الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج 1

الصحيح من السيرة

السيد جعفر مرتضى ج 1


[ 1 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص)

[ 3 ]

الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) (مدخل لدراسة السيرة والتاريخ) العلامة المحقق السيد جعفر مرتضي العاملي الجزء الاول

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الرابعة 1995 م 1415 ه‍ دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع تلفون وفاكس: 834265 - 317425 - تلكس: 20777 - 79522 - mcs بلاغ - ص ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان. دار السيرة - بيروت لبنان - ص. ب: 49 / 25

[ 5 ]

تقديم الكتاب في طبعته الرابعة: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهر بن، ونبرأ من أعداثهم ومخالفيهم إلى يوم الدين. وبعد.. فهذه هي الطبعة الرابعة لكتاب: " الصحيح من سيرة النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم. نقدمها إلى القراء الكرام، بعد بدء صدور هذا الكتاب بحوالي ثلاثة عشر عاما خلت. وتمتاز هذه الطبعة عن سابقتيها بأمور أساسية ثلاثة، هي التالية: 1 - إن هذه الطبعة تأتي بعد حصول هذا الكتاب على جائزة الجمهورية الاسلامية في إيران لعام 1413 ه‍. ق. باعتباره الكتاب الاول في مجال كتابة السيرة النبوية المباركة. وطبيعي ان يثير هذا الامر شعورا لدى الكثيرين بضرورة نشر هذا الكتاب بصورة أتم وأفضل، وعلى نطاق أوسع وأشمل. كما أنه يمنحهم مبررا لتأكيد إصرارهم على مؤلفه لمتابعة جهوده

[ 6 ]

التحقيقية، في نطاق السيرة النبوية المباركة، لسد الفراغ الموجود في هذا المجال. ثم هو يذكي شعورا لدى مؤلفه، بأن جهده الذي يبذله لن يكون بدون جدوى، بل ربما يكون ضروريا ولازما، الامر الذي يمنحه فرصة للتفكير في الرجوع عن قراره السابق بعدم الاستمرار في كتابة فصول هذا الكتاب، بسبب ما يواجهه من صعوبات، وما يتحمله من مشاق في هذا السبيل. 2 - إن هذه الطبعة تمتاز عن سابقتيها بأنها قد جاءت أكثر دقة وصفاء، وصحة ونقاء منهما، حيث قد أعيد النظر في كثير من النقاط التي كان هذا الكتاب قد أثارها. وحصلت فيها تصحيحات وإضافات، وتغييرات كثيرة، إما تأييدا وتأكيدا، أو تنقيحا وتصحيحا. كما وحصلت إضافات كثيرة في هوامش الكتاب، بالاضافة إلى بعض التصحيحات فيها. وقد كانت هذه التغييرات والاضافات من الكثرة، بحيث أصبحت أجزاء الكتاب ئمانية بعد أن كانت ستة أجزاء. 3 - لقد أعدنا النظر في تمهيد الكتاب، وتوسعنا في مطالبه، إلى حد أنها أصبحت تشكل واحدا من أجزاء الكتاب المستقلة، فاعتبرناه مدخلا لدراسة السيرة النبوية المباركة، وكان هو أول أجزائها في هذه الطبعة، وأصبح الجزء الاول هو الثاني والثاني هو الثالث، وهكذا. ولم نكن لنصنع ذلك لولا أننا رأينا: أن من المهم جدا تعريف القارئ والباحث على قضايا وسياسات كانت ولا تزال تخفى تارة وتظهر أخرى، ولم تستطع حتى الان أن تحتل مكانتها الحقيقية في التكوين الفكري في المجال الثقافي العام.

[ 7 ]

وفي الختام أقول: لقد كنت أتمنى لو تسنح لي الفرصة لاعادة كتابة هذا الكتاب، وصياغته من جديد، لاصلاح تعابيره وتراكيبه، وإعادة النظر في تبويبه وترتيبه وقد تنشأ عن ذلك إضافات كثيرة، وتصحيحات هنا وهناك كبيرة أو صغيرة. ولكن الفرصة - للاسف - كانط ولا تزال محدودة، بل هي مفقودة من الاساس. حتى إنني لا ابعد إذا قلت بمرارة: أن معظم ما أكتبه يقدم إلى الطبع وهو في مسودته الاولى، فلا غرو إذا ظهر فيه أحيانا أغلاط كثيرة، وفجوات كبيرة. ولكننا عملا بقاعدة: " ما لا يدرك كله، لا يترك كله " نقبل بتحمل وزر ذلك على أمل أن يأتي الاخرون، ويقوموا بدورهم في تنقيح هذه البحوث، والتوسع فيها، وعرضها بالشكل اللائق والمقبول. فها أنا أقدم هذا الكتاب إلى القراء الكرام بانتظار توفر الوقت، وصحة العزم، وبذل الجهد في التنقيح والتصحيح، أو إكمال الطريق، رغم ما فيها من م شواك وأدغال، ومن مصاعب ومشقات وأهوال. وفي الختام. نسأل الله سبحانه أن ينفع بما كتبت، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، ومنه تعالى نستمد العون والقوة، ونسأله التأييد والتسديد. والحمد لله، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين. 22 / 2 / 1414 ه‍. ق. جعفر مرتضى الحسيني العاملي

[ 9 ]

تقديم (1): بداية: إن حياة المجتمعات ليست أحداثا متباينة ومنفصلة عن بعضها البعض، وإنما هي استمرار يضع الماضي كل ما حصل عليه من عمله الدائب، وجهاده المستمر في صميم هذا الحاضر، ليستمد منه الكثير من عناصر قوته، وحركته، ووسائل تطوره، ثم تقدمه بخطى ثابتة ومطمئنة نحو المستقبل الذي يطمح له، ويصبو إليه. فمن الطبيعي إذن، أن نجد لكثير من الاحداث التاريخية، حتى تلك التي توغلت في أعماق التاريخ، حتى لا يكاد يظهر لنا منها شئ، آثارا بارزة حتى في واقع حياتنا اليومية الحاضرة، فتظهر آثارها في حياة الشعوب، وفي تصرفاتها، بل وفي مفاهيمها وعواطفها، فضلا عن تأثيرها على الحالة الدينية، والادبية، والعلمية، والسياسية والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وغير ذلك.


(1) هذا التقديم عبارة عن ملامح عن تقديم كتابنا: الحياة السياسية للامام الرضا " عليه السلام "، ونوردها هنا لصلتها المباشرة بموضوع بحثنا هذا، وحتى لا نضطر لاحالة القارئ عل ذلك الكتاب. (*)

[ 10 ]

وإن كان تأثير هذه الاحداث يختلف شمولا وعمهتا من أمة لاخرى، ومن شعب لاخر أيضا. مهمة التاريخ: أما مهمة التاريخ، فهي أن يعكس بدقة وأمانة حياة الامة في الماضي، وما مرت به من أوضاع وأحوال، وما تعرضت له من هزات فكرية، وأزمات اقتصادية، واجتماعية وغيرها. وهذا ما يؤكد أهمية التاريخ، ويبرز مدى تأثيره في الحياة، ويعرفنا سر اهتمام الامم على اختلافها به تدوينا، ودرسا، وبحثا، وتمحيصا، وتعليلا. فهي تريد أن تتعرف من خلال ذلك على بعض الملامح الخفية لواقعها الذي تعيشه، لتستفيد منه كلبنة قوية وصلبة لمستقبلها الذي تقدم عليه. ولتكتشف منه أيضا بعضا من عوامل رقيها وانحطاطها، ليكون ذلك معينا لها على بناء نفسها بناء قويا وسليما، والاعداد لمستقبلها على أسس متينة وقوية وراسخة. ونحن هل نملك تاريخا: ونحن أمة تريد أن تحيا الحياة بكل قوتها وحيويتها، وفاعليتها، ولكننا في الوقت الذي نملك فيه أغنى تاريخ عرفته أمة، لا نملك من كتب التاريخ والتراث ما نستطيع أن نعول عليه في إعطاء صورة كاملة وشاملة ودقيقة عن كل ما سلف من أحداث، لان أكثر ما كتب منه تتحكم فيه النظرة الضيقة، ويهيمن عليه التعصب والهوى المذهبي، ويسير في اتجاه التزلف للحكام. وأقصد ب‍ " النظرة الضيقة " عملية ملاحظة الحدث منفصلا عن

[ 11 ]

جذوره وأسبابه، ثم عن نتائجه وآثاره. وبكلمة أوضح وأصرح: إن ما لدينا هو - في الاكثر - تاريخ الحكام والسلاطين، وحتى تاريخ الحكام هذا، فإنه قد جاء مشوها وممسوخا، ولا يستطيع أن يعكس بأمانة وحيدة الصورة الحقيقية لحياتهم ولتصرفاتهم ومواقفهم، لان المؤرخ كان لا يسجل إلا ما يتوافق مع هوى الحاكم، وبنسجم مع ميوله، ويخدم مصالحه، مهما كان ذلك مخالفا للواقع، ولما يعتقده المؤرخ نفسه، ويميل إليه. ومن هنا، فإننا لا نفاجأ إذا رأينا المؤرخ يهتم بأمور تافهة وحقيرة، فيسهب القول في وصف مجلس شراب، أو منادمة لامير أو حاكم، أو يختلق أحداثا، أو شخصيات لا وجود لها، ثم يهمل أحداثا خطيرة، أو يتجاهل شخصيات لها مكانتها وأثرها العميق في التاريخ، وفي الامة. أو يشوه أمورا صدرت من الحاكم نفسه، أو من غيره، أو يحيطها - لسبب أو لاخر - بالكتمان، ويثير حولها هالة من الابهام والغموض. دراسة التاريخ: إذن، فلابد لمن يريد دراسة التاريخ والاستفادة من الكتب التاريخية والتراثية، من أن يقرأها بحذر ووعي، وبدقة وتأمل، حتى لا يقع في فخ التضليل والتجهيل. فلابد له من أن يفتح عينيه وقلبه على كل كلمة تمر به. ويحاول قدر المستطاع أن يستنطقها، ويستخلص منها ما ينسجم مع الواقع، مما تؤيده الدلائل والشواهد المتضافرة، ويرفض أو يتوقف في كل ما تلاعبت به الاهواء، وأثرت عليه الميول والعصبيات.

[ 12 ]

وليس ذلك بالامر اليسير والسهل، ولا سيما فيما يرتبط بتاريخ الاسلام الاول الذي هبت عليه رياح الاهواء الرخيصة والعصبيات الظالمة، وعبثت به أيدي الحاقدين، وابتزت منه رواءه وصفاءه إلى حد كبير وخطير. ماذا نريد: ونحن بدورنا في كتابنا هذا لسوف نحاول استخلاص صورة نقية وواضحة قدر الامكان عن تاريخ نبينا الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ". ولسوف ينصب إهتمامنا بصورة أكثر وأوفر على إبعاد كل ذلك الجانب المريض من النصوص، المجعولة تاريخا، مع أن الكثير منها لا يعدو أن يكرن أوهاما وخيالات، ابتدعها المحدثون المغرضون والقصاصون الافاكون، وأصحاب الاهواء والمتزلفون. ميزات أساسية في تاريغ الاسلام المدون: نقول ما تقدم بالرغم من اننا قد قلنا آنفا: أننا على قناعة من أن تاريخ الاسلام المدون - على ما فيه من هنات ونقص - أغنى تاريخ مكتوب لاية أمة من الامم، وهو يمتاز عن كل ما عداه بدقته وشموله، حتى إنك لتجده كثيرا ما يسجل لك الحركات، واللفتات، واللمحات، فضلا عن الكلمات، والمواقف والحوادث، بدقة متناهية واستيعاب لا نظير له. أضف إلى ذلك: أنه يملك من الايات القرآنية، ثم من النصوص الصحيحة والصريحة الشئ الكثير، مما لا تجده في أي تاريخ آخر على الاطلاق. هذا إن لم نقل إن هذا الامر من مختصات تاريخ الاسلام، إذا تأكدنا: أنه ليس بإمكان أي تاريخ أن يثبت من مقولاته إلا النزر اليسير، ولا سيما في جزئيات الامور، وفي التفاصيل والخصوصيات.

[ 13 ]

وميزة أخرى يمتاز بها تاريخ الاسلام، وهي أنه يمتلك قواعد ومنطلقات تستطيع أن توفر للباحث السبل المأمونة، التي يستطيع من خلال سلوكها أن يصل إلى الحقائق التي يريدها، دقت، أو جلت. ولسوف يأتي الحديث عن بعض من ذلك في بعض فصول ما اصطلحنا عليه أنه " المدخل لدراسة السيرة النبوية الشريفة ". البداية الطبيعية لتاريخ الاسلام: وواضح: أن البداية الطبيعية لتاريخ الاسلام، وأعظم وأهم ما فيه هو سيرة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. فلابد من البدء بها، ولو ببحث قضايا وأحداث رئيسة فيها، ليكون ذلك بمثابة خطوة أولى على طريق التصدي لبحوث مستوعبة وشاملة، من قبل المتخصصين والباحثين، من ذوي الكفاءات والهمم العالية. ولكن ذلك يحتاج إلى تقديم مدخل من شأنه أن يعطي انطباعا عاما عن أجواء ومناخات البحث فإلى هذا المدخل الذي يشتمل على عدة فصول.. والله هو الموفق والمسدد، وهو المستعان، وعليه التكلان.

[ 15 ]

الفصل الاول: وما تخفي صدورهم أعظم ! !

[ 17 ]

صفات النبي (ص): المفروض بالنبي - أي نبي كان - أن يمثل النموذج الفذ، الذي يريده الله تعالى على الارض، وهو الانسان الانسان، بكل ما لهذه الكلمة من معنى. فهر رجل الفضل، والعقل، والكمال، ومثال الحكمة، والوقار والجلال. عالم حكيم، تقي، شجاع، حازم، إلى غير ذلك من صفات إنسانية فاضلة، وكمالات رفيعة. لا ترى في أعماله أي خلل أو ضعف، ولا في تصرفاته أي تشتت أو تناقض. وبكلمة: إنه الرجل المعصوم من الخطأ، المبرء من الزلل، أكمل الخلق وأفضلهم، ولاجل ذلك جعل الله تعالى نبينا محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " أسوة لبني الانسان مدى الدهر، وفرض عليهم أن يقتدوا به في كل شئ حتى في جزئيات أفعالهم، فقال تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (1). أتري، هذا هو الرسول ؟ !: ولكننا لو راجعنا الروايات التي يدعى: أنها تسجل لنا تاريخ نبي


(1) الاحزا ب / 21. (*)

[ 18 ]

الاسلام، " صلى الله عليه وآله وسلم "، لوجدنا هذا النبي، الذي اصطفاه الله واختاره من بين جميع خلقه، ووصفه جل وعلا في القرآن الكريم بأنه * (على خلق عظيم) * (1) والذي هو أشرف الانبياء والمرسلين، وأعظم وأكمل رجل وجد على وجه الارض، وهو عقل الكل، ومدبر الكل، وإمام الكل - لوجدناه - رجلا عاجزا، ومتناقضا، يتصرف كطفل، ويتكلم كجاهل، يرضى فيكون رضاه ميوعة وسخفا، ويغضب فيكون غضبه عجزا واضطرابا، يحتاج دائما إلى من يعلمه، ويدبر أموره، ويأخذ بيده، ويشرف على شؤونه، ويحل له مشاكله. الكل أعرف، وأقوى، وأعقل منه، كما أثبتته الوقائع المختلفة المزعومة تاريخا وسيرة لحياته " صلى الله عليه وآله وسلم ". وبماذا ؟ وكيف نفسر حمل هذا النبي زوجته على عاتقه لتنظر إلى لعب السودان وخده على خدها ؟ ! أو أنها وضعت ذقنها على يده، وصارت تنظر إلى لعب السودان يوم عاشوراء ؟ ! (2) ثم هو يترك جيشه لينفرد بزوجته عائشة، ليسابقها في قلب الصحراء، أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى، فيقول لها: هذه بتلك (3).


(1) يحتمل بعض العلماء أن يكون المراد بالخلق: الدين، أو العادة والسنة العظيمة، ولكنه خلاف المتبادر من هذه العبارة. (2) راجع: صحيح البخاري ج 1 ص 111 وج 2 ص 100 وراجع ص 172 وراجع: مسند أحمد ج 6 ص 56 و 57 و 83 و 85 و 166 و 186 و 242 و 247 و 270 وسنن النسائي ج 3 ص 197 و 195 وصحيح مسلم ج 3 ص 21 و 22 وراجع: تاريخ عمر بن الخطاب ص 35 وإحياء علرم الدين ج 2 ص 44 وراجع هوامشه، والتراتيب الادارية ج 2 ص 121 و 122 والرياض النضرة ج 2 ص 300 والفتوحات الاسلامية لدحلان: ج 2 ص 463. (3) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 176 و 177 وسنن أي داود ج 3 ص 29 و 30 (*)

[ 19 ]

أضف إلى ذلك: أنه يهوى زوجة ابنه بالتبني، بعد أن رآها في حالة مثيرة (1) إلى غير ذلك من المرويات الكثيرة جدا التي تتحدث عن تفاصيل في حياته الزوجية، مما نربأ نحن بأنفسنا عن التفوه به، وذكره، فكيف بممارسته وفعله ! ! وبماذا ؟ وكيف نفسر أيضا: أن يرى هذا النبي الرأي، فتنزل الآيات القرآنية مفندة لرأيه، ومصوبة لرأي غيره، فيقعد ليبكي وينوح على ما فرط منه (2). وكيف نفسر أيضا ما يروونه عنه، من أنه مر على سباطة قوم، فيبول


والمغازي للواقدي ج 2 مر 427 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 636 وإحياء علوم الدين ج 2 ص 44 ومسند أحمدج 6 ص 264 و 182 و 39 و 129 و 261 و 280، والسيرة الحلبية ج 2 ص 290 وعيون الاخبار لابن قتيبة ج 1 ص 315 وحياة الصحابة ج 2 ص 634 والتراتيب الادارية ج 2 ص 146 عن المواهب وتلبيس ابليس، وأحمد والنسائي. (1) الجامع لاحكام القرآن ج 14 ص 190 وتاريخ الخميس ج 1 ص 501 وتفسير البرهان ج 3 ص 325 و 326، ومجمع البيان ج 8 ص 359 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 396 وتفسير القمي ج 2 ص 172 / 173 والسيرة الحلبية ج 2 ص 214 وتفسير غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 21 ص 12 و 13 والدر المنثور ج 4 ص 202 وفتح القدير ج 4 ص 284 و 286 والكشاف ج 3 ص 540 و 541 والطبقات لابن سعد ط صادر ج ص 101 ومجمع الزوائد ج 9 ص 247 ولباب التأويل للخازن ج 3 ص 468 ومدارك التنزيل (مطبوع بهامش الخازن) ج 3 ص 468 والتبيان ج 3 ص 312 ونور الثقلين ج 4 ص 280 و 281 / 282 وجامع البيان ج 21 ص 10 / 11. (2) ستأتي مصادر ذلك في غزوة بدر، فصل الغنانم والاسرى: حين الحديث حول (*)

[ 20 ]

وهو قائم (1) ؟ ثم يكون له شيطان يعتريه - كما هو لغيره من الناس - وكان يأتيه في صورة جبرئيل، وقد أعانه الله على شيطانه هذا فأسلم (2). وإن شيطانه خير الشياطين (3). ثم شربه للنبيذ والفضيخ (4). وكونه أحق بالشك من إبراهيم " عليه السلام " (5).


= الحديث الموضوع: لو نزل العذاب ما نجا إلا ابن الخطاب. (1) راجع: المصنف ج 1 ص 193 وصحيح البخاري ج 1 ص 34 و 35 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 111 و 112 وسنن الدارمي ج 1 ص 171 ومسند أحمد ج 4 ص 246 وج 5 ص 402 و 382 و 394 والمعجم الصغير ج 1 ص 229 وج 2 ص 266. (2) كشف الاستار عن مسند البزار ج 3 ص 146 وراجع: مشكل الآثار ج 1 ص 30 و 3 والمواهب اللدنية ج 1 ص 202 والمعجم الصغير ج 1 ص 71 ومجمع الزوائد ج 8 ص 269 و 225 وراجع: الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 169 وحياة الصحابة ج 2 ص 712 عن مسلم. (3) اللآلئ المصنوعة ج 1 ص 360. (4) راجع: مسند أبي يعلى ج 4 ص 418 ونقله في هامشه عن مصادر كثيرة ومسند أحمد ج 2 ص 106 والتراتيب الادارية ج 1 ص 102 عن مسلم ووفاء الوفاء ج 3 ص 822 عن أحمد وأبي يعلى وراجع: صحيح مسلم ج 6 ص 105 وسنن النسائي ج 8 ص 333 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1126 وسنن أبي داود ج 2 ص 213 والمصنف للصنعاني ج 9 ص 226 وتيسير الوصول ج 1 ص 275، ومجمع الزوائد ج 5 ص 64 و 66 و 67 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 44 والبداية والنهاية ج 5 ص 331. (5) صحيح البخاري ج 3 ص 71 ومسند الامام أحمد ج 1 ص 326 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1335 وتأويل مختلف الحديث ص 97 وصحيح مسلم ج 7 ص 98 = (*)

[ 21 ]

ثم إنه ينسى ما هو من مهماته وشؤونه، مثل ليلة القدر، وحين يعجز عن تذكرها يأمر الناس بأن يلتمسوها في العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك (1). كما أنه لا يحفظ سورة الروم جيدا (2). وينسى أيضا أنه جنب (3) إلى غير ذلك مما لا يمكن تتبعه ولا الاحاطة به لكثرته، مما يزيد في قبحه أضعافا على ما ذكرناه، مما زخرت به المجاميع الحديثية والتاريخية لدى بعض الطوائف الاسلامية المنتشرة في طول البلاد وعرضها. نعم.. هكذا تشاء الروايات - وكثير منها مدون في الكتب التي يدعي البعض: أنها أصح شئ بعد القرآن - أن تصور لنا أعظم رجل، وأكرم وأفضل نبي على وجه الارض ! ! وهذه هي الصورة التي يستطيع أن يستخلصها من يراجع هذا الركام الهائل من المجعولات، إذا كان خالي الذهن من الضوابط والمعايير الحقيقية، والمنطلقات الاساسية، التي لابد من التوفر عليها في دراسة التاريخ. وكذلك إذا كان لا يعرف شيئا مما يجب أن يتوفر في الشمخصية التي يفترض أن تمثل النموذج الفذ لارادة الله تعالى على الارض.


= والهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 79 وج 2 ص 91. (1) كشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 485 و 484 ومجمع الزوائد ج 3 ص 176 و 175 وج 7 ص 348. (2) الدر المنثور ج 5 ص 150 عن ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن قانع، وراجع: مناهل العرفان ج 1 ص 360 عن البخاري، ومسلم. وراجع: حول نسيانه (ص) بعض الايات في كنز العمال ج 1 ص 538. (3) المعجم الصغير ج 2 ص 16. وراجع: ج 1 ص 130 حول نسيانه بعض الاسماء. (*)

[ 22 ]

وكذلك إذا كان خالي النفس عن تقديس النص تقديسا ساذجا وعشوائيا. هذا التقديس الذي ربما يرفع هذه المنقولات عن مستواها الحقيقي، ويمنع - ولو جزئيا - من تقييمها تقييما واقعيا وسليما، يعطيها حجمها الطبيعي في ميزان الاعتبار والواقع. وما هو المبرر لتقديس كهذا ؟ ! ما دام لم يثبت بعد أن هذا هو كلام النبي (ص) أو موقفه، أو من صفاته وشؤونه، وما إلى ذلك. إن إعطاء هذه الصورة عن نبي الاسلام الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهو القدوة والاسوة، لهو الخيانة العظمى للتاريخ، وللامة، وللانسانية جمعاء، ولا زلنا نتجرع غصص هذه الخيانة، ونهيم في ظلماتها. الخطة الخبيثة: وأما لماذا كل هذا الافتراء على الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم "، فنعتقد: أن الامر لم يكن عفويا، بل كان ثمة خطة مرسومة تهدف إلى طمس معالم الشخصية النبوية، والتعتيم على خصائصها الرسالية الفذة، ليكون ذلك مقدمة لهدم الاسلام من الاساس، خصوصا من قبل الحكم الاموي البغيض وأعوانه. ونذكر هنا بعض الامثلة التي تظهر بعض فصول هذه الخطة التي تستهدف الاسلام ورموزه، وشخصية النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله " بالذات، وهي التالية: سياسات ضد نبي الاسلام (ص): 1 - إنهم يذكرون عن زيد بن علي بن الحسين " عليهما السلام "، أنه قال: إنه شهد هشام بن عبد الملك، والنبي يسب عنده، فلم ينكر ذلك

[ 23 ]

هشام، ولم يغيره (1). 2 - ذكروا في ترجمة خالد بن سلمة المخزومي المعروف ب‍ " الفأفاء ": أنه كان مرجيا، ويبغض عليا، وأنه كان ينشد بني مروان الاشعار التي هجي بها المصطفى (ص). وخالد هذا يروي عنه أصحاب الصحاح الست ما عدا البخاري (2) ! ! 3 - إن عمرو بن العاص لم يرض بضرب نصراني يشتم النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " (3). 4 - وقد ذكر الكميت: أنه كان إذا مدح النبي (ص) اعترض عليه جماعة، ولم يرضوا بذلك، فهو يقول: إلى السراج المنير أحمد لايع‍ دلني عنه رغبة، ولا رهب عنه إلى غيره، ولو رفع النا س إلي العيون، وارتقبوا وقيل: أفرطت بل قصدت ولو عنفني القائلون، أو ثلبوا إليك يا خير من تضمنت الار ض، وإن عاب قولي العيب لج بتفضيلك اللسان ولو أكثر فيك الضجاج واللجب ولعل الكميت رحمه الله قد أحس أن وراء هذه السياسة أمرا عظيما، حيث يقول: رضوا بخلاف المهتدين وفيهم مخبأة أخرى تصان وتحجب


(1) كشف الغمة للاربلي ج 2 ص 352 عن دلائل الحميري، والكافي ج 8 ص 395 وتيسير المطالب في أمالي الامام أبي طالب ص 108 وقاموس الرجال ج 4 ص 270. (2) راجع: بحرث مع أهل السنة والسلفية ص 101 وتهذيب التهذيب ج 3 ص 96 ودلائل الصدق ج 1 ص 29. وللعلامة المظفر تعليق هنا لا بأس بمراجعته. (3) الاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 3 ص 193 والاصابة ج 3 ص 195 عن البخاري في تاريخه. (*)

[ 24 ]

ولا يمكن تفسير " المخبأة " التي تصان وتحجب بأنها تفضيل الخليفة على الرسول، لان ذلك لم يكن مخبأ، بل صرح به ولاة وأعوان الامويين، كالحجاج بن يوسف، وخالد القسري، كما سنرى. فلابد أن تكون هذه المخبأة هي طمس دين الله، وإزالة معالمه، وتشويه الصورة الحقيقية لنبي الرحمة (ص)، وإزالة معالم الشخصية النبوية بصورة نهائية، من أذهان الناس. 5 - حدث مطرف بن المغيرة: أن معاوية قال للمغيرة في سياق حديث ذكر فيه معاوية ملك أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأنهم هلكوا فهلك ذكرهم: " وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول الله، فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك ؟ ! لا والله، إلا دفنا دفنا " (1). ويقال: إن هذه القضية بالذات هي السبب في إقدام المأمون في سنة 212 ه‍ على النداء بلعن معاوية، لولا أنهم أقنعوه بالعدول عن ذ لك (2) فراجع. ونقول: إن المغيرة الذي ضرب الزهراء حتى أدماها، كما عن الامام الحسن " عليه السلام " لم يكن ذلك الرجل الذي يرجع إلى دين، أو يهمه أمر ذكر


(1) الموفقيات ص 577 وشرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 129 و 130 ومروج الذهب ج 3 ص 454 وكشف الغمة للاربلي ج 2 ص 44 وكشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين ص 474 وقاموس الرجال ج 9 ص 20 وبهج الصباغة ج 3 ص 193. (2) مروج الذهب ج 3 ص 454 و 455 (*)

[ 25 ]

النبي (ص)، فإن حال المغيرة في قلة الدين ومجانبة الحق معلوم (1). ولكن " ويل لمن كفره نمرود "، فإن المغيرة الرجل الداهية لم يستطع تحمل جهر معاوية بهذا الامر، ورأى فيه مجازفة خطيرة، تجر معاوية، وكل من يسير في ركابه إلى أخطار جسام، لا يمكن التكهن بعواقبها، فأحب المغيرة أن ينسحب بنفسه ليسلم بجلده، لو كان ثمة ما يخاف منه، أو لعله أحس في ولده مطرف بعض الايمان، فاتقاه وذكر له هذا الامر بصورة تشنيعية ظاهرة. وخلاصة الامر: إن المغيرة إنما يهتم بمصلحته الشخصية بالدرجة الاولى، لا بمصلحة معاوية. وقد يكون أحس من معاوية: أنه يريد عزله، وتولية غيره، أو أنه كان في نفسه موجدة عليه، بسبب عزله إياه، فذكر عنه ما كان أسره إليه، أو أن ذلك قد كان منه قبل أن يوليه معاوية الكوفة ! ! 6 - روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب: " أخبار الملوك ": أن معاوية سمع المؤذن يقول: " أشهد أن محمدا رسول الله " فقال: " لله أبوك يا ابن عبد الله، لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن إسمك باسم رب العالمين (2) ". فهذا النص يؤيد النص السابق، ويوضح لنا مدى تبرم معاوية بهذا الامر، وأنه يعتبر ذكر رسول الله (ص) في الاذان إنما هو من صنيع رسول الله (ص) نفسه. أما أن يكون ذلك بوحي من الله فذلك آخر ما يفكر أو يعترف به معاوية. 7 - ثم هناك محاولاتهم الجادة للمنع من التسمي بإسم رسول


(1) راجع: قاموس الرجال ج 9 ص 84 - 90 لتقف على بعض حالات المغيره. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 101. (*)

[ 26 ]

الله (ص)، وقد نجحوا في ذلك بعض الشئ كما يعلم، بالمراجعة (1). 8 - يقول العنزي " سمعت أبا برزة وخرج من عند عبيد الله بن زياد، وهو مغضب فقال: ما كنت أظن أن أعيش حتى أخلف في قوم يعيروني بصحبة محمد (ص)، قالوا: إن محمديكم هذا الدحداح إلخ... (2) ". 9 - وقد رأى مروان أبا أيوب الانصاري واضعا وجهه على قبر النبي (ص)، فقال له: أتدري ما تصنع ؟ ! فقال أبو أيوب: نعم، جئت رسول الله (ص)، ولم آت الحجر (3). ما أشبه الليلة بالبارحة: وها نحن نجد نفس هذا الاتجاه الاموي يتبلور بصورة أصرح وأقبح في نهج بعض الفرق التي تدعي لنفسها قيمومة على الاسلام وعلى مقدساته ورموزه، حيث إنها ما فتئت تعمل على المنع من التبرك بآثار النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله "، وتجهد في طمس كل الآثار والمعالم الاسلامية، وإزالتها بطريقة أو بأخرى، وبمبرر، وبلا مبرر. وتحكم بالكفر على هذا الفريق، وبالشرك على ذاك، لا لشئ إلا لانهم لا يوافقونهم في المعتقد، وفي الرأي. وأمر هذه الفرقة أشهر من أن يذكر.


(1) راجع: الغدير ج 6 ص 309 عن عمدة القاري ج 7 ص 143. (2) مسند احمد بن حنبل ج 4 ص 421. (3) مسند أحمد ج 5 ص 422 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 515 وتلخيصه للذهبي مطبوع بهامشه، وصححاه. ومجمع الزوائد ج 4 ص 2 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1359 وشفاء السقام ص 126 والمنتقى لابن تيمية ج 2 ص 261 / 263. (*)

[ 27 ]

سنة النبي (ص) أم سنة غيره ؟ !: أما قيمة سنة النبي (ص) لديهم فيوضحها: 1 - أنه حينما أنكر أبو الدرداء على معاوية أكله الربا، أو شربه بآنية الذهب والفضة، واحتج عليه بقول رسول الله (ص)، أجابه معاوية بقوله: أما أنا فلا أرى به بأسا. فأخذ أبو الدرداء على نفسه أن لا يساكن معاوية في أرض هو فيها. وكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب، فلما بلغه ذلك لم يزد على أن أرسل إلى معاوية ينهاه عن فعل ذلك، ولكنه لم يعنفه على ما صدر منه، ولا عاقبه، ولا عزله عن عمله (1). وبالمناسبة فإننا نشير هنا إلى أن أبا الدرداء لم يلتزم بما قطعه على نفسه، حيث إنه قد ساكن معاوية بعد ذلك، وصار من أعوانه لما تسلط على الناس، وابتزهم أمرهم. 2 - وكان عثمان قد أحدث الصلاة: في منى أربعا، ولم يقصرها كما كان يفعل رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فاعتل عثمان مرة، فطلبوا من علي " عليه السلام " أن يصلي بالناس، فقال " عليه السلام ": إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله (ص)، يعني ركعتين. قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين - يعنون عثمان - أربعا.


(1) موطأ مالك ج 2 ص 135 / 136 (المطبوع مع تنوير الحوالك) وسنن البيهقي ج 5 ص 280 وراجع ص 278 و 277. وراجع: المصادر التالية: شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 130 وسنن النسائي ج 1 ص 279 و 277 واختلات الحديث للشافعي (مطبوع بهامش الامم) ج 7 ص 23 ومسند أحمد ج 5 ص 319 وصحيح مسلم ج 5 ص 43 والجامع لاحكام القرآن ج 3 ص 350. (*)

[ 28 ]

فأبى (1). 3 - وقال البعض عن الشافعية: " والعجب، منهم من يستجيز مخالفة الشافعي لنص له آخر، في مسألة بخلافه، ثم لا يرون مخالفته لاجل نص رسول الله (ص) " (2). وما ذلك إلا لان شأن رسول الله (ص) لم يكن لدى هؤلاء في المتسوى اللائق به، كما هو ظاهر. ويقول أبو زهرة: " وجدنا مالكا يأخذ بفتواهم (أي الصحابة) على أنها من السنة، ويوازن بينها وبين الاخبار المروية إن تعارض الخبر مع فتوى صحابي. وهذا ينسحب على كل حديث عنه (ص)، حتى ولو كان صحيحا " (3). وإجراء حكم المتعارضين من قبل مالك بين فتوى الصحابي، وبين الحديث عن رسول الله (ص) هو الذي دفع الشوكاني إلى مهاجمة كل من يعتبر أقوال الصحابة حجة كقول النبي (ص)، فراجع ما قاله في هذا المورد إن شئت (4). وقد ذكرنا، طائفة من النصوص الدالة على أنهم يرون للصحابة حق التشمريع. ويرى بعض الصحابة أن هذا حق لهم في كتابنا: الحياة السياسية للامام الحسن " عليه السلام " (5). وسيأتي بعض من ذلك في فصل: معايير لحفظ الانحراف.


(1) المحلى ج 4 ص 270 وارجع: ذيل سنن البيهقي لابن التركماني ج 3 ص 144. (2) مجموعة الرسائل المنيرية ص 32. (3) ابن حنبل لابي زهرة ص 251 / 255 وكتاب مالك لابي زهرة أيضا ص 290. (4) ابن حنبل لابي زهرة ص 254 / 255 عن إرشاد الفحول للشوكاني ص 214. (5) راجع: الحياة السياسية للامام الحسن " عليه السلام " ص 86 - 90. (*)

[ 29 ]

بغض قريش لرسول الله (ص): وقد رأينا قريشا رغم تظاهرها بالاسلام لم تزل تكن الحقد والبغض لرسول الله (ص)، باستثناء أفراد قليلين منهم. وقد ظهر ذلك جليا واضحا حينما حاول (ص) أن ينصب عليا إمامأ في حجة الوداع، في منى أو عرفات، وقد روي بأسانيد صحيحة: أن الناس قد تركوه بسبب ذلك، وصارحهم بقوله: ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله (ص) أبغض إليكم من الشق، الآخر (1). وقد حصل ذلك والنبى (ص) راجع من مكة إلى المدينة، فراجع ذلك في كتابنا: " الغدير والمعارضون " إن شئت. الخليفة الاموي أفضل في رسول الله (ص): وكان من سياسات الامويين تفضيل الخليفة الاموي على رسول الله (ص)، يقول الجاحظ: 1 - " فاحسب أن تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما روي من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون: أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم " (2). 2 - ويقول أيضا عن بني هاشم: " ولم يجعلوا الرسول دون


(1) راجع على سبيل المثال: الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 444 ومسند أحمد ج 4 ص 16 والمعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 50 - 52 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 4 ص 206 ومجمع الزوائد ج 10 ص 408 عن أحمد عن ابن ماجة بعضه، وكنز العمال ج 10 ص 305 عن الدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان، ومسند الطيالسي ص 182 وحياة الصحابة ج 3 ص 9 عن أحمد. (2) رسائل الجاحظ ج 2 ص 16. (*)

[ 30 ]

الخليفة " (1). أي كما فعله الامويون. 3 - قال الجاحظ: خطب الحجاج بالكوفة، فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (ص) بالمدينة، فقال: تبا لهم، إنما يطوفون بأعواد ورقة بالية. هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟ ألا يعلمون: أن خليفة المرء خير من رسوله ؟. يقول المبرد: إن ذلك مما كفرت به الفقهاء الحجاج. وأنه إنما قال ذلك والناس يطوفون بالقبر. وهذه القضية معروفة ومشهورة (2). 4 - وكتب الحجاج إلى عبد الملك: إن خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم، وكذلك الخلفاء يا أمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين " (3). 5 - قال خالد بن عبد الله القسري، وذكر النبي (ص): أيما أكرم رسول الرجل في حاجته، أو خليفته في أهله،


(1) آثار الجاحظ ص 205. (2) راجع: النصائح الكافية ص 81 عن الجاحظ، والكامل في الادب ج 1 ص 222 ط النهضة بمصر، ولهثرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 242 والبداية والنهاية ج 9 ص 131 وسنن أبي داود ج 4 ص 209 والعقد الفريد ج 5 ص 51 والاشتقاق ص 188 ووفيات الاعيان ج 2 ص 7 والالمام ج 4 ص 313 / 314 وفيه أن ذلك هو سبب خروجهم مع ابن الاشعث، وراجع تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72 وبهج الصباغة ج 5 ص 291 و 319 و 338 عن العقد الفريد، وعن كتاب افتراق بني هاشم، وعبد شمس للجاحظ. (3) العقد الفريد ج 2 ص 354 وج 5 ص 51 وراجع ص 52 وراجع: البداية والنهاية ج 19 ص 131 وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72 وبهج الصباغة ج 5 ص 317. (*)

[ 31 ]

يعرض: أن هشاما خيرمن النبي (ص) (1). 6 - ويقول خالد القسري أيضا: والته لامير المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه " عليهم السلام " (2). 7 - وزعم خالد القسري أيضا: أن عبد الله بن صيفي سأل هشاما، فقال: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك، أم رسولك ؟ ! قال هشام: بل خليفتي في أهلي. قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله (مر) إليهم ؟ فأنت أكرم على الله منه. فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، وهي تضارع الكفر. إنتهى كلام خالد (3). 8 - وقد ادعى الحجاج: " أن خبر السماء لم ينقطع عن الخليفة الاموي (4). وكان الحجاج يرى: أن عبد الملك بن مروان معصوم (5)، بل كان يرى نفسه: أنه لا يعمل إلا بوحي من السماء وذلك حينما أخبروه: أن أم أيمن تبكي لانقطاع الوحي بموت رسول الله (ص) (6). ولا عجب بعد


(1) الاغاني ج 19 ص 60. (2) الاغاني ج 19 ص 60 وراجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 82. (3) الاخبار الطوال ص 346. (4) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72. (5) العقد الفريد ج 5 ص 25. (6) تهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 73، وراجع: الامام الصادق والمذاهب الاربعة ج 1 ص 115. (*)

[ 32 ]

هذا إذا عرفنا أن البعض يقول: إن من خالف الحجاج فقد خالف الاسلام (1). على خطى الحجاج: والذي يلفت نظرنا هنا: أننا نجد الوهابيين ينفذون السياسات الاموية هذه بأمانة ودقة حتى إن زعيمهم محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي (ص): " إنه طارش ". وبعض أتباعه يقول بحضرته، أو يبلغه فيرضى: عصاي هذه خير من محمد، لانه ينتفع بها في قتل الحية والعقرب، ونحوها، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع، وإنما هو طارش (2). نظرة الامويين إلى الحرم والكعبة: أما بالنسبة إلى رأيهم في الكعبة، وزمزم، ومقام إبراهيم وغيرها من المقدسات، فذلك أوضح من الشمس وأبين من الامس. ويتضح ذلك من النصوص التالية: 1 - كان خالد القسري قد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي بمكة، فأعظم الناس ذلك وأنكروه، فخطب، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدو أمير المؤمنين ومن حاربه. والله، لو أمرني أمير المؤمنين أن أنقض هذه الكعبة حجرا حجرا لنقضتها. والله، لامير


(1) لسان الميزان ج 6 ص 89. (2) كشف الارتياب ص 139 عن خلاصة الكلام ص 230 والطارش هو: الرسول في الحاجة. (*)

[ 33 ]

المؤمنين أكرم على الله من أنبيائه " عليهم السلام " (1). 2 - قال المدائني: كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين لنقضت الكعبة حجرا حجرا، ونقلتها إلى الشام (2). 3 - وأعظم من ذلك وأشد خطرا، وأعظم جرأة على الكه عز وجل: أن الحجاج لم يكتف في حربه لابن الزبير برمي الكعبة بأحجار المنجنيق، حتى رماها - والعياذ بالله - بالعذرة أيضا لعنه الله وأخزاه (3). 4 - كما أن الوليد ابن يزيد الاموي قد أنفذ مجوسيا ليبني على الكعبة مشربة للخمر. كما وذهب في عهد هشام إلى مكة ومعه خمر، وقبة ديباج على قدر الكعبة، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها، فخوفه أصحابه من ثورة الناس، حتى امتنع (4). 5 - وتقدم قول الجاحظ: أن هاشما تفخر على بني أمية بأنهم لم يهدموا الكعبة (5). وأنهم: " أعادوا على بيت الله بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة... إلخ " (6). مقام إبراهيم (ع): وقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن مغيرة، عن أبيه، قال:


(1) الاغاني ج 19 ص 20 وراجع: تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 82. (2) الاغاني ج 19 ص 59. (3) عقلاء المجانين ص 178 والفتوح لابن أعثم ج 2 ص 486. (4) بهج الصباغة ج 5 ص 340 عن الطبري والاغاني. (5) آثار الجاحظ ص 205. (6) رساثل الجاحظ ج 2 ص 16. (*)

[ 34 ]

رأيت الحجاج أراد أد يضع رجله على المقام - مقام إبراهيم - فيزجره عن ذلك محمد ابن الحنفية، وينهاه عن ذنك. أضاف الزمخشري: أن ابن الحنفية قال: " والله، لقد كنت عزمت إن أرادني أن أجتذب عنقه فأقطعها " (1). زمزم أم الخنافس: قال الاصمعي: قال أبو عاصم النبيل: ساق خالد (أي القسري) ماء إلى الكعبة، فنصب طستا إلى جانب زمزم، ثم خطب فقال: قد جئتكم بماء العادية، وهو لا يشبه أم الخنافس، يعني زمزم (2). وقال خالد القسري لعامله ابن أمي: أيما أعظم، ركيتنا ؟ أم زمزم ؟ فقال له: أيها الامير، من يجعل الماء العذب النقاح مثل الملح الاجاج ؟ ! وكان يسمي زمزم: أم الجعلان (3). بين الخليفة الاموي وإبراهيم الخليل: وقال أبو عبيدة: خطب خالد (أي القسري) يوما فقال: إن إبراهيم خليل الله استسقى ماء فسقاه الله ملحأ أجاجا. وإن أمير المؤمنين استسقى الله ماء فسقاه عذبا نقاخا (4).


(1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 49 وربيع الابرار ج 1 ص 843 وطبقات ابن سعد ج 5 ص 84. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 82. (3) الاغاني ج 19 ص 59. (4) الاغاني ج 19 ص 60. (*)

[ 35 ]

الحج إلى صخرة بيت المقدس: ويذكر المؤرخون أنه: حين استولى ابن الزبير على مكة والحجاز بادر عبد الملك بن مروان إلى: " منع الناس من الحج، فضج الناس، فبنى القبة على الصخرة، والجامع الاقصى، ليشغلهم بذلك عن الحج، ويستعطف قلوبهم. وكانوا يقفون عند الصخرة، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم " (1). وقد قال عبد الملك عن الصخرة: هذه صخرة الرحمان التي وضع عليها رجله (2). وكان ابن مسعود، وعائشة، وعروة بن الزبير، وابن الحنفية، وابن عمر، ينكرون ما يقوله أهل الشام عن الصخرة، من أن الله وضع قدمه عليها (3). فذكر ابن مسعود هنا وهو إنما توفي في خلافة عثمان، يشير إلى أن أهل الشام الذين رباهم معاوية، كانوا يقولون بهذه المقالة في وقت متقدم جدا، حتى اضطر هؤلاء الاعلام إلى الاعلان عن إنكارهم لهذا الامر، بما فيهم ابن مسعود. وقد اعترف البعض ببناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة، لكنه


(1) البداية والنهاية ج 8 ص 285 و 281 وراجع: الانس الجليل ج 1 ص 272 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 161 ومآثر الانافة ج 1 ص 129 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 66 والسنة قبل التدوين ص 502 - 506. (2) التوحيد واثبات صفات الرب ص 108. (3) الاباضية، عقيدة ومذهبا ص 98. (*)

[ 36 ]

زعم: أن ذلك قد كان لاجل أنه رأى عظم قبة القمامة وهيتمها، فخشي أن تعظم في قلوب المسلمين (1). ولكنه كما ترى تأويل بارد، وتخئل فاسد، إذ لماذا اختار قبلة اليهود لازالة ذلك من قلوب المسلمين ؟ ! ولماذا لا يختص ذلك بالمسجد الاقصى دون سواه ؟ ولماذا منع الناس من الحج إلى الكعبة ؟ ولماذا الطوا ف، والنحر، والحلق، والوقوف، إلخ ؟ ! ثم لماذا تحويل القبلة عن الكعبة إلى بيت المقدس على الظاهر، كما سنرى ؟ ! ولماذا ؟ ولماذا ؟ تحويل القبلة: ثم إنهم قد حولوا قبلة المسلمين، كما ينص عليه الجاحظ. والظاهر هو: أنهم قد حولوها إلى بيت المقدس تجاه الصخرة، التي هي قبلة اليهود، كما ربما يقتضيه ما تقدم. قال الجاحظ: "... حتى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجاج، ومولاهما يزيد بن أبي مسلم، فاعادوا على البيت بالهدم، وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحولوا قبلة واسط ". إلى أن قال: "... فاحسب: أن تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا من كل وجه: أنهم كانوا يزعمون... إلخ.. " (2).


(1) أحسن التقاسيم ص 159. (2) رسائل الجاحظ ج 2 ص 16. (*)

[ 37 ]

ويقول الجاحظ أيضا: " وتفخر هاشم بأنهم لم يهدموا الكعبة، ولم يحولوا القبلة، ولم يجعلوا... إلخ " (1). ومما يدل على تحويل قبلة واسط أيضا: أن أسد بن عمرو بن جاني، قاضي واسط، " قد رأى قبلة واسط رديئة، فتحرف فيها، فاتهم بالرفض " (2). فأخبرهم أنه رجل مرسل من قبل الحكام ليتولى قضاء بلدهم. ونقول: أولا: إن الظاهر هو أن تحويل القبلة كان إلى صخرة بيت المقدس، التي جعل الحج أولا إليها، بعد أن منع الحج إلى مكة والكعبة. كما تقدم. بل لقد ادعى البعض: أن القبلة أساسا قد كانت قبل الهجرة إلى الصخرة (3). وثانيا: إنه يظهر من قصة قاضي واسط: أن غير الشيعة قد قبلوا بالامر الواقع، وجروا على ما يريده الحكام. والشيعة، وحدهم هم الذين رفضوا ذلك، حتى أصبح تحري القبلة مساوقا للاتهام بالرفض. وثالثا: لعل تحويل القبلة إلى بيت المقدس يفسر لنا ما ورد من استحباب التياسر لاهل العراق خاصة، وهم الذين كان الحجاج يحكمهم من قبل بني أمية. أي ليكونوا أقرب إلى الكعبة حينئذ. غير أن أئمة أهل


(1) آثار الجاحظ ص 205. (2) نشوار المحاضرات ج 6 ص 36 وتاريخ بغداد ج 7 ص 16. (3) راجع: الكشكول للبهائي ط مصر ص 98 وتاريخ الخميس ج 1 ص 367 والسيرة الحلبية ج 2 ص 130. (*)

[ 38 ]

البيت " عليهم السلام " لم يتمكنوا من الجهر والتصريح بهذا الامر، فأشاروا إليهم باستحباب التياسر، ثم لما كانوا يسألونهم عن السبب في ذلك تراهم يبررونه بما يبعد الشبهات عنهم (1). ولكن ذلك، فيما يظهر لم يدم طويلا، فقد التفت خصوم الشيعة إلى ذلك، ولذا تراهم يتهمون كل من يتحرى القبلة بالرفض، كما تقدم. تأويلات سقيمة: يقول البعض: إن السر في استحباب التياسر هو أن علامات القبلة لاهل العراق لم تكن كافية لتعيينها بدقة، بحيث تجعل التوجه إلى سمت شخص الكعبة، فكان استحباب التياسر مكملا لتلك العلامات. ولكن هذا مرفوض، ولا يمكن قبوله، إذ أنه لو صح هذا لوجب الحكم بوجوب التياسر لا استحبابة. وقال بعض آخر: إن السر في ذلك هو أن سعة الحرم من أحد جوانبه، أزيد من الجوانب الاخرى. ونقول: أولا: إنه إذا كان اللازم هو التوجه إلى شخص الكعبة، فإن سعة الحرم وضيقه لا أثر له في شئ من ذلك. ثانيا: ولو سلمنا: أن المطلوب هو التوجه إلى الحرم، فإن سعته من أحد الجوانب ليست بمقدار يستحب معه التياسر الموجب للابتعاد عنه مئات الاميال أو أكثر أو أقل.


(1) راجع: وسائل الشيعة كتاب الصلاة، أبواب القبلة. (*)

[ 39 ]

كعبة المتوكل في سامراء: وبالمناسبة فها هو الخلف العباسي يقتدي بذلك السلف الاموي، فإن الخليفة المتوكل، الذي استحق من البعض لقب " محي السنة " قد اقتدى بسلفه الامويين، فبنى في سامراء كعبة، وجعل طوافا، واتخذ منى وعرفات، حتى يحج إليها أمراء جيشه، ولا يفارقوه (1). الحجاج والقرآن: عن سلمة بن كهيل قال: " اختلفت أنا وذر المرهبي (من عباد أهل الكوفة، ومن رجال الصحاح الست) في الحجاج، فقال: مؤمن، وقلت: كافر. قال الحاكم: وبيان حجته ما أطلق فيه مجاهد بن جبير فيما حدثناه من طريق أبي سهل أحمد القطان، عن الاعمش قال: والله، لقد سمعت الحجاج بن يوسف يقول: يا عجبا من عبد هذيل (يعني عبد الله بن مسعود) يزعم أنه يقرأ قرآنا (أو قال: يزعم أن قرآنه) من عند الله. والله، ما هو إلا رجز من رجز الاعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه " وزاد ابن عساكر وغيره: " ولاخلين. منها (أي من قراءة ابن مسعود) المصحف ولو بضلع خنزير، أو لاحكنها من المصحف، ولو بضلع خنزير ". وقد استفظع ابن كثير هذا الكلام من الحجاج، فراجع البداية


(1) راجع: أحسن التقاسيم ص 122 - 123 ولكن يحتمل أن يكون المقصود هو المعتصم العبامي، فإن في عبارة المقدصي بعضا من الابهام. وسواء كان المتوكل هو الذي فعل ذلك أو المعتصم، فإن النتيجة واحدة. (*)

[ 40 ]

والنهاية (1). خليفة أموي ينتقم من المصحف: ويذكر المؤرخون: أن الخليفة الاموي الوليد بن يزيد لعنه الله، قرأ ذات يوم: * (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم) * (2)، فرمى المصحف بالنشاب، وهو يقول: تهددني بجبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب خرقني الوليد (3) لا يجرؤ الناس على الصلاة: ولا نجازف إذا قلنا: إنه في عهد الخلفاء الذين سبقوا خلافة علي أمير المؤمنين " عليه السلام " قد كانت السيطرة والهيمنة لتلك الفئة التي لم تكن تقيم للدين وزنا. وأصبح الجو العام هو جو الاستهزاء والسخرية بالدين وبالمتدينين، مع عدم اهتمام ظاهر من السلطات بردع هذا الفريق من الناس، ومكافحتهم لاسباب مختلفة. وكشاهد على ذلك نذكر: أن حذيفة بن اليمان، يقول:


(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 656 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الجلد والصفحة وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 72 والغدير ج 10 ص 51 عنهما والبداية والنهاية ج 9 ص 128 عن أبي داود وابن أبي خيثمة، وراجع: بهج الصباغة ج 5 ص 317. (2) سورة إبراهيم / 15. (3) راجع: بهج الصباغة ج 5 ص 339 وج 3 ص 193 والحور العين ص 190 ومروج الذهب ج 3 ص 226، والاغاني ط دار إحياء التراث ج 7 ص 49. (*)

[ 41 ]

" ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا " (1). مع أن حذيفة كان صحابيا جليلا، وكان من كبار القواد الذين كان لهم دور هام في فتوحات بلاد فارس، وقد توفي في أوائل خلافة الامام علي أمير المؤمنين " عليه السلام "، أي بعد البيعة له " عليه السلام " بالخلافة بأربعين يوما على ما قيل. فإذا كان أمثال حذيفة لا يستطيعون الاعلان بصلاتهم، فما ظنك بالاعم الاغلب من الناس الذين لم يكن لهم مقام ولا مكانة حذيفة ونفوذه ؟ !. ما هو إلا ملك !: ويذكر ابن شبة: " أن شريح بن الحارث النميري، الذي كان عامل رسول الله (ص) على قومه، ثم عامل أبي بكر، فلما قام عمر (رض) أتاه بكتاب رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فأخذه ووضعه تحت قدمه، وقال: لا، ما هر إلا ملك، إنصرف " (2). التحالف على هدم الاسلام: وآخر نص نذكره في هذا السياق هو ما ذكره الزمخشري، من أن أمويا وأنصاريا تفاخرا، فذكر له الاموي الامويين الذين توفي النبي (ص) وهم عمال له. فقال الانصاري: صدقت، ولكنهم حالفوا أهل الردة على هدم الاسلام.


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 91 وصحيح البخاري ج 2 ص 116. (2) تاريخ المدينة لابن شبة، المجلد الاول ص 596. (*)

[ 42 ]

فكأنما ألقمه حجرا (1). غيض من فيض: كان ما تقدم من النصوص غيضا من فيض، مما يدل على رأي واعتقاد وسياسة الحكام تجاه الاسلام، ورموزه، ومقدساته. وتجاه الرسول الاكرم (ص). ولكنه ليس هو كل شئ، فثمة نصومر بالغة الكثرة تدل على ذلك أو تشير إليه. وحيث إن استيعابها خارج عن حدود الطاقة، فإننا نكتفي بما أوردناه لننتقل في بحثنا إلى ما يزيد الحقيقة وضوحا، ويستكمل ملامح الصورة التي أريد طمسها، بطريقة أو بأخرى، ولسبب أو لاخر. فنقول: الدوافع والاهداف: وأما لماذا يحاولون النيل من المقدسات الاسلامية، وبالاخص من شخصية الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله "، والحط من كرامته، فلعل ذلك يعود إلى الامور التالية: 1 - الكيد السياسي الاموي ضد الهاشميين، خصومهم قديما وحديثا، بما فيهم النبي (ص) نفسه، والذي أصبح هو مصدر العزة والشرف والمجد لكل أحد، ولا سيما الهاشميين. 2 - تبرير كل انحرافات وتفاهات الهيثة الحاكمة، والتقليل من بشاعة ما يرتكبونه من موبقات في أعين الناس. على اعتبار: أنه ليس ثمة


(1) ربيع الابرار ج 1 ص 708 / 709. (*)

[ 43 ]

فواصل كبيرة بين مواقف وتصرفات هؤلاء، وبين تصرفات ومواقف الرجل الاول والمثال، فهي وإن اختلفت كمية وشكلا، ولكنها لا تختلف مضمونا وهدفا. 3 - إرادة دفن هذا الدين، والقضاء عليه نهائيا، ما دام أنه يضر بمصالحهم، ويقف في وجه شهواتهم، وأهوائهم ومآربهم، إلا في الحدود التي لا تضر في ذلك كله، بل تبرره وتقويه، وترفده وتنقيه. 4 - الحصول على بعض ما يرضي غرورهم، ويؤكد شوكتهم وعزتهم، ويظهر قوتهم وجبروتهم. 5 - عدم وجود قناعة كافية لدى الكثيرين منهم بأن محمدا (ص) نبي مرسل حقا، وقد صرح بذلك أمير المؤمنين " عليه السلام " (1). وهو أيضا ما عبر عنه يزيد الفجور والخمور صراحة بقوله، حين تمثل بشعر ابن الزبعري: لعب هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل وقد غنى ابن عائشة هذه الابيات أمام الوليد، فقال له: أحسنت والله، إني لعلى دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر (2). وقال الوليد بن يزيد: تلعب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي (3)


(1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص (2) تاريخ الامم والملوك ج 6 ص 337 وبهج الصباغة ج 3 ص 194. (3) الحور العين ص 195 ومروج الذهب ج 3 ص 216 وبهج الصباغة ج 5 ص 339 وج 3 ص 194 والبيت الثاني مقتبس من بيت قاله أبو بكر بن أبي قحافة، = (*)

[ 44 ]

وقال بعد أن ذكر الخمر: فلقد أيقنت أني غير مخلوق لنار سأروض الناس حتى يركبوا أير الحمار ذروا من يطلب الج‍ نة يسعى لتبار (1) 6 - هذا كله بالاضافة إلى حقد دفين على الرسول الاكرم (ص)، وبغض حقيقي له، بسبب ما فعله بآبائهم، وإخوانهم، وعشائرهم، الذين حاربوا الاسلام وكادوه بكل ما قدروا عليه. وقد ظهر ذلك منهم بصورة واضحة حينما أراد (ص) أن يصزح بإمامة أخيه، ووصيه، وابن عمه علي " عليه السلام "، ويأخذ البيعة له منهم، فقال لهم (ص) حينئذ: ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله أبغض إليكم من الشق الاخر. حسبما قدمناه عن قريب.


= وستأتي الاشارة إليه إن شاء الله في فصل ما بين بدر وأحد. (1) الحور العين ص 190 / 191 والاغاني ط دار إحياء التراث ج 7 ص 46. (*)

[ 45 ]

الفصل الثاني: سياسات تستهدف الجذور:

[ 47 ]

الاسوة والقدوة: إن من المقبول، والمستم به لدى الجميع، نظريا على الاقل: أن قول النبي (ص)، وفعله، وتقريره حجة، ودليل على الحكم الشرعي، وقد قال تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (1). وقال: * (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) * (2). وذلك يعني: أنه لابد من تتبع أقواله، وأفعاله ومواقفه (ص)، لمعرفة ما يتوجب على المكلفين معرفته في نطاق التزامهم بالحكم الشرعي، والتأسي بالرسول الاكرم (ص). كما أن ذلك يعني: أن النبي (ص) معصوم في كل قول أو فعل، أو موقف يصدر عنه، ولا تختص عصمته بمقام التبليغ القولي للاحكام، كما ربما يوهمه بعض ما يزعمونه في هذا المقام. ولاجل ذلك فإن من المفترض أن يتناقل الناس كل ما يصدر عن


(1) الاحزاب / 21. (2) الحشر / 7. (*)

[ 48 ]

النبي (ص) من قول وفعل عبر الاجيال، وأن يدونوه ويحفظوه، وأن يجمعوه ويفسروه، لا سيما وأن رسول الله (ص) نفسه قد ذكر: أنه قد أوتي القرآن ومثله معه. وكان جبرائيل " عليه السلام " ينزل عليه (ص)، فيعلمه السنة كما يعلمه القرآن (1). ولا نرى أننا بحاجة إلى ذكر ما يدل على ذلك، فإنه بحمد الله أكثر من أن يحاط به. الحث على كتابة الحديث: هذا، وقد حث " صلى الله عليه وآله " على كتابة ورواية ما يصدر عنه من علوم ومعارف، وقد وصل إلينا من ذلك الشئ الكثير، مما هو مبثوث في عشرات المصادر والمراجع (2).


(1) راجع الزهد والرقائق (قسم ما رواه نعم بن حماد) ص 23 والكفاية في علم الرواية ص 12، (2) راجع على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: جامع بيان العلم ج 1 ص 76 و 34 و 85 و 84 و 72 وج 2 ص 34 وكشف الاستار ج 1 ص 109 وتيسير المطالب في أمالي الامام أبي طالب ص 44 والغدير ج 8 ص 154 وتحفة الاحوذي (المقدمة) ج 1 ص 34 و 35 ومروج الذهب ج 2 ص 294 والبحار ج 2 ص 144 و 152 و 47 وج 71 ص 139 و 130 والبداية والنهاية ج 1 ص 6 وج 5 ص 194 وتقييد العلم ص 65 - 70 و 72 و 85 و 86 و 88 و 89 وميزان الاعتدال ج 1 ص 653 ولسان الميزان ج 2 ص 298 وج 4 ص 21 وج 1 ص 172 / 173 ووفاء الوفاء ج 2 ص 487 ومسند أحمد ج 1 ص 100 و 238 وج 2 ص 248 / 249 و 403 و 162 و 192 و 215 وج 4 ص 334 وج 5 ص 183 والمعجم الصغير ج 1 ص 162 و 114 والاستيعاب (مطبوع بهامش الاصابة) ج 4 ص 106 وفتح الباري ج 1 ص 184 و 182 و 199 و 203 و 246 و 247 والعقد الفريد ج 2 ص 219 والبيان والتبيين ج 2 ص 38 وسنن الدارمي ج 1 ص 125 - 127 وذكر (*)

[ 49 ]

الصحابة وغيرهم يكتبون الحديث: وقد كتب الصحابة، وكتب غيرهم، ممن عاش في القرن الاول الهجري الكثير الكثير عنه (ص)، وكانوا يأمرون ويحثون غيرهم على الكتابة أيضا، وكان كثير منهم يملك صحفا وكتبا يجمع فيها طائفة من أحاديث الرسول " صلى الله عليه وآله " وسننه (1). وقد سافر كثير منهم ومن


= أخبار اصبهان ج 2 ص 2 28 وحسن التنبيه ص 194 ومجمع الزوائد ج 1 ص 151 و 152 و 139 والمنار ج 1 ص 763 والتراتيب الادارية ج 2 ص 244 - 249 و 250 و 199 و 225 و 223 و 227 و 316 و 317 والثقات ج 1 ص 10 وتدريب الراوي ج 2 ص 66 والادب المفرد ص 129 والمصنف للصنعاني ج 11 ص 254 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 42 وتأويل مختلف الحديث ص 93 وأدب الاملاء والاستملاء ص 5 والمعارف ص 200 وكنز العمال ج 10 ص 157 ومن ص 75 حتى ص 195 وج 4 ص 100 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 145 وشرح معاني الاثار ج 4 ص 318 - 320 والضعفاء الكبير للعقيلي ج 3 ص 83 وتهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 377 وحياة الصحابة ج 3 ص 268 و 273 و 442 وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 ص 37 وعن البخاري ج 1 ص 148 والباعث الحثيث ثرح اختصار علوم الحديث ص 132 و 133 وعلوم الحديث لابي الصلاح ص 161 وشرف أصحاب الحديث ص 35 و 14 - 23 و 31 و 80 وبحوث في تاريخ السنة المثرفة ص 219 و 220 وصحيح البخاري ج 1 ص 15 و 18 و 20 و 21 ط سنة 1309. (1) إن كل ما تقدم يمكن مراجعته في عدد من المصادر التي ذكرناها في الهامش المتقدم، ونزيد على ذلك ما يلي: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 222 - 229 عن مصادر كثيرة موردا فهرسا للصحف والكتب للصحابة والتابعين وراجع: الجامع الصحيح للترمذي، كتاب الاحكام باب اليمين مع الثاهد وعلوم الحديث ومصطلحه ص 2 پ - 23 وجامع العلم ج 1 ص 84 و 75 وج 2 ص 34 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 23 و 42 و 123 والمحجة البيضاء ج 5 ص 302 والمصنف للصنعاني ج 11 ص 183 و 425 و 259 وج 8 ص 41 والتراتيب الادارية ج 2 ص 246 و 247 = (*)

[ 50 ]

التابعين إلى الاقطار المختلفة في طلب حديث الرسول الاكرم (ص) (1).


= و 319 و 258 و 259 و 254 و 256 و 260 - 262 و 277 و 312 وأدب الاملاء والاستملاء ص 12 - 18 وإحياء علوم الدين ج 3 ص 171 والعلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 104 ومجمع الزوائد ج 1 ص 151 و 152 والسنن الكبرى ج 10 ص 324 وج 4 ص 85 - 9 0 ومشكل الاثار ج 1 ص 40 و 41 والغدير ج 8 ص 156 والبحارج 12 ص 152 وسنن الدارمي ج 1 ص 128 و 127 و 124 والمعرفة والتاريخ ج 2 ص 279 و 142 و 143 و 661 وربيع الابرار ج 3 ص 236 وتأويل مختلف الحديث ص 286 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 599 والسيرة النبوية لدحلان (مطبوع بهامش الحلبية) ج 3 ص 179 ولسان الميزان ج 6 ص 22 والكفاية في علم الرواية ص 82 وعلوم الحديث ص 13 و 14 و 25 - 22 وتقييد العلم ص 96 و 60 - 63 و 90 و 92 و 136 و 39 و 72 - 89 و 91 و 93 - 115 وشرف أصحاب الحديث ص 97 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 236 وج 7 ص 180 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 390 - 398 والطبقات الكبرى ج 5 ص 371 و 367 و 179 وج 2 ص 371 وج 6 ص 220 ط صادر. وفي ط ليدن ج 4 قسم 2 ص 8 و 9 وج 7 ص 14 وط مؤسسة دار التحرير للطباعة والشثر ج 6 ص 179 و 174 والاسماء والصفات ص 30 وأضواء على السنة المحمدية ص 50 وصحيح البخاري ط سنة 130 9 ه‍. ج 4 ص 124 و 121 وج 1 ص 21 والزهد والرقائق ص 351 و 549 وفيه في جزء نعيم بن حماد ص 117 وثرح معاني الاثار ج 4 ص 318 - 320 وتهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 178 وج 5 ص 451 و 452 وكنز العمال ج 10 ص 145 و 178 و 189 والضعفاء الكبير ج 3 ص 83 و 314 ومختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 10 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 161 واختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث) ص 132 و 133 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 390 وعن تاريخ المذاهب الفقهية ص 24 وعن السير الحثيث ص 9. (1) راجع: الرحلة في طلب الحديث ص 110 وما بعدها إلى آخر الكتاب وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 208 - 210 عن العديد من المصالر وحياة الصحابة ج 3 ص 223 حتى ص 226 عن العديد من المصادر. (*)

[ 51 ]

عمر وأبو بكر كتبا الحديث: وحتى الخليفة أبو بكر، فإنه قد كتب عن الرسول الاكرم (ص) خمس مئة حديث، لكنه عاد فمحاها فور وفاته (ص) (1). وقد كان الصحابة يعقدون حلقات المذاكرة لحديث رسول الله (ص) في المسجد، وقد يصل عدد بعض الحلقات إلى اكثر من ثلاثين رجلا، وذلك في أول إمرة عمر بن الخطاب (2). بل إن عمر بن الخطاب نفسه قد كتب - فيما يروى عنه - لعتبة بن فرقد بعض السنن (3)، ووجد في قائم سيفه صحيفة فيها صدقة السوائم (4). وإن كنا نعتقد: أن هذا النص يهدف إلى مساواته برسول الله (ص)، حيث قد رووا: أنه قد وجد في قائم سيف رسول الله (ص) صحيفة مشابهة (5). علي (ع) وولده وشيعته: أما أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، الذي لم يكن يفارق رسول الله (ص) في سفر ولا حضر، إلا في غزوة تبوك، فقد كان مهتما برواية


(1) راجع: تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 وكنز العمال ج 10 ص 174 عن مسند الصديق لعماد الدين ابن كثير، عن الحاكم. وراجع: النص والاجتهاد ص 151 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 61 الطبعة الاولى وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 221. (2) راجع: حلية الاولياء ج 1 ص 331 وحياة الصحابة ج 2 ص 710. (3) مسند أحمد ج 1 ص 16. (4) الكفاية في علم الرواية ص 354. (5) راجع مكاتيب الرسول. (*)

[ 52 ]

وتدوين حديث رسول الله (ص) اهتماما بالغا حتى لقد قيل له: ما بالك أكثر أصحاب رسول الله (ص) حديثا ؟ ! فقال: كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني (1). وقد كتب عليه الصلاة والسلام عن النبي (ص) كتبا كثيرة، وقد توارثها عنه الائمة من ولده (2). وقد واصل هؤلاء الائمة الاطهار التشجيع على التزوار، وتذاكر الحديث حتى لا يدرس، وحثوا على كتابة العلم وتناقله، وحفظه في موارد كثيرة (3). حتى إن الزهري - وكان قد ترك الحديث - لما سمع من الحسن


(1) أنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 98 وترجمة الامام علي " عليه السلام "، لابن عساكر (بتحقيق المحمودي أيضا) ج 2 ص 456. (2) لقد ذكر العلامة الاحمدي في كتابه مكاتيب الرسول ص 71 - 89 طاثفة من المصادر لذلك لكنه قد أضاف عشرات النصوص والمصادر الاخرى، التي سوف يجدها القارئ في الطبعة الثانية لكتابه المذكور. ويمكن مراجعة: الوسائل، كتاب القضاء، وكتاب الحدود، والكافي ج 7 ص 77 و 94 و 98 وج 2 ص 66 وكنز العمال ج 1 ص 337 ورجال النجاشي ص 255 وأدب الاملاء والاستملاء ص 12 وحياة الصحابة ج 3 ص 521 / 522 ومسند أحمد ج 1 ص 116 والغديرج 8 ص 168 والمراجعات ط الاعلمي ص 305 و 306 وربيع الابرار ج 3 ص 294 والبحار ج 72 ص 274 وراجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍. ج 1 ص 20 / 21 والبداية والنهاية ج 5 ص 251 وراجع: طبقات ابن سعد ج 5 ص 77 وعلوم الحديث لابن الصلاخ ص 161 والباعث الحثيث ضرح اختصار علوم الحديث (متنا وهامشا) ص 132 وتقييد العلم ص 88 و 89 والرحلة في طلب الحديث ص 130. (3) راجع: بحار الانوار ج 2 ص 152 و 153 و 50 وسنن الدارمي ج 1 ص 130 وعلل الحديث ج 2 ص 438 وتقييد العلم ص 89 - 91 و 104 والتراتيب الادارية ج 2 ص 222 و 223 و 246 و 247 و 257 و 259 وربيع الابرار ج 3 ص 326 = (*)

[ 53 ]

بن عمارة قولا لعلي " عليه السلام " يحث فيه على نشر العلم، عاد فحدث الحسن بن عمارة في مجلسه ذاك أربعين حديثا (1). وعن علي: قيدوا العلم، قيدوا العلم. مرتين (2). وعنه " عليه السلام ": قيدوا العلم بالكتاب (3). أما شيعة علي وأهل بيته، فأمرهم في الالتزام بتدوين العلم ونشره أوضح من الشمس، وابين من الامس، ولا نرى أننا بحاجة إلى إثبات ذلك (4). ملاحظة هامة: لقد كان علي " عليه السلام " أعلم أصحاب رسول الله (ص)، وكان


و 294 وجامع بيان العلم ج 1 ص 99 وترجمة الامام الحسن " عليه السلام " من تاريخ دمثق (بتحقيق المحمودي) ص 67 وروضات الجنات ج 8 ص 169 ومعادن الجواهر ج 1 ص 3 وطبقات ابن سعد ج 6 ص 116 وتاريخ بغداد ج 8 ص 357 ونور الابصار ص 122 والعلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 412 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 وشرف أصحاب الحديث ص 69 و 80 و 94. (1) الاذكياء ص 101. (2) تقييد العلم ص 89. (3) تتييد العلم ص 90. (4) راجع عل سبيل المثال لا الحصر: رجال النجاشي ص 3 و 4 والطبقات الكبرى ج 6 ص 220 وج 5 ص 77 وج 2 قسم 2 ص 123 وج 7 قسم 1 ص 14 وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام ص 280، والمراجعات ط الاعلمي ص 306 وراجع: الضعفاء الكبير للعقيلي ج 2 ص 29 و 96 و 224 وأحوال الرجال ص 116 و 192 وشرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 78 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 234 والتراتيب الادارية ج 2 ص 259 و 324 / 325 والاصابة ج 1 ص 213 والغدير ج 9 ص 130 وراجع: شرف أصحاب الحديث ص 95. (*)

[ 54 ]

باب مدينة علمه، وكان أكثر أصحابه (ص) حديثا عنه، وقد كتب عنه العديد من الكتب، ووإلخ... ولكننا إذا راجعنا ما رووه عنه في كتبهم، فإننا لا نجد إلا أقل القليل، بل إننا نجد لابي هريرة الذي لم يلتق برسول الله (ص) إلا أشهرا يسيرة أضعاف ما روى هؤلاء عن أمير المؤمنين " عليه السلام ". ويكفي أن نذكر قول أبي رية رحمه الله هنا أن ما روي عن علي " عليه السلام " هو مئة وثمانية وخمسون حديثا، وروي عن أبي بكر مئة وثمانية وأربعون حديثا. أما ما روي عن أبي هريرة فهو 5374 حديثا (1) فتبارك اللة أحسن الخالقين ! ! في الاتجاه المضاد: ونجد في مقابل ذلك كله تيارا قويا كان ولا يزال يرفض الحديث عن رسول الله " صلى الله عليه وآله "، سواء على مستوى الرواية له، أو كتابته، أو العمل به. ويمكن الحديث عن هذا الاتجاه في مرحلتين، ربما يقال: إنهما تختلفان من حيث الدوافع والاهداف، وإن كانتا تلتقبان من حيث الاثار والنتائج. الاولى: في زمن الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله ". والثانبة: بعد وفاته عليه وعلى آله الصلاة والسلام. ونحن نتكلم عن هاتين المرحلتين، مع رعاية جانب الاختصار، والاحالة على المراجع والمصادر مهما أمكن. فنقول:


(1) راجع: أضواء عل السنة المحمدية ص 224 و 225. (*)

[ 55 ]

المنع في الحديث في عهد الرسول (ص): لقد ظهرت ملامح الاتجاه الرافض للحديث عن الرسول (ص)، ولكتابته لدى قسم من المسلمين، لا جميعهم، ويمكن أن نقول: إنهم قريش على وجه الخصوص. ومعها من لف لفها، ممن يرى رأيها، ويتعامل معها، ويرى مصالحه مرتبطة بصورة أو بأخرى بمصالحها. وقد كانت حجة قريش لاعتراضها على من كان يكتب كلامه (ص) هي: أنه (ص) بشر يرضى ويغضب. فقد يتكلم والحالة هذه بما لا يتفق مع الحق والواقع. وقد شكا البعض قريشا لاجل ذلك إلى رسول الله (ص)، فأمره " صلى الله عليه وآله " بأن يكتب كل ما يتفوه به عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يخرج من بين شفتيه إلا ما هو حق وصدق (1). دوافع هذه السياسة: ولعل دوافع هؤلاء إلى اتخاذ هذا الموقف هي: 1 - إن الكثيرين منهم كانوا موتورين وحاقدين على الاسلام، وعلى نبيه الاكرم " صلى الله عليه وآله "، وعلى المسلمين. وإن كانوا يتظاهرون


(1) راجع: تيسير المطالب في أمالي الامام أبي طالب ص 44، وتقييد العلم ص 80 وانظر ص 74 و 77 و 78 ر 79 و 82 وتحفة الاحوذي ج 1 ص 35 (من المقدمة) وسنن الدارمي ج 1 ص 125 وسنن أبي داود ج 3 ص 318 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 162 ر 192، ونقله في هامش تقييد العلم ص 81 عن المصادر التالية: المحدث الفاصل ج 4 ص 2 وعن الالماع ص 26 وعن جامع بيان العلم ج 1 ص 71 وعن معالم سنن أبي داود ج 4 ص 184 وتيسير الوصول ج 3 ص 176 وحسن التنبيه ص 93 وراجع: المستدرك ج 1 ص 155 و 104 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 218. (*)

[ 56 ]

بخلاف ما تنطوي عليه نفوسهم وجوانحهم بعد أن اتضح لهم: أنه لا يسعهم إلا التسليم للامر الواقع، وكذلك فعلوا ريثما تسنح لهم الفرصة للوثبة، وتسديد الضربة - كما قال أبو سفيان: والان لو كان لي رجال -. 2 - الحسد لرسول الله (ص) على ما آتاه الله من فضله، وعدم رغبتهم في أن يروا الناس يتأسون بنبيهم، وبطبقون أعمالهم وسلوكهم على أعماله (ص) وسلوكه، ولا يريدون أن يتناقل الناس سيرته، وأقواله، ومواقفه (ص). 3 - ضعف الاعتقاد لدى الكثيرين منهم، ولا سيما من أسلم لتوه بنبوة رسول الله (ص)، ولا يرون في ذلك أية فائدة أو عائدة. المنع في الحديث بعد وفاة النبي (ص): أما بعد وفاته (ص)، وتسلم قريش لازمة الحكم والسلطان، فقد رأت أن مصلحتها تكمن في المنع من رواية حديث الرسول، ومن كتابته، ومن العمل به. بل وجمع كل ما كتب في عهده (ص)، ثم إحراقه بالنار. وهكذا كان. وقد تابعت سياساتها هذه بقوة وبحزم كما سنرى. اهداف هذه السياسة: وأما عن دوافع هذه السياسة وأهدافها، ثم ما نجم عن ذلك من آثار ونتائج فذلك ما سوف نفصله في فصل مستقل يأتي إن شاء الله تعالى، بعد إلقاء نظرة موضحة على المسار العام لهذه السياسة. البادرة الاولى: حسبنا كتاب الله: وغني عن البيان هنا: أن أول مواجهة مباشرة وصريحة لرسول الله (ص) في هذا الخصوص، ومنعه هو شخصيا من كتابة ما يريد، هي ما

[ 57 ]

جرى في مرض موته " صلى الله عليه وآله "، فما عرف ب‍ " رزية يوم الخميس "، حينما أراد (ص) أن يكتب كتابا للامة لكي لا تضل بعده، فصدرت من بعض الحاضرين كلمات غير لائقة في حق النبي الاقدس " صلى الله عليه وآله "، ثم جاء الرفض القاطع والجازم لكل ما يكتب في كلمة عمر الشهيرة له (ص): " حسبنا كتاب الله " ثم كثر التنازع واللغط من الحاضرين، فأمرهم (ص)، بالقيام عنه، والقضية معروفة ومشهورة، وقد وردث بها صحاح الاخبار والاثار (1) كما تنبأ صلى الله عليه وآله، كما سيأتي في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى. البادرة الثانية: ثم أحرق أبو بكر خمس مئة حديث، حسبما أسلفنا فكان هو الواضع الاول لركيزة سياسة إحراق حديث النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ". ذروة هذه السياسة: ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب، فكان التحرك في هذا الاتجاه أكثر دقة، كما كان أكثر شمولية واستقصاء، حتى ليخيل إليك: أن هذا الامر هو أعظم ما كان يشغل بال الخليفة، ويقض مضجعه، فكان يتابع


(1) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 5 و 173 وج 1 ص 22 وصحيح مسلم ج 5 ص 76 ومسند أحمد ج 6 ص 47 و 106 و 116 وج 1 ص 90 و 22 و 29 و 32 و 336 و 335 وج 3 ص 346 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 451 والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج 5 ص 438 و 439 وراجع المصادر التي في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد الطبعة الاولى ص 80. (*)

[ 58 ]

هذا الامر، ويحث عليه ثم يراقب ويعاقب ويتخذ القرارات والاجراءات بصورة ظاهرة ومستمرة ودؤوبة. وقد أرسل بأوامره القاضية بإقلال الحديث عن رسول الله (ص)، وبأن لا يكون هذا الحديث ظاهرا، وبتجريد القرآن عن الحديث، أرسل بها إلى جميع الاقطار والامصار. وكان يوصي بذلك ولاته، وبعوثه وجيوشه. ولم يزل يشيعهم بهذه الوصايا (1). وقد كانت سياساته في هذا المجال دقيقة ومدروسة، وتصعيدية. فهو يطلب ذلك ويوصي به باستمرار، فإذا روى أحد حديثا طالبه بالبينة والشهود، كما فعل مع أبي بن كعب وأبي موسى، وإن لم يكن لديه بينة، عاقبه ونكل به. فإذا وجد أحدا يصر على رواية الحديث هذده بالطرد، والنفي إن لم ينفع معه التهديد والضرب (2).


(1) راجع: البرهان في علوم القرآن للزركشي ج 1 ص 480 وغريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 49 وحياة الشعر في الكوفة ص 253 والغديرج 6 ص 294 و 263 والام ج 7 ص 308 وفيه قال قرظة لا أحذث حديثا عن رسرل الله (ص) أبدا وراجع: سنن الدارمي ج 1 ص 85 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 16 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 102 وجامع بيان العلم ج 2 ص 125 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 3 وشرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 120 وكنز العمال ج 2 ص 83 والحياة السياسية للامام الحسن ص 78 و 79 وشرف أصحاب الحديث ص 95 و 91 و 88 وحياة الصحابة ج 3 ص 257 و 258 وطبقات ابن سعد ج 6 ص 7. (2) الحياة السياسية للامام الحسن " عليه السلام " للمؤلف. وراجع: أضواء على السنة المحمدية وشيخ المضيرة، والسنة قبل التدوين، وأبو هريرة للسيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله، وراجع: بحوث مع أهل السنة والسلفية، وأي كتاب يبحث حول أبي هريرة أو يترجم له. وراجع أيضا: الكنى والالقاب ج 1 ص 180 وقواعد في علوم الحديث ص 454 وشرف أصحاب الحديث ص 92 و 93 و 123 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 88 عن المجروحون ج 1 ص 12 وحديث طلب البينة من = (*)

[ 59 ]

إحراق حديث رسول الله (ص): وفي خطوة تصعيدية حاسمة وحازمة يطلب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من الصحابة أن يأتوه بما كانوا قد كتبوه عن النبي " صلى الله عليه وآله "، بحجة أنه يريد جمع الحديث النبوي، وكتابته، حتى لا يندرس. فبقي شهرا وهو يجمع مكتوبات الصحابة، ثم قام بإحراق ما اجتمع لديه محتجا لعمله هذا بقوله. مثناة كمثناة أهل الكتاب ؟ ! والظاهر أن الصحيح: " مشناة كمشناة أهل الكتاب " (1) وقد اشتبه ذلك على النساخ لعدم النقط في السابق، وتقارب رسم الكلمتين ". وفي نص آخر أنه قال: " ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني - والله - لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا " أو قال: لا كتاب مع كتاب الله. وكتب إلى الامصار: " من كان عنده شئ منها فليمحه ". ومهما يكن من أمر فلقد بلغ من تشدد الخليفة في هذا الامر: أنهم يذكرون في ترجمة أبي هريرة: أنهم ما كانوا يستطيعون أن يقولوا: قال رسول الله (ص): حتى قبض عمر (2).


= المغيرة أو أبي موسى الاشعري موجود في كتاب الاستئذان في مختلف كتب الحديث تقريبا فلا حاجة إلى تعداد مصادره. (1) المثناة: روايات شفوية، دونها اليهود، ثم شرحها علماؤهم. فسمي الشرح جمارا، ثم جمعوا بين الكتابين، فسمي مجمرع الكتابين: " الاصل والشرح "، المشناة وجمارا ب‍ " التلمود ". (2) راجع ما تقدم، كلا أو بعضا في المصادر التالية: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 601 = (*)

[ 60 ]

وبكلمة موجزة: إن سياسة عمر القاضية بالمنع من رواية الحديث ومن تدوينه تعتبر من البديهيات التاريخية ومن الواضحات، فلا حاجة إلى ذكر النصوص، والاكثار من الشواهد. بل قيل: إنه (يعني عمر) ضرب من نسخ كتب دانيال، وأمره بمحوها (1).


و 602 ومختصر جامع بيان العلم ص 33 وجامع بيان العلم ج 1 ص 77، وتقييد العلم للخطيب ص 49 - 53 وإحراقه للحديث ص 52 وكتابته إلى الامصار في ص 53 والطبقات الكبرى ط صادر ج 5 ص 188 وج 6 ص 7 وج 3 ص 287 وتدريب الراوي ج 2 ص 67 عن البيهقي وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 2 و 7 و 8، وغريب الحديث ج 4 ص 49 لابن سلام. والبداية والنهاية ج 8 مر 107 والغدير ج 6 ص 295 وغير ذلك من صفحات هذا الجزء وتاريخ الخلفاء ص 138 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 102 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الصفحة، وسنن الدارمي ج 1 ص 85 والمصنف للصنعاني ج 11 ص 257 / 258 وحياة الصحابة ج 3 ص 257 و 258 والضعفاء الكبير ج 1 ص 9 و 10 وراجع: كنز العمال ج 10 ص 183 و 179 و 180 عن ابن عبد البر، وأبي خيثمة، وابن عساكر، وابن سعد. وسنن ابن ماجة ج 1 ص 12 والحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 2 ص 369 عن البخاري في كتاب البيوع وراجع: فقه السيرة للغزالي ص 40 و 41 عن البخاري ومسلم، وعن أبي داود، والاستيعاب. والتراتيب الادارية ج 2 ص 248 وأضواء على السنة المحمدية. = والحياة السياسية للامام الحسن " عليه السلام " ص 78 و 79 عن مصادر كثيرة. وحيث إن مصادر ذلك كثيرة جدا فإننا نكتفي بما ذكرناه وراجع أيضا جميع المصادر التي تقدمت وستأتي في هذا الفصل، فإن فيها ما يدل على ذلك بطريقة أو بأخرى. (1) راجع: تقييد العلم ص 51 وتاريخ عمر بن الخطاب ص 145 وكنز العمال ج 1 ص 333 / 332 و 336 عن العديد من المصادر والمصنف للصنعاني ج 6 = ص 114. (*)

[ 61 ]

وضرب الذي جاءه بكتاب وجده في المدائن حينما فتحوها (1). وأما بالنسبة لامره عمرو بن العاص بحرق مكتبة الاسكندرية (2) وإتلاف كتب كثيرة وجدوها في بلاد فارس (3). فقد شكك فيه الشهيد العلامة المطهري (4)، لان كنا لا نوافقه على كثير مما قاله في هذا المجال. ولبحث ذلك مجال آخر. الصليبيون والتراث العلمي الاسلامي: وبالمناسبة فإننا نشير إلى جريمة نكراء ارتكبها الصليبيون الحاقدون ضد التراث العلمي للبشرية، حيث يذكر موندي في تاريخه: أن ما أحرقه الاسبان من كتب قرطبة قد بلغ مليونا وخمسين الف مجلد، عدا عما أتلفوه


(1) راجع: كنز العمال ج 1 ص 335 (2) تاريخ الحكماء ص 354 - 356 وتاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني ص 46 و 48 و 49 عن تاريخ مختمر الدول ط اكسفورد ط سنة 1663 لكن حذف ذلك من الطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1958 م مع تصريحهم في المقدمة بأنهم قد أكملوا ما نقص من طبعة أكسفورد بما حصلوا عليه من نسخ أخرى. وراجع كتابنا: دراسة وبحوث في التاريخ والاسلام ج 1 ص 22. والغدير ج 6 ص 298 عن القفطي، وزيدان وعن الوفاء والاعتبار ص 28. (3) وراجع: المقدمة لابن خلدون ص 480 و 38 وراجع: كشف الظنون ج 1 ص 33. والغدير ج 6 ص 298 عن المصادر التالية: كشف الظنون ج 1 ص 25 و 446 وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 107 وضرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 122 وكنز العمال ج 1 ص 95. (4) كتاب سوزي اسكندرية وإيران. وخدمات متابل السلام وإيران. (*)

[ 62 ]

مما عثروا عليه في أقاليم الاندلس (1). أما ويلس، فيرى: أنهم قد أحرقوا مليون وخمسة آلاف مجلد فقط. وفي وفيات الاسلاف: أن أسقف طليطلة قد أحرق من الكتب الاسلامية ما ينوف على ثمانين ألف كتاب. وأن الافرنج لما تغلبوا على غرناطة قد أحرقوا من الكتب النفيسة ما يتجاوز مليون كتاب (2). " وقال بعض المؤرخين المصريين: ان الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر مما أحرقه الصليبيون، والتتر، والاسبان " (3). ولما فتح الافرنج طرابلس في أثناء الحروب الصليبية أحرقوا مكتبتها بأمر الكونت برترام سنت جيل، ويقال: إنها كانت تحتوي على ثلاثة ملايين مجلد (4). وأضاف جرجي زيدان: وفعل الاسبان نحو ذلك بمكتبات الاندلس لما استخرجوها من أيدي المسلمين في أواخر القرن الخامس عشر (5). حجة عمر تصبح حديثا نبويا ! !: ومهما يكن من أمر فإننا نلاحظ هنا: أن الكلمات التي استخدمها عمر بن الخطاب كمبرر أمام الناس لتنفيذ نواياه تجاه حديث رسول


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 453 / 454. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 454. (3) التراتبب الادارية ج 2 ص 454 / 455. (4) راجع: تاريخ التمدن الاسلامي المجلد الثاني، جزء 3 ص 51. (5) المصدر السابق. (*)

[ 63 ]

الله (ص)، مثل قوله: من كان عنده شئ منها فليمحه، قد أصبحت بعين ألفاظها تقريبا، وبنفس صياغتها حديثا ينسب إلى النبي الاكربم " صلى الله عليه وآله "، فراجع وقارن (1). وهكذا بالنسبة لاستدلاله على صحة ما أقدم عليه بأن الامم السالفة قد ضلت بسبب عكوفها على أقوال علمائها وتركها كتاب الله (يعني التوراة) ! ! فإنه قد أصبح هو الاخر حديثا يروى عن رسول الله " صلى الله عليه وآله "، يقول أبو هريرة فجمعناها في صيد واحد، فألقيناها في النار (2). وراجع أيضا ما رووه عن علي أمير المؤمنين " عليه السلام " في هذا المجال (3). وقد نسي هؤلاء الوضاعون الاغبياء: أن وجود حديث من هذا القبيل عن الرسول (ص) يسد الطريق على عمر بن الخطاب للتفكير في كتابة السنن، وتجد الكثيرين يعترضون عليه حينما طلب منهم أن يأتوه بما


(1) راجع وقارن مع كلمات عمر التقدمة ما رووه عن النبي (ص) في مجمع الزوائد ج 1 ص 150 و 151 ومسند أحمد ج 3 ص 12 و 21 و 39 و 56 وج 5 ص 82 وتأويل مختلف الحديث ص 286 والاسرار المرفوعة ص 9 ومناهل العرفان ج 1 ص 361 رالزاتيب الادارية ج 2 ص 248 والبداية والنهاية ج 2 ص 132 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 160 والباعث الحثيث في ثرح اختصار علوم الحديث (متنا وهامشا) ص 132 وتقييد العلم ص 29 - 34 و 93 وصحيح مسلم ج 8 ص 229 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 218. وراجع أيضا جميع ما قدمناه من مصادر في الصفحات السابقة. (2) تقييد العلم ص 34 وراجع ص 33. (3) جامع بيان العلم ج 1 ص 76. (*)

[ 64 ]

كتبوه: بأن هذا يخالف أمر النبي (ص) بمحو ما كتب. كما أن حديثا كهذا يجعل وجود حديث مكتوب عند الصحابة أمرا متعذرا، إلا إذا فرض أنهم أو كثير منهم لا يأبهون لاوامر النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله "، ولا لنواهيه. أو يكون المقصود هو إظهار المنافقين الذين خالفوا أوامر النبي (ص) في هذا الامر. وإذا كان المنافقون هم أهل تلك الاحاديث المجموعة، فإن حديثهم لا قيمة له. كما أن المنافقين لابد أن يلتفتوا إلى وجه الخدعة لهم، ولسوف لن يقروا على أنفسهم بأمر فيه إدانة وإهانة لهم. التقليد والمحاكاة: ونسجل هنا: أننا نجد: أن استدلال الخليفة الثاني لصحة ما أقدم أو يريد أن يقدم عليه، من المنع من كتابة ورواية حديث النبي (ص) بما تقدم ذكره، قد صار هو الاستدلال التقليدي لكل الذين جاؤا بعد عمر، وحرصوا على العمل بسنته، وتنفيذ سياساته، فراجع النصوص التاريخية المختلفة فيما يرتبط بهذه الناحية (1). المنع من العمل بالسنة أيضا: ولم يقتصر الامر على المنع من رواية وكتابة حديث النبي (ص)، بل تعداه إلى ما هو أهم وأكثر، وأدهى وأمر، وهو المنع عن العمل والجري على السنة النبوية الشريفة، حيث رأينا أن الخليفة يضرب الناس إذا رآهم يصلون بعد العصر (2). ولما ضرب زيد بن خالد الجهني لاجل ذلك،


(1) راجع على سبيل المثال: تقييد العلم ص 53 - 57 وراجع ص 61. (2) راجع: المصنف للصنعاني ج 2 ص 429 و 430 و 432 و 433 وراجع سائر المجاميع الحديثة والروائية لاهل السنة والجماعة. (*)

[ 65 ]

وقال له زيد: إنه لا يدعهما بعد إذ رأى رسول الله (ص) يصليهما، قال له عمر: " لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما " (1). كما أن أبا أيوب الانصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استخلف عمر تركهما، فلما توفي ركعهما. فقيل له: ما هذا ؟ فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما (2). فإذا كان مثل أبي أيوب لا يجرؤ على العمل بما سنه النبي (ص)، فما ظنك بغيره من الناس العاديين، الذين ليس لهم ما لابي أيوب من احترام وتقدير ومكانة لدى صحابة رسول الله (ص). كما أننا لم نفهم ما هو المحذور في أن يصلي الناس حتى الليل ! ! حتى جاز لعمر ضرب الناس لاجل ذلك ! ! وأخيرا... فقد روي: أن عمر قد هم أن يمنع الناس عن كثرة الطواف. وقال: " خشيت أن يأنس الناس هذا البيت، فتزول هيبته من صدورهم " (3).


(1) المصنف للصنعاني ج 2 ص 432 ومجمع الزوائد ج 2 ص 223 عن أحمد والطبراني، وعن كنز العمال ج 4 رقم 4123 و 4784 وراجع مسند أحمد ج 4 ص 115. (2) المصنف ج 2 ص 433 وفي هامشه عن كنز العمال وعن محمد بن نصر في قيام الليل. (3) تاريخ الخميس ج 1 ص 124. (*)

[ 66 ]

أضف إلى ما تقدم أن الصحابي الجليل، حذيفة بن اليمان يقول: " ابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا " (1). وحذيفة إنما توفي في أوائل خلافة علي " عليه السلام "، بعد البيعة له (ع) بأربعين يوما، على ما قيل. وهو من القواد الكبار الذين كان الحكام قبل علي " عليه السلام " يعتمدون عليهم في فتوحاتهم، وله مكانته المرموقة ودوره الكبير فيما بين الشخصيات الفاعلة في النظام القائم. فقوله المتقدم يدل على أن الاجواء العامة كانت ضد المؤمنين، وأن السيطرة كانت لاناس لا يهمهم أمر الدين في شئ، بل كان المؤمنون يتعرضون للسخرية والاستهزاء، تماما كما هو الحال بالنسبة لطغيان الفساق والفجار في بعض البلاد الاسلامية اليوم، مع عدم ظهور اهتمام من الحكام بردعهم ومكافحتهم، لاسباب مختلفة. حبس كبار الصحابة في المدينة: وفي هذا الاتجاه بالذات يقدم الخليفة الثاني على خطوة أخرى أيضا، وهي: أنه جمع الصحابة من الافاق، وطالبهم بما أفشوه من حديث رسول الله (ص)، ثم أمرهم بالمقام عنده، وأن لا يفارقوه ما عاش، ومنعهم من مغادرة المدينة، فبقوا فيها إلى أن مات (2).


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 91 وصحيح البخاري ج 2 ص 116. (2) حياة الصحابة ج 3 ص 273 و 27 2 وج 2 ص 40 و 41. ويمكن الاستفادة في هذا الامر من المصادر التالية: تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 426 حوادث سنة 35 ه‍. ومروج الذهب ج 2 ص 321 و 322 ومسثدرك الحاكم ج 3 ص 120 وج 1 ص 110 وكنز العمال ج 10 ص 180 عن ابن = (*)

[ 67 ]

وقد أضاف سببا آخر إلى إفشائهم حديث رسول الله (ص)، فذكر أنه إنما يمنعهم من المشاركة في الغزو، حتى لا يفسدوا عليه أصحاب محمد (ص) (1). نعم.. لقد رووا عن الخليفة أنه فعل ذلك، رغم أنه هو نفسه يقول للناس - كما قيل - إنه إنما يرسل إليهم العمال، ليعلموهم دينهم وسنتهم (2). الخلف في السلف: ولم يقتصر الامر في المنع عن الحديث رواية وكتابة إلخ.. على زمان أبي بكر وعمر، فإن الذين جاؤا بعدهما من خلفاء بني أمية، إبتداء من عثمان، ثم معاوية، فمن تلاه من الخلفاء: قد اتبعوا نفس الطريقة،


= عساكر، وابن صاعد، والدارمي، وابن عبد البر وغيرهم. والمجروحون ج 1 ص 35 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 7 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 وشرف أصحاب الحديث ص 87 ومجمع الزوائد ج 1 ص 149 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 239 ط صادر وط ليدن ج 4 ص 135 وج 2 قسم 2 ص 100 و 112 وحياة الشعر في الكوفة ص 161 والفتنة الكبرى (عثمان) ص 17 و 46 و 77 وسيرة الائمة الاثني عشر ج 1 ص 317 و 334 و 365 والتاريخ الاسلامي والمذهب المادي في التفسير ص 208 و 209 والغدير ج 6 ص 294 / 295 عن بعض من تقدم، وعن: المعتصر ج 1 ص 459. ونقل ذلك أيضا عن المحدث الفاصل ص 133 وعن الموضوعات ج 1 ص 94. (1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 120 وأنوار الهداية ص 124 وحياة الصحابة ج 2 ص 40 و 41 عن كنز العمال ج 7 ص 139 وعن الطبري ج 5 ص 134. (2) حياة الصحابة ج 3 ص 485 عن مجمع الزوائد ج 5 ص 211 وعن مستدرك الحاكم ج 4 ص 439 وعن كنز العمال ج 8 ص 209 وعن أحمد، وابن سعد، ومسدد، وابن خزيمة، والبيهقي وغيرهم. (*)

[ 68 ]

وساروا على نفس النهج، في المنع عن الحديث إلا حديثا كان على عهد عمر (1). وأصبحت كتابة الحديث عيبا عند الناس، كما عن أبي المليح (2). بل لقد رووا عن ابن الحنفية أنه قال: " إياكم وهذه الاحاديث، فإنها عيب عليكم، وعليكم بكتاب الله إلخ.. " (3). لا قرآن، ولا سنة: ولكن ورغم توصية ابن الحنفية الانفة بكتاب الله وقبل وفوق ذلك وصايا النبي (ص) والوصي (ع) به أيضا، ورغم أن النبي " صلى الله عليه وآله " كان يعلم أصحابه الايات من القرآن، ويوقفهم على ما فيها من علم وعمل، وما فيها من حلال وحرام، وما ينبغي أن يقف عنده (4). ثم ما روي عنه (ص) من أنه قال: تعلموا القرآن، والتمسوا غرائبه. وغرائبه فرائضه، وفرائضه حدوده، وحدوده حلال وحرام، ومحكم ومتشابه إلخ.. (5).


(1) راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 قسم 1 ص 206 وج 2 ص 336 ومسند أحمد ج 4 ص 99 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 7 وكنز العمال ج 10 ص 179 و 182 عن ابن عساكر، وابن سعد وأضواء على السنة المحمدية ص 47 عن جامع بيان العلم ج 1 ص 64 و 65 وراجع: الغدير ج 10 ص 351 وشرف أصحاب الحديث ص 1. (2) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 249. (3) طبقات ابن سعد ج 5 ص 70. (4) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 279 عن أحمد، وطبقات ابن سعد والطبراني في الاوسط، والهيثمي وصححه. (5) التراتيب الادارية ج 2 ص 279 عن الجامع الكبير عن الديلمي. (*)

[ 69 ]

وما روي عن عمر أنه قال حين وفاة النبي (ص): حسبنا كتاب الله - كما تقدم - ثم مبادرته حين توليه الخلافة إلى المنع من تدوين الحديث وروايته، ووإلخ.. نعم رغم ذلك كله، فإننا لا نجد لدى رواد هذه السياسة كبير اهتمام بالقرآن، وتعليمه، وتفسيره للناس، بل نجد عكس ذلك تماما، فإن عمر بن الخطاب نفسه كان يمنع الناس من السؤال عن معاني القرآن، ويضرب ويعاقب من يسأل عن شئ منه، وما فعله بصبيغ حيث ضربه ماءة ثم مئة حتى اضطربت الدماء في ظهره وفي رأسه، ومنع الناس من الكلام معه، ومن مجالسته، فمكث حولا على ذلك حتى أصابه الجهد، ولم يزل وضيعا في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه (1). وقد بقي ابن عباس سنة كاملة أو سنتين لا يجرؤ على سؤال عمر عن آية في كتاب الله (2)، رغم ما كان له من المكانة عنده.


(1) راجع في ذلك وغيره: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 146 - 148 وراجع: كشف الاستار عن مسند البزار ج 3 ص 70 ومجمع الزوائد ج 8 ص 113 وحياة الصحابة ج 3 ص 258 و 259 والغدير ج 6 ص 290 - 293 عن المصادر التالية: احياء علوم الدين ج 1 ص 30 وسنن الدارمي ج 1 ص 54 و 55 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 384 وتفسير ابن كثير ج 4 ص 232 والاتقان ج 2 ص 5 وكنز العمال ج 1 ص 228 و 229 عن نصر المقدسي، والاصبهاني، وابن الانباري، واللالكاثئ‍ وغيرهم. والدر المنثور ج 6 ص 111 و 321 وفتح الباري ج 8 ص 17 وج 13 ص 230 والفتوحات الاسلامية ج 2 ص 445. (2) راجع: البخاري ط سنة 1309 ه‍. ج 3 ص 133 في موضعين والتراتيب الادارية ج 2 ص 377 وتاريخ عمر ص 157 والغدير ج 6 ص 292 و 293 عن كتاب العلم لابي عمر ص 56. (*)

[ 70 ]

قراءة القرآن أيضا مرفوضة: بل إن عمر كان لا يرغب في كثرة القراء للقرآن أيضا، فقد كتب إليه أبو موسى بعده ناس قرأوا القرآن، فحمد الله عمر. ثم كتب إليه في العام القابل بعدة هي أكثر من العدة الاولى، ثم كتب إليه في العام الثالث. فكتب إليه عمر يحمد الله على ذلك، وقال: إن بني إسرائيل إنما هلكت حينما كثرت قراؤهم (1). ونلاحظ: أن هذه العبارة الاخيرة هي من سنخ استدلاله للمنع من كتابة الحديث ! ! فاقرأ، واعجب بعد هذا ما بدا لك ! ! هذا.. ومن المفارقات هنا: أن نرى هذا الخليفة بالذات يسمح لكعب الاحبار أن يقرأ التوراة آناء الليل وأطراف النهار، كما سنرى ! ! الدقة في التنفيذ: وقد كان للاهتمام الذي أولاه الحكام للمنع من رواية الحديث وكتابته، وما لمسه الناس من جدية وإصرار في تنفيذ هذه السياسة، ومتابعة فصولها بدقة وحزم من قبل شخص الخليفة الثاني، الذي كان قوله ورأيه في العرب نافذا ومقبولا - قد كان لذلك تأثيرات سريعة وحاسمة، على صعيد الالتزام التام بالتعليمات الصادرة لهم في هذا الخصوص، فهذا أبو موسى الاشعري (وكذلك أنس بن مالك (2)) بمجرد أن أحس أن عمر يفكر في أمر ما في هذا الاتجاه، يمسك عن الحديث حق يعلم ما أحدثه عمر. ولنا أن نظن ظنا قويا: أنهما كانا على علم مسبق بما كان الخليفة


(1) كنز العمال ج 10 ص 161 و 162. (2) راجع: مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 393 و 372. (*)

[ 71 ]

قد عقد العزم عليه في هذا الصدد، وأراد ترويض الناس على قبول ذلك، والالتزام به. بل لقد بلغ بهم التحاشي عن حديث رسول الله (ص) حدا مثيرا للدهشة، حتى إن عبد الله بن مسعود - وهو الصحابي المعروف - كانت تأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله (ص) بشئ (1). بل لقد قال عمرو بن ميمون: " صحبت عبد الله بن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة " ثم ذكر الحديث الذي رواه (2). وبقول الشعبي: " قعدت مع ابن عمر سنتين، أو سنة ونصفا، فما سمعته يحدث عن رسول الله (ص) إلا حديثا. أو قال: جالست ابن عمر سنتين فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا (3). وكان زيد بن أرقم إذا طلبوا منه أن يحدثهم يزعم أنه كبر ونسي (4). وقال عمرو بن ميمون الاودي: " كنا جلوسا بالكوفة، فجاء رجل ومعه كتاب، فقلنا: ما هذا ؟


(1) راجع: صفة الصفوة ج 1 ص 405 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 156 ط صادر وفي ط ليدن ج 3 قسم 1 ص 110 / 111 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 314 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) نفس الصفحة، وحياة الصحابة ج 3 ص 271 وحياة الشعر في الكوفة ص 253. (2) أصول السرخسي ج 1 ص 342. (3) راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 84 ومسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 157 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 15 وحياة الصحابة ج 3 ص 271 والندير للعلامة الاميني ج 10 ص 65 وج 6 ص 294. (4) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 370 و 371 و 372. (*)

[ 72 ]

قال: كتاب دانيال. فلولا أن الناس تحاجزوا عنه لقتل. وقالوا: كتاب سوى القرآن ؟ ! " (1). وكيف لا يقتله الناس، وهو قد خالف سنة عمر في حديث رسول الله (ص)، وتجاوز سياساته تجاهه ؟ ! فإنه ولا شك قد ارتكب جريمة نكراء ! ! وجاء ببدعة صلعاء ! !. ثم إننا لا ندري ماذا كان يوجد في ذلك الكتاب المنسوب إلى دانيال النبي عليه السلام. ولعل الذين اعترضوا على هذا الكتاب كانوا لا يعرفون شيئا عن مضمون ذلك أيضا. إلى متى ؟ !: هذا، وقد استمر المنع من رواية الحديث وتدوينه ساري المفعول - بصورة أو بأخرى - إلى زمن الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز، الذي تولى الخلافة في مطلع القرن الثاني (في صفر سنة 99 ه‍) لفترة وجيزة انتهت بموته في رجب سنة 101 ه‍. فقد أظهر عمر بن عبد العزيز هذا رغبة في جمع الحديث، فأمر محمد بن عمرو بن حزم بأن يكتب له حديث النبي (ص)، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمان (2). ومراده بالسنة الماضية هي سنة أبي بكر، وعمر، وعثمان، كما


(1) تقييد العلم ص 57 وفي هامشه عن: ذم الكلام للهروي ص 27. (2) راجع: تقييد العلم ص 105 و 106 وتدريب الراوي ج 1 ص 90 عن البخاري في أبواب العلم. وراجع: ذكر أخبار أصبهان، وطبقات ابن سعد ج 2 قسم 2 ص 134 وج 8 ص 353 ط ليدن والعراق في العصر الاموي ص 155. (*)

[ 73 ]

سنشير إليه. وإنما أراد حديث عمر لاجل الوصول إلى حديث عائشة كما هو معلوم، ولا ندري: إن كان طلب الخليفة هذا قد نفذ أولا. ولكن الزهري المتوفي سنة 124 ه‍. قد كتب له طائفة من الروايات، فأرسل إلى كل بلد دفترا من دفاتره التي كتبها له. وقد كانت هذه المحاولة أيضا ضعيفة ومحدودة جدا (1) ولا تستطيع أن تعيد لحديث رسول الله (ص) دوره وحيويته في الناس كما هو واضح. ورووا أيضا: أن - أبا الزناد كتب سنن الحج لهشام بن عبد الملك، وذلك في سنة 106 ه‍. (2) لكن ليس ثمة ما يدل على أن ذلك قد وصل إلى أيدي الناس، وتداولوه. بل إن ما كتبه الزهري لم نجد له أثرا ملموسا فيما بين أيدينا من تراث مكتوب ليمكننا تقييمه والحكم عليه. ومهما يكن من أمر، فإن من المؤكد: مفعول المنع من تدوين الحديث قد انتهى في أواسط القرن الثاني، وأن الحركة الواسعة لتدوين الحديث قد بدأت في أواسط القرن الثاني للهجرة، على يد ابن جريج،


(1) راجع: السنة قبل التدوين ص 364 و 332 وجامع بيان العلم ج 1 ص 76 و 91 و 50 و 88 و 92 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 447 والمصنف للصنعاني ج 9 ص 337 وسنن الدارمي ج 1 ص 126 وحلية الاولياء ج 3 ص 363 وتدريب الراوي ج 1 ص 90 وذكر أخبار اصبهان ج 1 ص 312 وتاريخ الخلفاء ص 261 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 169 و 170 و 203 وتحفة الاحوذي (المقدمة) ج 1 ص 33 و 40 وراجع: صحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍. ج 1 ص 19 والخطط للمقريزي ج 2 ص 333 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 226 و 227. (2) الكنى والالقاب ج 1 ص 80 والكامل في التاريخ ج 5 ص 130. (*)

[ 74 ]

ومالك بن أنس، والربيع بن صبيح، والثوري، والاوزاعي، وغيرهم (1). وأما البدايات الضعيفة والمحدودة لكتابة الحديث، فقد حصلت قبل ذلك، لكنها كانت محكومة للظروف العامة، والخوف من التعرض إلى الاذى بسبب ذلك. ولم يصل إلينا ولا إلى الناس من ذلك إلا النزر القليل، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.


(1) راجع: بحوث في تاريخ السنة المشرفة. والسنة قبل التدوين ص 337 وراجع: الجرح والتعديل ج 1 ص 184 وتدريب الراوي ج 1 ص 189 والخطط للمقريزي ج 2 ص 333 وتاريخ الخلفاء ص 261 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 170 و 169 و 160 و 191 و 203 وفتح الباري (المقدمة) ص 4 و 5 وكشف الظنون ج 1 ص 237 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 351 وتحفة الاحوذي المقدمة ج 1 ص 25 و 26 و 28 ففي كل ذلك وفي غيره تجد ما يفيد في هذا المجال. (*)

[ 75 ]

الفصل الثالث: أين ؟ وما هو البديل ؟ !

[ 77 ]

من الذي يفتي الناس ؟ ! وبعد ما تقدم، فقد كان لابد للناس، الذين يدينون بهذا الدين، ويريدون أن يطبقوا أحكامه وشرائعه على حركاتهم وسلوكهم ومواقفهم - لابد لهم - من مرجع يرجعون إليه، ليفتيهم في أمور دينهم،. ويبين لهم أحكامه، من دون أن يتعرض لرواية عن رسول الله " صلى الله عليه وآله "، لا من قريب، ولا من بعيد. وبديهي، أنه لا يمكن السماح لكل الناس بالتصدي للفتوى، لان ذلك يحمل معه مخاطر كبيرة وخطيرة، ويجعل السلطة في مواجهة مشاكل صعبة، ويضعها أمام إحراجات لا طاقة لها بها. وذلك حينما تتعارض فتاواهم وتتناقض. أو حينما تصدر عن بعض الناس فتاوى قد يعتبرها الحكام ومن يدور في فلكهم مضرة في مصالحهم في الحكم، أو في غيره. وهذا الامر يحمل معه أجواء الاستدلال والاحتجاج، والتأييد والرد، ثم الادانة، وتسفيه الاراء. ومعنى ذلك هو: العودة إلى طرح النصوص القرآنية، والكلمات والمواقف النبوية،

[ 78 ]

كوسائل اقناع واحتجاج، فيكون ما فروا منه قد عادوا فوقعوا فيه. مع ما في ذلك من إضعاف لمواقع ولرموز لا تريد لها السلطة أن تضعف، بأية صورة كانت. ويأتي إضعافها وضعفها بإتضاح أنها في درجة أدنى من حيث المعرفة والعلم بالقرآن والسنة، وأحكام الدين، وتعاليم الشريعة. ثم هو يتسبب بالاحساس بالغبن، وبالمظلومية بالنسبة لاولئك الذين يملكون المؤهلات الحقيقية للفتوى، حين يكون التعامل معهم، والموقف منهم، ومن كل ما يقدمونه من علم صحيح ونافع لا يختلف عن الموقف مما يقدمه أولئك الجهلة الاغبياء، الذين لا يملكون من التقوى ما يمنعهم عن الافتاء بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير. أضف إلى ذلك: أن هذا من شأنه أن يضعف الثقة بالسلطة، التي انتهجت هذه السياسة، وشخعت هذا الاتجاه. هذا كله، عدا عن أن الحكم يريد أن يتبنى اتجاها فكريا خاصا ومتميزا، يخدم أهدافه الخاصة والعامة. ويريد أن يزرع في الناس مفاهيم، ويحملهم على اعتقادات، ويلزمهم بأحكام لا يدع لهم مناصا من الالتزام بها، والجري عليها وتبنيها، في مختلف الظروف والاحوال. ولن يكون ذلك ميسورا له في ظل هذه الحرية في الفتوى، وفي الاستدلال عليها. حصر الفتوي في نوعين من الناس: ولاجل ذلك، فقد كان من الطبيعي أن لا يسمحوا بالفتوى إلا لنوعين من الناس. الاول: الامراء، وذلك في الامور الحساسة، فيما يبدو. الثاني: أشخاص بأعيانهم، يمكنهم تسويق فكر السلطة، بصورة أو

[ 79 ]

بأخرى. ولاجل توضيح ذلك فإننا نشير إلى كلا النوعين باختصار، فنقول: أولا: الامراء: أما بالنسبة للامراء، فإننا نقرأ في التاريخ: أن عمر بن الخطاب قد أنكر على بعضهم بقوله: " كيف تفتي الناس، ولست بأمير ؟ ! ولي حارها من ولي قارها " (1). وكان ابن عمر إذا سئل عن الفتوى قال: إذهب إلى هذا الامير، الذي تقلد أمور الناس، ووضعها في عنقه (2). وقد امتنع ابن عمر عن إفتاء سعيد بن جبير، وقال: يقول في ذلك الامراء (3). وقد أطلقوا على الفتوى إسم " صوافي الامراء ". فعن المسيب بن رافع قال: كان إذا ورد الشئ من القضاء، وليس في الكتاب، ولا في السنة، سمي " صوافي الامراء "، فدفع إليهم إلخ...


(1) راجع: جامع بيان العلم ج 2 ص 175 و 203 و 194 و 174 ومنتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 4 ص 62 وسنن الدارمي ج 1 ص 61 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 179 و 258 والمصنف للصنعاني ج 8 ص 301 وج 11 ص 328 وراجع ص 231 وأخبار القضاة لوكيع ج 1 ص 83 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 54 وراجع: حياة الصحابة ج 3 ص 286 وكنز العمال ج 1 ص 185 وراجع ص 189 عن عبد الرزاق، وابن عساكر، وابن عبد البر، والدينوري في المجالسة. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 367. (3) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 6 ص 174. (*)

[ 80 ]

وروى هشام بن عروة عن أبيه: أنه ربما سئل عن الشئ فيقول: هذا من خالص السلطان. وعن ابن هرمز: أدركت أهل المدينة، وما فيها الكتاب والسنة. والامر ينزل، فينظر فيه السلطان (1). وزيد بن ثابت يكتب لمعاوية في الجد: ذلك مما لم يكن يقضي فيه إلا الامراء (2). ثانيا: المسموح لهم بالفتوى من غير الامراء: وأما بالنسبة للاشخاص المسموح لهم بالفتوى: فإنما سمحوا بالفتوى بل وبالرواية أيضا لاشخاص رأوا: أن لديهم من المؤهلات ما يكفي للاعتماد عليهم، ويطمئن لالتزامهم بالخط المعين، والمرسوم، بصورة مقبولة ومعقولة. أما من وجدوه غير قادر على ذلك، فقد استبعدوه، حتى وإن كان منسجما معهم، في خطه السياسي، أو في طريقة تفكيره، وأسلوب حياته. ونذكر من هؤلاء: 1 - عائشة: فإننا نجد مروان بن الحكم يحاول التأكيد على الدور الاساس لام المؤمنين عائشة في هذا المجال، فهو يقول:


(1) جامع بيان العلم ج 2 ص 174. (2) بحوث مع أهل السنة والسلفية ص 238. (*)

[ 81 ]

" كيف يسأل أحد وفينا أزواج نبينا وأمهاتنا " (1). وإنما قلنا: إنه يقصد خصوص عائشة في كلامه هذا، لانها هي التي كانت تتصدى للرواية والفتوى من بين أمهات المؤمنين بصورة رئيسية، وهي بنت الخليفة الاول أبي بكر، ومدللة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ولم يعرف عن أي من نساء النبي (ص) سواها: أنهن تصدين للرواية والفتوى إلا في حالات قليلة جدا، وكانت أم سلمة تتصدى لرواية شئ عن النبي (ص) لم يكن يعجب أمثال مروان، ولا كان يروق لهم كثيرا. وقد كانت عائشة تفتي على عهد عمر، وعثمان، وإلى أن ماتت. وكان هذان الخليفتان يرسلان إليها فيسألانها عن السنن (3). وفي نص آخر: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهلم جرا، إلى أن ماتت (4). منافسون لعائشة: ونجد من بعض الطموحين من الشباب الذين تهتم السلطة بإعطائهم دورا من نوع ما، تشكيكا بل ورفضا لما تدعيه عائشة ومحبوها من علم واطلاع كامل على أحوال رسول الله (ص) وأوضاعه، فهذا زيد بن ثابت يقول:


(1) المصنف للصنعاني ج 1 ص 166 وراجع: كشف الاستار عن مسند البزار ج 2 ص 196 ومجمع الزوائد ج 4 ص 324. (2) حياة الصحابة ج 3 ص 298 عن الطبقات الكبرى ج 4 ص 189. (3) حياة الصحابة ج 3 ص 288 / 289 عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 189. (*)

[ 82 ]

" نحن أعلم برسول الله من عائشة " (1). كما أن عائشة نفسها كانت لا ترتاح إذا رأت للآخرين دورا فاعلا في نطاق الفتوى والرواية، ولعل هذا هو ما يفسر لنا شكواها لابن اختها عروة بن الزبير من أن أبا هريرة الذي كان يحاول إثارتها بجلوسه إلى جانب حجرتها، ليحدث عن رسول الله (ص)، قالت عائشة لعروة: ألا يعجبك أبو هريرة ! ! جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله (ص)، يسمعني ذلك ! ! وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، لو جلس حتى أقضي سبحتي لرددت عليه إلخ.. (2). 2 - زيد بن ثابت: وممن كان يسمح له بالفتوى أيضا: زيد بن ثابت، وكان مترئسا بالمدينة في القضاء، والفتوى، والقراءة، والفرائض في عهد عمر، وعثمان (3) ونرى أن ذلك يرجع إلى موقفه السلبي من علي أمير المؤمنين " عليه السلام "، ثم إلى دوره في تقوية سلطان الحكم القائم، كما سيأتي إن شاء الكه تعالى في هذا الكتاب، حين الحديث عن تعلم زيد للغة


(1) مسند الامام أحمد بن حنبل ج 5 ص 185. (2) مسند أحمد ج 6 ص 157 وراجع: صحيح مسلم ج 8 ص 229 وفتح الباري ج 7 ص 390 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 607 عن مسلم وعن أبي داود رقم 3655 واختصره الترمذي برقم 3643 وعن البخاري في المناقب ج 6 ص 422 والسنة قبل التدوين ص 462 عن الاجابة لايراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص 135 وحياة الصحابة ج 2 ص 705 عن البخاري، وأحمد، وأبي داود. (3) حياة الصحابة ج 3 ص 288 عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 175. (*)

[ 83 ]

العبرانية، بعد الحديث عن غزوة حمراء الاسد. 3 - عبد الرحمان بن عوف: " كان عبد الرحمان بن عوف ممن يفتي في عهد رسول الله (ص)، وأبي بكر، وعمر، وعثمان بما سمع من النبي (ص) " (1). وموقف ابن عوف من علي في قضية الشورى، وصرفه الامر عن علي " عليه السلام " إلى عثمان بطريقة ذكية ومدروسة، معروف، ولا يحتاج إلى مزيد بيان. 4 - أبو موسى الاشعري: وكان أبو موسى الاشعري - كما يقولون - لا يزال يفتي بما أمره النبي (ص) في زمن أبي بكر، ثم في زمن عمر، فبينما هو قائم عند الحجر يفتي الناس بما أمره رسول الله (ص)، إذ جاءه رجل فساره: أن لا تعجل بفتياك، فإن أمير المؤمنين قد أحدث في المناسك شيئا. فطلب أبو موسى حينئذ من الناس: أن يأتموا بعمر، ويتركوا ما كان يفتيهم به. ثم سأل الخليفة عن الامر، فحققه له (2). فأبو موسى إذن، كان يرى: أن سنة عمر مقدمة على ما سنه الله


(1) حياة الصحابة ج 3 ص 287 عن الطبقات الكبرى لابن سعد كاتب الواقدي، وعن منتخب كنز العمال (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 77. (2) راجع: مسند الامام أحمد بن حنبل ج 4 ص 393. (*)

[ 84 ]

ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ! !. ولعله يستند في ذلك إلى ما رووه عن رسول الله (ص) من أنه قال: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر ! !. أو إنه قال: انه ما أبطأ عنه (ص) الوحي إلا ظن أنه نزل في آل الخطاب ! !. وغير ذلك مما اختلقته يد السياسة، وزينه لهم الحب الاعمى (1). 5 - السماح لابي هريرة بعد المنع: قال أبو هريرة: " بلغ عمر حديثي، فأرسل إلي، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله (ص) في بيت فلان ؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك ! !. قال: ولم سألتك ؟ قلت: إن رسول الله (ص) قال يومئذ: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. قال: أما إذن، فاذهب فحدث " (2). ومن المعلوم: أن عمر كان قد منع أبا هريرة من التحديث (3)، ولكنه لما بلغه حديثه، وأعجبه أرسل إليه، وأبلغه سماحه له بالتحديث، كما


(1) راجع: كتاب الغدير للعلامة الاميني رحمه الله. (2) البداية والنهاية ج 8 ص 107 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 603 والسنة قبل التدوين ص 458. (3) راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 600 / 601 و 602 / 603 والبداية والنهاية ج 8 ص 106. (*)

[ 85 ]

ترى ! !. ولابد لنا من أن نتساءل عن تلك الخصوصيات التي لو اشتمل عليها الحديث لاعجب الخليفة، ويكافئ من يأتي بها بالسماح بما هو ممنوع على من سواه، من جلة أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله " ! ! محاولة فاشلة لهم مع علي " عليه السلام ": وقد بذلت محاولة لفرض الرأي في مجال الفتوى، والعمل بالسنة على علي أمير المؤمنين " عليه السلام "، فوجدوا منه الموقف الحازم، والحاسم، فكان التراجع منهم والاعتذار. فقد روى العياشي عن عبد الله بن علي الحلبي، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله " عليهما السلام "، قال: حج عمر أول سنة حج، وهو خليفة، فحج تلك السنة المهاجرون والانصار وكان علي قد حج في تلك السنة بالحسن والحسين " عليهما السلام "، وبعبد الله بن جعفر، قال: فلما أحرم عبد الله لبس إزارا ورداء ممشقين - مصبوغين بطين المشق - ثم أتى، فنظر إليه عمر، وهو يلبي، وعليه الازار والرداء، وهو يسير إلى جنب علي " عليه السلام "، فقال عمر من خلفهم: ما هذه البدعة التي في الحرم ؟ فالتفت إليه علي " عليه السلام "، فقال له: يا عمر، لا ينبغي لاحد أن يعلمنا السنة ! فقال عمر: صدقت يا أبا الحسن. لا والله، ما علمت أنكم هم (1).


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 38 والبحار ج 96 ص 142 وتفسير البرهان ج 2 ص 49. (*)

[ 86 ]

من له الفتوى بعد عهد الخلفاء الثلاثة: وإذا استثنينا الفترة التي تولى فيها أمير المؤمنين " عليه السلام " شؤون المسلمين، فإن الذين تصدوا للفتوى بعد ذلك العهد ما كانوا من الشخصيات الطليعية في المجتمع الاسلامي، بل إن بعضهم لا يعد حتى من أهل الدرجة الثانية أو الثالثة. وبعض هؤلاء أو كلهم لم يكن يسمح لهم بالفتوى في عهد الخلفاء الثلاثة: أي بكر، وعمر، وعثمان. يقول زياد بن ميناء: "... كان ابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، ورافع بن خديج، وسلمة بن الاكوع، وأبو واقد الليثي، وعبد الله بن بحينة، مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله (ص) يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله (ص)، من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا. والذين صارت إليهم الفتوى منهم: ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله " (1). حظر الرواية على ابن عمر، وابن عمرو: ولابد لنا هنا من تسجيل تحفظ على ما ذكره زياد بن ميناء بالنسبة لكل من عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص.


(1) حياة الصحابة ج 3 ص 288 عن الطبقات الكبرى ج 4 ص 187 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ص 606 / 607 وفي هامشه أشار إلى طبقات ابن سعد ج 2 ص 372. (*)

[ 87 ]

فأما بالنسبة إلى ابن عمر فقد رووا: أن معاوية قال له: " لئن بلغني أنك تحدث لاضربن عنقك " (1). وأما بالنسبة لعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنما كان يسمح له بالرواية والفتوى قبل حرب صفين - على ما يظهر - ثم منعه معاوبة من الرواية بعدها. وقد استمر هذا المنع إلى عهد يزيد بن معاوية أيضا (2). أسباب المنع: أما عن أسباب منعهما من الرواية فإننا نقول: أما عبد الله بن عمر بن الخطاب، فإنه كان يروي أحاديث رسول الله " صلى الله عليه وآله " في معاوية، كقوله (ص) عنه: لا أشبع الله بطنه. وقوله (ص) عنه. وعن أبيه، وأخيه: اللهم العن القائد، والسائق، والراكب. وقوله (ص): يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت حين يموت، وهو على غير سنتي. فطلع معاوية. وأن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون. وقوله (ص): يموت معاوية على غير الاسلام (3).


(1) صفين للمنقري ص 220 وراجع: قاموس الرجال ج 9 ص 17 والغدير ج 10 ص 352. (2) راجع: مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 167 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير والحديث ص 151 والغدير ج 10 ص 352. (3) راجع ما تقدم في: صفين للمنقري ص 217 - 220 وفي قاموس الرجال، ترجمة معاوية، وراجع الغدير للعلامة الاميني، وغير ذلك.

[ 88 ]

وأما عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه قد أحرج معاوية في صفين بحديث قتل الفئة الباغية لعمار. وبحديث: أنه سيكون ملك من قحطان. فقال معاوية لابيه، عمرو: ألا تغني عنا مجنونك ؟ (2). شواهد أخرى: ومن الشواهد على أن الحكام كانوا يواجهون كل من روى حديثا يضر بحكومتهم وسياساتهم بصرامة وقسوة ما ذكروه عن الخليفة المهدي العباسي، من أنه أمر بقتل رجل لروايته حديثا رأى المهدي أنه يضر في حكمه وسلطانه، ثم لما عرف أن ذلك الراوي إنما يرويه عن الاعمش، قال: " ويلي عليه، لو عرفت مكان قبره لاخرجته، فأحرقته بالنار " (2). وسأل سعيد بن سفيان القاري عثمان بن عفان عن مسألة، فقال: فهل سألت أحدا قبلي ؟ ! فقلت: لا.


(1) راجع: أنساب الاشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 312 / 313 وراجع: 317 والجزء الاول (قسم سيرة الني (ص)) ص 168 وراجع ص 169 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 253 ط صادر ونقله المحمودي في تعليقاته على أنساب الاشراف عن ابن أبي شيبة. وراجع: تذكرة الخواص ص 93 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 268. وراجع: تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 41 ط دار المعارف. والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 150. (2) روضة العقلاء لابن حبان ص 159. (*)

[ 89 ]

قال: لئن استفتيت أحدا قبلي، فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربت عنقه إلخ... (1). أضف إلى ما تقدم: أن معاوية الذي كان يتعامل بالربا، قد حاول أن يمنع عبادة بن الصامت من رواية حديث عن النبي " صلى الله عليه وآله " حول تحريم الربا، فلم يفلح (2). كما أنهم قد منعوا أبا ذر من الفتيا - منعه عثمان - فلم يمتنع (5) فواجهوه بأنواع كثيرة من الاذى، والمحن والبلايا، حتى مات غريبا مظلوما في الربذة، منفاه (3). وقد تقدم عن قريب أن أبا موسى الاشعري يطلب من الناس أن يتركوا ما كان يحدثهم به مما سمعه من رسول الله " صلى الله عليه وآله "، ويأخذوا بما أحدثه لهم عمر. فراجع. وخلاصة الامر: إن الحكام إنما كانوا يسمحون بالفتوى لاشخاص بأعيانهم، ويمنعون من عداهم من ذلك إلا إذا اطمأنوا إلى أنه من مستوى يؤهله لان ينسجم في ما يفتي به، ويرويه مع مقاصد الحكم وأهدافه، كما كان


(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 54 وحياة الصحابة ج 2 ص 390 / 391 عنه. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 215 والغدير ج 10 ص 185 عنه وفي الغدير نصوص أخرى للقضية عن موطأ مالك، وصحيح مسلم وسنن البيهقي والجامع لاحكام القرآن، وشرح النهج للمعتزلي وسنن النسائي، واختلاف الحديث للشافعي، ومسند أحمد وغير ذلك فليراجعه طالب ذلك. (3) راجع: حلية الاولياء ج 1 ص 160 وصحيح البخاري ج 1 ص 15 - ط سنة 1309. (4) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 1 ص 111 - 141. (*)

[ 90 ]

الحال بالنسبة لابي هريرة. وحتى لو سمحوا للبعض بمبارسة دوره الفتوائي، فإن ذلك يبقى مرهونا بهذا الانسجام، فإذا ما أخل به أحيانا، ولو عن غير قصد، فإنه يمنع من الحديث، ولو بلغ إلى درجة الاضرار فإنه يهدد بالقتل، والضرب، بل وينفى إلى أبغض البلاد إليه. كما كان الحال بالنسبة لعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأبي ذر، حسبما ألمحنا إليه. لابد من أساليب أخرى: ثم إن الحكام قد رأوا: أن كل ذلك لا يكفي لاشباع رغبة الناس في التعرف على الدين، وعلى عقائده ومفاهيمه، وأحكام. ولسوف تبقى لدى الناس الرغبة والاهتمام، بنيل معارفة والتعرف على ما فيه من شرائع وأحكام، ومن سيرة وتاريخ، وعقائد وسياسات وغيرها. وقد أصبح الاهتمام بذلك محسوسا وملموسا، فلابد من معالجة الامر، بحكمة وروية وحنكة. وقد كان من الواضح: أن مجرد إعطاء الفتاوى لا يكفي، فقد كان ثمة حاجة إلى تثقيف الناس، في مجالات، وشؤون ومناحي مختلفة: تاريخية، وسياسية، وتربوية، وعقيدية وغيرها. فاتجهوا إلى اعتماد أساليب أخرى، رأوا أنها قالرة على حل هذا المشكل، وتساعدهم على الخروج من هذا المأزق، الذي وجدوا أنفسهم فيه. ونذكر هنا بعضا من مفردات هذه الاساليب، التي اعتمدوها لسد الخلل ورأب الصدع، فنقول:

[ 91 ]

تشجيع الشعر والشعراء: إن من الواضح: أن الشعر العربي له تأثير السحر على روح، وعقل وعواطف الانسان العربي، الذي ينجذب إليه، ويقبل بكل مشاعره وأحاسيسه عليه. ومن الواضح: أن هذا الامر يجعل الشعر قادرا على القيام بدور فاعل وقوي في مجال الاستئثار بقسط من الاهتمام لدى فريق كبير من الناس. فلماذا إذن لا يعطى للشعر هذا الدور، ليخفف من الاعباء التي اصبحت ترهق كاهل الحكم، في هذا الاتجاه. ولاجل ذلك نجد أن المبادرة لتنشيط الاتجاه الادبي، والاهتمام بالشعر، قد جاءت من قبل نفس الخليفة الذي تبنى السياسات التي أشرنا إليها تجاه الحديث والقرآن، ونفذها بدقة، ورسخها بحزم، وحافظ عليها بقوة. فأمر بكتابة الشعر، والاحتفاظ به، فدونوا ذلك عندهم، وكانت الانصار تجدده إذا خافت بلاه (1). بل لقد روى لنا مالك في موطئه، في أواخر كتاب الصلاة أنه بلغه: أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد، تسمى " البطيحاء " وقال: " من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة " (2).


(1) الاغاني ط ساسي ج 4 ص 5 و 6. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 300. (*)

[ 92 ]

وحاول أن يكتب شعر الشعراء، فكتب إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، يطلب منه أن يجمع الشعراء، وشمتشهدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية، والاسلام، ويكتب بذلك إليه (1). وقال عمر بن الخطاب أيضا: تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوئ تتقى (2). ثم أكدت ذلك عائشة أم المؤمنين، حيث قالت: " عليكم بالشعر، فإنه يعرب ألسنتكم " (3). ولسنا ندري إن كانت ترى: أن القرآن وحده، لم يكن يكفي لاعراب ألسنتهم ؟ أو أن عمر كان يرى: أن ما في القرآن لا يكفي الناس فيما يبتغونه من محاسن. تعلم الانساب: ورغم أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد قال عن علم الانساب - حسبما روي عنه -: إنه علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه، وكذا روي عنه بالنسبة لعلم العربية، والاشعار، وأيام الناس (4). إننا رغم ذلك نجد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قد رتب إعطاء الجند على أساس قبلي، يرتكز على ملاحظة أنساب الناس، وانتماءاتهم


(1) التراتيب الادارية ج 2 ص 255 عن كنز العمال ج ص 176 وعن الخطط للمقريزي ج 4 ص 143. (2) زهرة الاداب ج 1 ص 58. (3) التراتيب الادارية ج 2 ص 300. (4) التراتيب الادارية ج 2 ص 301 و 302 و 230 عن إحياء العلوم وغيره. وراجع: الانساب للسمعاني ج 1 ص 9. (*)

[ 93 ]

العرقية (1). ثم هو يخطط البصرة والكوفة على أساس قبلي أيضا. وكان يحث على تعلم الانساب، مضمنا كلامه ما يتوافق مع التوجهات المقبولة والمعقولة، فيقول: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " (2). والملفت للنظر هنا: أن هذه العبارة نفسها قد نسبت إلى النبي (ص) (3). وربما يكون النبي (ص) قد قال ذلك، فاستعان عمر بن الخطاب بهذا القول لتنفيذ سياساته في التمييز العنصري، وإجرائها، ولم يعد الامر يقتصر على صلة الرحم، كما هو المفروض. ومهما يكن من أمر، فإن معاوية أيضا قد اختار دغفل بن حنظلة السدوسي، ليعلم ولده يزيد (لعنه الله) علم الانساب (4) لا علم الفقه، ولا القرآن، ولا أحكام الدين. أما الهدف من نسبة كلمة عمر إلى النبي (ص) فربما يكون هو إعطاءها حيوية وفاعلية، لتجد طريقها إلى وعي الناس، وإلى حياتهم العملية بيسر وسهولة. وقد دافع البعض عن سياسة عمر في توجيه الناس نحو تعلم


(1) راجع كتابنا: سلمان الفارب في مواجهة التحدي (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 302 والانساب للسمعاني ج 1 ص 11، وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 166 عنه. (3) التراتيب الادارية ج 2 ص 351 و 231. (4) الاستيعاب، وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 168. (*)

[ 94 ]

الانساب، معتبرا أنه لابد من معرفة نسب النبي (ص)، وقريش، لان الخلافة لا تجوز إلا في قريش، وإلا لادعاها من لا تحل له، هذا بالاضافة إلى ما يترتب على ذلك من أحكام الزواج والمواريث (1). أسرار الاعذار: هكذا يتمكن هؤلاء الذين لم يقفوا على حقيقة، وأبعاد وأسرار سياسة الخليفة، أو أنهم يتجاهلونها عن سابق عمد وإصرار - هكذا يتمكنون - من اختلاق الاعذار، التي ربما لا يتمكن الكثيرون من السذج والبسطاء من اكتشاف خطلها وزيفها في الوقت المناسب ! ! على أننا لا نجد أنفسنا مبالغين إذا قلنا: ان أمثال هؤلاء المتمحلين لمثل هذه الاعذار الواهية إنما يريدون إصابة عصفورين بحجر واحد. فهم في نفس الوقت الذي يبعدون فيه أذهان الناس عن معرفة الحقيقة التي يخشون من ظهورها للناس، فيما يرتبط بسياسات حكام يحترمونهم، تستهدف طمس حديث وسنة النبي (ص)، بالاضافة إلى سياسات لهم تجاه القرآن أيضا. فإنهم يكونون قد أعطوا أمورا ثبت زيفها وخطلها صفة الواقعية، بحيث تبدو كأنها من الامور المسلمة، التي لا مجال للشك والشبهة فيها. وذلك حينما يفترضون أن أمر الامامة لم يحسم، وأنه ليس موقوفا على النص، وإنما هي شائعة في جميع بطون قريش. وأن النبي (ص) لم يعيين الامام والخليفة بعده، بإسمه وصفته، وحسبه ونسبه، ولم يبايعه المسلمون في غدير خم، وليس ثمة تعد على أحد في هذا الامر، ولا اغتصاب لحق، قرره الله ورسوله في موارد ومناسبات كثيرة، وبطرق


(1) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 167. (*)

[ 95 ]

وأساليب مختلفة ومتنوعة. فلابد من تعلم الانساب حتى إذا اغتصب أمر هذه الامة، وتغلب متغلب - فلابد من متابعته وإطاعته، بعد التحقق من نسبه القرشي - مهما كان جبارا وعاتيا، وظالما وجانيا... هكذا زينت لهم شياطينهم، وابتكرته لهم نفوسهم الماكرة، وأهواؤهم الداعرة، وسيلقون غدا جزاءهم الاوفى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. البديل الاكثر نجاحا والامثل: أما البديل الذي كان أكثر نجاحا في تحقيق ما يصبوا إليه الحكام، فقد كان هو: " علوم أهل الكتاب ". وحيث إن هذا البديل قد كان أبعد أثرا، وأكثر انتشارا، فلا لابد لنا من أن نورد بعض التفصيلات التي ربما تكون ضرورية لتكوين نظرة واقعية عن حقيقة ما جرى. فنقول: نظرة العرب إلى اهل الكتاب: إننا كتمهيد لما نريد أن نقوله نذكر: أن العرب قبل الاسلام كانوا صفر اليدين من العلوم والمعارف، كما هو ظاهر لا يخفى، وسيأتي التصريح به من أمير المؤمنين " عليه السلام " ومن غيره. وكانوا يعتمدون في معارفهم ولا سيما فيما يرتبط بالنبوات، والانبياء وتواريخهم، وتواريخ الامم، على أهل الكتاب بصورة رئيسية، وكانوا مبهورين بالاحبار والرهبان بصورة قوية وظاهرة، ويعتبرونهم أهم مصدر

[ 96 ]

للمعرفة لهم. بل هم ينظرون إليهم نظر التلميذ إلى معلمه بكل ما لهذه الكلمة من معنى. وقد رأينا: أن قريشا ترسل رسولا إلى أحبار يهود المدينة، للسؤال عن أمر النبي (ص)، باعتبار أنهم أهل الكتاب الاول، وعندهم من علم الانبياء ما ليس عند قريش (1). ويقول ابن عباس: " إنما كان هذا الحي من الانصار - وهم أهل وثن - مع هذا الحي من يهود - وهم أهل كتاب - وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم " (2). وسيأتي: أنهم كانوا يسثيرون أهل الكتاب في أمر الدخول في الاسلام، ويعملون بمشورتهم أيضا. الاسلام يرفض هيمنة اهل الكتاب: وقد حاول القرآن ونبي الاسلام تخليص العرب من هيمنة أهل الكتاب، بالاستناد إلى ما من شأنه أن يزعزع الثقة بما يقدمونه من معلومات، على اعتبار أنها لا تستند إلى أساس، بل هي محض افتراءات ومختلقات من عند أنفسهم. وهذا الامر وحده يكفي لعدم الثقة بهم، وبكل ما يأتون به.


(1) سنن أبي داود ج 2 ص 249 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 261 وراجع: الاسرائيليات في كتب التفسير ص 109 وراجع: الدر المنثور ج 2 ص 172 عن ابن اسحاق، وابن جرير. (2) تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 71 / 72 والاسرائيليات في كتب التفسير ص 108 عنه. (*)

[ 97 ]

فقد قال تعالى عنهم: إنهم * (يحرنون الكلم عن مواضعه) * (1). وانهم: * (يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا) * (2). وإنهم رغم أنهم يعرفون النبي (ص) كما يعرفون أبناءهم، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، فإنهم ينكرون ذلك بالكلية، وذلك حسدا من عند أنفسهم. كما يستفاد من بعض الايات القرآنية الشريفة. وقد تحدث الله سبحانه عن صفات اليهود، ومكرهم وغشهم، وغير ذلك ما من شأنه تقويض الثقة بهم، في كثير من الايات والمواضع القرآنية. واستقصاء ذلك يحتاج إلى توفر تام، وجهد مستقل. ومن جانب آخر، فإننا نجد إصرارا أكيدا من الرسول الاكرم (ص) على إبعاد أصحابه عن الاخذ من أهل الكتاب، وعن سؤالهم عن شئ من أمور الدين. فنهى " صلى الله عليه وآله " عن قراءة كتب أهل الكتاب (3). وقال لاصحابه: لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ، فإنهم لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم (4).


(1) النساء / 46 وراجع أيضا: سورة البقر / 75 والنساء / 41 والمائدة / 13. (2) البقرة / 79. (3) أسد الغابة ج 1 ص 235. (4) المصنف للصنعاني ج 10 ص 312 وج 6 ص 110 وفي 112 عن ابن مسعود وكذا في ج 1 ص 213 وكشف الاستار ج 1 ص 79 ومجمع الزوائد ج 1 ص 174 و 173 وراجع: غريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 48 وفتح الباري ج 13 ص 281 عن احمد والبزار وابن أبي شيبة وحول كراهة النبي لهم أن يسألوا أهل = (*)

[ 98 ]

وقد اتضح لكل أحد: أنه (ص) كان يحب مخالفتهم في كثير من الاشياء (1)، حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه (2). وقد استأذنه عبد الله بن سلام بأن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته، فلم يأذن له (3). وسيأتي أنه لم يطع النبي (ص) في ذلك أيضا. مدارس " ماسكة ": وقد كان من المفروض: أن يستجيب المسلمون لارادة الله ورسوله هذه، لا سيما، مع التعليل والتوضيح الذي يذكره القرآن، ونبي الاسلام لهذا المنع، كقوله (ص): لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم، أو قوله: إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وغير ذلك. ولكن الامر الذي يثير عجبنا هو أننا نجد: أن بعض مشاهير الصحابة يستمر على التعلم من أهل الكتاب. وكان بعضهم - كالخليفة الثاني عمر بن الخطاب - يقصدهم إلى مدارسهم في المدينة، وتسمى " ماسكة ".


= الكتاب راجع: الاسرائيليات في كتب التفسير ص 86 وكنز العمال ج 1 ص 342 و 442. (1) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 195 في موضعين، والمصنف للصنعاني ج 11 ص 154 وستأتي بقية المصادر في الجزء الثالث من هذا الكتاب حين الحديث حول صيام يوم عاشوراء. (2) سنن أبي داود ج 2 ص 250 والسيرة الحلبية ج 2 ص 15 ومسند ابي عوانة ج 1 ص 312 والمدخل لابن الحاج ج 2 ص 48. (3) راجع: السيرة الحلبية ج 1 ص 230. (*)

[ 99 ]

وكان هو أكثر الصحابة اتيانا لهم. وزعموا أنهم يحبونه لاجل ذلك (1). الاصرار إلى حد الاغتصاب: وقد جاء عمر بن الخطاب إلى الرسول (ص) بترجمة للتوراة، وجعل يتلوها على النبي (ص)، ووجه النبي (ص) يتمعر - أي يتقبض - وقال له رسول الله: " أمهوكون أنتم ؟ ! لقد جئتكم بها نقية بيضاء، والله، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " (2).


(1) راجع حول ذلك: جامع بيان العلم ج 2 ص 123 / 124 وكنز العمال عن كلامه وعن الشعبي وعن قتادة والسدى ج 2 ص 228 والدر المنثور ج 1 ص 90 عن ابن جرير، ومصنف ابن أبي شيبة، ومسند إسحاق بن راهويه، وابن أبي حاتم. والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 107 و 108. وكون اسم مدارس اليهود (فاشلة) مذكور في مصادر اخرى. (2) للحديث ألفاظ مختلفة وله مصادر كثيرة، فراجع على سبيل المثال: المصنف للصنعاني ج 10 ص 113 وج 6 ص 112 وج 11 ص 111 وتقييد العلم ص 52 وفي هامشه عن مصادر اخرى وجامع بيان العلم ج 2 ص 52 / 53 وراجع ص 50 والفائق ج 4 ص 116 ومسند أحمد ج 3 ص 387 و 470 / 471 وج 4 ص 266 وغريب الحديث ج 4 ص 48 / 49 وج 3 ص 28 و 29 والبداية والنهاية ج 2 ص 133 وقال: تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم ولسان الميزان ج 2 ص 408 وكنز العمال ج 1 ص 233 و 234 عن عدة مصادر والبحار ج 73 ص 347 وج 2 ص 99 ط مؤسسة الوفاء، والدعوات للراوندي ص 170 وأسد الغابة ج 3 ص 126 / 127 وج 1 ص 235 والنهاية في اللغة ج 5 ص 282 وميزان الاعتدال ج 1 ص 666 ومجمع الزوائد ج 1 ص 182 و 174 و 173 وسنن الدارمي ج 1 ص 115 و 116 والمقدمة لابن خلدون ص 436 والضعفاء الكبيرج 2 ص 21 وصفة الصفوة ج 1 ص 184 واليهود واليهودية ص 14 والسيرة = (*)

[ 100 ]

وهكذا فعلت حفصة - حسبما يروى - مع رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وهكذا أيضا كان موقفه (ص) منها (1). ولم يكتف (ص) بالقول وبالتغيظ على من يأخذ من أهل الكتاب، بل باشر إتلاف ما كتبوه عنهم بنفسه. فقد روي أن عمر بن الخطاب جاء إلى النبي (ص). بشئ كتبه عن أحد اليهود، فجعل (ص)، يتتبعه رسما رسما، يمحوه بريقه، وهو يقول: " لا تتبعوا هؤلاء، فإنهم قد هوكوا وتهوكوا، حتى محا آخره حرفا حرفا " (2). كل ذلك لم ينفع: ولكن ما يؤسف له هو أنه رغم صراحة القرآن، ورغم جهود النبي (ص) لمنع الناس من الاخذ من أهل الكتاب، فقد استمر كثيرون على الاخذ عنهم. والتلمذ على أيدي من أظهر الاسلام منهم، كما سنشير إليه ان شاء الله تعالى. وقد شجعتهم السلطات على رواية أساطيرهم بأساليب وطرق مختلفة. كما سنرى. عود على بدء: وبعدما تقدم نقول: إنهم حين منعوا الناس من السؤال عن معاني


= الحلبية ج 1 ص 230 والتراتيب الادارية ج 2 ص 229 وراجع: كشف الاستار ج 1 ص 79 وفتح الباري ج 13 ص 281 عن أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار والاسرائيليات في كتب التفسير ص 86 وأضواء على السنة المحمدية ص 162 والقصاص والمذكرين ص 10 وأصول السرخسي ج 2 ص 152. (1) المصنف للصنعاني ج 11 ص 110 وج 6 ص 113 و 114. (2) حلية الاولياء ج 5 ص 136 وكنز العمال ج 1 ص 334. (*)

[ 101 ]

القرآن، ورواية حديث رسول الله (ص)، وكتابته، وواجهتهم مشكلة إيجاد البديل، ورأوا: أن الحل الافضل هو توجيه الناس إلى ما عند أهل الكتاب، فإن ذلك ينسجم مع الخلفيات التي كانت لدى الكثيرين، ويدفع الاخرين للتعرف على ما عند هؤلاء الناس من عجائب وغرائب، ثم هو يخفف من حدة الضغوطات التي يتعرضون لها فيما يرتبط باهتمام الناس بالمعارف الدينية. وتبقى مشكلة الفتوى، وهي مشكلة سهلة الحل، وقد وجدوا لها التدبير المناسب والمعقول بنظرهم، كما سنرى. أما كيف وجهوا الناس نحو علوم أهل الكتاب، فذلك هو الامر المهم والحساس، الذي لابد لنا هنا من الاشارة إلى بعض فصوله وشواهده، فنقول: المرسوم العام: لقد كان لابد لهم بادئ ذي بدء من إعطاء رواية الاسرائيليات جوازا شرعيا، مستندا إلى النبي (ص)، ليقبله الناس، وليكون حجة على من يريد أن يعترض، فكان أن أصدروا مرسوما عاما، منسوبا إلى رسول الكه (ص) يقول: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". كما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري (1). (* هامش) * (1) راجع: صحيح البخاري ج 2 ص 165 ط سنة 1309 ه‍. والمصنف للصنعاني ج 6 ص 109 و 110 وج 15 ص 310 و 311 و 312 وهوامشه والجامع الصحيح ج 5 ص 40 وسنن أبي داود ج 3 ص 322 وسنن الدارمي ج 1 = (*)

[ 102 ]

وبذلك يكونون قد سمحوا لاهل الكتاب بأن ينشروا أساطيرهم، ويشيعوا أباطيلهم، وذلك بصورة شرعية، ورسمية، ولا يمكن الاعتراض عليها، لا سيما، وأنهم قد دعموا ذلك بمزاعم أخرى من قبيل ما زعموه من أن النبي (ص) كان يحدثهم عن بني إسرائيل عامة ليله، حتى يصبح (1). وقولهم: إنه (ص) قد أمر عبد الله بن سلام بقراءة القرآن والتوراة، هذا ليلة هو، وهذا ليلة (2). اصل الحديث: والظاهر هو أن حديث: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ليس كذبا كله، بل هو - فيما نظن - تحريف للكلمة المأثورة عن رسول


= ص 136 ومسند أحمد ج 3 ص 46 و 13 و 56 وج 2 ص 214 و 159 و 202 و 474 و 502 ومشكل الاثار ج 1 ص 40 و 41 وذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 149 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 109 والاسرار المرفوعة ص 9 والمجروحون ج ا ص 6 ومجمع الزوائد ج 1 ص 151 والمعجم الصغير ج 1 ص 166 وكنز العمال ج 10 ص 129 و 135 والزاتيب الادارية ج 2 ص 224 و 225 و 226 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 90 و 91 و 92 و 100 و 103 و 105 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 4 و 221 والبداية والنهاية ج 1 ص 6 وج 2 ص 132 و 1 33 وتقييد العلم ص 30 و 31 و 34 وشرف أصحاب الحديث ص 15 و 14. (1) راجع: سنن أبي داود ج 3 ص 322 ومجمع الزوائد ج 1 ص 191 وج 8 ص 264 ومشكل الاثار ج 1 ص 41 ومسند أحمد ج 4 ص 444 وص 437 والبداية والنهاية ج 2 ص 132 و 133 والتراتيب الادارية ج 2 ص 238 و 345 عن أبي داود وابن خزيمة، وأحمد، والطبراني، والهيثمي. (2) راجع: ذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 84. (*)

[ 103 ]

الله (ص): حدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عل متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. حسبما رواه أبو هريرة ! ! وأبو سعيد الخدري، وأنس... (1). والاولان بالاضافة إلى ابن عمرو بن العاص هم الذين ينسب إليهم ذلك الحديث المحرف. إلا أن يكون المراد من الحديث: حدثوا بما حدثكم به من مخازي وإنحرافات بني اسرائيل ولا حرج، ويكون هؤلاء الناس قد اساؤا فهم هذا الحديث، واستفادوا منه لتنفيذ سياساتهم ومآربهم. خطوة اخرى على الطريق: وبعد هذا التمهيد، فقد كان من الطبيعي أن نتوقع منهم التقدم خطوة أخرى باتجاه إعطاء إمتيازات لاهل الكتاب، فقد سمح الخليفة الثاني لكعب الاحبار بأن يقرأ التوراة آناء الليل والنهار (2). افتراض لا يجدي: ونريد أن نفترض مسبقا، وقبل الدخول في تفاصيل القضايا: أن


(1) كنز العمال ج 10 ص 128 و 135 و 136 عن أحمد ومسلم، وأبي داود، وابن عساكر، وصحيح مسلم ج 8 ص 229 المصنف للصنعاني ج 11 ص 260 وتقييد العلم ص 31 و 33 و 34 و 35 و 78. (2) راجع: غريب الحديث ج 4 ص 262 وجامع بيان العلم ج 2 ص 53 والفصل في الملل والاهواء والنحل ج 1 ص 217 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 96 والفائق للزمخشري ج 2 ص 236. (*)

[ 104 ]

حديث: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج "، قد قاله رسول الله (ص) حقيقة، وبلا ريب. ولكن هذا الافتراض لا يجدي، ولا يثبت به الرخصة بالاخذ عن أهل الكتاب، والركون إليهم، ورواية أباطيلهم، وأساطيرهم. إذ أن هذا التعبير إنما يفيد جواز نقل ما وصل إليهم من أخبار بني إسرائيل الثابتة والمعلوم صحتها، مما أخبرهم الله ونبيه به. حيث كانوا يتوهمون عدم جواز روايتها وتداولها، فورد الترخيص لهم بذلك. لا أن يأخذوا عن علماء أهل الكتاب ما يصدرونه لهم من غث وسمين، وصحيح وسقيم. شيوع الاخذ في اهل الكتاب: ومهما يكن من أمر، فإن الناس كانوا يأخذون من كعب الاحبار، الذي كان يحدثهم عن الكتب الاسرائيلية (1) وعن وهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وغيرهم من علماء وأحبار أهل الكتاب، الذين أظهروا الاسلام. قال الكتاني: " وأخذ كثير من علية الصحابة عن كعب الحبر معروف " (2). ولكي لا نكون قد أهملنا الاشارة إلى بعض هؤلاء الذين أخذوا عن أهل الكتاب، فإننا نكتفي بتقديم نموذج بسيط جدا من اسماء هؤلاء، مع إلماحة في الهامش إلى نموذج من المصادر أيضا، التي نجد فيها ما يؤيد


(1) راجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 489 والبداية والنهاية ج 1 ص 18. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 327. (*)

[ 105 ]

أخذ من ذكرنا أسماءهم عن علماء اليهود والنصارى. فراجع ما يؤثر في هذا المجال عن: أبي بردة بن أبي موسى الاشعري، وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعطاء بن يسار، وعوف بن مالك، وسعيد بن المسيب، وزرارة بن أوفى، وروح بن نباغ، وعطاء بن يزيد، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن الحرث، وأنس، وعبد الله بن حنضلة، وأبي الدرداء، ومقاتل بن سليمان، بل لقد نسب ذلك إلى ابن عباس أيضا (1). هذا إلى جانب عشرات بل مئات آخرين، فراجع تراجم علماء أهل الكتاب، وانظر من روى عنهم ليتضح لك ذلك بصورة جلية (2).


(1) راجع في ذلك كلا أو بعضا: الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 110 و 117 و 160 و 161 و 126 و 154 و 168 وفجر الاسلام ص 201 و 160 وأضواء على السنة المحمدية ص 110 و 125 / 126 و 172 و 173، ودائرة المعارف الاسلامية ج 1 ص 20 وج 11 ص 582 / 583 وتفسير القرآن العظيم ج 4 ص 17 وتهذيب التهذيب ج 8 ص 439 وج 1 ص 511 / 512 وجامع البيان ج 17 ص 10 ومجلة المنار، الجزء الاول، المجلد 26 ص 615 و 783، والموطأ (مطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 131 / 132 ومنحة المعبود ج 1 ص 140 والزهد والرقائق ص 434 و 534 وربيع الابرار ج 1 ص 559 والسيرة الحلبية ج 1 ص 217 والتراتيب الادارية ج 2 ص 326 و 327 إختصار علوم الحديث (مع الباعث الحثيث) ص 196 وميزان الاعتدال ج 4 ص 173 ترجمة مقاتل. (2) راجع تراجمهم في تهذيب التهذيب للعسقلاني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وميزان الاعتدال، ولسان الميزان، وتهذيب الكمال، وغير ذلك. (*)

[ 106 ]

الارجاعات الصريحة: وقد كان بعض الصحابة المتأثرون باأل الكتاب يوصون بأخذ العلم عنهم. فقد روي: أنه حينما حضرت معاذا الوفاة أوصاهم: أن يلتمسوا العلم عند أربعة وهم: سلمان، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهوديا فأسلم (1). وأوضح من ذلك وأصرح ما روي من أن رجلا سأل إبن عمر عن مسألة، وعنده رجل من اليهود، يقال له: يوسف، فقال: سل يوسف، فإن الله يقول: * (فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) *. زاملتا عبد الله بن عمرو بن العاص: وفي سياق الحديث عن الاخذ عن أهل الكتاب بعد أن ترخص الناس بذلك، وبدأ أحبارهم وعلماؤهم في نشر أساطيرهم بجد ونشاط، نلاحظ: أن بعض الصحابة يكاد يكون متخصصا في النقل عنهم، وفي نشر أباطيلهم وأساطيرهم. فها نحن نجد: أن كل من يتحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص لابد أن يضع في حسابه: أن يذكر الزاملتين اللتين يدعي ابن عمرو: أنه قد وجدهما في حرب اليرموك مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب، فكان يحذث عنهما بأشياء كثيرة من الاسرائيليات (2).


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 326 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 205. الايضاح ص 456. (2) راجع: البداية والنهاية ج 1 ص 24 وتفسير القرآن العظيم ج 3 ص 102 عن مسند أحمد، وعن فتح الباري. وتذكرة الحفاظ ج 3 ص 42 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 111 و 146 و 147 و 153 و 207 و 91 و 92. (*)

[ 107 ]

وقد قرر بعض المؤلفين (1): أن ابن عمرو إنما اعتمد في الرخصة بذلك على ذلك المرسوم العام، الذي أشرنا إليه فيما سبق، وهو: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. مع أنه قد تقدم: أن الحديث - لو صح - فالمقصود به رواية الحديث الثابت صحته، والمأخوذ من النبي (ص)، لا من علماء بني إسرائيل. بالاضافة إلى احتمال آخر ذكرناه هناك. لماذا كثرة تلامذة كعب الاحبار: إن من يراجع كتب تراجم الصحابة والتابعين يجد الكثير من الروايات رواها رواتها عن خصوص كعب الاحبار، ولو بالواسطة، الامر الذي يشير إلى كثرة تلامذة هذا الرجل، وشدة اهتمام فريق من الناس بالاخذ عنه. ولعل سبب ذلك هو تلك الثقة الكبيرة التي أولاه إياها الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، كما يعلم من مراجعة كتب الحديث والتاريخ والتراجم. وقد قرضه الخليفة أكثر من مرة، ومن ذلك أنه حينما تزلف له كعب بما راق له، قال: "... ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " (2). ثم جاء معاوية بن أبي سفيان ليظهر المزيد من الاهتمام بكعب، وليمنحه المزيد من الاوسمة، وكلماته فيه وتقريظاته له معروفة


(1) الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 111 و 153 وراجع ص 91 و 92. (2) لباب الاداب ص 234. (*)

[ 108 ]

ومشهورة (1). هذا بالاضافة إلى تأثير ذلك المرسوم العام في ترغيب الناس بما عند أهل الكتاب، حسبما تقدم. أبو هريرة يروي في كعب: وقد أفاد كعب من هذه التقريظات، واستخدمها في جلب المزيد من التلامذة إلى حظيرته، وبدأ ينشر على تلامذته ما شاءت له قريحته، ودعته إليه أهدافه. وترخص الناس في الرواية عنه، حتى كان أبو هريرة يروي عن كعب، كما يروي عن رسول الله (ص)، وقد روى حديثا في خلق السماوات والارض حكموا عليه بأن أبا هريرة إنما تلقاه عن كعب (2). ويقول بشير بن سعد - كما روي عنه -: " إتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فو الله، لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (ص) " (3). فترى: أن أبا هريرة يجعل حديثه عن كعب، إلى جانب حديثه عن رسول الله (ص). ولا يجد غضاضة في أن يحدث في مجالسه عنهما معا ! !


(1) راجع على سبيل المثال: الاصابة، والتراتيب الادارية ج 2 ص 426 عن الجاسوس ص 502. (2) راجع: البداية والنهاية ج 1 ص 17. (3) راجع: البداية والنهاية ج 8 ص 109 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 606 وفي هامشه عن تاريخ ابن عساكر ج 19 ص 121 والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير.. (*)

[ 109 ]

وهذا، ربما يكون السبب في صدور الاجازة له بالتحديث بعد أن كان ممنوعا من ذلك. كعب الاحبار حكما: وسرعان ما أصبح كعب الاحبار شخصية مرموقة، يحتكم إليها حتى خليفة المسلمين، ليجد عندها الجواب الكافي والشافي، والحكم العادل والفاصل فقد روى المفسرون: أن خلافا وقع بين معاوية وابن عباس في قراءة جملة: " عين حمئة ". كما يقول ابن عباس. أو: " حامية " كما يقول معاوية: فاتفقا على تحكيم كعب الاحبار، فسألاه: كيف تجد الشمس في التوراة ؟ ! فقال: في طينة سوداء. فوافق جوابه كلام ابن عباس (1). ولا ندري كيف صار كلام كعب دليلا على صحة الاية القرآنية بهذا النحو أو بذاك ؟. ومن الذي قال: إن كعب الاحبار لم يكن مسبوق الذهن بالاية القرآنية، فجاء بنص ينسجم معها حذرا من المواجهة مع صحابة رسول الله (ص) لو أنه جاء بما يخالف القرآن. ويلاحظ: أن معاوية - كما ذكرته رواية في الدر المنثور - قد أرسل أولا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فوافق معاوية. ثم سأل كعب الاحبار، فأجابه بما وافق ابن عباس (2).


(1) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 102 وراجع: الدر المنثور ج 4 ص 248 عن عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) راجع: الدر المنثور ج 4 ص 248 عن عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (*)

[ 110 ]

وفي نص آخر: أن المخالفة كانت بين ابن عباس، وعمرو بن العاص (1). مع أن ابن عمرو يأخذ من كتب أهل الكتاب، كما كان يأخذ كعب. بردة كعب: وقد بلغ مقام كعب عند معاوية مبلغا عظيما، جعله يصر عليه هو شخصيا بأن يتولى مهمة القصص، كما أسلفنا. بل لقد صار هذا الرجل من مواضع البركة لهم، حتى ليقول الكتاني: " تغالي معاوية في بردة كعب معروف " (2). رشوات كعب: وقد كان كعب يعرف كيف يهيمن على عقول الناس، وينال ثقتهم، ويكتسب تأييدهم. وكان أيضا من أعرف الناس بمفاتيح قلولهم، وكيف ؟ ومتى ؟ وبأية صورة يوزع الرشاوي على أتباعه، والمعجبين به، ليحتفظ بولائهم، وحبهم، وثقتهم إلى أبعد مدى. وقد تحدثنا عن بعض من ذلك فيما سبق، حين الحديث عن كيد وتهويلات أهل الكتاب. ونشير هنا إلى بعض آخر من ذلك أيضا، فنقول: ألف: كعب وخلافة علي " عليه السلام ": لقد كان كعب الاحبار على علم، بالتوجهات العامة لسياسات الحكم


(1) الدر المنثور ج 4 ص 248 عن سعيد بن منصور وابن المنذر. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 446. (*)

[ 111 ]

تجاه علي " عليه السلام " وأهل بيته، ولم يكن ليخفى عليه: أن ثمة خطة لابعادهم عن الخلافة وإبعادها عنهم بمختلف الاساليب. وعلى هذا الاساس نلاحظ: أنه حين استشار عمر كعبا في أمر الخلافة، وطرح له أسماء المرشحين لها، فلما انتهى إلى اسم علي " عليه السلام "، نرى كعبا يرفض أن يكون لعلي " عليه السلام " نصيب فيها، بشدة وقوة (1). وما ذلك إلا لانه كان على علم بالسياسات الخفية في هذا الاتجاه، وكان يعلم أيضا: أن رفضه هذا كان يروق للخليفة، وينسجم مع تطلعاته وتدبيراته، وطموحاته المستقبلية. ب: لقب الفاروق: وبالنسبة لعمر نفسه، فإننا نجد أهل الكتاب يتزلفون له بطريقة أخرى أيضا، وذلك حينما منحوه لقب " الفاروق " الذي كان يعجبه ويروق له. يقول النص التاريخي: " بلغنا: أن أهل الكتاب أول من قال لعمر: " الفاروق ". وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم. ولم يبلغنا: أن رسول الله (ص) ذكر من ذلك شيثا " (2). وربما يظهر من رواية الطبري: أن الذي سماه بذلك هو كعب


(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 81. (2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 قسم 1 ص 193 وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 30 والبداية والنهاية ج 7 ص 133 وتاريخ الامم والملوك ط الاستقامة ج 3 ص 267 حوادث سنة 23 وراجع: ذيل المذيل (مطبوع في آخر تاريخ الطبري). (*)

[ 112 ]

الاحبار نفسه (1). وواضح: أن منح هذا اللقب للخليفة قد يكون رشوة، وقد يكون مكافأة له على إفساحه المجال لاهل الكتاب لنشر ترهاتهم وأباطيلهم في المسلمين بعد أن حرم المسلمون من حديث نبيهم رواية وكتابة، ومن قرآنهم أيضا، حسبما ألمحنا إليه. ج: كعب يقرض أبا هريرة: ومما يدخل في هذا السياق ما قاله كعب الاحبار، وهو يقرض أبا هريرة: " ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة " (2). ولا ندري من أين حصل أبو هريرة على علوم التوراة، وكيف عرف ما فيها دون أن يقرأها. وهل يمكن أن يوجد شخص غير هذا الرجل يستطيع أن ينال علم شئ دون أن يطلع عليه، ويعرف ما فيه ؟ !. د: محاولة رشوة ابن عباس: قالوا: كان ابن عباس يقرأ: " في عين حمئة " فقال كعب: ما سمعت أحدا يقرؤها كما هي في كتاب الله غير ابن عباس، فإننا نجدها في التوراة: في حمئة سوداء (3). وقد تقدم ما يدل على أن عبد الله بن عمرو بن العاص قد ذكر: أنه


(1) تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 267. (2) التراتيب الادارية ج 2 ص 228 وتذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 36 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 600 والسنة قبل التدوين ص 433 عن الاصابة ج 7 ص 205. (3) الدر المنثور ج 4 ص 248 عن سعيد بن منصور، وابن المنذر وابن أبي حاتم. (*)

[ 113 ]

يوجد في التوراة نص آخر يختلف عما ذكره كعب الاحبار، فراجع ما ذكرناه تحت عنوان: " كعب الاحبار حكما ". ومهما يكن من أمر فإننا نقول: إن كعبا يريد بكلامه هذا مع ابن عباس: أن يرمي عصفورين بحجر واحد. فهو من جهة يقدم رشوة إلى ابن عباس، ليكتسب حبه وثقته، وإعجابه برجل عنده علم التوراة. ومن جهة ثانية يكون قد كرس في أذهان الناس: أن هذه التوراة التي بين أيديهم هي الكتاب المنزل على موسى، وليست محرفة، كما يزعمون، وعلى هذا الاساس، فلابد من تعظيمها، والاستفادة مما فيها من علوم، ومعارف. ه‍: كعب يقرض ابن عمرو بن العاص: وأما عن تقريظات كعب لعبد الله بن عمرو بن العاص، فقد روي عن عبد الله بن السلماني قوله: " إلتقى كعب الاحبار، وعبد الله بن عمرو. فقال كعب: أتظير ؟ ! قال: نعم. قال: فما تقول: قال: أقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك. فقال: أنت أفقه العرب، إنها لمكتوبة في التوراة كما قلت " (1). وحسبنا ما ذكرناه، فإن المقصود هو الالماح والاشارة لا الاستقصاء.


(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 268 ط صادر. (*)

[ 114 ]

سحرة بني اسرائيل يركزون على التوراة: وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ والحديث فسوف نجد: أن علماء أهل الكتاب كانوا يمارسون على الناس طريقة الارهاب الفكري، حيث يظهرون لهم: أنهم يعرفون كل شئ، لان التوراة مكتوب فيها كل شئ، حتى الارض شبرا شبرا. قال كعب الاحبار لقيس بن خرشة لاعتراضه عليه، حين أخبره بما يجري على أرض صفين: " ما من الارض شبر إلا مكتوب في التوراة، الذي أنزل الله على موسى، ما يكون عليه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة " (1). وفي نص آخر قال: " ما من شئ إلا وهو مكتوب في التوراة " (2). ونقول: إن التوراة التي تحوي كل هذه التفاصيل لابد أن تكون مئات بل آلاف المجلدات. ولو صح أن توراة موسى كان فيها كل ذلك، فمن الذي يضمن أن تكون التوراة الحاضرة هي نفس تلك، ونحن نرى: أنها تفقد كل ذلك الذي يدعون أنه يوجد فيها. ومهما يكن من أمر، فقد أنشد الحطيئة بيتا من الشعر، فادعى كعب الاحبار فورا: أنه مكتوب في التوراة. (3)


(1) دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 476 والدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 125 عنه وعن الطبراني. (2) بحوث مع أهل السنة والسلفية ص 82 عن أضواء على السنة المحمدية ص 140. (3) المحاسن والمساوي ج 1 ص 199. (*)

[ 115 ]

ودعوى كعب وجود كثير مما يتفق أمامه: أنه مذكور في التوراة بهدف كسب ثقة الناس بعلمه وبمعارفه، ورفع شأن التوراة في أعينهم، كثير لا مجال لتتبعه هنا. (1) تعظيم وتقديس التوراة: ومن أساليبهم التي ترمي إلى جعل الناس يقدسون توراتهم المحرفة التي يتداولونها، ما زعموه من أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قد قام للتوراة (2). ثم جاء الحكم بحرمة مس التوراة والانجيل للجنب (3). وكان أبو الجلد الجوني يقرأ القرآن كل سبعة، ويختم التوراة في ستة ايام نظرا، فإذا كان يوم ختمها حشد إلى ذلك ناسا. وكان يقول: كان يقال: تنزل عند ختمها الرحمة (4). كما أن وهب بن منبه قد أجاز النظر في التوراة وكتابتها (5). وكانوا يستشهدون لبعض القضايا التاريخية بانها قد وردت في


(1) راجع عل سبيل المثال: تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 246 وبهجة المجالس ج 1 ص 368. والاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير والحديث ص 95 عن مسند أحمد. (2) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 230 عن شرح المنهاج لابن حجر الهيثمي وغيره. (3) التراتيب الادارية ج 2 ص 231. (4) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 161 والتراتيب الادارية ج 2 ص 228 / 229. (5) التراتيب الادارية ج 2 ص 288 عن ابن حجر. (*)

[ 116 ]

التوراة، ومن أمثلة ذلك: أن ابن دحية قد كذب الرواية التي تقول: إن هارون مدفون في أحد، لانه قدم هو وأخوه موسى إلى الحج أو العمرة، فمات هناك، فواراه أخوه موسى فيه. قال ابن دحية: " هذا باطل بيقين، وإن نص التوراة: أنه دفن بجبل من جبال بعض مدن الشام (1). اصرار مسلمة اهل الكتاب على العمل بالتوراة: وتشير النصوص التي بين أيدينا إلى أن الذين أسلموا من أهل الكتاب قد استمروا على تعظيم توراتهم وعلى العمل ببعض ما فيها - كما ذكره المفسرون لاية - * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) * (2). وقد روي أن عبد الله بن سلام، وثعلبة، وابن يامين، وأسد، وأسيد بني كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد. وكلهم من يهود. جاؤا إلى رسول الله (ص)، فقالوا: يا رسول الله، يوم السبت كنا نعظمه، فدعنا فلنسبت فيه. وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل. فنزلت الاية (3): * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) * وفي نص آخر: " أن ابن سلام وغيره ممن أسلم من يهود استمروا على تعظيم السبت، وكراهة أكل لحم الابل، وشرب لبانها، فأنكر ذلك عليهم المسلمون. فقالوا: إن التوراة كتاب الله، فنعمل به أيضا، فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة (4).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 216. (2) الدر المنثور ج 1 ص 241 عن ابن أبي حاتم. (3) الدر المنثور ج 1 ص 241 عن ابن جرير. (4) السيرة الحلبية ج 2 ص 115. (*)

[ 117 ]

وتقدم أن الخليفة الثاني قد سمح لكعب الاحبار بأن يقرأ التوراة آناء الليل وأطراف النهار.

[ 119 ]

الفصل الرابع: القصاصون يثقفون الناس رسميا:

[ 121 ]

القصص الحق: إنه لا ريب في أن القصص حينما يكون حقا، وفي خدمة الحق، ووسيلة لتوعية الناس، وتعريفهم بواجباتهم، فإنه يكون حينئذ محبوبا ومطلوبا لله تعالى، وقد قال عز من قائل: * (إن هذا لهو القصص الحق) * (1). وحينما طلب الصحابة من النبي (ص) أن يقص عليهم، نزل قوله تعالى: * (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين) * (2). وروي أن سعد الاسكاف قال لابي جعفر: إني أجلس فأقص، وأذكر حقكم وفضلكم !


(1) سورة آل عمران / 62. (2) سورة يوسف / 3. وراجع: جامع البيان ج 12 ص 90 والدر المنثور ج 4 ص 3 والجامع لاحكام القرآن ج 9 ص 118 وراجع ج 15 ص 248. (*)

[ 122 ]

قال: وددت أن على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك (1). وكان أبان بن تغلب " قاص الشيعة " (2). وكان عدي بن ثابت الكوفي المتوفي سنة 116 ه‍. إمام مسجد الشيعة وقاصهم (3). هذا هو رأي الاسلام، وصريح القرآن، ونهج أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة وموقفهم. ولكن الامر بالنسبة لسياسات الآخرين، وأهدافهم من هذا الامر، لم يكن بهذه البساطة، بل هو يختلف تماما مع هذا الذي ذكرناه بصورة حقيقية وأساسية، ولتوضيح ذلك نقول: الطريقة الذكية: سبق أن قلنا: إنه قد كان لابد للحكم من إشغال العامة، وملء الفراغ الروحي والنفسي الذي نشأ عن إبعاد العلماء الحقيقيين عن التعاطي مع الناس، وتثقيفهم وتربيتهم. وبعد أن استقر الرأي على إعطاء دور رائد لاهل الكتاب في هذا المجال، فقد اتجه الحكام نحو استحداث طريقة جديدة، من شأنها أن تشغل الناس، وتملا فراغهم، وتوجد حالة من الطمأنينة لديهم، مع ما تقدمه لهم من لذة موهومة، ولكنها محببة. مع الاطمئنان إلى أن هذه


(1) راجع: اختيار معرفة الرجال ص 214 / 215 وجامع الرواة ج 1 ص 353 وتنقيح المقال ج 2 ص 12 ومنتهى المقال ص 144 ونقد الرجال ص 148 وقاموس الرجال ج 4 ص 324 ومعجم رجال الحديث ج 8 ص 68 / 69. (2) معرفة علوم الحديث ص 136. (3) تاريخ الاسلام للذهي (حوادث سنة 100 - 120 ه‍) ص 418 و 419. (*)

[ 123 ]

الطريقة لا تؤدي إلى إحراج الحكام في شئ، بطرح أي من الامور الحساسة، التي لا يريدون التعرض لها، أو المساس بها. وهذه الطريقة هي السماح بالقصص لمسلمة أهل الكتاب، من الاحبار والرهبان، حيث ينشرون في الناس ما شاؤوا من أساطير وترهات، ويذهبون بأوهام الناس وخيالاتهم في آفاق الخواء والهباء، ثم يقذفون بها في أقبية الاحلام الصفيقة، أو في أغوار النسيان العميقة والسحيقة. وأهل الكتاب هم أجدر وأبرع من تصدى لهذا الامر، وأولى من حقق الغاية المنشودة، لان العرب كانوا إلى عهد قريب يحترمونهم، ويثقون بهم وبعلمهم، ولم يستطع الاسلام - رغم ما قام به من جهود - أن ينتزع هذه النظرة التي لا تستند إلى أساس موضوعي من النفوس المريضة أو العضيفة. وقد قام أحبار أهل الكتاب بالمهمة التي أوكلت إليهم خير قيام، وحققوا كل أهداف الحكم والحاكمين، وأهدافا أخرى كانوا هم أنفسهم يسعون إليها، ويعملون ليل نهار في سبيل الوصول والحصول عليها. وإذا كانوا في السابق يعملون في السر والخفاء، فها هم اليوم يمارسون نشاطهم جهرا وبطلب من الحكم القائم بالذات. اعطاء الشرعية: وقد مارسوا نشاطهم ودورهم هذا في ظل قرار رسمي حكومي، يقضي باحتلال أهل الكتاب للمساجد، وأولها مسجد الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله " في المدينة، ليشغلوا الناس بما يقصونه عليهم من حكايا بني إسرائيل، وأي شئ آخر يروق لهم، ويخدم الاهداف التي يعملون من أجلها وفي سبيلها. وكان تميم الداري، الذي هو في نظر عمر بن الخطاب خير أهل

[ 124 ]

المدينة (1) قد طلب من الخليفة الثاني أن يقص، فسفح له، فكان يقص في مسجد رسول الله (ص) كل جمعة. فاستزاده يوما آخر فزاده. فلما تولى عثمان زاده يوما آخر أيضا (2). وكان عمر بن الخطاب يجلس إليه بنفسه، ويستمع إلى قصصه (3). ويقول البعض: إن تميما إنما أخذ ذلك من اليهود والنصارى (4) مع أن تميما كان في بادئ الامر نصرانيا ! ! وقيل: إن أول من قص هو عبيد بن عمير. وذلك على عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (5).


(1) الاصابة ج 1 ص 215. (2) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 219 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 11 و 12 وراجع ص 10 و 15 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 446 وتهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 360 وراجع: الخطط للمقريزي ج 2 ص 253. وحول أن عمر قد أمر تميما الداري بأن يقص، وأنه أول من قص راجع: الزهد والرقائق ص 508 وصفة الصفوة ج 1 ص 737 وأسد الغابة ج 1 ص 215 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 138 ومسند أحمد ج 3 ص 449 ومجمع الزوائد ج 1 ص 190 والاصابة ج 1 ص 183 و 184 و 186 والمفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 378 و 379 وفيه أنه تعلم ذلك من اليهود والنصارى، وارجع في الهامش إلى طبقات ابن سعد ج 1 ص 75 وراجع: الاسرائيليات وأثرها في كتب التفسير ص 161 وكنز العمال ج 10 ص 171 و 172 عن المروزي في العلم وعن أبي نعيم، وعن العسكري في المواعظ والتراتيب الادارية ج 2 ص 338 والقصاص والمذكرين ص 20 و 21 و 29 وعن الضوء الساري للمقريزي ص 129 ومختصر تاريخ دمشق ج 5 ص 321. (3) راجع: الزهد والرقائق ص 508 والقصاص والمذكرين ص 29. (4) المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 8 ص 378 و 379. (5) راجع: سائر المصادر المتقدمة، وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 13 وكنز العمال = (*)

[ 125 ]

وكان معاوية إذا صلى الفجر يجلس إلى القاص، حتى يفرغ من قصصه (1). كما أن عمر بن عبد العزيز كان يجلس ويستمع إلى القصاص (2). وكان محمد بن قيس قاصا لعمر بن عبد العزيز بالمدينة (3). وكان الناس يفخرون بفقيههم وقاصهم: ابن عباس، وعبيد بن عمير (4). وما دام أن القصاصين صاروا مصدر فخر للامة، فمن الطبيعي: أن نرى كثيرين من الاعيان والمعروفين قد تصدوا للقص أيضا، فعدا عن تصدي مثل: كعب الاحبار، الذي كان يقص في عهد معاوية بأمر منه (5). وكان عمر أيضا يستدعي من كعب الموعظة (6). وهذا اصطلاح يقصد به القصص، كما يظهر من كتاب: القصاص


= ج 10 ص 171 عن ابن سعد، وعن العسكري في المواعظ، والقصاص والمذكرين ص 22. (1) التراتيب الادارية ج 2 ص 348 عن مروج الذهب ج 2 ص 52. (2) القصاص والمذكرين ص 33. (3) راجع: الجرح والتعديل ج 8 ص 63 والتاريخ الكبير ج 1 ص 212 وتاريخ ابن معين ص 166 وراجع: الحوادث والبدع ص 103 عن المدونة الكبرى، كتاب الوضوء. (4) القصاص والمذكرين ص 46 / 47 وراجع: المعرفة والتاريخ ج 2 ص 33 والطبقات الكبرى ج 5 ص 445. (5) القصاص والمذكرين ص 25 وراجع: ربيع الابرار ص 588 وتاريخ المدينة ج 1 ص 8 والتراتيب الادارية ج 2 ص 336 عن أحمد، وحسن الهيثمي أسناده. (6) القصاص والمذكرين ص 30. (*)

[ 126 ]

والمذكرين، لابن الجوزي. وكان تبيع بن عامر، وهو ابن زوجة كعب وربيبه يقص (1). نعم، عدا عمن ذكرنا، فقد كان أبو هريرة يقص، وكذا الاسود بن سريع، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وثابت البناني، وعمر بن ذر، وأبو وائل، والحسن البصري، وغيرهم (2). فراجع المؤلفات التي تعالج موضوع القصص، والقصاصين، ككتاب: القصاص والمذكرين، وتلبيس إبليس، وقوت القلوب، وغير ذلك لتطلع على أسماء كثيرين ممن كانوا يمارسون القص في الصدر الاول. حتى النساء: وحتى النساء، فإنهن قد مارسن مهنة القصص، فقد روى ابن سعد: أن أم الحسن البصري كانت تقص على النساء أيضا (3). اهتمام الحكام بالقصاصين: وكان الحكام يهتمون بأمر القصاصين بصورة واضحة، وقد تجلى هذا الاهتمام في جهات عديدة: 1 - فقد تقدم: أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان يجلس إلى القصاصين، ويستمع إليهم، وكذلك معاوية، وعمر بن عبد العزيز.


(1) تهذيب الكمال ج 4 ص 314. (2) راجع: القصاص والمذكرين ص 44 و 45 و 50 و 58 و 62 و 32 وراجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 220 والمعرفة والتاريخ ج 1 ص 391 ومسند أحمد ج 3 ص 451 ومتمم طبقات ابن سعد ص 136. (3) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 338. (*)

[ 127 ]

2 - وقد جعلوا للقصاصين جعلا (أي أجرا) على عملهم (1). وكان عمر بن عبد العزيز - حسبما يقولون - يعطي القاص الذي رتبه للقيام بهذه المهمة دينارين شهريا، فلما ولي هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير (2). 3 - كان القصص منصبا رسميا يتدخل فيه الخليفة بنفسه، نصبا وعزلا، كما تقدم عن عمر، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز. وسيأتي ما يدل على ذلك أيضا عن عوف بن مالك، وعبادة بن الصامت، حيث قالا: لا يقص إلا أمير، أو مأمور إلخ. ويدل عليه أيضا كلام غضيف بن الحارث مع عبد الملك بن مروان (3)، فراجع. وقد ذكر المقريزي طائفة ممن تولوا منصب القصص في القرون الاولى على التعاقب، فليراجعه من أراد ذلك (4). أما من كان يقص بدون إذن من الحاكم، فقد كان يعرض نفسه للمؤاخذة من قبل الحكام (5). ولعل القاص الذي ينصبه الحاكم هو الذي كان يقال له: " قاص الجماعة " (6).


(1) تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 15 و 16 والخطط والاثار للمقريزي ج 2 ص 254. (2) تاريخ المدينة ج 1 ص 15 وراجع: الحوادث والبدع ص 103. (3) راجع تاريخ المدينة ج 1 ص 10 ومجمع الزوائد ج 1 ص 188. (4) راجع: الخطط والاثار ج 2 ص 254. (5) راجع: أنساب الاشراف ج 4 قسم 1 ص 34 / 35. (6) راجع: المصنف للصنعاني ج 3 ص 220 وتاريخ المدينة ج 1 ص 16 و 14. (*)

[ 128 ]

ويشير إلى ذلك: أن أبا الهيثم كان قاص الجماعة في عهد بني أمية، فلما جاء بنو العباس عزلوه، فاعترض على ذلك واستنكره (1). 4 - إن الخلفاء كما أنهم كانوا يجعلون للجماعة قاصا، فإنهم كانوا يجعلون للجند قاصا أيضا، لاجل تحريكهم، وبعث الحماس فيهم، (2) وتوجيههم سياسيا، حسبما يتوافق مع أهداف الحاكم وطموحاته. وقد صرح الحسن بن عبد الله: أن الملك هو الذي يتولى منصب قاص الجند (3). 5 - لقد كان الخليفة يتدخل حتى في كيفية ونوع ومقدار العمل الذي يسمح به القاص، وتقدم أن عمر وعثمان قد عينا لتميم الداري الوقت والمدة والمكان. كما أن عمر بن عبد العزيز - الذي تلمذ على يدي مسلم بن جندب القاص - (4) قد كتب إلى صاحب الحجاز: أن مر قاصك: أن يقص على كل ثلاثة أيام مرة. أو قال: قاصكم (5). 6 - لقد كان الامراء أنفسهم يمارسون عمل القصص، حتى قيل - بل لقد جعلوا ذلك رواية عن النبي (ص) - كما عن عبادة بن الصامت، وعوف بن مالك:


(1) راجع المعرفة والتاريخ ج 2 ص 436. (2) راجع: تمدن إسلام وعرب در قرن چهارم هجري ج 2 ص 80 و 85 والجرح والتعديل ج 6 ص 163. (3) راجع: الجيش والقتال في صدر الاسلام ص 135. (4) راجع: التاريخ الكبير ج 3 ص 354 والمعرفة والتاريخ ج 1 ص 596. (5) القصاص والمذكرين ص 28. لعل الصحيح: أخبار القصاص والمذكرين. (*)

[ 129 ]

" لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال. أو قال: أو متكلف " (1). القصاصون في خدمة سياسيات الحكام: وغني عن القول هنا: أن القصاصين قد قاموا بدور فاعل في تثبيت دعائم الحكومات الظالمة، وأصبحوا أبواقا لها للدعاية والاعلام، يشيعون في الناس ما يريد الحكام إشاعته، مما يخدم مصالحهم، ويوصلهم إلى أهدافهم. ويكفي أن نذكر هنا: 1 - أن معاوية حين جاء لحرب الامام الحسن " عليه السلام " في العراق، استصحب معه القصاص، فكانوا يقصون في كل يوم، يحضون أهل الشام عند وقت كل صلاة، فقال بعض شعرائهم: من جسر منبج أضحى غب عاشرة في نخل مسكن تتلى حوله السور (2) 2 - ويقولون أيضا: إن معاوية حينما بلغه: أن عليا " عليه السلام " قنت فدعا على أهل حربه، أمر القاص الذي يقص بعد الصبح وبعد


(1) راجع: قوت القلوب ج 2 ص 302 و 303 وكنز العمال ج 10 ص 124 عن الطبراني والمعجم الصغير ج 1 ص 216 وتاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 8 و 9 والتراتيب الادارية ج 2 ص 336 عن أحمد، وأبي داود، والطبراني في الكبير والاوسط، والهيثمي. والقصاص والمذكرين ص 25 و 28 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1235 ومسند أحمد ج 4 ص 233 وج 6 ص 29 وربيع الابرار ج 3 ص 588 وسنن الدارمي ج 2 ص 319 ومختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 240 وج 10 ص 338 و 339 ومجمع الزوائد ج 1 ص 190 والنهاية في اللغة ج 4 ص 70 ولسان العرب ج 7 ص 74 و 75 وعن تحذير الخواص ص 59. والحوادث والبدع للطرطوشي ص 101 ط تونس سنة 1959. (2) تاريخ بغداد ج 1 ص 208 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 146 وفي هامشه عن ابن عساكر. (*)

[ 130 ]

المغرب: أن يدعو له ولاهل الشام (1). 3 - وكان عبد الملك شكا إلى العلماء ! ! ما انتشر عليه من أمر رعيته، وتخوفه من كل وجه، فأشار عليه أبو حبيب الحمصي القاضي بأن يستنصرع ليهم برفع يديه إلى الله تعالى. فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه، وكتب بذلك إلى القصاص، فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشي (2). 4 - وكان محمد بن واسع الازدي من جملة القصاص والوعاظ في جيش قتيبة بن مسلم في خراسان، وكان يقول قتيبة في حقه: إنه بالنسبة إليه أفضل من ألف سيف ورمح. فراجع (3). 5 - قال عبد الملك بن مروان لغضيف بن الحارث: " إنا قد أجمعنا الناس على أمرين: قال: وما هما ؟ قال: رفع الايدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر إلخ " (4). 6 - كما أن القصاصين قد قاموا بدور مهم في إحداث الفتنة بين السنة والشيعة في بغداد، في زمن عضد الدولة، فمنعهم من القصص. (1) الخطط للمقريزي ج 2 ص 253 والولاة والقضاة هامش ص 203 عن رفع الاصر ص 47. (2) الخطط للمقريزي ج 2 ص 254. (3) راجع: البيان والتبيين ج 3 ص 273 والعقد الفريد ج 2 ص 170. (4) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 105 وتحذير الخواص ص 70. (*)

[ 131 ]

وذلك في سنة 367 ه‍. (1). وكذلك جرى في سنة 398 ه‍. ق. ثم سمحوا لهم بمزاولة أعمالهم بشرط تركهم التعرض للفتن (2). جرأة القصاصين وسيطرتهم: كان القصاصون جريئين على الله ورسوله، فلم يكونوا يتورعون عن وضع الحديث، حتى لقد قال ابن حبان: " كانوا إذا حلوا بمساجد الجماعات، ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر جسارة في الوضع " (3). أي في وضع الحديث على لسان رسول الله " صلى الله عليه وآله ". وقد حدث ابن عون، فقال: " أدركت المسجد، مسجد البصرة، وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة واحدة تنسب إلى مسلم بن يسار، وسائر المسجد قصاص " (4). ودعا عطاء بن أبي رباح بخمسة قصاص، فقال: قصوا في المسجد الحرام. قال: وهو جالس إلى أسطوانة، قال: فكان خامسهم عمر بن


(1) راجع: البداية والنهاية ج 11 ص 289 وطبقات الحنابلة ج 1 ص 158 والمنتظم ج 7 ص 88 وسير أعلام النبلاء ج 16 ص 509 وتاريخ الاسلام للذهبي (حوادث سنة 350 - 380 ه‍) ص 153. (2) راجع: المنتظم ج 7 ص 337 و 338 وتاريخ الاسلام للذهبي (حوادث سنة 38 0 - 400 ه‍) ص 337 / 338 وشذرات الذهب ج 3 ص 149 و 150 وبقية المصادر في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد ص 24 و 25 الطبعة الاولى. (3) عن المجروحين ج 2 ص 30: أ. (4) القصاص والمذكرين ص 16. (*)

[ 132 ]

ذر (1) وأما سيطرتهم على عقول الناس، فذلك أوضح من الشمس، وأبين من الامس، ويوضح ذلك كثير من الحالات والقضايا التي حصلت لبعض المعروفين، الذين كانوا يرفضون طريقتهم، وينظرون إليهم بعين الريب والشنآن. ولكن كانت كلماتهم تجذبهم، وأحاديثهم تسحرهم، رغم علمهم بكونها موضوعة ومكذوبة. ومن غريب ما يذكر هنا: أن أم الامام أبي حنيفة لا تقبل بفتوى ولدها. ولكنها ترضى بقول قاص يقال له: زرعة (2). كما أن أحد الكبار المعروفين يحتج لبعض الامور بقول أحد القصاصين من مسلمة أهل الكتاب، وهو تميم الداري (3). وحين حاول الشعبي أن ينكر على أحد القصاصين في بلاد الشام ما يأتي به من ترهات، قامت عليه العامة تضربه، ولم يتركه أتباع ذلك القاص، حتى قال برأي شيخهم نجاة بنفسه (4). بل لقد بلغ الاحترام والتقديس لمجلس القصص والقصاصين أن تخيل البعض: أن الكلام أثناء القصص لا يجوز، كما لا يجوز الكلام في خطبة الجمعة، حتى أعلمه عطاء: أن الكلام أثناء القصص لا يضر (5). وقال مالك: "... وليس على الناس أن يستقبلوهم


(1) المصدر السابق ص 32. (2) القصاص والمذكرين ص 90 وتاريخ بغداد ج 3 ص 366. (3) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 1 ص 297. (4) السنة قبل التدوين ص 211 عن تمييز المرفوع عن الموضوع ص 16 ب. والجامع لاخلاق الراوي وآداب السامع. (5) المصنف للصنعاني ج 3 ص 388. (*)

[ 133 ]

كالخطيب " (1). القصاصون على حقيقتهم: إنه وإن كان كثير من الاعيان والمعروفين كانوا يحضرون مجالس القصاصين، ويستمعون إليهم (2)، وقد استمر ذلك إلى وقت متأخر نسبيا، إلا أن أمرهم قد افتضح، وظهر لاكثر الناس ما كان خافيا. وبدأ الناس يجهرون بالحقيقة، ويصرحون بها، ونحن نذكر هنا بعضا من ذلك ليتضح الامر، ويسفر الصبح لذي عينين، فنقول: 1 - قال أبو قلابة: " ما أمات العلم إلا القصاص، يجلس الرجل إلى القاص السنة فلا يتعلم منه شيئا " (3). وقريب من ذلك ما عن أيوب السختياني (4). 2 - لقد ذكر أحد الصحابة لواحد من القصاصين: أن ظهور القصاص كان هو السبب في ترك الناس لسنة نبيهم، وقطع أرحامهم (5). 3 - عن أحمد بن حنبل: أكذب الناس السؤال، والقصاص (6).


(1) الحوادث والبدع، لابي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ص 99 ط تونس سنة 1959 م. (2) راجع: القصاص والمذكرين وغيره. (3) ربيع الابرار ج 3 ص 588 والقصاص والمذكرين ص 107 وراجع ص 108 وأضواء عل السنة المحمدية ص 124. (4) السنة قبل التدوين ص 213 عن الجامع لاداب الراوي وأخلاق السامع ص 147 (5) راجع: مختصر تاريخ دمشق ج 10 ص 202 ومجمع الزوائد ج 1 ص 189 وغير ذلك. (6) القصاص والمذكرين ص 83 وراجع: طبقات الحنابلة ج 1 ص 253 وعن قوت (*)

[ 134 ]

4 - وقال محمد بن كثير عن القصاص: أكذب الخلق على أنبيائه (1). 5 - وصرح البعض: أن السبب في انتشار الاسرائيليات في كتب التاريخ والتفسير هم القصاصون (2). 6 - وقال إبراهيم الحربي: " الحمد لله الذي لم يجعلنا ممن يذهب إلى قاص، ولا إلى بيعة، ولا إلى كنيسة " (3). 7 - وقال ابن قتيبة: " إن القصاص على قديم الزمان كانوا يميلون وجوه العامة إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير، والغريب، والاكاذيب من الحديث " (4). 8 - ويقول آخر: " كانوا يضعون الاحاديث في قصصهم قصدا للتكسب والارتزاق، وتقربا للعامة بغرائب الروايات، ولهم في هذا غرائب وعجائب، وصفاقة، وجد لا توصف " (5). 9 - وعن أيوب: ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصاص (6). 10 - ولما قص إبراهيم الحربي أخرجه أبوه (7).


القلوب ج 2 ص 308. والحوادث والبدع ص 102. (1) القصاص والمذكرين ص 84 وراجع: تحذير الخواص ص 80. (2) تاريخ المذاهب الاسلامية ج 1 ص 15. (3) القصاص والمذكرين ص 109. (4) تأويل مختلف الحديث ص 355 - 357. (5) الباعث الحثيث ص 85. (6) القصاص والمذكرين ص 85. (7) القصاص والمذكرين ص 107. (*)

[ 135 ]

مع تفاصيل أخرى: ولا يقتصر الامر على ما ذكر، فإنهم يقولون عن القصاصين أيضا: 1 - ما هم إلا غوغاء يستأكلون أموال الناس بالكلام (1). 2 - إنهم لا يحفظون الحديث (2). 3 - إنهم ينسبون ما يسمعونه من الناس إلى النبي (ص)، ويخلطون الاحاديث بعضها ببعض، ويتصنعون البكاء، والرعدة. ومنهم من يصفر وجهه ببعض الادوية، وبعضهم يمسك معه ما إذا شمه سال دمعه، ويتظاهرون بالصعقة، ولمجلون على استمالة النساء، وغير ذلك (3). 4 - وقد أحدثوا وضع الاخبار (4). 5 - وعامة ما يحدث به القصاص كذب (5). وحسبك من جرائمهم على الحق وعلى الدين: 1 - أن قصة الغرانيق من صنعهم (6). 2 - ومنهم من روى: أن يوسف حل تكته، فلاح له أبوه (7).


(1) ربيع الابرار ج 3 ص 589. (2) القصاص والمذكرين ص 62 / 63. (3) راجع: القصاص والمذكرين ص 78 و 79 فما بعدها إلى آخر الباب. (4) القصاص والمذكرين ص 18. (5) المصدر السابق ص 19. (6) القصاص والمذكرين ص 85. (7) المصدر السابق. (*)

[ 136 ]

3 - وأن قصة داود وأوريا من وضعهم (1). 4 - وأن قراءة القرآن بالالحان قد جاءت من قبلهم (2). 5 - ووضع بعضهم في ساعة واحدة أحاديث كثيرة حول فضل صيام يوم عاشوراء، حسب اعترافه (3). إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه. موقف علي (ع) في القصاصين: أما بالنسبة لموقف علي " عليه السلام " المتشدد جدا من القصاصين، الذين كان منهم شخصيات مشهورة، وذات قيمة لدى بعض الفئات، فلسوف يأتي الحديث عنه إن شاء الله في فصل: لابد من إمام. ونكتفي هنا بالاشارة إلى موقف السائرين على نهج أمير المؤمنين علي " عليه السلام "، وذلك في الفقرة التالية. السائرون على نهج علي (ع): إننا إنصافا للحقيقة وللتاريخ نسجل: أن المواقف السلبية من القصاصين لمن عدا شيعة أهل البيت (ع) قد جاءت متأخرة نسبيا عن موقف أتباع مدرسة أهل البيت (ع)، الذين كانوا يسجلون إنكارهم وإدانتهم لهذا الاتجاه في صور ومستويات مختلفة. وقد تجد ذلك قد ورد على صورة نصائح ربما جاءت خافتة إلى حد


(1) المصدر السابق. (2) المصدر السابق ص 96 و 97. (3) المصدر السابق ص 84. (*)

[ 137 ]

ما، وذلك انسجاما مع مقتضيات الواقع الذي كان يفرض قدرا من التحاشي عن الجهر بما يخالف سياسات الحكم، ولو بهذا المستوى الضعيف والضئيل. ولا نريد هنا أن نسبر أغوار التاريخ لنلتقط الدلائل والشواهد الكثيرة والغزيرة من هنا هناك، بل نكتفي بذكر نماذج تشير إلى ذلك، وهي التالية: 1 - روى مسلم بسنده عن عاصم قال: " كنا نأتي أبا عبد الرحمان السلمي - ونحن غلمة أيفاع - فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الاحوص، وإياكم وشقيقا. وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج، وليس بأبي وائل " (1). 2 - عن عبد الله بن خباب بن الارت قال: مر بي أبي، وأنا عند رجل يقص، فلم يقل لي شيئأ حتى أتيت البيت. فاتزر، وأخذ السوط يضربني، حتى حجره الزنو، وهو يقول: أمع العمالقة ؟ ! أمع العمالقة ؟ ! ثلاثا. إن هذا قرن قد طلع، إن هذا قرن قد طلع، يقولها ثلاثا (2). 3 - بل إن ابن مسعود الذي يقال: إنه يميل إلى علي " عليه السلام "، رغم أننا نجد: أنه كان يتأثر خطى عمر بن الخطاب بصورة ملفتة وواضحة، قد سجل أيضا إدانته للقصص من أهل الكتاب (3)، فما ظنك بغيره من أهل العلم والمعرفة بالدين ؟ !


(1) صحيح مسلم ج 1 ص 15 والقصاص والمذكرين ص 107. (2) القصاص والمذكرين ص 104 وخباب صحاي معروف. وقد مات رحمه الله وعلي " عليه السلام " في صفين. (3) مجمع الزوائد ج 1 ص 189. (*)

[ 138 ]

4 - وتقدم قول أبي قلابة: ما أمات العلم إلا القصاص، وأن الرجل يجلس إلى القاص السنة، فلا يتعلم منه شيئا. 5 - وتقدم أيضا قول أحد الصحابة: إن القصاص هم السبب في ترك الناس لسنة نبيهم، وقطيعة أرحامهم. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه.

[ 139 ]

الفصل الخامس: بين الدوافع والاهداف والاثار والنتائج

[ 141 ]

آثار ونتائج: وقد استمر المنع من كتابة الحديث وروايته عشرات السنين. وأصبح التحاشي عنه هو الصفة المميزة لعلماء الامة وطليعتها المثقفة. بل لقد صارت كتابة الحديث عيبا أيضا، حتى في أوائل عهد بني مروان (1). ومضت السنون والاحقاب، ومات الصحابة الاخيار، بل أوشك التابعون على الانقراض أيضا. ونشأت أجيال وأجيال، لم تسمع أحدا يذكر شيئا عن نبيها، ولا عن مواقفه، وتعاليمه، وسيرته ومفاهيمه. وتربت هذه الاجيال على النهج الفكري الذي أراده لها الحكام والمتسلطون، والموتورون والحاقدون، وتلامذة أهل الكتاب، المعجبون بهم. وذهب الدين وتلاشى، حتى لم يبق من الاسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه، حسبما روي عن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة


(1) راجع: تقييد العلم ص 114 و 110 وراجع سنن الدارمي ج 1 ص 126 وعن المحدث الفاصل ج 4 ص 23 وجامع بيان العلم ج 1 ص 73. كان حكم بني مروان بعد حكم آل أبي سفيان، الذي انتهى بمعاوية بن يزيد. (*)

[ 142 ]

والسلام (1)، الذي لم يعش إلا إلى سنة أربعين من الهجرة. ثم ازداد البلاء بعد ذلك، وبرح الخفاء، إلى حد الفضيحة، فاضطر عمر بن عبد العزيز إلى القيام بعمل رمزي ضعيف وضئيل، لم يكن له أي أثر يذكر على الصعيد العملي، على مستوى الاجيال والامة. ثم بدأت الحركة الحقيقية باتجاه التدوين في أواسط القرن الثاني للهجرة، حسبما تقدم توضيحه. وخلاصة الامر: إن الحال قد تردت خلال أقل من ثلاثين سنة من وفاة النبي (ص) إلى ذلك الحد الذي أشار إليه سيد الوصيين " عليه السلام ". وطمست معظم معالم الدين، ومحقت أحكام الشريعة، كما أكدته نصوص كثيرة (2). وكان ذلك في حين أن الصحابة وعلماءهم كانوا لا يزالون على قيد الحياة، وكان الناس ينقادون إلى الدين وأحكامه، ويطيعون رموزه وأعلامه. فكيف ترى أصبحت الحال بعد أن فتحت الفتوح، ومصرت الامصار، ودخلت أقطار كثيرة أو أظهرت الدخول في الاسلام، تحت وطأة الفتوحات، التي قامت بها السلطة الحاكمة آنذاك. وكان أن تضخمت الحالة السكانية، واتسعت رقعة العالم الاسلامي، في فترة قصيرة جدا، وبسرعة هائلة.


(1) راجع: نهج البلاغة الحكمة رقم 369 والحكمة رقم 190. (2) راجع: المصنف للصنعاني ج 2 ص 63 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 105 والبحر الزخار ج 2 ص 254. وكشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 260 ومسند أحمد ج 4 ص 428 و 432 و 441 و 444 ومروج الذهب ج 3 ص 85 والغدير ج 8 ص 166 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 62. (*)

[ 143 ]

لقد كان من الطبيعي: أن يأخذ هؤلاء الوافدون جديدا على الاسلام ثقافتهم الدينية من الناس الذين التقوا بهم، وعاشوا معهم، أو تحت سلطتهم وهيمنتهم. فإذا كان هؤلاء ضائعين، جهالا بأحكام الشريعة، وبحقائق الدين، فما ظنك بالتابعين لهم والاخذين عنهم، فإنهم سوف لا يأخذون عنهم إلا ثمرات ذلك الجهل، وآثار ذلك الضياع. نصوص وشواهد: ومن الشواهد على هول ما حدث: أننا نقرأ عن عدد من الصحابة وغيرهم: أنهم قد تنبهوا للمأساة، وعبروا عنها بأنحاء مختلفة. ونذكر من ذلك هنا النصوص التالية: 1 - قد تقدم قول أمير المؤمنين " عليه السلام ": لم يبق من الاسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه. 2 - روى الامام مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة " (1). قال الزرقاني، والباجي: " يريد الصحابة، وأن الاذان باق على ما كان عليه، ولم يدخله تغيير، ولا تبديل، بخلاف الصلاة، فقد أخرت عن أوقاتها، وسائر الافعال دخلها التغيير إلخ.. " (2).


(1) الموطأ (المطبوع مع تنوير الحوالك) ج 1 ص 93 وجامع بيان العلم ج 2 ص 244. (2) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 221 وتنوير الحوالك ج 1 ص 93 / 94 عن الباجي. (*)

[ 144 ]

3 - أخرج الشافعي من طريق وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: " كل سنن رسول الله (ص) قد غيرت، حتى الصلاة " (1). 4 - يقول الزهري: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق، وهو وحده يبكي، قلت: ما يبكيك ؟ ! قال: " لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضيعت " (2). 5 - وقال الحسن البصري: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله (ص) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم " (3). ونقول: حتى القبلة قد غيرت، وجعلوها إلى بيت المقدس، حيث الصخرة قبلة اليهود، كما تقدم في الفصل الاول من هذا الكتاب. 6 - وقال أبو الدرداء: " والله لا أعرف فيهم من أمر محمد (ص) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا " (4). 7 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: " لو أن رجلين من أوائل هذه الامة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الاودية، لاتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه " (5).


(1) كتاب الام للشافعي ج 1 ص 208 والغدير ج 8 ص 166 عنه. (2) جامع بيان العلم ج 2 ص 244 وراجع المصادر التالية: ضحى الاسلام ج 1 ص 365 والجامع الصحيح ج 4 ص 632 والزهد والرقائق ص 31 وفي هامشه عن طبقات ابن سعد ترجمة أنس، وعن الترمذي، وعن البخاري ج 1 ص 141. (3) جامع بيان العلم ج 2 ص 244. (4) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 244. (5) الزهد والرقائق ص 61. (*)

[ 145 ]

وعن الامام الصادق " عليه السلام " - وقد ذكرت هذه الاهواء عنده فقال: " لا والله، ما هم على شئ مما جاء به رسول الله " صلى الله عليه وآله " إلا استقبال الكعبة فقط " (1). 8 - وحينما صلى عمران بن حصين خلف علي " عليه السلام " أخذ بيد مطرف بن عبد الله، وقال: لقد صلى صلاة محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد (ص). وكذلك قال أبو موسى حينما صلى خلف علي " عليه السلام " (2). الهاشميون في زفى السجاد: 8 - وأخيرا، فقد ذكروا: أن الناس والهاشميين في زمن السجاد " عليه السلام " إلى أن مضت سبع سنين من إمامة الباقر " عليه السلام " كانوا لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون (3).


(1) البحار ج 68 ص 91 وقصار الجمل ج 1 ص 366. (2) راجع: أنساب الاشراف ج 2 ص 180 ط الاعلمي وسنن البيهقي ج 2 ص 68 وكنز العمال ج 8 ص 143 عن عبد الرزاق وابن أبي شيبة والمصنف للصنعاني ج 2 ص 63 ومسند أبي عوانة ج 2 ص 105 ومسند أحمد ج 4 ص 428 و 429 و 441 و 444 و 400 و 415 و 392 في موضعين و 432 والغدير ج 10 ص 202 و 203 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 260 والبحر الزخار ج 2 ص 254. وعن المصادر التالية: صحيح البخاري ج 2 ص 209 وصحيح مسلم ج 1 ص 295 وسنن النسائي ج 1 ص 164 وسنن أبي داود ج 5 ص 84 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 296 وفتح الباري ج 2 ص 209 والمصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 241. (3) كشف القناع عن حجية الاجماع ص 67. (*)

[ 146 ]

فإذا كانت الصلاة التي هي عمود الدين، والركن الاعظم في الاسلام، ويؤديها كل مسلم خمس مرات يوميا، كان لا يعرف حدودها وأحكامها أقرب الناس إلى مهبط الوحي والتنزيل الذين يفترض فيهم أن يكونوا أعرف من كل أحد بالشريعة وأحكام الدين !، فكيف تكون حالة غيرهم من أبناء الامة، الذين هم أبعد عن مصدر العلم والمعرفة، وما هو مدى اطلاعهم على أحكام الشريعة يا ترى ؟ !. وإذا كانت أوضح الواضحات قد أصبحت مجهولة إلى هذا الحد، فما هو مدى معرفة الناس، وبالاخص البعيدين منهم عن مصدر العلم والمعرفة، بالاحكام الاخرى، التي يقل الابتلاء بها، والتعرض لها، والسؤال عنها ؟ ! لا مبالغة ولا تهويل: وقد يظن القارئ: أننا نبالغ في تصويرنا لحقيقة ما تمخضت عنه تلك السياسة الخبيثة تجاه حديث الرسول (ص)، وتجاه القرآن والاسلام. وقد يظن مثل ذلك بالنسبة للاقوال الانفة الذكر التي تقرر: أنه لم يبق من الاسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه. أو لم يبق إلا الاذان بالصلاة، أو أن صلاة النبي (ص) أصبحت منسية حتى من قبل صحابته (ص)، حتى ذكرهم بها علي أمير المؤمنين " عليه السلام ".. إلى آخر ما قدمناه. ولكننا نأسف حين نقول للقارئ: إن هذه هي الحقيقة، كل الحقيقة، وليس فيها أي مبالغة، أو تضخيم. ومن أجل التأكيد على ما سبق نورد للقارئ بعض الشواهد والوقائع لتكون دليلا ملموسا على ما نقول، مع التزامنا القوي في أن لا نذكر شيئا من تلك الشواهد الكثيرة والمتضافرة على جهل الخلفاء - باستثناء علي

[ 147 ]

(ع) - بأحكام شرعية هي من أبده البديهيات، وأوضح الواضحات، لاننا نخاف أن توجه إلينا أصابع الاتهام بالتعصب على هذا أو ذاك، وبارادة تسجيل إدانة لهم من موقع التحامل المذهبي عليهم. مع أننا نطمئن القارئ الكريم بأن العلامة الاميني رحمه الله، قد أغنانا في كتابه القيم " الغدير " عن ذلك، لانه حشد فيه من الوقائع والشواهد على ذلك الشئ الكثير، والكثير جدا، عن مصادر بالغة الكثرة والوثاقة لدى من يتولونهم، ويدافعون عنهم بكل حيلة ووسيلة. فضائح لا تطاق: والشواهد التي نريد أن نوردها هنا، وتصل إلى حد الفضيحة، هي التالية: 1 - يقول ابن عباس لاهل البصرة، وهو على المنبر: أخرجوا صدقة صومكم. فلم يفهم الناس مراده، فطلب أن يقوم من كان من أهل المدينة حاضرا، بتوضيح ذلك للناس، " فإنهم لا يعلمون من زكاة الفطرة الواجبة شيئا " (1). كان هذا هو حال البصرة، التي مصرت في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فإن أهلها لا يفهمون حتى لغة الشريعة، ولم يعرفوا عن زكاة الفطرة شيئا، رغم أن من المفروض أن يكون ذلك من البديهيات، فما ظنك بعد هذا بأولئك الذين تفتح بلادهم، ويعلنون إسلامهم، وهم عشرات الالوف. وليس لديهم من يعلمهم، ولا من يدلهم ويرشدهم. وقد كانت لا تزال تضاف إلى الممالك الاسلامية مناطق واسعة،


(1) الاحكام في أصول الاحكام ج 2 ص 131. (*)

[ 148 ]

وبلاد شاسعة، مملؤة بالسكان، دون أن يتصدى لتعليمهم وتثقيفهم أحد من الناس. 2 - وقد كان جيش بأكمله من هؤلاء الفاتحين للبلاد، والمفترض أنهم هم حملة الاسلام إلى سائر الامم التي تخضع لهم، وتقبل ببسط سلطتهم - إن هذا الجيش - لم يكن فيه أحد يعرف: أن الوضوء على من أحدث، حتى بعث قائدهم، أبو موسى الاشعري من ينادي فيهم بذلك (1). مع أن أمر الوضوء من أوضح الواضحات، ويمارسه كل أحد كل يوم عدة مرات. فإذا كان هؤلاء يجهلون ذلك، فما ظنك بالناس الذين يفترض فيهم أن يأخذوا أحكام دينهم وعباداتهم من هؤلاء الجهلة بالذات، وهم المعلمون والاساتذة، وا لمربون لهم ؟ ! !. 3 - لقد أشار الخليفة الثاني إلى أن الناس كانوا يعرفون جهل كبار الصحابة بأحكام الربا، فهو يقول: " إنكم تزعمون: أنا لا نعلم أحكام الربا. ولان أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر، وكورها " (2). 4 - كما أن ابن مسعود لم يكن يدري: أن صرف الفضة بالفضة لا يصلح إلا مثلا بمثل (3).


(1) حياة الصحابة ج 1 ص 505 عن كنز العمال ج 5 ص 114 وعن معاني الاثار للطحاوي ج 1 ص 27. (2) المصنف للصنعاني ج 8 ص 26 والسنن الكبرى ج 3 ص 23. (3) راجع: المصنف للصنعاني ج 8 ص 123 و 124 والسنن الكبرى ج 5 ص 282، ومجمع الزوائد ج 4 ص 116. (*)

[ 149 ]

5 - وأنكر معاوية أيضا: أن يكون ذلك من الربا (1). ونقول: إنه إذا كان الصحابة، حتى الخليفة الثاني ومعاوية، وحتى ابن مسعود المشهور بعلمه وفضله، لا يدرون ذلك، فما حال غيرهم من سائر الناس، فضلا عن أولئك الذين لم يروا النبي (ص) ولا عاشوا معه، بل سمعوا باسمه، لا أكثر ولا أقل ؟ !. 6 - لقد شكا أهل الكوفة إلى عمر، سعد بن أبي وقاص: أنه لا يحسن يصلي (2). 7 - إن ابن عمر، لا يحسن أن يطلق امرأته، حيث طلقها ثلاثا في طهر كان واقعها فيه، فاستحمقوه لاجل ذلك (3). 8 - إن ابن مسعود قد أفتى رجلا في الكوفة بجواز أن يتزوج أم زوجته التي طلقها قبل الدخول، ففعل ذلك، وبعد أن ولدت له أم زوجته ثلاثة أولاد، وعاد ابن مسعود إلى المدينة، وسأل عن هذه المسألة، فأخبروه بعدم جواز ذلك، فعاد إلى الكوفة، وأمر ذلك الرجل بفراق تلك المرأة، بعد كل ما حصل (4).


(1) المصنف للصنعاني ج 8 ص 34 والسنن الكبرى ج 5 ص 282 و 277 و 276 وعن صحيح مسلم ج 2 ص 25 و 52. (2) سيأتي ذلك مع مصادره في غزوة أحد. (3) راجع: صحيح مسلم ج 4 ص 181 وراجع ص 179 و 182 والغدير ج 10 ص 39 وراجع: مسند أحمد ج 2 ص 51 و 61 و 64 و 74 و 80 و 128 و 145 وعن صحيح البخاري ج 8 ص 76 وعن تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 34 وعن الكامل في التاريخ ج 3 ص 27 وعن الصواعق المحرقة ص 62 وعن فتخ الباري ج 7 ص 54 وصححه كل ذلك في الغدير. (4) راجع: المصنف للصنعاني ج 6 ص 273 و 274 والسنن الكبرى ج 7 ص 159. (*)

[ 150 ]

كما أن مسروقا ومعاوية كانا لا يعرفان حكم هذه المسألة أيضا (1). 9 - إنهم إنما كانوا يعرفون قراءة رسول الله (ص) في صلاته، باضطراب لحيته (2). 10 - لقد أفتى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو (3): أن ماء البحر لا يجزي من وضوء ولا جنابة. وقريب من هذا روي عن سعيد بن المسيب (4) وروي مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا (5). ومما يضحك الثكلى: هذا، وقد ذكر لنا الزبير بن بكار وغيره نموذجا مخجلا، يضحك حتى الثكلى من خطب عدد من سادة القبائل (6)، ممن كان الخلفاء


(1) راجع: المصنف ج 6 ص 274 و 275. (2) صحيح البخاري ط سنة 1309 ه‍. ج 1 ص 90 و 93 ومسند أحمد ج 5 ص 109 و 112، والسنن الكبرى ج 2 ص 37 و 54 عن الصحيحين، والبحر الزخار ج 2 ص 247 وجواهر الاخبار والاثار (مطبوع بهامش البحر الزخار) ج 2 ص 247 عن أبي دواد والترمذي، والانتصار، والنسائي، والبخاري. (3) راجع: المصنف للصنعاني ج 1 ص 93 والمغنى لابن قدامة ج 1 ص 8 والشرح الكبير بهامشه ج 1 ص 7 وراجع: تحفة الاحوذي ج 1 ص 231 ط دار الفكر، والخلاف ط جماعة المدرسين ج 1 ص 51 والمحلى ج 1 ص 221 ونيل الاوطار ج 1 ص 20 والجامع لاحكام القرآن ج 13 ص 53 وعن المصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 88. (4) راجع: الخلاف ج 1 ص 51 وتحفة الاحوذي ج 1 ص 231 ونيل الاوطار ج 1 ص 20. (5) نيل الاوطار ج 1 ص 20 والمحلى ج 1 ص 221 وتحفة الاحوذي ج 1 ص 231. (6) الموفقيات ص 203 - 205 وراجع: جمهرة خطب العرب ج 3 ص 355. (*)

[ 151 ]

يولونهم أمور الناس في عنفوان الدولة الاموية. وهي إن دلت على شئ فإنما تدل على مدى الانحطاط الفكري الذي كان يهيمن على طبقة الرؤساء وأصحاب النفوذ آنئذ، فكيف يمكننا أن نتصور حالة سائر الناس ممن كانوا لا يملكون إمكانيات حتى الحصول على لقمة العيش، والاحتفاظ برمق الحياة. قال الزبير بن بكار: " شكا عبد الله بن عامر إلى زياد بن أبيه - وهو كاتبه على العراق الحصر على المنبر، فقال: " اما انك لو سمعت كلام غيرك في ذلك الموقف استكثرت ما يكون منك ". قال: فكيف اسمع ذاك. ؟ ! قال: رح يوم الجمعة وكن من المقصورة بالقرب حتى اسمعك خطب الناس. فلما كان يوم الجمعة قال زياد: " ان الامير سهر البارحة فليس يمكنه الخروج إلى الصلاة. والتفت إلى رجل من سادة بني تميم، فقال له: قم فاخطب، وصل بالناس. فلما أوفى على ذروة المنبر قال: الحمد لله الذي خلق السماوات والارض في ستة اشهر. قالوا: قبحك الله. - جل ثناؤه - يقول: في ستة أيام. وتقول انت: في ستة اشهر. فنزل والتفت إلى شريف لربيعة فقال له: قم فاخطب. فلما ارتقى على المنبر ضرب بطرفه، فوقع على جار له كان يخاصمه في حد بينهما. فقال: الحمد لله. وارتج عليه. فقال لجاره: اما بعد فان نزلت اليك يا اصلع لافعلن بك، ولافعلن.

[ 152 ]

فانزلوه. فالتفت إلى رئيس من رؤساء الازد، فقال له: انهض فأقم للناس صلاتهم، فلما تسنم المنبر قال: الحمد لله، ولم يدر ما يقول بعد ذلك، فقال: أيها الناس، قد والله هممت أن لا أحضر اليوم، فقالت لي إمرأتي: انشدتك بالله إن تركت فضل الصلاة في المسجد يوم الجمعة، فاطعتها، فوقفت هذا الموقف الذي ترون. فاشهدوا جميعا انها طالق. فانزلوه إنزالا عنيفا. وأرسل زياد إلى عبد الله بن عامر، انه ليس أحد يقيم صلاتهم، ولا بد ان تحمل على نفسك. فخرج فخطب فتبين فضله في الناس على سائر الناس. (1) التركة الموروثة: أما بالنسبة إلى حجم التركة التي ورثها الناس عن سلفهم الصالح (على حد تعبيرهم) فقد ادعوا: أنه قد وصل إليهم من حديث رسول الله (ص) - من غير طريق أهل البيت " عليهم السلام " - نزر قليل، لا يتناسب مع الحاجات التي تواجه الناس، ولا تتوافق مع هذا التراث الضخم جدا، الذي سطره علماؤهم عبر القرون المتمادية، فهم يقولون: 1 - إن حديث النبي (ص) أربعة آلاف حديث (2). 2 - عن أحمد بن حنبل: " الاصول التي يدور عليها العلم عن النبي " صلى الله عليه وآله " ينبغي أن تكون ألفا وماءتين " (3).


(1) الاخبار الموفقيات ص 203 - 204 ح 119. (2) علوم الحديث لابن الصلاح ص 367 والباعث الحثيث ص 85 والسنة قبل التدوين عن فتح المغيث ج 4 ص 39 وعن تلقيح فهوم أهل الاثار. (3) إرشاد الفحول ص 251. (*)

[ 153 ]

3 - لكن نصا آخر يقول: إنه لم يصل إلى الامة سوى خمس مئة حديث في أصول الاحكام، ومثلها في أصول السنة (1). ثم إنهم يقولون: إن هذا الواصل لم يصح منه عندهم إلا أقل القليل، حيث قد بلغت رواية أبي حنيفة سبعة عشر حديثا فقط. أما مالك، فإنما صح عنده ما في كتاب الموطأ، " وغايتها ثلاث مئة حديث، أو نحوها " (2). فمن أين إذن جاءت هذه الالاف المؤلفة من الاحاديث التي وصفوها بالثبوت والصحة، فملات صحيحي البخاري ومسلم، ومستدرك الحاكم، وباقي الصحاح الست، وصحيح ابن حبان، وصحيح أبي عوانة. وغير ذلك كثير. هذا فضلا عن غيرها من مئات الالوف بل الملايين من الاحاديث التي يزعم حفاظ الحديث أنها عندهم. بل إن أحمد بن حنبل الذي يقول ما قدمناه هو نفسه قد ألف المسند الذي يضم أربعين ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة (3). ويزعمون: أنه ليس فيه حديث موضوع عدا ثلاثة أو أربعة أحاديث تكلموا فيها. بل لا يتأتى الحكم بكون واحد منها موضوعا إلا الفرد النادر، مع


(1) مناقب الشافعي ج 1 ص 419 وعن الوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا ص 243. (2) المقدمة لابن خلدون ص 444 وأضواء عل السنة المحمدية ص 388. (3) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 236. (*)

[ 154 ]

الاهتمام القوي في دفع ذلك (1). نعم، من أين جاءت هذه الاحاديث والروايات، إن ذلك لمريب حقا. وإنه أيضا لغريب وعجيب ! ! نظرية التطور عند أهل الحديث: قد ظهر مما تقدم: أن الاحاديث التي كان قد بلغ تداولها إلى درجة الصفر أو كاد، قد بدأت بعد السماح للناس بالرواية، بعد عشرات السنين تظهر عليها أعراض التضخم المطرد بصورة غير طبيعية، وبدون أية ضابطة أو رابطة. إذ أن مراجعة جامعة لكتب تراجم الحفاظ وأهل الحديث، ومن يسمونهم بالفقهاء مثل تذكرة الحفاظ للذهبي (2) وغيره تعطينا أمرين: أحدهما: أنها تعظم وتفخم وتخلع مختلف الالفاظ الدالة على الحفظ والعلم، والتبحر على أشخاص كثيرين، بل تصف بعضهم بأنه وحيد في مصره أو في عصره. ثم يظهر: أنه إنما كان يحفظ ثلاث مئة حديث، أو لم يثبت لديه سوى سبعة عشر حديثا، أو لا يعرف أنه يحرم الزواج بأم الزوجة، أو ما إلى ذلك مما ألمحنا إليه. الثاني: إن ملاحظة طبقات الحفاظ تعطينا تدرجا ملفتا للنظر في حجم الاحاديث، فتجد أن طبقة كبيرة في الصدر الاول يوصف الحافظ


(1) راجع: تعجيل المنفعة برجال الاربعة ص 6. وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 37 عنه. والقول المسدد في الذب عن المسند للامام أحمد، لابن حجر العسقلاني. وذيل القول المسدد للمدراسي. (2) شرف أصحاب الحديث ص 115 وفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة لعبد الجبار ص 193. (*)

[ 155 ]

منها بأن عنده ثلاثون أو ستون حديثا، أو مئة أو عشرة أحاديث، أو مئتا حديث، ونحو ذلك. ثم إذا تقدم الزمان قليلا يترقى العدد ليتراوح بين الالف والالفين، والثلاثة والخمسة ونحو ذلك. ثم في فترة لاحقة يترقى العدد إلى بضع عشرات: عشرين ألفا، ثلاثين، وهكذا. ثم تأتي فترة فتوصل الاعداد إلى مئة ألف أو مئتين أو ثلاث مئة. ثم يقفز العدد إلى الست والسبع مئة، وإلى المليون حديث، وأكثر من ذلك حتى ليفوز بعضهم مثل شعبة بلقب أمير المؤمنين في الحديث (1). ولا ننسى هنا: أن نستشهد لهذا الذي ذكرناه بأننا في حين نجد: أن القاضي عبد الجبار يصرح بأن أحاديث التجسيم والتشبيه من أخبار الاحاد (2). وقال أحمد بن حنبل: إن بعض أهل الحديث أخبره: أن يحيى بن صالح (المتوفي سنة 222 ه‍.) (3) قال: " لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث، يعني هذه التي في الرؤية ". ثم قال أحمد: " كأنه نزع إلى رأي جهم " (4).


(1) وراجع: الباعث الحثيث ص 186 و 187. (2) فضل الاعتزال، وطبقات المعزلة ص 193 و 158. (3) راجع: سير أعلام النبلاء ج 1 ص 456 والتاريخ الكبيرج 8 ص 282 وتهذيب التهذيب ج 11 ص 230. (4) سير أعلام النبلاء ج 10 ص 455 والعلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 187 وتهذيب = (*)

[ 156 ]

فيحيى بن صالح الذي يروي له البخاري، وأصحاب الصحاح الست سوى النسائي (1) يريد أن يقول: إن الاعتقاد برؤية الله قائم على عشرة أحاديث فقط. بل صرح بعضهم: بأن أخبار الرؤية لا تزيد على ثمانية أحاديث (2). ولكننا بعد حوالي نصف قرن من الزمن نجد ابن خزيمة الذي يصفونه بأنه " إمام الائمة " يؤلف كتابا بعنوان " التوحيد وإثبات صفات الرب " يبلغ عدد صفحاته حوالي أربع مئة صفحة، قد شحنه بأحاديث التجسيم، وأحاديث الرؤية من أوله إلى آخره، وفيه الكثير مما يدل على أن لله تعالى يدا، ورجلا، وعينا، وإصبعا، وساقا ووإلخ.. تعالى الله عما يقوله الجاهلون والمبطلون علوا كبيرا. فمن أين جاءت هذه الاحاديث ؟ وكيف ومتى لفقت واخترعت ؟ ! لا ندري، غير أننا وجدنا الامام الشافعي ينقل عن القاضي أبي يوسف، الذي عاش في أواخر القرن الثاني قوله: " والرواية تزداد كثرة، ويخرج منها ما لا يعرف، ولا يعرفه أهل الفقه، ولا يوافق الكتاب ولا السنة " (3). وذلك يفسر لنا العديد من الظواهر الاخرى الملفتة للنظر، مما سنشير إلى بعض منه فيما يلي من مطالب.


= التهذيب ج 11 ص 230 والضعفاء الكبير للعقيلي ج 4 ص 408 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 408. (1) راجع: مقدمة فتح الباري ص 452 وتهذيب التهذيب ج 11 ص 229. (2) المغني للقاضي عبد الجبار ج 4 ص 228 وص 225 و 235 و 233. (3) الام للشافعي ج 7 ص 308. (*)

[ 157 ]

الوضع والوضاعون: وبعدما تقدم، فإننا سوف لن نفاجأ إذا سمعناهم يحكمون على 12 أو 14 أو 35 ألف حديث، بل على مئات الالوف من الاحاديث بالكذب والوضع والاختلاق، وكثير من هذا المختلق والموضوع قد جاء لاهداف مختلفة، ومنها: لارضاء الملوك وتأييد سلطانهم، وتحقيق أهدافهم ومآربهم (1). وقد ذكر العلامة الاميني في كتابه الغدير ج 5 ص 288 - 290 قائمة بالموضوعات بلغت 408684 حديثا فراجع. وحتى تلك الاحاديث التي سكتوا عنها أو حكموا بصحتها، وهي تعد بعشرات الالوف والملايين (2)، وقد زخرت بها كتب صحاحهم ومجاميعهم الحديثية، فإنها تصبح موضع شك وريب، بل إننا لنطمئن لعدم صحة الكثير منها، من الاساس.


(1) راجع: عل سبيل المثال التراتيب الادارية ج 2 ص 208 والكفاية في علم الرواية ص 431 وراجع: المجروحون ج 1 ص 156 و 185 و 155 و 142 و 96 و 63 وص 65 حول وضع الحديث للملوك. وراجع: الباعث الحثيث ص 84 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 32 و 33 ولسان الميزان ج 3 ص 405 وج 5 ص 228 والفوائد المجموعة ص 426 و 427 وأي كتاب يتحدث عن الموضوعات في الاخبار والاثار مثل اللالئ المصنوعة للسيوطي، والاسرار المرفوعة للشوكاني والموضوعات للفتني، وغير ذلك. (2) راجع عل سبيل المثال: التراتيب الادارية ج 2 ص 202 - 208 و 407 والكنى والالقاب ج 1 ص 414 ولسان الميزان ج 3 ص 405 وتذكرة الحفاظ ج 2 ص 641 و 430 وج 1 ص 254 و 276 وهذا الكتاب مملوء بهذه الارقام العالية والمخيفة، فليراجعه طالب ذلك. (*)

[ 158 ]

الحاجة أم الاختراع: وبعد، فإذا كان كبار الصحابة، وابن مسعود لا يعرفون أحكام الربا، وابن عمر لا يعرف كيف يطلق امرأته، وجيش بأكمله لا يعرف أن الوضوء على من أحدث إلى آخر ما تقدم. فإن من الطبيعي: أن يرى الناس في من يدعي أنه يحفظ ثلاثين أو أربعين حديثا، أو مئة أو ماءتي حديث، أو عرف بعض الاحكام عن رسول الله (ص): أنه أعلم العلماء، وأفقه الفقهاء في عصره، أو في مصره، أو بلده. وأن يصبح هو الملاذ والمرجع والموئل لهم فيما ينوبهم من أمور دينهم. ويتلمذون عليه، ويأخذون عنه أحكامهم، وشريعة نبيهم، كما يظهر جليا من مراجعة كتب التراجم والرجال، التي تمثل التيار العام لبعض الفئات، التي كانت تنسجم مع سياسات الحكام، وترتبط بها بنحو أو بآخر. ومن جهة أخرى، فإن هذا العالم الجليل ! ! إذا وجد نفسه في موقع كهذا، وواجه الواقع، واحتاج إلى المزيد مما ليس عنده منه أثارة من علم، فلسوف يبحث عما يلبي له حاجته، ويوصله إلى بغيته. وأين ؟ وأنى له أن يجد ذلك إلا عند أناس، أخذ على نفسه (أو أخذ الحكام عليه وعلى الناس): أن لا يتصلوا بهم، ولا يأخذوا شيئا عنهم، وهم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة عليهم الصلاة والسلام. فلا غرو بعد هذا إذا رأينا هذا الرجل الجليل يبادر إلى ما هو أسهل وأيسر، فيضيف من عند نفسه، وعلى حسابه الخاص ما شاءت له قريحته، وسمحت له به همته، حيث لا رقيب عليه ولا حسيب، ولا مانع من ضمير، ولا رادع من وجدان. الفقه والفقهاء:

[ 159 ]

أما بالنسبة إلى فقه الفقهاء، ومذاهب العلماء، فقد أصبح من المفهوم: أن وراء الاكمة ما وراءها، حين نرى أن فقه أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وغيرهم يتسع ويتضخم، ويزيد ويتورم، حتى تضيق عنه المجلدات الكثيرة وآلاف الصفحات. مع ما نراه من استنادهم إلى المئات والالوف من الروايات التي كانت تلك حالها، وذاك مآلها ! ! فاقرأ واعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا ! ! أما ما يستندون إليه، ويعتمدون عليه في غير الفقه، فذلك حدث عنه ولا حرج، وهو يصل إلى الالوف الكثيرة، كما يظهر من تتبع مختلف المواضع والمواقع. يعترفون.. يتهمون: ومن الطريف أن نذكر هنا: أنهم في حين يعترفون بأنهم قد وضعوا أحاديث في فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان، ردا على من ينتقص منهم (1). ويعترفون أيضا: بأنه عندما كثر سب الصحابة (وهو أمر لم يحصل. وما حصل هو مجرد التعريف ببعض ما ارتكبه أشخاص منهم، تحبهم الهيئة الحاكمة، أو ممن كانوا أحد أركانها، ردا على الغلو الحاصل فيهم، حتى لتعتبر أقوالهم سنة، وما إلى ذلك) فقد وضعت أحاديث في فضل الصحابة جميعا، أو في فضل جمع منهم (2).


(1) راجع: اللآلي المصنوعة ج 1 ص 286 و 315 / 316 و 417 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه وعن تنزيه الشريعة ج 1 ص 372 وج 2 ص 4. (2) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 428 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه. (*)

[ 160 ]

إنهم مع انهم يعترفون بهذا، لكنهم يتهمون بعض الشيعة بوضع أحاديث في فضل علي، والطعن في معاوية (1). مع أن عليا في غنى عن ذلك، ولا يمكن لاحد أن يضع أكثر مما قاله رسول الله (ص) في حقه، مما ثبت بالآثار الصحيحة والمتواترة، والتي تفوق حد الاحصاء. كما أنه يكفي معاوية التعريف بما ثبتت روايته عن رسول الله (ص) في حقه مما لا يجهله أحد، حتى إن النسائي قد نال شرف الشهادة حينما أظهر حديثا واحدا منها (2)، فكيف لو أراد إظهار كل ما يعرفه، مما رواه عن رسول الله (ص) في حقه ؟ ! التجني على العراقيين: وقد كان العراق موطنا لعلي " عليه السلام " مدة خلافته، وقد ناصر العراقيون عليا، ورأوا ورووا بعض فضائله " عليه السلام ". وقاتلوا الناكثين والمارقين والقاسطين معه، فعاداهم الناس، واتهموهم بالكذب والوضع لاجل ذلك، وفرضوا عليهم حصارا ثقافيا وإعلاميا. ولعل أول من بادر إلى اتهامهم بذلك هو أم المؤمنين عاثشة (3) التي


(1) اللالي المصنوعة ج 1 ص 323 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 22 عنه وعن ابن تيمية في المنتقى من منهاج الاعتدال ص 313. (2) الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 121 وراجع: وفيات الاعيان ج 1 ص 77 ط بيروت والبداية والنهاية ج 11 ص 124 ومرآة الجنان ج 2 ص 241 وتذكرة الحفاظ ج 2 ص 700 وراجع ص 699 وشذرات الذهب ج 2 ص 240 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 14 ص 132 وتهذيب الكمال ج 1 ص 339 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 38 والمنتظم ج 6 ص 131. (3) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 24 وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 70. (*)

[ 161 ]

لقيت على أيديهم في حرب الجمل شر هزيمة. واتهمهم بذلك أيضا عبد الله بن عمرو بن العاص الذي لقي منهم الامرين في حرب صفين (1). وكذلك الزهري (2) الذي كان له وجاهة ومكانة خاصة في البلاط الاموي (3). أما مالك، الذي لم يرو عن أحد من الكوفيين، سوى عبد الله بن إدريس، الذي كان على مذهبه، فقد رأى: أن أحاديث أهل العراق، تنزل منزلة أحاديث أهل الكتاب، أي فلا تصدق ولا تكذب (4). وكان يقول: لم يرو أولونا عن أوليهم، كذلك لا يروي آخرونا عن آخريهم (5) السبب هو السياسة والانحراف عن علي (ع): وقد كانت هذه السياسة سياسة أموية وشامية، ضد علي " عليه السلام "، منطلقها التعصب والتجني، وليس تحري الحق، والتزام جانبه. وقد قالوا عن الجوزجاني: إنه في كتابه في الرجال " يتشدد في جرح الكوفيين من أصحاب علي، من أجل المذهب "، لذلك قال ابن حجر:


(1) الطبقات الكبرى لابن سعد ط صادر ج 4 ص 267. (2) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 24 وتهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 70. (3) ستأتي إشارة إلى ذلك حين الحديث حول روايات بدء الوحي، وقصة ورقة بن نوفل. (4) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 25 عن ابن تيمية في المنتقى من منهاج الاعتدال ص 88. (5) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 25 عن الكامل لابن عدي ج 1 ص 3: أ. (*)

[ 162 ]

" لا عبرة بحطه على الكوفيين " (1). وقال الاوزاعي: " كانت الخلفاء بالشام، فإذا كانت الحادثة سألوا عنها علماء أهل الشام، وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تجاوز جدر بيوتهم، فمتى كان علماء أهل الشام يحملون عن خوارج أهل العراق ؟ ! " (2). ويقول ابن المبارك: " ما دخلت الشام إلا لاستغني عن حديث أهل الكوفة " (3). بل إن ذلك قد انعكس حتى على علوم العربية، مثل علم النحو وغيره، حيث نجد اهتماما ظاهرا بتكريس نحو البصريين، واستبعاد نحو الكوفيين، مهما عاضدته الدلائل والشواهد، فراجع ولاحظ. ولهذا البحث مجال آخر. فشل المحاولات: على أن كل تلك الجهود، وإن تركت بعض الاثر بصورة عامة، ولكنها لم تؤت كل ثمارها المرجوة، فقد فرض الفقه والحديث العراقي نفسه على الساحة، ولا يمكنهم الاستغناء عنه بالكلية، فقبلوه على مضض وكره منهم، حتى ليقول ابن المديني: " لو تركت أهل البصرة لحال القدر،


(1) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 93 وراجع تهذيب التهذيب ج 1 ص 93 وج 5 ص 46 وج 10 ص 158. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 70 / 71 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 25 عنه. (3) المصدران السابقان. (*)

[ 163 ]

وتركت أهل الكوفة لذلك الرأي (يعني التشيع) خربت الكتب " (1). وقال محمد بن يعقوب: " إن كتاب أستاذه (يعني صحيح مسلم) ملان من حديث الشيعة " (2). وقد روى البخاري نفسه عن طائفة كبيرة ممن ينسبون إلى التشيع من العراقيين وغيرهم (3). خلاصات لابد في قراءتها: ولمزيد من التأييد والتأكيد على ما نريد أن نقوله، نعود إلى التذكير ببعض النقاط المفيدة في إيضاح المطلوب، فنقول: لا معايير ولا ضوابط: لقد كانت كل تلك السياسات التي تحدثنا عنها تنفذ في حين: أن الناس لم يكونوا قادرين على تمييز الغث من السمين، والصحيح من السقيم، لانهم كانوا قد فقدوا المعايير والضوابط المعقولة والمقبولة، التي تمكنهم من ممارسة دور الرقابة الدقيقة والمسؤولة على ما يزعم أنه شريعة ودين، وأحكام وإسلام. إنفلات الزمام: وبما أن الناس كانوا يريدون معرفة شئ عن دينهم، ويحبون قرآنهم،


(1) الكفاية في علم الرواية ص 129. (2) الكفاية في علم الرواية ص 129. (3) راجع: فخ الباري (المقدمة) ص 460 و 461 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 28. (*)

[ 164 ]

وإسلامهم، ونبيهم. وبما أنه لم يعد ثمة من يستطيع أن يعارض أو أن يعترض، فقد راجت بضائع الكذابين والوضاعين، وقامت سوقهم على قدم وساق. وتمكنوا من إشاعة أباطيلهم، وترهاتهم، وأضاليلهم. ولم يكن كثير من الناس يملكون القدرة على تمييز الصحيح من السقيم، والحق من الباطل، والاصيل من الدخيل. أهل الكتاب يمارسون دورهم: وكان أهل الكتاب في طليعة المستفيدين من هذه الاجواء، حسبما أوضحناه. حيث إن ذلك قد سهل على الذين أظهروا الاسلام منهم: أن ينشروا أباطيلهم وترهاتهم، بعد أن خلت لهم الساحة، وأصبحوا هم مصدر العلم والمعارف الدينية، والثقافة لاكثر الناس. خصوصا مع ما كانوا ينعمون به من حماية وتأييد من قبل الحكام آنئذ. إبعاد أهل البيت عن الساحة: إنما أصبح ذلك ممكنا بعد أن تمكن الحكام من فرض ظروف منعت الصفوة من أهل البيت " عليهم السلام "، وشيعتهم الابرار رضوان الله تعالى عليهم من ممارسة دورهم في التصحيح والتنقيح، والتقليم والتطعيم، وفضح زيف المزيفين، ودفع كيد الخائنين. وحرص أكثر الناس ولا سيما الحاقدون والمتزلفون، وضعفاء النفوس، على الابتعاد عنهم " عليهم السلام "، ولا سيما بعد استشهاد سيد شباب أهل الجنة، الامام الحسين (ع)، وصحبه الاخيار، وأهل بيته الاطهار في كربلاء الفداء. وقد أشار الامام السجاد إلى ذلك، فقال: " اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع أمنائك. في الدرجة الرفيعة، التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها حتى عاد صفوتك، وخلفاؤك مغلوبين،

[ 165 ]

مقهورين، مبتزين. يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا، وفرائضك محرفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة إلخ... " (1). والملفت للنظر هنا: أنه " عليه السلام " يقرر هذه الحقيقة ويعلنها في صيغة دعاء، في خصوص يوم عرفة في موسم الحج، حيث يجتمع الناس من مختلف الاقطار والامصار، ليستفيدوا من هذه الشعيرة العظيمة، ويعودوا إلى بلادهم بمزيد من الطهر، والصفاء، والاخلاص، والوعي لدينهم، ولعقيدتهم. ثم تكون هذه الفقرات جزءا من دعاء يدعو به المسلمون كل يوم جمعة في طول البلاد الاسلامية وعرضها. وباستمرار، ليسهم ذلك في المزيد من إيجاد حالة الوعي الرسالي، وليكون من ثم واحدا من مسؤولياتهم الايمانية، والعقيدية. وقد تعودنا من الامام السجاد " عليه السلام " هذا الاسلوب الفذ في أكثر من مجال من مجالات الفكر، والعقيدة، والسلوك، كما يتضح ذلك بالمراجعة إلى الصحيفة السجادية، وغيرها من الادعية المنقولة عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأبنائه الطيبين الطاهرين. الالتجاء المبكر إلى الراي والقياس: وغني عن القول: إن استبعاد حديث الرسول " صلى الله عليه وآله "، قد أوقع السلطات الحاكمة في مازق حقيقي على صعيد الفتوى، وإصدار الاحكام، ولذلك كان أول من بادر إلى العمل بالرأي والقياس هم الحكام أنفسهم، الذين كانوا يصرون على استبعاد أهل البيت - قدر الامكان - عن دائرة الفتوى، وعن بث العلوم والمعارف الصحيحة، والصافية في الناس.


(1) الصحيفة السجادية، دعاء 48. وهو الدعاء الخاص بيوم الجمعة، وعرفة. (*)

[ 166 ]

ثم تبعهم رعيل كبير ممن تسمى بالفقهاء والمحدثين، الذين كان الكثيرون منهم، من طلاب اللبانات، ومن المتزلفين إلى الحكام، ومن وعاظ السلاطين. فطغت مدرسة الرأي، وانتشر العمل بالاستحسان وبالقياس (1) " حتى استحالت الشريعة، وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة " (2) كما قاله المعتزلي الشافعي. وسيأتي (3): أن أبا بكر كان أول من عمل برأيه، حينما لا يكون لديه نص عن رسول الله (ص)، كما زعموا. ثم جاء عمر بن الخطاب، فأكد ذلك، ورسخه، قولا وعملا. وستأتي بعض أقواله ورسائله إلى أبي موسى الاشعري (4)، وشريح القاضي، التي يأمر فيها بالعمل بالرأي والقياس في رقم 28 من هذا الفصل. مع أنهم يقولون: إن عمر بن الخطاب هو الذي انتقد القائلين بالرأي، وروى عن رسول الله (ص) قوله: " إن أصحاب الرأي أعداء السنن، تفلتت منهم أن يعوها، وأعيتهم أن يحفظوها، وسلبوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم " (5).


(1) حياة الشعر في الكوفة ص 253 وكنز العمال ج 1 ص 332 وغير ذلك. (2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 84. (3) في فصل: معايير لحفظ الانحراف رقم / 11 - رأي الصحابي حيث لا نص. (4) سيأتي ذلك إن شاء الله في فصل: معايير لحفظ الانحراف رقم / 28 - القياس، والرأي والاستحسان. (5) كنز العمال ج 1 ص 335 عن ابن أبي نصر والغدير ج 7 ص 119 و 120 عن جامع بيان العلم ج 2 ص 134 ومختصره ص 185 وعن أعلام الموقعين ص 19. (*)

[ 167 ]

ولعل ذلك قد كان منه قبل أن يواجه المشكلة، ويحتاج إلى العمل بآرائه، أي قبل أن يتشدد في المنع من رواية حديث النبي (ص) وكتابته، وقبل أن يمنع الصحابة من الفتوى ويحصر حق الفتوى بالامير، أو من يختاره الامير. وربما يكون ذلك منه مختصا بأولئك الذين يفتون الناس بآرائهم، دون إجازة من الحاكم أو الامير. ولعل التوجيه الاول هو الانسب بسياق كلامه، حيبئ ينسبهم إلى الجهل بالسنن، فعارضوا السنن بآرائهم. إلا أن يدعى: أنه يريد أن غير الامراء لم يكن لديهم علم بالسنن والعلم بها محصور بالامراء. وهذا كلام لا يمكن قبوله، ولا الموافقة عليه، لمخالفته الظاهرة للبداهة وللواقع. أصدق الحديث: وقد أوضح لنا الامام الصادق " عليه السلام " - فيما روي عنه - سبب لجوئهم إلى الرأي، والقياس في دين الله، ثم ما نشأ عن ذلك. وهي شهادة ممن كان حاضرا وناظرا، وقد شاهد وعاين، وخبر الامور، ووقف على أغوارها، واستكنه أسرارها، فهو يقول: " يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء علماء، قد أثبتوا جميع الفقه والدين، مما يحتاج إليه الامة ! ! وليس كل علم رسول الله (ص)، علموه، ولا صار إليهم من رسول الله (ص) ولا عرفوه. وذلك أن الشئ من الحلال، والحرام، والاحكام، يرد عليهم، فيسألون عنه، ولا يكون عندهم فيه أثر من رسول الله (ص). ويستحيون

[ 168 ]

أن ينسبهم الناس إلى الجهل، ويكرهون أن يسألوا فلا يجيبون، فيطلب الناس العلم من معدنه. فلذلك استعملوا الرأي، والقياس في دين الله، وتركوا الاثار ودانوا بالبدع إلخ... " (1). الدوافع والاهداف: قد قدمنا فيما سبق إيضاحات حول سياسات الحكام تجاه حديث الرسول، رواية وكتابة، وتجاه السؤال عن معاني القرآن وغير ذلك. وبقي أن نشير إلى دوافع هذه السياسة وأهدافها، فنحن نجمل ذلك على النحو التالي: 1 - للخليفة مقام الرسول: لقد كان الخليفة الاسلامي - بنظر الناس - يحتل مقام رسول الله (ص). وذلك يعني: أنه لابد أن يقوم بنفس المهام، ويتحمل نفس المسؤوليات التي للرسول الاكرم (ص). فهو القاضي، والحاكم، والمربي، والقائد العسكري، والمفتي، والعالم، ووإلخ.. وقد كان الناس يرون: أن لهم الحق في توجيه أي نقد له، ومطالبته بأية مخالفة تصدر منه، وأي خطأ يقع فيه. وإذا رجعنا إلى أولئك الذين تسلموا زمام الحكم فور وفاة رسول الله (ص)، فإننا نجد: أنهم ليسوا في مستوى توقعات الناس، لا سيما وأن


(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 40 وتفسير العياشي ج 2 ص 331. (*)

[ 169 ]

التناقضات في فتاواهم وأعمالهم مع ما سمعه الصحابة ورأوه من رسول الله (ص)، وعرفوه من مواقفه، كانت كثيرة وخطيرة. هذا كله عدا عن مخالفاتهم لكثير من النصوص القرآنية، وأخطائهم، أو عدم اطلاعهم على تفسير كثير من آياته. بالاضافة إلى تناقضهم في الاحكام والفتاوى با ستمرار. وقد اعترفوا هم أنفسهم بالحقيقة، وقرروها في مناسبات عدة، حتى وهم يواجهون بعض الاعتراضات من قبل النساء، على بعض مخالفاتهم حيث ظهر أنهم لا يملكون الكثير من المعرفة بالاحكام الشرعية، والدينية، التي يحتاجها الناس في معاملاتهم وشؤونهم. بل إن الخليفة الثاني قد سجل كلمة طارت في الافاق، وأصبحت لها شهرة متميزة، وذلك حينما طالب أبا موسى الاشعري ببينة على حديث رواه، وإلا فلسوف ينزل به العقاب. ثم اتضح صحة الحديث، فقال عمر بن الخطاب في هذه المناسبة: إنه ألهاه الصفق بالاسواق (1) عن الحضور عند النبي (ص) لسماع حديثه، والاستفادة منه. وهو الذي يقول أيضا: كل الناس أفقه من عمر، حتى ربات الحجال في خدورهن.


(1) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 172 وج 2 ص 4 و 9 ومسند أحمد ج 4 ص 400 وسنن أبي داود ج 4 ص 346 والتراتيب الادارية ج 2 ص 7 و 4 و 25 وحياة الصحابة ج 2 ص 569 والغدير ج 6 ص 158 عن البخاري، وأبي داود وعن مسلم ج 2 ص 234 وعن مسند أحمد ج 3 ص 19 وعن سنن الدارمي ج 2 ص 274 وعن مشكل الاثار ج 1 ص 499. وحول تنكيل عمر بمن لا يأتي على الحديث ببينه راجع: حياة الصحابة ج 3 ص 360، عن كنز العمال ج 7 ص 34 وغيره. (*)

[ 170 ]

وقال عشرات المرات: لولا علي لهلك عمر. ونحو ذلك (1). ومهما يكن من أمر، فقد كثرت الاعتراضات، وظهر القصور جليا واضحا في نطاق تطبيق الرواية، والفتوى، والقضاء، والموقف السياسي، وغير ذلك، على النص القرآني، والسنة النبوية بصورة عامة. وقد بدا واضحا: أن استمرار الوضع على هذا المنوال لسوف يضعف موقع الحاكم، وسيهتز ويتزعزع، ولن تبقى له تلك المصداقية والفاعلية، ولا الهيمنة القوية التي يتوخاها. 2 - إحراجات لابد من الخروج منها: ومن جهة أخرى، فقد كانت هناك تصريحات كثيرة للرسول الاعظم (ص)، ومواقف حاسمة وحساسة تجاه بعض القضايا وبعض الناس، إيجابية هنا، وسلبية هناك، كان إظهارها، وشيوعها بين الناس لا يخدم مصلحة الحكام، بل هو يضرهم ويجرحهم بصورة كبيرة وخطيرة، فلابد من معالجة هذا الامر وتلافي سلبياته، فكان انتهاج هذه السياسة مفيدا جدا لهم في ذلك. وإليك تفصيل ذلك: إن مما يدل أو يشير إلى أنه قد كان ثمة مواقف للرسول (ص)، ونصوص لم يكن إظهارها في مصلحة الحاكم، فكان لابد من التعتيم عليها، وطمسها، قول ابن ابي الحديد المعتزلي: " قد أطبقت الصحابة إطباقا واحدا على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك " (2). وواضح: أن مراده من الصحابة المجمعين من عدا عليا " عليه


(1) راجع: الغدير للعلامة الاميني رحمه الله تجد تفصيل هذه النصوص، وطائفة كبيرة من مصادرها. (2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 83. (*)

[ 171 ]

السلام "، لان المعتزلي نفسه يقول: " إنما قال أعداؤه: لا رأي له، لانه كان متعبدا بالشريعة، لا يرى خلافها ". إلى أن قال: " وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه، ويستوفقه، سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يكن. ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لاجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله إلى الانتظام أقرب " (1). وقد قال عثمان للناس على المنبر: " أيها الناس، إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله (ص) كراهة تفرقكم عني، ثم بدا لي إلخ... " (2). هناك مواقف إيجابية لرسول الله " صلى الله عليه وآله " تجاه بعض المخلصين من صحابته، الذين كانوا يملكون مؤهلات نادرة، وميزات فريدة، تجعل لهم الحق دون كل من عداهم بالتصدي لامامة الامة، وقيادتها. وأعني به عليا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. وقد ركزت كلمات ومواقف الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله " على إظهار تلك الميزات الفريدة بالذات. سواء منها ما يرتبط بفضائله " عليه السلام " الذاتية، أو فيما يرتبط بما له من جهاد وسوابق. ثم أوضحت تلك المواقف النبوية، والنصوص عنه (ص) بالاستناد إلى ذلك: أن الامامة وقيادة الامة إنما هي حق له، وللائمة من ولده " عليهم السلام "، دون كل أحد سواهم. وذلك من شأنه: أن يضع الهيئة التي تصدت للحكم بعد النبي (ص) أمام إحراجات كبيرة في مسالة مصيرية، وخطيرة وحساسة، بل وفي


(1) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 28. (2) حياة الصحابة ج 1 ص 455 عن مسند أحمد ج 1 ص 65 وراجع ص 61. (*)

[ 172 ]

منتهى الحساسية. ويضع علامات استفهام واضحة على مجمل الوضع القائم آنذاك، ومدى شرعيته. فكان لابد من محاربة هذا النوع من النصوص، والتعتيم على تلكم المواقف، تلافيا لما هو أعظم وأدهى. فعن عبد الرحمان بن الاسود عن أبيه، قال: " جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت - بيت النبي (ص) - فاستأذنا على عبد الله (1)، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة. قال: فدعا الجارية، ثم دعا بطست فيه ماء. فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، أنظر فيها، فأن فيها أحاديث حسانا ! قال: فجعل يميثها فيها وهو يقول: نحن نقص عليك أحسن القصص. بما أوحينا إليك هذا القرآن. القلوب أوعية، فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بما سواه " (2). ويذكرون: أن ابن عباس أتي أيضا بكتاب فيه قضاء علي (ع)، فمحاه إلا قدر ذراع (3). وإن كنا شك في صحة ذلك، ونرى، أن ابن مسعود هو الذي فعل ذلك. وسيأتي في مواضع من الجزء الرابع من هذا الكتاب بعض النماذج


(1) أي ابن مسعود. (2) تقييد العلم ص 54 والسنة قبل التدوين ص 312 وراجع: غريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 48. وليس فيه: أن الاحاديث في أهل البيت. (3) صحيح مسلم ج 1 ص 11. (*)

[ 173 ]

للحرب الاعلامية التي كانت تمارس ضد علي وأهل بيته " عليهم السلام " وشيعته الابرار رضوان الله تعالى عليهم. هناك أقوال صحيحة، ومواقف صريحة لرسول الله (ص) تبين انحراف وزيف كثير من الشخصيات والرموز التي كانت تدعم الحكم الجديد، وتشد من أزره، وتعمل على بسط سلطته، وترسيخ نفوذه. بل فيهم بعض من أصبح جزءا من تكوينه وهيكليته، ومن ركائزه ودعائمه، الامر الذي جعل الحكم الجديد يرى نفسه مسؤولا عن الحفاظ على سمعة هؤلاء الناس. ورفعة شأنهم، وبسط نفوذهم، لاظهارهم على أنهم شخصيات على درجة من الفضل والنبل، ولهم من المواقف المشرفة، ومن الكرامات ما ليس لغيرهم. بل لابد أن يظهروا للناس - ولو عن طريق الاختلاق، والتحريف، والتزوير - أن هؤلاء الناس هم الذين شيدوا أركان الدين، وضحوا وجاهدوا حتى قام عموده، واشتد عوده. أما أقوال النبي الاكرم (ص) في حقهم، ومواقفه (ص) تجاههم، فلا ضير في أن تكتم وتنستر، ثم تتلاشى وتندثر، بل لابد لها من ذلك، وحيث لا يمكن ذلك، فلا أقل من التأويل والتبديل، والتحريف والتزييف، أو اختلاق ما يناقض ويعارض. وذلك هو أضعف الايمان. وقد روى الامام أحمد بن حنبل: أنه كان بين حذيفة وسلمان شئ، فسأله أبو قرة الكندي عن ذلك، فقال: " إن حذيفة كان يحدث بأشياء يقولها رسول الله (ص) في غضبه لاقوام، فأسأل عنها، فأقول: حذيفة أعلم بما يقول. وأكره أن يكون ضغائن بين أقوام. فأتى حذيفة، فقيل له: إن سلمان لا يصدقك ولا يكذبك بما تقول.

[ 174 ]

فجاءني حذيفة فقال: يا سلمان ابن أم سلمان. قلت: يا حذيفة ابن أم حذيفة، لتنتهين، أو لاكتبن إلى عمر. فلما خوفته بعمر تركني إلخ... (1). إذن، فقد كان حذيفة يحدث الناس بما كان يوقع سلمان الذي كان أميرا على المدائن من قبل عمر في حرج شديد فكان لا بد لسلمان من ان يوقف حذيفة عن الاستمرار في ذلك، فاستفاد من هذه الوسيلة لتحقيق هذا الهدف. وبعبارة أخرى: إن السياسة كانت قد فرضت حظرا على تناقل بعض ما يتعلق بأحوال الاشخاص. وقد كان حذيفة بنقله تلك الامور قد أحرج سلمان، فلما هدده بالكتابة إلى الخليفة كف عن ذلك. غير أنه قد وردت في آخر الحديث زيادة نحسب أنها لم ترد على لسان سلمان، وهي أن النبي (ص) قال: " أيما مؤمن لعنته لعنة، أو سببته سبة، في غير كنهه، فاجعلها عليه صلاة " (2). فإن ذلك لا شك في كونه من الاكاذيب على رسول الله (ص)، وعلى سلمان، فراجع ما ذكرناه في غزوة أحد من هذه الكتاب، ثم ما ذكرناه في الجزء السادس حول موضوع السب واللعن أيضا. 3 - التأثر بأهل الكتاب: هناك فرقتان من اليهود: إحداهما: فقهاء الفريسيين، وهم يؤمنون بكتابة العلم وتدوينه.


(1) مسند أحمد ج 5 ص 439. (2) المصدر السابق. (*)

[ 175 ]

ويكتبون كلام علمائهم وأحبارهم. كما هو الحال بالنسبة إلى التلمود، الذي له أهمية كبيرة عند معظم اليهود، بل إن أهميته لدى بعض فرقهم لتزيد على أهمية العهد القديم نفسه (1). الثانية: فرقة يقال لها: " القراء "، وهم الذين كثروا ونشطوا بعد ضعف أمر الفريسيين. وهم يقولون بعدم جواز كتابة شئ غير التوراة (2). وقد صرح البعض بأن فرقة الصدوقيين لا تعترف إلا بالعهد القديم، وترفض الاخذ بالاحاديث الشفوية المنسوبة إلى موسى " عليه السلام " (3). بل لقد جاء في التلمود نفسه: " إن الامور التي تروى مشافهة ليس لك الحق في إثباتها بالكتابة " (4). وقد علق على ذلك بعض العلماء بقوله: " من العجيب: أن اليهود كتبوا التلمود والمشناة حتى هذا النهي. وأهل الحديث من المسلمين كتبوا الاحاديث حتى الحديث المكذوب: لا تكتبوا عني... إلخ " (5). غير أننا نقول: إن المقصود هو المنع من الروايات الشفوية عن الانبياء، أما أقوال العلماء فهي الشريعة، تماما كما يقول البعض الان: إن آراء الصحابة شريعة وسنة.


(1) راجع: اليهودية واليهود ص 23. (2) راجع: التفكير الديني عند اليهود، لمحمد حسن ضاضا وراجع: مقارنة الاديان (اليهودية) ص 227. (3) اليهودية واليهود ص 86 ومقارنة الاديان (اليهودية) ص 226. (4) الفكر الديني الاسرائيلي للدكتور ظاظا ص 79 عن التلمود: حيطين 60 ب - تمور (5) بحوث مع أهل السنة والسلفية هامش ص 97. (*)

[ 176 ]

والذي يظهر لنا هو: ان كعب الاحبار قد كان من الفرقة التي لا تجيز كتابة غير التوراة. ويشير إلى ذلك: أنه حينما سأله الخليفة الثاني عن الشعر، أجابه كعب واصفا العرب بقوله: " أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم، ينطقون بالحكمة " (1). وقد روى مثل ذلك وهب بن منبه أيضا - الذي كان أيضا في الاساس من أهل الكتاب - فقد جاء في رواية مطولة له قوله: " يا رب، إني أجد في التوراة قوما أناجيلهم في صدورهم، يقرؤونها. وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظرا، ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد " (2). فلعل كعب الاحبار، وغيره ممن كان مقربا من السلطة قد استفاد من حسن الظن به من قبل الصحابة والحكام، فألقى هذا الامر إليهم، وهم غافلون، فوافق قبولا منهم، بسبب ما كانوا يعانونه من مشكلات ألمحنا إليها آنفا. ومما يشير إلى أن السلطة قد كانت تختزن في وعيها شيئا من ذلك


(1) راجع: العمدة لابن رشيق ج 1 ص 25 وقد صرح بذلك كعب في حديث أخر فراجع الدر المنثور ج 3 ص 125 ثم ررى ذلك أبو هريرة وقتادة عن النبي (ص) فراجع الدر المنثور ج 3 ص 124 و 123 و 22 وقد استدل البعض بهذا الحديث على حفظ القرآن عن ظهر قلب، فراجع مناهل العرفان ج 1 ص 235 والنشر في القراءات العشر ج 1 ص 6. وفي ربيع الابرار ج 2 ص 150 ذكر هذا الحديث عن التوراة على لسان راهب اخر فراجع. (2) راجع: البداية والنهاية ج 6 ص 62 ونزهة المجالس ج 2 ص 199. (*)

[ 177 ]

هو التعليل الذي جاؤا به حينما أرادوا إحراق ما جمعوه من أحاديث كتبها الصحابة عن رسول الله (ص)، حيث ذكروا: أن سبب إقدامهم على هذا الامر هو الالتفات إلى أن أمما كانوا قبلهم كان بينهم كتاب الله، فلما كتبوا أقوال علمائهم أكبوا عليها، وتركوا كتاب الله (فراجع ما تقدم). والملفت للنظر هنا: أن يتخيل هؤلاء المساواة فيما بين أقوال النبي الذي لا ينطق عن الهوى، وبين أقوال علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخلطون الحق بالباطل عن عمد وإصرار في كثير من الاحيان، إن لم يكن في أكثرها. بغضهم لعلي (ع) سبب آخر: هذا، ولابد من الاشارة هنا إلى أن السياسة التي انتهجت تجاه حديث النبي (ص)، وإن كانت سببا مهما لما حاق بالاسلام من بلاء، على صيد تجهيل الناس به، والتلاعب بالدين، وتغيير أحكام الشريعة. ولكن ذلك ليس هو كل شئ في هذا المجال، بل إن ثمة سببا آخر كان له دوره وتأثيره في ذلك، وهو: بغض علي " عليه السلام "، والاصرار على مخالفته في كل شئ. قال ابن عباس: " اللهم العنهم، قد تركوا السنة من بغض علي " (1). قال السندي: " أي وهو كان يتقيد بها " (2).


(1) سنن النسائي ج 5 ص 253 وسنن البيهقي ج 5 ص 113 والغدير ج 10 ص 205 عنهما وعن كنز العمال عن ابن جرير نص آخر. (2) تعليقة السندي عل سنن النسائي ج 5 هامش ص 253. (*)

[ 178 ]

وقال النيسابوري حول السبب في تركهم الجهر بالبسملة في الصلاة: " وأيضا، ففيه تهمة أخرى، وهي: أن عليا رضي الله عنه كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع عن الجهر، سعيا في إبطال آثار علي " (1). ورغم اعتراف الحجاج بأن أمير المؤمنين " عليه السلام " المرء الذي لا يرغب عن قوله، فإنه يصر على مخالفته، والعمل برأي عثمان (2) ! !. وقد عاش الحسنان " عليهما السلام " في الناس دهرا طويلا، وهما إمامان قاما أو قعدا، لكن ما روي عنهما في أحكام الشريعة قليل جدا لا يكاد يذكر. ولا يمكن أن يصغى إلى ما اعتذر به ابن شهر آشوب هنا، حيث قال: " وأما من قل منهم الروايات، مثل الحسن والحسين، فلقلة أيامهما " (3). والصحيح هو أن الناس أهملوا أقوالهم، ولم يهتموا بنقل شئ عنهم، بغضا منهم لهم، أو خوفا من معاقبة الحكام.


(1) تفسير النيسابوري (مطبوع بهامش جامع البيان للطبري) ج 1 ص 79. (2) مروج الذهب ج 3 ص 85 والكامل في الادب ج 1 ص 257 وراجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 62. (3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 274. (*)

[ 179 ]

الفصل السادس: لابه من امام:

[ 181 ]

لابد في امام: ولسنا بعد ذلك كله بحاجة إلى التأكيد على أنه كان لابد لهذا الدين من رائد وحافظ، لامام يحفظ له مسيرته، وينشر تعاليمه، ويربي الناس تربية إلهية صالحة وقويمة. ويكون هو الضمانة الحقيقية له على مر العصور، وكر الايام والدهور. وقد كان أئمة أهل البيت الاطهار " عليهم السلام " هم هذه الضمانة، التي بها حفظ الدين وأحكامه، وبهم سلمت رسومه وأعلامه. وكيف لا، وهم سفينة نوح، وأحد الثقلين الذين لا يضل من تمسك بهما، واهتدى بهديهما. وهذا ما يفسر لنا ما روي عن الامام الباقر " عليه السلام " في قوله للحكم بن عيينة (عتيبة)، وسلمة بن كهيل: شرقا وغربا، فلا تجدان علما صحيحا إلا شيئا خرج من عندنا (1). ويقول " عليه السلام " عن الحسن البصري: " فليذهب الحسن يمينا


(1) اختيار معرفة الرجال ص 210 و 209 والكافي ج 1 ص 399 وبصائر الدرجات ص 9 والوسائل ج 18 ص 47. (*)

[ 182 ]

وشمالا، فو الله، ما يوجد العلم إلا ها هنا " (1). وعنه " عليه السلام ": " فليذهب الناس حيث شاؤوا، فو الله ليس الامر إلا ها هنا، وأشار إلى بيته) (2). وعنه " عليه السلام " أيضا: كل شئ لم يخرج من هذا البيت فهو وبال (3). موقف الائمة (ع) من رواية الحديث وكتابته: لا أعتقد: أننا بحاجة إلى التذكير بموقف الائمة من رواية الحديث وكتابته، فإن ذلك أوضح من الشمس، وأبين من الامس. فعلي " عليه السلام " هو الذي رفع الحظر عن رواية حديث النبي " صلى الله عليه وآله " (4) وهو الذي يقرل: تزاوروا، وأكثروا مذاكرة الحديث، فإن لم تفعلوا يندرس الحديث (5). وهو الذي يقول: " قيدوا العلم، قيدوا العلم "، مرتين. ونحوه غيره (6). وقد قال " عليه السلام ":


(1) الكافي ج 1 ص 50 ووسائل الشيعة ج 18 ص 42 / 43 و 8. (2) الكافي ج 1 ص 399 وبصائر الدرجات ص 12. (3) الاختصاص ص 31. (4) راجع: سر گذشت حديث (فارسي) هامش ص 28 وراجع: كنز العمال ج 10 ص 171 و 172 و 122. (5) معرفة علوم الحديث ص 60 وكنز العمال ج 10 ص 189. (6) تقييد العلم ص 89 و 90 وفي هامشه قال: " وفي حض علي " عليه السلام " على الكتابة انظر معادن الجوهر للامين العاملي 1: 3 ". (*)

[ 183 ]

" من يشتري مني علما بدرهم ؟. قال الحارث الاعور: فذهبت، فاشتريت صحفا بدرهم، ثم جئت بها ". قال الراوي: " فكتب له علما كثيرا " (1). وعنه " عليه السلام ": " إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بأسناده، فإن يك حقا كنتم شركاء في الاجر، وإن يك باطلا كان وزره عليه " (2). ومثل ذلك كثير عنه " عليه السلام " (3). كما أن الامام الحسن " عليه السلام " دعا بنيه، وبني أخيه، فقال: " يا بني، وبني أخي، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه، فليكتبه، وليضعه في بيته " (4).


(1) التراتيب الادارية ج 2 ص 259 وطبقات ابن سعد ج 6 ص 116 وتاريخ بغداد ج 8 ص 357 وكنز العمال ج 10 ص 156 وتقييد العلم ص 90 وفي هامشه عمن تقدم، وعن كتاب العلم لابن أبي خيثمة ص 10 وعن المحدث الفاصل ج 4 ص 3. (2) كنز العمال ج 10 ص 129 عن الحاكم، وأبي نعيم، وابن عساكر. (3) راجع على سبيل المثال: كنز العمال ج 10 كتاب العلم. (4) تقييد العلم ص 91 ونور الابصار ص 122 وكنز العمال ج 10 ص 153 وسنن الدارمي ج 1 ص 130 وجامع بيان العلم ج 1 ص 99 والعلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 412 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 والتراتيب الادارية ج 2 ص 246 / 247 عن ابن عساكر، وعن البيهقي في المدخل، وفي هامش تقييد العلم عن بعض من تقدم، وعن: تاريخ بغداد ج 6 ص 399 (ولم أجد) وعن ربيع الابرار 12 عن علي " عليه السلام ". (*)

[ 184 ]

وقد كتب علي " عليه السلام " عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " كتبا كثيرة، كما هو أشهر من أن يحتاج إلى تفصيل وبيان. وقد حث الائمة " عليهم السلام " شيعتهم على هذا الامر، كما يظهر بأدنى مراجعة لكتب حديثهم وروايتهم. بل إن الائمة " عليهم السلام " كانوا يطلعون على بعض الكتب التي كانت تؤلف في زمنهم، ويبدون ملاحظاتهم عليها. ونرى أن ذكر الشواهد والمصادر لكل ذلك، مع هذه الكثرة الكاثرة فيها ليست في محلها، وهي تضييع للوقت وللجهد. موقف الائمة (ع) في الاسرائيليات ورواتها: وقد واجه الائمة (ع) ترهات بني إسرائيل، بالكلمة وبالموقف، بصرامة وبحزم. وأعلنوا للملا زيف تلك الاباطيل، وكذبوا من جاؤوا بها بصراحة ووضوح في مناسبات كثيرة. بل إن أمير المؤمنين عليا (ع)، ليس فقط كذب وفند، لانما قد هدد وتوعد بالجلد أحيانا، كما حصل منه لمن يروي قصة أوريا، كما يزعم القصاصون، كما سيأتي. وقد وصف " عليه السلام " كعب الاحبار، فقال: إنه لكذاب (1). وكان كعب منحرفا عن علي عليه الصلاة والسلام (2). هذا بالاضافة إلى أنه قد طرد القصاصين من المساجد، كما سنرى.


(1) أضواء عل السنة المحمدية ص 165 وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77 والبحار ط قديم ج 8 ص 675. (2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 77. (*)

[ 185 ]

وقد كذب الامام الباقر " عليه السلام " كعب الاحبار في بعض أباطيله، كروايته: أن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل صباح (1). وذلك من أجل أن يتوصل إلى تبرير جعل الصخرة التي في بيت المقدس قبلة لاهل نحلته من اليهود، وأنها هي القبلة الاولى والاعلى، بملاحظة أن الكعبة التي هي قبلة المسلمين تسجد للصخرة كل صباح. هذا، وللامام الصادق " عليه السلام " موقف يكذب فيه أباطيل أهل الكتاب أيضا (2). كما أنه " عليه السلام " قد قال وهو يتحدث عن العلماء: " ومن العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى ليغزر به علمه، ويكثر به حديثه، فذاك في الدرك الخامس من النار " (3). الشيعة في مواجهة الفكر الاسرائيلي: وقد اقتدى الشيعة الابرار رضوان الله تعالى عليهم بأئمتهم " عليهم


(1) الكافي ج 4 ص 240 والبحار ج 46 ص 354. ويبدو أن كعبا قد استمر عل تعظيم الصخرة، حتى إنه حينما كان مع عمر في بيت المقدس، وسأله عمر: أين يجعل المسجد والقبلة، قال: خلف الصخرة، فقال له عمر: ضاهيت اليهودية يا كعب. فراجع هذه القضية بنصوصها المتقاربة في: الانس الجليل في أخبار القدس والخليل ج 1 ص 256 والاموال لابي عبيد ص 225 والاصابة ج 4 مى 105 والاسرار المرفوعة ص 457. (2) البحار ج 71 ص 259 ط إيران وج 46 ص 353 / 35 4 وسفينة البحار ج 2 ص 167، والكافي ج 4 ص 239. (3) البحار ج 2 ص 108. (*)

[ 186 ]

السلام "، في محاربة الفكر الاسرائيلي الدخيل، وتصدوا لرموزه، وللمروجين له بحزم، وشجاعة، وصلابة، رغم ما كان يتمتع به أولئك الافاكون من حصانة قوية من قبل الحكام على أعلى المستويات. لقد واجههم الشيعة، وتصدوا لهم، عملا بالتكليف الشرعي، الذي أكده ما روي عن الرسرل الاكرم (ص)، من أنه قال: " إن الله قضى بالجهاد على المؤمنين في الفتنة بعدي... " إلى أن قال: "... يجاهدون على الاحداث في الدين، إذا عملوا بالرأي في الدين، لا رأي في الدين إلخ... " (1). ونذكر هنا بعض النماذج لمواقف أتباع مدرسة أهل البيت، وهي التالية: 1 - لقد أعلن ابن عباس بالنكير على أولئك الذين يسألون أهل الكتاب، مع وجود كتاب الله بين ظهرانيهم (2). 2 - وروي نظير ذلك عن ابن مسعود أيضا (3).


(1) تفسير فرات ص 614 ط جديد. (2) راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 193 و 173 وج 2 ص 71 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 314 وج 11 ص 110 وجامع بيان العلم ج 2 ص 51 والفصل في الملل والاهواء والنحل ج 1 ص 216 والبداية والنهاية ج 2 ص 134 ومجمع الزوائد ج 1 ص 192 والدر المنثور ج 1 ص 83 عن البخاري، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الايمان. (3) راجع: المصنف للصنعاني ج 6 ص 112 وج 11 ص 160 وج 10 ص 313 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 50 والبداية والنهاية ج 2 ص 134 وفتح الباري ج 13 ص 281 وراجع: سنن الدارمي ج 1 ص 122 وتقييد العلم ص 53 و 56. (*)

[ 187 ]

3 - وقد تصدى ابن عباس، وحذيفة بن اليمان لتكذيب كعب الاحبار صراحة في بعض الموارد (1). 4 - أما أبو ذر ذلك الرجل الصابر المجاهد، فالكل يعلم موقفه من كعب الاحبار في مجلس الخليفة الثالث عثمان، حينما جاؤوا بتركة عبد الرحمان بن عوف، وتصدى كعب الاحبار لاصدار فتاواه في دين الله، فضربه أبو ذر رحمه الله بعصاه، وقال له: " يا ابن اليهودية، تعلمنا ديننا ؟ ! ". أو " متى كانت الفتيا إليك يا ابن اليهودية " (2). ثم كان جزاء هذا الصحابي الجليل هو النفي والتشريد، ومكابدة المحن والبلايا، حتى مات مظلوما غريبا في الربذة، منفاه (3). علي يواجه القصاصين بالحقيقة: أما موقف علي من القصاصين، فتوضحه النصوص التالية:


(1) أضواء على السنة المحمدية ص 165 عن الكاف الشاف ص 139. (2) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 340 ومسند أحمد ج 1 ص 63 وراجع: حلية الاولياء ج 1 ص 160 وتاريخ الامم والملوك ج 3 ص 336 وج 4 ص 284 والغدير ج 8 ص 351 عنه. وراجع: أنساب الاشراف ج 5 ص 52 وشرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 54 وج 8 ص 256 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 67 - 69 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 232 والاوائل ج 1 ص 279 ومجمع الزوائد ج 10 ص 239 وحياة الصحابة ج 2 ص 157 و 158 و 259 وعن كنز العمال ج 3 ص 310. وأشار إليه العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ج 9 ص 258 و 251. ((3) راجع كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 1 ص 111 - 141. (*)

[ 188 ]

1 - عن الحارث، عن علي، أنه دخل المسجد، فإذا بصوت قاص، فلما رآه سكت، قال علي: من هذا ؟ ! قال القاص: أنا فقال علي: أما أني سمعت رسول الله (ص) يقول: سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم (1). 2 - عن سعيد بن أبي هند: أن عليا مر بقاص، فقال: ما يقول ؟ ! قالوا: يقص ! قال: لا، ولكن يقول: إعرفوني (2). 3 - عن أبي عبد الرحمان السلمي، قال: مر علي بن أبي طالب برجل يقص، فقال: أعرفت الناسخ من المنسوخ ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت (3). 4 - عن أبي يحيى، قال: مر بي علي وأنا أقص، فقال: هل عرفت الناسخ من المنسوخ ؟ قلت: لا. قال: أنت أبو إعرفوني (4).


(1) كنز العمال ج 10 ص 172 عن أبي عمير بن فضالة في أماليه. (2) كنز العمال ج 10 ص 172 عن مسدد، وصحح. (3) الدر المنثور ج 1 ص 106 عن أبي داود في ناسخه، وعن النحاس في ناسخه، وعن سنن البيهقي ونثر الدر ج 1 ص 312 وذكر أخبار أصبهان ج 1 ص 89. (4) كنز العمال ج 10 ص 171 عن المروزي في العلم. وراجع: ربيع الابرار ج 3 ص 588. (*)

[ 189 ]

علي (ع) يضرب القصاصين ويطردهم: لم يقتصر موقف علي " عليه السلام " من القصاصين على الادانة الكلامية، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك، فجاء متميزا وحاسما في الوقت نفسه، وقد تجلى ذلك في أنه " عليه السلام " قد استعمل في مواجهتهم الاساليب التالية: 1 - تعريتهم أمام الناس، وتعريفهم بنواياهم، وذلك ببيان حقيقة حبهم للظهور، كما تقدم. 2 - تهجين عملهم عن طريق نشر أقوال النبي (ص) فيهم حيث أنه (ص) قال: سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم. 3 - إظهار جهلهم، وقلة معرفتهم، ثم ما يترتب على ذلك من هلاك لهم أنفسهم، ثم إهلاك للاخرين. وقد تقدمت الامور الثلاثة الانفة الذكر. 4 - طردهم من المساجد. 5 - ضربهم. ويوضح هذين الامرين النصوص التالية: ألف: عن أبي البختري، قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال: ما هذا ؟ فقالوا: رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقرل: أنا فلان بن فلان، إعرفوفي. فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال: لا.

[ 190 ]

قال: فاخرج من مسجدنا، ولا تذكر فيه (1). والمذكر هو القاص في اصطلاحهم، كما يظهر من الكتب التي تتحدت عن القصاصين، فراجع تبليس ابليس، والقصاص والمذكرين لابن الجوزي. ب: وحين قدم البصرة طرد القصاصين من المسجد، حيث إنه لا ينبغي القصص في المسجد (2). ج: عن أبي عبد الله " عليه السلام "، أنه قال: " إن أمير المؤمنين " عليه السلام " رأى قاصا في المسجد فضربه، وطرده " (3). 6 - التهديد بالضرب الوجيع، وبإقامة الحدود عليهم ويوضح ذلك: ألف: ما روي، من أنه حينما بلغه " عليه السلام " ما يقوله القصاصون في قصة أوريا قال: " من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص، جلدته ماءة وستين جلدة، وذلك حد الفرية على الانبياء " (4).


(1) كنز العمال ج 10 ص 171 عن المروزي في العلم، والنحاس في ناسخه، والعسكري في المواعظ، والدر المنثور ج 1 ص 106 والجامع لاحكام القرآن ج 2 ص 62. (2) عن قوت القلوب ج 2 ص 302 وراجع: الحوادث والبدع ص 100. (3) الكافي ج 7 ص 263 وتهذيب الاحكام للطوسي ج 10 ص 149 والوسائل ج 12 ص 111 وج 18 ص 578 وج 3 ص 515 وج 10 ص 468 وج 11 ص 567 وج 8 ص 14 و 82 وسفينة البحار ج 2 ص 433 وراجع: الصافي ج 4 ص 296 ومجمع البيان ج 8 ص 472 وتفسير البرهان ج 4 وراجع: الدر المنثور ج 1 ص 106. (4) راجع: سمير الليالي ص 324 والاسرائيليات في كتب التفسير والحديث ص 204 (*)

[ 191 ]

ب: وسيأتي أنه " عليه السلام " قد امتحن أحد القصاصين، فأجابه، ولو أنه عجز عن الجواب لكان قد أوجعه ضربا (1) على حد تعبيره. موقف سائر الائمة في القصاصين: ولا يختلف موقف سائر الائمة " عليهم السلام " عن موقف أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من القصاصين، ويوضح ذلك النصوص التالية: 1 - إن الامام السجاد (ع) قد نهى الحسن البصري عن مزاولة عمل القصص. فاستجاب للنهي (2). 2 - وفي محاورة جرت بين الامام الحسن " عليه السلام " وبين أحد القصاصين، نجد الامام الحسن يكذب ذلك الرجل في دعواه كونه قصاصا تارة، ومذكرا أخرى ج باعتبار أن هاتين الصفتين هما للنبي " صلى الله عليه وآله "، فلما سأله عن نفسه أي شئ هو ؟. قال له " عليه السلام ": المتكلف من الرجال (3). اي الذي يتكلف أمرا ليس له. 3 - وعن الامام الباقر " عليه السلام " في تفسير قوله تعالى: * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) * أن منهم القصاص (4).


عن تفسير النسفي ج 4 ص 29 / 30 وراجع: ربيع الابرار ج 3 ص 588 والصافي ج 4 ص 296 ومجمع البيان ج 8 ص 472. (1) كنز العمال ج 10 ص 172 عن وكيع في الغرر، والقصاص والمذكرين ص 23. (2) راجع وفيات الاعيان ج 1 ص 70 (3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 227 و 228. (4) راجع: تفسير العياشي ج 2 ص 362. (*)

[ 192 ]

4 - وذكر للامام الصادق " عليه السلام ": أن بعض القصاص يقول: هذا المجلس لا يشقى به جليس. فقال " عليه السلام ": هيهات هيهات أخطأت استاهم الحفرة (1). أي أنهم أرادوا شيئا فوقعوا في غير ما أرادوا. 5 - كما أنه " عليه السلام " قد لعنهم، واعتبرهم يثيرون الناس ضدهم " عليهم السلام ". ثم إنه " عليه السلام " قد حرم الاستماع إلى القصاصين. هذا بالاضافة إلى أنه " عليه السلام " قد اعتبر أنهم هم الغاوون أتباع الشعراء، كما نصت عليه الاية الكريمة (2). شرط الاجازة للقصاصين: ومما تقدم نعرف: أن معرفة الناسخ من المنسوخ شرط في السماح للقاص بأن يقص على الناس. وثمة شرط آخر، وهو أن يكون عارفا بالدين، واقفا على مراميه وأهدافه، كما يظهر من سؤال أمير المؤمنين للقاص الذي امتحنه، فأجاب، فسمح له بمواصلة عمله، ولولا ذلك لكان " عليه السلام " قد أوجعه ضربا. ولاجل أن البعض لم يكن يعرف الناسخ من المنسوخ، فإنه " عليه السلام " قد حكم عليه بأنه قد هلك وأهلك. وبين أن من لا يعرف ذلك، ويتصدى لهذا العمل الخطير فإنه يكون طالبا للدنيا وللشهرة بين الناس.


(1) البحار ج 74 ص 259. (2) بحار الانوار ج 69 ص 264 و 265 وراجع: وسائل الشيعة ج 6 ص 111. (*)

[ 193 ]

أما حين يطمئن " عليه السلام " إلى أن القاص جامع للشروط المطلوبة، فإنه (ع) يسمح له بمزاولة عمله ذاك، فقد: " قال علي " عليه السلام " للقاص: أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! قال: نعم. قال: قال: قص " (1). ومعنى ذلك، هو أن القصاصيين كانوا إلى جانب وعظهم الناس، يقومون بمهمات أخرى، وهي بيان الاحكام الشرعية، وتفسير القرآن، إلى جانب امور تقدمت وستأتي الاشارات إليها في الموارد المختلفة. وتقدم في فصل: القصاصون يثقفون الناس رسميا: أن الامام الباقر " عليه السلام " قد قال لسعد الاسكاف: وددت أن على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك. وأن أبان بن تغلب كان قاص الشيعة. وأن عدي بن ثابت الكوفي كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم. امتحان القصاصين: ثم إننا قد رأينا أمير المؤمنين " عليه السلام "، يجري امتحانا لاحد القصاصين، فلو لم ينجح في الامتحان لكان " عليه السلام " قد أوجعه ضربا. فقد رووا: أنه " عليه السلام " انتهى إلى قاص يقص، فقال:


(1) القصاص والمذكرين ص 105. (*)

[ 194 ]

تقص، ونحن حديثوا عهد برسول الله (ص) ؟ ! أما أني أسألك عن مسألتين، فإن أصبت وإلا أوجعتك ضربا. قال: سل يا أمير المؤمنين. قال: ما ثبات الايمان وزواله ؟ قال: ثبات الايمان الورع، وزواله الطمع (1).


(1) كنز العمال ج 10 ص 172 عن وكيع في الغرر، والقصاص والمذكرين ص 23. (*)

[ 195 ]

الفصل السابع: أجراءات وضوابط مشبوهة:

[ 197 ]

معايير لحفظ الانحراف: وبعد، فإن التصدي للفكر الاسرائيلي، وإن أفلح في حفظ وصيانة الاسلام إلى حد بعيد، ولكن آثار هذا الحفظ إنما ظهرت، أو فقل: قد اقتصرت على التيار الذي كان يقوده الائمة " عليهم السلام " وشيعتهم، ومن تخرخ من مدرستهم، واختار طريقتهم ونهجهم. أما الاخرون، الذين كانوا في الخط الاخر، فقد استمروا في التحرك في دائرة السياسة المعلنة، والمصرح بها من قبل الحكام، فأخذوا عن أهل الكتاب الشئ الكثير مما هو محرف ومدسوس، ونفذوا والتزموا بالاسلام الذي راق للحكام، وروجوا له. فكان أن شحنوا كتبهم ومجاميعهم الحديثية بالشئ الكثير من الفتاوى، والمعارف، والعقائد، والسياسات، والسير والتواريخ، التي تنسجم مع ما يريده أولئك الحكام، مما اتحفهم به أهل الكتاب، أو غيرهم من المرتزقة والمتزلفين. نعم، لقد شحنوا بها كتبهم، ومجاميعهم، من دون أي تحقيق، أو تمحيص، إلا فيما يمس القشر، ولا يتعرض لما دونه في شئ، لانها قد جاءت محكومة لضوابط ومعايير من شأنها أن تكزس الانحراف، وتقوي

[ 198 ]

من تياره، وتعمق جذوره، لانها إنما وضعت لتأكيد تلك الاباطيل والترهات ومن خلالها، ومن أجل حفظ الانحراف وتكريسه لا لازالته والتخلص منه. أما المعايير الحقيقية والضوابط الاصيلة، القادرة على كشف الزيف، وإحقاق الحق. فقد كانت مرفوضة من هؤلاء الناس جملة وتفصيلا، حتى إن ما ورد من الامر بعرض الحديث على كتاب الله سبحانه، قد رفض، وضرب به عرض الجدار، بل قد اعتبروه من وضع الزنادقة، كما سيأتي في الفصل التالي إن شاء الله تعالى. نماذج يسيرة: ونحن من أجل جلاء الحقيقة، والتعريف بحقيقة المؤامرة، نذكر هنا نماذج يسيرة من ضوابط تهدف لحفظ الانحراف: ومعايير لتكريس الباطل وترسيخه، بكل ما فيه من فتاوى باطلة، وروايات مختلقة، أو محرفة، وأساطير وترهات عن أهل الكتاب وغيرهم. بالاضافة إلى أساليب تبرير المواقف اللاإنسانية واللا شرعية، التي صدرت وتصدر عمن يهمهم حفظهم، والاحتفاظ بهم بأي ثمن كان. والنماذج التي نريد تقديمها إلى القارئ الكريم هي التالية: 1 - الصحابة كلهم عدول: لقد كان الكثيرون من الصحابة، ممن تهتم السلطة، وبعض الفئات والاتجاهات المذهبية والسياسية بإعطائهم دورا متميزا وأساسيا، سواء على الصعيد السياسي، أو العقيدي، أو في مجال الحديث، والرواية، أو الفتيا، أو على صعيد المواقف، تأييدا وتأكيدا، أو غير ذلك.

[ 199 ]

مع أن أولئك الاشخاص لا يملكون تاريخا نظيفا ولا مشرفا، لا في حياتهم السلوكية من حيث الالتزام بأحكام الدين، ولا في مجال التحلي بمكارم الاخلاق، وحميد الخصال. فكان أن عملوا من أجل تبرير انحرافاتهم ومخالفاتهم، وتبرئتهم مما ارتكبوه من جرائم، وموبقات، حتى ما هو مثل الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفوس، وسرقة بيت مال المسلمين، وما إلى ذلك، على إختراع إكسير يستطيع أن يحول تلك الجرائم والموبقات، والمعاصي، إلى خيرات، وطاعات ومبرات، وحسنات، يستحقون عليها المثوبة، وينالون بها رضا الله والجنة. وكان هذا الاكسير هو دعوى: أن الصحابة بساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات (1). و " الصحابة كلهم عدول، سواء منهم من لابس الفتن، ومن لم يلابس " وذلك بإجماغ من يعتد به من الامة (2).


(1) أضواء على السنة المحمدية ص 342 عن الذهبي في رسالته التي الفها في الرواة الثقات. (2) راجع: الكفاية في علم الرواية ص 46 - 49 والباعث الحثيث ص 182 و 181 وتدريب الراوي ج 2 ص 214 والسنة قبل التدوين ص 394 و 403 وعنهم وعن فتح المغيث ج 4 ص 35. وراجع: علوم الحديث لابن الصلاح ص 264 و 265 و 268 وعلوم الحديث لصبحي الصالح ص 353 الطبعة الثامنة وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 202 و 203 والاصابة ج 1 ص 9 و 10 والاحكام في أصول الاحكام ج 2 ص 81 و 82 وفواتح الرحموت ج 2 ص 156 وإرشاد الفحول ص 70 و 69 و 64 و 65 والخلاصة في علوم الحديث ص 124 و 94 و 67 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 608. (*)

[ 200 ]

وعمدة مستندهم في ذلك آيات كريمة ورد فيها ثناء على الصحابة في ظاهر الامر. مع أن الثناء ناظر إلى بعض منهم، وهم خصوص المتصفين بصفة الايمان، مع مواصفات معينة أخرى أشارت إليها، أو صرحت بها تلك الايات بالذات. وقد تحدثنا عن ذلك باختصار في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد، فراجع. أضف إلى ذلك: أن تلك الايات لم تتناول الافراد بالنصوصية، إنما غايتها عموم، يرد التخصيص عليه بحسب الموارد. مع أن دليل شمول الصحبة لمطلق من رأى النبي (ص) ركيك جدا (1). لفت نظر: لا أدري إن كان قولهم بعدالة كل صحابي، يشبه القول بعصمة الحاخامات لدى اليهود (2)، أو أنه مستوحى منهم، أم لا ؟. 2 - من هو الصحابي ؟: وقد يكون من بين من يراد تبرير جرائمه وموبقاته، من كان حين وفاة النبي (ص) صغيرا جدا، أو لم ير النبي (ص) سوى مرة واحدة، في ساعة من نهار، وبصورة عابرة، فجاءت المعالجة من قبل من يهمهم أمر هؤلاء، فقررت: أن الصحابي هو كل من صحب النبي (ص) سنة أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه (3).


(1) أضواء على السنة المحمدية ص 349 عن العلم الشامخ للمقبلي ص 297 - 312. (2) راجع: مقارنة الاديان (اليهودية) ص 222. (3) راجع: الكتابة في علم الرواية ص 51 وراجع ص 50 والباعث الحثيث ص 179 و 181 متنا وهامشا والاصابة ج 1 ص 5 و 7 و 4 ونهاية الوصول ج 3 ص 179 وإرشاد الفحول ص 70 وأضواء على السنة المحمدية ص 352 وتدريب الراوي = (*)

[ 201 ]

وعدوا من الصحابة صبيانا وأطفالا رأوا النبي " صلى الله عليه وآله " يوم الفتح، وفي حجة الوداع، وغيرهما (1). 3 - صحابية المرتد: وحين يجدون: أن بعض من يعز عليهم من الصحابة يرتد عن الدين، ويحارب النبي (ص)، ثم يعود فيظهر الاسلام، كطليحة بن خويلد، وبعضهم ارتد، وأهدر النبي (ص) دمه، كما هو الحال بالنسبة لعبد الله بن سعد بن أبي سرح. وكذا الحال بالنسبة للاشعث بن قيس الذي ارتد عن الاسلام، ثم لما أسر، وأظهر التوبة في عهد أبي بكر أطلقه الخليفة، وزوجه أخته في نفس الساعة (2). إنهم حين يجدون ذلك، يبادرون إلى ادعاء: أن الصحابي إذا ارتد ذهبت صحابيته، فإذا عاد إلى الاسلام عادت إليه صحابيته، من دون


= ج 2 ص 208 و 209 و 215 / 216 والسنة قبل التدوين ص 387 ومقدمة في علوم الحديث لابن الصلاح ص 263 والخلاصة في أصول الحديث للطيبي ص 124 و 125 وعلوم الحديث لصبحي الصالح ص 352 ط 8. وصحيح البخاري ج 1 وأسد الغابة ج 1 ص 13 وراجع: الاحكام في أصول الاحكام ج 2 ص 82 وفواتح الرحموت ج 2 ص 158 وسلم الوصول ج 3 ص 180 وعن فتح المغيث ج 4 ص 31 و 32 وعن تلقيح فهوم أهل الاثار ص 27 ب. (1) راجع: الباعث الحثيث ص 184 والسنة قبل التدوين ص 392 ومعرفة علوم الحديث ص 24 وعلوم الحديث لصبحي الصالح ص 356 و 357 ط 8 وراجع: سلم الوصول ج 3 ص 180. (2) راجع: الاصابة ج 1 ص 51. (*)

[ 202 ]

حاجة إلى أن يرى النبي (ص) من جديد (1)، إي وتعود إليه عدالته أيضا ! ! 4 - السكوت عما شجر بين الصحابة: لقد كان ولا يزال الجهر بما فعله بعض الصحابة محرجا، بل مخجلا لمن يعتقدون لزوم موالاتهم، والارتباط بهم، ويوجب سلب ثقة الناس بأناس يراد لهم أن يثقوا بهم، بل يراد لهم أن يقدسوهم. ولو فرض أنه يمكن إسكات بعض العوام، بواسطة إطلاق بعض الشعارات البراقة والرنانة، أو بواسطة بعض الفتاوى المختلقة، أو بشئ من الترغيب أو الترهيب، فإن ذلك لا يتيسر بالنسبة لجميع الناس، فلابد من اعتماد أسلوب آخر للخروج من المازق. فقالوا عن الصحابة: " الواجب علينا أن نكف عن ذكرهم إلا بخير " (2). وقالوا: ينبغي للقاص " أن يترحم على الصحابة، ويأمر بالكف عما شجر بينهم، ويورد الاحاديث في فضائلهم " (3). وقد أخذوا على أبي عمر بن عبد البر: أنه قد شان كتابه " الاستيعاب " بذكر ما شجر بين الصحابة (4)


(1) راجع الاصابة ج 1 ص 158 ص 8 وترجمة طليحة وتدريب الراوي ج 2 ص 209 وراجع فواتح الرحموت ج 1 وسلم الوصول ج 3 ص 180. (2) السنة قبل التدوين ص 397 عن المنهج الحديث في علوم الحديث ص 62 عن شرح مسلم الثبوت. (3) القصاص والمذكرين ص 115. (4) الباعث الحثيث ص 179 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 262 وتقريب النواوي (مطبوع مع تدريب الراوي) ج 2 ص 207 والخلاصة في أصول الحديث للطيبي ص 124. (*)

[ 203 ]

5 - من ينتقد الصحابة زنديق: وحيث لم ينفع الامر بالسكوت عما شجر بين الصحابة، فقد لجأوا إلى أسلوب آخر للخروج من المأزق. وهو اتهام من ينتقد الصحابة بالزندقة، والخروج من الدين، والالحاد. قال أبو زرعة: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله (ص)، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول (ص) عندنا حق، والقرآن حق، وما جاء به حق. وإنما أدى الينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (ص). وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى. وهم زنادقة " (1). وقال السرخسي: " من طعن فيهم فهو ملحد، منابذ للاسلام، دواؤه السيف، إن لم يتب " (2). ومن الواضح: أن حملة الاسلام وتعاليمه إلى الامم ليسوا هم الوليد بن عقبة ولا مروان بن الحكم، ولا إبن أبي سرح نظراؤهم، وإنما هم علي " عليه السلام " وأهل البيت وأبو ذر وسلمان وابن مسعود، وأبي بن كعب ونظرائهم من أعلام الامة وعلمائها. وما كلام أبي زرعة وغيره هنا إلا مغالطة ظاهرة، لا تسمن ولا تغني من جوع. 6 - لا يفسق الملحابي بما يفسق به غيره: أما بالنسبة إلى المعاصي التي ارتكبوها، ولا يمكن دعوى التأويل والاجتهاد فيها، فقد جاء تبريرها بدعوى: (1) الكفاية في علم الرواية ص 49 والسنة قبل التدوين ص 405 عنه. (2) أصول السرخي ج 2 ص 134. (*)

[ 204 ]

أن الصحابي لا يفسق بما يفسق به غيره (1). 7 - حتمية توبة الصحابي: وإذا ارتكب الصحابي ما يوجب العقاب له أخرويا، مما توعد الله عباده عليه بالعقاب بالنار، ولم يمكن دفع ذلك عنه، لا بدعوى الاجتهاد، والتأويل، ولا بغير ذلك. فإن علاج ذلك هو بالقول: إن التوبة حتمية الوقوع ممن يعصي منهم (2). 8 - ذنب البدري يقع مغفورا: ولبعض الشخصيات مزيد من الاهمية، فلا يمكن تركها تعصي الله، ثم ننتظر إلى أن تصدر التوبة منها، وهي قد تتأخر بعض الوقت. بل لابد من مغفرة ذنوب هؤلاء فررا. ففتشوا عن تاريخ هؤلاء الاشخاص، فوجدوا أنهم ممن حضر بدرا - وإن لم يعلم عنه أنه قاتل - فجاءت المعالجة لتقدم معيارا جديدا يقول: إن ما يقع من معاص لا يحتاج إلى التوبة، إذا كان مرتكب ذلك ممن شهد بدرا لان أهل بدر مغفور لهم (3).


(1) السيرة الحلبية ج 2 ص 203 و 204 عن الخصائص الصغرى، عن شرح جمع الجوامع وراجع: فتح الباري ج 7 ص 237. (2) راجع: فتح الباري ج 7 ص 238 والسيرة الحلبية ج 2 ص 203. (3) راجع: الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص) ج 3 حين الحديث حول غغران ذنب من شهد بدرا. (*)

[ 205 ]

9 - الصحابة مجتهدون: وكان لابد من تبرير أخطاء وقع فيها بعض الصحابة، سواء في مواقفهم، أو في فتاواهم، حتى حارب بعضهم بعضا، وأزهقت أرواح كثيرة، وسفكت دماء غزيرة، وخرج بعضهم على إمام زمانه، وقاتلوه. كما جرى في الجمل، وصفين، والنهروان. فاخترعوا للصحابة مسألة الاجتهاد، فكلهم مجتهدون (1)، ولا اعتراض على المجتهد، بل هو إن أصاب فله أجران، وإن أخطا كان له أجر واحد. وبهذا ادخلوا معاوية، وطلحة بن الزبير الجنة، ومنحوهم المزيد من الثواب على ما فعلوه وما ارتكبوه من جرائم في حق الامام والامة. وأصبح من حلل منهم الربا، وشرب الخمر مأجورا ومثابا، بل إن خالد بن الوليد، الذي قتل مالك بن نويرة بدون جرم، ثم نزا على زوجته في نفس الليلة مثاب ومأجور على ذلك أيضا. والخلاصة: أن المصيب منهم له أجران، كعلي " عليه السلام " وأصحابه. والمخطئ كمعاوية، ومن معه لهم أجر واحد. بل كان ما فعلوه بالاجتهاد، والعمل به واجب، ولا تفسيق بواجب (2). وبتعبير آخر: " إن جميع من اشترك في الفتنة من الصحابة عدول،


(1) راجع: التراتيب الادارية ج 2 ص 364 - 366. (2) راجع: فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت ج 2 ص 158 و 156 وسلم الوصول (مطبوع مع نهاية السول) ج 3 ص 176 و 177 والسنة قبل التدوين هامش ص 396 و 404 و 405. (*)

[ 206 ]

لانهم اجتهدوا في ذلك " (1). وقال الكيا الطبري: " وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن، فتلك أمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب، والمصيب واحد، والمخطئ معذور، بل مأجور " (2). والملفت للنظر هنا: أننا نجد البعض لا تطاوعه نفسه على تخطئة الفئة الباغية على إمام زمانها، فيقول: إن عليا " عليه السلام " وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق (3). وكأنه يريد أن يوحي للقارئ بأن معاوية قريب أيضا لكن علي أقرب، كما أنه بتعبيره هذا يكون قد تجنب التصريح بكون علي " عليه السلام " مع الحق، والحق معه. ولا نستغرب على هؤلاء مثل هذا البغي والظلم، فإنما هي شنشنة أعرفها من أخزم. وقال المقبلي، ونعم ما قال: " بعد أن تم لهم تعريف الصحبة ذيلوها باطراح ما وقع من مسمى الصحابي، فمنهم من يتستر بدعوى الاجتهاد، دعوى تكذبها الضرورة في كثيرة (كذا) من المواضع، ومنهم من يطلق - ويا عجباه من قلة الحياء - في ادعائهم الاجتهاد لبسر بن أرطأة، الذي انفرد بأنواع الشر، لانه مأمور المجتهد معاوية، ناصح الاسلام في سب علي بن أبي طالب وحزبه. وكذلك مروان، والوليد الفاسق. وكذلك الاجتهاد الجامع للشروط في البيعة ليزيد، ومن أشار بها، وسعى فيها، أو


(1) السنة قبل التدوين ص 404 وراجع: إختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث) ص 182. (2) إرشاد الفحول ص 69. (3) إختصار علوم الحديث (الباعث الحثيث) ص 182. (*)

[ 207 ]

رضيها " (1). وللعلامة أبي رية تعليقات هامة على كلام المقبلي هذا، يذكر فيها أفاعيل بعض الصحابة مع رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وأمورا أخرى، فراجع. كما أن ابن خلدون قد انتقد دعوى اجتهاد جميع الصحابة هذه، فقال: " إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه إلخ... " (2). 10 - إجماع الائمة المهتدين: وقال مالك بن أنس: " سن رسول الله (ص) وولاة الامر بعده سننا، الاخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله. من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى " (3). وعن عمر بن الخطاب، أنه قال لشريح، حين ولاه القضاء: " فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله (ص)، فاقض بما استبالن لك من أمر الائمة المهتدين " (4).


(1) أضواء على السنة المحمدية ص 352 عن الارواح النوافخ (المطبوع مع العلم الشامخ) ص 687 و 688. (2) المقدمة لابن خلدون ص 389. (3) تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 307. (4) شرف أصحاب الحديث ص 7. (*)

[ 208 ]

وقال الخطيب البغدادي، بالنسبة للامور التي لم يسمع من النبي (ص) فيها شئ: " إجماع الائمة (الامة خ ل) على التحليل والتحريم يثبت به الحكم، كأمر النبي (ص) " (1). والمراد بالائمة المهتدين حسب الظاهر هم الخلفاء الثلاثة الاول، ما عدا علي " عليه السلام "، كما سنرى. 11 - رأي الصحابي حيث لا نص: قال الخطيب: " إن كانوا قد قالوا رأيا واجتهادا، ولم يسمع من النبي (ص) فيه شئ: فإجماع الائمة (الامة خ ل) على التحليل والتحريم يثبت به الحكم كأمر النبي (ص) " (2). وذكر المقريزي أيضا: أن أبا بكر كان يقضي بما كان عنده من الكتاب والسنة، فإن لم يكن عنده شئ، سأل من بحضرته من الاصحاب، فإن لم يكن عندهم شئ اجتهد في الحكم (3). وذكر بعض آخر: أن الصحابة كانوا يغيبون عن مجلس النبي " صلى الله عليه وآله "، فكانوا يجتهدون فيما لم يحضروه من الاحكام (4). ومهما يكن من أمر، فقد ذهب الاكثرون إلى جواز الاجتهاد في


(1) الكفاية في علم الرواية ص 421 / 422. (2) المصدر السابق. (3) راجع: الخطط والاثار ج 2 ص 332 وتاريخ حصر الاجتهاد ص 90 - 93 وراجع: الغدير ج 7 ص 119 عن سنن الدارمي ج 1 ص 58 وعن الصواعق المحرقة ص 10 وعن تاريخ الخلفاء ص 71 وعن أعلام الموقعين ص 19 وعن جامع بيان العلم ج 2 ص 51 وعن ابن سعد في الطبقات. (4) المصادر السابقة. (*)

[ 209 ]

عصر النبي " صلى الله عليه وآله " ووقوعه. وقد ذكروا في ذلك أقوالا كثيرة، وتفصيلات عديدة، فلتراجع في مظانها (1). 12 - الاجتهاد في مقابل النص كرامة للصحابة: وتجد من العلماء من يقول: إن الصحابة " كانوا مخصوصين بجواز العمل والفتوى بالرأي كرامة لهم. فيجوز لهم العمل بالرأي في موضع النص، وقد فعلوا ذلك في عهد رسول الله " صلى الله عليه وآله "، ولم ينكر (ص) ذلك عليهم. وهذا من الامور الخاصة بهم دون غيرهم " (2). 13 - الصحابة يشرعون وفتاواهم سنة: وقد رأينا في أحيان كثيرة: أن بعض الصحابة يصرحون بأن ما يفتون به ما هو إلا رأي رأوه. وقد ظهر خطأ كثير منهم في فتاواه وآرائه هذه، ومخالفتها للنص القرآني، ولما ثبت بالاسانيد الصحيحة عن رسول الله " صلى الله عليه وآله ". فكان لابد من علاج ذلك، وتلافي سلبياته، فجاءت النظرية الغريبة عن روح الاسلام لتقرر: أن للصحابة حق التشريع، وأن فتاواهم سنة، إلا ما أفتى به علي " عليه السلام ". ويتضح ذلك بمراجعة النصوص التالية: قال أبو زهرة: " وجدنا مالكا يأخذ بفتواهم على أنها من السنة " (3).


(1) راجع: إرشاد الفحول ص 256 و 257. (2) راجع: أصول السرخسي ج 2 ص 134 و 135 ثم إنه ناقش هذه النظرية ورذها. (3) ابن حنبل ص 251 / 252 ومالك ص 290. (*)

[ 210 ]

وقد رأينا أنهم يعقدون في كتب أصولهم بابا لكرن قول الصحابي فيما يمكن فيه الرأي ملحق بالنسبة لغير الصحابي بالسنة. وقيل: " إن ذلك خاص بقول الشيخين أبي بكر وعمر " (1). وخطب عثمان حينما بويع فقال: إن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه (ص) ثلاثا: " إتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملا " (2). وقال للبعض: السنة هي: " ما سنه رسول الله (ص) والصحابة بعده عندنا " (3). وأمثال ذلك كثير، فراجع كتب أصول الفقه، وكتابنا: الحياة السياسية للامام الحسن " عليه السلام " ص 86 - 90. لفت نظر: ونعود فنذكر بأن اليهود يقولون: إن أقوال الحاخامات كالشريعة (4). 14 - سنة الشيخين والخلفاء سوى علي (ع): قد تقدم: أنهم يعقدون بابا في كتب الاصول يذكرون فيه: أن قول


(1) راجع على سبيل المثال: فواتح الرحموت ج 2 ص 186 والتراتيب الادارية ج 2 ص 366 / 367 وسلم الوصول في شرح نهاية السول ج 4 ص 410 وراجع نهاية السول ج 4 ص 410 وأصول السرخي ج 2 ص 114 / 115. (2) حياة الصحابة ج 3 ص 505 عن تاريخ الامم والملوك ج 3 ص 446. (3) اصول السرخسي ج 2 ص 113 وراجع: نهاية السول ج 4 ص 416. (4) مقارنة الاديان (اليهودية) ص 222 تأليف الدكتور أحمد شلبي. (*)

[ 211 ]

الصحابي فيما يمكن فيه الرأي ملحق بالسنة، وقيل: إن ذلك خاص بقول الشيخين أبي بكر وعمر. وقال عمر بن عبد العزيز: " ألا إن ما سنه أبو بكر وعمر، فهو دين نأخذ به، وندعو إليه ". وزاد المتقي الهندي: " وما سن سواهما فإنا نرجيه " (1). ورووا عن النبي (ص) قوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين " (2). وبهذا استدل الشافعي على حجية قول أبي بكر وعمر (3). مع أننا قد أشرنا إلى أن هذا الحديث - لو صح - فالمقصود بالخلفاء الراشدين هم الائمة الاثنا عشر " عليهم السلام "، الذين ذكرهم النبي (ص) مرات كثيرة، كما في صحيح مسلم والبخاري وأبي داود وغير ذلك (4). والمقصود بسنة الخلفاء هو ما تلقوه عن رسول الله، واستفادوه من كتاب الله من أحكام وسنن وتشريعات.


(1) كنز العمال ج 1 ص 332 عن ابن عساكر، وكشف الغمة للشعراني ج 1 ص 6 والنص له. (2) راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 4 ونهاية السول ج 3 ص 266 و 267 وسلم الوصول في شرح نهاية السول ج 4 ص 410 وأصول السرخسي ج 1 ص 116 و 114 لارشاد الفحول ص 33 والاحكام في أصول الاحكام للامدي ج 4 ص 204 رحياة الصحابة ج 1 ص 12 وعن كشف الغمة للشعراني ج 1 ص 6. (3) راجع المصادر التي في الهامش السابق. (4) راجع كتابنا: الغدير والمعارضون ص 61 - 70. (*)

[ 212 ]

ويقول عثمان: " إن السنة سنة رسول الله وسنة صاحبيه (1). وفي قضية الشورى يعرض عبد الرحمان بن عوف على أمير المؤمنين علي " عليه السلام ": أن يبايعه على العمل بسنة النبي (ص)، وسنة الشيخين: أبي بكر وعمر، فأبى " عليه السلام " ذلك، فحولت البيعة إلى عثمان (2). وقد بلغ من تأثير الشيخين على الناس، ونفوذهما فيهم: أننا نجد ربيعة بن شداد لا يرضى بأن يبايع عليا أمير المؤمنين " عليه السلام " على كتاب الله وسنة رسوله. وقال: على سنة أبي بكر وعمر. فقال له " عليه السلام ": " ويلك، لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شئ " (3). وقال ابن تيمية: " فأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه، كما يتبعون عمر وعثمان فيما سناه، وآخرون من العلماء - كمالك وغيره - لا يتبعون عليا فيما سنه. وكلمهم متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه " (4).


(1) سنن البيهقي ج 3 ص 144 والغدير ج 8 ص 100 عنه وراجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 135. وراجع رواية صالح بن كيسان والزهري في تقييد العلم ص 106 و 107 وفي هامشه عن العديد من المصادر. (2) راجع قصة الشورى في أي كتاب تاريخي شئت. وراجع: أصول السرخسي ج 2 ص 114 والاحكام في أصول الاحكام للامدي ج 4 ص 133. (3) بهج الصباغة ج 12 ص 203. (4) منهاج السنة ج 3 ص 205 وقواعد في علوم الحديث ص 446. (*)

[ 213 ]

15 - سنة كل إمام عادل: ثم لما مست الحاجة إلى فتاوى وتبريرات أخرى اقتضتها سياسات الحكام، وتصدى الحكام لسن بعض السنن، جاء المبرر الاخر المنسوب إلى إبن عباس، ليكون أكثر قبولا لدى أهل العلم، وإن كنا لا نوافق على نسبته له، ليقول: " السنة سنتان: من نبي، أو من إمام عادل " (1). 16 - سنة وفتوى كل أمير: وحين زاد تدخل الحكام في شرع الله، وفي دينه، واتسع نطاقه، وتعدى دائرة الخلفاء، وكان لابد من تبرير ذلك أيضا، قالوا: إنه بعد موت أبي بكر، وفتح سائر البلاد في عصر عمر، وبعده، تزايد تفرق الصحابة في البلاد. فكان أمير كل بلد يجتهد، لو لم يكن فيها صحابي (2). وكأنهم يريدون بصياغة الامور على هذا النحو الايحاء بأن ذلك قد كان بسبب الضرورة، حيث لم يكن ثمة مخرج إلا ذلك. مع أن المخرج موجود، بمرأى منهم ومسمع وهو الاخذ بقول النبي فيما يرتبط بالتمسك بالعترة، فإنهم سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وهم أحد الثقلين، اللذين لن يضل من تمسك بهما. 17 - رأي الصحابي أقوى في رأي غيره:


(1) كنز العمال ج 1 ص 160 عن الديلمي في الفردوس. (2) راجع: الخطط والاثار للمقريزي ج 2 ص 332 وتاريخ حصر الاجتهاد ص 90 و 93. (*)

[ 214 ]

قد عرفنا: أن بعض الصحابة يصدرون فتاوى، لم يستندوا فيها إلى آية ولا إلى رواية، وإنما هو الرأي منهم، وهو قد يخطئ ويصيب. وصار يناقض بعضهم بعضا أحيانا. بل قد نجد التناقض في آراء الصحابي الواحد. يقول البعض: إن الصحابة كانوا يغيبون عن مجلس النبي (ص)، فكانوا يجتهدون فيما لم يحضروه من الاحكام. ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والادراكات، وسائر القوى والملكات، تختلف - طبعا - الاراء والاجتهادات، ثم تزايدت تلك الاختلافات، بعد عصر الصحابة (1). فكان لابد من علاج هذه الحالة، وتلافي سلبياتها، فكان أن اخترعوا لنا دعوى: " أن قول الصحابي إن كان صادرا عن الرأي، فرأيهم أقوى من رأي غيرهم، لانهم شاهدوا طريق رسول الله (ص) في بيان أحكام الحوادث، وشاهدوا الاحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال، التي تتغير باعتبارها الاحكام.. " (2) ثم قرروا على هذا الاساس لزوم تقديم رأيهم على رأينا، لزيادة قوة في رأيهم. 18 - قول الصحابي يعارض الحديث الصحيح: وإذا خالفت فتوى الصحابي قولا صريحا، وحديثا صحيحا عن رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فان الامام مالك بن أنس يعاملهما معاملة المتعارضين.


(1) وراجع: الخطط والاثار للمقريزي ج 2 ص 332 وتاريخ حصر الاجتهاد ص 90 (2) اصول السرخسي ج 2 ص 108. (*)

[ 215 ]

قال أبو زهرة: " إن مالكا يوازن بينها وبين الاخبار المروية، إن تعارض الخبر مع فتوى صحابي. وهذا ينسحب على كل حديث عنه (ص)، حتى لو كان صحيحا " (1). ونقل عن الشوكاني ما يقرب من ذلك أيضا (2). وقال الاسنوي عن قول الصحابي: " فهل يخص به عموم كتاب أو سنة ؟ فيه خلاف لاصحاب الشافعي، حكاه الماوردي ". و " قال في جمع الجوامع: وفي تخصيصه للعموم قولان. قال الجلال: الجواز كغيره من الحجج. والمنع إلخ.. " (3). وقال ابن قيم الجوزية عن الامام أحمد بن حنبل: " وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل " برجال ثبت (4). وقال التهانوي: " لا لوم على الحنفية إذا أخذوا في مسألة بقول ابن مسعود وفتواه، وتركوا الحديث المرفوع، لاعترافكم بأن فتوى الصحابي هو الحكم وهو الحجة، وإذا تعارض الحديثان يعمل بالترجيح، فإن رجح القياس أو مرجح آخر سواه قول الصحابي على الخبر المرفوع، فينبغي أن يجوز عندكم الاخذ بقول الصحابي ". ولكنه عاد فقال: " إن غالب أقوال الصحابة وفتاواهم كان على سبيل التبليغ عن قول النبي (ص)، أو فعله أو أمره. وإذا كان كذلك فيجوز


(1) ابن حنبل ص 251 ومالك ص 290. (2) ابن حنبل ص 254 و 255 عن إرشاد الفحول ص 214. (3) نهاية السول، وسلم الوصول بهامشه ج 4 ص 408. (4) أعلام الموقعين ج 1 ص 29. (*)

[ 216 ]

للمجتهد أن يرجح فتوى الصحابي على المرفوع الصريح أحيانا، إذا ترجح عنده كون فتوى الصحابي مبنية على جهة التبليغ دون الرأي " (1). ولكن مراجعة فتاوى الصحابة توضح عدم صحة قوله: إنها كانت على سبيل التبليغ، لكنه أراد تخفيف قبح هذا العمل. 19 - عمل الصحابي يوجب ضعف الحديث: قال التهانوي: " عمل الصحابة أو صحابي بخلاف الحديث يوجب الطعن فيه، إذا كان الحديث ظاهرا عليهم أو عليه " (2). وقال السرخسي: " أما ترك العمل بالحديث أصلا، فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث، حتى يخرج به عن أن يكون حجة " (3) 20 - مراسيل الصحابة: كثيرا ما نجد أنهم قد نسبوا إلى بعض الصحابة أمورا يدعى أنهم شهدوها، أو سمعوها من النبي (ص) أو من غيره، تهدف إلى تأييد اتجاه سياسي، أو مذهبي معين، ثم يظهر البحث العلمي أن أولئك الصحابة ما كانوا قد ولدوا في تلك الفترة، أو ما كانوا موجودين في بلد الحدث، أو حين صدور ذلك القول أو الفعل. فتأتي قاعدة جديدة لتحل المشكل، وتحسم الامر لصالح ذلك الاتجاه السياسي أو المذهبي. حيث تقرر كما ذكره جماعة:


(1) قواعد في علوم الحديث ص 460 و 461. (2) قواعد في علوم الحديث ص 202. (3) أصول السرخسي ج 2 ص 7. (*)

[ 217 ]

أن مرسلات الصحابة حجة. ثم يحاولون تبرير هذه القاعدة بدعاوى لا تثبت أمام النقد العلمي الصحيح فيقولون: لان الظاهر: أن ذلك الصحابي قد سمع ذلك من النبي (ص)، أو من صحابي آخر سمعه من النبي (ص)، بل لقد قبل بعضهم مراسيل التابعين، وتابعي التابعين أيضا (1). وكان أحمد بن حنبل يقدم الموقوف عن الصحابة والتابعين على المرسلات عن النبي (ص) (2). 21 - تصويب الصحابة وغيرهم في إجتهاد الرأي: قد يقال: إن الاجتهاد معناه: أن المجتهدين قد يصيبون في اجتهادهم، وقد يخطئون، فلابد لنا نحن من معرفة الصواب من الخطأ في ذلك. فإن الاجتهاد إذا كان عذرا لهم إذا أخطأوا فليس عذرا لنا في متابعتهم على الخطأ، ولا سيما بعد ظهوره لنا. فجاء العلاج ليقول: أما بالنسبة لفتاواهم في الاحكام، فإنهم مصيبون جميعا في اجتهادهم، فقد قال الشهاب الهيثمي في شرح الهمزية على قول البوصيري عن الصحابة: " كلهم في أحكامه ذو اجتهاد - أي صواب - وكلهم أكفاء " (3).


(1) راجع تفصيل ذلك في: إرشاد الفحول ص 64 و 65 والخلاصة في أصول الحديث ص 67 والكفاية في علم الرواية ص 385 و 384 وراجع ص 404 وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 138. (2) الكفاية في علم الرواية ص 392 وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 139 (3) والتراتيب الادارية ج 2 ص 366 وراجع ص 364 و 365. (*)

[ 218 ]

وأما بالنسبة لما جرى بين الصحابة من الفتن، فهو أيضا اجتهاد منهم، وقد يقال لصواب هذا الاجتهاد من الجميع أيضا، فقد قال ا لامدي: " وعلى هذا، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا، أو أن المصيب واحد، والاخر مخطئ في اجتهاده، وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة. أما بتقدير الاصابة فظاهر، وأما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالاجماع " (1). وعن العنبري في أشهر الروايتين عنه: " إنما أصوب كل مجتهد في الذين يجمعهم الله. وأما الكفرة فلا يصوبون " (2). وقال الشوكاني: " ذهب جمع جم إلى أن كل قول من أقوال المجتهدين فيها (أي في المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها) حق وأن كل واحد منهم مصيب، وحكاه الماوردي والروياني عن الاكثرين. قال الماوردي: وهو قول أبي الحسن الاشعري والمعتزلة ". إلى أن قال: أو قال جماعة منهم أبو يوسف: إن كل مجتهد مصيب، وإن كان الحق مع واحد. وقد حكى بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي مثله " إلى أن قال: " فمن قال: كل مجتهد مصيب، وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ " (3). وقال حول حجية الاجماع: " فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما


(1) الاحكام في أصول الاحكام ج 2 ص 82 والسنة قبل التدوين ص 404 عنه. (2) إرشاد الفحول. ص 259. (3) إرشاد الفحول ص 261. (*)

[ 219 ]

أجمعوا عليه حقا، ولا يلزم من كون الشئ حقا وجوب اتباعه، كما قالوا: إن كل مجتهد مصيب، ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه " (1). وقال الاسنوي حول الاجتهاد وفي الواقعة التي لا نص عليها: فيها قولان: " أحدهما: أنه ليس لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين بل حكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد. وهؤلاء هم القائلون بأن كل مجتهد مصيب، وهم الاشعري، والقاضي، وجمهور المتكلمين من الاشاعرة والمعتزلة إلخ " (2). ونقل عن الائمة الاربعة، ومنهم الشافعي التخطئة والتصوب فراجع (3). 22 - النبي (ص) يجتهد ويخطئ: لقد أظهرت الروايات التي زعموها تاريخا لرسول الله (ص): أن النبي (ص) يجتهد ويخطئ في اجتهاده. ويجتهد عمر فيصيب، فتنزل الايات لتصوب رأي عمر وتخظئ النبي (ص) كما زعموه في وقعة بدر الكبرى، في قضية فداء الاسرى (4) وآية الحجاب وغيرها. ولاجل ذلك تجدهم يقرون بأن النبي (ص) يخطئ في اجتهاده،


(1) إرشاد الفحول ص 78. (2) نهاية السول ج 4 ص 560 وراجع ص 558 وراجع: الاحكام للامدي ج 4 ص 159. (3) نهاية السول ج 4 ص 567. (4) سيأتي تفصيل ذلك، وبيان فساده حين الحديث حول غزوة بدر. (*)

[ 220 ]

ولكن لا يقرر على الخطأ (1). ولكن قولهم: إنه (ص) لا يقرر على خطئه لا يتلاءم مع ما يروونه عنه (ص) من أخطاء في اجتهاده، مع عدم صدور رادع عنه، كما هو الحال في قصة تأبير النخل، حيث لم يرد ما يرفع خطأه، ووقع الناس نتيجة لذلك في الخسارة والفشل (2) فراجع. 23 - سهو النبي (ص) ونسيانه: وأما بالنسبة لسهو النبي (ص) ونسيانه، واعترافه هو بذلك (3)، فذلك حدث عنه ولا حرج. وستأتي قصة ذي الشمالين، وسهو النبي (ص) في صلاته، بعد غزوة بدر إن شاء الله تعالى. فإذا جاز على النبي (ص) ذلك، فإن أهدافا كثيرة يمكن تحقيقها عن هذا الطريق، ويمكن تصحيح روايات عديدة تخدم هوى سياسيا أو مذهبيا بعينه. 24 - عصمة الامة في الخطأ: وإذا كان الرسول يخطئ في اجتهاده، فإن الامة معصومة عن الخطأ، بل سيأتي حين الحديث حول صحة ما في البخاري ومسلم: أن ظن الامة لا يخطئ أيضا. أي أنه إذا حصل إجماع بعد الخلاف، فإن ذلك يلغي أي تشكيك بصحة ما أجمعوا عليه، بل لابد من الحكم بصحته


(1) راجع: أصول السرخسي ج 2 ص 318 وص 5 و 96 و 91 وإرشاد الفحول ص 35 ونهاية السول ج 4 ص 537 والاحكام في أصول الاحكام ج 4 ص 187 واجتهاد الرسول ص 122 - 124 عن العديد من المصادر. (2) سيأتي الحديث عن قصة تأبير النخل في هذا الكتاب أيضا إن شاء الله تعالى. (3) راجع على سبيل المثال: إرشاد الفحول ص 35 والاحكام في أصول الاحكام ج 4 ص 187 و 188 واجتهاد الرسول. (*)

[ 221 ]

وصوابه، لان الي مة معصومة (1). وقد واجه القائلون بعصمة الامة فكرة أن تكون الامة أعلى رتبة من النبي (ص)، فكيف وجب عليها طاعته واتباعه ؟ ! فأزعجهم ذلك، وحاولوا التخلص منها، فما أفلحوا في ذلك فراجع (2). 25 - الاجماع نبوة بعد نبوة: وقد يحتاج الحاكم أحيانا من أجل تثبيت سلطانه، وإحكام قبضته على مقدرات الشعوب إلى التصرف في بعض الشؤون العقائدية، أو الفقهية الثابتة، أو المفاهيم الدينية، فيواجه اعتراضا من علماء الامة، وأهل الفضل والدين. فلا بد إذن من إيجاد تبرير لما يقدم عليه من تصرف، ومن تغيير في الدين وأحكامه، ورسومه وأعلامه، فجاءت القاعدة لتقول: إنه إذا حصل ذلك، واستطاع أن يحصل على موافقة الناس في عصره، وإجماعهم، فإن هذا الاجماع يصبح تشريعا إلهيا، ولا مجال


(1) راجع: تهذيب الاسماء ج 1 ص 42 وراجع: الالمام ج 6 ص 123 والباعث الحثيث ص 35 وشرح صحيح مسلم للنووي (مطبوع بهامش إرشاد الساري) ج 1 ص 28، ونهاية السول ج 3 ص 325 وسلم الوصول ج 3 ص 326 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 24، وإرشاد الفحول ص 82 و 80 والاحكام في أصول الاحكام للامدي ج 4 ص 188 و 189. (2) راجع: الاحكام في أصول الاحكام ج 4 ص 188. ففيه ما يستفاد منه ذلك، وناقشه بما لا يجدي، وكذا في كتاب: اجتهاد الرسول ص 141 و 142 عن مصادر أخرى. (*)

[ 222 ]

لنقضه، ولا لمعارضته، والاعتراض عليه، إلا بتحصيل إجماع مثله وذلك لان الاجماع نبوة بعد نبوة (1). وهو حجة قاطعة للعذر، متى انعقد، وفي أي عصر كان (2). وكنموذج من ذلك نشير إلى: أن هذا ما حدث بالفعل بالنسبة إلى الخلافة الاسلامية، فقد كان ثمة إجماع على اشتراط القرشية في خليفة المسلمين، حتى جاء السلطان سليم إلى مصر، وخلع الخليفة القرشي، وتسمى هو بالخليفة، وألغى عمليا هذا الشرط، ثم أجمعت الامة على إلغائه ولا تزال. وأصبح عدم القرشية من الدين، كما كانت القرشية من الدين في السابق. 26 - ظن المعصوم لا يخطئ: وبعد، فإنه إذا كانت الامة معصومة، وكان أفراد الصحابة مصيبين في اجتهاداتهم كلها ولا يخطئون. فإن ضابطة أخرى لابد من مراعاتها، لانها تنفع في حل مشكلات كثيرة تواجههم. وهي قاعدة: ظن المعصوم عن الخطأ، لا يخطئ (3). وسيأتي استدلالهم بهذه القاعدة في مورد حساس في هذا البحث بالذات.


(1) راجع: المنتظم ج 9 ص 210 والالمام ج 6 ص 123 والاحكام في أصول الاحكام ج 1 ص 204 و 205 وبحرث مع أهل السنة والسلفية ص 27 عن المنتظم. (2) راجع: الاحكام في أصول الاحكام ج 1 ص 208 وتهذيب الاسماء ج 1 ص 42 والنشر في القراءات العشر ج 1 ص 7 و 33 و 31. وأي كتاب أصولي، يبحث حول حجية الاجماع، وفق مذاق أهل السنة. (3) الباعث الحثيث ص 35 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 24 وشرح صحيح مسلم (بهامش إرشاد الساري) ج 1 ص 28. (*)

[ 223 ]

27 - اجتهاد الفقهاء يقدم على النص: وحين ظهر أن كثيرا من اجتهادات أئمة المذاهب تخالف النص الوارد عن رسول الله، فقد أجازوا مخالفة نص رسول الله (ص)، والالتزام بآراء أئمة مذاهبهم. فقد قال البعض، وهو يتحدث عن الشافعية: " والعجب منهم من يستجيز مخالفة الشافعي لنص له آخر في مسألة بخلافه. ثم لا يرون مخالفته لاجل نص رسول الله (ص) " (1). ونقول: إن ملاحظة طريقتهم في التعامل مع الحديث، ومع فتاوى أئمتهم تعطينا: أن ذلك لا ينحصر بالشافعي وأصحابه، بل هو ينسحب على غيرهم من أتباع المذاهب الاخرى الاربعة، وغيرها أيضا. وقد أحصى ابن القيم في أعلام الموقعين حوالي مئة حديث لم يأخذ بها مقلدة الفقهاء. حسبما يتضح من مراجعة الاحاديث المبثوثة في الكتب المعتبرة لدى أهل السنة. وذكر سبط ابن الجوزي جملة من أحاديث الصحيحين لا يأخذ بها الشافعية، لما ترجح عندهم مما يخالفها. ورد أبو حنيفة على رسول الله أربع مئة حديث أو أكثر. وفي رواية: ورد مئتي حديث. بل قال حماد بن سلمة: إن أبا حنيفة استقبل الاثار والسنن فردها برأيه (2). 28 - القياس، والرأي، والاستحسان:


(1) مجموعة المسائل المنيرية ص 32. (2) راجع ما تقدم: في أضواء على السنة المحمدية ص 370 و 371. (*)

[ 224 ]

ثم ومن أجل سد النقص الناتج عن ابتعاد الناس عن حديث رسول الله، وابتعادهم عن أئمة أهل البيت، فقد قرروا إجازة العمل بالقياس، والرأي، والاستحسان، وما إلى ذلك. وقد كتب الخليفة عمر بن الخطاب لابي موسى الاشعري: " فاعرف الاشباه والامثال، ثم قس الامور بعضها ببعض، أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق، فاتبعه، واعمد إليه. " (1). وقال لشريح: " فإن لم تعلم كل ما قضت به الائمة المهتدون، فاجتهد رأيك ". أو قال: " ولم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك " (2). وقد عمل بالرأي كل من أبي بكر، (3) وابن مسعود، وعثمان، وعمر (4) وغيرهم من الصحابة، فراجع. وقد كان من نتيجة ذلك أن " استحالت الشريعة وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة " على حد تعبير ابن أبي الحديد المعتزلي (5). وقد أعلن الائمة " عليهم السلام " رفضهم لهذا النهج، وأدانوه بشدة لاصرار، ورفضه غيرهم أيضا.


(1) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 155 والكامل في الادب ج 1 ص 13 وأعلام الموقعين ج 1 ص 86 وسنن الدارقطني ج 4 ص 206 و 207 وراجع: المحلى ج 1 ص 59 وعيون الاخبار لابن قتيبة ج 1 ص 66. (2) تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 307. (3) الاحكام في أصول الاحكام ج 4 ص 162. وقد تقدمت بقية المصادر رقم / 11 رأي الصحابي حيث لا نص، فراجع. (4) الاحكام في أصول الاحكام ج 4 ص 162 والمحلى ج 1 ص 61. (5) شرح النهج ج 12 ص 84. (*)

[ 225 ]

وقد قال الشعبي في إشارة إلى رفض العمل بالرأي: ما حدثوك عن أصحاب محمد (ص) فخذ به، وما قالوا برأيهم، فبل عليه (1). وقال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإنا نقف غدا نحن وأنت، ومن خلفنا بين يدي الله تعالى، فنقول: قال الله، قال رسول الله (ص)، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا، فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء (2). 29 - ما دل عليه القياس ينسب للنبي (ص): وقد أراد العاملون بالقياس إضفاء هالة من القدسية على آرائهم، وتكريسها كمعيار عملي، ونهج فكري، ثابت ومقبول، فسمحوا بنسبة ما دل عليه القياس إلى رسول الله (ص)، وإن لم يكن النبي (ص) قد قاله يقول البعض: " استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله (ص) نسبة قولية. فيقولون في ذلك: قال رسول الله (ص): كذا. ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لانها تشبه فتاوى الفقهاء، ولانهم لا يقيمون لها سندا " (3). 35 - لا اجتهاد بعد اليوم:


(1) شرف أصحاب الحديث ص 74. (2) شرف أصحاب الحديث ص 76. (3) الباعث الحثيث ص 85 عن السخاوي في ثرح ألفية العراقي ص 11 والمتبولي في مقدمة شرحه الجامع الصحيح. (*)

[ 226 ]

ومن أجل تكريس المذاهب الاربعة، ولكي لا يفكر أحد بالتعدي عنها، وتكون هي المعيار والضابطة دون سواها، فقد قرروا: أنه لا يحق لاحد أن يجتهد في هذه العصور المتأخرة إلا في حدود المذهب الذي ينتسب إليه، أو في دائرة خصوص مذاهب الائمة الاربعة، ووفق أصول محددة لا مجال للتعدي عنها. " ذكر ابن الصلاح: أنه يتعين تقليد الائمة الاربعة دون غيرهم، لان مذاهب الاربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، ونشرت فروعها، بخلاف مذهب غيرهم " (1). وقال الشيخ محمد نجيب المطيعي: " قد بنى ابن الصلاح على ما قاله إمام الحرمين قوله بوجوب تقليد واحد من الائمة الاربعة دون غيرهم.. إلى أن قال: بل الحق: أنه إنما منع من تقليد غيرهم، لانه لم تبق رواية مذاهبهم محفوظة.. إلى أن قال: امتنع تقليد غير هؤلاء الائمة الاربعة من الصحابة وغيرهم، لتعذر نقل حقيقة مذاهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت " (2). ونقل محمد فريد وجدي عن بعضهم: أنه بعد الماءتين كان الواجب على كل من المقلدين والمجتهدين المنتسبين أن ينتموا لمذهب واحد معين من المجتهدين المستقلين. وأما من نشأ من المسلمين بعد المئة الرابعة إلى زمن صاحب كتاب (الانصاف في بيان سبب الاختلاف)، فهم إما عامي أو مجتهد منتسب،


(1) نهاية السول في شرح منهاج الاصول ج 4 ص 632. (2) سلم الوصول لشرح نهاية السول ج 4 ص 631. (*)

[ 227 ]

فيجب على العامي تقليد المجتهد المنتسب لا غير، لامتناع وجود المستقل من هذا التاريخ حتى اليوم (1). من ترك التقليد خرج من الاسلام: قال التهانوي الحنفي: ومن ترك هذا التقليد، وأنكر اتباع السلف، وجعل نفسه مجتهدا أو محدثا، واستشعر من نفسه أنه يصلح لاستنباط الاحكام، وأجوبة المسائل من القرآن والحديث في هذا الزمان، فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه، أو كاد أن يخلع، فأيم الله لم نر طائفة يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية إلا هذه الطائفة المنكرة لتقليد السلف، الذامة لاهلها إلخ.. " (2). وقال المقريزي: " ولي بمصر القاهرة أربع قضاة، وهم شافعي، ومالكي، وحنفي، وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة خمس وستين وست مئة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الاسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الاسلام سوى هذه المذاهب الاربعة، وعقيدة الاشعري. وعملت لاهلها المدارس، والخوانك، والزوايا، والربط في سائر ممالك الاسلام. وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يول قاضي، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قدم للخطابة، والامامة، والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لاحد هذه المذاهب. وأفتى فقهاء هذه الامصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب، وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم " (3).


(1) راجع: دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ج 3 ص 223. (2) قواعد في علوم الحديث ص 462. (3) الخطط والاثار للمقريزي ج 2 ص 334. (*)

[ 228 ]

وقد ذكر ابن الفوطي ما يدل على أن رسم التمذهب بالمذاهب الاربعة في بغداد، والمنع من ذكر آراء غيرهم قد كان قبل هذا التاريخ، بحوالي عشرين سنة أو أكثر. فراجع كلامه حول افتتاح المدرسة المسنتصرية، ثم رسم تعليم المذاهب الاربعة فيها، والمنع مما عداها (1). وقد كان ابن الصلاح المتوفى سنة 643 ه‍. قد أفتى بحرمة الخروج على تقليد الائمة الاربعة، مستدلا له بإجماع المحققين (2). تكريس المذاهب بالاموال: ونقل البعض: ان العباسيين في بغداد طلبوا من أهل المذاهب أموالا، فلم يستطع الشيعة تأمين المال المطلوب. لكن الحنفية، والمالكية، والحنبلية، والشافعية قد دفعوا المال المطلوب لاجل اتساع حالهم، وتيسر المال لديهم. وكان ذلك في زمن الشريف المرتضى المتوفي سنة 436 ه‍. فآل ذلك إلى تكريس المذاهب في الاربعة، واتفقوا على بطلان ما عداها. وجوزوا الاجتهاد في المذهب، ولم يجوزوا الاجتهاد عن المذهب (3). وقد فصل ابن قيم الجوزية أقوال القائلين بانسداد باب الاجتهاد، وزمان ذلك الانسداد، وقولهم: لا يجوز الاختيار بعد الماءتين، وناقش تلك


(1) تاريخ حصر الاجتهاد ص 105 - 107. (2) المصدر السابق ص 108. (3) راجع: رياض العلماء ج 4 ص 33 و 34. (*)

[ 229 ]

الاقوال، فراجع (1). التمهيد للتقليد: وقد لاحظنا: أنهم، وهم يحكمون على من مارس الاجتهاد، ولم يقلد من يحبون، أو من استشعر من نفسه أنه يصلح لاستنباط الاحكام، بالمروق من الدين، وخلع ربقة الاسلام من عنقه، حسبما تقدم عن التهانوي. قد مهدوا لسد باب الاجتهاد، ولكن بذكاء حينما ناقشوا أولا مسألة خلو العصر من المجتهد. فلما جوزوه، انتقلوا إلى القول بأن الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم. فقد " حكى الزركشي في البحر عن الاكثرين: أنه يجوز خلو العصر من المجتهد. وبه جزم صاحب المحصول. قال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم. قال الزركشي: ولعله أخذه من كلام الامام الرازي، أو من قول الغزالي في الوسيط: قد خلا العصر من المجتهد المستقل " (2). وقد ناقشهم الشوكاني، وابطل هذا الزعم منهم، فراجع كلامه (3). ويقول نص آخر: " قد استدل بما صرح به الامام حجة الاسلام


(1) أعلام الموقعين ج 2 ص 275 - 278. وراجع كتاب الاجتهاد في الاسلام ص 218 - 246. (2) إرشاد الفحول ص 253. (3) إرشاد الفحول ص 253 و 254. (*)

[ 230 ]

قدس سره، والرافعي، والقفال بأنه وقع في زماننا هذا الخلو " (أي من المجتهد) إلى أن قال: " من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي، واختتم الاجتهاد به. وعنوا الاجتهاد في المذهب. أما الاجتهاد المطلق، فقالوا: اختتم بالائمة الاربعة، حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الامة " (1). ومهما يكن من أمر، فإن سد باب الاجتهاد إنما هو لدى فريق معين غير الشيعة، أما شيعة الائمة الاثني عشر " عليهم السلام "، وأتباعهم، فهم في غنى عن كل هذا، فهم يفتحون باب الاجتهاد على مصراعيه، ويمارسونه بصورة مطردة على مر التاريخ، وإلى يومنا هذا. وهذه نعمة كبرى، هي نعمة العلم والفهم حباهم الله بها، وحرم الآخرون أنفسهم منها، وقديما قيل: على نفسها جنت براقش. مع تبريرات وجدي: أما محمد فريد وجدي فقد اعتبر: أن السبب في دعوى انسداد باب الاجتهاد، هو ما طرأ على المسلمين من جمود إجتماعي، وقصور عن فهم أسرار الشريعة، فستروا ذلك بالدعوى المذكورة. والحقيقة أنه مفتوح، بنص الكتاب والسنة إلى يوم القيامة. (2) لكن ملاحظتنا التي نريد تسجيلها هنا هي:


(1) فواتح الرحموت ج 2 ص 399 والاجتهاد في الاسلام ص 219. (2) دائرة معارف القرن العشرين ج 3 ص 197. (*)

[ 231 ]

أولا: لماذا قصرت أفهام المسلمين عن فهم أسرار الشريعة ؟ ! وهل دعوى هذا القصور صحيحة من أساسها ؟ ! ثانيا: ما فائدة فتح باب الاجتهاد، مع وجود ذلك القصور عن الفهم ؟ ! وماذا يفيد فتح باب لا يجرؤ أحد على الولوج فيه، أو لا يستطيع الولوج أصلا ؟ !. لا اجتهاد عند الفريسيين في اليهود: وقد كنا نحب أن نعرف: إن كان ثمة ارتباط بين ما يقال عن سد باب الاجتهاد لدى هؤلاء، وبين ما يقوله الفريسيون من اليهود، من أنه لا اجتهاد (1). 31 - التقديس الاعمى حتى للحديث المكذوب: أما بالنسبة لما تناقلوه على أنه حديث رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فقد حاولوا إضفاء هالة من التقديس الاعمى عليه، وكأنه نفس كلامه الصادر عنه " صلى الله عليه وآله " مع أن أكثره محض اختلاق، وتزوير. وقد قدست كتب بأكملها على هذا الاساس. فراجع ما يذكرونه عن صحيح البخاري، وموطأ مالك، وسنن أبي داود، وغير ذلك. بل لقد حرصوا على المنع من مناقشة الحديث، حتى ولو خالف العقل، والوجدان، وضرورة العقل، والتاريخ القطعي، لان السماح بالمناقشة فيه لسوف يبرر المناقشة ثم التشكيك في أمور هي أكثر أهمية


(1) راجع: مقارنة الاديان (اليهودية) ص 223. (*)

[ 232 ]

وحساسية بالنسبة إليهم. وقد تصدى الحكام لمواجهة ذلك بصورة قوية وصارمة وحازمة، ولا سيما وأن ذلك قد مكنهم من توجيه الناس حيثما يريدون، وكيفما يشاؤون، من خلال حفنة من وعاظ السلاطين، لا يتورعون عن الاختلاق والافتراء، حتى على الله ورسوله، دونما مانع من دين، أو رادع من وجدان. وقد روى بعض هؤلاء المرتزقة عن النبي (ص)، محاجة جرت بين آدم وموسى " عليهما السلام "، فحج آدم موسى ! ! فاعترض البعض بأنه متى اجتمع آدم وموسى، فتدخل الخليفة ودعا بالنطع والسيف ليقتل ذلك المعترض المستفهم، بحجة أنه زنديق يكذب بحديث رسول الله (ص) (1) ! !. بل لقد كان الاتهام بالزندقة هو الوسيلة الميسورة للتخلص حتى ممن لا يرى الصلاة خلف الخليفة العاتي والمتجبر (2). 32 - أصح الكتب بعد القرآن: وقد يعترض البعض: بأن في البخاري، ومسلم، وغيرهما من كتب الصحاح أحاديث كثيرة تضمنت ما يخالف الحقائق الثابتة، وصريح العقل والوجدان. فجاء الرد: أن البخاري أجل كتب الاسلام وأفضلها بعد


(1) راجع: تاريخ بغداد ج 14 ص 7 و 8 والبداية والنهاية ج 10 ص 215 والبصائر والذخائر ج 1 ص 81 وتاريخ الخلفاء ص 285. (2) البداية والنهاية ج 10 ص 153. (*)

[ 233 ]

كتاب الله " (1). وما قرئ في كربة إلا فرجت، ولا ركب به في مركب فغرقت. ويستسقى بقراءته الغمام، وأجمع على قبوله، وصحة ما فيه أهل الاسلام (2). وقال أبو نصر السجزى: " أجمع أهل العلم والفقهاء، وغيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق: أن جميع ما في كتاب البخاري، مما روي عن النبي (ص) قد صح عنه، ورسول الله (ص) قاله، لا شك فيه، لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته " (3). وقالوا: أصح كتب بعد كتاب الله الصحيحان: البخاري، ومسلم (4). بل قال البعض: " إتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله أصح من صحيحي البخاري ومسلم " (5).


(1) إرشاد الساري ج 1 ص 29. (2) إرشاد الساري ج 1 ص 29. وراجع: تدريب الراوي ج 1 ص 96 وفتح الباري (المقدمة) ص 11 وتذكرة السامع والمتكلم ص 127 (هامش) عن مفتاح السعادة ص 127 وقال: إن السلف والخلف قد أطبقوا على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. (3) علوم الحديث، لابن الصلاح ص 22 (4) راجع) فتح الباري (المقدمة) ص 8 وتدريب الراوي ج 1 ص 91 وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 14 والخلاصة في أصول الحديث ص 36 وعلوم الحديث ومصطلحه ص 396 و 399 والغدير ج 9 ص 35 عن شرح صحيح مسلم للنووي. (5) عمدة القاري ج 1 ص 5. (*)

[ 234 ]

وعن سنن أبي داود يقول ابن الاعرابي: لو أن رجلا لم يكن معه من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شئ من العلم بتة " (1). 33 - هذا الاجماع ظن لا يخطئ: ولعلك تقول: إجماع الامة على صحة ما في الصحيحين لا يمنع من كرن بعض ما فيهما خطأ، لان حجية الخبر وإن كانت قطعية، ولكن ذلك لا يمنع من كون مضمونه مظنونا. لكنه من الظن الذي هو حجة. والظن الحجة قد يخطئ الواقع أيضا. فيأتيك الرد: " ظن المعصوم عن الخطأ، لا يخطئ، والامة في إجماعها معصومة عن الخطأ " (2). وحول تلقي الامة للصحيحين بالقبول قال ابن كثير: " لان الامة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته، ووجب عليها العمل به، لابد أن يكون صحيحا في نفس الامر. وهذا جيد " (3). رواية الصحاح في الخوارج والمبتدعة: وتسجل إدانة لكتب الصحاح خصوصا البخاري ومسلم، وهي


(1) راجع: تذكرة السامع والمتكلم (هامش) ص 128 عن تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 210. (2) علوم الحديث لابن الصلاح ص 24 وشرح صحيح مسلم للنووي (مطبوع بهامش إرشاد الساري) ج 1 ص 28. (3) الباعث الحثيث ص 35. (*)

[ 235 ]

روايتهم عن الخوارج، والمبتدعة. حتى إن البخاري ومسلما، وسائر أصحاب الصحاح قد رووا عن الخوارج والمبتدعة، مثل عمران بن حطان، وهو من أكبر الدعاة إلى البدعة (1)، فإنه مادح ابن ملجم على قتله وصي النبي (ص) عليا " عليه السلام ". ورووا عن كثيرين آخرين من مبغضي علي " عليه السلام " وشانئيه، مثل: بهز بن أسد، وعبد الله بن سالم، وحصين بن نمير، وعكرمة، وقيس بن أبي حازم، والوليد بن كثير، وعروة بن الزبير، وإسحاق بن سويد، وحريز بن عثمان، وأزهر بن عبيد الله، وزياد بن أبيه، وميمون بن مهران، وأسد بن وداعة، ومحمد بن هارون، ونعيم بن أبي هند، ودحيم، وعبد المغيث الحنبلي، وخالد بن مسلمة (2) وعلي بن الجهم (3)، ومحمد بن زياد، وعبد الله بن شقيق، والمغيرة بن عبد الله (4)، وعشرات غيرهم. وكل هؤلاء، ومن هو على شاكلتهم، قد حكموا لهم بالوثاقة، ورووا عنهم، وعظموهم، ووصفوهم بكل جميل، مع معروفيتهم بالنصب والبغض لعلي " عليه السلام "، وآله الاطهار. (1) الباعث الحثيث ص 100. (2) راجع في جميع ما تقدم: الغدير ج 5 ص 293 - 295 وج 7 ص 273 ومقدمة فتح الباري ص 460 و 461 والكفاية في علم الرواية ص 125. (3) راجع: البداية والنهاية ج 11 ص 4 والغدير ج 5 ص 244. (4) راجع: الغدير ج 11 ص 87 وج 3 ص 123 وج 6 ص 143 و 144. (5) راجع: فتح الباري (المقدمة) ص 460 و 461 وتدريب الراوي ج 1 ص 328 - 329. (*)

[ 236 ]

الرواية في الرافضة والشيعة: ومن جهة ثانية، فقد روى أصحاب الصحاح أيضا لبعض الشيعة والرافضة (1) وقد ذكر الامام السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه طائفة كبيرة من الشيعة، أو المتهمين بالتشيع، ممن روى لهم أصحاب الصحاح، فراجع. التناقض في المواقف: فروايتهم عن النواصب والخوارج، والمبتدعة، وعن الشيعة، والرافضة، تتناقض مع قولهم: إن الرواية عن كل هؤلاء لا تصح. فهم يقولون: ألف: الخوارج: عن ابن لهيعة: أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد توبته: " إن هذه الاحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا " (2). أو قال: " أنظروا هذا الحديث عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا تراءينا


(1) راجع: مقدمة فتح الباري ص 460 و 461 وراجع: الكفاية في علم الرواية ص 125. (2) لسان الميزان ج 1 ص 10 و 11 والكفاية للخطيب ص 123 و 128 وآفة أصحاب الحديث ص 71 و 72 واللآلي المصنوعة ج 2 ص 468 وراجع: العتب الجميل ص 122. وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 29 عن الاولين، وعن الموضوعات لابن الجوزي ص 38 وعن السنة ومكانتها في التشريع للسباعي ص 97. (*)

[ 237 ]

رأيا، جعلنا له حديثا " (1). ويلاحظ هنا: أن نفس هذا النص مروي عن حماد بن سلمة، ولكن عن شيخ من الرافضة ! ! (2). ولقا حدث إياس بن معاوية الاعمش بحديث عن بعض الحرورية، قال: " تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أدع بعرة، ولا خنفساء إلا حملتها ؟ ! " (3). وقال الجوزجاني عن الخوارج، الذين تحركوا في الصدر الاول، بعد الرسول (ص): " نبذ الناس حديثهم إتهاما لهم " (4). ب: أهل البدع: قد وردت أحاديث رواها أهل السنة أيضا تنهى عن الرواية عن أهل البدع (5) فلتراجع في مظانها. ج: الشيعة والرافضة: إن أدنى مراجعة لكتب الرجال على مذاق أهل السنة تظهر: أن أكثر


(1) اللآلي المصنوعة ج 2 ص 468. (2) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 11. (3) الكفاية في علم الرواية ص 403 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 29 عن المحدث الفاصل للرامهرمزي ج 1 ص 12. (4) أحوال الرجال ص 34. (5) راجع: لسان الميزان ج 1 ص 10 و 12 و 7 وميزان الاعتدال ج 1 ص 3. (*)

[ 238 ]

المجروحين عندهم إنما جرحوهم بالتشيع أو الرفض، وقد اعتبروا ذلك جريمة لا مجال للسكوت عليها، أو التساهل فيها (1). وسئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون (2). وعن الشافعي: لم أر أحدا من أهل الاهواء أشهد بالزور من الرافضة (3). وقال أبو عصمة لابي حنيفة: " ممن تأمرني أن أسمع الاثار ؟ ! قال: من كل عدل في هواه إلا الشيعة، فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد " صلى الله عليه وآله "، ومن أتى السلطان طائعا إلخ... " (4). وعن شريك: إحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينا (5). وقال التهانوي: " نحن نعلم: أنهم كذبوا في كثير مما يروونه في فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان. كما كذبوا في كثير مما يروونه في


(1) وراجع على سبيل المثال: السنة قبل التدوين ص 443 و 442 والكفاية في علم الرواية ص 123 و 130 و 31. (2) لسان الميزان ج 1 ص 10 وميزان الاعتدال ج 1 ص 27 / 28 ومقدمة فتح الباري ص 431 وفتح الباري ج 2 ص 153 وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 407 و 422. (3) الكفاية في علم الرواية ص 126 وراجع لسان الميزان ج 1 ص 10. (4) الكفاية في علم الرواية ص 126. (5) لسان الميزان ج 1 ص 10 وميزان الاعتدال ج 1 ص 27 و 28. (*)

[ 239 ]

فضائل علي. وليس في أهل الاهواء أكثر كذبا من الرافضة " (1). ويقول هارون الرشيد: " طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث " (2). وعن يزيد بن هارون: يكتب عن كل صاحب بدعة، إذا لم يكن داعية إلا الرافضة، فإنهم يكذبون (3). العلاج المتطور: كانت تلك بعض أقاويلهم حول هؤلاء وأولئك. وهي تناقض موقفهم منهم، وروايتهم عنهم، فكان علاجهم لهذا المشكل بتقديم عدة ضوابط، رأوا أنها تكفي لدفع الخطر، وتجنب الكثير من الضرر. ونذكر من هذه المعالجات: 34 - رد روايات الشيعة في المطاعن والفضائل: فكل ما فيه تأكيد على الحق، وإظهار له، فيما يرتبط بفضائل علي " عليه السلام "، وكذا فيما يرتبط بما صدر من خصوم أهل البيت من أفاعيل تدينهم، وتظهر بعض مساوئهم، فإنهم لا يقبلونه، ويتهمون الرافضة بالكذب فيه.


(1) قواعد في علوم الحديث ص 444 وراجع ص 443. (2) شرف أصحاب الحديث ص 55 وراجع ص 78. (3) لسان الميزان ج 1 ص 10 وميزان الاعتدال ج 1 ص 27 و 28. (*)

[ 240 ]

إنهم لا يقبلون منهم أي شئ فيه تأييد لمذهب الشيعة، وتفنيد لمذاهب غيرهم. 35 - الرافضة لا إسناد لهم: ومن أجل استبعاد فقه، ورؤى، ومعارف أهل البيت " عليهم السلام " الذين هم أحد الثقلين اللذين أمر رسول الله " صلى الله عليه وآله " بالتمسك بهما إلى يوم القيامة، وهم سفينة نوح التي ينجو من ركبها. ولكي تبقى الساحة مفتوحة أمام الاخرين ليأخذوا بفتاوى أناس عاشوا، أو فقل: ولدوا بعد وفاة النبي (ص) بعشرات السنين، ليسوا من أهل بيت النبوة، ولا من معدن الرسالة، ولا من مهبط الوحي والتنزيل. نعم من أجل ذلك، نجدهم يحاولون قطع الصلة بين الرافضة وبين الرسول بالكلية. فقد قال التهانوي حول المعرفة بالاسناد: " لا ريب أن الرافضة أقل معرفة بهذا الباب، وليس في أهل الاهواء والبدع أجهل منهم به، فإن سائر أهل الاهواء، كالمعتزلة والخوارج يقصررن في معرفة هذا، لكن المعتزلة أعلم بكثير من الخوارج، والخوارج أعلم بكثير من الرافضة، والخوارج أصدق من الرافضة " إلى أن قال: " أهل البدع سلكوا طريقا أخرى ابتدعوها واعتمدوها، ولا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد، لا للاعتماد. والرافضة أقل معرفة بل وعناية بهذا، إذ كانوا لا ينظرون في الاسناد، لا في سائر الادلة الشرعية والعقلية، هل توافق ذلك أو تخالفه. ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط. بل كل اسناد متصل لهم، فلابد أن يكون فيه من كل معروف بالكذب، أو كثرة الغلط، وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى، فإنه ليس لهم أسناد ".

[ 241 ]

وقال: والاسناد من خصائص هذه الامة، وهو من خصائص الاسلام، ثم هو في الاسلام من خصائص أهل السنة. والرافضة أقل عناية به، إذ كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامة كذبه أنه يخالف هواهم " (1). 36 - رواية ما لا يضر: وأما رواية الشيعي، وحتى الرافضي لما يؤيد مذهب أهل السنة، أو فقل ما لا يضر بنهجهم، ولا بمذهبهم، فهي مقبولة، بل يمكن أن يصبح الشيعي بل الرافضي من رواة الصحاح الست أيضا. وبذلك يكون قد جاز القنطرة، كما سنرى. 37 - حديث الداعية إلى البدعة يرد: وأما بالنسبة للخوارج والنواصب، وحتى الشيعي والرافضي أحيانا حين يوافق هواهم، ويخدم إتجاههم بزعمهم، فقد قالوا: ان صاحب البدعة إذا لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع، فإن روايته تقبل. أما إذا كان داعية، فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته (2).


(1) قواعد في علوم الحديث ص 443 و 444. (2) علوم الحديث لابن الصلاح ص 104 و 103 والباعث الحثيث ص 99 وإرشاد الفحول ص 51 وفتح الباري (المقدمة) ص 459 و 450 ومعرفة علوم الحديث ص 135 والخلاصة في أصول الحديث ص 95 والمجرحون ج 1 ص 168 والكفاية في علم الرواية ص 121 و 123 و 126 - 128 وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 230 و 231 و 402 و 207 وتقريب النواوي وشرحه المسمى بتدريب الراوي ج 1 ص 325. (*)

[ 242 ]

وقيل لا تقبل رواية غير الداعية أيضا (1). 38 - حجم البدعة: وبما أن ما تقدم لا يكفي في علاج بعض جهات القضية، لا سيما وأنهم يردون روايات من يتهم بالتشيع، مع أن صحاحهم تروي عن الشيعة، فقد اتجهوا نحو الحديث عن حجم البدعة ومقدارها، فقالوا: إن كانت البدعة صغرى، جازت الرواية عن صاحبها، وإن كانت كبرى لم تجز، فالبدعة الكبرى هي الرفض الكامل، والصنرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرق (2). وبذلك يفسحون المجال أمام الرواية عن بعض علمائهم الذين ينسبون إليهم التشيع لمجرد: أنه روى حديثا في فضل علي " عليه السلام "، أو تكلم في معاوية، كالنسائي، وعبد الرزاق الصنعاني، والحاكم النيسابوري، وأضرابهم. 39 - من روى له الشيخان، جاز القنطرة: ولكن تبقى مشكلة روايتهم عن بعض المبتدعة، الذين هم من أشد الدعاة إلى بدعتهم، مثل عمران بن حطان، وغيره من النواصب


(1) الخلاصة في أصول الحديث ص 95 والكفاية في علم الرواية ص 120 وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 227 - 230 وتقريب النواوني وشرحه (تدريب الراوي) ج 1 ص 324 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 46 عنه وعن الكامل لابن عدي ج 1 ص 39: أ وعن: المجررحون ج 2 ص 27 ب رعن المحدث الفاصل ج 1 ص 12. (2) لسان الميزان ج 1 ص 9 و 10 وميزان الاعتدال ج 1 ص 30. (*)

[ 243 ]

والخوارج، فحلوها بطريقة جبرية، وقاطعة، حين قالوا: من روى له الشيخان، فقد جاز القنطرة (1). وقال الذهبي في ترجمة يحيى بن معين: " وأما يحيى فقد جاز القنطرة (يعني برواية الشيخين له) فلا يلتفت إلى ما قيل فيه. بل قفز من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي - يعني أنه في أعلى مراتب التعديل والتوثيق - " (3) وذكر التهانوي: إن كل من حدث عنه البخاري فهو ثقة، سواء حدث عنه في الصحيح، أو في غيره. وكذا كل من ذكره البخاري في تواريخه، ولم يطعن فيه، فهو ثقة. وكذا كل من حدث عنه مسلم، والنسائي، وأبو داود، أو سكت عنه أبو داود فهو ثقة أيضا (3). 40 - الخوارج صادقون: وبعد ما تقدم، فقد حلت مسألة لزوم قبول رويات بعض علماء أهل السنة الكبار، الذي اتهموا بالتشيع، بسبب روايتهم بعض فضائل علي وأهل بيته " عليهم السلام "، أو انتقدوا معاوية، وأضرابه. وقبلت أيضا روايات بعض الشيعة أو الرافضة، التي جاءت منسجمة


(1) قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 463 عن أبي الوفاء القرشي في كتاب الجامع الذي جعله ذيلا للجواهر المضية ج 2 ص 428. (2) ميزان الاعتدال ج 4 ص 410. (3) لخصنا ذلك من كتاب: قواعد في علوم الحديث للتهانوي ج 2 ص 428. (*)

[ 244 ]

مع النهج الفكري الذي يلتزمه غير الشيعة أيضا. ثم قبلت أيضا روايات الصحاح، البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبي داود. ولكن ذلك كله لا يكفي أيضا، بل لابد من تصحيح رواية كل خارجي وناصبي، مع أنهم يدعون: أن هؤلاء أهل بدعة قد ترك أهل السنة حديثهم (1). ومع أن فيهم من يدعو إلى بدعته، ومن كان داعية إلى بدعته لا تقبل روايته (2). ومع أنه قد تقدم: أن الخوارج معروفون بوضع الحديث، وقد ترك الناس الرواية عنهم في البداية لذلك. فعالجوا هذا المشكل بدعوى: أن " الخوارج أعلم بكثير من الرافضة، والخوارج أصدق من الرافضة. بل الخوارج لا نعلم عنهم أنهم يتعمدون الكذب. بل هم من أصدق الناس " (3). وقال أبو داود: " ليس في أهل الاهواء أصح حديثا من الخوارج " (4). وقال التهانوي: " الخوارج لا يكادون يكذبون. بل هم من أصدق


(1) ميزان الاعتدال ج 1 ص 3 ولسان الميزان ج 1 ص 7 و 12. (2) راجع تفصيل ذلك فيما تقدم وفي لسان الميزان ج 1 ص 10. (3) قواعد في علوم الحديث للتهانوي ص 443. (4) ميزان الاعتدال ج 3 ص 236 والعتب الجميل ص 121 وفتح الباري (المقدمة) ص 432 وج 2 ص 154. (*)

[ 245 ]

الناس مع بدعتهم وضلالهم " (1). وقال ابن تيمية: " الخوارج مع مروقهم من الدين فهم أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم أصح الحديث " (2). وعلل بعضهم صدقهم بأنهم يقولون بأن مرتكب الكبيرة كافر (3). ولا ندري كيف صح له هذا التعليل. وهؤلاء الخوارج أنفسهم قد قتلوا عبد الله بن خباب، وارتكبوا جرائم الزنا. وغيرها مما هو مسطور في تواريخهم ؟ ! 41 - الاعتزال، وعداء أهل الحديث: وحين طغت مدرسة أهل الحديث، ونشروا في الناس الكثير من الامور التي يأباها العقل والوجدان، والفطرة، وتخالف القرآن. مثل: نفي عصمة النبي (ص) إلا في التبليغ. عقيدة الجبر. التجسيم والتشبيه. لزوم الخضوع للحاكم الظالم، والمنع من الاعتراض عليه. وغير ذلك من أمور أدخلوها في عقائد المسلمين، وفي تاريخهم. وهي مأخوذة في الاكثر من أهل الكتاب. ثم واجههم المعتزلة، وغيرهم، ولا سيما الشيعة بالاحاديث


(1) قواعد في علوم الحديث ص 444 / 445. (2) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص 29. (3) المصدر السابق ص 28. (*)

[ 246 ]

الصحيحة والصريحة، التي رووها هم أنفسهم، فأحرجوهم في كثير من المواقع، وفندوا مزاعمهم وأقاويلهم. سواء بالنسبة لكثير من الجهات العقائدية، أو بالنسبة لبعض ما يزعمون أنه أحداث تاريخية، أو غيرها. فإنهم التجأوا إلى أسلوب التجريح، والمقاطعة على الصعيد الفكري، وقرروا بالنسبة إلى الشيعة رد رواية كل من فيه رائحة التشيع. وأما بالنسبة للمعتزلة الذين كانوا يتمتعون بالتأييد من قبل عدد من الحكام، فقد قرروا: أنه إذا كان الراوي معتزليا، يناصب أهل الحديث العداء، فلا يسمع كلامه، ولا يعتد به، لان كونه معتزليا، مخالفا لاهل الحديث، يوجب ضعفه، وسقوط ما يأتي به ! ! (1). 42 - خذوا نصف دينكم في هذه الحميراء: ومن الذين يسمح لهم بالحديث على نطاق واسع عائشة أم المؤمنين، التي نشرت في الناس ألوف الاحاديث، التي تصب في اتجاه معين، لا يتلاءم كثيرا مع خط علي " عليه السلام " وأهل بيته. إن لم نقل: إنه يؤيد الاتجاهات المخالفة له في كثير من الاحيان. ومنعا لاي ريب أو اعتراض، فقد جاءت الضابطة على صورة حديث منسوب إلى النبي (ص) يقول: خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء (2). 43 - أبو هريرة راوية الاسلام:


(1) السنة قبل التدوين ص 443. (2) صفحة 252. (*)

[ 247 ]

ومن المعلوم: أن أبا هريرة الدوسي يستأثر بأكبر رقم من الروايات التي ينسبها إلى النبي (ص)، حيث إن له منها، حسب إحصائية ذكرها العلامة أبو رية رحمه الله 5374 حديثا (1). ونحن نجد الطعون تتوجه إلى هذا الرجل، أعني أبا هريرة من كل حدب وصوب، وقد ألفت في ذلك الكتب (2)، وكتبت البحوث. بل إنك تجد في الطاعنين عليه من هو من كبار الصحابة أيضا، وقد قال إبراهيم أبو سيار النظام: أكذبوه: عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة (3). ورد سعد على أبي هريرة مرة، فوقع بينهما كلام حتى ارتجت الابواب بينهما (4). وروي عن عمر بن الخطاب قوله: أكذب المحدثين أبو هريرة (5). وقد ذكر الذهبي نصوصا عديدة تفيد أنهم كانوا يتجنبون حديث أبي هريرة، ويتكلمون في إكثاره من الحديث (6). لان أدنى مراجعة لكتاب أبو هريرة شيخ المضيرة للشيخ محمود أبي رية، وكذا كتاب أبو هريرة للامام السيد عبد الحسين شرف الدين، تغنينا عن ذكر النصوص الكثيرة لذلك.


(1) راجع: كتابه أضواء على السنة المحمدية ص. (2) راجع كتاب: أبي هريرة لشرف الدين، وكتاب: أبو هريرة شيخ المضيرة، لابي رية. (3) تأويل مختلف الحديث ص 132 والسنة قبل التدوين ص 455. (4) سير أعلام النبلاء ج 2 ص 603. (5) السنة قبل التدوين ص 455 عن: رد الدارمي على بشر المريسي ص 132. (6) راجع: سير أعلام النبلاء ج 2 ترجمة أبي هريرة. (*)

[ 248 ]

وبعد كل ما تقدم نقول: لقد رأوا: أن هذه الطعون التي تتوجه إلى أبي هريرة من كل حدب وصوب، قد تؤدي إلى إحداث خلل كبير في البنية الفكرية لتيار كبير من الناس، فلابد إذن من مواجهة هذه الهجمة بهجمة مماثلة. ولا مانع من أجل تثبيت الاصول والقواعد من استعمال أسلوب التخويف، والتهويل، بل والسباب. ثم الاتهام بكل عظيمة. وإن لم ينفع ذلك كله في دفع غائلة تلك التجريحات والطعون، فبالامكان الالتجاء إلى أسلوب تحريض الحكام على أولئك الناس، إذا ما حاولوا التذكير بأقوال السلف ومواقفهم من أبي هريرة راوية الاسلام. ولعل خير ما يجسد هذا الاتجاه هو أقوال ابن خزيمة التي جمعت ذلك كله، حيث قرر: أن من يطعن في أبي هريرة: إما معطل جهمي.. وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد، ولا يرى طاعة خليفة، ولا إمام. أو قدري. أو جاهل (1). هذا كله عدا عن رمي الطاعنين على أبي هريرة بالانحراف، والضلال، وبكثير من أنحاء التوهين والتهجين، والاخراج من الدين. كل ذلك إكراما لابي هريرة، فلاجل عين ألف عين تكرم.


(1) راجع: السنة قبل التدوين ص 467 و 468. (*)

[ 249 ]

44 - لا يعرض الحديث على القرآن: ومن أجل مواجهة الحالة الناشئة من وجود أحاديث كثيرة حتى في الصحيحين تخالف القرآن الكريم، وتنافيه، الامر الذي من شأنه أن يحرج القائلين بصحة كل ما في الصحيحين، وكذا ما جاء في غيرهما من أحاديث بأسانيد معتبرة وصحيحة، حسب تقديراتهم. من أجل ذلك، قرروا: أن الحديث أصل قائم برأسه (1) ولا يعرض على الكتاب العزيز، والاحاديث التي تلزم بعرض الحديث على القرآن هي من وضع الزنادقة. والسنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة. (وسيأتي ذلك مع مصادره في الفصل التالي إن شاء الله تعالى). ولاجل هذا نجد: " أن كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة، لرده كثيرا من أخبار الاحاد العدول، لانه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع من الاحاديث، ومعاني القرآن " (2). 45 - موافقة أهل الكتاب: أما ما نرى: أنه قد جاء موافقا لاهل الكتاب، فهو لا يعني - بالضرورة - أن أهل الكتاب قد تلاعبوا بهذا الدين، وأدخلوا فيه ترهاتهم. وذلك لوجود ضابطة مزعومة تقول: إن رسول الله (ص) كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم


(1) مقالات الاسلاميين ج 2 ص 251. (2) أضواء على السنة ص 370 عن الانتقاء ص 149. (*)

[ 250 ]

يؤمر به (1). رغم أننا قد قدمنا: أن الامر كان على عكس ذلك تماما، ولسوف يأتي في هذا الكتاب، حين الكلام حول صيام عاشوراء ما يثبت ذلك أيضا إن شاء الله تعالى. حدثوا في بني إسرائيل ولا حرج: أما بالنسبة للرواية عن بني إسرائيل، وإعطاء الفرصة لاهل الكتاب لبث سمومهم، والعبث بأفكار الناس، وتسريب عقائدهم، وأفكارهم، وحتى أحكامهم الفقهية إلى المسلمين، فليس الذنب في ذلك ذنبهم، وإنما كان ذلك انسجاما مع الضابطة المقررة، وامثمالا للمرسوم الذي يقول: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. وكان رسول الله (ص) يحدث عن بني إسرائيل عامة ليلة حتى يصبح، كما زعموا. وكل ذلك قد تقدم. الحسن والقبح شرعيان لا عقليان: وتواجههم أحكام شرعية مزعومة، وأقاويل عقائدية، وأحاديث وأوامر وأمورا غير معقولة، ولا مستساغة. من قبيل ما ذهب إليه جمهور الاشاعرة من أن التكليف بغير المقدور، وما لا يطاق صحيح وجائز. بل جوز بعضهم التكليف بالمحال أيضا (2) واستدلوا على ذلك بما لا مجال


(1) راجع: صحيح البخاري ط الميمنية ج 4 ص 67 والسيرة الحلبية ج 2 ص 132 وزاد المعاد ج 1 ص 165. (2) راجع: نهاية السول (شرح منهاج الاصول) ج 1 ص 315 - 321 متنا وهامشا، (*)

[ 251 ]

لذكره هنا (1) واستدل البعض بروايات بدء نزول الوحي أيضا، كما سيأتي. فمن أجل مواجهة الضجة التي ربما تثيرها أقاويل من هذا القبيل جاؤا بضابطة عجيبة غريبة تقول: إنه لا قبيح إلا ما قبحه الشرع، ولا حسن إلا ما حسنه الشرع. أما العقل فلا دور له في هذا الامر، لا من قريب ولا من بعيد. وهذا ما ذهب إليه الاشعرية، ومن وافقهم (2) وبذلك تنحل عندهم كثير من العقد العقائدية، والتاريخية، والفقهية وغيرها. ولا نريد أن نناقش هذه المزعمة هنا، غير أننا نشير إلى أن الشوكاني - وهو من كبار علمائهم - قد اعتبر إنكار إدراك العقل لكون الفعل حسنا، أو قبيحا مكابرة ومباهتة (3). 48 - صوافي الامراء: وقد قلنا في فصل سابق: انهم من أجل تلافي الاعتراضات على بعض الفتاوى التي كانت تصدر من بعض الرموز الرئيسية، مما يخالفون فيها صريح النص القرآني أو النبوي، الامر الذي قد يزعزع الثقة بهم، بالاضافة إلى سلبيات أخرى. إنهم من أجل تلافي ذلك، قرروا حصر الفتوى في القضايا السياسية والقضائية الهامة، بالامراء، وسموها: صوافي الامراء.


وص 345 و 347 و 348 و 353 وإرشاد الفحول ص 9. (1) راجع: إرشاد الفحول ص 9. (2) راجع: إرشاد الفحول ص 7 ونهاية الاصول ج 1 ص 314 وص 81 - 85. (3) إرشاد الفحول ص 9. (*)

[ 252 ]

49 - الفتوي لاشخاص بأعيانهم: وأما سائر ما تبقى من أمور، فقد أوكلت إلى أناس بأعيانهم، وحظر على الاخرين الذين لا يطمئن إلى ميلهم، أو أهليتهم في مجال تقوية الخط السياسي القائم - حظر عليهم - أن يتصدوا للفتوى، أو للرواية. وقد قدمنا بعض ما يوضح ذلك فلا نعيد. ثم قرروا ضابطة أخرى وهي: 50 - المنع من الحديث، في روايته، ومن كتابته: وكذا ضابطة: 51 - المنع قى السؤال في معاني القرآن: إلى غير ذلك من معايير زائغة، وضوابط تهدف إلى حفظ الانحراف والاحتفاظ به. لا يتسع المقام لذكرها، ولا تسمح الفرصة بتقصيها. ولعل فيما ذكرناه كفاية لمن أراد الرشد والهداية.

[ 253 ]

الفصل الثامن: الضوابط الصحيحة للبحث العلمي

[ 255 ]

لابد من معايير وضوابط: وإذ قد اتضح لدينا: أنه قد كان ثمة خطة خبيثة، تستهدف النيل من شخصية النبي العظيم والكريم " صلى الله عليه وآله "، ومن المقدسات الاسلامية، ومن كل رموز الاسلام وشعائره، ومبانيه ومآثره، فمن الضروري جدا - إذا أردنا تقييم النصوص الروائية والتاريخية النبوية، وكل قضايا الاسلام - أن نعتمد معايير وضوابط قادرة على إعطائنا الصورة الحقيقية، والاكثر نقاء وصفاء. ثم هي قادرة على إبعاد ذلك الجانب الموبوء والمريض، والمزيف عن دائرة اهتماماتنا، ثم عن محيطنا الفكري، والعملي بصورة كاملة وشاملة. فما هي تلك المعايير، وما هي حقيقة هاتيك الضوابط ؟ ! إننا من أجل الاجابة على هذا السؤال نقول - بإيجاز واختصار: ادوات البحث الموضوعي والعلمي: إن من الواضح: أن ما لدينا من علوم إسلامية، مثل علم الفقه وأصوله، وعلوم القرآن، والكلام، والرجال، والتاريخ، والنحو واللغة، وغير ذلك قد استفدنا في بعضه - جزئيا على الاقل - من إرشادات العقل

[ 256 ]

وأحكامه، ومن تتبع ودراسة اللغة العربية، من جهات وحيثيات مختلفة. إلا أن معظم ذلك قد جاء من خلال الاستفادة من النص القرآني الكريم، ومعرفة حقائقه ودقائقه، وسائر ما يرتبط به، ثم ما جاء على شكل روايات، نقلها لنا أناس عن غيرهم، ونقلها ذلك الغير عن آخرين أيضا.. وهكذا إلى أن ينتهي الامر إلى النبي (ص)، أو الامام (ع)، أو أي شخص آخر روى الحدث أو عاينه، أو صدر منه القول أو الموقف. فإذا أردنا البحث في صحة أو فساد هذا المنقول، فلابد لنا من امتلاك أدوات البحث، واستخدام وسائله. ونريد أن نوضح هنا: أن وسائل، وأدوات البحث العلمي لدى الواعين من أهل الاسلام، لا تختلف عنها لدى غيرهم من عقلاء البشر جميعا، فهم يعتمدون نفس المعايير والضوابط التي يعتمدها سائر العقلاء، والحكماء من الناس، إذا أرادوا الوصول إلى ما هو حق وواقع وصحيح، واستبعاد ما هو مزيف، أو محرف، أو مصطنع. ونحن لابد لنا من أجل استيفاء البحث من الاشارة إلى بعض تلك الادوات والوسائل (1)، فنقول:


(1) إن محط نظرنا في هذا الفصل وفي سابقه، هو - في الاكثر - النصوص المرتبطة بالنبي (ص)، والائمة المعصومين (ع). وما عدا ذلك من قضايا تاريخية فإنه لا يهمنا كثيرا الان. ونشير هنا إلى أن من المعلوم: أن التاريخ وكل قضايا التراث قد كتبت - في الاكثر - بأيد غير أمينة، فلا يمكن المبادرة إلى عرضها على أنها تاريخ أو تشريع، أو غير ذلك الا بعد دراستها بعمق، وتمحيصها بصورة كافية ووافية. ونحن نعترف في الوقت الحاضر أننا غير قادرين على القيام بمهمة كهذه. (*)

[ 257 ]

مما سبق: قد قدمنا في الفصل السابق نماذج قليلة من معايير وضوابط مزيفة تهدف إلى حفظ الانحراف، والاحتفاظ به، وترسيخه، وتبريره وتقريره. ونستطيع أن نستخلص منها مجموعة من القواعد والمنطلقات، أو فقل: المعايير والاطر، التي لابد من مراعاتها، والالتزام والتقيد بها في مجالات ومراحل البحث العلمي الموضوعي والنزيه، في النصوص المختلفة التي تحدثنا عن الدين، والعقيدة والشريعة. والسيرة، والمواقف الجهادية وغيرهما. خصوصا ما كان منها مرتبط بأقوال ومواقف وأفعال النبي الاكرم " صلى الله عليه وآله "، والائمة الطاهرين من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والنقاط التي ذكرناها في ذلك الفصل، وإن كنا لم نذكرها جميعها، وإن كانت كثيرة ومتنوعة، إلا أننا نعيد التذكير ببعضها كنموذج يوضح ما نرمي إليه، فنقول: 1 - ليس لاحد حق التشريع، ولا يؤخذ من أحد سوى الله ورسوله، ثم من أمر رسول الله (ص) بأخذ الشريعة منهم، وهم أهل البيت الاطهار " عليهم السلام "، الذين هم سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، وهم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما إلى يوم القيامة. 2 - إنه لا سنة إلا سنة رسول الله (ص)، وسنة الخلفاء الراشدين، وهم خصوص الخلفاء الاثني عشر من أهل بيته الاطهار، الذين أخبر (ص) عنهم - كما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود وأحمد وغيرهم (1).


(1) راجع كتابنا: الغدير والمعارضون ص 61 - 70. (*)

[ 258 ]

3 - لا معصوم إلا الانبياء، ثم الائمة الاثنا عشر " عليهم السلام "، وكل من عداهم يجوز عليه الخطأ، والسهو، والنسيان وغيره، ولا يصح قولهم: إن الامة معصومة، فضلا عن عصمة أي كان من الناس. 4 - لا نبوة لاحد بعد رسول الله (ص)، كائنا من كان، فلا يقبل قولهم: الاجماع نبوة بعد نبوة. 5 - إنه لا إجتهاد لاحد مع وجود الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ". 6 - لا إجتهاد في مقابل النص عن رسول الله (ص)، والائمة الطاهرين " عليهم السلام ". 7 - إن حديث رسول الله (ص) لا يعارض بفتوى أو عمل صحابي أو غيره، بل قول الرسول هو المعيار والميزان. 8 - دعوى إجتهاد جميع الصحابة مردودة، بل فيهم العالم والجاهل، والذكي والغبي ووإلخ.. فلا تقبل دعوى إجتهاد واحد منهم إلا بشاهد ودليل. 9 - انه لا قيمة للرأي ولا للاستحسان، ولا للقياس في التشريع. فضلا عن تقديم أي من هذه الامور على الاثار والسنن. فضلا عن صحة نسبة ما دل عليه القياس مثلا إلى رسول الله (ص). 10 - يجوز مخالفة كل أحد - حتى أئمة المذاهب، إذا وجد النص عن النبي (ص) على خلافه. 11 - أئمة المذاهب كغيرهم من المجتهدين الاخرين، ويجوز لكل أحد أن يجتهد ويخالفهم، ولا يجب الوقوف عند آرائهم. 12 - لا تقليد في الامور الاعتقادية، ولا سيما الامور الاساسية منها، ولابد فيها من الدليل القاطع، والبرهان الساطع. ولا يكفي الظن

[ 259 ]

والحدس، بل لابد من تحصيل اليقين. 13 - ليس الصحابة كلهم عدولا ولابررة أتقياء، بل فيهم الورع التقي، وغيره. وما احتج به البعض لاثبات ذلك لا يكفي، ولا يصح (1). 14 - ما يفسق به غير الصحابي يفسق به الصحابي، فلا يصغى لدعوى: أن الصحابي لا يفسق بما يفسق به غيره. 15 - مرسلات الصحابة كمرسلات غيرهم، فدعوى حجيتها دون سواها، لا تستند إلى دليل معقول، ولا مقبول. 16 - إن القرآن وحده هو الكتاب الصحيح مئة بالمئة، وكل كتاب سواه قد يوجد فيه الصحيح والضعيف، والمحرف، والمجعول. 17 - لا تكفي صحة سند الرواية بأنها حقيقة واقعة، بل لابد من ملاحظة سائر المعايير، ليمكن بعد ذلك كله إصدار الحكم عليها، نفيا أو إثباتا. 18 - إننا لا نرى أية قدسية لاي كتاب، إلا بملاحظة ما تضمنه من حديث الرسول (ص) مع الالتفات إلى أنه ليس جميع ما في الكتاب كذلك، فقد يكون بعضه مزيفا ومختلقا، وبعضه محرفا أو مصحفا. 19 - إذا كان ثمة حديث موافقا لما عند أهل الكتاب، فإنه يصبح مشكوكا فيه، ولا يصح قولهم: إن رسول الله (ص) كان يحب موافقة أهل الكتاب في كل ما لم ينزل فيه شئ، بل عكس ذلك هو الصحيح. 20 - دعواهم أن الخوارج صادقون فيما ينقلونه لا تصح، بل الصحيح هو عكس ذلك.


(1) راجع: صراع الحرية في عصر المفيد ص 70 - 74 ودراسات وبحوث في التاريخ والاسلام ج 2 ص 253 - 271 طبع ايران. (*)

[ 260 ]

21 - دعوى أن الشيعة والروافض يكذبون غير صحيح، والصحيح هو العكس. 22 - دعوى أن من روى له الشيخان فقد جاز القنطرة ليس لها ما يبررها، بل هم كغيرهم من الرواة، فيهم الثقة، وغير الثقة. 23 - الاعتزال والتشيع، والمخالفة لاهل الحديث لا يوجب رد رواية الراوي. 24 - الحسن والقبح عقليان، وليسا شرعيين. 25 - النبي (ص) لا يجتهد من عند نفسه. وبعد ما تقدم نقول: إننا نضيف إلى ما تقدم طائفة من الضوابط التي لا يمكن تجاهلها لاي باحث في التراث الاسلامي، وهي التالية: 1 - دراسة حال الناقلين: إن أول ما يطالعنا في الحديث المأثور، أو في النص المزبور هو سنده، الذي يتمثل بمجموعة أسماء تدل على الذين نقلوا الحديث أو الحدث، لاحق عن سابق. وطبيعي أن يكون اهتمام الباحث بادئ ذي بدء منصنا على دراسة حال الناقلين للنص، لتحصيل درجة من الوثوق والاعتماد، ليكون ذلك عذرا أمام الله لو كان خطأ، وليكون حجة لله تعالى عليه لو أصاب، وليرضى بذلك الوجدان، ويطمئن القلب والضمير له، لو أريد الاقدام والاحجام على أساسه، حيث تكون ثمة حاجة إلى ذلك. وواضح: أن من عرف عنه: أنه يكذب في خبره، أو لا يدقق ولا يحقق فيه، فلا يمكن الاعتماد على ما يخبر به إلا بعد تأكيد صحته من مصادر وجهات أخرى. وكذا الحال بالنسبة لخبر من عرف عنه: أنه ينساق

[ 261 ]

وراء هواه السياسي أو المذهبي، أو يستسلم لمشاعره العرقية، أو يتعصب لبلد، أو لطائفة أو غير ذلك. الامر الذي يحتم علينا دراسة حالة الرواة لمعرفة ميولهم، وإرتباطاتهم السياسية والمصلحية وغيرها. على أن من الضروري الالتفات إلى أن ضعف سند الحديث، لا يعني بالضرورة أنه مكذوب ومجعول. بل ما يعنيه هو أن الخلل في السند قد أخل بدرجة الوثوق والاعتماد على النص، فلابد لتحصيل الوثوق به من طرق ووسائل أخرى. 2 - التزام النهج البياني الصحيح: ومن جهة أخرى، إذا فرض: أن النص صادر عن رئيس الفصحاء والبلغاء، فلابد من التأكد من سلامته في مبانيه اللغوية، وفي أدائه على النهج العربي الصحيح، من حيث التركيب، والتزام قواعد الاعراب، ومراعاة ضوابط الفصاحة والبلاغة فيه، على نحو يليق بمن صدر عنه، وينسجم مع لغته، ونهجه البياني. 3 - الانسجام مع الاطروحة والنهج: وإذا كان النص يتعرض لبيان فكري، أو سلوكي، أو عقيدي، فلابد أن لا يتعارض مع النهج الفكري، والعقيدي، والسلوكي الذي يلتزمه ذلك الذي أطلق النص، أو صدر عنه الموقف، ما دام أنه عاقل حكيم، فمن ينزه الله عن الجسمية مثلا، لا يمكن أن يصف الله بأن له أضراسا، ولهوات، وأصابع، وساقا، وقدما، وغير ذلك على نحو الحقيقة، كما هو للانسان وغيره من المخلوقات 4 - الشخصية في خصائصها ومميزاتها:

[ 262 ]

وإذا كان النص يحكي سلوكا لشخصية ما، فلا بد أن يكون بحيث يمكن أن يصدر ذلك الفعل أو الموقف من تلك الشخصية، من خلال ما عرف عنها من مميزات وخصائص، ثبتت بالدليل الصحيح والقطعي، فلا ينسب الجبن والعي مثلا لعلي بن أبي طالب، والشح والبخل لحاتم الطائي، والرذيلة والفجور لانبياء الله سبحانه وأصفيائه، ولائمة الدين، وأولياء الله إذن. على الباحث في السيرة النبوية المباركة: أن يبادر إلى تحديد معالم الشخصية النبوية، ومعرفة ما لها من مميزات وخصائص، فإذا ثبت لديه بالدليل: أن هذه الشخصية في أعلى درجات الحكمة، والعصمة، والشجاعة، والطهر، والحلم، والكرم، والحزم، والعلم، وغير ذلك، متحليا بكل صفات النبل والفضل، وجامعا لمختلف سمات الجلال والجمال، والكمال، ولسائر المزايا الانسانية المثلى - إذا ثبت ذلك، فلابد من جعل كل ذلك معيارا لاي نص يرد عليه، ويريد أن يسجل قولا، أو فعلا، أو موقفا له " صلى الله عليه وآله ". فإذا جاء النص منسجما مع الوضع الطبيعي للشخصية النبوية المثلى، بما لها من خصائص فإنه يكون مقبولا، بعد توفر سائر شرائط القبول، وإلا فما علينا إذا رددناه جناح. فالنص المقبول إذن هو ذلك الذي يسجل الحقيقة كل الحقيقة، دون أن يتأثر بالاهواء السياسية، والمصلحية، ولا بأي من العوامل العاطفية وغيرها. فكما أننا لا يمكن أن نقبل أن يكون مرجع ديني، معروف بالورع والتقوى، قد ألف أغنية أو لحنها، للمغنية الشهيرة فلانة، فكذلك لا يمكن أن نقبل بنسبة ما هو مثل ذلك أو أقبح وأشنع منه، إلى ساحة قدس الرسول الاكرم " صلى الله عليه وآله ".

[ 263 ]

5 - عدم التناقض بين النصوص: ومما يفيد في استجلاء بعض نقاط الضعف في النصوص المنقولة. بل وفي حصول اليقين بوجود تصرف سهوي أو عمدي فيها، هو وجود التناقض والتنافي فيما بينها فإن ذلك يشير إلى وجود نص مجعول، أو تعرضه لتصرف فيه أزاله عن وجهته الصحيحة، الامر الذي يستدعي مزيدا من الانتباه، وبذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من السقيم، والحقيقي من المزيف منها. 6 - أن لا يخالف الواقع المحسوس: ومما يفيد في الاقتراب من واقع النص، مراقبته من حيث موافقته، أو مخالفته لما هو مشاهد محسوس، كما لو ادعى النص: أن أقرب طريق من مكة إلى المدينة يمر عبر الاندلس، أو ادعى: أن مدينة مكة تقع في سنغافورة، أو ادعى أن الشمس تطلع كل يوم من المغرب، أو في وسط الليل، وما إلى ذلك، مما يدل على أنه نص مكذوب، أو محرف، لا مجال لقبوله، ولا يصلح للاعتماد عليه. 7 - أن لا يخالف البديهيات: ومن الواضح: أن هناك بديهيات وضرورات عقلية ثابتة، لا يمكن الاخلال بها لان معنى ذلك هو الاخلال بكل شئ في هذه الحياة. فإذا جاء النص مخالفا لهذه الضرورات، فلابد من رده ورفضه، وذلك كما لو ادعى: أن الثلاثة زوج، أو أن الاربعة نصف الخمسة، أو أن الضدين قد اجتمعا، وما إلى ذلك من أمور. فإن ذلك كله يكون دليلا على كذب ذلك النص وعدم صدوره من انسان عاقل واع، فضلا عن أن يكون صادرا من نبي أو إمام معصوم.

[ 264 ]

وذلك لان الاسلام قد أكد على لسان نبيه، ونطق القرآن: أن العقل هو الميزان والمعيار. وقد اهتم بمخاطبته، وإثارته، وجعله الحكم الفصل في الامور والقضايا، ونعى على كل من لا يهتدي بهداه، ولا يستضئ بنوره في موارد كثيرة ومختلفة. ومما يلفت النظر هنا: أن هذه المخالفات للضرورات العقلية تكثر في الامور العقائدية، وفي بعض قضايا التاريخ وغيرها. ومن ذلك قولهم: إن الله عادل حكيم، ولكنه يجبر عباده على أفعالهم، ثم يثيبهم أو يعذبهم عليها. وقولهم: إنه تعالى لا يحده مكان، ولا جهة، ثم يقولون: إن له ساقا، وقدما، وأصابع، ولهوات، ونواجذ، إلخ ! ! وأمثال ذلك كثير وخطير، فراجع ولاحظ. 8 - أن لا يخالف الحقائق الثابتة: ولا يمكن أيضا قبول نص يخالف الحقائق العلمية الثابتة بالادلة القطعية، كالنص الذي يقول: إن الارض تقوم على قرن ثور. وكذا لو جاء نص يقول: إن الارض مسطحة، وليست كروية. ومن ذلك ما لو خالف النص حقيقة ثبتت في علم الرياضيات، أو نحوه، فإنه يرفض ويرد، مهما كان سنده صحيحا، وحتى إعلائيا أيضا. وأما إذا خالف نظرية قد شاعت وذاعت، ولكنها لم تصل إلى درجة الثبوت القطعي، فإن ذلك لا يكون دليلا على ضعف النص المنقول، بل يكون وجود هذا النص، من أسباب وهن تلك النظرية، وتقليل احتمالات الوثوق بها، والاعتماد عليها. 9 - الامكانية التاريخية:

[ 265 ]

أما إذا حمل النص الذي هو مورد البحث تناقضا مع ما هو الثابت تاريخيا، بصورة قطعية، فإن ذلك يدعو إلى رفضه ورده أيضا، فإذا كان من الثابت أن الاسراء والمعراج قد حصل قبل الهجرة، بل حصل في السنوات الاولى من البعثة، وثبت أن عائشة إنما انتقلت إلى بيت رسول الله " صلى الله عليه وآله " بعد الهجرة، فلا يمكن - بعد هذا - تصديق النص الذي ينقل عن عائشة نفسها، أنها قالت: ما فقدت جسد رسول الله في تلك الليلة، يعني ليلة الاسراء والمعراج. ويدخل في هذا أيضا ما لو ادعى الراوي: أنه سمع أو رأى رجلا، قد مات قبل أن يولد ذلك الراوي، أو أنه قد ولد بعد وفاته. والامثلة التي تدخل في هذا المجال وسابقه كثيرة جدا ومتنوعة، كما يعلم بالمراجعة والمقارنة. 10 - موافقة الاحكام العقلية والفطرية: وإذا كان الكل يعلم: أن جميع ما جاء به رسول الله (ص)، وما صدر عنه (ص) وعن الائمة " عليهم السلام " لا يخالف العقل، ولا يختلف معه، ولا يخالف قضاء الفطرة، ولا يشذ عنها. فمعنى ذلك: أننا إذا رأينا نصا ينسب إلى الرسول " صلى الله عليه وآله "، أو إلى أحد الائمة " عليهم السلام "، ما يرفضه العقل، وتأباه الفطرة السليمة والمستقيمة، فإننا سوف نشك في صحة ذلك النص، حتى إذا لم نجد له تأويلا مقبولا، أو معقولا، فإننا لا نتردد في رده ورفضه من الاساس. ومن ذلك حكم العقل بوجوب أن يكون النبي " صلى الله عليه وآله "، والامام " عليه السلام " معصوما من الخطأ، مبرءا من الزلل، فالنص الذي يريد أن ينسب إلى النبي (ص) والامام (ع) خطأ أو زللا، لا نتردد

[ 266 ]

في رفضه، ولا نشك في أنه من وضع أعداء الدين، وأصحاب الاهواء. فتصبح العصمة، وسائر أحكام العقل والفطرة حول الذات الالهية، ومواصفات الشخصية النبوية، وغير ذلك، معايير وضوابط يعرف بها الصحيح من السقيم، والحقيقي من المزيف، والسليم من المحرف. 11 - الانسجام مع الاجواء والمناخات: وإذا استطاع الباحث أن يكتشف المناخات والظروف، وأن يتعرف على الاجواء السياسية، أو الاجتماعية، وغيرها. وفق ما توفر لديه من وسائل، وإمكانات، فإنه يستطيع أن يكتشف من خلال ذلك انسجام أو عدم انسجام كثير من النصوص مع الواقع الذي استطاع أن يتلمسه، وأن يطلع على خصائصه ومزاياه، وعناصره وخفاياه. ويصبح هذا الفهم أيضا أحد وسائل المعرفة التي يمكنه الاستفادة منها، والاعتماد عليها، والاستناد إليها في نطاق البحث العلمي والموضوعي. 12 - المعيار الاعظم والاقوم: وإذا ثبت لاي من الناس: أن كتابا ما صحيح كله، ولا يتطرق إليه أي ريب أو شك، فإنه سوف يجعله معيارا لكل ما يرد عليه، فيقبل ما وافقه، ويرد ما خالفه، سواء أكان ذلك الكتاب يتحدث عن علم الكيمياء، أو الفيزياء، أو الرياضيات، أو علوم الدين والشريعة، أو أي شئ آخر.. ولا ريب في أن القرآن هو ذلك الكتاب الذي أحكمت آياته، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهو المعيار الاقوم، وهو الميزان الاعظم لا يرتاب في ذلك ذو مسكة، أو شعور قويم وسليم. وفضلا عن ذلك، فإن النصوص قد تواترت وتضافرت على الامر

[ 267 ]

بالعرض على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاتركوه. وعن الامام الصادق " عليه السلام ": ما لم يوافق كتاب الله فهو زخرف (1). ومن دعاء الامام السجاد " عليه السلام " عند ختم القرآن: " وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الثاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته " (2). وعن الامام الباقر " عليه السلام ": " إذا حدثتكم بشئ فاسألوني عن كتاب الله " (3) ومثل ذلك كثير عن أهل البيت " عليهم السلام " من طرق شيعتهم. وأما ما رواه غيرهم في هذا المجال، فهو كثير أيضا، ونذكر من ذلك النصوص التالية: 1 - روي عن النبي " صلى الله عليه وآله " أنه قال: تكثر لكم الاحاديث بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله، فاقبلوه، وما خالف فردوه (4).


(1) أصول الكافي ج 1 ص 55 وفي الباب روايات كثيرة أخرى، فمن أرادها فليراجعها. (2) راجع: الصحيفة السجادية، الدعاء رقم 42. (3) الميزان في تفسير القرآن ج 3 ص 176 عن الكافي. (4، عن أصول الحنفية للشاشي ص 43 وراجع: كنز العمال ج 1 ص 176 عن ابن عمر عنه (ص). وص 175 و 160 عن ثوبان عنه (ص). والنقل في الجميع عن الطبراني، ومجمع الزوائد ج 1 ص 170 عن ثوبان عنه (ص)، واصول السرخسي ج 1 ص 315 وج 2 ص 68، مستدلا به على عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة ونهاية السول، تعليقات محمد بخيت المطيعي ج 3 ص 173. (*)

[ 268 ]

2 - عن ابن عباس: إذا سمعتموني أحدث عن رسول الله، فلم تجدوه في كتاب الله، أو حسنا عند الناس فاعلموا أني كذبت عليه (1). 3 - وعن ابن مسعود: فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه (2). 4 - وعن أبي بكر في خطبة له: فإن كانت للباطل غزوة، ولاهل الحق جولة، يعفوا لها الاثر، وتموت السنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن (3). 5 - عن ابن أبي كريمة، عن جعفر، عن رسول الله (ص)، أنه خطب، فقال: إن الحديث سيفشو علي، فما أتاكم عني يوافق القرآن، فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني (4). 6 - وعن علي " عليه السلام ": ستكون عني رواة يروون الحديث، فاعرضوه على القرآن، فإن وافق القرآن فخذوه، وإلا فدعوه (5). 7 - وعن أبي هريرة عن النبي (ص) ما يقرب من ذلك أيضا


(1) سنن الدارمي ج 1 ص 146. (2) المصنف للصنعاني ج 6 ص 112 وراجع خطبة ابن مسعود في ج 11 ص 160 وجامع بيان العلم ج 2 ص 42 وحياة الصحابة ج 3 ص 191 عنه. (3) عيون الاخبار لابن قتيبة ج 2 ص 233 والبيان والتبيين ج 2 ص 44 والعقد الفريد ج 4 ص 60. (4) الام ج 7 ص 308 وأضواء على السنة المحمدية ص 367. (5) كنز العمال ج 1 ص 176 عن ابن عساكر. وفي تهذيب تاريخ دمشق حديث آخر عن علي (ع) حول عرض الحديث على القرآن. (*)

[ 269 ]

فراجع (1). 8 - وعن أبي بن كعب رحمه الله، فيما أوصى. به رجلا: اتخذ كتاب الله إماما، وارض به قاضيا وحكما إلخ.. (2). 9 - وعن معاذ: فاعرضوا على الكتاب كل الكلام، ولا تعرضوه على شئ من الكلام (3). هل السنة قاضية على الكتاب ؟ !: فما تقدم هو حكم النبي الاعظم " صلى الله عليه وآله " وصحبه، حيث أوجبوا جعل القرآن حكما ومرجعا، وميزانا، يميز به الحق من الباطل. وذلك هو ما يحكم به العقل السليم، والفطرة المستقيمة، بعد قيام الدليل القطعي على أن القرآن هو كتاب الله المنزل على نبيه المرسل. ولكننا وجدنا في مقابل ذلك محاولات جادة ومصرة للمنع عن العمل بالقرآن، وعن الرجوع إليه، وعن اتخاذه حكما، وميزانا ومعيارا في كل الامور، بل لقد منعوا حتى عن السؤال عن معانيه كما هو معلوم. بل لقد جعلوا الحديث المروي مقدما على كتاب الله، وحاكما عليه. وقالوا: " السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة " (4).


(1) الكفاية في علم الرواية ص 430. (2) حلية الاولياء ج 1 ص 253 وحياة الصحابة ج 3 ص 576. (3) حياة الصحابة ج 3 ص 197 عن كنز العمال ج 8 ص 87 عن ابن عساكر. (4) تأويل مختلف الحديث ص 199 وسنن الدارمي ج 1 ص 145 ومقالات =

[ 270 ]

رغم أن الحديث المروي لم يثبت أنه من السنة وحتى مع ثبوت ذلك، فإن هذه القاعدة مرفوضة من الاساس. الادلة الواهية: ومما ذكروه في وجه ذلك ما قاله أبو بكر البيهقي: " والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن " (1). وقال الخطابي عن حديث عرض الحديث على القرآن: " هذا حديث وضعته الزنادقة " (2). وقال عبد الرحمان بن مهدي: " الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني ما روي عنه (ص) أنه قال: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فانا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله. وإنما أنا موافق كتاب الله، وبه هداني الله. وهذه الالفاظ لا تصح عنه (ص) عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه. وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم وقالوا: نحن نعرض


= الاسلاميين ج 2 ص 324 وج 1 ص 251 وجامع بيان العلم ج 2 ص 234 و 233 وعون المعبود ج 12 ص 356. وراجع: الكفاية للخطيب ص 14 وميزان الاعتدال ج 1 ص 107 ولسان الميزان ج 1 ص 194 ودلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 26 والجامع لاحكام القرآن ج 1 ص 38 و 39 وراجع: المعتصر من المختصر من مشكل الاثار ج 2 ص 251 ونهاية السول للاسنوي ج 2 ص 579 - 580 وبحوث مع أهل السنة والسلفية ص 67 و 68 عن بعض ما تقدم. (1) دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 26. (2) الخلاصة في أصول الحديث للطيبي ص 85. (*)

[ 271 ]

هذا الحديث على كتاب الله: قبل كل شئ، ونعتمد على ذلك، فلما عرضناه على كتاب الله، وجدناه مخالفا لكتاب الله، لانا لم نجد في كتاب الله: ألا يقبل من حديث رسول الله إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به، والامر بطاعته. وكذا المخالفة عن أمره جملة على كل حال " (1). وقال أبو عمر: " قد أمر الله عز وجل بطاعته واتباعه أمرا مطلقا مجملا، لم يقيد بشئ، كما أمرنا باتباع كتاب الله، ولم يقل: وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ " (2). وقال يحيى بن معين عن حديث ثوبان عن النبي (ص)، الامر بعرض الحديث على القرآن: إنه موضوع، وضعته الزنادقة. و " قال الاوزاعي: " الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. وقال إبن عبد البر: إنها تقضي عليه، وتبين المراد منه،. وقال يحيى إبن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب " (3). المناقشة: كان ما تقدم هو كل ما لدى هؤلاء من جهد لرد حديث رسول الله (ص)، الذي وافقه أبو بكر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ،


(1) جامع بيان العلم ج 2 ص 233 وإرشاد الفحول ص 33 وراجع هذا النص وغيره، في كاتب: بحوث مع أهل السنة والسلفية ص، 67 - 68 وسلم الوصول (مطبوع مع نهاية السول) ج 3 ص 174. (2) جامع بيان العلم ج 2 ص 233. (3) إرشاد الفحول ص 33. وراجع: سلم الوصول (مطبوع مع نهاية السول) ج 3 ص 174. (*)

[ 272 ]

وابن عباس. ورواه عن النبي (ص) علي (ع)، وأبو هريرة، وثوبان، وجعفر، وابن عمر. هذا عدا عما روي عن أئمة أهل البيت الاطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقد رأينا: كيف لم يتمكنوا من السيطرة على مشاعرهم وانفعالاتهم، وهم يبادرون إلى الحكم على الحديث بالوضع، ثم اكتشفوا الواضعين - بزعمهم - فكانوا هم الزنادقة والخوارج. ولا ندري متى عقد الخوارج والزنادقة اجتماعهم الذي قرروا فيه وضع هذا الحديث واختلاقه ! ! كما أننا لا ندري أين تم هذا الاجتماع ! ! وبرئاسة من من الناس ؟. ومن الذي أخبر هؤلاء بما دار في ذلك الاجتماع، وبما تمخض عنه ! ! كما أننا لم نستطع معرفة مبررات اتخاذهم قرارا كهذا، وهل إن عرض الحديث على القرآن يفيد الزنادقة والخوارج ؟ ! وكيف ؟ !. وهل إن عدم عرضه يضرهم ؟ ! وكيف ؟ ! وأيا كانت الاجابة على الاسئلة الانفة الذكر، فإننا نقول: إن ما ذكره هؤلاء على أنه مبرر لرد حديث عرض الحديث على القرآن، لا يصلح للتبرير، بل هو محض مغالطة ظاهرة البطلان. وذلك لما يلي: أولا: إن عدم وجدانكم الحكم في كتاب الله لا يعني بالضرورة أن يكون الحكم الذي تعرض الحديث له مخالفا للكتاب ! فلعله يوافقه - ولو لعموماته - وأنتم لا تعلمون. ولا ندري إن كنتم تعتقدون: أن كل الاحكام كلية وجزئية، في أدق تفاصيلها يجب أن تذكر في القران صراحة ونصا ! !

[ 273 ]

أو أنكم ترون لزوم ذكر نص الحديث في القرآن، ليصبح موافقا له ! ! وإذا كنتم تعتقدون ذلك، فلا ندري كم سوف يكون حجم القرآن حينئذ ؟ ! وهل يمكن لاحد حفظه ؟ ! أو حتى الاستفادة منه ؟ ! وكيف ؟ ! (1). وثانيا: إن هذا الحديث ناظر إلى قبول الموافق ورد المخالف. أما ما لا يوافق ولا يخالف، فهو باق تحت أدلة حجية الاخبار. وثالثا: إن وجوب قبول الخبر إنما يثبت فيما تحقق أنه صدر من رسول الله " صلى الله عليه وآله " بالسماع منه، أو بالتواتر. اما وجوب عرض الحديث على القرآن، فإنما هو في الحديث الذي يوجد ثمة شك وتردد في ثبوته عن رسول الله، إذ هو المراد من قوله: إذا روي لكم عني حديث (2) ألخ.. ورابعا: يقول الشافعي، وأكثر أصحابه، وأكثر أهل الظاهر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل: إن السنة لا تنسخ القرآن، وبه قال الصيرفي، والخفاف (3). وروي عن عبد الله بن سيد المنع من ذلك عقلا. وقال أبو حامد وأبو إسحاق، وأبو الطيب الصعلوكي بالمنع سمعا.


(1) لا بأس بمراجعة ما قاله السرخسي في هذا المقام. أصول السرخي ج 1 ص 365. (2) سلم الوصول (مطبوع مع نهاية السؤل) ج 3 ص 174. (3) راجع: المستصفى للغزالي ج 1 ص 124 وفواتح الرحموت (مطبوع مع المستصفى) ج 2 ص 78 وإرشاد الفحول ص 191 ونهاية السول للاسنوي ج 2 ص 579 - 580 متنا وهامشا. وراجع ج 4 ص 457 وأصول السرخسي ج 2 ص 67 - 69. (*)

[ 274 ]

وقيل: ليس يمتنع، لاعقلا ولا سمعا، لكنه لم يقع. وقال السبكي: إن قول الشافعي لا يدل على أكثر من هذا (1). أما نسخ الكتاب بخبر الواحد، فهو لا يقع إجماعا. إذن، فما معنى أن تكون السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة ؟ ! ! دليل آخر عل عدم العرض كل القرآن ! !: وقال الخطابي: وهو يتحدث حول ما ورد عن رسول الله (ص)، أنه قال: " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الامر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: ما ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " (2). قال الخطابي: " في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب.، وأنه مهما ثبت عن رسول الله شئ كان حجة بنفسه. فأما ما رواه بعضهم، أنه قال: إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله، فان وافقه فخذوه، فإنه حديث باطل لا أصل له. وقد حكى


(1) راجع نهاية السول للاسنوي ج 2 ص 579 - 580 متنا وهامشا. (2) راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 24 ومصابيح السنة ج 1 ص 158 و 159 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 6 و 7 ومسند أحمد ج 6 ص 8 وج 4 ص 131 و 132 ومستدرك الحاكم ج 1 ص 108 و 109 وتلخيص المستدرك للذهبي (مطبوع بهامشه) والجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 37 و 38 وسنن الدارمي ج 1 ص 144 وسنن أبي داود ج 4 ص 200 وج 3 ص 170 والاملاء والاستملاء ص 4 وكشف الاستار عن مسند البزار ج 1 ص 80 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 453 والام ج 7 ص 310، والكفاية في علم الرواية ص 8 - 11. (*)

[ 275 ]

زكريا الساجي، عن يحيى بن معين، أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة " (1). ونقول: أولا: إن الرسول الاعظم " صلى الله عليه وآله " إنما يستنكر رد ما علم أنه قوله وأمره، ولا يستنكر عرض الحديث المشتبه به على القرآن للتأكد من صدوره منه (ص). وثانيا: لقد جاء هذا الحديث ليخبر عما سوف يكون حين وفاته " صلى الله عليه وآله وسلم " وقد تحقق مصداق ما أخبر عنه، وذلك حينما طلب (ص) أن يأتوه بكتف ودواة ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا، فقال عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب الله. (2) وهذا يعني: أن عمر بن الخطاب يرى: أن القرآن أصل برأسه، وأنه غني عن السنة، وهذا لا يتلاءم مع ما يدعيه هؤلاء. وثالثا: إننا لا ندري كيف نعمل مع هولاء،، فهذا أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية وغيرهم من خلفاء الامويين، وقريش بصورة عامة لا يرغبون في كتابة الحديث ولا في روايته عن رسول الله (ص)، بل إنهم يمنعون من ذلك أشد المنع، ويعاقبون من خالف ذلك، ثم ويجمعون ما كتبه الصحابة عنه (ص) ويحرقونه.


(1) عون المعبود في شرح سنن أبي داود ج 4 ص 356. (2) راجع: مسند احمد ج 6 ص 47 و 116 وج 1 ص 90 و 22 و 29 و 32 و 336 و 335 وج 3 ص 346 وصحيح مسلم ج 5 ص 76 وصحيح البخاري ج 4 ص 5 و 173 وج 1 ص 22 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 438 و 439 وتهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 451. وراجع بقية المصادر في كتابنا: صراع الحرية في عصر المفيد. (*)

[ 276 ]

وذلك على أساس: أن كتاب الله كاف وواف. وعلى حد تعبير عمر بن الخطاب: حسبنا كتاب الله. على أن هؤلاء الذين أصروا على الاكتفاء بكتاب الله سبحانه، تراهم قد منعوا من تفسيره، ومن السؤال عن معانيه ومراميه (1). ثم جاء أتباعهم ليقولوا لنا: القرآن غير كاف ولا واف، بل هو إلى السنة أحوج من السنة إليه، ثم يقولون: السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة. فأي ذلك هو الصحيح ؟ ومن هو المصيب ؟ ومن المخطئ يا ترى ؟ ! فإن كان الكتاب أساسا، وكان كافيأ ووافيا، فلماذا المنع من السؤال عن معانيه، ومراميه ؟ ! وكيف تكون السنة قاضية عليه ؟ ! وإن كانت السنة مقدمة على الكتاب، فلماذا يمنع من الحديث عن النبي (ص)، ويعاقب من حدث عنه ؟ !. وإذا كان كذلك، فما معنى إجتهاد الصحابة، وإجتهاد غيرهم، وما هي وسائل الاجتهاد التي يمكنهم من خلالها كشف الواقع، والوصول إلى أحكام الله سبحانه مادام انه لا مجال للاستفادة من القرآن، ولا من السنة. ماذا جرى للقرآن ؟ ! ولا نبعد إذا قلنا: انه ربما تكون السياسة التي كانت تقضي بالمنع


(1) راجع: الغدير ج 6 ص 290 - 293 عن مصادر كثيرة، وكشف الاستار عن زوائد البزار ج 3 ص 70. (*)

[ 277 ]

من السؤال عن معاني القرآن ومراميه قد تركت آثارا عميقة في الناس عبر التاريخ، حيث أصبح الاهتمام بالقرآن يقتصر في الاغلب على الامور الشكلية فيه، كتحسين الصوت إلى حد التغني به، والاهتمام بتعداد حروفه وآياته، ومعرفة الحروف أو الكلمات الموجودة في هذه السورة، والمفقودة في تلك، وإجراء مقارنات لاحصاءات كثيرة ومتنوعة في هذا الاتجاه. ثم جاء الاهتمام بالشكل، والخط، والورق، وكيفيات الكتابة، وبالحركات، والاشكال، والنقوش، وما إلى ذلك. وكان القرآن لم ينزل إلا من أجل أن يترنم به المقرؤون، ويردده المرددون بالنغمات الحسان، وبأبدع الالحان.. ويصبح تحفة من التحف، ومن الذخائر التي يتنافس بها أرباب المال، ورجال الاعمال على اقتنائها. ثم أصبح القرآن كتاب موت، لا كتاب حياة، يقرأ في الفواتح وعلى القبور، أو يعلق من أجل البركة على الجدران والصدور. وبعد هذا، فلا ندري أي فائدة تبقى لما أشتمل عليه القرآن من أوامر وزواجر، وقوانين، وتشريعات، سياسية، وإجتماعية، وفقهية، وغيرها ؟ ! وإذا كان الامر كذلك، لم يعد كتاب هداية، كما لا يبقى معنى للتدبر فيه، فلا معنى اذن لقوله تعالى: * (هدى للمتقين) *، وقوله: * (يهدي للتي هي أقوم) *، وقوله: * (أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها) * ؟ ! وهل يبقى بعد هذا معنى لجعل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " القرآن أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما إلى يوم القيامة ؟ ! ولماذا يكلف الله الناس بحفظ وتلاوة هذا القرآن، بما له من حجم

[ 278 ]

كبير، ما دام أن لا ربط له بحياتهم، ودينهم، ومعاشهم، ومعادهم ؟ ! وأخيرا.. لماذا يهتم العلماء والمفكرون بتفسير القرآن، وشرح ألفاظه، وبيان معانيه، وكشف مراميه ؟ ! إلى غير ذلك من الاسئلة الكثيرة، التي لن تجد لدى هؤلاء الجواب المقنع والمفيد والسديد. قبل الختام: قد ذكرنا في هذا الفصل بعض الثوابت التي لابد من الالزام والالتزام بها في مجال البحث العلمي والموضوعي، إذا أريد الوصول إلى نتائج معقولة، ومقبولة، ومرضية للوجدان العلمي والانساني. وليكن ما ذكرناه، وسواه مما لم نذكره مما يقره العقلاء والمنصفون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، واتجاهاتهم، هو المنطلق لنا في تعاملنا مع كل ما يرتبط بقضايا الفكر، والعقيدة، والتراث، على كثرة ما فيه من تنوع واختلاف وشمولية. وبذلك يكون موقفنا قائما على أسس واقعية، وقويمة، فنرضي بذلك وجداننا، ونتقرب به إلى ربنا، ونؤكد به إنسانيتنا، بالاضافة إلى أننا نقدم به للامة، وللاجيال، وللبشرية جمعاء، خدمات جلى، وفوائد جسام، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا. ونعود إلى التذكير، والتأكيد، على أن ما ذكرناه ليس هو كل شئ، فإن كل نص يحمل معه مفاتيح البحث فيه، ويشير إلى وسائل التعامل معه، وذلك بملاحظة ما فيه من عناصر، وما تتوفر فيه من خصوصيات، ربما لا تتوفر في نص آخر، بل ذاك يحمل معه عناصر أخرى ويحتاج إلى وسائل وأدوات من نوع آخر.

[ 279 ]

خاتمة المطاف: وبعد... فإننا نستطيع بملاحظة تلك الاسس مجتمعة أن نعرف مدى قيمة تلك النصوص الكثيرة، التي تحاول أن تظهر نبينا الاعظم (ص) بذلك المظهر الصبياني، العاجز والجاهل، والمزري والمهين، وتعطى - على هذا الاساس - حجمها الطبيعي، وتجد مكانها الحقيقي، فيما بين النصوص المزيفة والمختلقة. ولا تجد لها بعد هذا فرصة للتسلل - بطريقة أو بأخرى - إلى تاريخ وفقه، وعقائد المسلمين، بحيث تعطي انطباعا خاطئا، لا ينسجم مع روح الاسلام ومبادئه، ولا مع واقع المسلمين وتاريخ نبيهم الاكرم (ص)، والائمة الطاهرين، وسائر الشخصيات الاسلامية عبر التاريخ. وحينئذ فقط نستطيع أن ندعي: أن بإمكاننا أن نقدم للامة التراث النقي الذي يكون - بحق - مصدر فخر واعتزاز، واعجاب المسلمين جميعأ، وللانسان أينما وجد ولاي فئة انتمى، ولنستفيد - من ثم - الكثير الطيب الذي يساعد على اكتشاف عناصر الضعف والقوة في واقعنا الراهن، والخطأ والصواب في مواقفنا الحاضرة، من أجل البناء السليم والقوي للمستقبل المشرق الرغيد. ان شاء الله تعالى.

[ 281 ]

كلمة أخيرة: وفي ختام هذا البحث لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر للذين يتحملون عناء قراءته، ويصبرون على ما يواجهونه من صعوبات فيه، سواء من الناحية الفنية، أو من حيث الاجمال في نصوصه، والاختصار فيها، الذي يصل أحيانا إلى درجة الاخلال بإعطاء الصورة الواضحة التي يراد تقديمها لهم، وعرضها عليهم. كما أنني أتقدم لهم بعذري، إذا كانوا يرون أنني قد اقتصدت في ايراد النصوص والشواهد، ولم أتعمد استيعابها، ولا تكثيف مصادرها. فإن المقصود من طرح هذا البحث هو مجرد تسجيل إثارات لموضوعات هامة وحساسة، قلما حضيت من الباحثين والمؤلفين بما تستحقه من بحث وتمحيص. كما أنها لم تجد من يتوخى الصراحة والوضوح في عرضها وهي الحقائق الخطيرة، التي توفرت الدواعي، ولا تزال على إخفائها، وإبعادها عن الاضواء، بل وطمسها والتخلص منها بصورة أو بأخرى. ثم، إنني اعتذر للقارئ إذا وجد في هذا البحث بعضا من الصراحة، التي قلما توجد في بحوث الاخرين التي تناولت هذا الموضوع بالذات. وآمل أن يتسع صدره لذلك، بل وينشرح ويبتهج له. ويكون لي

[ 282 ]

من المشجعين، لا من المثبطين. وفقنا الله لقول كلمة الحق واعتماد الصراحة والصدق. فإن أئمتنا يتحملون عناء قراءته، ويصبرون على ما يواجهونه من صعوبات فيه، سواء من الناحية الفنية، أو من حيث الاجمال في نصوصه، والاختصار فيها، الذي يصل أحيانا إلى درجة الاخلال بإعطاء الصورة الواضحة التي يراد تقديمها لهم، وعرضها عليهم. كما أنني أتقدم لهم بعذري، إذا كانوا يرون أنني قد اقتصدت في ايراد النصوص والشواهد، ولم أتعمد استيعابها، ولا تكثيف مصادرها. فإن المقصود من طرح هذا البحث هو مجرد تسجيل إثارات لموضوعات هامة وحساسة، قلما حضيت من الباحثين والمؤلفين بما تستحقه من بحث وتمحيص. كما أنها لم تجد من يتوخى الصراحة والوضوح في عرضها وهي الحقائق الخطيرة، التي توفرت الدواعي، ولا تزال على إخفائها، وإبعادها عن الاضواء، بل وطمسها والتخلص منها بصورة أو بأخرى. ثم، إنني اعتذر للقارئ إذا وجد في هذا البحث بعضا من الصراحة، التي قلما توجد في بحوث الاخرين التي تناولت هذا الموضوع بالذات. وآمل أن يتسع صدره لذلك، بل وينشرح ويبتهج له. ويكون لي

[ 282 ]

من المشجعين، لا من المثبطين. وفقنا الله لقول كلمة الحق واعتماد الصراحة والصدق. فإن أئمتنا الاطهار أول من علمنا ذلك. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. لبنان - 25 / 2 / 1414 ه‍. ق. جعفر مرتضى العاملي

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية