبي داود ج 4 ص 155، 156 وأعلام الموقعين ج 4 ص 368 وفتح القدير ج 2 ص 43 وعن عبد الرزاق وأحمد، وعبد بن حميد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل والسنن وابن إسحاق وابن المنذر وتفسير الطبري ج 6 ص 151 و 161 وراجع: شرح الموطأ للزرقاني ج 5 ص 81 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 58، 59 والدر المنثور ج 2 ص 282 عن عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبي داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل وتفسير القرطبي ج 6 ص 178 وراجع: فتح الباري ج 12 ص 148. (3) راجع: كنز العمال ج 5 ص 245 - 247 والمصنف ج 7 ص 316 - 318 وليراجع سنن أبي داود ج 4 ص 155، 156 وأعلام الموقعين ج 4 ص 368 وفتح القدير ج 2 ص 43 عن عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل والسنن وابن إسحاق وابن المنذر وتفسير الطبري ج 6 ص 151 و 161 وراجع: شرح الموطأ للزرقاني ج 5 ص 81 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 58، 59 والدر المنثور ج 2 ص 282 عن عبد الرزاق وأحمد، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل وتفسير القرطبي ج 6 ص 178 وراجع: فتح الباري ج 12 ص 156. (*)

[ 90 ]

فاتبعوه وصدقوه، فإنما هو ملك، وإن هو حكم فيهما بالرجم. فاحذروا على ما في أيديكم ان يسلبكموه. إلى أن تقول الرواية: إنه طلب من اليهود أن يخرجوا إليه أعلمهم، فأخرجوا له ابن صوريا الاعور. وقد روى بعض بني قريظة: أنهم اخرجوا إليه مع ابن صوريا، أبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا فقالوا: هؤلاء علماؤنا. إلى أن تقول الرواية: قالوا لابن صوريا: هذا أعلم من بقي بالتوراة، فخلى به رسول الله (ص) وكان غلاما شابا، ومن أحدثهم سنا فألظ به المسألة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم تذكر الرواية: مناشدة النبي (صلى الله عليه وآله) له، واعترافه بأن التوراة جاءت بالرجم، فخرج (ص) وأمر بهما، فرجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: * (يا أيها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر...) * إلى قوله: * (سماعون لقوم آخرين، لم يأتوك) * يعني الذين لم يأتوه وبعثوا وتخلفوا أو أمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه، قال: * (يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون: إن أوتيتم هذا فخذوه (للتجبيه) وإن لم تؤتوه (أي الرجم) فاحذروا..) * (1). هذا. وقد صحح القرطبي نزول الايات بهذه المناسبة (2) وهو ما


(1) راجع السنن الكبرى ج 8 ص 246، 247، وتفسير جامع البيان ج 6 ص 150 والسيرة الحلبية ج 2 ص 117 والدر المنثور ج 2 عن 281 عن ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي وراجع: فتح الباري ج 12 ص 150 وراجع في النصوص المتقدمة: عمدة القاري ج 23 وج 24 وفتح الباري ج 12 ص 148 - 155 وإرشاد الساري، وغير ذلك. (2) الجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 176. (*)

[ 91 ]

اعتمده كثير من المفسرين. ولكن نصا آخر ذكر أنهم سألوا النبي (ص) فأفتاهم بالرجم فأنكروه، فناشد أحبارهم فكتموا حكم الرجل إلا رجلا من أصاغرهم أعور، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه في التوراة (1). 11 - وأخيرا. فقد نقل إبن العربي، عن الطبري، والثعلبي عن المفسرين، قالوا: إنطلق قوم من قريظة والنضير، منهم كعب بن الاشرف، وكعب بن أسد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، ويوسف بن عازوراء، فسألوا النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان رجل وإمرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، وإسم المرأة (بسرة) وكانت خيبر حينئذ حربا، فقال لهم: إسألوه، فنزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: إجعل بينك وبينهم ابن صوريا إلخ.. (2). مناقشة النص: وبعد ما تقدم، فإننا نسجل على الروايات المتقدمة المؤخذات التالية: 1 - إن مقارنة سريعة فيما بين هاتيك النصوص كافية للتدليل على مدى ما بينها من اختلاف، وتناقض ظاهر، وصريح حتى في روايات الراوي الواحد، حتى إنك لا تكاد تجد فقرة، إلا وثمة ما ينافرها ويناقضها، الامر الذي لا يدع مجالا للشك بأن التصرف والتغيير لم يكن


(1) فتح الباري ج 12 ص 150. (2) فتح الباري ج 12 ص 148 وتسمية المرأة ب‍ (بسرة) ذكره السهيلي وغيره أيضا فراجع: عمدة القاري ج 18 ص 147 وعون المعبود ج 12 ص 131 وكذا في جامع البيان للطبري أيضا. (*)

[ 92 ]

عفويا، وإنما ثمة تعمد للتصرف. والتزوير في هذه القضية. فلا يمكن أن تكون الحقيقة هي كل ما تقدم على الاطلاق. ولئن استطاعت بعض التمحلات للجمع - وبعضها ظاهر السخف والتفاهة - التخفيف من حدة التنافي في بعض الموارد، فإن ذلك إنما يأتي في موارد محدودة، وتبقى عشرات الموارد الاخرى على حالها من الاختلاف والتنافر. 2 - ذكرت بعض الروايات نزول قوله تعالى: * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم. من الذين هادوا، سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين لم يأتوك إلخ..) *. في ابن صوريا الذي أسلم، ثم كفر بعد ذلك، أو في طائفة اليهود التي قامت بهذه اللعبة. وتقول: إن ذلك لا يمكن ان يصح، فإنه عدا عن ان سورة المائدة قد نزلت قبيل وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله). فإن هاتين الايتين لا تنطبقان على المورد، وذلك لان مفادهما وجود فريقين: أحدهما: يسارع في الكفر، ويظهر الايمان ويبطن الكفر. والثاني: فريق يهودي سماع للكذب، سماع لوقم آخرين. ويظهر أن الفريق الاول ليس من طائفة اليهود، وإنما هو من المنافقين بقرينة التنصيص على كون الفريق الثاني كان يهوديا، المشعر بأن الفريق الاول لم يكن من طائفة اليهود. مع أن الرواية التي تذكر نزول الايتين في إبن صوريا أو في طائفة اليهود تجعل الفريقين واحدا، وهو خلاف ظاهر الايتين. 3 - قد جاء في رواية ابن عباس: أن اليهودي لما وجد مس

[ 93 ]

الحجارة، (حنى على صاحبته يقيها الحجارة، حتى قتلا جميعا، فكان مما صنع الله لرسوله (صلى الله عليه وآله) في تحقيق الزنا منهما). لم نفهم كيف يكون حنوه عليها، ليقيها الحجارة دليلا على تحقيق الزنا منهما، فإن الانسان قد يعطف حتى على الحيوان، فضلا عن الانسان. فلا يمكن ان يكون حنوه عليها، ولا على غيرها دليلا على شئ من هذا القبيل. 4 - لقد نصت رواية ابي هريرة، على أنهم يعتذرون إلى الله سبحانه عن ترك الرجم، بأنهم قد علموا بفتيا نبي من أنبيائه (يعني محمدا (صلى الله عليه وآله)). ومعنى ذلك هو أنهم يعتقدون بنبوته (ص) فلا يكون من اليهود. لكن نصا آخر عن أبي هريرة نفسه يقول: إنه إن أفتى بغير الرجم، فإنه يكون ملكا، وإن أفتى بالرجم، فذلك دليل على كونه ملكا. فنبوته إذن توجد لهم الحذر من أن يسلبهم ما في أيديهم، وليس ثمة اعتذار منهم إلى الله سبحانه وإن افتاهم بغير الرجم، فذلك دليل على كونه ملكا. ومعنى ذلك هو ترددهم في نبوته وعدمها، وذلك بعكس النص السابق. 5 - إن الايات التي في سورة المائدة، ويدعي نزولها في هذه المناسبة وهي الايات 41 - 50 لم تتعرض لحكم التوراة في الزنا أصلا، وإنما تعرضت بالتفصيل لاحكام القتل والجروح، ونحوها. مع أنها لو كانت نازلة في هذه المناسبة، فإن المفروض هو أن تبين حكم الواقعة المختلف فيها، والتي أوجبت نزولها، والذي يلاحظ الايات المذكورة، فإنه يجدها مترابطة ومنسجمة مع بعضها البعض، ويدرك: أنها نزلت في

[ 94 ]

واقعة واحدة، لا أن كل واحدة منها نزلت في واقعة تختلف عن الواقعة التي نزلت فيها الاية الاخرى. 6 - إن بعض الروايات تفيد: أنه (صلى الله عليه وآله) هو الذي عرض نفسه للحكم في هذه المسألة، حينما رآهم يجرون أحكام دينهم على الزانيين، فتدخل هو نفسه متبرعا، وانجر الامر إلى الحكم بالرجم. مع أن الايات المذكورة تقول: * (فإن جاؤوك، فاحكم بينهم، أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم، فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) *. إذن فحكمه (صلى الله عليه وآله) بينهم معلق على مجيئهم إليه، وترافعهم * (فإن جاؤوك فاحكم) *. أضف إلى ذلك: أن الاية تقول: * (فاحكم بينهم) *، الظاهر بحدوث خلاف بين المترافعين، والمتنازعين، يحتاج إلى الحكم، وفصل الخصومة فيه، وليس في النصوص المتقدمة ما يشير إلى حدوث خلاف في أمر الزانيين المرجومين، بل في بعضها تلويح، بل تصريح بعدمه. 7 - ويلاحظ على بعض الروايات أيضا: محاولة إظهار تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) للتوراة، التي كانت لديهم، وإيمانه (صلى الله عليه وآله) بما جاء فيها. وهذا هو ما دعا البعض إلى القول بأن التوراة لم تتعرض للتحريف، حيث استدل بالروايات المتقدمة على ذلك (1). ولعل مما يزيد في تأكيد ذلك وتثبيته قولهم بنزول آية: * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذي أسلموا للذين هادوا) * في هذه المناسبة.


(1) راجع فتح الباري ج 12 ص 153. (*)

[ 95 ]

على أساس أن مراد الاية - والحالة هذه - بالتوراة التي لها هذه المواصفات هو نفس هذه التوراة التي عظمها رسول الله (ص)، وقرأها ابن صوريا، وعليه فان التوراة التي كانت بحوزة اليهود كانت سليمة عن التحريف، بنص الاية الشريفة. مع أن تحريف التوراة كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار. وقد حاول العسقلاني دفع هذه الغائلة، بطرح فكرة: أن المراد: أنه (صلى الله عليه وآله) مؤمن بما جاء في أصل التوراة، لا بهذه التوراة المحرفة (1). وهو تمحل ظاهر، فإنه (صلى الله عليه وآله) إنما خاطب بكلامه هذا خصوص التوراة الموضوعة أمامه. واحتمال أن تكون خصوص تلك النسخة غير محرفة، دون غيرها (2). يدفعه أن من غير المعقول أن يأتوه بالتوراة الصحيحة، لاجل التحاكم إليها، وليس من الممكن لهم تسجيل إدانة ضدهم، بأنهم يتعاملون بتوراتين: إحداهما محرفة، والاخرى صحيحة ! ! 8 - وحين قال البعض: إن حكم الرجم لم يكن مشرعا في الاسلام، فإنه ادعى أنه (صلى الله عليه وآله) إنما رجمهما بحكم التوراة، فإنه (ص) كان أول قدومه إلى المدينة مأمورا بإتباع التوراة، والعمل بها حتى يأتي ناسخ، ثم نسخ التوراة بالرجم، بعد ذلك (3).


(1) المصدر السابق. (2) راجع: فتح الباري ج 12 ص 153. (3) فتح الباري ج 12 ص 151 وراجع المصادر الاتية في الهامش التالي ايضا. (*)

[ 96 ]

وأجابوا عن ذلك: بأن اليهود إنما جاؤا يسألون النبي (صلى الله عليه وآله) عن الحكم الذي عنده، وقد قال سبحانه: * (وان أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم) *. فمراجعته للتوراة، إنما كانت من أجل أن يثبت لليهود، أن حكم التوراة لا يخالف حكم القرآن (1). هذا كله عدا عن الاحاديث التي أشرنا إليها في عدة مواضع، من أنه (صلى الله عليه وآله) كان يخالف اليهود في كل مورد، حتى قالوا: (إن محمدا يريد أن لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه) (2). 9 - وأما أنه (صلى الله عليه وآله) قد رجم اليهوديين في أول قدومه المدينة، أو في السنة الرابعة، ويؤيد الاول ذكر كعب بن الاشراف في عدد من النصوص، مع أن كعبا قد قتل قبل السنة الرابعة بمدة طويلة، أما ذلك فيرد عليه: أ: إنهم يقولون: إن عبد الله بن الحرث بن جزء قد حضر ذلك، وعبد الله إنما قدم المدينة مسلما بعد فتح مكة. ب: إنه يظهر من حديث ابن عباس: أنه هو أيضا قد شاهد ذلك، أي وإبن عباس إنما قدم المدينة مع أبيه بعد فتح مكة أيضا. ج: إن الايات التي يدعى نزولها في هذه المناسبة قد جاءت في سورة المائدة، النازلة في أواخر أيام حياته (صلى الله عليه وآله)، وقد


(1) فتح الباري ج 12 ص 152 وراجع: المغني لابن قدامة ج 10 ص 130 والشرح الكبير بهامشه ج 10 ص 162، 163، وراجع أيضا: عون المعبود ج 12 ص 133. (2) قد تحدثنا عن إصرار النبي (صلى الله عليه وآله) على مخالفة اليهود في الجزء الرابع من هذا الكتاب فراجع. (*)

[ 97 ]

نزلت دفعة واحدة، كما سنشير إلى إن شاء الله تعالى. د: قال العيني: (وقد وقع الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور، لان نزولها كان في قصة الافك، واختلف هل كان سنة اربع، أو خمس، أو ست، والرجم كان بعد ذلك، وقد حضره أبو هريرة، وإنما أسلم سنة سبع) (1). وبعدما تقدم، فكيف يكون رجم اليهوديين في السنة الرابعة، أو في أول الهجرة ؟ ! 10 - وترد هنا الاسئلة التالية: لماذا عرف المؤرخون، إسم المرأة المرجومة ولم يعرفوا إسم الرجل (2) ؟ ! ولماذا يستفتي اليهود النبي (صلى الله عليه وآله) حينما كرهوا رجم صاحبيهما ؟ وكيف ذكرت رواية الامام الباقر (عليه السلام) التحميم والتجبيه عند القتل، لا عند الزنا ؟ ثم إننا لم نفهم المراد من كونه كان يجانئ (أي ينحنى) على المرأة، يقيها الحجارة بنفسه، فهل كانا في حفرة واحدة ؟ ! أضف إلى ذلك: أن الرواية عن الامام الباقر (عليه السلام) تفيد: أن الرجم كان معمولا به عند اليهود حتى ذلك الوقت، حيث تقول: إن اليهود كرهوا رجم صاحبيهما، ولذلك استفتوا النبي (صلى الله عليه وآله). 11 - إن نزول الايات المتقدمة في اول البحث: * (واحكم بينهم بما انزل الله) *، وغير ذلك من آيات تقدمت، غير معقول، وذلك للامور


(1) عمدة القاري ج 23 ص 291. (2) راجع: عون المعبود ج 12 ص 131. (*)

[ 98 ]

التالية: أ: لان هذه الايات في سورة المائدة: 41 - 47 وسورة المائدة كانت من آخر ما نزل، فلا يعقل أن يحتفظ بهذه الايات من أول الهجرة إلى قبيل وفاته (صلى الله عليه وآله)، ثم تنزل سورة المائدة، فيجعلها فيها (1). ب: أضف إلى ذلك أنهم يقولون: إن سورة المائدة قد نزلت كلها، دفعة واحدة، فراجع (2). ج: إنهم قد ذكروا سببا آخر لنزول الايات في بني النضير، وبني قريظة، وهو: أن بني النضير، كانوا أكثر مالا، وأحسن حالا من بني قريظة، وكانوا حلفاء لابن أبي، وكان من يقتل منهم، لا يرضون من بني قريظة بالقود، بل يلزمونهم بالدية وبالقود من القاتل معا. أما لو قتل نضيري قريظيا، فإن القاتل يحمم ويجبه، ويدفع نصف الدية، ولا يقاد به، وكتبوا بذلك كتابا في الجاهلية، فلما هاجر (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، وضعف أمر اليهود قتل قريظي نضيريا فطالبوهم بالدية والقود، فأبوا وطلبوا هم أن يحكم (ص) بالامر فطلب بنو النضير من حليفهم ابن ابي: أن يقنع النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم نقض الشرط، الذين بينهم وبين القريظيين، وقال لهم ابن أبي: إن حكم بنقض الشرط


(1) راجع: الدر المثور ج 2 ص 252 عن أحمد، وأبي عبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، والترمذي، وحسنه، وسعيد بن منصور، وابن جرير. (2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عمن تقدم، حيث صرحوا بتاريخ نزول السورة، وصرح بأنها نزلت دفعة واحدة كل من: أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن جرير، ومحمد بن نصر في الصلاة، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الايمان. (*)

[ 99 ]

فلا تطيعوه في ذلك. فنزلت الايات: * (يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر.. إلخ) * إلى قوله: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون) * بل في بعض النصوص: أن الحرب كادت تقع بينهما، ثم ارتضوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) (1) ولعل هذا أنسب بالايات وسياقها، كما انه هو الانسب بالمعاهدة التي ابرمت بين المسلمين واليهود حين قدوم النبي (ص) إلى المدينة (وتقدمت في الجزء الرابع، من هذا الكتاب)، حيث قد نصت على (ان ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد (صلى الله عليه وآله). فهذه القصة كاد أن يحدث فيها حدث أو إشتجار يخاف فساده، فالمرجع فيها إلى الله سبحانه وإلى محمد (صلى الله عليه وآله). ويظهر من رواية ابن جريج، وغيره: أن النبي (ص)، لما حكم


(1) إنتهى ملخصا عن البرهان ج 1 ص 472 وص 473 و 478 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 523، 524 وعون المعبود ج 12، 136 والدر المنثور ج 2 ص 281 و 283 و 284 و 285 و 287 و 288 و 290 عن أحمد، وأبي داود، وابن المنذر، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه وعبد بن حميد، وابن إسحاق، وابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه وفتح القدير ج 2 ص 43 و 44 وتفسير القرطبي ج 6 ص 176 و 187 و 191 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 58 و 60 و 61 وتفسير القمي ج 1 ص 168 / 169 وتفسير التبيان ج 3 ص 521 و 524 و 525 و 518 والتفسير الحديث ج 11 ص 107 و 108 ومجمع البيان ج 3 ص 194 و 196 وفي ظلال القرآن ج 2 ص 894 وتفسير الرازي ج 11 ص 235 وج 12 ص 6 وتفسير الخازن ج 1 ص 468 وتفسير الطبري ج 6 ص 149 و 150 و 154 و 157 و 164 و 165 و 167 وتفسير النيسابوري بهامشه ج 6 ص 45 والكشاف ج 1 ص 633. (*)

[ 100 ]

بالرجم في الزنا، ورأت قريظة: أنه قد جاء بحكم التوراة، عرفت أن بإمكانها أن تطرح قضيتها عليه (صلى الله عليه وآله)، وتحصل على حقها، ففعلت ذلك، فلما حكم النبي (ص) فيها، غضب بنو النضير، وقالوا: لا نطيعك بالرجم، ولكننا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها (1). وذلك من أجل ان يتخلصوا من حكمه (صلى الله عليه وآله). ولكن يبقى في المقام إشكال، وهو: أن نزول الايات، قد كان بعد محاربته (صلى الله عليه وآله) لهاتين الطائفتين بمدة طويلة، فلا بد أن يكون سبب نزولها أمرا آخر. إلا أن يدعى: أن بقايا هاتين الطائفتين كانت لا تزال في المنطقة، ولا سيما أولئك الذين لم يشاركوا في الحرب منهم - وإن كانوا - فلعل القصة قد حصلت بعد ذلك، أي في أواخر حياته (صلى الله عليه وآله). وأما بالنسبة لعبدالله بن أبي، فإنهم يقولون: إنه قد توفي في سنة تسع من الهجرة، فلا إشكال من هذه الناحية. سر الوضع والاختلاق: ويبقى أن نشير إلى أن سر وضع الرواية المتقدمة، التي عرفنا عدم إمكان صحتها بوجه، يمكن أن يكون هو حسبما يفهم من النصوص، ومن تصريحاتهم ما يلي: 1 - ما تقدم من إظهار تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله) للتوراة حتى لينزع الوسادة من تحته ليضع التوراة عليها. 2 - النص على إيمانه (صلى الله عليه وآله) بما جاء فيها، إذن، فيجب على كل مسلم أن يقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) ويؤمن


(1) راجع المصادر السابقة. (*)

[ 101 ]

بها. 3 - إن ذلك يعني: أنها صحيحة، وغير محرفة، فلا يصح ما يدعيه المسلمون على اليهود من تحريفهم لها. 4 - إظهار: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعمل بالتوراة في كل ما لم ينزل فيه عليه شئ، فلا مانع من العمل بها الان في كل مورد لا يجد المسلمون حكمه، أو يرون لم ينزل فيه شئ. 5 - إظهار دور عبد الله بن سلام المتميز، في تحقيق الحق، وإظهاره، حتى إنه ليأتي بنفس التعبير القرآني: * (فأتوا التوراة، فاتلوها، إن كنتم صادقين) * (1). ولا بد أن يكون هذا من شدة إنسجامه مع القرآن، ومع آياته، وعمق إيمانه به، حتى أصبح كلامه عين الايات القرآنية، ونفس عباراتها. 6 - إظهار ورع أحبار اليهود ورؤسائهم، حتى ليقرون للنبي (ص) بالحقيقة بمجرد منشادته لهم. ولا ندري كيف يكون هذا الورع والتقوى من أناس يحرفون كتابهم ويستبدلون أحكامه، أو يسكتون على تبديلها، ويرضون به ؟ 7 - التأكيد، أو فقل الالماح إلى جواز أن يفتي الرجل للاخرين بما يخالف دينه وشريعته، لانهم يقولون: إن حكم الاسلام لم يكن هو الرجم، رغم أن الله سبحانه قد أمره (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بينهم بما أنزل الله. 8 - إن النبي (ص) يشارك اليهود في كتمانه ما أنزل الله سبحانه، حيث طلب ابن صوريا من النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يذكر الكثير مما حرفوه، فاستجاب (ص) لطلبه.


(1) آل عمران الاية: 93. (*)

[ 102 ]

9 - ولعل المقصود أيضا أبعاد سورة المائدة عن أن تكون قد نزلت في أواخر أيام حياته (صلى الله عليه وآله)، وذلك لان فيها آيتى الولاية النازلتين يوم غدير خم، الذي كان قبيل وفاته (صلى الله عليه وآله)، والايتان هما، قوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس) * (1). وقوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا) * (2). فإذا كانت سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة، وثبت نزول آيات في قضية رجم اليهوديين، التي يصرحون: أنها كانت في أول الهجرة، أو في السنة الرابعة. فإن معنى ذلك هو أن الايتين المتقدمتين لم تنزلا في مناسبة غدير خم قبيل وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيتطرق الشك إلى اصل حديث الغدير. اليهود في آيات سورة المائدة: إننا إذا راجعنا الايات الكريمة، الواردة في سورة المائدة، أعني قوله تعالى: * (... يا أيها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين قالوا: آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا، سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين، لم يأتوك. يحرفون الكلم من


(1) المائدة آية: 67. (2) المائدة آية: 3. (*)

[ 103 ]

بعد مواضعه. يقولون: إن أوتيتم هذا، فخذوه، وإن لم تؤتوه، فاحذروا، ومن يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الاخرة عذاب عظيم. سماعون للكذب، أكالون للسحت فإن جاؤوك، فاحكم بينهم، أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت، فاحكم بينهم بالقسط، ان الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك، وعندهم التوراة فيها حكم الله، ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين) * (1). إننا إذا راجعنا هذه الايات، وتأملناها، فلسوف نجد فيها الكثير من الحقائق الهامة، والمطالب العالية، التي يهم الانسان المسلم الوقوف إليها، والتعرف عليها، وبما أن المجال لا يتسع لطرح كل ما نجده - بفهمنا القاصر - في ثنايا هذه الايات، فلسوف نقتصر على الالماح العابر لامرين فقط، لربما نجد فيهما بعض الصلة فيما نحن بصدده، وهذان الامران هما: الاول: إننا نلاحظ: أن بعض الامور، تبدو لنا صغيرة وثانوية، وغير ذات أهمية كالحض على طعام المسكين، ثم إننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، نجده قد أولاها المزيد من العناية، واهتم بها اهتماما بالغا، فنزلت بخصوصها الايات الكثيرة، ذات الطابع القوي، والعنيف، والمركز. مع إظهار: أن النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي يتصرف من موقع الوالد الرحيم لكل أحد، والذي تذهب نفسه حسرات، من أجل هداية الناس، وإبعادهم عن مزالق الشر والجريمة - هذا كله عدا عن موقعه (ص) كقائد مشرع وحكيم - نعم إن هذا النبي، يهتم، ويغتم،


(1) المائدة آية: 41 و 43. (*)

[ 104 ]

ويحزن كثيرا، لاجل هذه الامور بالذات. ولعل ذلك يرجع إلى أن هذا الذي رأيناه ثانويا، وغير ذي أهمية، بنظرنا القاصر. إنما يكشف عن خلفيات مرعبة، وبواعث ومنطلقات خطيرة، من شأنها أن تقوض كل بناء وتنسف كل جهد، وتحبط كل مسعى في سبيل إقامة صرح العدل، وتثبيت الحق وترسيخه. ولتصبح من ثم كل تلك الجهود، وهاتيك المنجزات مجرد ظواهر ومظاهر لامعة، وشكليات خادعة، ليس لها من الثبات، والاصالة والرسوخ، ما يمكنها من الصمود والتصدي، في مواقع التحدي، ولا من مواجهة المحن، والعوادي، والاخطار. وواضح: أن كل جهد وبناء، لا يقوم على الركائز العقيدية والايمانية، والاخلاقية، والسلوكية الثابتة، لا يكون سوى جهد ضائع، وسراب خادع، لا حياة له ولا بقاء، ولسوف ينتهي إلى التلاشي والدمار والفناء. وهذا هو القرآن نراه في هذا المناسبة يركز على الخصائص الايمانية والعقيدية، بالنسبة إلى اليهود، والمنافقين على حد سواء. فهو تعالى يقول عن اليهود: * (وما أولئك بالمؤمنين) *. ويقول عن المنافقين: * (الذين آمنوا، ولم تؤمن قلوبهم) * و * (يسارعون في الكفر) *. وعنهما معا يقول: * (ومن يرد الله فتنته، فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) *. وعن خصائصهم السلوكية والاخلاقية يقول: * (سماعون للكذب أكالون للسحت) * * (يحرقون الكلم من بعد مواضعه) * (1).


(1) كل ما تقدم ما هو إلا فقرات من الايات 41 - 43 من سورة المائدة وقد سلفت. (*)

[ 105 ]

أي أنهم رغم كل خبثهم وشيطنتهم، هم من الحمق، وقلة العقل إلى حد: انهم اصبحوا سماعين للكذب، الذي ينبت النفاق (1). وهو فساد كل شئ (2). وجعلت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب (3)، إلى غير ذلك مما يوضح: أن الكذب هو أم الخبائث، واساس الموبقات. نعم لقد بلغ الحمق وقلة العقل بهم حدا، أصبحوا معه بحيث يستهويهم الكذب، وأصبح له دور رئيس في حياتهم وتعاملهم، فهم سماعون له، بمل ء إرادتهم، ومع مزيد من الانس به، والالف له. كما أنهم قد رضوا بأن يكونوا آلات ودمى طيعة بأيدي الاخرين، الذين يرون: أن الحفاظ على إمتيازاتهم الظالمة، لن يكون إلا في ظل مقاومة دعوة الاسلام، التي هي دعوة الحق والعدل والخير والامن والسلام، والنعمة، والبركات. ويلاحظ هنا: أنه سبحانه وتعالى قد كرر عبارة * (سماعون للكذب) *، ولعله يشير بذلك الى أن تعاملهم قائم على أساس مواصلة السماع للكذب، الذي هو أحد أهم مناشئ البلايا والمصائب، والنكبات، حينما يكون ثمة من يتخذ الكذب شعاره، ودثاره، فهو يتحرك، ويخطط، ويتعامل على أساسه، عن سابق إرادة، واختيار وسابق معرفة وتصميم، حيث رضي بأن يكون الكذب رائد انطلاقته في الحياة، بهدف الحصول على الامتيازات الظالمة واللا مشروعة، والحفاظ عليها. نعم لقد كرر سبحانه ذلك ليؤكد على مدى حمقهم وقلة عقلهم،


(1) راجع: ميزان الحكمة، حرف الكاف، مادة: كذب. (2) غرر الحكم ودرر الكلم. (3) راجع: بحار الانوار للعلامة المجلسي ج 72 ص 263، وراجع: ج 78 ص 377 وميزان الحكمة حرف الكاف، مادة: كذب. (*)

[ 106 ]

حتى ليتلذذون بالكذب، وقد رضوا لانفسهم أن يصبحوا دمى في أيدى الذين يتعاملون على أساس الكذب، والدجل فهم سماعون للكذب، سماعون لقوم آخرين. من دون تعقل وتدبر، أو تفكير وتأمل. والصفة الثانية، التي نعى سبحانه وتعالى عليهم اتصافهم بها هي: حبهم للمال، وتفانيهم في سبيله، ولكنه المال الذي لا يحصل عليه الانسان بالطرق المشرقة والمشروعة، وإنما يرتكب من اجله ما يسحت دينه ومروءته، ويلزمه العار، ليكون (سحتا) حسبما ورد في تفسير السحت (1). وهذا يدلل على مدى الانحطاط والمهانة، والرذالة في شخصيتهم، وفي إنسانيتهم، حتى ليصح أن يقال: إنهم اصبحوا موجودات ممسوخة، لا تملك شيئا من الميزات والخصائص الانسانية على الاطلاق. فالمهم لدى هؤلاء هو الدنيا، والحصول على زخرفها، من أي طريق كان، وبأية وسيلة كانت، حتى لو كان ثمن ذلك هو دينهم، ومروءتهم ولزوم العار الدائم لهم. ولعل هذا هو ما سهل على الاخرين أن يسخروهم لارادتهم حتى ليصبحون أداوت طيعة في أيديهم، فإن حبهم العظيم للمال، وتفانيهم في سبيل الحصول عليه قد أعمى بصائرهم، وسلبهم عقولهم وأعماهم والمستغلين، إذ قد أصبح المال والدنيا بالنسبة إليهم هو كل شئ، وليس قبله ولا بعده شئ، فهو المعيار لهم في كل موقف، وليست هي المبادئ الالهية، والمثل والقيم الانسانية. وإن هذين الامرين اعني: قلة عقولهم، وصيرورتهم أدوات طيعة مسلوبة الاختيار بأيدي الطامعين والمفسدين.


(1) راجع: مفردات الراغب مادة السحت. (*)

[ 107 ]

وأيضا. إنسلاخهم عن الخصائص الانسانية، وعن الالتزام بالمبادئ، بسبب حبهم للمال، حتى لو كان ثمنه هو أن يسحت دينهم ومروءتهم ويلزمهم العار. إن ذلك من أهم العوامل لتبديد كل الجهود الخيرة، وإحباط كل الاعمال الجهادية والتضحيات الكبيرة في سبيل اعلاء كلمة الحق، والعدل، وتعميق جذور شجرة الاسلام المباركة، لتنمو باسقة وارفة الظلال، عزيزة الشموخ. الثاني: إننا نلاحظ أن القرآن الكريم حين يستنكر تحاكمهم للنبي (صلى الله عليه وآله)، إنما يستنكر أن يكون قصدهم من ذلك، هو الوصول إلى الحق، والحصول على الحكم العدل، إذ لو كان الامر كذلك، لما احتاجوا إلى التحاكم إليه (صلى الله عليه وآله)، لان حكم هذه القضية، سواء أكانت هي قضية الرجم، أو هي قضية القود، التي نميل إلى أنها هي مورد نزول الاية - إن حكم هذه القضية واضح وجلي في التوراة التي عندهم، وهي واضحة الدلالة على هذا الحكم. وهم إنما يقبلون بالتحاكم إليه (صلى الله عليه وآله) من أجل تحقيق مأربهم في الابتعاد عن حكم الله، حسب ظنهم، حتى إذا ما أحسوا بأن الحكم سوف يأتي موافقا لما عرفوه من حكم الله في التوراة نجد لديهم التصميم والتأمر والتمرد سلفا على هذا الحكم الالهي، حتى قبل صدور الحكم. فتواجههم الارادة الالهية بالاصرار على إقامة حكم الله سبحانه، إن كان لا بد من الحكم. وإلا فإن الاعراض عنهم، حيث يكون هذا الحكم في معرض الاغتيال والتآمر هو أيضا لا حرج فيه، ما دام أنهم قد تآمروا على هذا الحكم سلفا، بهدف إغتياله، بل وحتى التمرد عليه بصورة علنية وفاضحة.

[ 108 ]

فيكون حكم النبي فيما بينهم خاضعا لما يراه مفيدا للاسلام، وللمسلمين، ويساهم بشكل أو بآخر في فضيحتهم وخزيهم، وإبطال تآمرهم في الدنيا، ثم لهم في الاخرة عذاب عظيم، تماما كما قال تعالى: * (لهم في الدنيا خزي، ولهم في الاخرة عذاب عظيم) *. وبعد كل ما تقدم فإن هذه الايات تفيدنا: أنه لا مجال للمهادنة، ولا للمساومة مع أحد أيا كان على حساب الدين، والحق، وأنه لا يمكن التنازل عن الاحكام الالهية في مجال التشريع، إستجابة لحالات طارئة، ولضغوطات معينة. وإن كان قد يفرض الواقع عدم التوسل ببعض الوسائل العنيفة، لفرض الحكم الالهي وتطبيقه أو إنتظار الفرصة المناسبة من أجل ذلك. وفقنا الله للسير على هدى القرآن، والالتزام بتعاليمه، والاهتداء بنوره، إنه ولي قدير، وبالاجابة جدير.

[ 110 ]

الفصل السادس: من متفرقات الاحداث

[ 111 ]

سرقة طعمة: يذكر المؤرخون هنا قصة (سرقة طعمة). ونحن نذكر أولا النص التاريخي للرواية، ثم نشير إلى ما يرد عليها من مناقشات، بقدر ما يسمح لنا به المجال هنا. فنقول: نص الرواية: إنهم يقولون: إنه في شهر ربيع، سنة أربع من الهجرة، كانت قصة السرقة، المعروفة عن بني أبيرق (1) وجعلها الديار بكري في السنة الثالثة (2). فقد جاء في تفسير القمي: (أن قوما من الانصار، من بني أبيرق (3)، اخوة ثلاثة، كانوا منافقين: بشير، وبشر، ومبشر. فنقبوا على عم قتادة بن النعمان - وكان قتادة بدريا - وأخرجوا طعاما، كان أعده لعياله، وسيفا ودرعا. فشكا قتادة ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، إن قوما نقبوا على عمي، وأخذوا طعاما كان أعده لعياله،


(1) الدر المنثور ج 2 ص 216، عن إبن سعد عن محمود بن لبيد. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 449. (3) الصحيح بالراء لا بالزاي. (*)

[ 112 ]

وسيفا ودرعا، وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن، يقال له: لبيد بن سهل. فقال بنو أبيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا، فأخذ معه سيفه، وخرج عليهم، فقال: يا بني أبيرق، أترمونني بالسرقة، وأنتم أولى به مني ؟ ! وأنتم المنافقون تهجون رسول الله، وتنسبون إلى قريش لتبينن ذلك، أو لاملان سيفي منكم. فداروه، فقالوا له: إرجع يرحمك الله، فإنك برئ من ذلك. فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم، يقال له: أسيد بن عروة، وكان منطيقا بليغا، فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يارسول الله، إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا، أهل شرف ونسب، وحسب، فرماهم بالسرقة، واتهمهم بما ليس فيهم. فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لذلك، وجاء إليه قتادة، فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف، وحسب، ونسب، فرميتهم بالسرقة ؟ ! فعاتبه عتابا شديدا، فاغتم قتادة من ذلك، ورجع إلى عمه، وقال: يا ليتني مت، ولن أكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه: الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيه (صلى الله عليه وآله). * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما، يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله، وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول) * (1). يعني الفعل، فوقع القوم مقام الفعل.


(1) النساء الايتان: 105 - 108. (*)

[ 113 ]

إلى أن قال في تفسير القمي: في وراية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): أن أناسا من رهط بشر الادنين، قالوا: إنطلقوا بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: نكلمه في صاحبنا، أو نعذره أن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله: * (يستخفون من الله) * إلى قوله: * (وكيلا) * أقبل رهط بشر فقالوا: يا بشر استغفر الله وتب إليه من الذنوب، فقال: والذي أحلف به، ما سرقها إلا لبيد، فنزلت * (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا، فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) *. ثم إن بشرا كفر، ولحق بمكة، وأنزل الله في النفر الذين اعذروا بشرا، وأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) ليعذروه قوله: * (لولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) * - إلى قوله: * (وكان فضل الله عليك عظيما) * (1). وذكر الطبرسي وغيره الرواية السابقة، مع بعض الاختلافات والايضاحات فقالوا، والنص للطبرسي، - كان بشير يكنى أبا طعمة، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يقول: قاله فلان، وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والاسلام، فنقب أبو طعمة على علية رفاعة بن زيد). ثم يذكر شكواه لقتادة، ثم يقول: (فتجسسنا في الدار، وسألا أهل الدار في ذلك، فقال بنو أبيرق، والله ما صاحبكم إلا لبيد إلخ). إلى أن قال: (فلما سمع بذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له أسير بن عروة جمع رجالا من أهل الدار، ثم انطلق الى رسول الله صلى


(1) تفسير القمي ج 1 ص 151 - 152 وعنه في تفسير الميزان ج 5 ص 89، 90 وفي تفسير البرهان ج 1 ص 414 وفي تفسير نور الثقلين ج 1 ص 453، 454 وراجع مجمع البيان ج 3 ص 105 ولباب النقول ص 78، 79 والمصادر الاتية في آخر نقل هذه الروايات. (*)

[ 114 ]

الله عليه وآله). إلى أن قال: (فلما أتى قتادة رسول الله، بعد ذلك ليكلمه، جبهه رسول الله جبها شديدا، وقال: عمدت الخ...). ثم يستمر في كلامه، إلى أن ذكر أخيرا، ذهاب بشير إلى مكة (فنزل على سلافة بنت سعد، بن شهيد، وكانت امرأة من الاوس، من بني عمرو بن عوف، نكحت في بني عبد الدار، فهجاها حسان، فقال: فقد أنزلته بنت سعد فأصبحت * * ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتموا * * وفينا نبي عند ذي الوحي واضعه فحملت رحله على رأسها، فألقته بالابطح، وقالت: ما كنت تأتيني بخير، أهديت إلي شعر حسان. هذا قول (مجاهد، وقتادة بن النعمان، وعكرمة، وابن جريح) (1). ثم أضاف الطبرسي رحمه الله تعالى، قوله: إلا أن عكرمة قال: إن بني أبيرق طرحوا ذلك على يهودي، يقال له: زيد بن السهين (2)، فجاء اليهودي إلى رسول الله، وجاء بنو أبيرق إليه، وكلموه: أن يجادل عنهم، فهم رسول الله أن يفعل، وأن يعاقب اليهودي، فنزلت الاية. وبه قال ابن عباس (3).


(1) مجمع البيان ج 3 ص 105 وراجع التبيان ج 3 ص 317 وتفسير الميزان ج 5 ث 90 - 92 وفتح القدير ج 1 ص 551 - 512 والروض الانف ج 2 ص 292، 293 والدر المنثور ج 2 ص 215 و 216 و 217 عن: الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن سعد والحاكم، وصححه، عن قتادة بن النعمان، وعن محمود بن لبيد. (2) لعل الصحيح: السمين. (3) راجع بالاضافة إلى مجمع البيان: الدر المنثور ج 2 ص 218 عن ابن جرير. (*)

[ 115 ]

وقال الضحاك: نزلت في جل من الانصار، استودع درعا، فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب النبي، فغضب له قومه، فقالوا: يا نبي الله، خون صحابنا وهو مسلم امين، فعذره النبي، وكذب عنه، وهو يرى: أنه برئ، مكذوب عليه فأنزل الله الايات (1). واختار الطبري هذا الوجه، قال: لان الخيانة إنما تكون في الوديعة، لا في السرقة (2) إنتهى كلام الطبرسي. وفي رواية عن ابن عباس: أن طعمة سرق درع قتادة، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق الجراب، حتى انتهى إلى داره، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له: زيد بن السمين. ثم تذكر الرواية كيف اقتفوا أثر الدقيق، حتى انتهوا إلى دار طعمة، فحلف لهم، فتركوه. ثم اقتفوا اثر الدقيق إلى منزل اليهودي، ثم جاء قوم طعمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله).. إلخ (3). وقال الطبرسي ايضا: (يروي: أن أبا طعمة بن أبيرق، سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النعمان، وخبأها عند رجل من اليهود، فأخذ الدرع من منزل اليهودي، فقال: دفعها إلي أبو طعمة، فجاء بنو أبيرق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى آخر ما مر عن الضحاك (4). عن ابن زيد: (كان رجل سرق درعا من حديد في زمن النبي


(1) راجع، الدر المنثور ج 2 ص 218 عن ابن جرير، وابن المنذر، وسنيد، عن عكرمة، هذا بالاضافة إلى مجمع البيان.. (2) راجع ما تقدم في مجمع البيان ج 3 ص 105 والتبيان ج 3 ص 318. (3) تفسير الخازن ج 1 ص 400. (4) جوامع الجامع ص 96. (*)

[ 116 ]

(صلى الله عليه وآله) طرحه على يهودي. فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت علي. وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤونه، ويطرحونه على اليهودي، ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهودي خبيث، يكفر بالله، وبما جئت به، حتى مال عليه النبي (صلى الله عليه وآله) ببعض القول. فعاتبه الله في ذلك، فقال: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله مما قلت لليهودي إلخ.. (1). وعند الطوسي: إنه بلغ بني أبيرق نزول الايات فخرجوا من المدينة، ولحقوا بمكة، وارتدوا، فلم يزالوا بمكة مع قريش، فلما فتح مكة هربوا إلى الشام، فأنزل الله فيهم: ومن يشاقق الرسول إلخ.. (2). وفي رواية عن ابن عباس، بعد أن ذكر: أن صاحب الدرع أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمدا إليها، فألقاها في بيت برئ. وقال لرجل من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطلقوا إلى النبي... إلى أن قالت الرواية: فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبرأه، وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: إنا أنزلنا إليك الكتاب إلخ.. (3). وقال الضحاك: أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقطع يده (أي يد اليهودي المتهم بالسرقة) وكان مطاعا، فجاءت اليهود شاكين في


(1) تفسير الميزان ج 5 ص 92 والدر المنثور ج 2 ص 217 عن ابن جرير. (2) التبيان ج 3 ص 317. (3) الدر المنثور ج 2 ص 217 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم. (*)

[ 117 ]

السلاح، فأخذوه، وهربوا، فنزل: ها أنتم هؤلاء، يعني: اليهود (1). وقيل: إن زيد السمين أودع الدرع عند طعمة، فجحده طعمة، فأنزل الله تعالى: إنا أنزلنا إليك الخ.. (2). وذكر السدي: أن الاية نزلت في طعمة بن أبيرق، استودعه رجل من اليهود درعا، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي، ثم دفنها. فخالف إليها طعمة، فاحتفر عنها، فأخذها. فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها، فانطلق إلى أناس من اليهود، من عشيرته، فقال: انطلقوا معي، فإني أعرف موضع الدرع، فلما علم به طعمة، أخذ الدرع، فألقاها في بيت أبي مليك الانصاري. فلما جاءت اليهود تطلب الدرع، فلم تقدر عليها، وقع به طعمة، وأناس من قومه، فسبوه. قال: أتخونونني ؟ فأنطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على دار أبي مليك، فإذا هم بالدرع. وقال طعمة: أخذها أبو مليك. وجادلت الانصار دون طعمة، وقال لهم: إنطلقوا معي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقولوا له: ينضح عني، ويكذب حجة اليهودي، فإني إن أكذب كذب على أهل المدينة اليهودي. فأتاه ناس من الانصار، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة، واكذب اليهودي، فهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفعل، فأنزل الله عليه: لا تكن للخائنين خصيما، إلى قوله: أثيما. ثم ذكر الانصار، ومجادلتهم، فقال: يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله. إلى قوله وكيلا. ثم دعا إلى التوبة، فقال: ومن يعمل


(1) تفسير القرطبي ج 5 ص 376 وراجع ص 379. (2) تفسير الخازن ج 1 ص 400. (*)

[ 118 ]

سوءا. أو يظلم نفسه... إلى قوله رحيما. ثم ذكر قوله حين قال: أخذها أبو مليك، فقال: ومن يكسب إثما. إلى قوله مبينا. ثم ذكر الانصار، وإثباتها إياه: أن ينضح عن صاحبهم، ويجادل عنه، فقال: لهمت طائفة منهم أن يضلوك، ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: لا خير في كثير من نجواهم. فلما فضح الله طعمة بالقرآن بالمدينة، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه، ونزل على الحجاج بن علاط السلمي، فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشة في بيته، وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمة، فقال: ضيفي وإبن عمي، فأردت أن تسرقني ؟ ! فأخرجه، فمات بحرة بني سليم كافرا، وأنزل الله فيه: ومن يشاقق الرسول... إلى قوله: وسائت مصيرا (1).


(1) الدر المنثور ج 2 ص 218 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي. ومهما يكن من أمر فإنك تجد الروايات المتقدمة وغيرها مما يختلف عنها بعض الاختلاف في الدر المنثور ج 2 ص 215 - 219 عن الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم، وابن أبي حاتم، وابن سعد، وابي الشيخ وعبد بن حميد، وسنيد، وعبد الرزاق، وراجع: تنوير المقباس بهامش الدر المثور ج 1 ص 289 - 293 وفيه أن النبي (صلى الله عليه وآله) هم بضرب اليهودي. راجع تفسير الكشاف ج 1 ص 561 - 565 وفيه: أنه هم بقطع يد اليهودي وفي هامشه عن تفسير الثعلبي وعن الواحدي، والترمذي والحاكم، والطبري وتفسير جامع البيان ج 5 ص 169 - 177 وغرائب القرآن بهامشه ج 5 ص 165 فما بعده، والجامع لاحكام القرآن ج 5 ص 375 عن: الترمذي، وعن الليث، والطبري، وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره والقشيري كذلك، وزاد ذكر الردة، ثم قيل كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل يهوديين، وقيل: كان لبيد مسلما إلخ... والتفسير الكبير ج 11 ص 32 - 42 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 550 - 552 ولباب النقول ص 78 - 80 وفي ظلال القرآن ص 71 و 752 و 759 والتبيان ج 3 ص 316 وتفسير الخازن ج 1 ص 400، 402 عن البغوي وغيره، وبهجة المحافل ج 1 ص - 23، 231 وشرحه بهامشه، وتفسير النسفي، بهامش الخازن ج 1 (*)

[ 119 ]

مناقشة النص: ولكن لنا شكوك كبيرة في كثير من الجهات والامور التي أثارتها النصوص المتقدمة، ونكتفي هنا بتسجيل النقاط التالية: أولا: إن ملاحظة النصوص المتقدمة، ومقارنتها في ما بينها، وكذلك مقارنتها مع غيرها من الروايات التي لم نذكرها، وإنما اكتفينا بالاشارة إلى مصادرها في الهامش. إن هذه الملاحظة والمقارنة توضح لنا مدى التفاوت، والاختلاف، الذي قد يصل إلى درجة التناقض الواضح والفاضح فيما بينها، ولا نريد أن نذكر النصوص المتخالفة هنا، ما دام أن بوسع القارئ الكريم أن يلحظ ذلك بأدنى تأمل ومراجعة. وثانيا: لقد ادعت تلك النصوص: أن قوله تعالى: * (واستغفر الله، إن الله كان غفورا رحيما) * قد نزل بهذه المناسبة. وقد أريد به: ان استغفر الله يا محمد (صلى الله عليه وآله) مما هممت به من معاقبة اليهودي. وقيل: من جدالك عن طعمة. وقد تمسك بهذه الاية من يرى جواز صدور الذنب من الانبياء. وقالوا: لو لم يقع من الرسول (صلى الله عليه وآله) ذنب لما أمر


ص 400 - 402 وأسباب النزول ث 103 وجوامع الجامع ص 96 وفتح القدير ج 1 ص 512 والتفسير الحديث ج 9 ص 161 وتاريخ الخميس ج 1 ص 449 وأنساب الاشراف ج 1 (قسم سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)) ص 277، 278 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 171 وهامشها والروض الانف عن الطبري، والترمذي والكشي ويحيى بن سلام في تفسيره وأكثر التفاسير، وابن إسحاق وفيه إشارة إلى بعض وجوه الاختلاف عند ابن إسحاق وغيره. (1) تفسير الخازن ج 1 ص 401 والتفسير الكبير ج 11 ص 34 والجامع لاحكام القرآن ج 5 ص 377 والتفسير الحديث ج 9 ص 163 وغرائب القرآن (مطبوع بهامش (*)

[ 120 ]

وقد صرحت بعض الروايات المتقدمة بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد عمل أو هم بعمل كان في غير محله على الاقل، ففي بعضها: أنه (صلى الله عليه وآله) قد لام قتادة لوما شديدا. وفي أخرى: جبهه رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبها شديدا. وفي ثالثة: إنه (صلى الله عليه وآله) مال على اليهودي ببعض القول. ورابعة تقول: فعذره النبي (صلى الله عليه وآله)، وكذب عنه، وهو يرى أنه برئ مكذوب عليه، فنزلت الايات. وفي خامسة: إنه (صلى الله عليه وآله) برأ السارق، وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله إنا أنزلنا إلخ.. ولعل كلمة (الخصام) تشير إلى الشدة في ذلك، فإن المخاصمة: (المنازعة، بالمخالفة بين اثنين، على وجه الغلظة) (1). إلى غير ذلك من النصوص المختلفة، التي تفيد: أنه (صلى الله عليه وآله) قد عذر السارق، وساهم في تبرئته فعلا، أو أنه هم بذلك. أما نحن فنقول: إن ذلك لا يصح، وذلك للامور التالية: 1 - إن النبي (صلى الله عليه وآله) إما أن يكون قد قصر في تحريه للحقيقة، فانخدع. فذلك لا يصح، لان النبي (صلى الله عليه وآله)، لم يكن ليقدم على إدانة شخص، والدفاع عن آخر، ما لم يثبت له بعد التحري والتحقيق الدقيق براءته، وصدقه. وأما الاقدام على تبرئة شخص، والدفاع عنه، من دون تحر ولا


الطبري) ج 5 ص 176 وراجع: جامع البيان ج 5 ص 169. (1) مجمع البيان ج 3 ص 106. (*)

[ 121 ]

تحقيق، فهو لا يصدر عن أي إنسان عادي آخر، فكيف بالنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) الذي هو عقل الكل، ومدبر الكل، ورئيس الكل، وقد تلقى (صلى الله عليه وآله) الحكمة عن الله سبحانه، فلا يعقل أن يتصرف تصرفا غير معقول كهذا. وإما أن يكون قد حكم وفق الضوابط الظاهرية، التي جعلها الله سبحانه في موارد كهذه، فلا معنى لاعتبار ذلك من الذنوب، التي لا بد أن يستغفر منها. وإما أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد حكم وفق هواه، وعلى خلاف ما يريده الله سبحانه، حتى صح أن يعد الله ذلك ذنبا يستوجب الاستغفار. فمعنى ذلك: أن لا يكون (صلى الله عليه وآله) معصوما، وهذا خلاف ما ثبت بالدليل القاطع، والبرهان الناصع، من عصمته (صلى الله عليه وآله)، وخلاف الايات التي ألزمت الناس بالرجوع إليه ليحكم بينهم، واعتبار حكمه حكما إلهيا، لا بد من قبولهم به وإنتهائهم إليه. 2 - إن قوله تعالى في بقية هذه الايات، التي يقال: إنها نزلت في هذه المناسبة: * (ولولا فضل الله عليك ورحمته، لهمت طائفة منهم أن يضلوك. وما يضلون إلا أنفسهم، وما يضرونك من شئ، وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما) * (1). ثم قوله: * (لا خير في كثير من نجواهم) * (2). وكذا قوله: * (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) * (3).


(1) النساء آية: 112. (2) النساء آية: 113. (3) النساء آية: 108. (*)

[ 122 ]

إن هذه الايات تفيد: أنهم كانوا قد تناحوا في هذا الامر، وبيتوا ما لا يرضى الله من القول بهدف الذب عن صاحبهم وإبعاد الشبهة عنه. ولكن لم يصل ذلك إلى درجة إقدامهم على تضليل النبي (صلى الله عليه وآله)، فلم يقدموا على ذلك أصلا بصريح الاية التي تقول: * (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) *، فإن معنى ذلك هو أنهم لم يهموا بإضلال النبي (صلى الله عليه وآله)، لا أنهم هموا بذلك وفعلوه ووقع النبي (صلى الله عليه وآله) والعياذ بالله في حبائل مكرهم وهم بمعاقبة السارق، أو بقطع يده، أو أنه برأه على رؤوس الاشهاد وجبه قتادة جبها شديدا. 3 - إن نفس الاية الانفة الذكر تدل على أنهم حتى لو أنهم حاولوا إضلال النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا فإنهم سوف يفشلون في ذلك قطعا وسوف لن يؤثر ذلك في النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك لقوله تعالى: * (وما يضلون إلا أنفسهم) * فإنه بقرينة قوله بعده: * (وما يضرونك من شئ) *، يفيد أن إضلال هؤلاء لا يتعدى أنفسهم ولا يتجاوزهم إليك. ويفيد: نفي إضرارهم بالنبي نفيا مطلقا، وذلك بسبب أن الله قد أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك وما لم تكن تعلم. فنفس هذه الاية تفيد: أنه (صلى الله عليه وآله) لم يرتكب ذنبا في حق أحد يجب أن يستغفر الله منه. وبعد كل ما تقدم، فإن الظاهر هو أن الاية الشريفة: * (ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم) * إن كل ذلك لا بد أن يكون واردا مورد التأديب والتعليم له ولامته في أن لا يبادروا بالخصام إلا بعد تبين الحق لهم. وليس يريد إثبات أنه (صلى الله عليه وآله) قد خاصم فعلا عن الخائنين وجادل عنهم، فأذنب بذلك، فوجب أن يستغفر الله سبحانه. فإن ذلك ليس مرادا

[ 123 ]

قطعا، وذلك لما قدمناه من القرائن والادلة. وهو من قبيل قوله تعالى: * (لئن اشركت ليحبطن عملك) * (1) فإنه لا يدل على وقوع الشرك منه (صلى الله عليه وآله). أضف إلى ذلك كله: أن الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: يقول: (على أنا لا نعلم: أن ما روي في هذا الباب، وقع من النبي (صلى الله عليه وآله) لان طريقة الاحاد، وليس توجه النهي إليه بدال على أنه وقع منه ذلك المنهي) (2). وثالثا: وقالوا حول آية: * (لتحكم بين الناس بما أراك الله) *: احتج به من ذهب من علماء الاصول: إلى أنه له (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بالاجتهاد، بهذه الاية (3). ونقول: إن الاية على خلاف ذلك أدل، حيث إن مفادها: أن الله سبحانه يريه الحق من الكتاب، فيحكم به. وإلا فلو كان مراد الاية: أن له (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بالاجتهاد، لكان ذكر إنزال الكتاب، ثم تعليل ذلك بقوله: لتحكم بين الناس بما أراك الله. لا معنى له. أضف الى ذلك: أن الله سبحانه إذا أراه شيئا، فإنما يريه الحق، ولا يريه ما ليس بحق، ولو كان من قبيل الاجتهاد، الذي قد يخطئ ويصيب، لكان ينبغي أن يقول: بما تراه أنت ليشمل ما كان حقا وما لم يكن كذلك. وقد قال عمر بن الخطاب: (لا يقولن أحدكم: قضيت بما أراني


(1) الزمر آية: 65. (2) التبيان ج 3 ص 316. (3) تفسير ابن كثير ج 1 ص 550 وراجع: تفسير النسفي بهامش الخازن ج 1 ص 400. (*)

[ 124 ]

الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه (صلى الله عليه وآله)، ولكن ليجتهد رأيه، فإن الرأي من الرسول (صلى الله عليه وآله) كان مصيبا، لان الله كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكلف (1)). وروي عن الامام الصادق عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (كان الرأي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوابا، ومن دونه خطأ، لان الله تعالى قال: فاحكم بينهم بما أراك الله، ولم يقل ذلك لغيره) (2). ويلاحظ هنا: أن الاية منقولة في هذه الرواية بالمعنى، لا بنصها الحرفي. ورابعا: أما ما ورد في رواية الضحاك، من أن اليهود جاؤا شاكين السلاح، فخلصوا صاحبهم، وهربوا به. فهو موضع شك كبير، إذ لم يكن اليهود ليجرؤا على ذلك، بعد أن رأوا: ما جرى لبني قينقاع من قبل، ثم لبني النضير. وسيأتي بعض ما يرتبط بهذا الموضوع تحت رقم 5 إنشاء الله تعالى. كما ويرد هنا سؤال: إنه لماذا لم يتعقبهم المسلمون ؟ ! وإلى أين هربوا ؟ فهل إنهم خرجوا من البلاد التي تدين بالولاء لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ ولماذا لم يذكر التاريخ لنا ذلك ؟ ! هذا كله عدا عن أن ذلك يعتبر نقضا للوثيقة التي كتبت في مطلع الهجرة فيما بين اليهود والمسلمين، والتي تنص على أن كل حدث


(1) الكشاف ج 1 ص 562 وتفسير النسفي ج 1 ص 400 والتفسير الكبير للرازي ج 11 ص 33 وتفسير النيسابوري، بهامش جامع البيان ج 5 ص 166 وراجع: الجامع لاحكام القرآن ج 5 ص 376. (2) تفسير نور الثقلين ج 1 ص 453 والاحتجاج ج 2 ص 117. (*)

[ 125 ]

وإشتجار، يخاف فساده: فإن مرده إلى الله عزوجل، وإلى محمد (صلى الله عليه وآله) (1). وخامسا: إن الظاهر هو أن سورة النساء قد نزلت بعد السنة السادسة للهجرة، لانهم يقولون: إنها نزلت بعد سورة الاحزاب والممتحنة (2) وهي قد نزلت بعد السنة الرابعة ولا سيما سورة الممتحنة، فإن قصة حاطب بن أبي بلنعة وكتابته لقريش، وإنكشاف ذلك قد كان في قصة الحديبية (3). وثمة شواهد أخرى على ذلك في السورة مثل مجئ النساء المؤمنات في الحديبية، ونزول آية: * (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات إلخ..) * (4). وصرح في رواية إبن عباس: بأن سورة الممتحنة نزلت بعد صلح الحديبية (5). كما أنها قد نزلت بعد سورة: إنا فتحنا لك فتحا مبينا (6) ولا شك في أن هذه السورة قد نزلت في شأن الحديبية وصرح الرواة في آية بيعة النساء


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 147 - 150 والبداية والنهاية ج 3 ص 224 - 226 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 241 - 263 وراجع في الاقوال ص 184 وسنن البيهقي ج 8 ص 106. (2) الاتقان ج 1 ص 11. (3) راجع الدر المنثور ج 6 ص 203 عن ابن مردويه وأبي يعلى، وابن المنذر. (4) الدر المنثور ج 6 ص 205 و 206 و 207 و 208 عن البخاري، وأبي داود في ناسخه والبيهقي في السنن والطبراني، وابن مردويه، وابن دريد في أماليه، وابن سعد، وابن إسحاق، وابن المنذر، وابن جرير، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. (5) الدر المنثور ج 6 ص 208 عن ابن مردويه. (6) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 43. (*)

[ 126 ]

بأنها نزلت عام الفتح (1). (وليراجع بقية تفسير سورة الممتحنة وتفسير سورة الاحزاب في الدر المنثور للوقوف على موارد أخرى تدل على ذلك). أضف إلى ذلك: أنهم يقولون: إن قوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) *، الواردة في سورة النساء قد نزلت يوم فتح مكة، حيث رد الرسول مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن أبي طلحة، حسبما يقولون (2). بل لقد زعم النحاس: الاتفاق على نزول هذه الاية في مكة، حتى ادعى أن سورة النساء مكية (3). وفيها أيضا آية التيمم، التي يقول أبو هريرة وهو قد أسلم سنة سبع (4): إنها لما نزلت لم يدر كيف يصنع (5). وتتبع الموارد الاخرى يترك لمن أراد ذلك. وسادسا: تقدم: أن الطبري قد استظهر أن تكون القضية واردة في الخيانة في الوديعة لان الخيانة إنما تقال في هذا المجال. وسابعا: لقد روي في تفسير قوله تعالى: * (إذ يبيتون ما لا يرضى


(1) الدر المنثور ج 6 ص 209 عن ابن أبي حاتم. (2) الدر المنثور ج 2 ص 174 و 175 عن ابن مردويه، وابن جرير، وابن المنذر. (3) الاتقان ج 1 ص 12. (4) راجع: أسد الغابة ج 5 ص 316 والاصابة ج 4 ص 206 و 207 والاستيعاب بهامشها ج 4 ص 208 والبداية والنهاية ج 8 ص 102 وفتح الباري ج 6 ص 31 وج 7 ص 377 و 378 وشيخ المضيرة أبو هريرة وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 589 ومسند أحمد ج 2 ص 475 وعمدة القارئ ج 23 ص 291. (5) الدر المنثور ج 2 ص 167 عن المصنف لابن أبي شيبة. (*)

[ 127 ]

من القول) * ما يفيد: أن هذه الايات قد نزلت في مورد آخر فراجع (1). ولم نفهم أخيرا لماذا لم يشتك نفس صاحب الدرع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأرسل شخصا آخر لهذا الغرض. وأخيرا فإننا نلاحظ ان بعض الروايات تهدف إلى الطعن بالانصار، والحط من قدرهم. الكلمة الاخيرة ولكننا مع كل ما تقدم، فاننا لا نستبعد أن يكون لهذه الرواية أصل، وإن لم نستطع أن نحدده بدقة، فربما يكون ثمة شخص قد سرق درعا لاحدهم، فلما خاف أن تقطع يده هرب وارتد. الارتداد لماذا ؟ ! ليس عجيبا أن يسرق الانسان شيئا ما، بدافع الحاجة أحيانا، أو بدافع الاضرار بخصمه أحيانا أخرى، أو لاقتضاء عادته وظروفه النفسية وغيرها وخصوصا مع عدم بنائه نفسه، وأخلاقه، وعاداته، وسلوكه بصورة عامة، وفق المبادئ والمثل العليا التي يؤمن بها. ولكن العجيب حقا ؟ أن يتخلى هذا الانسان عن عقيدته، وفكره، وقناعاته بسبب أمر تافه كهذا ! وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن هذه العقيدة لم تتخذ من نفسه صفة الاصالة والرسوخ الكامل، ولا اتصلت بعقله وبروحه. ولا هو تفاعل معها، وعاشها فكرا وعقيدة وسلوكا، وإنما كانت بالنسبة إليه نوعا من الترف الفكري، أو انسياقا في جو معين لم ير بأسا من الانسياق معه، ولا ضرورة للتخلف عنه.


(1) تفسير نور الثقلين ج 1 ص 454، 455 عن روضة الكافي، والاحتجاج، وتفسير العياشي وتفسير البرهان ج 1 ص 414 وتفسير العياشي ج 1 ص 275. (*)

[ 128 ]

ماذا يقطع في حد السرقة: إن حد السرقة هو قطع اليد، واختلفوا فيما يقطع منها. فقال: قوم بأن القطع للاصابع فقط. وإن كان الجمهور على أن القطع من الكوع (1) على حد تعبير ابن رشد، واتفق على ذلك الائمة الاربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل (2). ولكن قد خالف الشيعة في ذلك، وذهبوا تبعا لائمتهم إلى أن القطع يجب أن يكون من أصول الاصابع. ويدل على ذلك من النصوص الواردة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وغيره: 1 - أن الجاحظ يذكر: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقطع اليد من أصول الاصابع، حتى عد الجاحظ ذلك من المطاعن عليه (3). وذلك يدل على شهرة ذلك عنه. 2 - روى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن عليا كان يقطع اليد من الاصابع، والرجل من نصف الكف (4). 3 - ويشير إلى ذلك: أنهم يروون: أنه (ع) قد جئ بسارق، فقال لقنبر: إذهب به يا قنبر، فشد اصبعه، وأوقد النار، وادع الجزار ليقطع إلخ (5). فإن الظاهر: أنه أمره بشد إصبعه، ليكون القطع من أصول


(1) بداية المجتهد ج 2 ص 447. والكوع، هو طرف الزند الذي يلي الابهام، ومنه المثل، احمق يمتخط بكوعه. (2) راجع:: الفقه على المذاهب الاربعة ج 5 ص 159. (3) العثمانية ص 91. (4) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 185. (5) كنز العمال ج 5 ص 316 عن مسند أبي يعلى، وحياة الصحابة ج 2 ص 464 عنه. (*)

[ 129 ]

الاصابع. 4 - ويؤيد ذلك: قول عمر: لا تقطع الخمس (أي الاصابع) إلا في خمس (1) أي دراهم. 5 - (وكان علي بن أصمع على البارجاه، ولاه علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فظهرت منه خيانة، فقطع أصابع يده، ثم عاش حتى أدرك الحجاج، فاعترضه يوما، فقال: أيها الامير، إن أهلي عقوني. قال: بم ذاك ؟ قال: سموني عليا. قال: ما أحسن ما لطفت. ثم ولاه ولاية، ثم قال: والله لئن بلغتني عنك خيانة لاقطعن ما أبقى علي من يدك (2). 6 - بل الظاهر: أن قطع الاصابع قد كان شائعا قبل زمان عطاء، أي في الصدر الاول، كما يفهم من تساؤل ابن جريج، وجواب عطاء له، فقد قال ابن جريج لعطاء: سرق الاولى. فقال: يقطع كفه. قلت: فما قولهم: أصابعه ؟ ! قال: لم أدرك إلا قطع الكف كلها (3). خسوف القمر:


(1) سنن الدارقطني ج 3 ص 186، واخرجه ابن المنذر والنسائي. واخرجه ابن ابي شيبة عن أبي هريرة وأبي سعيد. وفي هامش سنن الدارقطني عن: ابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن البصري. (2) الاشتقاق ص 272 ووفيات الاعيان ج 3 ص 175 ط دار صادر. (3) مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 185. (*)

[ 130 ]

ويقولون: إنه في السنة الخامسة من الهجرة في جمادى الاخرة. انخسف القمر، وجعل اليهود يضربون بالطساس (جمع طاس) ويقولون: سحر القمر. فصلى بهم النبي (صلى الله عليه وآله) صلاة الخسوف، حتى انجلى القمر (1). ونقول: إن من الواضح: أن اليهود لم يكونوا سليمي النوايا حينما ضربوا بالطساس، وقالوا: سحر القمر. وذلك لان خسوف القمر، أمر عادي يحدث كثيرا، ويعرفه كل أحد. فهل أراد اليهود بعملهم هذا التلاعب بأفكار الناس، وإبهامهم بأن هذا من فعل محمد (صلى الله عليه وآله)، وأنه ساحر، وليس بنبي ؟ ! إن تاريخ اليهود، ونشاطاتهم الماكرة والهدامة، لا تأبى عن تقوية هذا الاحتمال، وتأكيده. النبي (ص) يبعث بالاموال الى مكة: وفي السنة الخامسة كما يقولون: أصابت قريشا شدة، فبعث إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفضة، يتألفهم بها (2). وفي بعض النصوص: أنه أرسل إليهم بخمس مئة دينار (3).


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 عن ابن حبان. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 470. (3) آثار الحرب في الفقه الاسلامي ص 522 والمبسوط للسرخسي ج 10 ص 92 وراجع: الثقات ج 1 ص 261 عن شرح السير الكبير ج 1 ص 70. (*)

[ 131 ]

عن عبد الله بن علقمة الخزاعي، عن ابيه، قال: بعثني النبي (صلى الله عليه وآله) بمال لابي سفيان بن حرب، يفرق في فقراء قريش، وهم مشركون يتألفهم. فقدمت مكة ودفعت المال إلى أبي سفيان فجعل أبو سفيان يقول: من رأى أبر من هذا ولا أوصل يعني النبي (صلى الله عليه وآله) إنا نجاهد ونطلب دمه وهو يبعث إلينا بالصلاة يبرنا بها (1). أما ما ذكره إبن سعد من أنه (صلى الله عليه وآله) أرسل إلى أبي سفيان بمال يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح (2) فلعلها كانت مرة أخرى غير التي كانت في السنة الخامسة. ولعل الرسول في كلا الحادثتين رجل واحد أيضا. ونقول: إن هذا الموقف للرسول (صلى الله عليه وآله) من مشركي مكة لا يجوز تفسيره على أنه محاولة منه لشراء ولائهم، عن طريق استغلال ضعفهم الناشئ عن مكابدة الحاجة، ومكافحة الجوع، ومعاناة البلاء والالام. لان معنى ذلك هو أن مواقفه (صلى الله عليه وآله) وتصرفاته كانت تمليها عليه الروح التجارية، والشعور الانتهازي وأهداف لا إنسانية بصورة عامة. وإنما عكس ذلك هو الصحيح. فإن مواقف المشركين معه (صلى الله عليه وآله)، وجرائمهم تجاهه، وتجاه اهل بيته وأصحابه والتي كانت قد بلغت الغاية، وأوفت على النهاية. لو فرض أنها قد كان لها دور في ما يتخذه من مواقف ويقوم به من أعمال، فقد كان اللازم هو أن يجد في


(1) التراتيب الادارية ج 1 ص 390، 391 عن كنز العمال ج 5 ص 42 عن ابن عساكر. (2) الطبقات الكبرى (ط صادر) ج 4 ص 296 والتراتيب الادارية ج 1 ص 225 وراجع: ص 390، 391 عن ابن عساكر وعن كنز العمال ج 5 ص 42. (*)

[ 132 ]

معاناة أهل مكة أنواع البلاء ما يشفي غليل صدره ومتنفسا لحقده ووجده. ولكنا نجده يعلن بفرحه وسروره، ويعرب عن تمنياته بزيادة النكبات، وتوالي المصاعب والمتاعب وبمضاعفة البلايا والماسي على أولئك الذين لم يألوا جهدا ولم يدخروا وسعا في حربه، وقهره، والحاق مختلف أنواع الاذى به وبكل من يلوذ به. نعم، إن هذا هو الذي كان يمكن ان نتوقعه منه (صلى الله عليه وآله) في ظروف كهذه ولكن من يراجع حياة النبي (ص) ومواقفه من أهل مكة قبل وبعده هذه القضية، فإنه يجده ذلك الرجل المشفق، والوالد الرحيم لهم حتى وهم يتخذون ضده وضد أهل بيته وأصحابه أعتى المواقف، ويرتكبون في حقهم أبشع الجرائم وأفضعها، فهو القائل في حرب أحد، التي قتل فيها عمه اسد الله واسد رسوله حمزة بن عبد المطلب: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وهو الذي قال لاهل مكة، حينما دخلها بعد ذلك في سنة ثمان للهجرة: إذهبوا، فأنتم الطلقاء، مع أنهم قد حاربوه، ونابذوه على مدى سنوات طويلة، وقتلوا، أو تسببوا في قتل الكثيرين من الخيرة من أهل بيته وأصحابه. وقد وصف القرآن الكريم حالته ومشاعره هذه بأنه: * (عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم) *. بل لقد كانت نفسه تذهب حسرات عليهم، حتى لقد قال الله تعالى له: * (ولا تذهب نفسك عليهم حسرات) *. وقال مخاطبا إياه: * (لعلك باخع نفسك على آثارهم، إن لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا) *. نعم. وهو هو شأن المسلم الاول، وتلك هي تعاليم الاسلام والتربية الالهية الخالصة، التي تسمو بالانسان عن أن يكون أسير انفعالاته وأحقاده، وتفتح أمامه الافاق الرحبة، ليعيش الحياة بكل صفائهها ونبلها،

[ 133 ]

بكل كمالاتها ومواهبها، لا تقيده قيود، ولا تحده حدود. أول وافد على رسول الله (ص): ويقولون: إنه في السنة الخامسة قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلال بن الحارث، في أربعة عشر رجلا من مزينة، فأسلموا. وكان اول وافد مسلم بالمدينة. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارجعوا، فأينما تكونوا فأنتم من المهاجرين. فرجعوا إلى بلادهم (1). ونقول: إننا نسجل هنا ما يلي: 1 - إن اعتبار النبي (صلى الله عليه وآله) هؤلاء من المهاجرين اينما كانوا وحيثما وجدوا يشير الى: أ: أن المهاجري لا ينحصر بمن قدم من مكة الى المدينة، بل يعم كل من هاجر من بلاده إلى الله ورسوله، كما أشارت إليه الاية بل الايات القرآنية. إذن: فلا يحق لاهل مكة أن يعتبروا أنفسهم (المهاجرين) دون غيرهم. فالامتيازات التي حاولوا ان يختصوا بها لانفسهم دون غيرهم على هذا الاساس تصبح بلا مبرر مهما كان ضعيفا وغير معقول. ب: إن اعتبارهم من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) مهاجرين، حتى مع بقائهم في بلادهم هو بدوره أيضا توضيح ومعيار آخر لمفهوم المهاجر الذي يعترف به الاسلام ويتعامل على أساسه. ج: إننا نلاحظ: أنه (صلى الله عليه وآله) قد ركز على كونهم من


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 470. (*)

[ 134 ]

المهاجرين، ولم يعتبرهم من الانصار، ولا ندري إن كان ذلك منه (صلى الله عليه وآله) وهو الذي كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق الماحة إلى سياسة الاستئثار والتجني التي سوف ينتهجها الحكام تجاه الانصار، لصالح المهاجرين، وهو بذلك يبذل محاولة لاعطاء المبررات المنطقية لادانة تلك السياسة الظالمة وإظهار بعدها عن النزاهة، وعن العدالة. وقد رأيناه (صلى الله عليه وآله) قد اعتبر أن كل من دخل في الاسلام طوعا فهو مهاجري (1) حسبما روي عنه. وهذا بدوره إدانة أخرى لتلك السياسات التي انتهجها الخليفة الثاني بعده لصالح المهاجرين ضد الانصار، بهدف تكريس الحكم في هذا الفريق الذي يهتم الخليفة الثاني بأمره، ويرسم لذلك الخطط، ويضع له المناهج. وقد أشرنا إلى شئ مما حاق بالانصار في الجزء الرابع من هذا الكتاب فليراجعه من أراد، وتحدثنا عن جانب من هذه السياسات في كتابنا الحياة السياسية للامام الحسن (عليه السلام). 2 - إننا نلاحظ: أن هذه الوفود قد بدأت في السنة الخامسة، وذلك يدل على أن الناس قد بدأوا يشعرون بقوة الاسلام، وشوكته، وأصبح واضحا لديهم: أن قريشا. بكل جبروتها وقوتها ونفوذها قد باتت عاجزة عن تسديد ضربة قاضية لهذا الدين الجديد رغم أنها قد الحقت بالمسلمين خسائر كبيرة في حرب أحد، ولكن تحرك النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة حمراء الاسد وفي غيرها وحتى في حرب أحد بالذات قد ضبع عليها قرص تكريس النصر لها كما هو معلوم. وإذن، فقد كان من الطبيعي أن يظهر من يرغب بالاسلام إسلامه، دونما خوف أو جل. كما أن من الطبيعي أن يخطب أولئك الذي يعيشون في المنطقة ود


(1) راجع: الجعفريات ص 185 وجامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 207 عنه ومستدرك الوسائل ج 2 ص 268 عن روضة الكافي. (*)

[ 135 ]

المسلمين، وأن يعقدوا معهم معهادات وإتفاقيات توضح نوع ومستوى ومنطلقات العلاقة بالمسلمين. وهذه الوفود، وإن كانت قد ظهرت على نطاق واسع سنة تسع من الهجرة أي بعد فتح مكة، وكسر شوكة قريش والقضاء على جبروتها. ولكن بدء هذه الوفود ولو بصورة محدودة في السنة الخامسة، يدلل على وجود تحول حقيقي في ميزان القوى في المنطقة، ثم في نظرة الناس للاسلام، والمسلمين، وحساباتهم الدقيقة وتصوراتهم فيما يختص بالتعامل معه كقوة جديدة في المنطقة، وكدين جديد أيضا. 3 - قولهم إن وفد بلال من الحارث كان أول وفد مسلم إلى المدينة قد يكون موضع ريب وشك إذا أردنا أن نبحث هذا الموضوع بدقة وأناة، فلعل وفد ضمام بن ثعلبة كان قبله. إلا أن يدعي أن ضماما لم يكن قد أسلم حينئذ، ومهما يكن من أمر، فإن موضوع الوفود وسائر ما يتعلق به موكل إلى ما يأتي إن شاء الله تعالى. 4 - وإذا كان بلال بن الحارث شابا في مقتبل العمر، لم يتجاوز الخمس وعشرين سنة (1) فإن نسبة هذا الوفد إليه، من بين سائر الرجال الذين رافقوه، ولعل الكثيرين منهم كان أسن منه، وقد يكون فيهم من هو من ذوي الشرف والرياسة في تلك القبيلة، نعم... إن نسبة الوفد إلى هذا الشاب دون أي منهم يصبح بحاجة إلى مزيد من التأمل والتحقيق والتدبر. 5 - ان بلالا كان يسكن وراء المدينة (2) - كما يقولون - فلا بد من التأمل أيضا في سبب اعتبار قدومه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وفادة عليه نسأل الله التوفيق لمزيد من البحث في ذلك في الوقت المناسب.


(1) و (2) الاصابة ج 1 ص 164. (*)

[ 136 ]

وفد ضمام بن ثعلبة: قال الديار بكري: (وفي هذه السنة قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضمام بن ثعلبة، من بني سعد بن بكر. وعليه جمع كثير من اكابر أهل السير، لكن الحافظ ابن حجر، قال في فتح الباري، إن قدوم ضمام كان في السنة التاسعة، كما ذهب إليه محمد بن إسحاق، وسيجئ في الخاتمة) (1). ونحن نوكل الحديث والتحقيق في ذلك إلى الحديث عن سنة تسع، وهي سنة الوفود إن شاء الله تعالى. وإنما ذكرنا ذلك هنا متعابعة لهم. وللاشارة إلى الموضع الذي نفضل إرجاء طرح هذه المسائل إلى حين بلوغه. غدر مقيس بن حبابة: قالوا: وفي السنة الخامسة، قدم مقيس بن حبابة من مكة، متظاهرا بالاسلام، فقال: يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخي، قتل خطأ، فأمر له رسول الله بدية أخيه هشام بن حبابة، فأقام عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير كثير، ثم اعتدى على قاتل اخيه، فقتله، ثم رجع إلى مكة مرتدا (2). وذلك إن دل على شئ، فإنما يدل على عدل الاسلام وسماحته وتسامحه، ويظهر زيف وسقوط مناوئيه، وغدرهم. وهو يعطي الصورة العملية عن أخلاقيات الاسلام ومناقبيته، ووفائه


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 470 وراجع الاصابة ج 2 ص 211. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 473، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 609 والكامل في التاريخ ج 2 ص 194، وراجع ص 192 وراجع ص 250. (*)

[ 137 ]

بالتزاماته. وإلى جانب ذلك تظهر اللاأخلاقية والفلتان واللا مبدئية الجاهلية أعاذنا الله من شرور أنفسنا، وهدانا إلى سواء السبيل.

[ 139 ]

الباب السادس: حتى بئر معونة

[ 142 ]

الفصل الاول: سريتان ناجحتان

[ 143 ]

بداية هذا. وقد كانت فيما بين أحد والخندق، العديد من السرايا والغزوات وكانت لها نتائج إيجابيه، على الصعيد السياسي العام وكذلك على الصعيد الاجتماعي، والعسكري وغير ذلك كما سنرى. وحيث إن السرايا لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) يشارك فيها، وإنما كان يشارك في الغزوات فقط، فلسوف نحاول الفصل فيما بينهما في الحديث، ولسوف نهتم بالغزوات التي يشارك فيها النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه أكثر، لنستفيد من أقواله ومواقفه (ص) الدروس والعظات والعبر، ولتكون لنا خير نهج حياة، ومنار هداية، ودليل خير وفلاح. وليعلم: أن كثيرا مما يذكر في هذه الغزوات والسرايا، يحتاج إلى بحث وتمحيص، وقد لا نرى ضرورة كبيرة للمبادرة لتحقيقه ومعالجته في هذه العجالة. توفيرا للفرصة لما هو أهم وأكثر ضرورة وإلحاحا. فما نذكره هنا لا يدل على أننا نقطع بصحته، وإنما نذكره متابعة للمؤرخين، فليعلم ذلك. ونذكر هذه السرايا حسب الترتيب الزمني، فيما ظهر لدينا، أو حسب ما نص عليه المؤرخون فنقول: سرية أبي سلمة الى قطن: ويقولون: إنه في هلال المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا

[ 144 ]

من الهجرة. وقيل: في آخر سنة ثلاث، على رأس أربعة وثلاثين شهرا كانت سرية أبي سلمة، عبد الله بن عبد الاسد، إلى قطن (1)، وكان معه مئة وخمسون رجلا من الانصار، والمهاجرين. منهم أبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن خضير، وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم. فإن رجلا من طئ، وقيل من نفس الذين توجه أبو سلمة لغزوهم - وإسمه الوليد بن زهير بن طريف - وقيل الوليد بن الزيه الطائي ولعله تصحيف زهير، أو العكس - كان قد قدم المدينة لزيارة زينب الطائية إبنة أخيه، وزوجة طليب بن عمير - فأخبره صهره أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما، ومن أطاعهما يريدون أن يدنوا من المدينة لحرب رسول الله (ص). وقالوا: نسير إلى محمد في عقر داره، ونصيب من أطرافه، فإن لهم سرحا يرعى جوانب المدينة، ونخرج على متون الخيل، فقد أربعنا خيلنا - أي أرعيناها الربيع - ونخرج على النجائب المخبورة، فإن أصبنا نهبا لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم، كنا قد أخذنا للحرب عدتها، معنا خيل لا خيل معهم، ومعنا نجائب أمثال الخيل، والقوم منكوبون، قد أوقعت بهم قريش، فهم لا يستبلون دهرا ولا يثوب لهم جمع. فقال رجل منهم اسمه: قيس بن الحارث، يا قوم، والله، ما هذا برأي، ما لنا قبلهم وتر، ولا هم نهبة لمنتهب، إن دارنا لبعيدة من يثرب،


(1) قطن: جبل بناحية فيد كذا في المواهب اللدنية وفي غيره: ببلاد بني أسد على يمينك إذا فارقت الحجاز، وانت صادر من النقرة، قال إسحاق: قطن: ماء من مياه بني أسد بنجد. راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 450 وعددا من المصادر الاتية في الهامش التالي. (*)

[ 145 ]

ما لنا كجمع قريش، مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا وقد امتطوا الابل، وقادوا الخيل، وحملوا السلاح، مع العدد الكثير، ثلاثة آلاف مقاتل سوى أتباعهم، وإنما جهدكم أن تخرجوا في ثلاث مئة رجل، إن كملوا، فتغررون بأنفسكم، وتخرجون من بلدكم، ولا آمن أن تكون الدائر عليكم. فكاد ذلك أن يشككهم في المسير، وهم على ما هم عليه بعد. فذهب به صهره إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخبره كما أخبره. وفي رواية: أنهم كانوا قد جمعوا، وتوجهوا إلى المدينة، ثم بدا لهم الرجوع، فرجعوا إلى منازلهم. وعند البلاذري: كانوا قد جمعوا جمعا عظيما. فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبا سلمة، وأرسل معه نفس ذلك الرجل الذي أخبره بجمعهم، وقال (ص) لابي سلمة: سر حتى تنزل أرض بني أسد، فأغر عليهم، قبل أن تلاقى عليك جموعهم. فخرج، وكان الطائي دليلا خريتا - أي ماهرا - فأغذ السير فسار بهم أربعا الى قطن، وسلك بهم غير الطريق وعارض الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا، - وفي رواية أخرى: إنهم كان يسيرون في الليل ويكمنون في النهار - ليعمي عليهم الاخبار، فسبقوا الاخبار، وانتهو إلى أدنى قطن، ماء من مياه بني أسد. فتذكر الرواية: أن أبا سلمة أغار على سرحهم، ودوابهم وأصابوا ثلاثة أعبد، كانوا رعاة، وهرب الباقون، وأخبروا بمجئ أبي سلمة، وكثرة جيشه - وبتعبير الواقدي: وكثروه عندهم -. فخافوا، وهربوا عن منازلهم في كل وجه، ثم ورد أبو سلمة، فوجد الجمع قد تفرق، وجعل أصحابه ثلاث فرق، فرقة أقامت، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى، وأوعز إليهم ألا يمنعوا في طلب أحد، وألا يفترقوا،

[ 146 ]

وألا يبيتوا إلا عنده، واستعمل على كل فرقة عاملا منهم، فآبوا إليه جميعا سالمين، ولم يلقوا أحدا. وجمعوا ما قدروا عليه من الاموال ورجعوا إلى المدينة. وفي رواية أخرى: إنه لقيهم فقاتلهم، فظفر وغنم، وأنه قتل عروة بن مسعود (الصحيح: مسعود بن عروة) في هذه الغزوة على ماقاله أبو عبيدة البكري. وأن أبا سلمة لما ورد قطن، وجدهم قد جمعوا جمعا، فأحاط بهم أبو سلمة في عماية الصبح، فوعظ القوم ورغبهم في الجهاد، وأوعز إليهم في الامعان في الطلب، وألف بين كل رجلين، فانتبه الحاضر قبل حملة القوم عليهم، فتهيأوا وأخذوا السلاح. أو أخذه بعضهم، فقتل سعد بن أبي وقاص رجلا منهم، وقتل رجل منهم مسعود بن عروة، فحازه المسلمون إليهم، حتى لا يسلب من ثيابه، ثم حمل المسلمون فانكشف المشركون، وتفرقوا في كل وجه، ثم أخذ أبو سلمة ما خف لهم من متاع القوم، ولم يكن في المحلة ذرية، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، حتى إذا كانوا من الماء على مسيرة ليلة أخطأوا الطريق، فهجموا على نعم لهم، فيها رعاؤهم، فاستاقوا النعم والرعاء، فكانت غنائمهم سبعة أبعرة. وفي رواية: أنهم لما أخطأوا الطريق. إستأجروا دليلا فقال لهم: أنا أهجم بكم على نعم، فما تجعلون لي منه ؟ فقالوا: الخمس، قال: فدلهم على النعم، وأخذ خمسه. وفي نص آخر: إن أبا سلمة أعطى الدليل الطائي ما أرضاه، وعزل للنبي (صلى الله عليه وآله) عبدا، (صفي المغنم)، ثم خمسها، وقسم الباقي على السرية، فبلغ سهم كل واحد سبعة أبعرة، وأغناما. وكانت مدة غيبتهم عشرة أيام وقيل: أكثر من ذلك (1).


(1) راجع فيما تقدم: المصادر التالية: مغازي الواقدي ج 1 ص 341 - 346 وتاريخ (*)

[ 147 ]

ملاحظات لابد منها: ولنا على ما تقدم ملاحظات، هي: ألف: إن النص المتقدم يقول: إن سرية أبي سلمة إلى قطن قد كانت في هلال المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة. ونقول: أولا: إن من الواضح أن هجرة الرسول الاعظم الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد كانت في شهر ربيع الاول. وهذا معناه أن سرية أبي سلمة كانت على رأس أربعة وثلاثين شهرا، إلا إذا كان المقصود: أنها كانت في أول الشهر الخامس والثلاثين كما هو الاولى. وثانيا: إنها إذا كانت في أول المحرم، فلا يمكن أن تكون في أول السنة الرابعة، إلا بنحو من المسامحة، وزيادة شهرين، لان الهجرة كانت في ربيع الاول، كما قلنا، وكان هو أول السنة، وتغييره إلى المحرم إنما كان من قبل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بعد سنوات طويلة. فمن قال: إنها كانت في أول الرابعة فقد اعتمد التاريخ الذي وضعه عمر بن الخطاب، وتسامح بإضافة شهرين، ومن قال: إنها كانت في أواخر الثالثة فقد اعتمد التاريخ الاصيل الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وآله) والذي يكون أول السنة فيه هو ربيع الاول. ويكون كلامه أكثر دقة وانسجاما مع الواقع.


الخميس ج 1 ص 450 والمحبر ص 117 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 121، 122 والبداية والنهاية ج 4 ص 61، 62 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ص 374، 375 والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 35 وسيرة مغلطاي ص 51 والسيرة الحلبية ج 3 ص 164، 165 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 254. (*)

[ 148 ]

ثالثا: إن كون سرية أبي سلمة هذه قد كانت سنة ثلاث في آخرها، أو في أول سنة أربع، لا يتلاءم مع القول بأن أبا سلمة قد توفي سنة إثنتين ولا مع القول بأنه قد توفي في جمادى الاخرة سنة ثلاث، حسبما قدمناه، حين الكلام على وفاة أبي سلمة. رابعا: إنه قد تقدم في المجلد الخامس من هذا الكتاب بعض القرائن التي تفيد أنه توفي سنة إثنتين، وهو ما ذهب إلى البعض، حسبما المحنا إليه حين الكلام على وفاته. وقد ذكرنا في الجزء الخامس: أن أم سلمة قد حضرت زفاف فاطمة كزوجة للنبي، إلا أن تكون أم سلمة قد حضرت هذا الزفاف كإمرأة من النساء ويكون المراد ببيت أم سلمة: البيت الذي صار لها فيما بعد. وإن كان ذلك خلاف الظاهر. حيث إن النبي (صلى الله عليه وآله) إنما كان يبني لزوجاته البيوت بعد زواجه بهن، ولانه يظهر من الرواية: أنه (صلى الله عليه وآله) كان يتعامل معها كزوجة، كما ألمحنا إليه فيما تقدم. والله هو العالم بحقيقة الحال. ب: يلاحظ: أن الرواية المتقدمة تقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمر أبا سلمة بالاغارة عليهم بغتة، قبل ان يعلموا أو يجمعوا الجيش. ولعل ذلك يرجع إلى أنهم كانوا قد بادروا هم إلى نصب العداء للمسلمين، وجمع الجموع للاغارة على المدينة، فأصبحوا من المحاربين، الذين لا بد من كسر شوكتهم، ودفع غائلتهم، ولم يعد لهم أمان، ولا حرمة، ولا عهد. فلا مانع من تربص غفلتهم، والاغارة عليهم بغتة، فإنما: (على نفسها جنت براقش)، ولا يعتبر ذلك غدرا بهم، ولا تجنيا عليهم، فإن المحارب إذا قصر في الاحتياط لنفسه، لا يكون معذورا، ولا يجب على غيره أن يتوب عنه في ذلك.

[ 149 ]

ومن جهة ثانية: فإن هذا الامر من شأنه أن يقلل من حجم الخسائر في الارواح في صفوف المسلمين، وحتى في صفوف المشركين أيضا. كما أن من شأنه أن يعود بالفائدة الكبيرة على المسلمين من الناحية الاقتصادية، من هذه الناحية، وبالتالي فإنه يربك خطط العدو وخطواته في مجال التآمر على المسلمين، وضربهم. ويؤجل كثيرا من المشاكل، والاخطار إلى أجل مسمى، الامر الذي ربما يحمل معه الكثير من المستجدات، التي قد لا يبقى معها مجال للحرب، ولا للخصومة على الاطلاق، ولعل ما ذكره ابن سعد من قول الرسول لابي سلمة: سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم (1). يشير إلى الامرين السابقين. ج: إن ذلك يعطينا: أنه لا مانع من المبادرة إلى أعمال وقائية، تمنع الاعداء من تسديد الضربات القاسية للمؤمنين، ما دام العدو بصدد ذلك، ويعد العدة له. أضف إلى ذلك: أن غزو المسلمين في عقر دارهم يضعف أمرهم، ويوهن عزمهم، ويطمع فيهم أعداءهم. أما إذا بادروا هم إلى مبادءة أعدائهم في عقر دارهم، فإن ذلك أبعد للسمع، وأنكى للعدو، وأقوى لقلوب المسلمين. د: لعل الرواية الاخيرة أقرب إلى الصواب، إذا ثبت أن مسعود بن عروة أو عروة بن مسعود قد قتل في هذه الغزوة: كما نص عليه


(1) الطبقات ج 2 قسم 2 ص 35 ومغازي الواقدي ج 1 ص 341 والسيرة الحلبية ج 1 ص 164. (*)

[ 150 ]

البعض (1). كما ويلاحظ: دقة نصوصها وتفصيلاتها، ولعلها لا تأبى عن الجمع بينها وبين الرواية الاخرى التي لا تخلو من شئ من الاجمال. إغتيال سفيان بن خالد: وتعرف بسرية عبد الله بن أنيس. ويقولون: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد بعث عبد الله بن أنيس - وحده - إلى قتل سفيان بن خالد، وفي الاكتفاء والمواهب اللدنية: خالد بن سفيان، حيث بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يجمع الجموع لحرب المسلمين، وضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس. فخرج عبد الله بن أنيس إليه ليقتله، فرواية تقول: لقيه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا، فسأله عن نفسه، فأخبره بأنه رجل من العرب سمع بجمعه لهذا الرجل أي النبي فجاءه لذلك، فقال: أجل، أنا في ذلك. فمشى معه شيئا، حتى إذا أمكنته الفرصة قتله، وترك ظعائنه مكبات عليه. وعند البلاذري: أنه قتله وهو نائم. ويبدو أنه ناظر إلى ما جاء في الطبقات وغيره، عن ابن أنيس قال: (واستأذنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أقول: فأذن لي، فخرجت، وأخذت سيفي، وخرجت أعتزي إلى خزاعة - وفي السيرة الحلبية والواقدي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بالانتساب إليها - حتى إذا كنت ببطن عرنة (2) لقيته يمشي ووراءه الاحابيش، ومن


(1) راجع: مغازي الواقدي وغيره مما تقدم، وأسد الغابة ج 4 ص 359 عن ابن إسحاق، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 448. (2) بطن عرنة: واد بعرفه، وليس من الموقف. (*)

[ 151 ]

ضوى إليه). فمشى معه، وحدثه، بما هو قريب مما تقدم، وفيه أنه استحلى حديث ابن أنيس. حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه، حتى إذا هدأ الناس وناموا، اغتررته فقتلته، وأخذت رأسه، ثم دخلت غارا في جبل، وضربت العنكبوت علي الخ. ثم صار يسير بالليل ويكمن بالنهار حتى قدم بالرأس على النبي، فوضعه بين يديه، وكانت مدة غيبته ثمانية عشر يوما. ويذكر أيضا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أعطاه بهذه المناسبة عصا ليختصر بها في الجنة، فأوصى أهله، حتى لفوها في كفنه - أو بين جلده وكفنه - ودفنوها معه. كما أنه هو نفسه قد ذكر: أنه حينما رأى خالدا، وكان قد دخل وقت صلاة العصر، خشي أن يكون له معه ما يشغله عن الصلاة، فصلى وهو يمشي نحوه، ويومي برأسه. أما بالنسبة لتاريخ هذه القصة فقد ذكرها المؤرخون في السنة الرابعة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة، ورجع يوم السبت لسبع بقين من المحرم. وعند الواقدي: في المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا. وعند البلاذري: سنة ست، وفي الوفاء: في الخامسة، بعد غزوة بني قريظة وذكره المسعودي في التنبيه والاشراف بلفظ: قيل. وبعض أهل السير أوردها بعد سرية عاصم بن ثابت، وقال: إنه يعني سفيان بن خالد كان سببا لقصة الرجيع التي قتل فيها عاصم وأصحابه. فتكون قصة قتل سفيان بعد سرية الرجيع (1).


راجع قضية سفيان وابن أنيس إجمالا أو تفصيلا في المصادر التالية: تاريخ الخميس (*)

[ 152 ]

ملاحظات على ما تقدم: ولنا هنا ملاحظات: ألف: بالنسبة لمدى اعتبار الرواية، نشير إلى: 1 - أن الملاحظ: هو أن المؤرخين والمحدثين إنما يروون هذه الحادثة، الهامة عن خصوص بطلها عبد الله بن أنيس، وذلك أمر ملفت للنظر حقا: فلماذا لم ترو عن غيره يا ترى ! هذا مع ملاحظة: أنه يحاول إعطاء نفسه بعض الاوسمة البراقة، مثل قوله عن نفسه: إنه كان لا يهاب الرجال. أو قوله: فاستحلي حديثي، أو قصة تخصره بالعصا في الجنة، أو نحو ذلك. مما يظهر من تتبع نصوص الرواية في المصادر المشار إليها في الهامش آنفا وغيرها. 2 - إننا نلاحظ: أنه يدخل غارا، ثم يحدث له نفس ما حدث للنبي (صلى الله عليه وآله) حين هجرته، من نسج العنكبوت عليه: ثم يأتي رجل، ومعه إداوة ضخمة، ونعلاه في يده، وكان ابن أنيس حافيا، وكان أهم أمره عنده العطش، فوضع إداواته ونعله، وجلس يبول على فم الغار، ثم قال لاصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، فخرج عبد الله وأخذ النعلين، وشرب من الاداوة ولم يره أحد فطلبهما صاحبهما بعد ذلك


ج 1 ص 450، 451 ومغازي الواقدي ج 2 ص 531 - 533 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 267 والمحبر ص 119 وزاد المعاد ج 2 ص 109 وأنساب الاشراف (قسم سيرة النبي) ص 376، والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 والسيرة الحلبية ج 3 ج 2 ص 74 وسيرة مغلطاي ص 51، 52 والاصابة ج 2 ص 279 عن أبي داود وغيره والاكتفاء ج 2 ص 417 - 419 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 254، 255. (*)

[ 153 ]

فلم يجدهما فرجع الى قومه، ثم سار عبد الله نحو المدينة (1). وهذه هي نفس الامور التي حدثت للنبي في غار ثور حين هجرته. لا ندري كيف عادت وتكررت لابن أنيس دون سواه ! ! ومن دون أي تفاوت أو تغيير تقريبا. ويلاحظ أيضا: أن هذا الرجل يحاول أن ينسب قتل سلام بن ابى الحقيق اليهودي لنفسه أيضا: كما سنرى. 3 - إن الرواية - رغم أنها عن شخص واحد، وهو نفسه بطلها - فقد وردت مختلفة النصوص إلى حد التنافي، كما يظهر من ملاحظة ما تقدم. 4 - إن هذه الرواية تقول: إن عبد الله بن أنيس قد حمل رأس سفيان إلى النبي (صلى الله عليه وآله). ولكن قد جاء عن الزهري قوله: (لم يحمل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأس إلى المدينة قط) (2). وقد جعل الحلبي قصة حمل رأس سفيان وكعب بن الاشرف إلى النبي ردا على الزهري، وإبطالا لقوله (3). ونقول: إن ذلك ليس بأولى من العكس، بل العكس هو الاولى، ما دام الزهري بصدد تكذيب ما نقل من ذلك. فلولا أنه بحث عن ذلك واستقصاه، وسأل عنه، لما حكم بهذا الحكم القاطع. ولا سيما بملاحظة أن ناقل إحدى القصتين رجل واحد، هو نفس بطلها، إلى آخر ما تقدم من وجوه الوهن في القصة.


(1) مغازي الواقدي ص 533 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 254، 255 والسيرة الحلبية ج 3 ص 165. (2) السيرة الحلبية ج 3 ص 165. (3) المصدر السابق. (*)

[ 154 ]

ب: بالنسبة لتاريخ الرواية، وكونها على رأس خمسة وثلاثين شهرا، في السنة الرابعة، فقد قلنا بعض ما يرتبط بذلك، حين الكلام على سرية أبي سلمة إلى قطن. كما أننا قدمنا آنفا: أن هذا التاريخ محل نظر، ولا بد أن تكون بعد سرية الرجيع، وهي بعد التاريخ الانف الذكر. ومهما يكن من أمر، فقد تكلمنا حول الاغتيالات في الجزء السادس من هذا الكتاب، فما بعدها. فلا نعيد. ج: ولو أننا أغمضنا النظر عما تقدم، ففي الرواية دلالة على جواز التبرك بآثاره (صلى الله عليه وآله). وحتى لو فرضنا: أن الرواية المتقدمة غير صحيحة من الاساس، فإن قبول المؤرخين القدامى هذا الامر (التبرك) وإدراجه في كتبهم، من دون اعتراض عليه، أو تسجيل ملاحظة حوله يشير إلى أنهم كانوا لا يرون هذا التبرك شركا بالله سبحانه، ولا خروجا عن الدين. وقد تحدث العلامة البحاثة الشيخ علي الاحمدي حول هذا الموضوع بإسهاب في كتابه القيم: التبرك، تبرك الصحابة والتابعين بآثار الانبياء والصالحين فليراجعه من أراد. د: لقد ذكر البعض (1): أن قبيلة هذا الرجل وهي هذيل كان لها خصومات دامية مع خزاعة (2). فكيف يمكن لابن أنيس أن يدعي أنه من خزاعة، ثم يثق به سفيان بن خالد ؟ !


(1) محمد في المدينة ص 135. (2) راجع مغازي الواقدي ج 2 ص 843، 844، 845، 846. (*)

[ 155 ]

الفصل الثاني: مأساة الرجيع في نصوصها المتنافرة

[ 157 ]

يوم الرجيع كما يرويه المؤرخون: قالوا: إنه سنة ثلاث، بعد أحد، قدم على رسول الله رهط من عضل، والقارة، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك، يفقهوننا في الدين، ويقرؤوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام. فبعث (صلى الله عليه وآله) معهم نفرا، ستة من أصحابه، وهم: 1 - مرثد بن أبي مرثد الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب. 2 - خالد بن البكير الليثي. 3 - عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح. 4 - خبيب بن عدي الاسدي. 5 - زيد بن الدثنة. 6 - عبد الله بن طارق. وأمر عليهم: مرثد بن أبي مرثد، وخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع - ماء لهذيل بناحية الحجاز بين عسفان، ومكة، غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم.

[ 158 ]

فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه: أن لا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت: فقالوا: والله، لا نقبل من مشرك عهدا، ولا عقدا أبدا. ثم ارتجز عاصم أبياتا ذكرها ابن هشام في السيرة، ثم قاتل القوم حتى قتل، وقتل صاحباه. فأرادت هذيل أخذ رأس عاصم، ليبيعوه من سلافة بنت سعد، بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم، لتشربن في قحفه الخمر، فمنعته الدبر - أي الزنابير والنحل - فقالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله سيلا، فاحتمل عاصما، فذهب به. وكان عاصم قد أعطى الله عهدا: أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا، تنجسا، فكان عمر بن الخطاب (رض) يقول، حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته. وأما زيد بن الدثنة، وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا، ورغبوا في الحياة، فأعطوا أيديهم، فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران - واد قرب مكة - انتزع عبد الله بن طارق يده من الحبل الذي كان قد ربط به، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره - رحمه الله - بالظهران. وأما خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما إلى مكة. قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة.

[ 159 ]

قال ابن اسحاق: فابتاع خبيبا حجير بن أبي اهاب التميمي، حليف بني نوفل، لعقبة بن الحارث، بن عامر، بن نوفل، وكان أبو إهاب أخا للحارث بن عامر لامه، ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة، فابتاعه صفوان بن أمية، ليقتله بأبيه، أمية بن خلف. وبعث به صفوان مع مولى له، يقال له: نسطاس إلى التنعيم - موضع بين مكة وسرف على فرسخين من مكة - وأخرجوه من الحرم ليقتلوه. واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان، حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الان في مكانك، نضرب عنقه، وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الان في مكانه الذي هو فيه أن تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا، كحب أصحاب محمد محمدا. ثم قتله نسطاس، يرحمه الله. وأما خبيب بن عدي، فقد حدثت ماوية، (أو مارية) مولاة حجير بن أبي إهاب، قالت: كان خبيب بن عدي، حبس في بيتي، فلقد اطلعت عليه يوما، وإن في يده لقطفا من عنبن، مثل رأس الرجل، يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل. وقالت أيضا: قال لي حين حضره القتل: إبعثي إلي بحديدة أتطهر بها للقتل. قالت: فأعطيت غلاما من الحي الموسى، فقلت: أدخل بها على

[ 160 ]

هذا الرجل البيت. قالت: فما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت ؟ ! أصاب - والله - الرجل ثأره، بقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلى ؟ ثم خلى سبيله. قال ابن هشام: ويقال: إن الغلام إبنها (وسماه بعضهم: أبا حسين بن الحارث بن عدي، بن نوفل، بن عبد مناف، كما في شرح المواهب). قال ابن اسحاق: ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاؤوا به إلى التنعيم ليصلبوه، طلب منهم السماح له بصلاة ركعتين، فسمحوا له، فصلاهما، ثم قال لهم: أما والله لولا أن تظنوا: أني إنما طولت جزعا من القتل، لاستكثرت من الصلاة. فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا، وأقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، ثم قتلوه رحمه الله. فكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب. وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عقبة بن الحارث، قال: سمعته يقول: ما أنا - والله - قتلت خبيبا، لاني كنت أصغر من ذلك. ولكن أبا

[ 161 ]

ميسرة أخا بني عبد الدار، أخذ الحربة، فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي، وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله. وكان عمر بن الخطاب قد استعمل سعيد بن عامر بن حذيم على بعض الشام، وكانت تصيبه غشية، فقيل لعمر، فسأله عن ذلك، فقال: إنه كان فيمن حضر خبيبا حين قتل، وسمع دعوته، فكان إذا ذكروها غشي عليه. قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الاشهر الحرم، ثم قتلوه. وروي عن ابن عباس: أن المنافقين قالوا في هذه المناسبة: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أداوا رسالة صاحبهم. فأنزل الله تعالى في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر من الخير بالذي أصابهم، فقال سبحانه: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) * أي لما يظهر من الاسلام بلسانه * (ويشهد الله على ما في قلبه) * وهو مخالف بما يقول بلسانه * (وهو ألد الخصام) * أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك. وقال ابن إسحاق: قال تعالى: * (وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد) * أي لا يحب عمله ولا يرضاه، * (وإذا قيل له اتق الله، أخذته العزة بالاثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد، ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد) *. يعني قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك يعني تلك السرية.

[ 162 ]

ثم دار خبيبا حين بلغه أن القوم اجتمعوا لصلبه، قال: لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع ثم ذكر عدة أبيات. ولكن ابن هشام قال: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. ثم ذكر خمسة أبيات لحسان بن ثابت يبكي بها خبيبا، أولها: ما بال عينك لا ترقى مدامعها * * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق وأبياتا أخرى ستة، أولها: يا عين جودي بدمع منك منسكب * * وابكي خبيبا مع الفتيان لم يؤب ثم قال ابن هشام: وهذه القصيدة مثل التي قبلها، وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان، وقد تركنا أشياء قالها حسان في أمر خبيب لما ذكرت. قال ابن إسحاق: وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل، من قريش: عكرمة بن أبي جهل، وسعيد بن أبي عبد الله بن أبي قيس بن عبدود، والاخنس بن شريق الثقفي، وعبيدة بن حكيم بن أمية بن حارثة بن الاوقص السلمي، حليف بني أمية بن عبد شمس، وأمية ابن أبي عتبة، وبنو الحضرمي. ثم ذكر عدة مقطوعات شعرية لحسان يبكي فيها خبيبا أو يهجو هذيلا، والمقطوعة الاخيرة، وهي خمسة أبيات، أولها: صلى الاله على الذين تتابعوا * * يوم الرجيع، فأكرموا وأثيبوا ثم قال ابن هشام: (وأكثرا أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان). كان ما تقدم سردا لقضية يوم الرجيع، حسبما يريد إبن هشام أن

[ 163 ]

يصورها لنا (1). ولسوف نجد: أن ثمة نصوص أخرى تخالف ما ذكر، ولسوف يتضح بعض الامر في المناقشات التالية. رأينا في الرواية: ونقول: إننا لا نملك دليلا قاطعا يجعلنا نخضع لصحة هذا الحدث، ونستسلم لواقعيته بصورة نهائية. بل لدينا الكثير من الموارد المثيرة لاكثر من سؤال، ولا سيما فيما يتعلق ببعض التفاصيل التي أشارت إليها الرواية المختلفة. وهي من الكثرة بحيث نكاد نشكك في أصل هذه السرية.


(1) راجع فيما تقدم: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 178 - 193 وراجع: الاكتفاء لكلاعي ج 2 ص 134 - 141 وطبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 55، 56 وج 8 ص 302 والبدء والتاريخ ج 4 ص 209 - 211 وتاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 538 - 542 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 القسم الثاني ص 27 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 375 والكامل في التاريخ ج 2 ص 167 ومغازي الواقدي ج 1 ص 354 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158 وتاريخ الخميس ج 1 ص 454 - 458 وزاد المعاد ج 2 ص 109 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255، 256 والسيرة الحلبية لابن كثير ج 3 ص 123 والاغاني ج 4 ص 225 - 227 والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 - 103 وراجع قصة خبيب في الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 429 - 432 وراجع: حلية الاولياء ج 1 ص 113 وراجع: الروض الانف ج 3 ص 234 وراجع: الاشتقاق ص 442. (*)

[ 164 ]

وقد رأينا أن نقسم الحديث عن هذه السرية إلى قسمين، ثم عززناهما بثالث. أولهما: يتناول بشئ من التفصيل التناقضات الظاهرة فيما بين النصوص المختلفة التي بحوزتنا. والثاني: يتعرض لمناقشة طائفة من الموارد التي جاءت في هذه النصوص، وإبطالها، وفقا لما يتوفر لدينا من وسائل، تعطينا القدرة على ذلك. أما القسم الثالث: فقد تعرضنا فيه للرواية التي تتحدث عن إنزال خبيب عن خشبته التي صلب عليها، حسبما ترى. فإلى ما يلي من مطالب وفصول. تناقضات في روايات الرجيع: ان روايات سرية الرجيع، ثم ما جرى لحبيب وصاحبيه، وكذلك ما يرتبط بإنزال جثة خبيب، لا تكاد تتفق على شئ، فهي متنافرة، ومتدابرة بصورة عجيبة وغريبة. الامر الذي يشير إلى وجود تعمد للكذب والوضع، والتصرف والتحريف، بحيث أصبح من الصعب تحديد نتيجة واضحة، لا لبس فيها في هذا المجال. بل إن هذه التناقضات الواضحة تكاد تجعلنا نشك في مجمل ما يذكرونه هنا، سوى أننا لا نجرؤ على نفي الموضوع من أساسه، ولا ضير في أن يكون ثمة أشخاص قد قتلهم ناس من عضل والقارة (1) ولا نمانع


1) عضل (بفتحتين) بطن من بني الهون بن خزيمة، بن مدركة، بن الياس، بن مضر، (*)

[ 165 ]

في أن يكون خبيب وصاحبه قد قتلهما أهل مكة. وما عدا ذلك فهو مشكوك فيه، إن لم نقل إن فيه الكثير مما نقطع بأنه مكذوب وموضوع، أو محرف عن عمد، أو عن غير عمد كما سنرى. وإذا أردنا أن نلم بطائفة من هذه التناقضات، فإننا نشير إلى ما يلي: ألف: بالنسبة لتاريخ سرية الرجيع، نجد: أن معظم المؤرخين يذكرون قضية الرجيع في صفر سنة أربع (1) مع أن عددا آخر يذكرها في سنة ثلاث بعد غزوة أحد (2). وفي نص آخر: أنهم انطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما


ينسبون إلى عضل بن الديش. والقارة (بتخفيف الراء) بطن من الهون أيضا، وينسبون إلى الديش المذكور. والقارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسمعوا بها. (1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 62 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 375 والكامل في التاريخ ج 2 ص 167 ومغازي الواقدي ج 1 ص 354 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158 وتاريخ الخميس ج 1 ص 33 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 وتاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 538 والعبر وديوان المتبدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 27 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 100 والتنبيه والاشراف ص 212 وعمدة القاري ج 17 ص 166. (2) الاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 134 وتاريخ الخميس ج 2 ص 454 عن ابن إسحاق وراجع: البدء والتاريخ ج 4 ص 209 وفتح الباري ج 7 ص 290 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 429 وبهجة المحافل ج 1 ص 217 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 100 عن ابن إسحاق والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 1 قسم 2 ص 27 وكتاب الجامع للقيرواني ص 278 وعمدة القاري ج 17 ص 166 عن ابن التين. (*)

[ 166 ]

بمكة، بعد وقعة بدر (1). ب: وبينما نجد بعض النصوص تشير إلى أن غزوة الرجيع كانت بعد بئر معونة، التي كانت في محرم (2). فإن البعض يذكر: أن خبرهما (بئر معونة، والرجيع) قد جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في ليلة واحدة (3). ونص ثالث يشير إلى أن أهل مكة قد اشتروا خبيبا وابن الدثنة في ذي القعدة، فحبسوهما حتى خرجت الاشهر الحرم، ثم أخرجوهما، فقتلوهما (4). ورابع عن أنس يذكر: أنه لما أصيب خبيب بعث رسول الله السبعين إلى حي من بني سليم، فقتلوا جميعا (5). ج: وفيما يرتبط بسبب بعث السرية، فقد تقدم أن نفرا من عضل والقارة قد طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله): أن يرسل معهم من يفقههم في الدين، لان فيهم إسلاما، فأرسلهم معهم، فغدروا بهم. وفي رواية: أنه (صلى الله عليه وآله) أراد أن يبعث عيونا إلى مكة، ليأتوه بخبر قريش، فلما طلب منه هؤلاء النفر ذلك بعث معهم ستة نفر


(1) أسد الغابة ج 2 ص 104 وصحيح البخاري ج 2 ص 115 ومسند أحمد ج 2 ص 294 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112. (2) و (3) راجع: المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة. (4) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 357 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 37 و 56 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 131 والبداية والنهاية ج 4 ص 67 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456. (5) راجع: كنز العمال ج 10 ص 371، 372 عن الطبراني، وأبي عوانة وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 195، 196. (*)

[ 167 ]

للامرين جميعا (1). وتفصل إحدى الروايات في سبب إقدام هؤلاء النفر على الطلب من النبي (صلى الله عليه وآله) فتقول: إن لحيان بعد قتل سفيان بن خالد، قد جعل لعضل والقارة إبلا على أن يكلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يخرج إليهم نفرا من أصحابه، يدعونهم إلى الاسلام، (فنقتل من قتل صاحبنا، ونخرج بسائرهم إلى قريش بمكة، فنصيب بهم ثمنا). فقدم سبعة نفر مظهرين الاسلام إلخ..) (2). ولكن رواية أخرى تذكر: أنه (صلى الله عليه واله) قد أرسلهم عيونا إلى مكة، فساروا يكمنون النهار، ويسيرون بالليل، خوفا من قريش وهذيل، وذلك قرب وقعة أحد، وقتل سفيان بن خالد الهذلي (3). وعن اليعقوبي: بعد أن ذكر خروجهم مع أولئك النفر، قال: (فلما كانوا على ماء يقال له: الرجيع لهذيل، خرج بعض الناس، حتى انتهى إلى هذيل، فقال: (إن ها هنا نفرا من أصحاب محمد، هل لكم أن نأخذهم،


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 ومغازي الواقدي ج 1 ص 354 وفتح الباري ج 7 ص 291 وعمدة القاري ج 17 ص 167 و 168. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وعمدة القاري ج 17 ص 168. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 165، 166 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وراجع: زاد المعاد ج 2 ص 109 عن موسى بن عقبة، والبداية والنهاية ج 4 ص 62 و 63 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 و 125 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 و 189 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 وفتح الباري ج 7 ص 291 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 وصفة الصفوة ج 1 ص 619 وصحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 3 ص 18 وأسد الغابة ج 2 ص 103 ومسند أحمد ج 2 ص 284 و 310 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 وراجع: شرح السير الكبير ج 10 ص 387. (*)

[ 168 ]

ونسلبهم، ونبيعهم من قريش ؟ ! فما راع إلا الرجال الخ..) (1). وعن البغوي: أن قريشا بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا، فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحاب السرية إليهم (2). د: بالنسبة لعدد عناصر السرية، نقول: إن البعض يصرح بأنهم كانوا تسعة (3). وذكرت الرواية المتقدمة في عدد من مصادرها: ان عدد أفراد السرية هو ستة نفر وقد تقدمت أسماؤهم. ولعل هذا القول والذي قبله واحد، لان الكتابة في السابق لم يكن لها نقط، وستة وسبعة في الرسم متقاربان. ولكننا نجد رواية أخرى تزيد فيهم: معتب بن عبيد (4). وزاد ابن سعد: ربيعة بن الحارث (5). وبعضهم زاد: مغيث بن عوف (6).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 70. (2) شرح بهجة المحافل للاشخر اليمني ج 1 ص 218 عن تفسير البغوي. (3) التنبيه والاشراف ص 212. (4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 55 وج 3 ص 455 ط صادر، ومغازي الواقدي ج 1 ص 355 وص 357 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 218 وتاريخ الخميس ج 1 ص 454 وفتح الباري ج 7 ص 291. (5) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 33. (6) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 291. (*)

[ 169 ]

وقال البخاري وغيره: كانوا عشرة رجال (1). والبعض يذكر: أنهم عشرة، ولكنه يذكر أسماء سبعة منهم، ويسكت (2). ه‍: بالنسبة لامير السرية أيضا نقول: قد تقدم: أنه (صلى الله عليه وآله) قد أمر على السرية: مرثد بن أبي مرثد (3).


(1) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 4 ص 177 ومسند أحمد ج 2 ص 294 والاغاني ج 4 ص 228 والروض الانف ج 3 ص 233 عن البخاري وتاريخ الخميس ج 1 ص 454 وفتح الباري ج 7 ص 291 والاصابة ج 1 ص 418 وأسد الغابة ج 2 ص 103 وزاد المعاد ج 2 ص 291 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 55 وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 540 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 125 و 126 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 و 64 وتاريخ الاسلام للذهبي قسم المغازي ج 1 ص 187 ومغازي الواقدي ج 1 ص 355 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 والسيرة الحلبية ج 3 ص 165. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 55 ط صادر وصفة الصفوة ج 1 ص 619 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 وهامش كتاب الجامع للقيرواني ص 278 عن البخاري وعمدة القاري ج 17 ص 166 و 167. (3) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 27 وزاد المعاد ج 2 ص 109 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 70 وراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 55 والاكتفاء ج 2 ص 134 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 179 وتاريخ ابن الودري ج 1 ص 158 وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 538 وراجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 167 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 126 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 1 ص 189 قسم المغازي، ومغازي الواقدي ج 1 ص 355 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 375 وراجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 165 بلفظ قيل، وكذا لدى بعض من تقدم، وتاريخ الخميس ج 1 ص 454 وفتح الباري ج 7 ص 291 والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 عن ابن إسحاق وعمدة القاري ج 17 ص 166 و 168. (*)

[ 170 ]

ولكن في عدد من المصادر: أنه (صلى الله عليه وآله) قد أمر عليها عاصم بن ثابت (1). وذكر ابن سعد: أن ربيعة بن الحارث كان أميرا في سرية الرجيع (2). و: بالنسبة لكيفية اكتشاف أمر السرية. ذكرت الرواية المتقدمة: أن الذين كانوا مع السرية قد غدروا بهم، فاستصرخوا هذيلا عليهم، فلم يرعهم وهم في رحالهم - إلا والرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا السيوف ليقاتلوهم.. الخ. ولكن النص الاخر يقول: إنهم خرجوا عيونا، فلما نزلوا بالرجيع، أكلوا تمرة عجوة، فسقط نواه في الارض، فجاءت امرأة من هذيل، ترعى غنما، فرأت النوى، فأنكرت صغرهن، وقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها، وقالت: قد أتيتم من قبل العدو، فجاؤا في طلبهم، واتبعوا آثارهم، فلما أحسوا بهم التجأوا إلى جبل كان هناك، فأحاطوا بهم،


(1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 55 وتاريخ الامم والملوك للطبري ج 2 ص 540 ط دار المعارف، والكامل في التاريخ ج 2 ص 167 والبداية والنهاية ج 4 ص 62، 63، 64 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 و 125 و 126 وتاريخ الاسلام للذهبي قسم المغازي ج 1 ص 187 ومغازي الواقدي ج 1 ص 355 بلفظ: يقال، وكذا في أنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 375 والسيرة الحلبية ج 3 ص 165 و 170 و 171 وتاريخ الخميس ج 1 ص 454 و 455 وصححه ورجحه السهيلي، فراجع: فتح الباري ج 7 ص 291 والاصابة ج 1 ص 418 وأسد الغابة ج 1 ص 103 وصحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 3 ص 18 ومسند أحمد ج 2 ص 284 و 310 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 والاغاني ج 4 ص 228 والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 و 101 عن الصحيح، والتنبيه والاشراف ص 212. (2) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 33. (*)

[ 171 ]

وقالوا، لكم العهد والميثاق، إن نزلتم إلينا: أن لا نقتل منكم رجلا، فنزلوا إليهم إلخ.. (1). أما ابن الوردي فلا يشير إلى هذيل أصلا، فهو يقول: (فلما وصلوا إلى الرجيع.. غدروا بهم وقاتلوهم، إلخ..) (2). وعند البلاذري، بعد ذكر ادعاء هذيل الاسلام على سبيل المكيدة: (فلما صاروا إليهم، غدروا. وكثروهم، فقتل مرثد إلخ..) (3). ز: بالنسبة لعدد المهاجمين للسرية: نجد رواية تقول: إنهم كانوا مائة رام. وأخرى تقول: إنهم كانوا مائتي رام (4). ورواية تفسير البغوي تقول: ركب سبعون رجلا معهم الرماح، حتى أحاطوا بهم (5). ح: ثم إنهم قد رووا: أن عاصم بن ثابت قد قتل رجلا، وجرح


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 166 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 218 وتاريخ الخميس ج 1 ص 455 وفتح الباري ج 7 ص 292 وراجع: أسد الغابة ج 2 ص 103 وصحيح البخاري ج 2 ص 114 وراجع: ج 3 ص 18 ومسند أحمد ج 2 ص 284 و 310 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 والاغاني ج 4 ص 228 والمواهب اللدنية ج 1 ص 101. (2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 185. (3) أنساب الاشراف ج 1 ص 375 (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)). (4) راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 101 وسائر المصادر المتقدمة وشرح السير الكبير ج 10 ص 388. (5) راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 218 وراجع: تاريخ الخميس. (*)

[ 172 ]

رجلين (1)، ولكن رواية أخرى تقول: إنه كان عنده سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم (2). ط: بالنسبة لمعرفة المسلمين بعدوهم: تقدم: أن المسلمين لم يشعروا بعدوهم إلا وقد غشيهم في رحالهم. بينما نجد رواية أخرى تذكر: أنهم قد شعروا بعدوهم فألتجأوا إلى جبل كان هناك، فأحاطوا بهم (3). ورواية تصرح بأن الجميع كانوا كامنين في الجبل، فلما أحاطوا بهم وطلبوا منهم النزول لم ينزل سوى خبيب، وزيد، وابن طارق، وأبى عاصم النزول، واقتدى به أصحابه ورماهم بنبله حتى فني، ثم قاتلهم بالسيف، حتى قتل، وقتل أصحابه (4). وأخرى تقول: بل هؤلاء الثلاثة فقط هم الذين رقوا الجبل (5). ي: وبالنسبة لمن قتلوا مع عاصم:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 356 وتاريخ الخميس ج 1 ص 455. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 455 وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 218. (3) الكامل في التاريخ ج 2 ص 167 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 240 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255، 256 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 وراجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 166 وسائر المصادر التي تقدمت حين الكلام عن اكتشاف أمر السرية بواسطة الامرأة الهذلية التي كانت ترعى غنما. (4) راجع: المصادر المتقدمة. (5) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255. (*)

[ 173 ]

فإن الرواية المتقدمة الذكر: أن رجلين فقط قد قتلا مع عاصم، وهما: مرثد، وخالد بن بكير. بينما نجد في النص الاخر يقول: إن المقتولين كان أربعة فيضيف إليهم: معتب ابن عبيد (1). وفي نص آخر: أنهم قتلوا سبعة، وبقي ثلاثة، وأنهم قتلوهم بالنبل (2). ك: قد تقدم: أن عاصما قد حمته الدبر، ثم جاء سيل فاحتمله، فذهب به وزاد في نص آخر: أن السيل احتمل عاصما إلى الجنة (3). لكن في نص آخر: ان الله حماه بالدبر، فارتدوا عنه، حتى أخذه المسلمون فدفنوه (4). ل: بالنسبة لعبدالله بن طارق، نقول: تذكر الرواية المتقدمة: أن عبد الله بن طارق استأسر مع رفيقيه، وساروا بهم حتى إذا بلغوا الظهران - واد قرب مكة - انتزع يده من الحبل الذي ربط به، ثم أخذ سيفه، وقاتلهم، فرموه بالحجارة حتى


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 355. (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 123 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 وشرحه بهامش نفس الصفحة والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 وتاريخ الخميس ج 1 وج 3 ص 118 وأسد الغابة ج 2 ص 103 وصحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 3 ص 118 ومسند أحمد ج 2 ص 294 و 310 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 220 وراجع: التنبيه والاشراف ص 212. (3) بهجة المحافل ج 1 ص 220 وتاريخ الخميس ج 1 ص 455. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 455 وحياة الحيوان ج 1 ص 297. (*)

[ 174 ]

قتلوه، فقبره بمر الظهران. ولكن رواية أخرى تقول: إنهم حين أسروه أرادوا ربطه، فاعتبر ذلك أول الغدر منهم، ورضي بأن يقتل إلى جانب عاصم ورفاقه، فكان ذلك (1). أما إبن الوردي: فقال: (فهرب طارق (2) في الطريق، وقاتل، إلى أن قتلوه بالحجارة) (3). ولكن الواقدي ذكر: أن قوله لهم: هذا أول الغدر، قد كان بمر الظهران (4). م: تقول الروية المتقدمة: أن الذي اشترى خبيبا هو حجير بن أبي إهاب، اشتراه لعقبة بن الحارث، ليقتله بأبيه. ولكن ثمة رواية تقول: اشتراه عقبة وأبو سروعة، وأخوهما لامهما حجير بن أبي إهاب، حليف بني نوفل (5).


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 540 ط دار المعارف والاغاني ج 4 ص 288 وفيهما: أنهم وهم يوثقون الاسرى جرحوا أحدهم، فاعتبر ذلك عبد الله بن طارق أول الغدر، وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 109 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 والكامل في التاريخ ج 2 ص 167 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 187 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 وتاريخ الاسلام ج 1 ص 456 ص 18 ومسند أحمد ج 2 ص 294 و 310. (2) الظاهر أن الصحيح: ابن طارق. (3) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 357. (5) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256. (*)

[ 175 ]

ورواية ثالثة تقول: اشترته إبنة الحارث بن عامر بن نوفل (1). ورابعة تقول: إشترك في شرائه: أبو إهاب، وعكرمة بن أبي جهل، والاخنس بن شريق، وعبيدة بن حكيم بن الاوقص، وأمية بن أبي عصمة أو عتبة، وبنو الحضرمي، وصفوان بن أمية، وزاد البعض: شعبة بن عبد الله (2). وخامسة تقول: إن عقبة بن الحرث اشترى خبيبا من بني النجار (3). ورواية سادسة تقول: اشترته إبنة أبي سروعة، واشترك معها ناس (4). وسابعة تقول: إشتراه بنو الحارث بن نوفل (5). ن: وعن سبب شراء هؤلاء لخبيب نجد الرواية المتقدمة تقول: إنهم أرادوا أن يقتلوه بالحارث بن عامر، الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر. لكن رواية أخرى تقول: إن الذي قتله خبيب في بدر هو عامر بن نوفل (6). س: بالنسبة للذي اشترى زيد بن الدثنة، قالوا:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 357 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (2) الاصابة ج 1 ص 418، 419 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 431 وأسد الغابة ج 2 ص 104 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 431. (4) عمدة القاري ج 17 ص 100. (5) عمدة القاري ج 17 ص 100 و 168 وصحيح البخاري ج 3 ص 18. (6) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256. (*)

[ 176 ]

(إشتراه صفوان بن أمية، بخمسين فريضة (أي جملا)، فقتله بأبيه. ويقال: إنه شرك فيه أناس من قريش..) (1). ع: بالنسبة لثمن الاسرى، نجد الرواية المتقدمة تقول: إنهم باعوا زيد بن الدثنة وخبيبا بأسيرين من هذيل كانا بمكة. ولكن رواية أخرى تقول: إنهم أرادوا أسر أفراد السرية ليسلموهم لقريش، ويأخذوا في مقابلهم مالا، لعلمهم بأنه لا شئ أحب لقريش من أن يؤتوا ببعض أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله)، يمثلون به، ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر (2). وذلك يفسر لنا أننا نجد رواية أخرى تقول: إنهم باعوا خبيبا بأمة سوداء (3). وثالثة تقول: إنهم باعوه بثمانين مثقال ذهب (4). ورابعة تقول: بمائة من الابل (5). وخامسة: بخمسين فريضة (1)، وهي البعير. وبالنسبة لثمن زيد بن الدثنة قيل: بيع بخمسين من الابل أيضا (7). (1) مغازي الواقدي ج 1 ص 357 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 456 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255. (3) السيرة الحلبية ج 3 ص 66 والسيرة لدحلان ج 1 ص 256 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456 وعمدة القاري ج 17 ص 166. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 357 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (5) مغازي الواقدي ج 2 ص 357 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (6) مغازي الواقدي ج 1 ص 357 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 وعمدة القاري ج 17 ص 100. (7) تاريخ الخميس ج 1 ص 456 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166. (*)

[ 177 ]

كما تقدم. ف: قد صرحت الرواية المتقدمة: أن المرأة التي حبس عندها خبيب هي: ماوية (أو مارية) (1)، مولاة حجير بن أبي إهاب، زوجة موهب، مولى آل نوفل، كما ذكره البعض. ولكن نصوصا أخرى تقول: إنه كان عند إمرأة إسمها جويرية (2). وفي نص ثالث: أن عقبة بن الحارث سجنه في داره (3). ص: بالنسبة لزيد بن الدثنة، يقولون: إن صفوان بن أمية حبسه عند ناس من بني جمح. وفي مقابل ذلك يقال: حبسه عند نسطاس، غلامه (5). ق: تقول الرواية المتقدمة: إن مولاة حجير قد أرسلت بالمدية إلى خبيب مع غلام من الحي. ولكن الرواية الاخرى تقول: إن الغلام كان إبنها. ر: وقد سمته عدة من المصادر ب‍ (أبي حسين). وبما أن أم أبي حسين هذا هي أمامة بنت خليفة بن النعمان بن بكر


(1) لعل هذا الاختلاف ناشئ من الخطأ والاشتباه في قراءة رسم الخط. (2) فتح الباري ج 7 ص 293 وعمدة القاري ج 17 ص 168 عن ابن بطال. (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 431 وأسد الغابة ج 2 ص 104 (4) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 540 والكامل لابن الاثير ج 2 ص 167 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 1 ص 188 والاغاني ج 4 ص 228. (5) راجع في القولين: مغازي الواقدي ج 1 ص 357 وراجع: ص 361. (*)

[ 178 ]

بن وائل، فإن مصعب الزبيري جعل القضية بينه وبين حاضنته (1). أما السهيلي، فسماه (أبا عيسى بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف). قال الزبير: وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، الذي يروى عنه مالك (2). ولكن ابن حزم سماه (أبا حسنين) (3)، ولعله تصحيف حسين. ش: في الرواية المتقدمة: أن هذا الغلام كان كبيرا إلى حد أن المرأة خافت أن يقتله، فيكون رجلا برجل. ولكن الرواية الاخرى تقول: إنه كان صبيا صغيرا، قد درج، فما شعرت إلا وهو في حجر خبيب (4). ت: والرواية المتقدمة تقول: أنها: أرسلت إليه بالسكين مع ذلك الغلام.


(1) نسب قريش ص 205. (2) الروض الانف ج 3 ص 234. (3) جمهرة أنساب العرب ص 116. (4) راجع: تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 540 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 والكامل في التاريخ ج 2 ص 167 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ج 1 ص 188 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 219 والسيرة الحلبية ج 3 ص 167 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456 وفتح الباري ج 7 ص 293 ونسب قريش ص 205 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 430 وأسد الغابة ج 2 ص 104 وصحيح البخاري ج 2 ص 115 وج 3 ص 19 ومسند أحمد ج 2 ص 294 و 310 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 والاغاني ج 4 ص 228 والمواهب اللدنية ج 1 ص 101 وجمهرة أنساب العرب ص 116. (*)

[ 179 ]

والرواية الاخرى تقول: إنها هي التي أعطته الحديدة، ثم درج إبنها فجلس في حجره. ث: وصرحت بعض النصوص: أن خبيبا قد استعار الموسى من زينب بنت الحارث وأن الصغير كان لها (1). وأخرى: أنه استعاره من مولاة حجير. ملاحظة: جمع العسقلاني بين الروايتين، بأن من الممكن أن يكون قد طلب الموسى من كلا المرأتين، فأوصله إليه ابن هذه، وجلس في حجره ابن الاخرى (2). ولكنه جمع باطل، لان الرواية تصرح بأنها هي بنفسها قد ناولته الموسى، ثم رأت ولدها في حجره، والرواية الاخرى تصرح بأنها أرسلته مع غلام من الحي، ثم خافت على نفس ذلك الغلام بالذات. أضف إلى ذلك: أنه قد تقدم عن مصعب الزبيري: أن أم أبي حسين هي أمامة بنت خليفة، وليست هي بنت الحرث كما لا يخفى (3). هذا بالاضافة إلى أن أبا عمر قد ذكر رواية ثالثة، وهي، أن خبيبا قد طلب الحديدة من إمرأة عقبة بن الحارث فاعطته إياها (4).


(1) راجع المصادر المتقدمة باستثناء: نسب قريش والاستيعاب وراجع أيضا: عمدة القاري ج 17 ص 168. (2) فتح الباري ج 7 ص 294. (3) نسب قريش ص 205. (4) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 432 وراجع عمدة القاري ج 17 ص 168.

[ 180 ]

خ: والرواية المتقدمة تصرح بأن مولاة حجير هي التي رأت خبيبا يأكل العنب، ولم يكن ثمة عنب في تلك المنطقة. ولكن الرواية الاخرى تصرح بأن بنت الحرث - وسمتها بعض المصادر ب‍ (زينب) - هي التي رأت ذلك منه كما روته ماوية نفسها عن زينب (1). ملاحظة ثانية: لقد اعتذر البعض: بأن من الممكن أن تكون مارية وزينب معا قد رأتا عنقود العنب في يد خبيب وأن يكون قد حبس في بيت ماوية، وكانت زينب تحرسه (2). ولكن لماذا ترويه ماوية عن زينب، ولا ترويه عن نفسها، كما في بعض الروايات. ذ: ذكرت الرواية المتقدمة: أن هذيلا أرادت قطع رأسه فحمته الدبر. وفي رواية أخرى: أن قريشا أو قيسا أرادت شيئا من لحمه فحمته الدبر (3).


(1) راجع المصادر الكثيرة المتقدمة لحديث: إعطاء المرأة الحديدة لخبيب ثم درج ابنها فجلس في حجره وذلك في الفقرة رقم ش. (2) فتح الباري ج 7 ص 293 وعمدة القاري ج 17 ص 168. (3) راجع: تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 240 والاغاني ج 4 ص 228، وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 102 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124، 125 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 1 ص 188 وبهجة المحافل ج 1 ص 220 والسيرة الحلبية ج 3 ص 170 وتاريخ الخميس ج 1 ص 655 وأسد الغابة ج 2 ص 104 وصحيح البخاري ج 5 ص 115 وج 3 ص 19 ومسند أحمد ج 2 ص 295 و 311. (*)

[ 181 ]

ويذكر البلاذري: أنهم أرادوا إحراق عاصم، فحمته الدبر، ثم احتمله السيل (1). وفي رابعة: أنهم أرادوا أن يصلبوه، فحمته الدبر (2). وفي خامسة: أنهم أرادوا أن يمثلوا به، فحمته الدبر (3). وحسبنا ما ذكرناه من التناقضات، فإن فيها كفاية، لمن أراد الرشد والهداية.


(1) أنساب الاشراف ج 1 ص 375 (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)). (2) الاغاني ج 4 ص 224. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 455. (*)

[ 184 ]

الفصل الثالث: حدث ونقد

[ 185 ]

بداية: وبعد ما تقدم، فإن لنا على كثير من الفقرات التي أوردتها روايات هذه السرية العديد من الملاحظات والايرادات التي بقى بلا جواب. ونحن نورد ذلك فيما يلي: سبب غزوة الرجيع: قد تقدم: أن ثمة نصا يقول: إن بني لحيان - بعد قتل صاحبهم سفيان بن خالد - أرادوا الانتقام له ممن قتله. فكلموا قبيلتي عضل والقارة، وطلبوا منهما أن يذهبوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ويخدعوه، ليرسل معهم بعض أصحابه، ليقتلوا من قتل صاحبهم، ويبيعوا الباقين من قريش، فكان ما كان، وفعلوا فعلتهم حسبما تقدم (1).


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 451 والسيرة الحلبية ج 3 ص 165، 166 وزاد المعاد ج 2 ص 109 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 و 63 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 و 125 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 1 ص 187 و 189 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 وفتح البار ج 7 ص 291 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 وصفة الصفوة ج 1 ص 619 وصحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 3 ص 18 وأسد الغابة ج 2 ص 103 ومسند أحمد ج 2 ص 284 و 310. (*)

[ 186 ]

ونقول: إن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي: الف: قد تقدم: أنه (صلى الله عليه وآله) أرسلهم عيونا إلى مكة، فاكتشفت هذيل امرهم. وثمة روايات أخرى تفيد: أن هذيلا لم تكن تعلم بأمرهم قبل ذلك، فراجع الفقرة (ج) من حديثنا الانف حول تناقضات الرواية. ب: هناك نص آخر يقول: إن سفيان بن خالد نفسه هو الذي قتل اصحاب الرجيع حينما علم بهم (1). ج: قد تقدم: أن تاريخ غزوة الرجيع، إما هو سنة ثلاث بعد غزوة احد، أو في صفر سنة أربع (2). والاصح هو الاول وذلك لان بعض النصوص تصرح: بأن اهل مكة قد اشتروا خبيبا، وابن الدثنة في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الاشهر الحرم، ثم أخرجوهما، فقتلوهما (3). ومن الواضح: أن قتل سفيان بن خالد قد كان بعد ذلك، وذلك: لما يلي: 1 - إن بعض الروايات تقول: إن سفيان قتل لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة (4).


(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 166. (2) راجع: ما ذكرناه حول تناقضات الرواية الفقرة رقم: ألف. (3) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 357 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 56 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 131 والبداية والنهاية ج 4 ص 67 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456. (4) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 254 والمواهب اللدنية ج 1 ص 100 وسيرة مغلطاي ص 51 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 50 وتاريخ الخميس ج 1 ص 450 والتنبيه والاشراف ص 212. (*)

[ 187 ]

2 - بل لقد أورد البعض قصة سفيان بن خالد في السنة الخامسة، بعد غزوة بني قريظة (1) ولا شك في أن قصة الرجيع قد كانت قبل ذلك. 3 - ان الحافظ البيهقي قد ذكر في الدلائل قتل سفيان بعد مقتل أبي رافع (2) فإذا انضم ذلك إلى ما يظهر من ابن اسحاق من أن مقتل أبي رافع كان بعد الخندق وقريظة (3) فإن النتيجة تكون: أن قتل سفيان قد كان بعد هاتين الغزوتين أيضا، أما قصة الرجيع، فلا شك في سبقها على ذلك. 4 - قال البلاذري: (وسرية عبد الله بن أنيس، من ولد البرك بن وبرة، عداده في جهينة، في المحرم سنة ست، إلى سفيان بن خالد بن نبيح (4)). جثة عاصم وما قيل حولها: تقول الرواية المتقدمة: انهم أرادوا قطع رأس عاصم بن ثابت، ليبعوه من سلافة بنت سعد، فحمته الدبر منهم (أي من بني لحيان الهذليين)، ثم احتمله السيل في المساء. ونقول: 1 - إننا نجد عند أبي الفرج: أن حيا من قيس، وعند غيره: أن حيا من قريش قد أرسلوا إلى عاصم، ليؤتوا من لحمه بشئ، وقد كان لعاصم


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 451 عن الوفاء والمحبر ص 119 وذكره بلفظ قيل في التنبيه والاشراف ص 212. (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 267 والبداية والنهاية ج 4 ص 140. (3) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 261 والبداية والنهاية ج 4 ص 137. (4) أنساب الاشراف ج 1 ص 376 (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)). (*)

[ 188 ]

فيهم آثار بأحد، فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه (1). ومعنى ذلك هو: ان السيل لم يكن قد احتمل عاصما، حسبما ذكرته الرواية المتقدمة. واعتذار العسقلاني وغيره عن ذلك بأن من الممكن أن لا تكون قريش قد علمت بحماية الزنابير له من هذيل، أو شعرت بذلك، لكن رجت أن تكون الزنابير قد تركته (2). هذا الاعتذار لا يجدي في دفع ما ذكرناه، لان الرواية المتقدمة تذكر: أن السيل قد احتمل عاصما في مساء ذلك اليوم الذي ارادت هذيل قطع رأسه فيه فحمته الدبر، وزاد في بعض الروايات: أن ذلك السيل قد احتمل معه خمسين من المشركين إلى النار ايضا كما تقدم (3). 2 - لا ندري لماذا جاء ذلك السيل الذي احتمل عاصما ليلا، ولم يأت نهارا ؟ ! فهل خشي على نفسه من هذيل أن يعرفوه، ويعاقبوه بعد ذلك ؟ ولماذا اكتفى بحمل خمسين من المشركين، ولم يحمل بقيتهم، ويخلص الناس من شرهم.


(1) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 540 والاغاني ج 4 ص 228 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 102 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124، 125 والبداية والنهاية ج 4 ص 63 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 1 ص 188 وبهجة المحافل ج 1 ص 220 والسيرة الحلبية ج 3 ص 170 وتاريخ الخميس ج 1 ص 455 وأسد الغابة ج 2 ص 104 وصحيح البخاري ج 2 ص 115 وج 3 ص 19 ومسند أحمد ج 2 ص 395 و 311. (2) فتح الباري ج 7 ص 295 والسيرة الحلبية ج 3 ص 170. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 455 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 220 عن البغوي. (*)

[ 189 ]

ولماذا لم يعتبروا بما جرى، وأصروا على أسر خبيب وأصحابه، ثم قدموا بهم إلى مكة، حتى جرى عليهم ما جرى ؟ ! ! ألم يكن الانسب ان يطلقوا سراح أسراهم، ويعتذروا إليهم ؟ ! ألم يكن الاجدر بهم أن يرجعوا إلى أنفسهم، ويعرفوا: أن دعوة عاصم وأصحابه صحيحة ومحقة، فيقبلوا بها ويعقتنوها، ويعتذروا لنبي الاسلام عما صدر منهم ؟ ! ولا أقل من أن يفعل بعضهم ذلك، أو يختلفوا فيما بينهم لاجله ! ! وقريش أيضا لماذا لم تعتبر بما رأته من الكرامة لعاصم، فترجع إلى نفسها، وتصدق بالحق، أو يصدق بعض رجالها به ؟ ! 3 - إن بعض الروايات تصرح بأن المسلمين قد دفنوا عاصما بعد أن حمته الدبر (1)، ومعنى ذلك هو أن السيل لم يحتمله، لا أن يكون قد احتمله ثم أرجعه إليهم ! ! كما اننا لم نعرف من أين جاء المسلمون إلى عاصم ليدفنوه، فهل هم خبيب وأصحابه الاسرى الذين لم يكن يمكنهم القيام بأي عمل من دون آذن آسريهم. أم أنهم مسلمون آخرون كانوا حاضرين ؟ ! ولكنهم لم يشاركوا في المعركة ولم يدافعوا عن أخوانهم ؟ ! عاصم ليس قاتل عقبة: لقد ذكروا: أن العظيم الذي قتله عاصم يوم بدر، هو عقبة بن ابي معيط، قتله صبرا بامر النبي (صلى الله عليه وآله)، بعد منصرفهم من


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 455. (*)

[ 190 ]

بدر (1). ولكن ذلك لا يصح، إذ قد تقدم: أن عليا (عليه السلام): هو الذي قتل عقبة هذا بأمر من رسول الله (ص) (2). وقال معاوية للوليد بن عقبة في صفين يحرضه على علي (ع) (... وأما أنت يا وليد فإنه قتل أباك بيده صبرا يوم بدر) (3). ونقول أيضا: 1 - إننا لم نفهم السر في سكوت عبد الله بن طارق حتى بلغوا به مر الظهران، ولماذا قال لهم في هذا المكان بالذات: هذا أول الغدر، فكلمة (هذا) يراد بها الاشارة إلى أي شئ ؟ ! أليس كانوا قد وعدوه بأن يأخذوه إلى مكة ليصيبوا به وبرفيقيه مالا من اهلها ؟ فهل غيروا خطتهم الان، وغدروا بهم وأخلفوا بوعدهم ؟ ! 2 - ما معنى قوله: إن بهؤلاء لاسوة، يعني القتلى ؟، فهل كان القتلى حاضرين في مر الظهران إلى جانبه حتى صح أن يشير إليهم بكلمة (هؤلاء) ؟ ألم يترك القتلى في منطقة الرجيع البعيدة عن مر الظهران مسافات طويلة ؟ ! 3 - قد تقدم: أن من غير المعقول: أن يبقي آسروه سيفه معه،


(1) المواهب اللدنية ج 1 ص 102 و 87 والسيرة النبوية لابن هشام ومغازي الواقدي ج 1 ص 148 و 282 و 138 والبحار ج 19 ص 347 وعمدة القاري ج 17 ص 99 و 169 وفتح الباري ج 7 ص 240. (2) راجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 298 بلفظ قيل والبحار ج 19 ص 260 وتفسير القمي ج 1 ص 269 من دون ترديد وكذا في الدر المنثور ج 5 ص 69 عن عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وغيرهما. (3) الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 191 وراجع: صفين للمنقري ص 417 وفيه: (الجمل) وهو غلط. (*)

[ 191 ]

وتقدم غير ذلك ايضا، فلا نعيد. 4 - ويفهم من عبارة ابن الوردي: أنه قد هرب من آسريه، فلما حاولوا استعادته قاتلهم، لا أنه تمرد عليهم ثم قاتلهم، يقول ابن الوردي: (فهرب طارق في الطريق، وقاتل إلى أن قتلوه بالحجارة) (1). خبيب مع بني النجار: وحول ما ذكرته بعض الروايات المتقدمة، من أن عقبة بن الحرث اشترى خبيبا من بني النجار (2). فإن لنا أن نسأل: لماذا من بني النجار، وليس من الهذليين ؟ ! ولماذا اشتراه بنو النجار ؟ ثم لماذا عادوا فباعوه بعد ذلك ؟ ! فهل كانوا يريدون المتاجرة به والحصول على المال ؟ ! ابن طارق، ومعتب مع الاعداء: وتذكر الرواية المتقدمة: أن عبد الله بن طارق استأسر مع رفيقيه، وسار معهم، حتى إذا بلغوا مر الظهران - واد قرب مكة - انتزع يده من الحبل الذي ربط به، ثم أخذ سيفه وقاتلهم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وذكر ابن سعد: أن معتب بن عبيد هو الاخر قد قتل يوم الرجيع بمر الظهران شهيدا (3).


(1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158. (2) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 431. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 357 وطبقات ابن سعد ج 3 ص 455. (*)

[ 192 ]

ونقول: ألف: قد تقدمت الرواية الاخرى القائلة: أنه بعد قتل عاصم ورفيقيه رفض عبد الله أن يسير مع آسريه، فقتلوه إلى جانب رفاقه. ب: إننا لم نفهم سر بقاء سيفه معه، إلى أن بلغ معهم مر الظهران، وكيف لم ينتزعوه منه، وهو أسيرهم، ومربوط بحبالهم. ج: لماذا رموه بالحجارة حتى قتلوه، ألم يكن معهم سيوف يقاتلونه بها ؟ ! ولماذا لم يرموه بسهامهم، وقد كانوا مئة رام، أو مئتين ؟ ! أو لماذا لم يشجروه برماحهم ؟ ! د: معنى قول ابن سعد: أن معتبا هو الاخر قد استشهد بمر الظهران هو أن الاسرى كانوا أربعة لا ثلاثة. تهافت عبارتي الواقدي وابن سعد: وعبارة الواقدي هنا في التالية: (حتى إذا كانوا بمر الظهران، وهم موثقون بأوتار قسيهم، قال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر. والله لا أصاحبكم، ان لي في هؤلاء لاسوة، يعني القتلى، فعالجوه، فأبى ونزع يده من رباطه ثم أخذ سيفه إلخ..) (1) وقريب منه عبارة ابن سعد أيضا فالقتلى لم يكونوا بمر الظهران ليصح قوله: ان لي بهؤلاء لاسوة. من الذي اشترى خبيبا ؟ وقد صرحت الرواية المتقدمة بأن الذي اشترى خبيبا هو حجير بن أبي إهاب لعقبه بن الحارث ليقتله بأبيه الحارث بن عامر بن نوفل.


(1) طبقات ابن سعد ط صادر ج 3 ص 455. (*)

[ 193 ]

وصرح البعض بأن خبيبا هو الذي قتل الحارث في غزوة أحد (1) أو في بدر (2). ونقول: 1 - قد تقدم: أن بعض الروايات تقول: إن ثلاثة قد اشتركوا في شراء خبيب. وهو أبو سروعة، وعقبة، وأخوهما لامهما حجير بن أبي إهاب (3) وتقدمت روايات اخرى في من اشتراه. 2 - إن رواية أخرى تقول: إن المقتول ببدر هو عامر بن نوفل (4) وليس هو الحارث بن عامر. 3 - إن الدمياطي قد أشكل على هذا المورد بأمرين: أحدهما: أن خبيبا لم يذكره أحد من أهل المغازي في من شهد بدرا (5).


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 540 ط دار المعارف والاغاني ج 4 ص 228 والكامل في التاريخ ج 2 ص 167. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 124 والروض الانف ج 3 ص 234 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ج 1 ص 188 وبهجة المحافل ج 1 ص 218 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456 وفتح الباري ج 7 ص 293 والاصابة ج 1 ص 418 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 429 و 431 وأسد الغابة ج 2 ص 104 وصحيح البخاري ج 2 ص 115 وج 3 ص 18 ومسند أحمد ج 2 ص 294 و 310 وصفة الصفوة ج 1 ص 620 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 وجمهرة أنساب العرب ص 116 وراجع: عمدة القاري ج 17 ص 100 و 168. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256. (4) المصدر السابق. (5) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 218 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166، 167 وفتح الباري ج 7 ص 293 وعمدة القاري ج 17 ص 168 و 100. (*)

[ 194 ]

الثاني: إن الذي قتل الحارث هو خبيب بن اساف الخزرجي، وهو غير خبيب بن عدي الاوسي (1). 4 - ونقول: بل قيل: إن قاتل الحارث هذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). مناقشة البعض لقول الدمياطي وجوابها: وقد أجابوا عن قول الدمياطي الانف الذكر: بأن في هذا تضعيفا للحديث الصحيح، ولو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر، لم يكن لاعتناء آل الحرث بشرائه وقتله به معنى، إلا أن يقال: لكونه من قبيلة قاتله، وهم الانصار، كذا قال ابن حجر (3). ونقول: إن هذه الاجوبة لا مجال لقبولها، وذلك. ألف: إن الحديث الصحيح ليس وحيا منزلا، فكم من حديث ورد بسند صحيح في الصحاح الستة، ومنها البخاري، ثم ثبت كذبه، وإذا جاء الحديث الصحيح مخالفا لكل الادلة القطعية، فلا بد من رده وتضعيفه. وخذ مثلا على ذلك حديث بدء نزول الوحي، وحديث الافك، وحديث زواج علي (عليه السلام) ببنت أبي جهل، إلى عشرات، بل مئات من الاحاديث التي ثبت كذبها وضعفها، أو التصرف العمدي فيها.


(1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 218 والسيرة الحلبية ج 3 ص 166 وفتح الباري ج 7 ص 293 وراجع: شرح النهج للمعتزلي ص 134 وفيه: أنه قتله وهو لا يعرفه وراجعه: نسب قريش لمصعب ص 204 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 154 وعمدة القاري ج 17 ص 100 و 168. (2) السيرة الحلبية ج 3 ص 166. (3) راجع السيرة الحلبية ج 3 ص 167 وفتح الباري ج 7 ص 293. (*)

[ 195 ]

ب: وأما بالنسبة لاعتناء آل الحرث بشراء خبيب وقتله بصاحبهم، فلا يدل على أنه قد قتل اباهم بنفسه، إذ يكفي أن يكون من الفريق القاتل ومن مؤيديه ومناصريه. ومن عادة العرب: أن يقتلوا أيا من افراد القبيلة إذا كان احد أفرادها قد قتل بعضهم. ومن الواضح: أن خبيب بن عدي كان قحطانيا كخبيب بن اساف، وكان من مؤيدي ومناصري النبي (صلى الله عليه وآله)، وكل من يلوذ به، فإن اهتمامهم بأمر خبيب لا يكون (صلى الله عليه وآله) وكل من يلوذ به، فإن اهتمامهم بأمر خبيب لا يكون غريبا ولا عجيبا. وقد أشار إبن حجر إلى هذا المعنى، فاعتبر كون خبيب من الانصار كافيا لاهتمام آل الحارث بقتله، وإن كان القاتل للحارث هو ابن أساف لا إبن عدي. هذا كله مع غض النظر عن سائر ما يرد على الرواية مما تقدم وسيأتي فانه لا يبقى مجالا للشك في عدم صحة هذا الحديث، وإن كان مذكورا في الكتب التي اعتبروها صحاحا. وبعد كل ما تقدم نقول: إن عد (الاستيعاب) خبيب ابن عدي في من شهد بدرا (1) لعله مستند إلى رواية قتله الحارث بن عامر، فلا يصلح دليلا على صحتها. دعوى نزول آيتين في هذه المناسبة: وفي الرواية المتقدمة: كما في بعض المصادر: أن المنافقين قالوا في هذه المناسبة: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا، لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه، وهو الد الخصام، وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب


(1) عمدة القاري ج 17 ص 100. (*)

[ 196 ]

الفساد. وإذا قيل له اتق الله، اخذته العزة بالاثم وحسبه جهنم، ولبئس المهاد) *. * (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله بصير بالعباد) * قال ابن اسحاق: في أصحاب الرجيع نزلت: ومن الناس من يشتري نفسه إلخ... (1). ونقول: ان ذلك لا يصح، وذلك لما يلي: 1 - أما بالنسبة لاية: * (ومن الناس من يعجبك قوله إلخ...) *. فقد قال السهيلي ردا على ابن اسحاق: (اكثر أهل التفسير على خلاف قوله، وانها نزلت في الاخنس بن شريق الثقفي، رواه أبو مالك عن ابن عباس، وقاله مجاهد. وقال ابن الكلبي، كنت بمكة، فسئلت عن هذه الاية، فقلت: نزلت في الاخنس بن شريق، فسمعني رجل من ولده، فقال: يا هذا، إنما أنزل القرآن على أهل مكة، فلا تسم أحدا ما دمت فيها) (2). 2 - كما أننا لم نفهم معنى لقول المنافقين: ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فهل كانوا يحملون رسالة منه (صلى الله عليه وآله) لبني هذيل ؟ ! كما أن قول المنافقين لا هم قعدوا في أهليهم، يفيد: أن مسيرهم


(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 183، 184 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 132 والبداية والنهاية ج 4 ص 67 وراجع البدء والتاريخ ج 4 ص 211 والجامع لاحكام القرآن ج 3 ص 21 بلفظ: قيل. (2) الروض الانف ج 3 ص 237 ونزول الايات في الاخنس بن شريق مذكور في كثير من المصادر الروائية والتفسيرية فراجع.. (*)

[ 197 ]

ذاك كان برأي منهم، والفقرة السابقة تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد حملهم رسالة، فما هذا التناقض ؟ 3 - وأما بالنسبة لاية الشراء فانهم تارة يقولون: إنها نزلت في قضية الرجيع، حسبما تقدم، وأخرى يقولون: إنها نزلت في حق الزبير والمقداد، في محاولتهما إنزال جثة خبيب عن الخشبة، التي كان مصلوبا عليها (1). وسيأتي في الفصل التالي: أن ذلك كله لا يصح. وثالثة: إنها نزلت في صهيب لما اخذه المشركون ليعذبوه، فاعطاهم ماله (2). وقد ذكرنا في فصل: هجرة الرسول الاعظم ان ذلك أيضا لا يصح. ولكن الصحيح هو أنها نزلت في علي أمير المؤمنين (عليه السلام) حين مبيته على فراش النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله)، حينما هاجر، ووقاه (عليه السلام) بنفسه (3)، كما قدمناه في فصل هجرة الرسول الاعظم. دعاء خبيب: وقد تقدم: أن خبيبا قد دعى عليهم بقوله (اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تبق منهم احدا) فلبد رجل بالارض خوفا من دعائه.


(1) راجع السيرة الحلبية ج 3 ص 168 وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 220، 221 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458 وكلام الفضل بن روزبهان في دلائل الصدق ج 2 ص 81. (2) الروض الانف ج 3 ص 237 والسيرة الحلبية ج 3 ص 186 وج 2 ص 23 و 24 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458 والاصابة ج 2 والدر المنثور ج 1 ص 204 عن عدد من المصادر. (3) قد ذكرنا في الجزء الثالث من هذا الكتاب طائفة كبيرة من المصادر لهذه القضية فلتراجع هناك في فصل هجرة الرسول الاعظم. (*)

[ 198 ]

وقالوا: حضر قتلهما أكثر أهل مكة (1) وعند ابن سعد: (خرج معه الصبيان والنساء والعبيد، وجماعة أهل مكة فلم يختلف أحد) (2). ثم قالوا: (فلم يحل الحول، ومنهم احد حي. غير ذلك الرجل الذي لبد في الارض. قيل: إن ذلك الرجل هو معاوية) (3). وأضاف البعض: (ولقد مكثت قريش شهرا، أو اكثر، وما لها حديث في انديتها غير دعوة خبيب) (4). وأضاف بعض آخر قوله: (وقد قتلوا في الخندق منفرقين) (5). ونقول: 1 - إن الدعاء المنسوب إلى خبيب بعينه رواه غير واحد على أنه من كلام الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء (6). وقد تعودنا في موارد كثيرة: أن نجدهم يسرقون كلام علي (عليه السلام) وغيره من الائمة الاطهار، وينسبونه إلى آخرين ممن لهم هوى في مناصرته، وإظهار أمره، وتضخيم مواقفه. 2 - كيف لم يحل الحول وأحد ممن حضر حي، مع أن أبا


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 456 والاشتقاق ص 442 باستثناء العبارة الاخيرة. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 302. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 295 وعمدة القاري ج 17 ص 169 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 456 والمواهب اللدنية ج 1 ص 101 ولكنه لم يستثن ممن هلك أحدا. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 360. (5) السيرة الحلبية ج 3 ص 167. (6) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 34 ومقتل الحسين للمقرم ص 339 و 340 عنه وعن نفس المهموم ص 189 وعن مقتل العوالم ص 98. (*)

[ 199 ]

سفيان قد كان في جملة من حضر، وقد بقي بعد ذلك عشرات السنين، هذا بالاضافة إلى كثيرين ذكرت اسماؤهم، بل تقدم أن أكثر أهل مكة كانوا حاضرين، فلو كان أكثرها قد هلك، قبل أن يحول الحول، فلماذا يحتاج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى خوض حرب الخندق، وما بعدها من حروب إلى فتح مكة ؟ ألم يكن بامكان الرسول أن يهجم حينئذ على مكة، ويستولي عليها، ولماذا ينتظر إلى سنة ثمان من الهجرة أي حوالي أربع سنين من هلاك أكثر أهل مكة ؟ ! ولا ندري بعد هذا ما المقصود بقولهم: إنهم قتلوا في الخندق متفرقين، ونحن نعلم أنه لم يقتل في الخندق من المشركين سوى عدة قليلة معروفين بأسمائهم وأعيانهم، كما سيأتي. توجيهات لا تجدي: والغريب في الامر: أننا نجد الزرقاني والسهيلي يتبرعان بحل هذا المشكل على النحو التالي: إن دعوة خبيب أصابت منهم من سبق في علمه تعالى: أن يموت كافرا، وأما من سبق في علمه تعالى أنه يسلم: فلم يعنه خبيب، ولا قصده في دعائه فلم تصبه. وعلامة أستجابة دعوته: أن من هلك بعد الدعوة، فإنما هلك بددا، لانهم قتلوا غير معسكرين، ولا مجتمعين، كاجتماعهم في بدر وأحد، لان الدعوة بعدهما، فنفذ الدعوة على صورتها (1). إنتهى. ونقول: ألف: إن صريح الكلام المتقدم هو أن جميع الذين حضروا قتل


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 عن الزرقاني وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 219 عن السهيلي. (*)

[ 200 ]

خبيب قد هلكوا، ولم يبق منهم أحد قبل أن يحول الحول. ب: من الذي أخبره، أن خبيبا كان قد فكر هذا التفكير الذي ذكره، فلعله لم يدر بخلده، ولم يخطر له على بال أصلا، فكيف حكم بأن خبيبا لم يعنه. ج: هل إن الذين ماتوا من مشركي مكة ما بين قتل خبيب، وفتح مكة، ماتوا جميعا قتلا، ألم يمت من مكة طيلة الاربع سنين أحد حتف أنفه ؟ ! صلاة خبيب: وذكرت الرواية المتقدمة: أن خبيبا قد صلى ركعتين قبل قتله، ثم قتل، فهو أول من سن الصلاة حين القتل (1). وقوله هذا يدل على أنها سنة جارية (2). 1 - لا ندري كيف سمح له المشركون بالصلاة، وهم الاشرار والموتورون، الذين ما كانوا يتحملون ما هو أقل من الصلاة، وكان يسرهم حتى آخر لحظة: أن يجعلوه يرجع عن دينه ويتخلى عنه. 2 - لا ندري لماذا يقال: إن خبيبا هو أول من سن الركعتين، مع أن المصادر قد ذكرت: (أن زيد بن الدثنة أيضا قد صلى هاتين الركعتين (3) وكيف تفسر قول ابن سعد: (وكانا قد صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا،


(1) تقدمت المصادر لذلك. (2) الروض الانف ج 3 ص 235. (3) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 56 ومغازي الواقدي ج 1 ص 362 (*)

[ 201 ]

فخبيب أول من سن ركعتين عند القتل) (1). وذكر الواقدي أنهما التقيا في التنعيم، فأوصى كل منهما الاخر بالصبر، ثم افترقا (2). ويظهر من الرواية المتقدمة: أن قتل زيد بن الدثنة كان أسبق من قتل خبيب (3) إذن فما معنى أن يقال: إن خبيبا هو أول من سن الصلاة حين القتل. 3 - ثم إنهم يقولون: إن زيد بن حارثة هو الاخر حين أراد أحد الاشرار قتله قد صلى ركعتين، ثم دعا الله سبحانه، فخلصه الله منه (4). قال مغلطاي: (وصلى خبيب قبل قتله ركعتين فكان أول من سنهما، وقيل: أسامة بن زيد حين أراد العكري الغدر به كذا ذكره بعضهم وكان الصواب زيد) (5).


(1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 56. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 362. تنبيه ذكر في الكامل في التاريخ ج 2 ص 168: أنهم لما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ردوني أصلي ركعتين، فتركوه فصلاهما إلخ... والصحيح: ذروني (كما في تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 456 ط دار المعارف) وهو المناسب لقوله: فتركوه إلخ.. (3) راجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256. ولكن سياق كلام الديار بكري يفيد: أن قتل خبيب كان أسبق: (راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 458) ويبدو أنه قد استفاد ذلك من كون خبيب أول من سن الصلاة عند القتل. (4) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 169 وزاد المعاد ج 2 ص 109 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 130 والبداية والنهاية ج 4 ص 65 وتاريخ الخميس ج 1 ص 457 والمواهب اللدنية ج 1 ص 102 والروض الانف ج 3 ص 235. (5) سيرة مغلطاي ص 52. (*)

[ 202 ]

قال في النور: والمعروف أن زيد بن حارثة صلاهما قبل خبيب بزمن طويل. وفي الينبوع: إن قصة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما كانت قبل الهجرة (1). 4 - هل يصح أن يقال: إن خبيبا قد سن صلاة كذا ؟ وهل يحق لغير الرسول أن يشرع من عند نفسه ؟ وهل يحق للاخرين ان يقتدوا به ؟ ! التشريع من غير النبي (صلى الله عليه وآله): وقد حاول البعض أن يجيب على هذا السؤال فقال: (وإنما صار فعل خبيب سنة، والسنة إنما هي أقوال رسول الله (ص) وأفعاله وتقريره، لانه فعله في حياته (صلى الله عليه وآله)، فاستحسن ذلك من فعله، واستحسنها المسلمون، والصلاة خير ما ختم به عمل العبد) (2). ونقول لهؤلاء: ألف: إن كلامهم يبقى مجرد دعوى بلا دليل ولا شاهد، إذ لا بد من إثبات أن ذلك قد بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولا، ثم إثبات: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد استحسن ذلك من فعله ثانيا. وليس لدينا ما يثبت ذلك ولو حتى رواية واحدة. ب: إنه لم يثبت أن المسلمون قد استحسنوا ذلك، ولو قبلنا ذلك، فإن استحسان المسلمين لا يصير تشريعا. ج: إن كون الصلاة خير ما ختم به عمل العبد صحيح في نفسه،


(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 169. (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 102 والروض الانف ج 3 ص 235. (*)

[ 203 ]

ولكن جعل ذلك في وقت معين وحالة معينة، بحيث يصبح من التشريعات والسنن، يكون خلاف الشرع، ولا يجوز ارتكابه، لانه تشريع وتقول على الله سبحانه. والصحيح هو: أن يقال هنا: إن خبيبا أو زيدا لم يفعلا ذلك بقصد التشريع، ولا إحداث سنة، وإنما أحبا أن يختم عملهما بالصلاة التي هي عمود الدين، ففعلا ذلك وقد اقتدى الاخرون بفعلهما، لا بقصد فعل ما هو مشرع ومسنون أيضا. متى أسر خبيب ؟ ! وبينما نجد الروايات المتقدمة تقول: إن خبيبا أسر يوم الرجيع، نجد ابن دريد يقول: (ومنهم خبيب بن عدي أسر يوم الاحزاب، وقتلته قريش بمكة وصلبوه) (1). بلاغ الرسالة: وأخيرا فإننا لم نستطع أن نفهم معنى قول خبيب: اللهم بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما أتى إلينا. فهل طلب النبي (صلى الله عليه وآله) منهم أن يوصلوا رسالته إلى أحد ؟ ولمن كان (صلى الله عليه وآله) قد أرسل تلك الرسالة. وما يذكر من أحداث في هذه الرواية يدل على أن أصحاب الرجيع قد قتلوا في الطريق، وقبل أن يصلوا إلى أي قبيلة، أو بلد يمكنهم إبلاغ رسالة رسولهم فيه. ثم إننا لم نفهم وجه الربط بين هذه الكلمة من هؤلاء، ودعواهم


(1) الاشتقاق ص 442. (*)

[ 204 ]

تبليغ رسالة الرسول، وبين إنكار المنافقين لذلك، حين قالوا: لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم. كما أن قول المنافقين الانف الذكر، يدل على أنهم كانوا متبرعين بالذهاب. وحسبنا ما ذكرناه هنا فإن ذلك كله يكشف عن مدى التلاعب والتزوير للحقائق، ويجعلنا نفقد الثقة فيما يدعى أنه تاريخ، وحديث لدى البعض بصورة عامة. معاوية لم يبلغ الحلم: وأخيرا فقد قال ابن دريد: (وكان معاوية يقول: إني لاذكر دعوة خبيب، فأتطأطأ مخافة أن تصيبني، والله ما كنت بلغت، ولكن جاء رجل من قريش - سماه - فجمع يدي في يده، وفيها حربة، ثم طعنه بها إلخ) (1). ولكن من الواضح، أن معاوية قد ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، سنين وقيل بثلاث عشرة (2). ومعنى هذا: هو أن عمره كان حين قتل خبيب لو كان قتل في السنة الرابعة من الهجرة، لا بعد ذلك كان اثنين وعشرين، أو أربع وعشرين، أو ثلاثين سنة، فكيف يقول: إنه حين قتل خبيب لم يكن قد بلغ ؟ ! بقي أن نشير إلى الامور الثلاثة التالية:


(1) الاشتقاق ص 442. (2) راجع: الاصابة ج 3 ص 433. (*)

[ 205 ]

1 - الاشعار المنحولة: وقد لاحظنا: أن ابن هشام يقول بالنسبة للاشعار المنسوبة لخبيب بن عدي، وحسان بن ثابت: إن أهل العلم بالشعر، أو بعضهم، ينكر أن تكون هذه الاشعار أو تلك لخبيب أو لحسان. بل إن ابن هشام يصرح بأنه قد ترك ذكر أشعار أخرى تنسب لحسان، بسبب إنكار العلماء بالشعر، أو بعضهم نسبتها لحسان. الامر الذي يعطي: أنه قد كان ثمة شكوك منذ الصدر الاول تراود أذهان العلماء في هذا المجال، وأنهم كانوا يشعرون بوجود تعمد وإصرار على نظم أشعار ونسبتها إلى خبيب تارة وإلى حسان أخرى. وإن ذلك لمريب حقا، وأي مريب. 2 - خبيب هو الاهم: ومن يراجع النصوص الروائية والتاريخية يتضح له: أن خبيب بن عدي هو محط الاهتمام، والحائز على أوسمة التبجيل والاكرام، وهو الذي ترثيه الشعراء، وتظهر له الكرامات وتبرز له الفضائل. بل ذكروا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوم قتل خبيب: خبيب قتلته قريش، ولا ندري، أذكر زيدا أم لا (1). فهل سبب ذلك أنه كان افضل من زيد بن الدثنة، وأعلم وأعبد ؟ ! أم أن سبب ذلك هو أن العلماء يشكون في أمر زيد بن الدثنة، ويرون أنه لم يقتل مع خبيب ؟ ! أم أنه قد كان ثمة من يهتم بأمر خبيب، والتركيز عليه لقرابة له معه، أو لهوى سياسي له يخوله الاستفادة من استشهاد خبيب لتثبيت أمر فريق،


(1) عمدة القاري ج 17 ص 101. (*)

[ 206 ]

وتقوية مركزه في مقابل الفرقاء الاخرين. أم أنه قد كان ثمة أهداف ومرام أخرى ؟ ! إن التاريخ لم يفصح لنا عن شئ من ذلك، ولسوف تبقى تلك الاسئلة، وسواها تراود أذهاننا، حتى تجد الاجابة الصريحة، والمقنعة والمفيدة. 3 - عاصم بن ثابت هو الاعظم أيضا: ونلاحظ: أن شخصية عاصم بن ثابت بن الافلح تظهر كذلك على أنها متميزة على من عداها من أولئك الذين أستشهدوا في قضية الرجيع، فهو أمير السرية عند البعض، وهو الوحيد الذي قتل رجلا، وجرح رجلين، بل لقد كان عنده سبعة أسهم، فقتل بكل سهم رجلا من عظمائهم، وهو الذي يرفض قبول طلب الاعداء، فيقتدي به الاخرون وهو الذين حمت رأسه الدبر، ويحتمله السيل، وهو الذي يقرضه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلخ... وعاصم وإن كان شهيدا مغفورا له، وله الدرجات العلى عند الله، لكن الباحث قد تراوده بعض الشكوك في الموارد التي يرى أنها خارجة عن المألوف والمعروف. وقد يكون سر التكرم بالاوسمة على عاصم، هو أنه كان خال عاصم بن عمر بن الخطاب لان أم عاصم بن عمر هي جميلة بن ثابت، فيكون عاصم أخاها (1).


(1) إرشاد الساري ج 6 ص 312 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 240 و 292 وعمدة القاري ج 17 ص 168. (*)

[ 207 ]

ووهم البعض فادعى: أنه جد عاصم بن عمر (1) والصحيح هو ما ذكرناه.


(1) صحيح البخاري ج 2 ص 114 وج 3 ص 18 ومسند أحمد ج 2 ص 294 و 310 وحلية الاولياء ج 1 ص 112 والبداية والنهاية ج 4 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 123 وفتح الباري ج 7 ص 240 وأسد الغابة ج 2 ص 103 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 428 والمواهب اللدنية ج 1 ص 87 وعمدة القاري ج 17 ص 168. (*)

[ 209 ]

الفصل الرابع: جثة خبيب

[ 211 ]

عمرو بن أمية وجثة خبيب: ويقولون: إن جثة خبيب قد أنزلت عن الخشبة في وقت لاحق: وتذكر قضية إنزالها على أنحاء مختلفة. فاقتضى الامر إيراد النص المطول الذي ذكره كثير من المحدثين والمؤرخين، ثم نعطي رأينا فيه، وفي سائر المنقولات في هذا المجال، فنقول: نص الرواية: قال الطبري: (ولما قتل من وجهه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى عضل والقارة من أهل الرجيع، وبلغ خبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعث عمرو بن أمية الضمري إلى مكة، مع رجل من الانصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب، فحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن اسحاق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه، عن جده - يعني عمرو بن أمية - قال: قال عمرو بن أمية: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد قتل خبيب، واصحابه، وبعث معي رجلا من الانصار، فقال: إئتيا أبا سفيان بن حرب. فاقتلاه،

[ 212 ]

قال: فخرجت أنا وصاحبي، ومعي بعير لي، وليس مع صاحبي بعير، وبرجله علة، فكنت أحمله على بعيري، حتى جئنا بطن يأجج فعقلنا بعيرنا في فناء شعب، فأسندنا فيه. فقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى دار أبي سفيان، فإني محاول قتله، فانظر، فإن كانت مجادلة، أو خشيت شيئا، فالحق ببعيرك، فاركبه، والحق بالمدينة، فأت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبره الخبر، وخل عني، فإني رجل عالم بالبلد جرئ عليه، نجيب الساق. فلما دخلنا مكة، ومعي مثل خافية النسر - يعني: خنجره - قد اعددته، إن عانقني (1) انسان، قتلته به. فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدأ، فنطوف بالبيت أسبوعا، ونصلي ركعتين ؟ ! فقلت: أنا أعلم بأهل مكة منك، إنهم إذا أظلموا رشوا افنيتهم، ثم جلسوا بها، وأنا اعرف بها من الفرس الابلق. قال: فلم يزل بي حتى أتينا البيت، فطفنا به اسبوعا، وصلينا ركعتين ثم خرجنا، فمررنا بمجلس من مجالسهم، فعرفني رجل منهم، فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية ! قال: فتبادرتنا أهل مكة، وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خير، والذي يحلف به ما جاءنا قط إلا لشر. وكان عمرو رجلا فاتكا، متشيطنا في الجاهلية. قال: فقاموا في طلبي، وطلب صاحبي، فقلت له: النجاء هذا والله الذي كنت أحذر، أما الرجل، فليس إليه سبيل، فانج بنفسك. فخرجنا نشتد، حتى أصعدنا في الجبل، فدخلنا في غار فبتنا فيه ليلتنا، وأعجزناهم. فرجعوا، وقد استترت دونهم بأحجار حين دخلت


(1) ابن الاثير: عافني. (*)

[ 213 ]

الغار، وقلت لصاحبي: أمهلني حتى يسكن الطلب عنا، فإنهم والله ليطلبنا ليلتهم هذه، ويومهم هذا حتى يمسوا. قال: فوالله، اني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك بن عبيدالله التيمي، يتخيل (1) بفرس له، فلم يزل يدنوا ويتخيل بفرسه، حتى قام علينا بباب الغار، قال: فقلت لصاحبي: هذا والله ابن مالك، والله، لئن رآنا ليعلمن بنا أهل مكة. قال: فخرجت إليه، فوجأته بالخنجر تحت الثدي، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني، فدخلت فيه وقلت لصاحبي: مكانك. قال: واتبع أهل مكة الصوت يشتدون، فوجدوه، وبه رمق، فقالوا: ويلك، من ضربك ؟ قال: عمرو بن أمية، ثم مات، وما أدركوا، ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا، فقالوا: والله، لقد علمنا: أنه لم يأت لخير. وشغلهم صاحبهم عن طلبنا، فاحتملوه. ومكثنا في الغار يومين، حتى سكن عنا الطلب. ثم خرجنا إلى التنعيم، فإذا خشبة خبيب، فقال لي صاحبي: هل لك في خبيب، تنزله عن خشبته ؟ ! فقلت: أين هو ؟ قال: هو ذاك حيث ترى. فقلت: نعم، فامهلني، وتنح عني. قال: وحوله حرس يحرسونه. قال عمرو بن أمية، فقلت للانصاري: إن خشيت شيئا، فخذ الطريق إلى جملك، فاركبه، والحق برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبره الخبر.


(1) يتخيل: أي يعجب بنفسه. (*)

[ 214 ]

فاشتددت إلى خشبته، فاحتللته، واحتملته على ظهري، فوالله، ما مشيت إلا نحو أربعين ذراعا حتى نذروا بي، فطرحته، فما أنسى وجبته حين سقط، فاشتدوا في أثري، فأخذت طريق الصفراء، فأعيوا، فرجعوا. وانطلق صاحبي إلى بعيره، فركبه، ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره أمرنا. وأقبلت أمشي، حتى إذا أشرفت على الغليل، غليل ضجنان (1) دخلت غارا فيه، ومعي قوسي واسهمي، فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الديل بن بكر، أعور يسوق غنما له، فقال: من الرجل ؟ فقلت: رجل من بني بكر. قال: وأنا من بني بكر، ثم أحد بني الديل. ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنى، ويقول: ولست بمسلم ما دمت حيا * * ولست أدين دين المسلمينا فقلت: سوف تعلم ! فلم يلبث الاعرابي أن نام، وغط، فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة، قتلها أحد أحدا، قمت إليه، فجعلت سية قوسي في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليه، حتى أخرجتها من قفاه. قال: ثم أخرج مثل السبع، وأخذت المحجة كأني نسر، وكان النجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه، ثم على ركوبة، ثم على النقيع، فإذا رجلان من أهل مكة بعثتهما قريش يتحسسان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعرفتهما، فقلت: استأسرا. فقالا: أنحن نستأسر لك ؟ ! فأرمى أحدهما بسهم، فأقتله، ثم قلت للاخر، استأسر، فاستأسر فأوثقته، فقدمت به على رسول الله (صلى الله عليه وآله).


(1) الغليل، واحد الغلان وهي منابت الطلح، وضجنان موضع بعينه. (*)

[ 215 ]

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن سليمان بن وردان، عن أبيه، عن عمرو بن أمية، قال: لما قدمت المدينة، مررت بمشيخة من الانصار، فقالوا: هذا والله عمرو بن أمية، فسمع الصبيان قولهم: فاشتدوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبرونه، حتى بدت نواجذه. ثم سألني فأخبرته الخبر، فقال لي خيرا، ودعا لي بخير (1). دور الزبير والمقداد: ولكن بعض النصوص الاخرى تقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أرسل الزبير، والمقداد في إنزال خبيب عن خشبته، فوصلا إلى التنعيم، فوجدا حوله أربعين رجلا نشاوى يحرسونه. فأنزلاه، فحمله الزبير على فرسه وهو رطب، لم يتغير منه شئ فنذر به المشركون (وكانوا سبعين حسب بعض المصادر) فلما لحقوهم قذفه الزبير، فابتلعته الارض، فسمي بليع الارض، وعند العيني: (فأنزلناه فإذا هو رطب لم يتغير، بعد أربعين يوما، ويده على جرحه وهو ينبض يسيل دما كالمسك).


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 542 - 545 والقصة مع شئ من الاختلاف سيظهر إن شاء الله موجودة في: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 135 - 138 عن البيهقي والبداية والنهاية ج 4 ص 70، 71 والكامل في التاريخ ج 2 ص 169، 170 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458، 459 والسيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 282 - 284 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33، 34 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184، 185 وطبقات ابن سعد ج 4 ص 249 ط صادر. وذكر البعض حديث الضمري هذا لكنه يذكر قصته مع جثة خبيب فراجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 94 ط صادر والمواهب اللدنية ج 1 ص 125 وأنساب الاشراف (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)) ج 1 ص 379، 380. (*)

[ 216 ]

وزاد في بعض المصادر: أنهما قدما على النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وجبرئيل (ع) عنده، فقال جبرئيل: يا محمد، إن الملائكة تباهي بهذين من أصحابك، فنزل فيهما: * (ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضات الله، والله رؤوف رحيم) * (1). وأضافت بعض المصادر: أن الزبير قال للمشركين: ما جرأكم علينا يا معاشر قريش ؟ ثم رفع العمامة عن رأسه، فقال: أنا الزبير بن العوام، وأمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد بن الاسود، أسدان رابضان يدافعان عن شبليهما، فإن شئتم ناضلتكم، وإن شئتم نازلتكم، وإن شئتم انصرفتم. فانصرفوا إلى مكة (2). ونحن نشك في هذه الرواية وسابقتها، وشكنا هذا يستند إلى الامور التالية: تناقض الروايات: إن بينها وبين سائر الروايات والنصوص وكذلك سائر الروايات فيما بينها تناقضات ظاهرة، ونحن نكتفي هنا بالاشارة إلى الموارد التالية: ألف: بالنسبة لتاريخ بعث عمرو بن أمية نجد: أن هذه الرواية تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) قد أرسل عمرو أو صاحبه لقتل ابي سفيان فور وصول نبأ قتل عضل والقارة أصحاب الرجيع، أبو بعد مقتل خبيب


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 458 والسيرة الحلبي ج 3 ص 168 و 184 و 185 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 257 وج 2 ص 34 وبهجة المحافل ج 1 ص 229، 221 وشرحه بهامش نفس الصفحة، وراجع: الاصابة ج 1 ص 419 وراجع: عمدة القاري ج 11 ص 101. (2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 220 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458 والسيرة الحلبية ج 3 ص 168. (*)

[ 217 ]

وأصحابه (1) في السنة الرابعة (2) بعد أربعين يوما من قتله (3). لكن البعض ذكر: بعث عمرو بن أمية في السنة السادسة، بعد سرية كرز بن جابر، وقبل الحديبية، وعطفها عليها بكلمة (ثم) (4). وصرح البلاذري بقوله: (سرية عمرو بن أمية الضمري إلى مكة، في صفر سنة ثمان، أو شهر ربيع الاول، وجهه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقتل ابي سفيان، فوجده قد نذر به، فانصرف (5)) ولم يذكر حديثه مع جثة خبيب. ب: وبالنسبة للانصاري، الذي كان مع عمرو بن أمية، سماه البعض سلمة بن أسلم بن حريش (6). وسماه بعض آخر: جبار بن صخر (7) وفي بعض المصادر: خيار بن


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 458 عن الاكتفاء والسيرة الحلبية ج 3 ص 184. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 458 وراجع: التنبيه والاشراف ص 213. (3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 220. (4) راجع: سيرة مغلطاي ص 62 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458، 459 عنه وعن المواهب اللدنية. (5) أنساب الاشراف ج 1 ص 379، 380 (قسم حياة النبي (صلى الله عليه وآله)). (6) طبقات ابن سعد ط صادر 2 ص 93، 94 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 136 والبداية والنهاية ج 4 ص 70 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 125 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184 وسيرة مغلطاي ص 62، وتاريخ الخميس ج 1 ص 459 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33 والتنبيه والاشراف ص 213. (7) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 282 وراجع: البداية والنهاية ج 4 ص 71 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 138 كلاهما عنه، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 459 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184 وسيرة مغلطاي ص 62. (*)

[ 218 ]

صخر (1)، ويبدو أنه تصحيف. ج: بعض المصادر تذكر: أنه لم يكن مع صاحبه بعير كما في الرواية المتقدمة وبعضها تقول: فحبس جمليها بشعب من شعاب يأجج (2). د: والذي رأى عمرو بن أمية، هل هو معاوية بن ابي سفيان (3) أو غير كما قيل (4). ه‍: وتقول الرواية المتقدمة: فدخلنا على غار فبتنا فيه ليلتنا، وأعجزناهم، فرجعوا وقد استترت دونهم باحجار حين دخلت الغار. وثمة نص آخر يقول: فدخلت في غار، فتغيبت عنهم حتى أصبحت. وباتوا يطلبوننا في الجبل وعمى الله عليهم طريق المدينة ان يهتدوا له (5). وفي نص آخر: فخرجنا نشتد، حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فبتنا في كهف في الجبل (6).


(1) المواهب اللدنية ج 1 ص 125 (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 282 وتاريخ الخميس ج 1 ص 459 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184. (3) البداية والنهاية ج 4 ص 70 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137 والمواهب اللدنية ج 1 ص 125 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33. (4) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33. (5) البداية والنهاية ج 4 ص 70 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137. (6) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 282 وتاريخ الخميس ج 1 ص 459 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33. (*)

[ 219 ]

و: والرواية المتقدمة تقول: إن مجئ عثمان بن مالك كان بمجرد دخول الضمري إلى الغار، واستتاره بالاحجار. ونص آخر يقول: فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك إلخ... (1). ز: والذي جاء يتخيل بفرسه، هل هو عثمان بن مالك بن عبيدالله كما ذكرته الرواية المتقدمة ؟ أو هو عبيدالله بن مالك (2) أو عبد الله بن مالك (3). ح: وهل ضربه بالخنجر تحت الثدي، كما في الرواية المتقدمة. أم أنه ضربه على يده (4) ؟ إلا أن يكون الراوي أو الكاتب قد صحف الكلام هنا، فبدل أن يكتب ضربه على ثديه، كتب: ضرب على يده. ط: والرواية المتقدمة مفادها: أنه بمجرد أن رأى جثة خبيب اشتد نحوها، واحتله وحمله على ظهره، فما مشى إلا نحو أربعين ذراعا حتى نذروا به. وفي نص آخر: أنه بعد أن حمل خبيبا ومشى فيه استيقظوا (5) الامر الذي يدل على أنهم كانوا نائمين حينئذ.


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137 والبداية والنهاية ج 4 ص 70 (2) طبقات ابن سعد ط صادر ج 2 ص 94 وج 4 ص 249 وراجع السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33 وتاريخ الخميس ج 1 ص 459. (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 125 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 33 عن ابن هشام. (4) السيرة الحلبية ج 3 ص 184. (5) البداية والنهاية ج 4 ص 70 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137. (*)

[ 220 ]

لكن رواية أخرى تفيد: أنهم خرجوا ليلا يريدون المدينة، فمروا بالذين يحرسون جثة خبيب، فقال أحدهم: ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها، فاحتملها، وخرج بها شدا وخرجوا وراءه (1). ي: الرواية المتقدمة تقول: انه شد على الخشبة، فاحتل خبيبا عنها، ثم احتمله على ظهره، ومشى به. ك: والرواية المتقدمة تقول: إنه بمجرد أن نذروا به رمى الجثة، على بعد نحو أربعين ذراعا، فاشتدوا في أثره. والنص الاخر يقول: انه بقي يعدو والخشبة معه، وهم خلفه، حتى أتى جرفا بمهبط سيل يأجج، فرمى بالخشبة بالجرف (3). ل: وفي الرواية المتقدمة: أنه مشى نحو أربعين ذراعا، فنذروا به وفي نص آخر: ما مشيت إلا عشرين ذراعا (4). وفي نص ثالث: أنه حين حله عن الخشبة وقع إلى الارض، فانتبذ غير بعيد، ثم التفت فلم يره، كأنما ابتلعته الارض (5).


(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 283 والسيرة الحلبي ج 3 ص 184 وتاريخ الخميس ج 1 ص 459 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 34. (2) راجع: المصادر المتقدمة بالاضافة إلى البداية والنهاية ج 4 ص 70 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137. (3) راجع: المصادر المتقدمة باستثناء البداية والنهاية وباستثناء سيرة ابن كثير. (4) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 137 والبداية والنهاية ج 4 ص 70. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 458 عن الصفوة والاصابة ج 1 ص 419. (*)

[ 221 ]

م: تقول رواية: إنه بقي حاملا الخشبة التي عليها خبيب، حتى رمى بها بمهبط مسيل يأجج بالجرف، فغيبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه (1). ورواية تقول: إنه حين اهبط عن الخشبة لم ير له رمة ولا جسدا (2). وفصلت رواية ثالثة، فقالت: إنه حين القاه عن الخشبة سمع وجبة خلفه، فالتفت فلم ير شيئا، كأنما ابتلعته الارض، زاد بعضهم قوله: فلم تر لخبيب رمة حتى الساعة (3). ولكن نصا آخر يقول: عن عمرو بن أمية: فطرحت الخشبة: فما أنسى وجبتها، يعني صوتها، ثم أهلت التراب عليه برجلي (4). هذا كله عدا عن دعوى ابتلاع الارض له في حديث إنزال الزبير والمقداد له، وأنه سمي بليع الارض (5).


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 283 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 34 والسيرة الحلبية ج 3 ص 184 وتاريخ الخميس ج 1 ص 459. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 71 و 67 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 138 و 131.. (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 432 والاغاني ج 4 ص 230 وراجع المصادر التالية: الاصابة ج 1 ص 524 و 419 وأسد الغابة ج 2 ص 105 وتاريخ الاسلام (قسم المغازي) ج 1 ص 191 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458 عن الصفوة وصفة الصفوة ج 1 ص 622 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 257 والسيرة الحلبية ج 3 ص 168. (4) البداية والنهاية ج 4 ص 70 وراجع ص 66 عن موسى بن عقبة والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 137 و 131 وزاد المعاد ج 2 ص 109. (5) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 168 وراجع ص 184، 185 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 257 وراجع ج 2 ص 34 وتاريخ الخميس ج 1 ص 458 وبهجة (*)

[ 222 ]

ن: والرواية المتقدمة تنص على أن عمرو بن أمية هو الذي أنزل جثة خبيب عن الخشبة. بينما نجد نصوصا أخرى نسبت ذلك إلى الزبير والمقداد (1). وبعض الروايات نسبت قضية إنزاله إلى خباب بن الارت (2). س: ونجد في بعض النصوص أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يرسل عمرو بن أمية، بل أسر في بئر معونة فقدموا به مكة، فهو دفن خبيبا (3). طريق جمع فاشل: وقد حاول البعض رفع هذا التنافي الاخير بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أرسل الضمري أولا، ثم أرسل الزبير والمقداد، فحين أنزله عن الخشبة كانا حاضرين، فأخذه الزبير، فلما لحقوهم قذفه الزبير، فابتلعته الارض (4) فصح نسبة ذلك إلى كل منهم. ولكن هذا المتبرع بالجمع قد نسي: النصوص التي يقول بعضها:


المحافل ج 1 ص 220، 221 وشرحه بهامش نفس الصفحة وراجع: الاصابة ج 1 ص 419. (1) راجع المصادر المتقدمة. (2) كنز العمال ج 10 ص 372 عن الطبراني عن عمرو بن أمية الضمري. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 127 عن الطبراني. (4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 257 وراجع ج 2 ص 34 وأشار إلى هذا التنافي أيضا، وإلى أنه لا بد من الجمع في السيرة الحلبية ج 3 ص 184، 185. ولربما يلاحظ بعض الاختلاف في وجه الجمع الذي ذكره دحلان في الموضعين فليراجع. (*)

[ 223 ]

إن عمرو بن أمية قد حمله حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة، فكأنما ابتلعته الارض. والنصوص التي تقول: إنه بمجرد أن وقع إلى الارض ابتعلته الارض. والنصوص التي تقول: إن الارض ابتلعته بعد عشرين ذراعا، أو اربعين. والنصوص التي تقول: إن عمرو بن أمية قد دفنه، وأنه أهال عليه التراب برجله. إلى آخر ما تقدم مما لا مجال لاعادته. هذا كله عدا عن أن ابن أبي شيبة يقول: إنهما حين حلاه من الخشبة التقمته الارض (1)، فالذي حله إذن إثنان وليس رجلا واحدا. عودة للتناقضات: ع: والرواية المتقدمة، عن إرسال الزبير والمقداد تقول: إنه كان حول جثة خبيب أربعون رجلا. ثم إنها هي نفسها تقول: إن الذين لحقوهما كانوا سبعين رجلا. ف: وقد تقدم: أن عمرو بن أمية قد شد على الخشبة فاحتلها وذهب بها. ولكن نص آخر يقول: إنه احتمله بخدعة ليلا، فذهب به فدفنه (2). ص: تقدم أن الرسول قد أرسل عمرو بن أمية لاجل قتل ابي سفيان. لكن نصا آخر يقول: إنه قد بعثه عينا على قريش (3).


(1) الروض الانف ج 4 ص 254 عن ابن أبي شيبة. (2) زاد المعاد ج 2 ص 109. (3) الاصابة ج 1 ص 419. (*)

[ 224 ]

وصرحت بعض المصادر: أنه (صلى الله عليه وآله) قد بعثه إلى خبيب لينزله عن الخشبة (1). ق: قد صرحت النصوص المتقدمة: أنه (صلى الله عليه وآله) قد بعث عمرو بن أمية مع رجل آخر لقتل أبي سفيان. لكن نصا آخر يقول: إنه (صلى الله عليه وآله) قد بعثه وحده عينا إلى قريش، فجاء إلى خشبة خبيب، فحله عنها (2). هذا كله بالنسبة لطائفة من الموارد، التي تظهر فيها التناقضات في ما بين الروايات والنصوص. وأما بالنسبة لسائر الامور التي نود الاشارة إليها هنا، مما يدل على ضعف هذه الروايات وسقوطها، فإننا نشير إلى ما يلي: آية الشراء: قد ذكرت رواية إنزال الزبير والمقداد لجثة خبيب: أن آية: * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله إلخ...) * نزلت فيهما، وأن الملائكة تباهي بهما من بين أصحابه (صلى الله عليه وآله). ونقول: 1 - إن ذلك ينافي قولهم المتقدم: إن آية الشراء قد نزلت في خبيب وابن الدثنة، فكيف يقولون، إنها قد نزلت في الزبير والمقداد. كما أنهم يقولون: إنها قد نزلت في صهيب، وهو ينافي ما يذكرونه هنا أيضا. ودعوى تكرر نزول الاية، لا تدفع التناقض في قصة خبيب هنا.


(1) راجع المصادر التي تقدمت تحت الفقرة (م) الواردة لقوله: فلم تر لخبيب رمة حتى الساعة. (2) الاصابة ج 1 ص 419. (*)

[ 225 ]

2 - قد تقدم: أن آية الشراء قد نزلت في علي (عليه السلام) حين مبيته على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ذكرنا عشرات المصادر لذلك، فلا نعيد. الكشاف الليلي، والسحر الخارق: 1 - قد صرحت الروايات المقدمة: أن عمرو بن أمية ورفيقيه قد ذهبا إلى الكعبة للطواف والصلاة، بعد حلول الظلام، فكيف رآه معاوية وعرفه إذن. 2 - قد صرحت الروايات المتقدمة: أنهما قد ذهبا إلى جثة خبيب ليلا، فكيف رآهما ذلك الرجل، وعرف مشية عمرو بن أمية بخصوصها. 3 - وبعد أن رآه ذلك الرجل وأخبر رفقاءه بوجود غريب حولهم، كيف استطاع أن يقتلع الخشبة، أو أن يحمل الجثة منها، وهم حولها يحرسونها ؟ ! وإذا كانوا حينئذ نائمين فكيف رآه ذلك الرجل وعرف مشيته ؟ نبوءة وكهانة، وموتة السوء: وحين كان راجعا إلى المدينة، ودخل الغار، وجاءه الراعي، كيف عرف أنه من بني بكر ؟ ! وهل مجرد وضع سية قوسه في عينه الصحيحة، وقتله بهذه الصورة يعتبر أسوأ قتلة ؟ ! أليس ثمة أشكال وأنحاء اخرى اسوأ من هذه القتلة ؟ ! أين هي جثة ابن الدثنة ؟ الحديث كله، وعند جميع المؤرخين يدور حول جثة خبيب، فأين

[ 226 ]

ذهبت جثة زيد ابن الدثنة ؟ ! ولماذا لم ينزلها الضمري، ولا الزبير، والمقداد، ولا ذكرها الرسول، ولا حرسها المشركون، ولا ابتلعتها الارض ولا.. ولا إلخ.. ؟ ! طاقية الاخفاء لدى الاعرج الطائر: وصاحبه الذي لا رجلة له، ولم يكن يستطيع المشئ، لماذا لم يأخذه حراس خبيب ؟ ! ولماذا لحقوا فقط بعمرو نفسه دونه، ولماذا لا يثير وجوده تساؤلهم ؟ وإذا كان لا يستطيع المشي، فكيف استطاع، أن ينجو من أهل مكة، حينما صرح معاوية، أو غيره يعلمهم بوجوده، وكيف استطاع ان يرتقي الجبل وهو لا يستطيع المشي ولا يرتقيه اهل مكة، وهم يستطيعون المشي ؟ ! تعمد المواجهة: إنهما حين خرجا من الكعبة لماذا مرا على مجلس من مجالس قريش ؟ ألم يكن بوسعهم تحاشي المرور على ذلك المجلس ؟ ! لا سيما وأن الظلام كان يسترهما عن العيون ؟ ! طاقية الاخفاء مرة أخرى: كيف قام عليهم عثمان التيمي على باب الغار، وهو على فرسه ولم يرهم فيه ؟ ! ويكف قتله على باب الغار، وجاء أهل مكة إلى صاحبهم الذي كان ملقى على باب الغار، ولم ينظروا فيه، بل لم يفطنوا لوجوده ؟ ! وحين اخبرهم المقتول بقاتله، كيف لم يبحثوا عنه، وهو لا بد ان يكون قريبا منهم ؟ !

[ 227 ]

وكيف تقول الرواية شغلهم موت صاحبهم عن البحث عنهما، مع أن نفس الرواية تقول: إنهما أقاما في الغار يومين، حتى سكن الطلب ؟ ! فإن ذلك يدل على أن المكيين قد واصلوا البحث عنهما. بطل هنا.. ونعامة هناك: إننا نلاحظ: أن البطولات كلها تنسب إلى عمرو بن أمية الضمري، وليس لصاحبه أي دور يذكر. فهو نجيب الساق. وهو أعرف بمكة من الفرس الابلق، وهو معه خنجر مثل خافية النسر، وهو يخرج من الغار مثل السبع، ويأخذ المحجة كأنه نسر وهو الرجل المعافى، وصاحبه ذو علة، وهو صاحب الجمل، ولا جمل لصاحبه وهو... وهو إلخ. ولكننا لا نجده في سرية بئر معونة نجيب الساق، ولا كان مثل السبع، ولا أخذ المحجة كأنه نسر، بل القي عليه القبض مباشرة ولم يذكر لنفسه ولا ذكر غيره له أي شئ يشير إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد كما تقدم. بطل يتحدث عن نفسه: لم ترو قصة عمر بن أمية إلا عن عمر بن أمية نفسه، وهذا أمر يثير الشبهة والريب فيها. يأس العاجز ام طاقية الاخفاء ؟ تارة تقول الرواية: إن أهل مكة حين رأوا عمرو بن أمية على رأس الجمل يئسوا.

[ 228 ]

ولكن النص الاخر يقول: إن الله قد عمى عن أهل مكة طريق المدينة أن يهتدوا له، فهل كان ذلك الغار على طريق المدينة، أو أن ذلك الجبل كان على طريق المدينة. فشدوا الوثاق: لم نعرف معنى لشد إبهام أسيره بسية قوسه، فلماذا لا يشد يده مثلا أو رقبته، أو أي شئ آخر ؟ ! ولا ندري لماذا جاء الامر بشد الوثاق في القرآن، ولم يرد الامر بشد الابهام ؟ ! وهل شده لابهامه يمنعه من التمرد عليه، لو غفل عنه. وأخيرا: لماذا لم يعد إلى صاحبه، ويركبا معا الجمل، ويعودا إلى المدينة ؟ ! ولماذا ؟ إلى آخر ما هنالك من الاسئلة الكثيرة التي لا مجال لا يرادها. تحذير النبي من الضمري: 1 عن الخزاعي، عن أبيه، دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان، يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: التمس صاحبا. قال: فجاءني عمرو بن أمية الضمري. فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا. قال: قلت: أجل. قال: فأنا لك صاحب.

[ 229 ]

قال: فجئت رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقلت: قد وجدت صاحبا. وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا وجدت صاحبا فآذني. قال: فقال: من ؟ فقلت: عمرو بن أمية الضمري. قال: فقال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره، فإنه قد قال القائل: أخوك البكري، ولا تأمنه. قال: فخرجنا، حتى إذا جئت الابواء قال: إني أريد حاجة إلى قومي بودان، فتلبث لي. قال: قلت: راشدا. فلما ولى ذكرت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فشددت على بعيري، ثم خرجت أوضعه، حتى إذا كنت بالاصافر إذا هو يعارضني في رهط، وأوضعت فسبقته، فلما رآني قد فته انصرفوا. وجاءني، فقال: كانت لي إلى قومي حاجة. قلت: أجل. فمضينا حتى قدمنا مكة، فدفعت المال إلى أبي سفيان (1). سبعون يهربون من واحد أم العكس ؟ ! لا نعرف كيف انصرف سبعون من المشركين عن الزبير والمقداد، لمجرد تهديد الزبير لهم، وإذا كانوا قد خافوا منه إلى هذا الحد، فلماذا لم


(1) الطبقات الكبرى ج 4 ص 296 ط صادر والتراتيب والادارية ج 1 ص 225 وراجع ص 390، 391. (*)

[ 230 ]

يخافوا منه في أحد، حيث فرمع الفارين ؟ ! وكذا في غيرها من المواطن الصعبة، ولماذا لم يبرز لواحد منهم وهو عمر بن عبدود في الخندق ؟ ! وإذا كان الحراس نشاوى، فهل أفاقوا من نشوتهم بعد أن أتم الزبير عمله وأخذ الجثة من بينهم، وحمل الجثة على فرسه وذهب ولم يستفيقوا قبل ذلك ؟ ! ما هي الحقيقة اذن ؟ وغاية ما يمكن ان يطمئن إليه الباحث هو: أن جماعة من المسلمين كانوا قرب منازل هذيل في منطقة الرجيع، فأتوا إليهم، وقتلوهم، وقد يبلغ عددهم الستة اشخاص، ومن بينهم عاصم بن ثابت. هذا بالاضافة إلى أسر اثنين آخرين هما: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة. وقد انتهى أمر هذين الاسيرين إلى أن أصبحا في أيدي مشركي مكة، فقتلوهما حقدا منهم وبغيا. وما سوى ذلك فإنه إما لا ريب في كونه مكذوبا ومختلقا، وإما يشك في صحته بنسبة كبيرة. مع إحتمال أن يكون ثمة أمور أخرى نالتها يد التحريف، والتحوير لاهداف سياسية، أو غيرها.

[ 231 ]

الباب السابع: سرية بئر معونة

[ 233 ]

الفصل الاول: النصوص وتناقضاتها

[ 235 ]

نص الرواية: ويقولون: إن سرية بئر معونة (1) كانت في السنة الرابعة في المحرم، كما قال البعض (2). وقد اختلفت الروايات في بيان حقيقة ما جرى، ونحن نذكر أولا نص الطبري الذي قال: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، ملاعب الاسنة - وكان سيد بني عامر بن صعصعة - على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمدينة، وأهدى له هدية، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقبلها، وقال: يا أبا براء، لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك. ثم عرض عليه الاسلام، وأخبره بما له فيه، وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد إن أن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمر رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله (صلى الله


(1) ستأتي المصادر لذلك وبئر معونة: موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان. وفي معجم ما استعجم ماء لبني عامر بن صعصعة وفي الاكتفاء ج 2 ص 142 والسيرة الحلبية ج 3 ص 172، هي بين أرض بني عامر، وحرة بني سليم. (2) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 545 وسيرة مغلطاي ص 52 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 و 452 وغير ذلك. (*)

[ 236 ]

عليه وآله) إني أخشى عليهم أهل نجد ! فقال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله (ص) المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق (1) ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال مسمين من خيار المسلمين (2). فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر بن عمرو في سبعين راكبا، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب - فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء، قد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية، ورعلا، وذكوان، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في حالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث (3) من بين


(1) المعنق: المسرع، وإنما سمي بذلك لانه أسرع إلى الشهادة. (2) سيرة ابن هشام ج 3 ص 174. (3) ارتث، أي وقع به جراح. (*)

[ 237 ]

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل (1) من الانصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الانصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى ؟ قال: أرى أن تلحق برسول الله (صلى الله عليه وآله) فتخبره الخبر، فقال الانصاري: لكني ما كنت لارغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال. ثم قاتل القوم حتى قتل. وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أنه. فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عقد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما ؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة (2) من بني عامر، بما أصابوا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره الخبر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد قتلت قتيلين لادينهما. ثم قال رسول الله (ص): هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا. فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر أياه، وما أصاب رسول الله القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.


(1) قال: ابن هشام: (هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح). (2) الثؤرة: الثأر. (*)

[ 238 ]

(صلى الله عليه وآله) بسببه وجواره وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة (1). حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عامر بن الطفيل، كان يقول: إن الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء من دونه. قالوا: هو عامر بن فهيرة (2). حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أحد بني جعفر، رجل من بني جبار، بن سلمى بن مالك بن جعفر، قال: كان جبار فيمن حضرها (3) يومئذ مع عامر، ثم أسلم بعد ذلك. قال: فكان يقول مما دعاني إلى الاسلام أني طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول حين طعنته: فزت والله ! قال: فقلت في نفسي: ما فاز ! أليس قد قتلت الرجل ! حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: الشهادة، قال: فقلت: فاز لعمرو الله ! فقال حسان بن ثابت (4) يحرض من بني أبي البراء على عامر بن الطفيل: بني أم البنين ألم يرعكم * * وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبي براء * * ليخفره، وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * * فما أحدثت في الحدثان بعدي (5) أبوك أبو الحروب أبو براء * * وخالك ماجد حكم بن سعد وقال كعب بن مالك في ذلك أيضا:


(1) سيرة ابن هشام ج 3 ص 195، 196. (2) سيرة ابن هشام ج 3 ص 175. (3) أي فيمن حضر يوم بئر معونة. (4) ديوانه ص 50 مع اختلاف في ترتيب الابيات. (5) المساعي: السعي في طلب المجد والمكارم. (*)

[ 239 ]

لقد طارت شعاعا كل وجه * * خفارة ما أجار أبو براء فمثل مسهب وبني أبيه * * بجنب الرده من كنفي سواء (1) بني أم البنين أما سمعتم * * دعاء المستغيب مع المساء ! وتنويه الصريخ بلى ولكن * * عرفتم أنه صدق اللقاء فما صفرت عياب بني كلاب * * ولا القرطاء من ذم الوفاء أعامر عامر السوءات قدما * * فلا بالفعل فزت والا السناء أأخفرت النبي وكنت قدما * * إلى السوءات تجري بالعراء ! فلست كجار جار أبي داود * * ولا الاسدي جار أبي العلاء ولكن عاركم داء قديم * * وداء الغدر فاعلم شر داء فلما بلغ ربيعة بن عامر أبي البراء قول حسان وقول كعب، حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فشطب الرمح عن مقتله، فخر عن فرسه. فقال: هذا عمل أبي براء ! إن مت فدمي لعمي ولا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلى (2). حدثني محمد بن مرزوق، حدثنا عمرو بن يونس، عن عكرمة، قال: حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين أرسلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري، أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين بعثوا، حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه. ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل هذا الماء ؟ فقال - أراه ابن ملحان الانصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله (ص).


(1) و: (بجنب المرو). (2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 174، 175. (*)

[ 240 ]

فخرج حتى أتى حواء منهم، فاحتبى أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله رسوله. فخرج إليه من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه خرج من الشق الاخر، فقال: الله اكبر، فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله عزوجل أنزل فيهم قرآنا: (بلغوا عنا قومنا إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه). ثم نسخت، فرفعت بعد ما قرأناه زمانا، وأنزل الله عزوجل: * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين) * (1). حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثني أبي قال: حدثنا الاوزاعي، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الانصاري، عن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله (ص) إلى عامر بن الطفيل الكلابي سبعين رجلا من الانصار قال: فقال أميرهم: مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم ! فلما جاءهم قال: أتؤمنونني حتى أخبركم برسالة رسول الله (صلى الله عليه واله) ؟ قالوا: نعم، فبينا هو عندهم، إذ وخزه رجل منهم بالسنان: قال: فقال الرجل: فزت ورب الكعبة ! فقتل، فقال: عامر: لا أحسبه إلا أن له أصحابا، فاقتصوا أثره حتى أتوهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم إلا رجل واحد.


(1) سورة آل عمران: 169، 170 والخبر في التفسير ج 7 ص 393 والدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن المنذر وابن جرير. (*)

[ 241 ]

قال أنس: فكنا نقرأ فيما نسخ: * (بلغوا عنا إخواننا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) * (1). وتقول الروايات: إنه (صلى الله عليه وآله) قنت شهرا في صلاة الغداة يدعو على رعل وذكوان، وعصية. نص آخر للطبراني: وثمة نص آخر، عن سهل بن سعد، ملخصه: أن عامر بن الطفيل قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، فراجع النبي (ص) وارتفع صوته، وثابت بن قيس قائم بسيفه على النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمره بغض صوته، وجرى بينهما كلام. فعطس ابن أخ لعامر، فحمد الله، فشمته النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم عطس عامر، فلم يشمته، فقال عامر: شمت هذا الصبي، ولم تشمتني ؟ ! فقال (صلى الله عليه وآله)، إن هذا حمد الله. قال: ومحلوفه، لاملانها عليك خيلا ورجالا. فقال (صلى الله عليه وآله): يكفينيك الله وابنا قيلة. ثم خرج عامر، فجمع للنبي (صلى الله عليه وآله)، فاجتمع من بني سليم ثلاثة أبطن هم الذين (صلى الله عليه وآله) يدعو عليهم في صلاة الصبح: اللهم العن لحيانا، ورعلا، وذكوان وعصية، دعا سبعة عشر ليلة. فلما أن سمع (صلى الله عليه وآله): أن عامرا جمع له، بعث النبي


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 545 - 550 والكامل لابن الاثير ج 2 ص 171 - 173 ولباب التأويل ج 1 ص 301: 302 ومجمع البيان ج 2 ص 535، 536 وتفسير العظيم ج 1 ص 426. (*)

[ 242 ]

(صلى الله عليه وآله) عشرة، فيهم عمرو بن أمية الضمري وسائرهم من الانصار، وأميرهم المنذر بن عمرو. فمضوا، حتى نزلوا بئر معونة، فأقبل حتى هجم عليهم، فقتلهم كلهم، فلم يفلت منهم إلا عمرو بن أمية، كان في الركاب. فأخبر الله نبيه بقتلهم، فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم اكفني عامرا، فأقبل حتى نزل بفنائه. فرماه الله بالذبحة في حلقه في بيت امرأة سلولية فأقبل ينزو ويقول: يا آل عامر، غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، يرغب أن تموت في بيتها، فلم يزل كذلك حتى مات في بيتها. وكان أربد بن قيس أصابته صاعقة، فاحترق فمات. فرجع من كان معهم (1). نص ثالث لابن طاووس رحمه الله: وحسب نص ابن طاووس: أقبل عامر بن الطفيل، وزيد بن قيس، وهما عامريان، أبناء عم، يريدان رسول الله، وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه. قال: فدخلا المسجد، فاستبشر الناس لجمال عامر بن الطفيل، وكان من أجمل الناس، أعور. فجعل يسأل: أين محمد ؟ فيخبرونه، فيقصد نحو رجل من أصحاب رسول الله، فقال: هذا عامر بن الطفيل يا رسول الله. فأقبل، حتى قام عليه، فقال: أين محمد ؟ فقالوا: هوذا.


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 125، 126 عن الطبراني. (*)

[ 243 ]

قال: أنت محمد ؟ قال: نعم. قال: مالي إن أسلمت ؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين. قال: تجعل لي الامر بعدك ؟ قال: ليس ذلك لك، ولا لقومك، ولكن ذاك إلى الله، يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر - يعني الابل - وأنت على المدر ؟ قال: لا. قال: فماذا تجعل لي ؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل، تغزو عليها، إذ ليس ذلك لي اليوم، قم معي، فأكلمك. فقام معه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأوصى لزيد بن قيس: ان اضربه. قال: فدار زيد بن قيس خلف النبي (صلى الله عليه وآله)، فذهب ليخترط السيف فاخترط منه شبرا، أو ذراعا، فحبسه الله تعالى، فلم يقدر على سله. فجعل يومئ عامر إليه، فلا يستطيع سله. فقال رسول الله، اللهم هذا عامر بن الطفيل أعر (كذا) الدين عن عامر - ثلاثا - ثم التفت فرأى زيدا، وما يصنع بسيفه، فقال: اللهم اكفينهما.

[ 244 ]

ثم رجع، وبدر (1) بهما الناس، فوليا هاربين. قال: وأرسل الله على زيد بن قيس صاعقة فأحرقته (2). ورأى عامر بن الطفيل بيت سلولية، فنزل عليها، فطعن في خنصره فجعل يقول: يا عامر غدة كغدة البعير وتموت في بيت سلولية، وكان يعتبر (3) بعضهم بعضا بنزوله على سلول ذكرا كان أو أنثى. قال: فدعا عامر بفرسه فركبه، ثم أجراه حتى مات على ظهره خارجا من منزلها. فذلك قول الله عزوجل: فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله (في آيات الله) وهو شديد المحال، يقول: العقاب. فقتل عامر بن الطفيل بالطعنة، وقتل زيد بالصاعقة (4). وثمة نصوص أخرى: وفي نص آخر، أن عامرا كان رئيس المشركين - قدم على النبي، فقال: إختر مني ثلاث خصال، يكون لك السهل ويكون لي أهل الوبر، أو أكون خليفة من بعدك، أو أغزوك بغطفان ألف اسفر وألف سفرا (5) قال: فطعن في بيت إمرأة من بني فلان (إلخ...). (وفي الاصابة: أن ربيعة جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أيغسل عن أبي هذه الغدرة: أن أضرب عامر بن الطفيل ضربة


(1) لعل الصحيح: ونذر. (2) لعل الصحيح: فأحرقته. (3) لعل الصحيح: يعبر. (4) سعد السعود ص 218، 219 عن تفسير الكلبي، تفسير سورة الرعد في قوله تعالى: ويرسل الصواعق، الاية.. (5) لعل الصحيح (ألف أشقر وألف شقراء) كما في غيره من المصادر. (*)

[ 245 ]

أو طعنة ؟ قال: نعم، فرجع ربيعة فضرب عامرا ضربة أشواه منها فوثب عليه قومه فقالوا: لعامر بن الطفيل: إقتص فقال: قد عفوت وعقب ذلك مات أبو براء أسفا إلخ...) (1). وذكروا أيضا: أن سبب مجئ ربيعة إلى النبي (ص) وسؤاله له حسبما تقدم عن الاصابة: أن حسان بن ثابت قال شعرا يحرضه على عامر بن الطفيل: ألا من مبلغ عني ربيعا * * بما قد أحدث الحدثان بعدي وخالد ماجد إلخ... (2). فقال ربيعة: هل يرضى حسان طعنة أطعنها عمرا قيل: نعم فشد عليه فطعنه فعاش منها (2). فقال ربيعة: هل يرضى حسان طعنة أطعنها عمرا قيل: نعم فشد عليه فطعنه فعاش منها (3). وثمة نصوص أخرى يتضح مخالفتها لما قدمناه مما سيأتي حين الكلام عن تناقض النصوص. 1 - تناقض النصوص واختلافها: إن أدنى ملاحظة للنصوص توضح لنا مدى الاختلاف والتناقض فيما بينهما، بشكل يتعذر معه الجمع فيما بينها، وحيث إن استقصاء هذه الاختلافات والتناقضات أمر يطول، فإننا نلمح إلى بعض الموارد، ونترك سائرها إلى معاناة القارئ أو الباحث الذي يهمه ذلك، لسبب أو لاخر: فنقول: ألف: تاريخ السرية:


(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 173 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (3) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208. (*)

[ 246 ]

فنجد البعض يقول: إنها كانت في السنة الرابعة من المحرم (1). وآخرون يقولون: إنها كانت على رأس ستة وثلاثين شهرا أي على رأس أربعة أشهر من أحد، في شهر صفر (2). وثالث، وهو مكحول، زعم: أنها كانت بعد غزوة الخندق (4). أما العامري فقد رأى أن من الممكن ان تكون في السنة الثالثة حيث قال: (وفيها، أو في الرابعة، سرية بئر معونة) (5). ب: سبب إرسال السرية: 1 - وحول سبب إرسال السرية نجد الرواية المذكورة في صدر


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 451 عن الوفاء. (2) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 545 وسيرة مغلطاي ص 52 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 158 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 و 452 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 192 وعمدة القاري ج 14 ص 320 وج 18 ص 126 و 174 وج 7 ص 18 ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 302 ومجمع البيان ج 2 ص 536 وأنساب الاشراف ج 1 ص 194 و 375 وزاد المعاد ج 2 ص 109 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 والاكتفاء والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 193 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 258 وبهجة المحافل ج 1 ص 223 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 142 والمحبر ص 118 وطبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 قسم 1 ص 36 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 27 والبداية والنهاية ج 4 ص 71 و 72 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 و 141 والتنبيه والاشراف ص 212. (3) المحبر ص 118 والعبر ديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28. (4) عمدة القاري ج 7 ص 18 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 والبداية والنهاية ج 4 ص 71. (5) بهجة المحافل ج 1 ص 221. (*)

[ 247 ]

البحث تقول: إن أبا براء قدم على النبي (صلى الله عليه وآله)، فدعاه (ص) إلى الاسلام، فلم يسلم. ولم يبعد، ولكنه طلب من النبي (صلى الله عليه وآله)، أن يرسل دعاته إلى نجد، وتعهد بأن يكون جارا لهم، إن تعرض لهم أحد. 2 - ولكننا نجد في مقابل ذلك من يقول: إن أبا براء بعث إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يقول له: إبعث إلي رهطا ممن معك، يبلغوني عنك، وهم في جواري، فأرسل إليه (صلى الله عليه وآله) المنذر بن عمرو إلخ...) (1). ومعنى ذلك هو أن أبا براء لم يطلب ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله) حين قدم عليه. 3 - وجاء في نص ثالث: أن أناسا جاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: إبعث معنا رجالا يعلموننا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الانصار. إلى أن تقول الرواية: فبعثهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم، فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان (2). 4 - وحسب ما جاء في صحيح البخاري، وغيره، أن رعلا، وذكوان وعصية، وبني لحيان، أتوا رسول الله (ص)، فزعموا: أنهم أسلموا فاستمدوه على قومهم (عدوهم خ ل)، فأمدهم سبعين رجلا


(1) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208 والمحبر ص 72 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72 ط صادر وراجع ايضا: عمدة القاري ج 17 ص 174 عن أبي معشر في المغازي. (2) صحيح مسلم ج 6 ص 45 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194 وراجع طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 38 وبهجة المحافل ج 1 ص 223 ولباب التأويل (*)

[ 248 ]

(إلخ...) (1). 5 - ولكننا نجد رواية أخرى تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) بعث المنذر بن عمرو في هؤلاء الرهط - عينا له في أهل نجد - فسمع بهم عامر بن الطفيل، فاستنفر بني عامر (إلخ...) (2). 6 - وأخر ما نذكره هنا هو: النص الذي يقول: إنه (صلى الله عليه وآله) سمع أن عامر بن الطفيل قد جمع له، فبعث (ص) عشرة، فيهم عمرو بن أمية، وسائرهم من الانصار، فأقبل عامر بن الطفيل، حتى هجم عليهم فقتلهم (3). ملاحظة: وقد سجل الدمياطي تحفظا على النص الذي رواه البخاري وغيره، وهو المتقدم أنفا رقم 4 -: وهو أن قوله أتاه رعل وذكوان وعصية، ولحيان، وهم، لان بني لحيان ليسوا في أصحاب بئر معونة، وإنما هو أصحاب الرجيع، وهو كما قال (إلخ...) (4). ج: من هو أمير السرية ؟


(1) صحيح البخاري ج 3 ص 19 وج 1 ص 116 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 عن الوفاء وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 38 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 199 وفتح الباري ج 7 ص 296 وعمدة القاري ج 17 ص 169 ومسند أحمد ج 3 ص 255 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 والبداية والنهاية ج 4 ص 71 ولباب التأويل ج 1 ص 302. (2) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 192 ومجمع الزوائد ج 6 ص 127 عن الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 125. (4) راجع: فتح الباري ج 6 ص 126 وعمدة القاري ج 13 ص 309 و 310 وج 17 ص 170. (*)

[ 249 ]

وتذكر المصادر المتقدمة: ان أمير السرية هو المنذر بن عمرو. ولكن نصا آخر يقول: إن أميرها هو مرثد بن أبي مرثد (1). بل نجد في الطبري رواية تفيد: أن حرام بن ملحان كان أمير السرية تقول الرواية: فقال أميرهم: مكانكم، حتى آتيكم بخبر القوم. ثم تذكر الرواية ذهابه إليهم، وغدرهم به، وقتلهم إياه على النحو الذي سبق (2). مع أن الروايات متفقة على أن الذي جاءهم وغدروا به هو حرام بن ملحان. د: عدد أفراد السرية: وقد تقدم: أن الروايات مختلفة، في عدد أفراد السرية هل هم سبعون أو أربعون. بل إن أنس بن مالك، كان مترددا أيضا، فهو يقول: (لا أدري، في أربعين أو سبعين) (3). وبعض الروايات تقول: زهاء سبعين (4). ورواية ثالثة تذكر: أنهم كانوا ثلاثين رجلا، أربعة من المهاجرين والباقون من الانصار (5).


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 74 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 44 وعمدة القاري ج 14 ص 310 وج 7 ص 18 وج 17 ص 126. (2) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 550 وراجع: الدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن جرير، وابن المنذر. (3) الدر المنثور ج 2 ص 95. (4) السنن الكبرى ج 2 ص 207. (5) المحبر ص 118 وسيرة مغلطاي ص 52 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103، والسيرة الحلبية ج 3 ص 171 وراجع: فتح الباري ج 7 (*)

[ 250 ]

ورابعة تقول: كانوا عشرة فقط، منهم عمرو بن أمية - فقط - من المهاجرين (1). وخامسة: تحدد عددهم ب‍ (اثنين وعشرين راكبا). وإحتمل الذهبي: ان يكون قد عد الركاب دون الرجالة (2). ونقول: وهو خلاف ظاهر الحصر. كما أن رواية العشرة، ورواية الاثنين والعشرين ورواية الاربعين، تبقى على حالها، فإن احتمال الذهبي لا يجدي في رفع تناقضها. أضف إلى ذلك: ان رواية السبعين أيضا تصرح بكونهم ركبانا (3). ورواية سادسة تذكر: إنهم كانوا تسعة عشر رجلا (4). وسابعة تقول: إن عدتهم أربعة عشر رجلا (5). وثامنة تقول: إنهم كانوا أربعة وخمسين رجلا (6). وتاسعة تقول: كانوا سبعة وعشرين رجلا (7). ولعلها لا تخلتف عن رواية التسعة والعشرين، لتقارب رسم الخط فيهما.


ص 97 وعمدة القاري للعيني ج 7 ص 19 عن الطبراني. (1) مجمع الزوائد ج 6 ص 125 عن الطبراني. (2) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208 و 207. (3) لباب التأويل للخازن ج 1 ص 302 وراجع غيره. (4) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 72. (5) عمدة القاري ج 17 ص 174. (*)

[ 251 ]

ورواية عاشرة تقول: كانوا أربعة وعشرين رجلا (1). ه‍: لم يكن في السرية إلا أنصاري: وفي حين نجد الروايات تصرح بوجود أربعة من المهاجرين في السرية مثل عامر بن فهيرة، والحكم بن كيسان المخزومي، ونافع بن بديل بن ورقاء السهمي، بل وحتى سعد بن أبي وقاص (2). فإننا نجد البعض يصرح: بأنه لم يكن في هذه السرية إلا أنصاري. قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا (3) مع أن الواقدي نفسه قد صرح بأسماء المهاجرين الانفة الذكر (4). واستثنى البعض خصوص عمرو بن أمية دون سواه (5). ولعل منشأ تخصيص الانصار بذلك هو رواية أنس التي تقول: ذكر أنس سبعين من الانصار، كانوا إذا جنهم الليل أووا إلى معلم بالمدينة ثم تذكر الرواية إرسالهم الى بئر معونة (6).


(1) الجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 عن الماوردي. (2) ورد التصريح باستثناء أربعة من المهاجرين، في الرواية التي تذكر: أنهم كانوا ثلاثين رجلا، فراجع مصادرها فيما سبق. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 352 و 350 وراجع المصادر التالية: صحيح البخاري ج 3 ص 19 وفتح الباري ج 7 ص 296 وطبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 قسم 1 ص 36 و 37 والثقات ج 1 ص 238 وراجع: لباب التأويل ج 1 ص 302. (4) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 352. (5) مجمع الزوائد ج 6 ص 125 عن الطبراني وراجع: عمدة القاري ج 17 ص 174 عن العسكري. (6) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 195، 196 وكنز العمال ج 10 ص 371، 372 عن الطبراني وأبي عوانة. (*)

[ 252 ]

و: من الذي قتل حرام بن ملحان ؟ وقد تقدم: أن عامر بن الطفيل لم ينظر في كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى عدا على حرام بن ملحان، فقتله، وهذا هو صريح رواية اليعقوبي أيضا، وابن إسحاق، كما عند دحلان. ولكن رواية أخرى تقول: إن رجلا خرج من كسر البيت، أو من خلفه، فقتله (1). وعند الواقدي: أن الذي قتله هو جبار بن سلمى الكلابي (2). وقيل إنه لم يمت من طعنة عامر بن الطفيل، وإنما أثخن، وظنوا أنه مات فكان عند امرأة تداوي جراحه كما سيأتي (3). ملاحظة: لعل القول بأن قاتله هو جبار بن سلمى قد نشأ عن الخلط بينه وبين عامر بن فهيرة، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ز: أين التقى المسلمون بالمشركين ؟ وقد تقدم: أن المشركين بعد قتلهم لحرام قد توجهوا إلى المسلمين، حتى غشوهم، فأحاطوا بهم وهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف، فقاتلوهم. ولكن نصا آخر يقول: إن المسلمين استبطأوا صاحبهم، فأقبلوا في


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 550 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194 وصحيح مسلم ج 6 ص 45 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452 والسيرة الحلبية ج 3 ص 172. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 71 وحياة الصحابة ج 1 ص 545. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 258، 259 والاصابة ج 1 ص 319 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 353. (*)

[ 253 ]

أثره فلقيهم عمر، فأحاطت بهم بنو عامر، وكاثروهم حتى قتلوهم (1). ح: من هو قاتل عامر بن فهيرة ؟ ونجد في الروايات: أن عامر بن الطفيل هو الذي قتل عامر بن فهرة (2). ولكننا نجد نصا آخر يقول: إن الذي قتله هو رجل من بني كلاب (3). ويصرح الواقدي بأن ابن الطفيل قد نسب قتله إلى ذلك الرجل أيضا (4). وقد سمته بعض الروايات بجبار بن سلمى (5). ملاحظة:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 348 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 37 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452. (2) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 8 والروض الانف ج 3 ص 239 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 وفتح الباري ج 7 ص 300 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 453. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 349. (5) راجع: فتح الباري ج 7 ص 300 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 والثقات ج 1 ص 238 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 196 وتاريخ الخميس ج 1 ص 253 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 144 و 145 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 224 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 72 والمحبر ص 183 طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 37 والمغازي للواقدي ج 1 ص 349 وأنساب الاشراف ج 1 ص 375. (*)

[ 254 ]

لقد حاول البعض الجمع بين الروايات بأن نسبة القتل إلى عامر بن الطفيل قد جاء على سبيل التجوز، لكونه كان رأس القوم (1). ونقول: لو صح ذلك لكان ينبغي نسبة قتل غير ابن فهيرة إلى عامر أيضا فلماذا اقتصر الرواة على نسبة قتل ابن فهيرة إلى ابن الطفيل ؟ ! ط: من كان في سرح القوم ؟ قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن عمرو بن أمية كان في سرح القوم مع رجل آخر وتقول بعض الروايات: إن ذلك الاخر كان أنصاريا أحد بني عمرو بن عوف. ولكننا نجد أن بعض الروايات قد سمت هذا الاخر ب‍ (الحارث بن الصمة) (2). وسماه بعض آخر ب‍ (المنذر بن عقبة بن احيحة بن الجلاح) (3). ي: الناجي من القتل: قد تقدمت الرواية التي تقول إن الناجي من القتل هو - فقط - عمرو بن أمية الضمري (4). (1) راجع: فتح الباري ج 7 ص 300 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 347 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 453 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 143 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2 ص 28 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 195 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 222. (4) راجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 192 عن موسى بن عقبة وأنساب الاشراف ج 1 ص 375 وعمدة القاري ج 17 ص 174 و 175 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والمحبر ص 118 و 472 وفتح الباري ج 7 ص 299 والبدء والتاريخ ج 4 ص 211 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 37 و 38 ومجمع الزوائد ج 6 (*)

[ 255 ]

وأضافت رواية أخرى إلى عمرو بن أمية رجلا آخر هو كعب بن زيد، الذي استشهد يوم الخندق (1) وقالوا: بأنه أرتث بين القتلى. وعند الزمخشري وغيره: أن ثلاثة قد نجوا من القتل (2). ونص رابع يقول: إن رجلا أعرج - فقط - قد نجا من القتل (3) وصرح البعض بأنه هو كعب بن زيد (4). أما اليعقوبي فيقول: إن الناجي هو اسعد بن زيد، حيث اعتقه عامر بن الطفيل عن رقبة كانت على أمه ولم يذكر عمرو بن امية ولا غيره (5).


ص 125 و 126 عن الطبراني بأسانيد رجالها رجال الصحيح. (1) راجع: تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 193 و 194 وسيرة مغلطاي ص 52 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 وحياة الصحابة ج 1 ص 543، 544 والبداية والنهاية ج 4 ص 73 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452 وزاد المعاد ج 2 ص 110 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 143 والسيرة الحلبية ج 2 ص 172 والثقات ج 1 ص 238 ومجمع الزوائد ج 6 ص 128 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 194 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وبهجة المحافل ج 1 ص 222 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 142 وعمدة القاري ج 7 ص 19 وذكره ص 18 وحده، ولباب التأويل ج 1 ص 302 ومجمع البيان ج 2 ص 536. (2) الكشاف ج 4 ص 350 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 عن الماوردي. (3) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194، 195 وصحيح البخاري ج 3 ص 19 وحياة الصحابة ج 1 ص 545 وبهجة المحافل ج 1 ص 222 والبداية والنهاية ج 4 ص 72 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 140 وعمدة القاري ج 17 ص 172 وراجع: مسند أحمد ج 3 ص 289 لكنه ذكر في ص 210 تشكيكا في كونه أضاف نجاة رجل آخر كان مع الاعرج على الجبل. (4) راجع: شرح بهجة المحافل للاشخر اليمني ج 1 ص 222 وفتح الباري ج 7 ص 298 وعمدة القاري ج 17 ص 171. (5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72. (*)

[ 256 ]

ونص سادس يقول: إن سعد بن أبي وقاص قد نجا أيضا (1). وسابع يقول: إن أصحاب بئر معونة قتلوا جميعا (2) وفي نص آخر: ما بقي منهم مخبر (3). ويذكر نص ثامن: أن المنذر بن عمرو أمير السرية، أمر أربعة فذهبوا إلى بعض مياههم، فلما رجعوا إذا هم بنسور تحوم، فآثر إثنان منهم الموت، فقاتلا حتى قتلا، ورجع إثنان منهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4). لكن نصا آخر يذكر: أن عمرو بن أمية ورجلا آخر كانا في سرح القوم، فعادا فوجدا نسورا تحوم، فقاتل أحدهما فيقال - انه قتل أربعة من المشركين. وعند الواقدي: إن هذا الرجل هو الحارث بن الصمة، وأنه قتل رجلين فقط (5) - ثم قتل. وأسر عمرو بن أمية، ثم أطلق، ورجع وحده (6). وفي بعض المصادر إنطلق حرام ورجلان معه، أحدهما أعرج، فقال: كونا قريبا مني حتى آتيهم. إلى أن قال: وقتل كلهم إلا الاعرج كان في رأس الجبل (7) وفي بعض المصادر: ان الذين كانا مع حرام كانا من


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 352. (2) أنساب الاشراف ج 1 ص 375. (3) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 196 وكنز العمال ج 10 ص 371، 372 عن الطبراني، وأبي عوانة. (4) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208. (5) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 348. (6) الثقات ج 1 ص 239 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453. (7) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 195 وفتح الباري ج 7 ص 298 و 299 (*)

[ 257 ]

بني أمية (1). وقد تقدم تسمية الاعرج بأنه كعب بن زيد من بني دينار بن النجار اما الرجل الاخر، فسموه بالمنذر بن محمد بن عقبة ابن الجلاح الخزرجي (2). وتقول رواية أخرى، قتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، احدهما عمرو بن امية فلم يرعهم إلا والطير تحوم، فحمل أحد الثلاثة يشتد، فلقي رجلا فقتله ذلك الرجل، ورجع صاحبه وقتلا رجلا من بني سليم في طريقهما، وقدما على النبي (صلى الله عليه وآله) (3). ملاحظة: جاء في البخاري: فانطلق حرم أخوام سليم وهو رجل اعرج ورجل من بني فلان وقال: كونا قريبا مني إلى أن قال: فقتلوا كلهم غير الاعرج (4) فالظاهر أن الواو في قوله (وهو) قدمت سهوا والصحيح (هو رجل) لان حراما قد قتل ايضا (5) ولان قوله قريبا إلخ... يدل على ان الذين كانوا مع حرام رجلين. ك: الذين رأوا الطير تحوم ! !


وصحيح البخاري ج 3 ص 19 وعمدة القاري ج 17 ص 172 ومجمع الزوائد ج 6 ص 126. (1) مجمع الزوائد ج 6 ص 126 ومسند أحمد ج 3 ص 210. (2) فتح الباري ج 7 ص 298 وراجع: عمدة القاري ج 17 ص 172. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 453، 454. (4) صحيح البخاري ج 3 ص 19 وعمدة القاري ج 17 ص 172. (5) راجع: فتح الباري ج 7 ص 298 وعمدة القاري ج 17 ص 171. (*)

[ 258 ]

ونجد بعض الروايات تصرح بأن رجلين كانا في سرح القوم، فرجعا، فرأيا الطير تحوم (1). ولكن رواية أخرى تقول: إن ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، فرجعوا فرأوا الطير تحوم (2). ورواية ثالثة تذكر: أن أمير السرية أرسل أربعة إلى بعض مياههم، فرجعوا فإذا هم بنسور تحوم (3). ل: من قتل العامريين ؟ وتقول الروايات المتقدمة: ان عمرو بن امية - وحده - قد قتل العامريين اللذين كانا معهما عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله). ولكننا نجد نصا آخر يقول: إن رجلين قد نجيا من بئر معونة فقتلا الرجلين، وأخذا ما معهما، فأتيا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبراه إلخ... (4). وفي نص ثالث: (فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا عمرو بن أمية الضمري فإنهم أسروه، حتى قدموا به مكة، فهو دفن خبيب بن عدي (5)) فكيف يكون قد قتل العامريين وهو عائد من بئر معونة. وفي رواية أخرى: إنهما كانا من بني سليم لكنهما اعتزيا إلى بني عامر لانهم كانوا أعز من بني سليم (6).


(1) قد تقدمت مصادر ذلك حين ذكر التناقض في من كان سرح القوم. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 454 (3) و (4) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208. (5) مجمع الزوائد ج 6 ص 127 عن الطبراني. (6) الكشاف ج 4 ص 350 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 عن الماوردي. (*)

[ 259 ]

م: مدة دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) على القبائل: قد تقدم أن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد دعا على رعل وذكوان، وعصية، شهرا في قنوته ثم تركه لما جاؤا مسلمين تائبين كما ذكره ابن القيم (1).


(1) راجع فيما تقدم: الثقات ج 1 ص 237 وصحيح مسلم ج 2 ص 136 و 137 وسنن الدارمي ج 1 ص 375 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194، 195 وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 51 وزاد المعاد ج 2 ص 110 وج 1 ص 71 و 73 وكنز العمال ج 8 ص 53 عن المتفق والمفترق وعبد الرزاق والاعتبار ص 85، 86، 87، 91، 93 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 308 و 320 و 322 و 323 وفي هامشه عن شرح معاني الاثار ج 1 ص 244 و 243 وراجع: مسند أبي عوانة ج 2 ص 306 و 307 و 311 و 312 والاكتفاء للكلاعي ج 2 ص 145 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 ومجمع الزوائد ج 2 ص 137 عن أبي يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 37 وصحيح البخاري ج 3 ص 19 و 20 وج 4 ص 74 وج 1 ص 117 و 148 وج 2 ص 117 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وفتح الباري ج 7 ص 301 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 والبداية والنهاية ج 4 ص 71 و 72 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 و 140 ومسند أحمد ج 1 ص 301 وج 3 ص 255 و 167 و 162 و 204 و 216 و 259 و 278 و 282 و 215 و 289 والمنتقي ج 1 ص 502 والمغني ج 1 ص 787 و 788 ومنحة المعبود ج 1 ص 101 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 394 وسنن أبي داود ج 1 ص 68 ونصب الراية ج 2 ص 127 والسنن الكبرى ج 2 ص 213 و 200 و 199 و 207 و 244 ونيل الاوطار ج 2 ص 395 و 396 عن الدارقطني، وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه، وعبد الرزاق، وأبي نعيم وجامع المسانيد ج 1 ص 346 وراجع ص 324 و 342 ومصابيح السنة ج 1 ص 446 و 447 وسنن النسائي ج 2 ص 200 و 203 و 204 وعمدة القاري ج 17 ص 169 وج 5 ص 73 وج 7 ص 17 و 19 و 22 و 23 والاعتصام بحبل الله المتين ج 2 ص 19 وبداية المجتهد ج 1 ص 134. (*)

[ 260 ]

وفي نص آخر: إنه دعا عليهم سبع عشرة ليلة (1). وفي ثالث: خمس عشرة ليلة أو يوما (2). وفي رابع: سبعين يوما (3). وفي خامس: أربعين يوما (4). ن: مصير ملاعب الاسنة: وحول مصير ملاعب الاسنة، فإن الروايات المتقدمة تذكر: أنه قد بقي حيا، وأنه حين بلغه قول النبي (صلى الله عليه وآله): هذا عمل أبي براء، شق عليه ذلك، ولكنه كما يقول الواقدي كان لا حركة له من الكبر (5). ولكنه نصا آخر يقول: إن أبا براء قد مات اسفا على ما صنع به ابن أخيه عامر بن الطفيل (6).


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 125. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 347، 350 والسنن الكبرى ج 2 ص 199. (3) تاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194، 195 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451. (4) راجع: أسد الغابة ج 3 ص 91 والاستيعاب هامش الاصابة ج 3 ص 8 والبدء والتاريخ ج 4 ص 212 وراجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 350 وجامع المسانيد ج 1 ص 199 وعمدة القاري ج 23 ص 18 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 ومسند أحمد ج 3 ص 210 وبداية المجتهد ج 1 ص 134 ولباب التأويل ج 1 ص 302. (5) مغازي الواقدي ج 1 ص 351 وراجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 547 وغيره ذلك. (6) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 452 وفتح الباري ج 7 ص 301 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 والسيرة الحلبي ج 3 ص 173 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (*)

[ 261 ]

ونص ثالث يقول: إن أبا براء اسلم عند ذلك، وقاتل حتى قتل (1). وفي وراية أخرى: إن أبا براء طلب من النبي إرسال رجال إليه لتعليم القرآن، فبعث إليه المنذر بن عمرو في أربعة عشر رجلا، فلما ساروا إليهم بلغهم موت أبي براء، فأرسل المنذر بن عمرو إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يستمده فأمده بأربعين رجلا أميرهم عمرو بن أمية، على أن يكون المنذر بن عمرو أميرهم حين يجتمعون فلما وصلوا إلى بئر معونة كتبوا إلى ربيعة بن أبي البراء: نحن في ذمتك وذمة أبيك فنقدم عليك أم لا قال: انتم في ذمتي فأقدموا إلخ... (2). وفي نص آخر دلالة على أن ملاعب الاسنة قد قتل نفسه بعد موت عامر بن الطفيل، لان قومه بعد موت عامر حين انصرافه من عند النبي (صلى الله عليه وآله) ارادوا النجعة دون مشورته لانهم يزعمون أنه قد حدث له عارض في عقله، بسبب إرساله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدعا لبيدا وقينتين، فشرب وغنتاه، فقال للبيد: ارأيت ان حدث بعمك حدث ما أنت قائل، فإن قومك يزعمون: أن عقلي قد ذهب والموت خير من عزوب العقل. فقال لبيد: قوما تجوبان مع الانواح * * في مأتم مهجر الرواح في السلب السود وفي الامساح * * وابنا ملاعب الرماح يا عامرا يا عامر الصباح * * وعامر الكتيبة الرداح حتى أتمها، وغيرها من المراثي، فلما أثقله الشرب اتكأ على سيفه حتى مات، وقال: لا خير في العيش، وقد عصتني عامر. وتزعم عامر:


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 452. (2) عمدة القاري ج 17 ص 174. (*)

[ 262 ]

أنه مات مسلما ولم يقتل نفسه (1). وقال الذهبي: الصحيح أنه لم يسلم (2). س: مصير عامر بن الطفيل: ونجد رواية تقول: إن ربيعة بن أبي براء، بعد موت أبيه طعن عامر بن الطفيل فقتله (3). وأخرى تقول: إن عامرا عاش بعد ذلك حتى ابتلي بغدة كغدة البعير، ومات كافرا، وهو منصرف من عند رسول الله (ص) (4). وقيل: انه قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو إبن بضع وثمانين سنة، ولم يسلم، وعاد من عنده، فخرج له خراج في أصل أذنه، أخذه منه مثل النار، فاشتد عليه، ومات منه (5). ع: مكان موت عامر: وتناقض آخر، وهو أن عامر بن الطفيل، هل مات على ظهر فرسه، بعد تركه بيت السلولية، كما جاء في الروايات المتقدمة ؟


(1) المحبر ص 472، 473. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 258. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 453 عن معالم التنزيل، وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 224 عن تفسير البغوي. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 453 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 والمحبر ص 472 والمغازي للواقدي ج 1 ص 351 ومجمع الزوائد للهيثمي ج 6 ص 125 و 126 عن الطبراني وفتح الباري ج 7 ص 301 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 208 و 194 و 195 والبداية والنهاية ج 4 ص 71 و 72 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 140 وصحيح البخاري ج 3 ص 19. (5) لباب التأويل للخازن ج 1 ص 302. (*)

[ 263 ]

أم أنه مات في بيت السلولية بالذات، كما رواه الطبراني (1) ؟ هذا كله. عدا عن الاختلاف في أنه مات قبل موت أبي براء، أو بعده. وحسبنا هذا الذي ذكرناه من التناقضات والاختلافات بين الروايات، ولو أردنا إستقصاء ذلك لاحتجنا إلى جهد أعظم، ووقت أطول، ولملانا العديد من الصفحات، والمهم هو الالماح والاشارة، ليتضح: أن ثمة تعمدا للكذب، والوضع، والتحريف. وأنه لا يمكن الركون إلى النصوص، ولا إعتماد بعض دون بعض، إلا بعد تزييف الزائف، وتحقيق ما هو حقيقة. والله هو الموفق، والمسدد.


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 126 عن الطبراني. (*)

[ 265 ]

الفصل الثاني: نقاط ضعف

[ 267 ]

بداية: وبعد ما تقدم، فإن لنا على كثير من الفقرات التي أوردتها روايات هذه السرية العديد من الملاحظات والايراداد التي تبقى لا جواب لها. الامر الذي يزيد في تشكيكنا وريبنا في كثير من الاحداث والتفاصيل التي تحدثت عنها. ونحن نجمل هنا ما نريد التنبيه إليه في ما يلي من مطالب، وفصول. مكحول.. وتاريخ غزوة بئر معونة: يقول مكحول: إن سرية بئر معونة قد كانت بعد غزوة الخندق (1). ونقول: 1 - إنهم يقولون: إن بئر معونة كان سببا لغزوة بني النضير بل لقد ادعي إتفاق عامة المؤرخين على ذلك (2) وهي كانت قبل الخندق فكيف تكون بئر معونة بعدها.


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 71 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 وعمدة القاري ج 7 ص 18. (2) نص على هذا الاتفاق في بهجة المحافل ج 1 ص 223. (*)

[ 268 ]

2 - قد تقدم: أن غزوة بني النضير كانت حسب روايات آخرين في السنة الثالثة، فلا بد أن تكون بئر معونة قبلها. أما غزوة الخندق، فهي في أربعة، وقال عدد من المؤرخين: إنها في السنة الخامسة. الرجيع.. وبئر معونة في وقت واحد: قد تقدم أنهم يقولون: إن سرية الرجيع، وسرية بئر معوقة قد كانتا في وقت واحد، وبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) خبرهما في آن (1). ونقول: روي عن أنس، قال: لما أصيب خبيب. بعث رسول الله السبعين إلى حي من بني سليم، فقتلوا جميعا (2) ومعنى ذلك هو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عرف بقتل خبيب قبل إرساله السبعين، فكيف بلغه خبرهما في آن واحد ؟ ! بئر معونة سبب لغزوة بني النضير: قد عرفنا: أن عامة المؤرخين يذكرون: أن النبي قد جاء إلى بني النضير، يستمدهم في دية العامريين، الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري


(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 349 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 والمواهب اللدنية ج 1 ص 104 وعمدة القاري ج 17 ص 174 و 175 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453 والسيرة الحلبية ج 3 ص 172 و 174 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 37. (2) راجع: كنز العمال ج 10 ص 371، 372 عن الطبراني، وأبي عوانة، وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 195، 196. (*)

[ 269 ]

حين رجوعه من بئر معونة. فظهر منهم الغدر به (صلى الله عليه وآله)، فكانت غزوة بني النضير بسبب ذلك. وتقدم أنهم يقولون: إن بئر معونة كانت في السنة الرابعة للهجرة. ونقول: إن ذلك موضع شك وريب، وذلك لما يلي: أولا: إنه وإن كان عدد من المؤرخين يذكرون: غزوة بني النضير - تبعا لابن إسحاق - في السنة الرابعة للهجرة، ولكننا نجد من الشواهد والدلائل، وأقوال المؤرخين الاخرين ما يرجح لدينا خلاف ذلك، وذلك إستنادا إلى ما يلي من نقاط: 1 - قد روى الزهري، عن عروة: أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر فتكون في السنة الثالثة من الهجرة وكذا روي عن الزهري، وعائشة (1). وهذا هو ما ذهب إليه النووي وغيره (2) وقواه السهيلي أيضا حيث قال معترضا على ابن هشام:


(1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 10 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 119 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 442 وذكر الرواية عن الزهري ص 443، وعن عائشة وعروة في 444 وفتح الباري ج 7 ص 253 عن عبد الرزاق، وزاد المعاد ج 2 ص 71 والجامع للقيرواني ص 279 وعمدة القاري ج 17 ص 126 وبهجة المحافل ج 1 ص 213 والبداية والنهاية ج 4 ص 74 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 145 كلاهما عن البخاري، وعن البيهقي، وعن تفسير ابن حبان. (2) بهجة المحافل ج 1 ص 223 و 213 وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 263 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 159 ونسبه في مرآة الجنان ج 1 ص 19 إلى بعضهم. (*)

[ 270 ]

(كان ينبغي أن يذكرها بعد بدر لما روى عقيل بن خالد، وغيره عن الزهري: قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة اشهر من بدر، قبل أحد (1). 2 - قال موسى بن عقبة، والذهبي، كان إجلاء بني النضير في المحرم سنة ثلاث (2). 3 - وعند الحاكم أن إجلاء بني النضير وإجلاء بني قينقاع كان في زمن واحد. قال العسقلاني. (ولم يوافق على ذلك، لان إجلاء بني النضير، كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق) (3). وثانيا: (وروي أيضا من طريق عكرمة: أن غزوتهم (أي بني النضير) كانت صبيحة قتل كعب بن الاشرف، كذا في الوفاء) (4). ويؤيد ذلك: أنهم يذكرون: أنه لما صار النبي (صلى الله عليه وآله) إليهم يستعينهم في دية العامريين، واطلع على محاولتهم الغدر به إنصرف راجعا عنهم، وأمر بقتل كعب بن الاشرف، وأصبح غاديا عليهم بالكتائب، وكانوا بقرية يقال لها زهرة، فوجدهم ينوحون على كعب، (هامش) * (1) الروض الانف ج 3 ص 250 وتاريخ الخميس ج 1 ص 460 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 255 والمواهب اللدنية ج 1 ص 104. (2) راجع: تاريخ الاسلام للذهبي ص 122 و 197 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 450 عن موسى بن عقبة. (3) فتح الباري ج 7 ص 256. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 461 عن معالم التنزيل، وفتح الباري ج 7 ص 256 عن عبد بن حميد في تفسيره. (*)

[ 271 ]

فقالوا: يا محمد، واعية إثر واعية ؟ ! ثم حشدوا للحرب إلخ.. (1). وقد ذكر البعض النص السابق من دون ذكر: أنه أمر بقتل كعب بن الاشرف بعد محاولتهم الغدر به حين إستعانته بهم في دية العامريين (2). ويؤيد ذلك الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمناسبة، ومن جملة أبياته: وأن تصرعوا تحت أسباخه * * كمصرع كعب أبي الاشرف إلى أن قال: فدس الرسول رسولا له * * بأبيض ذي هبة مرهف فباتت عيون له معولات * * متى ينع كعب لها تذرف وقلن لاحمد: ذرنا قليلا * * فانا من النوح لم نشتف فخلاهم ثم قال: اظعنوا * * دحورا على رغم الانف وأجلى النضير إلى غربة * * إلخ (3). فإن هذه الابيات ما هي إلا تقرير للقصة الانفة الذكر. ومعلوم: أن كعب بن الاشرف إنما قتل على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة، وهذا ينسجم مع القول بأن بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر.


(1) بهجة الحافل ج 1 ص 214 عن البخاري، وشرح بهجة المحافل ج 1 هامش ص 215 عن مسلم وأبي داود، عن ابن عمر وفي السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 9 والبداية والنهاية ج 4 ص 5 كلاهما عن البخاري والبيهقي، أن مقتل كعب بن الاشرف كان بعد قصة بني النضير. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 461. (3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 207 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 152 و 153 والبداية والنهاية ج 4 ص 79. (*)

[ 272 ]

وثالثا: قد ذكرت بعض النصوص: أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدر إلى اليهود، يهددونهم ويأمرونهم بقتال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما بلغ كتابهم النبي (ص) اجتمعت بنو النضير بالغدر، وأرسلوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله): أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك. ثم تذكر الرواية أنه (صلى الله عليه وآله) غدا عليهم بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء (1). قال العسقلاني: قلت: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق، من أن سبب غزوة بني النضير طلبه أن يعينوه في دية الرجلين. ولكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، والله أعلم) (2). ورابعا: أما بالنسبة لسبب غزوة بني النضير، ففيه أقوال عديدة، فقيل: 1 - إنه (صلى الله عليه وآله) قد ذهب إليهم ليسألهم كيف الدية عندهم، وذلك للعهد الذي كان بينهم وبين بني عامر. ولا ندري كيف يجهل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر أصحابه مقدار الدية عند اليهود، وهم قد عاشوا معهم هذه السنين الطويلة. ولا ندري أيضا لماذا لا يرسل إليهم بعض أصحابه ليسألوهم عن ذلك.


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 445، 446 وفتح الباري ج 7 ص 255 عن ابن مردويه، وعبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق. (2) فتح الباري ج 7 ص 255. (*)

[ 273 ]

ولا ندري كذلك، ما هو أثر العهد بينهم وبين بني عامر في مسألة الدية والسؤال عنها ؟ ولماذا يريد أن يعطي مقدار دية يهودية ؟ 2 - وقيل: ذهب إليهم ليستمدهم في دية العامريين، لانه (صلى الله عليه وآله) كان قد أخذ العهد عليهم أن يعاونوه في الديات. 3 - وقيل: ذهب لاخذ دية الرجلين منهم، لان بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر قوم الرجلين. ولا ندري لماذا يأخذ الدية من حلفاء المقتول، فهل جرت عادة العرب على ذلك ؟ أم ماذا ؟ 4 - وقيل: إنهم طلبوا إليه أن يخرج إليهم في ثلاثة، مقابل ثلاثة من أحبارهم للمناقشة في أمر الدين، وكانوا قد خبأوا الخناجر، فأرسلت إليه إمرأة منهم، فأعلمته بخيانتهم (1). وقد تقدم تقوية العسقلاني لهذا الاخير. وخامسا: إنه لاشك في أن غزوة بني النضير كانت قبل الخندق وقريظة بثمانية أشهر في أقل الاقوال، وقد تحدثنا في كتابنا حديث الافك حول تاريخ غزوة الخندق، وقوينا ان تكون في السنة الرابعة، وإن كان عدد من المؤرخين يقول، إنها كانت سنة خمس (2). استدلال لا يصح: قال العسقلاني: (حكى ابن التين عن الداودي: أنه رجح ما قال


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 263 و 264. (2) راجع: حديث الافك ص 96 - 106. (*)

[ 274 ]

ابن إسحاق من أن غزوة بني النضير كانت بعد بئر معونة، مستدلا بقوله تعالى: وانزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم. قال: وذلك في قصة الاحزاب. قلت: وهو إستدلال واه، فإن الاية نزلت في شأن بني قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الاحزاب، وأما بنو النضير، فلم يكن لهم في الاحزاب ذكر، بل كان من أعظم الاسباب في جمع الاحزاب ما وقع من جلائهم، فإنه كان من رؤوسهم حيي بن أخطب وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الاحزاب، كما سيأتي، حتى كان من هلاكهم ما كان، فكيف بصير السابق لاحقا ؟) (1) إنتهى. الانصار في بئر معونة: وتذكر روايات بئر معونة: أن الذين قتلوا في بئر معونة كانوا كلهم من الانصار وإستثنت بعض الروايات واحدا أو أكثر. وفي مسند أنس. (ذكر سبعين من الانصار، كانوا إذا جنهم الليل أووا إلى معلم بالمدينة، فيبيتون يدرسون القرآن، فإذا اصبحوا فمن كان عنده قوة أصاب من الحطب، واستعذب الماء، ومن كانت عنده سعة أصابوا الشاة، واصلحوها، فكانت تصبح معلقة بحجر رسول الله، فلما أصيب خبيب، بعثهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلخ..) (2). ونقول: إنه تواجهنا في هذا النص الاسئلة التالية:


(1) فتح الباري ج 7 ص 254 والمواهب اللدنية ج 1 ص 104. (2) راجع على سبيل المثال: كنز العمال ج 10 ص 371، 372 عن الطبراني، وأبي عوانة وراجع المصادر المذكورة عند تناقض الروايات، فإن هذا النص موجود في عدد منها. (*)

[ 275 ]

1 - لماذا اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصوص هذه الثلة ولم يخلطهم بغيرهم من سائر الانصار ؟ 2 - لماذا لم يدخل في هذا التجمع على كثرته، أحدا من المهاجرين الذين كانوا قد فقدوا أموالهم في مكة، فقدموا المدينة وهم لا يملكون شيئا، فتوزعهم الانصار في بيوتهم، فآووهم وأطعموهم، وقاموا بخدمتهم على أتم وجه. 3 - لماذا شكل هؤلاء هذا التجمع الخاص بهم، ولم يحاولوا زيادة عددهم على السبعين، ولا رضوا بإنقاضه عن ذلك ؟ ! 4 - تنص الرواية على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أرسلهم لما أصيب خبيب، لماذا تخصيص خبيب، دون سائر شهداء سرية الرجيع ؟ ! 5 - وهل هو قد أرسلهم إلى مكة للثأر من قاتلي خبيب ؟ ! 6 - وهل أرسلهم النبي (صلى الله عليه وآله) في مهمات من هذا القبيل قبل قتل خبيب ؟ ! 7 - أو ليس يقولون: إن خبر أصحاب الرجيع قد ورد عليه هو وخبر أصحاب بئر معونة في آن واحد ؟ ! 8 - إن معنى ذلك هو أن حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت شبيهة بسوق القصابين في تعليق اللحم فيها يوميا. مع أنهم يذكرون من معاناة رسول الله وأهل بيته في هذه الفترة، من حيث المعاش الشئ الكثير، وقصاع سعد بن عبادة وغيره، كان لها دور في التخفيف عنهم إلى حد كبير، ولم تذكر شياه هذا الفريق المنظم ! حرام بن ملحان شهيدا: وتذكر الروايات المتقدمة: أن حرام بن ملحان قد استشهد على يد

[ 276 ]

عامر بن الطفيل أو غيره، قبل إغارة عامر على سائر المسلمين في بئر معونة. بل إن بعض الروايات تنص على أنه بعد أن قتل أصحاب المنذر بن عمرو، طلب عمرو من الاعداء أن يمنحوه الفرصة ليصلي على حرام بن ملحان ففعلوا، فصلى عليه، ثم أخذ سيفا (ولا ندري لم تركوا له هذا السيف) واعنق نحوهم، فقاتلهم حتى قتل (1). ونقول: إن ثمة نصا آخر يقول: إن حراما قد ارتث يوم بئر معونة وظنوا أنه مات، فقال الضحاك بن سفيان الكلابي - وكان مسلما يكتم إسلامه - لامرأة من قومه: هل لك في رجل إن صح كان نعم الراعي، فضمته إليها، فعالجته، فسمعته يقول: أتت عامر ترجو الهوادة بيننا * * وهل عامر إلا عدو مداهن (2) إذا ما رجعنا ثم لم تك وقعة * * بأسيافنا في عامر، أو نطاعن فلا ترجونا أن يقاتل بعدنا * * عشائرنا والمقربات الصوافن فوثبوا عليه فقتلوه) (3). ولكن لنا ملاحظات على هذا النص أيضا، إذ لماذا لم يأخذه الضحاك إلى بيته هو ؟ وكيف لم ينكشف أمره في بيت تلك المرأة ؟ ! ومتى


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72 وراجع المغازي للواقدي ج 1 ص 348. (2) في الاصابة: أبا عامر نرجو... ومداجن. (3) راجع: الاصابة ج 1 ص 319 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 353 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 258، 259 مع بعض الاختلاف فيما بينها في كلمات الشعر المذكور. (*)

[ 277 ]

أتت عامر ترجو المودة بينها وبينهم ؟ ! إلا أن يكون ثمة تفاصيل لم تصل إلينا، تفيد أن بني عامر قد حاولوا إصلاح ما صدر منهم تجاه المسلمين، ولعل وفود عامر بن الطفيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كان لاجل ذلك. سعد ابن أبي وقاص في بئر معونة: وقد ذكرت بعض الروايات حضور سعد بن أبي وقاص في قضية بئر معونة، وأنه حين رجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، قال له: (ما بعثتك قط إلا رجعت إلي من بين أصحابك) (1). ونحن نسجل هنا النقاط التالية: ألف: لقد صرحت بعض الروايات، ولا سيما الواقدي في مغازيه بأنه لم يشترك في هذه السرية إلا أنصاري، واستثنى البعض بعض المهاجرين، وليس من بينهم سعد. وإذا كان قد حضرها حقا، فلعله التحق بهؤلاء الركب بعد مسيرهم، ثم تمكن من الهرب، حينما وقعت الواقعة. ب: إن كلمات الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) المتقدمة لسعد تدل على أنه كان ماهرا في الهرب، بارعا في التخلص من المازق، وأنه قد تخلص مرات عديدة أشار النبي (صلى الله عليه وآله) إليها في كلمته الانفة الذكر، والتي تشير إلى تعجب النبي (صلى الله عليه وآله) من هذا الامر.


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 352 وراجع ص 350. (*)

[ 278 ]

ج: إننا لا ندري شيئا من المرات الاخرى التي تخلص فيها سعد، ورجع سالما، الامر الذي يشير إلى خيانة تاريخية في هذا المجال. د: وإذا صح أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد لاحظ عودة سعد سالما إليه (صلى الله عليه وآله) من بين أصحابه فهل يمكن ان نفهم من كلمته (صلى الله عليه وآله) تلك: أنه (صلى الله عليه وآله) كان يرغب في التخلص من سعد، ولا يرغب في عودته إليه سالما في كل مرة ؟ ! لا ندري، ولعل الفطن الذكي يدري. ابن الصمة أحد الشهداء: قد تقدم قولهم: إن الحارث بن الصمة كان أحد الشهداء في بئر معونة (1). ونقول: كيف يصح ذلك وهم يقولون: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط أحدا من الانصار إلا ثلاثة لفقرهم وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة (2). وجعل رواية شهادته في بئر معونة دليلا على عدم صحة القسمة له (3) ليس بأولى من العكس، مع ملاحظة الضعف الشديد والتناقضات


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 248 وتاريخ الخميس ج 1 ص 452 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72 وراجع: لباب التأويل للخازن ج 1 ص 302. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 462 عن المدارك، وعن معالم التنزيل والسيرة الحلبي ج 3 ص 269 والروض الانف ج 3 ص 251 عن غير ابن إسحاق وبهجة المحافل ج 1 ص 216. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 269. (*)

[ 279 ]

الكثيرة، وكثرة النصوص التي لا تصح في حديث سرية بئر معونة، لا سيما وأن أمر القسمة ملفت للنظر من قبل كل أحد، ومثير لفضول الجميع. انس بن عباس السلمي في بئر معونة: وبعد فقد جاء في الابيات التي يرثى بها أنس بن عباس السلمي حراما: تركت ابن ورقاء الخزاعي ثاويا * * بمعترك تسفي عليه الاعاصر ذكرت ابا الريا لما رأيته * * وأيقنت اني عند ذلك ثائر (1) فهو يخبر عن أنه قد رأى جثة ابن ورقاء، فهل كان قد شارك هو الاخر في هذه السرية، وسلم من القتل فيم سلم ؟ ! أم أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد أرسله ليكشف له الخبر فرأى جثة ابن ورقاء ؟ ! أو أنه قد شارك في دفن الشهداء، فرأى جثة نافع ؟ ! كل ذلك محتمل ولابد من انتظار العثور على دلائل وشواهد أخرى. رفع عامر بن فهيرة الى السماء: لقد ذكرت طائفة من المصادر: أن عامر بن فهيرة قد رفع إلى السماء، حينما طعنه قاتله (2) وتضيف بعض المصادر: أنه لما طعن أخذ


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 197، 198. (2) راجع: أنساب الاشراف ج 1 ص 375 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453 والمحبر ص 183 و 184 و 118 وفتح الباري ج 7 ص 300 وراجع أيضا: المغازي للواقدي ج 1 ص 349 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 والاصابة ج 2 ص 256 والروض الانف ج 3 ص 239 والاكتفاء ج 2 ص 144 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 8 وجميع المصادر الاخرى الاتية في الهوامش التالية.. (*)

[ 280 ]

رمح قاتله، وصعد به (1)، وأن ملائكة الجنة دفنته وأنزل في عليين (2). إلى غير ذلك من نصوص (3) لا مجال لاستقصائها، ولا لتتبع خصوصياتها فلتراجع في مصادرها. ونحن نشك في صحة ذلك، وذلك استنادا إلى ما يلي: أولا: تقدم عن بعض المصادر: أنه لم يكن في السرية إلا أنصاري ولم يكن فيها مهاجري أصلا (4). واستثني البعض عمرو بن أمية الضمري (5) كما أن نافع بن بديل الخزاعي أيضا كان فيهم، بدليل رثاء أنس بن عباس السلمي، وعبد الله بن رواحة له رحمه الله تعالى (6).


(1) راجع أنساب الاشراف ج 1 ص 375 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453 والمحبر ص 183، 184، 118 وفتح الباري ج 7 ص 300. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 103 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 ومغازي الواقدي ج 1 ص 349 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453 وفتح الباري ج 7 ص 300 وأنساب الاشراف ج 1 ص 194 و 375 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 37 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 224، 225. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 352 و 348 وراجع ص 350 وراجع: تاريخ الامم والملوك دار المعارف ج 2 ص 550 وراجع أيضا: صحيح البخاري ج 3 ص 19 وفتح الباري ج 7 ص 296 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 36 و 37 والثقات ج 1 ص 238. (5) مجمع الزوائد ج 6 ص 125 عن الطبراني وراجع: عمدة القاري ج 17 ص 174 عن العسكري. (6) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 197، 198 وغيره من المصادر. (*)

[ 281 ]

ثانيا: تناقض النصوص في أمره، فبعضها، يذكر: إنه لم يوجد في القتلى، فلذلك قيل: إن الملائكة رفعته أو دفنته (1). وهو ظاهر في أن القول برفعه إلى السماء أو دفن الملائكة له تكهن منهم، وبعضها الاخر يذكر، انه كان موجودا بين القتلى، وان عامر بن الطفيل أشار إلى قتيل، وسأل عمرو بن أمية عنه فكان هو (2). وقد حاول البعض رفع التناقض بأن من المحتمل أن يكون قد رفع، ثم وضع، ثم فقد من بين القتلى (3). ونقول: إن صريح الروايات حسبما تقدم: أن فقده من بين القتلى مستند إلى رفعه حين قتله كما يدل عليه سؤال عامر بن الطفيل عمرو بن امية عمن يفقد، فأخبره، فقال عامر: إنه حين قتل رآه يرفع إلى السماء، فهو يذكر له سبب فقده من بين القتلى، كما هو ظاهر.


(1) الثقات ج 1 ص 238 وراجع: المحبر ص 183 و 118 وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 38 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وأنساب الاشراف ج 1 ص 194 وتاريخ الخميس ج 1 ص 453 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 والجامع للقيرواني ص 278 وعمدة القاري ج 17 ص 175 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 141 عن مغازي موسى بن عقبة، والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 والبداية والنهاية ج 4 ص 72 والاكتفاء ج 2 ص 144 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 225 و 224 والروض الانف ج 3 ص 239 ومجمع الزوائد ج 6 ص 127 عن الطبراني ورجاله رجال الصحيح وأسد الغابة ج 3 ص 91 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 8. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 20 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 140، و 141 والبداية والنهاية ج 4 ص 72 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 والسيرة الحلبية ج 3 ص 173 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 196 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وعمدة القاري ج 17 ص 175. (3) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259. (*)

[ 282 ]

هذا بالاضافة إلى النص القائل: إن فقدهم له قد نشأ عنه قولهم: إنه رفع إلى السماء. ثالثا: لقد روى ابن مندة بأسناده عن أيوب بن سنان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن عامر بن فهيرة، قال: تزود أبو بكر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جيش العسرة بنحي من سمن، وعكيكة من عسل، على ما كنا عليه من الجهد (1). ومعنى ذلك هو أن عامر بن فهيرة قد كان حيا إلى ما بعد ست سنين أو أكثر من غزوة بئر معونة، حيث كان تجهيز جيش العسرة الى تبوك. ولكن أبا نعيم قال: أظهر - يعني: ابن مندة - في روايته هذا الحديث غفلته وجهالته، فإن عامرا لم يختلف أحد من أهل النقل: أنه استشهد يوم بئر معونة، واجمعوا: أن جيش العسرة هو غزوة تبوك، وبينهما ست سنين، فمن استشهد ببئر معونة، كيف يشهد جيش العسرة. وصوابه: أنه تزود مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مخرجه إلى الهجرة، والحق مع ابي نعيم أخرجه الثلاثة) (2). ولكننا نقول: إن تأكيد البعض على أنه لم يشترك في السرية إلا أنصاري واستثنى البعض عمرو بن أمية، يدل على أن عامر بن فهيرة لم يكن في هذه السرية. وكذلك رواية ابن مندة المتقدمة تدل على ذلك. وأما ما ذكره أهل المغازي، فإن معظمهم تبع لابن إسحاق، وعيال


(1) أسد الغابة ج 3 ص 91 والاصابة ج 2 ص 256. (2) المصدران المتقدمان. (*)

[ 283 ]

عليه، وعلى الواقدي، وقد نص الواقدي على عدم حضور أي مهاجري في السرية، فالنصوص على استشهاده ببئر معونة تنتهي إلى أفراد معدودين، ولا يجدي إجماع من هذا القبيل وصرف حديث التزود إلى قضية الهجرة يحتاج إلى ما يثبته ويدل عليه. والخلاصة: أن ما ذكره ابن مندة يوجب الشك في ما روي من إستشهاده يوم بئر معونة، بالاضافة إلى دعوى أنه لم يكن مهاجري في السرية إلا الضمري، أو بدونه أيضا. ورابعا: إننا نجد: أن حسان بن ثابت، وأنس بن عباس السلمي، وعبد الله بن رواحة قد رثوا من شهداء بئر معونة كلا من: المنذر بن عمرو ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي (1). مع أنه لو كان عامر بن فهيرة قد رفع إلى السماء، وأن الملائكة دفنته وان جثته قد فقدت من بين القتلى، إلخ... لكان المناسب أن يذكر المسلمون في أشعارهم، وللزم أن يحتجوا على المشركين، وعلى كل أحد بهذه الكرامة الظاهرة في كل مناسبة وموقف. ولكان المناسب أن يترك شعراء كل أحد، ويخصصوا كل قصائدهم به وفيه، ولسارت بذلك الركبان. وخامسا: قال دحلان: (وفي هذا تعظيم لعامر بن فهيرة رضي الله عنه، وترهيب للكفار وتخويف، ومن ثم تكرر سؤال ابن الطفيل عن ذلك) (2).


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 195، 196 ومغازي الواقدي ج 1 ص 353 ومصادر أخرى فراجع الهوامش المتقدمة. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 259 وراجع: فتح الباري ج 7 ص 300 وعمدة القاري ج 17 ص 175. (*)

[ 284 ]

ونقول: إن هذا الحدث العظيم تقشعر له الابدان، وتخشع له النفوس وتعنو له الجباه بالخضوع والتسليم. ولكن العجيب هنا هو أننا لم نجد هذا الحدث قد أثر أثرا يذكر فلم يتراجع عامر بن الطفيل ولا أصحابه عن قتل من تبقى من أصحاب عامر بن فهيرة، ولا أظهر ندما على ما صدر منه، بل أصر على ما فعل. ولما قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) أعلن بالتهديد والوعيد له (صلى الله عليه وآله) بألف أشقر، وألف شقراء، حتى قتله الله في بيت سلولية حسبما ذكروه. وقد كنا نتوقع منه أن يعلن إسلامه فور مشاهدته هذه الكرامة الباهرة. ولا أقل من أن نجد من أصحابه من يعترض عليه، أو من يتردد في مواصلة الحرب مع البقية الباقية من أصحاب عامر بن فهيرة، أو من يعلن منهم بعد ذلك بإسلامه محتجا لعمله بما ظهر لعامر بن فهيرة ؟ ! وحينما ذهب عامر بن فهيرة بطائفة من الرمح الذي طعنه به قاتله، ما بالنا لا نرى قاتله يقع مغشبا عليه ؟ ! أو لماذا لا يفر على وجهه من ساحة المعركة ؟ ! أو لا يصاب بالذهول والوجوم مما شاهد ورأى ؟ ! بل على العكس نجد الكل يستمرون على شركهم، وعلى طغيانهم، ولا تظهر منهم أية بادرة خوف أو ندم أو تردد أمام هذا الامر الخطير، بل يواصلون هجومهم على من تبقى من المسلمين، حتى أبادوا خضراءهم واستأصلوا شأفتهم. بل ويقتلون حتى المنذر بن محمد الذي كان غائبا عن المعركة ورجع فرأى مقتل أصحابه (1)، ويقتلون الحارث بن الصمة ايضا بعد أن


(1) راجع: الثقات ج 1 ص 239 ومغازي والواقدي ج 1 ص 348 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72 إلى غير ذلك من مصادر تقدمت في الهوامش السابقة. (*)

[ 285 ]

عاد فرأى ما رأى (1) لو صح ذلك. وسادسا: لماذا اختص عامر بن فهيرة بالرفع إلى السماء ودفن الملائكة له في عليين دون سائر الشهداء الكبار، الذي اهتم النبي (صلى الله عليه وآله) - ولا بد أن يكون ذلك بأمر الله - بتعظيم شأنهم وإظهار أمرهم من أمثال سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب. الذي قال عنه: أما حمزة فلا بواكي له، وجعفر بن أبي طالب ذي الجناحين، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة. وغيرهم من الشهداء الذين اهتم (صلى الله عليه وآله) بإظهار فضلهم وعظيم منزلتهم، وبكى أو أمر بالبكاء عليهم. ولماذا لم نجد النبي (صلى الله عليه وآله) يمنح عامر بن فهيرة ولو وساما متواضعا في هذا المجال فيترحم عليه مثلا، ويذكر للمسلمين بعض مقاماته في الجنة. كما تحدث عن حمزة وجعفر وغيرهما. ولماذا لم يرفع عمار بن ياسر، ولا علي بن أبي طالب، ولا الحسين بن علي، ولا اخوه الحسن بن علي، ولا غيرهم من الشهداء حتى النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) ؟ إلى السماء ؟ سر تعظيم عامر بن فهيرة: ونحن وإن كنا نقدر بما لا مزيد جهاد عامر بن فهيرة. ونرى: أنه قد فاز فوزا عظيما، وأنه من الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون إن صح أنه قد استشهد. إلا إن ما يلفت نظرنا هو هذا الاصرار على إعطاء وسام له، لا تؤيده، بل وتنافيه سائر الشواهد والدلائل التاريخية. ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا بادرنا إلى القول: إنهم أرادوا: أن يمنحوه هذا الوسام، ليس حبا به، ولا تقديرا لجهاده هو، وإنما لاجل إعتقادهم: بأنه كان من موالي ابي بكر الخليفة بعد النبي الاعظم (صلى


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72. (*)

[ 286 ]

الله عليه وآله)، فهذا هو الذي جعلهم ينسجون له هذه الفضيلة، ويتفضلون عليه بهذا التعظيم، أي حبا منهم بسيده، وليس به هو. وحبك الشئ يعمي ويصم. ولو أنهم علموا: أن أبا بكر لم يكن هو الذي اعتقه، وإنما الذي اعتقه هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه - كما قاله الاسكافي - كما قدمنا (1) - لكان لهؤلاء، موقف آخر، ولكان ثقل عليهم تحمل عناء جعل هذه الفضيلة له أو تلك، ومنحه هذا الوسام أو ذاك. وقد يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد اشتراه من نفس أبي بكر، ثم اعتقه، وذلك بدليل: أنهم يقولون: إنه كان للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، واشترى أبو بكر عامر بن فهيرة من الطفيل كما يقولون (2). ولعل ما يؤيد ذلك: أنهم يقولون: إن عامر بن فهيرة كان من السابقين إلى الاسلام، أسلم وهو مملوك قبل دخول النبي (صلى الله عليه وآله) دار الارقم. ودخوله (صلى الله عليه وآله) إلى دار الارقم قد كان قبل ظهور الاسلام في مكة، وقبل الهجرة إلى الحبشة. وقد قدمنا: أن أبا بكر قد اسلم بعد أكثر من خمسين رجلا، أي في حوالي السنة الخامسة من البعثة فإن النتيجة تكون: أن عامر بن فهيرة قد اسلم قبل أبي بكر، وإذا كان مملوكا لربيبه، فلا نستبعد أن يكون أبو بكر نفسه هو الذي كان يقوم بتعذيبه، فيبدو، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اشتراه من أبي بكر الذي كان قد اشتراه من الطفيل. ولذا عدوه من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حسبما قدمناه.


(1) راجع: هذا الكتاب ج 2 ص 34 - 38. (2) راجع: فتح الباري ج 7 ص 299. (*)

[ 287 ]

تصحيح خطأ ألف: وحول رواية البخاري وغيره: أن عامر بن فهيرة كان غلاما لعبدالله بن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لامها. نقول: الصواب - كما قال الدمياطي -: (الطفيل عبد الله بن سخبرة، وهو أزدي من بني زهران، وكان أبوه زوج أم رومان والدة عائشة، فقدما في الجاهلية، فحالف أبا بكر، ومات وخلف الطفيل، فتزوج أبو بكر وإمرأته أم رومان، فولدت له عبد الرحمان، وعائشة، فالطفيل اخوهما من أمهما) (1). ب: قال أبو عمر: الطفيل بن عبد الله بن سخبرة القرشي. قال ابن أبي خيثمة: لا أدري من أي قريش هو ؟ ! والصحيح أنه أزدي، وليس بقرشي (2). ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا: وأما بالنسبة لنزول آية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا إلخ.. في شهداء بئر معونة (3).


(1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 19، 20 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 196 وفتح الباري ج 7 ص 299 وعمدة القاري ج 17 ص 173 وراجع: أسد الغابة ج 3 ص 53 وراجع ص 90 والاصابة ج 2 ص 224 وراجع ص 256 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 229 وج 3 ص 7. (2) راجع: أسد الغابة ج 3 ص 53 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 229 وعمدة القاري ج 17 ص 173. (3) الدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن جرير وابن المنذر وجامع البيان ج 4 ص 115 وراجع: فتح القدير ج 1 ص 399 و 401 وراجع: الجامع لاحكام القرآن ج 4 ص 268 و 269 ومجمع البيان ج 2 ص 535 و 536 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 426. (*)

[ 288 ]

فإننا نجد في مقابل ذلك: أولا: إن كثيرا من المصادر، والروايات عن ابن عباس وأبي الضحى، وقتادة، والضحاك، والربيع، وأنس، وسعيد بن جبير، تذكر: أنها نزلت في حمزة أو فيه وفي غيره من شهداء أحد (1). وقيل: غير ذلك (2). وثانيا: إن سياق الايات التي قبل هذه الاية والتي بعدها يؤيد أن


(1) الدر المنثور ج 2 ص 94، 95 عن: الحاكم، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأحمد، وهناد، وابي داوود وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل، وابن أبي شيبة، والطبراني وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 426 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 وتنزيه القرآن عن المطاعن ص 83 وتفسير المنار ج 4 ص 232 وأسباب النزول ص 73 و 74 وسنن سعيد بن منصور ج 2 ص 219 والتبيان ج 3 ص 47 والتفسير الكبير ج 9 ص 88 و 89 وتفسير الكشاف من ج 1 ص 440 وجامع البيان ج 4 ص 113 و 114 و 115 وتفسير غرائب القرآن للنيسابوري بهامشه ج 4 ص 137 وفتح القدير ج 1 ص 399 و 400 و 401 ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 301 والجامع لاحكام القرآن ج 4 ص 268 و 269. (2) الدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن جرير، عن الربيع في شهداء بدر وأحد معا وراجع: نفس الصفحة من الدر المنثور عن: الترمذي، وابن ماجة، وابن أبي عاصم في السنة، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن ابي حاتم وأحمد وهناد وأبي داود وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل، وابن جرير وابن المنذر وبهجة المحافل ج 1 ص 224 وتفسير المنار ج 4 ص 233 وأسباب النزول للواحدي ص 74 وسنن أبي داود ج 3 ص 15 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 936 والجامع الصحيح ج 5 ص 230 و 231 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 88 وتلخيصه للذهبي بهامشه والتبيان ج 3 ص 45 والتفسير الكبير ج 9 ص 90 وجامع البيان ج 4 ص 113 و 114 وغرائب القرآن بهامشه ج 4 ص 137 ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 301. (*)

[ 289 ]

تكون قد نزلت في واقعة أحد، ردا على المنافقين الذي خذلوا المسلمين، وقالوا لاخوانهم: لو أطاعونا ما قتلوا. (1) وكذلك الحال بالنسبة للايات اللاحقة، فإن للجميع سياقا واحدا، وهي تناسب بمجموعها واقعة أحد، وما جرى فيها من أحداث، كما أيدته الروايات المختلفة، والواردة في بيان شأن نزولها فراجع. التقدم بين يدي الله ورسوله: وذكر البعض نزول آية: التقدم بين يدي الله ورسوله، فيما فعله عمرو بن أمية الضمري لقتله العامريين المعاهدين (2). وهو أيضا محل ريب. فأولا: لقد روي في شأن نزولها: 1 - أنه كان أناس يتقدمون بين يدي شهر رمضان بصيام، يوما أو يومين، فأنزل الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (3). 2 - إن أناسا ذبحوا قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم النحر أو


(1) وقد أشار إلى ما ذكرناه أيضا تفسير المنار ج 4 ص 233 وراجع: فتح القدير ج 1 ص 298، 399. (2) البدء والتاريخ ج 4 ص 212 والكشاف ج 4 ص 350 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301. (3) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن ابن النجار في تاريخه، وابن مردويه، والطبراني في الاوسط والكشاف ج 4 ص 350 ولباب التأويل ج 4 ص 164 ومدارك التنزيل بهامشه وفتح القدير ج 5 ص 61 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 26 ص 72. (*)

[ 290 ]

ذبحوا قبل الصلاة فنزلت الاية (1). 3 - عن قتادة قال: ذكر لنا أن أناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لو صنع كذا وكذا، فكره الله ذلك، وقدم فيه (2). 4 - إنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه (ص) عن ابن عباس (3). 5 - وعن الحسن: لما استقر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة أتته الوفود من الافاق، فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدؤوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ (4). ولعل سبب ذلك: أن سبب ذلك: أن ركبا من بني تميم، قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد.


(1) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن ابن جرير، وابن المنذر، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الاضاحي وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 397 وأحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1712 والكشاف ح 4 ص 350 والتبيان ج 9 ص 338 ولباب التأويل ج 4 ص 164 ومدارك التنزيل بهامشه ج 4 ص 163 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 وغرائب القرآن بهامش تفسير الطبري ج 26 ص 72 وجامع البيان ج 26 ص 74. (2) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 397 وأحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 1712 وصحيح مسلم وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205 والكشاف ج 4 ص 351 ولباب التأويل ج 4 ص 164 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 وجامع البيان ج 26 ص 74. (3) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن ابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن جرير وأحكام القران لابن العربي ج 4 ص 1712 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205 والكشاف ج 4 ص 350 وفتح القدير ج 5 ص 61 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 301 ومجمع البيان ج 9 ص 130 وجامع البيان ج 26 ص 74. (4) الكشاف ج 4 ص 351 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 26 ص 73. (*)

[ 291 ]

وقال عمر: بل أمر الاقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا، حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله. * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) *. حتى انقضت الاية (1). ويؤيد ذلك ما رواه المفيد من: أنه قام رجل إلى إمير المؤمنين، فسأله عن هذه الاية، فيمن نزلت: فقال (عليه السلام): في رجلين من قريش (2). 6 - إنها نزلت في وفد بني تميم، كانوا إذا قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقفوا على باب حجرته، فنادوا: يا محمد، أخرج إلينا، وكانوا إذا خرج رسول الله، تقدموه في المشي، وكانوا إذا كلموه، رفعوا أصواتهم، ويقولون: يا محمد، يا محمد، ما تقول في كذا وكذا، كما يكلمون بعضهم بعضا، فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا، لا تقدموا إلخ (3).


(1) الدر المنثور ج 6 ص 83، 84 عن البخاري، وابن المنذر، وابن مردويه وأسباب النزول للواحدي ص 218 وصحيح البخاري ج 3 ص 122 والجامع الصحيح ج 5 ص 387 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205، 206 ولباب التأويل ج 4 ص 164 وفتح القدير ج 5 ص 61 والجامع لاحكام القرآن ج 16 ص 300، 301 وغرائب القرآن بهامش جامع البيان ج 26 ص 72. (2) تفسير البرهان ج 1 ص 203 عن الاختصاص. (3) تفسير القمي ج 2 ص 318 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 80 وتفسير البرهان ج 4 ص 203 وفيه: (عن القمي) ونزلت في بني عدي، وفي بني تميم، كانوا إذا قدموا إلخ... (*)

[ 292 ]

وثانيا: إنهم يقولون: إن سورة الحجرات قد نزلت بعد سورة الاحزاب، وبعد سورة الحج، والطلاق، وإذا جاء نصر الله والفتح، بل يظهر: أنه لم ينزل بعدها سوى سبع سور. فمعنى ذلك: أنها من أواخر ما نزل في المدينة، لا سيما وان الوفود على النبي (صلى الله عليه وآله) كانت في سنة تسع. وإذا كانت هذه الاية قد نزلت بمناسبة بئر معونة، فتكون من أوائل ما نزل بعد الهجرة، بل يكون تاريخ نزولها موافقا لتاريخ نزول سورة آل عمران، مع أن نزولها قد تأخر عنها بحوالي سبع عشرة سورة (1). وإحتمال أن تكون الاية المذكورة قد نزلت في بئر معونة، ثم بعد نزول سورة الحجرات في سنة تسع الحقت الاية بها. هذا الاحتمال لا يصح، فقد قدمنا اكثر من مرة: أن نزول القرآن كان تدريجيا، وأنه كان يعلم ابتداء السورة، وانتهاء غيرها، بنزول بسم الله الرحمن الرحيم، كما عن عثمان، وابن عباس، وسعيد بن جبير (2).


(1) راجع: الاتقان ج 1 ص 11. (2) راجع: الدر المنثور ج 1 ص 7 وج 3 ص 208 عن أبي داود، والبزار، والدارقطني في الافراد، والطبراني والحاكم، وصححه، والبيهقي في المعرفة، وفي شعب الايمان، وفي السنن الكبرى، وعن أبي عبيد والواحدي، وفتح الباري ج 9 ص 39 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 16 ونيل الاوطار ج 2 ص 228 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 231، 232 وصححه على شرط الشيخين، وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه، وأسباب النزول للواحدي ص 9 و 10 والسنن الكبرى ج 2 ص 42 و 43 ومحاضرات الادباء المجلد 2 ج 4 ص 433 والاتقان ج 1 ص 78 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 56 و 57 وراجع ص 55 عن بعض من تقدم، والجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 95، وعمدة القاري ج 5 ص 292 ونصب الراية ج 1 ص 327 والمستصفى ج 1 ص 103 وفواتح الرحموت بهامشه ج 2 ص 14 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34 والتفسير الكبير ج 1 ص 208 وغرائب القرآن بهامش الطبري ج 1 (*)

[ 293 ]

وروي عن أبي عبد الله أيضا (1) ونسب القرطبي إلى أصحابه: إنهم كانوا يعلمون الابتداء، والانتهاء بنزول البسملة (2). وبذلك يعلم عدم صحة الرواية القائلة: إنه (صلى الله عليه وآله) كان يكتب أولا: بإسمك اللهم - كأهل الجاهلية - فلما نزل: بسم الله الرحمان، كتب: بسم الله الرحمان، فلما نزل: أنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمان الرحيم، كتبها (3). أما أن تكون بعض الايات قد نزلت، فيتركها جانبا، ثم بعد سنوات كثيرة، ونزول العشرات من السور، يأتي بتلك الايات، ويجعلها في سورة نزلت حديثا وفلذلك ما لا نفهمه، ولا نتعقله. وإحتمال أن يكون قد حدث تشويش وتصرف في ترتيب الايات القرآنية، بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، لا يصح، ولا سيما بالنسبة للسور القصيرة كسورة الحجرات، ونحوها. وقد تحدثنا عن ذلك في


ص 77 والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 92 ومجمع الزوائد ج 6 ص 310 وج 2 ص 109 وكنز العمال ج 2 ص 368 وسنن أبي داود ج 1 ص 209 والتمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212 والمنتقى ج 1 ص 380 وتبيين الحقائق ج 1 ص 113 وكشف الاستار ج 3 ص 40، ومشكل الاثار ج 2 ص 153. (1) تفسير العياشي ج 1 ص 19 وعنه في التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 212، وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 56 ومصباح الفقيه (كتاب الصلاة) ص 276. (2) الجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 95. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 20 والوزراء والكتاب ص 14 والتنبيه والاشراف ص 225 وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 9 وبحوث في تاريخ القرآن الكريم وعلومه ص 53 وأكذوبة تحريف القرآن ص 35 عن مصادر أخرى. (*)

[ 294 ]

كتابنا: حقائق حول القرآن، فراجعه. وثالثا: مما يدل على نزول سورة الحجراة في سنة تسع أيضا: أن آية النبأ، الواردة في سورة الحجرات قد نزلت في السنة التاسعة، بمناسبة غزوة بني المصطلق، وإفتراء الوليد بن عقبة عليهم، حسبما يقولون. ومعنى ذلك: هو أن بدء نزول سورة الحجرات قد كان في ذلك الحين، ولا يمكن قبول أن يكون بعض منها قد نزل في السنة الرابعة، ثم نزل الباقي بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ، حيث تخللها نزول العديد من السور القرآنية وذلك لما تقدم. ايات منسوخة ؟ !: ثم إنهم يقولون: إن الله سبحانه قد أنزل في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنا. قال إنس: (قرأناه) ثم نسخ، أي نسخت تلاوته، وهو: بلغوا عنا قومنا: أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه، وفي رواية عنه: وأرضانا) (1).


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 453 وصحيح البخاري ج 3 ص 19 و 20 وج 2 ص 117 وصحيح مسلم ج 2 ص 136 وكنز العمال ج 1 ص 239 والثقات ج 1 ص 239 و 237 والمغازي للواقدي ج 1 ص 350 وحياة الصحابة ج 1 ص 545 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 311 و 312 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260 وطبقات ابن سعد ج 2 ص 53 و 54 ط صادر والاكتفاء ج 2 ص 145 والسنن الكبرى ج 2 ص 199 وبهجة المحافل ج 1 ص 224 والروض الانف ج 3 ص 239 ومجمع الزوائد ج 6 ص 130 والسيرة الحلبية ج 3 ص 172 والاتقان ج 2 ص 26 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139، و 140 والكامل في التاريخ ج 2 ص 172 ومشكل الاثار ج 2 ص 420 وأصول السرخسي ج 2 ص 79 (*)

[ 295 ]

ونقول: إننا نجزم بعدم صحة كون ذلك من القرآن، وذلك للامور التالية: 1 - إن نسخ التلاوة المدعى مرفوض جملة وتفصيلا، وقد تحدثنا عن ذلك بشئ من التفصيل في كتابنا: حقائق هامة حول القرآن الكريم. ومعنى نسخ التلاوة هو: أن يصبح الكلام، ليس له حكم القرآن، أي بحيث يتعبد بتلاوته، ويقرأ في الصلاة، ليس له حكم القرآن، إلا الطاهر (1) إلى غير ذلك من الاحكام، وإن كان بعضهم قد اختار بقاء بعض تلك الاحكام كعدم جواز مسه لغير الطاهر، حتى بعد نسخ تلاوته (2). 2 - لو كان ثمة آيات من هذا القبيل لاثبتها الرسول (صلى الله عليه وآله)، والصحابة في مصاحفهم، ولكان لابد من إرسال الرسل إلى جميع


وحلية الاولياء ج 1 ص 123 والمواهب اللدنية ج 1 ص 103 والبداية والنهاية ج 4 ص 71 و 72 وج 7 ص 349 وفتح الباري ج 7 ص 297 وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 550 وجامع البيان ج 1 ص 381 وراجع ج 4 ص 115 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 207 و 195 ومسند أحمد ج 3 ص 289 و 255 و 210 و 215 والدر المنثور ج 1 ص 105 وج 2 ص 95 عن بعض من الدلائل، ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 302 و 303 ومجمع البيان ج 2 ص 536 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 426. (1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 172 والاحكام للامدي ج 3 ص 130 والمستصفى للغزالي ج 1 ص 123 وفواتح الرحموت بهامش المستصفى ج 2 ص 74 وفتح الباري ج 7 ص 299 ومناهل العرفان ج 2 ص 112 وأصول السرخسي ج 2 ص 81 والبيان لاية الله الخوئي ص 224. (2) البيان في تفسير القرآن ص 224 و 225 وراجع: الاحكام للامدي ج 3 ص 201 و 203. (*)

[ 296 ]

العباد في مختلف البلاد، لابلاغهم بنسخ تلاوتها، وأمرهم بمحوها من مصاحفهم، وليس ثمة ما يشير إلى ذلك أو يدل على شئ منه، من قريب، ولا من بعيد. 3 - قال السهيلي: (ليس عليه رونق الاعجاز، فيقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، بل بنظم معجز، كنظم القرآن) (1). ولكننا لا نوافق السهيلي على قوله - محيلا على مجهول -: إنه قد نزل بنظم معجز آخر، كنظم القرآن، وذلك لانه ليس ثمة ما يؤيد، أو يدل على نزوله بنص آخر، بل ظاهر، إن لم يكن صريح النقل هو أن نفس ذلك المنقول كان قرآن، قد نسخت تلاوته. وإلا فلماذا لم ينقلوا لنا نفس النص المعجز، فهل هذا إلا محض تخرص ورجم بالغيب ؟ ! لا شاهد له، ولا دليل عليه. 4 - ولقد روي في الصحيحين، وغيرهما ما يدل على أن هذه العبارة ليست وحيا، وإنما هي من كلام النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، حكاه للناس نقلا عن المقتولين، أنهم قالوه، تقول الرواية: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نعاهم فقال: (إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عن إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا) (2). وفي رواية أخرى عن أنس: (بلغ الله نبيه (صلى الله عليه وآله)


(1) راجع: الروض الانف للسهيلي ج 3 ص 239 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 224 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 20 وصحيح مسلم ج 6 ص 45 وكنز العمال ج 10 ص 239 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 141 والبداية والنهاية ج 4 ص 72 والسيرة الحلبية ج 3 ص 172 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 194. (*)

[ 297 ]

على لسان جبرئيل (عليه السلام): أنهم لقوا ربهم، فرضي عنهم، وأرضاهم) (1). وعن ابن مسعود: قتلوا فقالوا: (اللهم بلغ نبينا (صلى الله عليه وآله) عنا: أن قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) (2). وعن الضحاك قال: (لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد، لقوا ربهم فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة، والرزق الطيب، قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم: أنا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا، فقال الله: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم، فأنزل الله: ولا تحسبن الذين قتلوا... إلى قوله، ولا هم يحزنون (3)). وبالمناسبة فقد كان هذا المورد هو السبب في كتابة كتابنا: حقائق هامة حول القرآن، وذلك من أجل الذب عن حريمه، والدفع عن ساحة قدسه، ورد كيد الخائنين إلى نحورهم لم ينالوا شيئا. بين العشرة.. والسبعين: بقي أن نشير إلى أن رواية العشرة تقول: إن عامر بن الطفيل حينما اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وآله) هدده بأن يملاها عليه خيلا ورجالا، ثم خرج فجمع من سليم ثلاثة أبطن: رعل، وذكوان، وعصية. فلما سمع النبي (صلى الله عليه وآله) بأن عامرا قد جمع له بعث عشرة من المسلمين، فيهم عمرو بن أمية الضمري، وسائرهم من


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260. (2) مسند أحمد ج 1 ص 416. (3) الدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن جرير وجامع البيان ج 4 ص 115. (*)

[ 298 ]

الانصار، فأقبلوا حتى نزلوا ببئر معونة، فهجم عليهم عامر، فقتلهم كلهم، ثم أقبل حتى نزل بفناء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما مات بالذبحة في بيت السلولية، وأصابت الصاعقة اربد بن قيس، فاحترق، رجع من كان معهم. ونقول: إن من غير المعقول: أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد أرسل هؤلاء، العشرة لاجل التعليم والدعوة، كما لا يعقل أن يكون قد أرسلهم للحرب، بعد تهديدات عامر تلك، وجمعه له القبائل. ولا يعقل أن يعتمد والحالة هذه على جوار أبي براء. وذلك يرجح أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد أرسل هؤلاء، العشرة ليكونوا عيونا له (صلى الله عليه وآله) على عدوه، كما صرحت به رواية الطبراني، التي وصفها الهيثمي بأنها رجالها رجال الصحيح وقد تقدمت. ولا نستبعد أن يكون قدوم عامر في جموعه حتى نزل بفناء النبي (صلى الله عليه وآله) قد كان بعد مدة طويلة من حادثة قتله للعشرة في بئر معونة، حيث حرض حسان ربيعة بن أبي براء في شعره حتى طعن عامر بن الطفيل، ثم بقي حتى شفي من طعنته فقدم بجموعه حتى نزل بفنائه. وبعد فقد صرحت الرواية بأن عامر بن الطفيل قد اتبعهم بمئة رام، ولو كان المسلمون سبعين رجلا لم يمكن لمئة رام أن يفنوا جمعهم بهذه السهولة، لا سيما في حرب مصيرية بالنسبة إليهم، يطلبون فيها الشهادة ويعتبرونها فوزا وإكراما من الله لهم، ودنيوية بالنسبة لاعدائهم الذين كانوا لا يريدون الموت، ويعتبرونه خسرانا وضياعا. الامر الذي يرجح إمكانية ان تكون النتائج معكوسة تماما، أي يكون الفناء للمئة، والبقاء لمعظم السبعين. والخلاصة: أن من غير المعقول أن يكون الموطنون أنفسهم على

[ 299 ]

الشهادة أكلة رأس لجماعة لا يزيدونهم عدة وعددا إلا يسيرا. وقد تعودنا: ان نرى من المسلمين أعلى درجات التضحية والفداء، وغاية النكاية في العدو. إلا أن يكون المسلمون قد أخذوا على حين غرة، بحيث لم يمكنهم أحد الاهبة للحرب والنزال، كما ربما تشير إليه الروايات التي تقول: إن المشركين أحاطوا بهم، وهم في رحالهم. ولكن ثمة نص آخر يقول: إن المشركين التقوا بالمسلمين، وهم في طريقهم، للتعرف على مصير صاحبهم الذي أرسلوه بالكتاب إلى بني عامر. نضيف إلى ما تقدم: أننا لا نجد مبررا لارساله (صلى الله عليه وآله) سبعين رجلا أو أربعين أو أقل، لاجل التعليم، وذلك لانه (صلى الله عليه وآله) قد أرسل ستة نفر أو عشرة فقط في سرية، حينما طلبت منه (صلى الله عليه وآله) عضل والقارة أن يرسل إليهم من يعلمهم، كما أنه قد أرسل مصعب بن عمير فقط - إلى المدينة - قبل الهجرة لغرض التعليم، وليلاحظ أيضا قلة من أرسلهم إلى اليمن، فما باله يرسل إلى بئر معونة سبعين رجلا. فإن كان ذلك لاجل مباشرة الحرب، فهذا العدد لا يكفي لمواجهة أهل نجد، وإن كان الهدف هو الدعوة وكانت زيادة العدد لاجل الاحتراز منهم - لو كانت نياتهم سيئة - فإن هذا العدد لا يكفي للاحتراز. وإن كان لاجل المراقبة، وليكونوا عيونا، فإن العشرة ما دون يكفون لذلك. ولعل مما يشير إلى: أنهم كانوا عيونا: خفاء أمرهم، وسرية عملهم، فإن عامر بن الطفيل وقومه ما كانوا يعلمون بوجودهم فقد قال عامر بن الطفيل بعد قتل حرام بن ملحان:

[ 300 ]

(لا أحبسه إلا أن له أصحابا، فاقتصوا أثره حتى أتوهم، فقتلوهم) (1). وعند الواقدي: أن ابن الطفيل قال: (ما أقبل هذا وحده، فاتبعوا أثره حتى وجدوا القوم إلخ..) (2). ومعنى ذلك هو أن عامرا لم يكن يعلم بإجارة أبي براء لهم، ولا كان امرهم معلنا، ومشهورا. وذلك يخالف الرواية القائلة: إن ملاعب الاسنة أخبر أهل نجد بإجازته لهم. وجه جمع غريب: قال العسقلاني: يمكن الجمع بين كونهم سبعين، وكونهم أربعين، بأن الاربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة كانوا أتباعا (3). ونقول: 1 - متى جرت العادة على هذا التفصيل في عدد المقاتلين. 2 - ما المراد بكونهم اتباعا، وكون أولئك قادة، هل المراد: أنهم سادة ومعهم عبيدهم ؟ ! أم المراد: أن أربعين كانوا سادة في قبائلهم والباقون كانوا من الناس العاديين ؟ أما الاول، فلا شاهد له. وأما الثاني، فإن سادة الاوس والخزرج، وغيرهم كانوا معروفين مشهورين، ومميزين


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 550 ط دار المعارف والدر المنثور ج 2 ص 95 عن ابن جرير وابن المنذر. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 348. (3) فتح الباري ج 7 ص 297 والسيرة الحلبية ج 3 ص 171 عن العسقلاني. (*)

[ 301 ]

عن غيرهم، ولم نجد في هؤلاء المقتولين ببئر معونة ما يشير إلى تلك الشهرة، ولا إلى ذلك التميز. 3 - إن الرواية الحاصرة بالعشرة، والعشرين، والثلاثين وغيرها تنافي هذا الاحتمال. 4 - إن الرواية المتقدمة في صدر البحث عن الطبري وغيره يتردد الراوي فيها وهو أنس بن مالك ويقول: لا أدري سبعين أو أربعين. ولا ينسجم ذلك مع وجه الجمع المذكور. وخلاصة الامر: إن هذا الموضوع مما لا يمكن الجزم بأي من أطرافه ولا تأكيد شئ من أوصافه، بسبب تناقض الروايات، وتعارض الشواهد، والدلائل. وإن كنا نستقرب الصورة التالية المستخلصة من جميع النصوص، وإن كانت تأخذ من كل نص بعضه، وتترك سائره لتتجه إلى نص آخر انسب، وإلى انسجام الحادثة اقرب. الصورة الاقرب إلى القبول: ولعل الصورة الاقرب إلى القبول هي: أن أبا براء قد أرسل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بهدية، واستشفاه من مرض كان قد ألم به، ثم قدم على النبي (صلى الله عليه وآله)، وأجار أصحابه، واستمده ليرسل دعاته إلى أرض نجد، ثم ذهب أبو براء إلى نجد، وأخبرهم بأنه أجار أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). ثم أتى عامر بن الطفيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وجرى له معه ما جرى، وهدده بأن يملاها عليه خيلا ورجالا. وقد يكون طلب ان يكون خليفة له من بعده أو يكون له أهل السهل، ولعامر أهل الوبر، أو الحرب على ألف أشقر، وألف شقراء من غطفان.

[ 302 ]

ثم ذهب فجمع الجموع. فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك، فأرسل إليه ولبني عامر رسالة تحذيرية، وأرسل جماعة أخرى مع الرسول ليكونوا عيونا: فقتل عامر بن الطفيل الرسول، ثم استجاش على من خلفهم، فأجابه مئة رجل رام. ففاجأهم، وهم في رحالهم، أو في الطريق، فقتلهم. ثم حرض حسان ربيعة بن أبي براء فطعن عامر بن الطفيل، فلما شفي جمع جموعه، وسار بهم حتى نزل بفناء النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم أصابته الغدة في بيت السلولية، فمات، ومات الاخر بالصاعقة، فرجع من كان معهم. ولكن مع ذلك لا مجال لتجاهل ما قدمنا وما سيأتي، فليلاحظ ذلك، والله هو الموفق والهادي. مقارنة لا يمكن تجاهلها. إن من يراجع نصوص سرية الرجيع، ثم نصوص سرية بئر معونة، ويقارن فيما بينها يجد أوجه شبه كثيرة فليلاحظ اشتراكهما في تقارب الاسباب التي دعت إلى إرسال هاتين السريتين. وفي إستصراخ بعضهم قبائل معينة، فيأتون إلى أفراد السرية حتى غشوهم في رحالهم فقتلوهم. وبعضهم يأبي قبول العهد، الذي يعطيه إياه المشركون في هذه السرية كما في تلك. وهنا رجل تحمي رأسه الدبر. وهناك شخص يرفع إلى السماء. ويقدم المشركون هنا بخبيب وصاحبه إلى مكة، ويقدم هناك المشركون بعمرو بن أمية إليها أيضا، حسب بعض النصوص. وهذيل تقتل هؤلاء، وأولئك على حد سواء.

[ 303 ]

وكانتا في وقت واحد، وبلغ خبرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وقت واحد أيضا. وحسب بعض النصوص نجد أن المهاجرين من المشركين، كانوا مئة رام في كليهما. ويحمل السيل جثة عاصم إلى الجنة، وتواري الملائكة عامر بن فهيرة في الجنة أيضا. وخبيب - وروي ذلك عن عاصم بن ثابت أيضا - (1) يبلغ الرسول ما جرى له. وكذلك فعل أصحاب بئر معونة. وكما يدعو النبي (صلى الله عليه وآله) على قتلة هؤلاء، كذلك فإنه يدعو على قتلة أولئك. ويلاحظ كذلك: أن عمرو بن أمية الضمري يقتل في طريق عودته إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بعض الاشخاص في كلا السريتين. كما أن طريقة قتله لهذا البعض في كلا الموردين واحدة. ولعل التدقيق في مختلف النصوص والواردة في الواقعتين يظهر موارد أخرى من التوافق فيما بينهما. وبعد ما تقدم فإن ذلك يلقي المزيد من ظلال الريب على كلا السريتين، ويزيد من درجة الابهام فيهما. وإن كان يمكن اعتبار بعض موارد التوافق من الامور التي لا يبعد وقوعها.


(1) بالنسبة إلى خبيب راجع مصادر الرواية التي ذكرناها مطولا حول قضية الرجيع، وأما بالنسبة لعاصم فراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 255

[ 304 ]

ولكن إذا أضيف إليه البعض الاخر، الذي يكون فيه ذلك أقل إحتمالا، وأبعد منالا، فإن النتيجة تكون هي تأكيد الريب، وزيادة درجة الشك. والله هو العالم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمال.

[ 306 ]

الفصل الثالث: القنوت والدعاء على القبائل

[ 307 ]

القنوت والدعاء على القبائل: ونجد في الروايات المتقدمة، وغيرها، أنه (صلى الله عليه وآله) قد دعا على القبائل: رعل، وذكوان، وعصية، وبني لحيان، وعضل، والقارة في قنوته بعد الركوع، مدة من الزمن. بل في بعض الروايات: أن ذلك كان بدء القنوت، وما كنا نقنت (1). وتنص الروايات أيضا، على أن دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) عليهم قد كان في صلاة الصبح (2).


(1) راجع الفقرة الاخيرة صحيح البخاري ج 3 ص 19 وتاريخ الخميس ج 1 ص 451 والبداية والنهاية ج 4 ص 72 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 139 ومسند أحمد ج 1 ص 302 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 226 وتلخيصه للذهبي بهامشه، ونيل الاوطار ج 2 ص 400، وزاد المعاد ج 1 ص 71 والسنن الكبرى ج 2 ص 207 والمنتقى لابن تيمية ج 2 ص 505، والاعتبار ص 85. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 19 و 74 ونصب الراية ج 2 ص 127 و 135 وزاد المعاد ج 1 ص 71 ومجمع الزوائد ج 2 ص 138 عن الطبراني في الكبير وفتح الباري ج 8 ص 170 و 171 وسنن الدرامي ج 1 ص 374 ومسند أبي عوانة ج 1 ص 312 و 311 وعمدة القاري ج 17 ص 172 وسنن البيهقي ج 2 ص 199 و 200 و 207 و 244 و 245 وكنز العمال ج 8 ص 53 عن عبد الرزاق، وعن المتفق والمفترق والمصنف للصنعاني ج 3 ص 109 والمحلى ج 4 ص 149 ومسند (*)

[ 308 ]

ونقول: إننا نشك في ذلك، وذلك للامور التالية: أولا: حول كون القنوت بعد الركوع، نقول: ألف: لقد روي عن عبد العزيز قال: سأل رجل أنسا عن القنوت: أبعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة ؟ قال: لا بل عند فراغ من القراءة (1). ودعوى: أن المراد هو القنوت لغير الحاجة، أما القنوت للحاجة، فإنما هو بعد الركوع (2). لا تصح، إذ قد روي بسند صحيح عن أنس: أنه (صلى الله عليه وآله) كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم، ومثل ذلك روي عن أبي هريرة أيضا عن علقمة والاسود (3).


أحمد ج 4 ص 57 ص 196 و 162 و 282 و 180 وراجع ص 232 وبداية المجتهد ج 1 ص 135 والاعتبار ص 86 و 96. (1) صحيح البخاري ج 3 ص 19 والصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص 288 عن الجمع بين الصحيحين حديث رقم 39 من المتفق عليه وفتح الباري ج 2 ص 408 وراجع: نيل الاوطار ج 2 ص 398 والمحلى ج 4 ص 140 والسنن الكبرى ج 2 ص 207. (2) فتح الباري ج 1 ص 408. (3) راجع: فتح الباري ج 2 ص 408 وج 8 ص 170 عن صحيح ابن خزيمة، ونيل الاوطار ج 2 ص 396 عن أنس وعن ابن حبان عن أبي هريرة وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 306 ونصب الراية ج 2 ص 130 والمغنى لابن قدامة ص 787 وفيه التصريح بأن ذلك كان في صلاة الفجر، وزاد المعاد ج 1 ص 69 وعن الحافظ في الدراية ص 117. (*)

[ 309 ]

إذن. فليس ثمة قنوت لغير الحاجة، وكل قنوت كان، فإنما هو قبل الركوع. وادعى البعض: أن أنسا إنما يتحدث عن أمراء عصره، لا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). ولكن لماذا لا يتحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويكون أنس بكلامه هذا مخالفا لهم رادا عليهم. ويوضح ذلك المطالب التالية: ب: ما رواه عاصم عن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قنت شهرا، وأنه قبل الركوع (2). ج: عن ابي هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا أراد أن يدعو لاحد أو على أحد قنت قبل الركوع وربما قال، إذا قال سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد، اللهم أنج.. إلى قوله كسني يوسف (3). د: عن هشام بن عروة: أن أباه كان لا يقنت في شئ من الصلاة، ولا في الوتر، إلا أنه كان يقنت في الفجر، قبل أن يركع الركعة الاخيرة، إذا قضى قراءته (4). ه‍: روى طارق، قال: صليت خلف عمر صلاة الصبح، فلما فرغ


(1) المحلى ج 4 ص 141. (2) عمدة القاري ج 7 ص 17. (3) مسند أبي عوانة ج 2 ص 306. (4) شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 51. (*)

[ 310 ]

من القراءة في الثانية كبر ثم قنت، ثم كبر فركع (1). و: عن ابن عمر: رأيت قيامكم عند فراغ القارئ هذا القنوت، والله إنه لبدعة، ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) غير شهر واحد ثم تركه (2). وثانيا: دعوى: أنه قنت يدعو عليهم في صلاة الصبح، يقابلها: أ - ما روي عن ابن عباس: أنه (صلى الله عليه وآله) قنت يدعو عليهم في الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والصبح (3). ب - عن ابن مسعود: انه (صلى الله عليه وآله) كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين (4). ج - في رواية أخرى: أنه دعا على رعل وذكوان إلخ.. في العشاء الاخرة، والصبح (5) وحسب تعبير ابن القيم: في الفجر والمغرب (6).


(1) المعتصر من المختصر من مشكل الاثار ج 1 ص 63. (2) الاعتبار ص 91. (3) السنن الكبرى ج 2 ص 200 و 212 والمنتقى ج 1 ص 505 وعمدة القاري ج 7 ص 19 ومسند أحمد ج 1 ص 301، 302 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 225، 226 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وسنن أبي داود ج 2 ص 68 ونيل الاوطار ج 2 ص 400 ومصابيح السنة ج 1 ص 446، 447 وزاد المعاد ج 1 ص 69 والاعتبار ص 85. (4) راجع: مجمع الزوائد ج 2 ص 136، 137 ونيل الاوطار ج 2 ص 394 عن الطبراني والبيهقي والحاكم في كتاب القنوات والمحلى ج 4 ص 145 وعمدة القاري ج 7 ص 23 والاعتبار ص 91. (5) مسند أحمد ج 2 ص 237. (6) زاد المعاد ج 1 ص 69. (*)

[ 311 ]

د - عن أبي هريرة حين أراد أن يقرب لهم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنه (صلى الله عليه وآله)، كان يقنت في صلاة الظهر والعشاء والصبح يدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين (1). وثالثا: دعوى: أنه قنت شهرا يدعو عليهم، قد تقدم، ما يخالفها، وذكرنا الاقوال المتناقضة في مدة دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم، فلا نعيد. ورابعا: عن ابن جريح، عن عطاء، قال: عمر أول من قنت في رمضان، في النصف الاخر من رمضان بين الركعة والسجدة (2). وخامسا: إننا إذا أردنا أن نجاري الاخرين في نظرياتهم، ونلزمهم بما يلزمون به أنفسهم، وإن كنا نرى بطلان رأيهم، فإننا نشير إلى: ألف: إن البعض ينكر القنوت في صلاة الصبح من الاساس، ويعتبره بدعة، وهو ما روي عن طاووس، والزهري (3) وابن عباس (4). وعن ابن نجيح، قال: سألت سالم بن عبد الله: هل كان عمر بن


(1) مسند أحمد ج 2 ص 255 و 407 و 337 وسنن الدارقطني ج 2 ص 38 وسنن أبي داود ج 2 ص 67 وصحيح البخاري ج 1 ص 95 وصحيح مسلم ج 2 ص 135 ونيل الاوطار ج 2 ص 399 ونصب الراية ج 3 ص 129 وسنن النسائي ج 2 ص 202 والاحسان ج 5 ص 319 والسنن الكبرى ج 2 ص 198 و 206 والمنتقى ج 1 ص 505 وزاد المعاد ج 1 ص 69 و 70 والمصنف للصنعاني ج 3 ص 115 والمحلى ج 4 ص 139 وراجع: بداية المجتهد ج 1 ص 135 والاعتبار ص 97. (2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 260 وراجع هامشه. (3) عمدة القاري ج 7 ص 23. (4) نيل الاوطار ج 2 ص 394 عن الدارقطني، والبيهقي وعمدة القاري ج 7 ص 23 ونصب الراية ج 2 ص 131 والسنن الكبرى ج 2 ص 214 وزاد المعاد ج 1 ص 69 وسنن الدارقطني ج 2 ص 41. (*)

[ 312 ]

الخطاب يقنت في الصبح ؟ ! قال: لا، إنما هو شئ أحدثه الناس بعد (1). وروى محمد بن الحسن في كتابه الاثار قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، قال: لم ير النبي (صلى الله عليه وآله) قانتا في الفجر حتى فارق الدنيا (2). وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن القنوت في الفجر. وروي نحوه عن صفية بنت أبي عبيد، عنه (صلى الله عليه وآله) (3). ب: إن هناك من ينكر أصل القنوت، ويعتبره بدعة، كأبن عمر (4). وسعيد بن جبير (5). وعن أبي مالك، قال: كان أبي قد صلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ابن ست عشرة سنة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان،


(1) المصنف للصنعاني ج 3 ص 108 والمحلى ج 4 ص 142 وراجع ص 143 (2) نصب الراية ج 2 ص 132، 133 وعمدة القاري ج 7 ص 21. (3) سنن ابن ماجة ج 1 ص 394 وسنن الدارقطني ج 2 ص 38 ونيل الاوطار ج 2 ص 394 والسنن الكبرى ج 2 ص 214 وعمدة القاري ج 2 ص 23 ونصب الراية ج 2 ص 129 و 130 و 134 والاعتبار للحارمي ص 91 و 95. (4) راجع المصادر التالية: شرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 50 والسنن الكبرى ج 2 ص 213 وعمدة القاري ج 7 ص 16 و 17 و 22 و 23 وفتح الباري ج 2 ص 408 وراجع: الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ج 1 ص 174 والجوهر النقي هامش السنن الكبرى ج 2 ص 201 ومجمع الزوائد ج 2 ص 137 عن الطبراني في الكبير وراجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 107 والمحلى ج 4 ص 142 وراجع ص 143 وراجع: نيل الاوطار ج 2 ص 394 ونصب الراية ج 2 ص 130 وراجع ص 131 و 133 وعن الاعتبار للخازمي ص 67. (5) الجوهر النقي المطبوع بهامش السنن الكبرى ج 2 ص 206. (*)

[ 313 ]

فقلت له: أكانوا يقنتون ؟ ! قال: لا، أي بني، محدث (1). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند اكثر اهل العلم (2). وعن ابن مسعود: ما قنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شئ من صلاته (3). وعن ابن مسعود أيضا، قال: صليت خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر، وعمر، فما رأيت أحدا منهما قانتا في صلاة إلا في الوتر، وروي قريب منه عن ابن عمر أيضا (4).


(1) راجع في ذلك ما يلي: مسند أحمد ج 6 ص 394 وج 3 ص 472 والجامع الصحيح ج 2 ص 252 ومنحة المعبود ج 1 ص 101 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 393 والمنتقى ج 1 ص 499 - 502 والسنن الكبرى ج 2 ص 213 وزاد المعاد ج 1 ص 69 عن أهل السنن وأحمد والجوهر النقي المطبوع بهامش السنن الكبرى ج 2 ص 206 و 202 و 203 و 213 ونيل الاوطار ج 2 ص 393 وسنن النسائي ج 2 ص 204 ومصابيح السنة ج 1 ص 447 ومسند الطيالسي ص 189 وعمدة القاري ج 7 ص 22 والمحلى ج 4 ص 142 وتهذيب الكمال ج 13 ص 334، 335 والمغني لابن قدامة ج 1 ص 787 والاصابة ج 2 ص 219 ونصب الراية ج 2 ص 130، 131 والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 328 وفي هامشه عن بعض من تقدم وعن المصادر التالي: شرح معاني الاثار ج 1 ص 249 والمصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 308 عن الطبراني في الكبير رقم 8179 و 8178 و 8177. (2) راجع الجامع الصحيح للترمذي ج 2 ص 253. (3) السنن الكبرى ج 2 ص 213. (4) نصب الراية ج 2 ص 130 عن الطبراني وراجع: مجمع الزوائد ج 2 ص 136 واستثني في عدد من المصادر حالة الحرب... وعن ابن عمر في: الاعتبار ص 93 و 94. (*)

[ 314 ]

وعن الزهري، قال: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبو بكر، وعمر، وهم لا يقنتون (1). وأخيرا، فقد قال الطحاوي: (لم يزل النبي (صلى الله عليه وآله) محاربا للمشركين إلى أن توفاه الله، ولم يقنت في الصلوات) (2). ملاحظة: وإنما قلنا: إن ما تقدم قد كان مجاراة منا للاخرين، لاننا نعتقد ببطلانه، إستنادا إلى الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في إثبات القنوت. كما أن ما ورد من طرق غيرهم في اثباته كثير جدا، لا مجال لاستقصائه في عجالة كهذه. ولا نقصد من ذلك خصوص ما ورد في القنوت في الوتر عندهم. ولا تلك الاحاديث التي تتحدث عن قنوته (ص) شهرا يدعو على القبائل ثم تركه، وقيد بعضها بكونه في صلاة الصبح، ولا تلك التي تشير إلى أنه قنت بعد الركوع يسيرا أو شهرا لم يقنت قبله ولا بعده. أو أربعين يوما. وبعضها يذكر: أنه (صلى الله عليه وآله) قنت في صلاة العتمة شهرا (3).


(1) المصنف للصنعاني ج 3 ص 105. (2) الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى ج 2 ص 197. (3) راجع الاحاديث المشار إليها على اختلاف نصوصها، وسياقاتها في المصادر التالية: نيل الاوطار ج 2 ص 395 و 397 و 399 عن الحاكم وصححه، والدارقطني، وأبي نعيم، وأحمد، وعبد الرزاق، ومسلم، وأبي داود وابن ماجة والنسائي، والبخاري في المغازي والسنن الكبرى ج 2 ص 201 و 206 و 213، وعمدة القاري ج 2 ص 17 و 23 وج 17 ص 169 وج 5 ص 73 و 74 والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 323 و 320، ومسند أحمد ج 3 ص 184 (*)

[ 315 ]

أو أنه قنت عشرين يوما فقط (1). ولكننا نشير إلى روايات أخرى وردت في كتب الحديث، ونذكر منها: ما روي عن أنس بن مالك، قال: ما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقنت في الفجر، حتى فارق الدنيا (2). بل لقد حكم الحسن وسعيد بن عبد العزيز بلزوم سجود السهو على


216 و 287 وسنن النسائي ج 2 ص 200 و 203 و 204 وصحيح مسلم ج 2 ص 137 و 136 والمنتقى ج 1 ص 502 ومنحة المعبود ج 1 ص 101 وفتح الباري ج 2 ص 236 والاعتصام بحبل الله المتين ج 2 ص 19 وراجع ايضا: سنن الدار قطني ج 2 ص 33 و 39 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 394 وزاد المعاد ج 1 ص 71 و 69 ومجمع الزوائد ج 2 ص 137 عن أبي يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير، والمغني لابن قدامة ج 1 ص 787 و 788 ومصابيح السنة ج 1 ص 447 والمصنف للصنعاني ج 3 ص 105 وسنن أبي داود ج 2 ص 68 وسنن الدارمي ج 1 ص 375 وصحيح البخاري ج 1 ص 117 وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 51 ونصب الراية ج 2 ص 133. 134 و 132 و 126 و 127 والمحلى ج 4 ص 140 و 142 مسند أبي عوانة ج 2 ص 307 و 311 و 312 وجامع المسانيد ج 1 ص 330 و 346 و 342 و 324 وكشف الاستار ج 1 ص 269 وبداية المجتهد ج 1 ص 135 والاعتبار ص 91 87 و 93 وعن شرح معاني الاثار ج 1 ص 245 و 244. (4) مسند أحمد ج 3 ص 207 وعمدة القاري ج 7 ص 17. (2) راجع سنن الدارقطني ج 2 ص 39 و 40 ونيل الاوطار ج 2 ص 395 و 397 عنه عن الحاكم وصححه، والبيهقي، وأبي نعيم، وعبد الرزاق، وأحمد والسنن الكبرى ج 2 ص 201 ومجمع الزوائد ج 2 ص 139 عن أحمد والبزار، وزاد المعاد ج 1 ص 70 عن الترمذي وأحمد وغيرهما، وعمدة القاري ج 5 ص 74 وارجع ج 7 ص 22 عن الخطيب وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 51 والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 110 ومسند أحمد ج 3 ص 162 والاعتصام بحبل الله المتين ج 2 ص 18 و 91 والاعتبار ص 86 و 95. (*)

[ 316 ]

من نسي القنوت في الفجر (1). وعن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها (2). وعن ابن عباس: ما زال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقنت حتى فارق الدنيا، وكذا روي ايضا عن أنس (3). وعدا عما تقدم من القنوت في الصلوات كلهن، فقد روي عن أنس: أن القنوت كان في الفجر والمغرب، ورواه البراء عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فراجع (4) وعن أبي هريرة: كان رسول الله (صلى الله عليه


(1) سنن الدارقطني ج 2 ص 41. (2) سنن الدارقطني ج 2 ص 37 ومجمع الزوائد ج 2 ص 138 عن الطبراني في الاوسط والسنن الكبرى ج 2 ص 198 والمحلى ج 4 ص 139 وليس فيه كلمة (مكتوبة) وكذا في عوالي اللالي ج 2 ص 42 وعنه في مستدرك الوسائل ج 4 ص 396 والاعتبار ص 85. (3) راجع: سنن الدارقطني ج 2 ص 41 وراجع أيضا: كشف الاستار ج 1 ص 269 وعمدة القاري ج 7 ص 21 ونصب الراية ج 2 ص 131 و 132 و 136 و 136 و 137 والمغني لابن قدامة ج 1 ص 787 ونقل أيضا عن الطحاوي ص 143 وغيره. (4) راجع في ذلك: منحة المعبود ج 1 ص 101 وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 52 وصحيح البخاري ج 1 ص 95 و 117 وزاد المعاد ج 1 ص 71 والسنن الكبرى ج 2 ص 198 و 199 ونيل الاوطار ج 2 ص 397 والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 113 والمحلى ج 4 ص 141 و 136 وسنن الدارقطني ج 2 ص 37 وراجع: سنن أبي داود ج 2 ص 68 وصحيح مسلم ج 2 ص 137 وسنن النسائي ج 2 ص 202 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 313 ومسند أحمد ج 4 ص 280 و 285 و 300 ومسند الطيالسي ص 100 وعن شرح معاني الاثار ج 1 ص 242 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 311 و 318. (*)

[ 317 ]

وآله) إذا قال: سمع الله لمن حمده من صلاة العشاء الاخرة قنت (1). حديث أبي هريرة في القنوت لا يصح: عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف: أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم يقول، وهو قائم: اللهم إنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف. اللهم العن لحيان، ورعلا، وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله. ثم بلغنا: أنه ترك ذلك لما أنزل: ليس لك من الامر شئ، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (2).


(1) مسند أبي عوانة ج 2 ص 310. (2) صحيح مسلم ج 2 ص 134، 135 وراجع: المصادر التالية: المحلى ج 4 ص 149 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 305 و 312 و 313 وراجع ص 306 و 308 و 309 والسنن الكبرى ج 2 ص 197 و 244 و 198 و 208 و 200 وفي هذه الصفحة أن ذلك كان في صلاة العتمة ومسند أحمد ج 2 ص 255 و 337 و 470 وسنن الدارمي ج 1 ص 374 ونيل الاوطار ج 2 ص 398، 399 ومصابيح السنة ج 1 ص 445، 446 وصحيح البخاري ج 3 ص 74 وراجع ج 4 ص 73 ويقال: إن الحديث موجود في أحد عشر موردا آخر في البخاري وبداية المجتهد ج 1 ص 135 وراجع زاد المعاد ج 1 ص 69 والمنتقى ج 1 ص 503، (*)

[ 318 ]

وفي نص آخر عن أبي هريرة، بعد ذكره دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) للمستضعفين، وعلى مضر، قال أبو هريرة: (ثم رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترك الدعاء بعد، فقلت: أرى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد ترك الدعاء لهم ! ! قال: فقيل: أوما تراهم قد قدموا ؟ !) (1). وفي نص آخر: قال أبو هريرة: (وأصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم، فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له: فقال (صلى الله عليه وآله): أما تراهم قد قدموا ؟ ! ! (2). وثمة روايات أخرى لابي هريرة حول القنوت والدعاء فيه للمؤمنين،


504 وفتح الباري ج 7 ص 282 وج 8 ص 170 و 171 ونصب الراية ج 2 ص 127 - 129 وص 135 وسنن النسائي ج 2 ص 201 ومجمع الزوائد ج 2 ص 137 و 138 وكنز العمال ج 8 ص 53 و 54 وراجع: الاعتبار ص 92 وراجع ص 88، والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 307 و 323 و 324 و 321 وفي هامشه عن معاني الاثار ج 1 ص 241 و 242 وعن سنن الدارقطني ج 2 ص 38 ومسند الحميدي (939) ومسند الشافعي ج 1 ص 86، 87 والمصنف لعبد الرزاق، فإن هذه المصادر كلها قد أشارت إلى حديث أبي هريرة، تاما أو ناقصا، وستأتي مصادر أخرى أيضا حين الحديث عن نزول الاية بهذه المناسبة. (2) صحيح مسلم ج 2 ص 135 وراجع: المحلى ج 4 ص 150 والسنن الكبرى ج 2 ص 200 ونيل الاوطار ج 2 ص 396 والحديث نفسه رواه أبو هريرة، ولكنه قد نسب الاعتراض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبب تركه الدعاء للنفر المؤمنين إلى عمر بن الخطاب، فأجابه بذلك الجواب، فراجع: السنن الكبرى ج 2 ص 200 والاعتبار ص 97. (2) الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 323، 324 والسنن الكبرى ج 2 ص 200 ومسند أبي عوانة جج 2 ص 309، 310. (*)

[ 319 ]

وعلى الكافرين (1) لا مجال لايرادها. ونقول: إن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، وذلك لعدة أمور ذكر البعض شطرا منها، فنحن نكتفي بما قال، ونصرف النظر عن سائر المؤاخذات الذي يمكن تسجيلها هنا. فنقول: قال في بغية الالمعي ما ملخصه: 1 - إن أبا هريرة أسلم بعد الهدنة، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليدعو على قوم صالحهم على أمر ما خانوا في شئ منه بعد. 2 - وفي الحديث: أنه (صلى الله عليه وآله) ترك القنوت لمجيئهم، وقد صالحهم على أنهم لا يأتيه منهم رجل - وان كان على دينه - إلا رده عليهم. وما كان ليدعوا بشئ لو استجيب له لسعى هو في خلافه. 3 - ودعا الوليد، وهشام، وترك أبا جندل، أبا بصير وكانا أحق به، وقد رأى من إبتلاء أبي جندل ما رأى. 4 - وروى عن ابن سعد في طبقاته ص 98 ج 4 عن الواقدي: أن وليد بن الوليد انفلت منهم، فأرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى مكة، ليأتي بسلمة وعياش، وهذا بعد بدر بثلاث سنين. 5 - ومن لفظ الدعاء: اجعل عليهم سنين كسني يوسف. وهذا لم يكن بعد الهدنة قط. 6 - وفي قنوته عند مسلم، والطحاوي: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله. وهذا الدعاء كان على قاتلي القراء ببئر معونة، في صفر، على رأس أربعة أشهر من أحد، قال ابن اسحاق. 7 - وأكثر من روى حديث القنوت: كابن عباس، وابن عمر، وابن


(1) ذكر إحداها مع مصادرها حين الرد على دعوى كون القنوت كان في خصوص صلاة الصبح، فراجع. (*)

[ 320 ]

مسعود، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأنس وأبي هريرة، قالوا: قنت بعد الركعة في صلاة شهرا، قال أنس: قنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رعل، وذكوان ثم تركه. إلى أن قال: ما قاله الحازمي في الاعتبار ص 96 والطحاوي ص 146: أن قوله: بلغنا إلخ.. من كلام الزهري. لا دليل عليه، والظاهر من رواية البخاري: أنه من كلام أبي هريرة. نعم في بعض روايات الحديث عن مسلم ج 2 ص 135 / 136، عن الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، من قوله: ثم رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترك الدعاء، الحديث. دلالة على حضور أبي هريرة تلك الصلاة. ولعل على هذا اعتمد من قال: بعد صلح الحديبية، وبعد فتح خيبر، لان أبا هريرة حضر تلك الصلاة، وقد أسلم بعدها. فلا بد إما القول بخطأ الرواية... إلى أن قال: أو القول بأن زيادة اللعن على لحيان ورعلا. الحديث بهذا اللفظ عند مسلم، وعنه التعبير بما جرى عند البخاري، اللهم العن فلانا وفلانا - لاحياء من العرب - كلاهما خطأ إلخ...) (1). وقد اعتذر البعض عن أبي هريرة لكونه بقي يقنت بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بجواز أن يكون لم يعلم بنزول الاية، لان قوله بلغنا هو من كلام الزهري (2). ونقول: إن أبا هريرة نفسه يصرح بسماعه نبأ قدوم القوم من النبي


(1) بغية الالمعي في تخريج الزيلعي بهامش نصب الراية ج 2 ص 128 وراجع: عمدة القاري ج 7 ص 22. (2) راجع: عمدة القاري ج 7 ص 22. (*)

[ 321 ]

(صلى الله عليه وآله) مباشرة كما هو صريح بعض نصوص روايته، فراجع المصادر المتقدمة. وأخيرا فإننا نلاحظ: أن نصا آخر ينقله لنا أبو عوانه عن أبي هريرة يصرح فيه بأن القنوت كان قبل الركوع، وليس فيه دلالة على سماع أبي هريرة ذلك منه (صلى الله عليه وآله) مباشرة (1). آية: ليس لك من الامر شئ: وقد أفادت رواية أبي هريرة السابقة: أن آية: ليس لك من الامر شئ، أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. قد نزلت في قضية بئر معونة، حيث ترك الدعاء عليهم حينما نزلت الاية المذكورة (2). ونحن نشك في ذلك بصورة كبيرة وذلك لما يلي: أولا: قولهم: إنها نزلت في ناس من المنافقين كان (صلى الله عليه وآله) يلعنهم، أو فيه (ص) نفسه، حيث كان في حرب أحد يلعن أبا سفيان، والحرث بن هشام، وصفوان بن أمية، وعمرو بن العاص، فنزلت الاية، فتيب عليهم كلهم.


(1) مسند أبي عوانة ج 2 ص 306. (3) قد قدمنا شطرا من المصادر لذلك فيما سبق حين ذكرنا رواية أبي هريرة ونضيف هنا: مغازي الواقدي ج 1 ص 350 والاستيعاب هامش الاصابة ج 3 ص 8 وأسد الغابة ج 3 ص 91 والاتقان ج 1 ص 65 والدر المنثور ج 2 ص 70 عن البخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، والبيهقي، ومجمع البيان ج 2 ص 501 والبحار ج 2 ص 21 عنه والاعتبار ص 93 و 92 وعن الترمذي في تفسير آل عمران. (*)

[ 322 ]

أو نزلت في حرب أحد، حيث دعا (صلى الله عليه وآله) على رجل من قريش، كشف عن أسته بحضرته (صلى الله عليه وآله). أو حينما كسرت رباعيته في حرب أحد، حيث قال (صلى الله عليه وآله): كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم إلخ... (1) وعليه، فإذا كانت الاية قد تعرضت لبئر معونة فكيف تكون قد نزلت في حرب أحد، وهل يعقل أن يتأخر السبب في النزول (2). وقد صحح العسقلاني نزولها بمناسبة أحد، قال: (ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الاية: * (ليقطع طرفا من الذين كفروا) * أي يقتلهم، أو يكبتهم، أي يخزيهم ثم قال: * (أو يتوب عليهم) * أي فيسلموا، أو يعذبهم، أي إن ماتوا كفارا) (3). ثانيا: إن سياق الايات ظاهر في أنها قد نزلت في غزوة بدر، والايات هي التالية: * (وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم، فينقلبوا خائبين. ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون) * (4). فإن الايات تتحدث عن الامداد بالملائكة في بدر، وأن سببه هو البشرى للمؤمنين ولكي تطمئن قلوبهم، مع العلم أن النصر هو من


(1) تقدمت بعض المصادر في غزوة أحد في الجزء الرابع، فصل: نصر وهزيمة. (2) راجع: فتح الباري ج 8 ص 171 وراجع ج 7 ص 282. (3) فتح الباري ج 7 ص 282. (4) آل عمران: 127 - 129. (*)

[ 323 ]

عند الله، وإنما نصرهم الله في بدر ليقطع طرفا من الذين كفروا ويقلل عدتهم وقوتهم بالقتل والاسر، أو يكبتهم أي يذلهم على حنق وغيظ، ثم جاءت جملة معترضة تفيد: أن هذا القطع والكبت لهم، ليس من صنع النبي (صلى الله عليه وآله)، ليكون هو الممدوح والملوم في صورة النصر، وعدمه وإنما هو قرار إلهي. ثم جاءت جملة أخرى معطوفة على (ليقطع) وهي قوله: أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، والضمير فيها يرجع إلى الذين كفروا في الاية السابقة، أي ليس لك يا محمد في أمر التوبة عليهم أو عذابهم، شئ، بل الامر لله، لانه هو المالك لكل شئ، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. ولو كان الكلام منفصلا عما قبله، لم يعرف مرجع الضمير في (عليهم ويعذبهم). ولو صح: أن أهل بئر معونة قد أتوه تائبين، فتاب الله عليهم، لم يكن معنى لقوله أو يعذبهم، إلا إذا كان قد ورد على سبيل الترديد في المطلق، أي على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية. وثالثا: قد تقدم: أنه قيل له (صلى الله عليه وآله): ادع على المشركين، فقال إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة (1). وقال لامرأة لعنت ناقتها، ولرجل لعن ناقته: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة. هذا كله عدا عما روي عنه (صلى الله عليه وآله) من أنه (صلى الله


(1) راجع الجزء الرابع من هذا الكتاب، غزوة أحد، فصل: نصر وهزيمة حين الحديث حول دعاء النبي (ص) على قومه. (*)

[ 324 ]

عليه وآله) لم يكن لعانا (1) وما روي عنه من أن المؤمن أو الصديق لا يكون لعانا ونحوه (2). رابعا: روى البخاري عن عائشة: إن يهودا أتوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنة الله، وغضب الله عليكم. قال: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش إلخ... (3). التصرف المشين: عن خالد بن أبي عمران، قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعو على مضر، إذ جاءه جبرائيل، فأوما إليه: أن اسكت، فسكت، فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا، ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابا، ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم، أو يعذبهم


(1) صحيح البخاري ج 4 ص 38 و 73 ودلائل الصدق ج 1 ص 417 وصحيح مسلم. (2) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 416 وصحيح مسلم ج 8 ص 23 والغدير ج 11 ص 90 عن مستدرك الحاكم ج 1 ص 12 و 47 والترغيب والترهيب ج 3 ص 469 و 470 عن عدد من المصادر ومسند أحمد ج 1 ص 405 و 416 وج 2 ص 337 و 366 وراجع ج 5 ص 70 وج 2 ص 337 و 366. (3) دلائل الصدق ج 1 ص 417 وراجع: صحيح البخاري ج 4 ص 36 و 58 و 73 و 126 وصحيح مسلم ج 7 ص 5 و 4 والجامع الصحيح ج 5 ص 60 ومسند أحمد ج 3 ص 241 وج 37 و 199. (*)

[ 325 ]

فإنهم ظالمون، ثم علمه هذا القنوت: اللهم (ثم ذكر ما يعرف بسورتي الخلع والحقد) فراجع (1). ونقول: 1 - لقد تحدثنا في كتابنا حقائق هامة حول القرآن عن عدم صحة هاتين السورتين المزعومتين، واحتملنا أن تكونا من إنشاءات الخليفة الثاني، وقد أحب بعض محبيه إثباتها في القرآن، فلم يوفقوا. 2 - إن هذه الرواية صريحة في أن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد وقع في مخالفة صريحة، وفعل خلاف ما تفرضه عليه مهمته، وما لا ينسجم مع موقعه وشخصيته. 3 - إن هذا القنوت الذي علمه إياه جبرئيل ليس فيه تلك البلاغة الظاهرة، ولا أي من المعاني الخفية أو المتميزة، هذا إلى جانب أنه لا ينسجم مع ضوابط اللغة، واستعمالاتها، فليراجع في مصادره. 4 - لماذا جاءه جبرئيل وهو يدعو على مضر فقط، ولم يأته، وهو يدعو على رعل وذكوان وعصية، حتى بقي شهرا أو أكثر يدعو عليهم، أو حين لعن أبا سفيان، والحرث بن هشام وغيرهما ؟ ! أو في غير ذلك من المناسبات. ثم ألم يلعن الحكم بن أبي العاص، وغيره بعد ذلك ؟ ! 5 - إن لعنه لمضر، الموجب لتدخل جبرئيل قد كان بعد نزول سورة النجم التي صرحت بأنه (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. 6 - وهل لعنه (صلى الله عليه وآله) للمشركين الذين يحاربون الله ورسوله، يجعله سبابا، ولعانا، ألم يعلنهم الله سبحانه، ولعن غيرهم في


(1) راجع: سنن البيهقي ج 2 ص 210 ونصب الراية ج 2 ص 136 عن أبي داود في المراسيل، والاعتبار ص 89. (*)

[ 326 ]

محكم كتابه ؟ ! ألم يذكر الله ما يدل على وجود لاعنين ممدوحين في لعنهم، حينما قرنهم مع نفسه حيث قال. * (أولئك يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون..) *. رواية إبن مسعود، وما فيها: وقد روي عن إبن مسعود أنه قال: ما قنت رسول الله في شئ من صلاته (زاد الطبراني: إلا في الوتر) وإنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن، يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر، ولا عمر حتى ماتوا، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام إلخ... (1). ونقول: يرد على هذه الرواية: 1 - قوله: ما قنت رسول الله في شئ من صلاته قد تقدم ما فيه، وأنه (صلى الله عليه وآله) قد قنت في جميع صلواته. بل كان يقنت في كل مكتوبة، واستمر على ذلك حتى فارق الدنيا. 2 - روايات قنوت عمر، قد رواها غير واحد من المحدثين، فراجع كتب الحديث والرواية، كالاعتبار للحازمي مثلا. 3 - إن إبن مسعود لم يدرك موت عثمان، ولا خلافه علي (عليه السلام)، ولا حربه (عليه السلام) لاهل الشام. لان إبن مسعود مات في خلافة عثمان، كما هو معروف. ولذا احتمل البعض: أن يكون الشطر الاخير من الرواية من كلام


(1) راجع: المحلى ج 4 ص 145 ومجمع الزوائد ج 2 ص 136 / 137 وعمدة القاري ج 7 ص 23 ونيل الاوطار ج 2 ص 394 عن الطبراني في الاوسط، والحاكم في كتاب القنوت والبيهقي. (*)

[ 327 ]

علقمة والاسود (1). ولكنه خلاف الظاهر، كما لا يخفى، حيث إن لها سياقا واحدا لم يتغير، وقد جاء عطف اللاحق على السابق بصورة طبيعية، ومنسجمة، كما هو الحال في كل كلام واحد. جريمة الاحداث في الدين، والسكوت عليها: ونجد في الروايات: أن أول من جعل القنوت قبل الركوع هو عثمان بن عفان، لكي يدرك الناس الركعة (2). ونقول: لعل المراد: أن عثمان قد جعل القنوت الثاني في صلاة الجمعة قبل الركوع. ثم جاءت الاهواء بعد ذلك لتلغي القنوت من جميع الصلوات، ما عدا الصبح عند البعض، أو ما عدا شهر رمضان عند آخرين، إلى غير ذلك من أقوال مذاهب، ومنشؤها إختلاف الروايات، ولسنا هنا بصدد تحقيق ذلك. 2 - قد قدمنا: ما يدل على أن القنوت كان قبل الركوع، ونزيد هنا ما رواه البخاري وغيره، من أن عاصما الاحول، سأل أنسا عن القنوت، أقبل الركوع، أو بعد الركوع ؟ ! فقال: قبل الركوع. قال: قلت فإنهم يزعمون: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قنت


(1) راجع: عمدة القاري ج 7 ص 23. (2) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 109 و 119 والسنن الكبرى ج 2 ص 209 وفتح الباري ج 2 ص 408 عن محمد بن نصر، وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 51. (*)

[ 328 ]

بعد الركوع. فقال: كذبوا، إنما قنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهرا، يدعو على ناس إلخ... (1). 3 - وبعد فإن ما يثير عجبنا وإستغرابنا، أننا نجد النص السابق يصرح بأن عثمان بن عفان يقدم على التغيير في أحكام الشرع والدين، بمرأى ومسمع من الصحابة وعلماء الامة، لمصلحة يزعم أنه أدركها، حتى كأنه أعرف بما يصلح الناس، وينفعهم، من ربهم وخالفهم سبحانه، ومن نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله). 4 - والاعجب من ذلك: أننا نجد هؤلاء الاتباع الاغبياء، يسكتون على ما ينقل لهم من جرأة عثمان هذه، ولا يدينونها، كسكوتهم بل وتبريرهم لكثير من نظائرها، مما صدر من سابقيه، ومنه على حد سواء. فإذا كان عثمان وسواه عندهم فوق الشبهات، فلا يمكن أن يكون فوق الاسلام وفوق الدين الذي به يصول ويطول، فليتحمسوا لدينهم وليتهموا الواضعين والكذابين بالافتراء على الخليفة الثالث، وعلى غيره ممن يودون ويحبون ! ! أو فليقدموا تفسيرا معقولا ومقبولا لاقدام الخليفة على ما أقدم عليه، وما رضوا بنسته إليه. وأما تقييد العسقلاني والزرقاني بكون المراد: أنه جعله قبل الركوع دائما (2) فلا يحل المشكلة، فإنه بالاضافة إلى كونه خلاف ظاهر النص


(1) الاعتبار ص 87 و 96 وصحيح البخاري ج 1 ص 117 وج 3 ص 20 وج 2 ص 131 وصحيح مسلم ج 2 ص 136 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 306 وسنن الدارمي ج 1 ص 374 / 375 والسنن الكبرى ج 2 ص 207. (2) فتح الباري ج 2 ص 408 وشرح الموطأ ج 2 ص 51. (*)

[ 329 ]

المنقول. لا يبر الاقدام على هذا التصرف، ولو بهذا المقدار، فإن حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك. 5 - وأخيرا.. فيجب أن لا ننسى أن هذه ليست هي المرة الاولى التي يقدم فيها الخليفة على مثل ذلك، فلقد أقدم هو واللذان سبقاه، وتبعهم من جاء بعدهم من الامويين وغيرهم على تغيير الكثير من أحكام الشرع، وحقائق الدين، أو تحريفها، وكان رأيهم كالشرع المتبع. وقد ذكرنا بعض ما يرتبط بهذا الموضوع الخطر والهام في كتابنا: الحياة السياسية للامام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول والخلفاء الثلاثة بعده، فليراجعه من أراد. اللعن رفض وإدانة: وسواء ثبت لدينا: أن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد لعن رعلا وذكوانا، وبني لحيان، ومضر إلخ. أم لا، فإن لعنه لبعض الناس، ثابت لا ريب فيه. وليس ذلك لاجل أن اللعن سلاح العاجز، الذي لا يجد حيلة للتعبير عن مشاعره الثائرة إلا ذلك، إذ أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن لينطلق في مواقفه كلها من حالة إنفعالية طاغية، ومن إندفاع عاطفي غير مسؤول، بهدف التنفيس عن حقد دفين، وإنسياقا مع إنفعالات طائشة. وإنما يريد (صلى الله عليه وآله) أن يلقن الناس جميعا عن طريق الشعور واللاشعور ويؤدبهم، ويعلمهم: أن الاعتداء على الابرياء، والغدر، والخيانة، ونقض المواثيق والذمم، وكذلك جميع أشكال الانحراف وأنحائه. إن كل ذلك مرفوض جملة وتفصيلا، ولا بد من تربية الوجدان على الاحساس بقبحه ورذالته ليصبح النفور منه، والابتعاد عنه بصورة عفوية حالة طبيعية، وواقعية ذات جذور ممتدة في أعماق الانسان، وفي صميم ذاته. (*)

[ 330 ]

ولا بد من الاعلان بإدانة الانحراف، إنطلاقا من المثل والقيم الالهية، بأسلوب اللعن، الذي هو طلب البعد عن ساحة القدسي الالهي. فاللعن إذن أسلوب تربوي بناء، وليس موقفا سلبيا عاجزا ولا مهينا. ولاجل ذلك نجد القرآن الكريم لا يزال يؤكد على لزوم التبري من اعداء الله، والتولي لاوليائه، ويعلن الله سبحانه بلعن فئات كثيرة، كالكاذبين والظالمين، والبراءة منهم. بل ويشير الى وجود لاعنين آخرين، حيث قال سبحانه وهو يتحدث عن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى: * (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * (1). وبعد ما تقدم، فلا يمكن لنا أن نصدق، أنه (صلى الله عليه وآله) قد لعن أحدا لا يستحق اللعن. وإلا، لكان (صلى الله عليه وآله) ليس فقط لا ينطلق في تعامله ومواقفه من موقع المسؤولية والانصاف. وإنما من موقع العاطفة والطيش والانفعال، وحاشاه. وذلك لو صح لوجدنا أنفسنا مضطرين لطرح التساؤلات الجدية حول عصمته (صلى الله عليه وآله). لا سيما إذا كان لعنا لاحد المؤمنين، فإن لعن المؤمن كقتله، أو لاعن المسلم كقاتله، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) نفسه (2). ومن هنا فلابد من رفض وعدم التصديق بالحديث الذي يقول: إن رجلين كلماه (صلى الله عليه وآله)، فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا سألته عائشة عن ذلك. فقال لها: أما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ ! قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي


(1) البقرة: 159. (2) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 38 وسنن الدارمي ج 2 ص 192 وصحيح مسلم ج 1 ص 73 والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 22 ومسند أحمد ج ص 33. (*)

[ 331 ]

المسلمين لعنته، أو سببته، فاجعله له زكاة وأجرا. زاد في لفظ آخر: أو جلدته. وفي لفظ ثالث: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر إلخ... وثمة نصوص أخرى، فلتراجع في مصادرها (1). نعم لا بد لنا من رفض أمثال هذه الاحاديث، المزعومة لانها تعني لنا: 1 - الطعن في عصمته (صلى الله عليه وآله). 2 - لقد كان على المسلمين والحالة هذه أن يتعرضوا له (صلى الله عليه وآله) ليلعنهم ويسبهم لتنزل عليهم الرحمات وتعمهم البركات، وكان يجب أن نراهم يتسابقون لذلك، ويحتالون له بلطائف الحيل، أم يعقل أن يكونوا قد زهدوا جميعا بالاجر والثواب ؟ ! 3 - لقد كان ينبغي أن يعتز الملعونون كأبي سفيان ومعاوية والحكم ومروان بهذه اللعنات، ويباهوا بها ويتفاخروا، ويعدوها من مآثرهم. ولكان من القبيح جدا أن يعيرهم بها المسلمون، ويتخذوها وسيلة للطعن عليهم، فلم يكن يصح من علي ولا من عائشة، ولا من أبي ذر، ولا من سائر صحابة أمير المؤمنين تسجيل هذا الطعن على خصومهم في مختلف الموارد والمناسبات.


(1) صحيح مسلم ج 8 ص 24 و 25 و 26 و 27 وسنن الدارمي ج 2 ص 315 ومسند أحمد ج 2 ص 317 و 390 و 449 و 488 و 493 و 496 وج 3 ص 33 و 391 و 400 وج 5 ص 437 و 439 وج 6 ص 45 والبداية والنهاية ج 8 ص 119 والغدير ج 8 ص 89 عنه و 252 عن صحيح مسلم وعن صحيح البخاري ج 4 ص 71 كتاب الدعوات. (*)

[ 332 ]

4 - تصويره عليه وعلى آله الصلاة والسلام أنه إنسان طائش، يثور لاسباب تافهة، فيعصف ويعربد ويتفوه بما لا يليق، ثم يتراجع، ويهدأ، ويحاول إزالة الاثار السيئة لتصرفاته الصبيانية، ويلتمس لها المبررات. 5 - ولا ندري أية قيمة تبقى للاحاديث التي تصر وتؤكد على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن لعانا، ولا سبابا (1). 6 - كما أنه لا يبقى معنى للحديث الذي يقول: إنه (صلى الله عليه وآله)، قال: (اللهم وما صليت من صلاة، فعلى من صليت، وما لعنت من لعنة، فعلى من لعنت) (2). 7 - وكيف نفسر أيضا قوله (صلى الله عليه وآله): (من لعن شيئا ليس له أهل رجعت اللعنة عليه) (3). السر الخفي: والذي نفهمه: هو أن ثمة يدا تحاول التلاعب، وتعمل على إغتيال الحقيقة وتشويهها، بهدف تمييع مواقفه، وإفراغها من زخمها، وإبطال آثارها. تلك المواقف، التي لعن فيها (صلى الله عليه وآله) بعض الشخصيات التي يهمهم أمرها، ويحترمونها، فعز عليهم ذلك، وآثروا أن يتلاعبوا بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل ورجحوا الطعن في توازنه (ص)، وحكمته، ويقينه، ومتانة شخصيته، وحتى في عصمته، في


(1) راجع: صحيح مسلم ج 8 ص 24 ودلائل الصدق ج 1 ص 416 عنه وراجع: الغدير ج 11 ص 91 وج 8 ص 252 وصحيح البخاري ج 4 ص 38 و 37. (2) مسند أحمد ج 5 ص 191. (3) المعجم الصغير ج 2 ص 70. (*)

[ 333 ]

سبيل حفظ أولئك الذين يحترمونهم ويقدسونهم من أن تمس شخصياتهم بأي سوء أو هوان. وليس قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن معاوية لا أشبع الله بطنه (1). ثم لعنه (صلى الله عليه وآله) للحكم بن أبي العاص، وما ولد (2). ولعنه الذين سبقوه إلى الماء في تبوك (3). والشجرة المعلونة في القرآن يعني بني أمية (4). وإخباره (صلى الله عليه وآله) أن الله سبحانه قد أمره بأن يلعن قريشا مرتين، فلعنهم (صلى الله عليه وآله) (5).


(1) صحيح مسلم ج 8 ص 27 والبداية والنهاية ج 8 ص 119 والغدير ج 11 ص 88 عنهما وعن أحمد والحاكم وغيرهم وليراجع كلام ابن كثير الذي ذكر أن معاوية قد انتفع بهذه الدعوة في دنياه واخراه ! !. (2) مسند أحمد ج 4 ص 5 وقد ذكر العلامة الاميني أحاديث لعن الرسول للحكم بن أبي العاص وما ولد في كتابه القيم الغدير ج 8 ص 243 - 250 عن عشرات المصادر المعتمدة لدي إخواننا أهل السنة، فنحن نحيل القارئ عليه، ونطلب منه الرجوع إليه. (3) صحيح مسلم ج 8 ص 123 ومسند أحمد ج 5 ص 454 و 391. (4) تفسير العياشي ج 3 ص 297 و 298 وتفسير القمي ج 2 ص 21 ومجمع البيان ج 6 ص 434 وتفسير البرهان ج 2 ص 424 عمن تقدم، عن الثعلبي، وفضيلة الحسين. وراجع: الدر المنثور ج 4 ص 191 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر والغدير ج 8 ص 248 - 250 عن عشرات المصادر فليراجع إليه من أراد. (5) مسند أحمد ج 4 ص 387 وزاد: وأمرني أن أصلي عليهم، فصليت عليهم مرتين.. (*)

[ 334 ]

إلى غير ذلك من موارد لهج فيها (صلى الله عليه وآله) بلعن أولئك لذين يعزون عليهم. نعم ليس كل ذلك إلا الجرح الذي لا يندمل، والمصيبة التي لا عزاء لها إلا يضرب وإهانة شخص الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) ولو عن طريق التزوير الرخيص. والكذب الصراح حتى على الله ورسوله، والعياذ بالله. ولا ندري بعد هذه الاكاذيب والاباطيل كيف يفسرون لعنه (صلى الله عليه وآله) لاولئك الذين تلبسوا ببعض العناوين الساقطة والمرفوضة إسلاميا كلعنه للمحتكر، وشارب الخمر، وساقيها وغيرهما، وآكل الربا، والذي يلبس لباس المرأة، والرجلة من النساء، ومن قطع السدر، والنائحة، والمستمعة، ومن هو مثل البهيمة، والواشمة، والمستوشمة، ومن جلس وسط الحلقة، ومن غير منار الارض. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. ويمكن مراجعة مادة (لعن) في المعجم المفهرس لالفاظ الحديث النبوي، وكتاب الترغيب والترهيب، وأي كتاب حديثي آخر. فإن الذي ذكرناه ما هو إلا غيض من فيض، وقطرة من بحر، وقد أتى العلامة الاميني رحمه الله تعالى، في كتابه القيم (الغدير) بشواهد كثيرة ومتنوعة لكثير مما يدخل في سياق ما ذكرناه، فليراجعه من أراد. ما أسلم أحد، ولا أفلت: لقد أشرنا فيما سبق إلى قول المقدسي: إن الذين دعا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أسلم أحد منهم، ولا أفلت (1)


(1) البدء والتاريخ ج 4 ص 212. (*)

[ 335 ]

ونقول: لا ندري الوجه فيما ذكره، فإنهم يقولون: إنهم جاؤوه تائبين، مسلمين بعد ذلك، فترك الدعاء عليهم (1). كما أنهم يقولون في ضد ذلك: أن سبع مئة رجل من بني سليم قد اشتركوا في حرب الخندق (2)، وسيأتي ذلك إن شاء الله. ومعنى ذلك هو أن إسلامهم قد تأخر مدة الشهر، التي يقال: أنها مدة دعائه (صلى الله عليه وآله) عليهم. أما في فتح مكة، فكانوا قد أسلموا، وكانوا منهم في جيش المسلمين تسع مئة أو ألف رجل (3). وبعد كل هذا كيف يصح قول المقدسي: ما أسلم أحد منهم، ولا أفلت ؟ !


(1) راجع: زاد المعاد ج 1 ص 69. (2) محمد في المدينة ص 145. (3) المصدر السابق. (*)

[ 337 ]

الفصل الرابع: دلالات وعبر

[ 339 ]

يكفينيك الله، وابنا قيلة: وقد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) يجيب على تهديدات عامر بن الطفيل بقوله: (يكفينيك الله، وابنا قيله). والمقصود ب‍ (ابني قيلة): الاوس، والخزرج. وهذه الكلمة تتضمن: 1 - إعزازا لجانب الاوس والخزرج. 2 - تحريضا لهما على إسداء النصر ضد العدو، الذي لا مبرر لعدوانه، إلا الحمية الظالمة الخرقاء، حمية الجاهلية، وإلا الانقياد للهوى، والاستجابة لنزع شيطان. 3 - إن اعتماده (صلى الله عليه وآله)، هو على الله أولا بالذات، ولكنه في نفس الوقت بعد العدة، ويعتمد الوسائل المادية في دفع الاخطار المحتملة، وهذا يدلل على واقعية الاسلام، وعلى أنه لا يتعامل مع الامور بصورة تجريدية وذهنية محضة، كما أنه لا يفرط في الاعتماد على القوة المادية، بل هو يعتمد عليها في صراط إعتماده على الله سبحانه فالله هو المصدر الاول للقوة. بل وحتى القوة المادية، إذا لم تنته إلى الله فإنها تتحول إلى ركام

[ 340 ]

وحطام، لا أثر له، إن لم نقل: إن له الكثير من الاثار السلبية، والهدامة في كثير من الاحيان. وهذا موضوع حساس وخطير، يحتاج إلى توفر أتم، ووقت أوفى. النبي (ص) يحمل أبا براء المسؤولية: وبعد فإننا نجد: أنه (صلى الله عليه وآله)، قد اعتبر أبا براء هو المسؤول عما حصل، حينما قال: (هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا). ونحن نشك في ذلك. فإن الروايات التي روت لنا ما حصل، لعلها متفقة على أن أبا براء، لم يكن له أية علاقة بما حدث، لا من قريب، ولا من بعيد. وقد صرحت بعضها بأنه كان مستاءا جدا مما حصل. بل إن بعضها يصرح بأنه قد مات أسفا على ما صنع به عامر ابن أخيه. وعليه فيرد هنا سؤال، وهو: هل إنه لم تبلغ النبي (صلى الله عليه وآله) الاخبار على حقيقتها ؟ وإذا كان ذلك، فما بال جبرائيل لا يوقفه على حقيقة ما جرى ؟ ! أم يعقل أن يكون ما وصل إلينا قد تعمد التعتيم على ما جرى، أو كان محرفا لسبب أو لاخر ؟ ! ولعل الاجابة الاقرب إلى الواقع هي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان على علم تام بما حصل. ولكنه أراد تحريض أبي براء ضد مرتكب الجريمة عامر بن الطفيل، بالطريقة المشروعة، والمقبولة لدى الناس، فلقد كان أبو براء قد قبل - مختارا ومتبرعا - بأن يكون مسؤولا عن حياة أولئك النفر، وهو الذي بادر إلى إظهار الرغبة بإرسالهم إلى تلك المنطقة، وحينما عبر النبي (صلى الله عليه وآله) عن مخاوفة من أهل نجد، نجد أبا براء قد قبل أن يجيرهم، ثم يذهب بنفسه، ويخبر أهل نجد

[ 341 ]

بأنه قد أجار أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله). ولعل من نتائج موقف النبي (صلى الله عليه وآله) هذا، ثم مبادرة حسان بن ثابت لتحريض ربيعة بن أبي براء على عامر، أن سأل ربيعة النبي (صلى الله عليه وآله) أو غيره: إن كانت ضربة أو طعنة لعامر تغسل عن أبيه هذه الغدرة، فقال (صلى الله عليه وآله): نعم. فطعنه ربيعة في حياة أبيه، فقتله، (كما في معالم التنزيل) أو فأشواه، كما في المصادر الاخرى. شرف التواضع.. وذل الغطرسة: وتحدثنا الروايات: أن عامر بن الطفيل لم يستطع أن يميز النبي (صلى الله عليه وآله) من بين أصحابه حيث كان جالسا بينهم كأحدهم حتى يسأل عنه هذا وذاك فيخبرونه. نعم وهذه هي أخلاق الاسلام وتعاليمه، وهذه هي تربيته للانسان، فهو يربي في الانسان إنسانيته أولا، ويفهمه أن الحكم ليس امتيازا وإنما هو مسؤولية وواجب في إطار قاعدة، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. فالاسلام يربي في الانسان روح الرفض والادانة. لكل الامتيازات الظالمة، التي يجعلها المتزعمون، وأصحاب الثروات والوجاهات لانفسهم، لا لشئ إلا لانهم أبنا فلان، أو لانهم يملكون القوة، أو المال، أو ما أشبه ذلك. من دون أن يقدموا لمجتمعهم أدنى ما توجبه عليهم القيم والمثل الانسانية، ولا حتى أن يعترفوا لغيرهم بأبسط الحقوق، حتى حق الحياة، فضلا عن حق الحرية، والعيش بكرامة. الرسل لا تقتل: ويلاحظ هنا: أن عامر بن الطفيل قد ارتكب عملا شنيعا، يرفضه

[ 342 ]

الخلق الانساني، ويأنف منه حتى أكثر الناس بعدا عن المعاني الانسانية والاخلاقية. ألا وهو قتل الرسول، (حامل كتاب النبي (صلى الله عليه وآله)) وقد جرت عادة العرب قديما (بأن الرسل لا تقتل) (1) كما أنه يخفر ذمة أبي براء، وما جرت عادة العرب بذلك أيضا. وهناك جريمة ثالثة، وهي أن قتله للرسول كان غدرا وغيلة وذلك أمر لا يستسيغه حر يحترم نفسه، ويطمح إلى ما كان يطمح إليه مثل عامر. مع أنه هو نفسه يرسل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يطلب منه دية الرجلين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري في طريقه رغم أن عمرا لم يكن يعلم بالعهد الذي أعطاهما إياه الرسول، ورغم أن ما فعله عامر، من شأنه أن ينسف كل العهود والمواثيق، ويعطي حق المعاملة بالمثل الذي تقره جميع الاعراف، ولا تمنع منه الشرائع. ولكن سماحة الاسلام. وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على أن يعامل الناس بأخلافه هو، لا على حسب أخلاقهم هم، هو الذي جعله لا يتخذ مواقفه من خلال الانفعالات والمشاعر، التي تنشأ عن إثارات يتعمدها الخصوم في كثير من الاحيان، فإن الانسان المسلم، لا تزله الرياح العواصف، ولا يفقد توازنه، ولا يتخلى عن مبادئه ولا يحيد عن هدفه ليصبح اسير مشاعره الثائرة، وإنفعالاته الطاغية ويلبي نداءاتها ويستجيب لاثاراتها. فنجد النبي (صلى الله عليه وآله) يرسل بدية الرجلين، ولا يذكر بشئ مما فعله قومهما، بل هو يظهر إستياءه من قتل عمرو بن أمية لهما، ويصرح بتصميمه على أن يديهما فور علمه بما جرى عليهما، وقبل أن يرسل إليه عامر بطلب ديتهما. وبذلك يتميز الانسان المؤمن عن غيره، يسير كل منهما في خطه


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 260. (*)

[ 343 ]

الذي ينبغي له، هذا دليله عقله وحكمته، ورائده رضى به، وسلامة دينه، والفوز بالاخرة، وذاك دليله هواه ورائده شهواته، وهدفه الدنيا، وزخرفها. وفي مقابل ذلك نجد عامر بن الطفيل ينقاد لهواه فيقتل الرسول، والرسل لا تقتل، ويخفر الذمة، ويستعمل طريقة الختر والغدر، وكل ذلك شنيع، وفظيع. وهو كذلك ينقاد لهواه لانه يرفض أن يكون موته بغدة كغدة البعير، ويأنف أن يكون ذلك في بيت سلولية. أما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو يسنجم مع أخلاقه، كما أنه ينطلق من مبادئه السامية في كل مواقفه ولا يخرجه أي شئ عن توازنه ومتانته، لا يزعزع ثباته، ولا تزله الرياح العواصف مهما كانت هوجاء، وعاتية (1). دية الرجلين، لماذا: ومن جهة ثانية نلاحظ: أن قبيلة عامر قد رفضت الاستجابة لطلب ابن الطفيل بقتل المسلمين، وذلك وفاء لذمة أبي براء وجواره. ولا بد أن يكون موقف النبي (صلى الله عليه وآله) هذا مؤثرا في إعطاء صورة حسنة للعامريين ويفترض البعض أيضا أن ذلك يزيد في حالة عدم الانسجام فيما بين هذه القبيلة وبين عامر ابن الطفيل، الذي ارتكب تلك الجريمة النكراء، فهو (صلى الله عليه وآله) يريد استمالة بني عامر إلى جانبه، ولهذا قرر التدخل في السياسة الداخلية للقبيلة. ولكننا نقول: إن بعض النصوص تؤكد أن موقف النبي هذا قد كان


(1) راجع كتاب: محمد في المدينة ص 49. (*)

[ 344 ]

منطلقا من قيمة أخلاقية، ورسالية، فرضها عليه واقع أن هذين الرجلين كانا من أهل ذمته (صلى الله عليه وآله)، ولم يقتلا من أجل ذنب أتياه، حسبما أشرنا إليه آنفا. ويضيف ذلك البعض: أنه كان معيبا في حق بني عامر، ترك الرجال يقتلون، وهم تحت حمايتهم، ولهذا كان الشاعر المسلم كعب بن مالك واضحا في هذا الصدد. إلى أن قال: ولم يكن محمد يستطيع التخلي عن بني عامر قبل التخلي عن كثير من الامال، ولكن هذا لم يمنعه من أن يصلي ويطلب من الله معاقبة عامر (1). ولكننا نقول: إنه (ص) قد دعا على رعل وذكوان وعصية، ولم أجد أنه دعا على بني عامر، بل ذكر الواقدي: أنه (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم اهد بني عامر، واطلب خفرتي من عامر بن الطفيل (2) ولعل عدم مشاركة بني عامر في الدفاع عمن أجارهم أبو براء، إنما هو من أجل أن لا تحدث انشقاقات خطيرة بينهم وبين غيرهم ممن استجاب لابن الطفيل. وأما القول بأن تخلي النبي عن بني عامر، معناه التخلي عن كثير من الامال. فإنه غير واضح، إذ ماذا يمثل بنو عامر، وما هو الدور الذي قاموا به، أو يمكنهم أن يقوموا في نصرته (صلى الله عليه وآله) ؟ ! الافق الضيق: وما أقل عقل عامر بن الطفيل، وما أحقر طموحاته وأحطها، وما أضيق الافق الذي يفكر فيه. حينما نجده يفعل الافاعيل إنطلاقا من حالة


(1) المصدر السابق. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 351. (*)

[ 345 ]

إنفعالية آثارها أمر تافه، وتافه جدا، جعله يرتكب أبشع جريمة، ويخالف كل الاعراف والتقاليد، فيغدر، ويخفر الذمم ويقتل الرسول، ويقتل الكثيرين غيره، ويبادر إلى الزحف نحو المدينة كل ذلك من أجل أي شئ يا ترى، وفي سبيل أية قضية ؟ ! إن ذلك كله. كما ورد في الروايات قد كان من أجل أن صبيا عطس، فشمته النبي (صلى الله عليه وآله) لانه حمد الله، ويعطس عامر فلا يحمد الله، فلا يشمته رسول الله (صلى الله عليه وآله). وما كان أحراه بان يستفيد من هذه القضية درسا حياتيا مفيدا، فيتوجه نحو الله سبحانه ويعتبر أن العز، والشرف، والسؤدد بالقرب منه تعالى، والعمل بما يرضاه، وأن كل شئ بدون الله فهو حائل زائل، وزخرف باطل، لا قيمة له، فيربي نفسه على ذكر الله، والتقرب إليه لينال كل ما يصبو إليه من عز وشرف وحياة وسعادة. ولكنه يتخلى عن ذلك كله، ليتبع خطوات الشيطان، ويشمخ بأنفه، وينظر في عطفه، ويصر مستكبرا صادا عن ذكر الله سبحانه، يتخيل أن بإمكانه أن يحصل على شئ بدون الله، وبدون اللجوء إليه سبحانه، فتكون النتيجة هي أنه يجلب لنفسه الوبال، والدمار، ويخسر الدنيا والاخرة وبئس للظالمين بدلا. خلافة النبوة: أما مطالب عامر بن الطفيل التي عرضها على النبي (صلى الله عليه وآله) فهي تنقسم إلى قسمين: أحدهما: يجسد طموحاته وأطماعه الدنيوية وحبة للتسلط، والاستئثار، فنجده يساوم النبي - كما فعله مسيلمة الكذاب فيما بعد (1) -


(1) حينما كتب النبي (صلى الله عليه وآله): أما بعد فإن الارض لي ولك نفصان. (*)

[ 346 ]

ليقاسمه السلطة على الناس، بزعمه، فيقترح عليه أن يكون للنبي (صلى الله عليه وآله) السهل، ويكون لعامر أهل الوبر، من دون أن يكون لديه أي مبرر لذلك، سوى الغطرسة والطغيان، والاعتزاز بألف أشقر وألف شقراء والاعتماد على قوة السيف، الذي يرى فيه المحلل لكل محرم، ويسمح له بارتكاب أي ماثم. ومن دون أن يعطي لاولئك الناس الذين يطمح للتسلط عليهم حق الاختيار، الذي يساوي حق الحياة. وكأن الناس سلع تشرى، وتباع وتوهب. هذا عدا عن أنه لا يملك هو نفسه أي امتياز يخوله الاستئثار بشئ من الامتيازات دون غيره. فهو لا يملك العلم النافع، ولا يرفع شعار الهداية لسبيل الله والحق، والخير، ولا غير ذلك من مقومات. الثاني: إنه يرشح نفسه لمنصب خطير وهام، ألا وهو خلافة النبوة، وقيادة الامة وهدايتها - هذا المنصب - الذي لم يكن يملك أي شئ من مقوماته: خلقيا، وإنسانيا، وسلوكيا، فضلا عن الامتياز العلمي، وسائر القدرات والمؤهلات الذاتية، التي لابد من توفرها في من يتصدى لمنصب كهذا. ولا أول على ذلك من أنه تثور ثائرته، لان الرسول (صلى الله عليه وآله) يشمت غلامه الذي حمدالله، ولم يشمته هو، حيث لم يحمد الله تعالى. وبعد هذا. فكأنه لم يسمع ما أجاب به النبي (صلى الله عليه واله) أحد بني عامر بن صعصعة، حينما عرض على النبي (صلى الله عليه وآله) في مكة نفس ما عرضه هو عليه، فأجابه (صلى الله عليه وآله) بقوله: (إن الامر لله، يضعه حيث يشاء). فلا مجال لرأي أحد في أمر الامامة بعده (صلى الله عليه وآله) ولا يثبت ذلك بالانتخاب، ولا بالشورى، ولا هو من صلاحيات النبي (صلى

[ 347 ]

الله عليه واله) نفسه، وإنما هو فقط من صلاحيات رب العزة، وخالق الكون دون سواه، فهو الذي يختار ومنه يصدر القرار، وقد قدمنا بعض ما يرتبط بهذه القضية في الجزء الثالث، من هذا الكتاب في فصل: حتى بيعة العقبة، فراجع. المشركون في مواجهة الوجدان: وبعد فقد ذكرت الروايات: أن أبا براء، ملاعب الاسنة، قد أرسل إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، يستشفيه من دبيلة كانت في بطنه، فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبوبة (وهي المدرة) من تراب، فأمرها على لسانه ثم دفها بماء، ثم سقاه إياها، فكأنما أنشط من عقال (1). وفي نص آخر: فتفل فيها وقال: دفها بماء، ثم أسقاه إياه ففعل، فبرئ، ويقال: إنه بعث إليه بمكة عسل، فلم يزل يلعقها حتى برئ (2). ويذكرنا هذا النص بما قدمناه عن مشركي مكة أيضا، الذين يعلم كل أحد ما لاقاه النبي (صلى الله عليه وآله) منهم، حتى اضطروه إلى الهجرة، فإنهم مع عدائهم له (صلى الله عليه وآله) يودعون أموالهم عنده (ص)، حتى ليضطر إلى إبقاء علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في مكة ثلاثة أيام - حين الهجرة - ليؤدي الودائع والامانات إلى أصحابها. ومعنى ذلك هو أنهم يرون في هذا النبي (صلى الله عليه وآله): أنه متصل بالغيب، حتى ليرسلون إليه يستشفونه من أمراضهم، كما ويرون فيه أنه في غاية الامانة والرعاية لحقوق الناس، وأموالهم. الامر الذي لا بد أن يكشف لهم عن ملكات وفضائل أخلاقية نادرة لديه (صلى الله عليه وآله)


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72. (2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 350 والاصابة جج 3 ص 124 والسيرة الحلبية ج 3 ص 171. (*)

[ 348 ]

وأنه لا مطمع له بمال، ولا بمتاع دنيا. وإذن فإنهم لا بد أن يتلمسوا التناقض الهائل الذي يجدون أنفسهم فيه، فهم يكرهونه، ويكذبونه، ويتهمونه، وهم كذلك يرون طهارته، وعفته وصدقه، وأمانته. حتى لقبوه بالصدق الامين. فيعيشون حالة الصراع الداخلي مع ذاتهم، ومع وجدانهم، وما أشده من صراع، وما أعظم البركات التي يحصلون عليها لو انتصر عقلهم ووجد انهم. وما أخطرها وأشدها دمارا، لو انتصرت المشاعر والاهواء، والمصالح الشخصية الرخيصة. وليراجع الجزء الثاني من هذا الكتاب في بحث: العوامل المساعدة على انتصار الاسلام وانتشاره ففيه مطالب أخرى ترتبط بهذا المقام. ولعل هذا الاحساس الوجداني الصريح، الذي أدركه أبو براء من خلال مصادقته له (صلى الله عليه وآله) - فإنه كان له صديقا - هو الذي جعل هذا الرجل يتحمس لان يرسل النبي (صلى الله عليه وآله) دعاته إلى نجد، ثم يتعهد بأن يكونوا في جواره، وتحت حمايته. رفضه (ص) هدية ملاعب الاسنة، منطلقاته، ودلالاته: وتواجهنا في الروايات المتقدمة قضية رفضه (صلى الله عليه وآله) هدية أبي براء، ملاعب الاسنة، على اعتبار أنه (صلى الله عليه واله)، لا يقبل هدية مشرك، حتى ولو كان صديقا له. وقد تقدم في فصل أبو طالب مؤمن قريش موارد أخرى في هذا المجال، وهي تدل على أن ذلك كان نهجا له (صلى الله عليه وآله) ويصر على الالتزام به، والتعامل على أساسه. ونحن في مجال فهم الهدى النبوي في هذا الاتجاه، نشير إلى ما يلي:

[ 349 ]

ألف: إن من الواضح، أن المشركين لا يقيسون الامور بمقاييس صحيحة، ولا يبنون علاقاتهم مع الاخرين على أساس المثل والقيم والمبادئ عموما. وإنما ينطلقون في تقييمهم للامور من نظرة ضيقة، ومصلحية، قائمة على أساس الاهواء، والطموحات غير المتزنة ولا المسؤولة. وعلى هذا فقلما تجدهم يبادرون إلى إتحاف بعضهم بالهدايا ونحوها من منطلق منطقي، أو من شعور إنسان نقي وبرئ، أو من مبادئ إنسانية، ومثل عليا. وإنما غالبا ما يكون ذلك تزلفا، وتصنعا، بهدف الحصول على ما هو أغلى، وما هو أهم، أو بهدف دفع غائلة من لا يجدون لدفع غائلته وسيلة، ولا عن التصنع والتزلف إليه مهربا، ومحيصا. ولاجل ذلك. فلو فرض أن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) قد قبل هديتهم. فعدا عن كون ذلك يدخل في نطاق الموادة لهم، وهو ما ينهى عنه القرآن الكريم صراحة، فإنه لو أراد بعد ذلك أن يتخذ من إنحرافاتهم وجرائمهم، موقفا رافضا ومسؤولا، فلسوف يعتبرون ذلك، ويعتبره كل من هو على شاكلتهم نكرانا للجميل، وكفرانا للنعمة، الامر الذي يجعل من هذا الامر مبررا لاية سلبية تظهر على مواقفهم منه فيما يأتي من الايام. كما أن رفض النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله) لهديتهم، لا يعتبر مقابلة للاكرام بضده. ولا بعد خلقا سيئا، أو تصرف نابيا. إذ أن النبي (صلى الله عليه وآله) يملك كل الحق في أن يفهمهم أن القضية، قضية مصيرية، لا يمكن الاغضاء عنها، ولا التساهل فيها، ولا تخضع للمساومة، ولا للمداهنة، ولا يمكن التنازل عن أي شئ فيها في مقابل المال والنوال. ولا سيما إذا كان إعطاء المال أو تقديم الهدية يوزن بميزان

[ 350 ]

جاهلي، مصلحي، حسبما ألمحنا إليه. ب: وبعد فإن إهداء أبي براء ملاعب الاسنة للنبي (صلى الله عليه وآله)، وقول حامل الهدية حينما رد النبي الهدية: (ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية أبي براء) (1) يدل على أن أبا براء كان رجلا ذا أهمية في مجتمعه الذي يعيش فيه، حتى إن مضري لا يجرؤ على رد هديته إحتراما وتقديرا له. فإهداؤه للنبي (صلى الله عليه وآله) يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد ذاع صيته، وظهرت هيبته في مختلف أرجاء المنطقة آنئذ، وبدأ يتزلف إليه المتزلفون، ويخطب وده الخاطبون. ج: كما أن الامر الذي يثير العجب حقا هو: أننا نجد أبا براء ذلك الرجل المعروف والمبجل في محيطه، والذي لا يرد هديته مضري ليس فقط يتلقى هذه الصدمة الكبيرة، وهي رد هديته من قبل صديقه بالاذعان والقبول. وإنما هو يطلب من النبي إرسال دعاته إلى بلاد نجد، ويقبل أن يتحمل مسؤولية حمايتهم، وكونهم في جواره. هذا كله. عدا عن طلبه الاستشفاء بالنبي (صلى الله عليه وآله) وعمله بما أرسل به إليه. مع أننا نجد ابن أخيه عامرا على العكس من ذلك تماما، حيث يثيره تشميت النبي لغلام حمد الله، وعدم تشميته له، وهو لم يحمد الله. ثم يتنامى به الامر، ويتعاظم حتى يرتكب تلك الجريمة النكراء، بأسلوب رخيص ولئيم، أقل ما يقال فيه: أنه مجلبة للعار الدائم، والذل المقيم.. والمخالف حتى لاعراف الجاهلية، فضلا عن مناقضته لكل القيم والمثل والمبادئ الانسانية. فإن كان ما فعله أبو براء عن سياسة ودهاء فنعم السياسة تلك، وحبذا هذا الدهاء، وإن كان عن عقل وحكمة فالمجد والخلود لهذا


(1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 72. (*)

[ 351 ]

العقل، وتلكم الحكمة، وإن كان عن قناعة وجدانية ونفحة إيمانية كانت قد بدأت تذكو في نفسه، فما علينا إلا أن نقبل بالرواية القائلة: إنه قد أسلم قبل أن يموت. ونحن نود أن تكون هذه هي عاقبته، وإن كنا لا نملك الدليل القاطع على ذلك. المنطق القبلي مرفوض في الاسلام: وبعد. فقد رأينا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، ليس فقط لا يؤيد ما فعله عمرو بن أمية الضمري، من قتل الرجلين، وإنما يعبر عن إدانته واستيائه من هذا الامر. ثم هو يتعهد بأن يدي الرجلين، ويفعل ذلك. وإذا أردنا أن لا نقبل بكون الرجلين كانا قد أسلما حقيقة بقرينة: أنهم يقولون: إنه (صلى الله عليه وآله) أعطي دية حرين مسلمين. فإننا لابد أن نستفيد من موقف النبي (صلى الله عليه وآله) هذا حتى ولو كانا كافرين إدانة صريحة للمنطق الجاهلي القبلي الذي يبيح للانسان أن يقتل أيا من أفراد القبيلة الاخرى، لو ارتكب واحد منها جريمة تجاه قريب له فرضا. فهو (صلى الله عليه وآله) يلوم عمرو بن أمية ويدين عمله، ويقول له: بئس ما صنعت. رغم أنه لم يكن يعلم بالعهد، ورغم أن اللذين قتلهما كانا بزعمه مشركين. ويوضح أنه (صلى الله عليه وآله) إنما يدين المنطق القبلي الجاهلي قوله (صلى الله عليه وآله): رجلين من أهل ذمتي قتلتهما لا لاجل دينهما، حسبما روي.

[ 352 ]

مصير زيد بن قيس، وابن الطفيل: وتذكر الروايات المتقدمة: أنه بعد أن أراد زيد بن قيس قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحبس الله يده، حتى لم يتمكن من سل سيفه. كانت النتيجة: أن الله سبحانه وتعالى يرسل على زيد بن قيس صاعقة، فتحرقه، ثم يموت عامر بن الطفيل من غدة كغدة البعير في بيت سلولية. وما ذلك إلا لان هذين الرجلين قد رأيا بأم أعينهما الظاهرة، والمعجزة القاهرة له (صلى الله عليه وآله)، ولكنهما يصران على الضلال، والكفر، ولا يعتبران بما رأياه من كرامة إلهية له (صلى الله عليه وآله)، فكانت النتيجة: أن أصبحا عبرة لمن اعتبر، وخسرا الدنيا والاخرة، وبئس للظالمين بدلا. فزت والله: ونجد في الروايات المتقدمة، أن جبار بن سلمى، المشرك، حينما طعن مسلما، فسمعه يقول: فزت والله، تحير في فهم مغزى كلامه، وقال في نفسه: ما فاز ؟ أليس قد قتلت الرجل ؟ ! ثم يسأل عن هذا الامر بعد ذلك، فأخبروه: إنه الشهادة، فقال: فاز لعمرو الله. وكان ذلك سبب إسلامه. ونحن بدورنا ليس لدينا ما يثبت أو ينفي هذه الرواية، ولكننا نعلم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما ضربه ابن ملجم على رأسه في مسجد الكوفه، قال: فزت ورب الكعبة (1).


(1) ترجمة الامام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ج 3 ص 303 تحقيق المحمودي ومقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن أبي الدنيا، مطبوع في مجلة تراثنا سنة 3 عدد 3 ص 96. (*)

[ 353 ]

ونقول: إن تحير ذلك المشرك، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك المسلم لهذه الكلمة طبيعي جدا. فإن من يفهم الامور فهما دنيويا ومصلحيا بحتا، يقيس الربح والخسران بمقاييس المادة والماديات وحسب. فلا يمكنه أن يفهم الموت إلا على أنه ضياع وخيبة، لانه يراه عدما وفناء، وخسارة وجود، ونهاية حياة. أما الانسان المسلم القرآني، فهو يرى في الموت أمرا أخر، ومعنى يختلف كليا عن هذا المعنى، وذلك من خلال التعليم القرآني، الذي هو المصدر الاصفى، والادق والاوفى، ثم التربية النبوية الرائدة، وتوجيهات الائمة والاوصياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولا نريد أن نفيض في ذكر الايات والروايات التي تعرضت لحقيقة الموت، وبينت موقعه في مسيرة الانسان ومصيره. وإنما نكتفي بالاشارة إلى ما يلي: 1 - قال تعالى: * (الذي خلق الموت والحياة، ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (1). 2 - عن الامام الحسين (عليه السلام)، في خطبة له في مكة، قبل أن يخرج إلى العراق: خط الموت على ولد آدم، مخط القلادة على جيد الفتاة، وما


(1) الملك: 3. (*)

[ 354 ]

أولهني إلى أسلافي إشتياق يعقوب إلى يوسف (1). 3 - وفي رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفئ نار الحرص (2)). 4 - عن الصادق (عليه السلام): (إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا، فإن الميت هو الكافر) (3). والايات والروايات حول الموت والحياة كثيرة، فيها الاشارات والدلائل الجمة إلى كثير من الامور الهامة والخطيرة. ونحن نكتفي هنا بالاشارة إلى ما يلي: ألف: بالنسبة للاية الكريمة نقول: إننا نلاحظ إنها قدمت ذكر الموت على ذكر الحياة (الموت والحياة). كما أنها صرحت بأن الموت مخلوق لله سبحانه، كما أن الحياة مخلوقة له تعالى. وإذن فللموت دوره كما هو للحياة. وليس هو مجرد فناء وعدم، يظهر معناه ومغزاه من خلال ظهور المعنى المقابل له. ثم صرحت الاية بأن السر في خلق هذين العنصرين هو وضع الانسان على المحك في سوقه نحو الافضل والاحسن، والاكمل، الامر الذي يفيد: أن لهما دورا في بناء شخصية الانسان وتكامله. وذلك يعني: أنهما مرحلتان يتجاوزهما الانسان، ولا يتوقف عندهما


(1) اللهوف ص 25 ومقتل الحسين للمقرم ص 190 عنه وعن ابن نما ص 20. (2) البحار ج 6 ص 133 ومصباح الشريعة ص 171 وميزان الحكمة ج 9 ص 245. (3) معاني الاخبار ص 276 وميزان الحكمة ج 9 ص 237. (*)

[ 355 ]

في مسيرته الظافرة نحو الحياة الحقيقية * (وإن الدار الاخرة لهي الحيوان) * (1)، حيث إن بها يبلغ الانسان مرحلة كماله. وفيها تتساقط الحجب المادية المانعة من الاحساس بالامور إحساسا واقعيا وحقيقيا وعميقا. ب: إن الكلمة المروية عن الامام الحسين (عليه السلام) قد اعتبرت أن الموت بمثابة قلادة على جيد الفتاة، ومعنى ذلك هو: أن الموت هو زينة للحياة ويزيد في بهجتها، ويعطيها رونقا، وبهاء وجمالا، وبدونه تكونه باهتة خافتة تماما كما هو الحال بالنسبة للقلادة التي تزيد في بهجة وبهاء وجمال الفتاة، وتوجب انشداد الانظار إليها، وتعلق النفوس بها. ولاجل هذا المعنى جعلها على جيد (فتاة) وليس (المرأة). فإن الفتاة هي التي تميل إليها نفوس الطالبين، وتكون موضعا لتنافس المتنافسين. كما أننا نلاحظ: أنه لم يستعمل كلمة (عنق) هنا وإنما اختار كلمة (جيد) الذي هو من الجودة، وهو تعبير مريح للنفس أيضا، ومثير لكثير من المعاني اللذيذة في أعماقها. فالموت زينة الحياة، وبهجتها، حينما يثير في الانسان طموحه، إلى ما هو أبعد وأوسع وأعلى وأغلى، ويشد روحه وعقله إلى الافاق الرحبة، وملاحقة أسرار الكون وخفاياه، وحقائقه ودقائقه ومزاياه، من أجل أن يسخر كل ما في الوجود ويستفيد من كل ما تصل إليه يده في مجال إبعاد الشفاء والعناء، ومساعدته على بلوغه مدارج الكمال، ووصوله إلى أهدافه السامية، وتحقيقه مثله العليا، الامر الذي يحتم عليه التزام الفضائل، والتعالى عن الموبقات والرذائل.


(1) العنكبوت: 64. (*)

[ 356 ]

بالاضافة إلى أن حقيقة الموت، وإدراكها بعمق يمنح هذا الانسان القدرة على الوقوف في وجه شهواته ويهيمن عليها، لانه يعطي الحياة الدنيا قيمتها الحقيقية، ويمكن الانسان من أن يفهمها بعمق، ويعرف مدى واقعيتها. حتى ليرى الانسان المؤمن: أن الموت في بداية الحياة الحقيقية، وأن الخروج من هذه الدنيا المحفوفة بالمخاطر، هو السبيل للسلامة من دواعي وطغيان الشهوات، والراحة من مكافحة النفس الامارة بالسوء. فالموت إذن. هو بداية الراحة، والخير، والفوز. وبه تتساقط الحجب وتزول الموانع عن الاحساس الحقيقي بالوجود، والوصول إلى كنه الحقائق. وهو يمكن الانسان من أن يملك نفسه، ويستفيد من وجوده وطاقاته بصورة كاملة. ولاجل ذلك، فقد كان الموت للانسان المؤمن أحلى من العسل (1). ووصف الحسين (عليه السلام) أصحابه فقال: يستأنسون بالمنية دوني إستئناس الطفل إلى محالب أمه (2)). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله لابن ابي طالب أنس بالموت من الطفل بثدي أمه (3). كما أن الموت يصبح خروجا من سجن قاس ومرهق، فإن الدنيا


(1) وسيلة الدارين في أنصار الحسين ص 253. (2) مقتل الحسين للمقرم ص 262. (3) نهج البلاغة (شرح عبده) ص 36. (*)

[ 357 ]

سجن المؤمن، والقبر حصنه والجنة مأواه (1) وما أحلى أن يحصل الانسان على حريته، ويكون هو سيد نفسه ويواصل إنطلاقته نحو الله، ويسرح في رحاب ملكوته. * (والدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) * (2). أما الكافر فهو يرى الموت فناء وعدما، وضياعا، فهو كارثة حقيقية بالنسبة إليه، خسران لنعيم الدنيا، والدنيا هي جنة الكافر والقبر سجنه، والنار مأواه، حسبما جاء في الحديث الشريف (3). وبكلمة. إن الموت هو سر الحياة، وهو يعطي للحياة معناها وقيمتها، وهو سر الطموح، والحركة والبناء، والعمل الهادف المنتج، وهو سر سعي الانسان نحو كماله ونحو ربه: * (يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا، فملاقيه) * (4). وبالموت تتساقط الحجب والموانع، التي تقلل من قدرة الانسان على الاحساس بالواقع، لانه إنما يتصل بالواقع عن طريق الحواس المادية، التي لا تسمح بالاحساس بالواقع، إلا في مستوى التخيل والتصوير، ولا توصل إلى كنه الحقائق، والاتصال بأسرار الكون والحياة. هذا بالاضافة إلى أن المعاصي تزيد من طغيان الجسد، وضعف القدرات الروحية، فيتضاءل إحساسه بالحقائق، ويتقاصر فهمه عنها، ولا يعود قادرا على التعامل معها بعمق ذاته ووجوده، وبكنه مواهبه الالهية. وكل ما تقدم يفهمنا بعبض ما يرمي إليه الحديث الوارد عن الامام الصادق (عليه السلام) والمتقدم برقم - 3 - ولعل جانبا مما يرمز إليه


(1) البحار ج 70 ص 91 والخصال ج 1 ص 108. (2) العنكبوت: 64. (3) البحار ج 70 ص 91 والخصال ج 1 ص 108. (4) الانشقاق: 6. (*)

[ 358 ]

الحديث رقم - 4 - إتضح أيضا. ج: ولكننا نزيد في توضيح خلق الموت هنا، فنقول: إنه إذا كان الموت إنتقالا من نشأة إلى نشأة، وتصرفا في الصورة والشكل، مع بقاء المضمون والحقيقة والماهية على ما هو عليه، فإن خضوع الموت لعملية الخلق يصبح بمثابة من الوضوح، لان الخلق يختزن هذا المعنى أيضا، ويشهد لذلك قوله تعالى: * (من نطفة مخلقة) * أي وجدت فيها الاشكال والصور البدائية للانسان، * (وغير مخلقة) * (1) أي لم يوجد فيها ذلك. وقال تعالى: * (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث) * (2). د: بقي أن نشير إلى أن الحكم على الكافر بالموت في الاخرة. إنما هو بملاحظة: أن نفسه وروحه لن تكون قادرة على نيل درجات القرب، والسير في رحاب ملكوت الله سبحانه، والاحساس بعظيم جلاله، من كل مكان، وما هو بميت، محجوب عن الله، وعن رحمته، مشغول بنفسه وآلامه، عن كل شئ آخر. ه‍: وبعد. فإننا بملاحظة بعض ما تقدم نستطيع أن نفهم كيف يكون المؤمنون شهداء على الناس، وأن ندرك بعمق معنى الشهيد والشهادة. فإنها من الشهود، الذي هو الوصول إلى الواقع وملامسته، مع إدراك ووعي له، وإحساس واقعي ووجداني به.


(1) الحج: 5. (2) الزمر: 6. (*)

[ 359 ]

ثم معرفة قيمته وحقيقته على ما هو عليه في نفس الامر. ومن هنا نعرف أن الشهود يزيد عن الحضور، فإن الانسان قد يكون حاضرا لحدث ما، ولكنه ليس شاهدا له إذا لم يدركه بعمق راسخ، تشارك فيه قوى الادراك الباطنية الظاهرية في الوصول والحصول. وبما أن الشهادة هي الوصول إلى الحقيقة، مع إدراك وإحساس واقعي بها، بسبب تساقط الحجب، وزوال الموانع المادية، فيستطيع الانسان حينئذ أن يدرك واقع الحياة وسر الوجود، وحقائقه. فإنها لا يمكن - يعني الشهادة - أن ينالها الكافر، لانه محجوب بذنوبه، وبأعماله، وتكون حياته موتا، أما موته فلا يؤهله إلا لمواجهة مصيره الاسود، حيث تحف به ملائكة العذاب، وتحتوشه زبانية جنهم، ويبقى محجوبا عن ساحة القدس الالهية، وعن الانطلاق في رحابها، ونيل بركاتها. كما أن هذه الشهادة تحتاج إلى تربية إلهية، ورعاية ملكوتية، تمنحه المعرفة الحقيقية، والرؤية الصادقة، وتربية سلوكيا وعاطفيا، وتصفي وتزكي نفسه وروحه، وعمله، وكل وجوده، ليكون إنسانا إلهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى. نعم وهذا ما يفسر لنا قوله تعالى: * (ويتخذ منكم شهداء) * (1). فإن الله هو الذي يربيهم، ويزكيهم، ويؤهلهم لتلقي المعارف، ويكشف عن أبصارهم وبصائرهم ليصلوا إلى درجة الشهود والخلود، في مقعد صدق عند مليك مقتدر (2).


(1) آل عمران: 140. (2) القمر: 55. (*)

[ 360 ]

* (والذين اهتدوا زادهم هدى واتاهم تقواهم) * (1). أما الكفار، ف‍ * (لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالانعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون) * (2). و * (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة) * (3) و * (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) * (4). و: وعملية الجهاد الاكبر ما هي إلا بذل الجهد من أجل الوصول إلى حالة الشهود هذه، ليكون الجهاد الاصغر إنعكاسا طبيعيا لدرجة الشهود التي يصل إليها الانسان، ولمدى إدراكه لحقيقة الكون، والحياة، وإحساسه بالله سبحانه، وبألطافه، والحصول على بركاته. ولاجل ذلك، فقد كان الجهاد بابا من أبواب الجنة، لا يستطيع كل أحد ولوجه والدخول فيه، بل فتحه الله لخاصة أوليائه وليس كل أوليائه، فهؤلاء الخاصة وحدهم الذين يمكنهم الجهاد، ويستحقون لقب (مجاهد) ويمكنهم أن ينالوا درجة الشهادة، ويكونوا شهداء، قال علي (عليه غشاوة) * (3) و * (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) * (4). و: وعملية الجهاد الاكبر ما هي إلا بذل الجهد من أجل الوصول إلى حالة الشهود هذه، ليكون الجهاد الاصغر إنعكاسا طبيعيا لدرجة الشهود التي يصل إليها الانسان، ولمدى إدراكه لحقيقة الكون، والحياة، وإحساسه بالله سبحانه، وبألطافه، والحصول على بركاته. ولاجل ذلك، فقد كان الجهاد بابا من أبواب الجنة، لا يستطيع كل أحد ولوجه والدخول فيه، بل فتحه الله لخاصة أوليائه وليس كل أوليائه، فهؤلاء الخاصة وحدهم الذين يمكنهم الجهاد، ويستحقون لقب (مجاهد) ويمكنهم أن ينالوا درجة الشهادة، ويكونوا شهداء، قال علي (عليه السلام): الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه (5). ويلاحظ هنا كلمة: (خاصة أوليائه) أي وليس كلهم. أما الاخرون، فإنهم لا يستطيعون ذلك، وإن كان يمكن لكل واحد أن يقاتل، وأن يصبح قتيلا.


(1) محمد 17. (2) الاعراف: 179. (3) البقرة: 7. (4) الصف. (5) نهج البلاغة - بشرح عبده، رقم 26 أولها: ج 1 ص 63. (*)

[ 361 ]

وبعد كل ما قدمناه، فإننا نفهم بعمق ما جاء على لسان ذلك الرجل (ما فاز ؟ ! أليس قد قتلت الرجل). ثم نفهم بعمق أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): فزت ورب الكعبة.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية