الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 4

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 4


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) (مدخل لدراسة السيرة والتاريخ) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضي العاملي الجزء الرابع

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م - 1415 ه‍ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 20777 - م 79522 - mcs بلاغ - ص ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان. دار السيرة - بيروت لبنان - ص. ب: 49 / 25

[ 5 ]

الفصل الخامس: هجرة الرسول الأعظم (ص)

[ 7 ]

المؤامرة: واجتمع اشراف قريش في دار الندوة، ولم يتخلف منهم أحد: من بني عبد شمس، ونوفل، وعبد الدار، وجمح، وسهم، وأسد، ومخزوم وغيرهم، وشرطوا: أن لا يدخل معهم تهامي، لان هواهم كان مع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم (1). كما أنهم قد حرصوا: على أن لا يكون عليهم من الهاشميين، أو من يتصل بهم عين أو رقيب (2). وتذكر الروايات: أن ابليس قد دخل معهم بصفة شيخ نجدي (3)، وتشاوروا فيما بينهم ما يصنعون بمحمد. فذكروا الحبس في الحديد، فرأوا أن من الممكن أن يتصل بأنصاره، ويطلقوا سراحه. وذكروا النفي ! لى بعض البلاد فرأوا أن ذلك يمكن الرسول من نشر دينه، فاستقر رأيهم أخيرا على اقتراح أبي جهل، أو ابليس بأن يأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا


(1) و (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 321 والسيرة الحلبية ج 2 ص 25، وراجع نور الأبصار ص 15. (3) تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 68 والبداية والنهاية ج 3 ص 1 75 وتاريخ الخميس ج 1 ص 321. (*)

[ 8 ]

قويا، حسيبا في قومه، نسيبا، وسطا، ويعطى كل منهم سيفا صارما، ويدخلوا على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بأسيافهم ؟ فيضربونه ضربة رجل واحد، فيقتلونه ويتفرق دمه في القبائل، لان بني عبد مناف لا يقدرون على حرب قومهم جميعا، فيضطرون إلى القبول بالدية، فيعطونهم إياها، وينتهي الامر. وواضح: أن المواصفات المتقدمة التي اعتبروها في الرجال العشرة، انما هي من أجل أن لا تفعر أية قبيلة في تسليم صاحبها ؟ لانها لو ستمته فسوف يصبح الهاشميون أكثر قدرة على ضرب قريش، مهما كانت الضربة محدودة. كما أن هذه المواصفات تجعل الذين يقدمون على اقتراف تلك الجريمة أكثر ثقة واقداما على هذا الامر الخطير، الذي لا يجوز التردد ولا الضعف والوهن فيه. وعلى كل حال، فقد أخبر الله تعالى نبيه بهذه المؤامرة عن طريق الوحي، ونزل قوله تعالى: أو إذ يمكر بك الذين كفروا، ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك. ويمكرون، ويمكر الله، والله خير المكرين) (1). والمكر الالهي هنا: هو التدبير السري لافشال عمل يعزم عليه الغير. مبيت علي " عليه السلام "، وهجرة النبي " صلى الله عليه واله وسلم ": ويقول المؤرخون: إن اولئك القوم الذين انتدبتهم قريش، اجتمعوا على باب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، - وهو باب عبد المطلب على


(1) الانفال / 30. (*)

[ 9 ]

ما في بعض الروايات (1) - يرصدونه، يريدون بياته. وفيهم: الحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف وزمعة بن الاسود وابو لهب وابو جهل وابو الغيطلة وطعمة بن عدي، وأبي بن خلف، وخالد بن الوليد، وعتبة، وشيبة، وحكيم بن حزام، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج (2). لقد اختارت قريش من قبائلها العشر، أو الخمسة عشر ! عشرة أو خمسة عشر رجلا ؟ بل أكثر، على اختلاف النقل ؟ ليقتلوا النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " بضربة واحدة بسيوفهم. بل قيل: إنهم كانوا مئة رجل (3). ونحن نسمبعد هذا العدد الاخير، وذلك لمخالفته لسائر الروايات الاخرى مع أن ما ذكرته الرواية من كون عدد القبائل كان مئة قبيلة لا نجد له ما يؤيده. واحتمال أن يكون قد خرج من كل قبيلة أكثر من واحد. ينافيه التصريح بأن الخارجين كانوا واحدا من كل قبيلة. ومهما يكن من أمر فإن المتآمرين تهيأوا واجتمعوا ؟ فأخبر الله تعالى نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " بمكرهم. فأمر " صلى الله عليه وآله وسلم " أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " بالمبيت على فراشه، بعد أن أخبره بمكر قريش، فقال علي " عليه السلام ": أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي الله ؟


(1) البحار ج 19 ص 73 عن الخرائج والجراثح. (2) لقد وردت اسماء هؤلاء كلا أو بعضا في روايات مختلفة، في السيرة الحلبية ج 2 والبحار ج 19 ص 72 و 31 ومجمع البيان. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 ونور الابصار ص 15. (*)

[ 10 ]

قال: نعم. فتبسم علي ضاحكا وأهوى إلى الارض ساجدا، شكرا لله، فنام على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، واشتمل ببرده " صلى الله عليه واله وسلم " الحضرمي. ثم خرج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في فحمة العشاء. والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون. خرج " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يقرأ هذه الآية: أو جعلنا من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا ؟ فأغشيناهم ؟ فهم لا يبصر ون " (1). وكان بيده " صلى الله عليه وآله وسلم " قبضة من تراب، فرمى بها في رؤوسهم، ومر من بينهم، فما شعروا به، وأخذ طريقه إلى غار ثور. فجاء أبو بكر وأمير المؤمنين علي " عليه السلام " نائم، فقال: يا نبي الله، وأبو بكر يحسبه أنه نبي الله قال: فقال له علي: إن نبي الله. قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه، فانطلق أبو بكر، فدخل معه الغار (2).


(ا) سورة يس 9. وراجع أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 80، 81. (2) راجع في الفقرات الاخيرة: مناقب الخوارزمي الحنفي ص 73 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 133 وتلخيصه للذهبي بهامشه وصححاه، ومسند أحمد ج 1 ص 321، وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 34، وشواهد التنزيل ج 1 ص 99 و 100 و 101، وتاريخ الطبري ج 2 ص 100، وتفسير البرهان ج 1 ص 207، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي مر 30 وخصائص امير المؤمنين للنسائي ط النجف ص 63، والسيرة الحلبية ج 2 ص 35، ومجمع الزوائد ج 9 ص 120 عن احمد ورجاله رجال الصحيح غير واحد وهو ثقة، وعن الطبراني في الكبير والاوسط، والبحار ج 19 ص 78 و 93 عن الطبري وأحمد، والعياشي، وكفاية الطالب، وفضاثل الخمسة ج 1 ص 231، وذخائر العقبى ص 87، وكفاية الطالب ص 242، وقال ان ابن عساكر ذكره في الاربعين الطوال، وترجمة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام، من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 186 و 190، ونقله المحمودي في هامشه عن: الفضاثل لاحمد بن حنبل، حديث 291 = (*)

[ 11 ]

قالوا: وجعل المشركون يرمون عليا بالحجارة، كما كانوا يرمون رسول اللة " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يتضور (أي يتلوى ويتقلب). وقد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، فهجموا عليه، فلما بصر بهم علي " عليه السلام " قد انتضوا السيوف، وأقبلوا عليه، يقدمهم خالد بن الوليد، وثب به علي " عليه السلام "، فختله، وهمز يده، فجعل خالد يقمص قماص البكر، ويرغو رغاء الجمل. وأخذ من يده السيف. وشد عليهم بسيف خالد ؟ فأجفلوا أمامه اجفال النعم إلى خارج الدار، وتبصروه، فإذا علي. قالوا: وإنك لعلي ؟ قال: أنا علي. قالوا: فإنا لم نردك ؟ فما فعل صاحبك ؟ قال: لا علم لي به (1). قريش في طب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": فأذكت قريش العيون، وركبوا في طلب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " الصعب والذلول. واقتفوا أثره، حتى وصل القائف إلى نقطة لحوق


= وعن غاية المرام ص 66، عن الطبراني ج 3 في الورق 168 / ب وفي هامش كفاية الطالب عن: الرياض النضرة ج 2 ص 203. وأما الفقرات الاخرى فهي موجودة في مختلف كتب الحديث والتاريخ. وفي البحار ج 19 ص 61 وأمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 81 أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ا أمر أبا بكر وهند ابن أبي هالة: ان ينتظرا في طريقه إلى الغار بمكان عينه لهما. وفي البحار في ج 19 ص 73، عن الخرائج والجراثح، قال: " ومفى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس من خبره. وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم، فأخرجه معه إلى الغار. وإذا صح هذا، فيرد سؤال: كيف لم يخبر ابو بكر النبي بامرهم ؟ ! إلا ان يقال: إنه إنما جاء ليخبر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك - ولكن الاهم من ذلك: كيف اطلعت قريش أبا بكر على تدبيرها مع حرصها الثديد على التكتم فيه، عن كل من له بالنبي أدن صلة كما تقدم تصريح الديار بكرى وغيره بذلك. (1) أمالي الثخ الطوسي ج 2 ص 82 / 83. (*)

[ 12 ]

ابى بكر به، فاخبرهم ان يطلبونه صار معه هنا رجل آخر. واستمروا يقتفون الاثر حتى وصلوا إلى باب الغار، فصرفهم الله عنه، حيث كانت العنكبوت قد نسجت على باب الغار، وباضت في مدخله حمامة وحشية، كما يذكرون، وغير ذلك فاستدلوا من ذلك على أن الغار مهجور، لم يدخله أحد، وإلا لتخرق النسج، وتكسر البيض، ولم تستقر الحمامة الوحشية على بابه (1). ا لراحلتان بالثمن: وأمهل امير المؤمنين (عليه السلام ! إلى الليلة القادمة، فانطلق تحت جنح الظلام، هو وهند بن أبي هالة، حتى دخلا الغار على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". فامر الرسول هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين. فقال أبو بكر: قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين ترتحلهما إلى يثرب. فقال: إني لا آخذهما، ولا أحدهما إلا بالثمن. قال: فهي لك بذلك. فأمر عليا " عليه السلام " فأقبضه الثمن (2). أداء الامانات: ثم اوصاه بحفظ ذمته، وأداء أماناته، وكانت قريش، ومن يقدم مكة


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 328 والسيرة الحلبية ج 2 ص 37 والبداية والنهاية ج 3 ص 181 / 182. (2) البحارج 19 ص 62 وامالي الطوسي ج 2 ص 83 وعدم قبوله " صلى الله عليه وآله وسلم " الراحلتين من ابي بكر إلا بالثمن لا يكاد يخلو منه كتاب يؤرخ للسيرة النبوية الشريفة وراجع وفاء الوفاء ج 1 ص 237. (*)

[ 13 ]

من العرب في الموسم يستودعون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويستحفظونه أموالهم وأمتعتهم. وأمره أن ينادي صارخا بالابطح غدوة وعشيا: من كان له قبل محمد أمانة، فليأت، فلنؤد إليه أمانته. وقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لعلي: حينئذ أي بعد أن ذهب الطلب عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنهم لن يصلوا من الان إليك يا علي بأمر تكرهه، حتى تقدم علي ؟ فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا. ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي، ومستخلف ربي عليكما، ومستحفظه فيكما. نفقات الهجرة: فأمر " صلى الله عليه وآله وسلم " عليا أن يبتاع رواحل له وللفواطم، ومن أزمع الهجرة معه من بني هاشم. قال أبو عبيدة: فقلت لعبيدالله (يعني ابن أبي رافع): أو كان رسول اللة " صلى الله عليه وآله وسلم " يجد ما ينفقه هكذا ؟. فمال: إني سألت أبي عما سألتني عنه - وكان يحدث لي هذا الحديث - فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة " عليها السلام " ؟. قال: إن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ا قال: ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة. وكان رسول الله اصلى الله عليه وآله وسلم " يفك من مالها الغارم والعاني، ويحمل الكل، ويعطي في النائبة، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة، ويحمل من أراد منهم الهجرة (1). وبعد أن أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار ثلاثا


(1) ولكن نفس هذا النص يرويه أصحاب الاهواء والتعصبات، ويبدلرن فيه كلمة (خديجة) بكلمة (أبي بكع ليثبتوا له فضيلة لا تؤيدها أي من النصوص والوقائع بل هي على خلافها أدل كما أثبتناه. (*)

[ 14 ]

انطلق يؤم المدينة (1). شعر علي " عليه السلام " بمناسبة المبيت: وقال أمير المؤمنين " عليه السلام " يذكر مبيته على الفراش، ومقام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": وقيت بنفسي خيرمن وطأ الحصا ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر محمد لما خاف أن يمكروا به فوقاه ربي ذو الجلال من المكر وبت أراعيهم متى ينشرونني وقد وطنت نفسي على القتل والاسر وبات رسول الله في الغار آمنا هناك وفي حفظ الاله وفي ستر أقام ثلاثا، ثم زمت قلائص قلائص يفرين الحصا أيما يفرى كل ما تقدم يذكره المؤرخون وأهل الحديث في كتبهم ومؤلفاتهم فليراجعها من أراد. ولسوف يأتي إن شاء الله بعض الكلام حول سفره، ووروده قباء، وغير ذلك بعد الكلام على بعض الامور التي ترتبط بما تقدم ؟ فنحن نسجل هنا الامور التالية. المثل الاعلى للتضحية يقول العلامة السيد هاشم معروف الحسني: " وهنا تبدأ قصة من أروع ما عرفه تاريخ الفداء والتضحية، فالشجعان والابطال يثبتون في المعارك في وجه أعدائهم، يدافعون بما لديهم من سلاح وعتاد مع أنصارهم وأعوانهم، وقد تضطرهم المعارك إلى أن يثبتوا في مقابل العدو، لا منفردين. أما أن يخرج الانسان إلى الموت طائعا مطمئنا بدون سلاح ولا عتاد، وكأنه يخرج ليعانق غادة حسناء، فينام على فراش تحف به


(1) امالي الطوسي ج 2 ص 81 / 82 والبحار ج 19 ص 61 / 62. (*)

[ 15 ]

المخاطر والاهوال، أعزل من كل شئ إلا من ايمانه، وثقته بربه، وحرصه على سلامة القائد، كما حدث لعلي " عليه السلام "، حينما عرض عليه ابن عمه محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " أمر المبيت على فراشه، ليتمكن هومن الفرار، والتخلص من مؤامرة قريش، فهذا ما لم يحدث في تاريخ البطولات، وما لم يعرف من أحد في تاريخ المغامرات، في سبيل المبدأ والعقيدة ". ويقول: ولم يكن مبيت علي ليلة الهجرة هي المرة الاولى ؟ فلقد كان أبو طالب في أيام الحصار في الشعب ينيم عليا على فراش النبي، حتى إذا حصلت حادثة اغتيال، كان في علي دون النبي، ولم يكن ليمانع في ذلك أبدأ بل كان يقدم عليه برضا نفس، وطيبة خاطر (1) ". المبيت، والخلافة: والغريب هنا: أن نجد أحد من عرف بنصبه، وبالعداء لشيعة علي 9 عليه السلام أ ومحبيه، يضطر لان يعترف بأن قضية مبيته " عليه السلام ا على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الهجرة، من الاشارات الواضحة إلى خلافته، فيقول: اهذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة، إذا نظر إليه في مجرى الاحداث التي عرضت للامام علي في حياته بعد تلك الليلة، فإنه يرفع لعيني الناظر إمارات واضحة، وإشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن عارضا بالاضافة إلى علي، بل هو عن حكمة لها آثارها ومعقباتها، فلنا أن نسأل: أكان لالباس الرسول اصلى الله عليه وآله وسلم، شخصيته لعلي تلك الليلة ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وبين علي أكثر من


(1) راجع: سيرة المصطفى ص 250 و 252. (*)

[ 16 ]

جامعة القرابة القريبة التي بينهما ؟. وهل لنا أن نستشف من ذلك أنه إذا غاب شخص الرسول كان عليا (كذا) هو الشخصية المهيأة لان تخلف، وتمثل شخصه، وتقوم مقامه ؟. وأحسب أن أحدا قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه، ولم يقف عنده وقفتنا تلك حتى شيعة علي. (1) قريش، وعلي " عليه السلام ": 1 - ونشير هنا: إلى أن الملاحظ: أن قريشأ لم تصر على أمير المؤمنين في استنطاقها له عن مكان ابن عمه. وما ذلك إلا لانهم قد علموا: أنهم إنما يحاولون عبثا، ويطلبون مستحيلا، فإن من كان يحمل مثل هذا الاخلاص، ومثل هذه التضحية النادرة في التاريخ لن يفشي لهم سرا قد ضحى نفسه في سبيل كتمانه، لذلك نراهم قد اطلقوه وانصرفوا عنه يائسين (2). 2 - لقد كان علي في موقفه تجاه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم مثلا أعلى للانسانية الكاملة، فقد عرف الناس معنى الاخلاص، وما هية التضحية، وحقيقة الايمان. حيث إنه يرى نفسه مقتولا على كل حال، إما لظن المشركين أنه رسول الله، فيخبطوه باسيافهم ضربة رجل واحد، وإما انتقاما منه، حيث كان سببا لخلاص من سفه احلامهم، وعاب آلهتهم، وفرق جماعتهم، وهم يعرفون أيضا حب النبي (صلى الله عليه واله وسلم أ له ومنزلته منه، فإذا قتلوه فإنما يقتلون أخاه وابن عمه، والرجل المخلص الذي يفديه بنفسه (3).


(1) علي بن أبى طالب، لعبد الكريم الخطيب 105 / 106. (2) راجع حهياة امير إلمومنين ص 105 / 106 (3) المصدر السابق ص 107 و 108. (*)

[ 17 ]

واما انصرافهم عنه، بعد ظهور الامر، فهو إما خوفا منه، بعد أن رأوا ما فعله بخالد، واما من أجل توفير الفرصة للبحث عن غريمهم الاصلي والاهم بالنسبة إليهم. بقي هنا سؤال: وهو أنه إذا كان علي عليه السلام " يعلم بأن حديث الدار يدل على أنه " عليه السلام " لن يقتل في هذه الحادثة، بل هو سوف يعيش إلى ما بعد الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " ليكون وصيه وخليفته من بعده، فلا تبقى له فضيلة في مبيته على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الهجرة. والجواب: أولا: إن ذلك لا يمنع من حصول البداء في هذا الامر حسبما أشرنا إليه في أوائل هذا الكتاب. ثانيا: إن ذلك لا يمنع من تعرضه " عليه السلام " للجراح وقطع الاعضاء والاسر والتعذيب البالغ. وهو أمر يتجنبه ويخشاه الناس وسيأتي بعد صفحات ما يؤيد الجواب الاول وأنه " عليه السلام " قد كان موطنا نفسه على القتل والاسر ومعنى ذلك هو أنه كان لا يقطع بالبقاء إلى ما بعد وفاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لاجل امكانية حصول البداء في هذا الامر لما قلنا. قريش والمبيت: ويقول البعض أيضا: " إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة في تحديه لقريش هذا التحدي السافر، وفي استخفافه بها، وقيامه بينها ثلاثة أيام يغدو ويروح إن ذلك لا تنساه قريش لعلي أبدا. ولولا أنها وجدت في قتله يومئذ إثارة فتنة تمزق وحدتها، وتشتت

[ 18 ]

شملها، دون أن يكون في ذلك ما يبه لغ بها غايتها في محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " - لولا ذلك - لقتلته، وشفت ما بصدرها منه، ولكنها تركته، وانتظرت الايام لتسوى حسابها معه (1) ". ولقد كان حسابا عسميرا حقا، ولا سيما بعد أن أضاف إلى ذلك: أنه قتل رجالها، وجندل صناديدها، وبقي اليد الطولى لابن عمه يضرب بها هنا وهناك كل متكبر جبار، أين وأنى شاء. وقد بدأ هذا الحساب العسير فور وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم "، وحتى قبل أن يغسل ويكفن ويدفن. مقايسة: قلنا: إن مبيت أمير المؤمنين هذا، قد ضيع الفرصة على قريش، وأفشل ما كانت دبرته في النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكان أيضا سببا لتمكين الدين، واعلاء كلمة الحق. وأما أن يقاس ذلك بقضية ذبح اسماعيل. فلا يصح ذلك، لان اسماعيل قد استسلم لوالد شفيق رحيم، يجد في عطفه وحنانه ما يسليه عما ينزل به، ولا يجد منه أيا من أنحاء التنكيل، والقسوة والخشونة. أما علي " عليه السلام "، فإنما استسلم لعدوه الذي لا يرحمه. ومن لا يشفى غليله إلا سفك دمه، وصعت أقسى أنواع العذاب والتنكيل عليه، مع شماتة قاتلة، وحقد هائل. وقد تكلم الاسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ، حول هذه القضية فراجعه (2). ولو أردنا استقصاء الكلام حول هذه النقطة لطال بنا المقام.


(1) علي بن أبي طالب لعبد الكريم الخطيب ص 106. (2) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 والعثمانية للجاحظ في اواخرها. (*)

[ 19 ]

إرادة الله: لقد كان من الممكن أن ينصر الله رسوله من دون أن يضطر إلى اللجوء إلى الغار، وإلى مبيت علي " عليه السلام " على فراشه، وذلك عن طريق آيات باهرة، وعنايات ومعجزات قاهرة. ولكن لا، فقد شاءت العناية الالهية أن تسير الامور على سجيتها، وعلى وفق أسبابها الطبيعية، مع تسديدات وعنايات تشمل الامور الخارجة عن حدود الطاقة، وليكون ذلك مثلا لنا جميعا ودرسا مؤثرا، في الجد والعمل في سبيل الدين والعقيدة، فليس لنا أن ننتظر المعجزة من السماء، فالله لم يخطط لنبيه على أساس المعجزة والكرامة وحسب، ولا تكرم عليه بها إلا بعد أن رأئ منه الاستعداد والتضحية والمبادرة إليها، فاستحق اللطف الالهي، وتحقق مصداق قوله تعالن: (لينصرن الله من ينصره). و (إن تنصروا الله ينصركم). بين النظرة المصلحية، والواقع: ولقد وقع المشركون في تناقض عجيب،، فهم في نفس الوقت الذئي يصرون فيه على تكذيب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والافتراء عليه، حتى إنهم كانوا يقولون عنه: إنه مجنون. ساحر. شاعر. كاهن، الخ. نراهم يأتمنونه على أموالهم وودائعهم إلى الحد الذي يحتاج معه إلى أن يترك ابن عمه ينادقي في الناس ثلاثة أيام، ليأتوا إليه ويأخذوا ودائعهم، وهل يؤمن المجنون، والكذ اب، والكاهن، والعدو ؟ !. فإن ذلك إن دل على شئ فإنما يدل على أن عدم إيمان المشركين بما يدعوهم إليه ليس إلا استكبارا وعنادا، لا عن قناعة بعدم صحة ما جاءهم به، وقد قال تعالى: أو جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (1).


(1) النمل / 14. (*)

[ 20 ]

أي أنهم كانوا يجحدون بما جاءهم به، إما زعما منهم: أن في ذلك حناظا على مصالحهم الشخصية ومستقبلهم، وإما تقليدا أعمى للضالين من آبائهم واجدادهم، وإما حفاظا على امتيازاتهم، أو حسدا، أو غير ذلك. وإن ابقاء علي " عليه السلام " في مكة ليؤدي للناس أماناتهم وودائعهم، في ظروف حساسة، وخطيرة جدا كهذه الظروف، لهو من أروع الامثلة للانسان الكامل، الذي يلتزم بمبادئه، ويحترم قناعاته، ولا يحيد عما رسمه الله له قيد شعرة، ولا يبحث عن المعذرات والفرص، وإنما هو يعيش من أجل مبادئه العليا، وتحقيق أهدافها. ولا يعتبر المبدأ وسيلة لتحقيق مآربه وأهدافه. نعم لقد كان " صلى الله عليه وآله وسلم " امينا عندهم، وسموه ب‍ " الامين ". وكان ذلك من ابرز صفاته الشخصية حتى قبل نبوته. وها هو يؤدي إليهم أماناتهم، مع أنهم يريدون نفسه ودمه، ومحو كل آثاره من الوجود، وتشويه كل ما يرتبط به. ولكن ذلك لا يحول بينه وبين أن يهتم بامانات الناس، برهم وفاجرهم. وقد كان له كل العذر لو أنه لم يردها عليهم. وبالمناسبة فإننا نعطي بعض المحققين الحق في أن يتعجب أو يستغرب، كيف لا يرئ أحاديث عامة أهل السنة تهتم بهذه الصفة العظيمة، صفة الامانة التي هي أساس إنسانية الانسان. ولكن لا عجب من ذلك ولا غرابة فيه، فإن أحاديث " الحكمة " قد محيت أيضا وذهبت منذ توفي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعناية وتعمد تام من قبل الخلفاء الحكام، وإلا فأين هذا الامر الذي يخبر الله في أكثر من سبع آيات: أنه كان من جملة مهمات ووظائف النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في أيام رسالته: (يعلمهم الكتاب والحكمة). فقد عرفنا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد علم الناس الكتاب، وقد بقي هذا

[ 21 ]

الكتاب بحفظ من الله: (إنا نحن نزلنا الذكر، وانا له لحافظون) (1). ولكن أين هي تلك الحكمة التي علمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم " لامته، ونحن نرى: أنه لم يبق منها عند علماء الاسلام ومن يهتم بالاحاديث سوى نحوا من خمس مئة حديث في أصول الاحكام ومثلها في اصول السنن (2) وهل كان من بيني حا شئ في الحكمة يا ترى ؟. نعم نحن نجد في أحاديث الائمة الاطهار عليهم الصلاة والسلام الكثير من الحكمة، ومن بينها الكثير من الاحاديث في الامانة والصدق الذي هو شعبة منها، وقد جعلوها محورا للاخلاق العملية. واهتموا بها بصورة عجيبة وظاهرة. الارض والمبد أ: لقد رأينا: أن الارض ليست هدفا في نظر الاسلام، وإنما الهدف هو الاسلام نفسه، فإن المقام في الارض والاحتفاظ بها، إذا كان معناه الذل والقهر، والحرمان، وعدم تحقيق الاهداف الدينية السامية الكبرى، التي تكون بها سعادة الانسان، فيجب ترك هذه الارض والتخلي عغها إلى غيرها، من أجل الصلاح والاصلاخ، وبناء المستقبل، والحصول على السعادة والكرامة الحقيقية. فالانسان أولا، وكل ما عداه فإنما هو من أجله، وفي خدمته. وفى معطيات الهجرة أيضا: وبعد هذا، فإن قضية الهجرة تعطينا: وجوب نصر المسلمين بعضهم بعضا حيث رأينا: أن المهاجرين قد استعانوا بإخوانهم الانصار


(1) الحجر / 9. (2) مناقب الشافعي ج 1 ص 419 وعن الوحي المحمدي ص 243. (*)

[ 22 ]

فأعانوهم ونصروهم على أعدائهم. كما أنها تعطينا وجوب أن يكون المسلمون يدا واحدة على من سواهم، من دون أن يكون للروابط القبلية أي تأثير في ذلك. ووجوب أن يكون المنطلق لهم في تعاونهم وتوادهم، وتراحمهم، والتأسى في المعاش فيما بينهم، هو الدين والعقيدة. لا الروابط القبلية، أو المصلحية، أو غير ذلك. ثم هي تعطينا حسن التدبير، ودقة التخطيط الذي اتبعه " صلى الله عليه وآله وسلم " في تلك الظروف الحرجة والعصيبة، فإن مبيت أمير المؤمنين " عليه السلام " هو الذي جعل قريشا تطمئن إلى وجوده " صلى الله عليه وآله وسلم " على فراشه، حينما جاء من أخبر المحيطين بالبيت بأنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد خرج وانطلق لحاجته (1). ابو طالب في حديث الغار: وقد جاء في بعض الروايات: أن أبا طالب " عليه السلام "، قال للنبي (صلى الله عليه واله وسلم) حينما ائتمروا به: هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال: يريدون أن يسجنوني، أو يقتلوني، أو يخرجوني. قال: من حدثك بهذا ؟ قال: ربي. قال: نعم الرب ربك الخ (2). ونقول: إن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، لان ائتمارهم به " صلى الله عليه وآله وسلم " قد كان بعد بيعة العقبة الثانية، وقبل الهجرة بقليل. أيى في السنة الثالثة عشرة كل ت البعثة، وأبو طالب قد توفى في السنة العاشرة من البعثة، أيى بعد خروج المسلمين من الشعب.


(1) تازيخ الطبري ج 2 ص 1. (2) الدر المنثور ج 3 كل 279 عن سنيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابى الشيخ. (*)

[ 23 ]

إلا أن يقال: إن من الممكن أن يكونوا قد ائتمروا أن يفعلوا به ذلك اكثر من مرة، فأخبر الله تعالن نبيه بذلك، ثم عزموا على تنفيذ مؤامرتهم في وقت متأخر. ولعل الرواية المذكورة انفا تؤيد ذلك. مع اية الغار: قال تعالى: (إلا تنصروه، فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله ير العليا، والله عزيز حكيم) (1). ربما يقال: إن هذه الآية تدل على فضل أبي بكر، لامور: منها: أنه عبر عن أبي بكر بأنه ثاني اثنين. بدعوى أنه أحد اثنين في الفضل، ولا فضل أعظم من كون أبى بكر قرينا لل 0 نبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ومنها: أنه جعل صاحبا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والصحبة في هذا المقام العظيم منزلة عظمي. ومنها: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال له: " إن الله معنا " أي أنه معهما بلحاظ نصرته ورعايته، ومن كان شريكا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في نصرة الله له، كان من أعظم الناس. ومنها: قوله تعالى: فأنزل الله سكينته عليه ؟ فإن السكينة قد انزلت على أبي بكر ؟ لانه هو المحتاج إليها، لما تداخله من الحزن، دون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لانه عالم بأنه محروس من الله سبحانه


(1) التوبة / 40. (*)

[ 24 ]

وتعالى (1). ولكن ذلك كله لا يصح: وذلك لما يلي: إن عائشة تقول: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، غير أن الله أنزل عذري (2) وحتى عذرها هذا قد ثبت أنه لا يمكن أن يكون قد نزل فيها، كما أثبتناه في كتابنا حديث الافك. 2 - أما كونه ثاني اثنين، فليس فيه إلا الاخبار عن العدد، وهو لا يدل على الفضل، إذ قد يكون الثاني صبيا، أو جاهلا، أو مؤمنا، أو فاسقا الخ. والفضيلة في القران منحصرة بالتقوى: (إن اكرمكم عند الله أتقكم)، لا بالثانوية. ويزيد العلامة المظفر: أنه لو كان المراد الاثنينية في الفضل والشرف، لكان أبو بكر أفصل لانه هو الاول، والنبي هو الثاني بمقتضى ا لآية (3) ! ! 3 - من الواضح: أن الهدف في الآية هو الاشارة إلى أن النبي اصلى الله عليه وآله وسلم، كان في موقف حرج، ولا من يرد عنه أو يدفع، أما رفيقه فليس فقط لا يرد عنه، وانما هو يمثل عبئا ثقيلا عليه،


(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 404 وه 40. (2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 03 ص 121، وتفسير ابن كثير ج 4 ص 159، وفتح القدير ج 4 ص 21، والدر المنثور ج 6 ص 41 وراجع الغدير ج 8 ص 247. (3) دلائل الصدق ج 2 ص 404. (*)

[ 25 ]

بحزنه وخوفه ورعبه، فبدل أن يخفف عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويشد من أزره، يحتاج إلى أن يخفف نفس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عنه، ويسيله ! ! أو على الاقل لم يكن له أي أثر في الدفاع عن الرسول، والتخفيف من المشقات التي يتحملها، إلا أنه قد زاد العدد، وصار العدد بوجوده اثنين. 4 - اما جعله صاحبا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فهو أيضا لا فضيلة فيه، لان الصحبة لا تدل على أكثر من المرافقة والاجتماع في مكان واحد، وهو قد يكون بين العالم وغيره، والكبير والصغير، وبين المؤمن وغيره، قال تعالى: إوما صاحبكم بمجنون * (1)، وقال: إقال له صاحبه، رهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك ؟ " (2). فالصحبة من حيث هي لافضل فيها. 5 - اما قوله تعالى: إإن الله معنا " ؟ فقد جاء على سبيل التسلية لابي بكر ؟ ليذهب حزنه، ويذكره بأن الله تعالى سوف يحفظهم عن أعين المشركين، وليس في ذلك فضيلة له، بل فيه اخبار بأن الله ينجيهم من أيدي اعدائهم، ولسوف ينجى الله أبا بكر مقدمة لنجاة نبيه. وهذا نظير ما اشارت إليه الآية الكريمة التي تقول إوما كان الله ليعذبهم وانت فيهم " إذن، فنجاة المشركين من العذاب لاجل النبي، أو لاجل وجود مؤمن مقيم فيما بينهم لا يوجب فضلا للمشركين. 6 - إن هذا الحزن قد صدر منه ؟ كما يقول المؤرخون - بعد ما رأى من الايات الباهرة والمعجزات الظاهرة، التي توجب اليقين بأن الله يرذ عن نبيه، ويحفظه من اعدائه. فهو قد فرف بخروجه من بين القوم، وهم لا يرونه، ورأى نسج العنكبوت على باب الغار، ورأى الحمامة تبيض


(1) التكوير الاية / 22. (2) الكهف الاية / 34. (*)

[ 26 ]

وتقف على باب الغار، وغير ذلك، كما أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يخبر: المسلمين بأنه ستفتح على يديه كنوز كسرى وقيصر، وان الله سيظهر دينه، وينصر نبيه، فحزن أبى بكر في مقام كهذا، وعدم ثقته بنصر الله مع رؤيته لكل هذه الآيات لمما يجب أن يردع عنه ويمنع منه، والنهي عنه مولوي، وهو يكشف عن عدم رسوخ قدم له في معرفة جلال وعظمة الله. وقد قيل: إن أبا بكر قال: يا رسول الله، إن حزنى على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه. فقال له النبي " صلى الد عليه وآله وسلم ": إن الله معنا (1). 7 - أما قولهم إن النصر كان من الله لهما معا، فهو شريك للنبي في نصرة الله لهما، وهذا فضل عظيم. فهو أيضا باطل ؟ ويدفعه صريح الآية، فإنها قد خصت نصر الله تعالى - ولعله بمعنى أنه تعالى نجى نبيه من الكفار - بالرسول، قال تعالى: (إلا تنصروه (الضمير يرجع إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ") فقد نصره الله إذ أخرجه إلخ). فالنصر إذن ثابت لخصوص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبو بكر تابع محض، والتبعية في النصرة إنما هي لاجل اجتماعهما في مكان واحد، وذلك لا يدل على فضل لابي بكر (2). أو فقل: إن حفظه لابي بكر إنما هو مقدمة لحفظ شخص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كما قلنا. 8 - وأما قضية السكينة، فلا يصح قولهم: إنها نزلت على أبي بكر، بل هي نازلة على خصوص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لان الضمائر المتأخرة والمتقدمة في الآية كلها ترجع إليه " صلى الله عليه وآله


(1) راجع ما تقدم في كنز الفوائد للكراجكى ص 204 و 205. (2) دلائل الصدق ج 2 ص 405. (*)

[ 27 ]

وسلم " بلا خلاف، وذلك في قوله: تنصروه. نصره. يقول. أخرجه. لصاحبه. أيده. فرجوع ضمير في وسطها إلى غير النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يكون خلاف الظاهر، ويحتاج إلى قرينة قاطعة. كلام الجاحظ، وما فيه: وناقش الجاحظ (ا) وغيره فقالوا: إن النبي اصلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن بحاجة إلى السكينة لتنزل عليه. وكأنه يريد أن يجعل من ذلك قرينة لصرف اللفظ عن ظاهره. ولكنه كلام باطل ة أولا: قال تعالى في سورة التوبة في الآية 26 عن قضية حنين: اثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ". وقال في سورة الفتح في الاية 26: إفأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). فهاتمان الايتان تدلان على نزول السكينة عليه " صلى الله عليه وآله وسلم "، فلا يصح ما ذكره الجاحظ. ومن جهة ثمانية نرى، أنه تعالى قد ذكر نزول السكينة على المؤمنين فقال: في هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ؟ ليزدادوا إيمانا) (2). وقال: افعلم ما في قلوبهم ؟ فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا " (3). وهنا قد يتسأل البعض عن سراخراج ابي بكر من السكينة، ولم حرم منها هنا، مع أن الله قد أنزلها على النبي أ (صلى الله عليه وآله وسلم)


(1) العثمانية ص 107. (2) الفتح / 4. (3) الفتح / 18. (*)

[ 28 ]

هنا وعليه وعلى المؤمنين في غير هذا الموضع ؟ ! ! وأقول: لربما يمكن الجواب: بأن انزالها على الرسول هنا، يكفي ؟ لان في نجاته نجاة لصاحبه، وفي خلاصه خلاصه. ولكنه جواب متهالك، لان السكينة إنما توجب اطمينان القلب، وذهاب القلق، وهو أمر آخر غير النجاة والخلاص. فيبقى السؤال الانف بانتظار الجواب. ثانيا: إن السكينة ير: نعمة من الله تعالى: ولا يجب في نزول النعمة الاتصاف بما يضادها، ولذلك تنزل الرحمة بعد الرحمة. وقد يكون نزول السكينة يهدف إلى زيادة الايمان قال تعالى ؟ مشيرا إلى ذلك: (إهو الذي أنز ل سكينته في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا). وثالثا: من أين علموا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن بحاجة إلى السكينة مع عدم وجود ما يدل عليه في الاية، فلتكن كآية حنين بمعنى أن هذه السكينة بمثابة الاعلام بأن مرحلة الخطر القصوى قد انتهت ؟ ! ولماذا لا يظن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أن حزن أبي بكر، ورعبه وخوفه، وبكاءه. قد كان لمشاكل أخرى وهو " صلى الله عليه وآله وسلم " وان كان يعلم: أنه سوف ينجو منها في النهاية، إلا أنها تشكل عل الاقل عراقيل وموانع، تؤخر وصوله إلى هدفه الاقصى والبعيد. رابعا: يرى العلامة الطباطبائي: أن الآية مسوقه لبيان نصر الله تعالى نبيه، حيث لم يكن معه أحد يتمكن من نصرته، ومن هذا النصر انزال السكينة عليه، وتقويته بالجنود، ويدل على ذلك تكرار كلمة (إذ) ثلاث مرات، كل منها بيان لما قبله بوجه، فتارة لبيان وقت النصر، وأخرى لبيان حالته " صلى الله عليه وآله وسلم "، وثالثة لبيان وقت هذه الحالة،

[ 29 ]

فالتأييد بالجنود كان لمن نزلت السكينة عليه (1). ويقول بعض الاعلام (2): إن أبا بكر لما لم يستجب لطلب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في أن لا يحزن ولا يخاف، فإن السكينة نزلت عل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبقي أبو بكر على عدم سكينته، الامر الذي يدل على أن أبا بكر لم يكن مؤهلا لهذا التفضل والتكرم من الله تعالى. لهاذا يقول المفيد هنا، وبماذا يجيبون: ويقول المفيد، وغيره: إن حزن أبي بكر إن كان طاعة الله، فالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا ينهى عن الطاعة ؟ فلم يبق إلا أنه معصية (3). وأجاب الحلبي وغيره: بأن الله خاطب نبيه بقوله: إولا يحزنك قولهم * فنهي الله لنبيه لم يكن إلا تأنيسا وتبشيرا له، وكذلك نهي النبي لابي بكر (4). ونحن نرى أن جواب الحلبي هذا في غير محله، وذلك: لان حزن أبي بكر، وشتهه في نصر الله، الذي يشير إليه قوله اصلى الله عليه وآله وسلم " له: " إن الله معنا " كان مما لا يجمل ولا يحسن ؟ إذ كان عليه أن يثق بنصر الله سبحانه وتعالى لنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بعد ما رأى المعجزات الظاهرة، والايات الباهرة، الدالة على أن


(1) راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 280 ط بيروت. (2) هو العلامة المحتق السيد مهدي الروحاني. (3) الافصاح في امامة امير المؤمنين علي " عليه السلام " ص 119 وكنز الفوائد للكراجكي ص 203. (4) السيرة لحلبية ج 2 ص 38. (*)

[ 30 ]

الله تعالى سوف ينجي نبيه من كيد المشركين. وعليه فلا يمكن أن تكون الاية واردة في مقام مدحه وتقريظه، ولا بد من حمل النهي على ما هو ظاهر فيه، ولا يصرف عن ظاهره إلا بقرينة. بل ما ذكرناه يكون قرينة على تعين هذا الظاهر. ولا يقاس حزن أبي بكر بحزن النبي لاصلى الله عليه وآله وسلم "، والمشار إليه بقوله تعالى: إولا يحزنك قولهم) وغيرها، لان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما كان يحزن من أجل ما يراه من العوائق أمام دعوته، والموانع التي تعترض طريق انتشار وانتصار دينه، لما يراه من استكبار قومه، ومقامهم على الكفر والطغيان. فالنهي له " صلى الله عليه وآله وسلم " في الاية المتقدمة، ولموسى " عليه السلام " في آية أخرى، ليس نهي تحريم، وإنما هو تأنيس وتبشير بالنصر السريع لدينه، وللتنبيه على عدم الاعتناء بقولهم، وعدم استحقاقهم للحزن والاسف. فحزن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " هنا يدل على عمق ايمانه، وفنائه في ذات الله تعالى، وهو لا يقاس بحزن من يحزن من أجل نفسه، ومن أجل نفسه فقط. والايات صريحة فيما نقول: فنجد آية تقول: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يحزن لمسارعة قومه في الكفر: إلا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) (1) وإمن كفر فلا يحزنك كفره) (2) وأخرى تقول ة إنه يحزن لما بدا له من تكذيبهم إياه: إقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فانهم لا يكذبونك " (3) وثالثة تقول: إنه كان يحزن لاتخاذهم آلهة من دون الله إفلا يحزنك قولهم، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون " (4).


(1) آل عمران / 176، والمائدة 41. (2) لقمان / 23. (3) الأنعام 33. (4) سورة يس / 76. (*)

[ 31 ]

وهكذا سائر الآيات، كما لا يخفى على من لاحظها. فالآيات على حد قوله تعالى: إولا تذهب نفسك عليهم حسرات " (1) فهو حزن حسن منه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو يدل على كمال صفاته، وسجاحة أخلاقه. صلوات الله عليه وآله الطاهرين. اضف إلى كل ما تقدم: اننا لو لم نعرف واقع حزن أبي بكر، فإننا لا يمكن أن نقيسه على حزن النبي المعصوم، بل علينا أن نأخذ بظاهر النهي، وهو التحريم، ولا يعدل عن ظاهره إلا بدليل. سؤال يحتاج إلى جواب: وإذا كان أبو بكر يحزن مع ما يرى من الآيات والمعجزات، ولا يصبر لينال أجر الصابرين الموقنين، فكيف تكون حالته لو أراد أن ينام في مكان أمير المؤمنين علي " عليه السلام " في تلك الليلة المهولة ؟ ! وهل من الممكن أن لا يضعف وينهار أمام كيد قريش، ولمجشلم لجبروتها في اللحظات العسيرة. ولتنقلب من ثم مجريات الأمور رأسا على عقب ؟. هذا السؤال يطرح نفسه، وربما لا، ولن يجد الجواب الكافي والشافي في المستقبل القريب على الأقل. سؤال آخر: وهو أنه هل يمكن أن نصدق بعد هذا ما يدعى من أشجعية أبي بكر بالنسبة لسائر الصحابة ؟ ! وسيأتي ان شاء الله تعالى حين الكلام على غزوة بدر، بعض ما يرتبط بهذا السؤال الثافي، فإلى هناك. تحير أبي بكر في حراسته للنبي " صلى الله عليه واله وسلم ": ويقولون: إن أبا بكر كان في الطريق إلى الغار - تارة يمشي أمام


(1) فاطر / 8. (*)

[ 32 ]

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأخرى خلفه، وثالثة عن يمينه، ورابعة عن يساره، فسأله رسول الد " صلى الله عليه وآله وسلم " عن ذلك، فقال: يا رسول الله، اذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك (1). وهذا كلام لا يصح، أولا: لأن حزنه في الغار، وخوفه وهو يرى الآيات والمعجزات التي يذكرها نفس هؤلاء الراوين لهذه الرواية قد زاد في كدر النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى لقد احتاج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أن ينزل الله سكينته عليه. ثانيا: عدا عن ذلك فإنه لا معنى لتخوف الرصد، فقد كانت قريش مطمئنة إلى أنها تحاصر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتحيط به. وأنه لن يكون له نجاة من مكرها وكيدها. ثم هل كان لديه سلاح يدفع به عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، أو عن نفسه ؟ !. ثالثا: أضف إلى ذلك كله: فراره في احد، وحنين، وخيبر، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ولى يؤثر عنه فيما سوى ذلك أي موقف شجاع يذكر. وقد يكون للقصة أصل إذا كان يفعل ذلك من جهة خوفه على نفسه، فكان يبحث عن موقع يشعر فيه بالأمن فلا يجده ! ! ثم حرفت وحورت حتى صارت كما ترى، فتبارك الله أحسن الخالقين ! ! التأكيد على موقف أبي بكر. وإننا نكاد نطمثن إلى أن الهدف من هذا وسواه هو تعويض أبي بكر عما فقده، في مقابل مبيت علي " عليه السلام " على فراش النبي


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 326، والسيرة الحلبية ج 2 ص 34. (*)

[ 33 ]

الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث باهى الله به ملائكته، وهو مقام ناله علي " عليه السلام " بجهاده وبصبره، واخلاصه. في يشري نفسه ابتغاء مرضات الله: قد ورد: أن الله تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل: إني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة. فأوحى الله إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوه. فنزلا، فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ، من مثلك يا ابن أبي طالب، يباهي الله به الملائكة. فأنزل الله عزوجل: " ومن الناص من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد " (1).


(1) الآية في سورة البقرة / 207 والرواية في: اسد الغابة ج 4 ص 25، والمستجاد للتنوخي ص 10، وثمرات الاوراق ص 303، وتفسير البرهان ج 1 ص 207. واحياء العلوم ج 3 ص 258، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 39، وكفاية الطالب ص 239، وشواهد التنزيل ج 1 ص 97، ونور الابصار ص 86، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، وتذكرة الخواص ص 35 عن الثعلبي، وتاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 326، والبحار ج 19 ص 39 و 64 و 80 عن الثعلبي في كنز الفوائد وعن الفضائل لأحمد ص 124 و 125، وعن الروضة ص 119، وهي ايضا في: المناقب للخوارزمي ص 74 وينابيع المودة ص 92 عن ابن عقبة في ملحمته وقال في حبيب السير ج 2 ص 11: ان ذلك مذكور في كثير من كتب السير والتاريخ. والرواية في تاريخ الخميس ج 1 ص 325 و 458 والتفسير الكبير ج 5 ص 204 والجامع لاحكام القرآن ج 3 ص 21 والسيرة الحلبية ج 3 ص 168 = (*)

[ 34 ]

= وراجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 159 وفرائد السمطين ج 1 ص 335 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 4 وتلخيص المستدرك للذهبي بهامش نفس الصفحة، ومسند أحمد ج 1 ص 331 وترجمة الامام علي " عليه السلام، من تاريخ دمشق تحقيق المحمودي ج 1 ص 137 و 138. والمناقب للخوارزمي ص 74 ودلائل الصدق ج 2 ص 81 و 82 والامالي للطوسي ج 2 ص 84 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 310 وراجع ص 178 و 82. وراجع، الارشاد للمفيد ص 31 وروضة الواعظين ص 107 وخصاثص الوحي المبين ص 94 و 93 وراجع ص 91 والعمدة لابن البطريق ص 240 وراجع ص 238 ورواه في: غرائب القرآن للنيشابوري بهامش جامع البيان ج 2 ص 291 وراجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 60 ونقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل ج 1 ص 97 عن غاية المرام ص 346 باب 45 وعن تفسير ابي الفتوح الرازي ج 2 ص 152 ونقله المرعشي في ملحقات احقاق الحق والتعليقات عليه ج 3 ص 24 - 34 وج 8 ص 339 وج 6 ص 479 و 481 وج 20 ص 109 - 114 وج 14 ص 116 عن عدد ممن قدمنا، وعن المصادر التالية: اللوامع ج 2 ص 376 و 375 و 377 عن المجمع والمباني، وعن ابي نعيم والثعلبي وغيرهم وعن البحر المحيط ج 2 ص 118 وعن معارج النبوة ج 1 ص 4 وعن مدارج النبوة ص 79 وعن مناقب المرتضوي ص 33، وعن روح المعاني ج 2 ص 73 عن الامامية وبعض من غيرهم وعن مرآة المؤمنين ص 45 وعن تلخيص المتشابه في الرسم، للخطيب البغدادي ج 1 ص 414 وعن امتاع الاسماع ص 38، وعن مقاصد الطالب ص 7 وعن وسيلة النجاة ص 78 وعن المنتقى للكازروني ص 79 مخطوط. وعن روض الازهر ص 371 وعن ارجح المطالب ص 70 و 507 و 407 وعن اتحاف السادة المتقين ج 8 ص 202 وعن مفتاح النجا في مناقب آل العبا: ص 23 مخطوط وعن روض الاحباب للهروي ص 185 وعن تفسير الثعلبي وعن السيرة المحمدية للكازروني مخطوط وعن مكاشفة القلوب ص 42 وعن توضيح الدلائل ص 154 مخطوط وعن الكوكب المفي ص 45 مخطوط وعن غاية المرام في رجال البخاري سيد الانام ص 71 مخطوط وعن انكشف والبيان وعن المختار في مناقب الاخيار ص 4 مخطوط وعن مناهج الفاضلين للحمويني مخطوط. وقال ابن شهر آشوب: ان هذا الحديث قد رواه الثعلبي، وابن عاقب في ملحمته وابو = (*)

[ 35 ]

قال الاسكافي: " وقد روى المفسرون كلهم: أن قوله تعالى: إومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، نزلت في علي " عليه السلام " ليلة المبيت على الفراش (1) ". كذبة مفضوحة: وبما ذكرناه من المصادر لنزول آية الشراء في علي " عليه السلام "، وبما ذكره الاسكافي أيضا يظهر كذب ما ذكره فضل بن روزبهان، من أن أكثر المفسرين يقولون: إن الآية قد نزلت في الزبير والمقداد، حيث أرسلهما النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى مكة لينزلا خبيب بن عدي عن الخشبة التي صلب عليها، وكان حول خشبته أربعون من المشركين، فخاطرا بأنفسهما حتى انزلاه، فأنزل الله الآية (2). ويذكر المظفر أن المفسرين لم يذكروا ذلك، حتى السيوطي، والرازي، والكشاف. مع أن الرازي قد جمع في تفسيره كل أقوالهم،


= السعادات في فضائل العشرة، والغزالي في الاحياء، وفي كيمياء السعادة عن عمار، وابن بابويه، وابن شاذان والكليني، والطوسي، وابن عقدة، والبرقي، وابن فياض، والعبد لي، والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس، وأبي رافع وهند بن ابي هالة. والغدير ج 2 ص 48 عن بعض من ثقدم، وعن: نزهة المجالس ج 2 ص 209 عن السلفي. ونقله المحمودي في هوامش شواهد التنزيل عن بعض من تقدم، وعن: ايى الفتوح الرازي ج 2 ص 152 وغاية المرام باب 45 ص 346. وأشار إليه مغلطاي في سيرته 31، والمستطرف، وكنوز الحقائق ص 31. وراجع دلانل الصدق ج 2 ص 81 / 82. (1) راجع: شرح النهج ج 13 ص 262. (2) سيأتي ذلك مع مصادره ومع ما فيه من وجره ضعف في هذا الكتاب في فصل: جثة خبيب. (*)

[ 36 ]

والسيوطي جمع عامة رواياتهم. وذكر في الاستيعاب في ترجمة خبيب: أن الذي ارسله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لانزاله هو عمرو بن أمية الضمري (1) وسيأتي: عدم صحة ذلك في الجزء السادس من هذا الكتاب. وابن تيمية ماذا يقول ؟ ! وقد أنكر (إبن تيمية) على عادته في انكار فضائل أمير المؤمنين علي " عليه السلام " وقال: كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير. وأيضا قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له: لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم، فلم يكن فيه فداء بالنفس، ولا إيثار بالحياة. والآية المذكورة في سورة البقرة، وهي مدنية باتفاق. وقد قيل: إنها نزلت في صهيب (رضي الله عنه) لما هاجر (2). ونقول: 1 - إن كانت الآية مدنية بالنسبة إلى علي " عليه السلام "، فهي أيضا مدنية بالنسبة إلى صهيب. فما يقال هناك يقال هنا. 2 - لقد أجاب الاسكافي المعتزلي على دعوى الجاحظ: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لعلي: لن يصل إليك شئ تكرهه ! فقال: " هذا هو الكذب الصراح، والادخال في الرواية ما ليس منها. والمعروف المنقول، أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال له: فاضطجع في مضجعي، وتغش ببردي الحضرمي، فإن القوم سيفقدونني، ولا يشهدون مضجعي، فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك، حتى يصبحوا، فإذا أصبحت


(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 82. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 27. (*)

[ 37 ]

فاغد في امانتي ". ولم ينقل ما ذكره الجاحظ، وإنما ولده أبو بكر الأصم، وأخذه الجاحظ. ولا أصل له. ولو كان هذا صحيحا لم يصل إليه منهم مكروه، وقد وقع الاتفاق على أنه ضرب، ورمي بالحجارة قبل أن يعلموا من هو، حتى تضور، وانهم قالوا له: رأينا تضورك إلخ... (1) ". هذا وقد تقدم في أوائل هذا الفصل: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما قال لعلي " عليه السلام ": انه لا يصل إليه شئ يكرهه. بعد مبيته على الفراش، وذلك حينما التقى معه في الغار، وأمره برد ودائعه، وأن ينادي في مكة بذلك. وطمأنه إلى أن نداءه هذا لن يتسبب له بمتاعب وصعوبات وليس المقصود: أنه لن يناله مكره من أي مشرك في جميع الأحوال والأزمان. 3 - ويدل على أنه كان موطنا نفسه على القتل ما يلي: الف: إنه لو صح ما ذكره ابن تيمية لم يكن معنى للافتخار بموقفه ذاك ؟ فقد روي أن عائشة فخرت بأبيها، ومكانه في الغار مع الرسول، " صلى الد عليه واله وسلم "، فقال عبد الله بن شداد بن الهاد: وأين أنت من علي بن أبي طالب، حيث نام في مكانه، وهو يرى أنه يقتل ؟ فسكت، ولم تحر جوابا (2). ب - وعن أنس: أنه " عليه السلام " كان موطنا نفسه على القتل (3). ج - إن عليا نفسه قد اكد على هذا، ودفع كل شبهة فيه، حينما قال


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 263. (2) أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 62، والبحار ج 19 ص 56 عنه. (3) المصدران السابقان. (*)

[ 38 ]

شعره المتقدم. وقيت نفسي خيرمن وطأ الثرى. إلى أن قال: وبت أراعيهم متى يثبتونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر وبات رسول الله في الغار آمنا هناك وفى حفظ الا له وفي ستر (1) د: وعنه " عليه السلام ": (وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي، فاسرعت إلى ذلك مطيعا له، مسرورأ لنفسي بأن أقتل دونه، فمض " صلى الله عليه وآله وسلم " لوجهه، واضطجعط في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أليس كذلك، قالوا: بلى يا أمير المؤمنين (2) ". وقيل انهم ضربوا عليا، وحبسوه ساعة، ثم تركوه (3). ملاحظة: يمكن أن يفهم مما تقدم: أن الحديث الذي يقول: إنه " عليه


(1) نور الأبصار ص 86، وشواهد التنزيل ج 1 ص 102، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 4 وتلخيكمه للذهبي هامش نفس الصفحة، وأمالي الشيخ ج 2 ص 83، وتذكرة الخواص ص 35، وفرائد السمطين ج 1 ص 330، ومناقب الخوارزمي ص 74 / 75: والفصول المهمة لابن الصباغ ص 31، والبحار ج 19 ص 63، وتاريخ الخميس ج 1 ص 325. والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) والمصادر لهذا الشعر كثيرة جدا لا مجال لتتبعها. (2) البحار ج 19 ص 45 عن: الخصال ج 2 ص 14 - 15. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 325. (*)

[ 39 ]

السلام " قد حاربهم بسيف خالد موضع شك وريب، لأنه انما حاربهم بسيفه هولا بسيف خالد. إلا أن يقال: ان نسبته إليه لا تدل على ملكيته له. وقد يكون حاربهم بسيفه أولا، ثم سيف خالد ثانيا بعد أن أخذه منه وإن كان هذا الاحتمال ضعيفا. 4 - وأما دعوى ابن تيمية: أن حديث حراسة جبرائيل وميكائيل له " عليه السلام "، ونزول الآية فيه، كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير. فلا تصح أصلا، فإننا لم نجد أحدا منهم صرح بكذب هذه الرواية سواه، فهو يدعى عليهم ما لا يعرفون، وينسب إليهم ما هم منه بريئون ؟. بل عرفت تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الحديث، وتقدم أيضا طائفة كبيرة من الذين رووه من كبار العلماء والحفاظ، من دون غمز فيه أو لمز. إلا أن يكون شيطان ابن تيمية قد أوحى إليه، بأن ينسب إليهم ما هم منه براء. 5 - وأجاب الحلبي عن كلام ابن تيمية بقوله: "... لكنه في الامتاع لم يذكر أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لعلي ما ذكر " أي لن يصل إليك شئ تكرهه وعليه فيكون فداؤه للنبي بنفسه واضحا. ولا مانع من تكرار نزول الآية في حق علي، وفي حق صهيب. وحينئذ يكون " شرى " في حق علي (رضي الله عنه) بمعنى باع، أي باع. نفسه بحياة المصطفى. وفي حق صهيب بمعنى اشترى، أي اشترى نفسه بماله. ونزول هذه الآية بمكة، لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية " لأن

[ 40 ]

الحكم يكون للغالب (1) ". انتهى ولكن بعض ما أجاب به الحلبي محل نظر، فإن استعمال شرى بمعنى باع تارة وبمعنى اشترى أخرى، محل نظر، لأنه يلزم منه استعمال المشترك في أكثر من معنى، وقد منعه طائفة من العلماء. وإن كنا نحن نرى: أنه لا مانع من ذلك، إلا ما كان من قبيل الاستعمال في المعنى الحقيقي والمجازي معا وشاهدنا على ذلك صحة التورية وشيرعها في كلام العرب. فإذا لم نجز استعمال المشترك في معنيين لم يصح كلام الحلبي حتى وإن كانت الآية قد نزلت مرتين لأن محل الكلام إنما هو في قراءتنا نحن للآية، وكيفية فهمنا لها. هذا عدا عن ان صهيبا لا خصوصية له في بذله ماله. فإن كثيرا من المهاجرين قد تخلوا عن أموالهم للمشركين وهاجروا فرارا بدينهم. وعن قضية صهيب نقول: لقد رووا: أنه لما أراد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الخروج إلى الغار أرسل أبا بكر مرتين أو ثلاثا إلى صهيب فوجده يصلي، فكره أن يقطع صلاته، وبعد أن جرى ما جرى عاد صهيب إلى بيت أبي بكر، فسأل عن أخويه: النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر، فأخبروه بما جرى. فأراد الهجرة وحده. ولكن المشركين لم يمكنوه من ذلك حتى بذل لهم ماله، فلما اجتمع مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": ربح صهيب ربح صهيب، أو ربح البيع، فأنزل الله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله الخ (2).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 27. (2) الاصابة: ج 2 في ترجمة صهيب، والسيرة الحلبية ج 2 ص 23 و 24 والدر المنثور ج 1 ص 204 عن ابن سعد، وابن أبى أسامة، وابن المنذر، وابن ابي حاتم وابي نعيم في الحلية، وابن عساكر وابن جرير والطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل وابن أي خيثمة وفي النصوص اختلاف. (*)

[ 41 ]

وألفاظ الرواية مختلفة كما يعلم بمراجعة الدر المنثور للسيوطي وغيره ويكفي أن نذكر أن بعضها يذكر: أن الآية نزلت لما أخذ المشركون صهيبا ليعذبوه، فقال لهم: اني شيخ كبير لا يضرامنكم كنت، أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالى وتدعوني وديني ؟ ففعلوا (1). ورواية أخرى تذكر القضية بنحو يشبه ما جرى لأمير المؤمنين حين هجرته، وتهديده إياهم ورجوعهم عنه ؟ فراجع (2). ولكنها قصة لا تصح: أولا: لان ارسال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم " أبا بكر إلى صهيب ثلاث مرات في ظرف كهذا غير معقول، لا سيما وهم يذعون: أن قريشا كانت تطلب أبا بكركما تطلب النبي، وجعلت مئة ناقة لمن ياتي به (3)، وان كنا نعتقد بعدم صحة ذلك كما سنرى. ولكن قريشأ ولا شك إنما كانت تهتم في أن تستدل على النبي من خلال أبي بكر. اضف إلى ما تقدم: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ا لم يخبر أحدا بهجرته تلك الليلة، بل يروون: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " انما صادف أبا بكر، وهو في طريقه إلى الغار. ثانيا: إن كلامه معه وهو في الصلاة، واخباره بالامر، لا يوجب قطع صلاة صهيب، إذ باستطاعته أن يلقي إليه الكلام ويرجع دون أن يقطع عليه صلاته كما أنه يمكن أن ينتظره دقيقة أو دقيقتين حتى يفرغ من صلاته، فيخبره بما يريد. ويمكن أيضا أن يوصي أهل بيته أن يبلغوه الرسالة التي يريد ابلاغها إلا إذا كان لم يثق بهم. إلا أن يدعى: أن ابا بكر كان بحيث لا يدري كيف يتصرف، أو أنه


(1) (2) السيرة الحلبية ج 3 ص 168. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والسيرة الحلبية ج 2 ص 39 والبداية والنهاية ج 3 ص 182 وارشاد الساري ج 6 ص 218. (*)

[ 42 ]

كان يرئ حرمة إلقاء الكلام ليسمعه المصلي، وكلاهما غير محتمل في حقه، أو لا يرضى محبوه بنسبته إليه علن الأقل، وباقي الفروض الآنفة تبقى على حالها. هذا بالاضافة إلى هذه الصدفة النادرة فإنه ياتيه مرتين أو ثلاثا، وهو لا يزال يصلي ! !. ثالثا: لماذا يهتم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بصهيب خاصة، ويترك من سواه من ضفاء المؤمنين، الذين كانط قريش تمارس ضدهم أقسى انواع التعذيب والاذى، فلا يرسل إليهم، ولو مرة واحدة، ولا نقول ثلاث مرات ؟ وهل هذا ينسجم مع ما نعرفه من عدل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعطفه الشديد على أمته ؟. إلا أن يقال: لعل غير صهيب كان مراقبا من قبل المشركين، أو أن صهيبأ كان أشد بلاء من غيره، إلى غيرذلك من الاحتمالات التي لا دليل عليها، ولا شاهد لها. رابعا: اننا نجد بعض الروايات تقول: إن أبا بكر - وليس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - هو الذي قال لصهيب: ربح البيع يا صهيب وذلك في قضية أخرى لا ربط لها بحديث الغار (1) والبعض يذكر القضية، ولكنه لا يذكر نزول الاية فيه (2). خامسا: إن الآية إنما تتمدح من يبذل نفسه في مرضاة الله، لا أنه يبذل المال في مرضاته، ورواية صهيب ناظرة إلى الثاني لا الاول. سادسا: قد قلنا آنفا: إن صهيبأ لم يكن الوحيد الذي بذل ماله في


(1) راجع: صفين للمنقري ص ه 32. ومجمع البيان ج 6 ص 361، والبحار ج 19 ص 35 عنه، والسيرة الحلبية ج 2 ص 24 (2) سيرة ابن هشام ج 2 ص 121. (*)

[ 43 ]

سبيل دينه، فلماذا اختص هذا الوسام به دونهم. سابعا: انهم يذكرون: أنه لم يتخلف مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا عليا وأبا بكر (1). ثامنا: إن الرواية القائلة بان صهيبا كان شيخا كبيرا لا يضر المشركين، أكان معهم أم مع غيرهم. لا تصح، لأن صهيبا قد توفي سنة ثمان أو تسع وثلاثين وعمره سبعون سنة (2)، فعمره يكون حين الهجرة واحدأ أو اثنين وثلاثين سنة، فهو قد كان في عنفوان شبابه، لا كما تريد أن تدعيه هذه الرواية المفتعلة. هذا كله، عدا عن تناقضات روايات صهيب. وعدا عن أن عددأ منها لا يذكر نزول الاية في حقه. كما أنها عموما إما مروية عن صهيب نفسه، أو عن تابعي لم يدرك عهد النبي، كعكرمة، وابن المسيب، وابن جريح، وليس هناك سوى رواية واحدة وردت عن ابن عباس الذي ولد قبل الهجرة بثلاث سنين فقط. ويجب أن يعلم: أن صهيبأ كان من اعوان الهيئة الحاكمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم "، وممن فتخلف عن بيعة أمير المؤمنين، وكان يعادى أهل البيت (عليهم السلام، (3). فلعل المقصود هو مكافاته على مواقفه تلك، بمنحه هذه الفضيلة الثابتة لامير المؤمنين " عليه السلام "، فيكون هؤلاء قد أصابوا عصفورين بحجر واحد حينما يزين لهم شيطانهم أن عليا يخسر وخصومه يربحون.


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 123، وسيرة مغلطاي ج 31. (2) الاصابة ج 2 ص 196. (3) راجع ذلك وغيره في ترجمة صهيب في قاموس الرجال ج 5 ص 135 / 137. (*)

[ 44 ]

5 - بقي في كلام ابن تيمية المتقدم قوله: إن سورة البقرة مدنية، ولو صح نزولها في علي (عليه السلام) لكانت مكية. وجوابه واضح، فإن نزول الاية لو سلم أنه كان في نفس ليلة المبيت، فمن الواضح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حينئذ في الغار، وليس معه سوى أبي بكر، فلم يكن ثمة مجال للاعلان بنزول الاية إلا بعد وصوله (صلى الله عليه وآله وسلم ا إلى المدينة، واستقراره فيها، ثم إتاحة الفرصة له في الظرف المناسب لاظهار هذه الفضيلة العظيمة لابن عمه ووصيه. فلا بأس أن تعد بهذا الاعتبار مدنية، وتجعل في سورة البقرة، التي كان نزولها في مطلع الهجرة، كما هو معلوم. هذا بالاضافة ! لى أن وجود آية مكية في سورة مدنية ليس بعزيز. وأما ما ذكره الحلبي من تكرر نزول الآية فلا دليل عليه. بل الادلة الانفة تدفعه وتنافيه. تسمية أبي بكر بالمديق: يرى البعض: أن الله تعالى قد سمى أبا بكر بم الصديق في قضية الغار، كما في شواهد النبوة، حيث قد روي: أنه حين أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة، قال لجبرئيل: من يهاجر معي ؟ قال جبرئيل: أبو بكر الصديق (1). ولكننا نشك في صحة ذلك: أولا: لتناقض الروايات في تسمية أبي بكر بالصديق، وسبب ذلك، وزمانه ج فمن قائل: إن ذلك كان في قضية الغار كما هنا. ومن قائل: إنه كان حينما رجع النبي اصلى الله عليه وآله وسلم " من رحلة


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 323 عن شواهد النبوة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 29. (*)

[ 45 ]

الاسراء، وتصديق أبي بكر له في ذلك، وحين وصف النبي " صلى الله عليه وآله و سلم لا لقومه بيت المقدس (1). وقول ثالث: أن ذلك كان حين بعثة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث صدقه أبو بكر، فسمي الصديق (2). وقول رابع: ان ذلك كان حين رحلة النبي لاصلى الله عليه وآله وسلم " إلى السماء، حيث روي عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قوله: لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماج إلا وجدت اسمي فيها مكتوبا محمد رسول الله أبو بكر الصديق (3) فأي ذلك هو الصحيح ؟ ! ثانيا: لدينا العديد من الروايات الصحيحة والحسنة سندا، والمروية في عشرات المصادر، تنص على أن الصديق ا هو أمير المؤمنين " عليه السلام ا، دون أبي بكر، ونذكر منها: 1 - عن علي اعليه السلام ا، بسند صحيح على شرط الشيخين، أنه قال: أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفترى. لقد صليت قبل الناس بسبع سنين (4). وقال غير مرة: " أنا الصديق الاكبر، والفاروق الاول، اسلمت قبل


(1) و (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 29 وج 1 ص 273، وغير ذلك. وقد اشرنا إلى ذلك حين الكلام على الاسراء والمعراج، وذكرنا بعض مصادره هناك، فراجع. (3) كشف الاستار ج 3 ص 163 ومسند احمد ج 4 ص 343 ومجمع الزوائد ج 9 ص 41 وتهذيب التهذيب ج 5 ص 38 والغدير ج 5 ص 326 و 303 عن تاريخ الخطيب. (4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 112 وتلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، والاوائل ج 1 ص 195، وفرائد السمطين ج 1 ص 248، وثرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وراجع ج 1 ص 30 والبداية والنهاية ج 3 ص 26، والخصائص للنسائي ص 46 بسند رجاله ثقات، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 44، بسند صحيح، وتاريخ الطبري ج 2 ص 56، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 57، وذخائر العقبي ص 60 عن الخلفي والاحاد والمثاني مخطوط في كوپرلي رقم 235، ومعرفة = (*)

[ 46 ]

اسلام أبي بكر وصليت قبل صلاته (1)،. والظاهر أن المراد: أنه (عليه السلام) كان يتعبد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على دين الحنيفية - حتى قبل بعثته - من حين تمييزه، إلى أن عنم الدين، ونزل قرله تعالى " فاصدع بما تؤمر ". بل وقبل ذلك أيضا. وبذلك يبطل قول ابن كثير: " كيف يتمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين ؟ هذا لا يتصور أصلا ". (2) 2 - وأخرج القرشي في شمس الاخبار رواية طويلة عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ا أن الله قد سمى عليا ب‍ " الصديق الاكبر " في ليلة الاسراء (3). 3 - عن ابن عباس، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": الصديقون ثلاثة: حزقيل، مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار، صاحب آل ياسين، وعلي بن أبي طالب. الثالث أفضلهم. وقريب منه ما روي عن أبي ليلى الغفاري، بسند حسن، كما نص


= الصحابة لابي نعيم مخطوط في مكتبة: طوپ قپو سراي رقم 497 ج 1 وتذكرة الخواص ص 108 عن أحمد في المسند وفي الفضائل وفي هوامش ترجمة الامام علي " عليه السلام " من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي، ج 1 ص 44 / 45 عن: مصنف ابن أبي شيبة، ج / 6 الورق 155 / أ وكنز العمال ج 15 ص 107 ط 2 عن ابن أبي شيبة، والنسائي، وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي والحاكم وأبي نعيم وعن العقيلي في ضعفائه ج / 6 الورق 139، ومعرفة الصحابة لابي نعيم ج 1 / الورق 22 / أ، وتهذيب الكمال للمزي ج 14 - الورق 193 / ب وعن تفسير الطبري، وعن احمد في الفضائل الحديث 117 ورواه في ذيل احقاق الحق ج 4 ص 369 عن ميزان الاعتدال ج 1 ص 417 وج 2 ص 11 و 212. والغديرج 2 ص 314 عن كثير ممن تقدم وعن الرياض النضرة ج 155 و 158 و 127 وراجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 321. (1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 22 وعن المعارف لابن قتيبة ص 167 وكلام الاسكافي في العثمانية ص 300. - (2) البداية والنهاية ج 3 ص 26 (3) الغدير ج 2 ص 313 / 314. (*)

[ 47 ]

عليه السيوطي (1). وكذا عن الحسن بن عبد الرحمان بن أبي ليلى (2). فحصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للصديقين بالثلاثة، ينافي تسمية أبي بكر ب‍ (الصديق على النحو المتقدم، وإلا كانوا أربعة، ولم يصح الحصر. 4 - عن معاذة قالت: سمعت عليا، وهو يخطب على منبر البصرة، يقول: أنا الصديق الاكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، واسلمت قبل أن يسلم أبو بكر (3). وظاهره: أفه في صدد نفي صديقية أبي بكر، التي شاعت بين الناس.


(1) الجامع الصغير ج 2 ص 50، عن ابي نعيم في معرفة الصحابة، وابن النجار، وابن عساكر، والصواعق المحرقة ط المحمدية ص 123، وتاريخ بغداد ج 14 ص 155. وشراهد التنزيل ج 2 ص 224، وذخائر العقبى ص 56، وفيض القدير ج 4 ص 137، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الامام علي " عليه السلام " بتحقيق المحمودي ج 2 ص 282 وج 1 ص 80 وكفاية الطالب ص 123 و 187 و 124، والدر المنثور ج 5 ص 262 عن تاريخ البخاري، وعن أبي داود، وابي نعيم والديلمي وابن عساكر، والرازي في تفسير سورة المؤمن، ومناقب الخوارزمي ص 219، ومناقب الامام علي لابن المغازلي ص 246 و 247، ومعرفة الصحابة لابي نعيم مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 497 ونقله في هامش كفاية الطالب عن كنز العمال أيضا ج 6 ص 152 عن الطبراني وابن مرلوبه والرياض النضرة ج 2 ص 152 وبعض من تقدم، ونقله المحمودي في هافر ترجمة الامام علي من تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 79 / 80 عن بعض من تقدم وعن: السيف اليماني المسلول ص 49 والفتح الكبير ج ص 202 وغاية المرام ص 417 و 647 ومناقب علي من كتاب الفضائل لاحمد الحديث 194 و 239 والسلفي في مشيخة البغدادية، الورق 9 / ب و. 10 / ب. والغدير ج 2 ص 312، عن بعض من تقدم، وهوامش شواهد التنزيل عن الروض النضير ج 5 ص 368. (2) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 219. (3) ذخائر العقبي ص 56 عن ابن قتيبة، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وانساب الاشراف، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 146، والاحاد والمثاني مخطوط في = (*)

[ 48 ]

5 - عن أبي ذر، وابن عباس، قالا: سمعنا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول لعلي: أنت الصديق الاكبر، وانت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل (1). وقريب منه عن أبي ليلى الغفاري. 6 - عن أبي ذر، وسلمان: إن الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " أخذ بيد علي، فقال: إن هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الاكبر، وهذا فاروق هذه الامة، يفرق بين الحق والباطل إلخ (2).


= كوپرلي رقم 235، والبداية والنهاية ج 7 ص 334، والمعارف لابن قتيبة ص 73 / 74، والغدير ج 2 ص 314 عن بعض من تقدم وعن ابن ايوب والعقيلي، عن كنز العمال ج 6 ص 405 طبعة أولى. وليراجع الغدير ج 3 ص 122 عن الاستيعاب ج 2 ص 460 وعن مطالب السؤل ص 19 وقال: كان يقولها في كثير الاوقات والطبري ج 2 ص 312 وعن الرياض النضرة ج 2 ص 155 و 157 وعن العقد الفريد ج 2 ص 275. وراجع في حديث ابن عباس وابي ليلى الغفاري: الاصابة ج 4 ص 171 وهامشها ني الاستيعاب ج 4 ص 170 وميزان الاعتدال ج 2 ص 3 و 417. (1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228، وفرائد السمطين ج 1 / ص 140 وترجمة الامام علي عليه السلام من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 ص 76 و 77 و 78 بعدة أسانيد وفي هامشه عن الاسكافي في نقضه لعثمانية الجاحظ المطبوع معها في مصر ص 290 واللآلي المصنوعة ج 1 ص 324 و 325 وملحقات احقاق الحق ج 4 ص 29 - 31 و 34 والغدير ج 2 ص 313 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 عن الحاكمي، وعن شمس الاخبار للقرشي ص 3 0، وعن المواقف ج 3 ص 276، وعن نزهة المجالس ج 2 ص 205 وعن الحمويني. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن الطبراني والبزار، والغديرج 2 ص 313 وج 10 ص 49 عنه وعن: كفاية الطالب ص 187 من طريق ابن عساكر وثرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 228 وعن اكمال كنز العمال ج 6 ص 156 عن البيهقي وابن عدي عن حذيفة، وعن أبى ذر وسلمان وعن الاستيعاب ج 2 ص 657 وعن الاصابة ج 4 ص 171. (*)

[ 49 ]

7 - وفي خطبة طويلة لام الخير بنت الحريش، أوردتها في صفين، وصفت فيها أمير المؤمنين (عليه السلام، ب " الصديق الاكبرا (1). 8 - وقال محب الدين الطبري: " إن رسول الله سماه صديقا " (2). 9 - وقال الخجندي: " وكان يلقب بيعسوب الامة، وبالصديق الاكبر " (3). 10 - وجاء في رواية أخرى: " فيجيبهبم ملك من بطنان العرش: يا معشر الآدميين، ليس هذا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا حامل عرش. هذا الصديق الاكبر على بن أبي طالب إلخ ". (4) 11 - إن آية: أولئك هم الصديقون، نزلت في علي " عليه السلام " وكذا آية: الذي جاء بالصدق وصدق به، وآية اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين (5). 12 - وفي رواية عن أنس: " وأما علي فهو الصديق الاكبر إلخ (6)،. وثمة ررايات أخرى، فلتراجع في مصادرها (7).


(1) العقد الفريد ط دار الجتاب ج 2 ص 117، وبلاغات النساء ص 38، والغدير ج 2 ص 313 عنهما وعن صبح الاعشى ج ا ص 250 ونهاية الارب ج 7 ص 241. (2) و (3) الغدير ج 2 ص 312 عن الرياض النضرة ج 2 ص 155 وغيرها. (4) كنز العمال ط 2 ج ه ا ص 134. (5) راجع على سبيل المثال: شواهد التنزيل ج 1 ص 155 / 154 / 153 وج 2 ص 120 وفي هوامشه مصادر كثيرة، وترجمة الامام علي " عليه السلام " من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ج 2 ص 418، وهوامشه، ومناقب ابن المنازلي ص 269، وغاية المرام ص 4 1 4، وكفاية الطالب ص 333، ومنهاج الكرامة للحلي، ودلائل الصلق للشيخ المظفرج 2 ص 117 والدر المنثورج 5 ص 328، وعشرات المصادر الاخرى. (6) مناقب الخوارزمي الحنفي ص 32. (7) راجع عل سبيل المثال: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 322. (*)

[ 50 ]

وبعد ما تقدم نعرف: أن لقب " الصديق " خاص بالامام علي " عليه السلام "، ولا يمكن اثباته لغيره. هذا وقد ذكر العلامة الاميني روايات تدل على أن الصديق هو أبو بكر، ثم فندها بما لا يدع مجالا للشك في كذبها وافتعالها، حيث حكم كبار النقاد والحفاظ عليها بالوضع والكذب من امثال: الذهبي، والخطيب، وابن حبا ن، والسيوطي، والفيروز آبادي، والعجلوني، ومن أراد أن يقف على ذلك، فعليه بالرجوع إلى كتاب الغدير، فإن فيه ما ينقع الغلة، ويزيح الشبهة. متى كان وثع هذه الالقاب: والظاهر أن سرقة هذا اللقب، وغيره من الالقاب، قد حصلت في وقت متقدم، حتى اضطر الامام أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى الاعلان على منبر البصرة: (1) أنه " عليه السلام " هو الصديق الاكبر، وليس أبا بكر، وأن كل من يذعي هذا اللقب لنفسه فهو كذاب مفتر. وقد كرر " عليه السلام " ذلك كثيرا. ولكن السياسة التي حكمت الامة، وهيمنت على فكرها واتجاهاتها استطاعت أن تحتفظ بهذه الالقاب لمن تريد الاحتفاظ لهم بها، ولم يكن ثمة أية قوة تستطيع أن ترد أو أن تمنع، أو حتى أن تعترض ولو بشكل سلمي بحت. لا سيما وأن وضع مثل هذه الامور قد تم وحصل على أيدي علماء من وعاظ السلاطين. الراحلتان: ويقولون: إنه بعدأن بدأ المسلمون بالهجرة إلى المدينة، وأخبر


(1) راجع: الغدير ج 5 ص 327 / 328 و 321 و 334 و 35 وج 7 ص 244 و 245.

[ 51 ]

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبا بكر: أنه يرجو أن يؤذن له، حبس نفسه على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، واشترى راحلتين بثمانمأة درهم - وكان أبو بكر رجلا ذا مال - وعلفهما ورق السمر، أو الخبط أربعة أشهر (1)، أو ستة أشهر (2)، على اختلاف النقل. ولما أراد (صلى الله عليه وآله وسلم) الهجرة عرض أبو بكر الراحلتين على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، فابى أن يقبلهما إلا بثمن. وإذا اغمضنا النظر عما يظهر من النص السابق من أن الهدف هو إظهار أبي بكر على أنه متفضل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإننا نقول: إن ذلك لا يصح، وذلك لما يلي: 1 - إن علفه للراحلتين أربعة أشهر أو ستة غير معقول، لان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر اصحابه بالهجرة قبل هجرته هو (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاثة أشهر فقط. بل يقول البعض: إن ذلك كان قبل هجرته بشهرين ونصفا على التحرير (3). بل يقول البعض إن بيعة العقبة قد كانت قبل الهجرة بشهرين وليال (4). وقد أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بالهجرة بعد بيعة العقبة، كما هو معلوم، فكيف يكون أبو بكر قد علفهما أربعة، أو ستة أشهر، بعد أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " لاصحابه بالهجرة ؟ !.


(1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 237، والثقات لابن حبان ج 1 ص 117 والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 387 وغير ذلك كثير، وعن كون أي بكر رجلا ذا مال راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 128. (2) نور الابصار ص 1 6 عن: الجمل على الهمزية، وعن كنز العمال ج 8 ص 334 عن البغوي بسند حسن عن عائشة. (3) فتح الباري ج 7 ص 183 و 177 والسيرة الحلبية ج 2 ص 25 و 55 عنه. (4) سيرة مغلطاي ص 32 وفتح الباري ج 7 ص 177 وراجع الثقات لابن حبان ج 1 ص 113 وغير ذلك. (*)

[ 52 ]

وأما تخيل أن يكون أبو بكر قد عرف بنية النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في هذا المجال، قبل أن يصدر منه " صلى الله عليه وآله وسلم " الامر بالهجرة فليس له ما يؤيده لا من عقل ولا من نقل، سوى هذا النص الذي هو موضع البحث. بالاضافة إلى أن الاذن بالهجرة انما كان بعد بيعة العقبة كما تقدم. 2 - إن ثمة نصا يقول: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد اشترى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا من الابل، واستاجر الاريقط بن عبد الله، وأرسل الابل معه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة الخروج من الغار (1). فلعله اشترى الابل من أبي بكر، واستلمها وارسلها إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع الاريقط. ما هي الحقيقة: والحقيقة هي: أنهم لما رأوا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقبل الراحلتين من أبي بكر إلا بالثمن، ورأوا في ذلك تضعيفا للخليفة الاول، وفي مقابل ذلك هم يرون: أن عليأ يبذل نفسه في سبيل الله. وتنزل في حقه الايات، عوضوا أبا بكر عن ذلك بانه قد علف الراحلتين هذه المدة الطويلة. وبعد ما تقدم نقول: إن شراء الرسول للراحلتين، أو شراء أمير المؤمنين للرواحل يبين: أن أبا بكر قد هاجر على نفقة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، وليس على نفقة نفسه.


(1) ترجمة الامام علي " علهيه السلام " من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138 والدر المنثور. وتيسير المطالب ص 75 لكن فيه: انه " عليه السلام " قد استاجر الرواحل الثلاث. (*)

[ 53 ]

الخروج في خوخة أبي بكر للهجرة: ويقولون: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خرج إلى الغارمن خوخة لبيت أبي بكر (1). وعند البخاري: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ذهب إلى أبي بكر ظهرا، ومن ثم ذهبا إلى الغار (2). ونقول: 1 - لقد كذب الحلبي ذلك، وقال: (والاصح: إنما كان خروجه من بيت نفسه) (3) ". 2 - تقدم في أوائل هذا الفصل: أن أبا بكر جاء إلى بيت النبي فوجد عليا نائما مكانه، فاخبره علي " عليه السلام " بذهاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نحو بئرميمون، فلحقه في الطريق: وكيف يكون قد خرج إلى الغار من خوخة أبي بكر ؟ ! وكيف يكون قد خرج إلى الغا ظهرا ؟. 3 - إن سائر الروايات نص على أن المشركين قد جلسوا على باب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى الصباح. فخرج من بينهم في فحمة العشاء. وبقي علي (عليه السلام " نائما مكانه. وهذا يكذب أنه قد خرج ظهرا.


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 324 وتاربخ الامم والملوك ج 2 ص 103 والسيرة الحلبية ج 2 ص 34 والبداية والنهاية ج 3 ص 178. (2) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 153 والبداية والنهاية ج 3 ص 178 وتاريخ الخميس ج 1 ص 323 والسيرة الحلبية ج 2 ص 30 والبخاري كما في ارشاد الساري ج 6 ص 17. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 34 عن سبط ابن الجوزي. (*)

[ 54 ]

4 - كيف يكون قد خرج من بيت أبي بكر، مع أنهم يقولون: إن القائف كان يقص أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى بلغ مكانا، فقال: هنا صار مع محمد آخر. بل البعض يصرح: أنهم قد عرفوا أنها قدم ابن أبي قحانة (1). واستمروا على ذلك حتى بلغوا إلى فم الغار. وبذلك كله يعلم أيضا عدم صحة ما روي من أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " مشى ليلته على اطراف أصابعه، لئلا يظهر أثر رجليه حتى حفيت رجلاه، (كان المسافة بعيدة إلى هذا الحد ! !)، فحمله أبو بكر على كاهله، حتى أتى على فم الغار، فانزله. وفي رواية: أنه ذهب إلى الغار راكبا ناقته الجدعاء ابتداء من منزل أبي بكر (2). ولا ندري من الذي ارجع الناقة إلى موضعها الاول، فان وجود ها على مدخل الغار لن يكون في صالحهم، الا أن يكون قد خباها في مكان ما، ولكن أين يمكن أن تخبا الناقة يا ترى ؟ ! قريش في طلب أبي بكر: يقولون: إن قريشا قد بذلت في النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مئة بعير، وفي أبي بكر مثلها (3) ذكر ذلك الجاحظ وغيره. وأجاب الاسكافي المعتزلي فقال ". فما بالها بذلت في أبي بكر مئة بعيرم أخرى ؟ وقد كان رد الجوار. وبقي بينهم فردا لا ناصر له، ولا


(1) البحار ج 19 ص 74 وعن الخرايج والجرائح وليراجع ص 77 و 51 وليراجع ايضا. اعلام الورى ص 63، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 128، وتفسير القمي ج 1 ص 276. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 34 - 38 وراجع، تاريخ الخميس ج 1 ص 328. والدر المنثور (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والبداية والنهاية ج 3 ص 182 والسيرة الحلبية ج 2 ص 39. (*)

[ 55 ]

دافع عنده، يصنعون به ما يريدون، إما أن يكونوا أجهل البرية كلها، أو يكون العثمانية أكذب جيل في الارض، وأوقحه وجها. وهذا مما لم يذكر في سيرة، ولا روي في أثر، ولا سمع به بشر، ولا سبق الجاحظ به أحد (1). ونزيد نحن هنا: انه إذا كانت قبيلته قد منعته أولا كما يقولون، فلماذا تخلت عنه الان ؟ وإذا كان أبو بكر من أذل بيت في قريش، كما سبق بيانه حين الكلام على هجرته إلى الحبشة، تحت عنوان: هل كان أبو بكررئيسا، فلماذا تبذل فيه قريش مئة بعير، كما تبذل في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه ؟. ولما ذا لم تضع عليه الارصاد والعيون، ولم ترسل إليه فتبيته، كما أرادت أن تبيت النبي " صلى الله عليه واله وسلم " ؟ ولماذا تبذل في أبي بكر هذا المقدار، مع أن الذي فوت عليها ظفرها بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " - وهو علي - آمن فيما بينهم يغدو ويروح، ولا من يعترض ولا من يتكلم. ولكن الحقيقة هي: أن الهدف من ذلك هو الارتفاع بابي بكر ليساوي الرسول الاعظم منزلة وخطرا، فضلا عن أن يذهب بكل آثار مبيت أمير المؤمنين على الفراش، حتى لا يلتفت إليه، ولا يهتم به أحد في قبال عظمة وخطر أبي بكر ؟ !. الانتظار إلى الصباح: وأما لماذا انتظر المشركون إلى الصباح في ليلة الغار، فقيل انهم ارادوا أن يقتحموا عليه الجدار، فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب: أن يتحدث عنا: أنا تسورنا الحيطان على بنات العم (2).


(1) ثرح النهج للمعتزلي ج 13 مبى 269. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 28. والروض الانف ج 2 ص 229 والسيرة = (*)

[ 56 ]

وقيل: ان أبا لهب لم يرض بقتله " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلا، لما فيه من الخطر على النساء والاطفال (1).. ولعله للامرين معا. ولعله ليشاهد الناس قتله من قبل جميع القبائل، ليكون ذلك حجة على بني هاشم، فلا يتم لهم الطلب بثأره ؟ ! (2). شراء أبي بكر للموالى ! ! ونفقاته ! ! ويقولون: إنه لما خرج أبو بكر احتمل معه ماله كله، وهو خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فدخل أبو قحافة على أهل بيت ولده، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت أسماء: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فاخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت، الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أب ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه. فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن. وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك (3).


= النبوية لابن هشام ج 2 ص 127، أنظر الهامش، وتاريخ الهجرة النبوية للببلاوي ص 116. (1) البحار ج 19 ص 50. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 28 و 26. (3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 133 وكنز العمال ج 22 ص 209، والبداية والنهاية ج 3 ص 179، والاذكياء لابن الجوزي ص 219، وحياة الصحابة ج 2 ص 173 / 174، ومجمع الزوائد ج 6 ص 59 عن الطبري، وأحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن اسحاق، وتد صرح بالسماع. (*)

[ 57 ]

ويذكرون أيضا: أن عامر بن فهيرة، كان يعذب في الله، فاشتراه أبو بكر فاعتقه، فكان يروح عليهما - وهما في الغار - بمنحة غنم من غنم أبي بكر، فكان يرعاها، فيمر عليهما في المساء ليحلب لهما. وكانت اسماء بنت أبي بكرتاتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام (1). وعن عائشة: أنفق أبو بكر على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أربعين الف درهم. وفي لفظ: دينار. (2) ويروون أنه " صلى اللة عليه وآله وسلم "، قال: ما من أحد أفن علي في صحبته، وذات يده من أبي بكر. وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله ؟ (3). أو قال: ليس أحد أمن علي في أهل ومال من أبي بكر. وفي رواية أخرى: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا خليلا غير ربى لالخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الاسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر (4). وعن عائشة في حديث الغار: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب - يقول الواقدي: كان في السفرة شاة مطبوخة - فقطعت أسماء بنت أبي بكر نطاقها قطعتين، فشدت فم الجراب بواحدة،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 330 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 والتراتيب الادارية ج 2 ص 87 وستائي مصالر أخرى لذلك. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 326 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 40 والتراتيب الادارية ج 2 ص 87 وستائي مصادر أخرى لذلك ان شاء الله. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 32 وراجع لسان الميزان ج 2 ص 23 وستائي مصادر أخرى. (4) راجع صحيح البخاري كما في ارشاد الساري ج 6 ص 214 - 215 مع اختلاف يسير والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 608 وو 609 والمصالر الاتية قبل الحديث عن عامر بن فهيرة. (*)

[ 58 ]

وفم قربة الماء في الآخر، فسميت: ذات النطاقين (1). وفي الترمذي: عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنه قال: إن أبا بكر زوجه ابنته، وحمله إلى دار الهجرة، وصحبه في الغار، وفي رواية: ما لاحد عندنا يد إلا كافاناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يد الله يكافئه بها يوم القيامة (2). ونحن نقول: إن كل ذلك محل شك وريب، بل هولا يصح اطلاقا، وذلك لما يلي: 1 - عامر بن فهيرة: أما كون عامر بن فهيرة مولى لابي بكر، فقد تقدم كلام ابن اسحاق، والواقدي، والاسكافي وغيرهم فيه، حيث قالوا: إن النبي هو الذي اشتراه واعتقه، وليس أبا بكر. 2 - أبو قحافة الاعمى: وأما رواية أن أسماء قد وضعت الاحجار في المكان الذي كان أبوها


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 33 وتاريخ الخميس ج 1 ص 323 و 330 وستأتي مصادر اخرى ان ثاء الله تعالى. (2) راجع: في كل ما تقدم من أول العنوان إلى هنا: تاريخ الخميس ج 1 ص 330 - 323، والسيرة الحلبية ج 2 ص 32 و 33 و 4 0 و 39 والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 609 والسيرة النبرية لابن هشام ج 2، وصحيح البخاري باب الهجرة، وفتح الباري ج 7 وصحيح مسلم، وصحيح الترمذي، والدر المنثور، والفصول المهمة لابن الصباغ. والسيرة النبوية لابن كثير ولسان الميزان ج 2 ص 23 والبداية والنهاية ج 5 ص 229 ومجمع الزوائد ج 9 ص 42 عن الطبراني والغدير، وغير ذلك كثير لا مجال لتتبعه. (*)

[ 59 ]

يضع فيه ماله، ليتلمسها أبو قحافة الاعمى ليطمئن ولمجمكن. فيكذبها. ألف: " قال الفاكهي: ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي حمزة الثمالى، قال: قال عبد الله: لما خرج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى الغار، ذهبت استخرج وأنظر هل أحد يخبرني عنه، فاتيت دار أبي بكر، فوجدت أبا قحافة، فخرج علي ومعه هراوة، فلما رآني اشتد نحوي، وهو يقول: هذا من الصباة الذين أفسدوا علي ابني (1). فهذه الرواية توضح أن أبا قحافة لم يكن حينئذ قد عمي بعد. وسندها معتبر عندهم. ب - لم نفهم لماذا لم يترك أبو بكر لاهل بيته شيئا ؟ وما هذا الجفاء منه لهم ؟ ! ومن أين علم أبو قحافة الضرير بانه قد حمل ماله معه حتى قال لهم: إنه قد فجعهم بنفسه وماله ؟ ! ج - ولماذا هذا الدور لاسماء ؟ ألم تكن زوجة للزبير حينئذ، وألم تهاجر معه إلى المدينة قبل ذلك، حيث لم يبق من اصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، في مكة سوى علي وأبي بكر، ومن يفتن ويعذب ؟ ! وأين كانت زوجات أبي بكر عن ذلك كله ؟ ! 3 - مع أدوار لاسماء أيضا وغيرها وأما أن أسماء كانت إذا أمست تذهب بالطعام إليهما إلى الغار، وأنها هي التي هيات الزاد لهما حين سفرهما إلى المدينة. وأنها هي التى ارسلت إليه الراحلتين. وأيضا تسميتها بذات النطاقين في هذه المناسبة فيرد عليه:


(1) الاصابة ج 2 ص 460 / 461 وهذه الرواية تدل على ان ابا قحافة يرى ان ابنه ابا بكر قد صار من الصباة وأنه قد اسلم بعد جماعة عبد الله منهم. وهذا ينافي ما تقدم من أنه كان أول من اسلم. (*)

[ 60 ]

أولا: إنهم يقولون في مقابل ذلك: أنه بعد غياب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر مضت ثلاث ليال ولا يدرون أين توجه الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى علموا ذلك من هاتف الجن في أبيات أنشدها. والقول: إن المراد: بعد ثلاثة أيام من خروجه من الغار. لا يصح، إذ قد صرحوا بانهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار (1) هكذا ذكر الحلبي الشافعي والعهدة في ذلك عليه. ويقول مغلطاي: " ولم يعلم بخروجه عليه الصلاة والسلام إلا علي وأبي (كذا) بكر رضي الله عنه، فدخلا غارا بثور إلخ (2) ". وثانيا: لقد ورد: أن أمير المؤمنين " عليه السلام " هو الذي كان ياتي النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، بالطعام، والشراب إلى الغار (3). بل لقد ورد: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، قد أرسل إلى علي ليرسل إليه بزاد وراحلة ففعل، وأرسل ذلك إليه. وأرسل أبو بكر لابنته، فارسلت إليه بزاد وراحلتين، أي له ولعامر بن فهيرة كما في الرواية. ولعلها هي التي اشتراها منه علي أيضا (4). وقد احتج (عليه السلام)، بذلك يوم الشورى، فقال: نشدتكم بالله،


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 51. (2) سيرة مغلطاي ص 32. (3) تاريخ دمشق، ترجمة الامام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 138، واعلام الورى ص 190، والبحار ج 19 ص 84 عنه وتيسير المطالب في أمالي الامام علي بن أبي طالب ص 75. (4) اعلام الورى ص 63، والبحار ج 19 ص 70 و 75 عنه وعن الخرائج وعن قصص الانبياء. (*)

[ 61 ]

هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله الطعام وهو في الغار، ويخبره الاخبار غيري ؟ قالوا: لا (1). وبهذا يعلم أيضا عدم صحة ما قيل من أن عبد الله بن أبي بكر، كان هو الذي ياتيهما بالاخبار من مكة إلى الغار (2). وعدم صحة ما قيل عن وجود غنم لأبي بكر، كان ياتي بها عامر بن فهيرة إلى الغار، فيشرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبو بكر من لبنها. وثالثا: وأما حديث النطاق والنطاقين، فبالاضافة إلى تناقض رواياته (3) نجد: أن المقدسي بعد أن ذكر القول الاول قال: " ويقال: لما نزلت آية الخمار ضربت يدها إلى نطاقها، فشقته نصفين، واختمرت بنصفه (4) ". ويقولون أيضا: إنها قالت للحجاج: " كان لي نطاق أغطي به طعام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، من النحل، ونطاق لا بد للنساء منه (5) ". 4 - حديث سد الابواب، وخلة أبي بكر: وأما حديث باب وخلة أي بكر وهو قوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، فلا نريد التوسع


(1) الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 204. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 39، وسيرة ابن هشام، وكنز العمال ج 22 ص 210 عن البغوي وابن كثير. (3) راجع لبعض موارد التناقض لا كلها: الاصابة ج 4 ص 230، والاستيعاب بهامشها ج 4 ص 233. (4) البدء والتاربخ ج 5 ص 78. (5) الاصابة ج 4 ص 230، والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 233. (*)

[ 62 ]

في الكلام عليه بل نكتفي بما ذكره المعتزلي هنا، فإنه قال: إن البكرية قد: (وضت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الاحاديث، نحو: لو كنت متخذا خليلا، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء، ونحو سد الابواب، فإنه لعلي " عليه السلام "، فقلبته البكرية إلى أبي بكر إلخ (1) ". ومع ذلك فيعارض هذا الحديث ما رووه من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد اتخذ أبا بكر خليلا بالفعل (2). فايهما نصدق يا ترى ؟ !. هذا، وسوف نتكلم عن حديث سد الابواب في هذا الكتاب في فصل قضايا وأحداث في المجال العام، وعن حديث الخلة حين الكلام على حديث المؤاخاة الاتي إن شاء الله تعالى فإلى هناك. 5 - ثروة أبي بكر: وأما عن ثروة أي بكر، وأنه قد انفق أربعين ألف درهم أو دينار على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وغير ذلك مما يذكرونه، فنقول: إننا بالاضافة إلى ما قدمناه من عدم صحة ما جرى بين أسماء وأبي قحافة، حين الهجرة وغير ذلك من أمور أشرنا إليها آنفا نسجل هنا ما يلي: أولا: إن حديث: ان أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، وأنه لم يكافئه على اليد التي له عليه، والله هو الذي يكافئه عليها. لا


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 49، وراجع الغدير ج 5 ص 311. (2) الرياض النضرة ج 1 ص 126، وارشاد الساري ج 6 ص 86 عن الحافظ السكري والغديرج 8 ص 34 عنهما وعن كنز العمال ج 6 ص 138 و 140 عن الطبراني وابي نعيم. (*)

[ 63 ]

يصح، وذلك بملاحظة ما يلي: 1 - بماذا كافأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا طالب وخديجة على تضحياتهما، ونفقاتهما، وما قدماه في سبيل الدين والاسلام، وعلى مواساتهما بالنفس والمال والولد ؟ ! ألم يكن ما انفقاه وقدماه للاسلام أعظم مما قدمه وانفقه أي انسان آخر في سبيل الاسلام ؟.. ثم كانت خدمات علي " عليه السلام " الجلى لهذا الدين، والتي لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد معاند. 2 - وحديث المنة على الرسول عجيب، فإنه لم يكن في مكة بحاجة إلى أحد، إذ قد كانت عنده أموال خديجة، وحتى أموال أبي طالب (1) وكان ينفق منها على المسلمين إلى حين الهجرة، وكان ينفق على علي " عليه السلام " في بدء أمره، تخفيفا على أبي طالب كما يدعون. وقد عير عمر اسماء بنت عميس: بأن له هجرة ولا هجرة لها، فقالت له: " كنتم مع رسول الله " صلى الله عليه واله وسلم " يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم ". ثم اشتكته إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فأخبرها: أن للمهاجرين إلى الحبشة هجرتين ولاولئك هجرة وا حد ة " (2).


(1) قد تقدم في أول البحث: أن ابا طالب كان ينفق في الشعب على الهاشميين من امواله. وأما أموال خديجة، فأمرها اشهر من ان يحتاج إلى بيان. وقد تقدم كلام ابن ابي رافع حول اموال خديجة. (2) راجع: الاوائل ج 1 ص 314، والبداية والنهاية ج 4 ص 205 عن البخاري، وصحيح البخاري ج 3 ص 35 ط سنة 1309 ه‍. وصحيح مسلم ج 7 ص 172، وكنز العمال ج 22 ص 206، عن أبي نعيم والطيالي، وليراجع فتح الباري ج 7 ص 372، ومسند أحمد ج 4 ص 395 و 412. وحياة الصحابة ج 1 ص 361. (*)

[ 64 ]

3 - ويكفي أن نذكر هنا أنه " صلى الله عليه واله وسلم " لم يقبل منه البعير أو البعيرين حين هجرته إلا بالثمن، الذي نقده إياه فورا وهو " صلى الله عليه وآله وسلم " في أحرج الاوقات. وإذا صح حديث رد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " هبة أبى بكر هذه وهو مما استفاض نقله، فإنه يأتي على كل ما يروونه في انفاق المال من قبل أبى بكر على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". 4 - هذا كله عدا عن أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يجهز في مكة جيشا، ولا أسعر حربا، ليحتاج إلى النفقة الواسعة في تجهيز الجيوش، واعداد الكراع والسلاح. كما أنه لم يكن يتفكه، ويتنعم بانفاق الاموال. وأما بعد الهجرة إلى المدينة. فإن أبا بكر قد ضمن بماله، الذي كان خمسة أو ستة آلاف درهم - كما يقولون - عن كل أحد، حتى عن ابنته أسماء التي كانت في أقسى حالات الفقر والجهد، حينما قدمت المدينة، حتى لقد كانت تخدم البيت، وتسوس الفرس وتدق النوى لناضحه، وتعلفه، وتستقي الماء، وتنقل النوى على رأسها من بعد ثلثي فرسخ، حتى أرسل إليها أبوها خادما كفتها سياسة الفرس، كما ادعت (1). كما أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد مر في سنوات ضيق شديدة وصعبة، ولا سيما قبل خيبر، حتى لقد كان ربما يبقى اليومين أو الثلاثة بلا طعام، حتى يشد على بطنه الحجر (2) وكان الانصار يتعاهدونه بجفان الطعام، فأين كانت عنه أموال أبي بكر وآلاف دراهمه، التي بقيت إلى تبوك، حيث يدعون: أنه جاء بجميع ماله، وهو أربعة آلاف درهم


(1) راجع: حديث الافك ص 152. (2) وقد وصفت عائشة حالته هو وأهل بيته بما يقرح القلوب، فراجع: طبقات ابن سعدج 1 قسم 2 ص 120 وليراجع من ص 112 حتى ص 120.

[ 65 ]

حينئذ (1) ؟ !. هذا كله لو كان مرادهم المنة على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالانفاق عليه. ثانيا: إن كان المراد المن على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " بالانفاق في سبيل الله سبحانه، فهو أيضا لا يصح، إذ لم نجد في التاريخ ما يدل على ذلك. بل لقد وجدنا ما يدل على خلافه، فإن أبا بكر قد ضن بماله إلى حد أنه لم يتصدق ولو بدرهمين في قصة النجوى، ولم يفعل ذلك سوى أمير المؤمنين " عليه السلام "، حتى أنزل الله تعالى قرآنا يؤنب فيه الصحابة ويلومهم على ذلك ثم تاب عليهم، قال تعالى: " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات، فإذ لم تفعلوا، وتاب الله عليكم الآية (2) ". ولو أن أبا بكر تصدق بدرهمين لم يكن ممن توجه إليهم هذا العتاب منه تعالى. وثالثا: والاهم من ذلك: أنه لا معنى لان يكون الانفاق لوجه الله، ثم يمن المنفق على الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، كما أخبر " صلى الله عليه وآله وسلم " عنه. كما تزعم الرواية. بل المنة لله ولرسوله عليه في ذلك. وقد نهى الله عن المن. فقال: " معالا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " (3)، وقال: " ولا تمنن تستكثر " (4). ولذلك فإننا لا يمكننا أن نقبل: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يمدح هذا المنان عليه (أي


(1) حياة الصحابة ج 1 ص 429 عن ابن عساكر ج 1 ص 110. (2) المجادلة 13، وراجع دلائل الصدق ج 1 ص 120، والاوائل ج 1 ص 297، وهامش تلخيص الشافي ج 1 ص 235 / 37، عن العديد من المصادر. (3) سورة البقرة / 264. (4) المدثر / 1. (*)

[ 66 ]

على المن) ويقرضه لاجله ولا سيما وهو أمن الناس عليه في صحبته وماله. إشارة عامة: ولذلك فإن بالامكان الاستنتاج من ذلك: أن الظاهر هو أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد أن لم يستطيع اقناع أبي بكر بالكف عن المن عليه بانه قد ترك أمواله وداره في مكة، وأنه رافقه إلى الغار، وتحمل الاخطار، وحزن وجزع خوفا من الاعداء، بعد أن لم يستطع اقناعه بذلك اضطر " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أن يخبر الناس بحالة أبي بكر هذه، عته يكف عن بعض ما كان يفعل، وذلك كاسلوب اضطراري أخير من أساليب التربية والتوجيه. لا سيما وأن ما يمن به عليه لم يكن أبو بكر متفردا به، فإن الكل كان قد هاجر وترك ماله، وأرضه ووطنه، والكل قد تحمل الاخطار والمتاعب، وكثير منهم تعرض إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل. وعن مقامه معه في الغار، فإن الخطر على أمير المؤمنين كان أعظم من الخطر على أبي بكر، فلماذا إذن هذا المن منه، حتى عده النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " امن الناس عليه ؟ !. رابعا: وإذا كان أبو بكر - كما يقول الطوسي والمفيد - في أول أمره معلما للاولاد، ثم صار خياطا، ولم يكن قسمه إلا كواحد من المسلمين، ولذا احتاج إلى مواساة الانصار له. وكان أبوه صيادا، ثم صار ينش الذباب، وينادي على مائدة ابن جدعان بشبع بطنه، وستر عورته (1).


(1) تلخيص الشافي ج 3 ص 238، ودلائل الصدق ج 2 ص 130، والافصاح ص 135 وراجع الغدير ج 8 ص 51. ويشك المحقق السيد مهدي الروحاني في كون ابي بكر كان معلما، على اعتبار ان جمع الاطفال في المكتب وتعليمهم أمر مستحدث، ولم يكن معهودأ في مكة في الجاهلية ويتسإل عن تلامذة أبي بكر من = (*)

[ 67 ]

فإن من الطبيعي أن لا تكون لابي بكر ثروة من هذا القبيل لا خمسة آلاف، ولا ستة آلاف، فضلا عن أربعين ألف درهم أو دينار، لان مثل هذه الثروات إنما تجتمع لدى الانسان من التجارة، أو الزراعة، لا من قبيل صناعات أبي بكر، فكيف يقولون إذن: إنه كان سيدا من سادات قريش، ومن ذوي المال والثروة والجاه فيها ؟ ! ولماذا يترك أباه عند ابن جدعان، وهو بهذه الحالة فضلا عن ابنته اسماء ؟ !. وإذا كانت ثروة أبي بكر في تلك الفترة في أربعة آلاف بل أكثر، كما تقدم حين الكلام حول عتق بلال، فإنه لا بد أن يكون اثرى رجل في مكة في تلك الفترة، إذ قد ورد أنه بعد أن انتشر الاسلام، وفتحت البلاد جاء أنس بن مالك بمال إلى عمر بعد موت أبي بكر، فبايع عمر، ثم أخبره بانه قد جاء باربعة آلاف واعطاه اياها، قال أنس: " فكنت أكثر أهل المدينة مالا " (1). خامسا: إن أمير المؤمنين " عليه السلام " حينما تصدق بمال قليل جدا - كما في إطعامه المسكين، واليتيم، والاسير - قد نزلت فيه آية قرآنية وهي قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم " الاية (2). وحينما تصدق بخاتمه نزل فيه قوله تعالى: " إنما وليكم الله


= هم، ولماذا لم يوجد في مكة سوى عدد ضئيل ممن كان يعرف القراءة والكتابة كما مر في أول الكتاب. بل لقد ذكر جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن: انه لم يكن في مكة حين بعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سوئ سبعة اشخاص يعرفون الكتابة. (1) كنز العمال ج 5 ص 405 عن إبن سعد. وحياة الصحابة ج 2 ص 235. (2) سورة الانسان / 8. والحديث موجود في المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 189 - 195، والرياض النضرة ج 3 ص 208 / 209 والتفسير الكبير ج 30 ص 234 / 244 عن الواحدي، = (*)

[ 68 ]

ورسوله، والذين أمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ر اكعون " (1).


= والزمخشري. وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 29 ص 112 / 113 والكشاف ج 4 ص 670 ونوادر الاصول ص 64 / 65 والجامع لاحكام القرآن ج 19 ص 131 عن النقاش، والثعلبي، والقشيري، وغير واحد من المفسرين. واللآلي المصنوعة ج 1 ص 372 - 374 ومدارك التنزيل للنسفي (مطبوع بهامش تفسير الخازن) ج 4 ص 339 وكشف الغمة ج 1 ص 169 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 469 - 477 عن أمالي الصدوق، والقمي، والطبرسي، وابن شهر آشوب وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 749 - 752 وتفسير فرات ص 521 - 528 وذخائر العقبى ص 89 وتفسير القمي ج 2 ص 398 / 399 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 412 ووسائل الشيعة ج 16 ص 190، وفرائد السمطين ج 2 ص 54 - 56 ومجمع البيان ج 10 ص 404 و 405 والمناقب لابن المغازلي ص 273 والاصابة ج 4 ص 378 وينابيع المودة ص 93 و 94 وروضة الواعظين ص 160 - 163 ونزهة المجالس ج 1 ص 213 وربيع الابرار ج 2 ص 147 / 248 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 21. وأسد الغابة ج 5 ص 530 / 531 والبحارج 35 ص 237 حتى 254 واحقاق الحق ج 9 ص 110 - 123 وج 3 ص 157 - 170 عن مصادر كثيرة. (1) المائدة / 55. والحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 649 ولباب النقول (ط دار احياء العلوم) ص 93 عن الطبراني، وابن جرير، وأسباب النزول ص 113 ونفسير المنار ج 6 ص 442، وقال: رووا من عدة طرق وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 533 - 337 عن الكافي، والاحتجاج، والخصال، والقمي، وأمالي الصدوق، وجامع البيان ج 6 ص 186، وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 6 ص 167 والتفسير الكبير ج 12 ص 26 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 71 والدر المنثور ج 2 ص 293 و 294 عن ابي الشيخ وابن مردويه، والطبراني، وابن ابي حاتم، وابن عساكر، وابن جرير، وابي نعيم، وغيرهم، وفتح القدير ج 2 ص 53 عن الخطيب في المتفق والمفترق. وراجع ما عن: عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وغيرهم ممن تقدم ذكره. ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 475 والجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 221 والكافي ج 1 ص 228 وشواهد التنزيل ج 1 ص 173 - 184 والخصال ج 2 = (*)

[ 69 ]

وحينما تصدق بدرهم سرا وآخر جهرا، وثالث ليلا، ورابع نهارا، نزل فيه قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار، سرا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم) (1).


= ص 580 وكفاية الطالب ص 229 وكنز العمال ج 15 ص 146 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 108 ومجمع الزوائد ج 7 ص 17 ومعرفة علوم الحديث ص 102 وتذكرة الخواص ص 15 والمناقب للخوارزمي ص 186 و 187 ونظم درر السمطين ص 86 و 87 والرياض النضرة ج 3 ص 208 وذخائر العقبى ص 102 عن الواقدي، وأبى الفرج ابن الجوزي، والبدابة والنهاية ج 7 ص 358 ونور الابصار ص 77 وفرائد السمطين ج 1 ص 188 وتأربل الآيات الظاهرة ج 1 ص 151 - 154 والبحار ج 35 ص 183 - 203 عن مصادر كثيرة وربيع الابرار ج 2 ص 148 والمناقب لابن المغازلي ص 312 - 313 وروضة الواعظين ص 92 والعمدة لابن بطريق ص 119 - 125 واثبات الهداة ج 2 ص 47 والمنافب لابن شهر آشوب ج 3 ص 2 - 10 وكشف الغمة ج 1 ص 166 و 167 والامالي للصدوق ص 109 / 110، ووسائل الشيعة ج 6 ص 334 - 335 وسعد السعود ص 96 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 480 - 485 ومجمع البيان ج 3 ص 310 - 312 واحقاق الحق ج 20 ص 3 - 22 وراجع ج 3 ص 5 0 2 - 511 وج 2 ص 399 - 408 عن مصادر كثيرة. (1) سورة البقرة / 274. والحديث موجود في المصادر التالية: الكشاف ج 1 ص 319 وتفسير المنار ج 3 ص 92 عن عبد الرزاق، وابن جرير، وغيرهما والتفسير الكبير ج 7 ص 83 والجامع لاحكام القرآن ج 3 ص 347 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 326 عن ابن جرير، وابن مردويه وابن أبي حاتم وفتح القدير ج 1 ص 294 عن عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وابن عساكر وغيرهم والدر المنثور ج 1 ص 363 ولباب النقول ص 50 ط دار احياء العلوم وأسباب النزول ص 50 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 341 عن العياشي والفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 ونظم درر السمطين ص 90 وذخائر العقبى ص 88 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 412 والمناقب لابن المغازلي ص 280 وينابيع المودة ص 92، وروضة الواعظين ص 383 و 105 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 و 21. (*)

[ 70 ]

كما أنه لم يعمل بآية النجوى سوى علي " عليه السلام " (1). وأبو بكر ينفق ماله كله، أربعين الف درهم أو دينار وتكون له يد عند النبي، الله يكافؤه عليها. وما نفع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مال كما نفعه مال أبي بكر. ثم لا يذكر الله من ذلك شيئا، ولا يحدثنا التاريخ ولا الحديث عن مورد واحد من ذلك بالتحديد، بحيث يمكن اثباته ؟ أم أن المحدثين والمؤرخين وهم في الاكثر شيعة لابي بكر، قد تجاهلوا عمدا فضائل أبي بكر، التي تصب في هذا الاتجاه ؟ ولماذا إذن لم يتجاهلوا ما لعلي في ذلك أيضا ؟ !. أم أن أبا بكر قد ظلم وتجنى عليه الحكام والملوك، واتباعهم،


(1) راجع المصادر التالية: المناقب للخوارزمي ص 196 والرياض النضرة ج 3 ص 180 والصواعق المحرقة ص 129 عن الواقدي، ونظم درر السمطين ص 90 و 91 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 327 و 326 وجامع البيان ج 28 ص 14 و 15 وغرائب القرآن مطبوع بهامش جامع البيان ج 28 ص 24 و 25 وكفاية الطالب ص 136 و 137 واحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 428 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 482 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) ج 2 ص 482 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 264 و 265 وتأويل الايات الظاهرة ج 2 ص 673 - 675 ولباب التأويل ج 4 ص 224 ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش لباب التأويل) ج 4 ص 224 واسباب النزول ص 235 وشواهد التنزيل ج 2 ص 231 - 240 والدر المنثور ج 6 ص 185 عن ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن ابي حاتم، و عبد الرزاق، والحاكم وصححه، وسعيد بن منصور، وابن راهويه. وفتح القدير ج 5 ص 191 والتفسير الكبير ج 29 ص 271 والجامع لاحكام القرآن ج 17 ص 302 والكشاف ج 4 ص 494 وكشف الغمة ج 1 ص 168 واحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 129 - 140 وج 14 ص 200 - 217 وج 20 ص 181 - 192 عن بعض من تقدم، وعن معهادركثيرة أخرى. واعلام الورى ص 188. (*)

[ 71 ]

والمزيفون من العلماء، كما تجنوا على أمير المؤمنين علي " عليه السلام " ؟ ! فمنعوا الناس من ذكر فضائله وروايتها. وغاية ما ذكروه لأبي بكر هنا عتقه الرقاب من الضعفاء والمعذبين في مكة، ولكن قد تقدم أن إثبات ذلك غير ممكن. وقد انكره الاسكافي المعتزلي عليه، وقال: إن ثمنها في ذلك العصر لا يبه لغ مئة درهم، لو فرض صحة الرواية. أم أن عدالة الله تعالى قد اقتضت ذكر نفقات أمير المؤمنين علي (عليه السلام) - على قلتها - في القرآن، وعلى لسان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، واهمال نفقات أبي بكر، التي تبه لغ الالاف الكثيرة ؟ ! وهل هذا عدل ؟ ! تعالى الله الملك الحق العدل المبين، الذي لا تظلم عنده نفس بمثقال ذرة فما فوقها. أم يصح أن يقال: إن نفقات أبي بكر لم تكن خالصة لوجه الله تعالى، وإنما جرت على وفق سجيته وطبعه في الكرم والجود ؟ ! وكان ذلك هو سر اهمال الله لها ؟ فلماذا لا يمدح الله هذه السجية ؟ وإذا كان لا فضل فيها، فلماذا يقول الرسول: إن الله سوف يكافئه عليها ؟ ! ولماذا ؟ ولماذا ؟ ! إلى آخر ما هنالك من الاسئلة التي لن تجد لها جوابا مقنعا ومفيدا ومقبولا. وبعد مما تقدم، فإن الحديث عن ثروة أبي بكر، منقول - كما يقول الشيخ المفيد - عن خصوص ابنة أبي بكر عائشة، وفي طريقه من هم من امثال الشعبي المعروفين بالعصبية، والتقرب إلى بني أمية بالكذب، والتخرص، والبهتان (1). اللصوص المهرة وبعد، فإن مما يضحك الثكلى ما ذكره البعض، من أن اللصوص أخذوا لابي بكر اربع مئة بعير، واربعين عبدا، فدخل عليه النبي فرآه


(1) الافصاح في امامة أمير المؤمنين علي " عليه السلام " ص 131 - 133. (*)

[ 72 ]

حزينا، فسأله فاخبره، فقال ظننت أنه فاتتك تكبيرة الاحرام الخ (1). ولست ادري كيف استطاع اللصوص اخفاء هذه الكمية الهائلة من العبيد والجمال ؟ ! واين ذهبوا بها ؟ وكيف لم يهرب واحد من العبيد ليخبر أبا بكر بالامر. وكيف لم يستيقظ أحد من أهل مكة والمدينة على أصوات حركة أكبر قافلة عرفها تاريخ ذلك الزمان ؟ ! ولا ادري أيضا. من أين حصل أبو بكر على هذه الثروة الهائلة ؟ وكيف لم يشتهر في جميع الاقطار والافاق على أنه اكبر متمول في الجزيرة العربية ؟ ولا ندري اخيرا هل استطاع أبو بكر استردادما سرق منه ام لا ؟ !. كلمة أخيرة حول ما يقال عن ثروة أبي بكر: ونعتقد: أن ما يقال عن ثروة لأبي بكر، أنه أنفقها على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد كان نتيجة رد الفعل العنيفة من قبل انصار الخليفة الاول، حينما رأوا أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " يابى أخذ الراحلة منه إلا بالثمن (2) ويرون في مقابل ذلك الايات النازلة في علي " عليه السلام "، ونفقاته وتضحياته ليلة المبيت وغيرها. فكان لا بد أن يتحركوا لاثبات فضائل لأبي بكر، وتضحيات له جسام. ثم يوجهون قضية الراحلة بانه " صلى الله عليه وآله وسلم " اراد أن


(1) نزهة المجالس ج 1 ص 116. (2) صحيح البخاري ط مشكول ج 5 ص 75 وتاريخ الطبري ج 2 ص 104، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 131 وطبقات ابن سعدج 1 قسم 1 ص 153 والبداية والنهاية ج 3 ص 184 - 188، ومسند أحمد ج 5 ص 245، والكامل لابن الاثير، وغير ذلك كثير. والسيرة الحلبية ج 2 ص 32. (*)

[ 73 ]

تكون هجرته لله تعالى: بنفسه وماله (1). ولكنهم يعودون فينسون هذا التوجيه حينما يذكرون الامور التي تقدمت الاشارة إليها مثل جراب الزاد والشاة المطبوخة، ومنحة الغنم، حين الهجرة وغير ذلك، ويغفلون عن التناقض الظاهر بين كونه اراد الهجرة بنفسه وماله وبين انفاقاته الكبيرة من مال أبي بكر وزاده ومنحته ووالخ. ولا بأس بالتناقض في أقوال النبي " صلى اللة عليه وآله وسلم " وافعاله، ما دام أنه لم تنقض فضيلة لأبي بكر، ولم يحرم منها ! !. التزوير، والتحوير: ولكن الصحيح هوأن ما قاله " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما كان بالنسبة لاموال خديجة: " ما نفعني مال قط مثلما نفعني مال خديجة " - كما تقدم - وقد حور لصالح أبي بكر، وصيغ بصيغ مختلفة. والعبارات التي تصب في مجرى واحد، وتشير إلى هدف فارد، وهو اثبات فضيلة لأبي بكر، وأبي بكر فقط كثيرة شأنها شأن كثير من الاحاديث التي أشار إليها المعتزلي في شرحه للنهج، وذكر أنها من وضع البكرية في مقابل فضائل أمير المؤمنين " عليه السلام ". وكما يظهر لكل أحد بالتتبع والمقارنة. تجلي الله لابي بكر: عن أنس: لما خرج " صلى الله عليه وآله وسلم " من الغار أخذ أبو بكر بغرزه، فنظر " صلى الله عليه وآله وسلم، إلى وجهه، فقال: يا أبا بكر ألا أبشرك ؟ قال: بلى فداك أبي وأمي. قال: إن الله


(1) فتح الباري ج 7 باب الهجرة، ص 183 والسيرة الحلبية ج 2 ص 32. (*)

[ 74 ]

يتجلى يوم القيامة للخلائق عامة، ويتجلي لك خاصة (1). ومع أننا لم ندر ما معنى هذا التجلي، إلا أن يكون على مذهب المجسمة الضالة ؟ فإننا نجد: أن الفيروز آبادى قد عد هذا الحديث من أشهر الموضوعات في باب فضائل أبي بكر، ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل، وحكم الخطيب بوضعه عند ذوي المعرفة بالنقل. وحكم أيضا بوضعه وبطلانه كل من: الذهبي، والعجلوني، وابن عدي، وا لسيوطي، وا لعسقلا ني، وا لقا ري وغيرهم (2). كلام هام حول الفضائل: يقول المدائني: " كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي شهادة، وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، ومحبيه، وأهل ولايته، الذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم، وقربوهم، واكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه، وعشيرته ففعلوا ذلك، حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطائع. ويفيضه في العرب منهم والموالي. فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجد امرؤ من الناس عاملا من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه، وقربه، وشفعه، فلبثوا بذلك حينا.


(1) الغدير ج 5 ص 301 - 302 والمصادر الاتية فيئ الهامش التالي والسيرة الحلبية ج 2 ص 41. (2) راجع: تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 288 وج 12 ص 19، وكشف الخفاء ج 2 ص 419، واللآلي المصنوعة ج 1 ص 148، ولسان الميزان ج 2 ص 64 وميزان الاعتدال ج 2 ص 21 و 232 و 269 وج 3 ص 336 والغدير ج 5 ص 302 عمن تقدم، وعن أسنى المطالب ص 63.

[ 75 ]

ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد جهر وفشافي كل مصر، وكل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، والخلفاء الاولين، ولا تتركوا خبرأ يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس، فرويت أحاديث كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، وجذ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقي إلى معلمي الكتاب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم، ونسائهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة: أنه يحب عليا، وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد واكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي لياتيه من يثق به فيدخل بيته، فليقى إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى ياخذ عليه الايمان الغليظة: ليكتمن عليه. فظهر حديث كثير موضوع. وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة، والولاة. وكان اعظنم الناس في ذلك بلية القراء المراؤ ن، والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الاحاديث حتى يحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا في مجالسهم، ويكسبوا به الاموال والضياع، والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث إلى

[ 76 ]

أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها فرووها وهم يظنون نهاحق ولو علموا: أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها، فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي (ع)، فازداد البلاء والفتنة إلخ (1). ما أنت إلا إصبع دميت: وفي رواية: ان أبا بكر صار يسد كل حجر وجده في الغار، فاصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن إصبعه وبقول: ما أنت إلا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (2) وهذا لا يصح، لان هذا البيت هو لعبد الله بن رواحة، قاله في جملة أبيات له في غزوة مؤته، وقد صدمت إصبعه فدميت (3). وفي الصحيحين: عن جندب بن سفيان: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قال ذلك في بعض المشاهد، أو في الغار، حينما دميت إصبعه (4). وذكر آخرون: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال ذلك حينما لحقه أبو بكر، لظنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه بعض المشركين، فاسرع، فأصابه حجر، ففلق ابهامه (5).


(1) النصائح الكافية ص 72 - 73 عن المداثني، وضرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 44. (2) حلية الاولياء ج 1 ص 22، والبداية والنهاية ج 3 ص 180، والسيرة الحلبية ج 2 ص 35 / 36. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 69 و 36. (4) صحيح مسلم ج 5 ص 181 و 182، وصحيح البخاري ج 2 ص 89 الميمنية، وحياة الصحابة ج 1 ص 518. (5) راجع البحار ج 19 ص 93 عن مسند أحمد، وعن تاريخ الطبري ج 2 ص 100 والسيرة الحلبية ج 2 ص 36 عن ابن الجوزي. (*)

[ 77 ]

ولعله " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قرأ " دميت ولقيت " بفتح ياءيهما، وسكون تاءيهما حتى لا يكون شعرا، لانه لا يقول الشعر ولا ينبغي له. كما ذكرته الآية الكريمة: " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " (1). إلا أن يكون المراد بها: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ليس بشاعر، لا أنه لا يتلفظ بالشعر، ولا يتمثل به، وفي بعض المصادر: أن قائله هو الوليد بن الوليد بن المغيرة، حين فر من المشركين حين هجرته، أوحينما ذهب ليخلص هشام بن العاص وعباس بن ربيعة (2). وقيل: إن أبا دجانة قال ذلك في غزوة أحد (3). ولعل الجميع قد قالوا هذا البيت، لكن على سبيل التمثل به. والتمثل بالشعر شائع عند العرب. وهكذا يتضح أن هذا الشعر إن كان قد قيل في الغار، فإن قائله هو النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كما في الصحيحين. وقد نسب ذلك إلى أبي بكر، تصنعا وتزلفا ليس إلا، وذلك لا يسمن ولا يغني من جوع. عمدة فضائل أبي بكر: ومما يلفت النظر، وبقضي بالعجب: أن تكون صحبة أبي بكر لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكونه معه في الغار، وكبر سنه، هما عمدة ما استدلوا به يوم السقيفة لاحقية أبي بكر بالخلافة دون غيره، فقد قال عمر يوم السقيفة: " من له مثل هذه الثلاث: ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا ".


(1) سورة يس: 69. (2) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 324، والمصنف لعبد الرزاق ج 2 ص 447، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 220. (3) البدء والتاريخ ج 4 ص 202. (*)

[ 78 ]

وقال: إن أولى الناس بامر نبي الله ثاني اثنين، إذ هما في الغار، وابو بكر السباق المسن. وقال يوم البيعة العامة " إن أبا بكر رحمه الله صاحب رسول وثاني اثنين، اولى الناس باموركم، فقوموا فبايعوه " (1). وعن سلمان: " أصبتم ذا السن فيكم. ولكنكم أخطاتم أهل بيت نبيكم ". وحينما طلب اليهود من أبي بكر أن يصف لهم صاحبه قال: " معشر اليهود، لقد كنت معه في الغار كاصبعي هاتين إلخ ". وعن عثمان: (إن أبا بكر الصديق (يبدو أن كلمة الصديق زيادة من الرواة لما ثقدم) أحق الناس بها، إنه لصديق، وثاني اثنين، وصاحب رسول الله " هكذا عن أبي عبيدة. وعن علي، والزبير: " الغار، وشرفه، وكبره، وصلاته بالناس " (2).


(1) راجع هذه النصوص في: مجمع الزواثدج 5 ص 182 عن الطبراني ورجاله ثقات وبعضه عن ابن ماجة، وسيرة ابن هشام ج 4 ص 311، والبداية والنهاية ج 5 ص 248 عن البخاري، والسيرة الحلبية ج 3 ص 359، وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8 والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 438، والغدير ج 7 ص 92 عن بعض من تقدم وعن: الرياض النضرة ج 1 ص 162، 166. (2) راجع في ما تقدم كلا أو بعضا شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 8، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 66، وسنن البيهقي ج 8 ص 153. وذكر ذلك في الغدير ج 5 ص 369 وج 7 ص 92 وج 10 ص 7 كلا أو بعضا عن المصادر التالية: مسند أحمد ج 1 ص 35، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 128، ونهاية ابن الاثير ج 3 ص 247، وصفة الصفوة ج 1 ص 97، والسيرة الحلبية ج 3 ص 386، والصواعق المحرقة ص 7، وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 131 وج 2 ص 17، والرياض النضرة ج 2 ص 195، وكنز العمال ج 3 ص 140 عن الاطرابلسي في فضاثل الصحابة ونقل أيضا عن الكنز ج 3 ص 139 و 136 و 140 عن ابن أبي شيبة وابن عساكر، وابن شاهين، وابن جرير، وابن سعد، وأحمد، ورجاله رجال الصحيح. (*)

[ 79 ]

وأخيرا، فقد قال العسقلاني عن قضية الغار: " هي أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون الخليفة بعد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولذلك قال عمر بن الخطاب: إن أبا بكر صاحب رسول الله، ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين باموركم ". وإذا كانت أعظم فضائله التي استحق بها الخلافة، وإذا كانوا لم يتمكنوا من ذكر فضيلة أخرى له، مع أنهم في أحرج الاوقات، وفي أمس الحاجة إلى التشبث بكل حشيش في مقابل الانصار، فماذا عساهم أن يصنعوا في مقابل علي وفضائله العظمى التي هي كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار ؟ وهل يمكنهم أن يحتجوا بشئ ذي بال في مقابله ؟ !. وهل يبقى أمامهم من مخرج سوى اللجوء إلى أساليب العنف والارهاب ؟ ! وهكذا كان ! !. وإذا أفقده البحث المنطقي والعلمي هذه الفضيلة، وبقي صفر اليدين. حتى لقد كان بلال يفضل عليه، حتى اضطر بلال - ولعله لدوافع لم يستطع التاريخ أن يفصح عنها لان يستنكر ذلك ويقول: كيف تفضلوني عليه، وأنا حسنة من حسناته ؟ (1). نعم إذا أفقده النقد الموضوعي هذه الفضيلة، كما قد رأينا ذلك فيما تقدم، فما الذي يبقى أمام أبي بكر للحفاظ على ماء وجهه ومنصبه ؟ !. إننا نترك الجواب على ذلك للقارئ الفطن والمنصف. عثمان حين قضية الغار: وأخرج ابن مندة بسند واه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: كنت


(1) الغدير ج 10 ص 13، وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 317. (*)

[ 80 ]

أحمل الطعام إلى أبي، وهو مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالغار، فاستأذنه عثمان في الهجرة، فأذن له في الهجرة إلى الحبشة (1). ولكن من الواضح: أن عثمان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغار بثمان سنين، لان هجرة الحبشة انما كانت في السنة خامسة من البعثة. أضف ذلك: أن كون اسماء هي التي كانت تحمل الطعام إلى ا لغار. لا يصح، فقد تقدم أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقبل أن يأخذ الناقة من أبي بكر إلا بالثمن حتى لا يكون لاحد منة عليه " صلى الله عليه وآله وسلم ". هذا كله عدا عما تقدم من عدم صحة قولهم: إن أسماء كانت تأتيهم بالطعام إلى الغار فإن عليا " عليه السلام " كان هو الذي يحمل الطعام إلى الغار، وليس اسماء بنت أبي بكر. وكون المراد غارا آخر، يحتاج إلى شاهد ودليل، ولم نجد في التاريخ ما يدل على أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد دخل غارا آخر، ولبث فيه مع أبي بكر مدة. يوم الغار، ويوم الغدير: قال ابن العماد وغيره: (تمادت الشيعة في هذه الاعصر في غيهم بعمل عاشوراء، وباللطم والعويل، وبنصب ا لقباب، وا لزينة، وشعار الاعياد يوم الغدير ؟ فعمدت غالية السنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير، الغار، وجعلوه بعد ثمانية ايام من يوم الغدير، وهو السادس والعشرون من ذي الحجة، وزعموا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار.


(1) كنز العمال ج 22 ص 208 عن ابن عساكر، والاصابة ج 4 ص 304. (*)

[ 81 ]

وهذا جهل وغلط ؟ فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر، وفي أول شهر ربيع الاول إلخ (1). وقد كان عليه أن يقول: " وهذا نصب وجهل، قد أعمى أبصارهم وبصائرهم ". وهل ليوم الغار الذي أظهر فيه أبو بكر ضعفه، وشكه. وعرف كل أحد أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يأخذ منه البعير إلا بالثمن. أن يكون كيوم الغدير، الذي جعل فيه أهل البيت أحد الثقلين الذين لن يضل من تمسك بهما، وجعل علي فيه مولى للمؤمنين وإماما لهم بعد الرسول. إلى غير ذلك مما نقله جهابذة العلماء، واعاظم الحفاظ ؟ !. ولا باس بمراجعة كتابنا صراع الحرية في عصر المفيد، ففيه تفصيلات حول هذا الموضوع، وأخيرا فما أحرانا: أن نتمثل هنا بقول الشاعر: من كان يخلق مايقو ل فحيلتي فيه قليلة الكلمة الاخيرة في حديث الغار: وحسبنا ما ذكرناه هنا حول الاكاذيب التي جادت بها قرائحهم، حول قضية الغار، وقد يلاحظ القارئ أننا لم نكثر المصادر للنصوص التي ذكرناها هنا، وعذرنا في ذلك هو أننا لم نر حاجة إلى ذلك، لاننا رأينا أنها متوفرة جدا في مختلف الكتب الحديثية والتاريخية، ولن يجد القارئ كبير عناء في البحث عنها، واستخراجها.


(1) شذرات الذهب ج 3 ص 130، والامام الصادق والمذاهب الاربعة ج 1 ص 94 وبحوث مع أهل السنة والسلفية ص 145 والمنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 206 والبداية والنهاية ج 11 ص 325 والخطط المقريزية ج 1 ص 389 بى الكامل في التاريخ ج 9 ص 155 ونهاية الارب للنويري ج 1 ص 185 وذيل تجارب الامم لابي شجاع ج 3 ص 339 و 340 وتاريخ الاسلام للذهبي (حوادث سنة 381 - 400) ص 25. (*)

[ 82 ]

ولعل القارئ يجد في هذا الذي ذكرناه مقنعا وكفاية، وهو يكشف له زيف الكثير مما لم نذكره لوضوح كذبه وفساده، وقد آن الاوان للعودة إلى الحديث عن سائر أحداث السيرة العطرة للرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". فإلى ما يلي من فصول

[ 83 ]

الفصل السادس: إلى قباء

[ 85 ]

في الطريق إلى المدينة: عن ابي عبد الله " عليه السلام ": إن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لما خرج من الغار متوجها إلى المدينة، وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مئة من الابل. خرج سراقة بن جشعم فيمن يطلب، فلحق رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": اللهم اكفني سراقة بما شئت، فساخت قوائم فرسه، فثنى رجله ثم اشتد، فقال: يا محمد إني علمت أن الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قبلك، فادع الله ان يطلق الي فرسي، فلعمري، إن لم يصبكم خير مني لم يصبكم مني شر، فدعا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": فاطلق الله عزوجل فرسه، فعاد في طلب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما أطلقت قوائم فرسه في الثالثة، قال: يا محمد، هذه إبلي بين يديك فيها غلامي، فإن احتجت إلى ظهر أولين فخذ منه، وهذا سهم من كنانتي علامة، وأنا ارجع فأرد عنك الطلب. فقال: لا حاجة لي فيما عندك. ولعل رفض النبي اصلى الله عليه وآله وسلم " ما عرضه عليه سراقة قد كان من منطلق: أنه لا يريد أن يكون لمشرك يد عنده. وقد تقدمت بعض النصوص الدالة على ذلك في فصل أبو طالب مؤمن قريش، وسيأتي

[ 86 ]

في هذا الكتاب بعض من ذلك أيضا. وسار " صلى الله عليه وآله وسلم " لا حتى بلغ خيمة أم معبد، فنزل بها، وطلبوا عندها قرى، فقالت: ما يحضرني شئ. فنظر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى شاة في ناحية قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: أتأذنين في حلبها ؟ قالت: نعم، ولا خير فيها. فمسح يده على ظهرها، فصارت من أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ضرعها، فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيرا، فطلب " صلى الله عليه وآله وسلم " العس، وحلب لهم فشربوا جميعا حتى رووا. ثم عرضت عليه أم معبد ولدها الذي كان كقطعة لحم، لا يتكلم، ولا يقوم، فأخذ تمرة فمضغها، وجعلها في فيه، فنهض في الحال، ومشى، وتكلم، وجعل نواها في الارض فصار نخلة في الحال، وقد تهدل الرطب منها، وأشار إلى جوانبها فصار مراعي. ورحل " صلى الله عليه وآله وسلم " فلما توفي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم ترطب تلك النخلة، فلما قتل علي " عليه السلام " لم تخضر، فلما قتل الحسين " عليه السلام لما سال منها الدم (1). فلما عاد أبو معبد، ورأى ذلك سأل زوجته عن سببه قالت: مر بي رجل من قريش ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة (أو نخلة) ولم تزر به صحلة (أو صقلة) وسيم في عينيه دعج، وفي اشفاره عطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أز ج أقرن، ان صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أكمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأعلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقة خرزات نظمن يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه العين من قصر غصن بين غصنين وهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 335 عن ربيع الابرار. (*)

[ 87 ]

قدرا إلى ان قالت: محفود محشود لا عابس ولا مفند. (ووصف أم معبد له " صلى الله عليه وآله وسلم " معروف ومشهور). فعرف أبو معبد أنه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ثم قصد بعد ذلك رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة، فآمن هو وأهله (1). الكرامات الباهرة بعد الظروف القاهرة: وليس ذلك كله بكثير على النبي الاعظم " صلى الله عليه واله وسلم " وكراماته الظاهرة، ومعجزاته الباهرة، فهو أشرف الخلق وأكرمهم على الله من الاولين والآخرين إلى يوم الدين. ومن الجهة الثانية: فإن حصول هذه الكرامات بعد مصاعب الهجرة مباشرة إنما يؤكد ما أشرنا إليه سابقا: من أنه قد كان من الممكن أن تتم الهجرة بتدخل من العناية الالهية. ولكن الله تعالى أبى ان يجري الامور إلا بأسبابها وليكون هذا الرسول هو الاسوة الحسنة، والقدوة لكل أحد، في مواجهة مشاكل الحياة، وتحمل أعباء الدعوة إلى الله بكل ما فيها من متاعب، ومصاعب وأزمات، فإن للازمات التي يمر بها الانسان دور رئيس في صنع خصائصه، وبلورتها، وتعريفه بنقاط الضعف التي يعاني منها وهي تبعث فيه حيوية ونشاطأ، وتجعله جديأ في مواقفه، فإنه إذا كان هدف الله سبحانه هو اعمار هذا الكون بالانسان. فان الانسان الخامل الذي يعتمد على الخوارق والمعجزات لا يمكنه ان يقوم بمهمة الاعمار هذه.


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 334 والبحارج 19 ص 41 و 42 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 1 ص 279 والسيرة الحلبية ج 2 ص 49 / 50 وغير ذلك من المصادر. وحديث أم معبد مشهور بين المؤرخين، والنص المذكور من أول العنوان إلى هنا هو للبحار ج 19 ص 75 / 76 عن الخرائج والجرائح. (*)

[ 88 ]

والخلاصة: إن ذلك لمما يساعد على تربية الانسان وتكامله في عملية إعداده ليكون عنصرا فاعلا وبانيا ومؤثرا، لا منفعلا ومتاثرا وحسب. إلى غير ذلك مما يمكن استفادته من الاحداث الانفة الذكر. هجرة أمير المؤمنين " عليه السلام ": واستمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في هجرته المباركة حتى قرب من المدينة، فنزل بادئ ذي بدء في قباء في بيت عمرو بن عوف، فأراده، أبو بكر على دخول المدينة، وألاصه فأبى، وقال: ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي، وأخي، وإبنتي، يعني عليا وفاطمة " عليهما ا لسلام " (1). فلما أمسى فارقه أبو بكر، ودخل المدينة، ونزل على بعض الانصار، وبقي رسول الله بقباء، نازلا على كلثوم بن الهدم (2) ثم كتب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أخيه علي " عليه السلام " كتابا يأمره بالمسير إليه، وقلة التلوم، وأرسل الكتاب مع ابي واقد الليثي. فلما أتاه كتاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " تهيأ للخروج والهجرة، فأعلم من كان معه من ضعفاء المؤمنين، وأمرهم أن يتسللوا، ويتخففوا تحت جنح الليل إلى ذي طوى، وخرج " عليه السلام " بفاطمة


(1) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 35 من دون ذكر للاسم، وراجع: أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83، وراجع اعلام الورى ص 66، والبحار ج 19 ص 64 و 106 و 115 و 116 و 75 و 76 وراجع ج 22 ص 366 عن الخرائج والجرايح. (2) اعلام الورى ص 66، والبحار ج 19 ص 106 عنه. (*)

[ 89 ]

بنت الرسول، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وتبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأبو واقد، فجعل يسوق بالرواحل فاعنف بهم، فأمره " عليه السلام " بالرفق فاعتذر بخوفه من الطلب. فقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": أربع عليك، فإن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لي: (أي حين سفره من الغار كما تقدم) يا علي أما إنهم لن يصلوا من الان اليك بامر تكرهه. وأدركه الطلب قرب ضجنان، وهم سبع فوارس متلثمون، وثامنهم مولى للحارث بن أمية، يدعى جناحا. فانزل علي " عليه السلام " النسوة، وأقبل على القوم منتضيا السيف، فأمروه بالرجوع، فقال: فإن لم أفعل ؟ قالوا: لترجعن راغما، أو لنرجعن باكثرك شعرا، وأهون بك من هالك. ودنا الفوارس من المطايا ليثوروها، فحال علي (ع) بينهم وبينها فاهوى جناح بسيفه، فراغ علي " عليه السلام " عن ضربته، وتختله علي " عليه السلام " فضربه على عاتقه، فاسرع. السيف مضيا فيه، حتى مس كاثبة فرسه، وشد عليهم بسيفه، وهو يقول: خلوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد فتصدع القوم عنه وقالوا: أغن عنا نفسك يا ابن ابي طالب. قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله بيثرب، فمن سره أن أفرى لحمه، وأهريق دمه، فليتبعني، أو فليدن مني. ثم أقبل على صاحبيه، فقال لهما: أطلقا مطاياكما. ثم سار ظاهرا حتى نزل بضجنان، فتلوم بها قدر يومه وليلته، ولحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين، وفيهم أم أيمن مولاة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " فعبدوا الله تلك الليلة قياما وقعودأ، وعلى جنوبهم

[ 90 ]

حتى طلع الفجر، فصلى بهم علي " عليه السلام " صلاة الفجر ثم سار بهم، فجعلوا يصنعون ذلك في كل منزل، حتى قدم المدينة، وقد نزل الوحي بما كان من شانهم قبل قدؤمهم. " الذين يذكرون الله قيامأ وقعودا رعلى جنوبهم ء، ويتفكرون في خلق السموات والارض، ربنا ما خلقت هذا باطلا " إلى قوله: " فاستجاب لهم ربهم، أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " (1). ولما بلغ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قدومه " عليه السلام "، قال: أدعوا لي عليا قيل: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي، فاتاه " صلى الله عليه وآله " بنفسه، فلما رآه اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دما. وقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لعلي: يا علي، أنت أول هذه الامة إيمانا بالله ورسوله، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله، وآخرهم عهدا برسوله. لا يحبك والذي نفسي بيده. إلا مؤمن، قد امتحن قلبه للايمان ولا يبغضك إلا منافق أو كافر (2). إذن فالهجرة العلنية، والتهديد بالقتل لمن يعترض سبيل المهاجر قد كان من علي " عليه السلام "، وليس من عمر بن الخطاب، وقد تقدم في فصل ابتداء الهجرة إلى المدينة. بعض ما يدل على عدم صحة نسبة ذلك


(1) آل عمران 191 - 195. (2) راجع فيما ذكرناه: أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83 - 86، والبحار ج 19 ص 64 - 67 و 85 وتفسير البرهان ج 1 ص 332 و 333 عن الشيباني في نهج البيان، وعن الاختصاص للشيخ المفيد، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 183 / 184، واعلام الورى ص 190 وراجع: امتاع الاسكاع للمقريزي ج 1 ص 48. (*)

[ 91 ]

إلى عمر، وإنما نسبوا ما كان من أمير المؤمنين " عليه السلام " إلى غيره، شأن الكثير من فضائله ومواقفه " عليه السلام ". السياسة الحكيمة: وبعد فإن من الامور الجديرة بالملاحظة هنا: أننا نجد أمير المؤمنين عليأ وكذلك أبناؤه من بعده " عليه السلام " يحاولون تفويت الفرصة على مزوري التاريخ من اعداء الدين والحق، والايمان، فقد روى عبد الواحد ابن أبي عون: أن رسول الله حينما توفي أمر علي " عليه السلام " صائحا يصيح: من كان له عند رسول الله عدة أو دين فليأتني. فكان يبعث كل عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك، حتى توفي علي، ثم كان الحسن بن علي يفعل ذلك حتى توفي، ثم كان الحسين يفعل ذلك، وانقطع ذلك بعده، رضوان الله تعالى عليهم وسلامه. قال ابن عون: فلا ياتي أحد من خلق الله إلى علي بحق ولا باطل إلا أعطاه (1) كتاب تبع الاول: ويذكر البعض: أن تبعا الاول قد آمن بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل ولادته " صلى الله عليه وآله وسلم " بمئات السنين في قصة طويلة، نرغب عن ذكرها، لاننا لم نتاكد من صحتها فمن أراد التحقيق حولها، فليراجعها في مصادرها. (2)


(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 89. (2) ثمرات الاوراق ص 290 / 291 عن القرطبي. (*)

[ 92 ]

ابو بكر شيخ يعرف: قد جاء في بعض المرويات: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أقبل إلى المدينة وكان أبو بكر رديف النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك. وفي لفظ أحمد: من هذا الغلام بين يديك، فيقول: يهديني السبيل، فيحسب الحاسب، أنه يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير. وفي التمهيد: ان الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " كان رديف أبي بكر، فكان إذا قيل لابي بكر: من هذا وراءك ؟ إلخ. وصرح القسطلاني: بان ذلك كان حين الانتقال من بني عمرو بن عوف، أي من قباء إلى المدينة. وفي نص آخر: انه لما قدم " صلى الله عليه وآله وسلم " المدينة تلقاه المسلمون، فقام أبو بكر للناس، وجلس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبو بكر شيخ، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب. فكان من لم ير النبي يجعئ أبا بكر زاعما أنه هو، فيعرفه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى أصابت الشمس رسول الله، فجاء أبو بكر فظلل عليه بردائه، فعرفه الناس حينئذ (1). ولكن ذلك لا يمكن أن يصح وذلك:


(1) راجع في ذلك كلا أو بعضا: إرشاد الساري ج 6 ص 214 والسيرة الحلبية ج 2 ص 41، وصحيح البخاري ط مشكول باب الهجرة ج 6 ص 53 وسيرة ابن هشام ج 2 ص 137، ومسند أحمد ج 3 ص 287، والمواهب اللدنية ج 1 ص 86، وعيون الاخبار لابن قتيبة ج 2 ص 202، والمعارف له ص 75 والندير ج 7 ص 258 عن كثير ممن تقدم وعن: الرياض النضرة ج 1 ص 78 و 79 و 80، وعن طبقات ابن سعد ج 2 ص 222. (*)

[ 93 ]

أولا: إن كون أبي بكر يعرف، والنبي لا يعرف، لا يمكن قبوله، فان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يعرض دعوته على مختلف القبائل التي كانت تقدم مكة، طيلة سنوات عديدة وقد سار ذكره في الافاق، وبايعه من أهل المدينة أكثر من ثمانين ورآه حوالي خمسمئة من أهل المدينة قدموا مكة، قبل ثلاثة أشهر فقط كما تقدم. فكيف يكون أبو بكر يعرف، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يعرف (1) ؟ !. ومن جهة أخرى: فلم يكن أحديهتم بسفر أبي بكر أو يحس به ولا يجد أي من الناس دافعا للتعرف عليه. هذا كله، عدا عن أن أبا بكر قد فارق الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما وصلا إلى قباء، ولم يبق معه إلى حين دخول المدينة. وأمما مما ذكر أخيرا: من أن من لم ير النبي كان يجيئ أبا بكر زاعما أنه هو فهو ينافي قولهم: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان شابا لا يعرف وأبو بكر شيخ يعرف. ثانيا: لقد كان الناس من أهل المدينة ينتظرون قدومه " صلى الله عليه وآله وسلم " بفارغ الصبر، وقد استقبله منهم حين قدومه حوالي خمسمئة راكب (2) بظهر الحرة وكان النساء والصبيان والشبان، وغيرهم يهزجون: - كما قيل - طلع البدر علينا من ثنيات الوادع


(1) راجع: الندير ج 7 ص 258. (2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 131، ودلائل النبوة ج 2 ص 233، ووفاء الوفاء ج 1 ص 255، عن التاريخ الصغير للبخاري، والسيرة الحلبية ج 2 ص 52، والسيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 1 ص 325، وتاريخ الخميس ج 1 ص 326. (*)

[ 94 ]

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالامر المطاع وكان قد مكث في قباء أياما يستقبل الناس، فهل يمكن أن يكون متنكرا حين قدومه من قباء إلى المدينة، كما يقول القسطلاني ؟ ! (1) أو هل يمكن أن يكون قد دخل المدينة ولم يكن معه أحد من أهل قباء، ولا من أهل المدينة وأين كان عنه علي حينئذ ؟ ! وألم يكن أهل المدينة قد أتوا زرافات ووحدانا إلى قباء ليتشرفوا برؤيته ؟ ! أو لماذا لم يدل العارفون به أولئك الذين يشتبهون في أمره عليه ؟ ! وثالثا: لقد كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يكبر أبا بكر، بسنتين وعدة أشهر ؟ لانه " صلى الله عليه وآله وسلم " ولد عام الفيل، وأبر بكر إستكمل بخلافته سن رسول لله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيث توفي - كما يدعون - بسن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن ثلاث وستين سنة (2). إذن فكيف يصح قولهم: إنه شيخ والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " شاب. ومما ذكرناه نعرف عدم صحة ما روي عن يزيد بن الاصم - المتوفى


(1) ارشاد الساري ج 6 ص 214. (2) المعارف لابن قتيبة ص 75، مدعيا الاتفاق على ذلك، واسد الغابة ج 3 ص 223، ومرآة الجنان ج 1 ص 65 و 69 ومجمع الزوائد ج 9 ص 60 والاصابة ج 2 ص 341 - 344، والغدير ج 7 ص 271 عمن تقدم وعن المصادر الاتية: الكامل لابن الاثير ج 1 ص 185 وج 2 ص 176، وعيون الاثر ج 1 ص 43 والسيرة الحلبية ج 3 ص 396 والطبري ج 2 ص 125 وج 4 ص 47 والاستيعاب ج 1 ص 335، وقال: لا يختلفون أن سنه انتهى حين وفاته ثلاثا وستين سنة، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 205.

[ 95 ]

بعد المئة عن 73 سنة - من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لابي بكر: أنا أكبر أو أنت ؟ قال: لا، بل أنت أكبر مني وأكرم، وخير مني، وأنا أسن منك (1). وأما الاعتذار عن ذلك بان الشيب كان في وجه أبي بكر ولحيته كثيرا بخلافه " صلى الله عليه وآله وسلم " (2) - أو أن أبا بكر كان تاجرا، يعرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام -. فلا يصح، لأن الشيب وعدمه لا يخفي الشيخوخة والشباب، حتى لقد ورد التعبير في بعض تلك المرويات ب‍ " ما هذا الغلام بين يديك ؟ " فما معن التعبيربالغلام عن رجل يزيد عمره على خمسين سنة. إلا أن يقال: الغلام يطلق على الشيخ والشاب فهو من الاضداد. وأيضا، فقد روي عن ابن عباس بسند صحيح: أن أبا بكر قال للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا رسول الله قد شبت ؟ قال شيبتني هود والواقعة والخ. وروى الحفاظ مثله عن ابن مسعود، وعن أبي جحيفة، قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت، قال شيبتني هود وأخواتها (3). وإذا كانت السور المذكورة مكية كما هو معلوم. فيستفاد من ذلك أن الشيب قد بان فيه " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة على خلاف


(1) الندير ج 7 ص 270 عن: الاستيعاب ج 2 ص 226، والرياض النضرة ج 1 ص 127 وتاريخ الخلفاء ص 72 عن خليفة بن خياط، وأحمد بن حنبل وابن عساكر. (2) فتح الباري ج 7 ص 195، وراجع: الندير ج 7 ص 260 و 261. (3) مستدرك الحاكم ج 2 ص 343 وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة واللمع لابي نصر ص 280 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 435، والغدير ج 7 ص 261 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 7 ص 1 وتفسير الخازن ج 2 ص 335 وعن جامع الحافظ الترمذي، ونوادر الاصول للحكيم الترمذي، وأيى يعلى، والطبراني، وابن أبى شيبة.

[ 96 ]

الطبيعة، وأسرع فيه، حتى صار الناس يسالونه عنه، وعما أثره (1) ولم يكن مجرد شعرات قليلة لا تلفت النظر، ولا يلتفت إليها. وأما أن أبا بكر كان تاجرا يختلف إلى الشام، فقد تقدم: أنه كان في الجاهلية معلما للأولاد، وبعد ذلك صار خياطا. وكما كان أبو بكر يختلف إلى الشام، فقد كان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أيضا يختلف إلى الشام، وكان التعرف عليه أدعى واولى، بملاحظة ما كان له من الشرف والسؤدد في قريش والعرب، وكان له في أهل المدينة قرابة أيضا. هذا، عداعما أسلفناه من أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يعرض دعوته على القبائل التي تقدم مكة لعدة سنوات. وأيضا، فان صفات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كانت تدل عليه، وقد وصفته أم معبد لزوجها فعرفه. أما أبو بكر، فقد تقدمت صفته عن عائشة وغيرها في بعض الفصول. وأخيرا، فان ركوب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأبي بكر على ناقة واحدة لم نجد له ما يبرره، بعد أن كان لدى كل منهما ناقة تخصه كما تقدم. رأي العلامة الاميني: ويرى الاميني قدس سره: أن قضية: أنت أكبر مني وأنا أسن منك تنقل عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع سعيد بن يربوع المخزومي، الذي توفي سنة أربع وخمسين عن مئة وعشرين سنة. ويرى أيضا: أن حجة أبي بكر يوم السقيفة على مخالفيه قد كانت كبر سنه، فحاول محبوه تأييد هذه الدعوى بما ذكرنا من كونه أسن من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أكبر


(1) الغدير 7 ص 261. (*)

[ 97 ]

منه، وأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان شابا، بل غلاما، لا يعرف ! ! وأبو بكر كان شيخا يعرف ! ! (1) النفاق في مكة: وقبل أن نبدأ الحديث عما بعد الهجرة نرى أن من المناسب الاشارة إلى أمر يرتبط بالحياة المكية. والحكم على بعض الظواهر فيها، مع إرتباط له وثيق أيضا بالحياة في المدينة بعد الهجرة، وهو موضوع: هل كان يوجد في من أسلم قبل الهجرة من المكيين منافقون يبطنون خلاف ما يظهرون أم لم يكن ؟ ! وهل كانت أجواء مكة صالحة لظهور أشخاص من هذا القبيل يعتنقون الاسلام ويبطنون الكفر، أم لا ؟ !. يقول العلامة الطباطبائي، ما مفاده: إنه ربما يقول البعض: لا، لم يكن في مكة منافقون، إذ لم يكن للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا للمسلمين قوة ولا نفوذ، يجعل الناس يهابونهم، ويتقونهم. أو يرجون منهم نفعا ماديا، أو معنويا من نوع ما فلماذا إذن يتقربون لهم ويتزلفون، ولماذا يظهرون لهم الاسلام، مع انطوائهم على خلافه ؟. بل كان المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، معذبين ؟ فالمناسب أن يتقي المتقي - رغبا أو رهبا - من صناديد قريش وعظمائها، لا منهم. وأما في المدينة فقد قوي أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وظهر أمر المسلمين، وأصبحوا قوة يمكنها الدفع والمنع، وكان له " صلى الله عليه وآله وسلم " في كل بيت أتباع وأنصار يطيعون أوامره، ويفدونه بكل غال ونفيس. والقلة القليلة الباقية لم يكن يسعهم الاعلان بالخلاف،


(1) الغدير ج 7 ص 271. (*)

[ 98 ]

فداروا أمرهم بإظهار الاسلام، وإبطان الكفر - على أن يكيدوا ويمكروا بالمسلمين، كلما سنحت لهم الفرصة لذلك. هكذا استدل البعض لاثبات عدم وجود منافقين بين المسلمين الاولين. ولكنه كما ترى كلام لا يصح. وذلك لان النفاق في مكة كانت له أسبابه، ومبرراته، ومناخاته، ونذكر هنا ما يلي: أولا: إن أسباب النفاق لا تنحصر فيما ذكر، من الرغبة والرهبة لذي الشوكة، ومنه، إذ أننا كثيرا ما نجد في المجتمعات فئات من الناس مستعدة لقبول أية دعوة، إذا كانت ذات شعارات طيبة، تنسجم مع أحلامهم، وآمالهم، وتعدهم بتحقيق رغائبهم، وما تصبو إليه نفوسهم. فيناصرونها، رغم أنهم في ظل أعتى القوى وأشدها طغيانا، وهم في غاية الضعف والوهن يعرضون أنفسهم لكثير من الاخطار، ويحملون المشاق والمصاعب من أجلها وفي سبيلها. كل ذلك رجاء أن يوفقوا يوما ما لتحقيق أهدافهم، والوصول إلى مأربهم، التي يحلمون بها، كالعلو في الارض، والحصول على الثروات، والجاه العريض، وغير ذلك. إنهم يقدمون على كل هذا، مع أنهم ربما كانوا لا يؤمنون بتلك الدعوة إلا بمقدار إيمانهم بضرورة الحصول على تلك المآرب والاهداف الانفة الذكر. ومن الواضح أن المنافق الطامع الذي من هذا القبيل يكون - فيما لو نجحت الدعوة - أشد خطرا على تلك الدعوة من اعتى اعدائها ؟ لانه إذا وجد أن الدعوة لا تستطيع أن تمنحه كل ما يريد - ولو لاقتضاء المصلحة لذلك، فانه سوف يمكر ويغدر، (1) كما. أنه يكون هو الاقدر على


(1) راجع: تفسير الميزان ج 19 ص 289. (*)

[ 99 ]

الانحراف بهذه الدعوة، وإخراجها عن نهجها القويم، وصراطها المستقيم إلى المتاهات التي يستطيع في ظلماتها وبهمها أن يحصل على ما يريد دون راع أو وازع، وهو الذي يملك كل المبررات لذلك. مهما كانت سقيمة وتافهة. وأما إذا فشلت الدعوة: وكان قد أحكم أمره ؟ فإنه يستطيع أن يقول لمن هم على شاكلته: إنا كنا معكم ؟ إنما نحن مستهزؤون. فإنه إذا كان النفاق في المدينة قد كان في أكثره لدوافع أمنية، أو للحفاظ على المصالح والعلاقات المعينة. - فان النفاق المكي. لسوف يكون أعظم خطرا، وأشد محنة وبلاء على الاسلام والمسلمين، حسبما اوضحنا آنفا -. وعلى هذا، فان من القربب جدا... أن يكون بعض من اتبع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة لم يكن مخلصا للدعوة، وإنما كان مخلصا لنفسه فقط لا سيما إذا لاحظنا: أن دعوة الرسول قد كانت مقترنة من أول يوم بدئها بالوعود القاطعة، بان حامليها لسوف يكونون ملوك الارض، ولسوف يملكون كنوز كسرى وقيصر (1). - فقد سال عفيف الكندي العباس بن عبد المطلب عما يراه من صلاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وعلي وخديجة " عليه السلام "، فقال له العباس: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، زعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح على يديه. فكان عفيف يتحسر على ان لم يكن أسلم يومئذ، ليكون ثانيا لعلي " عليه السلام " في الاسلام (2). وحينما ساله عمه أبو طالب عن سبب شكوى قومه منه، قال " صلى


(1) اشار إلى هذا أيضا العلامة الطباطبافي في الميزان ج 19 ص 289. (2) ذخائر العقي ص 59، ودلاثل النبوة ج 1 ص 416، ولسان الميزان ج 1 ص 395 وعن ابى يعلى، وخصاثص النسائي، والكامل لابن الاثيرج 2 ص 57 ط صادر، وتاريخ الطبري ج 2 ص 57 وراجع: حياة الصحابة ج 1 ص 33. (*)

[ 100 ]

الله عليه وآله وسلم ": إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية (1). وينقل عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال لبكر بن وائل، حينما كان يعرض دينه على القبائل: فتجعلون لئه عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم الخ.. وقال قريبا من هذا لشبيان بن ثعلبة، ومثل ذلك قال أيضا حينما أنذر عشيرته الاقربين (2) بل إن مما يوضح ذلك بشكل قاطع، ما قاله أحد بني عامر بن صعصعة لما جاء رسول " صلى الله عليه وآله وسلم " يعرض عليهم قبول دعوته: " والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ". وقد تقدم بعض المصادر لذلك. ثم إنه إذا كان هذا النفاق يهدف إلى إستخدام الدعوة لاهداف شخصية، فهو بالتالي مضطر إلى الحفاظ على هذه الدعوة بمقدار إضطراره إلى الحفاظ على مصالحه وأهدافه تلك، ما دام يرى، أو يامل منها أن تتمكن من تحقيق ما يتمناه، وتوصله إلى أهدافه التي يرجوها. وهكذا يتضح: أنه ليس من الضروري أن يكون المنافق مهتما بالكيد للدعوة التي لا يؤمن بها، والعمل على تحطيمها وإفسادها، بل ربما يكون حريصا عليها كل الحرص، يفديها بالمال والجاه - لا بالنفس - إذا


(1) سنن البيهقي ج 9 ص 88 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 432، وصححه هو والذهبي في تلخيصه، وتفسير ابن كثيرج 4 ص 28، وحياة الصحابة ج 1 ص 33 عن الترمذي، وتفسير الطبري، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم. (2) راجع: الثقات ج 1 ص 88 والبداية والنهاية ج 3 ص 140 وراجع ص 142 و 145 عن دلائل النبوة لاب نعيم والحاكم والبيهقي وحياة الصحابة ج 1 ص 72 و 80 عن البداية والنهاية وعن كنز العمال ج 1 ص 277. (*)

[ 101 ]

كان يامل أن يحصل على ما هو أعلى وأغلى فيما بعد، وبمكن ملا حظة ذلك بسهولة في بعض مسلمي مكة، الذين كانوا يواكبون الدعوة ويعاونونها ما دام لم تصل النوبة إلى التضحية بالنفس والموت، فإذا كان ذلك فانهم يفرون، وينهزمون، ويتركون النبي وشأنه، وقد رم ينا ذلك في كثير من المواقف. نعم ربما يتمكن الدين تدريجيا من نفوس بعضهم، وتحصل لهم قناعة تدريجية به، ولسوف نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى، ولربما حين الكلام على غزوة أحد. وخلاصة الأمر: إن الميزان لدى البعض هو أهدافه هو، فما دامت الدعوة في خدمتها فهو معها، وأما إذا وجد أنها سوت تكون عقبة في طريقها، وتشكل خطرا عليها فانه لا يالوجهدا ولا يدع وسيلة في الكيد لها، والعمل على هدمها وتحطيمها. وثانيا: ما أشار إليه العلامة الطباطبائي أيضا: انه لا مانع من أن يسلم أحدهم في أول البعثة، ثم يعرض له ما يزلزل إيمانه، ويرتاب، ويرتد عن دينه، ولكنه يكتم ذلك، حفاظا على بعض المصالح الهامة بنظرة كالخوف من شماتة أعدائه، أو حفاظأ على بعض علاقاته القبلية، أو التجارية، أو للعصبية والحمية، وغيرها مما يربطه بالمسلمين أو ببعضهم، أو للحفاظ على جاه من نوع معين، أو أي شئ آخر بالنسبة إليه (1) ولربما يشهد لذلك: أننا قد رأينا البعض يعترف أنه كان كثيرا ما يشك في هذا الامر، حتى اعترف في الحديبية أنه ارتاب إرتيابا لم يرتبه منذ أسلم (2) وفي غزوة أحد، حينما سمعوا انه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قتل فروا من المعركة، وقال بعضهم: " نلقي إليهم بايدينا،


(1) تفسير الميزان ج 19 ص 289. (2) مغازي الواقدي ج 2 ص 607. (*)

[ 102 ]

فإنهم قومنا وبنو عمنا " (1). وثالثا: وقد أشار العلامة الطباطبائي أيضا إلى بعض الايات الدالة على وجود النفاق في مكة، وذلك كقوله تعالى: أو ليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا " (2) حيث قد وردت هذه الاية في سورة المدثر وهي مكية، وكذا قوله تعالى: " ومن الناس من يقول أمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن: إنا كنا معكم، أو ليس الله باعلم بما في صدور العالمين، وليعلمن الله الذين أمنوا، وليعلمن المنافقين " (3). فإن سورة العنكبوت مكية أيضا. والاية مشتملة على حديث الايذاء والفتنة في الله، وذلك إنما كان في مكة لا في المدينة. وقوله تعالى: " ولئن جاء نصر من ربك " لا يدل على نزول الاية في المدينة لان النصر له مصاديق ومراتب كثيرة. وأضيف هنا: أن الله تعالى إنما يحكي حالة المنافقين المستقبلية بشكل عام. ثم قال: العلامة الطباطبائي واحتمال أن يكون المراد بالفتنة ما وقع بمكة بعد الهجرة، غير ضائر، فإن هؤلاء المفتونين بمكة بعد الهجرة إنما كانوا من الذين آمنوا بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل الهجرة، وإن أوذوا بعدها (4).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 227، وبقية الكلام على هذا مع مصادره يأتي ان شاء الله تعالى في غزوة أحد. (2) المدثر / 3. (3) العنكبوت: 1. (4) راجع: تفسير الميزان ج 20 ص 90 / 91. (*)

[ 103 ]

ملاحظة هامة على ما تقدم: هذا، ويلاحظ العلامة الطباطبائي أخيرا: أننا لم نزل نسمع ذكرا للمنافقين إلى حين وفاة الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " وقد تخلف عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " في تبوك أكثر من ثمانين منهم، وانخذل ابن أبي في أحد في ثلالمئة. ثم انقطعت أخبارهم عنا مباشرة، ولم نعد نسمع عن دسائسهم، ومكرهم، ومكائدهم للاسلام وللمسلمين شيئا، فهل انقلبوا باجمعهم - بمجرد وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم " - عدولا أتقياء وأبرارا أوفياء ؟ ! وإذا كان كذلك، فهل كان وجود النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما بينهم مانعا لهم من الايمان، وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين ؟ ! نعوذ بالله من التفوه بالعظائم، وبما يسخط الرب. أم أنهم ماتوا باجمعهم، وهم يعدون بالمثات بمجرد موته " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ وكيف لم ينقل لنا التاريخ ذلك ؟ ! أم أنهم وجدوا في الحكم الجديد ما يوافق هوى نفوسهم، ويتلاءم مع أهوائهم، ومصالحهم ؟ ! أم ماذا ؟ ! ماهى الحقيقة ؟ ! لست أدري ! ولعل الذكي يدري.

[ 105 ]

الفصل السابع: حتى المدينة

[ 107 ]

بداية: وفي المدينة بدأت عملية بناء المجتمع الاسلامي، وإرساء قواعد الدولة، والتخطيط لنشر الاسلام في مختلف أرجاء العالم. وانتقلت الدعوة من مرحلة بناء الفرد إلى مرحلة بناء المجتمع. وتطبيق الاسلام عقيدة وشريعة، ومحو كل آثار الجاهلية في العالم أجمع. وإذا أردنا أن نلم بكل الخطوات التي خطاها القائد الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " في سبيل ذلك، فاننا لن نتمكن.، الان من استقصاء ذلك ولسوف يصرفنا عن متابعة الاحداث الرئيسة في السيرة العطرة، ولذا فنحن نترك هذا المجال للاخرين، مكتفين بالتعرض إلى ما يهم الباحث التعرض له ابتداء، من دون تركيز على الجزئيات والتفاصيل إلا بالمقدار الذي نراه لازما ومقبولا، فنقول: غناء أهل المدينة، والنبي " صلى الله عليه واله وسلم " يرقص باكمامه: ويذكرون: أن أهل المدينة ما فرحوا بشئ فرحهم برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعن عائشة: لما وصل " صلى الله عليه

[ 108 ]

واله وسلم " المدينة صار النساء والولائد يقلن: طلع البدر علينا فن ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالامر المطاع فعدل ذات اليمين، حتى نزل بقباء. (1) وفي رواية: فجعل رسول الله يرقص باكمامه (2). وبعد أن مكث في قباء أياما، وتوجه إلى داخل المدينة، خرجت نساء من بني النجار بالدفوف يقلن: نحن نساء من بني النجار ياحبذا محمد من جار فقال لهن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أتحبانى ؟ قلن: نعم، يا رسول الله، فقال: والله وأنا أحبكن، قالها ثلاثا (3). قال الحلبي: " وهذا دليل واضح لسماع الغناء على الدف لغير العرس (4) ". واستدل ابن كثير برواية الصحيحين الاتية على جواز الغناء في


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 342 / 342 عن الرياض النضرة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 54، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 233، ووفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 244 وج 4 ص 1172 و 262 وفتح الباري ج 7 ص 204. (2) نهج الحق الموجود في دلائل الصدق ج 1 ص 389، ولم يعترض عليه فضل بن روزبهان، بل حاول توجيهه وتأويله. (3) وفاء الوفاء ج 1 ص 263، وفتح الباري ج 7 ص 204، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 234 و 235، وتاربخ الخميس ج 1 ص 341، والسيرة الحلبية ج 2 ص 61 والبداية والنهاية ج 3 ص 200. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 61. (*)

[ 109 ]

الاعراس ولقدوم الغياب (1). المناقشة: ولكن ذالك لا يصح: وذالك لما يلى: ثنية الوداع من جهة الشام: إن ثنيات الوداع ليست من جهة مكة بل من جهة الشام (2). وذكر المسهودى: أنه يوجد مسجد على يسار الداخل إلى المدينة المنورة من طريق الشام (3). بل هو يقول: " ولم أر لثينة الوداع ذكرا في سفر من الاسفار التى بجهة مكة (4). " والظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، وان ذالك عند القدوم من الهجرة " (5). ويدل على كون ثنية الوداع من جهة الشام خيبر، ما ورد في قدوم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وخروجه، من وإلى تبوك وحين قدم من خيبر، ومن الشام وإلى مؤته، وغزوة العالية، والغابة، وكذا ما ورد عنه في حديث السباق في أمد الخيل المضرة. (6).


(1) البداية ونهاية ج 1 ص 276. (2) زاد المعاد ج 3 ص 10 وراجع: وفاء الوفاء للمسهودى ج 4 ص 1170 والتراتيب الادارية ج 2 ص 130. (3) وفاء الوفاء ج 3 ص 845. (4) و (5) وفاء الوفاء ج 4 ص 1172. (6) وفاء الوفاء ج 4 ص 1168 و 1169 و 1172 وج 3 ص 857 و 858 عن البخاري، وابن أبى شيبة، والطبراني في الأوسط، وأبى يعلى، وابن حبان، وابن اسحاق، وابن سعد والبيهقي إلخ. وراجع حياة الصحابة ج 1 ص 603 و 207 والسنن الكبرى ج 9 ص 175 و 85. (*)

[ 110 ]

وحاول المسهودى تصحيح ما تقدم: بأنهم قد ذكروا أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد مر بدور الانصار، حين قدم المدينة من قباء، حتى مر بدور بنى ساعده وانما هي في شامى المدينة، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية (1). وهو كلام عجيب فان مروره في دور بنى ساعدة لا يقتضى دخول المدينة من ناحيتهم، إذ يمكن أن يدخلها من جهة قباء، ثم تجول به ناقة في دور الأنصار، كما هو صريح ما ذكره، حتى تصل إلى دور بنى ساعدة. كما أن احتماله هذا يدفعه تصريحم في رواية: طلع بدر علينا. بانهم لا قوة بهذا الشعر، ثم عدل بهم ذات اليمين إلى قباء، كما تقدم، فإن هذا إنما يتانسب مع قدومه من مكة إلى مدينة، لا من قباء إلى المدينة، كما يقول المسهودى. فالصحيح هو أنهم قد لا قوه بهذا الشعر حينما قدم من تبوك لا من مكة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. استدلال عجيب: إن استدلال الحلبي بتلك الرواية على تجويز الغناء عجيب، وغريب، فان الرواية لا تتضمن إلا أنهم قد أنشدوا الشعر لمقدمه، ولم يكن يصاحب ذالك شئ من المحرمات، بل لم تذكر الرواية: أنه كان هناك ترجيع ام لا. وإنشاد الشعر ليس بحرام، ولهذا قال بعضهم: " وتعلق أرباب الغناء الفسقى به (أي برواية: طلع البدر) كتعلق من يستحل شرب الخمر المسكر قياسا على اكل العنب، وشرب العصير الذى لا يسكر، ونحو هذا


(1) راجع وفاء الوفاء ج 4 ص 1170. (*)

[ 111 ]

من القياسات، التي تشبه قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا " (1). ولم سلم حرمة سماغ صوت الاجنبية، فلا دليل على أن ذلك كان قد شرع حينئذ، فان كثيرا من الاحكام كانت تشرع تدريجا. كما قالوه في الخمر مثلا. كما أنه لادليل على وجود من يحرم سماع صوته في المنشدين. ولو سلم، فلعل لم يكن بالامكان منعهم في ظرف كهذا. أو لا يمكن تبليغهم الحكم الشرعي حينئذ، فسكوت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عنهم لعله لمصلحة اقتضت السكوت، ولا يدل ذلك على امضائه لفعلهم ذاك. 3 - ترقيص الاكمام: وأما ترقيص اكمامه " صلى الله عليه وآله وسلم "، فهو ينافي المروة كما اعترف به فضل بن روزبهان (2). ويقول العلامة المظفر " رحمه الله ": " إن هذا العمل سفه ظاهر، وخلاعة بينة، ومن اكبر النقص بالرئيس، وأعظم منافيات الحياء والمروة في تلك الاوقات واشد المباينات للرسالة، لارشاد الخلق، بتهذيبهم عن السفه والنقائص، وتذكيرهم بمقربات الاخرة " (3). هذا، مع غض النظر عن نواهيه " صلى المته عليه وآله وسلم " القاطعة عن كل لهو وغناء، ورقص وسنشير في ما يلي إلى بعض من ذلك ان شاء الله. وبعد ما تقدم، فاننا نعرف ما في الاستدلال بالرواية الاخرى حول غناء نساء بني ساعدة، وضربهم بالدفوف حين استقباله.


(1) زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 17 / 18. (2) و (3) راجع: دلائل الصدق ج 1 ص 390 و 393 عل الترتيب. (*)

[ 112 ]

ولا بأس بعرض كل ما استدلوا به على حلية الغناء والرقص، ثم مناقشته، ثم طرح القول الحق في المسالة مع بعض أدلته، فنقول: أدلة حلية الغناء: وقد استدل على حلية النناء والرقص، بالاضعافة إلى ما تقدم ب‍: 1 - قول الحلبي: " عن أبى بشير: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مر وأبا بكر بالحبشة، وهم يلعبون، ويرقصون، ويقولون: يا أيها الضيف المعرج طارقا. إلى أن قال: ولم ينكر عليهم. وبه استدل ائمتنا على جواز الرقص، حيث خلا عن التكسر، فقد صحت الاخبار، وتواترت الاثار بانشاد الاشعار بين يديه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بالاصوات الطيبة، مع الدف وبغيره، وبذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف، ولو فيه جلاجل (1) " 2 - عن بريدة: خرج رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: إني كنت نذرت: إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فالقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليها، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب، ثم دخل أبو بكر وهي تضرب إلخ (2) ". "


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 62. (2) أسد الغابة ج 4 ص 64، نوالر الاصول للحكيم الترمذي ص 58، ومسند أحمد = (*)

[ 113 ]

3 - عن جابر، قال: دخل أبو بكر على رسولي الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وكان يضرب بالدف عنده، فقعد ولم يزجر، لما رأى من رسول الله، فجاء عمر (رض)، فلما سفع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " صوته كف عن ذلك. فلما خرجا قالت عائشة: يا رسول الله، كان حلالا فلما دخل عمر صار حراما ؟ فقال: يا عائشة، ليس كل الناس مرخى عليه (1). 4 - روى البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة: دخل علي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث - وعند مسلم ؟ تغنيان وتضربان - فاضطجع على الفراش، وحول وجهه. ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فاقبل عليه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: دعهما. وفي رواية لمسلم: دعهما يا أبا بكر، فانها أيام عيد (2). وزاد في بعض النصوص - كما في البخاري - وليتسا بمغنيتين. 5 - في رواية: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " استدعى


ج 5 ص 353 و 354 باختلاف ودلائل الصدق ج 1 ص 390 / 191 عن الترمذي ج 2 ص 293 وصححه هو والبغوي في مصابيحه وليراجع: الغدير ج 8 ص 64 / 65. والسيرة الحلبية ج 2 ص 62 وسنن البيهقي ج 10 ص 77 والتراتيب الادارية خ 2 ص 131. (1) نيل الاوطارج 8 ص 271 ونوادر الاصول للحكيم الترمذي ص 138، والغدير ج 8 ص 64 / 65 عن مشكاة المصابخ ص 55 وبعض من تقدم. (2) صحيح البخاري ج 1 ص 111 ط الميمنية، وصحيح مسلم ج 3 ص 22 ط مشكول، والسيرة الحلبية ج 2 ص 61 - 62 وهامش ارشاد الساري ج 4 ص 195 - 197 ودلائل الصدق ج 1 ص 389 وسنن البيهش ج 10 ص 224، واللمع لابي نصر ص 274. والبداية والنهاية ج 1 ص 276 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 109 والمصنف ج 11 ص 4 وراجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 2 ص 412. (*)

[ 114 ]

عائشة لترى حبشية ترقص، فجاءت فوضعت لحيها على منكب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وجعلت تنظر، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " لها: أما شبعت ؟ أما شبعت ؟ أما شبعت ؟ وهي تقول: لا، لتنظر منزلتها عنده ؟ إذ طلع عمر، فارفض الناس عنها، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إني لانظر شياطين الجن والانس قد فروا من عمر (1). 6 - عن ابن عباس: ان اصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " جلسوا سماطين، وجارية معها مزهرتغنيهم وتقول: هل عل ويحكم إن لهوت من حرج فتبسم " صلى الله عليه وآله وسلم " وقال: لاحرج إن شاء الله تعالى (2). 7 - عن الربيع بنت معوذ: إنها لما زفت إليه " صلى الله عليه وآله وسلم " دخل عليها، وجلس، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائها في بدر، حتى قالت احداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال " صلى اللة عليه وآله وسلم ": لا تقولي هكذا، وقولي ماكنت تقولين (3). 8 - في رواية: انه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان جالسا وعنده جوار يغنين ويلعبن " فجاء عمر، فاستأذن، فأسكتهن رسول الله " صلى الله


(1) دلائل الصدق ج 1 ص 390، والتاج الجامع للاصول ج 3 ص 314، والغدير ج 8 ص 65 عن صحيح القرمذي ج 2 ص 294، وصححه وعن مصابيح السنة ج 2 ص 271، وعن مشكاة المصابيح ص 550 وعن الرياض النضرة ج 2 ص 208 وحياة الصحابة ج 2 ص 760 / 761 عن منتخب كنز العمال ج 4 ص 393 عن ابن عساكر وابن عدي، والمشكاة ص 272. عن الشيخين. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 61 والتراتيب الادارية ج 2 ص 131 / 132 عن العقد الفريد وغيره. وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 136 (3) البخاري بهامش فتح الباري ج 7 ص 244. (*)

[ 115 ]

عليه وآله وسلم " حتى قضى حاجته وخرج، فسألته عن هذا الذي كلما دخل قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": اسكتن، وكلما خرج قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": عدن إلى الغناء، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل (1). 9 - في رواية: أن امرأة دخلت على عائشة، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا عائشة اتعرفين هذه ؟ قالت: لا يا نبي الله. قال: هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك ؟ قالت: نعم فاعطاها طبقا فغنتها. فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": قد نفخ الشيطان في منخريها (2). وعن إبن أبي أوفى: استأذن أبو بكر (رض) على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وجارية تضرب بالدف فدخل. ثم استأذن عمر (رض) فدخل. ثم استأذن عثمان (رض) فأمسكت. فقال رسول الله " صلى الله عليه واله وسلم ": ان عثمان رجل حيي (3). ويقول شاعر النيل - محمد حافظ ابراهيم - كما هو موجود في ديوانه، في مقام عده لفضائل الخليفة الثاني: أخاف حتى الذراري في ملاعبها وراع حتى الغواني في ملاهيها أرايت تلك التي لله قد نذرت أنشودة لرسول الله تهديها قالت: نذرت لئن عاد النبي لنا من غزوة لعلى دفي أغنيها ويممت حضرة الهادي وقد ملات أنوار طلعته أرجاء واديها واستأذنت ومشت بالدف واندفعت تشجي بألحانها ما شاء مشجيها والمصطفى وأبو بكر بجانبه لا ينكران عليها ما أغانيها حتى إذا لاح عن بعد لها عمر خارت قواها وكاد الخوف يرديها وخبأت دفها في ثوبها فرقا منه وودت لون الارض تطويها


(1) نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ج 1 ص 402 عن الغزالي. (2) مسند احمد ج 3 ص 449. (3) مسند أحمد ج 4 ص 353 و 354. (*)

[ 116 ]

قد كان علم رسول الله يؤنسها فجاء بطش أبي حفص يخشيها فقال مهبط وحي الله مبتسما وفي ابتسامته معنى يواسيها قد فرشيطانها لما رأى عمرا إن الشياطين تخشى بأس مخزيها كان ذلك هو عمدة ما استدل به القوم لحلية الغناء. ونحن نرى أنه كله لا يسمن ولا يغني من جوع ولتوضيح ذلك نقول: نقض أدلة حلية الغناء: وما دمنا بصدد الحديث عما في تلك الروايات من الوهن والضعف فإننا نرى لزامأ علينا أن نغض النظر عن التكلم في اسانيدها، فان ذلك حديث يطول ولربما يتخيل البعض: أنه ليس لاحد الحق في الخدشة فيما في الصحاح، ولا سيما صحيحي البخاري ومسلم، وبعض ما تقدم موجود فيهما. ونحن وان كنا نعتقد أن هذا خيال باطل، وقد تكلم فيه العلماء وفندوه بما لا مزيد عليه (1). الا أننا - مع ذلك نغض الطرف هنا عن البحث في الاسانيد، استجابة لرغبة هؤلاء، وتجاوبأ مع عاطفتهم. ونعطف النظر إلى البحث في المضمون. فنقول: أولا: إن نصوص بعض تلك الروايات متناقضة كثيرا، ولا سيما الرواية المتقدمة تحت رقم 2 والرواية التي تحت رقم 4 التي عن الصحيحين وغيرهما. ثانيا: إن الكثير من هذه الروايات تدل على حرمة الغناء، لا على حليته، فمثلا:


(1) راجع اضواء على السنة المحمدية، والعتب الجميل، والغدير، وغير ذلك. (*)

[ 117 ]

1 - قوله في الرواية رقم 2: " إن الشيطان ليخاف - أو ليفرق - منك يا عمر " يدل على الحرمة، إذ لو كان مباحا - ولا سيما إذا كان وفاء للنذر - لم يصح منه " صلى الله عليه وآله وسلم " تهجين عملها، واعتباره من الشيطان. 2 - والرواية رقم 3 تدل على ذلك بملاحظة اعتراض عائشة وجوابه " صلى الله عليه وآله وسلم " لها. 3 - في الرواية الرابعة اعتبر ذلك من مزامير الشيطان، ومعنى ذلك: أنه حرام ومرجوح، فيرد سؤال: لماذا يرتكب النبي أمرا هذه صفته ؟ !. أجاب ابن روزبهان: انه فعله اضرورة التشريع. ولكنه كلام لا يصح، إذ قد كان من الممكن الاكتفاء بالتشريع بالقول، فانه أخف وأيسر. وأيضا لو صح ذلك لاقتضى أن يفعل ذلك أمام عامة الناس، لا أن يجلس في بيته وحده ويستمع. ثم كيف يتصور حلية ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطان ؟ !. 4 - وفي الرواية الخامسة: قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إني لانظر شياطين الجن والانس قد فروا من عمر. فإذا كان ذلك مجمعا للشياطين، فلا بد أن يكون حرامأ لا حلالا. 5 - في الرواية الثامنة قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " هذا رجل لا يؤثر سماع الباطل "، فما هو حلال أو مكروه لا يوصف بالباطل. 6 - في الرواية الاخيرة قال " صلى الله عليه وآله وسلم " عن المغنية: " قد نفخ الشيطان في منخريها " وهو يدل على الحرمة ايضأ. حيث جعل الغناء من نفخ الشيطان، ولا ينفخ الشيطان ما هو حلال.

[ 118 ]

ثالثا: لابد أن نسأل: ما هذا الشيطان الذي يخاف أو يفرق من عمر، ولا يخاف من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ وكيف ينعقد النذر لشئ يكون فيه شيطان يفرق من عمر ؟ مع أنه يشترط في النذر كون متعلقه طاعة وراجحا، أو على الاقل أن لا يكون مرجوحا، كما لا يخفى على من راجع أبواب النذر في كتب الحديث، كالبيهقي، والترمذي، وغير ذلك. وكيف يؤثر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سماع الباطل، ولا يؤثره عمر ؟ ! وكيف أصبح عمر هنا أشد التزاما من الرسول الاعظم " صلى الله عليه واله وسلم " ؟ !. وكيف تكون تلك القينة قد نفخ الشيطان في منخريها، ثم يعرض " صلى الله عليه واله وسلم " على عائشة أن تسمع غناءها ؟ وهل تصدر مثل هذه المتناقضات عن عاقل ؟ فضلا عن نبي معصوم ؟ !. وكيف يتستر هذا النبي " صلى الله عليه واله وسلم " في بعض اعماله عن البعض، ويعتبر أن اطلاعه عليه هتك للستر المرخى، وموجب للحط من كرامته وشأنه، ولا يتستر بها عن البعض الآخر ؟ ! ألا يدلنا ذلك على أنها من الاعمال القبيحة، أو على الاقل غير ال لائقة ! !. وابو بكر نراه يزجر عن الغناء في رواية، ولكنه لا يزجر عنه في رواية أخرى، بل عمر هو الذي يزجر ! !. رابعا: كيف يدعو " صلى الله عليه وآله وسلم " عائشة لتنظر إلى لعب السودان بالدرق والحراب وخده على خدها، وهو يشجعهم بقوله: دونكم يا بني أرفدة (1) ؟ !. أفلا ينافي ذلك ما هو معروف عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " من الحياء ؟ حتى لقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها كما ورد، وهل هذا يناسب من يعتبر الحياء من الايمان، ومن كان


(1) البخاري ط الميمنية ج 1 ص 111. (*)

[ 119 ]

ضحكه التبسم ؟ !. وهل ينسجم مع منعه لزوجاته من النظر إلى الاعمى، وقال لهما: أفعمياوان انتما ؟ ! ألستما تبصرانه (1) ؟ ! خامسا: ما هي المناسبة بين الضرب بالدف، وبين رثاء قتلى بدر ؟ وهل إن سكوت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن هذا الامر كما في الرواية الاولى - لو صحت - يدل على رضاه به ؟ ! ولا سيما إذا كان الامر مما يحتاج إلى التدرج في المنع. ومن قال: إن هؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك كانوا يحترمون أوامره " صلى الله عليه واله وسلم " ؟ بل لم يثبت كونهم من المسلمين. سادسا: وأخيرا، إن لدينا روايات كثيرة جدا صريحة في حرمة الغناء، وهي متواترة بلا ريب، ونحن نكتفي منها بذكر ما يلي: 1 - عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخمر، والحرير، والمعازف (2). 2 - عن أنس مرفوعا: صوتان ملعونان فاجران: أنهى عنهما، صوت مزمار، ورنة شيطان عند نغمة مرح، ورنة عند مصيبة. وفي لفظ عبد الرحمان بن عوف: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: انما نهيت عن صوتين أحمقين، فاجرين: صوت عند نغمة لهو، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة إلخ.


(1) راجع: مسند احمد ج 6 ص 296، وطبقات ابن سعد ومصابيح البغوي، ط دار المعرفة ج 2 ص 408 والجامع الصحيح ج 5 ص 102 وسنن أبي داود ج 4 ص 63 / 64. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 221 عن البخاري في الصحيح، والغديرج 18 ص 70 وعنه عن تفسير الالوسي ج 21 ص 76، وقال: أخرجه أحمد، وابن ماجة، وأبو نعبم، وأبو داود باسانيدهم صحيحه لا مطعن فيها، وصححه جماعة آخررن.


[ 120 ]

ومثل ذلك عن الحسن (1). 3 - عن عمر بن الخطاب: ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها من ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت (2). 4 - ا لدف حرام، وا لمعازف حرام، والكوبة حرام، والمزمار حرام. (3) 5 - عن ابن عباس، وأنس، وأبي أمامة، مرفوعا: ليكونن في هذه الامة خسف، وقذف، ومسخ. وذلك إذ شربوا الخمور، واتخذوا ا لقينات، وضربوا با لمعازف (4). 6 - عن أنس، وأبي أمامة مرفوعأ: بعثني الله رحمة للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير، وأمر الجاهلية (5). 7 - عن ابي هريرة مرفوعا: يمسخ قوم في آخر الزمان قردة وخنازير، فسألوه " صلى الله عليه وآله وسلم " عن سر ذلك، فقال: اتخذوا المعازف، وا لد فوف، وا لقينات، إلخ. وروى نحوه من طريق: عبد الرحمان بن سابط، والغازي بن ربيعة


(1) راجع فيما تقدم: المصنف ج 11 ص 6 ونيل الاوطار ج 8 ص 268، وتفسير الشوكاني ج 4 ص 236 والدر المنثورج 5 ص 160 والغديرج 8 ص 69 عنهم ما عدا الاول وعن: كنز العمال ج 7 ص 333، ونقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 248، وتفسير القرطبي ج 14 ص 530. (2) نيل الاوطار ج 8 ص 264، وارشاد الساري ج 9 ص 163 عن الطبراني والغدير ج 8 ص 69 - 70 عنهما. (3) سنن البيهقي ج 10 ص 222. (4) الدر المنثور ج 2 ص 324 والغدير ج 8 ص 70 عنه وعن تفسير الآلوسي ج 21 ص 76 ورواه الطبراني، وأحمد وابن أبي الدنيا. (5) جامع بيان العلم ج 1 ص 153 ونيل الاوطار ج 8 ص 262 والدر المنثور ج 2 ص 32 4 والندير ج 8 ص 70 - 71 عنهم. (*)

[ 121 ]

وصالح بن خالد، وأنس بن أبي أمامة، وعمران بن حصين (1). 8 - أخرج الترمذي من حديث علي مرفوءا: إذا فعلت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء (فذكر منها): إذا اتخذت القينات والمعازف. ومثله عن أبي هريرة (2). 9 - عن صفوان بن أمية، كنا عند النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إذ جاء عمر بن قرة، فقال: يا رسول الله، إن الله كتب علي شقوة، فلا أنال الرزق إلا من دفي بكفي ؟ فأذن لي في الغناء من غير فاحشة. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة. كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله طيبا، فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله. أما إنك لو قلت بعد هذه المقالة لضربتك ضربا وجيعا (3). وعلق الحلبي على هذه الرواية بقوله: " إلا أن يقال: إن هذا النهي - إن صح - محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة، وهو مكروه تنزيها، وقوله: اخترت ما حرم الله عليك للمبالغة في التنفيرعن ذلك (4) ". ولكن قد فات الحلبي: انه إذا كان اتخاذه حرفة مكروها تنزيها، فلماذا يتهدده بالضرب الوجيع ؟ !.


(1) الدر المنثور ج 2 ص 324، واخرجه ابن أبي الدنيا، وابن ابى شيبة، وابن عدي، والحاكم، والبيهقي، وابو داود، وابن ماجة والمدخل ج 3 ص 105 والغدير ج 8 ص 71. (2) نيل الاوطار ج 8 ص 263 والمدخل ج 3 ص 105 والغدير ج 8 ص 71 عنه وعن: نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 249، وتفسير القرطبي ج 14 ص 53 (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 63 عن إبن ابى شيبة. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 62. (*)

[ 122 ]

ولماذا يعتبره عدوا لله تعالى ؟ !. كما أن مقابلة ما حرم الله بالطيب دليل على أن المراد بما حرم الله هو الخبيث وهو المحرم بنص القرآن: قال تعالى: " يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث (1) ". 10 - عن أبي أمامة: لا تبيعوا القينات ولا تشروهن، ولا تعلمونهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: " ومن الناس من يشتري إلخ ". وفي لفظ آخر: لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، واثمانهن حرام، وفي مثل ذلك نزلت هذه الاية إلخ (2). 11 - وعن عائشة مرفوعا: إن الله تعالى حرم القينة، وبيعها، وثمنها، وتعليمها، والاستماع إليها، ثم قرأ: ومن الناس من يشتري لهو الحديث. (3) 12 - وسئل ابن مسعود عن قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث، فقال: هو والله الغناء وفي لفظ: هو والله الغناء، والله الذي لا


(1) الاعراف / 157. (2) نيل الاوطار ج 8 ص 263، وتفسير الشوكاني ج 4 ص 234، والدر المنثورج 5 ص 159، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 442، وارشاد الساري ج 9 ص 163 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 وتفسير الطبري ج 21 ص 39 والغدير ج 8 ص 67 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 14 ص 51 ونقد العلم والعلماء ص 247، وتفسير الخازن ج 3 ص 36 وتفسير الآلوسي ج 2 1 ص 68 والترمذي كتاب 12 باب 51. ونقلوا ان الحفاظ التالية أسماؤهم قد أخرجوه: سعيد بن منصور، وأحمد، وابن ماجة، وابن المنذر، وابن ابي حاتم وابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني، وابن أبي الدنيا. (3) الدر المنثور ج 4 ص 228 والغديرج 8 ص 67 عنه وعن تفسير الآلوسي ج 21 ص 68. (*)

[ 123 ]

إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وعن جابر في الاية: هو الغناء والاستماع له. وفسر الاية بالنناء كل من: ابن عباس، وابن عمر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وميمون بن مهران، وقتادة، والنخعي، وعطاء، وعلي بن بذيمة، والحسن (1). 13 - وفي قوله تعالى لابليس: " واستفزز من استطعت منهم بصوتك (2) قال ابن عباس، ومجاهد: إنه الغناء، والمزامير واللهو (3). 14 - وقد عد الحسن البصري سيئات يزيد فقال: انه سكير خمير، يلبس الحرير، وبضرب بالطنابير (4).


(1) راجع سنن البيهقي ج 10 ص 122 و 223 و 22 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 411 وتفسير الطبري ج 2 1 ص 39 / 40 والمدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 وتفسير ابن كثيرج 3 ص 441 وارشاد الساري ج 9 ص 163 والدر المنثور ج 5 ص 159 / 160 وفتح القدير ج 4 ص 34، ونيل الاوطارج 8 ص 163 والغدير ج 8 ص 68 عمن تقدم وعن تفسير القرطبي ج 14 ص 51 - 53 ونقد العلم والعلماء ص 246، تفسير الخازن ج 3 ص 46 وبهامشه تفسير النسفي ج 3 ص 460 وتفسير الآلوسي ج 21 ص 67. وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن ابي شيبة وابن المنذر، والبيهقي في شعب الايمان، وابن ابي حاتم، وابن مردويه، والفريابي، وابن عساكر. (2) الا سراء / 64. (3) فتح القدير ج 3 ص 241 وتفسير الطبري ج 15 ص 81 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 49، والغدير ج 8 ص 89 عنهم وعن: تفسير القرطبي ج 10 ص 288، ونقد العلم والعلماء 247 وتفسير الخازن ج 3 ص 178 وبهامثه تفسير النسفي ج 3 ص 178 وتفسير ابن جزي الكلبي ج 2 ص 175 وتفسير الآلوسي ج 15 ص 111. (4) الغدير ج 10 ص 225 عن تاربخ ابن عساكر ج 5 ص 412 وتاريخ الطبري ج 6 ص 157 وتاريخ ابن الاثير ج 4 ص 209 والبداية والنهاية ج 8 ص 130 ومحاضرات الراغب ج 2 ص 214 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 141. (*)

[ 124 ]

وكان من جملة ما نقمه أهل المدينة على يزيد: أنه يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان (1). 15 - وعن ابن عباس في قوله تعالى) " وانتم سامدون ": سامدون: هو الغناء بلغة حمير (2). 16 - عن جابر، عنه " صلى الكه عليه وآله وسلم ": " كان ابليس أول من ناح، وأول من غنى " (3). 17 - عن علي " عليه السلام "، عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": " كسب المغني، والمغنية حرام، وكسب الزانية سحت، وحق على الله أن لا يدخل الجنة لحما نبت من سحت (4). 18 - عن علي " عليه السلام ": ان النبي " صلى النه عليه وآله وسلم " نهى عن ضرب الدف، ولعب الطبل، وصوت المزمار (5). وحسبنا ما ذكرناه هنا، ومن أراد المزيد، فليراجع المصادر المشار إليها في الهوامش (6).


(1) الغدير ج 10 ص 255 عن تاربخ الطبري ج 7 ص 4 والكامل لابن الاثير ج 4 ص 45 والبداية والنهاية ج 8 ص 126 وفتح الباري ج 13 ص 59. (2) (3) (4) (5) المدخل لابن الحاج ج 3 ص 104 - 107. (6) راجع: المدخل لابن الحاج ج 3 من ص 96 - 115، وتفسير الطبري ج 28 ص 48 والزهد والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 12 ونيل الاوطار ج 8 ص 264 و 263، وسنن البيهقي ج 10 ص 222، وفتح القدير ج 4 ص 228 وج 5 ص 115، وتفسير ابن كثيرج 2 ص 96 وج 4 ص 260، والفائق للزمخشري ج 1 ص 305، والدر المنثور ج 2 ص 317 و 324، وج 5 ص 159، والغدير ج 8 ص 64 فما بعدها عنهم وعن: القرطبي ج 7 ص 122 وج 14 ص 53 - 54، والكشاف ج 2 ص 211، وتفسير الآلوسي ج 7 ص 72 وج 21 ص 68، وارشاد الساري ج 9 ص 164، وبهجة النفوس لابن أبى حجرة ج 2 = (*)

[ 125 ]

أقوال العلماء في الغناء: وقد ذكر في الغدير: ان امام الحنفية قد حرم الغناء، وهو مذهب مشايخ أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وابراهيم، والشعبي وعكرمة: ونهى مالك عن الغناء، واعتبره من العيوب التي ترد بها الجارية، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابراهيم بن سعد وحده. ونقل التحريم عن جماعة من الحنابلة. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أنه سال اباه عن الغناء، فقال: ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. وعن أصحاب الشافعي العارفين بمذهبه القول بتحريمه كالمزني وغيره. وانكروا على من نسب إليه حئه، كالقاضي أبي الطيب، وله في دم الغناء، والمنع عنه كتاب مصنف ولابي بكر الطرطوشي كتاب في الغناء. وأيضا حرمه الطبري، والشيخ ابو اسحاق في التنبيه، ونص على حرمته المحاسبي، والنحاس، والقفال ونهى عنه القاسم بن محمد، والضحاك، والوليد بن يزيد، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم ممن لا يمكن حصرهم. ونقل ابن الصلاح اجماع أهل الحل والعقد من المسلمين على تحريمه.


= ص 74، وتاريخ البخاري ج 4 قسم 1 ص 234، ونقد العلم والعلماء ص 246 و 248، ونهاية ابن الاثير ج 2 ص 95 وتفسير الخازن ج 3 ص 460 وج 4 ص 212 والنسفي بهامشه، ج 3 ص 465. وأخرجها سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، و عبد الرزاق، والفريابي، وابو عبيد، وابن أبي الدنيا، وابن مردويه، وأبو الشيخ، والبزار، وابن المنذر، وابن أبب حاتم، والبيهقي.. وأما قول ابن الزبير: ما أعلم رجلا من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم، أو نحو ذلك المصنف ج 1 ص 5 / 6 وسنن البيهقي 10 ص 225، فانما المقصود هو الترنم والتغني بانشاد الشعر، وليس الغناء، كما ذكره ابن الحاج ج 3 ص 98 و 109. (*)

[ 126 ]

وذكر الطبري اجماع أهل الامصار على كراهته، والمنع عنه سوى ابراهيم بن سعد، و عبد الله العنبري (1). الغناء عند اهل الكتاب: وإذا كان الغناء أمرا غريبا عن الاسلام، فلا بد أن نتسأل من أين تسرب هذا الامر إلى بعض المسلمين، حتى اصروا على حليته، وممارسته وحتى أصبح من شعار الصوفية، كما هو معلوم. والجواب: ان ذلك قد تسرب إليهم من أهل الكتاب. فقد قال ابن كثير: وهو يتحدث عن مريم أخت عمران التي كانت في زمان موسى: " وضربها بالدف في مثل هذا اليوم، الذي هو أعظم الاعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد " (2) ثم يحكم ابن كثير بالجواز في الاعياد وعند قدوم الغياب، تماما على وفق ما استنبطه من رواية مريم ! !. سر الوضع والاختلاق: ولربما يكون سر الاصرار على نسبة ذلك إلى نبي الامة " صلى الله عليه وآله وسلم " وإلى الاسلام هو: 1 - اننا نجد: أن عائشة وعمر بن الخطاب كانا يحبان الغناء واللهو وسعتمعان إليه. أما بالنسبة لعائشة: " فقد روى البخاري وغيره: أنها كانت تشجع


(1) ذلك كله في كتاب: الغدير ج 8 ص 72 - 74 والمدخل لابن الحاج - ج 3 ص 96 - 110. وفي هذا الاخير زيادات هامة لم نذكرها روما للاختصار. (2) البداية رالنهاية ج 1 ص 276. (*)

[ 127 ]

على ذلك، وتقول: " فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو (1). كما وأنها قد أذنت لمغن (رجل ! !) يغني لبعض الجواري اللواتي خفضن، وإن كانت قد عادت فأمرت باخراجه (2). وبالنسبة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فقد قال ابن منظور: " قد رخص عمر في غناء الاعراب " (3). واستاذنه خوات بن جبير بان يغني، فاذن له، فغنى، فقال عمر: أحسن خوات، أحسن خوات (4). وسمع رباح بن المغترف يغني، فسأل عن ذلك، فاخبروه، فقال: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، وقريب من ذلك جرى له مع خوات أيضا (5). وعن العلاء بن زياد: أن عمر كان في مسيره ؟ فتغنى، فقال: هلا زجرتموني إذ لغوت (6) ؟ ! وقد عده الشوكاني والعيني: أنه ممن أباح


(1) مصنف عبد الرزاق ج 10 ص 465، وصحيح البخاري ط مشكول ج 9 ص 223 و 270 وحياة الصحابة ج 2 ص 761 عن المشكاة ص 272 عن الشيخين، ودلائل الصدق ج 1 ص 393. (2) سنن البيهقي ج 10 ص 224. (3) لسان العرب ج 15 ص 137 مادة: غنا. (4) الغدير ج 8 ص 79 عن كنز العمال ج 7 ص 335. (5) نسب قريق لمصعب ص 448 وسنن البيهقي ج 10 ص 224 والاصابة ج 2 ص 209 والغدير ج 8 ص 79 عن البيهقي، وعن الاستيعاب ج 1 ص 86، و 170 وعن الاصابة ج 1 ص 502 و 457 وج 8 ص 209 وعن كنز العمال ج 7 ص 335، وتاريخ ابن عساكر ج 7 ص 35. (6) الغدير ج 8 ص 80 عن كنز العمال ج 7 ص 335. (*)

[ 128 ]

الغناء هو وعثمان (1). وقد استعاد غناء زيد بن سلم، وعاصم بن عمر، وأبدى رأيه فيه، كما ذكره ابن قتيبة فراجع (2). فلعل جعل الانكار على الجواري اللواتي كن يغنين في بيت الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " من قبل عمر بالذات في اكثر المروبات السابقة. - لعله - يهدف إلى التشكيك في هذا الذي شاع عنه، أو للتخفيف من قبح نسبته إليه، حين يرى الناس أن النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه يستمع الغناء، ويجعل مزامير الشيطان في بيته، ويؤثر سماع الباطل ! ! فلا غضاضة بعد على غيره إن هو فعل شيئا من ذلك. 2 - إن اكثر تلك المنقولات التي تريد اثبات حلية الغناء تحاول التأكيد على دور عائشة، حتى إنها وهي تنظر إلى الحبشة كان " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول لها: أما شبعت ؟ فتقول: لا، لتنظر منزلتها عنده، وذلك يوحي لنا بان ثمة يدا تحاول اثبات فضيلة لام المؤمنين، والاشارة أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يراعيها ويحبها. ثم ان في الروايات اشارات واضحة إلى الاهتمام باثبات فضائل لعمر، وابي بكر، وعثمان، واثبات مدى تمسكهم بالدين، ومحاماتهم عنه، حتى وإن كان ذلك عن طريق النيل من كرامة النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، والطعن في نزاهته وعصمته ! !. 3 - إننا لا نريد، أن نبرئ أيضا يد الامويين والعباسيين من عملية الدس، والوضع والاختلاق على النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". فقد كان ثمة من يهتم بإضفاء صفة الشرعية والقداسة على كل فعل من أفعالهم.


(1) نيل الاوطار ج 8 ص 266، والغديرج 7 ص 78 عنه وعن: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج 5 ص 160. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 322. (*)

[ 129 ]

ويوضح ذلك قصة المهدي مع غياث بن ابراهيم، حينما دخل عليه فوجده يلعب بالحمام، فروى له حديث: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر. وزاد فيه كلمة: " أو جناح "، ارضاء لرغبة المهدي، فامر له المهدي ببدرة، فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب (1). ولا زلنا نقرأ في كتب التاريخ والادب العجائب والغرائب حول اهتمام خلفاء بني أمية وبني العباس في امر الغناء واللهو. وكانوا يعطون المغنين اعظم الجوائز، بالعشرات وبمئات الالوف (2) حتى لقد قال اسحاق الموصلي شيخ المغنين " لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة (3). نزول رسول الله " صلى الة عليه واله وسلم " في قباء: ويقول أهل الحديث والتاريخ: إنه بعد أن استقبل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ذلك الاستقبال الحافل عدل إلى قباء، ونزل في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم. وفي ذلك اليوم أصر عليه أبو بكر ليدخل المدينة، فرفض. وأخبره: أنه لا يريم حتى يقدم عليه ابن عمه، وأخوه في الله، وأحب أهل بيته إليه، الذي وقاه بنفسه، على حد تعبيره " صلى الله عليه وآله وسلم ".


(1) الاسرار المرفوعة في الاخبار الموضوعة للقاري ص 469، واللآلي المصنوعة ج 2 ص 470، وراجع: الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 42، ولسان الميزان ج 4 ص 422، وميزان الاعتدال ج 3 ص 338 والمجروحون ج 1 ص 66 وتاريخ الخلفاء ص 275 والمنار المنيف ص 107. (2) راجع: ربيع الابرارج 1 ص 675 ففيه أن الرشيد اعطى ابرهيم الموصلي مئة الف لاحسانه في الغناء، وحسبك بعض ما أورده أبو الفرج في كتابه: الاغاني فراجعه. (3) راجع كتاب: حياة الامام الرضا السياسية (للمؤلف) ص 118 عن الاغاني ط دار الكتب بالقاهرة ج 5 ص 163.

[ 130 ]

فغضب أبو بكر، واشمأز، وفارق النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ودخل المدينة في تلك الليلة، وبقي " صلى الله عليه وآله وسلم " ينتظر أمير المؤمنين " عليه السلام " حتى وافاه بالفواطم، وأم ايمن (1) في النصف من ربيع الاول (2). ونزل مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على كلثوم بن الهدم (3). ويرى البعض: أن الذي قدم بالعيال هو زيد بن حارثة وأبو رافع. ورفع الحلبي التنافي باحتمال أن يكون الكتاب الذي أرسله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى علي " عليه السلام " حين كان " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء كان معهما، ثم رافقا عليا في الطريق، وعادا معه (4). فنسب البعض المجيئ بالعيال إليهما، وتجاهل دور أمير المؤمنين الرائد، وموقفه في الدفاع عنهما لحاجة في نفسه قضاها. تأسيس مسجد قباء: وخلال اقامته " صلى الله عليه وآله وسلم " في قباء أسس مسجد قباء المعروف، ويبدو أن صاحب الفكرة، والمباشر أولا في وضع المسجد هو عمار بن ياسر (5).


(1) راجع فيما ذكرناه كتاب: البحار ج 19 ص 106 و 115 / 111 و 75 / 76 و 64 عن روضة الكافي ص 340، واعلام الورى ص 66 والخراثج والجرائح، وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 35 وامالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 83. (2) راجع امتاع الاسماع ص 48. (3) راجع البحار ج 19 والبداية والنهاية ج 3 ص 197. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 53. (5) وفاء الوفاء ج 1 ص 250، والسرة الحلبية ج 2 ص 55. عن ابن هثام وغير ذلك. (*)

[ 131 ]

ومسجد قباء هو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى: " لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أحق ان تقوم فيه (1) ". ولسوف نتحدث عن ذلك في غزوة تبوك، إن شاء الله تعالى. أحجار الخلافة: وتذكر هنا رواية " أحجار الخلافة " المكذوبة، ويذكرونها أيضا حين تأسيس مسجد المدينة، ولذا فنحن نرجئ الحديث عنها إلى هناك. اول مسجد في الاسلام: ومسجد قباء هو أول مسجد بني في الاسلام، كما صرح به ابن الجوزي وغيره (2). وقد تقدم حين الكلام على هجرة ابي بكر إلى الحبشة، وارجاع ابن الدغنة له، عدم صحة قولهم: إن أبا بكر هو أول من بنى مسجدا في الاسلام، فراجع. ويبدوأن بعض النساء قد شاركن في بناء مسجد قباء، فعن ابن أبي أوفى لما توفيت امرأته جعل يقول: احملوها وارغبوا في حملها، فانها كانت تحمل - ومواليها - بالليل حجارة المسجد الذي اسس على التقوى، وكنا نحمل بالنهار حجرين حجرين (3). وبعد، فان الظاهر هو أن تأسيس مسجد قباء كان بعد قدوم أمير


(1) التوبة / 108. (2) وفاء الرفاء ج 1 ص 250 والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 وراجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 76. (3) مجمع الزوائد ج 2 ص 10 عن البزار، وحياة الصحابة ج 3 ص 112 عنه. (*)

[ 132 ]

المؤمنين " عليه السلام "، إذ قد ورد: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر أبا بكر بان يركب الناقة، ولمجمير بها ليخط المسجد على ما تدور عليه، فلم تنبعث به، فأمر عمر فكذلك، فامر عليا، فانبعثت به، ودارت به، فاسس المسجد على حسب ما دارت عليه، وقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": إنها مامورة (1). صلاة الجمعة في قباء: ويذكرون هنا أيضا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد صلى الجمعة في قباء، أوفي طريقه منها إلى المدينة (2). بل لقد قال بعضهم: إن الجمعة قد فرضت في مكة، لكنهم لم يقيموها لعدم تمكنهم من ذلك (3). ولعل إلى هذا ينظر ابن غرس، حيث يقول: اإن اقامة الجمعة لم تكن بمكة قط (4) ". بل ربما يشك في ذلك في المدينة أيضا، في هذا الوقت المبكر على اعتبار: أن سورة الجمعة قد نزلت بعد الهجرة بسنوات، بل هي من أواخر ما نزل من القرآن (5). لكن من المعلوم: أن سورة الجمعة إنما تتحدث عن لزوم السعي إلى الجمعة التي تقام، وليست ناظرة إلى أصل تشريع صلاة الجمعة، فلعلها كانت مشروعة قبل ذلك، وكانت تقام، لكن بعض المسلمين كان يتهاون


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 251، وتاريخ الخميس ج 1 ص 338 وراجع تاريخ جرجان 144 لكن في العبارة سقط. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 59 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 68. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 9 و 12 و 59. (4) الاتقان ج 1 ص 37، والسيرة الحلبية ج 2 ص 59. (5) الاتقان ج 1 ص 13 و 11. (*)

[ 133 ]

بالسعي إليها فنزلت آيات سورة الجمعة لاجل ذلك. ولعل هؤلاء المتهاونين هم الذين هددهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بإحراق بيوتهم إن استمروا على مقاطعة صلاة الجمعة (1) فراجع كتب الحديث والتاريخ. وأما الاشكال على ذلك بان إقامتها في قباء معناه أنه (ص) قد صلاها في السفر. فهو في غير محله، إذ من الممكن أن يكون (ص) قد نوى الاقامة في قباء إلى حين قدوم علي (ع) بالفواطم مع علمه بان ذلك سيمتد إلى أكثر من عشرة أيام وقد ذكروا أنه (ص) قد أقام في قباء خمسة عشر يوما (2). كما أن من الممكن أن تكون قباء في ذلك الزمان في محيط المدينة بحيث تعد من محلاتها، ومن وصل إليها فكأنه وصل إلى المدينة، ولا يعد مسافرا بعد. وقد تقدم بعض الكلام عن صلاة الجمعة في فصل بيعة العقبة، فراجع.


(1) سيأتي ذلك مع مصادره في غزوة بني النضير، في فصل: القرار والحصار. (2) البحارج 19 ص 106 عن اعلام الورى والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري وراجع ص 59 وعن مسلم: أنه أقام أربعة عشر يوما وتيل غير ذلك. (*)

[ 135 ]

القسم الثالث: حتى غزوة الخندق

[ 137 ]

الباب الاول: من الهجرة إلى بدر

[ 139 ]

الفصل الاول: النبي (ص) في المدينة

[ 141 ]

ورود النبي (ص) المدينة: بعد خمسة عشر يوما (1) من إقامته " صئى الله عليه وآله وسلم " في قباء، تحرك إلى داخل المدينة. وقد اختلف المؤرخون في التاريخ الدقيق لخروجه (ص) من مكة، ودخوله قباء ثم المدينة اختلافا كثيرأ، مع اتفاقهم على أنه قد دخلها في أوائل ربيع الاول (2). وقد حقق العلامة المجلسي: أن هجرته (ص) كانت في يوم الاثنين، أول ربيع الاول، ووروده المدينة في يوم الجمعة الثاني عشر منه، كما ذهب إليه المفيد، وادعى البعض الاجماع عليه (3) وتقول رواية: إنه (ص) وصل قبل بزوغ الشمس. وكان هو وأبو بكر يلبسان ثيابا بيضا متشابهة، فكان يشتبه الامر على الناس، فيسلمون على أبي بكر، يظنونه النبي (ص)، حتى بزغت الشمس، وأصابت النبي (ص)، فظلل عليه أبو بكر، فعرفه الناس حينئذ (4)


(1) البحار ج 19 ص 106 عن أعلام الورى، والسيرة الحلبية ج 2 ص 55 عن البخاري، وعن مسلم: أنه أقام 14 يومأ، وقيل غير ذلك. (2) راجع: البحار ج 58 ص 366، والمواهب اللدنية ج 1 ص 67، وتاريخ الخميس ج 1 ص 337. (3) راجع أدلته في البحار ج 8 ص 366 و 367. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 337. وثمة ما يشير إلى ذلك في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 2 ص 52، دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 498 و 499، البداية والنهاية ج 3 ص 186 وراجع السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 137. (*)

[ 142 ]

ولكن هذه الرواية غير صحيحة قطعا، فإن النبي (ص) قد وصل إلى المدينة في حر الظهيرة، كما نصق عليه المؤرخون (1). رلو قلت: لعل المراد أنه وصلها في طريقه من مكة، حيث عدل إلى قباء، حين الظهيرة. فإن الجواب هو: ا - إنه قد تقدم: أن أهل المدينة كانوا ياتون كل يوم أفواجأ إلى قباء، فيسلمون عليه (ص)، وذلك يذل على أنه (ص) قد كان معروفا عند أهل المدينة قبل قدومه إليها، فكيف يذعى: أنه (ص) كان يشتبه على الناس بابي بكر حتى ظئل أبو بكر عليه ؟ ! ومع غضق النظر عن ذلك، فإن شخصية النبي (ص) كانت تدذ عليه، وكانت تختلف كثيرا عن شخصية أبي بكر، وقد وصفته أم معبد لزوجها حتى عرفه (2). وتقدمت صفة أبي بكر على لسان ابنته عائشة. 2 - ثم انه قد تقدم القول بانه " صلى الله عليه وآله وسئم " قد صلى الجمعة، وهو في طريقه إلى المه. ينة (3) وهذا معناه: أنه (ص) قدمها بعد الظهر بقليل، فإن المسافة بين قباء والمدينة ليست كبيرة، كما هو معلوم. 3 - أضف إلى كل ما تقدم: أنه إذا كان (ص) أكبر من أبي بكر بسنتين، فما معنى قولهم لابي بكر: من هذا الغلام بين يديك (ا) ؟ ! وهل (أ) راجع: تاريخ الخميس ج ا ص 336 و 337، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 1 37، وصحيح البخاري ط سنة 1309 د. ج 2 ص 213، والسيرة الحلبية ثغ 2 ص 52. " 2) تاريخ الخميس ج ا ص 334 / 335، السيرة الحلبية ج 2 ص 49 / 55، دلائل النبوة ج أ ص 279. (3) المواهب اللدنية ج ا ص 67، سيرة ابن هثام ج 2 ص 139، تاريخ الخميس ج ا ص 339 والبحار ج 8 ص 367، ودلائل النبوة ج 2 ص 500.

[ 143 ]

يقال لمن بلغ ثلاثا وخمسين سنة: إنه غلام ؟ ! ! لا أن يجاب عن هذا بان الغلام قد يطلق على الكبير كما على الصغير على حد سواء. ولكن يبقى سؤال: أنهم كانوا على علم بهجرته (ص) فما معنى سؤال أبي بكر عنه. وقد تقدم أن المئات منهم قد خرجوا يستقبلونه. منزل النبي (ص) في المدينة: وفي يوم الجمعة ركب " صلى الله عليه وآله " راحلته، وتوجه إلى المدينة، وعلي " عليه السلام " معه لا يفارقه، يمشي بمشيه. ولا يئر ببطن من بطون الانصار إلا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول: ختوا سبيل الناقة، فإنها مامورة. فانطلقت به، ورسول الله " صلى الله عليه وآله " واضع لها زمامها، حتى انتهت إلى موضع مسجد النبي " صلى الله عليه وآله "، فوقفت هناك، وبركت، ووضعت جرانها على الارض. وذلك بالقرب من باب أبي أيوب الانصاري، أفقر رجل بالمدينة (2). فادخل أبو أيوب - أو أفه - الرحل إلى منزلهم، ونزل " صلى الله عليه وآله وسلم " عنده، وعلي " عليه السلام " معه، حتى بنى مسجده ومنازله (3). فقيل: مكث عند أبي أيوب سنة تقريبا، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: شهرا واحدا (4) ونحن نستقرب هذا الاخير، إذ يبعد أن يستمر العمل


(1) الغدير ج 7 ص 258، عن مصادر كثيرة، السيرة الحلبية ج 2 ص 41، مسند أحمد خ 3 ص 287. (2) البحار ج 19 ص 121، وراجع: مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 185. (3) روضة الكافي ص 339 / 340، والبحار ج 19 ص 116 عنه. (4) البدء والتاريخ ج 4 ص 178، ووفاء الوفاء ج 1 ص 265، والسيرة الحلبية ج 2 ص 64.

[ 144 ]

في المسجد طيلة هذه المدة والانصار والمهاجرون يعملون في البناء بجد واجتهاد، وهو (ص) يعمل معهم. أما سائر المهاجرين، فقد تنافس فيهم الانصار، حتى افترقوا عليهم بالسهمان (1). ابن سلام والاسلام: ويقول المؤرخون وأهل الحديث من غير مدرسة أهل البيت " عليهم السلام ": إن عبد الله بن سلام اليهودي لما سمع الضجة، حين قدوم رسول الله " صلى الله عليه وآله " المدينة، أسرع إليه، فلما رآه وسمع كلامه، عرف أن وجهه ليس بوجه كذاب (2). ويقولون أيضا: إنه ساله حينئذ ثلاث مسائل لا يعلمها إلا نبي، فأجابه (ص) عنها، فاسلم. ثم طلب من النبي (ص) أن يسال اليهود عنه قبل أن يعلموا بإسلامه، فسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فلما علموا بإسلامه، قالوا: شرنا وابن شرنا (3). ويقولون أيضا: إن عبد الله بن سلام هذا هو الذي أنزل الله تعالى فيه " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، فامن واستكبرتم " (4). (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 64. (2) الاصابة ج 2 ص 320 عن أحمد واصحاب السنن والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 382 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 13 وتلخيصه للذهبي نفس الصفحة. (3) البخاري هامش الفتح ج 7 ص 212 / 213 برواية ابن سلام نفسه، والاصابة ج 2 ص 321، والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 382. (4) أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 3 ص 176 صحيح البخاري هامش الفتح ج 7 ص 97 والاستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 383 عن بعض المفسرين، والدر المنثورج 4 ص 69 عن: أبي يعلى، وابن جرير، والحاكم، والنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، والترمذي، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن عساكر. (*)

[ 145 ]

ونزل فيه أيضا: " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " (1). إلى غيرذلك مما يقولونه في هذا الرجل مما لا مجال لذكره هنا. ونحن نسجل هنا النقاط التالية: أولا: إنه عدا عن التناقض الظاهر في الروايات التي تتحدث عن كيفية إسلام ابن سلام، كما لا يخفى على من راجعها، فإننا نجد البعض يقول: إنه قد " تأخر إسلامه إلى سنة ثمان، قال قيس بن الربيع، عن عاصم، عن الشعبي، قال: أسلم عبد الله بن سلام قبل وفاة النبي " صلى الله عليه وآله " بعامين " (2). وقد ضعف العسقلاني هذه الرواية سندا بقيس بن الربيع، وغلطها (3). ولكننا نقدر: أن مستنده في ذلك هو الروايات المتقدمة الدالة على أنه أسلم أول الهجرة. ونحن لا نستطيع قبول ذلك منه، فإن الشعبي أقرب عهدا من العسقلاني. وقد عين لنا سنة إسلامه، بشكل يدل على أنه لا يرسل الكلام على عواهنه. ثم إنه لو كانت لابن سلام كل تلك العظمة التي أشارت إليها روايات إسلامه وغيرها، فلماذا لم نسمع عنه في تلك السنين الطويلة منذ الهجرة، وإلى سنة ثمان أي قول أو رأي، أو موقف ! ! مع أن التاريخ قد


(1) الاصابة ج 2 ص 321، والاستيعاب بهامشه ج 2 ص 383، والدر المنثور ج 4 ص 69 عن: ابن مردويه، وابن جرير، وابن أبي شيبة، وابن سعد، وابن المنذر. (2) الاصابة ج 2 ص 320. (3) الاصابة ج 2 ص 320 وفتح الباري ج 7 ص 97. (*)

[ 146 ]

ذكر لنا كثيرا من مواقف صغار الصحابة ممن أسلم عام الفتح، بل وحتى الذين لم يروا النبي (ص) إلا في طفولتهم، فكيف سكت عن هذا الرجل الخطير ! ! برأيهم ؟ !. أما تضعيف العسقلاني لقيس بن الربيع، فهوفي غير محله، فإنه هو نفسه قد نقل توثيقه من قبل: عفان بن قيس، والثوري، وشعبة، وأبي الوليد، وابن عدي. وأثنى عليه يعقوب وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو حاتم، وشريك، وابن حبان، والعجلي، وأبو حصين، ويحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، وابن عيينة، وأبو نعيم وغيرهم (1). ولكن سر الطعن عليه من العسقلاني، أو من غيره، هو ما أشار إليه أحمد، حيث قال: " كان يتشيع، ويخطئ، في الحديث (2) ". رغم أنهم يذكرون: أن عامة رواياته مستقيمة (3) والذي يذكر هذا الطعن عليه بالتشيع هو أحمد بن حنبل، وليس ذلك غريبا عنه، فإنه عاش في زمن المتوكل الناصبي، الذي فعل بابن السكيت ما فعل، حيث أمر بان يسل لسانه من قفاه، ففعل به ذلك فمات، لانه لم يرض بتفضيل ولديه على الحسنين " عليهما السلام " (4). كما انه قد أمر المغنين بان يغنوا نكاية بولده المنتصر، الذي لم يرض بتنقصه لامير المؤمنين علي " عليه السلام ": غار الفتى لابن عمه رأس الفتى في حرأمه (5)


(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 392 - 395. (2) تهذيب التهذيب ج 2 ص 394. (3) تهذيب التهذب ترجمة قيس ج 8. (4) الكنى والالقاب ج 1 ص 314 / 315 وراجع: وفيات الاعيان ج 6 ص 395 و 396 و 400 و 401 وتاريخ الخلفاء ص 348. (5) الكامل لابن الاثير ج 7 ص 55. (*)

[ 147 ]

وقد ضرب رجلا ألف سوط، لانه روى رواية واحدة في فضل علي " عليه السلام ". وهو الذي حرث قبر الحسين " عليه السلام " ومنع الناس من الوفود إلى زيارته (1). نعم، هذه هي بعض أفاعيل المتوكل. وقد كان لاحمد بن حنبل عند المتوكل هذا منزلة عظيمة، حتى إنه يدفع إليه ولده المعتز وسائر أولاده وولاة عهده ليقوم على تعليمهم (2). قال ابن كثير: " وكان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الامام أحمد (3). فبماذا استحق أحمد عند هذا الرجل الطاغية هذه المنزلة العظمى يا ترى ؟ أما نصب الحنابلة، فهو موضوع آخر لا مجال للتعرض له هنا (4). وثانيا: بالنسبة لاية: او شهد شاهد من بني إسرائيل " إلخ، نشير إلى ما يلي: 1 - لقد روي: أن هذه الاية قد نزلت في ميمون بن بنيامين، في قصة شبيهة بالقصة المنقولة عن ابن سلام تقريبا (5). وروي عن الزهري، ومجاهد، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعمر، وقتادة خلاف ذلك أيضا،


(1) الكامل لابن الاثير ج 7 ص 55. (2) مناقب الامام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص 385 و 364، وأحمد بن حنبل والمحنة ص 190، وحلية الاولياء ج 9 ص 209. (3) البداية والنهاية ج 10 ص 316. (4) للاطلاع على شطر من ذلك راجع كتاب: بحوث مع أهل السنة والسلفية. (5) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 40 عن عبد بن حميد، وفتح الباري ج 7 ص 98، والاصابة ج 3 ص 471. (*)

[ 148 ]

فراجع (1). ب - لقد ورد عن الشعبي، أنه قال: ما نزل في عبد الله أي ابن سلام شئ من القرآن (2). ج - قال عكرمة: " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الاية مئهية. فيقول: من آمن من بني إسرائيل، فهو كمن آمن بالنبي (ص). وأقسم مسروق على مثل ما جاء عن عكرمة. وكذلك قال الشعبي أيضا. وأنكر ذلك أيضا أبو عمر استنادا إلى نفس حجة عكرمة (3) وجعل هذة الاية مدنية استنادا إلى رواية ابن سلام ليس له ما يبرره، بعد إنكار هؤلاء الذين هم أقرب إلى زمن النبي (ص) لذلك، وبعد ما تقدم عن الشعبي وغيره. د - إن ظاهر الاية هو أنها خطاب للمشركين الذين استكبروا، مع كون بعض بني إسرائيل الذين، يعتمدون على أقوالهم، قد آمن. ولا يناسب أن تكون خطابا لليهود، لانهم هم أيضا من بني إسرائيل، إذ كان الانسب أن يقول لهم " منكم ". وهذا يؤيد ما تقدم عن عكرمة، وا لشعبي، ومسروق، وغيرهم. ه‍ - لقد صرح الطحاوي بان النبي (ص) لم يصرح بنزولها في ابن


(1) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن مصادر كثيرة، وراجع: مشكل الاثار ج 1 ص 137. (2) مشكل الاثار ج 1 ص 137، وفيه أن سعيد بن جبير قد وافق الشعبي في نفي نزول الاية في ابن سلام، والدر المنثورج 4 ص 69، وج 6 ص 39 / 4 0 عن ابن المنذر، ودلائل الصدق ج 2 ص 135 عنه، والميزان ج 11 ص 389. (3) الاستيعاب (هامش الاصابة) ج 2 ص 383، وفتح الباري ج 7 ص 98، والدر المنثورج 6 ص 39 عن ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن المنذر. (*)

[ 149 ]

سلام، وإنما مالك هو الذي استنبط ذلك (1). وثالثا: بالنسبة إلى قوله تعالى: " ومن عنده علم الكتاب "، نقول: 1 - قد تقدم أنه قد روي عن الزهري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبن عمر، وقتادة، وعمر، ما يخالف هذا القول، الذي لم يرد إلا عن جندب، وكذا عن ابن عباس، ومجاهد في إحدى الروايتين عنهما. 2 - قد تقدم عن الشعبي: أنه لم ينزل في ابن سلام شئ من القرآن. 3 - قد أنكر ذلك أيضا كل من عكرمة، والحسن، والشعبي، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، استنادا إلى أن السورة مكية، واسلام ابن سلام كان بعد (2). 4 - إنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب قد أسلم بعد نزول هذه الاية، لانه سمع النبي (ص) يقرؤها مع آيات أخر في صلاته، فانتظر عمر حتى سلم، فاسرع في أثره وأسلم (3). وإنما أسلم عمر في مكة كما هو معلوم. 5 - هناك روايات متواترة تنص على أن المقصود ب‍ " من عنده علم الكتاب " هو أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، وأنه هو العالم بالتفسير


(1) مشكل الاثار ج 1 ص 139. (2) مشكل الاثار ج 1 ص 137 و 138، والاستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 383، والدر المنثور ج 4 ص 69 عن النحاس في ناسخه، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ودلائل الصدق ج 2 ص 135 عن الدر المنثور، وغرائب القرآن للنيسابوري ج 13 ص 105 (مطبوع بهامش جامع البيان)، والاتقان ج 1 ص 12، وإحقاق الحق ج 3 ص 280 - 284، والجامع لاحكام القرآن ج 9 ص 336، وينابيع المودة ص 104 و 103. (3) الدر المنثور ج 4 ص 69 عن عبد الرزاق، وابن المنذر عن الزهري. (*)

[ 150 ]

والتاويل، والناسخ والمنسوخ، والحلال والحرام. وهذه الروايات مروية عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والامام محئد الباقر " عليه السلام ". والسدي، وزيد بن عل رحمه الله، والامام موسى بن جعفر " عليه السلام "، وأبي صالح (1). ومن الطريف هنا ما جاء عن أبي صالح، في قوله عزوجل: " ومن عنده علم الكتاب "، قال: رجل من قريش، هو علي ولكن لا نسميه (2). لماذا لا تسميه أيها الرجل ؟ ولماذا تكتم الحق، وانت تعلم ؟ أليس ذلك خوفا من الرمي بالتشيع، المساوي للرمي بالزندقة، ثم البلاء والشقاء من أعداء علي وأهل بيته، الذين كانوا هم أصحاب الملك والسلطان ؟ ! حتى لقد قال الشاعر: ومتى تولى آل أحمد مسلم قتلوه أو وصموه بالالحاد (3) ملاحظتان: الاولى: إننا لا نستبعد أن يكون معاوية وحزبه اللذين كان ابن سلام يهتم في دعمهم وتاييد سلطانهم، قد كانوا وراء إعطاء هذه الفضيلة


(1) راجع: شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 308 و 310 و 307، ومناقب ابن المغازلي الحديث رقم 361، والخصائص ص 26، وغاية المرام ص 357 و 360 / 154 عن تفسير الثعلبي والحبري مخطوط، ودلائل الصدق ج 2 ص 135 عن ينابيع المودة ص 102 - 105 ونقل عن أبى نعيم، وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 362 - 365 وج 3 ص 451 و 452 متنا وهامشا، وج 3 ص 280 - 285 متنا وهامشا، وج 20 ص 75 - 77 عن العديد من المصادر، والعمدة لابن بطريق ص 124، والجامع لاحكام القرآن ج 9 ص 336. (2) شواهد التنزيل ج 1 ص 310. واحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 364. (3) راجع كتاب: حياة الامام الرضا السياسية للمؤلف، فصل سياسة العباسيين ضد العلويين، ورسالة الخوارزمي لاهل نيشابور في مجمرعة رسائل الخوارمي. (*)

[ 151 ]

لعبد الله بن سلام. ويدل على ذلك ما روي عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: ومن عنده علم الكتاب، علي. قال معاوية بن أبي سفيان: هو عبد الله بن سلام. قال سعد: أنزل الله: " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " وأنزل: " أفمن كان على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه " فالهادي من الاية الاولى، والشاهد من الاية الثانية، علي، لانه نصبه " صلى الله عليه وآله وسلم " يوم الغدير، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. فسكت معاوية، ولم يستطع أن يردها (1). الثانية: إن مما يلفت النظر هنا: أن نجد هذا الذي تنسب إليه فضائل أمير المؤمنين " عليه السلام "، ويدعى زورا: أنه هو المعني بها - نجده - على الدوام من أعوان خصوم علي " عليه السلام "، ومن الممالئين لاعدائه، ولم يبايع له حينما بويع بالخلافة (2). ولعل هذا هو السر في الاهتمام بشانه، وإظهاره على أنه شخصية لها شأن ومقام، وقدم، بل وفضل، في إثبات صدق النبي (ص)، وصحة ما جاء به. ويذكر أبو رية: أن ابن سلام هذا كان يدخل من إسرائيلياته في السلام (3). وقد كان اليهود يبغضون جبرائيل " عليه السلام "، ولعل هذا هو السر في أن عبد الله بن سلام يفسر اللهو في آية " وإذا رأوا تجارة أو لهوا


(1) ينابيع المودة ص 104 وكتاب سليم بن قيس. (2) راجع: بالنسبة لعدم بيعته لعلي " عليه السلام ": شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 9. (3) راجع: شيخ المضيرة، وأضواء على السنة المحمدية. (*)

[ 152 ]

انفضوا إليها ". فيقول: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، فقد ورد: أن جبرئيل كان ياتي إلى النبي (ص) في صورة دحية هذا (1). هذا، ويجب التذكير بان بعض الخلفاء، ولا سيما عثمان، كانوا يستشيرونه في أمور هامة، فيشير عليهم بما يراه. وقد دافع عن عثمان وهو محصور بلسانه ولكنه لم ينصره بيده (2) رغم وعده له بذلك. وقد اعتبره المحاصرون لعثمان أنه لا يزال على يهوديته، فحاول أن ينفي ذلك عن نفسه (3). بل كان هو وكعب الاحبار، وغيرهما من زعماء اليهود والنصارى، الذين أظهروا الاسلام، مصدرا للكثير من المواقف الخطيرة في الدولة الاسلامية، وكانا بمثابة مستشارين للهيئة الحاكمة في كثير من الشؤون. وبعد، فإننا نسأل الله أن يوفقنا لنشر كتاب يرتبط باثر أهل الكتاب في ا لسياسة وا لعقائد، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وغير ذلك.


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 190. (2) راجع أقواله في: المصنف للصنعافط ج 11 ص 444 و 445 و 446، وفي هامشه عن ابن سعد في طبقاته ج 3 ص 83، وحياة الصحابة ج 3 ص 540، ومجمع الزوائد ج 9 ص 92 و 93 وراجع الاصابة ج 2 ص 321. (3) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 223 / 224. (*)

[ 153 ]

الفصل الثاني: قضايا وأحداث غير عسكرية

[ 155 ]

عودة بعض المهاجرين من الحبشة: وبلغ المسلمين في الحبشة نبأ هجرة الرسول " صلى المة عليه وآله وسلم " والمسلمين إلى المدينة، فرجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، وثماني نسوة، فمات منهم رجلان في مكة، وحبس سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله (ص) في المدينة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون (1). واستمروا يخرجون إليه (ص) إلى المدينة (2) إلى أن قدم جعفر " عليه السلام " مع الجماعة الباقيه في سنة سبع، حين فتح خيبر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهؤلاء الثلاثون المشار إليهم هنا، هم غير الذين عادوا إلى مكة في السنة الخامسة من البعثة، قبل الهجرة إلى المدينة بثمان سنوات. وأما السبب في مرورهم على مكة، مع أنها البلد الذي فروا منه، فهو أن طريقهم إلى المدينة كان يمر بقرب مكة، على ما يظهر. ويدل على ذلك ما ورد عن الصنعاني حيث قال: " فلما قاتل رسول الله (ص) كفار قريش، حالت بين مهاجرة أرض الحبشة، وبين


(1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 139. (2) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 139، وزاد المعاد ج 1 ص 25، وج 2 ص 24 / 45، والبدء والتاريخ ج 4 ص 152، وفتح الباري ج 7 ص 145. (*)

[ 156 ]

القدوم على رسول الله، حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق " (1) إنتهى. لكن قوله: " زمن الخندق " لا يمكن تأكيده ولعله تصحيف خيبر. وبالنسبة لهؤلاء الذين نحن بصدد الحديث عنهم، فإن المعروف هو ما ذكرناه، ولعل عددا منهم قد دخل مكة، سرا أو جهرا، بهدف الحصول على أموالهم التي كانت في مكة، وتجديد العهد باهلهم وذويهم، وبالبيت العتيق، ثم يسافرون إلى المدينة. ولكن قريشا واجهتهم بالعنف والقسوة، ولم ترع لهم حرمة، ولا غربة، ولا قرابة. وواضح: أن وصول هذه الثلة من مهاجري الحبشة إلى المدينة، كان بعد عدة أشهر من وصول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إليها، إذ أن وصول نبا هجرة النبي (ص) إليهم، ثم هجرتهم إلى مكة، وتصفية بعضهم علاقاتهم بها، ثم ما جرى لهم مع قريش، ثم سيرهم إلى المدينة، يحتاج إلى وقت طويل. حتى إن البعض يذكر: أن ابن مسعود قد كان من جملة الثلاثين العائدين إلى مكة، فالمدينة، فوصل إلى المدينة حين كان النبي (ص) يتجهز إلى بدر (2). عائشة في بيت النبي (ص): وفي السنة الاولى من الهجرة، وقيل في التي بعدها، انتقلت عائشة إلى بيت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وذلك في شهر شوال. وقالوا: إنه (ص) لم يتزوج بكرا غيرها. ولكننا لا نطمش إلى صحة ذلك، وذلك بملاحظة ما تقدم حين الكلام على زواجه (ص) بخديجة


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 367. (2) فتح الباري ج 7 ص 145. (*)

[ 157 ]

حيث قلنا: إن زواج خديجة برجل آخر سوى رسول الله (ص) أمر مشكوك فيه إلى حد كبير، ولربما نشير إلى ذلك فيما ياتي إن شاء الله تعالى. مراسم الزفاف: ولا نعرف لماذا كان زفاف عائشة غير ذي أهمية لدى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقد روي: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " ما أولم على عائشة بشئ - رغم توقع الناس منه ذلك وقدرته عليه في تلك الفترة - غير أن قدحا من لبن أهدي إليه من بيط سعد بن عبادة، فشرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعضه، وشربت عائشة منه ! ! (1). ولا يصح أن يعد ذلك وليمة عرس لها، إذ من الطبيعي أن لا يغفل النبي عن عرض الطعام على جليسه، فضلا عن زوجته. استدلال طريف: وقد كانت عائشة تستدل على حظوتها عند النبي (ص) بأنه قد تزوجها في شوال، فتقول: تزوجني رسول الله (ص) في شوال، فاي نساء رسول الله (ص) كانت أحظى عنده مني ؟ (2). وهو استدلال طريف حقا، فمتى كان لشوال هذه الفضيلة، العظيمة، التي تدل على الحظوة ؟ ! أشف إلى ذلك: أن خديجة، وأم سلمة، وسائر نسائه (ص) قد كن


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 358، والسيرة الحلبية ج 2 ص 121. (2) تاريخ الطبري ط الاستقامة ج 2 ص 118، والسيرة الحلبية ج 2 ص 120، وتاريخ الخميس ج 1 ص 358.

[ 158 ]

أحظى عنده منها، ولذا فقد كانت تحسدهن، وتؤذيهن، وتسمص ء إليهن كثيرا، حتى أمام رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه، وقد تقدم بعض ما يدل على ذلك حين الكلام عن العقد على عائشة قبل الهجرة. وأطرف من ذلك: أننا نجد البعض يحكم باستحباب العقد في شوال (1). ويبدو أن حبهم لعائشة، وتقديرهم لرغباتها، وهي التي كانت الساعد الايمن للهيئة الحاكمة بعد النبي، والتي حاربت عليا الشوكة الجارحة في أعينهم، الذي لم تكن. تقدر أن تذكره بخير أبدا (2) - إن ذلك هو الذي دفعهم إلى وضع هذا التشريع - مع أنهم يروون: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد تزوج بجويرية، وبحفصة في شعبان، وبزينب بنت خزيمة في شهر رمضان، وبزينب بنت جحش في ذي القعدة كما يقال. فالنبي إذن، قد ترك هذا المستحب، ولم يفعله إلا بالنسبة لعائشة وحدها، ووحدها فقط ! ! إن ذلك عجيب حقأ وأي عجيب ! !. فاتحة عهد جديد: وعلى كل حال، فإن بدخول عائشة إلى بيت النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " قد بدأت في هذا البيت، الذي كان مثالا للهدؤ والسكينة، والجلال - حتى عهد قريب - تحولات وتغيرات ذات طابع معين، حينما صار مجالا لكثير من التناقضات، التي كانت مصدرا لهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وغمه أحيانا كثيرة. وكانت عائشة هي السبب المباشر والمحرك في القسم الاعظم منها. ولا نقول ذلك من عند أنفسنا، وإنما نستند في ذلك إلى ما أثبته


(1) راجع: نزهة المجالس للصفوري الشافعي ج 2 ص 137. (2) فتح الباري ج 2 ص 131، ومسند أحمد ج 6 ص 228، والنديرج 9 ص 324. (*)

[ 159 ]

التاريخ والحديث المتواتر عنها. بل إنها هي نفسها تصرح: بانها كانت السبب في كل ما كان يجري في بيته (ص) من مشاحنات، وتناقضات كما جاء في بعض المصادر، على ما ذكره لي بعض المحققين. آية الصلح بين المؤمنين: ويذكر البعض: من الحوادث التي كانت قبل غزوة بدر (1): أن الرسول الاعظم (ص) ذهب ليعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي بن سلول، فمر (ص) - وهو على حماره - بمجلس ابن أبي، وفي المجلس أخلاط من المسلمين، والمشركين، واليهود، وفيهم عبد الله بن رواحة، فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا. فنزل إليهم رسول الله (ص)، ودعاهم إلى الله ؟ فقال له ابن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا ؟ فلا تؤذينا به في مجالسنا، إرجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشانا، فإنم نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون، حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول الله (ص) يخفضهم حتى سكنوا. ثم دخل على سعد بن عبادة، فحدثه بما جرى. فطلب منه سعد أن يصفح عن ابن أبي، لانهم كانوا على وشك أن يتوجوه قبل قدومه (ص)، فلما قدم انصرفوا عن ذلك. وفي رواية أخرى: إنه (ص) ذهب ومعه المسلمون إلى ابن أبي تالفا لقومه، فلما أتاه قال له: إليك عني، والله لقد أذاني ريح حمارك.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 64. (*)

[ 160 ]

فقال أحد الانصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك. فتعصب لابن أبى رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والنعال، فنزل قوله تعالى: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما إلخ " (1). وفي مجمع البيان: أن الذي قال لابن أبي ذلك، هو عبد الله بن رواحة. وأن التضارب كان بين رهط ابن رواحة من الاوس، ورهط ابن أبي من الخزرج. ولكن لا تخلو كلتا الروايتين من الاشكال. فاولا: إن آية الصلح بين المؤمنين لا يمكن أن تنطبق على الرواية الاولى، فإن النزاع فيها كان بين المشركين والمسلمين، وليس بين طائفتين من المؤمنين. بل لم يظهر من الرواية الثانية كون النزاع كان بين طائفتين من المؤمنين. فإذا جعلنا الروايتين رواية واحدة، لتقارب سياقهما ومضمونهما، لم يمكن الاطمئنان إلى صحة كون الآية قد نزلت بهذه المناسبة. وثانيا: إن الاية موجودة في سورة الحجرات، وهي قد نزلت بعد سنوات من الهجرة، لانها نزلت بعد المجادلة والاحزاب، التي نزلت في مناسبة الخندق وغيرهما. وتقدم قولهم: إن هذه القضية قد حصلت قبل بدر. هذا كله عدا عن التنافي بين مضمون كل من الروايتين كما هو ظاهر.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 63 / 64، والدر المنثور ج 6 ص 90، عن مسلم، والبخاري، وأحمد، والبيهقي في سننه، وابن مردويه، وابن جرير، وابن المنذر، وحياة الصحابة ج 2 ص 578 / 579 و 560، عن البخاري ج 1 ص 370 و 3 ص 845. (*)

[ 161 ]

ولكن ذلك لا يعني أن الرواية مختلقة من الأساس، فلربما تكون قد حصلت بعد سنوات من الهجرة، بعد نزول سورة الحجرات، وبعد إظهار ابن أبن للاسلام ؟ ويكون النزاع قد حصل بين طائفتين من المؤمنين. وبذلك تكون الرواية الثانية هي الارجح. اسلام سلمان المحمدي: وفي السنة الاولى من الهجرة، ويقال: في جمادى الاولى منها (1) كان إسلام سلمان المحمدي، المعروف بسلمان الفارسي، حشرنا الله معه وفي زمرته، والذي قال النبي (ص) وغير واحد من الائمة عنه: سلمان منا أهل البيت (2). وكان سلمان قد هاجر من بلاده في طلب الدين الحق، وتعرض في هجرته تلك إلى المصائب والمصاعب، حتى ابتلي بالرق، وأعتق على يد النبي " صلى الله عليه وآله وستم ". وملخص ذلك - على ما ذكره الصنعاني: أنه كان في بلده راهب، فأخذ عنه بعض التعاليم، وعلم أهله بالامر فأخرجوا الراهب من البلد، فخرج معه بالسر عن أهله، فجاء الموصل، فوجد أربعين راهبا، وبعد أشهر ذهب مع أحدهم إلى بيت المقدس، ورأى عبادة الراهب واجتهاده، ثم ضاع عنه، فسأل عنه ركبأ من الانصار، فقالوا: هذا عبد آبق، فأخذوه إلى المدينة، وجعلوه في حائط لهم. وكان الراهب قد أخبره أن نبيا من العرب سيخرج، لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة،


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 351. (2) راجع: قاموس الرجال ج 4 ترجمة سلمان الفارسي. (*)

[ 162 ]

وأمره باتباعه (1). وفي المدينة - وبالذات في قباء كما يقولون - التقى بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقدم إليه رطبا على أنها صدقة، فأبى النبي (ص) أن ياكل منها، وأمر أصحابه فاكلوا، وعدها سلمان واحدة. ثم التقى به في المدينة، فقدم إليه رطبا على أنها هدية، فقبلها وأكل منها، فعدها سلمان ثانية. ثم التقى به في بقيع الغرقد وهو في تشييع جنازة بعض أصحابه، فسلم عليه، ثم استدار خلفه، فكشف النبي (ص) عن ظهره، فرأى خاتم النبوة، فانكب عليه يقبله ويبكي، ثم أسلم وأخبره بقصته، وبعد ذلك كاتب سيده، واستمر يعمل من أجل أداء مال الكتابة، وأعانه النبي " صلى الله عليه وآله " على ذلك. وكان أول مشاهده الخندق، ثم شهد ما بعدها من المشاهد. وقال ابن عبد البر: إن أول ما شهده بدر، وهو المغاسب لمعونة النبي (ص) له، فراجع في سيرة سلمان وفضائله كتب الحديث والتراجم (2) بالاضافة إلى ما كتبناه عنه في كتابنا: اسلمان الفارسي في مواجهة التحدي ". ملاحظة: ويلاحظ هنا: أن سلمان لم يسلم بدافع عاطفي، أو مصلحي، ولم يسلم أيضا استجابة لضغوط أو لجو معين، وإنما دخل في الاسلام عن قناعة فكرية خالصة، وبعد أن سعى من أجل الوصول إلى الدين الحق، ولاقى المصاعب والمتاعب الطويلة في سبيل ذلك، وذلك يؤيد فطرية هذا


(1) المصنف للصنعاني ج 8 ص 418. وتفصيل ما لاقاه سلمان من المتاعب والمصاعب في أسفاره تلك يطلب من كتب الحديث، والتاريخ، والتراجم. (2) مثل: قاموس الرجال ج 4، والاصابة ج 2 ص 62 والاستيعاب، وغير ذلك. (*)

[ 163 ]

الدين، وكونه ينسجم مع أحكام العقل، ومقتضيات الفطرة السليمة. وقد أشرنا إلى ذلك أيضا حين الكلام عن إسلام أبي ذر، فليراجع. بئر رومة في صدقات عثمان: وقد ذكروا في جملة فضائل عثمان: أنه لما قدم رسول الله (ص) المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، قال: من يشتري بئر رومة من خالص ماله، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة ؟ فاشتراها عثمان من صلب ماله، وجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين، ثم لما حصر عثمان منعوه من الشرب منها حتى شرب ماء البحر. وللروايات نصوص مختلفة جدا كما سنرى، وسنشير إلى بعض مصادرها فيما يأتي. ونحن نشك في صحتها، وذلك استنادا إلى ما يلي: أولا: تناقض نصوصها الشديد جدا، حتى إنك لا تجد نصا إلا ويوجد ما ينافيه ويناقضه. ونذكر على سبيل المثال: إنهم يذكرون أن عثمان قد ناشد الصحابة بقضية بئر رومة، وذلك حين الثورة عليه، فرواية تقول: إنه اطلع عليهم من داره وهو محصور فناشدهم. وأخرى تقول: إنه ناشدهم في المسجد. ورواية تقول: إنه اشترى نصفها بمائة بكرة، والنصف الاخر بشيئ يسير. وأخرى تقول: إنه اشتراها باربعين ألفا. وثالثة: بخمس وثلاثين. ورابعة: إنه اشترى نضثفها باثني عشر ألف درهم، والنصف الاخر بثمانية آلاف.

[ 164 ]

ورواية تقول: إن هذه البئر كانت ليهودي لا يسقي أحدا منها قطرة إلا بثمن. وأخرى: إنها كانت لرجل صن مزينة. وثالثة: لرجل من بني غفار. ورواية تقول: إنه اشترى البئر، وأخرى تقول: إنه حفرها. والجمع بأنه اشتراها، ثم احتاجت إلى الحفر (1). لا يصح، لانهم يقولون: إن عثمان قال ذلك حين المناشدة، والمناشدة كانت واحدة ولم تتكرر. ورواية تقول: إنها كانت عينا (أي فيها نبع وسيلان على وجه الارض) وأخرى تقول: كانت بئرا. ورواية تقول: إنه اشتراها عند مقدم النبي (ص) والمسلمين المدينة. وأخرى تقول: إنه اشتراها وهو خليفة. ورواية تقول: إن النبي طلب منه ذلك. وأخرى تقول: إنه (ص) ناشد المسلمين من يشتريها منهم. وثم الله تقول: إن غفاريا أبى بيعها للنبي بعينين في الجنة ! ! فبلغ ذلك عثمان فاشتراها منه بخمسة وثلاثين ألفأ (2).


(1) هذا الجمع ذكره السمهودي في وفاء الوفاء ج 3 ص 970. (2) راجع في الروايات وقارن بينها: وفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 697 - 971، وسنن النسائي ج 6 ص 235 و 236 و 234، ومنتخب كنز العمال ج 5 ص 11، وحياة الصحابة ج 2 ص 89 عن الطبراني وابن عساكر، ومسند أحمد ج 1 ص 75 و 70، والسيرة الحلبية ج 2 ص 75، وروي ذلك أيضا عن البغوي، وابن زبالة وابن شبة، والترمذي ص 627، وابن عبد البر، والحازمي، وابن حبان، وابن خزيمة. وراجع: حلية الاولياء ج 1 ص 58، والبخاري هامش الفتح ج 5 ص 305، وفتح الباري ج 5 ص 305 / 306، وسنن البيهقي ج 6 ص 167 و 168، والتراتيب الادارية ج 2 ص 95. (*)

[ 165 ]

وثمة تناقضات كثيرة أخرى لا مجال لذكرها، فمن أراد المزيد فليراجع وليقارن. وثانيأ: إن ما ورد في الرواية - كما عند النسائي وأحمد والترمذي - من أنه (ص) قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب، لا يصح بوجه، فقد كان في المدينة آبار كثيرة عذبة، وقد استمر النبي (ص) على الاستقاء والشرب منها إلى آخر حياته، ومنها بئر السقيا، وبئر بضاعة، وبئر جاسوم، وبئر دار أنس التي تفل فيها النبي (ص) فلم يكن في المدينة بئرأعذب منها (1)، وغير ذلك من آبار كثيرة لا مجال لذكرها (2). وثالثا: لو صح حديث بئر رومة، فلابد إذن من الاجابة على التساؤلات في المجالات التالية: 1 - إنه إذا كان عثمان قد قدم من الحبشة جديدا، ولم يكن له مال، فمن أين جاء عثمان بالاربعين، أو الخمسة والثلاثين، أو العشرين ألفا من الدراهم، أو المئة بكرة ؟ ! ومتى وكيف اكتسب هذا المال ؟ !. 2 - ولماذا لا يعين المسلمين في حرب بدر بشئ من تلك المبالغ الهائلة من الدراهم ؟ أو بشئ من تلك البكرات التي أخرج منها مئة من صلب ماله، حسبما تنص عليه الرواية ؟ !. مع أن المسلمين كانوا في بدر بامس الحاجة إلى أقل القليل من ذلك، وكان الاثنان والثلاثة منهم يعتقبون البعير الواحد، ومع أنه لم يكن معهم إلا فرس واحد، ولم يكن معهم إلا ستة أدرع وثمانية سيوف، والباقون يقاتلون بالعصي وجريد النخل، كما سيأتي بيانه مع مصادره. أم يعقل أن يكرن قد بذل كل ما لديه في بئر رومة حتى أصبح صفر


(1) راجع وفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 972 و 956 و 958 و 959 و 951. (2) راجع: المصدر السابق، فصل آبار المدينة. (*)

[ 166 ]

اليدين ؟ !. أو لماذا لا يطعم المسلمين، ويسد حاجاتهم، ويكفيهم معونة الانصار ؟ ! ولماذا لا يعين النبي نفسه بشئ من ماله، وقد كان يعاني أشد الصعوبات، ولم يتسع الحال عليه وعليهم إلا بعد سنوات من الهجرة ؟ ! 3 - وتقول روايات المناشدة: إنهم قد منعوه من الشرب منها حتى اضطر إلى الشرب من ماء البحر. وهذا عجيب حقا ! ! فإنه إذا كان يستطيع الحصول على الماء فلماذا لا يشرب من غيرها من العيون العذبة التي كانت في المدينة والتي تعد بالعشرات ؟ !. كما أن من كان يمنعه من شرب الماء، فإنه لم يكن ليسمح بدخول أي ماء كان إليه، ومن أي مصدر كان. ويقولون: إن عمارا أراد أن يدخل إليه روايا ماء، فمنعه طلحة (1) ولم يستطع الحصول على الماء إلا من قبل علي الذي أرسل إليه الماء مع أولاده، وعرضهم للاخطار الجسيمة، كما هو معلوم. وهل يمكن أن نصلق أنه شرب من ماء البحر حقا ؟ مع أن البحر يبعد مسافة كبيرة جدا عن المدينة، أم أن ذلك كناية عن شربه للمياه غير العذبة والمالحة ؟ ؟ ! !. 4 - وإذا كان عثمان قد بذل هذا المال حقأ، فلماذا لم تنزل فيه ولو آية واحدة تمدخ فعله، وتثني عليه ؟ ! وكيف استحق علي أن تنزل فيه آيات حينما تصدق بثلاثة أقراص من شعير، وحينما تصدق بخاتمه، وحينما تصدق بأربعة دراهم، وحين قضية النجوى ؟ ! وهذا عثمان يبذل عشرات الآلاف، ومئة بكرة من الابل، ولا يذكره الله بشئ، ولا يشير له بكلمة ولا بحرف ؟ ! بل إن الرواية التي تنقل هذه الفضيلة الكبرى عنه نراها متناقضة


(1) وفاء الوفاء ج 3 ص 945. (*)

[ 167 ]

متهافتة، لا تقوى ولا تثبت أمام النقد العلمي الحر والصريح. وبعد، لماذا امتنع - كغيره - عن التصدق بدرهم في آية النجوى، حتى نزل القرآن يلوم الصحابة وهو معهم على إشفاقهم: أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة ؟ ! !. بئر أريس: وأخيرا، فلسنا ندري لماذا اختصت بئر رومة بهذا التعظيم والتبجيل، دون بئر أريس، مع أنها أيضا - كما يدعون ! ! - قد أشتراها عثمان، وقد اشتراها أيضا من يهودي، وكذلك هو قد تصدق بها (1) ! ! بارك الله في آبار عثمان، وليمت اليهود بغيظهم، فإنهم يملكون الآبار، ويشتريها منهم عثمان، ويتصدق بها، وينال الأوسمة، ويحصل على الفضائل والكرامات ! !. حقيقة القضية: وبعد كل ما تقدم، فإن الظاهر أن الصحيح في القضية هوما رواه ابن شبة: " عن عدي بن ثابت، قال: أصاب رجل من مزينة بئرا يقال لها: رومة، فذكرت لعثمان بن عفان، وهو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألفا من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم " (2). وقد ضعف السمهودي الرواية بان في سندها متروك. ورواها الزبير بن بكار في عتيقه، وردها بقوله: وليس هذا بشئ، وثبت عندنا أن عثمان اشتراها بماله، وتصدق بها على عهد رسول اللة (ص) (3).


(1) وفاء الوفاء ج 3 ص 968. (2) وفاء الوفاء ج 3 ص 967 عن ابن شبة، وروى ذلك الزبير بن بكار ايضأ. (3) المصدر السابق. (*)

[ 168 ]

ونقول نحن: لقد ثبت عدم صحة تلك الروايات التي أشار إليها الزبير بن بكار بأي وجه، ولا سيما مع تناقضها، ومع ما تقدم من الايراد عليها ومن وجوه الاشكال فيها، مما لا دافع له. هذا، عدا عما في أسانيدها من نقاش كبير وكثير، فوجود المتروك في سند هذه الرواية لا يضر، ما دامت منسجمة مع الواقع التاريخي، ومع الظروف التي كانت قائمة آنذاك. وما دام لا يمكن أن يصح غيرها، فالظاهر: أنها قد حرفت وحورت ليمكن الاستفادة منها في إثبات فضيلة لعثمان لا يمكن أن تثبت له بدون هذا التحوير والتزوير. ولكننا لم نفهم قوله: " ابتاعها بثلاثين ألفا من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم "، فإنها إذا كانت من مالهم، فما معنى الصدقة بها عليهم ؟ إلا أن يقال، إن عثمان والهيئة الحاكمة كانوا يرون أنهم يملكون بيوت الاموال حقا، وقد ذكرنا بعض الشواهد والدلائل على نظرتهم هذه في مورد آخر، فراجع (1). تأبير النخل: ويقولون: إن النبي (ص) لما قدم المدينة مر بقوم يؤبرون النخل، أي يلقحونه - أو سمع ضجتهم - فقال: لو لم تفعلوا لصلح، فتركوا تلقيحه، فخرج شيصا (2)، فمر بهم (أو قيل له) فقال: ما لنخلكم ؟ قالوا: قلت: كذا وكذا.


(1) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام، بحث أبو ذر إشتراكي أم شيوعي، أم مسلم. (2) الشيص هو: ردئ التمر، وهو الذي لا يشتد نواه. (*)

[ 169 ]

قال: أنتم أعلم بامور دنياكم. أو قال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عزوجل (1). ونحن نشك في صحة ذلك، إذ مضافا إلى الاختلاف الظاهر في نصوص الرواية، كما يظهر بالمراجعة والمقارنة، لابد أن نسال: لماذا يتدخل النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما لا يعنيه، وما ليس من اختصاصه ؟ ! ألا يعلم: أن الناس يهتمون بكل كلمة تصدر منه، ويرتبون الاثر عليها، ويلتزمون بها ؟ !. ولماذا يعرض الناس إلى هذا الضرر الجسيم ؟ !. ومن هو المسؤول عن هذه الأضرار التي سببتها مشورته تلك ؟ !. ثم إنه كيف يقول ذلك لهم، وهو الذي أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بان يكتب عنه كل ما يسمع، فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق ؟ !. وقد قدمنا الرواية مع مصادرها في الجزء الاول فلتراجع هناك. وأيضا لقد كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يعيش في قلب المنطقة العربية، وقد جاوز الثلاث وخمسين سنة، فهل يمكن أن نصدق أنه لم يكن يعرف تأبير النخل وفائدته، وأن النخل لا ينتج بدونه ؟ وكيف لم يسمع طيلة عمره المديد شيئا عن ذلك، وهو يعيش بينهم ومعهم ؟ أو على الاقل بالقرب منهم ؟ !.


(1) راجع: صحيح مسلم ج 7 ص 95، وسنن ابن ماجة ج 2 ص 825، كتاب الرهون باب 15، ومسند أحمد ج 6 ص 123 وج 3 ص 152، والبرصان والعرجان ص 254، ومشكل الآثار ج 2 ص 294، وكشف الأستار عن مسند البزارج 1 ص 112، ومسند أبي يعلى ج 6 ص 238 و 198، وصحيح ابن حبان ط مؤسسة الرسالة ج 1 ص 201. (*)

[ 170 ]

وأخيرا، هل صحيح: أنه ليس على الناس أن يطيعوه في أمور دنياهم ؟ ! وأنه إنما كان يقول برأيه فيها ؟ !. وهل صحيح: أن الاسلام يفصل بين الدين والدنيا ؟ وأن مصب اهتماماته هو ما عدا أمور دنياهم ؟ ! أليس هذا بهتانا على الاسلام وافتراء عليه ؟ ! ! ألا يتنافى ذلك مع القرآن والسنة، ومع الاسلام بمجموعه ؟ !.

[ 171 ]

الفصل الثالث: أعمال تأسيسة في مطلع الهجرة

[ 173 ]

بداية: وفور وصوله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة، باشر بالقيام باعمال تأسيسية، ترتبط بمستقبل الدعوة الاسلامية، وهي كثيرة ومتنوعة، ولكننا نكتفي هنا بالاشارة إلى ما يلي: 1 - صلاة الجمعة. 2 - تأسيس مسجد قباء. وقد تحدثنا عنهما فيما سبق. 3 - بناء المسجد في المدينة، ولسوف نتحدث عنه في فصل مستقل. 4 - وضع التاريخ الهجري، وقد خصصنا له فصلا مستقلا أيضا. 5 - المؤاخاة. 6 - تحديد نوع ومستقبل العلاقات بين المسلمين، وبينهم وبين غيرهم. 7 - موادعة اليهود الذين يعيشون في المنطقة. وهذه الاشياء الاخيرة أيضا قد تحدثنا عنها في فصل على حدة ونبدأ بالحديث عن التاريخ الهجري، فنقول:

[ 174 ]

التاريغ الهجري اولا: إن ضبط الاحداث، والمعاملات، وغير ذلك من الشؤون لهو من الامور التي لابد منها في قيام أية حضارة تريد أن تهيمن على شعب أو أمة، وتقود مسيرتها نحو الاهداف التي تتوخاها. فكيف إذا كانت هذه الحضارة تحظى بالرعاية الالهية، وبرضى الباري جل وعلا، وتريد أن تهيمن على مسيرة الانسانية جمعاء في مختلف الاحوال والشؤون، وعلى مر الاحقاب والقرون ومن هنا، فإنه يصبح من البديهي أن يكون من جملة المبادرات الاولى لنبي الاسلام هو وضع التاريخ. تماما كما كان من أولى اهتماماته بناء المسجد كما سنرى إن شاء الله تعالى.. ولكن ما يؤسف له هو أن ثمة يدا تحاول - أو فقل قد حاولت - التعتيم على هذا الحدث الهام، فكان لابد من بحث هذا الحدث. في الناحية التاريخية، ولسوف يثبت لنا الدليل العلمي بصورة قاطعة أن الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الذي وضع هذا التاريخ، وأرخ به في اكثر من مرة، وأكثر من مناسبة. فإلى ما يلي من مطالب لنعرف: من هو أول من أرخ بالهجرة النبوية. فنقول: يقول المؤرخون: إن أول من أزخ بالهجرة النبوية، هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وأكثرهم يذكر: أن إختياره الهجرة مبدأ للتاريخ، كان بإشارة علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه (1).


(1) راجع: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 76، والكامل لابن الاثير ط = (*)

[ 175 ]

وبعض منهم يقول: إن المشير عليه بذلك ليس عليا فقط، بل معه بعض الصحابة أيضا (1) وثالث يروي: إشارة بعض الصحابة على عمر بذلك، ولكنه لا يصرح بإسم المشير (2). وبعغر رابع: يسكت عن ذكر الاشارة، ويكتفي بذكر: أنه أول من أرخ بالهجرة (3).


= صادر ج 2 ص 526، وتاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 145، والتبيه والاشراف ص 252، ومحاضرة الاوائل ص 28، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 23، وفتح الباري ج 7 ص 209، وتاريخ الخلفاء ص 132 و 136 و 23 وص 138 عن البخاري في تاريخه، والبحار ج 58 ص 350 - 351 بعد تصحيح أرقام صفحاته وج 40 ص 218، وسفينة البحار ج 2 ص 641، والمناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 144، عن الطبري ومجاهد في تاريخيهما، والاعلان بالتوبيخ ص 80 و 81 وعلي والخلفاء ص 139 - 141، لاحقاق الحق ج 8 ص 220 عن الوسائل للسيوطي ص 129، ومحاضرة الأوائل ص 28، وسيأتي جانب من المصادر لذلك فيما يأتي. (1) البداية والنهاية ج 7 ص 74 والوزراء والكتاب ص 20، ومآثر الانافة ج 3 ص 336. (2) صبح الأعشى ج 6 ص 241 ومآثر الانافة ج 3 ص 36 وفتح الباري ج 7 ص 209، والكامل لابن الاثير ج 1 ص 10 ط صادر. (3) الاستيعاب هامش الاصابة ج 2 ص 460، والمحاسن والمساوي ج 2 ص 68، وتاريخ الخميس ج 1 ص 338 وج 2 ص 241، وتهذيب اللهذيب ج 7 ص 440 ومآثر الانافة ج 1 ص 92 وتحفة الناظرين للشرقاوي هامش فتوح الشام ج 2 ص 62، وصفة الصفوة ج 1 ص 276 وطبقات ابن سعدج 3 قسم 1 ص 202، وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 145، والاوائل للعسكري ج 1 ص 223، وتاريخ الطبري ج 3 ص 277، ومحاضرات الراغب ج 1 ص 105، والانى الجليل ج 1 ص 188، والاعلاق النفيسة ص 199، والبحار ج 58 ص 349 و 350، وراجع: الأعلان بالتوبيخ ص 79 ونفس الرحمان ص 44. (*)

[ 176 ]

الحكاية كما يرويها المؤرخون: ويحكون السبب في وضع التاريخ على أنحاء مختلفة، ونختار هنا النمق الذي ذكره ابن كثير، وقد وضعناه بين قوسين، وأشرنا خلاله إلى مصادر بعض التوضيحات. فنقول: قال ابن كثير: " قال الواقدي: وفي ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة أو سبع عشرة أو ثمان عشرة (1) - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين، يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان ؟ أمن هذه السنة، أم التي قبلها، أم التي بعدها ؟. ثم جمع الناس (أي أصحاب النبي (ص) فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون به حلول ديونهم، فيقال: إنهم أراد بعضهم (الهرمزان) (2): أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أزخوا من تاريخ ولايه الذي بعده، فكرهوا ذلك. ومنهم من قال (وهم بعض مسلمي اليهود (3): أزخوا بتاريخ الروم،


(1) الوزراء والكتاب ص 20، والبداية والنهاية ج 3 ص 206 و 207. (2) صبح الأعشى ج 6 ص 241 عن تاريخ أبي الفداء، وقد ذكر: أن عمر قد أرسل إليه فاستشاره، وليراجع أيضا: البحار ج 58 ص 349 و 350 بعد تصحيح أرقام صفحاته، وسفينة البحار ج 2 ص 641، وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 145 والانس الجليل في أخبار القدس والخليل ج 1 ص 187 والخطط للمقريزي ج 1 ص 284 وفيه: أن عمر استدعاه. (3) الاعلان بالتوبيخ ص 81، والبحار ج 58 ص 350 وفي نزهة الجليس ج 1 ص 22 عن تاريخ ابن عساكر: أن النصارى كانوا يؤرخون بتاريخ الاسكندر. أقول: فأين كان التاريخ الميلادي إذن ؟ ومتى ظهر ؟ الجواب: إنه ظهر في هذه القرون الاخيرة كما سيأتي. (*)

[ 177 ]

من زمان إسكندر، فكرهوا ذلك لطوله أيضا. وقال قائلون: أرخوا من مولد رسول الله (ص). وقال آخرون: من مبعثه. وأشار عل بن أبي طالب (ع) وآخرون: " أن يؤرخ من هجرته إلى المدينة، لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد، والمبعث، فاستحسن عمر ذلك والصحابة، فأمر عمر: أن يؤزخ من هجرة رسول الله (ص) " (1). وروي عن سعيد بن المسيب: أنه قال: " جمع عمر الناس فسألهم: من أقي يوم يكتب التاريخ ؟ فقال علي بن أبي طالب (ع): من يوم هاجر رسول الله (ص) وترك أرض الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرجاه " (1).


(1) راجع جميع ما تقدم في البداية والنهاية ج 7 ص 73 و 74 وليراجع أيضا ج 3 ص 306، وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 75 و 76، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج ص 22 و 23، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 74، وعلي والخلفاء ص 240 عنه ملخصأ. وليراجع أيضا: الاعلان بالتوبيخ ص 80 و 81، ومنتخب كنز العمال، هامش مسند أحمد ج 4 ص 67، والكامل لابن الاثير ج 1 ص 10 ط صادر، وكنز العمال ج 10 ص 195 عن المستدرك، وعن البخاري في الأدب، وراجع ص 193 عن ابن م بي خيثمة. وذكر في البحارج 58 ص 349 بعد تصحيح أرقام صفحاته، ونزهة الجليس ج 1 ص 21، والطبري ط دار المعارف بمصر ج 2 ص 388، والوزراء والكتاب ص 20، والاعلان بالتوبيخ ص 79، ومنتخب الكنز هامش مسند أحمد ج 4 ص 67، وفتح الباري ج 7 ص 209، وصبح الاعشى ج 6 ص 241 عن ابن حاجب النعمان في ذخيرة الكتاب: أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه ياتينا من قبلك كتب لا نعرف نعمل فيها قد قرأنا صكا محله شعبان فما ندري اي الشعبانين هو: الماضي ؟ أو الآتي ؟ فجمع الصحابة إلخ ما في المتن. وليراجع أيضا: الاوائل لابب هلال العسكري ج 1 ص 223، والكامل لابن الاثير ج 1 ص 10. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، وتلخيص المستدرك للذهبي هامش الصفحة ذاتها = (*)

[ 178 ]

وقال اليعقوبي في حوادث سنة 16 ه‍: " وفيها أرخ الكتب، وأراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول الله (ص)، ثم قال: من المبعث، فأشار عليه علي بن أبي طالب (ع): أن يكتبه من الهجرة " (1). إلى غير ذلك من النصوص، التي تؤكد على أن عمر هو أول من وضع التاريخ الهجري الاسلامي. الرأي الأمثل: ولكننا بدورنا نشك كثيرا في صحة هذا القول، ونعتقد أن التاريخ الهجرئ قد وضع من زمن النبي (ص)، وقد أرخ به النبي (ص) نفسه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. وما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة شهر محرم بدلا من ربيع الاول كما أشار إليه الصاحب بن عباد (2). وقد اختلفوا في ذلك أيضا، فقال بعضهم: إنهم جعلوا مبدأ السنة الهجرية محرم السنة الاولى، وهو ما ذهب إليه الجمهور، وبعضهم إلى أنهم جعلوا محرم السنة الثانية مبدأ للسنة الهجرئة، وألغوا ما قبله، وهوما


= وصححه أيضا، والاعلان بالتوبيخ ص 80، وفتح الباري ج 7 ص 209، والطبري ط المعارف ج 2 ص 391، وج 3 ص 144، وتاريخ عمر بن الخطاب ص 76، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 23، ومنتخب كنز العمال هامش المسند ج 4 ص 67، وعلي والخلفاء ص 239 و 249، وكنز العمال ج 10 ص 193 و 192، لاحقاق الحق ج 8 ص 219 عن ابن عساكر، والمقريزي في كتاب الخطط والآثار ج 1 ص 284، والشماريخ للسيوطي ص 4 ط ليدن، والتاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 9، والكامل ج 1 ص 10 ط صادر. (1) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 145. (2) عنوان المعارف وذكر الخلائف ص 11. (*)

[ 179 ]

حكاه البيهقي، وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوى، فراجع (1). من المشير بمحرم: أما من الذي أشار بمحرم بدلا من ربيع الاول، فقد اختلفت الروايات في ذلك أيضا فيقال: إن ذلك كان بإشارة عثمان بن عفان (2). وقيل: بل ذلك هو رأي عمر نفسه (3). وبعضهم قال: إن عبد الرحمان بن عرف قد أشار بشهر رجب، فاشار عل (ع) في مقابل ذلك بشهر محرم، فقبل منه (4). ويقول آخرون: إن عمر إبتدأ من المحرم، بعد إشارة علي (ع) وعثمان بذلك (). وفريق آخر يقول: " فاستفدنا من مجموع هذه الآثار: أن الذي أشار بالمحرم عمر، وعثمان، وعلى (ع) " (6). ويفهم من كلام العسكري: أن عمر هو الذي أرتاى جعل محرم أول السنة، لتكون الاشهر الحرم في سنة


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 94. (2) نزهة الجليس ج 1 ص 21، وفتح الباري ج 7 ص 209، والاعلان بالتوبيخ ص 80، ومنتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 67، والشماريخ ص 10 ط سنة 1971، وكنز العمال ج 17 ص 145 عن ابن عساكر وج 10 ص 193 عن أبي خيثمة في تاريخه. (3) الاعلان بالتوبيخ ص 79، وليراجع الوزراء والكتاب ص 20، وفتح الباري ج 7 ص 209، ومآثر الاناقة ج 3 ص 337. (4) الاعلان بالتوبيخ ص 81 ط القاهرة. وقال ص 82: إن الديلمي في الفردوس، وولده قد رويا ذلك عن علي. وإحقاق الحق ج 8 ص 220 عن الاعلان. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 338، ووفاء الوفاء ج 1 ص 248. (6) الاعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 80، وإرشاد الساري ج 6 ص 234، وفتح الباري ج 7 ص 209 - 210. (*)

[ 180 ]

واحدة (1). ولكننا نستبعد كثيرا: أن يكون علي (ع) قد أشار بترك ربيع الاول، والأخذ بشهر محرم، الذي كان أول السنة عند العرب (2) بل نكاد نجزم بخلافه، وأنه (ع) كان مصرا على شهر ربيع الاول مدة حياته صلوات الله وسلامه عليه. ولم يكن ذلك رأيه وحده، بل كان رأي جمع كبير من المسلمين الأبرار، والصحابة الاخيار. ونستند في ذلك إلى النقاط التالية، فإنها تدل بمجموعها على ذلك. 1 - قد تقدم أنه " عليه السلام " قد أشار عليهم بان يكتبوا التاريخ من " يوم هاجر "، أو من " يوم ترك النبي (ص) أرض الشرك " كما هو صريح رواية ابن المسيب المتقدمة، وإنما كان ذلك في شهر ربيع الاول كما هو معلوم. 2 - لقد جاء فيما كتبه علي " عليه السلام " على عهد أهل نجران العبارة التالية: " وكتب عبد الله (3) بن أبي رافع، لعشر خلون من جمادى الآخرة، سنة سبع وثلاثين، منذ ولج رسول (ص) المدينة " (4). وإنما ولجها رسول الله (ص) في شهر ربيع الاول كما هو واضح. هذا بالنسبة لعلي (ع). وأما بالنسبة لسائر الصحابة، فنذكر:


(1) الاوائل ج 1 ص 223. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 207، والبحار ج 58. (3) الظاهر أنه: عبيد الله. (4) الخراج لابي يوسف ص 81، وجمهرة رسائل العرب ج 1 ص 82 رقم 53 عنه. (*)

[ 181 ]

1 - أن مالك بن أنس على ما حكاه السهيلي، وغيره، يقول: " أول السنة الاسلامية ربيع الاول، لانه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله (ص) " (1). 2 - ونقل عن الاصمعي قوله: إنهم " إنما أرخوا من ربيع الاول شهر الهجرة " (2) وكذا عن الزهري. 3 - وقال الجهشياري: " روي في خبر شاذ: أن رسول الله (ص) لما ورد المدينة مهاجرا من مكة يوم الاثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة أربع عشرة من حين نبئ، أمر بالتاريخ " (3). وسيأتي قوله (ص) يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري. وثمة روايات أخرى قريبة من هذا المضمون تدل على أن رأس السنة الهجرتة قد كان شهر ربيع الاول، لان الحسين إنما قتل سنة إحدى وستين على تقدير كون أول السنة هو محرم، وهو في أواخر سنة ستين على تقدير كون أول السنة هو ربيع الاول. 4 - وسيأتي أيضا: أن الصاحب بن عباد وغيره يقولون: إن أول السنة كان ربيع الاول، ثم رد إلى محرم. 5 - عن سهل بن سعد قال: أخطا الناس في العدد، ما عدوا من مبعثه، ولا من وفاته، إنما عدوا من مقدمه المدينة (4). 6 - وكان الصحابة - وتبعهم المؤرخون كما سيأتي - يعدون بالأشهر من مهاجره (ص) الذي هو شهر ربيع الاول، إلى أواسط السنة الخامسة


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 207، وأشار إليه ايضأ في ج 4 ص 94. (2) الاعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 78. (3) الوزراء والكتاب ص 20. (4) الخطط للمقريزي ج 1 ص 184. (*)

[ 182 ]

للهجرة. فما تقدم يدل على أن عليا (ع) ليس فقط لم يشر على عمر بشهر محرم، بل كان من المصرين على أن يبقى أول السنة هو شهر ربيع الاول، الذي خرج النبي (ص) من مكة، أو من الغار، أو ولج المدينة في أول يوم منه، شانه صلوات الله وسلامه عليه شأن كثيرين ممن لم يرضوا بمثل هذا التغيير، لكنهم غلبوا على أمرهم. ولا يفوتنا أخيرا التنبيه: على أن جعل علي (ع) اليوم الذي ولج فيه النبي (ص) المدينة مبدأ للتاريخ، ربما يؤيد قول من قال: إنه (ص) دخلها في أول يوم من ربيع الاول. وسيأتي بعض الكلام أيضا في ذلك، وإن لم يكن هو محط نظرنا في هذا البحث. فإن ما يهمنا هنا: هو البحث عن أول من أرخ بالسنة الهجرية. وقد قلنا: إننا نعتقد: أن النبي (ص) كان أول من أرخ بالهجرة. الموافقون على هذا الرأي: لاننا وإن كنا لا نرى كثيرين يوافقوننا على هذا الرأي، وقرى بعضهم يتردد في إصدار حكم جازم في ذلك، وبعضهم ربما يظهر منه الميل إلى الرأي الشائع، إلا إن مرد ذلك كله إلى عدم إطلاعهم على النصوص الكافية للجزم بالامر، وتكوين قناعة تقاوم ما يرونه قد اشتهر وذاع على ألسنة الرواة والمؤرخين. ومهما يكن من أمر، فنذكر ممن وافقنا على ما نذهب إليه: السيد عباس المكي في نزهة الجليس، كما سيأتي، ونقله السيوطي عن ابن القماح، عن ابن الصلاح، عن أبي مجمش الزيادي، كما سيأتي أيضا. أما صاحب المواهب فقد قال: " وأمر (ص) بالتاريخ، وكتب من حين

[ 183 ]

الهجرة. قال الزرقاني: رواه الحاكم في الاكليل عن الزهري مفصلا. والمشهور خلافه، وأن ذلك في زمان عمر، كما قال الحافظ " (1). ونقل ذلك عن الأصعمى وغيره أيضا كما سيأتي. وقال الصاحب بن عباد: " ودخل المدينة يوم الاثنين لاثني عشرة خلت من ربيع الاول، وكان التاريخ من ذلك، ثم رد إلى المحرم " (2). وقال ابن عساكر: " وهذا أصوب " ثم أيده السيوطي ببعض ما يأتي (3). وقال السيد علي خان، بعد ذكره عهد النبي (ص) لسلمان الفارسي الآتى: يستفاد من هذا العهد: أن التاريخ كان من زمن النبي (ص)، وهو خلاف المشهور من أن التاريخ بالهجرة إنما وضعه عمر بن الخطاب في أيام خلافته " (4). وقال القسطلاني: " وأمر (ص) بالتاريخ فكتب من حين الهجرة، وقيل إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم " (5). وقال مغلطاي: " وأمر عليه الصلاة والسلام " بالتاريخ، فكتب من حين الهجرة. قال ابن الجزار: ويعرف بعام الاذن. وقيل إن عمر (رض) أول من أرخ وجعله من المحرم " (6). هذا وقد سميت كل سنة من السنين العشر بإسم خاص، والعام


(1) التراتيب الادارية ج 1 ص 181، وليراجع المواهب اللدنية ج 1 ص 67. (2) عنوان المعارف وذكر الخلائف ص 11. (3) الشماريخ في علم التاريخ للسيوطي ج 10 ط سنة 1971. (4) الدرجات الرفيعة ص 207. (5) المواهب اللدنية ج 1 ص 67. (6) سيرة مغلطاي ص 35 - 36. (*)

[ 184 ]

الاول أطلق عليه: عام الاذن (1) فراجع. قال ابن شهرآشوب: " قال الطبري ومجاهد في تاريخيهما: جمع عمر بن الخطاب الناس يسألهم من أي يوم نكتب ؟ فقال علي (ع): من يوم هاجر رسول الله ونزل (ترك ظ) أهل الشرك. فكأنه أشار: أن لا تبتدعوا بدعة، وتؤرخوا كما كانوا يكتبون في زمان رسول الله، لأنه قدم النبي (ص) المدينة في شهر ربيع الاول أمر بالتاريخ، فكانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت له سنة. ذكره التاريخي عن ابن شهاب " (2). كما أن المجلسي رحمة الله قد قال بهذا القول، ورأى: " أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرئيل (ع) ومستند إلى الوحي السماوي، ومنسوب إلى الخبر النبوي " (3). كلام السهيلي: أما السهيلي، فهو يصر على أن التاريخ الهجري قد نزل به القرآن، ويقول ما ملخصه: إن اتفاق الصحابة على جعل الهجرة مبدأ للتاريخ، إن كان مستندا إلى استفادتهم ذلك من القرآن، فنعم الاستفادة هي، وذلك هو الظن بهم. وإن كان اجتهادا ورأيا منهم، فهو أيضا نعم الاجتهاد والرأي، أشار القرآن إلى صحته من قبل أن يفعلوا. فإن قوله تعالى: " لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن


(1) نفس الرحمان ص 44، وراجع: الاعلان بالتوبيخ ص 82. (2) المناقب ج 2 ص 144، وراجع: البحار ج 40 ص 218، وراجع: علي والخلفاء ص 241. (3) راجع: البحار (ط مؤسسة الوفاء) ج 55 ص 351. (*)

[ 185 ]

تقوم فيه " (1). قد علم: أنه ليس المقصود منه: أول الأيام كلها، كما أنه لا يوجد لفظ ظاهر، أضيف إليه لفظ: يوم، فتعين إضافته إلى مضمر، ولا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم، إلا بالاضافة إلى عام، أو شهر، أو تاريخ معلوم. ولا قرينة هنا، لا حالية ولا مقالية، تدل إلا على تقدير: " من أول يوم حلول النبي (ص) المدينة ". وهو أول يوم من التاريخ. وقول بعض النحاة: لابد من تقدير: " من تأسيس أول يوم "، لأن (من) لا تدخل على الزمان. لا يصح، لانه حتى على هذا لابد من تقدير الزمان أيضا، فيقال: " من وقت تأسيس "، فاضمار كلمة تأسيس لا يفيد شيئا. هذا بالاضافة إلى أن كلمة (من) تدخل على الزمان، وعلى غيره، قال تعالى: " من قبل ومن بعد ". إنتهى كلام السهيلي ملخصا (2). وقال الكتاني ما ملخصه: وقد عقب الحافظ في فتح الباري على كلام السهيلي هذا بقوله: كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: من أول يوم، أي دخل النبي (ص) وأصحابه المدينة (3). لكن ابن منير يرى: أن كلام السهيلي هذا تكتف وتعسف، وخروج عن تقدير الأقدمين الذين قدروه: " من تأسيس أول يوم " أي من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا ما تقتضيه العربية، وتشهد له القواعد.


(1) التوبة الاية / 108. (2) الروض الأنف ج 2 ص 246 ط سنة 1972، وإرشاد الساري ج 6 ص 234 عنه، وفخ الباري ج 7 ص 208 - 209 عنه أيضا، ووفاء الوفاء ج 1 ص 248. وأشار إليه في البداية والنهاية ج 3 ص 207. (3) ليراجع فتح الباري ج 7 ص 209. (*)

[ 186 ]

قال الكتاني: قلت: كلام السهيلي ظاهر المأخذ، فتأمله بإنصاف ترى أنه الحق، ولذا اقتصر عليه معجبا به شهاب الدين الخفاجي، في عناية القاضي، وكفاية القاضي، إلى آخر كلامه (1).. وقال ياقوت الحموي: " إن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول رسول الله (ص) دار هجرته، وهو أول التاريخ للهجرة المباركة، ولعلم الله تعالى بأن ذلك اليوم سيكون أول يوم من التاريخ سماه أول يوم أرخ فيه، في قول بعض الفضلاء. وقد قال بعضهم: إن ها هنا حذف مضاف، تقديره: تأسيس أول يوم، والأول أحسن " (2). هذا، ويلاحظ: أنه نقل عن ابن عباس في تفسير الاية المذكورة نفس ما تقدم عن السهيلي فراجع (3). وإذا صح كلام هؤلاء، فمن المناسب أن يبادر النبي (ص) نفسه قبل كل أحد إلى العمل بمقتض الآية، وهو ما حصل فعلا، كما سنرى. وإذا قيل: ما ذكره هؤلاء - السهيلي وغيره - بعيد في بادى، الرأي. فإننا نقول: هو على الاقل من المحتملات في معنى الآية الشريفة، وإن لم يكن متعينا، ونحن إنما ذكرناه إستثناسا به وتأييدا، لا لنستدل به، ونستند إليه. ما نستند إليه: أما ما نستند إليه في إعتقادنا: أن النبي (ص) هو أول من أرخ بالهجرة، فهو الامور التالية:


(1) التراتيب الادارية المسمى ب‍: نظام الحكومة النبوية ج 1 ص 181 - 182. (2) معجم البلدان ج 5 ص 124. (3) تنوير المقباس هامش الدر المنثور ج 2 ص 224. (*)

[ 187 ]

1 - ما روى عن الزهري: من أن رسول الله (ص) لما قدم المدينة مهاجرأ أمر بالتاريخ، فكتب في ربيع الاول (1). وفي رواية أخرى عن الزهري قال: التاريخ من يوم قدم النبي (ص) مهاجرا (2). قال القلقشندي: " وعلى هذا يكون إبتداء التاريخ عام الهجرة " (3) وتقدمت وستأتي كلمات غيره في ذلك. ولكن البعض قد وصف هذا الحديث بأنه: خبر معضل، والمشهور خلافه (4). ولعله هو الذي وصفه الجهشياري بانه خبر شاذ (5) ويقرب منه كلام غيره (6).


(1) فتح الباري ج 7 ص 208، وإرشاد الساري ج 6 ص 233، والتنبيه والاشراف ص 252، وتاريخ الطبري ط دار المعارف ج 2 ص 388، ونزهة الجليس ج 1 ص 21، ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 142، والبحار ج 40 ص 218 عنه، وعلي والخلفاء ص 241 عن البحار، وصبح الأعشى ج 6 ص 240، والتراتيب الادارية ج 1 ص 180، وحكاه الأخيران عن النحاس في صناعة الكتاب، وتاريخ الخميس ج 1 ص 338، والشماريخ في علم التاريخ ص 10 ط سنة 1971 عن ابن عساكر عن يعقوب بن سفيان، ووفاء الوفاء للسمهودي ج 1 ص 248، والمراهب والزرقاني وغيرهم حكوه عن الحاكم في الاكليل مفصلا، والكامل لابن الاثير ج 1 ص 10 صادر، وفي المواهب اللدنية ج 1 ص 67: ذكر ذلك من دون أن ينسبه إلى الزهري وراجع الاعلان بالتوبخ ص 78. (2) الشماريخ في علم التاريخ ص 10. (3) صبح الاعشى ج 6 ص 240. (4) فتح الباري ج 7 ص 208، وإرشاد الساري ج 6 ص 233 عنه، ووفاء الوفاء ج 1 ص 248. (5) الوزراء والكتاب ص 25. (6) الاعلان بالتوبيخ ص 78، وتاريخ الخميس ج 1 ص 338. (*)

[ 188 ]

أما المسعودي فقد أورد عليه: بانه خبر مجتنب من حيث الآحاد، ومرسل من عند من لا يرى قبول المراسيل، وإن ما حكاه أولا من أن عمر هو الذي أرخ بالهجرة، بإشارة على (ع) هو المتفق عليه، إذ كان ليس في هذا الخبر وقت معلوم أرخ به، ونقل كيفية ذلك (1). لكن إيراد المسعودي وغيره لا يرد على خبر الزهري، لان إرساله - لو سلم - وكونه خبر واحد لا يصحح اجتنابه، بل لابد من الاخذ به، حتى ممن لا يرى قبول المراسيل، وذلك لوجود روايات وأدلة أخرى في المقام تدل على ذلك، كما سنرى (2). 2 - ما رواه الحاكم، وصححه، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله (ص) المدينة، وفيها ولد


(1) التنبيه والاشراف ص 252. (2) وللزهري رواية أخرى تدل على أن التاريخ كان من زمن النبي (ص) ففي تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 21: أن الزهري قال: " إن قريشأ كانوا يعدون بين الفيل والفجار أربعين سنة، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة ست سنين، وبين وفاته وبين بنيان الكعبة تسع سنين، وبينهما وبين أن خرج رسول الله (ص) إلى المدينة خمس عثرة سنة، منها خمس سنين قبل أن يوحى إليه ثم كان العدد. يعني: بعد التاريخ " فيظهر من هذه العبارة الأخيرة: أنهم أعرضوا عن السابق وبدأوا يؤرخون بالهجرة. لكن يبقى في الرواية إشكال، وهو أن المعروف: هو أن بين الفيل والفجار عشرين سنة لا أربعين كما صرح به الطبري ج 2، والبداية والنهاية ج 2 ص 261، وتاريخ الخميس ج 1 ص 196، وابن الاثير والمسعودي. لكن قول الزهري: أن النبي (ص) قد ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة، كما نقله عنه في البداية والنهاية ج 2 ص 262، يدل على أن الزهري قد تفرد بالقول بأن بين الفجار والفيل أربعين سنة مخالفا بذلك المعروف والمشهور. لكن كل ذلك لا يضر في دلالة كلامه على ما نقول كما لا يخفى. (*)

[ 189 ]

عبد الله بن الزبير (1). 3 - قال السخاوي: " وأما أول من أرخ التاريخ، فاختلف فيه، فروى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أنس، قال: كان التاريخ من مقدم رسول الله (ص) المدينة. وكذا قال الأصمعي: إنما أرخوا من ربيع الأول شهر الهجرة " (2). ثم ذكر رواية الزهري المتقدمة. وذلك يدل على أن واضع التاريخ ليس هو عمر، لان عمر قد أرخ من المحرم كما تقدم. ثم أورد السخاوي على ذلك بمخالفته للصحيح والمشهور: من أن الأمر به كان في زمن عمر، وأن أول السنة ليس شهر ربيع الاول، وإنما شهر محرم. ولكن إيراده غير وارد، لان مجرد كون ذلك خلاف المحفوظ والمشهور لا يوجب فساده. بل لابد من الأخذ به، والعدول عن المحفوظ والمشهور، حين يقوم الدليل القاطع على خلافه. ولسوف نرى: أن لدينا بالاضافة إلى ما ذكرنا ما يزيل أي شك، أو ريب في ذلك. 4 - إن المؤرخين يقولون: إن الرسول الأكرم (ص)، قد هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الاول. ويرى الزهري وغيره: أنه وصلها في أول يوم منه، وجزم ابن اسحاق والكلبي بأنه إنما خرج من مكة في اليوم الأول منه. وبعضهم يرى: أنه خرج من الغار في أوله (3).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 13 و 14 وصححه على شرط مسلم وتلخيص المستدرك للذهبي هامش نفس الصفحة، ومجمع الزوائد ج 1 ص 196 عن الطبراني في الكبير، والاعلان بالتوبيخ ص 80، وفي ص 81 رواية أخرى عنه تشير إلى ذلك أيضا. والطبري ج 2 ص 389 - 390 بسندين، وج 3 ص 144، والتاريخ الكبير للبخاري ج 1 ص 9، والشماريخ ص 10 عن البخاري في التاريخ الصغير، والخطط للمقريزي ج 1 ص 284. (2) الاعلان بالتوبيخ لمن يذم التاريخ ص 78. (3) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 324 و 325، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 = (*)

[ 190 ]

ويمكن تأييد دخوله للمدينة في أول ربيع الاول بما تقدم من كتابة علي (ع) في كتابه: " منذ ولج رسول الله (ص) المدينة ". ولكن هناك ما يؤيد الرأي الاخر أيضا، وهو إشارته (ع) بان يجعل مبدأ التاريخ: منذ ترك الرسول (ص) أرض الشرك أو منذ هاجر. إلا أن يدعى الاجمال في هذه الفقرة، لأنهم كانوا في صدد تعيين السنة التي يبدأون بها، فلا تصادم ظهور الفقرة الاولى فيما قلناه. المهم في الامر هنا: أن الهجرة كانت في أول ربيع الاول، فإذا أضفنا إلى ذلك ما تقدم عن مالك، والاصمعي، وكذلك ما رواه الزهري واستظهرناه من علي (ع): من أن أول السنة الاسلامية كان ربيع الاول، فإننا سوف نطمئن إلى أن التاريخ كان قد وضع قبل زمان عمر، الذي جعل أول السنة شهر محرم، بدلا من ربيع الأول. فهذا التغيير من عمر يدل على أنه ليس هو أول من وضع التاريخ الهجري. ويؤيد ذلك: أن بعض الصحابة كانوا يعدون بالأشهر من مهاجره (ص) الذي هو شهر ربيع الاول إلى أواسط السنة الخامسة. فأبو سعيد الخدري يقول: إن فرض رمضان، كان بعد ما صرفت القبلة في شعبان بشهر على رأس ثمانية عشر شهرا (1). ويتحدث عبد الله بن أنيس عن سريته إلى سفيان بن خالد، فيقول: " خرجت من المدينة يوم الاثنين، لخمس خلون من المحرم، على رأس أربعة وخمسين شهرا (2). ومحمد بن مسلمة أيضا يقول عن غزوة القرطاء: " خرجت في عشر


= ص 29، والروض الآنف ج 2 ص 245، وكذلك لا بأس بمراجعة دلائل النبوة ج 2 ص 226، والمواهب ج 1 ص 67. (1) تاريخ الخميس ج 1 ص 368. (2) مغازي الواقدي ج 2 ص 531 - 534 على الترتيب. (*)

[ 191 ]

ليال خلون من المحرم، فغبت تسع عشرة، وقدمت لليلة بقيت من المحرم، على رأس خمسة وخمسين شهرا (1). وبعد هذا يبدأ العد بالسنين، كما يظهر من قول سلمة بن الأكوع، وخالد بن الوليد، وغيرهما (2). لقد كانت تلك هي طريقة الصحابة، وعلى ذلك جرى ديدنهم، وتبعهم المؤرخون على ذلك أيضا، فأرخوا بالأشهر إلى أواسط السنة الخامسة، بل إلى آخرها، ومنها يبدأون بذكر السنين (3). وذلك يدل على أن التاريخ كان قد وضع من أول سنى الهجرة، وإلى فلا معنى لأن يسال صحابي عن واقعة حدثت له في سنة خمس، فيعدل عن ذكر السنة، ويشرع في إجراء حساب، ويقوم بعملية عد تحتاج إلى تفكير وتأمل، وبعد مدة من التأمل والتفكير يعطى الجواب ! ! إلا أن يكون ذلك محفوظا لديه، وجرى ديدنه وطريقته عليه مدة من الزمان، حتى انغرس في ذهنه، وحفظه ووعاه. كما أن ذلك يعئر عن مدى إهتمام الصحابة في المحافظة على جعل ربيع الأول مبدأ للتاريخ، وإن كانوا قد غلبوا على ذلك فيما بعد. 5 - إن بين أيدينا نصا لعهد النبي (ص) لسلمان الفارسي مؤرخا بسنة تسع للهجرة. قال أبو نعيم: عن " الحسن بن إبراهيم بن إسحاق البرجي


(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 531 - 534 على الترتيب. (2) راجع: مغازي الواقدي ج 2 ص 537، وصفة الصفوة ج 1 ص 652. (3) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 قسم 1 في غزواته (ص) لا سيما ص 56 منه في غزوة بواط، ومغازي الواقدي ص 9 - 11 - 363، والوفاء باخبار المصطفى ج 2 ص 673 و 674 و 675، والبداية والنهاية ج 4 ص 61، وتاريخ الخميس وغير ذلك. (*)

[ 192 ]

المستملي، وأخبرنيه عنه محمد بن أحمد بن عبد الرحمان، قال: سمعته يقول: سمعت أبا علي الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي يقول: رأيت هذا السجل بشيراز، بيد سبط لغسان بن زاذان بن شاذويه بن ماه بنداذ، أخي سلمان. وهذا العهد بخط علي بن أبي طالب (ع)، مختوم بخاتم النبي (ص)، فنسخ منه ما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله، سأله سلمان، وصية بأخيه ماه بنداذ، وأهل بيته، وعقبه. ثم ساق أبو نعيم الكتاب إلى أن قال في آخره: وكتب علي بن أبي طالب (ع)، بأمر رسول الله (ص) في رجب، سنة تسع من الهجرة، وحضر أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، و عبد الرحمان، وسعد، وسعيد، وسلمان، وأبو ذر، وعمار، وعيينة، وصهيب، وبلال، والمقداد، وجماعة آخرون من المؤمنين. وذكر أيضا أبو محمد بن حيان، عن بعض من عني بهذا الشأن: " أن رهطا من ولد أخي سلمان بشيراز، زعيمهم رجل يقال له غسان بن زاذان، معهم هذا الكتاب، بخط علي بن أبي طالب، بيد غسان، مكتوب في أديم أبيض، مختوم بخاتم النبي (ص) وخاتم أبي بكر وعلي (رضي الله عنهما)، على هذا العهد حرفا بحرف، إلا أنه قال: وكتب علي بن أبي طالب، ولم يذكر عيينة مع الجماعة " (1). وأورد عليه البعض: بانقطاع سنده وركاكة لفظه، وبأن أول من أرخ


(1) ذكر أخبار أصفهان لأبي نعيم ج 1 ص 52 - 53، والدرجات الرفيعة ص 206 / 207، وطبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 231، 234 ونفس الرحمان ص 44 عن تاريخ كزيدة. (*)

[ 193 ]

بالهجرة هو عمر (1). ونقول: إن انقطاع سنده لا يضر ما دام معتضدا بغيره من النصوص والشواهد التى تقدمت وستاتي. وأما ركاكة لفظه، فهي دعوى غير ظاهرة. وأما بالنسبة لكون عمر هو أول من أرخ بالهجرة. فهو أول الكلام. 6 - كتاب مفاداة سلمان من عثمان بن الأشهل اليهودي. وقد جاء في آخره قوله: او كتب علي بن أبي طالب الاثنين في جمادى الأولى، مهاجر محمد بن عبد الله رسول الله (ص) " (2). وقد شكك بعض العلماء في هذا الكتاب، وناقش فيه، وقد ذكرنا كلماتهم وأجبنا عنها في كتابنا سلمان الفارسي في مواجهة التحدي ص 25 - 30 فليراجعه من أراد. 7 - قد أورد البلاذرى نصا للكتاب الذي كتبه النبي (ص) ليهود بلدة " مقنا، وبني حبيبة. وقد صالحهم فيه على ربع عروكهم (خشب يصطاد عليه)، وغزولهم، وربع كراعهم، وحلقتهم، وعلى ربع ثمارهم. " قال البلاذري: " وأخبرني بعض أهل مصر: أنه رأى بعينه في جلد


(1) راجع تعليقات البلوشي على طبقات المحدثين ج 1 ص 234. (2) راجع ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 52، وطبقات المحدثين بأصبهان ج 1 ص 226 / 227، وتاريخ بغداد ج 1 ص 170، وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 199، ونفس الرحمان في فضائل سلمان ص 20 / 21 عن تاريخ گزيدة ومجموعة الوثائق السياسية ص 328 عن الخطيب وأبى نعيم، وعن جامع الآثار في مرلد المختار، لشمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي، ومكاتيب الرسول ج 2 ص 209، والرحلة في طلب الحديث (مقدمة نور الدين عتر) ص 53. (*)

[ 194 ]

أحمر، دارس الخط، فنسخه، وأملى علف فنسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله، إلى بني حبيبة، وأهل مقنا: سلم أنتم، فانه أنزل على: أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فإنكم آمنون، ولكم ذمة الله وذمة رسوله ". ثم ساق البلاذري الكتاب إلى أن قال في آخره: " وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم، أو من أهل بيت رسول الله (ص) وكتب علي بن أبو طالب (ع) في سنة تسع " (1). وقد أورد المعلق على فتوح البلدان، محمد بن أحمد بن عساكر على هذه الرسالة بإيرادين: أحدهما: أن عليأ الذي اخترع علم النحو، حتى لا يختلط بكلام النبط، لا يمكن أن يصدر منه اللحن ويقول: (علي بن أبو طالب) برفع كلمة أبو. الثاني: أن صلح النبي (ص) لأهل مقنا، كان في غزوة تبوك على ما هو مذكور في كتاب البلاذري، ولا خلاف في أن عليا لم يكن فيها، فكيف يكون علي (ع) هو كاتب هذا الكتاب. (2). ونحن نكتفي في الاجابة على هذين الايرادين بما ذكره العلامة المحقق الشيخ علي الأحمدي، حيث قال ما ملخصه مع إضافات


(1) فتوح البلدان للبلاذري ص 67 ط سنة 1318 ه‍. ولابد من التأمل في تخصيصه الولاية بأهل بيته، ولير ذلك إلا دليلا واضحا على ان خراج هذه البلدة وهى التي أخذت صلحا دون ان يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وهو المسمى بالفئ الذي هو لله ولرسوله قد اعطاه النبي (ص) لأهل بيته. وهي تدل أيضا عل أن آل الرسول (ص) هم أولرا الأمر للمسلمين وأهل الذمة عل حد سواء. (2) هامش ص 67 من فتوح البلدان للبلاذري. (*)

[ 195 ]

وزيادات في النصوص وغيرها، قد اقتضاها المقام. أما الجواب عن الأول: فقد ذكر الملا علي القاري في شرحه لشفاء القاضي عياض، نقلا عن نوادر أبى زيد الاصمعي عن يحيى بن عمر: أن قريشا كانت لا تغير الأب في الكنية، بل تجعله مرفوعا أبدا: رفعا، ونصبا، وجرا. وفي نهاية إبن الاثير، في لفظ (أبي) وشرح القارى لشفاء عياض: أن النبي (ص) كتب إلى المهاجر بن أمية: (المهاجر بن أبو أمية). ثم قالا: ولما كان أبو أمية مشتهرا بالكنية ولم يكن له إسم معروف غيره، تركه رسول الله (ص). ومثل القارى لذلك، فقال: (كما يقال: علي بن أبو طالب). ونضيف هنا قول الزمخشري: " وكتب لوائل بن حجر: من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبو أمية، إن وائلا... إلى أن قال الزمخشري: أبو أمية ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع، لانه اشتهر بذلك، وعرف، فجرى مجرى المثل الذي لا يغير، وكذلك قولهم: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان " إنتهى (1). وقال العلامة الأحمدي أيضا: وفي مجموعة الوثائق السياسة عن الصفدي: أن بعضهم يكتب: علي بن أبو طالب بالواو، ويلفظ: أبي، بالياء. وبعد أن نقل في المجموعة عن التراتيب الادارية، ما تقدم عن نوادر الأصمعي قال: وفوق ذلك كله: إني لقا كنت في المدينة، في شهر محرم سنة 1358، وجدت في الكتابة القديمة التي في جنوب سلع: (أنا علي بن أبو طالب). وقد تكون هذه الكتابة بخط علي (ع). وقال في مجموعة الوثائق أيضا: انه وجد كلمة: (علي بن أبو طالب) بالواو، في أربعة مواضع في الكتب المقروة عن الشيوخ.


(1) الفائق ج 1 ص 14. (*)

[ 196 ]

ونزيد هنا قول العسقلاني: (قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه (يعني أبا طالب) كنيته " (1). وقال مغلطاي " وقيل: إسمه كنيته فيما ذكر الحاكم. وفيه نظر " (2). وذكر المسعودي (3): أنه قد تنوزع في إسم أبي طالب، فمنهم من رأى أن كنيته إسمه، وأن عليا (ع) قد كتب ليهود خيبر، بإملاء النبي (ص): (وكتب علي بن أبي طالب)، فإسقاط الألف من كلمة: إبن، يدل على أنه واقع بين علمين، لا بين علم وكنية. وقال البلاذري: وقال يحيى بن آدم: وقد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين، كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة، وفي أسفله: (وكتب علي بن أبو طالب)، ولا أدري ما أقول فيه (4). وفي كتابه بين ربيعة واليمن نراه قد كتب في آخره - وهي الرواية المشهورة -: (كتب علي بن أبو طالب)، (5). وقال إبن عنبة: عن محمد بن إبراهيم النسابة: أنه رأى خط أمير المؤمنين في آخره: (وكتب علي بن أبو طالب). وقال: إنه كان في المشهد الغروي الشريف مصحف بخط علي (ع)، احترق حين احترق المشهد سنة 755 ه‍. يقال: إنه كان في آخره: وكتب علي بن أبو طالب. ثم ذكر: أن الواو مشتبهة بالياء لتقاربهما في الخط الكوفي، وأن


(1) الاصابة ج 4 ص 115. (2) سيرة مغلطاي ص 10. (3) مروج الذهب ج 2 ص 109 ط بيروت. (4) فتوح البلدان ص 72. (5) شرح النهج لابن ميثم البحراني ج 5 ص 321.

[ 197 ]

الصحيح هو (علي بن أبي طالب) حسبما نقله له جده وغيره (1). إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه وإستقصائه. ونستطيع أن نستخلص مما تقدم: أن وجود كلمة: (أبو) لا يضر، ولا يوجب إشكالا في الرواية، ولا سيما إذا لاحظنا ما نقلوه من لغة قريش المتقدمة، ومن ثم، فإننا لا نحتاج إلى تأويل عمدة الطالب، أو غيره. وأما الجواب عن الايراد الثاني: فيقول العلامة الأحمدي: إنه لا صراحة في كلام البلاذري، ولا دلالة له على أن هذا الكتاب قد كتب في تبوك، كما أن الكتاب نفسه ليس فيه ما يدل على ذلك، بل فيه ما يدل على وفادة جماعة منهم إلى النبي (ص) وأنهم سوف يرجعون إلى بلدتهم، فلعل وفادتهم إليه كانت إلى المدينة لغرض تجاري، أو لأجل الحصول على هذا الكتاب، أو غير ذلك، فكتب النبي (ص) لهم هذا الكتاب. ويلاحظ هنا: أن عددا من المصادر يكتفي بالاشارة إلى أنه (ص) قد كتب لأهل مقنا كتابا في سنة تسع (2). هذا ما ذكره العلامة الأحمدي بزيادات وتصرف وتلخيص، وهو


(1) عمدة الطالب ص 20 - 21 ط النجف. (2) راجع: مكاتيب الرسول (ص) ج 1 ص 288 - 289 - 290. ولمعاهدة مقنا نص آخر مؤرخ بسنة خمس للهجرة بخط علي " عليه السلام "، ولكنه لا يخلو من بعض الاشكالات التاريخية، وإن كان يمكن الاجابة عنها كلا أو بعضا. فراجع: مكاتيب الرسول (ص) ج 1 ص 293 - 294. وهناك عهد للنصارى مؤرخ في الثانية للهجرة، بخطه أيضا " عليه السلام "، وعهد آخر لهم مؤرخ في السنة الرابعة يقال: إنه بخط معاوية، وكلا العهدين محل إشكال لا سيما الثاني منهم‍، لأن معاوية لم يسلم إلا عام الفتح. فراجع: مكاتيب الرسول (ص) أيضا ج 2 ص 637 و 634 وغير ذلك. (*)

[ 198 ]

كاف وواف في دفع الايراد على هذا الكتاب. 8 - كتاب صلح خالد بن الوليد لأهل دمشق. قال ابن سلام: " حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي عن إبن سراقة: أن خالد بن الوليد كتب لاهل دمشق: " هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق: أني قد أمنتهم على دمائهم، وأموالهم، وكنائسهم. قال أبو عبيد: ذكر كلاما فيه لا أحفظه، وفي آخره: شهد أبو عبيدة الجراح، وشرحبيل بن حسنة، وقضاعي بن عامر، وكتب سنة ثلاث عشرة " (1). واحتمال أن تكون العبارة الأخيرة ليست من أصل الكتاب، وإنما هي من تعابير المؤرخين أو الرواة. يدفعه: أن ذلك خلاف ظاهر العبارة. أضف إلى ذلك أنه قد روي عن الواقدي: أن خالدا لم يؤرخ. الكتاب ولكن لما أراد المسلمون النهوض إلى اليرموك، جدد خالد للنصارى كتاب الصلح وأثبت فيه شهادة أبى عبيدة وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان، وأرخه بسنة خمس عشرة في ربيع الآخر (2). وأضاف إبن كثير إلى الشهود: عمرو بن العاص. ولا يمنع أن يكون هذا كتاب آخر كتبه لهم فيما يتعلق بكنائسهم حين نهوضه إلى اليرموك، كما ربما يستظهر من عبارة إبن كثير فراجع (3). وحتى لو كان تاريخ الكتاب هو سنة 15، فإن ذلك لا يضر في دلالته على


(1) الأموال ص 297، وذكره البلاذري في فتوح بلدانه ص 128 بدون تاريخ مع بعض اختلاف. (2) راجع: فتوح البلدان ص 130. (3) البداية والنهاية ج 7 ص 21. (*)

[ 199 ]

المطلوب لأن من المتفق عليه أن قضية عمر كانت بعد ذلك، أي في سنة 16 ه‍. أو 17 ه‍. ولا أحد يدعي إطلاقا: أن وضعه للتاريخ قبل ذلك، ولا سيما بملاحظة: أن فتح دمشق كان أول خلافة عمر، بل قبل أن يصل إلى جند المسلمين في الشام خبر وفاة أبي بكر وتولي عمر. نقول هذا على الرغم من أننا نرى: أن كلمات أهل المغازي قد اختلفت في وقت فتح دمشق: هل كان في سنة 13 ه‍ أو في سنة 14 ه‍، وفي أن من صالح أهلها: هل هو أبو عبيدة، أم خالد بن الوليد. وكذلك في أن أيهما كان الامير على جند المسلمين في الشام ؟. وذلك لأن لدينا ما يشبه اليقين بأن فتح دمشق كان قبل وصول الخبر بوفاة أبي بكر في سنة 13 ه‍، أو على الأقل قبل إظهار أبي عبيدة للخبر، وأن الذي صالحهم هو خالد بن الوليد، الذي كان أميرا على الجند آنئذ. فقد نصق أبو عبيدة، وابن قتيبة، والواقدي، والبلاذري (1)، وكثيرون غيرهم: على أن المصالحة كانت على يد خالد، مما يعني أنه هو الذي كان أمير الجيش إلى حين الصلح. بل يذكر لنا الواقدي: مشادة عنيفة، حصلت بين أبي عبيدة وخالد، بسبب صلح خالد لهم، تظهر لنا بوضوح مدى عناد خالد في موقفه، وضعف أبي عبيدة معه (2) الأمر الذي ينسجم كثيرا مع ما نذهب إليه، من أن قيادة الجيش كانت لخالد آنذاك. يضاف إلى ما تقدم: أن البلاذري وغيره قد ذكروا: أن أبا عبيدة كان


(1) المعارف لابن قتيبة ص 79 ط سنة 1390 بيروت، وفتوح الشام ج 1 ص 58 - 59، وفتوح البلدان ص 128 حف 131 وغير ذلك. (2) فتوح الشام ج 1 ص 58 - 60. (*)

[ 200 ]

على الباب الشرقي، فدخلها عنوة، فجاء أهل المدينة إلى خالد، فصالحوه، وكتب لهم كتابا، وفتحوا له الباب. ثم نقل البلاذري قول أبي مخنف، الذي يعكس القضية، ثم قال: والأول أثبت (1). ويدل على أن ذلك هو الأثبت: أن أكثر المؤرخين يذكرون أن خالدا كان هو المصالح لأهل دمشق، ومن ثم كان هو أمير الجيش. وتلك الرسالة المذكورة في أول هذا الكلام ونصوص أخرى، تدل دلالة قاطعة على ذلك أيضا. وأما عزل خالد، فقد جاءهم وهم محاصرون لدمشق، فكتمه عنه أبو عبيدة نحو عشرين ليلة، حتى فتحت دمشق، حتى لا يوهن أمر خالد، وهم بإزاء العدو (2). وقال الواقدي: إن فتحها كان في ليلة وفاة أبي بكر (3). وقال زينى دحلان: " وقيل: إنما جاء خبر وفاة أبي بكر، بعد فتح دمشق في سنة ثلاث عشرة، وأن وفاة أبي بكر (رضي) كانت في الليلة التي دخلوا فيها دمشق، وكان ذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. والقائلون بأن خبر وفاته إنما جاء بعد فتح دمشق هم القائلون بأن وقعة اليرموك كانت بعد فتح دمشق، وأنها سنة خمس عشرة " (4). وقال ابن كثير: " ظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي: أن فتح دمشق


(1) فتوح البلدان ص 129، وليراجع أيضا: البداية والنهاية ج 7 ص 21 ونقله عن آخرين. (2) البداية والنهاية ج 7 ص 23، وفتوح البلدان ص 127 - 129. (3) فتوح الشام ج 1 ص 58 - 59. (4) الفتوحات الاسلامية ج 1 ص 47. (*)

[ 201 ]

وقع في سنة ثلاث عشرة. ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة " (1). وعن عبد الرحمان بن جبير: أن أبا عبيدة نفسه قد ذهب ليبشر أبا بكر بفتح دمشق، فوجده قد توفى وأمره عمر على الناس. فلما عاد إلى دمشق قالوا: " مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا أميرا " (2). وعلى كل حال، فإن كتاب الصلح المتقدم، وسائر ما قدمناه يشهد: بأن خالدا هو الذي صالح أهل الشام وفاقا لأكثر المؤرخين. وقد قلنا: إنه حتى لو كان الكتاب مؤرخا بسنة 15، أو كان ذلك كتابا آخر، فإنه أيضا يدل دلالة واضحة على أن التاريخ كان قد وضع قبل خلافة عمر. وأما لماذا يعدل الرواة والمؤرخون عن الحقيقة، ألا وهي مصالحة خالد لأهل الشام قبل وفاة أبي بكر، فلعل تقارب الأحداث وتتابعها قد أوقعهم في الخلط والاشتباه. ولعله حين نريد أن نحسن الظن بهم - وهم أهل ومحل لذلك ! ! - قد كان لتعمد إظهار: أن عهد عمر كان عهد الفتوحات العظيمة، والتوسع الكبير، ولابد أن يكون فتح الشام، وهي هامة جدا، في عهده هو لا في عهد أبي بكر. وأيضا فثمة اهتمام خاص ظاهر للعيان بإثبات شجاعة خالد وإظهار قوته، وبطولاته في مواقفه، وأنه - دون كل أحد - رجل السيف والسنان، فلابد أن يكون قد فتحها عنوة، وأن يكون الذي صالح أهلها غيره ! ! ولو كان ذلك عن طريق الكذب وا لدجل وا لتزوير. وأما أن أي ذلك الذي ذكرناه هو السبب الحقيقي في العدول عن الحقيقة، فلست أدري، ولعل القارئ الفطن الذكي يدرى.


(1) البداية والنهاية ج 7 ص 22. (2) البداية والنهاية ج 1 ص 24. (*)

[ 202 ]

9 - " ونقل السيوطي عن مجموعة بخط إبن القماح ذكر فيها: أن ابن الصلاح قال: ذكر أبو طاهر، محقد بن محمش الزيادي في تاريخ الشروط: أن رسول الله (ص) أرخ بالهجرة حين كتب الكتاب لنصارى نجران وأمر عليا أن يكتب فيه: أنه كتب لخمس من الهجرة. قال: فالمؤرخ بهذا إذن رسول الله (ص)، وعمر تبعه في ذلك " (1). وقال السيد عباس المكي: " التاريخ سنة ماضية، وطريقة راضية، أمر بها رسول الله (ص) حين كتب إلى نصارى نجران، فامر عليا (رضي الله عنه): أن يكتب فيه: (كتب لخمس من الهجرة ") (2). ثم نقل رواية إبن شهاب المتقدمة. وقال السخاوي: " فإن ثبت، فيكون عمر متبعا، لا مبتكرا " (3). وقال السيوطي أيضا: " وقد يقال: هذا صريح في أنه يقال: أرخ سنة خمس. والحديث الأول (يعني رواية الزهري المتقدمة) فيه: أنه أرخ يوم قدوم المدينة. ويجاب: بانه لا منافاة، فإن الظرف وهو قوله: (يوم قدم المدينة) ليس متعلقا بالفعل وهو أمر، بل بالمصدر وهو (التاريخ)، أي أمر بان يؤرخ بذلك اليوم، لا أن الامر كان في ذلك اليوم " (4). هذا كلام السيوتى. ولكن ثمة جواب أوضح وأظهر، وهو أنه (ص) قد أمر بالتاريخ من أول قدومه، رجعل مبدأه أول ربيع الاول، واستعمله النبي (ص) نفسه حين كتب لنصارى نجران في سنة خمس.


(1) راجع: الشماريخ في علم التاريخ للسيوطي ص 10، والتراتيب الادارية ج 1 ص 181 عنه. (2) نزهة الجليس ج 1 ص 21. (3) التراتيب الادارية ج 1 ص 181. (4) الشماريخ ص 10. (*)

[ 203 ]

10 - خبر الصحيفة السجادية الذي يظهر منه: أن جعل هجرة الرسول الأكرم (ص) مبدأ للتاريخ كان مرتبطا بالمبدأ الأعلى جل وعلا، حيث جاء في الخبر: أن جبرائيل (ع) قال للنبي (ص): " تدور رحى الاسلام من مهاجرك، فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحى الاسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك، فتلبث بذلك خمسا " (1). 11 - " وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله (ص) يقتل حسين بن علي على رأس ستين من مهاجري " (2). 12 - وعن أنس قال: " حدثنا أصحاب النبي (ص): أن النبي (ص) قال: لا تاتي مئة سنة من الهجرة ومنكم عين تطرف " (3).


(1) البحار ج 58 ص 351 بعد تصحيح أرقام صفحاته، وسفينة البحار ج 2 ص 641، والصحيفة السجادية ص 10. وقد روي هذا عن النبي (ص) بطرق أخرى ذكرها في البداية والنهاية ج 6 ص 206 - 207، وج 7 ص 219 وص 275 - 276 عن أحمد وأبي داود وابن داود، ولكن باختلاف وتصرف وحذف فراجع. وراجع: سنن أبي داود نثر دار الكتاب العربي ج 4 ص 159 - 160 وغير ذلك. (2) مجمع الزوائد ج 9 ص 190 عن الطبري، ولم يطعن في سنده إلا في سعد بن طريف وليس ذلك إلا لتشيعه حسبما صرحوا به، وترجمة الامام الحسين (ع) من تاريخ دمثق بتحقيق المحمودي ص 185 وفي هوامشه عن مصادر أخرى، وتاريخ بغداد ج 1 ص 142، والالمام ج 5 ص 299، وكنز العمال ج 13 ص 113 ط حيدر آباد، وميزان الاعتدال ج 1 ص 212 عن الطبراني، والخطيب، وابن عساكر. ومنتخب كنز العمال هامش مسند احمد ج 5 ص 111، ومقتل الحسين (ع) للخرارزمي ج 1 ص 161، وإحقاق الحق ج 11 ص 354 عن بعض ما تقدم، وعن مفتاح النجا ص 136 مخطوط، وعن المعجم الكبير للطبراني. (3) مجمع الزوائد ج 1 ص 197 عن أبي يعلى، وله ألفاظ وطرق عديدة كثيرة أخرى لكن بلا ذكر كلمة: من الهجرة. (*)

[ 204 ]

13 - وقد ذكر البعض نصا للكتاب الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة، وجاء في آخره: " وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة، وكتب في شهر ربيع الاول من سنة اثنتي عشرة " (1). ومن المعلوم أن فتح الحيرة على يد خالد كان في زمن أبي بكر، وذلك معناه أن التاريخ كان قد وضع واستعمل قبل خلافة عمر، فكيف يكون عمر هو واضع التاريخ في سنة ست عشرة ؟ وقد يمكن تأييد ذلك بما تقدم عن السهيلي وابن عباس، وغير ذلك مما لا مجال لذكره. هذا، واحتمال أن تكون العبارة الأخيرة من كلام الرواة أو المؤرخين ليس له ما يؤيده، كما ألمحنا. 14 - ما رواه الحافظ عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: " ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة إلخ " (2). 15 - ما رواه عبد الرزاق أيضا عن ابن مسعود قال: " إذا كانت سنة خمس وثلاثين حدث أمر عظيم، فإن تهلكوا فبالحرا، لان تنجوا فعسى. وإذا كانت سبعين رأيتم ما تنكرون " (3). فإن ابن مسعود وأبا هريرة إنما علما ذلك عن طريق النبي (ص)، لأنه تنبؤ بالغيب، وهذا يدل على أنه (ص) هو واضع التاريخ الهجري. 16 - " وفي حديث رواته ثقات: نعوذ بالله من رأس الستين وفي رواية: من سنة ستين، ومن إمارة الصبيان " (4).


(1) هي الدكتورة سعاد ماهر محمد، في كتابها: مشهد الامام علي في النجف الأشرف ص 104 - 105. (2) و (4) مصنف عبد الرزاق ج 11 ص 373 و 375. (3) تطهير الجنان واللسان ص 66 سنة 1375، وكنز العمال ج 11 ص 113 عن أحمد وغيره. (*)

[ 205 ]

وعن أبي هريرة أنه قال: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان (1) 17 - " عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (رض) مرفوعا: إذا كان على رأس السبعين ومئة فالرباط بجدة من أفضل ما يكون من الرباط " (2). عود على بدء: وبعد كل ما قدمناه، يتضح أن ما اشتهر بين الناس من أن واضع التاريخ الهجري الاسلامي هو عمر بن الخطاب، مما لا يمكن القبول به ولا المساعدة عليه، وأن ما حدث في زمن عمر هو فقط: جعل مبدأ السنة الهجرية شهر محرم، بدلا من ربيع الاول، إما باقتراح من عمر نفسه، أو بإشارة من عثمان. ومحرم - كما هو معلوم - كان مبدأ السنة في الجاهلية ! ! (3). وليس من البعيد: أن يكون التاريخ الهجري الذي وضعه النبي (ص)، وأرخ به أكثر من مرة، لم يكن قد اشتهر بين الناس، بسبب قلة احتياجهم للتاريخ في تلك الفترة، فجمع عمر الصحابة ليتفقوا على تاريخ، حسبما تقدم بيانه (4). ولكننا رأينا في الاجتماع دعوات مغرضة لتناسي ذلك التاريخ الذي


(1) الاتحاف بحب الأشراف ص 65 عن ابن أبي شيبة وغيره. (2) لسان الميزان ج 2 ص 79. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 206 و 207، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 288 و 289. (4) احتمل ذلك العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني في مقال له نشرته مجلة الهادي في سنتها الأولى عدد 4 ص 48. (*)

[ 206 ]

أمر به ووضعه الرسول الأكرم (ص)، فهذا يشير بتاريخ الروم، وبعض مسلمي اليهود يشير بالتاريخ الذي يرجع إلى زمان الاسكندر والهرمزان، يستشيره عمر - مع أن عمر كان يكره الفرس كراهية شديدة - فيشير عليه بتاريخ الفرس، كلما هلك ملك أرخوا من ولاية الذي بعده. ورابع: يشير بجعل مبدأ التاريخ مولد النبي (ص) - عام الفيل - الذي كان العرب يؤرخرن به في جاهليتهم المتأخرة، وهكذا. " وكثر منهم القول وطال الخطب في تواريخ الأعاجم وغيرها " على حد تعبير المسعودي (1). ولكن عليا حافظ الدين ورائد الحق، قد أعلن في الوقت المناسب: التاريخ الهجري الذي وضعه الرسول (ص)، وأرخ به هو نفسه في حياة النبي (ص) العديد من الكتب والمعاهدات. فلم يكن ثمة بد من قبول رأيه والاذعان لمشورته، لأنها حق والحق يعلو ولا يعلى عليه. واتخاذه الهجرة مبدأ للتاريخ دون يوم ولادته ووفاته (ص)، إنما هو لأهمية الهجرة من دار الشرك، حيث الذل والهوان إلى دار الاسلام حيث العزة والكرامة، فهي مهمة جدا في صنع التاريخ والانسانية، كما أنه يكون بذلك (ع) قد أبعد كل المواقف المخزية، والأحداث التي تختص بالطواغيت وألظلام عن أن تجعل مبدأ للتاريخ. وعن أن تصبح في جملة الرواسب والمرتكزات، التي يعتادها الانسان ويألفها، وتستقر في وعي الناس كجزء من التراث، والثقافة، والحياة. والتاريغ المسيحي اذن لماذا ؟: وبعد، فإننا نسجل هنا بكل أسف وأسى حقيقة: أن الغربيين وغير المسلمين يحافظون على تراشهم وعلى


(1) التنبيه والاشراف ص 252. (*)

[ 207 ]

خصائصهم، مهما كانت تافهة وحقيرة، وغير ذات أهمية، ولا يتنازلون عنها في أي من الظروف والأحوال. بل هم يطمحون إلى بثها وترسيخها لدى غيرهم من الجماعات والأمم، ولو على حساب تدمير تاريخ وتراث تلك الجماعات، فنجد أنهم عندما يكتبون عن الشؤون والتواريخ الاسلامية يصرون على تحوير التاريخ الهجري، الذي ضبطت به الحوادث إلى الميلادي الشمسي، مهما كان ذلك موجبا لضياغ كثير من الحقائق، والغلط والخلط فيها نتيجة للاختلاف فيما بين التاريخين. أما نحن فإننا نتنازل عن كثير من الأشياء التي قد يكون الكثير منها رئيسيا وأساسيا، بدعوى التقدمية والرقى، وغير ذلك من ألفاظ خلابة، وشعارات براقة، تخفي وراءها الكثير الكثير من المهالك والأخطار. بل لقد تخلت بعض البلاد الاسلامية حتى عن الخط العربي، واستبدلته بالخط اللاتيني، بالاضافة إلى تخليهم عن كثير من شؤونهم الحياتية حتى زيهم ولباسهم، وحتى طريقة عيشهم أيضا. وهكذا كان حالنا بالنسبة للتاريخ الهجري، حيث قد تخلينا عنه، وبكل يسر وسهولة رغم أنه من موجبات عزتنا، وعليه يقوم تاريخنا وتراثنا، فاستبدلناه بالتاريخ المسيحي الشمسي، المستحدث بعد ظهور الاسلام ببرهة طويلة، لأن النصارى كانوا يؤرخون برفع المسيح (ع) (1)، لا بميلاده، وعلى حسب نص آخر: إنهم كانوا يؤرخون بعهد الاسكندر ذي القرنين (2)، حتى إن ابن العبرى، وهو من اليعاقبة المسيحيين، وقد بلغ إلى درجة تعادل درجة الكاردينال، وتوفي سنة 685 ه‍. لم يؤرخ في كتابه بتاريخ المسيح أصلا، بل اعتمد تاريخ الاسكندر في مواضع عديدة في كتابه فراجع (6) فلو كان تاريخ


(1) الاعلان بالتوبخ لمن يذم التاريخ ص 83. (2) نزهة الجليس ج 1 ص 22، وراجع: كنز العمال ج 10 ص 195 عن المستدرك، وعن البخاري في الأدب.

[ 208 ]

المسيح شائعا أو معروفا في عصره لم يعدل عنه. ويظهر من كلام السخاوي المتقدم، والمتوفي سنة 902 ه‍ أن التاريخ بميلاد المسيح لم يكن متداولا إلى أوائل القرن العاشر الهجري. وها نحن نرى العديد من الدول التي تطلق على نفسها اسم الاسلام، قد اتخذت هذا التاريخ المسيحي، لا الفارسي ولا الرومي اللذين سبق أن اقترحا على الصحابة في الصدر الأول. نعم، لقد اعتمدوا التاريخ المسيحي، بدعوى الحضارة والتقدمية، وما إلى ذلك من شعارات، وتركوا ما هو مصدر عزتهم، وما عليه يقوم تاريخهم وتراثهم، كما تنازلوا عن الكثير الكثير مما هو أعظم وأهم، والتنازل عنه أخطر، وأدهى. ملاحظة: قيل لأبي عبد الله (ع) فيما روي: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة وعشرين من كانون ؟ فقال: كذبوا، بل في النصف من حزيران، ويستوى الليل والنهار في النصف من آذار (1). دعوة مخلملة: فنحن ندعو الأمم الاسلامية إلى اعتماد التاريخ الهجري القمري في تقاويمهم وتواريخهم، لأن ذلك يصل ماضيهم بحاضرهم، وبذكرهم بسر مجدهم وعزتهم، وهو هذا الدين الذي اختاره الله لهم وللانسانية جمعاء. مضافا إلى أنه لو كان المفروض جعل أعظم الحوادث مبدأ للتاريخ، فأي حادثة أعظم من ظهور نبي الاسلام، وما تلا ذلك من الحوادث العظام ؟.


(1) البحارج 75 ص 36، وتحف العقول، ومختصر التاريخ لابن الكازرونى ص 67 ومروج الذهب ج 2 ص 179 و 180. (*)

[ 209 ]

قال العلامة المجلسي: " والعلة الواقعية في ذلك، يمكن أن تكون ما ذكر من أنها مبدأ ظهور غلبة الاسلام والمسلمين، ومفتتح ظهور شرائع الدين، وتخلص المؤمنين من أسر المشركين، وسائر ما جرى بعد الهجرة من تأسيس قواعد الدين المبين " (1). نقول ذلك للأمم الاسلامية جمعاء وللعرب على الخصوص، فإننا حتى لو تنزلنا عن ذلك من حيث الدين، فإن عليهم أن يلتزموا به بما أنهم عرب. وأذكرهم هنا بالكلمة القوية التي أطلقها الحسين سيد الشهداء (ع) حينما قال: " إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم، إن كنتم عربا كما تزعمو ن " (2). نسأل الله أن يعيد إليهم صوابهم، ويجعلهم يسترشدون بعقولهم وضمائرهم. وإذا كانوا يقلدون غيرهم في كل شئ تحت ظل مثل تلكم الشعارات، فليقلدوهم في هذه النقطة أيضا، أي في عدم التنازل عن الخصائص الخيرة، والتراث العظيم، ثم الاستجداء من الآخرين والأخذ منهم ما قد يكون - بل هو كائن فعلا - ضرره أكثر من نفعه. " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ". بناء مسجد المدينة: واشترى النبي (ص) - أو وهب له - موضع المسجد، الذي يقال: إنه كان مربدا ليتيمين من الخزرج، كانا في حجر أسعد بن زرارة، أو غيره اشتراه - على ما قيل - بعشرة دنانير.


(1) البحار ج 58 ص 351. (2) اللهوف ص 50، ومقتل الحسين للمقرم ص 335 عنه. (*)

[ 210 ]

فأسس (ص) المسجد في ذلك الموضع، ونقلوا إليه الحجارة من منطقة الحرة، وشارك (ص) بنفسه في نقلها، الأمر الذي دفع الصحابة إلى الدأب في العمل، والجد فيه، حتى قال قائلهم: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون: اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة أو نحو ذلك (1) وسيأتي: أن هذين البيتين أنشدهما المسلمون وهم يحفرون الخندق. ولا مانع من تعدد الواقعة إذا تشابهت الحالات والدواعي. وجعل طوله مئة ذراع في مثلها، أو قريبأ من ذلك، وقيل: جعله سبعين في ستين. ونحتمل أن يكون كلاهما صحيحا، وأنه جعله في البناء الأول سبعين في ستين، ثم وسعه في البناء الثاني (2). وابتنى الرسول (ص) مساكنه، وابتنى أصحابه مساكنهم حول المسجد، وكل قد شرع له إلى المسجد بابا. وقد سدت الأبواب كلها فيما بعد سوى باب أمير المؤمنين " عليه السلام،، كما سيأتي. وقبل أن نمضي في الحديث، لابد من الالتفات إلى بعض ما يقال هنا، من أجل تقييمه، وبيان وجه الحق فيه وذلك حسبما يلي:


(1) راجع ما تقدم في السيرة الحلبية ج 2 ص 67 و 71 و 64 و 65. (2) وفاء الوفاء ج 1 ص 340 فما بعدها، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 365 و 366، وراجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 77. (*)

[ 211 ]

ألف: أبو بكر والعشرة دنانير: إنهم يقولون: إن أبا بكر هو الذي دفع العشرة دنانير، ثمن المربد (1). ونحن نشك في ذلك. أولا: لأن أبا بكر لم يكن له القدرة المالية على ذلك، ولو كانت، فنحن نشك في إقدامه على هذا الأمر، وذلك استنادا إلى ما قدمناه في حديث الغار. وثانيا: لو سلمنا وقبلنا: أنه كان قادرا، فإننا نجد في المقابل رواية تقول: إن أسعد بن زرارة قد عوض اليتيمين نخلا له في بنى بياضة، وفى أخرى: أرضاهما أبو أيوب، وفي ثالثه: معاذ بن عفراء (2). واحتمل البعض: أن يكون أبو بكر قد دفع الثمن، وأعطى الباقون زيادة عليه برا وصلة (3). ولكن ذلك ليس بأولى من العكس، أضف إلى ذلك أنه لا ينسجم مع التعبير بكلمة: " عوضهما " فإنه ظاهر في كونه ثمنا وعوضا، لا برا وصلة. وثالثا: قد روى البخاري وغيره: أن الرسول (ص) أرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا من الله (4).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 65. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 215، ووفاء الوفاء ج 1 ص 323 و 324 عن ابن حجر، والسيرة الحلبية ج 2 ص 65. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 65، ووفاء الوفاء ج 1 ص 323 و 324. (4) صحيح البخاري ط الميمنية ج 1 ص 57، وتاريخ الطبري ط الاستقامة ج 2 ص 116، والكامل لابن الاثير ط صادر ج 2 ص 110، ووفاء الوفاء ج 1 =

[ 212 ]

باء: أحجار الخلافة: وقد روى الحاكم، عن عائشة، قالت: أول حجر حمله النبي (ص) لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر حجرا آخر، (ثم حمل عمر) (1)، ثم حمل عثمان حجرا آخر. فقلت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك ؟. فقال: يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (2). ولكن هذه الرواية لا يمكن أن تصح، فعدا عن تناقض واختلاف نصوصها كما لا يخفى على من راجعها في المصادر المختلفة وقارن بينها، فإننا نذكر: أولا: قال الذهبي، بعد أن ضعف سند الحديث: " لو صح هذا لكان نقعا في خلافة الثلاثة، ولا يصح بوجه، فإن عائشة لم تكن يومئذ دخل بها النبي (ص)، وهي محجوبة صغيرة، فقولها هذا يدل على بطلان الحديث " (3). ولنا تحفظ على قوله: أنها كانت صغيرة، ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب. وقال ابن كثير: اهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا ".


= ص 323، واللهراتيب الادارية ج 2 ص 77. (1) الزيادة من تلخيص المستدرك. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 96 و 97 وتلخيصه للذهبي بهامشه، وراجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 332 و 333 و 351 وراجع ص 251، والبداية والنهاية ج 3 ص 218، وج 6 ص 204 مصرحا بأن ذلك كان في مسجد المدينة، والسيرة الحلبية ج 2 ص 56 و 66، وتاريخ الخميس ج 1 ص 344 و 343، ودلاثل النبوة للبيهقي ج 2 ص 272. (3) تلخيص المستدرك للذهبي، المطبوع بهامش مستدرك الحاكم ج 3 ص 97. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 218. (*)

[ 213 ]

وثانيا: وفي مقام الاشكال على حديث سفينة: في أحجار الخلافة المتقدم (1) قال البخاري في تاريخه: " ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور لأن عمر وعثمان، وعلي (كذا) قالوا: لم يستخلف النبي (ص) " (2). لقد قالت عائشة: " لو كان رسول الله (ص) مستخلفا لاستخلف أبا بكر وعمر " و صححه الحاكم والذهبي (3). يريد البخاري: أن هذا الحديث يخالف عقيدة أهل السنة في كون النبي (ص) لم ينص، ولم يستخلف. وبهذا يصححون خلافة أبي بكر التي جاءت بطريقة غير طبيعية ولا مألوفة. وقد ذكر العلامة الأميني (4) طائفة كبيرة من كلماتهم الدالة على أن الخلافة انتخابية، فهذه الرواية تكون كاذبة على مذهبهم. وهي كاذبة واقعا أيضا، لأنه (ص) إنما نصق على أمير المؤمنين علي " عليه السلام " خليفة بعده، والنصوص الدالة على ذلك لا تكاد تحصى، وقد استدل بذلك أمير المؤمنين وصحبه، وأهل بيته وولده، وشيعته من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وإلى يومنا هذا، ولا يكاد يخلو كتاب من تلك النصوص ا لمتضافرة وا لمتواترة، جملة وآحادا (5). وثالثا: إن هذه الرواية تذكر عثمان في جملة الواضعين للاحجار الأولى، - ولكن عثمان - كما يقولون كان حينئذ في الحبشة، كما أشار إليه السمهودي - ولم يكن حاضرا في المدينة، ولأجل ذلك حذف السهيلي


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 13. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 66. (3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 78. (4) راجع: الغدير ج 5 ص 357 - 375. (5) راجع على سبيل المثال: الغدير ج 1 ص 195 - 213. (*)

[ 214 ]

عثمان من الرواية (1). تحريف في مستدرك الحاكم: ولعل هذا هو السر في حذفها تبرعا من نص الحاكم، حين طبع كتابه، لأن الذهبي ذكرها في تلخيصه. وهذا يعذ من التحريف الذي هو خيانة حقيقية للدين وللأمة وللأجيال. والخلاصة: أن عثمان وإن قدم مكة حين بلغهم اسلام أهل مكة، لكنهم لما تبين لهم خلاف ذلك، رجع عدة منهم وبقي عدة، ويبدو أن عثمان قد كان من جملة من رجع كما يدل عليه قولهم: إن عثمان قد هاجر الهجرتين إلى الحبشة (2). وذكر العسقلاني: أنه بعد أن سمع المسلمون الذين في الحبشة بهجرته (ص) إلى المدينة، عاد منهم ثلاثون إلى مكة ومنهم ابن مسعود، الذي وصل المدينة في حين كان (ص) يتجهز إلى بدر.. (3). ولكن لا ندري كيف يصح كلام العسقلاني هذا، إذ ما هو السبب في عودتهم إلى مكة، مع أن النبي (ص) قد تركها إلى المدينة ! ! إلا أن يكون هو إرادة الحصول على أموالهم. وهو بعيد. ج: عثمان وعمار: ويقولون: " كان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا، وكان يحمل اللبنة، فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه، فإن * د (هامش) * (1) راجع وفاء الوفاء ج 1 ص 252. (2) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 138، والكامل لابن الأثير ج 3 ص 185، وفي البدء والتاريخ ج 5 ص 17: أن رقية زوجة عثمان أسقطت علقة في اليسفينة في هجرتها الأولى إلى الحبشة. (3) فتح الباري ج 7 ص 145. (*)

[ 215 ]

أصابه شئ من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب، فأنشأ يقول: لا يستوى من يعمر المساجدا يدأب فيها قائمأ وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها، وهولا يدري من يعني بها، فمر بعثمان، فقال: يا ابن سمية، بمن تعرض - ومعه جريدة - فقال: لتكفن، أو لاعترضن وجهك، فسمعها النبي (ص)، وهو جالس في ظل بيت أم سلمة - وفي رواية: في ظل بيته - فغضب " صلى الله عليه وآله "، ثم قال: إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ، ووضع يده بين عينيه. فكف الناس عن ذلك، ثم قالوا لعمار: ثم النبي (ص) قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا القرآن. فقال: أنا أرضيه كما غضب. فقال: يا رسول الله، مالي ولأصحابك ؟ قال: فالك ولهم، قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة، ويحملون عل اللبنتين والثلاث. فاخذ بيده، فطاف في المسجد، وجعل يمسح وفرته من التراب، ويقول: يا ابن سمئة، لا يقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية (1). وهكذا نجد رسول الله (ص) يستفيد حتى من حالة المزاح التي يريد أن يثيرها عمار، في متابعة شؤون الدعوة، وفي تحصين المسلمين من الانخداع باولئك الذين يظهرون الدين والتدين، وهم إنما يعملون من أجل تحقيق أهدافهم، وفي سبيل مصالحهم، فعلى الناس في المستقبل أن يلتفتوا


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 142، تاريخ الخميس ج 1 ص 345، والأعلاق النفيسة، ووفاء الوفاء ج 1 ص 329، والسيرة الحلبية ج 2 ص 72، وقد ذكره في الغدير ج 9 ص 21 / 22 و 27 عن مصادر كثيرة جدا، لكنه أخذ منه بعض فقراته، فلابد من مراجعة تلك المصادر الكثيرة لمن أراد المزيد من التحقيق. (*)

[ 216 ]

لهذه الحقيقة، كما أن هذه الاشارة منه (ص) إلى قتلة عمار الذي سيقتله ابن عم عثمان (معاوية) بحجة الطلب بدم عثمان نفسه الذي له هذا الموقف الخشن من عمار، لا يخلو من طرافة، وهو أمر يدعو إلى التأمل والتدبر حقا. ألم يكن عثمان في الحبشة ؟ ! ونعود إلى سياق الحديث فنقول: ولكن أليس قد قدمنا: أن عثمان لم يكن حاضرا حين بناء المسجد، وإنما كان في الحبشة ؟ ! ولعله لأجل هذا استبدل العسقلاني، والحلبي عثمان بن عفان بعثمان بن مظعون (1). وقبل أن نجيب عن ذلك نشير إلى ما تقدم من أنه لا مورد لهذا الكلام لو قلنا: إنه (ص) قد بقي عند أبي أيوب سنة أو سبعة أشهر، لأنه كان مشغولا ببناء المسجد وبيوته، إذ من الممكن أن يصل الخبر إلى المهاجرين في الحبشة، ويأتون إلى المدينة خلال هذه المدة، ومنهم عثمان، فيكون عثمان قد شارك في البناء، وجرى ما جرى، وإن لم يشارك في التأسيس، ووضع أحجار الخلافة ! !. ولكننا على أي حال، قد استبعدنا بقاء المسلمين هذه المدة الطويلة في بناء مسجده (ص)، وهم يعدن بالعشرات. وقد بايعه منهم في العقبة أكثر من ثمانين من المدنيين. والجواب الصحيح هنا هو: أن الظاهر هو أن قضية عثمان وعمار قد وقعت حين البناء الثاني للمسجد، وذلك بعد عام خيبر، أي في السنة


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 71، وهامش السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 142 عن المواهب اللدنية. (*)

[ 217 ]

السابعة للهجرة (1). ويدل على ذلك. أولا: ما رواه البيهقي في الدلائل قال: لما قتل عمار قال عبد الله بن عمرو بن العاص لأبيه: قد قتلنا هذا الرجل، وقد قال رسول الله فيه ما قال ! قال: أي رجل ؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول الله (ص) المسجد، فكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار يحمل لبنتين، فمر على رسول الله (ص)، فقال: تحمل لبنتين وأنت ترحض ؟ أما إنك ستقتلك الفئة الباغية، وأنت من أهل الجنة، فدخل عمرو إلى معاوية إلخ (2). قال السمهودي بعد ذكر هذه الرواية: " قلت: وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد، لأن إسلام عمرو كان في الخامسة " (3). وروى عبد الرزاق وغيره: أن عمرو بن العاص دخل على معاوية، وأخبره: أنه سمع رسول الله (ص) يقول لعمار: تقتله الفئة الباغية (4). ودخل رجلان على معاوية يختصمان برأس عمار، فقال لهما


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 338. (2) تذكرة الخواص ص 93 عن ابن سعد في الطبقات، والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 119 و 130، والثقات لابن حبان ج 2 ص 291، وأنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 313 و 317، وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 180 و 181، ونقل عن مصنف ابن أبي شيبة ومسند أحمد ج 2 ص 164، وراجع هامش ص 313 من أنساب الأشراف ج 2 بتحقيق المحمودي، ومناقب الخوارزمي ص 160، ووفاء الوفاء ج 1 ص 332 1 / 33. (3) وفاء الوفا ج 1 ص 331 / 332. (4) المصنف ج 11 ص 240، وليراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 297، وج 7 ص 242 عن أحمد في المسند والطبراني. (*)

[ 218 ]

عبد الله بن عمرو بن العاص: لتطب نفس كل واحد منكما لصاحبه برأس عمار، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: تقتل عمار الفئة الباغية. فقال معاوية لعمرو: ألا تغنى عنا مجنونك هذا ؟ (1). ومعلوم: أنها قضية واحدة في مناسبة واحدة. وثانيا: لقد ورد في الرواية نفسها ما يدل على أنها قد كانت في البناء الثاني، وذالك لأنها ذكرت: أنه كان - يستظل ببيت أم سلمة -. ومعلوم أنه (ص) قد بنى المسجد أولا، ثم بنى بيوته (2). كما أنه (ص) كان يبني بيوته بالتدريج عند الحاجة إليها. وأول ما بنى بيت سودة وعائشة (3)، فلا ريب في أنه (ص) قد بنى بيت أم سلمه " بعد بنائه المسجد بمدة طويلة. وذلك بعد موت أبي سلمة كما سيأتي. سر انتصار النبي (ص) لعمار: ويلاحظ هنا: أن المسلمين قد كانوا على درجة من الوعي، بحيث كانوا يدركون: أن عملهم هذا ليس لأجل الدنيا، وإنما هو للآخرة، وأن الآخرة هي ائتي يجب أن يكون لها المقام الأول والأخير في تفكيرهم، وأعمالهم ومواقفهم، فإن العيش الحقيقي هو عيش الآخرة، بل لا عيش سواه، والخسران المبين هو الخسران فيها.


(1) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 313، ومسند أحمد في مسند عبد الله بن عمرو، وفي هامش الأنساب عن مصنف ابن أبي شيبة، وعن فتح الباري، وعن مصادر كثيرة. (2) زاد المعاد ج 1 ص 25 والسيرة الحلبية ج 2 ص 87. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 346، ووفاء الوفاء ج 2 ص 458 و 462: استظهر الشمس الذهبي انه بنى أولا بيت سردة، ثم لما احتاج إلى منزل عائشة بناه، وهكذا سائر بيوته (ص) بناها في أوقات مختلفة.

[ 219 ]

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة وكان انتصار النبي (ص) لعمار، الذي ملئ إيمانأ إلى مشاشه - كما جاءت به الرواية عنه (ص) (1) - وعذب في سبيل الله، ولم يزل ولا يزال يعمل من أجل دينه وعقيدته بإخلاص ووعي، كان انتصار النبي (ص) له من هذا المنطلق بالذات، حينما تهدده بعض من كان يدل عمله وتصرفاته، وتجافيه عن الغبار والتراب على أنه ليس بالمستوى المطلوب، بل ربما كان للدنيا بالنسبة إليه المقام الأول، كما ربما يستفاد من أفعاله اللاحقة. فانتصر النبي (ص) لعمار، ليدل على أنه منسجم مع جهاده، ومع وعيه وإخلاصه لدينه وعقيدته. هذا، ولابذ من التنبيه أخيرا، إلى أن عثمان قد حاول تعيير وتحقير عمار بنسبته إلى أمه، حيث قال له: " يا ابن سمية بمن تعرض ؟ إلخ " مع أن أم عمار كانت أول شهيد في الاسلام، " حيث قتلت بفعل التعذيب من أجل دينها وعقيدتها. وقد أشار النبي (ص) في انتصاره لعمار ومحاماته عنه إلى المقام الشامخ لأمه الصابرة المجاهدة سمية (رحمها الله) فينسبه إليها، ويقول: " يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي إلخ ". لماذا المسجد أولا: إن من الملاحظ: أن أول عمل بدأ به (ص) في المدينة هو بناء المسجد. وهو عمل له دلالته وأهميته البالغة.


(1) البداية والنهاية ج 7 ص 312، وسنن النسائي ج 8 ص 111، والاصابة ج 2 ص 512، وتهذيب التهذيب ج 7 ص 409، وحلية الأولياء ج 1 ص 139، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 52، والاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 2 ص 478. (*)

[ 220 ]

وذلك لأن المسلمين كانوا فئتين: مهاجرين وأنصارا. وتختلف ظروف كل من الفئتين، وأوضاعها النفسية، والمعنوية، والمعيشية، وغير ذلك عن الفئة الأخرى. والمهاجرون أيضا كانوا من قبائل شتى، ومستويات مختلفة: فكريا، وإجتماعيا، ماديا، ومعنويا، كما ويختلفون في طموحاتهم، وتطلعاتهم، وفي مشاعرهم، وفي علاقاتهم، ثم في نظرة الناس إليهم، ومواقفهم منهم، وتعاملهم معهم، إلى غيرذلك من وجوه التباين والاختلاف. وقد ترك الجميع أوطانهم وأصبحوا بلا أموال، وبلا مسكن، إلى غير ذلك مما هو معلوم. وكذلك الانصار، فأنهم أيضا كانوا فئتين متنافستين، لم تزل الحرب بينهما قائمة على ساق وقدم إلى عهد قريب. وقد أراد الاسلام أن ينصهر الجميع في بوتقة الاسلام ليصبحوا كالجسد الواحد، في توادهم وفي تراحمهم وتعاونهم، وغير ذلك، وأن تتوحد جهودهم وأهدافهم، وحركتهم، ومواقفهم، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إعداد وتربية نفسية، وخلقية، وفكرية لكل هذه الفئات، لتستطيع أن تتعايش مع بعضها البعض، ولتكون في مستوى المسؤولية، التي يؤهلها لها في عملية بناء للمجتمع المتكافل المتماسك الذي هو نواة الأمة الواحدة التي لها رب واحد وهدف واحد، ومصير واحد. وليصبح هذا المجتمع قادرا على تحمل مسؤولية حماية الرسالة، والدفاع عنها، حينما يفرض عليه أن يواجه تحدي اليهود في المدينة، والعرب والمشركين، بل والعالم بأسره، لابد أن تنصهر كل الطاقات والقدرات الفكرية والمادية وغيرها لهذا المجتمع في سبيل خدمة الهدف: الرسالة فقط. والمسجد هو الذي يمكن فيه تحقيق كل ذلك، إذ لم يكن مجرد محل للعبادة فقط ولا غير. بل كان هو الوسيلة الفضلى للتثقيف الفكري،

[ 221 ]

إن لم نقل: إنه لا يزال حتى الآن أفضل وسيلة لوحدة الثقافة والفكر والرأي، حينما يفترض فيها أن تكون من مصدر واحد، وتخدم هدفا واحدا في جميع مراحل الحياة، مع الشعور بالقدسية، والارتباط بالله تعالى. وهكذا فإن ذلك من شأنه أن يبعد المجتمع المسلم عن الصراعات الفكرية، التي تنشأ عن عدم وجود وحدة موضوعية للثقافة التي يتلقاها أفراده كل على حدة، فتتخالف المفاهيم والأفكار والمستويات، وتزيد الفجوات إتساعا باستمرار، حتى يظهر نتيجة لذلك عدم الانسجام في وضوح الهدف، وفي المشاعر، وفي الاندفاع نحوه، مما يؤثر تأثيرا كبيرا على مسيرة الوصول إليه، والحصول عليه. وبهذا يتضح: أن المدرسة التي نعرفها اليوم إذا كانت لا تعطي إلا المفاهيم الجافة، والأفكار البعيدة عن واقع الانسان، والتي لا تنسجم مع إحتياجاته، ولا مع تكوينه النفسي والفكري وغير ذلك، بالاضافة إلى عدم الشعور فيها بالله سبحانه وتعالى، أو الخضوع له. فإن هذه المدرسة لن تكون هي الوسيلة المنشودة، بل يكون المسجد هو الأفضل والأمثل حسبما أوضحناه، لا سيما وأنها لن تكون قادرة على مل ء الفراغ العقائدي والفكري له، حيث يبقى عرضة للتيارات والأهواء، وفي متناول أيدي المتاجرين بالشعوب عن طريق وسائل الاعلام الهدامة التي يملكونها. وأما استعمال وسائل الاعلام في عملية الاعداد والتربية، فإنها بالاضافة إلى ما تقدم، تجعل الانسان إنطوائيا ومحدودا يفكر تفكيرا شخصيا بشكل عام، وتقلل فيه إحساسه بالحاجة إلى الآخرين، وإلى الارتباط بهم، ولا تسهل عليه محبتهم ومودتهم. وخلاصة الأمر: إن العمل الاجتماعي عبادة، والجهاد عبادة، والعمل السياسي حتى استقبال الوفود، وتدبير أمور المسلمين عبادة أيضا. وهكذا يقال في علاقات المؤمنين بعضهم ببعض، وتزاورهم وحضورهم

[ 222 ]

مجلس الرسول (ص) وتعلمهم الأحكام، فإن كل ذلك وسواه عبادة أيضا. والمسجد هو أجلى وأفضل موضع تتجلى فيه هذه العبادة، كما أن المسجد هو الوسيلة الفضلى للتثقيف، وللتربية النفسية، والخلقية، والعقائدية. وهو من الجهة الأخرى وسيلة لشيوع الصداقات، وبث روح المحبة والمودة بين المسلمين، فإنه حينما يلتقي المسلمون ببعضهم البعض عدة مرات يوميا في جو من الشعور - عملا - بالمساواة والعدل، وحينما تتساقط كل فوارق الجاه والمال، وغيرها، ويبتعد شبح الأنانية والغرور عن أفق هذا الانسان، فإنه لابد أن تترسخ حينئذ فيما بين أفراد هذا المجتمع أواصر المحبة والتآخي والتآلف، ويشعر كل من أفراده بأنه في مجتمع يبادله الحب والحنان، وأن له إخوانأ يهتمون به، ويعيشون قضاياه ومشاكله، ويمكنه أن يستند إليهم، ويعتمد عليهم، الأمر الذي يجعل هذا المسلم يثق بنفسه وبدينه، وبأمته، وليكون المثال الحي للمؤمن الصادق الواعي والواثق، ولتكون الأمة من ثم خير أمة أخرجت للناس. ثم إن المسجد يساعد على تبسيط العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، ويقلل من مشاكل التعامل الرسمي، والتكلفات البغيضة، التي توحي بوجود فوارق ومميزات، بل وحدود تفصل هذا عن ذاك، وبالعكس. وبعد.. فإن اهتمام الاسلام بالمسجد وتأسيسه، حتى إن ذلك كان أول أعماله (ص) في قباء، ثم في المدينة، ليدلنا دلالة واضحة على أنه يريد منا أن نتعامل مع هذه الدنيا، ونستفيد منها من منطلق ديني، فإنما هي مزرعة الآخرة، فلابد وأن تقاد قيادة إلهية ويستفاد منها من خلال الارتباط به تعالى. وبعد ما تقدم، فإننا نعرف: أن النبي (ص) قد أسس المسجد

[ 223 ]

ليكون بمثابة مركز للقيادة والريادة، ففيه كان (ص) يستقبل الوفود، ويبت في أمور الحرب والسلم، ويفصل الخصومات. وفيه كان يتم البحث عن كل ما يهم الدولة وشؤونها، والناس، ومعاملاتهم وارتباطاتهم، وليهب المسجد الناس نفحة روحية، وارتباطا بالله جل وعلا، وببعضهم البعض في كل مجالات الحياة، ومنطلقاتها، بعيدأ عن النوازع الذاتية، وعن الحساسيات القبلية والعرقية، وعن تأثيرات الفوارق الاجتماعية، وفيه كان يجد الضيف قوته، والمهموم المغموم سلوته، والذي لا عشيرة له ينسى بل يجد فيه عشيرته، والمحروم من العطف والحنان يجد فيه من ذلك بغيته. والخلاصة، لقد كان المسجد موضع عبادة وتعلم وتفهم لما يفيد في أمور الدين والدنيا، وتربية نفسية وخلقية، ومحلا للبحث في كل المشاكل التي تهم الفرد والمجتمع، ومكانا مناسبا للتعارف والتآلف بين المسلمين إلى غيرذلك مما تقدم. مشاركة النساء في بناء المسجد: وبعد فقد ورد في بعض النصوص: أن النساء قد شاركن في بناء المسجد، فكن يحملن الحجارة لبناء المسجد ليلا، والرجال نهارا (1). ونشير هنا إلى أمرين: أحدهما: إن مشاركة المرأة في أمر كهذا، له مساس بالحالة السياسية والاجتماعية والعبادية، يعتبر أمرا مهما جدا، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المرأة لم يكن لها أي دور في الحياة وكان العربي يحتقرها، وبمارس ضدها أبشع أنواع المعاملة، كما تقدمت الالماحة إلى ذلك في


(1) راجع: كشف الأستار عن زوائد البزار ج 1 ص 206 و 222 و 249 ومجمع الزوائد. (*)

[ 224 ]

الجزء الثاني من هذا الكتاب. الثاني: إن هذه المشاركة قد روعي فيها عنصر الحفاظ على الجؤ الخاص بالمرأة، بعيدا عن أجواء الاثارة التي لابد وأن تترك آثارها السلبية على المجتمع، نتيجه للاختلاط، وعدم التحفظ، الذي ينشأ عن عملهن نهارا في مرأى ومسمع من الرجال الأجانب. مشاركة النبي (ص) في بناء المسجد: ولقد كان المسلمون قادرين على القيام بمهمة بناء المسجد، ولم تكن ثقة حاجة مادية لمشاركته (ص)، ولكنه (ص) قد آثر المشاركة في عملية البناء، الأمر الذي أثار الحماس لدى المسلمين، فاندفعوا يعملون بجد ونشاط، وكان نشيدهم: لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل كما أن هذه المشاركة قد أعطت قيمة خاصة للعمل، وعبرت عن مدى إرتباط النبي (ص) به وحبه له. وفوق ذلك، فإنه قد بين بذلك الخط العام لشخصية القائد في الاسلام، وأنه يجب أن يكون شعوره بالمسؤولية تجاه العمل يتعدى حدود إصدار الأوامر إلى الآخرين، ولا سيما إذا كان ذلك يرتبط بالهدف الأقصى، والمصلحة العليا للاسلام وللمسلمين. ثم إنه كان يريد أن يكون ذلك الانسان المتواضع المحبب للناس، الألوف لهم، ويكون معهم كأحدهم، فلا يستعلي عليهم، ولا يحتجب عنهم، وليكون ذلك هو الدرس العملي لمن يعاصره (ص) من أصحاب النفوذ، وتأديبا لمن يأتي بعده من حكام وخلفاء وغيرهم. جماعة خاصة بالنساء: ويقولون: إنه كان للنساء جماعة خاصة بهم، فكان الرجال يصلون

[ 225 ]

في المسجد والنساء يصلين في رحبة المسجد بإمامة سليمان بن أبي حثمة، وحين تسلم عثمان الخلافة جمع بين الرجال والنساء (1). والظاهر: أن الفصل بين النساء والرجال قد جاء بعد وفاة النبي (ص) وأصل هذا الفصل قد كان في زمن عمر بن الخطاب، وفي صلاة التراويح التي ابتدعها (2) ثم عاد عئمان فجمع بين النساء والرجال. فلما كانت خلافة أمير المؤمنين " عليه السلام " عاد ففصل بين الرجال والنساء، وصار يصلي بالنساء رجل إسمه عرفجة (3). ولكن هناك إشكال في هذه الروايات وهو أنها تذكر: أن عليا " عليه السلام " قد فعل ذلك في قيام شهر رمضان، أي في الصلاة المعروفة بصلاة التراويح. ومن المعلوم: أن عليا " عليه السلام " كان يعتبر ذلك بدعة، وكان يمنع عنه (4) فكيف يفعله ؟ فالصحيح هوأن ما فعله " عليه السلام " إنما كان في الصلوات اليومية لا في صلاة التراويح. كانت تلك بعض المعاني التي نستفيدها من عملية بناء المسجد، ولربما نجد الفرصة للتحدث عن ذلك في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى. المؤاخاة بين المهاجرين والانصار: وبعد خمسة أو ثمانية أشهر أو أقل، أو أكثر (5) من مقدمه (ص)


(1) حياة الصحابة ج 2 ص 171 وطبقات ابن سعد ج 5 ص 26. (2) راجع: التراتيب الادارية ج 1 ص 73 عن الطبقات. (3) حياة الصحابة ج 3 ص 171 عن كنز العمال ج 4 ص 282 عن البيهقي. (4) دلائل الصدق ج 3 القسم الثاني ص 79. ولكنهم لم يستجيبوا لمنعه (ع). (5) راجع البحارج 19 ص 122، وهامش ص 130 عن مناقب ابن شهرآشوب ج 1 = (*)

[ 226 ]

المدينة، آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار. وزاد ابن سعد: أنه (ص) آخى في نفس الوقت بين المهاجرين والمهاجرين (1). آخى بينهم على الحق والمواساة (وقيل: والتوارث) فنزلت سورة الأنفال التي تجعل الارث لأولي الأرحام قبل أن يموت أحد من المتآخيين (2)، لان أول من مات من المهاجرين - كما يقولون - هو عثمان بن مظعون، مات بعد بدر (3). المؤاخاة على التوارث موضع شك: ونحن نشك في أن يكون (ص) قد اخى بينهم على التوارث: أولا: لأن رفع هذا الحكم إن كان نسخا، فلا معنى للنسخ قبل حضور وقت العمل. كما أنه يلزم أن يكون تشريع التوارث للمتآخيين عبثا، وبلا فائدة. إلا أن يقال: إن نفس جعل الحكم، وأن يعيش المسلمون هذه الأجواء الأخوية، والشديدة التلاحم إلى هذا الحد، كان ضروريا في تلك الفترة من الزمن. ولكن الذي تطمئن إليه النفس هوأن نفس المسلمين، أو بعضهم،


= ص 152، وعن المقريزي، عن المنتقى في مولود المصطفى، والمواهب اللدنية ج 2 ص 71، وتاريخ الخميس ج 1 ص 35، عن أسد الغابة، ووفاء الوفاء ج 1 ص 267، وفتح الباري ج 7 ص 210، والسيرة الحلبية ج 2 ص 92. (1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 1 قسم 2 ص 1. (2) راجع بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله ج 19 هامش ص 130، والسيرة الحلبية ج 2 ص 92 / 93. (3) الاصابة ج 2 ص 464، والكامل لابن الأثير ط صادر ج 2 ص 141. (*)

[ 227 ]

هم الذين تخيلوا أن هذه الأخوة ربما تمتد إلى حد توريث بعضهم من بعض. وثانيا: لماذا لم يورث النبي " صلى الله عليه وآله " ممن استشهدوا في بدر من المهاجرين أو الأنصار، مع أن ذلك قد كان قبل نزول آية " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ". حيث إن قولهم: إنه لم يمت أحد من المؤمنين قبل عثمان بن مظعون، الذي مات بعد بدر، لا يصح، إذ قد استشهد في بدر نفسها عدد منهم. نعم يمكن أن يكون عثمان بن مظعون أول مسلم مات حتف أنفه، أو لعله أول مسلم مات من المهاجرين. وثالثا: إن كون عثمان بن مظعون مات بعد نزول الآية الرافعة للحكم السابق غير معلوم. وإنما ذلك محض اجتهاد من المؤرخين والمؤلفين. عدد الذين كانت المؤاخاة بينهم: ويقولون: كان المسلمون حين المؤاخاة تسعين رجلا، منهم خمسة وأربعون رجلا من الأنصار، ومثلهم من المهاجرين. ويدعي ابن الجوزي: أنه أحصاهم فكانوا جميعا ستة وثمانين رجلا. وقيل: مئة رجل (1). ولربما يكون هذا هو العدد الذي وقعت المؤاخاة بين أفراده حسبما توفر من عدد المهاجرين. لا أن عدد المسلمين كان هو ذلك ؟ وإلا فإنها تكون صدفة نادرة أن يكون عدد من أسلم من المهاجرين مساوبا لعدد من


(1) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 1، والمواهب اللدنية ج 1 ص 71، وفتح الباري ج 7 ص 210، والسيرة الحلبية ج 2 ص 90، والبحار ج 19 ص 130 عن المنتقى، والمقريزي. (*)

[ 228 ]

أسلم من الأنصار بلا زيادة ولا نقيصة ! ! ومهما يكن من أمر، فإن النبي الأكرم (ص) استمر يجدد المؤاخاة، بحسب من يدخل في الاسلام، أو يحضر إلى المدينة من المسلمين (1) ويدل على ذلك، أنهم يذكرون: أنه (ص) قد آخى بين أبي ذر والمنذر بن عمرو أو سلمان الفارسي، وأبو ذر إنما قدم المدينة بعد أحد، كما أنه قد آخى بين الزبير وابن مسعود، وقد وصل ابن مسعود إلى المدينة والنبي (ص) يتجهز إلى بدر (2). ولكن، ربما يشكل على العدد المذكور في قضية المؤاخاة: بأن المسلمين كانوا أكثر من ذلك بكثير، فقد بايعه من أهل المدينة في الغبة الثانية أكثر من ثمانين، كما أنه جهز جيشا بعد عشرة أو ثلاثة عشر شهرا إلى بدر قوامه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. ويمكن الجواب أولا: بما ذكره البعض من أن المؤاخاة كانت بين مئة وخمسين من الأنصار، ومئة وخمسين من المهاجرين (3). وثانيا: لو قلنا بعدم صحة ذلك، لأن الذين خرجوا من المهاجرين إلى بدر كانوا ما بين الستين والثمانين - على اختلاف النقل - فإننا نقول: إن المذكور في النص هو العدد المهاجري الذي وقعت المؤاخاة بينه وبين نظيره من الأنصار. وقد كان الأنصار أكثر بكثير من المهاجرين، والمهاجرون هم الذين كانوا خمسة وأربعين، على ما يظهر، فكانت المؤاخاة بين هؤلاء وبين مثلهم من الأنصار، ثم استمرت المؤاخاة كلما ازداد عدد المهاجرين، حتى بلغوا مئة وخمسين رجلا، كما في النص الآنف الذكر.


(1) فتح الباري ج 7 ص 211. (2) فتح الباري ج 7 ص 145. (3) راجع: البحارج 19 ص 130. (*)

[ 229 ]

وذلك لا يعني أن يبقى الآخرون من مسلمي الأنصار من دون مؤاخاة فيما بينهم. المؤاخاة بين كل ونظيره: ولقد كان " صلى الله عليه وآله " يؤاخي بين الرجل ونظيره، كما يظهر من ملاحظة المؤاخاة قبل الهجرة، وبعدها، فقد آخى قبل الهجرة - على الظاهر - بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان و عبد الرحمان بن عوف، وبين نفسه وعلي (1). ولكن ابن حبان يذكر: أن ذلك كان في المؤاخاة الثانية في المدينة، وزاد فيهم: سعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر (2) وهؤلاء كلهم من المهاجرين. وفي المدينة آخى بين أبي بكر وخارجة بن زهير، وبين عمر وعتبان بن مالك، وهكذا. ثم أخذ بيد علي فقال: هذا أخي. وآخى أيضا بين حمزة وزيد بن حارثة، وبين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل. وقد أورد على هذا الأخير بأن جعفرا كان حينئذ في الحبشة (3). والجواب عنه: هوما تقدم، من أنه (ص) قد استمر يؤاخي بين المسلمين كلما قدم المدينة منهم أحد. وقد أجاب البعض: بأنه أرصده لأخوته حين يقدم (4).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، ووفاء الوفاء ج 1 ص 267 و 268، والسيرة الحلبية ج 2 ص 20، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، وفتح الباري ج 7 ص 211، والاستيعاب. (2) الثقات ج 1 ص 138 - 142. (3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 151، والسيرة الحلبية، وغير ذلك. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 227، والسيرة الحلبية ج 2 ص 91. (*)

[ 230 ]

فيرد سؤال: ما هو السبب في تخصيص جعفر بهذا الامر ؟ ! إلا أن يقال: إن المقصود هو إظهار الاهتمام بشأن جعفر، والتنبيه على فضله. مؤاخاة النبي (ص) لعلي: وروى أحمد بن حنبل وغيره: أنه (ص) آخى بين الناس، وترك عليا حتى الأخير، حتى لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني ؟ فقال: إنما تركتك لنفسي، أنت أخي، وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدعيها بعذك إلا كذاب. والذي بعثني بالحق، ما أخرتك إلا لنفسي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي (1). ومن طريف الأمر: أنه " عليه السلام "، قد قال هذه الكلمة بعد وفاة، النبي " صلى الله عليه وآله ": أنا عبد اللة وأخو رسوله، وذلك في خضم الأحداث التي انتهت بغصب الخلافة من وارث النبي " صلى الله عليه وآله "، فكذبوه ؟ ! وقالوا له: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا (2). فاعجب بعد هذا ما بدالك ! !


(1) راجع: نهج الحق في ضمن دلائل الصدق ص 267، وينابيع المودة ص 56، وتذكرة الخواص ص 23 عن أحمد في الفضائل، وصححه، وابن الجوزي، ونقل عن كنز العمال ج 6 ص 390، والرياض النضرة ج 2 ص 209، وتاريخ ابن عسماكر ج 6 ص 21، وكفاية الشنقيطي ص 35 و 414 والثقات ج 1 ص 141 / 142. (2) الامامة والسياسة ج 1 ص 13، وأعلام النساء ج 4 ص 115، وتفسير البرهان ج 2 ص 93. (*)

[ 231 ]

وقوله (ص): وأنت أخي ووارثي يطرح علينا سؤالا، وهو أنه إذا كان المراد: أنه وارث لعلم النبي (ص) دون غيره، فمن أولى بمقام النبي " صلى الله عليه وآله " منه ؟ ! وإن كان المراد: أنه وارثه بقول مطلق، حتى المال، فيرد عليه: أن المال كان حقا لفاطمة عليها السلام (1). وقد استولى الذين جاؤوا بعد النبي (ص) على أموالها، ومنها فدك وغيرها كما سنذكره حين الكلام حول غزوة بني النضير في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ومهما يكن من أمر، فإن التأمل في عملية المؤاخاة يعطينا: أنه قد لوحظ فيها المسانخة بين الأشخاص، وتشابه وتلاؤم نفسياتهم، وإلى ذلك أشار الأزري رحمه الله حينما قال مخاطبا عليا " عليه السلام ": لك ذات كذاته حيث لولا أنها مثلها لما آخاها تواتر حديث المؤاخاة: وعلى كل حال، فإن حديث المؤاخاة متواتر لا يمكن إنكاره، ولا التشكيك فيه، ولا سيما مؤاخاة النبي (ص) لعلي (ع)، سواء في المؤاخاة الأولى في مكة، أم في الثانية في المدينة، وهو مروي عن عشرات من الصحابة والتابعين كما يتضح للمراجع (2).


(1) راجع: الكافي ج 1 ص 458 بتحقيق الغفاري، والبحار ط حجرية ج 8 ص 231 وط جديد ج 100 ص 197، وكشف الغمة ج 2 ص 132، والأمالي للطوسي ج 1 ص 108، والعوالم ج 11 ص 518، والأمالي للمفيد ص 283 ط جماعة المدرسين، وراجع: مرآة العقول ج 5 ص 331، وغير ذلك. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 353، ووفاء الوفاء ج 1 ص 267 و 268، وينابيع المولة ص 56 و 57 عن مسند أحمد، وتذكرة الخواص ص 22 - 24، وحكي عن الترمذي أنه صححه، والسيرة الحلبية ج 2 ص 20 و 90، ومستدرك = (*)

[ 232 ]

وقد روي: أن النبي (ص) قال لعلي (ع): إذا كان يوم القيامة نوديت من بطنان العرش، نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب (1). وعليه فلا يصغى لدعوى أن النبي قد آخى بين علي وعثمان (2)، أو


= الحاكم ج 3 ص 14، والثقات لابن حبان ج 1 ص 138، وفرائد السمطين ج 1 الباب العشرون، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 22 و 29، والبداية والنهاية ج 3 ص 226 وج 7 ص 35، وتاريخ الخلفاء ص 170، ودلائل الصدق ج 2 ص 268 - 270 عن كنز العمال، وعن البيهقي في سننه، والضياء في المختارة، وعبد اللة بن أحمد في زيادات المسند ثمانية أحاديث، وأبيه في المسند وفي الفضائل، وأبى يعل والطبراني، وابن عدي، والجمع بين الصحاح الستة، وأخرج الخوارزمي اثني عشر حديثا، وابن المنازلي ثمانية أحاديث، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 150. والغدير ج 3 ص 112 حتى ص 125 عن بعض من تقدم وعن المصالر التالية: جامع الترمذي ج 2 ص 13، ومصابيح البنوي ج 2 ص 199، والاستيعاب ج 2 ص 460، ترجمة أمير المؤمنين، وعد حديث المؤاخاة من الآثار الثابتة، وتيسير الوصول ج 3 ص 271، ومشكاة المصابيح هامش المرقاة ج 5 ص 569، و المرقاة ص 73 - 75، والاصابة ج 2 ص 507، والمواقف ج 3 ص 276، وشرح المواهب ج 1 ص 373، وطبقات الشعراني ج 2 ص 55، وتاريخ القرماني هامش الكامل ج 1 ص 216، وسيرة دحلان هامش الحلبية ج 1 ص 325، وكفاية الشنقيطي ص 34، والامام علي تأليف محمد رضا ص 21، والامام علي لعبد الفتاح عبد المقصود ص 73، والفتاوى الحديثية ص 42، وشرح النهج ج 2 ص 62، وصححه وعده مما استفاض من الروايات، وكنز العمال ج 6 ص 294 و 299 و 390 و 399 و 400 و 54. (1) ربيع الأبرار خ 1 ص 807 و 808. (2) تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 397، والغدير ج 9 ص 94 و 95 و 318 عن الرياض النضرة ج 1 ص 17 وعن الطبري ج 6 ص 154، وعن كامل ابن الأثير ج 3 ص 70، وعن المعترلي ج 1 ص 165، ولكنه في ج 2 ص 506 ذكر نفس الحديث عن الطبري من لون ذكر المواخاة ! ! !. (*)

[ 233 ]

بين النبي (ص) وعثمان، فإن ذلك لا ريب في بطلانه (1)، فإن المقصود من ذلك هو الرفع من شأن عثمان، وتكذيب فضيلة لعلى " عليه السلام "، بل وجعل عثمان وعلي (ع) في مستوى واحد، وكيف ؟ ! وأنى ؟ ! تكنية علي بابي تراب: ويذكر البعض هنا: أن عليا (ع) لما رأى أنه (ص) لم يؤاخ بينه وبين أحد، خرج كئيبا إلى المسجد، فنام على التراب ؟ فجاءه (ص)، فجعل ينفض التراب عن ظهره، ويقول: قم يا أبا تراب، ثم آخى بينه وبين نفسه (2). ولكن الظاهر هو أن هذه التسمية قد كانت في مناسبة أخرى غير هذه، ولسوف نتعرض لها حين الحديث عن السرايا في الآتي القريب إن شاء الله تعالى. مع المنكرين لمؤاخاة النبي (مى) لعلى (ع). وبعد كل تلك المصادر المتقدمة، والتي هي غيض من فيض، نجد ابن حزم وابن كثير ينكران صحة سند حديث المؤاخاة (3). وأنكره أيضا ابن تيمية، واعتبره باطلا، موضوعا، بحجة أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إنما كانت لارفاق بعضهم ببعض، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي (ص) لأحد ! منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري


(1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 3 ص 47، والغدير ج 9 ص 16 عنه. (2) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 22، ومجمع الزوائد ج 9 ص 111 عن الطبراني في الكبير والأوسط، ومناقب الخوارزمي ص 7، وكفاية الطالب ص 193 عن ابن عساكر. (3) راجع: البداية والنهاية ج 7 ص 223 و 336. (*)

[ 234 ]

لمهاجري (1). ونقول: إن إنكار سند حديث مؤاخاة النبي (ص) لعلي (ع) لا معنى له، بعد أن صححه كثير من الأعلام، وبعد أن تواتر في كتب سائر المسلمين عن عشرات الصحابة والتابعين وغيرهم، ولا سيما إذا كان هذا الانكار من الأبناء الثلاثة: كثير، وحزم، وتيمية، المعروفين بالنصب، والتعصب ضد فضائل علي، وأهل بيته الطاهرين. وأما ما ذكره ابن تيمية تعليلا لانكاره، فنحن نذكر: أولا: ما أجاب به غير واحد: " من أن هذا رد للنص بالقياس، وغفلة عن حقيقة الحكمة في ذلك. وبعضر المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، والارتفاق ممكن، فآخى بينهم ليعين بعضهم بعضا، ثم طبقوا هذا الاحتمال على علي (ع) والنبي، لأنه (ص) كان يقوم بأمر علي (ع) قبل البعثة " (2). فمرادهم أن التآلف والمحبة مطلوبان أيضا بين المهاجرين، لأنهم كانوا من فئات مختلفة، ومستويات متفاوتة: عقائديا وفكريا، وإجتماعيا إلخ... بل لقد صرح نص المؤاخاة بأنها كانت على الحق والمواساة،


(1) راجع: منهاج السنة ج 2 ص 119، والبداية والنهاية ج 3 ص 227، وفتح الباري ج 7 ص 211، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، والسيرة الحلبية ج 2 ص 20، ودلائل الصدق ج 2 ص 272. (2) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 268، وفتح الباري ج 7 ص 211، والسيرة الحلبية ج 2 ص 20، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، والغدير ج 3 ص 174 - 175 عن - الفتح وعن الزرقاني في المواهب ج 1 ص 373. (*)

[ 235 ]

ويحتاج المهاجرون إلى أن يواسي بعضهم بعضا. كما أنه قد هاجر من قبيلة رجل واحد، ومن أخرى عشرة مثلا، فالواحد يحتاج إلى العشرة في معونتهم ورعايتهم. ثم إنهم يدعون: أن بعض المهاجرين قد حمل ماله معه، فيمكن أن يعين بعضهم بعضا حتى بالمال إن صحت دعواهم تلك. ولكننا لا نوافق على قولهم الأخير بالنسبة لعلي (ع) والنبي (ص)، لأن عليا (ع) قد بلغ منزلة يستطيع معها أن يعول نفسه بالعمل، والحصول على ما يحتاج إليه، أو بالزراعة، أو التجارة بل والغنائم أيضا. وإنما الغرض من مؤاخاة الرسول (ص) له، هو تعريف الناس بمنزلته، لاظهار فضله على غيره، لأنه كان يؤاخي بين الرجل ونظيره، كما يظهر من دراسة عملية المؤاخاة نفسها، لأن ذلك أقرب إلى التعاضد والتعاون، وأوجب للتآلف والمحبة (1). وثانيا: قد أخرج الحاكم، وابن عبد البر، بسند حسن: أن النبي " صلى اللة عليه وآله " " آخى بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين. وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني. ويصرح ابن تيمية بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك (2). ولكن لابد أن يكون ذلك بعد قدوم ابن مسعود إلى المدينة، لأنه كان من مهاجري الحبشة، وإنما قدم المدينة بعد قضية المؤاخاة العامة، وذلك حين كان (ص) يتجهز إلى بدر (3).


(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 272 / 273. (2) فتح الباري، ووفاء الوفاء ج 1 ص 268، والغدير ج 3 ص 174 و 175 عن الفتح، وعن شرح المواهب للزرقاني ج 1 ص 373. (3) فتح الباري ج 7 ص 145. (*)

[ 236 ]

وآخى أيضا - على ما ذكره البعض - بعد الهجرة بين أبي بكر وعمر، وعثمان و عبد الرحمان بن عوف، وطلحة والزبير، وسعد بن أي وقاص وعمار بن ياسر، وبينه (ص) وبين علي (ع) (1). كما وثبتت أيضا مؤاخاة زيد بن حارثة لحمزة، وهما مهاجريان، ولذا - يقولون - إنه قد تنازع زيد وعلي وجعفر في ابنة حمزة، وكانت حجة زيد: أنها ابنة أخيه (2). ونحن نشك في هذه القضية، لان جعفرا لم يكن حين قتل حمزة حاضرا، فما معنى أن تبقى ابنة حمزة عدة سنوات بلا كفيل. وأن كانت عند علي فلماذا لم ينازعه زيد ؟ لان كان العكس فلماذا لم ينزعه علي (ع) ؟ ومهما يكن من أمر فإن قضية الخلاف حول من يكفل ابنة حمزة تحتاج إلى تحقيق وتمحيص، نسال الله أن يوفقنا لذلك في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى. مع قضية المؤاخاة: ألف: البديل الأنسب: إن من الواضح: أن هؤلاء الذين أسلموا قد انفصلوا عن قومهم، وعن إخوانهم، وعن عشائرهم بصورة حقيقية وعميقة. وقد واجههم حتى


(1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 138 - 142. وراجع: الغدير ج 10 ص 103 - 107 فإنه ذكره عن غير واحد. وراجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 14، ووفاء الوفاء ج 1 ص 268، والسيرة الحلبية ج 2 ص 20، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155، وفتح الباري ج 7 ص 211، والاستيعاب. وذكر عثمان، وقد كان في الحبشة، وكذا عبد الرحمان بن عوف، يؤيد: أن ذلك كان في المؤاخاة الثانية بعد الهجرة إلى المدينة. (2) صحيح البخاري ج 3 ص 37 ط الميمنية، رمستلرك الحاكم ج 2 ص 120، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، وغير ذلك من المصادر. (*)

[ 237 ]

أحب الناس إليهم بأنواع التحدي والأذى، فاصبحوا وقد انقطعت علائقهم بذوي رحمهم وصاروا كأنهم لا عصبة لهم. وقد يشععر بعضهم أنه قد أصبح وحيدا فريدا، وبلا نصير ولا عشيرة، فجاءت الأخؤة الاسلامية لتسد هذا الفراغ بالنسبة إليهم، ولتبعد عنهم الشعور بالوحدة، وتبعث في نفوسهم الأمل والثقة بالمستقبل. وقد بلغ عمق تأثير هذه المؤاخاة فيهم أن توهموا: عموم المنزلة حتى في الارث كما ألمحنا إليه. ب: السمو بالعلاقات الانسانية: لقد أريد للمسلمين المؤمنين أن يكونوا إخوة، وذلك بهدف السمو بعلاقات هذا الانسان عن المستوى المصلحي وجعلها علاقة إلهية خالصة تصل إلى درجة الأخوة، وليكون أثرها في التعامل بين المسلمين أكثر طبيعية وإنسجاما، وبعيدا عن النوازع النفسية، التي ربما توحي للأخوين المتعاونين بأمور من شأنها أن تعقد العلاقات بينهما ولو نفسيا على أقل تقدير. ورغم أن الاسلام قد قرر ذلك، وأكد على أن المؤمن أخو المؤمن أحب أم كره، وحئله مسؤولية العمل بمقتضيات هذه الأخوة، إلا أنه قد كان ثمة حاجة إلى إظهار ذلك عمليا، بهدف توثيق عرى المحبة وترسيخ أواصر الصداقة والمودة كما هو معلوم، وليكون الهدف السامي قد انطلق من العمل السامى أيضا. ج: دور المؤاخاة في بناء المجتمع الجديد: لقد كان الرسول الاعظم (ص) بصدد بناء مجتمع جديد، يكون المثل الأعلى للصلاح والفلاح، قادرا على القيام بأعباء الدعوة إلى الله، ونصرة دينه، في أي من الظروف والأحوال. وقد تقدمت - عند البحث عن عملية بناء المسجد - الاشارة إلى

[ 238 ]

واقع وجود الفوارق الكبيرة بين المهاجرين أنفسهم، والأنصار أنفسهم، والمهاجرين والأنصا ر معا - الفوارق - الاجتماعية، والقبلية، والثقافية، والنفسية، والعاطفية، وحتى العمق العقيدي ومستوى الالتزام، فضلا عما سوى ذلك، هذا بالاضافة إلى الظروف النفسية والمعيشية التي كان يعاني منها المهاجرون بالخصوص. ومع ملاحظة حجم التحدي، الذي كان يواجه هذا المجتمع الناشئ الجديد، سواء في الداخل: من الخلافات بين الأوس والخزرج، الذين كان الكثيرون منهم لا يزالون على شركهم، ثم من المنافقين، ومن يهود المدينة. ومن الخارج: من اليهود، والمشركين في جزيرة العرب، بل والعالم بأسره. ومع الأخذ بنظر الاعتبار عظم المسؤولية التي يتحملها هذا المجتمع في صراعه من أجل إقامة هذا الدين الجديد والدفاع عنه. مع ملاحظة كل ذلك، وحيث أصبح من المفترض بهذا المجتمع أن يكون بمثابة كتلة واحدة متعاضدة، ومترابطة، بعد أن كانوا أحزابأ وجماعات وأفرادا. كان لابد من إيجاد روابط وثيقة تشد هذا المجتمع بعضه إلى بعض، وبناء عواطف راسخة، قائمة على أساس عقيدي، تمنع من الاهمال ومن الحيف على أي فرد من أفراد هذا المجتمع الجديد بحيث يكون الكل مشمولين للرعاية التامة، التي تجعلهم يعيشون الحب والحنان بأسمى وأجل معانيه. كما أنها تمنع من ظهور تلك الرواسب النفسية، والعقد التاريخية - بل وتقضي عليها تدريجا - بين أفراد هذا المجتمع، الذي أصبح أفراده ماخوذين بالتعامل مع بعضهم البعض، الأمر الذي يجعل خطر ظهورها - لأتفه الأسباب - أشد، وتدميرها أعظم وأوسع. وكانت تلك الرابطة الوثيقة هي: " المؤاخاة " التي روعيت فيها

[ 239 ]

الدقة، إلى الحد الذي يضس معه أن يحفظ في هذا المجتمع الجديد معها التماسك والتعاضد إلى أبعد مدى ممكن وأقصى غاية تستطاع، لا سيما وأنه كان يؤاخي بين الرجل ونظيره، كما أشرنا إليه. وسر ذلك يرجع إلى أن هذه المؤاخاة قد أقيمت على أساسين اثنين: الأول: الحق: فالحق هو القاسم المشترك بين الجميع، عليه يبنون علاقاتهم، وهو الذي يحكم تعاملهم مع بعضهم البعض في مختلف مجالات الحياة. نعم، الحق هو الأساس، وليس الشعور الشخصي النفسي، ولا المصلحة الشخصية أو القبلية، أو الحزبية ! ! وبديهي: أن الحق إذا جاء عن طريق الأخوة والحنان والعطف، فإن ذلك يكون ضمانة لبقائه واستمراره، والتعلق به، والدفاع عنه. أما إذا فرض هذا الحق فرضا عن طريق القوة والسلطة، فبمجرد أن تغيب السلطة، والقوة، فلنا أن نتوقع غياب الحق، لأن ضمانة بقائه ذهبت، فأي مبرر يبقى لوجوده، وبقائه ؟ !. بل ربما يكون وجوده وبقاؤه مثارا للأحقاد والاحن التي ربما يتولد عنها الظلم والطغيان في أبشع صوره وأخزاها، وأسوأ حالاته وأقصاها. الثاني: المؤاساة: فهذه الأخوة إذن ليست مجرد توهج عاطفة، أو شعور نفسي، وإنما هي أخوة مسؤولة ومنتجة، تترتب عليها آثار عملية بالفعل، يحس الانسان فعلا بجدواها وبفعاليتها، تماما كالأخوة التي في قوله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم " (1) حيث جعل مسؤولية الصلح


(1) الحجرات آية / 10. (*)

[ 240 ]

بين المؤمنين متفرعة وناشئة عن الأخوة الايمانية. وإذا كانت أخوة خيرة ومنتجة، فمن الطبيعي أن تبقى، وأن تستمر. ومن الطبيعي أيضا أن يستمر الاحتفاظ بها، والحفاظ عليها إلى أبعد مدى ممكن. وقد كانت لهذه المؤاخاة نتائج هامة في تاريخ النضال والجهاد. وقد امتن الله على نبيه في بدر بقوله: " وإن يريدوا أن يخدعوك، فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله أتف بينهم، إن الله عزيز حكيم " (1). خلة أبي بكر: ويروون: أنه (ص) قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا (2). ولكن كيف يصح هذا وهم يروون: 1 - إن خليلي من أمتي أبو بكر (3). 2 - ويروون: لكل نبي خليل، وخليلي سعد بن معاذ (4) أو عثمان


(1) الانفال آية / 62. (2) مصنف عبد الرزاق ج 10 عن ابن الزبير، وفي هامشه عن سعيد بن منصور، والغدير ج 9 ص 347 عن صحيح البخاري ج 5 ص 243 باب المناقب، وباب الهجرة ج 6 ص 44، والطب النبوي لابن القيم ص 207. (3) إرشاد الساري ج 6 ص 83 و 84، والغدير عنه وعن كنز العمال ج 6 ص 138 و 140، والرياض النضرة ج 1 ص 83. (4) الغدير ج 9 ص 347 عن كنز العمال ج 6 ص 83، ومنتخب كنز العمال هامش المسند ج 5 ص 231. (*)

[ 241 ]

بن عفان (1). والحقيقة هي: أن حديث خلة عثمان قد وضعه إسحاق بن نجيح الملطي (2). وحديث خلة أبي بكر موضوع في مقابل حديث إخاء النبي (ص) لعلي (ع)، كما نص عليه المعتزلي (3). مؤاخاة سلمان مع من ؟ !: وبعد فإنهم يقولون: إن النبي (ص) قد آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء (4). وفي نص آخر: إنه آخى بينه وبين حذيفة (5). وفي رواية ثالثه: إنه (ص) آخى بينه وبين المقداد. (6)


(1) تاريخ بغداد للخطيب ج 6 ص 321، والغدير ج 9 ص 346 / 347. (2) راجع: الغدير ج 9 ص 347. (3) ثرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 49. (4) الاصابة ج 2 ص 62، والاستيعاب بهامشه ج 2 ص 60 وج 4 ص 59، والغدير ج 10 ص 103 / 104 وج 3 ص 174 وقد ناقش في هذه الرواية. والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 152، وأسد الغابة ج 2 ص 330 و 331، وطبقات ابن سعد ط ليدن ج 4 قسم 1 ص 60، وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 203، وشرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 37، وتهذيب الأسماء ج 1 ص 227، وقاموس الرجال ج 7 ص 256، ونفس الرحمان ص 91 و 85 عن أبي عمر، وعن المناقب للخرارزمي، الفصل 14 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 138 (5) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 4 قسم 1 ص 60. (6) نفس الرحمان ص 85 عن الحسين بن حمدان. (*)

[ 242 ]

انكار حديث المؤاخاة، والاجابة عن ذلك: أما ابن سعد، فقد قال: " أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري: أنهما كانا ينكران كل مؤاخاة كانت بعد بدر، ويقولان: قطعت بدر المواريث. وسلمان يومئذ في رق وإنما عتق بعد ذلك. وأول غزوة غزاها: الخندق، سنة خمس من الهجرة " (1). ولأجل ذلك، فقد عتر البلاذري هنا بقوله: "... وقوم يقولون: آخى بين أبي الدرداء، وسلمان. وإنما أسلم سلمان فيها بين أحد والخندق. قال الواقدي: والعلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث " (2). "... وقال ابن أبي الحديد: قال أبو عمر: آخى رسول الله (ص) بينه وبين أبي الدرداء، لما آخى بين المسلمين. ولا يخفى ضفه وغرابته " (3). ونقول:


(1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 4 قسم 1 ص 65. (2) أنساب الأشراف (قسم حياة النيي صلى الله عليه وآله وسلم) ج 1 ص 271. (3) نفس الرحمان ص 85 عنه. (*)

[ 243 ]

أن لنا على ما تقدم ملاحظات نجملها فيما يلي: أولا: قولهم: إن المؤاخاة قد انقطعت بعد بدر، لا يصح، كما تقدم، فلا داعي لاستغراب هؤلاء ولا لانكار ذلك. وثانيا: قولهم: إن انقطاع المؤاخاة بعد بدر يلزمه عدم صحة مؤاخاة سلمان مع أحد من الناس، لا يصح كذلك، إذ لماذا لا يؤاخي قبل بدر بين سلمان وإن كان عبدأ، وبين رجل آخر حر ؟ !. هذا بالاضافة إلى ما سيأتي من أن سلمان قد أسلم وتحرر في أول سني الهجرة. وثالثا: دعوى البلاذري: أن سلمان قد أسلم بين أحد والخندق، لا تصح أيضا، لأنه إنما أسلم في أول الهجرة كما قلنا. نعم.. هم يقولون: إن تحرره قد كان قبل الخندق. فإذا كان مسلمأ حين المؤاخاة، فيمكن أن يؤاخي بينه وبين أحد المسلمين، رلو كان الطرف الآخر حرا، لعدم الفرق بين الحر والعبد، في الايمان والانسانية، وغير ذلك، بنظر الاسلام.. هذا.. لو سلم أن كان لا يزال عبدا.. ورابعا: إن الذي انقطع بعد بدر إنما هو التوارث بين الاخوة، وليس نفس المؤاخاة.. مع أننا نقول أيضا: إن التوارث لم يكن موجودا حتى قبل ذلك، ولعل بعض المسلمين قد توهم التوارث بين المتآخيين، فجاء الردع عنه، وتصحيح اشتباهه في ذلك، فصادف ذلك زمان حرب بدر فنشأ عن ذلك توهمان آخران: هما: أن التوارث كان ثابتا.. وأن المؤاخاة تنقطع بانقطاع التوارث، وكلاهما باطل، ولا يصح.. وخامسا: قولهم: إن المؤاخاة قد كانت بين سلمان وبين أبي

[ 244 ]

الدرداء. يقابله: 1 - ما روي عن إمامنا السجاد (ع)، أنه قال: " لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله (ص) بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق " (1). 2 - عن أبي عبد الله (ع)، أنه قال: " آخى رسول الله (ص) بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان " (2). 3 - إننا نعتقد: أن مؤاخاة سلمان مع أبي ذر هي الأصح، والأوفق بما يذكرونه من أن النبي (ص) كان يؤاخي بين كل رجل ونظيره كما تقدم. وكان أبو ذر أكثر مشاكلة لسلمان من أبي الدرداء له، فإن سلمان يؤكد على أنه لابد من الوقوف إلى جانب القرآن، إذا اقتتل القرآن والسلطان، كما أن أبا ذر قد كان له موقف عنيف من السلطة، حينما وجد أنها تسير في خط إنحرافي خطير، فكان أن اتخذ جانب الحق، وأعلن إدانته للانحراف بصورة قاطعة، كما أنه هو وسلمان قد كان لهما موقف منسجم من أحداث السقيفة ونتائجها.. (3). أما أبو الدرداء.. فقد أصبح من وعاظ السلاطين، وأعوان الحكام المتسلطين، حتى لنجد معاوية - كرد للجميل - يهتم بمدحه وتقريظه والثناء عليه (4)


(1) بصائر الدرجات ص 25، والكافي ج 1 ص 331، والغدير ج 7 ص 35 عنهما، واختيار معرفة الرجال ص 17، والبحارج 22 ص 343، ومصابيح الأنوار ج 1 ص 348، وقاموس الرجال ج 4 ص 418 / 419 والظاهر: أن الرواية معتبرة. (2) الكافي ج 8 ص 162، والبحارج 22 ص 345 عنه، ونفس الرحمان ص 91. (3) راجع كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي. (4) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 قسم 2 ص 115. (*)

[ 245 ]

كما أن أبا الدرداء - حسبما تقدم - يكتب لسلمان يدعوه إلى الأرض المقدسة، وهي الشام بزعمه، وليس مكة، والمدينة ! فاقرأ واعجب، فإنك ما عشت أراك الدهر عجبا. ويكفي أن نذكر: أن يزيد بن معاوية قد مدح أبا الدرداء، وأثنى عليه (1). كما أن معاوية قد ولاه دمشق (2). بالاضافة إلى أن رسول الله (ص) - حسبما يروى - قد ذم أبا الدرداء، وقال له: إن فيك جاهلية. قال: جاهلية كفر، أم جاهلية إسلام ؟ قال: جاهلية كفر (3). 4 - وإذا كان سلمان قد أسلم في أول سني الهجرة، كما سيأتي الحديث عنه في فصل مستقل، وإذا كان أبو الدرداء قد تأخر إسلامه إلى ما بعد أحد (4) فلماذا ترك النبي (ص) سلمان من دون أن يؤاخي بينه وبين أحد من الناس، في هذه المدة الطويلة كلها ؟ !. 5 - وإذا أخذنا بقول الواقدي: إن " العلماء ينكرون المؤاخاة بعد بدر، ويقولون: قطعت بدر المواريث " (5).


(1) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 25. (2) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 17 وج 4 ص 60، والاصابة ج 3 ص 46، والتراتيب الادارية ج 2 ص 426 / 427. (3) الكشاف ج 3 ص 537، وقاموس الرجال ج 10 ص 69 عنه. (4) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 3 ص 16، وراجع ج 4 ص 60. (5) قاموس الرجال ج 7 ص 256، وج 10 ص 69 وأنساب الأشراف (قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله) ج 1 ص 271، وراجع: طبقات ابن سعدج 4 قسم 1 ص 60. (*)

[ 246 ]

فإن النتيجة تكون: أن العلماء ينكرون المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء، لأن أبا الدرداء قد تأخر إسلامه عن بدر كثيرأ.. 6 - وأخيرا.. فقد جاء في بعض النصوص: أنه (ص) قد آخى بين أبي الدرداء وعوف بن مالك الأشجعي (1). ولعل هذا هو الأمهمح والأولى بالقبول.. وقد روى الكليني عن أبي عبد الله (ع) قال: آخى رسول الله (ص) بين سلمان وأبي ذر، واشترط على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان (2). وواضح أن ذلك يعني: أن طاعة أبي ذر لسلمان لم تكن: إلا لأنها توصل إلى الحق، وتؤدي إلى الاحتفاظ به، والحفاظ عليه، ولأنه يمثل الوعي الرسالي الرائد في أعلى مستوياته، ويدعم هذا الوعي ويحميه، ويرفده إيمان ثر، وعقيدة راسخة، توجه الفكر والرأي والوعي، وكل الحركات نحو الهدف الأسمى، والمبدأ الأعلى، لتعيش في ظلاله، وتفنى كلها فيه بكل ما لهذه الكلمة من معنى. فإن الايمان عشر درجات، وسلمان كان في العاشرة، وأبو ذر في التاسعة، والمقداد في الثامنة (3). وإن إطاعة أبي ذر لسلمان لتعطينا: أن الميزان والمقياس في الطاعة ليس إلا ذلك الذي أشرنا إليه، واعتبره القرآن وسيلة لنيل التقوى واليقين: حين قال تعالى: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (4)


(1) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 22. (2) روضة الكافي ص 162. (3) قاموس الرجال ج 4 ص 423 عن الخصال للصدوق. (4) الزمر / 9. (*)

[ 247 ]

و: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1) و: " إن أكرمكم عند الله أتقكم " (2). إذن، فليس للعرق، ولا للون، ولا للجاه، ولا للمال، ولا غير ذلك، - أي دور في التفاضل وإعطاء الامتيازات - من أي نوع كانت ولأي كان، وإنما الميزان والمقياس في كل ذلك هو التقوى والتقوى فقط، التي يدعمها الايمان الراسخ، والفكر النير، والوعي الرسالي الرائد، ولأجل ذلك كان على أبي ذر: أن لا يعصي سلمان، الذي بلغ من العلم والمعرفة بحيث لو اطلع أبو ذر على ما في قلب سلمان لقتله (3). وعن الفضل: ما نشأ في الاسلام رجل من كافة الناس كان أفقه من سلمان الفارسي (4). ولأجل ذلك بالذات، كان لابد من إطاعة أئمة الهدى، الذين هم القمة في العلم والمعرفة، ومن ثم في التقوى، دون غيرهم من المتغلبين الجهلة والطواغيت والجبارين. 4 - أسس العلاقات في المجتمع الجديد: ويذكر المؤرخون أنه بعد مدة وجيزة من قدومه (ص) المدينة، وعلى رأي البعض: بعد خمسة أشهر (5) كتب " صلى الله عليه وآله " كتابا أو وثيقة بينه وبين اليهود، أقرهم فيها على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم: أن لا يعينوا عليه أحدا، وإن دهم أمر فعليهم النصر، كما أن على المسلمين ذلك في المقابل. ولكن سرعان ما نقض اليهود العهد، وعادوا


(1) فاطر / 28. (2) الحجرات / 13. (3) راجع: قاموس الرجال ج 4 ص 418 وغيرها. (4) المصدر السابق. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 353. (*)

[ 248 ]

إلى المكر والغدر، ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله. ويلاحظ: أن الوثيقة المشار إليها لم تقتصر على تنظيم علاقات المسلمين مع غيرهم، وإنما تعرض جانب كبير - بل هو الجانب الأكبر - منها إلى تقرير قواعد كلية، وأسس عملية للعلاقات بين المسلمين أنفسهم، كان لابد منها لتلافي الأخطاء المحتملة قبل أن تقع. فهذه الوثيقة بمثابة دستور عمل، يتضمن أسس العلاقات في الدولة الناشئة، سواء في الداخل أو في الخارج. وهذه الوثيقة هي بحق من أهم الوثائق القانونية، التي لابد أن يدرسها علماء القانون والتشريع بدقة متناهية، لاستخلاص الدلائل والاحكام منها، وأيضا لمعرفة الغايات التي يرمي إليها الاسلام، والضوابط التي يرتضيها، ومقارنتها بغيرها مما يتهالك المستضعفون - فكريا - من هذه الأمة عليه، من القوانين القاصرة عن تلبية الحاجات الفطرية وغيرها للانسان. لاليك نص الوثيقة كما هو: نص الوثيقة: قال ابن اسحاق: وكتب رسول الله (ص) كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم. بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي (ص) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (1) يتعاقلون بينهم،


(1) الربعة: الحال التي جاء الاسلام وهم عليها. والعاقى: الأسير. والمعاقل: الديات. (*)

[ 249 ]

وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (1) بينهم، أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (2) ظلم،


(1) المفرح: المثقل بالدين والكثير العيال. (2) الدسيعة: العظيمة. (*)

[ 250 ]

أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين. وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن. وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإن من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين، ولا متناصرين عليهم. وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وإن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش، ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط (1) مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الاخر: أن ينصر محدثا، ولا يؤويه، وإن من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم في شئ، فإن مرده إلى الله عزوجل، وإلى محمد (ص).


(1) اعتبطه: قتله بلا جناية منه توجب قتله. (*)

[ 251 ]

وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (1) إلا نفسه، وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بن عوف. وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته. وإن جفنة - بطن من ثعلبة - كأنفسهم. وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف. وإن البر دون الاثم. وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. وإن بطانة (2) يهود كأنفسهم. وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد (ص). وإنه لا ينحجز على ثار جرح. وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم. وإن الله على أبر هذا (3). وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.


(1) يوتغ: يهلك. (2) بطانة الرجل: خاصته وأهل بيته. (3) أي على الرضا به. (*)

[ 252 ]

وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم. وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه. وإن النصر للمظلوم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن الجار كالنفس، غير مضابى ولا آثم. وإنه لا تجار حرمة إلا بأذن أهلها. وإن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عزوجل، وإلى محمد (ص). وإن الله على اتقى ما في هذا الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش، ولا من نصرها. وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا (1) إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم (2)، من جانبهم الذي قبلهم. وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة. وإن البر دون الاثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبزه. وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم.


(1) في رواية أبى عبيد في الأموال: وإذا دعوا اليهود إلى صلح حليف لهم، فانهم يصالحونه وإن دعونا إلى مثل ذلك، فإن لهم ما عل المؤمنين إلا من حارب الدين. (2) في الأموال: وعل كل أناس حصتهم من النفقة. (*)

[ 253 ]

وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم. وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (ص) (1). كانت تلك هي الوثيقة الهامة التي لم يهتم بشأنها المؤرخون، وأهمل دراستها وتمحيصها الكتاب والباحثون، نوجه إليها أنظار الطامحين إلى البحث والتدقيق والتمحيص. ونأمل أن تحظى منهم بما يليق بها من اهتمام والله هو الموفق والمسدد. ونحن بدورنا نسجل هنا بعض النقاط، على أمل التوفيق لدراسة هذه الوثيقة بصورة أعمق وأدق وأشمل، فنقول: وثيقة أم وثائق ؟ !: قد أورد المؤرخون هذه الوثيقة بعنوان أنها عقد ينظم العلاقة فيما بين المهاجرين والأنصار من جهة، وبينهم وبين اليهود من جهة أخرى. وقد حاول البعض أن يدعي: أنها ليست وثيقة واحدة، وإنما هي عبارة عن سلسلة وثائق ومعاهدات منفصلة، وقد ضم بعضها إلى بعض، وإن ذلك جرى على مرحلتين: إحداهما: تم بموجبها توحيد وتجميع العناصر المختلفة من القبائل العربية تحت قيادة الرسول في المدينة. والثانية: قد استغلت قوة هذا التجمع القبلي وتكاتفه للضغط على يهود المدينة لكسب تعاونهم في مواجهة أي ضغط خارجي. وليس من الضروري أن يكون قد تم تنظيم الاتفاقيات في لحظة واحدة، فقد كانت هناك أطوار مختلفة في المرحلتين، اقتضت إضافة مواد


(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 147 - 150، والبداية والنهاية ج 3 ص 224 - 226، والأموال ص 202 - 207، ومجموعة الوثائق السياسية وأشار إليه في مسند أحمد ج 1 ص 271، وأشار إليه أيضا في مسند أبي يعلى ج 4 ص 366 / 367. (*)

[ 254 ]

وفقرات باستمرار، حسب الظروف الطارئة، والأحداث المستجدة، التي تستلزم تجديد الالتزامات، وفرض الشروط لمجابهتها، فتكتب المواد، وتضاف الفقرات، التي تحمل آثار ذلك التطور في العلاقات فيما بين عناصر الأمة في المدينة. أما دليلهم على هذا الذي ذكروه، فهو تكرر بعض الفقرات في الوثيقة، حيث لوحظ: أن هذه الفقرات تنص على التزامات وشروط واحدة، كالعبارتين اللتين تنصان على أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وكالعبارتين اللتين تنصان على رد أي خلاف ينجم بين المتعاهدين إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وكذلك التكرار الحاصل لعبارة: إن البر دون الأثم. وعبارة: كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، حيث تكررت بالنسبة لعدد من قبائل الأوس وا لخزرج (1). ونقول: إن من الواضح: أن هذا الدليل لا يكفي لاثبات ما زعموه، فإن هذا التكرار قد جاء ليؤكد ويثبت هذا الأمر بالنسبة إلى كل قبيلة على حدة، حيث يطلب في المواثيق والمعاهدات التنصيص، والدقة والصراحة، حتى لا يبقى عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة، ويكون التصريح بذلك بالنسبة لكل طائفة وفئة، وقبيلة، قد أريد به أن تعرف تلك الفئة أو القبيلة بصراحة ودقة كل ما تطلبه هي، وكل ما يطلب منها. فهذه المعاهدة هي مجموعة التزامات تصدر من كل قبيلة تجاه غيرها من الفئات أو القبائل، أو تجاه عناصر القبيلة أنفسهم. فلابد من التنصيص على هذه الألتزامات.


(1) راجع في الذي ذكرناه كتاب نشأة الدولة الاسلامية ص 25 - 27. (*)

[ 255 ]

وعلى هذا يصبح للمعاهدة الواحدة خصوصية المعاهدات المتعددة أيضا. وأما بالنسبة لليهود المقصودين في هذه الوثيقة، فإن من الجلي: أن المقصود بهم ليس اليهود الذين هم من أصل إسرائيلي، وهم: قينقاع، وا لنضير، وقريظة. بل المقصود اليهود الذين هم من قبائل الأنصار، فقد كان ثمة جماعة من قبائل الأنصار قد تهودوا. وقد جاء ذكرهم في الوثيقة منسوبين إلى قبائلهم. وقد قال ابن واضح: " وتهؤد قوم من الأوس والخزرج، بعد خروجهم من اليمن، لمجاورتهم يهود خيبر، وقريظة، والنضير. وتهود قوم من بني الحارث بن كعب، وقوم من غسان، قوم من جذام " (1). كما أن بعض الروايات تذكر: جماعة من أولاد الأنصار قد تهودوا بسبب: أن المرأة من الأنصار كانت إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها: إن عاش لها ولد أن تهؤده، فلما أجليت بنو النضير قال آباء أولئك: لا ندع أبناءنا، وأنزل الله: (لا إكراه في الدين)، قالوا: هي مخصوصة بهؤلاء الذين تهودوا قبل الاسلام (2).


(1) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 257. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 267، والجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 280 عن أبي داود، ولباب التأويل ج 1 ص 185، وفتح القدير ج 5 ص 275 عن أبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في السنن، والضياء في المختارة، والدر المنثور ج 1 ص 328 عنهم وعن ابن مندة في غرائب شعبة، وعن النحاس في ناسخه، وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور. (*)

[ 256 ]

ملاحظات سريعة على الوثيقة: ومهما يكن من أمر، فإن هذه الوثيقة، أو الوثائق، قد تضمنت أمورا كثيرة هامة، وأساسية في مجال بناء العلاقات في هذا المجتمع الجديد. وكمثال على ذلك نشير هنا إلى ما يلي: 1 - إنها قد قررت: أن المسلمين أمة واحدة، رغم اختلاف قبائلهم وانتماء اتهم، وتفاوت مستوياتهم، وحجم ونوع طموحاتهم، ورغم اختلاف حالاتهم المعيشية، والاجتماعية، وغير ذلك. ولهذا القرار أبعاده السياسية، وله آثاره الحقوقية، وغيرها. ثم له آثار وانعكاسات على التكوين السياسي، والاجتماعي، وعلى الحالة النفسية، والعاطفية، والفكرية، والمعيشية، والحياتية بصورة عامة. ولسنا هنا بصدد الخوض في تفاصيلها وجزئياتها. 2 - قد تضمنت إقرار المهاجرين من قريش على عاداتهم وسننهم في الديات والدماء. ويقولون: إن ذلك قد نسخ فيما بعد، وإن كنا نرى: أن النسخ لم يطل هذه الموارد، وهي مما كان قد قرره عبد المطلب، أو مما كان وصل إليهم أو بلغهم من دين الحنيفية. ولهذا انحصر الاستثناء فيها، ولم يشمل الحالات التجارية، أو الأحوال الشخصية مثلا. وحتى لو كان ثمة بعض الموارد التي لم تكن كذلك، فإن بالامكان أن يستفاد منها موضوع التدرج في مجال تشريع الأحكام، وفق الحالات والمعطيات القائمة في الواقع المعاش. 3 - إن مسؤولية المهاجرين عن فداء أسراهم، ثم مسؤولية جميع القبائل عن فداء أسراها أيضا بالقسط والمعروف، إنما تعني أن تعيش كل قبيلة حالة التكافل، والاحساس الجماعي، بالاضافة إلى أن ذلك يضمن نوعا من الترابط بين هؤلاء الناس، والذب عن بعضهم، والمعونة في

[ 257 ]

مواقع الخطر وفي ساحات النزال. أضف إلى ذلك: أن شعور المحارب بأن هناك من يهتم بأمره، ومن هو ملزم ببذل المال لاطلاق سراحه في صورة وقوعه في الأسر، لسوف يزيده نشاطا، وثقة بنفسه، وإقداما في منازلة العدو. هذا كله: عدا أن العب ء الاقتصادي إذا تحملته الجماعة الكثيرة، فإنه يصبح أخف وأيسر، وأبعد عن الاضرار بحال الناس الذين هم في متن المشكلة. ويلاحظ هنا: التعبير بكلمة القسط والمعروف، فإن كلمة القسط تدل على رفض أي حيف أو تجن في مجال تعديل وتوزيع الحصص على أفراد القبيلة. أما كلمة المعروف، فإنها تدل ما هو أبعد من ذلك، حيث لاحظت أنه لابد من التزام سبيل المعروف في مجال تطبيق القرار، أو الحكم الشرعي الذي يمس الآخرين، ويعنيهم في شؤونهم المالية، أو غيرها، فلا يجوز الشذوذ عن هذا السبيل بحجة التمسك بحرفية الأوامر الصادرة، أو القانون الساري. 4 - لقد قررت الوثيقة أيضا: أن من كان عليه دين، ولم يكن له عشيرة تعينه في فداء أسيره، فعلى المسلمين إعانته في فداء ذلك الأسير. وهذا قرار يهدف إلى سد الثغرة الحاصلة من تشريع الفداء على القبائل حسبما تقدم، ولا يفوتنا هنا التنبيه إلى أن الفقرتين المتقدمتين قد عالجتا المشكلة في وقت لم يكن ثمة بيت مال للمسلمين يمكن الاعتماد عليه في حالات كهذه، حيث كان ذلك في وقت لم يكن المسلمون قادرين فيه حتى على سد لاحتياجاتهم الشخصية فضلا عن غيرها. مع عدم وجود موارد أخرى يمكن الاستفادة منها في هذا المجال.

[ 258 ]

5 - وجاء في الوثيقة أيضا: أن مسؤولية دفع الظلم تقع على عاتق الجميع، ولا تختص بمن وقع عليه الظلم. ولعل هذا من أهم القرارات التي تضمنتها الوثيقة، سواء من حيث آثار قرار كهذا على البنية الاجتماعية، ثم علاقة ذلك بالقرار والموقف السياسي، وتعاطي الحكام مع مسألة الظلم، وتفاعلهم معها، ثم مع المردود الايجابي أو السلبي لقرار يجعل مقاومة الظلم مسؤولية إجتماعية، لا تنحصر بالحاكم، وإن كانت قد تمس حاكميته وموقعه بصورة أو بأخرى في أحيان كثيرة. أما التأثير الروحي أو النفسي أو غير ذلك لقرار كهذا على الأمة، فهو أيضا كبير وخطير ولا مجال للدخول في التفاصيل، فإن ذلك يحتاج إلى دراسة مستوعبة لطبيعة التشريع الاسلامي، وأسسه ومنطلقاته بصورة أدق وأعمق. 6 - وهناك القرار الذي ينص على عدم قود المسلم بالكافر، وفي هذا تأكيد على أن شرف الأنسان إنما هو بالاسلام. وذلك إنما ينطلق من مقولة: أن القيم والمثل التي يؤمن بها الفرد أو المجتمع، هي التي تمنحه القيمة، أو تسلبها عنه، فإذا كان الانسان المسلم هو الذي يحمل في داخله من تلك القيم، ما تسمو به نفسه، ويؤكد ولمجق فيه إنسانيته، بما لها من معان سامية ونبيلة، ثم هو يمارس إنسانيته هذه على صيد الواقع والحركة، فإنه لا يمكن أن يقاس به من لا يمارس إنسانيته، أو لا يحمل في داخله منها إلا القليل أو لا يحمل شيئأ من معانيها النبيلة على الاطلاق. هذا فضلا عما إذا كان لا يعترف بها ولا يوليها أية قيمة، فضلا عن أن يدافع عنها، ويضحي في سبيلها بالغالي وبالنفيس إن اقتضى الأمر ذلك.

[ 259 ]

7 - قد ذكرت الوثيقة: أنه يجير على المسلمين أدناهم، ولا يجير كافر على مسلم. وهذا يؤكد ما ذكرناه آنفا، فالاسلام لا يرى الشرف بالمال، ولا بالقبيلة، ولا بغير ذلك من أمور، وإنما إنسانيته هي التي تعطيه القيمة. ونزيد هنا: أن قرارأ كهذا يرسخ الشعور بالمساواة فيما بين المسلمين ؟ فلا يمتاز غني على فقير، ولا قوي على ضعيف ما دام الجميع قد حملوا في داخلهم معين القيم، والمثل، وما عليهم بعد ذلك إلا الاستفادة من هذا المعين الثر لينشر الخير والصلاح والفضل والتقى في جميع ربوع حياتهم، وفي مختلف شؤونها. 8 - وقد تقرر أيضا: أن لا ينصر المسلمون من أحدث وابتدع، بل يجب عليهم مقاومته والتصدي له ولبدعته بكل صلابة وحزم. وفي هذا تتجلى الأهمية البالغة التي يوليها الاسلام للسلامة الفكرية، ويؤكد أهمية الصيانة في المجال الثقافي والعقيدي والفكري. ثم هو يعطي للجماعة أو فقل للأمة دورأ في تحقيق هذه الصيانة، ويؤكد على دور الناس جماعات وأفرادأ في التصدي للانحراف ومقاومته، قبل أن تعصف بهم رياحه أو يجرفهم تياره، حيث إنه يستهدفهم أفرادا أولا، ليعبث بقدراتهم جماعات، ثم يسخرهم ويستغل كل طاقاتهم في ترسيخ دعائمه، وتثبيت عزائمه، وليكونوا من ثم اليد التي يبطش بها، والمعول الذي يهدم به كل فضيلة ويشيع كل رذيلة. 9 - في هذه الوثيقة أيضا تكريس للسلطة الاسلامية واعتراف مسجل بها من قبل ألذ أعدائها وهم اليهود - أعني الذين تهودوا من الأنصار وقد كان اليهود يعتبرون أنفسهم وحدهم دون كل من عداهم، أصحاب كل الامتيازات، وإن كل قرار يجب أن يكون صادرا عنهم، ومنهم، واليهم، فهم الحكام على الناس، والناص كلهم يجب أن يكونوا تحت سلطتهم،

[ 260 ]

وقد خلقوا ليكونوا لهم خدما كما يزعمون. فقد قررت الوثيقة: أن لا يخرج أحد من اليهود إلا بإذن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأن الحاكمية إنما هي لدين الله ولرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لا لأحد سواه. ولعل هذا القرار قد اتخذ أيضا من أجل أن لا يفسح المجال أمام اليهود لممارسة دور الافساد والجاسوسية من الداخل لصالح الأعداء المتربصين بالاسلام وبالمسلمين شرا من الخارج. ومن أجل أن يؤكد لكل الناس الذين يعيشون معهم وحولهم: أن ثمة قوة لابد من الاعتراف بها، والتعامل معها بواقعية وموضوعية وصدق. 10 - وقد أكد ما ذكرناه آنفا وعمقه ذلك القرار الذي اعترف به اليهود وسجلوه على أنفسهم، والذي ينص على أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " هو المرجع الذي يتولى حل المشكلات، التي تنشأ فيما بينهم وبين المسلمين. ولسنا بحاجة إلى التذكير بما لهذه المادة من مدلول سياسي، ومن أثر نفسي وإجتماعي عليهم وعلى غيرهم ممن يعيشون في المدينة، وكذا ما لهذا القرار من أثر كذلك على المنطقة بأسرها. هذا، وقد حفظ بذلك المضمون العقائدي، وروعيت فيه الجهات الفقهية، كما يظهر بأدنى تأمل في ذلك. ويمكن بحث هذه النقطة بصورة مستقلة في مجال اخر. 11 - هذا كله، عدا عن أن هذه الوثيقة قد ضمنت لمن تهود من الأنصار حقوقهم العامة، وذلك من قبيل حق " الأمن " و " الحرية " بشرط ألا يفسدوا. وهذان الحقان ولا سيما حق الحرية، يؤكد على أن الاسلام لا يخشى شيئا إذا كان منطلقا من الواقع وقائما على أساس الحق والصدق.

[ 261 ]

ولكنه يخشى من الافساد، ومن الافساد فقط. وهذا يصب في اتجاه الاسلام إلى التأكيد على المعرفة، والدعوة إلى العلم، لأنه يرى أنه أول من يستفيد من العلم ومن المعرفة، ومن إطلاق الحريات، في خط البناء، لا في خط الهدم والافساد. 12 - ثم تضمنت الوثيقة: اعترافا من المنافقين والمشركين، ومن اليهود أيضا بأن المؤمنين على أحسن هدى وأقومه. مع أن ما كان يشيعه هؤلاء الأعداء إنما هو: أن هذا النبي قد جاء ليفرق جماعاتهم، ويسفه أحلامهم، ووإلخ. كما ذكره عمرو بن العاص للنجاشي ملك الحبشة. 13 - وجاء فيها أيضا قرار بإلغاء القبلية التي توجست على القبيلة الانتصار لأبنائها، حتى ولو كانوا المعتدين على غيرهم، والظالمين لهم. حيث تقرر أن على جميع المؤمنين أن يلاحقوا القاتل، من كان، ومهما كان. كما أن ذلك إنما يعني إلغاء سائر الاعتبارات التي تؤثر في هذا المجال، من قبيل الرئاسات، والزعامات، أو نوع القبيلة، التي يكون المجرم منها، كما كان الحال فيما بين بني قريظة والنضير، حيث كان الامتياز في ذلك لبني النضير على بني قريظة. 14 - ثم إن هذه الوثيقة قد أعطت للمسلمين الحق في التصدي لأخذ أموال قريش (وليس المشركين)، لأن قريشا هي التي سلبتهم أموالهم، وأخرجتهم من ديارهم، ليكون ذلك عوضا عما أخذ منهم. وقد اعترف لهم بهذا الحق حتى المشركون، الذين هم طرف في هذه المعاهدة. الأمر الذي جعل المشركين يشعرون: أنهم غير معنيين بما تتعرض له قريش في هذا السياق، وجعل القضية تصب في الاتجاه الآخر بالنسبة إليهم، ثم هو قد أعطى الجانب الانساني قيمة، وفاعلية، في ضمير ووجدان الناس، الذين فقدوا إحساسهم بهذه القيمة أو كادوا.

[ 262 ]

15 - ونلاحظ: أن هذه الوثيقة قد اعتمدت التعبير ب‍ " المؤمنين " بدل " المسلمين ". ولهذا دلالاته على صيد التعامل، كما أن له إيحاءاته بالنسبة للمخلصين، ليزدادوا خلوصا وإخلاصا او بالنسبة للمنافقين الذين يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخدعون إلا أنفسهم. كما أن له تأثيراته السياسية في مجال التمايز بين الفرق، كي لا يكون ذلك من منطلق التعصب للدين والمذهب. 16 - وفي الوثيقة أيضا: إظهار شرف الايمان الذي اعطيت الامتيازات على أساسه، واعتبار الكفر في درجة منحطة حينما قال: " أن لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن ". 17 - هذا إلى جانب التمايز الواضح فيما بين معسكري الكفر والايمان، وتكريس حالته. 18 - ويلاحظ: أن الوثيقة قد نصت على أن كل من يعترف بما في هذه الصحيفة لا يحق له نصر محدث، ولا إيواؤه. وهذا من شانه أن يشيع الأمن العام، ويجعل الناس يطمئنون نوعا ما، ويخفف من الخوف الذي كان سائدا بين الأوس والخزرج. كما أن فيه إنذارا مبطنا للآخرين من اليهود والمشركين الذين يعيشون مع المسلمين في بلد واحد. 19 - كما أن إظهار المسلمين أمام أعدائهم على أنهم قوة واحدة ومتماسكة ومتناصرة، له أثر كبير في تكريس الهيبة لهم في النفوس، وإبعاد الأطماع في أن ينفذ نافذ إلى المسلمين من خلال التلاعب بالعواطف القبلية أو سواها. 20 - ويلاحظ أخيرأ: أن الوثيقة لم تعط للمشركين حقوقا، ولكنها فرضت عليهم قيودا، فليس للمشرك أن يجير مالا لقريش، ولا نفسا، ولا

[ 263 ]

يحول دونه على مؤمن. هذا ما أحببنا الالماح إليه في هذه العجالة، وثمة أمور كثيرة أخرى نأمل أن نوفق لدراستها في فرصة أخرى. موادعة اليهود: وجاءت يهود قريظة، والنضير، وقينقاع، وطلبوا الهدنة من رسول الله (ص)، فكتب لهم بذلك، على أن لا يعينوا عليه أحدا، ولا يتعرضوا لأحد من أصحابه بلسان، ولا يد، ولا بسلاح، ولا بكراع، في السر، ولا في العلانية، لا بليل ولا بنهار، فإن فعلوا فرسول الله (ص) في حل من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم. وكتب لكل قبيلة كتابا على حدة (1). ولكن اليهود عادوا بعد ذلك إلى الغدر والمكر، كما سيأتي إن شاء الله، مع علمهم بأنه النبي الحق، كما تدل عليه تصريحاتهم المختلفة.


(1) إعلام الورى ص 69، والبحار ج 19 ص 110 / 111 عنه، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 175. (*)

[ 265 ]

الفصل الرابع: تشريعات وأحكام

[ 267 ]

تشريع الأذان: ويذكرون هنا: أن الأذان قد شرع في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في الثانية، ولا يهمنا تحقيق ذلك كثيرا. أما كيفية تشريعه فتحكى على النحو التالي: إن النبي (ص) اهتم للصلاة، كيف يجمع الناس لها. فقيل له: انصب راية، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك. فذكروا له القبع - يعني الشبور، شبور اليهود - فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود. فذكروا له الناقوس. فقال: هو من أمر النصارى. وكأنه كرهه أولا، ثم أمر به، فعمل من خشب. فانصرف عبد الله بن زيد، وهو مهتم لهم رسول الله (ص)، فأري الأذان في منامه. قال: فغدا على رسول الله (ص) فأخبره فقال له: يا رسول الله، إني لبين نائم ريقظان إذ أتافي آت، فأراني الأذان. قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر به النبي (ص) فقال: ما منعك أن تخبرني ؟ قال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله (ص): يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله. قال: فأذن بلال (الحديث). كان هذا أحد نصوص رواية كيفية تشريع الأذان. وللرواية نصوص

[ 268 ]

كثيرة ومختلفة جدا، فراجع (1). مناقشة روايات الأذان: ونحن نعتقد عدم صحة ذلك، وذلك استنادا إلى ما يلي: أولا: تناقض الروايات الشديد، كما يظهر بالمراجعة والمقارنة وذلك يوهن الرواية، ويثير حولها أكثر من سؤال. فمثلا: الرواية المتقدمة تذكر أن ابن زيد رأى الأذان بين المنام واليقظة، وأخرى تقول: رآه في المنام، وثالله تقول: إن ابن زيد قال: " لولا أن يقول الناس لقلت: إني كنت يقظان غير نائم ". ورواية تقول: إن ابن زيد رآه، فأخبر به النبي (ص). وأخرى. تقول: إن جبرئيل أذن في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا، فأخبر النبي (ص)، ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر.


(1) راجع في نصوص الحديث المختلفة المصادر التالية: سنن أبي داود ج 1 ص 335 - 338، والمصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 455 - 465، والسيرة الحلبية ج 2 ص 93 - 97، وتاريخ الخميس ج 1 ص 359، والموطأ ج 1 وشرحه للزرقاني ج 1 ص 120 - 125، والجامع الصحيح للترمذي ج 1 ص 358 - 361، ومسند أحمد ج 4 ص 42، وسنن ابن ماجة ج 1 ص 124، وسنن البيهقي ج 1 ص 390 / 391، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 154 / 155 و 125، ونصب الراية ج 1 ص 259 - 261، وفتح الباري ج 2 ص 63 - 66، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 2 ص 8، والبداية والنهاية ج 3 ص 232 / 233، والمواهب اللدنية ج 1 ص 71، ومنتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 3 ص 273 و 275، وتبيين الحقائق للزيلعي ج 1 ص 90، والروض الانف ج 2 ص 285 / 286، وحياة الصحابة ج 3 ص 131 عن كنز العمال ج 4 ص 263 / 246، ونقل أيضا عن أبي الشيخ، وابن حبان، وابن خزيمة، وسنن الدارقطني ج 1 ص 241 / 242 و 245. وغير ذلك من المصادر الكنيرة التي لا مجال لتتبعها واستقصائها. (*)

[ 269 ]

ورواية تقول: إن ابن زيد رآه. وأخرى تقول: إن سبعة من الأنصار رأوه، وقيل: أربعة عشر، ورواية تزيد عبد الله بن أبي بكر. ورواية تقول: إن بلالا كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال النبي (ص) لبلال: قل كما قال عمر. ورواية تفرد فصول الاقامه، ورواية تثنيها. إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي لا مجال لذكرها، فراجع المصادر وقارن بين الروايات إن شئت. وثانيا: إن دعوى سماع عمر وبلال لجبرئيل، أو رؤية ابن زيد للأذان في اليقظة، لا يمكن قبولها، لأن معنى ذلك هوأن يكون هؤلاء من الأنبياء، لأنهم قد رأوا جبرئيل عيانأ، وسمعوا منه أمرا تشريعيا توقيفيا، وذلك من مختصات الأنبياء. أما بالنسبة لرواية الرؤية في المنام، فقد قال العسقلاني: " وقد استشكل في إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، لأن رؤيا غير الأنبياء لا يبنى عليها حكم شرعي. أجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك ! ؟ " (1) ولكنه جواب بارد، فإن مجرد الاحتمال لا يجدي، مع كون الرواية المعتمدة عندهم لم تذكر ذلك، ولم تشر إليه، بل اكتفت بمجرد أمره (ص) بلالا بالتعلم من ابن زيد. ثم لماذا لم ينزل الوحي عليه (ص) من أول الأمر، وحينما كان متحيرأ في أمره، مهموما مغموما لا يدري ما يفعل ؟ !. ويبقى سؤال: لم اختص الأذان بأن شرع بهذه الكيفية، دون


(1) فتح الباري ج 2 ص 62. (*)

[ 270 ]

سائر الأحكام ؟ ! وأجاب السهيلي بأن في الأذان تنويها بشأنه، ورفعا لذكره، فلأن يكون على لسان غيره أنوه وأفخم لشأنه (1). ولكنه جواب بارد أيضا - وإن استحسنه العسقلاني وغيره - لأنه لو صح، لوجب أن يكون تشريع الصلاة والزيارات والأدعية، بل وكذا إيجاب الشهادتين، وغير ذلك أيضا على لسان غيره، لأنها كلها فيها تنويه بذكره، وتفخيم لأمره، وكذا بالنسبة للآيات القرآنية التي تمتدحه " صلى الله عليه وآله وسلم " وتثني عليه كقوله تعالى: " وإنك لعلى خلق عظيم "، و غير ذلك. وبعد كل ما تقدم فإننا نقول: إن حكم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالعمل برؤيا ابن زيد، يكون من النطق عن الهوى، وعدم الاستناد إلى الوحي، وهو ينافي قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى. ومشورة النبي " صلى الله عليه وآله " لأصحابه في أمر ديني مستحيلة ؟ لأنه مستنن عنهم بالوحي، نعم هو كان يستشيرهم في أمور دنيوية، يطلب منهم هم القيام بها، لأسباب ستأتي إن شاء الله في غزوة بدر و أحد. وثالثا: كيف كره (ص) موافقة اليهود والنصارى، ثم عاد فرضي بها، فهل كان ذلك قبيحأ ثم صار حسنا ؟ !. أم أنه كان مضطرا إلى موافقتفم ؟ حيث سدت السبل في وجهه ؟ ! ولم لا يجعل مناديا ينادي الناس للصلاة، كما كانوا يفعلون حينما كانوا ينادون: بالصلاة جامعة، في كل مناسبة اقتضت ذلك ؟ ولماذا يهتم رسول الله و عبد الله بن زيد وقد انحل المشكل برضاه (ص) بصنع الناقوس، ولم يبق ما يستدعي ذلك ؟.


(1) الروض الانف ج 2 ص 285. (*)

[ 271 ]

والأهم من ذلك: أنهم يروون - وإن كنا نحن لا نصدق بل ونجزم بكذب ذلك -: أنه (ص) كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم ينزل فيه وحي (1). فلماذا كره ذلك هنا، واهتم واغتم لأجله ؟ !. فما هذا التناقض القبيح فيما ينسبونه إلى النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ !. ورابعا: 1 - عن الصباح المزني، وسدير الصيرفي، ومحمد بن النعمان الأحول، وعمر بن أذينة، أنهم حضروا عند أبي عبد الله " عليه السلام " فقال: يا عمر بن أذينة ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وصلاتهم ؟ فقال: جعلت فداك، إنهم يقولون: إن أبي بن كعب الأنصاري رآه في النوم. فقال " عليه السلام ": كذبوا والله، إن دين اللة تعالى أعز من أن يرى في الغوم. وعلى حسب نص آخر إنه " عليه السلام " قال: ينزل الوحي به على نبيكم فتزعمون: أنه أخذه عن عبد الله بن زيد ؟ ! (2). 2 - عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنا لنتحدث: أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.


(1) لسوف تأتي الاشارة إلى ذلك حين الكلام على صوم يوم عاشوراء إن شاء اللة تعالى. (2) البحار ج 18 ص 354 عن علل الشرائع ص 112 / 113، والنص والاجتهاد ص 205 عن الشهيد في الذكرى، ووساثل الشيعة ج 4 ص 612 و 613. (*)

[ 272 ]

قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعا شديدا وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرايع الاسلام، ومعالم دينكم، فزعمتم: أنه من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، تحتمل الصدق والكذب، وقد تكون أضغاث أحلام ؟ !. قال: فقلت: هذا الحديث قد استفاض في الناس ؟ !. قال: هذا والله هو الباطل، ثم قال: وإنما أخبرني أبي: أن جبرئيل " عليه السلام " أذن في بيت المقدس ليلة الاسراء وأقام، ثم أعاد جبرئيل الأذان لما عرج بالنبي (ص) إلى السماء (1). 3 - والامام الحسن " عليه السلام " قد أنكر ذلك أيضا، حيث تذاكروا عنده الأذان، وذكروا رؤيا ابن زيد، فقال: إن شأن الأذان أعظم من ذلك. أذن جبرئيل في السماء مثنى مثنى، وعلمه رسول الله (ص)، وأقام مرة مرة، فعلمه رسول الله (ص) (2). 4 - عن الحسين بن علي أنه سئل عن الأذان وما يقول الناس، فقال: " الوحي ينزل على نبيكم وتزعمون: أنه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد ؟ ! بل سمعت أبي علي بن أبي طالب (ع) يقول: أهبط الله ملكا حين عرج برسول الله (ص)، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم قال له جبرئيل: يا محمد، هكذا أذان الصلاة " (3).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 96، والنص والاجتهاد ص 205 وكتاب العلوم (أمالي أحمد بن عيسى بن زيد) ج 1 ص 90. (2) النص والاجتهاد ص 255 عن مشكل الآثار، وابن مردويه، وعن كنز العمال ج 6 ص 277 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 171. (3) راجع ما تقدم وما سيأتي. (*)

[ 273 ]

ولكن كون الاقامة مرة مرة، مخالف لما هو ثابت قطعا عن أهل البيت (ع)، فإنه لا يرتاب أحد أنهم يروون ويرون أنها مثنى مثنى. وذلك هو مذهب كثير من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الاسلام. وجعلها مرة مرة إنما كان على يد الأمراء، فإن ذلك أمر أستخفته الأمراء على حد تعبيرهم (1). وإلا فإن الاقامة مرتين مرتين. وخامسا: عن عبد الله بن زيد نفسه قال: سمعت أذان رسول الله (ص) فكان أذانه وإقامته مثنى مثنى (2). فلو كان هو الذي أري الأذان، فلابد أن يكون أعرف الناس به من كل أحد. فلماذا يرويه عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وسادسا: حكى الداودي، عن ابن إسحاق: أن جبرئيل أتى النبي (ص) بالأذان قبل أن يراه عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام. ويؤيد ذلك ما رووه أيضا: من أن عمر قد ذهب ليشتري ناقوسا، فأخبر: أن ابن زيد قد أري الأذان في المنام، فرجع ليخبر رسول الله (ص)، فقال له: " سبقك بذلك الوحي " (3). وسابعا: إننا نرجح أن تشريع الأذان كان في مكة قبل الهجرة، وذلك لما تقدم عن ابن الحنفية، ولما يلي: 1 - عن زيد بن علي، عن آبائه (ع): أن رسول الله (ص) علم الأذان ليلة أسري به، رفرضت عليه الصلاة. وكذا روي عن أمير المؤمنين " عليه السلام "، وعن ابن عمر،


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 463، وسنن البيهقي ج 1 ص 425. (2) مسند أبي عوانة ج 1 ص 331، وراجع سنن الدارقطني ج 1 ص 241. (3) المصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 456، تاريخ الخميس ج 1 ص 360، وليراجع: البداية والنهاية ج 3 ص 233، والسيرة الحلبية ج 2 ص 96 و 97. (*)

[ 274 ]

والامام الباقر " عليه السلام "، وعائشة (1). وقد جاء بسند صحيح عن الامام الباقر " عليه السلام " ما هو قريب من ذلك (2). 2 - عن أنس: إن جبرئيل أمر النبي (ص) بالأذان حين فرضت الصلاة (3). والصلاة إنما فرضت في مكة، كما هو معلوم. وصحح السهيلي مفاد الرواية المروية عن الامام الباقر " عليه السلام "، الدالة على تشريع الأذان حين الأسراء، والتي أشرنا إليها فيما سبق. ولكنهم أوردوا عليه بأن في سندها زياد بن المنذر، وفيه شيعية (4). وبأن النبي (ص) لم يأمر بالاذان حين الهجرة (5). ولكن إيرادهم الأول كما ترى، وإيرادهم الثاني أيضا لا وقع له، فإن


(1) منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 3 ص 273 عن الطبراني في الأوسط، والسيرة الحلبية ج 1 ص 373 وج 2 ص 93 و 95، ومجمع الزوائد ج 1 ص 329 و 328 ونصب الراية ج 1 ص 262 و 260، والمواهب اللدنية ج 1 ص 71 و 72، وفخ الباري ج 2 ص 63، والدر المنثور ج 4 ص 154 عن البزار، وابن مردويه، والطبراني، وأبى نعيم في دلائل النبوة، والروض الأنف ج 2 ص 285 - 286، والبداية والنهاية ج 3 ص 233، وحاشية تبيين الحقائق، والبزار، ونقله في النص والاجتهاد ص 255 عن مشكل الآثار، وعن الشهيد في الذكرى، وكنز العمال ج 14 ص 4 عن ابن مردويه، وقصار الجمل ج 1 ص 13، والوسائل ج 4 ص 660 والكافي ج 3 ص 302. (2) الكافي ج 3 ص 302. (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 72، وفتح الباري ج 2 ص 63. (4) نصب الراية ج 1 ص 261. (5) البداية والنهاية ج 3 ص 233، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 171، ونصب الراية ج 1 ص 261، وسكت عنه الحاكم، لكن الذهيي طعن في نوح بن دراج، ولعله لأجل أنه كان يتشيع، كما هو دأبهم. (*)

[ 275 ]

هذا هو محل النزاع. وبالمناسبة نذكر: أنه قد ورد: أن جبرئيل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة (1). وبعد ما تقدم، فإننا نعرف عدم صحة ما رووا عن ابن عباس، من أن فرض الأذان كان مع نزول آية: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " (2). ليكون الأذان قد شرع حين نزول سورة الجمعة، بعد السنة السابعة للهجرة وبعد وفاة عبد الله بن زيد، الذي قتل في أحد، أو بعدها بقليل. ولذلك قال الحاكم: " وإنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد في الأذان والرؤيا، التي قصها على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بهذا الاسناد، لتقدم موت عبد الله بن زيد، فقد قيل: إنه استشهد بأحد، وقيل: بعد ذلك بيسير " (3). ولكن عبارة الدر المنثور هكذا: " الأذان نزل على رسول الله (ص) مع فرض الصلاة: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة إلخ " فيحتمل أن يكون مقصوده هو أن الأذان قد شرع في مكة مع فرض الصلاة، ثم استشهد بالآية للاشارة إلى أن الله قد أوما إلى الأذان في القرآن أيضا، فإذا صح هذا فإن هذه الرواية لا تعارض ما تقدم. وثامنأ: عن عائشة، وعكرمة، وقيس بن أبي حازم، وغيرهم، في قوله تعالى: " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ": ركعتان


(1) فتح الباري ج 2 ص 64، والسيرة الحلبية ج 2 ص 93. (2) فتح الباري ج 2 ص 62، والدر المنثور ج 6 ص 218 عن أبي الشيخ. (3) مستدرك الحاكم ج 4 ص 348.

[ 276 ]

فيما بين الأذان والاقامة (1). وواضح أن هذه الآية قد وردت في سورة فصلت، وهي مكية، فيدل على أن الأذان والاقامة قد شرعا في مكة، وجاءت الآية لتبين حكما متعلقا بهما. ودعوى: أن الآية مما تأخر حكمه عن نزوله، لا شاهد لها إلا رواية ابن زيد المتقدمة. وقد تقدم أنها لا تصلح للاعتماد عليها، بل الدليل قائم على كذبها. وتاسعا: لقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك " أنه في الأذان (2). وروى عدد منهم ذلك عن ابن عباس ومجاهد (3). وهذه الآية في سورة الانشراح، وهي مكية أيضا. الكلمة الأخيرة: وأخيرا فقد ورد بالسند الصحيح عن أبي عبد الله الصادق " عليه السلام "، قال: لما هبط جبرئيل على رسول الله (ص) بالأذان، أذن جبرئيل وأقام. وعندها أمر رسول الله (ص) عليا (ع) أن يدعو له بلالا


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 93، والدر المنثور ج 5 ص 364 عن عبد بن حميد، والخطيب في تاريخه، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وابن المنذر. (2) الكشاف ط دار الفكر ج 4 ص 266، وجوامع الجامع ص 545، والبحر المحيط ج 8 ص 488، ومجمع البيان ج 10 ص 508، والتفسير الكبير ج 32 ص 5، ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 4 ص 389. (3) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 525، وراجع: الجامع لأحكام القرآن ج 20 ص 106، ولباب التأويل ج 4 ص 389. (*)

[ 277 ]

فدعاه، فعلمه رسول الله (ص) الأذان، وأمره به (1). وهذه الرواية لا تعارض ما سبق، إذ من الممكن أن يكون جبرئيل قد نزل بالأذان في مكة، كما أن الأذان الذي شرع حين الأسراء لعله الأذان الذي يمارسه كل فرد فرد، وأما أذان الاعلام فهو الذي نزل به جبرئيل وعتمه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بلالا وأمره به. وبالنسبة لما جرى بالمدينة، فلعل الأقرب هو الرواية التي تقول: إنه حين قدم المسلمون المدينة، كانوا يجتمعون يتحينون الصلاة، وليس ينادى بها. وكلموه يوما في ذلك، فقال بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر (رض): ألا تبعثوا رجالا ينادون بالصلاة. فقال رسول الله (ص): " قم يا بلال فأذن " (2). فهذه الرواية الأخيرة تفيد: أن المسلمين هم الذين اختلفوا فيما بينهم، واقترحوا بعض الوسائل على بعضهم البعض، فحسم (ص) النزاع بأمره بلالا بالأذان. فيظهر منه أن الأذان كان قد شرع قبل ذلك، حين الاسراء مثلا، ولكن هؤلاء المسلمين إما لم يظلعوا على ذلك، لأنهم أسلموا حديثا، أو أنهم أو بعضهم قد عرفوا بالأمر لكن لم يعجبهم ذلك، فأحبوا التغيير. هذا.. وقد بحث الامام السيد عبد الحسين شرف الدين هذا الموضوع، فليراجعه من أراد (3).


(1) الوسائل ج 1 ص 326، والكافي ج 3 ص 302، والنص والاجتهاد ص 205، ونقله الصدوق والشيخ رحمهما اظه تعالى. (2) سنن الدار قطني ج 1 ص 237. (3) النص والاجتهاد ص 197 - 205. (*)

[ 278 ]

حي على خير العمل في الأذان: ومن الأمور التي وقع الخلاف فيها بين المسلمين، بين مثبت وناف، هو قول: " حي على خير العمل " في الأذان مرتين، بعد قول: حي على الفلاح. فذهبت طائفة تبعا لأئمتهم إلى أن هذه الفقرة " حي على خير العمل " لا يصح ذكرها في الأذان، وهؤلاء هم جمهور أهل السنة والجماعة. وعبر بعضهم بلفظ: يكره، معللا ذلك بأنه لم يثبت ذلك عن النبي، والزيادة في الأذان مكروهة (1). وقال القاسم بن محمد بن علي نقلا عن توضيح المسائل لعماد الدين يحيى بن محمد بن حسن بن حميد المقري: " قد ذكر الروياني، أن للشافعي قولا مشهورا بالقول به. وقد قال كثير من علماء المالكية وغيرهم من الحنفية والشافعية: أنه كان حي على خير العمل من ألفاظ الأذان. قال الزركشي في كتابه المسمى بالبحر ما لفظه: ومنها ما الخلاف فيه موجود في المدينة كوجوده في غيرها، وكان ابن عمر، وهو عميد أهل المدينة، يرى إفراد الأذان، ويقول فيه: " حي على خير العمل " إلى أن قال المقري: " فصح ما رواه الروياني: أن للشافعي قولا مشهورا في إثبات حي على خير العمل " (2). وذهب أهل البيت وشيعتهم إلى أن هذه الفقرة جزء من الأذان والاقامة، لا يصحان بدونها، وهذا الحكم إجماعي عندهم (3) ونسبه


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 425، والبحر الرائق ج 1 ص 275 عن شرح المهذب. (2) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 307. (3) الانتصار للسيد المرتضى ص 39. (*)

[ 279 ]

الشوكاني إلى " العترة " (1) وقال: نسبه المهدي في البحر إلى أحد قولي الشافعي " (2). قال الشوكاني: " وهو خلاف ما في كتب الشافعية " (3). ولمجمتدل شيعة أهل البيت على أن كلمة: حي على خير العمل، ثابتة في الأذان بالاجماع، وبالروايات الكثيرة والمتواترة عن أهل بيت النبوة " عليهم السلام " في ذلك، كرواية أبي الربيع، وزرارة، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مهران عن أبي جعفر (ع). ورواية فقه الرضا عن الرضا (ع). ورواية ابن سنان، ومعتى بن خنيس، وأبي بكر الحضرمي، وكليب الأسدي عن أبي عبد الله (ع). ورواية أبي بصير عن أحدهما. ورواية محمد ابن أبي عمير عن أبي الحسن. ورواية علي، ومحمد بن الحنفية عن النبي (ص). ورواية عكرمة عن ابن عباس (4). ونحن إزاء هذا الاختلاف، لا نجد مناصأ من الأخذ بمذهب أهل البيت (ع) وشيعتهم، ولا نستند في ذلك فقط إلى الاجماع المذكور، ولا إلى خصوص ما ورد عن أهل البيت الذين هم أحد الثقلين، والذين أذهب


(1) نيل الأوطار ج 2 ص 18. (2) نيل الأوطار ج 2 ص 18 / 19، والبحر الزخار ج 2 ص 191 وفيه: أخير بدل أحد، وكذا في الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 307 و 308. (3) نيل الأوطار ج 2 ص 19. لم 4) راجع الوسائل وجامع أحاديث الشيعة والبحار، ومستدرك الوسائل أبواب الأذان. (*)

[ 280 ]

الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا. وإنما إلى العديد من الأدلة والشواهد الأخرى التي نجدها عند غيرهم أيضا. فقد روي ذلك - وبعضه بالأسانيد الصحيحة - عن كل من: 1 - عبد الله بن عمر. 2 - الامام علي بن الحسين، زين العابدين " عليه السلام ". 3 - سهل بن حنيف. 4 - بلال. 5 - علي أمير المؤمنين " عليه السلام ". 6 - أبي محذورة. 7 - ابن أبي محذورة. 8 - زيد بن أرقم. 9 - الباقر " عليه السلام ". 10 - الصادق " عليه السلام ". 11 - الامام الحسن بن علي " عليه السلام ". 12 - الامام الحسين " عليه السلام ". وغيرهم كثير. فأما ما روي عن عبد الله بن عمر، فقد رواه: 1 - مالك بن أنس، عن نافع، قال: كان ابن عمر أحيانا إذا قال: حي على الفلاح، قال على إثرها: حى على خير العمل (1). 2 - عن الليث بن سعد، عن نافع قال: كان ابن عمر لا يؤذن في


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 424، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 297 و 308 و 312. (*)

[ 281 ]

سفره، وكان يقول: حي على الفلاح، وأحيانا يقول: حي على خير العمل (1). 3 - وعن الليث بن سعد عن نافع، قال: كان ابن عمر ربما زاد في أذانه: حي على خير العمل. ورواه أنس بن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (2). ورواه أيضا: عطاء، عن ابن عمر (3). 4 - عن محمد بن سيرين عن ابن عمر: أنه كان يقول ذلك في أذانه (4). 5 - وكذلك رواه نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر، وقال: في السفر (5). 6 - عبد الرزاق، عن ابن جريح، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقيم الصلاة في السفر، يقولها مرتين أو ثلاثا، يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على خير العمل (6).


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 424، وراجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19. (2) راجع: سنن البيهقي ج 1 ص 424، وراجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي للعرفي ص 38 عن شرح التجريد. وقد رواه ابن ابي شببة ونقله في الشفاء كما ورد في جواهر الأخبار والأثار المستخرجة من لجة البحر الزخار للصعدي ج 2 ص 192، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 308. (3) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 299 وراجع ص 310. (4) سنن البيهقي ج 1 ص 425، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 308 عنه. (5) المصدران السابقان. (6) مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 464. (*)

[ 282 ]

7 - عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل: أن ابن عمر كان إذا قال في الأذان: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ثم يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (1). ورواه ابن أبي شيبة (2) من طريق ابن عجلان، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. 8 - عن زيد بن محمد، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا أذن قال: حي على خير العمل (3). وذكر صاحب الاعتصام رواية ابن عون عن نافع، وابن جريج عن نافع، وعثمان بن مقسم عن نافع، و عبد الله بن عمر عن نافع، وجويرية بن أسماء عن نافع (4) فراجع. ونقل رواية ذلك عن ابن عمر الحلبي الشافعي وغيره أيضا، فرا جع (5). وقال ابن حزم: او لقد كان يلزم يقول بمثل هذا عن الصاحب، مثل هذا لا يقال بالرأي: أن يأخذ بقول ابن عمر هذا، فهو عنه ثابت بأصح إسناد " (6).


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 465، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 299. (2) عن مصنف ابن أبي شيبة ج 1 ص 145، وهامش مصنف عبد الرزاق ج 1 ص 460 عنه، وراجع: الاعتصام بحبل الملة المتين ج 1 ص 296. (3) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 295. (4) الاعتصام ج 1 ص 296 - 299. (5) السيرة الحلبية ج 2 ص 98، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 311 و 312 عن ابن حزم في كتاب الاجماع. (6) المحلى ج 3 ص 160 / 161. (*)

[ 283 ]

وأما ما ورد عن علي بن الحسين " عليه السلام ". 9 - فعن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن الحسين كان يقول في أذانه، إذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول: هو الأذان الأول (1). وليس يجوز أن يحمل قوله هو الأذان الأول إلا على أنه أذان رسول الله (ص) (2). 10 - ونقل ذلك عن علي بن الحسين، الحلبي، وابن حزم وغيرهما كما سيأتي. وأما سهل بن حنيف فقد: 11 - روى البيهقي: أن ذكر حي على خير العمل في الاذان قد روي عن أبي أمامة: سهل بن حنيف (3). 12 - ونقل ابن الوزير، عن المحب الطبري الشافعي في كتابه إحكام الأحكام، ما لفظه " ذكر الحيعلة، بحي على خير العمل، عن صدقة بن يسار، عن أبي أمامة سهل بن حنيف: أنه كان إذا أذن قال: حي على خير العمل. أخرجه سعيد بن منصور " (4).


(1) سنن البيهقي ج 1 ص 425، ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 1 عن مبادئ الفقه الاسلامي ص 38 عن مصنف ابن أبي شيبة، وجواهر الأخبار والآثار ج 2 ص 192، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 299 و 308 و 310، ونيل الأوطار ج 2 ص 19، وراجع: كتاب العلوم ج 1 ص 92. (2) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي ص 38. (3) سنن البيهقي ج 1 ص 425. (4) دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي ص 38. وراجع: الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 309، وراجع: ص 311. (*)

[ 284 ]

وعن بلال أيضا: 13 - عن عبد الله بن محمد بن عمار، عن عمار وعمر ابني حفص بن عمر، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال: أنه كان ينادي بالصبح، ويقول: حي على خير العمل، فأمره النبي (ص) أن يجعل مكانها: الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل (1). أما ذيل الرواية فالظاهر أنه من تزيد الرواة، لأن عبارة: الصلاة خير من النوم " قد أضيفت إلى الأذان بعد زمان النبي (ص)، وبالذات من قبل عمر بن الخطاب، كما صرحت به العديد من الروايات (2). 14 - كان بلال يؤذن بالصبح، فيقول: حي على خير العمل (3). يضاف إلى كل ذلك: 15 - قول القرشجي وغيره: إن عمر خطب الناس، وقال: أيها الناس، ثلاث كن على عهد رسول الله (ص)، أنا أنهى عنهن، وأحرمهن، وأعاقب عليهن، وهي: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير


(1) مجمع الزوائد ج 1 ص 330 عن الطبراني في الكبير، ومصنف عبد الرزاق ج 1 ص 460، وسنن البيهقي ج 1 ص 425، وكنز العمال ج 4 رقم 5504، ومنتخب الكنز هامش المسند ج 3 ص 276 عن أبي الشيخ في كتاب الأذان، ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 99. (2) راجع: موطأ مالك ج 1 ص 93، رسنن الدارتطني، ومصنف عبد الرزاق ج 1 رقم 1827 و 1829 و 1832 ص 474 و 475، وكنز العمال ج 4 رقم 5567 و 5568، ومنتخبه هامش المسند ج 3 ص 278، وفيه: أنه قال إنها بدعة، والترمذي وأبا داود، وغير ذلك. (3) منتخب كنز العمال هامش المسند ج 3 ص 276، ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 99 عن كنز العمال ج 4 ص 266. (*)

[ 285 ]

العمل (1). وقد اعتذر القوشجي متكلم الأشاعرة عن ذلك بقوله: " إن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع " (2). وهذا اعتذار غير وجيه، فإن النبي (ص) لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، كما صرحت به الآيات. ووجه العذر الحق عنه هو: أن الخليفة الثاني قد رأى - في نظره -: أن الناس إذا سمعوا: أن الصلاة هي في العمل، فإنهم سوف يتكلون على الصلاة ويتركون الجهاد، كما سيصرح به الخليفة نفسه فيما يأتي. ومعنى ذلك هوأن هذا كان منه نهيا مصلحيا وقتيا، ولم يكن نهيا تشريعيا تحريميا، حيث إنه كان يعلم: أنه ليس له حق التشريع. 16 - وقال الحلبي: " ونقل عن ابن عمر، وعن علي بن الحسين (رض): أنهما كانا يقولان في أذانيهما، بعد حي على الفلاح: حي على خير العمل " (3). 17 - وقال علاء الدين الحنفي، في كتاب التلويح في شرح الجامع الصحيح: " وأما حي على خير العمل، فذكر ابن حزم: أنه صح عن ابن عمر، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف (4): أنهم كانوا يقولون في أذانهم:


(1) شرح التجريد للقوشجي مبحث الامامة ص 484، وكنز العرفان ج 2 ص 158 عن الطبري في المستنير، والغدير ج 6 ص 213 وقال: أخرجه الطبري في المستبين عن عمر، وحكاه عن الطبري الشيخ علي البياضي في كتابه: الصراط المستقيم وجواهر الأخبار والآثار ج 2 ص 192 عن التفتازاني في حاشيته على ثرح العضد. (2) شرح التجريد للقرشجي ص 484. (3) السيرة الحلبية ط سنة 1 382، باب الأذان ج 2 ص 98. (4) كذا في الأصل والصحيح: أبو أمامة، سهل بن حنيف. (*)

[ 286 ]

حي على خير العمل " (1). وأضاف صاحب التلويح على هذا قوله: " وكان علي بن الحسين يفعله " (2) 18 - وقال السيد المرتضى: " وقد روت العامة: أن ذلك مما كان يقال في بعض أيام النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإنما ادعي: أن ذلك نسخ ورفع، وعلى من ادعى النسخ الدلالة، وما يجدها " (3). 19 - عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن حماد، عن أبيه، عن جده، عن النبي (ص) في حديث المعراج، قال: ثم قام جبرئيل فوضع سبابته اليمنى في أذنه، فأذن مثنى مثنى يقول في آخرها: حي على خير العمل، مثنى مثنى (4). 20 - وكان ابن النباح يقول في أذانه: حي على خير العمل (5). وقال القاسم بن محمد: " ذكر في كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل، لأنه اتفق على الأذان به يوم الخندق، ولأنه دعاء إلى الصلاة، وقد قال (ص): خير أعمالكم الصلاة. وقد اتفق أيضا على أن ابن عمر والحسن والحسين " عليهما السلام " وبلال، وجماعة من الصحابة، أذنوا به " حكاه في شرح الموطأ وغيره من كتبهم.


(1) المحلى ج 3 ص 160، وراجع: دلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي للعرفي ص 38، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 311. (2) دلاثل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي للعرفي ص 38 والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 311. (3) الانتصار ص 39. (4) سعد السعود ص 100، والبحار ج 4 ص 107، وجامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 221. (5) راجع: الوسائل، وجامع أحاديث الشيعة، وقاموس الرجال. (*)

[ 287 ]

قال صاحب فتوح مكة وهو من مشايخ الصوفية: " أجمع أهل المذاهب على التعصب في ترك الأذان بحي على خير العمل. إنتهى إلى قوله: وقد ذكر السيد العلامة عز الدين أبو إبراهيم، محمد بن إبراهيم ما لفظه: " بحثت عن هذين الاسنادين في حي على خير العمل، فوجدتهما صحيحين إلى ابن عمر، وإلى زين العابدين " (1). وروى الامام السروجي في شرح الهداية للحنفية ؟ أحاديث حي على خير العمل بطرق كثيرة (2). 21 - روي عن علي " عليه السلام "، أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إعلموا: أن خير أعمالكم الصلاة، وأمر بلالا أن يؤذن: حي على خير العمل. حكاه في الشفاء (3) 22 - روى محمد بن منصور في كتابه الجامع، بإسناده عن رجال مرضيين، عن أبي محذورة، أحد مؤذني رسول الله (ص)، أنه قال: أمرني رسول الله (ص) أن أقول في الأذان: حي على خير العمل (4). 23 - روى عن محمد بن منصور: أن أ " أبا " القاسم (ع) أمره أن يؤذن، ويذكر ذلك (يعني: حي على خير العمل) في أذانه قال: إن رسول الله (ص) أمر به. هكذا في الشفاء (5).


(1) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 310، وراجع ص 312. (2) المصدر السابق ج 1 ص 311. (3) جواهر الأخبار والآثار المستخرجة من لجة البحر الزخار ج 2 ص 191، و الامام الصادق (ع) والمذاهب الاربعة ج 5 ص 284، والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 309. (4) البحر الزخار ج 2 ص 192، وجواهر الأخبار والآثار هامش نفس الصفحة، وكتاب العلوم ج 1 ص 92. (5) جواهر الأخبار والآثار ج 2 ص 191. (*)

[ 288 ]

24 - عن أبي بكر أحمد بن محمد السري: أنه سمع موسى بن هارون، عن الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي محذورة، قال: كنت غلاما، فقال لي النبي (ص): اجعل في آخر أذانك: حي على خير العمل (1). 25 - وفي الشفاء، عن هذيل بن بلال المدائني، قال: سمعت ابن أبي محذورة يقول: حي على الفلاح، حي على خير العمل (2). 26 - عن زيد بن أرقم: أنه أذن في حي على خير العمل (3). 27 - وقال الشوكاني نقلا عن كتاب الأحكام: وقد صح لنا: أن حي على خير العمل كانت على عهد رسول الله (ص) يؤذن بها، ولم تطرح إلا في زمن عمر (4). 28 - وهكذا قال الحسن بن يحمى. روى ذلك عنه في جامع آل محمد (5). وبه قال محمد: سألت أحمد بن عيسى، قلت: تقول إذا أذنت: حي على خير العمل، حي على خير العمل ؟ ! قال: نعم. قلت: في الأذان والاقامة ؟ قال: نعم، ولكني أخفيها.


(1) ميزان الاعتدال للذهبي ج 1 ص 139، ولسان الميزان للعسقلاني ج 1 ص 268. (2) المصدران السابقان ص 192، وجواهر الأخبار والبحر الزخار. (3) الامام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة ج 5 ص 283. وراجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19 عن المحب الطبري في أحكامه. (4) و (5) نيل الأوطار ج 2 ص 19. (*)

[ 289 ]

وبه قال: حدثني محمد بن جميل، عن نصر بن مزاحم، عن أبي الجارود، وعن أبي جعفر: أنه كان يقول: حي على خير العمل، في الأذان والاقامة. وعن أبي الجارود، عن حسان، قال: أذنت ليحيى بن زيد بخراسان، فأمرني أن أقول: حي على خير العمل، حي على خير العمل (1). 29 - روينا عن علي بن الحسين " عليه السلام ": أن رسول الله (ص) كان إذا سمع المؤذن قال كما يقول، فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله إلخ (2). 30 - عن محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (ع): أنه كان إذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل (3). 31 - قال الزركشي في البحر المحيط: ومنها ما الخلاف فيه موجود، كوجوده في غيرها، وكان ابن عمر، وهو عميد أهل المدينة، يرى إفراد الأذان والقول فيه: حي على خير العمل (4). 32 - وفي كتاب السنام ما لفظه: الصحيح أن الأذان شرع بحي على خير العمل (5). 33 - وروي عن علي " عليه السلام "، أنه كان يقول: حي على خير


(1) كتاب العلوم المعروف بأمالي أحمد بن عيسى ج 1 ص 92. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 145، والبحار ج 84 ص 179 عنه. (3) جواهر الأخبار والآثار للصعدي ج 2 ص 192. (4) الروض النضير ج 1 ص 542. والاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 357. (5) نفس المصدر. (*)

[ 290 ]

العمل، وبه أخذت الشيعة (1). 34 - وفي الروض النضير: وقد قال. كثير من علماء المالكية، وغيرهم من الحنفية والشافعية: أنه كان " حي على خير العمل " من ألفاظ الأذان (2). اشكالات غير واردة: 1 - وأما دعوى: أن عدم ورود ذلك في الصحيحين وغيرهما من دواوين الحديث يدل على عدم اعتباره في الأذان، وحتى لو صح ما روي من أنه الأذان الأول، فهو منسوخ باحاديث الأذان لعدم ذكره منها (3). فلا تصح: أولا: لأن الصحيحين لم يجمعا جميع الأحاديث التي تدل على الأحكام. وثانيا: لو كان منسوخا لعلم بذلك ابن عمر، وزين العابدين، وزيد بن أرقم، وغيرهم، فلماذا استمروا على ذلك حتى بعد وفاة رسول الله (ص) ؟. وثالثا: قد صرحت بعض الروايات التي ذكرناها في هذا البحث، أن أول من ألغى هذه العبارة من الأذان هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لمصلحة تخيل أنها تقتضي ذلك. فبعد إنتفاء تلك المصلحة - لو سلم صحة الاستناد إليها والاعتماد عليها - لا يبقى مبرر للاستمرار على ترك ما شرعه رسول الله (ص) قبل ذلك.


(1) الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 308. (2) الروض النضير ج 1 ص 542. (3) راجع: نيل الأوطار ج 2 ص 19. (*)

[ 291 ]

ولعل التزام عدد من الصحابة والتابعين وغيرهم وأهل البيت وشيعتهم بهذه الفقرة، يشير إلى أنهم لم يوافقوا عمر على ما ذهب إليه من الاجتهاد ولم يقبلوه منه. 2 - وبعد هذا، فلا يصح قول البعض: إن ذلك مكروه، لأنه لم يثبت عن النبي (1). فقد عرفت أنه قد وردت الروايات الصحيحة عمن ذكرنا، أنهم كانوا يقولونها، وأنه مذهب أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، الذين هم أحد الثقلين. وقد بقي قول حي على خير العمل شعار العلويين، وأهل البيت وشيعتهم على مدى الاعصار، حتى إن ابتداء ثورة الحسين بن علي صاحب فخ، كان لأجل ذلك، ولتلاحظ النصوص التالية: حي على خير العمل موقف وشعار: ألف: " صد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي " صلى الله عليه وآله "، عند موضع الجنائز، فقال للمؤذن: أذن بحي على خير العمل، فلما نظر إلى السيف بيده أذن بها، وسمع العمري (يعني والي المدينة من قبل المنصور) فأحس بالشر، ودهش، وصاح: اغلقوا البغلة - الباب - وأطعموفي حبتي - ماء " (2). ب: وذكر التنوخي: أن أبا الفرج أخبره: أنه سمعهم في زمانه يقولون في أذانهم بالقطيعة: حي على خير العمل (3). ج: وقال ابن كثير في حوادث سنة 443 عن الروافض: (وأذنوا


(1) البحر الرائق ج 1 ص 275 عن شرح المهذب، وسنن البيهقي ج 1 ص 425. (2) مقاتل الطالبين ص 446. (3) نشوار المحاضرات ج 2 ص 133. (*)

[ 292 ]

بحي على خير العمل " (1). د: وقال الحلبي: " وذكر بعضهم: أن في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول، بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، فلما كانت السلجوقية، منعوا المؤذنين من ذلك، وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك: الصلاة خير من النوم، مرتين. وذلك في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة " (2). ه‍: وتحدث ابن فرحون: أنه كان ثمة مقصورة قد زيدت على الحجرة النبوية الشريفة، عملت وقاية من الشمس إذا غربت قال: " وكانت بدعة وضلالة تصلي فيها الشيعة " إلى أن قال: " ولقد كنت أسمع بعض من يقف على بابها، ويؤذن بأعلى صوته: " حي على خير العمل، وكانت مواطن تدريسهم، وخلوة علمائهم، حتى قيض الله لها من سعى فيها، فأصبحت ليلة منخلعة أبوابها إلخ " (3). - وقال ابن قاسم النويري الاسكندراني: " فحين وصل المعز إلى مصر، أمر بأن يؤذن على جامع عمرو بن العاص، وجامع ابن طولون بحي على خير العمل، فاستدام ذلك في الأذان، إلى حين انقضاء دولة العبيديين في سنة سبع وستين وخمسمائة، فانقرض حينئذ ذكر حي على خير العمل بانقراض دولتهم. أبطل ذلك السلطان صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب " (4).


(1) راجع: البداية والنهاية ج 12 ص 63. (2) السيرة الحلبية ط سنة 1382 باب الأذان ج 2 ص 105، وراجع: البداية والنهاية ج 12 ص 68، حوادث سنة 448 ه‍. (3) وفاء الوفاء ج 2 ص 612. (4) الالمام بالاعلام فيما جرت به الأحكام ج 4 ص 24 وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي حوادث سنة 381 ه‍. ص 32، وتاريخ الخلفاء ص 402. (*)

[ 293 ]

و: وفي سنة 350 ه‍ أعلن المؤذنون بحي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز (1)، وفي نفس السنة أيضا قدم البساسيري إلى بغداد، وزيد في الأذان حي على خير العمل (2). ز: وقال: " إن العبيديين الزاعمين أنهم فاطميون، كانوا شيعة، يقولون في أذانهم بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، يقولونها مرتين كما تقولها الزيدية في أذانهم بمكة والمدينة في غير أيام الحج، وكذلك بصعدة أيضا وغيرها من أرض اليمن " (3). ح: وقال ابن كثير، وهو يتحدث عن شروط الشيعة على والي حلب لاعانتهم إياه على صلاح الدين: " إن الروافض شرطوا عليه إعادة حي على خير العمل في الأذان، وأن ينادى في جميع الجوامع والأسواق، ويستخلص لهم الجامع وحدهم، وبنادى بأسامي الأئمة الاثنى عشرسلام الله عليهم، ويكتر على الجنائز خمس تكبيرات، وأن يفؤض أمر العقود والأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة إبن زهرة الحسيني، مقتدى شيعة حلب، فقبل الوالي ذلك كله " (4). سبب حذف هذه العبارة: وأما لماذا حذفت هذه العبارة من الأذان ؟ ! فقد صرح الخليفة الثاني نفسه بسر ذلك، فقد قال ابن شاذان، مخاطبا أهل السنة والجماعة: 35 - " ورويتم عن أبي يوسف القاضي، رواه محمد بن الحسن،


(1) تاريخ الأسلام حوادث سنة 350 ص 48، والبداية والنهاية ج 11 ص 270 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 408 ومآثر الانافة ج 1 ص 307. (2) تاريخ الخلفاء ص 418. (3) الالمام ج 4 ص 32، وليراجع ص 40 و 41 منه. الكنى والألقاب ج 2 ص 189 والبداية والنهاية ج 2 ص 289. (*)

[ 294 ]

وأصحابه، وعن أبي حنيفة، قالوا: كان الأذان على عهد رسول الله (ص)، وعلى عهد أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر ينادى فيه: حي على خير العمل. فقال عمر بن الخطاب: إني أخاف أن يتكل الناس على الصلاة، إذا قيل: حي على خير العمل، ويدعوا الجهاد، فأمر أن يطرح من الأذان: حي على خير العمل " (1). 36 و 37 و 38 - وروي مثل ذلك عن أبي عبد الله الصادق، وأبي جعفر الباقر، وابن عباس (2). كلمة حول هذا الرأي: ونحن وإن كنا نرى: أن أمر الجهاد في زمن الرسول (ص) كان أعظم وأشد، والناس إليه أحوج منهم على عهد عمر، ولم يحذف النبي (ص) هذه العبارة من الأذان مما يعني: أننا نستطيع أن نجزم بأن اجتهاد الخليفة الثاني لم يكن على درجة مقبولة من القوة والكفاية. حيث لم تلحظ فيه جميع جوانب وخلفيات هذه القضية بالشكل الكافي والمقبول. إلا أن تعليل عمر الآنف الذكر، يدل على أن ترك هذه الفقرة من


(1) الايضاح لابن شاذان ص 201 / 202، وراجع: الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 296 و 299 و 304 و 305 و 306 و 307، وكتاب العلوم ج 1 ص 92. (2) راجع: دعائم الأسلام ج 1 ص 142، والبحار ج 84 ص 156 و 130، وعلل الشرايع ج 2 ص 56، والبحر الزخار، وجواهر الأخبار والآثار بهامشه كلاهما ج 2 ص 192، ودلائل الصدق ج 3 قسم 2 ص 100 عن مبادئ الفقه الاسلامي لمحمد سعيد العرفي ص 38 عن سعد الدين التفتازاني في حاشيته على ضرح العضد، على مختصر الأصول لابن الحاجب، وسيرة المصطفى للسيد هاشم معروف الحسني ص 274 عن: الروض النضير ج 2 ص 42، ونقله في الاعتصام بحبل الله المتين ج 1 ص 310 عن التفتازاني في حاشيته على شرح العضد أيضا. (*)

[ 295 ]

الأذان إنما كان لأسباب وقتية وآنية إقتضت ذلك بنظره. وربما لم يكن يفكر في استبعاد هذه الفقرة من الأذان إلى الأبد، وإنما فقط إلى فترة محدودة، رآها تتطلب هذا الاجراء. وإذا كان ذلك هو ما حدث بالفعل، فإننا لا نستطيع أن نفهم المبرر للاستمرار على ترك هذه الفقرة في هذا الزمان الذي لم يعد فيه ذلك المبرر قائما. ولماذا لا نعود جميعا إلى سنة الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأهل بيته الطاهرين ؟ !. وحتى لو كان عمر قد أراد - كما فعله في موارد مشابهة - أن يستبعد ذلك من الأذان مطلقا وأن يسقطه من التشريع الاسلامي، فإن المعيار هو قول الله ورسوله لا قول عمر. وذلك أمر واضح ولا يحتاج إلى مزيد بيان. الزيادة في الصلاة: وقد ورد في بعض الروايات المعتبرة (1): أن الصلاة كانت في أول الأمر ركعتين ركعتين، فرضها الله تعالى على العباد مباشرة، وفوض لرسوله زيادة معينة يزيدها عليها في الوقت المناسب، من دون حاجة إلى وحي جديد، فزاد (ص) في المغرب ركعة واحدة، وفي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين. وقيل: إن هذه الزيادة كانت في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: بعد ولادة الحسنين " عليهما السلام ". وقد يقال: أن الأول هو الأصح، لورود ذلك في حديث تحويل


(1) الوسائل ج 3 في أبواب أعداد الفرائض ونوافلها. باب عدد الفرائض اليومية، وجملة من أحكامها. (*)

[ 296 ]

القبلة - الذي سيأتي الكلام فيه هو وفرض الزكاة بعد بدر - وذلك كان قبل ولادتهما " عليهما السلام ". إلا أن يقال: إن هذه الرواية موضع شك، فقد تعودنا من هؤلاء الناس التلاعب في النصوص والأثار إذا كانت تثبت فضلا وكرامة لعلي (ع) وأهل بيته. وعلى كل حال، فإن هذه الزيادة غير مستهجنة، فإن تشريع الأحكام كان تدريجيا، وعلى الأخص تلك الأحكام التي ربما يصعب الالتزام بها على العربي، لمخالفتها لما اعتاد عليه، وركن وسكن إليه. قول آخر في فرض الصلاة: وبعد ما تقدم، فهناك روايات يظهر منها: أن الصلاة قد فرضت تامة من أول الأمر، أو على الأقل كانت تامة في مكة فقد قالوا: 1 - كان أول صلاة صلاها رسول الله (ص) الظهر، فأتاه جبرئيل فقال: إنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون (1). قال: فقام جبرئيل بين يدي رسول الله (ص)، والنبي (ص) خلفه، ثم الناس خلف رسول الله، والنساء خلف الرجال، قال: فصلى بهم الظهر أربعا، حتى إذا كان العصر، قام جبرئيل ففعل مثلها. ثم تذكر الرواية صلاة المغرب ثلاثا والعشاء أربعا (2). وواضح: أن سورة الصافات مكية، فالرواية تدل على أن الصلاة فرضت تماما في مكة.


(1) سورة الصافات: 165. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 1 ص 453، وسنن البيهقي ج 1 ص 262، وعن أبي داود في مراسيله، والدر المنثور ج 5 ص 293. (*)

[ 297 ]

2 - وعن نافع بن جبير، وغيره: لما أصبح رسول الله (ص) ليلة أسرى به فيها، لم يرعه إلا جبرئيل يتدلى حين زاغت الشمس. ثم تذكر الرواية أنه صلى بهم الظهر أربعا، والعصر كذلك إلخ (1). 3 - وعن الحسن البصري: إن صلاة الحضر أول ما فرضت فرضت أربعا (2). ولكننا لا نستطيع قبول ذلك، لوجود الروايات الثابتة والصحيحة عند الشيعة، وعند غيرهم، الدالة على أن صلاة الحضر قد فرضت أولا ركعتين، ثم زيد فيها. إلا أن يكون المراد: أن الصلاة أبلغت إلى النبي (ص) أولا كاملة، ولكن المصلحة كانت تلزم أولا بركعتين، ثم صارت تلزم بالكل، وفوض إلى النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " أمر تبليغ ذلك في الوقت المناسب. ولذلك فقد اعتبرت اليركعتان الأوليان فريضة، أي ما فرض من الله مباشرة على العبد، والباقي سنة، وهوما أبلغ حكمه للنبي (ص) ليبلغه في صورة تحقق موضوعه، وهو المصلحة المقتضية له. فرض الزكاة: ويقولون: إن فرض زكاة الأموال كان بعد بدر في السنة الثانية، وذلك بعد فرض زكاة الفطر. وقيل: بل فرضت الزكاة في السنة الثالثه. وقيل: في الرابعة (3).


(1) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 1 ص 455، وفي هامشه عن أبي داود. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 331، وتفسير الطبري في سورة النساء الآية 101. (3) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 407، والسيرة الحلبية ج 1 ص 339، وغير ذلك. (*)

[ 298 ]

ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه البعض (ا) من أن فرض الزكاة كان في مكة. وذلك بدليل: 1 - أن عدة آيات قرآنية نزلت في مكة تأمر بإيتاء الزكاة، ونذكر من ذلك: قوله تعالى: " فسكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة " وهي في سورة مكية (2). وقوله: " والذين هم للزكاة فاعلون " وهي مكية (3). وقوله تعالى: " الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة " وهى مكية (4). وقوله تعالى: " الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون " وهي مكية أيضا (5). ولتراجع سورة الروم المكية الآية 39. ثم إن الله تعالى قال: عن إسحاق، ويعقوب، ولوط، وإبراهيم (ع): " وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " (6). وقد حكى الله سبحانه على لسان عيسى قوله: " وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ".


(1) وفاء الوفاء ج 1 ص 277. (2) الاعراف: 156. (3) المؤمنون: 4. (4) النحل: 3، وسورة لقمان: 4. (5) فصلت: 7 (6) الأنبياء: 73. (*)

[ 299 ]

وقال تعالى عن إسماعيل:. " وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة " (1). وكل ما تقدم إنما ورد في سور مكية. وفي الآيات الأخيرة دلالة على تشريع الزكاة في الأمم السالفة أيضا. وقد علمنا: أنها لم تنسخ. 2 - وروي عن أبي طالب: أنه حدث عن النبي (ص): إن ربه أرسله بصلة الأرحام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة (2). 3 - عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: لما بعث النبي (ص) أتيته لأبايعه فقال: لأى شئ جئت يا جرير ؟ قلت: جئت لأسلام على يديك، فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإني رسول، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة (3). 4 - وقد روى الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن محمد بن مسلم، وأبي بصير، وبريد، وفضيل، كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله " عليهما السلام "، قال: فرض الله الزكاة مع الصلاة (4). وسند هذه الرواية جيد، كما ترى. 5 - ويؤيد ذلك أيضا: أن جعفر بن أبي طالب قد ذكر الزكاة لملك الحبشة، على أنها مما أمرهم الله به (5).


(1) هذه الآية والتي سبقتها في سورة مريم: 31 و 55. (2) الاصابة ج 4 ص 119، والبحار ج 35 ص 151، والطرائف ص 304، والغدير ج 7 ص 368 عن نهاية الطلب للشيخ إبراهيم الحنبلي. (3) تدريب الراوي ج 2 ص 212 عن الطبراني في الأوسط، وذكر الشطر الأول من الحديث في الاصابة ج 1 ص 232. (4) الوسائل ج 4 ص 5، وفروع الكافي ج 3 ص 498. (5) الثقات لابن حبان ج 1 ص 65، وحلية الأولياء ج 1 ص 114 / 116 عن ابن = (*)

[ 300 ]

رواية تعارض ما سبق: ولكن ربما ينافي ما قدمناه، ما جاء في رواية صحيحة السند: أنه لما أنزلت آية الزكاة، التي في سورة التوبة، وهي مدنية، ومن أواخر ما نزل، أمر " صلى الله عليه وآله " مناديه في الناس: إن الله فرض عليكم الزكاة. وبعد أن حال الحول أمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون، زكوا أموالكم تقبل صلاتكم، قال: ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق (1). ولكن هناك عشرات الآيات التي نزلت قبل سورة التوبة، والتي ربما تصل إلى ثلاثين آية، كلها تدل على فرض الزكاة. وحملها كلها على الاستحباب، أو على خصوص زكاة الفطرة بعيد جدا. فلابد من حمل هذه الرواية على أن الزكاة، وإن كانت قد شرعت قبل هذا الوقت، إلا أن النبي (ص) لم يضع الجباة لها إلا بعد نزول هذه الآية. ويمكن أن يكون إيجابها قد حصل في مكة، ولكن فرض أخذها، والالزام بدفعها قد كان في المدينة. فرض زكاة الفطرة: وإذا كانت زكاة الفطرة فرضت قبل زكاة الأموال، فتكون هي أيضا قد فرضت في مكة، ويدل على ذلك بالاضافة إلى ما تقدم.


= إسحاق، البداية والنهاية ج 3 ص 70 و 74 و 69، وتاريخ الخميس ج 1 ص 290، وسنن البيهقي ج 9 ص 144، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 360، ومجمج الزوائد ج 6 ص 27 و 24 عن الطبراني وأحمد، ورجاله رجال الصحيح، وحياة الصحابة ج 1 ص 354 و 357، عن بعض من تقدم، وعن فتح الباري ج 7 ص 30 وحسن اسناده. (1) راجع: الكافي ج 3 ص 497، وتفسير البرهان ج 2 ص 156. (*)

[ 301 ]

ما ورد في سفر السعادة من أنه (ص) كان يرسل مناديا ينادي في الأسواق، والمحلات، والأزقة في مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة (1). وإن كنا نستبعد ذلك، بسبب حساسية الوضع فيما بين المسلمين وا لمشركين آنئذ. فرض الصيام: ويقولون: إن صيام شهر رمضان المبارك قد فرض في المدينة في السنة الثانية (2)، حين نزول قوله تعالى: " كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم.. إلى قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناص وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (3). وكان الناس قبل فرض صوم شهر رمضان يصومون أياما، كما ذكره القمي (4). وذكر الحلبي: أنه (ص) كان قبل فرض شهر رمضان يصوم هو وأصحابه ثلاثة أيام، وهي الأيام البيض من كل شهر (5). ومما يدل على فرض الصيام في مكة، كلام جعفر بن أبي طالب رحمة الله المتقدم مع ملك الحبشة، وفيه: أن النبي " صلى الله عليه وآله " أمرهم بالصلاة والزكاة، والصيام.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 136. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 254. (3) البقرة: 183 - 185. (4) تفسير القمي ج 1 ص 65. (5) فجر الاسلام ص 76. (*)

[ 302 ]

مناقشة وردها: لكن البعض قد سجل تحفظا هنا، فقال: إنه يغلب على ظنه أن تكون قصة جعفر، وملك الحبشة موضوعة، بدليل ذكر الصيام فيها، وهو لم يشرع إلا بعد الهجرة إلى الحبشة (1). ولكن هذا التحفظ لا اعتبار به، إذ لماذا لا يكون نفس كلام جعفر هذا دليلا على تشريع الصيام في مكة ؟ !. يضاف إليه قول القمي، والحلبي المتقدمين: إلا أن يكون مراده بتحفظه المسخل خصوص صيام شهر رمضان، فلا مجال حينئذ للاعتراض عليه بكلام الحلبي والقمي رحمه الله. لكن مما يدل على أن شهر رمضان قد فرض في مكة: أنه لما أسلم عمرو بن مرة الجهني، وأرسله (مر) إلى قومه، قال لهم: " إني رسول من رسول الله إليكم: أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم من النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة " وكان ذلك في أول بعثة النبي اصلى الله عليه وآله " (2). هذا، ولابد من الاشارة هنا إلى أن الصوم كان مشرعا في الأمم السالفة، فقد قال تعالى: " كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 132 و 136، تفسير ابن كثير ج 1 ص 213 وراجع ص 214. (2) البداية والنهاية ج 2 ص 252 عن أبي نعيم، ومجمع الزوائد ج 8 ص 244 عن الطبراني، وحياة الصحابة ج 1 ص 191 عنهما، وعن كنز العمال ج 7 ص 64 عن الروياني، وابن عساكر. (*)

[ 303 ]

قبلكم،... أيمامما معدودات " والمراد بالأيام المعدودات هو شهر رمضان المبارك، كما فسرتها الآية نفسها. صيام يوم عاشوراء: ويذكرون هنا أيضا: أن الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما قدم المدينة، وجد يهود المدينة يصومون يوم عاشوراء، وهو العاشر من المحرم (1)، فسألهم عن ذلك، فقالوا - على ما في الصحيحين - وغيرهما: " هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه. فقال (ص): فأنا أولى بموسى، وأحق بصيامه منكم، فصامه رسول الله (ص)، أمر بصيامه " (2). وكان ذلك قبل أن يفرض صوم شهر رمضان. وفي الصحيحين وغيرهما أيضا، عن عائشة، وغيرها: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله (ص) يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: " من شاء صامه، ومن شاء تركه " (3).


(1) أسد الغابة ج 5 ص 507. (2) المصنف ج 4 ص 289 و 290، البخاري ط الميمنية ج 1 ص 244، وصحيح مسلم ط صبيح بمصر ج 3 ص 150، والسيرة الحلبية ج 2 ص 132 و 133، وتاريخ الخميس ج 1 ص 360، والبداية والنهاية ج 1 ص 274 ج 3 ص 355، وراجع: قفسير ابن كثير ج 1 في آيات صيام شهر رمضان في سورة البقرة، ومشكل الآثار ج 3 ص 85 - 90، وزاد المعاد ج 1 ص 164 و 165. (3) المصادر المتقدمة، والموطأ ج 1 ص 279، والبخاري ط مشكول ج 5 ص 51، ومشكل الآثار ج 3 ص 86 و 87، وزاد المعاد ج 1 ص 14 و 165. (*)

[ 304 ]

ويذكر مسلم وغيره: أن صيامه " صلى الله عليه وآله " ليوم عاشوراء كان قبل وفاته (ص) بسنة (1) كذب تلك الروايات: ونحن نعتقد ونجزم: بأن ذلك كله من نسج الخيال. فبعد غض النظر عن: 1 - المناقشة في أسانيد تلك الروايات، وكون أكثر رواتها محل تهمة وريب، كما أن فيهم من لم يات إلى المدينة إلا بعد عدة سنين من الهجرة كأبي موسى الأشعري، وفيهم من كان حين الهجرة طفلا صغيرا كابن الزبير، فضلا عن شهوده لما قبلها، وفيهم من لم يسلم إلا بعد سنوات من الهجرة كمعاوية. 2 - وعن تناقضها فيما بينها، يكفي أن نذكر: أن رواية تقول: إنه صام يوم عاشوراء في المدينة، متابعة لليهود، ولم يكن يعلم به. وأخرى تقول: إنه كان يصومه هو والمشركون في الجاهلية. وثالثة: إنه ترك يوم عاشوراء بعد فرض شهر رمضان. وأخرى: إنه لما صامه قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود، فوعد أن يصوم اليوم التاسع في العام المقبل، فلم يأت العام المقبل حتى توفي (ص) (2). ورواية أخرى عن معاوية، الذي لم يسلم إلا عام الفتح، تقول: إنه (ص) لم يأمر أصحابه بصيام عاشوراء، بل قال لهم: لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تظهر بالتتبع والمقارنة.


(1) صحيح مسلم ج 3 ص 151. (2) صحيح مسلم ج 3 ص 151، وراجع المصادر المتقدمة. (*)

[ 305 ]

وقد ذكر شطرا منها ابن القيم. فراجع (1). فنحن بعد غض النظر عن ذلك، نشير إلى ما يلي: أولا: إن الرواية الأولى تفيد: أن النبي (ص) كان يجهل بسنة أخيه موسى، وأنه تعلمها واستفادها من اليهود، وقلدهم فيها. ولا ضير عند هؤلاء في ذلك، فإنهم يروون - ونحن نستغفر الله من ذلك -: أنه (ص) كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم يؤمر به (2). ثم يروون عنه (ص) ما يناقض ذلك - وكذلك هو يناقض نفسه دائما عندهم، حتى في هذا المورد - فهو الذي يكره في الأذان بوق اليهود وناقوس النصارى، ويخالفهم في معاملة الحائض. ويأمر بصبغ الشعر، مخالفة لليهود والنصارى، وينهى عن تقليدهم في الاسلام (3). وكان (ص) يصوم يوم السبت والأحد كثيرا، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى (4). بل لقد بلغ في مخالفته لهم حدا جعل اليهود يقولون: " ما يريد هذا


(1) راجع: زاد المعاد ج 1 ص 164 و 165. (2) صحيح البخاري ط الميمنية ج 4 ص 67 باب فرق الشعر في اللباس، والسيرة الحلبية ج 2 ص 132، وزاد المعاد ج 1 ص 165. (3) راجع في ذلك كله مفتاح كنوز السنة فقد نقل ذلك عن البخاري كتاب 60 و 77 باب 50 و 67، وصحيح مسلم كتاب 3 حديث 16، وكتاب 37 باب 8، والترمذي كتاب 44 حديث 24، وكتاب 22 باب 10، وكتاب 40 باب 7، والنسائي كتاب 3 و 48 و 83 على الترتيب، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة المختلفة فراجع: مفتاح كنوز السنة وغيره. وراجع: مسند أبي يعلى ج 10 ص 398 و 399 و 366 وفي هامشه عن مصادر كثيرة. (4) زاد المعاد ج 1 ص 168 عن مسند أحمد، والنسائي. (*)

[ 306 ]

الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه " (1). وقال ابن الحاج: " وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم، حتى قالت اليهود: إن محمدأ يريد أن لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ". وقد ورد في الحديث: " من تشبه بقوم فهو منهم " (3). وثانيا: إن إطلاق كلمة عاشوراء على العاشر من محرم إنما حصل بعد إستشهاد الامام الحسين " عليه السلام "، وأهل بيته وصحبه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم إقامة المآتم لهذه المناسبة من قبل أئمة أهل البيت (ع) وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم، ولم يكن معروفأ قبل ذلك على الاطلاق. وقد نص أهل اللغة على ذلك، فقد قال ابن الأثير، " هو اسم إسلامي " (4). وقال ابن دريد: إنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية (5). وثالثأ: إننا لم نجد في شريعة اليهود صوم يوم عاشوراء، ولا هم يصومونه الآن، ولا رأيناهم يعتبرونه عيدأ أو مناسبة لهم (6). ورابعأ: قد تقدم: أن صوم شهر رمضان قد فرض في مكة قبل الهجرة، فراجع.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 115، وسنن أبي داود ج 2 ص 250، ومسند أبى عوانة ج 1 ص 312. (2) المدخل لابن الحاج ج 2 ص 48. (3) المصدر السابق. (4) نهاية ابن الأثير ج 3 ص 240. (5) الجمهرة في لغة العرب ج 4 ص 212. (6) راجع: مقال حسن السقاف في مجلة الهادي سنة 7 عدد 2 ص 36. (*)

[ 307 ]

وبعد كل ما تقدم، وثبوت كذب هذه الأحاديث، فلا يبقى مجال لجعل عدول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن صوم يوم عاشوراء من أسباب حقد اليهود على المسلمين، كما زعمه البعض (1). في فضائل يوم عاشوراء أيضا: وعلى كل حال، فإننا نجدهم يذكرون في فضل عاشوراء في أول شهر محرم، روايات أخرى أغرب وأعجب، حتى إن ين يقرؤها يخرج بانطباع: أنه لا أفضل من ذلك اليوم على الاطلاق - حتى ولا ليلة القدر - ففيه كانت أهم الأحداث التي لا يمكن أن ينساها التاريخ البشري أو يتجاهلها، حتى ولادة النبي (ص)، وهجرته، اللتين هما في ربيع الأول بالاتفاق ! ! ! (2). وفيه أغرق الله فرعون، ونجا موسى وقومه، واستوت سفينة نوح على الجودي، وتاب الله على آدم إلخ (3). أيوم عزاء أم يوم عيد ؟ !: ويقول أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية، بعد ذكر ما جرى على الحسين " عليه السلام " في يوم عاشوراء: " فأما بنو أمية، فقد لبسوا فيه ما تجدد، وتزينوا، واكتحلوا، وعيدوا، وأقاموا الولائم، والضيافات، وأطعموا الحلاوات والطيبات. وجرى الرسم


(1) اليهود في القرآن ص 20 و 26. (2) راجع في بعض هذه الفضائل: تاريخ الخميس ج 1 ص 360 و 361، والسيرة الحلبية ج 2 ص 133 و 134، واللآلي المصنوعة ج 1 ص 158 - 116 وغير ذلك. (3) تقدمت بعض المصادر لذلك قبل حوالي ثلاث صفحات، وراجع: عجائب المخلوقاث، مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 114. (*)

[ 308 ]

في العامة على ذلك أيام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم. وأما الشيعة، فإنهم ينوحون، ويبكون، أسفا لقتل سيد الشهداء فيه إلخ " (1). ويقول المقريزي - بعد أن ذكر: أن العلويين المصريين كانوا يتخذون يوم عاشوراء يوم حزن، تتعطل فيه الأسواق -: " فلما زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسعون فيه على عيالهم، وينبسطون في المطاعم، ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جريا على عادة أهل الشام، التي سنها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي (ع)، لأنه قتل فيه ". قال: " وقد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيوب من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسط " (2). وفي زيارة عاشوراء المروية عن الامام الباقر " عليه السلام "، قال: " اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية، وابن آكلة الأكباد " (3). ثم وضوا على لسان ابن عباس في قوله تعالى: " موعدكم يوم الزينة " قال: يوم عاشوراء. (4)


(1) الكنى والألقاب ج 1 ص 431، وراجع: الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 137 عن الآثار الباقية ط أورپا ص 329، وراجع: عجائب المخلوقات، مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 115، ونظم درر السمطين ص 230. (2) الخطط والآثار للمقريزي ج 1 ص 490، وراجع: الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 138 عنه. (3) مصابيح الجنان ص 291. (4) تاريخ واسط ص 78. (*)

[ 309 ]

وضع الأحاديث: وقد وجد أعداء أمير المؤمنين وولده (ع)، وشيعته (رض) - وجدوا - من بين أولئك الذين باعوا آخرتهم بدنياهم من يضع لهم الأحاديث على لسان النبي (ص) في فضل هذا اليوم، واستحباب إظهار الزينة، والخضاب، والسرور، والتوسعة على العيال، ولبس الجديد فيه، وصومه، وطبخ الحبوب، والأطعمة، والاغتسال، والتطيب، والاكتحال، إلى غير ذلك من مظهرات النصب والعداء لأهل البيت " عليهم السلام " (1). ولكن الذي يهون الخطب: أن العلماء والنقاد، حتى المنحرفين عن أهل البيت " عليهم السلام " - كابن تيمية وأضرابه - قد حكموا على هذه الأحاديث، إلا ما شذ منها بالوضع والاختلاق من قبل الكذابين أخزاهم الله تعالى (2). لكن الجرح الذي لا يندمل، والخزي الذي لا يمحى: تلك الفتاوى التي طلع البعض بها علينا، والتي تقول بحرمة لعن يزيد، وعدم


(1) راجع: عجائب المخلوقات (مطبوع بهامش حياة الحيوان ج 1 ص 115 و 14) والسيرة الحلبية ج 2 ص 134، ونوادر الأصول للحكيم الترمذي ص 246، واللآلي المصنوعة ج 1 ص 108 و 116، ونظم درر السمطين ص 230 واقتضاء الصراط المستقيم ص 300، وتذكرة الموضوعات ص 118، والدر المنثور ج 4 ص 303، والحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 138، والصواعق المحرقة ص 182، والمدخل لابن الحاج ج 1 ص 289. (2) راجع في ذلك: تذكرة الموضوعات للفتني ص 118، واللآلي المصنوعة ج 1 ص 108 - 116، والسيرة الحلبية ج 2 ص 134، واقتضاء الصراط المستقيم ص 301. وراجع: الصواعق المحرقة ص 181 و 182، ونظم درر السمطين ص 228 - 230، وراجع: المدخل لابن الحاج ج 1 ص 291 و 290. (*)

[ 310 ]

جواز تكفيره (1) مهما كانت الشواهد والدلائل متضافرة على ذلك. ثم تحريمهم رواية مقتل الحسين " عليه السلام " (2) وتحريمهم التحزن والتفخع في يوم عاشوراء (3). وسيعلم الذين ظلموا حق آل محمد، وفرحوا في يوم حزنهم، أي منقلب ينقلبون. أساليب مقاومة عاشوراء: لقد بقيت عاشوراء الشوكة الجارحة في أعين أعداء أهل البيت (ع)، فحاولوا مقاومتها بكل ما لديهم، فعدا عما قدمناه، نشير إلى ما يلي: 1 - قال ابن العماد: " تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم بعمل عاشوراء باللطم، والعويل، والزينة، وشعار الاعياد يوم الغدير، فعمدت غالية السنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير " إلى أن قال: " وجعلوا بازاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام يوم مصعب بن الزبير، وزاروا قبره يومئذ بمسكن، وبكوا عليه، ونظروه بالحسين ؟ لكونه صبر وقاتل حتى قتل، لأن أباه ابن عمة النبي إلخ " (4).


(1) راجع: الصواعق المحرقة ص 221، وإحياء علوم الدين ج 3 ص 125، والعواصم من القواصم وهوامشه، والاتحاف بحب الأشراف ص 62 و 68. (2) الصواعق المحرقة ص 221. (3) اقتضاء الصراط المستقيم ص 299 / 300، ونظم درر السمطين ص 228. (4) شذرات الذهب ج 3 ص 130 عن العبر، والامام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 ص 95 عنه، وبحوث مع أهل السنة والسلفية ص 145، والمنتظم لابن الجوزي ج 7 ص 206. (*)

[ 311 ]

ولكن، هيهات أن يكون مصعب، عبد الدنيا، وطالب السلطان، والمناوئ لأهل البيت (ع)، كأبي الشهداء، ريحانة رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة، وإمام الأمة، طالب الحق، وناصر الدين، الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه. ولكنها الأحقاد الدفينة والاحن القديمة، والنصب لأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، الذين أمر اللة تعالى بمودتهم: " قل: لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " (1). 2 - قال ابن كثير في حوادث سنة 363: " فيها، في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والرافضة، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير " (2). ولكن هذا القائل قد تجنى على الرافضة، حين ساواهم بالنواصب، أعداء أهل البيت، وشيعتهم، فإن فعل الشيعة الروافض هو عين الدين والعقل، وفعل غيرهم هو الدال على عدم العقل والدين. 3 - إستعمال القوة والعنف، فإنك تجد في كتب التاريخ، في تاريخ مستهل كل عام قولهم: وفي هذا اليوم (أي عاشوراء) اقتتلت الروافض والسنة: فراجع المنتظم لابن الجوزي وغيره (3).


(1) الشورى: 23. (2) البداية والنهاية ج 11 ص 275، والامام الصادق والمذاهب الأربعة ج 1 ص 94، وبحرث مع أهل السنة والسلفية ص 144 / 145. (3) بحرث مع أهل السنة والسلفية ص 145. (*)

[ 312 ]

ولعل أعظم محنة، وأشدها نكاية وقعة الكرخ ببغداد، التي أحرق النواصب فيها دور شيعة أهل البيت، وقتلوا ألوف الرجال والأطفال (1). وقد ذكرنا طائفة من النصوص حول هذا الموضوع في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد، فليراجعه من أراد. ويذكر هنا: أنه في سنة 437 ه‍. وقع بين الشيعة والسنة في بغداد في يوم عاشوراء سؤ، " ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم " (2). وفي حوادث سنة 442: " اصطلح الروافض والسنة ببغداد، وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا في الكرخ على الصحابة، وترحموا عليهم " (3). ونكتفي هنا بهذا القدر، فإننا لسنا بصدد إستقصاء ذلك وتتبعه.


(1) البداية والنهاية ج 11 ص 275. (2) البداية والنهاية ج 12 ص 54. (3) البداية والنهاية ج 12 ص 61. (*)

[ 313 ]

الفصل الخامس: الجهاد في الاسلام

[ 315 ]

الاسلام، والسيف ! ! لقد اهتم المبشرون الحاقدون على الاسلام بإظهار الاسلام على أنه دين السيف والقهر والتسلط، حتى لقد وضعوا في بعض كتبهم - كاريكاتورا يمثل النبي (ص) حاملا القرآن في يد، والسيف في يد، وأشخاصا يقفون فوق رأسه، وكتبوا عبارة تقول: " آمنوا بالقرآن وإلا ضربت رقابكم بالسيف " -. فهم يريدون أن يقولوا: إن الاسلام الذي يقول: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة، والموعظة الحسنة " ليس صادقا في ذلك، وإنما هو يقول: ادع إلى سبيل ربك بالسيف. وقد يقال: إن مما ساعد على ذلك: أن المسلمين أنفسهم قد اعتادوا ترديد عبارة: " إن الاسلام قام بمال خديجة وبسيف علي (ع) " (1)، مع الاقتصار على حرفية هذه العبارة وعدم تعمقهم في مدلولها. بل إن بعض القصاصين الأقدمين، قد ساعد على ذلك كما يظهر من ملاحظة كتاب " فتوح الشام "، المنسوب للواقدي، حيث لا تكاد تخلو منه صفحة من بطولات خارقة، وأحداث مدمرة، من أجل جلب انتباه العوام، وإظهار عظمة الأمويين وقدرتهم، وتسجيل بطولات خيالية لبعض


(1) جاء ما تقدم في مقال للمفكر والفيلسوف الاسلامي الكبير، المرحوم الشهيد، الشيخ مرتضى المطهري، نشرته جريدة: " جمهوري إسلامي " الفارسية بتاريخ 10 جمادى الثانية سنة 1400 رقم 261. (*)

[ 316 ]

الشخصيات التى يرغب الحكأم في رفعة شأنها، تضليلا للناس عن حقيقة مواقف وبطولات علي (ع)، إلى غير ذلك من أهداف ليس هنا محل بحثها. فكان من نتيجة هذه الأكاذيب أن أظهروا الاسلام بصورة التيار المدمر، وعلى أنه دين القتل والخراب، حتى لقد أشكل الأمر حتى على كثير من المسلمين أنفسهم، وذهبوا يمينأ وشمالا في محاولات الاجابة على ذلك، حسبما رأوه مناسبا، وبالطريقة التي جادت بها قرائحهم. وهذا الأمر، وإن كان ارتباطه بالتاريخ ضيفا نسبيا، بحيث لا مجال للتوسع فيه بالشكل الذي يرضي وجداننا، ولكننا مع ذلك لابد أن نشير ولو بشكل خاطف وسريع إلى ما نراه ونعتقده في هذا المجال فنقول: 1 - الحرب في الاسلام وفي غيره: ستأتي في فصل سرايا وغزوات قبل بدر لمحة سريعة جدا عن توصيات النبي (ص) لجيوشه. فلا بد من الالمام بها وقراءتها بدقة ووعي، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة البحار والكافي، وغير ذلك من كتب الحديث والتاريخ. كما أنه لا ينبغي الغفلة عن المراجعة الشاملة للحديث والتاريخ للتعرف على طبيعة المعاملة المثالية للأسرى من قبل المسلمين، كما سنلمح إليه في غزوة بدر إن شاء الد تعالى، وكما فصله العلامة الأحمدي في كتابه: الأسير في الاسلام. ويقابل ذلك: ألف: ما ورد في الانجيل: " لا تظنوا: أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي سلاما على الأرض بل سيفا " (1).


(1) إنجيل متى، الاصحاح 20 الفقرة 34. (*)

[ 317 ]

ب: وفي التوراة: " حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابت إلى الصلح، وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأما النساء والأطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبأ، فلا تستبقي منها نسمة ما " (1). ج: وفي التوارة أيضا: " فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرقها بكل ما فيها، مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى ساحتها، وتحرق بالنار المدينة، وكل أمتعتك كاملة للرب إلهك، فتكون تلا إلى الأبد " (2). وثمة نصوص كثيرة أخرى في هذا المجال لا مجال لتتبعها (3). إشارة: وأما إدانة الاسلام من خلال ما كان يفعله الأمويون والعباسيون


(1) سفر التثنية الاصحاح 20 فقرة 10 - 17. (2) سفر التثنية الاصحاح 13 فقرة 15. (3) راجع سفر التثنية، الاصحاح 7 فقرة 1 و 2 وسفر صموئيل الأول، الاصحاح 15، ورسالة بولس إلى العبرانيين، الاصحاح 11 فقرة 32 فما بعدها، وأنيس الأعلام ج 5 ص 302 - 316 وغير ذلك. (*)

[ 318 ]

وغيرهم، وما قتلوه في حروبهم، وارتكبوه مع خصومهم، فهو تجن ظاهر على الاسلام، إذ لا يتحمل الاسلام المسؤولية عن أفعال المنحرفين عنه، فإن تصرفات المنحرفين شئ، والاسلام شئ آخر. 2 - حيث لابد في الحرب: إننا إذا أردنا دراسة الحروب التي خاضها الرسول الأكرم (ص) ضد المشركين، فإننا نستطيع أن نجمل الكلام فيها على النحو التالي: ألف: إن شخصية الانسان وملكاته، وسجاياه، ومختلف جهات تكوينه النفسي، والفكري، والعاطفي وغير ذلك - تتكون عادة في الأكثر بعد غض النظر عن عامل الوراثة وغيره من العوامل - من المحيط الذي يعيش فيه، ومن الأفكار التي يتلقاها عن طريق والديه، ومعلمه، وصديقه إلخ، بما في ذلك المفاهيم والقيم الدينية. فقد ينشا خوارأ جبانا إذا كان الذين أشرفوا على تربيته يستعملون معه أسلوب الارعاب والتخويف. وقد ينشا شجاعا مقداما، إذا كان التعامل معه على خلاف ذلك. كما أن من يلقى حنانا وعناية فائقة في صغره، يكون في تكوينه النفسي مختلفا تماما عن ذلك الذي يواجه بالجفاء والقسوة، حتى ولو عاشا في بيت واحد، وكانا أخوين توأمين. بل وأكثر من ذلك، فإن هذه الصور الذهنية التي يتلقاها الانسان عن طريق الحواس، تمثل مصدرا هاما من مصادر المعرفة له، فلو فرضنا توأمين يعيشان معا ويتلقيان نفس المعاملة، ولنفرض أن هذا التوافق مستمر في مجال التعليم، والتربية، والظروف المعيشية وغير ذلك، فإننا مع ذلك لسوف نجدهما مختلفين بوضوح في أفكارهما، ونفسيتيهما، وعواطفهما وغير ذلك، وذلك بسبب اختلاف الصور التي تلقاها ذهنهما، وكونت

[ 319 ]

عناصر التفكير لديهما، وأثرت بشكل أو بآخر في انفعالاتهما المختلفة. فحتى وهما يجلسان في غرفة واحدة، أو يسيران معا في الشارع، أو يكونان في المدرسة، فإن ذهن الواحد منهما يستقبل صورة تختلف - ولو جزئيا - عن تلك التي يستقبلها ذهن الآخر، بسبب أن كل واحد منهما ينظر إلى نقطة تختلف عن تلك التي ينظر إليها الآخر، وكذلك الحال بالنسبة للأ صوات، والمشمومات، وغير ذلك. فهذه الصورة لابد أن تشغل حيزا وتؤثر أثرا، وتغير من اتجاه الحركات الفكرية لديه، فتعينه تارة، وتقف في وجهه أخرى. ولسوف يكون لاختلاف تلك الصور أثر في النتائج التي سوف يتوصلان إليها. ولسوف تترك آثارا مختلفة في نفسية وسلوك وعواطف كل منهما حسبما أشرنا إليه. وهذا يعرفنا إلى أي حد يتأثر الناس بعضهم ببعض في السلوك، والأفكار، والانفعالات، والأخلاق، وغير ذلك، حتى إنك لتحس بالفرق في نفسك، وفي مشاعرك، لو وقفت على بائع عبوس فظ غليظ، ثم وقفت على آخر مهذب، يواجهك بابتسامته الرقيقة، ويخاطبك بكلمات عذبة ومهذبة. وهذا ولا شك لسوف يترك أثرا على نفسك، ثم على تصرفاتك مع أطفالك وأصدقائك وغيرهم. وعليه، فإذا كان الفكر شديد الحساسية إلى حد أن يتقرر معه اتجاه الانسان، ويؤثر في شخصيته بشكل عام، فإن أي انحراف يظهر في المجتمع، مهما كان على نطاق ضيق ومحدود، سوف لا يقتصر أثره على مرتكبه، وإنما يتعداه - ولو بشكل جزئي ومحدود - إلى كل الآخرين ممن يعاشره ويراه، أو يرتبط به، من قريب أو من بعيد. ثم هو يتعداهم إلى غيرهم، وهكذا.

[ 320 ]

ومن هنا، فإننا نجد الاسلام يحارب المنكر حتى إعلاميا بكل قوة، فيمنع حتى من غيبة غير المتجاهر بالمنكر كي لا يعتاد الناس على سماع خبر المنكر والانحراف، وتأنس أذهانهم به، وبعد ذلك يسهل عليهم إرتكابه وممارسته. ولا يريد أن تمر حتى صورة المنكر في أذهانهم كي لا تترك أثرا يرغب الاسلام في الابتعاد عنه، فضلا عن ممارسة المنكر نفسه. وليتأمل قليلا في إطلاق لفظ المنكر على مثل هذه الأمور الضارة، فإن الاسلام يريد للناس أن ينكروها، وأن لا يعرفوها، كما أنه حين يمنع من غيبة غير المتجاهر، فلأنه يريد أن يمنح ذلك المرتكب للمنكر فرصة للتخلي عن سيئته تلك، ويهيئ له الجو الاجتماعي المناسب لنمو شخصيته، والأحتفاظ بعزله وكرامته، إلى غير ذلك مما لسنا بصدد بيانه فعلا. وبعد ما تقدم، فإنه إذا كان ضرر الانحراف لا يقتصر على نفس من يمارسه، بل يتعداه إلى غيره، فإنه يكون من حق ذلك الغير أن يدفع ذلك الضرر عن نفسه، وهذا ما يحكم به العقل والفطرة، حتى ولو لم يكن ثمة شرع أصلا، ولكن الشرع لم يكتف بالاعتراف بحق الدفاع عن النفس هذا، بل زاد على ذلك، فأوجبه عليه، حين حكم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل أحد. وذلك من أجل الحفاظ عليهم أولا، وحتى لا يتسرب ذلك الانحراف منهم إلى غيرهم ثانيا (1).


(1) وإنما كان لمرتكب المنكر عقاب واحد ولم يعاقب عقابين: أحدهما على المنكر، والآخر على تسببه بالاضرار بالغير، من جهة أنه لم يسلب الآخرين عنصر الاختيار الذي لديهم، كما أنه لم يقصد هو ذلك. فيكون فعله من ممهدات وقوع الغير في المعصية، وليس الجزء الأخير للعلة. وبإدخال عنصر القصد في المعصية وفي استحقاق العقوبة وعدمه، يعرف الفرق بين ما نحن بصدده، وبين قولهم: من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى = (*)

[ 321 ]

وكل ما قدمناه يوضح لنا السر في أن المؤمنين - بنظر الاسلام - كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وعلى هذا، فليس من حق من تنهاه عن المنكر، أو تأمره بالمعروف: أن يقول لك: وماذا يعنيك ؟. أو: أنا حر، أو ما شاكل. إذ أن الأمر يعنيك حقا وهو ليس حرا إلا بمقدار لا يعتدي فيه على غيره، بأي نحو من أنحاء الاعتداء، ولا يضر بحريته. والانحراف هو أخطر اشكال الاعتداء وأبشع أنواعه. وواضح: أنه في مقام دفع أخطار الانحراف، والقضاء على المنكر، لابد من مراعاة مقدار الضرورة، فلو أساء ولدك نهيته أولا، وبينت له خطأه، ثم لمته، ثم تهددته، ثم ضربته، ثم طردته إلخ. كل ذلك بحكم الشرع والعقل وقضاء الفطرة. وإذا مرض أحد أعضاء الانسان، فإنه يعالجه بالدواء، ثم بالعملية الجراحية، ولربما تصل النوبة إلى قطعه، إذا كان مرضه خبيثا وخطيرا، حيث إنه بالاضافة إلى أنه أصبح يشكل عبئا ثقيلا على سائر الأعضاء، حيث يفترض فيها أن تقوم بمهماتها ومهماته. قد صار يشكل خطرأ عليها نفسها. هذا عدا عن أنه يؤثر فيها ألما وضعفا ووهنا، ويمنعها من القيام بوظائفها على النحو الأكمل والأفضل. وعلى هذا، فلو لم يقطع الطبيب هذا العضو، فإنه يكون قد أضر بهذا الانسان وخانه. وحين يعتبر الاسلام، والعقل، والفطرة، المسلمين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، بل إن الانسانية جمعاء أيضا كذلك، فإن المنحرف عقائديا، وسلوكيا، وأخلاقيا،


= يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها. (*)

[ 322 ]

لابد من استئصال إنحرافه أولا، بالدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ثم بالانذار، ثم بالشدة والعنف، حتى إذا أفلست كل تلكم الوسائل، فإن آخر الدواء الكي. وحيث يكون الداء خطيرا وخبيثا، فإنه لابد من الاستئصال أيضا، ويكون عدم قطع هذا العضو الفاسد والمفسد خيانة للأمة، وللأجيال، وللانسانية جمعاء. بل إن خطر الانحراف الديني والعقائدي يفوق خطر المرض الجسدي، فإن مرض الجسد ربما لا يتعداه إلا في نطاق محدود جدا، أما المرض العقائدي والديني والفكري، والانحراف الأخلاقي، فقد يتسبب في تدمير الجسد، والمال، والجاه، والانسان، والقيم الأخلاقية، والانسانية، والمجتمع بأسره، ويؤثر على الأجيال الأتية أيضا ؟ وذلك عندما لا تبقى لدى ذلك الانسان المنحرف أية روادع تمنعه من ارتكاب أية جريمة، والمبادرة إلى كل عظيمة. حينما يكون المقياس عنده، والمنطلق له هو مصالحه الشخصية، ولذاته الفردية، ولا شئ سواها، فلا يهتم لرضا الله، ولا لمصلحة الأمة، ولا لأحكام الشرع والدين، ولا حتى للعقل والمنطق. وهكذا، فإن الجهاد من أجل منع الانحراف ومنع وقوع الكارثة، يكون من الأحكام العقلية والفطرية، فضلا عن الشرع والدين. وبعد كل ما تقدم، فإننا نستطيع أن نقول بكل جرأة: إن الاسلام لو لم يستعمل السيف، لم يكن دين الحق والعدل، ولا دين الفطرة والعقل، ولكان خائنا للمجتمع، بل وللانسانية جمعاء على مدى التاريخ. كما أننا نعلم: أن السياسة القائمة على أساس الفكر والقوة المدافعة عنه، هي من صميم الاسلام الذي هو لاقامة العدل، ورفع الظلم، قال تعالى: " ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناص بالقسط، رأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس،

[ 323 ]

وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز " (1). والا فإن دينا يتخذ الخيانة ديدنا، وتجاهل مصالح الأجيال طريقة، ويكون فيه هذا الخلل الكبير في تشريعاته، لن يكون المجتمع والانسانية بحاجة إليه، ولا معنى للتضحية في سبيله والحفاظ عليه، ولا للعمل من أجل رفع شانه، وإعلاء كلمته. ومن هنا، فقد كان الجهاد بابا من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباص التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة... إلى آخر كلام أمير المؤمينن " عليه السلام " (2). هذا كله من وجهة نظر فكرية. أما حقيقة ما جرى تاريخيا في عهد الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " فستأتي الاشارة إليه، وسيتم التعرف من خلال البحث والتمحيص عليه، إن شاء الله تعالى. ب: لقد كان لابد للمسلمين من الاستفادة من حق الدفاع عن النفس في مقابل المكيين، الذين كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم، ويصدون عن سبيل الله، ومن حق كل أحد: أن يقاتل من أجل أن يمتلك حرية الرأي، والفكر، والعقيدة، وحرية الدعوة إلى الله، ولا سيما حين يكون الطرف الآخر مصرا على استعمال العنف، وليس المنطق والحجة ضده، وضد ما يدعو إليه. فالاسلام لا يريد أن يجبر أحدا على الدخول فيه، وإنما يريد أن يحصل على الحرية في الرأي وفي الاعتقاد، وفي الموقف. وحتى حين ينتصر على أعدائه، فإنه يضع أمام من ينتصر عليهم عدة خيارات، ليس


(1) الحديد: 25. (2) راجع: خطبة الجهاد في نهج البلاغة ج 1 ص 63 - شرح محمد عبده. (*)

[ 324 ]

اعتناق الاسلام إلا واحدا منها. وكان من يعتنق الاسلام يعتنقه بمل ء رغبته، وحريته، وإرادته، ومن دون أي ضغط حتى إعلامي من قبل المسلمين. ولقد اعتنقت كثير من البلدان الاسلام بمجرد اطلاعها عليه، من دون انتظار الفتح الاسلامي. ولكن ذلك لا يعني أن يقف الاسلام والمسلمون مكتوفي الأيدي أمام كل اضطهاد، أو اعتداء، أو ظلم يمارس ضدهم، وأن يخضعوا للضغوط ولارادات الآخرين، التي لن ترضى إلا بعالقضاء عليه وعليهم نهائيا. كما أن ذلك لا يعني أن لا يعد المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة، ومن رباط الخيل يرهبون به عدو الله وعدوهم، لأن الأسلام الذي يدعون إليه، وبطالبون بحرية التفكير والنظر فيه، ليس مجرد طقوس فردية، وتزكية نفسية، وإنما هو نظام عام شامل يريد أن يقود عملية تغيير شاملة على مستوى العالم بأسره. الأمر الذي يحتم أن تتوفر الحماية الكاملة لهذا الاسلام، الذي لابد أن يصطدم باصحاب الأطماع، والأهواء، وبالجبارين الذين يحكمون الناس بوحي من مصالحهم ورغباتهم. نعم، لابد من الحماية الكافية ولابد من استعمال أسلوب العنف إذا لم يمكن تأمين حرية الفكر، والرأي، والعقيدة إلا بذلك، وليوجد من ثم الجو والمناخ المناسب لتطبيق الجانب التشريعي للاسلام. وحتى لا يتحول الاسلام إلى إسلام حكام يخضع لرغباتهم، ويتطور حسب مصالحهم، وأهوائهم - كما كان الحال بالنسبة لبعض الفرق والمذاهب التي ابتليت بهذا الداء الوبيل - وأيضا حتى لا يتحول جانب عظيم ورئيس في هذا التشريع، ليكون مجرد فكر ميت، يوضع في المتاحف، ويكون الجانب الحي هو خصوص الجانب الفردي، الذي لا

[ 325 ]

يتصل بالحياة الاجتماعية، ولا يتفاعل معها، لا من قريب ولا من بعيد. وإذا توفرت حرية الفكر والراي والعقيدة، فإن ذلك سوف يشجع الآخرين على الدخول في هذا الدين، آمنين من العذاب والأذى، ومن مختلف أنواع الضغوط، ومن الفتنة التي هي أكبر من القتل بنظر الاسلام. فالمسلمون إذا قاتلوا، فإنما يقاتلون انطلاقا من حقهم الذي جعله الله لهم، ومن أجل ذلك الحق في سبيله، وطلبا له، على حد تعبير الرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكما قرره الله تعالى حيث يقول: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وان الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله " (1) فالاذن بالقتال للمسلمين إنما هو في صورة كون غيرهم قد بدأهم به، بالاضافة إلى كونهم قد أخرجوا من ديارهم. ج: وبعد كل ما تقدم، فقد كان النبي (ص) والمسلمون ملتزمين بعرض خيارات منصفة على الطرف الأخر، حتى ليعترف بعض المشركين بأن الاصرار على الحرب بعد هذه العروض يكون ظلما وبغيا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ولكن الباقين لا يقبلون بالعرض لأنهم كانوا مصممين على الحرب، منذ قتل ابن الحضرمي في سرية ابن جحش (2). مع أنه قد كان بإمكانهم تلافي قضية ابن الحضرمي، إما بالثار على نطاق أضيق، أو بقبول الدية، وكلاهما عن خلق العرب ليس ببعيد. د: مناهضة ناقضي العهود، وإيقافهم عند حدهم، كما كان الحال بالنسبة لليهود، ثم بالنسبة لمشركي مكة، الذين نقضوا عهد الحديبية.


(1) سورة الحج: 39 - 40. (2) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 131، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 116. (*)

[ 326 ]

ه‍: الدفاع عن النفس في وجه الغزاة والمهاجمين، وملاحقة من قام بالغارة منهم على المدينة. وأخيرا، فإننا نلاحظ: أن المشركين قد استمروا يغزون المسلمين، والمسلمون يدافعون عن أنفسهم إلى ما قبل صلح الحديبية، حيث يروي البخاري وغيره أن النبي " صلى الله عليه وآله " قال بعد منصرفه من بني قريظة: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. وسيأتى ذلك إن شاء اللة. هل الاسلام قام بالسيف ؟ ! وبعد كل ما تقدم يتضح لنا: أنه ليس معنى قيام الاسلام بسيف علي " عليه السلام ": أنه (ع) كان يجعل السيف فوق رأس الانسان، ويقول له: إما أن تسلم وإما أن تقتل. وإنما معنى ذلك: أن سيف علي " عليه السلام " كان أبعد أثرا في الدفاع عن الاسلام، وصد اعتداءات المعتدين، وتأمين حرية الفكر والعقيدة، والرأي، حسبما قدمناه. ولأجل أن حروب الأسلام كانت تهدف للحفاظ على الأنسان، والدفاع عن النفس، وتأمين الحرية الفكرية، نلاحظ: أنه يقتصر في حروبه على أقل قدر ممكن ترتفع به الضرورة، كما أنه يلتزم بضبط النفس الكامل والواعي، حتى في أحلك اللحظات، وأخطرها. ولذا لم يستطع الباحثون إيصال عدد القتلى في حروب النبي (ص) طيلة عشر سنين، والتي تعد بعشمرات الحروب والسرايا إلى الألف قتيل (1). رغم أن هذه الحروب كانت تتجه نحو تهيئة الجو لبسط النفوذ


(1) راجع مقالا حول هذا الموضوع للسيد هادي الخسروشاهي في كتاب سيماي إسلام (فارسي). (*)

[ 327 ]

الاسلامي على مختلف أرجاء الجزيرة العربية، ويتعداها إلى غيرها مما حولها. هذا ما أحببنا الاشارة إليه فعلا، والكلام حول هذا الموضوع طويل ومتشعب، لابد فيه من التوفر على دراسة النصوص القرآنية، وكلمات النبي (ص) والأئمة (ع) ومواقفهم وممارساتهم الجهادية بدقة ووعي.

[ 329 ]

الفصل السادس: سرايا وغزوات قبل بدر

[ 331 ]

غزواته (ص) وسراياه: هنا يبدأ المؤرخون بذكر غزواته وسراياه " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويقصدون ب‍ " الغزوة ": الجيش الذي يخرج فيه (ص) بنفسه، وب‍ " السرية ": البعث الذي لا يكون رسول اللة (ص) فيه. وقد اختلفت كلماتهم في عدد غزواته وسراياه اختلافا كثيرا، ولا نرى حاجة لاطالة الكلام في تحقيق ذلك. ونكتفي هنا بالحديث عما هو أهم، ونفعه أعم، وقبل ذلك نشير إلى أمرين، هما: الأول: الفرار من الزحف: حيث يذكر العلماء هنا: أنه لم يكن يجوز في أول الأمر فرار واحد من المسلمين من عشرة من المشركين (1). ثم جاء التخفيف من قبل الله عن المسلمين، ليختص بفرار واحد في مقابل اثنين، وذلك في قوله تعالى: " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم مئة ينلبوا ألفا من الذين كفروا،


(1) الجامع الاحكام القرآن ج 8 ص 44، وجامع البيان ج 10 ص 27، وتفسير المنار ج 10 ص 77. (*)

[ 332 ]

بأنهم قوم لا يفقهون. الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم شعفا، فإن يكن منكم مئة صابرة ينلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف ينلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين " (1). ولسوف يأتي المزيد من الكلام حول هذا الموضوع في غزوة بدر، في آخر فصل: نتائج الحرب إن شاء الله. الثاني: وصية النبي (ص) للسرايا: ويلاحظ هنا: أنه " صلى الله عليه وآله " كان إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم، فاجلسهم بين يديه، ثم يقول: " سيروا باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله. ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيأ، ولا صبيا، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرأ إلا أن تضطروا إليها ؟ وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جار، حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم، فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه إلخ... " (2). وهي وصية طويلة. وله وصايا أخرى لبعوثه فلتراجع في مصادرها. (3) وقد روي: أنه " صلى الله عليه وآله " ما بئت عدوا قط (4) وكان (ص)


(1) الأنفال الآيتان: 65 و 66. (2) الكافي ج 1 ص 334 و 335، والبحار ج 19 ص 177 - 179، وراجع: مسند أحمد ج 1 ص 300 وغيره، والتهذيب للطوسي ج 6 ص 138 و 139، والأموال ص 35. (3) النظم الاسلامية لصبحي الصالح ص 514. (4) التهذيب للطوسي ج 6 ص 174، والكافي ج 1 ص 334 و 335، والبحار ج 19 ص 177 - 179. (*)

[ 333 ]

إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار (1). ما نتعرض له في هذا الكتاب: إننا لا نستطيع في كتابنا هذا أن نستوعب الحديث حول الغزوات والسرايا بجميع تفاصيلها، ولاجل ذلك سوف نكتفي بذكر الغزوات التي كان فيها قتال مع الاشارة الخفيفة إلى غيرها من غزوات وسرايا، إلا إذا وجدنا ما يقتضي التريث وتسليط الأضواء بصورة لا يمكن تجاوزها. أما في هذا الفصل فنحن نكتفي يالتنويه بالسرايا التالية: السرايا الأولى: يذكر المؤرخون، أنه: 1 - بعد سبعة أشهر من مقدمه " صلى الله عليه وآله " المدينة - وقيل غير ذلك - عقد الرسول (ص) لحمزة بن عبد المطلب على ثلاثين من المهاجرين، (قيل: ومن الأنصار، لكنه غير معتمد، لأنه لم يبعث أحدا من الأنصار قبل بدر، كما ذكروا) (2) ليلقوا أبا جهل، فلقوه، وهو في ثلاثمائة من المشركين. لكن مجدي بن عمرو الجهني الذي كان موادعا للفريقين، حجز بينهما، وانصرفوا من غير قتال. 2 - وعلى رأس ثمانية أشهر من مهاجره الشريف، عقد لعبيدة بن الحارث بن المطلب على ستين رجلا، ليلقوا أبا سفيان في بطن رابغ، وكان في متعين.


(1) التراتيب الادارية ج 2 ص 22، والجامع الصحيح ج 3 ص 517. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 356، والسيرة الحلبية ج 3 ص 152، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 245. (*)

[ 334 ]

وفي هذه السرية فر المقداد وعتبة بن غزوان إلى المسلمين (1). 3 - وبعد ذلك كانت سرية سعد بن أبي وقاص على فريق من المهاجرين أيضا، ليعترضوا عيرا لقريش، فسبقتهم. وقيل: كان ذلك بعد بدر (2). 4 - ثم كانت غزوة الأبواء بعد مقدمه " صلى الله عليه وآله " بسنة أو أكثر، أو أقل، خرج فيها النبي " صلى الله عليه وآله " بنفسه يريد قريشا، وبني مرة بن بكر. فتلقاه سيد بني مرة بالأبواء، فصالحه، ثم رجع (ص) إلى المدينة (3). 5 - وبعدها كانت غزوة بواط، جبل لجهينة، قرب المدينة خرج (ص) في ماءتين من المهاجرين أيضا يعترض عير بني ضمرة، فبلغ بواطا ورجع، ولم يلق كيدا (4). مع تحفظنا على ما يقال من عدد المهاجرين في هذه السرية. 6 - وبعدها بأيام قلائل كانت غزوة العشيرة، ووادع فيها بني مدلج، وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وفيهاكني علي اعليه السلام " بأبي تراب، كما سنرى (5).


(1) السيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش السيرة الحلبية ج 1 ص 360 و 359، وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 359. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 359. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 363، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 241، والسيرة النبوية لدحلان بهامش الحلبية ج 1 ص 361. (4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 363، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 361، والسيرة الحلبية ج 2 ص 126، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 249. (5) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 463 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 1 ص 361 والسيرة الحلبية ج 2 ص 126 وسيرة ابن هشام ج 2 ص 249. (*)

[ 335 ]

7 - سرية عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة: ثم كانت سرية ابن جحش في رجب أو في جمادى الثانية من السنة الثانية، في ثمانية، أو اثني عشر رجلا من المهاجرين. فقد كتب له النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين (ولعله لأجل أن لا يطلع على مضمونه أعداء المسلمين من اليهود والمشركين فتتسرب الأخبار إلى أعدائه) فلما سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه بعد البسملة: " أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك، حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش - وفي رواية: قريشا - حتى تأتينا منها بخبر ". وأخبر أصحابه: أن رسول الله (ص) قد أمره أن لا يستكره أحدا ممن كان معه، وخيرهم بين الكون معه، وبين الرجوع، فمضوا معه جميعا، فأقام هناك فمرت بهم عير لقريش، فتجرأ المسلمون عليهم، فقتلوا منهم رجلا، وأسروا إثنين، وأخذوا ما معهم، وكان ذلك في أول يوم من رجب أوآخر يوم منه على اختلاف النقل. فلما قدموا على النبي " صلى الله عليه وآله "، أوقف العير والأسرين، وأبى أن ياخذ منها شيئا (ولكن أبا هلال العسكري يقول: ورد عبد الله بن الجحش بالخمس على رسول الله (ص)، وقسم الباقي بين أصحابه، فكان أول خمس خمسه ") (1).


(1) الأوائل ج 1 ص 176، والسيرة الحلبية ج 3 ص 157، والاستيعاب ترجمة عبد الله بن جحش، وراجع أيضا: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 و 253، والمغازي للواقدي ج 1 ص 13، والطبقات الكبرى ج 2 ص 10 ط سنة 1405 ه‍. وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 410 - 413، والسنن الكبرى ج 9 ص 12، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 307 و 308، وتاريخ الاسلام للذهبي = (*)

[ 336 ]

وعنفهم إخوانهم من المسلمين. وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدماء، وأخذوا فيه الأموال، أم سروا فيه الرجال، وعيروا المسلمين بذلك، وكتبوا فيه. وتحرك اليهود أيضا، ليزيدوا الطين بلة، فلما أكثروا نزل قوله تعالى، مبينا عذر المهاجرين فيما أقدموا عليه: " يسالونك عن الشهر الحرام، قتال فيه ؟ قل: قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله، وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه ممبر عند الله، والفتنة اكبر من القتل " (1). وقيل: نزلت الآية حينما جاء مشركوا مكة، وسألوا النبي (ص) عن ذلك على جهة العيب والانتقاص، ففرج الله بذلك عن المسلمين، وبعثت قريش بفداء الأسيرين، فأفداهما (ص) (2). 8 - ثم كانت غزوة بدر الأولى بعد غزوة العشيرة بأيام، حيث أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج النبي " صلى الله عليه وآله " في طلبه، حتى بلغ وادي سفوان من جهة بدر، وفاته كرز، فرجع " صلى الله عليه وآله " إلى المدينة (3).


= (المغازي) ص 29، وأسباب النزول ص 36، والبحار ج 20 ص 189 و 190 وراجع: رجال المامقاني ج 2 ص 173، وقصص الأنبياء للراوندي ص 339، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 366، والكامل في التاريخ ج 2 ص 113، وتاريخ الخميس ج 1 ص 365، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 69، والدر المنثور للسيوطي ج 1 ص 251، ومجمع الزوائد ج 6 ص 198، والسيرة النبوية لدحلان هامش الحلبية ج 1 ص 362، وغير ذلك. (1) البقرة: 217. (2) راجع ذلك في: تاريخ الخميس ج 1 ص 366، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 1 ص 363، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 254 و 255. (3) السيرة الحلبية ج 2 ص 128، والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 251. (*)

[ 337 ]

هذا ولابد أن نبحث هنا عدة أمور هامة، نرى أنها ترتبط بما تقدم. وهي على النحو التالي: 1 - تكنية علي بأبي تراب: في غزوة العشيرة كنى النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " ب‍: " أبي تراب " وكانت أحب كناه إليه، ولكن الأمويين كانوا يعيرونه بها. وملخص القضية: كما يرويها لنا عمار بن ياسر: أنه بعد أن نزل الرسول (ص) ومن معه في موضع هناك، ذهب عمار وعلي (ع) لينظرا إلى عمل بعض بني مدلج، كانوا يعملون في عين لهم ونخل، فغشيهما النوم، فانطلقا حتى اضطجعا على صور من النخل، وفي دقعاء من التراب. قال عمار: فوالله ما أهبنا إلا رسول الله (ص) يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: مالك يا أبا تراب، لما يرى عليه من التراب، الحديث (1).


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 247، والآحاد والمثاني مخطوط في كوبرلي رقم 235، وصحيح ابن حبان مخطوط، والبحار ج 19 ص 188، ومسند أحمد ج 4 ص 263 و 264، وتاريخ الطبري ج 2 ص 123 - 124، والكامل لابن الأثير ج 2 ص 12 ط صادر، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 249 / 250، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 140، وكنز العمال ج 15 ص 123 و 124 عن المصنف، والبغوي، والطبراني في الكبير، وابن مردويه، وأبى نعيم في معرفة الصحابة، وابن النجار، وغيرهم، وعن ابن عساكر. وشواهد التنزيل ج 2 ص 342، ومجمع الزوائد ج 9 ص 136 و 100 عن الطبراني في الأوسط والكبير، والبزار واحمد، ووثق رجال عدد منهم، وتاريخ الخميس ج 1 ص 364، وترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر ج 3 ص 86 بتحقيق المحمودي، وأنساب الأشراف ج 2 ص 90، والسيرة الحلبية ج 2 ص 126، وطبقات ابن سعد، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 363، ودلائل = (*)

[ 338 ]

وقد تقدمت الاشارة إلى رواية تكنيته (ع) بأبي تراب حين الحديث عن المؤاخاة أيضا، فراجع. وقد أحسن عبد الباقي العمري حيث يقول مشيرا إلى هذه القضية: يا أبا الأوصياء أنت لطه صهره، وابن عمه، وأخوه إن للة في معانيك سرا أكثر العالمين ما عملوه أنت ثاني الاباء في منتهى الدور وآباؤه تعد بنوه التزوير والافتراء: ولكنهم يقولون هنا: إنه " عليه السلام " كان إذا عتب على فاطمة، وضع على رأسه التراب، فإذا رآه النبي (ص) عرف ذلك، وخاطبه بهذا الخطاب (1). ويقولون أيضا: إنه (ع) غاضب فاطمة (ع)، وخرج إلى المسجد ونام على التراب، فعرف النبي (ص) بالأمر، فبحث عنه فوجده، فخاطبه بهذا الخطاب (2).


= النبوة للبيهقي ج 2 ص 303. ونقل أيضا عن كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل رقم 295، والغدير ج 6 ص 334، وعيون الأثر لابن سيد الناس ج 1 ص 226، والامتاع للمقريزي ص 55. وعلى كل حال، فإن من يراجع غزوة العشيرة في كتب التاريخ والحديث، يجد هذا الحديث مثبتا في أكثر تلك المصادر. (1) السيرة الحلبية ج 2 ص 127، وأنساب الأشراف ج 2 ص 90. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 347، والغدير ج 6 ص 336 عن سيرة ابن هشام ج 2 ص 237، وعمدة القاري ج 7 ص 630، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 363 = (*)

[ 339 ]

ويزيدون على ذلك قولهم: كان في علي على فاطمة شدة فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله، فانطلقت، وانطلق علي بأثرها، فشكت إلى رسول الله غلظ علي وشدته عليها. فقال: يا بنية إسمعي واستمعي، واعقلي: إنه لا إمرة لا مرأة لا تأتي هوى زوجها، وهو ساكت. قال علي: فكففت عما كنت أصنع وقلت: والله، لا آتي شيئا تكرهينه أبدأ (1). وقصة أخرى، تقول: كان بين علي وفاطمة كلام، فدخل رسول الله، فألقى له مثالا فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة ؟ فاضطجعت من جانب، وجاء علي واضطجع من جانب، فاخذ رسول الله بيد علي فوضعها على سرته، وأخذ بيد فاطمة فوضعها على سرته، ولم يزل حتى أصلح بينهما (2). ويقولون أيضا: إنه حين المؤاخاة لم يؤاخ النبي (ص) بينه وبين أحد، فاشتد عليه ذلك، وخرج إلى المسجد، ونام على التراب، فلحقه (ص)، ولقبه بهذا اللقب. ولكن كل ذلك لا يصح، فعدا عن أننا لم نفهم سر هذا التصرف الذي انتهجه (ص) فيما يزعمون للصلح بين الزوجين، حيث اضطجع، ووضع يديهما على سرته ! ! كما لم نفهم السبب في أنه (ص) قد أنحى باللائمة على بنته بدلا من أن يلا افع عنها أمام من يظلمها. عدا عن ذلك، فإننا نسجل ما يلي:


= عن صحيح البخاري، والمناقب للخوارزمي ص 7، وأنساب الأشراف ج 2 ص 90، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 211. (1) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 8 ص 16. (2) المصدر السابق. (*)

[ 340 ]

1 - إن فاطمة أجل من أن تغضب عليا " عليه السلام "، وأتقى وأرفع من ذلك، وهي الصديقة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيرا، بنص الكتاب العزيز. كما ان عليا أجل وأتقى وأرفع من أن يغضب فاطمة " عليها السلام " وسيرته، وتطهير الله له من الرجس، ومن كل مشين، بنص كتابه العزيز أدل دليل على ذلك. 2 - لقد قال علي " عليه السلام " وكانه يتنبأ بما سوف يفتريه عليه الحاقدون: " فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمر، حتى قبضها الله عزوجل، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرا. ولقد كنت أنظر إليها، فتنكشف عني الهموم والأحزان " (1). 3 - إن وضعه التراب على رأسه كلما غاضبها لا يصدر من رجل عاقل، حكيم لبيب، له علم ودراية أمير المؤمنين " عليه السلام "، لأنه أشبه بلعب الأطفال. 4 - إن أمير المؤمنين " عليه السلام " الذي هو قسيم الجنة والنار، لم يكن ليؤذي الله تعالى والنبي " صلى الله عليه وآله "، لأن جزاء من يؤذي الله ورسوله ليس هو الجنة قطعا. وقد قال النبي: إن من آذى فاطمة فقد آذاه، أو من أغضبها فقد أغضبه (2). وقال: إن الله ليغضب لغضب فاطمة


(1) مناقب الخوارزمي ص 256، وكشف الغمة ج 1 ص 363، البحار ج 43 ص 134. (2) البخاري ط مشكول ج 5 ص 36، والبحار ج 28 ص 76، وراجع: إحقاق الحق ج 10 ص 190، وحلية الأولياء ج 2 ص 40، وينابغ المودة ص 360، 171، 173، والسنن الكبرى ج 10 ص 201 و 64، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 159، وتلخيصه بهامشه، وأعلام النساء ج 4 ص 125، وكنز العمال ج 13 ص 93، والاصابة ج 4 ص 378، وتهذيب التهذيب ج 12 ص 441، وثمة مصادر أخرى ذكرت ذلك ثعقيبا على قصة مكذوبة هي قصة خطبة علي (ع) لبنت أبي جهل فراجع: ذخائر العقبى ص 37 و 38، وكفاية الطالب ص 365، ومقتل الحسين = (*)

[ 341 ]

ويرضى لرضاها (1). 5 - لقد قالت فاطمة لعلي " عليه السلام ": اما عهدتني كاذبة، ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني. فصدقها " عليه السلام، في ذلك (2). 6 - إن عليأ لم يكن لينضب من النبي (ص)، ويعتب عليه، وهو يعلم أنه لا يأتي بعمل من عند نفسه. كما أن سيرته " عليه السلام " مع النبي، لتؤكد على أنه كان يلتزم حرفيا بكل ما يصدر عنه، حتى إنه حينما أمره النبي (ص) أن يسير لفتح خيبر ولا يلتفت، مشى (ع) ما شاء الله، ثم وقف، فلم يلتفت وقال: يا رسول الله إلخ (3). 7 - أضف إلى ذلك: أن النبي (ص) حينما كان يستشير أصحابه في


= للخوارزمي ج 1 ص 53، ونظم درر السمطين ص 176، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية) ج 2 ص 10، والخصائص للنسائي ص 120، وصفة الصفوة ج 2 ص 13، والجامع الصحيح ج 5 ص 698، ومسند أحمد ج 4 ص 328 والبداية والنهاية ج 6 ص 333 والصواعق المحرقة ص 188. (1) راجع: فرائد السمطين ج 2 ص 46، ومجمع الزوائد ج 9 ص 203، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 52، وكفاية الطالب ص 364، وذخائر العقي ص 39، وأسد الغابة ج 5 ص 522، وتهذيب التهذيب ج 12 ص 442، وينابيع المودة ص 173 و 174 و 179 و 198، ونظم درر السمطين ص 177، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 154 و 158، وتلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، وكنز العمال ج 13 ص 96، وج 6 ص 219، وج 7 ص 111 الغدير ج 7 ص 231 - 236، لأحقاق الحق ج 10 ص 116، وراجع: السنن الكبرى ج 7 ص 64، والصواعق المحرقة ص 186، وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 132. (2) روضة الواعظين ص 151. (3) أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 93، وترجمة الامام علي بن أبي طالب لابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 1 ص 159، وصحيح ابن حبان ترجمة علي (مخطوط في مكتبة قبوسراي في استانبول)، وفضاثل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 2، والغدير ج 10 ص 202. * (*)

[ 342 ]

الموارد المختلفة، في بدر وأحد وغيرهما، كان أصحابه يتكلمون بما شاءوا، ولم يكن علي " عليه السلام " يبدي رأيا، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله بشئ أصلا، إلا ما روي في شأن الافك على مارية، حيث أشار " عليه السلام " بطلاق عائشة ليكون ذلك بمثابة إنذار لها، لترتدع عن مواقفها وأعمالها، وتكف عن أذى رسول الله وأزواجه. 8 - وأخيرا، لماذا يغضب ولمجتب ؟ أليس قد آخاه بنفسه قبل الهجرة ؟ !. ثم هو لم يزل يؤكد على أخوته له، كلما اقتضت المناسبة ذلك. وعلى كل حال، فنحن لن نكذب النبي (ص)، والقرآن، ونصدق هؤلاء، فنحن نذر هذه الترهات لهم، تدغدغ أحلامهم، ولرضي حقدهم على علي وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. لماذا الوضع والاختلاق: ولعل سر وضع هذه الترهات هو: 1 - أنهم يريدون أن يظهروا أنه قد كان في بيت علي " عليه السلام " من التناقضات والمخالفات مثل ذلك الذي كان في بيت النبي (ص) نفسه، مما كانت تصنعه بعض زوجاته " صلى الله عليه وآله " وليمكن - من ثم - أن يقال: إن ذلك أمر طبيعي، ومألوف، وهو من مقتضيات الحياة الزوجية، فلا غضاضة فيه على أحد، ولا موجب للطعن والاشكال على أي كان، فزوجة النبي تتصرف كما كانت تتصرف بنت النبي (ص). وكما كانت عائشة تغضب النبي (ص)، فإن فاطمة كانت تغضب عليا، وكانت خشنة معه. 2 - ومن الجهة الثانية فكما أن قوله (ص) من أغضبها (أي فاطمة) فقد أغضبني، ينطبق على فلان وفلان، فإنه ينطبق على ملي نفسه، إذن

[ 343 ]

فكما أغضب أبو بكر فاطمة فقد أغضبها علي أيضا، وتكون واحدة بواحدة، فلا يكون ذلك موجبا للاشكال على أولئك دونه " عليه السلام ". 3 - بل إنهم يريدون بذلك أن يظهروا عليا " عليه السلام " بصورة الرجل الذي لم يكن مرضيا من فاطمة، وقد تزوجته بدون رضى منها. ولعل قبول النبي (ص) بتزويجه قد كان لأجل دفع غائلته وشره، وبذلك يسلبون عنه فضيلة الصهر للنبي (ص). قيمة هذه الكنية: لقد علل ابن عباس تسمية علي " عليه السلام " بأبي تراب، بأنه " عليه السلام " صاحب الأرض، وحجة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها. ولقد سمعت رسول الله (ص) يقول: إنه إذا كان يوم القيامة، ورأى الكافر ما أعد الله لشيعة علي من الثواب والزلفى والكرامة، قال: يا ليتني كنت ترابا، أي يا ليتني كنت من شيعة علي (1). يضاف إلى ذلك: أن الامام عليا " عليه السلام " الذي كان يعتز بهذه الكنية، كان لا يعتبر الدنيا هدفأ له، يعيش من أجله وفي سبيله، وإنما يعتبرها وسيلة إلى هدفه الأسمى، وغايته الفضلى. وإذا رأى نفسه يتصرف منسجمأ مع هدفه، و مع نظرته، فإنه سوف يرتاح، وينشرح لذلك، فكانت هذه الكنية من النبي (ص) له بمثابة إعلام له: بأنه سوف يبقى في مواقفه وتصرفاته محتفظا بالخط المنسجم مع أهدافه، وأنه لسوف يبقى مستمرا في وضعه للدنيا في موضها الذي يليق بها، ولن تغره بزبارجها وبهارجها، ولن يبتلي بالتناقض بين مواقفه و تصرفاته، وبين ما يدعي أنه هدف له. فمن أجل ذلك كانت هذه الكنية أحب كناه إليه " عليه السلام ". وأما الأمويون، الذين كانوا يعيرونه (ع) بها، فقد كان موقفهم أيضا


(1) سفينة البحار ج 1 ص 121. (*)

[ 344 ]

منسجما مع نظرتهم ومع ما يعتبرونه من القيم لهم. فإن غايتهم وهدفهم هو الدنيا، وعلى أساس وجدانها وفقدانها يقتمون الأشخاص والمواقف، فيحترمون أو يحتقرون. وإذا كان علي أبا تراب، ولا يهتم بالدنيا، ولا يسعى لأن ينال منها إلا ما يحفظ له خيط حياته، إنطلاقا من الواجب الشرعي، ويبلغه إلى أهدافه التي رسمها الله سبحانه له، فإن بني أمية سوف يرونه فاقدا للعنصر الأهم الذي يكون به المجد الباذخ، والكرامة والسؤدد بنظرهم، ويصبح من الطبيعي أن يعيروه بكنية من هذا القبيل، فإن ذلك هو الذي ينسجم كل الانسجام مع غاياتهم ونظرتهم تلك التي تخالف الدين، والقرآن، ولا تنسجم مع الفطرة السليمة والمستقيمة. 2 - لماذا السرايا: لقد عرفنا فيما سبق أن بعض تلك السرايا كان هدفه الاستطلاع، ومراقبة تحركات قريش في المنطقة. وبعض آخر كان هدفه تعقب المغيرين على سرح المدينة، كتعقبهم لكرز بن جابر. وعرفنا أيضا: أن تلك السرايا، التي لم يلق المسلمون فيها كيدا، قد جرأت المسلمين، وأعادت لهم الثقة بانفسهم، وأعذتهم ليواجهوا - على قلة العدد و العدة - ألف فارس من قريش، وهي في أوج خيلائها وعزتها، ولم يعد ذلك مفاجأة للمسلمين، ولا مرهبا لهم. ولكننا مع ذلك نرى أن علينا أن لا نقنع بما ذكر، وأن علينا أن نعيد النظر بدءا وعودا لنعرف الجديد مما كانت تهدف إليه تلك السرايا التي كان الهدف المعلن لها هو اعتراض عير قريش. والذي يلفت نظرنا هنا هو الامران التاليان:

[ 345 ]

الاول: الموادعات والتحالفات: فقد نتج عن تلك السرايا مهادنات وموادعات، وتحالفات على النصر ضد العدو، بين المسلمين، وبين كثير من القبائل المتواجدة في المنطقة، حينما شعرت تلك القبائل بقوة المسلمين، وقدرتهم على التحرك، وبتصميمهم على مواجهة حتى قريش بالحرب. ومن الطبيعي أن ينتج عن هذه المعاهدات والتحالفات تخوف ورعب في قلوب سائر القبائل القريبة من المدينة، بحيث لابد لتلك القبائل من التفكير مليا قبل أن تقدم على أي عمل ضد المدينة مباشرة، أو بواسطة التحالف مع أعداء المسلمين. وذلك لأنها ترى بالفعل: أن ثمة قوة ضاربة، لابد من صياغة التعامل معها بحيث لا يضربمستقبل مصالحها في المنطقة. وبهذا يتحقق للمدينة نوع من الشعور بالأمن والاستقرار. ويمكن المسلمين - من ثم - من أن يتحركوا بحرية أكثر، في مواجهاتهم لقريش، ومناهضاتهم لها. وهوما ظهر في حرب بدر، وبعدها. كما أن هذه الموادعات والتحالفات كانت بمثابة صدمات نفسية، بل هي صفعات مؤلمة لقريش، التي ترى الآن كيف أن المسلمين قد أصبحوا قوة يرهب جانبها، ويسعى الكثيرون إلى عقد التحالفات الدفاعية معها. وعلى الأخص من القبائل التي تقع على طريق تجارة مكة، وكانت تعتبرها قريش سندا وعونا لها، كلما أهمها أمر، أو تعرضت لخطر. أضف إلى ذلك كله، أنه لم يعد باستطاعة قريش أن تعقد تحالفات مع تلكم القبائل القريبة من المدينة، وتتخذ منها قوة ضاغطة على المدينة، ووسيلة لمضايقتها. الثاني: مضايقه قريش: إن هذه السرايا كانت تهدف إلى الضغط على قريش اقتصاديا،

[ 346 ]

وكذلك نفسيا أيضا، وتعريفها: أن المسلمين سوف لن يتركوها حرة في المنطقة، ما دامت قد شردتهم، وآذتهم وسلبتهم أموالهم، وقتلت منهم. وقد شرط النبي (ص) على المشركين في وثيقة العهد المتقدمة، أن يقطعوا صلاتهم بالمشركين الآخرين. ويلاحظ: أنه لم يكن ثمة إصرار على قتال قريش، ومناجزتها الحرب، ولذلك قبل حمزة بوساطة الجهني. وتقدم أن عبيدة بن الحارث لم يتعقب القافلة التي تجاوزته. كما أن ثمة ثلاث خرجات أخرى تمر عير قريش فيها بسلام، ولم يصل إليها المسلمون في الوقت المناسب. بل وحتى في وقعة بدر نفسها لم يفز المسلمون بعير قريش، وإنما كانت قريش هي التي تصدت لقتال المسلمين كما سنرى إن شاء الله تعالى. وهذا يعزز الاستنتاج القائل: إن المقصود من تلك السرايا هو تعريف قريش: أنها لم تعد تملك حرية الحركة في المنطقة، ولا هي سيدة الموقف. ولا تستطيع بعد الآن أن تأمن على قوافلها التجارية إلى الشام، إلا بالعودة إلى منطق التعقل، والروية، والحكمة، والتخلي عن منطق الظلم والغطرسة والتجبر، وأن عليها مراجعة حساباتها، لتقتنع بأنه إذا كان حسم الموقف عسكريا صبأ جدا بالنسبة إليها، فما عليها إلا أن ترضخ للأمر الواقع، وتعترف بما لابد لها من الاعتراف به، إن عاجلا، وإن آجلا. وإلا، فلتأذن بحرب من الله ورسوله لا تنتهي إلا بتدمير عنفوانها، وتحطيم كبريائها، وهكذا كان. وإنما اكتفى المسلمون بالتعرض إلى قوافل قريش، دون أن يصروا على أخذها، ومصادرتها، وإن كان من حقهم ذلك، لأنه قصاص عادل لقريش، التي بدأت بالعدوان، وتمادت في الظلم والطغيان. ولا مانع من

[ 347 ]

ممارسة هذا الحق إذا لم يكلف ذلك المسلمين غاليا - إنما اكتفى المسلمون بذلك - من أجل أن يبقوا الباب مفتوحا أمام قريش، ويعطوها الفرصة للتأمل والتدبر في الأمر. وأما ما ذكره البعض من أن المقصود من تلك السرايا لم يكن هو الحرب، بدليل قلة عدد المقاتلين المسلمين المرسلين. فلا نراه مقنعا ولا كافيا في فهم حقيقة الدوافع لارسال تلك السرايا، لأن الاغارة على قافلة تجارية لم يكن يحتاج إلى عدد كبير من المقاتلين. ويكفي أن نذكر هنا: أن أكبر قافلة تجارية ترسلها قريش بعد تحرشات المسلمين بتجاراتها (وذلك يدفعها طبعا لزيادة عدد المحافظين عليها)، هي القافلة التي سببت حرب بدر، وكانت بقيادة أبي سفيان، وهي لم يكن معها إلا بضعة وعشرون رجلا فقط، مع أن فيها أكثر من ألفي بعير، وفيها أموال قريش. 3 - وصايا ه (ص) لبعوثه: وأما ما تقدم مما كان يوصي به البعوث والسرايا، فإنه يؤكد على أن هذا النبي لم يبعث إلا ليعمر الأرض، وليقطع دابر الفساد فيها، وليس جهاده للمنحرفين والظالمين إلا من هذا المنطلق، وفي هذا السبيل، على اعتبار: أن آخر الدواء الكي. وعليه فكل تصرف لا يأخذ بنظر الاعتبار ذلك الهدف، فهو مرفوض عنده حتى وإن كان من أصحابه، ومن أقرب الناس إليه. وإن وصاياه " صلى الله عليه وآله " تلك تحتاج إلى دراسة معمقة، للتعرف على الكثير من الحقائق التي يهم الانسان المنصف ذا الضمير الحي، والوجدان المتيقظ، أن يتعرف عليها، ويستفيد منها منهاجا، ونبراسا له في سلوكه، وأعماله، ومواقفه. وقد سار علي " عليه السلام " في وصاياه لجيوشه على هذا النهج

[ 348 ]

أيضا فليراجع (1). 4 - لماذا المهاجرون فقط: ويلاحظ: أنه " صلى الله عليه وآله " كان قبل بدر لا يخرج في غزواته، ولا يرسل في سراياه إلا المهاجرين. وهنا يرد سؤال: لماذا يتعمد النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله " ذلك ؟ وما هي الحكمة فيه ؟ !. لربما يقال في مقام الاجابة على ذلك: إنه (ص) يريد أن يفهم الأنصار: أنه مصمم على الوصول إلى أهدافه، ولو لم يعاونوه ؟ فلا يجب أن يظنوا: أنه يريد أن يجعلهم وسيلة لمأربه وغاياته، مع احتفاظه بأصحابه المهاجرين، الأمر الذي يوئد عند الأنصار الشعور بالمظلومية والغبن. ولكننا نرى أنه لابد من نظرة أعمق إلى هذا الأمر، وذلك يحتم علينا أن لا نقنع بهذه الاجابة، ولذا فنحن نجمل ملاحظاتنا هنا على النحو التالي: ألف: على الأنصار نمره (ص) في دارهم: إنه يبدو أن الأنصار كانوا يرون: أن عليهم نصر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم، في دارهم، إن دهمه أمر، فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم. أما إذا كان هو نفسه المهاجم لغيره، أو كانت الحرب في غير بلدهم، فلا نصرة له عليهم. وذلك هو ظاهر ما تم الاتفاق عليه في بيعة العقبة، كما تقدم.


(1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 182 و 183 وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 23 والفتوح لابن اكتم ج 3 ص 45 و 135 وأنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 262 و 240 و 302 و 331 و 479. (*)

[ 349 ]

ويدل على ذلك: أن المؤرخين يصرحون في غزوة بدر: أنه (ص): " كان يخشى ألا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا ممن دهمه في المدينة، وليس عليهم أن يسير بهم ". وسيأتي ذلك حين الحديث عن غزوة بدر في الفصل الأول إن شاء الله تعالى. ب: مسألة الحرب والسلم: إن مسألة الحرب ليست سهلة بالنسبة إلى المدنيين، وقد كانوا يدركون أنهم هم الذين سوف يتحملون مسؤولياتها، ويضحون فيها بأموالهم وأنفسهم. وهم الذين سوف يواجهون نتائجها وعواقبها على صيد علاقاتهم، وروابطهم الاجتماعية والاقتصادية، وحالتهم السياسية وغيرها، وهي أخطر وأهم مسألة لدى الانسان العربي، لانها مسالة الدم والثار، والموت والحياة، والسعادة والشقاء. إذن فلابد فيها من توفر القناعات الكاملة بها من قبلهم أنفسهم، ولابد أن يقرروا هم الدخول فيها وعدمه. وأما إذا فرضت عليهم فرضا، فلربما يؤدي دخولهم فيها إلى نتائج عكسية، وربما خطيرة جدا، تجر على المسلمين، وعلى مستقبل الاسلام الكثير من الرزايا والبلايا، التي قد تعسر معالجتها، والخروج منها على النحو المرضي والمشرف، والمنسجم مع الهدف الأسمى، والغاية الفضلى. وهذا هو السر في استشارته (ص) أصحابه في الحرب وشؤونها في بدر وفي أحد، كما سنشير إليه ثمة إن شاء اللة تعالى. ج: ظروف الأنصار الخاصة: وإذا كان الأنصار في بلدهم، ويعيشون حياة الأمن والدعة - على

[ 350 ]

صعيد علاقاتهم بمن يحيط بهم طبعا - ويشرفون على زراعتهم، وأمور معاشهم، ويستفيدون من أرضهم، فإن ذلك يجعلهم أكثر تعلقا بالحياة، وحبا لها، ولابد من توفر دافع نفسي أقوى يسهل عليهم الخروج إلى جو آخر، فيه الكثير من المشاكل والاخطار الجسام، إن حاضرا، وإن مستقبلا. وأيضا، إذا كان الأنصار سوف يحاربون قريشا، أعظم قبائل العرب خطرا ونفوذا، وحتى قدسية، فإن عليهم أن يعدوا إلى العشرة قبل أن يقدموا على أي إجراء من شأنه أن يعرض علاقتهم بمكة إلى الخطر، ولا سيما إذا كان من الممكن أن يجر ذلك عليهم خطر عداء العرب قاطبة، فضلا عن غيرهم، وعلى الأخص إذا كان المدنيون في موقع المعتدي في نظر الناس. وهذا هو ما حدث بالفعل، فإن التاريخ يحدثنا: اعن أبي بن كعب قال: لما قدم النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب) جمن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه " (1). فأذن الله تعالى لهم بالقتال دفاعا عن أنفسهم، ولرد كيد أعدائهم، كما قال تعالى: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير " (2). إما ظروف المهاجرين، فكانت مختلفة تماما عن ظروف الأنصار من


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 123، وراجع: البحار ج 19 ص 8، وإعلام الورى ص 55، ومنتخب كنز العمال ج 1 ص 465 بهامش مسند أحمد عن البيهقي في الدلائل، وابن مردويه، وابن المنذر، وعن كنز العمال ج 1 ص 295 عن هؤلاء وعن الطبراني، والحاكم، وسعيد بن منصور، وعن روح المعاني ج 6 ص 98. (2) الحج: 39 (*)

[ 351 ]

هذه الجهة، لأن اتخاذهم قرار الحرب ضد قريش كان أسهل وأيسر، لأن وقوفهم ضدها له مبرراته النفسية والاجتماعية كاملة، فإن الكل يعلم: أنها كانت تلك القوة الغاشمة التي أهانتهم، وعذبتهم وأخرجتهم من ديارهم، وسلبتهم أموالهم. ولأن المهاجرين الذين كانوا مشردين، مقهورين، كانوا يشعرون بظلم قريش وخروجها على كل النواميس الأخلاقية والأعراف الاجتماعية، والأحكام العقلية والدينية والفطرية. فاندفاعهم إلى محاربتها، والوقوف في وجهها يكون أعظم وأشد. كما أن تحريكهم إلى مضايقة قوافلها، التي تمثل إغراء لهؤلاء الذين فقدوا أموالهم، وكل ما لديهم على أيدي أصحاب هذه القوافل نفسها، يكون أسهل وأيسر. وخلاصة الأمر: لا يمكن أن ينظر إلى وقوفهم في وجه قريش على أنه تجني واعتداء عليها، بل هي حرب محقة وعادلة لمن هذه معاملتهم، وتلك هي حالتهم وسلوكهم. مع من ؟ !. مع أحب الناس وأقربهم نسبا إليهم، فكيف تكون الحال لو كان الأمر مع غيرهم ممن لا تربطهم بهم رابطة قربى، ولا وشائج رحم ؟ !. د: الحالة النفسية للمهاجرين: وبعد ما تقدم، فقد كان اتخاذ المهاجرين قرار الحرب أيسر من اتخاذ الأنصار قرارا كهذا، حيث لا يعتبر ذلك اعتداء، بقدر ما هو رد للاعتداء، فهو إذن قرار له مبرراته السياسية والاجتماعية والنفسية، وكان لابد من حصول هذا الأمر، حيث يوجد المناخ العام الملائم حينئذ لدخول الأنصار للحرب ليكونوا الدرع الواقي، والسيف القاطع. فبدأ المهاجرون في تحركاتهم، وقد أعطتهم هذه التحركات التدريجية، وهم الغرباء عن المنطقة فرصة للتعرف عليها جغرافيا، ولو بشكل محدود، فقد كان المهاجرون المصدومون نفسيا، يشعرون بالغربة عن المنطقة، فهم بحاجة إلى حركة تعيد لهم الثقة بأنفسهم، وترفع

[ 352 ]

معنوياتهم، وتركز فيهم الشعور بالقوة، وبالاستقلالية والحرية، فاعطتهم هذه التحركات شعورا بأن باسمطاعتهم - الآن - مضايقة قريش، والضغط عليها، وأنهم يملكون أنفسهم بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وقد عزز ذلك فيهم موادعات رسول الله لكثير من القبائل التي كانت تعيش في المنطقة، أما الأنصار فقد كانوا في غنى عن كل ذلك بملاحظة ظروفهم و أحوالهم. يضاف إلى ذلك: أنه إذا كان بين هؤلاء المهاجرين من أثرت فيه المحنة وزعزعت يقينه الصدمة، فإن تكليفه بالقيام بأعمال وتقديم تضحيات في سبيل هذا الدين، لسوف يحصنه من الوقوع - بسبب ضعف نفسه - بين براثن الشيطان. فإنه إذا رأى نفسه يعمل في سبيل هذا الدين، وهذه العقيدة، ويضحي من أجلها وفي سبيلها، وأن عمله هذا يؤثر وينتج ويتقدم من حسن إلى أحسن، فسوف يعود إليه ثباته، وتطمئن نفسه، ويصير تأثير المحنة عليه أقل، والتفاعل معها أندر. وسوف يصبح تعلقه بما ضحى من أجله، وتعب وشقي في سبيله، أشد وأوثق، وتنفذ بصيرته في الدين وفي الاسلام بشكل أعظم وأعمق. د: العربي وقضية الدم: ولقد كان العربي لا يغفر قضية الدم، ولا يتجاوزها، وعلى أساس الثأر للدم يتقرر مصير العلاقات بين القبائل والفئات سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وغير ذلك. ولربما يستمر العداء الثاري بين القبائل أجيالا عديدة. وإذا كان لابد من قيام مجتمع إسلامي متكافل، متماسك كالجسد الواحد، فلابد من حصر قضايا الدم والثأر في أضيق دائرة ممكنة، تفاديا للأحقاد التي تتأصل في النفوس، ويظهر أثرها ولو بعد أجيال، وعشرات، بل مئات السنين.

[ 353 ]

ولذا نلاحظ: أن حرب بدر رغم أن الكثرة فيها كانت للأنصار بنسبة واحد إلى أربعة أو خمسة من المهاجرين، إلا أن أكثر قتلى المشركين كانت نهايتهم على يد علي (ع) وحمزة، وهما من المهاجرين القرشيين، كما سنرى إن شاء الله تعالى. ولأجل هذا بعينه، ثم من أجل تقليل القتلى ما أمكن، نجد أمير المؤمنين " عليه السلام " يقول للأزد في صفين، اكفوني الأزد ولخثعم: أكفوني خثعما. وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا قبيلة ليس منهم بالشام أحد مثل بجيلة، لم يكن بالشام منهم إلا عدد يسير، فصرفهم إلى لخم (1). وكذلك جرى أيضا في حرب الجمل (2). وقد خرج صائح في حرب الجمل من قبل علي (ع) يحذر جيش عائشة من الأشتر، وجندب بن زهير (3). ثم هو يرسل مصحفأ إليهم يدعوهم إلى ما فيه، فيقتلون الرجل الحامل له. هذا بالاضافة إلى المحاولات المتكررة التي بذلها لاقناع طلحة والزبير وعائشة بالتخلي عن قرار الحرب، ثم هو يعلن انتهاء الحرب بمجرد عقر جمل عائشة، ويظهر أسفه على من قتل.


(1) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 229، وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 305، والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 141، وراجع: ج 2 ص 299، وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 9 وفيه، أن عليا (ع) سال أولا عن قبائل الشام، فلما أخبروه اتخذ قراره ذاك. (2) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 299. (3) لباب الآداب ص 187، والاصابة ج 1 ص 248، والجمل للمفيد ص 194. (*)

[ 354 ]

وأما في صفين، فكم حاول إقناع معاوية ومن معه بالكف عن غيهم، والقبول بحكم الله سبحانه، وقد استمرت محاولاته تلك وطالت أسابيع كثيرة. وما ذلك إلا لان عليا لا يريد أن يقتل الناس، وإنما يريد قمع الفتنة، وإقامة الدين الذى تحيا به الأمم، بأقل قدر ممكن من الخسائر. شاهدنا على ذلك أنه عندما أمر المختار إبراهيم بن الأشتر أن يسير إما إلى مضر، أو إلى أهل اليمن، عاد فرجح له أن يسير إلى مضر. قال الطبري: " فنظر المختار - وكان ذا رأي - فكره أن يسير إلى قومه، فلا يبالغ في قتالهم، فقال: سر إلى مضر بالكناسة إلخ " (1). خلاصة الأمر: إنه إذا كانت الحرب بين أفراد أو فئات القبيلة الواحدة، فلربما تكون أقل ضراوة من جهة، ولأن العاطفة النسبية، والقربى القبلية تسهل على الناس تناسي الأحقاد وتجاوزها، حيث يتهيأ الجو للعودة إلى الحياة الهادئة، والمحبة والتصافي بسرعة من جهة أخرى. والشاهد على صحة ما نقول: أن قريشا ليس فقط كانت تحقد على بني هاشم بسبب نكاية علي (ع) فيها، حتى إن النبي (ص) كان يبكي على ما سيحل بأهل بيته بعده، نتيجة لتلك الأحقاد (2). كما أن قريشا لن تنسى - رغم طول العهد - جراحاتها من الأنصار


(1) تاريخ الطبري ط مطبعة الاستقامة ج 4 ص 521. (2) راجع: الأمالي للصدوق ص 102 وفرائد السمطين ج 2 ص 36 وراجع: البحار ج 28 ص 37 و 38 و 41 و 51 و 81 وج 43 ص 172 و 156 والعوالم ص 216 و 217 و 218 وكشف الغمة للأربلي ج 2 ص 36 وأنساب الأشراف للبلاذري ومسند أبي يعلى ج 1 ص 427 ومجمع الزوائد ج 9 ص 118 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 139 والمطالب العالية ج 4 ص 61 ط دار المعرفة. (*)

[ 355 ]

أيضا، ولم تأل وسعا ولم تدخر جهدا في الثأر لنفسها كما سنرى في الفقرات التالية. هذا كله عدا عما في هذا من الامتحان لهم، فإن القبول بقتل الأقارب يحتاج إلى إيمان عميق، وإخلاص تام، وقد امتحن الله سبحانه بني إسرائيل بذلك أيضا. بل لقد امتحن الله تعالى نبيه إبراهيم بما يشبه هذا في ولده إسماعيل، حسبما قدمنا. و: قريش، والأنصار: وأول ما يطالعنا في مجال استكشاف مشاعر قريش، ونواياها تجاه الأنصار، ما قاله أبو سفيان بعد حرب بدر: آليت، لا أقرب النساء، ولا يمس رأسي وجلدي الغسل حتى تبيروا قبائل الأوس والخزرج، إن الفؤاد يشتعل وقد كان الأنصار أنفسهم يشعرون بهذا الأمر، فإنهم عندما مات النبي (ص) كانوا يبكون، لأنهم لا يدرون ما يلقون من الناس بعده " صلى الله عليه وآله " (1). ولم تكن مبادرتهم إلى محاولة مبايعة سعد بن عبادة إلا إنطلاقا من هذا الشعور، الذي عبر عنه الحباب بن المنذر بقوله يرم السقيفة: " ولكنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم، وإخوانهم " (2). وقد بين أمير المؤمنين " عليه السلام " دوافع سعد بن عبادة إلى طلب البيعة له، فكتب " عليه السلام " إلى أصحابه يقول: " ولقد كان سعد لما رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيها الناس،


(1) مسند أحمد ج 6 ص 339، ومجمع الزوائد ج 9 ص 34 عنه. (2) حياة الصحابة ج 1 ص 420. (*)

[ 356 ]

إني والله ما أردتها حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى يبايع علي. ولعلي لا أفعل وإن بايع إلخ ". وفي مورد أخر من نفس الرسالة: يقول: إن الأنصار " قالوا: أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيره إلخ " (1). فذلك يوضح: أن الأنصار بادروا إلى ذلك بعد أن عرفوا أن العرب وقريشا لن تمكن عليا من الوصول إلى الحكم، وقد تأكد لديهم ذلك حينما شهدوا المنع عن كتابة النبي (ص)، للكتاب بذلك الأسلوب الجاف والمهين والقاسي، ثم تأخير بعث جيش أسامة، وغير ذلك من قرائن وأحوال لاتخفى. وبعد وفاة النبي حاق بالأنصار البلاء، وحلت بهم الرزايا، واستأثر المهاجرون بكل الامتيازات، وكان في ذلك تصديق لما أخبرهم به النبي (ص) من أنهم سيلقون بعده أثرة، ثم أمرهم بالصبر حتى يلقوه على الحوض (2). ومما يدل على ما ذكرناه: 1 - أن محمد بن مسلمة حين رأى القرشيين وهم يرفلون بالحلل، أعلن بالتكبير في المسجد، فطالبه بذلك عمر، فاخبره بما رأى من الأثرة، ثم قال: أستغفر الله، ولا أعود (3). ويلاحظ هنا: أن محمد بن مسلمة كان من المقربين للهيئة الحاكمة، ومن أعوانها الأوفياء الذين كانت تطمئن إليهم، وتعتمد عليهم.


(1) معادن الحكمة ص 154 و 153 وراجع تعليقات العلامة الأحمدي على معادن الحكمة ص 470 - 473 لتقف على مصادر كثيرة. (2) راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 411 - 414 و 409. (3) حياة الصحابة ج 1 ص 413، عن كنز العمال ج 1 ص 329 عن ابن عساكر. (*)

[ 357 ]

2 - لقد هم عمر في أواخر خلافته: أن يأخذ فضول أموال الأغنيا ويقسمها بين فقراء المهاجرين (1). 3 - وكان عمر يركب كل جمعة ركبتين: أحدهما: ينظر في أموال يتامى أبناء المهاجرين. والثانية: ينظر أرقاء الناس ما يبلغ منهم (2). 4 - ونجد عمر بن الخطاب يمتنع عن قضاء حاجة للأنصار كانوا قد جاؤوه من أجلها، حتى توسط ابن عباس لهم عنده (3). 5 - لم يكن يبر الأنصار أحد إلا بنو هاشم كما قال البعض. وقد اشتد البلاء بعد ذلك العهد على الأنصار، حتى لقد: 6 - طلب يزيد لعنه الله من كعب بن، جعيل أن يهجو الأنصار، فقال له كعب: أرادي أنت إلى الشرك ؟ !. أهجو قوما نصروا رسول الله (ص) وآووه ؟ ثم دك على الأخطل النصراني، الذي قال فيهم: ذهبت قريش بالسماحة والندى واللؤم تحت عمائم الأنصار (4) 7 - ثم توج يزيد لعنه الله جناياته ومخازيه بوقعة الحرة، التي أذل فيها عزيز الأنصار، وهتك فيها حرماتهم، وأباح أعراضهم، وقتل رجالهم. ولم تزل ولا تزال وصمة عار على جبين الحكم الأموي، تؤذن بالخزي والعار لذلك الحكم البغيض، ولكل من يسير على نهجه، وينسج على منواله.


(1) راجع أواخر مقالنا: أبو ذر إشتراكي أم شيوعي أم مسلم في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام. (2) المصنف ج 2 ص 349 وفي هامشه عن مالك ج 1 ص 69 مختصرأ. (3) راجع: حياة الصحابة ج 1 ص 414 و 415 و 416. (4) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 302. (*)

[ 358 ]

ز: تزوير التاريخ: " قال المدائني في خبره: وأخبرني ابن شهاب، قال: قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب، فبدأت بنسب مضر، وما أتممته فقال: اقطعه، اقطعه، قطعه الله مع أصولهم، واكتب لي السيرة. فقلت له: فإنه يمر بي الشئ من سير علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، فأذكره ؟ فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم، لعن الله خالدا ومن ولاه، وقبحهم، وصلوات الله على أمير المؤمنين " (1). وحينما وصل كتاب علي " عليه السلام "، الذي يذكر فيه ما له من مناقب وفضائل إلى معاوية، قال معاوية: " اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه أهل الشام، فيميلوا إلى ابن أبي طالب " (2). وقد كتب هشام بن عبد الملك إلى الأعمش يطلب منه أن يكتب له فضاثل عثمان، ومساوئ علي (ع) فرفض (3). ويقول الشعبي: " لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا، أو يملأوا لي بيتأ ذهبا، على أن أكذب لهم على علي رضوان الله عليه لفعلوا " (4). وقال أبو أحمد العسكري: " يقال: إن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثا (أي غير حديث الكساء) والته أعلم، وكذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثا واحدا، كانا يخافان بني أمية " (5). وحسبك دليلا على تزوير التاريخ: أن المؤرخين يذكرون: أنه قد


(1) الأغاني ج 19 ص 59. (2) معجم الأدباء ج 5 ص 266. (3) راجع: شذرات الذهب ج 1 ص 221. (4) تاريخ واسط ص 173. (5) أسد الغابة ج 2 ص 20. (*)

[ 359 ]

كان مع علي " عليه السلام " سبعمائة من المهاجرين والأنصار، وسبعون بدريا أو ثمانون، ومتعان من أهل بيعة الشجرة (1). ولكن أعداء علي ومزوري التاريخ قد بلنت بهم الوقاحة حدا - كما عن الشعبي -: أن قالوا: من زعم أنه شهد الجمل من أهل بدر إلا أربعة، فكذبه، كان علي وعمار في ناحية، وطلحة والزبير في ناحية (2). وقد ذكر الاسكافي: " أن معاوية وضع قوما من الصحابة، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (ع) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير " (3). وقد استطاع معاوية أن يزين لأهل الشام أن عليا وأصحابه لا يصلون (4). وهكذا جرى أيضا للأنصار، قال الزبير بن بكار ما ملخصه: إن سليمان بن عبد الملك قدم حاجا، وهو ولي عهد، فمر بالمدينة، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سيرة النبي (ص) ومغازيه، فقال له أبان: هي عندي، قد أخذتها مصححة ممن أثق به، فأمر بنسخها فنسخت له، فلما


(1) المعيار والموازنة ص 22. مستدرك الحاكم ج 3 ص 104 والغدير ج 10 ص 163 عن صفين و 268 و 266 وعن شرح النهج ج 1 ص 483 وجمهرة خطب العرب ج 1 ص 179 و 183. (2) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه ج 4 ص 328. (3) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64. (4) الغدير ج 9 ص 122 عن صفين للمنقري ص 402 وعن تاريخ الطبري ج 6 ص 23 وعن شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 278 وعن الكامل في التاريخ ج 3 ص 135. (*)

[ 360 ]

صارت إليه نظر، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين، وذكر الأنصار في بدر، فقال: ما كنت أرى لهؤلاء هذا الفضل، فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وإما أن يكونوا ليس هكذا. فقال أبان بن عثمان: أيها الأمير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه، لأن نقول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين، لعله يخالفه. فأمر بذلك الكتاب فحرق. فلما رجع، وأخبر أباه، قال عبد الملك: وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ؟ تعرف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها ؟ ! فأخبره بتخريق ما كان نسخ، فصوب رأيه، وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك. وبعد أن ذكرت الرواية: أن سليمان أخبر قبيصة بن ذؤيب بما جرى، وجواب قبيصة له، قالت: فقال سليمان: يا أبا إسحاق، ألا تخبرني هذا البغض من أمير المؤمنين وأهل بيته لهذا الحي من الأنصار، وحرمانهم إياهم، لم كان ؟ !. فقال: يا ابن أخي، أول من أحدث ذلك معاوية بن أبي سفيان، ثم احدثه أبو عبد الملك، ثم أحدثه أبوك. فقال: علام ذلك ؟ ! قال: فوالله ما أريد إلا لأعمله وأعرفه. فقال: لأنهم قتلوا قوما من قومهم، وما كان من خذلانهم عثمان (رض)، فحقدوه عليهم، وحنقوه، وتوارثوه، وكنت أحسب لأمير المؤمنين ان يكون على غير ذلك لهم، وان أخرج من مالي فكلمه. فقال سليمان: أفعل والله، فكلمه، وقبيصة حاضر، فأخبره قبيصة بما كان من محاورتهم.

[ 361 ]

فقال عبد الملك: والله ما أقدر على غير ذلك، فدعونا من ذكرهم. فأسكت القوم (1). ولكن ما ذكره قبيصة من أن أول من حرمهم هو معاوية في غير محله، فقد بدأ حرمانهم من زمن عمر بن الخطاب كما يظهر مما تقدم، بل ومن زمن أبي بكر، وليس تحقيق ذلك محط نظرنا الآن. وعلى كل حال، فقد قال رجل من الأنصار: ويل أمها أمة لو أن قائدها يتلو الكتاب، ويخشى العار والنارا اما قريش فلم نسمع بمثلهم غدرا وأقبح في الاسلام آثارا ضلوا سوى عصبة حاطوا نبيهم بالعرف عرفا وبالانكار إنكارا (2) وقال بعض الأنصار أيضا: دعاها إلى حرماننا وجفائنا تذكر قتلى في القليب تكبكبوا فإن يغضب الأبناء من قتل من مضى فوالله ما جئنا قبيحا فتعتبوا (3) ويقول آخر: وخبرتمونا: أنما الأمر بيننا خلاف رسول الله يوم التشاجر فهلا وزيرا واحدا تحسبونه إذا ما عددنا منكم ألف آمر (4) ح: تأكيد النبي (ص) على بر الأنصار: ولم يكن بغض الأمويين وقريش للأنصار فقط لأجل الدماء


(1) أخبار الموفقيات ص 332 - 334. (2) الحور العين ص 215. (3) الحور العين ص 215 للأمير نشوان الحميري. (4) المصدر السابق. (*)

[ 362 ]

والترات، وإنما لأنهم نصروا الله ورسوله، ومحق الله الشرك، وذل المشركون بمساعدة منهم. بل إن بغضهم لهم إنما كان انطلاقا من بغضهم للاسلام. ولربما يكون هذا هو السر في تأكيدات النبي (ص) المتكررة على لزوم حب الأنصار، واحترامهم وتقديرهم. فنراه (ص) يعتبر حب الأنصار إيمانا وبغضهم نفاقا (1). وقال: من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم (2). وبذلك يكون قد حفظ لهم هذا الجهاد الخالص في سبيل الله، ودفاعهم عن هذا الدين، ولأنهم آووا ونصروا وبذلوا كل غال ونفيس، فجزاهم الله عن الاسلام وعن المسلمين خير جزاء وأوفاه. كما أننا يجب أن لا ننسى إلتزام الأنصار في الأكثر بخط أهل البيت (ع)، وتعظيمهم لحق أمير المؤمنين (ع) ونصرتهم له في الجمل وصفين والنهروان، على خلاف كثير من المهاجرين. ومما يدل على مكانة علي (ع) لدى الأنصار ما رواه الزبير بن بكار


(1) مسند أحمدج 5 ص 285 وج 6 ص 7 وج 4 ص 283 و 292 وج 3 ص 130 و 249 وراجع حول فضل الأنصار مسند احمدج 4 ص 70 وج 6 ص 382 ومسند أبي يعلى ج 7 ص 191 وه 28 و 286 ومنحة المعبود ج 2 ص 137 و 138 وصحيح مسلم ج 1 ص 60 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 140 و 57 و 58 وصحيح البخاري ج 2 ص 198 و 199 ومجمع الزوائد ج 10 ص 39 / 40. (2) راجع مجمع الزوائد ج 9 ص 376 عن الطبرافي في الصغير والكبير، والبداية والنهاية ج 3 ص 203، وفتح الباري ج 1 ص 59، 60 وليراجع باب حب الأنصار في مجمع الزوائد ج 10 ص 28 - 42 وسائر كتب الحديث فان كثيرا منها قد عقدت فصلا لفضائل الأنصار. (*)

[ 363 ]

عن عمرو بن العاص حينما تكلم في المسجد كلاما قاسيا ضد الأنصار، لأجل محاولتهم البيعة لسعد بن عبادة، قال الزبير: " ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وندم على قوله للخؤولة التي بين وبد عبد المطلب وبين الأنصار، ولأن الأنصار كانت تعظم عليا وتهتف بإسمه حينئذ ". ثم تذكر الرواية كيف أن عليا (ع) جاء إلى المسجد ودافع عن الأنصار، والقصة طويلة (1). والتزام الهاشميين ببرهم، تنفيذا لوصية النبي (ص) ثم قولهم يوم السقيفة - بعد أن فشلت محاولة البيعة لسعد بن عبادة -: " لا نبايع إلا عليا " (2). وعلي (ع) هو قاتل صناديد قريش، وجبابرتها كما هو معلوم. ربما يكون كل ذلك، ومعه عمق إيمانهم، والتزامهم القوي بالدين، والتفقه فيه حتى من نسائهم، هو السبب في ذلك. بقي أن نذكر: أن علم أصحاب رسول الله (ص) قد كان عند الأنصار، كما قالوا (3). وعن نساء الأنصار قالت عائشة: " إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور، وليضربن بخمرهن إلخ " (4). چ‍


(1) الموفتيات ص 595 و 596 وشرح نهج البلاغة إلبن أبي الحديد ج 6 ص 33. (2) تاريخ ابن الأثير ج 2 ص 325. (3) التراتيب الادارية ج 2 ص 325. (4) الدر المنثور ج 5 ص 42 عن ابن أي حاتم، وأبي داود، وابن مردويه، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 284 وراجع: مسند اي عوانة ج 1 ص 317 وحياة الصحابة ج 3 ص 87. (*)

[ 364 ]

وعنها أيضا قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (1). ط: لا غنى في الحرب في الأنصار: ولكن كل ما قدمناه لا يعني: أن لا يشترك الأنصار في حرب أبدا، فإن قضية الاسلام، التي هي قضية الأمم والانسانية جمعاء على مدى التاريخ، تفوق في أهميتها وخطرها، أهمية وخطر ما سيواجهه الأنصار من قريش فيما بعد، وعلى الأخص إذا كان الأسلام قد وضع الضمانات اللازمة لتفادي أقي رد فعل من هذا النوع. وإنما حدث ما حدث بسبب عدم رعاية الأمة لقوانين الاسلام، وعدم أخذها تلك الضمانات بنظر الاعتبار. نعم لم يكن ثمة محيص عن اشتراك الأنصار في الحرب، كما أنه لم يكن مفر من العمل على تخفيف حدة حقد قريش، والموتورين من قبل الاسلام، لتكون المشاكل المستقبلية، التي سوف يواجهها الأنصار أقل، ووقعها أخف نسبيا، وهكذا كان. وسيأتي إن شاء الله بعض الكلام أيضا عن قريش والأنصار في غزوة بدر العظمى، فلابد من ملاحظة ذلك.


(1) راجع صحيح البخاري ج 1 ص 24 والمصنف لعبد الرزاق ج 1 ابن كثير ج 3 ص 284 وراجع: مسند اي عوانة ج 1 ص 317 وحياة الصحابة ج 3 ص 87. (*)

[ 364 ]

وعنها أيضا قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (1). ط: لا غنى في الحرب في الأنصار: ولكن كل ما قدمناه لا يعني: أن لا يشترك الأنصار في حرب أبدا، فإن قضية الاسلام، التي هي قضية الأمم والانسانية جمعاء على مدى التاريخ، تفوق في أهميتها وخطرها، أهمية وخطر ما سيواجهه الأنصار من قريش فيما بعد، وعلى الأخص إذا كان الأسلام قد وضع الضمانات اللازمة لتفادي أقي رد فعل من هذا النوع. وإنما حدث ما حدث بسبب عدم رعاية الأمة لقوانين الاسلام، وعدم أخذها تلك الضمانات بنظر الاعتبار. نعم لم يكن ثمة محيص عن اشتراك الأنصار في الحرب، كما أنه لم يكن مفر من العمل على تخفيف حدة حقد قريش، والموتورين من قبل الاسلام، لتكون المشاكل المستقبلية، التي سوف يواجهها الأنصار أقل، ووقعها أخف نسبيا، وهكذا كان. وسيأتي إن شاء الله بعض الكلام أيضا عن قريش والأنصار في غزوة بدر العظمى، فلابد من ملاحظة ذلك.


(1) راجع صحيح البخاري ج 1 ص 24 والمصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 314 وفي الهامش عن البخاري ومسلم، وابن أبي شيبة، وعن كنز العمال ج 5 رقم 3145. وعن اهتمام نساء الأنصار بالفقه راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 321. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية