الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 3

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 3


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) (مدخل لدراسة السيرة والتاريخ) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضي العاملي الجزء الثالث

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م 1415 ه‍ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 2077722597 - mcs بلاغ - ص ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان. دار السيرة - بيروت لبنان - ص. ب: 25 / 49

[ 5 ]

الفصل الثالث: الاسراء والمعراج:

[ 7 ]

الاسراء والمعراج: بعد بعثة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وفي اثناء المرحلة السرية، التي استمرت ثلاث، أو خمس سنوات، كان - على الارجح - الاسراء والمعراج: الاسراء إلى بيت المقدس، حسب نص القرآن الكريم. والمعراج من هناك إلى السماء، الذي وردت به أخبار كثيرة. وحيث إن التفاصيل الدقيقة لهاتين القضيتين يصعب الجزم في كثير منها إلا بعد البحث الطويل والعميق. وذلك لان هذه القضية، وجزئياتها قد تعرضت على مر الزمان للتلاعب والتزيد فيها، من قبل الرواة والقصاصين، ثم من قبل أعداء الاسلام ؟ بهدف تشويه هذا الدين، واظهاره على أنه يحوي الغرائب والعجائب، والاساطير والخرافات، لاسباب شخصية، وسياسية وغيرها. ولم يسلم من مكائد هؤلاء حتى رموز الاسلام، وحفظته وأئمة المسلمين أيضا. وقد حذر الامام الرضا " عليه السلام " من هؤلاء - حسبما روي عنه - حيث قال لابن أبي محمود: " إن مخالفينا وضعوا أخبارا في فضائلنا وجعلوها على أقسام ثلاثة: أحدها: الغلو. وثانيها: التقصير في أمرنا.

[ 8 ]

وثالثها: التصريح بمثالب اعدائنا. فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا. وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا. وإذا سمعوا مثالب اعدائنا باسمائهم ثلبونا باسمائنا وقد قال الله عزوجل: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (1) ". وبعد ما تقدم، فإن التعرض لبحث التفاصيل الدقيقة لقضية الاسراء والمعراج يحتاج إلى توفر تام، وتأليف مستقل ؟ ولذا فنحن لا نستطيع في هذه الفرصة المتوفرة لنا أن نعطي تصورا دقيقا عنه. وعلى هذا فسوف نكتفي بالاشارة إلى بعض الجوانب التي رأينا: أن من المناسب التعرض لها ؟ فنقول: متى كان الاسراء والمعراج: إن المشهور هو أن الاسراء والمعراج قد كان قبل الهجرة بمدة وجيزة ؟ فبعضهم قال: ستة أشهر، وبعضهم قال: في السنة الثانية عشرة للبعثة، أو في الحادية عشرة أو في العاشرة. وقيل: بعد الهجرة (2). وفي مقابل ذلك نجد البعض يقول: إنه كان في السنة الثانية من البعثة (3)، وقيل. في الخامسة، وقيل في الثالثة - وهو الارجح عندنا - ولعل ابن عساكر يختار ما يقرب مما ذكرنا، حيث إنه ذكر الاسراء في أول البعثة كما ذكره عنه ابن كثير (4)


(1) راجع: البحار ج 26 ص 239 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 304. (2) راجع: السيرة الحلبية، وتاريخ الخميس، وغير ذلك. (3) البحار ج 18 ص 319 عن العدد، ونقل ذلك عن الزهري في عدة مصادر. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 108. (*)

[ 9 ]

وقال مغلطاي، بعد أن ذكر بعض الاقوال: " وقيل: كان بعد النبوة بخمسة أعوام، وقيل: بعام ونصف عام. وقال عياض: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرا (1) ". وقال ملا علي القاري: " وذكر النووي: أن معظم السلف، وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الاسراء والمعراج كان بعد البعثة بستة عشر شهرا (2) ". وقال ابن شهر آشوب: " ثم فرضت الصلوات الخمس بعد اسرائه في السنة التاسعة من نبوته (3) ". ولكنه لم يبين لنا تاريخه باليوم والشهر. وقال الديار بكري: " فأما سنة الاسراء، فقال الزهري: كان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه القاضي عياض، ورجحه القرطبي، والنووي. وقيل: قبل الهجرة بسنة إلخ (4) ". الادلة على المختار: وأما ما يدل على أن الاسراء قد كان في السنوات الاولى من المبعث ؟ فعدا عن الاقوال المتقدمة، ولا سيما ما ذكره الزهري والنووي، نشير إلى الامور التالية: 1 - ما روي عن ابن عباس أن ذلك كان بعد البعثة بسنتين (5) وابن


. (1) سيرة مغلطاي ص 27. (2) شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 222. (3) المناقب لابن شهراشوب ج 1 ص 43. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 307. (5) البحارج 18 ص 319 و 381 عن المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 177، وتاريخ اليعفوبي ج 2 ص 26. حيث ذكر ذلك بعد المبعث، وقبل الانذار. (*)

[ 10 ]

عباس كان أقرب إلى زمن الرسول، واعرف بسيرته من هؤلاء المؤرخين، فإذا ثبت النص عنه قدم على اقوال هؤلاء. ولربما لا يكون هذا مخالفا لما تقدم عن الزهري وغيره، إذا كان ابن عباس لا يحسب الثلاث سنوات الاولى، على اعتبار: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما امر بانذار الناس بعدها. 2 - قد ورد عن الامام أمير المؤمنين " عليه السلام ": أن الاسراء قد كان بعد ثلاث سنين من مبعثه (1). وهذا هو الاصح والمعتمد. 3 - ويدل على ذلك بشكل قاطع ما روي عن: ابن عباس، وسعد بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، والامام الصادق " عليه السلام "، وعمر بن الخطاب، وعائشة، من أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لعائشة - حينما عاتبته على كثرة تقبيله ابنته سيدة النساء، فاطمة " عليها ا لسلام " -: نعم يا عائشة، لما اسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنة، فناولني منها تفاحة، فاكلتها، فصارت نطفة في صلبي، فلما نزلت واقعت خديجة، ففاطمة من تلك النطفة ؟ ففاطمة حوراء انسية، وكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها (2).


. (1) البحار ج 18 ص 379 عن الخرائج والجرايح. (2) تاريخ بغداد ج 5 ص 87، والمواهب اللدنية ج 2 ص 29، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 63 / 64 وذخائر العقبي ص 36، وميزان الاعتدال ج 2 ص 297 و 160، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 165، وتلخيصه للذهبي، ومجمع الزوائد ج 9 ص 202، وينابيع المودة ص 97، ونزهة المجالس ج 2 ص 179، ومناقب المغازلي ص 358 والبحارج 18 ص 315 و 350، 364، ونور الابصار ص 44 و 45 وعلل الشرائع ص 72، وتفسير القمي ونظم درر السمطين ص 176 ومحاضرة =

[ 11 ]

ومعلوم مما سبق: أن فاطمة قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات ؟ فالاسراء والمعراج كانا قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر، ولعله قبل ذلك بسنتين. حتى أذن الله لتلك النطفة بالظهور، والاستقرار في موضعها. 4 - إن سورة الاسراء قد نزلت في أوائل البعثة، ويدل ذلك: ألف - ما رواه البخاري وغيره، من ان قوله تعالى في سورة الاسراء: " ولا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها " قد نزل بمكة، ورسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مختف. كان إذا صلى باصحابه رفع صوته بالقرآن ؟ فإذا سمع المشركون سبوا القرآن، ومن انزله، ومن جاء به الخ (1). ومعلوم: أن اختفاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في دار الارقم إنما كان في أوائل البعثة. واجاب المحقق الروحاني على ذلك، بان من الممكن ان يكون " صلى الله عليه وآله وسلم " حينئذ مختفيا في شعب ابي طالب. ولكن، لنا ان نناقشه بان شعب ابي طالب لم يكن محل اختفاء لهم، وانما كانوا محاصرين فيه، فالتعبير بالاختفاء يدل على أن ذلك قد كان في اوائل البعثة. = الاوائل ص 88 وملحقات إحقاق الحق للمرعشي ج 10 ص 1 - 11 عن بعض من تقدم، وعن: أرجح المطالب ص 239، ووسيلة المال ص 78 / 79، لاعراب ثلاثين سورة ص 120، وكنز العمال ج 14 ص 97 وج 3 ص 94، ومفتاح النجا ص 98 مخطوط واخبار الدول ص 87 - وعن ميزان الاعتدال ج 1 ص 38 و 253 وج 2 ص 26 و 84. والدر المنثور ج 4 ص 153 عن الطبراني والحاكم. (1) صحيح البخاري طبع سنة 1309 ج 3 ص 99، والدر المنثور ج 4 ص 206 عنه وعن: مسلم وأحمد والترمذي، والنسائي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والطبراني والبيهقي. (*).

[ 12 ]

ووجود هجوم في سورة الاسراء على عقائد المشركين، لا يضر ؟ إذا كانت السورة قد نزلت في اوائل البعثة. ب - ما ذكره البعض في مقال له (1) من أن سورة الاسراء قد نزلت بعد الحجر بثلاث سرر (2) وسورة الحجر قد نزلت في المرحلة السرية. وفيها جاء قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر، واعرض عن المشركين ". الامر الذي تسبب عنه الجهر بالدعوة واظهارها. وايراد المحقق الروحاني هنا بان في السورة ما يدل على وجود الصدام بين النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمشركين. وهذا الصدام إنما حصل بعد الاختفاء في دار الارقم، وبعد الاعلان بالدعوة. يجاب عنه بما تقدم، من أن من غير البعيد ان تكون هذه السورة قد نزلت تدريجا ؟ فبدأ نزولها في اول البعثة. ثم اكملت في فترة التحدي والمجابهة بين النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمشركين. ويدل على قدم نزولها أيضا قول ابن مسعود عن سور الاسراء، والكهف، ومريم: انهن من العتاق الاول، وهن من تلادي (3). وابن مسعود ممن هاجر إلى الحبشة، ورجع منها، والنيي " صلى الله عليه وآله وسلم " يتجهز إلى بدر (4). إلا أن يقال: إن ابن مسعود إنما هاجر إلى الحبشة بعد الطائف، أي في الهجرة الثانية، لا في الاولى ؟ فلاحظ ؟ فان ذلك لا يلائم قوله: انهن


(1) راجع: مجلة الوعي الاسلامي المغربية عدد 163 ص 56. (2) راجع: الاتقان ج 1 ص 11، وتاريخ القرآن للزنجاني ص 37. (3) صحيح البخاري ج 3 ط سنة 1309 ص 96 والدر المنثور ج 4 ص 136 عنه وعن ابن الضريس وابن مردويه. (4) فتح الباري ج 7 ص 145.

[ 13 ]

من العتاق الاول. 5 - ان سورة النجم التي يذكرون انها تذكر المعراج في آياتها - قد نزلت هي الاخرى في اوائل البعثة ؟ فانها نزلت بعد اثنتين أو ثلاث وعشرين سورة، ونزل بعدها اربعة وستون سورة في مكة (ا)، وسيأتي في قصة الغرانيق المكذوبة أو المحرفة: أنهم يقولون: إنها انما نزلت بعد الهجرة إلى الحبشة بثلاثة اشهر. والهجرة إلى الحبشة إنما كانت في السنة الخامسة. بل لقد قيل: إن سورة النجم هي اول سورة اعلن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بقراءتها ؟ فقرأها على المؤمنين والمشركين جميعا (2). وإن كان من الممكن النقاش في كون آيات سورة النجم ناظرة إلى المعراج، كما سيأتي ان شاء الله تعالى. 6 - ويؤيد كون هذه القضية قد حصلت في اوائل البعثة: انه حين عرج به " صلى الله عليه وآله وسلم " صار الملائكة يسألون: أو قد أرسل إليه ؟ (3). فان هذا يشير إلى أن ذلك إنما كان في أول بعثته " صلى الله عليه وآله وسلم " لا بعد عشرة أو اثنتي عشرة سنة، فان أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " كان قد اشتهر في أهل السماوات حينئذ. بل يمكن أن يكون قد اشتهر ذلك منذ الايام الاولى من البعثة. 7 - ما يدل على أن الاسراء قد كان قبل وفاة ابي طالب: فإن بعض الروايات تذكر أن أبا طالب (ره) قد افتقده ليلته، فلم يزل يطلبه حتى وجده، فذهب إلى المسجد، ومعه الهاشميون، فسل سيفه عند الحجر، وامر


. (1) راجع الاتقان ج 1 ص 10 - 11 و 25. (2) تفسير الميزان مجلد 19 ص 26. (3) مجمع الزوائد ج 1 ص 69 / 70 عن البزار والمواهب اللدنية ج 2 ص 6، وتاربخ الخميس ج 1 ص 310. (*)

[ 14 ]

الهاشميين باظهار السيوف التي معهم، ثم التفت إلى قريش، وقال: لو لم أره ما بقي منكم عين تطرف. فقالت قريش: لقد ركبت منا عظيما (1) 8 - ما روي من أن جبرئيل قال للنبي حين رجوعه: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومني السلام (2). 9 - وعن عمر: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: ثم رجعت إلى خديجة، وما تحولت عن جانبها (3). فكل ذلك يدل على أن هذا الحدث قد كان قبل وفاة شيخ الابطح، وأم المؤمنين خديجة " رحمها الله " وهما قد توفيا في السنة العاشرة من بعثة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فكيف يكون الاسراء والمعراج قد حصل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو بعدها ؟ !. تسمية أبي بكر بالصديق إنه إذا تأكد لنا: أن الاسراء والمعراج كان في السنة الثالثة من البعثة. أي قبل أن يسلم من المسلمين أربعون رجلا ؟ فاننا نعرف: أن الاسراء كان قبل اسلام أبي بكر بمدة طويلة ؟ لانه كما تقدم قد اسلم بعد اكثر من خمسين رجلا، بل إنما اسلم حوالي السنة الخامسة من البعثة، بل في السابعة أي بعد وقوع المواجهة بين قريش وبين النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أو بعد الهجرة إلى الحبشة فهو أول من أسلم بعد هذه المواجهة أو الهجرة - على الظاهر.


(1) مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 180، والبحار ج 18 ص 384. (2) البحار ج 18 ص 385 عن العياشي، عن زرارة، وحمران بن أعين، ومحمد بن مسلم، عن الباقر (ع). (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 315.

[ 15 ]

وإذا كان الاسراء قد حصل قبل اسلامه بمدة طويلة، فلا يبقى مجال لتصديق ما يذكر هنا، من أنه قد سمي صديقا، حينما صدق رسول الله (صلى اللة عليه وآله وسلم " في قضية الاسراء (1)، ولا لما يذكرونه، من أن ملكا كان يكلم رسول الله حين المعراج بصوت أبي بكر (2) وقد صرح الحفاظ بكذب طائفة من تلك الروايات (3). والصحيح: هو أنه قد كلمه بصوت علي " عليه السلام " (4). وبذلك يظهر حال سائر ما يذكر هنا لهذا الرجل من فضائل ومواقف تنسب إليه في السنوات الثلاث الاولى من البعثة. وبعد ما تقدم نقول: جاء في الشفاء عن ابي حمراء قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": لما اسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي " عليه ا لسلام " (5). الاسراء والمعراج في اليقظة أو في المنام: يرى البعض: أن الاسراء قد كان بالروح فقط، في عالم الرؤيا،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 315، والمواهب اللدنية ج 2 ص 40 مستدرك الحاكم، وابن اسحاق. (2) 4 المواهب اللدنية ج 2 ص 29 / 3 0. وراجع الدر المنثور ج 4 ص 155 وراجع ص 154. (3) راجع: الغدير ج 5 ص 303 و 324 و 325 فانه قد نقل هذه الروايات وتكذيبها عن: ميزان الاعتدال ج 1 ص 370، ولسان الميزان ج 5 ص 235، وتهذيب التهذيب ج 5 ص 138، والسيوطي في الموضوعات، وابن حبان، وابن عدي. (4) المناقب للخوارزمي ص 37 وينابيع المودة ص 83. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 313.

[ 16 ]

ويحتجون بما عن عاثشة: ما فقدت جسد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " (1). وعن معاوية: انها رؤيا صالحة (2). وحكي مثل ذلك عن الحسن البصري. ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه الامامية ومعظم المسلمين من أن الاسراء إنما كان بالروح والجسد معا. أما المعراج فذهب الاكثر إلى أنه كان بالروح والجسد وهو الصحيح أيضا. ونحن نشير هنا إلى ما يلي: أولا: بالنسبة لعائشة، قال القسطلاني: " وأجيب: بان عائشة لم تحدث به عن مشاهدة ؟ لانها لم تكن إذ ذاك زوجا، ولا في سن من يضبط، أولم تكن ولدت بعد، على الخلاف في الاسراء متى كان " (3). وأما معاوية فحاله معلوم مما ذكرناه في الجزء الاول: المدخل لدراسة السيرة. وثانيا: قال تعالى: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى " (4) وقال في سورة النجم - إذا كانت الايات ناظرة إلى المعراج، ويرجع الضمير فيها إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا إلى جبرئيل -: " فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى " (5). (1) تاريخ الخميس ج ا ص 308، والمواهب اللدنية ج 2 ص 2، والبحار ج 18 ص 291 وفي المناقب لابن شهرآشرب ج ا ص 177: أن الجهمية قالت بهذا. (2) البحار ج 1 8 ص 291 عن: المقاصد وشرحه، وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 308. (3) المواهب اللدنية ج 2 ص 2. (4) الاسراء: 1. (5) النجم 9 - 10.

[ 17 ]

فان لفظ العبد إنما يطلق على الروح والجسد معا، ولو كان مناما، لكان قال: بروح عبده، وإلى روح عبده. كما أن قوله تعالى: " ما زاغ البصر وما طغى " ظاهر في البصر الحقيقي أيضا (1). أضف إلى ذلك: أن آية سورة الاسراء، وآيات سورة النجم واردة في مقام الامتنان. وفيها ثناء على الله، وعجيب قدرته، وذلك لا يحسن، ولا يتم لمجرد رؤيا رآها النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ إذ ربما يرى غير النبي، وحتى الفاسق الفاجر رؤيا اعظم من ذلك. هذا بالاضافة إلى أن الرؤيا عند عامة الناس لا تدل على عظيم قدرته تعالى، إذ ربما تفسر على أنها نوع من الاوهام والخيالات، فيفوت الغرض المقصود من الاسراء والمعراج، كما هو ظاهر (2). وثالثا: انه لو كان الاسراء مجرد رؤيا صالحة ؟ فلا يبقى فيه اعجاز ؟ ولما أنكره المشركون والمعاندون، ولما ارتد ناس ممن كان قد اسلم، كما سنشير إليه. ررابعا: لو كان مجرد رؤيا، لم يخرج ابو طالب والهاشميون في طلبه " صلى الله عليه وآله وسلم ". وكان العباس يناديه حتى اجابه من بعض النواحي، حسبما ورد في بعضي الروايات. واما لماذا ينكرون: ان يكون ذلك بالروح والجسد معأ ؟ فهو إما لعدم قدرتهم على تعقل ذلك، أو لاجل الحط من كرامة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كما تقدم في المدخل لدراسة السيرة، أو لعدم قدرتهم


(1) راجع هذا الاستدلال في: البحار ج 18 ص 286 عن الرازي، والمواهب اللدنية ج 2 ص 4، وتاريخ الخميس ج 1 ص 308. (2) راجع: تفسير الميزان ج 13 ص 24. (*)

[ 18 ]

على اقناع الناس بامر مبهم كهذا. الاسراء والمعراج في القرأن: اننا نؤمن بالاسراء استنادا إلى قوله تعالى: " سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا (1) "... فمحط النظر في الآية هو بيان الاسراء فقط. اما المعراج، فانه لم يذكر في القرآن صراحة، إلا ما جاء في تفسير آيات سورة النجم وهي قوله تعالي: " ذو مرة فاستوى. وهو بالافق الاعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو ادنى. فأوحى إلى عبده ما اوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى. " (2)، ان قلنا ان الضمير فيها يرجع إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لا إلى ذي المرة، الذي هو جبرئيل. مع أن الثاني هو الظاهر، ويدل عليه رواية صحيحة السند، عالية الاسناد، عن الامام الرضا " عليه السلام ". والرواية تستشهد وتستدل بنص الايات في السورة. (3).


ويدل على ذلك ايضا ويفسره قوله تعالى: " ولقد رآه بالافق المبين (4) " فراجع. ولكن كثرة الاخبار الواردة في المعراج، وحتى تواترها القطعي لا يبقي مجالا للشك في حصول المعراج ؟ فنحن نؤمن به أيضا استنادا إلى ذلك.

(1) الاسراء: 1. (2) النجم: 6 - 12. (3) راجع البرهان للبحراني ج 4 ص 248 وستاتي الرواية تحت عنوان: لا تدركه الابصار. (4) التكوير: 23. (*)

[ 19 ]

وأما القول بوجود تعارض بين آية سورة الاسراء، وبين الروايات الدالة على المعراج، على اعتبار: ان الاية تدل على ان انتهاء السير كان في المسجد الاقصى، ولم يكن بعده سير. فلا يصح ؟ لان هناك رحلتين مختلفتين من حيث الكيفية والقصد. وقد كان انتهاء الرحلة الاولى في المسجد الاقصى، ولم يتعلق غرض في الاية ببيان الرحلة الثانية أصلا. سؤال هام وجوابه: واما لماذا لم يذكر المعراج في القرآن صراحة، كما كان الحال بالنسبة إلى الاسراء. فلربما يكون السر في ذلك هو ان الاسرأء امر قريب إلى الحس، فالتصديق به يكون ايسر وأقرب. وإذا كانوا قد صعب عليهم التصديق بالاسراء، بل واستهزؤا وشنعوا عليه ما شاء لهم بغيهم وحنقهم. رغم أنه قد أخبرهم بما جرى للقافلة التي رآها في طريقه، وبانها قد اضلت بعيرا، وكسرت فيها ناقة حمراء في الوقت الفلاني، وبان لهم صدقه في ذلك. ورغم أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " وصف لهم بيت المقدس وصفا دقيقا، يعلمون صحته وصدقه، مع علمهم بعدم رؤيته " صلى الله عليه وآله وسلم " له فيما مضى. وأيضا، إذا كان بعض ضعفاء المسلمين قد ارتدوا، حين أخبرهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بقضية الاسراء (1)، الذي هو من جملة


(1) المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 328، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 21، وأخرجه أبو نعيم، ومنتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 353 حياة الصحابة ج 3 ص 73 عن بعض من تقدم. وتاربخ الخميس ج 1 ص 308 و 315، والمواهب اللدنية ج 2 ص 40. (*)

[ 20 ]

المعجزات القاطعة، والبراهين الساطعة. نعم، إذا كان ذلك كله، فكيف تكون الحال إذا أخبرهم بما هو اكثر غرابة وبعدا عن أذهانهم، وهو رحلته إلى السماوات العلى، وما شاهد فيها من عجائب الصنع، وبديع الخلق ؟ !. ولهذا، فاننا نرجح: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد تدرج في اخباره لهم بالاسراء والمعراج، فاخبرهم أولا بالاسراء، أما المعراج ؟ فاخبر به أولياءه المؤمنين القادرين على التحمل، والتعقل. ثم صار يتوسع في اخباره لغيرهم بذلك في الاوقات المناسبة، وبحسب ما تقتضيه المصلحة، ومتطلبات الدعوة إلى الله تعالى. الداعية الحكيم: ولعل مما تقدم يظهر: أنه إذا كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، فان من الطبيعي أن يهتم في الحفاظ على الركيزة الايمانية التي يحصل عليها، وأن لا يدخلها في أجواء ليس لها القدرة على استيعابها ولا على مواجهة اخطار الانحراف فيها. ومن الواضح: أنه إذا أخبرهم بقضية المعراج، مع عدم قدرتهم على التحمل والتفاعل معها ولا على تصورها، فانهم إذا ارتدوا حينئذ فسيكونون معذورين، ولا سيما إذا كان التصديق بهذه القضية إنما يستند إلى المستوى الايماني لديهم بالدرجة الاولى. وأما قضية الاسراء، فقد كان بالامكان أن يؤدي الاخبار عنها نفس النتيجة المتوخاة، وهى الجهة الاعجازية ذات الطابع المعين مع امكان الاستناد في مقام الاقناع بها إلى أدلة تقربها إلى الحس، وتجعل القبول بها أيسر وأسهل من تلك، ولا يعتمد فيها على المستوى الايماني

[ 21 ]

وحسب. وإذن ؟ فلا يبقى ثمة مبرر لارتداد هؤلاء، ولا لعناد أولئك. لا تدركه الابصار: ويرى البعض، استنادأ إلى قوله تعالى: " أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى إلخ (1) ": أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد رأى الله حين المعراج بعين رأسه، ورووا ذلك عن ابن عباس. بل لقد حكى النقاش عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه، رآه، حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد (2). ونحن لا نريد أن نفيض في الحديث حول الرؤية له تعالي، فلقد أثبت علماؤنا الابرار، بما لا مجال معه للشاث استحالة رؤيته تعالى، سواء في الدنيا، أو في الاخرة. وقد فندوا أدلة المجسمة المثبتين للرؤية في الدنيا والاخرة، أو في الاخرة فقط بشكل علمي وقاطع.. فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بمراجعة دلائل الصدق، وغيره من الكتب المعدة لذلك (3). ونكتفي هنا بالاشارة إلى أن الرواية عن ابن عباس غير ثابتة، فقد روي عنه أيضا خلافها (4). وروى عن عائشة: أن مسروقا قال لها: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ربه ؟ قالت: لقد قف شعري مما


(1) النجم: 12 - 14. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 314. (3) مثل: دلائل الصدق، وغيره من الكتب الباحثة في الشأن العقائدي. (4) راجع في الروايات الكثيرة عنه: الدر المنثور ج 6 ص 122 - 126. (*)

[ 22 ]

قلت... إلى أن قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تدركه الابصار إلخ (1). وعند مسلم: أنها أضافت: أنها سألت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن. ذلك، فأخبرها: أنه لم يره، وإنما رأى جبرئيل (2). والروايات في أن المقصود بالآيات في سورة النجم هو جبرئيل كثيرة جدا وكذلك الروايات التي تؤكد: على أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد رآه بقلبه وفؤاده، لا بعينه وبصره، فانها كثيرة أيضا. (3) بل إن نفس الآيات ظاهرة - إن لم تكن صريحة - في أن المقصود هو جبرئيل، بيان ذلك باختصار: ان قوله تعالى: علمه شديد القوى يراد بشديد القوى هو جبرئيل " عليه السلام "، ثم وصف جبرئيل، الذي وصفه الله بالقوة في قوله: " ذي قوة عند ذي العرش مكين (4) " بكونه ذا مرة، (أي شدة وحصافة في العقل والرأي) (5)، وقوله (فاستوى) أي ان ذلك الشديد، ذا المرة. استقام أو استولى، وهو بالافق الاعلى. وقوله: ثم دنا، أي ذلك الشديد ذو المرة دنا


(1) المواهب اللدنية ج 2 ص 34 عن البخاري ومسلم، وتاريخ الخميس ج 1 ص 313، والدر المنثور ج 6 ص 124 عن عبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وابن مردويه. (2) المواهب اللدنية ج 2 ص 35 عن مسلم. (3) يكفي أن يرجع الطالب إلى الدر المنثور ج 6 ص 122 - 126 وتاريخ الخميس ج 1 ص 313 / 314 والمواهب اللدنية ج 2 ص 36 / 37 وغير ذلك من المصادر الكثيرة جدا. (4) التكوير: 20. (5) احتمل بعض المحققين: أن يكون وصف الله تعالى لجبرئيل بالشدة في مقابل التابع من الجن الذي كان ضعيفا بحيث يستطيع الانسان أن يتسلط عليه. (*)

[ 23 ]

من النبي وتدلى في الافق نحو النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ثم، إن ذلك الشديد القوي ذا المرة الذي دنا فتدلى، أوحى إلى النبي الذي هو عبد الله ما أوحى. ورجوع الضمير إلى الله مع عدم سبق ذكره، لا ضير فيه لوضوحه، كما قال العلامة الطباطبائي، أو على أن يكون ضمائر فأوحى إلى عبده ما أوحى راجعة إلى الله تعالى. ثم قال: ما كذب الفؤاد ما رأى. والمرئي هو الآيات الكبرى، ومنها ما تقدم من الدنو، والتدلي، وكون جبرئيل بالافق الاعلى. وليس في الاية ما يدل على أن الرؤية قد كانت لله تعالى. ويدل على ما نقول قوله تعالى الاتي: " ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى ". ثم قال تعالى: أفتمارونه على ما يرى. أي اتجادلونه في رؤيته جبرئيل، وهل هذا أمر نظري عقلي يصح الجدال والمراء فيه ؟ وهل بامكانه أن يكذب بصره ويقول: لاأراه ؟ ! فان الكفار كانوا ينكرون الوحي له، ورؤيته الملك. ثم قال تعالى: ولقد رآه، - والضمير يرجع إلى ذلك الذي لا يزال يتحدث عنه -، نزلة أخرى، أي في نزول آخر، والذي كان ينزل عليه " صلى الله عليه وآله وسلم " هو جبرئيل، فانه رآه والتقى معه على صورته في نزلة ثانية عند سدرة المنتهى. والسدرة نوع من الشجر. ولا بد أن تكون هذه الرؤية الثانية في الارض، وإلا لوجب أن يقول: ولقد رآه نزلة أخرى، ثم عرج به إلى السماء، حتى انتهى إلى السدرة، فرآه عندها. ويبدو: أنه كان في الارض - كما يراه بعض المحققين - شجرة سدر

[ 24 ]

كان لقاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بجبرئيل عندها، وعند تلك السدرة توجد جنة الماوى، أي جنة وبستان يؤوى إليها، أو أن الجنة في الاخرة ستكون في تلك المنطقة. وبعض المحققين يرى: أن المراد بالنزلة الدفعة، وأنه قد رأى جبرئيل بعد العروج عند سدرة المنتهن، وان الجنة الحقيقية موجودة هناك. ونقول: إن هذا الكلام خلاف ظاهر التعبير بنزلة. وتحقيق مكان الجنة ليس هنا محله. وهكذا يتضح: أن هذه الايات ناظرة إلى رؤية النبي " صلى الله عليه وآله وسلم، لجبرئيل على صورته الحقيقية مرتين في نزلتين لجبرئيل. وهذا هو ما أكده الامام الرضا (عليه السلام، في رواية صحيحة السند عنه، جاء فيها: قال أبو قرة: إنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ؟ فقسم الكلام لموسى، ولمحمد الرؤية. فقال أبو الحسن " عليه السلام،: فس المبلغ عن الله إلى الثقلين، من الجن والانس: " لا تدركه الابصار. ولا يحيطون به علما. وليس كمثله شئ " ؟ أليس محمد اصلى الله عليه وآله وسلم، ؟ قال: بلى. قال: كيف يجص ء رجل إلى الخلق جميعا ؟ فيخبرهم: أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بامر الله، فيقول: " لا تدركه الابصار. ولا يحيطون به علما. وليس كمثله شئ)، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت علما، وهو على صورة البشر ؟ ! أما تستحون ؟ !. ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون ياتي من عند الله بشئ، ثم ياتي بخلافه من وجه آخر.

[ 25 ]

قال أبو قرة: فانه يقول: " ولقد رآه نزلة أخرى " ؟ فقال م بو الحسن " عليه السلام ": إن بعد هذه الاية ما يدل على ما رأى، حيث قال: " ما كذب الفؤاد ما رأى "، يقول: ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " ؟ فآيات الله غير الله، وقد قال الله: " ولا يحيطون به علما ". فإذا رأته الابصار ؟ فقد أحاطت به العلم، ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات ؟ !. فقال أبو الحسن " عليه السلام ": إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها. وما أجمع المسلمون عليه: أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شئ (1). وفي الرواية دلالة على حجية ظواهر الكتاب، وعلى حجية السياق القرآني ايضا. صلوات الله وسلامه عليك يا أبا الحسن وعلى ابائك وابناءك الطاهرين، فانكم ما زلتم حصون الاسلام، والمدافعين عنه، والباذلين مهجكم في سبيله، فانتم مصابيح الدجى، والعروة الوثقى، والحجة على أهل الدنيا. الاسراء من المسجد: صريح القرآن: أن الاسراء كان من المسجد، وجاء في عدد من الروايات: أنه كان من بيت أم هاني (2) واحتمل السيد الطباطبائي أن يكون (1) أصول الكافي ط سنة 1388 في إيران ج 1 ص 75 4 / 75. والبرهان للبحراني ج 4 ص 248. (2) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 43.

[ 26 ]

الاسراء حصل مرتين، إحداهما من بيت أم هاني (1). ويحتمل أيضا التجوز، وارادة مكة من " المسجد الحرام ". وهو اطلاق متعارف، قال تعالى: " هديا بالغ الكعبة " ويقال: هو يسكن في مشهد الرضا، مع أنه يسكن في البلد المحيطة به. وأطلق في الروايات مسجد الشجرة على ذي الحليفة. ومثل ذلك كثير، فان من المتعارف أن يطلق على المكان الذي فيه شئ معروف اسم ذلك الشئ المعروف. ويحتمل أيضا أن يكون " صلى الله عليه وآله وسلم " خرج تلك الليلة إلى المسجد من بيت أم هاني، ثم اسري به من المسجد.. موسى، وفرض الصلوات الخمس: هذا، وقد جاء في بعض الروايات: أن الصلوات الخمس قد فرضت حين المعراج، وأنها فرضت أولا خمسين صلاة في اليوم. وحين عودة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " التقى بموسى، فأشار عليه أن يرجع إلى الله، ويسأله التخفيف، لان الامة لا تطيق ذلك - كما لم تطقه بنو اسرائيل - فرجع، وطلب إلى الله التخفيف فخففها إلى أربعين، وعاد الرسول ؟ فمر بموسى، فاشار عليه بطلب التخفيف، ففعل، فخففت إلى ثلاثين، ثم إلى عشرين، ثم إلى عشرة، ثم إلى خمسة، ثم استحيا الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " من المراجعة من جديد فاستقرت الصلوات على خمس (2). (1) الميزان ج 13 ص 31. (2) لقد وردت هذه الرواية في مختلف كتب الحديث، والتاريخ عند غير الشيعة، ولذا فلا نرى حاجة لذكر مصادرها. فراجع على سبيل المثال: كشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 45، ووردت أيضا في كتب الامامية رحمهم الله تعالى، وأعلى درجاتهم، فراجع: البحارج 18 ص 330 و 335 و 348 و 349 و 350 و 408 عن: =

[ 27 ]

وهذه الرواية وإن كانت قد وردت في بعض المصادر الشيعية أيضا، الا أننا لا نستطيع قبولها، وقال عنها السيد المرتضى " رحمه الله ": " أما هذه الرواية فهي من طريق الاحاد، التي لا توجب علما، وهي مع ذلك مضعفة (1) ". ونحن هنا نشير إلى الاسئلة التالية: لماذا يفرض الله على الامة هذا العدد أولا، ثم يعود إلى تخفيفه بعد المراجعة، فانه إن كانت المصلحة في الخمسين، فلا معنى للتخفيف، وإن كانت المصلحة في الخمس، فلماذا يفرض الخمسين، ثم الاربعين، ثم الثلاثين وهكذا. وفي بعض الروايات: أنه كان في كل مرة يحط عنه خمسا، حتى انتهى إلى خمس صلوات. وقد أجاب بعض المحققين عن هذا بأن ما جرى هنا ما هو إلا نظير اضافة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " الركعتين الاخيرتين في الرباعية من الصلاة اليومية ؟ ونظير التكليف بعدم الفرار من الزحف، مع أنه علم أن فيكم ضعفا. ونظير الرفث إلى النساء ليلة الصيام، فقد نسخت حرمته بعد وقوع المخالفات منهم ؟ قال تعالى: علم أنكم كنتم تختانون انفسكم ؟ فتاب عليكم، وعفا عنكم ؟ فالان باشروهن (2). ونقول: ان ما ذكره - حفظه الله لا يكفي لدفع ما ذكرناه، أما بالنسبة لتشريع الركعتين الاخيرتين في الرباعية من قبله " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فإن الله سبحانه قد فوض له ذلك حينما يعلم " صلى الله


= أمالي الصدوق ص 270، 271 و 274، 275، وتوحيد الصدوق ص 167، 168 / 1، وعلل الشرائع ص 55 / 56، والخصال ج 1 ص 129. (1) تنزيه الانبياء ص 121. (2) البقرة: 187.

[ 28 ]

عليه وآله وسلم " بتحقق مصلحته ومقتضيه في متن الواقع. واما بالنسبة لحكم الفرار من الزحف، وحكم الرفث إلى النساء، فان المقصود ب: " علم أن فيكم ضعفا ". و " علم انكم كنتم تختانون انفسكم " هو تحقق معلوم الله سبحانه في الخارج. أي أن الحكم السابق، وهو حرمة الفرار بملاحظة قلة العدد، وحرمة الرفث قد استمر وبقي إلى أن حصل الضف وحصلت الخيانة وتغير الموضوع. فنسخ الحكم الاول، فنسخت حرمة الرفث ونسخت حرمة الفرار وليس المراد علم الله بعد جهله، والعياذ بالله. أما السيد المرتضى، فقد أجاب " رحمه الله " عن التساؤل الذي طرحناه فيما سبق بنحو آخر، وهو: أن من الممكن أن تكون المصلحة أولا تقتضي الخمسين، ثم تغيرت هذه المصلحة بسبب المراجعة، وأصبحت تقتضي الخمس (1). ولكنه جواب منظور فيه ؟ فان النبي إذا كان يعلم: أن الله تعالى لا يشرع إلا وفق المصلحة، فانه لا يبقى مجال لمراجعته أصلا ؟ لانه كانه حينئذ يطلب تشريعا لا يوافق المصلحة. ولو صحت المراجعة هنا، واوجبت تبدل المصلحة صحت في كل مورد، واوجبت ذلك ايضا، فلماذا كانت هنا. ولم تكن في سائر الموارد. كما أن تعليل موسى للتخفيف بعدم طاقة الامة، كانه يدل على أنه يعتقد: أن هذا التشريع يخالف المصلحة. وهذا محال بالنسبة إلى الله تعالى. ولا يمكن صدوره لا من موسى " عليه السلام " ولا من نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم ". قال صاحب المعالم:


(1) تنزيه الانبياء ص 121.

[ 29 ]

" المطالبة بصحة الرواية، مع أن فيها طعنا على الانبياء بالاقدام علن المراجعة في الاوامر المطلقة " (1). وسؤال آخر: كيف لم يعلم الله تعالى: أن الامة لا تطيق ذلك، وعلم بذلك موسى ؟: وسؤال آخر، وهو: ما المراد بعدم الاطاقة ؟ هل المراد بها عدم الاطاقة عقلا ؟ فيرد عليه: انه لا يمكن القول بجواز التكليف بما لا يطاق ؟ أو المراد به ما كان في مستوى العسر والحرج، المنفي في الشرع الاسلامي، كما دلت عليه الروايات والايات ولا سيما تموله تعالى: " يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر " (2) و " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) وغير ذلك من الايات. ومما ذكرناه يتضح: أنه لا يمكن أن يكون تعالى قد كلف بني اسرائيل مالا يطيقون. واما قوله تعالى: " ربنا، ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا " (4). فهو لا يدل على ذلك لعطف قوله " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " عليه ؟ فيدل على أن المراد بالاصر هو ما يطاق، لا ما لا يطاق. ويمكن ان يكون المراد بالاصر: جزاء السيئات الثقيل والشاق، أو المبادرة بعذاب ا لاستيصا ل. واما طلبهم أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، فليس المراد أنه


(1) معالم الدين ص 208 مبحث النسخ. (2) البقرة: 185. (3) الحج: 78. (4) ا لبقرة: 286.

[ 30 ]

يحملهم ذلك في التكليف الابتدائي، لان العقل لا يجيز ذلك، بل المراد مالا طاقة لهم به، مما يتسبب عن المخالفة وهو العذاب الاليم، والعقاب العظيم. وسؤال آخر هنا، وهو: كيف نسي الله تعالى تلك التجربة الفاشلة مع بني اسرائيل، حتى أراد أن يكررها مع أمة محمد من جديد ؟ !. ولعل هذه التجربة كانت هي عذر ابراهيم الذي مر عليه محمد " صلى الله عليه واله وسلم " ذهابا وايابا عشر مرات، أو عشرين (1) على اختلاف النقل. ولكنه لم يسأله عن شئ، ولا أمره بشئ ! !. وإن كنا نستغرب عدم سؤاله عن سر هذه الجولات المتتالية ذهابا وايابا ؟ !. ولماذا لم يلتفت نبينا الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى ثقل هذا التشريع على امته، والتفت إليه نبي الله موسى ؟ ولماذا بقي يغفل عن ذلك خمس مرات، بل ستة أو اكثر ولا يعرف: أن هذا ليس هو الحد المطلوب، حتى يضطر موسى لان يرصد له الطريق باستمرار، ولولاه لوقعت الامة في الحرج والعسر ؟. ولماذا لا ينزل الله العدد إلى الخمس مباشرة من دون أن يضطر الرسول إلى الصعود والنزول المتعب والمتواصل باستمرار ؟ ! استبعاد الاسراء والمعراج: وبعد، فلا بد لنا من الاشارة هنا: إلى أن استبعاد الاسراء


(1) لان ابراهيم حسب نص الرواية كان في السماء السابعة، وموسى كان في السادسة وكان موسى يرجع النبي إلى ربه، كي يسأله التخفيف، فيرجع ثم يعود إليه فيرجعه من جديد. (*)

[ 31 ]

والمعراج ؟ بدعوى عدم امكان تصور أن تقطع تلك المسافات الشاسعة، التي تعد بآلاف الاميال في ليلة واحدة ذهابا وايابا - هذا الاستبعاد - في غير محله. فقد حضر عرش بلقيس لدى سليمان من اليمن إلى بلاد الشام في أقل من لمح البصر. وكان عفريت من الجن قد تكفل بأن يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه. وأما بالنسبة لنا اليوم فقد اصبح التصديق بالاسراء والمعراج اكثر سهولة، والاقناع به أقرب منالا، ولا سيما بعد أن تمكن هذا الانسان العاجز المحدود من أن يصنع ما يمكنه من قطع 13 كيلو مترا في ثانية واحدة، ولربما يتضاعف ذلك عدة مرات في المستقبل. كما أنه قد اكتشف أن سرعة النور هي حوالي ثلاثمائة الف كيلو متر في الثانية (1)، بل يعتقد بعض العلماء: ان الموجات غير المرئية للجاذبية تستطيع أن تقطع العالم بلحظة واحدة من دون حاجة إلى الزمان.. وبعد كل هذا فإنه إذا كان قطع المسافات البعيدة بهذه السرعة المذهلة ليس مستحيلا على هذا الانسان المحدود، الذي بقي الاعوام الطوال يفكر ويستعد، ويجمع الخبرات والامكانات، فهل يستحيل على خالق الانسان والكون، ومبدعه أن يسري بعبده الذي اصطفاه رسولا للبشرية جمعاء، ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى، وإلى ملكوت السموات، ثم يعيده إلى مكانه الاول ؟ !. من اهداف الاسراء والمعراج: اننا إذا أردنا معرفة الاهداف والحكم، والمعجزات، والتاثيرات


(1) راجع حول سرعة النور: موسوعة المعارف والعلوم ص 10. (*)

[ 32 ]

العميقة للاسراء والمعراج، فلابد لنا من دراسة كل نصوصه، وفقراته، ومراحله بدقة وعمق. بعد تحقيق الصحيح منها. وحيث ان ذلك غير متيسر بل هو متعذر علينا في ظروفنا الحاضرة، فاننا لابد ان نكتفي بالاشارة إلى الامور التالية: أولا: ان حادثة الاسراء والمعراج معجزة كبرى خالدة، ولسوف يبقى البشر إلى الابد عاجزين عن مجاراتها، وادراك أسرارها ولعل اعجازها هذا اصبح اكثر وضوحا في هذا القرن العشرين، بعد ان تعرف هذا الانسان على بعض اسرار الكون وعجائبه. وما يعترض سبيل النفوذ إلى السماوات من عقبات ومصاعب. واعجازها هذا إنما يكون بعد التسليم بنبوة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن طريق الخضوع لمعجزته الخالدة، وهي القرآن، أو اليقين بصدقه " صلى الله عليه وآله وسلم " عن أي طريق آخر، بحيث يكون ذلك موجبا لليقين بصدق اخباراته كلها ؟ فإذا اخبر " صلى الله عليه وآله وسلم " بهذه الحادثة، فان اخباره مساوق لليقين بوقوعها. وهي حينئذ تكون معجزة خالدة تتحدى هذا الانسان على مدى التاريخ. وثانيا: يلاحظ: ان هذه القضية قد حصلت بعد البعثة بقليل، وقد بين الله سبحانه الهدف من هذه الجولة الكونية ؟ فقال في سورة الاسراء: " لنريه من آياتنا ". وإذا كان الرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الاسوة والقدوة للانسانية جمعاء، وإذا كانت مهمته هي حمل اعباء الرسالة إلى العالم بأسره، وإذا كان سوف يواجه من التحديات، ومن المصاعب والمشكلات ما هو بحجم هذه المهمة الكبرى، فان من الطبيعي: أن يعده الله سبحانه إعدادا جيدا لذلك، وليكن المقصود من قصة الاسراء

[ 33 ]

والمعراج هو ان يشاهد الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " بعض آثار عظمة الله تعالى، في عملية تربوية رائعة، وتعميق وترسيخ للطاقة الايمانية فيه، وليعده لمواجهة التحديات الكبرى التي تنتظره، وتحمل المشاق والمصاعب والأذايا التي لم يواجهها احد قبله، ولا بعده، حتى لقد قال حسبما نقل " ما أوذي نبي مثلما أوذيت ". وعلى حسب نص السيوطي، والمناوي، وغيرهما: " ما أوذي احد ما أوذيت " (1) ولا سيما إذا عرفنا: ان عمق إدراك هذا النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " - وهو عقل الكل، وإمام الكل - لاخطار الانحرافات في المجتمعات، وانعكاساتها العميقة على الاجيال اللاحقة كان من شأنه أن يعصر نفسه ألما من اجلهم، ويزيد في تأثره وعذاب روحه حتى لقد خاطبه الله تعالى بقوله " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (2) ". وأيضا، فانه بالاسراء والمعراج يفتح قلبه وعقله ليكون أرحب من هذا الكون، ويمنحه الرؤية الواضحة، والوعي الاعمق في تعامله مع الامور، ومعالجته للمشكلات. ولا سيما إذا كان لابد أن يتحمل مسؤولية قيادة الامة والعالم بأسره. وكذلك ليصل هذا النبي الأمي إلى درجة الشهود والعيان بالنسبة إلى ما أوحي إليه، وسمع به عن عظمة ملكوت الله سبحانه، ولينتقل من مرحلة السماع إلى مرحلة الرؤية والشهود، ليزيد في المعرفة يقينا، وفي الايمان رسوخا. وثالثا: لقد كان الانسان - ولا سيما العربي آنئذ - يعيش في نطاق ضيق، وذهنية محدودة، ولا يستطيع أن يتصور أكثر من الامور الحسية، أو


(1) راجع: الجامع الصغير ج 2 ص 144 وكنوز الحقائق، هامش الجامع الصغير ج 2 ص 83. (2) فاطر / 8. (*)

[ 34 ]

القريبة من الحس، التي كانت تحيط به، أو يلتمس آثارها عن قرب. وذلك من قبيل الفرس، والسيف، والقمر، والنجوم، والماء والكلاء، ونحوها، ويشعر بالحب، والبغض والشجاعة وغير ذلك. فكان - والحالة هذه - لا بد من فتح عيني هذا الانسان على الكون الارحب، الذي استخلفه الله فيه، ليطرح على نفسه الكثير من التساؤلات عنه، ويبعث الطموح فيه للتعرف عليه، واستكناه أسراره، وبعد ذلك احياء الامل وبث روح جديدة فيه، ليبذل المحاولة للخروج من هذا الجو الضيق الذي يرى نفسه فيه، ومن ذلك الواقع المزري، الذي يعاني منه. وهذا بالطبع ينسحب على كل أمة، وكل جيل، وإلى الابد. ورابعا: والاهم من ذلك: ان يلمس هذا الانسان عظمة الله سبحانه، ويدرك بديع صنعه، وعظيم قدرته، من اجل ان يثق بنفسه ودينه. ويطمئن إلى أنه بإيمانه بالله، إنما يكون قد التجأ إلى ركن وثيق لا يختار له الا الاصلح، ولا يريد له الا الخير، قادر على كل شئ، ومحيط بكل الموجودات. وخامسا: واخيرا، انه يريد ان يتحدى الاجيال الاتية، ويخبر عما سيؤول إليه البحث العلمي - من التغلب، على المصاعب الكونية، وغزو الفضاء ؟ فكان هذا الغزو بما له من طابع اعجازي خالد هو الاسبق والاكثر غرابة وابداعا ؟ وليطمئن المؤمنون، وليربط الله على قلوبهم، ويزيدهم ايمانا كما قلنا. الاذان: ونحن نعتقد: أن الأذان قد شرع في مناسبة الاسراء والمعراج كما جاء في الخبر الصحيح، ولكنهم إنما يذكرون ذلك بعد الهجرة ؟ فنحن نرجئ الحديث عنه إلى هناك، إن شاء الله تعالى.

[ 35 ]

اليهود والمسجد في القران: قال تعالى: (وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب: لتفسدن في الارض مرتين، ولتعلن علوا كبيرا. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا، أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم اكثر نفيرا. إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم، وإن أسأتم فلها ؟ فإذا جاء وعد الاخرة ؟ ليسوؤا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا. عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات: أن لهم أجرا كبيرا. وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما) (1). مفاد الآيات إجمالا: فهذه الآيات الكريمة تتضمن: أ: أحداثا أربعة هامة، هي التالية: 1 - إن بني اسرائيل سوف يفسدون في الارض، ويعلون علوا كبيرا، بعد أن كتب الله عليهم الجلاء، وضرب عليهم الذل والمسكنة، وباؤا بغضب من الله. 2 - إن عبادا لله أولي بأس شديد سوف يحاربون الاسرائليين، بعد فسادهم وعلوهم، ويطأون بلادهم، ويجوسون خلال ديارهم جزاء على بغيهم وفسادهم، ويدخلون المسجد الاقصى ايضا.


(1) سورة الاسراء: 4 - 10. (*)

[ 36 ]

3 - إن بني اسرائيل سوف تكثر بعد ذلك أموالهم، وأولادهم، وذلك يحتاج إلى مدة طويلة نسبيا، ولسوف يجهزون جيشا أعظم من جيش أولئك العباد، وتكون الكرة لهم عليهم. 4 - ثم انهم بعد ان يعودوا إلى الافساد من جديد ؟ في مهلة زمنية لا بأس بمقدارها يعود أولئك العباد إلى حربهم، ليسوؤا وجوههم، وليتبروا ما علوا تتبرا. ب: إن حصول المرتين الاولى والثانية، يعني الافساد والاول من بني اسرائيل ثم إرسال الله تعالى عبادا له عليهم، أمر حتمي، لقوله تعالى: " وكان وعدا مفعولا ". أما المرتان الاخيرتان فهما تتوقفان على اعتبار بني اسرائيل بما حصل، ثم اختيارهم أحد الامرين. فلاجل ابراز عنصر الاختيار هذا والتشكيك بصدوره منهم، عبر ب " ان ": (أن احسنتم الخ..) لانها تستعمل في مقام الترديد والشك في صدور الاحسان منهم. ضرب القاعدة، وإعطاء الضابطة: ثم إنه بالنسبة للافساد الثاني قد اختار التعبير ب " إذا " كما استعمل نفس هذه الكلمة بالنسبة لافسادهم الاول، وذلك لافادة أن اختيارهم لطريق الشر أمر حتمي. ولا شك فيه لما يعلمه الله فيهم من خصائص، وطموحات. ولكن جواب الشرط قد جاء بصيغة المضارع لافادة حصول سوء الوجوه والتتبير بصورة تدريجية، ليكون ذلك أدعى في الاذلال، وأدل على المساءة ولكن هذا المضارع إنما هو بملاحظة زمان تحقق الشرط في المستقبل. ويلاحظ هنا: كثرة المؤكدات على صدور ذلك منهم ؟ فلاحظ قوله

[ 37 ]

تعالى: (قضينا) المشير إلى حتمية ذلك لكن لا على سبيل الجبر، وإنما على سبيل الاخبار بما هو حتمي الوقوع بحسب ما يعلمه الله من أحوالهم. ثم عبر بكلمة: (في الكتاب) المفيدة إلى نوع التأكيد أيضا. ثم أتى بلام الابتداء في أكثر من مورد، فقال: (لتفسدن، ولتعلن). ثم أتى بنون التوكيد. مشفوعة بإذا التي تستعمل في مقام الجزم بتحقق الشرط. وعقب على ذلك باعتاره وعدا قد جاء بصيغة التحقق والوقوع، حيث قال: (إذا جاء وعد) ولم يقل: وقت أو موعد وهو يقتضي الحصول والتحقق أيضا، ثم الحقه بكلمة: (بعثنا)، ولم يقل: سنبعث، ليشير إلى أنه أمر حاصل لا محالة، فهو يخبر عن وقوعه. ثم عاد فكرر كونه وعدا ولكن بصيغة تؤكد وقوعه وحصوله حيث قال: (كان رعدأ) ثم وصفه بقوله: (مفعولا). ونلاحظ أيضا أنه لم يزل يعبر ب: " أمددنا، بعثنا، جعلنا، رددنا " بصيغة الخبر عن أمر حاصل، واظهارا للثقة بحصوله أيضا. فلاحظ الآيات. ج: إن المستفاد من هذه الآيات هو: أن من سوف تجري لهم مع بني اسرائيل هذه الاحداث هم جماعة واحدة، يجوسون خلال ديار بني اسرائيل أولا، ثم ترد الكرة لبني اسرائيل عليهم، ثم يعودون هم إلى ضرب بني اسرائيل ضربة تسؤ لها وجوههم، ويتبروا فيها ما علوا. وذلك لان الضمائر في: " جاسوا، وعليهم، وليسوؤا، وليدخلوا، ودخلوه وليتبروا " - كل هذه الضمائر ترجع إلى جماعة واحدة، عبر عنها بقوله تعالي: (عبادا لنا)، وليس غيره في الآيات يصلح مرجعا لهذه الضمائر - أصلا. د: يستفاد من هذه الايات: أن هؤلاء العباد سوف يدخلون المسجد

[ 38 ]

مرتين. وأن دخولهم هذا سوف يكون على نحو واحد في المرتين معا، أي بالقوة والقهر، والغلبة (كما دخلوه اول مرة). ه‍: إنه تعالى بعد أن ذكر الاحداث الاربعة عاد فقال: (وإن عدتم عدنا) وهو لبيان قاعدة كلية، وسنة إلهية في مواجهة طغيان بني اسرائيل وفسادهم، وهو لا يدل على أن ذلك سوف يقع منهم، بعد تلك الاحداث الاربعة، بل إن ما سوف يقع جزما هو ما ذكر. أما ما سواه فلا دليل على حدوثه، بل إن تعبيره ب " إن " الشرطية، الموضوعة للاستعمال في غير موارد الجزم لربما يشير إلى عدم الوقوع. و: ان المقصود ب: (عبادا لنا) قوم مؤمنون، وذلك لاقتضاء ظاهر قوله: (بعثنا)، وقوله: (عبادا لنا) (1) لان البعث، والعباد له، لم يستعملا في القرآن - إلا ما شذ - إلا في مقام المدح والثناء، ولا سيما مثل قوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، وغير ذلك. ولا أقل من أنه قصد به ما سوى الكافرين. ولربما يشير إلى ذلك أيضا: أنه تعالي بعد أن ذكر انتصار عباده على بني اسرائيل وما سوف يحيق ببني اسرائيل من سوء، وأنه جعل جهنم للكافرين حصيرا، عاد فأجمل كل ذلك على شكل قاعدة كلية، فبين: ان سنة الله هي أن يبشر عباده المؤمنين الذين يقفون المواقف الصالحة، ويدافعون عن دينه - كهؤلاء العباد الذين أرسلهم على بني اسرائيل - بأن لهم أجرا عظيما. وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويفسدون في الارض، ويعلون، علوا كبيرا، كما هو حال بني اسرائيل قد أعتد لهم عذابا اليما، فقال: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين


(1) الميزان للعلامة الطباطبائي ج 13 ص 39. (*)

[ 39 ]

يعملون الصالحات: أن لهم أجرا عظيما. وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما). ثم دخل في موضوع آخر. ويرى العلامة المحقق البحاثة السيد الطباطبائى " رحمه الله ": أنه لا دليل في الكلام - أي في قوله تعالي: (بعثنا عليكم عبادا لنا) يدل على كون المبعوثين (مؤمنين) ؟ إذ لا ضير في عد مجيئهم إلى بني اسرائيل، مع ما كان فيه من القتل الذريع، والاسر، والسبي، والنهب، والتخريب، بعثا إلهيا ؟ لانه كان على سبيل المجازاة على إفسادهم في الارض، وعلوهم، وبغيهم بغير الحق ؟ فما ظلمهم الله ببعث أعدائهم، وتأييدهم عليهم، ولكن كانوا هم الظالمين لانفسهم (1). ونقول: ! ننا لا نستطيع - بدورنا - أن نقبل: أن الله تعالى يؤيد الظالمين والمجرمين بأي وجه. نعم، هو يخلي بينهم وبينهم، ويوقف تأييداته لهم، وهذا غير تأييده لاولئك، وبعثهم على هؤلاء. إلا أن يدعى أن المراد هو التسليط عليهم. وذلك بالتخلية فيما بينهم، ووقف التأييدات للفئة المؤمنة بسبب ما فعلته. لكن يرد عليه: أن نسبة البعث - والحالة هذه إلى الله سبحانه - تصبح غير ظاهرة، ولا مقبولة. كما أننا قد أشرنا فيما سبق إلى وجود بعض القرائن المشيرة إلى إيمان المبعوثين. فالاظهر هنا: هو أن أولئك العباد سوف يدفعهم أمر الله تعالى والتكليف الشرعي إلى القيام بذلك العمل ؟ فيصح أن يقال: إن الله هو المحرك والباعث لهم.


(1) تفسير الميزان ج 13 ص 39. (*)

[ 40 ]

هذا ما يستفاد من الآيات بشكل عام. بقي الكلام في تطبيقها الخارجي ؟ فهل حصل وتحقق مفادها كله في السابق ؟ أو أنه لسوف يحصل ذلك كله في الاتي !. أو أن بعض ذلك قد حصل ؟. والبعض الاخر متوقع الحصول ؟ !. أقوال الرواة والمفسرين: لقد راجعنا عددا من كتب الحديث والتفسير، فوجدنا الروايات والانظار مختلفة ومتباينة في ذلك.. ونحن نذكر موجزا عن تلك الروايات، والاراء بتلخيص منا، وذلك على النحو التالي: 1 - عن ابن مسعود: إن الفساد الاول هو قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، ثم عادوا هم فغزوا النبط، فأصابوا منهم. 2 - عن عطية العوفي: بعث الله عليهم أولا جالوت، ثم قتله طالوت على يد داود، ثم قتلوا يحيى ؟ فبعث عليهم بخت نصر. وكذا عن ابن عباس. 3 - عن علي: الفساد الاول قتل زكريا، والثاني قتل يحيى، مع عدم بيان من بعث عليهم في المرتين. 4 - عن حذيفة: المرة الاولى بخت نصر، ثم ردهم كورش، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنا نحوس، ثم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ثالثا اسبيانوس. 5 - عن ابن زيد: الاولى قتل زكريا ويحيى، فسلط عليهم سابور ذا الاكتاف، الفارسي، من قبل زكريا، وبخت نصر من قبل يحيى. 6 - عن مجاهد: ان ملك فارس بعث جندا إليهم ليتجسسوا

[ 41 ]

أخبارهم ويسمعوا حديثهم. ثم رجعت فارس، ولم يكثر قتال، ونصرت عليهم بنو اسرائيل، ثم بعث عليهم ملك فارس ببابل جيشا، أمر عليه بخت نصر ؟ فدمروهم. (1) رأي العلامة الطباطبائي: قال العلامة البحاثة المحقق الطباطبائي أيده الله تعالى: "... والذي يظهر من تاريخ اليهود: أن المبعوث أولا لتخريب بيت المقدس هو بخت نصر، وبقي خرابا سبعين سنة. والمبعوث ثانيا هو قيصر الروم اسبيانوس، سير إليهم وزيره طوطوز، فخرب البيت، وأذل القوم قبل الميلاد بقرن تقريبا. وليس من البعيد: أن يكون الحادثتان هما المرادتان في الآيات ؟ فان الحوادث الاخرى لم تفن جمعهم، ولم تذهب بملكهم واستقلالهم بالمرة، لكن نازلة بخت نصر ذهبت بجمعهم، وسؤددهم إلى زمن كورش، ثم اجتمع شملهم بعد برهة، ثم غلب عليهم الروم، وأذهبت بقوتهم، وشوكتهم، فلم يزالوا على ذلك إلى زمن ظهور الاسلام ". قال هذا سلمه الله بعد أن ذكر: أنه كالمسلم: أن إحدى هاتين النكايتين كانت على يد بخت نصر (2). ولكنه عاد فأورد على نفسه بأن في الآيات إشعارا بأن المبعوث إلى بني إسرائيل هم قوم باعيانهم في كلا المرتين.


(1) راجع هذه الروايات في الدر المنثور للسيوطي ج 4 ص 163 - 165 عن ابن جرير، وابن عساكر، وابن أبي حاتم، متفرقا. وراجع: تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وفخ القدير، وغير ذلك من التفاسير، في تفسير الآيات في سورة الاسراء. (2) تفسير الميزان ج 13 ص 44 / 45. (*)

[ 42 ]

وأجاب عن ذلك بأنه مجرد إشعار ؟ من دون تصريح. ونقول: إن الضمائر حسبما تقدم ليس لها مرجع في الكلام سوى قوله: " عبادا لنا ". وهذا يدل دلالة واضحة على وحدة القوم المرسلين على بني اسرائيل وليس مجرد إشعار. ومرادنا بالوحدة هو أن يكون لهم رابطة تجمعهم ككونهم فرسا، أو مسلمين مثلا. ويرد على كلامه سلمه الله، وعلى جميع الروايات المتقدمة، عن الدر المنثور وغيره ما يلي: 1 - إننا لم نجد لبني اسرائيل كرة على بخت نصر، ولا على سابور ولا غيرهما. بل إن كورش قد أرجعهم إلى بلادهم بعد حوالي مئة سنة من اسر بخت نصر لهم. مع أن الآية تكاد تكون صريحة بأن لبني اسرائيل كرة على أولئك العباد المبعوثين. 2 - إن النبط لم يدخلوا المسجد مرتين وكذلك بخت نصر، وقيصر، وغيرهم ممن ذكر جميعا. وقد أشارت الآية إلى أن المبعوثين سوف يدخلون المسجد مرتين. 3 - إن جميع أولئك ما كانوا من المؤمنين، بل كانوا من الطغاة والمتجبرين. 4 - إن بخت نصر كان قبل الميلاد بست مئة سنة تقريبا (1) وكان يحيى معاصرا للمسيح " عليه السلام " (2) فكيف ينتقم له بخت نضر ؟ كما أن سابور متأخر عن بخت نصر، لا مقدم عليه كما في الرواية.


(1) تفسير الميزان ج 13 ص 44 وفي تاريخ الخميس ج 1 ص 173: من وقت تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى مولد يحيى اربع مئة وإحدى وستون سنة. (2) راجع: قصص الانبياء للنجار ص 369. (*)

[ 43 ]

5 - هذا كله عدا عن الاشكال في أسانيد تلكم الروايات (1). 6 - إن افسادهم في منطقة محدودة، لا يعني كون ذلك هو المقصود من الآية التي تتحدث عن افساد كبير، وعلولهم في الارض. ولا شك انهم كانوا على مدى التاريخ أضعف من ان يكون لهم علو في الارض كلها، بل وحتى على سابور، أو بخت نصر أو غيرهما. رأي اخر في الآيات: ويحتمل البعض: أن الفساد الاول كان في منطقة الحجاز، فبعث الله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عليهم، وضربهم الضربة القاصمة، وكان دخول عمر إلى المسجد الاقصى، الذي يمثل دخول المسلمين، هو المعني في الآيات. وتبقى المرة الثانية ستأتي. كما ويحتمل أن تكون هي ضربة بخت نصر لهم هي الاولى، والثانية هي ضربة عمر لهم. ولكن ذلك لا يمكن قبوله ؟ لان عمر حينما دخل المسجد الاقصى لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، وإنما كان تحت سيطرة النصارى، الذين استولوا عليه قبل ذلك بعقود من الزمن. وكانوا يجعلون الاقذار والاوساخ على (الصخرة)، التي هي قبلة اليهود، بل كانت المرأة ترسل بخرقة حيضها من بلاد الروم إلى بيت المقدس لتلقى على الصخرة، مبالغة في امتهانها، وإذلالا لليهود واحتقارا لهم (2). كما أنه لا معنى لارادة بخت نصر ؟ ليكون هو بطل المرة الاولى، وذلك لما أشرنا إليه في النقاط الست الآنفة الذكر.


(1) هذه النقاط أشار إليها الاخ العلامة الشيخ ابراهيم الانصاري حفظه الله تعالى في مقاله، في مجلة الهادي. (2) تقدم ذلك في تمهيد الكتاب. (*)

[ 44 ]

رأي أخر: وثمة رأي أخر يقول: إن الفساد الاول هو انكارهم نبوة نبينا " صلى الله عليه وآله رسلم "، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون ابناءهم، واتفقوا مع المشركين ضده. وإرسال عباد الله على هؤلاء المفسدين هو ما جرى في صدر الاسلام. فأرسل الله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمسلمين عليهم ؟ فضربوهم في خيبر وقريظة ؟ وقينقاع، وغير ذلك، وجاسوا خلال ديارهم، ثم دخل المسلمون المسجد الاقصى في زمن عمر. والفساد الثاني هو ما جرى ويجري منهم في فلسطين ولبنان، والمنطقة بشكل عام، في هذا القرن الرابع عشر، ولسوف ياتي المهدي " عجل الله فرجه " لينتقم منهم. ويدخل المسلمون المسجد، كما دخلوه أول مرة في عهد عمر. وقد قرر بعض الاعلام هذا، وطبق الآيات عليه، على النحو التالي: إنه ليس في الآيات ما يدل على أن الغلبة على اليهود، وغلبة اليهود على أولئك العباد تكون في مكان واحد محدد. وقوله تعالى: (كما دخلوه أول مرة) يشعر، بل يدل على أن قوله: (جاسوا خلال الديار)، هو غير دخولهم المسجد، اي انهما أمران متغايران، كما يدل على أن الجوس خلال الديار متقدم على دخولهم المسجد، وذلك لمكان اللام في قوله: (ليدخلوا) التي هي لام العاقبة وقد تحقق ذلك في زمن عمر. كما أن عدم ذكر دخول العباد بيت المقدس حينما بعثهم أولا يدل على أن دخول المسجد لما يتحقق لهم عند ذلك. وتدل الآية على أن دخول المسجد في الثانية يكون أشد على اليهود لقوله وليتبروا ما علوا تتبيرا، ففسادهم الثاني يكون في غلبتهم على البلاد

[ 45 ]

المقدسة، وقتلهم المسلمين، وهذا ما يحصل في هذا العصر. وجزاؤهم سيكون عاجلا على يد أهل قم إن شاء الله تعالى، أو المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه، أو بامارته مع كون الجيش من أهل قم، والله ا لعالم. ونقول: هذا رأي لا يمكن المساعدة عليه، لان ما ذكر في تطبيق الآيات عليه مخالف لظاهرها. فأولا: إن الظاهر: هو أن دخول المسجد سيكون عنوة وقهرأ ورغما عن بني اسرائيل. وحينما دخل المسلمون المسجد في عهد عمر لم يكن في بيت المقدس أحد من اليهود، وإنما كان النصارى هم المسيطرون. فلم يحارب المسلمون اليهود ليدخلوا المسجد بالرغم عنهم، من جهة، ومن جهة أخرى فان عمر قد دخل بيت المقدس صلحا وليس عنوة، وظاهر الآية: هو أن الدخول سيكون عنوة، معه سوء الوجوه، وفيه القهر والغلبة على اليهود انفسهم، (ليسوؤا وجوهكم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا). وثانيا: ما ذكر من أن اللام في " ليدخلوا " تدل على أن الدخول سيتأخر عن الجوس خلال الديار، وأن التفريق بين الجوس خلال الديار، ودخول المسجد، يدل على ذلك أيضا. وكذا عدم ذكر الدخول للمسجد في المرة الاولى. إن هذا الذي ذكر، لا يدل على ذلك ؟ لأن ظاهر الآيات: أنه قد اكتفي في المرة الاولى عن ذكر دخول المسجد، بذكر الجوس خلال الديار، لانه مستبطن له ويكون في ضمنه، ثم اوضحه بقوله: كما دخلوه أول مرة وقوله: ليدخلوا معطوف على ليسوؤا بالواو، التي لا تدل على الترتيب الزماني.

[ 46 ]

بل - لعل ذكر دخول المسجد بين التتبير لما علوا، وبين سوء الوجوه للاشارة إلى أن دخول المسجد سيكون في وسط المعركة، في المرة الثانية، وكذلك سيكون في المرة الاولى لقوله تعالى ؟ (كما دخلوه أول مرة). وإلا، فلو صح ما ذكره صاحب هذا الرأي، لوجب أن يكون الدخول الثاني للمسجد صلحا، لا عنوة، كما كان دخول عمر بن الخطاب في السابق. وحينئذ فلا يبقى معنى لذكر دخول المسجد فيما بين قوله: (ليسوؤا وجوهكم)، وبين قوله: (ليتبروا ما علوا تتبيرا). وثالثا: إنه لم يكن لليهود في زمن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فساد في الارض، وعلو كبير فيها، وإنما كانوا في محيط ضيق جدا محصورين في نواحي المدينة، وكانوا مقهورين من قبل الاوس والخزرج، ويمالئون مشركي مكة، وسائر القبائل في المنطقة، فلا يصح أن يقال: إن لهم (علوا كبيرا). فضلا عن إضافة قوله: (في الارض) سواء قلنا: إن المراد: الارض المقدسة، يعني فلسطين، أو قلنا: بان المراد الارض مطلقا اي معظمها، أو السيطرة على مراكز القوة والنفوذ فيها. وثمة رأي آخر أيضا: وهو أن الحروب التي جرت بين العرب واسرائيل تمثل المراحل الثلاث الاولى، وبقيت المرحلة الاخيرة، التي أشارت إليها الآية بالقول: (فإذا جاء وعد الآخرة، ليسوؤا وجوهكم إلخ...) وهي سوف تأتي إن شاء الله تعالى (1). وهذا أيضا رأي لا يمكن المساعدة عليه ؟ لان العرب الذين حاربوا إسرائيل لم يجوسوا خلال ديار بني اسرائيل في حروبهم تلك، ولادخلوا


(1) هذا رأي الشيخ ابراهيم الانصاري في مجلة الهادي. (*)

[ 47 ]

المسجد عنوة، بل إنهم ليسوا من عباد الله المؤمنين ؟ لانهم قد تخلوا عن دينهم، وجروا خلف شهواتهم، واستبدت بهم انحرافاتهم بشكل واضح لكل أحد. والروايات ماذا تقول: لقد وردت بعض الروايات - التي ليس لها أسانيد - معتبرة - تفيد: أن الفساد الاول هو قتل علي، وطعن الحسن " عليه السلام "، والعلو الكبير هو قتل الحسين، ووعد أولاهما نصر دم الحسين، والمبعوثون أولا هم قوم قبل خروج القائم، وكان وعدا مفعولا: خروج القائم. وثم رددنا لكم الكرة عليهم: خروج الحسين في سبعين من أصحابه (1). وفي تفسير القمي: الفساد الأول: فلان وفلان، ونقضهم العهد، والعلو الكبير: ما ادعوه من الخلافة. ووعد أولاهما: الجمل. وجاسوا خلال الديار: طلبوكم، وقتلوكم، ورددنا لكم الكرة: بنو أمية. ووعد الآخرة: القائم " عليه السلام "، وكما دخلوه أول مرة: رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وواضح: أن مفاد هذه الروايات ليس هو محط نظر الآيات صراحة، وإنما هي - إن صحت - من باب الاشارة إلى أن ما يجري لبني إسرائيل، يجري مثله لهذه الامة أيضا ؟ إذ من الواضح: أن ما ذكرناه في مفاد الآيات لا ينسجم مع ما جاء في هذه الروايات، كما يظهر بالملاحظة، والمقارنة. الرأي الامثل: وإذ قد عرفنا معنى الآيات إجمالا، وعرفنا: أن مفادها لم يحصل ولم يقع لبني إسرائيل بعد، لا في تاريخهم القديم، ولا الحديث، فاننا


(1) راجع: البحار ج 51 ص 56 وتفسير البرهان، وتفسير نور الثقلين. (*)

[ 48 ]

نعلم: أن مفادها سيقع في المستقبل، ومفادها هو: 1 - أن يفسد بنو اسرائيل في الارض (ولتلاحظ كلمة في الارض)، فانه لا يصدق ذلك على بلد أو قرية صغيرة في نواحي الحجاز مثلا، بل لا بد أن يكون فسادهم وعلوهم في الارض المقدسة، أو في الارض بصورة عامة. أو على الاقل في مراكز هامة، بحيث يرون انفسهم لا غالب لهم، ولا شئ يقف في وجههم. ثم يعلون علوا كبيرا (ولتلاحظ هذه الجملة بدقة ايضا). 2 - أن يبعث الله عليهم عبادا له أتقياء مؤمنين، فيجوسون خلال ديارهم، ويدخلون المسجد. (والتعبير بالجوس لربما يشير إلى عدم المكث طويلا فيها) ؟ لان الجوس هو الوطئ الخفيف، وهو وطأ خلال الديار أو فيما بينها من دون ثبات وتحكم فيها نفسها أو لعله إشارة إلى الدخول السري للمجاهدين. 3 - ثم يمد الله بني اسرائيل بأموال وبنين، ويصير جيشهم أعظم، ويرد لهم الكرة على السابقين. 4 - ثم يعود أولئك المؤمنون لاحتلال بلاد الاسرائليين، ويدخلون المسجد من جديد، ويسوؤون وجوههم إلخ. كل ذلك سوف يحصل في المستقبل، حسبما تفيده الآيات الكريمة، مع العلم بأنه لم يحصل من ذلك شئ في الماضي. ويبقى ان نشير إلى المؤيدات التالية: ا لقميون يقاتلون ا لاسرائيليين: ويؤيد ما تقدم: ما رواه المجلسي عن كتاب تاريخ قم، تأليف: الحسن بن محمد بن الحسن القمي:

[ 49 ]

" روى بعض أصحابنا قال: كنت عند أبي عبد الله " عليه السلام " جالسا ؟ إذ قرأ هذه الآية: حتى (1) إذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا، أولى بأس شديد ؟ فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا. فقلنا: جعلنا فداك، من هؤلاء ؟ فقال - ثلاث مرات - هم والله أهل قم ". (2) ولقد قال هذا " عليه السلام " قبل ان تخلق اسرائيل باكثر من اثني عشر قرنا، وفي حين لم يكن لليهود أية قوة في منطقة بيت المقدس. وقوله " عليه السلام " هذا يعني: أن أهل قم باعتبارهم مسلمين، أو قادة للمسلمين هم الذين سوف يقودون الحرب ضد بني اسرائيل في المرة الاولى. وهم المعنيون بقوله: (* عبادا لنا *) وباقي الحديث يفهم من الآيات الكريمة ؟ حيث تعود لاسرائيل الكرة عليهم بجيش أعظم. ثم يعود المسلمون بقيادة أهل قم أو بقيادة غيرهم (المهدي مثلا) ليسوؤا وجوه الاسرائيليين وليدخلوا المسجد كمعا دخلوه أول مرة. الغرب واسرائيل: وثمة رواية ضعيفة أيضا تقول: " وتشب نار بالحطب الجزل من غربي الارض، رافعة ذيلها، تدعو يا ويلها لرحلة ومثلها ؟ فإذا استدار الفلك، قلتم مات أو هلك بأي واد سلك، فيومئذ تأويل هذه الآية: " ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وامددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم اكثر نفيرا ". (3)


(1) الموجود في القرآن: (فإذا) فلعل كلمة (حتى) من كلام الراوي. (2) البحار ج 60 ص 216. (3) البحار ج 52 ص 272 / 273. وراجع ج 51 ص 57. (*)

[ 50 ]

فهذه الرواية تشير إلى أن المرة الثالثة وهي علو الاسرائيليين وكرتهم على " عبادا لنا " لسوف تكون بمعونة غربية، تمدهم بالمال والجيوش حتى يصبحوا اكثر نفيرا وجندا. ولسوف تكون حربا ضروسا وقاسية، كما يفهم من لحن الرواية المشار إليها، لو صحت. الحروب الطويلة والصعبة: وهذه دولة الاسلام قد ظهرت، وهي بقيادة أهل قم، ولكنها تواجه الحروب المدمرة، والمؤامرات الصعبة من قبل قوى الاستكبار العالمي. وقد جاء في الرواية المروية عن: علي بن عيسى، عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن الاول " عليه السلام "، أنه قال: " رجل من أهل قم، يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف، ولا يملون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين ". (1) ولربما يمكن أن نستفيد من قوله: " لا تزتهم الرياح العواصف ": أن دولة الاسلام هذه سوف تواجه مشكلات صعبة، لا يثبت أمامها الرجال العاديون. ومن قوله: " لا يملون من الحرب ": أنهم سوف يواجهون حروبا طويلة، يمل منها الانسان العادي. ولكنهم سوف يصمدون، وفي النهاية سوف ينتصرون إن شاء الله، وذلك لقوله: " والعاقبة للمتقين ".


(1) البحار ج 60 ص 216. ويلاحظ وجود بعض الاختلاف بين هذا النص وبين ما في الترجمة الفارسية لكتاب تاريخ قم. فلعل المترجم قد تصرف في العبارة. ولعل نسخة المجلسي تختلف عن النسخة المتداولة لكتاب تاريخ قم، فليلاحظ ذلك. (*)

[ 51 ]

الفلسطينيون والارض: وبعد كل ما تقدم، فاننا لا بد أن نشير هنا إلى أن الفلسطينيين قد هبوا للدفاع عن شرفهم وكرامتهم، وتحرير أرضهم، والدفاع عن دينهم واسلامهم. وإننا في نفس الوقت الذي نحيي فيه الشعب الفلسطيني المسلم، ونحيي المقاتلين الشرفاء والغيارى من هذا الشعب الابي. فاننا نجد بعض المنظمات، التي لا تمثل الشعب الفلسطيني، ولا اكثرية المناضلين من أجل حقهم ووطنهم، قد اعرضت عن هذا الاسلام العظيم، ولم تتخذه عقيدة ومنطلقا لها، بل هي لا تعرف منه الا اسمه، بل هي تحاول الابتعاد عنه، والتبري منه، وتعتبره رجعيا ومتأخرا. وذلك لانها تسعى وراء الحصول على مكاسب دنيوية، مادية. بل لقد اتخذت الماركسية وغيرها مذهبا وعقيدة لها ؟ فبئس للظالمين بدلا. والانكى من ذلك والاشد مرارة: أننا نشهد من هذه المنظمات محاولات جادة لاجهاض الثورة الاسلامية الفلسطينية، وتضييع ثمرة جهودها وجهادها. فقاتل الله الخونة الافاكين أنى يؤفكون. ولكن شذوذ هؤلاء وانحرافهم لا يعني أنه يجب تشويه صورة الفلسطينيين جميعا في أذهان الشعوب المسلمة المؤمنة ؟ فان ذلك سوف يكون ظلما آخر لهذا الشعب، كما أنه سوف يحرم القضية من قوة دافعة لها أهميتها. وذلك لان أية قضية إذا أفرغت من محتواها الانساني ؟ فانها تفقد زخمها وقوتها، ودافعها العاطفي وذلك لان هذا الانسان العادي ربما يخطر له: انه لماذا يقاتل ويضحي، ما دام أن الارض يمكن أن تباع وتشترى، ويقايض عليها، والانسان وحده هو الاعلى والاغلى ؟ فلماذا إذن تزهق النفوس والارواح في سبيل قطعة من الارض، ما دام يمكن

[ 52 ]

الاستعاضة عنها بثمنها، ثم الاحتفاظ بهذا الانسان ومواهبه وطاقاته لما هو أهم، ونفعه أعم. وحتى المسجد أيضا، فليكن لانصاف الحلول فيه مجال، ولن يمانع الاسرائيليون في وصول المسلمين إلى مسجدهم في كل حين، وممارسة عباداتهم فيه بحرية، إذا كانوا هم الحكام، أو كان تحت مظلة الامم المتحدة. نعم، يمكن أن يخطر كل هذا في ذهن الانسان العادي. ولربما يؤثر هذا الخاطر على تعامله مع أقدس قضية، فيما إذا فصل الجانب الانساني والعاطفي والاسلامي عن الارض، فيضعف الدافع لتحريرها. وهناك الكارثة الحقيقية والخيانة والجريمة الكبرى. إذن، فلا بد وأن تبقى المأسي والمظالم التي تعرض ويتعرض لها الشعب الفلسطيني ماثلة للعيان أمام المقاتل المسلم والمؤمن بعدالة قضيته، ليندفع إلى التضحية والفداء في سبيل قضيته المقدسة، بروح رضية، ونفس أبية، وليمتزج من ثم. الوعي بالعاطفة، وكلاهما بالايمان. مع التأكيد علن أنه ليس للمسؤولين والسياسيين أن يربطوا مصيرهم ومصير أمتهم بأولئك المنحرفين، ولا أن يثقوا بهم، لان أولئك المنحرفين. سوف يدفعونهم في النهاية ثمنا لمصالحهم، ويساومون عليهم وبهم

[ 53 ]

الباب الثاني: حتى وفاة أبى طالب

[ 55 ]

الفصل الاول: حتى الهجرة إلى الحبشة

[ 57 ]

أهداف الاسلام: إن من الواضح: أن أهداف الاسلام القصوى ليست هي مجرد تحقيق العدل، ولو بمفهومه الاوسع، إذ لو كان كذلك لم يبق معنى للاوامر الداعية إلى الجهاد والتضحية بالنفوس في سبيل الله والمستضعفين، إذ لماذا يتخلى هذا الشخص عن نفسه وعن حياته في حين يبقى الآخرون يتمتعون بالحياة، وبمباهجها ولذائذها ؟ !. كما أنه لو كان العدل هو الهدف فلا يبقى معنى لمحبوبية الايثار على النفس ومطلوبيته له تعالى. ثم مدح من يفعل ذلك من الناس كما في قوله لعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (1). كما أنه لا معنى لنهي الانسان عن الحقد والحسد، وغير ذلك مما لا يمكن تتبعه واسقصاؤه. فإن ذلك كله وسواه ليدل على أن الهدف ليس هو مجرد تحقيق العدل، وإنما هو فوق، وأهم، وأقدس من ذلك. إنه تجسيد إنسانية الانسان، وإظهار كنوزها، والارتفاع بهذا الانسان إلى مستوى الجدارة الحقيقية لان يمثل النوذج الذي يريده الله للانسان


(1) سورة الحشر: 9. (*)

[ 58 ]

الكامل، وليس العدل وسواه من كمالات وفضائل، إلا واحدا من تلك المراحل والوسائل الموصلة إلى ذلك الهدف المقدس والاسمى، الذي يستبطن في داخله: كل العدل، وكل الكمالات وكل الفضائل، وأخيرا كل السعادة، والفوز والنجاح. هذا هو هدف الاسلام، وهذا ما يسعى إليه، ويعمل من أجل الوصول والحصول عليه. وليس أدل على ذلك من الآية الكريمة التي تحدد مهمة النبي الرسول، بانه يعلم الناس الحكمة، ويطهرهم، ويزكيهم، بالاضافة إلى تبليغ رسالة الله لهم، قال تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (1). وليلاحظ: أيضا قوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم. وليتم نعمته عليكم، لعلكم تشكرون) (2). ومن يراجع الآيات القرانية يجد الكثير الكثير مما يدل على ذلك دلالة واضحة، حتى إن ذلك لا يحتاج إلى أي بيان أو توضيح، ولا إلى المزيد من الدلالات والشواهد. الحاجة إلى الوزير والوصي: وبعد أن عرفنا حقيقة هدف الاسلام، فإننا نعرف: أن مهمته شاقة وعسيرة جدا لانها تصطدم أولا وبالذات بالانسان الفرد، حيث لا بد له من السيطرة على غرائزه وشهواته وطموحاته، ليوجهها ويستفيد منها في مجال بناء الشخصية الانسانية المثالية والفضلي. كما أنها تهدف إلى التغيير الجذري في البنية الاجتماعية والسياسية


(1) سورة الجمعة / 2. (2) سورة المائدة / 6. (*)

[ 59 ]

وغيرها للمجتمع، ليقتلع كل جذور الشر، ويستأصل كل عوامل الانحراف ؟ ليغرس عوضا عنها كل معاني الخير والصلاح، والبركة وا لفلاح. نعم، إنها مهمة شاقة وعسيرة جدا، ولا أشق ولا أعسر منها، وهي تحتاج لانجازها ثم إلى استمرارها إلى جهد هائل ومستمر، ما دام أن الانسان يحمل في داخله عوامل التغيير والتحول، التي منحه الله إياها لتكون عوامل لبقائه وسعادته ولراحته، وأعطاه أيضا وسائل ضبطها والهيمنة عليها وتوجيهها. ولكن تلك الوسائل كثيرا ما تضعف عن السيطرة على تلك العوامل. ولسوف يبقى هذا الخطر قائما، ما دام ذلك الصراع قائما. وإذا كان الصراع مستمرا باستمرار وجود الانسان على مدى الزمان، وكان خطر الشذوذ والانحراف مستمرا أيضا: فإن الانبياء سيكونون بحاجة إلى مواصلة القيام بمهمة التربية والتزكية، وغرس الفضائل الانسانية والاخلاقية في نفوس الناس، بالاضافة إلى الاستمرار في تلاوة الآيات القاهرة للعقل ؟ والمرضية للوجدان، وبالاضافة إلى تعليم الشريعة والاحكام، ثم الاشراف على تطبيقها، والرقابة المستمرة على ذلك. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الوزير والوصي، والنصير والاخ والولي، والخليفة للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فجاء تنصيب علي " عليه السلام " من قبل الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآله هو الحركة السليمة والطبيعية في خط الجهاد والدعوة إلى الله سبحانه. وما يوم الدار، وما جرى من تنصيب علي " عليه السلام " فيه خليفة ووزيرا ووصيا للرسول إلا واحدا من تلك المناسبات الكثيرة التى جرى فيها التأكيد على هذا الامر، وترسيخه بصورة قوية وحاسمة. فإلى حديث الدارفي ما يلي من مطالب.

[ 60 ]

وأنذر عشيرتك الاقربين: إنه بعد السنوات الثلاث الاولى بدأت مرحلة جديدة وخطيرة وصعبة، هي مرحلة الدعوة العلنية إلى الله تعالى. وقد بدأت أولا على نطاق ضيق نسبيا، حيث نزل عليه صلى الله عليه وآله قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الاقربين) (1) فيقول المؤرخون، (والنص للطبري)، ما ملخصه: أنه لما نزلت هذه الاية دعا عليا " عليه السلام " ؟ فأمره أن يصنع طعاما، ويدعو له بني عبد المطلب ليكلمهم، ويبلغهم ما أمر به. فصنع علي عليه السلام صاعا من طعام، وجعل عليه رجل شاة، وملا عسا من لبن، ثم دعاهم، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا، أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة والعباس، وأبو لهب. فا كلوا قال علي " عليه السلام ": فأكل القوم، حتى مالهم بشئ من حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: إسق القوم ؟ فجئتهم بذلك العس ؟ فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: لقد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلمهم الرسول صلى الله عليه وآله. فامر " صلى الله عليه وآله وسلم " عليا في اليوم الثاني: أن يفعل كما فعل آنفا، وبعد أن أكلوا وشربوا قال لهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه


(1) ا لشعراء / 214.

[ 61 ]

بافضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة. وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ؟ فايكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي، ووصي، وخليفتي فيكم. قال: فاحجم القوم عنها جميعا، وقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي، ووصمي، وخليفتي فيكم ؟ فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. وفي بعض نصوص الرواية: أنه لما قام علي " عليه السلام " فأجاب، أجلسه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ثم أعاد الكلام، فاجابه علي، فأجلسه، ثم أعاد عليهم، فلم يجيبوا، وأجاب علي " عليه السلام "، فقال له " صلى الله عليه وآله وسلم " ذلك. وعلى حسب نص الاسكافي: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: هذا أخي، ووصيي، وخليفتي من بعدي. وأنهم قالوا لابي طالب: أطع إبنك، فقد أمره عليك (1).


(1) راجع هذه القضية في: تاريخ الطبري ج 2 ص 63، ومختصر تاريخ أبي الفدا ج 2 ص 14 ط دار الفكر بيروت وشواهد التنزيل ج 1 ص 372 و 421 وكنز العمال الطبعة الثانية ج 15 ص 16 / 117 و 113 و 130 عن ابن اسحاق، وابن جرير، وصححه وأحمد، وابن ابي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معا في الدلائل، وتاريخ ابن عساكر، ترجمه الامام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 87 و 88، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 244 عن الاسكافي، وحياة محمد لهيكل الطبعة الاولى ص 286. ومسند أحمد ج 1 ص 159 وراجع أيضا المصادر التالية: كفاية الطالب ص 205 عن الثعلبي ومنهاج السنة ج 4 ص 80 عن البغوي وابن أبي حاتم والواحدي والثعلبي وابن جرير، ومسند أحمد ج 1 ص 111، وفرائد = (*)

[ 62 ]

التعصب الاعمى: ولا بد أن نشير هنا: إلى أن الطبري، قد ذكر هذا الحديث في تاريخه على النحو المتقدم. ولكنه ندم على ذلك - على ما يظهر - فذكر نفس هذا الحديث في تفسيره برمته حرفيا، متنا وسندا، ولكنه غير فيه عبارة واحدة، فذكرها على النحو التالي: " فأيكم يوازرني على هذا الامر، على أن يكون أخي، وكذا وكذا. إلى أن قال: ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا (1) " ! ! وقد تبعه على هذا إبن كثير الشامي أيضا ؟ فلم تسمح نفسه بذكر ما في تاريخ الطبري. بل نقل خصوص ما في التفسير، مع أن تاريخ الطبري هو مصدره ومعتمده في تاريخه (2) ! ! كما أن محمد حسنين هيكل بعد أن ذكر في كتابه حياة محمد، في الطبعة الاولى ص 104 نص الطبري في التاريخ. عاد فحذف من الطبعة


= السمطين، بتحقيق المحمودي ج 1 ص 86، واثبات الوصية للمسعودي ص 615 / 116، والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 460 / 459. والغدير ج 2 ص 278 - 284 عن بعض من ذكرنا وعن: انباء نجباء الابناء ص 46 - 47، وشرح الشفاء للخفاجي ج 3 ص 37، وتفسير الخازن ج ص 390، وكتاب سليم بن قيس وغيرهم. وخصائص النسائي ص 86 الحديث 63. وراجع: البحار ج 38 والدر المنثور ج 5 ص 97 عن مصادر كنز العمال لكنه حرف فيه ومجمع الزوائد ج 8 ص 302 عن عدد من الحفاظ باسقاط منه أيضا، وينابيع المودة ص 105 وغاية المرام ص 320 وابن بطريق في العمدة، وتفسير الثعالبي، وتفسير الطبري ج 19 ص 75، والبداية والنهاية ج 3 ص 40، وتفسير ابن كثير ج 3 ص 350 و 351. (1) راجع تفسير الطبري ج 19 ص 75. (2) راجع: تفسير ابن كثير ج 3 ص 351، والبداية والنهاية ج 3 ص 40 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 459. (*)

[ 63 ]

الثانية ص 139 ط سنة 1354 ه‍. قوله: " وخليفتي فيكم " واقتصر على قوله: " ويكون أخي ووصيي " وذلك لقاء خمسمأة جنيه، أو لقاء شراء ألف نسخة من كتابه (1). إبن تيمية، وحديث الدار: أما إبن تيمية، فقد انكر - على عادته - في إنكار فضائل سيد الاوصياء أمير المؤمنين " عليه السلام " - حديث الدار، وأورد عليه بما ملخصه: أولا: إن في سند رواية الطبري أبو مريم الكوفي، وهو مجمع على تركه، وقال أحمد: ليس بثقه، واتهمه إبن المديني بوضع الحديث الخ. وثانيا: تنص الرواية على أنه قد جمع بني عبد المطلب وهم أربعون رجلا. ومن الواضح: أنه حين نزول الآية لم يكن بنو عبد المطلب بهذه الكثرة. وثالثا: قول الرواية إن الرجل منهم ليأكل الجذعة، ويشرب الفرق من اللبن، كذب، إذ ليس في بني هاشم من يعرف بانه يأكل جذعا، ولشرب فرقا. ورابعا: إن مجرد الاجابة للمعاونة على هذا الامر لا يوجب أن يكون المجيب وصيا وخليفة بعده صلى الله عليه وآله ؟ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى الاسلام، وأعانوه على هذا الامر، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيله. كما أنه لو أجابه الاربعون ؟ أو جماعة منهم فهل يمكن أن يكون الكل خليفة له. ؟ وخامسا: إن حمزة، وجعفرا، وعبيدة بن الحرث قد أجابوا إلى ما


(1) راجع: فلسفة التوحيد والولاية ص 179 و 132 وسيرة المصطفى ص 131 و 130. (*)

[ 64 ]

أجاب إليه علي، بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلا (1). الرد على ابن تميمية: ولكن كل ما ذكره إبن تيمية لا يصح، ولا يلتفت إليه، وذلك لما يلي: ألف - فأما بالنسبة لما ذكره أولا عن أبي مريم، فقد قال إبن عدي: سمعت إبن عقدة يثني على أبي مريم ويطريه، وتجاوز الحد في مدحه (2) وأثنى عليه شعبة (3). وقال عنه الذهبي: كان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال (4). وعدا عن ذلك فقد صرحوا بسبب تضعيفهم له، وهو كونه شيعيا. ونحن نرى أن ذلك لا يضره ؟ فقد روى أصحاب الصحاح، ولا سيما البخاري ومسلم عن عشرات الشيعة (5). ومع غض النظر عن ذلك ؟ فإن المتقى الهندي قد نقل عن الطبري: أنه قد صحح هذا الحديث (6). كما وصححه الاسكافي المعتزلي (7) وصححه أيضا: الخفاجي في شرح الشفاء (8). وقد رواه أحمد بسند جميع رجاله رجال الصحاح بلا كلام، وهم:


(1) منهاج السنة ج 4 ص 81 - 83. (2) راجع: الغدير ج 2 ص 280، ولسان الميزان ج 4 ص 43. (3) لسان الميزان ج 4 ص 42. (4) و (5) ميزان الاعتدال للذهبي ج 2 ص 631 و 640، ولسان الميزان ج 4 ص 42. (6) كنز العمال ج 15 ص 113. (7) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 244. (8) راجع: الغدير ج 2 ص 280. (*)

[ 65 ]

شريك، والاعمش، والمنهال، وعباد، وعلي " عليه السلام " (1). ولو سلم كل ذلك ؟ فإن طرق الحديث مستفيضة، يقوى بعضها بعضا ؟ فلا يضر ضعف بعض الرجال في بعض الاسانيد. وأعجب من ذلك دعوى أن لا تكون قضية الخلافة بعده صلى الله عليه وآله مذكورة في المسانيد، فإن من راجع المصادر التي ذكرناها للحديث آنفا ؟ يعرف أنها موجودة في عشرات المصادر والمسانيد. وأما الطعن في رواية إبن أبي حاتم باشتمال سندها على عبد الله بن عبد القدوس. وقد ضعفه الدار قطني، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبن معين: ليس بشئ، رافضي خبيث. أما هذا - فقد قال الشيخ المظفر: " رحمه الله " تعالى في جوابه: " وفيه: أن تضعيفهم معارض بما في تقريب ابن حجر: أنه صدوق. وفي تهذيب التهذيب: قال محمد بن عيسى: ثقة. وذكره إبن حبان في الثقات. وقال البخاري: هو في الاصل صدوق، إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف. مع أنه أيضا من رجال سنن الترمذي. ومدح هؤلاء مقدم ؟ لعدم العبرة في قدح أحد المتخالفين في الدين في الاخر، ويقبل مدحه فيه. وهم قذفوه بذلك ؟ لانهم رموه بالتشيع، ولا نعرفه في رجالهم. لكن قد ذكر ابن عدي: أن عامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. ولعل هذا هو سر تهمتهم له (2).


(1) راجع: المصدر السابق، ومسند أحمد ج 1 ص 111. (2) دلائل الصدق ج 2 ص 234.

[ 66 ]

2 - وأما ذكره إبن تيمية ثانيا: فإن الظاهر هو أن كلمة (عبد) زيادة من الرواة، بدليل: أن عددا من الروايات يصرح بانه قد دعا بني هاشم (1) وجاء في روايات أخرى: انه دعا بني عبد المطلب، ونفرا من بني المطلب (2) فلعل الامر قد اشتبه على الراوي وأضاف كلمة " عبد "، وهذا كثير. وعليه فلا يلزم من ذلك كذب أصل الواقعة المتفق عليها إجمالا. كما أن أبناء عبد المطلب إذا كانوا عشرة، وكان أصغرهم يصل عمره حينئذ إلى ستين عاما ؟ فلماذا لا يكون لهم من الولد ما لو انضموا إليهم لبلغوا أربعين رجلا، بل اكثر من ذلك بكثير، وما وجه الاستعباد لذلك ؟ 3 - وأما ما ذكره ثالثا: فقد أجاب عنه الشيخ المظفر: بأن عدم معروفيتهم بالاكل لا تدل على عدم كونهم كذلك، فلعلهم كذلك في الواقع. ولو سلم ؟ فإنه يلزم منه مبالغة الراوي في إظهار معجزة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في إطعامهم رجل الشاة، وعس اللبن الواحد (3). 4 - وأما ما ذكره إبن تيمية رابعا: فجوابه ما ذكره الشيخ المظفر من أن قوله هذا ليس علة تامة للخلافة، ولم يدع ذلك النبي صلى الله عليه وآله، ليشمل حتى من لم يكن من عشيرته، بل أمره الله بإنذار عشيرته ؟


(1) كما في السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 459 عن ابن أبي حاتم وكذا في البداية والنهاية ج 3 ص 40، راجع كنز العمال ج 15 ص 113، ومسند أحمد ج 1 ص 111 وتفسير ابن كثير ج 3 ص 350 وابن عساكر ترجمة الامام علي بتحقيق المحمودي ج 1 ص 87، واثبات الوصية للمسعودي ص 115، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 27، ومسند البزار مخطوط في مكتبة مراد رقم 578. (2) الكامل لابن الاثير ج 2 ص 62 ط صادر. (3) دلائل الصدق ج 2 ص 235.

[ 67 ]

لانهم أولى بالدفع عنه ونصره ؟ فلم يجعل هذه المنزلة إلا لهم، وليعلم من أول الامر: أن هذه المنزلة لعلي " عليه السلام " لان الله ورسوله يعلمان: أنه لا يجيب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ويوازره غير علي " عليه السلام " ؟ فكان ذلك من باب تثبيت إمامته، بإقامة الحجة عليهم. ومع فرض تعدد المجيبين يعين الرسول الاحق بها منهم (1). وقد أوضح ذلك المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني: بأن الخطاب إنما هو للجميع، لكن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم من خلقهم وعلاقاتهم، وطبائعهم: أنهم سوف لا يجيبون إلا علي " عليه السلام "، هذا بالاضافة إلى إعلام الله له بذلك. ونقول نحن: ويؤيد ذلك النص الذي سوف يأتي نقله عن البحار، عن ابن طاووس، تحت عنوان: " ماذا قال النبي صلى الله عليه وآله يوم الانذار ". وقد قلنا هناك: إن ذلك النص هو المنسجم مع الاية الكريمة، وقد جاء فيه: " إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا، ووزيرا، ووصيا، ووارثا من أهله، وقد جعل لي وزيرا كما جعل للانبياء من قبلي إلى أن قال: وقد والله أنبأني به، وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم لئلا تكون لكم الحجة فيما بعد " (2). واحتمل صديقنا المحقق الروحاني: أن يكون الخطاب لواحد منهم على سبيل البدل، ولذا قال لهم: أيكم يؤازرني الخ.. فالمجيب أولا هو الذي يستحق ما وعد به " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإجابة أكثر من واحد بعيدة الوقوع جدا، ولا يعتنى باحتمالها عرفا. لا سيما وأن الذي يضر هو التقارن في الاجابة، وذلك أبعد وأبعد. هذا مع علمه صلى الله عليه وآله بانه لا يجيب سوى واحد منهم.


(1) دلائل الصدق ج 2 ص 236. (2) البحار ج 18 ص 215 / 216، عن: سعد السعود ص 106.

[ 68 ]

ولكن قد ذكر بعض الاعلام: أن كون المراد هو المؤازرة في الجملة بعيد ؟ لكون المسلمين على اختلاف مراتبهم قد وازروه في الجملة. فالمراد هو المؤازرة في جميع الامور والاحوال. والموازرة الكاملة في الدين تحتاج إلى أعلى درجات الوعي، والعلم، والسمو الروحي إلى درجة العصمة. الامر الذي يعني: أن شخصا كهذا هو الذي يستحق الامامة، ولا يستحقها سواه ؟ ممن تلبس بالظلم، كما قال تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين ". وليس ذلك سوى علي " عليه السلام ". أضف إلى ذلك: أن إمامة وخلافة علي " عليه السلام "، إنما هي بجعل من الله سبحانه وتعالى، لا يجعل من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لتترتب على المؤازرة المنشودة، والمرغب بها، مع علم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بعدم إجابة غير علي " عليه السلام "، فيكون ما جرى في يوم الانذار لاجل إقامة الحجة، وقطع كل عذر. فكلام المظفر هو الاولى والاقرب انتهى. وأما ما ذكره ابن تيمية خامسا، وأخيرا فهو لا يصح أيضا باي وجه: أولا: لان وجود حمزة إنما يضر، لو كان قد اسلم قبل نزول آية الانذار، ونحن لم نستطع: أن نحتمل ذلك، فضلا عن أن نجزم به ؟ إذ من القريب جدا، بل هو ظاهر، إن لم يكن صريح ما ورد في كيفية إسلام حمزة: أن يكون إسلامه بعد الاعلان بالدعوة، وبعد وقوع المواجهة بين النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وقريش، وبعد مفاوضاتها لابي طالب. وثانيا: لو سلم فإن إنذار عشيرته يمكن أن يكون أثناء الدعوة السرية، وقبل إسلام حمزة، حتى لو كان قد أسلم في الثانية من البعثة، ويكون ما جرى بين حمزة وأبي جهل، بمثابة إعلان جزئي للدعوة. وتكون قريش قد بدأت تتعرض لشخص النبي " صلى الد عليه وآله وسلم " حتى في الدعوة السرية، وأما بالنسبة لسائر من أسلم فقد كان ثمة محدودية في

[ 69 ]

التعامل معهم، وسرية بالنسبة لمن يدخل في الاسلام منهم. ويدل على ما ذكرناه: أنهم يذكرون: أن قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر " كان هو السبب في إخراج الدعوة من السر إلى العلن. ولا ريب أن إنذار العشيرة كان قبل ذلك. وثالثا إن وجود حمزة، إن كان قد أسلم آنئذ، كوجود أبي طالب بينهم، فلعلهما كانا يريان أنهما غير مقصودين بهذه الدعوة. ولا سيما إذا كانا يدركان: أن بقاءهما إلى ما بعد وفاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبعد احتمالا ؟ فإن سن حمزة كان يقارب سن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، كما يدعون، ولكننا نعتقد: أنه كان أكبر من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " باكثر من عشرين سنة، لانه كان أكبر من عبد الله، والد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والذي كان أصغر أولاد عبد المطلب. وهكذا يقال بالنسبة للعباس أيضا. وأما ابو طالب ؟ فإنه كان شيخا هرما لا يحتمل البقاء إلى ما بعد وفاته صلى الله عليه وآله، فلا معنى لان يقدم أي منهما نفسه على أنه خليفته من بعده، أو على الاقل هكذا فكرا آنئذ. وهكذا يتضح: أن جميع ما جاء به ابن تيمية إنما كان كسراب بقيعة، أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. نقاط هامة في حديث الانذار الف - روايات لا يمكن أن تصح: هذا، وقد حاول إبن تيمية أن يقوي جانب روايات أخرى تبعد عليا وأهل البيت عن الانظار، بل وتستبعد الهاشميين منه عموما أيضا كتلك الروايات التي في الصحيحين، والتي تقول: إنه " صلى الله عليه وآله

[ 70 ]

وسلم " جمع قريشا - حين نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الاقربين) فاجتمعوا، فخص وعم، فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار الخ (1). وفي رواية أخرى: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " جمع بني هاشم وأجلسهم على الباب، وجمع نساءه فأجلسهم في البيت. ثم كلم بني هاشم، وبعد ذلك أقبل على أهل بيته ؟ فقال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا أم سلمة، ويا فاطمة بنت محمد، ويا أم الزبير عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم في الله، واسعوا في فكاك رقابكم ؟ فاني لا أملك لكم من الله شيئا، ولا أغني ؟ فبكت عائشة وقالت.. ثم تذكر الرواية محاورة لها معه " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). وثمة نصوص أخرى كلها تؤكد على دعوته قريشا وإنذاره لها. وهذه الروايات لا يمكن أن تصح. فاولا: لقد تقدم: أن فاطمة صلوات الله وسلامه عليها لم تكن حينئذ قد ولدت.


(1) راجع: منها ج السنة ج 4 ص 83، والدر المنثور ج 5 ص 95 و 96 عن: أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي عن عائشة، وأنس، وعروة بن الزبير، والبراء، وقتادة، وتاريخ الخميس ج 1 ص 287. (2) الدر المنثور ج 5 ص 96 عن: الطبراني، وابن مردويه، عن أبي أمامة، وهذه الروايات موجودة في مصادر كثيرة أخرى ولا سيما تلك التي ذكرناها في أوائل هذا البحث كمصادر للنص الاول.

[ 71 ]

وثانيا: إن عائشة (1) وحفصة، وأم سلمة لم يكن من أزواجه حينئذ، ولاكن من أهله، وإنما صرن من أهله في المدينة بعد ذلك بسنين كثيرة.. وثالثا: إن هذه الروايات تناقض ما ورد من أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما دعا قريشا وبادءها حين نزل قوله تعالى: فاصدع بما تؤمر. وليس حين نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الاقربين). ورابعا: ان هذه الروايات تناقض نص الآية نفسها، فانها تأمره بانذار العشيرة الاقربين، لا مطلق عشيرته، ولا مطلق الناس، وعشيرته الاقربون إما هم بنو هاشم، أو بنو عبد المطلب، والمطلب. والقول بتعدد الانذار: لا يدفع الاشكال، بعد تصريح الروايات: بان مفادها قد وقع حين نزول الآية عليه " صلى الله عليه وآله وسلم ". وهذا كله مع غض النظر عما في أسانيد هذه الروايات، فإن جميع رواتها - كما يقولون - لم يدركوا زمان إنذار عشيرته " صلى الله عليه وآله وسلم ". ب - ما المراد بكونه خليفته في أهله: وقد ذكر الشيخ المظفر (ره): أن من الواضح: أن قوله: خليفتي فيكم، أو في أهلي لا يضر، ما دام أن ثمة إجماعا على عدم جواز وجود خليفتين: خاص، وعام. فخلافته الخاصة تقتضي خلافته المطلقة. ولعل الاصح هو: أنه قال - كما في الروايات الاخرى -: " من بعدي "، أو أنه قال: " فيكم "، باعتبار أنهم من المسلمين.


(1) والغريب في الامر: أنهم يعتقدون: أن عائشة إنما ولدت في الخامسة من البعثة، والانذار للعشيرة كان في الخامسة، فهم يناقضون أنفسهم مناقضة صريحة، وإن كنا نحن نعتقد: أن عائشة قد ولدت قبل البعثة بسنوات، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.

[ 72 ]

وأما القول بان المقصود: هو أنه القائم بشؤونهم الدنيوية ؟ فيكذبه الواقع ؟ فإن عليا " عليه السلام " لم يكن كذلك بالنسبة لاي من الهاشميين. ولو كان المقصود هو خصوص الحسنين عليهما السلام، وفاطمة صلوات الله وسلامه عليها، فإن من الواضح أنهما وكذلك أمهما ما كانوا قد ولدوا بعد. كما أن نفقة هؤلاء واجبة عليه بالاصالة لا بالخلافة، وأما غيرهم فلم يكن " عليه السلام " مكنفا بالانفاق عليه، ولا كان يفعل ذلك (1). أضف إلى ذلك كله: أنه بعد أن يصبح الانسان رجلا عاقلا وكاملا، فإنه لا يبقى بحاجة إلى ولي يدبر شؤونه، بل يستقل هو نفسه في ذلك. وعلى هذا، فلا يبقى للولي وللخليفة معنى. إذا كان هذا هو المراد. ونشير هنا إلى أن الدواعي كانت متوفرة لتحريف هذه الواقعة، وجعلها خاصة بالخلافة على الاهل، ولا تشمل الخلافة العامة التي هي موضع الاخذ والمراد كما هو معلوم. ج - لماذا تخصيص العشيرة بالدعوة ؟ !: هذا ولا يخفى أن الاهتمام بدعوة عشيرته الاقربين كان خير وسيلة لتثبيت دعائم دعوته، ونشر رسالته ؟ لان الاصلاح يجب أن يبدأ من الداخل، حتى إذا ما استجاب له أهله وقومه، اتجه إلى غيرهم بقدم ثابتة، وعزم راسخ ومطمئن. كما أن دعوته لهم سوف تمنحه الفرصة لاكتشاف عوامل الضعف والقوة في البنية الداخلية، من حيث ارتباطاته وعلاقاته الطبيعية، وليعرف مقدار الدعم الذي سوف يلاقيه ؟ فيقدر مواقفه، وإقدامه، وإحجامه على أساسه.


(1) راجع: دلائل الصدق ج 2 ص 239. (*)

[ 73 ]

أضف إلى ذلك: أنه حين يبدأ بالاقربين من عشيرته، ولا يبدو أنه على استعداد لتقديم أي تنازل أو مساومة حتى بالنسبة إلى هؤلاء، فإن معنى ذلك هو أن على الآخرين أن يقتنعوا بأنه منسجم مع نفسه، ومقتنع بصحة ما جاء به، ويريد لاحب الناس إليه، الذين لا يريد لهم إلا الخير، أن يكونوا في طليعة المؤمنين الذين يضحون بكل غال ونفيس في سبيل هذا الدين. وقد رأينا: أن النصارى قد تنبهوا إلى ذلك في قضية المباهلة. فرا جع. ومن الجهة الاخرى: فإنه يعيش في مجتمع يقيم علاقاته على أساس قبلي ؟ - فحين يريد أن يقدم على مواقف أساسية ومصيرية - وحين لا يكون هو نفسه يرضى بالاعتماد على القبلية كعنصر فعال في حماية مواقفه، وتحقيق أهدافه ؟ فإن من اللازم: أن يتخذ من ذوي قرباه موقفا صريحا، ويضعهم في الصورة الواضحة ؟ وأن يهئ لهم الفرصة ليحددوا مسؤولياتهم، بحرية، وصراحة، وصفاء، بعيدا عن أي ضغط، وابتزاز ولو كان هذا الضغط من قبيل العرف القبلي في ما بينهم ؟ لانه عرف مرفوض إسلاميا. وهنا تبرز واقعية الاسلام في تعامله مع الامور، وفي معالجته للقضايا، الاسلام الذي لا يرضى أن يستغل جهل الناس وبساطتهم، وحتى أعرافهم - الخاطئة - التي ارتضوها لانفسهم في سبيل منافعه، وتحقيق أهدافه. نعم، إن الاسلام يعتبر الوسيلة جزءا من الهدف، فلا بد أن تنسجم وتتلاءم معه - كما لا بد أن تنال من الطهر والقداسة بالمقدار الذي يناله الهدف نفسه. وفقنا الله للسير على هدى الاسلام، والالتزام بتعاليمه ؟ إنه خير مامول، وأكرم مسؤول.

[ 74 ]

وعلى كل حال، فقد خرج " صلى الله عليه وآله وسلم " من ذلك الاجتماغ بوعد أكيد من شيخ الابطح، أبي طالب (ره) بالنصر والعون ؟ فإنه لما رأى موقف أبي لهب اللا إنساني، واللا معقول، قال له: " يا عورة، والله لننصرنه، ثم لنعيننه. يا ابن أخي، إذا أردت أن تدعوإلى ربك فاعلمنا، حتى نخرج معك بالسلاح (1) ". د - علي " عليه السلام " في يوم الانذار: ونجد في يوم الانذار: أن إختيار النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقع على أمير المؤمنين " عليه السلام "، ليكون المضيف لجماعة يناهز عددها الاربعين رجلا، فيأمره بأن يصنع طعاما، ويدعوهم إليه والظاهر: أن ذلك قد كان في بيت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه، لان عليأ " عليه السلام " كان عند رسول الله صلوات الله عليه وآله في بيته على ما يظهر - وقد كان بإمكانه " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يطلب من خديجة أن تصنع لهم الطعام. هذا، مع وجود آخرين، أكثر وجاهة ومعروفية من علي " عليه السلام "، كابي طالب، وكجعفر، الذي كان يكبر عليا في العمر، وغيرهما ممن يمكن أن يستفيد من نفوذه وشخصيته في التأثير على الحاضرين. ولكنه قد اختار عليا بالذات ليتفادى أي إحراج يبعد القضية عن مجالها الطبيعي، الذي يرتكز على القناعة الفكرية والوجدانية بالدرجة الاولى، ولان عليا - وإن كان حينئذ صغير السن، إلا أنه كان في الواقع كبيرا في عقله، وفي فضائله وملكاته، كبيرا في روحه ونفسه، كبيرا في آماله وأهدافه. - ولا أدل على ذلك من كونه هو المجيب للرسول، دون كل من حضر، ليؤازره ويعاونه على هذا الامر. وقد رآه النبي " صلى الله


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 28 / 27 ط صادر. (*)

[ 75 ]

عليه وآله وسلم " منذئذ أهلا لان يكون أخاه، ووصيه، وخليفته من بعده. وهي الدرجة التي قصرت همم الرجال عن أن تنالها، بل وحتى عن أن يدخل في وهمها: أن تصل ولوفي يوم ما إليها، وتحصل عليها. ولكن عليا كان منذ نعومة أظفاره هو السباق إليها دون كل أحد ؟ لانه عاش في كنف الرسول، وكان " صلى الله عليه وآله وسلم " كفيله ومربيه، وكان يبرد له الطعام، ويشمه عرفه، وكان يتبع الرسول اتباع الفصيل أثر أمه، وكان كانه ولده (1). وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ه‍ - موقف أبي لهب: ولقد أدرك أبو لهب مغزى تلك الدعوة، ورأى أن الامر قد بلغ مرحلة الجد. وها هو يرى بام عينيه معجزة أخرى، تضاف إلى الكثير مما رآه من معاجز وكرامات للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، طيلة السنوات الكثيرة التي عرف فيها النبي وأحواله - فيرى أن فخذ شاة، وعسا من لبن، يكفي أربعين رجلا. وأبو لهب هو ذلك الرجل الذي يعرف طبيعة وأهداف هذا الدين الذي يبشر فيه محمد " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأنه لا يقيم وزنا لاي امتياز أو مكسب شخصي حصل عليه الانسان من طريق الابتزاز والظلم، وسائر أنواع التعدي والانحراف. إذن، فلا بد لابي لهب، بحسب منطقه


(1) وليس في كفالة النبي " صلى الله عليه وآله " لعلي غضاضة على أبي طالب شيخ الابطح - كما يقول البعض - لان عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة بخلاف سائر أبناء عبد المطلب، وقد ربي النبي " صلى الله عليه وآله " في حجر أبي طالب وكان " صلى الله عليه وآله " يخاطب فاطمة بنت أسد بيا أماه، وكانت عناية أبي طالب وزوجته به " صلى الله عليه وآله " فائقة جدا. وكان علي " عليه السلام " كانه ابن لرسول الله " صلى الله عليه وآله "، مع ملاحظة التفاوت في السن فيما بينهما. (*)

[ 76 ]

اللامنطقي: أن يقف في وجه هذا الدين، ويمنعه من تحقيق أهدافه بكل وسيلة ممكنة. ولا بد من تضييع الفرصة على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وذلك حفاظا على ما يراه أنه مصلحته أولا، وليرضي حقده وحسده الذي يعتمل في صدره ثانيا ؟ ذلك الحقد الذي لا مبرر له إلا أنه: يرى في شخصية النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " الصفات الحميدة، والاخلاق الرضية الكريمة، والسجايا الفاضلة، فإن ذلك يعتبر عنده ذنبا، وأي ذنب. فبادر إلى المواجهة الصريحة، والوقحة والقبيحة، حيث استغل معجزة الطعام التي يراها الجميع بأم أعينهم، فرمى النبي الاكرم بالسحر وقال: لقد ما سحركم صاحبكم. فتفرق الجمع في اليوم الاول، ولم يستطع الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يقول كلمته حتى اليوم التالي ؟ حيث استطاع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يصدع بما أمره الله تعالى، ويقيم عليهم الحجة، كما تقدم بيانه. و - الانذار أولا: وما دمنا في الحديث عن إنذار عشيرته الاقربين ؟ فإننا نسجل هنا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أمر من قبل الله تعالى بالانذار أولا لعشيرته، فقال تعالى: (وأنذر عشيرتك الاقربين) (1). وكذلك الحال بالنسبة لغيرهم من سائر الناس، فإنه تعالى قد قال لنبيه، كما في سورة المدثر، التي هي من العتائق النازلة في أوائل البعثة: (قم فأنذر) (2). فقد جاء الانذار أولا، مع أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أرسل مبشرا ونذيرا، ومع أن القرآن هدى وبشرى أيضا.


(1) الشعراء / 214. (2) المدثر / 2. (*)

[ 77 ]

وسر ذلك واضح ؟ فإن الناس كانوا في أول البعثة كفارا، ومنغمسين في الظلم والانحراف إلى أبعد مدى. فلا بد من إنذارهم أولا ؟ ليلتفتوا إلى الواقع السئ الذي يعيشونه، وإلى العواقب المدمرة والمرعبة، التي تنتظرهم نتيجة لذلك. والتفاتهم هذا لسوف يؤثر فيهم التطلع، ثم الحركة نحو الخروج من ذلك الواقع، والتخلص منه. ثم يأتي بعد ذلك دور تخليص المجتمع من رواسبه، ومن حركاته، وأعماله، ومواقفه السيئة، على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعة، وتطهيره من كل غريب ومريض. ومعه جنبا إلى جنب تكون عملية وضع الاسس المتينة والسليمة لبناء الهيكل العام للمجتمع المسلم في عواطفه، وفي علاقاته، وفي روابطه. والاهم من ذلك ؟ في فكره وثقافته، وإعطائه المفهوم الحقيقي والواقعي عن الكون، وعن الحياة، وبالذات عن هذا الانسان القوي الضعيف، وليطرد قدما في عملية بناء الانسان من الداخل، وتربيته وتزكيته، كما هو وظيفة النبي والامام، وكل داعية إسلامي على الاطلاق. وقد أشرنا في أول هذا الفصل إلى هذا، مستفيدين من قوله تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة). وهذا الذي ذكرناه عن اسلوب الاسلام في دعوته، هو التحرك الطبيعي لأية دعوة، تستهدف الاصلاح الجذري، والتغلب على مشاكل الحياة. والتخطيط لمستقبل مشرق سعيد. ز - ماذا قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في يوم الانذار: وقد جاء في بعض النصوص أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال لهم: " يا بني عبد المطلب، إني لكم نذير من الله عزوجل، إني أتيتكم

[ 78 ]

بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، وتفلحوا، وتنجحوا، إن هذه مائدة أمرني الله بها ؟ فصنعتها لكم، كما صنع عيسى بن مريم " عليه السلام " لقومه ؟ فن كفر بعد ذلك منكم، فإن الله يعذبه عذابا شديدا، لا يعذبه أحدا من العالمين، واتقوا الله، واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب: أن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا، ووزيرا، ووصيا، ووارثا من أهله. وقد جعل لي وزيرا كما جعل للانبياء من قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي: (وأنذر عشيرتك الاقربين) ورهطك المخلصين (1)، وقد والله أنباني به، وسماه لي. ولكن أدعوكم، وأنصح لكم، وأعرض عليكم ؟ لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله، ويوازرني "، إلى آخر كلامه " صلى الله عليه وآله وسلم "، الذي ينسجم مع النص الذي ذكرناه في أوائل هذا الفصل فرا جعه (2). وهذا النص هو الاوفق والانسب لموقف كهذا، وهو ينسجم تماما مع أمر الآية بالانذار، فإن الانذار أولا هو الخطوة الطبيعية لأية دعوة، كما ذكرنا آنفا. ح - التبشير والانذ ار: ويقول المحقق البحاثة المرحوم الشيخ مرتضى المطهري: إن من يريد إقناع إنسان ما بعمل ما، فله طريقان: أحدهما: التبشير، بمعنى تشويقه، وبيان فوائد ذلك العمل. الثاني: إنذاره ببيان ما يترتب على تركه من مضار، وعواقب سيئة.


(1) هذا توضيح منه " صلى الله عليه وآله " وتفسير للمراد من الآية. (2) البحار: ج 18 ص 215 / 216 عن سعد السعود لابن طاووس: ص 106.

[ 79 ]

ولذلك قيل: الانذار سائق، والتبشير قائد. والقرآن والاسلام يرى: أن الانسان يحتاج إلى هذين العنصرين معا، وليس - كغيره - يكفيه أحدهما. بل ويرى الاسلام: أنه لا بد وأن ترجح كفة التبشير على كفة الانذار. ولذلك قدم الأول على الثاني في أكثر الآيات القرآنية. ومن هنا، فقد قال " صلى الله عليه وآله وسلم " لمعاذ بن جبل، حين أرسله إلى اليمن: " يسر ولا تعسر، وبشر ولا تنفر ". فهو هنا لم يستبعد الانذار، بل هو جزء من خطته. وإنما اهتم بجانب التبشير إذ يمكن بواسطته إدراك مزايا الاسلام وخصائصه الرائعة، وليكون إسلامهم من ثم عن قناعة حقيقية، وقبول تام. وأما قوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": ولا تنفر، فهو واضح المأخذ، فإن روح هذا الانسان شفافة جدا، وتبادر إلى ردة الفعل بسرعة، ومن هنا فإننا نجد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يامر بالعبادة ما دامت النفس مقبلة، ولا يقبل بالضغط عليها، وتحميلها مالا تطيق. ولهذا شواهد كثيرة في الشريعة السهلة السمحاء (1). ومما تقدم نستطيع أن ندرك: لماذا اشتملت دعوته " صلى الله عليه وآله وسلم " لعشيرته على التبشير أيضا ؟ بان من يؤازره سوف يكون خليفة بعده، وأنه قد جاءهم بخير الدنيا والاخرة، تماما كما بدأت بالانذار، فإن ذلك ينسجم مع ما تشتاق إليه نفوسهم، ويتلاءم مع رغباتهم. وياتي من قبل من لا يمكن اتهامه لديهم باي وجه.


(1) راجع: جريدة جمهوري اسلامي الفارسية رقم 254 سنة 1359 ه‍. ش في مقالات للمطهري رحمه الله تعالى. (*)

[ 80 ]

ط - أخي ووصيي: ويلفت نظرنا هنا قوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": على أن يكون أخي الخ. فإن ذلك يؤكد لهم على مدى التلاحم والمحبة بينه وبين ذلك الذي يؤازره ويعاونه، إلى حد أنه يعتبره أخا له، فليست العلاقة بينهما علاقة رئيس ومرؤوس، وآمر ومأمور، ولا عال بدان، وإنما هي علاقة بين متكافئين في الانسانية، كما أنها علاقة تعاون وتعاضد على العمل البناء والمثمر، وعلاقة أخ مع أخيه، تغمرها المحبة، والثقة والصفاء، بكل ما لهذه الكلمات من معنى. أضف إلى ذلك، ما في ذلك من دلالة على المستوى السامي الذي كان قد بلغه أمير المؤمنين " عليه السلام " حتى يستحق وسام الاخوة فيما بينه وبين سيد البشر، من مضى منهم، ومن غبر. فاصدع بما تؤمر: وبعد أن أنذر " صلى الله عليه وآله وسلم " عشيرته الاقربين. وبعد أن انتشر أمر نبوته " صلى اللة عليه وآله وسلم " في مكة، بدأت قريش تتعرض لشخص النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالاستهزاء والسخرية، وأنواع التهم، كما يظهر ؟ إذ أنهم قد عرفوا جدية القضية، وأدركوا أبعادها. فبادروا إلى تلك الاساليب بهدف الحط منه " صلى الله عليه وآله وسلم " أمام الرأي العام، وابتذال شخصيته. على الرغم من أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يطلب منهم بعد أن يؤمنوا بما جاء به، كل ذلك حسدا وبغيا منهم، وتخوفا من المستقبل، ليس إلا. وكان لذلك الاستهزاء تأثير على إقبال الناس على الدخول في الاسلام ؟ فاغتم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لذلك جدا، واعتبر ذلك عائقا في سبيل انتشار دعوته، وأداء مهمته ؟ فانزل الله عليه يأمره بإظهار

[ 81 ]

الدعوة، والطلب حتى من قريش: أن تسلم لربها، مشفوعا ذلك بوعد أكيد. بأن الله سوف يكفيه المستهزئين ؟ فيجب أن لا يهتم لهم، وأن يتجاهلهم. وذلك حين نزل قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين. إنا كفيناك المستهزئين) (1). هذا إذا كان المقصود أنه سوف يكفيه أولئك الذين صدر منهم فعل الاستهزاء. أما إذا كان المراد: من سوف يصدر منهم هذا الامر، فإن الآية لا تكون ناظرة إلى ما سبق كما هو ظاهر لا يخفى. وقد بين الله تعالى له: خطة العمل المستقبلية، فأمره أن يأخذ بالصفح الجميل، وبالاعراض عن المشركين، وأن لا يحزن عليهم، ولا يضيق صدره بما يقولون ؟ فإن جزاءهم على الله المطلع على كل صغيرة وكبيرة. فامتثل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أمر الله، وأظهر دعوته، وطلب من الناس جميعا: أن يسلموا لربهم. ويقولون: إنه قام على الحجر، فقال: يا معشر قريش، يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وآمركم بخلع الانداد والاصنام ؟ فأجيبوني تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة. فاستهزؤا به، وقالوا: جن محمد بن عبد الله، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب (2).


(1) 1 لحجر / 94 - 95. (2) راجع: تفسير نور الثقلين ج 3 ص 34 عن تفسير القمي.

[ 82 ]

وجاء أيضا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قام على الصفا، ونادى قريشا ؟ فاجتمعوا له، فقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم: أن خيلا في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم، أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذبا قط. فقال: إني نذير لكم من عذاب شديد. إلى أن قال: فنهض أبو لهب، وصاح به: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعت الناس ؟ وتفرقوا عنه. فانزل الله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخر السورة (1). المفاوضات الفاشلة: قال ابن إسحاق وغيره: فلما بادى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قومه بالاسلام، وصدع به، كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا على خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالاسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عمه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه. ومضى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على أمر الله مظهرا لا يرده شئ. فلما رأت قريش: أن رسول الله لا يعتبهم من شئ أنكروه عليه، من فراقهم، وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، حاولوا مفاوضة أبي طالب. وهذه المفاوضات


(1) هذا الحديث يرويه المفسرون والسيوطي في الدر المنثور، وكذلك المؤرخون من غير الشيعة حين الحديث عن إنذار عشيرته الاقربين، ولكن قد بينا: أن المقصود ليس هو مطلق غيرته في الآية بل عشيرته الاقربون ليس إلا ؟ فالرواية تناسب قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فقط.

[ 83 ]

- كما يرى ابن إسحاق وغيره - قد مرت بثلاثة مراحل، إنتهت كلها بالفشل الذريع. الاولى: إنه مشى رجال من إشراف قريش إلى أبي طالب. ذكر المؤرخون أسماءهم، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه. الثانية: إنهم حين رأوا أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قد استمر على ما هو عليه، يظهر دينه، ويدعو إليه، حتى شرى الامر بينه وبينهم، وحتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، بينها، ذهبوا إلى أبي طالب، فتهددوه: إن لم يكف ابن أخيه عن شتم أبائهم، وتسفيه أحلامهم، وشتم آلهتهم، فلسوف ينازلونه وإياه حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا. فأرسل أبو طالب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فاخبره، وطلب إليه أن يبقي على نفسه وعليه، ولا يحمله ما لا يطيق.، فظن أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه، فقال له " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا عم، والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته. فوعده أبو طالب النصر. الثالثة: عرضوا على أبي طالب: أن يتخذ عمارة بن الوليد ولدا له، ويسلمهم النبي، الذي فارق دين أبي طالب ودين آبائه، وفرق جماعتهم وسفه أحلامهم ليقتلوه. فإنما هو رجل برجل. فقال أبو طالب: والله، لبئس ما تسومونني أتعطونني إبنكم أغذوه لكم، وأعطيكم إبني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا.

[ 84 ]

فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك، قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه ؟ فما أراك تريد ان تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني، ومظاهرة القوم علي ؟ فاصنع ما بدالك ؟. أو كما قال. فحقب الامر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا (1). وربما تكون هذه المراحل متداخلة، أو مترتبة. فإن ما ذكرناه لا يعدو عن أن يكون فهما منا للسير الطبيعي للاحداث، - لا أكثر ولا أقل - وقبل المضي في الحديث ؟ نسجل النقاط التالية: الف: قريش لم تصل إلى نتيجة: لقد رأينا: أن مشركي مكة ما كانوا يرغبون بادئ ذي بدء: في توريط أنفسهم في مواجهة أبي طالب والهاشميين ؟ فحاولوا: أن يحملوا أبا طالب نفسه على حسم الموقف، والقضاء على ما يعتبرونه مادة متاعبهم، ومصدر مخاوفهم، وحاولوا أن يثيروا هذا الرجل، ويشحنوه نفسيا ضد ابن أخيه، على اعتبار أن ابن أخيه قد جاء بما يضر بمصالح، ويجرح كرامة وعاطفة عمه نفسه، فضلا عن غيره، ولذا، فإن من الطبيعي أن يبادر أبو طالب نفسه لوضع حد لتصرفات ابن أخيه، ويكفيهم مؤونة ذلك. ولكنهم حينما وجدوا: أن أبى طالب لم يستجب لاي من أباطيلهم، ولم يحرك ساكنا في سبيل وضع حد لمصدر الخطر عليهم وعلى مصالحهم، لجأوا إلى التهديد والوعيد، ثم إلى أسلوب المكر والخداع كما في قضية عرض عمارة على أبي طالب ليتخذه ولدا، ويسلمهم محمدا


(1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 282 - 286، والبدء والتاريخ ج 4 ص 147 - 149 وتاريخ الطبري ج 2 ص 65 - 68. (*)

[ 85 ]

ليقتلوه. الامر الذي كشف عن حقيقة ما يكنونه في صدورهم، وتشتمل عليه نفوسهم واتضح لابي طالب ولغيره أن هدفهم ليس إلا القضاء على الدين الحق، وإطفاء نور الله، الامر الذي زاد في تصلب أبي طالب في الدفاع عن الحق والدين، وعن نبي الاسلام الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ". ب: سر استكبار قريش: ولعل سر استكبار مشركي مكة، ومحاولاتهم اطفاء نور الله تعالى يرجع إلى: 1 - انهم كانوا يستغلون أولئك الفقراء، والعبيد، والضعفاء في مكة وغيرها في مصالحهم ؟ فجاء الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبث في هؤلاء الفقراء روحا جديدة، وبدأ يؤكد لهم مفهوم كرامة الانسان، وحريته. ثم هو يناصرهم، ويعيش قضيتهم وآلامهم، ويفتح أعينهم على واقعهم. ويبث فيه تعاليم الاسلام، وفي مقدمتها وجوب تحررهم من سيطرة وغطرسة أولئك الطغاة المتجبرين. 2 - لقد أدرك أولئك المتجبرون، مما عرفوه من طبيعة الدعوة وأهدافها: أنهم سوف لن يتمكنوا في ظلها من الاحتفاظ بتلك الامتيازات الظالمة، التي جعلوها لانفسهم ؟ والتي كان يرفضها النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويؤكد على أن الناس كلهم سواسية أمام عدالة السماء، وفي ميزان الحكم والقضاء. وسوف لن يتمكنوا أيضا في ظل هذا الدين الجديد، الذي جاء ليتمم مكارم الاخلاق ؟ من الاستمرار في ممارساتهم اللا أخلاقية، واللا إنسانية أيضا، والتي كانوا يحرصون عليها كل الحرص، أكثر من حرصهم على آلهتهم التي كانوا يدعون أنهم يحافظون عليها، مع أننا رأينا

[ 86 ]

بعض العرب ياكل إلهه الذي صنعه من الحيس حين جاع ! ! (1). 3 - ما أشارت إليه الآية الكريمة: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) (2) أي أنهم اعتذروا عن عدم إيمانهم أنهم: إن آمنوا فإن العرب المشركين سوف لا يرضون بإيمانهم، ورفض أوثانهم، فرد عليهم القرآن، فقال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ، رزقا من لدنا) (3)، فلا موجب إذن لخوفهم هذا. مع أن اختيارهم الشرك خوفا من ذلك، لا يمنع ذلك ؟ فكم أهلك الله من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم. بل ربما كان ذلك هو سبب هلاكهم في الدنيا، حيث ينشأ عنه المنازعات والاستكبار، وغير ذلك من انحرافات مدمرة للمجتمعات وللامم، إن لم يكن ثمة ضوابط وروادع معينة تجعل كل تلك الامكانات في مجراها الصحيح، وفي الجهة النافعة للفرد وللمجتمع، حاضرا ومستقبلا. على أن الامر لله تعالى فليس لاحد أن يتمرد عليه، ويخرج على أوامره، فإنه يعرض نفسه والحالة هذه إلى الهلاك الدنيوي والاخروي، ثم ضرب لهم مثالا بقارون، الذي كان لديه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولي القوة، فلما استكبر وطغى، وتمرد على أوامر الله، خسف الله به وبداره الارض. وفي آيات السورة - سورة القصص - دقائق عجيبة ومعان رائعة في هذا المجال، تحتاج إلى دراسة مستقلة ومعمقة، لا مجال لها هنا. ونكتفي هنا بهذه الاشارة الاجمالية إليها. والله هو الموفق والمعين.


(1) الاعلاق النفيسة: ص 217، والحيس هو تمر ينزع نواه ويدق مع أقط وجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد. مجمع البحرين: ج 4 ص 64. (2) القصص / 57. (3) القصص / 57.

[ 87 ]

ماذا بعد فشل المفاوضات ؟ وبعد فشل المفاوضات، فقد ظهر لابي طالب: أن السيل قد بلغ الزبى، وأنه على وشك الدخول في صراع مكشوف مع المشركين. فلا بد من الحذر والاحتياط للامر ؟ فجمع بني هاشم، وبني المطلب، ودعاهم إلى منع الرسول، والقيام دونه، فأجابوه، وقاموا معه، باستثناء أبي لهب لعنه الله تعالى. ومنع الله عزوجل رسوله، فلم يكن لهم إلى أن يضروه في شعره وبشره سبيل، غير أنهم يرمونه بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر، والقرآن ينزل عليه " عليه السلام " بتكذيبهم. ورسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قائم بالحق، ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى الله عزوجل سرا وجهرا. وذلك لان المشركين بعد أن أدركوا: أن الاعتداء على شخصه " صلى الله عليه وآله وسلم " سوف يتسبب في صراع مسلح لم يعدوا له عدته، وليسوا على يقين من أن تكون نتائجه لصالحهم، خصوصا مع ما كان لبني هاشم من علاقات، ومن أحلاف مع القبائل، كحلف المصيبين، وحلف عبد المطلب مع خزاعة التي كانت تقطن خارج مكة. بل قد توجب هذه الحرب - لو نشبت - التمكين لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " من نشر دعوته (1). فمن أجل كل ذلك آثر المشركون أن يبتعدوا عن الحرب، ويتبعوا أساليب أخرى لتضعيف أمر محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، والوقوف في وجه دعوته ؟ فنجدهم: ألف: ينهون الناس عن الالتقاء بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "،


(1) ويرى بعض المحققين: ان من المحتمل: أن ابا طالب كان يستعمل أسلوب اللين تارة والشدة أخرى ؟ بهدف إثارة حرب كهذه، تهدف إلى تمكين النبي من نشر دعوته، كما أشير إليه. (*)

[ 88 ]

وعن أن يسمعوا ما جاء به من قرآن، قال تعالى: (وهم ينهون عنه، وينأون عنه) (1). وقال تعالى: (وقال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه، لعلكم تغلبون) (2). ب: يتبعون أسلوب السخرية والاستهزاء، وإلصاق التهم الباطلة، بهدف: 1 - التأثير على شخص النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " عله ينهزم نفسيا، وجعله يعيش عقدة الحقارة والضعة، فلربما يتخلى عن هذا الامر، ويكذب نفسه. 2 - الحط من كرامة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وابتذال شخصيته، بهدف تنفير أصحاب النفوس الضعيفة من متابعته، وصرفهم عن الدخول فيما جاء به. ولهذا نجدهم: يغرون سفهاءهم بايذائه وتكذيبه، وأحيانا كان يتولى ذلك منه سادتهم وكبراؤهم. بل لقد رأيناهم يأمرون غلاما منهم بان يلقي عليه سلا جزور وفرثه، وهو قائم يصلي، فيلقيه بين كتفيه، فيغضب أبو طالب، ويأتي فيمر السلا على سبالهم جميعا. وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم (3). وكانوا أيضا يلقون عليه التراب (4)، ورحم الشاة (5)، وغير ذلك.


(1) الانعام / 26. (2) فصلت / 26. (3) الكافي: ج 1 ص 449 نشر مكتبة الصدوق، ومنية الراغب: ص 75. وراجع: الغدير: ج 7 ص 359 و 388 و. ج 8 ص 4، وأبو طالب مؤمن قريش: ص 73 عن مصادر كثيرة. (4) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 291 و 292، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية): ج 1 ص 208 و 202 و 231. (5) راجع: البداية والنهاية: ج 3 ص 134. (*)

[ 89 ]

وقد أثر ذلك إلى حد ما في صرف الناس، وإبعادهم عن الدخول في الاسلام، حتى ليقول عروة بن الزبير وغيره: ".. وكرهوا ما قال لهم، وأغروا به من اطاعهم ؟ فانصفق عنه عامة الناس (1) ". المعذبون في مكة: كما أنهم قد تذامروا بينهم على من في القبائل منهم، من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم، ويفتنونهم عن دينهم، يعذبونهم. بالحبس، والضرب، والجوع، وبرمضاء مكة، وبغير ذلك من الاساليب ا لوحشية، والانسانية. مع المعذبين أيضا: وقد عذب المشركون عددا من المسلمين ؟ فعذب عمر بن الخطاب جارية بني مؤمل - حي من بني عدي - وكانت مسلمة ؟ فكان يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة (2). ولعل بني مؤمل كانوا قد سمحوا لعمر بن الخطاب أن يتولى تعذيب جاريتهم، وإلا فإن وضعه الاجتماعي لم يكن يسمح له بامر من هذا القبيل. وعذب المشركون أيضا خباب بن الارت، وأم شريك، ومصعب بن عمير، وغيرهم ممن لا مجال لذكرهم، وبيان ما جرى عليهم.


(1) تاريخ الطبري: ج 2 ص 68. (2) سيرة ابن هثام: ج 1 ص 341، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 300، وراجع: السيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 493، والمحبر: ص 184. (*)

[ 90 ]

وقد ضرب هؤلاء لنا المثل الاعلى في الصمود والجهاد من أجل المبدأ والعقيدة، مع معرفتهم بانهم لا يملكون قوة تستطيع أن ترد عنهم، غير إرادة الله تعالى، وأنهم إنما يتحدون بإسلامهم العالم كله، الذي كان بكل ما فيه ضدهم. وهنا تكمن عظمتهم، وهذا هو سر امتيازهم على غيرهم. المعذبون الذين أعتقهم أبو بكر: وممن عذب في سبيل الله بلال الحبشي، وعامر بن فهيرة، ويقولون: إن أبا بكر قد اشتراهما وأعتقهما، فكانت نجاتهما من العذاب بسببه. ولكنا نشك في أن يكون أبو بكر هو الذي اشتراهما، وذلك: أولا: لما ذكره الاسكافي، الذي قال: " أما بلال، وعامر بن فهيرة، فإنما أعتقهما رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، روى ذلك الواقدي، وابن إسحاق (1) ". وعد ابن شهر آشوب بلالا من موالي النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). وثانيا: إنهم يروون روايات متناقضة في هذا المجال، حتى لا تكاد تلتقي رواية مع أخرى، ويكفي أن نذكر اختلافها في الثمن الذي أعطاه أبو بكر. فرواية تقول: إنه أعطى ثمنه غلاما له أجلد منه.


(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي: ج 13 ص 273، وقاموس الرجال: ج 5 ص 196 وج 2 ص 238. (2) المناقب لابن شهر اشوب: ج 1 ص 171.

[ 91 ]

وأخرى: إنه أعطى غلاما وزوجته، وابنته، ومائتي دينار. وثالثة: اشتراه بسبع أواق. ورابعة: بتسع. وخامسة: بخمس. وسادسة: برطل من ذهب. وسابعة: إنه اشتراه بعبده قسطاص، الذي كان صاحب عشرة ألاف دينار، وجوار، وغلمان، ومواش. وثامنة: ببردة، وعشر أواق من فضة، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف وا لتناقض (1). وثالثا: إنهم يقولون: إن قوله تعالى: (فاما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) (2) نزل في أبي بكر بهذه المناسبة (3). ونقول: 1 - لقد رد الاسكافي على ذلك: بان هناك من يقول: إن هذه الآية نزلت في مصعب بن عمير (4).


(1) راجع ما تقدم في: السيرة الحلبية: ج 1 ص 298 / 299، وقاموس الرجال: ج 1 ص 216، وسير أعلام النبلاء: ج 1 ص 353، والسيرة النبوبة لابن هشام: ج 1 ص 340، وحلية الاولياء: ج 1 ص 148، وغير ذلك كثير. (2) سورة الليل 5 - 7. (3) الدر المنثور ج 6 ص 358 - 390 عن عدد من المصادر والسيرة الحلبية ج 1 ص 299، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 273 عن الجاحظ والعثمانية ص 35. (4) شرح النهج ج 13 ص 273.

[ 92 ]

ويروي الشيعة: أن الآية نزلت في علي " عليه السلام ". ويورد الحلبي عليهم: بان عليا كان للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عليه نعمة تجزى، وهي تربيته له، والآية تقول: (وما لاحد عنده من نعمة تجزى) وبمثل ذلك أورد الرازي عليهم أيضا (1). ولكن قد فات الرازي والحلبي: أن المقصود هوأن هذا المال الذي ينفقه لا يريد أن يجازي بانفاقه له نعمة من أحد عليه، وإنما ينفقه لوجه الله، ولوجه الله فقط. لا أنه تعالى يريد وصف الاتقى بانه ليس لاحد عليه نعمة. 2 - قد ورد: عن ابن عباس وغيره، وحتى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه، تفسيرها بمعنى عام لا يختص باحد فراجع كتب التفسير للاطلاع على ذلك. 3 - وأخرج ابن أبي حاتم ما ملخصه: أن هذه السورة قد نزلت في رجل (هو سمرة بن جندب) الذي كان له نخلة فرعها في دار رجل، فكان إذا جاء لياخذ عنها الثمر، وصعد عليها ربما تقع ثمرة، فيأخذها صبيان الفقير ؟ فينزل من نخلته ؟ فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل إصبعه، حتى يخرج التمرة من فيه ؟ فشكاه الفقير إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، ثم لقي الرسول صاحب النخلة ؟ فطلب منه أن يعطيه النخلة وله مثلها في الجنة، فقال. لقد أعطيت، وإن لي لنخلا كثيرا ؟ وما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها. فسمع رجل ما دار بين النبي وبينه ؟ فجاء إلى الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها، قال: نعم، فذهب الرجل، ولقي صاحب النخلة، وفاوضه واشتراها منه باربعين نخلة. ثم ذهب إلى النبي، فوهبها له، فذهب رسول الله " صلى الله عليه


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 299.

[ 93 ]

وآله وسلم " إلى صاحب الدار، فقال: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله: والليل إذا يغشى إلى آخر السورة (1). ولاجل هذا نجد السيوطي يقول عن: " سورة الليل: الاشهر أنها مكية ؟ وقيل: مدنية لما ورد في سبب نزولها من قصة النخلة، كما أخرجناه في اسباب النزول " (2). وهذه القضية هي المناسبة للآيات ؟ لانها تذكر أن بعضهم أعطى واتقى، وبعضهم بخل واستغنى. إلا أن يكونوا - والعياذ بالله - يقصدون بمن بخل، النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه. مع أن فرض عدم مال له ينافي صدق البخل عليه. ويشير إلى عدم المال عنده قولهم: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الذي قال: لو كان عنده مال لاشتري بلالا. أو يقصدون بمن بخل، العباس، الذي تقول الروايات: إنه ذهب فاشترى بلالا، فأرسله إلى أبي بكر، فاعتقه. 4 - لسوف يأتي إن شاء الله في حديث الغار، قول عائشة: إنه لم ينزل في آل أبي بكر شئ من القرآن، إلا أن الله أنزل عذرها. يعني الآيات المرتبطة بالافك، والتي هي في سورة النور. وحتى عذرها هذا ؟ فإنه لم ينزل فيها، كما حققناه في كتابنا: حديث الافك فراجع. ورابعا: لم نفهم معنى قوله " صلى الله عليه وآله وسلم " إنه لو كان عنده مال لاشتري بلالا، وكيف نوفق بين هذا وبين قولهم: إنه " صلى الله


(1) الدر المنثور ج 6 ص 357 عن ابن ابي حاتم عن ابن عباس، وتفسير البرهان ج 4 ص 470 عن علي بن ابراهيم، باختلاف مع ما عن الدر المنثور. وستأتي بقية المصادر في حرب أحد في فصل: قبل نشوب الحرب، حين الكلام حول إرجاع الصغار، والريب فيما ينقل عن سمرة. (2) الاتقان: ج 1 ص 14.

[ 94 ]

عليه وآله وسلم " طلب من أبي بكر الشركة في بلال فاخبره أنه اعتقه (1) ؟ !. ثم أو ليست أموال خديجة تحت تصرفه " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ ! ألم يكن هو الذي ينفق على المسلمين في مكة، كما قالت أسماء بنت عميس لعمر حينما عيرها بأنها لا هجرة لها، حيث قالت له: إنه ومن معه من المسلمين كانوا مع رسول الله يطعم جائعهم، ويعلم جاهلهم ؟ ! ! (2). وستأتي هذه القضية في موضها إن شاء الله. واحتمال أن تكون قصة بلال في أواخر سني ما قبل الهجرة، لا يقبل به المؤرخون ؟ فإن النووي يذكر: أنه أسلم أول النبوة، وهو من أول من أظهر اسلامه (3). إلا أن يقال: إن إسلامه، وإن كان متقدما، لكن شراءه وعتقه يمكن أن يتاخرا لعدة سنوات. هذا كله عدا عما تذكره بعض الروايات من أن العباس هو الذي ذهب فاشتراه، ثم أرسله إلى أبي بكر فاعتقه (4) ! وروايات أخرى تقول: بل اشتراه نفس أبي بكر مباشرة، وأعتقه. وفي بعض الروايات: أنه لما توفي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال بلال لابي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن


(1) طبقات ابن سعد: ج 3 ص 165. (2) تقدمت من المصادر لذلك في الجزء السابق من هذا الكتاب في آخر فصل: بحوث تسبق السيرة. (3) تهذيب الاسماء واللغات: ج 1 ص 136. (4) السيرة النبوية لدحلان: ج 1 ص 126، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 299، وراجع: المصنف: ج 1 ص 234 وغيره.

[ 95 ]

كنت إنما اشتريتني لله فذرني (1). وهذا يشير إلى أنه لم يكن قد أعتقه حتى وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم " ! !. وبالنسبة لشراء العباس له ؟ فإن العباس إن كان قد اشتراه لنفسه، فلماذا لم يعتقه هو نفسه ؟ وإن كان إنما اشتراه لابي بكر فلا ندري: متى كان العباس وكيلا لابي بكر ؟ ومتى كان العباس يهتم بأمور كهذه، وهو الذي لم يسلم إلا عام الفتح، أو في بدر، كما يقولون ؟. وحاول بعضهم أن يدعي: أن العباس فاوض أمية بن خلف، ثم جاء أبو بكر فاشتراه (2) ! وهذا أعجب ! ! وما عشت أراك الدهر عجبا ! !. وأيضا، فإن حالة أبي بكر الاقتصادية لم تكن تسمح له بان يدفع تلك المئات من الدنانير، فضلا عن أن يكون أحد مواليه يملك عشرة آلاف دينار، وجوار، ومواش، وغير ذلك، لو فرض أن العرب كانوا يملكون عبيدهم الاموال. حيث إن أبا بكر لم يكن تاجرا، وإنما كان معلما، فمن أين تأتيه تلك الآلاف أو حتى المئات من الدراهم والدنانير لشراء سبعة أو تسعة وإعتاقهم ؟ ! ولسوف ياتي إن شاء الله البحث عن ثروة أبي بكر حين الكلام حول قضية الغار. بل لقد شك البعض في أن يكون كثير ممن ذكروا في مواليه شخصية حقيقية أو خيالية، ولا سيما مثل " زنيرة "، التي قال السهيلي عنها: " ولا تعرف زنيرة في النساء (3) ".


(1) طبقات ابن سعد: ج 3 ص 170. (2) السيرة النبوية لدحلان: ج 1 ص 126، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 299، وراجع المصنف للصنعاني ج 1 ص 234، وغيره. (3) الروض الانف ج 2 ص 78.

[ 96 ]

ويقول العلامة السيد الحسنى: ؟ إن قريشا كانت تعذب من آمن ؟ من أجل أن لا ينتشر الاسلام، وكانت تود أن تبذل لمحمد كل غال ونفيس، ليتراجع عما جاء به، ودعا إليه ؟ فكيف تتنازل قريش عن ملكيتهم لابي بكر، وتترك تعذيبهم بهذه السهولة (1) ؟ !. " إلا أن يقال: إن حبها للمال، ثم اليأس من محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الذي يدفعها إلى ذلك كما يقوله البعض. هل عذب المشركون أبا بكر ؟ ! هذا ويذكرون: أن أبا بكر قد تعرض للعذاب في سبيل الاسلام حيث إن عمر بن عثمان أخذه وقرنه مع طلحة بن عبيد الله التيمي في حبل حين اسلما، وعذبهما نوفل بن خويلد، وفتنهما عن دينهما، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة ب " القرينين ". ويرى البعض أن الذي قرنهما وعذبهما هو نوفل فقط، وليس لعمربن عثمان ذكر في شئ (2). ونحن نسجل هنا ما يلي: 1 - إنهم يقولون: إن أبا بكر قد منعه الله بقومه (3)، وهذا يتناقض


(1) سيرة المصطفى ص 149. (2) راجع في ذلك: العثمانية للجاحظ ص 27 / 28، وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 253، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 301، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 230، والبداية والنهاية ج 3 ص 29، والبيهقي، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 369 والبدء والتاريخ ج 5 ص 82. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 28، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 284، وصححه هو والذهبي في تلخيصه بهامشه، وحلية الاولياء ج 1 ص 149، والاستيعاب ج 1 ص 141 وأحمد، وابن ماجة، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 126، والسيرة =

[ 97 ]

تماما مع قولهم: إنه قد عذب. كما أنه يناقض قوله الاتي لابن الدغنة: إن قومه قد أخرجوه. 2 - إنه يظهر من مراجعة كتب السيرة: أن كل قبيلة كانت تتولى تعذيب من يدخل في الاسلام منها، ولم يكن منهم من يجرؤ على تعذيب من كان من قبيلة أخرى، كما سنرى. 3 - لقد قال الاسكافي: " إنا لا نعلم: أن العذاب كان واقعا إلا بعبد أو عسيف. (وهو الاجير)، ولمن لا عشيرة له تمنعه (1) ". مع أنهم يقولون: إن أبا بكر كان رئيسا متبعا، وكبيرا مطاعا (2) ينتظره عظماء قريش ولا يقطعون أمرا دونه، حتى يأتيهم ليبتوا في أمر محمد صلى الله عليه واله، (كما تقدم في حديث إسلام أبي بكر). وعلى حسب تعبيراتهم: كان ذا مكانة علية، وصدرا معظما، ورئيسا في قريش مكرما (3) فكيف يعذب أبو بكر من قبل جماعة ليسوا من قبيلته ؟ وكيف يترك قومه رئيسهم، وصاحب مجدهم الباذخ ؟ يتعرض للمهانة من قبل هؤلاء ؟. وعلى حد تعبير ابن هشام وغيره: كان " مآلفا لقومه، محببا، سهلا. إلى أن قال: وكان رجال قومه يأتونه، ويألفونه لغير واحد من الامر " (4). وعلى حد التعبير المزعوم لابن الدغنة: " لا يخرج مثله. أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف،


= النبوية لابن كثير ج 1 ص 436 وعن كنز العمال ج 7 ص 14 عن ابن أبي شيبة، والطبقات الكبرى لابن سعد ط صادر ج 3 ص 233. (1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 255. (2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 255، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 123، والسيرة الحلبية ج 1 ص 273. (3) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 433، والبداية والنهاية ج 3 ص 26. (4) سيرة ابن هشام ج 1 ص 267 والسيرة النبوية لابن كثير ص 437. (*)

[ 98 ]

ولمجين على نوائب الحق ؟ (1) ". ويلاحظ: أن هذه الكلمات هي - تقريبا - نفس الكلمات التي تنسب إلى خديجة في وصف النبي صلى الله عليه وآله حين بعثته، قالها إبن الدغنة حين هجرة أبي بكر إلى الحبشة - وسيأتي عدم صحتها - فاقرأ، واسمع، واعجب ما بذالك ! ! ملاحظة: هل كان أبو بكر رئيسا ؟ !: إننا إنما ذكرنا هذا الذي سبق آنفا، لبيان تناقض كلماتهم، إذ لو صح هذا لم يمكن أن يصح ذاك، وإلا فنحن نشك في أن يكون أبو بكر رئيسا، معظما، وكبيرا مطاعا، ويدل على ذلك: ا - إن أبا بكر حج، ومعه أبو سفيان، فرفع صوته عليه، فقال أبو قحافة: إخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب، فقال أبو بكر: يا أبا قحافة، إن الله بنى في الاسلام بيوتا كانت غير مبنية، وهدم بيوتا كانت في الجاهلية مبنية، وبيت أبي سفيان مما هدم (2). 2 - وحين بويع أبو بكر نادى أبو سفيان: " غلبكم على هذا الامر أذل أهل بيت في قريش "، وفي نص الحاكم: " ما بال هذا الامر في أقل قريش قلة، وأذلها ذلة، يعني أبا بكر (3) ".


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 301. وسيأتي العديد من المصادر لذلك حين الكلام عن هجرة أبي بكر ان شاء الله. (2) راجع: النزاع والتخاصم للمقريزي ص 19 والغدير ج 3 ص 353 عنه. (3) راجع المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 451، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 78، عن ابن عساكر، وأبي أحمد الدهقان، وراجع الكامل لابن الاثير ج 2 ص 326، وتاريخ. الطبري ج 2 ص 944. والنزاع والتخاصم: ص 19، وكنز العمال:: ج 5 (*)

[ 99 ]

وعلى حد تعبير البلاذري: إن أبا سفيان جاء إلى علي " عليه السلام " فقال: يا علي، بايعتم رجلا من أذل قبيلة من قريش ؟ (1). 3 - ويقول عوف بن عطية: وأما الالامان بنو عدي وتيم حين تزحم الامور فلا تشهد بهم فتيان حرب ولكن أدن من حلب وعير إذا رهنوا رماحهم بزبد فان رماح تيم لا تضير (2). ملاحظة أخيرة: وأخيرا، فإن ما يذكرونه: من أن أبا بكر هو أول من أظهر إسلامه، فمنعه قومه. أو أنه ضرب حتى كاد يموت (3). يكذبه الكثير مما قدمناه، ونزيد هنا: أن النبي كان أول من أعلن الدعوة. وليس أبا بكر. هذا عدا عن أنهم يذكرون تارة: أن ابن مسعود هو أول من أعلن، وأخرى عمر بن الخطاب، وهنا يذكرون: أبا بكر. كما أن الرواية تنص على أن إظهار أبي بكر للاسلام قد كان حينما كان المسلمون ثمانية وثلاثين رجلا والنبي صلى الله عليه وآله في دار الارقم.


= ص 383 و 385، عن ابن عساكر وعن أبي احمد الدهقان في حديثه. (1) أنساب الاشراف للبلاذري (قسم حياة النبي " صلى الله عليه وآله " ص 588. (2) طبقات الشعراء لابن سلام ص 38. (3) السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 439 / 449 والبداية والنهاية ج 3 ص 3 0، وتاريخ الخميس ج 1 ص 294 والغدير ج 7 ص 322 عنه وعن الرياض النضرة ج 1 ص 46.

[ 100 ]

وقد تقدم: أن أبا بكر لم يكن قد أسلم بعد. لانه إنما أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا. إلا أن يكون المقصرد هو بلوغ المسلمين الذين أسلموا بعد الهجرة إلى الحبشة ثمانية وثلاثين رجلا. لكن ذلك لا يتلاءم مع تصريح الرواية بأن ذلك قد كان يوم إسلام حمزة، حينما كان النبي صلى الله عليه وآله في دار الارقم. أول شهيد في الاسلام من آل ياسر: وعلى كل حال ؟ فلقد عذب آل ياسر أشد العذاب، واستشهدت سمية أم عمار على يد فرعون قريش أبي جهل لعنه الله، فكانت أول شهيدة في الاسلام (1) ثم استشهد ياسر رحمه الله تعالى. ولكنهم ذكروا: أن أول قتيل في الاسلام هو الحارث بن أبي هالة، حيث إنه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصدع بما يؤمر، قام صلى الله عليه وآله في المسجد، فقال: قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ؟ فوثبت إليه قريش ؟ فأتى الصريخ أهله ؟ فكان أول من أتاه الحارث هذا ؟ فضرب في القوم فصرفهم عنه وعطفوا عليه حتى قتلوه (2). وهذا لا يصح ؟ لما تقدم ؟ من ان الله قد منع النبي صلى الله عليه وآله بأبي طالب وقومه، ولم يجرؤا على أن ينالوه بسوء في شعره وبشره.


(1) الاستيعاب هامش الصابة ج 4 ص 331 و 330 و 333، والاصابة ج 4 ص 335 و 334 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 495، واسد الغابة ج 5 ص 481، وتاريخ اليعقوبي ج 2 مر 28. (2) نور القبس ص 275 عن الشرقي ابن القطامي، والاصابة ج 1 ص 293 عن الكلبي، وابن حزم وعن العسكري والاوائل ج 1 ص 311 / 312. (*)

[ 101 ]

وكذلك الحال بالنسبة إلى من أسلم من بني هاشم، حيث لم يعذب جعفر، ولا علي ولا غيرهما، وذلك لمكان أبي طالب رحمه الله، كما قلنا. وأيضا فإن كلمة المؤرخين تكاد تكون متفقة على أن أول شهيد في الاسلام كان سمية وزوجها. أضف إلى ذلك: أن كل ما يقال في كيفية إعلانه بالدعوة يتنافى ويتناقض مع ما ذكروه هنا (راجع ما تقدم تحت عنوان: فاصدع بما تؤمر). والذي يمكن أن نفهمه: هو أنه ربما يكون الهدف من وضع هذه القضية هو أن يثبتوا أن خديجة قد تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وآله برجل أو أكثر، وولد لها منهما. وقد تقدم ما يوجب الشك في ذلك، حين الكلام على زواجها بالرسول الاعظم صلى الله عليه وآله... عمار بن ياسر: وعذب عمار أيضا عذابا شديدأ من قبل بني مخزوم، حتى أكره على التفوه بما يعجب المشركين، فتركوه ؟ فاتى النبي " صلى الله عليه وآله " باكيا، وقال له: لم أترك يا رسول الله، وقد أكرهوني حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. فقال له النبي " صلى الله عليه وآله ": كيف تجد قلبك يا عمار ؟ قال: إنه مطمئن بالايمان يا رسول الله قال: لا عليك، فإن عادوا إليك فعد لما يريدون ؟ فقد أنزل الله فيك: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان (1) ".


(1) النحل / 106 راجع: حلية الاولياء ج 1 ص 140 وتفسير الطبري ج 4 ص 112 وتفسير النيسابوري بهامثه وغير ذلك كثير جدا. (*)

[ 102 ]

التقية في الكتاب والسنة: ونقو ل: 1 - إن ما جرى لعمار ونزول الآية فيه دليل على مشروعية التقية، إذا خاف الانسان على نفسه وماله. وقد صرحوا بجواز التقية وإظهار الموالاة حتى للكفار، إذا خيف على النفس التلف، أو تلف بعض الاعضاء، أو خيف من ضرر كبير يلحق الانسان في نفسه (1). بل لقد قال محمد بن عقيل: " التقية مما أجمع المسلمون على جوازه، وإن اختلفت تسميتهم لها، فسماها بعضهم بالكذب لاجل الضرورة أو المصلحة، وقد عمل بها الصالحون، فهي من دين المتقين الابرار. وعكس القول فيها كذب ظاهر " (2). 2 - ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ، إلا أن تتقوا منهم تقاة " (3). 3 - قال تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين في الارض.. إلى قوله: واجعل لنا من لدنك نصيرا). قال البخاري: " فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله، والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به ". (4)


(1) راجع على سبيل المثال: احكام القرآن للجصاص ج 2 ص 9. (2) تقوية الابمان ص 38. (3) آل عمران / 28. (4) صحيح البخاري ط الميمنية ج 4 ص 128. (*)

[ 103 ]

ملاحظة: الاية موجودة كما في سورة النساء الاية 97 ولكن الفقرة الاخيرة غير موجودة فيها ولا في الايات بعدها لكن البخاري قد ذكرها كذلك. فذكرناها حسبما هي فيه رعاية لامانة النقل عنه. 4 - وقال تعالى (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله) (1). والقول بأن هذه الاية قد نسخت لا مثبت له، بل لقد روي عن الامام الباقر عليه السلام ما يدل على خلاف ذلك، فقد روى الكليني عن عبد الله بن سليمان، قال: " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول - وعنده رجل من أهل البصرة، يقال له: عثمان الاعمى، وهو يقول: إن الحسن البصري يزعم: أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار. فقال ابو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن من آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا عليه السلام ؟ فليذهب الحسن يمينا وشمالا ؟ فوالله ما يوجد العلم إلا هاهنا (2) ". فاستدلال الامام بالآية يدل على أن عدم كونها منسوخة كان متسالما عليه لدى العلماء آنئذ. وأما من السنة، فنذكر: ا - عن أبي ذر، عنه صلى اللا عليه وأله: ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة، فان م دركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم


(1) غافر / 28. (2) الكافي (الاصول) ج 2 ص 40 - 41 منشورات المكتبة الاسلامية، والوسائل ج 18 ص 8.

[ 104 ]

معهم نافلة (1) وثمة حديث آخر بهذا المعنى فليراجع (2). 2 - ما جاء: أن مسيلمة الكذاب أتي برجلين، فقال لاحدهما: تعلم أفي رسول الله ؟ قال بل محمد رسول الله. فقتله. وقال للآخر ذلك، فقال: أنت ومحمد رسول الله ؟ فخلى سبيله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أما الاول فمضى على عزمه ويقينه. وأما الاخر، فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه (3). 3 - ما رواه السهمي عنه صلى الله عليه وآله: لا دين لمن لا ثقة له (4). وهو تصحيف على الظاهر، والصحيح: " لا تقية " كما يدل عليه ما رواه شيعة أهل البيت عنهم عليهم السلام (5). 4 - قصة عمار بن ياسر المعروفة، وقول النبي صلى الله عليه وآله له: إن عادوا فعد. وهي مروية في مختلف كتب الحديث والتفسير. وفي هذه المناسبة نزل قوله تعالى: " من كفر بالله بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " (6). 5 - استعمال النبي صلى الله عليه وآله نفسه للتقية، حيث بقي ثلاث أو خمس سنوات يدعو إلى الله سرا، وهذا مجمع عليه، ولا يرتاب فيه أحد، وإن كنا قد ذكرنا: أن الحقيقة ليست هي ذلك.


(1) مشد أحمد ج 5 ص 159. (2) مسند أحمد ج 5 ص. 16 و 168. (3) محاضرات الادباء للراغب الاصفهاني: ج 4 ص 408 - 409 واحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 10 وسعد السعود 137. (4) تاريخ جرجان: ص 201. (5) راجع: الكافي (الاصول): ج 2 ص 217 ط الآخندي، ووسائل الشيعة: ج 11 ص 465. وراجع: ميزان الحكمة: ج 10 ص 666 و 667. (6) النحل / 106. وراجع: فتح الباري: ج 12 ص 277 - 278.

[ 105 ]

6 - إن الاسلام يخير الكفار في ظروف معينة بين الاسلام والجزية، والسيف. وواضح: أن ذلك إغراء بالتقية، لان دخولهم في الاسلام في ظروف كهذه لن يكون إلا لحقن دمائهم، وليس عن قناعة راسخة. وهذا نظير قبول المنافقين في المجتمع الاسلامي، وتآلفهم على الاسلام، على أمل أن يتفاعلوا مع هذا الدين، ويستقر الايمان في قلوبهم. 7 - وحين فتح خيبر قال حجاج بن علاط للنبي " صلى الله عليه وآله ": ان لي بمكة مالا وان لي أهلا واني أريد أن آتيهم فانا في حل إن أنا نلت منك وقلت شيئا ؟ ! فاذن له رسول الله أن يقول ما شاء (1). وأما التقية في التاريخ: فنذكر على سبيل المثال: ا - إن رجلا سأل ابن عمر فقال: " أدفع الزكاة إلى الامراء ؟ فقال ابن عمر: ضعها في الفقراء والمساكين. قال: فقال لي الحسن: ألم أقل لك: إن ابن عمر إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء وا لمسا كين ؟ ؟ (2) ". 2 - وقد ادعوا: أن أنس بن مالك قد روى حديث القنوت قبل الركوع تقية من بعض أمراء عصره (3). 3 - وحين شاور العباس بن الحسن كتابه وخواصه فيمن يولون الخلافة بعد موت المكتفي، أشار عليه ابن الفرات بان ينفرد بكل واحد منهم فيعرف رأيه وما عنده افاما أن يقول كل واحد رأيه بحضرة الباقين


(1) دراسات في الكافي والصحيح ص 338 عن السيرة الحلبية. (2) المصنف للصنعاني ج 4 ص 48. (3) راجع: المحلى ج 4 ص 141.

[ 106 ]

فربما كان عنده ما يسلك سبيل التقية في كتمانه وطيه. قال: صدقت. ثم فعل ما أشار به عليه (1) ". 4 - تقية النبي " صلى الله عليه وآله " والحمزة في بيعة العقبة. وستاتي نصوصها في فصل مستقل. 5 - عن أيوب قال: ما سألت الحسن عن شئ قط ما سألته عنها (أي عن الزكاة). قال: فيقول لي مرة: أدها إليهم. ويقول لي مرة: لا تؤدها إليهم (2) أي للامراء. إلا أن يقال: إن هذا التردد من الحسن، إنما هو لاجل عدم وضوح الحكم الشرعي له، جوازا أو منعا. 6 - وفي خطبة لمحمد بن الحنفية: " لا تفارق الامة، اتق هؤلاء القوم (يعني الامويين) بتقيتهم. ولا تقاتل معهم. قال: قلت: وما تقيتهم ؟ قال: تحضرهم وجهك عند دعوتهم ؟ فيدفع الله بذلك عنك، وعن دمك ودينك وتصيب من مال الله الذي انت أحق به. (3) " 7 - استفتي مالك بالخروج مع محمد بن عبد الله بن الحسن، وقيل له: في اعناقنا بيعة لابي جعفر المنصور. فقال: إنما بايعتم مكرهين. وليس على مكره يمين (4). 8 - ونقل القرطبي، عن الشافعي، والكوفيين: القول بالتقية عند الخوف من القتل، وقال: " أجمع أهل العلم على ذلك (5) ".


(1) الوزراء للصابي ص 130. (2) المصدر السابق. (3) طبقات ابن سعد ج 5 ص. 7. (4) مقاتل الطالبيين ص 283، والطبري ط اورپا ج 3 ص 200. (5) تفسير القرطبي ج 10 ص 181.

[ 107 ]

9 - عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: احصوا لي كم يلفظ الاسلام. قال: فقلنا: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة ؟ قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا. قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا (1). وحذيفة قد مات بعد البيعة لعلي " عليه السلام " باربعين يوما، فهذا النص يدل على أن الناس المؤمنين كانوا قبل ذلك يعيشون في ضغط شديد، وأن الذين يسيطيرون على الشارع هم الناس الذين كانوا يحقدون على الدين والمتدينين، ويهزؤون ويحاربون كل شئ يمت إلى الدين بصلة. 10 - لقد اتقى عامة أهل الحديث، وكبار العلماء واجابوا إلى القول بخلق القرآن، وهم يعتقدون بقدمه، ولم يمتنع منهم الا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح (2). وحتى أحمد ؟ فانه قد تاقى في ذلك، فكان إذا وصل إلى المخنق قال: ليس أنا بمتكلم. كما أنه حين قال له الوالي: ما تقول في القرآن أجاب: هو كلام الله، قال: أمخلوق هو ؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها (3). بل قال اليعقوي: إنه لما سئل أحمد عن ذلك قال: " أنا رجل علمت علمأ ولم أعلم فيه بهذا. وبعد المناظرة وضربه عدة سياط، عاد


(1) صحيح مسلم: ج 1 ص 91، وصحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍. ق: ج 2 ص 116 ومسند أحمد ج 5 ص 384. (2) تجارب الامم المطبوع مع العيون والحدائق ص 465. (3) تاريخ الطبري ج 7 ص 201 وراجع: آثار الجاحظ ص 274، ومذكرات الرماني ص 47. (*)

[ 108 ]

إليه إسحاق بن إبراهيم فناظره، قال له: فيبقى عليك شئ لم تعلمه قال: بقي علي قال: فهذا مما لم تعلمه ؟ وقد عتمكه أمير المؤمنين. قال: فإني أقول بقول أمير المؤمنين. قال: في خلق القرآن ؟ قال: في خلق القرآن. قال: فأشهد عليه، وخلع عليه، وم طلقه إلى منزله (1). مع أنه هو نفسه يقول: إن من قال: القرآن كلام الله، ووقف ؟ فهو من الواقفة الملعونة (2). وقد عمل ابن الزبير بالتقية في مواجهة الخوارج (3). واتقى ايضا الشعبي ومطرف بن عبدالته من الحجاج. واتقى عرباض بن سارية ومؤمن الطاق من الخوارج وصصعة بن صوحان من معاوية (4). وممن استعمل التقية في قضية خلق القرآن إسماعيل بن حماد، وابن المديني، وكان إبن المديني يلزم مجلس القاضي أبي دؤاد المعتزلي، ويقتدي به في الصلاة، ويجانب أحمد بن حنبل وأصحابه (5). 11 - ويقولون: إن إبراهيم عليه السلام عندما سأله ذلك الحاكم


(1) تاريخ اليعقوبب ج 2 ص 472. (2) بحوث مع أهل السنة والسلفية ص 1 83 و 1 8 4 عرظ: الرد على الجهمية لابن حنبل في كتاب الدومي ص 82. (3) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه ج 2 "، 393 (4) العقد الفريد ج 2 ص 46 4 - 465. (5) راجع لسان الميزان ج ا ص 339 - 4 متنا وهامشا. (*)

[ 109 ]

الجبار عن امرأته قال: " هذه أختي " وذلك في الله (1) فراجع. 12 - وعن عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه قال: " كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة، قاضي واسط، فكتب إلي: لا تكتب عنه، ومزق كتابي (2) ". 13 - وقد عمل صعصعة بالتقية في خطبته في قصة خروج المستورد أيام معاوية (3). 14 - وفي غارة بسر بن أبي أرطاة على المدينة، وشكوى جابر بن عبد الله الانصاري لام سلمة زوج النبي: أنه خشي أن يقتل، وهذد بيعة ضلال، قالت: إذن، فبايع ؟ فإن التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب ويحضرون الاعياد مع قومهم (4). 15 - وقد خطب الامام الحسين عليه السلام مؤبنا أخاه الحسن السبط عليه السلام حينما توفي، فكان مما تمدحه به: انه قد آثر الله عند مداحض الباطل، في مكان التقية بحسن الروية (5). 16 - والامام الحسين عليه السلام لم يستجب لاهل الكوفة حينما طلبوا منه القيام ضد معاوية بعد سم الامام الحسن عليه السلام. وله موقف آخر عليه السلام يؤيد فيه موقف أخيه القاضي بعدم الثورة


(1) صحيح البخاري ط الميمنية: ج 4 ص 1 29 ومسند احمد ج 2 ص 4 0 3 وأخرجه ابو داود والترمذي، وقصص الانبياء للنجار: ص 98 - 99 ومسند ابي يعلى ج 10 ص 427.، (2) صحيح مسلم: ج ا ص 18 ومعرفة علرم الحديث ص 136. (3) راجع: بهج الصباغة: ج 7 ص 121. (4) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 198. (5) راجع: تهذيب تاريخ دمثق: ج 4 ص 230 وعيون الاخبار لابن قتيبة: ج 2 ص 314، وحياة الامام الحسن " عليه السلام) للقرشي: ج 1 ص 439.

[ 110 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) / ج 3 على معاوية ما دام حيا. فراجع (1). 17 - قال الحسن (البصري): التقية إلى يوم القيامة (2). 18 - وقال البخاري: ا (وقال إبن عباس: في من يكرهه اللصوص، فيطلق، ليس بشئ. وبه قال إبن عمر، وابن الزبير، والشعبي، وا لحسن " (3). 19 - وقال البخاري أيضا: ايمين الرجل لصاحبه: أنه أخوه، إذا خاف عليه القتل أو نحوه، وكذلك كل مكروه يخاف، فإنه يذب عنه الظالم، ويقاتل دونه ولا يخذله، وإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص. وإن قيل له: لتشربن الخمر، أو لتاكلن الميتة، أو لتبيعن عبدك، أو تقر بدين، أو تهب هبة أو تحل عقدة، أو لتقتلن أباك، أو أخاك في الاسلام وسعه ذلك إلى أن قال: قال النخعي: إذا كان المستحلف ظالما فنئة الحالف، وإن كان مظلوما ؟ فنية المستحلف ا. (4) ولا باس بمراجعة الشروح على صحيح البخاري على كتاب الاكراه، ففيها توضيحات ومطالب مفيدة في هذا المجال (5). 20 - حتى المغيرة بن شعبة فإنه يدعي أنه في عيبه عليا يعمل بالتقية فهو يقول لصعصة: " هذا السلطان قد ظهر، وقد اخذنا باظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به، ونذكر الشئ الذي لا نجد منه بذا


(1) راجع: الاخبار الطوال: ص 220 و 221 و 222. (2) صحيح البخاري: ج 4 ص 28 ا / ط الميمنية. (3) صحيح البخاري: ج 4 ص 128. (4) المصدر السابق. (5) راجع: عمدة القاري: ج 24 ص 95 - 108، وفتح ص 277 - 289، لارشاد الساري: ج 10 ص 93 - 102.

[ 111 ]

ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسننا تقية فإن كنط ذاكرا فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفي منازلكم سرا. الخ (1) 21 - وفي حرب الجمل حمل محمد بن الحنفية على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: انا على دين ابي طالب فلما عرفت الذي اراد كففت عنه (2) 23 - ويقول ابن سلام: إن رسول الله صلى الله عليه واله أمره أن يصلي الصلاة لوقتها ثم يصلي مع الامراء الذين يؤخرون الصلاة نافلة (3). 24 - وقد صرح الخدري بأنه يعمل بالتقية في ما يرتبط بموقفه من علي عليه السلام ليحقن دمه من بني أمية واستدل بآية ادفع بالتي ير أحسن السيئة (4). وقد ذكر في الصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص 72 - 73 موارد عديدة أخرى فراجع. التقية ض ورة فطرية عقلية دينية اصلاحية: إن تشريع التقية لهو خير دليل على شمولية الاسلام ومرونته، واتساعه لكل الظروف والاحوال. إذ لو كانت الرسالة جافة وقاسية، ولا تلاحظ الظروف الطارئة، والاحوال العارضة، فلا بد أن تصطدم مع الواقع، وتنهار أمامه، دون أن تتمكن من تجاوزه في حركتها الاصلاحية والتكاملية. فهو بتشريعه للتقية، إنما يحافظ على الرسالة من خلال حفاظه على (ا) تاريخ الامم والملرك ج 4 ص 12. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ه ص 67. (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 205. (4) سليم بن قيس ص 53، مؤسسة البعثة - قم - ايران.

[ 112 ]

رائدها، وحافظها، وحاملها في ذلك الظرف العصيب. وخير شاهد على ذلك هو تلك الفترة التي مر بها النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون في أول البعثة حيث كانوا يتحاشون فيها الصدام مع المشركين. وإن المحافظة على حامل الرسالة من خلال مرونة الرسالة، تكون ضرورية جدا حينما لا يكون للتضحية به فائدة، ولا عائدة. إن لم يكن في ذلك ضرر على الرسالة نفسها حينما تفقد جنديم ا أمينا من جنودها، ربما تكون في وقت قا بأمس الحاجة إليه. فكثيرا ما يكون الحفاظ على الاسلام من خلال الحفاظ على جنوده الابرار الاوفياء، والذين يكونون دائما على استعداد للتضحية في سبيله كلما اقتضى الامر ذلك. فالتقية إنما شرعت للحفاظ على هؤلاء. أما الاخرون، الذين لا يفكرون إلا في أنفسهم، فلا ينفعهم تشريع التقية، ولا عدمه. ومما يدلنا على أن تشريع التقية إنما هو للحفاظ على الرسالة من خلال الحفاظ على جنودها، وليس ذلك نفاقا، ولا انهزاما. لان هؤلاء المخلصين الذين يراد الحفاظ عليهم هم دائما على استعداد للبذل والعطاء: أن الامام الحسين عليه السلام الساكت في زمان معاوية هو نفسه الحسين الثائر على يزيد، تحت شعار: إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني (1) فسكوته هناك كان حفاظا على الدين والحق ؟ تماما كما كانت ثورته هنا حفاظا على الحق والدين. وقد تكلمنا على هذه النقطة في حلف ا لفضول. ولاجل ذلك نجد: أنه إذا توقف الحفاظ على الحق على الفداء والتضحية ؟ فإن الاسلام يأمر به، ولا يتسامح مع من يمتنع عنه. وأيضا، فلو كان في الاسلام جفاف وقسوة ؟ فربما يبعث ذلك الفصل الاول: حتى الهجرة إلى الحبشة.

[ 113 ]

الكثيرين على التخلي عنه، أو بالاحرى على عدم الاقدام عليه. ولسوف ياقي في إسلام وحشي وغيره: أن البعض كان يسلم ؟ لانه يعرف أن محمدا لا يقتل أصحابه. فمرونة الاسلام هذه هي التي أعطته قوة الدفع هذه، ومكنته من أن يشق طريقه رغم كل التحديات الكبيرة، والمصاعب الخطيرة، التي واجهته عبر التاريخ. وواضح: أن مرونة الاسلام هذه لا يجوز أن تفسر على أنها نوع من التساهل في الاحكام ؟ ليهون على البعض اعتناق الاسلام، بل هي من قبيل الحفاظ على الاسلام والمسلمين، حيث لا ضرر على المبدأ والرسالة. وحيث يكون في عدم التقية هدر للطاقات والامكانات، حيث لا جدوى من هدرها. وليكن ذلك هو الفرق بين التقية وبين النفاق الذي يحلو للبعض أن ينبز به - ظلما وعدوانا - من يعتقد بمشروعية التقية. وقد رأينا: أنه صلى الله عليه وآله، حينما جاءته بعض القبائل وهي قبيلة ثقيف، وطلبوا منه أن يعطيهم فرصة لعبادة أصنامهم، وأن لا يفرض عليهم الصلاة لانها صبة عليهم، وأن لا يكسروا صنمهم بيدهم، شرى أنه صلى الله عليه وآله قبل بهذا الاخير، ورفض الاولين (1).


(1) تاريخ الخميس: ج 2 ص 135، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية): ج 3 ص 1 1، والكامل في التاريخ: ج 2 ص 28 4، والسيرة النبوية لابن كثير: ج 4 ص 5 5، والسيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 1 84 و 1 85، والبداية والنهاية: ج 5 ص 30، والمواهب اللدنية: ج ا ص 236. وبهذا يلاحظ: أن عمر بن الخطاب لم يكن مرفقا حين أصر على الاقتصاص من جبلة بن الآيهم الذي دخل في الاسلام جديدا. وكان ملكا في قومه، ولم يتعرف بعد بعمق على عظمة وخصائص الاسلام ومميزاته الفريدة، إذ قد كان عليه أن يراعي الموقف، ويحل المشكلة باسلرب مرن آخر. (*)

[ 114 ]

الصحيح من سيرة الني الاعظم (ص) / ج 3 كما أنهم قد طلبوا منه أن يسمح لهم بالزنا، وشرب الخمر، والربا، وترك الصلاة (1). نعم فرفض ذلك، ولم ياخذ بنظر الاعتبار أن هذه قبيلة تريد أن تسلم، فيتقؤى بها الاسلام، ويضعف بذلك جانب أعدائه ومناوئيه. وهي في خلال هذه السنة تكون قد تعرفت على الاسلام وتدربت عليه. نعم، لقد رفض السماح لها بعبادة صنمها، الذي عبدته عشرات الاعوام، ولو لمدة سنة واحدة أيضا. بل هو يرفضه ولو كان لساعة واحدة، لانه لا يريد أن يستفيد من أية وسيلة من أجل الوصول إلى أهدافه، لانه يعتبر الوسيلة جزءا من الهدف، ومنه تستمد قدسيتها، كما سبق. ولكنه في مقابل ذلك: لو أساء إليه أحد الناس مثلا ؟ فإنه على استعداد لان يعفو عنه، ولكن شرط: أن يعرف المعفو عنه أنه قد أذنب، وأن هذا عفو عنه، أما إذا فهم من ذلك مشروعية الامر الذي ارتكبه، فإن ذلك العفو يكون مرفوضأ جملة وتفصيلا. وخلاصة الامر (2): إنه إذا كان المسلم ضيفا، فإنه لا مبرر لان يدخل في صراع عنيف مع الاخرين، ينتهي بالقضاء عليه، أو عليه وعلى عقيدته ؟ لان المبدأ لا يستفيد من صراع كهذا، بل ربما يلحق به الضرر. وكذا إذا كان الحفاظ على الحق يحتاج إلى غطاء واق من


(1) السير النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية): ج 3 ص 11، والمواهب اللدنية: ج ا ص 236، وتاريخ الخميس: ج 2 مر 1 35 و 1 36 و 1 37. وراجع بالنسبة لترك الصلاة المصادر التالية: الكامل في التاريخ: ج 2 ص 284، وكذا في السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 185، والسيرة النبوية لابن كثير: ج 4 ص 56، والبداية والنهاية: ج 5 ص 30. (2) هذه الخلاصة مقتبسة من كلمات للعلامة الجليل السيد محمد حسين فضل الله في: مفاهيم اسلامية عامة الحلقة 8 ص 127. (*)

[ 115 ]

الاضطهاد، الذي يحاول القضاء عليه جملة وتفصيلا، بالاساليب الوحشية التي لا تخضع للفكر، ولا تستجيب لشروط الصراع المبدأي وظروفه. وليكن هذا دليلا آخر على عظمة الاسلام، وعلى شموليته، وانسجامه مع واقع الحياة، ومع كل ظروفها ومناخاتها.

[ 117 ]

الفصل الثاني: الحبشة

[ 119 ]

لابد في حل: لقد استمرت قريش في تعذيب من يدخل في دين الاسلام ممن لم يكن لهم عشيرة تمنعهم. وكان الاستمرار في هذا الوضع غير ممكن. فقد كان وأصبح لا بد لهؤلاء المعذبين من العثور على موضع أمل لهم، يساعدهم على تحمل المشاق، ومواجهة الصعاب، ويجعلهم أقدر على مقاومة الضغوط التي يتعرضون لها من قبل من رفضوا أن يعترفوا بالوهية وحاكمية فوق ألوهيتهم وحاكميتهم، وآثروا الاستكبار والعناد على الرضوخ وا لانقياد. ومن جهة ثانية: فإن استمرار هذا الوضع الذي يواجهه المسلمون، الملئ بالالام والمشاق، لسوف يقلل من إقبال الناس على الدخول في الاسلام، ما دام أن هذا الدخول لا حصاد له سوى الرعب، والتعذيب والمصائب. ومن جهة ثالثة: فقد كان لا بد من تسديد ضربة لكبرياء قريش وجبروتها - ولو نفسيا - لتدرك: أن قضية الدين تتجاوز حدود تصوراتها وقدراتها - وأن عليها: أن تفكر بموضوعية وعقلانية أكثر. فكان أن اختار رسول لله " صلى الله عليه وآله وسلم " للمسلمين الهجرة

[ 120 ]

إلى الحبشة. وكانت هجرتهم إليها في السنة الخامسة من البعثة. سر إختيار الحبشة: وأما عن سر اختيار رسول الله صلى الله عليه وآله الحبشة مهاجرا للمسلمين، فقد أشار إليه صلى الله عليه وآله بقوله: " إن بها ملكا لا يظلم عنده احد، وهي ارض صدق " و " إنه يحسن الجوار ". وقد كان من الواضح أنه: ا - كان لا بذ لقريش، من أن تبذل محاولاتها لاسترجاع المسلمين، لتبقى هي المهيمنة، وصاحبة الاختيار الاول والاخير في مصير هذا الدين، الذي تراه يتهدد كبرياءها وشركها، وانحرافها. 2 - لقد كان لقريش نفوذ في بلاد الروم والشام، لما كان لها من علاقات تجارية وإقتصادية معها، فالهجرة إلى هذه البلاد إذن سوف تسهل على قريش استرجاع المهاجرين، أو على الاقل إلحاق الاذى بهم. ولا سيما إذا كان ملوك تلك البلاد لا يلتزمون بأي من الاصول الاخلاقية والانسانية، ولم يكن لديهم مانع من ممارسة أي نوع من أنواع الظلم والجور، وعلى الاخص بالنسبة لمن ينتسب إلى دعوة يرون أنها تضر بمصالحهم الشخصية، وتهدد كيانهم وجبروتهم. وأما بلاد اليمن، وبعض المناطق العربية والقبلية الاخرى فقد كانت تحت نفوذ النظام الفارسي، المتجبر والظالم. ويذكر هنا: ان بعض القبائل عندما عرض عليها النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " دعوته وطلب منها حمايتها له، قبلت بذلك، ولكن مما دون كسرى (ا)، واما من كسرى، فلا.


(1) السير الحلبية: ج 2 ص 5 وص 1 6، والسيرة النبوية لابن كثير: ج 2 ص 168. (*)

[ 121 ]

وواضح: أن الالتجاء إلى كسرى لا يقل خطرا عن الالتجاء إلى بلاد الروم، خصوصا إذا رأى: ان هذا العربي - وهو بطبعه كان يحتقر العرب، ولا يرى لهم حرمة، ولا شأنا يذكر - لسوف يخرج في منطقة قريبة من بلاده، وقد تسري دعوته إلى بلاده نفسها، ويؤثر ذلك على الامتيازات الظالمة التي يجعلها لنفسه، كما يظهر من دراسة طبيعة دعوة ذلك النبي، وأهدافها. 3 - قد كان لقريش نفوذ قوي في مختلف القبائل العربية، حتى ما كان منها تحت نفوذ الفرس والروم. كما ربما يتضح مما ذكرناه في أوائل هذا الكتاب، فلا نعيد. 4 - ما ذكره النبي " صلى الله عليه وآله " من ان بها ملكا لا يظلم عنده أحد: فإن كل ذلك: يجعلنا نضع أيدينا على السر الحقيقي لاختيار بلاد الحبشة، البعيدة عن النفوذ الفارسي والرومي والقريشي، والتي لا يمكن لقريش أن تصل إليها على ظهر جواد أو راحلة، وإنما بالسفن عبر البحار. ولم تكن قريش تعرف حرب السفن، فاختار الرسول " صلى الله عليه وآله " هذه البلاد بالذات لتكون ارضا لهجرة المسلمين، الذين لا يزالون ضعافا أمام قوة قريش وجبروتها. ثم اننا نستفيد من قوله " صلى الله عليه وآله وسلم " عن ارض الحبشة: إنها أرض صدق: أنه قد كان فيها شعب يعيش على الفطرة، ويتعامل بالصدق والصفاء، فيمكن لهؤلاء الثلة من المسلمين المهاجرين ان يعيشوا مع هؤلاء الناس، وأن يتعاملوا معهم، لا سيما وأنها بلاد لم يكن فيها من الانحرافات والافكار والشبهات ما كان في بلاد الروم والفرس، التي كانت قد لوثتها المفاهيم والنظريات اللا إنسانية، والاديان

[ 122 ]

المنحرفة إلى حد بعيد، ولم تتعرض بلاد الحبشة لمثل ذلك، فلم تنشأ فيها أديان، ولا كان فيها علماء وفلاسفة بالمستوى الذي كان في دولتي الروم والفرس فكانت اقرب إلى الفطرة، واسق من غيرها. ولكن هيمنة الفطرة على بلاد الحبشة ليس معناه خلوتلك البلاد عن أي انحراف، فان وجود الانحراف فيها أمر طبيعي، بل ان ذلك على حد قولهم: أهل البلد الفلاني مؤمنون، أو شجعان، أو كرماء، فإن ذلك لا يمنع وجود البخيل والكافر أو الفاسق والجبان فيها. ومن الهواضح: ان المسلمير لوهاجروا إلى بلاد لا تهيمن عليها الفطرة، وكان لها ملك لا يأبى عن الظلم فلسوف تصعب عليهم الحياة والاستمرار فيها، ولم يكن لهجرتهم من بلادهم كبير فائدة، ولا جليل أثر. الهجرة إلى الحبشة: وهاجر المسلمون بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحبشة، ذهبوا إليها ارسالا على حسب رواية أم سلمة، (ا) ويقال: إنه سافر أولا عشرة رجال وأربع نساء عليهم عثمان بن مظعون (2)، ثم خرج آخرون حتى تكاملوا في الحبشة اثنين أو ثلاثا وثمانين رجلا، إن قلنا إن عمار بن ياسر كان معهم. وتسعة عشر إمرأة عدا الاطفال. وقد كانت هذه الهجرة في السنة الخامسة من البعثة كما نص عليه عامة المؤرخين.


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 1 7، والبداية والنهاية ج 3 ص 72 وتاريخ الخميس ج ا ص 290 عن الصفوة والمنتقى. (2) سيرة ابن هشام ج ا ص 345، والسيرة النبوية لابن كثيرج 2 ص ه، والبداية والنهاية ج 3 ص 67، والسيرة الحلبية ج ا ص 32 4، قال: وبه جزم ابن المحدث في سيرته، وتاريخ الخميس ج ا ص 288. (*)

[ 123 ]

ولكن عند الحكم: أن هجرة الحبشة قد كانت بعد وفاة أبي طالب (1)، وهو إنما توفي في السنة العاشرة من البعثة. إلا إذا كان الحاكم يتحدث عن هجرة جديدة قام بها بعض المسلمير في هذا الوقت، لعلها عودة الراجعين إلى مكة بعد سماعهم بالهدنة، ففوجئوا بالعكس فعادوا أدراجهم. ولكننا لا نملك شواهد تؤيد أن ذلك كان في تلك السنة بالذات. وكيف كاد فإننا نقول: إننا نرجح: أنه لم يكن سوى هجرة واحدة للجميع، عليها جعفر بن ابي طالب " عليه السلام "، الذي لم يكن غيره من بني هاشم فلم يكن ثمة هجرتارظ، عشرة اولا، ثم الباقون ثانيا، وإن كان خروجهم إنما كان ارسالا حفا، طا على عنصر السرية، وذلك بدليل الرسالة التي وجهها الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى ملك الحبشة مع عمرو بن أمية الضمري، والتي جاء فيها: " قد بعثت إليكم إبن عمي جعفر بن ابي طالب، معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم إلخ. " (2). وهذا هو الظاهر من رواية أخرى عن أبي موسى، قال: " أمرنا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى ارض النجاشي إلخ. " (3). وإن كانت هجرة أبي موسى هذه محل شك كما سنرى.


(1) مستدرك الحاكم: ج 2 ص 622. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 83، والبحار ج 1 8 ص 4 1 8، واعلام الورى ص 46 - ه 4 عن قصص الانبياء. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 70 عن ابي نعيم في الدلائل، والسيرة النبوية لابن كثير ثغ 2 ص 11. (*)

[ 124 ]

أمير الهجرة جعفر: ونعتقد: إن هجرة جعفر إلى الحبشة، لم تكن بسبب تعرضه للتعذيب من قبل قريش، فقد كانت قريش تخشى مكانة أبي طالب، وتراعي جانبه، وجانب بني هاشم بصورة عامة. وإنما ارسله النبي صلى الله عليه وآله مع المهاجرين ليكون أميرا عليهم، ومدبرا لامورهم، ومشرفا على شؤونهم ومصالحهم، وحافظا لهم من ان يذوبوا في هذا المجتمع الجديد، كما كان الحال بالنسبة إلى ابن جحش الذي تنصر في الحبشة. من هو أول مهاجر إلى الحبشة ؟: ويقولون: إن عثمان بن عفان كان أول من هاجر إلى الحبشة بأهله، وأن النبي " صلى اله عليه وآله وسلم " قد قال عنه بهذه المناسبة: إنه أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام (1). وقيل إنه كان أول خارج أيضا (2). ونحن نشك في ذلك، لانه إن أريد أنه أول من هاجر باهله، فإن أبا سلمة - كما يقولون - هو أول من هاجر باهله (3). وإن أريد أنه أول خارج بنفسه، فإننا نجد أنهم يقولون: أن أول خارج كان حاطب بن أبي


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 66 عن ابن اسحاق، والسيرة الحلبية ج 1 ص 323، وتاريخ الخميس ج 1 ص 289 و 275. (2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 344 والبداية والنهاية ج 3 ص 66 عن البيهقي، والسيرة الحلبية ج 1 ص 223. (3) الاصابة ج 2 ص 335، وراجع ج 4 ص 459 / 458 والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 338 عن: مصعب الزبيري، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362، وأسد الغابة ج 3 ص 196 عن ابي عمر، وابن مندة، والسيرة الحلبية ج 1 ص 323، وذخائر العقبى: ص 253. (*)

[ 125 ]

عمر (1)، أو سليط بن عمرو (2). كما أنهم يقولون: مثل ذلك عن أبي سلمة فراجع، وستاتي الاشارة إلى هذا إن شاء الله تعالى. هجرة أبي موسى إلى الحبشة لا تصح: روى الامام أحمد بسند حسن، وغيره: أن أبا موسى الاشعري كان في جملة من هاجر إلى الحبشة في الهجرة الاولى (3). ولكن الظاهر هو أن هذا وهم أو إدراج عمدي من الراوي، فإن أبا موسى لم يسلم إلا في المدينة في السنة السابعة من الهجرة، وقيل: إنه خرج في جماعة إلى النبي فألقتهم سفينتهم إلى الحبشة، فجاؤا مع مهاجري الحبشة إلى المدينة، في سنة سبع من الهجرة (4). ويظهر: أن ذلك قد حدث بعد الهجرة إلى المدينة، إذ لم يكونوا ليقدموا على قصده " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى مكة، ولا ليقيموا هذه السنوات الطويلة في الحبشة. والظاهر أنه التقى بمهاجرة الحبشة في الطريق، فقد قال العسقلاني: " صادفت سفينته سفينة جعفر بن أبي طالب، فقدموا جميعا " (5).


(1) الاصابة ج 1 ص 301، والسيرة الحلبية ج 1 ص 323. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 323. (3) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 34 7، والبداية والنهاية ج 3 ص 67 و 69 و 70 عن ابن اسحاق وأحمد وعن ابي نعيم في الدلائل والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 7 و 9، وفتح الباري، ج 7 ص 143 ومجمع الزوائد ج 6 ص 24 عن الطبراني وحلية الاولياء ج 1 ص 114. (4) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 14 والبداية والنهاية ج 3 ص 71. (5) ا لاصابة: ج 2 ص 359. (*)

[ 126 ]

رقة عمر للمهاجرين ويقولون: إن عمر رأى المهاجرين، وهم يتهيأون للخروج إلى الحبشة، فرق لهم، وأحزنه ذلك (1). وذلك لا يصح، لان خروجهم كان سرا، متسللين، منهم الراكب، ومنهم الماشي، حتى انتهوا إلى البحر فوجدوا سفينة فأقلتهم فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤا البحر، فلم يجدوا أحدا منهم (2). هذا كله، عدا عن شدة عمر وغلظته، التي تدعى له قبل وبعد الهجرة إلى الحبشة على من اسلم، وتعذيبه لمن قدر عليه منهم، فإن ذلك لا يتناسب مع ما يقال عنه هنا. هجرة ابي بكر لا تصح: ويقولون: إنه حين اشتد البلاء على بقية من بمكة من المسلمين، وضاقت مكة على أبي بكر، وأصابه فيها الاذى، خرج حين حصر المسلمين في الشعب مهاجرا إلى الحبشة، فلما وصل إلى برك الغماد - موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن - لقيه إبن الدغنة، سيد قبيلة " القارة "، وكانوا حلفاء لبني زهرة من قريش، فقال له: أين تريد يا أبا بكر، فقال: أخرجني قومي ؟ فاريد أن أسيح في الارض، وأعبد ربي، فقال إبن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ؟ إنك تكسب المعدوم إلى أن قال: فارجع فأنا لك جار


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 79 عن ابن اسحاق، ومجمع الزوائد ج 6 ص 24، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 58 والطبراني، والسيرة الحلبية ج 1 ص 323 / 324. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 324، وتاريخ الخميس ج 1 ص 288 / 289 عن المنتقى والطبري ج 2 ص 69 وراجع البدء والتاريخ ج 4 ص 149، واعلام الورى ص 43 واليعقوبي ج 2 ص 29 وزاد المعاد لابن القيم ج 2 ص 44. (*)

[ 127 ]

فرجع، ورجع معه إبن الدغنة، فطاف عشية في أشراف قريش، وأعلمهم بانه أجاره، فاجازوا جواره بشرط: أن يعبد ربه في داره، ولا يستعلن. ولكن أبا بكر ابتنى بعد مدة، مسجدا في بني جمح، بجوار داره يصلي فيه، ويقرأ القرآن، وجعل نساء المشركين، وأبناؤهم يجتمعون لسماع قراءته، حتى يسقط بعضهم على بعض. وكان له صوت رقيق، ووجه عتيق أي جميل. فراجع المشركون إبن الدغنة في ذلك، فاتاه فطالبه، فرد عليه ابو بكر جواره (1). ونحن نشك في ذلك، إذ مع غض النظر عن: 1 - أن إخراج قوم ابي بكر له لا يعني أنه قد هاجر مختارا مع أن ظاهر الكلام هو ذلك. 2 - ومع غض النظر عن أن هذا الحديث مروي عن عائشة فقط - وهو عجيب ! ! - فهم يدعون: أنها كانت حينئذ صغيرة السن جدا لا يمكن ان تعي كل تلك الامور والخصوصيات، وإن كنا نعتقد: أن عمرها كان أكثر مما يقولونه بكثير، كما سنشير إليه. 3 - أضف إلى ذلك: أنها لم توضح لنا عمن روت ذلك. ودعوى البعض: أن إرسال الصحابي لا يضر، لانه يروي عن صحابي مثله ؟ وهم عدول كلهم.


(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 127 / 128، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 12 - 13، وشرح النهج ج 13 ص 267، والمصنف ج 5 ص 386 / 385 والبدابة والنهاية ج 3 ص 94 و 95، وفي تاريخ الخميس ج 1 ص 319 / 320 ان ذلك كان في الثالثة عشرة من البعثة، وحياة الصحابة ج 1 ص 276 و 277 عن البخاري ص 552.

[ 128 ]

لا تصح، فأما بالنسبة لعدالتهم جميعا، فقد أثبتنا عدم صحة ذلك فراجع مقالنا: الصحابة في الكتاب والسنة، في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام، الجزء الثاني. وأما دعوى: أن إرسال الصحابي إنما هو عن صحابي مثله، فهي أيضا غير صحيحة، لجواز أن يكون الصحابي قد روى عن غير صحابي، كما كان أبو هريرة يروي عن كعب الاحبار (1). نعم، إننا مع غض النظر عن ذلك كله، نسجل هنا الامور التالية: أولا: إن الرواية تنص على أن إبن الدغنة كان حليفا لبني زهرة من قريش، فكيف أجار على قريش مع أن الحليف لا يجير ؟ ! كما اعتذر به الاخنس بن شريق، حينما طلب منه النبي أن يجيره ليدخل مكة، حسبما يدعون (2). وثانيا: لماذا بعد أن رد جوار إبن الدغنة لم تؤذه قريش ولم تخرجه، وإذا كانت قبيلته قد منعته الآن ؟ فلماذا لم تمنعه أولا. وإذا كانت قد أقنعتهم تقريظات ابن الدغنة لابي بكر، فلماذا لم تقنعهم أولا، حتى احتاج أبو بكر إلى جواره ؟ !. وثالثا: لقد رد الاسكافي على الجاحظ المدعي لهذه القضية بقوله: " كيف كانت بنو جمح تؤذي عثمان بن مظعون وتضربه، وهو عندهم ذو سطوة وقدر، وتترك أبا بكر يبني مسجدا يفعل فيه ما ذكرتم ؟ وأنتم الذين


(1) راجع: شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية، وأبو هريرة للسيد شرف الدين رحمهما الله تعالى، وراجع ترجمة كعب الاحبار في: سير أعلام النبلاء: ج 3 ص 490 وغيره. (2) اعلام الورى ص 55 والبحار ج 19 ص 7 عن القمي، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 20، والبداية والنهاية ج 3 ص 137، والسيرة الحلبية ج 1 ص 360، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 142، وبهجة المحافل ج 1 ص 126. (*)

[ 129 ]

رويتم عن ابن مسعود: أنه قال: ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر بن الخطاب. والذي تذكرونه من بناء المسجد كان قبل إسلام عمر. وأما ما ذكرتم من رقة صوته، وعتاق وجهه، فكيف يكون ذلك، وقد روى الواقدي، وغيره: أن عائشة رأت رجلا من العرب، خفيف العارضين، معروق الخدين، غائر العينين أجنأ (يعني مائل الظهر)، لا يمسك إزاره، فقالت: ما رأيت أشبه بأبي بكر من هذا. فلا أراها دلت على شئ من الجمال في صفته (1). ويدل على صحة ما ذكره الاسكافي حول جمال أبي بكر: أن المقدسي، بعد أن ذكر: أنه لقب بعتيق لحسن وجهه وعتقه، يقول: " كان أبيض البشرة، مشربا حمرة، نحيف الجسم، خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الاشاجع، أحنى لا يستمسك إزاره، ويسترخي عن حقويه، وكان الخ... " وكذا قال غيره (2). هذا كله عدا عن قولهم: إنه لقب ب " عتيق " لان الرسول قال له: " هذا عتيق من النارا فيومئذ سمي عتيقا، وكان اسمه قبل ذلك: عبد الله بن عثمان (3) وذلك ينافي قولهم: إنه عتيق لجمال وجهه. ورابعا: لقد نصت الرواية على أن أبا بكر قد ابتنى مسجدا في بني جمح. ولكننا نجدهم يقولون: إن مسجد قباء كان أول مسجد بني في الاسلام (4). ويقولون أيضا: إن عمارا كان أول من بنى مسجدا في


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 268 عن الاسكافي. (2) البدء والتاريخ ج 5 ص 76 / 77، وتاريخ الخميس ج 2 ص 199، وتاريخ الطبري ج 2 ص 615. (3) كشف الاستار عن مسند البزار: ج 3 ص 163، ومجمع الزوائد: ج 9 ص 40. (4) وفاء الوفاء ج 1 ص 250 والسيرة الحلبية ج 2 ص 55.

[ 130 ]

الاسلام (1). وحاول البعض الاجابة. عن هذا بأن المقصود: هو أن مسجد قباء كان أول مسجد بني في المدينة. وأن عمارا كان أول من بنى مسجدا لعموم المسلمين (2). وقد فاته: أن إطلاق قوله: في الاسلام يدفع الاول، وإطلاق كون عمار أول من بنى مسجدا ؟ يدفع الثاني، كما أن ثمة تصريحا بأنه أول من بنى في بيته مسجدا يتعبد فيه (3). وخامسا: نحن بحاجة إلى إجابات على الاسئلة التالية: لماذا يترك أبو بكر يبني مسجدا في بني جمح ؟. وكيف لم يعترض الجمحيون على هذا التحدي ؟. ولماذا لم يدرك التيميون صفات أبي بكر النبيلة تلك، ويدعونه يخرج، ثم يدركها إبن الدغنة ؟ ! ولماذا لم تلاحظ قريش تلك الصفات النبيلة التي أقرت بها، وتركته يخرج ؟ ! بل ولماذا عذبته أشد العذاب ؟ ! مع علمها بما ذكره إبن الدغنة عنه ! !. فضيلة عثمان بن مظعون تجعل لغيره: والذي نظنه قويا هو أنهم ارادوا: أن يجعلوا له فضيلة سبق إليها عثمان بن


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 55، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 179 و 178 والاعلاق النفيسة ص 196 وتاريخ ابن كثير ج 7 ص 311، والغدير ج 9 ص 20 عنهما. والاوائل للطبراني ص 109 والروض الانف ج 3 ص 248 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 143. (2) السيرة الحلبية ج 2 ص 55 ووفاء الوفاء ج 1 ص 250. (3) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 3 ص 178 وذكره في البداية والنهاية ج 7 ص 31 1، وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 55 فانه صرح بان هذا المسجد كان خاصا بالذي بناه.

[ 131 ]

مظعون ؟ فإنه كما يذكره المؤرخون: لما رجع من الحبشة مع من رجع، بعد شهرين من الهجرة، وفوجئ بأن الامر بين المشركين والنبي صلى الله عليه وآله لا يزال على حاله، دخل مكة بجوار الوليد بن المغيرة. ولكنه لما رأى ما فيه المسلمون من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان. صب عليه ذلك، فمشى إلى الوليد فرد عليه جواره ؟ فقال: يا بن أخي، لعله آذاك أحد من قومي ؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية، كما أجرتك علانية. فانصرف معه، ورد عليه جواره علانية في المسجد (1). محاولة قريش اليائسة: وبعد أن صحا مشركوا مكة من عنف الصدمة. " ورأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم "، على حد تعبير البعض (2) ائتمرت فيما بينها، وقررت إرسال رجلين من قبلها إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين. ووقع اختيارهم على عمرو بن العاص، ويقال: وعلى عمارة بن الوليد أيضا، فأرسلوهما إلى النجاشي بهدايا له ولبطارقته. (وجرى بين عمارة وعمرو بن العاص في الطريق شئ مثير، يرتبط بالعلاقة بين عمارة وزوجة عمرو فاحتملها له عمرو ليكيده في الوقت المناسب).. وادعيا أمام النجاشي: أنه " قد ضوى إلى بلدك منا غلمان


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 92، وقد ذكرت هذه القضية في مختلف المصادر التاريخية فلا حاجة إلى تعدادها. (2) سيرة مغلطاي ص 22. (*)

[ 132 ]

سفهاء، فارقوا دينهم، ولم يدخلوا في دينك. وجاؤا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم لتردهم إليهم الخ ". فرفض تسليمهم إليهم حتى يسألهم عن صحة ما جاء به عمرو وعمارة، فجاء المسلمون ؟ فسألهم فقال جعفر: " أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الاصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسئ الجوار، ويأكل، منا القوي الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه ؟ فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والاوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا: أن نعبد اللة وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام الخ.. (1) ". وقرأ عليه جعفر بعض سورة الكهف: فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وكذلك اساقفته ؟ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا، فوالله لا أسلمهم اليكما، ولا يكادون. ثم غدا عمرو في اليوم التالي ؟ ليخبر النجاشي، بأن المسلمين يقولون: إن عيسى بن مريم عبد ؟ فأرسل إليهم ؟ فسألهم ؟ فقال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم ": هو عبد الله


(1) ذكرت الزكاة والصيام في مختلف المصادر ؟ فراجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 360، والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 21، والكامل لابن الاثير ج 2 ص 80 (ولم يذكر الزكاة) واعلام الورى ص 44 ولم يذكر الصيام والبداية والنهاية ج 3 ص 74 وتاريخ الخميس ج 1 ص 290، وحلية الاولياء ج 1 ص 114، والسيرة الحلبية ج 1 ص 340. وستاتي بقية المصادر حين الكلام عن أن تشريع الصلاة والزكاة كان في مكة، وذلك قبيل الكلام عن غزوة بدر ان شاء الله تعالى. (*)

[ 133 ]

ورسوله، وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فتناول النجاشي عودا، وقال: والله، ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته، فقال: وان نخرتم، إذهبوا فانتم شيوم: أي آمنون، من سبكم غرم - قالها ثلاثا - ما أحب ان لي دبرا - أي جبلا - من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. ثم رد هدايا قريش (1). وقد روي عن الامام الحسين عليه السلام: أن ابن العاص قد ذهب إلى الحبشة مرتين ليكيد المسلمين، فرد الله تعالى كيده إلى نحره، وباء بغضب من الله تعالى. (2) ملاحظة: قد شكك البعض في صحة هذة الرواية، وذلك لذكر الصيام فيها، وهو انما شرع في المدينة (3). ولكنه كلام باطل ؟ فإن الصيام، والزكاة، وغير ذلك، كله قد شرع في مكة، ولسوف يأتي إن شاء الله بيان ذلك في هذا، الكتاب حين الحديث على ما بعد الهجرة. ويرى بعض الاعلام: أن منشأ هذة التحقيقات الرشيقة لاحمد أمين، ومن هم على شاكلته، هو التشكيك في موقف يظهر بطولة جعفر، وجراءته وحكمته، وعقله، ودرايته.


(1) راجع المصادر المتقدمة. (2) راجع: الاحتجاج: ج 1 ص 411 / 412، والسيرة النبرية لابن كثير: ج 2 ص 27، والبداية والنهاية: ج 3 ص 76. (3) هذا ما ذكره أحمد أمين في كتاب فجر الاسلام ص 76 ولعله اقتبسه من السيرة الحلبية: ج 1 ص 339. (*)

[ 134 ]

وقد ابتلي جعفر أيضا بمثل هذا الاجحاف في حقه في مورد آخر، وهو كونه الامير الاول في غزوة مؤته، فإن لهم اهتماما خاصا في إبعاد جعفر عن هذا المقام والتأكيد على ان الامير الاول هو زيد بن حارثة رحمه الله كل ذلك من أجل اخوته لعلي وقرابته منه. (1) قريش، وخططها المستقبلية: حقا لقد كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة ضربة قاسية لقريش، أفقدتها صوابها، وزعزعت وجودها وكيانها ؟ فحاولت أن تتدارك الامر، فلحقت بهم بهدف إرجاعهم، وإبقائهم تحت سلطتها، ولكن بعد فوات الاوان. وكان أن اضطرت قريش للمرة الاولى لمراجعة حساباتها من جديد، بعد أن أدركت: أن زمام المبادرة لم يعد بيدها ؟ وذلك لانها: 1 - أدركت أن الاستمرار في تعذيب المسلمين، الذين اصبحوا متفرقين في مختلف القبائل، لم يعد له كبير جدوى ولا جليل اثر، إن لم يكن سببا في اثارة حرب داخلية، تكون عواقبها السيئة على سمعتها وكرامتها كبيرة وخطيرة، حينما لا توافق كل قبيلة على التصفية الجسدية للمنتمين إليها، للمنطق القبلي. الذي ما زالوا يتعاملون على أساسه، حتى في مواقفهم من هذا الدين الجديد، ومناهضتهم لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، ودعوته، رغم إجماعهم على العداء له ولها. ويكفي أن نشير هنا إلى أنهم قد قرروا: أن تتولى كل قبيلة تعذيب الذين ينتسبون إليها ! !. 2 - لقد رأت قريش: أن محمدا صلى الله عليه وآله يريد أن تكون دعوته انسانية عالمية، لا تختص بعرب مكة والحجاز وأدركت أن هجرة


(1) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام، الجزء الاول، بحث: من هو الامير الاول في غزوة مؤته. (1)

[ 135 ]

هؤلاء إلى الحبشة لم تكن متمحضة في الهروب من التعذيب، لان الكثيرين من أولئك المهاجرين لم يكن ممن يعذب. هذا عدا عن أنهم يمثلون مختلف القبائل المكية أيضا. ويمثلون رصيدا يملكه الاسلام والمسلمون، ويذخرونه للوقت المناسب، وأصبح واضحا لكل أحد: أن القضاء على مسلمي مكة لا يعني القضاء على الاسلام. 3 - وترى كذلك: أن معنى هجرة المسلمين هذه، وخروجهم من تحت سلطتها، هو أنها سوف تكون امام مواجهة شاملة، وان مصالحها في معرض التهديد والبوار. وقد رأت أن أبا ذر باقامته بعسفان على طريق القوافل، وكلما أقبلت عير لقريش احتجزها حتى يقولوا: لا إله الا الله وان محمدا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وظل على ذلك إلى ما بعد حرب أحد، قد ضايقها تلك المضايقة الشديدة مع العلم بأن القضاء على حركته ربما يكون أسهل وأيسر، لانه في منطقتها، ويمكن تطويقه، والحد من نشاطه بسرعة ؟ لانه بين أمة كلها تدين لقريش بالولاء، وتقول بمقالتها، كما أنهم ينظرون إليه على انه غريب ومعتد. إذن فإن وجود المسلمين - وهم من قريش في الصميم في منطقة بعيدة عن نفوذ القرشيين وسلطانهم، وفي ملجأ أمين، ومنطلق مطمئن. ليشكل أعظم الاخطار على قريش ومصالحها، الامر الذي يحتم عليها التريث والصبر، وإحكام التدبير، لا سيما وأنها لا تجد إلى تصفية النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " جسديا حيلة، ولا إلى إسكاته سبيلا، ما دام /... /. ؟ ؟ في حماية ش * إ شيخ الابطح، أبي طالب " عليه السلام " والهاشميين، باستثناء أبي لهب لعنه الله فأرسلت إلى النجاشي ممثلين عنها لاسترداد المهاجرين، فرجعا

[ 136 ]

إليها بالفشل الذريع والخيبة القاتلة، فافقدها ذلك صوابها وأصبحت تتصرف بدون وعي، ولا تدبر، فعدت من جديد على من تبقى من المسلمين بالعذاب والتنكيل. وجعلت تتعرض للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالسخرية، وا لاستهزاء، وا لاتهام با لجنون وا لسحر، وا لكها نة، وبانواع مختلفة من الحرب النفسية والاذى. الثورة على النجاشي: وكان وجود المسلمين في الحبشة، قد تسبب للنجاشي ببعض المتاعب ؟ حيث اتهمه أهل بلاده بانه خرج من دينهم فثاروا عليه. ولكنه استطاع أن يخمد الثورة بحسن إدراكه ووعيه، واستمر المسلمون عنده في خير منزل، وخير جار، حتى رجعوا إلى المدينة، بعد هجرة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إليها كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فيروي محمد بن إسحاق، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فارسل إلى جعفر وأصحابه، فهيا لهم سفنا، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ؟ فان هزمت ؟ فاذهبوا حيث تلحقوا بحيث شئتم. وان ظفرت فاثبتوا، ثم خرج إليهم فجادلهم في الامر، فانصرفوا عنه (1) وكان ذلك قبل إيفاد قريش عمروا وعمارة، بدليل قول النجاشي لهما " فوالله " ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس في، فاطيع الناس فيه، ردوا عليهم هداياهم ؟ فلا حاجة لي بها، وأخرجا من بلادي، فخرجا مقبوحين (2) "


(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 365، والبداية والنهاية ج 3 ص 77، والسيرة الحلبية ج 2 ص 202. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 75 عن ابن اسحاق، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 362. (*)

[ 137 ]

وقد كانت هذه الفترة التي اعقبت هجرة المسلمين إلى الحبشة قد تميزت بهدوء نسبي، ولعله استمر إلى عودة عمرو بن العاص من الحبشة إلى مكة بالخيبة والخسران. عودة بعض المهاجرين: وتسربت انباء الهدنة القصيرة والعفوية غير المعلنة التي حصلت في مكة إلى مسامع المسلمين في الحبشة. ورأى المسلمون ما جرى للنجاشي بسببهم، فارتاى فريق منهم العودة إلى مكة، بعد شهرين، أو ثلاثة أشهر، وعاد منهم أكثر من ثلاثين رجلا، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، وكان ما كان من رده جوراه، ورضاه بجوار الله تعالى، حسبما تقدم. نعم هذا هو السر في رجوع بعض المهاجرين من الحبشة، وليس ما ذكره اعداء الاسلام في قصة الغرانيق التي لا شك في كذبها كما سنرى. قصة الغرانيق وملخص هذه القضية المكذوبة: أنه بعد أن هاجر المسلمون إلى الحبشة بحوالى شهرين ؟ جلس رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مع المشركين، فانزل الله تعالى عليه سورة النجم ؟ فقرأها، حتى إذا بلغ قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الاخرى، وسوس إليه الشيطان بكلمتين، فتكلم بهما، ظانا انهما في جملة الوحي وهما: " تلك الغرانيق (1) العلى، وان شفاعتهن لترتجي "، ثم مض في السورة، حتى إذا


(1) الغرانيق، جمع غرنوق بكسر الغين: طيور الماء. شبهت الاصنام بها لارتفاعها في السماء فتكون الاصنام مثلها في رفعة القدر، والغرنوق ايضا: الشاب الابيض الناعم. (*)

[ 138 ]

بلغ السجدة، سجد وسجد معه المسلمون والمشركون. لكن الوليد بن المغيرة لم يتمكن من السجود، لشيخوخته، أو لتكبره - على الخلاف - فرفع ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وقيل: إن الذي فعل ذلك هو سعيد بن العاص، وقيل كلاهما، وقيل: أمية بن خلف، وصحح، وقيل: أبو لهب، وقيل: المطلب. وأضاف البخاري سجود الانس والجن، إلى مجموع المسلمين. والمشركين وطار الخبر في مكة، وفرح المشركون، بل ويقال: انهم حملوا الرسول، وطاروا به في مكة من اسفلها إلى أعلاها. ولما أمسى جاءه جبرائيل فعرض عليه السورة، وذكر الكلمتين فيها ؟ فانكرهما جبرئيل ؟ فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": قلت على الله ما لم يقل ؟ فأوحى الله إليه: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا إليك، لتفتري علينا غيره، واذن لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك، لقد كدت تركن إليهم شيئأ قليلا، إذن لاذقناك ضعف الحياة، وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا) (1). وقد استدلوا على صحة هذه الرواية بالاية التي يدعون: انها نزلت بهذه المناسبة وهي قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله أياته، والله عليم حكيم، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض الخ). وعدد من أسانيد هذه الروايات صحيح عند بعض ا لفرق (2).


(1) الاسراء / 73 - 75. (2) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 194 و 366 - 368 والسيرة الحلبية ج 1 ص 325 - 326، وتفسير الطبري ج 17 ص 131 - 134، وفتح الباري ج 8 ص 333. (*)

[ 139 ]

ويقولون: إنه لما سمع المسلمون في الحبشة بالاسلام والوئام بين النبي وقريش عادت طائفة منهم إلى مكة، فوجدوا الامر على خلاف ذلك. ونحن نعتقد جازمين بكذب هذه الروايات، وافتعالها. ويشاركنا في هذا الاعتقاد جمع من العلماء، فقد قال محمد بن إسحاق حين ما سئل عنها: " هذا من وضع الزنادقة ". وصنف في تفنيدها كتابا (1). وقال القاضي عبد الجبار عن هذا الخبر: " لا أصل له، ومثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة " (2). وقال أبو حيان: إنه نزه كتابه عن ذكر هذه القصة فيه. (3) وأنكرها البيضاوي، طاعنا في أسانيدها، وكذا البيهقي، والنووي والرازي، والنسفي، وإبن العربي، والسيد المرتضى، وفي تفسير الخازن: أهل العلم وهنوا هذه القصة (4). وقال عياض: " إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وانما أولع به، وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح


وأشار إلى أصلها البخاري أيضا في غير موضع من صحيحه، كما في البداية والنهاية ج 3 ص 90، وقد صرح السيوطي في دره المنثور بصحة اسانيد عدد منها، وراجع لباب النقول، وتفسير الطبري، وهي موجودة في مختلف التفاسير، عند تفسير الآيات، ولذا فلا حاجة إلى تعداد مصادرها. (1) راجع: البحر المحيط لابي حيان ج 6 ص 381. (2) تنزيه القرآن عن المطاعن ص 243. (3) عن تفسير البحر المحيط ج 6 ص 381. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 11، والهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 135، والرحلة المدرسية مر 38. وفتح الباري ج 8 ص 333، وتفسير الرازي ج 23 ص 50. (*)

[ 140 ]

وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الاهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع أسناده واختلاف كلماته (1) " ونحن نؤيد ما قاله: فاولا: إن جميع روايات هذه القصة سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف، أو منقطع (2) وحديث سعيد مرسل، والمرسل عند جمهور المحدثين من قسم الضعيف، لاحتمال أن يكون قد رواه عن غير الثقة (3). وأيضا فان الاحتجاج بالمرسل لو سلم ؟ فإنما يكون في الفرعيات وما نحن فيه يرتبط بالعقائد، التي تحتاج إلى القطع. هذا والملاحظ لاسانيدها يراها تنتهي: إما إلى تابعي أو إلى صحابي لم يولد إلا بعد هذه القضية. بل إن هذه الرواية يجب ردها والقطم بكذبها، ولو كان سندها متصلا، لانها مصادمة لحكم العقل كما سنرى وبهذا رد على القسطلاني، والعسقلاني، وآخرين حيث قد حكموا بصحتها، وبان لها أصلا لكثرة طرقها (4). وثانيا: تناقض رواياتها، وقد تقدم التناقض فيمن لم يسجد، ونزيد هنا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قرأها وهو يصلي. أووهو جالس في نادي قومه.


(1) الشفاء ج 2 ص 126 ط العثمانية والمواهب اللدنية ج 1 ص 53. (2) فتح الباري ج 8 ص 333. (3) راجع: مقدمة ابن الصلاح ص 26. (4) فخ الباري ج 8 ص 333، والسيرة الحلبية ج 1 ص 326 وراجع سيرة منلطاي ص 24 المواهب اللدنية ج 1 ص 53. (*)

[ 141 ]

حدث نفسه بها أوجرت على لسانه. الشيطان أخبرهم: أنه (ص) قالها. أو قرأها المشركون. تنبه " صلى الله عليه وآله وسلم " حين قراءتها. اولم يتنبه إلى المساء. بل ذكر الكلاعي: أن الامر لم ينكشف بهذه السرعة، بل فشا الامر حتى بلغ الحبشة: أن المسلمين قد أمنوا في مكة، فقدم مسلموها، ونزل نسخ ما ألقاه الشيطان، فلما بين الله قضاءه اشتد المشركون على المسلمين (1). إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف. ويقولون: لا حافظة لكذوب. وثالثا: إن هذه الرواية ليس فقط تنافي ما هو مقطوع به من عصمته " صلى الله عليه وآله وسلم " عن الخطا والسهو. وعلى الاخص في أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الامة، والادلة القطعية. وإنما هي تثبت الارتداد له " صلى الله عليه وآله وسلم " نعوذ بالله من الغواية، عن طريق الحق والهداية. ورابعأ: ان هذه الرواية تنافي قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) (2) وقوله: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (3) إلا أن يفرض هؤلاء - والعياذ بالله -: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن من عباد الله، ولا من الذين آمنوا، ولا من المتوكلين. وليس هذا القول إلا الكفر بعد الايمان، كما هو ظاهر للعيان.


(1) راجع: الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 353 / 352. (2) الاسراء الآية 65. (3) النمل الاية 99. (*)

[ 142 ]

وخامسا: ينص الكلاعي على ان المشركين والمسلمين قد سجدوا جميعا لما بلغ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آخر السورة. وأن المسلمين قد عجبوا لسجود المشركين ؟ لان المسلمين لم يكونوا قد سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين مع انه يصرح قبل ذلك باسطر: ان الشيطان قد ألقى تلك الكلمات على لسان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه (1) ! ! فيرد سؤال: إنه كيف سمع المشركون ما ألقاه الشيطان على لسانه " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولم يسمعه المسلمون، وهم معهم، ولا بد أنهم كانوا أقرب إليه " صلى الله عليه وآله وسلم " منهم ؟ !. وسادسا: إن جميع الآيات المذكورة لا يمكن ان تكون ناظرة إلى مناسبة هذه الروايات إطلاقا ؟ فاما: 1 - آيات سورة النجم ؟ فإنه تعالى قد قال عن أصنام المشعركين: مناة، واللات، والعزى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (2). فكيف رضي المشركون بان يذم آلهتهم بهذا النحو الحاد، ثم فرحوا بقوله المزعوم ذاك وسجدوا معه ؟ ! وكيف لم يدركوا أو كيف فسروا هذا التناقض الظاهر في كلامه، حتى حملوه - كما زعم - وطاروا به في مكة من أسفلها إلى أعلاها وهم يقولون: نبي بني عبد مناف ؟ !. والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه، لماذا لم يلتفت إلى هذا التناقض الظاهر، وبقي غافلا عنه إلى الليل، حتى جاء جبرئيل فنبهه


(1) المصدر السابق ص 352. (2) النجم الاية 23. (*)

[ 143 ]

إليه ؟ ! فهل كان " صلى الله عليه وآله وسلم " في غيبوبة طيلة تلك الفترة ؟ ! أم أنه كان سقيم الذهن - والعياذ بالله - إلى هذا الحد ؟ ! ثم، أليست هذه الرواية تناقض تماما قوله تعالى في سورة النجم نفسها، وبالذات في أول السورة بعد القسم: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ؟ ! فها هو في نفس السورة ينطق عن الهوى، بل هو يردد ما يلقيه إليه الشيطان. على انه آيات قرآنية إلهية. مع ان الله تعالى يقول: (ولو تقول علينا بعض الاقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين) (1) فها هو يتقول عليه ولا يفعل به شيئا (2). وإذا كانت هذه الاية قد نزلت بعد سورة النجم، فان ذلك لا يضر ما دامت الاية تعطي قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة. 2 - وأما آية التمني، فهي في سورة الحج، التي هي مدنية بالاتفاق، ولا سيما وأنه قدورد فيها الامر بالاذان في الناس بالحج والامر بالقتال، والامر بالجهاد، وذكر فيها الصد عن المسجد الحرام، وكل ذلك إنما كان بعد الهجرة، وبعضه بعدها بعدة سنوات. هذا بالاضافة إلى أن الضحاك، وإبن عباس، وقتادة، وإبن الزبير وغيرهم، قد ذكروا أنها مدنية. وإذا كانت مدنية، فهذا يعني: أن هذه الآية قد نزلت بعد قصة الغرانيق بسنوات عديدة، لان قصة الغرانيق قد حصلت ! ! في السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول هذه السنين الطويلة ؟ !. على أن معنى الاية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فان التمني هو


(1) الحاقة الايات 44 - 46. (2) هذا إن لم نقل إن الاية ناظرة إلى صورة تعمد الكذب على الله، لانه عبر بالتقول، الذي هو تعمد القول.

[ 144 ]

تشهي حصول أمر محبوب ومرغوب فيه، فالرسول انما يتشهى ويتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وأعظم أمنية لانسان كهذا هي ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل وكلمة الهوى فيلقي الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الامنية، ويكون فتنة للذين في قلولهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما القى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان، ويظهر الحق للعقول السليمة. وأما لو أردنا تطبيق الاية على ما يقولون. فإن المراد بالتمني يكون هو القراءة والتلاوة وهو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوي وظاهر اللفظ، ولا نشك في أنه تفسير موضوع ومفتعل ليوافق الرواية المزعومة. أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك (1) فنعتقد: أنه مصنوع ومنسوب إليه للغرض نفسه، وما أكثر ما نجده من ذلك في كتب التاريخ: وحتى لو قبلنا ان المراد بالتمني هو التلاوة، فإن من الممكن ان يكون معناه ما قاله المرتضى رحمه الله، وهو: انه إذا تلا النبي على قومه الايات حرفوها، وزادوا ونقصوا فيها، كما فعلت اليهود بالكذب على نبيهم فإضافة ذلك إلى الشيطان إنما هو لانه هو الموسوس لهم بذلك ثم يدحض الله ذلك وبزيله بظهور حجته (2). 3 - وأما بالنسبة لايات سورة الاسراء التي يقولون: إنها نزلت في هذه المناسبة، وهي قوله تعالى: (وان كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا


(1) ففي تنزيه الانبياء ص 107: أن حسان بن ثابت قال: على أن من الممكن أن يكون المقصود بالتمني هنا حب ذلك والشوق إليه. (2) تنزيه الانبياء ص 107 وص 108. (*)

[ 145 ]

إليك لتفتري علينا غيره الخ) فإنها تناقض وتنافي هذه القضية فكيف تكون قد نزلت من أجلها. وذلك لان هذ الايات تقول: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يركن إليهم، بل لم يقرب إلى الركون إليهم، وأن الله قد ثبته، وأنه لو ركن لعوقب، وقضية الغرانيق تقول: إنه قد زاد على الركون، فاستجاب، وافترى، وأدخل في القرآن ما ليس منه. ومعنى الاية: أن المشركين قد أصروا على ان يتركهم وشأنهم، وتفاوضوا معه، ومع أبي طالب كثيرا، فلربما يكون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد فكر في أن يمهلهم قليلا، لعلهم يفكرون ويرجعون ؟ فجاءت الاية لتقول له: إن الصلاح في عدم الامهال، بل في الشدة. هذا كله. عدا عن أنهم يقولون: إن آيات سورة الاسراء قد نزلت في ثقيف، حينما اشترطوا لاسلامهم شروطا تزيد في شرفهم، وقيل: نزلت في قريش حينما منعته من استلام الحجر، وقيل: نزلت في يهود المدينة، عندما طلبوا منه ان يلحق بالشام. (1) وقد اقتصر القاضي البيضاوي على هذه الوجوه وسادسا: وأخيرا كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: (فاسجدوا لله واعبدوا) مع انهم يرفضون السجود لله ؟ قال تعالى: (وإذ قيل لهم: اسجدوا للرحمان قالوا: وما الرحمان ؟ انسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) ثم كيف. لا يرتد أحد من المسلمين، أو يتزلزل إيمانه حينما يعلم أن رسول الله قد مدح الاصنام، وجعل لها شفاعة (2) ؟ !.


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 326، والدر المنثور، وتفسير الخازن، وسائر كتب ا لتفسير. (2) راجع هامش: الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 354 / 353. (*)

[ 146 ]

تساؤلات حائرة.. وأخيرا فلا ندري كيف يمكن فهم وتعقل ما ذكرته بعض الروايات من أنه إنما حدث " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه بتلك الفقرات ؟ فكيف علم قومه بذلك حتى فعلوا ما فعلوا، ثم بلغ الخبر إلى المسلمين في الحبشة، فجاؤوا. وكذا قولهم: إن المشركين قد حملوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وطاروا به في مكة من اسفلها إلى أعلاها، فكيف لم يتسأل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن سر هذا التبدل العظيم في موقف قومه ؟ ! وقولهم: إن هذه القضية قد كانت بعد شهرين من الهجرة إلى الحبشة، نقول فيه، إنهم يقولون: إن عودة مهاجري الحبشة قد كانت بعد شهرين أيضا. فهل وصل إليهم الخبر بالتلكس، أو بالتلفون، وهل جاؤوا بالطائرة، أم بالصواريخ ؟ ! إلا أن يكون المراد أنهم بدأوا بالتوجه نحو مكة بعد شهرين من هجرتهم، وإن كان هذا بعيدا عن ظاهر اللفظ. وكذا قولهم: إنه لما عرض " صلى الله عليه وآله وسلم " السورة على جبرائيل، وقرأ الفقرتين، أنكرهما جبرائيل فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": قلت على الله ما لم يقل ؟ فانزل الله، وإن كادوا ليفتنونك. نقول فيه: إن الخطاب في الاية للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أن الناس كادوا يفتنونه، مع ان الرواية تنص على ان الشيطان هو الذي كاد ان يفتنه. إلى غير ذلك من موارد الضعف والوهن والتناقض التي يمكن تلمسها في هذا المجال.

[ 147 ]

حقيقة الامر: والظاهر هو ان حقيقة ما جرى هو ما قيل من: ان الكفار كانوا يكثرون اللغو واللغط حين قراءته " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى لا يسمع أحد ما يقرأ قال تعالى: (وقال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرأن والغوا فيه، لعلكم تغلبون) (1) فحينما قرأ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سورة النجم، وانتهى إلى هذا المورد، قال المشركون تلك الغرانيق العلى الخ (2). نعم، ثم جاء القصاصون والحاقدون، ولعل منهم مسلمة أهل الكتاب، الذين ادخلوا الكثير من اسرائيلياتهم في الاسلام - جاؤا - ونسجوا حولها ما يتلاءم مع مصالحهم وأهدافهم الشريرة، من الطعن بعصمته " صلى الله عليه وآله وسلم "، ثم التشكيك بكل ما في القرآن، بحيث يتهيا الجو لتطرق احتمالات من هذا النوع في كل سورة وآية، ثم التدليل على مدى جهل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وعدم إدراكه حتى المتناقضات الواضحة. ثم خضوعه لسلطان الشيطان، وعدم قدرته على تمييز ما هو منه عما هومن غيره. ولكننا نجدهم يقولون في مقابل ذلك، كما تقدم: ان الشيطان يفر من حس عمر (3) أولم يلق الشيطان عمر منذ أسلم إلاخر لوجهه (4)، أو ما


(1) فصلت الاية 26. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 128 وتنزيه الانبياء ص 107 وليراجع هامش الاكتفاء للكلاعي ج 1 ص 354 عن السيهلي، وقد نقل الكلبي في كتاب الاصنام: أن قريشا كانت تقول هذه الكلمات في مدحها لاصنامها حول الكعبة - كما نقل. (3) الرياض النضرة ج 2 ص 301. (4) عمدة القارئ ج 16 ص 196 وراجع تاريخ عمر ص 62. (*)

[ 148 ]

سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا آخر (1) ولعلهم ارادوا: ان يقولوا: ان للنبي شيطانا يعتريه كما كان لابي بكر... وقد تقدم الحديث عن كل ذلك في بحوث سابقة. ثم جاء المستشرقون الحاقدون، أعداء الاسلام، فحاولوا الاستفادة من هذه الاباطيل والاساطير للطعن في نبينا الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). فاحبط الله سعيهم، ورد كيدهم في نحورهم. فان الحق كالصبح أبلج، وسيرة نبينا في النبل والصفاء والطهر من كل عيب وشين كذكاء في كبد السماء تتوهج.


(1) صحيح مسلم ج 7 ص 115 وفي تاريخ عمر ص 35 ما يقرب من ذلك وكذلك ص 62 والغدير ج 8 ص 94 ومسند احمد ج 1 ص 171 و 182 و 187 وصحيح البخاري ج 2 ص 44 و 188 وعمدة القارئ ج 16 ص 196. (2) راجع: تاريخ الشعوب الاسلامية ص 34 لبروكلمان وكتاب الاسلام ص 36 / 35 لألفريد هيوم. (*)

[ 149 ]

الفصل الثالث حتى الشعب

[ 151 ]

تناقضات في تاريغ اسلام حمزة عليه السلام: ويقولون: إن إسلام حمزة بن عبد المطلب عليه السلام كان في الثانية من البعثة. ثم يقولون: إنه اسلم بعد دخوله " صلى الله عليه وآله وسلم " دار الارقم. وهذا متناقض ؟ لانه إنما دخل دار الارقم في أواخر السنة الثالثة، كما يدعون. وتناقض أخر: انهم يذكرون انه أسلم قبل عمر بثلاثة ايام، مع أنهم يذكرون ان عمر اسلم في السنة السادسة بعد خروج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من دار الارقم. وهذا متناقض ؟ لانه " صلى الله عليه وآله وسلم " إنما دخلها في أواخر السنة الثالثة من البعثة ولمدة شهر واحد فقط كما يقال.. وسيأتي أن التحقيق هو: أن إسلام عمر كان بعد إسلام حمزة بسنوات. اسلام حمزة (رض) ونلاحظ: أن ابن هشام وغيره يذكرون اسلام حمزة " رحمه الله " بعد الهجرة إلى الحبشة، أي في حوالي السنة السادسة للبعثة، ونحن نرجع ذلك ؟ لانه حين اسلم - كما يقول المقدسي - " عز به النبي " صلى

[ 152 ]

الله عليه وآله وسلم " واهل الاسلام، فشق ذلك على المشركين، فعدلوا عن المنابذة إلى المعاتبة، واقبلوا يرغبونه في المال والانعام، ويعرضون عليه الازواج (1) ". وعروضهم هذه إنما كانت بعد الهجرة إلى الحبشة، كما يفهم من سيرة ابن هشام. كما أنه إنما أسلم بعد الاعلان بالدعوة، وبعد مفاوضات قريش مع أبي طالب وعروضها عليه، وبعد أن عدلوا عن ذلك إلى العداوة والاذى. وعلى كل حال، فقد كان إسلام حمزة تطورا جديدا لم يكن قد دخل في حسابات قريش، حيث قلب الموازين رأسا على عقب، وفت في عضد قريش، وزاد من مخاوفها، وكبح من جماحها. فقد مر أبو جهل بالرسول عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لامره، فلم يكلمه الرسول صلى الله عليه وآله. وكان حمزة صاحب صيد وقنص، وكان إذا رجع بدأ بالبيت، وطاف به، وسلم على من فيه، ورجع إلى بيته. وفي هذه المرة كان حمزة راجعا من صيده، فاخبرته إحدى النساء بما كان من أبي جهل تجاه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فاحتمل حمزة الغضب، ودخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا مع القوم، فاقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها ضربة شجه بها شجة منكرة. ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول ؟ فرد علي ذلك إن استطعت وكان ذلك بعد أن تضرع إليه أبو جهل، وأخذ بثوبه،


(1) البدء والتاريخ ج 4 ص 148 / 149، وهو الظاهر من سيرة ابن هشام، حيث ذكر هذه العروض بعد ذكره لاسلام حمزة " عليه السلام ".

[ 153 ]

فلم يقبل منه. فقام رجال من بني مخزوم، لينصروا أبا جهل، فقالوا لحمزة: ما نراك إلا قد صبأت ؟ فقال حمزة: وما يمنعني ؟ وقد استبان لي منه أنه رسول الله، والذي يقول حق ؟ ! فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا. يقول المقدسي: " فلما أسلم حمزة عز به الدين والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " (1) "، وسر رسول الله بإسلامه كثيرا. وعلمت قريش: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قد عز وامتنع، فكفوا عما كانوا ينالونه منه. وقال حمزة للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": فاظهر يابن أخي دينك، فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء، وأني على دين الاول إ 2). وكان حمزة أعزفتى في قريش، وأشدهم شكيمة (3). إسلام حمزة كان عن وعى لا حمية: والظاهر، بل الصريح من كلام حمزة رحمه الله، ولا سيما قوله الاخير: " وما يمنعني، وقد استبان لي منه: أنه رسول الله، والذي يقول حق " أنه لم يكن في إسلامه منطلقا من عاطفته التي أثيرت وحسب، وإنما


(1) البدء والتاريخ ج 5 ص 98. (2) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 72 - 73 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 312. (3) راجع: تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 72.

[ 154 ]

سبقت ذلك قناعة كاملة، كونها مما شاهده عن قرب من مواقف وسلوك، وسمعه من أقوال النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم. وقد يستفاد من قوله: أتشتمه وأنا على دينه أن إسلامه كان متقدما على ذلك الوقت، ولكنه كان يتكتم به مراعاة للظروف، وحفاظا على الاسلام والمسلمين، الذين كانوا أضعف من أن يتمكنوا من مواجهة قريش وجبروتها. ولربما كان بعضهم بحاجة إلى المزيد من التربية النفسية الخاصة، ليتمكن من مواجهة تلك الظروف القاسية مع المشركين. سر جبن أبي جهل في مواجهة حمزة: ولا بد من التذكير هنا: بأن أبا جهل، عظيم المشركين وجبارهم مع أنه كان بين أهله وعشيرته، ومع أن عشيرته قد أعلنت عن استعدادها لنصرته، فإنه كان أجبن وأذل من أن يقف في وجه أسد الله وأسد رسوله، وما ذلك إلا لانه كان من جهة: يعلم فتوة حمزة وعزته، وشدة شكيمته وبطولته، ورأى مدى تصميمه وإصراره، وعرف مقدار استعداده للتضحية والفداء في سبيل دينه، وعقيدته. ومن الجهة الاخرى: فإن أبا جهل إنما كان يحارب النبي صلى الله عليه وآله ويناقضه، حبا بالحياة، ومن أجل الدنيا، فهو إذن لا يريد الموت إطلاقا، بل هو يهرب منه، ويعده خسارة له، ما بعدها خسارة. أما حمزة رحمه الله، فكان يعتبر الموت في سبيل هذا الدين نصرا وفوزا، تماما بالمقدار الذي يعتبره أبو جهل، ومن هم على شاكلته خسرانا وضياعا فلماذا إذن يخشى الموت ويخافه ؟، بل لماذا لا يكون الموت عنده أحلى من العسل، وألذ من الشهد ؟. ومن جهة ثالثة: فإن أبا جهل لم يكن على استعداد لان يحارب بني هاشم في تلك الفترة، التي كان له فيهم أنصار كثيرون، لان حربه لهم لسوف تؤدي إلى أن يخسر هؤلاء الذين يلتقي معهم فكريا وعقيديا، لانهم

[ 155 ]

بحكم المنطق القبلي الذي يهيمن على مواقفهم وتصرفاتهم لن يتركوا ابن أخيهم، حتى ولو كان على غير دينهم، (وقد وعدوا أبا طالب باسثناء أبي لهب أن يمنعوا محمدا ممن يريد به سوءا كما تقدم). بل إن تحرك أبي جهل في ظروف كهذه لربما يؤدي إلى ترسيخ أمر محمد، وإلى دخول الكثيرين من بني هاشم في دينه، حمية وانتصارا. وهذا ما لا يريده أبو جهل، ولا يرغب فيه. إذن، فقد كانت جميع الظروف تدفعه إلى الاستسلام للذل والهوان في مقابل أسد الله وأسد رسوله. والخلاصة: أن حب أبي جهل للحياة، وجبنه، ثم ما كان يراه من الصلاح في عدم التصعيد في مناهضة محمد وبني هاشم. قد جعله في موقف الذليل المهان. وجعل الله كلمة الباطل هي السفلى، وكلمة الحق هي العليا. ملاحظة هامة: والملاحظ هنا: أنه بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب تتراجع قريش، وتلين من موقفها، وتدخل في مفاوضات معه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتعطيه بعض ما يريد، لانها رأت أن المسلمين يزيد عددهم ويكثر، فكلمه عتبة، فأبى " صلى الله عليه وآله وسلم " كل عروضهم (1). عبس وتولى: ويذكر المؤرخون بعد قضية الغرانيق، القضية التي نزلت لاجلها سورة عبس وتولى، المكية، والتي نزلت بعد سورة النجم. وملخص هذه


(1) راجع: كنز العمال: ج 14 ص 48 عن البيهقي في الدلائل، وابن عساكر.

[ 156 ]

القضية: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يتكلم مع بعض زعماء قريش، ذوي الجاه والمال، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم - وكان أعمى - فجعل يستقرئ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آية من القرآن، قال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فاعرض عنه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على أولئك الذين كان " صلى الله عليه وآله وسلم " قد طمع في إسلامهم، فأنزل الله تعالى: (عبس وتولى. أن جاءه الاعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى. فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى. وهو يخشى. فأنت عنه تلهى) (1). وفي رواية: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كره مجئ، ابن أم مكتوم وقال في نفسه: يقول هذا القرشي: إنما اتباعه العميان والسفلة، والعبيد، فعبس " صلى الله عليه وآله وسلم " إلخ.. (وكان ذلك الزعيم لم يكن يعلم بذلك ! ! وكأن قريشا لم تكن قد صرحت بذلك وأعلنته ! !). وعن الحكم: ما رؤي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد هذه الاية متصديا لغني، ولا معرضا عن فقير. وعن ابن زيد: لو أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " كتم شيئا من الوحي، كتم هذا عن نفسه (2).


(1) سورة عبس / 1 - 10. (2) راجع في هذه الروايات: مجمع البيان ج 10 ص 437 والميزان عن المجمع وتفسير ابن كثير ج 4 ص 470 عن الترمذي، وابي يعلى، وحياة الصحابة ج 2 ص 520 عنه، وتفسير الطبري ج 30 ص 33 / 34، والدر المنثور ج 6 ص 514 / 313. وأي تفسير قرآن آخر لغير الشيعة ؟ فانك تجد فيه الروايات المختلفة التي تصب في هذا الاتجاه، فراجع الاخير على سبيل المثال. (*)

[ 157 ]

فابن زيد يؤكد بكلامه هذا على مدى قبح هذا الأمر، وعلى مدى صراحة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى إنه لم يكتم هذا الامر، رغم شدة قبحه وشناعته !. لقد أجمع المفسرون، وأهل الحديث، باستثناء شيعة أهل البيت عليهم السلام - على أصل القضية المشار إليها. ونحن نرى: أنها قضية مفتعلة، لا يمكن أن تصح. وذلك. أولا: لضعف أسانيدها، لانها تنتهي: إما إلى عائشة، وأنس، وابن عباس، من الصحابة، وهؤلاء لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلا، لانه إما كان حينها طفلا، أو لم يكن ولد (1). أو إلى أبي مالك (2)، والحكم، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وهؤلاء جميعا من التابعين فالرواية مقطوعة، لا تقوم بها حجة. وثانيا: تناقض نصوصها (3) حتى ما ورد منها عن راو واحد، فعن عائشة. في رواية: إنه كان عنده رجل من عظماء المشركين، وفي أخرى عنها: عتبة وشيبة، وفي ثالثة عنها: في مجلس فيه ناس من وجوه قريش، منهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة. وفي رواية عن ابن عباس: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يناجي عتبة، وعمه العباس، وأبا جهل. وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس: إنهم العباس، وأمية بن خلف، وصفوان بن أمية. وعن قتادة: أمية بن خلف. وفي أخرى عنه: أبي بن خلف.


(1) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158. (2) الظاهر ان المراد به أبا مالك الاشجعي، المشهور بالرواية، وتفسير القرآن، وهو تابعي. (3) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158 / 159.

[ 158 ]

وعن مجاهد: صنديد من صناديد قريش، وفي أخرى عنه: عتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف. هذا، عدا عن تناقض الروايات مع بعضها البعض في ذلك، وفي نقل ما جرى، وفي نص كلام الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، ونص كلام ابن أم مكتوم. ونحن نكتفي بهذا القدر، ومن أراد المزيد فعليه بالمراجعة وا لمقارنة. وثالثا: إن ظاهر الآيات المدعى نزولها في هذه المناسبة هو أنه كان من عادة هذا الشخص وطبعه، وسجيته، وخلقه: أن يتصدى للغني، ويهتم به ولو كان كافرا ويتلهى عن الفقير ولا يبالي به أن يتزكى، ولو كان مسلما. وكلنا يعلم: أن هذا لم يكن من صفات وسجايا نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من طبعه، وخلقه. كما أن العبوس في وجه الفقير، والاعراض عنه، لم يكن من صفاته " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى مع أعدائه، فكيف بالمؤمنين من أصحابه وأودائه (1). وهو الذي وصفه الله تعالى بانه (بالمؤمنين رؤوف رحيم) (2). بل لقد كان من عادته صلى الله عليه وآله مجالسة الفقراء، والاهتمام بهم، حتى ساء ذلك أهل الشرف والجاه، وشق عليهم. وطالبه الملا من قريش بان يبعد هؤلاء عنه ليتبعوه، وأشار عليه عمر بطردهم، فنزل قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (3).


(1) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158، والميزان ج 20 ص 203، وتنزيه الانبياء ص 119 ومجمع البيان ج 1 ص 437. (2) سورة التوبة الآية / 128. (3) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 12 / 13.

[ 159 ]

ويظهر: أن الآية قد نزلت قبل الهجرة إلى الحبشة لوجود ابن مسعود في الرواية. أو حين بلوغهم أمر الهدنة، ورجوعهم إلى مكة. ولكن يبقى إشكال أن ذكر عمر في هذا المقام في غير محله، لانه لم يكن قد أسلم حينئذ لانه إنما أسلم قبل الهجرة إلى المدينة بيسير، كما سنرى. كما أن الله تعالى قد وصف نبيه في سورة القلم التي نزلت قبل سورة عبس وتولى بانه على خلق عظيم، فإذا كان كذلك، فكيف يصدر عنه هذا الامر المنافي للأخلاق، والموجب للعتاب واللوم منه تعالى لنبيه " صلى الله عليه واله وسلم "، فهل كان الله - والعياذ بالله - جاهلا بحقيقة أخلاق نبيه ؟ أم أنه يعلم بذلك، لكنه قال هذا لحكمة ولمصلحة اقتضت ذلك ؟ نعوذ بالله من الغواية، عن طريق الحق والهداية. ورابعا: إن الله تعالى يقول في الآيات: (وما عليك ألا يزكى)، وهذا لا يناسب أن يخاطب به النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لانه مبعوث لدعوة الناس وتزكيتهم. وكيف لا يكون ذلك عليه، مع أنه هو مهمته الاولى والاخيرة، ولا شئ غيره. ألم يقل الله تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ؟) (1) فكيف يغريه بترك الحرص على تزكية قومه (2). خامسا: لقد نزلت آية الانذار: (وأنذر عشيرتك الاقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (3) قبل سورة عبس بسنتين فهل نسي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أنه مأمور بخفض الجناح لمن


(1) سورة البقرة الآية / 129. (2) تنزيه الانبياء ص 119. (3) الشعراء / 214 - 215. (*)

[ 160 ]

اتبعه ؟ وإذا كان نسي، فما الذي يؤمننا من أن لا يكون قد نسي غير ذلك أيضا ؟، وإذا لم يكن قد نسي، فلماذا يتعمد أن يعصي هذا الامر ا لصريح ؟ ! (1). سادسا: إنه ليس في الآية ما يدل على أنها خطاب للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، بل الله سبحانه يخبر عن رجل ما أنه: (عبس وتولى * أن جاءه الاعمى) ثم التفت الله تعالى بالخطاب إلى ذلك العابس نفسه، وخاطبه بقوله: (وما يدريك لعله يزكى) الخ.. سابعا: لقد ذكر العلامة الطباطبائي: أن الملاك في التفضيل وعدمه ليس هو الغنى والفقر، وانما هو الاعمال الصالحة، والسجايا الحسنة، والفضائل الرفيعة. وهذا حكم عقلي وجاء به الدين الحنيف، فكيف جاز له " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يخالف ذلك، ويميز الكافر لما له من وجاهة على المؤمن ؟ (2). والقول: بانه إنما فعل ذلك لانه يرجو إسلامه، وعلى أمل أن يتقوى به الدين، وهذا أمر حسن، لانه في طريق الدين، وفي سبيله. لا يصح، لانه يخالف صريح الايات التي تنص على أن الذم له كان لاجل أنه يتصدى لذاك الغني لغناه، ويتلهى عن الفقير لفقره. ولو صح هذا، فقد كان اللازم أن يفيض القرآن في مدحه واطرائه على غيرته لدينه، وتحمسه لرسالته ؟ فلماذا هذا الذم والتقريع إذن. ونشير أخيرا: إلى أن البعض قد ذكر: أنه يمكن القول بان الآية خطاب كلي مفادها: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان إذا رأى


(1) الميزان ج 20 ص 303. (2) راجع: الميزان ج 20 ص 354. (*)

[ 161 ]

فقيرا تاذى وأعرض عنه. والجواب:. أولا: إن هذا يخالف القصة التي ذكروها من كونها قضية في واقعة واحدة لم تتكرر.. وثانيا: إذا كان المقصود هو الاعراض عن مطلق الفقير ؟ فلماذا جاء التنصيص على الاعمى ؟ !. وثالثا: هل صحيح أنه قد كان من عادة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ذلك ؟ ! !. المذنب رجل أخر: فيتضح مما تقدم: أن المقصود بالآيات شخص اخر غير النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ويؤيد ذلك: ما روي عن الامام جعفر الصادق " عليه السلام "، انه قال: كان رسول الله إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال: مرحبا، مرحبا، والله لا يعاتبني الله فيك أبدا. وكان يصنع به من اللطف، حتى يكف عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مما كان يفعل به (1). فهذه الرواية تشير إلى أن الله تعالى لم يعاتب نبيه في شان إبن أم مكتوم، بل فيها تعريض بذلك الرجل الذي ارتكب في حق ابن أم مكتوم تلك المخالفة، إن لم نقل: إنه يستفاد من الرواية نفي قاطع حتى لامكان صدور مثل ذلك عنه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بحيث يستحق العتاب والتوبيخ ؟ إذ لا معنى لهذا النفي لو كان الله تعالى قد عاتبه فعلا.


(1) تفسير البرهان ج 4 ص 428، وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 509، ومجمع البيان ج 10 ص 437.

[ 162 ]

هذا ولكن الأيدي غير الأمينة قد حرفت هذه الكلمة ؟ فادعت أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. فلتراجع كتب التفسير، كالدر المنثور وغيره. والصحيح هو ما تقدم. سؤال وجوابه: ولعلك تقول: إنه إذا كان المقصود بالآيات شخصا آخر ؟ فما معنى قوله تعالى: " فأنت له تصدى ! وقوله: " فأنت عنه تلهى " فان ظاهره: أن هذا التصدي والتلهي من قبل من يهمه هذا الدين ؟ فيتصدى لهذا، ويتلهى عن ذاك. فالجواب: انه ليس في الآيات ما يدل على أن التصدي كان لأجل الدعوة إلى الله أو لغيرها. فلعل التصدي كان لأهداف أخرى دنيوية، ككسب الصداقة، أو الجاه، أو نحو ذلك. وقوله تعالى: " لعله يزكى " ليس فيه أنه يزكى على يد المخاطب، بل هو أعم من ذلك، فيشمل التزكي على يد غيره ممن هم في المجلس، كالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أو غيره. ثم لنفرض: أنه كان التصدي لأجل الدعوة، فإن ذلك ليس محصورا به " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فهم يقولون: إن غيره كان يتصدى لذلك أيضا، وأسلم البعض على يديه، لو صح ذلك !. الرواية الصحيحة: وبعد ما تقدم، فإن الظاهر هو أن الرواية الصحيحة، هي ما جاء عن الامام الصادق " عليه السلام ": أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند

[ 163 ]

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فجاءه ابن أم مكتوم. فلما جاءه تقذر منه، وعبس في وجهه، وجمع نفسه، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك عنه، وانكره عليه (1). ويلاحظ: أن الخطاب في الايات لم يوجه اولا إلى ذلك الرجل ؟ بل تكلم الله سبحانه عنه بصورة الحكاية عن الغائب: إنه عبس، وتولى، أن جاءه الاعمى. ثم التفت إليه بالخطاب، فقال له مباشرة: وما يدريك. ويمكن أن يكون الخطاب في الايات اولا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة. والاول أقرب، وألطف ذوقا. إتهام عثمان: وبعض الرويات تتهم عثمان بهذه القضية، وانه هو الذي جرى له ذلك مع إبن أم مكتوم (2). ولكننا نشك في هذا الامر، لان عثمان قد هاجر إلى الحبشة مع من هاجر - فمن أين جاء عثمان إلى مكة، وجرى منه ما جرى ؟ !. إلا أن يقال: إنهم يقولون: إن أكثر من ثلاثين رجلا قد عادوا إلى مكة بعد شهرين من هجرتهم كما تقدم، وكان عثمان منهم ثم عاد إلى الحبشة (3).


(1) مجمع البيان ج 10 ص 437 وتفسير البرهان ج 4 ص 428، ونفسير نور الثقلين ج 5 ص 509. (2) تفسير القمي ج 2 ص 405 وتفسير البرهان ج 4 ص 427، وتفسير نور الثقلين خ 5 ص 508. (3) سيرة ابن هثام ج 2 ص 3.

[ 164 ]

وعلى كل حال، فإن أمر اتهام عثمان (1) أو غيره من بني أمية، لاهون بكثير من اتهام النبي المعصوم، الذي لا يمكن أن يصدر منه أمر كهذا على الاطلاق. وإن كان يهون على البعض إتهام النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بها أو بغيرها، شريطة أن تبقى ساحة قدس غيره منزهة وبريئة ! !. تاريغ هذه القضية: ونسجل أخيرا: تحفظا على ذكر المؤرخين لرواية ابن مكتوم ونزول سورة عبس، بعد قضية الغرانيق ؟ فإن الظاهر هو أن هذه القضية قد حصلت قبل الهجرة إلى الحبشة لان عثمان كان قد هاجر إلى الحبشة قبل قضية الغرانيق بشهرين كما يقولون. إلا أن يكون عثمان قد عاد إلى مكة مع من عاد بعد ان سمعوا بقضية الغرانيق كما يدعون. أعداء الاسلام وهذه القضية: ومما تجدر الاشارة إليه هنا: أن بعض المسيحيين الحاقدين قد حاول ان يتخذ من قضية عبس وتولى وسيلة للطعن في قدسية نبينا الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). ولكن الله يابى إلا أن يتم نوره ولو كره


(1) ونحن نجد في عثمان بعض الصفات التي تنسجم مع مدلول الاية، كما يشهد له قضيته مع عمار حين بناء المسجد في المدينة، حين ردد عمار ما ارتجز به علي " عليه السلام " تعريضا بعثمان: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب قائما وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا وستاتي هذه القضية إن شاء الله تعالى. (2) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 158. (*)

[ 165 ]

الكافرون. فها نحن قد اثبتنا: أنها اكاذيب وأباطيل ما انزل الله بهامن سلطان. أكاذيب أخري مشابهة: وبهالمناسبة فقد رووا: أن الاقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، جاء ا إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فوجداه قاعدا مع عمار، وصهيب، وبلال وخباب، وغيرهم من ضعفاء المؤمنين، فحقروهم، فخلوا بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالوا: إن وفود العرب تأتيك ؟ فنستحي أن يرانا العرب قعودا مع هذه الاعبد ؟ فإذا جئناك فاقمهم عنا، قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا ؟ فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب، فنزل قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ) الخ.. (1) فرمى " صلى الله عليه وآله وسلم " بالصحيفة، ودعاهم وجلس معهم، وصار دأبه هذا: أن يجلس معهم، فإذا أراد ان يقوم قام وتركهم فأنزل الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم) (2). فكان يجلس معهم إلى أن يقوموا عنه وفي بعض الروايات: إنهم يقصدون أبا ذر وسلمان (3).


(1) الانعام الآية 52. (2) الكهف الآية 28. (3) حلية الاولياء ج 1 ص 146 - 345، وراجع مجمع البيان ج 4 ص 655 / 353. والبداية والنهاية ج 6 ص 56 وعن كنز العمال ج 1 ص 245 وج 7 ص 46 عن ابن أبي شيبة وابن عساكر. والدر المنثور في تفسير الآيات المشار إليها. عن العديد من المصادر.

[ 166 ]

ويرد هذه الاباطيل جميع ما تقدم حين الكلام عن قصة ابن أم مكتوم، ولذلك فلا حاجة إلى الاعادة. وأيضا فقد استفاض: أن سورة الانعام قد نزلت دفعة واحدة في مكة (1)، فما معنى أن تكون هذه الايات قد نزلت بهذه المناسبة في المدينة. والقول بأن نزولها كذلك لا ينافي كون هذه الايات نزلت بهذه المناسبة. مرفوض لانها قد نزلت دفعة واحدة قبل الهجرة، بعد إسلام الانصار، لانها نزلت وأسماء بنت يزيد الانصارية آخذة بزمام ناقة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " (2) والآية نزلت في المدينة على الفرض. على أن قصة عبس وتولى وحدها كافية لان يرتدع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن أمر كهذا - ولا سيما إذا كانت تؤنب غيره " صلى الله عليه وآله وسلم "، ممن هو ليس بمعصوم على فعل كهذا. ثم ان سلمان إنما أسلم في المدينة، كما أن ابا ذر قد فارق النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فور إسلامه، وأقام بعسفان على طريق قوافل مكة، كما قدمنا. والظاهر هو انهم أصروا على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يبعد الفقراء عنه، حتى توسطوا لدى أبي طالب في ذلك، وأشار عليه عمر بقبول ذلك كما جاء في بعض الرويات، فجاءت هذه الايات في ضمن سورة الانعام بمثابة رد عليهم، وتفنيد لرأيهم. وليس في الايات ما يدل على قبوله " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك، كما تدعيه الروايات


(1) راجع الميزان ج 7 ص 115. (2) الدر المنثور ج 3 ص 22.

[ 167 ]

المزعومة آنفا. ولم نتوسع في بيان وجوه الاختلاف بين الروايات، ونقاط الضعف فيها، والرد على هذه المزاعم، اعتمادا على ما ذكرناه في قضية ابن أم مكتوم المتقدمة. بل إن ظاهر الاية الاولى: أن طرد الذين يدعون ربهم إلخ.. قد كان عقابا لهم على أمر صدر منهم، وذلك بقرينه قوله تعالى فيها: " ما عليك من حسابهم من شئ ". فكان الله سبحانه قد رفع التكليف عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " بمؤا خذ تهم، رفقا منه تعالى بهم، وعطفا عليهم. قضية إسلام عمر بن الخطاب: ويقولون: إن عمر بن الخطاب قد أسلم في السنة السادسة من البعثة، بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام ؟ حيث خرج متوشحأ سيفه، يريد رسول الله، ورهطا من أصحابه، وهم قريب من أربعين رجلا في دار الارقم عند الصفا، فيهم أبو بكر، وحمزة، وعلي، وغيرهم ممن لم يخرج إلى الحبشة، فالتقى عمر بنعيم بن عبد الله، فسأله عن أمره، فأخبره: أنه يريد أن يقتل محمدا. فذكر له نعيم: أنه إن قتله لا ينجو من بني عبد مناف، وأن صهره وأخته قد أسلما، فرجع عمر إليهما، وعندهما، خباب بن الارت يعلمهما سورة طه، فلما سمعوا حسه، اختبأ خباب في مخدع، وخبأت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة تحت فخذها. فدخل عمر، وبعد كلام بطش عمر بختنه، وشج أخته، فأخبرته حينئذ أنهما قد أسلما ؟ فليصنع ما بدا له. فندم عمر، وارعوى لما رأى الدم بأخته، وطلب الصحيفة فلم تعطه إياها حتى حلف بآلهته ليردنها إليها، فقالت له: إنك نجس على شركك، ولا تغتسل من الجنابة، وهذا

[ 168 ]

لا يمسه إلا المطهرون. فقام عمر، فاغتسل (توضأ)، ثم قرأ من الصحيفة صدرا وكان كاتبا، فاستحسنه، وظهر له خباب، وأخبره: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد دعاله بأن يعز الاسلام به أو بأبي جهل. فطلب منه عمر: أن يدله على الرسول ليسلم ؟ ففعل، فذهب إليهم، وضرب الباب، فنظر رجل منهم من خلل الباب ؟ فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى الرسول " صلى الله عليه واله وسلم " فزعا. فأخبره. فقال حمزة: فأذن له، فان كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا، قتلناه بسيفه. فأذن له، ونهض إليه " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجمع رداءه، ثم جبذه جبذة شديدة، وتهدده، فأخبره عمر: أنه جاء ليسلم، فكبر " صلى الله عليه واله وسلم "، وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من في المسجد. ثم طلب عمر من الرسول: أن يخرج ويعلن أمره، قال عمر: فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد (أي غبار) ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد. قال: فنظرت إلي قريش فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها. فسماه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": ب " الفاروق " يومئذ. وفي رواية: أن قريشا اجتمعت وتشاورت فيمن يقتل محمدا، فقال عمر: أنا لها. فقالوا: أنت لها يا عمر، فخرج متقلدا السيف، فالتقى بسعد بن أبي وقاص، وجرت بينهما مشادة، حتى سل كل منهما سيفه ؟ فأخبره سعد بخبر أخته الخ.. وفي ثالثة: أنهم خرجوا وعمر أمامهم، ينادي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فلما سألته قريش عما وراءه تهددهم بأنه إن تحرك منهم أحد ليمكنن سيفه منه، ثم تقدم أمام رسول الله، يطوف الرسول، ويحميه

[ 169 ]

عمر، ثم صلى " صلى الله عليه واله وسلم " الظهر معلنا. وفي رابعة: أنه لما أسلم - وكان المسلمون يضربون - جاء إلى خاله أبي جهل - كما عند ابن هشام، وقال ابن الجوزي: هو غلط بل خاله العاص بن هاشم - فأعلمه بإسلامه، فأجاف الباب، فذهب إلى آخر من كبراء قريش فكذلك. فقال في نفسه: ما هذا بشئ الناس يضربون، وأنا لا يضربني أحد ؟ فاستدل على أنقل رجل للحديث، فدلوه، فأعلمه بإسلامه ؟ فنادى في قريش بذلك، فقاموا إليه يضربونه ؟ فاجاره خاله، فانكشف الناس عنه. ولكنه عاد فرد عليه جواره ؟ لان الناس يضربون ولا يضرب. قال: فلم يزل يضرب، حتى أظهر الله الاسلام. وفي خامسة: أنه ذهب ليطوف، فقال له أبو جهل: زعم فلان أنك صبات ؟ فتشهد الشهادتين، فوثب عليه المشركون. فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، وبرك عليه، وجعل يضربه، وجعل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه إلا أحد شريف، وجعل حمزة يكشف الناس عنه. وفي سادسة: أنه كان صاحب خمر في الجاهلية ؟ فقصد ليلة المجلس المألوف له، فلم يجد فيه أحدا، فطلب فلانا الخمار، فكذلك، فذهب ليطوف فوجد محمدا يصلي، فاحب الاستماع إليه، فدخل تحت ثياب الكعبة وسمع، فدخل الاسلام في قلبه فلما انصرف الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " وذهب إلى داره التي يسكنها المعروفة بالرقطاء لحقه في الطريق، وأسلم. ثم انصرف إلى بيته. وفي العمدة: قيل أسلم عمر بعد ثلاثة وثلاثين رجلا وست نسوة، وقال ابن المسيب بعد أربعين وعشر نسوة، وقال عبد الله بن ثعلبة: بعد خمس وأربعين لاحدى عشرة إمرأة. وقيل: أسلم تمام الاربعين ؟ فنزل

[ 170 ]

قوله تعالى: يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (1). وثمة أوسمة أخري: ويقولون: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان قد دعا قبل إسلام عمر، فقال: اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب. وفي نص آخر: اللهم أيد (أو أعز) الاسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، وكان دعاؤه " صلى الله عليه وآله وسلم ") يوم الاربعاء، وإسلام عمر يوم الخميس. وعن ابن عمر: انه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: اللهم أعز الاسلام باحب الرجلين اليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر. وقالوا: إن اسلام عمر كان فتحا، وأن هجرته نصرا، وأن أمارته


(1) راجع في مجموع ما تقدم: الاوائل للعسكري ج 1 ص 221 / 222، والثقات لابن حبان ص 72 - 75 والبدء والتاريخ ج 5 ص 88 - 90 ومجمع الزوائد ج 9 ص 61 عن البزار والطبراني، وتاريخ الطبري حوادث سنة 23، وطبقات ابن سعد ج 3 ص 191، وعمدة القاري للعيني ج 8 ص 68، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 366 - 374، وتاريخ الخميس ج 1 ص 295 - 297 وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 23 - 30، والبداية والنهاية ج 3 ص 31 و 72 - 80، والسيرة الحلبية ج 1 ص 329 - 335، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 132 - 137 ومصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 327 / 328، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 182 / 183، واسباب النزول للواحدي وحياة الصحابة ج 1 ص 274 - 276، والاتقان ج 1 ص 15، والدر المنثور ج 3 ص 200 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 3 ص 169 - 172 ولباب النقول ط دار احياء العلوم ص 113، إلى غير ذلك من كتب الحديث والتاريخ ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 4 - 9 ط دار النصر للطباعة. (*)

[ 171 ]

كانت رحمة. وأنه لما أسلم قاتل حتى صلى المسلمون عند الكعبة (1) إلى غيرذلك مما لا مجال له هنا. وقد استغرب الترمذي هذه الاحاديث رغم تصحيحه لبعضها. ونحن نشك في صحة كل ما تقدم، بل ونطمئن إلى بطلانه جميعا من الاساس، ولبيان ذلك نشير إلى النقاط التالية: 1 - متى كان إسلام عمر: تذكر تلك الروايات: أن عمر قد أسلم بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب " صلى الله عليه وآله وسلم " بثلاثة أيام. وكان إسلامه سببا لخروجه " صلى الله عليه وآله وسلم " من دار الارقم، بعد أن تكامل المسلمون أربعين رجلا، أوما هو قريب من ذلك. ونحن نشير هنا إلى: ألف: إن الخروج من دار الارقم - كما يقولون - إنما كان في الثالثة


(1) راجع هذه الاحاديث وغيرها في: البدء والتاريخ ج 5 ص 88، وسيرة منلطاي ص 23، ومنتخب كنز العمال هامش مسند احمد ج 4 ص 470 عن الطبراني، وأحمد، وابن ماجة، والحاكم والبيهقي، والترمذي، والنسائي، عن عمر، وخباب، وابن مسعود، والاوائل ج 1 ص 221، وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 191 - 193، وجامع الترمذي ط الهند ج 4 ص 415 / 314، ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 7 وتحفة الاحوذي ج 4 ص 314 والبداية والنهاية ج 3 ص 79، والبخاري ط الميمنية ج ص ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 325، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 271، والسيرة الحلبية ج 1 ص 335، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 102 وتاريخ الخميس، وسيرة ابن هثام، وسيرة دحلان، ومسند أحمد، وسيرة المصطفى، والطبراني في الكبير والاوسط، والمشكاة وغير ذلك من كتب الحديث والتاريخ. (*)

[ 172 ]

من البعثة، حينما أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالاعلان بالدعوة. وهم يصرحون بأن إسلام عمر كان في السادسة من البعثة. ب: إنهم يقولون إن عمر قد أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة، حتى لقدرق للمهاجرين، لما راهم يستعدون للرحيل، حتى رجوا إسلامه منذئذ. والهجرة إلى الحبشة قد كانت في السنة الخامسة من البعثة، والخروج من دار الارقم قد كان قبل ذلك أي في السنة الثالثة. ج: إنه قد اشترك في تعذيب المسلمين، وإنما كان ذلك بعد الخروج من دار الارقم، والاعلان بالدعوة. متى أسلم عمر إذن: إننا نستطيع أن نقول باطمينان: إنه لم يسلم في السنة السادسة قطعا بل أسلم بعد ذلك بسنوات، ومستندنا في ذلك: أولا: إنهم يقولون: إنه قد أسلم بعد فرض صلاة الظهر، فصلى رسول اللة الظهر معلنا تحت حماية عمر كما تقدم. وصلاة الظهر قد فرضت - حسب قولهم - حين الاسراء والمعراج الذي كان - عندهم - في الثانية عشرة أو الثالئة عشرة من البعئة. فكلامهم متناقض. وإن كنا نحن قد حققنا: أن الاسراء والمعراج كان في حوالي السنة الثانية من البعثة. وقد أجاب البعض عن ذلك، بان المقصود هو صلاة الغداة أي الصبح (1). ولكنه توجيه لا يصح ؟ فإن كلمة الظهر لا تنطبق على الغداة ولا تطلق عليها وهو جواب عجيب وغريب كما ترى.


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 335. (*)

[ 173 ]

وإن كان مرادهم أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يؤخر صلاة الصبح إلى ارتفاع الشمس فهو غير معقول ؟ إذ كيف يؤخر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " صلاته عن وقتها بلا عذر ظاهر ؟. وثانيا: إن عبد الله بن عمر يصرح: أنه حين أسلم أبوه كان له هو من العمر ست سنين (1) ويرى البعض: أن عمره كان خمس سنين (2). ويدل على ذلك: رواية أن ابن عمر كان حين إسلام أبيه على سطح البيت، ورأى أن الناس قد هاجوا ضد أبيه، وحصروه في البيت ؟ فجاء العاص بن وائل ففرقهم عنه، وقد استفسر ابن عمر أباه حينئذ عن بعض الخصوصيات كما سيأتي عن قريب. كما أن ابن عمر يروي: أنه حين أسلم أبوه غدا يتبع أثره، وينظر ما يفعل، يقول: وأنا غلام أعقل ما رأيت (3) مما يدل على أن ابن عمر كان حين إسلام أبيه مميزا مدركا. وذلك يدل على ان عمر أسلم حوالي السنة التاسعة من البعثة - كما ذهب إليه البعض (4) - لان ابن عمر ولد في الثالثة من البعثة، وتم عمره على الخمس عشرة سنة في عام الخندق سنة خمس من الهجرة، حيث أجازه " صلى الله عليه وآله وسلم " فيها كما هو مشهور. (5)


(1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 19، وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 193، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 182. (2) فتح الباري ج 7 ص 135. (3) البداية والنهاية ج 3 ص 81 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 105 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 373 - 374. (4) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 39، والبداية والنهاية ج 3 ص 82، ومروج الذهب ط دار الاندلس بيروت ج 2 ص 321. (5) سير اعلام النبلاء ج 3 ص 209، تهذيب الكمال ج 15 ص 340 الاصابة ج 2

[ 174 ]

بل ورد عن ابن شهاب: ان حفصة وابن عمر قد اسلما قبل عمر. ولما أسلم أبوهما كان عبد الله ابن نحو من سبع سنين (1) وذلك يعني ان إسلام عمر قد كان في العاشرة من البعثة. بل نقول: إن عمر بن الخطاب لم يسلم إلا قبل الهجرة بقليل، ويدل على ذلك: أولا: إنه بلغه: أن أخته لا تأكل الميتة (2) وواضح: أن تحريم الميتة إنما كان في سورة الانعام، التي نزلت في مكة جملة واحدة. وكانت - كما تقول بعض الروايات - اسماء بنت يزيد الاوسية آخذة بزمام ناقته " صلى الله عليه وآله وسلم " (3) وإسلام الاوس وأهل المدينة انما كان بعد الهجرة إلى الطائف، ومجئ نسائهم إلى مكة قد كان بعد العقبة الاولى. وما تقدم في فصل: بحوث تسبق السيرة. من ان زيد بن عمر وبن نفيل كان لا ياكل الميتة.. لو صح ؟ فإنما هو لاجل أنه كان يدين بالنصرانية إلا أن يقال: إن تحريم الميتة قد كان على لسان النبي قبل نزول سورة الانعام لكن ذلك يحتاج إلى دليل وشاهد وهو غير موجود. وثالثا: لقد استقرب البعض: أن يكون قد أسلم بعد اربعين، أو خمس وأربعين ممن أسلم بعد الهجرة إلى الحبشة (4)


ص 347 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 342 وبقية المصادر لذلك تراجع في كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي ص 24. (1) سير اعلام النبلاء ج 3 ص 209. (2) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326. (3) الدر المنثور ج 3 ص 2 عن الطبراني، وابن مردويه. (4) الثقات لابن حبان ج 1 ص 73، والبداية والنهاية ج 3 ص 80 والبدء والتاريخ ج 5 ص 88. (*)

[ 175 ]

ويؤيد ذلك: أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا أكثر من ثمانين رجلا. وهي انما كانت في الخامسة، وإسلام عمر كان في السادسة من البعثة كما يقولون - فلابد ان يكون الاربعون الذين أتمهم عمر بإسلامه غير هؤلاء الذين هاجروا، وإن كان إبن الجوزي يعد الذين أسلموا قبل عمر، فيذكر اسماء من هاجر إلى الحبشة على الاكثر (1) الامر الذي يشير إلى أنه يرى: أن الاربعين الذين اتهم عمر هم هؤلاء، وليسوا فريقا اخر قد أسلم بعد هجرتهم. ويؤيد ذلك أيضا: الروايات التي تصرح بأنه أسلم في السادسة من البعثة، وأنه رق للمهاجرين إلى الحبشة، حتى لقد رجوا إسلامه. فإذا كان ذلك. فلسوف يأتي في حديث المؤاخاة التي جرت في المدينة بعد الهجرة بين المهاجرين والانصار: أن المهاجرين كانوا حين المؤاخاة خمسة وأربعين رجلا أو أقل أو اكثر بقليل (2). أي ان الذين أسلموا بعد الهجرة إلى الحبشة كانوا خصوص هؤلاء، فإذا كان عمر قد أسلم وكان تمام الاربعين فيهم فإن معنى ذلك هو أنه قد أسلم قبل الهجرة بقليل،. ثم هاجر. ولعله لاجل ذلك لم يتعرض للتعذيب في مكة، كما سنشير إليه حين الكلام عن الذين عذبوا فيها. ورابعا: لقد جاء في الروايات في إسلام عمر: أنه " دنا من رسول الله، وهو يصلي ويجهر بالقراءة، فسمع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يقرأ: وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه بيمينك،


(1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 28 / 29. (2) وإن كان ابن هشام قد عد نحو سبعين ممن هاجر إلى المدينة. ولكن ذلك لا يمكن الاعتماد عليه بعد النص على عدد من آخى رسول الله " صلى الله عليه واله " بينهم من قبل غير واحد، كما سيأتي. ولا يعقل أن يترك أحدا من أصحابه لا يؤاخي بينه وبين آخر من اخوانه. (*)

[ 176 ]

حتى بلغ: الظالمون " (1). وواضح: أن هاتين الآيتين قد وردتا في سورة العنكبوت، وهي إما آخر ما نزل في مكة، أو هي السورة قبل الاخيرة (2). فإسلام عمر قد كان قبل الهجرة بقليل، لانه يكون أسلم قبل نزول هاتين السورتين. وخامسا: لقد روى البخاري في صحيحه، بسنده عن نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر.. ثم حاول نافع أن يوجه هذا بأن ابن عمر بايع تحت الشجرة قبل أبيه، ثم قال: فهي التي يتحدث الناس: أن ابن عمر أسلم قبل عمر (3) ولكننا نقول لنافع: ألم يكن الناس يعرفون اللغة العربية ؟ فلم لم يقولوا: إنه بايع قبل أبيه، وقالوا: أسلم قبل ابيه ؟ !. ثم ألم يكن أحد منهم يعرف أن هذا الكلام لا يدل على ذاك ولا يشير إليه، فكيف يصح أن يكون هو المقصود منه ؟ !. ونحن نعتقد أن ما يقوله الناس في ذلك الزمان هو الصحيح الظاهر، فان ابن عمر قد أسلم قبل الهجرة بيسير، ثم أسلم أبوه وهاجر (4). وسادسا: ان عمر قد رفض في عام الحديبية: حمل رسالة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بحجة أن بني عدي لا ينصرونه ؟ فمعنى ذلك هو أنه قد اسلم وهاجر ولم يعلم أحد بإسلامه، وإلا لكان قد عذب،


(1) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326. وراجع مصادر روايات اسلام عمر المتقدمة. (2) الاتقان ج 1 ص 10 - 11 (3) صحيح البخاري ط مشكول ج 5 ص 163 (4) وقد تقدم عن الزهري ان عمر قد اسلم بعد حفصة و عبد الله بن عمر.

[ 177 ]

ولم ينصره بنو عدي (1). لا سيما مع ما سيأتي من حالة الذل التي كان يعاني منها هذا الرجل قبل إسلامه. 2 - في سمى عمر بالفاروق ؟ ! وقد ذكرت تلك الروايات: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد سمى عمر بالفاروق حين أسلم. ولكننا نشك في ذلك جدا، إذ أن الزهري يقول: " بلغنا: أن أهل الكتاب أول من قال لعمر: " الفاروق ". وكان المسلمون ياثرون ذلك من قولهم. ولم يبلغنا: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ذكر من ذلك شيئا (2) ". وقد كانت كلمة الفاروق تطلق عليه في أيام خلافته (3). 3 - هل كان عمر قارئا ؟ ! وتذكر الروايات: أن عمر بن الخطاب كان قارئا، وأنه قد قرأ الصحيفة بنفسه. ونحن نشك في ذلك أيضا: لاعتقادنا أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ولا سيما في بادئ أمره، إلا أن يكون قد تعلمها بعد ذلك في أواخر ايام حياته ؟ وذلك لامرين.


(1) ستأتي مصادر ذلك بعد حوالي خمس صفحات. (2) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 30، وطبقات ابن سعد ج 3 قسم 1 ص 193، والبداية والنهاية ج 7 ص 133، وتاريخ الطبري ج 3 ص 267 حوادث سنة 23. وذيل المذيل ج 8 من تاريخ الطبري. (3) راجع: طبقات الشعراء لابن سلام ص 44. (*)

[ 178 ]

احدهما: أن البعض يصرح بأن خباب بن الارت هو الذي قرأ له الصحيفة (1) فلو كان قارئا ؟ فلماذا لا يقرؤها بنفسه، ليتأكد من صحة الامر ؟ ! الثاني: لقد روى الحافظ عبد الرزاق، بسند صحيح، حسبما يقولون هذه الرواية نفسها، ولكنه قال فيها: " فالتمس الكتف في البيت حتى وجدها، فقال حين وجدها: أما إني قد حدثت: انك لا تأكلين طعامي الذي آكل منه، ثم ضربها بالكتف فشجها شجتين. ثم خرج بالكتف حتى دعا قارئا ؟ فقرأ عليه. وكان عمر لا يكتب. فلما قرئت عليه تحرك قلبه حين سمع القرآن الخ " (2). ويؤيد ذلك ما عن عياض ابن أبي موسى: أن عمر بن الخطاب قال لابي موسى: أدع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفا جاءت من الشام. فقال أبو موسى: إنه لا يدخل المسجد. قال عمر: أبه جنابة ؟ قال: لا، ولكنه نصراني ؟ فرفع عمر يده فضرب فخذه حتى كاد يكسرها إلخ (3). فلو كان عمر يعرف القراءة لم يحتج لكاتب أبي موسى ليقرأ له الصحف التي جاءته. ولربما يعتذر عن ذلك بأن الخليفة ربما لم يكن يباشر القراءة لمركزه مع معرفته لها. أو أن الرسائل كانت بغير العربية. ولكن الظاهر هو أن هذه الاعراف والتقيدات قد حدثت في وقت متأخر، ولم يكن عمر يتقيد بها كما أن بلاد الشام كانت ولا تزال عربية اللغة، فمن البعيد أن يكتبوا له بغير العربية.


(1) تاريخ ابن خلدون ج 2 قسم 2 ص 9. (2) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 326. (3) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 1 ص 43 والدر المنثور ج 2 ص 291 عن ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الايمان وحياة الصحابة ج 2 ص 785 عن تفسير ابن كثبر ج 2 ص 68.

[ 179 ]

ويمكن أن يؤيد ذلك أيضا: بان عمر لم يكن ذا ذهنية علمية، وذلك بدليل: أنه بقي اثنتي عشرة سنة حتى تعلم سورة البقرة، فلما حفظها نحر جزورا (1). بل لقد ورد أنه لما طلب من حفصة أن تسأل له النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن الكلالة، فسألته عنها ؟ فأملها عليها ؟ في كتب، ثم قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " عمر أمرك بهذا ؟ ما أظنه أن يفهمها " (2). بل لقد واجهه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه بذلك كما رواه كثيرون (3). إلا أن من الممكن أن يكون عمر قد عاد فتعلم القراءة والكتابة بمشاق ومتاعب جمة، ويمكن أن يستدل على ذلك بأنه - كما روى البخاري - كان يقول: إنه لولا أن يقال: إن عمر قد زاد في كتاب الله لكتب آية الرجم بيده ؟ ! (4). ومهما يكن من أمر، فإننا لسنا أول من شك في معرفة الخليفة الثاني للقراءة والكتابة، فقد كان هذا الامر موضع نقاش وشك منذ القرن الاول للهجرة، فهذا الزهري يقول: كنا عند عمر بن عبد العزيز وهو والي


(1) تاريخ عمر بن الخطاب ص 165، والدر المنثور ج 1 ص 21، عن الخطيب في رواة مالك، والبيهقي في شعب الايمان، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 66، والغدير ج 6 ص 196 عنهم وتفسير القرطبي ج 1 ص 152 والتراتيب الادارية ج 2 ص 280 عن تنوير الحوالك. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 305. (3) راجع الغدير ج 6 ص 116 عن غير واحد. وراجع 128. (4) راجع كتابنا: حقائق هامة حول القرآن ص 346، فقد نقلنا ذلك عن عشرات ا لمصادر. (*)

[ 180 ]

المدينة ثم صارت إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبة، فقال: هل من معه به خبر فأساله: هل كان عمر يكتب ؟. فقال عروة: نعم كان يكتب. فقال: بآية ماذا ؟. قال: بقوله: لولا ان يقول الناس زاد عمر في القرآن لخططت اية الرجم بيدي. فقال عبيد الله: هل يسمى عروة من حدثه ؟. قلت: لا. قال عبيد الله: فإنما صار عروة يمص مص البعوضة لتملا بطنها، ولا يرى أثرها، يسرق أحاديثنا ويكتمنا، أي أني أنا حدثته (1). ملاحظة: وإذا ثبت عدم معرفته بالقراءة، أوشك في كونه كان حينئذ يقرأ ويكتب، فمن الطبيعي أن يتطرق الشك إلى قولهم ؟ إنه كان من كتاب الوحي (2)، فلعل ذلك كان من الاوسمة التي نحله إياها بعض من عز عليهم أن يحرم عمر من هذا الشرف بنظرهم. وملاحظة أخرى: وهي أننا رأينا عمر بن الخطاب يضرب فخذ أبي موسى حتى كاد يكسرها، لاتخاذه كاتبا نصرانيا، مع انهم يقولون: إنه هو نفسه كان له


(1) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 10. (2) بحرث في تاريخ القرآن وعلومه ص 113 عن تاريخ القرآن للزنجاني. وفي تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 80 ط صادر والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 51، ذكرا عمر في جملة من كان يكتب للنبي " صلى الله عليه وآله ". لكن لم يبينا، إذا كان يكتب الوحي، أو غيره.

[ 181 ]

مملوك نصراني لم يسلم، وكان يعرض عليه الاسلام فيابى، حتى حضرته الوفاة فاعتقه (1) فما هذا التناقض في مواقف الخليفة الثاني ؟ ! وما هو المبرر لها إلا أن يكون اعتراضه على أبي موسى منصبا على استعانته بغير المسلم في شؤون المسلمين العامة، وهذا غير خدمة غير المسلم للمسلم. 4 - هل عز الاسلام بعمر حقا ؟ ! وتذكر الروايات: أن الاسلام قد عز بعمر وأنه " صلى الله عليه واله وسلم " قد دعا الله أن يعز الاسلام به بل لقد ذهبت بعض الروايات إلى اعتبار عمر من الجبارين في الجاهلية، حيث إنه حين أشار على ابي بكر: أن يتألف الناس ويرفق بهم، قال له أبو بكر: " رجوت نصرك، وجئتني بهذا لانك جبار في الجاهلية، خوار في الاسلام الخ " (2).. ونحن نشك في صحة ذلك بل نجزم بعدم صحته، وذلك للامور التالية: ألف: إن الاسلام إذا لم يعز بأبي طالب شيخ الابطح، وبحمزة أسد الله وأسد رسوله، الذي فعل برأس الشرك أبي جهل ما فعل، وإذا لم يعز بسائر بني هاشم أصحاب العز والشرف والنجدة، فلا يمكن أن يعز بعمر الذي كان عسيفا (أي مملوكا مستهانا به) (3) مع الوليد بن المغيرة إلى


(1) حلية الاولياء ج 9 ص 34، عن كنز العمال ج 5 ص 50 عن ابن سعد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبقات الكبرى ج 6 ص 109 والتراتيب الادارية ج 1 ص 102 ونظام الحكم في الشريعة والتاريخ والحياة الدستورية ص 5 8 عن تاريخ عمر لابن الجوزي ص 87 و 148. (2) كنز العمال ج 6 ص 295. (3) راجع: اقرب الموارد، مادة: " عسف ". (*)

[ 182 ]

الشام (1). لا سيما وأنه لم يكن في قبيلته سيد أصلا (2)، ولم تؤثر عنه في طول حياته مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أية مواقف شجاعة، وحاسمة، بل لم نجد له أية مبارزة، أو عمل جرئ في أي من غزواته، رغم كثرتها وتعددها. بل لقد رأيناه يفر في غير موضع، كأحد، وحنين وخيبر حسبما صرح به الجم الغفير من أهل السير، ورواة الاثر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن الطريف هنا ما رواه الزمخشري، من أن أنس بن مدركة كان قد أغار على سرح قريش في الجاهلية ؟ فذهب به، فقال له عمر في خلافته: لقد اتبعناك تلك الليلة ؟ فلو أدركناك ؟. فقال: لو أدركتني لم تكن للناس خليفة (3). والخلاصة: انه لا يمكن أن يعز الاسلام بعمر، الذي لم يكن له عز في نفسه، ولا بعشيرته، ولا شجاعة يخاف منها. ب - إننا سواء قلنا: إن عمر قد أسلم قبل الحصر في الشعب أو بعده، فإن الامر يبقى على حاله، لاننا لم نجد أي تفاوت في حالة المسلمين قبل وبعد إسلام عمر، ولا لمسنا أي تحول نحو الافضل بعد إسلامه، بل رأينا: عكس ذلك هو الصحيح، فمن حصر المشركين للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والهاشميين في الشعب، حتى كادوا يهلكون جوعا، وحتى كانوا ياكلون ورق السمر، وأطفالهم يتضاغون جوعا. إلى تآمر على حياة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ثم بعد وفاة أبي طالب رحمه الله لم يستطع " صلى الله عليه وآله وسلم " دخول مكة بعد عودته من الطائف إلا بعد مصاعب جمة، لم نجد عمر ممن


(1) المنمق، لابن حبيب ط الهند ص 146، وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 183. (2) المنمق ص 147. (3) ربيع الابرار ج 1 ص 707. (*)

[ 183 ]

ساعد على حلها. هذا كله عدا عن الاذايا الكثيرة التي كان أبو لهب يوجهها للنبي باستمرار. ج - وفي صحيح البخاري وغيره حول اسلام عمر: عن عبد الله بن عمر قال: بينما عمر في الدار خائفا، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي. إلى أن قال: فقال: ما بالك ؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت. قال: لا سبيل إليك. بعد أن قالها أمنت. ثم ذكر إرجاع العاص الناس عنه. وأضاف الذهبي قول عمر: فعجبت من عزه (1). فمن يتهدده الناس بالقتل، ويخاف، ويختبئ في داره، فإنه لا يكون عزيزا ولا يعز الاسلام به. غير أنه هو نفسه قد ارتفع بالاسلام، وصار له شخصية وشأن، كما سنرى. هذا عدا عن الروايات القائلة: إن أبا جهل هو الذي أجار عمر (2). وعلى هذا فقد كان الاجدر: أن يدعو النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بان يعز الاسلام بمن يجير عمر، والذي يعجب الناس من عزته، لا بعمر الخائف، والمختبئ في بيته. د - والغريب هنا: أن أحد الرجلين اللذين دعا لهما النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وهو أبو جهل يضربه حمزة رضوان الد عليه بقوسه أمام


(1) راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 60 / 61 ط مشكول، ففيه روايتان بهذا المعنى، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 104، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 409، وتاريخ عمر لابن الجوزي ص 26، والسيرة الحلبية ج 1 ص 332، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 135، وسيرة ابن هثام ج 1 ص 374، والبداية والنهاية ج 3 ص 82 وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ط دار النصر ج 2 ص 9. (2) تأريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 24 - 25 وراجع كشف الاستار ج 3 ص 171 ومجمع الزواثد ج 9 ص 64 وذكر: أن خاله هو الذي أجاره وقال ابن اسحاق المراد بخاله: أبو جهل، ولم يرتض ذلك ابن الجوزي، فراجع. (*)

[ 184 ]

الملا من قومه، فيشجه شجة منكرة، ولا يجرؤ على الكلام، ثم يقتل في بدر في أول وقعة بين المسلمين والمشركين. والرجل الاخر وهو عمر بن الخطاب يكون على خلاف توقعات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا يستجيب الله دعاءه فيه، حيث لم يعز الاسلام به، كما رأينا. مع أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " ما سالت - ربي - الله - شيئا إلا أعطانيه (1) " بل لقد كانت النتيجة عكسية، حيث يذكر عبد الرزاق: (أنه لما جهر عمر بإسلامه اشتد ذلك على المشركين فعذبوا من المسلمين نفرأ) (2). ه‍ - لا بأس بالمقارنة بين نعيم بن عبد الله النحام العدوي. وبين عمر بن الخطاب العدوي ؟ فقد أسلم نعيم قبل عمر، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة، لانه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم. فقالوا: " أقم عندنا على أي دين شئت، فوالله لا يتعرض اليك أحد الا ذهبت أنفسنا جميعا دونك (3) ". ويقول عروة عن بيت نعيم هذا: " ما أقدم على هذا البيت أحد من بني عدي " (4) أي لشرفه.


(1) راجع: ترجمة الامام علي بن ابي طالب من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 2 ص 275 و 276 وهامشها و 278 وفرائد السمطين باب 43 حديث 172 وكنز العمال ج 15 ص 150 ط 2 عن ابن جرير، وصححه، وابن ابي عاصم، والطبراني في الاوسط. وابن شاهين في السنة، وعن الرياض النضرة ج 2 ص 213. (2) راجع المصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 328. (3) اسد الغابة ج 2 ص 33 وراجع: نسب قريش لمصعب ص 380. (4) نسب قريش لمصعب ص 381. (*)

[ 185 ]

أما عمر، فإن رسول الله اراد في الحديبية أن يرسله إلى مكة ؟ ليبلغ عنه رسالة إلى أشراف قريش، تتعلق بالامر الذي جاء له ؟ فرفض ذلك وقال: " إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني ا ثم أشار على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بأن يرسل عثمان بن عفان (1). و - لقد خطب ابن عمر بنت نعيم النحام، فرده نعيم، وقال: " لا أدع لحمي تربا " وزوجها من النعمان بن عدي بن نضلة (2) فنعيم يربأ بإبنته عن ان تتزوج بابن عمر، ويرى ذلك تضييعا لها ! !. ز - وفي زيارة عمر للشام أيام خلافته خلع عمر خفيه، ووضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، وخاض المخاضة فاعترض عليه أبو عبيدة، فاجابه عمر بقوله: " إنا كنا أذل قوم ؟ فاعزنا الله بالاسلام، فمهما نطلب العز بغير ما اعزنا الله به أذلنا الله (3) "، وفي نص آخر عنه: " إنا قوم أعزنا الله بالاسلام، فلن نبتغي العز بغيره (4) ". 4 احتمال أن يكون مقصوده هو ذل العرب وعزهم لا خصوص بني عدي.


(1) راجع: البداية والنهاية ج 4 ص 167 عن ابن اسحاق، وحياة الصحابة ج 2 ص 397 / 398 عن كنز العمال ج 1 ص 84 و 56 وج 5 ص 288 عن ابن ابي شيبة، والروياني، وابن عساكر، وابي يعلى، وطبقات ابن سعد ج 1 ص 461 وسنن البيهقي ج 9 ص 221. (2) نسب قريش لمصعب ص 385. (3) مستدرك الحاكم ج 1 ص 61. وتلخيصه للذهبي بهامشه، وصححه على شرط الشيخين. (4) مستدرك الحاكم ج 1 ص 62. (*)

[ 186 ]

بعيد ؟ لانه قد عنف أبا عبيدة على مقولته تلك بأن غير أبي عبيدة لو كان قال ذلك لكان له وجه، أما أن يقوله أبو عبيدة العارف بالحال والسوابق فإنه غير مقبول منه. هذا بالاضافة إلى ما سيأتي مما يدل على ذل بني عدي، فانتظر. ح - وقال أبو سفيان للعباس في فتح مكة، حينما كان يستعرض الالوية ؟ فرأى عمر، وله زجل: " يا أبا الفضل، من هذا المتكلم ؟ قال: عمر بن الخطاب. قال: لقد - أمر - أمر بني عدي بعد - والله - قلة وذلة. فقال العباس: يا أبا سفيان، إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الاسلام (1) ". ط - تقدم قول عوف بن عطية: وأما إلا لامان بنو عدي وتيم حين تزدحم الامور فلا تشهد لهم فتيان حرب ولكن أدن من حلب وعير وفي رسالة من معاوية لزياد بن أبيه يذكر فيها أمر الخلافة يقول: " ولكن الله عزوجل أخرجها من بني هاشم وصيرها إلى بني تيم بن مرة: ثم خرجت إلى بني عدي بن كعب وليس في قريش حيان أذل منهما ولا أنذل الخ.. (2). ي - وقال خالد بن الوليد لعمر: " إنك ألامها حسبا. وأقلها عددا وأخملها ذكرا.. إلى أن قال له: لئيم العنصر ما لك في قريش فخر. قال


(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 821، وعن كنز العمال ج 5 ص 295، عن ابن عساكر، عن الواقدي. (2) كتاب سليم بن قيس ص 140. (*)

[ 187 ]

فاسكته خالد " (1) 5 - غسل عمر لمس الصحيفة: وإشكال اخر يبقى بلا جواب، وهو أنه كيف طلبت أخته منه: أن يغتسل لمس الصحيفة، مع أن غسل المشرك لا يجدي في جواز مس القرآن ؟ فإن المانع هو شركه، لا حدثه، ولذلك قالت له: " إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسه إلا المطهرون " (2) ودعوى أن المراد هو غسل الجنابة مدفوعة أيضا، فإنهم يقولون: إن أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة (3) فكيف تقول له أخته: إنك لا تغتسل من الجنابة. إلا أن يكون هو نفسه لم يكن يلتزم بما كان يلتزم به قومه في الجاهلية. ومما يدل على أنهم كانوا يغتسلون من الجنابة، أن أبا سفيان قد نذر أو حلف بعد رجوعه من بدر مهزوما: أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو محمدا. وكانت غزوة السويق لاجل ان يكفر عن يمينه، (4) كما


(1) الخصال ج 2 ص 463. (2) الثقات ج 1 ص 74، وراجع مصادر الرواية المتقدمة، ومجمع الزوائد ج 9 ص 63. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 329 عن الدميري، والسهيلي وذكر الدميري: انه بقية من دين ابراهيم واسماعيل. قال: وفي كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، ويغسلون موتاهم، ويكفنونهم، ويصلون عليهم الخ. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 344 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 540 وتاريخ الخميس ج 1 ص 410 والسيرة الحلبية ج 2 ص 211 والكامل في التاريخ ج 2 ص 139 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 2 ص 5 والبحار ج 20 ص 2 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 175.

[ 188 ]

سنرى. ويدل على ذلك: ما يذكرونه عن صيفي بن الاسلت من أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح واغتسل من الجنابة (1). 6 - نزول أية في إسلام عمر: ويذكرون ان آية: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) قد نزلت في هذه المناسبة حيث أسلم عمر رابع اربعين. (2) ولكن يعارض ذلك ما روي عن الكلبي، من أن الآية قد نزلت في المدينة في غزوة بدر (3). وعن الواقدي: أنها نزلت في بني قريظة والنضير (4). وأيضا فان الاية في سورة الانفال، وهي مدنية لا مكية. وفي رواية الزهري: أن هذه الاية نزلت في الانصار. (5) يضاف إلى ذلك: أن الآية مسبوقة بآيات القتال، ولم يشرع القتال إلا في المدينة، وهي تنسجم مع تلك الآيات تمام الانسجام، فراجعها وتأمل فيها. وهي أيضا تناسب المدينة، حيث قويت شوكة الاسلام، وعز المؤمنون.


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 47 وتاريخ الاسلام للذهبي ص 109 والسيرة الحلبية ج 2 ص 14. (2) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 200 عن الطبراني، وابي الشيخ، وابن مردويه وراجع ايضا ما اخرجه عن البزار وابن المنذر، وابن ابي حاتم، وغيرهم. (3) مجمع البيان ج 4 ص 557. (4) التبيان للطوسي ج 5 ص 152. (5) الدر المنثور ج 3 ص 200 عن ابن اسحاق، وابن أبي حاتم. (*)

[ 189 ]

ملاحظات أخيرة: وأخيرا، فإننا نذكر: 1 - أن الذي يطالع روايات إسلام عمر، يرى: أنها متناقضة تناقضا كبيرا فيما بينها. 2 - إن بعض الروايات تذكر: أن عمر قد التقى بسعد الذي كان قد أسلم، أو بنعيم النحام، وجرى بينهما كلام ؟ فأخبره باسلام أخته، وزوجها، وأغراه بهما. ويرد سؤال: انه إذا كان سعد مسلما، وكان نعيم قد أسلم قبل عمر سرا، فلماذا يغري عمر بأخته المسلمة وصهره ؟ ! وإذا كان انما فعل ذلك ليصرفه عن قصد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالسؤ ؟ فلا ندري كيف يخاف من عمر على النبي وعند النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أمثال حمزة وعلي إلى تمام الاربعين رجلا ؟ ولماذا لا يخاف على هذين المسلمين، وليس لهما ناصر، ولا عندهما أحد ؟ !. 3 - إن قول حمزة عن عمر: " وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه " يشير إلى انه رحمه الله لم يكن يقيم وزنا لعمر، حتى حينما يكون عمر متوشحا بالسيف، حتى يرى: ان امره سهل، وان بالامكان قتله بنفس سيفه الذي يحمله، وهذا غاية في الاستهانة بقدرات عمر، ما بعدها غاية. 4 - لا ندري لماذا تهدد النبي عمر ؟ وجبذه جبذة شديدة ! !. وكيف وصل عمر إلى النبي بهذه السهولة ؟ ولماذا لقيه في الحجرة ؟ ولماذا خرج المسلمون في صفين ؟ وما هو فلسفة ذلك عسكريا. وهل لم يكن عمر يعرف من هو أنقل رجل في قريش ؟

[ 190 ]

ولماذا لم يكن يدنو إليه إلا شريف إلى غير ذلك من الاسئلة الكثيرة. وإذا كان قد خرج مع المسلمين في صفين وتهدد المشركين، وخاف رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " حينئذ فلماذا احتاج إلى انقل رجل للحديث في قريش ؟ ! ولماذا ذهب إلى المسلمين متوشحا سيفه، إلى كثير من الاسئلة التي تعلم بالمراجعة والمقارنة.: خاتمة الطاف: وبعد ما تقدم، فإن المراجع لروايات إسلام عمر لا يصعب عليه: أن يكتشف بسرعة: أن ثمة محاولات للتغطية على قضية إسلام حمزة، الذي عز به الاسلام حقا، وسر به رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " سرورا كثيرا. ولهذا تجد: أنهم يقرنون عمر بحمزة كثيرا في تلك الروايات، ويحاولون إعطاءهما المواقف مناصفة، مع تخصيص عمر بحصة الاسد فيها. كما أن فضيلة رد الجوار التي هي لعثمان بن مظعون يحاولون إعطاءها إلى عمر. بل نجد في بعض الروايات: إن أهل الكتاب في الشام قد بشروا عمر بما سوف يؤول إليه أمره في مستقبل هذا الدين الجديد (1)، كما بشروا أبا بكر في بصرى (2) وكما بشروا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه (3) حسب رواياتهم.


(1) راجع الرياض النضرة ج 2 ص 319. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 274 / 275 و 186 والرياض النضرة ج 1 ص 22 1. (3) قد أشرنا إلى ما يذكرونه عن دور ورقة بن نوفل في ذلك، وأثبتنا عدم صحة ذلك، فراجع روايات بدء الوحي في الجزء الاول من هذا الكتاب. (*)

[ 191 ]

ثم انهم قد وجدوا في عمر العلامات التي تدعم مدعاهم (1)، كما وجدوها في أبي بكر من قبل ؟ ! ثم كان إسلام عمر، وكانت كل الجهود موقوفة على صنع الفضائل والكرامات له ! ! فتبارك الله أحسن الخالقين ! ! ولقد قال ابن عرفة: المعروف بنفطويه إن أكثر فضائل الصحابة قد افتعلت في عهد بني أمية، إرغاما لانوف بني هاشم (2) ! كما أن معاوية قد أمر الناس بوضع الحديث في الخلفاء الثلاثة كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وحسبنا ما ذكرناه هنا ؟ فإن فيه مقنعا وكفاية لكل من أراد الرشد والهداية.


(1) تاريخ عمربن الخطاب ص 22. (2) راجع النصائح الكافية ص 74 وحياة الامام الحسن 5 للقرشي ج 2 ص 148 والكنى والالقاب ج 3 ص 262 وفجر الاسلام ص 213. (*)

[ 193 ]

الفصل الرابع: في شعب ابى طالب

[ 195 ]

المقاطعة: و " لما رأت قريش عزة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بمن معه، وعزة أصحابه في الحبشة، وفشو الاسلام في القبائل " (1). وأن جميع جهودها في محاربة الاسلام قد باءت بالفشل. حاولت أن تقوم بتجربة جديدة، وهي الحصار الاقتصادي والاجتماعي، ضد الهاشميين، وأبي طالب ؟ فاما أن يرضخوا لمطالبها في تسليم محمد لها للقتل. وإما ان يتراجع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه عن دعوته، وإما أن يموتوا جوعا وذلا، مع عدم ثبوت مسؤولية محددة على أحد في ذلك، يمكن أن تجر عليهم حربأ أهلية، ربما لا يمكن لاحد التكهن بنتائجها، وعواقبها السيئة. فكتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على عدم التزوج والتزويج لبني هاشم، وبني المطلب، وأن لا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، وأن لا يجتمعوا معهم على أمر من الامور، أو يسلموا لهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " اليقتلوه.


(1) سيرة مغلطاي ص 23، وراجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 375، وتاريخ الخميس ج 1 ص 297، عن المواهب اللدنية. (*)

[ 196 ]

وقد وقع على هذه الصحيفة أربعون رجلا من وجوه قريش، وختموها بخواتيمهم، وعلقت الوثيقة في الكعبة مدة (ويقال: إنهم خافوا عليها السرقة ؟ فنقلوها إلى بيت أم أبي جهل) (1). وكان ذلك في سنة سبع من البعثة على أشهر الروايات. وقيل ست. وأمر أبو طالب بني هاشم أن يدخلوا برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الشعب - الذي عرف بشعب أبي طالب - ومعهم بنو المطلب بن عبد مناف، باستثناء أبي لهب لعنه الله وأخزاه (2). واستمروا فيه إلى السنة العاشرة. ووضعت قريش عليهم الرقباء حتى لا يأتيهم أحد بالطعام. وكانوا ينفقون من أموال خديجة، وأبي طالب، حتى نفدت، حتى اضطروا إلى أن يقتاتوا بورق الشجر. وكان صبيتهم يتضاغون جوعا، ويسمعهم المشركون من وراء الشعب، ويتذاكرون ذلك فيما بينهم، فبعضهم يفرح، وبعضهم يتذمم من ذلك. ويقولون: إنه ربما وجد فيهم من يتعاطف مع المسلمين، وكان هذا يصدر غالبا ممن يتصل بهم نسبا، كابي العاص بن الربيع، وحكيم بن حزام وان كنا نحن نشك في ذلك كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ولم يكونوا يجسرون على الخروج من شعب أبي طالب إلا في موسم العمرة في رجب، وموسم الحج في ذي الحجة، فكانوا يشترون حينئذ ويبيعون ضمن ظروف صعبة جدا، حيث إن المشركين كانوا يلتقون


(1) هكذا جاء في بعض الروايات في البحار ج 19 ص 16 عن الخرائج والجرائح. ولا يهمنا تحقيق هذا الامر كثيرا.. (2) وقيل: إن أبا سفيان بن الحارث أيضا لم يدخل الشعب معهم، ولكنه قول نادر. والاكثر على الاقتصار على أب لهب لعنه الله... ولسنا هنا في صدد تحقيق ذلك.. (*)

[ 197 ]

بكل من يقدم مكة اولا، ويطمعونه بمبالغ خيالية ثمنا لسلعته، شرط أن لا يبيعها للمسلمين. وكان أبو لهب هو رائدهم في ذلك ؟ فكان يوصي التجار بالمغالاة عليهم حتى لا يدركوا معهم شيئأ، ويضمن لهم، ويعوضهم من ماله كل زيادة تبذل لهم. بل لقد كان المشركون يتهددون كل من يبيع المسلمين شيئا بنهب أمواله، ويحذرون كل قادم إلى مكة من التعامل معهم. والخلاصة: أن قريشا قد قطعت عنهم الاسواق، فلا يتركون لهم طعاما يقدم مكة، ولا بيعا إلا بادروهم إليه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " (1). وقد استمرت هذه المحنة سنتين أو ثلاثا. وكان علي أمير المؤمنين " عليه السلام " اثناءها ياتيهم بالطعام سرا من مكة، من حيث يمكن، ولو أنهم ظفروا به لم يبقوا عليه، كما يقول الاسكافي وغيره (2). وكان أبو طالب رضوان الله تعالى عليه كثيرا ما يخاف على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " البيات ؟ فإذا أخذ الناس مضاجعهم، اضطجع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على فراشه، حتى يرى ذلك جميع من في شعب أبي طالب، فإذا نام الناس جاء واقامه، وأضجع ابنه عليا مكانه (3).


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 84. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 256. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 256 وج 14 ص 64، الغدير ج 7 ص 357 / 358 عن كتاب الحجة لابن معد. وذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية ج 3 ص 84 من دون تصريح بالاسم. وتيسير المطالب ص 49. (*)

[ 198 ]

وثمة ابيات شعر له رحمه الله مخاطبا بها ولده عليا بهذه المناسبة، فلتراجع في مصادرها. أموال خديجة (رض)، وسيف علي " عليه السلام ": هنا سؤال مفاده: إن من المعروف: أن الاسلام قد قام بسيف أمير المؤمنين " عليه السلام "، الذي قال فيه رسول الله " صلى الله عليه واله وسلم " - كما سيأتي في غزوة أحد وبدر: لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار وباموال خديجة رحمها الله تعالى، التي أنفقتها في سبيل الله سبحانه فما معنى هذا الكلام وما الذي يرمي إليه ؟ ! فهل معنى ذلك: أن خديجة كانت ترشو الناس من أجل أن يدخلوا في الاسلام ؟ وهل يمكن العثور على مورد واحد من هذا القبيل في التاريخ ؟ ! لعلك تقول: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يتألف كثيرين على الاسلام، فيعطيهم الاموال ترغيبا لهم في ذلك. وقضية غنائم حنين الاتية إن شاء الله أوضح دليل على ذلك، ولا يجهل أحد سهم المؤلفة قلوبهم في الاسلام. والجواب: أن هذا الذي ذكر ليس معناه: أنهم كانوا ياخذون الرشوة على الاسلام، وإنما يريد الاسلام لهؤلاء أن يعيشوا في الاجواء الاسلامية، ويتفاعلوا معها، وينظروا لها نظرة سليمة، ومن دون وجود أية حواجز نفسية، أو سياسية، أو اجتماعية فكان هذا المال المعطى لهم يساعد على التغلب على تلك الحواجز الوهمية في اكثرها، ويجعلهم يعيشون في الاجواء والمناخات الاسلامية، ويتعرفون على خصائص

[ 199 ]

الاسلام وأهدافه. ولتحصل لهم من ثم القناعات الوجدانية والفكرية باحقية الاسلام، وسمو أهدافه. كما أن من هؤلاء من يرى: أن هذا الدين قد حرمه من المال والثروة والامتيازات التي يحبها، فلماذا لا يدبر في الخفاء ما يزيح هذا الكابوس الخانق، والمضر بمصالحه ؟ فإذا أعطي المال، وأفهم أن الاسلام ليس عدوأ للمال: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق " (1) فإنه يمكن اقناعه حينئذ بان هدف الاسلام ليس إلا التركيز على انسانية الانسان، واعتبارها المقياس الحقيقي له، لا المال، ولا القوة ولا الجمال، ولا الجاه، ولا غير ذلك. وأنه يهدف إلى تنظيم حياة هذا الانسان في هذا الخط، ليكون سعيدا في الدنيا والاخرة على حد سواء. واما اموال خديجة ؟ فلم تكن تعطى كرشوة على الاسلام، ولا كانت تنفق على المؤلفة قلوبهم. وانما كانت تسد رمق ذلك المسلم، الذي يعاني اعظم المشاق والالام، في سبيل اسلامه وعقيدته، هذا المسلم الذي لم تتورع قريش عن محاربته بكل ما تملكه من اسلحة لا انسانية ولا اخلاقية، حتى بالفقر والجوع، فكانت تلك الاموال تسد رمق من يتعرض للاخطار الكبيرة، وتخدم الاسلام عن هذا الطريق. وهذا معنى قولهم: ان الاسلام قام باموال خديجة. وملاحظة لا بد منها، وهي ان اموال خديجة التي أنفقت في المقاطعة، كانت في غالبها من النوع الذي يمكن الانتفاع به في سد رمق الجائع. وكسوة العاري، واما ما سواه ؟ فلربما لم يتعرض لذلك ؟ بسبب عدم القدرة على البيع والشراء في غالب الاحيان.


(1) الاعراف الآية / 32. (*)

[ 200 ]

ونشير اخيرا، إلى أن مكة مهما عظمت الثروة فيها، فانها لا تخرج عن كونها محدودة الامكانات، تبعا لموقعها، وحجمها ؟ لانها لم تكن مدينة كبيرة جدا، بل كانت بلدا كبيرا بالنسبة إلى القرية، ولذا جاء التعبير عنها في القرآن ب " ام القرى " وثروة في بلد كهذا تبقى دائما محدودة، تبعا لمحدوديته، وقدراته، وامكاناته. حكيم بن حزام وعواطفه تجاه المسلمين: قد تقدم انهم يذكرون حكيم بن حزام في جملة من كان يرسل الطعام سرا إلى المسلمين في شعب أبي طالب روى ذلك ابن اسحاق وغيره. (1). ولكننا بدورنا نشك في ذلك، فإن حكيم بن حزام كان من القوم الذين انتدبتهم قريش لقتل رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الغار، وباتوا على باب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يرصدونه بانتظار ساعة الصفر (2) وقد رد الله كيدهم إلى نحورهم. أضف إلى ذلك: أنه كان يحتكر جميع الطعام الذي كان ياتي إلى المدينة على عهد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " (3). وكان من المؤلفة قلوبهم (4). ومن كانت له نفسية كهذه، فانه يصعب عليه جود كهذا، خصوصا


(1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 379 وغير ذلك من كتب السيرة. (2) البحار ج 19 ص 31 ومجمع البيان ج 4 ص 537. (3) دعائم الاسلام ج 2 ص 35 والتوحيد للصدوق ص 389 والوسائل ج 12 ص 316 والكافي ج 5 ص 165 والتهذيب للطوسي ج 7 ص 165 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 266 ط جماعة المدرسين والاستبصار ج 3 ص 15. (4) نسب قريش ص 231. (*)

[ 201 ]

إذا كان معه تعريض نفسه لاخطار العداء مع قريش. إلا أن يكون يمارس ذلك بروحه الاحتكارية التجارية ؟ فيبيع المسلمين الطعام باغلى الاثمان. فيعرض نفسه لهذه الاخطار حبا بالمال. ويكون حبه للمال، وتفانيه في سبيله هو الذي يسهل عليه كل عسير، ويذلل له ركوب كل صعب وخطير. اضف إلى ذلك: أنه سوف ياتي حين الكلام على اسلام ابي طالب حين الكلام على رده " صلى الله عليه وآله وسلم " هدية ملاعب الاسنة: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، قد رد هديته وهدية غيره، لانها هدية من مشرك. فلا يعقل: أن يقبلها الان، وبردها بعد ذلك. وإلا لاعترضوا عليه بقبوله لها قبل الان. إلا ان يدعى: ان ابن حزام إنما كان يعطي الاطفال والنساء، وغيرهم من بني هاشم المحصورين في الشعب، وهؤلاء كانوا يقبلون ذلك منه، وإن كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن يقبل. فتبقى ملاحظة: انه قد يكون انما ياتيهم بالطعام ليبيعهم إياه باغلى الاثمان لا دافع لها. ومن ذلك كله يظهر أيضا: أنه لا يمكن الاطمئنان، ولا قبول قولهم: إن أبا العاص بن الربيع كان يفعل مثل ذلك آنئذ. ونحن لا نستبعد: أن يكون للزبيريين يد في تسجيل هذه الفضيلة لحكيم بن حزام، لاسيما وأنه كان من تلكا عن بيعة أمير المؤمنين " عليه السلام "، وكان عثمانيا متصلبا (1). وقد أشرنا إلى ذلك حين الكلام حول


(1) قاموس الرجال ج 3 ص 387.

[ 202 ]

ولادة أمير المؤمنين " عليه السلام " في الكعبة، وحين الكلام عن افتعال الاكاذيب في موضوع الوحي وكيفياته. انشقاق القمر: وفي السنة الثامنة من البعثة، حينما كان المسلمون محصورين في شعب أبي طالب، كانت قضية انشقاق القمر (1). وقد جاء في الروايات الكثيرة: من قريشا سالوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ا أن يريهم آية، فدعا الله فانشق القمر نصفين حتى نظروا إليه ثم التأم ؟ فقالوا: هذا سحر مستمر، فأنزل الله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2). وفي رواية: أنهم قالوا: انتظروا ما ياتيكم به السفار ؟ فان محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء السفار، فسألوهم، فقالوا: نعم رأيناه، فانزل الله: اقتربت الساعة وانشق القمر (3). ونقل عن السيد الشريف في شرح المواقف، وعن ابن السبكي في شرح المختصر: أن الحديث متواتر لا يمترى في تواتره عند أهل السنة (4). وأما عند غيرهم، فيقول العلامة البحاثة السيد الطباطبائي ايده الله: " ورد انشقاق القمر لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في روايات الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كثيرا، وقد تسلمه (1) تفسير الميزان ج 19 ص 62 و 64. (2) سورة القمر / أو 2. (3) الدر المنثورج 6 ص 133 عن ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبى نعيم، والبيهقي في دلائلهما، ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 122. (4) تفسير الميزان ج 19 ص 60. (*)

[ 203 ]

محدثوهم، والعلماء من غير توقف (1) " ولكن على أية حال.. لا يمكن أن تعتبر هذه المسألة من ضروريات الدين، كما اشار إليه بعض الاعلام (2). شبهة، وحلها: يقول العلامة الطباطبائي: " واعترض عليها: بأن صدور المعجزة منه " صلى الله عليه وآله وسلم " باقتراح من الناس، ينافي قوله تعالى: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا " (3). فمفاد هذه الاية، إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الامة اصلا، لان الامم السابقة كذبوا بها، وهؤلاء يماثلونهم في طباعهم ؟ فيكذبون بها، ولا فائدة في الارسال مع عدم ترتب الاثر عليه. أو المفاد ؟ أنا لا نرسل بها، لانا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها ؟ فعذبوا بها، واهلكوا. ولو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها، وعذبوا عذاب الاستئصال، لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب. وعلى أي حال لا يرسل بالآيات إلى هذه الامة، كما كانت ترسل إلى الامم الدارجة. نعم، هذا في الآيات المرسلة باقتراح الناس، دون الآيات التي تؤيد بها الرسالة، كالقرآن المؤيد لرسالة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكآيتي العصا، واليد لموسى " عليه السلام "، وآية احياء الموتى وغيرها لعيسى " عليه السلام "، وكذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه،


(1) تفسير الميزان ج 19 ص 61 وراجع باب المعجزات السماوية في البحار، ج 17 ص 348 - 359. (2) راجع: همه بايد بدانند (فارسي) ص 75. (3) الا سراء / 59.

[ 204 ]

كالخوارق الصادرة عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لا عن اقتراح منهم الخ. ثم أجاب أيده الله بما ملخصه: أن تكذيبهم بآية انشقاق القمر كان يستدعي العذاب، لانها آية اقتراحية منهم، وما كان الله ليهلك جميع من أرسل نبيه إليهم، وهم أهل الارض جميعا إلا بعد إتمام الحجة عليهم، ولم تتم الحجة بعد على جميع الناس ثم كذبوه، ثم طلبوا الاية. بل تمت الحجة على بعض الافراد من الذين كانوا يعيشون في مكة، لان هذه الاية كانت قبل الهجرة بخمس سنين هذا بالاضافة إلى أنه ما كان الله ليهلك جميع أهل مكة ومن حولها، لان فيهم جمعا كبيرا من المسلمين، قال تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) (1). ولم يتزيل المشركون عن المسلمين، ولا امتازوا عنهم. كما أنه إذا كان الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " بينهم فانه لا يعذبهم. قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) (2) وما كان الله لينجي المؤمنين، ويهلك الكفار بعد ان آمن جمع كثير منهم فيما بين سنة ثمان من البعثة، وثمان من الهجرة، ثم اسلم عامتهم يوم الفتح. والاسلام يكتفي فيه بظاهره. وأيضا، فان عامة أهل مكة ومن حولها لم يكونوا أهل جحود وعناد، وإنما كان ذلك في عظمائهم وصناديدهم، الذين كانوا يستهزؤن به " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويعذبون المؤمنين.


(1) الفتح / 25. (2) الانفال / 33.

[ 205 ]

والآيات التي تبين أنهم لكونهم يصدون على المسجد الحرام، ولكونهم يستفزونه " صلى الله عليه وآله وسلم " من الارض ليخرجوه منها. سوف ينشأ عنه أنهم لا يلبثون خلافه إلا قليلا، وليذوقوا العذاب بما كانوا يكفرون (1) - هذه الآيات - قد تحقق مضمونها بما أصابهم يوم بدر من القتل الذريع. فقوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات الخ..) إنما يفيد الامساك عن إرسال الآيات ما دام النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيهم، واما إرسالها وتأخير العذاب إلى حين خروجه من بينهم فلا دلالة فيه عليه. وقوله تعالى (وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا) - إلى أن قال -: (قل: سبحان ربى كنت إلا بشرا رسولا (2). لا يدل على نفي تأييد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالآيات المعجزة، وانكار نزولها من الاساس. وإلا فان جميع الانبياء كانوا بشرا. ومعنى الاية: أنه من حيث هو بشر فانه لا يقدر على ذلك. وانما الامر إلى الله تعالى فهو الذي يأتي بالآيات في الحقيقة (3). ويقول البعض: إن آية: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) لعلها ناظرة إلى أن دعوة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليست معتمدة على الآيات، التي هي من قبيل ناقة ثمود، وآيات موسى " عليه السلام "، بل هي تعتمد بالدرجة الاولى على الاقناع، واقامة الحجة العقلية كدعوة ابراهيم، وذلك لا ينافي صدور بعض الآيات في الموارد التي لا تنفع فيها الحجج العقلية، والبراهين القطعية.


(1) راجع الاسراء / 76 والانفال / 35. (2) الا سراء / 93. (3) راجع فيما تقدم: تفسير الميزان ج 19 ص 60 - 64. (*)

[ 206 ]

انشقاق القمر، الحدث الكبير وأوردوا على انشقاق القمر، بانه لو انشق - كما يقال - لرآه جميع الناس، ولضبطه أهل الارصاد في الغرب والشرق، لكونه من اعجب الآيات السماوية، والدواعي متوفرة على استماعه ونقله. وأجب: أولا: إن من الممكن أن يغفل عنه، فلا دليل على كون كل حادث أرضي أو سماوي معلوما للناس، محفوظا عندهم، يرثه خلف عن سلف (1). وأوضح ذلك بعفى الاعلام بما حاصله: إنه لا بد من ملاحظة الامور التالية 1 - إن هذا الانشقاق قد حصل في نصف الكرة الارضية، حيث يوجد الليل دون النصف الاخر، حيث يوجد النهار. 2 - وفي هذا النصف لا يلتفت أكثر الناس إلى ما يحصل في الاجرام السماوية إذا كان ذلك بعد نصف الليل، حيث الكل نائمون، فإنهم جميعا لا يلتفتون إلى ذلك. 3 - ولربما يكون في بعض المناطق سحاب يمنع من رؤية القمر. 4 - والحوادث السماوية إنما تلفت النظر لو كانت مصحوبة بصوت كالرعد، أو باثر غير عادي كقلة نور الشمس في الكسوف، إذا كان لمدة طويلة نسبيا. 5 - هذا كله عدا عن أن السابقين لم يكن لهم اهتمام كبير بالسماء ومراقبة ما يحدث لاجرامها.


(1) تفسير الميزان ج 19 ص 64. (*)

[ 207 ]

6 - ولم يكن ثمة وسائل إعلام تنقل الخبر من أقص الارض إلى أقصاها بسرعة مذهلة ؟ لتتوجه الانظار إلى ما يحدث. 7 - والتاريخ الموجود بين أيدينا ناقص جدا، فكم كان في تلك المئات والالاف من السنين الخالية من كوارث وزلازل، وسيول عظيمة أهلكت طوائف وأمما، وليس لها مع ذلك في التاريخ أثر يذكر. بل إن زرادشت وقد ظهر في دولة عظيمة، وله أثر كبير على الشعوب على مدى التاريخ، لا يعرف حتى أين ولد ومات ودفن، بل ويشك البعض في كونه شخصية حقيقية، أو وهمية. وبعد ما تقدم: يتضح أنه لا يجب أن يعرف الناس بانشقاق القمر، ولا أن يضبطه التاريخ بشكل واضح (1) كما هو معلوم. وثانيا: لم يكن في المنطقة العربية وغيرها مرصد للاوضاع السماوية، وإنما كانت المراصد موجودة في المشرق والمغرب لدى الروم واليونان، وغيرهما. ولم يثبت وجود مرصد في هذا الوقت. على أن بلاد الغرب، الذين كانوا معتنين بهذا الشان بينها وبين مكة من اختلاف الافق ما يوجب فصلا زمانيا معتدا به. وقد كان القمر على ما في بعض الروايات بدرا قد انشق حين طلوعه، ودام مدة يسيرة، ثم التأم، فيقع طلوعه في بلاد المغرب وهو ملتئم ثانيا (2). امكان الانشقاقي والالتيام علميا: ويبقى هنا سؤال. وهو أنه هل يمكن علميا الانشقاق في الاجرام السماوية ؟، وإذا أمكن الانشقاق، فانما يمكن ببطلان التجاذب بين الشقتين حينئذ ؟ فيستحيل الالتيام بعد الانشقاق.


(1) همه بايد بدانند (فارسي) ص 94 للعلامة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي. (2) تفسير الميزان ج 19 ص 65 / 64. (*)

[ 208 ]

وأجيب عنه: بان خرق العادة بقدرة الله سبحانه ليس محالا. كما أن العلماء يقولون: إنه قد حدثت انشقاقات كثيرة في الاجرام السماوية ؟ بسبب عوامل خاصة، ومن الامثلة على ذلك: 1 - ان ثمة حوالي خمسة آلاف من القطع الكبيرة والصغيرة التي تدور حول الشمس ويعتقد العلماء انها بقايا احدى السيارات التي كانت بين مداري المريخ، والمشتري، ثم انفجرت لاسباب مجهولة وتحولت إلى قطع متفاوتة الاحجام في مدارات حول الشمس. 2 - ويقولون: إن الشهب هي أحجار صغيرة تسير بسرعة مذهلة في مدار حول الشمس. وربما تتقاطع مع الارض أحيانا، فتجذبها الارض، فتصطدم بالجو الارضي فتشتعل ثم تتلاشى. ويقول العلماء: انها بقايا نجوم انفجرت وتشققت بهذا النحو. 3 - والمنظومة الشمسية أيضا يقال - حسب نظرية لابلاس -: إنها كانت في الاصل قطعة واحدة، ثم انفجرت، لسبب غير معلوم فصارت على هذا النحو. فلماذا لا ينشق القمر بسبب قاهر وهو القدرة الالهية، حيث إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد دعا الله فاستجاب له. ؟ ولم يدع أحد أنه ينشق بلا سبب أصلا. وأما عودته إلى الالتيام بعد ذلك. فقد قال العلماء: إن كل جرم كبير له جاذبية. ولذلك نجد أن الشمس كثيرا ما تجذب بعض القطعات التي تدور حولها. فتتحول تلك القطع بفعل الصدمة والاحتكاك إلى لهب متلاش. اذن، فما دام كل من شقي القمر قريبا إلى الاخر، وبعد رفع تأثير القوة المانعة من تأثير الجاذبية، فلماذا لا يشد كل من النصفين النصف الاخر

[ 209 ]

إلى نفسه، ليعودا كما كانا، وأي محذور عقلي في ذلك (1). وقد أوجز العلامة الطباطبائي الاجابة عن سؤال امتناع لالتيام لعدم الجاذبية، فقال: إن الاستحالة العقلية ممنوعة، والاستحالة العادية، بمعنى اختراق العادة، لو منعت عن الالتيام بعد الانشقاق، لمنعت أولا عن الانشقاق بعد الالتيام ولم تمنع. وأصل الكلام مبني على خرق العادة (2). دلالة الآية القرانية على ذلك: ويحتمل البعض: أن يكون قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ناظرا إلى المستقبل، وأنه من أشراط الساعة، كتكوير الشمس، وانكدار النجوم. وأجيب عنه بما حاصله: أولا: إن ظاهر قوله تعالى: (وان يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر) هو أن جماعة من مخالفي النبي لا يؤمنون بالايات وكلما جاءتهم آية يزيد عنادهم واستكبارهم، ويعتبرونها من السحر. مما يدل على أنه قد جرى له " صلى الله عليه وآله وسلم " معهم في قصة انشقاق القمر مثل ذلك. ثانيا: إن جملة " انشق " فعل ماض، ولا يراد الاستقبال من الفعل الماضي إلا بقرينة، وهي غير موجودة. بل الموجود خلافه ؟ فقد قال الرازي: " المفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق، ودلت الاخبار الصحاح عليه " (3) - وإن كان الطبرسي وابن شهر اشوب يستثنيان:


(1) كتاب: همه بايد بدانند ص 84 - 90. (2) تفسير الميزان ص 19 - 65. (3) التفسير الكبير للرازي ج 28 ص 29.

[ 210 ]

عطاء، والحسن والبلخي (1). ثم قال: الطبرسي: وهذا لا يصح، لان المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتد بخلاف من خالف فيه (2). وان قيل: إن اقتران جملة: اقتربت الساعة: بجملة: وانشق القمر، يوحي بأن زمانهما واحد. فالجواب هو: ان كثيرا من الآيات تؤكد على أن الساعة قد قرب وقتها، فلم الغفلة ؟، قال تعالى: (اقترب للناس حسابهم، وهم في غفلة معرضون) (3). وينقل عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " انه قال: " بعثت انا والساعة كهاتين " (4) وأشار إلى اصبعيه. " والظاهر: أن ذلك بملاحظة مجموع عمر الدنيا الطويل جدا، حتى ليصح أن يقال: إن هذا الفاصل الزماني بين بعثته " صلى الله عليه وآله وسلم " وقيام الساعة ليس بشئ ". وبعد هذا.. فان مفاد الآية يكون: ان الساعة قد اقتربت، وهذه الاية المعجزة قد ظهرت للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ولكن هؤلاء المشركين المستكبرين لا يؤمنون، ولا يصدقون. بل يقولون: سحر مستمر (5). ولكن بعض المحققين يقول: (أن قوله تعالى: أو إن يروا آية الخ..) جملة شرطية، لا دلالة فيها على وقوع ذلك. وجملة " انشق القمر " مساقها مساق قوله تعالى: أتى أمر الله ؟ فلا تستعجلوه، فانها جملة


(1) مجمع البيان ج 9 ص 186 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 122. (2) مجمع البيان ج 9 ص 186. (3) الانبياء / 1. (4) نقله في مفتاح كنوز السنة ص 227 عن البخاري، ومسلم، وابن ماجة والطيالسي، وأحمد، والترمذي والدارمي، فراجع. (5) راجع في كل ما ذكرناه في. دلالة الاية كتاب: همه بايد بدانند (فارسي) ص 76 - 80.

[ 211 ]

فعلية ماضوية. ولكن الامر لم يات بعد بقرينة قوله: (فلا تستعجلوه). وكذا الحال في قوله تعالى: (وانشق القمر) بملاحظة قوله تعالى: (وإن يروا إلخ). والمراد بيان حالهم لو وقع لهم أمر كهذا. وأما الاجماع الذي أدعاه الطبرسي ؟ فلا حجية فيه، إذ من المحتمل أن يكون منشؤه الفهم الخاطئ للآية. انتهى كلامه. ونقول نحن: إن هذا الكلام له وجه، لو لم يكن لدينا أخبار صحيحة تدل على وقوع انشقاق القمر. الاساطير: هذا، وقد لعبت الاهواء والاساطير في قضية شق القمر، حتى لقد شاع على ألسنة الناس: أن أحد شق القمر قد مر من كم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". فيقول العلامة ناصر مكارم: إن هذا الكلام ليس له في كتب الحديث والتفسير عين ولا أثر، سواء عند السنة، أو عند الشيعة. وثمة تفاصيل وخصوصيات تذكر في بعض الروايات لا نرى في تحقيق الحق فيها كبير نفع، ولا جليل أثر ؟ ولذا فنحن نعرض عنها إلى ما هو أهم، ونفعه أعم. نقض الصحيفة: وبعد ثلاث سنوات تقريبا من حصر المسلمين في شعب أبي طالب، أخبر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عمه أبا طالب بان الارضة قد اكلت كل ما في صحيفتهم من ظلم وقطيعة رحم ولم يبق فيها إلا ما كان اسما لله (وفي نص آخر: انها قد اكلت كل اسم لله تعالى فيها، ولم تبق إلاكل ظلم وشر، وقطيعة رحم. (1)).


(1) ولربما يقال: إن استمرار قريش على عدائه " صلى الله عليه وآله "، إلى حين نقض = (*)

[ 212 ]

فخرج أبو طالب من شعبه، ومعه بنو هاشم إلى قريش، فقال المشركون: الجوع أخرجهم. وقالوا له: يا أبا طالب، قد آن لك أن تصالح قومك. قال: قد جئتكم بخير، ابعثوا إلى صحيفتكم، لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح فيها. فبعثوا، فأتوا بها. فلما وضعت وعليها أختامهم. قال لهم أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا ؟ قا لوا: لا. قال: إن ابن أخي حدثني ولم يكذبني قط: أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الارضة، فأكلت كل قطيعة وإثم، وتركت كل اسم هو لله ؟ فان كان صادقا أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه اليكم فقتلتموه. فصاح الناس: أنصفتنا يا أبا طالب. ففتحت، ثم أخرجت، فإذا هي كما قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": فكبر المسلمون، وامتقعت وجوه المشركين. فقال أبو طالب: أتبين لكم: أينا أولى بالسحر والكهانة ؟. فأسلم يومئذ عالم من الناس. ولكن المشركين لم يقنعوا بذلك، بل استمروا على العمل بمضمون


= الصحيفة، يدل على أن الارضة إنما محت اسم الله تعالى. وابقت قطيعة الرحم وسائر المواد التي اتفقوا عليها. وقد استبعد ذلك بان أكل الارضة لاسم الله بعيد. فلعلهم التزموا بمضمونها وان كانت قد محيت، أو أنهم أعادوا كتابتها. ولربما يرد على ذلك بان الارضة إنما محت اسم الله عنها تنزيها له عن أن يكرن في صحيفة ظالمة كهذه وهذا إعجاز مطلوب وراجح من أجل اظهار الحق، وليس في ذلك إهانة.

[ 213 ]

الصحيفة، حتى قام جماعة منهم بالعمل على نقضها، ويذكرون منهم: هشام بن عمرو بن ربيعة، وزهير بن أمية بن المغيرة، والمطعم بن عدي، وأبا البختري بن هشام، وزمعة بن الاسود، وكلهم له رحم ببني هاشم والمطلب. وتكلموا في نقضها ؟ فعارضهم أبو جهل فلم يلتفتوا إلى معارضته، ومزقت الصحيفة، وبطل مفعولها. وخرج الهاشميون حينئذ من شعب أبي طالب رضوان الله تعالى عليه (1). حنكة أبي طالب، وايمانه: إن المطالع لاحداث ما قبل الهجرة النبوية الشريفة ليجد عشرات الشواهد الدالة على حنكة أبي طالب " عليه السلام ". وخير شاهد نسوقه الان على ذلك، هو ما ذكرناه آنفا، حيث رأيناه يطلب منهم أن يحضروا صحيفتهم، ويمزج ذلك بالتعريض بامكان أن يكون ثمة صلح في ما بينهم وبينه. وما ذلك إلا من أجل أن لا تفتح الصحيفة إلا علنا، يراها كل أحد، وأيضا، حتى يهيئهم للمفاجاة الكبرى، ويمهد السبيل أمام طرح الخيار المنطقي عليهم، ليسهل عليهم تقبله، ثم الالتزام به. ولا سيما إذا استطاع أن ينتزع منهم وعدا بما يريد، ويضعهم أمام شرف الكلمة، وعلى محك قواعد النبل واحترام الذات، حسب المعايير التي كانوا يتعاملون على أساسها.. وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد،


(1) راجع فيما تقدم: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 44 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 16 ودلائل النبرة ط دار الكتب ج 2 ص 312 والكامل في التاريخ ج 2 ص 88 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 1 37 و 138 ط دار المعرفة وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 31 والبداية والنهاية ج 3 ص 85 و 86.

[ 214 ]

حتى ليصيح الناس: أنصفتنا يا أبا طالب. ثم تبرز لنا من النصوص المتقدمة حقيقة أخرى، لها أهميتها وانعكاساتها، وهي تدل مدى ثقة أبي طالب بصدق النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبسداد أمره، وواقعية ما جاء به. حتى لقد كان يتالم جدا من اتهام ابن أخيه بالسحر والكهانة، ولمجتبر ذلك افتراءا ظاهرا، ويغتنم الفرصة السانحة للتعبير عن خطل رأيهم، وسفه أحلامهم، فيقول لهم: " اتبين لكم: أينا أولى بالسحر والكهانة ؟ ". وكانت النتيجة: أن اسلم بسبب هذه المعجزة يومئذ عالم من الناس. القبلية وأثارها: وقد لاحظنا فيما سبق: أن القبلية قد ساعدت إلى حد ما في منع الكثير من الاحداث التي تؤثر مستقبليا على الدعوة ونجاحها. وليكن ما قام به هؤلاء الذين عملوا على نقض الصحيفة هو أحد الشواهد على ذلك. ولكن الذي يلفت نظرنا هو أننا لا نرى أبا لهب فيمن قام في ذلك أو ساعد عليه. كما أننا لا نجد اثرا لابن عم خديجة حكيم بن حزام، الذي تدعي الروايات ! ! أنه كان يرسل الطعام لهم وهم محصورون في الشعب. وأيضا لا نجد مكانأ لابي العاص بن الربيع الاموي (! !)، الذي سوف ياتي حين الكلام على أسطورة تزويج علي (1) ببنت أبي جهل أنهم يدعون (! !): ان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أثنى على صهره ! ! تعريضا بعلي الذي لم يكن يستحق إلا التقريع والتعريض (! !). علي الذي كان يخاطر بنفسه، وياتي لهم بالطعام من مكة، ولو وجدوه لقتلوه، كما تقدم.

[ 215 ]

ما بعد نقض الصحيفة: واستمر الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " يعمل على نشر دينه، وأداء رسالته، واستمرت قريش تضع في طريقه العراقيل، وتحاول أن تمنع الناس من الاجتماع به، والاستماع إليه، بكل الوسائل التي تقع تحت اختيارها. والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يتحمل ويصبر. لا يكل ولا يمل. ولم تفلح قريش في ذلك، ولا وصلت إلى نتيجة. والاحداث التي في هذا السبيل كثيرة، لو أردنا استقصاءها لطال بنا المقام. ولا محيص لنا عن تجاوزها إلى غيرها، وإن كان يعز ذلك علينا. وفد من الحبشة: وقدم على النبي الاعظم الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " أول وفد من خارج مكة، وبالذات، من الحبشة، ومن النصارى، وقيل: من نجران. وكان يتألف - على قول ابن اسحاق وغيره - من عشرين رجلا، وقيل غير ذلك. وكان على رأس الوفد جعفر بن أبي طالب رحمه الله (1). فوجدوا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في المسجد ؟ فكلموه، وسالوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، وبعد دعوة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " لهم إلى الاسلام آمنوا وصدقوا. فلما قاموا، اعترضهم أبو جهل، وعنفهم على اسلامهم، وتركهم دينهم ؟ فقالوا: سلام عليكم، لانجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما انتم عليه، لم نال أنفسنا خيرا ؟ فانزل الله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب من


(1) كذا قال البوطي في فقه السيرة ص 126 ومجمع البيان ج 7 ص 258 ويفهم منه أنهم قدموا مع جعفر حين قدومه نهائيا عام خيبر. (*)

[ 216 ]

قبله، هم به يؤمنون، إلى قوله تعالى: إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا: لنا اعمالنا ولكم اعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (1) ". وكانت هذه - بطبيعة الحال - ضربة قاسية لقريش وكبريائها، وخططها واهدافها. وخصوصأ إذا كان ذلك الوفد قد جاء من الحبشة، وبالاخص بقيادة جعفر " عليه السلام " ؟ فان ذلك يعني: أن الدعوة قد بدأت تأخذ طريقها إلى القلوب في مناطق لا تخضع لقريش، وسلطانها، ونفوذها. كما أنه إنذار لها بلزوم التحرك بسرعة قبل أن يفوت الاوان، ولكن كيف ؟ وأنى ؟. وهذا أبو طالب، ومعه الهاشميون والمطلبيون يمنعون محمدا ويحوطونه. فلابد إذن من الانتظار. في مواقف أبي طالب: وكان أبو طالب شيخ الابطح " عليه السلام " هو الذي حامى وناصر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وحدب عليه منذ طفولته، وحتى الان: فقد نصره بيده ولسانه، وواجه المصاعب الكبيرة، والمشاق العظيمة، في سبيل الدفع عنه، والذود عن دينه ورسالته، واعطائها الفرصة للتوسع والانتشار، ما وجدت إلى ذلك سبيلا. وهو أيضا الذي كان يقدمه على اولاده جميعا، وقد ارجعه بنفسه من بصرى إلى مكة عندما حذره بحيرا من اليهود عليه " صلى الله عليه وآله وسلم ". نعم، وهو الذي رضي بعداء قريش له، وبمعاناة الجوع والفقر،


(1) الآية في سررة القصص من آية 52 حتى آية 55، وراجع الحديث في سيرة ابن هشام ج 2 ص 32، وتفسير ابن كثير، والقرطبي، والنيشابوري في تفسير الآيات، والبداية والنهابة ج 3 ص 82. (*)

[ 217 ]

والنبذ الاجتماعي، ورأى الاطفال يتضاغون جوعا، حتى اقتاتوا ورق الشجر، بل لقد عبر صراحة: عن انه على استعداد لان يخوض حربا طاحنة، تأكل الاخضر واليابس، ولا يسلم محمدا لهم، ولا يمنعه من الدعوة إلى الله، بل هو لا يطلب منه ذلك على الاقل. وهو الذي يقف ذلك الموقف العظيم من جبابرة قريش وفراعنتها، حينما جاءه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " - وقد القت عليه قريش سلا ناقة - فاخذ رحمه الله السيف، وامر حمزة بان ياخذ السلا، وتوجه إلى القوم، فلما رأوه مقبلا عرفوا الشر في وجهه، ثم أمر حمزة ان يلطخ سبالهم، واحدا واحدا، ففعل. (1) وفي نص آخر: انه نادى قومه، وامرهم بان ياخذوا سلاحهم ؟ فلما رآه المشركون ارادوا التفرق ؟ فقال لهم: " ورب البنية، لا يقوم منكم احد الا جللته بالسيف، ثم وجا أنف من فعل بالنبي ذلك حتى ادماها - وفاعل ذلك هو ابن الزبعرى - وامر بالفرث والدم على لحاهم. (2) وفي الشعب كان يحرس النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بنفسه وينقله من مكان إلى آخر. ويجعل ولده عليا " عليه السلام " في موضع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى إذا كان امر اصيب ولده دونه وقد خاطب رحمه الله في هذه المناسبة عليا " عليه السلام " بابيات معبرة،


(1) الكافي نشر مكتبة الصدوق ج 1 ص 449 ومنية الراغب ص 75 وراجع السيرة الحلبية ج 1 ص 291 و 292 والسيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش الحلبية ج 1 ص 202 و 208 و 231 والبحار ج 18 ص 259. (2) راجع: الغدير ج 7 ص 388 و 359 وج 8 ص 3 - 4 وابو طالب مؤمن قريش ص 73 كلاهما عن العديد من المصدر وثمرات الاوراق ص 285 / 286 ونزهة المجالس ج 2 ص 122 والجامع لاحكام القرآن ج 6 ص 405، 406 وتاريخ اليعقوي ج 2 ص 24 / 25. (*)

[ 218 ]

وأجابه علي " عليه السلام " بمثلها (1) فلتراجع. وكان يدفع قريشا عنه باللين تارة، وبالشدة اخرى. وينظم الشعر السياسي، ليثير العواطف، ويدفع النوازل، ويهيئ الاجواء لاعلاء كلمة الله، ونشر دينه، وحماية اتباعه. وقد افتقد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مرة " فلم يجده ؟ فجمع الهاشميين، وسلحهم، واراد ان يجعل كل واحد منهم إلى جانب عظيم من عظماء قريش ليفتك به، لوثبت ان محمدا اصابه شر. " (2) كل ذلك في سبيل الدفع عن الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " ونصر دينه، واعلاء كلمته، ورفعة شانه. وواضح: ان الالمام بكل مواقف ابي طالب، وتضحياته الجسام يحتاج إلى وقت طويل، وجهد مستقل ونحن نكتفي بهذه الاشارة، ونعترف اننا لم نقض حقه كما ينبغي (وذلك من اجل ان نوفر الفرصة لبحوث أخرى في السيرة النبوية الشريفة. مع تضحيات أبي طالب رضوان الله عليه: مما تقدم يظهر ان أبا طالب، شيخ الابطح، كان على استعداد لان: 1 - يتخلى حتى عن مكانته في قومه، إلى بديل آخر هو في الاتجاه


(1) المناقب لابن شهراشوب ج 1 ص 66 / 65 وأسنى المطالب ص 21 ولم يصرح بإسم (علي) وكذا في السيرة الحلبية ج 1 ص 342 وراجع البداية والنهاية ج 3 ص 84 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 44 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 312 وتاريخ الاسلام ج 2 ص 141 / 145 والغدير ج 7 ص 363 و 357 و 358 وج 8 ص 3 و 4 وابو طالب مؤمن قريش ص 194. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26 ابو طالب مؤمن قريش ص 171 ومنية الراغب ص 75 / 76 والغدير ج 2 ص 49 و 350 و 351. (*)

[ 219 ]

المضاد تماما، وهو العداء لهم، وسائر أهل بلده، بل والدنيا باسرها، بل هو يتحمل النفي والنبذ الاجتماعي له، ولكل من يلوذ به، ولا يستسلم للضغوط المتنوعة التي يتعرض لها، ولا تلين قناته، ولا تصدع صفاته. 2 - يرضى بتحمل الجوع والفقر والمحاصرة الاقتصادية، بل هو يبذل أمواله وكل ما لديه في سبيل هذا الدين. 3 - يوطن نفسه على خوض حرب طاحنة، ربما تنتهي بابادة الهاشميين وأعدائهم، إذا لزم الامر. 4 - يضحي حتى بولده الاصغر سنا علي عليه السلام وبتحمل آثار غربة ولده الاخر جعفر، المهاجر إلى الحبشة. 5 - يجاهد بيده ولسانه، ويستخدم كل مالديه من امكانات مادية ومعنوية، ولا يبالي بكافة الصعاب والمشاق، وهو يدافع عن هذا الدين، ويحوطه بالرعاية والعناية، ما وجد إلى ذلك سبيلا. سؤال وجوابه: ويرد سؤال، هو: لماذا لا يكون ذلك كله بدافع عاطفي، ونابعا عن حمية النسب والقبيلة ؟ ! أو على حذ تعبير البعض: بدافع من " حبه الطبيعي " (1) ؟. وجوا به: 1 - ما يأتي من ادلة قاطعة على ايمان ابي طالب عليه الصلاة والسلام ولا سيما اشعاره وتصريحاته الدالة على ذلك هذا بالاضافة إلى ما ورد عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعن الائمة من ولده في حقه. 2 - يؤيد ذلك انه إذا كان محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ابن


(1) تفسير ابن كثير ج 3 ص 394. (*)

[ 220 ]

اخيه ؟ فان عليا ولده، فلو كانت العاطفة النسبية هي الدافع، فلماذا يضحي بولده دون ابن أخيه، طائعا مختارا، بعد تفكير وتأمل وتدبر لعواقب ذلك ؟ ولماذا يرضى بأن يكون الاغتيال - لو تم - موجها له دونه ؟ ! أم يعقل أن يكون حبه الطبيعي لابن أخيه أكثر منه لولده، وفلذة كبده ؟ !. 3 - أما الحمية القبلية، والرابطة النسبيه، فلو كانت هي السبب في موقفه ذاك، فلماذا لم تدفع أبا لهب لعنه الله لان يقف موقف ابي طالب " عليه السلام " ؟ فيدفع عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويضحي في سبيله ؟ حتى بولده، وبمكانته، وبكل ما يملك ؟ !. بل لقد رأيناه من اشد الناس على النبي، واكثرهم جرأة عليه، وايذاء له. وأما ساير بني هاشم فانهم وإن دخلوا الشعب مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلا أن تضحياتهم في سبيل النبي لم تبلغ عشر معشار تضحيات أبي طالب، كما انهم انما وقفوا هذا الموقف تحت تأثير نفوذ ابي طالب، وإصراره.. وهكذا يتضح: ان حمية الدين اقوى من حمية النسب، ولذلك نرى المسلمين يصرحون بانهم على استعداد لقتل آبائهم واولادهم في سبيل دينهم. وقد استأذن عبد الله بن عبد الله أبي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بقتل ابيه (1) وفي صفين أيضا لم يرجع الاخ عن اخيه حتى أذن له امير المؤمنين (ع) بتركه، (2) إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة. 4 - ثم إنه لو كان أبو طالب يفعل ذلك من اجل الدنيا ؟ فقد كان


(1) تفسير الصافي ج 5 ص 180 والسيرة الحلبية ج 2 ص 64 والدر المنثور ج 6 ص 24 عن عبد بن حميد، وابن المنذر والاصابة ج 2 ص 336. (2) صفين للمنقري ص 271 / 272.

[ 221 ]

يجب ان يضحي بابن اخيه دون ولده، ويضحي به دون عشيرته ؟ لانه يحصل على الدنيا من هذا الطريق ؟ كما قتل المأمون أخاه، وسممت ام الهادي ولدها، لا أن يضحي بكل شئ دونه، ثم تكون النتيجة هي: أن يدمره ويدمر نفسه معه، فان هذا لا يصح في منطق المصالح الدنيوية باية صورة على الاطلاق. 5 - وأيضا، فان الحمية القبلية - لو كانت - فانما تؤثر اثرها في حدود مصالح القبيلة، والحفاظ على شؤونها، ومستقبلها اما إذا كانت هذه الحمية سببا في تدمير القبيلة والقضاء عليها، وتعطيل مصالحها، وتعريض مستقبلها للاخطار الجسام ؟ فان هذه الحمية لا يمكن ان يفسح لها المجال، ولا ان يظهر لها اثر لدى عقلاء الرجال. وهكذا يتضح: اننا لا يمكن ان نفسر مواقف ابي طالب (ع) تلك، الاعلى انها بدافع عقيدي وايماني راسخ، يدفع الانسان للبذل والعطاء، لكل ما يملك في سبيل دينه وعقيدته. فصلوات الله وسلامه عليك يا ابا طالب، يا ابا الرجال، ويا رائد قوافل التضحية والفداء، في سبيل الحق والدين، ورحمة الله وبركاته. عام الحزن: وفي السنة العاشرة من البعثة كانت وفاة الرجل العظيم، ابي طالب عليه الصلاة والسلام. ففقد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بفقده نصيرا قويا، وعزيزا وفيا، كان هو الحامي له، والدافع عنه، وعن دينه، ورسالته، كما اشرنا إليه. ثم توفيت بعده بمدة وجيزة - قيل: بثلاثة أيام، وقيل بعده بحوالي

[ 222 ]

شهر (1) خديجة أم المؤمنين صلوات الله وسلامه عليها، أفضل أزواج النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأحسنهن سيرة، وأخلاقا مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقد كانت بعض نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " (وهي عائشة) تغار منها غيرة شديدة، كما سنرى، رغم أنها لم تجتمع معها في بيت الزوجية، لان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد تزوجها بعد وفاة خديجة بزمان. (2) ونستطيع أن نعرف: كم كان لابي طالب " عليه السلام "، ولخديجة صلوات الله وسلامه عليهما من خدمات جلى في سبيل هذا الدين من تسمية النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عام وفاتهما ب: " عام الحزن ". (3) الحب في الله والبغض في الله: ومن الواضح: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن ينطلق في حبه لهما، وحزنه عليهما من مصلحته الشخصية، أو من عاطفة رحمية، وإنما هو يحب في الله تعالى، وفي الله فقط. ويقدر أي إنسان، ويحزن لفقده، ويرتبط به روحيا وعاطفيا، بمقدار ارتباط ذلك الانسان بالله، وقربه


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 346 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 132 البداية والنهاية ج 3 ص 127 والتنبيه والاشراف ص 2. (2) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 127 - 128 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 133 - 135 صحيح البخاري ج 2 ص 202 وكتاب عائصة للعسكري ص 46 فما بعدها. وقد ذكرنا بعض المصادر لذلك في ما ياتي في فصل: حتى بيعة العقبة، حين الكلام حول جمال عائشة وحظرتها. (3) سيرة مغلطاي ص 26 وتاريخ الخميس ج 1 ص 301 والمواهب اللدنية ج 1 ص 56 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 139 ط دار المعرفة واسنى المطالب ص 21. (*)

[ 223 ]

منه، وتفانيه في سبيله، وفي سبيل دينه ورسالته. أي أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يتأثر على ابي طالب وخديجة ؟ لان هذه زوجته وذاك عمه. وإلا فقد كان أبو لهب عمه أيضا. وإنما لما لمسه فيهما من قوة إيمان، وصلابة في الدين، وتضحيات وتفان في سبيل الله، والعقيدة. وفي سبيل المستضعفين في الارض ولما خسرته الامة فيهما، من جهاد واخلاص قل نظيره في تلك الظروف الصعبة والمصيرية. وقد المح النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى ذلك حينما جعل موت ابي طالب وخديجة مصيبة للامة بأسرها، كما هو صريح قوله في هذه المناسبة: ".. اجتمعت على هذه الامة مصيبتان، لا أدري بأيهما أنا أشد جزعا " (1). نعم، وذلك هو الاصل الاسلامي الاصيل، الذي قرره الله تعالى بقوله: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم، أو إخوانهم أو عشيرتهم الخ (2) " وهل ثمة محادة لله ولرسوله أعظم من الشرك، الذي عبر الله عنه بقوله: " إن الشرك لظلم عظيم " و " إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك " ؟ ! والايات والروايات التي تؤكد على الحب في الله والبغض في الله كثيرة تفوق حد الحصر في عجالة كهذه. وعلى هذا الاساس قال الله تعالى لنوح عن ولده: (انه ليس من


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35 ط صادر. (2) المجادلة الاية 22. (*)

[ 224 ]

أهلك إنه عمل غير صالح). (1) وقال تعالى حكاية لقول ابراهيم (ع): (من تبعني فإنه مني) (2) وعلى هذا الاساس أيضا كان سلمان الفارسي من أهل البيت. قال " صلى الله عليه وآله وسلم ": سلمان منا أهل البيت (3) وقال أبو فراس: كانت مودة سلمان لهم رحما ولم تكن بين نوح وابنه رحم


(1) سورة هود الاية 46. (2) سورة ابراهيم الاية 36. (3) مصادر هذا الحديث مذكررة في كتابنا سلمان الفارسي في مواجهة التحدي.

[ 225 ]

الفصل الخامس: ابو طالب مؤمن قريش

[ 227 ]

إيمان أبي طالب " ره ": ولا بد لنا هنا من الحديث بايجاز عن موضوع ما زال بين أخذ ورد بين المسلمين. ألا وهو ايمان أبي طالب رحمه الله فمن مؤيد، ومن منكر فاما أهل البيت وشيعتهم، فانهم مجمعون على اسلامه " رحمه الله "، (1) بل في بعض الاحاديث: أنه من الاوصياء (2). وأن نوره يطغى في يوم القيامة على كل نور، ما عدا نور النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والائمة، وفاطمة " عليها السلام " (3) ونحن وإن كنا لم نستطع أن نجزم بصحة هذه الاحاديث، إلا أن إيمانه بالله، وتصديقه برسالله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وانقياده


(1) روضة الواعظين ص 138، واوائل المقالات ص 13 والطرائف لابن طاووس ص 298 وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 165، والبحار ج 35 ص 138 والغدير ج 7 ص 384 عنهم، وعن: التبيان ج 2 ص 398، وكتاب الحجة لابن معد ص 13، ومجمع البيان ج 2 ص 287. (2) الغدير ص 389 ج 7. (3) الغدير ج 7 ص 387 عن مصالر كيرة. (*)

[ 228 ]

للاوامر والزواجر الالهية، كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار. والاحاديث الدالة على ايمانه.، والواردة عن أهل بيت العصمة كثيرة، وقد جمعها العلماء في كتب مفردة (1). وواضح: أن أهل البيت أدرى بما فيه، من كل أحد. يقول ابن الاثير: " وما أسلم من اعمام النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " غير حمزة والعباس، وأبي طالب عند أهل البيت " (2). وعدا عن ذلك، فان الادلة الدالة على إيمانه كثيرة، وقد ألف في اثبات ايمانه الكثير من الكتب من السنة والشيعة على حد سواء. وقد انهاها بعضهم إلى ثلاثين كتابا، ومنها كتاب: أبو طالب مؤمن قريش للاستاذ عبد الله الخنيزي، الذي كاد ان يدفع حياته ثمنا لهذا الكتاب ؟ حيث حاول الوهابيون في السعودية تنفيذ حكم الاعدام فيه، بسبب كتابه هذا ؟ فتداركه الله برحمته، وتخلص من شرهم. هذا عدا عن البحوث المستفيضة المبثوثة في ثنايا الكتب والموسوعات، ونخص بالذكر هنا ما جاء في الغدير للعلامة الاميني قده ج 7 و 8. وقد نقل العلامة الاميني عن جماعة من أهل السنة: أنهم ذهبوا إلى ذلك أيضا، وكتبوا الكتب والبحوث في اثبات ذلك، كالبرزنجي في أسنى المطالب ص 6 - 10 والاجهوري، والاسكافي، وأبي القاسم البلخي، وابن وحشي في شرحه لكتاب: شهاب الاخبار، والتلمساني في حاشية الشفاء، والشعراني، وسبط ابن الجوزي، والقرطبي، والسبكي، وأبي طاهر، والسيوطي، وغيرهم.


(1) وكان من الكتب الاخيرة كتاب: منية الراغب في ايمان ابي طالب للشيخ الطبسي. (2) البحار ج 3 ص 139 والغدير ج 7 ص 369. (*)

[ 229 ]

بل لقد حكم عدد منهم - كابن وحشي والاجهوري، والتلمساني بان من أبغض أبا طالب فقد كفر، أو من يذكره بمكروه فهو كافر (1). بعض الادلة على ايمان أبي طالب: وقد استدل من قال بإسلامه بعدة أدلة، مثل: أ - ما تقدم مما روي عن الائمة " عليهم السلام "، والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مما يدل على ايمانه، وهم أعرف بأمر كهذا من كل أحد. ب - ما تقدم من مناصرته للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتحمله تلك المشاق والصعاب العظيمة، وتضحيته بمكانته في قومه، وحتى بولده، وتوطينه نفسه على خوض حرب طاحنة تأكل الاخضر واليابس. ولو كان كافرا ؟ فلماذا يتحمل كل ذلك ؟ ! ولماذا لم نسمع عنه ولو كلمة عتاب أو تذمر مما جره عليه محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ !. واحتمال: أنه كان يطمع بمقام أعظم. غير وجيه، فانه كان حينئذ قد بلغ من الكبر عتيا، حيث إنه قد توفي عن بضع وثمانين سنة، وهو يرى: موقف قومه منه، ومن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كيف هو، ولا يامل أن يعيش إلى حيث يبلغ مثل ذلك المقام، كما أنه لا يجد الفرصة كبيرة لنيل ابن أخيه لذلك المقام بعده. ج - وقد استدل سبط ابن الجوزي على ايمانه بانه - كما نقل - لو كان أبو علي كافرا لكان شنع عليه معاوية وحزبه، والزبيريون وأعوانهم، وسائر أعدائه " عليه السلام "، مع أنه " عليه السلام " كان يذمهم ويزري عليهم بكفر الاباء والامهات، ورذالة النسب (2).


(1) راجع: الغدير ج 7 ص 382 و 383 وغير ذلك. (2) راجع: أبو طالب مؤمن قريش 272 / 273 ط سنة 1398 ه‍. عن تذكرة الخواص. (*)

[ 230 ]

د - تصريحاته وأقواله الكثيرة جدا ؟ فانها كلها ناطقة بايمانه واسلامه. ويكفي أن نذكر نموذجا من أشعاره التي عبر عنها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله: إن كل هذه الاشعار قد جاءت مجيئ التواتر، من حيث مجموعها (1). ونحن نذكر هنا اثني عشر شاهدا من شعره، على عدد الائمة المعصومين من ولده عليه وعليهم السلام، تبركا وتيمنا، والشواهد هي: 1 - ألم تعلموا: أنا وجدنا محمدا نبيا كموسى خط في أول الكتب 2 - نبي أتاه الوحي من عند ربه ومن قال: لا، يقرع بهاسن نادم 3 - يا شاهد الله علي فاشهد إني على دين النبي أحمد 4 - أنت الرسول رسول الله نعلمه عليك نزل من ذي العزة الكتب 5 - أنت النبي محمد قرم أغر مسود 6 - أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب على نبي كموسى أوكذي النون 7 - وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى وأمرأتي من عند ذي العرش قيم 8 - لقد أكرم الله النبي محمدا فاكرم خلق الله في الناس أحمد 9 - وخير بني هاشم أحمد رسول الاله على فترة (2) 10 - والله لا أخذل النبي ولا يخذله من بني ذوحسب 11 - وقال رحمه الله يخاطب ملك الحبشة، ويدعوه إلى الاسلام. أتعلم ملك الحبش أن محمدا نبيأ كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به فكل بأمر الله يهدي ويعصم وانكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث الترجم


(1) شرح النهج ج 14 ص 78 والبحار ج 35 ص 165. (2) وقيل: ان قائل هذا البيت هو طالب بن أبي طالب. راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 78. إلا ان يقال إنه قاله على سبيل التمثل بشعر أبيه " رحمه الله ". (*)

[ 231 ]

فلا تجعلوا لله ندا فاسلموا فان طريق الحق ليس بمظلم 12 - وقال مخاطبا ولده حمزة رحمه الله: فصبرأ أبا يعلى على دين أحمد وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالحق من عند ربه بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا فقد سرني أن قلت: انك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا وباد قريشا في الذي قد أتيته جهارا، وقل: ما كان أحمد ساحرأ وأشعار ابي طالب الناطقة بايمانه كثيرة، وقد اقتصرنا منها على هذا القدر ؟ لنفسح المجال لذكر لمحة عن سائر ما قيل، ويقال في هذا الموضوع. ه - قال المعتزلي: " قلت: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق " رحمه الله " يقول: لولا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبي طالب، وهو شيخ قريش، ورئيسها، وذو شرفها، يمدح ابن أخيه محمدا وهو شاب قد ربي في حجره. وهو يتيمه ومكفوله، وجار مجرى أولاده بمثل قوله: وتلقوا ربيع الابطحين محمدا على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتاوي إليه هاشم إن هاشما عرانين كعب آخر بعد أول ومثل قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل فان هذا الاسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابى من الناس، وإنما هو من مديح الملوك والعظماء. فإذا تصورت: أنه شعر أبي طالب، ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد " صلى الله عليه وآله وسلم ". وهو

[ 232 ]

شاب مستجير به، معتصم. بظله من قريش، قد رباه في حجره غلاما، وعلى عاتقه طفلا، وبين يديه شابا. يأكل من زاده، ويأوي إلى داره، علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وأن أمره كان عضيما (1). كما أن قصيدته اللامية تلك التي يقول فيها: وابيض يستسقى الخ. وهي طويلة، وكان بنو هاشم يعلمونها أطفالهم (2) فيها الكثير مما يدل على إيمانه العميق الصادق، وقد ذكرها ابن هشام وابن كثير، وغيرهم. و - لقد رأينا أبا طالب الذي يدعو ملك الحبشة إلى الاسلام، هو الذي دعا ولده جعفرا وأمره بأن يصل جناح ابن عمه في الصلاة. (3) وهو ايضا الذي دعا زوجته فاطمة بنت أسد إلى الاسلام (4) وأمر حمزة بالثبات على هذا الدين، وأظهر سروره باسلامه، وكذلك الحال بالنسبة لولده أمير المؤمنين " عليه السلام ". إلى غير ذلك مما يجده المتتبع لكلامه ومواقفه في المناسبات المختلفة. ز - وقد صرح ابو طالب في وصيته بأنه كان قد اتخذ سبيل التقية في شأن رسول الله اصلى الله عليه وآله وسلم "، وان ما جاء به الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قبله الجنان وانكره اللسان ؟ مخافة الشنآن. واوصى قريشا بقبول دعوة الرسول ومتابعته على امره، ففي ذلك


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 63 وماذا في التاريخ ج 3 ص 196 / 197 عنه. (2) مقاتل الطالبيين ص 396. (3) راجع: الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 154، وروضة الواعظين ص 140 وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 269 والسيرة الحلبية ج 1 ص 269 وأسنى المطالب ص 17 والاصابة ج 4 ص 116 وأسد الغابة ج 1 ص 287 والغدير ج 7 ص 357. (4) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 272. (*)

[ 233 ]

الرشاد والسعادة (1). ح - ثم هناك ترحم النبي (ص) عليه، واستغفاره له باستمرار، وجزعه عليه عند موته (2) وواضح: أنه لا يصح الترحم إلا على المسلم، ولاجل ذلك قال " صلى الله عليه وآله وسلم " لسفانة بنت حاتم الطائي: لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه (3). ط - وكيف يحكمون لزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب، ولولده سعيد بن زيد، ولورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة. ولابي سفيان الذي ما زال كهفا للمنافقين، والذي ستأتي لمحة عن تصريحاته ومواقفه في أواخر غزوة أحد كيف يحكمون لهؤلاء بالاسلام. بل يروون عنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": أنه قال عن أمية بن أبي الصلت: انه كاد أن يسلم في شعره (4). ويقول الشافعي عن صفوان بن أمية: " وكان كأنه لا يشك في اسلامه " لانه حين سمع يوم حنين قائلا يقول: غلبت هوازن، وقتل محمد، قال له: " بفيك الحجر، فوالله، لرب قريش أحب الي من رب هوازن. " نعم، كيف يحكمون لكل هؤلاء بالاسلام، وهم لم يدركوا الاسلام، أو أدركوه ولم يسلموا، أو اظهروا الاسلام، وأبطنوا الكفر.


(1) الروض الانف ج 2 ص 171 وثمرات الاوراق ص 94 وتاريخ الخميس ج 1 ص 301 / 3 والسيرة الحلبية ج 1 ص 352 والبحار ج 35 ص 107 والغدير ج 7 ص 366 عن مصادر أخرئ. (2) تذكرة الخواص ص 8. (3) السيرة الحلبية ج 3 ص 205. (4) صحيح مسلم ج 7 ص 48 - 49، والاغاني ط ساسى ج 3 ص 190. والتراتيب الادارية ج 1 ص 213. (*)

[ 234 ]

ثم يحكمون بالكفر على ابي طالب الذي ما فتئ يؤكد ويصرح عشرات المرات، في أقواله وفي افعاله، ويعلن بالشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " بالنبوة والرسالة ؟ !. وان حال ابي طالب مع الامويين وأشياعهم مثل حال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع المشركين الذين حكى القرآن عنهم بقوله: (وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه الخ..) (1). والامويون وأشياعهم يقولون: لن نقر بإيمان هذا الرجل ولو تضافرت على ذلك كل الادلة والشواهد، وحتى لو نص الله ورسوله عليه، فبئس الخلف من الامويين واشياعهم لبئس السلف من طواغيت الجاهلية وعتاتها. ي - وبعد كل ما تقدم نقول: إن اسلام أي شخص أو عدمه، إنما يستفاد من أمور اربعة: 1 - من مواقفه العملية، ومواقف ابي طالب، قد بلغت الغاية التي ما بعدها غاية في الوضوح والدلالة على اخلاصه وتفانيه في الدفاع عن هذا الدين. 2 - من اقراراته اللسانية بالشهادتين، ويكفي أن نشير إلى ذلك القدر الكثير منها في شعره في المناسبات المختلفة. 3 - وإما من موقف ممثل الاسلام ورائد الحق النبي الاعظم " صلى


(1) الاسراء: 90 - 93. (*)

[ 235 ]

الله عليه وآله وسلم " منه. والموقف الرضي أيضا ثابت منه " عليه السلام " تجاه أبي طالب على اكمل وجه. 4 - من إخبار المطلعين على أحواله عن قرب، وعن حس، كاهل بيته، ومن يعيشون معه. وقد قلنا: انهم مجمعون على ذلك. بل إن نفس القائلين بكفره لما لم يستطيعوا إنكار مواقفه العملية، ولا الطعن بتصريحاته اللسانية، حاولوا: أن يشبهوا على العامة بكلام مبهم، لا معنى له ؟ فقالوا: " إنه لم يكن منقاد " (1) " ! !. كل ذلك رجما بالغيب، وافتراء على الحق والحقيقة، من أجل تصحيح ما رووه عن المغيرة بن شعبة وامثاله من أعداء آل أبي طالب كما سنشير إليه حين الكلام على الادله الواهية إن شاء الله تعالى. ومن أجل أن نوفي أبا طالب بعض حقه، نذكر بعض ما يدل على إيمانه - من مصادر غير الشيعة عموما - ونترك سائره، وهو يعد بالعشرات، لان المقام لا يتسع لاكثر من أمثلة قليلة معدودة، وهي. 1 - قال العباص: يا رسول الله، ما ترجو لابي طالب ؟ قال: كل الخير أرجوه من ربي (2). 2 - جاء ابو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يقوده، وهو شيخ أعمى، يوم فتح مكة. فقال رسول الله. ألا تركت الشيخ في بيته حتى نأتيه ؟ ! قال: أردت أن يؤجره الله. لانا كنت باسلام أبي طالب أشد فرحا مني باسلام أبي، التمس بذلك قرة عينك الخ (3).


(1) راجع: سيرة دحلان ج 1 ص 44 - 47، والاصابة ج 4 ص 116 - 119. (2) الاذكياء ص 1 28 وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 79، والبحار ج 35 ص 151 و 109. (3) مجمع الزوائد ج 6 ص 174 عن الطبراني والبزار، وحياة الصحابة ج 2 ص 344 عن المجمع، والاصابة ج 4 ص 116 وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 69. (*)

[ 236 ]

والعلامة الاميني في الغدير، لا يوافق على أن يكون الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قال لابي بكر ذلك، وقد بحث ذلك بحثا جيدا، ونحن نوافقه في ذلك أيضا. وربما تكون هذه العبارة زيادة من بعض المتزلفين، كما عودونا في امثال هذه المناسبات. 3 - قال المعتزلي: " روي باسأنيد كثيرة، بعضها عن العباس بن عبد المطلب، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله (1) ". وتقدم في شعره تصريحات كثيرة بذلك أيضا. 4 - ولقد ترحم عليه ودعا له النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " واستغفر له، حتى في المدينة حينما استسقى لاهلها فجاءهم الغيث فذكر أبا طالب، واستغفر له على المنبر (2) ولما مات ابو طالب تبع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " جنازته مع انهم يروون النهي عن المشي في جنازة المشرك. كما أنهم يروون أنه " صلى اللة عليه وآله وسلم " أمر عليا بأن يغسله ويكفنه ويواريه (3)، وانما لم يامره بالصلاة عليه لان صلاة


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 71، وراجع: الغدير ج 7 ص 369 عن البداية والنهاية ج 3 ص 123، وسيرة ابن هشام ج 2 ص 87 والاصابة ج 4 ص 116، وعيون الاثر ج 1 ص 131، والمواهب اللدنية ج 10 ص 71 والسيرة الحلبية ج 1 ص 372 والسيرة النبوية لدحلان بهامشها ج 1 ص 89، واسنى المطالب ص 20 ودلائل النبوة للبيهقي وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 120 وكشف الغمة للشعراني ج 2 ص 144. (2) راجع: عيون الانباء ص 705. (3) راجع: في كل ذلك تذكرة الخواص ص 8 وغرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 81، والسيرة الحلبية ج 1 ص 147 والمصنف ج 6 ص 38، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 87، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35، وطبقات ابن سعدج 1 ص 78 وتاريخ بغداد للخطيب ج 3 ص 126، وج 13 ص 196 وتاريخ ابن كثير ج 3 ص 125، والطرائف لابن طاووس ص 305 عن الحنبلي في نهاية الطلب والبحار = (*)

[ 237 ]

الجنازة لم تكن فرضت بعد. ولاجل ذلك قالوا: إن خديجة لم يصل عليها النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما توفيت، مع انها سيدة نساء العالمين. 5 - لقد رثاه ولده علي " عليه السلام " حينما توفي بقوله: أبا طالب عصمة المستجير وغيث المحول ونور الظلم لقدهذفقدك أهل الحفاظ فصلى عليك ولي النعم ولقاك ربك وضوانه فقد كنت للطهر من خير عم (1) 6 - وكتب أمير المؤمنين " عليه السلام " رسالة مطولة لمعاوية جاء فيها: " ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق " (2). فإذا كان أبو طالب كافرا وأبو سفيان مسلما، فكيف يفضل الكافر على المسلم ثم لا يرد عليه ذلك معاوية بن أبي سفيان ؟. ولكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما ؟ فان أبا سفيان هو الذي


= ج 35 ص 151 والتعظيم المنة ص 7 ولسان الميزان ج 1 ص 41. والاصابة ج 4 ص 116، والغدير ج 7 ص 372 و 374 / 375 عمن ذكر، وعن: شرح شواهد المغني للسيوطي ص 136، واعلام النبوة للماوردي ص 77، وبدايع الصنايع ج 1 ص 283، وعمدة القاري ج 3 ص 435، واسنى المطالب ص 15 و 21 و 35 وطلبة الطالب ص 43. ودلائل النبوة للبيهقي والبرزنجي، وابن خزيمة، وابي داود، وابن عساكر. (1) تذكرة الخواص ص 9. (2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 471 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 260، ونهج البلاغة الذي بهامشه شرح الشيخ محمد عبده ج 3 ص 18 الكتاب رقم 17 وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 117 والامامة والسياسة ج 1 ص 118، والغديرج 3 ص 254 عنهم، وعن: ربيع الابرار للزمخشري باب 66، وعن مروج الذهب ط ج 2 ص 62. وراجع أيضا: الفتوح لابن اعثم ج 3 ص 260 ومناقب الخوارزمي الحنفي ص 180. (*)

[ 238 ]

قال: " إنه لا يدري ما جنة ولا نارا كما سيأتي في أواخر غزوة أحد. ويلاحظ هنا أيضا: أن أمير المؤمنين يشير في كلامه الانف الذكر إلى عدم صفاء نسب معاوية، ولهذا البحث مجال آخر. 7 - وحمل محمد بن الحنفية يوم الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه. (1) 8 - وورد عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أيضا قوله: إذا كان يوم القيامة شفعت لابي، وأمي وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية (2). 9 - وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن الله عزوجل قال له على لسان جبرئيل: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. أما الصلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة، وأما الحجر فعمه، يعني أبا طالب، وفاطمة بنت أسد. وبمعناه غيره مع اختلاف يسير (3). 10 - وسئل الامام السجاد " عليه السلام " عن إيمان أبي طالب، فقال: واعجبا، إن الله نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر ؟ وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الاسلام، ولم تزل تحت أبي


(1) طبقات ابن سعد ج 5 ص 67 ط ليدن. (2) ذخائر العقبى ص 7 عن تمام الرازي في فوائده، والدرج المنيفة للسيوطي ص 8 ومسالك الحنفا ص 14 عن ابي نعيم وغيره وذكر أن الحاكم صححه، وتفسير القمي ج 1 ص 380 وتفسير البرهان ج 2 ص 358 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 35 وتاريخ الخميس ج 1 ص 232. (3) أصول الكافي ج 1 ص 371 والبحار ج 35 ص 109 والتعظيم والمنة للسيوطي ص 27 وراجع: روضة الواعظين ص 139 وشرح النهج ج 14 ص 67 والغدير ج 7 ص 378 عنهم، وعن: كتاب الحجة لابن معد ص 8، وتفسير أبي الفتوح ج 4 ص 210. (*)

[ 239 ]

طالب حتى مات (1). ونزول آية النهي عن الامساك بعصم الكوافر في المدينة، لا يضر ولا يوجب بطلان هذه الرواية، لا مكان أن يكون النهي عن ذلك بالقول على لسانه " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل نزول القرآن. وعدم خضوع بعض المسلمين لذلك حينئذ ربما كان لظروف معينة فرضت عليهم ذلك. 11 - وأخيرا، فقد كتب بعضهم يسال الامام علي بن موسى الرضا " عليه السلام " عن اسلام أبي طالب، فانه قد شك في ذلك، فكتب " عليه السلام " إليه: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين (2) الآية. وبعدها: إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار (3). 11 - وسيأتي في غزوة بدر: ان الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ") لم يقبل من شهيد بدر عبيدة بن الحارث أن يعرض بعمه أبي طالب، ولو بمثل أن يقول: إني أولى بما قال منه: كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولقا نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائناوالحلائل فإذا كان النبي يغضب ولو لمثل هذا التعريض، فهل تراه سوف يكون مسرورا بمن يحكم على عمه بالشرك، وبجعله في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه ؟ إلى آخر ما هنالك ؟ !.


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، والغدير ج 7 ص 381 و 389 عنه وعن: كتاب الحجة ص 24، والدرجات الرفيعة، وضياء العالمين، وادعي تواتر هذا الحديث عندنا. (2) النساء الاية / 115. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68 والغدير ج 7 ص 381 و 394 عن الكراجكي ص 80، وكتاب الحجة لابن معد ص 16، والدرجات الرفيعة والبحار وضياء العالمين. (*)

[ 240 ]

وحسبنا ما ذكرناه من الامثلة الناطقة باسلام أبي طالب، ومن أراد التوسع فعليه بالكتب المعدة لذلك. الادلة الواهية. وقد استدل القائلون بكفر أبي طالب - والعياذ بالله - بروايات وأدلة واهية، ونحن نشير هنا إلى عمدة ما اعتمدوا عليه في ذلك، وهي: 1 - حديث ابن الضحاح: عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقد ذكر عنده عمه، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضلاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. وحسب نص آخر: ان العباس قال للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": ما أغنيت عن عمك، فوالله، كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل من النار (1). ونقول: 1 - لقد ناقش كل من الاميني والخنيزي (2) جميع أسانيد هذه الرواية، وبينا وهنها وضعفها، وتناقض نصوصها العجيب. ونحن نحيل القارئ الذي يرغب في التوسع إلى ما ذكره هذان العالمان حول هذا


(1) صحيح البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 209، وج 4 ص 54، والمصنف ج 6 ص 41، وانساب الاشرف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 29 و 30. وصحيح مسلم، كتاب الايمان، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 79، ومسند أحمد ج 1 ص 256 و 207، والبداية والنهاية ج 3 ص 125، الغدير ج 8 ص 23 عن بعضهم، وعن عيون الاثر ج 1 ص 132، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 66. (2) راجع: الغدير ج 8 ص 23 / 24 وأبو طالب مؤمن قريش.

[ 241 ]

الموضوع. ب - إنه إذا كان " صلى الله عليه وآله وسلم " قد نفع أبا طالب، وأخرجه من الدرك الاسفل إلى الضحضاح ؟ فلماذا لا يتمم معروفه، ويخرجه من هذا الضحضاح أيضا ؟ !. وايضا هل تكون الشفاعة في الدنيا ؟ !. ج - لقد رووا: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " طلب منه حين وفاته: أن يقول كلمة لا إله إلا الله، محمد رسول الله ؟ ليستحل له بها الشفاعة يوم القيامة، فلم يعطه إياها. فهذا يدل على أنه قد أناط " صلى الله عليه وآله وسلم " مطلق الشفاعة بكلمة لا إله إلا الله (1). فلماذا استحل هذه الشفاعة، مع أنه لم يعطه الكلمة التي توجب حليتها ؟ !. ثم أو ليس يروون: أن الشفاعة لا تحل لمشرك ؟ فلماذا حلت لهذا المشرك بالذات، بحيث أخرجته من الدرك الاسفل إلى الضحضاح ؟ (2). د - قال المعتزلي، نقلا عن الامامية والزيدية: " قالوا: وأما حديث الضحضاح ؟ فانما يرويه الناس كلهم عن رجل واحد، وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم، وعلى الخصوص لعلي " عليه السلام " مشهور معلوم، وقصته وفسقه غير خاف " (3). ولكننا نجدهم يروونه عن غير المغيرة أيضا، كما في البخاري


(1) الترغيب والترهيب ج 4 ص 433 عن أحمد بسندين صحيحين، وعن البزار، والطبري باسانيد أحدها جيد وابن حبان في صحيحه وراجع: الغدير ج 25 / 2. (2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 336، وتلخيصه للذهبي وصححاه والمواهب اللدنية ج 1 ص 71 والغدير ج 8 ص 24 عنهما وعن كنز العمال ج 7 ص 128، وشرح المواهب للزرقاني ج 1 ص 291 وكثف الغمة للشعراني ج 2 ص 124، وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 120. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 70 والبحار ج 35 ص 112. (*)

[ 242 ]

وغيره، فلعل رواية غير المغيرة قد حدثت في وقت متأخر، فان من غير المعقول أن يورد الشيعة على غيرهم بذلك إن لم يكن له واقع.. وقد سكت المعتزلي على ردهم هذا، وكأنه يحتمل ما احتملناه ولو وسعه الرد لفعل. ه‍ - وسئل الامام الباقر " عليه السلام " عما يقوله الناس: إن أبا طالب في ضحضاح من نار ؟ فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان، وايمان هذا الخلق في كفة أخرى لرجح ايمانه. ثم قال: ألم تعلموا: أن أمير المؤمنين عليا " عليه السلام " كان يأمر أن يحج عن عبد الله، وابنه، وأبي طالب في حياته، ثم اوصى في وصيته بالحج عنهم (1). و - سئل علي " عليه السلام " في رحبة الكوفة عن كون ابيه معذبا في النار أو لا، فقال للسائل: مه، فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا، لو شفع ابي في كل مذنب على وجه الارض لشفعه الله فيهم. أبي معذب في النار، وابنه قسيم الجنة والنار ؟ (2) ز - يلاحظ: وجود التناقض في روايات الضحضاح، فواحدة تقول: لعله تنفعه شفاعتي ؟ فيجعل في ضحضاح يوم القيامة. واخرى تجزم بانه قد جعل في الضحضاح بالفعل. فراجع 2 - إرث عقيل لابي طالب: واستدلوا: بان ولده عقيل هو الذي ورثه، ولم يرثه علي وجعفر،


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 68، والدرجات الرفيعة ص 49، والبحار ج 35 ص 112 والغدير ج 8 ص 380 - 390 عنهما وعن كتاب الحجة للسيد ص 18 من طريق شيخ الطائفة عن الصدوق، والفتوني في ضياء العالمين. (2) البحار ج 35 ص 110 وكنز الفوائد ص 80 ط حجرية. (*)

[ 243 ]

لانه كان مشركا وهما مسلمان. فهما من ملتين مختلفتين، واهل ملتين لا يتوارثان (1). ولكن ذلك لا يصح أيضا. فاولا: من أين ثبت لهؤلاء: أن عليا وجعفرا لم يرثاه. وثانيا: إن قوله أهل ملتين لا يتوارثان. نقول بموجبه ؟ لان التوارث تفاعل، ولا تفاعل عندنا في ميراثهما، واللفظ يستدعي الطرفين، كالتضارب، فانه لا يكون إلا من اثنين، فان الصحيح هو مذهب أهل البيت من أن المسلم يرث الكافر، ولا يرث الكافر المسلم (2). وثالثا: لقد روي عن عمر قوله: " أهل الشرك نرثهم ولا يرثونا (3) " وقد حكم كثير من العلماء بان ميراث المرتد للمسلمين لا يصح ؟ وقالوا: نرثهم ولا يرثونا (4). ورابعا: إنهم يقولون: ان الميراث في وقت موت أبي طالب لم يكن قد فرض بعد، وإنما كان الامر بالوصية ؟ فلعل أبا طالب قد أوصن لعقيل محبة له (5). 3 - وهم ينهون عنه، وينأون عنه: لقد ذكروا: أن آية: وهم ينهون عنه، وينأون عنه، قد نزلت في أبي


(1) المصنف ج 6 ص 15، وج 10 ص 344، وفي هامشه اي هامش السادس عن البخاري ج 3 ص 293، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 79. (2) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 69. (3) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 339 وج 6 ص 106. (4) المصنف لعبد الرزاق ج 6 ص 106 و 107 و 105 وج 10 ص 338 حتى ص 341. (5) راجع: أسنى المطالب ص 62. (*)

[ 244 ]

طالب، الذي كان ينهى الناس عن أذى الرسول، وينأى عن أن يدخل في الاسلام (1). ونقول: أ - لقد تحدث الاستاذ الخنيزي حول أسانيد هذه الرواية بما فيه الكفاية (2) فليراجعه من أراد. ب - إن هذه الاية لا تنطبق على أبي طالب بأي وجه ؟ حيث إن الله تعالى يقول قبلها: (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاؤوك يجادلونك، يقول الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير الاولين. وهم ينهون عنه الخ..) (3). فضمائر الجمع، ككلمة: (هم)، وفاعل (ينهون) و (ينأون) كلها ترجع إلى من ذكرهم الله في تلك الاية. وهم المشركون، الذين إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، ويجادلون الرسول في هذه الايات، ويصفونها من عنادهم بأنها ليست سوى اساطير الاولين. ولا يقف عنادهم عند هذا وحسب، بل يتجاوزه إلى أنهم: ينهون الناس عن الاستماع إلى النبي، كما أنهم هم أنفسهم يبتعدون عنه. وهذه الصفات كلها لا تنطبق على أبي طالب، الذي لم نجد منه إلا التشجيع على اتباع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والنصرة له باليد واللسان. بل يطلب من غيره أن يدخل في هذا الدين. وأن يتمسك به


(1) الاصابة ج 4 ص 115، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 127، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 78، وبهجة المحافل ج 1 ص 116 وانساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 26 والغدير ج 8 ص 3 عنهم وعن: تفسير الخازن ج 2 ص 11، وتفسير ابن جزي ج 2 ص 6، وعن الطبري والكشاف. ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 340 و 341. (2) أبو طالب مؤمن قريش ص 305 / 306. (3) الا نعام / 25 - 26. (*)

[ 245 ]

ويصبر عليه، كما كان الحال بالنسبة لزوجته، ولحمزة، وجعفر، وعلي، وملك الحبشة حسبما تقدم. كما أن المفسرين قد فهموا من الاية عمومها لجميع الكفار، وأن معناها: ينهون عن استماع القرآن، واتباع الرسول، ويتباعدون عنه. وهذا هو المروي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي معاذ، والضحاك، وابن الحنفية، والسدي، ومجاهد، والجبائي، وابن جبير (1). ج - ويقول الاميني: إن تلك الرواية تقول: إن آية الانعام: (وهم ينهون عنه إلخ..) قد نزلت حين وفاة أبي طالب " عليه السلام "، وتقول رواية أخرى: إن آية: (إنك لا تهدي من أحببت الخ..) قد نزلت حين وفاته أيضا، مع أن هذه الاية قد وردت في سورة القصص التي نزلت قبل الانعام، - التي نزلت جملة واحدة - (2) بخمس سور. وهذا يدل على أن سورة الانعام قد نزلت بعد وفاة أبي طالب بمدة. إذن، فما معنى قولهم: إنها نزلت حين وفاته " عليه السلام " ؟ !. د - انهم يقولون: ان سورة الانعام قد نزلت دفعة واحدة وكانت أسماء بنت يزيد ممسكة بزمام ناقته " صلى الله عليه وآله وسلم " (3) وذلك


(1) راجع: مجمع البيان ج 7 ص 35، و 36، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 127 والغدير ج 8 ص 3، والدر المنثور ج 3 ص 8 و 9 كلهم - كلا أو بعضا عن القرطبي، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة وابن مردويه وعبد بن حميد، والقرطبي ج 6 ص 406. (2) الدر المنثور ج 2 ص 3، وفتح القدير ج 3 ص 921 / 9، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 122 والغدير ج 8 ص 5 عنهم وعن تفسير القرطبي ج 6 ص 383 / 382 كلهم عن: ابي عبيد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والنحاس. (3) الدر المنثور ج 3 ص 2 عن الطبراني، وابن مردويه. وقد ذكر في ص 2 و 3 نزولها جملة واحدة في مكة أو باسثتناء آية أو آيتين ليست الآية المذكررة واحدة منها فراجع ما رواه عن عشرات الحفاظ مثل البيهقي في شعب الايمان، والخطيب في تاريخه، وابي الشيخ، وابن المنذر، والنحاس في ناسخة، و عبد الرزاق، والفريابي، = (*)

[ 246 ]

انما كان بعد بيعة العقبة، التي كانت بعد وفاة ابي طالب، بمدة طويلة. 4 - اية النهي في الاستغفار للمشرك: روى البخاري ومسلم، وغيرهما: عن ابن المسيب، عن ابيه، رواية تتلخص في أن النبي طلب من أبي طالب حين وفاته أن يقول كلمة لا إله إلا الله ليحاج بها له عند الله. فقال له أبو جهل، و عبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل الرسول يعرضها عليه، ويقولان له ذلك، حتى قال أبو طالب آخر كلمة: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": والله لاستغفرن لك ما لم أنه عنك. فانزل الله: (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم). (1) وانزل الله في ابي طالب: (إنك لا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء) (2). ولا نريد أن نناقش في أسانيد هذه الرواية (3)، المقطوعة، ولا نريد أن نفيض في الدلائل والشواهد على أن ابن المسيب فضلا عن غيره متهم


= وعبد بن حميد، وإسحاق بن راهويه، والكلبي، وأبي عبيد، والطبراني وابن الضريس، وابن مردويه، والسلفي في الطيورات، والاسماعيلي، والحاكم وصححه، وراجع: الاتقان ج 1 ص 37 وراجع السيرة الحلبية ج 1 ص 260. (1) التوبة / 113. (2) القصص / 56 والرواية في البخاري ط سنة 1309 ج 3 ص 111، وغير ذلك. (3) راجع في ذلك: أبو طالب مؤمن قريش 313 - 345 وانساب الاشراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 25 و 26 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 342 و 343. (*)

[ 247 ]

على علي " عليه السلام "، كما نص عليه البعض (1). ولكننا نشير إلى ما يلي: أولا: إن آية النهي عن الاستغفار للمشرك قد وردت في سورة التوبة، ولا ريب في كونها من أواخر ما نزل عليه (صلى اله عليه وآله وسلم " في المدينة، بل لقد ادعى البعض أنها آخر ما نزل (2). ولا يعقل أن تكون هذه الاية قد بقيت أكثر من عشر سنوات منفردة، والقرآن ينزل، حتى نزلت سورة التوبة، فأضيفت إليها، لان الايات التي كانت تلحق بالسور انما تلحق بما نزل سابقا عليها، وكان ذلك في الاكثر في السور الطوال، التي كانت تنزل أجزاء متتابعة دون سائر السور التي كانت تنزل دفعة واحدة. فكيف بقي " صلى الله عليه وآله وسلم " يستغفر لابي طالب طيلة هذه المدة، ويترحم عليه ؟ ! مع أن ذلك من اظهر مصاديق المودة للكافر، وقد نهى الله عن مودتهم في آيات كثيرة، نزلت قبل سورة التوبة كما في قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم) (3). وقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين) (4).


(1) الغارات للثقفي ج 2 ص 569. (2) الغدير ج 8 ص 10 وأبو طالب مؤمن قريش ص 341 عن: البخاري، والكشاف، والبيضاوي، وتفسير ابن كثير والاتقان، وابن أبي شيبة والنسائي وابن الضرير، وابن المنذر، والنحاس، وأبي الشيخ، وابن مردويه. (3) المجادلة / 22، وقد نزلت قبل التوبة بسبع سور كما في الاتقان ج 1 ص 11 وفي تفسير ابن كثير ج 4 ص 329، وفتح القدير ج 5 ص 186 والغدير ج 8 ص 10 عنهم وعن تفسير الالوسي ج 28 / 37 واخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم والبيهقي وابو نعيم: أنها نزلت في بدر أو في أحد. (4) النساء / 144. (*)

[ 248 ]

وقوله تعالى: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة) (1). وقوله تعالى: إلا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين) (2) إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه. ثانيا: قال تعالى: في سورة المنافقين، التي نزلت في غزوة بني المصطلق، سنة ست على ما هو المشهور، ونزلت قبل سورة التوبة على كل حال: (سواء عليهم، استغفرت لهم ام لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). فإذا كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يعرف ان الله لن يغفر لهم، سواء استغفر لهم ام لا، فلماذا يتعب نفسه في امر لا نتيجة له ؟ ؟ فان ذلك امر لا يقره العقلاء، ولا يقدمون عليه. ثالثا: إننا نجد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه يقول: " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة (3) ". كما أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد رد هدية حكيم بن حزام ؟ لانه كان مشركا، قال، عبيد الله: حسبت انه قال: إنا لا نقبل من المشركين شيئا، ولكن ان شئت اخذناها بالثمن (4). ورد أيضا هدية عامر بن الطفيل، لانه لم يكن قد اسلم بعد. ورد


(1) النساء / 139. (2) سورة آل عمران الاية 28. (3) راجع ابو طالب مؤمن قريش للخنيزي. (4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 484 وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، وصححاه حياة الصحابة ج 2 ص 258 و 259 و 260 عن كنز العمال وعن مجمع الزوائد ج 8 ص 278 وكنز العمال ج 6 ص 57 و 59 عن احمد والطبراني، والحاكم وسعيد بن منصور. والتراتيب الادارية ج 2 ص 86 ويلاحظ هنا: انه " صلى الله عليه وآله " حين الهجرة لا يقبل ناقة أبي بكر إلا بالثمن. (*)

[ 249 ]

أيضا هدية ملاعب الاسنة، وقال: لا أقبل هدية مشرك (1). عن عياض المجاشعي: انه اهدى إلى النبي هدية فابى قبولها، وقال: اني نهيت عن زبد المشركين (2). ولم يكن ذلك منه " صلى الله عليه وآله وسلم " إلا لانه يوجب احتراما ومودة من النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " له. إلا ان الكشي ذكر رواية تقول: " ان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يرد هدية على يهودي ولا نصراني " (3). وهذا إن صح يشير إلى الفرق بين هدية الكتابي وهدية المشرك فكان (ص) يرد هدية الثاني دون الاول وذلك يدل على عدم صحة قوله لهم: إنه (ص) في هدنة الحديبية استهدى أبا سفيان أدما (4). وقد يكون ذلك لاجل الفرق بين المشرك والكتابي - لو صحت هذه الرواية - فكان " صلى الله عليه وآله وسلم " يقبل هدية الثاني دون الاول. وبعد ما تقدم، فإننا نعرف عدم صحة قولهم ان النبي قد استهدى من أبي سفيان أدما، وذلك أيام هدنة الحديبية.


(1) كنز العمال ج 3 ص 177 طبعة اولى عن ابن عساكر ط ثانية ج 6 ص 57 عن الطبراني والمصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 446 و 447 وفي الهامش عن مغازي ابن عقمة ومجمع البيان المجلد الاول ص 535. (2) كنز العمال ج 6 ص 57 و 59 عن ابي داود والترمذي وصححه واحمد والطيالسي والبيهقي، وراجع ما عن عمران بن حصين في الكنز نفس الجلد والصفحة والمصنف لعبد الرزاق ج 10 ص 447 وفي الهامش عن ابي داود واحمد وعن الترمذي ج 2 ص 389. وراجع الوسائل ج 12 ص 216 عن الكافي والمعجم الصغير ج 1 ص 9. (3) رجال الكشي ط جامعه طهران ص 610 والبحار ج 50 ص 107 والوسائل ج 12 ص 217. (4) راجع التراتيب الادارية ج 1 ص 198 عن الاستيعاب. (*)

[ 250 ]

ورابعا: لقد روي بسند صحيح - كما يقول الاميني - عن علي: أنه سمع رجلا يستغفر لابويه، وهما مشركان ؟ فذكر علي " عليه السلام " ذلك للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فنزلت الاية المذكورة (1). وفي أخرى: ان المسلمين قالوا: ألا نستغفر لابائنا ؟ فنزلت (2). وفي رواية: انها نزلت حينما استأذن " صلى الله عليه وآله وسلم " الله في الاستغفار لامه فلم ياذن له، ونزلت الاية، فسأله أن يزور قبرها، فاذن له (3). وإن كنا نعتقد: أن الرواية الاخيرة بعيدة عن الصحة لاعتقادنا بأن أم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كانت مؤمنة موحدة، كما أسلفناه في بحث ايمان آبائه " صلى الله عليه وآله وسلم ". ولكنها على أي حال مناقضة لما تقدم فلعل الرواة طبقوها على هذا المورد، اجتهادا عمديا أو سهويا منهم، والصحيح هو النص المتقدم عن علي " عليه السلام ". وإلا


(1) الغدير ج 8 ص 12، وغيره عن: الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الايمان، والضياء في المختارة، والاتقان، واسباب النزول، وتفسير ابن كثير، والكشاف، واعيان الشيعة، واسنى المطالب ص 18، لدحلان وابو طالب مؤمن قريش، وشيخ الابطح ومسند أحمد ج 1 ص 130 / 131. (2) مجمع البيان ج 5 ص 76 عن الحسن، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 393، وابو طالب مؤمن قريش ص 348، عنهما وعن الاعيان ج 39 ص 158 و 159 عن ابن عباس والحسن، والكشاف ج 2 ص 246. (3) تفسير الطبري ج 11 ص 31، والدر المنثور ج 3 ص 283، وارشاد الساري ج 7 ص 282 و 158 عن مسلم في صحيحه، وتفسير ابن كثير ج 2 ص 394 وأحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، والبيهقي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والكشاف ج 2 ص 49. وابو طالب مؤمن قريش ص 349. (*)

[ 251 ]

فلماذا نسي النبي الاستغفار لامه إلى آخر أيام حياته ؟ هذا عدا عما تقدم. وخامسا: إن آية لا تهدي من أحببت، يقال: إنها نزلت يوم احد، حينما كسرت رباعيته، وشج وجهه " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال: اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون، فانزل الله: إنك لا تهدي من أحببت إلخ (1). وقيل: إنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، الذي كان الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " يرغب في اسلامه، بل لقد ادعي الاجماع على ذلك (2). سادسا: إذا كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يحب إيمان أبي طالب فالله يحب ذلك أيضا، لان الرسول لا يحب إلا ما أحب الله. وقولهم: كان " صلى الله عليه وآله وسلم " يكره إيمان وحشي، ثم آمن، لا يصح ؟ لان هذا من نوع التضاد بين الرسول والمرسل، لو لم يتوافقا، وإذا توافقا، فكيف يمكن أن يكره الله ورسوله إيمان أحد (3). وسابعا: ان قوله تعالى: لا تهدي من أحببت لا يمنع من ايمان ابي طالب، فإن الله قد شاء الهداية لابي طالب ايضا كما دلت عليه النصوص. والاية انما تريد تعليم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": ان محبته لهداية شخص غير كافية. بل لا بد معها من مشيئة الله سبحانه. وأخيرا، فان عبد المطلب لم يكن كافرا ولا مشركا حسبما قدمنا،


(1) راجع الترانيب الادارية ج 1 ص 198 عن الاستيعاب. أبو طالب مؤمن قريش ص 368 عن أعيان الشيعة ج 39 ص 259 والحجة ص 39. ولربما يأتي بعض مصادر ذلك في وقعة أحد. (2) أبو طالب مؤمن قريش ص 369 عن شيخ الابطح ص 69. (3) راجع هامش أنساب الاضراف ج 2 ص 28 عن الدكتور زرزور في مقدمته على تفسير الحاكم الجشمي. (*)

[ 252 ]

بل كان مؤمنا على دين الحنيفية. وقد صرح المسعودي في بعض كتبه بانه قد مات مسلما (1). فقول ابي طالب: بل على ملة عبد المطلب لا يدل على كفره ؟ فلو كان قد قال ذلك حقا. فلا بد أن يكون قد قال ذلك تعمية على قريش، لمصالح يراها لا بد من ملاحظتها في تلك الفترة. الوجبة الاخيرة: كان ما تقدم هو عمدة ما استدل به القائلون بكفر ابي طالب، والعياذ بالله، وقد رأينا: أنه لا يستطيع أن يثبت أمام النقد الواعي والدقيق. وقد بقيت بعض الروايات، التي يمكن الاستدلال بها على ذلك. وليس فيها أيضا ما ينفع أو يجدي ونحن نشير إليها باختصار شديد ؟ فنقول: إنهم قد رووا أيضا: 1 - أن الرسول قال لابي بكر حول ما ينجي من الوسوسة: " ينجيكم من ذلك: أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت ؟ فلم يفعل، يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (2) ". وفي رواية عن عمر: إن كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت: شهادة إلخ (3). ونقول: 1 - ان من الواضح: ان الذين يسالونه عما ينجي من الوسوسة كانوا يقولون تلك الكلمة، ويشهدون الشهادتين، ولكنهم كانوا - مع ذلك -


(1) الروض الانف ج 2 ص 170 / 171. (2) حياة الصحابة ج 2 ص 140 / 545 وكنز العمال ج 1 ص 259 - 260 - 261 عن أبي يعلى والبوصيري في زوائده، وعن طبقات ابن سعد ج 2 ص 312. (3) مجمع الزوائد ج 1 ص 15، وكنز العمال ج 1 ص 262 و 63 عن أبي يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان والبيهقي وغيرهم كثير جدا. (*)

[ 253 ]

مبتلين بالوسوسة فكيف يامرهم " صلى الله عليه وآله وسلم " بقولها للنجاة من ذلك ؟ !. إلا ان يكون المراد: كثرة التلفظ بها وتكرارها. ولكن ربما يقال: إن ارادة هذا المعنى بعيد عن مساق الرواية. ب - إن نفس هذه الرواية مروية بسند صحيح، وتفيد: أن الخلاف كان بين سعد وعثمان، وأن الذي حكم بينهما هو عمر بن الخطاب، وذكر: دعوة ذي النون: " لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين ". ولم يذكر أبا طالب (1). 2 - لما مذ أبو قحافة يده ليسلم بكى أبو بكر، فقال له (ص): ما يبكيك ؟ قال: لان تكون يد عمك مكان يده، ويسلم، ويقر الله به عينك أحب إلي من أن يكون (2). ونقول: أ - قد تقدمت هذه الرواية بنحو يدل على ايمان أبي طالب عن عدد من المصادر، فلا نعيد. ب - قد جاء أنه لما اسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر باسلامه، حتى بشره النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك (3) فكيف يكون أبو بكر قد قال ذلك حين مد يده ؟ !.


(1) مجمع الزوائد ج 7 ص 68 عن أحمد ورجاله رجال الصحيح، باستثناء ابراهيم بن محمد بن سعد وهو ثقة، وحياة الصحابة عنه وعن الترمذي وعن الكنز ج 1 ص 298 عن أبي يعلى والطبراني - وصحح. (2) الاصابة ج 4 ص 116 والحاكم وصححه على شرط الشيخين، وعن عمر بن شبة وأبي يعلى، وأبي بشر سفويه في فوائده، ونصب الراية ج 6 ص 281 / 282 عن عدد من المصادر في هامشه، والمصنف ج 6 ص 39، وفي هامشه عن ابن ابي شيبة ج 4 ص 142 و 95 وأبي داود 458 ومسد أحمد ج 1 ص 131. (3) المحاسن والمساوئ ج 1 ص 57.

[ 254 ]

3 - لما توفي ابو طالب، جاء علي إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وقال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي. وفي رواية أن عليا رفض ما أمره به النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من تغسيله، ودفنه، فامر أن يتولى ذلك غيره (1). ونقول: أ - قد روى أحمد في مسنده هذه الرواية، وفيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة " الضال " (2). ب - ولو لم يكن مؤمنا فلماذا يامر بتغسيله ؟. ثم كيف يامر عليا بتغسيله ولا يامر عقيلا، أو طالبا اللذين كانا مشركين ؟. إلا أن يقال: إنهما لم يكونا على استعداد لاطاعته. ج - كيف يتناسب هذا مع كونه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد حزن، وترحم عليه، ودعا له، وعارض جنازته، ومشى فيها، مع أنهم يروون: أنه لا يجوز المشي في جنازة المشرك ؟ ! (3). د - هل صحيح: أن عليا " عليه السلام " رفض تنفيذ ما أمره به النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى احتاج لان يامر بان يتولى ذلك غيره ؟ فهل كان علي يملك نفسية متمردة كهذه النفسية ؟ حاشاه ! ه‍ - ماذا يصنع هؤلاء بما ورد عن كثير من المصادر من أن عليا عليه السلام هو نفسه قد تولى تغسيله ودفنه، واغتسل


(1) المصنف ج 6 ص 39 وراجع كنز العمال ج 17 ص 32 و 33 ونصب الراية ج 2 ص 281 و 282 وفي هامشه عن عدد من المصادر. (2) مسند الامام أحمد ج 1 ص 129 / 130 وانساب الاضراف بتحقيق المحمودي ج 2 ص 24 وفيه أنه أمره هو فواراه. (3) قد تقدمت بعض مصادر ذلك في أوائل هذا البحث، وعن عدم جواز المشي في جنازة المشرك، راجع كتب الحديث كسنن البيهقي وغيره.

[ 255 ]

بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب من مس كل ميت مسلم (1). خطابيات وأرجاز ا لمديني: وبعد ما تقدم، إذا كان أبو طالب مسلما مصدقا ؟ فلا يصغى لارجاز وخطابيات أمثال المديني، غير الموافقة للعقل والدين. ولا يفيد هم تملقهم البارد، ولا تظاهرهم بالصلاح، حتى ليقول المديني: " وددت أن ابا طالب كان اسلم، فسر به رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وأني كافر (2) " ! !. سرية إيمان أبي طالب: إننا إذا تتبعنا سير الدعوة، ومواقف أبي طالب فاننا نجد: أنه كان بادئ ذي بدء يكتم إيمانه، تماما كمؤمن آل فرعون، والظاهر أنه قد استمر يظهر ذلك تارة، ويخفيه أخرى إلى أن حصر الهاشميون في الشعب، فصار يكثر من اظهار ذلك. وقد ورد عن الامام الصادق " عليه السلام " قوله: " إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الايمان واظهروا الشرك، فآتاهم الله اجرهم مرتين (3)،. وعن الشعبي، يرفعه عن أمير المؤمنين " عليه السلام " قال: كان والله أبو طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف مؤمنا مسلما يكتم إيمانه ؟


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 1. 3. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 263 لابن قتيبة. (3) أمالي الصدوق ص 551، وشرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 70، وأصول الكافي ج 1 ص 373، وروضة الواعظين ص 139، والبحار ج 35 ص 111 والغدير ج 7 ص 380 - 390 عنهم وعن: الحجة لابن معد ص 17 و 115 وتفسير أبي الفتوح ج 4 ص 212، والدرجات الرفيعة، وضياء العالمين. (*)

[ 256 ]

مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش. وكذا عن ابن عباس (1). وقد تقدم: أن محمد بن الحنفية حمل في حرب الجمل على رجل من اهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين ابي طالب، فلما عرفت الذي اراد كففت عنه (2). وثمة أحاديث أخرى عديدة بهذا المعنى لا مجال لذكرها (3). ولكن لا بد أن نذكر رواية أخرى، ولعلها هي الاقرب إلى واقع الامر، وهي ما ذكره الشريف النسابة العلوي، المعروف بالموضح، باسناده: أن أبا طالب لما مات لم تكن الصلاة على الموتى، فما صلى النبي عليه، ولا على خديجة، وإنما اجتازت جنازة أبي طالب، وعلي وجعفر (4)، وحمزة جلوس، فقاموا، وشيعوا جنازته، واستغفروا له. فقال قوم: نحن نستغفر لموتانا وأقاربنا المشركين أيضا - ظنا منهم أن أبا طالب مات مشركا ؟ لانه كان يكتم إيمانه فنفى الله عن أبي طالب الشرك، ونزه نبيه، والثلاثة المذكورين " رحمهم الله " عن الخطا في قوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا أولي قربى). فمن قال بكفر أبي طالب، فقد حكم على النبي بالخطا والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله وافعاله الخ (5).


(1) الغدير ج 7 ص 388 عن كتاب الحجة ص 24 و 94 و 115. وراجع أمالي الصدوق ص 550. (2) الطبقات الكبرئ لابن سعد ج 5 ص 67. (3) راجع الغدير ج 7 ص 338 - 390 عن: الفصول المختارة ص 80 واكمال الدين ص 103، وكتاب الحجه لابن معد عن أبي الفرج الاصفهاني. (4) لقد كان جعفر بالحبشة، فإما أن يكون قد جاء في زيارة. قصيرة ثم رجع. وإما أن يكون الراوي قد ذكره من عند نفسه سهوا أو عمدا. (5) الغدير ج 7 ص 399 عن كتاب الحجة لابن معد ص 68. (*)

[ 257 ]

ضروة سرية إيمان شيخ الابطح: ونستطيع أن نقول: إن سرية إيمان أبي طالب كانت ضرورة لا بد منها ؟ لان الدعوة كانت بحاجة إلى شخصية إجتماعية قوية تدعمها، وتحافظ على قائدها، شرط أن لا تكون طرفا في النزاع. فتتكلم من مركز القوة لتتمكن الدعوة من الحركة، مع عدم مواجهة ضغط كبير يشل حركتها، ويحد من فاعليتها. قال ابن كثير وغيره: " إذ لو كان اسلم أبو طالب (ونحن نقول: أسلم، ولكنه كتم إيمانه واسلامه) ؟ لما كان له عند مشركي قريش وجاهة، ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا يتجرؤا عليه، ولمدوا أيديهم والسنتهم بالسؤ إليه " (1). لماذا الافتراء على أبي طالب: وأخيرا.. فلعل ذنب أبي طالب الوحيد، هو أنه كان أبا لامير المؤمنين علي " عليه السلام "، فالمستهدف بهذه النسبة الشنيعة في الحقيقة هو ولده، الشوكة الجارحة في أعين الا مويين، والزبيريين، وكل أعداء الاسلام. فهم يريدون النيل من علي في كل أمر يرتبط به حتى وصلط النوبة إلى أخيه جعفر، وابيه أبي طالب " رحمه الله "، ثم إلى كل شيعته ومحبيه، بل إننا لا نكاد نرى فضيلة ثبتت له بسند صحيح عند مختلف الفرق الاسلامية الا ولها نظير في الخلفاء الثلاثة، ولكن بسند ضعيف عندهم على الاكثر، ولله الحمد وله الحجة البالغة. ويقينا لو كان أبو سفيان أو أي شخص آخر، من آباء مخالفي علي " عليه السلام " قد عمل معشار ما عمله أبو طالب، لرأيت من الثناء العاطر عليه، والتبجيل والتقدير، والاحاديث في فضله، وماله من


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 41، وراجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 46. (*)

[ 258 ]

الكرامات والشفاعات، إن دنيا، وإن آخرة، ما يفوق حد الحصر، ويزيد ويتضاعف باستمرار في كل مصر، وعصر. والغريب في الامر: أن أبا سفيان، أبا معاوية الذي يقول لعثمان حينما صارت إليه الخلافة: قد صارت إليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة، واجعل اوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار (1) إن أبا سفيان هذا مؤمن تقي عادل، معصوم، وأبو طالب - أو فقل: أبو علي - كافر مشرك، وفي ضحضاح من نار، يبلغ كعبه، ويغلي منه دماغه ! ! ما عشت أراك الدهر عجبا ! !. أبو لهب ونصرة النبي (ص): ونشير أخيرا هنا إلى أنهم يذكرون: أنه بعد أن توفي أبو طالب أعلن أبو لهب استعداده لنصرة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". فاحتالت قريش فاخبرته أنه يقول: إن اباك عبد المطلب في النار، فسأله عن ذلك، فاخبره بما طابق ما أخبروه به ؟ فتخلى عن نصرته، وانقلب ليكون عدوا له ما عاش (2). ونحن لا نشك في كذب هذه القضية. فاولا: كيف لم يعلم أبو لهب طيلة عشر سنين من عدائه للنبي، ومحاربته له: أن هذا هو رأيه ورأي الاسلام في كل من يموت مشركا بالله تعالى ؟ ! وعلى أي شئ كان يحاربه طيلة هذه المدة إذن ؟ !. وثانيا: لماذا عاداه في حياة أبي طالب، ثم عاد إلى حمايته ونصرته بعد وفاته ؟ !. ولماذا لم يفعل أبو طالب كما فعل أبو لهب ؟، أو لماذا لم


(1) النزاع والتخاصم ص 20. (2) راجع على سبيل المثال: البداية والنهاية ج 3 ص 134 عن ابن الجوزي وتاريخ الخميس ج 1 ص 302. (*)

[ 259 ]

يفعل أبو لهب مثل فعل أبي طالب ! وثالثا: قد اسلفنا أن عبد المطلب لم يكن مشركا، بل كان على دين الحنيفية مؤمنا صادق الايمان. سر افتعال الرواية: ولعل سر افتعال هذه الرواية هنا هو إظهار: أن حماية أبي طالب لم تكن إلا بدافع العصبية والحمية القبلية، أو الحب الطبيعي. ولكن أين كانت حمية وعصبية أبي لهب قبل هذا الوقت، وأين كان حبه الطبيعي لابن أخيه ؟ ولا سيما حينما حصرت قريش الهاشميين في الشعب، وكادوا يهلكون جوعا ؟ !. وأين ذهبت حميته بعد ذلك ؟ وهو الذي كان يتتبع محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " من مكان إلى مكان يؤذيه، ويصد الناس عنه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وقد قدمنا بعض الكلام في ذلك، حين الكلام على تضحيات أبي طالب، فلا نعيد.

[ 260 ]

الباب الرابع: من وفاة أبي طالب حتى الهجرة الى الحبشة

[ 263 ]

الفصل الاول: الهجرة إلى الطائف

[ 265 ]

لا بد من تحرك جديد: لقد فقد النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " بوفاة أبي طالب نصيرا قويا، دافع عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعن دعوته الالهية، بيده ولسانه، وشعره، وولده، وعشيرته، وكل مواهبه وطاقاته، وضحى من أجله بمركزه وماله وعلاقاته الاجتماعية، كما قدمنا - فاعتقدت قريش انه " صلى الله عليه وآله وسلم " سيضعف عزمه عن مواصلة جهوده، بعد أن مات ناصره. فنالته بعد وفاة شيخ الابطح بانواع الاذى، مما عجزت عنه في حياة عمه العظيم، ووجدت الفرصة للتنفيس عن حقدها، وصب جام غضبها على ذلك الذي ترى فيه سببا لكل مشاكلها ومتاعبها. ورأى " صلى الله عليه وآله وسلم " أن الدعوة الاسلامية تتعرض لضغوط قوية تمنع من انتشارها، ومن دخول الاخرين فيها، ما داموا لا يرون في ذلك الدخول إلا العذاب والنكال، وإلا الذل والمهانة. بل يمكن أن يتعرض ما حصل عليه، وجاهد من أجله وفي سبيله لاخطار بما لا يكون في وسعه مواجهتها وتجاوزها بنجاح تام. ومن هنا فقد كان لا بد من تحرك جديد، يعطي للدعوة دفعة جديدة، ويجعلها أكثر حيوية، وأكثر قدرة على مواجهة الاخطار المحتملة

[ 266 ]

وإذا كان بقاؤه " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة - إن لم يكن فيه خطر على الدعوة - معناه جمودها، وتحجميها، وشل حركتها، فان من الطبيعي أن يبحث عن مكان آخر تتوفر فيه له حرية الحركة، والدعوة إلى الله، بعيدا عن أذايا قريش ومكائدها. ويتوفر فيه متنفس لهؤلاء المسلمين الذين تنالهم قريش بمختلف أنواع العذاب والتنكيل، قبل ان يتطرق الياس إلى نفوسهم، وينهاروا امام تلك الضغوط التي يتعرضون لها باستمرار. فكان كل ذلك وسواه دافعا إلى الهجرة إلى الطائف. الهجرة إلى الطائف في كلمات المؤرخين: فبعد ان أذن الله له " صلى الله عليه وآله وسلم " بالخروج من مكة إذ قد مات ناصره ؟ خرج إلى الطائف، ومعه علي " عليه السلام " (1) - أو زيد بن حارثة أو هما معا (2) على اختلاف النقل - وذلك لليال بقين من شوال سنة عشر. فاقام في الطائف عشرة أيام، وقيل: شهرا، لا يدع من أشرافهم أحدأ إلا جاءه، وكلمه، فلم يجيبوه، وخافوا على آحداثهم ؟ فطلبوا منه أن يخرج عنهم، وأغروا به سفهاءهم ؟ فجلسوا له في الطريق صفين، يرمونه بالحجارة، وعلي " عليه السلام " يدافع عنه، حتى شج في رأسه، أو ان الذي شج في رأسه هو زيد بن حارثة. ويقولون: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " التجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وجلس في أحد جوانبه، فتحركت عاطفة ابني ربيعة،


(1) سيرة المصطفى ص 221 / 222 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 97 عن الشيعة. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 127 عن المدائني وسيرة المصطفى ص 221 / 222. (*)

[ 267 ]

وهما يريان ما به من الجهد، فارسلا إليه غلامهما عداسا وهو نصراني من أهل نينوى - بعنب، فوضعه بين يديه، فمد إليه يده، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فتعجب عداس من ان يكون بهذا البلد أحد يذكر الله، وجرت بينهما مكالمة انتهت باسلام عداس. فقال احدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. ثم انصرف " صلى الله عليه وآله وسلم " راجعا إلى مكة، فاستعد اعداؤه للقائه بانواع من الاذى لم يعرفها من قبل. ولكنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان مصمما على مواجهة كل الاحتمالات ؟ حيث قال لرفيقه علي، أو زيد: إن الله جاعل لما ترى فرجأ ومخرجا، وان الله ناصر دينه، ومظهر نبيه. فطلب من الاخنس بن شريق ان يجيره ليتمكن من دخول مكة، فرفض على اعتبار انه حليف، والحليف لا يجير على الصميم (1). ثم طلب من سهيل بن عمرو أن يجيره، فرفض أيضا، لانه من بني عامر فلا يجير على بني كعب، فدخل مكة بجوار المطعم بن عدي، الذي تجهز ومن معه بالسلاح لحمايته ؟ فامضت قريش جواره. ويقول البعض: إنه رد عليه جواره من أول يوم وصوله. وقال آخرون: بل استمر في جواره مدة. هكذا باختصار يروي المؤرخون قضية الهجرة إلى الطائف، ثم العودة منها. هجرات أخري له " صلى الله عليه وأله وسلم ": ويقولون أيضا: إنه بعد وفاة عمه خرج إلى بني صصعة، ومعه


(1) قد تقدمت مصادر ذلك حين الكلام على هجرة أبي بكر، ثم دخوله مكة بجوار ابن الدغنه. (*)

[ 268 ]

علي ؟ فلم يجيبوه، وغاب عن مكة عشرة أيام. وهاجر أيضا مع على وأبي بكر إلى بني شبيان، وغاب ثلالة عشر يوما، فلم يجد عندهم نصرة (1). ولا بد لنا هنا من وقفات لبيان بعض الامور التي ترتبط بما تقدم، ونراها هامة، إلى حدما، وهي التالية: 1 - ما ذكر عن عداس: إننا نشك فيما ذكر من دور عداس، وأكله " صلى الله عليه وآله وسلم " العنب المهدى إليه، وذلك لما يلي: أولا: ما تقدم في الفصل السابق من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن يقبل هدية مشرك، ولا يرضى بان يكون له أي فضل أو نعمة عليه، يستحق بها المكافاة. فكيف قبل هدية ابني ربيعة المشركين، ورضي بان يكون لهما فضل عليه ؟ ! إلا أن يقال: إنما قبل هدية عداس، ولعله لم يكن يعلم أن ابني ربيعة هما اللذان أرسلاه. وثانيا: إن هذه الرواية تنص على أن عداسا قد أسلم. مع ان البعض ينص على أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد عاد من الطائف محزونا، لم يستجب له رجل ولا إمرأة (2). إلا أن يقال: إن المراد: أنه لم يستجب له أحد من الاحرار، أو لم يستجب له أحد من أهل نفس البلد. وعداس من أهل نينوى. ثالثا: كان قد مضى على دعوة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " الناس إلى الاسلام حوالى عشر سنوات، وكانت شهرة دعوته قد تجارزت مكة إلى غيرها من الاقطار والامصار. وأصبح ذكره وذكر ما جاء به على


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 126. (2) راجع: طبقات ابن سعد ج 1 القسم الاول ص 142.

[ 269 ]

كل شفة ولسان. كما أنه قد مضى على وجود النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في الطائف نفسها عشرة أيام، أو شهر وهو يدعو الناس إلى الله، لا يفتر ولا يمل فكيف إذن يتعجب عداس من ذكر الله في ذلك البلد ؟ !. فهل من المعقول: أن يكون عداس لم يسمع بذكره " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا بدعوته هذه المدة كلها، سواء مدة وجوده في الطائف، أو مدة دعوته إلى الله في المنطقة ؟ !. وقد قدمنا بعض الكلام عن عداس في مناقشتنا لروايات بدء الوحي فلا نعيد. 2 - دخوله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة بجوار: وتقدم: أن الاخنس بن شريق، وسهيل بن عمرو لم يقبلا أن يجيرا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليدخل مكة. واحتج الاخنس بانه حليف، والحليف لا يجير على الصميم. فدخل " صلى الله عليه وآله وسلم " بجوار المطعم بن عدي، ونحن نشك في ذلك أيضا. فاولا: قد قدمنا: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن يقبل ان يكون لمشرك عنده يد يستحق الشكر عليها. وهذه يد ولا شك. وثانيا: كيف لم يعلم النبي الذي بلغ من العمر حوالي خمسين عاما، ويعيش بين العرب، كيف لم يعلم طيلة هذه المدة: أنه ليس للحليف أن يجير على الصميم عندهم ؟ ! ! وان بني عامر لا تجير على بني كعب ؟ ! وثالثا: أليس هذا يعتبر ركونا للظالمين، ولغير أهل دينه، والله تعالى يقول: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم). ويقول: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، فتمسكم النار) (1) ؟


(1) سورة هود الاية 113. (*)

[ 270 ]

إلا ان يجاب عن هذا بالنفي، فإن هذا المقدار من الركون ليس بمقصود في الاية. ورابعا: إننا نجد عثمان بن مظعون يرد جوار الوليد بن المغيرة، رغبة منه في مواساة أصحابه ؟ فهل يعقل أن يكون النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أقل من ابن مظعون في ذلك ؟ ! ولا يستطيع الصبر على تحمل المشاق والاذى الذي استعدت قريش لتناله به ؟ إن ذلك لعجيب حقا ! !. ثم لماذا لم يخف من الاذى حين رد على المطعم جواره، لا سيما إذا كان قد رده عليه من أول يوم ؟ !. وأما أنه كان يخشى على نفسه القتل، فلذلك طلب الجوار ؟ فجوابه أنه كان يعلم: أن قريشا لا تستطيع ذلك. وأنها تعرف: أنه في غير صالحها في تلك الظروف، وبالاخص إذا كان ذلك علنا. ثم أين كان عنه الهاشميون في تلك الساعة ؟ ولماذا لا يحمون كبيرهم وسيدهم حتى يحتاج إلى جوار الاخرين ؟ ! وأين كان عنه أسد الله وأسد رسوله، الذي فعل بابي جهل ما فعل كما تقدمت الاشارة إليه ؟ !. 3 - إسلام نفر من الجن: ويذكر هنا: أنه وهو " صلى الله عليه وآله وسلم " منصرف من الطائف إلى مكة، التقى ببعض الجن، فقرأ عليهم القرآن فآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم، مبشرين ومنذرين، فقص الله خبرهم في سورة الجن، فقال: (قل اوحي الي: أنه استمع نفر من الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد). ولكن الظاهر: أن قضية الجن قد كانت في أوائل البعثة ؟ حيث إن الرواية تذكر: أنه لما بعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حيل بين

[ 271 ]

الجن وبين استراق السمع في السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ففهموا: أن ذلك إنما هو لحدث جرى في الارض فعادوا إليها، وبحثوا عن الامر، فوجدوا أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد بعث، فاستمعوا القرآن وآمنوا، فنزلت الاية (1). وفي رواية أخرى: أن ابليس أرسل جنوده ليكشفوا له الامر، فعادوا إليه بنبأ بعثته " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). وإلى ما ذكرناه من كون ذلك في أوائل البعثة ذهب ابن كثير أيضا (3) ويدل على ذلك أيضا: أن عددا من الروايات تذكر: أن إبن مسعود كان معه " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الجن (4). وإبن مسعود من المهاجرين إلى الحبشة، فلا بد أن تكون القضية قد حدثت قبل هجرته إليها، أي قبل الخامسة من البعثة. 4 - الطائف وعلاقاتها بمن حولها: إن أهل الطائف كانوا مرتبطين إقتصاديا بأهل مكة، ومن حولهم، لانهم كانوا يصدرون الفاكهة التي هي عمدة محاصيلهم إلى مكة وغيرها


(1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 270 / 275، عن: البخاري، ومسلم، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي والنسائي، والحاكم، وإبن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي معا في الدلائل وغير ذلك. وتاريخ الخميس ج 1 ص 303 - 304 ويقال: إن آيات سورة الاحقاف قد نزلت حين رجوعه من الطائف بهذه المناسبة. ولكن يدفع ذلك ما في الدر المنثور ج 6 ص 45 عن مسلم، وأحمد، والترمذي، وعبد بن حميد وغيرهم. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 304. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 303 عن المواهب اللدنية. (4) ناريخ الخميس ج 1 ص 304. (*)

[ 272 ]

من الاطراف المحيطة بهم. فهم يرون مصيرهم مرتبطا إقتصاديا وإجتماعيا بغيرهم، وهم بحاجة إلى التقرب والتزلف إلى ذلك الغير، واستجلاب محبتهم ورضاهم، حتى لا يتعرضوا للضغط الاجتماعي، أو إلى حصار إقتصادي - كما جرى لبني هاشم - من قبل من يحيط بهم، لا سيما من المكيين، حيث السوق الرئيس لمنتجاتهم. ثم إنه قد كان لهم صنم يقال له اللات، وكان له سدنة. ويزوره العرب (1) فكان لهم مركز ديني أيضا بين العرب، يهتمون جدا بالمحافظة عليه. ومن هذا وذاك، نعرف السر في انهم كانوا اشداء في مواجهة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وحريصين على اخراجه من بينهم بسرعة. ويشار هنا: إلى ان أهل الطائف الذين قتلوا عروة بن مسعود الداعي إلى الاسلام قد تأخر اسلامهم إلى أواخر حياة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فوفدوا عليه " صلى الله عليه وآله وسلم " في سنة تسع، سنة الوفود ولم يؤمنوا إلا بعد أن ادركوا: أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب. فلا يخرج لهم مال إلا نهب، ولا إنسان إلا أخذ ؟ فلما رأوا عجزهم اجتمعوا وأرسلوا.. الخ (2).


(1) الاصنام للكلبي ص 16، والسيرة النبوية لدحلان مطبوع بهامش الحلبية ج 3 ص 11 وتاريخ الخميس ج 2 ص 135. (2) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 / 283 وراجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 3 ص 9 مطبوع بهامش الحلبية والسيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 183 وتاريخ الخميس ج 2 ص 135. (*)

[ 273 ]

5 - الاسلام دين الفطرة: إننا نلاحظ، أن أهل الطائف قد خافوا على أحداثهم من دعوة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، رغم أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يقم بينهم سوى فترة قصيرة جدا. الامر الذي يؤكد على ان الاسلام كان يجد سبيله بيسر وسهولة إلى العقول الصافية والنفوس البريئة وينسجم مع الفطرة السليمة، التي لم تتلوث بعد بالمفاهيم المنحرفة، ولم تطغ عليها عوامل المصالح الشخصية، والعواطف القبلية، وغير ذلك. وكيف لا يجد سبيله إليها بيسر، وهو الدين القائم على الدليل والبرهان العقلي، والمنسجم مع الفطرة، وهو دين الضمير والوجدان الحي. ومن هنا، فإننا نلاحظ: أنهم لم يمكنهم الرد عليه ومناقشته، بل طلبوا منه أن يخرج من بينهم، وحاولوا ان يشوهوا صورته في أذهان أولئك الذين استمعوا إليه، - وفي أذهان الصغار الذين اغروهم به " صلى الله عليه وآله وسلم " والذين يمكن ان تؤثر فيهم دعوته - بما استعملوه ضده من أساليب غير منطقية، وإنما تتميز بالاهانة والاذى، ثم السخرية والاستهزاء الجارح والمهين. 6 - هل كانت هذه سفرة فاشلة ؟ !. ولربما يتسأل البعض: عن الفائدة لهذه الرحلة الفاشلة ؟ وفي جوابه نقول: إن هذه الرحلة لم تكن فاشلة، كما ربما يتصور البعض. فإن من الطبيعي أن تترك هذة الحادثة آثارا إيجابية من نوع ما في أذهان من التقى بهم، وكلمهم، وان تثمر فيما بعد ثمارها المطلوبة والمرجوة

[ 274 ]

منها. حيث قد أثرت بشكل واضح في تهيئة الجو لايمان ثقيف فيما بعد ذلك عندما قويت شوكة الاسلام، ولم تعد تخشى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليها ممن حولها، ولا سيما من قريش بل أصبح الضغط من جانب المسلمين لان القبائل كانت تفد إلى النبي " صلى الله عليه واله وسلم " فتعلن عن إسلامها، ويكتب لها كتابا، ويشترط قطع العلاقات مع المشركين فاخافهم ذلك وأرعبهم. وقد كانت قريش تشيع عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أنه مجنون أو ساحر، أو كاهن الخ، فها هو " صلى الله عليه وآله وسلم " يتصل بالناس مباشرة، ويلمسون بأنفسهم حقيقة الامر، ويتعرفون عن قرب على شخصيته وخصائصه، بحيث تسقط كل الاشاعات الكاذبة والمغرضة ؟ وليصير الايمان به وبرسالته، وبنبوته أسهل وأيسر، وليصبح اكثر قوة وعمقا ورسوخا.

[ 275 ]

الفصل الثاني: جتى بيعة العقبة

[ 277 ]

المجاعة: ثم هاجت الازمة، وهى الجوع في قريش، وأهل مكة، وكان ذلك بدعاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " الذي دعا عليهم - حتى أكلوا العلهز (1)، والقد، وحتى أحرقوا العظام فاكلوها واكلوا الكلاب الميتة، والجيف، ونبشوا القبور، وأكلت المرأة طفلها.. وحتى كان الرجل يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان ؟ فشغل ذلك الناس بأنفسهم وبمشاكلهم، فأتيحت الفرصة للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " - ولو لفترة قصيرة - ليتحرك في سبيل دينه ورسالته داعيا إلى الله، ومجاهدا في سبيله. فلما دخلت سنة إحدى عشرة من البعثة، جاء أبو سفيان إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: يا محمد، جئت بصلة الرحم، وقومك قد هلكوا جوعا، فادع الله لهم، فدعا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لهم ؟ فكشف عنهم يقول الله عزوجل: (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) (2).


(1) العلهز: دم يابس يدق به اوبار الابل في المجاعات ويؤكل. (2) الدخان / 15. راجع: البدء والتاريخ ج 4 ص 157، وتفسير البرهان ج 4 ص 160 عن المناقب لابن شهر آشوب. (*)

[ 278 ]

فإن الظاهر هو ان هذه الاية قد جاءت جوابا لقولهم: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. ثم تحدث عنهم تعالى بأسلوب الغائب مشيرا إلى ما صدر منهم سابقا مما يدل على عدم وثوقه في وعدهم، ثم عاد إلى خطابهم بالاية الانفة الذكر، متوعدا إياهم بالعذاب الاليم في الاخرة في صورة عودتهم إلى العناد. ونشير هنا: إلى ان رجوع أبي سفيان إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليؤكد على أن المشركين كانوا يعرفون أن ما جاء به " صلى الله عليه وآله وسلم " هو الحق، ولكنهم حجدوا ذلك استكبارا وعتوا، وعلوا، وحفاظا على الامتيازات الظالمة التي جعلوها لانفسهم. ومن الجهة الثانية، فإننا نجده " صلى الله عليه وآله وسلم " يستجيب لطلب أبي سفيان، ولكن ليس فقط لاجل ما ذكره من لزوم صلة الرحم ؟ لان الاسلام هو الصلة الحقيقية بين أبناء البشر جميعا، وعلى أساسه تكون الاخوة بينهم. وإنما يستجيب له ليعطيه دليلا جديدا على أحقية ما جاء به، وليقيم الحجة عليه، وعلى كل من يرى رأيه ؟ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة. وليمنح الفرصة للذين يعيشون بعيدا عن الاضواء، وليس لهم مصالح دنيوية كبيرة، ليفكروا بموضوعية وتجرد ؟ بعيدا عن الاجواء المصطنعة. عرض الاسلام على القبائل: لقد كان النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " يغتنم الفرصة في مواسم الحج ؟ فيعرض على القبائل، قبيلة قبيلة، أن تعتنق الاسلام، وتعمل على نشره وتاييده، وحمايته ونصرته. بل كان لا يسمع بقادم إلى مكة، له إسم وشرف، إلا تصدى له، ودعاه إلى الاسلام. ولكن عمه أبا لهب كان يتبعه أنى توجه، ويعقب على كلامه، ويطلب منهم ان لا يقبلوا منه ولا يطيعوه في شئ. هذا بالاضافة إلى إتهامه

[ 279 ]

بالجنون، والسحر والكهانة، والشعر، وغير ذلك. وكان الناس في الغالب يسمعون من قريش ! إما خشية من سلطانها ونفوذها، وإما حفاظا على مصالحهم الاقتصادية في مكة، لا سيما في مواسم الحج، وعكاظ. كما أن تصدي أبي لهب عم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالذات لافساد الامر عليه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان أبعد تأثيرا في ذلك، على اعتبار: أنه عمه، وأعرف الناس به. ولقد افادت تحركات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " هذه، حيث إنهم بعد ان ذهبت شوكة قريش، وخمد عنفوانها، وأصيب نفوذها بنكسة قوية بسبب ظهور دعوته وانتشار دينه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وتوالي انتصاراته عليها، ولا سيما بعد فتح مكة. بدأت وفادات العرب تترى إلى المدينة، بعد أن أمنوا غائلة عداء قريش، ليعلنوا عن ولائهم ومساندتهم، لان دعايات قريش واشاعاتها الكاذبة قد ذهب أثرها، وبطل مفعولها، لانهم قد رأوا هذا النبي عن قرب، وعرفوا فيه رجاحة العقل، واستقامة الطريقة، منذ اجتمعوا به في تلك المواسم، وعرض دعوته عليهم. وقد صرح المؤرخون بأن العرب كانوا ينتظرون بإسلامهم قريشا و كانوا إمام الناس، وأهل الحرم، وصريح ولد إسماعيل لا تنكر العرب ذلك. فلما فتحت مكة واستسلمت قريش عرفت العرب أنها لا طاقة لها بحرب رسول الله ولا عداوته، فدخلوا في الدين أفواجا (1). بل إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما كان يعرض دعوته على القبائل كانوا يردون عليه. أقبح الرد، ويقولون: اسرتك وعشيرتك أعلم


(1) راجع الكامل في التاريخ ج 2 ص 286 / 287. (*)

[ 280 ]

بك حيث لم يتبعوك (1). وهذا يدل على ان الخوف من قريش لم يكن هو الدافع الوحيد للامتناع عن الدخول في الاسلام لا سيما وأن الكثيرين من العرب كانوا بعيدين عن مكة، ولا يخشون سطوتها. ونقطة أخرى لا بد من الاشارة إليها. وهي ان تحرك النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وعرض دين الله على القبائل، وهجراته المتعددة في سبيله ليعتبر إدانة للمنطق القائل: إن على صاحب الدعوة: أن يجلس في بيته، ولا يتحرك، وعلى الناس أن يقصدوه ويسألوه عما يهمهم، ويحتاجون إليه. بنو عامر بن صعصعة، ونصرة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": ونشير هنا إلى واقعة هامة، حدثت في خلال عرض النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " دعوته على القبائل، وهي: ان رسول " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم دعوته فقال لهم رجل منهم، إسمه: " بيحرة بن فراس ": والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على امرك، ثم اظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال: الامر لله، يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا اظهرك الله كان الامر لغيرنا ؟ ! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه. فلما صدر الناس، رجع بنو عامر إلى شيخ لهم ؟ فسألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 3. (*)

[ 281 ]

المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. فوضع الشيخ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذي نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم ! (1) ومثل ذلك جرى له " صلى الله عليه وآله وسلم " مع قبيلة كندة، كما ذكره أبو نعيم في دلائل النبوة (2). ونحن نسجل هنا ما يلي: 1 - الأمر لله: لقد نصت الرواية على ان الامر لله يضعه حيث يشاء، ونستفيد من ذلك: ألف: ان الرسول لم يعط هؤلاء وعدا بما طلبوه منه، من جعل الامر لهم بعده، بل أجابهم بأن الامر لله، يضعه حيث يشاء أي انه لا يمكن ان يعد بما لا يعلم قدرته على الوفاء به، تماما على العكس من السياسيين الذين عرفناهم في عصرنا الحاضر، وعلى مر العصور الذين لا يتورعون عن إغداق الوعود المعسولة على الناس، حتى إذا وصلوا إلى غايتهم، وجلسوا على كرسي الزعامة فإنهم ينسون كل ما قالوه، وما وعدوا به. ولكن نبي الاسلام الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " رغم انه كان


(1) راجع: سيرة ابن هشام ج 2 ص 66، والثقات لابن حبان ج 1 مر 89 - 91، بهجة المحافل ج 1 ص 128، وحياة محمد لهيكل ص 152 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 147، والسيرة الحلبية ج 2 ص 3، والروض لانف ج 1 ص 180، والبداية والنهاية ج 3 ص 139، و 140، وعن دلائل النبوة لابي نعيم ص 100 وحياة الصحابة ج 1 ص 78 و 79. (2) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 140. (*)

[ 282 ]

بأمس الحاجة إلى من يمد له يد العون لا سيما من قبيلة كبيرة تملك من العدد والعدة ما يمكنها من حمايته، والرد عنه. إلا إنه يرفض ان يعد بما لا يملك الوفاء به، حتى ولو كان هذا الوعد يجر عليه الربح الكثير فعلا. ب - إن جواب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لهم بقوله: " الامر لله يضعه حيث يشاء " يؤيد ما يذهب إليه أهل البيت (ع) وشيعتهم الابرار رضوان الله تعالى عليهم، من ان خلافة النبوة ليست من المناصب التي يرجع البت فيها إلى الناس. بل هي منصب الهي، والامر لله فيها، يضعه حيث يشاء. 2 - سمو الهدف، والنظرة الضيقة: وإن عرض هذه القبيلة مساعدتها على النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم بهذا النحو، إنما يدل على أنها لا تريد في مساعدتها له وجه الله سبحانه، ولا تنطلق في موقفها ذاك من قاعدة إيمانية قوية، وقناعة عقائدية راسخة، ولا طمعا بثواب الله، ولا خوفا من عقابه. وإنما تنطلق في ذلك من نظرة ضيقة، مصلحية تجارية بالدرحة الاولى: وتريد من نصرها له أن تأكل به العرب، وتحصل على المجد والسلطان. ومن الواضح - بناء على هذا - أن نصرها له لسوف ينتهي، عندما تجد: أن مصلحتها قد انتهت، وحصلت على كل ما تريد، أو حينما ترى: أن تجارتها الدنيوية قد خسرت، بل لربما تنقلب عليه إذا رأت فيه عائقا يمنعها من تحقيق أهدافها، أو الاحتفاظ بالامتيازات الظالمة التي تفرضها لنفسها. وهكذا يتضح: أن الاعتماد على من يفكر بعقلية كهذه، وبتعامل من منطلق كهذا ليس إلا اعتمادا على سراب، إن لم يجر على من يعتمد عليه البلاء والعذاب.

[ 283 ]

3 - الدين، والسياسة: وقد لاحظ بعض المحققين هنا: أن هذا العربي، وهو من بني عامر بن صعصعة، لما أخبروه بما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونقلوا إليه ما جرى لهم معه قد أدرك: أن هذا الدين ليس مجرد ترهب في الصوامع، وصلاة، ودعاء، وأوراد، وأذكار، بل هو دين يشتمل على التدبير والسياسة، والحكم، ولاجل هذا قال: " لو أني أخذت هذا الفتى (يعني محمدا بماله من الدعوة الشاملة) لاكلت به العرب ". ولقد سبقه إلى إدراك هذه الحقيقة شيخ الانصار أسعد بن زرارة، لما قدم إلى مكة، وعرض عليه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ما يدعو إليه، فرأى: أن فيه وفي دعوته ما يصلح مجتمعه، ويعالج مشاكلهم المستعصية بينهم وبين إخوانهم من الاوس، وعلى هذا كانت الهجرة (1). وقد أدرك ذلك أيضا نفس أولئك الذين اشترطوا على النبي " صلى الله عليه وآنه وسلم " أن يكون لهم الامر من بعده، فرفض " صلى الله عليه وآله وسلم " طلبهم. وسيأتي ذلك عن عامر بن الطفيل، في غزوة بئر معونة. فما أبعد ما بين فهم هؤلاء للاسلام، ولدعوة القرآن، حتى إن هذا الفهم هو الذي مهد لاسلام الانصار، ثم الهجرة. وكذلك لبيعتهم (بيعة العقبة الاولى والثانية)، واختيار النقباء والكفلاء على المبايعين، وبين ذلك الذي يعتبر الدين منفصلا عن السياسة، وأن السياسة أمر غريب عن الدين. فإن ذلك ولا شك من القاءات الاستعمار، ومن الفكر المسيحي الغريب المستورد، كما هو ظاهر.


(1) راجع: البحار ج 19 ص 9 واعلام الورى ص 57 عن القمي.

[ 284 ]

4 - نتائج عرضه " صلى الله عليه وآله وسلم " دعوته على القبائل: ويمكننا: أن نستفيد مما تقدم: 1 - ما تقدمت الاشارة إليه، من أن مقابلة النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم للناس، والتحدث معهم مباشرة كان من شانه: أن يعطي الناس الانطباع الحقيقي عن شخصية الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وحقيقة ما جاء به. ويدفع كل الدعايات والاشاعات الكاذبة، والمغرضة، التي كانت تبثها قريش وأعوانها، ككونه ساحرا، أو كاهنا، أو شاعرا، أو مجنونا، أو غير ذلك من ترهات. 2 - إن ما جرى في قضية بني عامر ليدل دلالة واضحة: على أن عرضه صلى الله عليه وآله وسلم دعوته على القبائل، قد أسهم في الدعاية لهذا الدين، ونشر صيته، في مختلف الانحاء، والارجاء، فقد كان من الطبيعي أن يتحدث الناس، إذا رجعوا إلى بلادهم بما رأوه وسمعوه في سفرهم ذاك ولم يكن ثمة خبر أكثر إثارة لهم من خبر ظهور هذا الدين الجديد، وفي مكة بالذات. زواج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بسودة وعائشة: ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وآله قد تزوج بسودة بنت زمعة، وعقد على عائشة بنت أبي بكر وكان ذلك بعد عشر سنوات من البعثة. ولا نجد لسودة دورا هاما في التاريخ، ولا في حياة النبي صلى الله عليه وآله، أو بعده وكل الاهتمامات مركزة على عائشة، حتى لقد حكموا باستحباب العقد في شوال، لانه صلى الله عليه وآله قد تزوج عائشة في شوال (1) ! ! مع أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " نفسه تزوج غيرها في أشهر أخرى ! !.


(1) نزهة المجالس ج 2 ص 137. (*)

[ 285 ]

وعلى كل حال، فاننا لن نستطيع أن نلم في هذه العجالة بجميع ما قيل، أو يقال حولها ؟ فإن ذلك متعسر، بل متعذر ولذلك فنحن نكتفي بذكر أمرين لهما صلة بموضوع زواجه " صلى الله عليه وآله وسلم " بها. ولربما ياتي إن شاء الله بحوث أخرى لجوانب أخرى مما يرتبط بها. وهذان الامران هما: سن عائشة وجمالها وحظوتها عند النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فنقول: 1 - سن عائشة: ويقولون: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد عقد على عائشة، وهي بنت ست سنين، أو سبع. ثم انتقلت إلى بيته بعد هجرته إلى المدينة، وهي بنت تسع. وهذا هو المروي عنها (1). ونحن نقول: إن ذلك غير صحيح، وأن عمرها كان أزيد من ذلك بكثير، ونستند في ذلك إلى ما يلي: أولا: إن ابن إسحاق قد عد عائشة في جملة من أسلم أول البعثة، قال: وهي يومئذ صغيرة. وأنها أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا فقط (2). فلو جعلنا عمرها حين البعثة سبع سنين مثلا فإن عمرها حين العقد عليها كان 17 سنة، وحين الهجرة 20 سنة.


(1) راجع فيما ذكرناه: طبقات ابن سعد ج 8 ص 39، والاصابة ج 4 ص 359، وتاريخ الطبري ج 2 ص 413 وتهذيب التهذيب ج 12، وأسد الغابة ج 5 وغير ذلك وراجع: شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 190 لكنه ناقض نفسه ص 191 فقال: انها توفيت سنة 57 ه‍. وعمرها 64 سنة، وهذا يعني أنها كان عمرها حين الهجرة سبع سنوات فقط. (2) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 271، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 351 و 329 عن ابن ابي خيثمة في تاريخه عن ابن اسحاق، والبدء والتاريخ ج 4 ص 146. (*)

[ 286 ]

ثانيا: وفي مقام رفع التنافي بين قوله " صلى الله عليه وآله وسلم " لفاطمة: أنها سيدة نساء العالمين، وبين ما نسب إليه " صلى الله عليه وآله وسلم " من أنه لم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وأن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (1). يقول الطحاوي: " قد يحتمل أن يكون ما في هذا الحديث قبل بلوغ فاطمة، واستحقاقها الرتبة التي ذكرها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لها. إلى أن قال: وأن كل فضل ذكر لغير فاطمة، مما قد يحتمل أن تكون فضلت به فاطمة، محتملا لان يكون وهي حينئذ صغيرة، ثم بلغت بعد ذلك الخ " (2). لقد قال الطحاوي هذا، بعد أن جزم قبل ذلك بقليل، بأن فاطمة صلوات الله وسلامه عليها كان عمرها حين توفيت خمسا وعشرين سنة (3). وهذا يعني أنها قد ولدت قبل البعثة بسنتين، والفرض: أن فاطمة كانت صغيرة حينما كانت عائشة بالغة مبلغ النساء. وثالثا: يذكر ابن قتيبة أن عائشة قد توفيت سنة 58 - وعند غيره سنة 57 ه‍ - وقد قاربت السبعين (4) ولضم ذلك إلى ما يقوله البعض من أن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بثلاث، أو بأربع، أو بخمس سنين ثم ما


(1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 137. (2) مشكل الاثار ج 1 ص 52. (3) مشكل الاثار ج 1 ص 47. وقد حمل بعض العلماء حديث فضل عائشة كفضل الثريد الخ. على المزاح منه " صلى الله عليه وآله وسلم " معها ؟ لان جوها لا ينسجم مع جو التفضيل كما في قوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": فاطمة سيدة نساء العالمين، ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية إلخ. ولا سيما بملاحظة: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن من المهتمين بأمور الاطعمة، واللذيذ منها ليأتي بها كمثال على تفضيل في أمر حساس كهذا. (4) المعارف لابن قتيبة ص 59 ط سنة 1390 ه‍.

[ 287 ]

روي عن عائشة من قولها: تزوجني رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأنا بنت تسع سنين (2). (ولعل هذه الرواية هي الاقرب بقرينة ما قدمناه، ولكثرة الخلط بين كلمتي " سبع " و " تسع " بسبب عدم نقط الكلمات في السابق. بل أن هذا الرقم أيضا مشكوك فيه لما تقدم، ولان المرأة تميل إلى تقليل مقدار عمرها عادة ا. فكلام ابن قتيبة والذي بعده يدل على أنها قد ولدت أما سنة البعثة أو قبلها. وهذا الثاني هو الارجح لما قدمناه. في المستند الاول والثاني. إذن، فيكون عمر عائشة حين عقد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عليها في سنة عشر من البعثة أكثر من ست سنين بكثير، أي ما بين ثلاثة عشر إلى سبعة عشر سنة. في طرائف الروايات الموضوعة: ومن الموضوعات الغريبة في هذا المجال، ما جاء عن أبي هريرة: من أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لما دخل المدينة، واستوطنها طلب التزويج ؟ فقال لهم: أنكحوني. فأتاه جبرئيل بخرقة من الجنة فيها صورة لم ير الراؤون أحسن منها، وأبلغه أمر الله له: أن يتزوج على تلك الصورة. فقال له النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبرئيل ؟ فقال له: إن الله يقول لك: تزوج بنت أبي بكر الصديق. فمضى رسول الله إلى منزل أبي بكر، فقرع الباب، ثم قال: يا أبا بكر، إن الله أمرني أن أصاهرك، فعرض عليه بناته الثلاث فقال: إن الله أمرني أن


(1) راجع: حديث الافك ص 93. (*)

[ 288 ]

أتزوج هذه الجارية وهي عائشة، فتزوجها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " (1). انتهى باختصار. وعدا عما في سند هذه الرواية، فاننا نقول: أولا: لم نفهم كيف يتصرف النبي تصرفا لا يصدر عن العقلاء الذين يحترمون أنفسهم، فيطلب التزويج من الناس، ويقول لهم: أنكحوني ! !. إلا أن يكون صبيا صغيرا، لا حياء عنده، ولا عقل لديه ! ! والغريب في الامر: أنه لم يبادر أحد لاجابة طلبه هذا، بل عاملوه بالجفاء، وأهملوا تنفيذ طلبه، حتى جاء جبرئيل فتولى حل مشكلته. وثانيا: هل صحيح: أن عائشة كانت من الحسن بهذه المثابة: حتى إن صورتها لم ير الراؤون أحسن منها ؟ ! ! لعل في ما سيأتي مقنعا وكفاية لمن أراد الرشد، والحق، والهداية. وثالثا: لقد تزوج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عائشة بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات، ولم يتزوجها في المدينة، وإجماع المؤرخين على ذلك ظاهر للعيان. ورابعا: لم نعرف البنات الثلاث اللواتي عرضهن أبو بكر على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فاسماء كانت تحت الزبير، وقدمت المدينة وهي حامل بولدها عبد الله وعائشة قد تزوجت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة وأم كلثوم، قد ولدت بعد وفاة أبي بكر (2). ولم يولد له غيرهن. وأخيرا، فإن لقب (الصديق) قد جاء إلى أبي بكر بعد وفاة النبي


(1) تاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 194، وميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 44، وقد كذبا (الخطيب والذهبي) هذا الحديث الذي جميع رجال أسناده ثقات باستثناء محمد بن الحسن الدعاء الاصم. وراجع: الغدير ج 5 ص 321. (2) راجع: نسب قريش لمصعب الزبيري ص 275 - 278 لتعرف من ولدهم أبو بكر.

[ 289 ]

صلى الله عليه وآله من محبي الخليفة الاول، كما ربما نشير إليه حين الكلام على قضية الغار إن شاء الله تعالى. 2 - جمال عائشة وحظوتها: ونسجل هنا: أن أكثر، إن لم يكن كل ما يقال عن جمال عائشة، وعن حظوتها، وحب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لها، إنما هو مروي عنها نفسها، أو عن ابن أختها عروة. ونحن نقطع بعدم صحة ذلك كله من الاساس. فاولا: لماذا لم يرو ذلك كله إلا من طريق عائشة، أو عروة ابن أختها كما يظهر من تتبع الروايات ؟ !. وثانيا: إن ابن عباس يواجهها بعد حرب الجمل بحقيقة: أنها لم تكن أحسن نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وجها، ولا بأكرمهن حسبا (1). كما أن عمر إنما يصف زينبا بالحسن، دون عائشة ؟ فإنه لم يشر إليها في قليل ولا كثير ؟ كما سيأتي. وثالثا: قال علي فكري: " وما رواه ابن بكار: من أن الضحاك بن أبي سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا ؟ فلما بايعه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء (يريد عائشة، وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب) ؟ أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها ؟ - وعائشة جالسة تسمع ؟ فقالت: أهي أحسن أم أنت ؟ فقال: بل أنا أحسن وأكرم. فضحك رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " من سؤالها إياه (لانه كان دميما قبيح الوجه) (2).


(1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 337 ط الهند. (2) السمير المهذب ج 2 ص 8 - 9.

[ 290 ]

ورابعا: قال عباد بن العوام لسهيل بن ذكوان: صف لي عائشة. قال: كانت أدماء. وقال يحيى: قلنا لسهيل بن ذكوان: رأيت عائشة ؟ قال: نعم. قيل: صفها. قال: كانت سوداء (1) إذن، فما يقال عنها، أنها كانت شقراء، ثم الاستشهاد على ذلك بقول رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لها: " يا حميراء ".. يصبح موضع شك وريب كبير. ولعل قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لها ذلك قد جاء على سبيل التلطف والرفق بها. أو لعله إشارة إلى قول العرب: شر النساء الحميراء المحياض (2) فقال لها " صلى الله عليه وآله وسلم " ذلك على سبيل المداعبة والتلطف والمزاح. وخامسا: إن من يتتبع سيرة زوجات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يجد: أن عائشة هي التي كانت تحسد وتغار من كل زوجة وسرية له " صلى الله عليه وآله وسلم ". ويدرك بما لا مجال معه للشك: أن أكثرهن - إن لم يكن كلهن - كن أكثر حظوة لدى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " منها. إن لم نقل أنهن أجمل وأضوء منها أيضا ؟ فإن من الطبيعي أن نجد الدميم هو الذي يحسد على الجمال ويغار، أما الجميل فليس من الطبيعي أن يحسد الدميم، وأن يغار منه. كما أنه ليس من الطبيعي أن يكون الميل لغير ذات الجمال أكثر منه للجميلة الوضيئة، وقد ذكر في حديث الافك على لسان أم المؤمنين عائشة


(1) الضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 155. (2) ربيع الابرار ج 4 ص 280 وروض الاخيار ص 130. (*)

[ 291 ]

قولها: " فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها ". ولو صدقنا: أنها كانت هي ذات الحظوة لدى الرسول، وأنه كان يحبها أكثر من غيرها، فلماذا هذه الغيرة، وهذا الحسد منها لهن ؟ فإن الحسد لا بد وأن يكون على شئ يفقده الحاسد، ويتمنى زواله عن المحسود، وانتقاله إليه. وإليك بعض موارد غيرة وحسد عائشة لضرائرها. 3 - حسد وغيرة عائشة: 1 - خديجة عليها السلام: عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة كما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها. ولكن لكثرة ذكر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إياها، وإن كان ليذبح الشاة ؟ فيتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن (1). وللحديث عبارات وأسانيد مختلفة لا مجال لها الان. وقد ذكر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " خديجة يوما، فغارت أم المؤمنين، فقالت: هل كانت إلا عجوزا أبدلك الله خيرا منها ؟ وفي لفظ مسلم: " وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، أبدلك الله خيرا منها " ؟ فغضب " صلى الله عليه وآله وسلم "،


(1) صحيح البخاري ج 9 ص 292، وج 5 ص 48، وح 7 ص 47، وج 8 ص 15، وصحيح مسلم ج 7 ص 134 و 133، وأسد الغابة ج 5 ص 438، والمصنف ج 7 ص 493، والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 286، وصفة الصفوة ج 2 ص 8، عن البخاري، ومسلم، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 153، والبداية والنهاية ج 3 ص 128.

[ 292 ]

حتى اهتز مقدم شعره، ثم قال: لا والله، ما أبدلني الله خيرا منها الخ الرواية (1). وقال العسقلاني والقسطلاني: " وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لكن كانت تغار من خديجة أكثر " (2). ولعمري، لقد كان هذا بعد الوفاة، فكيف لو كانت خديجة على قيد الحياة ؟ ! - وإذا كانت غيرة أم المؤمنين قد بلغت الاموات، فما حالها مع الاحياء. وكيف كانت معاملتها لهن ؟ !. 2 - زينب بنت جحش. لقد اعترفت عائشة في حديث الافك بأن زينب هي التي كانت تساميها من أزواج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". واعترفت عائشة أيضا: أنها قد أخذها ما قرب وما بعد، حينما أراد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يتزوج زينب، لما كان يبلغهم من جمالها (3). وما فعلته عائشة وحفصة مع زينب، في قضية المغافير مشهور ومسطور، حتى ليقولون: إن هذا هو سبب نزول آية التحريم (4)، وإن كنا


(1) صحيح مسلم ج 7 ص 134، لكنه لم يذكر جوابه " صلى الله عليه وآله وسلم " وأسد الغابة ج 5 ص 857 / 558 و 438 والاصابة ج 4 ص 283، والاستيعاب هامشها ج 4 ص 286 / 287، وصفة الصفوة ج 2 ص 8، ومسند أحمد ج 6 ص 117، وليراجع البخاري ج 2 ص 202 ط سنة 1309 ه‍. ق والبداية والنهاية ج 3 ص 128 واسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 96. (2) فتح الباري ج 7 ص 102، وإرشاد الساري ج 6 ص 166 وج 8 ص 113. (3) الاصابة ج 4 ص 314، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 72، والدر المنثور ج 5 ص 202 عن ابن سعد، والحاكم. (4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 76، وحياة الصحابة ج 2 ص 761 عن البخاري ومسلم. (*)

[ 293 ]

نعتقد أنها نزلت في غير هذه القضية. واعترف عمر بن الخطاب بجمال زينب، عندما قال لابنته، ليس لك حظوة عائشة، ولا حسن زينب (1). فلو كانت عائشة موصوفة بالحسن لقدمها على زينب في هذا الامر. أما بالنسبة للفقرة الاولى فنحن نشك في صحتها، ونعتقد أنها سياسة من عمر تجاه أم المؤمنين، أو من تزيد (2) الرواة لحاجة في النفس، وذلك لما تقدم وسيأتي. ومهما يكن من أمر، فإن أم سلمة تذكر: أن زينب كانت معجبة لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وكان يستكثر منها (3). 3 - أم سلمة رحمها الله تعالى: كانت أم سلمة من أجمل الناس (4). وعن الامام الباقر: أنها أجمل نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ويذكرون أن قصة المغافير من عائشة وحفصة كانت معها (5). كما أن عائشة قد اعترفت بان أم سلمة وزينب كانتا أحب نسائه " صلى الله عليه وآله وسلم " إليه بعدها (6).


(1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 137، 138. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 73، وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 347. (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 205 وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 362. (4) راجع طبقات ابن سعد ج 8 ص 122، والدر المنثور ج 6 ص 239. (5) طبقات ابن سعد ج 8 ص 81. (6) الاصابة ج 4 ص 459، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 66.

[ 294 ]

تقول عائشة: (ولما تزوج رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أم سلمة حزنت حزنا شديدا، لما ذكر لنا من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها ؟ فرأيت والله أضعاف ما وصفت الخ " (1). وقال ابن حجر: " كانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ الخ " (2). 4 - صفية بنت حيي بن أخطب: قالت أم سنان الاسلمية: " كانت من أضوأ ما يكون من النساء " (3). ولما قدمت المدينة جئن نساء الانصار ينظرن إلى جمالها، وعائشة متنقبة معهن. فلما سالها رسول الله: كيف رأيت يا عائشة ؟ قالت: رأيت يهودية. فنهاها " صلى الله عليه وآله وسلم " عن قولها ذاك (4). وعندما وقعت في السبي جعلوا يمدحونها، ويقولون: رأينا في السبي امرأة ما رأينا ضربها (5). ولما أرسلت صفية قصعة فيها طعام إلى النبي وهو في بيت عائشة أخذتها رعدة حتى استقلها افكل، وضربت القصعة، فرمت بها الخ (6). وقد أكد لها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أنها خير من


(1) الاصابة ج 4 ص 459. (2) الاصابة ج 4 ص 347، وص 463 وطبقات ابن سعد ج 8 ص 87. (3) الاصابة ج 4 ص 347، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 90. (4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 88. (5) مسند أحمد ص 277 ج 6، والبخاري باب الغيرة، أواخر كتاب النكاح، لكنه لم يصرح باسم عائشة ! ! ! (6) أسد الغابة ج 5 ص 491.

[ 295 ]

حفصة وعائشة (1). 5 - جويرية بنت الحارث: تقول عائشة أنها كانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ؟ فاتت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فوالله ما هي إلا أن رأيتها، فكرهتها، وقلت: يرى منها ما قد رأيت. فلما دخلت على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الخ (2). 6 - مارية القبطية: قالت عائشة: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة، فاعجب بها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". وكان أنزلها أول ما قدمت في بيت لحارثة بن النعمان ؟ فكانت جارتنا ؟ فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت، فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا (3). وعن أبى جعفر عليه السلام: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد حجب مارية " وكانت ثقلت على نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وغرن عليها، ولا مثل عائشة " (4). وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يعجب بمارية، " وكانت


(1) الاصابة ج 4 ص 265، والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 259، وصفة الصفوة ج 2 ص 50. (2) الاصابة ج 4 ص 405، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 153، ولتراجع: البداية والنهاية ج 3 ص 303 / 304 ووفاء الوفاء للسمهودي ج 3 ص 826. (3) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86 والسيرة الحلبية ج 3 ص 309. (4) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86. والاصابة ج 4 ص 405.

[ 296 ]

مارية بيضاء جعدة، جميلة " (1). وكانت حسنة الدين (2). وتنافست الانصار فيمن يرضع ابراهيم، وأحبوا أن يفرغوا مارية للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لما يعلمون من هواه فيها (3). ولعل مما زاد في غيرة عائشة قضية ولادة ابراهيم منها، حتى تجرأت على نفي شبهه برسول الله، رغم تأكيد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لها على ذلك (4) وحتى كان ما كان من نزول آية التحريم، كما عن السيوطي وغيره. 7 - سودة بنت زمعة: كانت عائشة تقول: ما من الناس امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة، إلا أنها امرأة فيها حسد (5). وليراجع ما فعلته حفصة بسودة، وضحكها هي وعائشة عليها (6).


(1) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 355، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 86 والبداية والنهاية ج 3 ص 303. (2) ذخائر العقبى ص 54 والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 42، وطبقات ابن سعد ج 8 ص 153. (3) طبقات ابن سعد ج 1 ص 88 والدر المنثورج 6 ص 240 عن ابن مردويه والبداية والنهاية ج 3 ص 305 وقاموس الرجال ج 11 ص 305 عن البلاذري. وراجع السيرة الحلبية ج 3 ص 309 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 39 وتلخيصه للذهبي بهامشه وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 87 ط صادر. (4) طبقات ابن سعد ج 8 ص 37، والبداية والنهاية ج 8 ص 70. (5) حياة الصحابة ج 2 ص 565 ومجمع الزوائد ج 4 ص 316. (6) طبقات ابن سعد ج 8 ص 104 وتاريخ الاسلام للذهي ج 2 ص 415، 416 دون تصريح باسم من خدعها. (*)

[ 297 ]

8 - أسماء بنت النعمان: كانت أجمل أهل زمانها وأشبه. وقد حسدنها نساء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وخدعنها. وكانت الخديعة لها من عائشة وحفصة معا. حتى قالت للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أعوذ بالله منك، فطلقها (1). 9 - مليكة بنت كعب: كانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة، فقالت لها: أما تستحيين أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": فطلقها (2). 10 - أم شريك: وهبت نفسها للنبي " صلى الله عليه واله وسلم "، فقبلها " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير. قالت أم شريك: فانا تلك، فسماها الله مؤمنة ؟ فقال: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": إن الله ليسرع لك في هواك (3). 11 - شراف بنت خليفة: خطب رسول الله امرأة من كلب ؟ فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت، ثم رجعت. فقال لها رسول الله: ما رأيت ؟ فقالت: ما رأيت طائلا.


(1) طبقات ابن سعد ج 8 ص 106، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 416. (2) طبقات ابن سعد ج 8 ص 112. (3) طبقات ابن سعد ج 8 ص 115. (*)

[ 298 ]

فقال رسول الله: لقد رأيت طائلا، لقد رأيت خالا بخدها، اقشعرت كل شعرة منك. فقالت: يا رسول الله، ما دونك سر (2). 12 - حفصة بنت عمر: بل أن عائشة كانت تغار حتى من رفيقتها حفصة، ويقال: إن قضية المغافير كانت لها معها (1). نهاية المطاف: هذه كانت حالة عائشة مع زوجات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأكثر هذه المشاكل كانت فيما يبد وبسبب غيرتها منهن، لجمالهن البارع، وحسنهن الرائع كما قدمنا، ولم نجد لاي من زوجات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " معشار ما وجدناه لعائشة من المشاكل والتجاوزات. - اللهم إلا رواية أو روايتان مرويتان عن عائشة نفسها ! ! ! فهذا السيل العارم منها - خاصة - دون غيرها منهن، يكشف عن أن ثمة ما يبرز منها وهو أنها تحس بالنقص في نفسها تجاههن من حيث الجمال على الاقل. وهكذا، تسقط جميع الادعاآت والروايات التي عن عروة وغيره وعنها، والتي تدعي حظوتها ومكانتها لدى النبي صلى الله عليه وآله. أو على الاقل تصير محل شك وريب. وأما ما يقال في حديث الافك فإنه أيضا باطل وقد فصلنا القول في ذلك في كتاب مستقل طبع مؤخرا. وملاحظة أخيرة نسجلها هنا، وهي: أننا نجد عائشة تكثر من أحاديث تقبيل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ومباشرته لها، وهي


(1) راجع: حياة الصحابة ج 2 ص 762 عن البخاري ومسلم وعن تفسير ابن كثير ج 4 ص 387 وعن جمع الفوائد ج 1 ص 229 وعن طبقات ابن سعد ج 8 ص 85. (*)

[ 299 ]

حائض واغتسالها واياه من إناء واحد، وغير ذلك من الاحاديث التي تتخذ طابع الجنس، والاغراء، واللذة. ولا نجد من ذلك الشئ الكثير عند غيرها من نسائه " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولعل ذلك يرجع إلى أنه لم يكن ثمة ما يربطها برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بصورة قوية، حيث لم يكن لها ولد منه " صلى الله عليه وآله وسلم " وليس لديها من المستوى الفكري والثقافي والعملي ما يصلح أن يكون نقطة اشتراك ويجعل لها به ارتباطا خاصا ووثيقا وليست اهتماماتها من جنس اهتماماته " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا تطلعاتها تلتقي مع تطلعاته " صلى الله عليه وآله وسلم ". وماذا بعد: هذا وأننا لا نجد مبررا لتحمل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من عائشة جرأتها. وتجاوزاتها المتكررة وإيذائها له في أخيه علي، وفي زوجاته، إلا أنه لم يكن يستطيع أن يتخذ القرار النهائي بالنسبة إليها، لان السياسة كانت تقضي عليه بتحمل كل هذه المشاق. ويدلنا على أن النبي كان يتعامل مع زوجاته من موقعه السياسي الحرج، لا من جو بيت الزوجية. قول عمر لحفصة - عندما تظاهرت على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع عائشة، واعتزلهن: " والله، لقد علمت أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، (1). هذا، ولم يكن ثمة من يستطيع الجهر بالحقيقة، وإظهار الواقع. لان الجهاز الحاكم كله كان يمسك بركاب عائشة، ويعلي قدرها، ويرفع من شأنها ؟ لانه كان يستفيد منها أعظم الفوائد، وأسناها. وكان ثمة خطة


(1) صحيح مسلم ج 4 ص 189. ولسوف يأتي مزيد توضيح لذلك في البحث عن سبب تكثر زوجاته قبل واقعة احد في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. (*)

[ 300 ]

مرسومة لاظهار عظيم منزلتها، وإغداق الاوسمة عليها، بثمن، أو بغير ثمن ! ! وكانت هي تستغل موقعها كزوجة للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكام للمؤمنين إلى أقصى الدرجات، كما أنها كانت تستفيد من حاجة الهيئة الحاكمة إليها، وكل ذلك يفسر لنا السر في أنها كانت توحي للناس بانها أقرب زوجات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إليه، وآثرهن لديه ؟ لجمالها، ولكونه " صلى الله عليه وآله وسلم " قد تزوجها بكرا حسب دعواها. وكان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يهتم للبكإرة وللجمال (مع نقاش لنا في ذلك). ولا ندري ما هو السر في تواضع أم المؤمنين إلى هذا الحد حتى إنها لم تر في نفسها المؤهلات لان تعتز بالدين، وبالمعاني الانسانية النبيلة أو لعلها كانت ترئ أن النبي " صلى اللة عليه وآله وسلم " لا ينطلق في حبه وبغضه من الدين والاخلاق، وإنما من الشهوة، فصورته للمسلمين على أنه رجل شهواني لا أكثر. دخول الاسلام إلى المدينة: وثمة خلاف بين المؤرخين في من ؟ ومتى ؟ وكيفية إسلام أول دفعة من أهل المدينة. ولكننا نستطيع أن نؤكد على أن الاسلام قد دخل المدينة على مراحل. فاسلم أولا: أسعد بن زرارة. وذكوان بن عبد القيس، حينما كان المسلمون محصورين في الشعب. ثم أسلم خمسة، أو ثمانية، أو ستة نفر بعد ذلك، ثم كانت بيعة العقبة الاولى، ثم كانت بيعة العقبة الثانية، وهذا هو ما يظهر من مغلطاي (1) وغيره. ولذلك فهم يقولون: إن أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد القيس


(1) راجع سيرة مغلطاي ص 29. (*)

[ 301 ]

الخزرجيين قدما مكة في أحد المواسم، حينما كانت قريش تحاصر الهاشميين في الشعب (شعب أبي طالب)، بهدف طلب الحلف من عتبة بن ربيعة على الاوس. فرفض عتبة ذلك، وقال: بعدت دارنا عن داركم، ولنا شغل لا نتفرغ لشئ. فسأله عن هذا الشغل ؟ فاخبره بخروج النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيهم، وأنه أفسد شبابهم، وفرق جماعتهم ثم حذره من الاتصال به، فإنه ساحر يسحره بكلامه. وأمره إذا أراد الطواف أن يضع القطن في أذنيه، حتى لا يسمع ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله، الذي كان آنئذ يجلس في الحجر مع طائفة من بني هاشم. وكانوا قد خرجوا من شعبهم ليشهدوا الموسم. وجاء أسعد للطواف، ورأى النبي " صلى الته عليه وآله وسلم " جالسا في الحجر، فقال في نفسه: ما أجد أجهل مني. أن يكون هذا الحديث في مكة فلا أتعرفه، حتى أرجع إلى قومي فاخبرهم ؟، ثم آخذ القطن من أذنيه فرمى به، وجاء إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فسلم عليه، وكلمه ؟ فعرض عليه " صلى الله عليه وآله وسلم " ما جاء به فاسلم، واسلم بعده ذكوان. وفي رواية: أنه لما التقى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " باسعد بن زرارة وذكوان، قال أسعد للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا رسول الله، بابي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب، من الخزرج، وبيننا وبين أخوتنا من الاوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، ولا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الامر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك. والله يا رسول الله، لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن يكون دارنا دار هجرتك عندنا، فقد اعلمنا اليهود ذلك ؟ فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بافضل مما أتيت له. ثم اقبل ذكوان، فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود

[ 302 ]

تبشرنا به، وتخبرنا بصفته ؟ فهلم فاسلم ؟ فاسلم ذكوان الخ (1). ثم في سنة إحدى عشرة من النبوة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم، يعرض على القبائل دعوته، ويطلب منهم نصرته ؟ فالتقى على العقبة برهط من الخزرج ؟ فدعاهم إلى الله والاسلام، وقرأ عليهم القرآن فآمنوا به، وكانوا ستة نفر، وهم: اسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وعوف بن الحارث ورافع بن مالك، وعقبة وقطبة ابنا عامر. وقيل: ثمانية نفر وقيل غير ذلك (وثمة اختلاف في أسمائهم، وذكر أشخاص آخرون مكان بعض من قدمنا أسماءهم، ولا مجال لتحقيق ذلك). ورجع أولئك النفر إلى قومهم في المدينة، فذكروا لهم رسول الله " صلى اللة عليه وآله وسلم "، ودعوهم إلى الاسلام. ثم كانت بيعة العقبة الاولى في سنة اثنتي عشرة من البعثة أي قبل الهجرة بسنة لم (2). ولعل أسعد بن زرارة كان قد كتم إسلامه هو وذكوان، حتى كان لقاء هؤلاء الستة أو الثمانية معه " صلى اللة عليه وآله وسلم " قبل الهجرة بسنة فاعلنوا ذلك ونحن قبل أن نمضي في الحديث نشير إلى ما يلي: 1 - اخبارات أهل الكتاب: يفهم مما تقدم: إن أهل المدينة كانوا يسمعون من اليهود خبر ظهور النبي عن قريب، وأن ذلك قد جعلهم مهيئين نفسيا لقبول الدين الذي جاء به هذا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ".


(1) البحار ج 19 ص 9 واعلام الورى ص 57 عن علي بن ابراهيم. (2) البحار ج 19 ص 9 واعلام الورى ص 57 عن علي بن ابراهيم. (*)

[ 303 ]

2 - المشاكل بين الاوس والخزرج: لقد كان ثمة حروب هائلة بين الاوس والخزرج، كانت آخرها وقعة بعاث التي انتصرت فيها قبيلة الاوس، حينما كان الهاشميون والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " محصورين في شعب أبي طالب. وكانت الحالة بين القبيلتين صعبة للغاية، حتى ليذكرون: أنهم ما كانوا يضعون السلاح لا في الليل ولا في النهار (1) مما يعني أنهم يعانون من أقسى الحالات التي يمكن أن يواجهها من يملك إمكانات معيشية محدودة مثلهم. وحتى لقد كان واضحا: أنهم كانوا يتطلعون بشوق إلى الخروج من هذه الحالة المأساة. ويا ملون في وصل الحبال المقطوعة فيما بينهم، كما عبر عنه أسعد بن زرارة، الذي كان يعمل من أجل عقد حلف مع عتبة بن ربيعة ضد الاوس. فاهل المدينة إذن قد ذاقوا مرارة الانحراف والظلم. وهم يريدون المنقذ الحقيقي لهم. وقد وجدوه في نبي الاسلام الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي جاءهم بتعاليم الشريعة السهلة السمحاء. ولذلك فقد قالوا لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " نرجع إلى قومنا، ونخبرهم بالذي كلمتنا به، فما أرغبنا فيك. إنا قد تركنا قومنا على خلاف فيما بينهم، لا نعلم حيا من العرب بينهم من العداوة ما بينهم. وسنرجع إليهم بالذي سمعنا منك، لعل الله يقبل بقلوبهم، ويصلح بك ذات بينهم، ويؤلف بين قلوبهم " (2). 3 - تعاليم الشريعة السمحاء: إن تعاليم الاسلام لهي التعاليم الموافقة للفطرة السليمة، وبلا تعقيد


(1) البحار ج 19 ص 8 و 9 و 10 واعلام الورى ص 55. (2) الثقات لابن حبان ج 1 ص 90 / 91.

[ 304 ]

أو إبهام فيها، فهي بسيطة وسهلة، لا يحتاج إدراك حقانيتها إلى تفكير عميق، أو إجهاد في فهم مراميها، والتكهن بنتائجها. ولذلك نجد أهل المدينة يدركون بسرعة قدرة هذه الدعوة على حل مشاكلهم، فيسارعون إلى قبولها، بمجرد سماعهم لاهدافها، ومبادئها. ومن الواضح: أن أهل المدينة كانوا لا يعانون من ظروف أهل مكة، الذين يحاربون الاسلام ؟ لانهم رأوا فيه خطرا على مصالحهم الشخصية، وامتيازاتهم الظالمة التي فرضوها لانفسهم، وأهوائهم وانحرافاتهم، كما أوضحناه في غير موضع. إن أهل المدينة بالاضافة إلى إخبارات اليهود لهم، قد رأوا منذ اللحظات الاولى في الاسلام وتعاليمه المنقذ لهم، والمخرج من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، ورأوا فيه الموافقة للفطرة والعقل السليم. سواء على صعيد العقائد أو التشريع، أو على صعيد اتخاذ القرار الاجتماعي والسياسي، فقد سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما يدعو إليه، فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأدعوكم إلى: " أن لا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من املاق، نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذ كرون " (1). ولاجل ذلك اعتقدوا بهذه الدعوة، وحاربوا قريشا والعرب من أجلها


(1) الانعام / 151 - 152. (*)

[ 305 ]

وفي سبيلها. 4 - المدنيون والمكيون: إن الوثنية التي كان أهل المدينة يدينون بها لم تستطع أن تحل مشاكلهم الداخلية، على اختلافها، ولا حتى أن تخفف من حدتها. كما أنها لم تكن تجلب لهم امتيازات اجتماعية، ولا اقتصادية ولا غيرها. ولذلك فقد ضعفت ووهنت، وزاد في ضعفها ووهنها مخالفتها للفطرة السليمة، والعقل القويم. ثم جاءت اخبارات اليهود لهم بقرب ظهور نبي يخبر عن الله لتزيد من ذلك الضعف والوهن إلى حد بعيد. وهذا تماما على عكس الحال في مشركي مكة ؟ فإنهم كانوا يستفيدون من وثنيتهم اجتماعيا واقتصاديا. وجعلوا من أنفسهم محورا تلتقي عليه سائر الفئات والقبائل في المنطقة، وكرسوا لانفسهم الكثير من الامتيازات الظالمة. - ولم يكونوا على استعداد للتخلي عن هذه الامتيازات من أجل خدمة الحق والانسان، بل كانوا يضحون بالانسان والحق في سبيل امتيازاتهم، وانحرافاتهم، ومصالحهم تلك. هذا، ولا بد من ملاحظة ما قدمناه حين الكلام على العوامل التي ساعدت على انتصار الاسلام وانتشاره، لنجد: أن شخصية الرسول العظيمة، وأخلاقه الكريمة، وكونه من أرفع بيت في قريش والعرب - ويضيف البعض: رابطة القربى، التي كانت تربطه ببني النجار الخزرجيين، عن طريق آمنة بنت وهب (1) كل ذلك وسواه مما تقدم قد أسهم في إقبال أهل المدينة على الاسلام، وتقبل دعوته، والتضحية في سبيله.


(1) ولكنه تعليل لا شاهد له، مادام ان مجرد وجود رابطة كذلك لا توجب ما ذكر. (*)

[ 307 ]

الفصل الثالث: بيعة العقبة

[ 309 ]

بيعة العقبة الاولى: يقول المؤرخون: إنه حنيما عاد أولئك النفر المدنيون الذين أسلموا إلى المدينة ذكروا لاهلها رسول الله " صلى الته عليه وآله وسلم "، ودعوههم إلى الاسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الانصار، إلا وفيها ذكر من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". حتى إذا كان العام المقبل أي في السنة الثانية عشرة من البعثة، وافى الموسم اثنا عشر رجلا اثنان منهم أو سيان، والباقون من الخزرج، فالتقوا مع الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " في العقبة، وبايعوه على بيعة النساء، أي البيعة التي لا تشتمل على حرب، أي: " على أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقون، ولا يزنون، ولا يقتلون أولادهم، ولا ياتون ببهتان يفترونه من بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، فان وفوا فلهم الجنة وان غشوا من ذلك شيئا فأمرهم إلى الله عزوجل، ان شاء عذب، وان شاء غفر ". ولما رجعوا إلى المدينة أرسل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " معهم مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام، ويفقههم في

[ 310 ]

الدين، فكان يسمى المقري. وألحقه با بن أم مكتوم (1) كما قيل. وأقام مصعب أول صلاة جمعة في المدينة ! !. وقد نجح مصعب، ومن معه ممن أسلم في الدعوة إلى الله تعالى، واسلم سعد بن معاذ، الذي كان السبب في إسلام قومه بني عمير بن عبد الاشهل، حيث إنه حين اسلم على يد مصعب رجع إلى قومه، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الاشهل، كيف تعرفون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وافضلنا رأيا، وايمننا نفسا وأمرا. قال: فان كلام رجالكم ونسإئكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله، ما أمسى في دار قبيلة بني عبد الاشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلما، أو مسلمة (2)، فاسلموا كلهم في يوم واحد، (إلا عمرو بن ثابت، فانه تأخر اسلامه إلى أحد، فأسلم، ثم استشهد قبل أن يسجد لله سجدة واحدة، كما قيل). وأقام مصعب بن عمير يدعو الناس إلى الاسلام، حتى أسلم الرجال والنساء، من الانصار باستثناء جماعة من الاوس، اتبعوا في ذلك أحد زعمائهم، الذي تأخر اسلامه إلى ما بعد هجرة الرسول الاعظم 9 صلى الله


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 151 و 152 والسيرة الحلبية ج 2 ص 9 وفيه أن الواقدي ذكر ان ابن أم مكتوم إنما قدم المدينة بعد بدر بقليل، وفي كلام ابن قتيبة أنه قدم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين. ثم جمع الحلبي بين الاقوال باحتمال: أن يكون قد علم أهل المدينة ثم عاد إلى مكة، ثم عاد فهاجر بعد بدر.. وهو احتمال وجيه لا باس به. (2) راجع ما تقدم: في سيرة ابن هثام ج 2 ص 79 - 80 والسيرة الحلبية ج 2 ح ص 14 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 90 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 184.

[ 311 ]

عليه وآله وسلم " (1). ولنا هنا وقفات، فلنقف أولا مع: دعوة سعد بن معاذ قومه: إن الدعوة إلى الله ليست مختصة بالانبياء والاوصياء بل هي شاملة لكل مكلف بحسب ما يملك من طاقات وقدرات. وهي من الامور التي يلزم بها العقل الفطري السليم، ويوجبها على كل إنسان، ولا تحتاج إلى جعل شرعي ؟ فإن العقل يدرك أن في ارتكاب المنكرات، وترك الواجبات، والانحراف في الفكر والعقيدة والسلكوك ضررا جسيما على المجتمعات وعلى الاجيال ولذلك فهو يحكم بلزوم الدعوة إلى الالتزام بالخط الفكري الصحيح، وترك المنكر، وفعل المعروف. وهذا هو - بالذات - ما يفسر لنا اندفاع سعد بن معاذ في الدعوة إلى الله تعالى، حتى انه على استعداد لقطع كل علاقة مع قومه إذا كانوا ضالين منحرفين. وان عظمة هذا الموقف لتتضح أكثر إذا عرفنا مدى ارتباط سعادة ومصير الانسان العربي في تلك الفترة بقبيلته ومدى ارتباطه بها فهوحين يضحي بعلاقاته القبلية، فإنه يكون قد ضحى بامر عظيم وأساسي في حياته وفي مصيره، ومستقبله، في سبيل دينه. وقد جاء القرآن مؤيدا لحكم العقل والفطرة هذا ؟ ففرض على كل من كان له بصيرة في امر الدين ان يدعو إلى الته قال تعالى: (قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) (2).


(1) السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 184 وراجع تاريخ الامم والملوك ج 2 ص 90 و السيرة لابن هشام ج 2 ص 79 - 80 والسيرة الحلبية ج 2 ح ص 14. (2) يوسف / 108. (*)

[ 312 ]

كما أننا لا بد أن نشير أيضا: إلى أن من عرف الحق، وذاق حلاوة الايمان، فإنه لا يملك نفسه من الاندفاع في محاولة لجلب الاخرين نحو هذا الحق، وجعلهم يؤمنون به، ويستفيدون منه، ويلتذون به ويشعرون بحلاوته. ولذلك نجد الامام على بن الحسين " عليه السلام "، الذي كان يخشى على شيعته، الذين هم الصفوة في الامة الاسلامية، والذين كانوا يتعرضون لمختلف أنواع الاضطهاد، والبلايا في الدولة الاموية، وبعدها في الدولة العباسية كان يظهر تذمره من عدم مراعاة الشيعة للظروف والمناسبات، وهو يرى حدة اندفاعهم نحو إظهار أمرهم، بسبب شعورهم بحلاوة الايمان، وضرورة ابلاغ كلمة الحق، قال الامام السجاد " عليه السلام ": " وددت اني افتديت. خصلتين في الشيعة ببعض لحم ساعدي: النزق وقلة الكتمان " (1) أضف إلى ذلك: أن التراحم فيما بين المؤمنين، والشدة على الكافرين يصبح امرا طبيعيا، كما قال تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم). البيعة: ونجد: أن نص البيعة قد تضمن الخطوط العريضة، وأهم المبادئ التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي، وهى تتضمن جانبا عقائديا، وآخر عمليا. وقد حملهم " صلى الته عليه وآله وسلم " مسؤوليات معينة في علاقاتهم مع بعضهم بعضا. وجعل التزامهم هذا قائما على اعطاء تعهد من قبلهم، يرون مخالفته تتنافى مع شرف الكلمة وقدسيتها ؟ وذلك تحت


(1) سفينة البحار ج 1 ص 733 والبحار ج 75 ص 69 و 72 عن الخصال ج 1 ص 24 والكافي ج 2 ص 221.

[ 313 ]

عنوان: (البيعة، التي تعني اعطاء كلمة الشرف بالالتزام بتلك المبادئ. ولكنه لم يقرر عقابا عنيفا لمن ينقض هذا العهد، ويتجاوز ويغش فيه ؟ فإن الوقت حينئذ لم يكن مناسبا لقرار كهذا. بل أو كل ذلك إلى الوجدان والضمير الشخصي لكل منهم، مع ربطه بالمبدأ العقيدي. ومع إعطاء الفرصة له للعودة لاصلاح الخطا إن كان ؟ حيث أبقى الامل حيا لدى ذلك الذي يمكن أن يغش، وأوكل امره إلى الله، إن شاء عذب، وإن شاء غفر. صلاة الجمعة: وقد تقدم في الحديث: أن مصعب بن عمير قد جمع بالمسلمين في المدينة قبل الهجرة (1). وربما يشكل على ذلك: بان سورة الجمعة قد نزلت بعد هجرته " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة ؟ فكيف صلى مصعب الجمعة قبل تشريعها. والجواب: أننا لو سلمنا أن المراد بجمع، صلى الجمعة. إذ من المحتمل: أن يكون المراد صلى جماعة - لو سلمنا ذلك - فإن قوله تعالى في سورة الجمعة: (يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) (2). ليس المقصود به تشريع إقامة الجمعة، وإنما هو يوجب السعي إلى الجمعة التي تقام، فلعل وجوب إقامتها كان قبل ذلك قد جاء على لسانه " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة، ولكن لم يكن يمكن إقامتها، أو كان يقيمها سرا ولم يصل ذلك إلينا. ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها


(1) وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 9 والتعليق المغني (مطبوع بهامش سنن الدار قطني) ج 2 ص 5 عن الطبراني في الكبير والاوسط. (2) 1 لجمعة / 9.

[ 314 ]

وتركوك قائما، قل: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) (1) ؟ فإن ذلك يشير إلى ان الجمعة كانت قد شرعت قبل ذلك. وأن هذا كان سلوكهم معه " صلى الله عليه وآله وسلم ". ويؤيد ذلك: ما أخرجه الدار قطني، عن ابن عباس، قال: أذن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع ان يجمع بمكة ؟ فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم وابناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين. قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " المدينة، فجمع بعد الزوال من الظهر، وأظهر ذلك (2). وثمة روايات تفيد: أن أول من جمع بهم هو أسعد بن زرارة (3) وسيأتي بعض الكلام أيضا حول صلاة الجمعة في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى. بيعة العقبة الثانية: وعاد مصب بن عمير من المدينة إلى مكة، فعرض على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نتائج عمله ؟ فسر بذلك نبي الاسلام سرورا


(1) الجمعة / 11. (2) الدر المنثور ج 6 ص 218 عن الدار قطني. والسيرة الحلبية: ج 2 ص 12. (3) الدر المنثور ج 6 ص 218 عن أبي داود، وابن ماجة وابن حبان، والبيهقي، و عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر ووفاء الوفاء ج 1 ص 226. والسيرة الحلبية ج 2 ص 59 وص 9 وسنن الدار قطني ج 2 ص 6 / 5 وفي التعليق المغني على الدار قطني (مطبوع بهامش السنن) ص 5 قال: الحديث اخرجه ابو داود، وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم والبيهقي في سننه. (*)

[ 315 ]

عظيما (1). وفي موسم حج السنة الثالثة عشرة من البعثة أتى من أهل المدينة جماعة كبيرة بقصد الحج، ربما تقدر عدتهم بخمس مئة (2)، فيهم المشركون، وفيهم المسلمون المستخفون من حجاج المشركين من قومهم، تقية منهم. والتقى بعض مسلميهم بالرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " ووعدهم اللقاء في العقبة في أواسط أيام التشريق ليلا، إذا هدأت الرجل. وأمرهم ان لا ينبهوا نائما، ولا ينتظروا غايبا. ويلاحظ هنا: ما لهذا التوقيت من أهمية، فلو انكشف أمرهم، فسيكون ذلك بعد تمام حجهم، ومفارقتهم للبلد، ولا يبقى من ثم مجال للضغط عليهم بشكل فعال ويلاحظ كذلك: أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " لهم بان لا ينبهوا نائما، ولا ينتظروا غائبا. وذلك كي لا ينكشف امرهم إذا لاحظ غيرهم عدم طبيعية تصرفاتهم. وفي تلك الليلة بالذات ناموا مع قومهم في رحالهم، حتى إذا مضى ثلث الليل بدؤا يتسللون إلى مكان الموعد، واحدا بعد الآخر، ولا يشعر بهم أحد حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، وهم سبعون أو ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان. والتقوا بالرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " هناك في الدار التي كان " صلى الله عليه واله وسلم " نازلا فيها، وهي دار عبد المطلب، وكان *) هامش) * (1) وفي البحار ج 19 ص 12: أن مصعبا قد كتب إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك وكذا في اعلام الورى ص 59. (2) طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 149.

[ 316 ]

معه حمزة وعلي، والعباس (1). وبايعوه على أن يمنعوه وأهله مما يمنعون منه أنفسهم، وأهليهم وأولادهم، وأن يؤووهم، وينصروهم، وعلى السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر وان يقولوا في الله، ولا يخافوا لومة لائم، وتدين لهم العجم، ويكونون ملوكا. وعند آخرين - والنص لمالك -، عن عبادة بن الصامت: " بايعنا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الامر أهله وأن نقول (أو نقوم) بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم (2) " قال السيوطي: " يريد الملك والامارة (3). وقد أدرك العباس بن نضلة خطورة الموقف، ولا سيما من قوله " صلى الته عليه وآله وسلم ": " وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا "، وأنهم مقدمون على مواجهة ومقاومة، ليس فقط مشركي مكة أو الجزيرة العربية، وإنما العالم باسره. فاحب ان يستوثق من الامر، ويفتح عيون المبايعين ليكونوا على بصيرة من أمرهم، حتى لا يقولوا في يوم ما: لو كنا


(1) اعلام الورى ص 59، وتفسير القمي ج 1 ص 273، والبحار ج 19 ص 12 - 13 و 47 عنهما، وعن قصص الانبياء، وراجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 16، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 152. (2) الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ج 2 ص 4 وراجع سير اعلام النبلاء ج 2 ص 7 ومسند احمد ج 5 ص 314 و 316 وسنن النسائي ج 7 ص 138 - 139 وصحيح البخاري ج 4 ص 156 والبداية والنهاية ج 3 ص 164 والسيرة النبوية لابن هثام ج 2 ص 97 ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 452 ط دار الكتب العلمية والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 204 وصحيح مسلم ج 6 ص 16 و 17 (3) تنوير الحوالك: ج 2 ص 4. (*)

[ 317 ]

نعلم ان الامر ينتهي إلى هذا لم نقدم. فقال لهم: يا معشر الاوس والخزرج، تعلمون على ما تقدمون عليه ؟ إنما تقدمون على حرب الاحمر والابيض، وعلى حرب ملوك الدنيا ؟ فان علمتم انه إذا أصابتكم المصيبة في انفسكم خذلتموه وتركتموه، فلا تغروه فان رسول الله، وان كان قومه خالفوه، فهو في عز ومنعة. فقال عبد الله بن حزام، والد جابر، وأسعد بن زرارة، وأبو الهيثم بن التيهان: مالك وللكلام ؟ ! يارسول الله، بل دمنا بدمك، وأنفسنا بنفسك، فاشترط لنفسك، ولربك ما شئت (1). ويذكر أيضا: أن أسعد بن زرارة قد قال في بيعة العقبة: يا رسول الله، إن لكل دعوة سبيلا، إن لين، وإن شدة، وقد دعوت اليوم إلى دعوة متجهمة للناس، متوعرة عليهم: دعوتنا إلى ترك ديننا وإتباعك على دينك، وتلك رتبة صعبة، فاجبناك إلى ذلك. ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبينه الناس من الجوار والارحام، القريب والبعيد، وتلك رتبة صعبة ؟ فاجبناك إلى ذلك. ودعوتنا، ونحن جماعة في دار عز ومنعة، لا يطمع فيها أحد: ان يرأس علينا رجل من غيرنا، افرده قومه، واسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة، فاجبناك إلى ذلك الخ (2).


(1) راجع ما تقدم في البحار ج 19 ص 12 / 13 عن اعلام الورى، وراجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 455 ط دار الكتب العلمية وتاريخ الخميس ج 1 ص 318 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 88 والبداية والنهاية ج 3 ص 162 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 201 والسيرة الحلبية ج 2 ص 17. (2) حياة الصحابة: ج 1 ص 88 ودلائل النبوة لابي نعيم: ص 105. (*)

[ 318 ]

ويذكر المؤرخون هنا أيضا: أن العباس بن عبد المطلب قد حضر بيعة العقبة وأنه أراد ان يستوثق لابن أخيه فبدأ هو الكلام، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز اليكم، واللحوق بكم، فان كنتم ترون انكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فانتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم فمن الان تدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. وفي رواية، أنه قال لهم: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فان كنتم أهل قوة وجلد، وبصر في الحرب، واستقلال بعدواة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة فروا رأيكم. وائتمروا بينكم الخ.. وبعد أن استمع إلى اجابتهم، طلب " صلى الله عليه وآله وسلم " منهم: أن يخرجوا له اثني عشر نقبيا، أي كفيلا يكفل قومه، فاخرجوا له تسعة من الخزرج، وثلاثة من الاوس ؟ فكانوا نقباء وكفلاء قومهم. وعرفت قريش بالاجتماع ؟ فهاجت، وأقبلوا بالسلاح. وسمع الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " النداء ؟ فامر الانصار بالتفرق، فقالوا: يا رسول الله، إن أمرتنا ان نميل عليهم باسيافنا. فعلنا. فقال: لم أؤمر بذلك، ولم ياذن الله لي في محاربتهم، فقالوا: يا رسول الله، فتخرج معنا ؟ قال: أنتظر أمر الله... فجاءت قريش على بكرة ابيها، قد حملوا السلاح. وخرج حمزة، ومعه السيف، هو وعلي بن ابي طالب " عليه السلام ". فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له ؟. فعمل حمزة بالتقية من أجل الحفاظ على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمسلمين والاسلام، فقال: ما اجتمعنا، وما ها هنا أحد، والله لا

[ 319 ]

يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي. فرجعوا، وغدوا إلى عبد الله بن أبي، فقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا. والله، ما من حي أبغض من أن ينشب الحرب بيننا وبينه منكم. فحلف لهم عبد الله: أنهم لم يفعلوا، ولا علم له بذلك، وانهم لم يطلعوه على أمرهم ؟ وتفرقت الانصار، ورجع رسول الله إلى مكة. ولكن قريشا قد تأكدت بعد ذلك من صحة الخبر ؟ فخرجت في طلب الانصار ؟ فادركوا سعد بن عبادة، والمنذر بن عمير. فاما المنذر فاعجزهم. وأما سعد فاخذوه، وعذبوه. فبلغ خبره جبير بن مطعم، والحارث بن حرب بن أمية، فاتياه وخلصاه ؟ لانه كان يجير لهما تجارتهما، ويمنع الناس من التعدي عليها (1). ولنا قبل المضي في الحديث ها هنا وقفات. فنشير اولا إلى: دور العباس في بيعة العقبة: تذكر بعض الرويات: أن العباس كان في بيعة العقبة مع النبي، ولم يكن أحد غيره معه. ويقولون: إنه وإن كان حينئذ مشركا، ألا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له. وقد قدمنا ما ينسب إليه من قول في هذه المناسبة.


(1) راجع في ما تقدم أي كتاب تاريخي أو حديثي شئت مثل: البحار ج 19 ص 12 / 13 واعلام الورى ص 57 وتفسير القمي ج 1 ص 272 / 273 وتاريخ الخميس ج 1 ص 318 / 319 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 450 والبداية والنهاية ج 3 ص 158 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 193 / 210 والسيرة الحلبية ج 2 ص 17 وما قبلها وما بعدها والسيرة النبوية لابن هثام ج 2 ص 88 وقبلها وبعدها. وغير ذلك كثير.

[ 320 ]

ولكننا نشك في صحة ذلك. فاولا: إن في الكلام المنسوب إلى العباس تخذيلا واضحا عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وليس توثيقا لامره كما يقولون، ولا سيما قوله: " واستقلال بعداوة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة الخ " إلا أن يقال: إن هذا الكلام من العباس، إنما هو لبيان الحقيقة، ليكون الانصار على بصيرة من أمرهم، حتى لا يكون منهم أي تعلل في المستقبل. وثانيا: إن في كلامه ما يخالف الحقيقة، ولا سيما قوله: " قد أبى محمد الناس كلهم غيركم " ؟ فإن معناه: أن الناس كلهم غير الانصار قد وافقوا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقبلوا مناصرته، ولكنه هو رفضهم. مع أن الامر على عكس ذلك تماما، باستثناء قبيلة شيبان بن ثعلبة التي رضيت بحمايته مما يلي مياه العرب، دون ما يلي مياه كسرى (1) وقبيلة شيبان ليست هي " الناس كلهم ". واحتمال إرادة خصوص عشيرته لا يتلائم مع التعبير ب " الناس كلهم ". واحتمال أن تكون العبارة: " أبى محمدا الناس " ليس له ما يؤيده، لان النص الموجود بين أيدينا خلافه. وثالثا: إن موضوع الهجرة إلى المدينة لم يكن قد طرح بعد، ولم يكن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أري دار هجرتهم ولا أخبرهم برؤياه تلك، فمن أين علم العباس أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سوف يهاجر إلى المدينة ؟ فهل نزل عليه الوحي في ذلك ؟ ! لست أدري ! ! ولكننا نقرا في كلامه قوله: " وقد ابى إلا الانحياز لكم، واللحوق بكم.


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 5 و 16 وراجع السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 168. (*)

[ 321 ]

إلى أن قال: وإن كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم فمن الان تدعوه الخ. ". إلا ان يكونوا قد طلبوا منه " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يخرج إليهم، فظهر منه " صلى الله عليه وآله وسلم " الميل إلى إجابة طلبهم، وان كان قد جاء ذلك بصيغة: لم أؤمر بذلك، أي بالهجرة، ولكنه احتمال بعيد ولا شاهد له. رابعا: إن ما ينسب إلى العباس لا يصدر إلا عن مسلم مؤمن تام الايمان. ولم يكن العباس قد أسلم بعد بل بقي على شركه إلى وقعة بدر. وخرج لحرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيها مكرها، وأسلم ثمة، كما سيأتي. بل سوف ياتي انه لم يسلم إلى فتح مكة. إلا ان يكون قد قال ذلك محاماة عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بدافع الحمية والعصبية، ولكننا لم نر لهذه الحمية كبير أثر في مواقف العباس قبل وبعد ذلك. وهذا أمر يثير العجب حقا. والذي نرجحه: هو أن الذي كان حاضرا وتكلم بكلام يهدف منه إلى شد العقدة له " صلى الله عليه وآله وسلم " هو العباس بن نضلة الانصاري (1) وليس العباس بن عبد المطلب. ولذا يلاحظ مدى التشابه بين كلاميهما المنقول والمنسوب إليهما. فلعل الامر قد اشتبه على الراوي بين العباسين ؟ لتشابه الاسمين، أو لعل العباسيين أرادوا اثبات فضيلة جليلة لجدهم، بهدف الحصول على مكاسب من نوع معين، ولعل، ولعل.


(1) الاصابة: ج 2 ص 271، والبحار: ج 19، والسيرة الحلبية: ج 2 ص 17، والسيرة النبرية لدحلان: ج 1 ص 153. (*)

[ 322 ]

أبو بكر في العقبة: وتذكر بعض الروايات الشاذة: أن أبا بكر قد حضر العقبة، وقد جعله العباس على فم الشعب. ونحن لا نطيل في بيان بطلان هذا، بعد ان كانت سائر الروايات تنص على أنه لم يكن إلا حمزة، وعلي " رحمه الله "، والعباس. مع الشك في هذا الاخير ايضا، وان حمزة وعليا قد خرجا إلى فم الشعب حينما علمت قريش بالامر، وهاجت بالسلاح وذلك في أواخر لحظات الاجتماع، حسبما تقدم. حمزة وعلي " عليه السلام " في العقبة: ان كون الاجتماع في دار عبد المطلب ليقرب صحة ما ورد من ان حمزة وعليا قد حضرا بيعة العقبة، خصوصا وأنه كان ثمة حاجة إليهما، ليقفا ذلك الموقف البطولي الرائع في وجه قريش وخيلائها وجبروتها ؟ ليمنعاها من دخول الشعب. ويعطيا الفرصة للمجتمعين للتفرق (1). حتى إذا دخلت قريش الشعب لم تجد أحدا ؟ فترفع الامر إلى ابن أبي ؟ فينكر ذلك. ولولا موقفهما ذاك لكانت قد جرت الامور على غير ذلك النهج، ولوقع المسلمون في مأزق حرج وخطير جدا. والغريب في الامر: أننا نجد عددا من الروايات لا تذكر حضور أمير المؤمنين " عليه السلام "، وأسد الله وأسد رسوله. مع أنها هي نفسها تذكر قضية تجمهر وهياج قريش، وغضبها من الاجتماع ! ! وان كانت تسكت عن هجومها على الشعب، ودفع حمزة وعلي لها، بل تكتفي بذكر لقائها


(1) ويحتمل البعض: أن بعض سفهاء قريش وليس كل قريش - قد حاولوا دخول الشعب فصدهم علي وحمزة ولكننا نقول لا مانع من تجمهر قريش.. لكن عليا وحمزة أعاقا وصولها إلى مكان الاجتماع إلى حين تفرق المجتمعين. (*)

[ 323 ]

مع إبن أبي، ثم تتبعها للمسلمين، وظفرها بابن عبادة إلى آخر ما تقدم. وقد فات هؤلاء: أن. قريشا التي عرفت بالاجتماع بعد انفضاضه فغضبت، وهاجت، ثم اتصلت بابن أبي، فأنكر ذلك، ثم بعد انصراف الحاج لحقت بالمسلمين، وآذت سعد بن عبادة الخ، لا يمكن أن تسكت عن الهجوم على محل الاجتماع، وأخذ الانصار والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالجرم المشهود، وتكون حينئذ معذورة أمام من تريد الاعتذار منهم. فلماذا سكتت هنا. وغضبت وتصرفت بعنف هناك. وعلى كل حال، فقد عودنا هؤلاء أن نرى منهم كثيرا من أمثال هذه الخيانات للحق وللدين ؟ لاهداف دنيوية رخيصة، وصدق المثل الذي يقول: " لامر ما جدع قصير أنفه ". ولعلك تقول: كيف يمكن لرجلين: ان يقفا في وجه قريش ويرداها على أعقابها ؟ ! وهي في إبان غضبها، وأعلى درجات تحمسها. والجواب: أن الرجل الواحد أيضا كان يكفي لرد كيد قريش، وذلك لان هذا الرجل والرجلين يقف أو يقفان على فم الشعب، حيث لا يمكن أن يعبر إلا أفراد أو جماعات صغيرة يمكن ردها على أعقابها برد الفئة الاولى منها. وقد كان يقال: إن عمرو بن عبد ود (الذي قتله امير المؤمنين " عليه السلام " يعد بالف فارس، وذلك لانه وقف على فم الوادي، ومنع الف فارس من ورودها، ولم يمكن دخول الالف إلا متفرقين بسبب ضيق المكان. سرية الاجتماع، والتقية. إن المحافظة على سرية الاجتماع، التي بلغت الحد الذي لم يستطع حتى من كانوا ينامون مع المسلمين: أن يشعروا بشئ، ولا عرفوا

[ 324 ]

بغيبة رفقائهم، وكذلك الحال في موعد الاجتماع ومكانه، والطريقة التي تم بها، رغم ضخامته، واتساع نطاقه - ان كل ذلك - ليعتبر مثلا رائعا، ودليلا قويا على مدى وعي اولئك المسلمين ويقظتهم، وحسن تدبيرهم. كما أنه برهان آخر على أن اللجؤ إلى عنصر السرية لا يعتبر تخاذلا، إذا كان المسلمون لا يملكون مقومات الدفاع عن أنفسهم في مقابل قوى الظلم والطغيان. وهو دليل آخر على أن التقية التي يقول بها الشيعة وأهل البيت، ونزل بها القرآن وتحكم بها الفطرة والعقل السليم هي الاسلوب الصحيح في التعامل مع الواقع بمرونة، ووعي، حينما يكون الباطل هو القوي ماديا ولا يملك أهل الحق ما يدفع عنهم أو يمنع. شروط البيعة: ونجد هنا: أن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قد أخبرهم بما سوف يعترض طريقهم من مشاكل وصعوبات، في سبيل نشر الدعوة، والدفاع عنها. ليكونوا على علم مسبق بذلك، وعلى بصيرة من أمرهم، ومن دون أي إبهام أو غموض. حتى لا يترك لهم في المستقبل مجالا للاعتذار بانهم ما كانوا يعرفون: أن الامر سوف ينتهي بهم إلى ما انتهى إليه من مصاعب ومتاعب. بل هو لا يريد أن يشعروا في أنفسهم بالغبن، أو حتى أن يمر ذلك في وهمهم وخيالهم على الاطلاق. وهو بذلك يدلل لكل أحد على أنه لا يريد أن يخدع أحدا بالوعود الخلابة، ولا أن يجعلهم يعيشون الامال والاحلام الفارغة لان الوسيلة عنده جزء من الهدف، رغم أنه في أمس الحاجة إلى نصرتهم، بل هو لم يجد طيلة فترة دعوته غيرهم. لماذا النقباء: وان من طبيعة العربي الالتزام بالعهد، والوفاء بالذمار وتعتبر كل

[ 325 ]

قبيلة: أنها مسؤولة عن الوفاء بما يلتزم به أحد أفرادها، أو حلفائها عليها. وعندما بايع الانصار النبي على الايمان والنصرة حسبما تقدم - أراد أن يلزمهم ذلك بشكل محدد، بحيث يستطيع أن يجد في المستقبل من يطالبه بالوفاء بالالتزامات والعهود، وكان أولئك النقباء هم الذين يتحملون مسؤولية الوفاء بتلك الالتزامات. وهم الذين يمكن مطالبتهم بذلك، لانهم هم الكفلاء لقومهم، برضى منهم ومن قومهم على حد سواء. أما إذا ترك الامور في مجاريها العامة، فلربما يمكن لكل فرد أن يتملص ويتخلص من التزاماته، ويلقي التبعة على غيره، ويعتبر أن ذلك غير مطلوب منه، ولا يمكن بحسب تصوره أن يكون هو كفرد مسؤولا عنه. وأما بعد أن التزم ذلك أفراد معينون، كل واحد منهم من قبيلة. فإن المسؤولية قد أصبحت محدودة، ويمكن مطالبتهم بالوفاء بالتزاماتهم، كلما دعت الحاجة إلى ذلك. لا سيما في مواقف الحرب والدفاع. وبذلك تبتعد القضية عن الاهواء الشخصية، والاهم من ذلك عن الفوضى في المواقف العامة، وتدخل مراحل التنظيم والبناء الاجتماعي على مستوى الفرد والجماعة. المشركون في مواجهة الامر: يلاحظ: أن المشركين قد اهتموا لامر هذه البيعة جدا، حتى إنهم تهددوا أهل المدينة بالحرب، مستغلين بذلك ضعف المجتمع المدني، وتفككه بسبب الحروب الداخلية بين الاوس والخزرج. نعم، إنهم يهددونهم بالحرب، رغم أن حربا كهذه لسوف تجر عليهم أخطارا جسيمة من وجهة نظر إقتصادية، لان قوافلهم إلى الشام، محل تجارتهم المفضل كان طريقها على المدينة. مما يعني: أن المشركين كانوا يرون في هذه البيعة خطورة قصوى، تجعلهم يضطرون

[ 326 ]

إلى التضحية بعلاقاتهم الحسنة مع كل من يتقبل هذه الدعوة ويناصرها، حتى ولو كانوا أهل المدينة، الذين كانوا يكرهون جدا أن تنشب الحرب فيما بينهم وبينهم، كما تقدم قولهم ذلك لابن أبي. كما أن ذلك يدلنا على مدى ما كان يتعرض له المسلمون في مكة من ظلم واضطهاد. منازعة الامر اهله: قد تقدم أن من جملة ما اشترطه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم على أهل المدينة في ضمن نص البيعة، هو أن لا ينازعوا الامر أهله. لان اشتراط ذلك في نص بيعة حساسة جدا في تاريخ الاسلام، ويتقرر مصير الاسلام على نجاحها وعدمه. وتعريض هذه البيعة لخطر الرفض والانفصام، فيما لو رفضوا الالتزام بذلك - كما كان الحال بالنسبة لبني عامر، حسبما تقدم - ان ذلك لما يدل على أن هذا الامر كان له أهمية قصوى بالنسبة للرسول صلى الله عليه وآله الذي كان رأيه يمثل رأي الاسلام الواقعي. ويوضح أنه لن يتنازل عنه ولو تعرض لاعظم الاخطار. مما يعني: أن هذا الامر ليس له، لانما هو لله يضعه حيث يشاء. وأن هذا هو الامر الذي إذا لم يبلغه فما بلغ رسالة ربه سبحانه وتعالى. ويمكن أن نفهم من ذلك أيضا: أن الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان من أول الامر يمهد السبيل لجهة معينة وإلا، فكيف ينهى الناس عن منازعة الامر أولئك الاهل المخصوصين والمؤهلين للملك والخلافة، ثم ينسى أن يعين شخص ذلك الخليفة منهم ؟ !. وليعطف ذلك على ما تقدم من تعيينه ذلك الشخص حين إنذار عشيرته الاقربين. ثم على ما ياتي بعد من مواقف وتصريحات وكنايات له (ص)، ولا سيما في قضية الغدير.

[ 327 ]

النبي لم يؤمر بالحرب بعد: كما أننا نجده " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يأذن للمجتمعين في العقبة بان يميلوا على قريش باسيافهم ؟ لان معنى ذلك هو القضاء على هذا الدين، وعلى حماته الابرار، ولا سيما مع قلتهم، وكونهم في الموسم، الذي تجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب، وكلهم على نهج وطريقة، ومذاق قريش، ويدورون في فلكها دينيا وعقائديا وفكريا، وحتى مصلحيا أيضا. ولن يكون هناك أية فرصة لانتصار الانصار على عدوهم في بلاده. وقريش التي ترى في المدينة أهمية خاصة لانها على طريق قوافلها إلى الشام ولاجل ذلك أطلقت سعد بن عبادة. لن تسكت على موقف الانصار هذا. ويكون لها كل الحق أمام أهل الموسم، وحتى أمام المدنيين المشركين في أن تضربهم الضربة القاصمة والقاضية، لانهم في موقف المعتدي، وعلى قريش أن ترد هذا الاعتداء بالكيفية وبالحجم الذي تراه مناسبا.

[ 329 ]

الباب الخامس: من مكة إلى المدينة

[ 331 ]

الفصل الاول: ابتداء الهجرة إلى المدينة

[ 333 ]

ب - حب الوطن من الايمان: لقد ورد عنهم عليهم السلام أن " حب الوطن من الايمان " (1) وإننا بغض النظر عن سند هذا الحديث. لربما يصعب علينا - لاول وهلة - تصور معنى سليم ومقبول لهذه الكلمة ؟ إذ لماذا يكون حب الوطن من الايمان ؟ ! وهل يمكن أن يكون لهذا التراب بما هو تراب، ولد الانسان عليه، وعاش في أجوائه، مهما كان وضعه الجغرافي سيئا، قيمة واحترام إلى حد أن يعتبر حبه من الايمان ؟ وبسوى هذا الحب، فإن الايمان يكون ناقصا، وليس فيه تلك الفاعلية المتوخاة ؟. وأننا في مقام الاجابة على هذا السؤال، نقول: أن هذا الحب الذي يهتم به الاسلام لا يمكن أن يكون حبا عشوائيا، لا هدف له، ولا فائدة منه. ولا في خط مخالف للاسلام. وإنما هو حب منسجم مع أهداف الاسلام العليا، ومن منطلق إيماني واقعي إلهي، فإنه " من الايمان ". كما أن الوطن الذي يعتبر الاسلام حبه من الايمان، ليس هو محل ولادة الانسان، وإنما هو الوطن الاسلامي الكبير، الذي يعتبر الحفاظ عليه


(1) سفينة البحار ج 2 ص 668. (*)

[ 334 ]

حفاظا على الدين والانسانية، لان به يعز الدين، وتعلو كلمة الله، وهو قوة للاسلام، لانه محل استقرار وهدوء، وموضع بناء القوة فكريا وروحيا وماديا، ثم الحركة على صعيد التنفيذ للانتقال إلى الوضع الافضل والامثل. أما حيث الغربة وعدم الاستقرار، فهناك الضياع، وهدر الطاقات، وحيث لا يجد الانسان الفرصة للتأمل والتفكير في واقعه، ولا في مستقبله، ولو أنه استطاع ذلك، فلسوف لا يستطيع تنفيذ قراراته، لعدم المركزية التي تمنحه الحركة المنظمة، والثابتة. ثم التركيز والاستمرار. نعم، إن الوطن ليس إلا وسيلة للدفاع عن الدين والحق، وللوصول إلى الاهداف الخيره والنبيلة، فالدين والانسان هو الاصل، والوطن وغيره لا بد وأن يكون في - خدمة هذا الدين، ومن أجل ذلك الانسان. فمن يحافظ على وطنه، ويحبه بدافع الحفاظ على الاسلام ؟ وحبه، فإن حفاظه وحبه هذا يكون من الايمان. وأما إذا كان الوطن وطن الشرك والكفر والانحراف، والانحطاط بإنسانية الانسان ؟ فإن الحفاظ على وطن كهذا وحبه يكون حفاظا على الشرك وتقوية له، كما أن حبه هذا يكون من الكفر والشرك، لا من الايمان والاسلام. ومن أجل ذلك فقد حكم الاسلام والقرآن على من كان في بلاد الشرك، وكان بقاؤه فيها موجبا لضعف دينه وإيمانه: أن يهاجر منها إلى بلاد الايمان والاسلام، إلى حيث يستطيع أن يحتفظ بدينه قويا فاعلا، وبإنسانية خلاقة نبيلة قال تعالى: في إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين في الارض قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فاولئك مأاواهم جهنم وساءت مصيرا " (1).


(1) النساء / 97. (*)

[ 335 ]

بل إن محل ولادة الانسان إذا كان يحارب الدين الحق، ويسعى في اطفاء نور الله، فإنه يجب تدميره على كل أحد حتى على نفس هذا الذي ولد وعاش فيه (1). ومن هنا نعرف أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة كانت هجرة طبيعية ومنسجمة مع مقتضيات الفطرة والعقل السليم والفكر الصحيح، الذي يلاحظ سمو الهدف ونبل الغاية، ويقيم كل شئ انطلاقا من ذلك الهدف، وعلى طريق الوصول والحصول على تلك الغاية. وليكن هذا تمهيدا للحديث عن ظروف الهجرة وعواملها وأحداثها، في حدود ما يتناسب مع هذا الكتاب، فنقول: دوافع الهجرة في مكة إلى المدينة: إننا بالنسبة لدوافع الهجرة من مكة إلى المدينة يمكننا الاشارة إلى ما أولا: إن مكة لم تعد أرضا صالحة للدعوة، فقد حصل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " منها على أقصى ما يمكن الحصول عليه، ولم يبق بعد أي أمل في دخول فئات جديدة في الدين الجديد، في المستقبل القريب على الاقل. وقد كان ثمة مبرر لتحمل الاذى والمصاعب، حينما كان يؤمل أن تدخل في الاسلام جماعات تقويه، وتشد من أزره.


(1) ويرى العلامة المحقق الشيخ علي الاحمدي: أن معنى حب الوطن من الايمان: أن من يحب وطنه فانه يسعى إلى تنقيته من الانحرافات، وحل مشاكله، وهداية مجتمعه إلى طريق الحق والايمان والاسلام، لان الايمان هو الذي يدفعه إلى ذلك، كما هو معلوم (*)

[ 336 ]

أما بعد أن أعطت مكة كل ما لديها فاخرجت جماعات من شبان المؤمنين، ومن المستضعفين، ولم يبق فيها إلا ما يوجب الصد عن سبيل الله، ويضع الحواجز والعراقيل الكثيرة أمام تقدم هذا الدين، ويمنع من انتشاره واتساعه ؟ فإن البقاء في مكة ليس فقط لا مبرر له، بل هو خيانة للدعوة الاسلامية، ومساعدة على حربها، والقضاء عليها، ولا سيما بعد أن جندت قريش كل طاقاتها للصد عن سبيل الله، وإطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. نعم، لقد كان لا بد من الانتقال إلى مركز آخر، تضمن الدعوة فيه لنفسها حرية الحركة، في القول والعمل، بهدؤ بال، واطمئنان خاطر، بعيدا عن ضغوط المشركين، وفي مناى عن مناطق سيطرتهم ونفوذهم. وقد رأينا: أنهم كانوا يلاحقون تحركات النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ويرصدونها بدقة، ويتهددون، بل ويعذبون كل من يدخل في هذا الدين الجديد، ويخيفون كل من يحتمل دخولهم فيه. ثانيا: إن الاسلام وممثله وداعيته الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يمكن له أن يقتنع بهذا النصيب المحدود من التقدم، لانه دينه دين البشرية جمعاء: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) (1). وما حصل عليه حتى الان لا يمكنه من تطبيق كافة تشريعات الاسلام، وتحقيق كامل أهدافه. ولا سيما بالنسبة إلى ذلك الجانب، الذي يعالج مشاكل الناس الاجتماعية وغيرها، مما يحتاج إلى القوة والمنعة في مجال فرض القانون والنظام. ومن الناحية الاخرى: إنه إذا كان بنو عبد المطلب والهاشميون قد استطاعوا أن يؤمنوا الحماية لشخص الرسول من اعتداءات الاخرين على شخصه الكريم، فانهم لم ولن يستطيعوا أن يؤمنوا له القدرة على حماية أصحابه. الذين دخلوا في هذا الدين، وقبلوا رسالة السماء. فضلا عن أن

[ 337 ]

يتمكنوا من تامين الحد الادنى من الحماية له، فيما لو أراد أن يتوسع في نشر رسالة الاسلام، وفرض هيمنة هذا الدين وسلطانه، إذا احتاج الامر إلى ذلك. وأما بعد وفاة أبي طالب رحمه الله فإن الامور قد تطورت بشكل مخيف، حتى بالنسبة إلى شخص النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، كما رأينا وسنرى. ثالثا: ولقد صمد أولئك الذين أسلموا سنوات طويلة في مواجهة التعذيب والظلم والاضطهاد، حتى لقد فر قسم منهم بدينه إلى بلاد الغربة، وبقي الباقون يواجهون محاولات فتنتهم عن دينهم، بمختلف وسائل القهر تارة، وباساليب متنوعة من الاغراء أخرى. وإذا استثنينا أشخاصا معدودين، كحمزة أسد الله وأسد رسوله، وبعض من كانت لهم عشائر تمنعهم (1)، فإن بقية المسلمين كانوا غالبا من ضعفاء الناس، الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يجدون سبيلا إلا الصبر، وتحمل الاذى. وإذا فرض عليهم أن يستمروا في مواجهة هذه الالام والمشاق، دونما أمل أو رجاء ؟ فمهما كانت قناعتهم بهذا الدين قوية وراسخة ؟ فإن من الطبيعي - والحالة هذه - أن يتطرق اليأس إلى نفوسهم، ثم الهروب والملل من حياة كهذه. وقد تستميلهم بعض الاغراءات العاجلة، فيهلكون ويهلكون ؟ فإنه ليس بمقدورهم أن يقضوا حياتهم بالآلام والمتاعب. بل إن بعضهم - كما سيأتي - يهم بالعودة إلى الشرك، ويتطلب السبل لمصالحة مشركي مكة، حينما أشيع في غزوة أحد: أن النبي " صلى الله


(1) وحتى هؤلاء فانهم لم يسلموا من الاضطهاد النفسي والمقت الاجتماعي المر. ولربما يكون ذلك بالنسبة لبعضهم أشد من التعذيب الجسدي، تبعا لنسبة الوعي والشعور المرهف الذي كان يمتاز به بعضهم على غيره. (*)

[ 338 ]

عليه وآله وسلم " قد قتل. وقد نزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين) (1). رابعا: لقد رأت قريش أخيرا: أنها قد اهتدت للطريقة التي تستطيع بواسطتها أن تقتل النبي " صلى الته عليه وآله وسلم "، دون أن تكون مسؤولة أمام الهاشمين بشكل محدد. أو بالاحرى دون أن يستطيع الهاشميون أن يطالبوا بدم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وذلك بان يقتله عشرة، كل واحد منهم من قبيلة، فيضيع دمه في القبائل، ولا يستطيع الهاشميون مقاومتها جميعا ؟ لانهم إما أن يقاتلوا القبائل كلها، وتكون الدائرة عليهم، وأما أن يقبلوا بالدية، وهو الارجح. وإذا قتل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإن القضاء على غيره من اتباعه يكون أسهل وأيسر، ولا يشكل لقريش مشكلة ذات شان. بل وحتى لو تركوهم على ما هم عليه، فإن أمرهم لسوف يصير إلى التلاشي والاضمحلال. هكذا كانت تفكر قريش وتخطط. وهو تفكير محكوم بالعصبية القبلية. ولكنه ذكي جدا. وبالامكان تحقيق الاهداف الشريرة تجاه الرسول والرسالة من خلاله. ولكن عناية الله سبحانه وإن كانت تشمل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وترعاه، إلا أن من الواضح: أن إقدام قريش على تنفيذ مخططاتها - فشلت أو نجحت - لسوف يعرض علاقاتها مع الهاشميين لنكسة خطيرة، ولسوف تزيد مضاعفاتها بشكل مخيف ببقاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في مكة. كما أن عادة الله قد جرت على أن لا يحول بين أحد وبين تنفيذ إرادته، بشكل قهري وقسري، إلا بنحو من العنايات والالطاف التي


(1) سورة آل عمران 144. (*)

[ 339 ]

تشمل ذلك النبي الذي يكون حفظه ضروريا لحفظ الدين والانسان. فارادة الانسان حرة طليقة، ولكن الله يسدد ويلهم ويؤيد من تستهدفه تلك الارادة بالشر وا لاذى. وبعد كل ما تقدم يتضح: أنه كان لا بد للنبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولمن معه من المسلمين من الخروج من مكة إلى مكان أمن وسلام لا يشعرون فيه باي ضغط، يملكون فيه حرية الحركة، وحرية الكلمة، وحرية التخطيط لبناء مجتمع إسلامي يكون فيه النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قادرا على القيام بنشر دعوته، وإبلاغ رسالته، على النحو الافضل والاكمل. سر اختيار المدينة: وأما عن سر اختيار النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى - للمدينة بالذات دارا لهجرته، ومنطلقا لدعوته، دون غيرها كالحبشة مثلا ؟ فذلك يرجع إلى عدة عوامل، نذكر منها ما يلي: 1 - إن مكة كانت - كما قدمنا - تتمتع بمكانة خاصة في نفوس الناس. وبدون السيطرة عليها، والقضاء على نفوذها الوثني، واستبداله بالنفوذ الاسلامي ؟ فإن الدعوة تعتبر فاشلة، وكل الجهود تبقى بدون جدوى ؟ فإن الدعوة كانت بحاجة إلى مكة، بنفس القدر الذي كانت مكة بحاجة فيه إلى الدعوة. فلا بد من اختيار مكان قريب منها، يمكن أن يمارس منه عليها رقابة، ونوعا من الضغط السياسي والاقتصادي، وحتى العسكري إن لزم الامر في الوقت المناسب، حينما لا بد له من أن يفرض سلطته عليها. والمدينة، هي ذلك الموقع الذي تتوفر فيه مقومات هذا الضغط،

[ 340 ]

فهي تستطيع مضايقة مكة اقتصاديا ؟ لوقوعها على طريق القوافل التجارية المكية، وقريش تعيش على التجارة بالدرجة الاولى. وقد تقدم قول المشركين لعبد الله بن أبي، حين بيعة العقبة: " ما من حي أبغض من أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم ". وتقدم أيضا: أنهم لما أخذوا سعد بن عبادة بعد بيعة العقبة وعذبوه، جاء الحارث بن حرب وجبير بن مطعم وخلصاه، لانه كان يجير لهما تجارتهما. وإذا كانت قريش قد لقيت من أبي ذر ما لقيت، حين أخذ عليها طريق تجارتها، فإن ما سوف تلقاه من أهل المدينة سيكون أشد، وأعظم خطرا، وأبعد أثرا، ولا سيما إذا عقد الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " تحالفات مع سائر القبائل المقيمة في المنطقة، كما حصل بالفعل، وكانت المعاهدة بصورة تجعلهم مضطرين لقطع علاقاتهم بالمشركين (1). 2 - لقد عرفنا مما تقدم: أن الهجرة إلى المدينة هي الحل المفروض، الذي لا خيار معه ؟ وذلك لان الهجرة إلى الطائف لم تكن بالتي تجدي نفعا، بعد أن رأينا: أن أهلها رفضوا الاستجابة إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، حينما هاجر إليهم، لانهم يرون: أن مكة هي التي تستطيع أن تضايقهم اقتصاديا، وهم إليها أحوج منها إليهم. ولاجل ذلك فإنهم لا يستطيعون في المستقبل المنظور على الاقل إلا أن يدوروا سياسيا في فلكها، وأن يخضعوا لسيطرتها. وأما سائر قبائل العرب ؟ فلا يجدون في أنفسهم القدرة على ذلك. وقد جرب أن يعرف


(1) راجع: وثيقة المدينة الاتية في الجزء التالي من هذا الكتاب ؟ أو آخر فصل: أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة. فقد جاء فيها ما يلي: " وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش، ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن ". وراجع: نشاة الدولة الاسلامية: ص 289 - 295. (*)

[ 341 ]

مدى استعدادهم لقبول دعوته، والدفاع عنها ؟ فوجد ما لا ينقع غلة، ولا يبل صدى، إن لم نقل أنه وجد ما يزيد الطين بلة، والامر خطورة. وأما اليمن، وفارس، والروم، وبلاد الشام وغيرها ؟ فقد كانت خاضعة لسلطة الدولتين العظميين، اللتين لن يكون نصيب الرسول والرسالة منهما سوى المتاعب والاخطار الجسيمة. وقد تكلمنا عن شئ من ذلك عند الحديث عن عوامل انتصار الاسلام وانتشاره في أواخر الباب الاول من هذا الكتاب. ولسوف نرى أن كسرى قد حاول أن يقوم بعملية خطيرة تجاه الرسول ورسالته حينما أرسل إليه " صلى الته عليه وآله وسلم " يدعوه إلى الاسلام. وأما الحبشة فهي بحكم موقعها الجغرافي مفصولة عن مكة، كما أنها بحكم واقعها الاجتماعي، والسياسي، والبشري، والعنصري، وبحكم كونها بلدا أفريقيا، فإنها ليست بلدا قادرا على إن يقود عملية التغيير العالمية الشاملة، لا إقتصاديا، ولا سياسيا، ولا عسكريا، ولا حتى فكريا، لاجتماعيا. أضف إلى ذلك أن مهاجمة مكة بجيش من الحبشة لسوف يدفع العرب كافة إلى الوقوف إلى جانب قريش ضده، بخلاف ما لو كانت عملية التغيير منطلقة من الداخل حينما يؤمن بدعوته الفقراء، والمستضفون، ويواجه هؤلاء الملا والمستكبرين من قومهم بالذات. وهكذا يتضح: أنه ليس ثمة إلا المدينة، والمدينة فقط موقعا مناسبا للهجرة فكانت الهجرة إليها. 3 - ومن الجهة الاخرى، فإن المدينة كانت أغنى من مكة زراعيا. أي أنها لو فرض عليها: أن تتعرض لضغط تجاري من نوع ما - مع أنه ليس باستطاعة مكة أن تفعل شيئا من ذلك - فإنها تستطيع أن تقاوم هذا الضغط، وتحتفظ لنفسها بنوع من الحياة، ولو بصعوبة ما، من دون أن

[ 342 ]

تستسلم لارادة الاخرين، وتنساق وراء رغباتهم، كما كان الحال بالنسبة لغيرها. هذا عدا عن أن الدعوة التي تحتاج إلى نشاط واسع، وجهد شامل، لانها تريد أن تقود عملية التغيير الشامل على مستوى عالمي - هذه الدعوة - تحتاج إلى استقرار اقتصادي داخلي، يستطيع أن يوفر الفرصة لحملة هذه الرسالة للحركة في سبيل نشر دينهم، وبث رسالتهم. 4 - وإذا كان الحج من أهم تشريعاث الاسلام ؟ فما دامت مكة في أيدي الوثنيين ؟ فإنه سوف يفقد أثره وفعاليته في مجال التربية السياسية، والاجتماعية، وفي غير غير ذلك من مجالات. وأيضا، فما دامت مكة في أيدي الوثنيين، فلسوف يبقى لهم نفوذ واسع في القبائل العربية، وقدسية من نوع ما في نفوسهم. فلابد إذن من اخراجها من أيديهم ؟ لينتهي مالهم من رصيد معنوي في نفوس الناس، ولتنفتح القلوب بكل ما لديها على الدين الجديد، وليتمكن المسلم من أن يؤدي إحدى أعظم شعاثره - الحج - بحرية تامة، دونما رادع أو زاجر. ويدل على ذلك، ما يرويه الطبراني وغيره: أنه لما عرض النبي الاسلام على ذي الجوشن الضبابي، أبى أن يدخل فيه إلا أن يرى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد غلب على الكعبة. وفي رواية أخرى، أنه قال له: " رأيت قومك قد كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك. فانظر ماذا تصنع ؟ فان ظهرت عليهم آمنت بك، واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك (1).


(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 68، وقال: " رواه عبد الله بن أحمد، وأبوه، ولم يسق المتن، والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وروى ابو داود بعضه " انتهى. (*)

[ 343 ]

وبعد هذا، فإن أقرب المواقع إلى مكة هو المدينة، وهي التي تملك إلى جانب قوتها الاقتصادية كثافة سكانية جيدة، تستطيع أن تقوم بالمهمة التي توكل إليها تجاه مكة على أكمل وجه، ولا توجد هذه الميزة في أي من المناطق القريبة إلى مكة. ونلاحظ: أن إيجاب الهجرة على من يسلم، قد جعل المدينة - بعد هجرة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " إليها - في حالة نمو سكاني مستمر، يؤهلها لتحمل مسؤولية بناء دولة، وحماية منجزاتها على المدى ا لمنظور. 5 - إن أهل المدينة كانوا في الاصل من مهاجري اليمن، التي كانت تمتلك شيئا من الحضارة البدائية في قديم الزمان، فهم ليسوا أعرابا ؟ لتكون قلوبهم ممعنة في القسوة. ولا كان ثمة زعامات ومصالح خطيرة لهم في المنطقة، كما كان الحال بالنسبة لقريش، ولا كانوا يعيشون في تلك الاجواء النفسية المعينة، كما كانت تعيش قريش ؟ نتيجة لموقعها النسبي في العدنانية، ولموقعها في زعامة مكة، وحجابة البيت. ثم هناك التنافس الظاهر بين العدنانية والقحطانية. حيث لا يسع القحطانيين، حتى ولو لم تكن ثمة دوافع دينية وعقيدية: أن يسلموا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى أعدائه. ويشهد لهذا: أننا نجد بقايا هذا التنافى حتى إلى ما بعد وفاة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ؟ فنجد أن عمر بن الخطاب قد فضل العدنانية على القحطانية في العطاء، الامر الذي مهد السبيل أمام الامويين لاستغلال هذه الروح وإشعال الفتن بين اليمانيية والقيسية. إبان حكمهم البغيض. بينما نجد أمير المؤمنين " عليه السلام " لم يكن يرى لبني إسماعيل على بني إسحاق فضلا. (ولهذا البحث مجال آخر). 6 - ثم إن أهل المدينة قد ذاقوا مرارة الانحراف كأشد ما يكون،

[ 344 ]

وقد أنهكتهم الحروب واكلتهم، ويعيشون في رعب دائم وخوف مستمر، حتى إنهم ما كانوا يضعون السلاح لا في الليل ولا بالنهار (1). وتقدم أن الخزرج ذهبوا إلى مكة يطلبون الحلف من القرشيين فلم تلب قريش طلبهم. وكانوا يتمنون من كل قلوبهم: أن يجدوا مخرجا من المازق الذي يرون انفسهم فيه، حتى إن اسعد بن زرارة لا يخفي لهفته على هذا الامر ؟ حيث قال للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " حينما دعاه إلى الاسلام: (إنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين اخوتنا من الاوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، ولا أحد أعز منك الخ، (2). ثم وبعد أن دخل الاسلام إلى المدينة، فقد كان لا بد أيضا من الحفاظ على المسلمين فيها، وشد أزرهم، حتى يمكن لهم الاستمرار في نصرة هذا الدين، واعلاء كلمة الله. 7 - لقد كانت بشائر اليهود بقرب ظهور نبي في المنطقة قد جعلت الكل مستعدين لقبول هذا الدين. ولكنهم يحتاجون إلى مناسبات دافعة، إلى ظروف مشجعة ؟ فلماذا يهملهم الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولا يهيئ لهم الفرصة لذلك ؟ !. 8 - هذا كله، عدا عن أن أهل المدينة أنفسهم قد طلبوا ذلك من النبي الاكرم (ص) وبايعوه بيعة العقبة، ووعدوه النصر، والنبي (ص) إنما يتصرف وفق الارادة الالهية التي لا تغيب عنها تلك المصالح وسواها. فالله هو الذي يرعاه ويسدده، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين. هذا ما رأينا الاشارة إليه في هذا الصدد.


(1) البحار: ج 19 ص 8 و 9 و 10، وأعلام الورى: ص 55. (2) البحار: ج 19، وأعلام الورى: ص 57. (*)

[ 345 ]

المؤاخاة بين المهاجرين: وكتمهيد لعملية الهجرة، حيث يفترض أن يواجه المسلمون الكثير من المصاعب، التي تحتاج إلى التعاون والتعاضد بأعلى مراتبه، كانت عملية المؤاخاة التي أريد بها السمو بعلاقات هذا الانسان عن المستوى المصلحي، وجعلها علاقة إلهية تصل إلى درجة الاخوة ؟ ليكون أثرها في التعامل بين المسلمين أكثر طبيعية، وانسجاما، وبعيدا عن النوازع النفسية التي ربما توحي للمعين والمعان بامور من شانها أن تعقد العلاقات بينهما نفسيا على الاقل. وقد رأينا: أن البعض يتوهم ترتب التوارث على هذه المؤاخاة دون الرحم، وذلك يدل على عمق تأثير هذا الحدث في المسلمين ؟ في روحياتهم وفي علاقاتهم على حد سواء. وعلى كل حال، فلقد آخى الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل الهجرة فيما بين المهاجرين، على الحق والمواساة ؟ فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان و عبد الرحمان بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود وبين عبادة بن الحارث وبلال. وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة، وبين علي " عليه السلام " ونفسه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقال: أما ترضى أن أكون أخاك ؟. قال: بلى يارسول الله رضيت. قال: فانت أخي في الدنيا والاخرة (1).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 20 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 155 عن الاستيعاب. وتاريخ الخميس ج 1 ص 353 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 14 وتلخيصه للذهبي. (*)

[ 346 ]

وسيأتي إن شاء الله في الجزء الرابع من هذا الكتاب: أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد آخى بين المهاجرين والانصار بعد الهجرة. ولسوف نذكر طائفة من مصادر حديث المؤاخاة هناك إن شاء الله ونذكر انكار ابن تيمية وغيره لحديث مؤاخاة مهاجري لمهاجري، وجوابه، ثم نعلق على حديث المؤاخاة بما نراه مناسبا ؟ فإلى هناك. ابتدأ هجرة المسلمين إلى المدينة: ويقول المؤرخون إن بيعة العقبة الثانية قد كانت قبل هجرة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة بثلاثة أشهر ويقولون أيضا: إنه بعد أن عقد النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بيعة العقبة الاولى - على الظاهر - مع أهل المدينة ولم يقدر أصحابه أن يقيموا بمكة بسبب إيذاء المشركين، ولم يصبروا على جفوتهم، رخص لهم " صلى الله عليه وآله وسلم " بالهجرة إلى المدينة. وبقي " صلى الله عليه وآله وسلم " بمكة ينتظر أن يؤذن له. فخرجوا أرسالا، حتى أذن الله سبحانه لنبيه الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " بالهجرة، كما سيأتي. المثل الاعلى: وجدير بالتسجيل هنا: أن نرى المسلم الحقيقي يضحي بوطنه الذي نشا وعاش فيه، وبكل ما يملك من متاع الحياة الدنيا، وبعلاقاته الاجتماعية، وروابطه النسبية ويقدم على معاداة الناس كلهم، حتى آبائه، واخوانه وابنائه. ويخرج من بلده ومسقط رأسه ليواجه مستقبلا يعرف أنه ملئ بالاحداث والاخطار، كل ذلك في سبيل هدفه ودينه وعقيدته. وهو أروع مثل نستفيده من عملية الهجرة. سواء في ذلك الهجرة إلى المدينة، أو الهجرة إلى الحبشة.

[ 347 ]

هجرة عمر بن الخطاب: ومما يلفت النظر هنا ما يقال عن كيفية هجرة عمر بن الخطاب، حيث يروون عن علي " عليه السلام " أنه قال: ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد بسيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يديه أسهما، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملا من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة ؟ فقال: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، فمن أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي. قال علي رضي الله عنه: فما تبعه أحد، ثم مضى لوجهه (1). ونحن نقطع بعدم صحة هذا الكلام. لان عمر لم يكن يملك مثل هذه الشجاعة، وذلك: أولا: لما تقدم في حديث اسلامه عن البخاري وغيره، من أنه حين اسلم اختبأ في داره خائفا، حتى جاءه العاص بن وائل، فأجاره، فخرج حينئذ. وفي بدر تكلم واساء الكلام، حيث كان يجبن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمسلمين. ثانيا: إن مواقفه الحربية كانت عموما غير مشجعة لنا على تصديق مثل هذا الكلام فلقد فر في أحد، وفر في حنين، رغم أنه يرى الخطر يتهدد


(1) منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 4 ص 387 عن ابن عساكر، والسيرة الحلبية ج 2 ص 21 / 22، وأشار إلى ذلك في نور الابصار ص 15. وكنز العمال ج 14 ص 221 / 222 عن ابن عساكر. (*)

[ 348 ]

الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " فلا يلتفت إليه، ولا يفكر إلا في الحفاظ على نفسه. وأما فراره في خيبر فهو أعجب وأعجب حيث إنه كان معه من يدافع ويحامي عنه. أما في واقعة الخندق ففر فيها أيضا كما أنه لم يجرؤ على الخروج إلى عمرو بن عبدود. وحينما أخذ النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سيفا في أحد، وقال: من ياخذ هذا السيف بحقه طلبه أبو بكر، وعمر فلم يعطهما إياه. واعطاه أبا دجانة. إلى غير ذلك مما لا مجال له هنا. ولسوف نشير إليه فيما ياتي إن شاء الله تعالى. حين الكلام على الغزوات المشار إليها. والغريب في الامر: أننا لم نر ولم نسمع: أن عمر، وأبا بكر، وعثمان قد قتل واحد منهم أحدا، أو بارز انسانا، وما ذكر من ذلك قد ثبت عدم صحته. كما أنه لم يجرح أي من هؤلاء ولا دميت له يد ولارجل في سبيل الله. مع أن أعاظم صحابته " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أصيبوا في الله وضحوا في سبيله، الامر الذي يشير إلى أن هؤلاء كانوا شجعانا في الرخاء، غير شجعان عند اللقاء. ثالثا: لقد أشرنا فيما سبق إلى أنه لم يجرؤ على أن ياخذ رسالة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " للمكيين في عام الحديبية، بحجة: أن بني عدي لا ينصرونه ان أوذى ! ! فمن كانت هذه فعاله في تلك المواقع الصعبة هل يحتاج إلى بني عدي، أو إلى غيرهم ؟ !. رابعا: قال أبو سفيان في فتح مكة للعباس، حينما كانا يستعرضان الالوية، فمر عمر، وله زجل: " يا أبا الفضل، من هذا المتكلم ؟ ! قال: عمر بن الخطاب.

[ 349 ]

قال: لقد أمر أمر بني عدي بعد - والله - قلة وذلة. فقال العباس: يا أبا سفيان إن الله يرفع من يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الاسلام (1). وخامسا: إنهم متفقون على أن الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " كان أشجع البشر دون استشاء، بل سيأتي أن بعضهم يحاول ادعاء أشجعية أبي بكر على سائر الصحابة - وان كان سيأتي أن العكس هو الصحيح - ونحن نرى في حديث الهجرة أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يختفى في الغار، حذرا من المشركين، كما أن أبا بكر يخاف ويبكى، رغم كونه مع النبي الاعظم، الذي يتولى الله رعايته وحمايته، وظهرت له آنئذ الكثير من المعجزات الدالة على ذلك. وقد ذكر الله خوف وحزن أبي بكر في القرآن. فكيف يخاف أبو بكر ويحزن مع أنه إلى جانب رسول الله الذي يتولى الله حمايته ورعايته، مع ادعاء محبي أبي بكر أنه أشجع الصحابة بعد الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " - نعم كيف يخاف أبو بكر ولا يخاف عمر ؟ ! ولماذا يعمل الرسول بالحزم، ويراعي جانب الحذر من قريش، ولا يفعل ذلك عمر بن الخطاب ؟ ! ولماذا لم يحم عمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى يخرجه من مكة إلى المدينة ؟ !. ولماذا يرضى عمر للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يتحمل كل هذه الصعاب والمشاق، حتى يتمكن من التخلص من الورطة التي هو فيها ؟ !


(1) مغازي الواقدي ج 2 ص 821 وعن كنز العمال ج 5 ص 295 عن ابن عساكر من طريق الواقدي. (*)

[ 350 ]

بل إذا كان لعمر هذه الشجاعة والشدة ؟ فلماذا يضطر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى الهجرة، ؟ فليحمه هذا البطل الشجاع، وليرد عنه بعض ما كانت قريش تؤذيه به ؟ 1. ثم إننا لا ندري لماذا لم يحدثنا التاريخ عن موقف مماثل لحمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، الذي شج رأس أبي جهل شجة منكرة، وعز المسلمون باسلامه ؟ !. ولماذا يترك النبي والهاشميين محصورين في الشعب، يكادون يهلكون جوعا، ولا يجرؤ أحد على أن يوصل لهم شيئا من طعام ؟ !. لان عمر عند هؤلاء قد اسلم قبل الحصر في الشعب، وان كنا اثبتنا في ما تقدم بشكل قاطع: أنه قد اسلم قبل الهجرة بقليل. إلى غير ذلك من الاسئلة الكثيرة التي لن تجد لها عند هؤلاء الجواب المقنع والمفيد. ما هي الحقيقة إذن ؟ ! ولكن الحقيقة هي: أن هذا التهديد والوعيد إنما كان من أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، حينما هاجر، ولحقه سبعة من المشركين في ضجنان وسيأتي تفصيل القضية حين الكلام على هجرة أمير المؤمنين علي " عليه السلام " بعد هجرة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". ولكن أعداء علي " عليه السلام " لم يستطيعوا أن يتحملوا أن يروا هذه الكرامة له، ولا سيما بعد ما أثبت صحتها بمبيته على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليلة الهجرة. وكما كان يبيت على فراش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مدة ثلاث سنين، يقيه بنفسه حينما كانوا محاصرين في شعب أبي طالب " رحمه الله ". فلما لم يكن إلى إنكارهم مبيته على الفراش سبيل أغاروا على

[ 351 ]

فضيلته الاخرى - كعادتهم - فاستولوا عليها، ونسبوها إلى غيره - وعظموا من شأن أبي بكر في الغار - كما سيأتي حين الكلام على الهجرة إن شاء الله تعالى. بل انهم لم يرضوا إلا أن تكون فضيلة عمر على لسان علي نفسه، كما عودونا في مناسبات كهذه، فإن ذلك أوقع في النفس، وأبعد عن الشبهة، وأدعى إلى القبول. ولكن الله تعالى يقول: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (1). وهكذا كان. ماذا عن الهجرة إلى المدينة ؟ لقد أمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أصحابه بالهجرة إلى المدينة، تمهيدا لخروجه هو " صلى الله عليه وآله وسلم " إليها أيضا، وقال لهم: إن الله عزوجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فهاجر إليها المسلمون، بعضهم سرا، وبعضهم علانية، مضحين بوطنهم، وبعلاقاتهم، وكثير منهم بثرواتهم، ومكانتهم الاجتماعية وكل شئ، في سبيل دينهم، وعقيدتهم. وهذا معناه: أن الدين والعقيدة فوق وأغلى من كل شئ ؟ فالوطن، والمال، والجاه، وكل شئ لا قيمة له، إذا كان الدين مهددا بالخطر ؟ لان الحفاظ على الدين الصحيح، معناه الحفاظ على الوطن والمال وكل شئ، وبدونه يكون كل شئ في معرض الزوال، إن لم يكن عبئا، أو فقل: خطرا يتهدد هذا الانسان في كثير من الظروف والاحوال. قريش والهجرة: وقد قدمنا بعض الكلام حول الهجرة، وموقف قريش منها حين


(1) الا نبياء / 18. (*)

[ 352 ]

الكلام على هجرة الحبشة فلا نعيد وإذا كانت قريش قد قاومت الهجرة إلى الحبشة بذلك الشكل القوي، حتى لقد حاولت استرجاع المسلمين من أرض الحبشة. فماذا عساها يكون موقفها من الهجرة إلى المدينة، والتي ترى فيها أعظم الخطر على مصالحها، وعلى وجودها ومستقبلها ؟ !. لقد حاولت أن تمنع المسلمين من الهجرة بمختلف الوسائل، فكانت تحبس من تظفر به منهم، وتفتنه عن دينه، وتمارس ضده مختلف أساليب القهر والقسوة، فلم تنجح ولم تفلح وهي من الجهة الاخرى ترى نفسها عاجزة عن التصفية الجسدية لاكثر المسلمين ؟ لان المهاجرين كانوا - عموما - من القبائل المكية، وليس قتل أي منهم إلا سببا في اثارة حرب أهلية بين المشركين أنفسهم. وهذا ولا شك ليس في مصلحة قريش في أي حال. ويشهد لما ذكرناه ما حصل لابي سلمة حينما خرج بزوجته وولده، فقام إليه رجال من بني المغيرة فاخذوا زوجته منه ؟ لانها منهم، فثار بنو عبد الاسد، قبيلة الزوج ؟ فانتزعوا سلمة من أمه (1). وأدركت قريش: أن هذه الهجرة الواسعة سوف تعقبها هجرة الرسول الاعظم نفسه ؟ ليمارس بحرية تامة عملية الريادة، والقيادة، والهداية بشكل أوسع وأعمق. ولسوف يحميه المدنيون بكل ما لديهم. فلم يكن لديها هم إلا المنع من تحقق ذلك باي وسيلة تقدر عليها، أو حيلة تهتدى إليها.

[ 352 ]

الكلام على هجرة الحبشة فلا نعيد وإذا كانت قريش قد قاومت الهجرة إلى الحبشة بذلك الشكل القوي، حتى لقد حاولت استرجاع المسلمين من أرض الحبشة. فماذا عساها يكون موقفها من الهجرة إلى المدينة، والتي ترى فيها أعظم الخطر على مصالحها، وعلى وجودها ومستقبلها ؟ !. لقد حاولت أن تمنع المسلمين من الهجرة بمختلف الوسائل، فكانت تحبس من تظفر به منهم، وتفتنه عن دينه، وتمارس ضده مختلف أساليب القهر والقسوة، فلم تنجح ولم تفلح وهي من الجهة الاخرى ترى نفسها عاجزة عن التصفية الجسدية لاكثر المسلمين ؟ لان المهاجرين كانوا - عموما - من القبائل المكية، وليس قتل أي منهم إلا سببا في اثارة حرب أهلية بين المشركين أنفسهم. وهذا ولا شك ليس في مصلحة قريش في أي حال. ويشهد لما ذكرناه ما حصل لابي سلمة حينما خرج بزوجته وولده، فقام إليه رجال من بني المغيرة فاخذوا زوجته منه ؟ لانها منهم، فثار بنو عبد الاسد، قبيلة الزوج ؟ فانتزعوا سلمة من أمه (1). وأدركت قريش: أن هذه الهجرة الواسعة سوف تعقبها هجرة الرسول الاعظم نفسه ؟ ليمارس بحرية تامة عملية الريادة، والقيادة، والهداية بشكل أوسع وأعمق. ولسوف يحميه المدنيون بكل ما لديهم. فلم يكن لديها هم إلا المنع من تحقق ذلك باي وسيلة تقدر عليها، أو حيلة تهتدى إليها.


(1) البداية ج 3 ص 169 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 112 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 215 / 216. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية