الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 5

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 5


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي الجزء الخامس

[ 4 ]

الطبعة الرابعة 1415 ه‍ - 1995 م

[ 5 ]

الباب الثاني: بدر العظمى

[ 7 ]

الفصل الاول في أجواء القتال

[ 9 ]

محاولة قرشية فاشلة: وبعد مضي مدة على وجود النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " والمسلمين في المدينة، كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي بن سلول، ومن كان يعبد الاوثان من الاوس والخزرج، ورسول الله (ص) يومئذ بالمدينة - قبل وقعة بدر يقولون: " إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددا "، وإنا نقسم بالله، لتقتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن (1) عليكم العرب، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم ". فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الاوثان تراسلوا، فاجتمعوا، وأجمعوا لقتال النبي (ص). فلما بلغ ذلك النبي (ص) وأصحابه. لقيهم في جماعة، فقال: " لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم. فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم ". فلما سمعوا ذلك من النبي (ص) تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر (2).


(1) الظاهر: أن الصحيح هو: لنستعينن. (2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 358 / 359. (*)

[ 10 ]

الانتداب إلى بدر: وفي السنة الثانية، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك كانت حرب بدر العظمى بين المسلمين ومشركي مكة. وذلك أن العير التى طلبها المسلمون في غزوة العشيره، وأفلتت منهم الى الشام، ظل النبي " صلى الله عليه وآله " يترقبها، حتى علم بعودتها، وكانت بقيادة أبي سفيان، مع ثلاثين، أو أقل، أو أربعين، أو سبعين راكبا. وفيها أموال قريش، حتى قيل: إن فيها ما قيمة خمسون ألف دينار، في ذلك الوقت الذى كان فيه للمال قيمة كبيرة. فندب رسول الله (ص) المسلمين للخروج إليها، فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل آخرون، ولعلهم تخوفوا من كرة قريش عليهم، حينما لابد لها من محاولة الانتقام لهذا الاجراء الذي يستهدف مصالحها الحيوية. يقول عدد من المؤرخين: " وأبطأ عن النبي (ص) كثير من أصحابه، وكرهوا خروجه، وكان في ذلك كلام كثير واختلاف. وتخلف بعضهم من أهل النيات والبصائر، لم يظنوا أن يكون قتال، إنما هو الخروج للغنيمة، ولو ظنوا أن يكون قتال ما تخلفوا " (1). وقال الواقدي: " كره خروج رسول الله (ص) أقوام من أصحابه إلى بدر، قالوا: نحن قليل، وما الخروج برأي، حتى كان في ذلك اختلاف كثير " (2). وقد حكى الله تعالى ذلك، فقال: (كما أخرجك ربك من بيتك


(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 85 ومغازي الواقدي ج 1 ص 20 / 21 والبحار ج 19 ص 328 والسيرة الحلبية ج 2 ص 143 (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 131. (*)

[ 11 ]

بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق بعد ما تبين، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) (1) نعم لقد كرهوا ذ لك لعلمهم بأن قريشا لن تسكت على أمر خطير كهذا. ومن هنا نعرف: أن قول بعضهم: إن من تخلف لم يكن يظن أن النبي (ص) يلقى حربا (2). في غير محله، بل هو محاولة إيجاد عذر للمتخلفين مهما كان فاشلا وغير معقول، وإلا فالاية الكريمة خير دليل على عدم صحة هذا القول. وخرج المسلمون يريدون العير، وعلم أبو سفيان بالامر، فأرسل إلى قريش يستنفرهم لنجاة العير. الذين يخشون الناس: ويذكر هنا: أن عبد الرحمان بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والمقداد، وقدامة بن مظعون، كانوا يؤذون في مكة، فكانوا يستأذنون النبي (ص) بقتال المشركين، فلا يأذن لهم، فلما أمروا بالقتال، والسير إلى بدر، شق على بعضهم، فنزل قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله، أو أشد خشية، وقالوا ربنا كتبت علينا القتال، لولا أخرتنا إلى أجل قريب، قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى) (3)


(1) الانفال: 5 - 6. (2) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 116. (3) البحار ج 19 ص 209 ومجمع البيان ج 3 ص 77 والدر المنثور ج 2 ص 184 عن: النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، والبيهقي في سننه، وعبد بن حميد، وابن المنذر. (*)

[ 12 ]

ونحن نقول: إن نفيسة المقداد ومواقفة تأبى أن يكون ممن شق عليهم ذلك، بدليل موقفه العظيم الاتي بعد صفحات يسيرة إن شاء الله، حينما استشار النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أصحابه في حرب قريش. أضف إلى ذلك: أن الاية تدل على أن هؤلاء قد خافوا وجبنوا عن القتال، وكانت خشيتهم وخوفهم من الناس أشد منها بالنسبة إلى الله سبحانه، وأن ذلك كان لاجل حب البقاء، وللتمتع بالدنيا. ونحن نعلم: أن المقداد لم يكن جبانا قط، ولا كان من محبي البقاء في الدنيا على حساب الدين والاسلام، وتلك هي حياته سيرته خير شاهد على ما نقول. كما أن الرواية والاية تدلان على أن فريقا من أولئك المذكورين أولا قد شق ذلك عليهم، وليس الكل. وأما من عدا المقداد ممن ذكرت الرواية أسماءهم، فإن تعلقهم بالدنيا كما يظهر من سيرة حياتهم ومواقفهم المختلفة، يؤيد أن يكونوا ممن شق عليهم ذلك فعلا. فأما عبد الرحمان بن عوف، فلا يشك في كونه من الذين قالوا ذلك كما يفهم من بعض النصوص (1) ولقد ترك هذا الرجل من المال ما هو معروف ومشهور، وقد جرى بين أبي ذر وعثمان وكعب الاحبار، ما جرى بسبب ذلك (2)، وقد صرح بأنه أكثر قريش مالا (3).


(1) يفهم ذلك من إطلاقات روايات الدر المنثور فراجع. (2) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 ومسند أحمد ج 1 ص 63 وراجع: حلية الاولياء ج 1 ص 160 والغدير ج 8 ص 351 وراجع: أنساب الاشراف ج 5 ص 52 وشرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 54 وج 8 ص 256 وتفسير الميزان ج 9 ص 251 - 258 وتاريخ الامم والملوك وغير ذلك. (3) راجع: كشف الاستار عن مسند البزار ج 3 ص 172 ومجمع الزوائد ج 9 ص 72. (*)

[ 13 ]

وموقفه في يوم الشورى معروف ايضا. فإنه قد ضرب بكل الاوامر الالهية والوصايا النبوية في حق علي (ع)، عرض الحائط، فلم يكن ليهتم كثيرا بأوامر الله ورسوله (ص) وذلك رغبة منه في الدنيا وإيثارا لها. وأما قدامة فقد حده عمر في الخمر، وتخلف عن بيعة علي (ع) (1). كل ذلك طلبا للدنيا، وانسياقا وراء الهوى. وأما سعد، فقد أبى أن يبايع عليا (ع)، وقعد عنه في حروبة، وقطع " عليه السلام " عنه العطاء، وصارمه عمار، وأخذ بعض أموال بيت مال الكوفة (2). إلى غير ذلك مما يدل على تعلقه بالدنيا، وعدم اهتمامه بأوامر الله ورسوله. فهؤلاء هم الذين يمكن أن يكونوا محط نظر الاية والرواية، وإنما أخفى الرواة أسماءهم، وخلطوهم بغيرهم، لان السياسة كانت ترغب في ذلك، كما هو معلوم. رؤيا عاتكة: ويقول المؤرخون: إن عاتكة بنت عبد المطلب كانت قد رأت في الرؤيا: أن رجلا أقبل على بعير له ينادي: يا آل غالب، وفي رواية: يا آل غدر، أغدوا إلى مصارعكم، ثم دهده حجرا من أبي قبيس، فما ترك دارا بمكة إلا أصابتها منه فلذة. فأخبرت عاتكة العباس برؤياها، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة،


(1) راجع قاموس الرجال ج 7 ص 385 وعن كونه قد حد في الخمر راجع: الاصابة ج 3 ص 228 - 229 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 361 واسد الغابة ج 4 ص 199 وشرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 23. (2) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 312 - 315. (*)

[ 14 ]

فقال: هذه مصيبة تحدث في قريش. أما أبو جهل، فقال: هذه نبية ثانية في بني عبد المطلب، واللات والعزى، لننظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا، وإلا لنكتبن كتابا بيننا: إنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا، ونساء من بني هاشم. فلما كان اليوم الثالث جاءهم النذير يناديهم: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة، اللطيمة (1). قريش تتجهز: وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، وقالوا: من لم يخرج نهدم داره، فلم يتخلف رجل إلا أخرج مكانه رجلا (2). وبعث أبو لهب العاصي بن هشام مكانه على أربعة آلاف درهم، كانت له عليه من مال المقامرة - على ما قيل - (3).


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 143 و 144 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 136 و 137 والروض الانف ج 3 ص 43 وتاريخ الخميس ج 1 ص 369 عن ابن إسحاق والمغازي للواقدي ج 1 ص 29 السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 259 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 29 و 30 والكامل في التاريخ ج 2 ص 116 و 117 وتاريخ الاسلام (المغازي) ص 53 والبحار ج 19 ص 245 والبداية والنهاية ج 3 ص 357 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 382. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 261. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 145 وأنساب الاشراف ج 1 ص 292 وراجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 261 وتاريخ الخميس ج 1 ص 370 والمغازي = (*)

[ 15 ]

موقف أمية بن خلف: وكان أمية بن خلف معرضا عن الخروج، لان سعد بن معاذ كان قد قدم مكة معتمرا، فنزل على أمية، لصداقة بينهما، وخرج سعد ليطوف، ومعه أمية، فلقيهما أبو جهل، فقال لسعد: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد آويتم الصباة، وزعتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم ؟ ! أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد - وقد رفع صوته -: أما والله، لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة. فاعترض أمية عليه لرفعه صوته على سيد أهل الوادي بزعمه. فقال سعد: دعنا عنك، فوالله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: إنهم قاتلوك. فقال أمية: بمكة ؟ قال سعد: لا أدري. قال أمية: والله ما كذب محمد. وفزع فزعا شديدا (وقيل: أحدث في ثيابه فزعا)، وعزم على ألا يخرج. فلما كان يوم بدر أصر عليه أبو جهل ليخرج، حتى ليقال: إنه أرسل إليه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها بخور، حتى وضعها بين يديه، وقال: استجمر، فإنك من النساء. فتحمس حينئذ، وتهيأ للخروج، فنهته زوجته وقالت:


= للواقدي ج 1 ص 33 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 137 البداية والنهاية ج 3 ص 258 (*)

[ 16 ]

" والله، إن محمدا لا يكذب ". فأبى إلا المسير، فقتل في بدر (1). مع قضية ابن خلف: ولابد لنا هنا من تسجيل النقاط التالية: 1 - إن مما يلفت النظر هنا تهديد سعد لابي جهل بقطع طريقه على المدينة، واعتباره هذا الاجراء أشد على أبي جهل من منع المدنيين من الوصول إلى مكة. وذلك أمر واضح، فإن الحياة الاقتصادية للمكيين قائمة على التجارة، وأهم المراكز التجارية لهم هو الشام. وإذا تعرضت مكة لضغط إقتصادي قوي، وأصبحت بحاجة إلى الاخرين، فإن ذلك سوف يؤثر على وضعها السياسي والاجتماعي أيضا، حيث تفقد هيبتها، وأهميتها، ونفوذها في القبائل العربية. ولماذا وعلى أي شئ كانت تحارب محمدا (ص) والمسلمين ؟ ! أليس لاجل النفوذ والزعامة، التي تعتبرها فوق كل شئ، وأعز وأجل شئ ؟ !. وقد تقدم بعض الكلام في هذا الموضوع حين الكلام عن الهجرة. 2 - إننا نلاحظ: أن أمية بن خلف لم تكن مواقفه وتصرفاته محكومة لعقله، ولا نابغة من أعماق ضميره ووجد انه. فهو يقتنع بصدق محمد (ص)،


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 145، وراجع: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة بدر، باب علامات النبوة والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 384 / 385 ورواه أحمد. (*)

[ 17 ]

ولكنه لا يقعد عن حربه - حين يقعد - من أجل ذلك، وإنما خوفا على نفسه، وحفاظا عليها، كما أنه لا يحاربه حين يحاربه من أجل تبدل الرؤية لديه، وإنما بوحي من تحمسه الكاذب، ونخوته الجاهلية، فأورده ذلك المهالك في الدنيا وفي الاخرة. وقد حكى الله تعالى حالة أمثاله، بأجلى بيان، وأوجز عبارة، فقال: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، ظلما وعلوا، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) (1). 3 - في هذه القضية أيضا دلالة واضحة على المكانة السامية التي كانت للنبي " صلى الله عليه وآله " في نفوس الناس جميعا، وعلى أنهم يرونه صادقا فيما يخبر به حين يرجعون إلى ضميرهم ووجد انهم، وإلى ما في قرارة نفوسهم من قناعة واقعية إلى حد أنهم يقسمون على صدقه فيما يخبر به، وأنه لا يكذب. ولكنهم في نفس الوقت يشعرون أنهم بحاجة إلى إظهار العناد والتكذيب لمصالح دنيوية، واعتبارات قبلية، أو غير ذلك. رجوع طالب بن أبي طالب عن الحرب: وخرج مع المشركين من بني هاشم: العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب. فأما طالب فخرج مكرها، فجعل يرتجز ويقول: يا رب إما يغزون طالب * في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب فجرت بينه وبين القرشيين ملاحاة وقالوا: والله، لقد عرفنا أن هواكم مع محمد، فرجع طالب فيمن رجع إلى مكة، ولم يوجد في القتلى، ولا


(1) النمل: 14. (*)

[ 18 ]

في الاسرى، ولا فيمن رجع إلى مكة (1). وادعى البعض: أنه مات كافرا في غزوة بدر حين وجهه المشركون إلى حرب المسلمين (2). هكذا قالوا. ونحن نقول: ألف: كيف لم يوجد فيمن رجع إلى مكة، وابن هشام يذكر له قصيدة يمدح فيها رسول الله (ص)، ويبكي أهل القليب - على حد تعبير ابن هشام - يطلب في شعره من بني عبد شمس ونوفل أن لا يثيروا مع الهاشميين حربا تجر المصائب والبلايا، والاهوال، وفيها يقول: فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطأ التربا أخا ثقة في النائبات مرزأ * كريما ثناه، لا بخيلا ولا ذربا يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون نهرا لا نزورا ولا ضربا فوالله لا تنفك عيني حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا (3) وهذا يدل على أنه قد عاش إلى ما بعد وقعة بدر. وأما بكاؤه أهل القليب، فالظاهر أنه كان مجاراة لقريش، كما يدل عليه مدحه للنبي (ص)، وطلبه من بني عبد شمس ونوفل أن لا يحاربوا الهاشميين وإلا، فكيف نفسر شعره المتقدم: وليكن المسلوب غير السالب * وليكن المغلوب غير الغالب ب - لقد ورد في رواية مرسلة عن أبي عبد الله " عليه السلام ": أن


(1) راجع: البحار ج 19 ص 294 - 295، وروضة الكافي ص 375، وتاريخ الطبري ج 2 ص 144، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 121، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 271، وتاريخ الخميس ج 1 ص 375 وراجع البداية والنهاية ج 3 ص 266 وأنساب الاشراف ج 2 ص 42 وفيه أنه حضر بدرا مع المشركين. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 163. (3) سيرة ابن هشام ج 3 ص 27 / 28 والبداية والنهاية ج 3 ص 340. (*)

[ 19 ]

طالبا قد أسلم (1). وروي أنه هو القائل: وخير بني هاشم أحمد * رسول الاله على فترة (2) وليس من البعيد: أن تكون قريش قد دبرت أمر التخلص من طالب انتقاما لنفسها، لما جرى عليها من علي في بدر وغيرها. المكرهون والراجعون: وحينما خالف أبو سفيان في الطريق، والنجا بالعير، أرسل يطلب من قريش الرجوع، فأبى أبو جهل، إلا أن يرد بدرا، ويقيم ثلاثة أيام، ويأكل، ويشرب الخمور، حتى تسمع العرب بمسيرهم وجمعهم، فيها بونهم أبدا. ولكن الاخنس بن شريق رجع ببني زهرة، ولم يشهدوا الحرب. وقيل: شهدها رجلان منهم قتلا في بدر. بل قال التلمساني في حاشية الشفاء: إن الاخنس نفسه قد قتل في بدر، وقيل مات في خلافة عمر. ويذكرون أن سبب رجوع الاخنس ببني زهرة هو أنه سأل أبا سفيان سرا: إن كان محمد يكذب، فقال له: ما كذب قط، كنا نسميه الايمن، ولكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة لها والمنشورة، ثم تكون فيهم النبوة، فأي شئ يكون لنا، فانخنس الاخنس، ورجع ببني زهرة (3). وكذلك لم يشهد بدرا من بني عدي أحد. وأراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: لا تفارقنا


(1) البحار ج 19 ص 294. (2) شرح النهج ج 14 ص 78. (3) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 153. (*)

[ 20 ]

هذه العصابة حتى نرجع (1). موقف الرسول (ص) من المكرهين والراجعين: فلاجل ما تقدم، ولاجل موقف الهاشميين من النبي (ص) والمسلمين، وحمايتهم لهم في مكة، نهى الرسول " صلى الله عليه وآله " عن قتل من خرج من بني هاشم، ونهى أيضا عن قتل أبي البخترى، الوليد بن هشام، لانه كان يكف الناس عنه (ص) بمكة، وكان لا يؤذيه، وهو ممن قام في نقض صحيفة المقاطعة. ولكنه حين أبى أن يستأسر في بدر إلا مع زميل له، قتل هو وإياه. وكذلك فقد نهى " صلى الله عليه وآله " عن قتل الحارث بن نوفل، لكراهة الخروج أيضا فقتله من لم يعرفه. وكذلك جرى لزمعة بن الاسود. نظرة في موقف النبي (ص) من هؤلاء: وفي مجال الاستفادة مما تقدم نسجل النقاط التالية: 1 - إن النبي " صلى الله عليه وآله " لم يكن - كما قدمنا، وكما يشعر به موقفه المسجل من هؤلاء - يهدف من الحرب إلى التغلب، والحصول على الملك والسلطان، ولا هو يرغب في سفك الدماء، ولا كان يعجبه أن يرى جثث القتلى ويسمع أنين الكثالى، بل كان له هدف أسمى وغاية فضلى، ترجع بالنفع العميم على الامة، وعلى الاجيال، ويريد الوصول إليها بأقل عدد ممكن من الضحايا. 2 - كما أنه كان يقدر مواقف الناس، التي تعبر عن حسن خلق،


(1) راجع في ما تقدم السيرة لابن هشام ج 2 ص 271 والسيرة الحلبية ج 2 ص 154. وج 1 ص 291 وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 31 و 33.

[ 21 ]

وسجية وشهامة، وأريحية فيهم، مهما كانت هويتهم وانتماؤهم، وأيا كان موقفهم، لانه هو الانسان الكامل ورسول الانسانية، فهو الذي يستطيع أن يدرك تلك الصفات والسجايا، ويقدرها أكثر من أي إنسان آخر. ومن هنا، فقد كان موقفه واحدا من جميع أولئك الذين أحسنوا السيرة والتصرف - لو مرة - وكذا كان موقفه من الذين أكرهوا على الخروج. ولم يكن ليختص بموقفه هذا أقاربه وأهل عشيرته، فإنه لم يكن يتأثر في مواقفه بعواطف نسبية، بل ليس من مصلحته ذلك في مثل هذا الموقف من وجهة نظر المنطق، والتصرف العقلاني السليم. 3 - وهو بالتالي يقدر، ويفهم الظروف الصعبة التي كان يعاني منها البعض، بحيث تفرض عليهم قريش موقفا لا ينسجم مع رغائبهم وقناعاتهم، أو على الاقل مع ميل وهوى نفوسهم، وإن كانوا مدينين من جهة أخرى، حيث كان بإمكانهم أن ينصروا الحق، وأن يقفوا موقفا عقلانيا سليما، كما فعل غيرهم ممن أسلموا، وعرضوا أنفسهم للرزايا والنكبات عن رضى واختيار منهم حتى نصرهم الله تعالى وجعل كلمة الحق هي العليا. النبي (ص) يستشير في أمر الحرب: لما كان المسلمون قرب بدر، وعرفوا بجمع قريش، ومجيئها، خافوا وجزعوا من ذلك، فاستشار النبي " صلى الله عليه وآله " أصحابه في الحرب، أو طلب العير. فقام أبو بكر، فقال: يارسول الله، إنها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، وما ذلت منذ عزت. ولم تخرج على هيئة الحرب. فقال له رسول الله (ص): اجلس، فجلس، فقال (ص): أشيروا علي.

[ 22 ]

فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر. فأمره النبي (ص) بالجلوس، فجلس. ونسب الواقدي والحلبي الكلام المتقدم لعمر، وقالا عن أبي بكر: إنه قال فأحسن (1). ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله، إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا: أن ما جئت به حق من عند الله، والله لو أمرتنا: أن نخوض جمر الغضا (نوع من الشجر صلب)، وشوك الهراس لخضناه معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك، فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون (2)، ولكنا نقول: إذهب أنت وربك، فقاتلا، إنا معكم مقاتلون. والله لنقاتلن عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك، ولو خضت بحرا لخضناه معك، ولو ذهبت بنا برك الغماد لتبعناك (3). فأشرق وجه النبي (ص)، ودعا له، وسر لذلك، وضحك كما يذكره المؤرخون (4). فيلاحظ: أن الكلام كله قد كان من المهاجرين، وقد ظهر منهم: أنهم لا يريدون حرب قريش، وهم يتفادون ذلك بأي ثمن كان، غير أن المقداد قد رد عليهم مقالتهم، وخالفهم في موقفهم. ثم توجه النبي


(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 48، والسيرة الحلبية ج 2 ص 150، والدر المنثور ج 3 ص 166 عن دلائل النبوة للبيهقي، والبحار ج 19 ص 247، وتفسير القمي ج 1 ص 258. (2) المائدة: 24. (3) برك الغماد: يعنى مدينة الحبشة كما في تاريخ الخميس ج 1 ص 373 وموضع من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن. راجع مغازي الواقدي ج 1 ص 48. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 373، والسيرة الحلبية ج 2 ص 150 عن الكشاف ومغازي الواقدي ج 1 ص 48. (*)

[ 23 ]

(ص) إلى الانصار، حيث يقول النص التاريخي: ثم قال: أشيروا علي - وإنما يريد الانصار، لان أكثر الناس منهم، ولانه كان يخشى أن يكونوا يرون: أن عليهم نصرته في المدينة، إن دهمه عدو، لا في خارجها، فقام سعد بن معاذ - وقيل ابن عبادة وهو وهم، لانه لم يشهد بدرا، لانه كان قد لدغ، فلم يمكنه الخروج (1) - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كأنك أردتنا ؟ فقال: نعم. فقال: فلعلك قد خرجت على أمر قد أمرت بغيره ؟ قال: نعم. قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت. إلى أن قال: والله، لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله يريك ما تقر به عينك، فسربنا على بركة الله. فسر النبي " صلى الله عليه وآله "، وأمرهم بالمسير، وأخبرهم بأن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده، ثم قال: والله، لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة إلخ... وسار حتى نزل بدرا. ويظهر من بعض النصوص: أن الصحابة كانوا - في أكثرهم - يميلون إلى طلب العير، وترك النفير (2).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 150. (2) الدر المنثور ج 3 ص 163 و 169 عن ابن جرير، وأبي الشيخ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والكشاف، والبيهقي، وعبد بن حميد والبداية والنهاية ج 3 ص 263. (*)

[ 24 ]

وقد ذكر الله تعالى ذلك في قرآنه المجيد، فهو يقول: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين) (1). وقبل أن نمضي في الحديث نشير إلى الامور التالية: 1 - إستشارة النبي (ص) أصحابة: لقد تحدثنا فيما سبق حينما تكلمنا عن سر إرسال المهاجرين في الغزوات، ولسوف، نتحدث فيما يأتي في غزوة أحد في فصل: قبل نشوب الحرب إن شاء الله تعالى، عن موضوع إستشارة النبي (ص) لاصحابه بما فيه الكفاية. ولكننا نكتفي هنا بالاشارة إلى أنه قد كان من الضروري أن يستشير " صلى الله عليه وآله " أصحابه في حرب بدر التي كانت حربا مصيرية، سوف يتقرر على أساس نتائجها مصير الايمان والشرك في المنطقة في المستقبل المنظور على الاقل، بل ومطلقا كما أشار إليه (ص) في دعائه: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ". وواضح أنه " صلى الله عليه وآله " لم يكن بحاجة إلى رأيهم، وإنما هو يستشيرهم لانهم هم الذين سوف يتحملون أعباء الحرب، ويعانون من نتائجها، على مختلف الاصعدة. ثم إنه يستخرج بذلك دخائل نفوسهم، ويتميز المنافق من المؤمن، والجبان من الشجاع، والذي يفكر في مصلحة نفسه من الذي يفكر من منطلق التكليف الشرعي، ويعرف أيضا الذكي من الغبي، والعدو من الولي، والضعيف من القوي إلى غير ذلك مما هو ظاهر لا يخفى.


(1) الانفال: 7. (*)

[ 25 ]

ويدل على ما نقول: أن سعد بن معاذ يسأل النبي (ص): لعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره، فقال (ص): نعم. فهذا يدل على أن أمر الحرب مقضي ومأمور به من قبل الله تعالى، فليست استشارته (ص) لهم إلا لما قلناه هنا، وقدمناه، وسيأتي في غزوة أحد. 2 - حرب قريش هو الرأي: ومن الواضح: أن الرأي الحق هو حرب قريش، كما أراد الله ورسوله، وذلك لان الامر يدور بين: أن يرجع المسلمون دون أن يتعرضوا للعير، ولا لقريش. وفي ذلك هزيمة روحية ونفيسة واضحة للمسلمين، وإطماع لغيرهم بهم، من المشركين، واليهود والمنافقين. أو أن يطلبوا العير فيدركوها، فيأخذوها، بعد قتل أو أسر رجالها. ولن تسكت قريش على هذا الامر، بل هي سوف تتعرض لحربهم على أوسع نطاق. وقد تتمكن من مهاجمة المدينة قبل رجوع المسلمين إليها، وتقوم بإنزال الضربة القاصمة بالمسلمين، فإن قريشا وهي بهذه العدة والعدد لن تسكت عن أمر كهذا، بل سوف تحاول رد هيبتها، والثأر لكرامتها. فلم يبق إلا خيار واحد، وهو أن يقفوا في وجه قريش بعد أن يعرضوا عليها عروضا مقبولة، وعادلة، ومعقولة. إذن، فحرب وقتال قريش هو الخيار الافضل والامثل في ظروف كهذه، ولا سيما إذا طلبوا العير، وربما يوجب ذلك أن يزيد الامر تعقيدا وإشكالا بالنسبة إلى المسلمين بما لا قبل لهم به. وتكون النتيجة هي أنه إذا أراد المسلمون العيش في عزة ومنعة، وأن لا يطمع بهم من حولهم، والمشركون، واليهود، والمنافقون، فلابد

[ 26 ]

من المبادرة للقتال، وليس ثمة خيار آخر أمامهم. 3 - التربية النفسية: وفي مجال آخر نشير إلى: ألف: لقد كان هدف المسلمين أولا هو الحصول على المال، فأراد الله ورسوله أن يرتفع بهم عن هذا الهدف الدنيوي إلى ما هو أغلى، وأعلى، وأسمى. وإلا فإن قريشا أيضا قد كانت تهدف من وراء جمعها الجموع، وإثارة الحرب إلى أهداف دنيوية، إقتصادية، وإجتماعية، وسياسية أيضا. ب: لقد كان لحرب بدر أثرها في بث روح الاعتماد على النفس، ومواجهة المسؤوليات بصلابة وشجاعة، حيث لا بد من قتل فراعنة قريش، وإفناء صناديدها وأسرهم (ليقضي الله أمرا كان مفعولا)، ثم التهيؤ لحرب العرب والعجم بعد ذلك. 4 - نظرة في الاراء حول الحرب: ويلاحظ: أن أكثر المؤرخين قد حذفوا كلام عمر وأبي بكر هنا، واكتفوا بقولهم: قام أبو بكر فأحسن، ثم قام عمر فأحسن، ثم قال المقداد كذا وكذا (1). وربما ينسبون إلى بعضهم كلاما آخر لا ربط له بسؤال النبي " صلى الله عليه وآله " أصلا. وأما الفقرات التي نقلناها عنهما فلم تعجب الكثيرين من المؤرخين، فأضربوا عنها صفحا بالطريقة المشار إليها آنفا. ولكن من الواضح: أن سرور النبي (ص) بكلام المقداد، ودعاءه له يدل على أن كلاهما (أعني أبا بكر وعمر) لم يكن منسجما مع ما كان


(1) راجع على سبيل المثال: البداية والنهاية ج 3 ص 262، والثقات ج 1 ص 157. (*)

[ 27 ]

يهدف إليه النبي (ص) من مشاورته لهم، بل كان مضادا لما كان يرمي إليه (ص)، ولو كان كلامها لائقا لذكره محبوهم من المؤرخين والرواة وما أكثرهم. وأما مشورة المقداد، فكانت هي السليمة والمنسجمة مع المنطق، ومع الاهداف السامية التي كان يرمي إليها الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله ". وذلك هو ما كان يتوقعه (ص) ويرمي إلى الوصول إليه، والحصول عليه. ولذلك فقد استحق المقداد مدح النبي (ص) ودعاءه له. بل لقد ورد: أنه حين بلغ النبي (ص) إقبال أبي سفيان شاور أصحابه، فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه (1). فإعراضه (ص) عنهما ليس إلا لتخذيلهما عن النفير إلى حرب قريش، ومدحهم لها بأنها: ما ذلت منذ عزت، وما آمنت منذ كفرت إلخ... لا لانه كان يريد من الانصار أن يجيبوا وحسب. وإلا فلماذا سر من كلام المقداد، ودعا له، وهو من المهاجرين ؟ ! حتى لقد قال ابن مسعود، عن موقف المقداد هذا: لان أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به (2)، وعن أبي أيوب، قال - في ضمن حديث له -: " فتمنينا معشر الانصار لو أنا قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من مال عظيم " فأنزل الله عز وجل على رسوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) (3).


(1) صحيح مسلم باب غزوه بدر ج 5 ص 170، ومسند أحمد ج 3 ص 219 بطريقين، وعن الجمع بين الصحيحين، والبداية والنهاية ج 3 ص 263، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 394. (2) صحيح البخاري باب تستغيثون ربكم ج 3 ص 3 ط الميمنية، والبداية والنهاية ج 3 ص 262 - 263، وسنن النسائي. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 263 - 264 عن أبي حاتم وابن مردويه.

[ 28 ]

أضف إلى ذلك كله أن كلام رسول الله (ص) كان عاما للجميع: للانصار والمهاجرين على حد سواء، كما أن المهاجرين كانوا كالانصار من حيث إنهم لم يبايعوه على الحرب. 5 - سر سروره (ص) بكلام سعد والمقداد: وإن التأمل في كلام سعد بن معاذ والمقداد يفيد: أنهما لم يشيرا عليه لا بالحرب، ولا بالسلام، بل ما زادا على أن أظهرا التسليم والانقياد لاوامر النبي (ص) ونواهيه، وما يقضيه في الامور. إنهما لم يبديا رأيا، ولا قدما بين يديه أمرا. وهذا هو منتهى الايمان، وغاية الاخلاص والتسليم، وقمة الوعي لموقعهما، ووظائفهما، وما ينبقي لهما. فهما ما كانا يريان لانفسهما قيمة في مقابل قضاء الله ورسوله على حد قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (1). وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله إن الله سميع عليم) (2). ولهذا الايمان العميق، والتسليم المطلق، كان سرور رسول الله واستبشاره صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين. 6 - أين رأي علي (ع) ؟ ! ويلاحظ هنا: أننا لا نجد عليا في هذا المقام يبدي رأيا، ولا يبادر إلى موقف، أو مشورة، مع أنه رجل الحكمة، ومعدن العلم، فما هو السر


(1) الاحزاب: 36. (2) الحجرات. (*)

[ 29 ]

في ذلك يا ترى ؟ ! ونقول في الجواب: إن موقف علي (ع) هو موقف نفس النبي (ص). وقد وصفه الله سبحانه وتعالى في آية المباهلة بأنه نفس النبي، فقال: (فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم). أضف إلى ذلك: أن عليا (ع) لم يكن ليتقدم بين يدي الله ورسوله في شئ وقد كان يرى أن من واجبه السكوت، والتسليم، والرضا بما قضاه الله ورسوله، ولا يجد في نفسه أي حرج من ذلك. الحباب ذو الرأي: ويروون: أن رسول الله (ص) نزل أدنى ماء ببدر، فأشار عليه الحباب بن المنذر بأن ينزل أدنى ماء من القوم، ثم يصنع حوضا للماء، ويغور سائر القلب، فيشرب المسلمون، ولا يشرب المشركون. ففعل الرسول (ص) ذلك، ثم صوب رأي الحباب. فسمي الحباب حينئذ: " الحباب ذو الرأي " (1). ولكن هذه الرواية لا تصح، وذلك: أولا: إنه قد دل الدليل على أن النبي (ص) مصيب في كل ما يفعل ويرتأي، ولا يصغى لما يقال من جواز الخطأ عليه في الامور الدنيوية، فإنه مما يدفعه العقل والنقل. (وسيأتي البحث عن أن العصمة عن الخطأ والنسيان إختيارية عن قريب إن شاء الله تعالى).


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 272، وتاريخ الخميس ج 1 ص 376، والسيرة الحلبية ج 2 ص 155، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 122، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 403 و 402، والبداية والنهاية ج 3 ص 267، وغير ذلك. (*)

[ 30 ]

وثانيا: إن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، كانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار تسوخ فيها الارجل (1). وثالثا: إن المشركين هم الذين سبقوا بالنزول في بدر كما سيأتي، ولا يعقل أن ينزلوا في مكان لا ماء فيه، ويتركوا الماء لغيرهم. ورابعا: إن ابن إسحاق ينص على أن المشركين وردوا الحوض، فأمر النبي " صلى الله عليه وآله " أن لا يعترضوهم (2). وقد فعل أمير المؤمنين علي (ع) في صفين مثل ذلك، حيث أباح الماء لاعدائه القاسطين، مع أنهم كانوا قد منعوه إياه أولا (3). ومن الواضح: أن منعهم من الماء لا ينسجم مع أخلاقيات ومبادئ الاسلام ونبيه الاعظم (ص). فالصحيح هو الرواية التي تقول: إن المسلمين لم يكونوا على الماء، فأرسل الله السماء عليهم ليلا حتى سال الوادي، فاتخذوا الحياض، وشربوا وسقوا الركائب، واغتسلوا وملاوا الاسقية (4) كما أشار إليه تعالى، حين قال: (إذ يغيشكم العناس أمنة منه، وينزل عليكم من


(1) راجع: فتح القدير ج 2 ص 291 عن الزجاج و 311، والكشاف ج 2 ص 223 / 203، وتاريخ الخميس ج 1 ص 375، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 292 عن ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك، والدر المنثور ج 3 ص 171 عن ابن المنذر، وأبي الشيخ، والسيرة الحلبية ج 2 ص 154، وسيرة ابن كثير ج 2 ص 400 وعن الكشاف، وأنوار التنزيل، والمدارك، وغير ذلك. (2) وراجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 123. (3) راجع كتابنا: الاسلام ومبدأ المقابلة بالمثل. (4) راجع: الكشاف ج 2 ص 203 - 204، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 292 غير أنه لم يذكر اتخاذ الحياض. (*)

[ 31 ]

السماء ماء ليطهركم به، ويذهب رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الاقدام) (1). وذلك هو سر بناء الحوض، وليس ما ذكروه. عدة وعدد المسلمين والمشركين: وكان رسول الله (ص) قد خرج في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، عدد أصحاب طالوت (وقيل: أكثر، وأقل) والاول هو قول عامة السلف (2). وكان معهم من الابل سبعون بعيرا يتعاقبون عليها، الاثنان والثلاثة، فكان النبي (ص)، وعلي (ع)، ومرثد بن أبي مرثد، وقيل: زيد بن حارثة، يعتقبون بعيرا. وكان معه من الخيل: فرس للمقداد قطعا بإجماع المؤرخين. قيل: فقط (3). وروي ذلك عن أمير المؤمنين (ع) (4). وقيل: وفرس للزبير، أو لمرثد، أو هما معا.


(1) الانفال: 11 (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 149. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 371 عن الكشاف، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، والبحار ج 19 ص 323، وهو عن تفسير العياشي ج 2 ص 25 و 54، وحياة الصحابة ج 1 ص 493 عن الترغيب ج 1 ص 1316 عن ابن خزيمة. وراجع: المغازي للذهبي (تاريخ الاسلام) ص 56 و 59، والسيرة الحلبية ج 2 ص 149، ودلائل النبوة للبيهقي ط المكتبة العلمية ج 3 ص 38 و 39 و 49، والمغازي للواقدي ج 1 ص 27، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 35. (4) تاريخ الطبري ج 2 ص 135، والسيرة الحلبية ج 2 ص 149، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 388. (*)

[ 32 ]

ومعهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف (1). ومعه من المهاجرين، قيل: أربعة وستون، وقيل: سبعون، وقيل: ستة وسبعون أو سبعة وسبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: مئتان وسبعون من الانصار، وبقيتهم من سائر الناس، وقيل غير ذلك (2). والذين من الخزرج كانوا مئة وسبعين. وفي عدد الخزرج إختلاف أيضا. أما المشركون، فخرجوا وهم يشربون الخمور، ومعهم القيان، يضربن بالدفوف، وقد أرجعوهن من الطريق. وكان معهم سبعمائة بعير (3). ومن الخيل، قيل: أربعمائة (4)، وقيل: مئتان، وقيل: مئة فرس (5)، وقيل غير ذلك. وكلهم دارع. ومجموع الدارعين فيهم ستمائة (6). وكان يتبرع بالاطعام رجل منهم كل يوم، فينحرون لهم تسعا، أو


(1) راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 187، والبحار ج 19 ص 206، ومجمع البيان ج 2 ص 214، وحسب طبعة دار إحيا التراث المجلد الاول ص 415، وتاريخ الخميس ج 1 ص 371. (2) راجع: البحار ج 19 ص 323 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 40، والبداية والنهاية ج 3 ص 269، والسيرة الحلبية ج 2 ص 146، وحياة الصحابة ج 1 ص 603، وتاريخ الخميس ج 1 ص 371، وأنساب الاشراف ج 1 ص 290، ومجمع الزوائد ج 6 ص 93، والكامل في التاريخ ج 2 ص 118، وغير ذلك. (3) راجع ما تقدم في المصادر المتقدمة في الهوامش المختلفة. (4) تفسير القمي ج 1 ص 262. (5) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 187، والسيرة الحلبية ج 2 ص 146، والبحار ج 19 ص 244 و 206، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 118، ومجمع البيان، وغير ذلك، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387. (6) التنبيه والاشراف ص 204، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 387. (*)

[ 33 ]

عشرا من الابل، فكان المطعمون إثني عشر رجلا، منهم: عتبة، وشيبة، والعباس، وأبو جهل، وحكيم بن حزام، الذي أصبح فيما بعد من المؤلفة قلوبهم، كما هو معروف. المشركون يدركون بغيهم وعدوانهم: والتقى بعض المسلمين ببعض عبيد قريش على ماء بدر، فأخذوهم، وسألوهم عن العير، فأنكروا معرفتها، فضربوهم ورسول الله (ص) يصلي، فانفتل من صلاته، وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم ؟ ثم سألهم عن عدة قريش، فقالوا: لا علم لهم بعددهم. فقال (ص): كم ينحرون كل يوم من جزور ؟ قالوا: تسعة إلى عشرة. فقال (ص): القوم تسعمائة إلى ألف رجل (1) (وقيل: أكثر، حتى لقد قال البعض: إنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل، وهو بعيد). فأمر بهم (ص)، فحسبوا، فعلم مشركو قريش، ففزعوا، وندموا على مسيرهم، حيث إنهم بعد أن علموا بنجاة العير أصروا على المجئ إلى بدر لتهابهم العرب، كما تقدم. وقد اعترف عتبة بن ربيعة، الذي كان ولده أبو حذيفة مع النبي


(1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 298 - 269، والمغازي للواقدي ج 1 ص 53، والبداية والنهاية ج 3 ص 263 - 264، وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 327 و 328، والسنن الكبرى ج 9 ص 147 و 148، وزاد المعاد ج 3 ص 175، وصحيح مسلم ج 5 ص 170، وكشف الاستار ج 2 ص 311، والطبقات الكبرى ط صادر ج 2 ص 15، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 132 - 134 و 142 والسيرة الحلبية ج 2 ص 152. (*)

[ 34 ]

(ص): بأن مسيرهم بعد نجاة عيرهم كان بغيا منهم وعدوانا. وبذلت محاولة للاتفاق على الرجوع، لكن أبا جهل أبى ذلك، وقال: " لا، واللات والعزى، حتى نقحم عليهم بيثرب، ونأخذهم أسارى، فندخلهم مكة، وتتسامع العرب بذلك، ولا يقوم بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه " (1). ورجع بنو زهرة حينئذ بإشارة الاخنس بن شريق، كما تقدم. مواقع الجيشين: وسبق المشركون إلى بدر، فنزلوا في العدوة القصوى، في جانب الوادي مما يلي مكة، حيث الماء، وكانت العير خلف المشركين (2). قال تعالى: (والركب أسفل منكم). ومحل نزولهم كان صلبا. ونزل المسلمون في العدوة الدنيا، أي جانب الوادي مما يلي المدينة، حيث لا ماء، وحيث الارض رخوة، لا تستقر عليها قدم، مما يعني أن منزل المسلمين كان من وجهة نظر عسكرية غير مناسب. ولكن الله أيد عباده ونصرهم على عدوهم، وجاء المطر ليلا على المشركين، فأوحلت أرضهم، وعلى المسلمين، فلبدها، وجعلها صلبة، وجعلوا الماء في الحياض. (3)


(1) البحار ج 19 ص 250 عن تفسير القمي، وراجع مغازي الواقدي ج 1 ص 71. (2) لسوف يأتي: أن العير قد سلمت، لان أبا سفيان قد سلك بها طريق البحر وابتعد عن المدينة وعن مسير المسلمين. (3) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 271 و 272، وتاريخ الخميس ج 1 ص 375، وتاريخ الامم والملوك ط الاستقامة ج 2 ص 144، والسيرة الحلبية ج 2 ص 154، والكامل في التاريخ ج 2 ص 122، ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 35، والبداية والنهاية ج 3 ص 266. (*)

[ 35 ]

معنويات المسلمين والعنايات الربانية: ولما بلغ المسلمين كثرة المشركين، خافوا، وتضرعوا إلى الله. وعن أبي جعفر الباقر " عليه السلام ": لما نظر النبي " صلى الله عليه وآله " إلى كثرة المشركين، وقلة المسلمين، استقبل القبلة، وقال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض "، فنزلت الاية: (إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم) (1). فالامداد بالملائكة إذن، ليس إلا لتطمين، وإعطاء توهج روحي للمسلمين، الذين يحسون بالضعف، ويستغيثون ربهم، حسب مدلول الاية الشريفة. ثم ألقى الله النعاس على المسلمين، فناموا، وقد ذكر الله سبحانه ذلك، وإرسال المطر عليهم، فقال: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الاقدام) (2). نعم، لقد كان ذلك النعاس ضروريا لفئة تواجه هذا الخطر الهائل، وهي تدرك أنها لا تملك من الامكانات المادية شيئا يذكر لدفعه. نعم، لابد من هذا النعاس، لئلا تستبد بهم الوساوس في هذا الليل البهيم، الذي تكبر فيه الاشياء وتتضخم، فكيف إذا كانت الاشياء كبيرة بطبيعتها ؟ وقد كان هذا النعاس ضروريا أيضا ليحصل لهم الامن والسكون: " أمنة " ولتقوى قلوبهم بالايمان والسكينة، حتى لا يضعفوا عن مواجهة


(1) الانفال: 9 و 10. (2) الانفال: 11. (*)

[ 36 ]

الخطر، وحتى يمكن لعقولهم وفكرهم أن يسيطر على طبيعة تصرفاتهم ومواقفهم، بدلا من الضعف والانفعال، والتوتر. وبواسطة هذا النعاس وذلك المطر يربط الله على قلوبهم، حيث يطمئون إلى أن الله ناظر إليهم، وإلى أن ألطافه وعناياته متوجهة نحوهم، فلا يهتمون بعد ذلك بالحوادث الكاسرة، ولا تهمهم الجيوش بكثرتها الكاثرة. وفي مقابل ذلك، فقد ألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب، والخوف، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. وقد يقال: إن الله سبحانه قد أخبر في السور المكية، كسورة محمد (ص) بعد ذكره الذين تحزبوا ضد أنبيائهم، وثمود، وفرعون، عن أن هناك حادثة شبيهة لما جرى لتلك الفئات، ستقع للمسلمين، فقال: (جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب) (1)، فكان ذلك وقعة بدر، كما قاله البعض. أهداف الحرب: والملاحضة الهامة هنا هي: أن النبي " صلى الله عليه وآله " يصرح بأن حرب بدر حرب مصيرية، وأن هدفه من هذه الحرب هو التمكين لعبادة الله تعالى، وليس عبادة الذات، أو المال، أو الجنس، أو الجاه، أو السلطان، ولا غير ذلك، ولا سيما إذا شعرت قريش بالضيق والذل والضعف، عن طريق جعلها في معاناة إقتصادية ونفسية، حينما تدرك: أن طريق قوافلها إلى الشام ولبلدان أخرى أصبح مهددا، وهذا ما سوف يضعف من عزائم القريشيين، ويزلزل وجودهم، ويجعلهم في الموقف الاضعف. أما هدف المشركين، فهم أنفسهم قد أفصحوا عنه، وهو أن تهابهم


(1) سورة ص: 11. (*)

[ 37 ]

العرب، وأن لا يكون بينهم وبين متجرهم أحد يكرهونه. وشتان ما بين الهدفين، وكذلك ما بين نتائج الحرب - كما سنرى - بالنسبة إلى الفريقين. في المواجهة: ولما أصبح رسول الله (ص) عبأ أصحابه. وكانت رايته مع أمير المؤمنين (ع) (1). وكان (ع) صاحب لواء رسول الله (ص) في بدر، وفي كل مشهد (2)، وسنثبت ذلك في غزوة أحد إن شاء الله تعالى. فما يقال: من أنه كان لرسول الله (ص) في بدر أكثر من لواء: مع مصعب بن عمير، أو الحباب بن المنذر. في غير محله، إلا أن يكون مرادهم: أن لواء المهاجرين كان مع مصعب، ولواء الانصار كان مع الحباب، ونحو ذلك. وأما تفريقهم بين


(1) مناقب الخوارزمي ص 102، والاحاد والمثاني لابن أبي عاصم النبيل، مخطوط في مكتبة كوبرلى رقم 235، ومسند الكلابي في آخر مناقب ابن المغازلي ص 434، ومناقب ابن المغازلي نفسه ص 366، والاستيعاب هامش الاصابة ج 3 ص 33 و 34، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 11، وتلخيصه للذهبي بهامشه، ومجمع الزوائد ج 9 ص 125. ونقل ذلك عن: شرح النهج للمعتزلي ط أولى ج 2 ص 102، وجمهرة الخطب ج 1 ص 428، والاغاني ط دار الكتب ج 4 ص 175، وتاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 430. (2) ترجمة الامام أمير المؤمنين من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 145، وذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 14، وكفاية الطالب ص 336 عنه، وفي هامشه عن: كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، والرياض النضرة ج 2 ص 202، وقال: أخرجه نظام الملك في أماليه. (*)

[ 38 ]

الراية واللواء في محاولة لرفع التنافي، فهو أيضا محاولة فاشلة، لان كلا منهما قد ورد أنه كان مختصا بأمير المؤمنين (ع)، كما يتضح من مراجعة النصوص في المصادر المشار إليها في الهامش (1). وسيأتي مزيد من التوضيح لذلك في واقعة أحد إن شاء الله تعالى. أضف إلى ذلك: أن ابن سعد وابن إسحاق قد ذكرا: أن الراية قد اتخذت بعد وقعة بدر، وبالذات في وقعة خيبر (2). هذا لو سلم وجود إختلاف بين اللواء والراية، وإلا فقد نص جماعة من أهل اللغة على ترادفهما (3). هدوء ما قبل العاصفة: وبعد أن عبأ النبي (ص) أصحابه، قال لهم: غضوا أبصاركم، ولا تبدؤوهم بالقتال، ولا يتكلمن أحد (4). وسكت المسلمون، وغضوا أبصارهم، امتثالا لامر رسول الله " صلى الله عليه وآله " فأثر هذا الموقف في قريش بشكل واضح، حتى إن أحدهم حين جال بفرسه حول المسلمين، ليعرف إن كان لهم مدد، أو كمين، رجع للمشركين، وقال: " ما لهم كمين، ولا مدد ولكن نواضح يثرب حملت الموت الناقع. أما ترونهم خرسا لا يتكلمون ؟ يتلمظون تلمظ الافاعي، مالهم ملجأ إلا سيوفهم ؟ ! وما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتل بعددهم ".


(1) راجع المصادر في الهامشين السابقين. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 147. (3) المصدر السابق ص 147 و 148. (4) المصدر السابق. (*)

[ 39 ]

فشتمه أبو جهل، لانه رآه يجبن أصحابه. وقال أبو جهل يشجع أصحابه مشيرا إلى قلة عدد المسلمين: " ما هم إلا أكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد ". وأرسل رسول الله (ص) إلى المشركين يقول لهم: " معاشر قريش، إني أكره أن أبدأكم بقتال، فخلوني والعرب وارجعوا، فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري ". ويقال: إن عتبة بن ربيعة رجح للمشركين قبول ذلك، فرماه أبو جهل بالجبن، وأنه انتفخ سحره (1) لما رأى محمدا وأصحابه، وأنه خاف على ابنه أبي حذيفة الذي هو مع محمد. فلما بلغ عتبة قول أبي جهل، قال: سيعلم مصفر أسته (2) من انتفح سحره: أنا أم هو ؟ وتحمس لذلك، ولبس درعه، هو وأخوه شيبة وولده الوليد وتقدموا يطلبون البراز. ونحن هنا نشير إلى الامور التاليه: ألف: سر رعب المشركين: إن المشركين كانوا يدركون مدى تصميم المسلمين على الحرب، وأنهم على استعداد لان يموتوا جميعا، بعد أن يقتلوا بعددهم على الاقل


(1) انتفاخ السحر: كناية عن الجبن. والسحر: الرئة. (2) والظاهر أنه يرميه بالابنة، فإن الانصار كانوا يرمونه بذلك. راجع: مجمع الامثال ج 1 ص 251 عند قولهم: أخنث من مصفر أسته، والبرصان والعرجان ص 102 / 103 متنا وهامشا، والغدير ج 8 ص 251 عن صواعق ابن حجر ص 108 عن الدميري في حياة الحيوان، وراجع: الدرة الفاخرة في الامثال السائرة ج 1 ص 188. (*)

[ 40 ]

في سبيل دينهم وعقيدتهم. وهذا من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب المشركين، الذين يقاتلون من أجل البقاء في هذه الدنيا، والتمتمع بلذاتها وخيراتها حسب زعمهم. وإذا كان المسلمون ساكتين واجمين، فإن ذلك يزيد الجو رهبة، ويؤكد ويزيد الخوف والرعب في قلوب المشركين، الذين سوف تزيد حيرتهم حيث لا شئ يشير إلى طبيعة الحرب التي سوف يخوضونها، ومستواها، والاتجاه والطابع الذي سوف يعطونها إياه. وأما قول أبي جهل عن المسلمين: ما هم إلا أكلة رأس إلخ. فهو لا يدل على عدم الرعب لدى المشركين، لانه لم يقل ذلك إلا على سبيل التشجيع لاصحابه. ولا سيما بعد أن رأى ترددهم وجبنهم عن المواجهة. أضف إلى ذلك: أننا لابد أن نتذكر هنا: أنه تعالى في بعض مراحل المواجهة قد قلل المشركين في أعين المسلمين، وقلل المسلمين في أعين المشركين، ليقضي أمرا كان مفعولا، ولسوف يأتي الكلام في هذا في أواخر الفصل التالي إن شاء الله تعالى. ب: نظرة في عروض النبي (ص) على المشركين: لقد حاول النبي (ص) أن يكلم المشركين من الزاوية التي ينظرون منها، وتتلاءم وتنسجم مع فكرهم ومنطقهم، وتتلاقى مع مصالحهم التي يدعون أنهم جاؤوا يحاربون من أجلها. وذلك حينما قال لهم: " فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا ". فإن هذا ينسجم مع حبهم للرياسة والزعامة، الذي كان من القوة والطغيان فيهم بحيث جعلهم يؤثرون تلك الرئاسات والزعامات على كل علاقاتهم النسبية والقبلية، ويحاربون قومهم، وحتى آباءهم وأبناءهم في سبيلها. ثم هو يقول لهم: " وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري ". وهذا

[ 41 ]

ينسجم أيضا مع محبتهم للسلامة والحياة، ومع مصالحهم الاقتصادية. وذلك يعوض ما يرونه في رجوعهم عن حربه من تنازل، واعتراف بقوته وشوكته. مع إمكان تلافيهم ذلك بإظهار بعض الاعذار التي تحفظ لهم ماء الوجه بحسب نظرهم. ولكن طغيان قريش، وغطرستها يأبيان عليها الانصياع للمنطق الواعي، والرأي السليم، فتصر على الحرب والقتال، ومواجهة نتائجنا الساحقة لها ولكبريائها الزائف، وصلفها الاحمق والمقيت. جيم: النبي (ص) لا يبدأ القتال: ثم إننا نجد: أن النبي (ص) لا يبدأ القتال، ويأمر المسلمين أن لا يبدأوا به، ويحاول أن يعطي الطرف الاخر الفرصة، ويقدم له خيارات كلها فيها مخرج مشرف له، فإذا أبي ذلك، وطغى وبغى، واعتدى على المسلمين، فإن من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يردوا كيد المعتدي، من كان، ومهما كان. وهكذا كان أمير المؤمنين (ع) مع أعدائه، سواء في حياة النبي " صلى الله عليه وآله "، أو بعد وفاته. بل إن ذلك كان هو شعار شيعة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم، اقتداء بإمامهم، الذي يقتدي بالنبي الاعظم (ص). ولسوف تأتي الاشارة إلى ذلك حين الحديث حول خصائص الشيعة بعد الانتهاء من غزوة بدر مع أبحاث أخرى في فصل: " بحوث ليست غريبة عن السيرة " إن شاء الله تعالى. وقد تقدمت أيضا إشارة إلى ذلك. النبي (ص) في العريش: ويقولون: إنهم صنعوا للنبي " صلى الله عليه وآله " عريشا من جريد

[ 42 ]

النخل فكان فيه وأبو بكر معه، وليس معه غيره. ويدعون أيضا: أنه (ص) قد وافق على أن يضعوا نجائب وركائب مهيأة عنده، فإن انتصر فهو المطلوب وإن كانت الاخرى ركب النجائب، ولحق بمن وراءهم من الصحابة في المدينة (1). ولكن ذلك لا يصح بأي وجه، فقد قال المعتزلي: " قلت: لاعجب من أمر العريش من أين كان لهم أو معهم من سعف النخل ما يبنون به عريشا، وليس تلك الارض - أعني أرض بدر - أرض نخل ؟ والذي كان معهم من سعف النخل، يجري مجرى السلاح يسيرا جدا. قيل: إنه كان بأيدي سبعة منهم سعاف عوض السيوف، والباقون كانوا بالسيوف والسهام والقسي. هذا قول شاذ، والصحيح أنه ما خلا أحد منهم عن سلاح. اللهم إلا أن يكون معهم سعفات يسيرة، وظلل عليها بثوب أو ستر، وإلا فلا أرى لبناء عريش من جريد النخل هناك وجها " (2). ونقول: أولا: إن ما ذكره من وجود السلاح مع المهاجرين لا يمكن قبوله. فقد تقدمت النصوص التي تتحدث عن مستوى تسلحم، وليس فيها ما ذكره المعتزلي. والظاهر هو أن عددا منهم كان مسلحا بالقسي، كما يدل عليه أمر النبي (ص) لهم برمي المشركين بالنبل إذا أكثبوهم. ولعل بعضهم كان معه رماح، والبعض الاخر عصي، وفريق كان لديه سيف، أو حربة، وفريق آخر كان معه سعف النخل، يدفع بها عن نفسه، ويهاجم العدو بها إن وجد فرصة لذلك.


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 222 و 279، ومغازي الواقدي ج 1 ص 49 و 55، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 122، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 118، والسيرة الحلبيه ج 2 ص 155 / 156 و 161 وغير ذلك من المصادر الكثيرة. (2) شرح النهج ج 14 ص 118. (*)

[ 43 ]

وثانيا: إن استدراكه الاخير في غير محله، فإن السعفات المظلل عليها بالثوب يقال لها: خيمة، وليس عريشا، بل لا يقال لها خيمة أيضا، كما يرى البعض. كما أن ما ذكره من عدتهم وسيوفهم محط نظر يعرف مما تقدم ونضيف نحن هنا: أولا: إن النبي (ص) لا يمكن أن يفر من الزحف. وثانيا: قوله (ص): " اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " - وهو ما نقله مختلف المؤرخين - يكذب أن يكون (ص) أراد الفرار على نجائبه، لو ربح المشركون هذه الحرب. إذ أن الله تعالى لا يمكن أن يعبد في الارض حتى ولو رجع النبي (ص) إلى أهل المدينة، فكيف يقول ذلك ثم يقدم على تصرف كهذا ؟ ! وثالثا: لو أن النبي (ص) خسر حرب بدر، فلن يتركه المشركون ينجو بنفسه منهم، ولن يعطوه الفرصة ليجمع لهم الجموع من جديد ؟ !. ولسوف لن يتركوا مهاجمة المدينة، والقضاء على مصدر متاعبهم فيها. وهم الان بالقرب منها، ويعيشون نشوة النصر والظفر، ومعهم جيش على أحسن ما يرام في عدده وفي عدته. ورابعا: كيف يكون (ص) قد اتخذ العريش مكانا له، وحرسه الحراس فيه، وهم يقولون: إنه (ص) رؤي يوم بدر في أثر المشركين مصلتا السيف، يتلو قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (1). ويقولون أيضا: إنه قد اشترك في حرب بدر بنفسه، وقاتل بنفسه قتالا شديدا (2).


(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 172. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 123 و 167، لكنه حاول توجيه ذلك بما هو خلاف صريح = (*)

[ 44 ]

ومما يدل على اشتراكه في الحرب أيضا، قولهم: كان ثمة يوم بدر رجال يقاتلون، واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، وثالث أمامه، ورابع خلفه (1). ويروون عن علي (ع) أيضا قوله: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله (ص)، فكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه (2). إذن، فلابد أن نسأل: أين كان أبو بكر آنئذ ؟ أمع النبي (ص) في ساحة القتال ؟ أم في العريش وحده، ليكون في موقع القائد والرئيس كما يريد الجاحظ أن يدعي حسبما سيأتي ؟ والسوف تأتي بقية الحديث حول موضوع شجاعة أبي بكر، وحضوره في العريش في الفصل الذي يأتي بعد وقعة بدر إنشاء الله تعالى. وخامسا: إنه إذا لم يكن معهم سوى فرس المقداد، فمن أين جاءت النجائب المعدة لفرار رسول الله (ص) ؟ ! ولماذا لم تشارك في الحرب، للدفاع عن الدين وعن المسلمين ؟ !. إشارة: ولو فرض صحة الحديث المتقدم المروي عن علي (ع)، فلابد أنه كان يتحدث عن غيره لا عن نفسه، لان عليا لم يكن يخشى المشركين، ولم يكن ليحتاج إلى ملجأ يحميه منهم. كيف وهو الذي قتل أكثر من


= الكلام، فقال: إن المراد بالجهاد: الدعاء ! !. كل ذلك من أجل أن يصح حديث العريش ! !. (1) مغازي الواقدي ج 1 ص 78. (2) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 135، والسيرة الحلبية ج 2 ص 123، والبداية والنهاية ج 6 ص 37، وحياة الصحابة ج 2 ص 677 عن أحمد، والبيهقي. (*)

[ 45 ]

نصف قتلى المشركين في بدر ؟ وشارك في النصف الاخر كما سنرى ؟ ويكون قوله (ع) ذلك نظير أن يقول شخص مثلا: إننا في بلادنا نأكل كذا، أو نلبس أو نصنع الشئ الفلاني. مع أن هذا القائل لم يأكل، أو لم يلبس، أولم يصنع ذلك الشئ شخصيا أبدا. المبارزة: وكان أول من برز للقتال عتبة، وشيبة، والوليد، فبرز إليهم ثلاثة من الانصار، فقالوا لهم: ارجعوا، فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الاكفاء من قريش، فأرجعهم النبي (ص)، وبدأ بأهل بيته، لانه كره أن تكون البدأة بالانصار (1)، وندب عبيدة بن الحارث، وحمزة، وعليا، قائلا: " قم يا عبيدة، قم يا عم، قم يا علي، فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم إلخ... ". فسأل عتبة عنهم، فأخبروه عن أنفسهم، وسأل شيبة عن حمزة، فقال له: أنا حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله. فقال شيبة: قد لقيت أسد الحلفاء، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله. فقتل علي (ع) الوليد، وجاء فوجد حمزة معتنقا شيبة، بعد أن تثلمت في أيديهما السيوف، فقال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة طويلا، فأدخل رأسه في صدر شيبة، فاعترضه علي بالسيف فطير نصفه (أي نصف رأسه). وكان عتبة قد قطع رجل عبيدة، وفلق عبيدة هامته، فجاء علي فأجهز على عتبة أيضا. فيكون أمير المؤمنين (ع) قد شرك في قتل الثلاثة (2).


(1) تفسير القمي ج 1 ص 264، والبحار ج 19 ص 313 و 253، وسعد السعود ص 102. (2) راجع: المناقب ج 3 ص 119 عن صاحب الاغاني وغيره... (*)

[ 46 ]

ومما يدل على أنه شرك في قتلهم جميعا، ما ورد في كتاب " المقنع " من أن هندا قالت: ما كان لي عن عتبة من صبر * أبي، وعمي، وشقيق صدري أخي الذي كان كضوء البدر * بهم كسرت يا علي ظهري (1) وقال السيد الحميري رحمة الله في مدح أمير المؤمنين (ع): وله ببدر وقعة مشهورة * كانت على أهل الشقاء دمارا فأذاق شيبة والوليد منية * إذ صبحاه جحفلا جرارا وأذاق عتبة مثلها أهوى لها * عضبا صقيلا مرهفا بتارا (2) ويدل على ذلك أيضا: ما أجاب به بعض بني عامر حسان بن ثابت على أبيات له، يقول ذلك البعض: ببدر خرجتم للبراز فردكم * شيوخ قريش جهرة وتأخروا فلما آتاهم حمزة، وعبيدة * وجاء علي بالمهند يخطر فقالوا: نعم، أكفاء صدق، فأقبلوا * إليها سراعا إذ بغوا وتجبروا فجال علي جولة هاشمية * فدمرهم لما بغوا وتكبروا (3) وقد كتب " عليه السلام " في رسالة له لمعاوية: " فأنا أبو الحسن حقا، قاتل جدك عتبة، وعمك شيبة، وخالك الوليد، وأخيك حنظلة، الذين سفك الله دماءهم على يدي في يوم بدر، وذلك السيف معي،


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 283، والعثمانية، قسم نقوض الاسكافي ص 432، والبحار ج 19 ص 292، والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 121. (2) ديوان السيد الحميري ص 215، والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 122. (3) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 119، والبحار ج 19 ص 291. (*)

[ 47 ]

وبذلك القلب ألقى عدوي " (1). بعد قتل الفرسان الثلاثة: وحمل حمزة وعلي " عليه السلام " عبيدة بن الحارث، وأتيا به إلى رسول الله (ص)، فاستعبر، وقال: يا رسول الله، ألست شهيدا ؟ ! قال: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي (مما يشير إلى أنه لسوف تأتي قافلة من الشهداء من أهل بيته (ص)، وهكذا كان). فقال عبيدة: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه، قال: وأي أعمامي تعني ؟ قال: أبو طالب، حيث يقول: كذبتم وبيت الله يبزي محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال (ص): أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الاخر في جهاد الله بأرض الحبشة ؟ !. قال: يا رسول الله، أسخطت علي في هذه الحالة ؟ قال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي، فانقبضت لذلك (2).


(1) الفتوح لابن اعثم ج 2 ص 435، ونهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 13، والغدير ج 10 ص 151. (2) تفسير القمي ج 1 ص 265، والبحار ج 19 ص 255، وفي شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 80: أن رسول الله استغفر له ولابي طالب يومئذ. والغدير ج 7 ص 316. وفي نسب قريش لمصعب ص 94: أن عبيدة قال: " يا رسول الله ليت أبا طالب حيا حتى يرى مصداق قوله إلخ ". وربما يقال: إن هذا هو الانسب بأدب عبيدة وإخلاصه، ولكن لا، فإن قوله الانف لا يضر في أدبه ولا في إخلاصه، حيث يرى نفسه قد ضحى بنفسه في سبيل الدين، فلا مانع من أن يقول ذلك. (*)

[ 48 ]

وقد روى كثير من المؤرخين هذه القضية من دون ذكر القسم الاخير منها. قالوا: ونزل في هؤلاء الستة قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار). وفي البخاري: أن أبا ذر كان يقسم: أنها نزلت فيهم (1). ونزل في علي، وحمزة، وعبيدة أيضا قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (2). وقيل: نزلت في علي وحده (3). وثمة عدة آيات أخرى نزلت في بدر في الثناء على أمير المؤمنين " عليه السلام " (4) فراجع. وبعد ما تقدم، فإننا نشير الى الامور التالية: ألف: غضب النبي (ص) لابي طالب: إنه إذا كان الرسول (ص) يغضب لذكر عمه، ولو بهذا النحو المهذب، والمحدود، فكيف إذن يكون موقفه ممن يرمي أبا طالب بالشرك


(1) البخاري ط الميمنية ج 3 ص 4، ومناقب ابن شهر آشوب ج 3 ص 118 عن مسلم، من دون قسم أبي ذر، ومستدرك الحاكم ج 2 ص 386، وصححه هو والذهبي في تلخيصه، والغدير ج 7 ص 202 عن: تفسير ابن كثير ج 3 ص 212، وتفسير ابن جزي ج 3 ص 38، وتفسير الخازن ج 3 ص 698، وتفسير القرطبي ج 2 ص 25 - 26، وصحيح مسلم ج 2 ص 550، وطبقات ابن سعد ص 518، وبهذا قال ابن عباس، وابن خثيم، وقيس بن عباد، والثوري، والاعمش، وسعيد بن جبير، وعطاء. (2) الصواعق المحرقة ص 80. (3) مناقب الخوارزمي ص 188، والكفاية للخطيب ص 122. (4) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 118 وغيره. (*)

[ 49 ]

الكفر، ويعتبره مستحقا للعذاب الاليم في نار الله المؤصدة ؟ ! فهل تراه سوف يكون مسرورا ومرتاحا لهذا الكلام، الذي لا سبب له إلا السياسة، وما أدراك ما السياسة ؟ ! ب: بدء النبي (ص) بأهل بيته: وقد رأينا: أن النبي (ص) هو الذي أرجع الثلاثة الذين هم من الانصار، وأمر حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث بالخروج إلى ساحة القتال أولا (1) وهم من أهل بيته، وقد قال علي (ع) عن النبي (ص): " كان إذا حضر البأس، ودعيت نزال، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر يوم مؤتة إلخ " (2). ونقول: إنه حين يبدأ الرسول (ص) الحرب بأهل بيته فإنه يكون قد أثبت بالفعل لا بالقول فقط، للانصار وللمهاجرين: أنه ليس فقط لا يريد أن يجعلهم وسيلة للوصول إلى أهدافه، ويدفع بهم الخطر عن نفسه وأهل


(1) وفي أمالي المرتضى ج 1 ص 275، وإعلام الورى ص 308، والبحار ج 48 ص 144، ومناقب ابن شهر آشوب ج 4 ص 316 أن الامام كاظم (ع) قال لنفيع الانصاري: "... وإن كنت تريد المفاخرة، فوالله ما رضوا مشركوا قومي مسلمي قومك أكفاءهم حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش ". وأقول: لا منافاة بين الامرين، فلعل المشركين لم يرضوا به، كما أنه (ص) لم يرغب في البدأة بهم. (2) أنساب الاشراف ج 2 ص 81، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 77، وكتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 90، ونهج البلاغة باب الكتب الكتاب التاسع، والعقد الفريد ج 4 ص 336، ومناقب الخوارزمي ص 176، ونهج البلاغة ج 3 ص 10 و 11. (*)

[ 50 ]

بيته، وإنما ثمة هدف أسمى، لابد أن يساهم الجميع في العمل من أجله وفي سبيله. وهو (ص) شريك لهم في كل شئ، في السراء والضراء، والشدة والرخاء. وهو يضحي ويقدم قبل أن يطلب ذلك من غيره، بل هو يحاول أن يدفع عن غيره، ولو بأهل بيته ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وذلك هو ما يجب أن يكون المثل الاعلى لكل صاحب هدف، ولكل سياسي وقائد. فإن عليه أن يقدم هو أولا التضحيات فإذا احتاج إلى معونة غيره، فإن طلبه منهم يكون له مبرراته، ويراه كل أحد: أنه صادق ومحقق في طلبه ذاك. وليس له أبدا أن يجلس في برجه العاجي، ثم يصدر أوامر للاخرين، دون أن يرى نفسه مسؤولا عن التحرك في اتجاه الهدف إلا في حدود الكلام وإصدار الاوامر، فإن الكلام لن يكون كافيا في تحقيق الاثر المطلوب في مجال التحرك نحو الهدف، مهما كان ذلك الهدف مقدسا، وساميا. ج: سخرية شيبة: لقد رأينا كيف أن شيبة يسخر من كون حمزة أسد الله وأسد رسوله، ويعتز بكونه أسد الحلفاء، مع أن مقتضي الانصاف والواقع هو عكس ذلك تماما، فقد تقدمت الاشارة إلى بعض الاهداف الوضيعة، القائمة، على أساس المنطق القبلي، والمنافع الخاصة، التي توخاها الحلفاء من حلفهم ثم هم يتوخونها من حرب بدر وغيرها.. وكلنا يعلم، وهم يعلمون: أن هدف الله ورسوله، وأسد الله من التضحيات على وجه الارض ليس إلا إسعاد البشرية، ونجاة الانسانية إن دنيا وإن آخرة. د: الحق الذي جعله الله للمسلمين: ثم ما هو هذا الحق الذي أشار إليه النبي (ص) في قوله لعلي (ع)،

[ 51 ]

وحمزة وعبيدة: " فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم " ؟ أليس هو حق حرية الرأي والعقيدة، وحق الدفاع عن دين الله، وعن النفس، ورد البغي والعدوان ؟ في مقابل القرشيين الذين عذبوهم، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوا أموالهم، بل وقتلوا منهم من قتلوا، وبغوا عليهم أقبح البغي ؟ !. وخلاصة الامر: إنهم يريدون أن يعيشوا أحرارا، وأن يدافعوا عن دين الله في مقابل من يريد الاستمرار في الانحراف والتعدي. وللمظلوم حق في أن يطالب بإنصافه من ظالمه، والباغي عليه، ولا سيما بعد أن عرض النبي (ص) على قريش تلك الخيارات المتقدم ذكرها، فلم ترعو عن غيها. بل أرادت إطفاء نور الله، وأصرت على حرب المسلمين وإذلالهم، قال تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله) (1). المعركة في ضرامها: ولما رأى أبو جهل مقتل عتبة وشيبة والوليد، حاول إنقاذ الموقف، فقال: لا تجعلوا، ولا تبطروا، كما بطر إبنا ربيعة. عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش، فخذوهم أخذا، حتى ندخلهم مكة، فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها. ويذكر ابن عباس، في قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى): أن النبي (ص) - بأمر من جبرئيل - قال لعلي (ع): ناولني كفا من حصباء، فناوله كفا من حصباء (وفي رواية: عليه تراب) فرمى به في وجوه


(1) الحج: 39 و 40. (*)

[ 52 ]

القوم، فما بقي أحد إلا امتلات عينه من الحصا. وفي رواية: وأفواههم، ومناخرهم، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم، ويأسرونهم (1). فابن عباس إنما يطبق الاية على هذا العمل الاعجازي. الملائكة في بدر: وقد أمد الله المسلمين بالملائكة لتثبيت قلوبهم، وفي كونهم حاربوا خلاف. وظاهر القرآن ربما لا يساعد عليه حيث يقول تعالى: (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم) الانفال / 15. ولكن ثمة آية أخرى تشير إلى إشتراكهم بالقتال، وهي قوله تعالى في سورة الانفال / 12: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الاعناق، واضربوا منهم كل بنان). هذا إذا كان قوله تعالى: فاضربوا إلخ خطابا للملائكة، كما لعله الظاهر، وإن كان خطابا للمقاتلين من الناس، فلا دلالة في الاية على ذلك ايضا. ومهما يكن من أمر، فإن الملائكة كانوا يتشبهون بأمير المؤمنين علي " عليه السلام " (2).


(1) البحار ج 19 ص 229 عن تفسير الثعلبي، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 189، وليراجع الحلبية ج 2 ص 167. (2) البحار ج 19 ص 285 عن المناقب. ويروي الاخرون: أنهم كانوا على هيئة الزبير الذي كان عليه عمامة صفراء فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر كما في المستدرك للحاكم ج 3 ص 361، وحياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه، وعن كنز العمال ص 268 عن الطبراني وابن عساكر، ومجمع الزوائد ج 6 ص 84، ولكن يعكر على هذا ما في دلائل النبوة لابي نعيم ص 170، وحياة الصحابة ج 3 ص 586 عنه من أن الملائكة كان عليهم يوم بدر عمائم بيض. (*)

[ 53 ]

ولربما كانوا هم الوسيلة لتكثير المسلمين في أعين المشركين أثناء القتال، كما قال تعالى: (ويكثركم في أعينهم). عائشة في حرب الجمل: وبالمناسبة، فإن عائشة قالت في حرب الجمل: ناولوني كفا من تراب، فناولوها، فحثت في وجوه أصحاب أمير المؤمنين، وقالت: شاهت الوجوه - كما فعل رسول الله (ص) بأهل بدر - فقال أمير المؤمنين: " وما رميت إذ رميت ولكن الشيطان رمى، وليعودن وبالك عليك إن شاء الله " (1). كما أن عائشة قد نظرت إلى علي " عليه السلام " وهو يجول بين الصفوف في حرب الجمل، فقالت: انظروا إليه كأن فعله فعل رسول الله (ص) يوم بدر، أما والله ما ينتظر بكم إلا زوال الشمس (2). وهكذا كان. صدق أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. الخزي والهزيمة: وهزم الله المشركين شر هزيمة، وقتل أبو جهل. وكان رسول الله (ص) قد أوعده أن يقتله الله بأضعف أصحابه، بل أخبر (ص) بكل ما جرى في بدر قبل وقوعه (3). فقتله رجل أنصاري، واحتز رأسه ابن


(1) كتاب الجمل للشيخ المفيد ص 186، وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 257، وراجع الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 325. (2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 214. (3) البحار ج 19 ص 267 عن الاحتجاج، والتفسير المنسوب للامام العسكري ص 118 و 119. (*)

[ 54 ]

مسعود. وقيل: إنه وجده بآخر رمق، فأجهز عليه، ولكن الاقرب هو الاول، لان سلبه أخذه غير ابن مسعود. وكان أول من انهزم في بدر إبليس لعنه الله، فإنه كان قد تبدى للمشركين - كما جاء في الرواية - بصورة سراقة بن مالك المدلجي، من أشراف كنانة، حيث إن قريشا كانت قد خافت من بني بكر بن عبد مناف، لدم بينهم، فتبدى لهم إبليس بصورة سراقة، وأعطاهم جواره، فلما رأى ما جرى للمشركين، ورأى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه، فانهزم المشركون. وقال المكيون: هزم سراقة، فقال سراقة: ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. وروي أن أبا سفيان لما أبلغ العير إلى مكة رجع، ولحق بجيش قريش، فمضى معهم إلى بدر، فجرح يومئذ جراحات، وأفلت هاربا، ولحق بمكة راجلا (1).


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 375. (*)

[ 55 ]

الفصل الثاني: نتايج الحرب

[ 57 ]

نتائج الحرب: وقتل في بدر سبعون، وأسر مثلهم. وقيل: قتل خمسة وأربعون، وأسر مثلهم. ولعل منشأ هذا القول الاخير هو تسمية البعض لهذا المقدار من القتلى، أو أكثر، فتخيلوا: أن ذلك هو العدد النهايي، ولكن ذلك لا يدل إلا على أن من عرفه ذلك الناقل هو هؤلاء، لا على أن هؤلاء هم كل من قتل من المشركين. واستشهد من المسلمين، قيل تسعة، وقيل أحد عشر، وقيل: أربعة عشر، ستة من المهاجرين، وثمانية من الانصار. ولم يؤسر من المسلمين أحد، وغنموا من المشركين مئة وخمسين بعيرا، وعشرة أفراس، وعند ابن الاثير ثلاثين فرسا، ومتاعا، وسلاحا، وانطاعا، وثيابا، وأدما كثيرا (1). بطولات علي " عليه السلام ": وأكثر قتلى المشركين قتلوا على أيدي المهاجرين، وبالتحديد على


(1) مغازي الواقدي ج 1 ص 102 / 103، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 118، والسيرة الحلبية ج 2 ص 183. (*)

[ 58 ]

يد أهل بيت النبي " صلى الله عليه وآله "، وبالذات على يد علي " عليه السلام ". وقد سماه الكفار يوم بدر ب‍ " الموت الاحمر " لعظم بلائه ونكايته (1) وكيف لا ونحن نرى الشعيبي يقول: " كان علي أشجع الناس، تقر له بذلك العرب " (2) وقد تقدم في الفصل السابق تحت عنوان: المبارزة، قول بعض بني عامر في جواب حسان، وقول هند في رثاء قتلاها. وقال أسيد بن أبي إياس يحرض مشركي قريش على علي " عليه السلام ": في كل مجمع غاية أخزاكم * جذع أبر على المذاكي القرح الله دركم ألما تنكروا * قد بنكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمه الذي أفناكم * ذبحا وقتلا قعصة لم يذبح أعطوه خرجا واتقوا تضريبه * فعل الذليل وبيعة لم تربح أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الابطح أفناهم قعصا وضربا يفتري * بالسيف يعمل حده لم يصفح (3) وقال عبد الله بن رواحة: ليهن عليا يوم بدر حضوره * ومشهده بالخير ضربا مر عبلا


(1) المناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 68. (2) نور القبس ص 249. (3) أسد الغابة ج 4 ص 20 / 21، وترجمة الامام علي (ع) من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 15، وإرشاد المفيد ص 47، والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 121، والبحار ج 19 ص 282، وأنساب والاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 188، وتيسير المطالب ص 50. والجذع: الاسد. والمذاكي: الخيل بعد مضي خمس سنين من عمرها، وضربه فأقعصه: أي قتله مكانه. ولم يصفح: أي لم يضرب بصفح السيف. (*)

[ 59 ]

وكائن له من مشهد غير خامل * يظل له رأس الكمي مجدلا (1) إلى آخر الابيات. ولماذا لا يسمى " عليه السلام " بالموت الاحمر، وهو الذي تقول بعض الروايات: إن جبرئيل قد نادى بين السماء والارض في بدر: لا فتى إلا علي * لا سيف إلا ذو الفقار ويقال: إن هذه المناداة كان في أحد. وستأتي مع بعض الكلام حولها إن شاء الله. وقد قتل (ع) من المشركين في بدر نصف السبعين، وشارك في قتل النصف الاخر (2). وقد عد الشيخ المفيد ستة وثلاثين بأسمائهم ممن قتلهم علي (ع) (3). وقال ابن إسحاق: أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعلي (4). وقال الطبرسي، والقمي: إنه قتل منهم سبعة وعشرين (5)، وقال أسامة بن منقذ: قتل أربعة وعشرين سوى من شارك فيهم (6)، وقال


(1) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 20، والبحار ج 19 ص 292، والمرعبل: والمقطع. (2) راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج 2 ص 353. ولم يعترض عليه ابن روزبهان بشئ. (3) الارشاد ص 43 / 44، والبحار ج 19 ص 277 و 316 عنه، وإعلام الورى ص 77. (4) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 120، والبحار ج 19 ص 291. (5) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 271، والبحار ج 19 ص 240 عن مجمع البيان. (6) لباب الاداب ص 173. (*)

[ 60 ]

الشبلنجي: قال بعضهم: " إن أهل الغزوات أجمعت على أن جملة من قتل يوم بدر سبعون رجلا، قتل علي منهم أحدا وعشرين نسمة باتفاق الناقلين، وأربعة شاركه فيهم غيره، وثمانية مختلف فيهم " (1). وعد الواقدي إثنين وعشرين، ثمانية عشر منهم قتلهم علي، وأربعة مختلف فيهم (2). وعد المعتزلي، وابن هشام (مع التلفيق بينهما) تسعة وعشرين قتلهم علي، أو شرك في قتلهم من أصل إثنين وخمسين (3). وهذا الاختلاف ليس ذا أهمية، فإن من يذكر هؤلاء أسماءهم إنما هم في حدود الخمسين، أو أقل، أو أكثر بقليل (4). فنجد عليا قد قتل من هؤلاء نصفهم أو أزيد. ولو أنهم اهتدوا إلى أسماء الباقين، لارتقى عدد من قتلهم علي (ع) إلى نصف السبعين، أو زاد، عدا من شرك في قتلهم. نعم هذه هي الحقيقة، ولكن المؤرخين، الذين جاؤوا بعد هؤلاء قد ذكروا من عدهم هؤلاء في ضمن الخمسين، واعتبروهم جميع من قتل، مع أنهم بعض من قتل. ويلاحظ: أن البعض يعرف ممن قتلهم علي " عليه السلام " أشخاصا، لا يعرفهم البعض الاخر، وبالعكس. وذلك أيضا يؤيد صحة ما ذكرناه وذكره الشيخ المفيد وغيره ويؤكده. وعلى كل حال، فقد كان ممن قتلهم أمير المؤمنين " عليه السلام " في بدر: طعيمة بن عدي، وأبو حذيفة بن أبي سفيان، والعاص بن سعيد بن العاص، الذي أحجم الناس عنه، ونوفل بن خويلد، وكان من شياطين


(1) نور الابصار ص 86. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 147 - 152. (3) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 365 - 372، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 208 - 212. (4) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 212، وابن هشام والواقدي وغيرهم. (*)

[ 61 ]

قريش، والعاص بن هشام بن المغيرة (1). رواية مكذوبة: وزعم البعض أن عمر بن الخطاب هو الذي قتل العاص بن هشام بن المغيرة (2) ويروون: أن عمر قد قال لسعيد بن العاص: إنه ما قتل أباه، وإنما قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة (3). هو كلام مشكوك فيه: فإن العاص هذا ليس خالا لعمر، لان حنتمة لم تكن بنت هشام بن المغيرة، وإنما هي بنت هاشم بن المغيرة، وقد غلط العلماء من قال: إنها بنت هشام (4). وقال ابن حزم: إن هاشما لم يعقب سوى حنتمة (5). وقال ابن قتيبة: " وأم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، إبنة عم أبيه " (6). بل لقد قيل: إن حنتمة هي بنت سعيد بن المغيرة (7).


(1) المنمق ص 456، والاغاني ط ساسي ج 3 ص 100. (2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 368، والسيرة الحلبية ج 2 ص 145، وراجع نسب قريش لمصعب ص 301. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 92، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 289، ونسب قريش لمصعب ص 176، والبداية والنهاية ج 3 ص 290، وتاريخ الخميس ج 1 ص 381، وحياة الصحابة ج 2 ص 333، والاصابة، والاستيعاب. (4) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 19. (5) جمهرة أنساب العرب ص 144. (6) الشعر والشعراء ص 348. (7) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 20. (*)

[ 62 ]

واحتمال البعض أن يكون أراد: أنه قتل هذا الذي من قبيلة أمه، ويعد الناس كل أفراد قبيلة الام أخوالا، كما قال الشاعر: ولو أني بليت بهاشمي * خؤولته بني عبد المدان هذا الاحتمال خلاف الظاهر المتبادر من كلمة " خالي " فإن إطلاق كلمة أخوال على القبيلة لا يلزم منه صحة أن يقول الشخص: فلان خالي، وهو ليس بخاله حقيقة، فيصح قولهم: بنو مخزوم أخوالنا، ولا يصح أن يقال: فلان المخزومي خالي، لان هذا الثاني ينصرف إلى الخؤولة الحقيقية. بل لقد أنكر البعض أن تكون حنتمة مخزومية أصلا، وقالوا: إن هاشما وجدها مرمية في الطريق، فأخذها، ورباها، ثم زوجها الخطاب، وإنما نسبت إلى هاشم بالتبني والتربية، كما هو عادة العرب (1). ما هو الصحيح اذن ؟ ولعل الاقرب إلى الاعتبار، والمنسجم مع الوقائع، والاجواء السياسية، والاحداث، هو الرواية التي ذكرها المعتزلي، والشيخ المفيد، وملخصها: أن عثمان بن عفان، وسعيد بن العاص، حضرا عند عمر أيام خلافته، فصار عثمان إلى مجلسه الذي يشتهيه، ومال سعيد إلى ناحية، فنظر إليه عمر وقال: مالي أراك معرضا ؟ كأني قتلت أباك ؟ إني لم أقتله، ولكن قتله أبو حسن. وفي رواية المفيد، أنه قال: فلما رأيت ذلك (يعني هياجه للحرب)


(1) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 56. (*)

[ 63 ]

هبته، وزغت عنه، فقال: إلى أين يا ابن الخطاب، وصمد له علي فتناوله. فوالله ما فارقت مكاني حتى قتله. وكان علي " عليه السلام " حاضرا: فقال: اللهم غفرا، ذهب الشرك بما فيه، ومحا الاسلام ما تقدم، فمالك تهيج الناس علي ؟ ! فكف عمر. فقال سعيد: أما إنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب (1). فهذه الرواية التي تتضمن نجاة عمر على يد علي (ع)، ليس فيها: أنه قتل خاله العاص بن هشام، والذي لم يكن خالا له - كما قلنا - أو على الاقل يشك كثيرا في هذه الخؤولة. وفي هذه الرواية دلالات أخرى لا تخفى، ولا سيما في كلام علي " عليه السلام "، وسعيد، فليتأمل المتأمل في ذلك. إشارة: ويلاحظ: أن حرب بدر وأحد وغيرها قد أثرت في قلوب القرشيين أثرا بعيدا حتى " قيل: كانت قريش إذ رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه. ونظر إليه رجل، وقد شق العسكر، فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي " (2).


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 144 و 145، والارشاد ص 46. (2) محاضرات الادباء للراغب الاصفهاني ج 2 ص 138. (*)

[ 64 ]

قتلى المشركين في القليب: وأمر رسول الله (ص) بالقليب أن تعور، ثم أمر بالقتلى، فطرحوا فيها. ثم نادى أهل القليب رجلا رجلا: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني قد وجدت ما وعد ربي حقا، بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني، وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. فقال عمر: يا رسول الله، أتنادي قوما قد ماتوا ؟ فقال (ص): ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني (1). وقد أنكرت عائشة قول النبي (ص): لقد سمعوا ما قلت. وقالت: إنما قال: لقد علموا، واحتجت لذلك بقوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتي) الاية. وبقوله تعالى: (وما أنت بسمع من في القبور) (2). وفي البخاري عن قتاگة: إن الله رد إليهم أرواحهم فسمعوا، وبهذا أجاب البيهقي (3). ونقول: إنه لو ثبت ما ذكره قتادة وصح، فلا مانع من أن يكون معجزة لسيد المرسلين محمد " صلى الله عليه وآله الطاهرين ".


(1) راجع: فتح الباري ج 7 ص 234 و 235، وصحيح البخاري هامش الفتح نفس الموضع، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 29، وتاريخ الخميس ج 1 ص 386، والسيرة الحلبية ج 2 ص 82، وحياة الصحابة ج 2 ص 333 و 334. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 82، وليراجع: مسند أحمد ج 2 ص 31 و 38، وغير ذلك. (3) راجع: البخاري باب غزوة بدر، وليراجع: كلام المعتزلي في شرح النهج ج 14 ص 279. (*)

[ 65 ]

وأجاب الحلبي: بأنه لا مانع من إبقاء السمع على حقيقته، لانه إذا قوي تعلق أرواحهم بأجسادهم أمكنهم أن يسمعوا بحاسة سمعهم، لبقاء محل تلك الحاسة. والسماع المنفي في الايتين هو السماع النافع، وقد أشار السيوطي إلى ذلك فقال: سماع موتى كلام الله قاطبة * جاءت به عندنا الاثار في الكتب وآية النفي معناها سماع هدى * لا يقلبون ولا يصغون للادب لانه تعالى شبه الكفار الاحياء بالاموات في القبور في عدم انتفاعهم بالاسلام النافع (1). مهجع سيد الشهداء: ويقولون: إن مهجع (مولى لعمر) هو أول من خرج بعد أن اصطفت الصفوف، فقتل، فنقل بعض المشايخ: أنه أول من يدعى من شهداء هذه الامة، وأن النبي (ص) قال يؤمئذ: مهجع سيد الشهداء (2). ولكن ذلك مشكوك فيه، إذ: 1 - لماذا كان مهجع أول من يدعى من شهداء هذه الامة، ولماذا لا يكون ياسر والد عمار أو أمه سمية أول من يدعى من شهداء هذه الامة ؟ ! وهما أول من استشهد، وكان ذلك قبل بدر بسنوات عديدة. ولماذا لا يكون عبيدة بن الحارث، الذي قتل في نفس واقعة بدر، قبل مهجع هو أول من يدعى منهم ؟ !.


(1) راجع السيرة الحلبية ج 2 ص 82. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 61، وراجع: المنصف ج 5 ص 351. (*)

[ 66 ]

2 - قولهم: إنه أول من خرج بعد أن اصطفت الصفوف، لا يمكن قبوله. فإن أول من خرج من المسلمين هم: علي ؟، وحمزة، وعبيدة بن حارث بن المطلب. 3 - وكيف يمكن الجمع بين كون مهجع هو سيد الشهداء، وبين روايتهم: أن حمزة هو سيد الشهداء (1) كما سيأتي في غزوة أحد إن شاء الله ؟. ويقولون أيضا: إن عليا قد ذكر ذلك في شعره، فقال: محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي (2) وقال " عليه السلام ": " ومنا سيد الشهداء حمزة " (3). 4 - وكيف يجتمع قولهم: بأن أول قتيل من المسلمين هو مهجع، مع قولهم: إن أول قتيل من المسلمين هو عمير بن الحمام (4) ؟ !. وحاول الحلبي الجمع: بأن عميرا أول قتيل من الانصار، وذاك أول قتيل من المهاجرين. ثم أجاب عن هذا بأن أول قتيل من الانصار هو حارثة بن قيس.


(1) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 173، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 195 و 199، وتلخيص الذهبي (مطبوع بهامش المستدرك)، ومجمع الزوائد ج 9 ص 268، وحياة الصحابة ج 1 ص 571، وتاريخ الخميس ج 1 ص 164 و 165. (2) روضة الواعظين ص 87، والصراط المستقيم للبياضي ج 1 ص 277، وكنز الفوائد للكراجكي ط دار الاضواء ج 1 ص 266، والغدير ج 6 ص 25 - 33 عن مصادر كثيرة جدا. (3) الاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 273، والاصابة ج 1 ص 354، وراجع: البحار ج 44 ص 140، والمسترشد ص 57. (4) الاصابة ج 3 ص 31، والسيرة الحلبية ج 2 ص 161. (*)

[ 67 ]

ثم رده بأن حارثة كان أول قتيل بسهم لم يدر راميه (1). ولكن من الواضح: أن ذلك ليس إلا تلاعبا بالالفاظ، فإنه إذا قيل: فلان أول قتيل من المسلمين، أو في بدر مثلا، لا ينظر في ذلك إلى آلة قتله، أو إلى بلده، أو نسبه. وإلا لقال أول قتيل من المهاجرين مثلا، أو من الانصار، أو بسهم، أو نحو ذلك، فإن هذا هو الانسب والاوفق بمراده. ولو صح كلام الحلبي، فيرد سؤال، وهو: لماذا يطلق على مهجع دون غيره - مثل عمير بن الحمام أو عبيدة، أو حارثة بن قيس - لقب سيد الشهداء ؟ ! وما هو وجه اختصاصه بهذا اللقب دون هؤلاء ؟ ! فهل لانه كان قد عانى في سبيل الله ما لم يعان غيره ؟ ! أم لانه كان يمتاز عنهم بفضائل أخلاقية ونفسانية ؟ ! أم لانه كان مولى لعمر بن الخطاب ؟ ! وقد كان لابد من أن تكون له فضيلة لم ينلها إلا سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب والحسين بن علي (ع) ؟ ! لا ندري ولعل الفطن الذكي يدري ! ! ذو الشمالين: واستشهد في بدر ذو الشمالين (سمي بذلك لانه كان يعمل بيديه جميعا) واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن غبشان (2). وتذكر هنا قضية سهو النبي (ص)، واعتراض ذي الشمالين عليه.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 161. (2) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 337، والطبري في ذيل تاريخه ص 157، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 491، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 394، والاصابة ج 1 ص 486، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 119. (*)

[ 68 ]

وحيث إن الكلام فيها يطول، فنحن نرجئ الكلام عنها إلى فصل: بحوث ليست غريبة عن السيرة. فإلى هناك. وقبل المضي في الحديث عن سائر ما يرتبط بواقعة بدر، نشير إلى الملاحظات التالية: ألف: إهتمام علي (ع) برسول الله (ص) في بدر: عن علي (ع) قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت مسرعا لانظر إلى رسول الله (ص) ما فعل. قال: فجئت، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد عليها. فرجعت إلى القتال. ثم جئت، وهو ساجد يقول ذلك أيضا. فذهبت إلى القتال. ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، حتى فتح الله عليه (1). ولا يعني ذلك: أنه (ص) لم يشارك في القتال في بدر اصلا، فلعله شارك فيه في مراحله الاولى، حيث لابد من تشجيع المسلمين، وتقوية قلوبهم، حتى إذا تحقق له (ص) هذا الهدف، انصرف إلى الابتهال والدعاء. ويلاحظ هنا: 1 - إن عليا (ع) يتعاهد النبي (ص) باستمرار، ولا يغفل عنه لحظة واحدة، حتى في هذا الموقف، الذي تبلغ فيه القلوب الحناجر، وتزيغ الابصار. كما ويلاحظ: أنه " عليه السلام " كان في سائر المواطن والاحوال


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 275 و 276 عن البيهقي وعن النسائي في اليوم والليلة، وحياة الصحابة ج 1 ص 502 عنه وعن كنز العمال ج 5 ص 267 عن الحاكم، والبزار، وأبي يعلى والفريابي. (*)

[ 69 ]

يتعاهد النبي (ص)، ويأخذ على عاتقه عهدة حفظه وحراسته، فقد: قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة، قال: سألت جعفر بن عبد الله بن الحسين عن اسطوان علي بن أبي طالب فقال: إن هذه المحرس كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول الله (ص) يحرس النبي (ص) (1). وذكر السمهودي هذه الاسطوان في كتابه باسم " اسطوان المحرس " (2). 2 - يلاحظ: مدى اهتمام الرسول (ص) في هذه اللحظات الحرجة بالدعاء، والاتصال بالمبدأ الاعلى، مصدر القوة والفتح والظفر، يتصل به ليهب المسلمين اليقين، والصبر، وليشملهم بعناياته وألطافه، فبدون ذلك لا يمكن النصر، ولا قيمة للظفر. 3 - كما أننا نجد أمير المؤمنين (ع)، الذي كان أكثر الناس عناء في هذه الحرب، قد قتل نصف السبعين، وشارك في النصف الاخر، نجده يقول: " حتى فتح الله عليه " فهو ينسب الفتح والظفر إلى النبي الاعظم " صلى الله وعليه وآله "، ولا يرى لنفسه، ولا لغيره أثرا يستحق الذكر في هذا المجال. ب: الحرب مصيرية: وواضح: أن كلا من الفريقين كان يعتبر أن هذه الحرب مصيرية بالنسبة إليه، فالمسلمون وعلى رأسهم الرسول الاعظم (ص) يعتبرون: أنهم لو غلبوا فلن يعبد الله في الارض بعد. المشركون أيضا يريدون أن


(1) وفاء الوفاء ج 2 ص 448. (2) المصدر السابق. (*)

[ 70 ]

يأخذوا المهاجرين أخذا، ليعرفوهم ضلالتهم، وأن يجزروا أهل يثرب جزرا، حتى لا يتجرؤوا على ممالاة عدو لهم أبدا، وكي لا يستطيع أحد أن يعترض طريق تجارتهم، وتهابهم العرب. نعم هذا هو المهم لدى جماعة متهالكة على المال والجاه والدنيا. ولاجل ذلك بالذات آذوا النبي (ص) ومن معه، وأخرجوهم، وحاربوم، وهم أبناؤهم، وإخوانهم وآباؤهم، وذووا قرابتهم. فالدنيا بالنسبة إليهم هي كل شئ، وليس قبلها ولا بعدها شئ. وهذا ما دفعهم لارتكاب تلك الجرائم والموبقات تجاه ذويهم: فمارسوا ضدهم مختلف أنواع التعذيب، والسخرية، ثم أخذ الاموال، والاخراج من الديار. ثم الحرب العوان لجز أصلهم واستئصال شأفتهم. ج: الهزيمة، وعدم تكافؤ القوى، والامداد بالملائكة: قد يحدث أن يغلب جيش قليل العدد نسبيا جيشا أكثر عددا، وذلك حينما تكون ثمة امتيازات في هذه القلة تفقدها تلك الكثرة، كالتسلح، أو الانضباطية، أو البراعة، أو كونها تملك خطة حربية معينة. ولكن الامر كان بين المسلمين والمشركين بالعكس تماما، فالتجربة الحربية، والكثرة، والسلاح، والعدة وغير ذلك قد كان في جانب المشركين، مع عدم وجود خطة حربية معينة، بحدودها وتفاصيلها لدى المسلمين. وإنما هم يواجهون حربا فرضها عليهم عدوهم في الزمان والمكان الذي أراد. مع وجود امتيازات لصالح المشركين حتى في هذه الناحية ايضا. أما أسلوب الحرب، فلا جديد فيه، وإنما على كل من الفريقين أن يعتمد الاساليب المعروفة. وفي قريش بعض مشاهير فرسان العرب، الذين امتازوا في الحروب التقليدية بخبرتهم، وبعد صيتهم.

[ 71 ]

ولكن النتائج التي تمخضت عنها هذه الحرب، لا تتلاءم مع تلك العدة وذلك العدد، ولا مع الامتيازات التي كان يتمتع بها أحد الفريقين دون الاخر. فقد كانت خسائر المشركين أضعاف خسائر المسلمين. إذ ما هو وجه النسبة بين ثمانية إلى أربعة عشر شهيدا من المسلمين، وبين سبعين قتيلا وسبعين أسيرا من المشركين ؟ ! مع أن كل الامتيازات كانت في جانب هؤلاء على أولئك. نعم ما هو السر، وما هو السبب ياترى ؟ !.. والجواب: إن الله سبحانه قد قال في كتابه المجيد: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم، ولتنازعتم في الامر، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور. وإذ يريكموهم إذ التقيتم في اعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم، ليقضي الله أمرا كان مفعولا) (1). وقال تعالى: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، قال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم) (2). وقال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) (3). وقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " نصرت بالرعب، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا " (4).


(1) الانفال: 43 و 44. (2) الانفال: 48. (3) الانفال: 5. (4) سيرة ابن هشام ج 2 ص 233، والبخاري ج 1 ص 46 و 57، وج 2 ص 107، = (*)

[ 72 ]

ونستنتج من ذلك: أنه قد كان ثمة الطاف وعنايات، بل وخطة إلهية لالقاء الحرب بين المسلمين، والمشركين، لتذهب هيبة قريش من نفوس الكثيرين ممن أسلموا، وإذا حارب المسلمون قريشا، فلسوف يكونون على حرب غيرها أجرأ وأقدر. وهذه الخطة تتلخص في: 1 - تقوية قلوب المسلمين بما في ذلك أسلوب التقليل والتكثير المشار إليه في الايات الشريفة. 2 - ما أمدهم الله به من الملائكة. 3 - إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم. بيان ذلك: أن هدف كل من المتحاربين هو الذي يعين نتيجة الحرب، ومصيرها، على صعيد الخسائر المادية والبشرية، وحتى على صعيد التأثير في حركة التاريخ، من جميع الجهات، وعلى مختلف المستويات. وقد بينا مرارا وتكرارا: أن هدف المشركين من الحرب هو الحصول على الحياة التي يريدون، وعلى الامتيازات التي يتوقعون أن يجدوا فيها ما يحقق آمالهم العراض بالرفاهية والزعامة والسيادة. وإذا كانوا يحاربون من أجل الحياة الدنيا، فكيف يمكن أن يضحوا بحياتهم ؟ إن ذلك ليس إلا نقضا للغرض، وتضييعا للهدف. ويدلنا على هذا المعني، أنهم يذكرون: أنه لما رأى طليحة بن


= وج 4 ص 135 و 163، وسنن الدارمي ج 2 ص 224، وصحيح مسلم ج 2 ص 63 - 65، والجامع الصحيح ج 4 ص 123، وكشف الاستار ج 1 ص 44، وج 3 ص 147، وسنن النسائي ج 1 ص 209 و 210، وج 6 ص 3، ومسند أحمد ج 1 ص 98 و 301، وج 2 ص 222 و 264 و 268 و 314 و 366 و 412 و 455 و 501 وج 3 ص 304، وج 4 ص 416، وج 5 ص 145 و 148 و 162 و 248 و 256، ومجمع الزوائد ج 6 ص 65، وأمالي الطوسي ص 56. (*)

[ 73 ]

خويلد كثرة انهزام أصحابه قال: " ويحكم ما يهزمكم ؟ ! قال رجل منهم: وأنا أحدثك ما يهزمنا: إنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا لنأتي قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه " (1) ولما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال: " لو كان ابن صفية يعلم: أنه على حق ما ولى إلخ " (2). ويقول حميد الطوسي أحد أكابر قواد المأمون: " إننا قد آيسنا من الاخرة وإنما هي الدنيا، فلا نحتمل والله لاحد تنغيصها علينا " (3). أما هدف المسلمين أو بالاحرى بعضهم، وهم الذين جزروا قريشا جزرا، كعلي وحمزة وأمثالهما ممن كان لهم نكاية في العدو، فقد كان هو الفوز الاخروي، ويعتبرون أنهم إنما يقدمون على إحدى الحسنيين: النصر وهو فوز أخروي ودنيوي، أو الشهادة، وهي فوز أيضا حتى دنيويا. وإذا كانوا يعدون الموت فوزا كالنصر العسكري، وإذا كانوا يعتبرون فرارهم خذلانا ووبالا ودمارا وموتا لهم، بل وشرا من الموت، حتى ولو أدى إلى حفظ حياتهم، وكانت في المستوى الاعلى من الرفاهية والراحة الجسدية والنعيم الدنيوي، لانها سوف يعقبها الدمار في الاخرة والعذاب الاليم، إذا كانوا كذلك فإن حياتهم هذه تكون مرفوضة عندهم، ولا يريدونها، بل هم يكرهونها ويهربون منها أكثر مما يكره المشركون الموت، ويهربون منه وهو ما أشار إليه ذلك الرجل في جوابه لطليحة بن خويلد كما قد قدمنا.


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 176، وحياة الصحابة ج 3 ص 770 عنه. (2) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 241 وهذا يؤيد أنه قتل وهو منهزم كما يصرح به البعض. (3) نشوار المحاضرات ج 3 ص 100. (*)

[ 74 ]

ولما سمع عمير بن الحمام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يعد من يستشهد بالجنة، وبيد عمير تمرات يأكلهن، قال: بخ بخ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، أو قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي، إنها لحياة طويلة. ثم رمى التمرات من يده، وقاتل حتى قتل (1). ومن هنا، فقد كان طعم الموت لدى أصحاب الحسين " عليه السلام " أحلى من العسل، بل وحتى الامهات كن إذا علمن بأن ولدهن في الجنة لم يجدن ألم المصاب، بل وربما فرحن لاستشهاد أبنائهن. فحين قتل حارثة بن سراقة بسهم غرب، قالت أمه: " يا رسول الله، أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع، يعني من النياح. (وفي رواية: وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء. وفي رواية: لم أبك ولم أحزن، وإن يكن في النار بكيت ما عشت في الدنيا ". وفي رواية: أنه (ص) لما أخبرها: أن ولدها في الجنان رجعت وهي تضحك، وتقول: بخ بخ يا حارث (2). كما أن عمير بن أبي وقاص الذي استشهد يوم بدر، حينما أراد (ص) أن يخلفه بكى (3)، فأجازه، وأمثال ذلك كثير.


(1) راجع: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 126، وتاريخ الخميس ج 1 ص 380، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 279، والبداية والنهاية ج 3 ص 277 عن مسلم وأحمد، وسنن البيهقي ج 9 ص 99، ومستدرك الحاكم مختصرا ج 3 ص 426، وحياة الصحابة ج 1 ص 424 عن بعض من تقدم. (2) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 208، والبداية والنهاية ج 3 ص 274 عن الشيخين، وسنن البيهقي ج 9 ص 167، وحياة الصحابة ج 2 ص 652 - 653 عنهم، وعن كنز العمال ج 5 ص 273 و 275، وج 7 ص 76، وعن ابن سعد ج 3 ص 68. (3) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 263، والاصابة ج 3 ص 35 عن الحاكم والبغوي، وابن سعد، والواقدي. (*)

[ 75 ]

وتقول هند بنت عتبة لرملة بنت شيبة، وكانت من المهاجرات: لحى الرحمان صابئة بوج * ومكة، أو بأطراف الحجون تدين لمعشر قتلوا أباها * أقتل أبيك جاءك باليقين (1) وأمثال ذلك كثير، لا مجال لتتبعه واستقصائه. ومن كل ما قدمناه ينجلى مدى حرص هؤلاء على الموت أو النصر، وحرص أولئك على الحياة والسلامة، فالمسلمون يرون الموت انتقالا، والشهادة عطاء. وأولئك يرون الموت خسرانا، وفناء ودمارا. وقد تحدث الله عن بني إسرائيل الذين يهتمون بالدنيا وليس للاخرة مكان في تفكيرهم، وحتى في عقائدهم، فقال: (قل: إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة، من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم، والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، والله بصير بما يعملون) (2). ولذلك احتاجت الحرب إلى: أن يريهم الله بادئ الامر المسلمين قليلا، ليتشجعوا على خوض غمار الحرب، براحة فكر، ولرفع مستوى إحتمالات السلامة والبقاء. ولا أقل من أن يصمدوا ولا يفروا، ليقوم علي (ع) بإذلال فراعنة الشرك، وقتل أبطالهم، وأسر رجالهم، وفقا لما جاء عن الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء: كلما حشوا نارا للحرب أطفأها، ونجم قرن الضلال أو فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحده، مكدودا في


(1) نسب قريش لمصعب ص 156، والاصابة ج 4 ص 307. (2) البقرة: 94 و 96. (*)

[ 76 ]

ذات الله إلخ (1). ثم وبعد نشوب الحرب كان لا بد أن يروا المسلمين كثيرا، فأمد الله المسلمين بالملائكة، وكثرهم بهم، وأمرهم بالحرب وبضرب الاعناق، وألقى في قلوب المشركين الرعب. وقد أخبر الله عن هذه المرحلة الاخيرة التي سوف تأتي بعد نشوب الحرب بقوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان) (2). وواضح: أن القضاء على الجبان الخائف مهما كان قويا أيسر، وأسهل من القضاء على الضعيف المقدام، الذي لا يبالي، أوقع على الموت أم وقع الموت عليه. ومن هنا فقد كانت المعركة لصالح هؤلاء دون أولئك، الذين لا يمكنهم إلا أن يتجنبوا مواجهة الابطال، وملاقاة الرجال. فالمسلمون والمشركون أنفسهم كانوا على المشركين. وهذا ما يفسر قول أمير المؤمنين " عليه السلام ": " ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه " (3). وكان لامداد المسلمين بالملائكة ناحية أخرى لا بد من ملاحظتها، فإنه حين يكون من الممكن أن لا تكون درجة المعرفة واليقين قد بلغت لدى بعض المسلمين مستوياتها العالية، وحين يكون احتمال الانهيار لدى البعض، أو على الاقل أن يضعفوا عن مواجهة هذه النازلة، موجودا، فإن الله يلطف بالمسلمين، ويمدهم بالملائكة، بشرى منه، وتثبيتا، ويقلل


(1) الانفال: 12. (2) نهج البلاغة / الحكم رقم: 318. (3) بلاغات النساء ص 25 ط النهضة الحديثة، وأعلام النساء ج 4 ص 117. (*)

[ 77 ]

المشركين في أعينهم في بادئ الامر، ليتشجعوا على حربهم. إلى غير ذلك من أسباب النصر التي تفضل عليهم بها. ومن هنا نعرف أيضا: لماذا كان القتلى في جانب المشركين أضعاف الشهداء في جانب المسلمين، وأسر من المشركين سبعون، ولم يؤسر من المسلمين أحد. وهذه النتائج لا تختص ببدر، وإنما تشمل كل المعارك التي كانت بين الايمان والكفر، - وما حديث كربلاء عن أذهاننا ببعيد. د: حقد قريش على الانصار: 1 - لقد اتضح من كلمات أبي جهل المتقدمة: أن قريشا كانت تتعمد إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف الانصار، حتى لقد أمر أبو جهل أصحابه بأن يجزروا أهل يثرب جزرا. ولكن موقفهم بالنسبة للقرشيين كان مختلفا، فقد طلب أبو جهل: أن يأخذوهم أخذا، ليدخلوهم مكة، ويعرفوهم ضلالتهم. ولعل موقفهم هذا من القرشيين يرجع إلى رغبتهم في الحفاظ على علاقاتهم فيما بينهم، لان كل قرشي من المسلمين له أقارب وعشيرة في: مكة، ولن يرتاح هؤلاء لقتل أبنائهم، حتى وإن كانوا يخالفونهم في العقيدة والرأي. وهذا هو المنطق القبلي الذي كان يسيطر على عقليات المشركين، ويحكم تصرفاتهم، ومواقفهم حتى في هذه الظروف الدقيقة والحرجة بالذات. 2 - وحيث قد عرفنا: أن مراجل حقد قريش كانت في أشد الغليان على أهل يثرب، الذين آووا ونصروا، وقد عبر أبو جهل عن ذلك لسعد بن معاذ في فترة سابقة، وها هو يعود فيأمر بجزر أهل يثرب جزرا.

[ 78 ]

فإننا نلاحظ: أن هذا الحقد قد استمر عشرات السنين، وقد أكده وزاده حدة: معارضة الانصار في الخلاقة في قصة السقيفة، ثم كونهم إلى علي " عليه السلام " أميل منهم إلى غيره. وقد ناصروه في حروبه، التي تزعمت قريش الجانب الاخر منها (1) حتى لقد قال معاوية في صفين لنعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد: " ولقد غمني ما لقيت من الاوس والخزرج، واضعي سيوفهم على عواتقهم، يدعون إلى النزال، حتى لقد جبنوا من أصحابي الشجاع. وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قيل: قتله الانصار، أم والله، لالقينهم بحدي وحديدي " (2). إلى آخر الكلام. ويقول النعمان بن بشير، في كلام له مع الانصار: " ثم لم ينزل خطب قط إلا هونتم عليه المصيبة " (3). ثم كان موقف الانصار تجاه شيخ بني أمية عثمان بن عفان، ومشاركتهم بشكل فعال في الثورة ضده، فزاد ذلك في حقد قريش عليهم وتمالئها ضدهم، حتى ليقول معاوية، وإن كان إظهار حزنه على عثمان إنما جاء لاهداف سياسية لا تخفى: لا تحسبوا أنني أنسي مصيبته * وفي البلاد من الانصار من أحد (4) وقد عمق معاوية هذا الحقد ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ثم جاء بعده يزيد فانتقم منهم في واقعة الحرة شر انتقام (5)، بعد أن قتل أهل بيت


(1) راجع المصنف ج 5 ص 456 و 458 وغير ذلك. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 84 و 85، وراجع ص 87 و 44. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 88. (4) شرح النهج ج 8 ص 44. (5) راجع: وقعة الحرة في تاريخ الامم والملوك، والكامل في التاريخ، وغير ذلك. (*)

[ 79 ]

نبيهم في كربلاء. وأخيرا، فقد روى أحمد حديث ابن عمر، الذي يقدم فيه أهل بدر من المهاجرين على أهل بدر من الانصار (1). وقد تقدم جانب مما يتعلق بهذا الموضوع في فصل: سرايا وغزوات قبل بدر، حين الكلام عن سر إرسال المهاجرين في السرايا في أول الامر، فلا غنى لمن أراد استكمال هذا البحث عن مراجعة ذلك الموضع. 3 - ومن الجهة الثانية، فإن قريشا تريد أن تلقن الانصار في حرب بدر درسا لن ينسوه، حتى لا يعودوا لمثلها من الممالاة لاعدائها، ويكفي الانصار ذنبا بالنسبة لقريش أنهم مكنوا للمسلمين: أن يبلغوا هذا القدر من القدرة والشوكة، حتى لقد طلب أبو جهل - الذي كان يثق أولا بالنصر -: أن لا يفلت من أيدي أهل مكة أحد من اليثربيين. أضف إلى ذلك كله: أن أهل المدينة كانوا قحطانيين، أما أهل مكة فعدنانيون لماذا أهل البيت أولا: ولعل كل ما قدمناه آنفا وسواه هو السر في تقديمه (ص) أهل بيته في الحرب، لتكون التضحيات منه، وفي نفسه، وأهل بيته أولا. ولا ينسى التاريخ مواقف علي " عليه السلام "، ولا بطولات حمزة، وجعفر وسواهما ممن أخلص لهذا الدين من خيرة الصحابة، فكان هؤلاء أعني عليا، وأهل بيته (ع) هم الدرع الواقي، وبهم حفظ الله الدين، وخفف بذلك من حقد قريش الذين كانوا في الغالب أعداء لهذا الدين وأهله على الانصار، وذلك حفاظا على مستقبل الانصار، لان أحقاد قريش عليهم وعلى الاسلام قد تركت في المستقبل أثرها المرير والبغيض.


(1) مناقب الامام أحمد ص 235. (*)

[ 80 ]

ه‍: بدر وأثرها على علي (ع) وأهل بيته: ويلاحظ هنا: أن أكثر قتلى المشركين كانت نهايتهم على أيدي المهاجرين، ولا سيما أمير المؤمنين " عليه السلام "، وعمه حمزة. فقد قدمنا: أن عليا (ع) قد قتل نصف السبعين، وشارك في النصف الاخر. ومن هنا نجد قريشا لم تستطع أن تحب عليا وأهل بيته، رغم أنها تتظاهر بالاسلام، وتحاول الحصول على الامتيازات عن طريقه، ورغم النصوص القرآنية والنبوية الامرة بمحبتهم ومودتهم. وقد أخرج الحاكم: أن العباس جاء إلى رسول الله (ص) وهو مغضب، فقال (ص): ما شأنك ؟ فقال: يا رسول الله، ما لنا ولقريش ؟ فقال: ما لك ولهم ؟ قال: يلقى بعضهم بعضا بوجوه مشرقة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك. قال: فغضب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى استدر عرق بين عينيه، فلما أسفر عنه، قال: والذي نفس محمد بيده، لا يدخل قلب امرء الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله إلخ (1). ولقد شكى أمير المؤمنين " عليه السلام " من قريش: أنهم قطعوا رحمه ومالاوا عليه عدوه (2) - كما سنشير إليه في واقعة أحد إن شاء الله


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 333 وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، وراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 269، وحياة الصحابة ج 2 ص 487 و 488 عمن تقدم. (2) وإذ كانت الضربات متوجهة إلى القائد المعصوم، فإنه يستطيع أن يتحمل، وأن يصمد، ويواجهها بالحكمة والروية وبما أوتيه من علم وعقل وصبر. أما غيره فلربما يصعب عليه تحمل الصعاب، أو اتخاذ الموقف المناسب لتجاوزها، ولاجل هذا نجد النبي (ص) كان يؤثر أن يكون علي (ع) هو المعترض لقريش دون غيره. (*)

[ 81 ]

تعالى -. وعن ابن عباس: قال عثمان لعلي: " ما ذنبي إذا لم يحبك قريش، وقد قتلت منهم سبعين رجلا، كأن وجوههم سيوف (أو شنوف) الذهب " (1). هذا وقد ظل الاحلاف يتحينون الفرص للاخذ بثارات بدر وأحد، وغير هما. وقد فشلوا في حرب الجمل وصفين، إلى أن سنحت لهم الفرصة - بزعمهم - في واقعة كربلاء المشهورة، ثم ما أعقبها من ظلم واضطهاد لاهل البيت وشيعتهم. ونجد أن يزيد الطاغية لم يستطيع أن يخفي دوافعه وكفره، وأنه يريد الثأر لاشياخه في بدر، فتمثل بأبيات ابن الزبعرى، وأضاف إليها إنكاره الوحي والنبوة فقال وهو ينكت ثنايا سيد شباب أهل الجنة بالقضيب: ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسهل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا: يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من أشياخهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم انتقم * من بني أحمد ما كان فعل (2) وليراجع ما قاله قتادة لخالد القسري حول بدر (3). وقتادة من أكابر محدثي البصرة، وهو مشهور ومعروف.


(1) معرفة الصحابة لابي نعيم الورق 22 مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 1 / 497، وشرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 22. (2) مقتل الحسين للمقرم ص 449 و 450، واللهوف ص 75 و 76. (3) البحار ج 19 ص 298 و 300، وروضة الكافي ص 111 - 113. (*)

[ 82 ]

الشهداء من الانصار: ومع أن المهاجرين كانوا يمثلون خمس أو ربع الجيش الاسلامي في بدر، إلا أن الشهداء من المهاجرين كانوا بالنسبة إلى شهداء الانصار بنسبة واحد إلى أقل من اثنين أو ثلاثة على اختلاف النقل، مع أن الامر كان يجب أن يكون أكثر من ذلك بكثير إذا لوحظت الكمية العددية. كلام للعلامة الطباطبائي حول آية التخفيف: وللعلامة الطباطبائي كلام هام يرتبط فيما نحن فيه، لا بأس بإيراد موجز عنه، وهو: قال تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون. الان خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين. ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الاخرة، والله عزيز حكيم) (1). فعلل تعالى غلبة العشرين على المئتين بأن المئتين لا يفقهون، والعشرون يفقهون. وذلك لان المؤمنين إنما يقدمون عن إيمان بالله تعالى، وهذا الايمان قوة لا تدانيها قوة، لانه قائم على الفقه الصحيح، الموجب لتحليم بكل السجايا الفاضلة، كالشجاعة، والشهامة، والجرأة، والاستقامة، والوقار، والطمأنينة، والثقة به تعالى، واليقين بأنه مقدم على


(1) الانفال: 65 - 67. (*)

[ 83 ]

إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وبأن الموت ليس فناء كما يعتقد الكفار، وإنما هو السعادة، والانتقال إلى دار البقاء. أما الكفار: فيعتمدون على تسويل الشيطان، وهوى النفس. ولا تثبت النفس على هواها إلى حد تقبل الموت إلا فيما ندر. ففقه المؤمنين، ومعه العلم والايمان، هو السر في انتصارهم في بدر، وجهل الكفار ومعه الكفر والهوى هو الموجب لانهزامهم. وأما بعد ذلك، وحيث زاد عدد المسلمين، فقد ضعفوا في القوة الروحية، بسبب قلة نسبة الفقه المشار إليه في الاية الاولى بقوله تعالى: (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) وقلة الصبر المشار إليه في الاية الثانية بقوله تعالى: (والله مع الصابرين). وسبب هذا الضعف هو: أن كل جماعة أو فئة تسعى للوصول إلى هدف حيوي: دنيويا كان أو دينيا. فإنها في بادئ الامر تشعر بالموانع، وتواجه المحن التي ترى أنها تتهدد وجودها وبنيتها، فتستيقظ هممها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، ويهون عليها بذل أنفسها وأموالها في سبيله. فإذا جاهدت وتقدمت نحو غاياتها، وصفا لها الجو بعض الصفاء، وكثر جمعها، فإنها تبدأ بالاستفادة من نتائج تضحياتها، وتتنعم وترتاح وتطمئن لجني ثمرات ما بذلته وقدمته. تبدأ قواها الروحية المحركة بالخمود. وواضح: أنه مهما قلت أفراد تلك الجماعة، أو ذلك المجتمع، فإنهم ولا شك يكونون متفاوتين في درجات إيمانهم بهدفهم، وفي مستوى تفكيرهم ووعيهم، وفي سجاياهم بشكل عام. وكلما كثر أفرادها كلما زاد فيهم ضعفاء الايمان والمنافقون، والذين في قلوبهم مرض، ويتدنى

[ 84 ]

مستوى القوى الروحية في متوسط الافراد عموما. وقد أثبتت التجربة أنه كلما قلت أفراد الجماعة، وقوي خصومها ومنافسوها، وأحاطت بها المحن والفتن، فإنها تكون أكثر نشاطا في العمل، وأحد في الاثر. وكلما كثر أفرادها، فإنها تصير أكثر خمودا، وأقل تيقظا، وأسفه حلما. وغزوات النبي (ص) خير شاهد على ما نقول. فليقارن بين عدة وعدد، وظروف، وحالة المسلمين في غزوة بدر، وبين عدتهم وعددهم، وظروفهم في غيرها، وليقارن بين نتائجها، ونتائج غيرها، كأحد، والخندق، وخيبر، وحنين، وهي أقساها، حتى لقد قال تعالى: (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الارض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين) الايات (1). وهكذا يتضح مفاد الايات التي نحن بصددها، ولربما يشير إلى ذلك أيضا الاية الثالثة المتقدمة، التي أشارت إلى أنهم رغبوا في الاسرى، لانهم يريدون عرض الدنيا. وإذا كانت الايتان الاوليان متضمنتين لبيان طبع القوى الروحية في زمانين مختلفين، فلا مانع من نزول الايتين دفعة واحدة، فإن وجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب نزول الاية المتضمنة لاحدهما في زمان والمتضمنة للاخر في زمان آخر إذا كان ذلك الحكم حكما طبعيا وليس حكما تكليفيا. ثم ذكر أيده الله: أن ظاهر التعليل في الاية الاولى بالفقه، وفي الثانية بالصبر مع كون المقاتل مؤمنا في الايتين، يدل على أن الصبر يرجع


(1) التوبة الاية: 25. (*)

[ 85 ]

الواحد في قوة الروح على مثليه، والفقه يرجحه على خمسة أمثاله، فإذا اجتمعا في واحد ترجح على عشرة أمثال نفسه (1) والصبر لا يفارق الفقه، وإن جاز العكس (2).


(1) قد يقال: إن مقتضى كلامه: أنهما لو اجتمعنا رجح على سبعة أمثال نفسه. ونقول مقصوده رحمه الله أن الصبر يضاعف الخمسة التي نشأت عن الفقه. وهذا هو الانسب والاوفق بظاهر الايتين، لان بالفقه يحصل الصبر وسائر السجايا. والصبر يرجحه على مثليه. (2) راجع: الميزان للعلامة الطباطبائى ج 9 ص 122 - 125. (*)

[ 87 ]

الفصل الثالث: الغنائم والاسرى

[ 89 ]

قسمة الغنائم: وغنم المسلمون من المشركين مئة وخمسين من الابل، وعشرة أفراس، و عند ابن الاثير: ثلاثين فرسا، ومتاعا، وسلاحا، وانطاعا، وادما كثيرا (1). واختلف المسلمون في هذه الغنائم: هل تختص بالمهاجرين، أو تتعداهم إلى من كان خلفهم من الجيش يقوم بمهمات أخرى. فأرجأ النبي (ص) تقسيم الغنائم بسبب هذا الخلاف، وجمع الغنائم، وسلمها لعبد الله بن كعب، وأمرهم بمعاونته في حملها وحفظها، ونزل قوله تعالى - كما يقال -: (يسألونك عن الانفال، قل: الانفال لله وللرسول، فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنت مؤمنين) (2). ولم يقسم رسول الله (ص) الغنائم إلا وهو في طريقه إلى المدينة، وذلك من أجل أن تخف حدة الخلاف فيما بين أصحابه، وتعود إليهم حالتهم الطبيعية، بعيدا عن نزوات آمالهم الدنيوية.


(1) راجع: مغازي الواقدي ج 1 ص 102 و 103، والسيرة الحلبية ج 2 ص 183، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 118. (2) الانفال الاية: 1. (*)

[ 90 ]

فقسمها بينهم آنئذ، ولم يخرج منها الخمس. النبي (ص) لم يأخذ الخمس في بدر: وأما لماذا لم يأخذ النبي (ص) الخمس من غنائم بدر ؟ فلعله لانه أراد - بإذن من الله، وسماحة من نفسه، ومن أولي القربى -: أن يعطي المحاربين سهاما أوفر، تأليفا لهم وترغيبا، خصوصا وأنها أول حرب يخوضونها ضد المشركين، ولا سيما بعد أن رأى حرصهم على الحصول المال في هذه المناسبة بالذات، كما أشرنا إليه، وسيأتي توضيح ذلك أكثر حين الحديث عن الاسرى. ونظير ذلك ما ورد من أن الحسنين " عليهما السلام " قد طالبا أباهما أيام خلافته بالخمس، فقال لهما " عليه السلام ": هو لكم حق، ولكنني محارب معاوية، فإن شئتم تركتم حقكم منه (1). كما أن من الممكن أن يكون عدم أخذه للخمس لاجل أن آية الخمس لم تكن قد نزلت بعد، مما يعني: أن تشريع الخمس قد تأخر عن غزوة بدر، حتى إننا نجد من يقول: إن أول خمس خمسه كان في غزوة بني قينقاع (2). ولكننا لا نطمئن إلى صحة ذلك، لان بعض النصوص تفيد: أن أول خمس أخذه (ص) كان في سرية عبد الله بن جحش أي قبل بدر بأشهر. بل نجد أن ابن عساكر يذكر في حديث مناشدة علي " عليه السلام " لاصحاب الشورى قوله: " نشدتكم بالله، أفيكم أحد كان يأخذ الخمس مع النبي (ص) قبل أن يؤمن أحد من قرابته غيري وغير فاطمة ؟


(1) السنن الكبرى ج 6 ص 363. (2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 211. (*)

[ 91 ]

قالوا: اللهم لا " (1). فهذا النص يدل على أن تشريع الخمس كان في مكة في بدء الدعوة، وحتى قبل أن يسلم أحد من أهل بيته (ص). ولكن في هذا النص إشكال، وهو أن جعفرا رحمه الله قد أسلم في بدء الدعوة أيضا، وحمزة قد أسلم في حدود السنة الرابعة أو الخامسة، وكذلك أبو طالب، أي قبل ولادة فاطمة صلوت الله وسلامه عليها. ويمكن أن يجاب عن ذلك: أولا: إن أبا طالب لم يكن ثمة بحاجة للمال، وكذلك النبي (ص) وخديجة. وقد كانوا في الشعب ينفقون من أموال خديجة، وأبي طالب، كما تقدم. وأما جعفر، فلم يعلم: أنه كان يستحق من الخمس، فلعله كان مليا من المال، كما أنه كان يعيش في بلاد الحبشة وكذا حمزة فلعله كان مليا أيضا. وثانيا: يمكن أن يكون الخمس قد شرع في بدء البعثة، وقبل أن يسلم أحد من أهل بيته (ص)، فخمست خديجة أموالها، فنال عليا من ذلك ما ناله، وبعد أن ولدت فاطمة صارت تشاطر عليا في الخمس. ولا يلزم من ذلك النص أن تكون فاطمة قد ولدت في أول البعثة، أو قبلها، كما ربما يتوهم.


(1) ترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 3 ص 90، وراجع ص 95، وراجع: مناقب الخوارزمي ص 225، وفرائد السمطين ج 1 ص 322. وفي هامش ترجمة الامام علي ج 3 ص 88 / 89 مصادر كثيرة لحديث المناشدة. وراجع أيضا: الضعفاء الكبير ج 1 ص 211 وليس فيه كلمة (قبل أن يؤمن أحد من قرابته) واللالي المصنوعة ج 1 ص 362. (*)

[ 92 ]

النبي (ص) يرد الخمس على أصحابه أيضا: وكما أنه لم يأخذ الخمس في بدر، فإنه لم يأخذه في غيرها أيضا. فقد ورد أنه (ص) قد رد الخمس على أصحابه في قصة حنين، حيث: " تناول (أي النبي (ص) من الارض وبرة من بعير، أو شيئا، ثم قال: والذي نفسي بيده، مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس، وهو مردود عليكم " (1). فهذا كان حال النبي (ص) معهم، ولكن غير النبي (ص) قد استأثر بالفئ ومنعه أهله، بل حرم ورثة النبي (ص) من ميراثه، كما هو معلوم. ولسوف نتكلم حول تشريع الخمس في الارباح والاموال، في فصل مستقل يأتي إن شاء الله، بعنوان: " بحوث تسبق السيرة ". اكتفاء الناس في عهد علي (ع): أخرج أبو عبيد، وغيره: " أن أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " أعطى العطاء في سنة ثلاث مرات. ثم أتاه مال من أصبهان. فقال: أغدوا إلى عطاء رابع، إني لست بخازنكم، فقسم الحبال، فأخذها قوم، وردها قوم، فأكرههم على أخذها " (2). وهذا يعني: أن الناس قد وصلوا في عهد أمير المؤمنين " عليه


(1) الموطأ ج 2 ص 14 المطبوع مع تنوير الحوالك، والاموال لابي عبيد ص 444 و 447، والفتوح لابن أعثم ج 2 ص 122، ومسند أحمد ج 2 ص 316 و 319 و 326، والثقات ج 2 ص 78. (2) الاموال لابي عبيد ص 384، وكنز العمال ج 4 ص 378 و 318، وحياة الصحابة ج 2 ص 236، وترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 3 ص 181، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 132. (*)

[ 93 ]

السلام " إلى درجة من الكفاية، حتى إنهم ليردون بعض العطاء. وكيف لا يصلون إلى هذه الدرجة، وأمير المؤمنين هو الذي يقول: " أنا أهنت الدنيا " (1) ؟ وسيرته في بيت مال المسلمين أشهر من أن تحتاج إلى بيان ؟ !. بينما نجد في عهد غيره: أن البعض ربما لا يجد ما يستر به نفسه، سوى رقعتين، يجمع إحداهما على فرجه، والاخرى على دبره، فكان يدعى: ذا الرقعتين (2). ملاحظة هامة: الخمس، والطبقية: وقد يطرح هنا سؤال، وهو: هل صحيح أن تشريع الخمس لال الرسول معناه تبني مبدأ الطبقية، والالتزام به ؟ ! بل هو قبول بمبدأ التمييز العنصري، كما يحلو للبعض أن يقول ؟. والجواب: أن المستفاد من الروايات أن الخمس ملك لله ولرسوله، وللامام (ع)، والباقون من الاصناف المذكورة في الاية إنما هم موارد صرفه. وفي الحقيقة فقد اعتبر الله فقراء العترة من عائلة الامام (ع)، فإن لم تكفهم سهامهم أتمها من عنده، وإن بقي من سهامهم شئ كان الباقي للامام (ع)، ويصرف الامام الخمس فيما ينوبه مما فيه حفظ كيان الدين وحفظ شؤون المسلمين. والمال الذي يعطى لهؤلاء لا يعني سوى سد حاجتهم المادية، بعد أن حرمت عليهم الزكاة، كما كانت الزكاة لسد الحاجة المادية لغيرهم،


(1) البداية والنهاية ج 8 ص 5 عن البغوي، وحياة الصحابة ج 2 ص 310. (2) مصنف عبد الرزاق ج 6 ص 267، وراجع 268، وسنن البيهقي ج 7 ص 209. (*)

[ 94 ]

من دون أن تعطي لذلك الغير أي امتياز. غير أن في إعطاء هذا الخمس لهؤلاء تكريم للنبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتأكيد على قدسيته ومكانته في نفوس الناس، مع عدم الانتقاص من حق ولا من مكانة أحد، الامر الذي يعطي للناس زخما عقيديا، ومن ثم سلوكيا تحتاج إليه الامة. ويلاحظ اهتمام القرآن في هذا الامر في غير مورد، كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) (1). ثم إنه تعالى قد أمر الناس بالصلاة والتسليم على رسوله الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " وليس ذلك إلا لاجل أنه تعالى يريد أن يستفيد من ذلك في خدمة الدين والانسان والانسانية. أضف إلى ما تقدم أن هذا الاعطاء ليس بلا حدود ولا قيود، بحيث يوجب أن تتكدس الاموال عند طائفة معينة، مع حاجة الاخرين إليها فلا يعطي لكل إلا بمقدار مؤونة سنته، وما يرفع حاجته، كما في الروايات والفتاوى. كما أن أمر سهم الامام بيد الامام أو المجتهد، وكذا سهم السادة على بعض الفتاوى. أما بالنسبة إلى الزكاة فليس الامر كذلك، إذ يمكن إعطاء مبالغ ضخمة منها لمستحقها، بحيث ينتقلون من الفقر إلى الغنى دفعة واحدة. ومن جهة ثانية، فإن الخمس - إلى جانب أمور أخرى - قد ساهم مساهمة فعالة في حفظ الدين على مدى التاريخ، فهو الذي حفظ ارتباط الناس بالمرجعية الدينية، وساهم في بعث الثقة المتبادلة فيما بينهم وبينها، وساعد الناس على التغلب على آثار إهمال، واضطهاد الحكام


(1) الحجرات: 22. (*)

[ 95 ]

لهم، وسد الكثير من حاجاتهم، وساهم في إنشاء المؤسسات التي تخدم المجتمع، وترفع من مستواه روحيا، وماديا وفكريا، وجعل بإمكان القيادة الدينية، وكذلك القاعدة الشعبية: أن تعيش حرة في تفكيرها، وفي مواقفها، من دون ارتباط بالحاكم الجائر، أو خضوع له، ولم يعد بإمكانه أن يمارس ضدهم أي ضغط يرونه في غير صالح الدين، ولا أن يستعملهم أداة لتحقيق مآربه، والوصول إلى غاياته. فهم لا يستمدون مكانتهم واعتبارهم، ولا لقمة عيشهم منه، ولا يفرض عليهم أي ارتباط به، إلا في حدود الروابط العقيدية والدينية. ومن هنا نعرف مدى تأثير الخمس في نجاح الثورة الاسلامية الايرانية، بقيادة زعيمها آية الله العظمى، والقائد الديني السيد روح الله الموسوي الخميني (قده)، بالاضافة إلى العوامل الاخرى، التي ساهمت أيضا في هذا النجاح. ومن جهة ثالثة، فإن حفظ هذا الدين يتطلب ذلك، إذ أنه يساهم في إيجاد الشعور بالمسؤولية المباشرة عن حفظ هذا الدين والدفاع عنه لدى فئة بعينها. ومن الطبيعي أن تكون أقرب الفئات إلى الشعور بهذه المسؤولية الكبرى هم أهل بيت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، بدافع من الشعور الطبيعي. ويزيد هذا الشعور ويذكيه، ويجعلهم أكثر اندفاعا إلى التضحيه في سبيله جعل هذا الخمس، بمثابة ضمانة لهم، ولعوائلهم، ووسيلة لتلبية حاجاتهم، التي تفرضها مسؤولياتهم تلك. ومن هنا فإننا نجد حتى العقائد الفاسدة، والدعوات المريبة، كالوهابية التي هي من أسخف العقائد، قد استطاعت بالاستفادة من هذا النوع من العصبية أن تفرض وجودها، وتحتفظ ببقائها، حيث وجدت من يعتبرون أن وجودهم مرهون بوجودها - وهم آل سعود - ورأوا أن العصبية

[ 96 ]

لها والحفاظ عليها مما لا بد منه في بقاء ملكهم وسلطانهم. ومن ذلك كله يتضح أن العقيدة الحقة أولى بالاستفادة من ذلك، ولكن في سبيل الخير والحق، فجاء هذا التدبير الالهي ليحفظ لها وجودها، ويساعد على بقائها، ويخفف من الاخطار الجسام التي سوف تواجهها. وقد رأينا: أن المذاهب التي لم يرض عنها الحكام، حينما ووجهت بأدنى مقاومة أو معارضة، كان مصيرها التلاشي والاندثار، لعدم وجود ضمانات بقاء لها. أما مذهب أهل البيت، الذي هو رسالة الله الصافية، فإن فيه الكثير من الضمانات التشريعية والعلمية التي تساعد على استمراره وبقائه في وجه أعتى القوى الظالمة، والحاقدة، حتى ولو استمر الاضطهاد له ولاتباعه القرون والقرون، كما قد كان ذلك بالفعل. وليكن ذلك هو أحد الادلة على عظمة هذا الدين، وعلى شمولية وصفاء الاسلام الحنيف. بعض المتخلفين، وغنائم بدر: الف: طلحة، وسعيد بن زيد: ويقولون هنا: إن طلحة وسعيد بن زيد لم يحضرا بدرا، وذلك لان رسول الله (ص) قد أرسلهما ليتجسسا له خبر العير، فرجعا إلى المدينة بعد خروجه (ص) إلى بدر، فخرجا إليها، فوجداه قد عاد منها، فضرب لهما النبي (ص) بسهميهما من الغنائم (1). ولكن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي:


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 147 و 185 وغيره. (*)

[ 97 ]

1 - إننا نجد نصا آخر يقول: إنهما كانا في تجارة إلى الشام، فقدما بعد رجوعه (ص) من غزوة بدر، فضرب لهما (ص) بسهميهما بعد رجوعهما (1). ولكن الشق الاخير من النص لا يصح، إذ لماذا يضرب لهما بسهميهما دون سائر من تخلف ؟ ! وهل لمن لا يحضر غزاة حق في غنائم تلك الغزاة شرعا ؟ ! وكيف رضي المسلمون إعطاء هذين الرجلين، دون غيرهما ممن تخلف عن الحرب لعذر، أو لغيره ؟ !. وإذا كان النبي (ص) يتسامح مع المسلمين في الاموال، فإنما كان يتسامح معهم بأمواله هو، لا بأموال غيره. كما أنه كان يتسامح مع من حضر الحرب، دون من لم يحضر. 2 - إن السيوطي - تبعا لغيره - لا يقر بهذه الفضيلة لهما، بل ينكرها على كل من عدا عثمان، فهو يقول: " وضرب لعثمان يوم بدر، ولم يضرب لاحد غاب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر، قال الخطابي: هذا خاص بعثمان، لانه كان يمرض إبنة رسول الله (ص) " (2). وحتى بالنسبة لعثمان فسنرى أن ذلك أيضا لا يصح. 3 - لقد جاء في حديث مناشدة علي " عليه السلام " لاصحاب الشورى وفيهم طلحة وعثمان، قوله: " أفيكم أحد كان له سهم في الحاضر، وسهم في الغائب ؟ قالوا: لا " (3).


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 339، 340، والتنبيه والاشراف ص 205، ولكنه ذكره بلفظ قيل. والاصابة ج 2 ص 229، والاستيعاب بهامشها ج ص 219. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 185. (3) ترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 3 ص 93، واللالي المصنوعة ج 1 ص 362، والضعفاء الكبير ج 1 ص 211 / 212. (*)

[ 98 ]

ويمكن أن يكون إعطاؤه سهما في الغائب من جهة أنه يكون في مهمة قتالية حينئذ، أو أنه أعطاه (ص) من سهمه الذي كان يرده على المقاتلين. هذا بالاضافة إلى أنه لم يتخلف إلا في غزوة تبوك. فقد نص الزمخشري في فضائل العشرة على أنه (ص) جلس في المسجد يقسم غنائم تبوك، فدفع لكل واحد منهم سهما ودفع لعلي كرم الله وجهه سهمين، ثم ذكر اعتراض زائدة بن الاكوع، وجواب النبي (ص) له بأن جبرئيل كان يقاتل في تبوك، وأنه قد أمره بأن يعطي عليا (ع) سهمين (1). ونلاحظ هنا: أن جعفر بن أبي طالب كان له أيضا سهم في الحاضر، وسهم في الغائب، فقد روي عن الامام الباقر (ع) أنه قال: ضرب رسول الله (ص) يوم بدر لجعفر بن أبي طالب بسهمه، وأجره (2). وذلك لا ينافي ما تقدم بالنسبة لعلي " عليه السلام "، فان الذين ناشدهم علي لم يكن فيهم غير علي له هذه الخصوصية، فلا يمنع أن يكون جعفر أيضا - الذي لم يكن معهم آنئذ، لانه قد استشهد في مؤته قد كانت له هذه الخصوصية أيضا ب: عثمان بن عفان: ويقولون: إن الرسول (ص) قد أسهم لعثمان بن عفان في غنائم بدر، لان الرسول (ص) قد أمره بالتخلف ليمرض زوجته رقية بنت رسول الله (ص)، فضرب له (ص) بسهمه وأجره، وعدوه من جملة البدريين (3).


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 142. (2) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 216. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 146 / 147 و 185 وأي كتاب تاريخي آخر. (*)

[ 99 ]

ونحن لا نصدق ذلك لما يلي: 1 - ما تقدم من مناشدة علي " عليه السلام " لاصحاب الشورى، وفيهم عثمان. 2 - إن ثمة رواية أخرى تقول: إنه تخلف عن بدر، لانه كان مريضا بالجدري (1)، فأي الروايتين نصدق ؟ ! 3 - لماذا يضرب له بسهمه، دون سائر من تخلف لعذر، وكيف لم يعترض المسلمون المتخلفون على هذا الامر، ويطالبونه بحقوقهم، وكيف رضي المسلمون المحاربون بذلك أيضا ؟ وهل كل من تخلف على مريض يحق له أن يأخذ من الغنائم التي تحصل في الحرب التي لم يحضرها ؟ 4 - إن بعض نصوص رواية عثمان تذكر: أن النبي (ص) قد خلف أسامة بن زيد مع عثمان لاجل رقية. وأنه - يعني أسامة - قد كان له دور من نوع ما حينما جاء الخبر بانتصار المسلمين في بدر، مع أن أسامة لم يكن له من العمر حينئذ أكثر من عشر سنين ! !. ولم يضرب له النبي بسهمه كعثمان !. 5 - إننا نجد: أن عبد الرحمان بن عوف يعير عثمان بتخلفه عن بدر، فقد لقي الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان ؟ فقال له عبد الرحمان: أبلغه: أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف يوم بدر. ولم أترك سنة عمر. فخبر الوليد عثمان. فيقولون: إنه اعتذر عن تخلفه يوم بدر بتمريضه رقية (2).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 185 و 146. (2) مسند أحمد ج 1 ص 68 وراجع 75، والاوائل 1 ص 305 / 306، ومحاضرات = (*)

[ 100 ]

وبمثل ذلك اعتذر ابن عمر - كما يقولون - لرجل كان يعترض على عثمان بمثل ذلك (1). ولكن ما ذكر من الاعتذار لا يجدي، إذ كيف خفي هذا العذر على صحابي كبير، كعبد الرحمان بن عوف، ثم على ذلك الرجل الطاعن على عثمان ؟ !. وإذ كان قد ضرب له بسهمه وأجره، فهذه فضيلة كبرى، لا يمكن أن تخفى على ابن عوف الذي كان حاضرا في بدر وأحد، لا سيما وأن النبي (ص) كان يوم المؤاخاة قد آخى بين عبد الرحمان وعثمان، فكيف يعيره عبد الرحمان بما هو فضيلة له، وهو الذي زف له الخلافة، وآثره بها على سيد وخير الامة بعد نبيها علي أمير المؤمنين " عليه السلام " ؟ !. أم أنهم قد افتروا عليه في ذلك، وطعنوا عليه بما كان الاجدر بهم أن يمتدحوه عليه ؟ !. 6 - وحينما أشخص عثمان ابن مسعود من الكوفة، وقدم المدينة، وعثمان يخطب على منبر رسول الله (ص)، فلما رآه عثمان قال: ألا إنه قد قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه، يقئ، ويسلح. فقال ابن مسعود: لست كذلك، ولكن صاحب رسول الله (ص) يوم


= الادباء للراغب المجلد الثاني ص 184، والدر المنثور ج 2 ص 89 عن أحمد، وابن المنذر، والبداية والنهاية ج 7 ص 207، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 21 / 22، ومغازي الواقدي ج 1 ص 278، والغدير ج 9 ص 327، وج 10 ص 72 عن أحمد وابن كثير وعن الرياض النضرة ج 2 ص 97. (1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 98، والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 629، ومسند أحمد ج 2 ص 101، والبداية والنهاية ج 7 ص 207 عن البخاري والغدير ج 10 ص 71 عن الحاكم وص 70 عن أحمد، وعن صحيح البخاري ج 6 ص 122. (*)

[ 101 ]

بدر، ويوم بيعة الرضوان (1) فهو يعرض بعثمان الذي تغيب عن هذين الموطنين معا. 7 - وكذلك فقد دخل على سالم بن عبد الله رجل، فطعن على عثمان بمثل ما تقدم من عبد الرحمان بن عوف، ومن ذلك الرجل مع ابن عمر (2). فكيف خفيت هذه الفضيلة المزعومة لعثمان على هؤلاء جميعا يا ترى ؟ ! 8 - وأخيرا، فإننا نستعبد أن يكون (ص) قد خلفه على ابنته ليمرضها، فإن الظاهر: أن عثمان لم يكن مهتما كثيرا لحال رقية، ولا لمرضها - وهو الذي قارف ليلة وفاتها - ومنعه رسول الله (ص) من النزول في قبرها كما سيأتي في بحث وفاة رقية إن شاء الله تعالى. ونرجح: أنه قد تخلف عن بدر في جملة من كرهوا الخروج مع النبي (ص). كما تقدم في أول الحديث عن بدر. الغارات على الفضائل: ثم إن ثمة رواية تقول: إن أبا أمامة بن ثعلبة كان قد أجمع الخروج إلى بدر، وكانت أمه مريضة، فأمره النبي (ص) بالمقام على أمه، وضرب له بأجره وسهمه، فرجع (ص) من بدر، وقد توفيت، فصلى رسول الله (ص) على قبرها (3).


(1) أنساب الاشراف ج 5 ص 36 والغدير ج 9 ص 3 عنه وص 4 عن الواقدي. (2) الغدير ج 10 ص 70 عن الرياض النضرة ج 2 ص 94. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 147، وراجع: الاصابة ج 4 ص 9 عن أبي أحمد الحاكم، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 4، وأسد الغابة ج 5 ص 139. (*)

[ 102 ]

فنلاحظ أنه لا فرق بين هذة الرواية، وبين ما روي بالنسبة لعثمان. فأي الروايتين قد حرفت وغيرت لصالح الرواية الاخرى، وأبدلت الشخصيات فيها لصالح الاخرين ؟ ! وإننا بعد أن قدمنا ما في رواية عثمان من الاشكال، وبعد أن كان ثمة جهاز يهتم بوضع الفضائل لشيخ بني أمية، حتى ليكتب معاوية إلى الافاق في ذلك، فإننا نرجح أن رواية أبي أمامة هي التي أغار محترفوا التحريف والتزوير عليها، ليعوضوا عثمان عما فاته من شرف حضور حرب بدر، وليذهبوا بالسمعة السيئة التي أثارها موقفه من رقية، التي ماتت من جراء ما صنعه بها. ثم قارف ليلة وفاتها، ولم يرع لها، ولا لمن رباها ولا لولي نعمتها حرمة، ولا إلا ولا ذمة. ولكن يبقى إشكال إعطاء النبي (ص) سهما من الغنائم لغير علي (ع) كما في حديث المناشدة السابق. إلا أن يقال: إن النبي (ص) قد أعطاه من الخمس الذي كان رده (ص) عليهم، كما قدمنا. أو أنه " عليه السلام " قد ناشد الحاضرين ومنهم عثمان بذلك، فكلامه صحيح بالنسبة إليهم، أما غيرهم، كجعفر رحمه الله، فليس في كلامه " عليه السلام " ما يثبت ذلك أو ينفيه عنه، كما تقدم. قتل أسيرين: وقد أسر (ص) من المشركين سبعون رجلا كما تقدم، وقيل: واحد وسبعون رجلا (1) وتحرك (ص) نحو المدينة، فلما بلغ الصفراء أمر أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " بأن يضرب عنق أسيرين هما: عقبة بن أبي معيط، ذو السوابق السيئة المعروفة مع المسلمين والنبي (ص) في مكة،


(1) العلل ومعرفة الحديث ج 1 ص 4. (*)

[ 103 ]

والنضر بن الحارث (1)، الذي يعذب المسلمين في مكة. وقيل: بل قتل (ص) ثلاثة أسرى: هم عقبة، والنضر، والمطعم بن عدي (2). فقال عقبة: يا محمد، ناشدتك بالله والرحم. فقال له (ص): وهل أنت إلا علج من أهل صفورية ؟ وفي نص آخر: أنه (ص) قال له: وانت من قريش ؟ ما أنت إلا علج - أو يهودي - من أهل صفورية، لانت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له، حن قدح ليس منها، قدمه يا علي، فاضرب عنقه. فقدمه علي، فضرب عنقه (3). وفي رواية: أن عقبة قال أيضا: يا محمد، من للصبية ؟ قال: النار (4). وعند السهيلي: أن الذي قال: حن قدح ليس منها، هو عمر بن الخطاب (5).


(1) وقد نص على أن عليا هو الذي ضرب عنق النضر بن الحارث في سيرة ابن هشام ج 2 ص 298 عن الزهري وغيره، وراجع: الاغاني ط ساسي ج 1 ص 10. (2) العلل ومعرفة الحديث ج 1 ص 3. (3) راجع: الروض الانف ج 3 ص 65، والسيرة الحلبية ج 2 ص 187 و 186، والبحار ج 19 ص 260 و 347، ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 205، وتفسير القمي ج 1 ص 269، والواقدي، وذكر ابن هشام في سيرته ج 2 ص 298، قتل علي (ع) له، بلفظ: قيل. (4) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 205 و 352 و 356، وربيع الابرار ج 1 ص 187، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 131، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 298 والاغاني ط ساسي ج 1 ص 10 و 11. (5) الروض الانف ج 3 ص 65. (*)

[ 104 ]

وقد كان لعقبة هذا موقف سيئ تجاه رسول الله (ص) قبل الهجرة، فأوعده رسول الله (ص) إن هو وجده خارجا من جبال مكة، أن يضرب عنقه صبرا (1). وهكذا كان. ويلاحظ هنا: ألف: نسب عقبة: إن سر قول النبي (ص) له: إنه علج من أهل صفورية، هو أنهم يقولون: إن أمية جد أبيه كان في صفورية، فوقع على أمة يهودية لها زوج، فولدت أبا عمرو - وهو ذكوان - على فراش اليهودي، لكن أمية استلحقه بنفسه بحكم الجاهلية. وقيل: كان ذكوان عبدا لامية، فتبناه، فلما مات أمية خلف ذكوان على زوجته. وعند السهيلي: يقال: كان أمية قد ساعى أمة، أو بغت له أمة، فحملت بأبي عمرو، فاستلحقه بحكم الجاهلية (2). وقد قال الفضل بن العباس، مجيبا الوليد بن عقبة بن أبي معيط على أبيات له: أتطلب ثارا لست منه ولا له * وأين ابن ذكوان الصفوري من عمرو كما اتصلت بنت الحمار بأمها * وتنسى أباها إذ تسامى أولي الفخر (3) وسأل معاوية دغفلا النسابة - وكان كبير السن - عن أمية جده،


(1) راجع: الغدير ج 8 ص 273 و 274 عن ابن مردويه، وأبي نعيم في الدلائل بإسناد صححه السيوطي. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 87، وراجع: الروض الانف ج 3 ص 65. (3) الغدير ج 9 ص 155 عن الطبري ج 5 ص 151. (*)

[ 105 ]

فقال: نعم، رأيته أخفش أزرق دميما، يقوده عبده ذكوان. فقال: ويحك، كف، فقد جاء غير ما ذكرت، ذاك ابنه. فقال: أنتم تقولون ذلك (1). ولكن ما جاء في تفسير القمي، من قوله (ص) له: لانت في الميلاد أكبر من أبيك، يدل على أن عقبة كان من نطفة رجل آخر، وذلك الرجل من أهل صفورية، وأنه كان ينسب إلى أبي معيط زورا وكذبا. وقد قال الامام الحسن (ع) للوليد بن عقبة، مثل كلمة الرسول (ص) لابيه عقبة، فراجع (2). ويقول الزمخشري: " إن أبا معيط نفسه كان علجا من أهل صفورية، ومن الاردن، قدم به أبو عمرو بن أمية بن عبد شمس، فادعاه " (3). وحين أراد علي (ع) جلد الوليد في الخمر في عهد عثمان، فسبه الوليد، فقال له عقيل بن أبي طالب: " يا فاسق، ما تعلم من أنت ؟ ألست علجا من أهل صفورية ؟ قرية بين عكا واللجون أعمال الاردن، كان أبوك يهوديا منها " (4). ب: النار للصبية: ونجد أنه (ص) قد حكم بالنار للصبية، الذين منهم الوليد الفاسق،


(1) الروض الانف ج 3 ص 65، والسيرة الحلبية ج 2 ص 187. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 293 عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 119. ربيع الابرار ج 1 ص 178. (4) تذكرة الخواص ص 206. (*)

[ 106 ]

الذي كان واليا لعثمان على الكوفة، فشرب الخمر، وزادهم في الصلاة وهو سكران ! ! وهو من الصحابة ! !. فليتأمل إذن في دعوى البعض عدالة كل صحابي، وقد تكلمنا عن هذا الموضوع بصورة موجزة في بعض بحوثنا (1). ويعتبر قول النبي (ص) هذا عن الصبية بمثابة إخبار عن الغيب الذي أطلعه الله عليه، حيث عرفه تعالى أنه ليس في أولئك الصبية أحد يستحق الكرامة والنعمة. ولكن قد شاءت السياسة والعصبية تحكيم هؤلاء الصبية في أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، وجعلهم الحكام، والمخططين للسياسة في الخلافة المغتصبة من أصحابها الشرعيين. ثم احتلوا مكانا عظيما في عقائد الناس، حيث فرضوا على الناس لزوم الاعتقاد بعدالة هؤلاء، مهما اجترحوا من السيئات وكانوا من الاثمين ! !. ج: الطعن في نسب عقبة !: وإنما قال له النبي (ص): إنما أنت علج من أهل صفورية، أو نحو ذلك - مع أنه (ص) لم يكن سبابا ولا فاحشا، ولا متفحشا -، من أجل أن يعلم الناس بعدم صوابية ما يدعيه، وعدم صحة تقريب الهيئة الحاكمة لابنائه، وقد ولتهم جلائل الاعمال، على أساس هذه القربى المدعاة، وليجعلوا من ثم مال الله دولا، وعباده خولا، وليكونوا مصدرا للفتن والمؤامرات، كما كان الحال بالنسبة للوليد الفاسق، وغيره من الولاة والمقربين للهيئة الحاكمة باسم الدين والاسلام. على أن حكمها لم يكن إلا حكم القبيلة والعشيرة، وحكم الجاهلية بالتعبير الادق والاوفى. د: إنكار قتل النضر بن الحارث في بدر: ويذكر ابن سلام: أن ابن جعدبة الذي كان ينكر قتل أبي عزة


(1) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام الجزء الثاني. (*)

[ 107 ]

الجمحي صبرا: " كان ينكر قتل النضر بن الحارث في يوم بدر صبرا، فقال: أصابته جراحة، فارتث منها، وكان شديد المداوة، فقال: لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا ما دمت في أيديهم، فمات. فأخبرت أبي سلاما بقول ابن جعدبة في أبي عزة، فقال: قد قيل: إن النبي (ص) لم يقتل أحدا صبرا إلا عقبة بن أبي معيط يوم بدر " (1)، ولكن هذا يخالف ما هو ثابت عن المؤرخين، ولا نرى داعيا للوضع والاختلاق فيه. ولذا فلا نرى للعدول عن النصوص التاريخية الثابتة مبررا ولا مجالا. وأما بالنسبة لابيات قتيلة أخت النضر بن الحارث التي قالتها بهذه المناسبة، والتي فيها قولها مخاطبة للنبي (ص): ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق وأن رسول الله (ص) رق لها لما أنشدته إياها ودمعت عيناه، وقال لابي بكر: لو كنت سمعت شعرها ما قتلته. أما هذا فقد قال الزبير بن بكار: سعمت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث، ويقول: إنها منصوعة (2). أضف إلى ذلك: أن ما نقل عن النبي (ص) لا يعقل أن يصدر منه، فإن هذه الابيات لم تكن لتغير من تصميمه، وهو يمتثل أمر الله، ولا يعمل إلا حسب ما يقتضيه التكليف الواجب. ولعل المقصود هو تلطيف الجو بالنسبة للمنتسبين إلى عقبة، واعادة


(2) طبقات الشعراء لابن سلام ص 64 و 65. (2) زهر الاداب ج 1 ص 66. (*)

[ 108 ]

شئ من الاعتبار إليهم عن هذا الطريق. مصير الباقين من الاسرى: قالوا: ولما رأى الانصار ما جرى للنضر ولعقبة، خافوا أن يقتل (ص) جميع الاسارى، فقالوا: يا رسول الله، قتلنا سبعين، وهم قومك وأسرتك أتجذ أصلهم ؟ هبهم لنا يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم. وكان أبو بكر يرجح أخذ الفداء أيضا، وقال: أهلك، وقومك، إستأن بهم، واستبقهم، وخذ فدية تكون لنا قوة على الكفار. أو قال: هؤلاء بنو العم، والعشيرة، والاخوان. فكره النبي (ص) أخذ الفداء حتى رأى ذلك سعد بن المعاذ في وجهه، فقال: يا رسول الله، هذه أول حرب لقينا فيها المشركين، والاثخان في القتل أحب إلينا من إستبقاء الرجال. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك، وأخرجوك، فقدمهم وأضرب أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان أضرب عنقه، ومكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر. ونزل في هذه المناسبة قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض، تريدون عرض الدنيا، والله يريد الاخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) (1). ولما رأى النبي (ص) إصرارهم على أخذ الفداء أخبرهم: أن أخذ الفداء سوف تكون عاقبته هو أن يقتل من المسلمين بعدد الاسرى، فقبلوا


(1) الانفال 67 و 68. (*)

[ 109 ]

ذلك وتحقق ما أوعدهم به (ص) في واقعة أحد، كما سنرى (1). وتقرر الامر على الفداء، وجعل فداء كل أسير من ألف إلى أربعة آلاف، وصارت قريش تبعث بالفداء أولا بأول. وأعطى (ص) كل رجل من أصحابه الاسير الذى أسر، فكان هو يفاديه بنفسه (2). وفي بعض النصوص: أن سهيل بن عمرو جاء بفداء أسرى بدر، فطلب منه (ص) أن يخبره بما تريد قريش في غزوة (3). هذا بعض ما نطمئن إلى صحته من النصوص التاريخية هنا. لو نزل العذاب مانجا إلا إبن الخطاب: ولكننا نجد روايات أخرى تقرر عكس ما ذكر آنفا، وتقول: إنه (ص) مال إلى رأي أبي بكر، بل وانزعج من مشورة عمر، فنزل القرآن بمخالفة وموافقة عمر، فلما كان من الغد، غدا عمر على رسول الله، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فسأل عن سبب ذلك، فقال الرسول (ص): إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، لو نزل عذاب ما أفلت منه


(1) راجع هذه النصوص في المصادر التالية، وإن كان كثير منها يذكر أنه (ص) قد مال إلى قول أبي بكر، وبعضها يذكر أنه لم يرد إلا قتلهم فراجع: الطبري ج 1 ص 169، والسيرة الحلبية ج 2 ص 190، وصحيح مسلم ج 5 ص 157، والبحار ج 19، وأسباب النزول للواحدي ص 137، وحياة الصحابة ج 2 ص 42، وكنز العمال ج 5 ص 265 عن أحمد ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وابن أبي شبية، وأبي عوانة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، وابن مردوية، وأبي نعيم، والبيهقي. والدر المنثور ج 3 ص 201 - 203، ومشكل الاثار ج 4 ص 291 و 292، ومغازي الواقدي ج 1 ص 107 و 108، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 136. (2) المصنف ج 5 ص 211. (3) المصدر السابق. (*)

[ 110 ]

إلا ابن الخطاب. وعن ابن عباس، عن ابن عمر، أنه (ص) قال: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله: (ما كان لنبي يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) إلخ (1). ونحن لا نصدق ما ذكر آنفا، ولدينا من الادلة ما يكفي لاثبات بطلانها. ولعل هذه الروايات هي التي جرأت بعض الجهلة الافاكين ممن ينتحل الاسلام، ليكتب ويقول: قد أخطأ الرسول في موقفه من الاسرى بدر، ونزل الوحي مصححا خطأه. قال تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) (2). ومستندنا في تكذيب ذلك كله ما يلي: أولا: لماذا ما نجا من العذاب إلا عمر ؟ وما ذنب سعد بن معاذ ليعذب ؟ أليس هو من الموافقين لعمر، كما نص عليه غير واحد، بل كان هو المبتدئ بهذا الرأي على حد تعبير المعتزلي ؟ (3) وما ذنب ابن رواحة ؟ أليس هو من الموافقين لعمر أيضا ؟ (4)


(1) راجع: المصادر المتقدمة جميعا، وفواتح الرحموت بهامش المستصفى للغزالي ج 2 ص 267، وتاريخ الخميس ج 1 ص 393، والمستصفى للغزالي ج 2 ص 365، وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 169. (2) قضايا في التاريخ الاسلامي لمحمود إسماعيل ص 20. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 175 و 176، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 126، والسيرة الحلبية ج 2 ص 192، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 281، وتاريخ الخميس ج 1 ص 381، ومغازي الواقدي ج 1 ص 110 و 106. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 297، وتاريخ الطبري ج 2 ص 170، والروض الانف ج 3 ص 83، وأسباب النزول للواحدي ص 137، وتاريخ الخميس ج 1 = (*)

[ 111 ]

ولا يعقل أن يكون قوله تعالى: (تريدون عرض الحياة الدنيا) وقوله: (لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) خطابا للنبي (ص)، إذ لم يكن (ص) طالبا لعرض الدنيا، ولا مستحقا لذلك العذاب العظيم، لان معنى ذلك هو أن الله تعالى قد أمره بأمر، وبينه له، ثم خالفه، والعياذ بالله، فإن الالتزام بهذا هو من أعظم العظائم، وجريمة من أكبر الجرائم (1). ومما يدل على أن الله تعالى قد أبلغ نبيه أن اللازم هو قتل الاسرى: " أن حل الفداء كان قد علم من واقعة عبد الله بن جحش، التي قتل فيها ابن الحضرمي، فإنه أسر فيها عثمان بن المغيرة، والحكم بن كيسان، ولم ينكره الله تعالى. وذلك قبل بدر بأزيد من عام " (2). ومعنى ذلك أنه قد كانت ثمة أوامر خاصة بالنسبة لاسرى بدر بينها النبي (ص) لاصحابه، ولكنهم قد أصروا على مخالفتها، فاستحقوا العذاب العظيم، ثم عفاالله عنهم، رحمة بهم، وتألفا لهم. ويدل على ذلك أيضا: أنه قد جاء في بعض النصوص: " أن جبرئيل نزل على النبي (ص) يوم بدر، فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك، من أخذ الفداء من الاسارى. وقد أمرك أن تخيرهم: بين أن يقدموهم ويضربوا أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم. فذكر ذلك (ص) لاصحابه، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا (3). بل نأخذ فداءهم، فنتقوى به على عدونا، ويستشهد منا


= ص 393، والسيرة الحلبية ج 2 ص 192، وحياة الصحابة ج 2 ص 43 عن الحاكم وصححه، وابن مردويه، والترمذي، وأحمد. (1) راجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 59. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 192. (3) هذه الكلمة تشير إلى أن الذين قالوا ذلك هم من المهاجرين. (*)

[ 112 ]

عدتهم " (1). فما تقدم يدل على أن تخييرهم هذا إنما كان بعد تأكيدهم على رغبتهم في أخذ الفداء، وظهور إصرارهم عليه، فأباح لهم ذلك. وبعد ما تقدم نقول: لقد نص البعض على أن النبي (ص) مال إلى القتل (2). وذكر الواقدي أن الاسرى قالوا: لو بعثنا لابي بكر، فإنه أوصل قريش لارحامنا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه، فبعثوا إليه فجاءهم فكلموه، فوعدهم أن لا يألوهم خيرا، ثم ذهب إلى النبي (ص) فجعل يفثؤه ويلينه، وعاوده بالامر ثلاث مرات، كل ذلك والنبي (ص) لا بجيب (3). وبعد ما قدمناه فهل يصح قولهم: إن النبي (ص) قد جلس يبكي على نفسه مع أبي بكر، وأنه لو نزل العذاب لم ينج منه سوى عمر بن الخطاب ؟ !. ثانيا: لو سلمنا أن النبي كان يميل إلى رأى أبي بكر من أول الامر، وأنه جلس يبكي مع صاحبه - كما ذكروه في مصادرهم - فلماذا يقول لعمر: لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة. إذ كيف لا يكون هو مع من استحق العذاب، وهو الذي وافقهم، وهوي ما هويته نفوسهم ؟ !


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 393 عن فتح الباري، عن الترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم بإسناد صحيح، ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 210، والبداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 298، وطبقات ابن سعد ج 2 ص 14 قسم 1. (2) راجع على سبيل المثال: الكامل لابن الاثير ج 2 ص 136. (3) مغازي الواقدي ج 1 ص 107 و 108. (*)

[ 113 ]

وثالثا: إن الالتزام بما ذكروه معناه تكذيب قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) (1). كما أنه لا يبقى معنى - والحالة هذه - لامر الله تعالى للناس باطاعة الرسول حيث قال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (2) حتى إذا امتثلوا الامر الالهى وأطاعوه يؤنبهم، ثم يهتددهم. لقد كان يحب أن يتوجه التأنيب والتهديد للرسول، والمدح والثناء لهم، لانهم عملوا بوظيفتهم. ورابعا: إن مجرد الاشارة على الرسول بالفداء لا تستوجب عقابا، إذ غاية ما هناك: أنهم قد اختاروا غير الاصلح. وإذن، فلابد أن يكون ثمة أمر آخر قد استحقوا العقاب لمخالفته، وهو أنهم حين أصروا على أخذ الفداء قد أصروا على مخالفة الرسول، والتعلق بعرض الحياة الدنيا في مقابل إرادة الله للاخرة - كما قال تعالى: (تريدون عرض الحياة الدنيا، والله يريد الاخرة) - بعد بيان النبي (ص) لهم بصورة صريحة، إذ لا عقاب قبل البيان، ثم المخالفة. ولكن الله تكرم وتفضل عليهم، وغفر لهم هذه المخالفة، وأباح لهم أخذ الفداء تأليفا لهم، على ما فيه من عواقب وخيمة. وقد بلغ من حبهم لعرض الدنيا أنهم قبلوا بهذه العواقب أيضا. بل يمكن أن يكون إصرار بعض المهاجرين على أخذ الفداء يرجع إلى أنهم قد صعب عليهم قتل صناديد قريش، حيث كانت تربطهم بهم صداقات ومصالح ووشائج رحم، وقد استهوى موقفهم هذا جماعة من البسطاء والسذج من سائر المسلمين الحاضرين. فهذا التعاطف مع المشركين من قبل البعض، ثم حب الحصول


(1) سورة النجم: 3 و 4. (2) النساء: 59. (*)

[ 114 ]

على المال، قد جعلهم يستحقون العذاب العظيم، الذي إنما يترتب على سوء النيات، وعلى الاصرار على مخالفة الرسول، والنفاق في المواقف والاقوال والحركات، لا سيما مع وجود رأي يطالب بقتل بني هاشم الذين أخرجهم المشركون كرها ونهى الرسول (ص) عن قتلهم. مع ملاحظة: أنه لم يشترك من قوم صاحب ذلك الرأي أحد في حرب بدر. وأما الخطأ في الرأي مجردا عما ذكرناه فلا يوجب عقابا. وثمة كلام آخر في تفسير آخر (1) قد أضربنا عن ذكره لعدم استقامته. وخامسا: إنه قد جاء: أنه لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله (ص): لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي - يعني من السابقين - إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء على كلها. فأنزل الله عز وجل: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وقد قوى الطحاوي هذه الرواية في شأن نزول الاية فراجع (2). الرسول يخطئ في الاجتهاد. وبعد بطلان ما ذكروه ونسبوه إلى النبي (ص)، وبطلان أن تكون الاية عتابا له (ص)، يعلم عدم صحة استدلالهم بهذه الاية على جواز الاجتهاد، والخطأ فيه على النبي (ص)، فإن النبي (ص) لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وما نسبوه إلى النبي (ص) باطل ولا يصح. هذا عدا عن الادلة القاطعة الدالة على أن كل ما يصدر منه (ص) حق، وموافق للحق والشرع، ووفق أوامر إلهية قاطعة.


(1) دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 55 و 60. (2) مشكل الاثار ج 4 ص 292 و 293. (*)

[ 115 ]

بين رأي عمر، ورأي ابن معاذ: لقد روى الطبري عن محمد بن إسحاق، قال: لما نزلت هذه الاية: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى). قال رسول الله (ص): لو نزل عذاب من السماء لم ينج إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا رسول الله، الاثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال (1). ولعل هذا هو الصحيح، ولكن قد حرف لصالح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، لاهداف لا تخفى. وإنما قلنا: إنه هو الصحيح، لانه أسد الاراء، وهو الموافق لمراد النبي (ص)، أما رأي عمر، فقد كانت تعوزه الدقة والموضوعية، كما سنرى إن شاء الله، وكذلك سائر الاراء، فإنها لم تكن صادرة عن نوايا سليمة، ولعلها أو بعضها كانت بإيحاء وطلب من المشركين أنفسهم، كما تقدم عن الواقدي. وأما أبو بكر وغيره من الانصار، فقد تقدم أنهم أصروا على أخذ الفداء، طمعا بالمال، وطمعا في أن يخففوا من حدة عداء قريش لهم. وأيضا لان فيهم الاخوان والاهل والعشيرة - على حد تعبير أبي بكر - ولان هذا الاخير قد وعد الاسرى بأن يبذل جهده لصالحهم، كما تقدم عن الواقدي. وقد حاولوا أن يقنعوا النبي (ص) بوجهة نظرهم، ولو بالاساليب العاطفية، كقولهم له: " أهلك، وقومك، وأسرتك، أتجذ أصلهم ". كما أن أبا بكر قد أقام دليلا مصلحيا على ذلك، وهو أن يتقوى الملمون بما يأخذونه من الفداء. ولكن النبي (ص) ظل يكره ذلك، ولا تقنعه أقوالهم، فإن رأي ابن


(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 171، وراجع: الثقات ج 1 ص 169. (*)

[ 116 ]

معاذ هو الصحيح، مضافا إلى اعتبارات أخرى، لم تكن لتخفى على النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". ونزلت الاية الشريفة لتصوب موقف الرسول (ص)، ثم ترخص لهم في أخذ الفداء، بعد أن قبلوا بالعواقب الوخيمة لذلك، حتى بأن يقتل منهم بعدد من يفدى من المشركين. قتل الاسرى هو الاصوب: لا شك في أن الاصوب كان قتل أسرى المشركين، وذلك للامور التالية: 1 - إن المأسورين كان فيهم عدد من سادات قريش، ومن هم رأس الافعى، وقد حاربوا الرسول والمسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، وواجهوهم بشتى أنواع الاهانات والاذى، وهؤلاء الناس هم المستكبرون الذين لا يرتدعون ولا يرجعون إلى دين، بل يصرون على استئصال شأفة الاسلام ولا يقبلون بأي خيار منطقي يعرض عليهم. وبعد الذي نالهم من ذل الهزيمة، وذل الاسر، قد أصبحوا أكثر حقدا على الاسلام والمسلمين. ولسوف يعاني المسلمون منهم - لو بقوا أحياء - الامرين حسبما أشار إليه (ص)، حيث أوعد المسلمين إن هم فادوهم: أن يقتل منهم بعددهم. 2 - وقد ظهر صحة ذلك، من الدور الهام الذي كان لهم بعد ذلك في وقعة أحد وغيرها، والاثر والبارز في إلحاق الاذي بالمسلمين باستمرار في المراحل المختلفة. وما أحسن قول سعد بن معاذ: " إنها أول حرب لقينا فيها المشركين، والاثخان في القتل أحب إلي من إستبقاء الرجال ". ويرى البعض: أن الله تعالى يريد بالتأكيد على قتل الاسرى: " أن يفهم المسلمين: أن النظرة إلى المال مرفوضة، مهما كانت الظروف، إلا

[ 117 ]

إذا كانت في خدمة الهدف الاعظم وهو الدين ". 3 - إن قتلهم جزاء أعمالهم إن لم يقبلوا الاسلام يكون أيضا ضربة عسكرية وروحية موفقة لقريش، وإضعافا لشوكة المشركين بصورة عامة، وتشريدا لمن خلفهم من اليهود ومن مشركي العرب، من غطفان، وهوازن، وثقيف، وغيرهم. وقد اتضح للجميع أنه إذا كان النبي (ص) لا يحابي قومه على حساب دينه وعقيدته، وقد قتلهم، لانهم أرادوا أن يمنعوه من أداء رسالته، ويطفئوا نور الله، فإنه سوف لا يحابي غيرهم، إذا أرادوا أن يطفئوا نور الله، وأن يقفوا في وجه دعوته ودينه. وهذا سوف يؤثر في بث اليأس في قلوب اليهود، وقريش والمشركين في جزيرة العرب كافة، ولسوف يسهل على النبي (ص): أن يقنعهم بأن من الافضل لهم أن يتركوا محاولاتهم العدوانية جانبا، فإن الوقوف في وجه الدعوة سوف لا يكون حصاده إلا الدمار والفناء لهم. 4 - ثم إن قتلهم سوف يطمئن الانصار إلى أن النبي (ص) سوف لن يصالح قومه، ولن يعود إليهم ما داموا مصرين على شركهم. وبالتالي فهو لن يترك الانصار ولن يتخلى عنهم، لانه يعتبر - انطلاقا من تعاليم دينه - أن رابطة الدين هي الاقوى، ولا قرابة فوق قرابة العقيدة، ولا نسب ولا رحم فوق نسب الاسلام والايمان. ولذلك فلا مجال لان تساور الوساوس والمخاوف نفوس الانصار، وهي ما عبروا عنه في بيعة العقبة، وبعد ذلك في فتح مكة، من أنه ربما يصالح قومه، أو ربما أدركته رغبة في قومه. مع موقف عمر من الاسرى: إننا نلاحظ:

[ 118 ]

1 - أن عمر بن خطاب يطلب من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أن يضرب علي " عليه السلام " عنق أخيه عقيل، ويضرب حمزة عنق أخيه العباس، ويعتبرهم أئمة الكفر. وهو طلب غريب حقا: كما أن سكوته عن فراعنة وزعماء قريش أغرب وأعجب ! ! ولا سيما وهو يسمع الرسول الاعظم " صلى عليه وآله وسلم " يأمر الجيش - وعمر من ومع الجيش - بعدم قتل بني هاشم وهؤلاء بالذات، وبعض من غيرهم، لانهم خرجوا مكرهين. هذا عدا عن أنه كان يعرف دفاعهم عن النبي (ص) في مكة، ودخولهم معه الشعب، وتحملهم المشاق والمتاعب في سبيله. 2 - قد تقدم: أنه لم يشهد معركة بدر أحد من بني عدي (1) وهم قبيلة عمر، إذن فلسوف تكون الضربة في جلد غيره ؟. وماذا يهم لو قتل الناس كلهم ما دام هذا الرجل لا يخاف على قومه وأهله. ومن هنا نعرف: أن ما أضافه بعضهم، حين ذكره لقول عمر: ومكني من فلان، فأضاف كلمة: " قريب لعمر "، كما يظهر من مراجعة الروايات التي تذكر كلام عمر هذا. لا يصح، إذ لم يكن أحد من أقارب عمر في بدر، إلا إذا كانت قرابة من ناحية النساء، وهى ليست بذات أهمية لديهم آنئذ لو كانت. وعلى كل حال، فقد سبقنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى إساءة الظن بعمر من هذه الناحية، وذلك حين فتح مكة، حتى إنه ليقول له - حين أكثر في شأن أبي سفيان، وأصر على قتله -: " لا، مهلا يا


(1) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 143، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 271، ومغازي الواقدي ج 1 ص 45، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 121، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 314، وتاريخ الخميس ج 1 ص 375، وأي كتاب تاريخي شئت، إذا كان يذكر بدرا ورجوع من رجع عنها قبل نشوب الحرب. (*)

[ 119 ]

عمر، أما والله، أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت: أنه من رجال بني عبد مناف " (1). 3 - إن من الواضح: أن قتل الاقارب أمر مستبشع، تنفر منه النفوس، ولربما يوجب ذلك إبتعاد الناس عن الاسلام، ومنعهم حتى من التفكير في الدخول في دين يكلفهم بمباشرة قتل إخوانهم. بل وقد يدفع ضعفاء النفوس من المسلمين إلى الارتداد، إذا رأوا أنفسهم مكلفين بقتل أحبائهم وآبائهم بأيديهم، مع إمكان أن يقوم غيرهم بهذا الامر. النبي لا يقتل أسيرا هرب: قال الواقدي: إن رسول الله (ص) لما أقبل من بدر ومعه أسارى المشركين، كان من بينهم سهيل بن عمرو مقرونا إلى ناقة النبي (ص)، فلما صار من المدينة على أميال اجتذب نفسه فأفلت، وهرب، فقال (ص): من وجد سهيل بن عمرو فليقتله، وافترق القوم في طلبه، فوجده النبي (ص) فأعاده إلى الوثاق ولم يقتله. وقد علل الشريف الرضي رحمه الله ذلك، بأن الامر لا يدخل تحت أمر نفسه، لان الامر فوق المأمور في الرتبة أو يستحيل أن يكون فوق نفسه (2). ونقول: إن كلام الرضي صحيح بالنسبة إلى شمول الانشاء لنفس الامر، ولكن يبقى: أن ملاك الامر بقتل سهيل إذا كان موجودا، فلماذا لم يبادر النبي (ص) إلى قتله، ولو بأن يأمر بعض أصحابه بذلك، إذ أن


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 67، عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وحياة الصحابة ج 1 ص 154. (2) راجع: حقائق التأويل ج 5 ص 111. (*)

[ 120 ]

الرسول (ص) لم يكن ليقتل أحدا بيده الشريفة، حسبما ستأتي الاشارة إليه في الجزء - السادس - من هذا الكتاب. فلابد من القول بأن وجدان الرسول (ص) له دونهم، قد جعل من غير المصلحة أن يقتل ذلك الرجل. أنين العباس في الوثاق: وعلى كل حال، فقد كان من جملة الاسرى عباس وعقيل. وقد سهر النبي (ص) ليلة، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله ؟ قال: أنين العباس. فقام رجل من القوم، فأرخى من وثاقه، فقال رسول الله (ص): ما بالي ما أسمع أنين العباس ؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئا. فقال: " فافعل ذلك بالاسارى كلهم " (1). وهذه هي الرواية القريبة والمعقولة، التي تمثل عدل النبي (ص) ودقته في مراعاة الاحكام الالهية، وصلابته في الدين. وهي المناسبة لمقامه الاسمي، وما عرف عنه من كونه لا تأخذه في الله لومة لائم. لا تلك الروايات التي تمثل النبي (ص) متحيزا إلى أقاربه، وأنه هو الذي طلب منهم أن يرخوا من وثاق العباس فقط، فإن النبي (ص) لم يكن ليرفق بأقاربه، ويعنف بغيرهم. والرواية التي تقول هذا لم ترد على الوجه الصحيح والكامل. إلا أن يقال: إن علم النبي بأنه قد خرج مكرها، فكان ذنبه أخف


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 390، وصفة الصفوة ج 1 ص 510. وعند عبد الرزاق في المصنف ج 5 ص 353: أن أنصاريا قال له (ص): أفلا أذهب فأرخي عنه شيئا ؟ قال: إن شئت فعلت ذلك من قبل نفسك، فانطلق الانصاري، فأرخي عن وثاقه، فسكن (ص) ونام. وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 410. (*)

[ 121 ]

من ذنب غيره، يبرر أن يتصرف تجاهه بهذا النحو. ونقول: إن الامر وإن كان كذلك إلا أن النبي (ص) وعدله إنما يقتضيان أن يعامل العباس كغيره من الاسرى ولا يفسح أي مجال للايراد والاشكال. ولذلك نرى أنه لما قال له العباس إنه خرج مستكرها، قال له النبي: " أما ظاهر أمرك فقد كنت علينا " كما سيأتي عن قريب. والظاهر: أن مكان العباس كان قريبا من النبي (ص)، فمنعه أنينه من الراحة، لا أنه كان يعطف عليه خاصة دون غيره من الاسرى. فداء العباس واسلامه: وغنم المسلمون من العباس عشرين أو أربعين أوقية ذهبا - والاوقية أربعون مثقالا - فطلب أن تحسب من فدائه. فقال (ص): فأما بشئ خرجت تستعين به علينا، فلا نتركه لك. قالوا: وذلك لانه خرج بها ليطعم بها المشركين (1). وأمره (ص) بمفاداة نفسه، وعقيلا، ونوفلا ابني أخيه، فأنكر أن يكون له مال. فقال له (ص): أعط ما خلفته عند أم الفضل، فقلت لها: إن أصابني شئ، فأنفقيه على نفسك وولدك. فسأله من أخبره بهذا، فلما عرف أنه جبرئيل قال: محلوفة، ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي، أشهد أنك رسول الله. فرجع الاسارى كلهم مشركين، إلا العباس وعقيلا ونوفلا كرم الله وجوههم، وفيهم نزلت هذه الاية. (قل لمن في أيديكم من الاسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا،


(1) أسباب النزول للواحدي ص 138، والسيرة الحلبية ج 2 ص 198.

[ 122 ]

يؤتكم خيرا مما أخذ منكم، ويغفر لكم والله غفور رحيم) (1). وفي نص آخر: أنه (ص) قال للعباس: يا عباس، إنكم خاصمتم الله فخصمكم (2). وفي رواية أخرى: أنه لما طلب منه الفداء ادعى: أنه كان قد أسلم، لكن القوم استكرهوه. فقال له (ص): الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تقول حقا، فإن الله يجزيك عليه، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا (3). وهذا يدل على أنه لا مجال لدعوى: أن العباس كان قد أسلم قبل بدر سرا، كما عن البعض (4). إلا إذا أراد أن يستند في ذلك إلى دعوى العباس نفسه، وهي دعوى لم يقبلها منه رسول الله (ص). ومما يدل على أنه لم يكن في بدر مسلما عدا ما تقدم: أنه لما أسر يوم بدر أقبل المسلمون عليه، يعيرونه بكفره بالله، وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي القول: فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا، ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي: ألكم محاسن ؟ قال: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحيي الكعبة، ونسقي


(1) الاية 70 في سورة الانفال، والرواية معتبرة السند في تفسير البرهان ج 2 ص 94، وراجع: تفسير الكشاف ج 2 ص 238، وغير ذلك. (2) البحار ج 19 ص 258، وتفسير القمي ج 1 ص 268. (3) المصدران السابقان، وتاريخ الخميس ج 1 ص 390، والسيرة الحلبية ج 2 ص 198. (4) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 308، والسيرة الحلبية ج 2 ص 188 و 198، وطبقات ابن سعد ج 4 ص 20 قسم 1. (*)

[ 123 ]

الحاج، ونفك العاني. فأنزل الله تعالى: (ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) (1). وفي رواية أخرى: أنه قال: لئن سبقتمونا بالاسلام والجهاد والهجرة، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله) الاية (2). ولكن هذه الاية، والاية السابقة، في الرواية المتقدمة هما في سورة التوبة، التي نزلت في أواخر سني حياته (ص) أي بعد بدر بعدة سنوات. فلعل ما ذكرته الروايتان لم يكن في بدر، بل كان يوم فتح مكة، ويكون تصريح الرواية السابقة ببدر من اشتباه الرواة. لكن يرد على ذلك: أن العباس لم يؤسر يوم الفتح، فلماذا يغلظ له علي (ع) ؟ إلا أن يقال: لعل ذلك قد كان قبل إعلان النبي (ص) بالكف، وإعطاء الامان لهم. وفي نص آخر: أن الانصار كانوا يريدون قتل العباس، فأخذه الرسول منهم، " فلما صار في يده: قال له عمر: لان تسليم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه إسلامك " (3).


(1) الاية 17 من سورة التوبة. والحديث في: أسباب النزول للواحدي ص 139، وليراجع الدر المنثور ج 3 ص 219 عن ابن جرير، وأبي الشيخ عن الضحاك، لكن الاية هي آية سقاية الحاج الاتية. (2) الاية 19 من سورة التوبة. والحديث في: أسباب النزول للواحدي ص 139، والدر المنثور ج 3 ص 218 عن ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأبي الشيخ. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 298 عن الحاكم، وابن مردويه، وحياة الصحابة ج 2 = (*)

[ 124 ]

بل لقد جاء أنه لم يظهر للعباس إسلام إلا عام الفتح (1). وهذا التعبير هو الاقرب إلى الصواب، فإنه إن كان قد أسلم في بدر: كما يدل عليه ما تقدم، ولا سيما رواية تفسير البرهان المعتبرة سندا. فإنما أسلم سرا، وكان يتظاهر للمشركين بما يرضيهم، حفاظا على مصالحه، وأمواله، وعلاقاته، فإن قريشا لم تكن تتحمل وجود مسلم بينها هذه السنوات الطويلة، وحروبها مع محمد قائمة على قدم وساق، يقتل أبناءها وإخوانها، ويعور عليها طريق متجرها، ويذلها بين العرب، ولا سيما إذا كان ذلك المسلم هو عم ذلك الرجل وقريبه. وصداقته مع أبي سفيان لم تكن لتسمح له بالبقاء في مكة، فإن القرشيين قد نكلوا بأحبائهم فكيف يسكتون عن أصدقائهم ؟ وشروط قريش على النبي (ص) في الحديبية أدل دليل على شدتها في هذا الامر، وعدم تسامحها فيه على الاطلاق. نعم، ربما يقال: إن النبي (ص) قد أمره بالمقام بين أظهرهم ليكون عينا له. ويقال: إنه كان يكتب للنبي (ص) بأخبارهم، وقد أخبره بحرب أحد على ما يظن. ولكن ذلك لا يدل على إسلام العباس، نعم هو يدل على نصحه لرسول الله (ص)، ولو بدافع الرحم والحمية، فلابد أن يعرف الرسول ذلك له، ويكافئه عليه. إشارة: وما دمنا في الحديث عن العباس، فلا بأس بالاشارة إلى أن من الملاحظ: أنه كان يهتم في المال، ويحب الحصول عليه.


= ص 244 و 245 عن كنز العمال ج 7 ص 69 عن ابن عساكر. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 199. (*)

[ 125 ]

ولقد رأيناه يطالب النبي (ص) بالمال، لانه أعطى فداءه وفداء عقيل في بدر. فقد جاء: أنه جاء النبي (ص) مال من البحرين، وصار يقسمه، فجاء العباس، فقال: " يارسول الله، إني أعطيت فدائي، وفداء عقيل (رض) يوم بدر، ولم يكن لعقيل مال، أعطني هذا المال ". فأعطاه (ص) (1). وتضيف بعض الروايات: أنه (ص) ما زال يتبعه بصره " حتى خفي علينا عجبا من حرصه " (2). وليلاحظ أسلوبه للحصول على بقية من المال، بقيت بعد القسم بين الناس في الرواية التالية: أخرج ابن سعد: أنه بقي في بيت مال عمر شئ، بعد ما قسم بين الناس، فقال العباس لعمر وللناس: أرأيتم، لو كان فيكم عم موسى (ع) أكنتم تكرمونه ؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أحق به، أنا عم نبيكم (ص). فكلم عمر الناس، فأعطوه تلك البقية التي بقيت (3). وعلى كل حال، فقد حصل على ما كان يتمناه، حتى لينقلون عنه


(1) صحيح البخاري ج 1 ص 55 و 56، وج 2 ص 130، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 329 و 330، وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصححاه، وطبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 9، السيرة الحلبية ج 2 ص 200، وحياة الصحابة ج 2 ص 225، والتراتيب الادارية ج 2 ص 88 و 89. (2) صحيح البخاري ج 1 ص 55 و 56، وج 2 ص 130، والتراتيب الادارية ج 2 ص 89. (3) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 20، وحياة الصحابة ج 2 ص 234، وتهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 251. (*)

[ 126 ]

قوله حينما أعطاه (ص): أما أحد ما وعد الله فقد أنجز لي، ولا أدري الاخرى: " قل لمن في أيديكم من الاسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم. ويغفر لكم " هذا خير مما أخذ مني، ولا أدري ما يصنع بالمغفرة (1). مؤامرة على حياة النبي (ص): وكان قد أسر لعمير بن وهب ولد، فاتفق عمير مع صفوان بن أمية سرا على أن يقدم عمير المدينة، ويغتال النبي (ص) في مقابل أن يقضي صفوان دين عمير. وتكاتما على هذا الامر، وشحذ عمير سيفه وسمه، وقدم المدينة، فأذن له الرسول بالدخول، فخاف منه عمر، فأخذ بحمالة سيفه في عنقه، ثم دخل به على الرسول. فلما رآه (ص) قال لعمر: أرسله يا عمر. فأرسله، فاستدناه، ثم سأله عما جاء به، فقال: جئت لهذا الاسير الذي في أيديكم - يعني وهبا - فأحسنوا فيه. فقال (ص): فما بال السيف ؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا ؟ ! فأخبره (ص) بما جرى بينه وبين صفوان في الحجر، فأسلم عمير. فقال (ص): فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره، ففعلوا ذلك. ثم لحق عمير بمكة يدعو إلى الله، ويؤذي المشركين بإذن منه


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 329، وتلخيصه للذهبي وصححاه، وطبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 9، والسيرة الحلبية ج 2 ص 220، وحياة الصحابة ج 2 ص 225. (*)

[ 127 ]

(ص)، وحلف صفوان ألا يكلمه، ولا ينفعه بنافعة (1). موقف النبي (ص) من قلائد زينب: وبعثت زينب بنت الرسول (ص) - بل ربيبته - بفداء زوجها أبي العاص بن الربيع، وكان من جملة ما بعثت به قلائد كانت خديجة جهزتها بها. فترحم الرسول " صلى الله عليه وآله " على خديجة، ورق لزينب رقة شديدة، وطلب من المسلمين أن يطلقوا لها أسيرها، ففعلوا. وأطلقه " صلى الله عليه وآله وسلم " مقابل أن يرسل إليه زينب بسرعة. فوفى بما وعد وأرسلها (2)، وجرى لها حين هجرتها ما سوف نشير إليه فيما يأتي إن شاء الله تعالى. سؤال يحتاج الى جواب: ويرد هنا سؤال: هل كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عاطفيا حقا إلى حد تدفعه رقته إلى إطلاق أسير كان يمكن للمسلمين أن يساوموا عليه، ويحصلوا على ما يقويهم ضد عدوهم ؟ ! وهل مجرد تربيته لزينب تكفي لهذا الموقف المتميز له منها ؟ وهل كان يرغب في مراعاة جانب من يمت إليه بصلة أكثر من


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 317 و 318. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 308، وتاريخ الامم والملوك ط الاستقامة ج 2 ص 164، والكامل في التاريخ ج 2 ص 134، والبحار ج 19 ص 241، ودلائل النبوة ط دار المكتبة العلمية ج 3 ص 154، وتاريخ الاسلام للذهبي (قسم المغازي) ص 46. (*)

[ 128 ]

الاخرين ؟ وهل هذا ينسجم مع رسالته وسجاياه وأخلاقه ؟ ! الجواب: لا، فإن ثمة مصلحة في هذا الموقف، تعود على الاسلام والمسلمين بالنفع وبالخير العميم. وإلا لكان موقفه " صلى الله عليه وآله " من هؤلاء لا يختلف عن موقفه من غيرهم، ممن على شاكلتهم. وموقفه من عمه أبي لهب لعنه الله ليس بعيدا عن أذهاننا. وكذا موقفه من عمه عقيل. ونرى: أن في موقف النبي " صلى الله عليه وآ له وسلم " هنا تأكيدا على أن الاسلام يحترم ويقدر مواقف الاخرين وخدماتهم. وخديجة من هؤلاء الذين استحقوا منه هذا التقدير، فكان منه (ص) هذا الموقف ممن تحبهم خديجة. وكان (ص) يهتم بإكرام صديقات خديجة، فكان (ص) يرسل لهن ما يهدى إليه باستمرار، حتى إن عائشة أم المؤمنين أسمعته ما يكره في حقها رحمها الله (1) لاجل ذلك. ولو أن هذه الخدمات كانت من غير خديجة، لكان للنبي (ص) نفس هذا الموقف، أي أنه سوف يشجع كل ما يكون في هذا الاتجاه، من أي كان، وعلى أي مستوى كان. أضف إلى ذلك: أن هذه مناسبة يستطيع فيها (ص) إنقاذ نفس من مقاساة العناء والالام وتخليصها من بين المشركين، ألا وهي زينب رحمها الله، فلم لا يفعل ؟ ! هذا كله عدا عن أنه لم يطلق أبا العاص من غير فداء، فقد أرسلت زينب بالفداء، فما هو المبرر لامساكه ؟


(1) تقدمت المصادر لذلك في فصل: بيعة العقبة حين الكلام حول غيرة عائشة. (*)

[ 129 ]

أستاذ المعتزلي وقضية زينب: ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي عن رقته (ص) في هذا الموقف: " قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري - (وقد قرظه المعتزلي في موضع آخر) - (1) رحمه الله هذا الخبر، فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد ؟ أما كان يقتضي الكرم والاحسان أن يطيب قلب فاطمة بفدك، ويستوهب لها من المسلمين ؟ ! أتقصر منزلتها عند رسول الله (ص) عن منزلة زينب أختها، وهي سيدة نساء العالمين ؟ ! ! هذا إن لم يثبت لها حق، لا بالنحلة، ولا بالارث " (2). فداء الاسير تعليم الكتابة: قال المقريزي: " وكان في الاسرى من يكتب، ولم يكن في الانصار من يحسن الكتابة، وكان منهم من لا مال له، فيقبل منهم أن يعلم عشرة من الغلمان، ويخلي سبيله، فيومئذ تعلم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من غلمان الانصار. خرج الامام أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان ناس من الاسرى يوم بدر، لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله (ص) فداءهم أن يعملوا أولاد الانصار الكتابة. ثم ذكر المقريزي قصة من ضربه معلمه، ثم قال: وقال عامر الشعبي: كان فداء الاسرى من أهل بدر أربعين أوقية،


(1) فقد وصفه في شرحه للنهج ج 12 ص 90 بأنه: " لم يكن إمامي المذهب، ولا كان يبرأ من السلف، ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة " ووصفه في ج 9 ص 248 بأنه كان: " منصفا، وافر العقل ". ونقل في هامش البحار ج 19 عنه أنه وصفه بالوثاقة والامانة، والبعد عن الهوى والتعصب، والانصاف في الجدال، مع غزارة العلم، وسعة الفهم، وكمال العقل. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 191. (*)

[ 130 ]

فمن لم يكن عنده علم عشرة من المسلمين، فكان زيد بن ثابت ممن علم " (1). ونقول: إن جعل فداء الاسرى هو تعليم عشرة من أطفال المسلمين، ليعتبر أول دعوة في التاريخ لمحو الامية، سبق الاسلام بها جميع الامم. وقد أتى الحكم بن سعيد بن العاص النبي، فسأله عن اسمه، فأخبره فغير (ص) اسمه إلى عبد الله، وأمره أن يعلم الكتاب بالمدينة (2). وذلك يعبر عن مدى اهتمام الاسلام بالعلم في وقت كانت فيه أعظم الدول كدولة الاكاسرة تمنع بصورة قاطعة من تعليم القراءة والكتابة لاحد من غير الهيئة الحاكمة، حتى إن أحد التجار قد عرض أن يقدم جميع الاموال اللازمة لحرب أنو شيروان مع قيصر الروم على أن يسمح له بتعليم ولده (3). بل لقد كانت بعض الفئات العربية تعد المعرفة بالكتابة عيبا كما أشرنا إليه فيما سبق (4) في المدخل لدراسة السيرة فراجع.


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 48 و 49 عن المطالع النصرية في الاصول الخطية لابي الوفاء نصر الدين الهوريني، وعن السهيلي ومسند أحمد ج 1 ص 247، الامتاع ص 101، والروض الانف ج 3 ص 84، وتاريخ الخميس ج 1 ص 395، والسيرة الحلبية ج 2 ص 193، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 ص 14، ونظام الحكم في الشريعة التاريخ الاسلامي (الحياة الدستورية) ص 48. (2) نسب قريش لمصعب لزبيري ص 174، والاصابة ج 1 ص 344 عنه. (3) خدمات متقابل إسلام وإيران ص 283 و 284 و 314، وراجع ص 310 عن شاهنامه فردوسي ج 6 ص 258 - 260. (4) الشعر والشعراء ص 334، والتراتيب الادارية ج 2 ص 248. (*)

[ 131 ]

وهذا الاسلام قد جاء ليطلق أعدى أعدائه، في أدق الظروف، وأخطرها في مقابل تعليمهم لعشرة من غلمان المسلمين، مع أنه ربما تكون الاستفادة من فداء هؤلاء الاسرى، أو استخدامهم في مهمات المسلمين، أو جعلهم وسيلة للضغط السياسي على قريش، له أهمية كبيرة بالنسبة لهذا المجتمع الناشئ، الذي يولد في مجتمع يرفضه، ويحاول القضاء عليه، وأمامه طريق طويل وشاق من النضال والفكاح من أجل الحياة والبقاء، وإقامة الدولة الاسلامية، ونشر تعاليم رسالة السماء. معاملة الاسرى: ويلاحظ: أن المسلمين الذين ذاقوا الامرين على أيدي المشركين، يظفرون الان بعدوهم، ويصير أولئك الذين عذبوهم بالامس، وأخرجوهم من ديارهم، وسبلوهم أموالهم، وقطعوا أرحامهم - يصيرون - أذلاء في أيديهم، وتحت رحمتهم. فماذا تراهم صانعين بهم ؟ أو بأي نحو وكيفية سوف يأخذون بثاراتهم منهم ؟ التوقعات كثيرة، ولكن ما جرى كان مخالفا لكل التوقعات، فهم لم يحاولوا أن يأخذوا بثاراتهم، ولا اغتنموا الفرصة التي أتيحت لهم، بل صدر الامر لهم من القائد الاعظم بكلمة واحدة: استوصوا بالاسرى خيرا. فأطاعوا الامر، وشاركوهم في أموالهم حتى كان أحدهم يؤثر أسيره بطعامه (1). هذه من علاه إحدى المعالي * وعلى هذه فقس ما سواها


(1) راجع: الطبري ج 2 ص 159، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 131، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 299 و 300، ومغازي الواقدي ج 1 ص 119، وتاريخ الخميس ج 1 ص 388. (*)

[ 132 ]

سودة بنت زمعة تحرض على رسول الله (ص): ومما يثير فينا الدهشة والعجب هنا: أن نجد سودة بنت زمعة تحرض المشركين على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعلى المسلمين. فإنها حين جئ بأسارى بدر ورأت " سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت: فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: أي أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم ؟ ألا متم كراما ؟ ! فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله (ص) من البيت: " يا سودة، أعلى الله وعلى رسوله تحرضين ؟ ! " قالت: قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه: أن قلت ما قلت " (1). وتشير بعض النصوص إلى سلبيات في حياتها مع النبي (ص)، حتى أن النبي (ص) قد بعث إليها بطلاقها، فناشدته أن يراجعها، فجعلت يومها وليلتها لعائشة، التي كانت تثني عليها، حتى قالت: ما من الناس أحد أحب إلي أن أكون في مسلاخه من سودة إلخ (2).


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 307. (2) الاصابة ج 4 ص 338 وغير ذلك كثير. (*)

[ 133 ]

الفصل الرابع: نهاية المطاف

[ 135 ]

أهل بدر مغفور لهم: ويذكرون: أنه حينما كان رسول الله (ص) يتجهز لفتح مكة، كتب حاطب ابن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة يحذرهم، وأعطاه أمرأة لتوصله إليهم. فأخبر جبرئيل النبي (ص) بالامر، فأرسل عليا ونفرا معه إلى روضة خاخ (موضع بين مكة والمدينة) ليأخذوا الكتاب منها، فأدركوها في ذلك المكان، وفتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا، فهموا بالرجوع. فقال علي " عليه السلام ": والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه، وقال لها: أخرجي الكتاب وإلا لاضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها. فرجعوا بالكتاب إلى النبي (ص)، فأرسل إلى حاطب فسأله عنه، فاعترف به، وادعى: أنه إنما فعل ذلك لانه خشيهم على أهله، فأراد أن يتخذ عندهم يدا فصدقه رسول الله وعذره. لكن عمر بن الخطاب قد رأى: أن حاطبا قد خان الله ورسوله، فطلب من النبي (ص) أن يضرب عنق حاطب، فقال له النبي " صلى الله عليه وآله ": أليس من أهل بدر ؟ لعل - أو إن - الله اطلع على أهل بدر، فقال:

[ 136 ]

عملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة. أو فقد غفرت لكم (1).


راجع: البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 110، وج 3 ص 39 و 129 وط مشكول كتاب المغازي، غزوة بدر وج 9 ص 23، وفتح الباري ج 6 ص 100، وج 8 ص 486 وج 7 ص 237، عن أحمد، وابن أبي شيبة، والبداية والنهاية ج 4 ص 284، وج 3 ص 328 عن الخمسة، ما عدا ابن ماجة، ومجمع الزوائد ج 8 ص 303، وج 9 ص 303 و 304 وج 6 ص 162 و 163 عن أحمد، وأبي يعلي، والبزار، وحياة الصحابة ج 2 ص 463 و 364 عن بعض من تقدم، والسيرة الحلبية ج 2 ص 203 و 192، ومجمع البيان ج 9 ص 269 و 270، وتفسير القمي ج 2 ص 361، والارشاد للمفيد ص 33 و 34 و 69، وصحيح مسلم ج 4 ص 1941 ط دار إحياء التراث العربي، والمغازي ج 2 ص 797 و 798، وأسباب النزول ص 239، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 47، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 58، وج 17 ص 266، وسنن أبي داود ج 3 ص 44 و 45 و 48، والتبيان للطوسي ج 9 ص 296، وأسد الغابة ج 1 ص 361 والدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 203، وتاريخ الاسلام للذهبي (المغازي) ص 93 و 439 و 440، والسنن الكبرى ج 9 ص 146، والسيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 39 و 41، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 421 و 422، الجامع الصحيح ج 5 ص 409 و 410، ومسند الشافعي ص 316، والطبقات الكبرى ج 2 ص 97، وتفسير فرات ص 183 و 184، ولسان العرب ج 4 ص 557، والمبسوط للشيخ الطوسي ج 2 ص 15، وتاريخ الامم والملوك ج 3 ص 48 و 49، والمناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 143 و 144، وكنز العمال ج 17 ص 59، وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 371، والبحار ط بيروت ج 72 ص 388، وج 21 ص 125 و 119 و 120 و 136 و 137 وط حجرية ج 8 ص 643 عن إرشاد المفيد، وإعلام الورى، وتفسير القمي، وتفسير فرات، وعون المعبود ج 7 ص 310 و 313، والدرجات الرفيعة ص 336، وزاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 115، وعمدة القارئ ج 14 ص 254، وتاريخ الخميس ج 2 ص 79، وترتيب مسند الشافعي ج 1 ص 197، والمحلى ج 7 ص 333، والجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 50 و 51، وأحكام القرآن للجصاص ج 5 ص 325، وجامع البيان ج 28 ص 38 - 40، والكامل في التاريخ ج 2 ص 242، وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 180، والاصابة ج 1 ص 300، والبرهان في تفسير القرآن ج 4 ص 323 = (*)

[ 137 ]

قال الحلبي: " وهو يفيد: أن ما يقع منهم من الكبائر لا يحتاجون إلى التوبة عنه، لانه إذا وقع يقع مغفورا. وعبر فيه بالماضي مبالغة في تحققه. وهذا كما لا يخفى بالنسبة للاخرة، لا بالنسبة لاحكام الدنيا. ومن ثم لما شرب قدامة بن مظعون الخمر في أيام عمر حد، وكان بدريا ". وقال الحلبي أيضا: " وفي الخصائص الصغرى، نقلا عن شرح جمع الجوامع: أن الصحابة كلهم لا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم " (1). ورووا عنه (ص) أيضا قوله: لن يدخل النار أحد شهد بدرا (2). ونقول: إذا كان شرب البدري للخمر لا يضر، ولا يحتاجون للتوبة من الكبائر، فليكن الزنا حتى بالمحارم غير مضر لهم أيضا، وكذلك تركهم الصلاة، وسائر الواجبات وغيرها !. وليكن أيضا قتل النفوس كذلك. ولقد قتلوا عشرات الالوف في وقعني الجمل وصفين، وقتلوا العشرات، سرا وجهرا، غيلة وصبرا. فإن ذلك كله لا يضر، ولا يوجب لهم فسقا، ولا عقابا ! !


= والاعتصام بحبل الله المتين ج 5 ص 500 و 501، والصافي (تفسير) ج 5 ص 161، ونهج السعادة ج 4 ص 28، ومعجم البلدان ج 2 ص 335، والمواهب اللدينة ج 1 ص 149، وبهجة المحافل ج 1 ص 188 و 400. وعن المصنف لابن أبي شيبة ج 15 ص 69، وعن تفسير الثعالبي ج 4 ص 289، وعن منهاج البراعة ج 5 ص 106. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 203 و 204، وراجع: فتح الباري ج 7 ص 237 و 238. (2) فتح الباري ج 7 ص 237 وسنده صحيح على شرط مسلم. (*)

[ 138 ]

أضف إلى ذلك: أن ابن أبي مغفور له، لانه ايضا قد شهد بدرا حسبما روي (1). وإذا صح ما ذكروه عن أهل بدر، فلا يبقى معنى لتكليف البدريين بالشرائع والاحكام، ولماذا يتعبون ويشقون، ما دام أن دخول الجنة حاصل ومضمون لهم، فليتنعموا في حياتهم الدنيا، ليستفيدوا من لذائذها حلالا أو حراما ! !. أما دفاع علي " عليه السلام " عن الحق، وإمعانه في قتل الناكثين والقاسطين والمارقين، بعد أن تناسوا أقوال الرسول (ص) وإخباراته الصادقة عن هذه الفئات الضالة، فقد اعتبروه جرأة منه على الدماء، وأن سببه هو ما سمعه من أن الله رخص لاهل بدر في أن يفعلوا ما شاؤا (2) ! !. ثم إننا لا ندري لماذا يعاقب البدري في الدنيا، إذا كان النبي (ص) نفسه قد منع عمر من عقاب حاطب الذي خان الله ورسوله، وكتب للمشركين بأسرار المسلمين، واحتج الرسول (ص) لهذا المنع - حسبما يدعون - ببدرية حاطب ؟ ! وإذا كان الله قد غفر لهذا البدري، فلماذا يعاقب في الدنيا ؟ ! أليس عقابه حينئذ يكون بلا ذنب جناه ؟ ولا خطيئة اقترفها ؟ ! والحقيقة هي أن الحلبي: لما رأى عمر قد أقام الحد على قدامة، اضطر إلى عدم إسقاط العقاب الدنيوي عن أهل بدر، ولولا ذلك لكنا رأيناه يسقطه أيضا، محتجا بإسقاط النبي (ص) له عن حاطب. ولكن وبعد أن كان المعني هو عمر بالذات، فلابد من بناء الفقه والاحكام على


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 335. (2) راجع: البخاري ج 9 ص 23 ط مشكول، وفتح الباري ج 7 ص 238، والغارات ج 2 ص 568 و 569، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 100. (*)

[ 139 ]

أساس فعله، عدم الالتفات إلى فعل النبي وقوله وتقريره ! ! نعم، لقد استنبط الحلبي كل هذه الاحكام من الحديث الشريف الذي عبر بكلمة: " " لعل " فليت شعري: كم كان سوف يستنبط من الاحكام لو أنه ثبت لديه الجزم بالمغفرة لهم كما ذكرته رواية أخرى ؟ ! " ولكن الحقيقة هي أن حديث المغفرة لاهل بدر - لو صح - فلم يكن فيه كلمة " اعملوا ما شئتم ". والمغفرة إنما هي بالنسبة لما سبق لهم من ذنب، وإذا كانت هذه الفقرة ثابتة كان المراد بها: فليستأنفوا العمل، فلسوف يجازون بحسب ما يعملونه فيما يأتي، لا أن المغفرة تكون بالنسبة لما سوف يقترفونه بعد ذلك أيضا. ولو كان قوله: " اعملوا ما شئتم " ثابتا ويراد به المغفرة للذنوب الاتية أيضا، لاحتج به قدامة على عمر، ليدرأ الحد عن نفسه. ولاحتج أيضا بموقف النبي (ص) من حاطب، كما أن من الصعب على عمر نفسه أن يقدم على مخالفة أمر نبوي بهذا الوضوح والمعروفية (1). هذا كله بالاضافة إلى أن شيوع هذه الفقرة عن النبي (ص) بما لها من هذا المعنى الذي يدعيه هؤلاء، يلائم المصالح السياسية في أحيان كثيرة، الامر الذي يقوي الظن بأن للسياسة يدا في تأكيد ونشر هذا المعنى. من هم أفضل من أهل بدر: ونسجل هنا: أننا نجد سعد بن أبي وقاص يكاد يفضل جيشه في حرب المدائن على أهل بدر، فيقول: " والله، إن الجيش لذو أمانة، ولولا


راجع حول عدالة الصحابة كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام الجزء الثاني. (*)

[ 140 ]

ما سبق لاهل بدر لقلت وأيم الله: على فضل أهل بدر، لقد تتبعت من أقوام هنات وهنات فيما أحرزوا، وما أحسبها ولا أسمعها من هؤلاء القوم " (1). بل إن كعب بن مالك يفضل ليلة العقبة على بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها (2). نعم، هذا هو شأن بدر عندهم، وشأن غيرها. ولكنهم لم يحكموا لغير البدريين بالجنة، لانه ليس فيهم من يهتمون بالمغفرة له وبإدخاله إلى الجنة. أو تفرض السياسة تبرير أعماله ومواقفه المخالفة للاسلام، والقرآن، والانسانية ! رغم أن سعدا حسب النص المذكور آنفا يرى أن في أهل بدر من صدرت منهم هنات وهنات أنزلت من مقامهم، وخففت من ميزانهم. وهو على حق في ذلك، فإن لكثير من أهل بدر مواقف وأفاعيل غريبة وعجيبة، لسنا هنا في صدد الحديث عنها. ابن الجوزي وحديث المغفرة للبدريين: ويعجبني هنا ما قاله ابن الجوزي، في تعليق له على حديث المغفرة لاهل بدر، فهو يقول: " نعوذ بالله من سوء الفهم، خصوصا من المتسمين بالعلم. روى أحمد في مسنده: أنه تنازع أبو عبد الرحمان السلمي، وحيان بن عبد الله، فقال أبو عبد الرحمان لحيان: قد علمت ما الذي حدا صاحبك - يعني عليا - قال: ما هو ؟ قال: قول النبي (ص): لعل الله


(1) حياة الصحابة ج 3 ص 758 عن تاريخ الطبري ج 3 ص 138. (2) البداية والنهاية ج 5 ص 23 عن البخاري، وأبي داود، والنسائي ونحوه، مفرقا ومختصرا، وروى الترمذي بعضه، والبيهقي ج 9 ص 33، وحياة الصحابة ج 1 475 عمن تقدم، وعن الترغيب والترهيب ج 4 ص 366. (*)

[ 141 ]

اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. وهذا سوء فهم من أبي عبد الرحمان، حين ظن أن عليا إنما قاتل وقتل اعتمادا على أنه قد غفر له. وينبغي أن يعلم: أن معني الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت، فقد غفرت لكم. فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك، أتراه لو وقع من أهل بدر - وحاشاهم - الشرك، إذ ليسوا بمعصومين، أما كانوا يؤاخذون به ؟ فكذلك المعاصي. ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى: أن مالكم إلى الغفران. ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فعل ما لا يجوز اعتمادا على أنه سيغفر له ؟ ! حوشي من هذا. وإنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق. ولا يختلف العلماء: أن عليا رضي الله عنه لم يقاتل أحدا إلا والحق مع علي. كيف وقد قال رسول الله (ص): اللهم أدر الحق معه كيفما دار. فقد غلط أبو عبد الرحمان غلطا قبيحا، حمله عليه أنه كان عثمانيا " (1) إنتهى. عودة خيبة: مهما يكن من أمر، فقد رجع المحاربون المشركون إلى مكة بأسوأ حال، من الحنق والغيظ، فنهاهم أبو سفيان عن النوح على قتلاهم، ومنع الشعراء من ندب القتلى، لئلا يخفف ذلك من غيظهم، ويقلل من


(1) صيد الخاطر ص 385. (*)

[ 142 ]

عداوتهم للمسلمين. وحتى لا يبلغ المسلمين حزنهم، فيشمتوا بهم. وحرم أبو سفيان الطيب والنساء على نفسه، حتى يغزو محمدا. وكذلك كان موقف زوجته هند، التي اعتزلت فراشه وامتنعت عن الطيب. ولما رجع المشركون طلبوا من أصحاب العير: أن يواسوهم في تلك العير، فأنزل الله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة). وقيل: نزلت هذه الاية في المطعمين في غزوة بدر، الذين كانوا ينحرون الجزر حسبما تقدم، ولعله هو الانسب والاوفق بمفاد الاية. عودة ظفر: وأرسل النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " يبشر أهل المدينة بالنصر المبين، فلم يصدق البعض ذلك في بادئ الامر، ثم تأكد لديهم أنه حق، ففرح المؤمنون، واستقبلوا الرسول فرحين مسرورين. ويقولون: إن زيد بن حارثة كان هو البشير، فلم يصدقه الناس حتى اختلى بولده أسامة، وأكد له ذلك. وهذا لا يصح، لان أسامة كان حينئذ طفلا، لا يتجاوز عمره العشر سنوات. وفي الطريق إلى المدينة فقد المسلمون رسول الله (ص)، فوقفوا. فجاء " صلى الله عليه وآله وسلم " ومعه علي " عليه السلام ". فقالوا: يا رسول الله، فقدناك ؟ فقال: إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه، فتخلفت عليه (1).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 188. (*)

[ 143 ]

ويقال: إنه (ص) قدم المدينة حينما كانوا مشغولين بدفن زوجة عثمان، كما سيأتي الحديث عنه في فصل ما بين بدر وأحد إن شاء الله. وقدم الاسارى المدينة بعد قدومه (ص) بيوم، ففرقهم بين المسلمين، وقال: استوصوا بهم خيرا. إلى أن فداهم أهل مكة. ثم أرسل " صلى الله عليه وآله وسلم " عبد الله بن رواحة مبشرا إلى اهل العالية - ما كان من جهة نجد من المدينة. وفي الطبقات العالية هم بنو عمرو بن عوف، وخطمة، ووائل - بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة - ما كان في جهة تهامة " (1). بعض نتائج حرب بدر: لقد تقدم الكثير مما يمكن إستخلاصه في هذا المقام. فلا نرى حاجة إلى الاطالة فيه، فنحن نكتفي هنا بلمحة خاطفة ضمن النقاط التالية: 1 - إن قريشا التي كانت تحب الحياة قد واجهت في بدر ضربة روحية قاسية جدا، وأصابها هلع قاتل، وهي ترى أن حياتها مع هؤلاء المسلمين قد أصبحت في خطر حقيقي. وقد كان لهذا الخوف والهلع أثر لا ينكر على حروبها اللاحقة مع المسلمين، فإن الخائف اللجوج بطبيعته، يتخذ كافة الاحتياطات لتأمين النصر لنفسه مع احتفاظه بالحياة. ولذا، فقد حاولت قريش في حملاتها اللاحقة أن تكون أكثر دقة وتركيزا، واوسع حشدا واستعدادا، من أجل القضاء على هذه الحركة التي تراها تهدد مصالحها وامتيازاتها في المنطقة، اجتماعيا، وسياسيا،


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 382. (*)

[ 144 ]

وإقتصاديا، وغير ذلك. 2 - ومن الجهة الاخرى فقد قويت نفوس المسلمين بذلك، وعادت لهم الثقة بأنفسهم بصورة ظاهرة، وشجعهم هذا الانتصار غير المتوقع على مواجهة ما كان إلى الامس القريب يرعبهم حتى احتماله، فضلا عن التفكير فيه، أو مواجهته. وقد كان هذا الانتصار في المستوى الذي صعب على بعض أهل المدينة التصديق به. نعم. لقد زادهم هذا الانتصار ايمانا، ويقينا، وثقة بدينهم نبيهم. ولاسيما بملاحظة حجم الخسائر التي مني بها عدوهم. 3 - ولقد أعانتهم تلك الغنائم التي حصلوا عليها إلى حد كبير على مواجهة مشاكلهم الاقتصادية الملحة، كما أنها فتحت شهية الطامعين، وجعلتهم على استعداد للمشاركة، بل ويتطلعون إلى نظائرها في المستقبل. 4 - ثم إنه قد أصبح ينظر إلى المسلمين في المنطقة على أنهم قوة فعالة، لابد أن يحسب حسابها، وهابتهم القبائل، وبدأت تخطب ودهم، وتتقرب إليهم، ولم يعد من السهل عليها أن تنقض ما أبرمته معهم من معاهدات. بل وأصبحت تتوقع لهم انتصارات أخرى أيضا، حتى ليقول اليعقوبي عن وقعة ذي قار، التي كانت بعد بدر بأربعة أشهر: " وأعز الله نبيه، وقتل من قريش، فأوفدت العرب وفودها إلى رسول الله، وحاربت ربيعة كسرى. وكانت وقعتهم بذي قار، فقالوا: عليكم بشعار التهامي، فنادوا: يا محمد، يا محمد. فهزموا جيوش كسرى " (1).


(1) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 46. (*)

[ 145 ]

وبعد هذا، فإن من الطبيعي: أن يترك ذلك أثرا على محاولات قريش للتحالف مع القبائل ضد المسلمين، ويخفف من تحمس كثير منها إلى عقد مثل هذه التحالفات معها. النجاشي يفرح لنتائج بدر: ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر، واستأصل وجوههم ورؤساءهم، عرف النجاشي بالامر من عين له، ففرح فرحا شديدا، وجلس على التراب، ولبس ثيابا خلقه، لانه أراد شكر الله لاجل هذه النعمة، وبشر المسلمين بذلك (1). كلمة أخيرة: ونشير هنا أيضا: إلى أن من إعجاز الاسلام: أنه (ص) قد حارب أعتى القوى بأشواب من الناس، لا تشدهم ولا تجمعهم أية رابطة سوى رابطة الدين، وأمامهم عدو تشده إلى بعضه البعض عصبيات وأواصر مختلفة، ومصالح مشتركة، وليس من الطبيعي أن يتحقق النصر لقوم هم أشواب من الناس على فئة تكون على عكس ذلك تماما، ولاجل ذلك قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي (ص) يوم الحديبية: " وإن تكن الاخرى (أي الحرب) فإني لارى وجوها، وأرى أشوابا من الناس، خليقا أن يفروا عنك " (2). وهذا النوع من الناس هم الذين اعتبرهم أمير المؤمنين " عليه السلام " الغوغاء، الذين إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا (3).


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 476 و 477. (2) المصنف ج 5 ص 335. (3) نهج البلاغه، الحكم ص 199. (*)

[ 146 ]

وإن حربه لاعتى القوى وأكثرها تلاحما وتعاضدا بأشواب من الناس، لم يكن في معركة واحدة، ليقال: إنها ربما تكون صدفة، خاضعة لبعض العوامل والظروف الاستثنائية، بل استمر ذلك عدة سنوات. ولعل إلى ذلك يشير قوله تعالى: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم) (1). موقف معاوية من أهل بدر: وأخيرا.. فإننا نجد لمعاوية موقفا سياسيا من أهل بدر، وذلك في قضية التحكيم في صفين، حينما رفض أن يحكم رجلا من أهل بدر، وقال: " لا أحكم رجلا من أهل بدر " (2). ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يعلم: أن كثيرا منهم كان ملتزما بأحكام الشريعة، صلبا في ذات الله، ويرفض المساومة والمداهنة في الدين. وقبل الحديث عن أحداث ما بين بدر وأحد، لا بأس بأن نتكلم عن بعض الموضوعات التي ترتبط بما تقدم بنحو من الارتباط والاتصال، وذلك في ضمن الفصل التالي.


(1) الانفال: 63. (2) أنساب الاشراف ج 3 ص 23. (*)

[ 148 ]

الفصل الخامس: بحوث ليست غريبة عن السيرة

[ 149 ]

تمهيد: لقد وعدنا القارئ فيما سبق بالتعرض إلى بعض البحوث التي ترتبط ببعض الاحداث السابقة بنحو أو بآخر. والان لقد حال الوقت للوفاء بذلك الوعد، ولتكن هذه البحوث بمثابة استراحات للقارئ، تبعده ولو قليلا عن جو السيرة والاحداث والمتلاحقة والمتنوعة، لتركز على أبحاث، ربما يرغب في أن لا يمر عليها مرورا سريعا وعابرا. والابحاث التي نريد عرضها في هذا الفصل، هي التالية: 1 - بعض خصائص الشيعة. 2 - أشجعية أبي بكر. 3 - ذو الشمالين وكون عصمة النبي " صلى الله عليه وآله " عن السهو والخطأ والنسيان والذنب إختارية. 4 - الخمس بين السياسة والتشريع.

[ 150 ]

البحث الاول بعض خصائص الشيعة: تقدم معنا في غزوة بدر: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر أصحابه بأن لا يبدأوا المشركين بقتال. وقلنا هناك: إن أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " كان يأمر أصحابه أن لا يبدأوا أعداءه بقتال. فقد جاء أنه " عليه السلام " نادى في الناس يوم الجمل: لا يرمين رجل بسهم، ولا يطعن برمح، ولا يضرب بسيف، ولا تبدأوا القوم بالقتال، وكلموهم بألطف الكلام. قال سعيد: فلم نزل وقوفا حتى تعالى النهار، حتى نادى القوم بأجمعهم: يا ثارات عثمان إلخ... وبذلك أيضا أوصى " عليه السلام " أصحابه في صفين (1). نعم، وقد: 1 - صار ذلك شعار الشيعة، فإنهم كانوا يبدأون أحدا بقتال


(1) سنن البيهقي ج 8 ص 180، وحياة الصحابة ج 2 ص 503 عنه، وراجع: تذكرة الخواص ص 72 و 91، والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 45، وج 2 ص 490، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 240، ومناقب الخوارزمي ص 183. (*)

[ 151 ]

ايضا. قال الجاحظ، وهو يتحدث عن كردويه الاقطع الايسر (وهو من بطارقة سندان الشجعان) وكان لا يضرب أحدا إلا حطمه، وكان إذا ضرب قتل، قال الجاحظ: " كان كردويه مع فتكه وإقدامه يتشيع، فكان لا يبدأ بقتال حتى يبتدأ " (1). 2 - كان النبي (ص) قد أسر أبا عزة الجمحي في بدر، ثم من عليه لاجل بناته الخمس، وأخذ عليه العهد أن لا يعود إلى حرب المسلمين، وأن لا يظاهر عليه أحدا. لكنه عاد فنقض العهد، وألب القبائل، وشارك في معركة أحد، فأسر، وطلب العفو، فرفض النبي (ص) طلبه، حتى لا يمسح عارضيه في مكة ويقول: إنه سخر من محمد مرتين. ولسوف نتعرض لهذه القضية في آخر غزوة حمراء الاسد إن شاء الله. وبذلك يكون النبي (ص) قد ضرب المثل الاعلى للمؤمن اليقظ، الذي لا يخدع، ولا يستغل، ولا مجال لان يسخر منه أحد، فهناك الكلمة المروية عن الرسول (ص)، والتي لا يجهلها أحد: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " (2). وقد شهد معاوية للحسين وأبيه إنهما لا يخدعان، وذلك حينما قال لعبيد الله بن عمر: " إن الحسين بن علي لا يخدع، وهو إبن أبيه " (3). ولقد ورث شيعة أمير المؤمنين " عليه السلام " هذه الخصيصة عن إمامهم الذي ورثها عن مؤدبه ومربيه النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله


(1) البرصان والعرجان والعميان والحولان للجاحظ ص 333. (2) مسند أحمد ج 2 ص 115 و 373، وراجع: فيض الباري ج 4 ص 396. (3) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 57. (*)

[ 152 ]

وسلم "، فقد عرفوا على مر الزمن باليقظة المتناهية، والنباهة العالية، بالاضافة إلى صفات نادرة أخرى. وكشاهد على ذلك نشير إلى ما ذكره التنوخي من أن الحسن بن لؤلؤ قد قال لمن أراد أن يحتال عليه: " أتعاطي علي، وأنا بغدادي، باب طاقي، وراق، صاحب حديث، شيعي، أزرق، كوسج ؟ " (1). 3 - واشتهر الشيعة أيضا: بالدقة والتحري في أمور دينهم، فقد كان أسد بن عمرو على قضاء واسط، فقال: " رأيت قبلة واسط رديئة جدا، وتبين لي ذلك، فتحرفت فيها. فقال قوم من أهل واسط: هذا رافضي. فقيل لهم: ويلكم، هذا من أصحاب أبي حنيفة، كيف يكون رافضيا " (2). وقد تقدم في الجزء الاول من هذا الكتاب: أن الجاحظ يذكر: " أن بني أمية قد حولوا قبلة واسط " ويقول: فاحسب أن تحويل القبلة كان غلطا " (3). وقلنا: إن الظاهر هو أنها قد حولت إلى بيت المقدس، لان عبد الملك قد بنى القبة على الصخرة، وأمر الناس بالحج إليها، والطواف حولها والسعي، والنحر، وغير ذلك من أمور الحج. وقلنا: إننا نستقرب جدا أن يكون استحباب التياسر في القبلة لخصوص أهل العراق، مرده ذلك، وأنه حكم وقتي من دون إلزام فيه،


(1) نشوار المحاضرات ج 5 ص 13 و 14، وراجع: المنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 140. (2) تاريخ بغداد ج 7 ص 16، ونشوار المحاضرات ج 6 ص 36. (3) رسائل الجاحظ ج 2 ص 16، وراجع الجزء الاول من هذا الكتاب. (*)

[ 153 ]

لئلا يقع المؤمنون في حرج في مقابل السلطة الغاشمة. 4 - لقد كان الشيعة معروفين بشدة الغيرة على نسائهم، ولذلك نجد زكريا القزويني يقول عن أهل المدائن: " أهلها فلاحون، شيعة، إمامية، ومن عاداتهم: أن نساءهم لا يخرجون نهارا أصلا " (1). وهذا الامر موجود حتى الان في بعض مدن الشيعة في إيران، كما في قصبة خسروشاه من توابع تبريز، فإنك لا تكاد تجد امرأة في شوارع المدينة نهارا أصلا. كما ذكره لي بعض أهل العلم. وليس هذا إلا اقتداء منهم بسيدتهم الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، التي كانت لا تخرج إلا ليلا، إلا إذا اضطرت إلى ذلك لخصومة سياسية أو إثبات حق، أو نحو ذلك. 5 - لقد كان حجر بن عدي واصحابه معروفين بأنهم: " ينتقدون على الامراء، ويسارعون في الانكار عليهم، ويبالغون في ذلك " (2). وهذا هو مذهب الشيعة، وهذه هي عقيدتهم. على عكس غيرهم ممن يوجب السكوت والتسليم. 6 - ومن خصائصهم - يعني حجر بن عدي وأصحابه -: أنهم " يتشددون في الدين " (3) حتى لقد جعل ذلك من أسباب الطعن عليهم. 7 - ورغم اضطهاد الحكام للشيعة، فإنهم كانوا في بغداد أهل يسار (4). والظاهر: أن مرد ذلك إلى أنهم كانوا يبر بعضهم بعضا، في مقابل


(1) آثار البلاد وأخبار العباد ص 453. (2) البداية والنهاية ج 8 ص 54 عن ابن جرير وغيره. (3) المصدر السابق. (4) أحسن التقاسيم ص 41. (*)

[ 154 ]

حرمان الحكام لهم، واضطهادهم إياهم. فكانوا يهتمون بقضاء حاجات بعضهم البعض، وحل مشاكلهم، وتيسير أمورهم. 8 - ومن خصائصهم كذلك بعد صيتهم (1)، أي شيوع ذكرهم الحسن، وهذا يعني أنهم كانوا مستقيمين في سلوكهم، ومواقفهم، وعلاقاتهم، وغير ذلك. 9 - ومن ذلك أيضا: محافظتهم على الصلاة في أول وقتها، ويدل على ذلك قصة المأمون مع يحيى بن أكثم، وفي آخرها قال له المأمون: " إن الشيعة أشد رعاية لاوقات الصلاة من المرجئة " (2). وأما غيرهم، فقد روى مالك عن القاسم بن محمد، أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي (3). وقال الجاحظ: " وتفخر هاشم عليهم (أي على بني أمية) بأنهم: لم يهدموا الكعبة، ولم يحولوا القبلة، ولم يجعلوا الرسول دون الخليفة، ولم يختموا في أعناق الصحابة، ولم يغيروا أوقات الصلاة " (4). وهذا يدل على مدى تأثر الناس بسيرة وروحية حكامهم الامويين. 10 - ومن خصائص الشيعة العلم والفقه. 11 - الجود الكرم. ويدل على هذا، وعلى سابقة: ما روي من أنه دخل عبد الله بن صفوان على عبد الله بن الزبير، وهو يومئذ بمكة فقال: أصبحت كما قال الشاعر: فإن تصبك من الايام جائحة * لا أبك منك على دنيا ولا دين


(1) المصدر السابق. (2) الموفقيات للزبير بن بكار ص 134، وراجع: عصر المأمون ج 1 ص 445. (3) موطأ مالك، (مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 27. (4) آثار الجاحظ ص 205. (*)

[ 155 ]

فقال: وما ذاك أعرج ؟ فقال: هذا عبد الله بن عباس يفقه الناس، وعبيد الله أخوه يطعم الناس، فما أبقيا لك ؟ فأحفظه ذلك، فأرسل صاحب شرطته، عبد الله بن مطيع، وقال له: انطلق إلى ابني عباس، فقل لهما: أعمدتما إلى راية ترابية قد وضعها الله، فنصبتماها ؟ بددا عني جمعكما، ومن ضوى إليكما من أهل الدنيا، وإلا فعلت وفعلت. فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: طالب فقه، أو طالب فضل. فأي هذين تمنع ؟ ! فقال أبو الطفيل: لا دردر الليالي كيف تضحكنا * منها خطوب أعاجيب وتبكينا ومثل ما تحدث الايام من غير * يا ابن الزبير عن الدنيا تسلينا كنا نجئ ابن عباس فيقبسنا * علما، ويكسبنا أجرا ويهدينا ولا يزال عبيد الله مترعة * جفانه، مطعما ضيفا ومسكينا فالبر، والدين، والدنيا بدارهما * ننال منها الذي نبغي إذا شينا إن النبي هو النور الذي كشفت * به عمايات باقينا وماضينا ورهطه عصمة في ديننا ولهم * فضل علينا وحق واجب فينا ولست فاعلمه أولى منهم رحما * يا ابن الزبير ولا أولى به دينا ففيم تمنعهم عنا وتمنعنا * عنهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا لن يؤتي الله من أخزى ببغضهم * في الدين عزا ولا في الارض تمكينا (1) فابن الزبير يعتبر راية العلم، وراية الجود من الرايات الترابية التي اكتسبها أتباع أبي تراب منه صلوات الله وسلامه عليه.


(1) الاغاني ط ساسي ج 13 ص 168، وأنساب الاشراف أيضا ج 3 ص 32. (*)

[ 156 ]

12 - ومن خصائص الشيعة إبتعادهم عن العصبية، فقد قال كثير عزة، حينما قتل آل المهلب بالعقر: ما أجل الخطب !، ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف، وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر، ثم انتضحت عيناه باكيا. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فدعا به، فلما دخل عليه قال: " عليك بهلة الله، أترابية وعصبية " (1) ؟ !. وموقف أهل البيت " عليهم السلام " من العصبيات، من التمييز القبلي والعنصري، معروف وواضح. والموقف المغاير من غيرهم واضح أيضا. وهذا موضوع طويل الذيل، لا مناص لنا من إرجاء الافاضة فيه إلى فرصة أخرى (2). 13 - كذلك، فإن من خصائص الشيعة رضوان الله تعالى عليهم، الابتعاد عن الشراب، فقد ذكروا أن جماعة من الشعراء اجتمعوا ببغداد على نبيذ لهم، وفيهم منصور النمري، فأبى منصور أن يشرب معهم، فقالوا: إنما تعاف الشراب لانك رافضي (3). وقال الجاحظ: " لكل صنف من الناس نسك، فنسك الخصي غزو الروم ونسك الخراساني الحج إلى أن قال: ونسك الرافضي ترك النبيذ وزيارة المشهد " (4). 14 - قال الزمخشري: " ليلة الغدير معظمة عند الشيعة، محياة فيهم بالتهجد، وهي الليلة التي خطب فيها رسول الله بغدير خم على أقتاب


(1) الاغاني ج 8 ص 6. (2) راجع: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي. (3) الاغاني ج 12 ص 23. (4) محاضرات الراغب المجلد الثاني ج 4 ص 418. (*)

[ 157 ]

الابل، وقال في خطبة: من كنت مولاه فعلي مولاه " (1). 15 - ومن خصائص الشيعة براعتهم في الادب والشعر. 16 - ومن خصائصهم أيضا الفاعلية والحيوية، والنشاط في مجال العمل على مستوى التغيير في الامة. ويدل على هذا الامر وسابقه قول ابن هاني الاندلسي في مدحه لابي الفرج الشيباني: شيعي أملاك بكر إن هم أنتسبوا * ولست تلقى أديبا غير شيعي من أنهض المغرب الاقصى بلا أدب * سوى التشيع والدين الحنيفي (2) 17 - ومما يمتاز به شيعة أهل البيت الفصاحة الظاهرة، وسلامة المنطق، حتى إن نطقهم بالضاد العربية كان معروفا ومتميزا (3). 18 - والاكثار من العبادة والصلاة أمر عرف به الشيعة أيضا، ونذكر هنا: أنه لما أرسل عبيد الله بن زياد معقلا، ليكشف له خبر مسلم بن عقيل " انطلق الرجل حتى دخل المسجد الاعظم. وجعل لا يدري كيف يتأتى الامر. ثم إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد، فقال في نفسه: " إن هؤلاء الشيعة، يكثرون الصلاة، وأحسب هذا منهم ". ثم ذكر كيف احتال حتى كشف الامر (4). 19 - ومن ميزاتهم أيضا: الجمع بين الصلاتين، بحيث تكون صلاة


(1) ربيع الابرار ج 1 ص 84 و 85. (2) راجع: ديوان ابن هاني، الطبعة الاولى. لكن في طبعة سنة 1405 ه‍. ق دار بيروت ص 381: من أصلح، بدل من انهض. (3) روضات الجنات ج 1 ص 244. (4) الاخبار الطول ص 235. (*)

[ 158 ]

العصر بعد الزوال بقليل (1). 20 - وقال إبراهيم بن هاني: " من تمام آلة الشيعي: أن يكون وافر الجمة صاحب بازيكند " (2). بازيكند: بفتح الزاي والكاف، وضم الياء: نوع من الثياب. 21 - عن الامام الصادق " عليه السلام "، أنه قال: " إن أبي حدثني: أن شيعتنا أهل البيت كانوا خيار من كانوا منهم، إن كان فقيه كان منهم، وإن كان مؤذن كان منهم، وإن كان إمام كان منهم، وإن كان صاحب أمانة كان منهم، إن كان صاحب وديعة كان منهم. وكذلك كونوا، حببونا إلى الناس، ولا تبغضونا إليهم " (3). 22 - قال المعتزلي، وهو يتحدث عن سجاحة خلق أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، وبشر وجهه، وطلاقة المحيا، والتبسم، ولين الجانب والتواضع: " وقد بقي هذا الخلق متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الان. كما بقي الجفاء، والخشونة، والوعورة في الجانب الاخر. ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك " (4). 23 - وعن الامام الصادق " عليه السلام " قال: " إن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي، فيكون زينها، أداهم للامانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة


(1) مقاتل الطالبين ص 467. (2) البيان والتبيين ج 1 ص 95. (3) البحار ج 74 ص 162 و 163، وصفات الشيعة للشيخ الصدوق ص 28. (4) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 26. (*)

[ 159 ]

عنه، فتقول: من مثل فلان، إنه لادانا للامانة، وأصدقنا للحديث " (1). 24 - وقال الامام الصادق (ع) لشيعته - فيما روي عنه -: " دعوا رفع أيديكم في الصلاة، إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة، فإن الناس قد شهروكم بذلك " (2). 25 - وعن أبي عبد الله " عليه السلام "، قال: إن أصحاب علي " عليه السلام " كانوا المنظور إليهم في القبائل، وكانوا أصحاب الودايع، مرضيين عند الناس، سهار الليل، مصابيح النهار " (3). 26 - وقال المنصور بن أبي عامر صاحب الاندلس لابي مروان الجزيري مرة يثني عليه وعلى أدبه: " لله درك، قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد " (4). 27 - ومن الامور التي يعرف بها الشيعة هو أنهم يتختمون باليمين فقد ذكر اسماعيل البروسوى في عقد الدرر: أن السنة في الاصل التختم في اليمين لكن لما كان ذلك شعار أهل البدعة (أي الشيعة) والظلمة، صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا " (5). وبعد أن ذكر الراغب: أن النبي (ص) كان يتختم بيمينة قال: وأول من تختم في يساره معاوية، وقيل: قالوا: تختم في اليمين وإنما * مارست ذاك تشبها بالصادق


(1) الكافي ط قديم ج 8 ص 678. (2) البحار ج 75 ص 215، والكافي ج 8 ص 7. (3) البحار ج 65 ص 180 ط مؤسسة الوفاء، وفي هامشه عن مشكاة الانوار ص 62 و 63. (4) بدائع البدائه ص 356، ونفح الطيب ج 3 ص 95. (5) الغدير ج 10 ص 211 عن روح البيان ج 4 ص 142.

[ 160 ]

وتقربا مني لال محمد * وتباعدا مني لكل منافق الماسحين فرجهم بخواتم * اسم النبي بهن واسم الخالق (1) 28 - وقالوا: السنة تسطيح القبور، ولكن لما صار شعار الرافضة كان الاولى مخالفتهم إلى التسنيم (2). 29 - وعن الزرقاني: كان بعض أهل العلم يرخي العذبة من قدام، من الجانب الايسر. ولم أر ما يدل على تعيين الايمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، ولما صار شعارا للامامية ينبغي تجنبه لترك التشبه بهم (3). 30 - قد حكم الزمخشري بكراهة الصلاة على أهل البيت مستقلا لانه يؤدي إلى الاتهام بالرفض (4). 31 - وقال العسقلاني: " اختلف في السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل يشرع مطلقا وقيل تبعا، ولا يفرد لواحد، لكونه صار شعارا للرافضة (5). 32 - ومسك الختام نقول: قال الراغب: " إذا قيل أمير المؤمنين


(1) محاضرات الراغب، المجلد الثاني ج 4 ص 473 / 474. (2) رحمة الامة باختلاف الائمة (مطبوع بهامش الميزان للشعراني) ج 1 ص 88 وراجع: المغني لابن قدامة ج 2 ص 505 ومقتل الحسين للمقرم هامش ص 464 عنهما وعن المهذب لابي اسحاق الشيرازي ج 1 ص 137 والوجيز للغزالي ج 1 ص 47 والمنهاج للنووي ص 25 وشرح تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 560 وعمدة القاري ج 4 ص 248 والفروع لابن مفلح ج 1 ص 481. (3) مقتل الحسين للمقرم هامش ص 465 عن شرح المواهب ج 5 ص 13. (4) الكشاف ج 3 ص 558. (5) فتح الباري ج 11 ص 146. (*)

[ 161 ]

مطلقا فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " (1). هذا ما حضرنا الان مما يرتبط بهذا الموضوع، ونأمل التوفيق لاتحاف القارئ بالمزيد خصائصهم الحميدة، وخصالهم الفريدة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.


(1) محاضرات الادباء، المجلد الثاني جزء 3 ص 341. (*)

[ 162 ]

البحث الثاني أبو بكر في العريش، وشجاعة أبي بكر: لقد رووا: أن أمير المؤمنين " عليه السلام " سأل عن أشجع الناس، فقالوا له: أنت، فرفض ذلك، وقرر هو نفسه: أنه لما كان يوم بدر جعلوا للنبي (ص) عريشا، فقالوا: من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين ؟. " فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، شاهرا بالسيف على رأس رسول الله، لا يهوى إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس " (1). قال الحلبي الشافعي: " وبه يرد قول الشيعة والرافضة: أن الخلافة لا يستحقها إلا علي، لانه أشجع الناس ". ثم استدل هو ودحلان على أشجعية أبي بكر: بأن النبي (ص) قد أخبر عليا بأنه يقتل على يد ابن ملجم، فكان إذا دخل الحرب، ولاقى الخصم، علم أنه لا قدرة له على قتله، فهو معه كالنائم على فراشة. أما


(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 36 و 37، ومجمع الزوائد ج 9 ص 47 وقال: فيه من لم أعرفه، والبداية والنهاية ج 3 ص 271 و 272 عن البزار وحياة الصحابة ج 1 ص 261 عنهما، والسيرة الحلبية ج 2 ص 156 والفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 122، وعن الرياض النضرة ج 1 ص 92. (*)

[ 163 ]

أبو بكر، فلم يخبر بقاتله، فكان إذا دخل الحرب لا يدرون هل يقتل أولا، ومن هذه حالته يقاسي من التعب ما لا يقاسيه غيره. ومما يدل على شجاعته تصميمه على حرب مانعي الزكاة، مع تثبيط عمر له عن ذلك. وأنه حين توفي الرسول (ص) طاشت العقول، وأقعد علي، وأخرس عثمان، وكان أبو بكر أثبتهم. وأما كونه لم يشتهر عنه في الحروب ما اشتهر عن علي، فلان النبي (ص) كان يمنعه عن مبارزة الشجعان (1). ويقول دحلان: " إن الشجاعة والثبات في الامر هما الاهمان في أمر الامامة، لا سيما في ذلك الوقت المحتاج فيه إلى قتال أهل الردة وغيرهم " (2). وقالوا أيضا: " أبو بكر كان مع النبي (ص) على العريش يوم بدر، مقامه مقام الرئيس، والرئيس ينهزم به الجيش، وعلي مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش " (3). هذا كل ما عند القوم من الادلة على أشجعية أبي بكر من سائر الصحابة، حتى علي " عليه السلام ". عدم صحة ما تقدم: ونحن نقطع بعدم صحة كل ما تقدم، أو عدم دلالته، وبيان ذلك


(1) راجع فيما تقدم: الفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 123 - 125، والسيرة الحلبية ج 2 ص 156، وعن تفسير القرطبي ج 4 ص 222. (1) الفتح المبين لدحلان بهامش سيرته النبوية ج 1 ص 124 - 126. (3) تاريخ بغداد للخطيب ج 8 ص 21، والمنتظم لابن الجوزي ج 6 ص 327، وراجع: العثمانية للجاحظ ص 10. (*)

[ 164 ]

عدا عما تقدم من عدم صحة قضية العريش من أساسها ما يلي: ألف: فرار أبي بكر في المواقف: لقد أقر دحلان بأن الشجاعة والثبات هما الاهمان في أمر الامامة. ونحن نجد أبا بكر يفر في غير مشهد. وفراره في خيبر وحنين وأحد معروف، ولسوف يأتي ذكر مصادره في تلك الغزوات، وعن فراره في غزوة خيبر (1) قال ابن أبي الحديد المعتزلي المعترف بخلافة أبي بكر يذكر فراره هو وعمر: وما أنس لا أنس الذين تقدما * وفرهما والفر قد علما حوب وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابس ذل فوقها وجلابيب إلى أن قال: أحضرهما أم حضر أخرج خاضب * وذان هما أم ناعم الخد مخضوب عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس مطلوب ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب وقال أيضا:


(1) أما بالنسبة لفراره في غزوة أحد، فسيأتي ذلك مع مصادره الكثيرة جدا في الجزء الرابع من هذا الكتاب. وبالنسبة لفراره في حنين سيأتي أيضا في غزوة حنين. وأما بالنسبة لفراره في غزوة خيبر، فهو أيضا سيأتي مع مصادر كثيرة. وقد رواه البزار بسند صحيح، ورواه أيضا الطبراني، والايجي، والبيضاوي، وابن عساكر فراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 124، والموقف كما في شرحه ج 3 ص 276، وأقره شراحه، والمطالع ص 483، عن البيضاوي في طوالع الانوار، وترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 82، والغدير ج 7 ص 204، وسيأتي المزيد إن شاء الله تعالى. (*)

[ 165 ]

وليس بنكر في حنين فراره * ففي أحد قد فر قدما وخيبرا ونقول لابن أبي الحديد: بل يلذ الموت لمن بلغ الدرجات العالية من اليقين والمعرفة بجلال وعظمة الله، وما أعده لعباده الصالحين والمجاهدين في سبيله، والناصرين لدينه. وكلمات أمير المؤمنين " عليه السلام " حول الموت في سوح الجهاد خير شاهد على ذلك. وفر أبو بكر أيضا في أحد. ويقول الاسكافي: إنه لم يبق معه حينئذ سوى أربعة بايعوه على الموت، وليس أبو بكر من بينهم (1) وسيأتي ذكر ذلك في غزوة أحد مع مصادره الكثيرة إن شاء الله تعالى. وجبن أيضا في الخندق عن مبارزة عمرو بن عبدود وفر أيضا في حنين، حيث لم يبق معه (ص) سوى علي (ع)، والعباس، وأبي سفيان بن الحارث، وابن مسعود (2). والخلاصة: إن أبا بكر قد شهد المشاهد كلها، وليس فقط لم تؤثر عنه أية بادرة تدل على شجاعة وإقدام، ولم يبارز، ولم يقتل، ولا جرح أحدا، بل ثبت عنه ما يدل على عكس ذلك تماما وهو الفرار في أكثر من موقف. وكان يجبن الناس باستمرار، ويشير بترك الحرب وبعد هذا، فهل يعقل أن يكون رجل له هذه المواصفات شجاعا ؟. وإذ كان له عذر في بدر، حيث جعلوه مع النبي (ص) في العريش - المكذوب ! - لا يفارقه، فأين كان عنه في أحد، وحنين، وخيبر، وغيرها ؟ حينما كان النبي (ص) يجد نفسه محاطا بالمشركين، الذين


(1) الغدير ج 7 ص 206 عن السيرة الحلبية ج 3 ص 123. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 293. (*)

[ 166 ]

يريدون إطفاء نور الله عز وجل. فهل كان أبو بكر في تلك الوقائع في عريش رئاسته، وكان النبي (ص) هو الجندي المحارب بين يدي رئيسه أبي بكر، الذي ينهزم الجيش بانهزامه ؟ !. وأين كان في خيبر حينما كشف ياسر اليهودي المسلمين، حتى انتهى إلى موقف النبي (ص)، وقاتل (ص) بنفسه. وأرسل إلى علي (ع) الذي كان في المدينة لرمد عينيه، فجاءه. وقتل مرحبا، وفتح الله على يديه خيبرا، وكان ما كان مما هو معروف ومشهور. وفي أحد خلص العدو إلى رسول الله (ص)، فدث بالحجارة حتى وقع لشقه، وشج في وجهه، إلى آخر ما جرى. إلى غير ذلك من أمور. وأما قولهم: إنه (ص) كان يمنعه من القتال، فهل منعه في أحد وحنين، وخيبر، وسائر المشاهد ؟ وهل كان يمنعه، ثم يباشر هو بنفسه القتال، حتى يتعرض للاصابة بجسده الشريف ؟ !. كل ذلك دفاعا عن الرئيس، أبي بكر ابن أبي قحافة ؟ !. وأخيرا، فقد قال الاسكافي عن أبي بكر: إنه " لم يرم بسهم قط، ولا سل سيفا، ولا أراق دما، وهو أحد الاتباع غير مشهور ولا معروف، ولا طالب ولا مطلوب ". وخلاصة كلام الاسكافي الطويل: أنه لا يمكن قياس أبي بكر برسول الله (ص) ولا جعله رئيسا يهلك الجيش بهلاكه، لان النبي (ص) هو صاحب الجيش، والدين الجديد. وهو الذي يراه عدوه وصديقه: أنه السيد والرئيس، وهو الذي أحنق قريشا والعرب بدينه الجديد، ثم وترهم بقتل رؤسائهم وأكابرهم. وهو الذي يرتبط به مصير الامة ومصير المحاربين..

[ 167 ]

أما أبو بكر، فلا أثر له هنا، ولا كان أعداء الاسلام يصدقونه بالقتل، وإنما هو كأي مهاجري آخر، مثل عبد الرحمان بن عوف، وعثمان، وغيرهما. بل كان عثمان أبعد منه صيتا، وأشرف مركبا، فلم يكن قتله في إحدى تلك المعارك ليضعف الاسلام، ولا تعفى آثاره، فكيف يجعل كرسول الله (ص)، الذي كان وقوفه وقوف رعاية وتدبير، وظهر وسند، يحرس أصحابه، ويدبر أمورهم، ويعين مواقفهم، وتوجب سلامته الطمأنينة لهم ؟ ولو كان في أول المحاربين، لانشغلت نفوسهم بمصيره، وشغلهم الاهتمام به عن عدوهم، ولا يكون لهم فئة يلجأون إليها، ومن يكون قوة وعدة لهم، يعرف مواضع خللهم، وإذا رأى مصلحة في إقدامه بنفسه أقدم. ولو كان أبو بكر شريكا للنبي بالنبوة وكانت العرب تطلبه مثله لصح قولهم. وأما وهو أضعف المسلمين جنانا، وأقلهم عند العرب ترة، ولا حارب أبدا، بل هو أحد الاتباع، فكيف يجوز أن يجعل بمقام ومنزلة رسول الله ؟ ! ثم ذكر الاسكافي قصة مبارزته لولده عبد الرحمان في أحد، واعتبر أن قول الرسول (ص) له: امتنعا بنفسك، كان لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب وملاقاة الرجال، وأنه لو بارز لقتل. ثم ذكر قوله تعالى: (فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما)، وآيات أخرى، وأضاف أنه لو كان الجبان والضعيف يستحقان الرئاسة لتركهما الحرب، لكان حسان بن ثابت أحق بها. لقد كانت قريش تريد قتل النبي (ص) أولا وعلي " عليه السلام " ثانيا، لانه أشبه الناس به، أقربهم إليه، وأشدهم دفعا عنه، لان قتل علي (ع) يضعف النبي (ص)، ويكسر شوكته. وقد وعد جبير بن مطعم غلامه

[ 168 ]

وحيشا بالحرية إن هو قتل محمدا، أو عليا، أو حمزة، ولم يذكر أبا بكر، ولمقاربة حال علي (ع) لحال النبي (ص) وجدنا النبي (ص) يخاف ويحذر عليه، ويدعو له بالسلامة والحفظ إنتهى كلام الاسكافي باختصار (1). وقد فات الاسكافي أن يذكر بحال أبي بكر حين رأى سراقة مقبلا يجر رمحه، وسراقة رجل واحد لم تذكر عنه شجاعة (2). ب: حراسة أبي بكر للنبي: وأما الحديث أنه وقف بالسيف على رأس رسول الله (ص) لا يهوى أحد من المشركين بسيفه إلا أهوى إليه، فلا يمكن أن يصح أيضا وذلك للامور التالية: 1 - إنه رغم ضعف إسناد هذه الرواية (3) يكذبها قولهم المشهور: إن سعد بن معاذ كان مع جماعة من الانصار يحرسون الرسول (ص) في العريش، ويضيف البعض إليهم عليا أيضا (4). لعلهم ذكروا عليا (ع) لما تقدم، من أنه كان لا يغفل عن رسول الله (ص)، فكان يقاتل قليلا ثم يأتي إليه ليفتقده. وإذا كان النبي وأبو بكر في داخل العريش، وهؤلاء مع ابن معاذ يحرسونهما في خارجه، فكيف وصل إليه المشركون، وكان إذا أهوى أحدهم إليه أهوى إليه أبو بكر بالسيف ؟.


(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 278 - 284. (2) تقوية الايمان ص 42. (3) ضعف إسنادها الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 461. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 271، والسيرة الحلبية ج 2 ص 156 و 161. (*)

[ 169 ]

ثم أليس حال هؤلاء الحراس أشد من حال أبي بكر، الذي يوجد من يدافع عنه في الخارج، وهو مطمئن البال في الداخل ؟ !. 2 - يقول الاميني: أضف إلى ذلك: أن حراسة النبي لا تختص بأبي بكر، ولا بابن معاذ، فقد حرسه غيره في مواقع وغزوات الاخرى، كبلال، وذكوان، وسعد بن أبي وقاص بوادي القرى، وابن أبي مرثد ليلة وقعة حنين، والزبير يوم الخندق، ومحمد بن مسلمة يوم أحد، والمغيرة يوم الحديبية، وأبي أيوب الانصاري ببعض طريق خيبر. وقد استمرت هذه الحراسة إلى أن نزل قوله تعالى في حجة الوداع: (والله يعصمك من الناس)، فترك الحرس. هذا كله على فرض تسليم حراسة أبي بكر له (1). وما تقدم وإن كان ربما يكون للنقاش في بعضه مجال، إلا أن السمهودي قال وهو يتحدث عن " أسطوان المحرس ": " قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة، قال: سألت جعفر بن عبد الله بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب، فقال: إن هذه المحرس، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول الله (ص)، يحرس النبي (ص) " (2). 3 - ويقول الاميني أيضا: إنه لو كان حديث سيف أبي بكر في حراسة للنبي صحيحا، لكان أبو بكر أولى وأحق بنزول القرآن في حقه من علي، وحمزة، وعبيدة، الذين نزل فيهم: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) الاية. وقوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا


(1) الغدير ج 7 ص 202. ونقل ما ذكر عن: عيون الاثر ج 2 ص 316، والمواهب اللدنية ج 1 ص 383، والسيرة الحلبية ج 2 ص 334، وشرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 204. (2) وفاء الوفاء ج 1 ص 448. (*)

[ 170 ]

الله عليه). ولكان أحق من علي بقوله تعالى: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، وغير ذلك من الايات. وكان حقا على رضوان الذي نادى يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي أن ينوه باسم أبي بكر وسيفه المشهور على رأس رسول الله، حيث لم يجرؤ أحد سواه على القيام بذلك، وبه حفظ رسول الله والدين (1). ج: أبو بكر في ساحة الحرب: قولهم: أنه كان في العريش ينافيه: 1 - قولهم الاخر: إنه كان على الميمنة، أو في الميمنة، يوم بدر (2). 2 - وينافيه قولهم إن ولده عبد الرحمان قال له: يا أبت لقد أهدفت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك (3). 3 - وينافيه أيضا قولهم: إن عبد الرحمان دعا يوم بدر إلى البراز، فقام إليه والده أبو بكر ليبارزه، فقال له الرسول: متعنا بنفسك (4). وقد تقدم تعليق الاسكافي على هذه القضية. وستأتي أيضا في واقعة أحد إن شاء الله تعالى.


(1) راجع: الغدير ج 2 ص 46 - 51، وج 7 ص 202 و 203 بتصرف. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 58 والبداية والنهاية ج 3 ص 275. (3) الروض الانف ج 3 ص 64، وفي مستدرك الحاكم ج 3 ص 475، وحياة الصحابة ج 2 ص 332 و 333 عن الكنز ج 5 ص 374: أن ذلك كان يوم بدر. (4) سنن البيهقي ج 8 ص 186، وحياة الصحابة ج 2 ص 332 و 333 عن الحاكم عن الواقدي. (*)

[ 171 ]

د: حرب الناكثين والقاسطين: وأما عن إخبار النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لامير المؤمنين " عليه السلام " بمحاربته للناكثين والقاسطين، وبقتل ابن ملجم له، فهو مع خصمه كالنائم على فراشه كما يدعون، فلا يفيدهم شيئا، ونكتفي هنا بتسجيل النقاط التالية: 1 - إن الاسكافي يقول: إن إخباره (ص) إياه بقتال الناكثين والقاسطين إنما كان بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ووضعت الجزية، ودان العرب قاطبة له (1). 2 - وأما إخباره (ص) بأنه سوف يستشهد على يد ابن ملجم، فإنما قال له في غزوة العشيرة، حينما كناه بأبي تراب: إن أشقى الاولين والاخرين يخضب لحيته من رأسه، لكنه لم يعين له وقت ذلك، فلعله بعد شهر، ولعله بعد سنوات. 3 - إن من الممكن أن يحصل البداء في هذا الامر، على اعتبار: أن الاخبار إنما كان عن تحقق المقتضي، من دون تعرض للموانع. 4 - ولو سلمنا ذلك، فكيف يكون كالنائم على فراشه، مع أنه يمكن أن يتعرض بل تعرض بالفعل للجراح الكثيرة في أحد وغيرها بالاضافة إلى امكانية تعرضه " عليه السلام " لكسر، أو لقطع بعض أعضائه ؟ فهل تأكد لدى هؤلاء: أنه كان في مأمن من كل ذلك، حتى أصبح عندهم مع خصمه كالنائم على فراشه ؟ !. ولماذا كان المسلمون يتمدحون شجاعته، ويقرضها الله ورسوله في غير مقام، كما في خيبر وأحد وبدر وغيرها. ولماذا يعتبرونها امتيازا له، ومن أسباب فضله وعظمته عندهم ؟ فلو كان ذلك صحيحا لكان الكل أشجع من علي حتى النساء.


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 287. (*)

[ 172 ]

5 - إنهم يروون: أنه (ص) قال للزبير: إنه سيقاتل عليا وهو له ظالم، ونزل في حق طلحة قوله تعالى: (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده) ويروون أيضا قصة أحجار الخلافة التي يدعون: أن أبا بكر كان في المقدمة فيها، وغير ذلك من الروايات الكثيرة جدا في حق كثير من الصحابة. كما أن النبي (ص) نفسه كان يعلم: بأن هذا الدين سيظهر، ولسوف يدخل (ص) مكة ظافرا، وسيحصل المسلمون على كنوز كسرى وقيصر. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. فهل بطل بذلك جهادهم ؟ ! وذهب فضلهم، وتقلصت شجاعتهم ؟ ! ه‍: حرب مانعي الزكاة: وأما حرب أبي بكر لمانعي الزكاة، فلم يكن بنفسه، وإنما بغيره، ومن أجل الحفاظ على مكانته وموقعه في الحكم. وذلك لانهم أنكروا عليه تصديه للخلافة، وأخذه ما ليس له بحق، وكذلك كان الحال في قتال من أطلقوا عليهم كلمة " أهل الردة ". وواضح: أن العناد في رأي لا يدل على الشجاعة في القتال. فربما تجد الجبان يصر على رأيه الذي سوف ينفذه غيره أكثر من الشجاع. و: ثباته حين وفاة الرسول (ص): وأما عن ثباته حين وفاته (ص)، فنشير إلى ما يلي: 1 - يقول العلامة الاميني رحمه الله تعالى: إنه إذا كان الميزان في الشجاعة هو ما ذكر من ثباته عند موته (ص)، فإن أبا بكر يكون أشجع من النبي (ص) نفسه، فإنه لم يثبت عند موت جماعة عاديين، كعثمان بن

[ 173 ]

مظعون، حين قبلة وهو يبكي، وله شهيق، والدموع تتحادر على خديه (1). وعثمان أيضا كان أشجع من النبي (ص)، لان موت زوجته، إبنة رسول الله (ص) لم يمنعه عن مقارفة النساء ليلة وفاتها، وكان (ص) يبكي على ابنته (2). 2 - إن ما ذكروه من تخبيل عمر، وإخراس عثمان، وإقعاد علي إلخ إن صح، كان مانعا عن خلافتهم - على حد قول دحلان - لانهم ما كان لهم تلك الشجاعة والثبات في الامور، اللذان هما الاهمان في أمر الامامة، فكيف قبلوا بخلافتهم، وهم فاقدون لاهم أمر يحتاج إليه في الامامة ؟. وعن إقعاد علي (ع) نقول: كيف ؟ وقد قضى النبي (ص) في حجره، وهو الذي تولى غسله، وكفنه، ودفنه دونهم، فنراه ما قعد عن ذلك، ولا تقاعس عنه. 3 - إن ما ذكر من ثبات أبي بكر حين موته (ص)، إنما يكون دليلا لو كان لموت النبي أثر عليه، وهو قد تحمل ذلك الاثر، وقاوم تلك الصدمة. مع أننا نجد أمير المؤمنين " عليه السلام " يواجهه بحقيقة: أن موت النبي (ص) لم يكن يعينه، حتى اضطر أبو بكر إلى الاستشهاد


(1) الغدير ج 7 ص 214 عن: سنن البيهقي ج 3 ص 406، حلية الاولياء ج 1 ص 105، والاستيعاب ج 2 ص 495، وأسد الغابة ج 3 ص 387، والاصابة ج 2 ص 464، وسنن أبي داود ج 2 ص 58، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 481. وثمة مصادر أخرى ذكرها العلامة الاحمدي في كتابه: التبرك ص 355 فراجع. (2) الغدير ج 2 ص 214 وج 3 ص 24 عن: الروض الانف ج 3 ص 24، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 47، والاستيعاب ج 2 ص 748، وصححه، والاصابة ج 4 ص 304 و 489. (*)

[ 174 ]

بالناس على حزنه على النبي (ص) (1). وعلى كل حال، فإن ما ذكروه لاثبات أشجعية أبي بكر لا يفيد شيئا في إثباتها، ولا يسمن ولا يغني من جوع.


(1) حياة الصحابة ج 2 ص 84، وكنز العمال ج 7 ص 159 عن ابن سعد. (*)

[ 175 ]

البحث الثالث: ذو الشمالين، وسهو النبي (ص): قد تقدم أن ذا الشمالين قد استشهد في بدر. ولكن ثمة رواية تنافي ذلك، وملخصها: أن أبا هريرة ادعى، أنه حضر مع النبي (ص) يصلي الظهر أو العصر، فسلم الرسول (ص) في ركعتين، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو، وكان حليفا لبني زهرة: أخففت - أو أقصرت - الصلاة أم نسيت ؟ فقال (ص): ما يقول ذو اليدين ؟. قالوا: صدق يا نبي الله. فأتم بهم ركعتين اللتين نقص. وللرواية نصوص أخرى مختلفة، ففي بعضها: أنه (ص) أجاب ذا اليدين بقوله: كل ذلك لم يكن. وفي بعضها: أنه (ص) وقف متكئا على خشبة المسجد مغضبا، وخرج سرعان من الناس يخبرون بقصر الصلاة. وفي بعضها: أنه (ص) قام يمشي، فلحقه أبو بكر وعمر وذو اليدين (1). * (هامش) (1) صحيح البخاري الباب الثالث من أبواب ما جاء في السهو في الصلاة، وصحيح مسلم في أبواب السهو، وفتح الباري ج 3 ص 77 حتى ص 83، والبخاري = (*)

[ 176 ]

وفي بعض الروايات: صلى بهم الصبح ركعة، فلما أخبره ذو الشمالين بذلك أخذ بيده يطوف به بين الصفوف، يسألهم. ثم صلى (ص) بالناس ركعة واحدة وسجد سجدتي السهو، ثم سلم. وفي الصحيحين: أنه لما اعترض الخرباق عليه (ص) بذلك، وشهد بعض الصحابة بصحة الاعتراض، قام (ص) غضبان يجر رداءه، فدخل الحجرة، ثم خرج عليهم، ثم صلى ركعتين فسلم، وسجد سجدتين. وكان ذلك في صلاة الظهر أو العصر. وعند البزار: أنه بعد أن أتم النبي (ص) صلاته، دخل على بعض نسائه، فلحقه ذو اليدين، فسأله إن كانت الصلاة قصرت أم لا، فأخذ بيده، فخرج إلى القوم الذين كانوا صلوا معه، فسألهم، فأجابوه حسبما تقدم. وقد وردت هذه الرواية في كتب الشيعة بأسانيد صحاح أيضا. وقد رواها سماعة بن مهران، والحسن بن صدقة، وسعيد الاعرج، وجميل بن دراج، وأبو بصير، وزيد الشحام، وأبو سعيد القماط، وأبو بكر الحضرمي، والحرث بن المغيرة. ونقول:


= بهامشه، ومصنف الحافظ عبد الرزاق ج 2 ص 296 و 297 و 299، ومسند أحمد ج 2 ص 271 و 284 و 234، وموطأ مالك ج 1 ص 115، ونقل عن كنز العمال ج 4 ص 215 و 214 عن عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وتهذيب الاسماء واللغات ج 1 ص 186، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 491 / 492، والاصابة ج 1 ص 489 و 429، وأسد الغابة ج 2 ص 146، وسنن البيهقي ج 2 ص 231، وسنن النسائي باب ما يفعل من سلم من الركعتين ناسيا وتكلم وغير ذلك. (*)

[ 177 ]

أولا: الروايات مضطربة، وغير متوافقة، كما يعلم بالمراجعة إلى مصادرها والمقارنة فيما بينها. ومعنى ذلك هو أنها لا يمكن أن تكون كلها صحيحة. وثانيا: قال النووي بعد أن ذكر بعض نصوص الرواية: " وأشباه هذه الالفاظ المصرحة بأن أبا هريرة حضر القصة، وهو مسلم. وقد اجتمعوا على أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر، سنة سبع من الهجرة، بعد بدر بسبع سنين. وكان الزهري يقول: إن ذا اليدين هو ذو الشمالين، وأنه قتل ببدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر إلخ " (1). أضف إلى ذلك: أن شعيب بن مطير قد أخبر عن أبيه: أنه التقى بذي اليدين وحدثه بما جرى في صلاة النبي (ص)، مع أن مطيرا متأخر جدا ولم يدرك زمن النبي (ص) (2). وقد صرح بأن ذا اليدين هو ذو الشمالين في رواية وردت عن الامام الصادق (ع) (3). وكذا ورد في مصادر أخرى (4). كما أن بعض الروايات الاخرى قد جمعت بين اللقبين (5) فراجع.


(1) تهذيب الاسماء واللغات ج 1 ص 186، وراجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 109، وحول قتل ذي الشمالين في بدر راجع: طبقات ابن سعد ج 3 ص 119. (2) راجع تهذيب الاسماء ج 1 هامش ص 186. (3) الكافي للكليني ج 3 ص 357، والوسائل ج 5 ص 311، والدر المنثور للعاملي ج 1 ص 109 و 110. (4) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 118، والتراتيب الادارية ج 2 ص 385. (5) هي رواية مسند أحمد، وكنز العمال عن عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 296 و 271 و 274 و 297 و 299، وراجع إرشاد الساري = (*)

[ 178 ]

وعليه، فحكم صاحب الاستيعاب وغيره على القول باتحادهما أنه غلط، إستنادا إلى رواية أبي هريرة المتقدمة (1). في غير محله، بل العكس هو الصحيح: أي أن الظاهر: هو أن أبا هريرة هو الذي تصرف في الرواية، وجعل نفسه مع الحاضرين لتلك الصلاة. وأما رواية عمران بن الحصين، الدالة على أن ذا اليدين هو الخرباق، فلا تنافي ما ذكرناه، إذ يجوز أن يكون الخرباق لقبا لذي الشمالين. ووصفهم: الخرباق بالسلمي لا يضر، لان سليما كان أحد أجداد ذي اليدين أو ذي الشمالين (2). وقد صرح ابن قتيبة باتحادهما، وقال: وقد يقال: إن اسمه الخرباق. في القاموس: " ذو اليدين الخرباق " (3). وثالثا: إن الروايات التي بين أيدينا تذكر أحداثا وتصرفات للنبي (ص) تؤدي إلى أن تنمحي صورة الصلاة، ومن المقطوع به: أن محو صورة الصلاة يوجب بطلانها، لا سيما إذا كان (ص) قد استقبل الناس


= ج 3 ص 267 ونقل الجوهري باتحادهما. في الاستيعاب في ترجمة ذي اليدين، وكذا في الطبري، وشرح موطأ مالك للسيوطي، وتهذيب الاسماء واللغات ج 1 ص 186، وغير ذلك. (1) الاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 491، وأسد الغابة ج 2 ص 142 و 145 و 146، وراجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 385 عن التوشيح والارشاد والفتح وغيرهم من شروح البخاري. (2) راجع: طبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 118، والاصابة ج 1 ص 489، وأسد الغابة ج 2 ص 141 و 145. (3) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 385. (*)

[ 179 ]

بوجهه - كما في بعض الروايات - فإن استدبار القبلة، ولو ساهيا مبطل للصلاة. لكن رواية الكليني قد صرحت: بأنه (ص) ما برح من مجلسه (1). هذا كله لو قلنا: إن الكلام الاختياري لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة أيضا. ورابعا: كيف قال (ص): كل ذلك لم يكن ؟ ! فإنه إذا كان يجوز على نفسه السهو، كان الانسب أن يقول: ظني أن ذلك لم يكن. إلا أن يقال: إنه إنما أخبر عن اعتقاده، حيث إنه كان جازما بعدم وقوع السهو. وخطاب ذي اليدين له لم يوجب أي شبهة لديه، بل بقي جازما مصرا على موقفه، إلا أنه لما رأى إصرار ذي اليدين عاد وشك في الامر. وخامسا: لماذا قام غضبانا يجر رداءه ؟ فهل غضب من قول ذي اليدين ؟ فإن كان لاجل أنهم واجهوه بالحقيقة فهو لا يليق بشأنه (ص)، وإن كان لاجل أنه رآهم قد افتروا عليه، واتفقوا على تكذيبه، ونسبة ما لا يليق به إليه، فلماذا عاد وأتم الصلاة بهم، وسجد سجدتي السهو ؟ ! سادسا: لم نفهم كيف صحت الصلاة التي دخل في أثنائها إلى الحجرة ثم عاد، ونحو ذلك. روايات السهو عند الشيعة: وأخيرا، فإن الروايات عن أهل البيت في هذا الموضوع عديدة، ومنها خمس معتبرات من حيث السند، لكن ليس فيها ما يوجب الاشكال بما تقدم، وقد كتب التستري رسالة في هذا الموضوع طبعت في


(1) الكافي ج 3 ص 356. (*)

[ 180 ]

أو اخرج 11 من كتاب قاموس الرجال، فليراجعها من أراد. ولكن قد روى الشيخ في التهذيب عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع): هل سجد رسول الله (ص) سجدتي السهو قط ؟ فقال: لا، ولا يسجدهما فقيه. ثم روى أحاديث تضمنت سهو رسول الله (ص)، ثم قال: الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر، فإن الاخبار التي قدمناها من أن النبي (ص) سها، فسجد، فإنها موافقة للعامة (1). وقد أورد على هذه الروايات، بأنها من أخبار الاحاد روتها الناصبة والمقلدة من الشيعة، فلا يصح الاعتماد عليها للاعتقاد، لانه يكون من أتباع الظن (2). لماذا كان ما كان: وقد يمكن للبعض أن يوجه سهو النبي (ص) بأن من الممكن أن يسهي الله نبيه الاعظم (ص) لمصلحة تقتضي ذلك، وحاله حاله من الجلالة والرسالة بما يلي: 1 - أن لا يغلوا الناس فيه فيؤلهونه، أو يثبتون له بعض الصفات التي ليست له. 2 - إن الله تعالى أراد أن يفقههم، كما في رواية الحسن بن صدقة، التي رواها الكليني (3) ثم هو يريد أن يعرفهم: أن الرسول ما هو إلا بشر مثلهم. فكل صفة تخرج به عن هذا تصبح في غير محلها، ولا يمكن


(1) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 107. (2) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 113. (3) الكافي ج 3 ص 356. (*)

[ 181 ]

قبولها. 3 - إن الله تعالى هو الذي أنساه رحمة للامة، ألا ترى لو أن رجلا صنع هذا لعير ؟ ! وقيل له: ما تقبل صلاتك. فمن دخل عليه اليوم ذاك، قال: قد نسي رسول الله (ص)، وصارت أسوة إلخ (1). وقد ورد شبيه ذلك في نومه (ص) عن صلاة الصبح في السفر، إن صحت الرواية. ونحن نرى أنها غير صحيحة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قصور هذه التوجيهات: ولكنها توجيهات لا تكفي، فإن التعيير بذلك إنما يصح ممن لا يقع منه سهو أصلا، أما من حاله في ذلك حال الاخرين فلا يقبل ذلك منه. وأما بالنسبة للغلو في الرسول فمن الممكن أن يدفع ذلك بطرق أخرى لا يلزم منها محذور. وكذلك الحال بالنسبة إلى تعلم أحكام السهو فإن ذلك ممكن بدون أن يبتلى به النبي ككثير من الاحكام الاخرى. هذا بالاضافة إلى وجود مفسدة في هذا السهو، وهو فقدان الثقة بتعليم النبي (ص) وبكل ما جاء به. ايراد وجوابه: وتوضيح هذا الايراد الاخير كما يلي: لربما يقال: إن فعل النبي (ص) وقوله، وتقريره، حجة. وقضية السهو، تنافي ما اتفق عليه المسلمون من حجية فعله، بل وتنافي حجية


(1) الكافي ج 3 ص 357. (*)

[ 182 ]

قوله أيضا. وهذا يبطل الوثوق به، والاعتماد عليه، وهو مناف لحكمة النبوة والرسالة (1). ويمكن أن يجاب عن ذلك، بأنه إنما ينافي حجية فعله وقوله، لو أقر على سهوه وأخذ الناس الحكم الخطأ عنه، وأما إذا لم يقره الله عليه، بل بينه له وللناس بنحو ما، فإنه لا مانع منه، لا عقلا ولا شرعا (2). وكلمتنا الاخيرة هنا هي: أن إنساء الله تعالى لنبيه الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " لمصلحة يراها، يصطدم بقولة: أن هذا ما هو إلا إحالة على مجهول، وما ادعي من عدم إقرار الله تعالى له على السهو لا يكفي في حفظ كرامة النبي (ص)، والاطمئنان إلى ما يصدر عنه (ص)، بما يكون له طابع الفورية وعدم المهلة، حيث لا تبقي فرصة لظهور الخلاف. كما أن ذلك يسئ إلى قداسة النبي (ص) بنظر الناس، وذلك ظاهر لا يخفى. هذا ولا بأس بالتعرض هنا إلى العصمة عن السهو والنسيان والخطأ، ثم العصمة عن الذنوب، وأنها جميعا هل هي اختيارية أم لا. فالبحث يقع في ناحيتين: إحداهما: العصمة عن النسيان، والسهو، والخطأ، والاخرى العصمة عن الذنب، فنقول: العصمة عن السهو والخطأ والنسيان أختيارية: أما العصمة عن السهو والخطأ والنسيان، فهي اختيارية على ما يظهر، وما جرى في قضية الصلاة - لو صح - فإنما هو إنساء من الله له


(1) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 384 - 386. (2) راجع: فتح الباري ج 3 ص 81. (*)

[ 183 ]

(ص)، لمصلحة اقتضت ذلك لا نسيان منه (ص). ويمكن تقريب ذلك بما يلي: 1 - إن من يمرن نفسه على ألا ينسى، أو على الضبط والتدقيق، يصير أقدر على الحفظ، وعدم النسيان، وتقل نسبة خطئه بالمقايسة مع غيره ممن لا يبالي بالشئ حفظه أو نسيه، زاد فيه، أو نقص منه. فإذا كان ذلك الامر من اختصاصه، كان احتمال النسيان أو الخطأ فيه أقل. وكلما كان اهتمامه فيه أكثر، كلما كان نسيانه له وخطؤه فيه أقل أيضا. وهذا الامر يدرك بالوجدان، ويعلم بالتجربة. وهذا صادق بالنسبة إلى الانسان العادي، الذي نعرفه ونألفه. كما أنه كلما كانت الملكات والمدارك، والقوى النفسية، والفكرية وغيرها قوية لدى الشخص، فإنه يكون أيضا أكثر سيطرة على ذاكرته، وتصرفاته، ويقل احتمال الخطأ، والسهو، والنسيان عنده. كالام المرضعة، فإن ذهولها عما أرضعت من الامور التي لا يمكن أن تحصل في العادة. ونبيا الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " هو القمة في كل شئ. فهو الانسان الاول الذي يمثل خلافة الله الحقيقية على وجه الارض. وهو الانسان الذي كان فانيا في الله، وليس له هم، ولا هدف إلا رضى الله سبحانه، وتحقيق أهدافه تعالى على وجه الارض، فمن الطبيعي أن لا يصل إليه أحد، ولا يدانيه مخلوق في الضبط والحفظ، ولا سيما فيما يتعلق بهدفه الاسمى، وفي عبادته لربه، وطاعته له لا سيما وهو يراه حاضرا وناظرا. وذلك أمر واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان. هذا بالاضافة إلى أن ما يبذله النبي (ص) من جهد في سبيل حفظ الدين وأحكامه، يصبح سببا في أن يفيض الله تعالى عليه من ألطافه ويمده بالتسديد والتأييد، وفقا للوعد الصادر عنه حيث يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره)

[ 184 ]

وقوله تعالى: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا). 2 - هناك بعض الامور التي توجب النسيان، وبمقدور كل أحد أن يتجنبها، ومن ثم يجنب نفسه ولا يعرضها لاثارها. وقد ذكرت بعض الروايات طائفة منها. فمثلا: ذكر مما يوجب النسيان أكل الجبن، وقراءة كتابة القبور وأكل الكزبرة، وكثرة شرب الماء، والعبث ببعض الاعضاء، وكثرة الهم، الناشئ في الاكثر من كثرة الذنوب، ونحو ذلك. وهناك أمور تزيد في الذاكرة، كعملية التذكر، وكأكل الزبيب، وأمور أخرى لا مجال لذكرها. وواضح أن القدرة على السبب تعبير قدرة على مسببه، فيمكن أن يكلف الانسان بأن لا ينسى الشئ الفلاني، أو أن يزيد من نسبة حفظه وضبطه، باعتبار قدرته على سبب ذلك. والتكليف بالمسبب الذي لا يقدر عليه الانسان إلا بقدرته على سببه كثير في الشرع. 3 - إن ثمة آيات كثيرة تلوم على النسيان، بل في بعضها وعيد بالعقاب عليه، أو جعل العقاب في الاخرة في مقابل النسيان الحاصل في الدنيا. ونذكر على سبيل المثال الايات التالية: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه، فأعرض عنها، ونسي ما قدمت يداه) (1) فإن سياق الاية، والتعبير ب‍ " ذكر " لا يناسب إرادة التجاهل من كلمة " نسي "، كما يريد أن يدعيه البعض، وكذلك الحال في الايات التالية. فالمراد هو الغياب عن الذاكرة، بسبب التساهل والاعراض، وعدم الاهتمام. (يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به) (2). (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (3). (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (4).


(1) الكهف: 57. (2) المائدة: 13. (3) الاعراف: 15. (4) الحشر: 9. (*)

[ 185 ]

(نسوا الله، فنسيهم) (1). (أتأمرون الناس بالبر، وتنسون أنفسكم) (2). (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) (3). وكذا قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (4). فإن هذا الطلب إنما يصح بعد فرض صحة المؤاخذة على النسيان والايات في هذا المجال كثيرة، ولا مجال لنقلها كلها. كما أننا نجد بعض الايات تنهي عن النسيان، والنهي لابد أن يكون عن أمر مقدور. قال تعالى: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) (5). وقال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) (6). وإرادة الترك في الايتين لا ينافي ما ذكرناه، فإن المقصود به هو الترك عن نسيان ناشئ عن التساهل، وعدم الاهتمام، مع العلم بأن بإمكان المكلف أن لا ينسى، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب، وحينئذ فالعقاب على نسيان من هذا القبيل ليس قبيحا عقلا (7). ويقول البعض: عن السهو إنه " يمكن التحرز منه " (8).


(1) التوبة: 67. (2) البقرة: 44. (3) السجدة: 14. (4) البقرة: 286. (5) القصص: 77. (6) البقرة: 237. (7) راجع: أوثق الوسائل ص 262. (8) الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 117. (*)

[ 186 ]

ولم نجد له عزما: وقد نرى أن الله قد أشار إلى اختيارية النسيان حين قال: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسي، ولم نجد له عزما). فإن هذه الاية تدل على أنه لو كان لادم طاقة، وتحمل، وعزم، لما أقدم على ما أقدم عليه. مما يعني أن النسيان ناشئ عن عدم القدرة على التحمل، فكلما زادت قدرة الانسان وعزيمته، وطاقته، كلما قلت نسبة النسيان لديه بمقتضى هذه الاية الكريمة. ودليل آخر على اختيارية النسيان وهو قوله (ص): رفع عن أمتي النسيان، حيث إنه رفع امتنان وتسهيل. والرفع إنما يكون لما يقبل الجعل والوضع وهو المؤاخذة، والمؤاخذة إنما تكون على أمر اختياري ومقدور ولو بواسطة القدرة على سببه، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب كما قلنا. العصمة في التبليغ وفي غيره: وبعد ما تقدم نشير إلى أنه إذا ثبتت صفة العصمة له، وتحققت فيه، فلا يختص ذلك في مورد دون مورد، لان الملكة لا تتبعض ولا تتجزأ، ولا يصح ما قالوه من أنه (ص) معصوم في التبليغ فقط. وذلك ظاهر لا يخفى.

[ 187 ]

العصمة عن الذنب إختيارية أيضا: سؤال يحتاج الى جواب: يعتقد المسلمون عموما (1) بعصمة جميع الانبياء صلوات الله عليهم، ويزيد شيعة أهل البيت " عليهم السلام " على ذلك: إعتقادهم بعصمة الائمة الاثني عشر " عليهم السلام ". وذلك لانه يجب اتباعهم، والاقتداء بهم، ولا يعقل تجويز ذلك فضلا عن إيجابه، إذا كانت المعاصي تصدر منهم، لان معنى ذلك هو تجويز إرتكاب المعاصي نفسها، وهو غير معقول، لانها تخرج حينئذ عن كونها معاصي من جهة، ولان ذلك ينافي حكمة وسر إرسال الانبياء من الجهة الاخرى. ولسنا هنا بصدد بيان التفاصيل الكاملة، والبحث الشامل للاقوال المختلفة حول هذه القضية. وإنما نريد هنا - فقط - أن نجيب على السؤال التالي: هل عصمة الانبياء والائمة تعني: - كما يرى البعض - أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا الذنب، ولا يقدرون على غير الطاعة، فهم مجبرون


(1) وإن كان بعضهم يناقش في عموم العصمة. ولكن الشيعة يعتقدون بعصمتهم (ع) وتسديد الله تعالى لهم من حين ولادتهم إلى حين وفاتهم، وليس في خصوص وقت النبوة. (*)

[ 188 ]

على الطاعة، مقهورون على الابتعاد عن المعاصي ؟ !. وإذا كانوا مجبرين على ذلك، فما هو وجه الفضل لهم ؟ ! ولماذا لم نجبر نحن على مثله ؟ ! ولماذا يعرضنا الله تعالى للوقوع فيما لا يرضى، ثم يعاقبنا على ذلك بالعذاب في النار، وحرماننا من الجنة ؟ !. ثم إن من يكون مجبرا على الطاعة، وعلى الابتعاد عن الذنب، هل يحسن إثابته بالجنان، وإبعاده عن العقاب والعذاب بالنيران ؟ !. الجواب: إن العصمة عن الوقوع في الذنوب والمعاصي اختيارية، والكلام حول هذا يحتاج إلى شئ من التفصيل، فنقول: الاسلام والفطرة: إن من يدرس تشريعات الاسلام ويتدبر تعاليم السماء، يخرج بحقيقة قاطعة، وهي: أن تلك التعاليم والتشريعات منسجمة كل الانسجام مع طبيعة الانسان وفطرته، لو لم تطغ على تلك الفطرة عوامل غريبة عنها وافدة عليها. حتى إنك لتجد بعض من عاش في الجاهلية - كجعفر بن أبي طالب، على ما رواه عنه في الامالي (1) وآخرين غيره - قد حرم على نفسه الكذب، وشرب الخمر، والزنا، وعبادة الاوثان. كما أن قيس ابن الاسلت قد فارق الاوثان، واغتسل من الجنابة، وأمر بتطهر الحائض من النساء، وأمر بصلة الرحم إلخ (2). وعبد المطلب أيضا كان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الاخلاق،


(1) سيأتي في فصل: شخصيات وأحداث حين الحديث حول تحريم الخمر أسماء طائفة ممن حرموا الخمر على أنفسهم. (2) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 190 و 191. (*)

[ 189 ]

وينهاهم عن دنيئات الامور، وكان يعتقد بالاخرة، ورفض في آخر عمره عبادة الاصنام، ووحد الله سبحانه، وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها، وجاءت بها السنة، منها الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، وتحريم الخمر، والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان (1). ولقد صرح القرآن، وتعهد والتزم بأن يكون هذا الدين هو دين الفطرة، بحيث لو ثبت منافاة أي من تشريعاته وتعاليمه لفطرة الانسان لامكن رفضه، والحكم عليه بأنه غريب ودخيل، وليس من تعاليم السماء في شئ. قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (2). وما ذلك إلا لان الانسان - على حد تعبير العلامة الطباطبائي رحمه الله تعالى -: "... مفطور بفطرة تهديه إلى تتميم نواقصه، ورفع حوائجه، وتهتف له بما ينفعه وما يضره في حياته. قال تعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها) (3). فالدين الاسلامي هو ذلك النظام الذي يهدي الانسان ويدله على ما فيه خيره وسعادته، ويجنبه ما فيه شقاؤه وبلاؤه، وهو يوافق ما ألهمه الله لنفس الانسان، وعرفها إياه، وينسجم معه، ويحتضن العقل، ويحفظه،


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 4، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش السيرة الحلبية) ج 1 ص 21. (2) سورة الروم آية: 30. (3) سورة الشمس آية: 8. (*)

[ 190 ]

يسدده من أن يزل أو أن يميل في إدراكاته وأحكامه، نتيجة لطغيان الهوى، أو تزيينات النفس لشهواتها حتى لقد قيل: العقل شرع من داخل، والشرع عقل من خارج. ولاجل ذلك نرى القرآن يعبر عمن لا يتبع الهدى، ولا يسير على المنهاج القويم بقوله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلا ؟ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا) (1). وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالانعام بل هم أضل، وأولئك هم الغافلون) (2) صدق الله العلي العظيم. فهو يعتبر أن من أطاع هواه، واتبعه، ولم يهتد بهدى العقل، ولم يسمع الاوامر والزواجر الالهية الموافقة لهدى العقل - يعتبره - كالانعام، التي تسيرها غريزتها وشهواتها، ولا عقل لها تستنير بنوره، وتهتدي بهديه، ولا تنساق وراء شرع يرشدها إلى أحكام العقل. بل لقد اعتبره أضل من الانعام، لان الانعام إذا تصرفت على خلاف مقتضيات العقل البشري، كما لو افترست، أو خربت، أو اتلفت، فإنها لا تلام ولا تحاسب، لانها إنما تصرفت بما يتوافق مع جبلتها وغريزتها، فطرتها، وشهوتها، لان ذلك هو الذي يسيرها، ويهيمن على سلوكها، ولا عقل لها لتهتدي بهديه، وتسترشد برشده. أما إذا تصرفت تصرفا عقلانيا


(1) سورة الفرقان آية: 44. (2) سورة الاعراف آية: 179. (*)

[ 191 ]

أحيانا، كما لو رأينا الذئب لا يعتدي على الشاة، والسنور لا يلاحق الفأرة مثلا، فلسوف نتعجب من ذلك، نتناقله في مجالسنا، لان ذلك على خلاف ما عهدناه من فطرته وجبلته، وغريزته، وإن لم يكن بدافع من عقله، لانه لا عقل له، وإنما بسبب الدربة، والعادة، والالف. أما الانسان، فإنه لو ظلم، أو كذب، أو اغتاب، أو أتلف، أو فعل غير ذلك مما هو في غير مصلحته، وعلى خلاف الدين، والعقل، فإنه يكون قد تصرف على خلاف مقتضيات فطرته وجبلته، وانحرف عن مساره، وخرج عن إنسانيته، فهو إذن أضل من الانعام. أضف إلى ذلك: أننا حين نرى الانعام لا تقتحم ما يضرها، ونرى الانسان لا يتورع عن اقتحام ما يضره، ويهدم سعادته،، استجابة لشهوته وهواه، وغريزته، فلا بد أن نقول: إن الانعام - ولا شك - أهدى منه وأرشد. فاتضح مما تقدم: أن الانسان مجبول على السعي إلى ما ينفعه، والابتعاد عما يضره، وأن أحكام الاسلام موافقة للفطرة وللطبيعة الانسانية، وأن ابتعاد الانسان عما يضره ويشقيه، وسعيه إلى ما فيه سعادته وراحته أمر فطري فيه، لا يمكنه التخلف عنه، ولا التخلص منه، ولاجل ذلك نجد أن الانسان العاقل وإن لم يكن مؤمنا - نجده - بحكم فطرته لا يقدم على الامور التي يقطع بضررها وفسادها، فهو لا يقدم - مختارا - على شرب السم مثلا، بل هو لا يتواجد في أمكنة يعلم أن تواجده فيها سوف يلحق به ضررا بالغا من نوع ما، ولا يقدم على قتل ولده، أو ما شاكل، إلا إذا قهر على ذلك وغلب عليه جسديا، أو كان ثمة ما يهيمن على عقله، كنوم أو غضب، أو غير ذلك، مما يمنع عقله من التأثير والفعالية، ومن السيطرة على الموقف. بل وحتى الطفل فإننا نراه يتجرأ على النار، ولكنه بعد أن تؤلمه،

[ 192 ]

ويتيقن ذلك، لا يقترب منها باختياره، ألا أن تغلبه قدرة قاهرة، أو يسيطر على عقله سلطان النوم، أو أي سلطان قاهر آخر. إذن فالبشر العقلاء، حتى من لا يؤمن بالله منهم، وحتى الاطفال، معصومون عن شرب السم، وعن الالقاء بالنفس بالنار، وعن كل ما يدركون إدراكا قاطعا ضرره، وسوءه، إلا إذا كان ثمة قوة قاهرة تغلب إراداتهم أو تزين لهم، وتخدعهم، أو تهيمن على عقولهم وتمنع من فعاليتها، وتفقدها سيطرتها على الموقف. عناصر لابد منها في العصمة: وبالتأمل فيما تقدم يتضح: أن امتناع الطفل عن النار، والعقلاء عن تناول السم، يرتبط بالامور التالية: الأول: أن الانسان مفطور على انتقاء ما يكرس راحته وسعادته وتكامله، والابتعاد عما يوجب ضرره وبلاءه وشقاءه. الثاني: إدراك واقع معين، ثم تقييمه على ذلك الاساس بشكل قاطع ونهائي. الثالث: قوة العقل، وسيطرته على الموقف، وتحكمه بكل القوى الدواعي النفسية والشهوية، وقاهريته لها، وتوجيهها إلى ما فيه خير الانسان وصلاحه وراحته وسعادته. الرابع: الاختيار والارادة، وعدم التعرض للقهر الجسدي، الذي ينتهي إلى سلب الاختيار منه، وتعطيل إرادته. فإذا تحققت هذه الامور، فإن الانسان يكون معصوما عن الوقوع في ذلك الشئ الذي أدرك بشكل قاطع ضرره وباءه، ويرى نفسه ملزما بالسعي نحو ما يوجب تكامله ورقيه وتأكيد إنسانيته.

[ 193 ]

ولا يمكن أن نتصوره بعد تكامل تلك العناصر المتقدمة فيه، إلا أن يسير على النهج القويم، والطريق المستقيم، فاعلا لما أدرك خيره وصلاحه، تاركا لما أدرك ضرره وبلاءه، من كان، ومهما كان. وإذا كان الناس مختلفين في درجات إدراكهم، سعة وعمقا، وفي مستويات تفكيرهم، وقوة وضعف سيطرة عقولهم على سائر القوى الباطنية الكامنة فيهم، من الشهوات والغرائز، ومختلفين من حيث نوعية المدركات أيضا - إذا كانوا كذلك - فإن من الطبيعي أن تكون درجات عصمتهم متفاوتة، ومواردها مختلفة، كل بحسب مدركاته، وقناعاته، وكفاءاته، وقواه الكامنة فيه. لذلك تجد العلماء في الاكثر التزاما من غيرهم، بل ربما تجد من بينهم من لا تكاد تصدر منه أيه مخالفة طول حياته، وذلك لكثرة مدركاتهم، ولاختلاف نوعية، وكيفية، وعمق الادراك لديهم، بالنسبة إلى غيرهم. بل إن الله قد أوجب على كل إنسان أن يكون معصوما، وذلك لانه قد كلف كل البشر بالطاعات كلها، والاجتناب عن كل المعاصي، وهذا التكليف يدل على أن بوسع كل مكلف أن لا يرتكب أية معصية أبدا، لان القدرة شرط في صحة التكليف وإلا لكان عليه أن يستثني، ويقول: اجتنبوا عن كل المعاصي إلا واحدة أو اثنتين مثلا، لانكم لا تقدرون عليها. وهذا الاستثناء يخرج ذلك المورد عن أن يكون معصية من الاساس. وقد يكون أمثال سلمان الفارسي، وأبي ذز، والمقداد، وعمار، والشيخ المفيد، والصدوق مثلا معصومين عن ارتكاب أية معصية أو مخالفة عن عمد وقصد. نعم ربما يكون الفرق بين هؤلاء، وبين النبي والامام: أن النبي والامام لا تخطر في باله المعصية أصلا، ولا يشتاق إليها، لانكشاف

[ 194 ]

الواقع له، ورؤيته مفسدته ومصلحته رأى العين، هذا بالاضافة إلى أنه أوسع وأعمق معرفة بجلال وعظمة الله تعالى وملكوته وأشد احساسا بحضور الله معه، بخلاف سائر المكلفين، فإنهم قد لا يعرفون علل كثير من الاحكام، ولا اطلاع لهم على عظمة وجلال وملكوت الله بنسبة اطلاع الائمة والانبياء، فقد يشتاقون إلى بعض المعاصي، ولكنهم يمتنعون عنها تعبدا وطاعة لله ليس إلا. وخلاصة الامر: إن مستويات الناس مختلفة، فتختلف درجات التزامهم، والعلماء عادة يكونون أكثر إلتزاما، وإن كان ربما يوجد من بينهم من يضعف عقله أمام شهواته وغرائزه، فيضعف التزامه، وتقل نسبة معصوميته عنها في غيره، وهؤلاء قليلون جدا بل ربما لا يوجدون في العلماء الحقيقيين، ولذا نجد الله تعالى يتمدحهم بذلك فيقول: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (1). التوضيح والتطبيق: إن الانبياء، ثم الائمة، بسبب التوفيقات والعنايات الالهية وفوق كل ذلك بسبب الوحي والاتصال بالسماء، وبسبب أنهم إنما انتقلوا من الاصلاب الشامخة إلى الارحام المطهرة، فلم يرثوا إلا الصفات الحميدة والكمالات الفريدة. نعم بسبب ذلك صاروا هم القمة في سعة إدراكهم لاثار ومناحي السلوك الانساني، والقمة أيضا في إدراك الواقع الذي يواجهونه، وما يترتب عليه من آثار ونتائج، إن سلبا وإن إيجابا على المدى البعيد والقريب على حد سواء، إدراكا حقيقيا لا يقبل الشك ولا الترديد. وهم القمة في الملكات والقوى الفكرية والنفسية الفاضلة، وهم أحكم الناس حكمة، و أعقلهم عقلا، وأشجعهم شجاعة، وأكمل الخلق،


(1) سورة فاطر آية: 28. (*)

[ 195 ]

وأفضلهم في كل الصفات الكريمة، والاخلاق النبيلة العالية، ولانهم أيضا لا يمكن أن يشذوا عن مقتضيات الفطرة، وسنن الجبلة الانسانية. وحين يكون عقلهم من القوة بحيث لا تستطيع سائر القوى الباطنية من الشهوات والغرائز أن تخدعه، وتسيطر عليه، بل هو الاقوى دائما، وهو الذي يتحكم بها، وينظمها، ويسيرها، ويهيمن عليها. فإذا كان الانبياء والائمة كذلك، فإنهم - ولا شك - سوف يكونون معصومين بحسب فطرتهم وجبلتهم عن الاقدام على أي ذنب أو عمل مشين، كما لا يقدم الطفل على النار، والعقلاء على تناول السم، وعلى أي شئ يرونه مضرا بشخصيتهم، وبوجودهم، وبمصيرهم، ومستقبلهم. فكمال العقل وإدراكه لما يضر وينفع، وللحسن والقبيح، وكماله في معرفة الله سبحانه، وعظمته وجلاله، وإحاطته وقدرته، وحكمته وتدبيره، ثم معرفته بصدور الامر والنهي، مع عمق الايمان لديه بالمعاد، وبالعقاب والثواب. نعم إن ذلك كله، بالاضافة إلى ما قدمناه، يجعل من الاقدام على فعل المعصية والقبيح أمرا غير متصور ولا مقبول لحصول المنافرة والمضادة بينه وبينها، ولاجل ذلك فإننا إذا عرفنا شخصا ووقفنا على كل حالاته، وملكاته، وقدراته، وأفكاره، وطموحاته، فإننا لا نصدق عليه ما ينسب إليه من أفعال لا تتناسب مع ما عرفناه عنه. وكلما تأكد لدينا رسوخ ذلك في نفسه، وفي فكره، واطلعنا على مستوى قدراته، فإن تصديقنا بصدور ما لا ينسجم مع ذلك يصبح أبعد وأصعب. وبعد ما تقدم، فإنه إذا كان الانسان في صدد الابتعاد عن القبيح، الالتزام بالحسن، فإن التوفيقات الالهية، والعنايات الربانية سوف تشمله. (ولينصرن الله من ينصره) (ومن يتق الله يجعل له فرقانا)، (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).

[ 196 ]

ولسوف يختار الله من هؤلاء الثلة أكملهم عقلا، وأفضلهم نفسا، وأجمعهم لخصال الخير والكمال، ولكن علمه تعالى بهم، واختياره لهم ليس فيه جبر لهم على أي شئ من فعل أو قول كما هو واضح وعليه، فلا يلزم من العصمة الجبر والقهر، بحيث يكون المعصوم غير قادر على فعل المعصية تكوينا، بل هي بمعني أنها لا تصدر منه، وعلى حسب التعبير العلمي: إنه لا يكون فيه مقتضى للمعصية، ولا توجد فيه علتها المؤثرة، بل لا يخطر في باله إرتكابها أصلا، فيستحيل صدورها منه بهذا المعنى ليس إلا. وهذا كما نقول: يستحيل أن يرمي الطفل نفسه في النار فإنه ليس بمعنى أنه لا يمكنه ذلك، لان ذلك مقدور له بالبداهة، ولكن بمعنى أنه لا يفعل ذلك ولا يقدم عليه أصلا. وكما نقول: يستحيل أن يصدر الظلم من الله، ولا نقصد: أنه لا يقدر عليه، إذ لا شك في أن الله تعالى يقدر على تعذيب أطوع الناس له. وإنما نقصد أنه لا يفعله، لانه ينافي حكمته، ولا ينسجم ولا يليق بشأنه وذاته تعالى شأنه. وبعد كل ما تقدم، فإن إختيار الله لبعض عباده، وإظهار المعجزة على يده، يكشف لنا عن أكمليته وعن عصمة، إذ لا يعقل أن يختار الله لقيادة الامة وهدايتها من تصدر منه الذنوب والمعاصي، حسبما أشرنا إليه. أفضل الخلق محمد (ص): ومما قدمناه نستطيع أن نفهم لماذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه أفضل الخلق أجمعين، حتى الانبياء والمرسلين، فإنه، وإن كان الكل معصومين عن الذنوب، وكلهم كان يدرك آثار الذنوب وعواقبها وآثارها، ولهم معرفة وإطلاع على جلال وعظمة وملكوت الله تعالى أكثر

[ 197 ]

من غيرهم، ولكن نبينا الاكرم (ص) كان أكثر عمقا وأصالة في إدراكه لتلك الاثار، وأبعادها، وانعكاساتها على كل الاجيال، في مختلف الاجال، وعلى ذلك الجلال اللامتناهي، والعظمة التي لا تقاس. وما ذلك إلا لانه كان الرجل الاكمل والافضل والاول في كل شئ: في عقله، في حكمته، في عمق إدراكه، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في كل صفاته الحميدة التي هي صفات الانسان الاول والمثال والقدوة. إذن، فيكون هو الافضل من الكل، لان عصمته أكثر عمقا وأصالة، وأبعد أثرا، وأوسع أفقا. وعلى ذلك فهو أكثر تفاعلا وانسجاما مع الله في عباداته، وأشد خشية له تعالى. علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل: كما أننا حين نواجه الحديث القائل: علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل (1)، لا نستطيع أن نعتبره ناظرا إلى هؤلاء العلماء الذين نعرفهم ونعيش معهم، والذين لا يمتنع أو فقل: يحتمل أن تصدر منهم بعض الهفوات، ويرتكبوا بعض الصغائر، إذ من غير المعقول أن يكون هذا الرجل الذي يحتمل في حقه أن يذنب، مثل ذلك المعصوم، الذي لا يحتمل في حقه ذلك ولا يصدر منه، أو لا يخطر بباله الذنب أصلا. وتوجيه ذلك بأن المراد: أنهم مثلهم من حيث المعرفة والعلم وسعة الافق، لانهم اطلعوا على ما لم يطلع عليه أولئك الانبياء من أنواع المعارف الدينية، والتاريخية وغيرها. هذا التوجيه لا ينسجم مع منطق القرآن، الذي يجعل ملاك الموازنة، ثم التفاضل هو التقوى والعمل الصالح: (إن أكرمكم عند الله


(1) البحار ج 2 ص 22 عن غوالي اللالي. (*)

[ 198 ]

أتقاكم) (1). وفي الحديث القدسي ما معناه: " لادخلن الجنة من أطاعني ولو كان عبدا حبشيا، ولادخلن النار من عصاني ولو كان سيدا قرشيا ". فلابد أن يكون المقصود بالعلماء الذين هم أفضل من أنبياء بني إسرائيل أناسا معصومين كأولئك الانبياء، ويزيدون عليه بإدراكهم ورؤيتهم رأى العين أثر كل حركة، وكل تصرف على الاجيال وعلى الامة. هذا مع كونهم قد عاصروا، وعرفوا، واطلعوا على تواريخ وعقائد وتحولات عصور وأمم، وواجهوا ظروفا ومشاكل مختلفة، تزيد على ما واجهه، وعرفه أنبياء بني إسرائيل. بالاضافة إلى أنهم يملكون الطاقات والقدرات الهائلة التي تؤهلهم لاستيعاب كل المعارف، وكل الاحداث وإدراكها، والتفاعل معها، ومعرفة أبعادها وآثارها، مهما دقت أو جلت، قربت أو بعدت، ولتصير عصمتهم أكثر عمقا وأصالة، وأكثر دقة، وأبعد أثرا، حسبما فصلناه. ولم نجد في التاريخ أناسا من هذا القبيل ألا أولئك الذين جعلهم الرسول (ص) أحد الثقلين، وعدلا للكتاب العزيز، وأوجب على الامة التمسك بهم، والاهتداء بهديهم، والائتمار بأوامرهم، والانزجار بزواجرهم. الامر الذي كشف لنا عن عصمتهم، وهم الائمة الاثنا عشر، الذين أولهم أمير المؤمنين علي، وآخرهم المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


(1) سورة الحجرات الاية: 13. (*)

[ 199 ]

البحث الرابع: الخمس بين السياسة والتشريع: كنت قد وعدت القارئ الكريم بإيراد بعض التوضيحات حول تشريع الخمس في عهد الرسول (ص)، وحيث إن العلامة البحاثة الشيخ على الاحمدي دام تأييده قد تصدى لبحث هذا الموضوع، فنحن سوف نستفيد قدر الامكان مما أورده ومع زيادات، وإضافات في المتون والمصادر، والمراجعات بحسب ما رأينا: أنه يناسب المقام، فنقول: قال تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شئ، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل) (1). معنى الغنيمة: يرى علماء بعض فرق المسلمين: أن الغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار في ميدان الحرب والقتال. ويرى الشيعة تبعا لائمتهم: أنها - كما فسرها اللغويون - هي مطلق المال المأخوذ بلا بدل. قال اللغويون: الغنم: الفوز بالشئ من دون مشقة. وغنم الشئ، فاز به. والاغتنام: إنتهاز الفرصة. وغنم الشئ غنما: فاز به بلا مشقة،


(1) الانفال: 41. (*)

[ 200 ]

وناله بلا بدل. وعند الراغب: أن الغنم إصابة الشئ والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به (1). هذا ما ذكره اللغويون في المقام. وإذا راجعنا استعمالات كلمة " غنم " في الاحاديث، والخطب، فسوف نجد: أنها تستعمل في مطلق الحصول على الشئ. وحسبك شاهدا على ذلك قول علي (ع): " من أخذ بها لحق وغنم " (2). و " يرى الغنم مغرما والغرم مغنما " (3). و " اغتنم من استقرضك " (4). و " الطاعة غنيمة الاكياس " (5) وفي الحديث: " الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه " (6) و " الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة " (7). وقال تعالى: (عند الله مغانم كثيرة) (8). وفي الدعاء عند إعطاء الزكاة عنه (ص): " اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما " (9). و " غنيمة مجالس الذكر الجنة " (10) وفي وصف الصوم: " هو غنم المؤمن " (11).


(1) راجع: لسان العرب، وأقرب الموارد، ومفردات الراغب، والقاموس، ونهاية ابن الاثير، ومعجم مقاييس اللغة، وتفسير الرازي، وغير ذلك من كتب اللغة. (2) نهج البلاغة الخطبة رقم 118. (3) المصدر الحكمة رقم 150. (4) المصدر، الكتاب رقم 31. (5) المصدر، الحكمة رقم 331. (6) نهاية ابن الاثير مادة " غنم ". (7) نهاية ابن الاثير مادة " غنم ". (8) النساء: 94. (9) سنن ابن ماجة (كتاب الزكاة) الحديث رقم 1797. (10) مسند أحمد ج 2 ص 177. (11) راجع: مقدمة مرآة العقول ج 1 ص 84 و 85. (*)

[ 201 ]

إلى كثير مما يمكن حصره واستقصاؤه. وعليه فالغنم في اللغة: هو مطلق الحصول على الشئ. وأما قيد " بلا مشقة "، الذي أضافه البعض، فهو يخالف موارد الاستعمال السابقة وغيرها. والتزام المجاز فيها يلزم منه إن تكون أكثر استعمالات هذه الكلمة في الموارد المجازية. بل إن نفس آية الخمس في القرآن الكريم قد أطلقت على كل ما يغنم، ومن جملته ما يحصل في الحرب بعد مشقة. وأما ما ذكره البعض (1) من أن هذه الكلمة كانت في الاصل لمطلق الغنيمة، ثم اختصت بغنائم الحرب. فلا يصح أيضا، لاننا نجد أن استعمالات هذه الكلمة في الحديث الشريف لا تختص في ذلك، بل هي في غيره أكثر، وعليه أدل. ومع فرض الشك فلابد من الحمل على المعنى اللغوي. إذن فالاية الشريفة تدل على وجوب الخمس في مطلق ما يحصل عليه الانسان، ويظفر به، ولو لم يكن من ميدان الحرب مع الكفار. وقد اعترف القرطبي: بأن اللغة لا تقتضي تخصيص الاية بغنائم الحرب. ولكنه قال: إن العلماء قد اتفقوا على هذا التخصيص (2). ومعنى كلامه: أنهم قد اتفقوا على خلاف ظاهر الاية، وخلاف المتبادر منها. الخمس في كتب النبي (ص) ورسائله: كما أن كتب النبي (ص) ورسائله إلى القبائل لتؤكد وتؤيد: أن


(1) هو العلامة الجليل السيد مرتضى العسكري في مقدمة مرآة العقول. (2) تفسير القرطبي ج 8 ص 1. (*)

[ 202 ]

الخمس كما يجب في غنائم الحرب في غيرها، وأن المراد من الغنيمة هو المعنى الاعم، فلاحظ ما يلي: 1 - وصية النبي (ص) لبني عبد القيس، الذين قالوا له (ص): " إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في أشهر حرم وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل، نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الاشربة. فأمرهم (ص) بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالايمان بالله وحده. قال: أتدرون ما الايمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم إلخ " (1). وواضح: أن عبد القيس كانت قبيلة ضعيفة لا تجرؤ على الخروج من ديارها إلا في الشهر الحرام، ولا تستطيع حربا ولا قتالا. ويؤيد ذلك أيضا: أن المغنم إنما يكون تحت اختيار القائد والامير، وهو المسؤول عنه، فيأخذ منه الخمس ويرسله، ويقسم الباقي على الافراد، وليس له ارتباط بالافراد أنفسهم. وظاهر كلامه (ص) المتقدم: أنه (ص) قد أمرهم بأوامر تختص بالفرد وتكون من وظائفه التي لابد أن يمارسها باستمرار أو بكثرة، كالايمان، والصلاة، والزكاة. وكذلك


(1) البخاري ط مشكول ج 1 ص 22 و 32 و 139، وج 2 ص 131 وج 5 ص 213، وج 9 ص 112، وصحيح مسلم ج 1 ص 36، وسنن النسائي ج 2 ص 333، ومسند أحمد ج 1 ص 228 و 361، وج 3 ص 318، وج 5 ص 36، والاموال لابي عبيد ص 20، والترمذي باب الايمان، وسنن أبي داود ج 3 ص 330، وج 4 ص 219، وفتح الباري ج 1 ص 120، وكنز العمال ج 1 ص 20 وص 19 رقم 6. (*)

[ 203 ]

الخمس، فإنه أيضا على حدها، ولا يختلف عنها. 2 - وكتب (ص) لعمرو بن حزم، حينما أرسله إلى اليمن، كتابا مطولا جاء فيه: " وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله " (1) والكلام في هذه الفقره لا يختلف عن الكلام في سابقتها. 3 - وكتب (ص) لبني عبد كلال اليمانيين، مع عمرو بن حزم، يشكرهم على امتثالهم ما أمرهم به فيما سبق بواسطة عمرو بن حزم نفسه، ويقول: " فقد رجع رسولكم، وأعطيتم من الغنائم خمس الله عز وجل " (2). وواضح: أننا لم نجد في التاريخ: أن حروبا قد جرت بينهم وبين غيرهم بعد إسلامهم، وأنهم قد غنموا من تلك الحروب غنائم، وخمسوها، وأرسلوها مع عمرو بن حزم.


(1) تاريخ ابن خلدون ج 2، وتنوير الحوالك ج 1 ص 157، والبداية والنهاية ج 5 ص 76، وسيرة ابن هشام ج 4 ص 242، وكنز العمال ج 3 ص 186، والاستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 517، والخراج لابي يوسف ص 77، ومسند أحمد ج 2 ص 14 و 15، وابن ماجة ج 1 ص 573 و 575 و 577، وسنن الدارمي ج 1 ص 281 و 385، وج 2 ص 161 - 195، الاصابة ج 2 ص 532، وسنن أبي داود ج 2 ص 98 و 99، والدر المنثور ج 2 ص 253، والتراتيب الادارية ج 1 ص 248 و 249، والترمذي ج 3 ص 17. وعن: رسالات نبوية 204، والطبري ج 2 ص 388، وفتوح البلدان للبلاذري ص 80، وأعلام السائلين ص 45، ومجموعة الوثائق السياسية ص 175، وفريدون ج 1 ص 34، وإهدلي ص 68، والامتاع للمقريزي ص 139. (2) الاموال لابي عبيد ص 21، وسنن البيهقي ج 4 ص 89، وكنز العمال ج 3 ص 186 و 252 و 253 عن الطبراني وغيره، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 395، والدر المنثور ج 1 ص 343، ومجمع الزوائد ج 3، وعن تهذيب ابن عساكر ج 6 ص 273 و 274، وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 89، ومجموعة الوثائق السياسية ص 185 عن إهدل ص 67 و 68 عن ابن حبان، والمبعث ص 141. (*)

[ 204 ]

4 - وكتب (ص) لقبيلتي سعد هذيم من قضاعة، وجذام: " وأمرهم: أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه: أبي، وعنبسة، أو من أرسلاه " (1). مع أن هذه القبيلة قد أسلمت جديدا ولم تخض حربا بعد، ليكون المراد خمس المغانم. 5 - وقد أوجب " صلى الله عليه وآله وسلم " الخمس في ست عشرة رسالة أخرى، بل أكثر، كان قد أرسها إلى القبائل ورؤسائها، وهي: قبيلة بكاء، وقبيلة بني زهير، وحدس، ولخم، وبني جديس، وللاسبذيين، وبني معاوية، وبني حرقة، وبني قيل، وبني قيس، وبني جرمز، ولا جنادة وقومه، وقيس وقومه، ولمالك بن أحمر، ولصيفي بن عامر شيخ بني ثعلبة، والفجيع ومن تبعه، ونهشل بن مالك رئيس بني عامر، ولجهينة بن زيد، وذكر أيضا في رسالة لليمن، ولملوك حمير، ولملوك عمان (2).


(1) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 23 و 24، ومجموعة الوثائق السياسية ص 224، ومقدمة مرآة العقول ج 1 ص 102 و 103. (2) راجع هذه النصوص في المصادر التالية: أسد الغابة ج 4 ص 175 و 271 و 328، وج 5 ص 40 و 389 وج 1 ص 300، والاصابة ج 3 ص 338 و 199 و 573، وج 1 ص 53 و 247 و 278، وج 2 ص 197، وطبقات ابن سعد ج 1 ص 274 و 279 و 66 و 269 و 271 و 268 و 270 و 284، وج 7 قسم 1 ص 26، وج 5 ص 385، ورسالات نبوية ص 237 و 102 و 103 و 131 و 253 و 138 و 188 و 134، ومجموعة الوثائق السياسية ص 121 و 264 و 273 عن أعلام السائلين و 98 و 99 و 252 و 250 و 216 و 196 و 138 و 232 و 245 و 180، وكنز العمال ج 2 ص 271 وج 5 ص 320، وج 7 ص 64 عن الروياني وابن عساكر وابي داود، كتاب الخراج وطبقات الشعراء للجمحي ص 38، وسنن البيهقي ج 6 ص 303، وج 7 ص 58، وج 9 ص 13، ومسند أحمد ج 4 ص 77 و 78 و 363، وسنن النسائي ج 7 ص 134، والاموال لابي = (*)

[ 205 ]

نظرة في تلك الرسائل: وربما يقال: إن المراد بكلمة: " مغنم وغنائم، ومغانم " الواردة في تلك الرسائل هو خصوص غنائم الحرب. ولكن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي: 1 - إن إعلان الحرب وقيادتها وتدبيرها كان آنئذ من شؤون الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، أو من نصبه. ثم من تولى الامر بعده من الخلفاء، أو من نصبوه، ولم يكن لاى من القبائل أن تتخذ قرار الحرب من عند نفسها، ولا يحدثنا التاريخ عن نشاط حربي مستقل لهم، ولو كان فالمناسب أن يكتب (ص) بذلك إلى أمرائهم وقوادهم، الذين يتولون إخراج خمس الغنيمة، وإرساله إليه، ثم تقسيم الباقي على أهله. 2 - لقد كانت تلك القبائل تعيش في الحجاز، والشام، والبحرين، وعمان، وأكثرها كان من القبائل الصغيرة، التي لا تقوى على حرب أحد، ليطلب منها إعطاء خمس غنائم حروبها.


= عبيد ص 12 و 19 و 20 و 30، والاستيعاب ترجمة عمر بن تولب، وج 3 ص 381، وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 55 و 68 عن شرح المواهب للزرقاني ج 3 ص 382، وصبحي الاعشى ج 13 ص 329، ومجموعة الوثائق عن إعلام السائلين ونصب الراية، ومغازي ابن إسحاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومعجم الصحابة، والمنتقى، وميزان الاعتدال، ولسان الميزان، واليعقوبي، وصبح الاعشى، وأموال ابن زنجويه. وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 64، والبداية والنهاية ج 5 ص 46 و 75، وج 2 ص 351 عن أبي نعيم، وتاريخ الطبري ج 2 ص 384، وفتوح البلدان للبلاذري ص 82، والسيرة الحلبية ج 3 ص 258، وسيرة ابن هشام ج 4 ص 258 و 260، وسيرة زيني دحلان ج 3 ص 30، والمصنف ج 4 ص 300، وطبقات الشعراء لابن سلام ص 38، ومجمع الزوائد ج 8 ص 244. (*)

[ 206 ]

3 - لو كان المراد خمس غنائم الحرب، لكان معنى ذلك هو السماح لكل أحد بأن يشن حربا على العدو، في أي زمان أو مكان شاء، وهذا من شأنه أن يحدث الفوضى، ويتسبب بمشاكل كبيرة وخطيرة على الدولة الاسلامية. ولا يصدر مثل هذا التشريع عن عاقل، مدبر وحكيم. ومضافا إلى أننا لا نجد في التاريخ شيئا من هذه الفوضى الناشئة عن ممارسة تشريع كهذا. 4 - قد تقدم: أن هذه الرسائل تتعرض لجملة من الاحكام التي ترتبط بالافراد، كالايمان بالله، وبالنبي، وإعطاء الزكاة، والخمس، الامر الذي يجعلنا نكاد نطمئن إلى أن الخمس لا يختلف عن تلك الاحكام في ماهيته، وأنه مما تعم البلوى به للافراد، لا أنه حكم نادر، لا يرتبط بهم فعلا، ولا يتفق لهم ربما في عقود بل قرون كثيرة من الزمن. في السيوب الخمس: وكتب (ص) رسالة لوائل بن حجر، وفيها: " في السيوب الخمس " (1).


(1) أسد الغابة ج 3 ص 38، والاصابة ج 2 ص 208، وج 3 ص 413، والبحار ج 96 ص 83 و 190 والاستيعاب هامش الاصابة ج 3 ص 643، وجامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 73، والعقد الفريد ج 1 باب الوفود، والبيان والتبيين، والوسائل كتاب الزكاة باب تقدير نصاب الغنم، ومعاني الاخبار ص 275، وشرح الشفا للقاري ج 1 ص 18، وتاريخ ابن خلدون ج 2، والسيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 3 ص 94، والفائق للزمخشري ج 1 ص 14، وعن: المعجم الصغير ص 243، ورسالات نبوية ص 67 و 297، وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 58 و 59، ومجموعة الوثائق السياسية ص 205 و 206 عن المواهب اللدنية، والزرقاني، ومادة سيب في نهاية ابن الاثير، ولسان العرب، وتاج العروس، ونهاية الارب وغريب الحديث لابي عبيد في مادة: قيل وسيب، وطبقات ابن سعد ج 1 ص 287. (*)

[ 207 ]

قال الزيلعي: " السيب العطاء، والسيوب الركاز " (1). وتجد تفسير السيوب بالعطاء في مختلف كتب اللغة. ولنا أن نتساءل: لماذا خصوا السيوب بالركاز الذي هو أحد أفراد السيب، والسيب عام ومطلق ؟ ! وهل ذلك سوى الاجتهاد في اللغة، والتحوير والتزوير الباطل ؟ !. من أجل أن يتحاشوا تشريع الخمس في مطلق المغانم !. كما أنهم قد خصوه بالمال المدفون بالجاهلية. ولا ندري سر ذلك أيضا، فإن لفظ سيوب لا اختصاص له في ذلك قطعا. كما أنه قد كان مستعملا في الجاهلية أيضا، ولا يعقل أن يعتبره أهل الجاهلية: أنه المال المدفون في الجاهلية ! !. والظاهر: أنهم أرادوا أن يوهمونا بأنه بذلك يصير غنيمة من الكفار، الذين يجب حربهم، ليوافق مذهبهم في الخمس. ونحن نقول: إن كتب اللغة تنص على أن السيب هو المهمل، والسائبة هي الحيوان بلا صاحب ومراقب. وقد كانت الناقة تسيب في الجاهلية أي تهمل. وفي الحديث: كل عتيق سائبة. وهذا يقرب: أن يكون المراد بالسيوب: كل متروك ومهمل، لا يدخل في حاجة الانسان فيجب فيه الخمس. وثمة دليل آخر أيضا: وكتب (ص) إلى بعض قبائل العرب: إن لكم بطون الارض وسهولها، وتلاع الاودية، وظهورها، على أن ترعوا نباتها، وتشربوا ماءها،


(1) تبيين الحقائق ج 1 ص 288. (*)

[ 208 ]

على أن تؤدوا الخمس " (1). وسياق الكلام ظاهر ظهورا تاما في أن المراد ليس خمس غنائم الحرب، إذ لا مناسبة بين ذلك بين جعل بطون الارض وسهولها وتلاع الاودية وظهورها لهم، ثم بين رعي نباتها، وشرب مائها، وبين الخمس، إلا أن يكون خمس ما يحصلون عليه من ذلك الذي جعله لهم. ويؤيد ذلك ويؤكده: أنه قد ذكر بعد الخمس هنا زكاة الغنم أيضا، وأنهم إذا زرعوا فلسوف يعفون من زكاة الغنم. والظاهر أن ذلك ترغيب لهم بالزراعة. الخمس في المعدن والركاز: ثم إن من الثابت عندهم: أن " في الركاز الخمس " وكذا في المعادن (2)


(1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 2 ص 167، وعن مجموعة الوثائق السياسية ص 219، ورسالات نبوية ص 228، وكنز العمال ج 7 ص 65، وجمع الجوامع مسند عمرو بن مرة ونقله في مقدمة مرآة العقول ج 1 عن نهاية ابن الاثير، وعن ابن منظور في لسان العرب في كلمة: صرم. (2) الاموال لابي عبيد ج 33 ص 337 و 473 و 477 و 476 و 468 و 467، ونصب الراية ج 2 ص 382 و 381 و 380، ومسند أحمد ج 2 ص 228 و 239 و 254 و 274 و 314 و 186 و 202 و 207 و 274 و 285 و 319 و 382 و 386 و 406 و 411 و 415 و 454 و 456 و 467 و 475 و 482 و 493 و 495 و 499 و 501 و 507، وج 3 ص 354 و 353 و 336 و 356 و 335 و 128، وج 5 ص 326، وكنز العمال ج 4 ص 227 و 228، وج 19 ص 8 و 9، وج 5 ص 311، ومستدرك الحاكم ج 2 ص 56 ومجمع الزوائد ج 3 ص 77 و 78، وعن الطبراني في الكبير والاوسط، وعن أحمد والبزار، ومصنف عبد الرزاق ج 10 ص 128 و 66، وج 4 ص 117 و 64 و 65 و 116 و 300، وج 6 ص 98 عن خمس العنبر، ومقدمة مرآة العقول ج 1 ص 97 و 96، ومغازي = (*)

[ 209 ]

ويذكر الاصطخري: أنهم كانوا يأخذون خمس المعادن (1). وقد عد غير مالك وأهل المدينة المعدن من الركاز الذي يجيب فيه الخمس، واعتبروه كالغنيمة (2). ويقول أبو عبيد: إنه بالركاز أشبه (3). وقد كتب عمر بن العزيز لعروة، يسأله عن رأي السابقين في الخمس، فأجابه عروة: بأن العنبر بمنزلة الغنيمة، يجب أن يؤخذ منه الخمس (4).


= الواقدي ص 682، وسنن البيهقي ج 4 ص 157 و 156 و 155، وج 8 ص 110، والمعجم الصغير ج 1 ص 120، 121، 153، والطحاوي ج 1 ص 180، وسنن النسائي ج 5 ص 44 و 45، والبخاري ط مشكول ج 2 ص 159 و 160 في باب في الركاز الخمس، وفي باب من حفر بئرا في ملكه وط سنة 1309 ه‍. ج 4 ص 124، والهداية شرح البداية ج 1 ص 108، وخراج أبي يوسف ص 26، وسنن ابن ماجة ج 2 ص 839 و 803، وسنن أبي داود ج 3 ص 181، وج 4 ص 196، وشرح الموطأ للزرقاني ج 2 ص 321، وكتاب الاصل للشيباني ج 2 ص 138، وسنن الدارمي ج 1 ص 393 وج 2 ص 196، ونيل الاوطار ج 4 ص 210، والموطء ج 1 ص 393 وج 2 ص 196، ونيل الاوطار ج 4 ص 210، والموطأ ج 1 ص 244 وج 3 ص 71 (مطبوع مع تنوير الحوالك)، ومنحة المعبود ج 1 ص 175، والترمذي ج 1 ص 219 وج 3 ص 138، وصحيح مسلم ج 5 ص 127 و 11 و 225، والعقد الفريد ونهاية الارب، والاستيعاب، وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 207، وتاريخ بغداد ج 5 ص 53 و 54، ومصابيح السنة ط دار المعرفة ج 2 ص 17، والمسند للحميدي ج 2 ص 462، ومسند أبي يعلى ج 10 ص 437 و 461 و 459، وج 11 ص 202 وفي هامشه عن مصادر كثيرة جدا. (1) مسالك الممالك ص 158. (2) راجع: الاموال لابي عبيد ص 472. (3) الاموال ص 474. (4) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 4 ص 64 / 65. (*)

[ 210 ]

ويقول الشيباني: إن الركاز والمعدن يجب فيهما الخمس، وهما من المغنم (1). قد خمس علي " عليه السلام " الركاز في اليمن كما سنرى. وعن جابر: " ما وجد من غنيمة فقيها الخمس " ويقرب منه ما عن ابن جريج (2). وأخيرا، فقد جاء: أن من أخذ شيئا من أرض العدو، فباعه بذهب أو فضة أو غيره، فإنه يخمس (3). وكل ما تقدم ليس من غنائم الحرب كما هو معلوم، وقد حكم بثبوت الخمس فيه، فما معنى تخصيص الاية بغنائم الحرب ؟ ! ! وحسبنا ما ذكرناه هنا، فإن فيه مقنعا وكفاية لمن أراد الرشد والهداية. لطيفة: ومن الطريف أن نذكر هنا: أن أبا بكر قد أوصى بخمس ماله، وقال: " أوصي بما رضي الله به لنفسه، ثم تلا: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " (4). جباة الخمس: ويظهر: أنه كان للنبي (ص) جباة للخمس، كما كان له جباة


(1) كتاب الاصل للشيباني ج 2 ص 138. (2) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 4 ص 116. (3) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 179، 180، 181، وج 9 ص 67 وتحف العقول ص 260. (4) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 9 ص 66. (*)

[ 211 ]

للصدقات، وقد أرسل عمرو بن حزم إلى اليمن، وقدم عليه بأخماس بني عبد كلال اليمنيين، وأرسل إليهم يشركهم على ذلك. وأرسل عليا " عليه السلام " ليأخذ خمس غنائم الحرب من خالد بن الوليد (1). بل ويقول ابن القيم إنه (ص): " ولى علي بن أبي طالب الاخماس باليمن، والقضاء بها " (2). ومعلوم: أن أهل اليمن قد أسلموا طوعا، ولم يكن بينهم وبين غيرهم حرب. وقد خمس علي " عليه السلام " الركاز في اليمن (3). وكان محمية بن جزء رجلا من بني زبيد استعمله رسول الله (ص) على الاخماس (4). والقول بأن المراد: إنه أرسل عليا " عليه السلام " على الصدقات إلى اليمن. يدفعه: أنه (ص) لم يكن يولي بني هاشم الصدقات. وقصة عبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن العباس مشهورة (5).


نصب الراية ج 2 ص 382، ومصنف عبد الرزاق ج 4 ص 116، ومجمع الزوائد ج 3 ص 78، وراجع: البحار ج 21 ص 360 عن إعلام الورى. (2) البداية والنهاية. (3) زاد المعاد ج 1 ص 32، وراجع: سنن أبي داود ج 3 ص 127 باب كيف القضاء. (4) الاموال لابي عبيد ص 461. (5) مجمع الزوائد ج 3 ص 91، وأسد الغابة ترجمة: عبد المطلب بن ربيعة، ونوفل بن الحارث، ومحمية، صحيح مسلم ج 3 ص 118 باب تحريم الزكاة على آل النبي (ص)، وسنن النسائي ج 1 ص 365، وسنن أبي داود، والاموال لابي عبيد = (*)

[ 212 ]

بل كان يمنع حتى مواليه من تولي ذلك، فقد منع أبا رافع من ذلك، وقال له: " مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة " (1). مواضع الخمس في الكتاب والسنة: لقد نصت آية الخمس في الكتاب العزيز على أن الخمس لله ولرسوله، ولذوي قرباه، ولليتامى، وللمساكين، وأبناء السبيل. وكان رسول الله (ص) يعطي ذوي قرباه من الخمس إلى أن قبض (2). وأما اليتامى والمساكين في الرواية، فقد روي عن علي بن الحسين (ع) أنه قيل له: إن الله تعالى قال: (واليتامى والمساكين) ؟ فقال: أيتامنا ومساكيننا (3). وفي روايات أئمة أهل البيت (ع): أن سهم الله ورسوله وسهم ذي القربى للامام (ع)، وسهم اليتامى لبني هاشم، والمساكين وأبناء السبيل منهم (4)، وبنو هاشم هم بنو عبد المطلب (5).


= ص 329، ومغازي الواقدي ص 696 و 697، وتفسير العياشي ج 2 ص 93. (1) سنن أبي داود كتاب الزكاة ج 1 ص 212، والترمذي كتاب الزكاة ج 3 ص 159، والنسائي كتاب الزكاة ج 1 ص 366، ومجمع الزوائد ج 3 ص 90 / 91، وكنز العمال ج 6 ص 252 - 256، وأمالي الطوسي ج 2 ص 17، والبحار ج 96 ص 57، وسنن البيهقي ج 7 ص 32. (2) راجع: تفسير الطبري ج 15 ص 504 و 506 وبهامشه تفسير النيسابوري ج 15، وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 65 و 61، والاموال لابي عبيد ص 22 و 447 و 453 و 454. (3) تفسير النيسابوري بهامش الطبري، وتفسير الطبري ج 15 ص 7. (4) راجع: الوسائل ج 9 ص 356 و 358 و 359 و 361 و 362. (5) الوسائل ج 9 ص 358 / 359، ومقدمة مرآة العقول للعسكري ج 1 ص 116 و 117. (*)

[ 213 ]

ويشترك في الخمس الذكر منهم والانثى، فيقسم نصف الخمس على الطوائف الثلاث إذا كانوا فقراء، لقرابتهم من رسول الله، ولافتقارهم إلى ذلك في مؤنتهم. ولا يكفي انتسابهم إلى عبد المطلب بالامومة ويكفي الانتساب بالابوة. ومن طريق غير أهل البيت (ع) نذكر: هناك رواية واردة في الصحاح، تبين موضع الخمس في عصر الرسول (ص)، وهي: عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر - وفي رواية: حنين - وضع الرسول (ص) سهم ذي القربى في بني هاشم، وبني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس. فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي (ص) فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم، للموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة ؟ فقال رسول الله (ص): إنا وبني المطلب لا نفترق - وفي رواية النسائي: إن بني المطلب لم يفارقوني - في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعة (1).


(*) (1) صحيح البخاري باب غزوة خيبر ج 3 ص 36 وط سنة 1311 ج 4 ص 111 وج 6 ص 174، وسنن أبي داود ج 3 ص 145 و 146، وتفسير الطبري ج 15 ص 5، ومسند أحمد ج 4 ص 81، 85، 83، وسنن النسائي ج 7 ص 130 و 131، وسنن ابن ماجة ص 961، ومغازي الواقدي ج 2 ص 696، وأموال أبي عبيد ص 461 / 462، وسنن البيهقي ج 6 ص 340 - 342، والسيرة الحلبية ج 2 ص 209، والمحلى ج 7 ص 328، والبداية والنهاية ج 4 ص 200، وشرح = (*)

[ 214 ]

وبعد ما تقدم، فإننا نذكر هنا ملخصا لما ذكره بعض الباحثين (1) مع بعض التقليم والتطعيم، فنقول: مصير الخمس بعد الرسول (ص) في عهد أبي بكر: إذ لا حظنا طبيعة العصر الذي عاش فيه أبو بكر، فإننا نجد: أن السياسة قد اتجهت نحو إرسال جيوش لاخضاع الفئات المعارضة للحكم الجديد، والتي لم تقبل بيعة أبي بكر. فوضع الخمس حينئذ وسهم ذوي القربى في السلاح والكراع. فقد ذكر المؤلفون: أن الصحابة بعد وفاته (ص) قد اختلفوا، فقالت طائفة سهم الرسول للخليفة بعده، وقالت طائفة: سهم ذوي القربى، لقرابة الرسول، وقال آخرون: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. فأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والسلاح.


= النهج 15 / 284، ومجمع الزوائد ج 5 ص 341، ونيل الاوطار ج 8 ص 228 عن البرقاني والبخاري وغيرهما، والاصابة ج 1 ص 226، والبداية المجتهد ج 1 ص 402، والخراج لابي يوسف ص 21، وتشييد المطاعن ج 2 ص 818 و 819 عن زاد المعاد، والدر المنثور ج 3 ص 186 عن ابن أبي شيبة، والبحر الرائق ج 5 ص 98، وتبيين الحقائق ج 3 ص 257، ونصب الراية ج 3 ص 425 و 426 عن كثيرين. ومصابيح السنة ج 2 ص 70، وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 312، وفتح القدير ج 2 ص 310، ولباب التأويل ج 2 ص 185، ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 2 ص 186، والكشاف ج 2 ص 221. ونقل ذلك عن المصادر التالية: الجامع لاحكام القرآن ج 7 ص 12، وفتح الباري ج 7 ص 174، وج 6 ص 150، وتفسير المنار ج 10 ص 7، وترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 125 / 126، وإرشاد الساري ج 5 ص 202. (1) هو العلامة البحاثة السيد مرتضى العسكري حفظه الله تعالى. (*)

[ 215 ]

وفي سنن النسائي، والاموال لابي عبيد: فكانا في ذلك خلافة أبي بكر وعمر. وفي رواية: فلما قبض الله رسوله رد أبو بكر نصيب القرابة في المسلمين فجعل في سبيل الله. وقريب منه رواية أخرى تضيف عمر إلى أبي بكر. إلى غير ذلك من الروايات (1). ويوضح ذلك ما روي عن جبير بن مطعم: " أن رسول الله (ص) لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا كما كان يقسم لبني هاشم وبني المطلب. وإن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله (ص)، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله (ص) كما كان رسول الله (ص) يعطيهم " إلخ (2). في عهد عمر: وفي زمن عمر اتسعت الفتوح، فازدادت الثروات، ووزعوا الخمس على المسلمين، وأراد عمر أن يعطي بني هاشم شيئا من الخمس، فأبوا أن يأخذوا إلا كل سهمهم، فأبوا عليهم ذلك، وحرموهم منه، فقد جاء في جواب ابن عباس لنجدة الحروري حين سأله عن سهم ذوي القربى لمن هو ؟. قوله: " هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويخدم منه عائلنا، ويقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلى يسلمه لنا. وأبى ذلك فتركناه عليه ". ومثل ذلك روي عن علي أيضا، وأن عمر عرض


(1) راجع في ذلك كله وغيره مما يرتبط بالموضوع سنن النسائي ج 2 ص 179، وكتاب الخراج ص 24 و 25، والاموال لابي عبيد ص 463، وجامع البيان للطبري ج 15 ص 6، وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 62 و 60، وسنن البيهقي ج 6 ص 342 - 343، وسنن أبي داود بيان مواضع الخمس، ومسند أحمد ج 4 ص 83، ومجمع الزوائد ج 5 ص 341. (2) مسند أحمد ج 4 ص 83. (*)

[ 216 ]

عليهم البعض، وقال: إنه لم يبلغ علمه: أنه إذا كثر يكون كله لهم، فأبوا إلا الكل (1). في عهد عثمان: وأعطى عثمان خمس فتوح افريقيا مرة لعبد الله بن سعد بن أبي سرح (2) وفي الغزوة الثانية أعطاه لمروان بن الحكم. وقال في ذلك أسلم بن أوس الساعدي، الذي منع من دفن عثمان في البقيع. وأعطيت مروان خمس العباد * ظلما لهم وحميت الحمي (3)


(1) راجع الحديث في: الخراج لابي يوسف ص 21، 22، 23، 24، ومغازي الواقدي ص 697، والاموال لابي عبيد ص 465، 466، 467، وسنن النسائي ج 2 ص 178 و 177، وج 7 ص 129 و 128، وشرح معاني الاثار ج 3 ص 235 و 220، ومسند الحميدي رقم 532، والجامع الصحيح (السير) رقم 1556، وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 63، ولسان الميزان ج 6 ص 148، وصحيح مسلم ج 5 ص 198 باب النساء الغازيات يرضخ لهن، ومسند أحمد ج 10 ص 225، وج 1 ص 320 و 308 و 248 / 249 و 294 و 224، ومشكل الاثار ج 2 ص 136 و 179، ومسند الشافعي ص 183 و 187، وحلية أبي نعيم ج 3 ص 205، وتفسير الطبري ج 10 ص 5، وسنن أبي داود ج 3 ص 146 كتاب الخراج، وسنن البيهقي ج 6 ص 344 و 345 و 332، وكنز العمال ج 2 ص 305، والمصنف ج 5 ص 228 وراجع ص 238، والمحاسن والمساوئ 1 / 264، ووفاء الوفاء ص 995، والروض الانف ج 3 ص 80، ومسند أبي يعلى ج 4 ص 424، وج 5 ص 41 و 42. (2) راجع تاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 79 و 80، وتاريخ ابن الاثير ط أوربا ج 3 ص 71، وشرح النهج ج 1 ص 67. (3) راجع في ذلك الكامل ج 3 ص 71، والطبري ط أوربا قسم 1 ص 2818، وابن كثير ج 7 ص 152، وفتوح أفريقيا لابن عبد الحكم ص 58 و 60، والبلاذري ج 5 ص 25، 27، 28، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 156 والاغاني ج 6 ص 57. (*)

[ 217 ]

وقد نقم الناس عليه لامرين: أولهما: أن الخليفتين قبلة وإن كانا قد أخذا ذلك من مستحقيه، إلا أنهما كانا يضعان تلك الاموال في النفقات العامة، وقد خصصها عثمان لاقربائه. الثاني: أن سيرة هؤلاء الذين كان يعطيهم هذه العطايا الهائلة من مال لا يستحقونه كانت سيئة جدا، وكانوا معروفين بالانحراف، وعدم الاستقامة. سيرة علي (ع) في الخمس: وقد سئل أبو جعفر الباقر (ع) عن علي (ع): كيف صنع في سهم ذوي القربى حين ولي أمر الناس. قال: سلك به سبيل أبي بكر وعمر. قلت: وكيف، وأنتم تقولون ما تقولون ؟ فقال: ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه. قلت: فما منعه ؟ قال: كره والله أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر (1). وفي سنين البيهقي: أن حسنا، وحسينا، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر (رض) سألوا عليا (رض) نصيبهم من الخمس، فقال: هو لكم حق، ولكني محارب معاوية، فإن شئتم تركتم حقكم منه (2).


(1) الاموال لابي عبيد ص 463، والخراج ص 23، وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 63، وسنن البيهقي ج 6 ص 323، وأنساب الاشراف ج 1 ص 517، وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 217، وكنز العمال ج 4 ص 330 عن أبي عبيد، وعن ابن الانباري في المصاحف. (2) سنن البيهقي ج 6 ص 363. (*)

[ 218 ]

فعلي " عليه السلام " إذن لم يغير شيئا مما فعله أبو بكر وعمر في الخمس، لان ذلك يؤلب الناس عليه، ويدعون عليه خلاف أبي بكر وعمر. وإذا كان يريد حرب معاوية، فإن الامر يستوجب هذا الامر الاهم، وتأجيل المهم إلى وقت لا يكون فيه العمل به ذا مضاعفات خطيرة. عهد معاوية: لقد حرم بنو هاشم من الخمس منذ زمن معاوية، الذي صار يصطفي لنفسه الصفراء والبيضاء، ولا يقسم بين المسلمين منه ذهبا ولا فضة. فعن علي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي (ع)، قالا: " ما قسم علينا خمس منذ زمن معاوية إلى اليوم " (1). ولما أمر عمر بن عبد العزيز بدفع شئ من الخمس إلى بني هاشم، اجتمع نفر منهم، وكتبوا إليه شكر له، لصلته رحمهم وفيه: إنهم لم يزالوا مجفوين منذ كان معاوية (2). كما أن زيادا كتب إلى والي خراسان من قبله، الحكم بن عمرو الغفاري، يقول له عن الغنائم الكثيرة التي أصابوها: " أما بعد، فإن أمير المؤمنين كتب أن يصطفى له الصفراء والبيضاء، ولا تقسم بين المسلمين ذهبا ولا فضة ". وزاد الطبري: " الروائع " (3) على الصفراء والبيضاء.


(1) طبقات ابن سعد ج 5 ص 288 ط أوربا. (2) نفس المصدر. (3) مستدرك الحاكم وتلخيصه للذهبي بهامشه ج 3 ص 442، وطبقات ابن سعد ط أوربا ج 7 ص 18، والاستيعاب ج 1 ص 118، وأسد الغابة ج 2 ص 36، والطبري ط أوربا ج 2 ص 111، وابن الاثير ط أوربا ج 3 ص 391، والذهبي ج 2 ص 220، وابن كثير ج 8 ص 47. (*)

[ 219 ]

ولكن الحكم رفض ذلك، وقسم الغنائم، فأرسل إليه معاوية من قيده، وحبسه، فمات في قيوده، ودفن فيها، وقال: إني مخاصم (1). حتى عهد عمر بن عبد العزيز: وبقي الخمس في أيدي الامويين يتصرفون فيه تصرف المالك، حتى كان عهد عمر بن عبد العزيز، فحاول أن يعيد للهاشميين بعض حقوقهم لمصلحة يراها، فقسم فيهم بعض ذلك، ووعدهم: أنه إن بقي لهم أعطاهم جميع حقوقهم (2). لكن هذه المحاولة - كعهد عمر بن عبد العزيز نفسه - سرعان ما انتهت وبطل مفعولها، وعادت الامور لتسير في نفس الاتجاه الذي رسمه لها أعداء علي " عليه السلام " وأعداء أهل بيته، كما يعلم بأدنى مراجعة لكتب السير والتاريخ. آراء فقهاء أهل السنة في الخمس: لقد تضاربت آراء فقهاء أهل السنة تبعا لما فعله الخلفاء: قال ابن رشد: واختلفوا في الخمس على أربعة مذاهب مشهورة. إحداها: أن الخمس يقسم على خمسة أقسام على نص الاية، وبه قال الشافعي. والقول الثاني: أنه يقسم على أربعة أقسام. والقول الثالث: أنه يقسم اليوم ثلاثة أقسام، وأن سهم النبي (ص)، وذي القربى سقط بموت النبي (ص). والقول الرابع: أن الخمس بمنزلة الفئ يعطى منه الغني والفقير.


(1) تهذيب التهذيب ج 2 ص 437، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 442. (2) راج ذلك في طبقات ابن سعد ج 5 ص 281، 285، 287، 289، والخراج ص 25، وسنن النسائي باب قسم الفئ ج 2 ص 178. (*)

[ 220 ]

والذين قالوا يقسم أربعة أقسام أو خمسة اختلفوا في ما يفعل بسهم رسول الله (ص) وسهم القرابة بعد موته، فقال قوم: يرد على سائر الاصناف الذين لهم الخمس. وقال قوم: بل يرد على باقي الجيش. وقال قوم: بل سهم رسول الله (ص) للامام، وسهم ذي القربى لقرابة الامام. وقال قوم: بل يجعلان في السلاح والعدة، واختلفوا في القرابة من هم (1). أما ابن قدامة فقد ذكر: أن أبا بكر قسم الخمس على ثلاثة أسهم، وذكر أن هذا هو قول أصحاب الرأي، أبي حنيفة وجماعته، فإنهم قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة أقسام: اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل وأسقطوا سهم رسول الله (ص) بموته، وسهم قرابته أيضا. وقال مالك: الخمس والفئ واحد، يجعلان في بيت المال. ثم قال ابن قدامة: " وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الاية، فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئا، وجعل لهما في الخمس حقا، كما سمى الثلاثة الاصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب. وأما حمل أبي بكر وعمر (رض) على سهم ذى القربى في سبيل الله، فقد ذكر لاحمد فسكت، وحرك رأسه، ولم يذهب إليه. ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى، لموافقته كتاب الله وسنة رسوله (ص) " (2). ورأى أبو يعلى، والماوردي: أن تعيين مصرف الخمس منوط باجتهاد الخلفاء (3).


(1) بداية المجتهد حكم الخمس ج 1 ص 401. (2) المغني لابن قدامة ج 7 ص 351 باب قسمة الفئ والغنيمة. (3) الاحكام السلطانية للماوردي باب قسم الفئ ص 126، والاحكام السلطانية لابي يعلى ص 125. (*)

[ 221 ]

أهل البيت (ع) وشيعتهم وقضية الخمس: يقسم الخمس عند أهل البيت (ع) وشيعتهم إلى ستة أقسام، ثلاثة منها لله ولرسوله، ولذوي قرباه، يقبض النبي (ص) هذه الاسهم في حياته، ويعود أمرها إلى الائمة الاثني عشر من أهل بيته بعد وفاته (ص). والاسهم الاخرى هي لفقراء بني هاشم، وأبناء سبيلهم، ويتاماهم، مع وصف الفقر. وقالوا أيضا: يجب إخراج الخمس من كل مال فاز به المسلم من جهة العدى أو غيرهم. ولا يتوقف شيعة أهل البيت عند هذا، بل يستدلون أيضا بالاحاديث الكثيرة الدالة على ذلك، الواردة عن أئمة أهل البيت (ع)، الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم، وهم سفينة نوح، وباب حطة، هدانا الله جميعا إلى المزيد من محبتهم والتمسك بهم ومتابعتهم في أقوالهم وأفعالهم وما ذلك على الله بعزيز.

[ 223 ]

الباب الثالث: ما بين بدر وأحد

[ 225 ]

الفصل الاول: شخصيات وأحداث

[ 227 ]

تمهيد: لقد لا حظنا الاحداث التي بين بدر وأحد، فوجدناها تنقسم إلى قسمين: أحدهما: يسير في الاتجاه الشخصي بحسب الظاهر، بمعنى أنه يدور حول أحداث مرتبطة بشخصيات معينة، ولكنها في نهاية المطاف لابد وأن تؤثر على الجو العام، أو استفيد منها للتأثير فيه بنحو، أو بآخر. الثاني: الاحداث التي تصب في سير الاتجاه العام مباشرة، كالحروب، والاغتيالات، ونقض العهود، وما شاكل. ونحن نتحدث عن كلا القسمين، ونقدم الحديث عن القسم الاول فنقول: إن الحديث سوف يشمل البحوث التالية: 1 - وفاة رقية زوجة عثمان، والملابسات التي اكتنفت ذلك. 2 - زواج عثمان بأم كلثوم، ربيبة النبي (ص). 3 - هجرة زينب، ربيبة النبي (ص)، وما يرتبط بذلك. 4 - زواج امير المؤمنين (ع) بالزهراء: ظروفه وملابساته، ومناقشة بعض ما يذكر في ذلك. ويدخل في ذلك: ألف: البحث حول أسطورة زواجه (ع) ببنت أبي جهل.

[ 228 ]

باء: البحث حول تأريخ تحريم الخمر. 5 - أم سلمة في بيت النبي (ص). 6 - زواجه (ص) بحفصة. 7 - زواجه (ص) بزينب بنت خزيمة. 8 - سر تعدد زوجاته (ص). وتمر في خلال ذلك مناقشات لابد منها لما قيل أو يقال، مما لا مجال لتجاهله والتجاوز عنه، فنقول: 1 - وفاة رقية: قيل: إن رقية ربيبة النبي (ص) قد توفيت في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة في شهر رمضان، يوم النصر ببدر. وقيل: بل إن زيد بن حارثة جاء بشيرا بالنصر في حين كان عثمان واقفا على قبرها يدفنها. وقال النووي: إنها توفيت في ذي الحجة (1). ونحن نرجح: أنها توفيت بعد رجوعه (ص) من بدر، ذلك استنادا الى ما يلي: 1 - ان رواية: أن عثمان تخلف عن بدر ليمرضها محل شك، وذلك لما تقدم من تعيير عبد الرحمان بن عوف، وابن مسعود وغيرهما له بتخلفه عن بدر، فكيف خفي عليهم عذره، بل وفضله إذا كان (ص) قد ضرب له بسهمه وأجره كما يقولون. هذا عدا عن الرواية التي تقول: إنه تخلف لانه كان مريضا


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 406. (*)

[ 229 ]

بالجدري. وقد تقدم كل ذلك وسواه في وقعة بدر، فلا نعيد. 2 - لقد ذكر النووي: أنها توفيت في شهر ذي الحجة بعد بدر (1). و ذكر ابن قتيبة: أنها توفيت لسنة وعشرة أشهر وعشرين يوما من مقدمة " صلى الله عليه وآله " المدينة (2). وهذا معناه: أنها توفيت في شهر محرم. وهو يعضد ما ذكره النووي آنفا، وإن كان هذا أكثر دقة وتحديدا. 3 - لقد روى ابن سعد، وغيره: أنه " صلى الله عليه وآله " قال حينما توفيت رقية: إلحقي بسلفنا عثمان بن مظعون، فبكت النساء على رقية، فجاء عمر بن الخطاب، فجعل يضربهن إلى أن قال: فقعدت فاطمة على شفير القبر تبكي، فجعل يمسح عن عينها بطرف ثوبة (3). ورد الواقدي هذه الرواية: بأن رقية قد توفيت، والنبي " صلى الله عليه وآله " غائب في بدر، فلعل المراد غير رقية، أو أنه " صلى الله عليه وآله " أتى قبرها بعد قدومه، وبكاء النساء عليها بعد ذلك (4). ولكن هذا لا يمكن قبوله، فان الرواية الانفة صحيحة السند، ويعضدها ما تقدم وما سيأتي. وردها استنادا إلى ما شاع من تمريض عثمان لها، لاجل تأكيد ما استقر في نفوسهم من أنه " صلى الله عليه وآله " قد ضرب لعثمان بسهمه


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 406. (2) ذخائر العقبى ص 163. (3) راجع: طبقات ابن سعد ج 8 ص 24 و 25، والاصابة ج 4 ص 304، ووفاء الوفاء ج 3 ص 895، ومنحة المعبود في تلخيص مسند الطيالسي ج 1 ص 159، وليراجع قاموس الرجال ج 10 ص 439 عن الكافي. (4) راجع المصادر المتقدمة. (*)

[ 230 ]

وأجره، ليس بأولى من العكس، مع وجود التهمة في مستندهم هذا، كما تقدمت الاشارة إليه في وقعة بدر. 4 - وقد جاء بسند صحيح على شرط مسلم، عن أنس: لما ماتت رقية بنت رسول الله " صلى الله عليه وآله "، قال " صلى الله عليه وله ": لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة. فلم يدخل عثمان القبر (1). وفي لفظ آخر ذكره البخاري، عن أنس، قال: شهدنا دفن بنت رسول الله " صلى الله عليه وآله " ورسول الله (ص) جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل منكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ فقال أبو طلحة: أنا، فنزل في قبرها (2). وحكم جمع بأن ذكر رقية في الرواية وهم، أو خطأ، إستنادا إلى ما تقدم من كون رقية قد توفيت، والنبي " صلى الله عليه وآله " في بدر (3).


(1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، وتلخيصه هامش نفس الصفحة للذهبي، وسكت عنه، وليراجع: الاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 301، والاصابة ج 4 ص 304، وفتح الباري ج 3 ص 127، ومسند أحمد ج 3 ص 270 و 229، وعن تاريخ البخاري الاوسط، والروض الانف ج 3 ص 127. (2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 1 ص 152 و 146، ومشكل الاثار ج 3 ص 202 و 204، والاصابة ج 4 ص 304، والاستيعاب بهامشها ج 4 ص 301، والمعتصر من المختصر لمشكل الاثار ج 1 ص 113 / 114، وسنن البيهقي ج 4 ص 53، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 47، ومسند أحمد ج 3 ص 126 و 228، وذخائر العقبى ص 166، والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 414، وعن تاريخ البخاري. (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 301، ونهاية ابن الاثير ج 4 ص 46، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 26، والاصابة ج 4 ص 304 و 489 عن أبي عمر وابن سعد، وعن البخاري ولكن قد رأينا أن البخاري لم يصرح بأنها أم كلثوم، نعم قد ذكر الرواية في رقية في تاريخه، ثم ناقشها بما ذكروه. والمواهب اللدنية ج 1 = (*)

[ 231 ]

وجوابه كجواب سابقه. وليس هذا بأولى من العكس، بل العكس هو المتيقن، حسبما قدمنا آنفا، وفي وقعة بدر. والمراد بالمقارفة هنا: المجامعة، كما جزم به ابن حزم وغيره. كلام ابن بطال وغيره: وقد علق ابن بطال على حديث المقارفة هذا بقوله: " أراد النبي (ص) أن يحرم عثمان النزول في قبرها. وقد كان أحق بها، لانه كان بعلها. وفقد منهم علقا لا عوض منه، لانه حين قال " عليه السلام ": " أيكم لم يقارف الليلة أهله " سكت عثمان، ولم يقل: أنا، لانه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهم بالمصيبة، وانقطاع صهره من النبي (ص) عن المقارفة، فحرم بذلك ما كان حقا له، وكان أولى به من أبي طلحة وغيره، وهذا بين في معنى الحديث. ولعل النبي (ص) قد كان علم ذلك بالوحي، فلم يقل له شيئا، لانه فعل فعلا حلالا، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله، حتى حرم ما حرم من ذلك، بتعريض دون تصريح " (1). وقال ابن حبيب: " إن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان: أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة، فتلطف (ص) في منعه النزول في قبر زوجته بغير تصريح " (2).


= ص 197 عن البخاري، وفتح الباري ج 3 ص 127 عنه و 126 عن غيره، والروض الانف ج 3 ص 127، وذخائر العقبى ص 166. (1) الروض الانف للسهيلي ج 3 ص 127 / 128. (2) فتح الباري ج 3 ص 127. (*)

[ 232 ]

وللعلامة الاميني ها هنا كلام جيد ذكر فيه: أن النبي الداعي للستر على المؤمنين، والداعي للاغضاء عن العيوب، والناهي عن التجسس بنص القرآن العظيم عما يقع في الخلوات، يخرج هنا عن سجيته، ويخالف طريقته، ويعرض بعثمان هذا التعريض الذي فضحه وحرمه مما هو حق له. الامر الذي يدل على أن ما اقترفه عثمان كان أمرا عظيما، لا مجرد كونه فعل أمرا حلالا، ربما يكون قد اضطر إليه بسبب طول مرض زوجته، كما قد يحلو للبعض (1) أن يعتذر، فان ذلك لا يستدعي من النبي (ص) أن يقف هذا الموقف الحازم (2). انتهى ملخصا. ونقول: لعل عثمان قد ارتكب في حق رقية ذنبا عظيما جدا لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنه، بل نجد نصا في الكافي يقول: إن رقية لما قتلها عثمان، وقف النبي (ص) على قبرها، فرفع رأسه إلى السماء، فدمعت عيناه، وقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها، واستوهبتها من ضمة القبر (3). ولعل مما يشير إلى ذلك، ما رواه في تقريب أبي الصلاح، عن تاريخ الثقفي: أن عثمان لما خطب، وقال: الست ختن النبي على ابنتيه ؟ أجابته عائشة: بأنك كنت ختنه عليهما، ولكن كان منك فيهما ما قد علمت (4). وبعد كل ما تقدم، فهل يمكن أن نصدق: أنه (ص) قال: إنه لو كان عنده ثالثة، أو عشرة، أو أربعون أو... لكان زوجها لعثمان ؟ ! (5).


(1) المصدر السابق. (2) الغدير ج 8 ص 233. (3) قاموس الرجال ج 10 ص 439. (4) قاموس الرجال ج 10 ص 440 عن تقريب ابن الصلاح. (5) راجع: الغدير ج 8 ص 233 و 234. (*)

[ 233 ]

أكاذيب وأباطيل: والاكاذيب والاباطيل ها هنا كثيرة، نشير منها إلى ما يلي: 1 - هناك رواية تقول: إنه بعد موت رقية، رأى النبي (ص) عثمان مهموما لهفان (أو أنه يبكي بكاء شديدا)، فسأله (ص)، فقال: وهل دخل على أحد ما دخل علي ؟. ماتت ابنة رسول الله التي كانت عندي، وانقطع ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك، فبينما هو يحاوره إذ قال النبي (ص): يا عثمان، هذا جبريل (ع) يأمرني عن الله أن أزوجك أختها أم كلثوم، على مثل صداقها، وعلى مثل عشرتها، فزوجه اياها (1). عجيب ! ! أو ليس هذا النبي (ص) نفسه هو الذي حرم عثمان من الدخول في قبر رقية، لانه رفث إلى جارية في نفس ليلة وفاتها ؟ ! أو ليس عثمان هو الذي عيرته عائشة بأنه كان منه في رقية وأختها ما قد علم ؟ !. أو ليس هو الذي قتل رقية، حسبما جاء في رواية الكافي ؟ !. 2 - ورواية أخرى مفادها: أن أبا هريرة دخل على رقية، فأخبرته: أن رسول الله كان عندها آنفا، وسألها (ص) كيف تجد عثمان، فقالت: بخير، قال: أكرميه فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا (2). ونحن لا نزيد هنا على ما قاله الحاكم، وأيده الذهبي في تلخيصه:


(1) راجع: مستدرك الحاكم ج 4 ص 49، وأسد الغابة ج 5 ص 612 و 613 عن ابن المسيب، وذخائر العقبى ص 165 / 166 عن ابن عباس وأبي هريرة، وقال: أخرجهما الفضائلي. (2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 48، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، ومجمع الزوائد ج 9 ص 81، وسيرة مغلطاي ص 16 / 17، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 4 عن الحاكم، وابن عساكر. (*)

[ 234 ]

" هذا حديث صحيح الاسناد، واهي المتن، فان رقية ماتت سنة ثلاث (1) من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنما أسلم بعد فتح خيبر (2) ". هذا مع غض النظر عن المناقشة الكبيرة في أن يكون عثمان من أشبه أصحابه به خلقا، فإن المراجعة لسيرة عثمان وأخلاقه وسلوكه، لا يمكن أن تؤيد هذا بوجه من الوجوه، ونحيل القارئ إلى مورد واحد يكشف عن خلق عثمان، وهو قضيته مع عمار بن ياسر حين بناء المسجد.. هذا كله مع غض النظر عما ظهر منه أيام خلافته من أمور نقمها الصحابة عليه، حتى انتهى بهم الامر إلى أن قتلوه من أجلها. وثمة روايات أخرى حول عثمان وزواجه برقية وأم كلثوم، تعرض لها العلامة الاميني في الغدير، فمن أرادها فليراجعها (3). فإنه رحمه الله قد جاء بما هو كاف وشاف، فجزاه الله خير جزاء وأوفاه. كلمة أخيرة حول رقية وعثمان: ويذكرون أخيرا: أن رقية كانت قبل عثمان متزوجة بابن أبي لهب، وقد فارقته بالطلاق. وثمة رواية تقول: إن المبادرة للطلاق كانت من جانب آل أبي لهب، إنتقاما منها ومن أبيها، لانها صبت إلى دينه. وهذه الرواية هي المعروفة. ولكننا نجد في مقابل ذلك، رواية حسنة الاسناد تقول: إن النبي


(1) الصحيح: سنة إثنتين. (2) مستدرك الحاكم ج 4 ص 48، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة. (3) راجع: الغدير ج 5 ص 326، وج 9 ص 351 و 352 و 303 و 372 و 374، وموارد أخرى لا مجال لذكرها. (*)

[ 235 ]

(ص) هو الذي طلب من عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك، فطلقها (1). ونحن وإن كنا لا نستغرب خبث نفوس آل أبي لهب، ولا يبعد أن تكون قد تعرضت عندهم للاذى، ولربما يستفاد ذلك من طلبها هي الطلاق، إلا أننا ربما نجد في هذه الرواية الثانية: دلالة على أن النبي (ص) كان يسعى إلى أن لا يقر مسلمة مع مشرك، إن استطاع إلى ذلك سبيلا. ومهما يكن من أمر، فإن عثمان قد تزوجها بعد طلاق ابن أبي لهب لها... ويظهر أن ذلك كان في الاسلام، كما تدل عليه الروايات المتقدمة (2). وإن كان البعض يحاول أن يدعي أنه تزوجها في الجاهلية (3) ولكن ما تقدم يدفعه. ويدفعه أيضا أن ابن شهر آشوب يذكر: أن عثمان قد عاهد أبا بكر أن يسلم إذا زوجه النبي (ص) رقية (4)، وكانت رقية ذات جمال رائع (5)، ومن أحسن البشر (6). فلعل النبي (ص) زوجه إياها تألفا له على الاسلام، فأسلم.


(1) مجمع الزوائد ج 9 ص 216 / 217 عن الطبراني. قال الهيثمي: وفيه زهير بن العلاء، ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، فالاسناد حسن. (2) راجع: ذخائر العقبى ص 162، والمواهب اللدنية ج 1 ص 197 عن الدولابي، وتاريخ الخميس ج 1 ص 406. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 275 عن الدولابي. (4) مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 22. (5) المواهب اللدنية ج 1 ص 197، وذخائر العقبى ص 162. (6) مستدرك الحاكم ج 4 ص 47، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة. (*)

[ 236 ]

ويكون معنى قولهم - وإن كان ذلك بعيدا - إنه كان قد تزوجها في الجاهلية: أنه تزوجها في جاهليته هو، ثم أسلم، وفاء بعهده لابي بكر. ولسوف يأتي بعض الكلام حول هذا أيضا، حين الكلام عن زواج علي (ع) بفاطمة إن شاء الله. 2 - زواج عثمان بأم كلثوم: قال البعض: إن عثمان قد تزوج بأم كلثوم في ربيع الاول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الاخرة (1). ولكن روي عن الصادق " عليه السلام ": أن أم كلثوم ماتت ولم يدخل بها عثمان (2). وكان أبو بكر وعمر قد خطبا أم كلثوم، فلم يزوجهما رسول الله (ص) (3)، فلما ماتت رقية خطب عثمان حفصة بنت عمر، فأبى عمر أن يزوجه، فبلغ ذلك النبي (ص)، فتزوج هو حفصة، وزوج عثمان أم كلثوم (4). وعن عائشة: أنه (ص) جاء أم كلثوم بعد ثلاث، فسألها عن زوجها، فقالت: خير رجل. فقال: أما إنه أشبه الناس بجدك إبراهيم، وأبيك محمد.


(1) الاصابة ج 4 ص 489، والاستيعاب بهامشها ج 4 ص 487. (2) رجال المامقاني ج 3 ص 73 / 74 عن قرب الاسناد، وقاموس الرجال ج 10 ص 406، وقريب منه خبر الخصال كما في ص 407 من القاموس للتستري. (3) مستدرك الحاكم ج 4 ص 49. (4) ذخائر العقبى ص 165، والمواهب اللدنية ج 1 ص 197. وقال: أخرجه الخجندي. (*)

[ 237 ]

ونقول: إنه عدا عن الرواية المتقدمة المروية عن الامام الصادق (ع)، ترفض أن يكون عثمان قد دخل بأم كلثوم، فإنهم أيضا قد حكموا على خبر عائشة هذا بأنه: موضوع (1). هذا كله مع غض النظر عما تقدم، من أن أخلاق عثمان لم تكن توافق أخلاق أبيها محمد (ص)، وأن الصحابة إنما قتلوه لاجل ذلك. وأما سؤال: إنه كيف يزوجه أم كلثوم وهو قد عرف سوء معاملته لرقية ؟ فسيأتي جوابه حين الكلام على تعدد زوجاته (ص). ولسوف يأتي إن شاء الله في أواخر غزوة أحد بعض ما يتعلق بمعاملة عثمان لام كلثوم، حين الكلام عن سبب وفاتها رحمها الله تعالى. 3 - هجرة زينب بنت أو ربيبة النبي (ص): ويقولون: إنه بعد شهر من وقعة بدر كانت هجرة زينب بنت أو ربيبة (2) النبي (ص) إلى المدينة. حيث أرسل (ص) زيد بن حارثة، وأنصاريا آخر ليأتيا بها. كما أن زوجها كان قد أمرها بأن تهاجر إلى أبيها، وفاء بالشرط الذي شرطه لها حينما أسر في بدر. وخرج بها جهارا ليسلمها إلى زيد، فأنف القرشيون خروجها من بينهم على هذه الحالة، فخرجوا في طلبها، فأدركوها بذي طوى، فسبق إليها هبار بن الاسود، فروعها بالرمح، وكانت حاملا، فأهراقت الدم، ولما رجعت طرحت ذا بطنها (وفي نص آخر: أنه دفعها، فسقطت على


(1) لسان الميزان ج 2. (2) بل ربيبة. (*)

[ 238 ]

صخرة، فأسقطت، وأهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها حتى ماتت (1)، فبرك حموها كنانة بن الربيع، ونثل كنانته، وتهددهم، فتكركر الناس عنه، ففاوضه أبو سفيان، فكان مما قاله له: " قد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد أبيها، فيظن الناس إذا أنت خرجت بابنته جهارا، أن ذلك عن ذل أصابنا، وأن ذلك منا وهن وضعف ". ثم طلب منه أن يرجعها إلى مكة، ثم يسلها سرا، فقبل منه ذلك، وعاد بها، ثم أخرجها ليلا، وسلمها إلى زيد، فقدم بها على رسول الله (ص). وفي نص آخر: أنه لما أرجعها بقيت عند هند بنت عتبة، فكانت تقول لها: هذا بسبب أبيك. فأرسل الرسول (ص) زيد بن حارثة، ومعه خاتمه علامة لها، فأعطاه إلى راعي أبي العاص، فأوصله إليها، فسألته عن مكانه، ثم خرجت إليه ليلا، فقدم بها على الرسول (ص) (2). وفي عام الفتح أرجع الرسول زينب إلى زوجها، كما سيأتي إن شاء الله. وقدر أهدر الرسول (ص) دم هبار بن الاسود ورفيقه، بسبب ما جرى لزينب، كما ورد في رواية صحيحة على شرط السنن (3). وكما هو معروف ومشهور. وقبل أن نمضي في الحديث، لابد من تسجيل النقاط التالية:


(1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 44، وقاموس الرجال ج 10 ص 446، ومجمع الزوائد ج 9 ص 216، وقال: رواه الطبراني، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح. (2) راجع في هذه الرواية: ذخائر العقبى ص 157، ومجمع الزوائد ج 9 ص 212. (3) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 331. (*)

[ 239 ]

ألف: ما جرى لزينب، وما جرى لفاطمة: قال ابن أبي الحديد المعتزلي: " قلت: وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب (1) أبي جعفر رحمه الله، فقال: إذا كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أباح دم هبار بن الاسود، لانه روع زينب، فألقت ذا بطنها، فظهر الحال: أنه لو كان حيا لاباح دم من روع فاطمة حتى القت ذابطنها. فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: إن فاطمة روعت، فألقت المحسن ؟ !. فقال: لا تروه عني، ولا ترو عني بطلانه، فاني متوقف في هذا الموضع، لتعارض الاخبار عندي فيه " (2). وهكذا، فلقد خاف أبو جعفر: من أن يتعرض لما تعرض له غيره ممن يروي فضائل أمير المؤمنين، وأهل البيت " عليهم السلام " لقد خاف على نفسه، أو لا أقل على مكانته واعتباره ومستقبله العلمي. ولا سيما إذا كانت هذه الرواية تتضمن إباحة دم عدد من كبار الصحابة ؟ ! الذين لبعض الناس فيهم حسن ظن وتعلق عاطفي، ومحبة ظاهرة. ب: أين روايات اسقاط المحسن ؟ !: وليت شعري، أين هي تلك الاخبار في إسقاط المحسن، التي قال عنها أبو جعفر: إنها موجودة ومتعارضة ؟ ! فها نحن لا نجد لها عينا ولا أثرا في كتبهم ومؤلفاتهم اليوم، إلا القليل مما هو من قبيل هذا التعبير الذي نحن بصدد الحديث عنه.


(1) قد تقدم في غزوة بدر حين الكلام عن فداء الاسرى، حينما أرسلت زينب بالقلائد بعض ما يعبر عن شخصية أبي جعفر هذا، فراجع. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 193. (*)

[ 240 ]

أليس ذلك يعني: أن هذه الاخبار قد اسقطت، وقضي عليها، كغيرها من الكثير مما رأوه يضر بمصالحهم وبعقائدهم ؟ ! وإن كان قد بقي حتى الان الكثير النافع، والقاطع لكل عذر، ولا مجال لاحد أن ينكره، أو أن يشكك فيه مما ليس فيه حرج بالغ، أو خزي فاضح. ولاجل قضية إسقاط المحسن حرفوا كتاب: " المعارف " لابن قتيبة، فقد قال ابن شهر آشوب المتوفى سنة 588 ه‍: " وفي معارف القتيبي: أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوي " (1). وقال الكنجي الشافعي، المتوفى سنة 685 ه‍: " وزاد على الجمهور، وقال: إن فاطمة " عليها السلام " أسقطت بعد النبي ذكرا، كان سماه رسول الله (ص) محسنا، وهذا شئ لم يوجد عند أحد من أهل النقل، إلا عند ابن قتيبة " (2). ولكن الموجود في كتاب المعارف لابن قتيبة، المطبوع سنة 1353 ه‍ ص 92 هكذا: " وأما محسن بن علي، فهلك وهو صغير ". وهكذا في سائر الطبعات المتداولة الان، فلماذا هذا التحريف، وهذه الخيانة للحقيقة وللتاريخ يا ترى ؟ ! (3). ونسب المقدسي: إسقاط فاطمة لمحسن بسبب ضرب عمر لها إلى الشيعة (4). وهو الذي يظهر من الذهبي والعسقلاني أيضا (5).


(1) مناقب آل طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 358. (2) كفاية الطالب ص 413. وليراجع كتاب: بانوى كربلاء (فارسي) ط سنة 1339 هامش ص 18 - 19، ودراسات وبحوث في التاريخ والاسلام (للمؤلف) ج 1 ص 29. (4) البدء والتاريخ ج 5 ص 20. (5) ميزان الاعتدال ج 1 ص 139، ولسان الميزان ج 1 ص 268. (*)

[ 241 ]

ولكن النظام قد أعلن رأية في هذه القضية بشكل جعل من الصعب على الشهرستاني تجاهله، فقال عن النظام، إنه قال: " إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة، حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها " (1). وذكر البغدادي قول النظام بضرب عمر لفاطمة، وترك التصريح بأنها أسقطت جنينها (2). ج: عروة يتنقص فاطمة، وموقف السجاد (ع) منه: وقد روى عروة بن الزبير ما جرى لزينب، عن عائشة، وفي آ خر كلامها العبارة التالية: " فكان رسول الله (ص) يقول: هي أفضل بناتي، أصيبت في. قال: فبلغ ذلك علي بن الحسين زين العابدين، فأتى عروة، فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه، تتنقص فيه حق فاطمة ؟ ! فقال عروة: ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب: أن اتنقص فاطمة حقا هو لها، وأما بعد، فلك أن لا أحدث به أبدا " (3).


(1) الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 57 ط سنة 1387 ه‍. والمطبوع بهامش الفصل في الملل والنحل ج 1 ص 73 مع تصريحه بإسم " المحسن " في هذه الطبعة. (2) الفرق بين الفرق ص 147 / 148. (3) مستدرك الحاكم ج 4 ص 43 / 44، وصححه على شرطهما، وتلخيص المستدرك للذهبي، وقال: إنه حديث منكر. البداية والنهاية ج 3 ص 331، وذخائر العقبى ص 158، ومجمع الزوائد ج 9 ص 212 / 213، عن الطبراني في الكبير، وفي الاوسط بعضه، ورواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وحياة الصحابة ج 1 ص 379 عن المجمع، وتاريخ الخميس ج 1 ص 274، ومختصر تاريخ دمشق ج 2 = (*)

[ 242 ]

لقد كان لا بد لعروة من إنكار: أنه كان يتنقص فاطمة، ولو بأن يجعل المسؤولية تتوجه إلى عائشة نفسها، لان تنقص فاطمة " عليها السلام " علنا، معناه الكفر الصريح، وتكذيب القرآن ولم يكن ذلك مقبولا، ولا مستساغا عند عامة المسلمين، رغم الدعايات الواسعة التي حاولت الحط من كرامة وشأن أهل البيت، وتعظيم ورفع أعدائهم ومناوئيهم. ولا نريد أن نزيد هنا شيئا على موقف السجاد " عليه السلام "، فإنه قد أوضح لنا بما لا مجال معه للشك المرمى والهدف من روايتهم تلك. وقام " عليه السلام " ليؤدي رسالته في نصرة الحق وأهله. مع الطحاوي في تمحلاته: ولكن ما يلفت نظرنا هنا هو: أن الطحاوي يحاول أن يؤكد على صحة ما كذبه الامام السجاد " عليه السلام "، وأن يجد له التأوبل والمخرج، حتى لقد حكم بأن تفضيل زينب على سائر بناته (ص) إنما هو حينما كانت فاطمة " عليها السلام " صغيرة، ولم تكن بهذه المنزلة، ثم وفقت فاطمة إلى الاعمال الصالحة، وما وهب لها من الذرية، فصارت أفضل (1). ونقول: إن ما نعرفه: هو أن فاطمة إنما فضلت على نساء العالمين بنفسها، وبعملها، وجهادها هي، لا بما وهب لها من الذرية، فإن مجرد أن يكون للانسان ذرية صالحة لا يجعل له امتيازا، ما لم يكن هو بنفسه شريفا وكريما وفاضلا، فإن أكرمكم عند الله أتقاكم.


= ص 267، ومشكل الاثار ج 1 ص 45. (1) مشكل الاثار ج 1 ص 46 - 47. (*)

[ 243 ]

كما أننا نعرف: أن الطحاوي نفسه يذكر: أن فاطمة لم تكن حينئذ صغيرة، لانه يقول: إنها توفيت وعمرها 25 سنة (1)، مما يجوز أن يكون ذلك قبل بلوغ فاطمة (2)، مع أنه هو نفسه يقول: إن فاطمة كانت أكبر من عائشة بسبع سنين، لان النبي توفي وعمر عائشة 18 سنة عنده، وكان عمر فاطمة 25 سنة عنده (وقد قدمنا نحن أن العكس هو الصحيح، فراجع مباحث أول من إسلم، حول سبق عائشة إلى الاسلام، وبمباحث العقد على عائشة، وانتقالها إلى بيت النبي (ص)...). بسبع سنين، لان النبي توفي وعمر عائشة 18 سنة عنده، وكان عمر فاطمة 25 سنة عنده (وقد قدمنا نحن أن العكس هو الصحيح، فراجع مباحث أول من أسلم، حول سبق عائشة إلى الاسلام، ومباحث العقد على عائشة، وانتقالها إلى بيت النبي (ص)..). ثم أليس البلوغ هو بلوغ تسع سنين ؟ وقد كان عمر فاطمة يزيد حينئذ على تسع سنين على جميع الاقوال ؟ !. كما أن آية التطهير قد نزلت بعد هجرة زينب بحوالي سنتين فقط، وقد شملت فاطمة دون زينب وعائشة. وعلى كل حال، فإننا لا نستغرب على الطحاوي ولا على غيره هذه التناقضات والغرائب، فإنما هي " شنشنة أعرفها من أخزم ". مصاب فاطمة " عليها السلام ": وبعد فإن ما أصاب فاطمة بعد وفاة أبيها (ص) قد زاد على كل مصائب من سواها من النساء، فقد ضربت " عليها السلام "، وأسقط جنينها، وهجموا على بيتها ليحرقوه، وقد بقي أثر الضرب في كتفها كمثل الدملج إلى أن توفيت.


(1) مشكل الاثار ص 47 وليراجع ص 51. (2) المصدر السابق ص 53. (*)

[ 244 ]

ويذكر ابن سعد أنها أوصت أن لا يكشف كتفها (1). وقد روي قول الامام الحسن (ع) للمغيرة بن شعبة: " أنت ضربت أمي فاطمة حتى أدميتها، وألقت ما في بطنها إستذلالا منك لرسول الله (ص) " (2). ثم منعوها من البكاء على أبيها (ص)، إلى الكثير الكثير من الظلم الذي حاق بها بشتى أنواعه. وهكذا يتضح: أنهم قد انتقموا لانفسهم شر انتقام، ولعل رده لهما - حين خطباها قد ترك هو الاخرة آثاره على نفسية هؤلاء الناس، ورحم الله الذي يقول: تلك كانت حزازة ليس تبرا * حين ردا عنها وقد خطباها 4 - أم سلمة في بيت النبي (ص): وفي شوال السنة الثانية بعد بدر (3) وقيل: قبل بدر (4)، وقيل: في شوال السنة الرابعة (5) تزوج الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " بأم سلمة، أفضل نساء النبي (ص) بعد خديجة، وأول مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة، وعادت إلى مكة ثم كانت أول ظعينة دخلت المدينة


(1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 27 ط صادر، ج 8 ص 18 ط ليدن. (2) البحار ج 43 ص 197 عن الاحتجاج، ومرآة العقول ج 5 ص 321، والعوالم ص 225. (3) الاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 421 / 422، وتاريخ الخميس ج 1 ص 466 عن السمط الثمين عن أبي عمر، وذكره مغلطاي في سيرته بلفظ قيل. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 466، وراجع سيرة مغلطاي ص 55. (5) التنبيه والاشراف ص 213، وسيرة مغلطاي ص 55 وغيره كثير. (*)

[ 245 ]

مهاجرة أيضا (1). ونحن نرجح: أنها دخلت بيت النبي (ص) كزوجة له في السنة الثانية، وقد حضرت هذا الزفاف الذي جرى في ذي الحجة من السنة الثانية، وذلك لما ذكرناه فيما تقدم، حين الكلام حول حضور أم سلمة زواج فاطمة " عليها السلام "، فليراجع ما ذكرناه هناك. وعلى كل حال، فقد خطب أم سلمة أولا أبو بكر، فردته، ثم خطبها عمر فردته، ثم خطبها رسول الله (ص)، فقالت: مرحبا برسول الله (2) إلخ. وذكرت له أنها غيرى، وأنها مصبية، فرد النبي (ص) كلا عذريها، وتزوجها. عمر أم سلمة حين الزواج: والظاهر أنها حين تزوجها رسول الله (ص) لم تكن قد بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، لانهم يقولون: إنها توفيت في أوائل خلافة يزيد لعنه الله، سنة إثنين وستين، ولها أربع وثمانون سنة (3) فيكون عمرها حينما هاجرت إلى الحبشة حوالى 15 سنة. الكمال والجمال: وعذر أم سلمة المتقدم لرسول الله (ص) بأنها تغار، وبأنها مصبية، يدل على كمال عقلها، وحسن أدبها، وعلى أنها كانت تحسب للعواقب


(1) راجع على سبيل المثال: الاصابة ج 4 ص 459، وتاريخ الخميس ج 1 ص 466. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 62، والمواهب اللدنية ج 1 ص 204، ولم يذكر غير أبي بكر، وأسد الغابة ج 5 ص 58، والاصابة ج 4 ص 459. (3) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362. (*)

[ 246 ]

حسابها، فإن غيرتها لربما توقعها فيما لا تحب، وتكون سببا في أذى النبي، أو عدم راحته. وكونها مصبية لربما يعيقها عن القيام بواجباتها تجاه رسول الله (ص) على النحو الاكمل والافضل. وقد كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل الراجح، والرأي الصائب (1). وكانت من أجمل الناس (2). ولاجل ذلك نجد عائشة تقول: لما تزوج رسول الله (ص) أم سلمة حزنت حزنا شديدا، لما علمت من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها، فرأيت والله أضعاف ما وصفت من الحسن والجمال، فذكرت ذلك لحفصة، وكانتا يدا واحدة إلخ (3). ثم ذكرت أن حفصة قد حاولت التخفيف من هموم رفيقتها في هذا المجال. ولكن الظاهر: أن ذكر حفصة هنا كان في غير محله، لان الظاهر أنه (ص) قد تزوجها بعد أم سلمة كما سيأتي. فلابد أن تكون قد ذكرت لها ذلك، حين لم تكن حفصة زوجة له (ص)، أو أن غير حفصة هي صاحبة القضية مع عائشة. وثمة موارد أخرى تدخل في هذا المجال، ذكرها ابن سعد في طبقاته وغيره لا مجال لايرادها. أم سلمة على العهد: لقد كانت أم سلمة خير زوج لرسول الله (ص)، وبقيت بعده على العهد، لم تغير ولم تبدل، وقرت في بيتها كما أمرها الله، وناصرت وصي


(1) الاصابة ج 4 ص 459، وحديث الافك ص 161 عنه. (2) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362، والمواهب اللدنية ج 1 ص 205. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 467، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 66، والاصابة ج 4 ص 459 عنه. (*)

[ 247 ]

رسول الله، وعادت أعداءه ومحاربيه، حتى ليذكر البيهقي: أن عائشة دخلت على أم سلمة بعد رجوعها من وقعة الجمل، وقد كانت أم سلمة حلفت تكلمها أبدا، من أجل مسيرها إلى محاربة علي بن أبي طالب. فقالت عائشة: السلام عليك يا أم المؤمنين. فقالت: يا حائط، ألم أنهك ؟ ألم أقل لك ؟ ! قالت عائشة: فإني أستغفر الله وأتوب إليه، (كيف تتوب إليه، وهي عندما جاءها نعي علي أعتقت غلامها، وأظهرت الشماتة، وتكلمت بالكلام السئ في حقه " عليه السلام ") (1) كلميني يا أم المؤمنين. قالت: يا حائط، ألم أقل لك ؟ ! ألم أنهك ؟ ! فلم تكلمها حتى ماتت إلخ (2). ولام سلمة كلام قوي واجهت به عائشة بعد حرب الجمل وقبلها. ولها كتاب إلى علي " عليه السلام " حول خروج عائشة وإرسال إبنها سلمة إلى علي ليحارب معه عدوه، فليراجع ذلك من أراده (3). وبالمناسبة فإن ابن أم سلمة الذي أرسلته إليه إسمه " عمر "، وقد كان واليا لامير المؤمنين " عليه السلام " على فارس والبحرين، وكان معه يوم الجمل (4).


(1) راجع: الموفقيات ص 131، والجمل ص 83 و 84، ومقاتل الطالبيين ص 42 و 43، وقاموس الرجال ج 10 ص 475. (2) المحاسن والمساوي للبيهقي ج 1 ص 481. (3) راجع: قاموس الرجال ترجمة أم سلمة. (4) قاموس الرجال ترجمة عمر بن أبي سلمة. (*)

[ 248 ]

وفاة أم سلمة: وقد كانت أم سلمة رحمها الله آخر نسائه (ص) وفاة. فقد توفيت في خلافة يزيد لعنه الله تعالى. ولا يصح قول البعض كالواقدي وغيره (1): أنها توفيت سنة تسع وخمسين، وصلى عليها سعيد بن زيد، أو أبو هريرة (2). نعم، لا يصح، وذلك للامور التالية: أولا: إن سعيد بن زيد قد توفي في سنة خمسين، أو إحدى وخمسين (3) فكيف يكون قد صلى على أم سلمة التي توفيت بعد ذلك - كما صرح به هو نفسه - بسنوات ؟ وأما أبو هريرة، فإنه توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، فبالنسبة للقولين الاولين لا ريب في أنه قد توفي قبلها، وأما بالنسبة للاخير، فيبقى الامر محتملا، ولسوف يندفع هذا الاحتمال من خلال الادلة التالية. وثانيا: إننا لا نرتاب في أن أم سلمة قد توفيت في خلافة يزيد، وذلك إستنادا إلى ما يلي: 1 - إن من العروف والثابت، أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أودع عند أم سلمة قارورة فيها من تراب كربلاء، فإذا رأتها فاضت دما، فقد قتل الحسين عليه الصلاة والسلام.


(1) راجع: ترجمة أم سلمة في طبقات ابن سعد ج 8، والمواهب اللدنية ج 1 ص 205، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362. (2) كما ذكره أبو عمر في الاستيعاب، وابن الكمال، وابن الاثير. (3) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362، والاصابة ج 4 ص 460. (*)

[ 249 ]

وهكذا كان، فقد عرفت إستشهاد الامام الحسين " عليه السلام "، حينما فاضت هذه القارورة دما (1). قال ابن كثير: " والاحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله " (2). 2 - روى الطبراني بسند رجاله ثقات: أنها رحمها الله توفيت زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين (3). 3 - وقال الذهبي: إنها عمرت حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد، فوجمت لذلك، وغشي عليها، وحزنت عليه كثيرا، ولم تلبث بعده إلا يسيرا، وانتقلت إلى الله تعالى (4). 4 - عن شهر بن حوشب، قال: أتيت أم سلمة أعزيها بالحسين (5). 5 - رأت أم سلمة النبي (ص) في المنام، وأخبرها بأن الحسين " عليه السلام " قد قتل (6). 6 - قالوا: وقد روي بسند رجاله رجال الصحيح: أنها سمعت الجن


(1) راجع مصادر هذه القضية في كتاب: " سيرتنا وسنتنا " للعلامة الاميني، فإنه مشحون بالمصادر لها. والسجود على الارض للعلامة الاحمدي ص 112 / 113 / 114، فقيه مصادر كثيرة أيضا. (2) البداية والنهاية ج 8 ص 215. (3) مجمع الزوائد ج 9 ص 246. (4) مقتل الحسين للمقرم ص 355 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 202. (5) مقتل الحسين للمقرم ص 355، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 207 وج 3 ص 283. (6) تهذيب التهذيب ج 2 ص 356، وتاريخ الخلفاء ص 208، وأمالي ابن الشيخ الطوسي ج 1 ص 89، ومقتل الحسين للمقرم ص 355 عنهما وعن: ذخائر العقبى ص 148، وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 316. (*)

[ 250 ]

تنوح على الحسين " عليه السلام " (1). 7 - عن شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة (تقول) حين جاء نعي الحسين بن علي، لعنت أهل العراق، فقالت: قتلوه، قتلهم الله إلخ... ثم تذكر حديث الكساء (2). 8 - وروى مسلم في صحيحه: أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية، فسألا عن الجيش الذي يخسف به. وكان ذلك حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين (3). واخيرا، فإن من الذين قالوا بوفاتها في خلافة يزيد: الذهبي - كما تقدم - ورجحه ابن كثير كما تقدم أيضا، وابن أبي خيثمة، وابن حبان، وأبو نعيم، واليافعي، وابن عساكر، وصححه (4)، وغيرهم. ولعل الهدف من الاصرار على أنها قد توفيت سنة تسع وخمسين، هو تكذيب تلك الفضيلة التي ثبتت للامام الحسين " عليه السلام "، والتي


(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 208، ومجمع الزوائد ج 9 ص 199 عن الطبراني، وحياة الصحابة ج 3 ص 742 عنه. (2) شواهد التنزيل ج 2 ص 73 و 74 و 75 و 76 وراجع ص 77 وفي هامشه، ومسند أحمد ج 6 ص 298، والمعجم الصغير ج 1 ص 65. وراجع البحار ج 45 ص 199 عن الطرائف لابن طاووس ص 26 ج 1، ومشكل الاثار ج 1 ص 335. (3) الاصابة ج 4 ص 460. (4) راجع: الاصابة ج 4 ص 460، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362، ومرآة الجنان ج 1 ص 137، والبداية والنهاية ج 8 ص 215، وتاريخ الخميس ج 1 ص 467، وغير ذلك. (*)

[ 251 ]

تظهر بشاعة وفظاعة تلك الجريمة التي ارتكبها يزيد، ومن معه من الامويين وأذنابهم. 5 - حفصة في بيت النبي (ص): وفي السنة الثالثة، وقال أبو عبيدة في الثانية، في شهر شعبان، عقد النبي (ص) على حفصة بعد إنقضاء عدتها، بعد وفاة زوجها السابق خنيس بن حذافة، المقتول في بدر، أو أحد، أو بعدها. والارجح الاول، أي أنه (ص) قد عقد عليها في السنة الثالثة، لان بعض الروايات تصرح بأن عمر قد عرض حفصة على عثمان " متوفى رقية بنت النبي " (1). ورقية إنما توفيت بعد بدر، أو في ذي الحجة - كما تقدم وهو الذي رجحناه. وتقول بعض الروايات: إن عمر عرض حفصة على عثمان وأبي بكر، فلم يجيباه إلى ما طلب، فشكا ذلك إلى رسول الله (ص)، فقال له: إن الله عز وجل قد زوج عثمان خيرا من ابنتك، وزوج ابنتك خيرا من عثمان. وهذه الروية وإن كانت صريحة في أن أم كلثوم أفضل من حفصة، وتلقي ظلالا من الشك حول ما ينسب إلى حفصة من الفضل. بالاضافة إلى أن سيرة حياتها وسلوكها مع النبي (ص) وبعده، تجعل الباحث يميل إلى ضد ذلك الذي ينسبه محبوها إليها. إلا أننا نجد: أن عرض عمر ابنته على أبي بكر، وعثمان، غير مألوف، ولا معروف من الاباء، ولا ينسجم مع طبيعة العربي، وغروره،


(1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 57 / 58، وليراجع الاصابة ج 4 ص 273، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 268 و 300. (*)

[ 252 ]

وحساسيته تجاه قضايا المرأة بشكل خاص، وبالاخص من قبل عمر، الذي أظهر حساسية متميزة في هذا المجال، حتى لقد حرم زواج المتعة، الذي لم يكن معروفا ولا مألوفا في الجاهلية، ولذا فنحن نرى أن الرواية الاصواب والاقرب هي التي تقول: " لما توفيت رقية خطب عثمان ابنة عمر حفصة، فرده، فبلغ ذلك النبي (ص)، فقال: يا عمر، أولا أدلك على خير من عثمان ؟، وأدل عثمان على خير له منك ؟ ! قال: نعم يا نبي الله. قال: تزوجني ابنتك، وأزوج عثمان ابنتي، خرجه الخجندي " (1). ويلاحظ: أنه لم يذكر في هذه الرواية: أن الله قد زوجه حفصه، وزوج عثمان أم كلثوم. وعدم ذكره هو الاقرب للصحة، فإن زينب بنت جحش كانت تفتخر على نساء النبي بأن الله هو الذي زوجها، أما هن فزوجهن أولياؤهن. ولو كان الله قد زوج حفصة حقا لم يكن لكلام زينب هذا مجال، ولاعترض عليها نساء النبي (ص) في ذلك. وهكذا، فإن الشواهد تتضافر على تأييد هذه الرواية الاخيرة. ولسوف يأتي أيضا كلام مهم آخر عن زواجه (ص) من حفصة، حين الكلام عن سر تعدد زوجاته (ص). 6 - زينب بنت خزيمة في بيت النبي (ص): وفي شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة، وبعد تزوجه (ص) بحفصة، تزوج (ص) بزينب بنت خزيمة وماتت بعد شهرين، أو ثلاثة من اقترانها به، فهي أول زوجاته (ص) موتا بعد خديجة صلوات الله وسلامه عليها.


(1) المواهب اللدنية ج 1 ص 97، وذخائر العقبى ص 165. (*)

[ 253 ]

وقبل أن نمضي في الحديث لا بأس بأن نتوقف قليلا لنلقي نظرة، ولنتأمل في الدوافع التي دعت النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى تكثير زوجاته، فنقول: الاتهام الباطل: قد يحلو لبعض المغرضين والحاقدين: أن يسجل على رسول الاسلام الاعظم (ص) ملاحظة غير واقعية، تتلخص في أنه (ص) إنما تزوج عدة نساء إستجابة لرغبة جنسية جامحة، كان يعاني منها. ولكننا، إذ درسنا هذه الناحية بعمق وووعي، فإننا نخرج بنتيجة حاسمة تعطينا: أن هذا الكلام محض خيال زائف، ليس له منطق يساعده، ولا دليل يعتمد عليه، وذلك بملاحظة ما يلي: 1 - إن حب الرجل للمرأة، وإن كان أمرا طبيعيا، ولقد كان النبي (ص) رجلا إنسانا، فطبيعي أن يميل إلى المرأة، ويشعر بالمتعة معها. ولكن أول ما يطالعنا في هذا المجال في حياته (ص) هو أننا نلاحظ: أن أكثر زوجاته (ص) كن ثيبات: إما مطلقات، أو ترملن من أزواجهن قبله (ص). فلو كان (ص) يهتم بأمور الجنس، لكان باستطاعته أن يتزوج خيرة الفتيات الابكار، ولوجد أولياءهن يفتخرون بمصاهرته لهم. وهو الذي حث وحبذ وأثنى على الزواج بالابكار، ورغب فيه بشكل واضح وملموس. 2 - إنه (ص) وهو في مكة بقي 25 سنة مع زوجته خديجة، المرأة الوفية، التي كانت تكبره سنا، كما يقولون. ولم يتزوج عليها في حياتها أحدا، مع أن تعدد الزوجات كان مألوفا لدى الناس آنئذ.

[ 254 ]

3 - إننا نجده يرفض عرض قريش عليه التزويج بأي النساء شاء، في مقابل أن يلين في موقفه، ويخفف من مواجهته لالهتهم وعقائدهم. 4 - وملاحظة رابعة نضيفها وهي: أن نساءه (ص) كن على كثرتهن من قبائل شتى، لا تكاد تجد منهن اثنتين من قبيلة واحدة، إلا من اللواتي لم يدخل بهن. 5 - ثم إن جميع زوجاته باستثناء خديجة، إنما دخلن بيت الزوجية عنده حينما كان في المدينة المنورة، أي بعد أن تجاوز سن الخمسين، وبعضهن تزوجهن (ص) قبل وفاته بمدة قليلة. 6 - وأيضا، فإن هذا التعدد لم يشغل النبي (ص) عن واجباته، ولا أخرجه عن إتزانه، ولا طغى على وقته ونشاطه، وتاريخ حياته (ص) يشهد: بأنه (ص) لم يكن يهتم بهذه الامور، بل كان مثال العفاف والطهر البالغ، ولم يلوث نفسه بأي مما كانت الجاهلية تبيحه، وتشيع في مجتمعه ممارسته، ولم يستطع أحد من أعدائه أن يصمه بشئ من ذلك. 7 - وأخيرا، فإن ما يجب الالتفات إليه هو: أنه (ص) قد خير زوجاته بين الرضا بحياة التقشف معه، وبين الطلاق والفراق، فلو كان زواجه بهن بسبب طغيان الغريزة الجنسية لديه، لكان يجب أن يحتفظ بهن في جميع الاحوال، ولا يفرط بهن لمجرد حبه لحياة التقشف والزهد. فهل استيقظ فيه (ص) الشعور الجنسي في المدينة بالذات، وبعد شيخوخته، وفي أواخر عمره ؟ ! وهل استيقظ هذا الشعور على خصوص النساء اللواتي ترملن ؟ أو طلقهن أزواجهن ؟ !. أو هل أراد حقا أن يتذوق نساء القبائل المختلفة في الجزيرة العربية ؟ !.

[ 255 ]

ولماذا اختص ذلك بالعربية دون غيرها ؟ !. الدوافع الحقيقية: وبعد ما تقدم، فإننا إذا أردنا أن نجيب على التساؤل حول السبب في كل ذلك، ودوافعه، وآثاره، فإننا نقول: إن زواجه (ص) المتعدد هذا، قد كان لدوافع سياسية، واحكامية، وإنسانية، وإنطلاقا من مصلحة الاسلام العليا. وتوضيح ذلك قدر الامكان يكون في ضمن النقاط التالية: 1 - إن بعض موارد ذلك الزواج كانت دوافعه إنسانية بحتة، لكون تلك المرأة قد أسلمت وهاجرت، ثم توفي أو قتل عنها زوجها، ولا سبيل لها إلى الرجوع إلى أهلها المشركين، لانها لا تستطيع أن تقاوم ضغوطهم النفسية والمادية عليها. هذا إن تتعرض للتعذيب الجسدي الوحشي، فيما لو أرادت أن تحتفظ بدينها وعقيدتها فيما بينهم، ولا معيل ولا كفيل لها في هذا المجتمع الجديد، كما كان الحال بالنسبة لسودة بنت زمعة التي كانت مسنة، ويزيد عمرها على الخمسين عاما، وكذا الحال بالنسبة لزينب بنت خزيمة. هذا بالاضافة إلى أن تأيمها سيطلق الالسنة والاهواء في حقها وفي اتهاما، ويجعلها تتعرض لضغوط، وحتى إلى إغراءات، ربما لا تناسبها ولا تناسب موقعها ومصيرها في هذا المجتمع الغريب عنها. هذا إن لم يؤد ذلك إلى أزمات نفسية، وحتى قبلية لا مبرر لها. فخير كافل، وخير معين، وحافظ وولي لها، هو النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، إلا إذا وفق الله وتزوجها بعض خيار أصحابه (ص)

[ 256 ]

، حين يكون ثمة من يقدم على ذلك. 2 - إن زواجه (ص) بجويرية قد نشأ عنه: - كما يقولون - أن يطلق المسلمون مئة أهل بيت، وعند دحلان مئتين من الاسرى من قبيلتها، فأسلم من قومها خلق كثير، على حد تعبير المؤلفين في سيرة النبوية (1). وسيأتي ذلك انشاء الله مع مصادره في جزء آت من هذا الكتاب. فهذا نوع من التأليف للناس على الاسلام، والترغيب فيه، كما كان (ص) يتألفهم بطرق أخرى كبذل المال لهم، وتزويجهم، وتوليتهم بعض الامور، وغير ذلك. بل نجد عمرو بن العاص يذكر لنا نوعا من التأليف لم يكن يخطر على بالنا يقول عمرو: " كان رسول الله (ص) يقبل بوجهه، وحديثه على أشر القوم، يتألفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه علي، حتى ظننت أني خير القوم... ". ثم ذكر أنه سأل النبي (ص) عن نفسه، وفلان، وفلان، فأخبره: أنهم أفضل منه، فيقول عمرو: " فلوددت أني لم أكن سألته " (2). 3 - إن زواجه بزينب بنت جحش قد كان لضرورة إقتضاها التشريع، حيث إنه (ص) كان قد تبنى زوجها زيد بن حارثة، وكان العرب يعتقدون: أن آثار التبني هي نفس آثار البنوة الحقيقية، فيحل له، ويحرم عليه، ويرث، ويعامل - تماما - كالابن الحقيقي بلا فرق. ولم يكن مجال لقلع هذا المفهوم الخاطئ إلا بالاقدام على عمل أساسي لا مجال للريب، ولا للتأويل فيه. فكان زواج النبي (ص) من


(1) سيرة المصطفى ص 467. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 15 عن الطبري بأسناد حسن، وفي الصحيح بعضه بغير سياقه، وحياة الصحابة ج 2 ص 706 عن الترمذي في الشمائل ص 25. (*)

[ 257 ]

زوجة ابنه بالتبني هو الوسيلة الفضلى لقلع هذا المفهوم الخاطئ من أذهانهم، وهكذا كان. 4 - لقد جاء الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله " لهداية الناس وإرشادهم، ولابد لهم من الايمان به، والتسليم لامره ونهيه. بل لابد أن تكون له مكانة ومحبة في نفوسهم تزيد على محبتهم لكل شئ آخر، حتى المال، والولد، والنفس، بنص القرآن الكريم: (قل إن كان آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين) (1). ولكن، وبعد أن اضطر (ص) إلى مواجهتهم بالحرب، وقهرهم، وتمكن من السيطرة عليهم، صار بين كثير من القبائل التي كان عدد من زوجاته (ص) ينتمي إليها، وبين المسلمين، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على رأسهم، حروب وقتلى، وكان لقضية الثار والدم عند العربي أهمية خاصة، كما ألمحنا إليه من قبل. نعم بعد ذلك كله، مست الحاجة إلى إتباع أساليب كثيرة من أجل تأليفهم وإيجاد علائق من نوع معين، تفرض عليهم، أو على الاقل على الكثيرين منهم - والنبي (ص) يهمه حتى الفراد الواحد -: أن يرتبطوا به، ويتعاملوا معه تعاملا واضحا، ومن موقع الثقة المتبادلة. ويقطع الطريق عليهم في أي موقف سلبي منه، من دعوته. وبعد أن يتمكن من شحنهم روحيا وعقائديا، يكون قد مهد الطريق للقضاء على الاحقاد والاحن، ليمكن - من ثم - العمل يدا واحدة من أجل هدف واحد، وفي سبيل واحد.


(1) التوبة: 24. (*)

[ 258 ]

ولهذا نجده (ص) يتحمل من بعض تلك النسوة أذى كثيرا، ويواجه صعوبات جمة معها، ولكنه لا يبادر إلى قطع العلاقة معها نهائيا، لانه يتعامل مع زوجاته من موقعه السياسي الحرج، لا من جو بيت الزوجية (1). 5 - وكشاهد على ما تقدم نذكر: أن زواجه (ص) بحفصة مثلا كان - على ما يظهر - زواجا سياسيا، ويمكن أن يتضح ذلك من كلام أبيها عمر لها، حين طلقها النبي (ص)، وأراد طلاقها مرة ثانية، حينما تظاهرت هي وعائشة عليه " صلى الله عليه وآله "، واعتزلهما، فقد قال عمر لابنته: " والله، لقد علمت: أن رسول الله لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله (ص) " (2). كما ويرى البعض: أنه (ص) أراد أن يساوي بين أبي بكر وعمر من جهة المصاهرة لكل منهما (3). ومعنى كلامه هذا هو أن الدافع للزواج بحفصة كان سياسيا، وليس هو الرغبة الجنسية الجامحة، كما يدعون. وكذا الحال بالنسبة لزواجه بعائشة، حيث تزوجها من أجل الاحتفاظ بولاء أبيها وأبنائه إلى جانبه. وحينما طلق رسول الله " صلى الله عليه وآله " حفصة في المرة الاولى، حثا عمر على رأسه التراب، وقال ما يعبأ الله بعمر، وابنته بعدها، فراجعها النبي، رحمة للعمر (4).


(1) راجع كتاب: حديث الافك ص 165 للمؤلف.. (2) صحيح مسلم ج 4 ص 165، والجامع لاحكام القرآن ج 18 ص 190. (3) مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي (ص) بزينب بنت جحش ص 104. (4) أسد الغابة ج 5 ص 426، والاصابة ج 4 ص 273، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 269، ومجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني. (*)

[ 259 ]

فهذا الموقف الشديد لعمر من طلاق ابنته، جعل النبي (ص) يضطر إلى مراجعتها من جديد ! ! وقد ذكرها عمر بهذا الامر حينما أراد (ص) طلاقها في المرة الثانية فقال: " إنه قد كان طلقك مرة، ثم راجعك من أجلي " أو قال: إن النبي طلقك وراجعك من أجلي، أو نحو ذلك (1). وبعد ما تقدم يتضح: أنه لا يصح قولهم: إنه (ص) إنما راجعها، لان جبرئيل أمره بمراجعتها، لانها صوامة قوامة (2). خصوصا وأن الصوامة القوامة لا تجعل النبي (ص) يضطر إلى طلاقها مرتين، ثم يراجعها من أجل أبيها. كذبة مفضوحة: ومن الكذب الواضح هنا: ما روي أنه لما طلقها النبي (ص) اغتنم الناس، ودخل عليها خالها عثمان بن مظعون، وأخوه قدامة، فبينما هو عندها، وهم مغتمون إذ دخل النبي (ص) على حفصة، وقال: يا حفصة، أتاني جبريل " عليه السلام " آنفا، فقال: إن الله يقرؤك السلام، ويقول لك: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وثمة نص قريب من هذا، ورجاله رجال الصحيح (3) كما يدعون.


(1) راجع هذه النصوص في: أسد الغابة ج 5 ص 426، ومجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني ورجاله رجال الصحيح، والاصابة ج 4 ص 273 عن أبي يعلى. وراجع سيرة مغلطاي ص 48. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 58 و 59، ومجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن البزار والطبراني، وأسد الغابة ج 5 ص 425، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 269، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 238. (3) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 244 عن الطبراني في الاوسط، وفي السند من لم = (*)

[ 260 ]

وهذا من الكذب الواضح، فإن عثمان بن مظعون قد توفي قبل زواج النبي (ص) بها بمدة، وقضية الطلاق إنما حصلت في قضية لها مع مارية التي قدمت إلى المدينة سنة سبع، أو ثمان. وقد قلنا إن الصوامة القوامة لا يعهد منها أن تؤذي النبي إلى حد يضطر معه إلى طلاقها مرتين. والتي تؤذي النبي لا يعقل أن تكون معه في الجنة، والله تعالى يقول: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (1) وقال: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة، وأعد لهم عذابا مهينا) (2). وبعد هذا، فلا يمكن أن نصدق: أن يأتي جبرئيل فيأمره بمراجعة من هذه حالها، ثم يحكم - علاوة على ذلك - لها بالجنة (3). الزواج السياسي إحتقار للمرأة: ربما يقال: إن الزواج السياسي من قبل النبي (ص)، أو من قبل الامام الحسن " عليه السلام " من جعدة بنت الاشعث، إهانة للمرأة، وتحقير لها، وامتهان لكرامتها كإنسان. والجواب:


= يعرفهم، وفي ص 245 ما يقرب من هذا النص، وقال: إن رجاله رجال الصحيح. وتاريخ الخميس ج 1 ص 416 / 417، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 58. (1) التوبة: 61. (2) الاحزاب: 57. (3) راجع بعض قضايا في بيت النبي (ص) في ترجمتها في كتاب قاموس الرجال، وكتاب عائشة للعلامة العسكري وغير ذلك. (*)

[ 261 ]

أولا: إن النساء يختلفن من حيث الكرامة والقيمة بإختلاف حالاتهن، وبمقدار إلتزامهن بخط الاسلام والاحكام، ففاطمة ومريم، " عليهما السلام " وإمرأة فرعون وخديجة، وأم سلمة " رحمهن الله " لسن مثل إمرأة نوح وإمرأة لوط، فالمرأة التي ترضى لنفسها أن تكون في موقع الاهانة لا تكون إهانتها إهانة للجنس. وثانيا: إنه إذا كان الزواج بامرأة ما سببا لهداية جماعة من الناس، أو دفع ضرر عن الاسلام، أو عن المسلمين، فإنه يكون تكريما للمرأة، وتشريفا لها، لا سيما إذا كان ذلك من نبي أو وصي. فاعتبار ذلك إهانة للمرأة ليس له ما يبرره. 7 - ولادة الامام الحسن (ع): وولد الامام الحسن عليه الصلاة والسلام في النصف من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة، على ما هو الاقوى، وكان رسول الله (ص) قد أمرهم أن يلفوه في خرقة بيضاء، فأخذه (ص) وقبله، وأدخل لسانه في فيه، يمصه إياه، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وحلق رأسه، وتصدق بوزن شعره ورقا (أي فضة)، وطلى رأسه بالخلوق. ثم قال: يا أسماء، الدم فعل الجاهلية (1). أي أن طلي رأس المولود بالدم إنما هو من فعل الجاهلية. وسأل عليا " عليه السلام "، إن كان قد سماه. فقال " عليه السلام ": ما كنت لاسبقك باسمه. فقال (ص): ما كنت لاسبق ربي باسمه.


(1) راجع: البحار ج 43 ص 239، وتاريخ الخميس ج 1 ص 418، فيظهر: أنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فهو (ص) هنا ينهى عن ذلك. (*)

[ 262 ]

فأوحى الله إليه: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون. قال: وما كان اسمه ؟ قال: شبر. قال: لساني عربي. قال: سمه: " الحسن "، فسماه الحسن (1). وهذا يدفع قولهم: إنهم سموا الحسن أولا، حربا (2)، أو حمزة، فإن عليا في أدبه وفضله لم يكن ليسبق النبي (ص) في تسميته. وعق " صلى الله عليه وآله وسلم " عن الحسن بكبشين. وقيل: بكبش. وقيل: إن فاطمة " عليها السلام " هي التي عقت عنه، وهو بعيد، مع وجود أبيها وزوجها عليهما الصلاة والسلام. وبقي أن نشير هنا إلى ما يلي: ألف: ذكر أسماء بنت عميس هنا: إنه قد ورد في عدد من الروايات ذكر لاسماء بنت عميس، بمناسبة ولادة الامام الحسن عليه السلام (3). مع أن أسماء قد كانت حين ولادته


(1) البحار ج 43 ص 241، وعلل الشرايع ج 1 ص 137، ومعاني الاخبار ص 57، وتاريخ الخميس ج 1 ص 418، وغير ذلك. وليراجع مناقب ابن شهر آشوب، عن مسند أحمد، وتاريخ البلاذري، وفردوس الديلمي. ويقول بعض المحققين: إنه لم يحد في التوراة إسم شبر وشبير لا بني هارون، وقد ذكرت قصة أبناء هارون مفصلا. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 418 عن أحمد، وابن أبي حاتم، والبحار ج 43 ص 254 و 255 عن كشف الغمة، والاخبار الدخيلة ص 13، وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 25. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 417 و 418، وذخائر العقبى، والبحار ج 43 ص 255. (*)

[ 263 ]

(ع) في الحبشة، وقد أرضعت هناك ابن النجاشي، فعظمت منزلتها لدى أهل تلك البلاد (1). ونقول: ان هذه الزيادة قد حصلت من الرواة، حيث زادوا كلمة: " بنت عميس " تبرعا من عند أنفسهم، جريا على عادتهم، لانها هي الاعرف عندهم. والمقصود هنا هو أسماء بنت يزيد الانصارية، وليس هذا الاشتباه إلا في بعض الروايات، فإن رواية عيون أخبار الرضا (2) لا تحريف فيها. وقد اشتبه الامر على المحقق التستري هنا (3) بسبب اشتباهه في كيفية قراءة الخبر، فإن السجاد يروي عن أسماء بنت عميس، وهي تروي عن فاطمة، عن أسماء بنت يزيد الانصارية. والكلام في الرواية تارة يكون للسجاد، فيكون مراده بنت عميس، وأخرى يكون لبنت عميس، فيكون مرادها أسماء الانصارية. كما أن قولها في الرواية: " فدفعته " قرأة المحقق التستري بصيغة المتكلم، على اعتبار أن التاء فيه ضمير في محل رفع فاعل، مع أنها ساكنة، وهي تاء التأنيث، فراجع الرواية، وتأمل. باء: الحسن والحسين، إسمان جديدان: لقد ذكر البعض: أن العرب ما كانوا يعرفون إسمي: " الحسن والحسين " إلى حين تسمية النبي (ص) لهما بهما، لا الذين كانوا من ولد


(1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 81. (2) الاخبار الدخيلة ص 13 / 14 عن العيون ص 195. (3) راجع: الاخبار الدخيلة ص 13 / 14. (*)

[ 264 ]

نزار، ولا اليمن، مع سعة أفخاذهما، وكثرة ما فيها من الاسامي، وإنما يعرف فيها " حسن وحسين " على وزن سعد، وسعيد. فهما إسمان قد ادخرهما الله لهما (1). جيم: إرضاع أم الفضل للحسن: لقد رووا: أن أم الفضل، زوجة العباس، قالت: قلت: يا رسول الله صلى الله عليك، رأيت في المنام: كأن عضوا من أعضائك في حجري. فقال (ص): تلد فاطمة غلاما، فتكفليه، فوضعت فاطمة الحسن، فدفعه إليها النبي (ص)، فارضعته بلبن قثم بن العباس (2). ونحن نشك في هذه الرواية: أولا: لان العباس لم يكن قد هاجر حينئذ إلى المدينة. وكانت زوجته معه في مكة. وثانيا: إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلا (3). وقد رويت هذه القضية تقريبا مع أم أيمن، وأنها أرضعت الحسين (ع)، إلا أن فيه بدل في حجري: " في بيتي " (4) فلعل هذه الرواية هي


(1) البحار ج 43 ص 252 / 253 عن المناقب عن أبي الحسين النسابة، وتاريخ الخميس ج 1 ص 418، وليراجع أسد الغابة أيضا. (2) راجع: البحار ج 43 ص 242 و 255، وتاريخ الخميس ج 1 ص 418 / 419 عن الدولابي والبغوي في معجمه، والاصابة ج 3 ص 227 وج 4 ص 487 عن ابن سعد بسند جيد، وقاموس الرجال ج 7 ص 284 عن نسب مصعب الزبيري. (3) راجع: الاصابة ترجمة قثم. (4) البحار ج 43 ص 242 / 243 عن أمالي الصدوق، وعن المناقب، وقال: أخرجه القيرواني في التعبير، وصاحب فضائل الصحابة، والمناقب لابن شهر آشوب ج 4 ص 70، وروضة الواعظين ص 154. (*)

[ 265 ]

الصحيحة، ثم نسبت إلى أم الفضل من قبل العباسيين، الذين يهمهم إثبات أمر كهذا لمن ينتسبون إليه.

[ 267 ]

الفصل الثاني: فاطمة وعلي (ع) ومناوؤو هما

[ 269 ]

إقتران الزهراء (ع) بعلي (ع): وتزوج أمير المؤمنين " عليه السلام " بفاطمة الزهراء بنت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في شهر رمضان من السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة من نفس السنة (1). هذا هو المعتمد والمشهور. وقيل: في السنة الاولى، وقيل: في الثالثة بعد أحد، وقيل غير ذلك. وتبعا لاختلافهم في ذلك نجدهم يختلفون في تاريخ ولادة الحسنين " عليهما السلام ". والصحيح أن عمرها حين زواجها " عليها السلام "، كان تسع سنين - وقال آخرون غير ذلك. وقد تقدم تحقيق تاريخ ولادتها، وأنه بعد البعثة بخمس سنين، فلا حاجة لاطالة الكلام في ذلك. ومن الطريف هنا: أن البعض - كمغلطاي - يناقض نفسه، فيذكر أنها تزوجت بأمير المؤمنين (ع) بعد أحد، وعمرها 15 سنة. ولكنه يعود فيذكر في نفس الصفحة: أنها توفيت ولها تسع وعشرون سنة. ويضيف: وقيل ثلاثون، وقيل خمس وثلاثون (2) ! !.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 411. (2) راجع: سيرة مغلطاي ص 17. والقول الاخير يدل على أنها ولدت قبل البعثة بحوالي 12 سنة ولم يقل بذلك أحد. (*)

[ 270 ]

وعلى كل حال، فان كثيرا من المؤرخين يناقضون أنفسهم، حينما يذكرون تاريخ ولادتها، ووفاتها، وسنة زواجها، ومقدار عمرها، ومراجعة بسيطة، مع مقارنة خير شاهد ودليل على ما نقول. وهذا يدلنا على أن ذلك ليس من قبيل الصدفة، فقد كان ثمة تعمد للتلاعب في مقدار عمرها الشريف، ولذلك دوافع وأهداف لا مجال للافاضة فيها. والحقيقة - وقد أشرنا إلى ذلك غير مرة -: أن عائشة هي التي كان لها ذلك السن العالي. أما فاطمة " عليها السلام " فقد توفي النبي (ص) وعمرها 18 سنة، فعكسوا الامر لحاجة في أنفسهم قضيت. وقد تقدم تحقيق ذلك. حديث الزواج: ولقد خطب أبو بكر وعمر (رض) فاطمة أولا، فقال رسول الله (ص): إنها صغيرة، فخطبها علي، فزوجها منه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (1). وثمة نص آخر يفيد: أن أشراف قريش قد خطبوا فاطمة، فردهم النبي (ص)، ومنهم عبد الرحمان بن عوف (2)، بإشارة من أبي بكر وعمر


(1) مستدرك الحاكم ج 2 ص 167 / 168، وسكت عنه الذهبي في تلخيص المستدرك، وسنن النسائي ج 6 ص 62، وخصائص أمير المؤمنين علي (ع) للنسائي ص 114، وتذكرة الخواص ص 306 / 307، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 345. (2) البحار ج 43 ص 108 و 140 عن ابن بطة في الابانة وعن غيره، وكفاية الطالب ص 302 / 303، وكشف الغمة ج 1 ص 368. (*)

[ 271 ]

عليه، وكان قد خطبها أبو بكر فرده (ص)، ثم خطبها عمر فرده أيضا (1). وقد قيل لعلي - وتصرح طائفة من الروايات أن أبا بكر وعمر، بعد أن ردهما النبي (ص) قصدا عليا " عليه السلام " إلى محل عمله، فقالا له (2) -: لم لا تخطب فاطمة ؟.


(1) صحيح ابن حبان، مخطوط في مكتبة: " قبوسراى " في استانبول، وسنن النسائي ج 6 ص 62، ومستدرك الحاكم ج 2 ص 167، لم يتعقبه الذهبي، والسيرة الحلبية ج 2 ص 206، وتاريخ الخميس ج 1 ص 361، وكفاية الطالب ص 304، وفضائل الخمسة ج 2 ص 133، والرياض النضرة ج 3 ص 142 و 145 وعن ابن عساكر ص 79 عن أبي الحسن بن شاذان، وعن علي بن سلطان في مرقاته ج 5 ص 574 في الشرح، وليراجع ص 142 - 145. والبحار ج 43 ص 107 و 108 عن البلاذري في التاريخ، وابن شاهين في فضائل الائمة ص 125 و 136 و 140 وقال في ص 108: " قد اشتهر في الصحاح بالاسانيد عن أمير المؤمنين، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر الانصاري، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وأم سلمة، بألفاظ مختلفة، ومعاني متفقة: أن أبا بكر، وعمر، خطبا إلى النبي (ص) فاطمة مرة بعد أخرى، فردهما ". وكذلك فليراجع: ذخائر العقبى ص 27 - 30، ودلائل الصدق ج 2 ص 289 - 292، وأسد الغابة ج 5 ص 520، واللالي المصنوعة ج 1 ص 365، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 11، ومجمع الزوائد ج 9 ص 204 عن البزار، والطبراني، ورجاله ثقات وص 205 عن الطبراني أيضا، وشرح النهج ج 13 ص 228 وليراجع ص 227 وقال: " وقد روى هذا الخبر جماعة من الصحابة، منهم: أسماء بنت عميس، وأم أيمن، وابن عباس، وجابر بن عبد الله " والصواعق المحرقة ط سنة 1375 ه‍ ص 139 و 140 و 161 عن أحمد، وابن أبي حاتم، وأبي الخير القزويني والحاكمي، وأبي داود السجستاني، وكشف الغمة ج 1 ص 353 و 364 عن علي وأم سلمة وسلمان، ومناقب الخوارزمي ص 247، وجلاء العيون ج 1 ص 158 عن أمالي الشيخ، وكنز العمال ج 15 ص 199 و 286 و 288 عن ابن جرير، وأبي نعيم، وقال: إن الدولابي صححه في الذرية الطاهرة. (2) راجع: المصادر المتقدمة، فإن كثيرا منها قد صرح بذلك. (*)

[ 272 ]

فخطبها " عليه السلام " إلى النبي، فزوجه إياها. وصرح " صلى الله عليه وآله وسلم " غير مرة: بأنه إنما زوجه إياها بأمر من السماء (1)، كما صرحت به المصادر الكثيرة. وجاء أن سعد بن معاذ، أو أم أيمن، أو جماعة من الانصار، قد طلبوا منه (ع) أن يخطب فاطمة (2). ولا مانع من أن يكون الكل قد طلبوا منه ذلك لما يرون من مكانته وقرباه من النبي (ص)، بالاضافة إلى أهليته في نفسه. وقد عاتب الخاطبون النبي (ص) على منعهم، وتزويج علي (ع)، فقال (ص): والله، ما أنا منعتكم وزوجته، بل الله منعكم وزوجه (3).. قد ورد عنه (ص) أنه قال: لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفؤ (4). وفي كيفية زفافهما صلوات الله وسلامه عليهما في الاول، أو في السادس من ذي الحجة تفصيلات تظهر ما لهما " علهما السلام " من الفضل والمزية. وكذلك هي تعبر عن البساطة التي تميز بها زفاف بنت أعظم إنسان على وجه الارض، على رجل هو أعظم وأفضل الناس بعد النبي (ص)، حتى لقد جاء: أن فراشهما كان إهاب كبش ينامان عليه ليلا، ويعلف عليه الناضح نهارا (5).


(1) و (2) راجع المصادر المتقدمة فإن كثيرا منها قد صرح بذلك. (2) البحار ج 43 ص 92. (3) كنوز الحقائق للمناوى بهامش الجامع الصغير ج 2 ص 75 عن الفردوس للديلمي، وكشف الغمة ج 2 ص 98، والبحار ج 43 ص 141 - 145. (4) حياة الامام الحسن (ع) للقرشي ج 1 ص 15. (5) راجع: ذخائر العقبى ص 325، وراجع حياة الامام الحسن (ع) للقرشي ج 1 ص 86 / 87 والزهد والرقائق ص 355، وراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 209. (*)

[ 273 ]

وقبل أن نمضي في الحديث، لابد من التعرض لبعض ما يرتبط بهذا الموضوع، فنقول: ألف: ميزات هذا الزواج: يقول العلامة الشيخ محمد حسن آل ياسين، وهو يتحدث عن ميزات هذا الزواج: " وكانت أولى هذه الميزات: أنه زواج في السماء، وبأمر من الله تعالى، قبل أن يكون نسبا أرضيا، ومجرد ارتباط عاطفي، ويكفينا في ذلك ما حدثنا به الخليفة عمر بن الخطاب إذ قال: " نزل جبرئيل فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تزوج فاطمة ابنتك من علي (1). وكان ثاني هذه الميزات: أن الله تعالى قد جعل الذرية النبوية الطاهرة محصورة بهذا الزواج المبارك، ومن طريق هذين الزوجين. وفي ذلك يقول الخليفة عمر بن الخطاب: " سمعت رسول الله (ص) يقول: " كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكل بني أنثى فعصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة فاني أبوهم، وأنا عصبتهم (2) ". ثم كان ثالث هذه الميزات: " أن الزهراء " عليها السلام " وحيدة محمد، التي لم يكن لها أخت في النسب الابوي. أما زينب، ورقية، وأم كلثوم - وقد اشتهرن بكونهن بنات محمد - فهن بنات خديجة " رضي الله عنها " من زوجيها الاولين، ولم يؤيد التحقيق التاريخي المتعمق بنوتهن لمحمد " (3).


(1) ذخائر العقبى ص 30، وراجع شرح نهج البلاغة ج 9 ص 193. (2) ذخائر العقبى ص 169، وقريب منه ما في شرح نهج البلاغة ج 12 ص 106. (3) كان ما تقدم هو كلام الشيخ آل ياسين في كتابه الامام علي أبي طالب (ع) سيرة وتاريخ ص 27. (*)

[ 274 ]

ونقول: إن التحقيق يدل على أنهن ربيبات للنبي (ص) ولخديجة، ولسن بناته ولا بناتها كما تقدم. وقد حققنا ذلك في كتاب لنا مستقل، بعنوان: بنات النبي (ص) أم ربائبه، فراجع. ب: لست بدجال: لقد روى غير واحد: أن عليا خطب فاطمة إلى رسول الله (ص)، فقال (ص): هي لك يا علي، لست بدجال. وفي نص آخر: خطب أبو بكر فاطمة إلى رسول الله (ص). فقال النبي (ص): هي لك يا علي لست بدجال (1). وبما أن في هذه الكلمة تعريضا صريحا بمن خطبها قبل أمير المؤمنين، فقد حاول ابن سعد، والبزار جعل التاء في " لست " للمتكلم، فقال ابن سعد: " وذلك أنه كان قد وعد عليا بها قبل أن يخطب إليه أبو بكر وعمر " (2). وقال البزار: " معنى قوله: لست بدجال يدل على أنه كان وعده، فقال: إني لا أخلف الوعد ". وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلا أن حجرا (ابن عنبس) لم يسمع من النبي (ص) (3).


(1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 12، ومجمع الزوائد ج 9 ص 204 عن البزار، واللالي المصنوعة ج 1 ص 365 عن العقيلي، والطبراني. وروى الحديث في الاصابة ج 1 ص 374 عن الطبراني بنفس السند ونفس الراوي مع حذف كلمة " لست بدجال " وهذا يعبر عن مدى إنصاف وأمانة العسقلاني في النقل ! ! !. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 12. (3) مجمع الزوائد ج 9 ص 204. (*)

[ 275 ]

ونحن نقول: إن كلام كل هؤلاء لا يصح، وذلك: أولا: لان العقيلي قد روى هذا الحديث بنص آخر يظهر منه أن التاء للمخاطب لا للمتكلم، فقال: عن حجر بن عنبس قال: لما زوج النبي (ص) فاطمة من علي قال: لقد زوجتك غير دجال (1). والظاهر: أن الرواية خطاب لفاطمة " عليها السلام "، فهو (ص) يريد أن ينفي أن يكون قد زوج فاطمة رجلا دجالا، وليس يريد أن ينفي عن نفسه كونه دجالا. كما أنه لو كان يريد أن ينفي عن نفسه الخلف بالوعد، لكان الانسب أن يقول: لست بمخلف وعدي أو نحو ذلك لان كلمة دجال، التي تعني الاختلاق، لا تناسب خلف الوعد. وحتى لو كان الكلام خطابا لامير المؤمنين (ع)، فإنه يريد به أيضا نفي كون الخاطب دجالا. هذا هو الانسب بالمقام، والاوفق بإجراء الكلام. وحكم السيوطي على هذا الحديث بالوضع، لمكان موسى بن قيس، لا اعتبار به، لانه استند في ذلك إلى كلام العقيلي فيه، واتهامه له بالرفض - والعقيلي هو الذي يوثق عمر بن سعد قاتل الامام الحسين " عليه السلام " ! !. وموسى بن قيس قد وثقه كل من تعرض له سوى العقيلي، فليراجع كلام ابن معين، وأبي حاتم، وأبي نعيم، وأحمد، وابن شاهين، وابن نمير (2). وأما حجر بن العنبس، فقولهم: لم يسمع من النبي (ص)، لا


(1) اللالي المصنوعة ج 1 ص 365، والضعفاء الكبير ج 4 ص 165. (2) تهذيب التهذيب ج 10 ص 366 / 367. (*)

[ 276 ]

ندري مستنده، ونحن نرى: أنه يروي عن النبي (ص)، وقد عاصره، بل لقد أدرك الجاهلية، وذكره الطبراني في الصحابة (1)، بل لماذا لا تكون نفس روايته هذه دليلا على سماعه منه (ص)، كما يجعل نظائر المقام دليلا على ذلك. ولكن الحقيقة هي: أن ذنب حجر الوحيد هو: أنه حضر مع علي " عليه السلام " الجمل وصفين، ولهؤلاء اهتمام خاص في تقليل عدد الصحابة الذين كانوا مع أمير المؤمنين، وتكثير غيرهم، ولربما نشير إلى هذا الامر بنوع من التفصيل في موقع آخر إن شاء الله تعالى. وثانيا: لقد نصت العديد من المصادر المتقدمة: على أنه لم يكن يخطر في بال أمير المؤمنين " عليه السلام " خطبة فاطمة " عليها السلام "، وأنه لما عرض عليه أبو بكر وعمر ذلك قال: لقد نبهتماني لامر كنت عنه غافلا، ثم ذهب إلى النبي (ص)، فخطبها، فأجابه. وهذا يدل على أن النبي (ص) لم يكن قد وعده بها. وثالثا: ان الروايات تنص على أنه (ص) قد أجاب أبا بكر وعمر، بأنه ينتظر بها القضاء. فلو كان قد سبق منه وعد لعلي، لكان الانسب أن يقول لهما: إنها مخطوبة، أو إنني وعدت بها فلانا. إذن، فقد كان النبي يعرض بغير علي هنا، ممن له علاقة قريبة بهذا الامر. والغريب في الامر: أننا نجد عليا " عليه السلام " نفسه يعرض بغيره في هذا الموضوع بالذات، ف‍ " عن أسماء بنت عميس: أنها قالت: قيل لعلي: ألا تتزوج بنت رسول الله (ص) ؟ فقال: مالي صفراء ولا بيضاء، ولست بمأبور - بالباء الموحدة،


(1) الاصابة ج 1 ص 374. (*)

[ 277 ]

يعني غير الصحيح في الدين - ولا المتهم في الاسلام " (1). وهذا يدل على أن تزويج النبي (ص) لربائبه قد كان لمصلحة الدين والدعوة بالدرجة الاولى، كتزوجه (ص) لنسائه كما تقدم توضيحه. وحينما طلب منه سعد بن معاذ: أن يخطب فاطمة، قال له: " ما أنا بأحد الرجلين: ما أنا بصاحب دنيا يلتمس ما عندي، وقد علم مالي صفراء ولا بيضاء، وما أنا بالكافر الذي يترفق بها عن دينه، - يعني يتألفه -، إني لاول من أسلم " (2). وإذا كنا نعلم: أن النبي (ص) لا يلتمس الدنيا، فلابد أن يكون ذلك تعريضا بعثمان، حيث قد تقدم: إنه كان قد عاهد أبا بكر على أن يسلم إذا زوجه النبي (ص) رقية، التي كانت ذات جمال رائع. ثم هو تعريض بأولئك الذين كانوا يملكون أموالا، وكانوا يظنون أن النبي (ص) يزوجهم لاجل ذلك، فكان نصيبهم الرد والخيبة. ثم أشار " عليه السلام " إلى ملاك الشرف والتفضيل بقوله: إني لاول من أسلم. ولاجل ذلك زوجه الله ورسوله (ص). وقد قدمنا: أن رد النبي (ص) لاولئك المعروفين عن فاطمة، كان له أثر كبير في نفوسهم، حتى لقد قال أحد الاشراف العلويين الحسنيين في قصيدته المشهورة: تلك كانت حزازة ليس تبرا * حين ردا عنها وقد خطباها


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 207، وراجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 486، والنهاية في اللغة ج 1 ص 14. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 207، ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 486، ومناقب الخوارزمي ص 243، وكثير من المصادر المتقدمة، حين ذكر خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة صلوات الله وسلامه عليها. (*)

[ 278 ]

ج: ترهات أبي حيان: ومن الامور الطريفة هنا: أن أبا حيان التوحيدي - الناصبي المعروف - يروي عن أبي حامد المرو الروذي رسالة شفيهة من أبي بكر لامير المؤمنين " عليه السلام "، وفيها: " ولقد شاورني رسول الله (ص) في الصهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت له: أين أنت من علي ؟ فقال: إني لاكره ميعة شبابه، وحدة سنه. فقلت: متى كنفته يدك، ورعته عينك حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء، ولكني قلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيرا منك الان لي " (1). عجيب ! ! وأين كانت هذه الرواية عن أنظار المؤرخين، وكيف أجمعت كلمتهم، وتضافرت وتواترت رواياتهم على مخالفتها وتكذيبها. وقد كفانا ابن أبي الحديد المعتزلي مؤونة البحث في هذه الرواية، وبين الكثير من إمارات الوضع والاختلاق فيها، فمن أراد فليراجعه (2). د: ما يقال عن موقف فاطمة من الزواج: وذكر الحلبي: أنه لما استشار الرسول (ص) فاطمة " بكت، ثم


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 276. وصبح الاعشى ج 1 ص 287، ونهاية الارب ج 7 ص 220، وعن محاضرة الابرار ج 2 ص 102 - 115، ونشرها إبراهيم الكيلاني مع رسالتين لابي حيان في دمشق سنة 1951. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 285 - 287. (*)

[ 279 ]

قالت: كأنك يا أبت إنما ادخرتني لفقير قريش ؟ فقال (ص): والذي بعثني بالحق، ما تكلمت في هذا حتى أذن لي الله فيه من السماء. فقالت فاطمة (رض): لقد رضيت ما رضي الله ورسوله " (1). ثم هناك روايات تقول: إنه (ص) لما رأى تغيرها خشي أن يكون ذلك من أجل أن عليا (ع) لا مال له، فراجع المصادر الكثيرة المتقدمة. في أول الحديث عن هذا الموضوع. وعن ابن إسحاق: أن عليا لما تزوج فاطمة، قالت للنبي (ص): زوجتنيه أعميش، عظيم البطن ؟ فقال النبي (ص): لقد زوجتكه وإنه لاول أصحابي سلما إلخ (2). ونحن لا نصدق كل ذلك. أما: أولا: فلان رواية الحلبي تدل على سوء ظن فاطمة صلوات الله وسلامه عليها بأبيها الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهي أبر وأتقى، وأجل من أن يحتمل في حقها ذلك. وهي التي لو لم يخلق علي " عليه السلام " لم يكن لها كفؤ على وجه الارض، وقد أذهب الله عنها الرجس، وطهرها تطهيرا، إلى غير ذلك مما يدل على مقامها السامي، الذي نالته بفضل عمق إدراكها، وحسن معرفتها، وعظيم تقواها. وثانيا: إن الذي يطالع سيرة فاطمة وحياتها، يخرج بحقيقة لا تقبل


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 206، وليراجع: كشف الغمة ج 1 ص 267 عن مناقب الكنجي، وكنز العمال ج 15 ص 95، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 129، ومجمع الزوائد ج 9 ص 112، ونزهة المجالس ج 2 ص 226، وتاريخ بغداد ج 4 ص 195. (2) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 490، وأخرجه الطبراني، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 104، وراجع ما ذكره المحمودي في هامشه. (*)

[ 280 ]

الشك، وهي: أنها لم تكن تقيم لحطام الدنيا وزنا أبدا، أليست هي التي طحنت حتى مجلت يدها ؟ ثم قبلت بالتسبيح عوضا عن الخادم الذي كانت بأمس الحاجة إليه، ليرفع عنها بعض ما تعانيه وتتعرض له ؟ !. أليست هي التي بقيت ثلاثة أيام طاوية هي وزوجها، وولداها، وفضة، وآثرت اليتيم، والمسكين، والاثير بالطعام ؟ ! أليست هي التي رضيت بإهاب كبش تنام عليه هي وزوجها ليلا، ويعلفان عليه ناضحهما نهارا ؟ !. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه. الرواية الصحيحة: الرواية الصحيحة التي تنسجم مع سيرة وروح ونفسية الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، وتنسجم مع نفسيات وخطط القرشيين، هي: أنه (ص) قال لا بنته في رابع يوم زفافها: " كيف أنت يا بنية، وكيف رأيت زوجك ؟ ! قالت له: يا أبت خير زوج، إلا أنه دخل علي نساء من قريش، وقلن لي: زوجك رسول الله من فقير لا مال له. فقال لها: يا بنية، ما أبوك بفقير، ولا بعللك بفقير ". ثم ذكر (ص) لها فضائل علي " عليه السلام " ومناقبه (1). وروى ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي: أن الرسول (ص) سأل فاطمة عن حالها، فقالت: لقد طال أسفي، واشتد حزني، وقال لي


(1) مناقب الخوارزمي ص 256 و 205، وكشف الغمة ج 1 ص 362 عن المناقب، وليراجع: البحار ج 43 ص 99 عن تفسير القمي، وجلاء العيون ج 1 ص 170 / 171 عنه أيضا. (*)

[ 281 ]

النساء: زوجك أبوك فقيرا لا مال له (1). فقال لها: أما ترضين أني قد زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأفضلهم حلما ؟ قالت: بلى، رضيت يا رسول الله. وفي الرواية أخرى ذكرها المعتزلي، زاد فيها: وما زوجتك إلا بأمر من السماء، أما علمت: أنه أخي في الدنيا والاخرة (2) ؟. وقد ذكر ذلك العبدي الكوفي في شعره فقال: إذ أتته البتول فاطم تبكي * وتوالي شهيقها والزفيرا اجتمعن النساء عندي وأقبلن * يطلن التقريع والتعييرا قلن إن النبي زوجك اليوم فقيرا * عليا بعلا معيلا فقيرا إلى آخر الابيات (3). بل إن ثمة ما يدل على أن تعييرهن إياها قد كان بعد سنوات من زواجها، وهذا هو الراجح، لان نساء قريش الحاقدات إنما كثرن بعد بدر، وأحد، والخندق. ففي رواية الخوارزمي: أنها " عليها السلام " أقبلت وقد حملت الحسن والحسين على كتفيها وهي تبكي بكاء شديدا، قد شهقت في بكائها. فقال لها النبي (ص): ما يبكيك يا فاطمة، لا أبكى الله عينيك ؟


(1) نعم إنها تتألم وتحزن لهذا الاسفاف في التفكير، ولهذه النفوس المريضة، ولهذه الروح الشريرة التآمرية. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 226 / 227. (3) راجع الغدير ج 2 ص 317 / 318 والعبدي عاش في عهد الامام الصادق (ع). (*)

[ 282 ]

فقالت: يا رسول الله، ومالي لا أبكي ونساء قريش قد عيرنني، فقلن لي: إن أباك زوجك من رجل معدم لا مال له. فقال (ص): لا تبكي يا فاطمة، فوالله، ما زوجتك أنا، بل الله زوجك به الخ (1). نعم، وإذا عرف السبب بطل العجب. فإن القرشيين بما فيهم نساؤهم، كانوا - في الاكثر - أعداء لعلي وآل علي عليه الصلاة والسلام، منذ فجر الاسلام، وحتى قبل ظهور الاسلام، فان العداء كان موجودا بين الهاشميين، الذين كانوا - عموما - ملتزمين اجتماعيا، ويحترمون أنفسهم، ولهم من الفضائل المزايا ما يجعل غيرهم، ممن لم يكن لديه روادع دينية أو وجدانية، ينظر إليهم بعين الحنق والشنآن، والاحن والاضغان. ثم جاء الاسلام، فكان بنو هاشم - ولا سيما أبو طالب وولده - أتباعه وحماته، والمدافعين عنه بكل غال ونفيس، ثم كانت الضربة التي تلقتها قريش في بدر، وكان لعلي " عليه السلام " الحظ الاوفر، والنصيب الاكبر حينئذ في إذلال قريش، وتحطيم كبريائها، وكذلك في أحد، والخندق وغيرهما. إذن، فمن الطبيعي: أن نجد نساء قريش يحاولن إيجاد المتاعب في بيت علي، وإثارة الفتنة بين علي وزوجته الطاهرة. وفاطمة هي التي تشكوهن للرسول الاعظم (ص)، بعد أن تعلن: أن زوجها خير زوج، ويكون ذلك سببا في أن يظهر الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " بعض فضائل أمير المؤمنين " عليه السلام ". ثم إنه (ص) يبين لهم: أن المقياس ليس هو المال والحطام، وإنما هو الدين والعلم، والفضائل النفسية والاخلاقية.


(1) مناقب الخوارزمي ص 205، وراجع ص 256 أيضا. (*)

[ 283 ]

وبعد.. فإن أتباع القرشيين والامويين لا يزالون إلى يومنا هذا يهتمون بتنقص أهل البيت " عليهم السلام "، وحتى فاطمة " عليها السلام "، فانظر على سبيل المثال ما جاء في الموسوعة العربية الميسرة، (مادة فاطمة). وفيها: أنها " عليها السلام " لم يكن لها أي دور سياسي أو اجتماعي (! !) وأنها كانت ضعيفة ! وأن الشيعة قد نسجوا لها الفضائل حتى لقد فضلوها على عائشة ! ! وقد سبق لامثال هؤلاء أن تنقصوها هي وزوجها في شعرهم أيضا، حتى اضطر الشاعر العظيم الحسين بن الحجاج، المتوفى سنة 391 ه‍ إلى التصدي للرد عليهم، فهو يقول في جوابه لابن سكرة: فكان قولك في الزهراء فاطمة * قول امرئ لهج بالنصب مفتون عيرتها بالرحا والزاد تطحنه * لا زال زادك حبا غير مطحون وقلت: إن رسول الله زوجها * مسكينة بنت مسكين لمسكين كذبت يا ابن التي باب استها سلس * الاغلاق بالليل مفكوك الزارفين ست النساء غدا في الحشر يخدمها * أهل الجنان بحور الخرد العين (1) فجزاك الله يا ابن الحجاج عن إبنة رسول الله، وعن أبيها، وزوجها خير الجزاء وأوفاه، وبارك الله في هذا الاخلاص لهم ولقضاياهم، وآمنك الله يوم الفزع الاكبر من كل خوف، إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول. مقارنة: ولابد لنا أخيرا من أن نلفت النظر إلى أنه لا بأس بالتأمل، وامعان النظر والمقارنة، بين ما يذكرونه عن مواقف سيئة لفاطمة (ع) تجاه أمير المؤمنين " عليه السلام "، وأنها قد رفضته أولا، لانه فقير، وبين ما يذكرونه


(1) الغدير ج 4 ص 89، وأعيان الشيعة ج 25 ص 108 لكن فيه: أنه يرد بهذه الابيات على مروان بن أبي حفصة. (*)

[ 284 ]

عن عثمان وزوجته، وأنها لما سئلت عنه قالت: " خير زوج... ". مع أن القضية كانت على العكس تماما، فان عثمان هو الذي كان يعامل زوجته معاملة غير مرضية، كما قدمنا، وفاطمة هي التي قالت عن زوجها: إنه خير زوج، ونساء قريش هن اللواتي حاولن الفتنة كما عرفت. ولكن السياسية قد اقتضت عكس المواقف، وتزييف الحقائق، لحاجات في أنفسهم لا تخفى. ه‍: أم سلمة وبنت عميس في زواج فاطمة: 1 - لقد ورد ذكر أم سلمة في بعض روايات تزويج فاطمة " عليها السلام "، مع أن أم سلمة إنما دخلت بيت النبي (ص) كزوجة له بعد هذا التزويج. 2 - وورد أيضا في عدد من الروايات ذكر لاسماء بنت عميس في هذه المناسبة، مع أن أسماء كانت حينئذ مع زوجها جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين في الحبشة، ولم تأت إلى المدينة إلا عام خيبر. ونقول: يمكن الاجابة عن ذلك: أولا: بأن المقصود هو أسماء بنت يزيد الانصارية، ولكن شهرة بنت عميس، وأنس ذهن الرواة باسمها جعلهم يضيفون عمدا من عند انفسهم للتوضيح بزعمهم - أو عن غير عمد تبعا لسليقتهم، كلمة: " بنت عميس ". وبهذا أجاب أيضا الكنجي الشافعي (1). وقد حصل نظير هذا الخلط بين الاسمين في رواية أخرى، تقدم الكلام حولها حين الكلام على ولادة الامام الحسن (ع)، فإلى هناك. ويرى الاربلي: أن التي حضرت زفاف فاطمة " عليها السلام " هي


(1) كفاية الطالب ص 307 / 308، وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 73 عنه. (*)

[ 285 ]

سلمى بنت عميس أخت أسماء، لكن الرواة بدلوا إسمها بإسم أختها لشهرتها، أو سها راو فتبعوه (1). وثانيا: ومن جهة ثانية، فإن أسماء بنت يزيد هذه كانت تكنى بأم سلمة أيضا، فلعلهم كانوا تارة يعبرون عنها بأسماء، وأخرى يعبرون عنها ب‍ " أم سلمة " فلا يبقى ثمة إشكال. وثالثا: إن من الممكن: أن تكون أم سلمة قد حضرت زفاف فاطمة " عليها السلام " في ذي الحجة من السنة الثانية، لان أبا عمر صاحب الاستيعاب يقول: إن رسول الله (ص) تزوجها في السنة الثانية في شوال بعد بدر، بل قيل قبل بدر أيضا (2). ولربما يؤيد ذلك: أن بعض الروايات تصرح بأنه (ص) كان حين تزويج فاطمة في بيت أم سلمة. وكان (ص) كلما تزويج بامرأة بنى لها بيتا. ولو كان قد تزوجها في الرابعة لم يكن لها بيت في السنة الثانية. واحتمال أن يكون المراد: " الذي صار فيما بعد بيتا لها ". مخالفة لظاهر الرواية التي تكاد تكون صريحة في أنه (ص) كان بتعامل معها كزوجة، بل نجد بعض الروايات تصرح بأن أم سلمة كانت حينئذ زوجة له " صلى الله عليه وآله وسلم " (3). ولسوف يأتي الحديث عن تاريخ زواج أم سلمة عن قريب إن شاء


(1) كشف الغمة ج 1 ص 316 / 317. (2) راجع: الاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 421 / 422، وتاريخ الخميس ج 1 ص 466، عن السمط الثمين، وسيرة مغلطاي، وغير ذلك. (3) البحار ج 43 ص 126 عن كشف الغمة، ومناقب الخوارزمي ص 248 و 249 و 253. (*)

[ 286 ]

الله تعالى. و: هذا ضرب الرحمان لعثمان بن عفان: ويقولون: إن عثمان رأى درع علي " عليه السلام " تباع في السوق ليلة عرسه، فدفع لغلام أربعمائة درهم، وأرسله إليه، وأقسم عليه أن لا يخبره بذلك، ورد الدرع معه. فلما أصبح عثمان وجد في داره أربعمائة كيس، في كل كيس أربعمائة درهم، مكتوب على كل درهم: " هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان ". فأخبر النبي بذلك، فقال: هنيئا لك يا عثمان. ولا شك في أن هذا كذب محض، فقد ذكر الحلبي: أن في فتاوى الجلال السيوطي: أنه سئل: " هل لهذه القصة أصل ؟ فأجاب عن ذلك كله: بأنه لم يصح (1). أي وهي تصدق بأن ذلك لم يرد، فهو من الكذب الموضوع ". وقال ابن درويش الحوت: كذب شنيع (2). والعجيب هنا: أننا لم نجد لتلك المئة وستين ألف درهم أثرا في المتاحف العالمية، ولا تداولها الناس، ولا احتفظوا بها تبركا وتيمنا بأنها من: " ضرب الرحمان لعثمان بن عفان " ! !. مع أنهم قد احتفظوا بشعر نبيهم، وحتى بالخرق التي مست


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 206، وللرواية نص آخر يخالفها كثيرا في مناقب الخوارزمي ص 252، والغدير ج 9 ص 376. (2) الغدير ج 5 ص 322 وج 9 ص 376. (*)

[ 287 ]

جسده، والمواضع التي صلى فيها، فهل كان نبيهم أعز عليهم من ربهم ؟ ! أو حتى من عثمان ؟ ! وهو الذي تؤيده السياسة على مر العصور، أما النبي فقد كانت ثمة محاولات لطمس اسمه، ومحو آثاره، كما اتضح في الجزء الاول من هذا الكتاب. وكم كنت أود لو أنني أرى خط الرحمن، كيف هو ؟ وأقارن بينه وبين قواعد الخطوط الموجودة على الارض، لكي أرى إن كان يستطيع أن يضارع ما أنتجه الخطاطون البارعون من مخلوقاته ؟ ! !. ولست أدري أيضا: أين كان الامويون عن هذه الفضيلة العظيمة، لشيخهم وخليفتهم ؟ !. ولم لم يظهروا تلك الدراهم للمباهاة بها ؟ أو على الاقل: لم لم يذكروا الناس بدعوات النبي (ص) له ؟ حسب الرواية الاخرى التي تقول: إن عثمان قد اشترى الدرع من علي، فجاء به علي (ع) وبالمال إلى النبي (ص)، فدعا له بدعوات. مع أنهم كانوا بأمس الحاجة إلى ذلك، في صراعهم ضد علي (ع)، وضد الصحابة الاخيار، الذين كانوا في المدينة حين قتل عثمان، ولم يحركوا ساكنا، أو أنهم شاركوا في قتله، أو في التأليب عليه. ولربما نتكلم عن نفقات عثمان في مثل هذا السبيل حين الكلام عن تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك إن شاء الله، كما أننا قد ألمحنا إلى ذلك من قبل، حين الحديث حول وقف بئر رومة. ز: أخوة علي: وجاء أنه لما تزوج علي " عليه السلام " فاطمة، أمر (ص) عليا أن لا يحدث حدثا حتى يأتيه، ثم جاء (ص)، فقال: أثم أخي ؟ !. فقالت أم أيمن: يا رسول الله، هذا أخوك وزوجته ابنتك ؟ ! وكان النبي (ص) آخى بين أصحابه وآخي بين علي ونفسه.

[ 288 ]

قال: إن ذلك يكون يا أم أيمن (1). وهذه الرواية أقرب الاعتبار من تلك الرواية القائلة: إنه لما خطب (ص) ابنة أبي بكر قال له أبو بكر: هل تصلح له ؟ إنما هي بنت أخيه. فأخبره (ص): أنه أخوة في الاسلام، وهو أخوه، وابنته تصلح له، فأنكحه حينئذ أبو بكر (2). فإن النبي (ص) لم يؤاخ أبا بكر ولا أحدا من الناس قبل خطبته عائشة، لانه إنما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة بقليل، وهو إنما خطب عائشة قبل الهجرة بحوالي ثلاث سنوات. ولو كان أبو بكر يتوهم: أن أخوة الاسلام تمنع من ذلك، فإن ذلك يعني: أن يكون أبو بكر قد بقي عدة سنوات، بل من أول ظهور الاسلام يعتقد حرمة زواج أي مسلم بمسلمة، وهذا لا يتوهمه إلا أبو بكر، ولا يخطر ولم يخطر على بال أي من السذج والبسطاء، فكيف خطر في بال أبي بكر، الذي يعتقد فيه البعض كل حنكة وروية، وتعقل ؟ !. هذا عدا عن أننا لم نجده يعترض على زواج أي مسلم بمسلمة على الاطلاق. أضف إلى ذلك: أنه قد تقدم في جزء سابق حين الكلام حول مؤاخاة النبي (ص) بين أصحابه، وبينه وبين علي " عليه السلام ": أن عليا " عليه السلام " قال: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر.


(1) أنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 135، ومجمع الزوائد ج 9 ص 209 عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وفيه في رواية أخرى لكن الجواب ليس موجودا. وحياة الصحابة ج 2 ص 46 عن الهيثمي، والصواعق المحرقة ص 84، وحياة الامام الحسن (ع) للقرشي ج 1 ص 19 عنه، وعن البحار ج 10 ص 31. (2) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 225 عن الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث وص 226 عن أحمد. (*)

[ 289 ]

ح: متى كان تحريم الخمر: ويروون عن علي بن الحسين (ع)، عن أبيه، عن علي (ع): أنه بينما كان يستعد لنقل فاطمة (ع) وعنده شارفان من الابل، كان أخذهما من خمس غنائم بدر، قد أناخهما إلى جانب حجرة لبض الانصار، وإذا بحمزة بن عبد المطلب قد خرج عليهما من بيت كان يشرب فيه، وعنده قينة تغنية: " ألا يا حمز للشرف النواء " خرج عليهما وهو سكران، فجب أسنمتهما، وبقر خاصرتيهما، وأخرج كبدهما، ومضى لسبيله. فشكاه علي إلى رسول الله (ص)، فجاء معه الرسول ورأى ما رأى، فنظر إليه حمزة، وصعد النظر إليه، وقال: وهل أنتم إلا عبيد لابي ؟ فتركه (ص) وانصرف، وذلك قبل تحريم الخمر (1).


(1) البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 120 كتاب الخمس حديث 1 وكتاب المغازي باب 12 وكتاب المساقات، وصحيح مسلم كتاب الاشربة ج 6 ص 85 و 86، ومسند أحمد ج 1 ص 142، والبداية والنهاية ج 3 ص 245، والاصابة ج 4 ص 378، والسيرة الحلبية ج 2 ص 161، وتفسير البرهان ج 1 ص 498، وتفسير الميزان ج 6 ص 131 كلاهما عن العياشي، وراجع: مشكل الاثار ج 2 ص 287. وبهجة المحافل ج 1 ص 279 وشرحه للاشخر اليمني، والجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 287، وغرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 7 ص 29 و 30 و 31، وأسباب النزول ص 118 / 119 ومدارك التنزيل للخازن ج 1 ص 147. ولكن النص الموجود في المصادر الاخيرة قد ذكر نزول آية سورة المائدة في هذه المناسبة، مع وجود مخالفة ظاهرة للرواية المذكورة في المتن أعلاه. مع أن سورة المائدة قد نزلت بعد سنوات من استشهاد حمزة في حرب أحد. وذلك ظاهر، لانها إنما نزلت في أواخر حياة النبي (ص). فراجع: الدر المنثور ج 2 ص 252 عن مصادر كثيرة. (*)

[ 290 ]

وفي رواية: أن حمزة قد فعل ذلك في واقعة أحد، حتى إن الرسول إنما رضي عنه في وسط المعركة، وبعد أن حمل عدة حملات صاعقة على العدو (1). وذلك لا يصح، أما: أولا: فلان مختلف الروايات الواردة في زواج أمير المؤمنين " عليه السلام " تقول: إنه (ع) لم يكن يملك إلا درعه الحطمية، التي باعها وأنفق ثمنها على الزفاف، وتضعيف بعض الروايات فرسه أيضا. ولو كان عنده شارفان من الابل، لكان الاولى أن يذكرهما للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما سأله عما يملك، مما يريد أن يقدمه مهرا، فلم يذكر له إلا درعه الحطمية، فلتراجع الروايات المتقدمة. وثانيا: إن من المعلوم: أن زفاف فاطمة قد كان قبل أحد بعدة أشهر فكيف تقول الرواية الثانية: إن ذلك قد كان في أحد ؟. كما أنهم قد قرروا: أن حمزة كان يوم أحد وقبله صائما (2). فكيف يكون قد شرب الخمر، وفعل ما فعل في ذلك اليوم، أو في الذي قبله ؟ !. وثالثا: إن الخمر لم تكن سمعتها حسنة عند العرب، وكانوا يدركون سوءها، وقد حرمها عدد منهم على نفسه قبل مجئ الاسلام، مثل: أبي طالب (3) وعبد المطلب (4)، وتقدم ذلك عن جعفر بن أبي طالب


(1) راجع: البحار ج 20 ص 114 / 115 عن المجالس والاخبار ص 57 / 58، وتفسير العياشي ج 1 ص 339 / 340. (2) مغازي الواقدي ج 1 ص 211، وشرح النهج ج 14 ص 224. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 113. (4) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 4 و 113، وشرح بهجة المحافل للاشخر اليمني ج 1 ص 279، وأسنى المطالب ص 58. (*)

[ 291 ]

أيضا كما رواه في الامالي. وذكر ابن الاثير: أن ممن حرمها على نفسه عثمان بن مظعون، وعباس بن مرداس، وعبد المطلب، وجعفر، وقيس بن عاصم، وعفيف بن معد يكرب العبدي، وعامر بن الظرب، وصفوان بن أمية، وأبو بكر، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمان بن عوف، وعبد الله بن جدعان (1). وإن كنا نشك في ذلك بالنسبة إلى بعض من ذكرهم، مثل أبي بكر، وعبد الرحمان بن عوف، كما سنرى. وأما ذكر عمر بن الخطاب مع هؤلاء، فلا شك في أنه من إضافات النساخ، جريا على العادة في ذكر هذه الاسماء، لانه كان من أشرب الناس للخمر في الجاهلية، بل لقد أستمر على ذلك حتى بعد أن أسلم كما أوضحه العلامة الاميني (2). وسيأتي إن شاء الله بعض من ذلك أيضا. ومهما يكن من أمر، فقد عد ابن حبيب ممن حرم الخمر على نفسه أيضا: ورقة بن نوفل، وأبا أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزوميين، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعامر بن حذيم، وعبد الله بن جدعان، ومقيس بن قيس، وعثمان بن عفان،، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، وعبد المطلب بن هاشم (3). وإنما حرمها هؤلاء على أنفسهم، لانهم رأوها لا تناسب كرامتهم وسؤددهم، كما يظهر من رواية تنسب إلى أبي بكر، فقد روى ابن عساكر - وإن كان سيأتي عدم صحة هذه الرواية، لكننا نذكرها لدلالتها على سوء


(1) أسد الغابة ج 3 ص 113، وراجع: شرح بهجة المحافل للاشخر اليمني ج 1 ص 279، وعن عباس بن مرداس راجع: الاصابة ج 2 ص 272. (2) راجع: الغدير ج 6 ص 95 - 103. (3) المنمق ص 531 / 532، وراجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 279. (*)

[ 292 ]

سمعة الخمر عند العرب -: أنه قيل لابي بكر في مجمع من الصحابة: هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ ! فقال أعوذ بالله، فقلت: ولم ؟ قال: كنت أصون عرضي، واحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان متضيعا في عرضه ومروءته الخ (1). وقال ابن الاثير: " وكان العباس بن مرادس ممن حرم الخمر في الجاهلية، فإنه قيل له: ألا تأخذ من الشراب، فإنه يزيد في قوتك، وجراءتك ؟ فقال: لا أصبح سيد قومي، وأمسي سفيها، لا والله لا يدخل جوفي شئ يحول بيني وبين عقلي أبدا " (2). ومن عرف حمزة، واطلع على سمو نفسه، وعزته، وأنفته، وسجاياه، فإنه يرى: أنه لا يقصر عن هؤلاء، ولا عن غيرهم ممن حرمها على نفسه، إن لم يكن يزيد عليهم في كثير من الخصال والسجايا، التي تجعله يربأ بنفسه عن أمر كهذا. ولعل حشر حمزة، بل وحتى أمير المؤمنين " عليه السلام "، الذي ربي في حجر النبوة، ليس إلا من أولئك الحاقدين على الاسلام وحماته، ممن يهمهم الطعن في كرامة كل هاشمي، كما هو ظاهر سيرة الامويين والزبيريين، وأذنابهم ومن يتزلف لهم، ولو بالكذب والدجل والافتراء. ورابعا: إن الاقوال والروايات تكاد تكون متفقة على مخالفة رواية الشارفين المذكورة، لان رواية الشارفين تقول: إن تحريم الخمر كان حين زفاف فاطمة " عليها السلام ".


(1) الصواعق المحرقة ص 73 عن ابن عساكر، وقال ابن حجر: وهو مرسل غريب وسندا ومتنا. (2) اسد الغابة ج 3 ص 113. (*)

[ 293 ]

والاقوال في تحريم الخمر نشير إليها فيما يلي: أقوال في تحريم خمر: هذا.. وقد ذكر أبو إسحاق السبيعي، وابن إسحاق، وغيرهما: أن الخمر قد حرمت سنة أربع من الهجرة (1). وقال آخرون: إنها قد حرمت سنة ست، جزم به الحافظ الدمياطي، رجحه القسطلاني (2). وقال آخرون: إنها قد حرمت سنة ثلاث (3)، وآخرون: إنها حرمت سنة ثمان (4). قال أبو هريرة: لما نزل تحريم الخمر، كنا نعمد إلى الخلقانة (5) الخ.. ومن المعلوم: أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر. ورأى آخرون: أن تحريمها كان في أول الهجرة، لقوله تعالى في سورة البقرة: (يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع


(1) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 468، وج 2 ص 26 عن ابن إسحاق والمنتقى والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 200، وفتح الباري ج 10 ص 25 والسيرة الحلبية ج 2 ص 261، والغدير ج 7 ص 101 عن الامتاع للمقريزي ص 93 وغيره، وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278. (2) راجع تاريخ الخميس ج 2 ص 26، وفتح الباري ج 10 ص 25، والسيرة الحلبية ج 2 ص 261، والغدير ج 7 ص 101. (3) الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 285 وراجع فتح القدير ج 2 ص 75، وتاريخ الخميس ج 2 ص 26 عن أسد الغابة، والسيرة الحلبية ج 1 ص 261. (4) فتح الباري ج 8 ص 209، وج 10 ص 25. (5) الفائق للزمخشري ج 1 ص 310 (*)

[ 294 ]

للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما) (1). قالت عائشة: لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول الله (ص) عن ذلك (2). تحريم الخمر قبل الهجرة: ونحن نقول: إن الخمر حرمت في مكة قبل الهجرة، ونستدل على ذلك بما يلي: 1 - عن معاذ بن جبل: إن أول ما نهى عنه النبي (ص) حين بعث شرب الخمر، وملاحاة الرجال (3). وعن أبي الدرداء، أو معاذ بن جبل، عن النبي (ص) قال: إن أول شئ نهاني عنه ربي بعد عبادة الاوثان: شرب الخمر وملاحاة الرجال. قال الابشهي: إن هذا من أقوال النبي (ص) المتفق عليها (4). وقريب من ذلك ما روي عن أم سلمة عنه (ص)، وحسب نص البيهقي عن أم سلمة عنه (ص): كان أول ما نهاني عنه ربي، وعهد إلى


(1) البقرة: 219 وهذا هو ما اختاره الجصاص والقرطبي فراجع: الغدير ج 7 ص 101 وج 6 ص 254 و 255. (2) تاريخ بغداد ج 8 ص 358، والدر المنثور ج 1 ص 252، والغدير ج 7 ص 101 عنهما. (3) الغدير ج 7 ص 101 عن أوائل السيوطي ص 90، والبحار ج 2 ص 127، وقصار الجمل ج 1 ص 183 وج 2 ص 23 و 12، وراجع ص 22 عن الوسائل العشرة باب 126 ج 8. (4) مجمع الزوائد ج 5 ص 53 عن البزار والطبراني، والبحار ج 2 ص 127 بسند صحيح، والمستطرف ج 2 ص 220. (*)

[ 295 ]

بعد عبادة الاوثان، وشرب الخمر لملاحات الرجال (1). إلا أن يناقش في ذلك: بأن نهي الله له لا يستلزم أن يكون (ص) قد أبلغ ذلك للناس مباشرة، إذ لعل ذلك كان مختصا به (ص) لفترة من الزمن. ويمكن الجواب، بأن جعله مقترنا بعبادة الاوثان يشعر بأنه على حده ومن قبيله، في التشريع وفي التبليغ.. هذا عدا عن أن رواية معاذ صريحة في أن الخمر كانت من أول ما نهى عنه النبي (ص)، إلا أن تقرأ " نهي " بالبناء للمفعول. قال العلامة الطباطبائي " رحمه الله ": " وقد تحقق بما قدمنا في تفسير آية الخمر والميسر: أن الخمر كانت محرمة من أول البعثة، وكان من المعروف من الدين: أنه يحرم الخمر والزنا " (2). 2 - وقد روى الكليني والشيخ الطوسي " رحمهما الله ": ما يدل على أن الله ما بعث نبيا إلا وفي علم الله عز وجل: أنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراما الخ (3). فالخمر إذن قد كانت محرمة في الشرائع السابقة، وقد جاءت هذه الشريعة لتتميم ما سبق، ولم ينسخ هذا التحريم، بل قد جاء التأكيد عليه، كما هو معلوم. 3 - قال أبو حاتم: كان النبي (ص) يدعو الخلق إلى الله وحده لا


(1) راجع: مجمع الزوائد ج 5 ص 53 عن الطبراني، وليراجع: سيرة المصطفى ص 369، والدر المنثور ج 2 ص 326 عن البيهقي. (2) تفسير الميزان ج 16 ص 163. (3) الكافي ج 6 ص 395، وليراجع الباب الذي قبله: " أصل تحريم الخمر: والتهذيب للشيخ ". (*)

[ 296 ]

شريك له، وكان أبو جهل يقول للناس: " إنه كذاب يحرم الخمر، ويحرم الزنا " (1). 4 - قال تعالى في سورة الاعراف التي نزلت في مكة قبل الهجرة: (قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والاثم، والبغي بغير الحق) (2). وقد فسر أئمة أهل البيت " عليهم السلام ": " الاثم " في الاية بالخمر (3). كما أن أهل اللغة قد قرروا: أن الاثم معناه الخمر، قال الشاعر: شربت الاثم حتى ضل عقلي * كذاك الاثم يذهب بالعقول وقال آخر: نهانا رسول الله: أن نقرب الخنا * وأن نشرب الاثم الذي يوجب الوزرا وقال آخر: يشرب الاثم بالصواع جهارا * وترى المسك بيننا مستعارا (4) هذا كله، عدا عن أن كون الخمر من الفواحش ظاهر، فان العرب كانوا يدركون سوءها كما يظهر من الحلبي (5).


(1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 69. (2) الاعراف: 33. (3) الكافي ل لكليني ج 6 ص 406. (4) راجع في هذه الاشعار، كلا أو بعضا: مجمع البيان في تفسير الاية في سورة الاعراف، ولسان العرب ج 2 ص 272، وتاج العروس ج 8 ص 179، وفتح القدير ج 2 ص 201، والغدير ج 6 ص 254. (5) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 138. (*)

[ 297 ]

ولذا نرى: أن عددا كبيرا منهم ممن يحترم نفسه، وشرفه، وسؤدده، قد حرمها على نفسه، كأبي طالب " عليه السلام "، وعبد المطلب (1)، وجعفر بن أبي طالب (2)، وقيس بن عامر، وعامر بن الظرب، وصفوان بن أمية، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم عن قريب. بل إن عبد الله بن جدعان، الذي كان مولعا بها، قد صرح بأنهم كانوا يسمونها بالسفاه، وأنه آنس بسببها الهوان، فهو يقول: شربت الخمر حتى قال قومي * ألست عن السفاه بمستفيق وحتى ما أوسد في مبيت * أبيت به سوى الترب السحيق وحتى أغلق الحانوت مالي وآنست الهوان من الصديق ثم حرمها على نفسه، فلم يقربها (3). وبعد نزول هذه الاية، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فلا يعقل أن يعتبرها العرب إلا من الفواحش. ثم إن عطف الاثم الذي هو الخمر على الفواحش، من باب عطف الخاص على العام، لمزيد الاهتمام به، وحرصا على الردع عنه، لانه مما تألفه النفوس عادة وتميل إليه، فيحتاج إلى مزيد من التأكيد والتكرار. 5 - لقد روى جماعة من المؤرخين: أن أعشى قيس خرج إلى رسول الله (ص)، يريد الاسلام، وقد مدحه بقصيدة أولها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا فلما كان بمكة أو قريبا منها، إعترضه بعض مشركي قريش - أبو


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 113. (2) قاموس الرجال ج 2 ص 369 عن الامالي. (3) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 292. (*)

[ 298 ]

جهل أو أبو سفيان كما سنرى - فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء ليسلم، فقال له: " يا أبا بصير، إن محمدا يحرم الزنا ؟ فقال الاعشى: والله إن ذلك لامر ما لي فيه من إرب. فقال: وإنه ليحرم الخمر ؟ فقال الاعشى: أما هذه ففي النفس منها لعلالات. ولكني منصرف فأرتوي منها عامي هذا، ثم آتيه فأسلم، فانصرف راجعا، ومات في عامه " (1). وناقش البعض هذه الرواية: بأن الخمر إنما حرمت في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل من القرآن. وفي الصحيحين من ذلك قصة حمزة والشارفين. فان صح خبر الاعشى، وما ذكر له في الخمر، فلم يكن هذا بمكة، وإنما كان بالمدينة، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر من المنافقين، أو من اليهود، فالله أعلم. وفي القصيدة مما يدل على هذا قوله " فإن لها في أهل يثرب موعدا ". وقد ألفيت للقالي رواية عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: لقي الاعشى عامر بن الطفيل في بلاد قيس - وهو مقبل إلى رسول الله (ص)، فذكر له: أنه يحرم الخمر، فرجع، فهذا أولى بالصواب (2).


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 25 - 28، والاغاني ط ساسي ج 8 ص 85 / 86، والبداية والنهاية ج 3 ص 101 / 102، والروض الانف ج 2 ص 136، وسيرة مغلطاي ص 25، وتفسير الميزان ج 6 ص 134، والسيرة الحلبية ج 2 ص 262، ومحاضرات الادباء المجلد الثاني ص 418، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص 135. (2) راجع: الروض الانف ج 2 ص 136، والبداية والنهاية ج 3 ص 103، وسيرة مغلطاي ص 25. (*)

[ 299 ]

وفي رواية أبي الفرج، وابن قتيبة: أن أبا سفيان هو الذي كلم الاعشى، وأن ذلك كان والمشركون مع الرسول (ص) في هدنة (1). ولكن هذه المناقشات لا يمكن قبولها، فان قصة الشارفين قد تقدم أنها لا يمكن أن تصح. وكونها إنما حرمت في سورة المائدة أيضا قد تقدم ما فيه، وأنها قد حرمت قبل ذلك في سورة مكية. كما أن نزول القرآن بتحريمها لا ينافي تحريمها على لسان النبي (ص) قبل ذلك. وأما قولهم: إن عامر بن الطفيل هو الذي قال للاعشى ذلك. فلا يمكن قبوله، إذ قد صرح آخرون: بأن القائل للاعشى ذلك هو أبو جهل، وبالذات في دار عتبة بن ربيعة في مكة (2) وأبو جهل قتل في بدر قبل نزول سورة المائدة، وقبل هدنة الحديبية بسنوات. أما رواية القتيبي، وأبي الفرج فقد صرحت بأن القائل للاعشى ذلك هو أبو سفيان (3). وبعد تحديد تلك الروايات: أن هذا قد جرى قرب مكة، بل وفي مكة نفسها، وبالذات في دار عتبة بن ربيعة، فلا يمكن الالتفات إلى رواية أخرى ربما يكون الرواة قد تصرفوا فيها لتلائم ما يعتقدونه من أن الخمر قد حرمت بعد الهجرة.


(1) الاغاني ط ساسي ج 8 ص 86، والشعر والشعراء ص 136. (2) الروض الانف ج 2 ص 136، والسيرة الحلبية ج 2 ص 262، وليراجع البداية والنهاية ج 3 ص 103. (3) الاغاني ج 8 ص 86، والشعر والشعراء ص 136. (*)

[ 300 ]

ولربما يكون هذا هو السر في تبديلهم كلمة " يثرب " بكلمة " مكة " في الشعر المنسوب إليه، وهو الدالية المتقدمة. وإذا كان ذلك القول قد قيل في مكة أو بالقرب منها، فلا يعقل أن يكون ذلك بعد الهجرة، وذلك لان الاعشى كان يسكن: " منفوحة " باليمامة، والطريق بينها وبين المدينة مستقيم لا يمر على مكة، والمرور على مكة لا يكون إلا بقصد مستقل لها، إذ لا يعقل سلوك طريق دائري كهذا لمن يريد المدينة. ولعل فيما ذكرناه كفاية. لا تدرج في تحريم الخمر: وفي مجال آخر نقول: إنه ليس ثمة تدرج في تحريم الخمر كما ادعاه بعضهم (1)، وإنما حرمت بشكل نهائي وقاطع في مكة، ثم صارت تحصل تعديات ومخالفات، فكان يتكرر النهي عنها لاجل تلك المخالفات في الموارد الخاصة. ويظهر ذلك من ملاحظة خصوصيات الايات والموارد التي نزلت فيها. والظاهر: أن إلف الناس للخمر، وحبهم لها، والتذاذهم بها - مع أنهم يدركون مساوئها - يدل على أن تركها كان صعبا عليهم، لانهم يرون أن ذلك لسوف يفقدهم لذة تحبها نفوسهم، وأليفا تهفو إليه قلوبهم. ولذلك تراهم يسألون عنها، ويكررون السؤال، ويجيبهم القرآن


(1) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278. (*)

[ 301 ]

ببيان مساوئها، وبالزجر عنها، ولكنهم عنها لا ينتهون، وغير معاقرتها لا يطلبون، وهم بذلك لاحكام الله يخالفون. حتى الكبار منهم، وحتى أبو بكر، وعمر، وابن عوف وغيرهم (1) كما سيأتي عن قريب. بل يظهر: أن بعضهم لم يتركها حتى وفاة الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). بل يروي ابن سعد: عن الشعبي: أنه مر على مسجد من مساجد جهينة فقال: " أشهد على كذا وكذا من أهل هذا المسجد من أصحاب النبي (ص) ثلاثمائة يشربون نبيذ الدنان في العرائس " (3). انتهينا ! انتهينا: ويقولون: إنه بعد حرب بدر شرب عمر الخمر، وشج رأس عبد الرحمن بن عوف بلحى بعير، ثم قعد ينوح على قتلى بدر من المشركين في ضمن أبيات تقول: وكائن بالقليب قليب بدر * من الفتيان والعرب الكرام وكائن بالقليب قليب بدر * من الشيزى المكلل بالسنام أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام أيعجز أن يرد الموت عني * وينشرني إذا بليت عظامي


(1) راجع: الدر المنثور وتفسير الطبري، وجميع التفاسير، في آيات الخمر في سورة البقرة، والاعراف والنساء والمائدة، وجميع كتب الحديث في أبواب الاشربة حين الكلام على تحريم الخمر... والغدير للعلامة الاميني ج 7 ص 95 - 103 وج 6 ص 251 - 261. (2) راجع حول شرب الصحابة أو بعضهم للخمر: الدر المنثور ج 2 ص 321 / 322 و 325، والكامل في التاريخ ج 2 ص 569. (3) الطبقات الكبرى ج 6 ص 175 ط ليدن. (*)

[ 302 ]

ألا من مبلغ الرحمان عني * بأني تارك شهر الصيام فقل الله يمنعني شرابي * وقل الله يمنعني طعامي فبلغ ذلك الرسول، فخرج مغضبا، فرفع شيئا كان في يده، فضربه به، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى: (إنما يريد الشيطان: أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون ؟) (1). فقال عمر: انتهينا، انتهينا (2). وتعبير عمر ب‍ " انتهينا انتهينا " موجود في عشرات المصادر، وإن كانت هذه القصة لم تذكر فيها (3). وسورة المائدة من أواخر ما نزل، بل يقال: إنها نزلت في حجة الوداع. وهذا يعني: أنهم ما كانوا يلتزمون كثيرا بالنواهي الواردة عن شرب الخمر، كما أشرنا إليه آنفا.


(1) المائدة: 91. (2) المستطرف ج 2 ص 220، وتفسير البرهان ج 1 ص 370 و 498، والميزان ج 1 ص 136، والغدير ج 6 ص 251 عن الزمخشري في ربيع الابرار في باب اللهو واللذات، والقصف واللعب. والرواية من دون تصريح بالاسم موجودة في تفسير جامع البيان ج 2 ص 211 ونقلت الرواية عن: مسند أحمد ج 1 ص 53، وسنن النسائي ج 8 ص 287، وتاريخ الامم والملوك ج 7 ص 22، وسنن البيهقي ج 8 ص 285، وأحكام القرآن ج 2 ص 245، ومستدرك الحاكم ج 2 ص 278، والجامع لاحكام القرآن ج 5 ص 200، وتفسير الخازن ج 1 ص 513، وفتح الباري ج 8 ص 225 والدر المنثور ج 1 ص 252. (3) راجع في هذه المصادر الغدير ج 6 ص 252 - 253، وفتح الباري ج 10 ص 25. (*)

[ 303 ]

وعلى كل حال، فإن روايات شرب عمر للخمر بعد الهجرة كثيرة جدا (1) وقد أتى في خلافته بأعرابي قد سكر فطلب له عذرا، فلما أعياه قال: إحبسوه فإن صحا فاجلدوه، ودعا عمر بفضله ودعا بماء فصبه عليه فكسره، ثم شرب وسقى أصحابه، ثم قال: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه. قال: وكان يحب الشراب الشديد (2). بل نجد: أن ركوة عمر كانت تسكر كل من يشرب منها، حتى بعد توليه الخلافة، وقضية إقامته الحد على من شرب من ركوته فكسر معروفة. وقد اعترض عليه بقوله: " يا أمير المؤمنين إنما شربت من ركوتك ؟ ! فكان اعتذار عمر عن ذلك بأنه إنما حده لسكره لا لشربه ! ! (3).


(1) راجع: الموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 3 ص 89، والدر المنثور في تفسير الايات المشار إليها، وأي كتاب تفسيري، أو حديثي آخر، ولا سيما كتاب الغدير للعلامة الاميني الجزء الخامس والسادس والسابع، والمبسوط 24 / 7 و 8، وكنز العمال ج 2 ص 109، وعن محاضرات الراغب ج 1 ص 319، والسنن الكبرى ج 8 ص 299، والغدير ج 6 ص 257، والطبقات الكبرى ج 6 ص 97، وإزالة الخفاء ؟، والطبقات الكبرى ج 3 ص 341 و 355 و 354 و 346 و 351 و 352، والامامة والسياسة ج 1 ص 26، وتاريخ الامم والملوك ج 5 ص 13، والاستيعاب (هامش الاصابة) ج 2 ص 269، وأسد الغابة ج 4 ص 75 و 76، وتاريخ الخميس ج 2 ص 249، وتاريخ الخلفاء ص 134، والكامل في التاريخ ج 3 ص 51، والرياض النضرة ج 2 ص 91 و 93 و 95، وحياة الصحابة ج 2 ص 306. (2) جامع مسانيد أبي حنيفة ج 2 ص 192، والاثار للشيباني ص 226، والسنن للنسائي ج 8 ص 326، وأحكام القرآن ج 2 ص 565، وراجع فتح الباري ج 10 ص 34. (3) راجع: فتح الباري ج 10 ص 34، ولسان الميزان ج 3 ص 27، وربيع الابرار = (*)

[ 304 ]

وهذا فقه جديد، ما عهدناه من غيره ! ! وقد أخذ به بعضهم، حين ذكر: أن السكر كان حراما، لكن الشرب لم يكن محرما، ثم ورد تحريم الشرب بعد الهجرة بسنوات (1). والكلام حول هذا الموضوع طويل جدا لا مجال له هنا. تحريف متعمد: والغريب في الامر: أن الرواية الانفة الذكر، قد ذكرها الزمخشري في ربيع الابرار ناسبا لها إلى عمر بن الخطاب كما رواها غيره، واستدل بها الفقهاء الذين يرون في الصحابة مثالا يحتذى في كل شئ. ولكن محمد بن قاسم الذي انتخب كتابه من ربيع الابرار بالذات وسماه: " روض الاخيار المنتخب من ربيع الابرار " قد تعمد تحريف هذه القضية، فذكر إسم علي " عليه السلام " بدل إسم عمر (2). " فتبارك الله أحسن الخالقين ". وأما أبو بكر: فيقول الفاكهي: إن الذي أنشد الابيات المتقدمة في رثاء قتلى بدر


= ج 4 ص 63، وراجع: مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 9 ص 224، والعقد الفريد ط دار الكتاب ج 6 ص 369، وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 464، وحاشية ابن التركماني على سنن البيهقي المطبوعة معه ج 8 ص 306، والغدير ج 6 ص 257 / 258 عنه، وعن كنز العمال ج 8 ص 110. (1) راجع: فتح الباري ج 10 ص 33. (2) راجع: روض الاخيار المنتخب من ربيع الابرار ص 142. (*)

[ 305 ]

هو أبو بكر، ومطلع الابيات هكذا: تحيي أم بكر بالسلام * وهل لي بعد قومك من سلام (1) واعتمد نفطويه على هذه الرواية، فقال: شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرم، ورثى قتلى بدر من المشركين (2). ويؤيده رواية رواها أبو الجارود، عن أبي جعفر " عليه السلام " في هذا الشأن، فلتراجع (3). وقد بلغ شيوع شرب أبي بكر للخمر حدا اضطرت معه عائشة إلى التصدي للدفاع عن أبيها: فكانت تقول: " ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية ولا إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية " (4). وعنها: " لقد حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية " (5). ويظهر: أن أم المؤمنين قد فشلت في الدفاع عن أبيها، ولذلك نرى الزهري يروي عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تدعو على من يقول: إن أبا بكر الصديق قال هذه القصيدة، ثم تقول: " والله ما قال أبو بكر شعرا في جاهلية ولا في إسلام " (6) ثم تنسب القضية إلى رجل آخر يدعى أن اسمه أبو بكر بن شعوب.


(1) الاصابة ج 4 ص 22، ونوادر الاصول ص 66، وراجع: فتح القدير ج 1 ص 472 عن ابن المنذر، وذكر الطبري الرواية محرفة في تفسيره. (2) الاصابة ج 4 ص 22. (3) البحار ج 63 ص 487، وج 76 ص 131 ط مؤسسة الوفاء. (4) الصواعق المحرقة ص 73 عن ابن عساكر بسند صحيح. (5) الصواعق المحرقة ص 73 عن أبي نعيم بسند جيد، وفتح الباري ج 10 ص 31. (6) نوادر الاصول ص 66، والمصنف ج 11 ص 266 / 267، والاصابة ج 4 ص 22، والصواعق المحرقة ص 73. (*)

[ 306 ]

ولكننا لا ندري ما تقول أم المؤمنين في قولهم المعروف: " كان أبو بكر شاعرا، وكان عمر شاعرا، وكان علي أشعر الثلاثة " (1). بل ذكر البعض: أن الخلفاء الاربعة كانوا أشعر الصحابة، وكان أبو بكر أشعر الخلفاء، وقد جمع البعض له ديوانا تعجز عن تقريضه أفواه المحابر، وألسنة الاقلام، رتبه على حروف المعجم (2). ويعلق العلامة الاميني على تعليق الحكيم الترمذي على حديث شرب أبي بكر للخمر بقوله: " هو مما تنكر القلوب " (3). فيقول: " فكأن الترمذي وجد الحديث دائرا سائرا في الالسن، غير أنه رأى القلوب تنكره " (4). كما أن العسقلاني قد حذا حذو الترمذي، فإنه بعد أن ذكر أن ابن مردويه يذكر أبا بكر وعمر في من شرب الخمر في بيت أبي طلحة قال: " وهو منكر، مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطا " (5). ثم إنه بعد ذكره لقضية: " تحيي أم بكر بالسلام " قال: " وأبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، وليس كذلك. ولكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق، فحصلنا على تسمية عشرة " (6).


(1) كنز العمال ج 15 ص 97 عن ابن عساكر، وراجع: أنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 152 و 114، وترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 3 ص 242، وفي هامشه عن كتاب الرجال لاحمد بن حنبل ج 1 ص 313 ط 1. (2) التراتيب الادارية ج 1 ص 211. (3) نوادر الاصول ص 66. (4) الغدير ج 7 ص 96. (5) و (6) فتح الباري ج 10 ص 31، والغدير ج 7 ص 97 / 98. (*)

[ 307 ]

فهو كما ترى قد عاد وأقر بأن أبا بكر كان فيمن شرب الخمر في بيت أبي طلحة (1). الكذب على علي " عليه السلام ": بقي أن نشير إلى أننا نشهد لدى بعض الناس حرصا شديدا على حشر علي أمير المؤمنين " عليه السلام " في أمر مشين كهذا.. فبذلوا محاولات عديدة ومتنوعة في هذا السبيل ولكنها كانت محاولات فاشلة وعقيمة، فإن الكل يعلم: أنه " عليه السلام " قد تربى في حجر النبوة، وتهذب وتأدب منذ نعومة أظفاره بأدب الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولم نعهد منه إلا الامتثال والخضوع المطلق لاوامر وتوجيهات معلمه وسيده ومربيه، حتى لقد أثر عنه قوله: " أنا عبد من عبيد محمد ". وسيرته " عليه الصلاة السلام " خير شاهد ودليل على ما نقول، ولسوف نقرأ: أنه حينما قال له رسول الله (ص) يوم خيبر: " إذهب، ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك "، مشى " عليه السلام " هنيهة، ثم قام، ولم يلتفت للعزمة. ثم قال: على ما أقاتل الناس ؟ ! قال النبي (ص): قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله إلخ.. " (2).


(1) وراجع: ترجمة سعيد بن ذي لعوة في لسان الميزان، وغيره وراجع: الغدير ج 6 ص 251 - 261، وج 7 ص 95 - 103، وجميع كتب الحديث في أبواب الخمر، وجميع كتب التفسير في تفسير الايات، وغير ذلك. (2) صحيح ابن حبان (مخطوط في مكتبة قبو سراي في استانبول) ترجمة علي (ع)، وأنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 93، والغدير ج 10 ص 202، وج 4 ص 278، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 200، وترجمة علي = (*)

[ 308 ]

ولعله لاجل هذا بالذات تقرأ أيضا: أن النبي (ص) يأمر رسوله إلى علي " عليه السلام ": أن لا يناديه من خلفه (1). وهو بعد ذلك كله، من أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وإن رغمت أنوف الحاقدين والشانئين. وأما بالنسبة للصحابة، فلو أردنا استقصاء مخالفاتهم في هذا المجال، لملانا عشرات الصفحات من أحداث، ومن مصادر لها. والحر تكفيه الاشارة. لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى: ويروون - عن علي " عليه السلام " (! !) - أنه قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت: قل: يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (2).


= (ع) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 159. (1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 217 وغيره، والبحار ج 73 ص 223 و 325 عن قرب الاسناد ص 76. (2) الدر المنثور ج 2 ص 164 / 165 عن عبد بن حميد وأبي داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 142 وليس فيه تصريح بأن عليا (ع) قد شربها معهم، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 200 عن الترمذي والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 238، وراجع جامع البيان للطبري ج 2 ص 312، وج 5 ص 61، وفتح القدير ج 1 ص 472، وتفسير ابن كثير ج 1 ص 500، ولباب النقول ص 63، وتفسير الخازن ج 1 ص 358، وراجع: بهجة المحافل ج 1 ص 278 / 79 وليس فيه تصريح بالاسم لكن صرح به الاشخر = (*)

[ 309 ]

عن عكرمة في الاية قال: نزلت في أبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، صنع علي لهم طعاما وشرابا، فأكلوا، وشربوا، ثم صلى علي بهم المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، حتى خاتمتها، فقال: ليس لي دين، وليس لكم دين، فنزلت: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (1). وعن علي، أنه كان هو وعبد الرحمن بن عوف، ورجل آخر، شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن: فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فخلط فيها، فنزلت: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (2). وعن الحاكم عن علي " عليه السلام ": دعانا رجل من الانصار قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدم رجل وقرأ قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه فنزلت (3) وفي رواية أخرى عن علي " عليه السلام "، إن رجلا من الانصار دعاه، وعبد الرحمن بن عوف، فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فخلط فيها، فنزلت الخ.. (4). وفي بعض الروايات: أنه قرأ: " قل يا أيها الكافرون، فلم


= اليمني في شرحه بهامشه، وكنز العمال ج 2 ص 248، ورمز للعديد من المصادر المتقدمة وعن سعيد بن منصور. (1) الدر المنثور ج 2 ص 165 عن ابن منذر، وفتح القدير ج 1 ص 472. (2) الدر المنثور ج 2 ص 165 عن ابن جرير، وابن المنذر، وجامع البيان للطبري ج 5 ص 61، وتفسير ابن كثير ج 1 ص 500 قال وهكذا رواه أبو داود والنسائي. (3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 308 وج 4 ص 142، وتلخيص الذهبي بهامشه، وراجع تفسير ابن كثير ج 1 ص 500 عن ابن أبي حاتم. (4) راجع: سنن أبي داود ج 3 ص 225، وتفسير الخازن ج 1 ص 358. (*)

[ 310 ]

يقمها (1) ". ورواية أخرى لا تصرح باسم أحد، لكنها تقول: فشربها رجل، فتقدم، فصلى بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، فنزلت الخ.. (2). وفي رواية أخرى عن عوف: فشربها رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما، لا يدري عوف ما هو (3). المناقشة: ونقول: إن ذكر علي " عليه السلام " في الرواية المذكورة لا يصح، بل إن الرواية بمجملها محل شك وشبهة لدينا، ونستند في حكمنا هذا إلى ما يلي: أولا: إن الروايات المتقدمة فيها العديد من موارد التنافي والتناقض. 1 - فهل الذي صنع الطعام هو عبد الرحمن بن عوف ؟ أم هو علي " عليه السلام " ؟ ! أم هو رجل من الانصار ؟ ! 2 - وهل الذي صلى بهم إماما هو علي " عليه السلام " ؟ أم عبد الرحمن بن عوف، أم هو فلان الذي لم يسم ؟ ! 3 - وهل قرأ القارئ في الصلاة: قل يا أيها الكافرون إلى آخرها،


(1) أسباب النزول ص 87، وجامع البيان للطبري ج 2 ص 212. (2) راجع: تفسير القرطبي ج 5 ص 200، والغدير ج 6 ص 252 / 253 عنه، وجامع البيان للطبري ج 7 ص 22، وتفسير النيسابوري بهامشه ج 2 ص 322، وتفسير الرازي ج 6 ص 40. (3) تفسير الطبري ج 2 ص 211. (*)

[ 311 ]

ثم قال: ليس لي دين، وليس لكم دين ؟ أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون: أعبد ما تعبدون ؟ ! أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون ؟ ! أم أنه قرأ: ونحن عابدون ما عبدتم.. (1). أم أنه قرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وانتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين، كما جاء في بعض الروايات (2). أم أنه جعل يهجر كلاما في الصلاة، لا يدري عوف ما هو ؟ !... 4 - وهل كان الحاضرون ثلاثة أشخاص فقط: علي، وعبد الرحمن بن عوف، ورجل من الانصار ؟ أم كانوا خمسة أشخاص: أبو بكر وعمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ؟ ! أم أن الشارب كان رجلا واحدا، كما هو ظاهر النص الاخير، وهو ظاهر رواية الحاكم ؟ ! 5 - وهل كان الذي شربها رجل واحد، ودخل في الصلاة، أم شربها رجلان، ودخلا في الصلاة ؟ !.. وكما يقولون: لا حافظة لكذوب..


(1) تلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس المستدرك ج 4 ص 142. (2) تفسير جامع البيان للطبري ج 5 ص 61، وراجع: تفسير ابن كثير ج 1 ص 500، وتفسير الرازي ج 10 ص 107، وتفسير الخازن ج 1 ص 146، وتفسير النسفي بهامشه، والكشاف ج 1 ص 513 و 260، وغير ذلك. (*)

[ 312 ]

وثانيا: قد تقدم أن الخمر قد حرمت في مكة قبل الهجرة، وذكرنا لذلك العديد من الدلائل والشواهد، مثل رواية معاذ بن جبل (1)، وأم سلمة (2)، وأبي الدرداء.. وغير ذلك. وثالثا: قال الحلبي الشافعي: إن الخمر قد حرمت ثلاث مرات (3)، وروى أحمد ذلك عن أبي هريرة أيضا (4). والمقصود: إن كان أنها قد حرمت أولا في مكة في أول البعثة، فلا تصح الرواية المتقدمة، وإن كان المقصود أنها قد حرمت في سورة البقرة، ثم في سورة النساء النازلتين في أول الهجرة. فإننا نقول: إن النحاس يرى: أن سورة النساء مكية، وقال علقمة: إن قوله تعالى: يا أيها الناس حيث وقع إنما هو مكي (5).. وعليه، بل وحتى على تقدير نزولها أول الهجرة، فإن التحريم يكون قد سبق وقوع القصة المتقدمة التي يرون أنها قد حصلت في المدينة في سنة ثلاث، أو أربع، أو في سنة ست الخ.. حسبما تقدمت الاشارة إليه. ورابعا: إن المروي عن أئمة أهل البيت " عليهم السلام "، وعن الضحاك: أن المراد في قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى):


(1) روايته موجودة أيضا - عدا عما تقدم - في البحار ج 2 ص 127 ح 4، وقصار الجمل ج 1 ص 183، وج 2 ص 23 و 12 وراجع ص 22، عن الوسائل العشرة باب 136 ح 8. (2) رواية أم سلمة توجد أيضا في الدر المنثور ج 2 ص 326 عن البيهقي. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 261. (4) فتح القدير ج 2 ص 75، وتاريخ الخميس ج 2 ص 27 عن المواهب اللدنية. (5) الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص 1، والغدير ج 8 ص 11 عنه، وراجع: الاتقان ج 1 ص 12. (*)

[ 313 ]

وهو سكر النوم (6).. وخامسا: قد روى القطان في تفسيره، عن الحسن البصري، قال: إن عليا لم يقبل أن يشرب معهم في دار أبي طلحة، بل خرج من بينهم ساخطا على ما يفعلون، قال الحسن: " والله الذي لا إله إلا الله هو، ما شربها قبل تحريمها، ولا ساعة قط " (1). نعم.. وهذا هو الذي ينسجم مع خلق علي " عليه السلام "، ووعيه، وهو الذي تربى في حجر الرسالة، وكان يلازم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ملازمة الظل لصاحبه.. وسادسا: قال الحاكم: " إن الخوارج تنسب هذا السكر، وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، دون غيره، وقد برأه الله منها، فإنه راوي هذا الحديث " (2). وذلك لان رواية الحاكم ليس فيها أنه " عليه السلام " قد شربها، كما أنها تنص على أن غيره هو الذي صلى بهم، وعلى حسب نص الجصاص: عن علي قال: دعا رجل من الانصار قوما، فشربوا من الخمر،


(1) راجع: نور الثقلين ج 1 ص 400 و 401، وتفسير البرهان ج 1 ص 370، ومجمع البيان ج 3 ص 52، وقول الضحاك في مختلف تفاسير أهل السنة فعدا عما تقدم راجع تفسير الخازن ج 1 ص 359، وتفسير الرازي ج 10 ص 109، وتفسير ابن كثير ج 1 ص 500، وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 201، وعن ابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) تفسير البرهان ج 1 ص 500 عن ابن شهر آشوب، عن القطان في تفسيره.. (3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 307. (*)

[ 314 ]

فتقدم عبد الرحمان بن عوف لصلاة المغرب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون، فالتبس عليه، فأنزل الله تعالى: لا تقربوا إلخ (1). إتهام برئ آخر: وأخيرا فإننا نجد في بعض الروايات تسجيل إتهام ضد برئ آخر، ألا هو عثمان بن مظعون، وأنه كان فيمن شرب الخمر، حتى نزلت: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الخ (2). وقد رد العلامة الاميني على ذلك بقوله: " هذا افتراء على ذلك الصحابي العظيم. وقد نص أئمة التاريخ والحديث على أنه ممن حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابا، يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي " (3). ونزيد نحن: أن عثمان بن مظعون قد مات قبل هذه القضية بمدة طويلة كما هو معلوم. سر الافتراء: ولا نريد أن نفيض في بيان سر حياكة هذه الاكاذيب، فإنه قد كان ثمة تعمد لايجاد شركاء لاولئك الذين ارتكبوا هذه الشنيعة، ممن يهتم اتباعهم بالذب عنهم، فلما لم يمكنهم تكذيب أصل القضية عمدوا إلى إشراك أبرياء معهم، ليخف جرم أولئك من جهة، وسيعا في تضعيف أمر


(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 201. (2) راجع الغدير ج 6 هامش ص 254، والدر المنثور ج 2 ص 315 و 317 و 318. (3) الغدير ج 6 هامش ص 253، وأشار إلى مصدرين لما ذكره وهما: الاستيعاب ج 2 ص 482، والدر المنثور ج 2 ص 315. (*)

[ 315 ]

هؤلاء من جهة أخرى.. ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره، وينزه أولياءه، ويطهرهم، ويصونهم من عوادي الكذب والتجني.. وليذهب الاخرون بعارها وشنارها، وليكن نصيب محبيهم واتباعهم، والذابين عنهم بالكذب والبهتان، الخزي والخذلان وسبحان الله، وله الحمد، فإنه ولي المؤمنين، والمدافع عنهم.. خطبة علي بنت أبي جهل: وتحكى هاهنا قصة خطبة علي (ع) بنت أبي جهل، ومن حقها أن تذكر في السنة الثامنة من الهجرة، ولكن بما أنها لا ريب في أسطوريتها كما سيتضح، فاننا نذكرها هنا ونبين كذبها، لمناسبة واضحة بين الحديث عن زواجه (ع) بفاطمة، وخطبته لغيرها، فنقول: الحديث الموضوع: في البخاري وغيره، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول، وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة إستأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يريد ابن أبي طالب: أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها. وفي البخاري وغيره أيضا، عن المسور: إن فاطمة أتت رسول الله (ص) فقالت: يزعم قومك: أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل. فسمعته حين تشهد يقول: إني انكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها. والله، لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي

[ 316 ]

الخطبة. وفي رواية أخرى لمسلم والبخاري وغيرهما: أن المسور قال: سمعت رسول الله (ص) على المنبر وهو يخطب في ذلك، وأنا محتلم، فقال: إن فاطمة مني، وأنا أخاف أن تفتن في دينها، إلى أن قال: وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما، ولكن والله، لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله مكانا واحدا أبدا. وذكر مصعب الزبيري: أن عليا خطب جويرية (1) بنت أبي جهل، فشق ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتاب: أنا أريحك منها، فتزوجها، فولدت له عبد الرحمن بن عتاب. وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم: أن رسول الله (ص) كان يغار لبناته غيرة شديدة، كان لا ينكح بناته على ضرة (2).


(1) ويقال: إسمها العوراء. ويقال: جرهمة. ويقال: جميلة. ويقال: الحيفاء. راجع فتح الباري ج 7 ص 68. (2) راجع هذه النصوص في: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف. وكتاب الخمس وكتاب المناقب، وصحيح مسلم ج 7 ص 141، وفي فضائل فاطمة، ومسند أحمد ج 4 ص 328، وحلية الاولياء ج 2 ص 40، وسنن البيهقي ج 7 ص 64، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 158 و 159، وغوامض الاسماء المبهمة ص 340 و 341، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 616، وأسد الغابة ج 5 ص 521، والمصنف ج 7 ص 301، و 302 و 300 بعدة نصوص، وفي هامشه عن عدد من المصادر، ونسب قريش ص 87 و 312، وفتح الباري ج 7 ص 6، وج 9 ص 286، وتهذيب التهذيب ج 7 ص 90، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 88 و 51 وج 4 ص 64 - 66، ومحاضرة الادباء المجلد الثاني ص 234، والسيرة الحلبية ج 2 ص 208، وتلخيص الشافي ج 2 ص 276، ونقل عن سنن أبي داود ج 2 ص 326، وراجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 4، ونزل الابرار ص 82 و 83، وفي هامشه عن صحيح البخاري ج 2 ص 302 و 189 وج 3 ص 265، وعن الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 698. (*)

[ 317 ]

وعند الحاكم: أن عليا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة (1). وعند ابن المغازلي: أنه (ع) خطب أسماء بنت عميس، فأتت فاطمة إلى النبي (ص) فقالت: إن أسماء بنت عميس متزوجة عليا. فقال: ما كان لها أن يؤذي الله ورسوله (2). وقد نظم مروان ابن أبي حفصة هذه القصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، فكان مما قال: وساء رسول الله إذ ساء بنته * بخطبته بنت اللعين أبي جهل فذم رسول الله صهر أبيكم * على منبر بالمنطق الصادع الفصل (3) المناقشة: ونحن نعتقد - كما يعتقد ابن شهر آشوب (4) - أنه لا ريب في كذب هذه الرواية، وذلك إستنادا إلى ما يلي: أولا: إن الروايات مختلفة ومتناقضة، كما يظهر بالمراجعة والمقارنة. أضف إلى ذلك: أن ما جاء في هذه الروايات لا ينسجم مع ما تقدم في بحث تكنية علي (ع) بأبي تراب: من أنه (ع) لم يسؤ فاطمة قط. وثانيا: عن بريدة: أنه لما استلم علي " عليه السلام " الغنائم من خالد بن الوليد في غزوتهم لبني زبيد، حصلت جارية من أفضل السبي في


(1) فتح الباري ج 9 ص 286. (2) مناقب الامام علي لابن المغازلي ص 365. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 65. (4) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 4. (*)

[ 318 ]

الخمس، ثم صارت في سهم آل علي، فخرج عليهم علي " عليه السلام " ورأسه يقطر، فسألوه، فأخبرهم: أنه وقع بالوصيفة التي صارت في سهم آل علي. فقدم بريدة في كتاب من خالد على النبي (ص)، وصار يقرؤه عليه بريدة، ويصدق (أي بريدة) ما فيه، فأمسك (ص) بيده، وقال: يا بريدة أتبغض عليا ؟ قال: نعم. فقال (ص): لا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبا، فوالذي نفسي بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة. وفي نص آخر: فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول الله غضب غضبا لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال: يا بريدة، أحب عليا، فإنه يفعل ما آمره. وكذا روي عن غير بريدة (1).


(1) راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 128 عن الطبراني، وخصائص النسائي ص 102 / 103، ومشكل الاثار ج 4 ص 160، ومسند أحمد ج 5 ص 359 و 350 / 351، وسنن البيهقي ج 6 ص 342 وقال: رواه البخاري في الصحيح، وحلية الاولياء ج 6 ص 294، وسنن الترمذي ج 5 ص 632 و 639، وكنز العمال ج 15 ص 124 - 125 و 126 - 271، ومناقب الخوارزمي الحنفي ص 92، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 110 / 111 على شرط مسلم، وتلخيص المستدرك للذهبي بهامشه وسكت عنه، والبداية والنهاية ج 7 ص 344 و 345 عن أحمد والترمذي، وأبي يعلى وغيره بنصوص مختلفة. والغدير ج 3 ص 216 عن بعض من تقدم، وعن كنز العمال ج 6 ص 152 و 154 و 300، وعن نزل الابرار للبدخشي ص 22، والرياض النضرة ج 3 ص 129 و 130، وعن مصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 257. والبحر الزخار ج 6 ص 435، وجواهر الاخبار والاثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي (مطبوع بهامش المصدر السابق) نفس الجلد = (*)

[ 319 ]

وفي الرواية التي عند المفيد رضوان الله عليه: " فسار بريدة، حتى انتهى إلى باب النبي (ص)، فلقيه عمر، فسأله عن حال غزوتهم، وعن الذي أقدمه، فأخبره: أنه إنما جاء ليقع في علي، وذكر له اصطفاءه الجارية من الخمس لنفسه، فقال له عمر: إمض لما جئت له، فإنه سيغضب لا بنته مما صنع علي (1). وثالثا: وفي محاورة بين عمر وابن عباس، كان مما قاله ابن عباس له: يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا من قد علمت، والله، إنه ما غير ولا بدل، ولا أسخط رسول الله (ص) أيام صحبته له. فقال: ولا في إبنة أبي جهل، وهو يريد أن يخطبها على فاطمة رضي الله عنها ؟ قلت: قال الله في معصية آدم " عليه السلام ": " ولم نجد له عزما " (2)، فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله (ص)، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه. وربما كانت من الفقيه في دين الله، العالم بأمر الله، فإذا نبه عليها رجع وأناب. فقال: يا ابن عباس، من ظن أنه يرد بحوركم، فيغوص فيها معكم حتى بلغ قعرها، فقد ظن عجزا (3). فابن عباس يصارح الخليفة بأن عليا لم يغضب الرسول، ولا أراد ذلك، ولا عزم عليه، ثم هو قد أنكر قضية بنت أبي جهل، واعتبرها من


= والصفحة، عن البخاري والترمذي. (1) إرشاد المفيد ص 93، وقاموس الرجال ج 2 ص 173 عنه. (2) طه: 115. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 51، ومنتخب كنز العمال ج 5 ص 229 بهامش مسند أحمد، وحياة الصحابة ج 3 ص 249 عنه عن الزبير بكار في الموفقيات، وقاموس الرجال ج 6 ص 25. (*)

[ 320 ]

الخواطر التي ربما تمر، ولا يقدر أحد على دفعها، وصدقه بذلك عمر. ويلاحظ هنا مهارة ابن عباس في تكذيب هذه القضية، حيث لم يواجه الخليفة الثاني صراحة بذلك، وإنما جاءه من الطريق المعقول والمقبول عنده، وقطع عليه كل طريق حتى قال له: " من ظن أنه يرد بحوركم الخ.. ". ويكاد النقيب أبو جعفر محمد بن أبي زيد، الذي وصفه ابن أبي الحديد بأنه منصف، ولا يمكن اتهامه بالتشيع - كما تقدم في غزوة بدر - يكاد يصرح بأن عمر هو الذي أوحي للناس بأن النبي قد غضب من علي في هذه القضية، فهو يقول عنه: " ثم عاب عليا بخطبته بنت أبي جهل، فأوهم أن رسول الله (ص) كرهه لذلك، ووجد عليه " (1). ورابعا: إننا في نفس الوقت الذي نجد فيه النبي (ص) يقرر: أنه لا يتصرف في هذا المورد من موقع الولاية، وكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، حيث يقول في خطبته: " إني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما "، نجده يفرض على علي أن يطلق ابنته، إن أراد تزوج إبنة أبي جهل، مع أن الله قد جعل الطلاق بيد الزوج، وليس للزوجة ولا لابيها حق فرض ذلك عليه. ثم هو ينهى عليا عن الزواج بالثانية، مع أن الله تعالى أحل الزواج من مثنى وثلاث ورباع (2). وإذا كان يحرم على علي الزواج في حياة فاطمة لخصوصية لها (3)


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 88. (2) راجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 277. (3) كما احتمله العسقلاني في فتح الباري ج 9 ص 287. (*)

[ 321 ]

وكان هذا الحكم لم يبلغ إلى علي (ع) حتى ذلك الوقت، فهو لا يستحق هذا التشهير القاسي. وإن كان (ص) قد بلغه إياه، فلماذا يقدم علي الذي نصت آية التطهير على طهارته من كل رجس، على أمر محرم عليه، حتى يضطر النبي (ص) إلى اتخاذ هذا الموقف منه ؟ ولماذا يعمد إلى إيذاء فاطمة، وهو يسمع قوله (ص): فاطمة بضعة مني يؤذيها ما يؤذيني ؟ ! وكيف نوجه بعد هذا قوله (ص): لولا أن الله خلق عليا، لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه ؟ ! بل إن الله تعالى هو الذي اختار عليا لفاطمة، فكيف يختار لها من يؤذيها ويغمها ؟ ! (1). ثم ألم يكن لدى علي " عليه السلام " من الادب والاحترام بمقدار ما كان لبني المغيرة، فيستأذنونه " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولا يستأذنه علي " عليه السلام " ؟ ! ثم إننا لا ندري ما حقيقة إيمان، وجمال، ومزايا بنت أبي جهل - التي كانت من الطلقاء (2) - حتى جعلت عليا يقدم على خلق مشكلة بهذا الحجم له، ولبني المغيرة، وحتى للنبي (ص) نفسه. ولماذا لم يكلم النبي (ص) عليا سرا، ويطلب منه صرف النظر عن هذا الامر ؟ !. أم أنه فعل ذلك، فرفض علي، حتى اضطر إلى فضحه، وتأليب الناس ضده بهذه الصورة ؟ ! (3)


(1) تلخيص الشافي ج 2 ص 277. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 191. (3) تلخيص الشافي ج 2 ص 278. (*)

[ 322 ]

وكذلك الحال بالنسبة لبني المغيرة، لماذا لا يردعهم سرا عن تزويجه ؟ ! أم أنه فعل ذلك، فلم يرتدعوا إلا بهذه الطريقة ؟ !. وإذا كانوا لا يرتدعون، فلماذا يستأذنون ؟ !. واعتذار العسقلاني عن ذلك بأنه (ص) أراد من خطبته على رؤوس الاشهاد: أن يشيع ذلك الحكم، ويأخذوا به على سبيل الايجاب، أو الاولوية (1). لا يمكن قبوله، فقد كان يمكن أن يشيع هذا الحكم بالطرق الاخرى التي تشيع فيها سائر الاحكام، لا سيما وأنه ليس من الاحكام العامة التي يبتلي بها عامة المكلفين. وأيضا، فإن ذلك لا يتناسب مع كلمات النبي القاسية على المنبر، ولا مع تعريضاته القوية المشعرة بأن عليا قد ارتكب أمرا عظيما... هذا مع العلم بأنه (ص) لم يكن من عادته أن يواجه أحدا بما يعاب به، فكيف يعلن به على المنبر. حتى إنه (ص) لم يكن يقدح بشهود المدعي بصورة صريحة، بل هو يدعو المتحاكمين إلى الصلح (2). بل إنه (ص) كان إذا بلغة عن أحد شيئا يكرهه لا يصرح باسمه، حتى ولو كان من جملة المنافقين، فحين بلغه قول زيد بن اللصيت، وهو من المنافقين، من أحبار اليهود: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته. قال (ص) إن قائلا قال: يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء


(1) فتح الباري ج 7 ص 68. (2) راجع: الوسائل ج 18 ص 175 والتفسير المنسوب إلى الامام العسكري ص 673 / 674. (*)

[ 323 ]

ولا يدري أين ناقته، وإني والله إلخ.. " (1). واعتذار العسقلاني أيضا عن ذلك: بأنه لعله مبالغة في رضا فاطمة " عليه السلام "، لانها أصيبت بأمها وإخوتها، فكان إدخال الغيرة عليها يزيد من حزنها (2). لا يصح أيضا، فإن رضا شخص لا يبرر تنقص شخص آخر على أمر مباح بل مستحب. وكذلك فإن كون فاطمة قد أصيبت، لا يبرر منع زوجها من العمل بما هو مباح له... وهل لم يصب أحد بأقربائه سواها ؟ وهل كل من أصيبت بأقربائها تمنع زوجها من الزواج بأخرى ؟ !. لا سيما بعد مرور السنوات العديدة على ذلك ! !.. ولماذا لا يطلب العسقلاني من أبي بكر أن يبالغ في رضا فاطمة، حينما أصيبت في أبيها سيد البشر، فحرمها أبو بكر من إرثها، وعاملها بما هو معروف لدى كل أحد، حتى ماتت " عليها السلام " وهي هاجرة له، وأوصت أن تدفن ليلا ولا يحضر جنازتها هو ولا الخليفة عمر ؟. ثم هناك تعريضه بعلي (ص)، وأنه حدثه ولم يصدقه... لا ندري كيف ؟ ومتى ؟ وأن أبا العاص (الذي بقي على شركه حتى أسلم مع طلقاء مكة كرها، أو طمعا، والذي صرح الصادق " عليه السلام " بنفاقه كما نسب إليه (3) قد حدثه، فصدقه، كيف ؟ ومتى ؟ وفي أي مورد ؟ !. وبعد، فما معني: أن لا تجتمع بنت عدو الله وبنت رسول الله عند


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 174. (2) فتح الباري ج 7 ص 69، وراجع: ج 9 ص 287. (3) مستطرفات السرائر ص 470. (*)

[ 324 ]

رجل. وقد جمع عثمان بين رقية وأم كلثوم بنتي بل ربيبتي رسول الله، وبين فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس، ورملة بنت شيبة، وأم البنين بنت عيينة بن حصن، الذي كان من المنافقين. وفاطمة لماذا تتأذى من العمل بحكم إلهي مشرع في القرآن وعلى لسان أبيها ؟ !. ولماذا لا تكون مثال المرأة المؤمنة الراضية والمطمئنة ؟ وأين هو إيمانها القوي وثباتها ؟ !. ولماذا لا تكون كأي امرأة أخرى تواجه قضية كهذه ؟ !. وكيف بلغ بها الامر أن أصبح أبوها يخشى عليها الفتنة في دينها ؟ ! أكل ذلك من أجل أن زوجها يريد التزوج من إمرأة أخرى ؟ !. ثم ألم تسمع قول أبيها: جدع الحلال أنف الغيرة (1) ؟ ولو كانت لم تسمع ذلك فلم لا يذكر لها أبوها ذلك حينما اشتكت من زوجها، أو على الاقل لماذا لا يتذكر هو ذلك، قبل أن يصعد المنبر ويتكلم بذلك الحماس، وتلك العصبية والقسوة ؟ !. وهل يتناسب ذلك مع حكمته ونبل أخلاقه، وسمو نفسه، وما عرف به من الكظم والحلم ؟ !. وهذا المأمون يجيب إبنته على شكواها من قضية كهذه بقوله: إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله تعالى. فهل كان المأمون أعلى نفسا، وأكرم أخلاقا منه (ص) ؟ ! والعياذ بالله (2).


(1) محاضرات الادباء المجلد الثاني ص 234. (2) راجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 276 - 279، ومقالا للشيخ إبراهيم الانصاري في مجلة الهادي سنة 5 عدد 2 ص 30 - 33 بعنوان أسطورة تزوج علي ببنت أبي جهل، وتنزيه الانبياء للسيد المرتضى ص 168. (*)

[ 325 ]

وخامسا: قال السيد المرتضى: " وبعد، فأين كان أعداؤه (ع) من بني أمية وشيعتهم عن هذه الفرصة المنتهزة ؟ ! وكيف لم يجعلوها عنوانا لما يتخرصونه من العيوب، والقروف ؟ ! وكيف تمحلوا الكذب، وعدلوا عن الحق، وفي علمنا بأن أحدا من الاعداء متقدما لم يذكر ذلك، دليل على أنه باطل موضوع " (1). وسادسا: وبعد كل ما تقدم: كيف يقول النبي (ص) لبنت أبي جهل، (بنت عدو الله)، على المنبر، وهو الذي منع الناس من أن يقولوا لعكرمة أخيها: (ابن عدو الله)، وقال كلمته الخالدة: يأتيكم عكرمة مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي (2). وسابعا: إن المسور بن مخرمة قد ولد في السنة الثانية للهجرة، فكيف يقول: إنه سمع النبي يخطب على المنبر وهو (يعني المسور) محتلم ؟ !. ووجه ذلك ابن حجر بأن المراد بالاحتلام كمال العقل (3). وهذا التوجيه يخالف كلا من اللغة والعرف، فلا يقال لطفل عمره ست سنين: إنه محتلم. مهما كان له من الدراية، ومن العقل والفطنة (4). الرواية الاقرب إلى القبول: وأخيرا، فإن السيد المرتضى يرى: أن هذه الاسطورة إنما رواها الكرابيسي البغدادي، صاحب الشافعي، والكرابيسي معروف بنصبه


(1) تنزيه الانبياء ص 169، وراجع: تلخيص الشافي ج 2 ص 279. (2) راجع: مقال الانصاري في مجلة الهادي سنة 5 عدد 2 ص 32. (3) فتح الباري ج 9 ص 286. راجع: مقال الانصاري أيضا. (*)

[ 326 ]

وانحرافه عن أمير المؤمنين " عليه السلام " (1). ونحن وإن كنا نرى: أنها بكيفيتها المتقدمة لا ريب في بطلانها وافتعالها، إلا أننا لا نمانع في أن يكون لها أصل سليم عن كل ما قدمناه، ولا يتنافي مع روحية، وعصمة النبي (ص)، ووصيه، وبضعته الزهراء. وذلك بأن يكون قد خطر له " عليه السلام " أن يخطب بنت أبي جهل لمصلحة رآها، فاستشار رسول الله (ص). فلم ير منه تشجيعا، فانصرف عن ذلك. وقد ألمحت رواية إلى ذلك، فذكرت: أن عليا (ع) خطب إبنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار علي " عليه السلام " رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال (ص): أعن حسبها تسألني ؟ قال علي: قد أعلم ما حسبها، ولكن أتأمرني بها ؟ قال: لا، فاطمة بضعة مني، ولا أحب أنها تحزن أو تجزع. قال علي: " لا آتي شيئا تكرهه " (2). ولكن الرواية قاصرة عن إفادة المعنى المقصود، لا سيما وأنها تشتمل على بعض التناقض في مضمونها، إذ لا معنى للخطبة، ثم الاستشارة، بل الاستشارة تكون قبل الخطبة، لا سيما بملاحظة قوله: أتأمرني بها إلخ.. وأخيرا، فإن كلام ابن عباس الذي قدمناه في جوابه لعمر بن


(1) تنزيه الانبياء ص 167، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64 / 65. (2) كنز العمال ج 16 ص 280 عن أبي يعلى، والمصنف ج 7 ص 301، وفتح الباري ج 9 ص 286 بأسناد صحيح عن الحاكم. (*)

[ 327 ]

الخطاب يؤيد هذه الرواية أيضا. ولربما تكون فاطمة قد عرفت بقول عمر، عن النبي (ص): " إنه سيغضب لا بنته " فاشتكته إلى رسول الله (ص)، لا أنها اشتكت عليا " عليه السلام " غيرة من خطبته إمرأة أخرى. فإن فاطمة أجل وأرفع، وأعمق إيمانا من أن تفكر في أمر كهذا.

[ 329 ]

الفصل الثالث: قضايا وأحداث في المجال العام

[ 331 ]

تحويل القبلة: وقد جاء في الروايات: أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة قد كان بعد حرب بدر (1). وفي تفسير القمي: أن ذلك كان بعد الهجرة بسبعة أشهر. وصحح صاحب تفسير الميزان: أن ذلك كان في رجب. وقيل: في النصف من شعبان. وعنه (ص): إن ذلك قد كان بعد سبعة (تسعة) عشر شهرا. وقد صرف إلى الكعبة، وهو في صلاة العصر (2)، ولتراجع سائر الاقوال في كتب التاريخ والسيرة. وكان " صلى الله عليه وآله وسلم " حين قدم المدينة يتوجه إلى بيت المقدس، فصار اليهود يعيرونه، ويقولون: أنت تابع لنا، تصلي إلى قبلتنا. فاغتم رسول الله " صلى الله عليه وآله " من ذلك غما شديدا، وكان قد وعد بتحويل القبلة، فخرج في جوف الليل يقلب وجهه في السماء،


(1) الوسائل ج 3 ص 215 أبواب القبلة باب 2 حديث 1 و 2 و 12 و 17، وفي هوامشها إشارة إلى مواضع عديدة من الكتاب وإلى مصادر كثيرة أيضا. وراجع أيضا: قصار الجمل 2 ص 121. (2) قصار الجمل ج 2 ص 21، ووسائل الشيعة ج 3 ص 220. (*)

[ 332 ]

ينتظر أمر الله تعالى في ذلك، وأن يكرمه بقبلة تختص به. فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر - وقيل العصر - وكان في مسجد بني سالم، صلى الظهر بهم ركعتين، فنزل جبرئيل، فأخذ بعضديه، فحوله إلى الكعبة، فاستدارت الصفوف خلفه، فأنزل الله عليه: (قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (1). فصلى ركعتين إلى الكعبة. فقالت اليهود، الذين شق عليهم ذلك، والسفهاء: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (2). ويقال: إن المسجد الذي جرى فيه ذلك سمي ب‍ " مسجد القبلتين " وقيل: بل سمي به مسجد آخر، بلغ المصلين فيه تحول النبي إلى الكعبة، فتحولوا هم أيضاء في وسط صلاتهم، فسمي مسجدهم بذلك. تفسير وتحليل: وجاء في بعض الاخبار عن الامام العسكري صلوات الله وسلامه عليه: ان هوى أهل مكة كان في الكعبة، فأراد الله أن يبين متبع محمد من مخالفه، باتباع القبلة التي كرهها، ومحمد يأمر بها.


(1) البقرة: 144. (2) البقرة: 142، وراجع فيما تقدم: البحار ج 19 ص 114 و 195 و 202، وإعلام الورى ص 71، وتفسير القمي ج 1 ص 63، وراجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 128 / 130، وتفسير الميزان ج 1 ص 333 / 334 عن الفقيه، ومجمع البيان، والوسائل ج 3 أبواب القبلة، الباب الاول والثاني. (*)

[ 333 ]

ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس، أمرهم بمخالفتها، والتوجه إلى الكعبة، ليبين من يتبع محمدا فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه إلخ (1). ولا يخفى أن ما ذكر في هذه الرواية هو من حكم تحويل القبلة، وفوائده، لا أنه هو السبب الاول والاخير لذلك. هذا كله على فرض صحة الرواية، وإلا فقد جاء بسند موثوق ما مفاده: أنه (ص) لم يكن يجعل الكعبة خلف ظهره في مكة، بل كان يستقبلها هي وبيت المقدس معا. ولكنه في المدينة إستقبل بيت المقدس دون الكعبة حتى حول إليها (2). وهذه الرواية لا توافق الرواية الاولى تماما، لانه في مكة كان يستقبلهما معا، فلم يتضح موافقه من مخالفه، إلا في صورة التوجه نحو الكعبة في الجهة المخالفة لبيت المقدس. مناقشات لابد منها: وربما يقال: كيف يغتم " صلى الله عليه وآله وسلم " لتعيير اليهود ؟ فإن وجود حكم شرعي موافق لهم، لا يوجب غمه (ص)، ولا فعالية تعييرهم إياه، إذ ما أكثر الاحكام التي هي من هذا القبيل، فلماذا اختاروا منها تعييره في موضوع القبلة فقط ؟ !. ولو قبلنا: أنهم فعلوا ذلك، فإنه " صلى الله عليه وآله " إذا كان يعلم أن في هذا الحكم مصلحة، فإنه يأنس به، ويرتاح له، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولذا فهو لا يغتم لتعيير أحد.


(1) تفسير الميزان ج 1 ص 333، وليراجع: البحار ج 19 ص 197. (2) راجع: الوسائل ج 3 ص 216. (*)

[ 334 ]

ويمكن الجواب عن ذلك: أنه يمكن أن يكون (ص) يرى: أن ذلك يهيئ الفرصة لاعداء الاسلام لفتنة المؤمنين عن دينهم، وصد غيرهم عن التوجه إليه، والدخول فيه، فهو حينئذ يغتم ويهتم لذلك. وينتظر الاذن من الله بتحويل القبلة لتفويت الفرصة على أعدائه، الذين سوف لن يدعوه وشأنه، والذين يعيشون في المتناقضات، فإذا صلى إلى قبلتهم عيروه، وإذا تحول عنها، فسيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. وهذه هي طبيعة الانسان الذي لا يرى نفسه مسؤولا عن مواقفه وحركاته وكلماته، ولا ينطلق في مواقفه إلا من موقع السفه، وعدم التثبت. البراء بن معرور لم يصل لغير الكعبة: ويذكر هنا: أن البراء بن معرور خرج في سفر مع بعض قومه، فقال لهم: " يا هؤلاء، قد رأيت ألا أدع هذه البنية (يعني الكعبة) مني بظهر، وأن أصلي إليها " فقالوا له: والله، ما بلغنا: أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فأصر البراء على الصلاة إلى الكعبة، فكان يصلي إليها، وهم يصلون إلى الشام، حتى قدموا مكة، فسأل النبي (ص) عن ذلك، فقال (ص): " لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها ". فرجع البراء إلى قبلة النبي (ص)، فصلى إلى الشام، وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات. ولما حضره الموت أوصى أن يدفن، وتستقبل به الكعبة، ففعلوا. وكانت وفاته في صفر قبل قدوم النبي (ص) المدينة مهاجرا بشهر (1).


(1) أسد الغابة ج 1 ص 173 - 174، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 = (*)

[ 335 ]

ملاحظة: ونحن نلاحظ هنا: أنه (ص) لم يحكم ببطلان عمل البراء، ولا لامه على ما فعله، ولا أمره بالصلاة إلى جهة الشام، غاية ما هناك أنه أعلمه أنه قد استعجل الامر. وقد يستفاد من هذا: أن موافقة الحكم الانشائي مقبولة إلى حد ما، ومجزية أيضا، بل يمكن أن يدعي أن النبي (ص) نفسه كان يمتثل هذا الحكم الانشائي، فكان يتوجه إلى بيت المقدس، جاعلا الكعبة بين يديه، ثم في المدينة نسخ الاتجاه إلى بيت المقدس من الاساس، بجميع مراتبه، ولم يكن يمكن استقبال الكعبة وبيت المقدس معا، فلم يكن ثمة خيار في ترك بيت المقدس، إلى الكعبة. إلا أن يقال: إنه ليس في المقام حكم إنشائي، بالنسبة إلى الكعبة، بل كان الحكم بالتوجه إليها فعيلا، إما على نحو التشريك مع لزوم التوجه إلى بيت المقدس حيث لا مندوحة، وإما على نحو التخيير كذلك أيضا لمصلحة وقتية في ذلك. تحول المصلين كيف كان: وهنا أيضا رواية تقول: إنه لما أخبر بنو عبد الاشهل بتحويل القبلة، وهم في الصلاة، وقد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس، تحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين (1). وفي رواية أخرى: أن جبرئيل أخذ بيد النبي (ص)، فحول وجهه


= ص 136 - 137، وقاموس الرجال ج 2 ص 160 / 167. (1) الوسائل ج 3 ص 216، والتهذيب ج 1 ص 44. (*)

[ 336 ]

إلى الكعبة، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء، والنساء مقام الرجال إلخ... (1). وهذا يعني: أن النبي (ص) قد ذهب مع جبرئيل إلى الناحية الاخرى من المسجد، وكذلك المصلون من الرجال، ثم جاء النساء إلى مكانهم، فوقفن هناك. وهكذا جرى في بني عبد الاشهل أيضا. وهذا يدل على أن الانتقال الذي حصل في المسجد من ناحية إلى ناحية لم يقدح في صحة صلاتهم تلك، ما دام أن تحولهم هذا قد كان بأمر من الله وفي طاعته. ولكن ذلك لا يدل على عدم قادحية هذا المقدار من السير في سائر الصلوات في الظروف العادية، لاحتمال اختصاص هذا التسامح بهذه الصلاة دون غيرها على الاطلاق. ثأر قريش بأرض الحبشة: ولما بلغ النجاشي نصر رسول الله (ص) في بدر فرح فرحا شديدا، ولكن مشركي قريش حين أصابتهم تلك الهزيمة القاتلة في بدر، قالوا: إن ثارنا عند ملك الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد، فنقتلهم بمن قتل منا، فأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهما الهدايا والتحف. فعرف الرسول الله (ص) بالامر، فأرسل إلى النجاشي كتابا يوصيه فيه بالمسلمين.


(1) الوسائل ج 3 ص 219، ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 178. (*)

[ 337 ]

ويقولون: إن حامل الكتاب كان عمرو بن أمية الضمري (1). ولكن ذلك محل شك، فإن عمرا لم يكن قد أسلم بعد، لانه إنما أسلم بعد أحد (2) وهو إنما حمل كتابا آخر أرسله النبي (ص) سنة ست أو سبع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (3). وعلى كل حال، فقد رفض النجاشي طلب عمرو بن العاص، فرجع من مهمته خائبا خاسرا، لان المسلمين كانوا عند ملك لا يظلم عنده أحد، على حد تعبيره (ص) عنه حسبما تقدم. ولان النجاشي كان مسلما سرا، كما يظهر من فرحه بنتائج حرب بدر. هذا، وتذكر هنا أمور تدل على إسلام عمرو بن العاص حينئذ، وقد أضربنا عنها، لان من الثابت أنه لم يسلم إلا بعد سنوات من ذلك، وإنما يراد إثبات فضيلة له لا تثبت. نهاية أبي لهب: وبعد واقعة بدر بأيام كانت نهاية أبي لهب لعنه الله تعالى، فقد أصيب بالعدسة، فقتلته. وهي بثرة من جنس الطاعون، تخرج في موضع من الجسد، تقتل صاحبها غالبا. وقد تركه إبناه ليلتين، أو ثلاثا بلا دفن، حتى أنتن، وعابهم البعض على ذلك، فاستحيوا، ودفنوه بأن وضعوه إلى جنب جدار، ثم قذفوا


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 200. (2) المصدر السابق. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 201. (*)

[ 338 ]

الحجارة عليه حتى واروه (1). وهكذا فلتكن نهاية الظالمين والمشركين شرا وخزيا، وما هم عليه من الشرك في الشر أعظم وأعظم، ولعذاب الاخرة أخزى. غلبة الروم على الفرس: وفي السنة الثانية من الهجرة أيضا، كانت غلبة الروم على فارس، ويقال: إن ذلك كان في نفس اليوم الذي التقى فيه الرسول بالمشركين في بدر، فنصر عليهم. وفرح المسلمون بانتصار الروم هذا، لان الروم كانوا أهل كتاب، وفارس مجوس لا كتاب لهم (2). وقد ذكر الله ذلك في كتابه العزيز، فقال: (الم. غلبت الروم في أدنى الارض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله). إلا أن من المحتمل قريبا أن يكون مراد الاية الاخيرة: أنهم يفرحون بنصر الله لهم في بدر، لا بنصر الروم على الفرس. رهان أبي بكر: ويذكرون هنا قضية ملخصها: أن المشركين كانوا يحبون غلبة الفرس، لانهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون غلبة الروم، لانهم


(1) البحار ج 19 ص 228، وطبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 73، والبداية والنهاية ج 3 ص 208، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 32، ومجمع الزوائد ج 6 عن البزار والطبراني، وحياة الصحابة ج 3 ص 587 / 588 عنهم، وعن دلائل أبي نعيم ص 170. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 298. (*)

[ 339 ]

أصحاب كتاب، فأخبر النبي (ص) وهو في مكة بأن الرم سيغلبون الفرس، فقامر أبو بكر المشركين: إن ظهر الروم فله كذا، وإن ظهر الفرس فلهم كذا إلى خمس سنين. (وذلك قبل أن يحرم القمار)، فأمره رسول الله (ص) بزيادة المدة معهم، فزادها. فلما ظهرت الروم قمر أبو بكر، وحصل على ما أراد من المشركين، وعند كثيرين: أنهم ظهروا عليهم في الحديبية، لا في بدر (1). مناقشة رواية الرهان: ونحن لا نصدق هذه الرواية: أولا: لتناقض صورها. ونكتفي بذكر التناقضات التى أشار إليها العلامة الطباطبائي مع بعض الزيادات، قال أيده الله: أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر مختلفة المضامين في الجملة، ففي بعضها: أن المقامرة كانت بين أبي بكر وأبي بن خلف، (وفي بعض المصادر (2): أمية بن خلف) وفي بعضها: أنها كانت بين المسلمين والمشركين، كان أبو بكر من قبل المسلمين، وأبي من قبل المشركين. وفي بعضها: أنها كانت بين الطائفتين. وفي بعضها: بين أبي بكر والمشركين كما في هذه الرواية. وفي بعضها أن الاجل المضروب: ثلاث


(1) راجع: الدر المنثور ج 5 ص 150 و 151 عن أحمد، والترمذي، وحسنه النسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة، وتاريخ الخميس ج 1 ص 298، والبداية والنهاية ج 3 ص 108، وحياة الصحابة ج 3 ص 69 عن بعض من تقدم وعن ابن جرير، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 422، وغير ذلك. (2) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 108. (*)

[ 340 ]

سنوات، وفي بعضها: خمس، وفي بعضها: ست، وفي أخرى: سبع. ثم الاجل المضروب أولا انقضى بمكة، وهو سبع سنين، فمادهم أبو بكر سنتين بأمر النبي (ص)، فغلبت الروم. وفي بعضها خلافه. ثم في بعضها: أن الاجل الثاني انقضى بمكة. وفي بعضها: أنه انقضى بعد الهجرة. وكانت غلبة الروم يوم بدر. وفي بعضها: يوم الحديبية. وفي بعضها: أن أبا بكر لما قمرهم بغلبة الروم أخذ منهم الخطر، وهو مائة قلوص، وجاء به إلى النبي (ص)، فقال: إنه سحت، تصدق به (1) إنتهى ما أورده العلامة الطباطبائي. ومن التناقضات: أن الخطر في بعضها: أربعة قلائص، وفي بعضها: خمس. وفي بعضها: عشر. وفي أخرى: مئة. إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تظهر بالمراجعة والمقارنة. وثانيا: قال العلامة الطباطبائي أيضا: " والذي تتفق فيه الروايات: أنه قامرهم، فقمرهم. وكان القمار بإشارة النبي (ص). ووجه ذلك (أي في نفس الرواية كما في بعض نصوصها) بأنه: كان قبل تحريم القمار، فإنه قد حرم مع الخمر في سورة المائدة، وقد نزلت في آخر عهد النبي (ص).


(1) تفسير الميزان ج 16 ص 163، وللوقوف على المزيد من التناقضات، راجع: الدر المنثور ج 5 ص 150 - 153 عن مصادر أخرى غير ما قدمناه في هامش الصفحة السابقة، مثل ما نقله عن: ابن جرير، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، والترمذي وصححه، والدار قطني في الافراد، والطبراني، وأبي نعيم في الدلائل، والبيهقي في شعب الايمان، وابن الحكم في فتوح مصر، وحياة الصحابة ج 3 ص 69. (*)

[ 341 ]

وقد تحقق بما قدمناه في تفسير آية الخمر والميسر: أن الخمر كانت محرمة في أول البعثة، وكان من المعروف عن الدين أنه يحرم الخمر والزنا. على أن الخمر والميسر من الاثم بنص آية البقرة: (يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير) الاية 219. والاثم محرم بنص آية الاعراف: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والاثم والبغي) الاعراف الاية 33. والاعراف من العتائق النازلة بمكة، فمن الممتنع: أن يشير النبي (ص) بالمقامرة. وعلى تقدير تأخر الحرمة إلى آخر عهد النبي (ص)، يشكل قوله لابي بكر، لما أتى بالخطر إليه: إنه سحت. ثم قوله: تصدق به، فلا سبيل إلى تصحيح شئ من ذلك بالموازين الفقهية. وقد تكلفوا في توجيه ذلك بما يزيد الامر إشكالا. ثم إن ما في الرواية: أن الفرس كانوا عبدة أوثان، لا يوافق ما كان عليه القوم، فإنهم وإن كانوا مشركين، لكنهم كانوا لا يتخذون أوثانا (1). هذا كله عدا عن أن قول النبي (ص) لابي بكر: إنه سحت، يدل على أن القمار كان محرما، ولولا ذلك لم يكن المأخوذ به سحتا. مع أن المدعى هو أن التحريم كان بعد بدر والحديبية معا، لان التحريم قد جاء في سورة المائدة النازلة بعد ذلك حسب زعمهم. تتميم وتعقيب: ونقول: إن كلام سيدنا العلامة هنا صحيح، إلا أنه يمكن الاجابة على الفقرة الاخيرة من كلامه، فيقال: إن عبارة الرواية، هكذا: " كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لانهم أصحاب أوثان. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على الفرس، لانهم أصحاب كتاب ".


(1) تفسير الميزان ج 16 ص 163 / 164. (*)

[ 342 ]

فمن غير البعيد: أن يكون قوله: " لانهم أصحاب أوثان " راجع للمشركين، أي أن سبب محبة المشركين لغلبة الفرس، هو كون المشركين أصحاب أوثان لا كتاب لهم، فأشبهوا الفرس في عدم الكتاب لهم، فهم يميلون إليهم. وعلة محبة المسلمين لغلبة الروم هو كون المسلمين أصحاب كتاب، أي والروم كذلك. سد الابواب في المسجد الا باب علي (ع): ومن القضايا الجديرة بالتسجيل هنا، قضية أمر الرسول (ص) بسد الابواب الشارعة في المسجد، غير باب علي أمير المؤمنين (ع)، فنقول: يظهر أن هذه القضية قد حصلت قبل استشهاد حمزة، وقبل وفاة رقية. ويدل على ذلك: 1 - عن أمير المؤمنين (ع): لما أمر رسول الله (ص) بسد الابواب التي في المسجد، خرج حمزة يجر قطيفة حمراء، وعيناه تذرفان، يبكي، فقال: ما أنا أخرجتك، وأنا أسكنته، ولكن الله أسكنه (1). 2 - وبهذا المعنى رواية أكثر تفصيلا عن سعد بن أبي وقاص، فراجع (2). 3 - عن أبي الحمراء، وحبة العرني، قال: لما أمر رسول الله (ص)


(1) الغدير ج 3 ص 208 عن أبي نعيم في فضائل الصحابة. ورواه السمهودي في وفاء الوفاء ج 2 ص 477 عن يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبد الله بن مسلم الهلالي عن أخيه، واللالي المصنوعة ج 1 ص 352. (2) ملحقات إحقاق الحق ج 5 ص 560 عن أرجح المطالب ط لاهور ص 421 عن أبي سعد في شرف النبوة، واللالي المصنوعة ج 1 ص 346. (*)

[ 343 ]

بسد الابواب التي في المسجد شق عليهم. قال حبة: إني لانظر إلى حمزة بن عبد المطلب، وهو يجر قطيفة حمراء، وعيناه تذرفان يقول: أخرجت عمك، وأبا بكر وعمر، والعباس، وأسكنت ابن عمك إلخ... (1). لكن ذكر العباس في الرواية في غير محله. لان العباس لم يأت إلى المدينة إلا بعد سنوات من استشهاد حمزة، فلابد وأن يكون ذلك من إقحام الرواة. 4 - في نص آخر، عن أمير المؤمنين (ع)، قال: قال رسول الله (ص): إنطلق فمرهم، فليسدوا أبوابهم. فانطلقت، فقلت لهم، ففعلوا إلا حمزة، فقلت: يا رسول الله، فعلوا إلا حمزة، فقال رسول الله: قل لحمزة: فليحول بابه. فقلت: إن رسول الله يأمرك أن تحول بابك، فحوله، فرجعت إليه، وهو قائم يصلي، فقال: إرجع إلى بيتك (2). 5 - هناك رواية أخرى عن حذيفة بن أسيد، تذكر: أن رقية كانت حينئذ على قيد الحياة بالاضافة إلى حمزة، ففيها - أنه بعد أن أرسل (ص) إلى أبي بكر وعمر فأمرهما بسد أبوابهما، ففعلا " أرسل إلى عثمان - وعنده رقية - فقال: سمعا وطاعة، ثم سد بابه " -. إلى أن قال: " فقال له النبي (أي لعلي): أسكن طاهرا مطهرا. فبلغ حمزة قول النبي (ص) لعلي. فقال: يا محمد، تخرجنا وتمسك غلمان


(1) الدر المنثور ج 6 ص 122، والاصابة ج 1 ص 373، وإحقاق الحق ج 5 ص 570 عن أرجح المطالب ص 421 عن ابن مردويه، وفضائل الخمسة ج 2 ص 149. (2) كنز العمال ج 15 ص 155 و 156 عن البزار، ووفاء الوفاء ج 2 ص 478، ومجمع الزوائد ج 9 ص 115 بإسناد رجاله ثقات، إلا حبة العرني وهو ثقة، وذكره الاميني في الغدير ج 3 ص 209 عن المجمع، وراجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 346. (*)

[ 344 ]

بني عبد المطلب ؟ فقال له نبي الله: لا، لو كان الامر لي ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما أعطاه إياه إلا الله، وإنك لعلى خير من الله ورسوله، أبشر، فبشره النبي (ص)، فقتل يوم أحد شهيدا " (1). نحن نستبعد جرأة حمزة على النبي (ص) بهذا النحو، فلا بد أن يكون قد تساءل عن سر هذا التصرف، كما تساءل غيره، فأجابه بأن الامر قد جاء من قبل الله تعالى. 6 - في رواية أخرى عن رجل من أصحاب رسول الله: أنه خرج مناديه (ص) يأمرهم بسد أبوابهم، فلم يقم أحد، وفي الثالثة: خرج، فقال: سدوا أبوابكم قبل أن ينزل العذاب، فخرج الناس مبادرين، وخرج حمزة بن عبد المطلب يجر كساءه حين نادى سدوا أبوابكم إلخ... إلى أن قال: فقالوا: سد أبوابنا وترك باب علي، وهو أحدثنا ؟. فقال بعضهم: تركه لقرابته. فقالوا: حمزة أقرب منه، وأخوه من الرضاعة، وعمه إلخ. (2). ولكننا نجد في مقابل ذلك، ما يدل على أن هذه القضية قد كانت بعد فتح مكة، إذ قد جاء في بعض رواياتها ذكر للعباس عم النبي (ص)، والذي لم يقدم المدينة إلا بعد الفتح. 1 - فعن أبي سعيد الخدري: وأخرج رسول الله عمه العباس،


(1) مناقب الامام علي لابن المغازلي ص 254 و 255، والطرائف لابن طاووس ص 62، وكشف الغمة ج 1 ص 331 / 332، وعمدة ابن بطريق ص 178، ونقله في إحقاق الحق ج 5 ص 568 / 569 عن المناقب لعبد الله الشافعي، وعن أرجح المطالب ص 415 عن ابن مردويه وابن المغازلي. (2) وفاء الوفاء ج 2 ص 478 / 479 عن ابن زبالة، ويحيى. (*)

[ 345 ]

وغيره من المسجد، فقال له العباس: تخرجنا، ونحن عصبتك، وعمومتك، وتسكن عليا ؟ ! فقال: ما أنا أخرجتكم وأسكنته، ولكن الله أخرجكم وأسكنه (1). 2 - وهناك رواية عن علي في ذلك، ويصرح فيها باسم العباس (2). 3 - عن جابر بن سمرة، قال: أمر رسول الله (ص) بسد الابواب كلها غير باب علي. فقال العباس: يا رسول الله، قدر ما أدخل أنا وحدي وأخرج ؟ قال: ما أمرت بشئ من ذلك، فسدها غير باب علي. قال: وربما مر وهو جنب (3). ولكن نفس هذه الرواية تقريبا، قد رويت عن جابر بن سمرة، وفيها: أن رجلا قال ذلك. ولا تصرح بالاسم (4). 4 - وثمة رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص تصرح باسم العباس أيضا، ولكن لها نص آخر جاء فيه: أن عمه اعترض عليه، من دون تصريح بالاسم (5).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 117، وراجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 479 عن يحيى، وكشف الغمة ج 1 ص 332. (2) راجع: كنز العمال ج 15 ص 155، واللالي المصنوعة ج 1 ص 351، ومجمع الزوائد ج 9 ص 114، ومنتخب الكنز بهامش المسند ج 5 ص 55. (3) مجمع الزوائد ج 9 ص 114 - 115 عن الطبراني بسند فيه ناصح، وهو متروك، والقول المسدد ص 23، ووفاء الوفاء ج 2 ص 480، والغدير ج 3 ص 206 عن بعض من تقدم، وراجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 346، وراجع: نزل الابرار ص 69، وإحقاق الحق ج 5 ص 555 عن مصادر أخرى. (4) وفاء الوفاء ج 2 ص 479 / 480. (5) خصائص النسائي ص 74 / 75، واللالي المصنوعة ج 1 ص 346، والغدير ج 3 ص 207 عن الاول. (*)

[ 346 ]

5 - وعن أبي الطفيل في حديث مناشدة علي للمجتمعين يوم الشورى قال (ع): " سد النبي (ص) أبواب المهاجرين وفتح بابي، حتى قام إليه حمزة والعباس، فقالا: يا رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ فقال النبي (ص): ما أنا فتحت إلخ. " (1). ونحن نرجح: أن حديث سد الابواب قد كان قبل استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه، وذلك لعدم وجود اختلاف في الروايات الدالة على ذلك من جهة. ولاننا نستبعد: أن يترك الصحابة أكثر من ثمان سنوات يمرون في المسجد حتى في حال الجنابة من جهة ثانية. ولاننا كذلك نجد في ذكر كلمة " عمه " في بعض الروايات، ثم إبدالها بكلمة " العباس " في غيرها ما يشير إلى أن هذه الزيادة - عن عمد، أو عن غير عمد - قد جاءت من قبل الرواة أنفسهم، إما اعتمادا على ما هو المركوز في أذهانهم، أو لهدف سياسي معين. أضف إلى ذلك: أن ذكر رقية في بعض النصوص الاخرى، يويد بل يدل على صحة الروايات التي تصرح باسم حمزة رضوان الله تعالى عليه، لان رقية قد توفيت في السنة الثانية، إما بعد بدر مباشرة، أو في ذي الحجة، كما تقدم. حديث سد الابواب في مصادره: وقد ذكرت المصادر الكثيرة جدا بالاسانيد الكثيرة الصحيحة: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حين أمر بسد الابواب، إلا باب علي (ع) قد أحدث هزة عنيفة بين المسلمين، لا سيما وأنه قد أجاز له


(1) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 225. (*)

[ 347 ]

أن يدخل المسجد وهو جنب، كما في النصوص. وقال الناس في ذلك - ولا سيما قريش -: سددت أبوابنا، وتركت باب علي ؟ ! فقال: ما بأمري سددتها، ولا بأمري فتحتها. أو قال: ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي وتركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي. أو ما هو قريب من هذا. وفي بعض النصوص: أنه (ص) صعد المنبر، وهو في حالة غضب، بعد أن عصوا أمره مرتين، ولم يطيعوا إلا في الثالثة. وهذا الغضب والحنق منه قد أيدته وأكدته النصوص الكثيرة، فلا مجال للتشكيك فيه. هذا، ويقول الجويني: " حديث (سد الابواب) رواه نحو من ثلاثين رجلا من الصحابة، أغربها حديث عبد الله بن عباس " (1). وقد روى له السيوطي فقط حوالي أربعين طريقا على ما قاله الحجة الشيخ المظفر (2). وممن رواه من الصحابة: علي (ع)، عمر بن الخطاب، ولده عبد الله، زيد بن أرقم، البراء بن عازب، عبد الله بن عباس، أبو سعيد الخدري، جابر بن سمرة، أبو حازم الاشجعي، جابر بن عبد الله، جابر بن سمرة، عائشة، سعد بن أبي وقاص، أنس بن مالك، بريدة، أبو رافع مولى رسول الله (ص)، حذيقة بن أسيد الغفاري، ابن مسعود، أبو ذر الغفاري، أم سلمة أم المؤمنين. ورواه أيضا: عبد المطلب بن عبد الله بن


(1) فرائد السمطين ج 1 ص 208. (2) دلائل الصدق ج 2 ص 226. (*)

[ 348 ]

حنطب أبو الحمراء، وحبة العرني، وكيسان البراد، وغيرهم (1).


(1) راجع المصادر التالية: مسند أحمد ج 4 ص 369 وج 2 ص 26، وج 1 ص 175 و 331، ومجمع الزوائد ج 9 ص 114 و 115 و 120، والخصائص للنسائي ص 72 - 75، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 125 و 117 و 134، وتلخيصه للذهبي بهامشه، والقول المسدد ص 19 - 26، وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 204، ومعرفة علوم الحديث ص 99، ونزل الابرار ص 69، وفتح الباري ج 7 ص 12 - 14، وإرشاد الساري ج 6 ص 84 / 85، ووفاء الوفاء للسمهودي ج 2 ص 474 - 480، والبحار ج 39 ص 19 - 34، عن كثير من المصادر، والبداية والنهاية ج 7 ص 342، واللالي المصنوعة ج 1 ص 346 - 354، والصواعق المحرقة ص 121 و 122 و 125، والمناقب للخوارزمي ص 214 و 235 و 238، وفرائد السمطين ج 1 ص 205 - 208، ومناقب الامام علي لابن المغازلي 252 - 261، وسنن الترمذي ج 5 ص 639 و 640 و 641، وكنز العمال ج 15 ص 96 و 101 و 120 و 155، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 106، والاصابة ج 2 ص 509، وفضائل الخمسة ج 1 ص 231 وج 2 ص 149 - 157، وحلية الاولياء ج 4 ص 153، والطرائف لابن طاووس 60 - 63، وترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 252 - 281 و 327 و 219، وكفاية الطالب ص 201 - 204، وتذكرة الخواص ص 41، وتاريخ بغداد ج 7 ص 205، والدر المنثور ج 3 ص 314، وعلل الشرايع ص 201 / 202، وكشف القمة للاربلي ج 1 ص 330 - 335، وينابيع المودة ص 283، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 29، وذخائر العقبى ص 76 / 77 و 87، ولسان الميزان ج 4 ص 165، وراجع: سنن البيهقي ج 7 ص 65، وشرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 195، والغدير ج 3 ص 201 - 215، وجلد 10 ص 68 عن غير واحد ممن تقدم، وملحقات إحقاق الحق ج 5 من ص 540 حتى ص 586 عن كثير ممن تقدم وعن الحاوي للفتاوى ج 2 ص 15 وغيره من المصادر. وقد نقلنا بالواسطة عن: غاية المرام ص 640، وأرجح المطالب ط لاهور ص 421، والكشاف ج 1 ص 366، وأحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 248، وكنز العمال ج 6 ص 152 و 157 و 391 و 398 و 408، وأخبار القضاة ج 3 = (*)

[ 349 ]

النواصب وحديث سد الابواب: وبعد كل ما تقدم، فلا يمكن أن يصغى لقول ابن الجوزي، وابن كثير، وابن تيمية: إن حديث سد الابواب ليس بصحيح. أو أنه من وضع الرافضة (1). فإن تواتر هذا الحديث في كتب أهل السنة، وتصحيح حفاظهم لكثير من طرقه، ورواية العشرات من الصحابة له، أي نحو ثلاثين صحابيا. إن ذلك لا يمكن أن يخفى على أحد. وإذا جاز: أن يضع الرافضة مثل هذا الحديث، ويدخلوه في عشرات الكتب والمسانيد، فإنه لا يمكن الوثوق بعد هذا بأي حديث، ولا كتاب، ولا بأي حافظ من أهل السنة. هذا بالاضافة إلى ما في هذه الدعوى من رمي أمة بأسرها بالبله والتغفيل الذي لا غاية بعده. ويكفي أن نذكر: أن العسقلاني (2) بعد أن ذكر ستة من الاحاديث في سد الابواب إلا باب علي، قال: " وهذه الاحاديث يقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج، فضلا عن مجموعها ". ثم ذكر أن ابن


= ص 149، والخصائص الكبرى ج 2 ص 243، ورواه أيضا: الطبراني في الكبير والاوسط، وأبو يعلى، وسعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والكلاباذي، والبزار، والعقيلي، وابن السمان، وكثير غيرهم. (1) اللالي المصنوعة للسيوطي ج 1 ص 347، وتفسير ابن كثير ج 1 ص 501، ومنهاج السنة ج 3 ص 9، والقول المسدد ص 19، وفتح الباري ج 7 ص 13 عن ابن الجوزي، ووفاء الوفاء ج 2 ص 476. (2) فتح الباري ج 7 ص 13، وراجع: إرشاد الساري ج 6 ص 85، وراجع: القول المسدد ص 20، ووفاء الوفاء ج 2 ص 476. (*)

[ 350 ]

الجوزي لم يورد الحديث إلا من طريق سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصرا على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته. وقال العسقلاني أيضا بعد أن ذكر بعض طرقه: " فهذه الطرق المتضافرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية، وهذه غاية نظر المحدث " (1). وقال: " فكيف يدعى الوضع على الاحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ؟ ولو فتح هذا الباب لا دعي في كثير من الاحاديث الصحيحة البطلان، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون " (2). وقال الجصاص: " ما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح، وقول الراوي: لانه كان بيته في المسجد، ظن منه، لان النبي (ص) قد أمر في الحديث الاول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره، ولم يبح لهم المرور لاجل كون بيوتهم في المسجد، وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره، كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة، دون سائر الشهداء إلخ. (3) ". خوخة، أو باب أبي بكر: وفي البخاري، عن ابن عباس: سدوا الابواب إلا باب أبي بكر، وعن أبي بكر، وعن أبي سعيد الخدري عنه (ص): إن أمن الناس علي


(1) القول المسدد 23، واللالي المصنوعة ج 1 ص 350 عنه باختلاف يسير في اللفظ. (2) القول المسدد ص 24 / 25، وراجع ص 19 وعنه في اللالي المصنوعة ج 1 ص 350. (3) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 204. (*)

[ 351 ]

في صحبته، وماله، أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لا تخذت أبا بكر، ولكن أخوة الاسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. أو لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر. قال ذلك في مرضه الذي مات فيه. وعند مسلم، عن جندب: قبل أن يموت بخمس ليال، وعند الطبراني، وأبي يعلى باسناد حسن عن معاوية وعائشة: أن ذلك بعد أن صب عليه (ص) من سبع قرب من آبار شتى (1). وقد استدلوا بذلك على استحقاق أبي بكر للخلافة، لا سيما وأنه قد ثبت أن ذلك كان في أواخر حياته (ص) (2). ونقول: 1 - بعد أن ثبت صحة حديث: سدوا الابواب إلا باب علي، وبعد أن اتضح: أنه لم يكن حين مرض وفاته (ص) أي باب مفتوحا إلا باب علي، فلا معنى لان يأمرهم (ص) بسد هذه الابواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر (3)، بعد أن لم يسمح النبي (ص) لذلك الرجل ! ! بكوة،


(1) راجع: البخاري باب قول النبي (ص) سدوا الابواب إلا باب أبي بكر بهامش فتح الباري ج 7 ص 11 / 12 وباب الهجرة وفي كتاب الصلاة، وصحيح مسلم ج 7 ص 108، ووفاء الوفاء ج 2 ص 471 / 472 عنهما وعن الطبراني، وأبي يعلى، وابن سعد، والقول المسدد ص 24 / 25، واللالي المصنوعة ج 1 ص 350 و 352، والبداية والنهاية ج 5 ص 230 و 229، وتفسير ابن كثير ج 1 ص 501، وتفسير الرازي ج 2 ص 347، والمصنف ج 5 ص 431، وحياة الصحابة ج 3 ص 346، ومجمع الزوائد ج 9 ص 42. (2) وفاء الوفاء ج 2 ص 472 / 473، وفتح الباري ج 7 ص 12، وإرشاد الساري ج 6 ص 84، وراجع: القول المسدد ص 24، والبداية والنهاية ج 5 ص 230. (3) الغدير ج 3 ص 213، ودلائل الصدق ج 2 ص 261. (*)

[ 352 ]

ولو بقدر ما يخرج رأسه، حتى ولو بقدر رأس الابرة ! ! (1). وبهذا يتضح عدم صحة قولهم في وجه الجمع: إنهم بعد أن سد النبي (ص) أبوابهم، استحدثوا خوخا يستقربون منها الدخول إلى المسجد (2). 2 - هذا بالاضافة إلى أن الحديث قد تضمن من أبي بكر على النبي (ص) بصحبته له، وقد تقدم في حديث الغار: أن ذلك يصح إلا على معنى فيه ذم لابي بكر. كما أنه قد تضمن حديث خلة أبي بكر. وتقدم في حديث المؤاخاة: أنه لا يمكن أن يصح أيضا. 3 - إن البعض يذكر: أن بيت أبي بكر كان بالسنخ، ويشك كثيرا، بل على حد تعبير التوربشتي: لم يصح أن يكون له بيت قرب المسجد (3). وأجيب: بأنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، واستدل على ذلك بأنه قد كان لابي بكر أزواج متعددة كأسماء بنت عميس، وغيرها، وبأن ابن شبة قد ذكر: أنه كان له في زقاق البقيع دار قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلا آخر عند المسجد في غربيه (4). ولكن ذلك لا يثبت ما يريدون إثباته، فإن تعدد أزواجه لا يلزم منه


(1) وفاء الوفاء ج 2 ص 477، وراجع: فرائد السمطين ج 1 ص 206 عن أبي نعيم، واللالي المصنوعة ج 1 ص 349 و 351. (2) فتح الباري ج 7 ص 13، والقول المسدد ص 25، ووفاء الوفاء ج 2 ص 477، وهم عن الطحاوي في مشكل الاثار، والكلاباذي في معاني الاخبار. (3) فتح الباري ج 7 ص 12، وإرشاد الساري ج 6 ص 84، ووفاء الوفاء ج 2 ص 473. (4) المصادر الثلاثة المتقدمة. (*)

[ 353 ]

أن يكون له بيت في جانب المسجد، ولا سيما إذا كان له بيت في زقاق البقيع - بعيدا عن المسجد - في قبالة دار عثمان الصغرى. ثم لماذا لا يسكن أزواجه مع تعددهن في بيت واحد ذي حجر متعددة، كغيره من أهل المدينة - ومنهم النبي (ص) - الذين كان لهم عدة زوجات. ولعل هؤلاء قد اعتمدوا في ذكرهم بيتا لابي بكر عند المسجد على هذا الحديث بالذات. أو أنهم أرادوا بذكرهم بيتا له كذلك أن يمدوا يد العون لهذا الحديث الذي توالت عليه العلل والاسقام، تماما كما جعلوا - إلى يومنا هذا - خوخة في المسجد من أجل تصحيح ذلك. ولكنهم لم يجعلوا بابا لعلي (ع)، وهو الذي ثبت أن النبي (ص) قد أبقى بابه مفتوحا، وسد كل باب في المسجد سواه. 4 - لقد اعترف ابن عمر، وأبوه: أن عليا قد أوتي ثلاث خصال، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله (ص) ابنته وولدت له، وسد الابواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر (1). فهذه الرواية صريحة في أنه (ع) قد اختص بذلك، كما اختص بالراية يوم خيبر، وبتزوجه فاطمة، وولادتها له. ولو كان لابي بكر فضل هنا وامتياز، لم يسمح عمر ولا ولده لنفسيهما باختصاصه (ع) بهذا الوسام. وامتيازه في قضية سد الابواب كامتيازه في قضية الراية يوم خيبر، حيث أن أخذ أبي بكر وعمر لها ليس فقط لم يكن امتيازا لهما، بل كان وبالا عليهما، كما هو معلوم. 5 - واخيرا، فقد قال المعتزلي عن البكرية التي أرادت مقابلة


(1) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 26، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 125، والصواعق المحرقة الفصل 3 باب 9، وكنز العمال، وغير ذلك من المصادر المتقدمة. (*)

[ 354 ]

الاحاديث في فضل علي: إنها " وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الاحاديث، نحو: " لو كنت متخذا خليلا " فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء، ونحو سد الابواب، فإنه كان لعلي " عليه السلام "، فقلبته البكرية إلى أبي بكر " (1). وقد ذكر اللمعاني: أن قضية سد باب أبي بكر، وفتح باب علي (ع) كانت من أسباب حقد عائشة على أمير المؤمنين " عليه السلام "، فراجع (2). وما أجمل ما قاله الكميت في هذه المناسبة: علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم وزوجه صديقة لم يكن لها * معادلة غير البتولة مريم وردم أبواب الذين بنى لهم * بيوتا سوى أبوابه لم يردم وقال السيد الحميري: وخبر المسجد إذ خصه * مجللا من عرصة الدار إن جنبا كان وإن طاهرا * في كل إعلان وإسرار وأخرج الباقين منه معا * بالوحي من إنزال جبار وقال الصاحب بن عباد: ولم يك محتاجا إلى علم غيره * إذا احتاج قوم في قضايا تبلدوا ولا سد عن خير المساجد بابه * وأبوابهم إذ ذاك عنه تسدد كلام ابن بطريق حول حديث سد الابواب: ولابن بطريق كلام هنا نلخصه على النحو التالي:


(1) شرح النهج ج 11 ص 49. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 195. (*)

[ 355 ]

إن الله تعالى قد أظهر الفرق بين أمير المؤمنين " عليه السلام "، وبين غيره. وإذ كان الحرام على غيره قد حل له، فإن ذلك يعني: أنه يمتاز على ذلك الغير. والنبي (ص) قد فتح أبواب الجميع على ظاهر الحال من الصلاح والخير، والنبي لا يعلم إلا هذا الظاهر إلا أن يطلعه الله على الباطن. وعليه، فإن كان تعالى قد سد أبوابهم على ظاهر الحال، فقد بينا: أنها كانت صالحة عند الكل، ولذلك فتح أبوابهم أولا، فلم يبق إلا أنه قد سد أبوابهم، من أجل شئ يرجع إلى الباطن، وفتح بابه لانه قد انفرد بصلاح الباطن دونهم، (أو فقل: انفرد في كونه القمة في الصلاح الباطني) بالاضافة إلى مشاركته لهم في صلاح الظاهر. وبذلك امتاز صلوات الله وسلامه عليه، عليهم. ثم إن منعهم من الجواز وإباحته له، إما أن يكون بلا سبب، وهو عبث لا يصدر من حكيم، وإما أن يكون له سبب، وذلك يدل على انفراده (ع) بما لا يشركه فيه غيره. وأقواله (ص) تعضد هذا التخصص، وتدل على صلاح باطنه، كقوله (ص): علي مني، وأنا منه. وقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. وقوله: أنت أخي في الدنيا والاخرة. وقوله: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين قبل الناس. وقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا) (1).


(1) الاحزاب: 33. (*)

[ 356 ]

وغير ذلك من مناقبه ومآثره ومزاياه، فلولا ثبوت هذه المزايا له على غيره، لما أنزله من نفسه بهذه المنازل، ولما أقامه من نفسه في شئ من ذلك، ولا أذن الله له بتخصيصه وتمييزه عن أمثاله وأضرابه إلخ... (1). إنتهى ملخصا. كلام العلامة المظفر: ويقول العلامة الشيخ محمد حسن المظفر رحمه الله ما ملخصه: إن هذه القضية تكشف عن طهارة علي، وأنه يحل له أن يجنب في المسجد، ويمكث فيه كذلك، ولا يكره له النوم فيه، تماما كما كان ذلك لرسول الله (ص). فإن عمدة الغرض من سد الابواب هو تنزيه المسجد عن الادناس، وإبعاده عن المكروهات. وكان علي " عليه السلام " كالنبي (ص) طاهرا مطهرا، ولا تؤثر فيه الجنابة دنسا معنويا، وكان بيت الله كبيته بكونه حبيبه القريب منه. وأبو بكر لم يكن ممن أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، ليحسن دخوله للمسجد جنبا، ولا هو منه بمنزلة هارون من موسى، ليمكن إلحاقه به. هذا كله، عدا عن ضعف خبر باب أو خوخة أبي بكر بفليح بن سليمان (2)، وبإسماعيل بن عبد الله الكذاب الوضاع (3).


(1) راجع: كشف الغمة للاربلي ج 1 ص 333 / 334. (2) راجع الكتاب: حديث الافك ص 60 / 61 للمؤلف. (3) راجع ص 21 / 22 من دلائل الصدق ج 1. (*)

[ 357 ]

أبواب المهاجرين فقط: ومن الواضح: أن البيوت التي كانت شارعة في المسجد إنما هي أبواب بيوت المهاجرين، ويؤيد ذلك ما روي في حديث مناشدة علي " عليه السلام " لاهل الشورى، حيث يقول: " أكان أحد مطهرا في كتاب الله غيري، حين سد النبي (ص) أبواب المهاجرين، وفتح بابي ؟ ! " (1). بيت علي أم النبي: وأما محاولة فضل بن روزبهان إيهام، أن بيت كان للنبي، وكان علي (ع) ساكنا في بيت النبي (ص)، حيث قال: " كان المسجد في عهد رسول الله (ص)، وكان علي ساكنا بيت رسول الله (ص)، لمكان ابنته إلخ. ". فهي محاولة فاشلة: وذلك لان الاخبار قد صرحت بأن الباب لعلي، حتى تكلم الناس في استثناء بابه. ولو كان الباب للنبي (ص) لما كان ثمة مجال لكلامهم، واعتراضهم، وحسدهم. (أقول: بل لا مجال لاستثنائه أصلا، لان النبي أمرهم بسد أبوابهم، أما الباب الذي له فهو يعرف وظيفته، وتكليفه فيه). وواضح: أن هدف ابن روزبهان، هو أن يجعل المستثنى هو باب رسول الله (ص)، لان البيت كان له. إذن فلا يكون لعلي (ع) فضل. فالهدف الاول والاخير له - بحسب ما يظهر من كلامه - هو إنكار فضائل علي " عليه السلام " (2). ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ويظهر دينه، وينصر ويعز وليه.


(1) اللالي المصنوعة ج 1 ص 362. (2) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 261 - 267. (*)

[ 358 ]

أضف إلى كل ما تقدم: أن عليا " عليه السلام " قد بنى بفاطمة في بيت حارثة بن النعمان (1)، وحارثة هذا كان قد أعطى للرسول (ص) بيوتا أخرى ليسكن بها أزواجه (2). سرقة طعمة: وتذكر في السنة الثالثة، قبل وقعة أحد سرقة طعمة بن أبيرق درعا لجاره قتادة بن النعمان، وسنذكرها مع بعض الملاحظات والمناقشات في الجزء الاتي من هذا الكتاب في فصل: من متفرقات الاحداث.


(1) البحار ج 19 ص 113، وإعلام الورى ص 71. (2) البحار ج 19 ص 113، وإعلام الورى ص 71، وراجع: الوفاء لابن الجوزي ج 1 ص 257، وتاريخ الخميس ج 1 ص 366، ودلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 131، ووفاء الوفاء ج 2 ص 462، والسيرة الحلبية ج 1 ص 336. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية