الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 6

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 6


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء السادس

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظ الطبعة الرابعة 19195 م - 1415 ه‍. دار الهادي للطبعاة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 20777 79522 - MCS بلاغ - ص. ب: 286 / 25 غبيري 0 بيروت - لبنان دار السيرة - بيروت - لبنان - ص. ب: 49 / 25

[ 5 ]

الفصل الرابع: غزوات وسرايا دفاعية

[ 7 ]

غزوات وسرايا: هناك سرايا وغزوات حصلت بين المسلمين والمشركين، وأخرى كانت بين المسلمين واليهود. ونحن نشير هنا الى كلا النوعين، فنقول: أما بالنسبة لما كان بين المسلمين وغير اليهود، فنشير الى: غزوات لبني سليم وغطفان: 1 - يقول المؤرخون: ان النبي (ص) غزا بنفسه بني سليم بعد بدر بسبع ليال، واستخلف على المدينة ابن ام كلثوم، أو سباع بن عرفطة، فلما بلغ ماة من مياههم يقال له: الكدر، أقام (ص) هناك ثلاث ليال، ثم رجع الى المدينة، ولم يلق كيدا، وكان يحمل لواءه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان اللواء أبيض اللون. ويبدو أن هذه هي نفس الغزوة التي يقال لها: (غزوة قرقرة الكدر). وسببها أنه قد بلغه (ص): ان جمعا من بني سليم وغطفان بقرقرة الكدر والظاهر أنهم كانوا ينوون غزو المدينة) فسار إليهم في مائتين من أصحابه. فغنم منهم خمسمائة بعير، فخمسها، وقسم الباقي على أصحابه. ووقع غلام اسمه يسار في سهمه، فأسلم، ورآه النبي (ص) يصلي، فأعتقه. وقال الواقدي: ان قرقرة الكدر كانت في المحرم سنة ثلاث (1).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 211 / 212، وراجع ص 205 ومصادر ذلك كثيرة فراجع = (*)

[ 8 ]

2 - ويقول الدمياطي: ان غزوة بني سليم هي نفس غزوة بحران، حيث بلغه: أن جمعا كثيرا من بني سليم كانوا في بحران، فخرج إليهم في ثلاثمائة من أصحابه، لست خلون من جمادى الاولى سنة ثلاث، ولم يظهر وجها للسير، فرجع ولم يلق كيدا (1). غزوة السويق: وبعد رجوعه (ص) من غزوة قرقرة الكدر، أي في ذي الحجة من السنة الثانية أو الثالثة: كانت غزوة السويق، فبعد أن أصيبت قريش في بدر حلف أبو سفيان: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا (ص) وقال: كروا على يثرب وجمعهم فان ما جمعوا لكم نفل ان يك يوم القليب كان لهم فان ما بعده لكم دول آليت لا أقرب النساء ولا يمس رأسي وجلدي الغسل حتى تبيدوا قبائل الاوس والخزرج ان الفؤاد يشتعل فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه، وليثبت للناس: أن قريشا لا تزال قادرة على التحرك، وأيضا ليشد قلوب المهزومين في بدر. فلما كان على بريد من المدينة (والبريد اثنا عشر ميلا) نزل هناك، فاتصل ببعض بني النضير من اليهود، ثم أرسل بعض أصحابه الى بعض نواحي المدينة، فحرقوا بعض النخل، ووجدوا رجلين فقتلوهما، وهما: معبد بن عمرو وحليف له، ثم انصرفوا راجعين، فنذر الناس بهم، فخرج =


كتب السيرة والتاريخ. (1) راجع في هذه السرية: تاريخ الخميس ج 1 ص 416، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، والسيرة الحلبية ج 2 ص 213، والمواهب اللدنية ج 1 ص 91، والمغازي للواقدي ج 1 ص 196 / 197. (*)

[ 9 ]

(ص) في طلبهم لخمس خلون من ذي الحجة، وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون بجرب السويق (1) تخففا للهرب، فجعل المسلمون يأخذونه، ولم يدركهم المسلمون، فعادوا الى المدينة بعد خمسة أيام (2). قال العلامة الحسني: (وانقلب فرار أبي سفيان عليه خزيا وعارا، بعد أن كان يظن أن غزوته هذه ترفع من شأنه، وتعيد الى قريش شيئا من مكانتها) (3). غزوة ذي أمر: وفي أول سنة ثلاث، أو لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الاول، كانت غزوة ذي أمر، ولربما تكون هي غزوة غطفان. جمع فيها دعثور بن محارب في ذي أمر، جمعا من بني ثعلبة بن محارب لحرب الرسول، أو ليصيبوا من أطراف المدينة، فخرج الرسول (ص) إليهم، وأصاب اصحابه (ص) رجلا يقال له: جبار (أو حباب)، فأسلم، ودلهم على الطريق إليهم، فسمعوا بمسير الرسول (ص)، فهربوا في رؤوس الجبال (4). ويذكر هنا: انه أصاب الرسول (ص) مطر كثير، فنزع (ص) ثوبيه، ونشرهما على شجرة، واضطجع بمرأى من المشركين. واشتغل المسلمون في شؤونهم، فنزل إليه دعثور (زعيم المشركين الغطفانيين) حتى وقف على رأسه، قم قال: من يمنعك مني اليوم ؟ فقال (ص): الله.


(1) السويق: قمح أو شعير يغلى ثم يطحن ليسف اما بماء، أو عسل، أو لبن. (2) راجع فيما تقدم: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 175 - 177، وتاريخ الخميس ج 1 ص 410 و 411، والسيرة الحلبية ج 2 ص 211 وغير ذلك. (3) سيرة المصطفى ص 382. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 212، والمغازي للواقدي ج 1 ص 194، والمواهب اللدنية ج 1 ص 91. (*)

[ 10 ]

ودفع جبريل في صدره، فوقع على ظهره، ووقع السيف من يده، فأخذ النبي (ص) السيف، وقال له: من يمنعك مني ؟ قال: لاأحد، أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فأعطاه (ص) سيفه، فرجع الى قومه، وجعل يدعوهم للاسلام. ونزلت هذه الاية: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم) (1) الاية. ولعل هذه هي نفس غزوة ذي القصة، التي يقال: انها في المحرم سنة 3 ه‍. كما يظهر من المقارنة بينهما. سرية القردة: وفي جمادى الاولى، في السنة الثالثة، كانت غزوة القردة، وكان أميرها زيد بن حارثة، في أول امارة له. وذلك: أن نعيم بن مسعود قدم المدينة مشركا، فشرب الخمر مع بعض أصحابه، وذلك قبل تحريم الخمر (مع أننا قد قلنا فيما سبق: أن الخمر كانت قد حرمت في مكة)، وأخبرهم بالعير (2). وذلك: أن قريشا قالت: (قد عور علينا محمد متجرنا، وهو على طريقنا). وقال أبو سفيان، وصفوان بن أمية: ان أقمنا بمكة أكلنا رؤوس


(1) سورة المائدة الاية رقم: 11، وراجع في قضية دعثور تاريخ الخميس ج 1 ص 415، والسيرة الحلبية ج 2 ص 213، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 18، والمواهب اللدنية ج 1 ص 91، والبداية والنهالية ج 4 ص 2، والمغازي للواقدي ج 1 ص 195، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 168 و 169. (2) البداية والنهاية ج 4 ص 5، والمغازي للواقدي ج 1 ص 198. (*)

[ 11 ]

أموالنا. فاتفقوا بعد بدر على العدول عن طريقهم المعتاد الى الشام، وسلوك طريق العراق، فخرج جماعة فيهم صفوان، وأبو سفيان في تجارة أكثرها من الفضة. فبعث (ص) إليهم زيدا، فلقيهم على ماء يقال له: (القردة)، فأصاب العير وما فيها، وأعجزه الرجال، ورجع بالغنيمة الى الرسول (ص)، فخمسها، فبلغ الخمس عشرين ألفا، وقسم الباقي للسرية (1). وقفات مع ما تقدم: ألف: الاعمى، والقضاء: بالنسبة لاستخلاف ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بني سليم، وغيرها: نشير الى ما ذكره البعض من أن رواية أبي داود تقول: انه انما استخلفه على الصلاة، لانه ضرير، لا يجوز له الحكم بين الناس في القضايا والاحكام، لانه لا يدرك الاشخاص، ولا يثبت الاعيان، ولا يدري لمن الحكم، وعلى من يحكم (2). ولكننا لا نرتضي هذا الكلام: وذلك لما يلي: 1 - ان تولي ابن أم كتوم للمدينة لا يعني اصداره الاحكام وتوليه منصب القضاء، لان من الممكن حل مشاكل الناس بطريقة الصلح بين المتخاصمين، أو على أن يكون قاضي تحكيم يرضى بحكمه الخصمان،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 416، والبداية والنهاية ج 4 ص 5، والمغزي للواقدي ج 1 ص 198، والكامل في التاريخ ج 2 ص 145، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 182. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 205. (*)

[ 12 ]

خصوصا بملاحظة قصر فترة غيابه (ص) عن المدينة في سفراته تلك، أو بأن يوكل من له صلاحية القضاء بين الناس، ويكون هو الوالي العام الحافظ للنظام، والمنفذ لتلك الحكام. 2 - ان القول بأن المراد من تولي ابن أم مكتوم المدينة من قبل النبي (ص) هو توليه خصوص الصلاة بعيسد جدا، وهو لا ينسجم مع اطلاق عباراتهم، مثل قولهم: (استخلفه على المدينة) أو (ولاه المدينة) أو نحو ذلك، خصوصا إذا لاحظنا: أنه (ص) قد استخلفه عليها اثنتي عشرة مرة، أو أكثر. 3 - ان الاستدلال على عدم جواز تولي الاعمى للقضاء بما ذكر، مدفوع بأن طريق معرفة الاشخاص والاعيان لا ينحصر بالنظر والرؤية، فيمكنه اثبات ذلك بالشهود، أو بالاقرار، أو بغير ذلك من وسائل. وليكن نفس توليته (ص) لابن أم مكتوم (لو ثبت كون القضاء داخلا في ولايته) اثنتي عشرة مرة، دليلا على جواز تولي الاعمى للقضاء. ب: من أهداف تلك السرايا والغزوات: ان العرب قد رأوا: أن النبي الذي خرج بالامس الى المدينة لاجئا، لاقوة له، قد أصبح هو وأصحابه يقفون في وجه قريش، ويجلون اليهود - كما سنرى -، ويرسلون السرايا تتهدد المسالك، ويقتلون، ويأسرون. وعرفوا: ان ثمة قوة يجب أن يحسب لها حسابها، ولابد من التفكير مليا قبل الاقدام على أي عمل تجاهها في المنطقة. ولكن الغرور كان يستولي على بعض تلك القبائل، الى حد التفكير في الدخول في حرب مع النبي (ص)، على حد تعبير البعض (1).


(1) سيرة المصطفى / ص 383. (*)

[ 13 ]

فكان (ص) يبادر الى الهجوم، بمجرد أن يعرف: أنهم قد جمعوا واستعدوا له، أو أنهم يستعدون للاغارة على أطراف المدينة، أو بعد حصول الاغارة والافساد منهم، الامر الذي يدلنا على أن تلك الغزوات والسرايا كانت وقائية بالدرجة الاولى، وتستهدف أمورا: 1 - افشال مؤامرات الاعداء، ورد كيدهم الى نحورهم. 2 - ان ذلك منه (ص) كان يمثل حربا نفسية للمشركين، إذ ماغزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا، خصوصا إذا كان انكسارهم بعد التعبئة الكاملة والشاملة منهم لحرب هذه الفئة بالذات. فإذا كانت هزيمتهم على يده (ص)، وفي عقر دارهم، وفي أوج قدرتهم واستعدادهم، فسوف تتحطم معنوياتهم، ويجعلهم ذلك في المستقبل مصطرين لان يتريثوا كثيرا، قبل أن يقرروا أي موقف لهم تجاهه. وهذا مصداق آخر لكونه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نصر بالرعب. 3 - ثم هنالك الصدى والتأثير الاعلامي في المنطقة، وعلى قريش بالذات، فإذا انهزم المشركون في المنطقة وقريش روحيا ونفسيا، فان هزيمتهم العسكرية سوف تكون أسهل وأيسر، وقد سئل أمير المؤمنين (عليه السلام): بأي شئ غلبت الاقران ؟ فقال: (ما لقيت رجلا الا أعانني على نفسه). قال الرضي: يومئ بذلك الى تمكن هيبته في القلوب (1). ج: العتق، والصلاة: يلاحظ: أن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أعتق


(1) نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، قسم الحكم، رقم 318. (*)

[ 14 ]

الغلام يسارا، حيث رآه يصلي. وقد رأينا في الحديث أن الامام السجاد (عليه السلام) كان يعتق مواليه بعد أن يذكرهم بذنوبهم (1). كما أنه قد أعتق غلاما له، لانه أكل كسرة خبز كان قد أعطاه اياها، حين وجدها ملقاة (2). ورأينا أيضا ان الامام الحسن (ع) رأى غلاما يطعم كلبا، فأشتراه من سيده، وأعتقه (3). وعن أبي البلاد، قال: قرأت عتق أبي عبد الله (عليه السلام): هذا ما أعتق جعفر بن محمد، أعتق فلانا غلامه لوجه الله، لا يريد منه جزاء ولا شكورا، على أن يقيم الصلاة، ويؤدي الزكاة، ويحج البيت، ويصوم شهر رمضان، ويتولى أولياء الله، ويتبرأ من أعداء الله. شهد فلان، وفلان، وفلان (4). ولعل سر عتقهم (ع) لهم في هذه المناسبات، ولا سيما في مناسبة الصلاة يعود الى: أن العتق في مناسبة كهذه يهدف الى ربطهم بالصلاة، ودفعهم الى الالتزام بها، ولا سيما حينما تطرح كقضية حاسمة في أسعد لحظات حياتهم، اللحظات التي ينالون فيها حريتهم، التي هي في الحقيقة عنوان هويتهم ووجودهم. وهذا ما سوف يدفعهم لاكتشاف واقع وحقيقة الصلاة، ثم التفاعل معها بشكل جدي وعميق، ولتكون من ثم سببا في تكاملهم الانساني، وسعيهم الى الالتزام بسائر التعاليم الاخلاقية والانسانية الاسلامية.


(1) البحار ج 46 ص 103، واقبال الاعمال. (2) تاريخ جرجان ص 418. (3) البحار ج 44 ص 194، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 75. (4) مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 78، والبحار ج 47 ص 44. (*)

[ 15 ]

كما أن ذلك يجعل هذا الانسان يرى في شخصية النبي (ص) مثلا جديدا للانسان الهادف، الذي يعيش من أجل هدفه، ويفنى فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى. ويعرفه: أنه لا يهدف الى استعباد أحد، ولا يمكن أن يكون ذلك هدفا له، وانما هدفه الاسمى هو اعلاء كلمة الله تعالى فقط، وفقط. كل ذلك تحت شعار: أن من يصبح عبدا لله بحق، فهو جدير بالحرية حقا. وكذلك الحال كان بالنسبة لما قدمناه عن الامام الحسن، والامام السجاد عليهما الصلاة والسلام، وقد أشرت الى هذا الموضوع في مقال مستقل، فمن أراده فليراجعه (1). د: التورية بالغزوات: لقد رأينا أيضا: أنه (ص) في غزوة بحران لم يظهر وجها للسير، وذلك لا يختص بهذه الغزوة ! إذ قد كان من عادته (ص): أنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها (2). ومعنى ذلك: هو أنه (ص) أراد تفويت الفرصة على عيون العدو وجواسيسه، ان كان له ثمة عيون وجواسيس، وعلى المنافقين الذين يوادون من حاد الله ورسوله، وكذلك على اليهود الذين كانوا لايألون جهدا، ولا يدخرون وسعا في مساعدة أعدائه ضده، ولا أقل من أنهم كانوا يهتمون في أن يفوته أعداؤه، ولا يتمكن من الظفر بهم. واسلوب اخفاء أمره (ص) في فتح مكة كان رائعا جدا. ولسوف


(1) البحث هو بعنوان: (الامام السجاد باعث الاسلام من جديد) في كتابنا: (دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 1 ص 77. (2) المصنف ج 5 ص 398، والمنتقى لابن تيمية ج 2 ص 765. (*)

[ 16 ]

يأتي التعرض له في موضعه من هذا الكتاب، ان شاء الله تعالى. ه‍: قريش في مواجهة الاخطار: ان سرية زيد بن حارثة للاستيلاء على قوافل قريش قد جاءت في سياق السياسة القاضية بالمحاصرة الاقتصادية لقريش وباسترجاع الاموال التي تمالأ المشركون على حرمان المسلمين منها، حيث اضطروهم الى ترك أوطانهم، وديارهم، وأموالهم، والهجرة الى موضع يجدون فيه الحرية، والامن. وقد سمعنا كلام صفوان، وأبي سفيان، الذي يوضح لنا: أن قريشا قد أصبحت تعتبر حربها مع النبي والمسلمين حربا مصيرية، ومعركتها معه معركة حياة أو موت. ولم يكن ذلك ليخفى على النبي (ص)، فكان دائما على استعداد لكل طارئ، ويتتبع كل تحركات العدو بدقة متناهية، وقد طوقهم من جميع الجهات تقريبا. ويكفي أن نذكر هنا قول صفوان بن أمية لقريش: (ان محمدا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه. وهم لا يبرحون الساحل. وأهل الساحل قد وادعوهم، فما ندري أين نسكن. وان أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لنا بقاء. وحياتنا بمكة تقوم على التجارة الى الشام في الصيف، والى الحبشة في الشتاء) (1). و: مناقشة قضية دعثور: وأما قصة دعثور مع الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)،


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 197. (*)

[ 17 ]

فاننا وان كنا لا نستبعد وقوعها... ولكن قولهم: ان آية: (إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم) الخ (1) قد نزلت في هذه المناسبة. لا يصح. وذلك: أولا: انه إذا كان المراد: أن الاية قد نزلت مباشرة حين وقوع قضية دعثور، كما هو ظاهر التفريع بالفاء. فيرد عليه أن الاية في سورة المائدة، وهي قد نزلت في أواخر حياته (ص) مرة واحدة. وغزوة ذي أمر كانت - كما يقولون - في أوائل السنة الثالثة للهجرة. ومن غير المعقول: أن يحتفظ (ص) بآيات تبقى معلقة في الهواء - الى عدة سنوات -، ثم يجعلها في سورة نزلت حديثا. وثانيا: ان الاية تذكر: 1 - أن (قوما) قد هموا بأن يبسطوا أيديهم الى المسلمين، ودعثور شخص واحد، ولم نعهد اطلاق كلمة (قوم) على الواحد. وقول البعض: ان قوله تعالى (لا يسخر قوم من قوم)، يشمل سخرية فرد من فرد. لا يصح، لانه انما يشمله بالملاك، لا باظهور اللفظي، والاية التي نحن بصددها انما هي اخبار عن حادث وقع، وليس فيها شمول ملاكي، كما هو ظاهر. الا أن يقال: ان نسبة ذلك الى القوم باعتبار رضاهم بفعل دعثور هذا وهو كما ترى. 2 - ومن جهة أخرى فانها قد عبرت عن النبي (ص) بضمير الجمع، ولم نعهد التعبير عن الرجل الواحد بضمير الجمع الا في مقام التعظيم،


(1) سورة المائدة الاية رقم: 11. (*)

[ 18 ]

وبضرب من التجوز. وهو هنا يمتن على المسلمين جميعا بأن الله قد صرف عنهم من هموا ببسط أيديهم إليهم، ولو كان المقصود هو النبي فقط، فماذا يعبر عنه بضمائر الجمع ؟ وقد يجاب عن ذلك: بأن ذهابه (ص)، وفقده، يكون سببا لذهابهم وتشتتهم، وضعفهم، وبسط اليد إليه بسط لها إليهم، لانه قائدهم، وبه قوام اجتماعهم. الا أن يقال: ان ذلك خلاف المفهوم من الاية، وفيه نوع من التجوز والادعاء، فلا يعتمد عليه الا بدليل. وثالثا: قال العلامة الحسني: (وموضع التساؤل في هذه القصة: أن النبي (ص) هل كان ينفرد عن أصحابه في غزواته ؟ ! وهل يتركه أصحابه وحيدا في تلك الفلاة، والمشركون على مقربة منهم ؟ ! وهب أنه ذهب الى الشجرة ليجفف ثيابه من المطر، ولكن كيف تركه ذلك الجيش المؤلف من (450) مقاتلا ؟ وخفي عليهم ذلك الرجل الذي تحدر من الجبل لاغتياله، وهو عبيد عن أصحابه الخ ؟...) (1). ويمكن المناقشة في هذا بأن النبي (ص) قد تخلف عن الجيش الراجع من غزوة بدر ليمرض عليا (عليه السلام) كما تقدم في موضعه. الا أن يقال: انه في بدر قد تخلف في موضع أمن، لا في موضع مخافة. وأما الايراد على ذلك بأن النبي (ص) قد تخلف في بعض غزواته، ليسابق زوجته عائشة (2) فهو لا يصح، لأننا نعتقد أنها مجرد قصص مختلقة


(1) سيرة المصطفى ص 384. (2) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 176 عن احمد، والسيرة الحلبية ج 2 ص 290، ومغازي الواقدي ج 2 ص 427، وسنن أبي داود ج 3 ص 30، وعن النسائي وابن ماجة. (*)

[ 19 ]

وخيالية، لاأساس لها من الصحة كما سيأتي. وخلاصة الامر: ان تخلف النبي عن جيشه الى مكان قريب، ليجفف ثوبه، مع الاحساس بالامن، ليس بالامر المستهجن، ولا النادر الوقوع. لاسيما إذا كان يريد حاجة يطلب فيها الستر عن أعين الناس. وقد كان أفراد الجيش ينفصلون عن الجيش قليلا لقضاء بعض حاجاتهم. ولعل الاية قد نزلت فيمن يهم الرواة ابعاد التهمة عنهم، فلفقوا هذه المناسبة لابعاد الشبهة عمن يحبون.

[ 21 ]

الفصل الخامس: غدر اليهود ومرحلة الاغتيالات المنظمة

[ 23 ]

مع عقائد اليهود وآثارها: قبل أن نبدأ بالحديث عن العمليات العسكرية التي جرت بين المسلمين واليهود فيما بين بدر وأحد، نود أن نشير باختصار الى بعض عقائد اليهود، ثم الى بعض ما يرتبط بمواقفهم وخططهم، ومؤامراتهم على الاسلام، وعلى المسلمين، فنقول: 1 - عنصرية اليهود: اليهود شعب عنصري، مؤمن بتفوق عنصره على البشر كافة. والناس عندهم لاقيمة لهم ولا اعتبار، وانما خلقوا لخدمة الاسرائيليين وحسب. فكل الناس اذن يجب أن يكونوا في خدمتهم، وتحت سلطتهم، كما يقول لهم تلمودهم. فقد جاء في التلمود ما ملخصه: ان الاسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة. وأن اليهودي جزء من الله. ومن ضرب يهوديا فكأنه ضرب العزة الالهية. والشعب المختار هم اليهود فقط، وأما باقي الشعوب فهم حيوانات. ويعتبر اليهود غير اليهود أعداء لهم، ولا يجيز التلمود أن يشفق اليهود على أعدائهم. ويلزم التلمود الاسرائيليين بأن يكونوا دنسين مع الدنسين، ويمنع من تحية غير اليهودي الا أن يخشوا ضررهم، ولا يجيزون الصدقة على غير اليهودي. ويجوز لهم سرقة ماله، وغشه، كما أن على الامميين أن يعملوا، ولليهود أن يأخذوا نتاج هذا العمل. ويجيز التلمود التعدي على عرض الاجنبي، لأن المرأة ان لم تكن

[ 24 ]

يهودية فهي كالبهيمة. ولليهودي الحق في اغتصاب غير اليهوديات. ولا يجوز لليهودي الشفقة على غيره. ويحرم على اليهودي أن ينجي غيره (1) الى آخر ما هنالك، مما لا يمكن الاحاطة به في هذه المناسبة. نعم، هذه هي نظرة اليهود لغيرهم، وهذه هي حقيقة ما يبيتونه تجاه كل من هو غير يهودي. وقد نعى الله تعالى عليهم هذه النظرة السيئة، فقال: (وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه، قل: فلم يعذبكم الله بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء) (2). فهو يؤكد لهم: أنهم كغيرهم من الخلق، يعذبهم الله بذنوبهم، ولا فضل لهم على غيرهم، لان التفاضل انما هو بالتقوى والعمل الصالح. 2 - اليهود وحب الحياة الدنيا: واليهودي أيضا يؤمن بالمادة، ويرتبط بها بكل وجوده وطاقاته، فهو يحب المال وجمعه حبا جما، وهو يعيش من أجله، ويعمل في سبيله بكل ما أوتي من قوة وحول، فهو من أجل المادة ولد، وفي سبيلها عاش ويعيش، وعلى حبها سوف يموت. ولاجل ذلك فلا ينبغي أن نستغرب إذا رأينا: أن ارتباطهم بالناس مصلحي ونفعي، وأن المال واللذة هما المنطق الوحيد لهم في كل موقف، والمقياس للحق وللباطل عندهم.


(1) راجع: الكنز المرصود ص 48 - 106، ومقارنة الاديان (اليهودية) لاحمد شلبي ص 272 - 274 عنه وعن: التلمود شريعة بني اسرائيل 22 - 25 و 40 - 44 و 65. (2) المائدة: 18. (*)

[ 25 ]

ولا يجب أن نعجب أيضا إذا رأينا: أن الشيوعية، وهي التفكير الداعي الى اعتبار المادة هي أساس الكون والحياة، وهي المحرك، والمنطلق، وهي الغاية، واليها ستكون النهاية، وهي المعيار والمقياس الذي لابد وأن يهيمن على كل شؤون الحياة والانسان والكون، وكل نظمه وقوانينه، وعلاقاته. نعم، لاعجب إذا رأينا: أن هذا التفكير يبدأ من اليهود، واليهم ينتهي (1). 3 - أكثر اليهود لا يؤمنون بالبعث: واليهود يكره الموت، وهو يتمنى لو يعمر ألف سنة، قال تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة (2)، ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) (3). ولعل سر ذلك يعود الى أن توراة اليهود المحرفة الحاضرة لم تشر بشكل واضح الى البعث والقيامة، وانما ورد حديث عن الارض السفلى، والجب التي يهوى إليها العصاة، ولا يعودون (وان الذي ينزل الى الهاوية لا يصعد). ويقول البعض: ان الكتاب المقدس نفسه يعد الحياة الدنيا وحدها هي عالم الانسان، وليس هناك اعتقاد بعد ذلك في بعث وجنة أو نار، وثوابهم وعقابهم مقصوران على الحياة الدنيا.


(1) الخطر اليهودي ص 67 وفيه: أن أعضاء المجلس الشيوعي الذي كان يحكم روسيا سنة 1951 كان يتألف من سبعة عشر عضوا كلهم يهود صرحاء باستثناء ثلاثة هم: ستالين، وفيرشيلوف، ومولوتوف. وهؤلاء الثلاثة زوجاتهم يهوديات، وفيهم يهودي الام، أو الجدة، أو صنيعة مجهول النسب من صنائع اليهود، كما أن المنظر الاكبر للشيوعية هو اليهودي كارل ماركس. (2) تنكير (الحياة) للتحقير، أي مهما كانت تافهة وحقيرة. (3) البقرة: 96. (*)

[ 26 ]

وعلى العموم، فان فكرة البعث لم تجد لها أرضا خصبة لدى اليهود، وقد حاول بعض طائفة الفريسيين القول بها، ولكن هذه المحاولة لقيت معارضة شديدة، أما باقي الفرق اليهودية، فلم تعرف عنها شيئا. وإذا كان الانسان لا يعتقد بالبعث، ويؤمن بأن الجزاء ليس الا في هذه الدنيا، فمن الطبيعي أن يسعى الى المنكرات واقتراف الاثام (1). ملاحظة: هذا، وقد تفاقم فيهم حبهم للدنيا حتى بلغ بهم الحرص عليها: أن حرمهم من الاستفادة من الاموال التي يجمعونها، فتجد الكثيرين منهم يعيشون في دناءة من العيش وفيهم شح كبير، ولؤم وبخل ظاهر، وخسة لا يحسدون عليها. هذا الى جانب اهمال الكثير منهم جانب النظافة المطلوبة، كما يظهر لمن سبر أحوالهم، وعاش في بيئتهم. ويعتقد اليهود: أن الله سيغفر لهم كل ما يرتكبونه من جرائم وعظائم. وهذا ما يشجعهم على الفساد والانحراف، والامعان في المنكرات والجرائم. وقد رد الله تعالى على عقيدتهم هذه (2)، حينما قال: (وقطعناهم في الارض أمما، منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، وبلوناهم بالحسنات والسيئات، لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الادنى، ويقولون: سيغفر لنا. وان يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب: أن لا يقولوا على الله الا الحق، ودرسوا ما فيه ؟ والدار الاخرة خير للذين يتقون، أفلا


(1) راجع: أحكامهم هذه في كتاب، مقارنة الاديان (اليهودية) ص 199 و 200، واليهود في القرآن ص 37. (2) اليهود في القرآن 44 / 45. (*)

[ 27 ]

تعقلون ؟) (1). 3 - وبعد ما تقدم، وبعد أن كان اليهودي لا يعتقد بالاخرة، فان من الطبيعي أن يكون اليهود شعبا جبانا، لأنه يخشى الموت، ويرهب الاخطار، لانه يرى بالموت نهايته الحقيقية (2). ومن طبع الجبان أن يتعامل مع خصومه بأساليب المكر والخداع، والغدر والخيانة بالدرجة الاولى. من أساليب عداء اليهود للاسلام: ونشير هنا الى أننا نلاحظ: ان اليهود بدأوا يحاربون الاسلام من أول يوم ظهوره، وكانوا وما زالوا يحقدون عليه، رغم أنهم كانوا أول من بشر بظهور النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مستندين في بشاراتهم تلك الى الدلائل القاطعة التي يجدونها في كتبهم. ونستطيع أن نذكر من أسباب عدائهم للمسلمين وللاسلام: 1 - انهم قد وجدوا أن هذا النبي يدعو الناس الى دين هو نظام كامل وشامل للحياة، وأن هذا الدين قد جاء بنظام اقتصادي متكامل ومتوازن، واهتم بمحاربة الربا، والاحتكار، وجميع أنواع وأشكال استغلال انسان لانسان آخر، وجعل في أموال الناس حقا معلوما للسائل والمحروم، فلم ينسجم ذلك مع أطماعهم، ومع ما ألفوه وأحبوه، بل رأوه يتنافى مع تلك الاطماع ومع أهدافهم ومصالحهم، ومع نظرتهم للكون، وللحياة، والانسان. 2 - والذي زاد من حنقهم وحقدهم: أنهم كانوا يأملون أن يتم


(1) الاعراف: 168 / 169. (2) ويلاحظ: أن العرب في هذه الايام يجبنون عن مواجهة اليهود في حرب الكرامة والشرف، لماذا ؟ أليس لاجل ابتعادهم عن دينهم واستسلامهم لانحرافاتهم، وحبيهم للحياة، وقلة يقينهم بالموت والمعاد. (*)

[ 28 ]

القضاء على هذا الدين من قبل قومه القرشيين، ومن معهم من ذؤبان العرب، دون أن يكلفهم ذلك أية خسائر، خصوصا في الارواح، فرضوا بالمعاهدة التي سلف ذكرها. ولكن فألهم قد خاب، فها هو الاسلام يزداد قوة، واتساعا ونفوذا، يوما عن يوم. وها هو يسجل في بدر العظمى أروع البطولات، وأعظم الانتصارات، فلم يعد يقر لهم قرار، أو يطيب لهم عيش، إذ كان لابد - بنظرهم - من القضاء على هذا الدين قبل أن يعظم خطره ويكتسح المنطقة، ويضرى بهم اعصاره الهادر. 3 - وزاد في حنقهم وقلقهم: أنهم رأوا النبي (ص) والمسلمين معه، كما أنهم لا يخدعون، ولا يؤخذون بالمكر والحيلة، كذلك هم لا يستسلمون للضغوط، ولا تثنيهم المصاعب والمشقات مهما عظمت. وكلما زاد الاسلام اتساعا كلما زاد الطموح لدى المسلمين، والضعف لدى خصومهم، اذن، فلابد من اهتبال الفرصة، ومناهضة هذا الدين، والقضاء عليه بالسرعة الممكنة. 4 - ويقول الجاحظ: (ان اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعدوان الجيران شبيهة بعداوة الاقارب، في شدة التمكن وثبات الحقد، وانما يعادي الانسان من يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط، وعلى قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الاعمام من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد. فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، وقد كانت الانصار متقدمة الجوار، مشاركة في الدار، حسدتهم اليهود على نعمة الدين، والاجتماع بعد الافتراق، والتواصل بعد التقاطع.. الخ) (1).


(1) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 13 / 14 نشر يوشع فنكل سنة 1382 ه‍. (*)

[ 29 ]

5 - ثم هناك حسدهم للعرب أن يكون النبي الذي تعد به توراتهم منهم، وليس اسرائيليا، وقد أشار الى ذلك تعالى فقال: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. بئسما اشتروا به أنفسهم: أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين) (1). ولعل هذا هو السر في أنهم - حسبما يقوله البعض - حينما طلب النبي (ص) منهم أن يدخلوا في الاسلام امتعضوا، وأخذوا يخاصمون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). 6 - لقد عز عليهم وأرهبهم: ما رأوه من قدرة الاسلام على توحيد أهل المدينة: الاوس والخزرج، الذين كانوا الى هذا الوقت أعداء يسفك بعضهم دماء بعض، قال تعالى: (وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، انه عزيز حكيم) (3). 7 - ثم انهم قد رأوا: أن هذا الدين يبطل مزاعمهم، ويقضي على اليهودية، وعلى أحلام بني اسرائيل وقد أبطل اسطورتهم في دعواهم التفوق العلمي، وأظهر كذبهم في موارد كثيرة، وتبين لهم: أن الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. أضف الى ذلك: أنه قد ظهر أن نبي الاسلام أفضل من موسى (عليه


(1) البقرة: 89 - 90 (2) راجع: اليهود في القرآن ص 23. (3) الانفال: 63. (*)

[ 30 ]

السلام)، ومن سائر الانبياء. وأصبحوا يرون الناس يؤمنون بدين جديد، هو غير اليهودية، وهم يقولون: لا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم (1). وفوق ذلك كله، فان الاسلام يرفض اعطاء الامتيازات على أساس عرقي، وهو يساوي بينهم وبين غيرهم، وهذا ذنب آخر لا يمكن لهم الاغماض عنه بسهولة. اليهود في مواجهة الاسلام لقد حاول اليهود مواجهة المد الاسلامي الكاسح بكل مالديهم من قوة وحول. ونذكر هنا بعض ما يرتبط بالاساليب والطرق التي حاولوا الاستفادة منها في هذا السبيل، من دون ملاحظة الترتيب بينها، لا سيما وأن بعضها متداخل في الاكثر مع بعض، فنقول: 1 - قد أشار الجاحظ الى أنهم: (شبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ومالأوا الاعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن، وادخال الشبهة الخ) (2). نعم، لقد حاولوا تشكيك العوام، وضعاف النفوس بالاسلام، وكانوا يرجحون لهم البقاء على الشرك، كما فعله كعب بن الاشرف، حينما سأله مشركوا مكة عن الدين الافضل، كما ألمحنا إليه فيما سبق. بالاضافة الى ممالأتهم للذين وترهم الاسلام، أو وقف في وجه مطامعهم وطموحاتهم اللامشروعة واللاإنسانية. ونذكر مثلا على ذلك: ما جاء في الروايات من أن الناس يعتبرون: أن من علامات الحق: أن لا يرجع عنه من يقتنع به، فإذا رجع عنه فلابد أن يكون ذلك لاجل أنه وجد فيه ضعفا، أو نقصا، ولذلك نجد ملك الروم يسأل أبا سفيان أحد ألد


(1) آل عمران: 73. (2) ثلاث رسائل للجاحظ (رسالة الرد على النصارى) ص 14. (*)

[ 31 ]

أعداء محمد (ص): (هل يرجع عن الاسلام من دخل فيه ؟ فقال أبو سفيان: لا). وقد حاول اليهود أن يتبعوا نفس هذا الاسلوب. وقد حكى الله تعالى عنهم هذا الامر، فقال: (وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون) (1). 2 - طرح الاسئلة الامتحانية على النبي (ص) بهدف تعجيزه. ويلاحظ: أن هذه المحاولات كانت تبذل من قبل مختلف قبائل اليهود: قريظة، النضير، قينقاع، ثعلبة الخ. ولكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل الذريع. بل لقد ساهم ذلك بشكل فعال في تجلي ووضوح تعاليم الاسلام، وترسيخها، وقد دفعهم فشلهم هذا الى أن يطلبوا من النبي (ص): أن يأتيهم بكتاب من السماء: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جهرة) (2). ثم تمادوا في العناد واللجاج، الى ما هو أبعد من ذلك، قال تعالى: (وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، كذلك قال الذين لا يعلمون من قبلهم مثل قولهم، تشابهت قلوبهم) (3) الاية. فان سياق الايات ظاهر في أن اليهود هم الذين قالوا ذلك. 3 - ولما فشلوا في محاولاتهم محاربة الاسلام على صعيد الفكر، اتجهوا نحو اسلوب الضغط الاقتصادي على المسلمين، فيذكرون: أن


(1) آل عمران: 72، وليراجع كتاب: اليهود في القرآن ص 31، فانه أشار أيضا الى هذا الامر. (2) النساء: 153. (3) البقرة: 118. (*)

[ 32 ]

رجالا من أهل الجاهلية باعوا يهودا بضاعة، ثم أسلموا وطلبوا من اليهود دفع الثمن فقالوا: ليس علينا أمانة، ولا قضاء عندنا، لانكم تركتم دينكم الذي كنت عليه، وادعوا: أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. فجاء في الاية المباركة الرد عليهم: (ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك، ومنهم من ان تأمنه بدينار لا يؤده اليك، الا مادمت عليه قائما، ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الاميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (1). وأيضا فقد رفض رؤساء اليهود أن يقرضوا المسلمين مالا في أول عهدهم في المدينة، وقد كانوا في ضنك شديد، فالمهاجرون فقراء لا مال لهم، والذين دخلوا في الاسلام من أهل المدينة لم يكونوا على سعة من الرزق. وقد أجابوا رسول الله حينما طلب منهم القرض بقولهم: أحتاج ربكم أن نمده ؟ فنزل قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا: ان الله فقير ونحن أغنياء، سنكتب ما قالوا) (2). 4 - ممالأة أعداء الاسلام ومساعدتهم بكل ما أمكنهم، ولو بالتجسس، وبغير ذلك من وسائل. 5 - محاربة الاسلام أيضا: عن طريق اثارة الفتن بين المسلمين، ولا سيما بين الاوس والخزرج، وبين المسلمين والمشركين. ونذكر هنا على سبيل المثال قضية شاس بن قيس، الذي حاول تذكير الاوس والخزرج بأيام الجاهلية، واثارة الاحن القديمة في نفوسهم، فتثاور الفريقان، حتى تواعدوا أن يجتمعوا في الظاهرة لتصفية الحسابات،


(1) آل عمران: 75. (2) آل عمران: 181 راجع في ذلك: اليهود في القرآن ص 28. (*)

[ 33 ]

وتنادوا بالسلاح، وخرجوا، وكادت الحرب أن تقع بينهما، فبلغ الخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخرج إليهم بمن كان معه من أصحابه المهاجرين، فوعظهم، فأدركوا أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فندموا على ما كان منهم، وتعانق الفريقان وتصافيا، وانصرفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ويقول البعض: ان الايات الشريفة التالية قد نزلت في هذه المناسبة: (قل: يا أهل الكتاب، لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا، وأنتم شهداء، وما الله بغافل عما تعملون. يا أيها الذين آمنوا، ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ايمانكم كافرين. وكيف تكفرون، وأنتم تتلى عليكم آيات الله، وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله، فقد هدي الى صراط مستقيم) (1). 6 - تآمرهم على حياة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحريضهم الناس عليه كما سنرى، ان شاء الله تعالى. 7 - محاولات اثارة البلبلة، وتشويش الاوضاع، باشاعة الاكاذيب، وتخويف ضعاف النفوس من المسلمين. تآمرهم مع المنافقين على الاسلام، ومكرهم معهم بالمسلمين، ثم علاقاتهم المشبوهة مع قريش، وممالأتهم اياها على حرب الرسول الاكرم (ص). 9 - تآمرهم ومكرهم وتدبيرهم لمنع المسلمين من الخروج للحرب، وكانوا يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، لاجل تثبيط الناس عن الرسول (ص) في غزوة تبوك، فعرف رسول الله (ص) بهم فأحرق البيت عليهم (2).


(1) آل عمران: 99 - 101. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 160، والتراتيب الادارية ج 1 ص 309. (*)

[ 34 ]

وقد رجع عبد الله بن أبي، حليف يهود بني قينقاع في ثلاثمائة رجل من أصحابه، وذلك في حرب أحد، كما سنرى ان شاء الله تعالى. موقف النبي (ص) من اليهود: ولكن جميع محاولات اليهود للكيد للاسلام والمسلمين، باءت بالفشل الذريع، بسبب وعي القيادة الاسلامية العليا. ولقد صبر الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على مخالفاتهم الكبيرة تلك، تفاديا لحرب أهلية قاسية في مقره الجديد.. حتى طفح الكيل، وبلغ السيل الزبى، وعرف المسلمون: أن اليهود كانوا - بزعمهم - يستغلون ظروف المسلمين ومشاكلهم، ويصعدون من تحدياتهم لهم. وأصبحوا في الحقيقة هم الخطر الداهم والحقيقي الذي يتهدد وجود الاسلام من الاساس. لاسيما وأن هذا العدو الماكر والحاقد يعيش في قلب المجتمع الاسلامي، ويعرف كل مواقع الضعف والقوة فيه، ويتربص به الدوائر، ويترصد الفرصة المؤاتية. فكان لابد من صياغة التعامل مع هذا العدو على أساس الحزم والعدل، بدلا من العفو والتسامح والرفق، فليس من الصالح أن يترك اليهود يعيشون في الارض فسادا، وينقضون كل العهود والمواثيق، ويسددون ضرباتهم للمسلمين كيف وأنى شاؤا، بل لابد من الرد الحاسم والحازم والعادل على كل اعتداء، ومواجهة كل مكيدة، قبل أن يكون الندم حيث لا ينفع الندم. العمليات العسكرية في مرحلتين: وبعد أن اتضح نقض اليهود لكل العهود والمواثيق، حاول الاسلام

[ 35 ]

أن يتعامل معهم على مرحلتين: الاولى: أن يتبع معهم اسلوب الانذار الحازم والعادل، فكانت عمليات القتل المنظمة لبعض الافراد، بمثابة جزاء عادل لناقضي العهود، الذين يشكلون خطرا جديا على صعيد استقرار المنطقة. كما وكانت بمثابة اطلاق صفارة الانذار لكل من ينقض عهدا، ويتآمر على مصلحة الاسلام العليا، مع اعطائهم الفرصة للتفكير، وافهامهم أن الاسلام يمكن أن يتحمل، ولكنه ليس على استعداد لان يقبل بوضع كهذا الى النهاية، لاسيما إذا كان ذلك على حساب وجوده وبقائه. الثانية: الحرب الشاملة والمصيرية، حيث لا يمكن حسم مادة الفساد بغير الحرب. ونحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، كلا على حدة في الصفحات التالية. الاغتيالات المنظمة 1 - قتل أبي عفك: كان الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) قد عاهد اليهود على الموادعة، وعدم تعرض أي من الفريقين للاخر. ولكن سرايا المسلمين في المنطقة، وما تبع ذلك من اجراءات على صعيد بناء المجتمع الجديد وتقويته، قد زاد من قوة المسلمين، ورفع من معنوياتهم، وجعل منهم قوة لها خطرها، مع أنه لم يمض بعد عامان على قدومهم كلاجئين، يبحثون عن مأوى وملجأ وملاذ. اذن، فلابد - برأي اليهود - من تطويق هذا الخطر، والحد من هذا النفوذ قبل فوات الاوان، حتى يتسنى لليهود الاستمرار في الاحتفاظ بالتفوق السياسي والاقتصادي في المنطقة.

[ 36 ]

وقد بدأت محاولات اليهود في هذا السبيل من أوائل الهجرة، وقبل حرب بدر، ثم كانت حرب بدر ونتائجها المذهلة، فزاد ذلك من مخاوف اليهود، والمشركين، والمنافقين على حد سواء، فصعدوا من نشاطاتهم، وتحدياتهم بشكل ملحوظ كما سنرى. وقد بدأ اليهود قبل بدر بالتحريض على الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، والتعرض لهم بمختلف أنواع الاذى، فكان (أبو عفك) اليهودي يحرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقول فيه الشعر، فنذر سالم بن عمير أن يقتله، أو يموت دونه، فذهب إليه فقتله (1). ويبدو أن قتله كان قبل حرب بدر، كما سيظهر من العبارات التالية: 2 - قتل العصماء بنت مروان: فلما قتل أبو عفك، تأففت العصماء بنت مروان (وهي من بني أمية بن زيد، وزوجة يزيد الخطمي) من قتله، فصارت تعيب الاسلام وأهله، وتؤنب الانصار على اتباعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتقول الشعر في هجوه (ص)، وتحرض عليه، واستمرت على ذلك الى ما بعد بدر. فجاءها عمير بن عوف ليلا لخمس بقين من شهر رمضان المبارك، فوجدها نائمة بين ولدها، وهي ترضع ولدها - وعمير ضعيف البصر - فجسها بيده، فوجد الصبي على ثديها يرضع، فنحاه عنها، ثم وضع سيفه في صدرها حتى أخرجه من ظهرها، ثم ذهب الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له (ص): أقتلت ابنة مروان ؟


(1) راجع: تأريخ الخميس ج 1 ص 408، والمغازي للواقدي ج 1 ص 174 و 175. (*)

[ 37 ]

قال: نعم. قال (ص): لا ينتطح فيها عنزان. أي لا يعارض فيها معارض (1). هكذا زعم المؤرخون: وان كنا نشك في صحة ذلك، إذ لا يعقل ان ينحى ولدها عنها ولا تلتفت إليه، وتبقى ساكنة ساكتة، حتى يضع سيفه في صدرها. هذا، قد جاء في شواهد النبوة: أن عمير بن عدي الخطمي سمع أبياتها التي قالتها حين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدر، والتي قالتها في ذم الاسلام والمسلمين، وكان ضريرا، فنذر: لئن رد الله رسوله سالما من بدر ليقتلنها. ففي ليلة قدومه (ص) ذهب إليها عمير فقتلها، فلما رآه النبي (ص) قال له: أقتلت ابنة مروان ؟ قال: نعم. فأقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس، وقال: (من أحب أن ينظر الى رجل كان في نصرة الله ورسوله، فلينظر الى عمير بن عدي). فقال عمر: الى هذا الاعمى ؟ بات في طاعة الله ورسوله ! !. فقال النبي (ص): مه يا عمر، فانه بصير، أو كما قال (2). ورجع عمير الى قومه من بني خطمة، فقال لهم: يا بني خطمة، أنا قتلت ابنة مروان، فكيدوني جميعا، ولا تنظرون. فذلك أول ماعز الاسلام في دار بني خطمة، وكان من أسلم منهم يستخفي باسلامه، ويومئذ أسلم رجال منهم بما رأوا من عز الاسلام (3).


(1) راجع ما تقدم في: تاريخ الخميس ج 1 ص 406 و 407، والمغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 407 و 406 عن شواهد النبوة، والمغازي للواقدي ج 1 ص 172 و 173. (3) راجع ما تقدم في المغازي للواقدي ج 1 ص 173 و 174. (*)

[ 38 ]

ولعل ما في شواهد النبوة من أن عميرا كان أعمى، وقد جاء هذا على لسان عمر أيضا، قد جاء على سبيل المبالغة، لانه كان ضعيف البصر بالفعل. فان من الصعب على الضرير أن يقوم بعملية كهذه، وهي نائمة ليلا بين ولدها. الا أن يقال: انه إذا عرف مكانها الذي تنام فيه، فان بامكانه تمييز الطفل عن غيره بواسطة تلمس أبدانهم، كما هو صريح الرواية. ولكنها - كما قلنا - تبقى عملية صعبة على الرجل الضرير. ولذلك فنحن نرجح طريقة المبالغة كما قلنا. 3 - قتل كعب بن الاشرف: قال الواقدي: ان قتل كعب بن الاشرف كان في ربيع الاول في سنة ثلاث. وخلاصة ما جرى: ان اليهود كانوا يتوقعون: أن يستأصل المشركون شأفة المسلمين والاسلام، وكان لانتصار المسلمين في بدر وقع الصاعقة عليهم، وثارت ثائرتهم، وطاشت عقولهم. قال ابن اسحاق: لما أصيب المشركون في بدر، فبلغ ذلك كعب بن الاشرف، وكبر عليه قتل من قتل في بدر، وبكاهم، وهجا النبي (ص) وأصحابه في شعره، وكان يشبب بنساء المسلمين (وأضاف البعض (1): نساء النبي (ص) أيضا) حتى آذاهم (2).


(1) هو ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء ص 71. (2) راجع فيما تقدم: سيرة ابن اسحاق ص 317، والبداية والنهاية ج 4 ص 6، والمغازي ج 1 ص 185، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 188 و 190، وتاريخ الخميس ج 1 ص 413، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 178، والبحار ج 2 ص 10، وطبقات الشعراء لابن سلام ص 71. (*)

[ 39 ]

فسار الى مكة، وحرض على رسول الله (ص)، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على حرب رسول الله. وسأله أبو سفيان: أديننا أحب الى الله أم دين محمد وأصحابه ؟، وأينا أهدى في رأيك، وأقرب الى الحق: انا لنطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال. فقال له: أنتم أهدى منهم سبيلا (1). فلما عاد الى المدينة، قال رسول الله (ص): من لي بابن الاشرف ؟ فانتدب له محمد بن مسلمة، وقال: يارسول الله، لابد لنا أن نقول. قال: قولوا مابدا لكم فأنتم في حل من ذلك. فذهب إليه هو وأبو نائلة، أخو كعب من الرضاعة، وآخرون. فاجتمع به أبو نائلة، وأظهر له تبرمه من الوضع المعيشي الذي نجم عن قدوم النبي (ص) إليهم، وطلب منه: أن يبيعه طعاما في مقابل رهن، فطلب ابن الاشرف أن يرهنوه نساءهم، فرفض أبو نائلة، ثم طلب أبناءهم، فرفض أيضا، وعرض عليه رهن السلاح، حتى لا ينكر كعب السلاح إذا جاء مع أصحابه، فقبل كعب. ورجع المفاوض الى جماعته، فجاء بهم، ومعهم السلاح، وشيعهم (ص) الى بقيع الغرقد، ودعا لهم، فلما انتهوا الى الحصن صاحوا به، فقالت له زوجته - وكان حديث عهد بعرس - أسمع صوتا يقطر منه الدم. فقال لها كعب: ان أبا نائلة لو رآه نائما ما أيقظه. ونزل إليهم، فأخذ أبو نائلة رأسه فشمه، وتعجب من طيبه، وكرر ذلك حتى اطمأن كعب. ثم أخذ بفوديه، وقال: اضربوا عدو الله، فخبطوه بأسيافهم، وقتلوه، وجرح


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 6، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 11، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 191. (*)

[ 40 ]

منهم بأسيافهم الحارث بن أوس بن معاذ، فتفل (ص) على جرحه. فأصبحوا وقد خافت يهود مما جرى لكعب (فليس بها يهودي الا وهو خائف على نفسه (1))، وذهبوا الى رسول الله (ص)، فقالوا: قتل صاحبنا غيلة. فذكرهم النبي (ص) ما كان يهجوه في أشعاره ويؤذيه. قال: ثم دعاهم النبي (ص) الى أن يكتب بينه وبينهم صلحا، قال: أحسبه قال: فذلك الكتاب مع على (2). وقال كعب بن مالك بهذه المناسبة أبياتا منها: فغودر منهم كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير (3) قال العلامة الحسني: (ومع ذلك فلم يتراجعوا عن الدس والتحريض على المسلمين والتصدي لهم، والنيل من النبي (ص)، وطلب منهم النبي أن يكفوا عما هم عليه، وأن يلتزموا بالعهد الذي أعطوه على أنفسهم، حين دخوله المدينة، فلم يزدهم ذلك الا عتوا وتماديا في ايذاء المسلمين، ونشر الفساد، والنبي (ص) من جانبه يوصي المسلمين بالهدوء وضبط الاعصاب) (4).


(1) راجع جميع ما تقدم في المصادر التالية: سيرة ابن اسحاق ص 317 - 319، والبداية والنهاية ج 4 ص 5 - 8، والمغازي للواقدي ج 1 ص 188 - 191، ودلائل النبوة للبيهقي (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 192 - 200، وتاريخ الخميس ج 1 ص 413 - 414، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 179 و 180، والكامل في التاريخ ج 2 ص 143 و 144. (2) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 204، وطبقات ابن سعد ج 2 ص 23، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 198، وراجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 192، وتاريخ الخميس ج 1 ص 414. (3) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 8. (4) سيرة المصطفى ص 378. (*)

[ 41 ]

ولابد أن يكون ذلك - لو صح - باستثناء ناقضي العهد من الشخصيات الخطرة، التي كانت تحرض على الاسلام والمسلمين، وتشكل خطرا جديا عليهم، كما يظهر مما يأتي: ملاحظة: قد تقدم أن الكتاب الذي كتبه النبي (ص) بينه وبين اليهود قد كان مع علي (عليه السلام). ونحن نستثير القارئ ليطح سؤاله حول السر في أن يكون ذلك الكتاب عند علي (عليه السلام) دون غيره، فهل ذلك يشير الى خصوصية لعلي (ع) بالنسبة الى النبي (ص) في المجال السياسي، أو حتى فيما يرتبط بالامامة من بعده (ص) ؟ !. 4 - قتل ابن سنينة: ويذكر المؤرخون: أن رسول الله (ص) قال: من طفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة اليهودي، فقتله، فقال له أخوه حويصة - ولم يكن قد أسلم بعد -: يا عدو الله قتلته ؟ ! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك. قال فوالله، ان كان لاول اسلام حويصة. فاستحلفه على ذلك، فحلف له فقال: ان دينا بلغ بك ما أرى لعجب ! ثم أسلم (1). 5 - قتل أبي رافع:


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 8، وسيرة ابن اسحاق ص 319 و 320، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 200، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 180 و 181. (*)

[ 42 ]

وفي جمادى الاخرة من السنة الثالثة (1)، وقيل: سنة أربع (2). وعند البعض: بعد أحد من دون تعيين. كان قتل أبي رافع ابن الحقيق بخيبر، الذي كان يظاهر ابن الاشرف في معاداته للنبي (ص)، ويؤذي النبي (ص)، ويبغي عليه. وذلك أنه: بعد قتل الاوس لابن الاشرف قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها علينا عند رسول الله (ص)، فوقع اختيارهم علي ابن الحقيق هذا، المعروف ببغيه وأذاه، والمظاهر لابن الاشرف، فاستأذنوا رسول الله (ص) في قتله فأذن لهم. فخرج إليه خمسة نفر أو ثمانية، عليهم عبد الله بن عتيك، فأتوا داره ليلا، فأغلقوا أبوابه على أهله، وكان هو في علية، فاستأذنوا عليه، بحجة: أنهم جاؤا يطلبون الميرة، فدخلوا عليه، وأغلقوا باب العلية، فوجودوه على فراشه، فابتدروه، فصاحت المرأة، فأرادوا قتلها، ثم ذكروا نهي النبي (ص) عن قتل النساء والصبيان، فقتلوه، وخرجوا. ولكنهم لم يطمئنوا الى أنه قد مات، فأرسلوا أحدهم، فدخل بين الناس، وعرف الخبر منهم، ورجع إليهم فأخبرهم بهلاكه. ثم رجعوا الى النبي (ص)، واختلفوا فيمن قتله، فأخذ النبي (ص) أسيافهم، فرأى علي سيف ابن أنيس أثر الطعام، فقال: هذا قتله (3). وأضاف ابن الاثير في روايته المفصلة: أن ابن عتيك وصل الى


(1) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 182، والكامل في التاريخ ج 2 ص 146. (2) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 183، والكامل في التاريخ ج 2 ص 148. (3) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 287 و 288، والكامل في التاريخ ج 2 ص 146 / 147، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 184 و 185، والبحار ج 20 ص 13. (*)

[ 43 ]

غرفة أبي رافع المظلمة، فناداه، فأجابه، فضرب جهة الصوت، فصاح، فهرب ابن عتيك، ثم عاد إليه، فقال: ماهذا الصوت، فأجابه: أن رجلا في البيت، فضرب نحو الصوت، فأثخنه، ثم وضع السيف في بطنه، حتى خرج من ظهره، ونزل من درج فوقع، فانكسرت ساقه، فعصبها بعمامة، ثم جلس عند الباب، ليعرف ان كان قد قتل حقا، فسمع أول الفجر نعيه، فانطلق الى أصحابه، ثم جاء الى النبي (ص)، فسمح (ص) رجله، فكأنه لم يشتكها قط (1). وقبل المضي في الحديث لابد من تسجيل النقاط التالية: ألف: الاسلام قيد الفتك: انه ربما يتخيل: أن الاغتيالات المنظمة التي تحدثنا عنها لا تناسب ما ورد من أن الاسلام قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، حتى ليقال: ان هذا كان هو المانع لمسلم بن عقيل من قتل عبيد الله بن زياد في بيت هاني بن عروة (2).


(1) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 12، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 77، والطبقات الكبرى ج 2 ص 91 ط صادر، ومجمع الزوائد ج 6 ص 197 و 198، والبحار ج 20 ص 302 و 303، وبهجة المحافل ج 1 ص 193، والمواهب اللدنية ج 1 ص 122 و 123، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 183، والكامل في التاريخ ج 2 ص 147 و 148. (2) الجامع الصغير ج 1 ص 124 عن البخاري في التاريخ، وأبي داود ومستدرك الحاكم ومسند أحمد ومسلم وكنوز الحقائق بهامش الجامع الصغير ج 1 ص 96، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 352، ومسند أحمد ج 1 ص 166 و 167، ومنتخب كنز العمال بهامش المسند ج 1 ص 57، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 202 فصل 10، ومناقب ابن شهرآشوب ج 2 ص 318، ومقتل الحسين للمقرم ص 171، والكامل لابن الاثير ج 4 ص 27، وتاريخ الطبري ج 4 ص 271، = (*)

[ 44 ]

ولكن الحقيقة هي: أنه لا منافاة بين ما ذكر، فان المقصود بالفتك هو القتل غدرا لمن يكون منك في أمن من ناحيتك. والغدر أعم من الفتك. وثمة رواية تفيد: أن الفتك لا يجوز الا باذن الامام، وقد حكم على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يذبح كبشا. ولو أنه قتلهم باذن الامام لم يكن عليه شئ (1). وذلك لان الفتك لو شاع لانعدم الامن، وسلبت الراحة من كل أحد. وقد كان عبيد الله بن زياد في بيت هاني بن عروة يرى نفسه في أمن من ناحيتهم، ولم يكن ثمة اعلان حرب فيما بينه وبينهم، انما كان ثمة ارهاصات بالحرب فيما بينه وبين الحسين (عليه السلام)، ولم يكن ذلك قد اتضح بصورة تامة في ذلك الحين. وليس الامر بالنسبة لليهود كذلك، لانهم كانوا قد عاهدوا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوه. وهؤلاء هم الذين آذوا المسلمين، وهجوهم، وحرضوا المشركين عليهم، وناحوا على قتلى بدر، بل ذهب ابن الاشرف الى مكة للتحريض عليهم، وشبب بالنساء المسلمات، وحتى بنساء رسول الله (ص) الى آخر ما تقدم. اذن فقد صار هؤلاء من أظهر مصاديق (المحاربين)، وناقضي العهود، ولا بأس بالاحتيال على المحارب لقتله، فان (الحرب خدعة) (2).


والبحار ج 44 ص 344، وعن وقايع الايام عن الشهاب في الحكم والاداب ولا بأس بمراجعة مشكل الاثار ج 1 ص 78. (1) التهذيب للشيخ الطوسي ج 10 ص 213 / 214، والكافي ج 7 ص 376. (2) المنتقى ج 2 ص 765، والتهذيب للشيخ الطوسي ج 6 ص 162 و 163، = (*)

[ 45 ]

وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد غزوة ورى بغيرها (1)، كما أنه (ص) قد أجاز لهم أن يقولوا ما شاؤا، حينما ذهبوا الى قتل ابن الاشرف، وذلك لان شر هذا المحارب وفساده في الارض، ووقوفه في وجه كلمة الله، واقامة العدل والحق، أعظم من أي قول يقولونه، وأي اسلوب يتبعونه. وأخيرا، فهل يشك أحد في أن من يكون في ساحة الحرب، فان لعدوه أن يختله من خلفه، ويتخلص منه ؟ !. ومن كان محاربا، فليس له أن يأمن عدوه، وينام قرير العين، فارغ البال ! ويدل على ما قلناه: أن نفس امرأة كعب بن الاشرف قد حذرته، وقالت له: (انك امرؤ محارب، ان صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة) ! !


والمعجم الصغير ج 1 ص 30 و 17، والوسائل ج 11 ص 102 و 103، والكافي ج 7 ص 460، والبحار (ط بيروت) ج 97 ص 27 وج 20 ص 207، وصحيح البخاري ج 4 ص 126 وج 2 ص 112، ومسند أحمد ج 1 ص 81 و 90 و 113 و 131 و 134 و 126 وج 2 ص 214 و 312 وج 3 ص 244 و 297 و 308 وج 6 ص 387، ومستدرك الوسائل ج 11 ص 103 ط مؤسسة آل البيت، وتفسير القمي ج 2 ص 60، ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 378 منشورات جماعة المدرسين، وسنن ابن ماجة ج 2 ص 945 و 946 وص 950، وصحيح مسلم ج 5 ص 143، وسنن أبي داود ج 3 ص 43 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 400، والجامع الصحيح للترمذي ج 4 ص 193 و 194، وسنن سعيد بن منصور، القسم الثاني من المجلد الثالث ص 317، ومسند أبي يعلى ج 13 ص 482 وج 4 ص 91 و 384 وج 3 ص 359 و 464 وج 1 ص 382 و 423 وج 12 ص 130 وج 8 ص 44، ومواضع أخرى أشار إليها في الهامش والى مصادر كثيرة أيضا. (1) راجع سنن الدارمي ج 2 ص 219، ومعاني الاخبار للصدوق ص 365 و 366، = (*)

[ 46 ]

ومما يدل على ذلك أيضا: أنهم قد احتاجوا الى تجديد العهد الذي نقضوه، وكتابة عهد آخر كان عند علي أمير المؤمنين، وصي النبي ووارثه، صلوات الله وسلامه عليه (1). جريمة معاوية: وبعد ما تقدم، فاننا نجد معاوية يحاول - كعادته - أن ينتقص رسول الله (ص)، ويظهر ابن الاشرف على أنه قد قتل مظلوما، فعن عباية، قال: ذكر قتل كعب بن الاشرف عند معاوية، فقال: كان قتل غدرا. فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيغدر عندك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ لا يظلني واياك سقف بيت أبدا (2). وحسبنا هنا أن نقول عن معاوية، ومواقفه، ومخزياته: وكل اناء بالذي فيه ينضح.


والبحار (ط بيروت) ج 72 ص 240 و 241، والتفسير المنسوب للعسكري (ع) ص 232، وصحيح البخاري ج 2 ص 105، والسنن الكبرى ج 9 ص 150، ونيل الاوطار ج 8 ص 56، والمغزي للواقدي ج 3 ص 990، وصحيح مسلم ح 8 ص 106، وسنن أبي داود ج 3 ص 43، والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 167 ط صادر، وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 542، ومسند أحمد ج 3 ص 456 و 457 وج 6 ص 387، والسيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 159، وتاريخ الخميس ج 2 ص 23، وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 110. (1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 204، والطبقات الكبرى ج 2 ص 23، ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 198 ط دار الكتب العلمية، وراجع: المغزي للواقدي ج 1 ص 192، وتاريخ الخميس ج 1 ص 414. (2) مشكل الاثار ج 1 ص 77. (*)

[ 47 ]

ب: رعب اليهود: ان عمليات قتل هؤلاء الافراد، التي نظمت، ونفذت ببراعة فائقة، وذكاء وعبقرية، قد أرعبت اليهود، وأخافتهم، ولا سيما بعد قتل ابن الاشرف الغادر، حتى انه (ليس بها يهودي الا وهو خائف على نفسه). وحتى قال كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير وقد كان يهود بني النضير أعز من بني قريظة، وغيرهم، ممن كان لا يزال في تلك المنطقة. وكان لهذه الضربة فيهم أثر هام في رعب سائر اليهود آنئذ. وأصبح القضاء على من يغدر من اليهود أسهل وأيسر، فالمسلمون يملكون الجرأة الكافية، واليهود أصبحوا خائفين على أنفسهم، والقضاء على الخائف المرعوب أسهل وأيسر من القضاء على غيره، وكان ذلك واحدا من مصاديق قوله (صلى الله عليه وآله): (نصرت بالرعب). وذلك أمر طبيعي بالنسبة لمن لا يؤمن بالمعاد، ويعتقد أن جنته هي هذه الدنيا، وأنه إذا فقد حياته، فقد كل شئ، حسبما ألمحنا إليه من قبل. ج: مع موقف عمير في أصالته ونبله: 1 - يلاحظ: أن عمير بن وهب ينحي ولد العصماء عن صدرها، ثم يقتلها. وهذا يؤكد: على أن الاسلام قد ربى أتباعه على أنه ليس ضد الانسان، وانما هو ضد مواقفه وتصرفاته المنحرفة عن الحق، والعدل، والفطرة. فهو يريد فقط: أن يقضي على مصدر الخطر على الحق والفطرة. وحينما لا يبقى ثمة سبيل الا القضاء على مصدر الفتنة، وحيث يكون آخر الدواء الكي، فانه لابد أن يكتفى بالحد الادنى، الذي يتحقق

[ 48 ]

فيه الهدف الاقصى، وهو اقامة الدين والحق. 2 - ثم اننا لنكبر هذا التعقل النادر لعمير في موقف حرج وخطير كهذا، حتى انه ليملك في هذه اللحظات الحساسة جدا أن يتخذ القرار الحاسم والمبدئي، وكما يريده الاسلام، بعيدا عن كل اضطراب وانفعال، لاسيما وهو ضرير، كما قيل، أو ضعيف البصر. نعم، انه يتصرف بهدوء واطم ئنان، ووعي، حتى في أحرج اللحظات، وأكثرها اثارة للاعصاب، وتشويشا للحواس. ومثل ذلك يقال بالنسبة لامتناعهم عن قتل المرأة التي كادت تفضحهم بصياحها في قضية أبي رافع، حين تذكروا نهي النبي (ص) عن قتل النساء والصبيان. وهذه هي الشخصية الاسلامية التي يريدها الاسلام، واستطاع أن يصدر للعالم الكثير من النماذج الحية لها، من أمثال سلمان، وعمار، وأبي ذر، والمقداد، والاشتر، وفوق هؤلاء جميعا سيدهم، وامامهم، وأميرهم، أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والائمة من ولده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ويكفي أن نذكر مثالا وقدوة لكل الاحرار، والذين يعيشون المبدأ بكل وجودهم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما أراد أن يقتل عمرو بن عبد ود، فشتمه عمرو، وتفل في وجهه، قام عنه، حتى ذهب عنه غضبه، ثم عاد إليه فقتله، فعل ذلك ليكون قتله له خالصا لله، لا يتدخل فيه عنصر حب الانتقام لنفسه، وغضبه لها، ولو بشكل لا شعوري. هذه من علاه احدى المعالي وعلى هذه فقس ما سواها 3 - ثم هناك رواية شواهد النبوة، التي تضيف: أن بعض الصحابة قد نفس على عمير هذا الوسام النبوي الذي ناله عن جدارة واستحقاق، ولم يستطع أن يخفي ذلك في نفسه، بل ظهر في فلتات لسانه بتعبير فيه شئ من الجفاء الجارح، دعا الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

[ 49 ]

الى محاولة حسم الموقف، ثم التلطيف والتخفيف من وقع تلك العبارة، ثم معاودة التأكيد على جدارة عمير، واستحقاقه للثناء، وعرفان حقه، بقوله (ص): (مه يا عمر، فانه بصير). 4 - وهناك أيضا موقف آخر لعمير في قومه، الذي أدى الى أن يعز الاسلام فيهم، ويسلم منهم رجال. فان في ثقة عمير بنفسه وبدينه، وصلابته في التعبير عن هذه الثقة، حتى لقد صرح لهم: أنه لم يعد يخشى أحدا على الاطلاق - ان في ذلك - كايجعل كل من يتردد في قبول الاسلام، بسبب خوفه، وضعف نفسه، يشعر بأن بامكانه أن يجد في الاسلام نصيرا ومعينا وحاميا له، ولم يعد ثمة ما يبرر موقفه السلبي منه. ولاجل هذا نجد: أن عددا منهم يدخل في الاسلام، حينما شعر بعزة الاسلام وبقوته في تلك القبيلة. د: ابن الاشرف، وأبو سفيان: وفي قضية ابن الاشرف يواجهنا سؤال أبي سفيان لكعب عن الدين الحق، ثم محاولة أبي سفيان الاستدلال على أحقية دينه بما تقدم، من أنهم يطعمون الجزور الكوماء، ويسقون اللبن على الماء الخ. ونحن هنا نسجل ما يلي: 1 - ان ذلك يؤيد ما قدمناه، من أن العرب كانوا يرون في اليهود مصدرا للمعرفة والثقافة. وقد استقر ذلك في نفس عمر بن الخطاب، حتى انه كان يأتي بترجمة التوراة الى النبي (ص) حتى أظهر النبي (ص) انزعاجه من ذلك، حسبما قدمناه في مدخل هذه الدراسة، حين الكلام حول المرسولم العام، حيث قال النبي (ص) لعمر بن الخطاب: أمتهوكون أنتم ؟ !

[ 50 ]

هذا بالاضافة الى أننا وان كنا نكاد نطمئن الى أن أبا سفيان لم يكن يجهل بأحقية دين الاسلام، وأنه من أجلى مصاديق قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) وانما هو يحارب الاسلام من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية، وامتيازاته غير المشروعة ولا المعقولة، التي كرسها له ولامثاله العرف الجاهلي الظالم والمنحرف. الا أننا نعتقد: أن أبا سفيان كان يهدف من سؤاله هذا لابن الاشرف اليهودي الى خداع البسطاء والسذج من قومه وأتباعه، من أجل ضمان استمرارهم معه في حرب الاسلام والمسلمين، وجديتهم في ذلك. 2 - اننا نلاحظ: أن كرم العرب هو أقصى ما استطاع أن يأتي به أبو سفيان كدليل على أحقية دينه. وقد تقدم في أوائل هذا الكتاب ما يرتبط بقيمة ما عرف عن العرب من ميزات وخصائص فلا نعيد. ه‍: تساؤل حائر: انهم يذكرون: أن النبي (ص) قد أعلن بشكل عام رغبته في قتل ابن الاشرف، فقال: من لي بابن الاشرف، فانتدب له محمد بن مسلمة. ثم يذكرون كيفية احتيالهم عليه، وقتلهم اياه. ولكن السؤال هنا هو: كيف يعلن النبي (ص) ذلك، ثم لا يصل الخبر الى مسامع ابن الاشرف عن طريق مشركي المدينة أو يهودها، أو على الاقل منافقيها ؟ !. وكيف جازت عليه حيلتهم بهذه السهولة، وهو يعلم: أنه محارب ؟ !. وعن محمد بن مسلمة ودوره في قتل ابن الاشرف، تساورنا شكوك وشكوك، فان من يراجع كتب السيرة يلاحظ: أن كثيرا من التركيز على دوره في هذه القضية، مع أن من يتأمل في وقائعها لا يجد له كبير أثر فيها، بل الدور الاكبر هو لابي نائلة. وابن مسلمة لو كان معهم، فانما كان كغيره

[ 51 ]

ممن حضر. كما ويلاحظ: أن ثمة اهتماما في اعطائه بعض الادوار الهامة في الدفاع عن الاسلام، والدين. ونحن نشك في ذلك، ولا نستبعد أن يكون للسياسة يد في هذا الامر، لاظهاره على أنه رجل شجاع، مناضل، مخلص الخ. في مقابل الاخرين ممن تهتم السلطة بايجاد بدائل لهم وعنهم، فان محمد بن مسلمة كان ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) (1). وروي: أن عليا (عليه السلام) قال لعمار رحمه الله: (ذنبي الى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود) (2) (ولعله كان أخا له من الرضاعة). وفي شرح المعتزلي: أنه كان من المهاجمين لبيت فاطمة (عليها السلام)، وأنه هو الذي كسر سيف الزبير (3) وكان أيضا أحد ثقات الخليفة الثاني ومعتمديه، كما نص عليه البلاذري وغيره (4). كما أن عمر قد بعثه الى الشام في مهمة قتل سعد بن عبادة كما يقول البعض (5). وقد عينه عمر لاقتصاص أخبار العمال، وتحقيق الشكايات التي تصل الى الخليفة من عماله (6).


(1) الامامة والسياسة ح 1 ص 53، وقاموس الرجال ج 8 ص 388، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9. (2) الامامة والسياسة ج 1 ص 54، وقاموس الرجال ج 8 ص 388. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 48، وقاموس الرجال ج 8 ص 388. (4) الزهد والرقائق لابن المبارك ص 179، وراجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 267. (5) راجع في كل ذلك: قاموس الرجال ج 8 ص 388. (6) التراتيب الادارية ج 1 ص 267 عن سيرة عمر. (*)

[ 52 ]

و: التنافس القبلي: ولقد رأينا: أن التنافس القبلي بين الاوس والخزرج، حينما وظف في خدمة الاسلام والمسلمين آتى ثمارا خيرة. فكان قتل الخزرج لابي رافع واحدة من تلك الثمار، وكان هو النتيجة البناءة الطبيعية لهذا التنافس، الذي سعى النبي (ص) الى تغيير منطلقاته، وأهدافه، لتكون في خدمة الدين والحق والخير للانسان، الفرد والجماعة على حد سواء. ز: جهل وغرور ابن الاشرف: ان غرور كعب بن الاشرف، واعتداده الزائد بنفسه، حتى ليقول لزوجته عن أبي نائلة: انه لو وجده نائما لما أيقظه، والاهم من ذلك جهله بالتغيير الجذري الذي يحدثه الاسلام في نفس وفي شخصية الانسان، هو الذي أوقعه في الفخ الذي نصبه له أولئك المجاهدون البواسل، الذين نذروا أنفسهم لخدمة دينهم الحق. ولو أنه كان قد أدرك ما كان حويصة قد أدركه في أخيه محيصة، وعاش الواقع الحي الذي يواجهه، وحاول أن يتفاعل معه، وتخلى عن عنجهيته وغروره، لما كان ينبغي أن يسبقه حويصة الى التشرف بالاسلام. ح: الاسلام، والانسان: وقد سبق: أن حويصة حينما عرف أن هذا الدين قد بلغ بأخيه: أنه لو أمره الرسول بقتل أخيه لقتله، أدرك أحقية هذا الدين، وتشرف بالدخول فيه. وسبق كذلك: أن أحد الاخوة يبارز أخاه في صفين، ويلقيه على الارض، ويجلس على صدره ليذبحه، فلما رأى وجهه عرف أنه أخاه، ولكنه بقي مصرا على قتله، رغم تدخل الاخرين لمنعه، ولم يقبل أن يتركه الا إذا أذن له أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأذن له، فتركه

[ 53 ]

حينئذ (1). وهذه الدرجة من اليقين، هي التي دعت عبد الله بن عبد الله بن أبي الى: أن يستأذن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في قتل أبيه المنافق، الى غير ذلك من الامثلة التي لا مجال لاستقصائها (2). كما أن هذا اليقين هو الذي أشار إليه عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه، حينما قال عن الجيش الذي جاء لمحاربة أمير المؤمنين (ع): (والله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر، لعرفت أنا على حق وهم على باطل) (3). فعمار لم ير النصر العسكري، والقوة العسكرية مقياسا للحق والباطل، كما هو شأن ضعاف النفوس. بل هو يجعل النصر والهزيمة رهن الحق والباطل. فالمحق منتصر دائما، حتى حينما يكون منهزما عسكريا وسياسيا، والمبطل هو المنهزم، وان كان منتصرا على الصعيد العسكري والسياسي وغير ذلك في ظاهر الامر. نعم، ان قضية حويصة ومحيصة تمثل لنا الشخصية التي يريد الاسلام، واستطاع الرسول الاعظم (ص) والائمة من بعده: أن يصنعوا منها نماذج متفوقة، تعتبر حب الله متفوقا على كل حب، ورابطة العقيدة تسمو على كل رابطة (4).


(1) صفين للمنقري ص 271 / 272. (2) تفسير الصافي ج 5 ص 180، والدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد وابن المنذر، والسيرة الحلبية ج 2 ص 64. (3) صفين للمنقري ص 322، وتاريخ الامم والملوك ج 4 ص 27، وقاموس الرجال ح 7 ص 113. (4) راجع مقال: الحب في التشريع الاسلامي في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام أول الجزء الثاني. (*)

[ 54 ]

ولكن لم تستطع سائر الاجهزة التي حكمت باسم الاسلام، وتحت شعار خلافة النبوة: أن تصنع ولو نموذجا واحدا من هذا القبيل، حتى ولو في المستوى الادنى، الا إذا كان ذلك عن طريق خداع بعض السذج ببعض الشعارات البراقة، والاساليب الشيطانية، فينقادون لهم، ويؤخذون بسحرهم. وهذا ليس هو محط كلامنا، فنحن نتكلم عن الايمان العميق المدعوم بالعقيدة الراسخة، والمنطلق من الوعي والفكر، والرؤية الصحيحية. فإذا لوحظ وجود فرد يتجه في هذا السبيل، فانك ستجده - حتما - يرتبط بأهل بيت النبوة ومعدن الرسالة بنحو من الارتباط والاتصال. وبعد ما تقدم، فاننا لابد أن نفسح المجال أمام الحديث عن المرحلة الثانية، وهي مرحلة الحرب العلنية، فالى الصفحات التالية.

[ 55 ]

الفصل السادس: حروب علنية بين المسلمين واليهود

[ 57 ]

قريش تحرض اليهود على نقض العهد: قال عبد الرزاق: (وكتب كفار قريش بعد وقعة بدر الى اليهود: (انكم أهل الحلقة والحصون، وانكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا. ولا يحول بيننا وبين خدم نساءكم، وهو الخلاخل - (شئ) - فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير (على) الغدر الخ..). ثم يذكر قضية غدر بني النضير، وما جرى بينهم وبين المسلمين (1). ونحن نستقرب أن يكون بنو قينقاع هم أول من استجاب لطلب قريش هذا، لا سيما وأن قريشا قد كتبت لهم بعد بدر،، وكان نقض بني قينقاع للعهد بعد بدر أيضا. أما قضية بني النضير فقد كانت في السنة الرابعة بعد أحد، كما يقولون. وسيأتي الكلام حول ذلك في جزء آخر من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى. كما أن المؤرخين يقولون: ان بني قينقاع لما كانت وقعة بدر، أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي (ص): أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه عدوه، نبذوه الى رسول الله (ص)، وكانوا أول من غدر من اليهود (2).


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 359. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 408، والسيرة الحلبية ج 2 ص 208، والسيرة = (*)

[ 58 ]

تصعيد التحدي: قالوا: وكان بنو قينقاع أشجع وأشهر قوم من اليهود، وأكثر اليهود أموالا وأشدهم بغيا، وكانوا صاغة، وكانوا حلفاء لعبدالله بن أبي، وعبادة بن الصامت. فبينما هم على مجاهرتهم وكفرهم، إذ جاءت امرأة مسلمة الى سوقهم (1)، فجلست عند صائغ منهم، لاجل حلي لها، فأرادوها على كشف وجهها، فأبت. فعمد الصائغ، أو رجل آخر الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها، وهي لا تشعر. فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب مسلم على من فعل ذلك، فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنصر أهل المسلم بالمسلمين، فغضب المسلمون. وقال (ص): (ما على هذا قررناهم)، فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وقال: يارسول الله، أتولى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار. وتمسك ابن أبي بالحلف، وأصر على الرسول (ص) بتركهم، وقال: انه امرؤ يخشى الدوائر، فنزل فيه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) الى قوله تعالى: (فان حزب الله هم الغالبون) (2).


النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص (، والمغازي للواقدي ج 1 ص 176 و 177. (1) راجع هذه القضية في: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 137 و 138، والبداية والنهاية ج 4 ص 3 و 4، والسيرة الحلبية ج 2 ص 208. (2) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 290 / 291 عن: ابن اسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وبن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، وابن أبي شيبة. (*)

[ 59 ]

فجمعهم النبي (ص) في سوقهم، وقال لهم: (يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فانكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله اليكم). قالوا: (يا محمد، انك ترى أنا قومك ؟ ! ولا يغرنك أنك لقيت قوما لاعلم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة. انا والله، لو جاربناك، لتعلمن أنا نحن الناس). فأنزل الله تعالى: (قل للذين كفروا ستغلبون..) الى قوله: (لعبرة لاولي الابصار) (1) وقوله: (واما تخافن من قوم خيانة، فانبذ إليهم على سواء) (2). كذا يقول المؤرخون. فتحصن بنو قينقاع في حصونهم، فاستخلف (ص) على المدينة أبا لبابة، وسار إليهم، ولواؤه الابيض (أو راية العقاب السوداء) يحمله أمير المؤمنين (عليه السلام). (وقولهم: بيد حمزة ينافيه ما تقدم وسيأتي من الادلة الكثيرة على أن عليا (ع) كان صاحب لواء رسول الله (ص) في كل مشهد). وحاصرهم النبي (ص) خمس عشرة ليلة، ابتداء من النصف من شوال السنة الثانية، أو في صفر سنة 3، (وهو بعيد بملاحظة: أنهم انما غضبوا من انتصار المسلمين في غزوة بدر). وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، فسألوا رسول الله (ص): أن يخلي سبيلهم، ويجليهم عن المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، وله الاموال والسلاح. فقبل (ص) منهم، وفعل بهم ذلك، وأخذ أموالهم وأسلحتهم، وفرقها بين المسلمين، بعد أن


(1) آل عمران: 12. (2) الانفال: 58. (*)

[ 60 ]

أخرج منها الخمس، وأجلاهم عن المدينة الى أذرعات (بلد بالشام). فيقال: انه لم يدر عليهم الحول حتى هلكوا. وفي نص آخر: أنهم أنزلوا من حصونهم وكتفوا، وأراد (ص) قتلهم، فأصر ابن أبي، عليه (ص): أن يتركهم له بحجة أنه امرؤ يخشى الدوائر فلا يستطيع أن يتركهم، وهم أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوه من الاحمر والاسود، على حد تعبيره، فاستجاب النبي (ص) الى طلبه واصراره، وأجلاهم. ونزل في ابن أبي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضهم أولياء بعض، الى قوله: حزب الله هم الغالبون) (1). وقبل أن نمضي في الحديث لابد من تسجيل النقاط التالية: ألف: نزول الاية في ابن أبي: ان نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) الخ... في ابن أبي محل شك، وذلك لما يلي: 1 - ان ابن أبي لم يكن مؤمنا، والاية تخاطب الذين آمنوا. هذا بالاضافة الى ذكر النصارى في الاية، ولم يكن للنصارى دور في قضية بني قينقاع. الا أن يقال: ان الخطاب للمؤمنين، وذكر النصارى انما هو لاعطاء قاعدة كلية، وتحذير المؤمنين من موقف يشبه موقف ابن أبي، فما فعله ابن أبي كان سبب نزول الاية في تحذير المؤمنين من موقف كهذا. 2 - ان الظاهر بل المصرح به هو أن سورة المائدة قد نزلت جملة


(1) المائدة: 51. (*)

[ 61 ]

واحدة في حجة الوداع سنة وفاته (ص) (1)، وقضية بني قينقاع انما كانت قبل أحد. فهل تأخر نزول الاية عن مناسبتها ما يقرب من ثمان سنين ؟ ! !. حقيقة القضية: ولعل السر في دعوى نزول مجموع الايات في هذه المناسبة، هو الخداع والتضليل للسذج والبسطاء، وتشكيكهم في قضية الغدير، التي كانت ولا تزال الشوكة الجارحة في أعين شانئي علي (عليه السلام) ومبغضيه. فالظاهر هو أن هذه الايات قد نزلت لتحذير المسلمين من الاتجاه الذي كانت بوادره تظهر وتختفي بين الحين والحين، من الاندفاع نحو أهل الكتاب بصورة عامة. حتى لقد كان الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه يواجه بعض ما يعبر عن هذا الاندفاع نحو الثقافة اليهودية، والخضوع لهيمنة فكر أهل الكتاب عموما ! ! وقد رأى النبي (ص) في يد عمر (رض) ورقة من التوراة، فغضب، حتى تبين الغضب في وجهه، ثم قال: ألم آتكم بها بيضاء نقية ؟ ! والله، لو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعي. وفي رواية: أمهوكون فيها يابن الخطاب ؟ الخ. وفي أخرى: أن عمر نسخ كتابا من التوراة بالعبرية، وجاء به، فجعل يقرؤه على رسول الله (ص) (2). وقد قدمنا هذا الحديث مع مصادره في المدخل لدراسة هذه السيرة، فراجع.


(1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، وعيد بن حميد، وابن جرير، ومحمد بن نصر في الصلاة، والطبراني، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الايمان، وابن أبي شيبة، والبغوي في معجمه، وابن مردويه، وأبي عبيدة وغيرهم. (2) راجع مقدمة ابن خلدون ص 436، وأضواء على السنة المحمدية ص 162، = (*)

[ 62 ]

وقد ازداد هذا الاتجاه نحو ثقافة أهل الكتاب، عنفا وقوة بعد وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا موضوع هام جدا، ومتشعب الاطراف، حيث ان آثار التأثر بأهل الكتاب قد ظهرت بشكل أو بآخر في كثير من المجالات: العقائدية، والفكرية، والفقهية، وغير ذلك. وقد بحثنا فيما سبق هذا الموضوع، وتوصلنا فيه الى العديد من النتائج المذهلة على صعيد الفكر، والسياسة، والعقيدة، والتشريع. فليراجع. ب: حول الراية: انه يبدو: هو أن الراية في هذه الحرب كانت سوداء، لان هذه هي راية حرب، وغضب رسول الله (ص) على أهل الكفر والشرك والضلال، يقول الكميت مشيرا الى ذلك: والا فارفعوا الرايات سوداعلى أهل الضلالة والتعدي وقد كانت رايته (ص) يوم فتح مكة سوداء، وكانت راية أمير المؤمنين (عليه السلام) في حربه لاعدائه سوداء أيضا، ولعل في هذا الماح الى أن من يحاربهم (ع) لا يفترقون عمن حاربهم الرسول (ص) فيما سبق. وسنشير في أوائل غزوة أحد الى أن حامل لواء النبي (ص) في جميع حروبه هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكل ما يذكر خلاف ذلك ما هو الا عربدة وتضليل.


والاسرائيليات في التفسير والحديث ص 86، وفتح الباري ج 13 ص 281 عن ابن أبي شيبة وأحمد، والبزار، ومسند أحمد ج 3 ص 387، وغير ذلك من المصادر الكثيرة التي أشرنا الى طائفة منها في تمهيد الكتاب. (*)

[ 63 ]

وأما أن راية العقاب كانت قطعة من برد لعائشة، كما ذكره الحلبي (1). فنحن نشك في ذلك، لانه هو نفسه قد ذكر في وقعة خيبر: أن (المقريزي لما ذكر رتب الرياسة في الجاهلية، ذكر: أن العقاب كان في الجاهلية راية تكون لرئيس الحرب. وجاء الاسلام وهي عند أبي سفيان، وجاء الاسلام والسدانة واللواء عند عثمان بن أبي طلحة، من بني عبدالدار) (2). والعبارة مشوشة كما ترى، ولكنها تدل على أي حال على أن العقاب لم تكن من مرط عائشة. ثم اننا لا ندري لماذا اختار برد عائشة ليكون راية له ! !. ج: الخمس: 1 - وقد تقدم: أن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) قد فرق السلاح والاموال التي غنمها من بني قينقاع على المسلمين، مع أنها كانت مما أفاء الله عليه، فهي له دون غيره. ولكنه (صلى الله عليه وآله) آثر أن يفرقها بين المسلمين بعد اخراج الخمس منها، اعانة لهم، ولطفا بهم، وعطفا عليهم. 2 - وقالوا: ان خمس بني قينقاع كان أول خمس قبضه رسول الله (ص) (3). وهذا محل شك أيضا، فقد تقدم قولهم: انه قد خمس ما غنمه


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 209 وج 3 ص 35. (2) السيرة الحلبية ج 3 ص 35 و 36. (3) تاريخ الطبري ج 2 ص 174. (*)

[ 64 ]

المسلمون من المشركين في غزوة قرقرة الكدر. وكذا قيل في غزوة بدر، وفي سرية ابن جحش. وتوجيه ذلك بأن المراد هنا: أنه أول خمس قبضه، وفيما تقدم كان (ص) لا يقبض الخمس، وانما يرده على المسلمين. خلاف الظاهر، خصوصا إذا أثبت البحث العلمي: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بقي يقسم الخمس على المسلمين، كما فعل في غزوة حنين، فلعل الرواة قد رووا هذه الاوليات بحسب حضورهم. فالذي حضر هذه الغزوة ورأى النبي (ص) قد خمس غنائمها، لعله لم يحضر التي قبلها، وكذا الحال بالنسبة للراوي الاخر في الغزوة الاخرى، فلابد من التحقيق حول هذا الموضوع. د: بعض أهداف ونتائج حرب بني قينقاع: ان حرب المسلمين لبني قينقاع، وهم أشجع اليهود، وأكثرهم مالا، والقضاء عليهم معناه: 1 - انه (ص) لا يريد أن يفسح المجال لهم - كما يقول العلامة الحسني - لان (يطمعوا به، ويكتلوا حولهم من يشاركهم الرأي من المنافقين والاعراب)، لان صبر النبي (ص) عليهم، وأمره للمسلمين بالتحمل مهما أمكن، جعل اليهود يظنون: أن هذا ناتج عن ضعف وخور، فاستمروا في تحرشاتهم (1). 2 - أن يسهل القضاء على الاخرين من الاعداء، ممن هم أقل منهم قوة وعددا، وعدة ومالا، لانهم إذا رأوا: أن أصحاب الشوكة لم يستطيعوا أن يأتوا بشئ، فانهم سوف يقتنعون بأنهم - وهم الاضعف - أولى أن لا


(1) راجع: سيرة المصطفى ص 379. (*)

[ 65 ]

يأتوا بشئ أيضا. 3 - ان ما غنمه المسلمون من بني قينقاع، من شأنه أن يزيد من طموح عدد من الناس من المسلمين للقضاء على أعدائهم، ويسهل عليهم الوقوف في وجههم، حيث يرتاح بالهم من جهة معاشهم، ولا يبقى مامن شأنه أن يثير مخاوفهم، ويستبد بتفكيرهم. 4 - كما أن ذلك: انما يعني التخلص من عدو داخلي، يعرف مواضع الضعف والقوة، وربما يكون أخطر من العدو الخارجي بكثير. 5 - ثم ان القضاء على اليهود كان يتم على مراحل، وذلك بطبيعة الحال أسهل وأيسر من القضاء عليهم، فيما لو كانوا مجتمعين، دفعة واحدة، وفي صعيد واحد، يعين بعضهم بعضا، ويشد بعضهم أزر بعض. 6 - والمسلمون أيضا، إذا رأوا أنفسهم قد استطاعوا القضاء على أشجع اليهود، وأكثرهم قوة ونفوذا، فانهم سوف يتشجعون للقضاء على من سواهم، ولا يبقى مجال للخوف ولا للتردد. ه‍: الحجاب: ان قضية المرأة التي أرادوها على كشف وجهها، قد يقال انها تدل على أن الحجاب كان مفروضا حينئذ، أي في السنة الثانية للهجرة، مع أن المعروف هو: أن الحجاب قد فرض بعد ذلك بعدة سنين. الا أن يقال ان الحجاب قد كان موجودا في الجاهلية، أو يقال: صحيح ان فرض الحجاب وايجابه قد كان في سنة خمس، أو بعدها، لكن الالتزام بالحجاب، على اعتبار أنه محبوب ومطلوب لله، وأمر راجح وحسن قد كان قبل ذلك بسنين. وذلك اتباعا لتوجيهات النبي (ص)، وترغيباته، ودعواته الى ذلك، إذ لا يبعد أو يكون تشريع الحجاب قد جاء تدريجيا، لتتقبله النفوس، وتألفه العادة. ولا سيما إذا لاحظنا: أنه ربما

[ 66 ]

كان أمرا صعبا على نساء الجزيرة العربية، اللواتي يعشن في جو حار جدا، كما هو معلوم. وعلى كل حال، فان هذا الامر يحتاج الى تحقيق، ولسوف نتحدث عنه بشئ من التفصيل فيما يأتي ان شاء الله تعالى. و: الغرور، والايمان: اننا نلاحظ: انه (ص) حتى حينما انتصر على المشركين في بدر ذلك الانتصار الباهر والساحق، وكذلك حينما انتصر عليهم في غيرها من المواقف الصعبة، فانه لا ينسب انتصاراته الى نفسه، أو الى جيشه. ولا يسمح لنفسه بأن تتوهم: أنها هي التي انتصرت بالقوة، والعدة، والعدد، أو بالعبقرية الحربية، لانه يعلم أن الانتصار الذي سجل في بدر مثلا، لم يكن في المقاييس المادية انتصارا. وانما هو معجزة الهية، لا يمكن لاحد أن يحترم نفسه الا أن يذعن الى هذه الحقيقة، ويسلم بها. وهذا هو ما قرره الله تعالى بقوله: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) (1). كما أنه تعالى قد تعرض لحالة العجب بالنفس في حنين، فقال: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم من الله شيئا) (2). بينما نجد بني قينقاع مغرورين بقوتهم وشوكتهم، حتى قالوا له: لو حاربناك لتعلمن: أنا نحن الناس. فأوعدهم الله بالهزيمة والخذلان. وصدق الله وعده، فزاد ذلك من يقين المؤمنين وتصميمهم، ومن ذل الكافرين وخزيهم.


(1) آل عمران: 123. (2) التوبة: 25. (*)

[ 67 ]

ز: الاستجابة لابن أبي: وان استجابة النبي (ص) لابن أبي في بني قينقاع، كانت تهدف الى الحفاظ على الجبهة الداخلية من التصدع. ولولا ذلك فلربما كان ينتهي الامر الى النزاعات المكشوفة، والمواجهات العلنية، الامر الذي لم يكن في صالح الاسلام والمسلمين في تلك الفترة، فان الابقاء على العلاقات الحسنة مع المنافقين في تلك الظروف كان أمرا ضروريا، لكسب أكبر عدد منهم في المستقبل، عن طريق التأليف والترغيب، وكذلك من أبنائهم، ثم توفير الطاقات لعدو أشد وأعتى. كما أن اجلاء بني قينقاع، كما يعتبر ضربة روحية ونفسية لغيرهم من اليهود، كذلك هو يعتبر اضعافا لابن أبي ومن معه من المنافقين. فخسران الاعداء متحقق على كل تقدير. ح: بنو قينقاع تحت الاضواء: وأما لماذا تجرأ بنو قينقاع على نقض العهد، فالظاهر: أن ذلك يرجع: الى غرورهم واعتداهم بشجاعتهم، وبكثرتهم، ولعلهم كانوا يتوقعون نصر حلفائهم من الخزرج لهم، كما يظهر من قولهم له (ص): لتعلمن أنا نحن الناس. ثم هناك اعتمادهم على ما يملكونه من خبرة عسكرية، ومعرفة بالحرب، وقد عبروا عن ذلك أيضا بقولهم له (ص): لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب. والا، فاننا لا نرى مبررا لان تعلن قبيلة واحدة الحرب على كثير من القبائل في المدينة، ان كانت لا تملك شيئا من مقومات النصر المحتمل. ولكن كثرتهم وخبرتهم الحربية لم تغن عنهم شيئا، كما أن حلفاءهم من الخزرج لم يفعلوا لهم شيئا، لان المؤمنين منهم تخلوا

[ 68 ]

عنهم، لان الوفاء لهم خيانة لعقيدتهم ومبدئهم وايمانهم، الذي يبذلون أرواحهم في سبيل الحفاظ عليه. وأما المنافقون منهم فلم يتمكنوا من نصرهم، بسبب ما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وكون ذلك سوف يتسبب لهم بانشقاقات وخلافات داخلية. وأقصى ما استطاع ابن أبي أن يقدمه لهم، هو أن يمنع من استئصالهم، مع الاكتفاء باجلائهم الى مناطق بعيدة لن يمكنهم الصمود فيها أكثر من سنة، وليواجهوا من ثم الفناء والهلاك. وأما لماذا لم يهب اليهود لنصرة بني قينقاع، فان ذلك يرجع الى أنه قد كان بينهم وبين سائر اليهود عداوة، وذلك لان اليهود كما قال ابن اسحاق: (كانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفهم (1)، حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة ولفهم حلفاء الاوس، فكانوا إذا كانت بين الاوس والخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الاوس يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على اخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم. وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والاوس والخزرج أهل شرك يعبدون الاوثان: لا يعرفون جنة، ولا نارا، ولا بعثا، ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا، ولا حراما. فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذ به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم من أيدي الاوس، وتفتدي النضير وقريظة ما في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوه من الدماء وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لاهل الشرك عليهم) (2).


(1) لفهم: أي من يعد فيهم. (2) السيرة النبوية، لابن هشام ج 2 ص 188 / 189. (*)

[ 69 ]

وكانوا بذلك مصداقا لقوله تعالى وهو يخاطب اليهود: (واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان، وان يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم اخراجهم) (1). صدق الله العظيم.


(1) البقرة: 73 و 84. (*)

[ 71 ]

الباب الرابع: غزوة أحد

[ 73 ]

الفصل الاول: قبل نشوب الحرب

[ 75 ]

أجواء ومواقف: وفي سنة ثلاث - وشذ من قال في سنة أربع (1) في شوال، يوم السبت على الاشهر - كانت غزوة أحد (2)، وهو جبل يبعد عن المدينة حوالي فرسخ. وذلك أن نتائج حرب بدر كانت قاسية على مشركي مكة، ومفاجأة لليهود والمنافقين في المدينة. فقريش لا يمكن أن تهدأ بعد الان حتى تثأر لكرامتها، ولمن قتل من أشرافها. حتى لقد أعلنوا المنع عن بكاء قتلاهم، لان ذلك يذهب الحزن، ويطفئ لهيب الاسى من جهة. ولانه يدخل السرور على قلوب المسلمين من الجهة الاخرى. ولكنهم عادوا فتراجعوا عن هذا القرار، فسمحوا للنساء بالبكاء، لان ذلك - بزعمهم - يثير المشاعر، ويذكر الرجال بالعار الذي لحق بهم.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 216، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 419. (2) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 9، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 201، وأنساب الاشراف ج 1 ص 311، والمغازي للواقدي ج 1 ص 199، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 18، والكامل في التاريخ ج 2 ص 148، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 186، والسيرة الحلبية ج 2 ص 216، والسيرة النبوية لدحلان (المطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 19 وتاريخ الخميس ج 1 ص 419. (*)

[ 76 ]

ومضت قريش تستعد لقتال النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعبئ النفوس، وتجهز القوى الحربية لاخذ الثأر، ومحو العار. ومضى اليهود الذين أصبحوا يخافون على مركزهم السياسي، والاقتصادي في المنطقة، وعلى هيمنتهم الثقافية أيضا يحرضون المشركين على الثأر ممن وترهم، وأعلنوا بالحقد، ونقض العهد، حتى كال لهم المسلمون ضربات صاعقة، هدت كيانهم، وجرحت وأذلت كبرياءهم وغرورهم. ومن جهة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله)، ومن معه من المسلمين، فانهم لن يتخلوا عن قبلتهم، الكعبة، ولن يتركوا قريشا وغطرستها وغرورها، لاسيما بعد تعديها عليهم، وظلمها القبيح لهم، حتى اضطرهم ظلمها وتعديها الى الهجرة من ديارهم، تاركين لها أوطانهم، وكل ما يملكون. وكذلك، فان النبي الاكرم (ص) قد حاصر قريشا بمعاهداته للقبائل التي في المنطقة، وموادعاته لها، وأصبح يسيطر على طريق تجارتها، ولم يعد هذا الطريق آمنا لها، وأصبحت ترى نفسها بين فكي (كماشة)، فلا بد لها اذن من كسر هذا الطوق، وتجاوز هذا المأزق. وهذا ما عبر عنه ذلك الزعيم القرشي - كما تقدم في سرية القردة - بقوله لقريش: (ان محمدا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه ؟ لا يبرحون الساحل. وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، وان أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه فلم يكن لنا بقاء. انما نزلناها على التجارة الى الشام في الصيف، وفي الشتاء الى أرض الحبشة (1)).


(1) المغزي للواقدي ج 1 ص 197، وسيرة المصطفى ص 385. (*)

[ 77 ]

جيش المشركين الى أحد: وكانت العير التي كانت وقعة بدر من أجلها - وهي ألف بعير كما قالوا - قد بقيت سالمة ومحتبسة في دار الندوة. واتفقوا مع أصحابها على أن يعطوهم رؤوس أموالهم، وهي خمسة وعشرون أو خمسون ألف دينار - على اختلاف النقل - على أن يصرف الربح في قتال المسلمين. وكان كل دينار يربح دينارا، وهو مبلغ هائل في وقت كان للمال فيه قيمة كبيرة، والقليل منه يكفي للشئ الكثير. وبعثوا الرسل الى القبائل يستنصرونهم، وحركوا من أطاعهم من قبائل كنانة، وأهل تهامة، واشترك أبو عزة الجمحي في تحريض القبائل على المسلمين، وكان قد أسر في بدر، ومن عليه النبي (ص) بشرط أن لا يظاهر عليه. وقد شارك في ذلك بعد أن ألح عليه صفوان بن أمية، وضمن له ان رجع من أحد أن يغنيه، وان أصابه شئ أن يكفل بناته. وخرجت قريش بحدها وجدها، وأحابيشها ومن تابعها. وأخرجوا معهم بالظعن خمس عشرة امرأة، فيهن هند بنت عتبة، لئلا يفروا، وليذكرنهم قتلى بدر. يغنين ويضربن بالدفوف، ليكون أجد لهم في القتال. وخرج معهم الفتيان بالمعازف، والغلمان بالخمور، وكان جيش المشركين ثلاثة آلاف مقاتل. وقيل: خمسة آلاف. ونحن نرجح الاول، لقول كعب بن مالك: ثلاثة آلاف ونحن نصيبه ثلاث مئين ان كثرنا وأربع (1)


(1) البدء والتاريخ ج 4 ص 207. نعم يمكن أن يكون عمدة الجيش ثلاثة آلاف، ومعهم من العبيد والخدم - وهم مقاتلون أيضا - ألفان بل في البحار ج 20 = (*)

[ 78 ]

أي: وأربع مئين. وكان في جيش المشركين سبعمائة دارع، ومدتا فارس على المشهور. وقيل: مئة، ومئة رام، ومعهم ألف - وقيل ثلاثة آلاف - بعير. ولا يبعد صحته (1) كلهم بقيادة أبي سفيان الذي صار زعيم قريش بعد قتل أشرافها في بدر. وكان معهم أبو عامر الفاسق، الذي كان قد ترك المدينة الى مكة مع خمسين رجلا من أتباعه من الاوس كراهية لمحمد، خرج الى مكة يحرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقول لهم: انهم على الحق، وما جاء به محمد باطل. فسارت قريش الى بدر، ولم يسر معهم، وسار معهم الى أحد. وكان يزعم لهم: أنه لو قدم على قومه لم يختلف عليه اثنان منهم، فصدقوه، وطمعوا في نصره، ولكن الامر كان على عكس ذلك كما سنرى.


ص 117: أن أبا سفيان قد استأجر ألفين من الاحابيش. (1) راجع جميع ما تقدم كلا أو بعضا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 419 - 422، والسيرة الحلبية ج 2 ص 217 و 218، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 19 - 21 و 26، وراجع: الوفاء بأحوال المصطفى ص 684، والمغازي للواقدي ج 1 ص 200 - 204 و 206، وأنساب الاشراف ج 1 ص 312 و 313، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 187 - 190 و 197، والبداية والنهاية ج 4 ص 10 - 16، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 20 و 25 و 26 و 30 و 32، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 64 - 65 و 70 و 71، والكامل في التاريخ ج 2 ص 149 - 151، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 221 و 209، والبحار ج 2 ص 48، وحياة محمد لهيكل ص 254، وسيرة المصطفى ص 391. (*)

[ 79 ]

وكان مع المشركين أيضا: وحشي غلام جبير بن مطعم، الذي وعده سيده بالحرية، ان هو قتل محمدا، أو عليا، أو حمزة، بعمه طعيمة بن عدي، فانه لا يدري في القوم كفؤا له غيرهم (1). فقال وحشي له - أو لهند -: أما محمد، فلن يسلمه أصحابه، وأما حمزة فلو وجده نائما لما أيقظه من هيبته، وأما علي فانه حذر مرس، كثير الالتفات (2) وسيأتي: أنه تمكن من الغدر بحمزة، أسد الله وأسد رسوله. سؤال وجوابه: ويرد هنا سؤال: وهو أنهم إذا كانوا قد أخرجوا معهم النساء لئلا يفروا، فلماذا فروا حين حميت الحرب، وتركوا النساء ؟ !. والجواب عن ذلك سيأتي حين الكلام عن هذا الموضوع، ان شاء الله تعالى. وصول الخبر الى المدينة: ويقولون: ان العباس بن عبد المطلب كتب الى النبي (ص) يخبره بمسير قريش، وبكيفية أحوالهم، وبعددهم، مع رجل غفاري، على أن يصل الى المدينة في ثلاثة أيام، فقدم الغفاري المدينة، وسلم الكتاب الى النبي (ص)، وهو على باب مسجد قباء، فقرأه له أبي بن كعب، فأمره (ص) بالكتمان (3).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 217، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 20. (2) المغازي للواقدي ج 2 ص 285. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 430، والمغازي للواقدي ج 1 ص 204، = (*)

[ 80 ]

ووقعت الاراجيف بالمدينة، وقال اليهود: ان الغفاري ما جاء بخبر يسر محمدا. وفشا الخبر بخروج المشركين قاصدين المدينة بعدتهم وعددهم، هكذا قالوا. ولكننا في مقابل ذلك: نجد الواقدي يذكر: أن نفرا من خزاعة فيهم عمرو بن سالم سروا من مكة أربعا، فوافوا قريشا، وقد عسكروا بذي طوى، فلما وصلوا المدينة أخبروا رسول الله (ص) الخبر، ثم انصرفوا، فلقوا قريشا ببطن رابغ على أربع ليال من المدينة. فقال أبو سفيان: أحلف بالله، انهم جاؤا محمدا فخبروه بمسيرنا، وعددنا، وحذروه منا، فهم الان يلزمون صياصيهم، فما أرانا نصيب منهم شيئا في وجهنا. فقال صفوان بن أمية: ان لم يصحروا لنا عمدنا الى نخل الاوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم ولا أموال لهم، فلا يختارونها أبدا. وان أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم وسلاحنا أكثر من سلاحهم، ولنا خيل، ولا خيل معهم، ونحن نقاتل على وتر لنا عندهم، ولا وتر لهم عندنا (1). وقد يقال: لامانع من أن يكون الخبر قد وصل الى النبي من قبل الغفاري، ومن قبل هؤلاء معا. وقبل أن نمضي في الحديث نشير في ما يلي الى بعض النقاط، وهي التالية: سؤال يحتاج الى جواب: ويرد هنا سؤال وهو: كيف قبلت قريش باقامة العباس في مكة


وأنساب الاشراف ج 1 ص 314، والسيرة الحلبية ج 2 ص 172، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20، وسيرة المصطفى ص 393، وحياة محمد لهيكل ص 255. (1) مغازي الواقدي ج 1 ص 205، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 218 / 219. (*)

[ 81 ]

مسلما - إذا صح، أنه أسلم في بدر - وقريش لم تكن لترحم أحباءها وأبناءها إذا علمت باسلامهم، ولا سيما بعد تلك النكبة الكبرى التي أصابتها على يد ابن أخيه في بدر، حيث قتل أبناءها وآباءها وأشرافها ؟ الا أن يقال: انه كان مسلما سرا، وقد أمره (ص) بالبقاء في مكة، ليكون عينا له، ولازم ذلك هو أن يتظاهر بالشرك، وأنه معهم، وعلى دينهم. وقد تقدمت بعض تساؤلات حول وضع العباس في مكة في غزوة بدر، فلا نعيد. المشركون، وأزمة الثقة: ويلاحظ هنا: أن أبا سفيان لم يكن يثق بمن هم على دينه، ولا يستطيع أن يعتمد عليهم، ولذلك نراه يبادر الى اتهامهم بأنهم قد أخبروا محمدا بمسيرهم، وعددهم، وحذروه منهم. وقد أشير الى هذه الحالة في حديث سدير، قال: قلت لابي عبد الله: اني لألقى الرجل لم أره ولم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك، فأحبه حبا شديدا، فإذا كلمته وجدته لي مثلما أنا عليه له، ويخبرني: أنه يجد لي مثل الذي أجد له. فقال: صدقت ياسدير، ان ائتلاف قلوب الابرار إذا التقوا - وان لم يظهروا التودد بألسنتهم - كسرعة اختلاط قطر السماء مع مياه الانهار، وان بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا - وان أظهروا التودد بألسنتهم - كبعد البهائم عن التعاطف، وان طال اعتلافها على مذود واحد (1). ويمكن ان يستفاد هذا المعنى أيضا من بعض الايات القرآنية، قال تعالى:


(1) سفينة البحار ج 1 ص 204. (*)

[ 82 ]

(لا يزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) (1). وقال تعالى: (وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم انه عزيز حكيم) (2). وقال: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته اخوانا) (3). وموجز القول في سر ذلك: وهو ما أشار إليه الطباطبائي أيضا، الذي سنكتفي بتلخيص كلامه لما فيه من الخصوصيات، وان كان أصل الكلام قد كان محط نظرنا أيضا: أن الكفار انما يلتقون على مصالحهم الدنيوية الشخصية، ويتفقون ويختلفون على أساسها، وذلك لان الانسان يحب بطبعه أن يخص نفسه باللذائذ والنعم، وعلى هذا الاساس يحب هذا ويبغض ذاك. وحيث انه لايستطيع أن يلبي كل ما يحتاج إليه من ضروريات حياته، فانه لابد له من حياة اجتماعية تعينه على ذلك، ويتبادل مع الاخرين ثمرات الاتعاب، حيث ان كل شخص له مؤهلات تجعله يختص ببعض الامتيازات لنفسه: من مال، أو جمال، أو طاقات فكرية، أو نفسية، أو غريزية، أو غير ذلك. هذه الامتيازات التي تطمح إليها النفوس، ويتنافس فيها البشر عموما. وبسبب الاحتكاكات المتوالية، وما يصاحبها من وجوه الحرمان، والبغي، والظلم، والشح، والكرم في هذه الامور التي يتنافسون فيها، فان العداوات والصداقات تنتج عن ذلك.


(1) هود: 119. (2) الانفال: 63. (3) آل عمران: 103. (*)

[ 83 ]

وأما محاولات بذل النعم لفاقديها، فانها لاترفع هذه النزاعات والعداوات وغيرها الا في موارد جزئية. أما الحالة العامة فتبقى على حالها، لان هذا البذل لا يبطل غريزة الاستزادة، والشح الملتهب، على أن بعض النعم لاتقبل الا الاختصاص والانفراد، كالملك، والرئاسة، فالشرور والاحقاد التي تتولد عن ذلك باقية على حالها. هذه حالة المجتمع الكافر بالله، الذي لا يؤمن الا بالمصلحة الدنيوية الشخصية، واللذات الحاضرة. ولكن الله قد من على المسلمين، وأزال الشح من نفوسهم: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (1) وألف بين قلوبهم، وذلك لانه عرفهم: أن الحياة الانسانية حياة خالدة، وان الحياة الدنيا زائلة لاقيمة لها، وأن اللذة المادية لاقيمة لها، واللذة الواقعية هي أن يعيش الانسان في كرامة عبودية الله سبحانه، ورضوانه، والقرب والزلفى منه تعالى، مع النبيين والصديقين، وهناك اللذة الحقيقية الدائمة، قال تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا الا لهو ولعب، وان الدار الاخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) (2). كما أنه لا يملك أحد لنفسه نفعا ولاضررا، ولا موتا ولا حياة، بل هو في تصرف الله الذي بيده الخير والشر، والنفع والضر، والغنى والفقر. وكل نعمة هي هبة من ربه، وما حرم منه احتسب عند ربه أجره، وما عند الله خير وأبقى. واد لم يعد للمادة قيمة عند المؤمنين، فان أسباب الضغن والحقد تزول، ويصبحون بنعمته اخوانا، ولا يبقى في نفوسهم غل، وحسد، ورين (3).


(1) الحشر آية: 9. (2) العنكبوت: 64. (3) راجع تفسير الميزان ج 9 ص 119 - 121. (*)

[ 84 ]

وهكذا يتضح: ان موقف الخزاعيين، وعدم التزامهم بنصر قومهم، والحفاظ على أسرارهم أمر طبيعي. كما أن سوء ظن أبي سفيان، وعدم ثقته بهم هو أيضا نتيجة طبيعية للشرك، وعدم الايمان. ومن كل ذلك نعرف أيضا سر عدم تأثير تشجيع النساء في ثبات المشركين، ولم يمنعهم عار أسر نسائهم من الهزيمة، وتركوهن في معرض السبي، مع أنهم أخرجوهن لهدف هو عكس ذلك تماما. ولكن الامر بالنسبة للمسلمين (الحقيقيين) كان على عكس ذلك تماما كما سنرى. عنصر السرية لتلافي الاخطار المحتملة: قد رأينا أن النبي (ص) يأمر أبيا بكتمان خبر مسير قريش، ويستفيد من عنصر السرية، كي لا يفسح المجال أمام الحرب النفسية، التي لابد وأن يمارسها اليهود والمنافقون ضد المسلمين، وليفوت الفرصة عليهم، ويحبط مؤامراتهم المحتملة، لانهم في الحقيقة - وهم العدو الواقعي - هم العدو الاخطر، والمطلع على مواطن الضعف والقوة لدى المسلمين. أي أن اعلان الامر في وقت مبكر لسوف يستدعي اصرارا على معرفة خطة المواجهة مع العدو، وهذا يسهل على المتآمرين والخونة وضع الخطط اللازمة لافشال خطة المسلمين في الدفاع عن أنفسهم. كما أنه يعطي أعداءهم الفرصة لاعلام قريش بالامر، وبكل الخصوصيات اللازمة لمواجهة خطة المسلمين وافشالها، أو على الاقل تكبيد المسلمين أكبر عدد ممكن من الخسائر. وعنصر السرية هذا قد اعتمده النبي (ص) في أكثر من موقف في معركة أحد هذه وغيرها، كما سنرى.

[ 85 ]

المشركون في طريق المدينة: ولما انتهت قريش الى الابواء، ائتمروا في أن ينبشوا قبر أم محمد (ص)، وقالوا: (فان النساء عورة، فان يصب من نسائكم أحدا، قلتم: هذه رمة أمك. فان كان برا بأمه - كما يزعم - فلعمري لنفادينهم برمة أمه، وان لم يظفر بأحد من نسائكم، فلعمري ليفدين رمة أمه بمال كثير، ان كان بها برا) (1). وكانت زعيمة هذا الرأي هند زوجة أبي سفيان، فاستشار أبو سفيان أهل الرأي من قريش، فقالوا: لا تذكر من هذا شيئا، فلو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا. وسارت قريش حتى نزلت بذي الحليفة، وسرحوا ابلهم في زروع المدينة، التي كان المسلمون قد أخلوها من آلة الزرع قبل ذلك، وأرسل النبي (ص) بعض العيون لمراقبتهم، وأرسل أيضا الحباب بن المنذر سرا لمعرفة عددهم وعدتهم، وقال له: إذا رجعت فلا تخبرني بين أحد من المسلمين، الا أن ترى في القوم قلة، فرجع إليه فأخبره خاليا، وأمره الرسول (ص) بالكتمان (2). ونشير نحن هنا الى أمرين: الاول: معرفة النبي بواقع أصحابه: ان سبب أمره (ص) عينه الذي أرسله إليهم بذلك واضح، فان معرفة المسلمين بعددهم وعدتهم سوف يثبط من عزائم بعضهم، ممن اعتادوا: أن يقيسوا الامور بالمقاييس المادية، ولم يتفاعلوا بعد مع دينهم


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 206. (2) المغازي للواقدي ج 1 ص 207 - 208. (*)

[ 86 ]

وعقيدتهم بشكل كامل، ولا اطلعوا على تعاليم الاسلام وأهدافه، وارتبطوا بها عقليا، ووجدانيا، وعاطفيا، وسلوكيا، بنحو أعمق وأقوى، وانما دخلوا في الاسلام، اما عن طريق الاعجاب، أو القناعة العقلية. ولم يمض على دخولهم فيه الا فترة قصيرة جدا. الثاني: الافلاس على كل صعيد: ان مافر به القرشيون من نبش قبر أمه (ص)، انما يعبر عن مدى الاسفاف الفكري لدى قريش، حتى انها لتفكر باتباع أبشع اسلوب وأدناه في حربها مع المسلمين. وهذا ان دل على شئ، فانما يدل على أمور: أحدها: افلاسهم على صعيد المنطق والفكر، وحتى على صعيد الخلق الانساني، بل والعلاقات والضوابط المعقولة، في المواجهة مع المسلمين الذين هم القمة في كل ذلك. الثاني: مدى حقدهم الدفين على الاسلام والمسلمين. الثالث: مدى عمق الجرح، وعنف الصدمة الساحقة التي تلقتها قريش في بدر، ولا تزال تتلقاها على صعيد طرق قوافل تجارتها الى الشام، ويحتمل الى الحبشة أيضا. النبي (ص) يستشير أصحابه: ويقول المؤرخون: انه لما نزل المشركون قرب المدينة، وبث المسلمون الحرس على المدينة، وخصوصا مسجد الرسول، وأراد (ص) الشخوص، جمع (ص) أصحابه للتشاور في أمر جيش لم يواجه المسلمون مثله من قبل، عدة وعددا. ويذكرون أيضا: أنه (ص) أخبرهم برؤيا رآها، رأى بقرا يذبح، وأن في سيفه ثلمة، وأنه في درع حصينة، فأول البقر: بناس من أصحابه

[ 87 ]

يقتلون. والثلمة: برجل من أهل بيته يقتل. والدرع: بالمدينة. وللرواية نصوص أخرى لا مجال لها. وإذا كانت رؤيا النبي (ص) من الوحي، وكانت هذه الرواية صحيحة، فان ذلك يكون توطئة لاعلامهم بالموقف الصحيح، وأن عليهم أن يلتزموا بتوجيهات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يرتبط بالتخطيط والتنفيذ في المواجهة مع العدو. وكنهم اتجهوا في مواقفهم وقراراتهم نحو العكس من ذلك، حيث يقولون: ان ابن أبي قد أشار بالبقاء في المدينة، فإذا أقبل العدو رماه الاطفال والنسوة بالحجارة، وقاتله الرجال باسكك. وان أقام في خارج المدينة أقام في شر موضع. وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) - كما يقولون - كارها للخروج من المدينة أيضا. ولكن من لم يشهد بدرا، وطائفة من الشباب المتحمسين الذين ذاقوا حلاوة النصر في بدر، ومعهم حمزة بن عبد المطلب، وأهل السن، قد رغبوا بالخروج وأصروا عليه، لانهم - كما يقول البعض - يرون خيل قريش وابلها ترعى زروعهم، وتعيث فيها فسادا. واحتجوا لذلك: بأن اقامتهم في المدينة ستجعل عدوهم يظن فيهم الجبن، فيجرؤ عليهم. وقالوا: (وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل، فأظفرك الله بهم، ونحن اليوم بشر كثير). بعد أن ذكروا: أن هذا أمر قد ساقه الله إليهم في ساحتهم. قال نعيم بن مالك: (يا نبي الله، لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لادخلنها. فقال له (ص) بم ؟ قال: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر من الزحف، فقال له (ص): صدقت.

[ 88 ]

وقال له أنصاري: متى نقاتلهم يا رسول الله، ان لم نقاتلهم عند شعبنا. وقال آخر: اني لا أحب أن ترجع قريش الى قومها لتقول: حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها، فتكون هذه جرأة لقريش، وها هم قد وطأوا سعفنا، فإذا لم نذب عن عرضنا فلم ندرع ؟ !. وقال آخر: ان قريشا مكثت حولا تجمع الجموع، وتستجلب العرب في بواديها، ومن اتبعها من أحابيشها، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل، واعتلوا الابل، حتى نزلوا ساحتنا، فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا ؟ ثم يرجعون وافرين لم يكلموا ؟ !، فيجرؤهم ذلك علينا، حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطلالنا، ويضعوا العيون والارصاد علينا. مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترئ علينا العرب حولنا الخ... وثمة كلام آخر هنا يروى عن حمزة وغيره لا مجال له هنا، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة المصادر. وأبى كثير من الناس الا الخروج، فنزل (ص) على رأي غالبية الناس، ثم دخل بيته ليلبس لامة الحرب. ففي هذه الاثناء أدركهم الندم على اصرارهم على النبي (ص) واستكراههم له، وهو أعلم بالله وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء. فلما خرج النبي (ص) عليهم وقد لبس لامته، ليتوجه مع أصحابه الى حرب قريش، قالوا: يارسول الله، امكث كما أمرتنا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب أن يرجع حتى يقاتل (1).


(1) راجع جميع ما تقدم في: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 67 و 68، وتاريخ الخميس ج 1 ص 421 و 422، والسيرة الحلبية ج 2 ص 218 و 219، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 188 - 190، والمواهب اللدنية ج 1 ص 92 و 93، = (*)

[ 89 ]

ثم وعظهم وعقد الالوية، وخرج بجيشه لحرب قريش وجمعها. وفي رواية: أنهم لما صاروا على الطريق قالوا: نرجع. قال (ص): ما كان ينبغي لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم. وها هنا أمور هامة لابد من التنبيه عليها. ألف: هل النبي (ص) يحتاج الى رأي أحد ؟ ! قد تقدم في الجزء السابق من هذا الكتاب في فصل سرايا وغزوات قبل بدر، وفي نفس موقعة بدر بعض الكلام حول استشارة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه في أمر الحرب. ونعود هنا للاشارة الى هذا الامر من جديد، على أمل أن يضم القارئ ما كتبناه هنا وهناك، وهنالك، بعضه الى بعض، ويستخلص النتيجة المتوخاة من طرح هذا الموضوع، والاشارة الى جوانبه المختلفة فنقول: انه لاريب في حسن المشاورة وصلاحها. وقد ورد الحث عليها في الخبار الكثيرة. ويقولون: ان النبي (ص) قد شاور أصحابه في أكثر من مرة ومناسبة، حتى نزل في مناسبة حرب أحد قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الامر، فإذا عزمت فتوكل على الله، ان الله يحب المتوكلين. ان ينصركم الله فلا غالب لكم


ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 208 و 226 ط دار الكتب العلمية، والسيرة النبوية لابن اسحاق ص 324، والكامل في التاريخ ج 2 ص 150، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 25 و 26، والبداية والنهاية ج 4 ص 12 و 13، وراجع ص 11 والمغازي للواقدي ج 1 ص 208 - 211 و 214، والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 21 - 23، وسيرة المصطفى ص 395 و 396، ومجمع الزوائد ج 6 ص 107. (*)

[ 90 ]

الخ) (1). وعن ابن عباس بسند حسن: لما نزلت: وشاورهم في الامر، قال رسول الله (ص): أما ان الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لامتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا (2). والسؤال هنا هو: انه إذا كان الله ورسوله غنيين عنها، فلماذا يأمر الله تعالى نبيه بأن يشاور أصحابه في الامر ؟ !. وسؤال آخر، وهو: هل يمكن بضم الاية التي في سورة الشورى: (وأمرهم شورى بينهم) (3)، وبضم سائر الروايات التي تحث على الاستشارة - هل يمكن - أن نفهم من ذلك: ضرورة اتخاذ الشورى كمبدأ في الحكم والسياسة، وفي الادارة، وفي سائر الموارد والمواقف، حسبما تريد بعض الفئات أن تتبناه، وتوحي به على أنه أصل اسلامي أصيل ومطرد ؟ !. الجواب عن السؤال الاول: أما الجواب عن السؤال الاول: فنحسب أن ما تقدم في الجزء السابق من هذا الكتاب في فصل سرايا وغزوات قبل بدر، وكذا ما تقدم من الكلام حول الشورى في بدر (4) كاف فيه، ونزيد هنا تأييدا لما ذكرناه هناك ما يلي:


(1) آل عمران: 159 - 160. (2) الدر المنثور ج 2 ص 80 عن ابن عدي، والبيهقي في شعب الايمان. (3) سورة الشورى: 38. (4) راجع غزوة بدر. (*)

[ 91 ]

1 - قد يقال: ان بعض الروايات تفيد: ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يستشير أصحابه الا في أمر الحرب. فقد روي بسند رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمرو، قال: كتب أبو بكر الى عمرو بن العاص: ان رسول الله شاور في الحرب، فعليك به (1). وان كنا نرى: أن هذا لا يفيد نفي استشارته (ص) في غير الحرب. 2 - ان قوله تعالى في سورة آل عمران: (وشاورهم في الامر) خاص بالمشاورة في الحرب، لان اللام في الاية ليست للجنس بحيث تشمل كل أمر، بل هي للعهد، أي شاورهم في هذا الامر الذي يجري الحديث عنه، وهو أمر الحرب، كما هو واضح من الايات السابقة واللاحقة، فالتعدي الى غير الحرب يحتاج الى دليل. 3 - ان الاية تنص على أن استشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاصحابه لاتعني أن يأخذ برأيهم حتى ولو اجتمعوا عليه، لانها تنص على أن اتخاذ القرار النهائي يرجع الى النبي (ص) نفسه، حيث قال تعالى: (وشاورهم في الامر، فإذا عزمت فتوكل على الله). 4 - لقد ذكر العلامة السيد عبد المحسن فضل الله: أن الامر في الاية ليس للوجوب، والا لكانت بقية الاوامر في الاية كذلك، ويلزم منه وجوب العفو عن كبائرهم حتى الشرك. وإذا كان الضمير في الاية يرجع الى الفارين فهو يعني: أن الشورى تكون لاهل الكبائر من أمته، مع أن الله قد نهى رسوله عن اطاعة الاثم،


(1) مجمع الزوائد ج 5 ص 319 عن الطبراني، وحياة الصحابة ج 2 ص 48 عن كنز العمال ج 2 ص 163 عن البزار والعقيلي وسنده حسن، والدر المنثور ج 2 ص 90 عن الطبراني بسند جيد عن ابن عمرو. (*)

[ 92 ]

والكفور، ومن أغفل الله قلبه (1) فالحق: أن الامر وارد عقيب توهم الحظر عن مشاورة هؤلاء، ليبيح مشاورتهم، ومعاملتهم معاملة طبيعية (2). 5 - ان رواية ابن عباس المتقدمة تفيد: أن استشارته (ص) أصحابه لاقيمة لها على صعيد اتخاذ القرار، لان الله ورسوله غنيان عنها، لانهما يعرفان صواب الاراء من خطئها، فلا تزيدهما الاستشارة علما، ولا ترفع جهلا، وانما هي أمر تعليمي أخلاقي للامة، بملاحظة فوائد المشورة لهم، لانها تهدف الى الامعان في استخراج صواب الرأي بمراجعة العقول المختلفة. فعن علي أمير المؤمنين (عليه السلام): من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها (3). وعنه أيضا: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه (4). وعن أنس عن النبي (ص): ما خاب من استخار، وما ندم من استشار (5). الى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. وإذا كانت الاستشارة أمرا تعليميا أخلاقيا، فلا محذور على الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها.


(1) راجع: سورة الكهف آية 29، والاحزاب آية 56، والدهر آية 34، وأقول: وتنافي أيضا الاية التي في سورة الشورى التي خصت الشورى بالمؤمنين الذين لهم صفات معينة. (2) راجع: الاسلام وأسس التشريع ص 111 - 113 للعلامة السيد عبد المحسن فضل الله. (3) نهج البلاغة چ 3 ص 192 الحكمة رقم 161. (4) نهج البلاغة ج 3 ص 201 الحكمة رقم 211. (5) الدر المنثور ج 2 ص 90 عن الطبراني في الاوسط، وأمالي الطوسي ص 84. (*)

[ 93 ]

ب: من أهداف استشارته (ص) لاصحابه: ويقول الشهيد السعيد، المفكر والفيلسوف الاسلامي الكبير، آية الله الشيخ مرتضى مطهري، قدس الله نفسه الزكية: ان النبي (ص) وهو في مقام النبوة، وفي حين كان أصحابه يتفانون في سبيله، حتى ليقولون له: انه لو أمرهم بأن يلقوا أنفسهم في البحر لفعلوا، فانه لا يريد أن ينفرد في اتخاذ القرار، لان أقل مضار ذلك هو أن لايشعر أتباعه بأن لهم شخصيتهم وفكرهم المتميز، فهو حين يتجاهلهم كأنه يقول لهم: انهم لا يملكون الفكر والفهم والشعور الكافي، وانما هم مجرد آلة تنفيذ لا أكثر ولا أقل، وهو فقط يملك حرية اصدار القرار، والتفكير فيه دونهم. وطبيعي أن ينعكس ذلك على الاجيال بعده (ص)، فكل حاكم يأتي سوف يستبد بالقرار، وسيقهر الناس على الانصياع لارادته، مهما كانت، وذلك بحجة أن له في رسول الله (ص) أسوة حسنة. مع أنه ليس من لوازم الحكم الاستبداد بالرأي، فقد استشار النبي (ص) - وهو معصوم - أصحابه في بدر وأحد (1) انتهى. ونزيد نحن هنا: أن ظروف وأجواء آية: (وشاورهم في الامر). تشعر بأنه قد كان ثمة حاجة لتأليف الناس حينئذ، وجلب محبتهم وثقتهم، واظهار العطف والليونة معهم، وان لا يفرض الرأي عليهم فرضا، رحمة لهم، وحفاظا على وحدتهم واجتماعهم، ولم شعثهم، وجمع كلمتهم، وكبح جماحهم ؟ !، فالاية تقول: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الامر) فكأنه كان قد بدر من أصحابه أمر سئ يستدعي


(1) جريدة (جمهوري اسلامي) الفارسية عدد 30 ربيع الاول 1400 ه‍. (*)

[ 94 ]

العفو عنهم واللين معهم، وارجاع الاعتبار إليهم، ليطمئنوا الى أن ما بدر منهم لم يؤثر على مكانتهم عنده، فلا داعي لنفورهم منه. هذا كله عدا عما قدمناه حين الكلام على بدر، وعلى السرايا التي سبقتها، في الجزء السابق من هذا الكتاب، فليراجع. وأما الجواب عن السؤال الثاني: فنشير الى ما يلي: 1 - ما قدمناه: من أن قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) ليس الا أمرا تعليميا أخلاقيا، وليس الزاميا يوجب التخلف عنه العقاب، وانما يمكن أن يوجب وقوع الانسان في بعض الاخطاء، فيكون عليه أن يتحمل آثارها، ويعاني من نتائجها. 2 - ان الضمير في (أمرهم) يرجع الى المؤمنين، والمراد به الامر الذي يرتبط بهم، فالشورى انما هي في الامور التي ترجع الى المؤمنين وشؤونهم الخاصة بهم، وليس للشرع فيها الزام أو مدخلية، كما في أمور معاشهم ونحوها، مما يفترض في الانسان أن يقوم به. أما إذا كان ثمة الزام شرعي ف‍ (ماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة) (1) (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (2). فمورد الحكم، والسياسة، والادارة، وغير ذلك، لا يمكن أن يكون شورائيا الا ثبت أن الشارع ليس له فيه حكم، ونظر خاص. وقد قال العلامة الطباطبائي مد الله في عمره: (والروايات في المشاورة كثيرة جدا، وموردها ما يجوز للمستشير فعله وتركه بحسب


(1) الاحزاب آية: 36. (2) النور آية: 54. (*)

[ 95 ]

المرجحات. وأما الاحكام الالهية الثابتة، فلا مورد للاستشارة فيها، كما لا رخصة فيها لاحد، والا كان اختلاف الحوادث الجارية ناسخا لكلام الله تعالى) (1). 3 - قوله تعالى: (وشاورهم في الامر) ظاهر في كون ذلك في ظرف كونه حاكما وواليا عليهم، فان عليه أن يستشيرهم في هذا الظرف. وهذا لا يعني أبدا أن يكون نفس الحكم شورائيا وانتخابيا، بأي وجه. هذا كله، عدا عن احتمال أن يكون هذا الامر واردا في مقام توهم الحظر، فلا يدل على أكثر من اباحة المشاورة، ولا يدل على الالزام بها. وهو احتمال قوي كما أوضحناه في ما سبق. 4 - ان القرار النهائي يتخذه المستشير نفسه، ولربما وافق رأي الاكثر، ولربما خالفهم. ويدل على ذلك قوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله). وليس في الاية الزام برأي الاكثرية، بل ولا برأي الكل لو حصل اجماعهم على رأي واحد. 5 - ان هذه الشورى التي دل عليها قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) ليست لكل أحد، وانما هي خاصة بأولئك المؤمنين الذين لهم تلك الصفات المذكورة في الايات قبل وبعد هذه العبارة، وليس ثمة ما يدل على تعميمها لغيرهم، بل ربما يقال بعدم التعميم قطعا، فقد قال تعالى: (فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) (2).


(1) تفسير الميزان ح 4 ص 70. (2) الشورى 36 - 39. (*)

[ 96 ]

فهؤلاء هم أهل الشورى (1) (، وليس لغيرهم الحق في أن يشاركهم فيها، لان ذلك الغير، لا يؤمن على نفسه، فكيف يؤمن على مصالح العباد، ودمائهم، وأموالهم، وأعراضهم ؟ !. ج: نظرية: خلافة الانسان، وشهادة الانبياء: ويقول الشهيد السعيد، المفكر الاسلامي، آية الله السيد محمد باقر الصدر، قدس الله نفسه الزكية، ما ملخصه: ان الله عز وجل قد جعل الخلافة لادم (ع)، لا بما أنه آدم، بل بما أنه ممثل لكل البشرية، فخلافة الله في الحقيقة هي للامة وللبشر أنفسهم، فقد قال تعالى: (واذ قال ربك للملائكة: اني جاعل في الارض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفس فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال: اني أعلم مالا تعلمون) (2). كما أن المراد بالامانة في قوله تعالى: (انا عرضنا الامانة على السماوات، والارض، والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) (3) هذه الخلافة بالذات، وهي التي تعني الادارة والحكم في الكون.


(1) واحتمال: ان يكون المعنى: ما عند الله خير وأبقى لجماعا مختلفة وهم: 1 - الذين آمنوا. 2 - الذين يجتنبون كبائر الاثم الخ.. هذا الاحتمال خلاف الظاهر هنا، فان المراد أن الذين يجمعون هذه الصفات هم الذين يكون ما عند الله خير وأبقى لهم. ولا فلو كان أحد ينتصر على من بغى عليه ولكنه غير مؤمن مثلا، فلا شك في أن ما عند الله ليس خيرا وأبقى له. وكذا لو كان أمرهم شورى بينهم وهم غير مؤمنين. (2) البقرة: 30. (3) الاحزاب: 72. (*)

[ 97 ]

واستشهد على ذلك أيضا بقوله تعالى: (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق) (1). وبقوله تعالى: (إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) (2). وبقوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الارض) (3). ورتب على ذلك: أنه بعد وفاة النبي (ص)، وفقد الامام، وتحرر الامة من الطاغوت، تمارس الامة دورها في الخلافة الزمنية، ويكون دور المجتهد المرجع هو الشهادة والرقابة على الامة. وقال ما ملخصه: ان الله هو رب الارض وخيراتها، ورب الانسان والحيوان، فالانسان مستخلف على كل ذلك. ومن هنا كانت الخلافة في القرآن أساسا للحكم. وقد فرع الله الحكم بين الناس على جعل داود خليفة. ولما كانت الجماعة البشرية هي التي منحت - ممثلة بآدم - هذه الخلافة، فهي اذن المكلفة برعاية الكون، وتدبير أمر الانسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية. وهذا يعطي مفهوم الاسلام الاساسي عن الخلافة، وهو أن الله تعالى قد أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون واعماره، اجتماعيا وطبيعيا. وعلى هذا الاساس تقوم نظرية حكم الناس لانفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله. وفي عملية اعداد وتربية الامة يتولى النبي والامام مسؤولية الرقابة والشهادة على الامة، ومسؤولية الخلافة، ليهئ الامة لتحمل مسؤولياتها في الوقت المناسب. وبعد أن فقد الامام (ع)، بسبب ظروف معينة


(1) ص: 26. (2) الاعراف: 69. (3) يونس: 14. (*)

[ 98 ]

تعرضت لها الامة، فان المرجع - غير المعصوم - لابد وأن يتولى أمر الخلافة والشهادة مادامت الامة محكومة للطاغوت، ومقصاة عن حقها في الخلافة العامة. (وأما إذا حررت الامة نفسها، فخط الخلافة ينتقل إليها، فهي التي تمارس الخلافة السياسية والاجتماعية في الامة، بتطبيق أحكام الله، وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني. وتمارس الامة دورها في الخلافة في الاطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين: (وأمرهم شورى بينهم). (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر). فان النص الاول يعطي للامة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك. والنص الثاني يتحدث عن الولاية، وأن كل مؤمن ولي الاخرين. ويريد بالولاية تولي أموره، بقرينة تفريع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه. والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك: الاخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الاكثرية عند الاختلاف. وهكذا، وزع الاسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطين بين المرجع والامة، وبين الاجتهاد الشرعي والخلافة الزمنية (1) الى آخر كلامه قدس الله نفسه الزكية.


(1) هذا محصل ما جاء في كتاب: خلافة الانسان وشهادة الانبياء للشهيد الصدر، والفقرات الاخيرة هي في ص 53 / 54. (*)

[ 99 ]

مناقشة ما تقدم: ونحن نسجل هنا النقاط التالية: أولا: ان الاية القرآنية التي استدل بها رحمه الله تقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، ان الله عزيز حكيم) (1). فإذا كان تفريع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دليلا على أن المراد بالولاية هو تولي أمور بعضهم البعض، كما ذكره قدس الله نفسه الزكية، فما هو وجه تفريع اقامة الصلاة وايتاء الزكاة على ذلك ؟ !. ولم لا يفهم من الاية: أنها - فقط - في مقام اعطاء حق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر للمؤمنين جميعا، فهي تجعل لهم الولاية بهذا المقدار، لا أكثر ؟ !. بل لم لا يفهم منها: أنها في مقام اعطائهم حق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بسبب محبة بعضهم بعضا، أو بسبب كون بعضهم تابعا لبعض، ومطيعا له، أو بسبب نصرته له، ونحو ذلك، فقد ورد للولي معان كثيرة، ومنها: المحب. والصديق، والنصير. والولي: فعيل، بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، قال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور الى الظلمات) (2). بل ان من يلاحظ آيات اعطاء الولاية للمؤمنين وسواها من الايات، يخرج بحقيقة: أن الله سبحانه يريد للناس المؤمنين أن يكونوا أمة واحدة، وبمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء. وكل


(1) التوبة: 71. (2) البقرة: 257. (*)

[ 100 ]

هذه الاعضاء للجسد الواحد انما تحافظ على ذلك الواحد بكل ما تقدر عليه، وذلك بالدفاع عنه، وبالنصيحة لجماعة، ولائمة المسلمين. فالله ولى الذين آمنوا بالتشريع، وحفظ المصالح والحكم، ولله الامر من قبل ومن بعد، وللنبي (ص) وللامام (ع) الولاية أيضا بجعل من الله، بهدف تدبير أمورهم وقيادتهم. والمؤمنون المرؤوسون للنبي (ص) وللامام (ع) بعضهم أولياء بعض في النصيحة وحفظ الغيب، والاهتمام بأمور بعضهم بعضا، والنصرة، والمعونة، فليس معنى الولاية هو الحكومة لكل واحد منهم على الاخر، أو على المجتمع، بل ولي المجتمع والحاكم فيه هو الله سبحانه. وكخلاصة لما تقدم نقول: ان كل هذه المعاني محتملة في الاية المشار إليها - ان لم يكن من بينها (وهو الاخير) ما هو الاظهر - وليس فيها ما يوجب تعين كون الولي فيها بمعنى الحاكم، والمتولي للامر. وثانيا: لو كانت هذه الاية تعطي حقا للمؤمنين في أن يحكم بعضهم بعضا، فاللازم أن تعطي الايات الاخرى هذا الحق بالذات للكفار، وتصير حكومتهم على بعضهم البعض شرعية ! ! فقد قال تعالى: (ان الذين آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين أووا، ونصروا، أولئك بعضهم أولياء بعض. والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ، حتى يهاجروا وان اشتنصروكم في الدين فعليكم النصر، الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير) (1).


(1) الانفال: 72 و 73. (*)

[ 101 ]

فبقرينة المقابلة في الاية هنا بين ولاية المؤمنين التي نشأت عنها مسؤوليات النصر وغير ذلك من امور، تدل على أن المراد بالولاية تولي الامور، وبين الاية الدالة على ولاية الكفار بعضهم لبعض، تكون النتيجة هي: جعل الحاكمية للكفار أيضا بالنسبة لبعضهم فيما بينهم، لو كان المراد بالولاية هو تولي الامور كما يريد المستدل أن يقول. ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض) (1) وقوله تعالى: (انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) (2). وقال تعالى: (وان الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين) (3). الى غير ذلك من الايات التي بهذا المضمون. حيث ان المقصود هو النهي عن اطاعة الشياطين، وعن الانصياع لاوامر اليهود والنصارى. بل ان الاية الاخيرة تنفي الولاية عن المؤمنين، وتخصها بالله تعالى. فلو كان المراد بالولاية الحكم، لكانت ولاية الكفار شرعية كما قلنا. وهذا مما لا يمكن القول به ولا المساعدة عليه، فلابد من القول بأن الولاية التي يترتب عليها الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليست بهذا المعنى، بل هي بمعنى النصيحة، وحفظ الغيب، وأنها ولاية بهذا المقدار لا أكثر. والقول: بأن هذه الايات ونظائرها ناظرة الى أن من طبيعة الكفار أن يتولى بعضهم بعضا. وليس في مقام جعل ولاية شرعية لهم.


(1) المائدة: 51. (2) الاعراف: 27. (3) الجاثية: 19. (*)

[ 102 ]

يقابله القول: بأنه لم لا تكون الايات التي تتعرض للولاية بين المؤمنين ناظرة الى نفس هذا المعنى أيضا ؟ !. وإذا كانت آيات ولاية الكفار يراد منها الولاية بمعنى النصرة، والمحبة، ونحو ذلك. فلتكن تلك الايات لها نفس هذا المعنى أيضا: فانها كلها لها سياق واحد، وتريد أن تنفي وتثبت أمرا واحدا. وثالثا: لو سلمنا: أن معنى الاية هو: أن كل مؤمن ولي للاخرين، وسلمنا أن المراد بالولاية ليس هو حفظ مصالح الامة الاسلامية بالنصيحة، والمعونة، وحفظ الغيب، وغير ذلك، مع أن ذلك هو الظاهر. وقبلنا بأن المراد بالولاية ولاية الحكومة، فحينئذ لنا أن نسأل هل يعني ذلك: أن الاية تجعل كل مؤمن حاكما على الاخرين، ومحكوما لهم في آن واحد ؟ أم أن الاية تريد فقط: أن تعطي للبعض الحق في أن يحكم ويتسلط على البعض الاخر ؟ !. من دون أن يكون للمحكوم حق في ذلك. وبماذا ترجح هذا على ذاك، دون العكس يا ترى ؟ !. ولو سلمنا أن الظاهر هو الثاني، فما هي شرائط هذه الحكومة ؟ وما هي ظروفها ؟ وما الذي يجب توفره في هذا الحاكم ؟ !: العلم ؟ الاجتهاد ؟ العدالة ؟ الخ. ومن الذي يعين هذا الحاكم، ومن يختاره ؟ هل هو المعصوم ؟ أم غيره ؟. ورابعا: بالنسبة لايات الاستخلاف في الارض والشهادة على الناس نشير الى: 1 - انه ليس في آية سورة الاحزاب: ان المراد بالامانة: الخلافة. وقد قيل: انها التكاليف. وقيل: هي العقل، وقيل: هي الولاية الالهية. وقيل: هي معرفة الله. الى غير ذلك من الاقوال (1).


(1) راجع: تفسير الميزان ج 16 ص 348 - 352 في تفسير الاية. (*)

[ 103 ]

والجزم بأن المراد هو الخلافة، ثم ترتيب أحكام واستنتاجات معينة على ذلك، ليس بأولى من الجزم بغيره، فلا بد من ترجيح أحد هذه الوجوه بالقرائن. وليس ثمة ما يوجب الالتزام بخصوص هذا المعنى دون سواه مما ذكر. بل ان في الاية التي تلي تلك الاية ما يؤيد أن المراد بالاية أمرا اعتقاديا، أو نحو ذلك، وليس الخلافة، فقد قال تعالى: (انا عرضنا الامانة على السماوات، والارض، والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا. ليعذب الله المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورا رحيما). 2 - بالنسبة لاية استخلاف آدم، ليس فيها ما يشير الى أن المراد هو استخلاف النوع البشري، الا قول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء ؟ !. وهذا لا يدل على أكثر من أن الملائكة قد فهموا: أن هذا المخلوق الجديد (الخليفة) له طبيعة فيها مقتضيات الشر، تقتضي ما ذكروه، ولا تدل على أن الخلافة قد منحت لكل من له هذه الطبيعة. 3 - ثم، ما المراد بهذا الاستخلاف ؟ هل هو الحكم والامارة ؟، أم هو التسليط على الكون وما فيه في حدود قدراته، واعطاؤه حق التصرف في ما خلقه الله، على قاعدة قوله تعالى: (هو أنشأكم من الارض، واستعمركم فيها) ولذلك هو يطلب منهم شكر هذه النعمة، والايمان بالله تعالى ؟ الظاهر هو الثاني. ويؤيد ذلك: أن من يطالع آيات الاستخلاف يجد: أن أكثرها ناظر الى البشر جميعا، مؤمنهم وكافرهم، ثم هي تهدد الكافرين، وتتوعدهم. ومما يؤيد أن يكون المراد بالخلافة في أكثر الايات، هو اعمار الكون: أنه إذا كان البشر خلفاء، فهم خلفاء على أي شئ ؟ ! انهم خلفاء

[ 104 ]

ووكلاء على غير أنفسهم، إذ لا يعقل أن يكون الشئ خليفة على نفسه. فالبشرية لها خلافة على غيرها مما في الكون. وهذا يؤيد أن يكون معنى الخلافة ليس هو الامارة. 4 - وفي مقابل ذلك نجد: أنه تعالى لم يستخلف المؤمنين فعلا، وانما وعدهم بالاستخلاف حيث قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض) (1). فالجمع بين هذه الاية، والايات الاخرى، يحتم علينا أن نقول: ان المراد بآيات (خلائف) ونحوها، هو النيابة في اعمار الكون، والتمكين من التصرف في الطبيعة. والمراد من هذه الاية الاخيرة هو الحكم والسلطان، فهذه الاية أدل دليل على أن الخلافة بمعنى الحكم والسلطان لم تمنح للبشر عامة، وانما وعد الله المؤمنين بها في الوقت المناسب. والظاهر: أن ذلك سيكون في زمن ظهور المهدي عليه الصلاة والسلام. 5 - ان آية استخلاف داود، وتفريع الحكم بين الناس بالحق على هذه الخلافة، التي لابد وأن يكون معناها الحكم والسلطان، لا تدل على جعل الخلافة لكل البشر، فلعل كونه نبيا لم يتلبس بشئ من الظلم أبدا - كما قال تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) (2) - له مدخلية في استحقاق هذا المنصب الخطير، لان نيله درجة النبوة، انما هو لاجل أنه يحمل خصائص معينة - كالعصمة ونحوها - أهلته لذلك الامر الخطير الذي يتفرع عليه الحكم بالحق. 6 - اننا نلاحظ: أنه ليس في جميع الايات التي استعملت لفظ: (خليفة)، ومشتقاته ما يدل على أن هذا المستخلف هو خليفة لله لا لغيره. بل ذكرت الايات: أن الله تعالى قد جعل خلفاء، ولم تبين: أنهم


(1) النور: 55. (2) البقرة: 124. (*)

[ 105 ]

خلفاء لمن ؟ فلعل المراد: أن آدم (عليه السلام) قد جاء لاعمار الارض، وقد خلف من كان عليها من المخلوقات قبله (عليه السلام). وعلى هذا فلا مجال للاستدلال بتلك الايات على ما أراده رحمه الله. 7 - ولو سلمنا، فان الاستخلاف في الارض، ليس معناه جعل جميع المناصب الالهية لهذا المستخلف. وليس في هذا اللفظ ما يفيد عموم المنزلة، بل هو ينصرف الى نوع معين من الامور، فمثلا لو قيل: فلان استخلف فلانا على أهله، فانه ينصرف الى الاستخلاف في امور معينة يمكن الاستخلاف فيها. ولا يمكن أن يعني ذلك ثبوت كل حق كان لذاك لهذا، فان الاستخلاف حكم سجري في كل مورد قابل لذلك، أو في الموارد التي ينصرف إليها الكلام بحسب خصوصيات المورد، وبحسب حالات الخطاب. ولا يمكن أن يتمسك باطلاق الاستخلاف لاثبات قابلية ما يشك في قابليته. وخامسا: ان قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، يدل على أن الامور الراجعة لهم هي التي يمكن أن يمارسوا فيها حق الشورى، فلابد أولا من اثبات: أن مسألة الحكم، والتصرف في امور الغير حق لهم. ليمكنهم أن يفصلوا فيها عن طريق مبدأ الشورى، ولا يمكن للحكم أن يثبت موضوعه ويوجده، كما أشرنا إليه آنفا. بل ان لدينا ما يدل على أن الحكومة ليست حقا للناس، ولا يرجع البت فيها إليهم. وهو ما تقدم حين الكلام عن عرض النبي (ص) دعوته على القبائل، حيث قال لبني عامر: الامر لله يضعه حيث يشاء. وسيأتي في غزوة بئر معونة: أنه (ص) قد قال ذلك لعامر بن الطفيل أيضا. ثم هناك مقبولة - بل صحيحة - عمر بن حنظلة التي تقول: (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف

[ 106 ]

أحكامنا، فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما (1) وكذا قوله: العلماء حكام على الناس، وروايات كثيرة أخرى. ولم يعين في الروايات: أن يكون ذلك في زمن الطاغوت، أو في ما بعد الاطاحة به، ولا صورة رقي الامة ايمانيا وفكريا، ولا عدمها. وسادسا: ان هذه الشورى لا يفهم منها الا مبدأ كلي مجمل. ولا تدل على أنه لو خالف بعض الامة فيما يراد اجراء مبدأ الشورى فيه. فهل ينفذ حكم الاكثرية على تلك الاقلية ؟ أم لابد من ارضاء الجميع في أي تصرف، وأية قضية. وأنه لو تساوت الاراء فماذا يكون مصير الشورى ؟ الى غير ذلك مما يرتبط بشرائط الشورى وحدودها، ومواردها. وأخيرا، فلو أنه رحمه الله استدل على ولاية الفقيه بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ان أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه (2). وبصحيحة عمر بن حنظلة المشار إليها آنفا لكان أولى، فانها تقرر: أن الحكم حق للفقيه الجامع للشرائط فقط، ولا يحق لغيره أن يتصدى له، حيث قال (عليه السلام): (فاني قد جعلته عليكم حاكما). د: ما هو رأي النبي (ص) في أحد ؟ غالب الروايات، بل كلها متفقة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرجح البقاء في المدينة، ولكن اصرار أصحابه هو الذي دعاه الى العدول عن هذا الرأي. ولكن العلامة السية الحسني أيده الله تعالى يرى: أن النبي كان


(1) الوسائل ج 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي حديث !. والرواية معتبرة جدا، فان عمر بن حنظلة شيخ كبير روى عنه عدد كبير من الثقات الكبار والاعيان، بل لم يرو عنه ضعيف الا رجل واحد. ومن بين من روى عنه - وهم كثير - من لا يروي الا عن ثقة - كما قيل - كابن بكير وصفوان الجمال. (*)

[ 107 ]

يرى الخروج الى العدو، عكس رأي عبد الله بن أبي بن سلول، وانما استشارهم (ص) ليختبر نواياهم، ويستدل على ذلك بما ملخصه: ان ملاقاة جيش مكة داخل المدينة سيمكنهم من احتلالها خلال ساعات معدودة، لان المنافقين، والمرتابين من سكان المدينة - وعددهم كثير، وكانوا على اتصال دائم معهم - سيعاونونهم على النبي (ص) والمسلمين. ولا يعقل أن يخلص ابن أبي ومن معه من المنافقين والمرتابين من المهاجرين والانصار في الدفاع عن محمد (ص) ورسالته، وهم يلتقون مع الغزاة التقاء كاملا. وكان ابن أبي هو المشير على الرسول (ص) بالبقاء في المدينة، ووافقه على ذلك شيوخ المهاجرين. وأدرك النبي (ص) الغاية، ولكنه بقي يتظاهر بالموافقة على رأي ابن أبي، ليختبر بقية المسلمين، وان كان فيمن وافق ابن أبي من لا يشك في حسن نيته، كما أنه لا شك في أن فيهم المتآمرين. ولما اختبرهم (ص)، وعرف نواياهم، أعلن عن رأيه الذي كان قد انطوى عليه من أول الامر. ويرجح ذلك: أنه لما خرج المسلمون الى أحد رجع ابن أبي في ثلاثمائة وخمسين من أتباعه المنافقين، وبعض اليهود الى المدينة بلا سبب. وفي رواية: أنه هو نفسه (ص) أمرهم بالرجوع، وقال: لا نحارب المشركين بالمشركين. وذلك دليل قاطع على سوء نواياهم، وأنه (ص) كان يتخوف منهم أن ينضموا الى المشركين حين احتدام الحرب، وإذا كان في ريب من أمرهم، وهم خارج المدينة، فكيف يوافقهم على مقابلة الغزاة في داخلها، ويطمئن إليهم في الدفاع عنها ؟ !. وإذا كان ابن سلول صادقا في قوله: انه سيدافع عن المدينة في

[ 108 ]

الداخل، فلماذا رجع من الطريق وهو يعلم: أن جيش النبي (ص) بأمس الحاجة الى المساعدة ؟ !. اذن، فالخروج من المدينة هو الاصوب، ولو أنه بقى فيها لاصبح خلال ساعات معدودات تحت رحمة المشركين. انتهى ملخصا (1). ويؤيد رأي العلامة الحسني أيضا: المبدأ الحربي الذي أطلقه علي (عليه السلام) حينما قال: ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا (2). ونحن هنا نشير الى ما يلي: 1 - ان أبا سفيان - كما تقدم - كان يخشى أن يلزم أهل يثرب صياصيهم، ولا يخرجوا منها (3). وهذا يعني: أنهم يعتبرون بقاء المسلمين في المدينة معناه: تضييع الفرصة على قريش، وعدم تمكينها من تحقيق أهدافها. وغاية ما استطاع صفوان بن أمية أن يقدمه لابي سفيان، كبديل مرض ومقنع، هو أنهم حينئذ سوف يلحقون بأهل المدينة خسائر مادية كبيرة، فانهم ان لم يصحروا لهم عمدوا الى نخلهم فقطعوه، فتركوهم ولا أموال لهم. اذن، فالموقف الصحيح كان هو البقاء في المدينة، فان الخسائر المادية يمكن الصبر عليها وتحملها، أما الخسائر في الارواح، فانها تكون أصعب وأنكى، ورسول الله (ص) لم يكن ليعدل عن الموقف الصحيح هذا.


(1) سيرة المصطفى ص 396 - 399. (2) نهج البلاغة بشرح عبده ج 1 ص 64. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 205، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 218. (*)

[ 109 ]

2 - ان ضرار بن الخطاب كان يخشى مثل ذلك أيضا، لان الانصار قتلوا قومه يوم بدر، فخرج الى أحد، وهو يقول: (ان قاموا في صياصيهم فهي منيعة، لاسبيل لنا إليهم، نقيم أياما، ثم ننصرف. وان خرجوا الينا من صياصيهم أصبنا منهم، فان معنا عددا أكثر من عددهم، ونحن قوم موتورون، خرجنا بالظعن يذكرننا قتلى بدر، ومعنا كراع ولا كراع معهم، وسلاحنا أكثر من سلاحهم، فقضي لهم ان خرجوا الخ) (1). 3 - لقد رأينا: أن صفوان بن أمية لم يذكر لابي سفينان شيئا عن احتمال تعاون المنافقين معهم، وتمكينهم من القضاء على الاسلام والمسلمين بسهولة، أو على الاقل كان على أبي سفيان أن يدرك ذلك، ويبتهج له. 4 - ان من الواضح: أن ابن أبي، ومن معه لم يكن باستطاعتهم الاقدام على مثل تلك الخيانة في تلك الظروف، لان معنى ذلك: أن يذبح من قومه من الخزرج ومن المهاجرين أعداد هائلة، ولم يكن بامكانه أن يسمح بذلك، ولا يوافقه عليه من معه، لانهم قومهم وأبناؤهم، واخوانهم، وآباؤهم. ولم يكن التخلي عنهم سهلا وميسورا الى هذا الحد. وإذا أرادوا أن يتخلوا عن مثل هؤلاء، ويسلموهم الى القتل، بعد أن يقدموا هم أيضا العديد من القتلى، فمن يبقى لابن أبي - بعد استئصال هؤلاء - لا سيما بملاحظة قلة سكان المدينة آنئذ ؟ !. وهل تبقى المدينة مدينة ؟ !. وهل يمكن لابن أبي أن ينصب نفسه ملكا على من يتبقى له في ظروف كهذه ؟ ! وهل سوف ينال هذا المنصب حقا ؟ ! وهل يستطيع بعد هذا أن يعتمد على اخلاص من معه له ؟ ! وهل باستطاعته أن يحتفظ لهم بمكانتهم وبموقعهم في قبال اليهود، الذين كانت العداوة بينهم وبين أهل


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 282، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274. (*)

[ 110 ]

يثرب متأصلة على مر السنين ؟ !. وهل يستطيع أيضا: أن يقاوم أطماع من حوله من قبائل الغزو والغارة ؟ ! أو حتى أن يستقل في اتخاذ القرار عن قريش ؟ ! وهل باستطاعته أن يأمن قريشا، ويطمئن الى التعامل معها على المدى البعيد، بعد أن أدركت مدى خطر المدينة على مصالحها الحيوية ؟ !. وهل ؟ وهل ؟ الى آخر ما هنالك. أم ان ذلك ليس في الحقيقة الا انتحارا سياسيا، لا مبرر له، ولا يقدم عليه أحد ؟ ولا تساعد عليه أي من الموازين والمقاييس حتى الجاهلية منها، فضلا عن العقلائية والاجتماعية ؟ !. ولقد كان باستطاعة ابن أبي: أن ينحاز الى المشركين في المعركة في خارج المدينة، وذلك - وان كان أيضا يحمل في طياته أخطارا جمة له ولاصحابه - أقرب الى تحقيق أهدافه، وأسلم له في الوصول إليها، بملاحظة ما سبق. ولكن الظاهر هو أن دوافعه للاشارة بالبقاء هي حب السلامة، وعدم التعرض للاخطار المحتملة ما أمكنه. وحتى لا يتكرر انتصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بدر مرة أخرى. ولا سيما مع ملاحظة زيادة عدد المسلمين، وحسن عدتهم بالنسبة الى السابق، كما يفهم من الكلام المتقدم لبعض المشيرين. يضاف الى ذلك: أنهم الان يدافعون عن شرفهم وعرضهم، وبلدهم، وعن وجودهم، فلا بد أن يكونوا أكثر تصميما واقداما. كما أن من الممكن أن يكون التزلف الى النبي (ص) داخلا أيضا في حسابات ابن أبي في بادئ الامر. ونلاحظ: ان التزلف، والتظاهر الكلامي بالتدين، وبالغيرة على الاسلام ومصالح المسلمين، يكون لدى المنافقين أكثر من غيرهم.

[ 111 ]

هذا بالاضافة الى أنه لو كان ثمة احتمال من هذا النوع لاشار إليه أبو سفيان، أو صفوان بن أمية، أو ضرار بن الخطاب، أو غيرهم، كما قلنا. 5 - بل ان العلامة الحسني نفسه يقول: ان الذين أصروا على البقاء كان من بينهم المخلص والمنافق. وهذا ينافي قوله الاخر: ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يريد أن يختبر أصحابه، ويكتشف نواياهم، واذن فقد فشل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في محاولاته تلك، فكيف يقول الحسني بعد ذلك: انه (ص) وقف على نوايا الجميع، ومحصها تمحيصا دقيقا ؟ !. والحقيقة هي: أن اصرارهم على الخروج كان ناشئا عن الاسباب التي ذكروها أنفسهم في كلامهم. 6 - ثم اننا لا نوافق العلامة الحسني: على أن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعامل مع أصحابه بهذه الطريقة الماكرة - والعياذ بالله - فيظهر لهم خلاف ما يبطن ؟ ! نعوذ بالله من الزلل والخطل في القول والعمل. الا أن يكون مقصوده حفظه الله: أنه (ص) لم يظهر لهم رأيه، بل تركهم يظهرون له ما في نفوسهم من دون أي تحفظ أو حياء، وليتحملوا هم المسؤولية، ثم ليتألفهم بذلك، حتى إذا اختلفوا كان هو الحاسم للخلاف برأيه الصائب، وموقفه الحكيم. وأخيرا، فان لنا تحفظا على ما ذكره من أن ابن أبي قد رجع بمن معه من المنافقين، وبعض اليهود. فان ذكر اليهود هنا في غير محله، لانه (ص) لم يكن يحبذ الاستعانة باليهود، كما أنهم هم أنفسهم ما كانوا ليعينوه على قتال عدوه، ولا يرضى قومهم بذلك منهم، الا إذا كانوا يريدون أن يكونوا في جيش المسلمين عيونا للمشركين. ولم يكن ذلك ليخفى على النبي (ص) ولا المسلمين، ولعله لاجل ذلك نجده (ص) قد

[ 112 ]

رفض قبولهم في هذه الغزوة بالذات، وأرجعهم كما سنرى. ه‍: لبس لامة الحرب يعني القتال: وقد رأينا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن لبس لامة حربه استجابة لرأي الاكثرية، يرفض الرجوع الى الرأي الاول، لان ذلك معناه أن ينتزع عنه مفهوم خاطئ، يضر بالمصلحة العليا للاسلام والمسلمين، ولا ينسجم مع مركزه كقائد، بل ربما تكون له آثار سيئة وخطيرة على المدى البعيد. وهذا المفهوم هو أنه رجل ضعيف، تتقاذفه الاهواء والاراء، ولا يملك اتخاذ القرار، بل هو ألعوبة بأيدي أصحابه، والمنتسبين إليه ! كما أن ذلك من شأنه أن يجعل قراراته في المستقبل عرضة للصراعات الفكرية، بين أصحابه، الذين تختلف مستوياتهم فكريا، واجتماعيا، وسياسيا، وايمانيا، وغير ذلك. ويفسح المجال أمام أهل الاطماع، وظهور الاختلاف، ثم التمزق، والفشل الذريع. ولا يعود يملك مجتمعا منضبطا، قويا متماسكا، وقادرا على مواجهة الاخطار والمعضلات الجسام التي تنتظره، والمهمات التي لابد أن يضطلع بها، فضلا عن أن يتحمل هذا المجتمع مسؤولية نشر الاسلام والدفاع عنه في العالم أجمع. هذا كله عدا عن أن هذا التردد سوف يقلل من قيمة الوحي في نفوسهم، ويضعف - ومن ثم - ارتباطهم بالغيب، وايمانهم به، مع أن هذا ركن أساسي في الدعوة الاسلامية، وفي نجاحها، واطراد تقدمها. فليكن هذا الموقف منه (ص) درسا لهم، يعلمهم: أنه لا ينبغي لهم أن يعارضوا الوحي الالهي بعقولهم القاصرة عن ادراك عواقب الامور. ومن الجهة الاخرى، فان العدو سوف يرى في هذا التردد ضعفا، وفشلا، ويزيد ذلك في طمعه بالمسلمين، وجرأته عليهم.

[ 113 ]

ولسوف يجعله ذلك يعتمد اسلوب الضغط على النبي (ص) من خلال أصحابه، ويحاول تشويش مواقفه وتمييعها، ان لم يكن توجيهها الى ما يوافق مصالحه وأهدافه عن هذا السبيل. وأخيرا، فان المعتزلي يرى: أن تردد المسلمين دليل على فشلهم في الحرب، فان النصر معروف بالعزم والجد، والبصيرة في الحرب. وأحوالهم هنا كانت ضد أحوالهم في بدر، وأحوال المشركين في بدر كانت ضد أحوالهم هنا، ولذلك انكسرت قريش في بدر (1). ونقول: ان المسلمين لم ينكسروا في أحد، ولم تنتصر قريش. بل هزمت هزيمة نكراء، كما سنرى والذي حصل للمسلمين انما كان سببه أفراد معدودون كانوا على فتحة جبل أحد. و: من الاكاذيب: ومن الاكاذيب التي رأينا أن نذكر القارئ بها: أولا: ما ورد في رواية نادرة من أن ابن أبي قد أشار بالخروج (2). وذلك لا يصح إذ: 1 - لا يبقى معنى حينئذ لاحتجاج ابن أبي لرجوعه من وسط الطريق بأنه (ص): خالفه وأطاعهم. 2 - ان القرآن يلمح الى أن المنافقين كانوا يصرون على البقاء في المدينة، فانه بعد رجوع المسلمين من أحد، وقد قتل منهم من قتل، قال


(1) شرح النهج للمعتزلي چ 14 ص 226. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 219. (*)

[ 114 ]

المنافقون: لو أطاعونا ما قتلوا (1). وهؤلاء هم الذين احتجوا لرجوعهم بقولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. ثانيا: يقولون: انه (ص) خرج الى أحد من بيت عائشة (2). مع أن من الثابت: أنه (ص) كان إذا سافر كان آخر عهده بفاطمة، وإذا رجع بدأ ببيت فاطمة أيضا (3). الا أن يكون مقصودهم بيت عائشة الذي كان لفاطمة، واستولت عليه عائشة بعد وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) (4). ثالثا: قولهم: انه بعد أن استشار النبي (ص) أصحابه، دخل بيته، ودخل معه أبو بكر وعمر، فعمماه ولبساه. لايعبؤ به لضعف مستنده من جهة، ولان النبي (ص) لم يكن يحتاج الى من يعممه ويلبسه، بل كان باستطاعته أن يمارس ذلك بنفسه من جهة ثانية. عقد الالوية: وبعد ان استشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه، وخرج عليهم لابسا لامة حربه، استخلف على المدينة ابن أم مكتوم وعقد


(1) آل عمران: 168. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 213، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 225، ووفاء الوفاء ج 1 ص 284، وتاريخ الخميس ج 1 ص 423 عن ابن الكلبي، ومجاهد، والواقدي. (3) مسند أحمد ج 5 ص 275، وذخائر العقبى ص 37 عن أحمد، وأبي عمر، واسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 170 عن أحمد، والبيهقي، وغير ذلك كثير، فانه لا مجال لتتبعه. (4) قد أوضحنا ذلك في مقال لنا بعنوان: (أين دفن النبي (ص) في بيت عائشة أم في بيت فاطمة ؟) فراجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام الجزء الاول. (*)

[ 115 ]

الالوية. فأعطى اللواء أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما نص عليه البعض (1). ويقول البعض: ان لواء المهاجرين كان مع علي، وقيل: مع مصعب بن عمير (2) ويقال: انه اللواء الاعظم (3). وقيل: انه (ص) سأل عمن يحمل لواء المشركين، فقيل له: طلحة بن أبي طلحة، فأخذ اللواء من علي ودفعه الى مصعب بن عمير، لانه من بني عبدالدار، وهم أصحاب اللواء في الجاهلية (4). وكان لواء الاوس مع أسيد بن حضير، ولواء الخزرج مع حباب بن المنذر، وقيل: مع سعد بن عبادة، كذا يقولون. اللواء مع علي (ع) فقط: ونقول: لا يصح ما أدعوه من أن اللواء كان مع مصعب بن عمير، أو أنه أخذه من علي، وأعطاه لمصعب. والصحيح هو أنه كان مع علي (عليه السلام) في أحد، وبدر، وفي كل مشهد. ويدل على ذلك:


(1) الاوائل لابي هلال ج 1 ص 183. والثقات لابن حبان ج 1 ص 244 - 225، وراجع: البحار ج 20 ص 49، وتفسير القمي ج 1 ص 112. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 215، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 227، وتاريخ الخميس ج 1 ص 422. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 426 عن المنتقى. (4) أنساب الاشراف ج 1 ص 317، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 232، والسيرة الحلبية ج 2 ص 220. (*)

[ 116 ]

1 - ما تقدم في غزوة بدر: من أن عليا (ع) كان صاحب لواء رسول الله (ص) في بدر، وفي كل مشهد. 2 - عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب (ع) أربع ماهن لاحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهو صاحب لوائه في كل زحف. وهو الذي ثبت معه يوم المهراس، وفر الناس. وهو الذي أدخله قبره (1). 3 - عن ابن عباس: كان علي أخذ راية رسول الله يوم بدر. قال (الحكم) الحاكم: وفي المشاهد كلها (2). 4 - وعن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير واخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول الله (ص) ؟ قالوا: كان حاملها علي (رض). وفي نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك الى اخوانه من القراء، فعرفوه: أنه خائف من الحجاج. فعاد وسأله، فقال: كان حاملها علي (رض). هكذا سمعت من عبد الله بن عباس (3). وفي نص آخر عن مالك بن دينار قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول الله (ص) ؟ قال: انك لرخو اللبب.


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111، وتلخيصه للذهبي بهامشه، ومناقب الخوارزمي ص 21 / 22، وارشاد المفيد ص 48، وتيسير المطالب ص 49. (2) ذخائر العقبى ص 75، والرياض النضرة المجلد الثاني، جزء 4 ص 156. (3) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 137 وصححه وقال: له شاهد من حديث زنفل العرفي، وفيه طول فلم يخرجه الحاكم، ومناقب الخوارزمي ص 258 / 259، وذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب. (*)

[ 117 ]

فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك: كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال، أخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1). 5 - عن جابر: قالوا: يارسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة ؟ قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، الا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب ؟ ! وفي نص آخر: عبر باللواء بدل الراية (2). 6 - وحينما مر سعد بن أبي وقاص برجل يشتم عليا، والناس حوله في المدينة، وقف عليه، وقال: يا هذا، على ما تشتم علي بن أبي طالب ؟ ألم يكن أول من أسلم ؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ ألم يكن أزهد الناس ؟ ألم يكن أعلم الناس ؟ وذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول الله (ص) في غزواته ؟ (3). وظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات الله وسلامه عليه.


(1) الطبقات الكبرى ط ليدن ج 3 ص 15 قسم 1. (2) هامش ص 180 من احتجاج الطبرسي، والرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 172 عن نظام الملك في أماليه، وكفاية الطالب ص 336 وقال: ذكره محدث الشام - أي ابن عساكر - في ترجمة علي (ع) من كتابه بطرق شتى عن جابر، وعن أنس، وكنز العمال ج 15 ص 119، وراجع ص 135 عن الطبراني، ومناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي ص 200، وعمدة القاري ج 16 ص 216، ومناقب الخوارزمي ص 358. (3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 500، وصححه على شرط الشيخين هو والذهبي في تلخيص المستدرك، وحياة الصحابة ج 2 ص 514 / 515. وأظن أن القضية كانت مع سعد بن مالك أبي سعيد الخدري، لان سعد بن أبي وقاص كان منحرفا عن أمير المؤمنين. ويشير الى ذلك ما ذكره الحاكم في مستدركه ج 3 ص 499 من أن أبا سعيد قد دعا على من كان ينتقص عليا فاستجاب الله له. (*)

[ 118 ]

7 - عن مقسم: أن راية النبي (ص) كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وراية الانصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استعر القتال كان النبي (ص) مما يكون تحت راية الانصار (1) 8 - عن عامر: ان راية النبي (ص) كانت تكون مع علي بن أبي طالب، وكانت في الانصار حيثما تولوا (2). وقد يقال: ان هذين النصين الواردين تحت رقم 7 و 8 لا يدلان على أن الراية كانت دائما مع علي (عليه السلام) بصورة أكيدة وصريحة، وان كان يمكن أن يقال: ان ظاهرهما هو ذلك. 9 - عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله (ص) في المواطن كلها، فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب (3). 10 - قال ابن حمزة: (وهل نقل أحد من أهل العلم: أن عليا كان في جيش الا وهو أميره ؟) (4). 11 - وفي حديث المناشدة: أن عليا (عليه السلام) قال: نشدتكم الله، هل فيكم أحد صاحب راية رسول الله (ص) منذ يوم بعثه الله الى يوم قبضه، غيري ؟ !.


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288، وراجع: فتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد عن ابن عباس باسناد قوي. (2) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 288. (3) أسد الغابة ج 4 ص 20، وأنساب الاشراف ج 2 ص 106 لكن فيه: ميسرة العبسي بدل سعد بن عبادة. (4) الشافي لابن حمزة ج 4 ص 164. (*)

[ 119 ]

قالوا: اللهم لا (1). وبالنسبة لخصوص واقعة أحد نقول: 1 - عن علي قال: كسرت يده يوم أحد، فسقط اللواء من يده، فقال رسول الله (ص): دعوه في يده اليسرى، فانه صاحب لوائي في الدنيا والاخرة (2). 2 - قد ورد في احتجاج الامام الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه بفضائل أمير المؤمنين (ع) على معاوية، وعمرو بن العاص، والوليد الفاسق ورد قوله: (وأنشدكم الله، ألستم تعلمون: أنه كان صاحب راية رسول الله (ص) يوم بدر، وان راية المشركين كانت مع معاوية، ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد، ويم الاحزاب، ومعه راية رسول الله (ص)، ومعك ومع أبيك راية الشرك الخ) (3). 3 - قال ابن هشام: (لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله (ص) تحت راية الانصار، وأرسل الى علي: أن قدم الراية. فتقدم علي، فقال: أنا أبو القصم. فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة. وهو صاحب لواء المشركين منه البراز، فبرز إليه علي، فضربه علي فصرعه (4). وهذا معناه: أنه (عليه السلام) كان صاحب الراية العظمى، فأمره (ص) بالتقدم، ثم طلب منه صاحب لواء المشركين البراز، لانه إذا


(1) المسترشد في امامة علي (ع) ص 57. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 434، والرياض النضرة المجلد الثاني ج 4 ص 156 عن ابن الحضرمي، وذخائر العقبى ص 75 بلفظ (ضعوه). (3) كفاية الطالب ص 336، وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 289، والغدير ج 10 ص 168 عنه. (4) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 78، وتاريخ الخميس ج 1 ص 427. (*)

[ 120 ]

سقطت الراية العظمى انكسر الجيش وانهزم. 4 - وقال القوشجي: في غزاة أحد جمع له الرسول (ص) بين اللواء والراية (1). 5 - عن أبي رافع قال: كانت راية رسول الله (ص) يوم أحد مع علي، وراية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة (2). 6 - ويظهر من بعض الروايات الفرق بين اللواء والراية، وقد قالوا: ان الراية كانت في يد قصي، ثم انتقلت في ولده حتى انتهت الى النبي (ص)، فأعطاها رسول الله (ص) لعلي في غزاة ودان، وهي أول غزاة حمل فيها راية مع النبي (ص)، ثم لم تزل مع علي في المشاهد، في بدر وأحد. وكان اللواء يومئذ في بني عبدالدار، فأعطاه رسول الله (ص) لمصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده، فتشوقته القبائل، فأخذه رسول الله (ص)، فدفعه الى علي، فجمع له يومئذ الراية واللواء، فهما الى اليوم في بني هاشم (3). ويظهر أن هذا هو مراد القوشجي من كلامه الانف. لافرق بين اللواء والراية: ونقول: ان هذه الروايات تنافي ما تقدم عن ابن عباس، وجابر، وقتادة، من أنه (عليه السلام) كان صاحب لوائه (ص) في كل زحف. وقد دلت النصوص المتقدمة على أن عليا (ع) هو صاحب لواء


(1) شرح التجرية للقوشجي ض 486. (2) اللالي المصنوعة ج 1 ص 365. (3) الارشاد للشيخ المفيد ص 48. (*)

[ 121 ]

رسول الله (ص)، وهو أيضا صاحب راية رسول الله، لو كان ثمة فرق بينهما. ونحن نشك في ذلك، لان بعض أهل اللغة ينصون على عدم الفرق (1)، فان كلا منهما عبارة عما يجعله القائد من الاقمشة في طرف رمح أو نحوه. ونجد وصف اللواء بالاعظم تارة (2)، ووصف الرية بالعظمى أيضا (3). الا أن يقال: ان مصعب بن عمير كان صاحب لواء المهاجرين، فلما استشهد في أحد صار لواؤهم الى علي، فعلي (عليه السلام) صاحب راية ولواء رسول الله، وهو أيضا صاحب لواء المهاجرين. ولعل هذا هو الاظهر. وقد تقدم بعض الكلام حول هذا الموضوع في غزوة بدر أيضا، فلا نعيد. عدة وعدد المسلمين: ثم توجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى أحد ومعه: ألف رجل، ويقال: تسعمائة، وزاد بعضهم خمسين. منهم مئة دارع.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 147. (2) راجع حياة الصحابة ج 1 ص 431، وتاريخ ابن عساكر ترجمة علي (ع) بتحقيق المحمودي ج 1 ص 110 والمنتقى. (3) كما في قول ابن أبي الحديد عن هزيمة الشيخين في خيبر وللراية العظمى وقد ذهبا بها ملابس ذل فوقها وجلابيب (*)

[ 122 ]

ليس معهم فرس (1). وقيل: مع النبي (ص) فرسه، وفرس لابي بردة بن نيار (2). وقيل: كان معهم فرس واحد (3). رجوع المنافقين: ويظهر مما يأتي: أنه (ص) خرج نحو أحد من ثنية الوداع، شامي المدينة. ورجع ابن أبي مما بين المدينة وأحد بمن معه من المنافقين، وأهل الريب. وكانوا ثلاثمائة رجل، وقال: محمد عصاني وأطاع الولدان ؟ سيعلم. ما ندري علام نقتل أنفسنا وأولادنا هاهنا أيها الناس ؟ فرجعوا. وتبعهم جابر بن عبد الله الانصاري يناشدهم الله في أنفسهم، وفي نبيهم، فقال ابن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، ولو أطعتنا لرجعت معنا. وقيل: ان النبي (ص) أمرهم بالانصراف، لكفرهم (4). فبقي (ص) في سبعمائة من أصحابه، أو ستمائة. وبرجوع ابن أبي سقط في أيدي بني حارثة وبني سلمة، ثم عادوا الى الموقف الحق، قال تعالى: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا)


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 284 و 285 عن ابن عقبة، والسيرة الحلبية ج 1 ص 221، وفتح الباري. (2) تاريخ الطبري ج 2 ص 190، والسيرة الحلبية ج 2 ص 221. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 117 عن الطبراني، وحياة الصحابة ج 3 ص 769 عن كنز العمال ج 3 ص 135 عن الطيالسي. (4) سيرة مغلطاي ص 49. (*)

[ 123 ]

الاية. وروي بسند رجاله ثقات: أنه بعد أن جاوز النبي (ص) ثنية الوداع، إذا هو بكتيبة خشناء، فقال (ص): من هؤلاء ؟ قالوا: عبد الله بن أبي بن سلول في ستمائة من مواليه اليهود. فقال: وقد أسلموا ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: مروهم فليرجعوا، فاننا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. أو: فاننا لا نستعين بالمشركين على المشركين (1). الخيانة وآثارها: ان من الطبيعي: أن يكون لانخذال ابن أبي ورجوعه بمن معه من المنافقين أثر سئ على نفوس المسلمين ومعنوياتهم، فان حدوث الخيانة هذه قد كانت أحد الاسباب الرئيسية لتهيؤ بعض المسلمين نفسيا للهزيمة في المعركة، وهم بنو حارثة، وبنو سلمة. وقد حكى الله ذلك بقوله: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) (2). وقد جاءت هذه الخيانة في لحظات حرجة وحساسة، قد مهدت الطريق، ومنحت العذر لمن تبقى من المنافقين للفرار في أحرج اللحظات، وأخطرها على الاسلام والمسلمين بصورة عامة. وهذا يؤيد، ويؤكد سلامة موقفه (ص) في ارجاعه في غزوة بدر من لم يكن مسلما، وعدم قبوله باشتراك بعض اليهود في حرب أحد، حيث أرجع كتيبتهم كما سلف. ولذلك شواهد كثيرة في حياته (ص) يجدها


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 283، وتاريخ الخميس ج 1 ص 422 عن الوفاء، والطبراني في الكبير والاوسط بسند رجاله ثقات، وذكر مثل ذلك عن الكشاف ومعالم التنزيل والسيرة الحلبية ج 2 ص 220، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 227، ومغازي الواقدي ج 1 ص 215. (2) آل عمران: 122. (*)

[ 124 ]

المتتبع في السيرة النبوية. وقد أشار الله تعالى الى الاثر السئ لمواقف المنافقين في العديد من الايات، فهو تعالى يقول: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا (1). ويعطي قاعدة عامة في التعامل مع غير المؤمنين، فيقول: (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) (2) الى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. وبعد هذا، فاننا نعرف عدم صحة ما روي عن الزهري، قال: (كان يهود يغزون مع النبي (ص)، فيسهم لهم كسهام المسلمين) (3). وما ذلك الا لانه قد (زين للذين كفروا الحياة الدنيا، ويسخرون من الذين آمنوا) (4)، ولان: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) (5). ومن هذا المنطلق، قال ابن أبي هنا: ما ندري علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟. ومن جهة ثانية، فان المنافقين واليهود كانوا يلتقون مع المشركين في الهدف مرحليا، لانهم جميعا لا يستطيعون أن يروا انتصار الاسلام والمسلمين في المنطقة، لانهم - وهم الذين لاهم لهم الا الدنيا - يرون ذلك يضر بمصالحهم، وبموقعهم السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي في المنطقة.


(1) التوبة: 47. (2) هود: 113. (3) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 188، وسنن البيهقي ج 9 ص 53، ونقل عن ابن أبي شيبة. (4) البقرة: 212. (5) النساء: 76. (*)

[ 125 ]

وإذا حارب اليهود والمنافقون الى جانب المسلمين، فانما يفعلون ذلك اما تمهيدا للخيانة بهم، واسلامهم الى أعدائهم، واما طمعا في المال والغنائم. ومن يقاتل من أجل ذلك، فلا يستطيع أن يقدم على الاخطار، ولا أن يضحي بنفسه، بل انما يكون مع المسلمين ما دام النصر حليفهم، حتى إذا أنهم في خطر، فانه لابد أن يخذلهم في أحرج اللحظات، وهذا ما سوف يؤثر تأثيرا سلبيا على معنوياتهم، ومن ثم على مستقبلهم ومصيرهم أيضا. سؤال وجوابه: ويبقى سؤال، وهو: أنه إذا كان الحال كذلك، فلماذا يقبل النبي (ص) المنافقين في جيش المسلمين ؟ مع أن ذلك يشكل خطرا عليهم ؟ ! ولماذا لا يفضحهم ويكشفهم للناس ؟ ! وإذا كان يمنع اليهود وغيرهم من الكفار من المشاركة، فلماذا لا يتخذ تدبيرا معينا يمنع به المنافقين من الحضور في ساحة الحرب ؟ ! والجواب يتلخص في النقاط التالية: 1 - لقد كان النبي (ص) واقعا بين محذورين، كل منهما صعب وخطير. أحدهما: سلبية خروج المنافقين الى الحرب، وقد حددها الله سبحانه، حينما قال: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا، ولأوضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة) (1). وكان (ص) يستر ذلك عليهم ماداموا لم يظهروا هم أنفسهم ذلك، من خلال أفعالهم ومواقفهم، وأقوالهم. الثاني: سلبية ابقاء المنافقين في المدينة، يسرحون ويمرحون،


(1) التوبة: 47. (*)

[ 126 ]

وربما يكون الخطر في ذلك أعظم مما لو اصطحبهم معه في الحرب، لان ذلك يفسح المجال لهم للتآمر، من دون أن يكون ثمة من يستطيع دفع كيدهم، ورد بغيهم. وما قضية تبوك الا الدليل القاطع على ما نقول، حيث اضطر الرسول الاعظم (ص) الى ابقاء خليفته ووصيه، ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى في المدينة، حينما شعر أن تخلف المنافقين عن الخروج الى تبوك يحمل في طياته أخطارا جساما، لا يمكن لاحد مواجهتها الا النبي (ص)، أو أخوه علي (عليه السلام). وقد رجح (ص) هذا على ذاك ليرد كيدهم، ويفشل مؤمراتهم، ولاجل ذلك كان يخرجهم معه الى الحرب. 2 - ثم ان النفاق قد لا يتخذ صفة العنف، بل يظهر المنافق الاسلام حفاظا على مصالحه، أو لاسباب خاصة أخرى، مع عدم ابائه عن الدخول فيه، وتقبله طبيعيا له، فهو لا يهتم بهدم الاسلام والكيد له. فتبرز الحاجة - والحالة هذه - الى اعطائهم الفرصة للتعرف أكثر فأكثر على تعاليم الاسلام وأهدافه، ولكي يعيشوا أجواءه من الداخل، وليكتشفوا ما أمكنهم من أسرار عظمته وأصالته، فتلين له قلوبهم، وتخضع له عقولهم. ولا أقل من أن أبناءهم، ومن يرتبط بهم، يصبح أقدر على ملامسة واقع المسلمين، والتفاعل مع تعاليم الاسلام مادام أنه يعيشها بنفسه، وتقع تحت سمعه وبصره. وهذا بالذات ما كان يهدف إليه الاسلام من التالف على الاسلام، واعطاء الاموال والاقطاع، وحتى المناصب والقيادات لمن عرفوا ب‍ (المؤلفة قلوبهم)، بالاضافة الى ما كان يهدف إليه من دفع كيدهم وشرهم. وما تقدم يفسر لنا السبب الذي جعل رسول الله (ص) كان يقبل

[ 127 ]

بوجهه وحديثه على أشر القوم، يتألفهم بذلك، حتى ان عمرو بن العاص ظن بنفسه أنه خير القوم. ثم صار يسأل النبي (ص) عن المفاضلة بين نفسه وغيره، فلما عرف: أنهم أفضل منه، قال: (فلوددت أني لم أكن سألته) (1). 3 - ان سكوته (ص) عن المنافقين، وقبولهم كأعضاء في المجتمع الاسلامي، انما يريد به المحافظة على من أسلم من أبنائهم، واخوانهم، وآبائهم، وأقاربهم، حتى لا تنشأ المشاكل العائلية الحادة فيما بينهم، ولا يتعرض المسلمون منهم للعقد النفسية، والمشكلات الاجتماعية، التي ربما تؤثر على صمودهم واستمرارهم. 4 - وكذلك، فان اتخاذ أي اجراء ضد المنافقين، لربما يكون سببا في تقليل اقبال الناس على الاسلام، وعدم وثوقهم بمصيرهم، وما سوف يؤول إليه أمرهم معه فيه، ولا سيما إذا لم يستطيعوا أن يتفهموا سر ذلك الاجراء، ولا أن يطلعوا على أبعاده وخلفياته. ولسوف يأتي: أن سبب اظهار وحشي للاسلام، هو أنه كان معروفا عن النبي (ص): أنه كان لا يتعرض لمن يظهر الاسلام بشئ يسوءه. 5 - ان اتخاذ أي اجراء ضد المنافقين معناه: فتح جبهة جديدة، كان بالامكان تجنبها، واضطرار هؤلاء الساكتين ظاهرا، انصياعا لظروفهم، الى المجاهرة بالعداء، والاعلان بالتحدي، وهم عدو داخلي كثير العدد، وخطير جدا، يعرف مواضع الضعف، ومواضع القوة، ويكون بذلك قد أعطاهم المبرر للانضمام الى الاعداء، العاملين ضد الاسلام والمسلمين. وواضح أن تصرفا كهذا ليس من الحكمة ولا من الحنكة في شئ،


(1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 15 عن الطبراني باسناد حسن، وفي الصحيح بعضه بغير سياقه. وحياة الصحابة ج 2 ص 706 عن الترمذي في الشمائل ص 25. (*)

[ 128 ]

لانه يأتي في ظرف يحتاج فيه الاسلام الى تمزيق أعدائه وتفريقهم، حيث لا يستطيع مواجهتهتم جميعا في آن واحد. بقي أمران: أحدهما: لقد نزلت آيات قرآنية كثيرة تفضح المنافقين، وتظهر أفاعيلهم، وتنقل أقاويلهم، وتبين أوصافهم بدقة وبتفصيل. كما أن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه قد حاول أن يحد من فعالية المنافقين ما أمكنه، وذلك بتنبيه الصحابة الى خططهم ومؤامراتهم، والكشف عن حقيقتهم ووجودهم، وتحذير الناس منهم، وذكر أفعالهم وأوصافهم باستمرار، حتى حينما كان النبي (ص) في مكد. بل لقد اتخذ (ص) أحيانا اجراءات عملية ضدهم، كهدم مسجد الضرار، وغير ذلك مما يظهر جليا في الايات القرآنية الكثيرة، والمواقف النبوية المختلفة. وهذا بطبيعته يمثل حصانة ومناعة للمسلمين ضد النفاق والمنافقين ومكائدهم. الثاني: انه يظهر مما تقدم: أنه كان ثمة كتيبة لليهود بقيادة ابن أبي، وقد أرجعها رسول الله (ص) من الطريق. ثم رجع ابن أبي مع طائفة من المنافقين. بل يظهر من بعض النصوص: أن المنافقين قد رجعوا من نفس أحد (1). والذي نخشاه هو أن تكون هذه الرواية مكذوبة بهدف التغطية على فساد ابن أبي ورجوعه بالمنافقين من وسط الطريق. ارجاع الصغار: وقد رد رسول الله (ص) من استصغرهم، ومنعهم من الخروج الى


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 219، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 230. (*)

[ 129 ]

الحرب، مثل: ابن عمرو بن ثابت، وسمرة بن جندب، ورافع بن خديج ثم سمح (ص) لرافع، لانه رام. وكان يتطاول من الشغف على الخروج. فيقال: ان سمرة قال لزوج أمه: اذن لرافع وردني، وأنا أصرعه ؟ ! فأمرهما (ص) بالمصارعة، فصرعه سمرة بن جندب، فأذن له أيضا (1). الريب فيما ينقل عن سمرة: ونحن نرتاب فيما نقل عن سمرة بن جندب، وذلك لما يلي: 1 - ان ابن الاثير يذكر: أن صاحب هذه القضية هو جابر بن سمرة حليف بني زهرة (2) وليس سمرة بن جندب. 2 - ان سمرة لم يكن مستقيما ولا مراعيا للشرع في تصرفاته ومواقفه. فحياة سمرة، وتاريخه، ونفسيته، وروحيته، سواء في حياة النبي (ص)، أو بعد وفاته، كل ذلك يأبى عن نسبة مثل ذلك إليه. أما في حياة النبي (ص)، فاننا نجد: أنه هو صاحب العذق الذي كان في حائط الانصاري، وبيت الانصاري في ذلك الحائط أيضا، فكان سمرة يمر الى نخلته، ولا يستأذن، فكلمه الانصاري، فأبى، فشكاه الى النبي (ص)، فكلمه النبي (ص) فأبى أن يستأذن. فساومه النبي (ص)، وبذل له ما شاء من الثمن فأبى أيضا. فبذل له نخلة في الجنة في مقابلها، فأبى أيضا. فقال رسول الله (ص) حينئذ للانصاري: اذهب فاقلعها، وارم بها إليه، فانه لاضرر ولا ضرار (3).


(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 191، والسيرة الحلبية ج 2 ص 220، وتاريخ الخميس ج 1 ص 422، ومغازي الواقدي ج 1 ص 216، وشرح النهج ج 4 ص 227. (2) الكامل ج 2 ص 151. (3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78، والكافي ج 5 ص 292 و 294، ومن = (*)

[ 130 ]

كما أنه هو نفسه - كما في الروضة - الذي ضرب رأس ناقة النبي (ص) فشجها، فشكته الى رسول الله (ص) (1). وأما بعد وفاة النبي (ص)، فانه قتل من المسلمين مالا يحص، حتى ان زياد ابن أبيه استخلفه على البصرة، وأتى الكوفة مدة وجيزة، فقتل ثمانية آلاف (2)، كما عن الطبري. وقتل سبعة وأربعين رجلا من بني عدي في غداة واحدة، كلهم قد جمع القرآن (3). وكان يقتل من يتشهد الشهادتين، ويبرأ من الحرورية (4). وبعد موت زياد أقره معاوية على البصرة ستة أشهر ثم عزله، فقال: لعن الله معاوية، لو أطعت الله كما أطعت معاوية لما عذبني أبدا (5) وكان يخرج من داره مع خاصته ركبانا فلا يمر بطفل، ولا عاجز، ولا حيوان الا سحقه هو وأصحابه، وهكذا إذا رجع. فلم يكن يمر عليه يوم الا وله قتيل أو أكثر (6). وبذل معاوية له مئة ألف، ليروي: أن آية: (ومن الناس من


لا يحضره الفقيه ج 3 ص 233 و 103، والتهذيب ج 7 ص 147، والوسائل ج 17 ص 340 و 341، والبحار ج 100 ص 127 ط جديد وط قديم ج 8 ص 675، ومصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 14، والسنن الكبرى ج 6 ص 157، وسنن أبي داود ج 3 ص 315، والدر المنثور ج 6 ص 357 عن ابن أبي حاتم وراجع: قاموس الرجال ج 5 ص 8. (1) قاموس الرجال ج 5 ص 8 عن الروضة. (2) تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 237 ط دار المعارف بمصر. (3) قاموس الرجال ج 5 ص 8. (4) قاموس الرجال ج 5 ص 9. (5) تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 291 ط دار المعارف. (6) قاموس الرجال ج 5 ص 9 عن الطبري. (*)

[ 131 ]

يعجبك قوله في الحياة الدنيا. الى قوله: والله لا يحب الفساد) (1) نزلت في علي (عليه السلام)، وأن آية: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد) (8)، نزلت في ابن ملجم، فلم يقبل، فبذل له مئتي ألف، ثم ثلاثمائة. فلما بذل له أربعمائة ألف، قبل، وروى ذلك (3). كما أن سمرة هذا قد حضر مقتل الحسين، وكان من شرطة ابن زياد، وكان يحرض الناس على الخروج الى قتال الامام الحسين (عليه السلام) (4). هذا هو سمرة، وهذه هي نفسيته، وأفاعيله، فان كان حقا هو صاحب القضية المتقدمة، وهو بعيد في الغاية، فلابد وأن يكون هدفه هو الحرب من أجل المال أو الجاه، وغيره من المكاسب الدنيوية، مهما كانت تافهة وحقيرة. 3 - وان من الامور التي شاعت وذاعت، ورواها المحدثون والمؤرخون بشكل واسع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في سمرة، وأبي هريرة، وأبي محذورة: آخركم موتا في النار. فكان سمرة آخرهم موتا (5). وتأويل ذلك: بأن سمرة قد مات في قدر مملوءة ماءا حارا (6). لا


(1) البقرة: 204. (2) البقرة: 207. (3) راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 8 - 10 وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77 و 78 و 79. (5) راجع: قاموس الرجال، والاصابة ج 2 ص 79، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 78. (6) راجع: الاصابة ج 2 ص 79، والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 78. (*)

[ 132 ]

يصح، لانه خلاف الظاهر، فان ظاهر الكلام: أن المراد هو النار الاخروية، كما هو المتبادر، لا أن موته بسبب أن النار تجعل الماء حارا، ثم يقع فيه، فان ذلك - بالاضافة الى أنه مجاز لا مبرر له الا ارادة تبرئة ساحة رجل له أمثال تلك الجنايات والعظائم - لا يصح، إذ لو كان هو المراد لكان الاصح هو التعبير بقوله: (بالنار)، لا (في النار)، أو يقول: في الماء الحار، ونحو ذلك. فهذه الكرامة له، والتي تقول: انه كان يتشوق للمشاركة في الحرب، رغم صغر سنه، ثم مصارعته لرافع، لا تناسب كل ما أشرنا إليه آنفا، ولا تنسجم مع واقع سمرة ونفسيته. ولعل سر تكرم محبيه عليه بهذه الفضيلة، هو طاعته الخارقة لمعاوية، ومعاونته لابن زياد، وتحريضه على قتل الحسين، وغير ذلك. ولو أننا قبلنا صدور ذلك منه، فانه - ولا شك - قد انقلب على عقبيه بعد ذلك، ولا تنفعه أمثال هذه الامور، بعد أن كانت عاقبته هي: النار. ملاحظة: ولا يخفى: أن هذا الكلام منه (ص) في حق هؤلاء الثلاثة من شأنه أن يسقطهم عن الاعتبار جميعا، إذ لو كان واحد منهم مستقيم الطريقة لم يجز وضعه في دائرة من يحتمل في حقه ذلك. وهذا اسلوب فذ في اسقاط خطط الذين يريدون تكريس رموز، واشخاص يريدون أن يقوموا بدور غير مسؤول ويمس مستقبل الامة، ويؤثر على دينها، وعلى كل وجودها ولو عن طريق تزوير نصوص الدين وأحكامه، والعبث برسومه وأعلامه. الحراسة وقصة ذكوان: ونزل (ص) في مكان في الطريق، وعين محمد بن مسلمة في

[ 133 ]

خمسين آخرين لحراسة الجيش. ويقولون: ثم قال: من يحرسنا الليلة ؟ فقام رجل، فقال: أنا. فسأله عن اسمه، فقال: ذكوان. فأجلسه. ثم سأل الثانية، فقام رجل، فقال: أنا. فسأله عن اسمه فقال: أبو سبع. فأجلسه. وفي الثالثة قام رجل وتسمى بابن عبد القيس، فأجلسه. ثم أمر بقيام الثلاثة. فقام ذكوان وحده. فسأله عن الباقين. فأخبره أنه هو صاحب الاسماء الثلاثة، فكان هو الذي حرسه (1). قال المعتزلي: قلت: قد تقدم هذا الحديث في غزوة بدر، وظاهر الحال أنه مكرر، وأنه انما كان في غزاة واحدة. ويجوز أن يكون قد وقع الغزاتين، ولكن على بعد (2). الشك في قصة ذكوان: ونحن نستبعد قصة ذكوان هذه وذلك لما يلي: 1 - اننا لا نستطيع أن نصدق: أن النبي (ص) كان ساذجا الى حد


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 422 / 423، والسيرة الحلبية ج 2 ص 221، ومغازي الواقدي ج 1 ص 217، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 228. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 228 / 229. (*)

[ 134 ]

أنه لا يستطيع أن يدرك: أن الذي أجابه في المرات الثلاث، بل الاربع، هو شخص واحد، حتى سأله عن الباقين ! !. 2 - ثم اننا لم نفهم المبرر لعدم اجابة غير ذكوان من الملسمين الذين يبلغ عددهم حوالي سبعمائة رجل، وفيهم أعظم المؤمنين، وكثيرون من الغيارى على حياة الرسول وأصحابه، ويفدونه بأرواحهم، وبكل غال ونفيس. ولم تكن الحراسة بذلك الامر، الذي لا مناص من مواجهة الخطر على النفس فيه. وان كان يحتمل فيها ذلك. وأين كان علي (عليه السلام) عنه في تلك الليلة، مع أنه هو الذي كان يتولى حراسته عادة. 3 - اننا لا نفهم المبرر لامره (ص) اياه بالجلوس في المرات الثلاث ! ! ولم لم يوافق على طلبه من المرة الاولى ؟ ! 4 - ان النزول في الطريق، وبيات ليلة فيه موضع شك أيضا إذ لم تكن المسافة بين المدينة وبين جبل أحد كبيرة الى حد يحتاج معها الى أن يبيت في الطريق إليه.

[ 135 ]

الفصل الثاني نصر وهزيمة

[ 137 ]

التعبئة للقتال: ويقولون: انه لما وصل النبي (ص) الى منطقة القتال، اختار أن ينزل الى جانب جبل أحد، بحيث يكون ظهرهم الى الجبل. ث م عبأ أصحابه، وصار يسوي صفوفهم، حتى انه ليرى منكب الرجل خارجا، فيؤخره. وأرهم أن لا يقاتلوا أحدا حتى يأمرهم. وكان على يسار المسلمين جبل اسمه جبل عينين، وهو جبل على شفير قناة، قبلي مشهد حمزة، عن يساره (1). وكانت فيه ثغرة، فأقام عليها خمسين رجلا من الرماة، عليهم عبد الله بن جبير، وأوصاه: أن يردوا الخيل عنهم، لا يأتوهم من خلفهم. وفي رواية قال: ان رأيتمونا تختطفنا الطير، فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل اليكم، وان رأيتموها هزمنا القوم، وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل اليكم (2). وحسب نص آخر: احموا ظهورنا، فان رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وان رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا (3).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 423. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 423 عن البخاري. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 424، عن الطبراني والحاكم، والسيرة الحلبية ج 2 ص 222. (*)

[ 138 ]

وكان شعاره يوم أحد: أمت. أمت. ويقولون أيضا: انه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ظاهر بين درعين، كما نص عليه الحاكم، وطائفة من المؤرخين. ويقول الواقدي: انه كان قد لبس قبل وصوله الى أحد درعا، فلما وصل الى ساحة الحرب لبس درعا أخرى، ومغفرا وبيضة فوق المغفر (1). ومن جهة أخرى: فقد عبأ المشركون قواهم، استعدادا للحرب، وأرسل أبو سفيان الى الانصار: خلوا بيننا وبين ابن عمنا، فننصرف عنكم، فلا حاجة بنا الى قتالكم، فردوا عليه بما يكره (2). ونذكر هنا ما يلي: ألف: المظاهرة بين درعين: اننا نشك في أنه (ص) قد ظاهر بين درعين في الوقت الذي يرى فيه أن غالب أصحابه لادرع لهم يحميهم من سيوف المشركين، فضلا عن أن يكون لهم درعان. ولم يكن النبي (ص) ليميز نفسه عنهم، بل كان من عادته أن يجعل نفسه كأحدهم. مع أنه يعلم: أنه هو المستهدف بالدرجة الاولى. وهذه هي أخلاق النبوة. وذلك هو سيماء الافذاذ من الرجال، وعباد الله الصالحين. الا أن يقال: المسلمين أنفسهم قد أصروا عليه بأن يظاهر بين درعين، من أجل الحفاظ عليه (ص)، كما كانوا يقومون بحراسته (ص) ليلا من أجل ذلك أيضا.. ويكون (ص) قد قبل منهم ذلك لتطمئن قلوبهم، ويهدأ روعهم.


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 219، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 230. (2) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 151. (*)

[ 139 ]

ونقول: ان ذلك لا يصح أيضا، لان النبي (ص) كان ملاذا للناس حين الحرب، وكانوا يلجأون إليه في الشدائد والاهوال. ولم يكن أحد أقرب منه الى العدو، وكان يقدم أحباءه وأهل بيته في الحرب، ولانجد مبررا بعد هذا للمظاهرة بين درعين، لاسيما مع وجود المنافقين، ومن في قلوبهم مرض، ومع وجود اليهود وغيرهم من الاعداء، الذين سوف لا يسكتون عن أمر كهذا، بل سوف يستفيدون منه لتضليل الناس، وخداع ضعاف النفوس، والسذج والبسطاء. ولم يكن النبي (ص) ليسجل على نفسه سابقة كهذه أصلا. ب: المنطق القبلي لدى أبي سفيان: ان محاولة أبي سفيان استعمال المنطق القبلي حين قال: خلوا بيننا وبين ابن عمنا انما كانت لتفريق الناس عن النبي (ص)، ليتمكن من القضاء على حركته من أسهل طريق، فلا يتعرض للعداوات الحادة بينه وبين المدنيين، ولا للخسائر الكثيرة في الارواح، ولا لتغيير المعادلات السياسية في المنطقة. الى غير ذلك من الاعتبارات الكثيرة في جو كهذا. ولكن فأله قد خاب، فقد وجد: أن الاسلام والمسلمين لا يأبهون لمنطق كهذا، وأصبح المسلم أخا للمسلم أيا كان، ومن أي قبيلة كانت. أما أبو سفيان وأصحابه بعدو محارب، حتى ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو اخوانهم، أو عشيرتهم، أو غيرهم. أبو دجانة، والسيف: ويقولون: انه (ص) أخذ سيفا، وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه، فطلبه جماعة، منهم الزبير. وفي نصوص أخرى: أبو بكر، وعمر، وتضيف رواية الينابيع عليا أيضا، فلم يعطهم اياه. فسأله أبو دجانة: ماحقه ؟

[ 140 ]

فقال: أن تضرب به العدو حتى ينحني. فطلبه أبو دجانة، فأعطاه اياه، فجعل يتبختر بين الصفين، فقال (ص): انها لمشية يبغضها الله الا في هذا الموطن. فقاتل أبو دجانة قتالا عظيما، حتى حمل على مفرق رأس هند - التي كانت تحوش المسلمين بهجماتها - ثم عدل السيف عنها، لانها صرخت، فلم يجبها أحد، فكره أن يضرب بسيف رسول الله امرأة لا ناصر لها (1). ملاحظات على هذه الرواية: ونقول: 1 - ان قضية عرضه السيف على أصحابه، ومنعه من البعض، واعطائه لابي دجانة قد تكون صحيحية. ولكن ما تقدم عن الينابيع، من ذكر علي (عليه السلام) فيمن لم يعطه (ص) السيف في غير محله. كيف ؟ وسيأتي: أنه لم يثبت أمام ذلك الجيش الهائل سوى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. وهذا يقرب: أنه (عليه السلام) كان يدرك: أنه لم يكن هو المقصود للنبي (ص) في دعوته للمسلمين، لاخذ السيف بحقه، لانه كان يعرف موقعه ودوره في المعركة.


(1) راجع نصوص هذه الرواية المختلفة في: لباب الاداب ص 176، وتاريخ الخميس ج 1 ص 424 / 425، والسيرة الحلبية ج 2 ص 222 / 223 / 225، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 257، والبداية والنهاية ج 4 ص 16 / 17، وفيهما ذكر عمر والزبير، ومغازي الواقدي ج 1 ص 259، وحياة الصحابة ج 1 ص 575 - 577 عن غير واحد، وينابيع المودة، الى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال لتعدادها. (*)

[ 141 ]

ولنا أن نحتمل هنا - بسبب ما عرفناه وما ألفناه من هؤلاء الرواة والمحدثين -: أن اضافة اسم علي في الرواية، قد كانت من أجل الحفاظ على كرامة وشخصية الطالبين والممنوعين الحقيقيين عن السيف في هذا الموقف. فانهم لم تكن مواقفهم الحربية تأبى عن مثل هذا، حيث لم تؤثر عنهم مواقف حربية شجاعة في ساحات الجهاد، بل أثر عنهم العكس من ذلك تماما. 2 - اننا لانفهم: لماذا يرفض رسول الله (ص) اعطاء السيف للزبير، ولابي بكر، وعمر، بعد طلبهم اياه، قبل أبي دجانة، ولماذا لا يجربهم، ليظهر مواهبهم ومواقفهم ؟ ! ولماذا يواجههم أمام الناس بهذا الرفض الفاضح والقاسي، حتى لقد وجدوا في أنفسهم من منعه لهم ؟ ولربما يقال: انه أراد أن يعطيه أنصاريا، ليقتدي به الانصار. وجوابه: انه قد كان اللازم حينئذ: أن يوضح ذلك لهم بكلمة، أو باشارة، حتى لا يتعرض الممنوعون لسوء ظن الناس بهم، أو حتى لا ينسبوا للفشل والعجز، وتصير كرامتهم في معرض الامتهان. وان كنا سنرى: أن هؤلاء الممنوعين لم يكونوا في المستوى المطلوب، وكان أبو دجانة أولى منهم بهذا التكريم، لان هذه القضية قد جرت لو صحت بعد عودة المسلمين من الهزيمة. وسيأتي بعض الكلام في ذلك ان شاء الله. 3 - ان ما ذكروه: من أن هندا كانت تقاتل المسلمين وتحوشهم قد كذبته أم عمارة رحمها الله، فراجع (1). ولا ندري من أين حصلت هند على هذه البسالة النادرة، التي


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 272، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 268. (*)

[ 142 ]

تجعلها في عداد أعظم فرسان التاريخ ؟ ولماذا لم يعدها المؤرخون من فرسان الدهر، وشجعان ذلك العصر ؟ ! كما أن من المعلوم: أنه (ص) قد كان يوصي سراياه وبعوثه وصايا عديدة، منها: أن لا يقتلوا امرأة، ولا ولا الخ. 4 - ان من الواضح مدى التشابه بين ما تذكره هذه القضية عن تبختر أبي دجانة بين الصفين، وقول النبي (ص) له، وبين ما كان من تبختر علي (عليه السلام) يوم الخندق، فاعترض عمر على ذلك، ونبه النبي (ص) الى مشيته (عليه السلام). فاجابه النبي (ص) بهذا الجواب بعينه. وستأتي مصادر هذه القضية هناك، وأنها ثابتة بلا ريب. ويبعد أن تتعدد الواقعة بكل خصوصياتها. كما أنه بعد قضية أبي دجانة في أحر لا يبقى مورد لاعتراض عمر في الخندق، إذ نستبعد عدم اطلاعه على ما جرى في أحد، ان لم يكن هو نفسه هو الذي اعترض آنئذ كما تعودناه منه في المواقف المختلفة، حتى ليندر أن تجد في التاريخ اعتراضا على النبي لغيره ! ! ولا أقل من حضوره وشهوده الاحداث عن قرب، فانه ممن طلب السيف، ورفض طلبه، فإذا كان ما جرى يوم الخندق هو الصحيح، وإذا كان ثمة تبديل وتغيير في الاسماء والاشخاص فقط، فلا عجب، فانما هي شنشنة نعرفها من أخزم. وعلى كل حال، فان مشية علي (عليه السلام) يوم الخندق، كان الهدف منها هو الافتخار بعظمة وبعزة الاسلام، وذل أعدائه حتى في حال انتصارهم من جهة. ثم الحرب النفسية لاعدائه، والتأثير على معنوياتهم من جهة أخرى.

[ 143 ]

نشوب الحرب، وقتل أصحاب اللواء: وكان أول من رمى بسهم في وجوه المسلمين أبو عامر الفاسق في خمسين ممن معه، بعد أن حاول استمالة قومه من الاوس، فردوا عليه بما يكره، فتراموا مع المسلمين، ثم ولوا مدبرين. وحرض أبو سفيان بني عبدالدار، حاملي لواء المشركين على الحرب، وجعل النساء يضربن بالدفوف، ويحرضنهم بالاشعار. وطلب طلحة بن أبي طلحة، حامل لواء المشركين البراز، فبرز إليه علي (عليه السلام) فقتله. فسر رسول الله (ص) بذلك، وكبر تكبيرا عاليا. ويقال: ان طلحة سأل عليا: من هو ؟. فأخبره فقال: قد علمت يا قضم: أنه لا يجسر علي أحد غيرك (1). وقد ضربه علي (ع) على رأسه، ففلق هامته الى موضع لحيته، وانصرف علي (عليه السلام) عنه، فقيل له: هلا ذففت عليه ؟ ! قال: انه لما صرع استقبلني بعورته، فعطفتني عليه الرحم. وقد علمت أن الله سيقتله، وهو كبش الكتيبة (2).


(1) فعن أبي عبد الله (عليه السلام): أن رسول الله (ص) كان بمكة بم يجسر عليه أحد، لموضع أبي طالب، وأغروا به الصبيان، وكانوا إذا خرج رسول الله (ص) يرمونه بالحجارة والتراب، وشكا ذلك الى علي (ع)، فقال: بأبي أنت وأمي يارسول الله (ص)، إذا خرجت فاخرجني معك، فخرج رسول الله (ص) ومعه أمير المؤمنين (ع)، فتعرض الصبيان لرسول الله (ص) كعادتهم، فحمل عليهم أمير المؤمنين، وكان يقضمهم في وجوههم، وآنافهم، وآذانهم، فكان الصبيان يرجعون باكين الى آبائهم، ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي، فسمي لذلك: (القضم). راجع: البحار ج 20 ص 52، وتفسير القمي ج 1 ص 114، وأشار الى ذلك أيضا في نهاية ابن الاثير. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 226، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 236 وغير ذلك. (*)

[ 144 ]

وفي رواية أخرى: انه صلوات الله وسلامه عليه قال: انه ناشدني الله والرح، فاستحييت. وعرفت أن الله قد قتله (1). وقيل: ان ذلك كان حينما قتل (عليه السلام) أبا سعيد بن أبي طلحة. وثمة كلام آخر في المقام لا أهمية له. قال ابن هشام: (لما اشتد القتال يوم أحد، جلس رسول الله (ص) تحت راية الانصار، وأرسل الى علي: أن قدم الراية، فتقدم علي، وقال: أنا أبو القصم (والصحيح: أبو القضم)، فطلب أبو سعيد بن أبي طلحة - وكان صاحب لواء المشركين - منه البراز، فبرز إليه علي، فضربه، فصرعه). ثم ذكر قصة انكشاف عورته حسبما تقدم (2). واقتتل الناس، وحميت الحرب. وحارب المسلمون دفاعا عن دينهم، وعن وطنهم، الذي فيه كل مصالحهم، ويتوقف على حفظه مستقبلهم ووجودهم. حاربوا فئة حاقدة، تريد الثأر لقتلاها في بدر، وهي أكثر منهم عددا، وأحسن عدة. ثم شد أصحاب رسول الله (ص) على كتائب المشركين، فجعلوا يضربون وجوههم، حتى انتقضت صفوفهم، ثم حمل اللواء عثمان بن أبي طلحة، أخو طلحة السابق، فقتل، ثم أبو سعيد أخوهما، ثم مسافع، ثم كلاب بن طلحة بن أبي طلحة، ثم أخوه الجلاس، ثم أرطأة بن شرحبيل، ثم شريح بن قانط، ثم صواب، فقتلوا جميعا، وبقي لواؤهم مطروحا على الارض، وهزموا، حتى أخذته احدى نسائهم، وهي عمرة بنت علقمة


(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 194، والكامل لابن الاثير ج 1 ص 152، ووفاء الوفاء ج 1 ص 293، والاغاني ج 14 ص 16. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 427. (*)

[ 145 ]

الحارثية، فرفعته، فتراجعت قريش الى لوائها، وفيها يقول حسان: ولولا لوا الحارثية أصبحوا يباعون في الاسواق بالثمن البخس ويقال: ان أصحاب اللواء بلغوا أحد عشر رجلا (1). قال الصادق (عليه السلام)، بعد ذكره قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لاصحاب اللواء: (وانهزم القوم، وطارت مخزوم، فضحها علي (عليه السلام) يومئذ (2). كما أن رماة المسلمين الذين كانوا في الشعب قد ردوا حملات عديدة لخيل المشركين، حيث رشقوا خيلهم بالنبل، حتى ردوها على أعقابها. وقبل المضي في الحديث نسجل هنا ما يلي: ألف: بنو مخزوم، وأهل البيت: ولعل ما تقدم هو سر حقد خالد بن الوليد المخزومي - الذي كان على ميمنة المشركين في أحد - علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي قتل عددا من فراغتهم (3). وقد تقدم في أوائل هذا الجزء حين الكلام عن خطبة علي (ع) لبنت أبي جهل بعض ما يشير الى حقد خالد هذا، فلا نعيد. وقد روى الحاكم، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (ان أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا، وان أشد قومنا لنا بعضا: بنو أمية، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم) (4).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 427. (2) الارشاد للمفيد ص 52، والبحار ج 20 ص 87 عنه. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 84. (4) مستدرك الحاكم ج 4 ص 487. (*)

[ 146 ]

ب: الزبير والمقداد على الخيل: وثمة رواية تفيد: أن الزبير والمقداد كانا على الخيل، وحمزة بالجيش بين يديه (ص)، وأقبل خالد الذي كان على ميمنة المشركين، وعكرمة بن أبي جهل على الميسرة، فهزمهم الزبير والمقداد، وحمل النبي (ص)، فهزم أبا سفيان (1). ونحن لانصدق هذه الرواية، فقد تقدم: أنه لم يكن مع النبي (ص) خيل. وجاء في بعض الروايات: أنه كان ثمة فرس واحد، أو فرسان: فرس للنبي، والاخر لابي بردة بن نيار كما تقدم. الا أن يقال: ان المراد: أنه كان في مقابل خيل المشركين: الزبير والمقداد. ولكن ذلك بعيد عن سياق الكلام، ولا سيما إذا لم يكن معهما خيل. أما العشرة أفراس التي غنمها المسلمون يوم بدر، فلعلها قد بيعت، أو نفقت، أو كان بعضها في حوزة من لم يشاركوا في حرب أحد، ممن رجع مع ابن أبي أو غيرهم. ثم اننا لا ندري أين كان علي (عليه السلام)، الذي قتل نصف قتلى المشركين أو أكثر كما سيأتي ؟ !. ولماذا لا تتعرض له هذه الرواية، ولا تدلنا على دوره في هذه الحرب ؟ !. ج: اخلاص علي (ع)، وعطفه على كبش الكتيبة: وأما أن عليا انصرف عن قتل حامل لواء المشركين، لانه قد عطفته عليه الرحم، فلا يمكن أن يصح، لان عليا لم يكن ليرحم من حاد الله، ورسوله، وكان كبش كتيبة المشركين، الذين جاؤا لاستئصال شأفة الاسلام


(1) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 52. (*)

[ 147 ]

والمسلمين. ونحن نعلم: أن عليا (ع) كان في كل أعماله مخلصا لله تعالى كل الاخلاص. وقد قدمنا الاشارة الى موقفه حينما قتل عمرو بن عبد ود فلا نعيد. فالظاهر أن الصحيح: هو أنه ناشده الله والرحم، واستقبله بعورته فانصرف عنه. وهو بلاء تعرض له أمير المؤمنين مع غيره أيضا، كعمرو بن العاص، وبسر بن أبي أرطأة في وقعة صفين، كما هو معلوم. نعم لقد انصرف عنهم جميعا، بدافع من كرم النفس، وطاعة الله. فهو حين يقتل قومه يقتلهم طاعة لله، وحين ينصرف عنهم ينصرف لكرم النفس والنبل والشرف، وطاعة لله أيضا. حيث لم يكن ثمة حاجة للتذفيف عليه، مع مشاهدة ما لا يحسن مشاهدته منه - عورته - وقد علم أن الله سيقتله من ضربته تلك، التي فلقت هامته الى موضع لحيته. ولا ننسى أن نشير هنا الى أنه إذا بلغ السيف الى موضع لحيته، فانه لن يكون قادرا على مناشدة أحد. د: من قتل أصحاب اللواء: ان من الثابت: أن عليا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، هو الذي قتل جميع أصحاب اللواء وكانوا أحد عشر رجلا، ولا يعتنى بتفصيلات طائفة من المؤرخين في من قتل هذا، ومن قتل ذاك، ونستند في ذلك الى ما يلي: 1 - قال الطبري، وابن الزبير، وغيرهما: (وكان الذي قتل أصحاب اللواء علي، قال أبو رافع: قال: فلما قتلهم أبصر النبي (ص) جماعة من المشركين الخ). وستأتي المصادر الكثيرة جدا لهذا النص حين الكلام عن مناداة جبرئيل:

[ 148 ]

لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي وقد نص على أنه (عليه السلام) هو الذي قتل أصحاب اللواء عدد جم من المؤرخين وغيرهم (1)، وبعضهم - كالاسكافي - ذكر ذلك في مقام الحجاج والاحتجاج. ولو كان ثمة مجال لانكار ذلك، لم يجرؤ على ايراده في مقام كهذا. 3 - وعن أبي عبد الله، عن أبيه (عليه السلام)، قال: كان أصحاب اللواء يوم أحد تسعة، قتلهم علي بن أبي طالب عن آخرهم الخ (2). ويمكن تأييد ذلك بما سيأتي ان شاء الله، من أن أمير المؤمنين (ع) قد قتل نصف بل أكثر قتلى المشركين في معركة أحد. لماذا التزوير ؟ !. فإذا كان هذا هو الصحيح في هذه القضية، وإذا كنا نلاحظ كثيرا: أنهم في مقام تفصيلاتهم الاخرى في هذا المقام، وفي غيره أيضا، يحاولون اعطاء كثير من الامتيازات لاولئك الذين لم تكن لهم علاقات حسنة بأهل البيت (ع). بل كان لغالبهم عداوات كبيرة مع علي وأهل بيته، وعلاقات وثيقة بأعدائهم ومناوئيهم. إذا كان اذكلك، فاننا نستطيع أن نعرف سر محاولة صرف الانظار هنا


(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293 عن الاسكافي، وليراجع: آخر العثمانية للجاحظ ص 340، وشرح التجريد للقوشجي ص 486، ومجمع البيان ج 2 ص 513، والبحار ج 20 ص 26 و 49 و 64 و 87، وتفسير القمي ج 1 ص 113، والارشاد للشيخ المفيد ص 52، وعن الخصال ج 2 ص 121 و 124. (2) الارشاد للشيخ المفيد ص 52، والبحار ج 20 ص 87 عنه. (*)

[ 149 ]

عن رجل الجهاد الحقيقي، الذي كان ولا يزال شوكة جارحة في أعين أعداء الدين الحق، الذين يحاربون الله ورسوله بالسلاح تارة، وبالكذب والدعايات المسمومة أخرى، وبالتحريف والتزوير ثالثة، وهكذا. وممن الممكن أن يكون بعض ما ذكروه عن غير علي صحيحا أيضا، وأنهم قد قتلوا بعض المشركين. ولكن من المؤكد: أنه لم يكن لهم دور بهذا المستوى المعروض فعلا، ولا هم قتلوا أصحاب اللواء. ولكن مناوئي أهل البيت قد بدلوا الاسماء كيدا منهم وحقدا. ومن هنا فلا مانع من أن يكون أحدهم، وهو حمزة، قد قتل بطلا من غير أصحاب اللواء من المشركين بأن ضربه بالسيف فقطع يده وكتفه، حتى بلغ مؤتزرة، فبدا سحره (أي رئته)، ثم رجع، وقال: أنا ابن ساقي الحجيج (1). ولسوف يأتي ان شاء المزيد من الكلام فيما يرتبط بهذا الموضوع. ه‍: مبارزة أبي بكر لولده: ويقولون: ان أبا بكر دعا ابنه عبد الرحمن للبراز يوم أحد، وكان عبد الرحمن من أشجع قريش، وأشدهم رماية (2) ! ! فقال له النبي (ص): متعنا بنفسك، أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي من بصري، فأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (3).


(1) السيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 28، وأنساب الاشراف ج 1 ص 54. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 168. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 169 و 224 وفيها عن علي ما يؤيد هذا، والعثمانية = (*)

[ 150 ]

وقد ذكرت قصة شبيهة بهذه لابي بكر وابنه في يوم بدر أيضا. لكن فيها: أن عبد الرحمن هو الذي دعا أباه للبراز، ولكن لم يذكر فيها نزول الاية بهذه المناسبة (1). كما أن أكثر المصادر لم تذكر قوله: أما علمت أنك مني بمنزلة الخ. وفي بعض السير: أن أبا بكر قال لولده يوم بدر وهو مع المشركين: أين مالي يا خبيث ؟. فقال له عبد الرحمن كلاما معناه: انه لم يبق الا عدة الحرب، التي هي السلاح، وفرس سريعة الجري، وجنان يقاتل عليه شيوخ الضلال (2). ولنا على ما ذكر ملاحظات: 1 - أما بالنسبة لمال أبي بكر الذي طالب به ولده، فيرده قولهم: ان أبا بكر حمل ماله كله حين هاجر من مكة الى المدينة، حتى ان أباه أبا قحافة لما جاء وسأل: ان كان أبقى لاهله شيئا، اضطرت أسماء لان تضع الحصى في كيس وتلمسه اياه على أنه نقود (3) وقد تقدم بعض الحديث حول ثروة أبي بكر حين الكلام على قضية الغار، فليراجع ما ذكرناه هناك. 2 - وأما نزول الاية، في أبي بكر في هذه المناسبة فلا ندري: هل


للجاحظ ص 62 ولم يذكر نزول الاية وكذا في الكامل لابن الاثير ج 2 ص 156، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 256 مثله، ومغازي الواقدي ج 1 ص 257، وملحق العثمانية ص 330 و 340، والبحار ج 20 هامش ص 103 عن كشف الغمة، وعن المقريزي في الامتاع. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 168، والاستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 399 / 400 وراجع: غزوة بدر، فقد أشرنا الى هذه الرواية هناك أيضا. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 169، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 291. (3) تقدمت مصادر ذلك في هذا الكتاب في فصل هجرة الرسول الاعظم (ص) حين الحديث حول شراء أبي بكر للموالي ونفقاته. (*)

[ 151 ]

نصدق هذا ؟ ! أم نصدق قولهم: ان أبا بكر سمع والده أبا قحافة يذكر النبي (ص) بشر، فلطمه لطمة سقط منها، فنهاه النبي (ص) أن يعود لمثلها. فقال: والله، لو حضرني سيف لقتلته به فنزلت الاية (1). وهذا يعني أن الاية مكية وليست مدنية قد نزلت في أحد، لان أبا قحافة قد بقي في مكة الى حين الفتح. كما أن هذا ينافي ما قيل في تفسير هذه الاية، من أن المراد: الدعوة الى الحرب، أو الى القرآن (2). ومقتضى ما ذكر في قصته: أنه دعاه لترك الحرب، وليبقى حيا ويمتعهم بنفسه. 3 - قال ابن ظفر في الينبوع: (لم يثبت أن أبا بكر دعا ابنه للمبارزة، وانما هو شئ ذكر في كتب التفسير) (3). 4 - ولما ذكر الجاحظ في عثمانيته هذه الحادثة متبجحا بها، أجابه الاسكافي بقوله: (ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لابي بكر، فانه لو تسمعه الامامية لاضافته الى ما عندها من المثالب، لان قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ارجع) دليل على أنه لا يحتمل مبارزة أحد، لانه لذا لم يحتمل مبارزة ابنه، وأنت تعلم حنو الابن على الاب، وتبجيله له، واشفاقه عليه، وكفه عنه، لم يحتمل مبارزة الغريب الاجنبي. وقوله: (ومتعنا بنفسك) ايذان بأنه كان يقتل لو خرج، ورسول الله كان أعرف به من الجاحظ. فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 169. (2) راجع الدر المنثور ج 3 ص 176 عن ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن اسحاق. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 169. (*)

[ 152 ]

صلي بالحرب، ومشى الى السيف بالسيف، فقتل السادة والقادة، والفرسان والرجالة) (1). 5 - وأخيرا.. فان عائشة تقول: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، غير أن الله أنزل عذري (2). وحتى عذرها هذا لا يمكن أن يكون قد نزل فيها كما أثبتناه في كتابنا حديث الافك. فكيف تكون الاية قد نزلت بهذه المناسبة ؟ !. هزيمة المشركين: ويقولون: انه لما قتل أصحاب اللواء، وانتكست راية المشركين، صاروا كتائب متفرقة، وصار أصحاب الثغرة يرمون المشركين، و (اقتتل الناس قتالا شديدا، وأمعن في الناس حمزة، وعلي، وأبو دجانة في رجال من المسلمين، وأنزل الله نصره على المسلمين، وكانت الهزيمة) (3). وعلى حد تعبير الديار بكري: (وقاتل علي في رجال من المسلمين) (4). وانهزموا، واتبعهم المسلمون، يضعون السيف منهم حيث شاؤا، حتى أجهضوهم، ووقعوا ينتهبون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم. وقد روى كثير من الصحابة ممن شهد أحدا، قال كل واحد منهم:


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 294 وص 281، وليراجع آخر كتاب العثمانية ص 340 وليراجع ص 230. (2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 121، وتفسير ابن كثير ج 4 ص 159، والدر المنثور ج 6 ص 41، وفتح القدير ج 4 ص 21. وراجع: الغدير ج 8 ص 247. (3) الكامل لابن الاثير ج 1 ص 153. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 427. (*)

[ 153 ]

والله، اني لانظر الى هند وصواحبها منهزمات، وما دون أخذهن شئ لمن أراده، ولكن لا مرد لقضاء الله (1). ويذكرون هنا أيضا: أن سعد بن أبي وقاص قتل بطلا آخر، رماه بسهم، ثم أخذ يسلبه درعه، فنهض إليه نفر، فمنعوه سلبه، وكان أجود سلب لمشرك درع فضفاضة، ومغفر، وسيف جيد، يقول سعد: (ولكن حيل بيني وبينه). ويذكرون كذلك: أن عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، قد قتل أحد فرسان المشركين، فنذرت أم المقتول: أن تشرب في قحف رأس عاصم الخمر، وجعلت لمن جاءها به مئة من الابل، فلما قتل يوم الرجيع، وأرادوا أن يأخذوا لها رأسه حمته الدبر - أي جماعة النحل والزنابير - وثمة تفصيلات أخرى تقال هنا لا مجال لتتبعها. وسنتكلم عن قضية حماية الزنابير لرأس عاصم في الجزء التالي من هذا الكتاب ان شاء الله. ونحن نشير هنا الى ما يلي: ألف: لماذا لم يسب من نساء قريش أحد ! ومع أن الفرصة كانت متاحة لسبي نساء قريش في أحد، ولكن لم يسب أحد منهن. بل نجد: أنه لم يسب لقريش أحد طيلة حروبها مع المسلمين في مدة عشر سنين. وهذا في الحقيقة لطف الهي، ونعمة عظيمة على الاسلام وعلى المسلمين، وذلك:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 229، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 239 عنه، ومجمع البيان ج 2 ص 513، وغير ذلك كثير. (*)

[ 154 ]

أولا: لان سبي نساء قريش لسوف يوقع بعض المسلمين من المهاجرين في حرج نفسي واجتماعي، ربما تكون له آثار سيئة على موقعه في الاسلام والمسلمين. بل ربما يوجب ذلك حرجا لبعض المسلمين من الانصار من أهل المدينة أنفسهم، لان العلاقات النسبية عن طريق التزويج كانت موجودة بين مكة والمدينة. حتى ان بعض قتلى اللواء في أحد كانت أمهم أوسية. ثم ان ذلك سوف يؤثر على موقف كثير من المكيين من الاسلام، رفضا أو قبولا، فان دخولهم على مجتمع قد عاملهم هذه المعاملة القاسية، في أكثر القضايا حساسية، عاطفيا، واجتماعيا، (بل ربما توجب لهم - على حد فهمهم وزعمهم - عار الدهر) سوف يكون صعبا جدا، ولا سيما إذا كان لابد وأن يطلب منهم: التعامل مع هذا المجتمع بروح الصفاء، والمحبة والاخوة. وأنى يمكنهم ذلك بعد الذي كان. ثانيا: انه إذا كان لم يسب لقريش أحد، ولم تستطع أن تنسى ثارات بدر، وأحد، وسائر المعارك. حتى ان حرب صفين - كما قالت أم الخير بنت الحريش - كانت لاحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس (1). بل ان مجزرة كربلاء، وفاجعة قتل الامام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، كانت لها دوافع بدرية، واحن أحدية أيضا، فقد قال اللعين يزيد بن معاوية: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا: يا يزيد لاتشل


(1) العقد الفريد ط دار الكتاب ج 2 ص 115، وصبح الاعشى ج 1 ص 297، وبلاغات النساء ص 57، وفي الغدير ج 9 ص 371، ونهاية الارب ج 7 ص 241. (*)

[ 155 ]

قد قتلنا القرم من أشياخهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل ولما وصل رأس الحسين (عليه السلام) الى المدينة رمى مروان بالرأس نحو قبر النبي (ص)، وقال: يا محمد يوم بيوم بدر (1) وقيل: ان الذي قال هذا هو الاشدق، كما في مثالب أبي عبيدة (2). هذا كله عدا عن واقعة الحرة، وسائر المواقف العدائية لقريش تجاه أهل البيت، وأصحابهم، وشيعتهم. فلو أن النبي (ص) كان قد سبى أحدا من قريش، فما هي الحالة التي يمكن تصورها لزينب، وسبايا كربلاء ؟ ! اللواتي تجر عن الغصص، وواجهن أفظع المصائب والبلايا، على يد يزيد الغادر الاثيم، وأعوانه، أعوان الشيطان ؟ ! ومع ذلك نجدهم يقولون: انه امام مجتهد، أو انه كان مجتهدا متأولا مخطئا (3). مع أنهم يقولون بالتصويب في الاجتهاد. وهل ليزيد حظ من العلم، فضلا عن نيل شرف الاجتهاد ؟ ! فانا لله وانا إليه راجعون ! !. ب: مقارنة: قال المعتزلي: (قلت: شتان بين علي وسعد، وهذا يجاحش على السلب، ويتأسف على فواته، وذاك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، وهو فارس قريش، وصنديدها، ومبارزه، فيعرض عن سلبه، فيقال له: كيف تركت سلبه، وهو أنفس سلب ؟ ! فيقول: كرهت أن أبز السبي ثيابه.


(1) شرح النهج للمعتزلي تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم ج 4 ص 71، 72 عن الاسكافي. (2) راجع: الغدير ج 10 ص 264. (3) الفصل لابن حزم ج 4 ص 89، وتاريخ ابن كثير 7 / 279 و 8 / 223 وج 13 ص 9، والغدير 9 / 93 / 394 عنهم. والعواصم من القواصم. وكذا قالوا في ابن ملجم أيضا كما ذكره في الغدير عنهم أيضا، فراجع الصفحات المشار إليها. (*)

[ 156 ]

فكأن حبيبا (يعني أبا تمام الطائي رحمه الله) عناه بقوله: ان الاسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1) الهزيمة بعد النصر: ويقولون: لما رأى أصحاب الثغرة المشركين قد انهزموا، وأن المسلمين يغنمون، اختلفوا، فبعضهم ترك الثغرة للغنيمة. وفي معالم التنزيل: انهم قالوا: نخشى أن يقول رسول الله (ص): من أخذ شيئا فهو له، ولا يقسم الغنائم - كما لم يقسمها يوم بدر (2). وقال بعضهم: وكانوا فوق العشرة، أو دونها -: لا نخالف أمر رسول الله (ص). ولما سأل رسول الله (ص) التاركين لمراكزهم عن سبب ذلك، قالوا: تركنا بقية اخواننا وقوفا، بل ظننتم: أنا نغل، فلا نقسم لكم. فأنزل الله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل) - الاية - وقال بعضهم: وأنزل الله: (منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الاخرة). فلما رأى خالد قلة من على الثغرة، وخلاء الجبل، واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية، صاح في خيله، فمر بهم، وتبعه عكرمة في جماعة، فحملوا على من بقي في الثغرة، فقتلوهم جميعا، ثم حملوا على المسلمين من خلفهم. ورأت قريش المنهزمة عودة


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237. (2) الظاهر: أن هذه جملة اعتراضية، زادها الرواة تبرعا، والا فقد تقدم: أنه (ص) قد قسم الغنائم في بدر، بل لقد ادعوا - وان كان ذلك كذبا -: أنه (ص) قد أسهم لمن لم يكن قد حضرها، فكيف بغيره. فراجع. (*)

[ 157 ]

رجالها للحرب، ورفعت الحارثية لواءهم الذي كان ملقى على الارض، فعادوا الى الحرب من جديد. وإذا كان المسلمون قد تفرقوا، وانتقضت صفوفهم، ولم يعودوا صفا واحدا كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، وفقدوا الارتباط بقيادتهم الحكيمة، وهم في طلب المغنم، فمن الطبيعي أن لا يتمكنوا من مقاومة هذه الضارية، وأن يضيعوا بين أعدائهم، فكان هم كل واحد منهم أن ينجو بنفسه فقد - أهمتهم أنفسهم - على حد تعبير القرآن الكريم. لاسيما وأن أحد المشركين قد قصد مصعب بن عمير وهو يذب عن رسول الله، فظن أنه الرسول فقتله، (فيقال: ان اللواء كان معه، فأخذه أبو الروم. ويقال: بل أخذه ملك في صورة مصعب. والذي عليه المحققون: أن النبي (ص) أعطاه عليا (ع)، وقد قدمنا أن الظاهر هو أن هذا اللواء خاص، وليس هو لواء الجيش، الذي كان مع علي (ع). ونادى قاتل مصعب - أو غيره -: أن محمدا قد قتل، فزداد المشركون جرأة، وهزم المسلمون الذين، لم يستطيعوا جمع شملهم، ولم شعثهم. وثبت علي (ع) وحده معه (ص)، يدافع عنه. وخلص العدو الى رسول الله (ص)، وكلمت شفته، وشج في وجهه، ونشبت حلقتان من الدرع في وجهه الشريف، ودث بالحجارة، حتى وقع لشقه. كذا يقولون. ويقولون أيضا: ان أبا عبيدة هو الذي انتزع حلقتي الدرع من وجهه الشريف فسقطت ثنيتاه، فكان أحسن الناس همتا. وقيل: بل انتزعهما أبو بكر، وقيل: طلحة، وقيل: عقبة بن وهب (1).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 235، ومغازي الواقدي ج 1 ص 247، وشرح النهج = (*)

[ 158 ]

ولا بد أن يكون انتزاعها بعد عودة المسلمين من هزيمتهم، كما سنرى. كما أن الذي كسر رباعيته (ص) لم يولد له ولد، الا وابتلي بالهتم، كما يقول. تصحيح وتوضيح: وقد تصدى الامام الصادق (عليه السلام) لتصحيح بعض ما كان يشاع حول أن النبي (ص) قد ترك موضعه وتراجع حتى بلغ الغار الذي في جبل أحد، فأوضح (عليه السلام) أن النبي (ص) لم يتزحزح من موقفه ولم يتراجع قيد شعرة. كما أنه (عليه السلام) لم يكن قد نقص من خلقته شئ، ولم تكسر رباعيته، فقد روي عن الامام الصادق (ع): أنه قد رد ذلك، فقد قال له الصباح بن سيابة: (كسرت رباعيته كما يقول هؤلاء ؟ !. قال: لا والله، ما قبضه الله الا سليما، ولكنه شج في وجهه. قلت: فالغار في أحد الذي يزعمون: أن رسول الله (ص) صار إليه ؟ !. قال: والله، ما برح مكانه. وقيل له: ألا تدعو عليهم ؟ قال: (اللهم أهد قومي) الخ (1). ولعلهم أرادوا بذلك أن يثبتوا الهزيمة للنبي ليخف العار عن المنهزمين الذين يحبونهم. الرسول يدعوهم في أخراهم: وحين هزم المسلمون، جعل الرسول (ص) يدعوهم في أخراهم:


= للمعتزلي ج 15 ص 33، وتاريخ الخميس ج 1 ص 431. وليلاحظ مدى الاختلاف في هذا ! !. (1) البحار ج 20 ص 96، واعلام الورى ص 83. (*)

[ 159 ]

الي عباد الله، الي عباد الله، الي يا فلان، وهم يصعدون ولا يلوون، ولا يعرج عليه أحد، والنبل يأتي إليه من كل ناحية. واستمروا في هزيمتهم حتى الجبل، وفيهم: أبو بكر، وعمر، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. أما عثمان فقد استمر في هزيمته ثلاثة أيام، وستأتي نصوص ذلك كله بعد صفحات ان شاء الله تعالى. علي (ع)، وكتائب المشركين: وحين انهزم الناس غضب، (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونظر الى جنبه، فإذا علي (عليه السلام)، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك ؟ ! فقال (عليه السلام): يارسول الله، أكفر بعد ايمان ؟ ! ان لي بك أسوة (1). ويقول النص التاريخي: كان الذي قتل أصحاب اللواء علي، قاله أبو رافع. وصارت تحمل كتائب المشركين على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيقول: يا على، اكفني هذه، فيحمل عليهم، فيفرقهم، ويقتل فيهم. حتى قصدته كتيبة من بني كنانة، فيها بنو سفيان بن عويف الاربعة فقال له (ص): اكفني هذه الكتيبة، فيحمل عليها، وانها لتقارب خمسين فارسا، وهو (عليه السلام) راجل، فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الاربعة وتمام العشرة منها، ممن لايعرف بأسمائهم فقال جبريل (عليه السلام): يا محمد، ان هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى !


(1) البحار ج 20 ص 95 و 107 عن اعلام الورى، وروضة الكافي ص 110. (*)

[ 160 ]

فقال (ص): وما يمنعه، وهو مني وأنا منه ؟ ! فقال جبريل: وأنا منكما. ثم سمع مناد من السماء: لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي فسئل (ص) عنه، فقال: هذا جبريل (1). قال المعتزلي: (... قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين، وهو من الاخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن اسحاق، ورأيت بعضها خاليا منها، وسألت شيخي


(1) النص المتقدم في أكثره للمعتزلي في شرح النهج ج 14 ص 250 / 251 عن الزاهد اللغوي غلام ثعلب، وعن محمد بن حبيب في أماليه، وراجع ج 13 ص 293، وراجع الرواية في الاغانى ط ساسي ج 14 ص 18، وتاريخ الطبري ج 2 ص 197، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 154، وفرائد السمطين، الباب الخمسون ج 1 ص 257، ومجمع الزوائد ج 6 ص 114 و 122 عن البزار وعن الطبراني، وكنز العمال ج 15 ص 126، والبداية والنهاية ج 6 ص 5، واللالي المصنوعة ج 1 ص 365، وتفسير القمي ج 1 ص 116، والبحار ج 20 ص 54 و 95 و 105 و 107 و 102 عن القمي، وعلل الشرايع ص 7 باب 7، والارشاد ص 46، واعلام الورى وتفسير فرات ص 24 / 26، وروضة الكافي ص 110، وعيون أخبار الرضا ج 1، وحياة الصحابة ج 1 ص 559، وربيع الابرار ج 1 ص 833، ومناقب الخوارزمي ص 103، الا أن فيه: أن ذلك كان في بدر. والغدير ج 2 ص 59 - 61 عن العديد من المصادر، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 106، وتاريخ ابن عساكر ترجمة علي (ع) بتحقيق المحمودي ج 1 ص 148 / 149 / 150، وفي هامشه عن الفضائل لاحمد بن حنبل، الحديث رقم 241، والمعجم الكبير للطبراني ج 1 ص 318، وغاية المرام ص 457، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 343، والرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 131، وعن علي بن سلطان في مرقاته ج 5 ص 568 عن أحمد في المناقب. (*)

[ 161 ]

عبد الوهاب بن سكينة رحمه الله عن هذا الخبر، فقال: هذا الخبر صحيح الخ) (1). وبعد أن صد أمير المؤمنين (عليه السلام) تلك الكتائب لم يعد منهم أحد (2). وأصيب أمير المؤمنين بجراح كثيرة، قال أنس بن مالك: (أتي رسول الله (ص) بعلي (ع) يومئذ وفيه نيف وستون جراحة، من طعنة، وضربة، ورمية. فجعل رسول الله (ص) يمسحها وهي تلتئم باذن الله تعالى كأن لم تكن (3). وقبل أن نتابع حديثنا نسجل ما يلي: ألف: استشهاد حمزة رضوان الله عليه: وبعد قتل أصحاب الالوية، واشتداد الحرب، قال وحشي: والله، اني لانظر الى حمزة يهد الناس هدا، بسيف ما يبقي شيئا، مثل الجمل الاورق. فاختبأ وحشي خلف شجرة، أو حجر، ورصد حمزة حتى مر عليه، بعد قتله سباع بن عرفطة بن عبد العزى، وقبله أبا نيار، فأتاه من ورائه (4) فدفع عليه حربته، فأصابت ثنته... فأقبل حمزة نحوه، فغلب، فوقع، فلما مات جاءه وحشي، وأخذ حربته، وشغل المسلمون عن وحشي بهزيمتهم (5).


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 251. (2) الارشاد للشيخ المفيد ص 53، والبحار ج 20 ص 88. (3) البحار ج 20 ص 23، ومجمع البيان ج 2 ص 509. (4) البدء والتاريخ ج 4 ص 201. (5) ارشاد المفيد ص 50، والبحار ج 20 ص 84. (*)

[ 162 ]

ورجع وحشي الى العسكر، ومكث فيه، ولم يكن له بغيره حاجة. وأعطته هند ثوبها وحليها، ووعدته عشرة دنانير بمكة. نعم، عشرة دنانير لقاتل أسد الله وأسد رسوله ! !. استطراد حول وحشي: ولما عاد وحشي الى مكة أعتق. ويقال: انه ندم على ما فعل، لانه لم يعتق (1). فلما كان فتح مكة هرب الى الطائف، فقيل له: (ويحك، انه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل دينه) فذهب مع الوفد الى المدينة. وقبل أن يقع نظر النبي (ص) عليه شهد شهادة الحق. فلما رآه النبي (يقال: انه طلب منه: أن يحدثه كيف قتل حمزة، ففعل) وقال له (ص): غيب وجهك عني، فكان يتنكبه حيث كان، لئلا يراه حتى قبضه الله (2). قال ابن اسحاق: فبلغني: أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان. فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت: أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. ثم مات غيقا في الخمر (3). ونعلق على ما تقدم بأمور: الاول: قد يقال: ان كلمة عمر في حق وحشي تشير الى أن الله تعالى سوف يخذل قاتل حمزة، ولا يمده بالتوفيقات والعنايات والالطاف، بل يطبع على قلبه بما عصى واعتدى.


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 244، والطبري ج 2 ص 195. (2) راجع في ذلك: تاريخ الخميس ج 1 ص 426، والسيرة الحلبية ج 2 ص 249، وحياة الصحابة ج 1 ص 572، والبداية والنهاية ج 4 ص 18 عن ابن اسحاق. وقال في آخره: وأخرجه البخاري، عن جعفر بن عمر. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 249، وتاريخ الخميس ج 1 ص 426، واسعاف الراغبين، بهامش نور الابصار ص 86. (*)

[ 163 ]

ولكن الحقيقة هي خلاف هذا التوجيه، فان عمر - على ما يظهر - كان يذهب الى أبعد من ذلك، فهو يقول: ان الله سوف لا يدع قاتل حمزة، بل سوف يلاحقه في كل مكان لينتقم منه بصورة مباشرة، وسوف لا يدعه وشأنه، ولن يفسح له المجال لاصلاح نفسه، ولعمل الخير، وملازمة التقوى. اذن، فشرب وحشي للخمر هو نتيجة لهذا التصميم الالهي على الانتقام من هذا الرجل. ومعنى ذلك هو أن شربه للخمر كان من فعل الله سبحانه، ووحشي كان مجبورا على ذلك. نقول هذا لان لدينا الكثير من الدلائل والشواهد على أن عمر كان لا يزال يعتقد بالجبر الالهي، وأن جهود النبي (ص) لم تفلح في قلع هذه الرواسب من نفسه، ونفوس الكثيرين ممن كانوا قد عاشوا في الجاهلية، وتربوا على مفاهيمها وأفكارها. وقد ذكرنا طائفة من النصوص والمصادر لهذا الموضوع في كتابنا: (أهل البيت في آية التطهير، أواخر الفصل الخامس من القسم الاول). والذي نعتقده وهدانا إليه القرآن والاسلام والعقل، هو أن الله تعالى لم يكن ليجبر عباده على شئ، وانما هم يعصون ويطيعون بمل ء اختيارهم. ولينا هنا بصدد تحقيق ذلك. الثاني: ان وحشيا قد أسلم، لان من عادة النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يقتل أصحابه، كما أنه لما طلب عمر من النبي (ص) أن يقتل ابن أبي المنافق، أجابه (ص): دعه، لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه (1).


(1) المصنف ج 9 ص 469 عن ابن المديني، والحميدي عن ابن عيينة، وأخرجه مسلم. وصحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 132، ومجمع الزوائد ج 6 ص 231. (*)

[ 164 ]

ولما رجعوا من أحد الى المدينة، وأرجف بهم المنافقون، وأظهروا الشماتة، طلب عمر بن الخطاب من النبي (صلى الله عليه وآله): أن يأمره بقتلهم، فرفض (ص) ذلك، لانه مأمور أن لا يقتل من يتشهد الشهادتين (1). وحين كان (ص) يقسم مالا، اعترض عليه أحدهم بأنه لا يعدل، فغضب (ص) حتى احمرت وجنتاه، فقال: ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ !. فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه ؟. فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي (2). وقد قال (ص) ذلك أيضا حين أراد عبد الله بن عبد الله بن أبي أن يقتل أباه فراجع (3). نعم، وهذه هي الخطة الحكيمة والصحيحة، لان قتله لاصحابه، معناه: 1 - أن لا يرغب أحد بعد في الدخول في الاسلام لانه لا يرى فيه عصمة لنفسه، ولا يطمئن لمستقبله ووجوده. كما أن من دخل فيه يجد نفسه مضطرا للتخلي عنه، واختيار طريق الردة، فيما لو صدر منهم أي عمل سئ أحيانا له مساس بالحالة العامة، أو بشخص النبي (ص) دون ما يقع في نطاق التعدي على حقوق الاخرين وحرماتهم.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 256 ولهذا نظائر أيضا لا مجال لتتبعها ستأتي في أواخر هذا الجزء، أواخر فصل بعدما هبت الرياح. (2) كنز العمال ج 11 ص 295 عن ابن جرير، والبداية والنهاية ج 7 ص 297 و 298 عن أحمد، ومسلم، والنسائي. (3) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. (*)

[ 165 ]

2 - أن يفسح المجال أمام أعداء الاسلام للقيام بحملة دعائية ضده، ومنع الناس من التعرف عليه والاهتداء بهديه، حيث يطعن أعداؤه عليه بأنه (ص) كسائر الملوك الذين يستفيدون من الناس حتى يحققوا أهدافهم، ثم يقتلون من ناصرهم على الظن والتهمة. 3 - ان ذلك ربما يدفع ضعفاء النفوس، ممن أظهروا الاسلام الى التخلي عنه، ابتعادا بأنفسهم عن مواطن الخطر بزعمهم. 4 - أضف الى ما تقدم: أن ذلك منه (ص) لربما يتخذ من قبل حكام الجور والانحراف ذريعة لقتل الابرياء، والتخلص من خصومهم السياسيين، ثم يحتجون بأن رسول الله (ص) قد فعل ذلك. 5 - كما أنه لا يبقى مجال للتعصبات القبلية، التي ربما تؤدي الى خروج قبيلة بكاملها من الاسلام. ولعله لاجل ذلك نجد أبا سفيان لا يثأر لابي أزيهر الدوسي، وكان في جواره، ومنع ولده من ذلك أيضا، وقال له: (أتريد أن تفرق بين قريش، فيقوى علينا محمد ؟ لعمري ما بدوس عجز عن طلب ثأرهم) (1). 6 - هذا كله عدا عن أنه (ص) لو فعل ذلك، لخسر أبناء المقتولين، واخوانهم، وكثيرا من عشائرهم، وأصبحت علاقاتهم به لا تقوم على أساس الحب، بل على أساس الخوف من سلطانه، الامر الذي سوف يدفع الكثيرين منهم للبحث عن منافذ للفرار، والتخلص من هيمنة رجل قتل أحباءهم بالامس، ولربما تصل النوبة إليهم اليوم أو غدا. الثالث: ان موقف الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من وحشي، وقوله له: غيب وجهك عني، ان دل علي شئ، فانما يدل على أن وحشيا لم يكن مسلما حقا، إذ لا يمكن أن يقول النبي (ص) ذلك


(1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 323. (*)

[ 166 ]

لمسلم مؤمن، بسبب ماكان قد ارتكبه حين كفره، فان الاسلام يجب ما قبله. وعليه فان التشهد بالشهادتين، وان حقن دم وحشي، الا أنه انما أسلم حينما رأى البأس، بعد أن أهدر النبي (صلى الله عليه وآله) دمه. فاسلامه وايمانه لا ينفعه، لانه في الحقيقة لم يكن مستندا الى الاختيار، ولا الى القناعة الوجدانية والعقلية بهذا الدين. وأعتقد: أنه لولا شبهة: أن النبي (ص) انما قتل مسلما، لكان للنبي (ص) أن يقتله. وان أعماله الشنيعة والقبيحة، وسيرته الخبيثة بعد ذلك لتدل دلالة واضحة على أنه لم يسلم، وانما استسلم، تماما كما كان الحال بالنسبة لطلقاء مكة، أبي سفيان وأصحابه. ب: هل يدعو النبي (ص) على قومه ؟ !: وقد رووا عن أنس: أن النبي (ص) جعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم الى ربهم، فأنزل الله تعالى: (ليس لك من الامر شئ، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فانهم ظالمون) (1).


(1) راجع الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 227، وفتح الباري ج 8 ص 171 وج 7 ص 281، وصحيح البخاري ج 3 ص 16، وتاريخ الخميس ج 1 ص 429 عن ابن اسحاق، والترمذي، والنسائي، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 4، ومغازي الواقدي ج 1 ص 245، ومجمع البيان ج 2 ص 501، والبحار ج 20 ص 21، والسيرة الحلبية ج 2 ص 234، والدر المنثور ج 2 ص 70 / 71 عن: ابن أبي شبية، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، والنسائي، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، والبيهقي في الدلائل، ونصب الرابة ج 2 ص 129. (*)

[ 167 ]

وقيل: انه (ص) جعل يلعن أبا سفيان، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحرث بن هشام - وأضافت بعض الروايات: عمرو بن العاص - فنزلت الاية، فتيب عليهم كلهم (1). وقيل: انه (ص) هم أن يدعو عليهم، فنهاه الله تعالى بهذه الاية، لعلمه بأن فيهم من يؤمن، فكف عن الدعاء عليهم (2). ونحن نشك في صحة ما تقدم، وذلك لما يلي: 1 - تناقض الروايات المتقدمة. 2 - انهم يقولون: ان سبب نزول الاية هو: أنه (ص) كان يقنت في صلاته بعد الركوع، ويدعو على مضر، وفي صلاة الفجر يدعو على بعض الاحياء العربية، فنزل قوله تعالى: (ليس لك من الامر شئ) (3). وسيأتي ذلك في الجزء الاتي من هذا الكتاب في فصل القنوت والدعاء على القبائل. وفي نص آخر: انه (ص) كان يلعن فلانا وفلانا من المنافقين،


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 234، والدر المنثور ج 2 ص 71 عن: أحمد، والبخاري، والترمذي، والبيهقي في الدلائل، وابن جرير، والنسائي، وابن أبي حاتم، وصحيح البخاري ج 3 ص 16، وراجع ج 4 ص 171 و 74 وج 2 ص 73، وفتح الباري ج 8 ص 170، ونصب الراية ج 2 ص 127 و 129، ونيل الاوطار ج 2 ص 398، وراجع: سنن البيهقي ج 2 ص 207 و 208، والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 227 و 228، ومسند أحمد ج 2 ص 93. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 234 / 241، وتاريخ الخميس ج 1 ص 429، والدر المنثور ج 2 ص 71 عن ابن جرير. (3) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن البخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أ بي حاتم، والنحاس في ناسخه، والبيهقي في سننه، ومجمع البيان ج 2 ص 501، والبحار ج 20 ص 21 عنه. (*)

[ 168 ]

فأنزل الله سبحانه الاية (1). وفي أخرى: أن الاية قد نزلت، حينما أساء رجل من قريش الادب مع النبي (ص)، حيث كشف عن استه بحضرته، فدعا عليه (ص) ثم أسلم، فحسن اسلامه (2). 3 - انهم يقولون: انه (ص) قد قال حين شج في وجهه: اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون (3). 4 - وأخيرا لو كانت الاية المباركة المذكورة نازلة (ردا على النبي (ص)، لم يبق ثمة مناسبة بينها وبين الاية التي قبلها. ولم يمكن تفسير هذه الاية تفسيرا معقولا ومقبولا، وخصوصا قوله تعالى: (أو يتوب عليهم)، فانه عطف على الاية قبلها، والايتان هما: (ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم، فينقلبوا خائبين. ليس لك من الامر شئ، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فانهم ظالمون. ولله ما في السماوات وما في الارض، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء) (4).


(1) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن النحاس في ناسخه، وعبد بن حميد والمحلي ج 4 ص 144، وسنن البيهقي ج 2 ص 98 و 207، والمنتقى ج 1 ص 503، وليس فيه عبارة: (ناسا من المنافقين) وراجع: سنن النسائي ج 2 ص 203، وصحيح البخاري ج 3 ص 74 وج 4 ص 171، والاحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 5 ص 325 / 326، ومسند أحمد ج 2 ص 147 و 93، وعن شرح معاني الاثار ج 1 ص 242. (2) الدر المنثور ج 2 ص 71 عن ابن اسحاق، والنحاس في ناسخه. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 432 عن ابن عائذ، والسيرة الحلبية ج 2 ص 256، ومجمع البيان ج 2 ص 501، والبحار ج 20 ص 21 و 96 عنه، وعن أعلام الورى. (4) آل عمران: 127 - 129. (*)

[ 169 ]

والمعني: أن نصر الله لكم ببدر، وامداده لكم بالملائكة، وغير ذلك من أمور، انما هو ليقطع الله منهم طرفا، ويقلل عدتهم بالقتل والاسر، أو ليخزيهم ويغيظهم، أو ليتوب عليهم، أو ليعذبهم. فأما القطع والكبت، فلأن الامر إليه (أي الى الله) لا لك يا محمد، لتمدح أو تذم، وقد ذكر هذا بنحو الجملة الاعتراضية بين الاقسام المتقدمة. وأما التوبة والعذاب، فلأن الله هو المالك لكل شئ، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء (1). فلا ربط للاية اذن بالكلام المنسوب الى النبي (ص). ولو كان الكلام منفصلا عما قبله كما تقتضيه الروايات المتقدمة، لورد سؤال: ان قوله: (أو يتوب عليهم) معطوف على ماذا ؟ ! (2). هذا، ويجب أن لا ننسى أن ثمة يدا تحاول أن تثبت الايمان للاربعة المتقدم ذكرهم، وهم: أبو سفيان، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحرث بن هشام - ولغيرهم من أعوانهم - ممن صارت السلطة فيما بعد الى قومهم وأبنائهم. مع أنهم من الطلقاء والمنافقين المؤلفة قلوبهم، ومع أنه قد صدرت منهم أمور تدل على أنهم لم يسلموا، وانما استسلموا كما سنذكره عن خصوص أبي سفيان في أواخر غزوة أحد ان شاء الله تعالى. استطراد هام: ومما يلفت النظر هنا قولهم المتقدم: انه (ص) جعل يلعن صفوان وأبا سفيان الخ. فنزلت الاية، فتيب عليهم كلهم.


(1) راجع تفسير الميزان ج 4 ص 9. (2) سنعود الى توضيح هذه الاية في الجزء الخامس من هذا الكتاب، في فصل القنوت والدعاء على القبائل. (*)

[ 170 ]

وأعجب من ذلك: أن نجد ابن كثير يدعي، بالنسبة لدعاء النبي (ص) على معاوية بقوله: (لا أشبع الله بطنه، قال: فما شبع بعدها) (1): أن معاوية قد انتفع بهذا الحديث دنيا وآخرة: أما في الدنيا فكان بعدما يأكل الكثير يقول: والله ما أشبع وانما اعياء، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الاخرة، فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري، وغيرهما من غير وجه، عن جماعة من الصحابة: ان رسول الله (ص) قال: اللهم انما أنا بشر (وفي رواية: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر) فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوت عليه، وليس لذلك أهلا، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة) (وفي نص: سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة. أو: فاجعل ذلك له قربة اليك) (2). قال ابن كثير: (فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك) (3). وثمة نصوص منقولة عن مصادر كثيرة حول شبع بطن معاوية لا مجال لايرادها هنا. وقد علق عليها العلامة الاميني بما هو مفيد فليراجع (4). أما نحن فنكتفي هنا بالاشارة الى الحديث الاخر، فنسجل ما يلي:


(1) صحيح مسلم ج 8 ص 27، والبداية والنهاية ج 8 ص 119. (2) (راجع هذه النصوص في: صحيح مسلم ج 8 ص 27، وج 2 ص 391 كتاب البر والصلة، والغدير ج 11 ص 89، وج 8 ص 252 عنه، ومسند أحمد ج 5. ص 437 و 439، وج 6 ص 45، وج 2 ص 390 و 48 و 493 و 496، وج 3 ص 33 و 391 و 400، وصحيح البخاري ج 4 ص 78، ودلائل الصدق ج 1 ص 416، وراجع: نسب قريش لمصعب ص 219، وأسد الغابة ج 5 ص 485، والمصنف ج 5 ص 214، وج 11 ص 189، وج 9 ص 469. (3) البداية والنهاية ج 8 ص 119 والغدير عنه. (4) راجع: الغدير ج 11 ص 89 / 90. (*)

[ 171 ]

1 - روي عنه (ص) أنه قال: المؤمن لا يكون لعانا (1) وقال، وقد أبى الدعاء على المشركين: اني لم أبعث لعانا، وانما بعثت رحمة (2)، فلم يلعنهم ولا دعا عليهم. وقال (ص) لما لعنت جارية ناقتها: لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة (3)، وروي عنه (ص) ما هو قريب من ذلك حينما سمع رجلا لعن ناقته (4). وقال سلمة بن الاكوع: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه، رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر (5). وجاء في اللعنة أحاديث كثيرة لا مجال لتتبعها (6). 2 - وقد ذكر في الرواية: السباب. مع أنه (ص) قال: سباب المؤمن فسوق. وقال (ص): المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان. وغير ذلك (7).


(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 12 و 47، والغدير ج 11 ص 90 عنه. وبقية المصادر ستأتي في الجزء السادس في فصل القنوت والدعاء على القبائل. (2) الغدير ج 11 ص 91 وج 8 ص 252، وصحيح مسلم ج 8 ص 24، وصحيح البخاري ج 4. (3) الغدير ج 11 ص 92، وصحيح مسلم ج 8 ص 23، وراجع: الترغيب والترهيب ج 3 ص 2474، ومسند أحمد ج 6 ص 72 و 258 و 138 وج 4 ص 429 و 420 و 423، وسنن الدارمي ج) ص 288، وسنن أبي داود ج 3 ص 26، ودلائل الصدق ج 1 ص 416 و 417. (4) الترغيب والترهيب ج 3 ص 474، والغدير ج 11 ص 92. (5) الغدير ج 11 ص 92، والترغيب والترهيب ج 3 ص 472. (6) راجع هذه الاحاديث في الغدير للعلامة الاميني ج 11 ص 89 - 93 وج 8 ص 252 عن كثير من المصادر، ودلائل الصدق ج 1 ص 416. (7) الغدير ج 11 ص 91 وج 8 ص 252 عن البخاري ج 1، ومسلم، والترمذي، = (*)

[ 172 ]

3 - وأما أن النبي بشر يرضى ويغضب، فانه (ص) هو نفسه قال لعبد الله بن عمرو: أكتب عني في الغضب والرضا، فوالذي بعثني بالحق نبيا، ما يخرج منه الا حق، وأشار الى لسانه (1). 4 - وكان (ص) كما وصفه أمير المؤمنين لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه الحق، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له (2). 5 - وعنه (ص): المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (3). 6 - وروى البخاري في كتاب الادب: أنه (ص) لم يكن سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا (4). 7 - وقد قال تعالي: (الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا). وبعد هذا فاننا نعرف: أنه لا قيمة لقولهم: ان من خصائصه (ص)


= والنسائي، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم والدارقطني، وأحمد، والطيالسي، والهيثمي، والسيوطي، والمناوي. (1) الغدير ج 11 ص 91 وج 6 ص 308 و 309، وسنن الدارمي ج 1 ص 125، واحياء العلوم ج 3 ص 171 عن أبي داود، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 104 / 105، وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه)، وجامع بيان العلم ج 1 ص 85 وراجع: ج 2 ص 62 و 63، وليراجع أيضا: سنن أبي داود ج 3 ص 318، والزهد والرقائق ص 315، والمصنف للصناني ج 7 ص 34 و 35 وج 11 ص 237. (2) الغدير ج 11 ص 92 عن الترمذي في الشمائل. (3) صحيح البخاري ج 1 ص 6. (4) صحيح البخاري ج 4 ص 37 و 38، ودلائل الصدق ج 1 ص 417 و 416، وصحيح مسلم ج 8 ص 24، والغدير ج 11 ص 91 وج 8 ص 252. (*)

[ 173 ]

جواز لعن من شاء بغير سبب (1). قال المطفر رحمه الله: (نعم ربما يلعن بعض المنافقين وفراعنة الامة، الذين ينزون على منبره نزو القردة، لكشف حقائقهم، إذ يعلم بابتلاء الامة بهم، كبني أمية الشجرة الملعونة في القرآن. لكن أتباعهم وضعوا الحديث الذي صيروا فيه اللعنة زكاة، ليعموا على الناس أمرهم، ويجعلوا لعن النبي (ص) لهم لغوا، ودعاءه على معاوية بأن لا يشبع الله بطنه باطلا، فجزاهم الله تعالى عن نبيهم ما يحق بشأنهم) (2). ولا تذهب نفسك عليهم حسرات: ومما يلفت النظر هنا: أننا نجد النب (X صلى الله عليه وآله وسلم)، مع ما نالته به قريش، كان يقول - وفي تلك اللحظات بالذات -: اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون. وما ذلك الا لانه رجل هادف، وطبيب دوار بطبه، لا يكرههم، ولا يعاديهم، لانهم عدو، وانما هو يكره كفرهم، وانحرافهم، وأعمالهم الشاذة، التي تعود أولا وأخيرا بالدمار عليهم وعلى اخوانهم من بني الانسان. ولقد كان يذوب حسرة وشفقة عليهم، حتى عاتبه الله تعالى بقوله: (ولا تذهب نفسك عليهم حسرات) (3). نعم، ان النبي (ص) يرأف على عدوه، وتذهب نفسه حسرات


(1) الغدير ج 11 ص 93 عن الخصائص الكبرى ج 2 ص 244، والمواهب اللدنية ج 1 ص 395. (2) دلائل الصدق ج 1 ص 417، وراجع الغدير ج 11 ص 89 - 94. (3) فاطر: 8. (*)

[ 174 ]

عليه، ويهتم ويبذل كل غال ونفيس في سبيل انقاذه. وليس أشد على الانسان من أن يعيش قضية شخص، ويعيش مشكلته، ويبذل كل ما في وسعه من أجل انقاذه، وإذا به يرى ذلك الغير يعاديه ويعلن الحرب عليه، ويعمل على قتله، من أجل أن يحتفظ بذلك الانحراف بالذات، وفي سبيل الابقاء على تلك المشاكل نفسها. ومن أجل ذلك احتاج الانبياء الى أعظم مراتب الصبر، كما يظهر من الايات القرآنية. وقد أشرنا من قبل الى أنه في حرب الجمل، حينما حارب علي (عليه السلام) البغاة، خرج صائح يحذر جيش عائشة من سيف الاشتر، وجندب بن زهير (1). ونرى: أن هذا الصائح انما فعل ذلك عن رأي علي (عليه السلام) ورضاه، لانه يريد اعلاء كلمة الله تعالى بأقل قدر ممكن من الخسائر، لانه يحب لهم الهداية، ولا يرية أبدا لهم الضلالة والغواية. وكان (ع) - كأخيه - تذهب نفسه حسرات عليهم، كما يظهر من كلماته المرة المعبرة عن غصته وآلامه. هذا، عدا عن أن ذلك من أساليب الحرب النفسية، التي تعجل في كسر شوكتهم، وتحطيم كبريائهم. لم يثبت في أحد غير علي (ع): وأما عن الذين ثبتوا يوم أحد، فنجد الروايات مختلفة جدا، وتذكر أرقاما متعددة من واحد الى ثلاثين. والصحيح هو أن عليا وحده هو الذي ثبت يوم أحد، وفر الباقون. ويدل على ذلك:


(1) لباب الاداب ص 187، والاصابة ج 1 ص 248، والجمل ص 194. (*)

[ 175 ]

1 - قال القوشجي، بعد أن ذكر قتل علي (عليه السلام) لاصحاب اللواء: (فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبي (ص)، فضربوه بالسيوف، الرماح الحجر، حتى غشي عليه، فانهزم الناس عنه سوى علي (ع)، فنظر النبي (ص) بعد افاقته، وقال: اكفني هؤلاء، فهزمهم علي عنه، وكان أكثر المقتولين منه) (1). 2 - وقد قالوا: (كان الفتح يوم أحد بصبر علي (رض) (2). وقد يقال: ان هذا النص لا يدل على فرارهم، وانما هو يدل على عظيم جهاد علي (ع) وصبره.. 3 - عن ابن عباس، قال: لعلي أربع خصال، هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي (ص)، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس (أي يوم أحد)، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره (3). 4 - ما سنذكره - بعد الحديث عن موقف علي - من أن من يذكرونهم: أنهم ثبتوا، لا ريب في فرارهم، كما تدل عليه النصوص. وقبل أن نشير الى هذه الناحية لابد من الماحة موجزة الى ما يمكن أن يقال حول ثبات علي (ع) في هذا الموقف. انه مني، وأنا منه: ان قول النبي (ص) عن علي (ع): انه مني وأنا منه، لابد أن نتدبر


(1) شرح التجريد ص 486، ودلائل الصدق ج 2 ص 357 عنه. (2) نور الابصار ص 87، والارشاد للمفيد ص 51 و 52، والبحار ج 20 ص 69 و 86 و 87 و 113، والاحتجاج ج 1 ص 199 / 200. (3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111، ومناقب الخوارزمي ص 21 / 22، وراجع: ارشاد المفيد ص 48، وتيسير المطالب ص 49. (*)

[ 176 ]

معناه ومغزاه. وهو قريب من قوله (ص): حسين مني وأنا من حسين. ولعل المراد: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو من شجرة النبي، وسائر الناس من شجر شتى، هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. وهو (عليه السلام) من طينة رسول الله (ص)، لحمه لحمه، ودمه دمه. وهو من النبي (ص) سلوكا، وعقيدة، ومبدأ، ونضالا، وأدبا، وخلوصا، وصفاء، الخ. كما أن النبي (ص) هو الذي صنع عليا، وعلمه، وثقفه، وأدبه. ومن الجهة الاخرى، فان النبي (ص) أيضا من علي، حيث ان الوجود الحقيقي للنبي الاكرم (ص) انما هو بوجود دينه، ومبدئه، وفكره، وعقيدته، وسلوكه، ومواقفه، فهذا النبي هو من علي، وعلي هو الذي سوف يبعثه من جديد من خلال احيائه لمبادئه، وفضائله، وآدابه، وعلومه، وغير ذلك. وهكذا كان، فلولا علي لم يبق الاسلام، ولا حفظ الدين. حتى اننا نجد أحدهم يصلي خلف علي (عليه السلام) مرة، فيقول: انه ذكره بصلاة رسول الله (ص) (1). هذه الصلاة التي لم يبق منها الا الاذان، وحتى الاذان فانهم قد غيروه (2). ويلاحظ هنا:. ن ه (ص) قد قدم قوله: (انه مني)، تماما كما قدم قوله: (حسين مني)، لان صناعة النبي (ص) لهم سابقة على احيائهم لدينه. فثقافته، وفكر، ونفسية، ودين، وخصائص، وآداب النبي (ص)، لسوف يبعثها علي والحسين (عليهما السلام)، وهكذا العكس. ومن هنا صح للنبي (ص) أن يقول: أنا وأنت يا علي أبوا هذه


(1) و (2) راجع مصادر ذلك في الجزء الاول من هذا الكتاب. (*)

[ 177 ]

الامة (1). كما أنه ليس من البعيد أن يكون جبريل قد كان يستفيد ويتعلم من النبي (ص) وعلي (ع)، ولاجل ذلك قال: وأنا منكما. وقد ناشدهم أمير المؤمنين بهذه القضية بالذات في قضية الشورى (2)، وذلك يؤكد مغزاها العميق، ومدلولها الهام. لا سيف الا ذو الفقار: وان مناداة جبرئيل ب (لا سيف الا ذو الفقار الخ)، لها مغزى عميق أيضا، فانها تأتي تماما في مقابل ما فعله الذين فروا وجلسوا يتآمرون - هو يرسلون ابن أبي لابي سفيان ليتوسط لهم عنده ؟ أم أن كونهم من قومهم، وبني عمهم يجعلهم لا شئ عليهم، أم يرجعون الى دينهم الاول ؟ - كما سيأتي - فان كل ذلك يدل على أن الذي كان سيفه خالصا لله حقا هو أمير المؤمنين (عليه السلام) فانه لا سيف خالصا لله، وفي سبيل الله، الا سيفه ذو الفقار. وهذا السيف هو الذي قال عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالته الى بعض عماله، يتهدده على تلاعبه بأموال الامة، مشيرا الى هذا: (ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا الا دخل النار) (3). لانه لا يقتل به الا مستحقها، ولأجل هذا صار لهذا السيف شرف ومجد، وتفرد بين سائر السيوف بأنه في يد علي الذي هو نفس النبي


(1) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 2 بحث: الحب في التشريع الاسلامي وبحث آخر في نفس الكتاب حول: الوحدة الاسلامية أسسها ومنطلقاتها. (2) البحار ج 2 ص 69، عن الخصال ج 2 ص 121 و 124. (3) نهج البلاغة ج 3 ص 74 بشرح عبده الكتاب رقم 41. (*)

[ 178 ]

(ص). كما أن أمير المؤمنين (ع) هو الذي كان الله ورسوله، وجهاد في سبيله، أحب إليه من كل شئ حتى من نفسه، وجرحه الكثيرة جدا شاهد صدق على ذلك. أما غير علي (ع)، فقد كانت نفسه - بدرجات متفاوتة طبعا - أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. ولاجل ذلك تخلى عن كل ذلك، حينما رأى نفسه تلك في خطر. بل لقد هم بعضهم بأن يتخلى حتى عن دينه، حيث قال: (ارجعوا الى دينكم الاول) !. بل نجد البعض يرى: أن عشيرته الكافرة أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، ومن دينه، فنراه يقول: (نلقي إليهم بأيدينا، فانهم قومنا وبنو عمنا) (1). ويلاحظ: أن أكثر ذلك الكلام قد كان من المهاجرين على وجه العموم ! !. كما أن أولئك كلهم لا فتوة لهم، ولا رجولة عندهم. وعلي (ع) وحده هو الفتي، لانه يملك نفسه، ولا تملكه نفسه، أما هم، فان نفوسهم تملكهم، فتهلكهم. ولعل مما يشير الى ما ذكرنا: أننا نجد الله تعالى يؤكد في الايات النازلة في أحد على أنه قد كان ثمة اتجاه الى امتحان أصحاب النبي (ص) هؤلاء، وتمحيصهم. ثم هو يبين لهم مدى ارتباطهم بنبيهم الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ويبين لهم: أن أمر هذا النبي (ص) لا يهمهم، بل هو ان مات أو قتل انقلبوا على أعقابهم. ونحن نكتفي هنا بذكر الايات


(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 33، وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 227، والمغازي للواقدي ج 1 ص 280، وراجع: البحار ج 20 ص 27 وغير ذلك. (*)

[ 179 ]

التالية: (ان يمسسكم قرح، فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الايام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ويعلم الصابرين. ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون. وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الخ) (1). وخلاصة الامر: اننا نجد هؤلاء يفرون هنا، ولا يثبت الا علي (عليه السلام)، ويتركون النبي (ص) عرضة للشدائد والبلايا، وعلي (عليه السلام) وحده هو الذي يثبت، ويدفع عن هذا الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويرد عنه، تماما كما كان (عليه السلام) في بدر يحارب، ثم يرجع ليتفقد الرسول (ص) كما تقدم. والدليل على أنهم قد أهمتهم أنفسهم، ولم يهتموا بحفظ نفس الرسول: أننا نجدهم - بعد سنوات - لا يعنيهم موت الرسول الاعظم (ص)، في قليل ولا كثير، حتى لقد أخرج ابن سعد، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: جاء علي بن أبي طالب (رض) يوما متقنعا متحازنا، فقال له أبو بكر (رض): أراك متحازنا. فقال علي: انه عناني ما لم يعنك ! !. قال أبو بكر: اسمعوا ما يقول، أنشدكم الله، أترون أحدا كان أحزن على رسول الله (ص) مني (1) ؟ !.


(1) آل عمران: 140 - 144. (2) حياة الصحابة ج 2 ص 84، وكنز العمال ج 7 ص 159 عن ابن سعد. (*)

[ 180 ]

فان عليا لم يكن يراهم محزونين على النبي (ص)، ولا معتمين بأمره، ولا حتى حين وفاته، بل لم يكن يعنيهم أمره أصلا، حتى اضطر أبو بكر الى هذا الاستشهاد، لانقاذ موقفه. ولا بد أن يكون قد استشهد من هم على رأيه، وعلى مثل موقفه، من المقربين إليه. بل نجد النبي (ص) نفسه يلمح للصحابة: أن غيرهم يحبه أكثر منهم. فقد روي أنه قال: ان قوما يأتون من بعدي، يود أحدهم أن يفتدي رؤيتي بأهله وماله (1). بل اننا نجده (ص) يفضل الذين يأتون بعده ولم يروه، على أصحابه، كما يظهر من عدد من الروايات (2). الفارون في أحد: ومما يدل على أنه لم يثبت غير علي (ع): أن من تحاول بعض الروايات التأكيد على ثباتهم لا ريب في فرارهم، فيلاحظ التعمد والاصرار على ثبات طلحة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم. ونكتفي هنا بذكر عبارة الشيخ الطوسي رحمه الله، حيث قال: (ذكر البلخي: أن الذين بقوا مع النبي (ص) يوم أحد، فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا، خمسة من المهاجرين: علي (ع)، وأبو بكر، وطلحة، وعبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الانصار. فعلي وطلحة لا خلاف فيهما، والباقون فيهم خلاف) (3). وفي نص آخر: (أفرد النبي (ص) في تسعة، سبعة من الانصار


(1) مجمع الزوائد ج 10 ص 66 عن البزار، وحياة الصحابة ج 2 ص 417 عنه. (2) مجمع الزوائد ج 10 ص 66 و 67 عن أبي يعلى والزار، وأحمد، وحياة الصحابة ج 2 ص 416 و 417. (3) التبيان ج 3 ص 25. (*)

[ 181 ]

ورجلين من قريش). ثم ذكر أن السبعة من الانصار قد قتلوا أيضا (1). ورغم ذلك كله نقول: لا ينبغي الريب في أن عليا (ع) وحده هو الذي ثبت وفر الباقون جميعا، حتى طلحة وغيره. ولبيان ذلك، نقول: فرار سعد: ان مما يدل على فرار سعد: 1 - ما تقدم من أنه لم يثبت سوى علي (عليه السلام). 2 - عن السدي: لم يقف الا طلحة، وسهل بن حنيف (2). ولعل عدم ذكر علي (عليه السلام) بسبب أن ثباته اجماعي، لم يرتب فيه أحد. 3 - وعند الواقدي: أنه لم يثبت سوى ثمانية، وعدهم، وليس فيهم سعد. أما الباقون ففروا والرسول يدعوهم في أخراهم (3). 4 - ويعد الاسكافي، وابن عباس، وغيرهم من ثبت يوم أحد، وليس فيهم سعد (4). 5 - وسلمة بن كهيل يقول: لم يثبت غير اثنين، علي، وأبو دجانة (5).


(1) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 412 عن أحمد، وراجع ص 415 عن دلائل النبوة للبيهقي بنحو آخر. (2) تاريخ الطبري ج 2 ص 201، ودلائل الصدق ج 3 ص 356 عنه. (3) مغازي الواقدي ج 1 وشرح النهج عنه، ودلائل الصدق ج 2 ص 356 عن الاول. (4) راجع شرح النهج ج 13 ص 293، وآخر العثمانية ص 239. (5) المصدر المتقدم. (*)

[ 182 ]

6 - عن سعد، قال: لما جال الناس عن رسول الله (ص) تلك الجولة تنحيت، فقلت: أذود عن نفسي، فاما أن استشهد، واما أن أنجو. الى أن قال: فقال رسول الله (ص): أين كنت اليوم يا سعد ؟ ! فقلت: حيث رأيت (1). فرار طلحة: ويدل على فراره: 1 - جميع ما تقدم في أنه لم يثبت سوى علي (ع). 2 - ويدل على ذلك أيضا قول سلمة بن كهيل المتقدم. 3 - انتهى أنس بن النضر الى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيدالله، في رجال من المهاجرين والانصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يحبسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله. فقال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ ! قوموا، فموتوا على مثل ما مات عليه رسول الله (ص). ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل (2).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 26، ودلائل الصدق ج 2 ص 356. (2) تاريخ الطبري ج 2 ص 199، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 156، والثقات لابن حبان ج 1 ص 228، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 68، وتاريخ الخميس ج 1 ص 434 عن ابن اسحاق، وسيرة ابن هشام ج 3 ص 88، والدر المنثور ج 2 ص 81 عن ابن جرير، وقاموس الرجال ج 2 ص 125، ودلائل الصدق ج 2 ص 356 عن الدر المنثور، والبداية والنهاية ج 4 ص 34، وحياة الصحابة ج 1 ص 531 عنه. ولكن قد اقتصر في مغازي الواقدي ج 1 ص 280، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 286 على ذكر عمر فقط، وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 314، وسيرة ابن اسحاق ص 330، والاغاني ج 14 ص 19. (*)

[ 183 ]

ويروي السدي: أنه خاف هو عثمان أن يدال عليهم اليهود والنصارى، فاستأذنا رسول الله (ص) بالخروج الى الشام ليأخذ أحدهما العهد لنفسه من اليهود، ويأخذه الاخر من النصارى، فرفض (ص) طلبهما (1). فرار أبي بكر: ويدل على فراره: 1 - جميع ما تقدم في ثبات أمير المؤمنين (عليه السلام). وما تقدم في فرار سعد، ما عدا الحديث الاخير المختص بسعد. 2 - عن عائشة: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكى، ثم قال: ذاك كان يوم طلحة. ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله (ص)، فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، يكون رجلا من قومي (2). وحسب نص آخر، عن عائشة، عن أبيها: لما جال الناس عن


(1) نهج الحق ص 306 و 307، وتفسير الخازن ج 1 ص 471، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 68 من دون تصريح بالاسم. (2) منحة المعبود في تهذيب مسند الطيالسي ج 2 ص 99، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 155، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 58، وتاريخ الخميس ج 1 ص 431، عن الصفوة، وابن أبي حاتم، والبداية والنهاية ج 4 ص 29 عن الطيالسي، وكنز العمال ج 10 ص 268 و 269 عن الطيالسي، وابن سعد، وابن السني، والشاشي، والبزار، والدارقطني في الافراد، وأبي نعيم في معرفة الصحابة، والطبراني في الكبير والاوسط، وابن عساكر، والضياء في المختارة. وقد صرح في مقدمة الكنز بصحة ما يعزوه لبعض هؤلاء، وحياة الصحابة ج 1 ص 272 عن ابن سعد وعن الكنز عمن تقدم باضافة ابن حبان، ودلائل الصدق ج 2 ص 359 عن الكنز أيضا. (*)

[ 184 ]

رسول الله (ص) يوم أحد كنت أول من فاء الى رسول الله (ص)، فبصرت به من بعد، فإذا برجل قد اعتنفني من خلفي مثل الطير، يريد رسول الله (ص)، فإذا هو أبو عبيدة. قال الحاكم: صحيح الاسناد (1). ولكن ما أراده أبو بكر لم يصل إليه، فان طلحة كان قد فر أيضا كما فر هو، ولكنه فاء الى رسول الله (ص) قبله. ثم اننا لا نستطيع أن نوافق أبا بكر على هذه الروح القبلية التي كانت تستبد به، وتهيمن على فكره وعقله وروحه، حتى في هذه اللحظات الحرجة والخطيرة، حيث يتمنى أن يكون رجلا من قومه ! !. 3 - قال الامير اسامة بن منقذ: لما دون عمر الدواوين، جاء طلحة بنفر من بني تميم يستفرض لهم. وجاء أنصاري بغلام مصفر سقيم، فسأل عنه عمر، فأخبر أنه البراء بن أنس بن النضر، ففرض له في أربعة آلاف، وفرض لاصحاب طلحة في ستمائة، فاعترض طلحة. فأجابه عمر: (اني رأيت أبا هذا جاء يوم أحد، وأنا وأبو بكر قد تحدثنا: أن رسول الله قتل، فقال: يا أبا بكر، ويا عمر، مالي أراكما جالسين ؟ ! ان كان رسول الله قتل، فان الله حي لا يموت الخ) (2). 4 - قال زيد بن وهب لابن مسعود: وأين كان أبو بكر وعمر ؟ قال: كانا ممن تنحى (3). 5 - قال المظفر رحمه الله ما معناه: انه كيف يتصور ثبات أبي بكر في ذلك اليوم الهائل، وحومة الحرب الطاحنة التي لم يسلم فيها حتى


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 27، وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، ودلائل الصدق ج 2 ص 359 عن المستدرك، ومجمع الزوائد ج 6 ص 112 عن البزار. (2) لباب الاداب ص 179، وليراجع: حياة محمد لهيكل ص 265. (3) الارشاد للشيخ المفيد ص 50، والبحار ج 20 ص 84 عنه. (*)

[ 185 ]

النبي (ص)، فضلا عن علي (عليه السلام) كيف يتصور ثباته في ظروف كهذه، وما أصاب وما أصيب، وكيف يسلم، وهو قد ثبت ليدفع عن النبي (ص) السيوف، والرماح والحجارة ؟ ولا سيما مع ما يزعمه أولياؤه من أنه قرين النبي (ص) في طلب قريش له، حتى بذلوا في قتله ما بذلوه في قتل النبي (ص) ؟ ثم أتراهم ينعون اصبع طلحة، ولا ينعون جراحة أبي بكر (1) ؟ !. 6 - روى مسلم: أن رسول الله قد أفرد في أحد في سبعة من الانصار ورجلين من قريش (2). قال الشيخ المظفر: (ان أحد الرجلين علي، والاخر ليس أبا بكر، إذ لا رواية، ولا قائل في ثباته، وفرار سعد أو طلحة) (3). هذا وقد ذكر في سح السحابة: أن الانصار قد قتلوا جميعا واحدا بعد واحد (3). ولكن رواية أخرى تقول: انهم سبعة من الانصار، ورجل من قريش، وستأتي الرواية حين الحديث عن عدم ثبات أحد من المهاجرين سوى علي (عليه السلام). 7 - ويرد الاسكافي على الجاحظ بقوله: (أما ثباته يوم أحد، فأكثر المؤرخين وأرباب السير ينكرونه) (5).


(1) راجع: دلائل الصدق للشيخ المظفر ج 2 ص 360. (2) صحيح مسلم ج 5 ص 178 في أول غزوة أحد، ودلائل الصدق ج 2 ص 359، وتاريخ الخميس ج 1 ص 346 عن سح السحابة. (3) دلائل الصدق ج 2 ص 359. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 436. (5) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293، وليراجع آخر العثمانية ص 339. (*)

[ 186 ]

8 - لقد رووا بسند صحيح، عن ابن عباس، في قوله: (وشاورهم في الامر): أبو بكر وعمر. (1) قال الرازي: (وعندي فيه اشكال، لان الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم، هم الذين أمره بالعفو عنهم، ويستغفر لهم. وهم المنهزمون، فهب أن عمر كان من المنهزمين، فدخل تحت الاية، الا أن أبا بكر ماكان منهم، فكيف يدخل تحت هذه الاية) (2). وأجابه المظفر بقوله: (ان الاشكال موقوف على تقدير ثبات أبي بكر، وهو خلاف الحقيقة. هذا، والاية ظاهرة في الامر بمشاورتهم للتأليف، كما يظهر من كثير من أخبارهم، ومثله الامر بالعفو عنهم، والاستغفار لهم) (3). فرار عمر: ويدل على فراره: 1 - ما تقدم في ثبات أمير المؤمنين فقط. 2 - ما تقدم في فرار أبي بكر، في حديث فرض عمر لابن أنس بن النضر. وكذلك ما ذكره ابن مسعود. ثم ماقاله المظفر. ثم ماقاله مسلم، وعلق عليه المظفر. ثم ما ذكره ابن عباس، وعلق عليه الرازي، وأجابه


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 70، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، وصححاه على شرط الشيخين، والدر المنثور ج 2 ص 90 عن الحاكم، والبيهقي في سننه، وابن الكلبي، والتفسير الكبير للرازي ج 9 ص 67 عن الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار، ودلائل الصدق ج 2 ص 359 عمن تقدم. (2) تفسير الرازي ج 9 ص 67. (3) دلائل الصدق ج 2 ص 359. (*)

[ 187 ]

المظفر. 4 - ما تقدم في فرار سعد. 5 - عن كليب قال: خطبنا عمر، فكان يقرأ على المنبر آل عمران، ويقول: انها أحدية. ثم قال: تفرقنا عن رسول الله (ص) يوم أحد، فصعدت الجبل، فسمعت يهوديا يقول: قتل محمد. فقلت: لا أسمع أحدا يقول: قتل محمد، الا ضربت عنقه. فنظرت، فإذا رسول الله (ص)، والناس يتراجعون إليه، فنزلت: (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل) (1). وفي نص آخر: لما كان يوم أحد هزمناهم (2)، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني: أنزو كأنني أروى (3). وفي لفظ الواقدي: ان عمر كان يحدث، فيقول: لما صاح الشيطان: قتل محمد، قلت: أرقي الجبل كأنني أروية (4). ونحن هنا لا ندري من أين جاء ذلك اليهودي الملعون، الذي نقل عنه عمر قوله: قتل محمد ! ! مع أنه (ص) قد رفض مشاركة اليهود في هذه الحرب، كما رفض ذلك في غيرها. كما أننا لا ندري كيف نفسر تهديد عمر لهذا اليهودي بالقتل، مع


(1) الدر المنثور ج 2 ص 80، ودلائل الصدق ج 2 ص 358، وكنز العمال ج 2 ص 242 عن ابن المنذر، وحياة الصحابة ج 3 ص 497 عن الكنز ج 1 ص 238، وفتح القدير ج 1 ص 388. (2) لعل الصحيح: هزمنا ففررت. كما يقتضيه سياق الكلام. (3) الدر المنثور ج 2 ص 88 عن ابن جرير، وكنز العمال ج 2 ص 242، ودلائل الصدق ج 2 ص 358، وحياة الصحابة ج 3 ص 497، وكنز العمال ج 2 ص 242، وجامع البيان ج 4 ص 95، والتبيان ج 3 ص 25 / 26. (4) شرح النهج ج 15 ص 22. (*)

[ 188 ]

أنه هو نفسه قد فر عن رسول الله (ص)، وأسلمه لاعدائه، فأين كان حماس عمر عنه في الدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضد المشركين ؟ ! ولم لم يقتل أحدا منهم ؟ ولا حتى طيلة السنوات العشر، في عشرات الغزوات والسرايا التي اشترك فيها ؟ !. ان ذلك لعجيب حقا، وأي عجيب ! !. 6 - قال المعتزلي: قال الواقدي: لما صاح ابليس: ان محمدا قد قتل، تفرق الناس. الى أن قال: وممن فر عمر وعثمان (1). لكن يلاحظ أن اسم عمر قد حذف من المطبوع من مغازي الواقدي، وأثبته المعلق في هامش الصفحة على أنه قد ورد في بعض نسخ المغازي دون بعض (2). فليراجع ذلك بدقة، فقد تعودنا منهم مثل هذا الشئ الكثير ! ! 7 - وبعد أن ذكر الواقدي اعتراض عمر على رسول الله (ص) في قضية الحديبية، قال عن النبي (ص): (ثم أقبل على عمر، فقال: أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم) (3) ؟ !. 8 - ما سيأتي من عدم قتل خالد لعمر، حينما كان عمر منهزما. 9 - وجاءته امرأة أيام خلافته، تطلب بردا من برد كانت بين يديه، وجاءت معها بنت لعمر، فأعطى المرأة، ورد ابنته. فقيل له في ذلك،


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 24، ودلائل الصدق ج 2 ص 358، وراجع: غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 113. (2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 277. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 24، ودلائل الصدق ج 2 ص 358، ومغازي الواقدي ج 2 ص 609. (*)

[ 189 ]

فقال: ان أب هذه ثبت يوم أحد، وأب هذه فر يوم أحد، ولم يثبت (1). 10 - وقد اعترف عمر برعبه من علي (عليه السلام)، حينما تبع الفارين وهو يقول لهم: شاهت الوجوه، وقطت، وبطت، ولطت، الى أين تفرون ؟ الى النار ؟ ويقول: بايعتم، ثم نكثتم ؟ فوالله لانتم أولى بالقتل ممن أقتل الخ.. (2). وقد اعترف الجاحظ بفرار عمر في عثمانيته أيضا فراجع (3). 11 - وعلى كل حال، فان فرار عمر من الزحف يوم أحد، وحنين، وخيبر، معروف، ويعده العلماء من جملة المطاعن عليه، لان الفرار من الزحف من جملة الكبائر الموبقة، ولم يستطع المعتزلي أن يجيب على ذلك، بل اعترف به، واكتفى بالقول: (وأما الفرار من الزحف، فانه لم يفر الا متحيزا الى فئة، وقد استثنى الله تعالى ذلك، فخرج به عن الاثم) (4). ولكن قد فات المعتزلي: أن ما جرى يوم أحد، لا يمكن الاعتذار عنه بما ذكر، لعدم وجود فئة لهم الا الرسول (ص) نفسه، وقد تركوه، وفروا عنه، ولان الله تعالى قد ذمهم على هذا الفرار، وعلله بأن الشيطان قد استزلهم ببعض ما كسبوا، ثم عفا عنهم، ولو كان لا اثم في هذا الفرار، فلا حاجة الى هذا العفو. هذا، وقد حقق العلامة الطباطبائي: أن المراد بالعفو هنا معنى عام، يشمل العفو عن المنافقين أيضا، فراجع (5).


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 22. (2) البحار ج 20 ص 53، وتفسير القمي ج 1 ص 114 / 115. (3) العثمانية ص 169. (4) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 179 / 180. (5) راجع تفسير الميزان ج 4 ص 51. (*)

[ 190 ]

وقد كان ثمة حاجة الى التسامح في هذا الفرار، لانه الاول من نوعه، ويأتي في وقت يواجه الاسلام فيه أعظم الاخطار داخليا وخارجيا، مع عدم وجود امكانات كافية لمواجهتها، ومواجهة آثار مؤاخذتهم بما اقترفوا. واستمع أخيرا الى ترقيع الرازي الذي يقول: (ومن المنهزمين عمر، الا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل الى أن صعد النبي (ص) (1). بارك الله في هذا الثبات، لكن لا في ساحة المعركة، بل فوق الجبل (! !). ثم اننا لا ندري ما الفرق بين أن يكون المنهزم في أول الناس أو في وسطهم، أو في آخرهم ؟ ! وما الفرق بين أن يبعد في هزيمته وبين أن لا يبعد ! !. فرار الزبير: وبعد هذا فلا نرى حاجة لاثبات فرار الزبير في أحد. بعد أن عرفنا أنه لم يثبت سوى أمير المؤمنين (عليه السلام). أو علي وأبو دجانة، وغير ذلك من نصوص تقدمت مع مصادرها. وان كان ثمة محاولات لاظهار الزبير على أنه فارس الاسلام، ورجل الحرب الذي لا يبارى ولا يجارى، حتى اننا لنجد عمر بن الخطاب يعتبره يعدل ألف فارس. وعند مصعب الزبيري ! !: أنه أشجع الفرسان، وعلي أشجع الرجالة. بل ويدعون: أنه قد افتتح افريقية وحده (2).


(1) التفسير الكبير ج 9 ص 51. (2) راجع لباب الاداب لاسامة بن منقذ ص 173 - 175. (*)

[ 191 ]

مع أن مما لاشك فيه: أن افريقية قد فتحت على عهد عثمان في سنة سبع أو ثمان وعشرين على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح (1) ! !. ونحن نعرف: أن الهدف هو ايجاد شخصيات بديلة، أو في قبال الامام علي (عليه السلام)، الذي هو أشجع البشر، بعد ابن عمه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). ولكن الله يأبى الا أن يتم نوره، ويرد كيد الخائنين للحقيقة والتاريخ. فرار عثمان: وأما عثمان، فلا يختلف في فراره في أحد اثنان. وهو موضع اجماع المؤرخين، وكان يعير به. وقد رجع بعد ثلاثة أيام، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد ذهبتم فيها عريضة (2) ! !. وعن ابن عباس وغيره: ان آية: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى


(1) راجع: تاريخ الطبري وفتوح البلدان. (2) راجع: تفسير المنار ج 4 ص 191، والجامع لاحكام القرآن ج 4 ص 244، وفتح القدير ج 1 ص 392، وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414، وتفسير التبيان ج 3 ص 26، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 203، والارشاد للشيخ المفيد ص 50، والبحار ج 20 ص 84، والبداية والنهاية ج 4 ص 28، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 عن الواقدي لكن مغازي الواقدي المطبوع لم يصرح بالاسماء بل كنى عنها في ج 1 ص 277 لكن في الهامش قال: في (نسخة عمر وعثمان)، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 158، والسيرة الحلبية ج 2 ص 227، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 55، والدر المنثور ج 2 ص 88 و 89 عن ابن جرير وابن المنذر، وابن اسحاق وراجع: سيرة ابن اسحاق ص 332، وجامع البيان ج 4 ص 96، وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 113، والتفسير الكبير للرازي ج 9 ص 50 و 51، وأنساب الاشراف ج 1 ص 326. وراجع عن فراره يوم أحد وتخلفه يوم بدر: محاضرات الراغب ج 3 ص 184، ومسند أحمد ج 2 ص 101 وج 1 ص 68، والصراط المستقيم للبياضي ج 1 ص 91. (*)

[ 192 ]

الجمعان) نزلت بعثمان (1). بل في بعض النصوص: أن طلحة أراد أن يتنصر، وعثمان أراد أن يتهود (2). لم يثبت من المهاجرين سوى علي (ع): يقول حسان بن ثابت عن الانصار، مشيرا الى فرار المهاجرين: سماهم الله أنصارا لنصرهم دين الهدى، وعوان الحرب يستعر وجاهدوا في سبيل الله واعترفوا للنائبات فما خافوا ولا ضجروا والناس الب علينا ثم ليس لنا الا السيوف وأطراف القنا وزر ولا يهر جناب الحرب مجلسنا ونحن حين تلظى نارها سعر وكم رددنا ببدر دونما طلبوا أهل النفاق وفينا أنزل الظفر ونحن جندك يوم النعف من أحد إذ حزبت بطرا أشيعها مضر فما ونينا وما خمنا، وما خبروا منا عثارا وجل القوم قد عثروا (3) وأخيرا فقد تقدم: أن أبا بكر، وسعدا، وعمر، وعثمان، وطلحة الزبير كلهم من المهاجرين. وهنا نص يقول: انه لم يثبت أحد من المهاجرين الا رجل واحد، وسبعة من الانصار قتلوا كلهم. ولاريب في أن هذا المهاجري هو علي (ع)، للاجماع. والنص هو: أخرج الامام أحمد، عن أنس: أن المشركين لما رهقوا النبي (ص) يوم أحد - وهو في سبعة من الانصار، ورجل من


(1) الدر المنثور ج 2 ص 88، وفتح القدير ج 1 ص 392، وراجع: جامع البيان ج 4 ص 96. (2) قاموس الرجال ج 5 ص 169. (3) ديوان حسان بن ثابت ص 57. (*)

[ 193 ]

قريش - قال: من يردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة ؟ فجاء رجل من الانصار، فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردهم عنا، وهو رفيقي في الجنة ؟.. فأجابه أنصاري آخر، وهكذا، حتى قتل السبعة. فقال رسول الله (ص): ما أنصفنا أصحابنا (1). سر الاختلاف في من ثبت: وبعد، فاننا يمكن أن نفهم: أن رجعة المسلمين الى المعركة بعد هزيمتهم لم تكن دفعة واحدة، وانما رجع الاول فرأى عليا. ثم يرجع آخر، فيرى عليا وأبا دجانة مثلا، ثم يرجع آخر فيرى خمسة، وهكذا، فكل منهم ينقل ما رآه. حتى وصل العدد لدى بعض الناقلين الى ثلاثين. كما أن ما يؤثر عن بعض الصحابة من مواقف نضالية، لعله قد كان بعد عودتهم الى ساحة القتال. ثبات أبي دجانة: ولعل ذكر أبي دجانة في بعض الاخبار، مرجعه ذلك. والا، فاننا نجد ابن مسعود ينكر ثباته، فقد قال: انهزم الناس الا علي وحده. وثاب الى النبي (ص) نفر، وكان أولهم: عاصم بن ثابت، وأبو دجانة (2). ولكن يعكر، على هذه الرواية: أنه قد جاء في المطبوع من كتاب الارشاد للمفيد: أن أبا دجانة قد ثبت هو وسهل بن حنيف، كانا قائمين


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 26، وحياة الصحابة ج 1 ص 533، وتقدمت الرواية عن صحيح مسلم ج 5 ص 178 الا أن فيه: رجلين من قريش. وكذا في تاريخ الخميس أيضا. (2) قاموس الرجال ج 5 ص 7. ولكن يبدو أن في الارشاد تحريفا، فراجع ص 50 منه، وقارنها مع ما نقله عنه في البحار ج 20، وقاموس الرجال. (*)

[ 194 ]

على رأسه، بيد كل واحد منهما سيف ليذب عنه (1). وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلا (2). ونحن لا نستبعد: أن يكون أبو دجانة قد ثبت، ولكن لا كثبات علي (عليه السلام). وانما حارب أولا بسيفه، ثم لما فر المسلمون صار يقي النبي (ص) بنفسه، ويترس عليه (3)، كما تقدم عن سلمة بن كهيل أيضا، حيث كان علي (ع) يصد الكتائب، يوجندل الابطال، حتى نزل في حقه: لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا علي أو أن أول عائد إليه (ص) هو عاصم بن ثابت كما تقدم، فصار هو وسهل بن حنيف يذبان عن رسول الله (ص) الى أن كثر المسلمون. وبعد عودة المسلمين من فرارهم أعطاه (صلى الله عليه وآله وسلم) السيف بحقه، ومنعه عمر، والزبير، وأبا بكر، عقابا لهم، وتقديرا واهتماما في عودة أبي دجانة الى ساحة الحرب، ومجال الطعن والضرب معززا ومكرما. الا أن يقال: ان أبا بكر وعمر لم يعودا الى الحرب بعد فرارهما أصلا، فلابد أن يكون عرض السيف على أبي دجانة وعليهم قد كان في المواجهة الاولى. نحن، وشعر حسان المتقدم وأمام تصريحات المؤرخين الكثيرة جدا، والمقطوع بصحتها


(1) وفي ربيع الابرار ص 833 / 834: أن عمارا كان بين يدي النبي (ص) يذب عنه، والمقداد كان عن يمينه (ص). (2) البحار ج 20 ص 83، والارشاد للمفيد ص 50. (3) تفسير فرات ص 24 / 25، والبحار ج 20 ص 104 / 105. (*)

[ 195 ]

وتواترها، لا يسعنا قبول قول حسان المتقدم، الذي يقول فيه: ان الانصار قد ثبتوا، وينسب الفرار الى خصوص المهاجرين. الا أن يكون مراده: أن المهاجرين أو أكثرهم لم يرجعوا الى ساحة القتال، واستمروا فوق الجبل، والذين ثابوا الى الحرب هم خصوص الانصار. ولعل كرة العدو عليهم، قد ضعضعتهم، فانهزموا، ثم لما علموا بحياة الرسول كروا على عدوهم من دون أن يصعدوا الجبل، ولعل هذا هو الاقرب والاظهر. تأويلات سقيمة للفرار: ويقول البعض هنا ما ملخصه: ان فرقة استمروا في الهزيمة حتى المدينة، فما رجعوا حتى انقضى القتال. وفرقة صاروا حيارى حينما سمعوا بقتل النبي (ص)، فصار هم الواحد منهم: أن يذب عن نفسه، ويستمر في القتال الى أن يقتل. وفرقة بقيت مع النبي (ص)، ثم تراجعت إليهم الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي. وما ورد في الاختلاف في العدد، فمحمول على تعدد المواطن في القصة، فقولهم: (فروا) أي بعضهم، أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم (1). ونحن لا نريد أن نطيل في الرد على ذلك، فان ما تقدم مما دل على أنه لم يثبت الا فلان، أو فلان وفلان، وأن هذا قد فر، وذاك كذلك، وهكذا، يدفعه. ولا لكان الفرار منحصرا في الثلاثة، بعثمان وصاحبيه. كما أنه لو صح ما ذكره فلا يبقى لعتاب الله لهم جميعا بقوله: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم)، معنى ولا فائدة. لماذا كانت الهزيمة: 1 - ان من الواضح: أن السبب الاول لما لحق بالنبي (ص)


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 292، وتاريخ الخميس ج 1 ص 430. (*)

[ 196 ]

وللهزيمة التي لحقت بالمسلمين، وما جرى عليهم من النكبات، والقتل الذريع، حتى لقد قتل منهم سبعون، وجرح أعداد هائلة - أيضا - هو: أنهم عصوا، وتنازعوا، ففشلوا. قال تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم (1) باذنه، حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في الامر، وعصيتم، من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الاخرة) (2). وتصريح القرآن بأنهم قد عصوا، وتنازعوا من بعد ما كان النصر منهم قاب قوسين أو أدنى، يكذب ما يدعيه البعض: من أنهم قد تخيلوا انتهاء أمد أمر النبي (ص)، وان هذا اجتهاد منهم (3). فانه لو كان اجتهادا لما كان معصية، مع أن القرآن يصرح بالمعصية. والقول بأن المراد بالمعصية: المخالفة مطلقا، ولو عن اجتهاد، خلاف ظاهر كلمة: (عصيتم). فالنصر كان معهم، وحليفهم حتى تنازع الرماة، لان بعضهم كان يريد الدنيا، وبعضهم يريد الاخرة. أضف الى ذلك: أن أمر الرسول كان صريحا لهم في أن لا يتركوا مراكزهم، حتى يرسل إليهم، حتى ولو رأوهم مهزومين، أو حتى لو رأوهم يغنمون، ولذا قال رفقاؤهم: لا نخالف أمر رسول الله (ص). فكيف يصح بعد هذا أن يقال: انهم تخيلوا انتهاء أمد أمره (ص) ؟ !. وهكذا، فقد كانت معصية بعض الرماة، وتنازعهم سببا في كل ما نال المسلمين من كوارث ونكبات آنئذ، قد أشرنا ولسوف نشير ان شاء الله


(1) الحس: القتل على وجه الاستيصال. (2) آل عمران: 152. (3) البوطي في: فقه السيرة ص 261. (*)

[ 197 ]

الى شطر منها. 2 - وأيضا، فقد كان لاغترارهم بأنفسهم، وبكثرتهم، أثر كبير في حلول الهزيمة بهم، فقد قالوا للنبي (ص): قد كنت في بدر في ثلاثمئة رجل، فأظفرك الله بهم، ونحن اليوم بشر كثير، نتمنى هذا اليوم، وندعو الله له، وقد ساقه الله الى ساحتنا هذه (1). وقد أشار الله تعالى في سورة آل عمران الى هذا التمني للموت. فراجع الايات (2). وواضح: أن الاغترار بالكثرة يفقد العناصر المشاركة شعور الاعتماد على النفس، ويجعلهم يعيشون روح التواكل، واللا مسؤولية. 3 - ثم ان الله تعالى ما زال يؤيد المسلمين بنصره، حتى عصوا الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، طمعا في الدنيا، وايثارا لها على الاخرة. فكان لابد في هذه الحالة من اعادة التمحيص لهم، وابتلائهم، ليرجعوا الى الله تعالى، وليميز الله المؤمن من المنافق، وليزداد الذين آمنوا ايمانا، لان الانسان ربما يغفل عن حقيقة العنايات الالهية، والامدادات الغيبية، حين يرى الانتصارات تتوالى، فينسب ذلك الى قدرته الشخصية. ولاجل ذلك نجد: أنهم حين غلبوا شكوا في هذا الامر، وقالوا: (هل لنا من الامر شئ) ؟ فجاءهم الجواب القاطع: (قل: ان الامر لله). نعم، لابد اذن من اعادتهم الى الله تعالى، وتعريفهم بحقيقة امكاناتهم، وقدراتهم. ولسوف نعود عن قريب لبحث هذه النقطة ان شاء الله تعالى. ومن جهة ثانية، فقد تقدم في غزوة بدر كلام هام للعلامة الطباطبائي، وفيه مقارنة بين بدر، وأحد وغيرها. وبيان لسر الانتصار أولا، ثم ما ظهر من امارات الضعف أخيرا، فليراجع.


(1) المغازي للواقدي ج 1 ص 211، وسيرة المصطفى ص 396. (2) آل عمران الايات: 143 و 152 و 153. (*)

[ 198 ]

4 - وان الانضباطية - خصوصا حين يكون القائد حكيما، فكيف إذا كان نبيا - هي أساس النجاح. ولربما تكون مخالفة أفراد معدودين، سببا في دمار جيش بكامله، كما كان الحال في قضية أحد. 5 - كما أن عناية الله تعالى بهم، وتسديده لهم، لا يعني الغاء جميع الاسباب الطبيعية كلية، كما لا يعني أن هذه العناية، وذلك الامداد مطلق غير مشروط، بل هو مشروط قطعا بالسعي من قبلهم نحو الهدف الاسمى، والبذل والتضحيات التي تؤهلهم لان يكونوا موضعا لعنايات الله وألطافه، (ان تنصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم). أو على الاقل لابد لاستمرار هذه العناية الالهية من حفظ الحد الادنى من الارتباط بالقيادة، وتنفيذ أوامرها. والا لم يكن لهذه المواقف والحرب أثرها النفسي، والاجتماعي، والتربوي المطلوب. 6 - قد ظهر مما تقدم: أن الذين تركوا مراكزهم قد ظنوا - أو ظن بعضهم -: أن رسول الله (ص) سيغل، أي يخونهم، فلا يقسم لهم. وهذا يدل على أن من بين هؤلاء من لم يكن على درجة حسنة من المعرفة والوعي، ولربما الايمان أيضا. ولو كان كذلك، فلا أقل من أن أخلاقياته وروحياته، بما في ذلك الاعراض عن الدنيا والايثار، لم تكن بالمستوى المطلوب، ان لم نقل: انه منافق يظهر الايمان لاجل مصالح يراها، ويبطن الكفر. ولعل الاية تشير الى ظنهم السئ هذا، وتقرعهم عليه بأنه: (ما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) (1).


(1) آل عمران: 161. (*)

[ 199 ]

الفصل الثالث في موقع الحسم

[ 201 ]

الرعب القاتل: قد تقدم معنا: أن عمر بن الخطاب قد كان وهو فار مرعوبا من أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي تبع الفارين، وهو يقول لهم: شاهت الوجوه، وقطت، ولطت، وبطت. الى أين تفرون ؟ الى النار ؟ ويقول: بايعتم، ثم نكثتم، فوالله لانتم أولى بالقتل ممن أقتل الخ.. ولكنهم قد استمروا في هزيمتهم لا يلوون على شئ، والرسول يدعوهم في أخراهم. حتى بلغوا الجبل، وبلغوا صخرة فيه. وفشا في الناس: أن الني (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل، فقال بعض المسلمين، من أصحاب الصخرة في الجبل: ليت لنا رسولا الى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان قبل أن يقتلونا. وقال أناس من المنافقين: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا الى دينكم الاول. وفي النهر: أن فرقة قالوا: نلقي إليهم بأيدينا، فانهم قومنا، وبنو عمنا (1). وهذه الكلمة، تدل دلالة واضحة على أن هذه الفرقة كانت من المهاجرين، لا من الانصار. فجاءهم أنس بن النضر، فقال لهم: ان كان محمد قد قتل، فما تصنعون بالحياة بعده ؟ ! فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 227، وراجع: البحار ج 20 ص 27، وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 4 ص 96. (*)

[ 202 ]

عليه. ثم قال: اللهم اني اعتذر اليك مما يقول هؤلاء، يعني المسلمين. وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء، يعني المنافقين. ثم قاتل حتى قتل. وقد تقدمت بعض مصادر هذه القضية حين الكلام عن فرار طلحة. وقيل: ان حمزة هو الذي قال: اللهم اني أبرأ اليك مما جاء به هؤلاء النفر، أبو سفيان وأصحابه. وأعتذر اليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم (1). وهذا يعني: أن حمزة قد قتل بعد فرار الصحابة عن الرسول (ص). وقد تقدم: أنه قد قتل بعد أصحاب اللواء، فلا مانع من أن يكون الناس قد انهزموا، فقتله وحشي، وهو عائد من بعض حملاته. ثم صار علي (ع) يدفع كتائب المشركين عن رسول الله (ص) كما تقدم. عودة المسلمين الى القتال: ثم ان كعب بن مالك كان أول من عرف النبي (ص)، رأى عينيه تزهران من تحت المغفر، فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول الله. فأمره النبي بالسكوت، لحراجة الموقف وخطورته. ثم صار المسلمون يفيئون الى رسول الله (ص) زرافات ووحدانا، وجعل (ص) يذرهم ويحضهم على القتال، فقاتلوا على قلتهم خير قتال. ولكن الذين كانوا على الجبل فوق الصخرة لم يعودوا - أو أكثرهم - الى القتال، ولا تركوا مركزهم. وقبل أن نستمر في الحديث عن المعركة الحاسمة، لا بأس بالالماح الى بعض المواقف البطولية التي سجلها بعض المسلمين، مع


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246. (*)

[ 203 ]

محاولة التركيز على بعض الجوانب الايجابية فيها، ثم نشير الى بعض المختلقات في هذا المجال، ولا سيما حول طلحة، وسعد بن أبي وقاص، فنقول: مواقف وبطولات: 1 - مع أنس بن النضر، وابن السكن وأصحابه: ان موقف أنس بن النضر ليدل على فهمه العميق للاسلام، وادراكه أن الاسلام لا يرتبط بالشخص والفرد، حتى ولا بالنبي نفسه، الذي جاء به من عند الله من حيث هو شخص وفرد (1). تماما على عكس الرؤية التي كانت لدى الذين فروا، حتى انتهوا الى الصخرة. فالحق - عند أنس هذا - لايعرف بالرجال، وانما تعرف الرجال بالحق. قال أمير المؤمنين: (انك لم تعرف الحق، فتعرف من أتاه، ولم تعرف الباطل، فتعرف من أتاه) (2). وهذه النظرة على درجة من البعد والعمق، فانه إذا تجسد الدين بالشخص، فان القضاء على ذلك الشخص يكون كافيا في القضاء على ذلك الدين. وهذه هي احدى السياسات التي ينتهجها أعداء الله والانسان في حربهم لله ورسوله، على مدى الاجيال. هذا، ولا يقل موقف ابن السكن والرجال الخمسة الانصاريين عن موقف أنس، فانه لما تفرق القوم عن رسول الله (ص) وهاجمه المشركون، قال (ص): من رجل يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ؟ فقام زياد بن السكن - أو ولده عمارة - في خمسة من الانصار، فقاتلوا حتى قتلوا،


(1) وان كان الارتباط به من حيث هو رسول وقائد حرب، ومعلم، أمر ضروري ولابد منه. (2) نهج البلاغة الحكمة رقم 262. (*)

[ 204 ]

ثم جاءت فئة، ففرقوا القوم عن رسول الله (ص). 2 - أبو دجانة: وقد تقدم: أن أبا دجانة كان أول عائد مع عاصم بن ثابت، وقد ترس على رسول الله (ص)، وصار يقيه بنفسه من وقع السهام، وهو منحن عليه لا يتحرك، حتى كثر في ظهره النبل، حتى استحق أن يعطيه رسول الله (ص) سيفا، ويمنعه غيره ممن فر، اهانة لهم، وتكريما له. وما ذلك الا لان الاسلام ونبي الاسلام، لا يضيعان عمل عامل، أيا كان، ومهما كان. ولا يهتم هذا الدين، وهذا النبي (ص) للدعاوى الفارغة التي يطلقها هذا أو ذاك، وانما يهتمان بتقييم الانسان على أساس مايقدمه على صعيد الواقع، ونفس الامر. وأبو دجانة قد تعرض للامتحان ونجح فيه. أما غيره، فقد أثبت الامتحان عدم جدارته، أو استحقاقه لما يعد نفسه له ممن يتستر خلف دعاوى فارغة لا أكثر ولا أقل، حتى إذا جد الجد رأيته يتعجل الهزيمة، ويكون أبطأ من غيره في العودة، أو لا يعود أصلا الا بعد حسم الموقف. فكان لابد من اعطاء الضابطة للمسلمين جميعا، وافهامهم: أن الاسلام واقعي بالدرجة الاولى، وان مصب اهتماماته هو المضمون والمحتوى. وانه يقيم الانسان على أساس أعماله، لا على أساس دعاواه وأقواله، ولا على أسس أخرى، ربما لا يكون له خيار فيها في كثير من الاحيان. فطلحة، وسعد، وأبو بكر، وعمر، والزبير، وعثمان الخ أ وان كانوا من المهاجرين الذين ربما يعطون أو يعطيهم الناس امتيازا لذلك، وان كانوا قرشيين، وكان لهم بالنبي (ص) صلة من نوع ما بسبب أو نسب. الا أن كل ذلك إذا لم يكن معه الاخلاص، وإذا لم يكن الله ورسوله، وجهاد في سبيله أحب إليهم من كل شئ حتى من أنفسهم، فانه يبقى منحصرا

[ 205 ]

في نطاقه الخاص، ولا ينبغي أن يتعداه الى غيره، بحيث يخولهم الحصول على امتيازات لا يستحقونها. وأخيرا، فقد ذكر المؤرخون: أن سلمان الفارسي أيضا قد كان يقوم بنفس دور أبي دجانة في حماية الرسول (ص)، حيث جعل نفسه وقاية لرسول الله (ص) من وراء ظهره، من سهام الكفار، وأذاهم، ويقول: نفسي فداء لرسول الله (ص) (1). 3 - أم عمارة: ومقام فلان ! ! وفلان ! ! وقاتلت أم عمارة، نسيبة بنت كعب. وكان معها سقاء فيه ماء، فلما رأت قلة من كان مع الرسول، قامت تذب عنه مع هؤلاء القلة، وجرحها ابن قميئة في عاتقها، حينما اعترضته مع آخرين، ممن كان يذب عن رسول الله (ص). بل لقد روى غير واحد: أن النبي (ص) نظر في أحد الى رجل من المهاجرين يفر، قد ألقى ترسه خلف ظهره، فناداه: (يا صاحب الترس، ألق ترسك، وفر الى النار)، فرمى بترسه. فقال (ص): (لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان، وفلان). وأراد ولدها عمارة الفرار، فردته، وأخذت سيفه، فقتلت به رجلا، فقال (ص): (بارك الله عليك يانسيبة). وكانت تقي النبي (ص) بيديها، وصدرها، وثدييها (2). قال المعتزلي: (ليت الراوي لم يكن هذه الكناية، وكان يذكرهما


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 436. (2) قاموس الرجال ج 11 ص 38 عن القمي، وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 226 و 269، ومغازي الواقدي ج 1 ص 269 و 273، وتفسير القمي ج 1 ص 116، والبحار ج 20 ص 134 و 54. (*)

[ 206 ]

باسمهما، حتى لا تترامى الظنون الى أمور مشتبهة. ومن أمانة المحدث أن يذكر الحديث على وجهه، ولا يكتم منه شيئا، فما باله كتم اسم هذين الرجلين) (1) ؟ !. ويرى المجلسي: أن المراد بهما هنا: أبو بكر وعمر، إذ لا تقية في غيرهما، لان خلفاء سائر بني أمية وغيرهم من الخلفاء، ما كانوا حاضرين في هذا المشهد، ليكني بذكرهم تقية من أولادهم وأتباعهم (2). وهذا أيضا هو رأي محمد بن معد العلوي (3). ونزيد نحن: أن عثمان لما كان قد فر باجماع المؤرخين، فقد اضطروا الى التصريح باسمه، ثم حاولوا تبرير هذا الفرار بالتوبة عليه، وغفران ذنبه. ومع ذلك، ومع أننا نجد روايات عديدة تصرح بأن آية: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) قد نزلت في عثمان، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن المعلى، أو في عثمان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الانصاريين (4). فاننا نجد رواية ذكرها ابن اسحاق تقول: (ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) فلان ! ! وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان (5). ورواية أخرى عن عكرمة تقول: نزلت في رافع بن المعلى، وغيره


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 226، والبحار ج 2 ص 133 عنه. (2) البحار ج 20 ص 134. (3) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23 / 24. (4) الدر المنثور ج 2 ص 88 و 89 عن مصادر كثيرة. (5) الدر المنثور ج 2 ص 89 عن ابن جرير، وابن المنذر. (*)

[ 207 ]

من الانصار، وأبي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر (1). كما أن الواقدي نفسه قد كنى عن عثمان في فراره ب‍ (فلان) (2). فترى أنهم يهتمون في الكنية حتى عن عثمان المجمع على فراره، دون غيره ممن تذكرهم الرواية. وبعد هذا، فكيف لا يكنون عمن هم أعظم من عثمان، وأجل عندهم. ويذكر أخيرا: أن لفلان، وفلان ! ! فرافرا آخر في عرض الجبل، حينما جاءهم المشركون، وندب الرسول المسلمين الى قتالهم (3)، وقد ردهم الله عنهم من دون حاجة الى ذلك، كما سنرى ان شاء الله تعالى. كما أن الظاهر: أن ابن عباس قد كنى عنهما، حينما ذكر: أن الناس قد تركوا ثلاث آيات محكمات، وأبو الا فلان بن فلان، وفلان بن فلان (4). جهاد المرأة: وفي الماحة موجزة هنا نقول: ان من المعلوم: أنه ليس في الاسلام على المرأة جهاد، الا حينما يكون كيان الاسلام في خطر أكيد. ولقد أدركت أم عمارة مدى الخطر الذي يتهدد الاسلام، من خلال الخطر الذي يتعرض له النبي (ص) (5). ولذلك فقد اندفعت للدفاع عن النبي (ص)،


(1) الدر المنثور ج 2 ص 88 عن ابن جرير. (2) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 277 مع هامشه. (3) نفس المصدر ص 295. (4) راجع: المصنف ج 1 ص 379 / 380. وثمة تعبيرات أخرى عنهما بفلان وفلان ذكرهما في البحار، وروضة الكافي، لا مجال لذكرها هنا. (5) إذ لم يكن كل المسلمين ولاجلهم - كما أظهرته حرب أحد - في مستوى وعي أمير المؤمنين (ع) وأنس بن النضر، وأبي دجانة وأمثالهم. (*)

[ 208 ]

بنفسها وولدها، وكل وجودها. وليت شعري، كيف لم يدرك هذه الحقيقة كبار الصحابة من المهاجرين والانصار ؟ ! وكيف سمحوا لانفسهم بالفرار في هذا الظرف الحرج والخطر جدا على مستقبل الاسلام، الدين الحق ؟ !. وقد كان المهاجرون يرون لانفسهم، ويرى لهم الناس امتيازا على غيرهم، وأنهم في موقع المعلم والمرشد. وهم الذين عاشوا مع النبي (ص)، واستفادوا من تعاليمه، ورأوا من معجزاته أكثر من غيرهم. وإذا كانت هذه الانصارية التي لاجهاد عليها، والتي لم تعاشر النبي (ص)، ولم تر من معجزاته وكراماته ما رآه هؤلاء، وقد وقفت هذا الموقف الرسالي الرائد دونهم. فمن الطبيعي أن يكون مقامها أفضل من مقام فلان وفلان من كبارهم. كما أن من الطبيعي أيضا: أن يفر ذلك المهاجري الى النار، ويكون جهادها طريقها الى الجنة. كما أننا سوف لا نصدق بعد هذا ما يقال، من أن الفضل انما هو بطول الصحبة للرسول، أو بغير ذلك من عناوين، بل سوف نصر على أن الفضل - كما قرره القرآن - انما هو بالتقوى، والعمل الصالح، عن علم ووعي، وعن قناعة وجدانية راسخة. ملاحظة: ونشير أخيرا: الى أن خروج أم عمارة الى أحد لعله كان استثنائيا، ولضرورة خاصة. ومما يوضح لنا ذلك: أننا نجد امرأة من عذرة استأذنت الرسول في أن تخرج في جيش كذا وكذا، فلم يأذن لها (ص)، فقالت: يارسول الله، انه ليس أريد أن أقاتل، انما أريد أن أداوي الجرحى والمرضى، أو أسقي المرضى. قال: لولا أن تكون سنة، ويقال: فلانة خرجت، لأذنت لك، ولكن اجلسي (1)


(1) حياة الصحابة ج 1 ص 618، ومجمع الزوائد ج 5 ص 323 وقال: رواه الطبراني = (*)

[ 209 ]

وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في غير هذا الكتاب. فليراجع (1). 4 - أم سليط: وممن شارك في حرب أحد أيضا أم سليط، فانها كانت تزفر القرب، أي تحملها على ظهرها، تسقي الناس منها (2). 5 - حنظلة الغسيل: واستشهد في أحد حنظلة بن أبي عامر الفاسق، وكان قد دخل بزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي ليلة أحد، وخرج وهو جنب، حين سمع الهائعة، فأعجله ذلك عن الغسل. بل يقال: انه كان قد غسل أحد شقيه، فسمع الهائعة، فترك غسله، وخرج. ويقال: ان رسول الله (ص) أخبرهم: أن صاحبهم (حنظلة) لتغسله الملائكة. كما ويقال: انه استأذن النبي (ص) في أن يقتل أباه أبا عامر الفاسق، فلم يأذن له (3). ونقول: 1 - ان النبي كما منع حنظلة الغسيل من قتل أبيه، كذلك هو قد منع ابن عبد الله بن أبي من قتل أبيه أيضا (4).


= في الكبير والاوسط، ورجالهما رجال الصحيح (انتهى). وراجع: الاصابة ج 4 ص 487 و 505، والاستيعاب بهامشها نفس المكان، والتراتيب الادارية ج 2 ص 115. (1) راجع: الاداب الطبية في الاسلام فصل التمريض والمستشفى. (2) راجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 103. (3) الاصابة ج 1 ص 361، وتاريخ الخميس ج 1 ص 427 / 428، والسيرة الحلبية ج 2 ص 240 / 241. وغير ذلك من المصادر الكثيرة. (4) الاصابة ج 1 ص 361. (*)

[ 210 ]

ونقول: انه إذا كان هدف الاسلام هو الحفاظ على انسانية الانسان، وتكامله في مدارج الانسانية، فلا بد أن تكون مواقفه ووسائله منسجمة مع ذلك الهدف الاسمى، لان الوسيلة في نظر الاسلام لا تنفصل عن الهدف، وانما هي جزء منه. اذن، فلا بد أن يتعامل مع كل أحد حتى مع أبيه، وولده، وعشيرته، وماله، وكل ما يحيط به، تعاملا انسانيا صحيحا، ومنسجما مع أهدافه تلك. فإذا كانت علاقته بماله، أو بأبيه، أو بولده سوف تفصله عن هدفه، أو تفرض عليه موقفا يتناقض معه، أو يعيق عن الوصول إليه، فلابد من رفض تلك العلاقة وتدميرها، لان الابقاء عليها انما يعني تدمير الانسانية، والخروج عنها الى ما هو أحط من الحيوان. وهذا هو ما أشار إليه تعالى في قوله عمن اتخذ الهه هواه: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون، أو يعقلون، ان هم الا كالانعام، بل هم أضل سبيلا) (1). اذن، فلا جامع ولا قدر مشترك بين الانسان المسلم الذي يعتبر نفسه انسانا، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ويتصرف على هذا الاساس، وبين غيره ممن رضي لنفسه أن يكون أضل من الانعام، ويتصرف على هذا الاساس، ومجرد وجود علاقة نسبية بينهما لا يبرر تخلي هذا عن انسانيته في سبيل ارضاء ذاك. وأما إذا كانت مواقف ذلك الانسان المنحرف وتصرفاته تساهم في تدمير الانسانية أينما كانت، وحيثما وجدت، والقضاء على خصائصها ومنجزاتها، سواء على صعيد الفرد أو المجتمع، أو حتى الاجيال القادمة. فان من الطبيعي أن نرى ذلك الولد الانسان: يهتم بالقضاء على هذا الوالد، ويعمل في هذا السبيل بصدق، وبجدية، والا فانه سيتضح لنا: ان


(1) لقمان: 44. راجع بحث العصمة في فصل بحوث تسبق السيرة بعد غزوة بدر. (*)

[ 211 ]

انسانيته لم تكتمل بعد، أو على الاقل: ان وعيه الانساني يحتاج الى تعميق وتركيز. كما أن العاطفة التي تعتبر الوقود الذي يفجر طاقات الانسان في هذا السبيل، تحتاج الى شحن واثارة من جديد. فلا عجب اذن، أن يستأذن بعض المسلمين في قتل آبائهم المنحرفين، الذين يحاربون دين الله تعالى، وانما العجب من أن لا يفعلوا ذلك، لانهم حينئذ يكونون قد خالفوا مقتضى فطرتهم، وما يحكم به عقلهم السليم. هذا الحكم الذي أيده وأكده الاسلام، دين الفطرة، حين قال في القرآن الكريم: (قل: ان كان آباؤكم وأبناؤكم، واخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب اليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين) (1). 2 - وأما سر أن النبي (ص) لم يأذن لهم بقتل أبائهم، فقد قدمنا بعض ما يفيد في ذلك حين الكلام عن وحشي، قاتل حمزة، حيث أخبروه: أن محمدا لا يقتل أصحابه. ونزيد هنا: أن نفس قتل الولد لوالده ليس أمرا طبيعيا، ولا ينسجم مع مشاعر ونفسية الانسان العادي، الذي لم يترب تربية الهية، ولم ينصهر في حب الله تعالى. نعم، إذا أخلص ذلك الانسان لله، وانقطعت كل علائقه المادية الارضية، فانه حينئذ يرى ذلك أمرا ضروريا، وينساق إليه بعقله، وبفطرته، وبعاطفته أيضا. وقليل ماهم. ولربما يثور الانسان العادي عاطفيا، إذا رأى من قريبه وحبيبه موقفا سيئا، يتنافى مع الفطرة والدين والعقل، ولكن سرعان ما تشده العوامل


(1) التوبة: 24 راجع كتاب: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 2 بحث: الحب في التشريع الاسلامي. (*)

[ 212 ]

الارضية إليها، ويعود ليزن الامور بالموازين الارضية المادية من جديد. ولذلك رأينا: المسلمين ينهزمون جميعا في أحد، وفي مواطن أخرى باستثناء أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويتركون نبيهم، الذي هو في الحقيقة رمز وجودهم. وهذا يدل على أن الروابط الارضية قد شدتهم إليها، ولم يتمكنوا من التخلص منها، والا التغلب عليها. اللهم الا من كان في مستوى رفيع من التربية الالهية، ووصل الى حد: أن أصبح الله ورسوله، وجهاد في سبيله، أحب إليه من كل شئ، وليس هو الا أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما قلنا. ولكي لا يعرض النبيى (ص) والاسلام الذي هو واقعي بالدرجة الاولى هذا الانسان الى تجربة قاسية ومريرة، ربما تكون أكبر منه، وقد يخفق في الخروج منها بسلامة ومعافاة، فقد أعفاه من هذه الامور، لطفا به ورفقا. والله هو اللطيف الخبير. 6 - بين عبد الله بن جحش، وابن أبي وقاص: وقد دعا عبد الله بن جحش ربه: أن يقتل، ويجدع أنفه، وتقطع أذنه حتى إذا لقي الله، وسأله: فيم جدع أنفك وأذنك ؟ فيقول: فيك، وفي رسولك، فأمن له سعد بن أبي وقاص. وهكذا جرى له. ودعا سعد بن أبي وقاص ربه: أن يقتل أحد المشركين، ويأخذ سلبه، فأمن عبد الله على دعاء سعد. فشتان ما بين سعد وعبد الله، فان عبد الله قد جاء يطلب الموت، وجاء سعد يطلب ما يرى أنه يفيد في استمرار تمتعه بمباهج الحياة، وزبارجها وبهارجها. ونعود فنذكر هنا بما قاله المعتزلي - وهو يتحدث عن علي (عليه اللام) -: هذا يجاحش على السلب، ويأسف على فواته، وذاك لا

[ 213 ]

يلتفت الى سلب عمرو بن عبد ود، وهو أنفس سلب، ويكره أن يبز السبي ثيابه، فكأن حبيبا عناه بقوله: ان الاسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1) ونزيد هنا: ان الذي يجاحش على السلب، ويدعو الله أن يقتل مشركا من أجل سلبه، ويأتي الى الحرب بهذه النفسية، لا يتورع - حين يفوته ذلك، ويواجه خطر الموت - من أن يفر من الحرب، ويترك الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لسيوف المشركين تنوشه من كل جانب ومكان ؟ !. كما أن من تكون الدنيا عنده أهون من عفطة عنز، ولا تساوي الخلافة عنده شسع نعله، ويكون من الرسول والرسول منه، ولا سيف الا سيفه. كيف، ولماذا يفر ياترى ؟ ! فلا عجب اذن إذا رأينا هذا يثبت، ويتلقى السيوف ينحره وجده، وذاك يفر طلبا للسلامة، ولأجل الاحتفاظ بالحياة. مواقف وبطولات سعد الموهومة: ويذكرون لسعد بن أبي وقاص في حرب أحد فضائل وكرامات، ومواقف وبطولات، نعتقد أن يد السياسة قد ساهمت في صنعها، ونذكر على سبيل المثال: انهم يقولون: انه بعد أن عاد المسلمون الى رسول الله (ص) دافع سعد عن رسول الله (ص)، ورمى بين يديه بالسهام، وأن النبي (ص) كان يناوله النبل، ويقول (2): ارم فداك أبي وأمي، فرمى دون رسول الله حتى


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 237 ملخصا. (2) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 241، والسيرة الحلبية ج 2 ص 229، وتاريخ الخميس ج 1 ص 433. (*)

[ 214 ]

اندثت سية قوسه. وفي المشكاة عن علي (ع): ما سمعت النبي (ص) جمع أبويه لأحد الا لسعد (1). بل يروي البعض: أنه قال له ذلك ألف مرة، لانه رمى ألف سهم (2). كما أن ابن عرقة رمى بسهم، فأصاب ذيل أم أيمن، فانكشف، فضحك. فأمر النبي (ص) سعدا بأن يرمي، ودعا له بأن يسدد الله رميته، ويجيب الله دعوته، فرمى ابن عرقة في ثغرة نحره، فانقلب لظهره، وبدت عورته، فضحك (ص) (3). ولكننا نشك فيما ذكر آنفا، وذلك بملاحظة النقاط التالية: 1 - يقولون: سئل يعد عن سر استجابة دعائه دون الصحابة، فقال: ما رفعت الى فمي لقمة الا وأنا أعلم من أين جاءت، ومن أين خرجت (4). أي لانه قد جاء في الحديث: أن سر عدم استجابة الدعاء، هو أن من كان مأكله وملبسه حراما فأنى يستجاب له (5). فأي ذلك نصدق ؟ ! هل نصدق أن استجابة دعائه كانت لدعائه


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 229. (2) مجمع الزوائد ج 6 ص 113، ومغازي الواقدي ج 1 ص 241، وشرح النهج للمعتزلي ج 14، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 160، وتاريخ الخميس ج 1 ص 433، والسيرة الحلبية ج 2 ص 229، وغير ذلك كثير. (3) السيرة الحلبية ج 3 ص 229. (4) المصدر السابق. (5) المصدر السابق. (*)

[ 215 ]

(ص) له ؟ ! أم نصدق أنها من أجل أنه لم يكن يأكل حراما ؟ !. وحاول الحلبي أن يجيب: بأن دعاء النبي (ص) يرجع: الى أنه دعا له أن يستجاب له بسبب عدم أكله للحرام، وتمييزه للحرام عن غيره (1) ! !. وهو تأويل بارد، كما ترى، ولا نرى حاجة للتعليق عليه. 2 - لا ندري إذا كان الوقت يتسع لرمي ألف سهم، ولقول النبي (ص) له ذلك، وهو يناوله السهام في ذلك الوقت الحرج جدا ؟ !. ولا ندري أيضا من أين حصل سعد على تلك السهام الالف التي رمى بها ؟ !، وهل كانت تتسع كنانته، وكنانة النبي (ص) - ولو كانت - لهذه الكمية ؟ !. ولا نعرف أيضا ان كانت تلك السهام تصيب المشركين، فيستجاب دعاء الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) له أم لا ؟ ! وإذا كانت تصيبهم، فكم قتل سعد ؟ وكم جرح ؟ ولماذا لم ينهزم المشركون لهذه النكبة التي حلت بهم ؟ !. 3 - إذا كان سعد مستجاب الدعوة، فلماذا لم يدع الله ليفرج عن عثمان حين الحصار ؟ أو ليهدي معاوية الى الحق والتسليم لعلي (ع)، ليحقن دماء عشرات الالوف من المسلمين، ويجنب الامة تلك الكوارث العظيمة التي تعرضت لها ؟ !. وعندما عرض عليه أمير المؤمنين (عليه السلام): أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، طلب منه أن يعطيه سيفا يميز بين الكافر والمؤمن (2)، فلم لم يدع الله أن يعطيه سيفا كهذا، فيستجيب الله له، ما دام أنه كان


(1) المصدر السابق. (2) قاموس الرجال ج 4 ص 315 عن وقعد لنصر بن مزاحم. (*)

[ 216 ]

مستجاب الدعوة ؟ !. 4 - عن ابن الزبير: أن الرسول الاعظم (ص) قال للزبير - يوم الخندق، حينما أتاه بخبر بني قريظة -: فداك أبي وأمي (1)، فأي الروايتين نصدق ؟ ! أم نصدقهما معا ؟ ! أم ننظر اليهما معا بعين الشك والريب، لما نعلمه من تعمد الوضع والاختلاق لصالح هؤلاء ؟ ! أعتقد أن هذا الاخير هو الامر المنطقي، والطبيعي، والمعقول. واحتمال أنه (ص) وان كان قد قال ذلك للزبير يوم الخندق، لكن عليا (عليه السلام) لم يسمعه، فنقل ما سمعه فقط بالنسبة لسعد، أو أنه (ص) قد أراد تفدية خاصة. لا يجدي، إذ قد جاء في رواية أخرى قوله: فما جمع (ص) أبويه لاحد الا لسعد (2). وهذا يدل على أنه يخبر عن علم، والا لكان عليه أن يقول: انه لم يسمع ذلك الا بالنسبة لسعد، كما أنه لو كان أراد تفدية خاصة لكان عليه البيان. 5 - كيف يكون سعد قد قتل حبان بن العرقة في حرب أحد، كما يقول الواقدي، مع أن الواقدي نفسه وغيره يقولون: ان حبان بن العرقة قد رمى سعد بن معاذ في أكحله في غزوة الخندق، فقال (ص): عرق الله وجهك في النار (3) ؟ !. فان حرب الخندق كانت بعد أحد بالاتفاق.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 229. (2) نفس المصدر. (3) مغازي الواقدي ج 2 ص 269 و 525، وتاريخ الخميس ج 1 ص 433، والاصابة ج 2 ص 37 و 38. (*)

[ 217 ]

اشارة هامة: ؤ. ما لماذا حشد هذه الفضائل لسعد، فذلك أمر واضح، فان سعدا قد كان من الفئة المناوئة لامير المؤمنين (عليه السلام)، وأهل بيته، حتى لقد كتب (عليه السلام) لوالي المدينة: أن لا يعطي سعدا من الفئ شيئا (1). وحينما دخل عليه سعد يطالبه بعطائه رده مع صاحبيه، بعد كلام طويل، ولم يعطه شيئا (2). وحينما دعاه عمار الى بيعة سيد الوصيين، أظهر سعد الكلام القبيح (3). وأيضا فقد صارمه عمار المعروف بجلالة مقامه وعلو شأنه (4). كما أنه قد أخذ من بيت المال مالا ولم يؤده، وعزله عمر عن العراق، وقاسمه ماله (5). وكان ممن قعد عن علي (عليه السلام) وأبى أن يبايعه، فأعرض عنه (عليه السلام)، وقال: (ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) (6). وسعد هو أحد الستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم، فوهب


(1) اختيار معرفة الرجال ص 39، وقاموس الرجال ج 4 ص 412 / 413 عنه. (2) صفين ص 551 / 552، وقاموس الرجال ج 4 ص 313 عنه. (3) الامامة والسياسة ج 1 ص 53. (4) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 3 ص 111، وقاموس الرجال ج 4 ص 313 / 314 عنه. (5) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 414 عن الاغاني، وعن أنساب السمعاني. (6) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 315 / 316. وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9. (*)

[ 218 ]

حقه لابن عمه عبد الرحمان بن عوف (1). وشكا أهل الكوفة سعدا الى عمر لأنه لا يحسن يصلي (2). اذن، فانحراف سعد عن علي (عليه السلام)، وممالأته لاعدائه هو الذي جعل لسعد هذه الشخصية، ورزقه هذه الفضائل والكرامات. وهذا هو بعينه السر أيضا بما رزقه الكرماء طلحة بن عبيدالله من كرامات ستأتي الاشارة إليها ان شاء الله. ولعل أبا طلحة أيضا قد ارتزق فضائله وكراماته عن نفس هذا الطريق، طريق العداء لعلي (ع)، والانحراف عنه، كما هو معلوم بالمراجعة (3). كرامات طلحة: ويذكرون لطلحة بن عبيدالله أيضا في أحد كرامات كثيرة، نذكر منها: 1 - أن رسول الله (ص) قد سماه في أحد ب‍ (طلحة الخير)، لانه أنفق سبعمائة ألف درهم (4). ولا ندري كيف وعلام أنفق طلحة سبعمائة ألف درهم، التي كانت تكفي لتجهيز جيش بكامله، يكون أضعاف أضعاف جيش المسلمين في


(1) راجع على سبيل المثال: شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 188. (2) الاوائل ج 1 ص 310، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 360، وفي هامشه عن البخاري عن أبي عوانة والعقد الفريد ج 6 ص 249، والكامل في التاريخ ج 2 ص 596، والثقات ج 2 ص 220. (3) راجع: قاموس الرجال للعلامة التستري، وغيره من كتب التراجم. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 432، والسيرة الحلبية ج 2 ص 238. (*)

[ 219 ]

أحد. أو ليس قد جهزت قريش جيشا مؤلفا من ثلاثة أو خمسة آلاف مقاتل معهم ثلاثة آلاف بعير، ومئة فرس، وسبعمائة دارع بخمسة وعشرين ألف دينار (1) ؟ !. أي بما يساوي ثلث المبلغ الذي يدعى أن طلحة قد أنفقه ؟ وعلى أبعد الاقوال: انها أنفقت خمس مئة ألف درهم. ومن الواضح أن سبعمائة ألف درهم في تلك الايام تعدل ميزانية دولة بكاملها. وكيف نصدق ذلك، ونحن نرى ابن سعد يروي في الطبقات عن أنس: أن أبا بكر استعمله على الصدقة، فقدم وقد مات أبو بكر، فقال عمر (رض): يا أنس، أجئتنا بالظهر ؟ قلت: نعم. قال: جئتنا بالظهر، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك. قال: وان كان هو لك. وكان المال أربعة آلاف فكنت أكثر أهل المدينة مالا (2). فإذا كان أنس أغنى أهل المدينة بالاربعة آلاف، وذلك في زمان عمر، الذي اتسع فيه الامر على الناس، وحصلوا على الاموال الكثيرة. فهل يمكن أن نصدق أن مهاجريا قدم المدينة بلا مال، يصير من الثراء بحيث يبذل سبعمائة ألف درهم بعد فترة وجيزة جدا من قدومه ؟ !. ولا سيما في وقت كان يعاني فيه المسلمون صعوبات جمة، حتى ان النبي (ص) كان يربط الحجر على بطنه من الجوع (راجع حديث الغار، حين البحث في ثروة أبي بكر).


(1) تقدم ذلك في فصل: قبل نشوب الحرب، فراجع. (2) حياة الصحابة ج 2 ص 235، وكنز العمال ج 5 ص 405. (*)

[ 220 ]

ولماذا لم تنزل في طلحة آية تشيد بهذه الفضيلة له، كما نزلت في علي (ع) حينما تصدق بالخاتم في الصلاة (1) وحينما تصدق بأربعة دراهم. الى آخر ما تقدمت الاشارة إليه (2). وبذلك يعلم أيضا: مدى صحة الارقام الخيالية التي تذكر عن تجهيز عثمان لجيش العسرة، وغير ذلك مما لا مجال لتتبعه. وسنتعرض لذلك كله في مواضعه ان شاء الله تعالى. 2 - وأما روايات شلل اصبع طلحة، وما أصابه في أحد. فهي متناقضة، فلا ندري هل شلت اصبعه ؟ أو اصبعاه ؟ أو يده ؟ أو قطعت اصبعه ؟ ! ثم هنالك الخلاف في عدد الجراح التي أصابته. ونحن لاننكر أن يكون طلحة قد أصيب ببعض الجراح. لكن ذلك لا يلزم منه عدم فراره. بل يستظهر المظفر: أن شلل يده قد كان حين الفرار، أو بسبب آخر. وقد يستظهر ذلك من تعبير الشعبي ب‍ (زعم) في قوله: (وزعم: أن طلحة وقى رسول الله بيده، فضرب، فشلت) (3) فيظهر أن الشعبي يشك في ما زعم. وأما ما زعمه البعض من أنه (ص) قد مسح على جسد طلحة، ودعا له بالشفاء، والقوة (4)، فلا ندري ما نقول فيه، ونحن نرى أن يده لم تشف، ولم يستجب الله ذلك الدعاء. ولكن الذي شفي بدعاء النبي (ص) حقا هو أمير المؤمنين (ع) كما تقدم.


(1) و (2) تقدمت المصادر لذلك في أواخر الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: هجرة الرسول الاعظم (ص) حين الحديث عن ثروة أبي بكر. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 431. (4) دلائل الصدق ج ا ص 259 بتصرف. (*)

[ 221 ]

3 - ويقولون: انه (ص) قد وقع في احدى الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق مكيدة، فرفعه طلحة، وأخذ بيده علي (عليه السلام). وزاد في الاكتفاء: فقال (ص): من أحب أن ينظر الى شهيد يمشي على وجه الارض فلينظر الى طلحة (1). ولا ندري لماذا اختص طلحة الفار من الزحف بهذا الوسام، دون علي (ع)، الذي لم يثبت أحد سواه، مع أنهما شريكان في مساعدته (ص) على النهوض ؟ !. ثم ان كل من يعثر ويقع، فان من معه يبادرون الى مساعدته، ومعاونته على النهوض، ولا يعتبرون ذلك عملا عظيما يستحق وساما كهذا. 4 - ويقولون: ولما أصاب النبي (ص) ما أصابه، جعل طلحة يحمله، ويرجع القهقهرى. وكلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه، حتى أسنده الى الشعب. أخرجه الفضائلي (2). ونحن لانصدق أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تقهقر وفر، كما تقهقر غيره، وأخلى ساحة القتال. وقد تقدم تكذيب الامام الصادق لذلك. كما أننا لا نرى أن ما جرى للنبي (ص) قد أفقده القدرة على المشي، ولذا فنحن لا نفهم وجه الحاجة لان يحمله طلحة ثم يضعه ليدافع عنه. كما أننا لا نعرف أين ذهب عنه (ص) أصحابه الثلاثون الذين فاؤا إليه، ثم لحقهم من لحقهم. وأين كان عنه سلمان، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، وعمار، وأخوه ووصيه علي بن أبي طالب، ولم لا يدافعون عنه،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 430. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 437. (*)

[ 222 ]

ويحمونه من ملاحقة المشركين، حتى يضطر طلحة لان يرجع القهقرى، وهو حامل رسول الله (ص). ثم يدافع عنه كلما أدركه أحد من المشركين ؟ ! كما أنه لم يثبت تاريخيا عودة من كانوا في أعلى الجبل الى ساحة الحرب - وطلحة منهم - بل الثابت خلافه، كما سنرى ان شاء الله. اشارة هامة: ويقولون: انه لما كانت وقعة أحد اشتد الامر على طائفة من الناس، تخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل لصاحبه: أما أنا فاني ذاهب الى ذلك اليهودي، فآوي إليه، وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر، أو حدث حادث. وقال الاخر: أما أنا فاني ذاهب الى فلان النصراني في الشام، واتنصر معه، فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) (1). وقد روى ابن طاووس في الطرائف، والعلامة في نهج الحق هذه الرواية عن السدي، الذي روى عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهما. وقد صرح السدي بأن الرجلين هما عثمان، وطلحة. وأنهما استأذنا النبي (ص)، وألحا عليه في ذلك. كما أن رواية أخرى عن عكرمة تقول: (كان طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام) (2)، فقد صرحت الرواية باسم طلحة في تفسير نفس هذه الاية. والرجل الاخر قد اختلف فيه، فقال عكرمة هو الزبير، وقال السدي هو عثمان.


(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 68، وتفسير الخازن ج 1 ص 503، والدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي، ودلائل الصدق ج 3 ص 204، وطرائف ابن طاووس ص 494، وقاموس الرجال ج 5 ص 169 عنه. (2) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن جرير، وابن المنذر. (*)

[ 223 ]

ثم ان لطلحة هذا هنات وهنات، ومواقف عجيبة وغريبة، ويكفي أن نذكر: أن عمر بن الخطاب قد أخبر حين حضرته الوفاة بأن رسول الله (ص) مات وهو عليه ساخط، لانه قال: انه سيتزوج نساء النبي من بعده، فنزلت فيه: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) (1). ومن أراد المزيد، فليراجع قاموس الرجال وغيره، ليقف على بعض مواقف طلحة وأفاعيله. وحسبنا ما ذكرناه هنا، وقد يأتي المزيد مما يتعلق بهذا الموضوع ان شاء الله. تجميع القوى، واعادتها الى مراكزها: قد ذكرنا فيما تقدم: أنه بعد أن صار الرسول يدعو المسلمين إليه، صاروا يرجعون إليه زرافات ووحدانا، وجاهدوا في الله حق جهاده، وحرص النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يرجع بهم الى مراكزهم الاولى، لان ذلك سوف يجعل الجبل من خلفهم، فيخلصون الحرب الى جهة واحدة (2). تماما كما هي الخطة الاولى. وكانت الجراح قد أرهقت عليا - كما تقدم X حتى بلغت نيفا وستين


(1) الغدير ج 10 ص 127، وتفسير القرطبي ج 14 ص 228، وعن فيض القدير ج 4 ص 290، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 506، وتفسير البغوي ج 5 ص 225، وتفسير الخازن ج 5 ص 225، وتفسير الالوسي ج 22 ص 74، وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 60 وج 3 ص 170. وليراجعوا الدر المنثور ج 5 ص 214 عن ابن أبي حاتم عن السدي وعن عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن سعد. (2) تفسير القمي ج 1 ص 116، والبحار ج 2 ص 54. (*)

[ 224 ]

جراحة - كما عن أنس بن مالك - بين طعنة، ورمية، وضربة. وفي رواية: نيفا وأربعين أو نيفا وسبعين. وفي رواية: تسعين (1). ويحتمل أن يكون: كلمة تسعين وسبعين: احداهما تصحيف للاخرى لتقارب الرسم فيما بينهما، مع عدم وجود النقط للكتابة في السابق. ويبدو أنه في هذه اللحظات الحرجة، وبعد أن رجع الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض من انهزم من أصحابه وبقاء أصحاب الصخرة في موقعهم، خائفين أن تصل إليهم قريش، نعم، في هذه اللحظات يبدو ان الله قد أنزل على القادمين الراجعين الى النبي، التائبين، أمنة نعاسا، لكي يطمئنوا الى نصر الله ولطفه. أما أصحاب الصخرة، أو كثير منهم، فقد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. وهؤلاء كانوا - في الاكثر - من المنافقين. وهكذا كان، فقد بلغ الرسول وتلك الثلة من المسلمين المجاهدين، سفح جبل أحد، واستقروا فيه، ولم يجاوزوه. فأرعب ذلك المشركين، لما رأوه من عودة المسلمين الى مراكزهم الاولى، وتجميع صفوفهم، وارتفاع معنوياتهم من جديد. وان كان لا تزال ثلة منهم فوق الجبل، وهم أصحاب الصخرة، ومنهم أبو بكر، وعمر، وطلحة، وغيرهم، فخاف المشركون أن يدال المسلمون منهم من جديد، ويفعلوا بهم، كما فعلوا في ابتداء الحرب، ففضلوا انهاء الحرب، والانسحاب بسلام، وهكذا كان. وحينئذ أعلن أبو سفيان انتهاء الحرب. وأشرف على الجبل، ونادى بأعلى صوته: أعل هبل.


(1) مجمع البيان ج 2 ص 509، والبحار ج 20 ص 23 عنه و ص 54 و 70 و 78، وتفسير القمي ج 1 ص 116، وعن الخصال ج 1 ص 368، وعن الخرائج. (*)

[ 225 ]

وحيث ان المسألة لم تعد مسألة شخصية، وانما يريد أبو سفيان أن يعتبر هذا النصر الظاهري وان كان ينطوي على الرعب القاتل، مؤيدا لدينه ولالهه هبل، فقد أجابه النبي (1) - وقيل عمر -: (وقد صرحت بعض الروايات بأن النبي قد علم عمر ما يقول) (2). وفي رواية: أن النبي (ص) علم عليا (عليه السلام)، فأجابه (3): الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: أنعمت فعال، ان الحرب سجال، يوم بيوم بدر. فقال: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. وفي نص لابي هلال العسكري: نادى أبو سفيان: أعل هبل. فقال عمر: الله أعلى وأجل. فقال: انها قد أنعمت يابن الخطاب فقال: انها (4). فجواب عمر هذا، وتصديقه لابي سفيان لا ندري ما يعني به ؟ وكيف نفسره ؟ !. ثم سأل أبو سفيان: ان كان النبي (ص) حيا، فأمرهم النبي (ص): أن لا يجيبوه.


(1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 231، ومجمع البيان ج 2 ص 509، والبحار ج 20 ص 23 عنه. (2) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 413 عن البخاري. (3) تفسير القمي ج 1 ص 117، والبحار ج 56 عنه وص 97 عن اعلام الورى وفيه: أن أبا سفيان سأل عليا عن حياة النبي. (4) الاوائل ج 1 ص 184 / 185، وراجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 412. (*)

[ 226 ]

ثم سأل - كما قيل - عن أبي بكر، وعن عمر، فكذلك (1). فيقال: ان أبا سفيان قال حينئذ: أما ان هؤلاء قد قتلوا، وقد كفيتموهم، ولو كانوا أحياء لاجابوا. فعند ذلك - كما يقولون - لم يملك عمر نفسه، وأخبرهم: أنهم أحياء، فطلب أبو سفيان من عمر أن يأتيه، فقال (ص) لعمر: ائته، فانظر ما شأنه. فجاءه، فسأله: ان كان النبي (ص) قد قتل. فقال عمر: اللهم لا، وانه ليسمع كلامك الان. قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة، وأبر (2). ثم واعدهم أبو سفيان بدرا في العام القادم، وانصرف. ولكن إذا كان عمر بن الخطاب قد أجاب أبا سفيان على قوله: أعل هبل. وكان ذلك قبل هذا الكلام، فان أبا سفيان الذي خاطب عمر، وسمع صوته، ورأى مكانه، لا يمكن أن يدعى أن عمر قد مات بعد ذلك بدقائق، الا إذا فرض أنه سمع صوته، ولم يعرفه ولم يره، بسبب وجود موانع من رؤيته له. ولكنه فرض لا يصح، لان أبا سفيان قد صرح في كلامه بأنه انما يخاطب ابن الخطاب بالذات. ومهما يكن من أمر، فقد جاء علي الى النبي (ص) بعد أن انتهت الحرب، فغسل وجهه، وضمدت جراحة فاطمة (عليها السلام).


(1) وان كنا نشك في ذكرهما هنا: فقد تعودنا، أن نجد هذا التعاقب في كثير من الروايات، ولعله بهدف الايحاء بأن الزعامة بعد النبي (ص) كانت لابي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، ولكن عثمان لم يذكر هنا لغيابه وفراره. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 440، ووفاء الوفاء ج 1 ص 205، والكامل ج 2 ص 160، والثقات ج 1 ص 232، وراجع: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 414 / 415. (*)

[ 227 ]

ومثل نساء المشركين في قتلى المسلمين فجدعن الانوف والاذان، الا أنهن لم يمثلن بحنظلة ابن أبي عامر، لان أباه طلب منهن تركه، فتركنه له. وتشاور في نهب المدينة، فأشار صفوان بن أمية بالعدم، لانهم لا يدرون ما يغشاهم (1). وأرسل النبي (ص) عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) في آثارهم، لينظر، فان كانوا قد ركبوا الابل، وجنبوا الخيل، فهم يريدون مكة، وان كان العكس، فهم يريدون المدينة، فلابد من مناجزتهم فيها، فذهب (عليه السلام)، وعاد، فأخبره بأنهم جنبوا الخيل، وامتطوا الابل (2). ولكن البعض يقول: ان سعد بن أبي وقاص هو المرسل في هذه المهمة، وأنه لما رجع رفع صوته بأنهم قد جنبوا الخيل، فان الحرب خدعة. فلا تر الناس مثل هذا الفرح بانصرافهم، فانما ردهم الله تعالى. ويقول الواقدي: انه (ص) أوصى سعدا بأنه ان رأى القوم يريدون المدينة فأخبرني فيما بيني وبينك، ولا تفت في أعضاد المسلمين (3). ونسب مثل ذلك الى علي (ع)، وأنه رفع صوته بالخبر، مع أنه (ص) كان قد أوصاه بخلاف ذلك (4).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 245. (2) راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 232، وتاريخ الطبري ج 2 ص 205 / 206، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 161، والسيرة الحلبية ج 2 ص 244 / 245، وتاريخ الخميس ج 1 ص 440. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 298 / 299، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 32. (4) تاريخ الطبري ج 2 ص 206 / 207، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 160 / 161. (*)

[ 228 ]

ونحن نجل عليا عن أن يكون قد ارتكب مثل هذه المخالفة، فقد تعودنا منه الوعي الكامل، والطاعة المطلقة للرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد تقدم: أنه (ص) قال لعلي (ع) في خيبر: اذهب ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فمشى هنيئة ثم قام ولم يلتفت للعزمة، ثم قال: على ما أقاتل الخ. ولعله لاجل هذه الانضباطية المطلقة منه (ع) في تنفيذ أوامر الرسول (ص) نجده (ص) ينهى ذلك الذي أرسله في رسالة الى علي، الذي سار في مهمة عسكرية - ينهاه - عن أن ينادي عليا من خلفه (1). فهذه القضية بسعد أشبه منها بعلي، وان كان يمكن أن يكون قد أرسلهما معا. فمقصود المحرفين هو أن يقولوا: ان المخالفة تصدر من علي (ع) كما تصدر من غيره، وأنه لا كبير فرق فيما بينهم. ولكن الله يأبى الا أن يظهر الحق، ويتم نوره. وبعد انتهاء المعركة خرج علي (عليه السلام) حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به رسول الله (ص) ليشرب، فوجد له ريحا، فعافه ولم يشرب. وغسل الدم عن وجهه. ويقال: ان فاطمة (عليها السلام) كانت تغسل جراحاته وضمدتها، وهو (ص) يقول: اشتد غضب الله على من أدمى وجه نبيه (2).


(1) البحار ج 73 ص 223 و 325 ط مؤسسة الوفاء عن قرب الاسناد ص 76، والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 217، وحياة الصحابة ج 1 ص 97، ومجمع الزوائد ج 5 ص 305، وعن كنز العمال ج 2 ص 297. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 437 عن المواهب اللدنية، والسيرة الحلبية ج 2 ص 237 و 236، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 157 / 158، وتاريخ الطبري ج 2 ص 200 / 201، ومغازي الواقدي ج 1 ص 290، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17، وفي السيرة الحلبية ج 2 ص 236 / 237: أن سعدا هو = (*)

[ 229 ]

وبعد انتهاء الحرب أرسل عليا (عليه السلام) الى المدينة ليبشر أهلها: بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حي سالم (1). وهنا أمور لا بأس بالالماح إليها للتتميم، والتوضيح، والتصيح، وهي: ألف: فاطمة أم أبيها: اننا حينما نقرأ هذه الفقرات حول تضميد فاطمة (عليها السلام) جراحات رسول الله (ص) نتذكر أنها - كما رواه الامام الصادق (ع) - كانت تلقب: بأم أبيها (2). وما ذلك الا لانها كانت بمنزلة الام في حنانها، وعطفها، ورعايتها له (ص)، وسهرها على راحته وسعادته، وكانت تفرح لفرحه، وتحزن لحزنه. ومن الواضح: أن الام انما تتحمل المتاعب، وتصبر على الصعاب في سبيل ولدها، وهي تتمنى حياته. أما الولد، فانه إذا رعى شؤون والديه، وتحمل بعض المتاعب في سبيلهما، فانما يفعل ذلك وهو يتوقع، أو يتمنى وينتظر موتهما. أما فاطمة (عليها السلام)، فكانت في ذلك بمنزلة الام، لانها كانت


= الذي أتاه بالماء، فشرب منه ودعا له. ولكن الصحيح هو أنه علي (عليه السلام) لتضافر الروايات عليه. (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 440. (2) راجع: الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 380، وراجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 357، والبحار ج 43 ص 19، وكفاية الطالب ص 369، والبداية والنهاية ج 6 ص 332، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 119، والاصابة ج 4 ص 377، وأسد الغابة ج 5 ص 520، ومقاتل الطالبين ص 46، وتهذيب التهذيب ج 12 ص 440 لكنه صحف كلمة (أبيها) ب‍ (ابنها) فراجع. (*)

[ 230 ]

تريد حياته (ص)، وتريد أن تبقى معه ولا تفارقه، حتى انها حينما أخبرها، وهو على فراش الموت: أنها أول أهل بيته لحوقا به ضحكت واستبشرت، فراجع كتب الحديث والتاريخ (1). ب: النبي (ص) والمسلمون في الجبل ! ويقولون: انه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما صعد الجبل علت عالية من قريش الجبل، فقاتلهم عمر، ورهط من المهاجرين، حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض (ص) الى صخرة في الجبل ليعلوها، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة، ونهض به حتى استوى عليها، وكان بطلحة عرج، فتكلف الاستقامة، لئلا يشق على النبي (ص)، فذهب عرجه (2). ونقول: أولا: ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه لم يبلغوا الصخرة، ولا الغار، ولا المهراس، ولا الدرجة المبنية من الشعب، وذلك لما يلي:


(1) راجع: حلية الاولياء ج 2 ص 39، وصفة الصفوة ج 2 ص 12، وخصائص أمير المؤمنين (ع) للنسائي ص 119، وفي هامشه عن مصادر كثيرة، وراجع: ينابيع المودة ص 173، والصواعق المحرقة ص 188، وكنز العمال ج 13 ص 92 و 93، والاصابة ج 4 ص 378، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 120 وراجع: البداية والنهاية ج 6 ص 332، وصحيح البخاري ج 3 ص 60، وعن مسلم في فضائل الصحابة وعن أبي داود أيضا، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 361 و 362، وشرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 266، واحقاق الحق ج 10 ص 439 حتى ص 452 عن مصادر كثيرة. (2) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 158، ووفاء الوفاء ج 1 ص 297، والسيرة الحلبية ج 2 ص 236 / 237 و 238، والترمذي وصححه، والرياض النضرة، وأحمد، وأبو حاتم، وراجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 229. (*)

[ 231 ]

1 - لقد صرح الواقدي بأن المسلمين - ولابد أن يكون المراد المقاتلين منهم - لم يعدوا الجبل. وكانوا في سفحه، لم يجاوزوه الى غيره، وكان فيه النبي (ص) (1). 2 - وفي رواية لاحمد: (وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، انما كان تحت المهراس) (2). 3 - ان رسول الله (ص) لم يبقغ الدرجة المبنية من الشعب (3). 4 - قال ابن اسحاق: (فلما انتهى النبي (ص) الى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب (رض) حتى ملأ درقته من المهراس) (4). وجاء بالماء، فغسل وجهه كما سيأتي. 5 - ان النبي (ص) لم يبرح ذلك اليوم شبرا واحدا، حتى تحاجزت الفئتان (5). فان النبي (ص) لم يكن ليفر من وجه عدوه، ويصعد الى الجبل ويعتصم به، ويترك عدوه يصول ويجول. كيف ؟ وقد أنزل الله في الفارين قرآنا يتلى الى يوم القيامة، وينعى عليهم عملهم ذاك، ويؤنبهم عليه. كما أننا لا نصدق أن يرتكب الرسول هذا الامر في الوقت الذي كان يدعو فيه الفارين في أخراهم الى العودة الى مراكزهم. ولا يمكن أن تحدثه نفسه بالفرار من الزحف في أي من الظروف والاحوال.


(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 278. (2) وفاء الوفاء ج 4 ص 315 وج 3 ص 930. (3) سيرة ابن هشام ج 3 ص 92. (4) سيرة ابن هشام ج 3 ص 90، ووفاء الوفاء ج 4 ص 1243. (5) مغازي الواقدي ج 1 ص 240، وشرح النهج للمعتزلي، والبحار ج 20 ص 96 عن اعلام الورى. (*)

[ 232 ]

6 - قد تقدم أن الصباح بن سيابة قد سأل الامام الصادق (ع) عما يذكرونه من هذا، فهو يقول له (ع): (فالغار في أحد الذي يزعمون أن رسول الله (ص) صار إليه ؟ قال: والله ما برح مكانه) (1). وثانيا: قولهم ان عمر ورهطا من المهاجرين قد قاتلوا المشركين حتى أهبطوهم من الجبل. لا ندري أنصدقه ؟ ! أم نصدق قول الواقدي: (وصل رسول الله (ص) الى الشعب مع أصحابه، فلم يكن هناك قتال) (2) ؟. أم نصدق قولهم: ان سعدا وحده قد ردهم بسهم، قتل به أربعة منهم (3) ؟ عجيب ! ! أربعة ! !. وثالثا: انهم يقولون: انه لما رأى أصحاب الصخرة النبي (ص)، وضع أحدهم سهما في قوسه، وأراد أن يرميه (ص). فقال: أنا رسول الله، ففرحوا، وفرح بهم، لانه رأى من يمتنع به، واجتمعوا حوله (4). وفي رواية: لما نادى كعب بن مالك، يبشر الناس بحياة الرسول نهضوا إليه (أي أصحاب الصخرة) فيهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، والحارث بن الصمة (5).


(1) اعلام الورى ص 83، والبحار ج 20 ص 96. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 281. (3) السيرة الحلبية ص 238. (4) تاريخ الطبري ج 2 ص 201 / 202، وتاريخ الخميس ج 1 ص 437. (5) الثقات لابن حبان ج 1 ص 229. (*)

[ 233 ]

ونسجل هنا ما يلي: 1 - ان ذكر علي هنا غلط عفوي أو عمدي بلا ريب، لانه (ع) لم يفر مع هؤلاء الى الجبل، ولا أصعد فيه حتى بلغ الصخرة، بل كان مع النبي (ص)، يدافع عنه، ويكافح وينافح. باجماع المؤرخين. 2 - لا ندري ما معنى قولهم: انه (ص) فرح بهم، لانه رأى من يمتنع به ! ! فهل منعوه قبل الان أ ! ولو كانوا قد منعوه، فما هو المبرر لكونهم على الصخرة فوق الجبل ؟ !. وهل يمتنع بهم، وبعضهم قال لهم - وهم على الصخرة -: يا قوم، ان محمدا قد قتل، فارجعوا الى قومكم، قبل أن يأتوا اليكم، فيقتلوكم (1). وبعضهم قال غير ذلك حسبما تقدم ! !. 3 - انه يظهر: أن طلحة لم يكن مع النبي، ولا عاد إليه، لاهو ولا سعد، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا الزبير، ولا الحارث بن الصمة بعد فرارهم في الجولة الاولى. وانما عاد إليه أولئك الثلاثون فقط على الظاهر، أو معهم غيرهم ممن هو غير معروف ولا مشهور. 4 - انه يظهر مما تقدم، ومن قول ذلك القائل: ارجعوا الى قومكم الخ. ومن قولهم: ان عمر مع رهط من المهاجرين ! ! قد قاتلوا الذين علوا الجبل، وغير ذلك - يظهر من ذلك -: أن أكثر الذين كانوا على الصخرة فوق الجبل كانوا من المهاجرين، وفيهم بعض الانصار، ولم يرد ذكر لانصاري باسمه الا للحارث بن الصمة، كما تقدم. 5 - ولا نريد أن نسمح لانفسنا بالاسترسال في هذا المجال، حتى لا تتقاذفنا الظنون حول صحة وسلامة نية ذلك الذي أراد أن يرمي النبي (ص) بسهمه، بزعم أنه لم يكن عارفا له. وقد سماه الواقدي: ب‍ (أبي


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 23، وتاريخ الطبري ج 2 ص 201. (*)

[ 234 ]

بردة بن نيار). فلعله كان عن غفلة حقيقة منه. ولعله كان من المنافقين - في بادئ الامر - فأراد انتهاز هذه الفرصة للتخلص من النبي (ص)، بحجة أنه لم يعرفه، إذ لا ندري ان كان فيهم بعد من يملك الجرأة على رمي سهم على رجل يحتمل أنه من المشركين بعد أن جرى ما جرى ! ! وقد بذل المنافقون محاولات مشابهة، فقد نفروا برسول الله (ص) ناقته ليلة العقبة، بهدف قتله. ولاجل هذا فنحن لا نستطيع أن نوافق عمر بن الخطاب على اخباره أبا سفيان والمشركين بحياة النبي (ص)، مع أنه (ص) قد نهاه عن ذلك. وذلك في موقع حساس وخطير كهذا ! !. ج: روايات لم تثبت: انهم يقولون: انه (ص) قد رمى بالنبل، حتى اندقت سية قوسه (1). وأنكر ذلك البعض على اعتبار أنه (ص) لو كان رمى لكان (ص) أصاب، ولنقل ذلك الينا، لانه مما تتوفر الدواعي على نقله (2). ويقولون أيضا: انه (ص) قد قتل أبي بن خلف بحربة طعنه بها. ونحن نستبعد ذلك أيضا، لانه (ص) لم يكن يباشر القتل بيده، لعلمه بأن أهل بيت المقتول لا تصفو نفوسهم للقاتل عادة، ولا يتبعونه باخلاص. ومع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يباشر ذلك، فاننا نجد هندا وغيرها يذكرون: أنه قاتل الاحبة، فكيف لو كان باشر قتلهم بيده ؟ ! ولكن عليا (عليه السلام) قد تحمل هذه المسؤولية، لان عدم اتباعهم ومحبتهم له، لايبرر خروجهم من الاسلام، فلو أرادوا أن يحقدوا


(1) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 157. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 228. (*)

[ 235 ]

على الاسلام بسبب ما فعله علي (عليه السلام) لوجدوا أنفسهم أمام تأنيب الضمير، ومحاسبة الوجدان، ولكن كرههم للنبي يوجب خروجهم عن دائرة الاسلام بالكلية، والله هو العالم بواقع الحال. د: عمر في قفص الاتهام: ان لنا هنا أسئلة لابد أن نوجهها الى عمر بن الخطاب، ونطلب منه، الاجابة عليها بصراحة. وهي التالية: 1 - لماذا أخبر أبا سفيان والمشركين بوجود النبي (ص) في ظرف حرج وحساس ككهذا، مع أنه (ص) قد نهاه عن ذلك ؟ 2 - قد جاء عن ابن واقد: أن ضرار بن الخطاب الفهري، قد ضرب عمر بن الخطاب بالقناة يوم أحد، حينما جال المسلمون تلك الجولة، وقال له: يا ابن الخطاب، انها نعمة مشكورة، والله ما كنت لاقتلك (1). لماذا ما كان ليقتله ؟ أليس هو الذي أذل قريشا كما يدعون، وعز به الاسلام كما يزعمون. ؟ وان كنا قد أثبتنا عدم صحة ذلك. أو ليس ضرار هذا كان يتطلب الاكابر من الاوس والخزرج، ليشفي بقتلهم غليل صدره (2) ؟ ! ألم يكن أكثر قتلى المشركين في بدر قد قتلوا بيد المهاجرين ؟ ! فلم لا يشفي غليله من أكابر المهاجرين، ولا سيما ممن هم مثل عمر بن الخطاب ؟ !. 3 - وخالد بن الوليد يحدث وهو بالشام فيقول: لقد رأيتني، ورأيت


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 282، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 274 وج 15 ص 20 عن الواقدي والبلاذري وابن اسحاق، وراجع: طبقات الشعراء لابن سلام ص 63، وفيه أن هذه يد له عند عمر، كان عمر يكافؤه عليها، حين استخلف. وراجع البداية والنهاية ج 3 ص 107 عن ابن هشام. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 237. (*)

[ 236 ]

عمر بن الخطاب رحمه الله حين جالوا، وانهزموا يوم أحد، وما معه أحد، واني لفي كتيبة حشنا، فما عرفه منهم أحد غيري، فنكبت عنه، وخشيت ان أغريت به من معي أن يصمدوا له، فنظرت إليه موجها الى الشعب (1). لماذا هذه المراعاة من خالد لعمر، ومحافظته عليه، ثم هو يوجهه الى الشعب ؟ ! وما هو السر الذي جعل خالدا يهتم في أن لا يلتفت الى عمر أحد، وهو الذي كان شديدا على المسلمين حسبما تقدم ؟ ! ودعوى ابن أبي الحديد: أن سر ذلك هو النسب الذي بينهما، يرده أن رابطة الدين هي الاقوى، أو ليس ابن أبي بكر قد برز لقتال أبيه كما يدعون ؟ 4 - لماذا يهنئ أبو سفيان عمر بالنصر الذي أحرزوه على المسلمين، ويقول له: (أنعمت عينا، قتلى بقتلى بدر) (2) ؟ ! وما معنى قول أبي سفيان له: انها قد أنعمت يا ابن الخطاب، فأجابه عمر بقوله: انها. فما هو الذي أيده فيه، ووافقه عليه يا ترى ؟ 5 - لماذا كان عمر أبر لابي سفيان من ابن قميئة كما تقدم ؟ أو ليس ابن قميئة يقاتل أعداء أبي سفيان ويفنيهم، ويقتحم الغمرات، ويواجه السيوف، والنبال، والرماح في الدفاع عن المشركين بزعامته، ويدافع عن مصالحهم، ويعمل من أجل قهر عدوهم ؟ ! وعمر أليس عدوا لابي سفيان، ونصيرا لعدوه ؟ ومقويا له عليه ؟ ! وقد حاول البعض توجيه ذلك، بأن من الممكن أن يكون أبر بلحاظ صدقة، واخباره بالواقع. ونقول: ان هذا غير معقول، فان عبارة أبي سفيان قد صرحت


(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 297، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 23. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 366. (*)

[ 237 ]

بصدق عمر، كما صرحت ببره، فلو كان المراد بالبر الصدق لم يصح منه التصريح بهما معا. أو فقل: لم يحسن منه ذلك على الاقل. 6 - لماذا لم يعترض هو، ولا أبو بكر، ولا طلحة، ولا غيرهم من كبار المهاجرين، الذين فروا وكانوا على الصخرة، على من قال: انه يريد أن يوسط ابن أبي لدى أبي سفيان، وطلب منهم الرجوع الى دينهم الاول ؟ ! أو نحو ذلك من كلام، يدل على رغبتهم في الارتداد عن الاسلام، وممالأة المشركين، والاتفاق معهم ؟. أسئلة لا تزال ولسوف تبقى تنتظر الجواب المقنع والمفيد. العباس في أحد: في قضية أحد رواية تفيد: أن العباس كان ممسكا بعنان فرس النبي (ص) يقوده. ثم ان النبي (ص) لما صعد الجبل، أو أراد أن يصعده نزل عن الفرس، وصعد. وكان يلتفت الى الجوانب، فسألوه عن سبب ذلك، فأقبل على علي، فقال: هل عندك خبر من عمك ؟ فأخبره علي بما وقع، فبكى (ص) هو والاصحاب (1). ولكن هذا لا يمكن أن يصح، لان العباس لم يحضر حرب أحد. وتعلل على قريش بما جرى عليه في بدر. فمن أين جاء وأمسك بعنان فرس النبي (ص) ؟ ! ولو كان ذلك صحيحا، كيف قبلت قريش منه أن يعود ليسكن مكد عدة سنوات بعد ذلك ؟ !. فنظن لو كان لهذه القضية أصل، أن المقصود هو العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري، فانه قد استشهد يوم أحد رحمه الله.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 436 / 437 عن الينابيع. (*)

[ 238 ]

وبكاء الصحابة انما كان على حمزة عم النبي رحمه الله أو على العباس بن نضلة. ولعله هو الذي كان جهوري الصوت، فنادى كما يقولون: يا أصحاب سورة البقرة أين تفرون ؟ الى النار تهربون (1). ويكون الراوي قد حرف في الرواية اعتمادا على ما هو مرتكز في ذهنه، أو لحاجة في نفسه قضاها ! !. هذا بالاضافة الى وجود الشك في وجود فرس لدى المسلمين من الاساس، حسبما تقدم. من مشاهد الحرب: 1 - لما كان يوم أحد قال مخيريق الحبر اليهودي: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: ان اليوم يوم السبت. قال: لا سبت. فأخذ سيفه وعدته. وقال: ان أصبت فما لي لمحمد، يصنع فيه ما شاء، ثم غدا الى رسول الله، فقاتل معه حتى قتل، فيقال: انه (ص) قال: مخيريق خير يهود. 2 - وأصر عمرو بن الجموح على الخروج الى الحرب مع عرجه. ودعا الله: أن يرزقه الشهادة، ولا يرده خائبا الى أهله. فاستشهد رحمه الله. 3 - وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله (ص) بيده، فكانت أحسن عينيه، وأحدهما. ويقال: انه هو الذي طلب ذلك من النبي (ص)، لانه رجل يحب النساء، ويخاف أن تعافه امرأته إذا رأته كذلك. وقد افتخر بذلك ابن لقتادة، عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل الينا المتوسلون، ثم قال:


(1) البحار ج 20 ص 118. (*)

[ 239 ]

تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا ويقال: ان كلثوم بن الحصين رمي في نحره بسهم، فبصق عليه (ص) فبرئ. وفي رواية أخرى: ان عين أبي ذر أصيبت يوم أحد، فبصق فيها النبي (ص)، فكانت أصح عينيه (1). 4 - وقتل الحارث بن سويد المجدر بن زياد غيلة في أحد، لثار جاهلي له عليه، وكلاهما كان في جيش المسلمين، فنزل الوحي على الرسول، وأخبره حبيب بن يساف، لانه كان قد رآه قتله، بخبره، فقتله (ص) به بعد رجوعه الى المدينة، ولم يستمع لطلبه بالعفو، ووعده بالتكفير والدية، كذا يقولون. 5 - وقتل سعد بن الربيع. وكان آخر ما قاله في وصية مطولة منه للمسلمين: انه لا عذر لكم عند رسول الله: أن يخلص الى نبيكم، وفيكم عين تطرف، ثم مات. ودخل عمر على أبي بكر - وعنده بنت لسعد هذا - وقد طرح لها ثوبا لتجلس عليه، فسأل عمر عنها. فقال أبو بكر: هذه ابنة من هو خير مني ومنك. قال: ومن هو يا خليفة رسول الله ؟ قال: رجل تبوأ مقعده من الجنة، وبقيت أنا وأنت، هذه ابنة سعد بن الربيع الخ (2). 6 - ويقولون أيضا: انقطع سيف عبد الله بن جحش، فناوله (ص) عرجونا فعاد سيفا، ولم يزل أهله يتوارثونه، ويسمى (العرجون)، حتى بيع لبغا التركي بمائتي دينار.


(1) حياة الصحابة ج 3 ص 617، ومجمع الزوائد ج 8 ص 298 عن أبي يعلى. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 246، وسيرة ابن هشام ج 3 ص 101. (*)

[ 240 ]

ويذكر مثل هذا لعكاشة بن محصن في واقعة بدر. ولكن قد ذكر البعض: أن رسول الله (ص) ولي تركة عبد الله بن جحش، وأخذ منها سيفه العرجون، فاشترى لامه مالا بخيبر (1). ولكن ثمة قصة شبيهة بقصة العرجون بين النبي (ص) وعلي (ع) (2). فليتأمل فيما هو الحق من ذلك. فاننا نكاد نطمئن الى صحة هذه الاخيرة، وذلك لما تعودناه من أعداء علي (عليه السلام)، من اغارات على فضائله وكراماته. 7 - ويقولون: ان هندا قد اعتلت صخرة مشرفة، فصرخت: نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ماكان لي عن عتبة من صبر ولا أخي، وعمه وبكر شفيت نفسي، وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي على عمري حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها هند بنت أبان بن عباد بن المطلب بن عبد مناف: خزيت في بدر، وغير بدريابنت وقاع عظيم الكفر صبحك الله غذاة الفجر بالهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفري حمزة ليثي، وعلي صقري إذ رام شيب وأبوك غدري فخضبا منه ضواحي النحر ونذرك الشر فشر نذر (3)


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 424، ومغازي الواقدي ج 1 ص 291، وشرح المعتزلي ج 15 ص 18. (2) البحار ج 2 ص 78. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 439، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 50. (*)

[ 241 ]

8 - كما أن الجليس بن زيان، سيد الاحابيش، قد مر بأبي سفيان، وهو يضرب بشدق حمزة بزج الرمح، ويقول: ذق عقق. فقال الجليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش، يصنع بابن عمه ما ترون لحما ! ! فقال: ويحك، أكتمها علي، فانها كانت زلة (1). 9 - وقد تقدم تمثيل قريش بالشهداء من المسلمين أقبح تمثيل. 10 - ويقال: ان قزمان الذي كان (ص) إذا ذكره يقول: انه لمن أهل النار (2). قد حارب في أحد، وقتل سبعة أو ثمانية من المشركين، فجرح. فبشره البعض، فقال: بماذا أبشر ؟ فوالله ما قاتلت الا عن الاحساب. ويقال: انه لما اشتدت جراحته قتل نفسه (3)، ويقال: لم يفعل ذلك. ويقال: ان النبي (ص) حينئذ قال ما معناه: ان الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر (4).


(1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 160، والسيرة الحلبية ج 2 ص 244، وتاريخ الخميس ج 1 ص 239 عن ابن اسحاق، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 169، والبحار ج 20 ص 97 عن أعلام الورى. (2) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 531، وتاريخ الخميس ج 1 ص 438، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 93، والمغازي للواقدي ج 1 ص 224 و 263، والكامل في التاريخ ج 2 ص 162، والسيرة الحلبية ج 2 ص 239. (3) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 531، وتاريخ الخميس ج 1 ص 438، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 94، والمغازي للواقدي ج 1 ص 224 و 264، والكامل في التاريخ ج 2 ص 162، والسيرة الحلبية ج 2 ص 239. (4) المغازي للواقدي ج 1 ص 224، والسيرة الحلبية ج 2 ص 239. (*)

[ 242 ]

ملاحظات: ونحن نسجل على ما تقدم باختصار شديد الاشارات التالية: ألف: ان أموال مخيريق، وهي سبعة حوائط، قد أصبحت للنبي (ص) بعد أن استشهد مخيريق، بمقتضى وصيته نفسه. ولم يكن لليهود أن يأخذوا منها شيئا، حيث انه ليس للكافر أن يرث المسلم. وحيث لم يكن لمخيريق وارث، فان النبي (ص) يكون وارثه. ولسوف يأتي بعض الكلام عن مصير أمواله (ص) عند الكلام عن فدك ان شاء الله تعالى. ب: ان موقف مخيريق هذا في أحد يذكرني بموقف الحر الرياحي في كربلاء. فكل منهما قد اتخذ القرار الحاسم في أحرج اللحظات، وأكثرها حساسية. فان مخيريق قد استطاع أن يتخلى عن كل ما يحيط به من روابط، تشده الى الارض، وتهيمن عليه، وتمنعه من اتخاذ القرار طيلة تلك المدة الطويلة، وكذلك فعل الحر أيضا. وان تحكيم العقل، والتخلي عن كل تلك الروابط، وابعاد سائر تلك المؤثرات، يحتاج الى جهد نفسي كبير. وبهذا تعرف الرجال، وما تحمله من فضائل نفسية، وملكات انسانية. لان حالات كهذه تكون الاعصاب فيها عادة في أقصى حالات التوتر، والمشاعر والعواطف في منتهى تأججها. وكل الروابط والمؤثرات الارضية تكون واضعة كل ثقلها في تصوراته، ونظراته المستقبلية. ولهذا كان (مخيريق) خير يهود. ولعل الذي سهل على مخيريق اتخاذه قراره الحاسم ذاك، هو قناعاته المترسخة في عمق وجدانه، والتي تستمد عمقها هذا من الاخبارات الصريحة والقاطعة التي يجدها عنده في التوراة والانجيل، حتى ان اليهود كانوا يعرفون النبي (ص) كما يعرفون أبناءهم. ج: ان اصرار عمرو بن الجموح على الخروج الى الحرب، واذن النبي (ص) له، انما يعني أن عدم الخروج للجهاد، رخصة للاعرج لا

[ 243 ]

عزيمة. فإذا بلغ المسلم من النضج الروحي بحيث يعتبر عدم الشهادة له خيبة، والشهادة فوزا ونجاحا، ثم هو يندفع إليها بهذا الاصرار، ويعتبرها غاية له، وتتويجا لحياته، فلماذا يحرم منها. ويجب أن لا ننسى وصية سعد بن الربيع رضوان الله عليه (وهو شيخ الانصار. وقد جعل بيوته للنبي (ص) ولزوجاته، وقد عرس علي (ع) بفاطمة الزهراء في أحد بيوته) التي تعبر عن مدى وعيه وسمو روحه، وهو لا يرى موته نهاية له، إذا كان دين محمد (صلى الله عليه وآله) محفوظا، فانه يعتبر نفسه قد فاز بشهادته من جهة، كما أنه يعتبر نصر محمد (ص)، ودين محمد بعد موته نصرا له حتى وهو في قبره أيضا، لانه يرى نفسه فانيا في هدفه، وجزءا منه، فإذا انتصر الهدف، فهو أيضا يكون المنتصر. د: وان ما فعله أبو سفيان بجثة حمزة رضوان الله عليه، ثم طلبه من الجليس: أن يستر عليه هذه الزلة ليس بعجيب، فان تصرفات ومواقف أبي سفيان لم تكن محكومة لفضائل نفسية، ولا لقناعات عقلية وجدانية، ولا لقوة الهية غيبية، ولكنها كانت تخضع للمفاهيم الجاهلية والقبلية، والمصالح الشخصية بالدرجة الاولى، ولذلك هو يعتبرها زلة إذ كان الجاهليون يقبحونها ويرفضونها، ولكنه لا يرى مانعا منها بحسب ما لديه من خصائص نفسية، ومصلحة شخصية. كما أن عمل أبي سفيان هذا يكذب ما اعتذر به عن المثلة التي لحقت شهداء المسلمين، حيث ادعى أنه لم يرض، ولم يغضب، ولم يعلم بالتمثيل بالشهداء على أيدي المشركين ! !. ويكذبه أيضا: أن أبا عامر الفاسق طلب أن لا يمثل بولده حنظلة، ويترك لاجله فكان له ذلك. وهذا يدل على أن التمثيل بالشهداء قد كان معلوما لدى الملأ من قريش، وكانوا راضين به. ولعل أبا سفيان قد كذب هذه الكذبة ليتفادى التمثيل بأصحابه، أو أنها كذبت عن لسانه من محبيه،

[ 244 ]

ومن يهمهم أمره. ه‍: هذا وثمة نقاط أخرى فيما تقدم تحتاج الى القاء الاضواء عليها، كقضية قزمان، فاننا نشك في أن يكون النبي (ص) قد أخبر قبل موته أنه من أهل النار، ولعله - لو صحت الرواية - لما علم أنه قتل نفسه، قال: (هو من أهل النار) كما ورد في ذيل رواية الواقدي والمعتزلي (1) فذيل الرواية مقبول، دون صدرها. وكقضية العرجون، فانها ان لم تكن مع علي (عليه السلام)، فاننا نظن أنها قد جعلت في مقابل ذي الفقار لعلي (عليه السلام). وحسبنا ما ذكرنا هنا، فان الكلام حول كل ما تقدم يطول. الصبر في الجهاد: لقد رأينا في واقعة أحد أن الله تعالى قد أنزل آيات في سورة آل عمران ترتبط بالصبر في هذا المقام. ونحن نختار منها الايات التالية: قال تعالى: (أم حسبتم: أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (2). وقال (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا، وما استكانوا. والله يحب الصابرين) (3). ثم هناك آيات أخرى في سورة آل عمران تؤنب المؤمنين على عدم


(1) راجع: المغازي ج 1 ص 263 / 264، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 161. (2) آل عمران: 142. (3) آل عمران: 146. (*)

[ 245 ]

صبرهم في أحد، وفيها اشارات لحقائق مهمة في حرب أحد لا مجال لبحثها الان، غير أننا نكتفي هنا باشارة موجزة جدا للصبر في الجهاد، فنقول: الصبر في عرف الاستعمار، وفي عرف الحكام الظالمين، والجبابرة المتكبرين، هو تحمل الذل، والاستسلام لكل المخططات الهدامة التي تهدم حياة الانسان، ومستقبله، وقيمه، وأخلاقه، ودينه، تهدمها لتبني على أشلائها عروش الظلم والخيانة، وملك الجبارين والمستكبرين. ولقد تسرب هذا المعنى للصبر الى عقائد بعض المسلمين، عن طريق العلماء المزيفين، الذين جعلوا أنفسهم أداة للاستعمار ولاذنابه، وآلة في يد أولئك الحكام الظالمين، فحوروا دين الله على وفق أهداف أسيادهم، وحسبما يخدم مصالحهم، ويؤيد ويسدد سلطانهم. ولكننا إذا رجعنا - خلوا عن هذه السوابق الذهنية - الى المنبع الاصفى للاسلام والقرآن العظيم، والى مواقف وتعاليم النبي الكريم، وأهل بيته الاطيبين الاطهرين، فاننا نجد: أن للصبر مفهوما يختلف تماما عن هذا المفهوم، بل هو يناقضه ويباينه. ان الصبر في مفهوم هؤلاء هو تحمل كل المشاق في سبيل الوصول الى الاهداف النهائية النبيلة لهذا الانسان، وينسب لعيسى (عليه السلام): قوله: انكم لا تدركون ما تأملون الا بالصبر على ما تكرهون (1). وعن علي (عليه السلام): الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد (2). وقد قال أمير المؤمنين (ع): لا يعدم الصبور الظفر وان طال


(1) البحار ج 79 ص 137 ط بيروت. (2) نهج البلاغة ج 3 ص 168. (*)

[ 246 ]

الزمان (1). ونسب إليه أيضا قوله: الصبر سيف لاينبو، ومطية لاتكبو، وضياء لايخبو (2). وقال (ع): لناحق فان أعطيناه، والا ركبنا أعجاز الابل وان طال السرى (3). فالصبر في الاسلام هو الصبر على تحمل الاذي في محاربة الظلم، والقضاء عليه (الذي هو أحد هذه الاهداف). ولذلك نجدهم في مقام الثبات في الحرب المدمرة، يقولون: (ربنا أفرغ علينا صبرا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين) (4). ويقولون في مواجهة فرعون: (ربنا افرغ علينا صبرا، وتوفنا مسلمين) (5). وهذا هو الصبر الذي أراده الحسين (عليه السلام) حينما كانت السيوف والرماح تأكل أصحابه، وأهل بيته، وهو يقول لهم: صبرا على الموت يا بني عمومتي (6). نعم، ان الصبر هو تحمل الالام والمتاعب في سبيل الوصول الى الهدف الاسمى كما قلنا، تماما كما فعل نوح وغيره من الانبياء، ولا سيما نبينا الاعظم (ص). والهدف الاسمى هو العبودية المطلقة لله تعالى، ورفض كل عبودية لسواه. وهو أمر صعب، لانه لا ينسجم مع هوى النفس، التي تنفر من


(1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 191. (2) نهج البلاغة ج 3 ص 155. (3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3. (4) سورة البقرة: 250. (5) سورة الاعراف: 126. (6) مقتل الحسين للمقرم ص 318 و 322. (*)

[ 247 ]

العبودية، وتميل الى التحلل من كل القيود. ولذلك كان الصبر عن المعصية، والصبر على الطاعة، من عزم الامور، يحتاج الى جهد، والى تعب ومشقة، وقدرة على التحمل. بل ان كل حق لا بقاء له بدون الصبر، وقد كان صبر الانبياء والاوصياء من أهم أسباب بقاء الحق. كما أن الصبر يدرب على التقوى، ويرفع من مستوى قدرته على قيادة نفسه، لان الصبر لا يتحقق الا بأن يقود هو نفسه، لا أن تقوده نفسه، وإذا استطاع أن يقود نفسه، وإذا كانت هي أقوى وأعتى من يواجه، فان قدرته على أن يقوم بمهمة قيادة الاخرين، وهدايتهم الى الصراط المستقيم، والى هدى رب العالمين، تكون أعظم وأشد، وأكثر فعالية، وإذا قال الصادق (عليه السلام): الصبر صبران: صبر على البلاء حسن جميل، وأفضل منه الصبر على المحارم (1). وقال أمير المومنين (ع): من ساس نفسه بالصبر على جهل الناس صلح أن يكون سائسا (2). ومن الامور الجديرة بالتسجيل بالنسبة للصبر في الحرب، قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون. وأصيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا، فتفشلوا، وتذهب ريحكم، واصبروا ان الله مع الصابرين) (3). فاننا نجد أنه في حين هو يأمرهم بالثبات في الحرب، يأمرهم بأن يذكروا الله كثيرا، وذلك من أجل أن يبقوا محتفظين بالهدف الاسمي الذي


(1) البحار ط بيروت ج 68 ص 95. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 318. (3) الانفال: 45 / 46. (*)

[ 248 ]

يفترض فيهم السعي إليه، وأن يجعلوه نصب أعينهم، ولا يصرفهم الدفاع عن نفوسهم عن ذكر الله تعالى. وطبيعي: أن كثرة ذكر الله منهم سوف تذكرهم بأن الله بيده كل شئ، وأنه هو الذي ينصرهم على عدوهم، وهو مصدر عزتهم وسعادتهم، فذكرهم لله سوف يقويهم على الثبات، ويدعوهم الى طاعته، وطاعة رسوله، وأن لا يتنازعوا، وأن يصبروا، فذكر الله هو مفتاح النصر في جميع المجالات، ثم الوصول الى الهدف الاقصى، وهو اقامة دين الحق، ونصر الله: (ان تنصروا الله ينصركم).

[ 249 ]

الفصل الرابع: بعدما هبت الريح

[ 251 ]

ما جرى على حمزة والشهداء: قد تقدم بعض الكلام في كيفية استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه، وأن أبا سفيان كان يضرب شدق حمزة بزج الرمح، ثم طلب من رفيقه أن يستر عليه هذه الزلة. وعلقنا عليها بما سمح لنا به المجال. بقي أن نشير هنا الى أمور وممارسات أخرى ظهرت بالنسبة الى الشهداء وهي التالية: 1 - ان هند زوجة أبي سفيان، قد أتت مصرع حمزة، فمثلت به، وجدعت أنفه، وقطعت أذنيه ومذاكيره، ثم جعلت ذلك كالسوار في يديها، وقلائد في عنقها، واستمرت كذلك حتى قدمت مكة. وكذلك فعل النساء بسائر الشهداء الابرار. وزادت هي عليهم: أنها بقرت بطن حمزة، واستخرجت كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها (1). ويقال: انها كادت قد نذرت ذلك (2).


(1) راجع ما تقدم في المغازي للواقدي ج 12 ص 286، والسيرة الحلبية ج 2 ص 243 و 244، وتاريخ الخميس ج 1 ص 439، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 204، والمواهب اللدنية ج 1 ص 97. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 97، والسيرة الحلبية ج 2 ص 243. (*)

[ 252 ]

فيقال: ان النبي (ص) لما بلغه اخراجها كبد حمزة قال: هل أكلت منه شيئا ؟ قالوا: لا. قال: ان الله قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا (1)، أو: ماكان الله ليدخل شيئا من حمزة الى النار (2). وليتأمل بعد فيما يقال حول اسلامها، وايمانها، ثم الحكم لها بالجنة، كغيرها ممن هم على شاكلتها ! !. 2 - وأقبلت صفية لتنظر أخاها، فالتقت بعلي (عليه السلام)، فقال: ارجعي يا عمة، فان في الناس تكشفا، فسألته عن الرسول (ص)، فقال: صالح. قالت: أدللني عليه حتى أراه، فأشار إليه اشارة خفية من المشركين، - لعلهم كانوا لا يزالون قريبين من هناك، ويخشى كرتهم فيما لو علموا: أن عليا بعيد عن النبي (ص) - فأقبلت إليه، فأمر (ص) الزبير بارجاعها، حتى لا ترى ما بأخيها. فقالت للزبير: ولم ؟ وقد بلغني: أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لاحتسبن ولاصبرن ان شاء الله. فسمح لها النبي (ص) برؤيته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له. كذا في الاكتفاء (3).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 244، وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 413 عن أحمد. (2) مسند الامام أحمد ج 1 ص 463، وتفسير القمي ج 1 ص 117، ومجمع الزوائد ج 6 ص 110 عن أحمد، والبداية والنهاية ج 4 ص 41، والبحار ج 20 ص 55 عن القمي.. (3) راجع ما تقدم في مغازي الواقدي ج 1 ص 289، وتاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 442، وحياة الصحابة ج 1 ص 570 / 571، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 198 و 199، وليراجع تاريخ الطبري ج 2 ص 208 و 207، والكامل لابن = (*)

[ 253 ]

ويقال ان الانصار هم الذين حالوا بينها وبين رسول الله (ص) (1). 3 - وفي الصفوة: أنها جاءت بثوبين لتكفين حمزة، فإذا الى جنبه أنصاري قتيل، قد مثل به، فوجدوا غضاضة وحياء أن يكفنوا هذا، ويتركوا ذاك، فأقرعوا بين الثوبين، فأصاب الانصاري أكبر الثوبين، فكفن حمزة بالاخر، فلف على قدمي حمزة ليف واذخر (2). 4 - وكان لحمزة يوم قتل تسع وخمسون سنة، وصلى النبي (ص) عليه، وكبر سبع تكبيرات. ثم صاروا يأتون بالقتلى، ويضعونهم الى جانبه، فيصلي عليه وعليهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة. كذا في الطيبي (3). ولكننا نشك فيما ذكر عن مقدار عمره بملاحظة ما تقدم في حديث ارادة عبد المطلب ذبح ولده عبد الله، حين ولد له أولاده العشرة. كما أننا نجد عليا (عليه السلام) يذكر: أنه (ص) قد خص حمزة بسبعين تكبيرة (4). فلعله كبر عليه سبعين، ثم صلى عليه سبعين صلاة أخرى.


= الاثير ج 2 ص 161 / 162، والسيرة الحلبية ج 2 ص 247 و 248، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 101 و 103، وحياة الصحابة ج 2 ص 650 و 651، ومجمع الزوائد ج 6 ص 119 / 120 عن البزار والطبراني، وكنز العمال ج 15 ص 302. (1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17،. مغازي الواقدي ج 1 ص 290، ومجمع الزوائد ج 6 ص 119 و 120. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 441 و 442. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 242. (4) نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 35. (*)

[ 254 ]

5 - قال ابن اسحاق: ومر رسول الله (ص) - حين رجع الى المدينة - بدور من الانصار، فسمع بكاء النوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله (ص) ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له. فأمر سعد بن معاذ، ويقال: وأسيد بن حضير نساء بني عبد الاشهل: أن يذهبن ويبكين حمزة أولا، ثم يبكين قتلاهن. فلما سمع (ص) بكاءهن، وهن على باب مسجده أمرهن بالرجوع، ونهى (ص) حينئذ عن النوح، فبكرت الى إليه نساء الانصار، وقلن: بلغنا يا رسول الله، أنك نهيت عن النوح، وانما هو شئ نندب به موتانا، ونجد بعض الراحة، فأذن لنا فيه. فقال: ان فعلتن فلا تلطمن، ولا تخمشن، ولا تحلقن شعرا، ولا تشققن جيبا (1) قالت أم سعد بن معاذ: فما بكت منا امرأة قط الا بدأت بحمزة الى يومنا هذا. 6 - ولما أراد معاوية أن يجري عينه التي بأحد، كتب الى عامله بالمدينة بذلك، فكتبوا إليه: أنا لا نستطيع أن نخرجا الا على قبور الشهداء. فكتب: أنبشوهم.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 254، وتاريخ الخميس ج 1 ص 444 عن المنتقى، وليراجع كامل ابن الاثير ج 2 ص 167، وتاريخ الطبري ج 2 ص 210، وليراجع: العقد الفريد، والبداية والنهاية ج 4 ص 48، ومسند أحمد ج 2 ص 40 و 84 و 92، والاستيعاب ترجمة حمزة. ومسند أبي يعلى ج 6 ص 272 و 293 / 294، وفي هامشه عن المصادر التالية: مجمع الزوائد ج 6 ص 120، وعن الطبقات الكبرى ج 3 قسم 1 ص 10، وعن سنن ابن ماجة ج 3 ص 95 في السيرة وفي الجنائز الحديث رقم 1591، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 195، وعن سيرة ابن هشام ج 2 ص 95 و 99. (*)

[ 255 ]

قال جابر: فلقد رأيتهم يحملون على أعناق الرجال، كأنهم قوم نيام. وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة، فانبعث دما. قال أبو سعيد: لا ينكر بعد هذا منكر أبدا (1). 7 - ومر أبو سفيان بعد اسلامه بأحد، فقيل له: أي يوم لك ها هنا. فقال: والان لو وجدت رجالا (2). 8 - مر أبو سفيان في أيام عثمان بقبر حمزة، وضربه برجله، وقال: يا أبا عمارة، ان الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا اليوم يتلاعبون به (3). وكل ذلك يوضح حقيقة ما يقال عن ايمان أبي سفيان، وولده معاوية، وزوجته هند ! ! ! 9 - وأما عن شرب حمزة للخمر حين خروجه الى أحد، فقد أثبتنا أنه كذب، فراجع ما تقدم حين الكلام حول تحريم الخمر حين الكلام عن زواج علي (ع).


(1) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 443 عن الصفوة والمنتقى، والمصنف ج 3 ص 547 وج 5 ص 277، والسيرة الحلبية ج 2 ص 250، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 264، ومغازي الواقدي ج 1 ص 267 / 268، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 5 قسم 1 وقسم 2 ص 78، وليراجع حياة الصحابة ج 3 ص 659 - 661، والبداية والنهاية ج 4 ص 43، ودلائل أبي نعيم ص 499، وكنز العمال ج 10 ص 270 وج 8 ص 270، وعن ابن سعد وراجع: فتح الباري ج 3 ص 142، ووفاء الوفاء ج 3 المجلد الثاني ص 938 عن أحمد بسند صحيح، والدارمي كما في الاوجز ج 4 ص 108، ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 291. (2) ربيع الابرار ج 1 ص 559. (3) قاموس الرجال ج 10 ص 89 وج 5 ص 116، والغدير ج 10 ص 83 كلاهما عن شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 51 ط قديم. (*)

[ 256 ]

أما نحن فنشير الى الامور التالية 6 ألف: موقف الرسول من المثلة بحمزة: انهم يقولون: انه بعد أن وضعت الحرب أوزارها في واقعة أحد، سأل (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عمه حمزة بن عبد المطلب، فالتمسوه، فوجدوه على تلك الحالة المؤلمة، حيث كانت هند أم معاوية، وزوجة أبي سفيان قد مثلت به، فجدعت أنفه، وقطعت أذنيه، وبقرت بطنه، واستخرجت كبده، فلاكتها، ولم تستطع أن تسيغها، الى غير ذلك من ممارسات وحشية تجاه تلك الجثة الطاهرة. تقدمت الاشارة إليها. فجاء (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوقف عليه، فيقال: انه (صلى الله عليه وآله) لما رآه في تلك الحالة قال: (لولا أن تحزن صفية، وتكون سنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير (1). أو قال: لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى (2)، ولئن أظهرني الله على قريش يوما من الدهر في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم) (3). والمسلمون أيضا قالوا: (والله، لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب) (4).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 248، وتاريخ الخميس ج 1 ص 441، ومغازي الواقدي ج 1 ص 289، ومجمع الزوائد ج 6 ص 119، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 196. (2) دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 288. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 246، وتاريخ الخميس ج 1 ص 441. (4) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 135، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية والسيرة الحلبية ج 2 ص 246، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 53، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 101، والكامل في التاريخ ج 2 ص 161، وسيرة ابن اسحاق ص 335. (*)

[ 257 ]

ويقال: انه (ص) بكى وشهق، وقال: رحمة الله عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أم والله لامثلن بسبعين منهم مكانك. فنزل حبريل بقوله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). فعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصبر. وفي رواية، قال: أصبر، ونهى عن المثلة. وفي أخرى: كفر عن يمينه (1). ونقول: ان بكاءه (ص) على حمزة لا مانع منه، وأما ما سوى ذلك مما ذكر آنفا، فنحن نشك في صحته. ونعتقد أنه كقضية ممارسة عمل المثلة الشنيع المنسوب له (ص) زورا وبهتانا، قد وضع بهدف اظهار رسول الله (ص) كأحد الناس، الذين يتعاملون مع القضايا من موقع الانفعال والعصبية للقبيلة والرحم، ولتبرر بذلك جميع المخالفات التي ارتكبها ويرتكبها الحكام الظالمون.


(1) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 135 عن مصادر كثيرة وراجع: التفسير الكبير ج 20 ص 141، والجامع لاحكام القرآن ج 10 ص 201، وجامع البيان ج 14 ص 131، وغرائب القرآن (بهامش جامع البيان) ج 14 ص 132، والتبيان ج 6 ص 440، ومجمع البيان ج 6 ص 393، ولباب التأويل للخازن، ومدارك التنزيل بهامشه ج 3 ص 143، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 388، ومجمع الزوائد ج 6 ص 119، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 197، والسيرة الحلبية ج 2 ص 246، والسيرة النبوية لدحلان بهامش الحلبية ج 2 ص 53، والمواهب اللدنية ج 1 ص 97، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 102، وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 2 ص 529، والكامل في التاريخ ج 2 ص 161، وسيرة ابن اسحاق ص 335، ومسند أحمد ج 5 ص 135، وتاريخ الخميس ج 1 ص 441، والروايات بهذه المعاني تجدها في مختلف كتب الحديث والتاريخ التي تتعرض لغزوة أحد، ولا يكاد يخلو منها كتاب كلا أو بعضا، فراجع. (*)

[ 258 ]

كما ان ذلك يسقط قول وفعل الرسول (ص) عن الاعتبار والحجية، فلا يبقى لما ورد عنه (ص) من ذم لمن يحبهم بعض الناس تأثير يذكر. أما ما نستند إليه في حكمنا على هذه الاقاويل بالوضع والاختلاق، فهو الامور التالية: 1 - ان ذلك لا ينسجم مع روحية وأخلاق وانسانية النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ينسجم حتى مع روح التدبير للامور العامة، من قبل أي انسان حكيم، مدبر للامور، ولا مع سياسة الامم بالمعنى الصحيح والسليم للسياسة. وذلك لانه لا مبرر لابقاء جثة شهيد في الصحراء، تصهرها أشعة الشمس، عرضة للوحوش والسباع والطير، ولا فائدة في اجراء كهذا. إذ من الواضح: أن ذلك لا يعتبر انتقاما من قريش، ولا أداء لحق ذلك الشهيد العظيم، ان لم يكن اساءة واهانة له، بملاحظة أن اكرام الميت دفنه. ثم، أو ليست انسانيته (ص) وأخلاقه الرفيعة هي التي أملت عليه حتى أن يغيب جثث قتلى المشركين في قليب بدر، فكيف بالنسبة لهذا الشهيد العظيم، أسد الله وأسد رسوله ؟ ! ! ويحاول البعض أن يدعي: انه (ص) لم يقصد مدلول هذا الكلام، وانما هو يريد فقط أن يظهر مظلوميته ووحشية الطرف الاخر، أبي سفيان وأصحابه. ولكنها محاولة فاشلة، فاننا نجل النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر كهذا، ولا يجوز نسبته إليه، لان معناه امكانية التشكيك في كثير من أقواله، ومواقفه، وأفعاله (صلى الله عليه وآله). أضف الى ذلك: أن ما جرى لحمزة (عليه السلام) قد جرى مثله

[ 259 ]

لغيره من الشهداء، وان كان ما جرى لحمزة (عليه السلام) أفظع وأبشع. فلماذا اختص عضبه (ص) بما جرى لعمه وحسب ؟ !. ثم ان المفروض بهذا النبي العظيم، هو أن يظهر الجلد والصبر لا الجزع والحزن، الا بالنحو المعقول والمقبول، والا فما وجه اللوم لغيره ممن فقد الاهل والاحبة، ان تجاوز حده، وظهر منه ما لا ينبغي في مناسبات كهذه ؟ ! 2 - قولهم على لسانه (ص): انه ان ظفر بقريش فسيمثل بثلاثين. مرفوض أيضا، إذ هذه جثث قتلى المشركين أمامه، وهي اثنان أو ثمانية وعشرون جثة، بل وأكثر من ذلك، كما يظهر من بعض النصوص، فلماذا لا يمثل بها، ويشفي غليل صدره منها ؟ ! ولم لم يبادر المسلمون - بدورهم - الى التمثيل بتلك الجثث التي تركها أصحابها وفروا خوفا من أن يدال المسلمون منهم، كما فروا من قبل في بدر ؟ ! 3 - أما نزول الاية الكريمة ردا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي قوله تعالى: (فان عاقبتم، فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (1). فلا يصح أيضا، لان الاية مكية، لان سورة النحل قد نزلت في مكة، وأحد قد كانت في السنة الثالثة من الهجرة (2). والقول: بأن سورة النحل كلها قد نزلت في مكة الا هذه الايات انما يستند الى هذه الروايات بالذات، فلا حجة فيه. ان قلت: قد تحدثت السورة عن المهاجرين، وهذا يناسب أن تكون


(1) سورة النحل الاية: 126. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 246 عن ابن كثير، والقول بأن الاية مدنية لا عبرة به لانه يستند الى هذه الرواية. (*)

[ 260 ]

السورة قد نزلت بعد الهجرة. فالجواب: أنه لم يثبت ان المقصود هو الهجرة الى المدينة فان الهجرة الى الحبشة كانت قد حصلت والمسلمون في مكة، فلعلها هي المقصودة. والقول: بأن ذلك مما تكرر نزوله (1). أولا: يحتاج الى اثبات. وثانيا: يلزمه أن يكون النب (X ص) قد خالف الحكم الالهي الثابت، فاحتاج الله الى تذكيره بأن موقفه هذا مخالف لنص تلك الاية التي لديه ! !. وثالثا: قد روي عن ابن عباس في قوله: فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قال: هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم ذكر أنها نسخت ببراءة (2). وعن ابن زيد، قال: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو ممنعة، فقالوا: يارسول الله لو أذن الله لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزلت هذه الاية، ثم نسخ ذلك، بالجهاد (3). 4 - ان قولهم: انه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى في هذه المناسبة عن المثلة. محل نظر، وذلك لما ورد عن سعيد، عن قتادة، عن أنس - فذكر حديث العرنيين - وفي آخره، قال: قال قتادة: وبلغنا أن النبي (ص) كان


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 246. (2) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، وابن مردويه. (3) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، وابن أبي حاتم. (*)

[ 261 ]

بعد ذلك يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة (1). ويقول العسقلاني، عن ابن عقبة في المغازي: (وذكروا: أن النبي (ص) نهى بعد ذلك عن المثلة بالاية التي في سورة المائدة، والى هذا مال البخاري، وحكاه امام الحرمين في النهاية عن الشافعي) (2). فكلام قتادة السابق صريح في أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى عن المثلة بعد قضية العرنيين، وكانت بعد قصة أحد، لانها كانت في حدود السنة السادسة (3). أضف الى ذلك: ما ذكره سعيد بن جبير، الذي أضاف في قصة العرنين قوله: (فما مثل رسول الله (ص) قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة) (4). فمعنى ذلك هو أن رسول الله لم يمارس هذا الفعل الشنيع أصلا، كما أنه قد نهى من كان بصدد ممارسته. ونحن بدورنا لنا كلام في قصة العرنيين هذه، حيث اننا نرفض أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مثل بهم، ولا سيما بملاحظة ما قدمناه آنفا، عن سعيد بن جبير. وقد أنكر أبو زهرة ذلك أيضا (5).


(1) راجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍. ج 3 ص 31، ونصب الراية للزيلعي ج 3 ص 118 عن البخاري ومسلم وسنن البيهقي ج 9 ص 69، ونيل الاوطار ج 7 ص 151. (2) فتح الباري ج 1 ص 294. (3) راجع: المصنف ج 9 ص 259، والبخاري، ومسلم، وغير ذلك. (4) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص 208 - 211، وفتح الباري ج 7 ص 369. (5) أبو حنيفة لمحمد أبي زهرة ص 250. (*)

[ 262 ]

وكان علي بن حسين ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين قال: لا والله، ما سمل رسول الله عينا ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم (1). ولكن ما يهمنا هنا: هو أن ما ذكروه في قصة العرنين يتنافى بشكل ظاهر مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المثلة، انما كان في أواخر أيام حياته، لان سورة المائدة قد كانت من أواخر ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله). نعم، يمكن أن يكون (ص) قد قطع أيدي وأرجل العرنيين من خلاف، لانهم مفسدون في الارض. وذلك هو الحكم الثابت لمن يكون كذلك. ثم زاد الرواة وأصحاب الاغراض على ذلك ما شاؤا. 5 - انهم يقولون: ان أبا قتادة جعل يريد التمثيل بقريش لما رأى من المثلة، فمنعه (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وهدا هو المناسب لاخلاقه وسجاياه (صلى الله عليه وآله وسلم). أما أبو قتادة فانه ان صح ما نقل عنه يكون قد تصرف هنا بوحي من انفعاله وتأثره، الناجم عن ثورته النفسية بسبب ذلك المشهد المؤلم. كما أننا نشك في ما جاء في ذيل هذه الرواية، الذي يذكر: أنه (ص) قد قرض قريشا في هذه المناسبة، حتى قال: انه عسى ان طالت


(1) الام ج 4 ص 162. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 241، وراجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 290 / 291، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 17. (*)

[ 263 ]

بأبي قتادة المدة أن يحقر أعماله مع أعمالهم (1). فاننا نعتقد أن هذه التقريظات من تزيد الرواة تزلفا للحكام الامويين - كما عودونا في مناسبات كثيرة - في مقابل علي (عليه السلام)، وأهل بيته، لفسح المجال أمام تنقصهم والطعن بهم، ويكفي أن نتذكر هنا موقف قريش من علي (عليه السلام) وأهل البيت، حيث نجده (ع) يصفها بأسوأ ما يمكن، بسبب موقفها السئ هذا. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (فدع عنك قريشا، وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فانهم قد أجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول الله (ص) قبلي، فجزت قريشا عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن عمي) (2). هذا ولابد أن لا ننسى هنا: أنه (ص) قد قال لعلي (ع)، حربك حربي، وسلمك سلمي (3). وقال علي (عليه السلام): (اللهم اني أستعديك على قريش (ومن أعانهم)، فانهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا انائي، وأجمعوا على منازعتي


(1) راجع المصادر المتقدمة. (2) راجع: نهج البلاغة، شرح عبده، باب الرسائل رقم 36، وباب الخطب رقم 212 و 32، وليراجع ص 167 وغير ذلك. (3) راجع: مناقب الامام علي (ع) لابن المغازلي ص 50، وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 24، وينابيع المودة ص 85 و 71، وكنز الفوائد ج 2 ص 179 ط دار الاضواء، والبحار ج 37 ص 72 وج 40 ص 43 و 177 و 190 ط مؤسسة الوفاء، وروضة الواعظين ج 1 ص 113، وتلخيص الشافي ج 2 ص 135، وراجع ميزان الاعتدال ج 2 ص 75، وراجع لسان الميزان ج 2 ص 483 ففيهما حديث معناه ذلك أيضا، وأمالي الطوسي ج 1 ص 374 وج 2 ص 100، وأمالي الصدوق ص 343، وراجع احقاق الحق (الملحقات) للمرعشي النجفي ج 6 ص 440 وج 4 ص 258 وج 7 ص 296 وج 13 ص 70 عن مصادر كثيرة. (*)

[ 264 ]

حقا كنت أولى به من غيري) (1). وقال (عليه السلام): (ما لي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولاقاتلنهم مفتونين، واني لصاحبهم بالامس، كما أنا صاحبهم اليوم) (2). ولابي الهيثم بن التيهان كلام جيد، حول موقف قريش من علي، من أراده فليراجعه (3). وفيه يحلل أبو الهيثم سر عداء قريش لامير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه انما كان بسبب بغيها وحسدها له، وعدم قدرتها على اللحاق به. وقد ذكرنا شطرا كبيرا من النصوص الدالة ذلك مع مصادرها، في مقال لنا بعنوان الغدير والمعارضون. هذا كله.. عدا عما كان في صدور قريش من حقد على بني هاشم عموما، وعلى الانصار أيضا. وقد مر في جزء سابق من هذا الكتاب في فصل سرايا وغزوات قبل بدر الماحة عنموقف قريش من الانصار فليراجع ذلك هناك. وأخيرا نقول: ان هذه كانت حالة قريش بعد طول المدة، فكيف يحقر أبو قتادة أعماله مع أعمالها ؟ ! وكيف يكون لها ذلك المقام المحمود عند الله تعالى ؟ !. ما هو الصحيح في القضية: ولعل الصحيح هنا هو قضية أبي قتادة المتقدمة، وان كان قد تزيد الرواة فيها تزلفا للحكام، كما أشرنا. يضاف الى ذلك: ما رواه غير واحد عن أبي بن كعب (رض)، قال:


(1) و (2) راجع: الهامش ما قبل الاخير. (3) الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 316 و 317. (*)

[ 265 ]

لما كان يوم أحد أصيب من الانصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة. فمثلوا بهم، فقالت الانصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا، لنربين عليهم. فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فقال رسول الله (ص): نصبر، ولا نعاقب، كفوا عن القوم الا أربعة. وحسب نص ابن كثير: عن عبد الله بن أحمد: فلما كان يوم الفتح، قال رجل: لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد: ان رسول الله (ص) قد أمن الاسود والابيض الا فلانا وفلانا، ناسا سماهم، فأنزل الله الخ (1). وعن الشعبي، وابن جريج ما يقرب من هذا أيضا باختصار (2). وفي رواية: أن المسلمين لما رأوا المثلة بقتلاهم قالوا: لئن أنالنا الله منهم لنفعلن، ولنفعلن، فأنزل الله: وان عاقبتم الاية، فقال رسول الله (ص): بل نصبر (3). لكن ما تذكره هذه الروايات من أن الاية قد نزلت في هذه المناسبة محل نظر، وذلك لما قدمناه من كونها مكية، ويمكن أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عاد فذكرهم بالاية، مبالغة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في زجرهم عن ذلك، فتوهم الراوي: أن الاية قد نزلت في هذه المناسبة.


(1) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن: الترمذي، وحسنه، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، والنسائي وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 592. (2) تفسير ابن كثير ج 2 ص 592. (3) الدر المنثور ج 4 ص 135 عن ابن جرير، ومصنف ابن أبي شيبة، وراجع: البحار ج 20 ص 21 عن مجمع البيان. (*)

[ 266 ]

ب: هند، وكبد حمزة: قد تقدم أنه (ص) لما بلغه محاولة هند أكل كبد حمزة فلم تستطع أن تسيغها، قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار، أو نحو ذلك. قال الحلبي: (أي ولو أكلت منه، أي استقر في جوفها لم تمسها النار) (1). وهو تفسير غريب وعجيب حقا ! ! فان طاهر كلامه (ص): أن هندا من أهل النار، وقد أبى الله أن يدخل شيئا من حمزة النار. ولو صح تفسير الحلبي مع حكمهم بأن هندا قد أسلمت وستدخل الجنة، لكان اللازم أن تسيغ ما أكلته من كبده، ويستقر في جوفها، لان هندا ستدخل الجنة ! ! فلتكن تلك القطعة معها، لتدخل الجنة كذلك ! !. نعم وهذا ما يرمي إليه الحلبي، فان له كلاما طويلا في المقام يدخل فيه هندا الجنة. وقد دفعه هواه الى تفسير كلام النبي (ص) بصورة جعلته يصبح بلا معنى ولا مدلول. ج: المنع من البكاء على الميت: لقد بكى النبي (ص) على حمزة، وقال: أما حمزة فلا بواكي له. وبعد ذلك بكى على جعفر، وقال: على مثل جعفر فلتبك البواكي. وبكى على ولده ابراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول الا ما يرضي الرب. وبكى كذلك على عثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وزيد بن حارثة، وبكى الصحابة، وبكى جابر على أبيه، وبشير بن عفراء على أبيه أيضا، الى غير ذلك مما هو كثير في الحديث والتأريخ (2).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 244. (2) راجع: النص والاجتهاد ص 230 - 234، والغدير ج 6 ص 159 - 167، = (*)

[ 267 ]

فكل ذلك فضلا عن أنه يدل على عدم المنع من البكاء، فانه يدل على مطلوبية البكاء، وعلى رغبته (ص) في صدوره منهم. ولكننا نجد في المقابل: أن عمر بن الخطاب يمنع من البكاء على الميت ويضرب عليه، ويفعل ما شاءت له قريحته في سبيل المنع عنه، ويرويى حديثا عن النبي (ص) مفاده: ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه (1). مع أننا نجد أنه هو نفسه قد أمر بالبكاء على خالد بن الوليد (2). وقد بكت عائشة على ابراهيم (3) وبكى أبو هريرة على عثمان،


= ودلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 134 / 136 عن عشرات المصادر الموثوقة، والاستيعاب (بهامش الاصابة) ترجمة جعفر ج 1 ص 211، ومنحة المعبود ج 1 ص 159، وكشف الاستار ج 1 ص 381 و 383 و 382، والاصابة ج 2 ص 464، والجروحون ج 2 ص 92، والسيرة الحلبية ج 2 ص 89 وراجع ص 251، ووفاء الوفاء ج 3 ص 894 و 895 وراجع ص 932 و 933، وحياة الصحابة ج 1 ص 571، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 396 وج 2 ص 313. (1) راجع المصادر المتقدمة والغدير وغيره عن عشرات المصادر الموثوقة، وكذا منحة المعبود ج 1 ص 158، وفي ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 61 عن أبي موسى، والطبقات لابن سعد ج 3 ص 209 و 346 و 362. وراجع: تأويل مختلف الحديث ص 245. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 375، والاصابة ج 1 ص 415، وصفة الصفوة ج 1 ص 655، وأسد الغابة ج 2 ص 96، وحياة الصحابة ج 1 ص 465 عن الاصابة، والمصنف ج 3 ص 559، وفي هامشه عن البخاري وابن سعد وابن أبي شيبة، وتاريخ الخميس ج 2 ص 247، وفتح الباري ج 7 ص 79، والفائق ج 4 ص 19، وربيع الابرار ج 3 ص 330، وراجع: تاريخ الخلفاء ص 88، وراجع: لسان العرب ج 8 ص 363. (3) منحة المعبود ج 1 ص 159. (*)

[ 268 ]

والحجاج على ولده (1) وبكى صهيب على عمر (2) وهم يحتجون بما يفعله هؤلاء. وبكى عمر نفسه على النعمان بن مقرن، وعلى غيره (3) وقد نهاه النبي (ص) عن التعرض للذين يبكون موتاهم (4). كما أن عائشة قد أنكرت عليه وعلى ولده عبد الله هذا الحديث الذي تمسك به، ونسبته الى النسيان، وقالت: (يرحم الله عمر، والله، ما حدث رسول الله: ان الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن رسول الله (ص) قال: ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. قالت: حسبكم القرآن: ولا تزر وازرة وزر أخرى) (5).


(1) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 ط صادر ص 81، وفي الثاني ربيع الابرار ج 2 ص 586. (2) طبقات ابن سعد ج 3 ص 362، ومنحة المعبود ج 1 ص 159. (3) الغدير ج 1 ص 164 و 54 و 155، عن الاستيعاب ترجمة النعمان بن مقرن والرياض النضرة المجلد الثاني جزء (ص 328 و 329 حول بكاء عمر على ابن ذلك الاعرابي حتى بل لحيته. (4) راجع الغدير عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 1 ص 237 و 235 وج 2 ص 333 و 408، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 190 و 381، وصححه هو والذهبي في تلخيصه، ومجمع الزوائد ج 3 ص 17، والاستيعاب ترجمة عثمان بن مظعون، ومسند الطيالسي ص 351، وسنن البيهقي ج 4 ص 70، وعمدة القاري ج 4 ص 87 عن النسائي، وابن ماجة، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 481، وكنز العمال ج 1 ص 117، وأنساب الاشراف ج 1 ص 157، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 399 و 429، ومنحة المعبود ج 1 ص 159. (5) راجع صحيح البخاري ج 1 ص 146 ط سنة 1039، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 381، واختلاف الحديث للشافعي هامش الام ج 7 ص 266، وجامع بيان العلم ج 2 ص 105، ومنحة المعبود ج 1 ص 158، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 346، ومختصر المزني هامش الام ج 1 ص 187، والغدير ج 6 ص 163 عمن = (*)

[ 269 ]

وفي نص آخر، انها قالت: (انما مر رسول الله (ص) على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: انهم يبكون عليها وانها لتعذب في قبرها) (1). وأنكر ذلك أيضا: ابن عباس، وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن أراد المزيد، فعليه بمراجعة المصادر (2). السياسة وما أدراك ما السياسة: ونشير هنا الى ما قاله الامام شرف الدين رحمه الله تعالى قال: (وهنا نلفت أولي الالباب الى البحث عن السبب في تنحي الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيها (ص)، وخروجها بولديها في لمة من نسائها الى البقيع يندبن رسول الله، في ظل أراكة كانت هناك، فلما قطعت بنى لها علي بيتا في البقيع كانت تأوي إليه للنياحة، يدعى: بيت الاحزان. وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الامة) (3). وأقول: ان من القريب جدا: أن يكون حديث: (ان الميت ليعذب ببكاء الحي) قد حرف عن حديث (البكاء على اليهودية المتقدم)، لدوافع سياسية لا تخفى، فان السلطة كانت تهتم بمنع فاطمة (عليها السلام) من البكاء على أبيها. فيظهر: أن هذا المنع قد استمر الى حين استقر الامر لصالح الهيئة


= تقدم، وعن صحيح مسلم ج 1 ص 342 و 344 و 343، ومسند أحمد ج 1 ص 41، وسنن النسائي ج 4 ص 17 و 18، وسنن البيهقي ج 4 ص 73 و 72، وسنن أبي داود ج 2 ص 59، وموطأ مالك ج 1 ص 96. (1) صحيح البخاري ج 1 ص 147. (2) راجع الغدير، ودلائل الصدق، والنص والاجتهاة، وغير ذلك. (3) النص والاجتهاد ص 234. (*)

[ 270 ]

الحاكمة، ولذلك لم يعتن عمر بغضب عائشة، ومنعها اياه من دخول بيتها حين وفاة أبي بكر، فضرب أمر فروة أخت أبي بكر بدرته، وقد فعل هذا رغم أن البكاء والنوح كان على صديقه أبي بكر، وكان هجومه على بيت عائشة، وكان ضربه لاخت أبي بكر. وهو الذي كان يهتم بعائشة ويحترمها، وهي المعززة المكرمة عنده، ويقدر أبا بكر ومن يلوذ به، ويحترم بيته بما لا مزيد عليه. نعم لقد فعل كل هذا لان الناس لم ينسوا بع منع السلطة لفاطمة (ع) من النوح والبكاء على أبيها. وناهيك بهذا الاجراء جفاء وقسوة: أن يمنع الانسان من البكاء على أبيه، فكيف إذا كان هذا الاب هو النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أعظم، وأكمل، وأفضل انسان على وجه الارض. ثم لما ارتفع المانع، ومضت مدة طويلة، وسنين عديدة على وفاة سيدة النساء (ع)، ونسي الناس أو كادوا، أو بالاحرى ما عادوا يهتمون بهذا الامر، ارتفع هذا المنع على يد عمر نفسه، وبكى على النعمان بن مقرن الذي توفي سنة 21 ه‍ وعلى شيخ آخر، وسمح بالبكاء على خالد بن الوليد، الذي توفي سنة 21 أو 22 حسبما تقدم. وهذا غير ما تقدم قبل صفحات عن مصادر كثيرة: من النهي عن خمش الوجوه، وشق الثياب، واللطم، والنوح بالباطل. فانه غير البكاء وهياج العواطف الانسانية الطبيعية. وذلك لان الاول ينافي التواضع لله عز وجل والتسليم لقضائه، أما الثاني فهو من مقتضيات الجبلة الانسانية، ودليل اعتدال سجية الانسان. وشتان ما بينهما. التوراة، والمنع من البكاء على الميت: ويبدو لنا أن المنع من البكاء على الميت مأخود من أهل الكتاب،

[ 271 ]

فان عمر كان يحاول هذا المنع في زمن النبي (ص) بالذات، ولم يرتدع بردع النبي له الا ظاهرا. فلما توفي (ص) ولم يبق ما يحذر منه، صار الموقف السياسي يتطلب الرجوع الى ما عند أهل الكتاب، فكان منع الزهراء عن ذلك، كما قدمنا. وقد جاء هذا موفقا للهوى والدافع الديني والسياسي على حد سواء. ومما يدل على أن ذلك مأخوذ من أهل الكتاب: أنه قد جاء في التوراة: (يا ابن، ها أنذا آخذ عنك شهوة عينيك بضربة، فلا تنح ولا تبك، ولا تنزل دموعك، تنهد ساكتا، لاتعمل مناحة على أموات) (1). د: حزن النبي (ص) على حمزة: 1 - ان من الثابت حسبما تقدم، أن النبي (ص) قد حزن على حمزة وبكى عليه، وأحب أن يكون ثمة بواكي له، كما لغيره. وواضح: أن حزن الرسول هذا، ورغبته تلك ليسا الا من أجل تعريف أصحابه، والامة أيضا بما كان لحمزة من خدمات جلى لهذا الدين، ومن قدم ثابتة له فيه، وبأثره الكبير في اعلاء كلمة الله تعالى. ويدلنا على ذلك أنه (ص) قد وصفه - كما يروى - بأنه كان فعولا للخيرات، وصولا للرحم الخ (2). ولأن حزنه (ص) عليه كان في الحقيقة حزنا على ما أصاب الاسلام


(1) حزقيال. الاصحاح 24 الفقرة 16 - 18. (2) راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 97، والسيرة الحلبية ج 2 ص 246، والسيرة النبوية لدحلان، بهامش الحلبية ج 2 ص 53، والاصابة ج 1 ص 354، وأسد الغابة ج 2 ص 48، والدر المنثور ج 4 ص 135، ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 228 ط دار الكتب العلمية، ومجمع الزوائد ج 6 ص 119، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 197. (*)

[ 272 ]

بفقده، وهو المجاهد الفذ، الذي لم يكن يدخر وسعا في الدفاع عن هذا الدين، واعلاء كلمة الله. وما ذلك الا لان النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليهتم بالبكاء على حمزة، ولا ليبكي هو (ص) عليه لمجرد دوافع عاطفية شخصية، أو لعلاقة رحمية ونسبية، وانما هو (ص) يحب في الله وفي الله فقط، تماما كما كان يبغض في الله، وفي الله فقط. فهو (ص) يحزن على حمزة بمقدار ما كان حمزة مرتبطا بالله تعالى، وخسارته خسارة للاسلام. والا فكما كان حمزة عمه، فقد كان أبو لهب عمه أيضا، وعداوة أبي لهب للرسول لا تدانيها عداوة، فقد كان أبو لهب من أشد الناس عداوة للنبي (ص)، وأعظمهم ايذاء له. وموقفه (ص) من أبي لهب معروف ومشهور. ولكننا نجد في المقابل موقفه (ص) من (سلمان) الذي كان (ص) يحب أن يقال له: (سلمان المحمدي) بدلا من: (الفارسي) (1). وقد قال (ص) في حقه: (سلمان منا أهل البيت) (2). قال أبو فراس الحمداني:


(1) راجع: البحار ج 22 ص 327 و 349، وسفينة البحار ج 1 ص 646، وقاموس الرجال ج 4 ص 415. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 598، وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 200 و 204، ص 17، والبحار ج 22 ص 326 و 330 و 331 و 348 و 349 و 374، وسفينة البحار ج 1 ص 646 و 647، والطبقات لابن سعد ج 1 ص 59، وأسد الغابة ج 2 ص 331، والسيرة الحلبية ج 2 ص 313، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 102، وتاريخ الخميس ج 1 ص 482، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 51، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 568 ط دار المعارف، والمغازي للواقدي ج 2 ص 446، والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 235، وقاموس الرجال ج 4 ص 415 و 424، ونفس الرحمان ص 34 / 35 و 29 و 43 عن مجمع البيان، والدرجات الرفيعة ص 218. (*)

[ 273 ]

كانت مودة سلمان لهم رحما ولم يكن بين نوح وابنه رحم 2 - كما أن نفس كونه (ص) شريكا في المصيبة، من شأنه أن يخفف المصاب على الاخرين، الذين فقدوا أحباءهم في أحد، ولا سيما إذا كان مصابه (ص) بمن هو مثل حمزة أسد الله وأسد رسوله. حمزة الذي لم يكن ليخفى على أحد موقعه في المسلمين ونكايته في المشركين، ولم يكن ما فعلته هند وأبو سفيان بجثته الشريفة، وأيضا موقف أبي سفيان من قبره الشريف في خلافة عثمان، ثم ما فعله معاوية في قبره وقبور الشهداء، بعد عشرات السنين من ذلك التاريخ - لم يكن كل ذلك - الا دليلا قاطعا على ذلك الاثر البعيد، الذي تركه حمزة في اذلال المشركين، واعلاء كلمة الحق والدين. حتى ان أبا سفيان وولده معاوية لم يستطيعا أن ينسيا له ذلك الاثر، وبقي - حتى قبره - الذي كان يتحداهم بأنفة وشموخ، كالشجا المعترض في حلقي الاب والابن على حد سواء. لقد استطاع حمزة أن يحقق أهدافه حتى وهو يستشهد، لان شهادته جزء من هدفه كما قلنا. أما أعداء الاسلام فقد باؤا بالفشل الذريع، والخيبة القاتلة، وانتهى بهم الامر الى أن يكونوا طلقاء هذه الامة، وزعماء منافقيها، المشهور نفاقهم، والمعروف كفرهم. ه‍: موقف أبي سفيان من قبر حمزة: وان موقف أبي سفيان من قبر حمزة، ليعتبر دليلا واضحا على كفره، وأنه لا يزال يعتبر حربه مع النبي (ص) حربا على الملك والسلطان، والمكاسب الدنيوية. وقد دخل أبو سفيان على عثمان، فقال له: قد صارت اليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فانما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار (1).


(1) الاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 87، والكنى والالقاب ج 1 ص 86، = (*)

[ 274 ]

وكان أبو سفيان كهفا للمنافقين، وكان يوم اليرموك يفرح إذا انتصر الكفار على المسلمين، ويحزن حين يرى كرة المسلمين عليهم (1). وكفريات أبي سفيان معروفة ومشهورة، ولا مجال لاستقصائها، فمن أرادها فليراجع مظانها (2). و: مواساة الانصار للنبي (ص): وان مواساة الانصار للنبي (ص) حتى في البكاء على حمزة، لهي في الحقيقة من أروع المواساة للنبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم يواسونه بأموالهم وأنفسهم، وحتى في عواطفهم الصادقة، ومشاعرهم النبيلة. وقد استمروا على صدقهم، ووفائهم، واخلاصهم له ولرسالته، ولوصيه علي (عليه السلام)، وأهل بيته (عليهم السلام) الى آخر لحظة، ولذلك نكبهم الامويون، والحكام بعد النبي (ص)، وأذلوهم، وحرموهم، كما تقدمت الاشارة إليه. ز: صبر صفية: وان صبر صفية، واعتبارها: أن ما جرى لحمزة قليل في ذات الله تعالى، انما هو نتيجة للوعي الرسالي الرائد للاسلام، الذي لا يمكن اعتباره محدودا ومقوقعا ضمن طقوس وحركات، أو جذبات صوفية


= وقاموس الرجال ج 10 ترجمة أبي سفيان وج 5 ص 116 / 117، والغدير ج 8 ص 278 عن الاستيعاب، وتاريخ الامم والملوك ط دار المعارف ج 10 ص 58، ومروج الذهب ج 2 ص 343. (1) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 18. (2) راجع الغدير، ولا سيما ج 8 ص 278 / 279 وج 10 ص 79 - 84 لمعرفة رأي علي في معاوية، وفي أبيه، وقاموس الرجال ترجمة أبي سفيان، والاستيعاب وغير ذلك. (*)

[ 275 ]

ونحوها. فالاسلام حياة. ولا يطلب فيه الموت والشهادة الا من أجل هذه الحياة. والاسلام هو السلام حتى في حال الحرب، وهو الحياة فيما يراه الناس الموت، والراحة في ما يراه الناس التعب، والسعادة في ما يراه الناس الشقاء والالام. انه سلام شامل وكامل، فإذا بلغ الانسان هذا السلام الشامل، فهو المسلم الحق. وهكذا كانت صفية رضوان الله تعالى عليها، حتى أصبح ما جرى لاخيها قليلا في ذات الله، وصار سلاما لها وعليها. التعصب: ولما قتل حمزة رضوان الله عليه، بعث النبي (ص) عليا (ع) فأتاه ببنت حمزة، فسوغها (ص) الميراث كله (1). وهذا يدل على أنه لا ميراث للعصبة على تقدير زيادة الفريضة عن السهام الا مع عدم القريب، فيرد باقي المال على البنت، والبنات، والاخت والاخوات، وعلى الام، وعلى كلالة الام، مع عدم وارث في درجتهم، وعلى هذا اجماع أهل البيت (ع)، واخبارهم به متواترة. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فعن الامام الباقر (ع) في هذه الاية: (ان بعضهم أولى بالميراث من بعض، لان أقربهم إليه رحما أولى به. ثم قال أبو جعفر (ع): أيهم أولى بالميت، وأقربهم إليه ؟ أمه، أو أخوه ؟ أليس الام أقرب الى الميت من اخوته وأخواته ؟ !) (2). وللتوسع في هذا البحث مجال آخر.


(1) التهذيب ج 6 ص 311، والوسائل ج 17 ص 432. (2) الوسائل ج 17 ص 434. (*)

[ 276 ]

الاختصام في ابنة حمزة: ويقولون: ان عليا وجعفرت ابني أبي طالب، وزيد بن حارثة، اختصموا في ابنة حمزة، فقال (ص) لكل واحد منهما ما أرضاه (1). ونحن نشك في الحديث من أصله، لان جعفرا كان في واقعة أحد في الحبشة، وقد جاء الى المدينة في سنة ست من الهجرة. ودعوى أن الاختصام قد حصل بعد رجوعه تطرح أمامنا سؤالا عن السبب في سكوت زيد بن حارثة عن المطالبة ببنت حمزة كل هذه المدة. الصلاة على الشهداء وتغسيلهم، ودفنهم: لقد روى بعضهم: أن النبي (ص) لم يصل على شهداء (أحد). وبه أخذ الائمة الشافعية. ولكن ذلك غير صحيح، فقد صرحت الروايات الكثيرة: بأنه (ص) قد صلى عليهم. وروي ذلك عن بعض أئمة الحديث، وبه أخذ الائمة الحنفية (2). والصحيح: أنه (ص) قد صلى عليهم، ولم يغسلهم، وهو الثابت عن أئمة أهل البيت (عليه السلام)، الذين هم سفينة نوح، وباب حطة. ولذا فلا يعبأوا بما رواه غيرهم، ولذا فنحن لا نطيل الكلام في ذلك. ولا سيما بعد أن قال (مغلطاي): (.. وصلى على حمزة والشهداء من غير غسل. وهذا اجماع، الا ما شذ به بعض التابعين. الى أن قال: قال السهيلي: ولم يرو عنه (ص): أنه صلى على شهيد في شئ من مغازيه


(1) التراتيب الادارية ج 2 ص 149 وغير ذلك. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 442، وليراجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 248 / 249. (*)

[ 277 ]

الا في هذه. وفيه (نظر)، لما ذكره النسائي، من أنه صلى على أعرابي في غزوة أخرى) (1). وعن عدد التكبير عليهم، وعلى غيرهم، فقد تقدم في أول هذا الفصل: أن النبي (ص) قد كبر على حمزة سبعا أو سبعين - كما هو الاصح -. وأما ما يقال من أن عدد التكبيرات على الميت أربع، فقد أثبتنا بما لا يقبل الشك أنه لا يصح، وأن التكبير على الميت (خمس) لا أربع (2). وبالنسبة للغسل، فقد قال الديار بكري وغيره: (أجمع العلماء على أن شهداء أحد لم يغسلوا) (3). وتقدم أن حنظلة خرج وهو جنب، فأخبر (ص) أن الملائكة تغسله. ويقال أيضا: ان حمزة قد قتل جنبا، فرأى النبي (ص) الملائكة تغسله (4). ولكن هذا ينافي ما جاء في بعض النصوص من أنه قتل يوم أحد صائما. والله هو العالم. ومهما يكن من أمر، فان الشهداء لم يغسلوا، واخباره (ص) بتغسيل الملائكة لمن مات جنبا، بالاضافة الى أنه اخبار عن واقع، فانه أيضا ليس لاجل موته بل هو لاجل جنابته، لرفع الحزازة التي ربما تحدث في نفس


(1) سيرة مغلطاي ص 50 / 51. (2) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 442، والسيرة الحلبية ج 2 ص 248، وتقدم ذلك عن مغلطاي أيضا. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 248، ومغازي الواقدي ج 1 ص 309، وشرح النهج ج 15 ص 37. (*)

[ 278 ]

أهله، الذين يعرفون بأنه لم يغتسل من جنابته. وأما بالنسبة للتكفين، فان الشهيد يدفن في ثيابه، ولكن النبي (ص) قد كفن حمزة وحنطه، لانه كان قد جرد، كما روي (1). وأما عن دفنهم، فيقال: انه قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم الى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى (ص) عن ذلك. وقال (ص): (دفنوهم حيث صرعوا) (2). ويقال: انه (ص) قال: ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنا (3). لماذا تقديم الاقرأ ؟ وتقديم أكثرهم قرآنا حتى في هذا المقام، له دلالة هامة هنا، فان أكثرهم قرآنا يفترض به أن يكون هو الاكثر وعيا وبصيرة في أمره، ومن ثم يكون اخلاصه للقضية التي يقاتل من أجلها أشد، وارتباطه بها أعمق. وكلما كان العمل أكثر اخلاصا لله، كلما كانت قيمته أعلى، وثمنه أغلى، لانه يستمد قيمته هذه من مدى اتحاده بذلك الهدف، وفنائه فيه. بل نجد أنه (ص) يتجاوز ذلك، الى أنه (ص) أراد أن يبعث بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم، ليعرف ما معهم من القرآن، فوجد: أن


(1) راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 135 عن من لا يحضره الفقيه. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 442 عن الاكتفاء، وابن اسحاق، وأحمد، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، والدارمي، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 162 / 163، وفي شرح النهج ج 4 ص 262 رواية ناقشها المعتزلي بما لا مجال له. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 442 عن أحمد، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وشرح النهج ج 15 ص 38، ومغازي الواقدي ج 1 ص 310، والثقات ج 1 ص 33، ومجمع الزوائد ج 6، والمصنف ج 3 ص 541 وج 5 ص 272. (*)

[ 279 ]

فهو (ص) يعطي بذلك نظرة الاسلام الصحيحة للعلم والمعرفة الذي يترك أثره الايجابي حتى بالنسبة لما بعد الموت، وحتى بالنسبة لهؤلاء المتساوين من حيث بذل أغلى ما لديهم في سبيله، وان لم يكونوا متساوين في درجات معرفتهم، وثقافتهم، ووعيهم. ولقد رأينا أنه (ص) يقول - كما يروي لنا أبو سلمة -: إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمهم أقرؤهم، وان كان أصغرهم، فإذا أمهم فهو أميرهم (2). وفي هذا دلالة واضحة على أن الملاك في التقديم هو المعرفة الخالصة، التي تؤهل الانسان لان يكون أكثر خشية لله: (انما يخشى الله من عباده العلماء). وليس هو الجمال، أو الجاه، أو المال، أو النسب، أو غير ذلك، فان ذلك قد رفضه الاسلام والقرآن رفضت قاطعت ونهائيا. أنا شهيد على هؤلاء: وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، يقولون: صلى رسول الله (ص) على قتلى أحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء. فقال أبو بكر: ألسنا اخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا ؟ قال: بلى، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئا، ولا أدري ما تحدثون بعدي. (1) حياة الصحابة ج 2 ص 54، والترغيب والترهيب ج 2 ص 352، وراجع: المصنف ج 5 ص 165 ففيه ما يشير الى ذلك. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 165.

[ 280 ]

فبكى أبو بكر، وقال: انا لكائنون بعدك ؟) (1). وهذا يدل على أن الرسول (ص) لم يكن مطمئنا لما ينتهي إليه أمر أصحابه بعده. ولم يكن يعتقد أن مجرد صحبتهم له تدخلهم الجنان، وتجعلهم معصومين، أو أنها تكون أمانا لهم من كل حساب وعقاب، عملوا ما عملوا، وفعلوا ما فعلوا، فان ذلك خلاف ما قرره القرآن الذي يقول: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (2) وقد بحثنا موضوع عدالة الصحابة في موضع آخر (3). وما ذكرناه هناك ما هو الا رشحة من نهر، وقطرة من بحر. والا، فان الادلة على ما نقول من أن كل صحابي محاسب على ما عمل، وأن فيهم المؤمن، والمنافق، والعادل، والفاسق كثيرة جدا، لا مجال لحصرها. عدد شهداء أحد: وأما عن عدد الشهداء في أحد، فقد كانوا سبعين، من المهاجرين أربعة، والباقون من الانصار (4). وقيل: أربعة وستون من الانصار، وستة من المهاجرين، وجرح سبعون. وهذا ما وعدهم به النبي (ص) في بدر حسبما تقدم. وأما ما يقال: من أن عدتهم خمس وستون، فيهم أر بعد من المهاجرين، أو أنهم ستة وتسعون. أو أنهم ثمانون: أربعة وسبعون من


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 38، ومغازي الواقدي ج 1 ص 310، والمصنف ج 3 ص 541، وليراجع ص 575 وج 5 ص 273. (2) الزلزلة: 7 و 8. (3) راجع الجزء الثاني من كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام. (4) مغازي الواقدي ج 1 ص 300، والسيرة الحلبية ج 2 ص 255، وتاريخ الخميس ج 1 ص 446. (*)

[ 281 ]

الانصار، وستة من المهاجرين (1). فليس بمسموع بعد أن أخبرهم النبي (ص) - كما هو المشهور - بأنه سيقتل من المسلمين بعدة أسرى بدر ان قبلوا بالفداء. وعدة أسرى بدر كانت سبعين كما يقولون (2). أما ما عن أنس، من أنه قتل من الانصار في أحد سبعون، وفي بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون، رواه البخاري (3). فلا يمكن المساعدة عليه، لان قتلى أحد كانوا سبعين من الانصار والمهاجرين معا، لا من الانصار وحدهم. ولانه سيأتي في سرية بئر معونة الاختلاف الشديد في عدد أفرادها، وهي تتراوح ما بين العشرة الى السبعين رجلا (4). أكثر القتلى من الانصار: ويلاحظ هنا: أن أكثر القتلى كانوا من الانصار، وقد جاء ذلك بصورة لا تتناسب مع عدد المشاركين منهم في الحرب إذا قورن بمن قتل من المهاجرين، إذا أضيف الى عدد المشاركين منهم أيضا. وقد أشرنا فيما تقدم الى أن قريشا طلت تحقد على الانصار، وعلى أهل البيت (ع) عشرات السنين والاعوام. وكان يهمها: أن تجزرهم جزرا، ولا يبقى منهم


(1) راجع هذه الاقوال في سيرة مغلطاي ص 49 / 50، وتاريخ الخميس ج 1 ص 446، والسيرة الحلبية ج 2 ص 255، وغير ذلك كثير وليراجع شرح النهج ج 15 ص 51 / 52. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 144. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 146 عن المشكاة. (4) راجع: الجزء الخامس من هذا الكتاب ص 257 و 258. (*)

[ 282 ]

نافخ نار. ولربما نفهم: أن الانصار كانوا أكثر اندفاعا الى الحرب، وأشد تصديا لمخاطرها، لانهم يدافعون عن وطنهم، وعن عقيدتهم معا. وقد كان الاسلام فيهم أعرق وأعمق من كثير من المهاجرين، فلا يقاس بهم مسلموا الفتح، فانهم انما أسلموا خوفا أو طمعا، ولذا فقد كثر فيهم المنافقون والمناوؤون لاهل البيت (عليهم السلام). ولعل كثيرا من المهاجرين كانوا مطمئنين الى قبول قومهم لهم، كما يظهر مما تقدم. كما أن بعض المشاركين في الحرب من هؤلاء وأولئك، لم يكن لديه دوافع عقيدية أيضا، كما هو الحال بالنسبة لمن يقاتلون من أجل السلب، والغنائم، وغير ذلك. زيارة القبور: ويذكرون أن المسلمين كانوا يتبركون بقبر حمزة، ويستشفون بتربته، وقد صنعوا السبحة منها (1). ويذكر الواقدي هنا: أن النبي (ص) كان يزور قبور شهداء أحد في كل حول، فإذا لقوه رفع صوته يقول: السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار. وكان أبو بكر يفعل مثل ذلك، وكذلك عمر، ثم عثمان، ثم معاوية. (ونقول: كيف يذكر معاوية هنا، وهو الذي نبش قبور الشهداء من أجل العين التي أجراها ؟ !. وكانت فاطمة تأتيهم بين اليومين والثلاثة، فتبكي عندهم، وتدعو.


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 69 و 116. (*)

[ 283 ]

وكان (ص) يأمر بزيارتهم، والتسليم عليهم. وكذا كان يزورهم سعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري كان يزور قبر حمزة، وأم سلمة أيضا كانت تزورهم كل شهر، وقد أنبت غلامها، لانه لم يسلم عليهم. وكذا أبو هريرة، وابن عمر، وفاطمة الخزاعية (1). وعن السجاد (ع): أن فاطمة (ع) كانت تزور قبر عمها حمزة في الايام تصلي وتبكي عنده (2). وقد أمر النبي (ص) أيضا بزيارة القبور. وشواهد هذا البحث كثيرة جدا لا تكاد تحصر، وقد ألفت الكتب، ونظمت البحوث في هذا الموضوع (3). فليراجعها من أراد التوسع، فلا يصغى لمنع بعض الفرق من زيارة القبور، فان ذلك لا يستند الى أي دليل معقول أو مقبول. عدد قتلى المشركين: ويقال: انه قد قتل من المشركين في معركة أحد ثمانية عشر رجلا (4). وقيل: اثنان، أو ثلاثة وعشرون (5). وقيل: ثمانية وعشرون (6).


(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 313 / 314، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 40. (2) المستدرك للحاكم ج 3 ص 28. (3) راجع: شفاء السقام للسبكي، والغدير ج 5 من ص 166 حتى ص 208، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 28، ووفاء الوفاء ج 3 ص 83 فما بعدها و 931 - 933، وتأويل مختلف الحديث ص 197، وغير ذلك. (4) مجمع البيان ج 2 ص 500، والبحار ج 20 ص 22 عنه. (5) سيرة مغلطاي ص 50، وتاريخ الخميس ج 1 ص 447، والسيرة الحلبية، وغير ذلك. (6) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 54. (*)

[ 284 ]

وقيل: أكثر من ذلك. لان حمزة قد قتل وحده منهم واحدا وثلاثين رجلا كما يقولون (1). أكثر القتلى من علي (ع): 1 - ويروي البعض: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قتل في أحد اثني عشر رجلا (2). 2 - ونعتقد أنه (ع) قد قتل أكثر من ذلك، لانه قد قتل أصحاب اللواء بلا شك كما تقدم بيانه، وهم تسعة أو أحد عشر، كما أن المعتزلي يذكر: أن كتائب المشركين صارت تحمل على النب (X ص). وقد قتل من كتيبة بني كنانة أبناء سفيان بن عويف الاربعة. وتمام العشرة منها، ممن لا يعرف بأسمائهم. وقال: ان ذلك قد رواه جماعة من المحدثين، ويوجد في بعض نسخ ابن اسحاق، وأنه خبر صحيح فراجع كلامه (3). 3 - قال القوشجي: (وكان أكثر المقتولين منه) (4) أي من أمير المؤمنين (عليه السلام). 4 - وقال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: (وقد ذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين، وكان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين (ع). ثم ذكر أسماء اثني عشر من الابطال المعروفين ممن قتلهم (عليه السلام) (5).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 226 و 255، والاصابة ج 1 ص 354. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 54. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 250 / 251 وفي ج 15 ص 54: أن في بعض كتب المدائني أن عليا قتل بني سفيان بن عوف، وروى له شعرا في ذلك، فراجع. (4) شرح التجريد للقوشجي ص 486. (5) الارشاد ص 54، والبحار ج 20 ص 88 / 89 عنه. (*)

[ 285 ]

5 - ولسوف يأتي: أن قريشا قد عجلت بالمسير عن حمراء الاسد، حينما علمت أن عليا قادم عليها. 6 - ويقول الحجاج بن علاط في وصف قتله (عليه السلام) لكبش الكتيبة، طلحة ابن أبي طلحة، وحملاته (ع) في أحد: لله أي مذبب عن حزبه أعني ابن فاطمة المعم المخولا جادت يداك له بعاجل طعنة تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم بالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا وعللت سيفك بالدماء ولم تكن لترده حران حتى ينهلا (1) ومما يدل على مدى ما فعله أمير المؤمنين (ع) بقريش في أحد: أن النص التأريخي يؤكد على أن قريشا كانت - بعد ذلك - والى عشرات السنين تحقد على علي (ع)، وعلى أهل بيته لذلك. وقد ذكر النبي (ص) هذه الاحقاد لعلي (عليه السلام) (2) ثم ظهرت آثارها في المجازر التي أرتكبها الامويون في كربلاء وغيرها. وقد صرحت الزهراء (ع) بأن ما جرى عليهم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قد كان بسبب الاحقاد البدرية والترات الاحدية (3). أويس القرني في أحد: ويقولون: ان أويس القرني قد حضر أحدا، وجرى عليه كل ما


(1) الارشاد للمفيد ص 54، والبحار ج 20 ص 90 عنه، وهامش ص 50 عن الامتاع. (2) راجع: البحار ج 26 ص 54 و 55، وراجع الطبعة الحجرية من البحار ج 8 ص 151. (3) راجع: المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 203 وفي ط أخرى ج 1 ص 381، والبحار ج 43 ص 156. (*)

[ 286 ]

جرى على النبي (ص) من كسر رباعيته، وشج وجهه، ووطي ظهره ! ! ويدل على أنه قد وطئ ظهر النبي (ص) من قبل المشركين قول عمر: فلقد وطئ ظهرك، وأدمى وجهك (1). والمراد بالوطئ: الدوس بالاقدام. ونحن لا نصدق ذلك أصلا، لانهم يقولون: ان أويسا لم ير النبي (ص) أصلا، لانه - كما يقولون - كان مشغولا بخدمة أمه (2). وروي عن النبي (ص) قوله: خير التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر (3). وفي مسند أحمد: نادى في صفين رجل شامي: أفيكم أويس القرني ؟ قالوا: نعم. قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من خير التابعين أويس القرني (4). فوصفه بالتابعي يشير الى أنه لم يكن من الصحابة. بل لقد كان الامام مالك ينكر وجود أويس القرني من الاساس (5).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 255 / 256، والطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 27. (2) الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص، والاصابة ج 1 ص 115، والسيرة الحلبية ج 2 ص 256، وراجع القصة في الزهد والرقائق قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 60. (3) الاصابة ج 1 ص 115 عن مسلم، ولسان الميزان ج 1 ص 472 و 474 و 475، والسيرة الحلبية ج 2 ص 256 بعدة ألفاظ، ومختصر تاريخ دمشق ج 3 ص 162 و 163، وراجع: تيسير الوصول ج 2 ص 167. (4) الاصابة ج 1 ص 116، ولسان الميزان ج 1 ص 475 وراجع ص 474، وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 175، وراجع ص 162. (5) الاصابة ج 1 ص 115، وراجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 162، وراجع = (*)

[ 287 ]

ولكنه كلام لا يصح: فقد تواتر أنه شخصية حثيقية، وقد ذكر العلماء والمصنفون أخباره وفضائله في كتبهم ومنقولاتهم. ولعل سبب انكار وجوده ودعوى: أنه توفي في خلافة عمر (1) هو حضوره مع علي (ع) في صفين، واستشهاده معه (2). ولعل اكذوبة: أن المشركين قد وطأوا ظهر النبي (ص) قد جاءت بهدف الحط من كرامته (ص)، أو اظهار خطورة الموقف، ليخف النقد الموجه للفارين عنه (ص). مع أن ذلك آكد في ذمهم، وأشد في قبح ما صدر منهم. صفية، واليهودي: ويذكر البعض في غزوة أحد (3) قضية قتل صفية لليهودي، وعدم جرأة حسان على قتله، ولا على سلبه. ولكن الظاهر هو أن ذلك كان في غزوة الخندق، ولذا فنحن نرجئ الحديث عنه الى هناك. بعض الحكم في معركة أحد: قال السمهودي: (قال العلماء: وكان في قصة أحد من الحكم والفوائد أشياء عظيمة: منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب


= ص 165 و 166 و 172، ولسان الميزان ج 1 ص 475. (1) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 162 عن ابن سعد، وراجع ص 173 و 174. (2) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 171، ولسان الميزان ج 1 ص 474 و 475. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 288، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 16. (*)

[ 288 ]

النهي، لما وقع من الرماة. ومنها: أن عادة الرسل أن تبتلى، وتكون لها العاقبة. ومنها: اظهار أهل النفاق، حتى عرف المسلمون: أن لهم عدوا بين أظهرهم. ومنها: تأخير النصر هضما للنفس، وكسرا لشماختها (1). ثم ذكر كلاما يشتم منه رائحة الجبر، وهو ما لا نوافقه عليه، ولذلك أهملناه. من مشاهد العودة الى المدينة: 1 - وعاد النبي (ص) والمسلمون الى المدينة، واستقبلته أم سعد بن معاذ تعدو، فجاءت حتى نظرت في وجهه، وقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هانت علي كل مصيبة ان سلمت. فعزاها رسول الله (ص) بولدها عمرو. وفي رواية: انه لما بشرها النبي (ص) بما للقتلى في الجنة، قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا ؟ ! (2). 2 - مر رسول الله (ص) بامرأة من الانصار، وقد أصيب زوجها، وأخوها، وأبوها مع الرسول (ص) في أحد، فلما نعوهم إليها قالت: ما فعل رسول الله ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو يحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه.


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 295، وتاريخ الخميس ج 1 ص 445. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 254، ومغازي الواقدي ج 1 ص 315 / 316، وتاريخ الخميس ج 1 ص 444. (*)

[ 289 ]

فأشير لها إليه، فلما رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل. يعني هينة. وفي رواية: أنها استقبلوها بجانئز: ابنها، وأخيها، وأبيها، وزوجها، أو دلت على مصارعهم، فلم تكترث. وسألت عن الرسول (ص) فدلت عليه، فذهبت حتى أخذت بناحية ثوبه. ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يارسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب (1). ونقول: ان هؤلاء النسوة قد بلغن من المعرفة والوعي حدا صرن معه يعتبرن وجود النبي (ص) كل شئ بالنسبة اليهن. وكل مصيبة بعد النبي (ص) هينة، ولا يبالين ان سلم من عطب. فالرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو مصدر الطمأنينة، وعنوان الحياة، والوجود لهن. وبدونه لا طعم للحياة، ولا معنى للبقاء. وقد بلغ من يقينهن بما يخبر به الرسول (ص): أنهن صرن كأنهن يرينه رأي العين، حتى لتقول أم سعد بن معاذ حينما أخبرها بما للشهيد في الجنة: ومن يبكي عليهم بعد هذا ؟ !. ولا يمكن أن نرجع ذلك كله لشخصية النبي (ص)، وقوة تأثيرها، وانما يرجع ذلك - ولا شك - الى فطرية تعاليم الاسلام ومبادئه، وانسيابها مع المشاعر والعواطف، حتى لتمتزج بوجود الانسان، وفي كل كيانه، وتسري فيه كما يسري الدم في العروق. علي يناول فاطمة سيفه: ويقولون انه (ص) قد ناول فاطمة سيفه، وقال: اغسلي عن هذا


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 243 و 251 / 252 و 254، وتاريخ الخميس ج 1 ص 444، وتاريخ الطبري ج 2 ص 210، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 163، والبحار ج 20 ص 98، واعلام الورى ص 85، ومجمع الزوائد ج 6 ص 115، وحياة الصحابة ج 2 ص 356 عنه، والبداية والنهاية ج 4 ص 47. (*)

[ 290 ]

دمه يا بنية، فوالله، لقد صدقني اليوم. فجاء علي فناولها سيفه، وقال مثل ذلك. فقال (ص) لئن كنت صدقت القتال، لقد صدق معك سهل بن حنيف، وأبو دجانة (1). ولكن ذلك غير صحيح، وذلك: 1 - لان الذي قتل معظم المشركين، وقتل أصحاب الالوية، وثبت في أحد، ونادى جبرئيل باسمه، وقتل أبناء سفيان بن عويف الاربعة الى تمام العشرة، هو علي (عليه السلام) وليس أبا دجانة، ولا سهل بن حنيف، ولا غيرهما. 2 - ثم ان هذه الرواية متناقضة النصوص، فعن ابن عقبة لما رأى رسول الله (ص) سيف علي (ع) مخضبا دما قال: ان تكن أحسنت القتال، فقد أحسنه عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف (2). فأي الروايتين هو الصحيح. 3 - لقد رد ابن تيمية قولهم بأنه (ص) قد أعطى فاطمة سيفه، بأنه (ص) لم يقاتل في أحد بسيف (3). والصحيح في القضية هو ما ذكره المفيد رحمه الله: من أنه بعد أن


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 444 عن ابن اسحاق، والسيرة الحلبية ج 2 ص 255، وراجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 235، ووفاء الوفاء ج 1 ص 293 عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 24، وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصححاه على شرط البخاري، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 35. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 255. (3) نفس المصدر. (*)

[ 291 ]

ناول علي فاطمة سيفه وقال لها: خذي هذا السيف، فلقد صدقني اليوم، وأنشد: أفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد، ولا بلئيم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد وطاعة رب بالعباد عليم أميطي دماء القوم عنه فانه سقى آل عبد الدار كأس حميم قال (ص): (خذيه يا فاطمة، فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش) (1). فهذه الرواية هي الانسب والاوفق بمساق الاحداث، وبأخلاق وسجايا النبي الاكرم (ص). شماتة المنافقين وسرورهم بنتائج أحد: ولما عاد النبي (ص) الى المدينة، وبكى المسلمون قتلاهم، سر بذلك المنافقون، واليهود، وأظهروا الشماتة، وصاروا يظهرون أقبح القول. ومنه قولهم: ما محمد، الا طالب ملك، وما أصيب بمثل هذا نبي قط، أصيب في بدنه، وأصيب في أصحابه. وعرف المسلمون عدوهم الذي في دارهم، وتحرزوا منه. وقالوا أيضا: لو كان من قتل عندنا ما قتل. وجعلوا يخذلون عن رسول الله (ص)، وأصحابه، ويأمرونهم بالتفرق عنه. واستأذنه عمر في قتل هؤلاء القائلين من المنافقين واليهود، فقال (ص): أليس يظهرون شهادة أن لا اله الا الله، وأني رسول الله ؟ قال عمر: بلى، ولكن تعوذوا من السيف، وقد بان أمرهم، وأبدى الله تعالى أضغانهم.


(1) الارشاد للشيخ المفيد ص 54، والبحار ج 20 ص 88 عنه. (*)

[ 292 ]

فقال (ص): نهيت عن قتل من أظهر ذلك. وأما اليهود، فلهم ذمة فلا أقتلهم (1). ونحن نشير هنا الى ما يلي: ألف: التمحيص: ان المحن التي أصابت المسلمين في حرب أحد قد ميزت الخبيث من الطيب منهم، وامتاز أدعياء الايمان والمنافقون عن المؤمنين. كما وعرفت درجات المؤمنين أنفسهم، ومدى ثبات قدم كل منهم في الايما. قال تعالى في مناسبة غزوة أحد: (ان يمسسكم قرح، فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الايام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين) (2). وفي ذلك أيضا تعريف للمؤمنين أنفسهم بقدراتهم الايمانية، وملكاتهم النفسية تلك. فلا بد اذن، أن يسعى المقصرون لجبر ما فيهم من نقص، وتكميل يقينهم، وزيادة وعيهم الرسالي، قال تعالى في آيات نزلت بمناسبة أحد: (وليمحص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين) (3) ويقول: (قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم، وليبتلي الله ما في صدوركم، ويمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 254، ومغازي الواقدي ج 1 ص 317 / 318، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 43. (2) آل عمران: 140. (3) آل عمران: 141. (*)

[ 293 ]

الصدور) (1). وخلاصة الامر: ان ما جرى في أحد قد عرف المسلمين بحقيقة تركيبة مجتمعهم، وأن فيه المؤمن والمنافق، وعرفهم أيضا بطاقاتهم وقدراتهم، ودرجاتهم الايمانية. وهذا أمر مهم جدا بالنسبة لخططهم المستقبلية، ومهم أيضا بالنسبة لتعاملهم على الصعيد الداخلي مع بعضهم البعض، لان ذلك يجعلهم أكثر دقة، وأشد حيطة، حيث يحسبون لكل شئ حسابه، فلا يأتيهم ما لا يتوقعون، ولا يواجهون المفاجأت المحيرة. الامر الذي لابد أن يؤثر في نتائج مواقفهم، وجعلها لصالحهم بنحو أدق وأحكم. ب: أجواء النفاق ودوافعه: ان النفاق لا يستدعي دائما: أن يكون المنافق يرغب في هدم هذا الدين الجديد، ويترصد الفرصة لذلك. بل ربما يكون ذلك خوفا من هذه الدعوة حينما يكون لها قوة وطول. أو طمعا بنفع عاجل، مادي، أو معنوي. أو عصبية وحمية لبلد، أو قبيلة. أو طمعا في أن تنجح الدعوة في التغلب على المصاعب التي تواجهها. ويكون لهذا الشخص المنافق شأن فيها. أو التزاما بتقليد اجتماعي، ذي طابع معين. أو حفاظا على مصالح لا يمكن الحفاظ عليها مع مناهضة الدعوة. الى غير ذلك مما لا مجال له هنا. اذن، فيمكن أن يكون نفاق ابن أبي، وكثير من أصحابه، انما كان


(1) آل عمران: 154. (*)

[ 294 ]

من أجل الحصول على ما في الاسلام من مغانم، والابتعاد عما يواجهونه من متاعب ومغارم. وقد يكون نفاقهم هذا يتخذ اتجاها لا ينسجم مع تسليط المشركين على المدينة، لان ذلك ولا شك لسوف يلحق الضرر بأولئك المنافقين أنفسهم. ولسوف يلحق الضرر بالتزاماتهم القبلية والاجتماعية، وبمصالحهم بشكل عام. كما أن تسليط المشركين على بلدهم لا ينسجم مع التقليد الاجتماعي القائم آنذاك، ولا مع غيرتهم وحميتهم، وعصبيتهم. نعم، ربما تتغير هذه النظرة للمنافق، ويتجاوز كل هذه الموانع، إذا رأى: أن وجوده ومصالحه في خطر في المستقبل. وإذا رأى أنه لا يمكنه الحفاظ على الحد الادنى من مصالحه الا بالتعامل مع أعداء هذه الدعوة، فيندفع الى القيام بأي عمل يحفظ له الحد الدنى مما تطمح نفسه إليه، ويسعى من أجل الحصول عليه. دعني أقتله يا رسول الله ! ! ثم اننا نجد: أن عمر يستأذن النبي (ص) في قتل هؤلاء المنافقين، فلا يأذن له النبي (ص) (وقد تقدم حين الكلام عن وحشي، وفي موضع آخر بعض ما يرتبط بذلك). ونجد مثل ذلك من عمر في خلال حياته مع النبي (ص) الشئ الكثير، وكأمثلة على ذلك نشير الى: 1 - قصته مع الحكم بن كيسان (1). 2 - قصته مع أبي سفيان (2) حين فتح مكة.


(1) حياة الصحابة ج 1 ص 41، وطبقات ابن سعد ج 4 ص 137. (2) حياة الصحابة ج 1 ص 154، ومجمع الزوائد ج 6 ص 166 عن الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (*)

[ 295 ]

3 - ومع عبد الله بن أبي (1). 4 - ومع ذي الخويصرة (2). 5 - ومع حاطب بن أبي بلتعة (3). 6 - ومع ذي الثدية (4) وقيل باتحاده مع ذي الخويصرة، وقيل: لا. 7 - ومع شيبة بن عثمان (5). 8 - ومع الاعرابي الذي من بني سلم (6). 9 - ونجده يطلب في الحديبية أن يمكنه النبي (ص) من نزع ثنيتي سهيل بن عمرو، حتى يدلع لسانه. وفي كل ذلك يمنعه النبي (ص) ويردعه، ويخبره: بأنه لا يرغب في ذلك. وبالنسبة للحادثة الاخيرة مع سهيل بن عمرو قال له: فعسى أن يقوم


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 9 ص 469، وحياة الصحابة ج 1 ص 484 عن البخاري، ومسلم، وأحمد، والبيهقي، والبداية والنهاية ج 4 ص 370، وتفسير ابن كثير ج 4 ص 372 عن ابن أبي حاتم، وفي فتح الباري ج 8 ص 458: هو مرسل جيد، وصحيح البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 132. (2) حياة الصحابة ج 2 ص 601، والبداية والنهاية ج 4 ص 362 عن الصحيحين، ومناقب الخوارزمي ص 182. (3) مجمع الزوائد ج 8 ص 303 عن أحمد، وأبي يعلى والبزار، وحياة الصحابة ج 2 ص 463 / 464، والبداية والنهاية ج 4 ص 284 عن أحمد، والبخاري، والترمذي، وبقية الجماعة ما عدا ابن ماجة، ومناقب الخوارزمي الحنفي ص 74. (4) المصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 155، ومجمع الزوائد ج 6 ص 226 عن أبي يعلى.. وقد روي هذا الحديث من وجوه كما في مجمع الزوائد. (5) الرياض النضرة المجلد الاول ج 2 ص 353. (6) المعجم الصغير ج 2 ص 64. (*)

[ 296 ]

مقاما تحمده. فكان مقامه هو ما ستأتي الاشارة إليه (1). فقد كان له موقف جيد في مكة حين وفاة النبي (ص)، حيث منع أهل مكة من الارتداد وسكنهم، وعظم الاسلام. ولا ندري كيف خفي على عمر خطورة تصرف كهذا ؟ ! وأن ذلك معناه: نقض الصلح، واعطاء نظرة سلبية عن النبي (ص) وعن المسلمين، وفسح المجال للدعاية المغرضة ضدهم، وأنهم لا عهد لهم ولا ذمار. فحتى مع الرسل والمفاوضين يفعلون ذلك الامر المهين والمشين، الامر الذي يرفضه حتى العرف الجاهلي، فضلا عن الخلق السامي والنبيل. كما أننا لا ندري - لو أنه فعل ذلك بسهيل بن عمرو - ماذا سوف يكون شعور ابنه عبد الله بن سهيل، الذي هرب من أبيه الى النبي (ص) في بدر، وكان يكتم أباه اسلامه ؟ !. ثم ماذا سوف يكون شعور ابنه الاخر أبي جندل بن سهيل، الذي جاء يرسف في الحديد الى رسول الله (ص) في الحديبية ؟ !، أي في نفس الوقت الذي يريد فيه عمر: أن يفعل ما يفعل بأبيه سهيل. وقد كان سهيل يضرب أبا جندل بغصن شوك. ولكنه مع ذلك قد ضن بهذا الاب أن يصيبه سوء، كما ذكره مصعب الزبيري (3). نعم، اننا لا ندري لماذا يصر عمر على النبي (ص) في هذا الامر، الذي كرر النبي (ص) له رأيه فيه مرات عديدة ؟ !، وأوضح له: أنه لا يريد أن يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه. بل لقد قال له في قصة ابن


(1) الاصابة ج 2 ص 93، والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 109 / 110، وتفصيل القضية فيه. (2) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 2 ص 110، وراجع سير أعلام النبلاء ج 1 ص 194 (3) نسب قريش لمصعب ص 319 / 320 (*)

[ 297 ]

أبي: لو قتلته يوم قلت لي لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته (1). وإذا كان عمر يغار على مصلحة الاسلام الى هذا الحد، حتى انه لينسى كلام النبي له في ذلك مرات عديدة، فلماذا فر في أحد قبل ذلك بقليل، وترك الاسلام والنبي (ص) في معرض الاخطار الجسام، والاهوال العظام ؟ ! ولماذا فر في خيبر، وحنين الخ ؟ !. ولماذا لم يطع النبي (ص) حينما أمره بأن يقتل ذا الثدية ؟ ! (2). ولعل هذا هو سر قول النبي (ص) له في قصة ابن أبي: أو قاتله أنت ان أمرتك بقتله ؟ مما يوحي بأنه (ص) كان يشك في صحة عزمه على هذا الامر كثيرا، وقد أثبت الواقع صحة شكه (ص) هذا. ولماذا كان (ص) يسند هذه المهمة الى غير عمر. الا في قصة ذي الثدية، وكانت النتيجة فيها ما هو معلوم ؟ !. ولماذا لا نجد غير عمر من سائر الصحابة يهتم بهذا الامر بالخصوص ؟ !. أسئلة تبقى حائرة، تنتظر الجواب المقنع والمفيد. وأين ؟ ! وأنى ؟ !


(1) البداية والنهاية ج 4 ص 158. (2) راجع القضية في الاصابة ج 1 ص 484 / 485، وقال: ان لقصة ذي الثدية طرقا كثيرة صحيحة. (*)

[ 299 ]

الفصل الخامس غزوة حمراء الاسد، والى السنة الرابعة

[ 301 ]

قريش تفكر في المدينة، ثم تعدل عنها: لقد كان من الطبيعي: أن يفكر المشركون في المدينة ونهبها، وسلب نسائها، بعد انتهئهم من معركة أحد. وكان من الطبيعي أيضا أن يحسبوا: أن في المدينة خلقا كثيرا من الاوس والخزرج لم يحضروا الحرب، وهم مسلمون. وحتى اليهود، والمنافقون، مثل: ابن أبي وأصحابه، فان لهم في المدينة أهلا ونساءا وعيالا وأطفالا. كما أن لهم بعيال، وأطفال، ونساء، وحتى رجال المسلمين علاقات نسبية، ومصالح مشتركة، لا يمكن التخلي عنها، أو تجاهلها بسهولة. اذن، فقد كان من الطبيعي أن يجد المشركون مقاومة شديدة في داخل المدينة لو هاجموها. وأما في خارجها.. فهم يعلمون: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأصحابه من ورائهم. فانهم وان تحملوا خسائر كبيرة: سبعين قتيلا، وسبعين جريحا، الا أن من بقي منهم، وهم أكثر من خمسمائة مقاتل، إذا كانت القضية قضية شرف وعرض ومال، ومستقبل، فضلا عن كونها قضية دين - فلسوف - يستميتون في الدفاع عنها.. ولم تنس قريش بعد: أنها قد هزمت في ابتداء المعركة، وطار بها الرعب في آخرها، من هؤلاء بالذات، مع أنها تزيدهم عددا أضعافا كثيرة. كما لا مجال لمقايسة

[ 302 ]

ماكان عندهم من السلاح والعدة بما كانت تملكه هي من عدة وسلاح. ولم تنس بعد أيضا: أنها لم تتغلب عليهم الا بسبب تكتيك حربي، يعتمد على عنصر المفاجأة استطاعت أن تستفيد منه حينما خالف الرماة صريح أوامر قائدهم، مع اشتغال الباقين في الغنائم، الامر الذي جعلهم آمنين مطمئنين الى أنه لا عدو بعد يواجههم. هذا كله، عدا أن قريشا قد كلت في هذه الحرب، وتعبت، وأصبحت قدراتها الان أقل بكثير مما كانت عليه في بداية الحرب، حيث واجهت الهزيمة أيضا. كما أنها ترغب في الاحتفاظ بهذا الانتصار الشكلي، ولا تريد أن تخاطر به، وتعرضه لاحتمالات الانتكاس والفشل الفاضح، لان هذا الانتصار الشكلي يتيح لها: أن تبذل محاولات جديدة في تضعيف تأثير مواقف المسلمين الشجاعة السابقة على القبائل في المنطقة، وبالذات على مشركي مكة أنفسهم. وأخيرا، فلم لا تفكر في أن تتبع الخطة التي اتبعها المسلمون في بدر، حيث لم يتبعوا المشركين حينما هزموهم، فلعل ذلك كان لاهداف بعيدة، وحكم غابت عنها، أدركها الاخرون، ولم تستطع هي أن تدركها. غزوة حمراء الاسد: وفي اليوم الثاني من أحد خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الوحي - كما في الرواية - الى حمراء الاسد، موضع على ثمانية أو عشرة أميال من المدينة، حيث ندب أصحابه، قائلا: (ألا عصابة تشد لامر الله، تطلب عدوها ؟ فانها أنكأ للعدو، وأبعد للسمع) (1).


(1) مجمع البيان ص 539، والبحار ج 20 ص 39. (*)

[ 303 ]

فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله: (ولا تهنوا، ولا تحزنوا، وأنتم الاعلون) (1). المجروحون فقط: فخرج (ص) في ستين راكبا (2). أو سبعين (3). ويدل على أن عدتهم سبعون: أن عائشة قالت لعروة بن الزبير: كان أبوك الزبير، وأبو بكر لما أساب نبي الله ما أصاب، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم ؟ فانتدب منهم سبعون رجلا (4). ولكن الظاهر هو أن ذكر أبي بكر هنا قد جاء في غير محله، لان الذين خرجوا في هذه الغزوة كانوا خصوص المجروحين، وكانوا سبعين رجلا كما تقدم. فقد روى القمي (رحمه الله): أن جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبي (ص)، فقال: يا محمد، ان الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك الا من به جراحة، فأمر (ص) مناديه أن ينادي بذلك (5).


(1) راجع: مجمع البيان ج 2 ص 509، والبحار ج 20 ص 22. (2) البدء والتاريخ ج 4 ص 205. (3) مجمع البيان ج 2 ص 539. (4) البداية والنهاية ج 4 ص 50 و 51، والسيرة الحلبية ج 2 ص 257، والدر المنثور ج 2 ص 102 عن سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في الدلائل. (5) تفسير القمي ج 1 ص 125، والبحار ج 20 ص 64 عنه. (*)

[ 304 ]

ويؤيد - أن هؤلاء السبعين هم المجروحون -: قوله تعالى في هذه المناسبة: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) (1). وقد قلنا: انه إذا كان الذين خرجوا هم المجروحون فقط، فلا معنى لذكر أبي بكر وعمر وغيرهم، ممن لم يكن به جراح في الخارجين الى حمراء الاسد. وعلى كل حال، فقد خرج رسول الله (ص) بالمجروحين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكان حامل لوائه علي (عليه السلام)، وكانت قريش في الروحاء، على بعد خمسة وثلاثين أو اثنين أو ثلاث وأربعين ميلا من المدينة حيث تلاوموا هناك فيما بينهم، وقالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم. قتلتموهم حتى إذا لم يبق الا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا شوكة. فقال صفوان بن أمية: لا تفعلوا، فان القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان. أو قال لهم: ان محمدا وأصحابه الان في حنق شديد مما أصابهم، فوالله ما أمنت ان رجعتم أن يجتمع جميع من كان قد تخلف عن أحد من الاوس والخزرج، ويطؤوكم ويغلبوا عليكم، والان لكم الغلبة الخ. فبلغ ذلك النبي (ص)، فأراد أن يريهم من نفسه وأصحابه قوة، وأن يرعبهم. ولكن من أين بلغه ذلك ومتى وصل إليه الخبر في خلال ليلة واحدة، عن بعد أكثر من أربعين ميلا، الا أن يكون ذلك عن طريق الوحي. وقد نصت رواية القمي المتقدمة على أن جبرئيل قد جاء بأمر من


(1) آل عمران: 172. (*)

[ 305 ]

الله سبحانه إليه يأمره بالمسير إليهم. وقدم (ص) ثلاثة نفر من أسلم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الاسد، وهم يأتمرون بالرجوع، فبصروا بهما، فرجعوا اليهما فقتلوهما. ومضى (ص) حتى نزل حمراء الاسد فدفن الرجلين، وأقام هناك ثلاثة أيام. وأوقد المسلمون نارا عظيمة - خمسمائة نار - فذهب صيت عسكرهم ونارهم الى كل جانب، فكبت عدوهم بذلك. ومر معبد الخزاعي - وهو مشرك - بعسكر المسلمين، وهو في طريقه الى مكة. وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله، مسلمهم وكافرهم، فأظهر تألمه مما أصاب المسلمين في أحد. فلما بلغ أبا سفيان وأصحابه أخبرهم: أن محمدا يطلبهم في جمع لم ير مثله، وأن هذا علي بن أبي طالب، قد أقبل على مقدمته في الناس (1). وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وقد ندموا على ما صنعوا، وأنهم يتحرقون عليهم. وأن نواصي الخيل قد تدركهم قبل أن يرتحلوا. فدب الرعب في قلوب المشركين، وأسرعوا بالرحيل. والتقوا بركب من بني عبد القيس قاصدا المدينة، فوعدهم أبو سفيان أن يعطيهم ما يرضيهم إذا هم أبلغوا رسول الله أن قريشا آتية لحربه. وأرسل معبد يخبر رسول الله بحقيقة الامر. وبعد اقامة النبي (ص) ثلاثة أيام عاد الى المدينة. أسيران يقعان في أيدي المسلمين: وأخذ النبي (ص) في طريقه ذاك رجلين من قريش، هما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبو عزة الجمحي.


(1) البحار ج 20 ص 99، وأعلام الورى ص 86. (*)

[ 306 ]

أما أبو عزة فقد كان أسر في بدر، ثم من عليه (ص) لبناته الخمس، وأخذ عليه العهد أن لا يعود الى حرب المسلمين، وأن لا يظاهر عليه أحدا. فنقض العهد، وألب القبائل، وشارك في معركة أحد. فلما عادت قريش، ونزلت في حمراء الاسد، ساروا وتركوه نائما، فأدركه المسلمون هناك، وأخذوه الى النبي (ص)، فطلب الاقالة، فرفض (ص) ذلك حتى لا يمسح عارضيه بمكة، ويقول: سخرت من محمد مرتين. ثم أمر (ص) عليا - وقيل غيره - أن يضرب عنقه، ففعل. ولكن ابن جعدبة قال: ما أسر يوم أحد هو ولا غيره. ولقد كان المسلمون في شغل من الاسر. ولم ينكر قتله. وقال ابن سلام: (قد قيل: أن النبي لم يقتل أحدا صبرا الا عقبة بن أبي معيط يوم بدر) (1). ولكن المشهور هو خلاف ذلك، فهو المعتمد حتى يثبت خلافه. أما ما ذكره بعضهم من: أن أبا عزة قد أسر يوم أحد. فالظاهر أن مقصوده منه ما ذكرناه، لان حمراء الاسد من تتمة معركة أحد. فلا مجال لاشكال المعتزلي بأن حال المسلمين في أحد لم يكن يساعد على أسر أحد (2). وأما معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، فانه انهزم في أحد، ودخل المدينة، فأتى منزل عثمان بن عفان، ابن عمه. فقال عثمان له: أهلكتني وأهلكت نفسك. ثم خبأه في بيته، وذهب الى النبي (ص) ليأخذ له أمانا. وكان (ص) قد علم به من طريق الوحي، فأرسل عليا (ع) ليأتي به من دار عثمان، فأشارت أم كلثوم زوجة عثمان الى الموضع الذي صيره


(1) طبقات الشعراء لابن سلام ص 64 / 65. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46. (*)

[ 307 ]

عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم، وانطلقوا به الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فشفع فيه عثمان، فقبل منه (ص)، وأجله ثلاثا، وأقسم ان وجده بعدها في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه، فجهزه عثمان، واشترى له بعيرا. وسار (ص) الى حمراء الاسد، وأقام معاوية الى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي (ص)، ويأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع أخبرهم (ص): أن معاوية بات قريبا، وأرسل زيدا وعمارا، فقتلاه. والصحيح عليا وعمارا، كما في رواية الكافي. وقال البلاذري عن ابن الكلبي: (ويقال: ان عليا (عليه السلام) هو الذي قتل معاوية بن المغيرة) (1). ويذكر هنا: أن عثمان قد انتقم من أم كلثوم، لدلالتها على ابن عمه. بل يقال: ان ما فعله بها كان سببا في موتها في اليوم الرابع، وبات ملتحفا بجاريتها (2). دوافع حمراء الاسد ونتائجها: لقد اتضح ممما تقدم بعض دوافع غزوة حمراء الاسد، ونتائجها، وللتذكير بذلك نعود فنقول:


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 333، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 / 47 عن البلاذري، والسيرة الحلبية ج 2 ص 261، وليراجع الكامل لابن الاثير ج 2 ص 165 ط صادر، وقاموس الرجال ج 10 ص 407 / 408، والبحار ج 20 ص 145، عن الكامل والمعتزلي، وأشار الى ذلك ابن هشام، وتاريخ الخميس، والسيرة النبوية لابن كثير، والبداية والنهاية ج 4 ص 51 وغير ذلك. (2) الكافي ج 3 ص 251 / 253. (*)

[ 308 ]

لقد عرف الرسول الاعظم (ص): أن نتائج حرب أحد، لولا خروجه الى حمراء الاسد سوف تكون: 1 - أن تستعيد قريش ثقتها بنفسها، ويزيد ذلك من اصرارها على حرب المسلمين، وتصلبها في موقفها تجاههم. 2 - أن تستغل ذلك اعلاميا، بحيث تضعف من مكانة محمد (ص) في نفوس القبائل، ويزيدون جرأد على مناجزته ومقاومته، ويسهل عليهم الاستجابة لدعوة حربه. 3 - أن يصبح سلطان النبي (ص) في المدينة في معرض التزلزل والضعف، بعد أن كان قد استقر وأدخل الرعب في نفوس كل مناوئيه في داخلها، سواء من المنافقين أو من اليهود. وقد دل على ذلك شماتة المنافقين، واليهود، واظهارهم السرور بما جرى. 4 - أن يوجب ذلك تزلزل ايمان ذوي النفوس الضعيفة، ويجعلهم عرضة لاصطياد الاخرين لهم. 5 - توقف من كان مهيئا نفسيا للدخول في الدين الجديد عن الدخول فيه، حتى تتضح له الامور، وينجلي الموقف. ولا سيما إذا كان اسلامه صوريا من أجل ضمان مصالحه، أو للحصول على مكاسب من نوع ما، حيث لا يبقى ثمة ضمانات للحصول على ذلك، ان لم يكن أصبح يخشى العكس. وعلى ضوء ما تقدم: فقد جاءت حمراء الاسد - التي ربما تبدو للوهلة الاولى غير معقولة - فغيرت الكثير من النتائج المتقدمة، وحولتها لصالح المسلمين، لان خروج هؤلاء الجرحى في أثر قريش، وهم لا يزيدون على سبعين رجلا على ما يظهر، في حين لم يكن في هذه الغزوة طمع في مال ولا في

[ 309 ]

غنائم، قد أوضح لكل أحد: أن هؤلاء مستميتون في الدفاع عن دينهم وعقيدتهم، وأن جراحهم تلك لم تحل دون اقدامهم على ملاحقة عدوهم، فهم يطلبون الموت ويسعون إليه، فالوقوف في وجه هؤلاء انما يعني الوقوف أمام خيارين: اما موت هؤلاء، ولا يموتون الا بعد أن يموت معهم كل من يقدرون عليه، واما موت عدوهم. وإذا كان جرحاهم على استعداد لمثل هذا، فما حال غيرهم ممن ورائهم، ممن سوف لن يسكتوا عن امدادهم ومساعدتهم ؟ !. واذن فخروج الجرحى كان هو الاصوب، لان رهبة العدو تكون أعظم، وخوفه يكون أشد، لانه يعلم أن وراءهم من لا يحب الحياة أكثر منهم. ولسوف يدرك عدوهم: أن ما جرى في أحد ليس الا نتيجة نزوة عارضة ألمت، ويصعب تكررها منهم، بعد الذي أصابهم بسببها. كما وتصير حجة من يريد التشكيك بقدرتهم الطبيعية على المواجهة - من المنافقين أو اليهود - ضعيفة وواهية، يصعب تقبلها. اذن، فمواجهة المسلمين وهم في قدرتهم الطبيعية، وحين لا يكون ثمة حالة استثينائية - كما جرى في أحد - سوف يكون عملا انتحاريا، لا مبرر له، ولا منطق يساعده. ولا سيما بعد أن تعلم المسلمون هذا الدرس الصعب، الذي كلفهم غاليا، فان احتمال حدوث حالة استثنائية بعده يكاد يلحق بالممتنعات. ولذلك فقد أوقد المسلمون خمسمائة نار، فكبت الله بذلك عدوهم، وأرجع كل القبائل المحيطة بالمدينة الى صوابها، وأفهمها: أن عليها أن لا تغتر بما جرى في أحد. كما أن عليها: أن تعرف: أنه لو كان ما جرى في أحد طبيعيا، لما

[ 310 ]

آثرت قريش الفرار من وجه سبعين من الجرحى. وهي التي ينبغي أن تكون أشد طغيانا وتجبرا، وأكثر اقداما على المسلمين من ذي قبل. وكان ينبغي - لو كان يمكنها - أن تغتنمها فرصة للقضاء على هذه القلة القليلة، المنهكة، والمثخنة بالجراح. وتقتل مصدر متاعبها وآلامها، وأعني به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مادام أنه في جماعة لا تستطيع أن تدفع عنه، ولا عن نفسها شيئا. ففي حمراء الاسد هزيمة نفسية، واعلامية لقريش، كما أن في ذلك اعطاء الفرصة لسائر القبائل لتقييم معركة أحد تقييما صحيحا وسليما، بعيدا عن الغرور والتضليل. وهي أيضا ابطال لكيد المنافقين واليهود، وتأييد لسلطان المسلمين في المدينة، وربط على قلوبهم، ورفع لمعنوياتهم. وهذا معنى قوله (ص): (فانها انكاء للعدو، وأبعد للسمع). ويلاحظ أخيرا: أن معبد الخزاعي قد ذكر لقريش: أن عليا قد يدركهم قبل أن يرتحلوا، فدعاهم ذلك الى التعجيل بالرحيل، قبل أن يدركهم أسد الله الغالب الامام علي بن أبي طالب. وهذا يؤكد على دوره الفريد والمتميز في الحاق الهزيمة النكراء بجيش المشركين في أحد، حتى صار يطلبه المشركون بثارات أحدية (1) أضيفت الى ثاراتهم البدرية، كما ورد التصريح به في أكثر من مورد في تأريخ الصدام فيما بين الحق والباطل بعد ذلك. قتل الاسيرين، وقصد قتل الاسيرين، وملاحظة موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم)


(1) البحار ج 36 ص 54 و 55 وج 43 ص 156، والمناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 203، وفي ط أخرى ج 1 ص 381، والعوالم ص 250. (*)

[ 311 ]

منهما تعطينا: أنه (ص) كان يعامل كل أحد - بالدرجة الاولى - على أنه انسان. ثم يقاوم فيه شركه وانحرافه بالاساليب الانسانية أولا أيضا. أي أنه يعتبره يحوي سائر الخصائص الانسانية، فيتعامل معه على أساس الصدق، والوفاء، والامانة وغير ذلك من خصائص انسانية. وذلك من أجل تشجيع هذه الخصائص، واعطائها الفرصة للنمو والتكامل، على أمل أن يكون ذلك موجبا لتسهيل مهمته التبليغية والاقناعية في المستقبل، ومن ثم لتلافي الكثير من المشكلات التي لا مبرر لها، وانما تخلقها النزوات غير الانسانية، في طريق الدعوة الى الله تعالى، والاقناع بالحق والخير. ولكنه حين يثبت له (ص): أن الطرف الاخر، لا ينطلق في مجمل مواقفه من خصائص انسانية، وانما من نزوات غير انسانية، ومن شيطنة، ومكر، فانه (ص) حينئد يقف منه الموقف الحازم الذي لابد منه. وهو يحسن إليه والى مجتمعه حينما يقضي على تلك الروح البهيمية، والنزوات الشيطانية فيه، لان الله قد خلقه ليكون انسانا، لا ليكون حيوانا، يحمل انسانيته كل مشقات ومتاعب النزوات الحيوانية تلك. كما أنه يكون قد أحسن لبناته اللواتي لن يكون في صالحهن: أن يكون المشرف على قضاياهن وشؤونهن مخلوقا لا يحمل - أو فقل -: لا أثر في حياته للخصائص والمزايا الاولية للانسان. وعليه، فإذا قبل النبي (X ص) أن يمن على أبي عزة الجمحي في بدر من أجل بناته، ثم رفض ذلك هنا، فانه لا يكون بين كلا موقفيه أي تناقض أو اختلاف، بل هو مصيب في الحالتين، وهو قد أحسن لبناته أول مرة، وكان احسانه لهن في هذه المرة أعم وأعظم. هذا كله عدا عن أنه (ص) يكون قد أعطى المثل الاعلى للمؤمن الواعي واليقظ، الذي لا يخدع ولا يستغل فانه: لا يلدغ المؤمن من جحر

[ 312 ]

مرتين. (راجع ما تقدم بعد بدر حول خصائص الشيعة). وفاة أم كلثوم وملابساتها: ويقولون: ان أم كلثوم بنت النبي، بل ربيبته قد توفيت في سنة تسع. ولكن ما يذكر في سبب وفاتها يؤكد: أنها قد توفيت في سنة ثلاث. فقد جاء في نوادر جنائز الكافي خبر طويل، تقدم شطر منه قبل صفحات قليلة، ونعود فنلخصه هنا على النحو التالي: ان عثمان قد آوى الذي جدع أنف حمزة (وهو معاوية بن المغيرة بن أبي العاص كما تقدم) وخبأه في مكان من داره، وأمر أم كلثوم: أن لا تخبر أباها فقالت، ما كنت لاكتم النبي (ص) عدوه. وخرج عثمان الى النبي (ص). وعرف النبي (ص) ذلك بواسطة الوحي، فأرسل عليا (عليه السلام) ليأتي به، فلم يجده، فجاء عثمان فأخذه، وطلب الامان له بالحاح، فقال له (ص): ان قدرت عليه بعد ثالثة قتلته، فأخذه عثمان، فجهزه، وانطلق. وبعد ثلاث أرسل النبي (ص) عليا وعمارا، وثالثا، ليقتلاه، لانه بات قريب المدينة، فأتاه علي (ع) فقتله. فضرب عثمان بنت النبي (ص)، وقال: أنت أخبرت أباك بمكانه، فبعثت الى النبي (ص) ثلاث مرات تشكون ما لقيت والنبي (ص) لا يستجيب. وفي الرابعة أرسل عليا ليأتي بها، فان حال بينه وبينها أحد، فليحطمه بالسيف، وأقبل النبي (ص) كالواله الى دار عثماه، فأخرجها علي، فلما نظرت الى النبي (ص) رفعت صوتها بالبكاء، وبكى النبي (ص)، وأخذها الى منزله، وأرتهم ما بظهرها. وبات عثمان ملتحفا بجاريتها.

[ 313 ]

وماتت في اليوم الرابع. فأمر النبي (ص) فاطمة، فخرجت، ونساء المؤمنين معها، وخرج عثمان يشيع جنازتها، فلما نظر إليه (ص)، قال ثلاث مرات: من أطاف البارحة بأهله، أو بفتاته، فلا يتبعن جنازتها، فلم ينصرف. فلما كان في الرابعة، قال: لينصرفن أو لأسمين باسمه. فأقبل عثمان متوكئا على مولى له، فقال: اني أشتكي بطني. قال: انصرف الخ (1). ونفس هذه القضية ذكرها الواقدي، والبلاذري، وغيرهما، الى أن انتهى الى أنهم أصابوه قد أخطأ الطريق، فقتله عمار وزيد - وذكروا: أنهم لما جاؤا ليأخذوه من منزل عثمان، أشارت أم كلثوم الى الموضع الذي صيره عثمان فيه، فاستخرجوه (2). ولكنهم لا يذكرون القسم الاخير من القضية، لاسباب لاتخفى. وجزم البلاذري بأن عليا (عليه السلام) هو الذي قتله (3). ولعل عائشة تشير الى هذه القضية بالذات، حينما قالت لعثمان عن رقية وأم كلثوم: (ولكن قد كان منك فيهما ما قد علمت).


راجع: الكافي ج 3 ص 251 - 253، وقاموس الرجال ج 10 ص 408 - 409 عنه. وراجع: الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 301، والاصابة ج 4 ص 304. (2) راجع: قاموس الرجال ج 10 ص 407 - 408، ومغازي الواقدي ج 1 ص 333، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 46 و 47 عن البلاذري، وليراجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 165 ط صادر، وبقية المصادر تقدمت قبل حوالي خمس صفحات. (3) أنساب الاشراف ج 5 ص 164، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 47 و 199 عن الجاحظ، و 239. (*)

[ 314 ]

فراجع ما ذكرناه في ما تقدم حينما تحدثنا حول وفاة رقية رحمها الله. والى ذلك أيضا يشير ما ورد في دعاء شهر رمضان: (اللهم صل على أم كلثوم بنت نبيك، والعن من آذى نبيك فيها) (1). ويلاحظ هنا: أن التعبير ب‍ (بنت نبيك) لا يدل على البنوة الحقيقية، إذ قد يكون المقصود بالبنت: الربيبة، فراجع ما ذكرناه في الرسالة الخاصة التي ألفناها حول هذا الموضوع، وهي بعنوان (بنات النبي (ص) أم ربائبه). وبعد ما تقدم، فان كل الاصابع لابد وأن تمتد لتشير الى عثمان، حينما نقرأ رواية عبد الرزاق التي تقول: ان بعض بناته (ص) جاءت تشكو زوجها، فأمرها (ص) بالرجوع (2)، لكن عليا (عليه السلام) - حسبما تقدم حين الكلام على تكنيته بأبي تراب - قد أقسم على أنه لم يغضب فاطمة الزهراء ولا أكرهها على أمر حتى قبضها الله تعالى. وهي أيضا كذلك. فكل القرائن تشير اذن الى صحة رواية جنائز الكافي، وتقوي من مضمونها، الامر الذي الذي يجعلن نطمئن الى أنها رضوان الله تعالى عليها قد توفيت بعد واقعة أحد، وبالذات في قضية الذي جدع أنف حمزة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، وأنها لم تقم مع عثمان الا قليلا. ثم اننا لا نستبعد صحة ما نقله في قرب الاسناد عن الصادق (ع):


(1) رجال المامقاني ج 3 ص 74، وقاموس الرجال ج 6 ص 406 و 407 وقال: (أقول: أما الدعاء، فذكره الشيخان في المقنعة، والتهذيب، عقيب تسبيح شهر رمضان، ونسبه الاول الى مجئ الاثار به، لكن ليس في نسخته الفقرة، نعم هي في الثاني). (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 11 ص 300، وهامش ص 301 عن سعيد بن منصور. (*)

[ 315 ]

من أن عثمان لم يدخل بأم كلثوم (1)، ويكون ذلك قرينة على أنها لم تعش معه مدة طويلة، ويقرب ذلك أنها ماتت بعد أحد حسبما تقدم. ولعلها قد تزوجته لايام قليلة فقط. وأما أن اسماء بنت عميس قد غسلتها، وهي قد عادت من الحبشة عام خيبر، أي في سنة سبع، فلعله اشتباه من الراوي. ويكون المراد أسماء بنت يزيد الانصارية، لكن الراوي زاد كلمة بنت عميس من عند نفسه جريا على ما استقر في نفسه، بسبب شهرة بنت عميس، وقد تقدم قبل وقعة أحد نظير ذلك في ولادة الامام الحسن (عليه السلام)، فليراجعه من أراد.


(1) رجال المامقاني ج 3 ص 73 / 74، وقاموس الرجال ج 10 ص 406 و 407 عن قرب الاسناد والخصال.

[ 317 ]

الباب الخامس شخصيات وأحداث

[ 319 ]

الفصل الاول: أوسمة وهمية لزيد بن ثابت.

[ 321 ]

بداية: اننا حين نتحدث عن بعض الشخصيات، وما ينسب إليها من مواقف ويرتبط بها من أحداث. فان سبب ذلك، اما أهمية ذلك الحدث بالذات. أو لان مناسبة البحث قد اقتضت ذلك أحيانا، أو من أجل معرفة الدور الذي قامت به تلك الشخصية أو أريد لها: أن تنال شرف انتسابه إليها، لسبب سياسي، أو غيره. وليس هدفنا من حديثنا ذاك مجرد مجاراة المؤرخين، ولا تكميل نقص لربما يجد البعض فيه مستمسكا للتقليل من أهمية الكتاب بصورة عامة. ولا غير ذلك مما يدخل في نطاق الشكليات والهامشيات، التي تستند الى بواعث غير مسؤولة، ولا هي ذات أهمية أو قيمة تذكر. كما أن ذكرنا للحدث، قد يكون مرده بالاضافة الى ذلك: الى الرغبة في تسجيل تحفظ على ما أوردوه على أنه حقيقة وواقع، أو تصحيح خطأ، أو ابراز الجانب السياسي، الذي هيمن على ذلك الحدث، وأثر فيه. أو تسجيل عبرة نجدها جديرة بالتسجيل للاستفادة منها في الموقع المناسب. هذا بالاضافة الى أن جمع أطراف البحث، وملاحقة عناصر متفرقة ووضعها في موضعها يساهم الى حد كبير في تسهيل التعرف على ملامح الصورة التي تمس الحاجة للتعرف عليها، وتتشوق النفوس إليها.

[ 322 ]

هذا الى أمور أخرى، لا تبتعد كثيرا عن هذا المنحى في مسارها العام. وعلى هذا الاساس: فاننا قد أولينا قسطا من الاهمية لمتابعة الاحداث، التي ترتبط ببعض الشخصيات، التي عاشت في العصر النبوي، وبعده وكان لها دور رئيس في صنع الاحداث، وفي تهيئة الاجواء والظروف لها. على أمل أن نكون قد أسهمنا بدورنا في حصحصة الحق، وكشف الزيف، وازالة الشبهات. ونبدأ هنا بالحديث عن أمر ذكر: أنه يرتبط بزيد بن ثابت، فعسى أن نجد فيه، وفيما يأتي من فصول. ما ينفع ويجدي. فنقول. الحدث المشكوك: ان المطالع للتأريخ الاسلامي، ولكتب التراث بصورة عامة يجد الكثير من الامور، التي أصبح لها من الشيوع والذيوع، بحيث تبدو من الحقائق الثابتة التي لاتقبل الجدل، ولا يجوز أن تخضع للمناقشة. وأصبح الكتاب والمؤلفون، يرسلونها ارسال المسلمات ويوردونها مستدلين بها، على ما يرونها قادرة على اثباته، أو الدلالة عليه. مع ان نفس هذه القضايا لو أخضعها الباحثون للبحث، وللتحقيق والتمحيص، لخرجوا بحقيقة: أنها من الامور الزائفة والمجعولة، التي صنعتها الاهواء السياسية، والتعصبات المذهبية، أو العرقية، أو غيرها. أو على الاقل لوجدوا الكثير مما يوجب الشك والريب فيها، ومن ثم ضعفها، ووهنها، أو لوقفوا على كثير من موارد التحريف والتلاعب فيها. وقد يجوز لنا القول: ان ما يروى، من أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرانية أو السريانية، يصلح مثالا

[ 323 ]

لهذا الامر، ولاجل ذلك فقد رأينا من المناسب أن نشير الى بعض ما تلزم الاشارة إليه في هذه القضية وغيرها تاركين الحكم في ذلك نفيا أو اثباتا، الى القارئ الكريم، الذي يملك كامل الحرية في أن يقبل، وفي أن يرد، إذا اقتضى الامر أيا من الرد، أو القبول. فنقول: روايات تعلم زيد العبرانية أو السريانية: تؤرخ بعض المصادر: أنه في السنة الرابعة للهجرة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) زيد بن ثابت بتعلم السريانية أو العبرانية، معللا ذلك: بأنه لا يأمن اليهود على كتابه (1)، فقد روى الترمذي، عن زيد بن ثابت، قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أتعلم كتاب يهود، قال: ما آمن يهود على كتاب. قال: فما مربي نصف شهر، حتى تعلمته له. قال: فلما تعلمته كان إذا كتب الى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (2). وفي نص آخر: لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 464، والبداية والنهاية ج 4 ص 91، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 176، وراجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 176، وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 230. (2) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 67، 68، ومشكل الاثار ج 2 ص 421، والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 211، وفتوح البلدان للبلاذري ص 583 والتراتيب الادارية ج 1 ص 203 و 204، عن البخاري، وعن الطحاوي في مختصره ومسند أحمد ج 5 ص 186. (*)

[ 324 ]

قال لي: تعلم كتاب اليهود، فاني والله ما آمن اليهود على كتابي (1) ولم يذكر قوله: فلما تعلمته الخ. قال الترمذي: وقد روي من غير هذا الوجه، عن زيد بن ثابت. قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أتعلم السريانية (2). وفي نص آخر: عن زيد بن ثابت، قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه يأتيني كتب من ناس، لا أحب أن يقرأها أحد، فهل تستطيع أن تتعلم كتاب العبرانية، أو قال: السريانية ؟ فقلت: نعم. قال: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة (3). ومثله في نص آخر، عن زيد بن ثابت، لكنه جزم بأنه أمره بتعلم السريانية ولم يردد في ذلك (4).


(1) طبقات ابن سعد ج 2: 115، ومنتخب كنز العمال - بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185، وحياة الصحابة ج 3 ص 216 عن أبي يعلى، وابن عساكر، وسنن أبي داود ج 3 ص 318 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 75 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصحيح البخاري ج 4 ص 156 وليس فيه ذكر لمدة تعلمه. (2) الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 68. (3) طبقات ابن سعد ج 2 ص 115، وكنز العمال ج 16 ص 9 عن ابن عساكر، وابن أبي داود في المصاحف، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 31، وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 عن أحمد، وأبي يعلى، ومنتخب كنز الهمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185 وحياة الصحابة ج 3 ص 216، والتراتيب الادارية ج 1 ص 120 و 204 وراجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 422 وتهذيب الكمال ج 10 ص 28. (4) راجع: كنز العمال ج 16 ص 9 عن ابن عساكر وابن أبي داود، وغيرهما وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 و 447 عن أحمد، وأبي يعلى، ومسند أحمد ج 5 ص 182، والاصابة ج 1 ص 561، ومشكل الاثار ج 2 ص 421، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 422، وتلخيصه للذهبي - بهامشه، والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 = (*)

[ 325 ]

وفي رواية أخرى: عن زيد بن ثابت أيضا، قال: أتي بي النبي (صلى الله عليه وآله) مقدمه المدينة، فعجب بي، فقيل له: هذا الغلام من بني النجار، قد قرأ مما أنزل عليك بضع عشرة سورة، فاستقرأني، فقرأت (ق) فقال لي: تعلم كتاب يهود، فاني ما آمن يهود على كتابي: فتعلمته في نصف شهر (1)، الى آخر ما تقدم في الرواية الاولى. وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان زيد بن ثابت يتعلم في مدارس ماسكة، فتعلم كتابهم في خمس عشرة ليلة، حتى كان يعلم ما حرفوا وبدلوا (2). وقال الكتاني: (قلت في بهجة المحافل لابن عبد البر: أنه تعلمها


= ص 211، ومنتخب كنز العمال - بهامش مسند أحمد ج 5 ص 185، وحياة الصحابة ج 3 ص 350، والاستيعاب - بهامش الاصابة ج 1 ص 552، والتراتيب الادارية ج 1 ص 203 و 204 عن بعض من تقدم، عن ابن أبي داود في المصاحف، والاحكام الصغرى لابي بكر ابن شيبة وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 429 وبهجة المجالس ج 1 ص 356. (1) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 464، 465، وقال: كذا رواه ابن أبي الزناد، واحمد، ويونس، عند أبي داود وداود بن عمرو الضبي، وسعيد بن سليمان الواسطي، وسليمان بن داود الهاشمي، وعبد الله بن وهب، وعلي بن حجر، وحديثه عند الترمذي كذا ذكره السخاوي في الاصل الاصيل. وكنز العمال ج 16 ص 8 عن ابن عساكر، وغيره، ومسند أحمد ج 5 ص 186 والاصابة ج 1 ص 561 عن البخاري والبغوي وأبي يعلى، والتراتيب الادارية ج 1 ص 203، 204، عن البخاري. وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 31 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 428، و 429 وتهذيب الكمال ج 10 ص 28 وراجع الثقات ج 1 ص 246. (2) كنز العمال ج 16 ص 8، 9 عن ابن عساكر، وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 176، والتراتيب الادارية ج 1 ص 204 عن ابن عساكر. وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 446 عن ابن سعد والبداية والنهاية ج 4 ص 91. (*)

[ 326 ]

في ثمانية عشر يوما) (1). وقالوا عن زيد بن ثابت: (وكان يكتب بالعربية والعبرانية) (2)، أو (السريانية) (3). وقال ابن الاثير الجزري: (كانت ترد على النبي (صلى الله عليه وآله) كتب بالسريانية، فأمر زيدا، فتعلمها) (4). وقال الذهبي: (قدم النبي صلى الله عليه وآله، وزيد صبي ذكي نجيب، عمره احدى عشرة سنة، فأسلم، وأمره النبي (صلى الله عليه وآله): أن يتعلم خط اليهود، فجود الكتابة، الى آخره) (5). المناقشة: وبعد، فان لنا على تلكم الروايات ملاحظات عدة، توجب لنا الشك والريب في سلامتها وصحتها، ونذكر من هذه الملاحظات ما يلي: أ: اننا نجدها مختلفة فيما بينها، بصورة واضحة، الامر الذي يشير الى أنه لا يمكن أن تصح جميعها، فواحدة تقول: انه أمره بتعلم السريانية، وأخرى: العبرانية، بل لقد وقع الترديد بينهما حتى في الرواية


(1) التراتيب الادارية ج 1 ص 203 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 429 وبهجة المجالس ج 1 ص 356. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 421، وتلخيصه للذهبي بهامش ص 422 منه، وفتوح البلدان للبلاذري ص 583 والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 160. (3) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 160. (4) أسد الغابة ج 2 ص 222، وعنه في قاموس الرجال ج 4 ص 239، وتنقيح المقال ج 1 ص 462، ومكاتيب الرسول ج 1 ص 21 عنه أيضا. (5) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 30 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 427، 428. (*)

[ 327 ]

الواحدة. ورواية تذكر: أنه قد تعلمها في أقل من نصف شهر، وأخرى: انه تعلمها في خمسة عشر يوما، في سبعة عشر يوما، ورابعة: في ثمانية عشر يوما. ورواية تقول: انه أمره بتعلمها لانه لا يأمن يهود على كتابه، وأخرى تقول: أنه أمره بذلك، لانه تأتيه كتب لا يحب أن يطلع عليها كل أحد. ورواية تفيد: أنه قد أمره بذلك حين مقدمه المدينة. بينما تذكر أخرى: انه انما أمره بذلك في السنة الرابعة، وتعلمها حينئذ. هذا كله مع أن الراوي لذلك كله رجل واحد، وهو المصدر الوحيد لما قاله ويقوله الكتاب والمؤرخون على الظاهر، في هذا المجال. ب: اننا نلاحظ: أن الراوي لهذه القضية هو خصوص زيد بن ثابت بطل القصة نفسه، ولم نجدهم نقلوا ذلك عن غيره، رغم أهمية هذا الامر وكونه ملفتا للنظر، ورغم أننا نجدهم يسجلون لنا حتى أبسط الحركات التي تصدر عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله). وواضح: أن هذه القضية ترمي الى اثبات فضيلة لنفس ناقلها، فليلاحظ ذلك. ج: اننا - رغم تفحصنا - لم نعثر ولو على نص واحد، لرسالة واحدة أرسلها النبي (صلى الله عليه وآله)، أو وصلت إليه من غيره تكون مكتوبة بغير العربية. كما أننا لم نجد حتى ولو اشارة واحدة الى أية رسالة وصلت إليه من أحد أو أرسلها الى أحد قيل انها ترجمت له (صلى الله عليه وآله) من أي لغة أخرى الى اللغة العربية، أو بالعكس. بل قد وجد عدد من الرسائل المنسوبة إليه (صلى الله عليه وآله) في

[ 328 ]

بعض المتاحف والمكتبات الخاصة، كان قد أرسلها الى كسرى، والى النجاشي، والى المقوقس. ويميل العلماء والمحققون الى الجزم بأنها هي بعينها، التي كان (صلى الله عليه وآله) قد أرسلها إليهم. نعم، لقد وجدت هذه الرسائل وكانت كلها مكتوبة باللغة العربية خاصة، وبالخط العربي، فراجع مجموعة الوثائق السياسية للبروفيسور حميد الله لتطلع على صور هذه الرسائل، وراجع أيضا مكاتيب الرسول للعلامة البحاثة الشيخ علي الاحمدي الميانجي. وغيرهما من الكتب والمصادر. ومما يدل على ذلك: أن الرواية تنص على أن قيصر قد طلب ترجمانا ليقرأ له كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). نعم، هناك رسالة واحدة مكتوبة باللغة العبرية، حكم العلماء والباحثون عليها بصورة قاطعة بالوضع والاخلاق، فراجع الكتابين آنفي الذكر. فأين ذهبت تلكم الرسائل التي كتبها زيد بن ثابت باللغة العبرية أو السريانية، أو ترجمها منها الى العربية ! ولماذا لم يشر التاريخ، ولو الى واحدة منها ؟ ان ذلك لعجيب حقا ؟ ! وأي عجيب ! ! ! د: والاعجب من ذلك أن بعض المصادر تذكر: أن زيد بن ثابت كان من أكثر كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) كتابة له (2). وعبارة ابن عبد البر: (كان كاتبه المواظب له في الرسائل والاجوبة) (3) ويذكرون أيضا: أنه كان مختصا بالكتابة الى الملوك (4)، وأنه


(1) راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 109. (2) تهذيب الاسماء ج 1 ص 29، والرصف ج 1 ص 148. (3) بهجة المجالس ج 1 ص 356. (4) راجع: التنبيه والاشراف ص 246، والوزراء والكتاب ص 12، والعقد الفريد = (*)

[ 329 ]

كان يكتب له (صلى الله عليه وآله) إذا كتب الى اليهود، ويقرأ له كتبهم. فإذا كان كذلك فما بالنا نجند اسم كثير من الكتاب في أسفل الكتب التي كتبوها، فيقول في آخر الكتاب: وكتب فلان، أو: وكتب فلان وشهد، أو نحو ذلك - وهي طائفة كثيرة - ولا نجد اسما لزيد بن ثابت في أي من الكتب التي وصلتنا، الا على صفة الشاهد على بعض الكتب النادرة حدت ؟ ! نعم، اننا لم نجد له اسما لا على الكتب الى الملوك، ولا على الكتب الى اليهود، مع وجود أسماء كثيرين من الكتاب الاخرين على طائفة كبيرة منها. بل، لقد وجدنا أسماء آخرين كانوا قد كتبوا الى الملوك، والى اليهود أيضا فليلاحظ: كتاب مفاداة سلمان من عثمان بن الاشهل اليهودي القرظي، فقد كتبه أمير المؤمنين علي (عليه السلام). وكتابه (صلى الله عليه وآله) الى جيفر، وعبد، ابني الجلندي، وهما من الملوك، وهو بخط أبي بن كعب. وكتابه الى المنذر بن ساوي وهو من ملوك البحرين، بخط أبي. ومعاهدة يهود مقنا، هي أيضا بخط أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام. وكتابه (صلى الله عليه وآله) ليهود بني عاديا من تيماء، كتبه خالد بن سعيد. وكذا كتابه ليهود بني عريض، كتبه خالد بن سعيد أيضا. ويقال: ان معاوية أيضا قد كتب الى المهاجر بن أبي أمية، وربيعة


= ج 4 ص 161، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 134، والتراتيب الادارية ج 1 ص 202. (*)

[ 330 ]

بن ذي الرحب من حضرموت (1). كما أن كتابه (صلى الله عليه وآله) الذي أجاب به النجاشي الاول، قد كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) (2). ولعل المتتبع يجد أمثلة كثيرة سوى ما تقدم، فأين كان زيد بن ثابت عن ذلك، وعن سواه ياترى ؟ ! ه‍: اننا نجد أن بعض الروايات المتقدمة تقول: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد علل طلبه من زيد تعلم اللغة العبرانية، أو السريانية، بأنه تأتيه كتب، ولا يحب أن يطلع عليها كل أحد، فاحتاج الى أن يأمر زيدا بذلك، مع أنه قد كان آخرون غير زيد بن ثابت يعرفون العبرانية أو السريانية، وفيهم من هو من فضلاء الصحابة وثقاتهم، ومن مثل سلمان الفارسي ! الذي هو من أهل البيت، فانه كان قد قرأ الكتابين (3)، فلماذا لا يعطيه النبي (صلى الله عليه وآله) كتبه التي لا يحب أن يطلع عليها كل أحد، ليقرأها له، فانه لا ريب في أمانته ودينه، وكونه عبدا لذلك القرظي لا يمنعه من ذلك، كما لم يمنعه من حضور حرب بدر وأحد. (كما سيأتي). مع أن مراسلاته (صلى الله عليه وآله) للملوك قد بدأت بعد ذلك كما هو معلوم من التاريخ. أضف الى ذلك: أنه قد تحرر قبل غزوة الخندق، وهي في الرابعة كما هو الظاهر أو في الخامسة على أبعد تقدير كما تحدثنا عن ذلك في


(1) راجع فيما تقدم: مجموعة الوثائق السياسية، ومكاتيب الرسول. (2) راجع مكاتيب الرسول ج 1 ص 31. (3) راجع ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 48، وتاريخ بغداد ج 1 ص 164، والطبقات الكبري لابن سعد ج 4 قسم 1 ص 61، وحلية الاولياء ج 1 ص 187، قاموس الرجال ج 4 ص 424 و 233 عن الجزري. (*)

[ 331 ]

كتابنا (حديث الافك). وستأتي الاشارة الى ذلك في موضعه من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى. وقد تقدم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر زيدا بتعلم تلك اللغة في السنة الرابعة. أضف الى ذلك: أنهم يقولون: ان الحبر اليهودي عبد الله بن سلام قد أسلم في أول قدوم النبي (صلى الله عليه واله) الى المدينة، وقد ادعوا نزول الايات في تقريضه ومدحه، فلماذا لايقرء للنبي (صلى الله عليه وآله) ما سوف يأتيه من رسائل ؟ ! كما أنهم يقولون: ان عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يقرأ بالسريانية (1). ويقول الدكتور جواد علي: (ومنهم مثل زيد بن ثابت من كتب له بالعربية، وبالعبرانية، أو بالسريانية، وذكر أن بعضهم كان مثل زيد بن ثابت يكتب بغير العربية أيضا (2). فلماذا ذكر اسم زيد بن ثابت ولم تذكر أسماء أولئك ؟. و: قد ذكروا: أن حنظلة بن الربيع كان يقوم مقام جميع كتابه (ص) بما فيهم زيد بن ثابت، إذا غاب أحد منهم حتى سمي حنظلة الكاتب (3)، الامر الذي يشعر بأنه كان أيضا يحسن الكتابة بغير العربية، كزيد. كما أنه يدل على أنه كان ينوب عن زيد في الكتابة الى اليهود،


(1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 2 ص 11. (2) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 120. (3) راجع: التنبيه والاشراف ص 245، والوزراء والكتاب ص 12 - 13، والعقد الفريد ج 4 ص 161، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 4 ص 126 و 309 و 131. (*)

[ 332 ]

والى الملوك. (راجع الهامش) (1). فإذا كان كذلك، فلماذا لم يعتمد النبي (صلى الله عليه وآله) على حنظلة، أو على غيره ممن أشار إليهم الدكتور جواد علي، فان الحاجة ترتفع بهم، ولا يبقى (صلى الله عليه وآله) بحاجة الى اليهود (الذين كانوا غير مأمونين) لا في الترجمة، ولا في الكتابة. ويلاحظ هنا: أنهم لم يبخلوا على زيد في هذا المجال، فقد أتخموه بالاوسمة، وأغرقوه بآيات الثناء، ويكفي أن نذكر: أنهم جعلوه عالما، ليس فقط بالعربية قراءة وكتابة، وكذلك بالعبرانية، أو السريانية، وانما أضافوا الى ذلك: أنه كان يترجم للنبي (صلى الله عليه وآله) بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية (2). وأنه قد تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب النبي، والحبشية من خادم النبي (صلى الله عليه وآله) والقبطية من خادم النبي أو خادمته (صلى الله عليه وآله) (3). ولا ندري لماذا لم يتعلم الفارسية من سلمان، والرومية من صهيب والحبشية من بلال، فان كلا منهم كان يجيد هذه اللغات بما لا مزيد عليه ؟ !


(1) ولكننا لم نعثر حتى على رسالة واحدة، أو على أي شئ ذكر فيه اسم حنظلة هذا على أنه قد كتبه، وهذا أمر يثير العجب حقا ! ! فلعل خصوم أهل البيت قد منحوه هذا الوسام لانه اعتزل عليا (عليه السلام) ولم يشترك في حروبه. (2) راجع التنبيه والاشراف ص 246، والتراتيب الادارية ج 1 ص 202 عن: (العمدة) للتلمساني، وعن ابن هشام في (البهجة) وعن كتاب: (التعريف برجال مختصر ابن الحاجب) لابن عبد السلام، وعن (الاعلام بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله)، والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 133. (3) العقد الفريد ج 4 ص 161، والتراتيب الادارية ج 1 ص 202. (*)

[ 333 ]

كما لا ندري لماذا لم نجد أية اشارة لكتاب مترجم من هذه اللغات الى العربية أو من العربية إليها، أو غير ذلك، مما يحتاج الى الترجمة ؟ ! ز: لقد روي عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: كان غلام من اليهود، يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) كثيرا حتى استخفه (استحقه) وربما أرسله في حاجة، وربما كتب له الكتاب الى قوم، فافتقده أياما فسأل عنه، فقال له قائل: تركته في آخر يوم من أيام الدنيا، فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله) الخ (1). ح: وأخيرا، فلا ندري ما حاجة النبي (صلى الله عليه وآله) الى الترجمة، مع أن جمعا من المحققين قد أثبتوا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعرف جميع اللغات، فلا يحتاج الى مترجم ولا الى غيره، وقد كلم سلمان بالفارسية، وتكلم بغيرها من اللغات أيضا الخ.. (2). ط: وأما قوله في الرواية: انه (صلى الله عليه وآله) أمره بذلك حين قدومه المدينة، ثم روايتهم: أنه كان يكتب في الجاهلية (3)، فينافيه قولهم: انه تعلم الكتابة من أسرى بدر (4). ملاحظتان: الاولى: قال العلامة المحقق الشيخ علي الاحمدي الميانجي، بعد أن تكلم حول معرفته (صلى الله عليه وآله) باللغات، عربيها، وعجميها،


(1) الامالي للصدوق ص 356 والبحار ج 78 ص 234 وج 6 ص 26. (2) راجع التراتيب الادارية ج 1 ص 208 - 209، ولعل أحسن من تكلم في هذا الموضوع: العلامة المحقق الشيخ علي الاحمدي في كتابه، مكاتيب الرسول ج 1 ص 15 - 16 فليراجع. (3) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 120. (4) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 133 و 292. (*)

[ 334 ]

وأيد ذلك بنقل المؤرخين والمحدثين أنه (صلى الله عليه وآله) كان يتكلم مع كل قوم بلسانهم، قال حفظه الله: (ولكنه (صلى الله عليه وآله) كتب الى ملوك العجم كقيصر، وكسرى، والنجاشي بلغة العرب، مع أن الجدير أن يكتب الى كل قوم بلسانهم، اظهارا للمعجزة، واستحداثا للالفة، فما الوجه في ذلك ؟ ! وأي فائدة في الكتابة بالعربية ؟ وأي وازع في الترقيم بالعجمية ؟ ! والذي يقضي به التدبر، وينتهي إليه الفكر: أن الفائدة في ذلك هو حفظ شؤون الملة الاسلامية، وصونا لجانب الاستقلال والعظمة، ألا ترى أن الامم الراقية المتمدنة يسعون في انتشار لسانهم في العالم، حتى تصير لغتهم لغة عالمية، اعمالا للسيادة، وتثبيتا للعظمة. فكأنه (صلى الله عليه وآله) يلاحظ جانب الاسلام، وأنه يعلو ولا يعلى عليه، وأن لغة القرآن لابد وأن تنتشر، وتعم العالم، لان القرآن كتاب للعالم، فعظمة القرآن، وعموم دعوته، وعظمة النبي الاقدس، ورسالته العالمية، تقضي أن يكتب إليهم بلغة القرآن. فعلى ملوك العالم، والعالم البشري أن يتعلموا لسانه المقدس. ولغته السامية، لغة القرآن المجيد، تثبيتا لهذا المرمى العظيم، والغرض العالي) (1). الثانية: وبعد، فاننا لاننكر أن يكون زيد بن ثابت قد تعلم شيئا من العبرانية أو السريانية، قليلا كان ذلك أو كثيرا، ولكننا نشك في أن يكون النبي (ص) هو الذي طلب منه ذلك، ونشك كذلك في أن يكون قد كتب له (صلى الله عليه وآله) بهذه اللغات، أو ترجم له شيئا من الكتب التي أتته، فان الروايات المتقدمة لا تكفي لاثبات ذلك على الاطلاق بل قدمنا ما يوجب ضعفها ووهنها ولابد لاثبات ذلك من اتعماد أدلة وشواهد


(1) مكاتيب الرسول ج 1 ص 16 - 17. (*)

[ 335 ]

أخرى، لا نراها متوفرة فيما بأيدينا، من نصوص ومصادر، بل ان ما بأيدينا يؤيد ان لم يكن يدل على خلاف ذلك، كما ألمحنا إليه. والظاهر: أن الهدف هو اثبات فضيلة لزيد بن ثابت، وان كانت كل الدلائل والشواهد تشير الى خلافها، مادام لا يخطر ببال أحد: أن يبحث حول ثبوت ذلك وصحته بنظرهم. وسنتكلم عن سر تكرمهم بالفضائل لهذا الرجل في آخر هذا الفصل ان شاء الله تعالى. ونذكر من الفضائل التي أضيفت الى زيد بن ثابت أيضا ما يلي: علم زيد بالفرائض: سيأتي أن عمر وعثمان ما كانا يقدمان على زيد في الفرائض أحدا. وقد خطب عمر الناس، فكان مما قال: (ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت) (1). وادعوا: أنه كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالفرائض (أي فرائض الارث) (2). ولكننا نقول: اننا نجد في مقابل ذلك: 1 - أن مسروقا - وان كنا نعتقد أن ذلك لدوافع سياسية - يقول عن عائشة: أنه رأى: (أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يسألونها


(1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 272 - 273 وسنن البيهقي ج 6 ص 210، وطبقات ابن سعد ج 2 ص 115، ومجمع الزوائد ج 1 ص 135، والغدير ج 6 ص 191 - 192، وراجع ج 5 ص 361 وج 8 ص 64 ففيه مصادر أخرى. (2) تهذيب الاسماء ج 1 ص 201 وراجع المصادر المتقدمة، وترجمة زيد بن ثابت في مختلف المصادر. (*)

[ 336 ]

عن الفرائض 9 (1). 2 - ان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد رفضوا دعوى أعلمية زيد بالفرائض، فقد روي عن الامام الباقر (عليه السلام)، قال: الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية (2). 3 - وقد ألف سعد بن عبد الله القمي كتاب: احتجاج الشيعة على زيد بن ثابت في الفرائض (3). وقد ذكر ابن شادان في الايضاح طائفة من مسائل الارث لم يوفق زيد للصواب فيها، فليراجعه من أراده (4). وقال: (... وأما فرائض زيد، فلم يبق أحد من الصحابة، الا وقد اعترض عليه فيما فرض). 4 - عن سعيد بن وهب، قال: قال عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب (عليه السلام) (5). وهذا هو الحق الذي لا محيص عنه، فانه (عليه السلام) باب مدينة العلم، ولكن قاتل الله السياسة وألاعيبها.


(1) الزهد والرقائق ص 382. (2) التهذيب للشيخ الطوسي ج 6 ص 218، والكافي ج 7 ص 407، والوسائل ج 18 ص 11، وقاموس الرجال ج 4 ص 239. وتنقيح المقال ج 1 ص 461 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 118. (3) رجال النجاشي ص 178 وقاموس الرجال ج 4 ص 240. (4) الايضاح ص 315 فما بعدها. (5) أنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 105، وفي هامشه عن: الفضائل لاحمد بن حنبل حديث رقم 11 من فضائل علي، وعن أخبار القضاة ج 1 ص 89 بثلاثة طرق. (*)

[ 337 ]

ملاحظة: بالنسبة لشهادة الامام الباقر (عليه السلام) بأن زيد بن ثابت قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية. لعله لان زيد بن ثابت كان يفتي برأيه، حسب اعترافه فيما سيأتي، ولعل عامة ما كان يفتي به كان خطأ، على حد قوله نفسه، وكذلك وجود بعض الرواسب في نفسه وفي فكره وكون دين الله لا يصاب بالعقول - لعل كل ذلك - هو السبب في أن زيدا قد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية. وقد جرت بين زيد وبين أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض المساجلات في مجال الفرائض لم يستطع زيد أن يقدم الجواب الكافي في مقابل ما بينه له أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلك المسألة، فان مكاتبة زنت، وقد عتق منها ثلاثة أرباعها، فقال (عليه السلام): يجلد منه بحساب الحرية ويجلد منها بحساب الرق، وقال زيد بن ثابت: تجلد بحساب الرق، فاعترض عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنه هلا جلدها بحساب الحرية، فانها فيها أكثر، فقال زيد: لو كان كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية. فقال (عليه السلام): أجل ذلك واجب، فأفحم زيد (1). ولكن عثمان خالف عليا، وصار الى قول زيد رغم ظهور الحجة عليه. ولعل هذه الارهاصات في علم زيد بالفرائض قد أريد منها أن يعوض عن فشله ذاك بمنحه أوسمة الجدارة مضادة لعلي (عليه السلام) وتنكرا له. أبو عمر والراية لزيد في تبوك: قال أبو عمر: (... وكانت راية بني مالك بن النجار في تبوك مع


(1) راجع قاموس الرجال ج 4 ص 240 عن ارشاد المفيد. (*)

[ 338 ]

عمارة بن حزم، فأخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفعها الى زيد بن ثابت. فقال عمارة: يارسول الله، أبلغك عني شئ ؟ ! قال: لا ولكن القرآن مقدم، وزيد أكثر منك أخذا للقرآن. وهذا عندي خبر لا يصح، والله أعلم (1). ونزيد نحن هنا: أنه لو كان الامر كذلك للزم أن يعطي الراية الى أبي بن كعب، سيد القراء، فلماذا خص بها زيدا دونه. فان كلا منهما من أبناء مالك بن النجار، فهل كان زيد أقرأ من أبي ؟ ! الذي وصفه رسول الله (ص) كما في بعض الروايات بأنه أقرأ الامة (2)، أم أنهم يقولون: انه شهد بدرا، والمشاهد كلها (3). ولماذا لا يجري النبي (صلى الله عليه وآله) هذه القاعدة في سائر الموارد، وذلك بالنسبة لابن مسعود في المهاجرين، وكذا غيره ممن نص التاريخ على أنهم قد حفظوا القرآن، وجمعوه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ !. زيد وجمع القرآن: وقد أشارت رواية أخذه الراية في تبوك، الى كثرة أخذ زيد للقرآن،


(1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 552، والخبر في مستدرك الحاكم ج 3 ص 421، ومغازي الواقدي ج 3 ص 1003، والاصابة ج 1 ص 561، وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 449، وتهذيب الاسماء ج 1 ص 201، وأسد الغابة ج 2 ص 222. (2) راجع كتابنا حقائق هامة حول القرآن فصل: ماذا عن جمع القرآن في عهد الخلفاء. (3) الاصابة ج 1 ص 19. (*)

[ 339 ]

كما أنهم يذكرون لزيد مقاما فريدا بالنسبة لجمع القرآن، في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ يقال: (ان زيد بن ثابت شهد العرضة الاخيرة، التي بين فيها ما نسخ، وما بقي، وكتبها الرسول، وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر، وجمعه، وولاه عثمان كتب المصاحف) (1). وقال ابن قتيبة: (وكان آخر عرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) القرآن على مصحفه) (2). وصحح أبو عمر حديث أنس: أن زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). ونقول: لقد تحدثنا عن دور زيد في جمع القرآن على عهد الخلفاء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتابنا (حقائق هامة حول القرآن) وقلنا هناك. ان جمع القرآن قد حصل في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه، وأثبتنا ذلك بالادلة الكثيرة. وقلنا أيضا: ان محمد بن كعب القرظي لم يذكر زيد بن ثابت في عداد من جمع القرآن في عهد الني (صلى الله عليه وآله). وقلنا كذلك: ان رواية جمع زيد للقرآن في عهد أبي بكر تعاني من اشكالات أساسية لا مجال لتجاهلها، وأن الصحيح: هو أنه قد جمع مصحفا


(1) الاتقان ج 1 ص 50 عن البغوي في شرح السنة وراجع تاريخ القرآن للزنجاني ص 39 - 40. (2) المعارف ص 260 وعنه في المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 134 وراجع البرهان للزركشي ج 1 ص 237. / (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 552. (*)

[ 340 ]

شخصيا للخليفة، الذي لم يكن يملك مصحفا تاما. وقال أبو عمر: عن حديث جمع زيد للقرآن في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله): (... وقد عارضه قوم، بحديث ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت: أن أبا بكر أمره في حين مقتل القراء باليمامة، بجمع القرآن، قال: فجعلت أجمع القرآن من العسب، والرقاع، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر آية من التوبة، مع رجل يقال له: خزيمة، أو أبو خزيمة. قالوا: فلو كان قد جمع القرآن على عهد رسول الله لاملاه من صدره، وما احتاج الى ما ذكر. قالوا: وأما خبر جمع عثمان للمصحف، فانما جمعه من الصحف، التي كانت عند حفصة، من جمع أبي بكر..) (1) انتهى كلام أبي عمر. وأما بالنسبة لشهود زيد للعرضة الاخيرة، فاننا نجد في المقابل مصادر كثيرة تذكر: أن ابن مسعود هو الذي شهد العرضة الاخيرة (2). وعلى كل حال، فان تفصيل الكلام في هذا الامر موجود في كتابنا: الذي ألمحنا إليه آنفا، فمن أراد المزيد فليرجع إليه.


(1) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 552. (2) راجع طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 104 وص 4، وكنز العمال ج 2 ص 224 - 225 عن ابن عساكر، وكشف الاستار عن مسند البزار ج 3 ص 251 ومجمع الزوائد ج 9 ص 288 عن أحمد، والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، وفتح الباري ج 9 ص 40 و 41 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 322، ومشكل الاثار ج 1 ص 115 وج 4 ص 196. (*)

[ 341 ]

الفضائل والسياسة: وبعد، فاننا قد تعودنا ن المخالفين لاهل البيت عليهم السلام، ابتداء من الامويين ثم العباسيين، محاولاتهم الدائبة للحط من علي (عليه السلام)، وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم والتستر على فضائله. ومزاياه، واظهار العيب له. وقد قال المغيرة بن شعبة لصعصعة: (واياك أن يبلغني عنك: أنك تظهر شيئا من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا باظهار عيبه للناس) (1). والنصوص الدالة على هذه السياسة كثيرة جدا، بل هي فوق حد الاحصاء. ومن جهة أخرى فانهم يعملون على اظهار التعظيم الشديد، لكل من كان على رأيهم، ويذهب مذهبهم، ويصنعون لهم الفضائل، ويختلقون لهم الكرامات، وذلك أمر مشهود وواضح، وقد أشرنا إليه غير مرة. والمراجع لحياة زيد بن ثابت، ولمواقفه السياسية يجد: أنه كان منحرفا عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. كما ويجد أنه ممن تهتم السلطة برفع شأنهم، وتأكيد فضلهم ونسبة الكرامات إليهم. الخط السياسي لزيد بن ثابت: وبعد، فان الذي يراجع حياة زيد بن ثابت ومواقفه، يجد: أنه كان عثمانيا، ومنحرفا عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام). فعدا عن أنه كان له موقف في السقيفة، يؤيد فيه صرف الامر عن


(1) راجع الكامل لابن الاثير ج 3 ص 430 وتاريخ الامم والملوك طبع الاستقامة ج 4 ص 144. (*)

[ 342 ]

الانصار الى المهاجرين، وقد أثنى عليه أبو بكر، ومدحه لاجله (1) فانه: كان أحد الذين لم يبايعوا عليا أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام (2). بل لقد كان زيد بن ثابت مع عمر حينما ذهب للاتيان بعلي (عليه السلام) من بيته لاجل البيعة (3). و (كان زيد عثمانيا، ولم يشهد مع علي شيئا من حروبه) (4). وقد قطع أمير المؤمنين (عليه السلام) العطاء عمن لم يشهد معه، وأقامهم مقام أعراب المسلمين (5). وكان زيد عثمانيا، يحرض الناس على سب أمير المؤمنين (عليه السلام) (6). و (كان عثمان يحب زيد بن ثابت) (7). (والذين نصروا عثمان، كانوا أربعة، كان زيد بن ثابت أحدهم،


(1) راجع سير أعلام النبلاء ج 2 ص 433 ومسند أحمد ج 5 ص 186 وتهذيب تاريخ دمشق ح 5 ص 449 والتمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 244 عنه. (2) راجع تاريخ الامم والملوك طبع دار المعارف ج 4 ص 430 و 431 والكامل في التاريخ ج 3 ص 191. (3) أنساب الاشراف ج 1 ص 585. (قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله). (4) أسد الغابة ج 2 ص 222 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 554 وقاموس الرجال ج 4 ص 239 وتنقيح المقال ج 1 ص 462 وراجع الكامل لابن الاثير ج 3 ص 191. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 391 - 392. (6) سفينة البحار ج 1 ص 575. (7) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 554. (*)

[ 343 ]

ولم ينصره أحد من الصحابة غيرهم) (1). وكان على قضاء عثمان (2)، وعلى بيت المال والديوان له (3). وكان عثمان يستخلفه على المدينة (4). وكان يذب عن عثمان حتى رجع لقوله جماعة من الانصار (5). وقد قال للانصار: انكم نصرتم رسول الله صلى الله عليه وآله فكنتم أنصار الله، فانصروا خليفته تكونوا أنصارا لله مرتين، فقال الحجاج بن غزية: والله ان تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول، الى آخره. وفي نص آخر: أن سهل بن حنيف أجابه، فقال: يا زيد، أشبعك عثمان من عضدان المدينة ؟ ! والعضيدة: نخلة قصيرة، ينال حملها (6). وكان بنو عمرو بن عوف قد أجلبوا على عثمان، وكان زيد يذب عنه، فقال له قائل منهم:


(1) الكامل لابن الاثير ج 3 ص 151 وراجع ص 161، وأنساب الاشراف ج 5: ص 60، والغدير ج 9 ص 159 و 160 عن المصادر التالية: تاريخ الطبري ج 5 ص 97 وتاريخ ابن خلدون ج 2 ص 391 وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 168. (2) الكامل لابن الاثير ج 3 ص 187. (3) راجع الكامل لابن الاثير ج 3 ص 191، وأسد الغابة ج 2 ص 222، وأنساب الاشراف ج 5 ص 58 و 88 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 553 و 554 والتراتيب الادارية ج 1 ص 120، وتهذيب الاسماء ج 1 ص 201 وتاريخ الامم والملوك ج 4 ص 430 طبع دار المعارف. (4) راجع المصادر المتقدمة باستثناء الاول منها. والبداية والنهاية ج 7 ص 347 وشذرات الذهب ج 1 ص 54، وأسد الغابة ج 2 ص 222. (5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451. (6) أنساب الاشراف ج 5 ص 90 و 78، وراجع الكامل لابن الاثير ج 3 ص 191، وتاريخ الامم والملوك ج 4 ص 430 طبع دار المعارف. (*)

[ 344 ]

وما يمنعك ؟ ! ما أقل والله من الخزرج من له من عضدان العجوة مالك ! فقال زيد: اشتريت بمالي، وقطع لي امامي عمر، وقطع لي امامي عثمان. فقال له ذلك الرجل: أعطاك عمر عشرين ألف دينار ؟ قال: لا، ولكن كان عمر يستخلفني على المدينة، فوالله، ما رجع من مغيب قط الا قطع لي حديقة من نخل (1). واستخلاف عمر له في أسفاره معروف ومشهور (2). هذا وقد أعطاه عثمان يوما مائة ألف مرة واحدة (3). وقد بلغ من ثراء زيد أن خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الاموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار (4). وكان محل العناية التامة من قبل عمر، فعدا عن استخلافه له في كل سفر يسافره واقطاعه الحدائق، فانه كان كاتب عمر (5)، وكان على قضائه


(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451 وراجع ص 550 وراجع الاصابة ج 1 ص 562، وراجع سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434، واخبار القضاة ج 1 ص 108. (2) راجع في ذلك عدا عما تقدم وسيأتي: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 31 والاصابة ج 1 ص 562، والاستيعاب بهامشها ج 1 ص 553 و 552 والبداية والنهاية ج 7 ص 347، وشذرات الذهب ج 1 ص 54، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 427 و 434 وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، وتهذيب الاسماء ج 1 ص 201، وأسد الغابة ج 2 ص 222. (3) أنساب الاشراف ج 5 ص 38 و 52، والغدير ج 8 ص 292 و 286. (4) الغدير ج 8 ص 284 عن مروج الذهب ج 1 ص 434. (5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 448، وأشار الى كتابته في المعارف ص 260. (*)

[ 345 ]

وفرض له رزقا (1). ويكفي أن نذكر هنا عبارة ابن سعد، وابن عساكر، وهي: (كان عمر - يستخلف زيدا في كل سفر، وقل سفر يسافره ولم يستخلفه، وكان يفرق الناس في البلدان وينهاهم أن يفتوا برأيهم، ويحبس زيدا عنده - الى أن قال: وكان عمر يقول: أهل البلد - يعني المدينة - محتاجون إليه، فيما يجدون إليه، وفيما يحدث لهم مما لا يجدونه عند غيره) (2). (وما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا، في القضاء والفتوى، والفرائض والقراءة) (3). ثم كان زيد في زمن معاوية على ديوان المدينة، فقد قال ابن قتيبة، عن عبد الملك بن مروان، الذي ولد سنة أربع وعشرين هجرية: (كان معاوية جعله مكان زيد بن ثابت على ديوان المدينة، وهو ابن ست عشرة سنة) (4). ثم كان عبد الملك بن مروان من الذين يقولون بقول زيد (5).


(1) طبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115 - 116، وتهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451، وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 32، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 435. (2) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116 و 117، وكنز العمال ج 16 ص 7، وحياة الصحابة ج 3 ص 218 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434. (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115، وراجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 32، وكنز العمال ج 16 ص 6 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 434. (4) المعارف ص 355. (5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452. (*)

[ 346 ]

أما أبوه مروان، فكان قد بلغ من اهتمامه بزيد: أن دعاه، وأجلس له قوما خلف ستر، فأخذ يسأله، وهم يكتبون ففطن لهم زيد، فقال: يا مروان اعذر، انما أقول برأيي (1). وأتاه أناس يسألونه، وجعلوا يكتبون كل شئ قاله، فلما أطلعوه على ذلك قال لهم: (لعل كل الذي قلته لكم خطأ، انما قلت لكم بجهد رأي) (2). ومع أنه يعترف بأنه انما يفتي لهم برأيه، فقد بلغ من عمل الناس بفتواه المدعومة من قبل الحكام: أن سعيد بن المسيب يقول: (لا أعلم له قولا لا يعمل به، فهو مجمع عليه في المشرق والمغرب) (3). فانظر ماذا ترى ! ؟ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116 (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 450، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 115، وراجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 32، وكنز العمال ج 16 ص 6 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 434. (4) المعارف ص 355. (5) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452. (*)

[ 346 ]

أما أبوه مروان، فكان قد بلغ من اهتمامه بزيد: أن دعاه، وأجلس له قوما خلف ستر، فأخذ يسأله، وهم يكتبون ففطن لهم زيد، فقال: يا مروان اعذر، انما أقول برأيي (1). وأتاه أناس يسألونه، وجعلوا يكتبون كل شئ قاله، فلما أطلعوه على ذلك قال لهم: (لعل كل الذي قلته لكم خطأ، انما قلت لكم بجهد رأي) (2). ومع أنه يعترف بأنه انما يفتي لهم برأيه، فقد بلغ من عمل الناس بفتواه المدعومة من قبل الحكام: أن سعيد بن المسيب يقول: (لا أعلم له قولا لا يعمل به، فهو مجمع عليه في المشرق والمغرب) (3). فانظر ماذا ترى ! ؟ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 438 وفي هامشه عن الطبراني. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 452. (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 451، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 116. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية