الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 2

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 2


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضي العاملي الجزء الثاني

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م - 1415 ه‍ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 22597 20777 Mcs بلاغ. ص ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان. دار السيرة - بيروت لبنان - ص. ب: 49 / 25

[ 5 ]

ايضاحات ضرورية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم. والصلاة والسلام على محمد المصطفى، خاتم الانبياء والمرسلين، وآله الكرام البررة الطيبين الطاهرين. واللعنة على أعدائهم أجمعين، من الاولين والاخرين، إلى يوم الدين. وبعد.. فإنني إذ أقدم إلى القراء الكرام هذا الكتاب: (الصحيح من سيرة النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم) أو (المصطفى من سيرة المصطفى) أرى لزاما علي أن أشير - بإختصار - إلى الامور التالية: 1 - لقد اعتمدت - بالدرجة الاولى - فيما كتبته هنا على مؤلفات القدماء. أما مراجعتي لمؤلفات المعاصرين، فلا تكاد تذكر، لان ما راجعته منها، رأيت أنه - عموما - يكرر ما كتبه أولئك، إلا في كيفية التنسيق والتبويب والاخراج، ثم التبرير والتوجيه له. بزيادة: أنهم يظهرون

[ 6 ]

براعتهم وتفوقهم في ترصيف الكلمات البراقة، وصياغة الجمل والعبارات الرنانة في تأييده وتأكيده. من دون أي تحقيق له، أو تدقيق فيه، صحة وفسادا، حتى ليخيل إليك: أن تلك النصوص جزء من الوحي الالهي، الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا يرقى إليه الريب، مهما كانت متناقضة ومتنافرة ؟ إذ لابد من الجمع بينها، وتمحل الوجوه لها، ولو كانت مما يأباه كل عقل، ولا يقره وجدان، ولا يرضاه ضمير، حتى إذا لم يمكن ذلك فلابد من السكوت عنها، والاعتراف بالعجز عن فهم حقيقة الحال فيها، وذلك هو أضعف الايمان. 2 - لقد انصب اهتمامي في هذا الكتاب على الناحية التحقيقية حول صحة، وعدم صحة الكثير مما يدعى أنه سيرة نبوية، أو تاريخ إسلامي. ولكن بالمقدار الذي يتناسب مع كتاب كهذا، يريد أن يعطي صورة متقاربة الملامح، قدر الامكان عن فترة زمنية ثرية بالاحداث والمواقف الحساسة، وقد كانت ولا تزال محط النظر - بشكل رئيسي - لاهل المطامح والاهواء السياسية، والمذهبية، وغيرها. بل هي أخطر وأهم مرحلة تاريخية على الاطلاق، لانها غيرت جذريا، وليس فقط أصلحت كل الاسس والمنطلقات الخاطئة لكل قضايا وشؤون الانسان والانسانية جمعاء. وقد كانت المهمة في الحقيقة شاقة وصعبة للغاية. ولكنني رضيت بتحمل ذلك، لانني أدركت مدى حاجة المكتبة الاسلامية إلى جهد كهذا، مهما كان ناقصا ومحدودا، ليكون النواة والخطوة الاولى على طريق اعتماد المنهج التحقيقي العلمي في التعرف على قضايا التراث، بصورة شمولية، ومستوعبة. 3 - وقد يلاحظ القارئ لهذا الكتاب بعض الفجوات فيه، أو مدا وجزرا في الشمولية والاستقصاء.

[ 7 ]

وله أن يرجع ذلك إلى أن هذا الكتاب قد أعد في فترات زمنية متباعدة، فرضها واقع الظروف التي تمنع الانسان من الاستفادة من عنصر الوقت على النحو الافضل والامثل. كما أنه لا يمكن استبعاد حالات النشاط والخمود الفكري التي تعتري الانسان تبعا لتفاوت حالات الهدؤ والاستقرار، الامر الذي يؤثر بشكل واضح على طبيعة ما يكتب، ويظهر فيه شيئا من التفاوت والاختلاف في مستوى التعرض لبحوثه وقضاياه. 4 - حيث إن التاريخ الاسلامي - كما سنرى - قد تعرض لمحاولات جادة للتلاعب فيه من قبل أصحاب الاهواء السياسية والمذهبية وغيرها، وتسربت إليه بعض الترهات والاباطيل من قبل أهل الكتاب وغيرهم، ثم حاولت الايدي الاثيمة والحاقدة أن تعبث به تحريفا، أو تزييفا، فقد أصبح البحث، والوصول إلى الحقائق فيه على درجة كبيرة من الصعوبة، إن لم يصل إلى حد التعذر أحيانا، فقد كان لا بد لنا من أخذ الامور التالية بنظر الاعتبار: أ: إن الاعتماد على نوع معين من المؤلفات والمؤلفين ربما يتسبب في حرمان القارئ من الاطلاع على نصوص تناثرت هنا وهناك، واستطاعت أن تخترق الحجب، وتقفز فوق الحواجز الثقيلة، وتصل الينا سليمة - إلى حد ما - من التحريف، حين لم ير فيها السياسيون المحترفون خطرا، ولا رأى فيها المتمذهبون المتعصبون ضررا، فتركها هؤلاء وأولئك، ليتلقفها عشاق الحقيقة القليلون جدا، بعيدا عن غوغائية المتعصبين، وفي مأمن ومنأى من جبروت وتعنت الاشرار المحترفين. ب: أننا رأينا - والحالة هذه - ان البحث في الاسانيد، والاعتماد عليها كمقياس ومعيار نهائي في الرد والقبول، إنما يعني: أن علينا أن نقتنع بنصوص قليلة جدا، لا تكاد تفي حتى بالتصور العام، وبالفهرسة

[ 8 ]

الاجمالية للسيرة النبوية المباركة، فضلا عن تفصيل أحداث تاريخ صدر الاسلام. ولسوف نخسر كثيرا من النصوص الصحيحة، التي لم توفق لسند تتوفر فيه أدنى شرائط القبول. هذا بالاضافة إلى أن الباحث سوف يفقد حرية الحركة، والربط والاستنتاج، ولسوف لن يكون لفهمه العميق للاجواء والظروف وللاتجاهات السياسية والفكرية وغيرها الذي اكتسبه من الممارسة الطويلة، أية فعالية تذكر في استخلاص الحقائق، التي أريد لها - لسبب أو لاخر - أن تبقى طي الكتمان، ورهن الابهام والغموض. هذا عدا عن المشكلات الكبيرة التي تواجه الباحث، ولا بد له من التغلب عليها، ليمكن للبحث السندي، أن يكون مقبولا ومعقولا لدى أرباب الفكر، وأساطين العلم والمعرفة. وأهم هذه المشكلات هي مشكلة المعايير والمنطلقات والضوابط للبحث السندي، وموازين القبول والرد فيه. والتي يرتكز بعضها على أسس عقائدية أولية، يتطلب البحث فيها وقتا طويلا، وجهدا عظيما. إن لم ينته إلى الطريق المسدود، ويعود ممجوجا وعقيما في اكثر الاحيان، حيث يضر البعض على اتخاذ منحى لا يتسم بالنزاهة ولا بالموضوعية، خصوصا في النواحي العقائدية. ولا نملك إزاء هذا النوع من الناس إلا أن نقول: قاتل الله الاهواء، والعصبيات، والمصالح الشخصية والفئوية. وعلى هذا الاساس نقول: إننا إذا كنا قد بحثنا - أحيانا - في الاسانيد، فقد اعتمدنا في ذلك الطريقة المعقولة والمقبولة، المبتنية على قاعدة: الزموهم بما الزموا به أنفسهم. ثم الطرق التي يتوافق عليها إن لم يكن كل فأكثر أهل الفرق، وتؤدي إلى نتيجة مقبولة لدى الجميع، إن

[ 9 ]

كان منشأ هذا القبول يختلف بين هؤلاء وأولئك في أحيان كثيرة. ج: لقد حتم علينا ذلك المنهج، بالاضافة إلى ما تقدم: أن نتخذ من المبادئ الاسلامية، ومن القرآن، ومن شخصية وخصائص، وأخلاق الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أساسا لتقييم كثير من النصوص المعروضة، والحكم عليها بالرد أو القبول من خلال انسجامها مع ذلك كله، أو عدم انسجامها معه. وذلك ينسحب على كل شخصية استطعنا الحصول على فهم عام لسيرتها، ولخصائصها وأخلاقها، ومواقفها، واتجاهاتها. د: هذا بالاضافة إلى الكثير من أدوات البحث، التي توفرها الممارسة الطويلة في هذا الاتجاه، كتناقض النصوص، والامكانية التاريخية، من خلال المحاسبات التاريخية الدقيقة. وغير ذلك من وسائل استفدنا منها في بحوثنا هذه، مما سوف يقف عليه القارئ الكريم لهذا الكتاب. 5 - وبعد، فإن الكل يعلم: ان المسلمين قد اهتموا بتدوين تاريخ الاسلام، بشكل لا نظير له لدى أي من الامم الاخرى، فهو بحق وبرغم كل المحاولات أثرى تاريخ أمة واغناه على الاطلاق. وحيث ان البحث في جميع جوانبه أمر متعسر، بل متعذر علينا، فقد آثرنا الاكتفاء بالبحث في جانب يستطيع أن يهيئ لنا تصورا عاما، وهيكلية متقاربة الملامح والسمات، عن حياة نبينا الاكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). 6 - لسوف يجد القارئ لهذا الكتاب أنني حاولت الاقتصار على أقل قدر ممكن من الشواهد والدلائل ومصادرها المأخوذة منها. مع علمي بأن بالامكان حشد أضعاف ذلك في تأييد وتأكيد الحقائق التي أوردتها بشكل عام.

[ 10 ]

7 - انني قد نسبت كل شئ استفدته أو استشهدت به إلى قائله، أو كاتبه وناقله، فأما الافكار التي لا مصدر لها، فهي جهد شخصي، لم أعتمد فيه على أحد. 8 - وأخيرا، فقد كانت الفرصة تسنح أحيانا، في فترات الاحساس بشئ من النشاط الفكري لتسجيل بعض الملاحظات أو الالتفاتات أو التفسيرات لبعض المواقف أو القضايا والاحداث. وهي وإن كانت لا تصل في الاكثر إلى مستوى البحث الكامل والشامل، لانها جاءت على الاكثر بصورة عفوية، ومرتجلة، لم يسبقها إعداد، ولا مراجعة، ولا مطالعة. إلا أنها تعتبر - على الاقل - بمثابة استراحات للقارئ الكريم، كما كانت استراحات للكاتب نفسه من قبل. وللقارئ الخيار بعد هذا في أن يحكم لها أو عليها. وإذا كان حكمه لها فهو بالخيار أيضا في أن يتلمس فيها شيئا من العمق، أو بعضا من الجمال. وفي الختام، فإنني أرجو من القارئ الكريم أن يتحفني بآرائه، ومؤاخذاته ولسوف أكون له من الشاكرين. والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين. ايران - قم المشرفة 16 / 12 / 1400 ه‍. ق. جعفر مرتضى الحسيني العاملي

[ 11 ]

القسم الاول: ما قبل البعثة

[ 13 ]

الفصل الاول: ما قبل الميلاد

[ 15 ]

البداية الطبيعية: إن من البديهي: أن البداية الطبيعية والمعقولة لتاريخ الاسلام، وأعظم ما فيه وهو سيرة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) تحتم علينا اعطاء لمحة خاطفة عن تاريخ ما قبل البعثة، وما اتصل بها من احداث سبقتها، لنتعرف على الاجواء والمناخات التي انطلقت فيها دعوة الدين الحق، وهو دين الاسلام فنقول: الوضع الجغرافي لشبه جزيرة العرب: هي شبه جزيرة مستطيلة يحدها شمالا: الفرات، وآخر قطعاتها بادية الشام والسماوة، وفلسطين، وشرقا خليج فارس، وجنوبا خليج عدن، والميحط الهندي، وغربا: البحر الاحمر (1). ولا يعنينا الوضع الجغرافي هنا إلا في النواحي التالية: الاولى: إنه لم يكن في جزيرة العرب حتى نهر واحد، بالمعنى الصحيح للكلمة (2)، وأكثرها جبال، وأودية، وسهول جرداء، لا تصلح


(1) راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام: ج 1 ص 140 فما بعدها. (2) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام: ج 1 ص 157 فما بعدها. (*)

[ 16 ]

للزراعة والعمل. ومن ثم فهي لا تساعد على الاستقرار، وتنظيم الحياة. ومن هنا فقد كان أكثر سكانها، بل قيل: خمسة أسداسهم من البدو الرحل، الذين يمسون في مكان، ويصبحون في آخر. الثانية: إن هذا الوضع قد جعل هذه المنطقة في مأمن من فرض السيطرة عليها، من قبل الدولتين العظميين آنئذ: الرومان، والفرس، وغيرهما، فلم تتأثر المنطقة بمفاهيمهم وأديانهم كثيرا. بل لقد هرب اليهود من حكامهم الرومان إلى جزيرة العرب، واحتموا فيها في يثرب (المدينة) وغيرها. وقد نشأت عن هذا الوضع للجزيرة العربية، ظاهرة الدويلات القبلية، فلكل قبيلة حاكم، وكل ذي قوة له سلطان. الثالثة: إن هذه الحياة الصعبة، وهذا الحكم القبلي، وعدم وجود روادع دينية، أو وجدانية قوية، قد دفع بهذه القبائل إلى ممارسة الاغارة والسلب ضد بعضها البعض، كوسيلة من وسائل العيش أحيانا، وأحيانا لفرض السيطرة والسلطان، وأحيانا أخرى للثأر وإدراك الاوتار، إلى آخر ما هنا لك، فتغير هذه القبيلة على تلك، فتستولي على اموالها، وتسبي نساءها وأطفالها، وتقتل أو تأسر من تقدر عليه من رجالها. ثم تعود القبيلة المنكوبة لتتربص بهذه الغالبة الفرصة لمثل ذلك، وهكذا. ومن هنا، فإن من الطبيعي أن يكون شعور أفراد كل قبيلة بالنسبة لابناء قبيلتهم قويا جدا، بدافع من شعورهم بالحاجة إلى بعضهم البعض للدفاع عن الحياة، والكفاح من أجلها، مما كان سببا قويا لزيادة حدة التعصب القبلي، الذي لا يرثي، ولا يرحم، ولا يلين، حيث لا بد من الوقوف إلى جانب إبن القبيلة، سواء أكان الحق له، أو عليه، حتى لقد قال شاعرهم يتمدحهم بذلك: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا

[ 17 ]

ومن الجهة الاخرى، فإن القبيلة تتحمل كل جناية أو جريمة يرتكبها أحد أبنائها، وتحميه من كل من أراده بسوء. بل يكون أخذ الثأر من غير الجاني إذا كان من قبيلته كافيا وشافيا للموتورين، الذين يريدون شفاء ما في نفوسهم، وإدراك أوتارهم. الحضر في شبه جزيرة العرب: أما الحضر في جزيرة العرب، وهم الذين يسكنون المدن، ويستقرون فيها، فإنهم وإن كانوا في حياتهم أرقي من العرب الرحل، إلا أن رقيهم هذا لم يكن بحيث يجعل الفارق بينهما كبيرا. ومن هنا، فإننا نلاحظ تشابها كبيرا فيما بينهما في العقلية، وفي المفاهيم، وفي العادات والتقاليد، وأساليب الحياة، وبدائيتها. هذا إن لم نقل: إن العرب الرحل كانوا أصح أبدانا، وأفصح لسانا، وأقوى جنانا، وأصفى نفسا، وفكرا وقريحة. ولكن امتياز هؤلاء وأولئك في بعض الامور لم يكن إلى الحد الذي يحتم على الباحث فصل الحديث عنهما، ولا سيما بالنسبة إلى أولئك الحضريين الذي يسكنون الحجاز. والخلاصة: إننا إذا كنا لم نجد في تاريخ ما قبل الاسلام ما يبرر نسبة التفوق إلى أحد الطرفين على الاخر، كما يتضح من كلمات أمير المؤمنين الاتية وغيرها، فليس في فصل الحديث عنهما كبير فائدة، ولا جليل أثر. الحالة الاجتماعية عند العرب: وإن من يطالع كتب التاريخ سيرى بوضوح إلى أي حد كانت الحالة الاجتماعية متردية في العصر الجاهلي. وقد قدمنا: ان السلب والنهب والاغارة، والتعصب القبلي، وغير ذلك قد كان من مميزات الانسان

[ 18 ]

العربي، حتى إنه إذا لم تجد القبيلة من تغير عليه من أعدائها أغارت على أصدقائها، وحتى على ابناء عمها، يقول القطامي: وكن إذا أغرن على قبيل وأعوزهن نهب حيث كانا أغرن من الضباب على حلال (1) وضبة إنه من حان حانا وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا ولقد رأينا: أن تلك الظروف الصعبة، والفقر والجوع، والخلافات التي كانوا يعانون منها، والمفاهيم الخاطئة التي كانت تعيش في أذهانهم - وخصوصا عن المرأة -. وكذلك ظروف الغزو والاغارة، التي تعني سبي النساء والاطفال، قد دفعتهم إلى قتل أو وأد أولادهم، ولا سيما البنات. وكان ذلك في قبائل تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبكر بن وائل (2). بل إننا نستطيع أن نعرف مدى شيوع الوأد بينهم من تعرض القرآن لهذه المسالة، وردعه لهم عنها، وإدانتها، قال تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) (3). وقال أيضا: (وإذا الموؤودة سئلت * بأي ذنب قتلت) (4). كما أننا نجده (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نص على ذلك في بيعة العقبة وقد قال محمد بن إسماعيل التيمى، وغيره - تعليقا على هذا: خص القتل بالاولاد، لانه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد،


(1) الضباب إسم قبيلة. والحلال: المجاور. (2) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 174. (3) سورة الانعام، الاية: 151. (4) سورة التكوير، الايات: 8 - 9. (*)

[ 19 ]

ولانه كان شائعا فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين، خشية الاملاق إلخ (1)). ويقول البعض: (كان هذا الوأد - على رأي بعض الباحثين - في عامة قبائل العرب) يستعمله واحد، ويتركه عشرة، أو كان على الاقل معروفا في بعض القبائل كربيعة، وكنده، وتميم (2). المرأة في الجاهلية: وقد كانت حياة المرأة في الجاهلية أصعب حياة، حيث لم يكن لها عندهم قيمة أبدا، وقد كتب الكثير عن هذا الموضوع، ولذا فلا نرى حاجة كبيرة للتوسع فيه، ويكفي أن نذكر هنا قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون) (3). وسياق الاية الكريمة يشير إلى كثرة ذلك وشيوعه فيهم. ومن ذلك نعرف ان الخضري قد حاول تكذيب القرآن، حينما ادعى: أن العربي قبل الاسلام كان يحترم المرأة ويجلها (4). نعوذ بالله من الخذلان، ومن وساوس الشيطان. كما أن فيه تكذيبا للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي يقول: (والله، إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل،


(1) فتح الباري ج 1 ص 61. (2) راجع: النظم الاسلامية ص 442 / 443. (3) النحل: 58 - 59. (4) محاضرات تاريخ الامم الاسلامية للخضري ص 17 - 20 (*)

[ 20 ]

وقسم لهن ما قسم) (1). شواهد عن حالة العرب في الجاهلية: وعن حالة العرب في الجاهلية يكفي أن نذكر بعض ما قاله سيد الخلق بعد الرسول علي أمير المؤمنين (عليه السلام) فمن ذلك قوله (عليه السلام) (بعثه والناس ضلال في حيرة، وحاطبون في فتنة، قد استهوتهم الاهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الامر، وبلاء من الجهل) (2). وقال (عليه السلام): (وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، تنيخون بين حجارة خشن، وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الاصنام فيكم منصوبة، والاثام فيكم معصوبة) (3). وقال (عليه السلام): (فالاحوال مضطربة، والايدي مختلفة، والكثرة متفرقة، في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موؤودة، وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة) (4). وكلمات أمير المؤمنين هنا حجة دامغة على كل مكابر متعصب. وهناك كلمات كثيرة له (عليه السلام) في هذا المجال، فمن أرادها فليراجع نهج البلاغة وغيره.


(1) صحيح البخاري ط سنة 1309: ج 3 ص 133. (2) نهج البلاغة الذي بهامشه شرح الشيخ محمد عبده الخطبة 91. والامامة والسياسة: ج 1 ص 154. (3) نهج البلاغة، عبده، الخطبة 25. (4) نهج البلاغة، عبده، الخطبة 187. (*)

[ 21 ]

ويقال: إن المغيرة بن شعبة قد قال ليزدجرد: (.. وأما ما ذكرت من سؤ الحال، فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان، والحيات، ونرى ذلك طعامنا. أما المنازل فإنما هي ظهر الارض. ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الابل، وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغى بعضنا على بعض، وان كان أحدنا ليدفن إبنته وهي حية، كراهية أن تأكل من طعامه) (1). ولابن العاص أيضا كلام يشير إلى بعض ذلك، فمن أراده فليراجعه في مصادره (2). علوم العرب: لقد أوضح لنا الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته المتقدمة حالة العرب، ومستواهم العلمي والثقافي، وأنهم كانوا يعيشون في ظلمات الجهل، والحيرة، والضياع. وهذا يكذب كل ما يدعيه الاخرون - كالالوسي وغيره - من أن العرب كانوا قد تميزوا ببعض العلوم، كعلم الطب، والانواء، والقيافة، والعيافة، والسماء، ونحو ذلك.. وقال بعضهم: (خصت العرب بخصال: بالكهانة، والقيافة، والعيافة والنجوم، والحساب) (3). فإن ما كان عندهم من ذلك هو مجرد ملاحظات بسيطة ساذجة،


(1) البداية والنهاية ج 7 ص 42 والطبري ج 3 ص 18. وحياة الصحابة ج 1 ص 220 ولكلامه هذا نص آخر ذكره في الاخبار الطوال ص 121. (2) مجمع الزوائد ج 8 ص 237، عن الطبراني وحياة الصحابة ج 3 ص 770 عن المجمع. (3) الموفقيات ص 362 / 363. (*)

[ 22 ]

مبنية على الحدس والتخمين، متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه. وهذا هو رأي ابن خلدون أيضا، الذي كان يرى: أن علم الطب عندهم لا يتعدى معلومات أولية، وملاحظات بسيطة، لا تستحق أن تسمى علما، ولا شبه علم. ومثل هذا يقال عنهم في علم الانواء والسماء، فضلا عما يسمى بالقيافة، والعيافة. هذا عدا عن أن بعض هذه الامور، لا تستحق أن يطلق عليها إسم (علم). ويكفي أن نذكر هنا: أنهم كانوا أميين، لا يعرفون القراءة والكتابة أصلا، إلا من شذ منهم، حتى ليذكرون: انه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل رسالة إلى قبيلة بكر بن وائل، فلم يجدوا قارئا لها في القبيلة كلها. وقرأها لهم رجل من بني ضبيعة فهم يسمون: بني الكاتب (1). ويروي البلاذري: أن الاسلام قد دخل، وفي قريش سبعة عشر رجلا فقط، وفي الاوس والخزرج في المدينة إثنا عشر رجلا يعرفون القراءة والكتابة (2). وقال ابن عبد ربه: (جاء الاسلام وليس أحد يكتب بالعربية غير سبعة عشر إنسانا). ثم عدهم فذكر عليا (عليه السلام) أولا (3).


(1) مجمع الزوائد ج 5 ص 305، وقال: إن رجاله رجال الصحيح، عن أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والطبراني في الصغير، عن أنس، ومرثد بن ظبيان. وراجع: كشف الاستار، عن مسند البزار ج 2 ص 266. والمعجم الصغير ج 1 ص 111. (2) فتوح البلدان ط أوروبا ص 471 فما بعدها، وص 80 في القسم الثالث من الطبعة التي حققها صلاح الدين المنجد. وإن كنا نناقش في بعض من عدهم في من يكتب أو يقرأ كعمر بن الخطاب، الذي سيأتي في قضية إسلامه: أنه لم يكن يعرف حتى القراءة. (3) العقد الفريد: ج 4 ص 157. (*)

[ 23 ]

ويرى إبن خلدون: أن أكثرهم كان لا يتقنها، بل كان بدائيا، وضعيفا فيها بشكل ملحوظ. ويلاحظ من أسمائهم: أن أكثرهم قد تعلمها بعد ظهور الاسلام، وذكر إسم علي (عليه السلام) يدل على ذلك. بل ربما كانوا يعتبرون القراءة والكتابة عيبا، فقد قال عيسى بن عمر: (قال لي ذو الرمة: إرفع هذا الحرف. فقلت له: أتكتب ؟ فقال بيده على فيه، أي أكتم علي، فإنه عندنا عيب) (1). وفي حديث أبي هريرة: تعربوا يا بني فروخ، فإن العرب قد أعرضت، أي عن العلم (2). هذا، مع أن قريشا كانت أعظم قبيلة شانا وخطرا، ونفوذا في الحجاز كله. ومع أن التجارة تتطلب مثل ذلك عادة، وكان الاوس والخزرج أيضا في المرتبة الثانية بعد قريش، تحضرا ونفوذا في الحجاز. فإذا كان مستواهم الثقافي هو هذا، فمن الطبيعي ان يصير لليهود عموما وللنصارى - ولو بصورة أضعف - هيمنة فكرية كبيرة، وأن ينظر إليهم العرب نظرة التلميذ إلى معلمه، ولربما نشير إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى. هذا، ومن الامور الجديرة بالملاحظة هنا: أن أمية العرب كانت هي السر في قوة الحافظة عندهم. ولكنها عادت إلى الضعف التدريجي،


(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 334. والتراتبب الادارية: ج 2 ص 248. (2) مشكل الاثار: ج 3 ص 56. (*)

[ 24 ]

حسب نسبة اعتمادهم على الكتابة في العصور المتأخرة، إبتداء من عصر التدوين. ولسوف نشير إن شاء الله تعالى في غزوة بدر من هذا الكتاب، إلى مدى الاهمية التي اولاها الاسلام لمحو الامية، حتى لقد ورد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل فداء الاسير في غزوة بدر تعليم عشرة من أطفال المسلمين القراءة والكتابة كما سيأتي. وقد كانت بدر أدق مرحلة يمر بها الاسلام والمسلمون في دعوتهم إلى الله، وحربهم مع المشركين. وخلاصة القول: إن جهل العرب كان هو الحكم المطلق، ولا نلاحظ أية ظاهرة للنبوغ فيهم قبل الاسلام، بل على العكس من ذلك يمكن ملاحظة الكثير مما كان يزيدهم إمعانا في الجهل والحيرة والضياع ميزات وخصائص: لقد امتاز العرب قبل الاسلام ببعض الصفات التي تمدحهم الناس وأثنوا عليهم لاجلها. وهي صفات قليلة بالنسبة إلى ما يقابلها من صفات وعادات ذميمة. ولكننا إذا دققنا النظر فيها فإننا لا نجد فيها ما يوجب مدحا بل ربما كانت في كثير من الاحيان موجبة لعكس ذلك تماما. لان ما يعطي للشئ قيمته الحقيقية من أي نوع كانت هو دوافعه ومنطلقاته، وأهدافه. ونحن لا نجد في تلك الامور المنسوبة إلى العرب ما يبرر تمدحهم من أجلها، لا من حيث المنطلقات والدوافع، ولا من حيث الاهداف والغايات، كما سنرى. ولكن حين جاء الاسلام، وتغيرت تلك الدوافع والاهداف، أصبحت تلك الصفات ذات قيمة، وصاروا يستحقون عليها التكريم والتقدير.

[ 25 ]

من امتيازات العرب: لقد امتاز العرب بالصفات التالية: 1 - بالكرم وحسن الضيافة - وهذا هو الامر الوحيد الذي احتج به أبو سفيان على صحة دينه ! ! حيث قال لكعب بن الاشرف: (أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه ؟ وأينا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق ؟ إنا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال. فقال له إبن الاشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا (! ! !) (1). ولكن ذلك في الحقيقة لا يمكن أن يعد فضلية للعرب، إلا إذا ثبت أن بذلهم للمال كان نابعا من إيمان العربي بمثل أعلى، يدفعه إلى البذل والعطاء، أو أنه كان نابعا من عاطفة إنسانية، مصدرها رؤيا حاجة الاخرين، والتفاعل معها، بحيث يندفع إلى العطاء والبذل بنفسه، ومن دون سؤال أو تحريك. مع أننا نجد أن الدافع لذلك كان في كثير من الاحيان ليس هو المثل العليا، ولا العاطفة الانسانية، وإنما هو إبعاد العار، والتحرز من هجاء الشعراء، وحتى لا يسير ذكرهم في البلاد في اللؤم والخسة، ولا تتعرض أعراضهم وكراماتهم للهدر، أو أملا بحسن الذكر، وطيب الاحدوثة، أو طمعا بزعامة قبيلة أو منافسة قرين. والشواهد على ذلك في التاريخ غير قليلة والاستثناء لا يلتفت إليه. بل نجد ان زيد الخيل حين يريد ان يعطي البعض، قد وعده بالعطاء بعد أن يشن الغارة، فلما شن الغارة على بني نمير بالملح وأصاب


(1) البداية والنهاية: ج 4 ص 6، والسيرة النبوية لابن كثير: ج 3 ص 11. ومصادر ذلك كثيرة ستأتي في أول غزوة الخندق إن شاء الله. (*)

[ 26 ]

مائة بعير، أعطاه إياها (1). مع ان شن الغارة معناه التسبب في قتل الرجال وحتى الاطفال والنساء والشيوخ وسبيهم، والاستيلاء على أموالهم، وهدر كراماتهم. وزيد الخيل هو من رجال العرب المعروفين، ويضارع حاتم الطائي في الشهرة والسؤدد. هذا، ولا بد من الاشارة أخيرا إلى ان عجز البدوي تجاه قوى الطبيعة القاسية، التي تستولي على الصحراء، من شأنه أن يولد فيه الشعور بضرورة الضيافة، وضرورة البذل، حيث لا يمكنه حمل قوته في سفره الشاق الطويل، الذي يمتد عشرات الايام. وهو مضطر إلى السفر بين حين وآخر بحثا عن الماء والكلا، ولغير ذلك من أمور. 2 - حميتهم وعصبيتهم، وهذه في الحقيقة صفة ذميمة، إذ أنهم يرون أن النصر لا بد أن يكون لذوي قرابتهم، ولابن قبيلتهم، وأن العون لابد أن يمحض له، ظالما كان أو مظلوما. وقد نعى القرآن عليهم ذلك، وعبر عنها ب‍ (حمية الجاهلية) (2)، لانها مبنية على الجهل، وعدم التثبت. وقد تقدم ما يشير إلى سر نشوء ذلك فيهم، فلا نعيد. 3 - الشجاعة: وإنما يستحق صاحبها المدح والذم بملاحظة الاهداف في الموارد التي يستعملها فيها، فإذا استعملت في مورد حسن، إستحق صاحبها مدحا، وإلا فذما. ولهذا فليس هناك أشجع من الاسد، ولكن ذلك لا يعتبر فضيلة له. ونحن إذا دققنا النظر فإننا نجد: أن سر شجاعة العرب هو أنهم


(1) الاغاني ط دار إحياء التراث العربي (بيروت): ج 17 ص 255. (2) سورة الفتح / 26. (*)

[ 27 ]

بحكم بيئتهم وحياتهم في الصحراء، بلا حواجز وموانع طبيعية أو غيرها. ومواجهتهم الخطر المستمر من الحيوان، ومن بني الانسان على حد سواء، يشعر كل فرد منهم: أنه مسؤول عن حماية نفسه، والدفاع عنها بنفسه، ولا يرد عنه إلا يده وسيفه، ما دام أنه في كل حين عرضة للغزو، والنهب، والسلب، وأخذ الثارات منه. هذا بالاضافة إلى أنه لا يأكل في كثير من الاحيان إلا من سيفه ويده، والا فإنه هو نفسه يكون عرضة لان يؤكل، فمن لم يكن شجاعا فاتكا أكل، أو على الاقل لم يستطيع أن ياكل، فكأنهم يتعاملون بمنطق، إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وبعد فهل يمدح الذئب على فتكه بفريسته، وتمزيقه لها ؟ ! إلا إذا كان هذا الفتك من منطلق الدفاع عن المثل أو القيم، أو عن الضعيف الذي يحتاج إلى الناصر، أو ما إلى ذلك. 4 - النجدة والاقدام: ولا يختلف الكلام في ذلك عن الكلام في الشجاعة، إلا أننا نشير هنا إلى أن ذلك يرجع لاطمئنانه إلى أنه غير مسؤول عما يعمل، بل هو منصور من قبل قبيلته على كل حال، ظالما كان أو مظلوما. يضاف إلى ذلك: أن حياة البادية والغزو المفاجئ، وعمليات الاغتيال ثأرا، وغير ذلك من أخطار كانت تتهددهم باستمرار، كل ذلك يستدعي سرعة الاقدام، ومباشرة العمل فورا، فإذا أضيف إلى ذلك شعورهم بعدم المسؤولية عن كل ما يحصل، فإن الاقدام بلا ترو ولا تريث، لابد أن يصبح هو الصفة المميزة لهم، والطاغية على تصرفاتهم. ولابد ان نشير هنا: إلى أن قدرتهم على الانتقام فورا من شأنها أن تجعل فيهم حساسية متناهية، ولذا قل أن تجد فيهم حليما، إلا من بعض المسنين، أو أصحاب الهمم العالية، أو الجبناء، الذين يتخذون الحلم وسيلة لتغطية إنهزاميتهم.

[ 28 ]

5 - الانفة والعزة، والاعتداد بالنفس، والنزوع إلى الحرية، وقوة الارادة والفصاحة، وقوة البيان، والجوار. والكلام فيها لا يختلف كثيرا عما تقدم، فإن هذه الصفات لا تستحق مدحا أو ذما إلا بملاحظة الدوافع والاهداف التي تكون من أجلها، أو تستعمل فيها. ومنشأ هذه الصفات فيهم بالاضافة إلى ما تقدم، هو عدم تعرضهم للخضوع إلى سلطة مركزية، تحاول الهيمنة عليهم، وفرض النظام فيهم، ولو بالاذلال، والقهر، مما من شأنه أن يعطيهم حرية في التصرف، والحركة، والقول، وما إلى ذلك. 6 - وأخيرا، الوفاء بالعهد: وهو أمر حسن في نفسه ولا بأس به، إلا أن يكون عهدا مضرا بالمجتمع. وهذا الوفاء أيضا أمر قد فرضته عليهم طبيعة حياتهم التي أشرنا إليها آنفا. وأما حلف الفضول، الذي هو أشرف حلف في العرب، فمصدره في الحقيقة بنو هاشم، وكذا حلف عبد المطلب مع خزاعة، فلا يعبر ذلك عن خلقيات سائر العرب. وقد اتضح من كل ما تقدم: أن كل تلك الصفات ليست جديرة بأن تعتبر فضائل أخلاقية، وصفات إنسانية، إلا حينما كانت تصدر عن خلق فاضل، وإنسانية كريمة، أو عن تقوى وشعور ديني، وإلا فقد تكون على العكس من ذلك، إذا عبرت عما يناقض ذلك وينافيه. الاسلام وتلك الصفات: لقد حاول الاسلام أن يضع تلك الصفات في خطها الصحيح، وأن

[ 29 ]

يجعلها تنطلق من قواعد إنسانية، وعواطف صافية وحقيقية، وفضائل أخلاقية، وبالاخص من إحساس ديني صحيح، وليستفيد منها - من ثم - في بناء الامة على أسس صحيحة وسليمة. أماما كان منها لا يصلح لذلك، فقد كان يهتم بالقضاء عليه، وإستئصاله بالحكمة، والموعظة الحسنة، كلما سنحت له الفرصة، وواتاه الظرف. فمثلا، نلاحظ: أنه قد حاول أن يجعل المنطلق للكرم، وبذل المال، هو العاطفة الانسانية، والشعور بحاجة الاخرين، كما يظهر من كثير من النصوص، هذا بالاضافة إلى طلب الاجر والمغفرة من الله تعالى، وذلك هو صريح قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) (1) بل لقد تعدى ذلك وتخطاه إلى تمدح الايثار على النفس، حتى في موقع الخصاصة والحاجة الملحة، فقال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة) (2). أما العصبيات القبلية، فقد حاول أن يوجهها وجهة بناءة ويقضي على كل عناصر الشر والانحراف فيها، فدعا إلى بر الوالدين، وإلى صلة الرحم، وجعل ذلك من الواجبات، حينما يكون سببا في تلاحم وربط المجتمع بعضه ببعض. ولكنه أدان كل تعصب لغير الحق، وندد به، وعاقب عليه، واعتبر ذلك من دعوات الجاهلية المنتنة، كما هو صريح بعض النصوص التي سنشير إليها في السيرة النبوية، إن شاء الله تعالى.


(1) سورة الانسان، الاية 8 - 9. (2) الحشر 9. (*)

[ 30 ]

وكذلك فإنه قد حاول أن يوجه الشدة والقسوة إلى حيث تكون في صالح الدين والانسان. ومثمرة للحق والخير، والحفاظ عليهما. والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جدا، ويكفي أن نشير إلى قوله تعالى: (أشداء على الكفار، رحماء بينهم) (1) وقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (2) و (وقاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) (3) والايات والروايات في هذا المجال كثيرة جدا، فهو يريد الشدة في دفع الظلم والانحراف. والحفاظ على الحق، وأن لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم. ويريد أن تتحول هذه الشدة إلى رحمة وحنان وسلام فيما بين المؤمنين أنفسهم. وهكذا يقال بالنسبة إلى سائر الصفات المتقدمة، فإن من يراجع النصوص القرآنية، والاحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن آله المعصومين (عليهم السلام)، لا يبقى لديه أدنى شبهة فيما ذكرناه من أن الاسلام قد صب كل اهتمامه على توجيه الصفات الحسنة، والتصرف في دوافعها وأهدافها، وجعلها تصب في مصلحة الدين والامة، والقضاء على الصفات الذميمة، التي تقضي على سعادة البشر، وتهدم بناء الحق الشامخ. ولسوف يأتي في الفصل الثالث، حين الكلام عن العوامل التي ساعدت على انتشار الاسلام وانتصاره، أن هذه المميزات والخصائص قد أدت دورا هاما في ذلك، فإلى هناك.


(1) الفتح 29. (2) التوبة 73. (3) التوبة 123. (*)

[ 31 ]

متى كان بناء مكة: لا نستطيع أن نحدد بدقة تاريخ بناء مكة، واتساعها حتى صارت جديرة باسم: (أم القرى). وقد يقال: إن بدء بنائها كان قبل بناء ابراهيم (عليه السلام) للبيت، حسبما تشير إليه بعض الروايات، بل ويدل عليه قول الله تعالى حكاية عن إبراهيم: (رب اجعل هذا البلد آمنا) (1). وعليه، فما يحاول البعض إثباته، من أن قصيا هو أول من بنى مكة، وكان البيت وحيدا في الصحراء، وكان الناس يتركونه ليلا، ويعودون إليه نهارا، بدليل أن قصيا سمي (مجمعا)، لانه جمع القبائل حول البيت: لا يصح، بل هو لا يدل أيضا، لان تاريخ مكة قبل قصي خير شاهد على أنها كانت آهلة بالسكان، معمورة، ومعروفة ومشهورة. نعم ربما يكون قصي قد نظم سكن القبائل في مكة بالشكل المناسب. ومهما يكن من أمر، فإن تحديد ذلك لا يهمنا كثيرا الان. وما يهمنا هو التعرف على المكانة الدينية لمكة، ومدى ارتباط قبائل العرب، بل وغيرهم بها. والحديث عن ذلك لا ينفصل عن الحديث عن البيت العتيق، الذي تحتضنه مكة. ثم عن قريش التي كان لها شرف خدمة ذلك البيت، فنقول: ألف: بناء الكعبة: الكعبة هي أول بيت وضع للناس ببكة، مباركا، وهدى للعالمين، كما هو صريح القرآن (2)، والمعروف المشهور هو: أن واضعه هو شيخ الانبياء إبراهيم (عليه السلام).


(1) سورة ابراهيم 35. (2) راجع: آل عمران / 96. (*)

[ 32 ]

ولكننا نجد في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يدل على أن البيت قد كان من لدن آدم أبي البشر (عليه السلام). أما إبراهيم فهو رافع قواعده ومشيد بنيانه وأركانه. قال (عليه السلام): (ألا ترون أن الله سبحانه اختبر الاولين من لدن آدم، صلوات الله عليه، وإلى الاخرين من هذا العالم، بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام، (الذي جعله للناس قياما). ثم وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا، وأقل نتائق الدنيا مدرا، وأضيق بطون الاودية قطرا، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى منقطعة، لا يزكو بها خف ولا حافر، ولا ظلف. ثم أمر آدم وولده: أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقى رحالهم، تهوى إليه الافئدة من مفاوز سحيقة إلخ.. (1)) ويدل على ذلك أيضا: روايات وردت من طرق الخاصة وغيرهم، فمن أرادها فليراجعها في مظانها (2). ولعل ظاهر القرآن لا يأبى عن هذا أيضا، حيث جاء التعبير فيه عن تجديد بناء إبراهيم للبيت بقوله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) (3) وهذا لا ينافي أن تكون الاسس والقواعد قد وضعت قبل ذلك، وإبراهيم هو الذي رفع هذه القواعد، وشيد على تلكم الاسس. وهذا موضوع يحتاج إلى بحث وتحقيق، نسأل الله يوفقنا لمعالجته في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.


(1) نهج البلاغة بشرح عبده، الخطبة المعروفة بالقاصعة رقم 187. (2) راجع على سبيل المثال: تفسير نور الثقلين ج 1 ص 126 - 129، والطبري، والدر المنثور، وشرح النهج، وأخبار مكة للازرقي: ج 1 ص 3 - 30، وتفسير البرهان: ج 1 ص 300 وغير ذلك. (3) البقرة 127. (*)

[ 33 ]

ب: دعاء إبراهيم:. ومهما يكن من أمر، فإن إبراهيم (عليه السلام) قد لاحظ: أن البيت الذي اختبر الله الناس به قد وضع في بقعة تكون الحياة فيها صعبة وشاقة، كما يظهر من كلمات الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدمة، ولذلك فقد دعا ربه فقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون) (1). ولقد استجيت دعوة إبراهيم (عليه السلام)، وأصبحت مكة قبلة الاملين، ومهوى أفئدة الصفوة من العالمين. ج: تقديس الكعبة: لقد كانت الكعبة مقدسة ومعظمة عند جميع الامم، فيذكر العلامة الطباطبائي قدس سره: أن الهنود يعتقدون: أن روح سيفا، وهو الاقنوم الثالث عندهم قد حلت في الحجر الاسود، حينما زار هو وزوجته بلاد الحجاز. والصابئة من الفرس والكلدانيون يعدون الكعبة أحد البيوت السبعة المعظمة (2)، وربما قيل: إنها بيت زحل لقدم عهدها، وطول بقائها..


(1) ابراهيم 37. (2) البيوت السبعة هي: الكعبة، ومارس: على رأس جبل بأصفهان. وهندوستان: ببلاد الهند. ونوبهار: بمدينة بلخ. وبيت غمدان: بمدينة صنعاء. وكاوسان: بمدينة فرغانة من خراسان، وبيت بأعالي بلاد الصين. (*)

[ 34 ]

واليهود أيضا كانوا يعظمونها، ويدعون أنهم يعبدون الله فيها على دين إبراهيم (عليه السلام). ويقولون: إنه كان فيها تماثيل وصور، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل، وبأيديهما الازلام، وأن فيها صورتا العذراء والمسيح، ويشهد على ذلك تعظيم النصارى لامرها كاليهود. وكانت العرب أيضا تعظمها كل التعظيم، وتعدها بيتا لله تعالى. وكانوا يحجون إليها من كل جهة (1).. وستأتي كلمات أبي طالب حول هذا الامر حين الكلام عن زواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخديجة أم المؤمنين (عليها السلام) وقد حكى الله سبحانه هذا الامر حينما قال: (أولم يروا أنا جعلنا لهم حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) (2). فالكعبة إذن، كانت مقدسة عند جميع الامم والطوائف، وبالاخص عند العرب، وظلت على ذلك مددا متطاولة في العصر الجاهلي، ويزيد ذلك قوة ورسوخا: أن العربي كان يعتبرها مصدر عزته، وموضع أمله، وكيف لا تكون كذلك، وهو يرى ان الامم الاخرى تنظر إليه - لاجلها - بعين الحسد والشنآن. وتعمل على انتزاع هذا الشرف منه، أو على التقليل من خطره وأهميته، حتى لقد: 1 - أقام الغساسنة بيتا في الحيرة في مقابلها (3). 2 - وفي نجران أيضا: أقيمت كعبة أخرى لتضاهي كعبة مكة، يقول الاعشى: يخاطب ناقته:


(1) راجع الميزان ج 3 ص 361، 362. وما ذكره يحتاج إلى تحقيق، وإثبات بالادلة والشواهد. (2) العنكبوت / 67. (3) حياة محمد لمحمد حسين هيكل ص 63. وراجع: الاصنام ص 45. (*)

[ 35 ]

وكعبة نجران حتم عليك حتى تناخي بأعتابها وكعبة نجران هذه يقال: إنها بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي، على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة، وسموها: كعبة نجران (1). 3 - وفي الشام كانت الكعبة الشامية (2). 4 - وفي اليمن الكعبة اليمانية (3). وكان رجل من جهينة قال لقومه: هلم نبني بيتا نضاهي به الكعبة، ونعظمه، حتى نستميل به كثيرا من العرب، فاعظموا ذلك وأبوا عليه) (4) ويكفي أن نذكر: أن أبرهة بن الاشرم أقام في اليمن بيتا، ودعا الناس إلى تعظيمه، والحج إليه. وكتب إلى ملك الحبشة: (إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها أحد قط. ولست تاركا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجونه إليه) (5). ورغم أنه زخرفه وفرشه بأفخر ما يقدر عليه، إلا أن ذلك لم ينفع في صرف الناس حتى اليمنيين عن الكعبة إليه، فضلا عن أن يصرف غيرهم أو أهل مكة عن كعبتهم، واستمر الناس، وأهل اليمن على الحج إلى مكة. وبعد أن تغوط أحد بني كنانة في كنيسة أبرهة، غضب، واندفع إلى


(1) معجم البلدان لياقوت الحموي ج 5 ص 268. وراجع: الاصنام ص 44 / 45. (2) البداية والنهاية ج 2 ص 192. (3) البداية والنهاية ج 2 ص 192. (4) الاصنام: ص 45. (5) الاصنام: ص 47. (*)

[ 36 ]

مكة في عام الفيل وقال لعبد المطلب: إنه لا يقصد إلا هدم البيت، فأجابه إن للبيت ربا سيمنعه، وجرى ما جرى لابرهة وجيشه وأنزل الله في ذلك: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول) (1). 5 - ويقولون: إن تبع بن حسان كان قبل ذلك، قد حاول أن يهدم البيت ويحول حجارته إلى اليمن، فيبني بها بيتا هناك تعظمه العرب، فدفع الله عن البيت شره وكيده (2). الاصنام، والكعبة: ويقولون: إن عمرو بن لحي، كبير خزاعة، عندما كان يتولى أمر البيت، سافر إلى الشام، وحمل معه منها الصنم المسمى ب‍ (هبل) ووضعه على الكعبة. وكان أول صنم وضع عليها، ثم أتبعه بغيره، وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي: يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة شتى بمكة حول البيت أنصابا وكان للبيت ربا واحدا أبدا فقد جعلت له في الناس أربابا


(1) سورة الفيل راجع في هذه القضية البحار: ج 15 ص 140 و 136 و 131 و 72 و 69 و 66، وأمالي الطوسي: ص 78 / 79، وأنساب الاشراف: ج 1 ص 68، وتاريخ ابن الوردي: ج 1 ص 127، والسيرة النبوية لابن كثير: ج 1 ص 34، والسيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 51، والبداية والنهاية: ج 2 ص 172، وتاريخ الخميس: ج 1 ص 189، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية): ج 1 ص 31، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 59 - 61. (2) ثمرات الاوراق ص 287 وراجع: تاريخ الخميس: ج 1 ص 191. (*)

[ 37 ]

قالوا: (وكان قوله - أي عمرو بن لحي - فيهم كالشرع المتبع، لشرفه فيهم، ومحلته عندهم، وكرمه عليهم) (1). فشاعت عبادة الاصنام بين العرب، وأصبحت كل قبيلة تضع لها صنما على الكعبة، تختلف إليه من جميع الاقطار، حتى صار بها أكثر من (300) صنما، أو تنصبه في الموضع المناسب لها، فإذا أرادوا الحج وقفوا عند الصنم، وصلوا عنده، ثم يلبون حتى يصلوا إلى مكة (2). واتخذ أهل كل دار صنما يعبدونه في دارهم، فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب، وإذا قدم تمسح به أول ما يصل قبل أن يصل إلى أهله. وكان ذلك هو حجة من قال: إن العرب لم تكن تعبد الاصنام قبل عمرو بن لحي (3). وثمة رأي آخر يقول: إن بني إسماعيل كانوا لا يفارقون مكة حتى كثروا، وضاقت بهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضا، فاضطروا إلى التفرق في البلاد، وما من أحد منهم إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيث ما نزلوا، وضعوه فطافوا به، كطوافهم بالكعبة، حتى أدى بهم ذلك إلى عبادة تلك الحجارة. ثم جاء من بعدهم، فنسوا ما كان عليه آباؤهم من دين إسماعيل، فعبدوا الاوثان (4) وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم


(1) البداية والنهاية ج ص 187 والسيرة الحلبية: ج 1 ص 10 و 11، وراجع: الاصنام ص 9. (2) تاريخ اليقعوبي ج 1 ص 255. (3) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 10 و 11. (4) راجع: البداية والنهاية ج 2 ص 188، والمستطرف ج 2 ص 75 عن ابن إسحاق، والاصنام ص 6 وغير ذلك. (*)

[ 38 ]

وإسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والاهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه (1). ونحن نرجح أن هذا الاخير هو سر عبادتهم للاوثان. وأما عمرو بن لحي، فالظاهر أنه أول من وضع الاصنام على الكعبة، أو حولها، وتبعه غيره. وربما يشهد لذلك أن مجيئه بالصنم من الشام لا بد أن يسبقه - بحسب العادة - نوع قبول للاصنام، وتعظيم لها، هذا، إن لم نقل: إنه يعني: أنه كان يعبد الاصنام قبل أن يذهب إلى الشام. وما يهمنا هنا هو الاشارة إلى ما كان للكعبة من مكانة لدى الانسان العربي، فضلا عن غيره، سواء في الوقت الذي كان يعبد فيه الاوثان ويعظمها، أو في تلك الظروف التي بدأ يشعر فيها بعض الناس بسخافة عبادة الاوثان، وعدم معقوليتها. وبالنسبة للمراد من الصنم فإنهم يقولون: (إذا كان معمولا من خشب أو ذهب، أو من فضة صورة إنسان، فهو صنم، وإذا كان من حجارة فهو وثن) (2). ولاية الكعبة: كانت ولاية الكعبة أولا في يد ولد إسماعيل، ثم خرجت من يدهم إلى أخوالهم الجرهميين (3) ويقال: ثم إلى العماليق، ثم عادت إلى جرهم.


(1) الاصنام: ص 6. (2) الاصنام: ص 53. (3) يقال: إن زوجة إسماعيل كانت جرهمية. وهم في الاصل يمنيون قحطانيون، لا من عدنان. (*)

[ 39 ]

ثم لما كثر ولد اسماعيل، وأصبحوا ذوي قوة ومنعة، حاربوا الجرهميين بقيادة كبير خزاعة، وانتزعوا منهم ولاية البيت، واستمرت في الخزاعيين إلى أن أخرجها منهم قصي بن كلاب، الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وكانت الولاية بيد حليل الخزاعي أبي زوجة قصي، فجعل الولاية بعد موته لابنته، التي كانت تحت قصي، ولكنه جعل مفتاح البيت مع رجل يقال له أبو غبشان فيقال: إن قصيا إشتراه منه بزق خمر، وبذلك يضرب المثل (أخسر من صفقة أبي غبشان)، وقال في ذلك بعضهم: أبو غبشان أظلم من قصي وأظلم من بني فهر خزاعة فلا تلحوا قصيا في شراه ولوموا شيخكم إذ كان باعه (1) ومن أجل ذلك فقد جرت بين قريش وخزاعة حرب كان النصر فيها لقريش، وهم أولاد فهر بن مالك (2)، هكذا يقولون. ولكن ذلك ليس هو الرأي النهائي هنا، إذ أننا نرى البعض الاخر يقول: إن قصيا قد استعاد البيت من خزاعة بعد حروب جرت بينه وبينهم، ثم تحاكموا إلى عمرو بن عوف، فحكم لقصي (3). وثمة قول آخر يفيد: أن حليلا أوصى عند موته بولاية البيت لصهره قصي. وهذا ما تزعمه خزاعة (4).


(1) راجع تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239 و 240. (2) البداية والنهاية ج 2 ص 210، وغيره. (3) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 240 والبداية والنهاية ج 2 ص 207 عن ابن إسحاق. (4) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239 والبداية والنهاية ج 2 ص 205 عن ابن إسحاق. (*)

[ 40 ]

وإذا كانت خزاعة تزعم ذلك فما هو المبرر لحربها، إلا الحسد له، والبغي عليه ؟ !. والظاهر أن حليلا قد أوصى إليه به فحاربته خزاعة حسدا وبغيا، (1) ثم تحاكموا إلى يعمر بن عوف، فحكم له. وحكم يعمر بن عوف له يقرب وصية حليل بالولاية إليه، وكان يعمر قد اطلع على هذه الوصية، إن لم يكن لقصي حجج أخرى في المقام جعلت الحكم يكون في صالحه (2). وعلى كل حال فقد حدد قصي بناء البيت في القرن الثاني قبل الهجرة (3) وبنى إلى جانب الكعبة دار الندوة، التي كانت تجتمع فيها قريش للحكومة، والقضاء، والشورى (4) وهذا من مآثره الجليلة، الدالة على درايته وحكمته، وبعد نظره. مكانة قريش: وواضح أن سدانة قريش للبيت العتيق، وهو الذي يعظمه الكثيرون ثم اتصال نسبها بإسماعيل وإبراهيم (عليهما السلام)، والعربي - بطبعه يحترم نسبا كهذا، إنطلاقا من اهتمامه بالانساب، إذعانه لها على أنها مصدر شرف وسؤدد ولا سيما بملاحظة تعرض العربي للغارات والسبي الامر الذي يجعل لديه حساسية خاصة تجاه هذا الامر. وأيضا، لان قريشا كانت أقرب إلى الحنيفية من غيرها، وشعائر


(1) راجع السيرة الحلبية: ج 1 ص 8، وتاريخ الخميس: ج 1 ص 155، وتاريخ الامم والملوك: ج 2 ص 16. (2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 9، وراجع: تاريخ الامم والملوك: ج 2 ص 17. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 19. (4) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 12 و 15، وراجع: تاريخ الخميس: ج 1 ص 155، وتاريخ الامم والملوك: ح 2 ص 18 / 19. (*)

[ 41 ]

الحج إنما هي من بقاياها كما هو معلوم. والحنيفية هي الدين الذي يحترمه العربي ويقدسه ويعنوله - إن كل ذلك، وغيره من أمور قد أكسب قريشا شرفا، ومنحها مكانة، ونفوذا وخطرا، وأصبح الناس عامة ينظرون إلى قريش نظرة فيها الكثير من الاحترام والتقديس والاكبار. والشواهد على هذا كثيرة، ويكفي أن نذكر قول قصي لقريش: (قد حضر الحج، وقد سمعت العرب ما صنعتم، وهم لكم معظمون) (1). وقول أبي طالب حين تزويج خديجة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه) (2). وعليه، فإنه إذا كانت قريش من نسل إسماعيل، وتحترم دين الحنيفية. وإذا كانت مكة تعتبر حتى من العرب، أهل الحرب والغارة، حرما يأمن من لجأ إليه، وقد يلتقي العربي فيها بقاتل ولده، أو أبيه، فلا يؤذيه، ولا يستطيع أن يثأر منه. وإذا كان تقديس مكة قد بلغ عندهم هذا الحد، فإن من الطبيعي أن يكون لسادة مكة نصيب وافر من هذا التقديس. وأن يتميزوا على سائر الناس باحترام خاص. أضف إلى ذلك سدانتهم للبيت الذي تفد إليه العرب من جميع الاقطار والانحاء. وإذا كانت قريش وخصوصا الهاشميون ترى: أن شرفها، وسؤددها، ومجدها، وحتى إقتصادها، مرتبط بالبيت ومتصل به اتصالا وثيقا، فمن


(1) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 239. (2) ستأتي بعض المصادر لذلك إن شاء الله تعالى حين الكلام عن زواج النبي صلي الله عليه وآله وسلم بخديجة. (*)

[ 42 ]

الطبيعي أن تدرك أن انتهاك حرمته ليس من مصلحتها. لان ذلك يقلل من تقديس البيت، ومن احترام سدنته ويفقدهم - من ثم - أعز وأغلى ما لديهم. ومن هنا فإنه وإن كان في قريش جماعات شريرة، لا ترجع إلى دين، وهم أصحاب حلف الاحلاف (لعقة الدم). لكن قد كان في مقابلهم رجال أشراف كرام لا يرضون بما يصدر من أولئك، ويحاولون إرجاع الحق إلى نصابه ما أمكنهم ذلك، ومن هنا كانت المبادرة إلى عقد حلف المطيبين، وبعده حلف الفضول، الذي ينص على أن ترد كل مظلمة إلى صاحبها، لا فرق بين قرشي وغيره، وعلى التأسي بالمعاش (1). أنا ابن الذبيحين: ويذكرون هنا: أنه حين لقي عبد المطلب - وهو يحفر زمزم - من قريش ما لقى: من مخاصمتها إياه في شأن تلك البئر، وشدتها عليه، حلف لئن ولد له عشرة نفر لينحرن أحدهم. فلما ولدوا له دعاهم إلى الوفاء لله بالنذر، فأجابوه، فضرب القداح فخرجت على ولده عبد الله أصغر بني أبيه، على حد تعبير ابن هشام. ونقول: الصحيح: بني أمه، وإلا، فإن الحمزة والعباس كانا أصغر منه. إلا أن يقال: إنهما لم يكونا قد ولدا بعد. والظاهر: أن المقصود بالعشرة: ما يشمل أولاد اولاده. وقد ذكروا: أنه كان للحرث بن عبد المطلب ولدان، هما أبو سفيان ونوفل، بل ذكر بعضهم: أن أعمامه (ص) كانوا إثني عشر، بل قيل: ثلاثة عشر. وأن


(1) سيأتي الحديث عن ذلك مفضلا في فصل: من الميلاد إلى البعثة. (*)

[ 43 ]

عبد الله ثالث عشرهم. وعليه فلا إشكال، لان الحمزة والعباس، كانا من أم أخرى كما أشرنا إليه (1). كما أننا نشك في قولهم إن ضرب القداح كان عند هبل، وأراد التنفيذ عند إساف ونائلة، لان عبد المطلب كان على دين الحنيفية كما سيأتي عن قريب، ولم يكن يحترم الاصنام آنئذ. ومهما يكن من أمر فقد أراد عبد المطلب ذبح ولده عبد الله، فأطاعه ولده، فمنعوه من ذلك، فضربت القداح عليه، وعلى عشرة من الابل - مقدار دية رجل - من جديد فخرجت عليه، فزادها عشرة، وضربت القداح فخرجت عليه، وهكذا إلى ان بلغت مئة، فخرجت على الابل فنحرت: ولذلك يقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: أنا ابن الذبيحين، أي إسماعيل، و عبد الله (2). من هو الذبيح: ويقول البعض: إن المراد بالذبيحين هابيل، و عبد الله.. على اعتبار أن المراد بالذبيح هو إسحاق، كما جاء في بعض الروايات (3).


(1) راجع: السيرة الحلبية: ج 1 ص 38 والمواهب اللدنية ج 1 ص 18. (2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 35 - 38 وراجع المواهب اللدنية ج 1 ص 17 والسيرة النبوية لدحلان ط دار المعرفة ج 1 ص 16. (3) راجع ابن إسحاق، والسهيلي وبه جزم ابن سلام الجمحي في كتاب طبقات الشعراء ص 107، وحكاه عن: عمر، والعباس، وابن مسعود، ومسروق، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، ومقاتل وعبيدالله بن عمر، وأبي ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شقيق، والزهري، والقاسم، وابن أبي بردة، ومكحول، وعثمان ؟ والسدي، والحسن وقتادة، من السلف وغيره قالوا بذلك كل ذلك في البداية والنهاية ج 1 ص 159. والبحار: ج 12 ص 132، وتاريخ = (*)

[ 44 ]

ولاجماع أهل الكتاب على ذلك (1) على اعتبار أن العرب تجعل العم أبا (2). وهذا لا يصح، أما: أولا: فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس من ولد هابيل إجماعا. إلا أن يقال: إن العم بمنزلة الاب. ويرده: ألف: أن أبوة الذبيح الاخر في قوله: أنا ابن الذبيحين، لا بد أن لا تختلف عن أبوة عبد الله له، لانه ذكرهما في كلام واحد، فإرادة هذا المجاز البعيد في أحدهما، والحقيقة في الاخر غير معقول، حتى لو جوزنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، كما هو الصحيح، بدليل وجود التورية في كلام العرب. ب: إن الذي بمنزلة الاب - لو سلم أنه عرفا كذلك - إنما هو العم القريب، لا العم الذي يأتي بعد عشرات الاباء والاجداد. ثانيا: كون الذبيح هو إسحاق لا يصح. وذلك لما يلي: ألف: إنه قد ذكر في سورة الصافات قضية الذبح، ثم عقبها


= الخميس ج 1 ص 95 وراجع ص 139 ومفاتيح الغيب: ج 25 ص 153، ولكنه ذكر معهم عليا (ع) وابن عباس. ونحن نجلهما عن الالتزام بأمر يخالف القرآن. بل إنه هو نفسه قد ذكر عنهما أنهما قالا: إسماعيل. ونجد في الكافي: ج 4 ص 206 و 208 / 209 ط الاخندي، وكذا في ج 1 ص 117 ط الاسلامية، وعنه في البحار: ج 12 ص 135 ما يدل على أن الذبيح هو إسحاق، ولكن في ص 205 / 209 ج 4 من الكافي ما يدل على التردد في ذلك، حيث ذكر ما معناه: أن إبراهيم قد حج بأهله، فالذي كان مع إبراهيم من أهله كان هو الذبيح، وقد أشارت بعض الاخبار إلى أن إسحاق قد تمنى الذبح أيضا. (1) البحار: ج 12 ص 134. (2) المواهب اللدنية ج 1 ص 17. (*)

[ 45 ]

بالبشارة باسحاق فقال: (وبشرناه باسحاق نبيا من الصالحين) (1) مما يشعر بأن اسحاق قد ولد بعد قضية الذبح، لان هذه بشارة بالميلاد بقرينة قوله تعالى في آية أخرى: (فبشرناها باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) (2) ولو كان الذبح لاسحاق لم يحسن الاتيان بإسمه، بل كان المناسب إيراد ضميره. وتكون البشارة بنبوته مكافأة على صبره على الذبح، وليست بشارة به نفسه كما هو ظاهر الاية. وقد روي الاستدلال بالايات عن الامام الصادق (عليه السلام)، وعن محمد بن كعب القرظي أيضا (3). ويشير إلى هذا أيضا: الترتيب الذي جاء على لسان إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق). كما أن الله قد ذكر إسماعيل وإسحاق في القرآن معا في ست آيات، وفي كلها يقدم ذكر إسماعيل على إسحاق. وفي ذلك إشارة إلى ما ذكرناه: 2 - ولو أغمضنا النظر عن ذلك فإننا نقول: إن من غير المعقول أن يبشر الله تعالى نبيه بغلام سيكبر، ويكون نبيا ويتزوج، ويولد له ولد اسمه يعقوب ثم يأمره بذبح ذلك الولد الكبير والنبي نفسه، فإنه لا يرتاب حينئذ بأن الامر بالذبح ليس حقيقيا وإنما هو صوري وهذا يفقد قضية الذبح كل قيمتها. فلاحظ قوله تعالى: (وبشرناه بإسحاق نبيا) وقوله: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب).


(1) الصافات 112. (2) هود / 71. (3) راجع: الميزان ج 17 ص 155 والبداية والنهاية ج 1 ص 161 و 159. (*)

[ 46 ]

إلا أن يدعى: أن النبوة والبشارة بيعقوب ليست داخلة في البشارة الاولى. ولكن ذلك خلاف الظاهر. والذين يصرون على ان الذبيح هو إسحاق لا يقولون بالبداء ليمكنهم التشبث به في الاجابة هنا. أو يدعى: أن الذبح قد يكون بعد أن ولد له يعقوب. ويرده: أنهم يقولون: إن قضية الذبح قد حصلت حينما كان عمره ثلاث عشرة سنة (1). 3 - وقد روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوضح أن كونه ابن الذبيحين إنما هو بنذر عبد المطلب، وبذبح إسماعيل (عليه السلام) (2). 4 - وأخيرا.. فقد أنكر أبو عمرو بن العلاء أن يكون إسحاق هو الذبيح، على اعتبار أن الذبح كان بمكة، وإسماعيل هو الذي كان بمكة وبنى البيت مع والده. وكذا قال ابن القيم (3). خلاصة وبيان: ونستخلص مما تقدم: أنه قد كان هناك بشارتان: إحداهما بولادة إسماعيل (عليه السلام)، فولد، ثم أمر بذبحه، وجرى ما جرى. ثم جاءت البشارة الاخرى بولادة إسحاق بملاحظة: أن أمه لم تكن ولدت، رغم أنها كان قد كبر سنها فبشرها الله بذلك - كما


(1) راجع: الدر المنثور للعاملي ج 1 ص 161. (2) البحار ج 12 ص 132 ومفاتيح الغيب ج 25 ص 153. (3) المصدران السابقان ومجمع البيان ج 8 ص 453 والدر المنثور للعاملي ج 1 ص 161 والمواهب اللدنية ج 1 ص 18 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 16 وتاريخ الخميس ج 1 ص 95 (*)

[ 47 ]

ذكرته سورة هود - فتعجبت: أن تلد وهي في هذا السن. وعدم ذكر إسماعيل في سورة الصافات، والاكتفاء بذكر إسحاق ويعقوب لعله يشير إلى ذلك أيضا على اعتبار أن الامر بالنسبة لاسماعيل كان قد مضى وانقضى. أهل الكتاب هم الداء الدوي: وبعد هذا. فإن السؤال الذي يلح في طلب الاجابة عليه هو: من أين جاء هذا الامر الغريب: أن الذبيح هو إسحاق ؟ والجواب: هو ما قاله ابن كثير وغيره: (إنما أخذوه - والله أعلم - من كعب الاحبار، أو من صحف أهل الكتاب. وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم، حتى نترك من أجله ظاهر الكتاب) (1) فاليهود إذن قد أرادوا ترويج عقيدتهم بين المسلمين، وتخصيص هذه الفضيلة بجدهم إسحاق حسب زعمهم. ولكن اليهود أنفسهم قد فاتهم: أن التوراة المتداولة نفسها متناقضة في هذا الامر، فإنها في حين تقول: (خذ إبنك، وحيدك، الذي تحبه إسحاق. واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على الخ..) (2). فقد عبرت هنا بكلمة: (وحيدك) الدالة على أن إسحاق هو أكبر ولد إبراهيم. ولكنها تعود فتكذب نفسها، وتنص على أن إسحاق لم يكن وحيدا وإنما ولد وعمر إسماعيل أربعة عشر سنة (3).


(1) البداية والنهاية ج 1 ص 161 و 159 وراجع السيرة الحلبية ج 1 ص 38 عن ابن تيمية. (2) سفر التكوين: الاصحاح 22، الفقرة 1 - 33 ولتراجع سائر فقرات الاصحاح أيضا. (3) سفر التكوين الاصحاح 16 الفقرة 15 / 16 نص على أن عمر ابراهيم حين ولادة = (*)

[ 48 ]

بل لقد ذكر ابن كثير: أنه لا خلاف بين أهل الملل: أن إسماعيل أول ولد إبراهيم وبكره (1). وقد اعترف أحد مسلمة أهل الكتاب بأن اليهود يعلمون: أن الذبيح هو إسماعيل، ولكنهم يصرون على خلافه حسدا منهم للعرب (2). ملاحظات هامة: الاولى: إننا نلاحظ: أن إبرهيم قد رزق ولده إسماعيل الوحيد في شيخوخته، كما أشار إليه القرآن. وطبيعي أن يكون تعلقه بهذا الولد أشد، وحبه له أعظم. ونلاحظ أيضا: أن أمر الله تعالى له بذبحه قد كان، وولده في أروع أيام حياته، وفي السن التي يزداد تعلق والديه به فيه، وحبهما له، حيث تمتزج المحبة بالعاطفة، والرأفة بالاعجاب.. وأيضا، لقد رزقه الله ولدا هو في أعلى درجات الكمال الانساني، عقلا ودراية وسلوكا، واستقامة، إلى غير ذلك من فضائل وكمالات إنسانية فاضلة. وهذا أيضا ادعى إلى التعلق به، وازدياد المحبة له. وبعد ما تقدم فإننا نجد: أن الله سبحانه يكلف هذا الاب بذبح طفل كهذا بيده. وإذا كان التخلي عن طفل كهذا في ظروف كهذه هو من أصعب الامور، فكيف إذا كان يجب أن يتم هذا التخلي بيد نفس ذلك الاب ؟ !..


= إسماعيل 86 سنة. وفي سفر التكوين الاصحاح 17 والاصحاح 18 نص على أنه ولد له إسماعيل وهو ابن 99، أو مئة سنة. وراجع: البداية والنهاية ج 1 ص 153، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 38. (1) البداية والنهاية ج 1 ص 157، وراجع: البحار: ج 12 ص 134. (2) البحار: ج 12 ص 134، ومجمع البيان: ج 8 ص 453، والسيرة الحلبية: ج 1 ص 38. وتاريخ الخميس ج 1 ص 95 / 96 والمواهب اللدنية ج 1 ص 18. (*)

[ 49 ]

ويلبي إبراهيم، ويستجيب إلى أمر الله، دون أن يسأل عن السبب، ودون أن يبرمه أمر كهذا، وحتى دون أن يتحير في ذلك، لانه واثق بحسن ما يختاره له ربه، وبصلاح ما يأمره به. يستجيب لهذا الامر، ولا يندفع إلى تنفيذه بسرعة وبدون أن يعلم ولده بهذا الامر، ليريح أعصابه، ويستريح من هذا الكابوس، الامر الذي يخفي وراءه شيئا من الضعف والوهن، بل هو يخبر ولده بالامر، ويطلب منه أن يتخذ هو نفسه أيضا القرار الحاسم في الاستسلام لذلك أو عدمه وذلك يدل على ثقته بحسن اختيار ولده. ويدل على أنه كان يحترم فيه كبر عقله، وسداد رأيه، ولا يعتبره طفلا لا يمكن أن توكل إليه أية مسؤلية. وطبيعي أيضا: أن يكون توجه إسماعيل لذلك، وأن يتخذ هو نفسه القرار في ذلك بقوله: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. مما يزيد في الام أبيه. وإسماعيل.. الذي أراد أبوه أن ينيله أجر الطاعة، ويتذوق حلاوة التسليم، لم يكن منه إلا التسليم لامر الله سبحانه، والانصياع له بثقة ورضا ولكنه لا يعتبر هذا التسليم والرضا شجاعة وبطولة منه، وإنما يعتبره خضوعا لمشيئة الله تعالى ويرى: أن صبره مستمد منه، ومنته إليه، ولذلك عبر الله تعالى عن حالتهما هذه بقوله: (فلما أسلما)، فهما قد أسلما لله تعالى، وليس لغيره من الشهوات، ولا للغرائز، ولم تقيدهما القيود المادية، ولا الدنيوية في شئ (1). ولذلك فإن إبراهيم وولده هما ممن يكون الله أحب إليه من كل شئ مما نصت عليه الاية الكريمة التي تقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها، وتجارة


(1) لقد أشار في كتاب: في ظلال القرآن إلى بعض ما ذكرناه أيضا. (*)

[ 50 ]

تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (1). الثانية: إن من الواضح أن ذبح إسماعيل، وإراقة دمه لم يكن هو المقصود النهائي له تعالى، وذلك لقوله تعالى لابراهيم: (قد صدقت الرؤيا)، وإنما كان المقصود هو البلاء والامتحان لابراهيم وولده، لقوله تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين). وحكمة هذا البلاء هي: أن يزيد في تزكية، وتصفية نفس إسماعيل، في مراحل إعداده لتحمل مسؤولية النبوة، وقيادة الامة. وكذلك فإن في ذلك تزكية وتصفية وامتحانا لنفس إبراهيم (عليه السلام) ولربما يكون ذلك من الكلمات اللواتي استحق إبراهيم بإتمامهن أن يجعله الله للناس إماما. قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ؟ قال لا ينال عهدي الظالمين) (2). وكانت قضية الذبح هي البلاء المبين كما نصت عليه الاية الكريمة. وقد رأيت بعد أن كتبت هذا: أن العلامة الطباطبائي يذكر: أن البعض قد تنبه لذلك كالطباطبائي نفسه، واستدل له، بقوله تعالى: (ومن ذريتي) إذ لا معنى لقوله هذا إن لم يكن له ذرية بالفعل، كما أنه لم يكن يعلم، ولا يظن: أنه سيكون له ولد قبل تبشير الملائكة له بذلك، وإبراهيم لا يتفوه بما لا علم له به، ولا يظنه، ولا يحتمله، ولا يخطر له على بال، وهو بهذه السن المتقدمة. ولو كان ذلك قبل ولادة إسماعيل، لكان اللازم أن يقول: (ومن ذريتي إن رزقتني ذرية) (3).


(1) التوبة 24. (2) البقرة 124. (3) راجع: الميزان ج 1 ص 267 / 268. (*)

[ 51 ]

وقد أورد البعض على الفقرة الاولى بإمكان أن يكون هذا الطلب من إبراهيم قد حصل بعد تبشير الملائكة له بالذرية. فنزلها في كلامه منزلة الامر الحاصل والمحقق. وبعد، فإن حكم هذا البلاء، هو أن يضرب بذلك المثل الاعلى للاجيال، في التضحية في سبيل المبدأ الحق، ولا يكتفى بمجرد رفع الشعارات، والاعلان عن المواقف كلاميا فقط. فبإسماعيل وإبراهيم ينبغي أن تكون القدوة لكل مؤمن ومؤمنة. كما أن في إخراج فضائلهما من عالم القوة إلى عالم الفعل، وإظهارها للناس والتعريف بها تشجيع للفضائل الكامنة في غيرهم، وتحريك لها لتقوم بمحاولة الظهور على الصعيد العملي، أي أن في ذلك هزة عاطفية مؤثرة في كل من يملك عاطفة جياشة، تستطيع أن تستثير الفضائل الكامنة في نفس الانسان، لتكون واقعا حيا وملموسا، ولتقود عملية التغيير الشاملة في حياة الانسان، ومستقبله بشكل عام. هذا ومن غير البعيد: أن يكون المجتمع الذي عاش فيه إبراهيم وإسماعيل، قد طغت عليه المادية، فأراد الله تعالى تحويل هذا الاتجاه بصورة عملية، دون الاقتصار على إسداء النصايح، والتوجيهات. ولعل المتأمل في هذه القضية يكتشف الكثير، مما لم نذكره، أولم نشر إليه، والله هو الموفق والمسدد. الثالثة: ويبقى أن نشير هنا إلى أن من المقطوع به: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يريد أن يفتخر بقوله هنا: أنا ابن الذبيحين، وإنما لعله يريد من قوله هذا: أن يوجه الانظار للاستفادة من هذين الحدثين الهامين جدا. وأيضا يريد أن يفهم الاخرين: أنه شخصيا ليس غريبا عن هذا الجو، وأنه إذا كان أولئك قد بلغوا هذه المكانة في القرب من الله، والتفاني في سبيله والتسليم له، فلا يجب أن يتوقع منه موقف آخر،

[ 52 ]

يختلف عن هذا، أو يقل عنه. وإذن، فإن آمالهم في أن يقف موقف المساوم - في يوم ما إنما هي سراب في سراب، فإن القضية قضية مبدأ وعقيدة، وليست قضية مصالح شخصية، كما يتخيلون. وقد اثبتت الوقائع صحة ذلك، حيث كان (ص) بقدم أهل بيته في الحروب، وقد ضحى بكل غال ونفيس في سبيل هذا الدين. الرابعة: إن نذر عبد المطلب هذا ربما يقال فيه: إنه غير جائز، إذ كيف جاز له التصرف في شخصية غيره إلى هذا الحد ؟ ! وهل يمكن أن يعتقد أحد بوجوب الوفاء بنذر كهذا، يكون الضحية فيه نفس محترمة أخرى، حتى ولو كانت ولدا مثل عبد الله بن عبد المطلب ؟ !. والجواب: إننا نلاحظ: أن عبد المطلب قد سار في إيمانه سيرا تكامليا (1) كما أشار إليه الحلبي حيث قال: ورفض في آخر عمره عبادة الاصنام، ووحد الله سبحانه (2). وبهذا نفسر كونه في أول أمره يسمي أبناءه ب‍ (عبد مناف) ومناف إسم صنم، و (عبد العزى) والعزى كذلك. ولكنه يترقى ويتقدم حتى يبلغ به الامر حدا من التسليم والايمان بالله، أن أرعب إيمانه هذا أبرهة صاحب الفيل، كما يذكره المؤرخون. وقد أشبه في هذا الامر نبي الله إبراهيم (عليه السلام) فإن ابراهيم على ما يظهر كان موحدا لاحساسه الوجداني والفطري بوجود إله واحد قادر،


(1) وهذا لا ينافي ما سيأتي إن شاء الله، من أن جميع آبائه كانوا مؤمنين مؤحدين، فإن المهم هو وصولهم جميعا إلى درجة الايمان ولو بصورة تكاملية وتدريجية. إلا أن يقال: إنه لم يثبت تسمية أبنائه بعبد العزى، وعبد مناف. ولعلها أسماء قد لحقتهم بعد أن كبروا وظهر شركهم بالله واهتمامهم بالعزى وبغيرها من الاصنام. (2) السيرة الحلبية: ج 1 ص 4، والسيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية). ج 1 ص 21 (*)

[ 53 ]

عالم حكيم إلخ.. ولكنه بعد أن بلغ سن الرشد أراد أن يدعم هذا الايمان الوجداني بالدليل والبرهان، فدخل المختبر وجرب حتى وصل إلى النتيجة (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الافلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي. فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالمين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، هذا أكبر. فلما أفلت قال: يا قوم إني برئ مما تشركون). هذا إن قلنا: إن كلام إبراهيم كان على سبيل الحقيقة وليس على سبيل الاستدراج. وكذلك كان حال عبد المطلب، فلعله كان يعتقد بالله الواحد القادر، الحكيم إلخ.. إستنادا إلى حكم الفطرة والوجدان. لكنه كان يحتمل اولا أن يكون لهذه الاصنام شأن وشفاعة (ما) من دون أن يؤثر ذلك على توحيده. ثم ترقى في فهمه فأدرك أنها لا شئ. والفرق بينه وبين إبراهيم في السرعة والبطء. والا فإن إبراهيم لم يعرف الله بالوحي، وإلا لم يمكن إثبات نبوته. هذا بالنسبة لايمانه أما بالنسبة لسلوكه ومواقفه فإنهم يقولون عنه: إنه كان يقطع يد السارق، ويمنع من طواف العراة، ويوفي بالنذر، ويؤمن بالمعاد، ويحرم الزنا، والخمر، ونكاح المحارم، وكان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الاخلاق، وينهاهم عن دنيات الامور، وكان مجاب الدعوة وترك الاصنام (1). وقد ذكرت كتب التاريخ: أن بعض الاصنام قد كانت تماثيل


(1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 4، والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية): ج 1 ص 21. ومسالك الحنفا ص 41، عن الملل والنحل للشهرستاني. وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 237. (*)

[ 54 ]

لاشخاص من أهل الخير والصلاح، فراجع كتاب الاصنام لابن الكلبي، وسيرة ابن هشام وغير ذلك. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالازلام، ولا يعبد الاصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين إبراهيم (عليه السلام) (1). وقد بلغ الحد الايماني الاعلى بعد ولادة حفيده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث سمع ورأى الكثير من العلامات الدالة على نبوته (ص) بأم عينيه. وشهد وعاين الكثير من الكرامات والدلالات القطعية فيه. وبعد كل ما تقدم نقول: انه لا مانع من أن يكون اعتقاده أولا انه يرى لنفسه الحق في تصرف كهذا، ونذر كهذا ولم يكن ذلك مستهجنا لدى العرف آنئذ. أضف إلى ذلك: أنه لم يثبت عدم جواز نذر كهذا في الشرايع السابقة. فقد نذرت امرأة عمران ما في بطنها محررا لخدمة بيوت الله. وأمر الله تعالى نبيه إبراهيم بذبح ولده إسماعيل. النسخ في قصة إبراهيم: هذا، وقد ادعى البعض: أن قصة إبراهيم تدل على جواز النسخ قبل حضور وقت العمل. وأجيب عن ذلك: أولا: إن إبراهيم (عليه السلام) لم يؤمر بالذبح الذي هو فري الاوداج، بل أمر بالمقدمات، كما يدل عليه قوله تعالى: (قد صدقت


(1) البحار: ج 77 ص 56. (*)

[ 55 ]

الرؤيا). ولو كان ما فعله بعض المأمور به لكان مصدقا لبعض الرؤيا (1) فلا يصح قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا). وثانيا: إن وقت الفعل حاضر، فإن إبراهيم قد شرع في التنفيذ فعلا. فالنسخ لو سلم، فإنما هو قبل وقوع الفعل، لا قبل حضور وقت العمل. ونقول: إن النسخ يمكن أن يكون مع كون الامر بداعي الامتحان أو غيره أولا، ثم يصدر أمر عن مصلحة واقعية ثانيا فينسخه. البداء عند الشيعة: ويتفرع على مسألة النسخ مسألة البداء، التي هي موضع خلاف بين الشيعة وغيرهم، وقد صارت مصدرا للافتراءات الكثيرة على الشيعة. ونحن نشير إلى توضيح هذه المسألة بما يسمح به المجال، فنقول: قال آية الله الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين (رحمه الله): (حاصل ما تقوله الشيعة هنا: ان الله عز وجل قد ينقص من الرزق، وقد يزيد فيه، وكذا الاجل، والصحة والمرض، والسعادة والشقاوه، والمحن والمصائب، والايمان والكفر، وسائر الاشياء، كما يقتضيه قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (2). وهذا مذهب عمر بن الخطاب، وأبي وائل، وقتادة. وقد رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان كثير من السلف يدعون،


(1) معالم الدين: ص 208، وراجع: البحار ج 12 ص 137، ومفاتيح الغيب، ج 25 ص 155. (2) الرعد 39. (*)

[ 56 ]

ويتضرعون إلى الله أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وقد تواتر ذلك عن أئمتنا في أدعيتهم المأثورة. وورد في السنن الكثيرة: أن الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر إلخ...) (1). نعم، هذا هو البداء الذي تعتقد به الشيعة تبعا لائمتهم (عليهم السلام). وأما البداء بمعنى ظهور رأي جديد له تعالى بعد ان لم يكن يعلم به أولا، أو بمعنى ان يعمل تعالى عملا ثم يندم عليه، حيث ظهر له أن المصلحة كانت في خلاف ذلك. أما البداء بهذا المعنى فهو محال على الله، ولم يقل به الشيعة أبدا. كيف ؟ ! وهم أتباع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) منشئ نهج البلاغة المشحون بالمعاني التي يعجز العقل البشري عن إدراكها، علي الذي تعلم الناس منه ومن أبنائه المعصومين تنزيه الله تعالى عن كل نقص. وأخذوا عنه أدق المعارف حول الله وصفاته سبحانه وتعالى.. وقد نقل عن الصادق (عليه السلام) قوله: من زعم أن الله يبدو له في شئ، ولم يعلمه أمس، فابرؤوا منه (2). وعنه (عليه السلام): من زعم أن الله بداله في شئ بداء ندامة، فهو عندنا كافر بالله العظيم، (3).


(1) أجوبة موسى جار الله ص 86 / 87. وقد ذكر مصادر ما أشار البه ثمة، فراجع. ونظير ذلك ما قاله المجلسي أيضا، فراجع: سفينة البحار: ج 1 ص 62، وقد أوضحه أيضا بصورة جيدة. (2) البحار: ج 4 ص 111، والاعتقادات للصدوق، باب الاعتقاد بالبداء، وميزان الحكمة ج 1 ص 389. (3) الاعتقادات للصدوق رحمه الله - باب الاعتقاد بالبداء، وراجع: هامش البحار: = (*)

[ 57 ]

التوضيح والتطبيق: وتوضيح ذلك: أن الله عز وجل يقدر لزيد من الناس مثلا رزقا معينا، أو عمرا معينا، بحسب ما تقتضيه طبيعته وسجيته، واستعداده الذاتي، ولكنه يعلم أنه سوف يتصدق فيكون ذلك سببا في زيادة رزقه المقدر له أولا بقطع النظر عن هذه الصدقة. أو سوف يبر بوالديه فيزيد عمره لذلك كذلك. والله يعلم بذلك كله من أول الامر. وقد تقتضي المصلحة أن يطلع الله نبيه على المقتضي لوجود شئ، من دون أن يطلعه على ما سوف يجد في المستقبل له من الموانع، أو ما سوف يفقده من شرائط. فيخبر النبي الناس عنه على تلك الصفة. ثم بعد ذلك يطلع تعالى النبي على انه يوجد مانع، أو أن المقتضي يحتاج إلى توفر شرائط ومناخات معينة مفقودة فعلا. مع علم الله سبحانه بكل ذلك أولا وآخرا، فإن لله علما اختص به، وعلما يطلع عليه نبيه أو يثبته في لوح المحو والاثبات، وقد أشار إلى هذين العلمين، في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فمثلا، لو بنينا بيتا، فإنه بحسب طبعه صالح للبقاء مئة سنة مثلا. ولكنه ربما ترد عليه عواصف، أو زلازل، أو سيول، أو نحوها، تمنع من بقائه هذه المدة، ويتلاشى في مدة عشر سنوات مثلا. فلو أخبرنا الناس: أن هذا البيت يبقى مئة سنة، مع علمنا بأنه سيتلاشى بسبب سيل يأتي من الناحية الفلانية يصل إليه بعد عشرة أيام، ثم أخبرنا ثانيا بأن البيت سيهدم بعد عشرة أيام، فإن كلا من الخبرين يكون صحيحا.. وقد يترتب على إخبارنا الاول مصلحة هامة لا غنى عن تحققها في موطنها.


= ج 4 ص 125. (*)

[ 58 ]

وقد يكون من هذا القبيل ما نجده يذكر في علامات الامام صاحب الزمان (عليه السلام) حيث قد نص الائمة (عليهم السلام) على أن بعضها: من المحتوم، وسكتوا عن البعض الاخر، فلربما يتحقق الجميع، ولربما تفقد بعض الشرائط لبعضها أو توجد بعض الموانع عن تحقق بعضها، ويكون المخبر إنما أخبر عن السير الطبيعي للامور بغض النظر عن العوارض والطوارئ. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا دراسة في علامات الظهور والجزيرة الخضراء، فراجع الفصل الثاني منه. ويمكن أن تكون قضية إبراهيم وإسماعيل الذبيح من هذا القبيل أيضا، حيث إنه تعالى - لمصلحة يراها، كالامتحان والابتلاء، وغير ذلك مما تقدم - قد أمر نبيه إبراهيم بذبح ولده ثم فدا ذلك الذبيح بذبح عظيم. وقد أخبر تعالى: إبراهيم بأنه قد صدق الرؤيا. ولعل قضية إسماعيل إبن الامام جعفر الصادق عليه السلام، كانت من هذا القبيل، فقد اقتضت المصلحة أن تتوجه الانظار نحو إسماعيل هذا، من أجل حفظ نفس الامام الحق من الاخطار، ثم يموت إسماعيل، ويظهر أن الامام الحقيقي هو أخوه موسى (عليه السلام). إشكال.. وجوابه: الاشكال: أن كلمة (بدا) معناها: ظهر (وليس أظهر). و (بدا لله) لا بد أن يكون معناه ظهر له الامر وعلم به بعد أن كان يجهله. وذلك محال عليه تعالى كما قلتم. فكيف يمكن توجيه قوله (عليه السلام): (ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل) وغير ذلك من كلمات عبرت ب‍ (بداله) أو (بدا لله) ؟ !. والجواب: أن قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا). ثم اعتبار قضية إسماعيل إبن الامام الصادق (عليه السلام)

[ 59 ]

وصرف القتل عنه مرتين بسبب دعاء أبيه (عليه السلام) من البداء، حيث روي عن الامام الصادق (ع) قوله: ما بدا لله في شئ كما بدا له في إسماعيل (1) - إن ذلك - يشير إلى أن كلمة بدا لم تستعمل في معنى الاظهار أو الظهور. وإنما استعملت بمعنى: تحقيق ما علم في عالم الكون والوجود، نظير كلمة: (علم) في قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) (2). وقوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) (3). وقوله سبحانه: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) (4). والمقصود: ليتحقق معلومنا، ويتجسد في عالم الوجود. هذا بالنسبة للتعبير ب‍ (علم). وكلمه بدا، أيضا كذلك، فبداله، أي تحقق ما علمه في الخارج وعلى صفحة الكون. ولعل قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا) (5)، قد استعمل في هذا المعنى أيضا: أي تحقق ذلك وتجسد في الخارج. ولعل هذا المعنى أقرب من حمل (بدا) على معنى: أظهر للغير، لان هذا المعنى لا يناسب التعدية باللام لنفس الذات الالهية. فلا يصح أن يقال: بدا لله، ويكون المعنى: أظهر للغير. بل هذا غلط ظاهر.


(1) سفينة البحار: ج 1 ص 62. (2) الكهف: 12. (3) محمد: 31. (4) البقرة: 143. (5) الزمر: 48. (*)

[ 60 ]

اليهود، والبداء: وبعد، فلو أننا لم نقل بالبداء، لكنا مثل اليهود الذين نعى الله عليهم اعتقادهم الفاسد، حيث أنكروا البداء. وقالوا: إن الله قدر الارزاق والاشياء منذ الازل، ولا تغيير ولا تبديل فيما قدر، فقد (جف القلم). وقد قال تعالى مقبحا قولهم هذا: (وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء) (1). وقال الشهرستاني عن اليهود: (ولم يجيزوا النسخ أصلا قالوا: فلا يكون بعده شريعة أصلا، لان النسخ في الاوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى) (2). فالاعتقاد بالبداء ضرورة إسلامية وعقيدية، ومن لوازم ومقتضيات تنزيه الله وتوحيده. وهو كذلك منسجم مع مفاد الايات القرآنية، والاحاديث الشريفة. وعن الصادق والباقر (عليهما السلام)، قال: ما عبد الله تعالى بشئ مثل البداء (3). هذا وقد أورد المجلسي (رحمه الله) للبداء حكما جليلة، وفوائد جميلة: فليراجعها من أراد (4).


(1) سورة المائدة: 64. (2) الملل والنحل: ج 1 ص 211. (3) سفينة البحار: ج 1 ص 61. (4) سفينة البحار ج 1 ص 62. (*)

[ 61 ]

الفصل الثاني: عهد الطفولة

[ 63 ]

نسب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هو أبو القاسم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بن عبد الله، بن عبد المطلب، شيبة الحمد، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن نضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان. قالوا: إن هذا هو المتفق عليه من نسبه الشريف، أما ما فوقه ففيه اختلاف كثير، غير أن مما لا شك فيه هو أن نسب عدنان ينتهي إلى اسماعيل (عليه السلام). وقد روي أنه (ص) قال: (إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا) (1). ونحن نمسك هنا إمتثالا لامره (ص). وأمه (صلى الله عليه وآله وسلم): هي آمنة بنت سيد بني زهرة، وهب بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب.


(1) كشف الغمة للاربلي ج 1 ص 15. (*)

[ 64 ]

مولد النبي (ص): ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة عام الفيل على المشهور (1). أي قبل البعثة بأربعين سنة. والمشهور عند الامامية وبعض من غيرهم أنه ولد في السابع عشر من شهر ربيع الاول. والمشهور عند غيرهم ووافقهم الكليني: أنه ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت منه (2). وثمة أقوال أخر لا مجال لذكرها. ونص الطبرسي، والكليني على أنه (ص) قد ولد في يوم الجمعة، وعند غير الامامية: أنه ولد في يوم الاثنين. وورد: أن أمه قد حملت به في أيام التشريق. وهي الحادي عشر، والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة (3). ولا يخلو ذلك من إشكال، لانها إن كانت ولدته في تلك السنة، فإن حملها به (ص) يكون ثلاثة أشهر، وتزيد قليلا، وإن كانت ولدته في السنة الثانية، فمدة حمله تكون خمسة عشر شهرا، مع أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأقصاها سنة عند المشهور من الامامية. وأجيب: بأن ذلك مبني على النسئ في الاشهر الحرم عند العرب، فإنهم كانوا يقولون مثلا: إن الاشهر الحرم توضع بعد أربعة أشهر مثلا، ثم يستحلون القتال في نفس الاشهر التي رفع الاعتبار عنها. ولكن إن لم نقل بأن الحمل به (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة أشهر قد كان من خصوصياته (ص) فلا يمكننا قبول تلك الرواية حتى ولو صح


(1) راجع: سيرة مغلطاي ص 6 / 7 وتاريخ الخميس ج 1 ص 195، وغير ذلك وحكى الاتفاق عليه. (2) أصول الكافي ج 1 ص 364 ط المكتبة الاسلامية بطهران سنة 1388. (3) أصول الكافي ج 1 ص 364، وليراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 196. (*)

[ 65 ]

سندها، وذلك لان كون تلك الرواية واردة بناء على أشهر النسئ يحتاج إلى إثبات. إذ لم نعهد في تعبيرات المعصومين بناء كلامهم على النسئ، الذي هو زيادة في الكفر، كما لم نعهد ذلك في كلمات المحدثين والمؤرخين. ولا سيما مع عدم نصب قرينة على ذلك. تعقيب هام وضروري: لقد قال الاربلي (رحمه الله)، بعد أن أشار إلى الاختلاف في تاريخ ولادته (ص): (إن اختلافهم في يوم ولادته سهل، إذ لم يكونوا عارفين به، وبما يكون منه، وكانوا أميين لا يعرفون ضبط مواليد أبنائهم. فأما اختلافهم في موته، فعجيب. والاعجب من هذا مع اختلافهم في الاذان والاقامة، بل اختلافهم في موته أعجب، فإن الاذان ربما ادعى كل قوم أنهم رووا فيه رواية، فأما موته فيجب أن يكون معينا معلوما) (1). وكلام الاربلي (رحمه الله) ظاهر المأخذ، فهو يقول: إن اختلافهم في تاريخ ولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما تكون له مبرراته، ولكن ما يثير الدهشة حقا هو اختلافهم في يوم وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنهم كانوا قد عرفوا فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) المنقذ والمخرج لهم من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، مع عدم وجود هوى سياسي أو مذهبي يقتضي إبهام ذلك، أو إجماله، أو التلاعب فيه وأغرب من ذلك كله، هو اختلافهم في الكثير الكثير من الامور التي كانوا يمارسونها مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة مرات يوميا، طيلة سنين عديدة، حتى إنك لتجدهم يروون المتناقضات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أفعال الوضؤ والصلاة، وهم كانوا يؤدونها معه (صلى


(1) كشف الغمة ج 1 ص 15. (*)

[ 66 ]

الله عليه وآله وسلم) خمس مرات في كل يوم. بل قد تجد بعضهم يقول: إنهم إنما كانوا يعرفون أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ في صلاة الظهر والعصر، من اضطراب لحيته (1). أما اختلافهم في الاذان الذي كانوا يتربون على سماعه منذ صغرهم، فذلك ظاهر أيضا، كما أشار إليه الاربلي (رحمه الله). وإذن.. فما هو مدى معرفتهم بتلك الاحكام التي يقل الابتلاء بها، والتعرض لها عادة يا ترى ؟ !. وأيضا.. هل يصح اعتبار أقوال هؤلاء وافعالهم سنة ماضية، وشريعة متبعة، - كما هو عند بعض الفرق الاسلامية - بل تجد بعضهم ربما يرد الحديث الصحيح لقول صحابي، أو بقول حاكم. إن ذلك لعجيب ! وأي عجيب ! ! وإذا كانوا يختلفون حتى في مثل هذه الامور، فهل يعقل بعد هذا أن يصح قول البعض: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ترك الامة هكذا هملا، بلا قائد ولا رائد ؟ ولا معلم، ولا مرشد ؟ على اعتبار أن الامة تكون مستغنية عن الهداية والرعاية ؟ !. وهذا موضوع هام جدا يحتاج إلى بحث وتمحيص بصورة مفصلة. قمة كاذبة: وقد روي عن عبد الله بن عباس، أنه قال: سمعت أبي العباس


(1) صحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍ ج 1 ص 90 و 93، ومسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 395 وج 5 ص 209 و 182 و 112 وجواهر الاخبار والاثار (مطبوع بهامش البحر الزخار): ج 2 ص 247 عن الانتصار، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، والبخاري والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 37 و 54 عن الصحيحين والبحر الزخار ج 2 ص 247. (*)

[ 67 ]

يحدث، قال: ولد لابي عبد المطلب عبد الله فرأينا في وجهه نورا يظهر كنور الشمس، فقال أبي: إن لهذا الغلام شأنا عظيما. قال: فرأيت في منامي أنه خرج من منخره طائر أبيض.. إلى أن قال: فلما انتبهت، سألت كاهنة من بني مخزوم، فقالت: يا عباس، لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له. إلى أن قال: فلما مات عبد الله، وولدت آمنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتيته، ورأيت النور بين عينيه يزهر، فحملته، وتفرست في وجهه.. ثم تذكر الرواية ما رأته آمنة، ثم تقول: فهذا ما رأيت يا عباس. قال - يعني العباس -: وأنا يومئذ أقرأ، وكشفت عن ثوبه، فإذا خاتم النبوة بين كتفيه، فلم أزل أكتم شأنه وأنسيت الحديث، فلم أذكره إلى يوم إسلامي، حتى ذكرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). وأقول: إن هذا الحديث لا يصح، لان العباس كان أكبر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسنتين (2)، فكيف يكون قد حضر ولادة أبيه عبد الله، ورأى ذلك المنام ثم ذهب إلى الكاهنة، ثم حين ولادة الرسول وأخذه وحمله إلخ.. هذا بالاضافة إلى أن نسيانه لهذا الامر الخطير جدا هو الاخر غير معقول. ولو سلمنا أنه نسيه، فكيف لا يذكره حين بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويبادر إلى التصديق به، وإعلان إسلامه. بل يتأخر في


(1) روضة الواعظين ص 64 / 65. (2) الاصابة ج 2 ص 271. (*)

[ 68 ]

ذلك هذه السنين الطويلة، بل إلى عام الفتح كما يقولون. والحقيقة هي أنهم يريدون من أمثال هذه الحكايات اثبات فضائل للعباس (رحمه الله)، مثل كونه أول من أسلم، بل أسلم قبل ولادة النبي نفسه، وما إلى ذلك. مصير الدار التي ولد فيها النبي (ص): وكانت ولادته (صلى الله عليه وآله وسلم)، في شعب بني هاشم، أو شعب أبي طالب، في الدار التي اشتراها محمد بن يوسف، أخو الحجاج من ورثة عقيل بن أبي طالب (رحمه الله) تعالى بمائة ألف دينار. ثم صيرتها الخيزران أم الرشيد مسجدا، يصلي فيه الناس (1) ويزورونه، ويتبركون به. وبقي على حالته تلك، فلما: (أخذ الوهابيون مكة في عصرنا هذا هدموه، ومنعوا من زيارته، على عادتهم في المنع من التبرك بآثار الانبياء والصالحين، وجعلوه مربطا للدواب) (2). رضاعه (صلى الله عليه وآله وسلم): ويقولون إن أمه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أرضعته يومين أو ثلاثة، ثم أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أياما (3). ثم قدمت حليمة السعدية رحمها الله مكة مع رفيقات لها، بحثا عن


(1) اصول الكافي: ج 1 ص 264. وقيل: إن زبيدة قد فعلت ذلك. راجع التبرك: ص 243 و 255، وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 198 وراجع أيضا الروض الانف ج 1 ص 184 والمواهب اللدنية ج 1 ص 25، وتاريخ الامم والملوك: ج 1 ص 571، والكامل في التاريخ: ج 1 ص 458 وأخبار مكة للازرقي ج 1 ص 433. (2) أعيان الشيعة ج 2 ص 7. (3) قاموس الرجال ج 10 ص 417 ترجمة ثويبة، عن البلاذري. (*)

[ 69 ]

ولد ترضعه، لتستفيد من رعاية أهله، ومعوناتهم، فعرض (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها، فرفضته - في بادئ الامر - ليتمه. ولكنها عادت، فقبلته، حيث لم تجد غيره، فرأت فيه كل خير وبركة، فأرضعته سنتين. ثم أعادته إلى أهله، وهو ابن خمس سنين ويومين - كما يقولون - ليكون في كفالة جده عبد المطلب، ثم عمه أبي طالب. ويقول العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني: إن قولهم: إنها رفضته في أول الامر ليتمه إنما يصح بالنسبة ليتيم ضائع، لا أهمية له. وأما بالنسبة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن كافله عبد المطلب سيد هذا الوادي. وأمه آمنة بنت وهب، من أشراف مكة. بل ثمة من يقول: إنه لم يكن حينئذ يتيما، وإن أباه قد توفي بعد ولادته بعدة أشهر، قيل: ثمانية وعشرين شهرا. وقيل: سبعة أشهر. (1) انتهى كلامه. لماذا الرضاع في البادية ؟ !: وعلى كل حال فقد كان إرسال الاطفال بى البادية للرضاع، هو عادة أشراف مكة، حيث يرون أن بذلك ينشأ أطفالهم: أصح أبدانا، وأفصح لسانا، وأقوى جنانا، وأصفى فكرا وقريحة، وهي نظرة صحيحة وسليمة، وذلك لما يلي: أما كونهم: 1 - أصح ابدانا، فلانهم يعيشون في الهواء الطلق، ويواجهون مصاعب الطبيعة فتصير لديهم مناعة طبيعية تجاه مختلف المتغيرات، في مختلف الظروف. 2 - وكونهم أفصح لسانا، من حيث إنهم يقل اختلاطهم بأهل


(1) صفة الصفوة ج 1 ص 51 وكشف الغمة للاربلي - ج 1 ص 16. (*)

[ 70 ]

الاقطار الاخرى، من الامم الاخرى، على العكس من سكان المدن، ولا سيما مكة، التي كانت تقيم علاقات تجارية بينها وبين سائر الاقطار والامم. ولها رحلتا الشتاء والصيف، إلى البلاد التي تتاخم البلاد الاجنبية، التي لا يبعد تأثرها بها - قليلا كان ذلك أو كثيرا -. 3 - وكونهم أقوى جنانا، لما قدمناه في مطاوي كلماتنا في الفصل الاول. 4 - وأما أنهم أصفى فكرا وقريحة، فهو حيث يبتعد الانسان حينئذ عن هموم المدينة، وعن علاقاتها المعقدة والمرهقة، حيث لا يواجه في البادية إلا العيش الساذج والبسيط، والحياة على طبيعتها. ولا يتأثر فكره وعقله، بالمفاهيم والافكار التي تفرضها تلك الحياة المثقلة بالعلاقات المنحرفة، ثم هو يجد الفرصة للتأمل والتفكير والتعرف على أسرار الطبيعة والكون، ولو في حدود عالمه الناشئ المحدود، ومداركه الناشئة أيضا. وليكون من ثم ذا فكر مبدع خلاق، وقريحة صافية وغنية. ولكن بشرط عدم الاستمرار في هذه الحياة طويلا، فإن الاستمرار في حياة البادية من شأنه أن يجعل الانسان يعاني من الجمود والانغلاق، ثم هو يكون لنفسه مفاهيم وأفكارا، يحولها الزمن إلى حقائق لا تقبل الجدل عنده، ويصير من الصعب عليه قبول أي رأي آخر يسير في غير اتجاه قناعاته وأفكاره، فإن تدرب الانسان على أن يسمع النقد والمخالفة في الرأي يبعده عن الاستبداد الفكري، ويجعله يبحث عن الدليل، والمبرر لكل فكرة لديه. وإلا، فإنه يصير على استعداد للتخلي عنها إلى غيرها مما يستطيع أن يدافع عنه ويستدل عليه. وهذا أمر طبيعي يعرفه الانسان بالمشاهدة، ويستدل عليه بالتقصي والتجربة.

[ 71 ]

أخوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرضاعة: ويقال: إن أبا سلمة كان أخا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرضاعة، وأخوهما منها أيضا حمزة بن عبد المطلب، أرضعتهم ثويبة، مولاة أبي لهب بلبن ولدها مسروح (1) وقد تقدم: قولهم: إن ثويبة قد أرضعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أياما. ونحن نشك في ذلك، ولا بد لنا في مجال توضيح ذلك من التوسع في البحث نسبيا فنقول: رضاع ثويبة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصح: إننا نشك في أن تكون ثويبة قد أرضعت هؤلاء، ولا سيما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشكنا في ذلك ناشئ عن الامور التالية: أولا: تناقض الروايات، ويكفي أن نذكر: بالنسبة للمدة التي أرضعتها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،


(1) راجع: أسد الغابة ج 3 ص 95 وج 2 ص 46 والبدء والتاريخ ج 5 ص 8 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 9، وبهجة المحافل ج 1 ص 41 وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 67 والاصابة ج 4 ص 258 وج 2 ص 335 عن الصحيحين، والاستيعاب بهامشها ج 2 ص 338 وج 1 ص 16 و 271 والبحار ج 15 ص 384 عن المنتقى للكازروني، وقاموس الرجال ج 10 ص 417 والكامل لابن الاثير ج 1 ص 459 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 172 والبداية والنهاية ج 4 ص 90 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 18 و 19 وقسم المغازي ص 209 وتاريخ الخميس ج 1 ص 222 والوفاء ج 1 ص 107 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 131 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 113 وصفة الصفوة ج 1 ص 56 و 57 وزاد المعاد ج 1 ص 19 وذخائر العقبى ص 259 و 172 واعلام الورى ص 6 وكشف الغمة ج 1 ص 15 والانس الجليل ج 1 ص 176 وأنساب الاشراف (قسم السيرة) ص 94 والسيرة الحلبية ج 3 ص 164 وفي الروض الانف: ج 1 ص 186 لكن فيه بدل أبي سلمة. عبد الله بن جحش وراجع: المعجم الصغير ج 2 ص 86. (*)

[ 72 ]

نجد: بعضها يقول: أرضعته أياما (1) من دون تحديد، وبعضها يقول: أربعة أشهر تقريبا (2). وفي حين نجد بعضها يقول: إن أمه أرضعته ثلاثة أيام (3). وقيل: سبعة (4). وقيل: تسعة (5). (ولعل أحدهما تصحيف للاخر، بسبب عدم النقط في تلك العصور، وتشابه رسم الكلمتين). وقيل: سبعة أشهر (6). وبعضهم لم يحدد مدة إرضاعها له (صلى الله عليه وآله وسلم) (7). نعم، إننا في حين نجدهم يقولون ذلك كله بالنسبة لارضاع أمه له، فإننا نجدهم يذكرون: أن حليمة السعدية أرضعته (صلى الله عليه وآله


(1) الاصابة ج 4 ص 258 والبحارج 15 ص 337، وفي هامشه عن المناقب ج 1 ص 119 وكشف الغمة ج 1 ص 15 ونور الابصار ص 10 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 24 وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 67 والوفاء ج 1 ص 107 و 106 والانس الجليل ج 1 ص 176 وصفة الصفوة ج 1 ص 56 و 57 وزاد المعاد ج 1 ص 19 وتاريخ الخميس ج 1 ص 222 والسيرة الحلبية ج 1 ص 88 والرصف ج 1 ص 22. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 222 عن شواهد النبوة. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 222 والسيرة الحلبية ج 1 ص 88 ونور الابصار ص 10. (4) تاريخ الخميس ج 1 ص 222 ونور الابصار ص 10. (5) السيرة الحلبية ج 1 ص 88. (6) السيرة الحلبية ج 1 ص 88 عن الامتاع. (7) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 9 وإسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 8 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 113. (*)

[ 73 ]

وسلم)، بعد سبعة أيام من مولده فقط (1) من دون تحديد من أرضعه مدة الايام السبعة نفسها، مع العلم: أنه بعد إرضاع حليمة له، لم يرتضع من غيرها، وإذا كانت أمه قد أرضعته فيها، فمتى أرضعته ثويبة يا ترى ؟ !. ومن جهة أخرى: فإن البعض يصرح بأن أول من أرضعته ثويبة (2). وبعضهم يصرح بأن أمه أول من أرضعته (3). ب - تناقض الروايات في وقت عتق ثويبة، هل كان ذلك حينما بشرت أبا لهب بولادته (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعتقها فأرضعته، أو كان بعد حوالي خمسين سنة، قبيل الهجرة، أو بعدها. كما سيأتي إن شاء الله تعالى ؟ !. وثانيا: لقد ذكرت الرواية: أن ثويبة، قد أرضعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرضعت معه حمزة، وأبا سلمة بلبن ولدها مسروح. ونقول: إن ذلك لا يكاد يصح، لان حمزة كان أكبر من النبي (صلى


(1) مختصر التاريخ لابن الكازروني ص 38. (2) راجع: الانس الجليل ج 1 ص 176 وصفة الصفوة ج 1 ص 56 / 57 ودلائل النبوة، لابي نعيم ص 113 والكامل في التاريخ ج 1 ص 459 وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 67 وأنساب الاشراف ج 1 (قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله) ص 94 والبحار ج 15 ص 384 عن المنتقى للكازروني، والبدء والتاريخ ج 5 ص 8 والاصابة ج 4 ص 258 والوفاء ج 1 ص 106 والسيرة الحلبية ج 1 ص 88 و 85 وذكر عن ابن المحدث: ان اؤل لبن نزل جوفه صلى الله عليه وآله، هو لبن ثويبة. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 88 عن الامتاع، واحتمل الحلبي: أن يكون المراد: أن ثويبة أول من أرضعه بعد أمه، ولكن قول ابن المحدث، أول لبن نزل جوفه صلى الله عليه وآله هو لبن ثويبة لا يناسب هذا الاحتمال. (*)

[ 74 ]

الله عليه وآله وسلم) بأربع سنين (1) وقيل: كان أكبر منه بسنتين (2). وحتى على هذا القول الثاني، فإنه يبعد أن يكونا أخوين من الرضاعة بلبن مسروح. وأما إذا أخذنا بالقول الاول، فإن القضية تصبح أكثر إشكالا، وأبعد منالا. مع أبي عمر في ترجيحه للقول الثاني: ويلاحظ، أن أبا عمر قد رفض القول الاول، ورجح الثاني، إستنادا إلى قضية الارضاع، ثم استدرك على ذلك، قائلا: (إلا أن يكون أرضعتهما في زمانين) (3). ولكنه كلام لا يصح، لان ما ذكره ليس بأولى من العكس، بحيث تكون زيادة عمره أربع سنين دليلا على عدم صحة إرضاع ثويبة له بلبن مسروح. وأما استدراكه المذكور، فيبعده: أن الرواية تقول: إنهما معا قد


(1) اعلام الورى ص 7 وكشف الغمة ج 1 ص 15 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 168، بلفظ، قيل: وانساب الاشراف ج 1 (قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله) ص 84 و 79 وذخائر العقبى ص 172 والسيرة الحلبية ج 1 ص 85 والاصابة ج 1 ص 354 كلاهما بلفظ قيل. والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 271 وأسد الغابة ج 2 ص 46 و 49، بلفظ قيل: أيضا. (2) تهذيب الاسماء ج 1 ص 168 والاصابة ج 1 ص 354 والاستيعاب بهامشه ج 1 ص 271 عن البكائي واختاره في أسد الغابة ج 2 ص 46 و 49 والسيرة الحلبية ج 1 ص 85 وذخائر العقبي ص 172 بلفظ: قيل. (3) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 271. (*)

[ 75 ]

رضعا بلبن مسروح (1)، فلا يصح: أن يكون رضاعهما في زمانين. توجيه غير وجيه: وحاول محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري توجيه ذلك بأنه: يمكن أن تكون أرضعت حمزة في آخر سنيه، في أول رضاع ابنها، وأرضعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول سنيه، في آخر رضاع ابنها، فيكون أكبر بأربع سنين (2). ونقول: إن ذلك، وإن كان ممكنا في نفسه، ولكنه أمر بعيد الوقوع عادة، كما أن ذلك لا يلائم: أن تكون قد أرضعته أربعة أشهر، حسب ما تقدم عن بعض الروايات. ويزيده بعدا: أننا نجد في بعض النصوص ما يفيد: أن حمزة كان حين قضية وفاء أبيه عبد المطلب بنذره بذبح أحد ولده، كبيرا، وراشدا. بيان ذلك: أن عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه، كان قد نذر: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه، حتى يمنعوه، ليذبهن أحدهم لله، عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، وهم: الحارث، والزبير، وحجل، وضرار، والمقوم، وأبو لهب، والعباس، وحمزة وأبو طالب، و عبد الله، جمعهم، ثم أخبرهم بنذره.


(1) راجع في ذلك: ذخائر العقبى ص 172 و 259 والوفاء ج 1 ص 107 وبهجة المحافل ج 1 ص 41 وزاد المعاد ج 1 ص 19 وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 231 وإن كان ربما يناقش في ظهور كلامه. وراجع: طبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 67 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 16 والسيرة الحلبية ج 1 ص 85 و 86. (2) ذخائر العقبى ص 172. (*)

[ 76 ]

إلى أن تذكر الرواية: أنه أقرع بينهم ف‍: (خرج القدح على ابنه عبد الله، وكان أصغر ولده، وأحبهم إليه، فأخذ عبد المطلب بيد ابنه عبد الله، وأخذ الشفرة الخ). ثم تذكر الرواية: أن العباس هو الذي اجتذب عبد الله من تحت رجل ابيه، فراجع (1). مناقشة غير موفقة: وناقشوا في هذه الرواية: بأن العباس إنما كان يكبر النبي بثلاث سنوات فقط، فقد روي عن العباس نفسه، أنه قال: أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا ابن ثلاثة أعوام، أو نحوها، فجئ به حتى نظرت إليه، فجعلت النسوة يقلن لي: قبل أخاك، فقبلته (2). ولكن الايراد بما ذكر، ليس بأولى من العكس ؟ قإن من الممكن أن تكون رواية ابن إسحاق هي الصحيحة، وأما رواية: أن العباس كان يكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاث سنين فقط، فلعلها هي الموضوعة لاهداف سياسية من قبل العباسيين في ما بعد.


(1) راجع البداية والنهاية ج 2 ص 248 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 174 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 160 وراجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 36 وفي السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 15 وإن كان لم يذكر: أن عبد الله كان أصغر ولده، ولكنه ذكر حمزة والعباس في جملة أولاد عبد المطلب حين قضية الذبح.. وذكر في الكامل لابن الاثير ج 2 ص 6 وتاريخ الامم والملوك ج 2 ص 4 ط الاستقامة: ان عبد الله كان أصغر ولده، وأحبهم، لكنه لم يسم أولاد عبد المطلب.. (2) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 36 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص 35 والروض الانف ج 1 ص 176. (*)

[ 77 ]

ويؤكد ذلك: أن ابن إسحاق حجة في السيرة النبوية، غير مدافع (1)، فلا يرد قوله، إستنادا إلى رواية يحتمل في حقها ما ذكرناه. وإذن، فقد يكون عمر حمزة والعباس، حين قضية الذبح حوالي ثمان إلى عشر سنين، يضاف إليها خمس سنوات كانت بين قصة الذبح، وبين ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)، ويصير المجموع حوالي ثلاثة عشر إلى خمسة عشر من السنين تقريبا. وهذا الذي ذكرناه من الاشكال، دفع البعض إلى أن يقول: إنها أرضعت حمزة قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأرضعت بعده أبا سلمة (3). ولكن يرد عليه: أن تصريح الرواية، بأنها أرضعتهم جميعا بلبن ابنها مسروح يأبى هذا المجمع التبرعي، الذي لا يستند إلى أي دليل. إلا أن يكون مراده ما تقدم عن محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري: بأن تكون قد أرضعت حمزة في أواخر سنيه، في آخر رضاع ابنها.


(1) وفي غير السيرة أيضا، فراجع: تهذيب التهذيب ج 9 ص 39 - 46 ترجمة: ابن إسحاق. (2) في أنساب الاشراف ج 1 (قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله) ص 79: قال الواقدي: كان نحر الابل قبل الفيل بخمس سنين. (3) الانس الجليل ج 1 ص 176 وراجع: صفة الصفوة ج 1 ص 56 / 57 واعلام الورى ص 6 وكشف الغمة ج 1 ص 15 والكامل في التاريخ ج 1 ص 459 وطبقات ابن سعد ج 1 ص 67 وأنساب الاشراف ج 1 ص 94 قسم حياة النبي صلى الله عليه وآله والبحار ج 15 ص 384 عن المنتقى للكازروني وتاريخ الخميس ج 1 ص 222 ودلائل النبوة لابي نعيم ص 113 والاصابة ج 4 ص 258 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص 338 وأسد الغابة ج 3 ص 195 والسيرة الحلبية ج 1 ص 85 و 87 وقاموس الرجال ج 10 ص 417. (*)

[ 78 ]

ولكنه بناء على ما قدمناه، من أن من الممكن أن يكون حمزة كان يكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحوالي عقد من الزمن، لا يصح حتى بناء على قول الطبري هذا. عدد اولاد عبد المطلب: بقي علينا أن نشير إلى المناقشة، التي تقول: إن أولاد عبد المطلب، كانوا ثلاثة عشر، وأن حمزة والعباس قد ولدا فيما بعد. فإنها مناقشة مردودة، لان (حجلا) هو في الحقيقة لقب للغيداق، و (المقوم) لقب لعبد الكعبة، أما قثم فلا وجود له أصلا، حسبما ذكره البعض (1). وأخيرا، فإننا نشير إلى أن اليعقوبي ينص على أن عدة أولاد عبد المطلب: عشرة، ولكنه حينما يعد، أسماءهم، يذكر إسم أحد عشر رجلا (2). إلا أن يكون قد ذكر لواحد منهم كلا من إسمه ولقبه، حتى بدا أنهما إثنان، مع أنهما لواحد. أبو لهب وعتق ثويبة: ويبقى أن نشير إلى أنهم يقولون - حسبما تقدم -: أنه لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جاءت ثويبة إلى مولاها أبي لهب، فبشرته بولادته صلى الله عليه وآله وسلم. فأعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بلبن ولدها مسروح.


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 16 وراجع، الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 272. (2) تاريخ اليعقويى ج 2 ص 11 وراجع، الاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 272. (*)

[ 79 ]

ثم رئي أبو لهب بعد موته في النوم - رآه العباس - حسب رواية ذكرها طائفة من المؤلفين، أو رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم - حسب رواية اليعقوبي - بشر حال، وأسوئه، فسأله عن حاله، فأخبره: أنه بشر حال غير أنه يخفف عنه العذاب - أو يسقى في نقرة إبهامه - كل يوم إثنين، لعتقه ثويبة، حينما بشرته بذلك (1). قال القسطلاني: (... قال ابن الجزري: فإن كان هذا أبو لهب، الكافر، الذي نزل القرآن بذمه، جوزي في النار بفرحة ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمته (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ !. لعمري، إنما يكون جزاؤه من الكريم: أن يدخله بفضله العميم، جنات النعيم (2). ورحم الله حافظ الشام، شمس الدين، محمد بن ناصر، حيث قال:


(1) راجع: السيرة لابن كثير ج 1 ص 224. والبداية والنهاية ج 2 ص 273، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 9 وفتح الباري ج 9 ص 124 وعمدة القاري ج 20 ص 95 والسيرة الحلبية ج 1 ص 84 و 85 والسيرة النبويه لدحلان ج 1 ص 25 ورسالة حسن المقصد للسيوطي، المطبوعة مع: النعمة الكبرى على العالم ص 90 وإرشاد الساري ج 8 ص 31 وجواهر البحار ج 3 ص 338 / 339 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 19 والوفاء ج 1 ص 107 ودلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 120 وبهجة المحافل ج 1 ص 41، وطبقات ابن سعد ج 1 قسم 1 ص 67 و 68 والمواهب اللدنية ج 1 ص 27 وتاريخ الخميس ج 1 ص 222 وسيرة مغلطاي ص 8 وصفة الصفوة ج 1 ص 62 ونور الابصار ص 10 وإسعاف الراغبين بهامشه ص 8 وهو ظاهر صحيح البخاري ج 1 ص 15 7 ط سنة 1309 ه‍. ق. (2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 27 وتاريخ الخميس ج 1 ص 22 ورسالة حسن المقصد للسيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم ص 90 / 91. (*)

[ 80 ]

إذا كان هذا كافر جاء ذمه وتبت يداه في الجحيم مخلدا أتى أنه في يوم الاثنين دائما يخفف عنه للسرور بأحمدا فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورا ومات موحدا ؟ ! (1) ونقول: إن هذا الكلام كله باطل، ولا يصح، وذلك لانهم يقولون: إن عتق ثويبة، قد تم بعد مولده صلى الله عليه وآله وسلم بدهر طويل، أي بعد أزيد من خمسين سنة، إما قبيل الهجرة، أو بعدها. وكانت خديجة رضوان الله تعالى عليها، تحاول شراءها من أبي لهب، لتعتقها، بسبب ما يزعم من إرضاعها له صلى الله عليه وآله وسلم، فرفض أبو لهب بيعها (2). وقد حاول الحلبي توجيه ذلك: بأن من الممكن أن يكون أبو لهب قد أعتقها أولا، لكنه لم يذكر ذلك، ولم يظهره، ورفض بيعها لخديجة لكونها كانت معتوقة، ثم عاد فأظهر ذلك (3). ولكنه توجيه باطل. إذ من غير المعقول ولا المقبول، أن لا يظهر للناس، ولا يطلعوا على عتقه لجاريته طيلة ما يزيد على ثلاث وخمسين سنة، ولماذا لم تخبر هي نفسها أحدا بذلك، وما هو الداعي له ولها للكتمان، ولا سيما قبل النبوة، وما هو الداعي للاظهار بعد ذلك، ولا سيما بعد الهجرة ؟ !.


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 25 ورسالة حسن المقصد، للسيوطي، المطبوعة مع النعمة الكبرى ص 91. (2) أنساب الاشراف (سيرة النبي صلى الله عليه وآله) ج 1 ص 95 - 96 والكامل في التاريخ ج 1 ص 459 وطبقات ابن سعد ج 1 ق 1 ص 67 و 68 والاصابة ج 4 ص 258 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 1 ص 16 وإرشاد الساري ج 8 ص 31 والسيرة الحلبية ج 1 ص 85 وراجع: الوفاء ج 1 ص 107 وفتح الباري ج 9 ص 124 وذخائر العقبى ص 259 وتاريخ الخميس ج 1 ص 222، وسيرة مغلطاي ص 8 وقاموس الرجال ج 10 ص 417. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 85. (*)

[ 81 ]

ولماذا بقيت هذه الجارية التي أعتقها عنده طيلة هذه المدة المتمادية، وهي خارجة عن ملكه. هذا كله، عدا عن أنه لا حجية في المنامات، ولا اعتبار بها. وعدا عن أن الرواية مرسلة أيضا. وأما بالنسبة لتخفيف العذاب عن أبي لهب، فنقول: إن فرحه إذا كان استجابة لحاجة نفسية طبيعية، ولم يكن لله سبحانه وتعالى، فلماذا يثاب عليه، ولماذا يخفف عنه العذاب لاجله، والافعال الحسنة إنما يلقى الكفار جزاءها في الدنيا لا في الاخرة، فإنه ليس لهم في الاخرة من خلاق، ولا لهم فيها نصيب. وقد قال تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، فجعلناه هباء منثورا) (1). شرك أبي لهب: إن المعلوم أن أبا لهب قد بقي على شركه، وكان من أعدى أعداء الله، والاسلام، ورسول الاسلام. فلا يعقل أن يجعل الله له يدا على النبي صلى الله عليه وآله يستحق المكافاة عليها. ولاجل ذلك لم يكن صلى الله عليه وآله يقبل هدية مشرك، بل كان يردها (2). وقد قال صلى الله عليه وآله: (اللهم لا تجعل لفاجر، ولا لفاسق عندي نعمة) (3) فكيف إذا كان هذا الفاسق والفاجر هو أبو لهب لعنه الله بالذات ؟ !.


(1) الفرقان 23. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 484 وتلخيصه للذهبي بهامشه والمصنف لعبد الرزاق ج 1 ص 446 و 447 وفي الهامش عن مغازي ابن عقبة، وعن الترمذي ج 2 ص 389 وعن أبي داود وأحمد، وكنز العمال ج 6 ص 57 و 59 وج 3 ص 177 عن ابن داود، والترمذي، وصححه، وأحمد، والطيالسي، والبيهقي وابن عساكر، والطبراني وسعيد بن منصور. (3) راجع: أبو طالب مؤمن قريش للخنزي. (*)

[ 82 ]

هذا كله، عدا عن أن نفس ثويبة لم يعلم لها إسلام، حتى لقد قال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها غير ابن مندة، مع أنها قد توفيت سنة سبع من الهجرة (1). وأي نعمة أعظم من إرضاعها له صلى الله عليه وآله ؟ !. وبعض من تأخر قد نقل: أنها أسلمت (2). ولعله استند في ذلك إلى قول ابن مندة، أو استفاد ذلك مما ينقل عن بر النبي الاكرم صلى الله عليه وآله بها (3). وقال العسقلاني: (... وفي باب من أرضع النبي (ص) ما يدل على أنها لم تسلم) (4). وعلى كل حال، فإن كل ما تقدم، وسواه، يجعلنا نشك كثيرا، في أن تكون ثويبة قد أرضعت رسول الله، وحمزة، وأبا سلمة، بلبن ولدها مسروح ليكونوا جميعا أخوة من الرضاعة. تنازع الظئر في رضاعه: وروى مجاهد، قال: قلت لابن عباس: وقد تنازعت الظئر في


(1) راجع: سيرة مغلطاي ص 8 وتاريخ الخميس ج 1 ص 222 والوفاء ج 1 ص 107 وذخائر العقبى ص 59 والسيرة الحلبية ج 1 ص 87، وفتح الباري ج 9 ص 124 والاصابة ج 4 ص 257 وإرشاد الساري ج 8 ص 31 وصفة الصفوة ج 1 ص 62 وزاد المعاد ج 1 ص 19 وشرح الاشخر اليمني على بهجة المحافل ج 1 ص 41 وأسد الغابة ج 5 ص 414 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 25 وقاموس الرجال ج 10 ص 417. (2) راجع: اعلام الورى ص 6 وكشف الغمة ج 1 ص 15 والبحار ج 15 ص 337 وبهامشه عن: المناقب ج 1 ص 119 عن كتاب العروس للطبري. (3) راجع: ذخائر العقبى ص 259 وصفة الصفوة ج 1 ص 62. (4) الاصابة ج 4 ص 257. (*)

[ 83 ]

رضاع محمد ؟ !. قال: أي والله، وكل نساء الجن.. إلى أن قال: فخص بذلك حليمة (1). وروى أبو الحسن البكري في كتابه الانوار، قال: حدثنا أشياخنا، وأسلافنا الرواة: أنه كان من عادة أهل مكة، إذا تم للمولود سبعة أيام، إلتمسوا له مرضعة ترضعه.. إلى أن قال: فتطاولت النساء لرضاعته وتربيته.. ثم يذكر: أن الهاتف أخبر آمنة: بأن مرضعته في بني سعد، وإسمها حليمة، فظلت تتوقع مجيئها، حتى جاءت، فأعطتها إياه (2). وذلك واضح الدلالة على عدم صحة ما يقال: من أن النساء المرضعات قد زهدن فيه ليتمه، وأن حليمة، إنما قبلت به، لانها لم تجد سواه، ولم تحب أن ترجع رفيقاتها برضيع، وترجع هي خالية. ومما يدل على عدم صحة ذلك أيضا: أن عبد المطلب قد قال لحليمة: (أنا جده، أقوم مقام أبيه، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك، وأعطيتك كفايتك) (3). وثمة رواية أخرى تدل على عدم صحة ذلك أيضا رواها المجلسي، عن الواقدي، فلتراجع (4). حديث شق الصدر: وما دمنا في الحديث عن رضاعه صلى الله عليه وآله وسلم في بني سعد، فإننا لا نرى مناصا من إعطاء رأينا في رواية وردت في هذه المناسبة، وهي التالية: أخرج مسلم بن الحجاج: (عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه جبرئيل، وهو يلعب مع


(1) البحار ج 15 ص 385. (3) البحار ج 15 ص 373. (2) البحار ج 15 ص 371. (4) البحار ج 15 ص 341 وص 342. (*)

[ 84 ]

الغلمان، فاخذه وصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم. غسله في طست من ذهب، بماء زمزم، ثم لامه، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه، وهو منتقع اللون. قال أنس: (وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره) (1). وكان ذلك هو سبب إرجاعه صلى الله عليه وآله إلى أمه (2). وكتب الحديث والسيرة عند غير الامامية لا تخلو عن هذه الرواية غالبا. بل قد ذكروا أنه قد شق صدره صلى الله عليه وآله خمس مرات، أربع منها ثابتة: مرة في الثالثة من عمره، وأخرى في العاشرة، وثالثة عند مبعثه، ورابعة عند الاسراء، والخامسة فيها خلاف. توجيه غير وجيه: ويقولون: إن تكرار شق صلى الله عليه وآله إنما هو زيادة في تشريفه عليه الصلاة والسلام. وقد نظم بعضهم ذلك شعرا فقال: أيا طالبا نظم الفرائد في عقد مواطن فيها شق صدر لذي رشد لقد شق صدر للنبي محمد مرارا لتشريف، وذا غاية المجد فأولى له التشريف فيها مؤثل لتطهيره من مضغة في بني سعد وثانية كانت له وهو يافع وثالثة للمبعث الطب الند ورابعة عند العروج لربه وذا باتفاق فاستمع يا أخا الرشد وخامسة فيها خلاف تركتها لفقدان تصحيح لها عند ذي النقد (3)


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 101 - 102 وفيه ثمة روايات أخرى عن شق صدره صلى الله عليه وآله فليراجع من أراد. (2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 174 / 175، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 10، وغير ذلك. (3) راجع: اضواء على السنة المحمدية ص 187. (*)

[ 85 ]

كما أننا في نفس الوقت الذي نرى فيه البعض يعتبر هذه الرواية من إرهاصات النبوة كما صرح به ناظم الابيات السابقة وغيره (1)، ومثار إعجاب وتقدير. فإننا نرى: أنها عند غير المسلمين، إما مبعث تهكم وسخرية، وإما دليل لاثبات بعض عقائدهم الباطلة، والطعن في بعض عقائد المسلمين. ونرى فريقا ثالثا يعتبر الرواية موضوعة، من قبل من أراد أن يضع التفسير الحرفي لقوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك) (2). واعتبرها صاحب مجمع البيان أيضا (مما لا يصح ظاهره، ولا يمكن تأويله إلا على التعسف البعيد، لانه كان طاهرا مطهرا من كل سؤ وعيب، وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء ؟) (3). ونجد آخر (4) يحاول أن يناقش في سند الرواية. ونظره فقط إلى رواية ابن هشام، عن بعض أهل العلم، ولكنه لم يعلم أنها واردة في صحيح مسلم بأربعة طرق. ولو أنه اطلع على ذلك لرأينا له موقفا متحمسا آخر ؟ لانها تكون حينئذ كالوحي المنزل، على النبي المرسل. ولعل خير من ناقش هذه الرواية نقاشا موضوعيا سليما هو العلامة الشيخ محمود أبو رية في كتابه القيم: (أضواء على السنة المحمدية)، فليراجعه من أراد.. رأينا في الرواية: ونحن هنا نشير إلى ما يلي:


(1) فقه السيرة للبوطي ص 53، وراجع سيرة المصطفى للحسني ص 46. (2) راجع حياة محمد لمحمد حسين هيكل ص 73 والنبي محمد للخطيب ص 197. (3) الميزان ج 13 ص 34، عن مجمع البيان. (4) النبي محمد لعبد الكريم الخطيب ص 196. (*)

[ 86 ]

1 - إن ابن هشام وغيره يذكرون: أن سبب إرجاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أمه، هو أن نفرا من الحبشة نصارى، رأوه مع مرضعته، فسألوا عنه، وقلبوه، وقالوا لها: لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا الخ (1). وبذلك تصير الرواية المتقدمة التي تذكر أن سبب إرجاعه إلى أمه هو قضية شق الصدر محل شك وشبهة. 2 - كيف يكون شق صدره (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سبب إرجاعه إلى أمه، مع أنهم يذكرون: أن هذه الحادثة قد وقعت له (صلى الله عليه وآله وسلم) وعمره ثلاث سنين، أو سنتان وأشهر. مع أنه إنما أعيد إلى أمه بعد أن أتم الخمس سنين. 3 - هل صحيح أن مصدر الشر هو غدة، أو علقة في القلب، يحتاج التخلص منها إلى عملية جراحية ؟ !. وهل يعني ذلك أن باستطاعة كل أحد - فيما لو أجريت له عملية جراحية لاستئصال تلك الغدة - أن يصبح تقيا ورعا، خيرا ؟ !. أم أن هذه الغدة أو العلقة قد اختص الله بها الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وابتلاه بها دون غيره من بني الانسان ؟ !. ولماذا دون غيره ؟ !. 4 - لماذا تكررت هذه العملية أربع، أو خمس مرات، في أوقات متباعدة ؟ حتى بعد بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدة سنين، وحين الاسراء والمعراج بالذات ؟ ! فهل كانت تلك العلقة السوداء، وحظ الشيطان تستأصل، ثم تعود إلى النمو من جديد ؟ ! وهل هي من نوع مرض السرطان الذي لا تنفع معه العمليات الجراحية، والذي لا يلبث أن يختفي حتى يعود إلى الظهور بقوة


(1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 177 وتاريخ الطبري ج 1 ص 575. (*)

[ 87 ]

أشد، وأثر أبعد ؟ !. ولماذا لم تعد هذه العلقة إلى الظهور بعد العملية الرابعة أو الخامسة، بحيث يحتاج إلى السادسة، فالتي بعدها ؟ !. ولماذا يعذب الله نبيه هذا العذاب، ويتعرض لهذه الالام بلا ذنب جناه ؟ ! ألم يكن بالامكان أن يخلقه بدونها من أول الامر ؟ !. 5 - وهل إذا كان الله يريد أن لا يكون عبده شريرا يحتاج لاعمال قدرته إلى عمليات جراحية كهذه، على مرأى من الناس ومسمع ؟ !. وتعجبني هذه البراعة النادرة لجبرئيل في إجراء العمليات الجراحية لخصوص نبينا الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وألا تعني هذه الرواية: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مجبرا على عمل الخير، وليس لارادته فيه أي أثر أو فعالية، أو دور ؟: !، لان حظ الشيطان قد أبعد عنه بشكل قطعي وقهري، وبعملية جراحية، كان أنس بن مالك يرى أثر المخيط في صدره الشريف ! !. 6 - لماذا اختص نبينا بعملية كهذه ولم تحصل لاي من الانبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام (1) ؟ أم يعقل أم محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، أفضل الانبياء وأكملهم، كان فقط بحاجة إلى هذه العملية ؟ ! الجراحية ؟ ! وإذن، فكيف يكون أفضل وأكمل منهم ؟ أم أنه قد كان فيهم أيفحا للشيطان حظ ونصيب لم يخرج منهم بعملية جراحية ؟ لان الملائكة لم يكونوا قد تعلموا الجراحة بعد ؟ !. 7 - وأخيرا، أفلا ينافي ذلك ما ورد في الايات القرآنية، مما يدل على أن الشيطان لا سبيل له على عباد الله المخلصين: (قال: رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض، ولاغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 368. (*)

[ 88 ]

المخلصين (1)). وقال تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (2)) وقال: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا، وعلى ربهم يتوكلون (3)). ومن الواضح: أن الانبياء هم خير عباد الله المخلصين، والمؤمنين، والمتوكلين. فكيف استمر سلطان الشيطان على الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين الاسراء والمعراج ؟ !. هذا كله، عدا عن تناقض الروايات الشديد. وقد أشار إليه الحسني باختصار. فراجع، (4) وقارن. المسيحيون وحديث شق الصدر: وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (ما من أحد من الناس إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا) (5). ويذكر أبو رية (رحمه الله): أن حديث شق الصدر يأتي مؤيدا للحديث الاخر، الذي ورد في البخاري، ومسلم وفتح الباري وغيرها، وهو - والنص للبخاري -: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب (6)): وفي رواية: ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل


(1) سورة الحجر 39 - 41. (2) الاسراء 65. (3) النحل 99. (4) سيرة المصطفى ص 46. (5) مسند أحمد: ج 1 ص 301، وراجع: المصنف ج 11 ص 184. (6) البخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 143. (*)

[ 89 ]

صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها (1).. ولهذا الحديث ألفاظ أخرى لا مجال لذكرها. وقد استدل المسيحيون بهذا الحديث على أن البشر كلهم، حتى النبي مجردون عن العصمة، معرضون للخطايا إلا عيسى بن مريم، فإنه مصون عن مس الشيطان، مما يؤيد ارتفاع المسيح عن طبقة البشر، وبالتالي يؤكد لاهوته الممجد (2). وأضاف أبو رية إلى ذلك قوله: (ولئن قال المسلمون لاخوانهم المسيحيين، ولم لا يغفر الله لادم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية، التي أزهقت فيها روح طاهرة بريئة، هي روح عيسى (عليه السلام) بغير ذنب ؟ !. قيل لهم: ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه، كما خلق قلوب إخوانه من الانبياء والمرسلين - والله أعلم حيث يجعل رسالته - نقيا من العلقة السوداء وحظ الشيطان، بغير هذه العملية الجراحية، التي تمزق فيها قلبه وصدره مرارا عديدة... !) (3). أصل الرواية جاهلي: والحقيقة هي أن هذه الرواية مأخوذة عن أهل الجاهلية، فقد جاء في الاغاني أسطورة مفادها: أن أمية بن أبي الصلت كان نائما ؟ فجاء طائران فوقع أحدهما على باب البيت، ودخل الاخر فشق عن قلب أمية ثم رده الطائر، فقال له الطائر الاخر: أوعى ؟ ؟ قال: نعم. قال: زكا ؟ قال:


(1) مسند أحمد ج 2 ص 274 / 275. (2) أضواء على السنة المحمدية ص 186، عن: المسيحية في الاسلام طبعة ثالثة ص 127 تأليف ابراهيم لوقا. (3) اضواء على السنة المحمدية 187. (*)

[ 90 ]

أبى. وعلى حسب رواية أخرى: أنه دخل على أخته، فنام على سرير في ناحية البيت، قال: فانشق جانب من السقف في البيت، وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره، ووقف الاخر مكانه، فشق الواقع على صدره، فأخرج قلبه، فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره: أوعى ؟ قال: وعى. قال: أقبل ؟ قال: أبى. قال: فرد قلبه في موضعه الخ.. ثم تذكر الرواية تكرر الشق له أربع مرات (1). وهكذا يتضح أن هذه الرواية مفتعلة ومختلقة، وأن سر اختلاقها ليس إلا تأييد بعض العقائد الفاسدة، والطعن بصدق القرآن، وعصمة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). ولنعد الان إلى متابعة الحديث عن السيرة العطرة، فنقول: فقد النبي (ص) لابويه: لقد شاءت الارادة الالهية: أن يفقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أباه وهو لا يزال جنينا، أو طفلا صغيرا. وربما يقال: إن الاصح هو الاول، لان يتمه هذا كان هو الموجب لتردد حليمة السعدية في قبوله رضيعا (2). ولكن قد تقدم بعض المناقشة في ذلك. ثم فقد أمه بعد عودته من بني سعد، وهو في الرابعة من عمره، أو


(1) راجع الاغاني ج 3 ص 188 / 189 / 190. (2) وبذلك يعلم: أن ما ورد في كشف الغمة ج 1 ص 16 من أنه عاش (ص) مع أبيه سنتين وأربعة اشهر لا يمكن المساعدة عليه.. رغم أن الاربلي رحمه الله قد نص بعد ذلك بصفحات أي في ص 22 على أن أباه قد توفي وأمه حبلى به صل الله عليه وآله وسلم.. فراجع.. وليراجع تاريخ الخميس ص 258 ج 1 وتاربخ الطبري ج 2 ص 33، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 193. (*)

[ 91 ]

في السادسة، أو أكثر حسب الروايات. ولعل ما تقدم من إرجاع حليمة له إلى أمه، وهو في الخامسة من عمره، يؤيد أن أمه قد توفيت وهو في السادسة، إلا أن يقال: إنه يمكن أن يكون المراد: أنه قد أرجع إلى أهله، ولكنه احتمال بعيد عن مساق الكلام. هذا.. وقد استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ربه في زيارة قبر أمه، فأذن له. فقد روى مسلم في صحيحه، أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إستأذنت ربي في زيارة أمي، فأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت) (1). وهذا الحديث حجة دامغة على من يمنع من زيارة القبور. وله مؤيدات كثيرة، كزيارة فاطمة (عليها السلام) لقبر حمزة (عليه السلام)، وغير ذلك. وقد ألف العلامة المتتبع البحاثة الشيخ علي الاحمدي كتابا في التبرك بآثار الانبياء والصالحين، وتعرض فيه إلى هذا الموضوع، وبحثه أيضا العلامة الاميني في الغدير، والسبكي في كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الانام، وغيرهم كثير. كفيل النبي (ص): ولقد عاش (صلى الله عليه وآله وسلم) في كنف جده عبد المطلب، الذي كان يرعاه خير رعاية، ولا يأكل طعاما إلا إذا حضر، وكان عارفا بنبوته حتى لقد روي: أنه قال عنه لمن أراد أن ينحيه عنه، وهو طفل


(1) كشف الغمة ج 1 ص 16 عن مسلم، وصحيح مسلم ط سنة 1334 ج 3 ص 65، وتاريخ الخميس ج 1 ص 335 والحديث موجود في مصادر عديدة كما يظهر من مراجعة كتاب الجنائز في كتب الحديث.. (*)

[ 92 ]

يدرج: دع إبني فإن الملك قد أتاه (1). والرواية معتبرة على الظاهر. أضف إلى ذلك ما رووه من إخبار سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بذلك، عند ما زاره في اليمن، إلى غير ذلك من دلائل وإشارات، رسخت هذا الاعتقاد في نفس عبد المطلب (رحمه الله)، وجعلت له (صلى الله عليه وآله وسلم) مكانة خاصة عنده (2). وفي السنة الثامنة من عمره (صلى الله عليه وآله وسلم) توفي جده عبد المطلب، بعد أز، اختار له أبا طالب (رحمه الله) ليكفله، ويقوم بشؤونه، ويحرص على حياته، رغم أن أبا طالب لم يكن أكبر ولد عبد المطلب سنا، ولا أكثرهم مالا، لان الاسن فيهم كان هو الحارث، والاكثر مالا هو العباس. ولكن عذر العباس هو أنه كان حينئذ صغيرا أيضا، لانه كان أسن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسنتين فقط، كما يقولون (3) وان كنا قد قلنا: إنه كان يكبره بأكثر من ذلك. كما أن أبا طالب قد كان شقيق عبد الله والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابيه وأمه، فإن أمهما هي فاطمة المخزومية، وطبيعي أن يكون لاجل ذلك أكثر حنانا وعطفا عليه وحبا له. ثم إن أبا طالب الذي كان هو وزوجته أم أمير المؤمنين (عليه السلام) يحملان نور الولاية، قد كانا يحملان من المكارم والفضائل النفسية والمعنوية ومن الطهارة ما يؤهلهما لان يكونا كفيلين لرسول الله


(1) أصول الكافي ط سنة 1388 ه‍ ج 1 ص 372. (2) راجع: البداية والنهاية: ج 2 ص 329 / 330. (3) وإن كنا نعتقد أنه حتى ولو كان سنه إلى الحد الذي يتمكن فيه من كفالته (ص) فإن عبد المطلب لا يعهد به إليه، فإنه هو الذي احتفظ بالسقاية، دون الرفادة، بسبب حرصه على المال، وضنه به، وهو الذي كان يحاول أن يحصل على فضلة من المال من عمر بأسلوب عاطفي، وبطريقة لا يتبعها إلا من يهتم بالمال وبجمعه بشكل ظاهر.. (*)

[ 93 ]

(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبوين لوصيه، وللائمة من ذريته.. وعلى كل حال، فقد عهد عبد المطلب إلى أبي طالب (عليه السلام) بمهمة كفالته (صلى الله عليه وآله وسلم)، لانه كان بالاضافة إلى ما تقدم أنبل اخوته، وأكرمهم، وأعظمهم مكانة في قريش، وأجلهم قدرا. ولقد قام أبو طالب (عليه السلام) برعايته (صلى اللة عليه وآله وسلم) خير قيام، ولم يزل يكرمه ويحبه غاية الحب، وينصره بيده ولسانه طول حياته، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى في فصل خاص به رضوان الله تعالى عليه. الرحلة الاولى إلى الشام، وبحيرا: ويقولون: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سافر إلى الشام بصحبة عمه أبي طالب، ورآه بحيرا راهب بصرى، وأخبر عمه أنه نبي هذه الامة، وأصر عليه بأن يرجعه إلى مكة، حتى لا يغتاله اليهود. الذين يرون العلامات التي في كتبهم متحققه فيه. فخرج به عمه أبو طالب حتى أقدمه مكة. رواية مكذوبة: ولكن جاء في رواية لابي موسى الاشعري: أن بحيرا (لم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت (1)).


(1) الثقات لابن حبان ج 1 ص 44، والبداية والنهاية ج 2 ص 285، وتاريخ الطبري ج 2 ص 34 ط الاستقامة، وتاريخ الخميس ج 2 ص 258، والسيرة الحلبية ج 2 ص 120 ومستدرك الحاكم، والبيهقي، وابن عساكر، والترمذي، وقال: حسن غريب. وفي سيرة دحلان ج 1 ص 49 أنه رجع إلى مكة، ومعه أبو بكر وبلال. (*)

[ 94 ]

وفي رواية: أن سيعة كانوا قد عزموا على قتله (ص)، فمنعهم بحيرا، وبايعوا الرسول، وأقاموا معه. ولكن ذلك لا يمكن أن يصح: أولا: لان عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حينئذ إثنتي عشرة سنة، بل قيل: إن عمره كان حينئذ تسع سنين (1). وأبو بكر كان أصغر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأكثر من سنتين، وبلال كان أصغر من أبي بكر بعدة سنين، تتراوح ما بين خمس إلى عشر (2)، حسب اختلاف الاقوال. فهل يمكن لابي بكر، وهو بهذه السن أن يسافر إلى الشام، ثم يصدر الاوامر والنواهي في مهمات كهذه ؟ !. وهل يمكن لبلال الذي كان طفلا، لا يقدر على المشي، أو لم يكن قد ولد بعد: أن يكون مع أبي بكر في ذلك السفر الطويل ؟ ثم أن يتحمل مسؤولية إرجاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بصرى إلى مكة ؟ مع كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكبر منه بسنوات عديدة ؟ !. وثانيا: ما هو الربط بين أبي بكر وبلال حتى يأمره أبو بكر بهذا الامر، فإن أبا بكر لم يكن يملك بلالا، وإنما كان يملكه أمية بن خلف. وإنما اشتراه أبو بكر كما يقولون بعد ثلاثين عاما من حينئذ (3).


(1) راجع: الطبري ج 2 ص 33، والبداية والنهاية ج 2 ص 286 والسيرة الحلبية ج 1 ص 120، وقال: إن صاحب كتاب الهدى قد رجح هذا القول.. (2) نعم قد ذكر ابن حبان، والاصابة ج 1 ص 165 عن أبي نعيم: أن بلالا كان تربا لابي بكر.. لكن الاشهر والاكثر على ان أبا بكر كان يكبره بعدة سنين كما ذكرنا راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 120. (3) وقد أشار إلى ذلك الحافظ الدمياطي على ما في تاريخ الخميس ج 1 ص 259 عن حياة الحيوان.. وكذا في سيرة مغلطاي ص 11 وزاد قوله: (بايعوه على أي شئ). (*)

[ 95 ]

هذا إن لم نقل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي اشترى بلالا، وأعتقه، ولم يملكه أبو بكر أصلا (1). وثالثا: إن راوي هذه الرواية، وهو أبو موسى، لم يكن قد ولد أصلا، لانه إنما ولد قبل البعثة بثمان أو بعشر سنين، على ما يقولون، كما أنه إنما قدم إلى المدينة في سنة سبع من الهجرة، سنة خيبر. وهذه القضية قد كانت قبل البعثة بحوالي ثلاثين عاما. ورابعا: سيأتي عن مغلطاي والدمياطي: أن أبا بكر لم يكن في ذلك السفر أصلا. ولعل لاجل بعض ما تقدم أو كله حكم الترمذي على هذا الحديث بالغرابة، وشك فيه ابن كثير أيضا. فراجع. وبعد كل ما تقدم فقد حكم الذهبي على هذا الحديث بقوله: (أظنه موضوعا بعضه باطل) (2). سر الوضع والاختلاق: واما سر وضع تلك الرواية فهو إثبات: أن إيمان أبي بكر بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كان قبل البعثة، ليسبق الناس كلهم، حتى عليا عليه الصلاة والسلام وخديجة، وحتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في ذلك. قال النووي: (كان أبو بكر أسبق الناس إسلاما، أسلم وهو ابن عشرين سنة، وقيل: خمس عشرة سنة (3)).


(1) سيأتي الحديث عنه في الجزء الثالث من هذا الكتاب، الفصل الاول من الباب الثالث. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 259، والسيرة الحلبية ج 1 ص 120. (3) الغدير ج 7 ص 272 عنه. (*)

[ 96 ]

وقال الصفوري الشافعي: (وكان إسلامه قبل أن يولد علي بن أبي طالب (1)). وذكر الديار بكري رواية عن ابن عباس، عن قضية بحيرا جاء في آخرها: (فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق قبل ما نبئ (صلى الله عليه وآله وسلم (2)). ولكن، لماذا لم يعدوا بحيرا وبلالا والحارث وغيرهم ممن حضر، من السابقين إلى الاسلام أيضا ؟ !. ومن الذي أخبرهم بوقوع الاسلام في قلب أبي بكر قبل هؤلاء ؟ ! أو دونهم ؟ !. بل من أين علموا: ان الاسلام والتصديق قد وقع في قلب أبي بكر ؟ ! - هذا كله لو سلمنا بالقضية من أساسها. إشارات خاطفة في قصة بحيرا: وقد بقي في قصة بحيرا نقاط كثيرة، جديرة بالمناقشة، لا مجال لنا للحديث عنها هنا، كما أننا لا نرى كبير فائدة في ذلك. ومما تقدم يظهر مدى صحة قول بعض الروايات: إن أبا بكر، أو الحارث عم النبي (ص) قد ذهب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاحتضنه، وجاء به، وأجلسه مع القوم على مائدة طعام بحيرا، ورجح إبن المحدث: أن الذي جاء به هو أبو بكر (3). ولم يدر إبن المحدث أن أبا بكر لم يكن في ذلك السفر أصلا، كما


(1) نزهه المجالس ج 2 ص 147. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 261. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 119، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 48 (*)

[ 97 ]

صرح به الدمياطي ومغلطاي (1). ولو كان، فانه كان أصغر سنا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قلنا. بقي أن نشبر إلى أن بعض الروايات قد ذكرت: أن راويها قد شك في أن يكون سفره (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشام كان بصحبة أبي طالب أو جده عبد المطلب (2). وبذلك تصبح الرواية الانفة له مع أبي بكر وبلال أكثر إشكالا وتعقيدا، لان عبد المطلب قد توفي وعمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمان سنين كما تقدم. والصحيح هو أن عمه أبا طالب هو الذي رجع معه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة (3) كما قدمنا، وليس أبا بكر ولا غيره. هذا، وللنبي (ص) سفرة أخرى إلى الشام للتجارة، ستأتي الاشارة إليها إن شاء الله تعالى في موضها. رعيه (ص) الغنم: ويذكر المؤرخون: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رعى الغنم في بني سعد، وأنه رعاها لاهله، بل ويقولون: رعاها لاهل مكة أيضا، حتى ليذكرون والبخاري منهم في كتاب الاجارة وغيره أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقال اصحابه: وأنت ؟. قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لاهل مكة) (4) وفسرت


(1) سيرة مغلطاي ص 11، وتاريخ الخميس ج 1 ص 259 عن الحافظ الدمياطي. (2) طبقات ابن سعد ج 1 ص 120 ط صادر، وج 1 قسم 1 ص 76 ط ليدن والبداية والنهاية ج 2 ص 286. (3) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 318 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 194. (4) البخاري هامش فتح الباري ج 4 ص 363، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 51، والسيرة الحلبية ج 1 ص 125. (*)

[ 98 ]

القراريط بأنها: أجزاء الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة. (1) ولكننا نشك كثيرا في أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رعى لغير أهله بأجر كهذا، تزهد به حتى العجائز، ولا يصح مقابلته بذلك الوقت والجهد الذي يبذله في رعي الغنم، نعم، نشك في ذلك، لاننا نجد: أولا: أن اليعقوبي - وهو المؤرخ الثبت - قد نص على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن اجيرا لاحد قط. (2) وثانيا: تناقض الروايات، فبعضها يقول: لاهلي، وبعضها يقول: لاهل مكة، وبعضها يقول: بالقراريط، وأخرى قد ابدلت ذلك بكلمة باجياد. وإذا كان الراوي واحدا لم يقبل منه مثل هذا الاختلاف. نعم، قد ذكر البعض: أن العرب ما كانت تعرف القراريط، وإنما هي اسم لمكان في مكة (3) فلماذا كان يرعى الغنم في خصوص ذلك المكان ؟ ولا يتجاوزه إلى غيره ؟ ومع غض النظر عن ذلك نقول: إنه ربما يكون هذا الاختلاف بين الرواية التي تقول: باجياد، والتي تقول بالقراريط، بسبب أن القراريط واجيادا اسم لمكان واحد، أو لمكانين متقاربين جدا.


(1) السيرة النبوية ج 1 ص 51 لزيني دحلان، والسيرة الحلبية ج 1 ص 125 وفتح الباري ج 4 ص 364. (2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 21 ط صادر. (3) فتح الباري ج 4 ص 364 عن ابراهيم الحربي، وصوبه ابن الجوزي تبعا لابن ناصر والسيرة الحلبية ج 1 ص 126 ويؤيد أن العرب ما كانت تعرف القراريط، ما جاء في الصحيح، يفتحون ارضا يذكر فيها القيراط. فتح الباري ج 4 ص 364. وقولهم لا يعرف مكان في مكة بهذا الاسم محل نظر لان عدم معروفيته الان لا يستلزم عدم معرفيته في ذلك الزمان. (*)

[ 99 ]

ولكن يعكر على هذا: أن رواية البخاري تقول: (على قراريط)، فالظاهر من كلمة على هو: الاجر. ويمكن أن يدفع هذا: بأن من المحتمل أن يكون قراريط اسم جبل في مكة وقد رعى (صلى الله عليه وآله وسلم) الغنم عليه. وكل ذلك وسواه من الاحتمالات لا شاهد له، وإنما يلجأ إليه لو كانت الرواية صجيحة السند عن معصوم، وليست كذلك، بل هي عن أبي هريرة، وغيره ممن لا يمكن الاعتماد عليهم. ملاحظة: لقد حاول البعض التفلسف هنا، فذكر: أن رعي الغنم صعب، لانها أصعب البهائم وهو يوجب أن يستشعر القلب رأفة ولطفا، فإذا انتقل إلى رعاية البشر كان قد هذب أولا من الحدة الطبيعية، والظلم الغريزي، فيكون في اعدل الاحوال. (1) ولكن، حتى لو لم نقل: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نبيا منذ صغره، كما سيأتي، فإننا نطرح الاسئلة التالية: هل يمكن أن يصدق أحد: أن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحتاج إلى التهذيب من الحدة الطبيعية، والظلم الغريزي ؟ !. وهل في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ظلم وحدة غريزيتان يحتاجان إلى التهذيب والحد منهما حقا ؟ ! ولو سلم ذلك، ألا يوجد مدرسة أفضل من هذه المدرسة ؟ ! ثم أفلا ينافي ذلك قضية شق الصدر (2) - المكذوبة - المقبولة لدى هؤلاء ؟ ! أو ليس ذلك الظلم وتلك


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 126، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 51، وليراجع: فتح الباري ج 4 ص 364. (2) تقدم الكلام عنها في أوائل هذا الفصل. (*)

[ 100 ]

الحدة هما من حظ الشيطان، الذي استأصله جبرئيل في عمليته الجراحية المزعومة لدى هؤلاء ؟. ثم أو ليس كان له ملك يسدده، ويرشده منذ صغره، حسبما نطقت به الروايات (1) ؟ !. إلا أن يدعي هؤلاء: أن التسديد لا ينافي الظلم الغريزي. وحينئذ نقول: ألم يحاول الملك الموكل به ليسدده ويرشده إلى محاسن الاخلاق، أن يرشده إلى قبح الظلم، وحسن العدل ؟ ! ولماذا قصر في أداء مهمته تجاهه ؟ وأيضا، ألا يمكن لله تعالى أن يهذب نبيه، ويخفف من حدته بغير هذه الطريقة ؟ ! وهل صحيح: أن رعاية الغنم أصعب من رعاية غيرها، كما يدعي هؤلاء ؟ !. وهل صحيح: أن الظلم غريزة في الانسان ؟ ! وإذا كان غريزة فهل يمكن القضاء عليه بواسطة رعاية الغنم ؟ !. وهل كل راعي غنم لا يكون فيه ظلم غريزي، ولا حدة طبيعية.. أم أن ظلمه وحدته، أقل من ظلم غيره وحدته ؟ !. ثم، ألا يمكن أن يكون الرعي عملا عاديا، كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم به كغيره من ابناء مجتمعه، الذين كانت الماشية ورعيها عندهم من الوسائل العادية للعيش، وكسب الرزق ؟ !. وليكون النبي إنسانا يعيش كما يعيش الاخرون من الناس الذين ما عاشوا حياة الترف. ولا شعروا بزهو السلطان ؟ !. إلى غير ذلك من الاسئلة التي لن تجد عند هؤلاء جوابا مقنعا ومفيدا.


(1) نهج البلاغة، الخطبة القاصعة رقم 192 ص 300 ضبط صبحي الصالح، والبحار ج 15 ص 361 / 362. (*)

[ 101 ]

نعم. يمكن تعليل ذلك كما يقول البعض: بأن رعي الغنم يعطي فرصة للابتعاد عن الناس، والانصراف للتفكير السليم، بعيدا عن مشاكل الناس، وهمومهم، ويؤيد ذلك: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يذهب إلى غار حراء طلبا للانفراد عن الناس، من أجل التفكير والتأمل في ملكوت الله، والعبادة وتزكية النفس.. وبعض آخر يرى: أن الرعي فيه تحمل مسؤولية أحاد متفرقة، وهو يناسب المهمة التي سوف توكل إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الامر الذي من شأنه أن يروض النفس، ويزيدها اندفاعا نحو طلب الخير للاخرين من رعيته لهم، والحرص على ما ينفعهم، وقد كان الله تعالى يهتم في رفع مستوى تحمل وملكات وقدرات نبيه ليواجه المسؤولية العظمى، ولكن بالطرق العادية والطبيعية، كما هو معلوم من ارساله الرسل، وتزويدهم بالمعجزات وغيرها.

[ 103 ]

الفصل الثالث: خديجة في البيت النبي (ص)

[ 105 ]

السفر الثاني إلى الشام: ويقولون: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سافر سفره الثاني إلى الشام، وهو في الخامسة والعشرين من عمره (1). ويقولون: إن سفره هذا كان في تجارة لخديجة. وأن أبا طالب هو الذي اقترح عليه ذلك، حينما اشتد الزمان، وألحت عليهم سنون منكرة، فلم يقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعرض نفسه على خديجة. فبلغ خديجة ما جرى بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أبي طالب، فبادرت هي، وبذلت للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ضعف ما كانت تبذله لغيره، لما تعرفه من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه. ويروي بعضهم: أن أبا طالب نفسه قد كلم خديجة في ذلك، فأظهرت سرورها ورغبتها، وبذلت له ما شاء من الاجر. فسافر (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشام، وربح في تجارته أضعاف ما كان يربحه غيره، وظهرت له في سفره بعض الكرامات الباهرة، فلما عادت القافلة إلى مكة أخبر ميسرة غلام خديجة، سيدته بذلك،


(1) وفي البحار ج 16 ص 9 عن بعضهم: ان سفره كان إلى سوق حباشة بتهامة، وكذا في كشف الغمة ج 2 ص 135 عن الجنابذي في معالم العترة.. (*)

[ 106 ]

فذكرت ذلك بالاضافة إلى ما ظهر لها هي منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لورقة بن نوفل، إبن عمها كما يقولون: وإن كنا نحن نشك في ذلك (1) فقال لها: إن كان ذلك حقا، فهو نبي هذه الامة (2). ثم اهتمت خديجة بالعمل على الاقتران به (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما سنرى. هكذا يقولون، ولكننا نشك في بعض ما تقدم. ولا سيما وأن ورقة لم يسلم حتى بعد أن بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). كما أن قولهم: إن خديجة قد استأجرته في تجارتها. لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لاننا نجد المؤرخ الاقدم، الثبت ابن واضح، المعروف باليعقوبي يقول: (وإنه ما كان مما يقول الناس: إنها استأجرته بشئ، ولا كان أجيرا لاحد قط (3)). ولعل في عزة نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابائها. وأيضا في تسديد الله تعالى له. وأيضا في شرف أبي طالب وسؤدده، ما يبعد كثيرا أن يكون قد صدر شئ مما نسب إلى أبي طالب منه. وعلى هذا، فقد يكون سفره (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى


(1) سيأتي إن شاء الله بعض الكلام حول بعض ما يقال عن ورقة بن نوفل، ودوره في بدء الوحي. (2) راجع: البداية والنهاية ج 2 ص 296 والسيرة الحلبية ج 1 ص 136. (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 21 ونقل عن سفر السعادة: أنه صلى الله عليه وآله بعد البعثة، وقبل الهجرة كان يشتري أكثر مما يبيع، وبعد الهجرة لم يبع إلا ثلاث مرات، أما شراؤه فكثير.. وأما شراكته مع غيره ففيها كثير من الاضطراب، وليس لنا مجال لتحقيق ذلك.. (*)

[ 107 ]

الشام، لا لكونه كان أجيرا لخديجة، وإنما لانه كان يضارب بأموالها، أو شريكا لها. ويدل على ذلك تصريح رواية الجنابذي بالمضاربة (1) فراجع. ويؤيده ما رواه المجلسي من أن أبا طالب قد ذكر له (صلى الله عليه وآله وسلم) اتجار الناس بأموال خديجة، وحثه على أن يبادر إلى ذلك، ففعل، وسافر إلى الشام (2). زواجه (ص) بخديجة: ولقد كانت خديجة (عليها السلام) من خيرة نساء قريش شرفا، وأكثرهن مالا، واحسنهن جمالا. وكانت تدعى في الجاهلية ب‍ (الطاهرة)، (3) ويقال لها: (سيدة قريش). وكل قومها كان حريصا على الاقتران بها لو يقدر عليه (4).


(1) البحارج 16 ص 9، وكشف الغمة ج 2 ص 134 عن معالم العترة للجنابذي.. (2) البحارج 16 ص 22 عن البكري وص 3 عن الخرائج والجرائح ص 186 و 187. (3) راجع الاصابة ج 4 ص 281 / 282 والبداية والنهاية ج 2 ص 294 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 الترجمة النبوية ص 152 وقسم السيرة النبوية ص 237 وتهذيب الاسماء ج 2 ص 342 والاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 4 ص 279 والاصابة ج 4 ص 281 وسيرة مغلطاي ص 12 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 111 والمواهب اللدنية ج 1 ص 38 و 200 والروض الانف ج 1 ص 215 وتاريخ الخميس 1 / 264 وأسد الاغبة ج 7 ص 78 ط دار الشعب والسيرة الحلبية ج 1 ص 137 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 55 والثقات ج 1 ص 46. (4) وراجع: البداية والنهاية ج 2 ص 294 وبهجة المحافل ج 1 ص 47. والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 201 وتاريخ الخميس ج 1 ص 263 وطبقات ابن سعد ج 1 ص 131 ط دار صادر والسيرة الحلبية ج 1 ص 137 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 55. (*)

[ 108 ]

وقد خطبها عظماء قريش، وبذلوا لها الاموال. وممن خطبها عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وأبو جهل، وأبو سفيان (1) فرفضتهم جميعا، واختارت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لما عرفته فيه من كرم الاخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة العالية. ونكاد نقطع - بسبب تضافر النصوص - بأنها هي التي قد أبدت أولا رغبتها في الاقتران به (صلى الله عليه وآله وسلم). فذهب أبو طالب في أهل بيته، ونفر من قريش إلى وليها، وهو عمها عمرو بن أسد، لان أباها كان قد قتل قبل ذلك في حرب الفجار أو قبلها (2). وأما أنه خطبها إلى ورقة بن نوفل، وعمها معا، أو إلى ورقة وحده (3) فمردود، بأنه: قد ادعي الاجماع على الاول (4). وأما أنا فلا ادري ما أقول في ورقة هذا. وفي كل واد أثر من ثعلبة، فهو يحشر في كل كبيرة وصغيرة، فيما يتعلق بالرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن ذلك ليدعوني


(1) البحار ج 16 ص 22. (2) كشف الغمة ج 2 ص 139، والبحار ج 16 ص 12 عنه وص 19 عن الراقدي، وراجع: الاوائل ج 1 ص 160 وفي السيرة الحلبية ج 1 ص 138: ان المحفوظ عن أهل العلم انه مات قبل الفجار، وتاريخ الخميس ج 1 ص 264. وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 303 عن الواقدي، والاصابة ج 4 ص 282 والبداية والنهاية ج 2 ص 296. (3) البحار ج 16 ص 19 عن الواقدي والسيرة الحلبية ج 1 ص 129 والكافي ج 5 ص 374 / 375، وفيه أن ورقة كان عم خديجة وكذا في البحار ج 16 ص 14 و 21 عنه وعن البكري، وهو غير صحيح لان ورقة هو ابن نوفل بن أسد وخديجة هي بنت خويلد بن أسد.. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 137. (*)

[ 109 ]

إلى الشك في كونه شخصية حقيقية، أو أسطورية. ويلاحظ: أن نفس الدور الذي يعطى لابيها تارة، ولعمها أخرى، يعطى لورقة بن نوفل ثالثة حتى الجمل والكلمات، فضلا عن المواقف والحركات. فلتراجع الروايات التي تحكي هذه القضية، وليقارن بينها (1). وسيأتي إن شاء الله مزيد من الكلام حول ورقة هذا. نعود إلى القول: إن أبا طالب قد ذهب لخطبة خديجة، وليس حمزة الذي اقتصر عليه ابن هشام في سيرته (2) لان ذلك لا ينسجم مع ما كان لابي طالب من المكانة والسؤدد في قريش، من جهة، ولان حمزة كان يكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسنتين أو بأربع (3) كما قيل من جهة اخرى. هذا بالاضافة إلى مخالفة ذلك لما يذكره عامة المؤرخين في المقام. وقد اعتذر البعض عن ذلك: بأن من الممكن أن يكون حمزة قد حضر مع أبي طالب، فنسب ذلك إليه (4). وهو اعتذار واه، إذ لماذا لم ينسب ذلك إلى غير حمزة، ممن حضر مع أبي طالب من بني هاشم وغيرهم من القرشيين ؟ !. ويظهر: أن ثمة من يهتم بسلب هذه المكرمة عن أبي طالب (عليه السلام)، واعطائها لاي كان من الناس سواه، حتى لحمزة. ولا ضير في ذلك عنده مادام أنه قد استشهد في وقت مبكر.


(1) راجع المصادر المتقدمة والاتية. (2) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 201 والسيرة الحلبية ج 1 ص 138 ونقل ايضا عن المحب الطبري. (3) تقدمت مصادر ذلك حين الحديث حول إرضاع ثويبة لرسول الله (ص). (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 139. (*)

[ 110 ]

خطبة أبي طالب (رحمه الله): وعلى كل حال فقد خطبها أبو طالب له (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمس عشرة سنة، على المشهور. وقال في خطبته - كما يروي المؤرخون -: (الحمد لرب هذا البيت، الذي جعلنا من زرع ابراهيم، وذرية اسماعيل، وانزلنا حرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه. ثم إن ابن أخي هذا - يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به رجل الاعظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلا في المال، فإن المال رفد جار، وظل زائل، وله في خديجة رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك، برضاها وأمرها، والمهر علي في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله. وله - ورب هذا البيت - حظ عظيم، ودين شائع، ورأي كامل (1)). نظرة في كلمات أبي طالب: وخطبة أبي طالب المتقدمة تظهر مكانة الرسول الفضلى في قلوب


(1) الكافي ج 5 ص 374 / 375، والبحار ج 16 ص 14 عنه وص 16 عمن لا يحضره الفقيه ص 413، وفي ص 5 عن شرف المصطفى، والكشاف، وربيع الابرار والابانة لابن بطة، والسيرة للجويني، عن الحسن والواقدي، وأبي صالح والعتبي، والمناقب ج 1 ص 42، والحلبية ج 1 ص 139، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 20، والاوائل لابي هلال ج 1 ص 162 وتاريخ الخميس ج 1 ص 264 والمواهب اللدنية ج 1 ص 39 وبهجة المحافل ج 1 ص 48 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 55. (*)

[ 111 ]

الناس. وهي صريحة في أن الناس كانوا يجدون في الرسول علامات النبوة ونور الهداية. ويتوقعون أن يكون هو الذي بشر به عيسى وموسى (عليهما السلام)، وأنه كان لا يوزن به أحد إلا رجح به، ولا يقاس به رجل الاعظم عنه. ثم إن كلمات أبي طالب تدل دلالة واضحة على ما كان يتمتع به بنو هاشم، من شرف وسؤدد، حتى ليقول (رحمه الله) وجعلنا الحكام على الناس. وتدل أيضا على أن العرب كانت تعتبر الحرم موضع أمن للقاصي والداني، وقد تقدم ما يدل على ذلك أيضا. ثم إن حديثه عن فقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واعطاء الضابطة للتفضيل بين الرجال، يدل على واقعية أبي طالب، وأنه ينظر إلى الانسان بمنظار سام ونبيل، كما أنه يتعامل مع الواقع بحنكة ووعي وأناة. وبعد، فإن كلماته تلك تدل أيضا على أن قريشا كانت تعتبر انتسابها إلى ابراهيم واسماعيل، وسدانتها للبيت، كل شئ بالنسبة لها، وقد أشرنا إلى هذا الامر في الفصل الاول. ولتراجع خطبة أبي طالب (رحمه الله) حين موته، والتى يخاطب بها قريشا، فإنها خطبة جليلة، لا تبتعد عن هذه الخطبة في مراميها واهدافها. ودين شائع: ويتسأل بعض المحققين هنا: أنه كيف يمكن الجمع بين قوله: (ودين شائع)، وبين قوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان (1)). وقوله: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب (2)).


(1) الشورى، الاية: 52. (2) القصص الاية، 86. (*)

[ 112 ]

وجوابه: أولا: إن الايات ربما تكون ناظرة إلى المراحل الاولى من حياة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لم يكن يعلم، ثم علم، واما متى علم، فالايات لا تحدد لنا ذلك، فلربما يكون قد علم حينما كان في سن العشرين مثلا، أو قبل ذلك أو بعده. وثانيا: إن السيد الطباطبائي يقول: إن الايات ناظرة إلى نفي العلم التفصيلي، أما العلم الاجمالي فقد كان موجودا، لان عبد المطلب وأبا طالب وغيرهم كانوا مؤمنين بالله، وكتبه اجمالا، والنبي أيضا كذلك (1)، لا سيما إذا قوينا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نبيا منذ صغره - كما ذهب إليه البعض - ولسوف يأتي ذلك ان شاء الله تعالى في فصل بحوث تسبق السيرة. وثالثا: إن من معاني الدين: (السيرة، والتدبير، والورع، والعادة، والشأن)، فلعل القصد في هذه العبارة، كان إلى احد هذه المعاني. ورابعا: إن هذه الايات بمثابة قضية شرطية مفادها: أنه (ص) لولا لطف الله به لم يكن يدري ما الكتاب ولا الايمان، لانك أنت بنفسك وبما لديك من قدرات ذاتية لست قادرا على شئ وكذلك هو (ص) لم يكن يرجو ذلك لولا الله سبحانه. مهر خديجة: وعلى كل حال فإن أبا طالب قد ضمن المهر في ماله، كما هو صريح خطبته، ولكن خديجة رضوان الله تعالى عليها عادت، فضمنت المهر في مالها، فقال البعض: يا عجبا ! المهر على النساء للرجال ؟ !


(1) راجع: تفسير الميزان ج 18 ص 77. (*)

[ 113 ]

فغضب أبو طالب، وقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان، واعظم المهر، وإن كانوا أمثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي. ولكن يبقى: أن بعض الروايات تفيد: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه قد أمهرها عشرين بكرة (1) وذلك ينافي أن يكون أبو طالب قد ضمن المهر، أو هي ضمنته دونه، أو هي لابي طالب. إلا أن يكون المراد: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمهرها بواسطة أبي طالب. وقيل: إن عليا (عليه السلام) هو الذي ضمن المهر، قالوا: (وهو غلط، لان عليا لم يكن ولد على جميع الاقوال في مقدار عمره (2)). ويرد عليه: أن ثمة اقوالا - وإن كنا لا نشك في عدم صحتها - تفيد: أنه (عليه السلام) قد ولد قبل البعثة بعشرين، أو بثلاث وعشرين سنة. ولذا قال مغلطاي: (وهو غلط، كان علي إذ ذاك صغيرا لم يبلغ سبع سنين) (3). ونحن نغلط هذه الاقوال، ونستغربها، إذ أن ذلك معناه أنه (عليه السلام) قد استشهد وعمره ست وسبعون سنة. وهو ما لم يقل به أحد. فنحن لا نقبل قول مغلطاي، ولا نقبل قول اولئك الذين يزعمون أنه قد ضمن المهر، وذلك لما سيأتي في تاريخ ميلاده عليه الصلاة والسلام.


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 138 وراجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 265 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 201 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 263 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 107. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 139 عن الفسوي في كتاب: ما روى أهل الكوفة مخالفا لاهل المدينة، وسيرة مغلطاي ص 12، والاوائل ج 1 ص 161. (3) سيرة مغلطاي ص 12. (*)

[ 114 ]

ثم نقول: إن أبا هلال العسكري ذكر أنه لما قيل: من يضمن المهر ؟ قال علي وهو صغير: (أبي فلما بلغ الخبر أبا طالب جعل يقول: بأبي أنت وأمي) (1). ولربما يمكن تقريب هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يقال: من أن عليا (عليه السلام) قد ولد قبل البعثة بعشر أو بخمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة، بل بثلاث وعشرين سنة، حسب بعض الاقوال النادرة. ثم قارنا بينها وبين الاقوال التي تقرر: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تزوج خديجة وهو ابن ثلاثين سنة، أي قبل البعثة بعشر سنوات، أو وهو ابن سبع وثلاثين سنة، كما عن ابن جريج (2) أي قبل البعثة بثلاث سنوات، وقيل: تزوجها قبل البعثة بخمس سنين (3). فلعله (عليه السلام) قد قال ذلك وهو طفل صغير فاستحسن ذلك منه عمه أبو طالب. وعن مقدار المهر، قيل: إنه عشرون بكرة. وقيل: إثنا عشر أوقية ونش، أي ما يعادل خمس مئة درهم، وقيل غير ذلك (4). عمر خديجة حين الزواج: ويلاحظ هنا: مدى الاختلاف والتفاوت في عمر خديجة حين


(1) الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 161. (2) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 264. وراجع: مجمع الزوائد ج 9 / 219. وذكرت بعض الاقوال في التبيين في أنساب القرشيين ص 62 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 20 ومختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 275 قيل: تزوجها وهو ابن ثلاثين سنة وكذا في الاستيعاب (بهامش الاصابة) ج 4 ص 288 وسيرة مغلطاي ص 12 ومثله في المواهب اللدنية ج 1 ص 38 و 202 والروض الانف ج 1 / 216. (3) الاوائل ج 1 ص 161. (4) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 138 و 139. (*)

[ 115 ]

اقترانها بالرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وهي تتراوح ما بين ال‍ 25 سنة إلى ال‍ 46 سنة وهي على النحو الاتي: ألف - 25 سنة وصححه البيهقي (1). ب - 28 سنة. هو ما رجحه كثيرون (2) ج - 30 سنة (3). د - 35 سنة (4). ه‍ - 40 سنة (5).


(1) دلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 71 والبداية والنهاية ج 2 ص 294 و 295 ومحمد رسول الله، سيرته وأثره في الحضارة ص 45 وراجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 265 والسيرة الحلبية ج 1 ص 140. (2) شذرات الذهب ج 1 ص 14 واقتصر عليه في بهجة المحافل ج 1 ص 48 ورواه عن ابن عباس كل من: أنساب الاشراف (قسم حياة النبي (ص) ص 98 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 303 وسير اعلام النبلاء ج 2 ص 111 ومختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 275. والبحار ج 16 ص 12 عن الجنابذي. كلهم عن ابن عباس. ورواه في مستدرك الحاكم ج 3 ص 182 عن ابن إسحاق، دون أن يذكر له قولا آخر. وراجع سيرة مغلطاي ص 12 والمحبر ص 79 وتهذيب الاسماء ج 2 ص 342 وتاريخ الخميس ج 1 ص 264 والسيرة الحلبية ج 1 ص 140. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 140 وتاريخ الخميس ج 1 ص 264 وسيرة مغلطاي ص 12 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 303. (4) البداية والنهاية ج 2 ص 295 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 265 وراجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 140. (5) أنساب الاشراف (قسم حياة النبي) ص 98 وسيرة مغلطاي ص 12 والمحبر ص 49 والمواهب اللدنية ج 1 ص 38 و 202 وشذرات الذهب ج 1 ص 14 وتاريخ الخميس = (*)

[ 116 ]

و - 44 سنة (1). ز - 45 سنة (2). ح - 46 سنة (3). وقد تقدم: أن الكثيرين قد رجحوا القول الثاني، كما ذكره إبن العماد. أما البيهقي فقد صحح القول الاول، حيث قال: (بلغت خديجة خمسا وستين سنة، ويقال: خمسين سنة، وهو أصح) (4) فإذا كانت رحمها الله قد تزوجت برسول الله قبل البعثة بخمس عشرة سنة كما جزم به البيهقي نفسه (5). فإن ذلك معناه: أن عمرها حين زواجها كان خمسا وعشرين سنة. ورجح هذا القول غير البيهقي أيضا (6). أما الحاكم، الذي روى لنا القول الثاني المتقدم عن ابن إسحاق،


= ج 1 ص 264 وأسد الغابة (دار الشعب) ج 7 ص 80 والسيرة الحلبية ج 1 ص 140 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 55 ط دار المعرفة وراجع: تاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 152 ومختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 275 وتهذيب الاسماء ج 2 ص 342 والطبقات الكبرى لابن سعد ط صادر - ج 1 ص 132، والبحار ج 16 ص 19 و 12 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 303، عن حكيم بن حزام. (1) تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 303 عن الواقدي. (2) تهذيب الاسماء ج 2 ص 342 ومختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 275 عن الواقدي والسيرة الحلبية ج 1 ص 140 وراجع: سيرة مغلطاي ص 12 وتاريخ الخميس ج 1 ص 301. (3) راجع: انساب الاشراف (قسم حياة النبي (ص)) ص 98. (4) دلائل النبوة ج 2 ص 71. (5) دلائل النبوة ج 2 ص 72 ط دار الكتب العلمية والبداية والنهاية ج 2 ص 295. وغير ذلك كثير. (6) محمد رسول الله: سيرته، وأثره في الحضارة ص 45. (*)

[ 117 ]

فإنه لم يوضح لنا حقيقة ما يذهب إليه، غير أنه حين روى عن هشام بن عروة قوله: إن خديجة قد توفيت وعمرها خمس وستون سنة. قال: (هذا قول شاذ، فإن الذي عندي: أنها لم تبلغ ستين سنة) (1). فكلامه هذا يدل على أنه يعتبر القول بأنها قد تزوجت بالنبي وعمرها أربعون سنة، شاذ. ويرى: أن عمرها كان أقل من خمس وثلاثين حينئذ، ولكنه لم يبين القول الذي يذهب إليه، هل هو ثلاثون ؟ أو ثمان وعشرون ؟ أو خمس وعشرون ؟. يتيم قريش، أكذوبة مفضوحة: وعن ابن اسحاق: أن خديجة قالت له (ص): يا محمد، ألا تتزوج ؟ قال: ومن ؟ قالت: أنا. قال: ومن لي بك ؟ أنت أيم قريش، وأنا يتيم قريش ؟. قالت: إخطب الخ. (2). بل يذكر البعض أن أبا طالب قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أخاف ألا يفعلوا، أيم قريش. وأنت يتيم قريش. ثم إن أبا طالب أرسل بدلا عنه حمزة، لانه خاف إن ذهب بنفسه أن يردوه فتكون الفضيحة (3). وفي نص آخر: أن خديجة حين طلبت من أبي طالب أن يخطبها لمحمد من عمها، قال أبو طالب لها: (يا خديجة، لا تستهزئي) (4).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 182. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 138. (3) الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 160 / 161. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 138. (*)

[ 118 ]

ونحن لا نشك في كذب كل ذلك ؟ إذ كيف يمكن أن يصدر ذلك من رجل يزيد عمره على الخمس وعشرين عاما: أن يصف نفسه بأنه: يتيم. هذا مع العلم بأنه قد نشأ وتربى في أعرق بيت في العرب، فكيف لم يكن يعرف أن اليتيم لا يطلق في لغة العرب إلا على غير البالغ ؟ !. وأيضا، فإن صدور ذلك من رجل هو في عقل وادراك، وشخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي هو من أعرق عائلة عربية، وأشرفها، والذي كان في إباؤه وسمو نفسه يفوق كل وصف، ويتجاوز كل حد - إن صدور ذلك منه - يكاد يلحق بالمستحيلات والممتنعات. ثم إنه لماذا اتصف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط باليتم ؟ مع أن عبد المطلب قد مات وابناه العباس وحمزة صغيران لم يبلغا الحلم (1) ؟ ! والظاهر هو أن هذا من مجعولات اعداء الدين، أو من أهل الكتاب، أو من أذناب بني أمية، الذين كانوا يحاولون الحط من شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قدمناه في الجزء الاول من هذا الكتاب. وهكذا يقال تماما بالنسبة لما ينسب لابي طالب (عليه السلام)، لا سيما وأنه هو نفسه يقرض النبي بذلك التقريض العظيم المتقدم. ولعل الاصح هو أن القائل لذلك هو نساء قريش، كما سيأتي حين الحديث عن عدم صحة ما يقال من زواجها من رجلين قبله (صلى الله عليه وآله وسلم). وهكذا يقال تماما بالنسبة لما يقال: من أن عمها كان يأنف من أن


(1) هذا ما ذكره المحقق البحاثة السيد مهدي الروحاني حفظه الله. (*)

[ 119 ]

يزوجها من محمد، يتيم أبي طالب (1) ؟ فاحتالت هي عليه حتى سقته الخمر، فزوجها في حال سكره، فلما أفاق، ووجد نفسه أمام الامر الواقع لم يجد بدا من القبول. وكذا قولهم: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل على خديجة قبل التزويج، فأخذت بيده فضمتها إلى صدرها (2). إلى غير ذلك من كلام عجيب وغريب، يتناقض تماما مع كل اخلاق وسجايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته، فإن كل ذلك كذب، ليس الهدف منه إلا الحط من كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنقصه من قبل أعداء الاسلام، ومصائد الشيطان، نعوذ بالله من الخذلان. هل تزوج (ص) خديجة طمعا في مالها ؟ ! هذا، وقد جاء في كلمات بعض المتهمين على الاسلام كلام باطل، تكذبه كل الشواهد التاريخية، وهو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما تزوج خديجة طمعا في مالها (3). ولسنا نريد الاسهاب في الاجابة على هذا الهذيان، فإن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من بدايتها إلى نهايتها لخير شاهد على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يقيم للمال وزنا. وقد انفقت خديجة سلام الله عليها كل أموالها طائعة راغبة، ليس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وملذاته، وانما على الدعوة إلى


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 138 وتاريخ الاسلام (السيرة النبوية) ص 65 ط دار الكتاب العربي، ومسند أحمد ج 1 ص 312 ومجمع الزوائد ج 9 ص 220. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 140. (3) النبوة، تأليف الشيخ محمد حسن آل ياسين ص 63. (*)

[ 120 ]

الاسلام، وفي سبيل هذا الدين. وأيضا فإن خديجة هي التي عرضت نفسها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) ولم يتقدم هو (صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب يدها، ليقال: إنه إنما فعل ذلك طمعا في مالها. ويرى الشيخ محمد حسن آل ياسين أن حبه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقديره لها في أيام حياتها بل وبعد مماتها، حتى لقد كان ذلك منه يثير بعض زوجاته اللواتي ما رأين، ولا عشن مع خديجة، دليل واضح على بطلان هذا الزعم (2). خديجة مثل أعلى: وبالنسبة لعرض خديجة نفسها عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) نقول: هكذا، تفعل الحرة العاقلة اللبيبة، فلا تغرها زبارج الدنيا وبهارجها، ولا تبحث عن اللذة لاجل اللذة، ولا عن المال والشهرة، وإنما تبحث عما يخدم هدفها الاسمى في الحياة، فتفعل - كما فعلت خديجة - ترد زعماء قريش، اصحاب المال والجاه، والقدرة، والسلطان، وتبحث عن رجل فقير لا مال له، تبادر هي لعرض نفسها عليه، لان كل ذلك لا يملا عينها، لانه كله ربما يكون سببا في تدمير الحياة والانسان، وحتى الانسانية جمعاء. وانما هي تنظر فقط إلى الاخلاق الفاضلة، والسجايا الكريمة، وإلى الواقعية في التعامل، والسمو في الهدف.


(1) البداية والنهاية ج 2 ص 294 والسيرة الحلبية ج 1 ص 137 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 200 / 201 وتاريخ الخميس ج 1 ص 264. (2) كتاب النبوة ص 63. (*)

[ 121 ]

لان كل ذلك هو الذي يسخر المال، والجاه، والقوة، وكل شئ لخدمة الانسان والانسانية، وتكاملها في الدرجات العلى. خديجة بين نساء قريش: وتجدر الاشارة هنا إلى أن عامة المؤرخين على اختلاف أذواقهم، ومشاربهم، ونحلهم، يقولون: إن خديجة كانت أجمل نساء قريش. كما أنه لا ريب في أنها أفضل نسائه صلوات الله وسلامه عليها. ولعل ذلك يفسر لنا السبب في غيرة بعض نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منها، حتى بعد وفاتها، بحيث كن يحاولن تنقصها، والازراء عليها باستمرار، مع أنهن لم يدركنها في بيت الزوجية أصلا. هذا، ولعل أم سلمة تأتي في المرتبة الثانية بين أزواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد خديجة، فضلا واخلاصا، وولاء، وحتى جمالا، كما يظهر من كلام للامام الباقر (عليه السلام). وعلى كل حال: فقد كان ذوات الجمال والاخلاص من ازواجه (صلى الله عليه وآله وسلم) يواجهن الغيرة القاتلة، والتآمر المستمر من قبل البعض الاخر من نسائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ممن لم يكن لهن نصيب من جمال، ولا من التزام تام بالادب النبوي الكريم. بل كن يؤذينه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمواقفهن وتصرفاتهن (1). هل تزوجت خديجة بأحد قبل النبي (ص) ؟ ! ثم إنه قد قيل: انه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتزوج بكرا غير


(1) سيأتي لذلك مزيد توضيح في فصل: حتى بيعة العقبة، في الجزء الثاني من هذا الكتاب. (*)

[ 122 ]

عائشة، وأما خديجة، فيقولون: إنها قد تزوجت قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) برجلين، ولها منهما بعض الاولاد. وهما عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، وأبو هالة التميمي. أما نحن فنقول: اننا نشك في دعواهم تلك، ونحتمل جدا أن يكون كثير مما يقال في هذا الموضوع قد صنعته يد السياسة. ولا نريد أن نسهب في الكلام عن اختلافهم في إسم أبي هالة، هل هو النباش بن زرارة أو عكسه، أو هند، أو مالك، وهل هو صحابي أولا. وهل تزوجته قبل عتيق. أو تزوجت عتيقا قبله (1). ولا في كون هند الذي ولدته خديجة هو ابن هذا الزوج أو ذاك، فإن كان ابن عتيق، فهو انثى (2) وإلا فهو ذكر. وأنه هل قتل مع علي في حرب الجمل، أو مات بالطاعون بالبصرة (3). لا، لا نريد أن نطيل بذلك، وإنما نكتفي بتسجيل الملاحظات التالية: أولا: قال ابن شهر آشوب: (وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج بها، وكانت عذراء. يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الانوار والبدع: أن رقية وزينب كانتا


(1) راجع الاوائل ج 1 هامش ص 159. (2) راجع: الاوائل ج 1 ص 159 وقال: إن هندا هذه قد تزوجت من صيفي بن عائذ فولدت محمد بن صيفي. (3) للاطلاع على هذه الاختلافات وغيرها راجع المصادر التالية، وقارن بينها: الاصابة ج 3 ص 611 / 612، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 22، والسيرة الحلبية ج 1 ص 140، وقاموس الرجال ج 10 ص 431، ونقل عن البلاذري وأسد الغابة ج 5 ص 12 / 13 و 71، وغير ذلك.. (*)

[ 123 ]

ابنتى هالة أخت خديجة (1)). وثانيا: قال أبو القاسم الكوفي: (إن الاجماع من الخاص والعام، من أهل الانال (الاثار ظ) ونقلة الاخبار، على أنه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم وذوي النجدة منهم، إلا من خطب خديجة، ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك، فلما تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشراف قريش وأمراؤهم فلم تتزوجي أحدا منهم، وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب، فقيرا، لا مال له ؟ ! فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، يتزوجها اعرابي من تميم، وتمتنع من سادات قريش، وأشرافها على ما وصفناه ؟ ! ألا يعلم ذوو التمييز والنظر: أنه من أبين المحال، وافظع المقال ؟ !) (2). وأما الرد على ذلك بأنه لا يمكن أن تبقى امرأة شريفة وجميلة هذه المدة الطويلة بلا زواج. فليس على ما يرام، لان ذلك لا يبرر رفضها لعظماء قريش وقبولها باعرابي من بني تميم. وأما كيف يتركها أبوها أو وليها بلا تزويج. فقد قلنا: أن أباها قد قتل في حرب الفجار، وأما وليها، فلم يكن له سلطة الاب ليجبرها على الزواج ممن أراد. وبقاء المرأة الشريفة والجميلة مدة بلا زواج ليس بعزيز. إذا كانت تصبر إلى أن تجد الرجل الفاضل الكامل، الذي كان يعز وجوده في تلك الفترة.


(1) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 159، والبحار: ورجال المامقاني، وقاموس الرجال كلهم عن المناقب. (2) الاستغاثة ج 1 ص 70. (*)

[ 124 ]

وثالثا: كيف لم يعيرها زعماء قريش الذين خطبوها فردتهم، بزواجها من اعرابي بوال على عقبيه ؟ ! ورابعا: لقد ذكروا: أن أول شهيد في الاسلام ابن لخديجة رحمها الله، اسمه الحارث بن أبي هالة، استشهد حينما جهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة (1). ونقول: إن ذلك لا يمكن قبوله، حيث قد روي بسند صحيح عندهم، عن قتادة: أن أول شهيد في الاسلام هو سمية والدة عمار (2)، وكذا روى عن مجاهد (3). وعن ابن عباس: (قتل أبو عمار وأم عمار، وهما أول قتيلين قتلا من المسلمين) (4). إلا أن يدعى: أن سمية كانت أول من استشهد من النساء، والحارث كان أول من استشهد من الرجال. ولكنه احتمال بعيد، ومخالف لظاهر كلماتهم، لا سيما وأن كلمة شهيد تطلق على الذكر والانثى بلفظ واحد، مثل قتيل وجريح. فإن معنى كلمة: (شهيد): شخص، أو ذات ثبتت لها صفة الشهادة، لان المشتقات تدل على ذات ثبت لها وصف ما، فكلمة تقي معناها: شخص له التقوى، وقائم أيضا كذلك. وكلمة شخص أو ذات أو نحوها تصدق على الرجل على حدة،


(1) الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 311 - 312 والاصابة ج 1 ص 293 عنه وعن ابن الكلبي وابن حزم ومحاضرة الاوائل ص 46. (2) الاصابة ج 4 ص 335 وطبقات ابن سعد ج 8 ص 193 ط ليدن. (3) الاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 331. (4) صفين للمنقري ص 325 (*)

[ 125 ]

وعلى المرأة كذلك، وعلى كليهما معا. وعلى هذا الاساس نفسر كلمة: طلب العلم فريضة على كل مسلم، بحيث يشمل الرجل والمرأة معا. أما إذا كان المشتق فيه (أل) الموصولية، مثل القائم والمتقي، فإن الامر يصبح أوضح وأجلى، وذلك لان (أل) بمنزلة (الذي) فالقائم معناه الشخص الذي له القيام. فيصح أن يراد بها الرجل، والمرأة، وهما معا أيضا. وعلى هذا الاساس جرت التعابير القرآنية، مثل: المتقين، المؤمنين الشاكرين الخ.. فإنها تشمل الرجل والمرأة على حد سواء. وذلك واضح لا يخفى. فتلخص مما تقدم: أن هذا النص لا يدل على وجود ابن لخديجة، ما دام أنه قد ثبت حصول الكذب في جزء منه. ولعل هذا الكذب قد جاء لاجل الايحاء بطريق غير مباشر بأن لخديجة ولدا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن ذلك غير قابل للنقاش - ولكن - قد قيل: لا حافظة لكذوب. وخامسا: لقد روي أنه كانت لخديجة أخت إسمها هالة (1)، تزوجها رجل مخزومي، فولدت له بنتا اسمها هالة، ثم خلف عليها - أي على هالة الاولى - رجل تميمي يقال له: أبو هند، فأولدها ولدا اسمه هند. وكان لهذا التميمي إمرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت، ومات التميمي، فلحق ولده هند بقومه، وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الاخرى ؟ فضمتهم خديجة إليها، وبعد أن تزوجت بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مانت هالة، فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).


(1) لها ذكر في كتب الانساب، فراجع على سبيل المثال: نسب قريش لمصعب الزبيري. (*)

[ 126 ]

وكان العرب يزعمون: أن الربيبة بنت، ولاجل ذلك نسبتا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنهما ابنتا أبي هند زوج أختها وكذلك كان الحال بالنسبة لهند نفسه (1). ولربما يمكن تأييد هذه الروايات بما ورد من الاختلاف في اسم والد هند، فلتراجع المصادر التي ذكرناها ثمة. زوجتا عثمان، هل هما بنات النبي (ص) ؟ ! واننا بالاضافة إلى ما قدمناه انفا عن الاستغاثة نذكر: أن مما يدل على عدم كون زوجتي عثمان بنات له (صلى الله عليه وآله وسلم) - عدا عن كون بعض الاقوال تنافي ذلك - ما ذكره المقدسي، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة، قال: ولدت خديجة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عبد مناف في الجاهلية، وولدت له في الاسلام غلامين، واربع بنات: القاسم، وبه كان يكنى: أبا القاسم، فعاش حتى مشى، ثم مات، و عبد الله، مات صغيرا. وأم كلثوم. وزينب. ورقية. وفاطمة (2). وقال القسطلاني بعد كلام له: (وقيل: ولد له ولد قبل المبعث، يقال له: عبد مناف، فيكونون على هذا اثني عشر، وكلهم سوى هذا ولد في الاسلام بعد المبعث) (3). كما أن بعضهم ينص على أنه قد صح عنده: أن رقية كانت أصغر


(1) راجع: الاستغاثة ج 1 ص 68 - 69، ورسالة حول بنات النبي (ص) مطبوعة ط حجرية في آخر مكارم الاخلاق ص 6. (2) البدء والتاريخ ج 5 ص 16 وج 4 ص 139. (3) المواقب اللدنية ج 1 ص 196. (*)

[ 127 ]

من الكل حتى من فاطمة عليها السلام (1). وبعد هذا، فكيف نصدق قول من يقول: انهما تزوجتا في الجاهلية من ابني أبي لهب، ثم جاء الاسلام ففارقاهما. يقول المقدسي: (فزوج رسول الله رقية عثمان بن عفان، وهاجرت معه في الهجرتين إلى الحبشة، وأسقطت في الهجرة الاولى علقة في السفينة) (2). نعم، كيف نصدق هذا، ونحن نعلم: أن الهجرة الاولى إلى الحبشة كانت بعد البعثة بخمس سنين، فكيف تكون رقية قد تزوجت قبل البعثة بإبن أبي لهب، ثم فارقها ليتزوجها عثمان، ثم تحمل منه قبل الهجرة إلى الحبشة، وهي انما ولدت بعد البعثة ؟ ! إن ذلك لعجيب ! ! وعجيب حقا ! !. وثانيا: لقد ذكرت بعض الروايات: أن أبا لهب قد أمر ولديه بطلاق رقية وأم كلثوم بعد نزول سورة (تبت يدا أبي لهب) (3). مع أنهم يقولون: إن هذه السورة قد نزلت حينما كان النبي والمسلمون محصورين في الشعب (4). وقد كان ذلك بعد الهجرة الاولى إلى الحبشة.


(1) راجع: الاصابة ج 4 ص 304 عن الجرجاني، والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 299، 282. وفي ص 281 عن الزبير بن بكار، أن عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية كلهم ولدوا بعد الاسلام، وكذا في البداية والنهاية ج 2 ص 294. ونسب قريش صفحة 21. (2) البدء والتاريخ ج 5 ص 17 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 298. (3) نسب قريش لمصعب الزبيري ص 22 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 293 و 298 وأسد الغابة ج 5 ص 456 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 299 والدر المنثور ج 6 ص 409 عن الطبراني. (4) الدر المنثور ج 6 ص 458 عن أبى نعيم في الدلائل. (*)

[ 128 ]

وثالثا: لقد روي: أن خديجة ولدت للنبي عبد الله، ثم أبطأ عليها الولد، فبينما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكلم رجلا، والعاص بن وائل ينظر إليه، إذ مر رجل فسال العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: من هذا ؟ قال: هذا الابتر. فأنزل الله: (إن شانئك هو الابتر) (1). فظاهر الرواية: أنها حين ولدت عبد الله لم تكن قد ولدت غيره، أو أن من ولدتهم ماتوا جميعا حتى لم يعد للنبي أولاد أصلا. مع أن رقية كانت عند عثمان قبل ولادة فاطمة، فلا يصح وصف العاص للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالابتر فتنزل الاية. إلا أن يقال: إن العرب لم تكن تهتم بالبنات، بل الميزان عندهم هو خصوص الذكور، ولاجل ذلك وصفه العاص بالابتر. ورابعا: قد تقدم أن هناك من يقول: إن خديجة إنما تزوجت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة بعشر أو بثلاث، أو بخمس سنوات، فكيف تكون رقية وزينب قد ولدتا من خديجة، وتزوجتا قبل البعثة ؟ !. خامسا: ان الدولابي يقول: إن عثمان كان قد تزوج رقية في الجاهلية (2). وذلك كله يؤكد ويؤيد: أن رقية التي تزوجها عثمان هي غير رقية التي يدعى أنها بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي يقال:


(1) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 294 والدر المنثور ج 6 ص 404. (2) راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 197. (*)

[ 129 ]

إنها ولدت بعد البعثة، وأن التي تزوجها عثمان هي ربيبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا إبنته. وقد كانت العرب تطلق على ربيبة الرجل أنها ابنته كما قلنا: وكذلك يقال بالنسبة لام كلثوم، لان الفرض أنها قد ولدت بعد البعثة أيضا. هل زينب بنت الرسول (ص) أم ربيبته ؟: وأما عن زينب فلا نستطيع أن نظمئن إلى أنها كانت بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا، لاننا بالاضافة إلى أن ما قدمناه آنفا حول زوجتي عثمان، كله بعينه جار هنا إذا كان أبو العاص بن الربيع قد تزوجها قبل البعثة - نشير إلى ما يلي: 1 - قال مغلطاي عن خديجة: (ثم خلف عليها أبو هالة النباش بن زرارة فولدت له هندا، والحرث، وزينب، وكانت تكنى أم هند، وتدعى الطاهرة) (1). 2 - وعن عمرو بن دينار: أن حسن بن محمد بن علي أخبره: أن أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان زوجا لبنت خديجة فجئ به للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قد، فحلته زينب بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخ (2). فالتعبير أولا ببنت خديجة يشير أنها لم تكن ابنته (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان عاد فذكر أنها بنت النبي، فلا يبعد أنه يريد بنوتها له بالتربية، وإلا فلماذا خصها أولا بأنها بنت خديجة ؟ ! فنسبتها إلى خديجة أولا يكون قرينة على ارادة بنوتها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتربية.


(1) سيرة مغلطاي ص 12. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 5 ص 224. (*)

[ 130 ]

3 - ويذكر الشيخ محمد حسن آل ياسين عن زينب أن: بعض المصادر تقول: إنها ولدت وعمره (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثين سنة (1)، وتزوجها أبو العاص بن الربيع قبل البعثة، وولدت له عليا مات صغيرا، وامامة، اسلمت حين اسلمت أمها أول البعثة النبوية (2). وذلك غير معقول، فإنه لا يمكن لبنت في العاشرة أن تتزوج، ويولد لها بنت، وتكبر تلك البنت حتى تسلم مع أمها في أول البعثة، وهذا حيث لا تزال أمها في العاشرة من عمرها (3). ولكن كلام هذا الباحث غير متين، لان المقصود بالتي أسلمت هي وأمها هو زينب وخديجة، وليس المقصود هو أمامة وزينب وذلك ظاهر لا يخفى. وبالنسبة لام كلثوم فإن الروايات تذكر: أن عليا حين هاجر اصطحب معه خصوص الفواطم، وأم أيمن، وجماعة من ضعفاء المؤمنين (4). وليست أم كلثوم بينهم، فهل هاجرت قبل ذلك، أو بعده وحدها ؟ وكيف لم يصطحبها علي (عليه السلام) معه ليحميها من كيد قريش ؟ ولماذا ؟ ولماذا ؟ !. وبعد ما تقدم نستطيع أن نقول: إننا لا يمكن أن نطمئن بشكل نهائي إلى ما يقال: من أن عثمان قد تزوج ابنتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للاحتمال القوى بأن تكونا ربيبتيه. وكذا بالنسبة لزينب زوجة أبي العاص.


(1) أسد الغابة ج 5 ص 467، ونهاية الارب ج 18 ص 211، والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 311. (2) راجع: كتاب النبوة هامش ص 65. (3) راجع هامش كتاب النبوة للشيخ محمد حسن آل ياسين ص 65. (4) سيرة المصطفى ص 259. والسيرة الحلبية ج 2 ص 53. (*)

[ 131 ]

وعلى هذا فيصح أن يقال: لمن تزوج ربيبة لشخص: أن ذلك الشخص قد صاهره، ونال درجة من القرب منه، وعلى هذا فلا منافاة بين ما ذكرنا، وبين قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لعثمان: (وقد نلت من صهره ما لم ينالا) (1). لكن يبقى: أن ذلك الصهر هل قام بواجباته تجاه ذلك الذي أكرمه بتزويج ربيبته له ؟ ! فهذا بحث آخر، وله مجال آخر، وستأتي بعض الاشارات لما كان من عثمان في حق زوجتيه ربيبتي النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). ومهما يكن من أمر فقد طبع لنا كتاب باسم بنات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم ربائبه، فليرجع إليه من أراد التفصيل. منافسون لعلي: ولعل اصرار الاخرين على بنوتهن له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وارسالهم له إرسال المسلمات، يهدف إلى إيجاد منافسين لعلي في فضائله الخارجية، ولذلك أطلقوا على عثمان لقب (ذي النورين) ! ! هذا، مع العلم بأن سيرته لم تكن مع هاتين البنتين على ما يرام، كما سوف نشير إليه حين الحديث عن وفاتهما في الجزء الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ويلاحظ أيضا: روايتهم الموضوعة حول زواج علي ببنت أبي جهل، والتي مدح فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صهر أبي


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 85 وأنساب الاشراف ج 5 ص 60 والعقد الفريد ج 3 ص 376 والجمل ص 100 عن المدائني والغدير ج 9 ص 74. عن بعض من تقدم وعن تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 96 وعن الكامل في التاريخ ج 3 ص 63 وعن البداية والنهاية ج 7 ص 168. (*)

[ 132 ]

العاص لرسول الله، تعريضا بعلي (عليه السلام) حيث كان في مقام تحذيره، والازراء عليه. وسيأتي أيضا في الجزء الرابع من هذا الكتاب بعض الكلام عن هذا الموضوع إن شاء الله تعالى. خؤولة هند بن أبي هالة للامام الحسن (ع): وقبل أن نترك الحديث حول هذا الموضوع إلى غيره، نسجل هنا تحفظا على ما يقال من أن الامام الحسن (عليه السلام) قال: (سالت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخما مفخما الخ). قال الحسن فكتمها (فكتمتها. صح) الحسين بن علي زمانا، ثم حدثته، فوجدته قد سبقني إليه، فسال أباه عن مدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخرجه، ومجلسه، وشكله، فلم يدع منه شيئا، قال الحسين سألت أبي الخ (1). أقول: أولا: سند هذا الحديث هو جميع العجلي، عن رجل من بني تميم، من ولد أبي هالة، زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لابي هالة، عن الحسن بن علي الخ (2). ونحن في غنى عن التكلم حول هذا السند، فإن الامر فيه بين. وثانيا: قد تقدم الاختلاف في كون هند المتولد من خديجة، هل هو


(1) راجع التراتيب الادارية ج 2 ص 448 و 449 فما بعدها ودلائل النبوة ج 2 ص 286 ط دار الكتب العلمية. (2) المصدر السابق ص 447. (*)

[ 133 ]

ذكر أم انثى، وأشرنا إلى اختلافهم في أبيه من هو فيما تقدم ؟ !. وثالثا: إن الامام الحسن (عليه السلام) نفسه قد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه، وعاش معه عدة سنوات، وقد بايعه وشهد له على بعض عهوده، وخرج معه إلى مباهلة النجرانيين ووالخ. فلماذا يشتهي أن يصف هند من رسول الله شيئا يتعلق به. فهل هو قد نسي جده يا ترى ؟. وإذا كان قد نسي حقا، فلماذا لا يسأل أباه وهو أفصح العرب ؟ وأعلم الامة، الذي رباه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجره، وكان يعرف عنه كل شئ، مما دق وجل. أم يعقل أن يكون هند مطلعا على أحوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ؟ !. على أننا لم نجد فيما بين أيدينا من نصوص، حتى المكذوب منها ما يشير إلى أن هندا كان يعيش مع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، أو بالقرب منه، أو أنه كان يحضر مجالسه، أو نحو ذلك، رغم أننا نسمع الكثير عن غيره ممن كانوا يأتون إلى مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين حين وآخر. ورابعا: لا ندري لماذا كتم الحسن (عليه السلام) أخاه هذا الامر. مع أننا لا نعرف عنه أنه كان يستأثر لنفسه على أخيه في أمور كهذه. خامسا: إن ما تقدم كله يدفع هذا الحديث ويلقي عليه ظلالا من الريبة والشك. سادسا: لا ندري، من هو ابن أبي هالة الراوي عن الامام الحسن (عليه السلام)، فهل هو من أبناء خديجة أيضا ؟ ! فإن كان الجواب بالايجاب، فلماذا لم يحدثنا عنه التاريخ. وإن كان هو ابن لابي هالة من إمرأة أخرى غير خديجة. فهذا ما لم

[ 134 ]

يذكره التاريخ لنا أيضا، ولا أشارت إليه كتب الانساب، ولا ذكر في عداد الرواة، ولا في كتب الرجال ! !

[ 135 ]

الفصل الرابع: حتى البعثة

[ 137 ]

حضور النبي (ص) حرب الفجار: ويذكر المؤرخون: أن حربا قد هاجت بين قيس من جهة، وقريش وكنانة من جهة أخرى. في الاشهر الحرم - وهي أشهر الحج، ورجب معها - ولذلك سميت حرب الفجار. ويقال إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حضر بعض أيامها، وشارك فيها فعلا، بنحو من المشاركة. ولكننا بدورنا لا نستطيع أن نؤكد صحة ذلك، بل ونشك كثيرا، فيه وذلك لامور: الاول: لقد وقعت حرب الفجار في الاشهر الحرم، في رجب. ولا نرى مبررا لان ينتهك أبو طالب ومعه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حرمة الاشهر الحرم، كما يظهر لمن راجع سيرتهما وحياتهما، ومدى تقيدهما بمثل هذه الامور، فإنهما كانا مسلمين (1)، بل لقد كان أبو طالب مستودعا للوصايا (2)، كما ورد في بعض الاخبار في الكافي، بالاضافة إلى


(1) راجع: البحار: ج 15 ص 117، وستأتي مصادر أخرى في فصل: بحوت تسبق السيرة، حين الكلام حول إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (2) الغدير: ج 7 ص 394، والكافي: ج 1 ص 445، والدر المنثور للعاملي: ج 1 ص 49. (*)

[ 138 ]

نصوص أخرى تدل على عظمته وثبات قدمه في الدين، فراجع ما ذكر في الغدير، وغيره من الكتب المعدة للحديث عن أبي طالب (عليه السلام). إلا إذا وجهت المشاركة: بأن حرب الفجار قد وقعت في أشهر النسئ، أو في شعبان أو شوال، وكان سببها في الاشهر الحرم (1). ولكنه توجيه لا يعتمد على أي سند تاريخي، فلا مجال للتعويل عليه. بالاضافة إلى ما سيأتي. الثاني: قال ابن واضح المعروف باليعقوبي: (وقد روي أن أبا طالب منع أن يكون فيها (أي في حرب الفجار) أحد من بني هاشم، وقال: هذا ظلم، وعدوان، وقطيعة رحم، واستحلال للشهر الحرام، ولا أحضره، ولا أحد من أهلي، فأخرج الزبير بن عبد المطلب مستكرها. وقال عبد الله بن جدعان التيمي، وحرب بن أمية: لا نحضر أمرا تغيب عنه بنو هاشم) (2). الثالث: إختلاف الروايات حول الدور الذي أداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحرب، فبعضهم يروي: أن عمله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اقتصر على مناولة أعمامه النبل، ورد نبل عدوهم عليهم، وحفظ متاعهم (3). وآخر يروي: أنه قد رمى فيها برميات، ما يحب أنه لم يكن قد


(1) راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 128، فإنه قد ذكر أن سبب الفجار قد كان في الاشهر الحرم أما نفس الحرب فكانت في شعبان. وأقول: ولكن ما معنى تسميتها حينئذ بحرب الفجار ؟.. هذا بالاضافة إلى تصريح اليعقوبي في تاريخه بأن حرب الفجار كانت في رجب فراجع. (2) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 15. (3) سيرة ابن هشام ج 1 ص 198، وتاريخ الخميس ج 1 ص 259. (*)

[ 139 ]

رماها (1). وثالث يروي: أنه طعن أبا براء ملاعب الاسنة فصرعه (2) مع أنهم يقولون: إن عمره حينئذ كان أربع عشرة سنة ! (3)، أو أنه كان حينئذ غلاما (4). ولا ندري إن كانت العرب تسمح للغلام بخوض المعارك والحروب، أولا. ولا سيما بالنسبة إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الولد المتميز والعزيز جدا على عمه أبي طالب. بل نجد البعض يناقض نفسه، فيقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ولد عام الفيل، وأنه حضر الفجار وعمره أربع عشرة سنة، ثم يقول في آخر كلامه: إن حرب الفجار كانت بعد عام الفيل بعشرين سنة (5). ونشير إلى تناقض آخر هنا، وهو أن الكلام الذي نقلناه في الامر الثاني، عن اليعقوبي ينص على أن حرب بن أمية قد تغيب عن هذه الحرب، بينما نجد الروايات الاخرى تنص على أنه كان قد حضرها، وكان هو قائد قريش وكنانة. سر التلاعب في الروايات هنا: وقد لفت نظرنا هذا التناقض الاخير، إذ لو كان الاختلاف في رجل عادي من سائر أفراد الجيش، هذا يقول: حضر، وذاك يقول: لم يحضر،


(1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 51، والسيرة الحلبية ج 1 ص 127. (2) المصدران المتقدمان. (3) المصادر الاربعة المتقدمة إلا أن صفحة ابن هثام هي 195. (4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 16 ط صادر. (5) تاريخ الخميس ج 1 ص 259، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 195 و 198. (*)

[ 140 ]

لكان يمكن أن تلتمس بعض المبررات لاختلاف كهذا ! ! وأنه ربما يقال لا تعمد في المقام ! !. ولكن إذا كان هذا يقول: كان فلان على رأس الجيش، وذاك يقول: لم يحضر أصلا، فلا يمكن إلا أن يكون ثمة تعمد للكذب في قضية كهذه. ولعل الهدف هو ابعاد حرب بن أمية عن حرب فيها ظلم، وعدوان، وقطيعة رحم، وفي الاشهر الحرم، ولو بالمخالفة لكل المؤرخين، لان حرب بن أمية هو من تهتم الدولة برفعة شأنه، وتنزيه مقامه، ولو عن طريق الدجل والتزوير ! !. أما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد تقدم أن الخطة الملعونة كانت تهدف إلى عكس ذلك، ولذلك يلاحظ هنا: تعمد جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعد نبوته يظهر على أنه منسجم مع مشاركته في حرب الفجار في الاشهر الحرم، والتي فيها ظلم وعدوان، وقطيعة رحم، واستحلال للشهر الحرام، حتى ليقول: إنه رمى فيها برميات، ما يحب أنه لم يكن قد رماها ! !. حلف الفضول: وبعد منصرف قريش من حرب الفجار دعا الزبير بن عبد المطلب (1) إلى حلف الفضول، وعقد الاجتماع في دار عبد الله بن جدعان، وغمسوا أيديهم في ماء زمزم، وتحالفرا وتعاقدوا على نصرة المظلوم، والتأسي بالمعاش، والنهي عن المنكر، وكان أشرف حلف.


(1) هو غير الزبير بن العوام، الذي حارب أمير المؤمنين عليه السلام في وقعه الجمل، وقتل وهو منهزم. (*)

[ 141 ]

والمتحالفون على ذلك هم: بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة، وتيم (1). وأنكر البعض أن يكون بنو أسد بن عبد العزى في حلف الفضول (2)، وقالوا: إن عبد الله بن الزبير قد ادعى ذلك لهم في الاسلام (3). وقد حضر هذا الحلف نبينا الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأثنى عليه بعد نبوته، وأمضاه، فقد روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار ابن جدعان حمر النعم، ولو دعيت به لاجبت (4). أو ما هو قريب من هذا. سبب هذا الحلف: وسبب هذا الحلف: أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الاحلاف، الذين كانوا يسمون: لعقة الدم، لانهم حين تحالفوا غمسوا أيديهم بالدم على خلاف المطيبين المشار إليهم آنفا، الذين هم اصحاب حلف الفضول أيضا. والاحلاف هم: عبد الدار، ومخزوم، وجمح، وسهم،


(1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 129، ونسب قريش لمصعب ص 383 فإنه قد شرح كلا الحلفين: حلف الاحلاف، لعقة الدم، وحلف المطيبين. والبداية والنهاية ج 2 ص 293، والاغاني: ج 16 ص 66 و 65. (2) الاغاني: ج 16 ص 66. (3) الاغاني: ج 16 ص 70. (4) أعيان الشيعة ج 2 ص 13، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 142، والبداية والنهاية ج 2 ص 293 و 291، وتاريخ الخميس ج 1 ص 261، والسيرة الحلبية ج 1 ص 131، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53 والاغاني: ج 16 ص 66 و 67. (*)

[ 142 ]

وعدي بن كعب. فأبى الاحلاف معونة الزبيدي على العاص بن وائل، وانتهروه، وذلك لما كان يتمتع به العاص هذا من نفوذ، وسيأتي أنه قد أنقذ عمر من برائن أهل مكة. فلما رأى الزبيدي الشر، صعد على أبي قبيس، واستغاث. فقام الزبير بن عبد المطلب، ودعا إلى الحلف المذكور، فعقد، ثم مشوا إلى العاص، وانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه (1). بنو أمية وحلف الفضول: وأما ما ذكره أبو هريرة من أن بني أمية قد كانوا في حلف الفضول، فهو ما لم يتابعه عليه أحد، وأنكره غير واحد من المؤرخين (2). وكذا قول البعض: إن أبا سفيان، والعباس بن عبد المطلب، هما اللذان دعيا إلى هذا الحلف (3). لكن رواية الاغاني ليست صريحة في العباس بن عبد المطلب، فلعل المراد: العباس بن مرداس السلمي، حيث إنه كان يتحدث عنه أولا، ثم جاء بهذه الرواية بعده.. ولكن يرد عليه: أن العباس بن مرداس لا شأن له في هذا الامر.


(1) البداية والنهاية ج 2 ص 291، 292 والسيرة الحلبية ج 1 ص 132، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53. (2) البداية والنهاية ج 2 ص 291، والسيرة الحلبية ج 1 ص 131 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53، والسنن الكبرى للبيهقي. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 132 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53، وكان سن العباس حينئذ يساعد على دعوة كهذه لان عمره حينئذ كان لا يزيد على ثمانية عشر عاما، كما يفهم من تاريخ عقد حلف الفضول.. (*)

[ 143 ]

وأما إرادة العباس بن عبد المطلب وأبي سفيان فلا يمكن قبولها، وذلك لامور: أولا: إن هذا الحلف إنما كان ضد الامويين، وكان سببه العاص بن وائل السهمي، حليف الامويين، ووالد عمرو بن العاص. فكيف يشارك أبو سفيان فيه، فضلا عن يكون هو الداعي له ؟ !. لا سيما وأنه قد تقدم: أن الاحلاف ومنهم بنو أمية قد طردوا الزبيدي حينما استجار بهم، وتاريخ أبي سفيان وأخلاقياته لا تساعد على موقف كهذا منه. أضف إلى ذلك: أن أبا سفيان والعباس، لم يكونا مؤهلين من حيث السن والنفوذ والاعتبار للقيام بأمر كهذا، كما أشير إليه في الهامش. ثانيا: ورد أن محمد بن جبير بن مطعم، قدم على عبد الملك، حين قتل ابن الزبير، فقال له عبد الملك: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم - يعني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف - في حلف الفضول ؟ ! قال: أنت أعلم. قال: لتخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك. فقال: لا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم منه. قال: صدقت. وزاد البعض (وهو المعتزلي في جواب ابن جبير: وما كانت يدنا ويدكم إلا جميعا في الجاهلية والاسلام) (1). وثالثا: كان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول،


(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 143، وشرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 226 عن الزبير بن بكار، والاغاني: ج 16 ص 68 و 70، لكن في ص 69: أن ذلك قد كان بين معاوية وجبير بن مطعم. (*)

[ 144 ]

وليس عبد شمس في حلف الفضول (1). ورابعا: مجموعة قضايا تدل على أن الامويين ما كانوا في حلف الفضول، وعلى أن الاسلام قد اعترف بهذا الحلف وأمضاه. ونذكر منها: ألف: أنه كان بين الحسين (عليه السلام)، والوليد بن عتبة الاموي أمير المدينة من قبل عمه معاوية منازعة في مال متعلق بالحسين، فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال الحسين: أحلف بالله، لتنصفني من حقي، أو لاخذن سيفي، ثم لاقومن في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم لادعون بحلف الفضول. فاستجاب للحسين جماعة، منهم: عبد الله بن الزبير، وهو من أسد بن عبد العزى، والمسور بن مخرمة الزهري، و عبد الرحمان بن عثمان التيمي، فلما بلغ الوليد ذلك أنصف الحسين من حقه حتى رضي (2). ب: وحسب نص أبي هلال العسكري: (كان بين الحسين (عليه السلام) وبين معاوية كلام في أرض للحسين. فقال الحسين لابن الزبير: خيره في ثلاثة، والرابعة الصيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه. أو يقر بحقي، ثم يسألني أن أهبه له. أو يشتريه مني، فإن أبى - فوالذي نفسي بيده - لاهتفن بحلف الفضول الخ (3). ج: وعند أبي الفرج رواية جاء في آخرها: أنه حينما أظهر معاوية إنزعاجه من عدم زيارة الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) له، وهو في


(1) الاغاني: ج 16 ص 66 و 70. (2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 142 والسيرة الحلبية ج 1 ص 132، والكامل لابن الاثير ط صادر ج 2 ص 42، والبداية والنهاية ج 2 ص 293 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53 عن سيرة الحافظ الدمياطي وأنساب الاشراف ج 2 ص 14، والاغاني: ج 16 ص 68. (3) الاوائل ج 1 ص 73 / 74. والاغاني: ج 16 ص 68. (*)

[ 145 ]

المدينة، أغراه به ابن الزبير، فلم يستجب له معاوية. فقال له إبن الزبير: (أما والله إني وإياه ليد عليك بحلف الفضول. فقال معاوية: من أنت ؟ ! لا أعرض لك، وحلف الفضول والله إما الخ) (1). فهذه النصوص تدل على قبول الائمة (عليهم السلام) بحلف الفضول وإمضائهم له، تبعا لرسول الله في إمضائه له حسبما تقدم. كما وتدل ولا سيما النص الاخير منها على أن معاوية وقومه ما كانوا في حلف الفضول، الذي يعرض له به إبن الزبير. كما أن مناداة الحسين (عليه السلام) بهذا الحلف، واستجابة الزبيريين، وغيرهم له ضد الامويين، يشير إلى ذلك أيضا. وبعد كل ما تقدم، فإن ما يريد أبو هريرة، ومن هم على شاكلته إثباته، تزلفا وتقربا لاسيادهم من الحكام الظالمين، مما يكذبه كل أقوال المؤرخين، وكل الوقائع التاريخية. ولكن حرص أبي هريرة على أن لا تفوت بني أمية فضيلة كهذه، هو الذي دفعه إلى إدخال الامويين في أشرف حلف في العرب، والذي يوافق مبادئ الاسلام وشرائعه، وينسجم مع الفطرة السليمة والعقل القويم. ملاحظة: ويلاحظ اخيرا. أننا نجدهم يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يدل على لزوم التمسك بأحلاف الجاهلية (2).


(1) الاغاني ط ساسي ج 8 ص 108. (2) المصنف للحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 306 / 370 وفي هامشه عن مسلم والترمذي ج 4 ص 146 ط المكتبة الاسلامية وعن سعيد بن منصور وعن فتح الباري ج 8 ص 173 والدارمي. (*)

[ 146 ]

وهي دعوة مغرضة وخبيثة، إلا إذا أريد منها خصوص حلف الفضول، الذي امضاه الاسلام. أو أي حلف اخر تنسجم اهدافه مع الاسلام، كالحلف الذي عقده عبد المطلب مع جماعة خزاعة، فلما قتلت قريش جماعة من خزاعة، استنصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استنادا إلى ذلك الحلف، وكان فتح مكة لذلك (1). ملاحظات هامة على حلف الفضول: 1 - إن دعوة الحسين (عليه السلام) بحلف الفضول، انما كانت منه (عليه السلام) لانه كان يعلم من خلال دراسته للاوضاع وللنفسيات أن هذه الدعوة سوف لن تنتهي إلى حد الخطر الاقصى. وقد كان يهدف منها إلى تعريف الناس على واقع وحقيقة بني أمية، وانهم ظالمون عتاة، لا يهمهم إلا الدنيا وحطامها وأن الهاشميين، وأهل البيت هم الذين يهتمون بالحفاظ على العهود والمواثيق التي تهدف إلى نصرة المظلوم، والدفاع عن الحق. وقد خاف معاوية من هذا الامر بالذات، فاستسلم للحسين (عليه السلام)، وارجع الحق إلى أصحابه. كما أن هذه الدعوة قد كانت في ظرف حرج، لا يمكن اللجوء فيه إلى أية وسيلة أخرى غيرها، حتى ولا وسيلة الثورة العامة ضد تلك الطغمة الفاسدة، إذ أن إعلانه للثورة العامة حينئذ، وفي مناسبة كهذه، لسوف يفسر على أنه لدوافع شخصية، ولا علاقة له بالدفاع عن الدين والامة لا من قريب ولا من بعيد. وعليه فلو استشهد الامام الحسين (عليه السلام) والحالة هذه في


(1) سيأتي الحديث عن ذلك في فتح مكة إن شاء الله تعالى. (*)

[ 147 ]

هذه المناسبة، فسوف لا يكون لقتله أية فائدة تعود على الدين والامة. بل ربما يكون ضرر ذلك اكثر من نفعه، وذلك عندما يلاحق ذلك معاوية الداهية بحملة دعائية مغرضة، يقضي فيها على الامل الوحيد للامة، ويفصل المجتمع المسلم نفسيا وفكريا عن أهل البيت (عليهم السلام) بشكل عام، وعن أئمتهم بصورة خاصة. وذلك لان الظروف التي أوصلت معاوية إلى الحكم، وإن كانت واضحة لدى كثيرين من أهل العراق والحجاز، إلا أن أهل الشام، الذين لم يعرفوا إلا الاسلام السفياني، إسلام المصالح والاهواء، الاسلام الذي يستحل كل شئ في سبيل الوصول إلى الاهداف الشخصية، واللذات الفردية - نعم - إن أهل الشام الذين لم يتربوا تربية اسلامية صحيحة، ولا عرفوا عليا وأهل البيت على حقيقتهم، ولا عرفوا إسلام علي، ولا مبادئ علي، ولا اهداف علي (عليه السلام)، بل كان الامويون يظهرون لهم: أنهم هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أهل بيته، حتى ليدعي عشرة من أمرائهم وقوادهم: أنهم ما كانوا يعرفون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيت غير بني أمية (1). بل إن معاوية ليتجرأ ويقول لاهل الشام: إن عليا (عليه السلام) لا يصلي ! ! (2).


(1) النزاع والتخاصم للمقريزي ص 28، وشرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 159، ومروج الذهب ج 3 ص 33، وعن دعواهم الخلافة بالقرابة من رسول الله (ص) راجع: العقد الفريد ط دار الكتاب العربي ج 2 ص 120، وحياة الامام الرضا السياسية للمؤلف ص 54 / 55. (2) الفتوح لابن اعثم ج 3 ص 196 ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 354 وشرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 36 والكامل لابن الاثير ج 3 ص 313، وتاريخ الطبري ج 4 ص 30، والغديرج 9 ص 122 عن بعضهم. (*)

[ 148 ]

إن أهل الشام والحالة هذه لا يمكنهم أن يدركوا واقع ما يجري وما يحدث. بل إن باستطاعة معاوبة أن يموه ويشبه الامر على غير أهل الشام أيضا، لمكره وشيطنته، فإنه قد تأمر على الشام من قبل عمر بن الخطاب، الذي احبه العرب، واخلصوا له، لانه أرضى غرورهم، ورفع معنوياتهم، بتفضيلهم على غيرهم، من أهل الامم الاخرى في العطاء، وفي مختلف الشؤون. مع أنهم الذين كانوا إلى الامس القريب لا قيمة لهم، يتيهون في صحرائهم القاحلة، يأكلون الجشب، ويشربون الكدر، إلى آخر ما تقدم في أوائل الفصل الاول، ثم جاء الاسلام، فساواهم بغيرهم، ورفع من شأنهم، وقرر: أن لا فضل لاحد على أحد إلا بالتقوى. ولكن سياسة عمر بن الخطاب قد اقتضت إعطاء كل الامتيازات، وفي مختلف الشؤون لخصوص العرب، وحرمان غيرهم من كل الامتيازات، ومن كل شئ (1). فأحب العرب عمر بن الخطاب أعظم الحب، وقدروه أجل تقدير، وصارت افعاله وأقواله عندهم قانونا متبعا، لا يمكن مخالفته، ولا الخروج عليه، ويكفي أن نذكر: أن مجرد توليته لاحدهم قد أوجبت لذلك الرجل عظمة ومنزلة خاصة (2). بل إن عليا الذي لم يكن يرى لبني اسماعيل فضلا على بني اسحاق (3) لم يستطع أن يعزل شريحا عن القضاء، وقد أبى ذلك عليه أهل


(1) راجع كتابنا: سلمان الفارسي في مواجهة التحدي. (2) الثقاث: ج 2 ص 295. (3) سنن البيهقي ج 6 ص 349 والغدير ج 8 ص 240 عنه. وأنساب الاشراف، بتحقيق المحمودي: ج 2 ص 141. والغارات: ج 1 ص 74 - 77، وحياة الصحابة: ج 2 ص 112 عن البيهقي، وتاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 183، والبحار ج 41 ص 137. (*)

[ 149 ]

الكوفة، وقالوا له: لا تعزله، لانه منصوب من قبل عمر، وبايعناك على أن لا تغير شيئا مما قرره أبو بكر وعمر (1). كما أنه لم يستطع أن يمنع جيشه من صلاة التراويح، لان عمر هو الذي شرعها. وصاحوا واسنة عمراه (2). ولعل أول من صاح في هذه المناسبة ب‍ (واعمراه) هو قاضيه شريح (3). بل لقد نادوا بعلي (عليه السلام) في حرب الجمل: (اعطنا سنة العمرين (4)). وسمع رجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول عن معاوية: من أدرك هذا أميرا فليبقرن خاصرته بالسيف، فرآه يخطب في الشام، فأراد تنفيذ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا له: أتدري من استعمله ؟. قال: ومن قالوا: أمير المؤمنين عمر.


(1) كشف القناع عن حجية الاجماع: 64، وراجع: تنقيح المقال: ج 2 ص 83، وقاموس الرجال: ج 5 ص 67. (2) راجع: شرح النهج للمعتزلي: ج 2 ص 283 وج 1 ص 269، والصراط المستقيم: ج 3 ص 26، والكافي ج 8 ص 63 وتلخيص الشافي: ج 4 ص 58، والبحار ط حجرية: ج 8 ص 284، وراجع: الجواهر: ج 21 ص 337، والوسائل: باب (10) من أبواب نوافل شهر رمضان، كتاب الصلاة، وكشف القناع: ص 65 / 66 وسليم بن قيس ص 126 ط مؤسسة البعثة. (3) راجع: قاموس الرجال: ج 5 ص 67. (4) الكامل للمبرد ج 1 ص 144 ط دار نهضة مصر. وراجع الكافي: ج 8 ص 59، وشرح النهج: ج 1 ص 269، والكامل في التاريخ: ج 3 ص 343، والاخبار الطوال: ص 207، وأنساب الاشراف، بتحقيق المحمودي: ج 2 ص 370 / 371، وتنقيح المقال: ج 2 ص 83. (*)

[ 150 ]

قال: سمعا وطاعة لامير المؤمنين (1). وقد صرح أمير المؤمنين في خطبة له بأعمال كثيرة لمن سبقوه. لم يستطع تغييرها، ولو أنه حاول ذلك لتفرق عنه جنده، حتى يبقى وحده، وقليل من شيعته. وهي أمور كثيرة فلتراجع (2). ولتراجع أيضا الشواهد الكثيرة التي تؤيد ذلك في مصادرها. ثم جاءت الدولة الاموية، فاستنت بسنة عمر، وسارت بسيرته، وانتهجت نهجه. وإذا كان معاوية قد تولى الشام من قبل عمر، وإذا كان قدموه على الناس في قضية قتل عثمان، وألقى في الناس الشبهات الكثيرة حولها، حتى استطاع أن يقود جيشا ليحارب في صفين اعظم رجل بعد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). وإذا كان قد استغل قضية التحكيم، واضفى على خلافته نوعا من الشرعية المزورة، التي يمكن تضليل العوام والسذج بواستطها. - إذا كان كل ذلك - فإن من الطبيعي أن يستطيع معاوية الذي وصل إلى الحكم في مثل تلك الظروف الغامضة، أن يصور الحسين بن علي (عليه السلام)، بعد قتله على أنه باغ وطاغ وطامع، تحركه المصالح الشخصية، بل وحتى خارج عن الاسلام، والعياذ بالله. ولسوف يتمكن عن طريق الاخطبوط الاموي المتغلغل في مختلف البلاد، والذي استطاع أن يضع العراقيل في طريق علي (عليه السلام)، وغيره من الائمة الطاهرين، لسوف يتمكن من استغلال تلك الظروف


(1) البحار ج 92 ص 36 عن معاني الاخبار. (2) الكافي ج 8 ص 59 - 63 وسليم بن قيس ص 125 / 126. (*)

[ 151 ]

الخاصة، في الحجاز، والعراق، وفي الشام، ابشع استغلال، ولا سيما بالنسبة لاهل الشام، الذين ما كان يمكنهم ! إدراك واقع ما يجري وما يحدث إلا عن طريق الجهاز الاموي نفسه. يضاف‍ إلى ذلك كله: أنه قد كان في عهد الخلفاء قبل علي (عليه السلام)، ولاهداف سياسية معينة، ثمة حصار مضروب على كبار الصحابة، فلم تتح لهم الفرصة ليتفرقوا في البلاد، وينشروا تعاليم النبي الاعظم (صلى النه عليه وآله وسلم) على حقيقتها. بل حصروهم في المدينة مدة طويلة. ومن استطاع منهم الافلات منها قليل، ومن كان يصر على الجهر بالحقيقة، فإنه يتعرض لمختلف انواع القهر والاضطهاد، كما كان الحال بالنسبة لابي ذر (رحمه الله) (1). وهكذا.. فإن الصحابة لم يتمكنوا من الجهر بما تجيش، أو بكل ما تجيش به صدورهم، حتى أشرف هذا الجيل على الفناء والزوال، مما كان من شأنه أن يفسح المجال أمام الجهاز الحاكم لكل افتراء ضد أهل البيت (عليهم السلام)، وضد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، ثم ضد الاسلام بشكل عام. وخلاصة الامر: إن قتل الحسين (عليه السلام) في زمن معاوية ليس فقط لا يجدي ولا ينفع، وإنما يكون فيه قضاء تام على الامل الوحيد للدين، والامة، وللحق. وفي هذا خيانة حقيقية ظاهرة لكل ذلك، بمقدار ما كان استشهاد الحسين (عليه السلام) بعد ذلك وفاء للدين، وللامة وللحق، عندما لم يعد انحراف الحكم ولا دينيته، بل وعداؤه للدين خافيا على أحد، ولم يكن بعد للدهاء والمكر، وللسياسات المنحرفة: أن تتستر عليه، ولا أن تقلل من وضوحه. وأصبح السكوت عليه في تلك الظروف


(1) راجع مقالنا عن أبي ذر في الجزء الاول من كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام.. (*)

[ 152 ]

هو الخيانة للدين، وللامة، وللحق. وإلا فإن الحسين (عليه السلام) قد عاش في حكم معاوية بعد استشهاد أخيه الحسن (ع) عشر سنوات، ولم يقم بالثورة ضده، مع أن الحسين (عليه السلام) الذي سكت في زمن معاوية هو نفسه الحسين الذي ثار في زمان يزيد. كما أن الانحراف والظلم الذي كان في زمان هذا قد كان في زمان ذاك. وما ذكرناه هو المبرر لسكوته هناك، وثورته هنا. هذا، وقد تمدح الامام الحسين (عليه السلام) أخاه الامام الحسن (عليه السلام) على صلحه مع معاوية، وإعتبره إيثارا لله عند مداحض الباطل، في مكان التقية بحسن الروية. كما قاله (عليه السلام) وهو يؤبن أخاه الامام الحسن (عليه السلام) حينما استشهد بسم معاوية (1). وكتب أهل الكوفة أكثر من مرة إلى الامام الحسين (عليه السلام) يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، وفي كل ذلك يأبى عليهم (2)، وقد أمرهم بلزوم بيوتهم ما دام معاوية حيا (3). فالقول بأن سبب عدم ثورته على معاوية إنما هو عدم بيعة الناس له في زمنه، لا يصح. كما أن الناس كانوا قد بايعوا الامام الحسن (عليه السلام)، فلماذا سكت ؟ ولماذا لم يطالبه الحسين بالقيام ؟ ! ولماذا يمدحه على صلحه لمعاوية ؟


(1) راجع: تهذيب تاريخ دمشق: ج 4 ص 230، وعيون الاخبار لابن قتيبة: ج 2 ص 314. (2) ترجمة الامام الحسين (ع) من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي): ص 197. (3) الاخبار الطوال: ص 221 / 222. (*)

[ 153 ]

هذا ما أردنا الاشارة إليه هنا، ولهذا البحث مجال آخر. 2 - ويلاحظ أيضا: أنه حين دعا الحسين (عليه السلام) بحلف الفضول قد استجاب له حتى أعداؤه، كابن الزبير، الذي لم يكن ليخفى على أحد، كيف كان موقفه من الهاشميين أيام خلافته حتى لقد كان يريد أن يحرقهم بالنار في مكة، لولا وصول النجدة لهم من العراق. كما أنه قد قرت عينه - على حد تعبير ابن عباس - حين توجه الحسين (عليه السلام) إلى العراق. أضف إلى ذلك: أنه قد قطع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبه، ولما عوتب على ذلك ادعى: أن هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) أشرأبت أعناقهم، وأبغض الاشياء إليه ما يسرهم. وفي رواية: إن له أهيل سوء الخ (1). نعم، لقد استجاب للامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه حتى اعداؤه حين دعاهم بحلف الفضول، ولكنهم لا يستجيبون لداعي الله والرسول الذي يأمرهم بقبول إمامة الحسنين (عليهما السلام) قاما أو قعدا ولا يدافعون عن إمامهم الذي خرج في طلب الاصلاح في أمة جده، بل وينصبون العداء له ولاهل بيته عموما كما أشرنا إليه. فما هو سر استجابتهم للنداء بحلف الفضول، ثم عدم استجابتهم للحسين، حين دعاهم للجهاد ضد أعداء الدين، فلم يخرج منهم أحد إلى كربلاء لمحاربة الظلم والطغيان، والانحراف عن الدين والحق ؟ !. مع أن القضية الاولى وإن كانت تمثل مكافحة للظلم والتجبر، إلا أنها في


(1) راجع: العقد الفريد ج 4 ص 413 ط دار الكتاب العربي، وشرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 127 وغير ذلك، وأنساب الاشراف ج 4 ص 28 وقاموس الرجال ج 5 ص 452، ومقاتل الطالبيين ص 474. (*)

[ 154 ]

الحقيقة تنتهي إلى مسألة خاصة، محدودة الزمان والمكان، والاشخاص، كما سوف تفسرها ابواق الدعاية الاموية المغرضة. أما في قضية كربلاء، فقد كان واضحا لدى كل أحد حقيقة أهداف الثورة. وقد أوضحها الامام الحسين (عليه السلام) أكثر من مرة، ولم يبق مجالا للشك في أنها ذات أهداف اسلامية جامعة، بعيدة كل البعد عن المكاسب الشخصية والنفعية المحدودة. فلماذا السكوت ؟، وربما السرور من بعضهم بالمصير الذي لاقاه الامام الحسين (عليه السلام) هنا ؟ ثم هم يهبون لنصرته، والقيام دونه، أو على الاقل يظهرون استعدادهم لذلك هناك ؟ ! مع أن الاهداف إن لم تكن في المآل واحدة، فإنها في قضية كربلا أهم واكثر مساسا بهم وبدينهم وكرامتهم.. فهل كانوا يهدفون إلى إضعاف عدوهم الاقوى اؤلا ؟ ! أم أنهم أمنوا معاوية، وخافوا يزيد الخمور ؟ ربما يكون ذلك، وربما لان حلف الفضول كان جاهليا، وهم إلى الجاهلية في حقها وفي باطلها أقرب منهم إلى الاسلام، حتى حينما تكون القضية مصيرية، وحتى ولو كانت مصيرية بالنسبة للامة بأسرها، وبالنسبة للدين نفسه. ولو أنهم التفتوا إلى أن حلف الفضول قد امضاه الاسلام، وصار اسلاميا فلربما يكون لهم حينئذ موقف آخر. إن ذلك لعجيب حقا ! وأي عجيب ! !. 3 - إن موقف الحسين هذا، وكذلك إمضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذا الحلف في كلامه المتقدم، ليدل على أن الاسلام قد أمضى هذا الحلف، لانه قائم على أساس الحق والعدل والخير. وهل الاسلام إلا ذلك ؟ - إنه يمضيه - مع أن الذين قاموا به كانوا وقتها على الشرك والكفر. ولكنه يهدم مسجد الضرار، مع أن الذين بنوه كانوا يتظاهرون بالاسلام، ويتعاملون على اساسه، بحسب الظاهر.

[ 155 ]

وهذا ما يؤكد واقعية الاسلام، وأنه إنما ينظر إلى عمل يدي الصياد لا إلى دموع عينيه، وأنه لا يغتر بالمظاهر، ولا تخدعه الشعارات مهما كانت براقة، إذا كانت تخفى وراءها الوصولية، والخيانة والتآمر، فالحق حق، ومقبول، ولا بد من الالتزام به، والتعامل على أساسه، ولو صدر من مشرك، والباطل باطل ومرفوض، ولا يجوز الالتزام به، ولا التعامل على أساسه، مهما كانت الشعارات براقة ومغرية. ولهذا نفسه نجد أمير المؤمنين أيضا يرفض خدعة رفع المصاحف على الرماح في صفين ويحذر منها. ولقد كان هو المصيب في رفضه. وغيره، ممن كان يتظاهر بالتقى والعبادة كان هو المخطئ. وفقنا الله للسير على هدى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وتأثر خطاه، والعمل بمنهاجه، الذي هو نهج الايمان والاسلام، إنه ولي قدير. 4 - إن اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والائمة (عليهم السلام) بحلف الفضول إنما يدل على أن الاسلام ليس منغلقا على نفسه، وإنما هو يستجيب لكل عمل إيجابي فيه خير الانسان، ويشارك فيه على أعلى المستويات، انطلاقا من الشعور بالمسؤولية، وانسجاما مع أهدافه العليا، ومع المقتضيات الفطرية، واحكام العقل السليم. 5 - أما استجابة الذين استجابوا للزبير بن عبد المطلب حينما دعا لعقد هذا الحلف، فلعل لهم دوافع مختلفة باختلاف الاشخاص، والبيوتات، والقبائل، ونذكر من هذه الدوافع: ألف: الدافع الفطري الانساني، لان هذا هو ما تحكم به الفطرة، والعقل السليم، ثم هو ينسجم مع الشعور الانساني، والاخلاقي. ب: الدافع المصلحي، وذلك لان عدم الامن في مكة لسوف يقلل من رغبة التجار في الوفود عليها، والتعامل مع أهلها.

[ 156 ]

ج: وثمة دوافع أخرى ربما تكون لدى بعضهم، كالحفاظ على قدسية مكة وأهلها في نفوس العرب، وغير ذلك. وقد تقدم في الفصل الاول ما يفيد هنا، فراجع إن شئت. تاريغ ولادة أمير المؤمنين (ع): أما عن تاريخ ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) ففيه إثنا عشر قولا على وجه التقريب، تبدأ من سبع، حتى ست عشرة سنة قبل البعثة، وقال آخرون: ولد قبل البعثة بعشرين، وغيرهم بثلاث وعشرين سنة (1).


(1) راجع الاقوال المذكورة كلا أو بعضا في الكتب التالية: المصنف لعبد الرزاق ج 5 والعقد الفريد ج 4 ص 311، وأنساب الاشراف، ومقاتل الطالبيين ص 26، والانس الجليل ج 1 ص 178، والتهذيب ج 7 ص 336، والاوائل، وتاريخ الخميس ج 1 ص 279 عن شواهد النبوة، وطبقات ابن سعد ط ليدن ج 3 ص 13، والمعارف لابن قتيبة ص 51، وحياة الحيوان ج 1 ص 54، والبحار، وينابيع المودة، وتاريخ بغداد ج 1 ص 134، وذخائر العقبى ص 58، والاستيعاب، وسنن البيهقي ج 6 ص 206، ونزهة المجالس، ومناقب الخوارزمي وأسد الغابة ج 4 ص 16 - 18، والبداية والنهاية، ومجمع الزوائد ج 9 ص 102، وفتح الباري ج 7 ص 57، وإحقاق الحق ج 7 ص 538 - 554. والقول بالعشر موجود في: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 12 والاستيعاب ج 3 ص 30 ط صادر، وطبقات ابن سعد ط مصر ج 3 ص 21، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 262، والكافي ج 1 ص 376، وإرشاد المفيد ص 9، وإعلام الورى ص 153، ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 78، وتاريخ الخميس ج 1 ص 286، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 111، وتلخيصه بهامشه للذهبي، ومناقب الخوارزمي ص 17، وتاريخ الخلفاء ص 166 والبداية والنهاية ج 3 ص 26، وذخائر العقبى، وأنساب الاشراف، وملحقات إحقاق الحق ج 7 عن بعض من تقدم. وللقول بالاثني عشر راجع: البحار ج 35 ص 7 وإحقاق الحق ج 7 ص 549، عن نهاية الارب ج 8 ص 181 والاستيعاب ج 3 ص 30. = (*)

[ 157 ]

ويمكن أن تقل الاقوال عن ذلك، إذا قلنا: إنه لا منافاة بين القول: بأنه ولد قبل البعثة باثني عشرة سنة، وبين القول بأنه ولد قبلها بخمس عشرة سنة، إذا كان القائل بالثاني لا يسقط السنوات الثلاث الاولى من بعثته (ص) من الحساب، لان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يجهر فيها بالدعوة. ولعل اختلافهم في مدة نبوته (ص) في مكة على قولين: عشر سنوات، وثلاث عشرة سنة سببه ذلك أيضا. بل نجد البعض يقول إن سرية الدعوة قد استمرت خمس سنوات، فيمكن بملاحظة هذا وما تقدم في سائر الاقوال: أن تقل الاقوال عن ذلك كثيرا. ولكن هذا على أي حال يبقى مجرد احتمال. وعلى كل حال، فإن القول بالاثني عشر، وإن كان مرويا عن أهل البيت، إلا أن القول الاخر، وهو أن ولادته كانت قبل البعثة بعشر سنوات مروي أيضا، وهو المشهور عند علمائنا، وعند غيرهم، كما يظهر من ملاحظة المصادر المتقدمة. ولذا، نقول: إن هذا القول المعتضد بالشهرة هو الاولى بالاعتماد والاعتبار. لا سيما وأنه مروي عن أهل البيت الذين هم أدرى من كل أحد بما فيه. وأما محاولات البعض الاستفادة من ذلك، واستنتاج نتيجة معينة


= ونقلت كثير من الاقوال عن المصادر التالية: إكمال الرجال ص 687 والروضة الندية ص 13، واحكام الاحكام ج 1 ص 190، وأنباه الرواة في أنباء النحاة ج 1 ص 11، ونهاية الارب ج 8 ص 181، والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 115، ونظم درر السمطين ص 81 و 82، والرياض النضرة ج 2 ص 156 والغرة المنيفة ص 176 وشرح المواهب للزرقاني ج 1 ص 242، والطبقات المالكية ج 2 ص 71، والمصباح الكبير ج 560. (*)

[ 158 ]

لتأكيد فكرة معينة، من قبيل ادعاء أن عليا هو أول من اسلم من الصبيان، ليكون أبو بكر أول من أسلم من الرجال. فسيأتي عند الحديث عن اسلام أمير المؤمنين (عليه السلام): أن هذا لا يمكن أن يصح باي وجه. أول هاشمي ولد في هاشميين: لقد ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الشخصية الاولى بعد الرسول، والذي تربى في حجر الوحي، وارتضع لبان النبوة من أبوين قرشيين هاشميين، هما: أبو طالب، شيخ الابطح. وفاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وقال الكليني وغيره: (وهو أول هاشمي ولد هاشم مرتين) وقريب منه غيره (1). وعلق المجلسي: بأن اخوته طالبا، وعقيلا، وجعفرا قد ولدوا قبله من هذين الهاشميين. وقول التهذيب وغيره: (في الاسلام)، لا يصحح ذلك، إذ لو كان مرادهم أنه ولد بعد البعثة فهو لا يصح، للاتفاق على أنه قد ولد قبلها. ولو كان المراد: أنه الوحيد الذي ولد بعد ولادة الرسول، فهو كذلك لا يصح، لان أكثر إخوته قد ولدوا بعد ولادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنه اصطلاح غريب غير معهود (2). والصحيح: أن يقال كما قال المعتزلي، والشهيد، وغيرهما: (وأمه


(1) الكافي ج 1 ص 376، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 17، والتهذيب للشيخ ج 6 ص 19 والبحار ج 35 ص 5 عنه وعن الكافي، وأسد الغابة ج 4 ص 16 وج 5 ص 517 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 13. (2) راجع: البحار ج 35 ص 6. (*)

[ 159 ]

أول هاشمية ولدت لهاشمي) (1). ولادة أمير المؤمنين (ع) في الكعبة: لقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام قد ولد في جوف الكعبة أعزها الله، في يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب. وأن هذه فضيلة اختصه الله بها، لم تكن لاحد قبله، ولا بعده، وقد صرح بذلك عدد كبير من العلماء، ورواة الاثر، ونظمها الشعراء والادباء. وذلك مستفيض عند شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنه كذلك في كتب غيرهم، حتى لقد قال الحاكم وغيره: (تواترت الاخبار: أن فاطمة بنت أسد، ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة...). وصرح بأنه لم يولد فيها أحد سواه عدد من العلماء والمؤرخين (2).


(1) البحار ج 35 ص 6 عن الدروس للشهيد، وشرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 13 وج 15 ص 278 والبدء والتاريخ ج 5 ص 71، ونسب قريش لمصعب ص 40، ونزهة المجالس ج 2 ص 165، ومعرفة الصحابة لابي نعيم مخطوط في مكتبة طوپ قپوسراي رقم 1 / 497 أ الورقة 19 وذخائر العقبى ص 55 والمعارف لابن قتيبة ص 88. (2) راجع مستدرك الحاكم ج 3 ص 483، وتلخيصه للذهبي هامش نفس الصفحة، ونور الابصار ص 76، والفصول المهمة لابن الصباغ ص 12، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 406 و 407 ومناقب الامام أمير المؤمنين لابن المغازلي ص 7 وذكر ولادته فيها أيضا: أسد الغابة ج 4 ص 31 والسيرة الحلبية ج 1 ص 139 ونزهة المجالس ج 2 ص 204. وتذكرة الخواص ص 10 ونقله صاحب الغدير ج 6 ص 22 - 38 عن عشرات المصادر مثل: إزالة الخفاء للدهلوي، والالوسي في شرح الخريدة الغيبية، ص 15 ومروج الذهب ج 2 ص 2 وشرح الشفا ج 1 ص 151، والمناقب لمحمد صالح الترمذي، وائينه تصوف ص 1311 وروائح المصطفى ص 10 وكتاب الحسين للسيد على جلال الدين ج 1 ص 16، ونقله أيضا عن عشرات = (*)

[ 160 ]

ويقول السيد الحميري، المتوفى في سنة 173 ه‍: ولدته في حرم الاله وأمنه والبيت حيث فناؤه والمسجد بيضاء طاهرة الثياب كريمة طابت وطاب وليدها والمولد في ليلة غابت نحوس نجومها وبدا مع القمر المنير الاسعد ما لف في خرق القوابل مثله إلا أبن آمنة النبي محمد ويقول عبد الباقي العمري: أنت العلي الذى فوق العلى رفعا ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا ولكن نفوس شانئي علي (عليه السلام)، قد نفست عليه هذه الفضيلة التي اختصه الله بها، فحاولت تجاهل كل أقوال العلماء والمؤرخين، ورواة الحديث والاثر، والضرب بها عرض الجدار، حيث نجدهم - وبكل جرأة ولا مبالاة - يثبتون ذلك لرجل آخر غير علي (عليه السلام)، بل ويحاولون التشكيك في ما ثبت لعلي أيضا، حتى لقد قال في كتاب النور: (حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة، ولا يعرف ذلك لغيره. وأما ما روي من أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء (1)).


= المؤلفات للامامية فليراجع. وحياة أمير المؤمنين لمحمد صادق الصدر ص 30 عن غاية الاختصار ص 97 وعن مصادر أخرى. وليراجع إحقاق الحق بتعليقات السيد النجفي ج 7 ص 486 - 490 عن أرجح المطالب ص 388، ومحاضرة الاوائل ص 79، والبلخي في كتابه على ما في تلخيصه ص 11 طبع بمبئى، وعن مطالب السؤل لابن طلحة ص 11، وفضائل أمير المؤمنين للقفال الشافعي، مخطوط، ومفتاح النجا ص 20 مخطوط واعلام الورى ص 93، ونقل أيضا عن الاستيعاب وشواهد النبوة وكنوز الحقائق. واستقصاء مصادر هذه القضية متعذر وما ذكرناه كاف لمن ألقى السمع وهو شهيد. (1) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 139، وذكر ولادتها فيها في أسد الغابة ج 2 ص 40 = (*)

[ 161 ]

وقال المعتزلي: (كثير من الشيعة يزعمون: أنه ولد في الكعبة، والمحدثون لا يعترفون بذلك، ويزعمون: أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام (1). ثم حاول الحلبي والديار بكري الجمع والصلح بين الفريقين، باحتمال ولادة كليهما فيها (2). ولكن كيف يصح هذا الجمع، ونحن نجد عددا ممن قدمنا أسماءهم، وغيرهم ممن ذكرهم العلامة الاميني في كتاب الغدير، وغيره، يصرون على أنه لم يولد في جوف الكعبة سوى علي، لا قبله ولا بعده ؟ ! وأن تلك فضيلة اختصه الله بها دون غيره من العالمين ؟ ! وكيف يقبل ذلك الجمع، ونحن نجد الحاكم يصرح بتواتر الاخبار في ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) في جوف الكعبة ؟ !. فهل الحاكم بنظر المعتزلي جاهل بالحديث ؟ ! ومن أين لحديث ولادة حكيم بن حزام حتى خصوصية صحة سنده. فضلا عن أن يكون متواترا ومقطوعا به ؟ !. لماذا حكيم بن حزام ؟ ! وإنما اثبتت هذه الفضيلة لحكيم بن حزام، لانه كان للزبيريين فيه هوى، فإنه ابن عم الزبير، وابن عم اولاده، فهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والزبيريون ينتهون أيضا إلى أسد بن عبد العزى.


= والاصابة ج 1 ص 349 والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 320. (1) شرح النهج ج 1 ص 14. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 279، والسيرة الحلبية ج 1 ص 129. (*)

[ 162 ]

ولم يسلم حكيم إلا عام الفتح، وهو من المؤلفة قلوبهم. (1) وكان يحتكر الطعام على عهد رسول الله (ص) (2) وعن المامقاني: نقل الطبري: أنه كان عثمانيا متصلبا تلكأ عن علي (3)، ولم يشهد شيئا من حروبه (4). وإذن فمن الطبيعي أن يروي الزبير بن بكار، ومصعب بن عبد الله، (5) وهما لا شك في كونهما زبيري الهوى: أنه لم يولد في جوف الكعبة سواه، وذلك على خلاف جميع الاخبار المتواترة، ومخالفة لكل من نص على أنه لم يولد فيها سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) لا قبله ولا بعده ؟ !. تجديد بناء الكعبة أعزها الله تعالى: ويقولون: إن الكعبة قد جاءها سيل جارف تجاوز الردم، الذي كان قد وضع ليمنع من مثل ذلك، فدخلها، وصدع جدرانها. ويقال أيضا: إنها كانت قد احترقت حينما أرادت احدى النساء تبخيرها فطارت شرارة إلى ثياب الكعبة فاحترقت جدرانها (6). ثم جاء السيل بعد ذلك فزاد في تصدعها حتى خاف الناس عليها. ويرى البعض: أن هذا الحريق كان في زمان ابن الزبير.


(1) الاصابة ج 1 ص 349، والاستيعاب ج 1 ص 320 هامش الاصابة. (2) وسائل الشيعة كتاب التجارة ص 316. (3) قاموس الرجال ج 3 ص 387 عن تنقيح المقال. (4) قاموس الرجال ج 3 ص 387. (5) راجع: الاصابة ج 1 ص 349، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 483. (6) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 319، والبداية والنهاية ج 2 ص 300 كلاهما عن الزهري. (*)

[ 163 ]

ورفع الحلبي التنافي باحتمال حصول الحريق مرتين (1). ونحن نقول: انه يبدو أن دعوى احتراقها على هذا النحو الاتفاقي، إنما صيغت للتخفيف من الامتعاض الناشئ من جرأة الامويين على بيت الله الحرام، حيث إنها قد تصدعت حينما ضربت بالمنجنيق وبالنار من قبلهم، وتركها ابن الزبير ليراها الناس محترقة، يحرضهم على أهل الشام (2). ومهما يكن من أمر. فقد اتفقت قريش قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على هدمها، وإعادة بنائها، وأن يرفع بابها، حتى لا يدخلها إلا من شاؤا، وأعدوا لذلك نفقة طيبة، ليس فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة مما اخذوه غصبا، أو قطعوا فيه رحما، أو انتهكوا فيه حرمة، أو ذمة (3). وبدأت كل قبيلة تجمع الحجارة على حدة، ويقولون: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شارك في جمع الحجارة. وكان أول من جرأهم على هدمها هو الوليد بن المغيرة. وتجزأت قريش الهدم والبناء، لكل قبيلة شق، وجهة معينة. وقد اختلف المؤرخون في اختصاصات هذه القبائل بتلك الجهات


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 141. (2) صحيح مسلم هامش القسطلاني ج 6 ص 18، والكامل لابن الاثير ج 4 ص 124 ط صادر وذكر في الكامل عن البخاري قولا آخر، وهو أنها احترقت في زمن ابن الزبير، بسبب نار أوقدها أصحابه حولها. وأقول الظاهر أن الامويين أرادوا رد التهمة في جنايتهم على ابن الزبير وأصحابه. (3) سيرة ابن هشام ج 1 ص 206 والبداية والنهاية ج 2 ص 301، والسيرة الحلبية ج 1 ص 141. (*)

[ 164 ]

والاجزاء (1). ولا مجال لتأكيد أو نفي أي من الاقوال في ذلك، ولا سيما في موارد كهذه، يجهد فيها كل فريق أن ينيل من يميل إليهم بعض الشرف، ومواقف الكرامة. وأما عن تاريخ بناء البيت فقد اختلفت كلمات المؤرخين فيه، فهذا يقول: إن بناءه كان حين بلوغه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحلم، أي بعد الفيل ب‍ 15 سنة (2). وآخر يقول: إنه بني بعد الفيل بخمس وعشرين سنة (3). وثالث يقول: إنه كان بعد الفيل بخمس وثلاثين سنة، أي قبل البعثة بخمس سنين (4). ولعل هذا الاخير هو الاشهر: وضع الحجر الاسود: ولما بلغ البنيان موضع الحجر الاسود اختصموا: كل قبيلة تريد هي أن تنال شرف رفعه إلى موضعه. وكاد أن يؤدي الامر بهم إلى السيف، حتى جاء بنو عبد الدار، وبنو عدي بإناء فيه دم، فوضعوا أيديهم فيه، ومعهم بنو سهم، وبنو مخزوم (5)، وتحالفوا على الموت،، فسموا: (لعقة الدم) (6). حتى أشار أبو أمية بن المغيرة - والد أم سلمة، أم


(1) راجع: سيرة ابن هشام ج 1 ص 207، والبداية والنهاية ج 2 ص 302، والسيرة الحلبية ج 1 ص 144. (2) مصنف عبد الرزاق ج 5 ص 318، والبداية والنهاية ج 2 ص 300 عن الزهري (3) البداية والنهاية ج 2 ص 300 عن موسى بن عقبة، عن مجاهد، وعروة ومحمد بن جبير بن مطعم، وتاريخ الخميس ج 1 ص 279 عن تاريخ يعقوب. (4) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 204، والبداية والنهاية ج 2 ص 300. (5) شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 129. (6) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 209، والبداية والنهاية ج 2 ص 303. (*)

[ 165 ]

المؤمنين، وأحد أجواد قريش. ويقول البلاذري: أبو مهشم بن المغيرة بأن يحكموا أول داخل عليهم من باب السلام، وهو باب بني شيبة، أو من باب الصفا على الاختلاف. فكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أول داخل. فلما رأوه قالوا: هذا الامين، رضينا، هذا محمد. ويقول البعض: إنهم كانوا يتحاكمون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الجاهلية، لانه كان لا يداري، ولا يماري (1). فلما أخبروه بالامر طلب ثوبا، أو بسط إزاره - على الاختلاف - ثم أخذ الحجر، فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، فلما حاذوا موضعه أخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده الشريفة، فوضعه مكانه. ملاحظات هامة: 1 - إن بني عبد الدار، ومعهم بنو سهم، ومخزوم وعدي قد جاؤا بالدم، فوضعوا أيديهم فيه، وتحالفوا على الموت. ونجد في مقابل ذلك: أن بني عبد مناف قد جاؤا بالغالية - وهي نوع من الطيب - فوضعوا أيديهم فيها، حينما تحالفوا زمن قصي في مقابل بني عبد الدار، فسموا حلف المطيبين. ولبني عبد مناف حلف آخر هو اكرم وأشرف حلف سمع به في العرب (2)، وهو حلف الفضول الذي أمضاه الاسلام، حسبما تقدم. وكان في مقابلهم حلف الاحلاف، من قبل بني عبد الدار، وسهم، وجمح، ومخزوم، وعدي، ولا يقصد في حلفهم إلا الشرف الدنيوي، ولو أريقت الدماء، وازهقت النفوس.


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 145. (2) البداية والنهاية ج 2 ص 291. (*)

[ 166 ]

ولعل هذا يعكس بوضوح الفرق بين الاتجاهين، ونوعية التفكير، ومستوى الوعي، والنظرة للحياة لدى كل من الفريقين. ولا نبالغ إذا قلنا: إن من الممكن أن نفهم من مراجعة كتب التاريخ والانساب: أن بني عبد مناف، ولا سيما آل أبي طالب كانوا هم رجالات الاسلام، والهداة إلى الحق، والمجاهدين في سبيل الدين. بينما نجد بني عبد الدار، والمتحالفين معهم أقل تحمسا للدين، وتضحية في سبيله، بل ويكثر فيهم المناوؤون له، والحاقدون عليه. 2 - إن اشتراط قريش: أن تكون نفقة الكعبة طيبة، لا ربا فيها، ولا مظلمة لاحد الخ.. إن دل على شئ فإنما يدل ولا شك على شعور حقيقي بقبح هذه الامور، وعدم رضا الله والوجدان بها. وقد يفسر ذلك أيضا باقتضاء الفطرة لذلك، وحكم العقل بقبحه. ونحن،، وإن كنا نعترف بان ذلك كذلك. بل إن كل احكام الدين موافقة للفطرة، ولاحكام العقل، إلا أننا لا بد وأن نضيف هنا: أنه يدل أيضا على بقاء شئ من تعاليم الحنيفية فيهم، خصوصا عند قريش، وبني عبد مناف، ولذلك يلاحظ كثرة الاشارات إلى دين ابراهيم، وما يدل على ايمانهم بالله في كلمات عبد المطلب، وأبي طالب (عليهم السلام) كثير. وما الخطبة التي ألقاها أبو طالب حينما طلب يد خديجة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنا ببعيدة. 3 - إن ما تقدم يدل على أن أهل مكة كانوا يتعاملون بالمنطق القبلي حتى في تعاونهم على بناء البيت، وحمل الحجارة له، وهو أقدس مقدساتهم، ورمز عزهم ومجدهم وكرامتهم. بل وعليه تقوم حياتهم. وإن تحالف لعقة الدم حين الاختصام فيمن يرفع الحجر إلى موضه، ليعتبر الذروة في هذا الامر، الذي يمجه الذوق، وتنبو عنه الفطرة، ويرفضه العقل السليم.

[ 167 ]

4 - وبعد هذا، فإن ما يلفت نظرنا: هو فرح قريش حينما رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أول داخل عليهم، ثم وصفهم له بأنه (الامين)، مما يعني أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحتل مكانة خاصة في نفوس الناس في مكة، حيث تسكن قريش سيدة القبائل العربية كلها، حتى إنهم كانوا يحكمونه في كثير مما كان يشجر بينهم، ويضعون كل ثقتهم فيه، حتى لقبوه ب‍ (الامين). بل اننا نجد: في كلمات أبي طالب المتقدمة، خير شاهد على مكانته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلو منزلته، وشرفه، وسؤوده. وفي موقف أمية بن خلف في غزوة بدر دلالة على ذلك أيضا (1) فراجع. خرافة انحلال الازار: هذا، وبعد كل ما تقدم، فإننا نواجه هنا اكذوبة مفضوحة، ليس الهدف منها إلا الحط من كرامة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والاساءة لمقامه الاقدس، من أولئك الذين لما يدخل الايمان في قلوبهم، ولم يسلموا وانما استسلموا، وأقسموا على العمل على دفن ذكر محمد، وطمس اسمه ودينه. ولكن الله يأبي إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وتلك الاكذوبة التي هي واحدة من مئات امثالها، مما تقشعر له الابدان، ويشتد له غضب الرحمان، هي التالية: روى الشيخان، وغيرهما من المؤلفين في االتاريخ والحديث، ممن تجمعهم معهما رابطة الدين، والسياسة، والصنعة - والنص للبخاري -: (أن رسول الله) صلى اللة عليه وآله وسلم) كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يابن أخي لو حللت إزارك


(1) سيأتي ذلك في أوائل غزوة بدر إن شاء الله. (*)

[ 168 ]

فجعلت على منكبيك دون الحجارة ؟.. قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه. فما رؤي بعد ذلك عريانا (1)). وفي رواية أخرى للبخاري في كتاب الحج: (فخر إلى الارض، فطمحت عيناه، فقال: أرني ازاري، فشده عليه). ونحن لا نشك أن ذلك مختلق ومفتعل، ونكتفي بالاشارة هنا إلى ما يلي: أولا: إن ثمة تناقض ظاهر بين هذه الروايات، الامر الذي يذكرنا بالمثل المشهور: (لا حافظة لكذوب). وكمثال على ذلك نذكر: أن رواية تقول: إن تعريه (ص) كان وهو صغير، حينما كان يلعب مع الصغار، وكلهم قد تعرى، وهم أيضا ينقلون الحجارة للعب، فلكمه لاكم لا يراه، وقال: شد عليك إزارك (2). وفي أخرى: أن ذلك كان حينما كان عمه أبو طالب يصلح زمزم، فأمر بالستر، من قبل متكلم لا يراه (3).


(1) البخاري، باب كراهية التعري في الصلاة ط سنة 1309 ج 1 ص 50 ص 181 وج 2 ص 203، وصحيح مسلم ط سنة 1334 ه‍ ج 1 ص 184، ومسند أحمد ج 3 ص 295 و 310 و 333، وج 5 ص 454 و 455، والمصنف ج ه ص 103 والبداية والنهاية ج 2 ص 287 عن الصحيحين وعن البيهقي. وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 19 والغدير ج 9 ص 285 و 286 عن البخاري ومسلم وعن السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 197. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 122 وفتح الباري ج 7 ص 111 عن ابن إسحاق وسيرة ابن هشام ج 1 ص 194 والبداية والنهاية ج 2 ص 287. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 142 و 122. (*)

[ 169 ]

وثالثة تذكر: أن ذلك كان حين بناء البيت، وهي المتقدمة. ومعنى ذلك أن عمره كان 35 سنة. ونوع آخر من الاختلاف، وهو: أن النمرة قد ضاقت عليه، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته، لصغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك. فلم ير عريانا بعد ذلك (1). وأخرى تقول: إن العباس طلب منه أن يضع إزاره عن عاتقه (2). ورواية تقول: صرع. وأخرى: لكم، وثالثة: اغمي عليه. إلى آخر ما هنا لك من وجوه الاختلاف. طريق جمع فاشل: وقد حاول العسقلافي والحلبي الجمع بين الروايات: فقال العسقلاني: إن النهي السابق لم يكن يفهم منه الشمول لصورة الاضطرار العادي. وحين بناء البيت اضطر إلى ذلك، فرأى أن لا مانع من التعري حينئذ (3). وهكذا يبذل هؤلاء المحاولات لاثبات هذا الامر الشنيع على الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لان ذلك قد ورد في صحيح البخاري، وهو الكتاب المقدس عندهم، بل هو أصح شئ بعد القرآن. بل إن القرآن فيه تحريف ونسخ للتلاوة وغيرها عندهم. أما البخاري فيجل عن ذلك ! !


(1) مسند أحمد ج 5 ص 455، ومصنف عبد الرزاق ج 5 ص 103. (2) ربما يجاب عن ذلك بأن العباس حين رأى ضيق النمرة طلب منه ذلك فأجاب، فنودي. (3) فتح الباري ج 1 ص 401. (*)

[ 170 ]

مع أنه قد فات العسقلافي هنا: أنه قد جاء في رواية أبي الطفيل: (فما رؤيت له عورة قبل ولا بعد) (1). هذا كله عدا عن أنه هو نفسه يذكر: أنه (ص) كان مصونا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها (2) ثم جاء الحلبي، وقال: إن من الممكن أن تكون عورته (ص) قد انكشفت، لكن لم يرها أحد حتى العباس (3). ولكن ما يصنع الحلبي بعبارة البخاري، وغيره، والتي تنص على أنه: ما رؤي بعد ذلك عريانا. وعبارة أبي الطفيل: ما رئيت له عورة قبل ولا بعد. وثانيا: ومما يكذب ذلك: ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) - وكأنه تنبأ عما سوف يقال زورا، وبهتانا عنه -: من كرامتي على ربي: أن أحدا لم ير عورتي. أو ما هو قريب من هذا (4). وثالثا: لقد قال عنه أبو طالب (عليه السلام)، قبل بناء البيت بعشر سنوات: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يوزن برجل إلا رجح به، ولا يقاس به أحد إلا وعظم عنه الخ. فكيف إذن يقدم هذا الرجل العظيم على التعري أمام الناس، حين حمله الحجارة للكعبة ؟ !. ورابعا: إن ثمة روايات تفيد: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان


(1) فتح الباري ج 7 ص 111. (2) فتح الباري ج 1 ص 401. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 142. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 53 و 54 و 142. وكنز العمال ج 12 ص 83 عن الطيالسي والخطيب وابن عساكر، والطبراني وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 350 والمعجم الصغير ج 2 ص 59. (*)

[ 171 ]

مصونا من رؤية عورته حتى بالنسبة لازواجه، فعن عائشة: ما رأيت عورة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قط، أو نحو ذلك (1). وإن كانت قد عادت فذكرت: أن زيد بن حارثة قرع الباب، فقام إليه رسول الله يجر ثوبه عريانا، قالت: (والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه، وقبله) (2). لكن نصا آخر يقول: (فما رأيت جسمه قبلها) (3). وهذا هو الاقرب إلى الصواب، بملاحظة ما قدمناه وما سيأتي. وخامسا: في حديث الغار: أن رجلا كشف عن فرجه، وجلس يبول، فقال أبو بكر: قد رآنا يا رسول الله، قال: لو رآنا لم يكشف عن فرجه (4). وهذا يدل على أن المشركين كانوا يستقبحون أمرا كهذا، ولا يقدمون عليه، فكيف فعله الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ! وسادسا: لقد روي أنه (ص) كان أشد حياء من العذراء في خدرها (5)، فهل العذراء الخجول تستسيغ لنفسها التعري أمام الناس.


(1) الشفاء لعياض ج 1 ص 95 وشرحه للقاري عن ابن ماجة، والترمذي في شمائله وحياة الصحابة ج 2 ص 611 عن الترمذي في الشمائل ص 26، ولسان الميزان ج 2 ص 9 والسيرة الحلبية ج 1 ص 142. وسنن ابن ماجة ج 1 ص 619 وراجع: صيد الخاطر ص 481 والمعجم الصغير ج 1 ص 53. (2) حياة الصحابة ج 2 ص 544 / 545 عن الترمذي ج 2 ص 97 وقال: حسن غريب. (3) صيد الخاطر ص 481. (4) فتح الباري ج 7 ص 10، والسيرة الحلبية ج 2 ص 37، والبحار ج 19 ص 78 عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 111. (5) راجع الغدير ج 9 ص 281، وعن البخاري ومسلم. (*)

[ 172 ]

وسابعا: عن ابن عباس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يغتسل وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط (1). وثامنا: وقد عد من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه لم ترى عورته قط، ولو رآها أحد لطمست عيناه (2). فلماذا لم تطمس عينا العباس، الذي كان حاضرا وناظرا، وشد عليه إزاره، وكذا أعين سائر من رآه حين بناء البيت ؟ ! وكذلك لماذا لم تطمس أعين رفقائه الصغار، الذين رأوا منه ذلك وهم يلعبون ؟ ! فإن كانوا قد رأوا، فاللازم هو طمس أعينهم، وإن لم يكونوا قد رأوا، فلماذا هذا الكذب والافتراء، وسوء الادب، والجرأة على مقام النبي الاقدس (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتفوه بما يتنافى مع شرفه، وعلو منزلته وكرامته، وسؤوده، وتسديد الله له. نعوذ بالله من الخذلان، ومن وساوس الشيطان. وتاسعا: وأخيرا، لقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذه، ويجلس بين قوم (3). فكيف اذن يكشف النبي الاعظم عورته أمام الناس يا ترى ؟ وأخيرا، فإن ثمة نصوصا أكثر شناعة وقباحة من ذلك، نجل مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الاقدس عن ذكرها. ثوبي حجر ! ! وبالمناسبة، فإن أمثال هذه الافتراءات قد تعدت نبينا الاكرم (ص) إلى نبي الله موسى (عليه السلام) ولكن بنحو أكثر شناعة، وأشد قباحة،


(1) الغدير ج 9 ص 288 عن شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 284، وعن فتح الباري ج 6 ص 450. (2) الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 95 وتاريخ الخميس ج 1 ص 214. (3) البحار ج 75 ص 466. (*)

[ 173 ]

حيث نسبت ذلك إلى فعل الله سبحانه به. فلقد روى البخاري وغيره: أن بني اسرائيل اتهموا موسى بأنه آدر (أي مصاب بانتفاخ في خصيته بسبب الفتق) فنزع ثوبه، ووضعه على حجر واغتسل. فلما أراد أن يأخذ ثوبه عدا الحجر بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى نظرت بنو اسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا. قال أبو هريرة: فوالله، إن بالحجر لندبا: ثلاثا، أو اربعا، أو خمسا، فذلك قوله تعالى: لا تكونوا كالذين آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها (1). ولا ندري كيف لم يلتفت موسى إلى نفسه، حتى بلغ مجالس بني اسرائيل ؟ !، وما هو الذي أفقده صوابه حتى خرج عن حيائه وسجيته، التي ذكرتها الرواية: أنه كان حييا ستيرا لا يرى من جلده شئ استحياء منه ؟ !. ولا ندري ما هي حقيقة هذا الحجر العبقري ! الذي يهرب من موسى، ويتركه يعدو خلفه ؟ ! ولا ندري كذلك كيف التفت موسى إلى عصاه قبل أن يلحق بالحجر، وما الذي خطر في باله آنئذ ؟ !. وإذا لم يكن الحجر مأمورا، فما الذي جعله يقوم بهذه العملية،


(1) البخاري ط سنة 1309 ج 1 ص 40 وج 2 ص 158، ومسند أحمد ج 2 ص 315 والدر المنثور ج 5 ص 223 عنه وعن عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه وابن الانباري في المصاحف، والبزار، والحاكم وصححه، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وتفسير الميزان ج 16 ص 353، وتفسير القمي ج 2 ص 19 بسند حسن ولكن نسبة التفسير إلى القمي مشكوك فيها ومشكل الاثار ج 1 ص 11 وتفسير نور الثقلين ج 4 ص 309 وتفسير البرهان ج 3 ص 339. وكشف الاستار ج 3 ص 66 ومجمع الزوائد ج 7 ص 93. (*)

[ 174 ]

ويخرجه عن وضعه الطبيعي ؟ !، وإذا كان مامورا، فلماذا لم يدرك موسى ذلك بمجرد تحرك الحجر بثوبه الذي هو أمر خارق للعادة ؟. هذا مع كونه يناديه ويخاطبه، حتى كأنه عاقل مدرك لما يقول ! ! وأخيرا، فإنني لا أدري ما هو ذنب هذا الحجر، حتى استحق هذا الضرب الوجيع الذي أثر فيه وجعل فيه ندبا ؟ ! ولماذا لم يعين لنا عدد تلك الندب، فذكرت على نحو الترديد: ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا ؟ !. وفي بعض الروايات: ستا، سبعا ؟ !. وإذا كان أبو هريرة قد بلغ به النسيان هذا الحد، فكيف استطاع أن يحفظ تلك التفاصيل الدقيقة للقصه نفسها ؟ !. ثم كيف استطاع أن يحفظ هذه الالاف المؤلفة من الاحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ !. هذا وتحسن الاشارة هنا إلى أنه لا يرد كثير مما ذكرنا، على رواية القمي التي لم تذكر عصاه، ومناداته، وضربه للحجر. ولعلها أقرب إلى الاعتبار من تلك الرواية البخارية. وقد جاء أن آية ايذاء موسى، قد نزلت في طعن بني اسرائيل على موسى بسبب هارون: لانه توجه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فاتهمه بعض بني اسرائيل بقتله، فبرأه الله تعالى بأن أخبرهم جسد هارون بأنه مات ولم يقتل (1). حياء عثمان: هذا، ولا بأس بالمقارنة بين ما يذكر هنا عن نبينا الاعظم (صلى الله


(1) فتح الباري ج 6 ص 313 عن ابن مردويه والطحاوي، وابن منيع بسند حسن، والدر المنثور ج 5 ص 223 عن هؤلاء وعن ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن ابن عباس، ومشكل الاثار ج 1 ص 12. (*)

[ 175 ]

عليه وآله وسلم) وبين ما يذكر عن حياء عثمان، حتى إن أبا بكر، وعمر ليدخلان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفخذه مكشوفة، فلا يسترها، حتى إذا دخل عليه عثمان جلس، وستر فخذه، وسوى عليه ثيابه، فتسأله عائشة، فيجيبها بأنه: ألا يستحي من رجل تستحى منه الملائكة، أو ما هو قريب من هذا (1). هذا، مع أن هذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه يأمر ويؤكد باستمرار بالحياء، ويحث عليه، فيقول: إذا لم تستح، فاصنع ما شئت. ويقول: الحياء من الايمان، والايمان في الجنة. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا مجال لتتبعها. كما أن أبا سعيد الخدري قد وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه: أشد حياء من العذراء في خدرها (2). وأيضا، فإنهم ينقلون عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه أمر رجلا


(1) مجمع الزوائد ج 9 ص 82، والبداية والنهاية ج 7 ص 202 عن الطبراني في الكبير، والاوسط، ومسند أحمد، وأبي يعلى، وتاريخ جرجان ص 416، والمصنف ج 11 ص 232 / 233 والمحاسن والمساوي ج 1 ص 61 وحياة الصحابة ج 2 ص 611 و 612 عن الاولين ومشكل الاثار ج 2 ص 283 / 284، ومسند أحمد ج 1 ص 71 وج 6 ص 62 و 155 و 167 وصحيح مسلم ج 7 ص 116 / 177، والغدير ج 9 ص 274 و 275 و 287 وص 290 عن الاخيرين وعن: مصابيح السنة ج 2 ص 273، والرياض النضرة ج 2 ص 88 وراجع: تأويل مختلف الحديث ص 323 والتراتيب الادارية ج 2 ص 383 و 384 وفيه أحاديث أخرى عن حياء الملائكة من عثمان ومسند أبي يعلى ج 7 ص 415. (2) البداية والنهاية ج 6 ص 36، ومجمع الزوائد ج 9 ص 17، عن الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح، وصحيح مسلم ج 7 ص 87، والغدير 9 ص 281 عن البخاري باب صفة النبي (ص) وعن مسلم، وحياة الصحابة عن بعض من تقدم وعن الترمذي ص 26. (*)

[ 176 ]

بستر فخذه، فإنها من العورة (1). وأما ما يدل على أن ما بين السرة والركبة عورة، فكثير أيضا (2). وعن حياء أبي موسى وأبي بكر، والخدري (3) هناك نصوص لا مجال لايرادها فعلا. وقد قال العلامة الاميني: (هب أن النهي عن كشف الافخاذ تنزيهي، إلا أنه لا شك في أن سترها أدب من آداب الشريعة، ومن لوازم الوقار، ومقارنات الابهة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى برعاية هذا الادب، الذي صدع به هو الخ) (4). أهل الكتاب، وتعري الانبياء: ولا بد أن نشير أخيرا إلى أننا نجد لهذا الامر أصلا عند أهل الكتاب،


(1) مسند أحمد ج 5 ص 290 وج 1 ص 275، وصحيح البخاري ج 1 ص 51 وسنن البيهقي ج 2 ص 228، والاصابة ج 3 ص 448، وفتح الباري. ج 1 ص 403، ونيل الاوطار ج 2 ص 50، ومستدرك الحاكم ج 4 ص 180 / 181، ومجمع الزوائد ج 2 ص 52 عن أحمد والطبراني في الكبير والغدير ج 9 ص 282 فما بعدها عن من تقدم وعن إرشاد الساري، وابن حبان في صحيحه وليراجع: موطأ مالك، والترمذي، وأبو داود، ومشكل الاثار ج 2 ص 284 و 285 و 286 وحتى ص 293. والمصنف ج 11 ص 27 وتأويل مختلف الحديث ص 323 / 324. (2) راجع: الغدير ج 9 ص 285، و 284، و 288، 290 و 291 و 292. والمعجم الصغير ج 2 ص 96. وحياة الصحابة ج 2 ص 612 / 613 تجد كثيرا من أقوال العلماء والنصوص حول ذلك. (3) راجع: طبقات ابن سعد ج 4 ص 113 و 114 والزهد والرقائق ص 107 وربيع الابرار ج 1 ص 760 وحياة الصحابة ج 3 ص 482 عن كنز العمال ج 8 ص 306 وج 5 ص 124 وعن حلية الاولياء ج 1 ص 34، والغدير ج 7 ص 248 وج 9 ص 281 (4) الغدير ج 9 ص 285. (*)

[ 177 ]

فلعل الخطة الاموية الملعونة قد استفادت أصل هذا الموضوع من أهل الكتاب ! !. فقد جاء في أخريات العشرين من أشعيا: أن الله أمر نبيه أشعيا: أن يمشي عريانا وحافيا بين الناس ثلاث سنين، ليبلغ الناس، ويقول لهم: هكذا يسوق ملك آشور سبي مصر، وجلاء كوش الفتيان والشيوخ عراة وحفاة، ومكشوفي الاستاه، خزيا لمصر. وجاء في تاسع التكوين الفقرة (21): وشرب نوح من الخمر فسكر، وتعرى داخل جنانه. وفي صموئيل الاولى، الاصحاح التاسع عشر، الفقرة 23 / 24: (فكان يذهب ويتنبأ، حتى جاء نايوت في الرامة، فخلع هو أيضا ثيابه، وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل، وانطرح عريانا ذلك النهار كله، وكل الليل، لذلك يقولون: أشاول أيضا بين الانبياء). ولادة فاطمة بنت الرسول (ص): يذكر البعض: أن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بنت الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، قد ولدت قبل البعثة، ثم يختلفون - أولئك البعض - فيما بينهم في تحديد سنة ولادتها، فبعضهم يقول: إنها ولدت سنة بناء الكعبة، أي قبل البعثة بخمس سنين (1). وبعضهم يقول: إنها ولدت قبل البعثة بسبع سنين (2)، وقيل (3):


(1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 277، وذخائر العقبى ص 52 ومقاتل الطالبيين ص 48، وسيرة مغلطاي ص 17 عن ابن الجوزي. والبحار ج 43 ص 9. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 278، وذخائر العقبى ص 52. (3) المصدران السابقان. (*)

[ 178 ]

باثنتي عشرة سنة (1). والقائلون بأنها ولدت بعد البعثة اختلفوا أيضا، بين قائل: إنها ولدت سنة البعثة (2)، وقيل: في الثانية (3). وقيل: سنة أحدى واربعين من عمره الشريف (4). القول الحق: والقول الحق هو ما عليه شيعة أهل البيت تبعا لائمتهم (عليهم السلام)، وأهل البيت أدرى بما فيه، وتابعهم عليه جماعة من غيرهم،


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 277، وذخائر العقبى ص 52، والمواهب اللدنية ج 1 ص 198 والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 374، واختاره الحاكم في المستدرك ج 3 ص 161. (2) البحار ج 43 ص 8 عن إقبال الاعمال، عن حدائق الرياض، للشيخ المفيد رحمه الله وتاريخ الخلفاء: ص 75. وهو مقتضى كلام العسقلاني في تهذيب اللهذيب: ج 2 ص 441 حيث قال: إنها تزوجت في السنة الثانية من الهجرة وعمرها خمسة عشر سنة وخمسة أشهر ونصفا. (3) البحار: ج 43 ص 9، وفي الاستيعاب (بهامش الاصابة): ج 4 ص 374 أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي (ص) ونهاية الارب ج 18 ص 213. (4) في مستدرك الحاكم ج 3 ص 163 ذكر أنها ماتت وعمرها (21) سنة وولدت على رأس (41) من مولده (ص). وكذا في نهاية الارب ج 18 ص 213 ودلائل النبوة للبيهقي ط دار الكتب العلمية ج 2 ص 71 والتبيين في أنساب القرشيين ص 91 ومختصر تاريخ دمشق ج 2 ص 269 والمواهب اللدنية ج 1 ص 198 والاستيعاب بهامش الاصابة ج 4 ص 374. وسيرة مغلطاي 17، والبحار ج 43 ص 8، وملحقات احقاق الحق للمرعشي ج 10 ص 11 عن الثغور الباسمة للسيوطي. وراجع: البصائر والذخائر ج 1 ص 193 وراجع تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 20. (*)

[ 179 ]

وهو أنها قد ولدت في السنة الخامسة من البعثة، وتوفيت وعمرها ثمانية عشر عاما (1). ويدل على ذلك، أو يؤيده: 1 - ما تقدم في البحث عن أولاد خديجة، من أن البعض قد ذكر أنهم كلهم قد ولدوا بعد الاسلام باستثناء عبد مناف (2)، مع العلم بأن فاطمة (عليه السلام) كانت أصغر أولاده (صلى الله عليه وآله وسلم). ويدل على ذلك: أنه قد ذكر في الاستيعاب في ترجمة خديجة: أن الطيب قد ولد بعد النبوة، وولدت بعده أم كلثوم، ثم فاطمة. 2 - ويدل على أنها قد ولدت بعد البعثة روايات كثيرة، أوردها جماعة من العلماء، على اختلاف نحلهم ومشاريهم، تدل على أن نطفتها قد انعقدت من ثمر جاء به جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجنة، حين الاسراء والمعراج، وذلك مروي عن عدد من الصحابة، منهم: عائشة، وعمر بن الخطاب، وسعد بن مالك، وابن عباس، وغيرهم (3).


(1) ذخائر العقبى ص 52 وتاريخ الخميس ج 1 ص 278 نقلا عن الامام أبي بكر أحمد بن نصر بن عبد الله الدراع في كتاب تاريخ مواليد اهل البيت ومروج الذهب: ج 2 ص 289، والبحار ج 43 ص 1 - 10 عن الكافي بسند صحيح، والمصباح الكبير، ودلائل الامامة، ومصباح الكفعمي، والروضة، ومناقب ابن شهر آشوب، وفي الاخيرين: أنها ولدت بعد البعثة بخمس سنين، وبعد الاسراء بثلاث سنين، وكذا في كشف الغمة: ج 2 ص 75، وإثبات الوصية للمسعودي، وغير ذلك. (2) راجع: البدء والتاريخ ج 5 ص 16، والمواهب اللدنية ج 1 ص 196، وتاريخ الخميس ج 1 ص 272. (3) تجد بعض هذه الروايات في كتب الشيعة، مثل: البحار ج 43 ص 4 و 5 و 6 عن أمالي الصدوق، وعيون أخبار الرضا، ومعاني الاخبار، وعلل الشرائع، وتفسير القمي، والاحتجاج وغير ذلك. والانوار النعمانية ج 1 ص 80. وفي كتب غيرهم = (*)

[ 180 ]

وإذا أمكنت المناقشة في بعض تلك الروايات فإن البعض الاخر لا مجال للنقاش فيه. ويؤيد ذلك أيضا: أن النسائي قد روى: أنه لما خطب أبو بكر وعمر فاطمة ردهما (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال لهما: إنها صغيرة (1). فلو كان عمرها سبع عشرة سنة أو أكثر، فلا يقال: إنها صغيرة. ويؤيده أيضا: ما روي من أن خديجة رحمها الله كانت قد هجرتها نساء قريش، فلما حملت بفاطمة كانت تحدثها من بطنها، وتصبرها (2). بقي أن نشير إلى أن استبعاد حمل خديجة بفاطمة في السنة الخامسة من البعثة، لان سن خديجة كان حينئذ عاليا - هذا الاستبعاد -. في غير محله، لما تقدم، من أن سن خديجة حينئذ كان ما بين 45 حتى 50 سنة بناء على عدد من الاقوال في مقدار عمرها، ولعل من بينها ما هو الاقوى، وإن كان المشهور خلافه.


= مثل: المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 156، وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه)، ونزل الابرار: ص 88، والدر المنثور: ج 4 ص 153، وتاريخ بغداد: ج 5 ص 87، والمناقب لابن المغازلي: ص 357. تاريخ الخميس ج 1 ص 277، وذخائر العقبى ص 36 ولسان الميزان ج 1 ص 134 واللالي المصنوعة ج 1 ص 392 - 394، ونقله النجفي في ملحقات إحقاق الحق ج 10 ص 1 - 10 عن بعض من تقدم وعن ميزان الاعتدال والروض الفائق، ونزهة المجالس، ومجمع الزوائد، وكنز العمال، ومنتخبه، ومحاضرة الاوائل. ومقتل الحسين للخوارزمي، ومفتاح النجاة، والمناقب لعبد الله الشافعي، وإعراب ثلاثين سورة، واخبار الدول. وستأتي بغية المصادر حين الكلام حول تاريخ الاسراء والمعراج. (1) راجع: خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: ص 114، والمناقب لابن شهر آشوب: ج 3 ص 345، وتذكرة الخواص: ص 306 / 307. (2) البحار ج 43 ص 2. (*)

[ 181 ]

وحتى على هذا المشهور، فإن عمر خديجة حينئذ كان لا يأبى عن الحمل، فإن القرشية يستمر حيضها إلى الستين، كما هو مقرر في الفقه. وهذا يعني أن قابلية الحمل موجودة أيضا، كما هو ظاهر. ومما ذكرناه، ومن قول المصباح: (والعامة تروي: أن مولدها كان قبل المبعث بخمس سنين) (1)، نعرف: أن المسعودي قد اشتبه في نسبة القول بالتسع والعشرين إلى أكثر أهل البيت وشيعتهم (2). ولعله سهو من قلمه، أو عمد أو سهو من النساخ، بحيث كان في الاصل تسع عشرة، فبدل إلى تسع وعشرين. وبعد كل ما تقدم، فإنه إذا كانت فاطمة قد ولدت في السنة الخامسة من البعثة، فإنها تكون قد توفيت وعمرها ثمانية عشر عاما فقط، كما هو ظاهر.


(1) البحار ج 43 ص 2 وليراجع حتى ص 10 (2) التنبيه والاشراف ص 250. (*)

[ 183 ]

الفصل الخامس: بحوث تسبق السيرة

[ 185 ]

البحث الاول: إيمان آباء النبي (ص) إلى آدم (ع): قالوا: إن كلمة الامامية قد اتفقت على أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، من آدم إلى عبد الله كلهم مؤمنون موحدون (1). بل ويضيف المجلسي قوله: (... بل كانوا من الصديقين، إما انبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين، ولعل بعضهم لم يظهر الاسلام، لتقية، أو لمصلحة دينية). (2) ويضيف الصدوق هنا: أن أم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آمنة بنت وهب كانت مسلمة أيضا (3). ومعنى ذلك: هو أنه ليس في آباء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا الخير والبركة، وهذا هو ما ورثه الرسول عنهم، ويتأكد بذلك


(1) راجع: أوائل المقالات ص 12، وتصحيح الاعتقاد ص 67، وتفسير الرازي ج 24 ص 173 ط دار الكتب العلمية بطهران وفي طبعة أخرى ج 4 ص 103، والبحار ج 15 ص 117، ومجمع البيان ج 4 ص 322، وليراجع البداية والنهاية ج 2 ص 281. (2) البحار ج 15 ص 117. (3) نفس المصدر. (*)

[ 186 ]

طهارته (صلى الله عليه وآله وسلم) من الارجاس، والرذائل، حتى ما يكون عن طريق الوراثة، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وهو ما أثبته العلم الحديث أيضا، حيث لم يبق ثمة أية شبهة في تأثير عامل الوراثة في تكوين شخصية الانسان، وفي خصاله ومزاياه. قال أبو حيان الاندلسي: (ذهبت الرافضة إلى أن آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا مؤمنين) (1). أما غير الامامية، فذهب اكثرهم إلى كفر والدي النبي وغيرهما من آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذهب بعضهم إلى ايمانهم. وممن صرح بايمان عبد المطلب، وغيره من آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، المسعودي، واليعقوبي، وهو ظاهر كلام الماوردي، والرازي في كتابه اسرار التنزيل، والسنوسي، والتلمساني محشي الشفاء، والسيوطي، وقد ألف هذا الاخير عدة رسائل لاثبات ذلك (2). وفي المقابل قد الف بعضهم رسائل لاثبات كفرهم، مثل ابراهيم الحلبي، وعلى القاري الذي فصل ذلك في شرح الفقه الاكبر، واتهموا السيوطي بأنه متساهل، لا عبرة بكلامه، ما لم يوافقه كلام الائمة النقاد. وسيأتي في آخر هذا البحث إن شاء الله تعالى ما يشير إلى السبب في الاصرار على كفر آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعمامه.


(1) تفسير البحر المحيط ج 7 ص 47. (2) رسائل السيوطي، هي التالية: 1 - مسالك الحنفا. 2 - الدرج المنيفة في الاباء الشريفة. 3 - المقامة السندسية في النسبة المصطفوية 40 - التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله (ص) في الجنة. 5 - السبل الجلية في الاباء العلية. 6 - نشر العلمين المنيفين. في إثبات عدم وضع حديث إحياء أبويه (ص) وإسلامهما على يديه (ص). (*)

[ 187 ]

بعض الادلة على إيمانهم: وقد قال الامامية: إن ثمة روايات كثيرة تدل على ايمان آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم)، بالاضافة إلى اجماع الطائفة المحقة، وهذا الاجماع وإن كان معلوم المستند، فلا بد من النظر إلى مستنده نفسه، ومستند ذلك هو الاخبار. والاحاطة بجميعها متعسر، إن لم يكن متعذرا (1). وهذا هو الدليل المعتمد. وقد استدلوا على ذلك ايضا: 1 - بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى ارحام المطهرات، حتى اخرجني في عالمكم، ولم يدنسني بدنس الجاهلية). (2) ولو كان في آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم) كافر، لم يصفهم كلهم بالطهارة، مع قوله تعالى: (إنما المشركون نجس). (3) إلا أن يكون المقصود هو الطهارة من العهر، أو من الارجاس والرذائل، وهو لا يلازم الكفر.


(1) ذكر طائفة منها العلامة المجلسي رحمه الله في البحار: ج 15، والسيوطي في رسائله المشار إليها، فراجع رسالة السبل الجلية: ص 10 فما بعدها، وراجع أيضا: السيرة الحلبية، وغير ذلك وتاريخ الخميس ج 1 ص 234 فما بعدها. (2) مجمع البيان ج 4 ص 322، والبحار ج 15 ص 117 و 118 وتفسير الرازي ج 24 ص 174 والسيرة الحلبية ج 1 ص 30، والدر المنثور ج 5 ص 98، وسيرة دحلان ج 1 ص 18 وتصحيح الاعتقاد ص 67 وتاريخ الخميس ج 1 ص 234 وتفسير البحر المحيط ج 7 ص 47. (3) راجع: المصادر المتقدمة. (*)

[ 188 ]

2 - واستدلوا على ذلك ايضا بقوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين) (1). لما روي عن ابن عباس، وأبي جعفر، وأبي عبد اللة (عليهما السلام): انه (صلى اللة عليه وآله وسلم) لم يزل ينقل من صلب نبي إلى نبي. ويمكن المناقشة في ذلك أيضا: بأن الاية تقول: إنه تعالى يراه حال عبادته وسجوده، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في جملة الساجدين الموجودين فعلا، وغيرهم. لا أنه يراه وهو يتقلب في أصلاب الانبياء. ولو ثبتت الرواية، فيمكن القول بانها لا تدل على استغراق ذلك لجميع آبائه، فلعله يرى تقلبه في أصلاب الانبياء من آبائه، كما يرى تقلبه في أصلاب غير الانبياء. هذا، عدا عن أن من الصعب جدا اثبات نبوة جميع آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آدم (عليه السلام). وأما أدلة غير الامامية فقد استقصاها السيوطي في رسائله المشار إليها، ولكن استعراضها والاستقصاء فيها نقضا وإبراما يحتاج إلى وقت طويل، وتأليف مستقل. 3 - ويمكن أن يستدل على ايمان آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إبراهيم بقوله تعالى، حكاية لقول إبراهيم وإسماعيل: (واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) (2)، مع قوله تعالى:


(1) الشعراء 218 / 219 وراجع تاريخ الخميس ج 1 ص 234 و 235 وتفسير البحر المحيط ج 7 ص 47. (2) البقرة: 128. (*)

[ 189 ]

(وجعلها كلمة باقية - في عقبه (1))، أي في عقب ابراهيم، فيدل على أنه لا بد أن تبقى كلمة الله في ذرية ابراهيم، ولا يزال ناس منهم على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة. ولعل ذلك استجابة منه تعالى لدعاء ابراهيم الذي قال: (واجنبني وبني أن نعبد الاصنام (2)) وقوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي (3)). وواضح أنه: لو أنه تعالى قد استجاب لابراهيم في جميع ذريته لما كان أبو لهب من أعظم المشركين، واشدهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا ما يفسر الاتيان بمن التبعيضية في قوله: (ومن ذ ريتي). استغفار ابراهيم (ع) لابيه: وقد اعترض على القائلين بايمان جميع آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى آدم، بأن القرآن الكريم ينص على كفر آزر أبي ابراهيم، قال تعالى: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن ابراهيم لاواه حليم) (4). وأجابوا: أولا: إن إبن حجر يدعي اجماع المؤرخين على أن آزر لم يكن أبا لابراهيم، وإنما كان عمه، أو جده لامه، على اختلاف النقل (5) وإسم أبيه


(1) الزخرف: 28. (2) ابراهيم: 35. (3) ابراهيم: 4. (4) التوبة: 114. (5) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 37، وراجع: الدر المنثور للعاملي: ج 1 ص 160. (*)

[ 190 ]

الحقيقي: تارخ (1)، وانما اطلق عليه لفظ الاب توسعا، وتجوزا وهذا كقوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا: نعبد إلهك واله آبائك (2)). ثم عد فيهم اسماعيل، وليس من آبائه، ولكنه عمه. وقد ذكر بعض العلماء: أن اسم آزر لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة في أول الامر، ثم لم يتكرر إسمه في غير ذلك المورد، تنبيها على أن المراد بالاب: آزر. وثانيا: إن استغفار ابراهيم لابيه قد كان في اول عهده وفي شبابه، مع أننا نجد أن إبراهيم حين شيخوخته، وبعد أن رزق أولادا، وبلغ من الكبر عتيا يستغفر لوالديه، قال تعالى حكاية عنه: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين، يوم يقوم الحساب) (3) قال هذا بعد أن وهب الله له على الكبر اسماعيل واسحاق حسب نص الايات الشريفة. (4) مع أن الاية تفيد: أن الاستغفار الاول قد تبعه التبرؤ مباشرة. ولكن من الواضح: أن بين الوالد والاب فرقا، فإن الاب يطلق على المربي وعلى العم والجد، أما (الوالد) فإنما يخص الوالد بلا واسطة. فالاستغفار الثاني إنما كان للوالد، أما الاول فكان للاب. وثالثا: إنه يمكن أن يكون ذلك الذي استغفر له، وتبرأ منه، قد عاد إلى الايمان، فعاد هو إلى الاستغفار له. هذا، ولكن بعض الاعلام (5) يرى: أن اجماع المؤرخين على أن أبا


(1) الدر المنثور للعاملي: ج 1 ص 160 وتاريخ الخميس ج 1 ص 235 و 236. (2) البقرة 133. (3) ابراهيم 41. (4) راجع: تفسير الميزان ج 12 ص 78 / 79. (5) هو العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني. (*)

[ 191 ]

ابراهيم ليس آزر منشؤه التوراة، التي تذكر ان اسم أبي ابراهيم هو: (تارخ). ثم ذكر ما استظهرناه نحن أيضا من أن من الممكن أن يكون نفس والد إبراهيم قد كان مشركا يجادله في الايمان بالله، فوعده بالاستغفار له، ووفى بوعده، ثم عاد فآمن بعد ذلك فكان يدعو له بعد ذلك أيضا حتى في أواخر حياته هو كما اسلفنا. وهذا الاحتمال وإن كان واردا حيث لا ملزم لحمل الاب في القرآن، والوالد على المجاز. إلا أنه ينافى الاجماع والاخبار، فلا محيص عن الالتزام بما ذكرناه آنفا من أن المراد بالاب هو العم والمربي، لا الوالد على الحقيقة. مع عدم قبولنا منه قوله: إن استعمال الاب في العم المربي، يكون مجازا. ان أبي وأباك في النار: روى مسلم وغيره: أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أين أبي ؟ فقال: في النار. فلما قفا دعاه، وقال له: إن أبي وأباك في النار (1). ونقول: إن هذا لا يصح. أولا: لما تقدم. مما يدل على إيمان جميع آبائه (صلى الله عليه وآله وسلم). وثانيا: لقد روى هذه الرواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس.


(1) راجع بالاضافة إلى صحيح مسلم: صفة الصفوة ج 1 ص 172 عن مسلم والاصابة ج 1 ص 337 عن ابن خزيمة، وسنن أبي داود المطبوع مع عون المعبود ج 12 ص 494، والبداية والنهاية ج 2 ص 280 عن مسلم ومسالك الحنفا ص 54 عن مسلم وتاريخ الخميس ج 1 ص 232. (*)

[ 192 ]

مع أننا نجد: أن معمرا قد روى نفس هذا الحديث عن ثابت عن أنس، ولكن بنحو آخر لا يدل على كفر أبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد قال له (صلى الله عليه وآله وسلم): (حيثما - أو إذا - مررت بقبر كافر فبشره بالنار (1)). وقد نص علماء الجرح والتعديل - من اصحاب هؤلاء الرواة - على أن معمرا أثبت من حماد. وأن الناس قد تكلموا في حفظ حماد، ووقع في احاديثه مناكير، دسها ربيعة في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدث بها، فوهم فيها (2). وثالثا: لقد رويت هذه الرواية بسند صحيح على شرط الشيخين عن سعد بن ابي وقاص، وجاء فيها: حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار (3). وكذا أيضا روي عن الزهري، بسند صحيح أيضا (4) ورابعا: كيف يكون أبواه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبو طالب، وعبد المطلب، وغيرهم، في النار حسب اصرار هؤلاء، ثم يكون ورقة بن نوفل، الذي أدرك البعثة، ولم يسلم، في الجنة عليه ثياب السندس (5). وكذلك فان زيد بن عمرو بن نفيل - ابن عم عمر بن الخطاب - في الجنة يسحب ذيولا، مع أنه مثل ورقة الانف الذكر (6). كما أن أمية بن أبي


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 50 / 51، مسالك الحنفا ص 54 / 55. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 51، ومقدمة فتح الباري ص 397، وتهذيب التهذيب ج 3 ص 12 - 15. ومسالك الحنفا 55. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 51 عن البزار، والطبراني، والبيهقي، والبداية والنهاية ج 2 ص 280. عن البيهقي، ومسالك الحنفا ص 55 عنهم وص 56 عن ابن ماجة. (4) مصنف الحافظ عبد الرزاق ج 10 ص 454. (5) سيأتي بعض الحديث عن ورقة حين الكلام على روايات بدء الوحي فانتظر. (6) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 39 و 168 والبداية والنهاية ج 2 ص 237 - 241. (*)

[ 193 ]

الصلت كاد يسلم في شعره، وهكذا ؟ !. (1) وكيف تطرح كل تلك الاحاديث والتواريخ المتضافرة، المتواترة الدالة على ايمان أولئك، ويتشبث لايمان هؤلاء ببيت شعر، أو بكلمة عابرة، لم يتبعها إلا التصميم على النهج الاول ؟ !. فعم، وكيف لا يكون لهؤلاء نجاة ويكونون في النار (2)، ثم يدخل المشركون الذين عاشوا في زمن الفترة الجنة ؟ ! فقد ذكر الحلبي ودحلان وغيرهما: أن أهل الفترة لا عذاب عليهم إلا على قول ضعيف، مبني على وجوب الايمان والتوحيد بالعقل، والذي عليه اكثر أهل السنة والجماعة: أنه لا يجب ذلك إلا بارسال الرسل. واطبق الاشاعرة في الاصول، والشافعية في الفقه على أن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيا، ويدخل الجنة، فعليه أهل الفترة من العرب لا تعذيب عليهم، وإن غيروا، أو بدلوا، أو عبدوا الاصنام، والاحاديث الواردة بتعذيب من ذكر مؤولة (3). وبهذا، وبالاحاديث المتواترة يرد ما زعموه من أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد منع من الاستغفار لامه رضوان الله تعالى عليها، وإن كنا نحن نعتقد أن اهل الفترة يعذبون إذا قامت عليهم الحجة العقلية أو النقلية إلا القاصرين منهم، فان التوحيد يثبت بالعقل لا بإرسال الرسل، وإلا، لم يمكن اثبات شئ على الاطلاق، لا التوحيد، ولا النبوة، ولا الدين من الاساس.


(1) الاغاني ط ساسي ج 3 ص 190. (2) عون المعبود ج 12 ص 494، والبداية والنهاية ج 2 ص 281 عن دلائل النبوة للبيهقي. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 32 / 33، والسيرة الحلبية ج 1 ص 106 / 107، وهذا هو رأى ابن حجر الهيتمي، والمناوي، والسيوطي. (*)

[ 194 ]

غريبة: ومن غريب الامر هنا: أن نجد البعض يوجه رواية: إن أبي وأباك في النار، بأن المقصود هو عمه أبو طالب، لان العرب تسمي العم أبا، وقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) ينسب بالبنوة إلى ابي طالب (1). ولا ندري لماذا ترك عمه أبا لهب لعنه الله تعالى. فان كفره مسلم ومقطوع به، وتمسك بالمدافع عنه، والمناصح له، والباذل مهجته في سبيل نبيه ودينه - وسوف يأتي إن شاء الله أن ايمان أبي طالب هو المسلم والمقطوع به. بل هو كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار. ويكفي أن نذكر أن العظيم آبادي قد قال هنا: وهذا أيضا كلام ضعيف باطل (2). ملاحظة: ويلاحظ هنا أن في عبارة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) المتقدمة في حديث: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار) تورية لطيفة، حيث إن عبارته هذه قد خففت من تأثر السائل. وهي في نفس الوقت صادقة المضمون، ولا تدل على كفر أبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ أن من الطبيعي أن الكافر مبشر بالنار. وأما أن أباه (صلى الله عليه وآله وسلم) كافر أو لا، فذلك مسكوت عنه. والغريب هنا: أنه قد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال ذلك عن أمه رحمها الله، فقد قال لرجلين: أمي وأمكما في النار.


(1) عون المعبود ج 12 ص 494 / 495 عن السندي، والسيرة الحلبية ج 1 ص 51، ومسالك الحنفا ص 58. (2) عون المعبود ج 12 ص 495. (*)

[ 195 ]

ونحن لا نزيد على أن نذكر هنا أن الذهبي قد حلف على عدم صحة هذا الحديث. يعني حديث كون أمه وأمهما في النار (1). وأخيرا: فإننا نكاد نصدق مقولة: أن السبب في تكفير آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعمامه هو مشاركة علي (عليه السلام) له فيهم، أو أنهم يريدون أن لا يكون آباء الخلفاء من بني أمية ومن غيرهم، وآباء رجالات الحكم وأعوانه كفارا، ويكون آباء النبي وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤمنين، فلا بد من سلب هذه الفضيلة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليستوي هو وغيره في هذا الامر. البحث الثاني بماذا كان يدين النبي (ص) قبل البعثة: إن ايمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوحيده قبل بعثته يعتبر من المسلمات، ولكن يبقى: أنهم قد اختلفوا في أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان متعبدا بشرع أحد من الانبياء قبله أو لا. فهل هو متعبد بشرع نوح، أو ابراهيم، أو عيسى، أو بما ثبت أنه شرع، أو لم يكن متعبدا بشرع أحد، ذهب إلى كل فريق (2). وتوقف عبد الجبار، والغزالي، والسيد المرتضى. وذهب المجلسي إلى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حسبما صرحت به الروايات: كان قبل البعثة، مذ اكمل الله عقله في بدو سنه


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 106 ومسالك الحنفا ص 52. (2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 254. (*)

[ 196 ]

نبيا، مؤيدا بروح القدس (1)، يكلمه الملك، وليسمع الصوت، ويرى في المنام، ثم بعد أربعين سنة صار رسولا، وكلمه الملك معاينة، ونزل عليه القرآن، وأمر بالتبليغ. وقال المجلسي: إن ذلك ظهر له من الاثار المعتبرة، والاخبار المستفيضة (2).. وقد استدلوا على نبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ صغره بأن الله تعالى قد قال حكاية عن عيسى: (إني عبد الله آتاني الكتاب، وجعلني نبيا، وجعلني مباركا اينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) (3). ويقول تعالى عن يحيى (عليه السلام): (وآتيناه الحكم صبيا) (4) فإذا أضفنا إلى ذلك: أنه قد ورد في أخبار كثيرة بعضها صحيح، كما في رواية يزيد الكناسي في الكافي: إن الله لم يعط نبيا فضيلة، ولا كرامة، ولا معجزة، إلا أعطاها نبينا الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). فان النتيجة تكون: هي أن الله تعالى قد اعطى نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم والنبوة منذ صغره (5)، ثم أرسله للناس كافة، حينما بلغ الاربعين من عمره... وقد أيد المجلسي هذا الدليل بوجوه كثيرة (6).


(1) وكان عيسى أيضا مؤيدا بروح القدس، قال تعالى: (وأيدناه بروح القدس) ولو لم يكن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مؤيدا بروح القدس، لكان يحيى وعيسى أفضل منه صلى الله عليه وآله وسلم. (2) البحار ج 18 ص 277. (3) مريم: 30. (4) مريم: 12. (5) راجع: البحار ج 18 ص 278 / 279. (6) راجع: البحار: ج 18 ص 277 - 281. (*)

[ 197 ]

ويمكن المناقشة في ذلك بأن إعطاءه (ص) فضائل الانبياء ومعجزاتهم الواردة في الرواية لا يستلزم ما يراد اثباته هنا، فان بعض معجزاتهم لم يكن ثمة حاجة إليها في زمانه (صلى اللة عليه وآله وسلم). نعم هي واقعة تحت اختياره (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو احتاجها لاستفاد منها جميعا. وأما الفضائل فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الجامع لها على النحو الاكمل والاشمل في جميعها، حتى انه إذا كان أيوب قد امتاز على غيره من الانبياء بالصبر، فان صبر نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) كان اكمل من صبر أيوب، وهكذا بالنسبة لسائر الانبياء، وامتيازاتهم في الفضائل، ومكارم الاخلاق. وأما الكرامات، فان الظاهر هو أن المقصود بها نفس المعجزات، فان الله تعالى قد اكرمه بها. ومع الغض عن كل ذلك، فانه لابد من ثبوت تلك الاخبار، ليمكن الحكم بمضمونها، بعد تسليم دلالتها بشكل قطعي ونهائي. نعم ثمة روايات كثيرة تلمح وتصرح بنبوته قبل بعثته، أشار إليها المجلسي كما قلنا، وأشار العلامة الاميني أيضا إلى حديث: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نبيا وآدم بين الروح والجسد، ورواه عن العديد من المصادر من غير الشيعة (1). ولكن لا يمكن الحكم بمضمون هذه الروايات إلا بعد التأكد من اسانيدها ودلاللها، وثبوت ذلك بشكل قطعي، حيث إنه يراد إثبات أمر إعتقادي بها، والمطلوب في الاعتقادات هو القطع، ولا يكفي ما دونه. وبعد كل ما تقدم، فان ما نستطيع نحن الجزم به، هو انه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمنا موحدا، يعبد الله، ويلتزم بما ثبت له أنه شرع


(1) راجع: الغدير: ج 9 ص 287. (*)

[ 198 ]

الله نعالى مما هو من دين الحنيفية شريعة إبراهيم (عليه السلام)، وبما يؤدي إليه عقله الفطري السليم، وأنه كان مؤيدا ومسددا، وأنه كان أفضل الخلق واكملهم خلقا، وخلقا وعقلا. وكان الملك يعلمه، ويدله على محاسن الاخلاق. كما أننا نجدهم ينقلون عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): انه كان يلتزم بأمور لا تعرف إلا من قبل الشرع وكان لا يأكل الميتة، ويلتزم بالتسمية والتحميد، إلى غير ذلك مما يجده المتتبع لسيرته صلوات الله عليه. ملة ابيكم ابراهيم: بل إننا نقول: إن هناك آيات ودلائل تشير إلى أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) ونبينا الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، هما اللذان كان لديهما شريعة عالمية، وقد بعثا إلى الناس كافة. أما موسى وعيسى (عليهما السلام) فإنما بعثا إلى بني اسرائيل. وقد حرصت الايات القرآنية العديدة على ربط هذه الامة بإبراهيم (عليه السلام) فلاحظ قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل) (1). وقال تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا) (2). وقال سبحانه: (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا) (3).


(1) الحج: 78. (2) النساء: 125. (3) آل عمران: 95. (*)

[ 199 ]

وقال جل وعلا: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا) (1). وقال تعالى: (وقالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا. قل: بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (2). ثم نجد القرآن يصرح أيضا أن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصيا كان مأمورا أيضا باتباع ملة ابراهيم (عليه السلام)، فقد قال سبحانه: (ثم أوحينا إليك: أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين) (3). وقال في موضع آخر: (قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (4). وهذا، وإن كان ظاهره: أنه (صلى الله عليه وآله) قد أمر بذلك بعد البعثة وبعد نزول الوحي عليه، لكنه يثبت أيضا: أنه لا مانع من تعبده (ص) قبل بعثته بما ثبت له أنه من دين الحنيفية، ومن شرع إبراهيم (عليه السلام)، وليس في ذلك أية غضاضة، ولا يلزم من ذلك أن يكون نبي الله إبراهيم أفضل من نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن التفاضل إنما هو في ما هو أبعد من ذلك. هذا كله، لو لم نقتنع بالادلة الدالة على نبوته (ص) من صغره (صلى الله عليه وآله وسلم).


(1) آل عمران: 68. (2) البقرة: 135. (3) النحل: 123. (4) الانعام: 161. (*)

[ 200 ]

ووجدك ضالا فهدي: وبعد ما تقدم نقول: إن قوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان) (1) وقوله سبحانه: (ووجدك ضالا فهدى) (2) لا يدل على وجود ضلالة فعلية ولا على وجود جهل فعلي قبل النبوة. بل غاية ما يدل عليه هو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لولا هداية الله له لكان ضالا ولولا تعليم الله له لكان جاهلا. أي لو أن الله أو كله إلى نفسه، فإنه بما له من قدرات ذاتية وبغض النظر عن الالطاف الالهية، والعنايات الربانية ضال قطعا، وجاهل بلا ريب. فهو من قبيل قولك: ما أنا في نفسي بفوق أن أخطئ لولا لطف الله وعصمته وتوفيقه، لكن بعد أن كان لطف الله حاصلا من أول الامر فإن العصمة تكون حاصلة بالضرورة من أول الامر أيضا. أولوا العزم: وبعد، فقد نجد في قوله تعالى حكاية عن آدم (عليه السلام): (لم نجد له عزما) (3). وقوله: (فاصبر. كما صبر أولوا العزم من الرسل) (4). وغير ذلك من شواهد ودلائل ما يشجعنا على القول: بأن المراد من إطلاق هذه الصفة على بعض الانبياء هو التأكيد على رسوخ وعمق درجة


(1) الشورى: 52. (2) الضحى: 7. (3) سورة طه: 115. (4) سورة الاحقاف: 35. (*)

[ 201 ]

العصمة فيهم، وقدرتهم الكبيرة على التحمل في مواجهة أعظم التحديات مع الطواغيت والجبارين، وتحمل المسؤوليات الجسام، والمشاق العظام في نطاق الدعوة إلى الله سبحانه. وقد يكون بعض أولي العزم، حتى مثل موسى وعيسى (عليهما السلام) لم يبعث للناس كافة، وإنما لخصوص بني إسرائيل، الذين ربما يحتاجون إلى بعض التشريعات الاستثنائية الخاصة بهم، مع كون العمل في المسار العام إنما هو شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وهذا بحث يحتاج إلى توفر تام، وجهد مستقل، نأمل ان يوفقنا الله لهما في فرصة أخرى إن شاء الله تعالى. من الاساطير: وبعد كل ما تقدم نعلم: أن كل ما يذكر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمور تتنافى مع التسديد، ومع شرع الله تعالى، لا أساس له من الصحة. ونذكر هنا على سبيل المثال: ما رواه البخاري وغيره، من أنه قد قدم لزيد بن عمرو بن نفيل سفرة فيها شاة ذبحت لغير الله تعالى. (وعند البخاري إنها قدمت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم))، فأبى زيد أن يأكل منها، وقال: أنا لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وفي رواية أحمد: إن زيدا مر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يأكل مع سفيان بن الحرث من سفرة لهما، فدعواه إلى الطعام فرفض، وقال الخ. قال: فما رؤي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يومه ذاك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث.

[ 202 ]

ويذكرون أيضا: ان زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الخ... (1). وعليه، فزيد بن عمرو بن نفيل كان أعقل من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعرف منه - والعياذ بالله - لانه أدرك وعرف قبح اكل ما ذبح على النصب، ولم يذكر اسم الله عليه، أو بلغه ذلك. ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع أن يدرك ذلك، ولا كان على قرب من مصادر المعرفة، فكان يأكل منه، مع أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) اعقل الكل وفوق الكل، ومع أنه قد تربى في حجر عبد المطلب، الذي ترك الاصنام، وابتعد عنها حسبما تقدم. ثم في حجر عمه أبي طالب،. وبيتهم كان أرفع بيت في العرب. وهم أعرف الناس بتعاليم الحنيفية. نعم، لقد أدرك زيد ذلك برايه، حسبما يرجحه العسقلاني (2)، ولم يستطع النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدركه. لقد كانت النبوة بزيد قريب عمر بن الخطاب (3) أجدر منها بمحمد، نعوذ بالله من الزلل في القول والعمل. واحتمال: أن يكون زيد قد أخذ ذلك عن بعض النصارى أو اليهود، كما احتمله البعض. يحتاج إلى اثبات: أن النصارى كانوا يحرمون اكل ما ذبح على


(1) راجع: صحيح البخاري ط مشكول المصرية ج 5 ص 50 وج 7 ص 118 باب ما ذبح على النصب والاصنام، والسيرة الحلبية ج 1 ص 123، ومسند أحمد ج 1 ص 189 وراجع فتح الباري ج 7 ص 108 و 109 والروض الانف ج 1 ص 256 والبداية والنهاية ج 2 ص 238 و 239 و 240 وراجع ص 237. (2) فتح الباري ج 7 ص 109. (3) البداية والنهاية ج 2 ص 237. (*)

[ 203 ]

النصب، أو ما لم يذكر اسم الله عليه. أما اليهود فما كانوا يهتمون بدخول غيرهم في دينهم. وإذا كان ذلك شائعا عنهم، فلماذا لم يعرف به غير زيد. على أن هناك نص يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كان لم يأكل مما ذبح على النصب) (1). ومهما يكن من أمر، فقد قال السهيلي: (كيف وفق الله زيدا إلى ترك ما ذبح على النصب، وما لم يذكر اسم الله عليه، ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية، لما ثبت من عصمة الله تعالى له). ثم أجاب عن ذلك: بأنه ليس في الرواية: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اكل من السفرة، وبأن شرع ابراهيم إنما جاء بتحريم الميتة، لا بتحريم ما ذبح لغير الله تعالى. فزيد امتنع عن اكل ما ذبح لغير الله برأي رآه لا بشرع متقدم (2). ولكنه جواب بارد حقا. فان إدراك زيد لهذا الامر الذي وافق فيه نظر الشرع، وعدم إدراكه هو (صلى الله عليه وآله وسلم) له مما لا يمكن قبوله، أو الالتزام به. هذا.. ولماذا يسدد الله تعالى نبيه حينما كشف عن عورته حين بناء البيت، ويمنعه عن ذلك - حسبما يدعون -، ثم تبغض إليه الاصنام، والشعر، ولا يسدده اللة، ويحفظه من اكل ما ذبح لغير الله تعالى ؟ ! الذي


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 254. (2) الروض الانف ج 1 ص 256، وراجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 123 عنه، وفتح الباري ج 7 ص 109. (*)

[ 204 ]

يدرك بعض الناس أنه ليس محبوبا لله تعالى ؟ ! استلام الاصنام: ومن أساطيرهم أيضا ما ذكروه من أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستلم الاصنام بل لقد ذكر البعض: أنه (صلى الله عليه واله وسلم) قال: (أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي) (1). مع أنهم يذكرون: ان زيدا المتقدم وعمر بن الحويرث، وابا قيس بن هرمة، وقس بن ساعدة، وأسعد بن كريب، وعبيد الله بن جحش، ورباب بن البراء وغيرهم، لم يسجدوا لصنم قط، وحرموا عبادة الاوثان. فلماذا أدركوا هم ذلك دونه ؟ !. وايضا فقد سئل (صلى الله عليه وآله وسلم): هل عبدت وثنا قط ؟ قال: لا. وقال: ابن حجر: إن الناس قد انكروا حديث استلامه الاصنام. وقال أحمد بن حنبل - على ما في الشفاء -: إنه حديث موضوع (2). وعلى كل حال، فان هناك تفاهات كثيرة، وأكاذيب عديدة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء بالنسبة إلى الفترة التي سبقت البعثة، أو التي تلتها. وسيأتي بعض من ذلك، ولكن لابد من الاعتراف: بأن استقصاءها متعسر بل متعذر، ولذا فلابد من الاقتصار على ما يسعه المجال، ثم الانصراف إلى ما هو أهم، وأجدر، وأولى.


(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 86. (2) راجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 50 / 51 والسيرة الحلبية ج 1 ص 125 و 270. (*)

[ 205 ]

البحث الثالث: شروط النهضة: هناك عدة أمور تعتبر ضرورية وحتمية في بناء الحضارة، وحصول النهضة لاي شعب كان، وأية أمة كانت. ونود أن نشير إلى بعض مقومات وعناصر ذلك عموما. ثم.. وبمقارنة بسيطة وموجزة، نستطيع أن نتعرف على جانب من عظمة الاسلام وسموه، وأصالته. ومن اجل تسهيل تصور ما نريد عرضه على القارئ، نقوم بمقارنة محدودة بين واقع وظروف عرب شمال الجزيرة العربية، وهم اهل الحجاز، وبين واقع وظروف عرب جنوبها، وهم أهل اليمن. فنقول: ألف: لقد عاش اليمنيون في منطقة غنية وثرية، وتستطيع، إذا ما اشتغل أهلها بزراعتها: أن توفر لهم لقمة العيش. وهي بالاضافة إلى ذلك أرض جبلية، صعبة المسالك، فهي إذن تستطيع في كثير من الاحيان أن توفر لهم حماية طبيعية، وقدرة على مقاومة الاعداء. وإذا كان اليمنيون يشتغلون بزراعة أرضهم، ويستفيدون منها، ويعتبرونها المصدر الاول والاساس لحياتهم، واستمرار وجودهم، فمن الطبيعي أن يتولد فيهم لذلك شعور مبهم بمحبة هذه الارض، والتمسك بها، والحنين إليها. وهذا بالطبع، هو المهم عادة في حب الناس لاوطانهم، وحنينهم إليها، حتى إنهم قد يبذلون كل غال ونفيس حتى دماءهم في سبيل الدفاع

[ 206 ]

عنها، بل وحتى عن شبر واحد منها، فمحبة الوطن تنشأ غالبا من محبة الارض، ومحبة الارض تنشأ (عموما) من الشعور بأنها تعطيه كل مقومات الحياة، وبأنها تحفظ له استمرار بقائه ووجوده، بالشكل المرضي له، والمقبول عنده. ب: وكان في اليمن أيضا حكومة مركزية مهيمنة تفرض النظام والقانون، وتهتم باشاعة الطمأنينة، والامن والسلام. وإذا كان الانسان يشعر بالامن، ويعيش في ظل القانون، ولا يتخوف من أي عدو يتربص به الغوائل، فانه يجد الفرصة للتفكير في تغيير الوضع الحياتي الذي يعيشه، إلى وضع أفضل واكمل. ج: ثم تتاح الفرصة لامال وتطلعات هذا الانسان للتعبير عن نفسها، وفرض وجودها، فتدفعه إلى بذل المحاولة. والتصرف فيما تناله قدراته في توجيهه في هذا السبيل. د: ثم يأتي دور الاهم والاقوى تأثيرا في النهضة، ألا وهو النظام الاكمل والاشمل والاصلح، الذي يستطيع أن يبني الانسان من الداخل، ويحافظ عليه من الخارج، وبزيل من طريقه كل العقبات، التي يمكن أن تعترض سبيل تقدمه، ولتنمو، وتتكامل في ظل ذلك النظام - من ثم - ملكات هذا الانسان، وخصائصه، ولتجد طاقاته وامكاناته الفرصة للتأثير في عملية التغيير للحاضر الذي يعيشه، والتخطيط الصحيح والسليم للمستقبل الذي يقدم عليه. فإذا توفرت كل تلك العناصر لاية أمة، فانها ولا شك سوف تكون قادرة على أن تبني حضارة، وتصنع لنفسها مستقبلا مغريا وزاهرا ومجيدا. وقد كانت كل تلك العناصر متوفرة في منطقة اليمن، باستثناء العنصر الاخير منها. وكان فقدانها له بالذات هو السبب في أنها لم تستطع أن تفيد شيئا من تلك القدرات والامكانات التي توفرت لها، ولا يحدثنا

[ 207 ]

التاريخ عن شئ ذي بال، تميزت به اليمن في تاريخها القديم، سواء على الصعيد الفكري، أو الحضاري، أو غير ذلك، ولا كان فيها ما يعبر عن نظرة واعية، أو عقلية متطورة تتلائم مع حجم امكاناتها تلك. كما أن الديانة اليهودية المحرفة، التي سيطرت عليها حقبة من الزمن، لم تستطع أن تقدم لها شيئا يذكر في مجال النهوض باهلها، والخروج بهم من ظلمات جهلهم، والتخفيف من شقائهم وآلامهم، تماما كما لم تستطع المسيحية المحرفة في الرومان، والزرادشتية في الفرس: أن تؤثر تأثيرا يذكر في ذلك. أما في الحجاز، فقد كانت كل تلك العناصر مفقودة، ولكن عندما وجد العنصر الاخير منها - فقط - استطاعت هذه الامة - وذلك هو الاعجاز حقا - أن تنتقل من أمة متوحشة بدائية، تتصف بكل صفات الذل والمهانة، إلى امة لا تدانيها، ولن تدانيها أية أمة أخرى على الاطلاق. فعرب الحجاز لم يكونوا في الاكثر أهل زراعة، لان أرضهم لم تكن صالحة لذلك، بسبب قلة المياه فيها، حيث لم يكن فيها حتى نهر واحد بالمعنى الصحيح للكلمة (1). كما أن الامطار تقل فيها بشكل ملحوظ. وكل ما كان هناك هو بعض الينابيع، التي كانت تظهر في الشتاء، وتجف في الصيف، فيرحلون عنها بحثا عن غيرها. هذا عدا عن أن الارض نفسها كان فيها القليل مما يصلح للزراعة. إذن، فلا شئ يشد العربي إلى هذه الارض، أو يربطه بها، ويجعله يحبها، ويتفانى في سبيلها. بل كان مصدر حياتهم ورزقهم هو: السيف، والماشية، والابل بصورة عامة، ولهذا نرى أن اكثر ما يعز عليهم، ودر مكانة في نفوسهم هو هذه الامور بالذات، فنرى الشاعر العربي يتغنى بالجمل، والسيف، والفرس، ويتغزل بالرياح الطيبة، التي


(1) راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 1 ص 157 فما بعدها. (*)

[ 208 ]

تخفف عنه بعض ما يعانيه من آلام، نتيجة حر منطقته، ثم هو يناجي القمر والنجوم كثيرا أيضا. وإذا ما رأيناه يبكي - أحيانا - الديار والاطلال، فليس ذلك إلا لانها كانت في وقت ما مصدر أنس له، أو لانه هو نفسه كان حضريا. ولان العربي هذا قد اتخذ الغزو والسلب وسيلة من وسائل العيش، فاننا نراه يهتم بالتغني بمواقفه هذه، ويفتخر باستمرار بشنه الغارات فرسانا وركبانا. ومن الجهة الاخرى، فانه دائما يتوقع أن يغزى، وأن تشن عليه الغارات، ولا يشعر بوجود سلطة تستطيع أن تحميه، فهو في خوف دائم، ورعب مستمر. وإذا كان الامن غير متوفر له، فكيف يمكن أن تتوفر له الفرصة للتفكير في حياته، ومحاولة الخروج من واقعه، وتحسين ظروف عيشه، ثم التخطيط للمستقبل بواقعية، وأناة، ثم العمل بهدوء واطمينان على تنفيذ خططه، وتحقيق آماله ؟ ! ومن الجهة الثالثة، كيف وأنى يمكن لاماله أن تنمو، ولطموحاته أن تتجسد ؟ وهو في كل يوم يفقد أملا، ويتحمل ألما. وخلامة الامر: إنه لا سلطة مركزية تستطيع أن تفرض هيبتها وهيمنتها بيسر وفعالية، بل إن ذلك قد يتعذر بالنسبة إلى أمة تعيش حياة التنقل والغارة، وتتحول باستمرار من مكان إلى مكان. وقد كان العرب يتجنبون الالتحام بالجيوش المنظمة،، لتفوقها عليهم، فإذا تعقبتهم تلك الجيوش هربوا الى البادية، واعتصموا بها. وكذلك يفعلون إذا واجهوا الجيش ووجدوا فيه قوة (1).


(1) راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 5 ص 413 و 414 و 420. (*)

[ 209 ]

وإذن.. فهم كانوا يفقدون كل اسباب النهضة والتقدم، ولا يملكون منها حتى الامل بالتغيير، فضلا عن ارادته، والعمل من أجله. هذا فضلا عن أن الصفات الذميمة، والعادات السيئة، التي كانت تهيمن عليهم جماعات وأفرادا لم تكن تسمح لهم بأية نهضة، أو أي تقدم نحو الافضل، إن لم تكن تزيد من بلائهم وشقائهم، وتدفعهم خطوة بل خطوات إلى الوراء. ولكنهم مع ذلك كله، عندما وجدوا الرسالة السماوية الحقة، استطاعت تلك الرسالة، وذلك الرسول - وفي فترة وجيزة جدا - ان تنقل هذه الامة من حضيض الذل والمهانة إلى أوج العظمة، والعزة والكرامة، وأن تغير فيها كل عاداتها ومفاهيمها، وتخفف، بل وتقضي على كل أسباب شقائها، وآلامها. وذلك هو الاعجاز حقا. نعم لقد استطاع الاسلام في فترة لا تتجاوز سنواتها عدد أصابع اليدين أن يحدث انقلابا حقيقيا وجذريا في عقلية ومواقف وسلوك تلك الامة، وفي مفاهيمها، وان ينقلها من العدم إلى الوجود، ومن الموت إلى الحياة. ولو أن المسيحية واليهودية وغيرها من الاديان والمذاهب كان فيها أدنى صلاح، ومع توفر كل الظروف الملائمة لنجاحها في تغيير الاوضاع السيئة آنذاك - لعبرت عن نفسها، ولا ثبتت وجودها، مع أن المسيحية قد كانت في العرب أيضا قبل الاسلام، وكذلك اليهودية، ولكنها لم تستطع أن تغير من عقلية العربي، وسلوكه، ومفاهيمه عن الحياة والمستقبل شيئا، بل بقي يئد البنات، ويشن الغارات، إلى غير ذلك من أفعال وصفات. بل إنهم ليذكرون أن القبيلة العربية الفلانية التي كانت تدين


وراجع: تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الاول، الجزء الاول ص 70 وحياة محمد لهيكل ص 39 ومحاضرات تاريخ الامم الاسلامية للخضري ج 1 ص 33. (*)

[ 210 ]

بالمسيحية ما كانت تعرف من المسيحية غير شرب الخمر، كما سيأتي. كما أن اليهود قد عاشوا بينهم، وكان العرب يحترمونهم جدا، ويعتبرونهم وحدهم مصدرا للمعرفة والعلم - كما تقدم في الجزء السابق - ولكنهم لم يكن لهم في سلوكهم، وعقليتهم، أثر يذكر. البحث الرابع: العوامل المساعدة على انتصار الاسلام وانتشاره: وبعد ذلك الموجز الذي قدمناه لابد أن نشير إلى بعض العوامل والظروف التي ساعدت على انتصار الاسلام وانتشاره، في منطقة لها تلك الصفات والمميزات المشار إليها في البحث السابق. وبعض تلك العوامل يرجع إلى شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعضها يرجع إلى الرسالة نفسها، وبعضها يعود إلى أمور أخرى، خارجة عن هذا وذاك. ويمكن أن نلخص ما نريد الاشارة إليه في الامور التالية: 1 - منطلق الدعوة: مكة: 1: إنه يلاحظ أن الاسلام قد انطلق من أقدس بلد لدى الانسان العربي، بل ولدى غيره أيضا، وهو المكان الذي تهوى إليه ثمار الافئدة من كل مكان. وهو ملتقى لكل العواطف، ومحل آمال الناس، وغاية رجائهم. ب: يقول البوطي: (البقعة الجغرافية للجزيرة العربية ترشحها للقيام بعب ء مثل هذه الدعوة، بسبب أنها تقع - كما قلنا - في نقطة الوسط بين الامم المختلفة التي من حولها. وهذا مما يجعل اشعاعات الدعوة

[ 211 ]

الاسلامية تنتشر بين جميع الشعوب والدول المحيطة بها في سهولة ويسر (1)). وطبيعي: أن هذا الدين لو كان ظهر في بلاد كسرى، فان اتباع قيصر لا يتبعونه، وكذلك العكس، وذلك بسبب المنافسة القائمة بين الامبراطوريتين والحواجز النفسية الحاكمة والمهيمنة على الامتين. ب: لقد بدأ (صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته في مكان بعيد عن نفوذ الدولتين العظيمتين: الرومان، والفرس، وغيرهما من الدول ذات القوة. إذن، فلا قوة قاهرة تستطيع أن تضرب الضربة الحاسمة، وتقضي على دعوته في مهدها، وذلك لان المحيط الذي بدأ فيه دعوته، والحجاز عموما، كانت تسيطر عليه الروح القبلية، ويطغى عليه التعصب القبلي. والقوى فيه متكافئة: تقريبا، وكانت القبائل المتعددة كثيرة - فبطون قريش وحدها كانت عشرة أو تزيد - يرقب بعضها بعضا، ويخشى بعضها بأس بعض. هذا كله، عدا عن أنها كانت تعرف: أنها إذا أرادت أن تنتهك حرمة الحرم، ويحارب بعضها بعضا، فان مكانتها واحترامها - وبالتالي مصالحها الحيوية، سوف تتعرض لدى سائر العرب لنكسة قاسية، إن لم تكن قاضية. 2 - خصائص شخصية الرسول (ص): أ: لقد كان صاحب هذه الدعوة: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من قريش، أعظم قبائل العرب خطرا، وقوة، ونفوذا، والتي كان


(1) فقه السيرة ص 35. (*)

[ 212 ]

ينظر إليها من كل أحد بعين الاجلال والاكبار، وبالاخص هو من البيت الهاشمي منها، الذي كان يمتاز بالنزاهة والطهر، وله السيادة والزعامة، والسؤدد في مكة، وله الشرف الرفيع الذي لا يدانيه ولا ينازعه فيه أحد. فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذن ليس بحاجة إلى الشرف والزعامة، ليجعل من ادعاء النبوة وسيلة للوصول إليها، والحصول عليها. وقد كان واضحا - لو قيست الامور بالمقاييس العادية - أن دعواه تلك لسوف تجر عليه الكثير من المتاعب والمصائب، ويكون بذلك قد فرط بكل ما لديه من رصيد إجتماعي في هذا المجال، فإستمراره في دعوته مع وضوح اخطارها له يعتبر امرا غير منطقي، لو كان ما يدعيه لا واقعية له. كما أن كل أحد يكون على استعداد لقبول الدعوة من بني اسماعيل، الذين هم مهبط الوحي، ومعدن الطهر. وسيأتي إن شاء الله تعالى في مباحث عرض الرسول (صلى اللة عليه وآله وسلم) دعوته على القبائل. أنه لما عرض دعوته على بني عامر بن صعصعة، ورفضوا إلا أن يجعل الامر فيهم بعده، ورفض هو، وعادوا إلى بلادهم، وتحدثوا بما كان لشيخ لهم، وضع ذلك الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذي نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم (1). ب: تلك الخصائص والمميزات في الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، والتي اشار إليها جعفر بن أبي طالب بقوله: (بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته وعفافه). حتى لقد لقب ب‍ (الصادق الامين) فقد كان لذلك أثر كبير في ظهور دعوته، وانتصار وانتشار رسالته. وقد كان تحليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه


(1) سيأتي ذلك مع مصادره في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في فصل: حتى بيعة العقبة. (*)

[ 213 ]

المواصفات ضروريا، لان فقدانها موجب لريبهم، كما قال تعالى: (إذن لارتاب المبطلون). هذا كله، بالاضافة إلى ما قد تمدحه الله عليه من خلقه العظيم، فقال: (وانك لعلى خلق عظيم) (1). ومع ذلك فاننا نود أن نخص بالذكر هنا ما يلي: 1 - اننا نجد البعض يسلم استنادا إلى شهادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، فقد ورد أن رجلا دخل على جمل، فأناخه في المسجد، وعقله، ثم قال لهم: أيكم محمد ؟ والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متكئ بين ظهرانيهم. فقلنا: هذا الرجل الابيض المتكي. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب ؟ فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): قد أجبتك. فقال الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: سل عما بدالك. فقال: أسالك بربك ورب من قبلك، أالله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أنشدك بالله، أالله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟. قال: اللهم نعم.


(1) سورة القلم / 4 وثمة احتمال آخر في الاية الشريفة راجع مقالا لنا بعنوان: فلسفة الاخلاق في الاسلام في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام. (*)

[ 214 ]

قال: انشدك الله... إلى أن قال: فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة الخ. (1) فان عدم قدرة ضمام على تمييزه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أصحابه، لخير دليل على خلق النبي العظيم، وعلى أن الاسلام لا يعترف بتلك الفوارق المصطنعة بين الحاكم ورعيته، ولا يعتبر أن الحكم يعطي للحاكم امتيازا، وإنما هو مسؤولية. كما أن اسلام ضمام استنادا إلى شهادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه ليعتبر الذروة في الثقة به (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأثير هذه الثقة في قبول دعوته، وانتشار رسالته. 2 - هذا مع ما كانت تعرفه قريش فيه، من وفور العقل، وحسن التدبير، وأصالة الرأي - وقد تقدمت قضية رفع الحجر الاسود إلى موضعه عند بناء البيت، وحله (صلى الله عليه وآله وسلم) المشكلة التي كانت تواجههم. ثم ما ظهر له من الايات والبراهين، حين ولادته، وبعدها، وكونه ابن الذبيحين، الامر الذي جعل له قدسية خاصة في نفوس الناس. نعم، إن كل ذلك قد وضع قريشا، وسائر الناس أمام الامر الواقع، فكان كل من يحاول تكذيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) يجد نفسه أمام صراع داخلي، ووجداني، لان وجدانه وضميره كان يقول له: انت الكاذب الحقيقي، وهو الصادق الامين، وهو محل الثقة المطلقة، وانت


(1) البخاري هامش فتح الباري ج 1 ص 139 - 141، وليراجع فتح الباري نفسه أيضا. للاطلاع على العديد من المصادر، والبداية والنهاية ج 5 ص 60 عن ابن إسحاق وتاريخ الطبري ج 2 ص 384. (*)

[ 215 ]

مظنة الخيانة، وهو صاحب الرأي والتدبير، والعقل الكبير، وأنت القاصر المقصر في ذلك. وهكذا الحال في سائر صفاته الغر، وأخلاقه الفضلى. 3 - وقد عزز ذلك وقواه: أن كل أحد كان يعرف أميته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنه لم يتلق العلم والمعرفة من أحد. وها هو لا يستطيع أحد على وجه الارض أن يدعي المعرفة بجزء مما جاء به، فضلا عن بيئته المتناهية في الجهل والضياع، فلم يكن ثمة مجال للارتياب في صدقه، وصحة دعوته، إلا من مكابر، لا يرى إلا نفسه، ولا يفكر الا فيها. وحتى لو كان قارئا، فماذا عساه يجد في كتب السابقين، وهل يمكن ان يقاس ذلك بما جاء به (صلى الله عليه وآله وسلم) من المعارف العالية، والتشريعات المعجزة، بلسان القرآن، الذي يعجز الجن والانس عن ان يأتوا بسورة من مثله ؟ ! 4 - ثم هو لم يسجد لصنم قط، فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه، بأنك أنت كنت بالامس تسجد للاصنام، وتعبد الاوثان، فلماذا تكفر بها اليوم ؟ !. فان كانت عبادتها تخالف العقل والفطرة، فأين كان عنك عقلك، ولماذا شذت بك فطرتك ؟ !. 5 - ثم يأتي بعد ذلك اسلوب دعوته المتطور، على وفق الحكمة، وعلى حسب مقتضيات الاحوال، وفي حدود الاهداف الرسالية، التي لا بد من التقيد بها، وفي حدودها. 6 - ثم هناك اصراره، وصبره، وتحمله لكل المشاق والالام، ورفضه لكل المساومات، حتى إنهم لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في شماله على أن يترك هذا الامر، ما تركه. بل هو لا يقبل منهم أن يسلموا شرط أن يعطيهم فرصة زمنية للتزود من عبادة أوثانهم، مما أوضح لهم: أن المسالة تتجاوز حدود اختياره، وأن رب السماء هو الذي يرعى

[ 216 ]

هذا الامر، ويريده منهم. 3 - الحالة الاجتماعية: ويأتي بعد ذلك كله دور الحالة الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، حيث كان الناس يعيشون حياة الشقاء والبلاء، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، كما دلت عليه كلمات الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدمة، في أوائل هذا الجزء عن الحالة الاجتماعية عند العرب - وهي لا تختلف كثيرا عما عند غيرهم - ونضيف إلى ذلك هنا ما قاله جعفر (رحمه الله) لملك الحبشة، حينما ذهب عمرو بن العاص ليخدعه عنهم: (كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الاصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الارحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف) (1). فهذه الحالة الاجتماعية القاسية التي كانت تهيمن على الامة، وذلك الضياع الذي يسيطر عليها قد هيأ الانسان الجاهلي نفسيا، لقبول الحق، والتفاعل معه، وجعله يتطلع للدعوة التي يجد فيها الحق والخير، ويعرف: أنها تستطيع أن تخفف من شقائه وآلامه، وتنقذه من واقعه المزري والمهين ذاك. وقد عبر جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) عن ذلك، لملك الحبشة، بعد عبارته المتقدمة، فقال: (فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه فدعانا إلى الله، لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والاوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء


(1) راجع تاريخ الخميس ج 1 ص 290 وقاموس الرجال ج 2 ص 371 والبداية والنهاية ج 3 ص 73 و 74. (*)

[ 217 ]

الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، واكل مال اليتيم، وقذف المحصنة إلخ (1)). وقد عبر أهل المدينة على لسان أسعد بن زرارة عن أملهم في أن يحل (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوته تلك مشاكلهم المستعصية، حيث يذكر المؤرخون: أن الاوس والخزرج ما كانوا يضعون السلاح في ليل ولا نهار (2)، فمن الطبيعي إذن أن يشتاقوا إلى الخروج من وضع كهذا إذ: نعمتان مجهولتان: الصحة والامان. وسيأتي الحديث عن ذلك حين الكلام على دخول الاسلام إلى المدينة. هذا، ولابد من الاشارة هنا إلى أن الاندفاع نحو الاسلام، إنما كان ظاهرا وقويا في جملة الضعفاء والعبيد، والفقراء. أما اولئك المستغلون والمستكبرون وأصحاب الاموال، والاطماع، من أمثال: أبي جهل، وأبي سفيان، فقد كانوا هم الذين يهتمون بالقضاء على الدعوة، ومنعها من الانتشار. وإن المطالع لتاريخ الاسلام في مكة ليجد الكثير الكثير من الشواهد، التي تؤيد ما ذكرناه هنا. مع تأكيدنا علن أن ذلك لا يختص بما جرى بالنسبة لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بل هو ينسحب على غيره من الانبياء السابقين. وقد عبر القرآن عن هؤلاء المخالفين من الطبقة الارستقراطية ب‍ (الملا) في اكثر من مورد، واكثر من مناسبة. 4 - نوع معجزته (صلى الله عليه وآله وسلم): ومما ساعد على انتشار الاسلام وانتصاره نوع المعجزة التي جاء


(1) تاريخ الخميس ج 1 ص 290 وراجع: البداية والنهاية ج 3 ص 73 و 74. (2) البحار ج 19 ص 8 و 9 و 10 واعلام الورى ص 55. (*)

[ 218 ]

بها (صلى الله عليه وآله وسلم) فان هذا القرآن قد حير العرب، ليس فقط بما يتضمنه من قوانين عامة وشاملة، ومن معان واخبارات غيبية، ومن قصص فيها العبر والعظات، رأى فيها غير المسلمين تصحيحا دقيقا لما جاء منها في كتبهم، وغير ذلك من علوم ومعارف. وإنما قهرهم وبهرهم فيما كانوا يعتبرون أنفسهم، ويعتبرهم العالم بأسره قمة فيه، اكمالا للحجة، وحتى لا يبقى مجال لاي خيار، لان خروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيئة كهذه، بحجة كهذه، لابد أن يجعلهم يذعنون وينقادون للحق، وإلا فلسوف يراهم كل أحد، ويرون أنفسهم أيضا معاندين للحق، ومناصرين للباطل. نعم، لقد بهرهم هذا القرآن وحيرهم، ولم يترك لهم مجالا للخيار فإما الجحود على علم. (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)، واما الايمان والتسليم. وإذا كنا نعلم: أن من مميزات العربي، وبحكم حياته وطبيعته: أنه كان يعيش حياة الحرية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ولم تلوث فكره وعقله الافكار والشبهات والاراء المصطنعة - كما كان الحال بالنسبة لسائر الامم، كالرومان والفرس وغيرهما، الذين كانوا يحاولون فلسفة أديانهم البعيدة عن الفطرة، والمنافرة لها، وإظهارها بمظاهر معقولة ومقبولة - إذا كنا نعلم ونرى ذلك، فان هذا القرآن قد جاء منسجما مع فطرة العربي، ومتلائما مع طبعه وسجيته، ومع صفاء نفسه وقريحته، تماما كما كانت الدعوة نفسها منسجمة مع فطرته وروحه، ولمجمتجيب لها عقله، وضميره ووجد انه، لانه كان يعيش على الفطرة، والاسلام دين الفطرة: (فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم) (1).


(1) الروم: 30. (*)

[ 219 ]

ولذلك نراه سرعان ما صار يبذل ماله، وولده، ودمه في سبيل هذه الدعوة، ويقتل حتى أباه، وأخاه من أجلها. ولسوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن سر اعجاز القرآن فيما ياتي من فصول. 5 - بشائر اليهود والنصاري به (ص): وأيضا، فان بشائر أهل الكتاب بقرب ظهور نبي في المنطقة العربية، قد سهل هو الاخر قبول دعوته، وانتشار رسالته. فقد جاء في التوراة المتداولة: (وهذه هي البركة، التي بارك بها موسى رجل الله بني اسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلالا من جبل فاران) (1). فالمجيئ من سيناء كناية عن تكليم الله لموسى (عليه السلام) في سيناء، وساعير هي جبال فلسطين، وهو إشارة لعيسى (صلى الله عليه وآله وسلم). وفاران اسم قديم لارض مكة (2)، التي لم يظهر فيها الا نبينا الاعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي انزل عليه القرآن. والنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو من نسل ابراهيم (صلى اللة عليه وآله وسلم)، الذي جعلها أرض غربته، تقول التوراة: (وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان، ملكا أبديا) (3). فالمقصود بأرض غربة ابراهيم خصوص مكة، لانها هي التي اسكن أهله فيها. وأرض كنعان وإن كانت هي بلاد الشام ولكن المقصود فيها هنا


(1) سفر الثثنية، الاصحاح 33 الفقرة 1. (2) معجم البلدان للحموي ج 4 ص 225. (3) سفر التكوين الاصحاح 17، الفقرة 8. (*)

[ 220 ]

عموم بلاد العرب، بضرب من التجوز، لان ابراهيم لم يهاجر إلى الشام، ولا أسكن اهله فيها (1). وجاء في الانجيل قوله: (وهذه شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين، ليسألوه: من أنت ؟ فاعترف، ولم ينكر، وأقر: أني لست أنا المسيح. فسألوه: إذن ماذا ؟ إيليا ؟ فقال: لست أنا. النبي أنت ؟ فأجاب: لا (2)). فالمراد بايليا ليس الياسا - كما ربما يدعى - وذلك لانه قد كان قبل، عيسى بقرون، فلابد أن يكون المقصود به رجلا يأتي بعد عيسى. وكذلك الحال بالنسبة إلى النبي الذي سألوه عنه. ومن المعلوم أنه لم يأت بعد عيسى غير نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، واوصيائه (عليهم السلام) فلعل المقصود بالنبي هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبايليا وصيه على (عليه السلام). هذا وبشارات العهدين به (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة جدا، فمن أرادها فليراجع الكتب المعدة لذلك (3) مع الاخذ بعين الاعتبار: أن التوراة والانجيل الموجودين فعلا قد نالتهما يد التحريف والتزوبر، كما يظهر لمن راجع كتاب: الهدى إلى دين المصطفى، والرحلة المدرسية، للمرحوم البلاغي. واظهار الحق لرحمة الله الهندي، وغير ذلك. ويكفي أن نذكر هنا: أن القرآن قد قرر: أن أهل الكتاب (يعرفونه


(1) كما يفهم من مراجعة تاريخ حياته في كتب التاريخ، فراجع على سبيل المثال كتاب: قصص الانبياء لطبارة. (2) إنجيل يوحنا الاصحاح الاول، الفقرة 19 - 21. (3) راجع كتاب: أنيس الاعلام (فارسي)، والرحلة المدرسية والهدى إلى دين المصطفى، ورسول الاسلام في الكتب السماوية، وغير ذلك. (*)

[ 221 ]

كما يعرفون ابناءهم، وان فريقا منهم ليكتمون الحق، وهم يعلمون (1)). وقال تعالى: (الذين يتبعون النبي الامي، الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات (2)). ولو أن اهل الكتاب كان يمكنهم اثبات خلاف هذا النص القرآني، لبادروا إليه، ولما عرضوا أنفسهم للحروب والبلايا، في سعيهم الدائب لاطفاء نور الله، هم ومشركوا مكة، الذين كانوا يتعاونون معهم تعاونا وثيقا. بل إن اهل الكتاب انفسهم كانوا يتوعدون العرب، ويقولون لهم: (ليخرجن نبي، فيكسرن أصنامكم، فلما خرج رسول الله كفروا به.) ويقول مغلطاي: إنه لما شاع قبل ولادته: أن نبيا اسمه محمد، هذا إبان ظهوره، سمى جماعة أبناءهم محمدا، رجاء أن يكون هو، منهم محمد بن سفيان بن مجاشع إلخ. ثم عد جماعة من المسمين بهذا الاسم) (1). ولما دعا رسول الاسلام بعض المدنيين - قبل الهجرة - إلى الاسلام، قال بعضهم لبعض: يا قوم، إن هذا الذي كانت اليهود يدعوننا به، أن يخرج في آخر الزمان، وكانت اليهود إذا كان بينهم شئ، قالوا: (إننا ننتظر نبيا يبعث الان يقتلكم قتل عاد وثمود، فنتبعه، ونظهر عليكم معه الخ (5)).


(1) البقرة: 147 (2) الاعراف: 157. (3) البحار ج 15 ص 231. (4) راجع: سيرة مغلطاي ص 7. (5) الثقات، لابن حبان ج 1 ص 90. (*)

[ 222 ]

مناطق سكنى أهل الكتاب: وبعد، فإن النصارى لم يتوغلوا في قلب الجزيرة العربية، بل كانوا يسكنون على اطرافها: الحيرة، وبلاد الشام، وكانت بعض القبائل العربية تدين بالنصرانية، دون ان يلتزموا بطقوسها الدينية الا بصورة ضعيفة كما سنرى. أما اليهود، فقد كانوا أولا هم حكام يثرب، بعد أن قدموها من بلاد فلسطين، فرارا من الاضطهاد الذي حاق بهم، ثم قدمها الاوس والخزرج القحطانيون من اليمن، وتغلبوا عليها، وحصروا اليهود - وهم ثلاث قبائل: بنو النضير، وقينقاع، وقريظة - في مناطق معينة في المدينة واطرافها، وكانوا يسكنون فدكا وتيماء أيضا. ويذكر هيكل: أنه كان يحظر على اليهود والنصارى سكنى مكة، إلا أن يكون أجيرا، لا يتحدث بشئ من امر دينه ومن أمر كتابه. ثم يستثني في موضع آخر: العبيد منهم (1). ولكننا نجد: أنه كان يسكنها المتنصرة من العرب كورقة بن نوفل واضرابه، وعلى كل حال، فان هذا الامر لا يهمنا تحقيقه كثيرا. اهل الكتاب وهيمنتهم العلمية على العرب: وما يهمنا هنا: هو الاشارة إلى أن العرب كانوا ينظرون إلى أهل الكتاب نظر التلميذ إلى معلمه، ويعتبرونهم مصدر الثقافة والمعرفة لهم، حتى إننا لنجد في التاريخ: أن العربي كان إذا أراد الاسلام يستشير حبرا، أو راهبا في ذلك. بل نجد قبيلة بكاملها تذهب إلى يهود فدك وتسألهم عن


(1) راجع: حياة محمد، لمحمد حسين هيكل ص 65 و 66. (*)

[ 223 ]

رسول الله، بعد أن عرض دعوته عليهم (1). كما ويعرض الاسلام على كندة، فيأبونه، فيستدل بعضهم على صدق هذا النبي بأن اليهود قد قالوا: إنه سوف يظهر نبي من الحرم قد أظل زمانه (2) واسلام أهل المدينة كان في مبدئه مستندا إلى نظير هذه الحجة، كما أشرنا، وسنشير إليه ان شاء الله تعالى (3). وعن ابن عباس، قال: (كان هذا الحي من الانصار - وهم اهل وثن - مع هذا الحي من اليهود، وهم اهل كتاب، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم. وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم (4). وقد اسلم وفد أهل الحيرة، وكعب بن عدي، فلما توفي (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتابوا، فثبت كعب على الاسلام، قال: ثم خرجت أريد المدينة، فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه (5). إلى آخر كلامه، الذي ذكر فيه حصول اليقين له، بسبب كلام الراهب. وليلاحظ بدقة قوله: (كنا لا نقطع أمرا دونه) ! وأيضا، فقد تقدم في الفصل الاول من هذا الجزء وسيأتي (6): أن


(1) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 145، ودلائل النبوة لابي نعيم ص 102. (2) دلائل النبوة لابي نعيم ص 103. (3) سيأتي ذلك في الجزء الثاني في فصل: حتى بيعة العقبة حين الكلام حول دخول الاسلام إلى المدينة. (4) الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 109 عن ابي داود. وقال: وانظر تفسير ابن كثير ج 1 ص 261. (5) الاصابة ج 3 ص 298 عن البغوي، وابن شاهين، وابن السكن، وابن يونس في تاريخ مصر، وأبي نعيم. (6) سيأتي ذلك في فصل: غدر اليهود، والاغتيالات عن البداية والنهاية ج 4 ص 6 ج = (*)

[ 224 ]

أبا سفيان قد سأل كعب بن الاشرف عن: أن أي الدينين أرضى لله تعالى، دينه أم دين محمد. وقالت قريش لبعض يهود بني النضير، وهم: سلام بن أبي الحقيق وحيي يبن أخطب وكنانة بن الربيع، حين ذهبوا إلى مكة ليحرضوا الاحزاب على حرب المسلمين، قالت لهم قريش: (يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الاول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه قالوا: بل دينكم خير من دينه، وانتم أولى بالحق منه، فلما قالوا ذلك لقريش سرهم، ونشطوا لما دعوهم إليه الخ) (1) ونحن وإن كنا نعلم أن زعماء قريش كانوا يعلمون الحق، ولكنهم كانوا يكتمونه عنادا واستكبارا لقوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم. ولكن الذي يلفت نظرنا هو هذا االاستغلال لنفوذ اليهود، وهيمنتهم العلمية، واعتبارهم مصدرا للمعارف الدينية. وبالمناسبة فان التاريخ يعيد نفسه، قان نظرة المسلمين إلى الاوروبين الان تشبه تماما، ما كانت عليه في الجاهلية. وأخيرا، فقد قال الحلبي وابن هشام: (لا يخفى: أن كفار قريش بعثوا النضر بن الحرث، وعقبة بن أبي معيط، إلى احبار يهود بالمدينة. وقالوا لهما: اسألاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فانهم أهل الكتاب الاول) (2) ثم ذكر ما جرى بينهم وبين اليهود، ثم ما جرى لهم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة. والخلاصة: أن اخبارات أهل الكتاب تلك قد غرست في ذهن


= والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 11. (1) سيرة ابن هشام ص 225 / 226. وستأتي بقية المصادر في غزوة الخندق. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 310، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 321. (*)

[ 225 ]

العربي: أن نبيا سوف يخرج من منطقته، مما سهل عليه قبول دعوته (صلى الله عليه وآله وسلم)، والاذعان للحق الذي جاء به، لان الناس - باستثناء اصحاب المطامح والاهواء، والطواغيت منهم - لصفاء وسلامة طباعهم، وكونهم أقرب الى الفطرة، وعدم تلوث فكرهم بالشبهات والفلسفات المعقدة كانوا يتقبلون الحق، ويذعنون له. وقبليتهم وعاداتهم إنما كانت تمنع فقط من انقياد بعضهم لبعض، بسبب غلظتهم، وانفتهم، وبعد هممهم. ولكن لم يكن ذلك يمنعهم من قبول الحق، والاذعان لارادة السماء (1). 6 - الفراغ العقائدي والسياسي: أ: الفراغ العقائدي: لقد كان العرب يعانون من فراغ عقائدي هائل، عبر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله المتقدم: (بعثه، والناس ضلال في حيرة، وحاطبون في فتنة، حيارى في زلزال من الامر، وبلاء من الجهل). ويكفي أن نذكر: انهم حتى عبادتهم للاصنام قد كانت ملونة باللون القبلي، فلكل قبيلة بل لكل بيت وثن، وطريقة. وكثيرا ما كانت دوافعهم إلى عبادة تلك الاصنام عاطفية، بعيدة عن اساليب التبرير العقلي، والمنطقي، فارتباط العربي بهذا الصنم إنما هو لان هذا الصنم مرتبط بتاريخ أبيه أو جده. فالعربي يعتز بنسبه بحسب طبعه، وبما ينسب إليه، قال تعالى حكاية لذلك عنهم: (بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وانا على آثارهم مهتدون (2)).


(1) راجع: البيان والتبيين للجاحظ ج 3 ص 127. (2) الزخرف: 22. (*)

[ 226 ]

ومما يدل على أن عبادتهم للاصنام لم تكن عن تعقل وقناعة هو أن الذين كانوا يرجعون إلى فطرتهم، والى عقولهم سرعان ما يدركون منافرتها للفطرة، ولاحكام العقل السليم، ويرغبون بالخروج من هذا الجو، ولذلك نجد المؤرخين يذكرون: أن عبد المطلب قد رفض عبادة الاوثان، كما ويذكرون: أن ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبيد الله بن جحش قد تبرموا من عبادة الاوثان، وعبروا عن ضعف ثقتهم فيها، فاجتمعوا وتشاوروا فتنصر الاولان، وبقي الاخران في حيرتهم وشكهم (1). ب: الفراغ السياسي: فإن أرض العرب القاحلة، والجو الحار الذي تتميز به، وحياتهم المتنقلة من مكان إلى مكان، وقدرتهم على تحمل المشاق. قد جعل السيطرة عليهم شبه مستحيلة حسبما قدمنا. بل جعلهم بحسب طبيعة ظروفهم الحياتية قادرين على توجيه الضربات القاصمة لكل دخيل، وجعله في رعب دائم، وخوف مستمر، الامر، الذي اسهم بشكل فعال في ابعاد أطماع المستعمرين عن منطقتهم، مع قناعة المستعمر بأنه سوف لا يجني الكثير من النفع، في مقابل الكثير من الضرر الذي سوف يتعرض له، ولا سيما مع علمه بأن حب الانطلاق في البادية بلا رقيب ولا حسيب مغروس في دم العربي، وفي روحه، وفي أعماق أعماقه، ولا يتنازل عن ذلك بأي ثمن كان. فكل ذلك قد جعل المنطقة في فراغ سياسي محسوس، بل إن شمالي الجزيرة العربية لم يتعرض لاي حكم أجنبي أصلا نعم قد تعرض جنوبها وهو اليمن لسلطة الاحباش لفترة قصيرة (2).


(1) راجع: البداية والنهاية ج 2 ص 237 - 238 وحياة محمد لهيكل ص 89، وغير ذلك. (2) راجع: مختصر تاريخ العرب، للسيد أمير علي ص 8. (*)

[ 227 ]

وهذا الفراغ السياسي قد جعلها بعيدة عن نفوذ الاديان الكبرى بشكل فعال، ولو بفرض من السلطة الحاكمة، كالنصرانية والزرادشتية، وحتى عن التأثر باليهودية التي كانت تعيش بينهم ومعهم، فبقيت المنطقة بعيدة عن الشبهات والافكار الغريبة والدخيلة، وإن كان قد تسرب إليها بعض اليهود فرارا من الرومان، ولكن لم يكن لهم أي نشاط ديني، أو لعله كان، ولكنه لم يثمر، إذ لم يكن ثمة سلطة تدعمه سياسيا واعلاميا، ولذلك فقد اشرنا الى أنهم يذكرون أن نصارى تغلب ما كانوا يتمسكون من النصرانية إلا بشرب الخمر (1) بل إن جميع نصارى العرب كانوا كذلك (2). وما ذلك إلا لان النصرانية بعيدة عن عقل وفطرة الانسان، ولا تستطيع أن تتصل بروحه ووجد انه لتفرض هيمنتها على أفعاله، وسلوكه. أما الاسلام دين الفطرة الذي استطاع بفترة وجيزة أن يصنع أمثال أبي ذر، وعمار، وسلمان، فانه يتصل أولا بعقل الانسان، ثم بروحه ووجد انه، حتى يحوله إلى انسان إلهي بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وقد استطاع أن يجعل من هؤلاء المتوحشين إلى الامس القريب، والذين لا يلتزمون بنظام، ولا يحكمهم قانون، اكثر الامم اتباعا للنظم، واشدها إيمانا واخلاصا للقانون الالهي. كما ويلاحظ أن من رباهم النبي والائمة في فترات وجيزة جدا. مع محدودية إمكاناتهم لم تستطع الحكومات الاخرى، حتى التي تنسب نفسها إلى الاسلام أن تأتي بأمثالهم، رغم توفر كل الامكانات لها، الامر الذي يشير بوضوح إلى الدور الكبير الذي يضطلع به القائد والحاكم الحق


(1) المصنف للصنعاني ج 6 ص 72 وج 7 ص 186 والسنن الكبرى ج 9 ص 284. (2) المصنف للصنعاني ج 6 ص 72 و 73 وج 7 ص 186 والسنن الكبرى ج 9 ص 217. (*)

[ 228 ]

في تربية المجتمع، وفي تزكيته. قال المعتزلي: (والغالب على أهل الحجاز الجفاء والعجرفية، وخشونة الطبع. ومن سكن المدن منهم، كأهل مكة، والمدينة، والطائف، فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة. ولم يكن فيهم من قبل حكيم ولا فيلسوف، ولا صاحب نظر وجدل، ولا موقع شبهة، ولا مبتدع نحلة الخ) (1). وخلاصة الامر: إن صفاء نفوس عرب الحجاز وعدم تلوثها بالافكار، والانحرافات والشبهات الغريبة عن الفطرة، بالاضافة إلى الفراغ العقائدي، وعدم معقولية شركهم، وعبادتهم للاوثان، ثم الحالة الاجتماعية السيئة التي كانوا يعانون منها - كل ذلك قد اسهم اسهاما كبيرا في نشر الدعوة الاسلامية، وقبولها. ولذلك ترى أن كثيرا منهم كانوا يسلمون بمجرد سماعهم كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم)، واطلاعهم على أصول دعوته واهدافها، أو بمجرد ان يتلو عليهم القرآن. وإذا ما رأينا ساداتهم وكبراءهم - عموما - كانوا يجحدون بهذه الدعوة الحقة، فليس ذلك لانهم لم يجدوا فيها ما يقنعهم، بل لانهم وجدوها تضر بمصالحهم الدنيوية، وتصدهم عن مطامعهم اللاانسانية، فهم مصداق لقوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم (2)). ولذلك نلاحظ: أن الناس ما كانوا يتطلبون الاستدلال على التعاليم والافكار الدينية كثيرا، في أول الامر: لان صفاء نفوسهم، وسلامة فطرتهم، وعدم ارباكها وارهاقها بالافكار، والفلسفات، والشبهات كان


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 51. (2) النمل / 14. (*)

[ 229 ]

كافيا لادراك حقانية الدعوة، وسلامة افكارها. وكانت الايات انما تحاول إرجاعهم إلى الفطرة وتدعوهم إلى التفكير، والتعقل. ولكن بعد أن دخلت الفلسفات والافكار الغريبة، والشبهات المغرضة، إلى فكر وعقل هذا الانسان، وحجبت فطرته، وأربكت تفكيره وأرهقت عقله، صار الناس يحتاجون اكثر فأكثر إلى الادلة، ويتطلبونها من الائمة، بحسب نسبة تلوث فطرتهم بالشبهات والافكار الغريبة. 7 - الحياة الصعبة، والتضحية بالنفس: وكانت بدائية العرب، وحياتهم الصعبة، التي يعانون منها، قد جعلتهم اكثر اقداما على التضحية في سبيل الدعوة التي يؤمنون بها عن قناعة وجدانية راسخة، ويتفاعلون معها تفاعلا روحيا خالصا. وذلك لانهم لم ينعموا بحياة النعيم والرفاهية، التي لا تعب فيها ولا نصب، ولا آلام، ليصبح لهم تعلق شديد بالحياة، وحب، بل وعشق لها، فان من الملاحظ: أنه كلما كانت الحياة رخية ناعمة مرفهة، كلما ازداد تعلق الانسان بها، وحبه لها. وكلما كان العكس، سهل عليه تركها، والتخلي عنها. كما أن الدعوة التي سوف يتعرض أفرادها لمختلف أنواع الضغوط النفسية، والاقتصادية، والاجتماعية واقساها، بحاجة ماسة إلى جماعة قادرين على مواجهة تلك الضغوط، وتحمل تلك الالام، والصبر على التعذيب، والجوع والاضطهاد، بمختلف انواعه. وقد كان العرب - عموما - كذلك، لانهم قد عانوا من مشاق الحياة والطبيعة ما عانوا. وأصبحت الالام والمتاعب والمصاعب هي الصفة المميزة لحياتهم بل هي خبزهم اليومي وغير ذلك هو الاستثناء. فهم أقدر من غيرهم على تحمل ما ينتظر أتباع هذه الدعوة، لان المنعمين لا

[ 230 ]

يستطيعون عادة تحمل المشاق، ومواجهة الصعوبات فان الشجرة البرية اصلب عودا، وأبطأ خمودا، ولذلك نجد: أن بعض المسلمين كانوا يودون لو يجعلون امتيازا لاحدهم، وهو ابن عمير لانه كان منعما قبل أن يسلم، وحينما أسلم تعرض للمشاق والالام، فذلك جعلهم يشعرون بأنه قد تحمل من المصاعب والالام ما يوجب الرثاء والرحمة له، وما ذلك إلا إنطلاقا من الناحية التي اشرنا إليها آنفا. 8 - بقايا الحنيفية في العرب: وبعد، فان مما ساعد على ذلك أيضا، وجود بقايا الحنيفية - دين ابراهيم كالحج وآدابه - في الجزيرة العربية، وفي مكة بالذات، لان العرب، وهم أولاد اسماعيل، قد توارثوا عنه الدين الحق وكانوا يعتزون بذلك، وقد قال الله تعالى لهم: ملة أبيكم إبراهيم.. ولكنهم على مر السنين بدؤا يخلطون هذا الحق بكثير من الباطل، شأن سائر الامم، عندما يغشاها الجهل، وتستبد بها الاهواء، والانحرافات. ثم تسرب إليهم الشرك، وعبادة الاوثان، حسبما قدمنا، ثم الكثير من الامور الباطلة، والاخلاق الذميمة، والفواحش، حتى اصبحوا في الجاهلية العمياء، وحتى أدى بهم الامر إلى الحالة التي وصفها لنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما تقدم، غير أن بقية منهم - وان كانت قليلة جدا - قد بقيت متمسكة بعقيدة التوحيد، وترففض عبادة الاوثان. وتعبد الله على حسب ما تراه مناسبا، وقريبا إلى تعاليم دين ابراهيم. ومن هؤلاء عبد المطلب، وأضرابه، من رجالات بني هاشم الابرار. وكان من بقايا الحنيفية تعظيم البيت، والطواف به، والوقوف بعرفة، والتلبية (1) وهدي البدن، وإن كانوا يطبقون ذلك مشوها وممسوخا،


(1) ذكر اليعقوبي في تاريخه ج 1 ص 254 - 257 ط صادر تلبيات كل قبيلة، وأعطى نبذة عن شعائرهم في مكة، فمن أراد فليراجع. (*)

[ 231 ]

ويقحمون فيه ما ليس منه. وكانت هذه المعالم تضعف رويدا رويدا، مع الزمن، حتى لم يبق منها إلا الاسماء، والرسوم الشوهاء. وقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) ما مفاده: إن العرب كانوا أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس، فان العرب يغتسلون من الجنابة، والاغتسال من خالص شرايع الحنيفية. وهم أيضا يختتنون، وهو من سنن الانبياء، كما أنهم يغسلون موتاهم، ويكفنونهم، ويوارونهم في القبور، ويلحدونهم، ويحرمون نكاح البنات والاخوات، وكانوا يحجون إلى البيت ويعظمونه، ويقولون: بيت ربنا، ويقرون بالتوراة والانجيل، ويسألون أهل الكتب، ويأخذون منهم. وكانت العرب في كل الاسباب اقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس (1). إذن، فقد كان ثمة ذكريات بعيدة في ضمير ووجدان الانسان العربي، تربطه بالحنيفية السهلة السمحاء، دين آبائه وأجداده - وهو الذي يعتز بالانساب وصفائها، بحكم ما يتعرض له من الغزو والسبي الموجب للتهمة أحيانا - وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث ليتمها، فمن الطبيعي أن يكون لهذه الذكريات أثر في نظرة كثير من الناس إليه، وإلى ما جاء به بإيجابية وواقعية. 9 - الخصائص والعادات العربية: ولقد كان لبعض الخصائص، والاخلاق، والعادات العربية، اثر كبير في نشر دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي هي دعوة الحق والخير وشمولها. وإن كان الاسلام الذي استفاد من تلك الخصائص والعادات والاخلاق، قد حاول إلى جانب ذلك تركيزها من حيث المنطلقات والاهداف على أسس صحيحة ومقبولة. وأما إن كانت مرفوضة


(1) راجع: الاحتجاج، للطبرسي ج 2 ص 91 / 92 والبحار ط مؤسسة الوفاء ج 78 ص 8. (*)

[ 232 ]

إسلاميا، فانه - وإن كانت قد أفادته تلقائيا، ومن دون أن يتطلب هو ذلك - كان يحاول القضاء عليها، واستئصالها، بالحكمة والموعظة الحسنة، كلما سنحت له الفرصة، وواتاه الظرف. فمثلا: لقد استفاد الاسلام كثيرا من شجاعة العربي، واستهانته بالصعاب، في الدفاع عن الاسلام. وأيضا، فقد كان للتعصب القبلي بعض الفوائد الهامة، حتى ليذكرون أنه بعد الهجرة إلى المدينة، كان الاوس والخزرج: (يتصاولان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تصاول الفحلين، لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غناء الا قالت الخزرج: والله، لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الاسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. قال: وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك، (1). وأما قبل الهجرة في مكة، فقد كان للقبلية أثر كبير في منع قريش وغيرها مدة طويلة من المضايقات لكثير ممن اعتنقوا الاسلام، ثم من محاولة الاعتداء على حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو على حياة اكثر المسلمين آنذاك، وإن كانت تواجههم بالمضايقات أحيانا، واحيانا بالتعذيب القاسي، إن لم يكن لهم عشيرة يرهب جانبها، حتى أذن الله تعالى لهم بالهجرة إلى المدينة. ولذلك نلاحظ: أن أبا طالب (رحمه الله) قد استفاد كثيرا من العامل القبلي، حتى إن بني هاشم مسلمهم وكافرهم قد قبلوا بمحاصرة قريش لهم. وكانوا معه في شعب ابي طالب كما سيأتي. وتجد في شعر أبي طالب الكثير من التأكيد على عامل القرابة بين بني هاشم وطوائف من


(1) تاريخ الطبري ط الاستقامة ج 2 ص 184 د وراجع الكامل لابن الاثير ط صادر ج 2 ص 146. (*)

[ 233 ]

قريش. الامر الذي كان له أثر كبير في حفظ حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) من كيد أعدائه كما قلنا. بل إننا نجد المشركين حتى في عدائهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) !، وحتى حينما تآمروا عليه ليقتلوه - وكان ذلك هو سبب هجرته (صلى الله عليه وآله وسلم) - قد أخذوا بعين الاعتبار العلاقات القبلية، وردات الفعل التي سوف تنجم عنها فاختاروا عشرة اشخاص، من كل قبيلة رجلا، ليضربوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسيوفهم في آن واحد وسيأتي ذلك إنشاء الله تعالى. وفي المدينة ايضا كان ثمة أثر كبير لكرم ضيافة العربي، ولوفائه بالعهد والذمار، ولحسن الجوار، ولحريته، وحميته، وانفته وعزته، واعتداده بنفسه، وقوة إرادته، وللشجاعة، والاقدام، وحتى لصفات القوة والغلظة، التي ولدتها فيهم حياة الغزو والحرب، وجعلتهم قادرين على التخلي عن العواطف في سبيل دينهم وعقيدتهم، حتى لقد كانوا يقتلون ابناءهم، وآباءهم، واخوانهم. 15 - دور أبي طالب، وعلي (ع) وأموال خديجة (عليها السلام): ثم إننا يجب أن لا ننسى الدور الذي اضطلع به الرجل العظيم، أبو طالب شيخ الابطح (عليه السلام)، الذي وفر للنبي (صلى اللة عليه وآله وسلم) حمايته المطلقة من كل أعدائه ومناوئيه. ثم هنالك العامل الاقتصادي الذي وفرته له زوجته أم المؤمنين خديجة صلوات الله وسلامه عليها، والتي كانت تمتلك - حسبما يرى البعض - عصب الاقتصاد في الجزيرة العربية كلها. وقد أنفقت كل تلك الاموال على المسلمين، في الظروف الحرجة (*)

[ 234 ]

التي واجهوها، إبان اضطهاد قريش وحصارها الاقتصادي لهم. ومما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتولى الانفاق على المسلمين، من أموال خديجة وأبي طالب (1) قول أسماء بنت عميس لعمر (2) حين عيرها بأنه سبقها بالهجرة، وإنها حبشية حجرية - على ما نقل عن صحيح مسلم وغيره - قالت له: (كنتم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم (3)). وأخيرا، فيجب أن لا ننسى دور وصي وأخي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمير المؤمنين (عليه السلام)، حسبما سيظهر ان شاء الله - ولو بنحو محدود - في مطاوي هذه السيرة العطرة. نعم لقد كان لكل ذلك دور هام في حفظ الدعوة، وانتصارها، وانتشارها، كما لا يخفى على الناقد البصير، والمتتبع الخبير. وثمة أسباب أخرى قد ساعدت على ظهور الاسلام، وانتشاره، وانتصاره، يمكن استجلاء بعضها من مطاوي التاريخ الاسلامي. ونحن نكتفي هنا بهذا القدر، لنوفر الفرصة لعرض حياة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد البعثة، وبشكل موجز وواضح قدر الامكان.


(1) البحار ج 19 ص 16 وأموال خديجة أمرها أشهر من أن يذكر فراجع أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 81 / 82 والبحار ج 19 ص 61 و 62. (2) ستأتي مصادر ذلك في فصل: هجرة الرسول الاعظم (ص)، حين الكلام حول ثروة أبي بكر. (3) قاموس الرجال ج 10 ص 380 وحياة الصحابة ج 1 ص 361 والبداية والنهاية ج 4 ص 205 وصحيح مسلم ج 7 ص 172 وفتح الباري ج 7 ص 372 وصحيح البخاري ج 3 ص 35 ط سنة 1309 ه‍، وكنز العمال ج 22 ص 206 عن أبي نعيم، والطيالسي، ومسند أحمد ج 4 ص 395 والاوائل ج 1 ص 314. (*)

[ 235 ]

تنبيه هام وضروري: إن كل ما ذكرناه آنفا لا يعني: أن ظهور الاسلام، وانتشاره في الجزيرة العربية قد كان أمرا طبيعيا، بحيث إنه لو توفرت هذه العوامل لاي دعوة أخرى، فانها تستطيع أن تحقق نفس النتائج التي حققها الاسلام. بل الامر على العكس من ذلك تماما، فان ظهور الاسلام، وانتصاره في هذه المنطقة هو بذاته معجزة له، ودليل على حقانية الاسلام، وذلك لان اليهودية قد كانت موجودة، وكانت هذه الظروف أيضا موجودة، ولكنها لم تستطع أن تؤثر أثرا يذكر في عقلية العربي، ولا في سلوكه، وتصرفاته (1). وكذلك الحال بالنسبة للنصرانية، التي كانت تهتم في تنصير كل من تقدر على تنصيره. ثم هناك الزرادشتية وغيرها من الاديان. وهذا معناه: أن لنفس المبدأ، والرسالة، والقائد دورا هاما جدا، بل والدور الاول والاساس في عملية التغيير وفي النجاح وفي استمراره. وبدون ذلك، فان كل نجاح - لو كان - فلسوف يكون محدودا جدا، ولظروف معينة، ولسوف ينتهي بمجرد انتهاء تلك الظروف. وقد رأينا الاسلام رغم ما عاناه من مصائب وبلايا حتى على أيدي أبنائه - كان ولا يزال يزداد قوة وفعالية على مر الزمن، وفي مختلف الظروف والاحوال، ولم يؤثر فقدان تلك الظروف والعوامل، ولا تحولها وتقلبها لا في الاسلام، ولا في فعاليته، إن لم نقل: إنه قد زاد في ذلك بشكل ظاهر. والذي يفسر لنا هذه الظاهرة، هو ما ذكرناه آنفا من أن الاسلام يستطيع أن يستوعب طاقات الانسان، ويحولها ويطورها في مصلحة


(1) وإن كان دين اليهود مقصورا عليهم ولا يتعداهم إلى غيرهم من الامميين. (*)

[ 236 ]

الرسالة والحق. كما أنه يستطيع أن يتلائم مع الظروف المختلفة، فهو يملك لكل داء دواء، ولكل مشكلة حلا، ولكل ظرف ما يناسبه، على عكس غيره من الدعوات الجامدة، والمحدودة. ولذلك، فان الاسلام عند ما نجح في الجزيرة العربية، وإن كان قد استفاد من بعض الظروف، وحول وطور الاوضاع السائدة في صالحه، إلا أنه كان في نفس الوقت لا يجد في المنطقة التي ظهر فيها الكثير من المميزات الهامة التي من شأنها أن تساعده في مهمته. ولولاها فان أي دعوة أخرى لا تستطيع أن تنجح. ولكن فقدها لم يؤثر على الاسلام، كما أن امتلاك اعدائه لها لم يؤثر عليه أيضا. وهذا أحد أسرار عظمة الاسلام وسموه. وفقنا الله للعمل في سبيله، والاهتداء بهديه، إنه ولي قدير.

[ 237 ]

القسم الثاني من البعثة حتي الهجرة

[ 239 ]

الباب الاول: من البعثة الى الاعلان بالدعوة

[ 241 ]

الفصل الاول: البعثة والمعجزة

[ 243 ]

عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين البعثة: لقد بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد عام الفيل بأربعين عاما، أي حينما بلغ الاربعين من عمره الشريف، على قول أكثر أهل السير، والعلم بالاثر. وكان قبل ذلك يسمع الصوت ولا يرى الشخص حتى تراءى له جبرائيل وهو في سن الاربعين. وقيل: بل كان عمره (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثته إثنين، وقيل: ثلاثا. وقيل خمسا وأربعين سنة (1). وربما لا يكون بين هذه الاقوال منافاة إذا كان القائلون بها يأخذ بعضهم، وبعضهم الاخر لا ياخذ السنوات الاولى، وهي فترة الدعوة الاختيارية، أو فقل: السرية بنظر الاعتبار والتي قد اختلف في مقدارها من ثلاث إلى خمس سنوات (2).


(1) راجع في ذلك كلا أو بعضا سيرة مغلطاي ص 14، والسيرة الحلبية ج 1 ص 224، وتاريخ الطبري ج 2 ص 42 و 43، والبداية والنهاية ج 3 ص 4، وفي الطبري ج 2 ص 42 رواية تفيد: ان عمره (ص) كان حينئذ عشرين سنة، وهي رواية لا يرتاب أحد في بطلانها. وراجع مشاهير علماء الامصار ص 3. (2) البحار ج 18 ص 177 و 194 عن إكمال الدين ص 197 والتمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 81 / 82 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 19 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 280، والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 43. (*)

[ 244 ]

أو لعل بعضهم لم يكن يرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل في تلك الفترة إلى الناس كافة، أو أنه كان مكلفا بدعوة الاقربين فقط. كما أن ذلك لعله هو سبب الاختلاف الظاهري في مدة بقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة داعيا إلى الله فيها قبل الهجرة، حيث قال بعضهم إنه: (صلى الله عليه وآله وسلم) بقي عشر سنين. وقال آخرون: ثلاث عشرة سنة. تاريغ البعثة، وكيفية نزول القرآن: والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام) - وأهل البيت أدرى بما فيه وأقرب إلى معرفة شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاصة -: أن بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت في السابع والعشرين من شهر رجب. وهذا هو المشهور بل ادعى المجلسي الاجماع عليه عند الشيعة، وروي عن غيرهم أيضا (1). وقيل: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في شهر رمضان المبارك، واختلفوا في أي يوم منه (2) وقيل في شهر ربيع الاول، واختلف أيضا في أي يوم منه (3).


(1) راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 238 عن أبي هريرة، وسيرة مغلطاي ص 14 عن كتاب العتقي عن الحسين، ومنتخب كنز العمال هامش مسند أحمد ج 3 ص 362، ومناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 173 والبحار ج 18 ص 204 و 190. (2) راجع: تاريخ الطبري ج 2 ص 44 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 256، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 22 / 23 ط صادر والبداية والنهاية ج 3 ص 6. (3) المواهب اللدنية ج 1 ص 39، وسيرة مغلطاي ص 14، وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 22 والتنبيه والاشراف ص 198، ومروج الذهب ج 2 ص 287، والسيرة الحلبية ج 1 ص 238.

[ 245 ]

واستدل القائلون بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث في شهر رمضان المبارك، وليس في رجب بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما بعث بالقرآن، والقران قد أنزل في شهر رمضان، قال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر (1)، وقال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (2). ثم أن هنا اشكالا آخر لا بد من الاشارة إليه، وحاصله: أن الايتين المتقدمتين، وإن كانتا تدلان على نزول القرآن دفعة واحدة على أحد الاحتمالين في معنى الايتين، إلا أن قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلا) (3) يدل على نزول القرآن متفرقا، لانه عبر فيها ب (نزل)، الدال على النزول التدريجي، وفيما تقدم عبر بأنزل، الدال على النزول الدفعي بالاضافة إلى انه يقول فيها: (فرقناه لتقرأه على الناس على مكث). وبالاضافة إلى قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) (4) حيث دلت الاية على نزول القرآن تدريجا. وأيضا، يجب ان لا ننسى هنا: ان بعض الايات مرتبط بحوادث آنية، مقيدة بالزمان، كقوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) (5) وكاعتراض الكفار الانف وغير ذلك. هذا كله عدا عن أن التاريخ المتواتر يشهد بأن نزول القرآن كان تدريجا، في مدة ثلاث وعشرين سنة، هي مدة الدعوة. وقد اجيب عن إشكال التنافي بين ما دل على النزول الدفعي والنزول التدريجي، بأن النزول الدفعي كان إلى البيت المعمور، حسبما نطقت به الروايات الكثيرة، ثم صار ينزل تدريجا على الرسول الاعظم (صلى


(1) سورة القدر: 1. (2) سورة البقرة: 185 (4) الفرقان: 32. (3) الاسراء: 106 (5) المجادلة: 1. (*)

[ 246 ]

الله عليه وآله وسلم) (1). وإذن، فليكن نزوله الدفعي كان ليلة القدر ونزوله التدريجي قد بدأ في السابع والعشرين من شهر رجب، ولا يبقى ثمة منافاة. وجواب آخر، يعتمد على القول بأن القرآن قد نزل أولا دفعة واحدة على قلب النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنه لم يؤمر بتبليغه، ثم صار ينزل تدريجا بحسب المناسبات. وربما يستأنس لهذا الرأي ببعض الشواهد التي لا مجال لها (2). ورأي ثالث يقول: إن بدء نزول القرآن كان بعد البعثة بثلاث سنوات، أي بعد انتهاء الفترة السرية للدعوة، كما ورد في عدد من الروايات، ونص عليه بعضهم (3) وعلى هذا فلا يبقى تناف بين بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلم في شهر رجب، وبين نزول القرآن في شهر رمضان المبارك (4). أما نحن فنقول: أولا: قال الله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) (5) فاستعمل التنزيل وأريد به النزول جملة واحدة، فقولهم: (تستعمل نزل في خصوص التدريجي) لا يصح.


(1) راجع: تفسير الميزان ج 2 ص 15. (2) راجع: تفسير الميزان ج 2 ص 18 وتفسير الصافي ج 1 المقدمة التاسعة، وتاريخ القرآن للزنجاني ص 10. (3) راجع: التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 82 / 83 عن الكافي ج 2 ص 460، وتفسير العياشي ج 1 ص 80 والاعتقادات للصدوق ص 101، والبحار ج 18 ص 253، ومستدرك الحاكم ج 2 ص 610 والاتقان ج 1 ص 39 وتفسير شبر ص 350، والبداية والنهاية ج 3 ص 4 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 34. (4) التمهيد ج 1 ص 81 و 83. (5) الفرقان: 32. (*)

[ 247 ]

ثانيا: إن تتبع الايات القرآنية يعطي عدم ثبوت الفرق المذكور بين: (الانزال) و (التنزيل) مثلا قد ورد في القرآن قوله تعالى: (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) (1) مع أن الكتاب المقرؤ إنما ينزل دفعة واحدة. كما ويلاحظ: أنه يستعمل كلمة (نزل) تارة، وكلمة (أنزل) (من السماء ماء طهورا). ومثل ذلك كثير، لا مجال لنا لتتبعه فعلا. وكل ذلك يدل على عدم صحة هذا الفرق بين هاتين الصيغتين وقد أشار إلى هذا الجواب بعض المحققين أيضا (2). وثالثا: قولهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث بالقرآن، غير مسلم. ولتكن الروايات الواردة عن أهل البيت، والقائلة بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث في شهر رجب موجبة لوهن قولهم هذا. ورابعا: روايات نزول القرآن إلى البيت المعمور لا مجال لاثباتها من طريق أهل البيت (عليهم السلام) ولا إلى الاطمينان إلى صحتها، كما ذكره الشيخ المفيد (1) وأما نزول القرآن أولا دفعة واحدة على قلبه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن إثباته مشكل، ولا يمكن المصير إليه إلا بحجة. وخامسا: حديث نزول القرآن بعد البعثة بثلاث سنوات، إستنادا إلى ما ورد من أن القرآن قد نزل خلال عشرين سنة، لا يمكن الاطمينان إليه، إذ يمكن أن يكون ذلك قد جاء على نحو التقريب والتسامح، ولم يرد


(1) الاسراء: 93. (2) هو العلامة السيد مهدي الروحاني حفظه الله. (3) تصحيح الاعتقاد ص 58. (*)

[ 248 ]

في مقام التحديد الدقيق - ومن عادة الناس: أن يلقوا الزائد القليل، أو أن يضيفوه في إخباراتهم، وليس في ذلك اخبار بخلاف الواقع، لان المقصود هو الاخبار بما هو قريب من الحد، لا بالحد نفسه، مع إدارك السامع لذلك، والتفاته إليه. نعم يمكن أن تكون معاني القرآن وحقائقه قد نزلت على قلبه الشريف ليكون (صلى الله عليه وآله وسلم) إنسانا كاملا، يربى نفسه على تلك المعاني. ولكن هذا ايضا يبقى مجرد احتمال، ويحتاج إلى إثبات. والنتيجة هي: أنه لا مانع من أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث وصار نبيا في شهر رجب، كما أخبر به أهل البيت (عليهم السلام) وهيئ ليتلقى الوحى القرآني. (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) (1)، ثم بدأ نزول القرآن عليه تدريجا في شهر رمضان المبارك. كما أنه لا مانع من ان تكون حقائق القرآن ومعانيه قد نزلت عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة واحدة، ثم صار ينزل عليه تدريجا. ويؤيد هذا الاحتمال الاخير رواية رواها المفضل عن الامام الصادق (عليه السلام) تفيد ذلك فلتراجع (2) ويؤيده أيضا: ما ورد من أنه كان له ملك يسدده، ويأمره بمحاسن الاخلاق. وأن الملك كان يترائى له، قبل ان ينزل عليه القرآن (3) وأن جبرئيل قد لقيه الخ.. ويرى بعض المحققين (4): أنه يمكن الجمع بين الايات، بأن يقال:


(1) المزمل: 5. (2) البحار ج 92 ص 38 وج 1 ص 53. (3) التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 83 ويحتمل أيضا: أن يكون القرآن قد نزل في شهر رمضان في ليلة القدر دفعة، لكنه لم يؤمر بتبليغه، ثم صار ينزل عليه تدريجا لاجل التبليغ في المناسبات المقتضية لذلك. (4) هو العلامة السيد مهدي الروحاني حفظه الله. (*)

[ 249 ]

إن شروع نزول القرآن كان في ليلة مباركة، هي ليلة القدر من شهر رمضان، (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن). وكان أول ما نزل حسب روايات أهل البيت (عليهم السلام)، (بسم الله الرحمن الرحيم إقرأ بسم ربك الذي خلق). والاستدلال بهذه الايات: على أن القرآن نزل أولا دفعة إلى البيت المعمور أو على قلب النبي، ثم صار ينزل تدريجا في مدة عشرين، أو ثلاث وعشرين سنة وذلك إعتمادا على قرينة الحال، حيث إن المسلمين يرون نزوله تدريجا. هذا الاستدلال غير صحيح، لان من الممكن أن يكون المراد بالانزال والتنزيل واحد وهو بدء النزول، فإنه إذا شرع نزول المطر في اليوم الفلاني، واستمر لعدة أيام، فيصح أن يقال مثلا: سافرت يوم أمطرت السماء، أي في اليوم الاول من بدء نزوله. وكذلك الحال بالنسبة للقرآن، فإنه إذا بدأ نزوله في شهر رمضان، في ليلة القدر، فيصح أن يقال مجازا مع وجود القرينة، وهي النزول التدريجي: نزل القرآن في شهر رمضان، ويكون المراد أنه قد بدأ نزوله التدريجي فيه. وقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) محتف بقرينة حالية، يعلمها كل أحد وهو نزول خصوص أول سورة (إقرأ) واستمر ينزل تدريجا بعد ذلك. وهذا كما صح أن يقال: (كماء أنزلناه من السماء)، مع أن المطر ينزل تدريجا. وما ذلك إلا لاهمية ذلك اليوم وخطره، وكل حادث خطير له امتداد زمني لم، إنما يسجل يوم شروعه، فإذا قيل مثلا: متى كانت دولة العباسيين، فسيكون الجواب بذكر سنة التأسيس قطعا. وأما حديث البخاري في بدء الوحي والدال على اقتران نزول القرآن بالنبوة فسيأتي أنه باطل لا يصح.

[ 250 ]

ثم إنه يمكن تقريب كلام هذا المحقق بنحو آخر وهو أن قوله تعالى: (أنزل فيه القرآن) إنما هو حكاية عن أمر سابق، ولا يشمل هذا الكلام الحاكي له إلا بضرب من العناية والتجوز، ولا الذي يأتي بعده، وإلا لجاء التعبير بصيغة المضارع، أو الوصف فإنه يكون حينئذ هو الاوفق (1). ولعل ابن شهر آشوب كان ينظر إلى هذا حين قال في متشابهات القرآن: (والصحيح: أن القرآن في هذا الوضع لا يفيد العموم، وإنما يفيد الجنس، فأي شئ نزل فيه، فقد طابق الظاهر) (2). هذا ولكن قد ورد ما يؤيد نزول القرآن دفعة واحدة أولا، ثم صار ينزل تدريجا بعد ذلك، فقد روى عن الامام الصادق (عليه السلام) قوله: يا مفضل، إن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة، والله يقول: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن). وقال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين) وقال: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك) قال المفضل: يا مولاي فهذا تنزيله الذي ذكره الله في كتابه، وكيف ظهر الوحي في ثلاث وعشرين سنة ؟ قال نعم يا مفضل، أعطاه الله القرآن في شهر رمضان وكان لا يبلغه إلا في وقت استحقاق الخطاب، ولا يؤديه إلا في وقت أمر ونهي فبهبط جبرائيل بالوحي، فبلغ ما يؤمر به وقوله: لا تحرك به لسانك لتعجل به (3). ولكن ما سبق يضعف درجة الاعتماد على هذه الرواية.


(1) قد أشار إلى ذلك في: التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 84. (2) التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 85. (3) البحار ج 89 ص 38. (*)

[ 251 ]

بدء الوحي وأول ما أنزل: لقد كان بدء الوحي في غار حراء، وهو جبل على ثلاثة اميال من مكة ويقال: هو جبل فاران، الذي ورد ذكره في التوراة إلا إن الظاهر هو أن فاران إسم لجبال مكة، كما صرح به ياقوت الحموي، حسبما تقدم، لا لخصوص حراء. وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعبد في حراء هذا، على النحو الذي ثبتت له مشروعيته، وكان قبل ذلك يتعبد فيه عبد المطلب. وأول ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو قوله تعالى: (بسم الله الرحمان الرحيم إقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق) (1). وهذا هو المروي عن أهل البيت (عليهم السلام) (2)، وروي أيضا عن غيرهم بكثرة. ويدل عليه أيضا سياق الايات المذكورة. (3) وربما يقال: إن أول ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو فاتحة الكتاب (4)، ولا سيما بملاحظة: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صلى في اليوم الثاني هو (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام)، وخديجة (عليها السلام)، حسبما ورد في الروايات. ولكن من الواضح: أن ذلك لا يثبت شيئا، إذ يمكن أن تنزل الفاتحة بعد سورة إقرأ، بلا فصل، ثم يصلي ويقرؤها في صلاته. كما أن


(1) سورة العلق: 1 و 2 وراجع تفسير البرهان. (2) تفسير البرهان ج 1 ص 29. (3) الدر المنثور ج 6 ص 368 والاتقان ج 1 ص 23. (4) الدر المنثور ج 1 ص 24. (*)

[ 252 ]

من الممكن أن تكون صلاتهم آنئذ غير مشتملة على فاتحة الكتاب، ثم وجبت بعد ذلك وإن كان لم يذكر أحد ذلك. أما قوله: عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب: لا صلاة له (1) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (2). فهو لا ينافي ذلك إذ يمكن أن يكون ذلك تشريعا حادثا بعد ذلك. هذا كله عدا عن أنهم يروون: أن سورة الفاتحة قد نزلت بعد المدثر (3) أي بعد عدة سنوات من البعثة. هذا، وثمة قول آخر، وهو أن أول ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سورة المدثر (4) ! وستأتي الاشارة إلى أنها قد نزلت بعد المرحلة الاختيارية أو فقل: السرية، كما أنهم يروون روايات عديدة تنافي قولهم هذا (5). وعلى كل حال، فإن تحقيق هذا الامر لا يهمنا كثيرا، فلا بد من توفير الفرصة للحديث عن الاهم فالاهم. ولا بأس بأن نعطف الكلام هنا إلى الحديث عن معجزته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي القرآن، وسر إعجازه، فان ذلك ربما تكون له أهميته البالغة، لمن يريد أن يقرأ سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويستفيد منها: عقيدة، وشريعة، وأدبا، وسلوكا.


(1) الوسائل ج 4 ص 732. (2) الوسائل ج 4 ص 733. (3) الاتقان ج 1 ص 24. (4) الاتقان ج 1 ص 23، والبخاري، وغيره والاوائل للطبراني ص 43 وستأتي الرواية. (5) راجع تفسير الميزان ج 2 ص 22. (*)

[ 253 ]

مع العلم بأن كثيرا من الاحداث قد جاءت مرتبطة بالقرآن، وكانت سببا في نزول طائفة من آياته ولا بد من الاستدلال به عليها، فنقول: إعجاز القرآن: لقد تحدى الله أعداء الاسلام بأن يأتوا بمثل القرآن، فلما عجزوا تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن، فعجزوا عن ذلك أيضا، ثم صعد تحديه لهم، وطلب منهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فلو أنهم استطاعوا أن يأتوا ولو بقدر سورة الكوثر، التي هي سطر واحد، لثبت بطلان هذا الدين الجديد من أساسه، ما دام أنه هو قد قبل بهذا التحدي مسبقا، ولكانوا قد وفروا على أنفسهم الكثير من الويلات، التي أقدموا عليها بإعلانهم الحرب على النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي أدت إلى إزهاق النفوس الكثيرة، وهدر الطاقات العظيمة، وغير ذلك من مصائب وكوارث، انتهت بهزيمتهم، وانتصار الاسلام وقائده الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم). فما هي تلك الخصيصة التي في القرآن، والتي جعلتهم يعجزون عن مجاراته، وحتى عن أن يأتوا ب‍ (سورة من مثله) ؟ !. بل ما هي تلك الخصيصة التي سوغت التحدي بالقرآن للانس والجن معا دولت اختصاص بزمان دون زمان، قال تعالى: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1). ربما يقال: إنها اخباراته الغيبية الصادقة، سواء بالنسبة إلى الماضين كقوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك، ما كنت


(1) الاسراء: 88. (*)

[ 254 ]

تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا) (1). أو بالنسبة لتنبؤاته المستقبلية، كقوله تعالى: (ألم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) (2). وكاخباره بنتائج حرب بدر العظمى، وغير ذلك (3). وربما يقال: إنه لتضمن القرآن للمعارف العلمية، التي تنسجم مع العقل والبرهان. واخباراته عن سنين الكون وأسرار الخليقة، وأحوال النظام الكوني، وغير ذلك من أمور لا يمكن الوصول إليها إلا بالعلم والمعرفة الشاملة والواسعة، الأمر الذى لم يكن متوفرا في البيئة التي عاش فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح) وغير ذلك من الايات التي تشير إلى دقائق وحقائق علمية، في مختلف العلوم والفنون. وربما يقال: إن إعجازه إنما هو في نظامه التشريعي الذي جاء به، والذي لا يمكن لرجل عاش في بيئة كالبيئة التي عاش فيها الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعانى من الظروف والاحوال الاجتماعية، ومستوى الثقافة في ذلك العصر، أن يأتي بمثل ذلك مهما كان عظيما في فكره، وذكائه، وسعة أفقه. ولربما نجد الاشارة إلى هذين الرأيين في قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) (4).


(1) هود 49 وليراجع أيضا سورة يوسف 102 وسورة آل عمران 44 وغير ذلك. (2) أول سورة الروم. (3) راجع: البيان للخوئي ص 81 - 84. (4) يونس: 16. (*)

[ 255 ]

وأخيرا، فلربما يقال: إن إعجاز القرآن هو في عدم وجود الاختلاف فيه، ولذلك ترى أنه قد تحداهم بذلك فقال: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (1). وثمة إشارات أخرى لجزئيات ربما يدخل أكثرها فما قدمناه... ولعل فيما ذكرناه كفاية. وثمة قول آخر، أكثر شيوعا ومعروفيه ولا سيما بين القدماء. وهو إعجاز القرآن في الفصاحة والبلاغة. وقد كتبوا في هذا الموضوع الشئ الكثير قديما وحديثا. اما نحن فنقول: إن هذا الاخير هو السر الاعظم في اعجاز القرآن الكريم حقا. وهو يستبطن سائر الجوانب الاعجازية المذكورة آنفا وغيرها مما لم نذكره (2). لماذا الاخير فقط: وأما لماذا هذا الاخير فقط دون سواه فإن ذلك واضح، حيث إننا نقصد ب‍ (البلاغة) معنى أوسع مما يقصده علماء المعاني والبيان، وهذا المعنى يستبطن جميع وجوه الاعجاز وينطبق عليها، وبيان ذلك يحتاج إلى شئ من البسط في البيان فنقول: إنه إذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أرسل للناس


(1) النساء: 81. (2) حيث يجد كل فريق في هذا القرآن ما يناسب فكره وعقليته ويراه معجزا حقا، فالاخبارات الغيبية والنظام الكامل الذي أتى به وغير ذلك من أمور لا تخفى مما يمكن لاهل كل لغة أن يدركوها هي من مصاديق البلاغة لهم. وحتى الفصاحة والبلاغة فإن بالامكان لغير العربي أن يدركها أيضا بتعلم اللغة العربية ومعرفة سر القرآن أو الاعتماد على النقل القطعي ممن قد اطلع على بعض جوانب إعجاز القرآن. (*)

[ 256 ]

كافة فلا بد أن تكون معجزته بحيث يستطيع كل من واجهها: أن يدرك إعجازها، وأنها أمر خارق للعادة وأنها صادرة عن قدرة عليا، وقوة قاهرة، تهيمن على النواميس الطبيعية، وتقهرها. وإلا فإنه إذا جاء شخص مثلا إلى بلد، وادعى أنه يعرف اللغة الفلانية، ولم يكن أحد في البلد يعرف شيئا من تلك اللغة، ولا سمع بها، فإنهم لا يستطيعون أن يحكموا بصدقه ولا بكذبه، إذ ليس لهم طريق لاثبات هذا الصدق أو الكذب. وأما إذا ادعى أمرا لهم خبرة فيه، واستطاعوا ان يتلمسوا فيه مواقع خرقه للنواميس الطبيعية فلا بد لهم من التسليم له والقبول بدعوته، لان ذلك يكون قاطعا لعذرهم، وموجبا لخضوع عقولهم لما يأتي به. وبكلمة.. لا بد أن تكون معجزة النبي في كل عصر متناسبة مع خبرات ذلك العصر، ولكل من أرسل إليهم، ليمكن إثبات إعجازها لهم، وإقامة الحجة عليهم. وإذا كان القرآن قد تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فلا بد أن يكون وجه الاعجاز فيه ساريا ليصل حتى إلى أصغر سورة فيه. وإذا نظرنا إلى ما ذكروه آنفا، فإننا نجد أن بعض السور لا تشتمل على شئ مما ذكروه. مع ان التحدي به وارد. اضف إلى ذلك: أن الاخبار بالغيب مثلا لا يمكن ان يكون قاطعا لعذر من ألقي إليهم إلا بعد تحقق المخبر عنه. وقد يطول ذلك إلى سنوات عديدة. أما من يأتون بعد ذلك فلربما يصعب عليهم الجزم بتحقق ما أخبر به. أما القضايا العلمية - فلربما لا يكون من بينهم من له الخبرات اللازمة في تلك العلوم، ليمكن إدراك الاعجاز فيها، فإن ذلك رهن بتقدم العلم، وتمكن العلماء من استجلاء تلك الحقائق من القرآن. وحتى لو أدرك ذلك بعضهم، فلربما يحمله اللجاج، أو غير ذلك

[ 257 ]

من مصالحه الشخصية (بنظره) على إنكار ذلك وإخفائه - كما كان الحال بالنسبة إلى أهل الكتاب، الذين كانوا يعرفون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يعرفون أبنائهم، وبجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل. ولكن الاحبار والرهبان أخفوا ذلك وأنكروه، لمصالح شخصية، أو لغير ذلك، مما وجدوا فيه مبررا للاقدام على خداع أنفسهم، وخداع غيرهم. وهكذا يقال بالنسبة للاعجاز التشريعي، وغير ذلك من أمور. ويبقى سؤال. ما هو وجه الاعجاز في القرآن إذن ؟ وفي مقام الاجابة على هذا السؤال نقول: بلاغة القران: قبل كل شئ ينبغي التذكير بأن ما ذكرناه آنفا. لا يعني أن الاخبار بالغيب، وغير ذلك مما ذكرناه، ومما لم نذكره، غير موجود في القرآن. بل هو موجود فيه بأجلى مظاهره وأعظمها، وهي معجزات أيضا لكل أحد ولكننا نقول: إن ذلك ليس هو الملاك الاول والاخير لاعجاز القرآن، وإنما ملاك الاعجاز فيه هو أمر يستطيع كل أحد أن يدركه، وأن يفهمه - وهو أمر تشتمل عليه حتى السورة التي لا تزيد على السطر الواحد، كسورة الكوثر مثلا. وهو أيضا أمر يجده كل أحد، مهما كان تخصصه، ومهما كان مستواه الفكري، وأيا كان نوع ثقافته، وفي أي عصر، وفي أي ظرف. وهو كذلك أمر يشمل كل ما تقدم، وسواه مما لم نذكره، ويضمه تحت جناحيه، وذلك الامر هو: البلاغة: فأما أن ما تقدم يرجع: إلى البلاغة، فلان حقيقة البلاغة - كما

[ 258 ]

عرفوها - هي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أو للاعتبار المناسب. والقرآن مطابق لمقتضى الحال دائما وفي كل زمان، والى الابد ومع كل شخص، لانه خطاب لهم جميعا، ومعجز له جميعا، فحين يخبر عن الغيب، فإنما اقتضى الحال ذلك. وكذلك حين يكشف عن أسرار الكون، وخفايا الطبيعة، ويشير إلى بعض الحقائق العلمية، وكذلك أيضا حين يضع أعظم تشريع، وأروع نظام عرفته الانسانية، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره وما لم نذكره. بل أن تكون ظروف نشأة الرسول الاعظم هي تلك، فإن ذلك له أهمية كبرى في قبول الدعوة، والاذعان لها. وكذلك فان الكلام الذي يختلف صدره وذيله، أو يختلف من وقت لاخر. مع كون الهدف واحدا، والمخاطب والمتكلم واحدا. لا يمكن أن يكون بليغا، ولا مطابقا لمقتضى الحال، كما يقولون. الاعجاز بالبلاغة كيف ؟ ولماذا ؟ ! وأما كيف عجزت الانس والجن، عن مجاراة هذا القرآن. وكيف أمكن اعتبار البلاغة القرآنية هي سر الاعجاز فيه، فان ذلك يحتاج إلى توسع في القول، وبسط في البيان، فنقول: إن لدلالة الكلام على المعنى في مقام التفهم والتفهيم شروطا: منها: أن يكون اللفظ الذي يلقيه المتكلم قادرا على تحمل المعنى المطلوب، بأي نحو من أنحاء التحمل، سواء من حيث مفردات الجملة، أو من حيث نوعية تركيبها، أو من جهة المقايسة بينها وبين غيرها. ومنها: أن يكون المستوى الفكري والثقافي للمتكلم بحيث يستطيع أن يقصد تلك المعاني التي يقدر اللفظ على تحملها. ومنها: أن يكون ذلك المعنى منسجما أيضا مع نوعية اختصاص

[ 259 ]

ذلك المتكلم، ومع مراميه وأهدافه. ومنها: قدرة المخاطب أو المخاطبين على استيعاب مقصود المتكلم، ولو على امتداد الزمن. هذه هي الشروط التي لابد أن تتوفر في عملية التفهم والتفهيم بين كل متكلم ومخاطب. ولكن ذلك يحتاج إلى توضيح وتطبيق بالنسبة لما نحن بصدده، فنقول: التوضيح والتطبيق: وفي مجال التوضيح والتطبيق نقول: إن اللغة العربية بما لها من خصائص ومميزات أقدر اللغات إطلاقا على تحمل المعاني، فنجد أنهم يذكرون للجملة المؤلفة من كلمتين فقط عشرات الخصائص والمميزات التي تشير كل منها إلى العديد من الاثار المحتملة، التي يمكن للفظ أن يتحملها بالنسبة للمعنى المدلول، فالمسند إليه مثلا تارة يكون إسما جامدا، وأخرى مشتقا. وتارة يكون ظاهرا، وأخرى مضمرا، مقدما أو مؤخرا، محذوفا أو مذكورا، منكرا أو معرفا، والتعريف لكل واحد منها له أنحاء، لكل منها آثار وإشارات لخصوصيات في المعنى. وكذا الحال في جانب المسند، الذي تارة يكون فعلا - بأقسامه الثلاثة - وأخرى إسما، جامدا، أو مشتقا، معرفا أو منكرا، مقدما أو مؤخرا، مذكورا أو محذوفا، إلى آخر ما هنالك. وكل واحدة من هذه لها آثار مختلفة ومتعددة يحتمل إرادتها أيضا. فمثلا قد يكون ذكره للتحقير أو عكسه، أو للتبرك به، أو إيهام

[ 260 ]

استلذاذه، أو للتنبيه على غباوة السامع، أو للتقرير، أو للايضاح إلى غير ذلك. وقد يحذف للتعظيم، أو للتحقير، أو للاستغناء عنه، أو لايقاع السامع في حيرة، إلى غير ذلك مما هو مذكور في محله. وكذا سائر الخصوصيات التي ذكرناها، وما لم نذكره أكثر بكثير. هذا بالاضافة الى الاستعارات، والكنايات، والتعريضات، والاشارات، وغير ذلك مما تكفل لبيانه علم المعاني والبيان والبديع. حتى إنهم ليذكرون العديد من الامتيازات لقوله تعالى: (في القصاص حياة) على ما كان أبلغ كلام عند العرب. وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل). ويكفي أن نشير إلى أن جملة زيد قائم، إذا لو حظ المسند إليه فيها فإنه ظاهر، ومقدم، ومعرف بالعلمية. وكل من هذا الثلاثة يقع على حالات كثيرة. وكذا الحال بالنسبة للمسند وهو كلمة - قائم. ثم لا بد من ملاحظة الهيئة التركيبية، وموقعها من غيرها، ومع مالها من متعلقات. وهكذا يتضح أن الجملة الواحدة ربما تفيد معنى له العديد من الخصوصيات الهامة، فكيف إذا لو حظت تلك الجملة مع غيرها من الهيئات التركيبية الاخرى، ثم أريد استخلاص المعاني من المجموع. هذا كله، بالاضافة إلى لزوم معرفة أساليب العرب، وطرائق استعمالاتهم للكلام ومقاماتها، فإن ذلك يفيد كثيرا في الوقوف على معاني القرآن، وفهم مراميه. وقد روي أن بعضهم كان في مجلس الامام السجاد (عليه السلام)، فقال له: يا ابن رسول الله، كيف يعاتب الله، ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح اتاها أسلافهم، وهو يقول: (لا تزر وازرة وزر أخرى) ؟ !

[ 261 ]

فقال زين العابدين (عليه السلام): (إن القرآن نزل بلغة العرب، فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي، قد أغار قومه على بلد، وقتلوا من فيه: أغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا ؟ ! ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا، لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد هؤلاء بالعذل، وأولئك بالافتخار: أن قومهم فعلوا كذا. وقول الله عز وجل هذه الايات انما هو توبيخ لاسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لان ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، ولان هؤلاء الاخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم، مصوبون لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم، إذ رضيتم قبح فعلهم (1). ولا بد أيضا من معرفة خصوصيات الالفاظ وأسرار إختياراتها لمواقعها. وقد روي: انه لما نزل قوله تعالى: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال إبن الزبعري: فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسي (عليه السلام) فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا ويل امه، أما علم إن ما لما لا يعقل ومن لمن يعقل الخ (2). هذا، ولقدرة اللغة العربية على تحمل المعاني الدقيقة والعميقة، نجد أن الله تعالى قد اختارها لتكون لغة القرآن، وقد نوه بذلك، ووجه إليه الانظار والافكار، ودعا إلى استخلاص المعاني الدقيقة من كتابه الكريم


(1) الاحتجاج ج 2 ص 41 والبحار ج 45 ص 296. (2) راجع: الكنى والالقاب ج 1 ص 294. (*)

[ 262 ]

فقال: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (1) وقال: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (2) وقال: (نزل به الروح الامين. على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) (3) إلى غير ذلك من الايات، فلننظر بدقة إلى قوله: (لعلكم تعقلون) وإلى قوله: (لقوم يعملون) وإلى قوله: (مبين) فإنه كله يشير إلى ما ذكرنا. وبالنسبة للمستوى الفكري، وهو الشرط الثاني نقول: لو قال شخص عادي لا اطلاع له على شئ من العلوم: (كل شئ يحتاج إلى علة). فإننا لا نفكر في مقصوده كثيرا، بل ينتقل ذهننا مباشرة إلى أن مراده هو المؤثر الظاهري في وجود الشئ، فإذا أراد شخص أن يقول: لعله أراد العلة الغائية أو المادية، أو الصورية، أو قصد بالعلة السبب، أو العلة التامة ونحو ذلك. فإننا نقول له فورا: لا، إن كلامه لا يدل على ذلك ولا ينظر إليه. ولكن - لو قال نفس هذه الكلمة إبن سينا مثلا، فإننا لابد أن نفكر لنعرف: هل أراد بالعلة واحدا مما تقدم أم لا ؟. وهل أراد بالشئ البسيط أم المركب ؟ ! وهل ؟ وهل ؟، إلى آخر ما هنالك من احتمالات، يمكن لابن سينا أن يقصدها من كلمة كهذه. وإذا كان القائل طبيبا مثلا فإننا لا بد أن نفتش عن معان تتناسب مع اختصاصه ونوع ثقافته. وحتى أهدافه، فان كل ذلك يؤثر تأثيرا كبيرا في تفهيم المعنى، ومعرفة نوعه ومستواه، حيث لا بد وان ينسجم مع تلك الاهداف، ويتلائم مع المستوى الثقافي والفكري للمتكلم. وأما إذا كان القائل يمتاز بسعة الافق والشمولية، كأمير المؤمنين


(1) يوسف: 2. (2) فصلت: 3. (3) الشعراء: 199. (*)

[ 263 ]

(عليه السلام)، فإننا لا بد وأن نعد أنفسنا لطرح أي احتمال، يتناسب مع شخصية ومستوى وثقافة واهداف أمير المؤمنين (عليه السلام). ولا بد أن نبحث الاعوام والسنين لنتمكن من التقرب - ولو بشكل محدود - إلى مراميه وأهدافه، لان فهم جميع الخصوصيات التي يرمي إليها المتكلم لا يمكن إلا من قبل من يداني ذلك المتكلم في سعة الافق، والشمولية، وعمق الفكر، والغوص في لجج الحقائق. وأين يمكن أن يوجد من هو مثل علي في مستواه العلمي الشامخ، سوى معلمه وأستاذه، النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم الائمة من ولده ؟ ولعل إلى هذا يشير ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، ما عرف الله إلا أنا وانت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا (1). وبعد هذا فقد أصبح من الواضح: أن الله سبحانه وتعالى، وهو محيط بالكائنات، ومهيمن على كل الموجودات. وليس لعلمه حد محدود، ولا لصفته نعت موجود، إذا اختار اللغة العربية ليحملها بعض مراميه وأهدافه - وهي اللغة القادرة على التحمل بشكل مذهل وهائل، ولا تضارعها في ذلك أية لغة أخرى - فإن هذا الانسان المحدود في ملكاته، وقدراته، وطاقاته النفسية، والفكرية، وغيرها، لا يمكنه حتى ولو بقي أبد الدهر، وحتى لو استعان بكل مخلوق وموجود، وسخر كل ما لديه من طاقات وإمكانات - لا يمكنه - أن يكتشف إلا القليل القليل من المعارف القرآنية، ولن يكون بإمكانه أن يأتي هو وكل من معه بمثل هذا القرآن، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. إذن، فلا بد أن نبقى ننتظر - باستمرار - أن يكتشف الانسان كل


(1) مدينة المعاجز ص 116 عن تأويل الايات الباهرة في الائمة الطاهرة ومستدرك البحار ج 7 ص 181 و 180 والبحار ج 39 ص 84. (*)

[ 264 ]

جديد في هذا القرآن، تبعا لتقدم معارفه، ونمو قدراته الفكرية والثقافية. وهذا تاريخ القرآن عبر القرون والاجيال، خير شاهد ودليل على ما نقول، حيث إننا نلاحظ: أن كل عصر يمتاز بتقدم علم أو علوم، ويتألق فيه نجمها، ويقوى سلطانها، ثم تعود تدريجا لتتراجع أمام زحف علم أو علوم أخرى لتحتل هي بدورها أيضا مكان الصدارة في البحث والعمق والتحقيق وهكذا ولكن هذا القرآن العظيم يبقى هو المهيمن في العصور كلها على العلوم والعلماء جميعا، ويدرك الكل أنه فوق مستواهم، ولا تبلغه عقولهم، ولا تناله قدراتهم، ويجدون فيه ما يوجب خضوعهم لعظمته، ويدركون انه لا يزال فيه ما يعجزون عن إداركه، والاحاطة به، فضلا عن مجاراته. كما أنه مع اختلاف الثقافات، والاتجاهات، والمستويات على مر العصور، فإن الكل يجدون هذا القرآن مطابقا لمقتضى الحال دائما ومنسجما معه، وهذا هو الاعجاز حقا ! ! وخلاصة الامر: هذه المئات من السنين تمر، والاجيال تأتي وتذهب، والانسان لا يزال يكتشف المزيد من معارف القرآن، وأسراره، ومراميه. وكلما توصل إلى شئ، فإنه يجد أن هذا القرآن - ليس فقط قد جاء بمعارف ومرام لا تتناسب مع عقلية وثقافة عصر نزوله، الامر الذي يؤكد على أنه من عند الله تعالى - وإنما يتجاوز ذلك كله، ليثبت لكل أحد: أن أغواره لا تزال تحتضن المزيد من المعاني والاسرار، التي يرى هذا الانسان نفسه عاجزا عن الوصول إليها والحصول عليها. وأكثر من ذلك، فلقد أصبح معروفا: أن الانسان كلما أعاد قراءة هذا القرآن، فإنه يجده جديدا عليه في معانيه ومراميه، وذلك بسبب اختلاف حالات وتوجهات الانسان، ونوعية الصور الحاضرة آنيا لديه، والاجواء والحالات النفسية المهيمنة عليه. وهذه خصوصية ثابته في

[ 265 ]

القرآن لا تتغير ولا تتبدل على مر الدهور والعصور، وسيأتي انه كلما ذهب قرن يأتي قرن آخر، فيطلعون على معنى جديد للايات القرآنية ولا يزال الناس على ذلك إلى يوم القيامة، على اعتبار أنه كلما ترقت البشرية في مدراكها ومعارفها، كلما كانت أقدر على اكتشاف معارف القرآن، واستكناه أسراره. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) حول القرآن: (فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة. وحكم ما بينكم. وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون) (1) وعنه (عليه السلام): (لو شئت لاوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب) (2). وعنهم (عليهم السلام): (ظاهره أنيق، وباطنه عميق). وعنهم (عليهم السلام): (ظاهره حكم، وباطنه علم) (3) وما يشير إلى هذا المعنى كثير جدا لا مجال لاستقصائه. ولعل إلى جميع ذلك يشير ما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) وعن الامام الحسين (عليه السلام): كتاب الله على أربعة أشياء، على العبارة، والاشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والاشارة للخواص، واللطائف للاولياء، والحقائق للانبياء (4).


(1) البحار ج 92 ص 82 عن تفسير القمي ج 1 ص 4. (2) البحار ج 92 ص 103 عن أسرار الصلاة وص 104 عن الغزالي: أنه (ع) لو أذن له الله ورسوله لشرح معاني ألف الفاتحة حتى يبلغ أربعن وقرا أو جملا. (3) اصول الكافي ج 2 ص 438. (4) البحار ج 92 ص 103 و 20 وج 78 ص 278 عن كتاب الاربعين، وعن الدرة الباهرة، وجامع الاخبار ص 48 / 49. (*)

[ 266 ]

ترجمة القرآن وتفسيره: ومما تقدم نعرف: أن ترجمة القرآن وتفسيره غير ممكنين لهذا الانسان المحدود بحدود الزمان والمكان، وغير المحيط بكل العلاقات الكونية، ولا المطلع على النواميس الطبيعية، في مختلف المجالات. نعم، يمكن لمن يتصدى لترجمة القرآن أو لتفسيره أن يقول: هذا ما فهمته من القرآن، بحسب ما توفر لدي من أدوات تساعد على اكتشاف المعاني، من المفردات والهيئات التركيبية، وبحسب مستوى ثقافتي ومعارفي وقدراتي المحدودة بالنسبة إلى الله الذي ليس لعلمه حد. للقرآن ظهر وبطن: قد تقدم آنفا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): لو أردت أن أوقر على الفاتحة سبعين بعيرا لفعلت أو بما معناه. ويظهر صدق قوله هذا مما ذكرناه. ويمكن بعد هذا: أن نفهم معنى قولهم (عليهم السلام): إن للقرآن ظهرا وبطنا، أو أكثر، وقد روي هذا المعنى من طرق غير الشيعة أيضا. وفسر بما يشير إلى ما ذكرناه. ففي خطبة منسوبة له (صلى الله عليه وآله وسلم): (له ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، لا تحصى عجائبه، ولا يشبع منه علماؤه) (1). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما في كتاب الله آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حد مطلع) (2).


(1) كنز العمال ج 2 ص 186، وليراجع ج 1 ص 337، وحياة الصحابة ج 3 ص 456 عنه وعن العسكري، وراجع: نور القبس ص 268 / 269. (2) الزهد والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 23 وفي الهامش عن المشكاة ص = (*)

[ 267 ]

قال ابن المبارك: (سمعت غير واحد في هذا الحديث: ما في كتاب الله آية إلا ولها ظهر وبطن، يقول: لها تفسير ظاهر، وتفسير خفي، ولكل حد مطلع، يقول: يطلع عليه قوم فيستعملونه على تلك المعاني، ثم يذهب ذلك القرن، فيجئ قرن آخر، فيطلعون منها على معنى آخر، فيذهب عليه ما كان عليه من كان قبلهم، فلا يزال الناس على ذلك إلى يوم القيامة) (1). وعن إبن عباس قال: (إن القرآن ذو شجون، وفنون، وبطون، ومحكم، ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل) (2). وعن الحسن البصري: ما أنزل الله عز وجل آية الا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، وكل حد مطلع (3). وعن إبن مسعود: (إن القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف وله ظهر وبطن وإن علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن (4).


= 27، وراجع: الاتقان ج 2 ص 184 و 128، والموافقات للشاطبي ج 3 ص 382 وفي الهامش عن روح المعاني وعن المصابيح. وراجع غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 1 ص 23 و 21 ولباب التأويل للخازن ج 1 ص 10 والفائق ج 2 ص 381 وزاجع التراتيب الادارية ج 2 ص 176. (1) الزهد والرقائق، قسم ما رواه نعيم بن حماد ص 23. (2) الاتقان ج 2 ص 185 عن ابن أي حاتم. (3) كنز العمال ج 1 ص 488 عن أبي عبيد في فضائله، وعن أبي نصر السجزي في الابانة. (4) حلية الاولياء ج 1 ص 65 والاتقان ج 2 ص 187، وهامش الموافقات ج 3 ص 382 عن كتاب المصابيح، ومصابيح السنة ج 1 ص 176 وفي هامشه عن موارد الظمآن ص 440 - 441 وعن غيره وجامع البيان ج 1 ص 9 وكشف الاستار ج 3 ص 90 ونزل الابرار ص 73 وأسمى المناقب ص 82، ومجمع الزوائد ج 7 ص (*)

[ 268 ]

وأوضح من ذلك في الدلالة على ما ذكرناه، ما نقل عن أبي الدرداء: (لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة) (1). وقال علي (عليه السلام) لابن عباس، حينما أرسله لحجاج الخوارج: (القرآن حمال ذو وجوه) (2). وراجع ما يروى عن الامام ابي جعفر (عليه السلام) حول أن للقرآن ظهرا وبطنا في المصادر المعدة لذلك (3). بل قال بعضهم: إن الاخبار تدل على أن (للقرآن بطونا سبعة أو سبعين) (4)


152 عن البزار، وأبي يعلى، والطبراني في الاوسط ولم يذكر الهيثمي قول ابن مسعود في علي (ع) وراجع: الغدير ج 7 ص 108 عن الحلية ومشكل الاثار ج 4 ص 172 و 182، وترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر بتحقيق المحمودي ج 3 ص 25 وفي الهامش عن الحلية وفرائد السمطين، والغدير ج 7 ص 107 / 108 وج 2 ص 45 عن الحلية وج 3 ص 99 و 224 عن مفتاح السعادة ج 1 ص 400. (1) المصنف للصنعاني ج 11 ص 255، والاتقان ج 2 ص 185 عن ابن سبع في شفاء الصدور، وحلية الاولياء ج 1 ص 211 والطبقات الكبرى ج 2 قسم 2 ص 114 والغدير ج 3 ص 99 وج 2 ص 45 عن أبي نعيم وعن مفتاح السعادة ج 1 ص 100. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 150 بشرح عبده قسم الكتب والوصايا رقم 77. (3) المحاسن للبرقي ص 270 والبحار ج 92 ص 78 - 106 وتفسير العياشي ج 1 ص 11 وتفسير البرهان ج 1 ص 19 - 21 وتفسير الصافي ج 1 ص 29 و 31. ومعاني الاخبار ص 259 والغدير ج 7 ص 108 عن ابن مسعود، وميزان الحكمة ج 1 ص 95. (4) كفاية الاصولي آخر مبحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى ووسائل الشيعة للكاظمي ص 13. (*)

[ 269 ]

وقد ألفوا كتبا فيما تضمنه القرآن من علم الباطن (1). وإذن فلماذا ينسب القول بأن للقرآن بطنا وظهرا إلى الشيعة فقط ؟ ! ولماذا أيضا يشنعون على الشيعة إذا تفوهوا بهذا الامر، أو كتبوه، إذا كانت الروايات الدالة عليه موجودة عند غيرهم، كما هي موجودة عندهم ؟ ! وإذا كان معنى الظهر والبطن: هو أن يكون ذلك المعنى الذي يزاح عنه الستار مما يمكن للفظ أن يتحمله، وللمتكلم أن يقصده ليكون بالنسبة للبعض بمنزلة البطن لهذا المعنى المكشوف، فأي محذور عقلي أو شرعي يحصل من الالتزام بهذا ؟ ! وليكن للقرآن بطون سبعة أو سبعون، أو أكثر، يكتشفها هذا الانسان كلما ترقى في مدراج المعرفة، أو يكشفها له الائمة الراسخون في العلم، الذين أشار إليهم القرآن الكريم. التقوي تعين على فهم القرآن: وبعد، فإن من الواضح: أن الطهارة من الذنوب تعين على فهم القرآن، ففي دعاء ختم القرآن عن زين العابدين (عليه السلام) قال: (واجعل القرآن لنا في ظلم الليالي مؤنسا، ومن نزغات الشيطان، وخطرات الوساوس حارسا، ولاقدامنا عن نقلها إلى المعاصي حابسا، ولالسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة مخرسا، ولجوارحنا عن اقتراف الاثام زاجرا، ولما طوت الغفلة عنا من تصفح الاعتبار ناشرا، حتى توصل إلى قلوبنا فهم عجائبه، وزواجر أمثاله الخ) (2).


(1) التراتيب الادارية ج 2 ص 179. (2) الصحيفة السجادية ص 136 الدعاء عند ختم القرآن. (*)

[ 270 ]

المحكم والمتشابه: هذا وقد أشير إلى وجود المحكم والمتشابه في القرآن في قوله تعالى: (منه آيات محكمات، هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فأما الذين في قلولهم زيغ، فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله) (1). هذا، مع العلم بأن الله تعالى لا يريد أن ينزل لعباده كتابا فيه الالغاز والاحاجي، بل هو كما قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الالباب) (2). وقال: (أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3). إذن، فلا بد أن يراد بالمتشابه معنى ينسجم مع واقع القرآن وأهدافه، ولعل التأمل فيما قدمناه يسهل علينا فهم المراد منه، ولاجل إيضاح ذلك نقول: إن المتشابه هو الكلام الذي لا ينبئ ظاهره عن المراد، بل يحتمل من لم يكن راسخا في العلم فيه وجوها من المعاني، التي لا يكون بعضها منسجما مع أهداف ومبادئ المتكلم، ولكن لو دقق في اللفظ وفي خصوصياته، وجمع بين بعضها البعض لامكنه إدراك عدم إمكان تحملها لذلك المعنى الفاسد. ولاجل ذلك، نجد الذين في قلوبهم زيغ يحاولون انتهاز الفرصة للتشبث بهذا النوع من الايات ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وعطف اتجاهه، ليلائم أهواءهم، ومن أجل الطعن في القرآن والاسلام، ولو ردوه إلى


(1) آل عمران: 7. (2) سورة ص: 29. (3) سورة يوسف: 2. (*)

[ 271 ]

الرسول، والى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبوطونه (1)، لانهم يردون المتشابه إلى المحكم الذي يبين أهداف ومرامي الله تعالى، ويوجه التعبير في المتشابهات ليفيد المعنى المقصود، ويبين بعض ما خفي من وجوهه وخصوصياته. لا بد من وجود المتشابه في القرآن: وينقل الرزاي: أن من الملاحدة من طعن في القرآن لاشتماله على المتشابه، إذ كيف يكون مرجعا للناس في كل عصر، مع وفرة دواعي الاختلاف فيه، حيث يجد كل صاحب مذهب فيه مأربه، فان هذا لا يصدر عن الحكيم (2). ولعل ما ذكرناه فيما تقدم يكفي في الاجابة عن هذه الترهات. ونزيد هنا ما ذكره العلامة الطباطبائي، فإنه قال ما حاصله: إنه كان لا محيص عن وقوع التشابه في القرآن، لانه كان يجري في تعابيره الرقيقة مع اساليب القوم، مع سمو معناه، وعمق مغزاه، في مقابل انحطاطهم في المستوى الفكري والثقافي. وقد جاء القرآن بمفاهيم جديدة، كانت غريبة عن نوعية أفكار ومفاهيم المجتمع البشري آنذاك، ولا سيما في جزيرة العرب، البعيدة عن الثقافة والمعرفة، في حين التزامه في التعبير عن تلك المقاصد العالية بنفس الاساليب التي كانت معروفة في ذلك العهد، الامر الذي ضاق بتلك الالفاظ التي كانت موضوعة للتعبير عن معان محسوسة، أو قريبة من الحس، ومحدودة في نطاق ضيق، تتناسب مع ذهنية العربي وثقافته والتعبير عن معان مبتذلة - لقد ضاق الامر بتلك الالفاظ - عن أن تحيط بتلك


(1) النساء: 83. (2) تفسير الرازي ج 7 ص 171. (*)

[ 272 ]

المفاهيم الرحبة الافاق، البعيدة الاغوار، وجاء استعمال تلك الالفاظ للتعبير عن هذه المقاصد العالية غريبا عن المألوف العام، وعن ذهنية الانسان العادي. ومن ثم، فقد قصرت أفهامهم عن إدراك حقائقها ودقائقها، ولا سيما حين رأوا: أن القرآن يستعمل في التعبير عن مقاصده صنوف المجاز، والاستعارات، والتشبيهات، والكنايات، ودقائق الاشارات، واستعمل مختلف خصائص اللغة العربية، سواء منها ما يتعلق بالمفردات، أو بالهيئات التركيبية، ليمكن إخضاع تلك المعاني السامية للقوالب اللفظية المحدودة والمألوفة. وكان ذلك سببا في تقريب تلك المعاني إلى أفهام العامة، من حيث أنه أخضعها للقوالب اللفظية، المأنوسة والمألوفة لديهم، وسببا في بعدها، من حيث عدم قدرة تلك القوالب اللفظية على استيعاب معان لم تكن هي مستعدة للتعبير عن مثلها (1). إلا بالتوسل بلطائف الاشارات والكنايات، ودقائق الخصائص اللفظية للتعبير عنها، حسبما أشرنا إليه من قبل، فصعب على الانسان العادي إدراك تلك المقاصد العالية، واشتبه عليه الامر، فكان لابد له من الاستعانة بالراسخين في العلم، الذين اختصهم الله بفضله وكرمه لايضاح مقاصده وأهدافه ومراميه، ممن كانوا على مستوى رفيع من عمق الفهم، وسلامة التفكير، ونفذت بصيرتهم إلى الحقائق الراهنة، فنالوها، وهم أئمة أهل البيت الاطهار (عليهم السلام). التأويل: لقد أشير إلى التأويل في القرآن الكريم، وأن ثمة من يعرف هذا


(1) راجع: التمهيد في علوم القرآن ج 3 ص 19 - 22 والميزان للعلامة الطباطبائي ج 3 ص 58 - 62 وعن تفسير المنار ج 3 ص 170. وقد نقلنا كلامهم بتصرف، فليلاحظ ذلك. (*)

[ 273 ]

التأويل، وهم الراسخون في العلم، وان كانوا يعترفون بعجزهم عن إدراك كل الملابسات التي يمكن ان تكتنف هذا المعنى المقصود، إلا إذا أوقفهم الله تعالى على ذلك. قال تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (1). وقد رأينا: أن بعض الفئات الضالة تحاول الاستفادة من موضوع التأويل بما يخدم أهدافها الهدامة، ومذاهبها الضالة، فجاؤا بالتأويلات التي تضحك الثكلى، حتى إنك لتجد بعض الاحزاب المنحرفة من الذين يعتنقون الماركسية، ويتظاهرون بالاسلام، يحاولون تفسير الاسلام والقرآن بحيث ينسجم مع الماركسية التي تناقضه أساسا، فيقولون - مثلا - في قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة، وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) (2) - يقولون -: إن المراد بهذا اليوم ليس هو يوم القيامة، وإنما المراد به اليوم الذي تتحقق فيه الاشتراكية، ويزول النظام الطبقي، وتنتفي فيه الملكية الشخصية (3). بل قالوا: إن المقصود بالمعاد في الاسلام والقرآن، هو القضاء على النظام الطبقي في المجتمع ليس إلا. إلى غير ذلك من ترهات بعيدة عن روح الاسلام والقرآن، جاء بها هؤلاء وغيرهم من الفئات الضالة. والحقيقة هي: أن هذا ليس هو التأويل الذي أشار إليه القرآن، وإنما هو التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه بشدة من قبل المعصومين


(1) آل عمران: 7. (2) ابراهيم: 31. (3) راجع كتاب: توحيد عاشوري (فارسي). (*)

[ 274 ]

(عليهم السلام). وهذا بعينه هو اتباع ما تشابه من القرآن، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. وأما التأويل الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، الذين هم أهل البيت (عليهم السلام)، حسب نص الروايات (1) فهو معرفة ما يؤول إليه الامر، بحسب ما تضمنه الكلام من إشارات ودلالات، كقوله: هذا تأويل رؤياي. وبعبارة أخرى: التأويل هو الكشف عن المرامي والمعاني التي يشير إليها اللفظ، بما له من خصوصيات، في مفرداته، وهيئاته التركيبية، وبعد مقايسته بغيره وملاحظة مدى انسجام ذلك المعنى مع مبادئ وأهداف المتكلم نفسه. وإذا ما أريد الوصول إلى واقع المعنى، من الايات القرآنية بما له من خصوصيات وأحوال، فلا بد من الرجوع إلى من يتمكن بما أوتى من معارف وعلوم، حتى اصبح من الراسخين في العلم، للكشف عن المعاني القرآنية الدقيقة، التي يخفى على غير الراسخين كيفية تحمل اللفظ لها. وإن كان بالنسبة إليهم ربما يكون من البديهات. فيرجعون ذلك المتشابه إلى ذلك المحكم. ومن هنا تبرز الحاجة المستمرة إلى هؤلاء الراسخين في العلم، الذين ورد في الروايات أنهم - بالذات - أئمة أهل البيت صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين. فالتأويل هو الكشف عما تؤول إليه المعاني، بواسطة معرفة سائر خصوصياتها ومراميها.


(1) راجع تفسير نور الثقلين: ج 1 ص 260 - 262، وتفسير البرهان: ج 1 ص 270. (*)

[ 275 ]

الحروف المقطعة في القرآن وقد كثر الحديث عن الحروف المقطعة الواردة في فواتح السور القرآنية، وتعددت وتشعبت الاقوال في ذلك، حتى عد المفسرون ما يقرب من عشرين قولا حول المراد منها، نذكر منها ما يلي: 1 - هي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه. 2 - هي أسماء للسور التي وقعت قي أوائلها. 3 - إنها أسماء لمجموع القرآن. 4 - إنها أسماء لله سبحانه ف‍ (ألم) معناها: أنا الله العالم و (المر) معناها: أنا الله أعلم وأرى. وهكذا. 5 - إنها أسماء لله مقطعة لو أحسن تأليفها لعلم إسم الله الاعظم، ف‍ (ألر، وحم، ون). تصير: الرحمان. وهكذا. 6 - إن هذه الحررف شريفة لكونها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول لغات الامم.. وقد أقسم الله تعالى بهذه الحروف. 7 - إنها إشارات إلى آلائه سبحانه، وبلائه، ومدة الاقوام وأعمارهم وآجالهم (1) ! 8 - إنها إشارة إلى بقاء هذه الامة بحسب حساب الجمل. 9 - إنها تسكيت للكفار الذين تواصوا فيما بينهم أن: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيها)، فكانوا إذا سمعوا هذه الحروف استغربوها، وتفكروا فيها، فيقرع القرآن مسامعهم.


(1) هناك رواية تشير إلى شئ من ذلك أيضا، فراجع: المحاسن للبرقي ص 270 والبحار ج 92 ص 90. (*)

[ 276 ]

10 - إنها للاشارة إلى معان في السورة، فكلمة (ن) إشارة إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود وكلمة (ق) إشارة إلى القرآن، أو إلى القهر (1). إلى غير ذلك من أقوال لا مجال لتتبعها. ولعل آخر ما يمكن أن يعتبر رأيا في هذا المجال.. هو ما ذكره بعض المتأخرين، واعتبر بمثابة (إعجاز مدهش جديد للقرآن الكريم يكتشفه عالم مصري). وهو: أن هذه الحروف المقطعة تدخل كعنصر هام وحاسم في موضوع الاعجاز العددي للقرآن.. ونحن لا نريد أن نسئ الظن فيما يتعلق بهذا الرأي، على اعتبار أنه يعتمد الرقم (19)، ويتخذه محورا في مجمل استنتاجاته، وهو الرقم المقدس عند طائفة البهائية الضالة.. كما أننا لا نريد المبالغة في التشاؤم إلى حد أن نعتبر أن ذلك يهدف إلى صرف الانظار عن دقائق المعاني القرآنية الباهرة إلى الاهتمام بالظواهر والقوالب اللفظية. لا.. لا نريد ذلك.. فإننا نأمل أن يكون ثمة قدر كبير من حسن النية، وسمو الهدف. وإنما نريد أن نؤكد على أن بعض الباحثين (2) قد تتبع هذه النظرية بالبحث والتمحيص، حتى خرج بنتيجة حاسمة، مفادها: الجزم بخطأ هذه النظرية، وذلك لعدم صحة الارقام التي قدمتها، واعتبرتها أساسا صالحا للتدليل على قيمتها العلمية. فقد قال هذا المحقق الذي رمز لنفسه ب‍ (أبو محمد): قولهم: كلمة (اسم) تتكرر 19 مرة بالضبط.


(1) تفسير الميزان ج 18 ص 6، 7. (2) هر العلامة المحقق السيد مهدي الروحاني. (*)

[ 277 ]

أقول: ذكر في المعجم المفهرس عدد 19 تحت كلمة إسم وذكر أن كلمة (بسم) تكررت ثلاث مرات في قوله تعالى: بسم الله مجراها، وبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. وإنه من سليمان وإنه بسم الله. وذكر كلمة (إسمه). وقال: إنها تكررت خمس مرات. وقولهم: إن كلمة الرحيم تتكرر 114 مرة نقول: بل تتكرر 115 مرة بالضبط. وقالوا: إن حرف (ن) قد تكرر في سورة القلم 133 أي 7 19 x ونقول: بل يتكرر 129 مرة فقط. ولو كررنا المشددات مثل أن فإن المجموع يصير أكثر من ذلك بكثير. وقالوا: إن حرف (ص) يتكرر في كل من: سورة الاعراف التي أولها (المص) وسورة ص، وسورة مريم التي أولها (كهيعص) 153 أي 8 19 X ونقول: إن عدد الصادات في سورة الاعراف هو 90 صادا، ولعله قد اشتبه علي واحد أو إثنان، وفي سورة مريم 24 (كذلك) وفي سورة ص 27 مرة فليس المجموع 153 ولا في كل واحدة منها 153 أيضا (1) أما العلامة الطباطبائي قدس سره، فقد أورد على الاقوال التي سلفت باستثناء هذا الاخير، حيث لم يذكره قدس سره.. بأن: دعوى كون الحروف المقطعة من المتشابهات لا يصح، وذلك لان التشابه من صفات الايات التي لها دلالة لفظية على مداليلها، وليست الحروف المقطعة من هذا القبيل.


(1) راجع مجلة المنطلق اللبنانية سنة 1399 ه‍ العدد الخامس ص 82. (*)

[ 278 ]

وأما سائر الاقوال، فإنما هي تصويرات لا تتعدى الاحتمال، ولا دليل يدل على شئ منها، وأما الروايات التي ربما يستظهر منها بعض التأييد لبعض تلك الاقوال، فقد ردها رحمه الله تعالى بضعف السند تارة ولضعف الدلالة أخرى، حيث لا يوجد فيها تقرير من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما فهمه الاخرون منها أو لان مفاد الرواية أن هذه الحروف من قبيل الرمز لمعان تكرر بيانها، ولا حاجة لاستعمال الرمز في التعبير عنها. ثم استظهر رحمه الله: أن هذه الحروف هي رمز بين الله سبحانه وبين رسوله، خفي عنا، لا سبيل لافهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر ان بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطا خاصا، حيث وجد رحمه الله تشابها في سياق وفي مضامين السور التي اشتركت حروف معينة في فواتحها، كالطواسين والحواميم، والميمات والراءات ونحو ذلك. ونقول: إننا لا نستطيع الموافقة على ما ذكره رحمه الله تعالى، فإن القرآن ليس كتاب الغاز، أو أحاجي، وإنما انزله الله تعالى: (هدى للناس) (1)، (ليدبروا آياته) (2)، (بلسان عربي مبين) (3)، (قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (4)، (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (5).


(1) سورة البقرة: 185. (2) ص 38. (3) سورة الشعراء، 199. (4) سورة يوسف: 2. (5) فصلت: 3. (*)

[ 279 ]

وقد لاحظ بعض المحققين: أن تعقيب هذه الاحرف بأن هذا الكتاب مبين وواضح، وأنه قرآن عربي لقوم يعملون، أو لعلكم تعقلون، لا يناسب كون تلك الالفاظ رموزا، أو من قبيل الالغاز والاحاجي، قال تعالى في سورة يوسف: ألم، تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. ومهما يكن من أمر، فإن لدينا من الشواهد والدلائل ما يكفي لاعطاء فكرة عن المراد من هذه الحروف. ونستطيع بيان ذلك في ضمن النقاط التالية: 1 - إننا في نفس الوقت الذي نعتبر فيه أن ما سنذهب إليه ليس هو المقصود النهائي من هذه الاحرف، فإننا نؤكد على أننا لا نستعبد إرادة سائر المعاني، مما ذكر أو لم يذكر منها، إذ دل الدليل على إرادتها أيضا، فإن للقرآن ظهرا وبطنا، ولعل لاختلاف الازمنة، وتقدم الفكر والعلم، تأثيرا في فهم الكثير من المعاني الاخرى، التي يمكن أن تكون هذه الاحرف مشيرة إليها، أو دالة عليها كبير، بنحو من أنحاء الاشارة والدلالة. 2 - إننا نلاحظ: أننا لم نجد في التاريخ ما يشير إلى أن أيا من الصحابة أو من غيرهم من المشركين أو من أعداء الاسلام قد تصدى للسؤال أو الاستفهام عن معاني هذه الاحرف، وعما ترمي إليه.. ولو سلمنا جدلا أن سكوت الصحابة يمكن أن يكون ناشئا عن إيمانهم العميق. وعن وصولهم إلى درجة التسليم والخضوع لكل ما يأتي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نتيجة لما رأوه من الايات الباهرة، والمعجزات القاهرة - رغم أن ذلك لا ينطبق على كثيرين غيرهم.. ورغم عدم منافاة ذلك للسؤال الاستفهامي عن أمر كهذا - فاننا لا نستطيع أن نفسر سكوت المشركين وغيرهم من أعداء الاسلام عن أمر كهذا. وهم في موقع التحدي والمجابهة، ويحاولوق التشبث ولو بالطحلب للطعن في

[ 280 ]

الاسلام والنبوة والقرآن. فسكوتهم هذا - والحالة هذه - لا يعني إلا أنهم قد فهموا منها معنى قريبا إلى أذهانهم، وأن ذلك المعنى الذي فهموه كان يكفي للاجابة عما يمكن أن يراود أذهانهم من تساؤلات.. 3 - إننا نجد: أن هذه الحروف قد وردت في تسع وعشرين سورة. ستة وعشرون منها نزلت في مكة، وثلاث منها نزلت في المدينة. وحتى هذه السور التي نزلت في المدينة يلاحظ: أن إثنتين منها قد نزلتا في أوائل الهجرة، حيث كان الوضع الديني والايماني فيها لا يختلف كثيرا عنه في مكة، ولا سيما مع وجود اليهود وشبهاتهم ومؤامراتهم إلى جانب المشركين فيها. وواحدة منها وهي سورة الرعد قد نزلت بعد ان كثر الداخلون في الاسلام رغبا أو رهبا، وكثر المنافقون حتى ليرجع إبن أبي بثلث الجيش في غزوة أحد.. وأصبح اليهود وغيرهم ممن وترهم الاسلام يهتمون بالكيد للاسلام من الداخل، بعد أن عجزوا عن مقاومته عسكريا وفكريا، وعقائديا بشكل سافر.. فجاءت سورة الرعد لتكرر التحدي بهذه المعجزة: القرآن، كأسلوب أ مثل لبعث عمق عقيدي وإيماني جديد في المسلمين، ومواجهة غيرهم بالواقع الذي لا يجدون لمواجهته سبيلا إلا بالتسليم والبخوع والانقياد له. وهذا ما يفسر لنا السر في أننا نجد أسلوب وأجواء سورة الرعد لا تختلف كثيرا عن أجواء وأسلوب غيرها من السور المكية، وأن هنالك توافقا فيما بينها في إدانة وضرب كل أساليب التضليل أو التزوير، والصدود عن الحق.. ونستطيع بعد كل ما تقدم أن نصل إلى النتيجة الاتلية، وهي:

[ 281 ]

أن ورود هذه الحروف في خصوص السور المكية، وفي ثلاث سور نزلت في أجواء لا تخلتف كثيرا عن أجواء مكة ليدل دلالة قاطعة على أنها إنما جاءت في مقام التحدي للمشركين، ولاعداء الاسلام.. وأن عدم اعتراض هؤلاء، أو حتى عدم سؤالهم، وكذلك عدم سؤال أي من الصحابة المؤمنين عن معاني هذه الحروف إنما يشير إلى انهم إنما فهموا منها معان قريبة إلى أذهانهم، كافية للاجابة على ما ربما يختلج في نفوسهم من أسئلة حولها. وليس ذلك إلا ما ذكرنا من التحدي بهذا القرآن، المركب من أمثال هذه الحروف التي هي تحت اختيار الجميع، مع أنه يعجز عن مجاراته والاتيان بمثله وحتى بسورة من مثله، الجميع. 4 - إننا إذا راجعنا الايات التي وقعت بعد هذه الحروف، فإننا نجد: ألف: أن جميع السور التي وقعت الحروف المقطعة في فواتحها باستثناء سورتين أو ثلاث نجد الايات التي وقعت بعد هذه الحروف تتحدث عن الكتاب وآياته، أو القلم أو القرآن، ونحو ذلك كقوله تعالى: (المص * كتاب أنزل إليك) (الاعراف). (المر * كتاب أنزل إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) (إبراهيم). (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (الزخرف). (الر * كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (هود). (حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة) (الدخان) (ص * والقرآن ذي الذكر)

[ 282 ]

(ن * والقلم وما يسطرون). وحتى تلك السور الاثنتان أو الثلاث يمكن أن يكون في تلك القصة، أو التنبؤات، أو الحكم التي تذكر بعد هذه الحروف من الاعجاز ما يكفي لان يجعل تركيبها من أمثال تلك الحروف المذكورة، وعجز الغير عن الاتيان بمثلها كافيا عن التصريح في ذلك.. ب: إننا نجد أن الايات التي وقعت بعد الاحرف المقطعة قد صدرت باسم الاشارة ليكون خبرا عن الحروف المقطعة، لانه إشارة لما قبله. ولا يصح ان يكون إشارة لما بعده لان ما بعده ليس الالف ليكون بدلا أو عطف بيان له.. وذلك مثل قوله تعالى: (الر * تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (يوسف). (الر * تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) (الحجر) (الر * تلك آيات الكتاب الحكيم) (يونس). وكذلك الحال بالنسبة لسورة الرعد، والحجر وغيرها من السور. أما مثل قوله تعالى: (الم * ذلك الكتاب) فالكتاب بدل أو عطف بيان. ج: ما هو من قبيل قوله تعالى: (حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (فصلت). فإن قوله تنزيل خبر لقوله: (حم *) كما قاله الفراء، وكما هو الظاهر.. وجعل كتاب خبرا لتنزيل، لا يستسيغه الذوق السليم، ولا ينسجم مع المعنى المقصود، ولا سيما مع تنوين كلمة تنزبل وتنكيرها. وكذلك

[ 283 ]

الحال في قوله تعالى: (الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) (السجدة). (حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) (المؤمن). وكذا الحال فيما ورد في أول سورة الجاثية والاحقاف.. وقد أعرب المفسرون، وغيرهم هذه الموارد على ان كلمة (تنزيل) خبر لمبتدأ محذوف، أو نحو ذلك مع إن إعرابها على النحو الذي ذكرناه هو الانسب والاظهر، وإن كان إعرابهم لا ينافي ما ذكرناه أيضا، فإن تقدير كلمة (هو)، أو كلمة: (هذا) المقدرة مبتدأ ظاهرها الاشارة إلى ما قبلها أيضا.. د: قوله تعالى: (حم عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) (الشورى). فإن قوله (كذلك) يشار بها في القرآن عادة إلى ما قبلها. أي كتلك الحروف التي سبقت يوحي إليك الله تعالى، أي أن آيات الله هي من جنس هذه الاحرف. ه‍: وبعد، فلقد جاء في رواية عن الامام العسكري صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: كذبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: سحر مبين تقوله. فقال الله: (ألم * ذلك الكتاب) أي يا محمد هذا الكتاب الذي انزلناه عليك هو الحروف المقطعة التي منها (ألف، لام، ميم) وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. ثم بين أنهم لا يقدرون عليه بقوله: قل: (لئن اجتمعت الانس

[ 284 ]

والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرأن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا..) (1). وضعف هذه الراية لا يضر ما دامت مؤيدة بما قدمناه من الشواهد والدلائل.. هذا على الرغم من أننا نجد في كلام المجلسي ما يشير إلى إمكان الاعتماد على روايات تفسير العسكري.. مع أننا لا نجد ما يبرر الوضع والجعل في أمر كهذا.. آخر ما نقوله حول الحروف المقطعة: وأخيرا فإنه يمكن أن تكون في القصة التي تذكر بعد هذه الحروف المقطعة، أو في الحكم، أو التنبؤات من الاعجاز ما يكفي لان يجعل تركبها من الحروف المذكورة في بداية السورة، وعجز الغير عن الاتيان بمثلها كافيا في ذلك. ومع كل ما قدمناه، فإننا نعود ونؤكد على أن ما ذكرناه ليس هو كل المراد من هذه الحروف، فقد يكون لها إشارات ومرامي أخرى تضاف إلى ما ذكرناه، ولا مانع مع صحة كثير من الاحتمالات التي ذكرت في معانيها. ولربما يكون لاختلاف الازمنة تأثير في فهم هذه المعاني، كما أشرنا إليه حين الكلام حول أن للقرآن ظهرا وبطنا.


(1) معاني الاخبار ص 22، وتفسير البرهان ج 1 ص 54 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 43 والبحار ج 92 ص 377 وتفسير الميزان ج 18 ص 16. (*)

[ 285 ]

الفصل الثاني: روايات بدء الوحي

[ 287 ]

ما روي في بدء الوحي: روى البخاري ومسلم وغيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة في بدء الوحي، ما ملخصه: أن الملك جاء للنبي، (ص) وهو في غار حراء، فقال: إقرأ. قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: إقرأ: فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم ارسلني، فقال: إقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني ؟ فقال: (إقرأ بسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * إقرأ وربك اكرم). فرجع بها رسول الله (ص) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال زملوني، زملوني، حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة - وقد أخبرها الخبر -: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل، بن أسد، بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرءا قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد

[ 288 ]

عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم إسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله (ص) خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله (ص): أو مخرجي هم ؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي (1). وثمة روايات كثيرة أخرى متناقضة ومتعارضة، ونذكر منها على سبيل المثال: 1 - هناك رواية تقول: إن خديجة أرسلته مع أبي بكر إلى ورقة بن نوفل فأخبره (ص) أنه يسمع نداء خلفه: يا محمد، يا محمد، فينطلق هاربا في الارض، فأمره ورقة أن يثبت، ليسمع ما يقول ثم يخبره، ففعل فناداه: يا محمد، قل: (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى بلغ، (ولا الضالين) قل لا إله إلا اللة. فأخبر ورقة، فبشره بأنه هو الذي بشر به إبن مريم، فلما توفي ورقة قال (ص): لقد رأيت القس في الجنة، عليه ثياب الحرير، لانه آمن بي وصدقني (2). 2 - ورواية أخرى تقول: بعد أن ذكرت: أن خديجة أخبرت ورقة


(1) صحيح البخاري ط مشكول ج 1 ص 5 - 6 وج 9 ص 38، وصحيح مسلم ج 1 ص 97، وليراجع تاريخ الطبري ج 2 ص 47، والمصنف لعبد الرزاق ج 5 ص 322 / 323، وتاريخ الخميس ج 1 ص 282، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 82 والسيرة الحلبية ج 1 ص 242 / 243 وراجع: الاوائل ج 1 ص 145 / 146. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 9 / 10 والروض الانف ج 1 ص 274 / 275 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83 / 84 والسيرة الحلبية ج 1 ص 250، وسيرة مغلطاي ص 15. (*)

[ 289 ]

بالامر، فأخبرها أنه نبي هذه الامة - إنه بعد مدة التقى بالنبي (ص) وهما يطوفان، فسأله ورقة عما رأى وسمع، فأخبره. فأخبره ورقة انه نبي هذه الامة (1) 3 - انه لما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خديجة بما رأى، بشرته بأنه نبي هذه الامة، وأن الذي أخبرها بذلك هو غلامها ناصح، وبحيرا الراهب. وأمرها أن تتزوجه منذ أكثر من عشرين سنة، ولم تزل برسول الله حتى طعم، وشرب، وضحك، ثم خرجت إلى الراهب، وكان قريبا من مكة فأخبرته، فأخبرها: أن جبرئيل هو أمين الله، ورسوله إلى الانبياء. ثم أتت عداسا، فسألته، فأخبرها بمثل ذلك. ثم أتت ورقة، فأخبرها بمثل ذلك. ولكنها حلفته أن يكتم الامر، فطلب منها أن ترسل إبن عبد الله إليه، ليسأله، ويسمع منه، مخافة أن يكون الذي جاءه هو غير جبرئيل، فإن بعض الشياطين يتشبه ليضل ويفسد، حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلها مجنونا، فرجعت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبرته بمقالة ورقة، فنزل قوله تعالى: (ن * والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون). ولكنها أصرت عليه أن يذهب إلى ورقة، ففعل، وصدقه ورقة، فذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فشق ذلك على الملا من قومه (2). 4 - إن خديجة طلبت منه أن يخبرها حين يأتيه الملك ففعل، فأمرته أن يجلس إلى شقها الايمن، ففعل، فلم يذهب الملك، فأجلسته في حجرها، فلم يذهب. فتحسرت فشالت خمارها، ورسول الله (صلى الله


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 12 / 13 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 254، والسيرة الحلبية ج 1 ص 239 / 240، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 81 / 82. (2) البداية والنهاية ج 3 ص 14 / 15 وراجع: الاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 146. (*)

[ 290 ]

عليه وآله وسلم) في حجرها، فذهب الملك،. فقالت: ما هذا بشيطان، إن هذا لملك يا ابن عم، فاثبت وابشر. وفي رواية: أنها أدخلت رسول الله بين جلدها ودرعها، وأخرجت رأسه من جيبها، فذهب جبرئيل (ع) عند ذلك (1). وفي رواية: أن ذلك كان بإشارة ورقة (2). 5 - في رواية: إن ورقة قال لخديجة: إسأليه من هذا الذي ياتيه، فإن كان ميكائيل، فقد أتاه بالخفض والدعة واللين وإن كان جبرئيل، فقد أتاه بالقتل والسبي، فسألته، فقال: فقال جبرئيل. فضربت خديجة جبهتها (3). 6 - وفي رواية: أنه لما أتاه الوحي قال: (... ان الابعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها قريش عني أبدا، لاعمدن إلى حالق من الجبل، فلاطرحن نفسي منه، فلاقتلنها، ولاستريحن. قال: فخرجت أريد ذلك) حتى إذا كان في وسط جبل سمع صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله. ثم تستمر الرواية حتى تذكر: أنه ذكر لخديجة: أن الابعد لشاعر أو مجنون. فقالت: أعيذك بالله من ذلك، ثم التقت بورقة، فأرسل إليه بالثبات، ثم التقى به في الطواف، فجرى له معه ما جرى (4). وعند السهيلي وغيره: أن خديجة سألت ورقة، وعداسا، ونسطورا،


(1) البداية والنهاية ج 3 ص 15 / 16، وسيرة ابن هشام ج 1 ص 255، والطبري ج 2 ص 50 وتاريخ الخميس ج 1 ص 283، والسيرة الحلبية ج 1 ص 251، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 252. (3) تاريخ اليعقوبي ط صادر ج 2 ص 23. (4) تاريخ الطبري ج 2 ص 49 / 50. (*)

[ 291 ]

عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). 7 - في رواية: أن عداسا أعطاها كتابا لتضعه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فان كان مجنونا شفي، وإلا لم يضره شيئا، فلما عادت إليه بالكتاب وجدت معه جبرئيل يقرئه الايات من سورة القلم، ففرحت، وأخذته إلى عداس، فكشف عداس عن ظهره، فوجد خاتم النبوة بين كتفيه إلخ.. (2). ويروي البعض: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أخبرها بجبرئيل كتبت إلى بحيرا الراهب، وقيل: سافرت بنفسها إليه لتسأله عن الامر (3). 8 - في رواية: أنه حين ذهب ليتردى من شواهق الجبال، كان إذا ارتقى بذروة جبل، تبدى له جبرئيل، ويخاطبه بالرسالة، فيسكن جأشه، وتطمئن نفسه (4). 9 - ويروون ايضا: أنه كان قبل النبوة يتعرض للرعدة، وتغميض العينين، وتربد الوجه، ولما يشبه الاغماء، ويغط كغطيط البكر. (5) 10 - وفي رواية: انه (ص) عاد إلى أهله مسرورا موقنا: أنه قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة قال: أريتك الذي كنت حدثتك: أني رأيته في المنام، فإن جبرئيل استعلن إلي، أرسله إلي ربي عز وجل، وأخبرها بالذي جاءه من الله، وما يسمع منه، فقالت له: أبشر، فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، واقبل الذي جاءك من أمر الله، فإنه حق، وأبشر،


(1) الروض الانف ج 1 ص 273، والاوائل لابي هلال العسكري ج 1 ص 146. (2) تاريخ الخميس ج 1 ص 284، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83، والسيرة الحلبية ج 1 ص 243 / 244. (3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83 والسيرة الحلبية ج 1 ص 244. (4) المصنف ج 5 ص 323. (5) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84، والسيرة الحلبية ج 1 ص 252. (*)

[ 292 ]

فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت إلى عداس النصراني، غلام عتبة بن ربيعة من أهل نينوى، فسألته عن جبرائيل، فتعجب من ذكر جبرائيل بتلك الارض، ثم أخبرها بأنه أمين الله بينه وبين إلانبياء. ثم جاءت إلى ورقة إلخ.. (1). هذا غيض من فيض، مما قيل ويقال حول ما جرى حين بدء الوحي، وكيفيته وملابساته، من روايات، وأقاويل متضاربه ومتناقضة. ولننتقل الان إلى الاشارة إلى بعض ما لنا من مناقشات في تلك الاراجيف المتقدمة، متوخين الايجار والاختصار مهما أمكن فنقول: مناقشة روايات بدء الوحي: إننا في مجال بيان ما في تلك الروايات من خلل وخطل، لا نستطيع أن نستوعب كل ما فيها من نقاط ضعف، لان استيعاب ذلك - كما يبدو - يحتاج إلى وقت طويل، بل إلى مؤلف مستقل.. ولكن مالا يدرك كله لا يترك كله، لاننا نريد أن نسهم بدورنا في الذب عن مقام النبوة الاقدس، ولو بشكل محدود ومقتضب، وما نريد أن نشير إليه هنا هو: أولا: من حيث السند. وحيث إن العمدة في ذلك هو ما ورد في الصحيحين وغيرهما، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فنحن نكتفي بالاشارة الاجمالية إلى حال هؤلاء، فنقول: 1 - الزهري: كان من أعوان الظالمين، ومن الذين يركنون لهم (1)، وكان عاملا لبني أمية (1) ويقول المحقق التستري: إنه كان كاتبا لهشام بن


(1) البداية والنهاية 3 ص 13. (2) راجع: سفينة البحار ج 1 ص 572 و 573 ومعجم رجال الحديث ج 16 ص 182 عن ابن شهر اشوب. (3) كشف الغمة ج 2 ص 317. (*)

[ 293 ]

عبد الملك، ومعلما لاولاده (1). وعده الثقفي من فقهاء الكوفة. الذين خرجوا عن طاعة علي (عليه السلام)، وكانوا أهل عداوة له وبغض، وخذلوا عنه (2). وجلس هو وعروة في مسجد المدينة فنالا من على (عليه السلام)، فبلغ ذلك السجاد (عليه السلام)، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: أما أنت يا عروة، فإن أبي حاكم أباك، فحكم لابي على أبيك وأما أنت يا زهري، فلو كنت أنا وأنت بمكة لاريتك كن (3) أبيك (4). ونحن لا نستطيع أن نثق بأعوان الظلمة، وبمبغضي علي (عليه السلام)، كيف وقد قال (ص): (من سب عليا فقد سبني (5) ؟. 2 - عروة بن الزبير. عن عروة قال: أتيت عبد الله بن عمر بن الخطاب (رض)، فقلت له: يا أبا عبد الرحمان، إنا نجلس إلى ائمتنا هؤلاء، فيتكلمون بالكلام، نعلم أن الحق غيره، فنصدقهم، ويقضون بالجور، فنقويهم، ونحسنه لهم، فكيف ترى في ذلك ؟ فقال: يا ابن أخي، كنا مع رسول الله (ص) نعد هذا النفاق، فلا أدري كيف هو عندكم (6).


(1) راجع ترجمة الزهري في قاموس الرجال ج 6. (2) الغارات للثقفي ح 2 ص 558 - 560 وراجع: سفينة البحار ج 1 ص 572. (3) الكن: البيت. (4) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 102، والغارات للثقفي ج 2 ص 578، والبحار ج 46 ص 143 وراجع: سفينة البحار ج 1 ص 572. (5) مستدرك الحاكم ج 3 ص 121 وصححه الذهبي في تلخيص المستدرك هامش نفس الصفحة. (6) سنن البيهقي ج 8 ص 165، وقريب منه ما في ص 164 من دون ذكر اسم (عروة) ومثله الترغيب والترهيب ج 4 ص 382 عن البخاري وإحياء علوم الدين ج 3 ص = (*)

[ 294 ]

فعروة يعتبر أئمة الجور أئمته، وإبن عمر يحكم عليه بالنفاق. وعده الاسكافي من التابعين، الذين كانوا يضعون أخبارا قبيحة في علي (عليه السلام (1). وكان يتألف الناس على روايته (2). وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة، عن عائشة في علي (عليه السلام)، فسألته عنهما يوما، فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما ؟ إني لاتهمهما في بني هاشم (3). وكان عروة إذا ذكر عليا نال منه (4)، ويصيبه الزمع، فيسبه، ويضرب إحدى يديه على الاخرى إلخ (5). وبعد ذلك كله، فإنه لم يثبت سماع الزهري عنه. ولكن أهل الحديث اتفقوا على ذلك (6)، 3 - أما عائشة: التي حاربت عليا وعادته، والتي يتهمها الزهري بأنها لا تؤمن في بني هاشم، فقد أرسلت هذه الرواية، ولم تبين لنا عمن روتها، فإنهم يقولون: إنها قد ولدت بعد البعثة، وإن كنا نحن نناقش في ذلك (7). وأخيرا، فإن لنا كلاما طويلا في بقية الاسانيد في الصحاح وغيرها


= 159 وفي هامشه عن الطبراني وحياة الصحابة ج 2 ص 76. (1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 63. (2) صفة الصفوة ج 2 ص 85، وتهذيب التهذيب ج 7 ص 182. (3) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 64، وقاموس الرجال ج 6 ص 299. (4) الغارات ج 2 ص 576، وشرح النهج ج 4 ص 102. (5) قاموس الرجال ج 6 ص 300. (6) تهذيب التهذيب ج 9 ص 450. (7) سيأتي ذلك إن شاء الله في فصل: حتى بيعة العقبة. (*)

[ 295 ]

لا مجال له هنا. ونكتفي بهذا القدر، لنشير إلى بقية ما في الرواية من هنات. وثانيا: تناقض الروايات الظاهر لدى كل أحد، ويظهر ذلك بالملاحظة والمقارنة، ونكل ذلك إلى القارئ نفسه. ولو أن الاختلاف كان بالزيادة والنقيصة لامكن قبوله، على اعتبار أن أحدهما حفظ دون الاخر، أو تعلق غرضه بهذا النحو من النقل، وذاك بنحو آخر. وكذا لو كان التناقض في مورد واحد مثلا، فلربما يمكن الاعتذار عن ذلك بأن من الممكن وقوع الاشتباه غير العمدي من أحد النقلة. ولكن الامر هنا أبعد من ذلك، فإن التناقض والاختلاف إن لم يكن في كل ما تضمنته تلك الروايات من نقاط، ففي جلها مما يعني أن ثمة تعمدا للوضع والجعل. وقديما قيل: (لا حافظة لكذوب). هذا كله، مع غض النظر عن المناقضة بين هذه الروايات وبين الرواية التي يذكرها البخاري نفسه في اول كتابه بعد هذه الرواية مباشرة من أن أول ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سورة المدثر. ويلاحظ انه ليس في تلك الرواية ذكر لاي شئ من تلك الامور الغريبة والعجيبة التي تضمنتها رواية عائشة السابقة عليها، فإن عدم ذكرها لشئ من ذلك يورث الشك والريب، ويثير أكثر من سؤال عن السبب في إهمال التعرض لذلك. وثالثا: إن رواية الصحاح، بل وسائر الروايات تذكر: أن جبرئيل قد أخذ النبي (ص) فغطه، أي عصره وحبس نفسه أو خنقه حتى بلغ منه الجهد، أو حتى ظن أنه الموت، ثم أرسله، وأمره بالقراءة، فأخبره النبي (ص): أنه لا يعرفها، فلم يقنع منه، بل عاد فغطه، ثم أرسله، وهكذا ثلاث مرات. ولنا على هذا الكلام العديد من الاسئلة.

[ 296 ]

فإننا لا نعرف ما هو المبرر لذلك كله ؟ وكيف جاز لجبرئيل أن يروع النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وان يؤذيه بالعصر والخنق، إلى حد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يظن أنه الموت، يفعل به ذلك، وهو يراه عاجزا عن القيام بما يأمره به ولا يرحمه، ولا يلين له ! ! ولماذا يفعل به ذلك ثلاث مرات، لا أكثر ولا أقل ؟ !. ولماذا صدقه في الثالثة، ولا يصدقه في المرة الاولى ؟ أو الثانية ؟ ! وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كذب عليه أولا، فكيف بقي أهلا للنبوة ؟ ! وإذا كان قد صدقه فلماذا لم يقتنع جبرئيل بكلامه، وعاد فخنقه حتى ليظن أنه الموت ؟ !. وأيضا، هل جاء جبرئيل إليه بكتاب ليقرأه، إذ أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما أنا بقارئ) إنما يصح لو كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فهم أن جبرئيل يأمره بالقراءة نفسها - لا بتعلم القراءة - كما ذكره السندي (1). وإذا كان المراد: القراءة بمعنى التلاوة، فلماذا يطلب منه جبرائيل ذلك، قبل أن يتلو عليه شيئا ؟. ثم لماذا يعاند هو ويرفض ذلك ؟ ! وبعد هذا كله، لماذا يستسلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لجبرائيل ليعذبه على هذا النحو الذي لا مبرر له ؟ ثم لماذا يرجع مرعوبا خائفا ؟ ! ألم يكن باستطاعته أن يلطمه لطمة يقلع بها عينه ؟ كما فعل موسى بملك الموت من قبل ؟ ! حيث إنه لما جاء ليقبض روحه، لطمه على عينه فقلعها، كما نص عليه البخاري، وكثير من المصادر الاخرى (2) ! !


(1) حاشية السندي على البخاري بهامشه ج 1 ص 3 ط سنة 1309. (2) البخاري ط سنة 1309 ج 1 ص 152، أبواب الجنائز، وج 2 ص 159 باب وفاة = (*)

[ 297 ]

أم يعقل: أنه كان - والعياذ بالله - جبانا إلى هذا الحد ؟ ! وكانت الشجاعة من مختصات نبي الله موسى وحده ؟ ! وأخيرا، كيف يخاف نبينا هنا، والله تعالى يقول: (يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون) (1). قد ورد ان زرارة بن أعين سأل الامام الصادق (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (ص) فيما يأتيه من قبل الله أن يكون مما ينزع به الشيطان ؟ فقال: ان الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه (2). إشارة: هذا، ومن المضحك المبكي هنا: أن نجد البعض يحاول أن يستدل بهذه الرواية على رأي يكذبه العقل والنقل، وبالذات يكذبه نص القرآن الكريم، فنراه يجعل ذلك دليلا على جواز التكليف بما لا يطاق (3) - كما هو مذهبهم - الامر الذي يصادم العقل والفطرة، ويخالف القرآن، كما في قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (4)، وقوله: (ما جعل


= موسى عليه السلام، وصحيح مسلم ج 7 ص 100 باب فضائل موسى، ومسند أحمد ج 2 ص 315، ومصنف الحافظ عبد الرزاق ج 11 ص 274، وسنن النسائي ج 4 ص 118، وتاريخ الطبري ج 1 ص 305، والبداية والنهاية ج 1 ص 317، والغدير ج 11 ص 140 و 141 عن بعض من تقدم، وعن: مختصر تذكرة القرطبي للشعراني ص 29، والعرائس للثعلبي ص 139. وكشف الاستار عن مسند البزار، ج 1 ص 404 ومجمع الزوائد ج 8 ص 204. (1) النمل / 10. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 251 والبحار ج 18 ص 262. (3) فتح الباري ج 8 ص 551، وإرشاد الساري ج 1 ص 63. (4) البقرة: 286. (*)

[ 298 ]

الله عليكم في الدين من حرج) (1)، وقوله: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) (2) وغير ذلك كثير. رابعا: حول ما يذكر من خوفه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ودور زوجته وورقة وغيرهما في بعث الطمأنينة في نفسه نذكر: ألف: كيف يجوز إرسال نبي يجهل نبوة نفسه، ويحتاج في تحقيقها إلى الاستعانة بإمرأة، أو نصراني ؟ ألم تكن هي فضلا عن ذلك النصراني اجدر بمقام النبوة من ذلك الخائف المرعوب الشاك ؟ وحتى لو قبلنا ذلك، فمن أين علم: أن تلك المرأة وذلك الرجل قد صدقاه، وقالا الحقيقة ؟ ولماذا لم يستطع هو أن يدرك ما ادركته تلك المرأة، وذلك النصراني ؟ ! أم يعقل أن يكون كلاهما أكبر عقلا وأكثر معرفه بالله وتفضلاته منه ؟ ! - نعوذ بالله من الزلل في القول والعمل. وإذا جاز أن يرتاب هو مع معاينته لما يأتيه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب من سائر الناس، مع عدم معاينتهم لشئ من ذلك ؟ !. قال السندي: (مقتضى جواب خديجة، والذهاب إلى ورقة: أن هذا كان منه على وجه الشك. وهو مشكل بأنه لما تم الوحي صار نبيا، فلا يمكن أن يكون شاكا بعد في نبوته، وفي كون الجائي عنده ملكا من الله، وكون المنزل عليه كلام رب العالمين) ! ! ثم حاول السندي توجيه ذلك بأنه (ص) أراد اختبار خديجة، وأن يمهد لاعلامها بالامر (3).


(1) الحج: 78. (2) البقرة: 185. (3) حاشية السندي بهامش البخاري ط سنة 1309 ه‍ ج 1 ص 3. (*)

[ 299 ]

وهو توجيه عجيب، فإننا لم نعهد منه (ص) إتباع مثل هذه الاساليب الملتوية في الوصول إلى مقاصده ونحن نجله (ص) عن نسبة الكذب إليه على خديجة - معاذ الله، ثم معاذ الله ! !. ثم.. كيف يتناسب ذلك مع كونه أراد أن يلقي نفسه من شواهق الجبال، وغير ذلك مما تقدم مما ذكرته روايات الوحي ؟ ! وأيضا، كيف يبعث الله رجلا، قبل أن يربيه تربية صالحة ويعده إعدادا تاما، بحيث يستطيع أن يكون في مستوى الحدث العظيم الذي ينتظره ؟ ! نعم، كيف أهمله هكذا، حتى إنه حين بعثته ليبدو مذعورا خائفا، ظانا بنفسه الجنون، يريد أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال، حتى كأنه طفل تائه، يملا قلبه الهم، يحتاج إلى من يطمئنه، ويهديه، ويأخذ بيده، ولو امرأة أو أي انسان عادي آخر ؟ ! هذا كله عدا عن أن ذلك يدل والعياذ بالله على ضعف إرادته، وضالة شخصيته. وأين ذهبت عن ذاكرته تلك الكرامات التي كان يواجهها، دون كل أحد، كتسليم الشجر والحجارة عليه (1). والرؤيا الصادقة، وغير ذلك مما ذكره المؤلفون والمؤرخون ؟ !. ب: قال تعالى: (وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت به فؤادك)، (2). وقال تعالى: (قل: نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى وبشرى للمسلمين) (3). وقال: (إني علي بينة من ربي) (4) وقال تعالى: (قل: هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) (5).


(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 234 / 235. (2) الفرقان: 32 (4) الانعام: 57. (3) النحل: 102 (5) يوسف: 108. (*)

[ 300 ]

إذن، فالنبوة، وتنزيل القرآن، ليس إلا لثبيت المؤمنين، ولثبيت فؤاد النبي (ص)، وهذا يتنافى مع قولهم: إن نفسه الشريفة قد سكنت اعتمادا على قول نصراني، أو امرأة. كما أن من الواضح: أنه لا حجة بينة في قول ورقة، أو خديجة، فكيف صح أن يقول: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. وخامسا: لابد من الاشارة إلى بعض الكلام حول ورقة، ونسطور، وعداس، وبحيرا وغيرهم، ممن ذكرت اسماؤهم فيما تقدم، وعمدة الروايات تتجه نحو ورقة، وتركز عليه. لا سيما وأنه هو الذي نص عليه البخاري، وغيره من المصادر الموثوقة لدى غير الشيعة. 1 - أما نسطور، وبحيرا، فهما الراهبان اللذان تنسب اليهما القضية التي جرت للنبي (ص) في صغره، حينما سافر مع أبي طالب إلى الشام، وبصرى حيث بشر نسطور أو بحيرا بنبوة النبي (ص)، وأمر بإعادته (ص) إلى مكة كما تقدم. وإذا كان بحيرا أو نسطور في بصرى - وهي قصبة كورة حوران في الشام من اعمال دمشق - فيرد السؤال: كيف سافرت خديجة من مكة إلى الشام هذه السفرة الطويلة ؟، أو متى كتبت إليه فأجابها. مع أنهم يقولون: إنه (ص) بعث في أول يوم، فأسلم علي وخديجة (عليها السلام) في اليوم الثاني، وصليا معه مسلمين مؤمنين بنبوته (1).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 112 وتلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة وفرائد السمطين ج 1 ص 243. والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 32 والمناقب للخوارزمي ص 21 والجامع الصحيح ج 5 ص 640 وتفسير الوصول ج 2 ص 147. (*)

[ 301 ]

وهل كان في ذلك الزمان طائرات ؟، أو أنها سافرت على بساط الريح، أو طويت لها الارض ؟ ! ولا ندري، فلعلهم قد انتقلوا ليسكنوا قرب مكة، لتتمكن خديجة من استشارتهم في الوقت المناسب، ثم لا يعود يسمع لهما ذكر أصلا، لان مهمتهما قد انتهت (! ! !). 2 - وعداس، اليس هو الذي اسلم على يد النبي (ص) في الطائف بعد عشر سنين من البعثة أي بعد وفاة ابي طالب (عليه السلام). وتروى القصة بنحو يدل أن عداسا لم يكن يعرف النبي (ص) قبل ذلك (1) ولا سمع به. كما أن الروايات تنص على أن جوابه هو نفس جواب ورقة، وعلى أنه كان - كورقة - راهبا، كبير السن، قد وقع حاجباه على عينيه، وقد ثقل سمعه إلخ. وهذه الاوصاف يشاركه فيها غيره ممن سألتهم خديجة ما عدا ثقل السمع، الذي عوض عنه ورقة المسكين بالعمى... واحتمال أن يكون عداس هذا غير ذاك، ليس له ما يؤيده، أو يشير إليه. ويبقى هنا سؤال أخير، وهو: أنه كيف لم يسمع باسلام هؤلاء: بحيرا، وعداس، ونسطور، من حين بعثته (ص)، مع معرفتهم بان النبي (ص) قد بعث، ومع أن سند نبوته قد تلقاه (ص) منهم، حسب نص الروايات المتقدمة ؟. كما أن رواية عداس تقول: إنه لما عادت خديجة من عند عداس، إذا بجبرئيل يقرئ النبي (ص) سورة القلم. وهذا مخالف لما يذكره المفسرون: من أن هذه السورة إنما نزلت حينما وصف المشركون النبي (ص) بأنه مجنون (2)، وواضح: أن هذا لم يحصل إلا بعد انتهاء


(1) سيأتي ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب في فصل: الهجرة إلى الطائف. (2) الدر المنثور ج 6 ص 250، والسيرة الحلبية ج 1 ص 244. (*)

[ 302 ]

فترة الدعوة السرية، وحينما صدع بما يؤمر به، كما هو معلوم. 3 - أما ورقة: فانهم بالاضافة إلى ما ينسبونه إليه من دور هام في تثبيت نبوة نبينا الاعظم (ص)، نجدهم يذكرون: أنه (ص) قد قال عن ورقة كلاما يدل على أنه في الجنة، ولكنهم اختلفوا في نص ذلك الكلام. ففي رواية انه (ص) فال: (لا تسبوا ورقة فاني رأيت له جنة، أو جنتين...) أو (رأيته في ثياب بيض) وفي أخرى: (لقد رأيت القس - يعني ورقة - في الجنة عليه ثياب الحرير.) وفي ثالثة: (أبصرته في بطنان الجنة وعليه ثياب السندس). وفي رابعة: (قد رأيته فرأيت عليه ثيابا بيضا، وأحسبه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض) (1). وعده ابن مندة في الصحابة، وعده الزين العراقي على: أنه أول من أسلم، ومال إليه البلقيني (2). وتقدم في الروايات حول بدء الوحي، التي هي موضع المناقشة: أنه صدق النبي (ص)، وعرفه أنه نبي، ووعده النصر، ثم لم ينشب أن توفي. هذا ما قيل عنه، ولكننا نجد في مقابل ذلك: 1 - ان ابن عساكر يقول: (لا أعرف أحدا قال: إنه اسلم) (3). 2 - وابن الجوزي يقول انه: (آخر من مات في الفترة، ودفن في


(1) راجع تلكم النصوص في مستدرك الحاكم ح 2 ص 609 وتلخيصه للذهبي هامش نفسه الصفحة، وصححاه على شرط الشيخين، وسيرة مغلطاي ص 15 عن الحاكم، والمصنف ج 5 ص 324، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 207، والبداية والنهاية ج 3 ص 9، والروض الانف ج 1 ص 275، والسيرة الحلبية ج 1 ص 250، وأسد الغابة ج 5 ص 89، والاصابة ج 3 ص 635، وغير ذلك. (2) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 74، وإرشاد الساري ج 1 ص 67. (3) الاصابة ج 3 ص 633. (*)

[ 303 ]

الحجون، فلم يكن مسلما.) وكذا قال غيره (1). 3 - وابن عباس يقول: (مات على نصرانيته) (2). 4 - لقد مات على نصرانيته، مع أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، فكيف يدخل الجنة إذن. ويدل على أنه عاش بعد البعثة عدة سنوات، ما رواه غير واحد، من أنه كان يمر ببلال وهو يعذب، ونهاهم عنه فلم ينتهوا، فقال: والله، لئن قتلتموه لاتخذن قبره حنانا (3) وتعذيب بلال إنما كان بعد الاعلان بالدعوة كما هو معروف. وكيف يصح قول البعض: إنه مات بعد النبوة وقبل الرسالة (4) ؟ !. وقد اسلم علي وخديجة، وصليا ثاني يوم البعثة، بدعوة منه (ص)، فلماذا بقي ورقة على نصرانيته هذه السنين المتعددة. هذا، عدا عن أن البعض قد استنتج مما رواه البخاري وغيره، من أن سورة المدثر كانت أول ما نزل عليه (ص)، وبالذات من قوله: (قم فأنذر) - استنتج -: أن البعثة كانت مقترنة بالنبوة (5). 5 - قال في الامتاع وغيره: إن ورقة قد توفي في السنة الرابعة


(1) الاصابة ج 3 ص 634، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 83 / 84 والسيرة الحلبية ج 1 ص 250. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 250، والاصابة ج 3 ص 634. (3) حلية الاولياء ج 1 ص 148، ونسب قريش لمصعب ص 208، وإرشاد الساري ج 1 ص 67، وفتح الباري ج 1 ص 26، عن ابن إسحاق، وج 8 ص 554، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84 و 125، والسيرة الحلبية ج 1 ص 252، والاصابة ج 3 ص 634، وليراجع نهاية ابن الاثير ج 1 ص 266، والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 492. (4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84 وغيره. (5) السيرة الحلبية ج 1 ص 251. (*)

[ 304 ]

للمبعث أو بعد تتابع الوحي (1). 6 - نقل عن الواقدي: أنه توفي بعد الامر بالقتال (2) - وكان ذلك بعد الهجرة. وعليه فكيف يكون ورقة في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير ؟ ! - وكيف يكون هو في الجنة، وأبو طالب حامي الاسلام والدين في ضحضاح من نار ؟ !. وبعد ذلك كله، فاننا لم نفهم سبب تردد النبي (ص) في أن يكون له جنة أو جنتان، ولا نفهم أيضا، لماذا قال: وأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض. أم لعله نسي أنه قد قال: إنه رآه في الجنة عليه ثياب السندس أو الحرير ؟ ! أو أن النبي نفسه (ص) قد ترقى وتدرج في التعرف على ما لورقة من مقام ؟ ! أم أن ورقة نفسه قد ترقى في مدارج القرب والزلفى ؟ !. وأخيرا، فاننا لا ندري بعد ورود تلك الاقوال فيه لماذا لم يحكم المسلمون جميعا بأنه أول من أسلم، لا علي ولا خديجة، ولا غيرها ؟ ! ولماذا لا يعدونه من جملة الصحابة ؟ !. وكيف يقولون: إنه توفي وهو على نصرانيته، ثم كيف يدخل هذا النصراني الجنة ؟ !. كانت تلك بعض الاسئلة التي تحتاج إلى جواب. وأنى ؟ !. وثمة أسئلة أخري: هذا غيض من فيض مما يرد على تلك الروايات، وبقي فيها الكثير


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 252 250 عن كتاب الخميس عن الصحيحين، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 84. (2) إرشاد الساري ج 1 ص 67.

[ 305 ]

من الاسئلة، التي تحتاج إلى جواب: فمثلا: حول ذهاب الملك حينما كشفت خديجة قناعها، وأدخلته (ص) بين درعها وجلدها. يرد سؤال: إنه هل كان الحجاب في ذلك الوقت مفروضا تلتزم به النساء ؟، وكيف ؟ وهم يقولون: إن الحجاب قد فرض في المدينة بعد الهجرة ؟ وبعد وفاة خديجة (عليها السلام) ؟ ! فكيف إذن أدركت خديجة أن الملك يذهب إذا كانت بلا قناع ؟ !. وأيضا هل الملك مكلف بعدم النظر إلى نساء البشر ؟ ! وهل للملك شهوة كشهوة الانسان لابد من الاحتراس منها ؟ ومن أين عرفت خديجة كل ذلك. إلى غير ذلك من الاسئلة الكثيرة التي لن تجد لها عند هؤلاء الجواب المقنع والمفيد. ومن الطعن في النبوة أيضا: وبالمناسبة، فان كل ما تقدم لم يكفهم، بل زادوا عليه قولهم: إنه قد كان للنبي (ص) عدو من شياطين الجن يسمى الابيض، كان يأتيه في صورة جبرئيل، ولعله هو الشيطان الذي أعانه الله عليه فاسلم - كما يقولون (1). وشيطانه هذا الذي اسلم كان يجري منه مجرى الدم (2).


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 253، وراجع: إحياء علوم الدين ج 3 ص 171 وفي هامشه عن مسلم، والغدير ج 11 ص 91 عنه، والمواهب اللدنية ج 1 ص 202، ومشكل الاثار ج 1 ص 30، وراجع حياة الصحابة ج 2 ص 712 عن مسلم وعن المشكاة ص 280 وراجع: المحجة البيضاء ج 5 ص 302 / 303. (2) مشكل الاثار ج 1 ص 30. (*)

[ 306 ]

وكان يدعو الله بأن يخسأ شيطانه، فلما اسلم ذلك الشيطان ترك ذلك (1). ورووا انه عرض للنبي (ص) في صلاته قال: فأخذت بحلقه فخنقته فاني لاجد برد لسانه على ظهر كفي (2). ويروون أيضا: أنه (ص) قد صلى بهم الفجر، فجعل يهوي بيديه قدامه، وهو في الصلاة، وذلك لان الشيطان كان يلقي عليه النار، ليفتنه عن الصلاة (3). ونقول: ونحن لا نشك في أن هذا كله من وضع أعداء الدين، بهدف فسح المجال أمام التشكيك في النبوة، وفي الدين الحق. وقد أخذه بعض المسلمين - لربما - بسلامة نية، وحسن طوية، وبلا تدبر أو تأمل، سامحهم الله، وعفا عنهم. والغريب في الامر: اننا نجدهم في مقابل ذلك يروون عنه (ص) قوله لعمر: (والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا، إلا سلك فجا غير فجك (4))، وقوله له: (إن الشيطان ليخاف أو ليفرق منك يا


(1) المصدر السابق. (2) مسند أبي يعلى، ج 1 ص 506 و 360 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 143 والسنن الكبرى ج 2 ص 264 ومسند أحمد ج 2 ص 298 وأخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، وثمة مصادر كثيرة أخرى وراجع الغدير ج 8 ص 95. (3) المصنف ج 2 ص 24، وراجع: البخاري ط سنة 1309 ه‍ ج 1 ص 137، وج 2 ص 143. (4) صحيح مسلم ج 7 ص 115، والبخاري ط سنة 1309 ج 2 ص 144 و 188، ومسند أحمد ج 1 ص 171 و 182 و 187. والرياض النضرة ج 2 ص 299 وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 178 والغدير ج 8 ص 94. (*)

[ 307 ]

عمر (1)) وقوله: (إن الشيطان لم يلق عمر منذ اسلم إلا خر لوجهه (2)) وعن مجاهد: كنا نتحدث، أو نحدث: ان الشياطين كانت مصفدة في امارة عمر، فلما أصيب بثت (3). وصارع عمر الشيطان مرات، وفي كل مرة يصرعه عمر (4). هذا عمر ! وهذه حالة الشيطان معه ! وذلك هو نبي الاسلام الاعظم (ص)، وتلك هي حالته مع الشيطان، عند هؤلاء، الذين تروق لهم مثل هذه الترهات، ويتقبلونها من اعداء الاسلام، والمتاجرين به بسذاجة هي إلى الغباء أقرب. ولربما يكون الدافع لدى بعضهم أن يجد لابي بكر الذي قال حين أصبح خليفة: إن له شيطانا يعتريه أن يجد له نظيرا، ولكن من مستوى لا يدانى ولا يجارى، فوقع اختياره على النبي الاعظم (ص)، ليكون هو ذلك النظير، فانا لله وإنا إليه راجعون. ما هو الملحيح في قضية بدء الوحي: والذي نطمئن إليه هو أنه قد أوحي إلى النبي (ص)، وهو في غار حراء فرجع إلى أهله مستبشرا مسرورا بما اكرمه الله به، مطمئنا إلى


(1) صحيح الترمذي كتاب 46 باب 17 وفيض القدير عنه وعن أحمد وابن حبان. وراجع تاريخ عمر ص 35. والغدير ج 8 ص 96. (2) عن فيض القدير ج 2 ص 352 عن الطبراني وابن مندة، وابي نعيم، والاصابة ج 4 ص 326 عنهم. (3) منتخب كنز العمال، هامش مسند أحمد ج 4 ص 385 / 386، عن ابن عساكر وحياة الصحابة ج 3 ص 647 عن المنتخب. (4) حياة الصحابة ج 3 ص 646 عن مجمع الزوائد ج 7 ص 71 عن الطبراني وصحح بعض طرقه، وعن أبي نعيم في الدلائل ص 131. (*)

[ 308 ]

المهمة التي أوكلت إليه - كما يرويه ابن اسحاق، واشارت إليه الرواية الاخيرة التي تقدمت عند ذكر نصوص الروايات - وان كان قد زيد فيها مالا يصح - فشاركه أهله في السرور، واسلموا، وقد روي هذا المعنى عن أهل البيت (عليهم السلام). فعن زرارة أنه سال الامام الصادق (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (ص) فيما يأتيه من قبل الله: أن يكون مما ينزع به الشيطان ؟. فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا، أنزل عليه السكينة والوقار، فكان الذي يأتيه من قبل الله، مثل الذي يراه بعينه (1). وسئل (عليه السلام): كيف علمت الرسل انها رسل ؟ قال: كشف عنهم الغطاء (2). وقال الطبرسي: (إن الله لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة، والايات البينة، الدالة على ان ما يوحى إليه إنما هو من الله تعالى، فلا يحتاج إلى شئ سواها، ولا يفزع ولا يفزع، ولا يفرق (3)). وقال عياض: (لا يصح ان يتصور له الشيطان في صورة الملك، ويلبس عليه الامر، لا في أول الرسالة ولا بعدها. والاعتماد في ذلك على دليل المعجزة. بل لا يشك النبي ان ما ياتيه من الله هو الملك، ورسوله الحقيقي، إما بعلم ضروري يخلقه اللة له، أو ببرهان جلي يظهره الله لديه، لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلمات الله (4)).


(1) التمهيد في علوم القرآن ج 1 ص 49 عن العياشي ج 2 ص 201، والبحار ج 18 ص 262. (2) التمهيد ج 1 ص 50، والبحار ج 11 ص 56. (3) مجمع البيان ج 10 ص 384، والتمهيد ج 1 ص 50 عنه. (4) التمهيد ج 1 ص 50 عن رسالة الشفاء ص 112. (*)

[ 309 ]

لماذا الكذب والافتعال إذن ؟ ! وبعد كل ما تقدم، فإننا نرى أن افتعال تلك الاكاذيب يعود لاسباب، أهمها: 1 - إن حديث الوحي هو من أهم الامور التي يعتمد عليها الاعتقاد بحقائق الدين وتعاليمه. وله أهمية قصوى في اقناع الانسان بضرورة الاعتماد في التشريع، والسلوك، والاعتقاد، والاخبارات الغيبية، وكل المعارف والمفاهيم عن الكون، وعن الحياة، على الرسل والانبياء، والائمة والاوصياء، وله أهمية كبرى في اقناعه بعصمة ذلك الرسول، وصحة كل مواقفه وسلوكه، واقواله وافعاله. فإذا أمكن أن يتطرق الشك في نفسه إلى الوحي، على اعتبار أنه إذا لم يستطع النبي (ص) نفسه أن يفرق بين الملاك والشيطان، والوسوسة، والحقيقة، وهو يعاين ويشاهد، فان غيره وهو لا يتيسر له الاطلاع الحسي على شئ من ذلك يكون أولى بالشك، وعدم الاعتماد. وقد نقل الحجة البلاغي ان بعض أهل الكتاب قد نقض على المسلمين بذلك فقال: (الشيطان قرين محمد، وتشبث بنقله عن بعض المفسرين قولهم: إنه كان لرسول الله عدو من شياطين الجن، كان يأتيه بصورة جبرئيل. وانه يسمى الابيض (1)). وبعد هذا، فاننا نستطيع أن نعرف سر محاولات أعداء الاسلام الدائبة للتشكيك في اتصال نبينا الاعظم (ص) بالله تعالى، فافتعلوا الكثير مما رأوه مناسبا لذلك، من الوقائع والاحداث التي رافقت الوحي في مراحله الاولى، أو حرفوه وحوروه حسب أهوائهم، وخططهم، ومذاهبهم،


(1) الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169 عن كتاب الهداية في الرد على اظهار الحق، والسيف الحميدي ج 3 ص 5. (*)

[ 310 ]

على اعتبار أنها فترة بعيدة نسبيا عن متناول الايدي عادة، فلما فشلوا في ذلك حاولوا ادعاء أن ما جاء به نبينا (ص) كان نتيجة عبقريته ونبوغه، وعمق تفكيره، ومعرفته بطرق استغلال الظروف، وانتهاز الفرص. وليس لاجل اتصاله بالمبدأ الاعلى تبارك وتعالى. وهكذا، فاننا نستطيع أن نتهم يد أهل الكتاب في موضوع الاحداث غير المعقولة، التي تنسب زورا وبهتانا إلى مقام نبينا الاعظم (ص) حين بعثته، ولا أقل من تشجيعهم لمثل هذه الترهات. 2 - كما أنه لابد أن يحتاج نبينا (ص) إليهم لامضاء صك نبوته، وتصديق وحيه، ويكون مدينا لهم، وعلى كل مسلم أن يعترف بفضلهم، وبعمق وسعة اطلاعهم، ومعرفتهم بأمور لا يمكن أن تعرف إلا من قبلهم، فكان اختراع هذا الدور لورقة، وعداس، وبحيرا، وناصح، ونسطور، وكلهم من أهل الكتاب ! !. 3 - واما سؤال: لماذا اختص نبينا الاعظم (ص) بكل تلك المصاعب والاهوال، وبهذه المعاملة السيئة من جبرائيل، حتى لقد صرح البعض: بأنه لم ينقل عن أي من الانبياء السابقين: أنه تعرض لمثل ذلك عند ابتداء الوحي، حتى عد ذلك من خصائص نبينا (ص) (1). إن هذا السؤال لا يبقى له وقع، إذا لاحظنا: أن بعض الامور والاحوال غير المعقولة، قد تسربت إلى بعض المسلمين من قبل أهل الكتاب، حتى أصبحت جزءا من التاريخ، والفقه، والعقائد والخ. وذلك من أجل أن يكون لنبي المسلمين نفس الحالات التي تذكر لغيره من الانبياء في كتب اهل الكتاب.


(1) بهجة المحافل ج 1 ص 62، وفتح الباري ج 8 ص 552، وإرشاد الساري ج 1 ص 63، والسيرة الحلبية ج 1 ص 242. (*)

[ 311 ]

وإذن، فليس غريبا أن نجد ملامح هذه القصة موجودة في العهدين، فقد جاء في الكتابين الذين يطلق عليهما اسما التوراة والانجيل: أن دانيال خاف وخر على وجهه، وزكريا اضطرب، ووقع عليه الخوف، ويوحنا سقط في رؤياه كميت، وعيسى تغيرت هيئة وجهه، وبطرس حصلت له غيبوبة واغماء، وهكذا الحال بالنسبة ليعقوب وابراهيم وغيرهم (1). ولكن ذلك لا يعني: أننا ننكر ثقل الوحي عليه (ص): فان ذلك بحث آخر (2). ولكننا ننكر اضطرابه وخوفه (ص)، حتى أراد أن يتردى من شواهق الجبال، وخاف على نفسه الجنون. وننكر ما فعله به جبرئيل، حسب ما ذكرته الروايات المتقدمة، فان الظاهر ان ذلك قد تسرب من قبل أهل الكتاب إلى المحدثين الاتقياء. أو فقل: الاغبياء ! الاشقياء، كما هو الحال في كثير من نظائر المقام، حسبما يظهر للناقد البصير، والمتتبع الخبير. 4 - انك تجد في العهدين أن الشيطان يتصرف بالانبياء وغيرهم حتى بابن الاله بزعمهم فيقولون: إن الروح أصعد المسيح إلى البرية أربعين يوما ليجرب من قبل ابليس، فأصعده الشيطان إلى جبل عال، وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، وقال له: أعطيك هذا السلطان كله واسجد لي إلخ. (3). وقال في موضع آخر: ولما اكمل ابليس كل تجربة (أي مع


(1) راجع في ذلك كله: الهدى إلى دين المصطفى، للحجة البلاغي ج 1 ص 14. (2) وقوله تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) يرى المحقق السيد مهدي الروحاني أن معناه: أن مهمة دعوة الناس إلى الحق، وترك عاداتهم وما هم عليه حتى يزكيهم، من أثقل الامور واصعبها. (3) انجيل متى الاصحاح 4 الفقرة 3 - 13 والهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 170 عنه. (*)

[ 312 ]

المسيح) فارقه إلى حين (1). ويقول بولس الرسول: ولئلا أرتفع بفرط الاعلانات اعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني، لئلا أرتفع، من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني (2). وفي موضع آخر: لذلك أردنا أن نأتي أنا وبولس مرة ومرتين، وإنما عاقنا الشيطان (3). كما أن الانجيل يذكر: أن المسيح قد عبر عن بطرس بأنه شيطان (4). إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه (5). 5 - وعدا عن ذلك كله. فاننا لا نستبعد: أن يكون الهدف من جعل تلك الترهات، هو الحط من كرامة النبي الاعظم (ص)، والطعن في قدسيته ومقامه في نفوس الناس، وتصويره لهم على أنه رجل عادي مبتذل، ولا أدل على ذلك من إحتياجه إلى أبسط الناس حتى النساء ليرشده إلى طريق الهدى، ويدله على الحق، مما يدل على أنه قاصر محتاج باستمرار إلى مساعدة الاخرين، الذين هم أحسن تصرفا وأكثر تعقلا منه. وقد أشرنا في تمهيد الكتاب إلى بعض ما يمكن أن يقال في ذلك،


(1) الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 171 عن إنجيل لوقا 13. (2) كورنتوش الثانية الاصحاح 12 فقرة 7 - 9. (3) تسالونيكي الاولى الاصحاح الثاني فقرة 18. والهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 172 عنه. (4) إنجيل متى الاصحاح 16 فقرة 23، والهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 171. (5) راجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169 - 173. (*)

[ 313 ]

وقلنا: إن الظاهر هو أن تلك خطة السياسيين، الذين يريدون أن يرغموا أنوف بني هاشم، ويبزونهم سياسيا، من أمثال: معاوية الذي أقسم على أن يدفن ذكر النبي (ص)، ومع معاوية سائر الامويين واعوانهم. ومن أمثال عبد الله بن الزبير، الذي قطع الصلاة على النبي (ص) مدة طويلة، لان له أهيل سوء إذا ذكر شمخت آنافهم (1). 6 - لقد كان الزبيريون يواجهون وينافسون الامؤيين، ويعادون الهاشميين، ويحسدونهم على مالهم من شرف وسؤدد. وإذا لا حظنا نصوص الرواية المتقدمة لقضية ورقة بن نوفل، فإن عمدة رواتها هم من الزبيريين وحزبهم، كعروة بن الزبير، الذي اصطنعه معاوية ليضع أخبارا قبيحة في علي. وكإسماعيل بن حكيم - مولى آل الزبير. وكذلك وهب بن كيسان. ثم أم المؤمنين عائشة خالة عبد الله بن الزبير. ثم لا حظنا في المقابل: أن خديجة هي بنت خويلد بن أسد، وورقة هو ابن نوفل بن أسد، والزبير هو ابن العوام بن خويلد بن أسد. فتكون النسبة بين الجميع واضحة المعالم (2) - إذا لاحظنا ذلك كله - فإننا نستطيع أن نعرف: أنه كان لابد وأن يكون لاقارب عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومن ثم للزبيريين بشكل عام، دور حاسم في انبعاث الاسلام، إذ لولاهم لقتل النبي (ص) نفسه، أو على الاقل لم


(1) تقدمت مصادر ذلك حين الكلام على حلف الفضول فراجع. (2) لكن من الواضح: أن كون ورقة هو ابن عم خديجة، يبعد كون ورقة شيخا كبيرا، قد وقع حاجباه على عينيه، كما تزعم النصوص المتقدمة. (*)

[ 314 ]

يستطع أن يكتشف نبوة نفسه. وإذا كان للزبيريين هذا التاريخ المجيد، فليس للامويين أن يفخروا عليهم بخلافة عثمان، وليس للهاشميين أن يفخروا بمواقف ابي طالب، وولده علي أمير المؤمنين (عليه السلام). وإذن، فلابد من دعوى: أن ورقة قد تنصر، وأنه كان يكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء، إلى آخر ما قيل وبقال في ذلك. النتيجة: وهكذا فإن النتيجة تكون هي: أن الامويين يستفيدون من افتعال القصة على هذا النحو، ويحققون أعز أهدافهم وأغلاها، كما أن الزبيريين أيضا يستفيدون منها، أما أهل الكتاب فيكون لهم منها حصة الاسد. وبذلك ينعقد الاجماع من قبل مسلمة أهل الكتاب، الذين لم يسلموا ولكنهم إستسلموا، إلى جانب منافقي هذه الامة وطلقائها، وطلاب الدنيا، فأدخلوا في الاسلام من إسرائيليات أولئك، وترهات هؤلاء كل غريبة، ونسبوا إلى نبي الاسلام كل عجيبة، بعد أن نجحوا في إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن موقعهم الذي جعله الله سبحانه لهم، ليحتل القصاصون وأذناب الحكام محلهم، وكانت هذه الجريمة النكراء حينما التقت المصالح والاهواء، واجتمعت على هذا الامر، فلماذا لا يدلي كل بدلوه ؟ أو كيف لا تشجع أمثال هذه الترهات والاباطيل. عصمنا الله من الزلل، في القول والعمل.

[ 315 ]

الفصل الثالث: الدعود في مراحلها الاولى.

[ 317 ]

أول من أسلم: إن أول من أسلم، واتبع وصدق، وآزر وناصر، هو أمير المؤمنين، وإمام المتقين، علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبنائه الائمة الطاهرين. وأورد العلامة الاميني في كتابه القيم (1): أقولا عن العشرات من كبار الصحابة، والتابعين، وغيرهم من الاعلام، وعن العشرات من المصادر غير الشيعية، تؤيد وتؤكد على ان أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أول الامة اسلاما. ومن هؤلاء الاعلام: 1 - علي (عليه السلام) نفسه، 2 - الامام الحسن (عليه السلام)، 3 - الامام الباقر (عليه السلام)، 4 - عمر بن الخطاب، 5 - سلمان الفارسي، 6 - أنس بن مالك، 7 - إبن عباس، 8 - أبو ذر، 9 - المقداد بن عمرو، 15 - خباب بن الارت، 11 - جابر بن عبد الله الانصاري، 12 - أبو سعيد الخدري، 13 - حذيفة بن اليمان،


(1) راجع: الغدير ج 3 ص 95 و 96 و 99 و 224 - 236 وج 10 ص 156 و 158 و 164 و 168 و 290 و 322 وج 9 ص 115 و 122 وراجع دلائل الصدق، والاوائل للطبراني ص 78 / 79. (*)

[ 318 ]

14 - عبد الله بن مسعود، 15 - أبو أيوب الانصاري، 16 - خزيمة بن ثابت (ذو الشهادتين)، 17 - عمرو بن العاص، 18 - سعد بن أبي وقاص، 19 - زيد بن أرقم، 20 - محمد بن أبي بكر، 21 - جرير بن عبد الله البجلي، 22 - بريدة الاسلمي، 23 - عفيف الكندي، 24 - أبو رافع، 25 - أبو مرازم، 26 - هاشم المرقال، 27 - عبد الله بن حجل، 28 - أبو عمرة (بشير بن محصن)، 29 - عبد الله بن خباب بن الارت، 30 - عبد الله بن بريدة، 3 1 - مالك الاشتر، 32 - عدي بن حاتم، 33 - محمد بن الحنفية، 34 - طارق بن شهاب الاحمسي، 35 - عبد الله بن هاشم المرقال، 36 - عمرو بن الحمق، 37 - سعيد بن قيس الهمداني، 38 - عبد الله بن أبي سفيان، 39 - كعب بن زهير، 40 - ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، 41 - الفضل بن أبي لهب، 42 - أبو الاسود الدؤلي، 43 - جندب بن زهير، 44 - مالك بن عبادة، 45 - زفر بن يزيد بن حذيفة الاسدي، 46 - النجاشي بن الحارث بن كعب، 47 - عبد الله بن حكيم، 48 - عبد الرحمن بن حنبل، 49 - عامر الشعبي، 50 - الحسن البصري، 51 - قتامة، 52 - إبن شهاب الزهري، 53 - محمد بن المكندر، 54 - أبو حازم سلمة بن دينار، 55 - ربيعة بن عبد الرحمن، 56 - محمد بن السائب الكلبي، 57 - جنيد بن عبد الرحمن، 58 - محمد بن إسحاق، 59 - الوليد بن جابر، وزاد العسقلاني: 60 - عبد الله بن فضالة المزني، 61 - عمر بن مرة الجهني (1). بعض ما جاء في سبق على إلى الاسلام: هذا كله، عدا عن الكثير من الروايات الواردة عن النبي الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم)، وكلمات أمير المؤمنين نفسه، وعدا


(1) الاصابة ج 2 ص 357 / 358. (*)

[ 319 ]

عن كلمات الصحابة والتابعين وأشعارهم، بل لقد ادعى البعض الاجماع عليه (1). ولعل حصر ذلك متعذر على أي باحث ومتتبع، ولذا فلا محيص لنا عن الاكتفاء بأمثلة قصيرة لتكون عنوانا وإشارة لغيرها من الكثير الطيب الذي لم نذكره. ونحيل القارئ إلى ما كتبه العلامة الاميني (2) فليراجعه إن أراد. فإنهم يقولون: لقد بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلاثاء (3). ومما ورد عن النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بسند صحيح قوله: أولكم ورودا علي الحوض، أولكم إسلاما علي بن أبي طالب (4). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنه لاول أصحابي إسلاما، أو أقدم أمتي سلما (5).


(1) راجع: الصواعق المحرقة الفصل الاول، الباب التاسع، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 22. (2) راجع: الغدير ج 3 ص 220 - 243 وج 10 ص 158 - 162. (3) راجع: الاوائل ج 1 ص 195. (4) مستدرك الحاكم ج 3 ص 136 وصححه، وتاريخ بغداد للخطيب ج 2 ص 81، والاستيعاب هامش الاصابة ج 3 ص 28 وشرح النهج للمعتزلي والسيرة الحلبية، والسيرة النبوية لدحلان، ومناقب الخوارزمي، والغدير ج 3 ص 220 عنهم فراجعه، والاحاد والمثاني، مخطوط في مكتبة كوپر لي رقم 235. (5) الغدير ج 3 ص 95 / 96 عن: مسند أحمد ج 5 / 26 والاستيعاب ج 3 ص 36، والرياض النضرة، ومجمع الزوائد، والمرقاة، وكنز العمال، والسيرة النبوية لدحلان، = (*)

[ 320 ]

وعنه أنه أخذ بيد علي (عليه السلام)، فقال: هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الاكبر (1). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا أول من آمن بي، وصدقني، وصلى معي (2). وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): إن أول من صلى معي علي (3). تصريحات أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك: وعلي (1) نفسه يصرح في كثير من المناسبات بذلك، فيقول عن نفسه: إنه لم يسبقه أحد في الصلاة مع رسول الله، وأنه أول من أسلم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنه الصديق الاكبر (عليه السلام)، وأنه لا يعرف أحدا في هذه الامة عبد الله قبله غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وأنه صلى قبل أن يصلي الناس سبع سنين (4). ولعل المراد التعبد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة بسنتين، أو خمس سنين، حيث بدأت إرهاصات النبوة، ثم يضم إليها


= والسيرة الحلبية، وليراجع: مستدرك الحاكم ج 3، والمنمق، وجمع الجوامع ومجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن الطبراني عن ابن إسحاق، وقال: هو مرسل صحيح: الاسناد، وأخرجه الطبراني وأحمد قال الهيثمي ج 9 ص 101 وفيه خالد بن طهمان وثقه أبو حاتم وبقية رجاله ثقات. (1) الغدير ج 2 ص 313 عن الطبراني والبيهقي، والعدني، ومجمع الزوائد وكفاية الطالب وإكمال كنز العمال ولسوف يأتي في حديث الغار حين الكلام عن تلقيب أبي بكر بالصديق المزيد من المصادر لهذا الحديث، وفرائد السمطين ج 1 ص 39. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 225. (3) الغدير ج 3 ص 220 عن فرائد السمطين باب 47 بأربعة طرق. (4) مصادر ذلك ستأتي بعد الهامش التالي. (*)

[ 321 ]

ثلاث أو خمس سنين فترة الدعوة الاختيارية غير المفروضة بعد البعثة. أو لعله عبد الله حقا مع رسول الله قبل البعثه سبع سنين إذا كان قد أسلم (ع) وهو إبن إثني عشر سنة أو حتى عشر سنين. حيث كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعبد قبل البعثة وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) على دين الحنيفية، فكان علي (عليه السلام) يعبد الله معه (صلى الله عليه وآله وسلم). إلا أن يكون الصحيح في الرواية هو ما ذكره إبن بطريق أنه قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين (1). ومهما يكن من أمر فإن الكلمات الدالة على هذا الامر كثيرة، كما أنه، (عليه السلام) قد كتب هو نفسه بهذا الامر إلى معاوية، وردده في كلماته الكثيرة المتضافرة (2). دليل آخر: وإن إحتجاجه (عليه السلام) بأنه أول من أسلم، واحتجاج أصحابه


(1) كشف الغمة للاربلي ج 1 ص 334. (2) راجع هذه النصوص كلها عن أمير المؤمنين في الغدير ج 3 ص 213 و 221 و 222 وج 10 ص 158 - 164 وج 2 ص 25 - 30 و 314 عن: شرح النهج ج 1 ص 503 و 404 و 283 وج 2 ص 102 وأبي داود بإسناد صحيح، وتاريخ بغداد للخطيب ج 4 ص 224، ومجمع الزوائد ج 9 ص 102 عن أبي يعلى، وأحمد، والبزار والطبراني في الاوسط، وفرائد السمطين باب 48، والاوائل ج 1 ص 195 ووقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 355 و 360 و 132 و 100 و 168 وجمهرة الخطب ج 1 ص 178 و 542 و 428 وجمهرة الرسائل ج 1 ص 542، ومروج الذهب ج 2 ص 59، ونذكرة سبط ابن الجوزي ص 115، ومطالب السؤل ص 11، والمحاسن والمساوي ج 1 ص 36 وتاريخ القرماني هامش الكامل ج 1 ص 218. وثمة مصادر أخرى في الغدير ج 10 ص 322 فراجع. (*)

[ 322 ]

من الصحابة والتابعين بهذه الكثرة العجيبة على خصومهم، في صفين وغيرها واهتمامهم الواضح بهذا الامر ليدل على ذلك دلالة واضحة. ولم نجد أحدا من أعدائه (عليه السلام) حاول إنكار ذلك، أو التشكيك فيه، أو طرح إسم رجل آخر على أنه هو صاحب هذه الفضيلة دونه، رغم توفر الدواعي لذلك، ورغم أن الطرف المقابل لا يتورع حتى عن الاختلاق والكذب على الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل على الله سبحانه وتعالى. فلو أنهم عرفوا: أن كذبتهم هذه تجوز على أحد لكانوا لها من المبادرين. ولكن التسالم على هذا الامر كان بحيث لا يمكنهم معه الترسل بأية حيلة، فكل ذلك يدل على أن ذلك قد كان أمرا مسلما به ومجمعا عليه، ولا يمكن إنكاره لاحد. وكشاهد على هذا التسالم نذكر هنا حادثة واحدة فقط، جرت لسعد بن أبي وقاص، الذي كان منحرفا عن علي (عليه السلام)، - كما سيأتي في معركة أحد إن شاء الله تعالى - ونترك ما عداها وهو كثير جدا. وهذه الحادثة هي أنه: سمع رجلا يشتم عليا، فوقف عليه وقرره بقوله: يا هذا، علاما تشتم علي بن أبي طالب ؟ ألم يكن أول من أسلم ؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول الله (صلى اللة عليه وآله وسلم) ؟ ألم يكن أعلم الناس ؟ إلخ (1). كما أن المقداد كان يتعجب من قريش لدفعها هذا الامر عن أول المؤمنين إسلاما، يعني عليا (2).


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 500، وصححه هو والذهبي في تلخيصه هامش نفس الصفحة، وحياة الصحابة ج 2 ص 514 / 515. (2) الغدير ج 9 ص 115 عن اليعقوبي ج 2 ص 140. (*)

[ 323 ]

خاتمة المطاف: وأظن أن ما ذكرناه كاف وواف في هذا المجال، ومن أراد المزيد فعليه بالمراجعة إلى الكتب المعدة لذلك. وبعد هذا، فلا يصغى لقول النواصب والحاقدين، الذين يهتمون في طمس فضائله (عليه السلام) بكل وسيلة، ولو عن طريق الدجل والتزوير، ومنهم إبن كثير، الذي قال: (وقد ورد في أنه أول من أسلم أحاديث كثيرة، لا يصح منها شئ (1)). لايا إبن كثير: لقد تجنيت على الحقيقة وعلى التاريخ كل التجني، ولم تستطع أن تكتم ما يعتلج في صدرك من إحن - فجرك ذلك إلى المكابرة، وإلى إنكار ما يكاد يلحق بالضروريات. فإن الروايات الصحيحة والصريحة الدالة على هذا الامر كثيرة وكثيرة جدا، كما يعلم بالمراجعة (2). القول بأن خديجة أول من أسلم: ونجد في مقابل ذلك قولا آخر مفاده: أن خديجة كانت هي السباقة إلى الاسلام وانها أولى مخلوق آمن به. بل لقد ادعى البعض الاجماع على هذا القول (3). ولكنه قول مردود، لان العديد من الروايات عن النبي (صلى الله


(1) البداية والنهاية ج 7 ص 335. (2) راجع الغدير ج 3 وإحقاق الحق، قسم الملحقات، وغير ذلك. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 267، وفي تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 182 نقل عن الثعلبي الاتفاق عليه. وقال ابن الاثير: إنها أول خلق الله إسلاما بإجماع المسلمين. راجع السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 90. وإسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 148 والاوائل للطبراني ص 80. (*)

[ 324 ]

عليه وآله وسلم)، وعن علي (عليه السلام)، وعن الصحابة والتابعين تعبر بأن عليا أول من صلى، أو أول من آمن، أو أول الامة أو الناس إسلاما (1)، ولا يمكن أن يكون المقصود بالامة أو الناس خصوص الرجال بناء على هذا القول، ولا خصوص الصبيان، بناء على قول آخر يأتي. أبو بكر، وسبقه إلى الاسلام: وبعد كل ما تقدم نعرف: أن ادعاء سبق غير أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الاسلام قد جاء متأخرا عن عهد الخلفاء الاربعة، ووضع بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولربما يكون قد حصل ذلك حينما كتب معاوية إلى الاقطار يأمرهم أن لا يدعوا فضيلة لعلي إلا ويأتوه بمثلها لغيره من الصحابة (2). ومن هنا، فإننا نعتقد: بأن القول بأولية إسلام أبي بكر، والمروي عن: 1 - إبن عباس 2 - الشعبي 3 - أبي ذر 4 - عمرو بن عبسة 5 - ابراهيم النخعي 6 - حسان بن ثابت، الذي يروى عنه قوله: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر وما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها إلا النبي وأوفاها بما حصلا والثاني الصادق المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا عاش حميدا، لامر الله متبعا بهدي صاحبه الماضي وما انتقلا (3)


(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 91، والسيرة الحلبية ج 1 ص 268 و 275 ومناقب المغازلي، ومناقب الخوارزمي، ص 18 - 20 والغدير ج 3 ص 220 - 236 وج 10 ص 168 و 290 و 322 وج 9 ص 392 تجد الكثير من التصريحات بذلك وكذا في تاريخ بغداد ج 4 ص 233 وحلية الاولياء ج 1 ص 66 وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 407. (2) راجع: النصائح الكافية لمن يتولى معاوية من 72 حتى ص 74. (3) ديوان حسان ص 29 ط أوروبا. (*)

[ 325 ]

نعم، إننا نعتقد: أن ذلك كله موضوع في وقت متأخر، تزلفا للامويين، كما أن شعر حسان هذا لا يبعد أن يكون منحولا، إذ لا يمكن أن يبادر إلى مخالفة ما كان متسالما عليه بين الامة، ولا سيما الصحابة منهم. كما أننا نلاحظ: أن البيتين الاخيرين، فيهما حشو ظاهر، وليس لهما صياغة منسجمة (1). ولربما يقال: إنهما بعيدان عن نفس حسان، وعن شاعريته، وعن سبكه، وطريقته ومما يدل على عدم صحة ذلك بالاضافة إلى ما تقدم: أولا: إنه قد تقدم: أن إبن عباس، والشعبي، وأبا ذر الذين روي عنهم القول بأولية أبي بكر هم أنفسهم يقولون: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو أول من أسلم. ويقول الاسكافي (2): إن حديثهم في علي أقوى سندا، وأشهر من الحديث لا الاخر المنسوب إليهم في أبي بكر. وأما رواية أبي ذر، وعمر بن عبسة، فهي مضطربة، لانها تذكر: أن أبا ذر، وعمرو بن عبسة كلاهما ربع الاسلام، وأن بلالا أسلم قبل أبي بكر، ولا تذكر عليا (عليه السلام)، ولا خديجة، وهذا يعني: أن بلالا قد أسلم قبل خديجة وعلي، مع أن العكس هو الصحيح، فإذا كانت خديجة رحمها الله وعلي (عليه السلام) وبلال، وعمرو بن عبسة قد أسلموا أولا، فأين يكون إسلام أبي بكر بعد هذا ؟ ! وثانيا: إن عائشة نفسها تعترف بان أباها كان رابعا في الاسلام، وقد


(1) فليلاحظ مثلا: كلمة منهم في البيت الثالث. وقوله في الرابع: (متبعا بهدي) وقوله: وما انتقلا إلى غير ذلك من وجوه الضعف في السبك والصياغة. (2) راجع، الغدير، وشرح النهج للمعتزلي ج 13، وآخر كتاب العثمانية. (*)

[ 326 ]

سبقه إلى ذلك خديجة، وزيد بن حارثة، وعلي (عليه السلام) (1). وثالثا: قد تقدم: أننا لم نجد أحدا يعترض على الصحابة، ولا على التابعين، ولا على أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحتجاجاتهم المتعددة على معاوية وغيره بأن عليا هو أول الامة إسلاما - لم نجد أحدا يعترض، ويقول: بل أبو بكر هو الاول. وما روي من ذلك من أن أبا بكر قد احتج به، فقد فنده العلامة الاميني في الغدير واثبت أنه غير صحيح فليراجع (2). فإلى متى يدخرون هذه الحجة ؟ ! ولماذا يدخرونها ؟ ! بل إننا لم نجد أبا بكر، ولا أحدا من أنصاره ومحبيه يحتج له بأنه أول من أسلم، رغم احتياجاتهم الشديدة إلى ذلك، ولا سيما في السقيفة، حيث لم يجدوا ما يحتجون به من فضائله إلا كونه كبير السن، وصاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار - كما احتج به صاحبه عمر، وغيره ثمة (3) - وستأتي الاشارة إلى إحتجاجاتهم تلك حين الحديث على قضية الغار إن شاء الله تعالى. هذا كله، عدا عن تصريح البعض بأن أبا بكر كان رابع أو خامس من أسلم (4).


(1) راجع: الاوائل ج 1 ص 202 وراجع ص 206. (2) راجع: الغدير ج 7 ص 91 - 94. و 224 فما بعدها. (3) مستدرك الحاكم ج 3 ص 66، وسنن البيهقي ج 8 ص 153 والغدير ج 5 ص 369 وج 7 ص 92 وج 10 ص 7 و 13 عن عدد كبير من المصادر، وكنز العمال ج 8 ص 139 عن ابن أبي شيبة، وعن الكنز أيضا ج 3 ص 140. ولسوف نذكر طائفة من المصادر حين الكلام عن قضية الغار. (4) راجع: سير اعلام النبلاء ج 1 ص 216. (*)

[ 327 ]

وعدا عن قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): أنا الصديق الاكبر، أسلمت قبل أن يسلم أبو بكر (1). وعدا عن الرواية التي تقول: إن العباس قد أخبر عفيفا بأنه لم يسلم سوى خديجة وعلي، فلو أن عفيفا أسلم حينئذ كان في الاسلام ثانيا (2). ورابعا: إننا نقول: إن إسلام أبي بكر قد تأخر عن البعثة عدة سنوات ويدل على ذلك - ونحن نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم - الامور التالية: 1 - ما قالوه من أنه لما أسلم سماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صديقا (3) مع أن تسميته هذه - كما يدعون - إنما كانت بعد الاسراء حين صدقه أبو بكر وكذبته قريش (4). أو حين الهجرة في الغار (وكلاهما لا يصح أيضا كما سيأتي في حديث الغار إن شاء الله تعالى). وهم يدعون: أن الاسراء كان بعد البعثة بإثنتي عشرة سنة وإن كنا نحن نعتقد بخلاف ذلك. وأنه كان في السنة الثانية أو الثالثة، كما سيأتي في الفصل الاتي. 2 - يروي البعض: أنه أسلم وآمن بعد الاسراء والمعراج فسمي يومئذ ب‍ (الصديق) (5) مع قولهم: أن الاسراء والمعراج كان قبل الهجرة بقليل - كما سنرى -


(1) ستأتي مصادر ذلك في أواخر الجزء الثاني من هذا الكتاب. (2) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 395 وغير ذلك. (3) السيرة الحلبية ج 1 ص 273، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 8. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 273. (5) مجمع الزوائد ج 1 ص 76 عن الطبراني في الكبير. (*)

[ 328 ]

3 - لقد روى الطبري - بسند صحيح كما يقول الاميني (1) - عن محمد بن سعيد، قال: قلت لابي: أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين (2). وهذا يعني: أنه قد أسلم بعد انتهاء الفترة الاختيارية للدعوة، وبعد خروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) من دار الارقم، لانهم قد خرجوا بعد أن تكاملوا أربعين رجلا، كما يقولون. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. حين الكلام حول إسلام عمر بن الخطاب. 4 - ولسوف نذكر إن شاء الله في أواخر حديث الغار: أن أبا قحافة يذكر: أن إبن مسعود قد أسلم هو وجماعة قبل إسلام أبي بكر، وإبن مسعود قد أسلم قبل إسلام عمر كما ذكره النووي في تهذيب الاسماء واللغات. 5 - لقد ورد: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث وأبو بكر غائب في اليمن، قال أبو بكر، فقدمت مكة، وقد بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاءني صناديد قريش. إلى أن قال: (فقالوا: يا أبا بكر، أعظم الخطب، وأجل النوائب، يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي. ولو لا أنت - أو: ولولا انتظارك ما انتظرنا به، فإذ قد جئت فأنت الغاية والكفاية (3)). والذي عند أبي هلال، عن الشعبي، عن أشياخه، منهم جرير، في خبر طويل هو: (قال أبو بكر: فلما قدمت مكة استبشروا، وظنوا أنه فتح عليهم بقدومي فتح، واجتمعوا إلي، وشكوا أبا طالب، وقالوا: لولا


(1) الغدير ج 3 ص 240. (2) تاريخ الطبري ج 2 ص 60 والبداية والنهاية ج 3 ص 28 والتعجب للكراجكي ص 34. (3) الصواعق المحرقة ص 148 ط سنة 1324 ه‍. والسيرة الحلبية ج 1 ص 275، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 89، وتاريخ الخميس ج 1 ص 287. (*)

[ 329 ]

تعرضه دونه لما انتظرنا به. قلت: ومن تبعه على مخالفة دينكم ؟ قالوا: بني أبي طالب (1)). ولكن لنا تحفظ على هذا النص الذي يعطي لابي بكر منزلة كبيرة في قريش، وهي منزلة لا يؤيد التأريخ أن أبا بكر كان قد بلغها أصلا، كما سنشير إليه في موضعه. 6 - وعن إبن اسحاق، قال: إن أبا بكر لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد، من تركك آلهتنا، وتسفهيك عقولنا، وتكفيرك آباءنا إلخ. ثم ذكر إسلام أبي بكر (2). وان كنا نشك في صحة هذا النص الاخير، إذ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يعبد تلك الالهة قط، فما معنى سؤاله عن ذلك ؟ ! إلا إذا قلنا إنه لم يكن يتجاهر برفضها، فصح أن يسأله عن ذلك. ويؤيد ذلك ما رواه المقدسي، قال: (إسلام أبي بكر - زعم بعض الرواة: أنه كان في تجارة له بالشام، فأخبره راهب بوقت خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة، وأمره باتباعه، فلما رجع سمع رسول اللة يدعو إلى الله، فجاء وأسلم (3)). ويؤيد ذلك أيضا قولهم: إن أبا بكر قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لابائها وأمهاتها. فدعاه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الاسلام فأسلم (4).


(1) الاوائل للعسكري ج 1 ص 194. (2) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 416 / 417. والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 432 / 433. وسيرة ابن إسحاق ص 139. (3) البدء والتاريخ ج 5 ص 77. (4) البداية والنهاية ج 3 ص 29 / 30 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 439. (*)

[ 330 ]

فكل ذلك يدل على أن إسلام أبي بكر كان بعد الفترة السرية وبتعبير أدق بعد (فترة الدعوة الاختيارية، وغير المفروضة) التي استمرت ثلاث أو خمس سنوات. وبعد أن أنذر عشيرته الاقربين، وبعد أن أمر بالصدع بالامر، ودعرة الناس عامة. وبعد تكفيره للاباء والامهات. وبعد عرض قريش على أبي طالب أن يقنع ولده بالعدول عن هذا الامر. وبعد عرضهم عليه ولدا آخر على أن يخلي بينه وبينهم. وبعد وقوع المواجهة بين قريش وبينه، ثم قيام أبي طالب دونه، ولولا انتظارهم لابي بكر ما انتظروا به. وكل ذلك يدل على أن إسلامه قد تأخر إلى السنة الرابعة أو الخامسة إن لم يكن بعد ذلك أيضا، فقد قال أبو القاسم الكوفي: إن أبا بكر قد أسلم بعد سبع سنين من البعثة (1). ولربما يكون ذلك صحيحا أو قريبا من الصحيح، إذا أخذنا بالروايات المتقدمة الدالة على أنه قد أسلم بعد اشتداد المواجهة بين الرسول وبين المشركين، وقيام أبي طالب دونه، وبعد أكثر من خمسين رجلا، فلربما يكون المراد بالخمسين هو خصوص من أسلم بعد الاعلان بالدعوة. أو بعد الهجرة إلى الحبشة. وهكذا يتضح أن القول بأن أبا بكر هو أول من أسلم لا يمكن إلا أن يكون من القول الجزاف، والدعوى الفارغة، ومن المختلقات التي افتعلت في وقت متأخر.


(1) الاستغاثة ج 2 ص 31. (*)

[ 331 ]

طريق جمع فاشل: وقال البعض: الاورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال (1). وهو كلام فارغ، بعد أن ثبتت أولية علي (عليه السلام) على كل احد. وقولهم: إنه أول من أسلم من الصبيان عجيب، وذلك لما يلي: 1 - إنه قد جاء عنه (عليه السلام)، وعن غيره القول: بأنه أول رجل أسلم (2)، مما يعني أنه كان حينئذ رجلا بالغا. وقد قلنا: إنه قد أسلم وعمره عشر سنوات أو إثنتا عشرة سنة ومن الواضح: أن الرجولية والبلوغ لا ينحصر بالسن، فإن عمرو بن العاص - كما يقولون - كان يكبر ولده عبد الله بإثنتي عشرة سنة فقط (3). والراشد بالله قد وطأ جارية وهو إبن تسع سنين، فحملت منه كما يدعون (4). كما أن ثمة اقوالا كثيرة في سن علي (عليه السلام) حين إسلامه، وقد رأينا الحافظ عبد الرزاق، وابن ابي شيبة، والكليني، والحسن البصري، والاسكافي وغيرهم كثير، يذكرون في سن علي رقما يتراوح ما بين 12 سنة إلى 16 سنة، وبعضهم يتجاوز ذلك ايضا، كما تقدم بيانه في


(1) السيرة الحلبية ج 1 ص 275، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 90 ونزهة المجالس ج 2 ص 147 والبداية والنهاية ج 3 ص 17 و 26 و 29. (2) وفي سيرة ابن اسحاق ص 138: أول الرجال اسلاما. وفي مصادر أخرى: أول أصحابي اسلاما: راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 268. (3) المعارف لابن قتيبة ص 125 ط دار احياء التراث العربي سنة 1390 ه‍. (4) السيرة الحلبية ج 1 ص 269. (*)

[ 332 ]

مبحث ولادته عليه السلام. 2 - قد ذكر غير واحد: ان البلوغ قد حدد بعد الهجرة، اي في غزوة الخندق، في قضية رد ابن عمر وقبوله في الغزو. اما قبل ذلك فقد كان المعتمد هو التمييز والادراك (1)، وعليه يدور مدار التكليف، والدعوة إلى الاسلام والايمان وعدمه. ولولا ان امير المؤمنين عليه السلام كان في مستوى الاسلام والايمان، لم يقدم النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) على دعوته إلى الاسلام، ثم قبوله منه. والا لكان ذلك سفها، ولا يمكن صدور السفه من الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). 3 - بل اننا نستطيع ان نستفيد من دعوته إلى الاسلام وهو صبي امتيازا له خاصا، يؤهله لان يكون هو الوصي له (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو ليس قد تكلم عيسى في المهد صبيا. ويحيى ايضا قد أوتي الحكم صبيا كما نص عليه القرآن ؟ 4 - وأيضا، لو كان الامر كما ذكروه، فلا يبقى معنى لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه: إنه أول من أسلم، أو: أولكم إسلاما، فإن معنى ذلك هو أن أوليته بالنسبة إلى النساء والرجال والعبيد والاحرار على حد سواء. 5 - وأخيرا، فإن هذا الورع المصطنع لم يوجد إلا عند هؤلاء المتأخرين، ولم نجد أحدا واجه احتجاج أمير المؤمنين والصحابة والتابعين بحجة من هذا القبيل، ولعله لم يكن لديهم ورع يبلغ ورع هؤلاء الغيارى على أبي بكر وعلى فضائله ! !.


(1) راجع إسعاف الراغبين بهامش نور الابصار ص 149 والسيرة الحلبية ج 1 ص 269. والكنز المدفون ص 256 / 257 عن البيهقي. (*)

[ 333 ]

هدف الورعين من الجمع بين الروايات. ونستطيع أن نرجح: أن هدف أولئك الورعين من هذا الجمع بين الروايات هو إظهار: أن إسلام غير علي (ع) كان أفضل من إسلامه، لان إسلام ذلك الغير كان عن تدبر وتعقل، ونظر وتبصر. أما أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقد كان إسلامه عن طيش وتقليد، كما هو شأن الصبيان كما ذكره الجاحظ (1). ولا نريد أن نفيض في الرد على هذه المزعمة، فإن إسلام علي (عليه السلام) كان عن تدبر وتعقل، وعن تفكير وتأمل وقد أسلم استنادا إلى فكره ورأيه، ولم يستشر حتى أباه رضوان الله تعالى عليه (2). وقد أجاب الاسكافي وإبن طاووس عن كلام الجاحظ بما فيه الكفاية، فليراجع (3). تنبيه وبالمناسبة فإن من الملاحظ: أن عمر بن الخطاب كان يعتبر البلوغ بالشبر، فمن بلغ ستة أشبار أجرى عليه الاحكام، ومن نقص عنها ولو أنملة تركه. وكذلك كان رأي إبن الزبير أيضا (4). وعلى ذلك جرى العباسيون من بعد، فقد أمر ابراهيم الامام


(1) راجع: العثمانية ص 6 و 7. (2) الفصول المختارة ص 227. (3) راجع شرح النهج للمعتزلي ج 13 حينما يورد كلام الاسكافي وراجع أيضا: بناء المقالة الفاطمية، الصفحات الاولى من الكتاب، والبحار ج 38 ص 286. (4) المصنف ج 10 ص 178 وعن خصوص عمر راجع: الغدير ج 6 ص 171 عن كنز العمال ج 3 ص 116 عن ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ومسدد، وابن المنذر في الاوسط. (*)

[ 334 ]

العباسي أبا مسلم الخرساني: أن يقتل في خراسان كل من يتهمه، إذا كان قد بلغ خمسة أشبار (1). ونحن لا نريد التعليق على هذا، ونكل ذلك إلى القارئ نفسه، ليحكم حسبما يقتضيه ضميره ووجد انه. مقارنة، وهدف: وجدير بالملاحظة هنا: أن البعض يذكر: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: (أدعوك إلى ترك (أو الكفر ب‍) اللات والعزى (2)). ونحن نجزم بعدم صحة هذا القول عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم يسبق لعلي (عليه السلام) إيمان بها، ليدعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تركها (3). كيف وقد تربى في حجر الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتلقى التوحيد، وكل المكارم والفضائل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم). ولنقارن بين هذا وبين ما يذكره البعض عن أبي بكر من أنه لم يسجد لصنم قط (4)، رغم أنه كان حين أسلم قد بلغ الاربعين أو تجاوزها ؟ ! فأبو بكر إذن قد ضارع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدم


(1) راجع حياة الامام الرضا للمؤلف ص 122 عن: الطبري ط ليدن ج 9 ص 1974 وج 10 ص 25، والكامل لابن الاثير ج 4 ص 295، والبداية والنهاية ج 10 ص 28 و 64 والامامة والسياسة ج 2 ص 114، والنزاع والتخاصم للمقريزي ص 45، والعقد الفريد ط دار الكتاب ج 4 ص 479، وشرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 267 وضحى الاسلام ج 1 ص 32. (2) السيرة الحلبية ج 1 ص 268، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 91. (3) الامتاع للمقريزي ص 16. (4) السيرة النبوية لدحلان ط دار المعرفة ج 1 ص 39 و 92. (*)

[ 335 ]

السجود للاصنام. ولكننا لا ندري لماذا ترك دين قومه ؟، وكيف لم يشتهر هذا الامر عنه، في زمن الصحابة والتابعين ؟ وبقي هكذا مخفيا إلى زمان متأخر جدا، حتى اكتشفه هؤلاء ؟ وكيف غفل عنه الصحابة ومنافسوه منهم، وغفل عنه هو نفسه وأنصاره يوم السقيفة، فلم يحتج ولا احتجوا به على استحقاقه للخلافة، رغم أنهم احتجوا بكبر سنه، وما شاكل ذلك، مما لا يجدي ولا يسمن ولا يغني من جوع ؟ !. في أسلم بدعاية أبي بكر: وبذكرون أن عددا من كبار الصحابة قد أسلموا على يد أبي بكر، واستجابة لدعوته، منهم: (طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة الجراح، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبو ذر، وعثمان بن عفان، وأبو سلمة بن عبد الاسد، والارقم بن أبي الارقم (1)). قال الجاحظ: (وقالت أسماء بنت أبي بكر: ما عرفت أبي إلا وهو يدين بالدين. ولقد رجع الينا يوم أسلم فدعانا إلى الاسلام، فما دمنا حتى أسلمنا، وأسلم أكثر جلسائه (2)). ولكن ذلك كله محل شك وريب وذلك للامور التالية:


(1) راجع: البداية والنهاية ج 3 ص 29، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 94 - والسيرة الحلبية ج 1 ص 276 وتهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 182، وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 78. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 270 وعثمانية الجاحظ ص 31. (*)

[ 336 ]

1 - إنه قد تقدم ما يدل على أن إسلام أبي بكر قد كان بعد الخروج من دار الارقم، وبعد اشتداد الامر بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقريش، وقيام أبي طالب دونه ينافح عنه ويكافح. وهؤلاء قد أسلم أكثرهم قبل ذلك، وذلك لانه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول قوله تعالى: (وانذر عشيرتك الاقربين) لم يكن مأمورا بدعوة أحد. بل كان من يسلم إنما يسلم باختياره. ثم أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بدعوة عشيرته، ثم أمر بإنذار أم القرى ومن حولها، حتى انتهى الامر بإنذار كافة الناس. ولكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أسلم معه من أسلم وخشي حصول بعض الصدامات لهم مع قريش اختار دار الارقم ليصلي أصحابه فيها، وبعد شهر اعلن بالامر، فلم تكن هناك سرية في دار الارقم بالمعنى الدقيق للكلمة. وأما الذين أسلموا قبل المواجهة مع قريش، فنذكر منهم: زيد بن حارثة الذي أسلم ثانيا، وفي نفس الوقت أسلم خالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن عبسة، وعتبة بن غزوان، ومصعب بن عمير (1) أما الارقم ابن أبي الارقم فكان سابعا (2)، وقصة إسلام أبي ذر معروفة، وكان إسلامه على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، وعلي هو الواسطة، وسيأتي ذلك بعد صفحات يسيرة. ومن الاولين أيضا: جعفر بن أبي طالب، وبلال، وخباب بن الارت، والزبير بن العوام، وكل هؤلاء اسلم قبل أبي بكر - على حد تعبير الاسكافي في نقض العثمانية (3)، ويرى المقدسي: أن الزبير أسلم رابعا،


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 232 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 264 وغير ذلك. (2) الاصابة، ترجمة الارقم ج 1 ص 28. (3) شرح النهج ج 13 ص 224، والعثمانية في أواخرها حيت ينقل كلام الاسكافي ص 286 والغدير ج 3 ص 241. (*)

[ 337 ]

أو خامسا. 2 - وعدا عما تقدم، فان ابا اليقظان خالد بن سعيد بن العاص، كان هو نفسه يزعم: أنه أسلم قبل أبي بكر (1) وعليه فلا يصغى لما حكاه البيهقي من أنه رأى في منامه النار، ثم لقي أبا بكر فأخذه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاسلم (2) فان أبا اليقظان نفسه يكذب ذلك وينكره. وهو أعرف بنفسه من كل أحد. وأما عثمان فقد اشترط لاسلامه أن يزوجه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رقية، ففعل، فأسلم (3) فأين هي دعوة أبي بكر له، والحالة هذه ؟ !. ويروي المدائني عن عمر بن عثمان: أن عثمان قال: إنه دخل على خالته أروى بنت عبد المطلب يعودها، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعل ينظر إليه، وقد ظهر من شأنه يومئذ شئ، فجرى له معه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حديث، وقرأ عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعض الايات، ثم قام (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج. قال عثمان: فخرجت خلفه فأدركته، وأسلمت (4). فإذا أخذنا بهذه الرواية ايضا لم يكن لابي بكر في اسلام عثمان يد ولا نصيب. وأما سعد بن أبي وقاص ف‍ (كان سبب اسلامه: أنه رأى في المنام قال: كأني في ظلام، فأضاء قمر، فاتبعته، فإذا أنا بزيد وعلى قد سبقاني


(1) البدء والتاريخ ج 5 ص 96. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 248، والبداية والنهاية ج 3 ص 32 وطبقات ابن سعد ج 4 ص 67 / 68 والاستيعاب ج 1 ص 401 / 442 والاصابة ج 1 ص 406 ومع ذلك فإن الرواية لا تدل على أنه أسلم بدعوة أبي بكر بل هي في ضد ذلك أظهر. (3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 22. (4) الاستيعاب ج 4 ص 225. (*)

[ 338 ]

إليه، وروي: فإذا أنا بزيد وأبي بكر، قال: ثم بلغني: أن رسول الله يدعو إلى الاسلام مستخفيا، فلقيته بأجياد، فأسلمت، ورجعت إلى أمي إلخ (1)). وعن اسلام طلحة يقولون: انه كان في بصرى، فسمع خبر خروج نبي اسمه أحمد في ذلك الشهر من راهب، فلما قدم مكة سمع الناس يقولون: تنبى محمد بن عبد الله، فأتى إلى أبي بكر، فسأله فأخبره، ثم أدخله على رسول الله فاسلم، فأخذهما نوفل بن خويلد وقرنهما بحبل، فسميا القرينين (2). ولكن هذه الرواية كما ترى، لا تدل على أنه اسلم بدعوة ابي بكر إياه، بل هي في خلاف ذلك أظهر كما هو واضح، كما أنهم يذكرون رواية أخرى مفادها: أن طلحة ذهب بنفسه إلى رسول الله فأسلم (3). وأما أن أبا بكر وطلحة قد سميا القرينين فسيأتي أنه لا يصح أيضا، وذلك ضعف آخر في هذه الرواية. بل لقد كذب علي (عليه السلام) أن يكون أحد من قريش قد عذب كما سنرى فكيف يكون طلحة وابو بكر قد عذبا، وقرن احدهما الى الاخر ؟ ! 3 - يقول الاسكافي هنا ما ملخصه: إن أبا بكر قد عجز عن إدخال أبيه، مع أنه معه في بيت واحد، وابنه الوحيد عبد الرحمن في الاسلام، وبقيا على شركهما إلى عام الفتح، وكذا الحال في أخته أم فروة، وزوجته نملة - أو قتيلة - بنت عبد العزى، التي فارقها حين نزل قوله تعالى: ولا


(1) البدء والتاريخ ج 5 ص 84 / 85. (2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 369، والبدء والتاريخ ج 5 ص 82 والبداية والنهاية ج 3 ص 29 ودلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 419. (3) البدء والتاريخ ج 5 ص 82. (*)

[ 339 ]

تمسكوا بعصم الكوافر، بعد الهجرة بعدة سنين. ويمضي الاسكافي هنا فيقول: كيف استطاع أبو بكر أن يهيمن على سعد، والزبير، وطلحة، و عبد الرحمن وغيرهم وهم ليسوا من أترابه، ولا من جلسائه، ولا كان له معهم صداقة أو مودة، ولم يستطع أن يقنع عتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما من جلسائه، بل واكبر منه سنا، ويأنسان إلى حديثه وطرائفه - كما يزعم أنصاره - ؟ ! وماله لم يدخل جبير بن مطعم في الاسلام، وهو الذي أدبه وعلمه، وعرفه أنساب العرب، وقريش وطرائفها وأخبارها كما يدعون ؟ !. وكيف لم يقبل منه عمر بن الخطاب الدخول في الاسلام في تلك الفترة، وكان صديقه وأقرب الناس شبها به، وبحالاته. ولئن رجعتم إلى الانصاف لتعلمن بأن اسلام هؤلاء لم يكن إلا بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى يديه (1). 4 - وأما ما تقدم نقله عن اسماء، فهو يقتضي أن تكون اسماء وأهل بيت أبي بكر أسبق الناس إلى الاسلام، وقد عد ابن هشام ممن اسلم في الفترة الاولى من الدعوة بحيث يعد من السابقين الاول اسماء وعائشة ابنتي أبي بكر (2)، وعند النووي وغيره: أن عائشة قد اسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا وأختها أسماء أسلمت بعد سبعة عشر (3).


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 271 عن الاسكافي. ولا يرد على الاسكافي بأمراة نوح وولده، حيث لم يكونا مؤمنين، فإن الاسكافي يريد أن يقول: إن المستفاد من القرائن العامة هو أن أبا بكر لم يكن يملك المؤهلات والكفاءات التي تعطيه القدرة على أن يقنع أحدا بالدخول في الاسلام. (2) سيرة ابن هشام ج 1 ص 271. (3) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 329 و 351 عن ابن ابي خيثمة في تاريخه عن ابن اسحاق، والاصابة ج 4 ص 229 بالنسبة لاسماء فقط. (*)

[ 340 ]

ولكن قد فات هؤلاء: أن كل ما تقدم يكذب هذا الذي ذكروه هنا. أضف إلى ذلك: أن عمر اسماء كان حين البعثة أربع سنين على أبعد التقادير. أما عمر عائشة فنحن نقول: إنها أيضا كان عمرها قريبا من هذا (1). ولكن نفس اولئك يقولون: إنها قد ولدت بعد البعثة بخمس سنين (2)، فكيف تكونان قد اسلمتا بعد ثمانية عشر انسانا ؟ مع أن الفترة السرية أو فقل الدعوة الاختيارية، وعدم الاعلان، قد انتهت باسلام اربعين ؟ ! وأما جلساؤه وأهل بيته فقد تكلمنا عنهم، ولم يبق الا ولده محمد، وهو إنما ولد بعد مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاث وعشرين سنة، أي قبل وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) بقليل. سر التأكيد على دور أبي بكر: وأما سر التأكيد على دور أبي بكر فقد أوضحه لنا الجاحظ، حين قال: (ولذلك قالوا: إن من اسلم بدعاء أبي بكر اكثر ممن اسلموا بالسيف. ولم يذهبوا في ذلك إلى العدد، بل عنوا الكثرة في القدر، لانه اسلم على يديه خمسة من أهل الشورى، كلهم يصلح للخلافة، وهم اكفاء علي (عليه السلام) ومنازعوه في الرياسة والامامة، فهؤلاء اكثر من جميع الناس (3)). نعم يا جاحظ: لقد تجاوز أبو بكر كل التوقعات، حتى لقد بز النبي نفسه، ولم يستطع وهو الرسول الاعظم أن يجاريه في تلك الفضائل


(1) وعد المقدسي عائشة مع الذين أسلموا في السنوات الاولى من البعثة في الفترة السرية قبل أن يدخل (ص) دار الارقم وقال: انها كانت صغيرة فراجع البدء والتاريخ ج 4 ص 146. (2) سيأتي بعض الكلام في ذلك، في فصل: حتى بيعة العقبة. (3) العثمانية للجاحظ ص 31 / 32 وشرح النهج ج 13 ص 270 / 271. (*)

[ 341 ]

المجعولة - كما قدمنا - ولا ندري لماذا غلط جبرئيل ونزل عليه دونه !. وحسبنا هنا ما ذكرناه حول هذا الموضوع، فان استقصاء الكلام فيه يحتاج إلى جهد مضن ووقت طويل. هل عمير بن أبي وقاص في السابقين ؟ ! ويذكر ابن هشام هنا: أن عمير بن أبي وقاص كان من جملة السابقين إلى الاسلام (1). ولكن ذلك لا يصح، لانهم يقولون: إن عميرا قد قتل في بدر، وله ستة عشر عاما. فيكون عمره حين البعثة سنة واحدة (2)، فكيف يكون من السابقين إذن ؟ !. اسلام أبي قحافة: وفي رواية: أنه لما نبى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم (، وهو ابن أربعين سنة، صدقه أبو بكر وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة، فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة، قال: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي (3)). واستجاب الله له فاسلم والداه وأولاده كلهم. ولكن هذه الرواية لا تصح، وذلك.


(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 272. (2) تهذيب الاسماء واللغات ج 2 ص 39 والاصابة ج 3 ص 36. (3) فتح القدير ج 5 ص 118 والغدير ج 7 ص 327 عنه وعن الكشاف ج 3 ص 99، وتفسير القرطبي ج 2 ص 193 / 194 والرياض النضرة ج 1 ص 47، ومرقاذ الاصول ص 121، وتفسير الخازن ج 4 ص 132، وتفسير النسفي بهامشه ج 4 ص 132. (*)

[ 342 ]

أولا: لما تقدم من أن أبا بكر إنما اسلم بعد عدة سنوات من البعثة. وكان عمره حينئذ حوالي خمس وأربعين سنة. وثانيا: إن أبا قحافة إنما اسلم سنة ثمان عام الفتح (1) وأم أبي بكر أسلمت - كما قالوا - سنة ست من البعثة (2)، وأولاد أبي بكر حالهم معلوم، حتى إن احدهم قد طلب مبارزة أبيه - أبي بكر - يوم أحد أو بدر، كما سيأتي، فكيف يقول: انه قد أنعم الله عليه وعلى والديه بعد النبوة بسنتين، ويطلب من الله أن يوفقه لشكر هذه النعمة ؟ !. وثالثا: إن الاية المذكورة هي التي في سورة الاحقاف رقم 15، لانها هي التي ذكرت الاربعين سنة، دون الاية التي في سورة النمل رقم 19. وعلى هذا نقول: الاحقاف قد نزلت في المدينة، لا في مكة. واسلام ابي بكر كان في مكة قبل عدة سنوات. الدعوة في مراحلها، التي اجتازتها: ويرى البعض: أن الدعوة قد مرت بمراحل أربع: الاولى: المرحلة السرية، واستمرت ثلاث أو خمس سنوات. الثانية: الاعلان بالدعوة إلى الله بالقول فقط، دون اللجوء إلى العنف، واستمرت حتى الهجرة. الثالثة: مرحلة الدفاع عن الدعوة بالسيف. واستمرت إلى صلح الحديبية.


(1) أسد الغابة ج 5 ص 275 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 162 وقاموس الرجال ج 10 ص 166 عن المعارف لابن قتيبة. (2) راجع الغدير ج 7 ص 324. (*)

[ 343 ]

الرابعة: قتال كل من وقف في سبيل الاسلام، من الوثنيين والمشركين، وغيرهم، وهو ما استقر عليه أمر الدعوة وحكم الجهاد (1). المرحلة السرية: ولكننا لا نوافق على إستعمال مصطلح (الفترة السرية) هنا إذ أن الظاهر هو أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن حينما بعث مأمورا بدعوة عموم الناس كما قدمنا، ولكنه كان يعرض هذا الدين بصورة طوعية وعفوية، وبدون أن يوجه الانظار إلى ذلك. فكان هناك أفراد يسلمون تباعا. وقد كان هذا الاسلوب في تلك الفترة ضروريا من أجل الحفاظ على مستقبل الدعوة، حتى لا تتعرض لعمل مسلح يقضي عليها في مهدها، حيث لابد من إيجاد ثلة من المؤمنين، ومن مختلف القبائل يحملون هذه العقيدة ويدافعون عنها، حتى لا يبقى مجال لتصفيتهم السريعة والحاسمة من قبل أعدائهم الاشرار. كما أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن لا تهدر الطاقات، وتذهب الجهود سدى، وينتهي الامر إلى تمزق، وتوزع في الثلة المؤمنة، ثم إلى ضياع مدمر. وأيضا، فقد كانت هذه الفترة بمثابة إعداد نفسي، وتربية عقيدية وروحية لتلك الصفوة المؤمنة بربها، وبرسالة نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، تمكنهم من الصمود في وجه التحديات التي تنتظرهم. وإذا كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد: أن يقود عملية تغيير شاملة، فلا بد له من إتاحة الفرصة لتهيئة وإعداد القوى، التي تستطيع أن تحقق هدفا كبيرا كهذا، وتتمكن من الحفاظ والاحتفاظ بالوجود الفعال


(1) فقه السيرة للبوطي ص 91. (*)

[ 344 ]

والمؤثر في بقاء ذلك الهدف. دخول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دار الارقم: قال المؤرخون: ولما صار عدد المسلمين ثلاثين رجلا - كما قيل - وصار بعض المسلمين يخرجون إلى الشعاب والجبال خارج مكة لاداء الفرائض، وإقامة الشعائر، وصار بعض المشركين يترصدونهم، ويتعمدون إيذائهم، وحصلت صدامات فردية لهم معهم، ومنها أنه كما يقولون: خرج جماعة من المسلمين إلى شعاب مكة للصلاة، فظهر عليهم نفر من قريش كانوا يرصدونهم، ويتبعون آثارهم، وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد ابن أبي وقاص - والعهدة على الراوي - يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير، فشجه، فكان أول دم اهريق في الاسلام (1). ولكن قد قال الزبير (أي إبن بكار): وطليب أول من دمى مشركا في الاسلام، بسبب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه سمع عوف بن صبرة السهمى يشتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذ له لحى جمل، فضربه فشجه الخ (2). ومرة أخرى تعقب مشركان مسلمين، خرجا للصلاة في أحد الشعاب، فباطشاهما (3). فهذه الحوادث الجزئية - على ما يظهر - قد دفعت بالنبي (صلى الله


(1) تاريخ الطبري ج 2 ص 62 وسيرة ابن هشام ج 1 ص 282، والبداية والنهاية ج 3 ص 37، والسيرة الحلبية ج 1 ص 283، والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99. (2) الاصابة ج 2 ص 233. (3) أنساب الاشراف للبلاذري ج 1 ص 117. (*)

[ 345 ]

عليه وآله وسلم) إلى اختيار دار الارقم (1)، الواقعة على الصفا ليجعلها مركزا لدعوته، ومحلا لاجتماع أصحابه به، ثم الابتعاد عن أنظار المشركين في عبادتهم وشعائرهم، بدلا من الخروج إلى الشعاب من أجل الصلاة. فكانت هذه الدار هي مركز حركته ونشاطاته وبقى فيها شهرا (2) ولم يخرج منها حتى تكامل المسلمون أربعين رجلا كما قيل (3). وقيل: أكثر. وقيل: أقل. وحينئذ خرج (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلن دعوته، وليبدأ مرحلة جديدة هي أصعب مرحلة، وأخطرها، وأكثر عنفا، وأشد بلاء. هذا، ولكن بعض المحققين (4)، يحتمل أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل دار الارقم مرة أو مرات، ولكن يد السياسة قد طورت هذا الامر، لتكون دار الارقم في مقابل شعب أبي طالب، بل يدعون: أنها دعيت دار الاسلام (5). لكننا في المقابل لا نرى أن دار الارقم كانت لها هذه الاهمية، ولا هذا الدور، ولذلك تجد ابن اسحاق وهو من نعرف - لا يشير إلى دار الارقم لا من قريب ولا من بعيد - كما أن البلاذري يذكرها بصورة عابرة، دون أية أهمية.


(1) أسلم سابع سبعة، أو بعد عشرة كما في الاصابة ج 1 ص 28 والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 107. (2) وقيل: أربع سنين. راجع السيرة الحلبية ج 1 ص 283 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99. (3) الاصابة ج 1 ص 28 والسيرة الحلبية ج 1 ص 285 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 99 والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 108. (4) هو العلامة السيد مهدي الروحاني حفظه الله. (5) التراتيب الادارية ج 1 ص 408. (*)

[ 346 ]

والذي يهتم بدار الارقم ويبرزها على انها مفصل تاريخي هو الواقدي بالدرجة الاولى. فلعل المسلمين ترددوا على هذه الدار مرات، فعظمت السياسة ذلك وطورته، حتى دعيت هذه الدار دار الاسلام، للتعتيم على شعب أبي طالب حسبما تقدم، وذلك عن منطق السياسة الذي عرفناه وألفناه غير بعيد. قريش لا تهتم لمرحلة ما قبل الاعلان: كان المشركون قد عرفوا بتنبؤ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أول الامر، ولكنهم لم يهتموا كثيرا بالامر - بادئ ذي بدء - ربما لانهم اعتبروا أن القضية ليست بذات أهمية كبيرة، إلا من وجهة قبلية بالدرجة الاولى، ولكنهم ظلوا يتنسمون الاخبار، ويستطلعونها وكانوا يقولون: ان، فتى عبد المطلب ليكلم من السماء. اسلام ابي ذر رحمه الله:. وفي هذه الفترة كان اسلام ابي ذر (رحمه الله) الذي كان رابع، أو خامس من اسلم (1)، حيث انه سمع بمبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فارسل اخاه ليستقصي له الخبر، فرجع إليه، ولم يشف له غليلا. فذهب هو بنفسه إلى مكة، فكره ان يسأل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علانية ورآه علي (عليه السلام) مضطجعا في ناحية المسجد


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 458، طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 164، وحلية الاولياء ج 1 ص 157. ومستدرك الحاكم ج 3 ص 342، والاستيعاب هامش الاصابة ج 1 ص 313، والاصابة ج 4 ص 63، وأسد الغابة ج 5 ص 186، والغدير ج 8 ص 308 - 309 عن بعض من تقدم وعن شرح الجامع الصغير للمناوي ج 5 ص 423. (*)

[ 347 ]

الحرام، فعرف انه غريب، فاستضافه ثلاثة ايام لا يسأله عن شئ، ثم سأله أبو ذر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاخذه إليه بصورة سرية، حيث امره ان يتبعه، فان رأى ما يخاف منه عطف كأنه يريد أن يقضي حاجة، أو يصلح نعله. وبعد ان أسلم أبو ذر خرج إلى المسجد الحرام، فنادى باعلى صوته: أشهد ان لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله، فقام إليه المشركون فضربوه حتى اضجعوه، فاتى العباس، فاكب عليه، وقال: ويحكم، الستم تعلمون: أنه من غفار، وان طريق تجارتكم إلى الشام، فتركوه، ولكنه عاد في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، فخلصه العباس (1). وثمة نصوص اخرى لا مجال لذكرها هنا. ولما ضرب أبو ذر جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله، اما قريش فلا ادعهم حتى أثأر منهم، ضربوني. فخرج حتى اقام بعسفان، وكلما اقبلت عير لقريش، يحملون الطعام، ينفر بهم على ثنية غزال، فتلقي احمالها، فجمعوا الحنط، ويقول ابو ذر لقومه: لا يمس احد حبة حتى تقولوا: لا إله إلا الله. فيقولون: لا إله إلا اللة، ويأخذون الغرائر (2). وحسب نص آخر: كان ابو ذر رجلا شجاعا يتفرد وحده بقطع الطريق، ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه، أو على


(1) هذا ملخص ما في البخاري ج 2 ص 206 - 207 ط سنة 1309. والبداية والنهاية ج 3 ص 34، وحلية الاولياء ج 1 ص 159، ومستدرك الحاكم ج 3 ص 339، والغدير ج 8 ص 309 - 310 عن بعض من تقدم وصحيح مسلم ج 7 ص 156 والاستيعاب هامش الاصابة ج 4 ص 63 دلائل النبوة لابي نعيم ج 2 ص 86، وطبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 161 - 162 و 164 - 165 والاصابة ج 4 ص 63. (2) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 164. (*)

[ 348 ]

قدميه كانه السبع... إلى أن قال: (فكان يعترض لعيرات قريش، فيقطعها، فيقول: لا أرد اليكم منها شيئا، حتى تشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله: فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله، ومضى بدر، وأحد، ثم قدم فأقام بالمدينة (1)). واسلم على يده نصف قبيلته غفار، ووعده الباقون بأن يسلموا إذا قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة (2). وكان أبو ذر يتأله في الجاهلية، ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الاصنام، ويقال: إنه صلى قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة سنوات (3). ما يستفاد في حديث اسلام أبي ذر: أولا: إن عدم عبادة أبي ذر للاصنام، ليس إلا من أجل منافرتها لحكم العقل، وللفطرة السليمة، حين لا تطغى على الانسان أي من العوامل الخارجية التي تجعل على قلبه وبصره غشاوة. ويلاحظ: أن القرآن ما زاد في مقاومته لعبادة الاصنام، والتوجيه إلى الله تعالى على أن نبه العقل، وأثاره، وارشد إلى ما تقتضيه الفطرة السليمة في هذا المجال. وكل من يستعرض الايات القرآنية يرى كيف أن القرآن يهتم في الارجاع إلى الفطرة، وحكم العقل، ويعتبر أن، لهما وحدهما الحق في الحكم في هذا المجال. وثانيا: إن اسلوب علي (عليه السلام) في المحافظة على عنصر


(1) و (2) طبقات ابن سعد ج 4 قسم 1 ص 163، وراجع تاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 100. (3) طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 163. ولا بأس بمراجعة ما كتبناه حول أبي ذر في مقال لنا في كتاب: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام. وحلية الاولياء ج 1 ص 157. (*)

[ 349 ]

السرية، حتى لا يلتفت المشركون إلى طبيعة تحركاته وأهدافه، واسلوبه في ايصاله أبا ذر إلى الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو لم يبلغ الحلم بعد - إن دل على شئ، فانما يدل على دراية وروية، وتبصر وتدبر بالامور، مما يؤكد امتيازه عليه السلام على غيره، ممن عاش ومارس الامور. كما أن اتكال ابي ذر رجل الحكمة والتبصر على دعوة علي (صلى الله عليه وآله وسلم) له، واستجابته لدعوته ونزوله ضيفا عليه، يدل على أنه كان يرى في علي من الحكمة والروية ما لا يراه في غيره. مهما كان فارق السن بينه وبين ذلك الغير كبيرا. ولقد كان (عليه السلام) يهدف الى الحفاظ على أبي ذر من جهة، وعلى ان لا يلفت نظر المشركين الى أنه يقوم بنشاط من أجل إدخال الناس في هذا الدين الجديد من جهة اخرى. وهذا الثاني هو الاهم بالنسبة إليه. فانه لا يمكن أن يتخلى عن الدعوة في سبيل الشخص، ولكن الشخص هو الذي يضحي بنفسه وبكل ما لديه في سبيل الحفاظ على الدعوة وبقائها. ولكن هذه التضحية لابد أن تكون في وقت الحاجة إليها، وحين يكون لابد منها ولا غنى عنها. وإلا فلربما يكون ضررها اكثر من نفعها، أو على الاقل يكون هدرا لطاقات، واتلافا لقدرات ربما تكون الدعوة في يوم ما بامس الحاجة إليها. ثالثا: ما فعلته قريش بأبي ذر لم يكن بسبب أن المواجهة كانت قد وقعت بينها وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فان هذه المواجهة لم تكن حصلت حينئذ، وإنما رأت في تصرف أبي ذر هذا تحديا لها، واعتداء على شرفها، وكبريائها، ولا يقصد منه إلا تحقيرها وإذلالها، من دون مبرر ظاهر تراه وتتعقله لتصرف كهذا سواه. ولعلها أرادت من بطشها بهذا الرجل الغريب والوحيد ردع الاخرين، وارهابهم، ومنعهم من الاقبال على الدخول في الاسلام، أو من التظاهر به.

[ 350 ]

رابعا: انتقام أبي ذر من قريش على ذلك النحو قد أثر فيها نفسيا، وروحيا إلى حد بعيد، وعرفها: أنها لا يمكن أن تتعامل مع الاخرين، كما يحلو لها، وعلى حسب ما تشتهي، لان الاخرين يملكون من الوسائل الفعالة للضغط عليها مالا تجد معه حيلة، ولا تستطيع سبيلا. خامسا: إن نجاح أبي ذر في دعوته قومه من قبيلتي غفار وأسلم، حتى إنه يستغل تشوقهم للحصول على غرائر الحنطة لطرح الخيار النهائي عليهم - إن نجاحه هذا - ليدل على أنه كان بعيد الهمة والنظر عاقلا لبيبا أريبا، يدرك أهداف الرسالة السماوية الحقة التي اعتنقها خير إدراك، ويدرك واجباته تجاهها، ثم هو ينفذ مهمته، ويقوم بواجباته على النحو الاكمل والامثل. سادسا: إن محاولات أبي ذر الجادة للتعرف على صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعواه، وارساله أخاه أولا، ثم ذهابه هو بنفسه، وبقاؤه ثلاثة أيام يبحث عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنما كانت بدافع ذاتي ينبع من داخله، يدفعه إلى البحث عن الحق، والعمل من أجله، وفي سبيله. وهذا يؤيد القول بأن العقل هو الذي يحكم ويدفع إلى تعلم ما ينفع، وما يضر، للالتزام بذاك، والابتعاد عن هذا. بل هو امر فطري مغروس في فطرة الانسان وطبيعته وسجيته، حتى انك تجد الطفل الذي يحس بألم النار ليس فقط لا يحاول بعد ذلك الاقتراب منها، وانما هو يجهد بكل ما أوتي من قوة وحول في الابتعاد عنها. سابعا: ان موقف علي (عليه السلام) من أبي ذر ليعكس لنا: أن هذا الشاب الذي ربما لم يكن قد بلغ الحلم آنذاك، لانه إنما أسلم وعمره عشر أو اثنا عشرة سنة - إن هذا الشاب - الناشئ كان يعتز بنفسه، ويثق بها، فيدعو أبا ذر ليكون ضيفه ثلاثة أيام، ثم هو يساعده على الوصول إلى (*)

[ 351 ]

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكل ذكي وحذر. ثم هو يتركه ثلاثة أيام لا يسأله عن أمره حتى لا يشعر هذا الضيف بأن مضيفه ربما يكون قد ضاق به ذرعا، أو مل وجوده، وليكون قد أتاح له الفرصة ليستأنس في هذا البلد الذي يراه غريبا عليه، ويألفه، ويرتاح إليه نفسيا، كما ارتاح جسديا، وليكون أنفذ بصيرة، واكثر اطمينانا في بيان حاجته التي جاء من أجلها. وثامنا: ان جهر أبي ذر باسلامه، وتعريضه نفسه للضرب والاهانة من قبل المشركين، إنما يعكس لنا مدى اعتزاز أبي ذر باسلامه هذا، ومدى استعداده للتضحية في سبيله. ثم هو يعكس مدى حنق قريش ورعونتها في مواجهة الدعوة إلى الله تعالى، حتى إنها تنسى: أن من تبطش به ربما يكون في المستقبل سببا في عرقلة تجاراتها إلى الشام، ومضايقتها اقتصاديا. نعم، تنسى ذلك، وتهجم عليه لتضربه، ثم ترتد عنه البلد الذي يراه غريبا عليه، ويألفه، ويرتاح إليه نفسيا، كما ارتاح جسديا، وليكون أنفذ بصيرة، واكثر اطمينانا في بيان حاجته التي جاء من أجلها. وثامنا: ان جهر أبي ذر باسلامه، وتعريضه نفسه للضرب والاهانة من قبل المشركين، إنما يعكس لنا مدى اعتزاز أبي ذر باسلامه هذا، ومدى استعداده للتضحية في سبيله. ثم هو يعكس مدى حنق قريش ورعونتها في مواجهة الدعوة إلى الله تعالى، حتى إنها تنسى: أن من تبطش به ربما يكون في المستقبل سببا في عرقلة تجاراتها إلى الشام، ومضايقتها اقتصاديا. نعم، تنسى ذلك، وتهجم عليه لتضربه، ثم ترتد عنه لا بدافع انسافي، ولا عن قناعة فكرية، وإنما لدوافع اقتصادية دنيوية، تعكس أنانيتها، ومستوى تفكيرها أولا وأخيرا. ولا شئ أخطر على الانسان من الانانية التي ربما تضع على عينيه غشاوة، فلا يبصر الحق الابلج، ولا يهتدي سواء السبيل. وتاسعا: لعل أبا ذر قد اراد كسر شوكة اعداء الاسلام، وفتح ثغرة في هذا الجبروت. ثم كسر حاجز الخوف لدى المسلمين، ليتشجعوا على مواجهة الاخطار، وضرب المثل الحي لهم في مجال التضحية من اجل الدين والحق، كما أن ذلك لسوف يؤثر على من يميلون الى هذا الدين ويتعاطفون مع المسلمين، ويثير إعجابهم بصورة كبيرة. وأخيرا، فلسوف نرى: أن ثمة محاولات لنسبة موقف أبي ذر الشجاع والجرئ، والفذ هذا تجاه قريش إلى غيره من الصحابة، كابي بكر تارة، وعمر أخرى. ولكن كل ذلك لا يمكن أن يصح، كما سنذكره حين الحديث عن إسلام عمر، وهجرة ابي بكر.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية