الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بيت الأحزان- الشيخ عباس القمي

بيت الأحزان

الشيخ عباس القمي


[ 1 ]

بيت الأحزان في ذكر احوالات سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام الشيخ الجليل، المحدث البصير الحاج الشيخ عباس القمي طاب ثراه.

[ 2 ]

الكتاب: بيت الاحزان المؤلف: الحاج الشيخ عباس القمي (ره) الطبعة: الجديدة الاولى ناشر: دار الحكمة المطبعة: أمير ربيع الثاني 1412 هجري

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من جعل حب محمد النبي وآله " عليه وعليهم السلام " وبغض أعدائهم دعامة للدين، وركنا للايمان واليقين، وسببا للخلاص من عذاب المهين، فبلغ وأوصل أفضل صلواتك وسلامك عليهم أجمعين أبد الآبدين، والعن وعذب أعدائهم الناصبين الجاحدين. أما بعد فلما كان كتاب بين الاحزان في مصائب سيدة النسوان " صلوات الله عليها وعلى ابيها وبعلها وبنيها " - من تأليفات خادم أهل البيت عليهم السلام وذخر المحدثين وخاتمهم الحاج الشيخ عباس القمي تغمده الله بغفرانه - كتابا قيما جامعا نافعا في موضوعه، مرتبا على أربعة أبواب واثنين وثلاثين فصلا فقد قام الخير الصالح الصفي المجد في نشر آثار العلماء تقي بن المهدي المشهور ب‍ " العلامة " مدير مؤسسة دار الحكمة زاد الله في توفيقاته بتجديد طبعه ونشره وطلب مني أن أبذل جهدي لتحقيق الكتاب وتصحيحه وإخراج مصادره، ومع العجز عن ذلك فقد لبيت مطلوبه، وأقدم شكري إليه أن تفضل علي بذلك وأرجو من الله أن يمن علي بالهداية والتوفيق والقبول وإحياء آثار الرسول وآله عليهم السلام

[ 4 ]

ولما كان الكتاب في طبعته القديمة والجديدة وقعت فيه أخطاء كثيرة فقد قابلت أحاديثه على مصادرها الأصلية أو على الموساعات الكبيرة الحديثية والتأريخية، فما كان من اختلاف في اللفظ زيادة أو نقصا أشرت إليه في الهامش، وجعلت بعضها بين الهلالين [ ] وأشرت إلى معاني الألفاظ الصعبة اخذا من كتاب البحار للعلامة المجلسي ره وغيره من الأعلام. ثم أرجو من العلماء الناظرين في الكتاب أو يتفضلوا علي بالتصحيح والنقد الصحيح فيما وقع نادرا من الزلل والخطأ. وختاما اقدم بالشكر الجزيل والثناء الوافر لسماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مصطفى الهرندي لما بذله من لطف جسيم في مراجعة هذا الكتاب القيم واستخراج مصادره حيث قدم لنا وبكل اخلاص ما انجزه من اعمال على هذا السفر القيم - قبل شروعنا - فلله دره وعليه اجره. عاملهم الله جميعا بلطفه وحشرهم يوم القيمة مع محمد وآهل بيته المعصومين عليهم السلام. وأنا العبد العاصي محمد الشهير ب‍ " دو رودي التفرشي "

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ذلت له رقاب الجبابرة، وخضعت لديه أعناق الأكاسرة وصلى الله على أشرف خلقه وأفضل بريته أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، ولا سيما على بقية الله في الأرضين حجة بن الحسن العسكري. (عجل الله تعالى فرجه الشريف). واللعن على أعدائهم ومخالفيهم، ومعانديهم وغاصبي حقوقهم، ومنكري فضائلهم ومناقبهم، ومدعى شئونهم ومراتبهم أجمعين، من الآن إلى قيام يوم الدين، آمين رب العالمين. جلالة المؤلف: هو العلامة الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي، جلالته وشهرته عند الخواص والعوام بالعلم والعمل والزهد والورع والمودة لأهل بيت الوحي - عليهم افضل صلوة المصلين - وكثرة الحديث عنهم والإفتخار بالمشي في طريقهم والإعلان بفضائلهم والاخلاص في جل أموره وكل أعماله، أظهر من أن يتفوه بها وأعرف من أن تكتب، وكيف لا ؟

[ 6 ]

ومؤلفاته " التي هي أعدل شاهد وأصدق ناطق) قاضية بذلك، إذ قلما يكون بيت من بيوت الشيعة الامامية ولم يكن فيه واحد من تآليفه القيمة، ولا أقل من كتابه " المفاتيح " الذي يتواجد في كل المشاهد المشرفة، وذلك شاهد صدق على ولائه للمقبورين فيها عليهم السلام. فعلى هذا فلا يسعنا في هذا المجال الضيق سرد جميع أحوالاته، وضبط تمام خصائصه، ونحيل من أراد ذلك الى محله في كتب لتراجم، ونوصي إخواننا العجم بقرائة الكتاب المولف بالفارسية في احوالات المؤلف باسم: " حاج شيخ عباس قمي - مرد فضيلت وتقوا " وهو من تأليفات الشيخ علي دواني " وفيه مع تمثاله الشريف نماذج من خطه الجميل). وفي الختام نكتفي في هذه المقدمة بضبط جميع مؤلفات صاحب هذا الكتاب بحسب حروف الهجاء.

[ 7 ]

فهرس مؤلفات المحدث القمي (رضوان الله تعالى عليه) مرتبة على حروف الهجاء مع ما استفدنا من كتابه المسمى ب‍ (فوائد الرضوية) قال العالم النبيل والمحدث الجليل، محيي الشريعة بتأليفاته وناشر حقايق الشيعة بتصنيفاته، والمتمسك بأذيال العترة الطاهرة - عليهم صلوات الملك الجليل العلام - والجدير بأن يقال في وصفه " إنه من حسنات الدهر وبركات الزمان " الحاج الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي حشرهم الله مع النبي وعترته - صلوات الله عليهم أجمعين - في كتابه الموسوم ب‍ " فوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية " وهو من تأليفاته القيمة باللغة الفارسية، وقد ألفه المحدث (ره) في جوار الروضة الرضوية المقدسة المطهرة، عند ترجمة نفسه، في ذيل ما هذا تعريبه: لما كان هذا الكتاب الشريف في بيان أحوال العلماء، لم أدرج ترجمة نفسي فيه جديرا وحقيقا، لأني أحقر وأدنى من أن أعد في أعدادهم حتى أدرج فيهم - أحوالي - ولذلك انصرف من ذلك وأكتفى بذكر مؤلفاتي: ولادتي - علي الظاهر - سنة 1294 (ه‍ ق) ومؤلفاتي إلى الان - الذي هو سنة 1333 هجرية وقد بلغ عمري إلى حدود الاربعين عام - على أربعة أقسام:

[ 8 ]

* القسم الاول: الكتب التي طبعت وانتشرت. * القسم الثاني: الكتب التي كتبت بحبر الطبع وستطبع عن قريب (ولا يخفى على القارئ الكريم انه طبعت هذه الكتب بعد ذلك وانتشرت). * القسم الثالث: الكتب التي أتممت تأليفها ولكن ليس في الوقت الحاضر أحد في صدد طبعها. " ولا يخفى على القارئ الكريم انه طبع بعضها ثم انتشرت). * القسم الرابع: الكتب التي لم يتم تألفيها وأرجو من الله تعالى ان يتفضل علي التوفيق لا تمامها. (ولا يخفى على القارئ الكريم ان المحدث الجليل قال بعده: وأكثر هذه الكتب الناقصة التأليف صارت مفقودا). * لقد بلغ عدد مؤلفات المحدث الجليل القمي (رضوان الله تعالى عليه) كما ذكر هو نفسه: السبعين كتابا، ما بين صغير وكبير، ويبلغ مجموعها أربعا وسبعين مجلدا، كما ترجم كتبا من العربية الى الفارسية، ومن الفارسية إلى العربية، وقد ألف هذه التآليف الكثيرة القيمة ولم يتجاوز عمره الشريف الاربعين سنة: وهذا ثبت بأسماء مؤلفاته، رتبناه بحسب حروف الهجاء ليكون أسهل تناولا، وقد أوردنا فيه ما ذكره في الفوائد الرضوية وما ألفه بعد هذا الكتاب: " الف " 1 - الأنوار البهية، في تاريخ النبي وآله عليهم السلام، مجلد واحد باللغة العربية، مطبوع. 2 - الايات البينات في أخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن الملاحم والغائبات لم يتمه. " ب " 3 - بيت الاحزان في مصائب سيدة النسوان، عربي مطبوع، (وهو هذا الكتاب).

[ 9 ]

4 - الباقيات الصالحات في حاشية مفاتيح الجنان، فارسي، مطبوع مكررا مع المفاتيح. " ت " 5 - تحفة طوسية ونفحة قدسية (أو:) رسالة مشهد نامة. (فارسي - مطبوع - وهو مختصر في شرح بناء الحرم الرضوي على صاحبه السلام وذكر أبنيته والاماكن المتعلقة به، مع عدة زيارات مهمة ومعتبرة). 6 - تتمة المنتهى في وقايع أيام الخلفاء فارسي، وهو المجلد الثالث من كتابه: منتهى الامال - مطبوع. 7 - تحفة الاحباب في نوادر الاصحاب - وهو في أحوال صحابة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وأصحاب الائمة عليهم السلام - مطبوع. 8 - ترجمة: مصباح المتهجد للشيخ الطوسي (ره) الى الفارسية مطبوع مع المصباح. 9 - ترجمة: جمال الاسبوع للسيد بن طاووس (ره) الى الفارسية، مطبوع مع جمال الاسبوع. 10 - ترجمة: المسلك الثاني من كتاب " الملهوف " للسيد بن طاووس (ره) الى الفارسية، طبع في هامش الملهوف. 11 - ترجمة: " زاد المعاد " للعلامة المجلسي (ره) الى العربية والظاهر انه ناقص. 12 - ترجمة " تحفة الزائر " للعلامة المجلسي (ره) الى العربية والظاهر انه ناقص كذلك. 13 - تتميم تحية الزائر، لاستاذه المحدث النوري (ره) - مطبوع. 14 - تتميم بداية الهداية، للشيخ الحر العاملي (ره) مخطوط، ولعله هو الكتاب المعروف ب‍: " فصل ووصل " الذي فصله من الشيخ حر العاملي (ره) ووصله للمحدث

[ 10 ]

القمي (ره). " ج " 15 - چهل حديث، بالفارسية، طبع عدة مرات بايران. " ح " 16 - حكمة بالغة ومأة كلمة جامعة، شرح فارسي لمأة كلمة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، مطبوع كرارا بايران. " د " 17 - الدرة اليتيمة في تتمات الدرة الثمينة، وهو تتميم لشرح النصاب للفاضل اليزدي (مطبوع). 18 - دستور العلم (مطبوع). 19 - الدر النظيم في لغات القرآن العظيم (مطبوع). 20 - دوازده ادعية مأثورة، فارسي، طبع مكررا مع جهل حديث. " ذ " 21 - ذخيرة العقبي في مثالب أعداء الزهراء عليها السلام لم يتم. 22 - ذخيرة الابرار في منتخب أنيس التجار، لم يتم. " س " 23 - سبيل الرشاد في اصول الدين - (مطبوع). 24 - سفينة البحار الانوار ومدينة الحكم والاثار، في مجلدين - عربي - مطبوع كرارا في ايران وغيرها، وهو فهرس موضوعي لكتاب بحار الانوار للعلامة المجلسي (ره).

[ 11 ]

" ش " 25 - شرح وجيزة شيخ البهائي " عليه الرحمة " في علم دراية الحديث ". 26 - شرح كلمات قصار لامير المؤمنين عليه السلام أوردها السيد رضي الدين (ره) في آخر كتابه (نهج البلاغة) (ناقص). 27 - شرح الصحيفة السجادية (ناقص). 28 - شرح أربعين حديثا، مخطوط وغير تام، ونسخته موجودة. " ص " 29 - صحائف النور، في عمل الايام والسنة والشهور (ناقص). " ض " 30 - ضيافة الاخوان (ناقص). " ط " 31 - طبقات الرجال والظاهر انه كتاب طبقات الخلفاء واصحاب الائمة عليهم السلام والعلماء والشعراء، المطبوع في آخر تتمة المنتهى بالفارسية. " ع " 32 - علم اليقين وهو مختصر حق اليقين للعلامة المجلسي (ره). " غ " 33 - غاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى للفقيه الفقيد السيد محمد كاظم اليزدي (قدس سره) في مجلدين: المجلد الاول: من ابتداء كتاب الطهارة الى احكام الاموات، والثاني: من كتاب الصلوة الى بحث الستر والساتر (فارسي - مطبوع).

[ 12 ]

" ف " 34 - الفوائد الرجبية فيما يتعلق بالشهور العربية (مشتمل على وقايع الايام وفيه جملة من اعمال الشهور، وهذا اول تصانيفه - رحمه الله - كما قاله في الفوائد الرضوية، واضاف بان مخطوطه بخطه الشريف موجود عنده). 35 - الفصول العلية في المناقب المرتضوية (مطبوع). 36 - فوائد الرضوية في احوال علماء المذهب الجعفرية (مطبوع). 37 - فيض العلام فيما يتعلق بالشهور والايام. 38 - فيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير (وهو تلخيص من مجلدين كبيرين من كتاب عبقات الانوار للسيد حامد حسين الهندي النيشابوري - عطر الله مرقده الشريف - في حديث الغدير ". 39 - فوائد الطوسية وهو كشكول. " ق " 40 - قرة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة. " ك " 41 - الكنى والالقاب - في ثلاث مجلدات - مطبوع - عربي. 42 - الكنى والالقاب - مختصر صغير (مطبوع). 43 - كلمات لطيفة - (مطبوع). 44 - كحل البصر في سيرة سيد البشر - (مطبوع). " ك " 45 - كناهان كبيره وصغيره (مطبوع - بالفارسية).

[ 13 ]

" ل " 46 - اللئالي المنثورة في الاحراز والاذكار المأثورة (مطبوع). " م " 47 - مختصر الابواب في السنن والاداب (وهو تلخيص لكتاب حلية المتقين للعلامة المجلسي (ره) بالفارسية) مطبوع. 48 - مفاتيح الجنان في الادعية والزيارات، فارسي، مطبوع كرارا، وهو من اشهر كتبه وانفعها لعامة الناس من الخواص والعوام وقد ترجم الى لغات شتى، رأيت الى الان تعريبه وترجمته الى لغة الاردو. 49 - منازل الاخرة ومطالب الفاخرة في احوال البرزخ ومواقف القيامة - فارسي مطبوع. 50 - مقامات عليه - وهو مختصر معراج السعادة للعالم الرباني الشيخ المولى احمد النراقي - فارسي مطبوع. 51 - منتهى الامال في ذكر مصائب النبي والال في مجلدين، فارسي مطبوع، وهو ايضا من اشهر كتبه بعد المفاتيح وانفعها لعامة الناس من الخواص والعوام. 52 - مقاليد الفلاح في عمل اليوم والليلة. 53 - مقلاد النجاح مختصر الكتاب السابق. 54 - مختصر المجلد الحادي عشر من بحار الانوار للعلامة المجلسي - عطر الله مضجعه الشريف - مفقود. 55 - مختصر " الشمائل " للترمذي - مفقود. 56 - مسلى المصاب بفقد الاخوة والاحباب - مفقود. 57 - مختصر دار السلام للمحدث النوري باسم: غاية المرام في تلخيص دار السلام - مفقود.

[ 14 ]

" ن " 58 - نفس المهموم ونفثة المصدور - عربي مطبوع، وهو كتاب في مقتل الامام أبي عبد الله الحسين واصحابه، وقد ترجم الى الفارسية. 59 - نزهة النواضر في ترجمة: معدن الجواهر. 60 - نقد الوسائل في الباب الوسائل. لا توجد نسخته. " ه‍ " 61 - هدية الزائرين وبهجة الناظرين. يشتمل على زيارات الحجج الطاهرة - عليهم السلام - والمقامات الشريفة وقبور العلماء التي في المشاهد واعمال الاسبوع واعمال اليوم والليلة - مطبوع. 62 - هداية الاحباب في المعروفين بالكنى والالقاب (مطبوع). 63 - هداية الانام الى وقايع الايام، مختصر كتاب: فيض العلام من تأليفاته ايضا المتقدم ذكره - مطبوع.

[ 15 ]

وفاته ومدفنه وأولاده: * توفى المحدث القمي - أعلى الله درجته - في ليلة الثالث والعشرين من ذي الحجة الحرام من سنة 1359 (ه‍. ق) وكان له من العمر خمسا وستين سنة على ما كتب ولده المغفور له: العالم الجليل والواعظ العزيز، محبوب قلوب الخواص والعوام الحاج ميرزا علي محدث زاده، في ذيل الصحيفة (222) من كتاب الفوائد الرضوية. * ودفن - رحمه الله - في صحن مولى الموحدين أمير المؤمنين أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام في ايوان الثالث من جانب المشرق بجنب استاذه الكبير العالم الرباني والمحدث الصمداني، شيخ الشيوخ العلامة، الحاج الميرزا حسين النوري - صاحب مستدرك الوسائل وغيرها من الكتب المفيدة - رضوان الله تعالى عليهما وجمعهما وحشرهما مع من احباه، محمد وعترته المظلومين عليهم السلام. وقد ترك ولدين ذكرين خيرين توفى احدهما وهو العالم الواعظ النبيل، محبوب قلوب الخواص والعوام، المحشى على كتب ابيه: الحاج ميرزا علي محدث زاده ودفن بمزار " شيخان " بقم، والاخر: هو العالم الجليل جناب المستطاب ميرزا محسن محدث زاده، القاطن في طهران حفظه الله تعالى. وله أيضا بنتان. هذا آخر ما اردنا ايراده هنا ونسئل الله العفو والقبول وان من علينا جميعا بظهور الحجة عليه السلام.

[ 16 ]

هذا كتاب بيت الاحزان في ذكرا أحوال سيدة نساء العالمين وبضعة خاتم النبيين وام الائمة الطاهرين، أطهر النساء ووارثة سيد الانبياء وقرينة سيد الاوصياء، الانسية الحوراء والبتول العذراء، فاطمة الزهراء صلوات الله عليها

[ 17 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ناصر المظلومين، وقاصم الجبابرة، ومبير الظالمين، والصلوة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين، محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وعترته هداة العالمين. وبعد فيقول: راجي عفو ربه الغني عباس بن محمد رضا القمي عاملهما الله بلطفه الخفي، والجلي، هذه رسالة مختصرة في ذكر أحوال سيدة نساء العالمين، وبضعة خاتم النبيين، وأم الائمة الطاهرين، أطهر النساء، ووارثة سيد الأنبياء، وقرينة سيد الأوصياء، الإنسية الحوراء، والبتول العذراء، السيدة الشهيدة، المظلومة المقهورة، فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها، ما أظلت الخضراء على الغبراء، وذكر ما جرى عليها من المصائب والأحزان، سميتها بيت الاحزان في مصائب سيدة النسوان ورتبتها على أبواب وخاتمة.

[ 18 ]

الباب الاول في ولادتها واسمائها وكناها صلوات الله عليها فصل ولدت فاطمة صلوات الله عليها في جمادي الآخرة يوم العشرين منها، سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلوات الله عليه وآله وكان بعد مبعثه بخمس سنين، كما روي عن الصادقين عليهما السلام (1) وكان مبدء حمل خديجة رضى الله عنها بها، إن النبي صلى الله عليه وآله لما عرج به إلى السماء، أكل من ثمار الجنة، رطبها وتفاحها، فحولها الله تعالى ماء في ظهره، فلما هبط إلى الأرض واقع خديجة، فحملت بفاطمة عليها السلام، ففاطمة حوراء إنسية (2). وكلما اشتقاق النبي صلى الله عليه وآله الى رائحة الجنة كان يشمها، فيجد منها رائحة الجنة ورائحة شجرة طوبى، وكان يكثر لذلك أيضا تقبيلها وإن أنكرت عليه بعض نسائه، لجهلها بشرف محلها (3). فإن قلت: إن الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله كان قبل الهجرة بستة أشهر، وقيل: كان في سنة إثنتين من المبعث وكان ولادة فاطمة عليها السلام بعده


(1) بحار ج 43 ص 7 ح - 8. (2) بحار ج 43 ص 4 ح - 2. (3) بحار ج 43 ص 5 ح - 4 - 5 وايضا ص 6 ح 6. (*)

[ 19 ]

بثلاث سنين، فكيف يوافق ذلك ؟ قلت: لم يكن معراجه صلى الله عليه وآله منحصرا في مرة واحدة، حتى لا يوافق ذلك، بل روي عن الصادق عليه السلام إنه قال: عرج بالنبي صلى الله عليه وآله مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها النبي صلى الله عليه وآله، بالولاية لعلي والائمة عليهم السلام، أكثر مما أوصاه بالفرائض (4). قال العلامة المجلسي رحمه الله في البحار (5): وقيل: بينا النبي صلى الله عليه وآله جالس بالأبطح ومعه عمار بن ياسر، والمنذر بن الضحضاح، وأبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب عليه السلام والعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب رحمه الله، إذ هبط عليه صلى الله عليه وآله جبرئيل عليه السلام في صورته العظمى، وقد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: " يا محمد، العلي الأعلى يقرء عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحا ". فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وكان محبا لها وبها وامقا (6) قال: فأقام النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوما، يصوم النهار، ويقوم الليل، حتى إذا كان في آخر أيامه تلك، بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها: يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة ولا قلى (7)، ولكن ربي عزوجل أمرني بذلك لينفذ أمره، فلا تظني يا خديجة إلا خيرا فإن الله عزوجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا. فإذا جنك الليل فأجيفي (8) الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإني في منزل فاطمة بنت أسد رضي الله عنها. فجعلت خديجه تحزن في


(4) بحار ج 18 ص 387 ح 96 وايضا خصال الصدوق ص 566. (5) ج 16 ص 78. (6) الوامق: المحب. (7) اي بغض وعداوة. (8) أجفت الباب: رددته، يقال بالفارسية درب را بروي خود به بند. (*)

[ 20 ]

كل يوم مرارا لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما كان في كمال الأربعين، هبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد: العلي الأعلى يقرئك السلام، وهو يأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته. قال النبي صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل وما تحفة رب العالمين، وما تحيته ؟ قال: لا علم لي. قال: فبينا النبي صلى الله عليه وآله كذلك، إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس - أو قال: إستبرق - فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وأقبل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد، يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يفطر، أمرني أن أفتح الباب لمن يرد إلى الافطار، فلما كان في تلك الليلة، أقعدني النبي صلى الله عليه وآله على باب المنزل وقال: يا بن أبي طالب إنه طعام محرم إلا علي قال علي عليه السلام: فجلست على الباب وخلا النبي صلى الله عليه وآله بالطعام وكشف الطبق فإذا عذق (9) من رطب وعنقود من عنب. فأكل النبي صلى الله عليه وآله منه شبعا وشرب من الماء ريا ومد يده للغسل، فأفاض الماء عليه جبرئيل عليه السلام وغسل يده ميكائيل عليه السلام وتمندله إسرافيل عليه السلام، فارتفع فاضل الطعام مع الإناء إلى السماء. ثم قام النبي صلى الله عليه وآله ليصلي فأقبل على جبرئيل، فقال: الصلوة محرمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإن الله عزوجل آلى " 10 " على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة. فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزل خديجة.


(9) العذق بالكسر عنقود العنب والرطب يقال بالفارسية " خوشه " (10) آلى: اي حلف. (*)

[ 21 ]

قالت خديجة رضوان الله عليها: وكنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنتني الليل غطيت رأسي وأسجفت (11) ستري وغلقت بابي وصليت وردي (12) وأطفات مصباحي وآويت إلى فراشي، فلما كانت في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبي صلى الله عليه وآله فقرع الباب، فناديت: من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد صلى الله عليه وآله ؟ - قالت خديجة: - فنادى النبي صلى الله عليه وآله بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه إفتحي يا خديجة فإني محمد صلى الله عليه وآله. قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبي صلى الله عليه وآله، وفتحت الباب ودخل النبي صلى الله عليه وآله المنزل، وكان صلى الله عليه وآله إذا دخل المنزل دعا بالإناء، فتطهر للصلوة ثم يقوم، فيصلي ركعتين يوجز فيها ثم يأوي إلى فراشه. فلما كان في تلك الليلة، لم يدع بالإناء ولم يتأهب بالصلوة، غير أنه أخذ بعضدي وأقعدني على فراشه، وداعبني، ومازحني، وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها: فلا والذي سمك السماء وأنبع الماء، ما تباعد عني النبي صلى الله عليه وآله حتى حسست بثقل فاطمة عليها السلام في بطني. أقول: إعتزال النبي صلى الله عليه وآله عن خديجة رضي الله عنها أربعين يوما كان للتأهب لتحية رب العالمين وتحفته، والمراد بها فاطمة صلوات الله عليها. كما أشير إلى ذلك في زيارتها و " صل " على البتول الطاهرة، إلى قوله: فاطمة بنت رسولك، وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذة كبده والتحية منك له والتحفة ". وفي هذا الإعتزال دليل على جلالة فاطمة سيدة النسوان بما لا يطيق


(1) أسجفت الستر: أرسلته. (12) اي صلوتي ودعائي. (*)

[ 22 ]

بتحرير بيانه البنان، ولعل تخصيص الرطب والعنب، لكثرة بركتهما وما يتولد منهما من المنافع، فإنه ليس في الأشجار ما يبلغ نفعها نفعهما مع أنهما خلقتا من فضلة طينة آدم عليه السلام، ولا يبعد أن يكون في ذلك إشارة إلى كثرة نفع هذه النسلة الطاهرة المباركة، وكثرة ذريتها، وبركاتها، كما قد نؤمي إليها إنشاء الله تعالى في محلها. وأما قول جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله: " الصلوة محرمة عليك في وقتك، فالظاهر: إنها الصلوة النافلة دون الفريضة، فإنه كان يقدمها على الإفطار والله أعلم بحقيقة الأحوال. روى الشيخ الصدوق رضي الله عنه في الأمالي بسنده عن المفضل بن عمر - قال: - قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: كيف كان ولادة فاطمة عليها السلام فقال: نعم، إن خديجة رضي الله عنها لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله هجرتها نسوان مكة، فلم يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن إمرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها، وغمها حذرا عليه صلى الله عليه وآله فلما حملت بفاطمة سلام الله عليها كانت فاطمة عليها السلام تحدثها من بطنها، وتصبرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله. فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله يوما. فسمع خديجة تحدث فاطمة عليها السلام. فقال لها: يا خديجة لمن تحدثين ؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويونسني، قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني إنها أنثى. وإنها النسلة الطاهرة الميمونة وإن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها الائمة، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد إنقضاه وحيه. فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم أن تعالين لتلين مني ما تلي النساء من النساء. فأرسلن إليها أنت عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقير لا مال له، فلسنا

[ 23 ]

نجئ ولانلي من أمرك شيئا. فاغتمت خديجة عليها السلام لذلك، إذ دخل عليها أربع نسوة سمر (14). طوال، كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن، لما رأتهن، فقالت إحديهن: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك ونحن أخواتك، أن سارة وهذه آسية بنت، مزاحم وهي رفيقتك في الجنة وهذه مريم بنت عمران وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة طاهرة مطهرة. فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور ودخل عشر من الحور العين كل واحدة منهن معها طست من الجنة، و إبريق من الجنة وفي الإبريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرئة التي كانت بين يديها فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقتين بيضاوتين أشد بياضا من اللبن وأطيب ريحا من المسك والعنبر، فلفتها بواحدة وقنعتها بالثانية، ثم استنطقتها، فنطقت فاطمة بالشهادتين وقالت: " أشهد أن لا اله الا الله. وأن أبي رسول الله سيد الأنبياء، وأن بعلي سيد الأوصياء، وولدي سادة الأسباط ". ثم سلمت عليهن، وسمت كل واحدة منهن بإسمها، وأقبلن يضحكن إليها، وتباشرت الحور العين، وبشر أهل السماء بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة، مطهرة، زكية، ميمونة، بورك فيها، وفي نسلها. فناولتها فرحة مستبشرة وألقمتها ثديها فدر عليها، فكانت فاطمة عليها السلام تنمي كما ينمي الصبي في الشهر وتنمي في الشهر كما ينمي الصبي في السنة (14).


(13) سمر سمرة: كان لونه بين السواد والبياض: سمر اقرب الموارد. (14) امالي الصدوق ص 76 بحار ج 43 ص 2 ج 1. (*)

[ 24 ]

فصل [ في عدد أسمائها ووجه تسميتها ] عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لفاطمة تسعة أسماء عند الله عزوجل، فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والرضية، والمرضية والمحدثة، والزهراء، ثم قال أتدري أي شئ تفسير فاطمة ؟ قلت: أخبرني يا سيدي، قال: فطمت من الشر، قال: ثم قال: لو لا أن أمير المؤمنين عليه السلام تزوجها، لما كان لها كفو إلى يوم القيامة على وجه الأرض آدم فمن دونه (1). وفي جملة من الروايات، انها سميت فاطمة لانها فطمت وشيعتها من النار، وانما فطمت بالعلم، وفطمت من الطمث، وان الخلق فطموا من معرفتها، وان الله فطمها وذريتها من النار من لقى الله منهم بالتوحيد والايمان برسوله، وان، الله فطم من أحبها عن النار. (2). وروى أن إسم فاطمة، شق من إسم الله الفاطر، وسميت الطاهرة لطهارتها من كل دنس، وطهارتها من كل رفث، وما رأت قط يوما حمرة، ولا نفاسا (3).


(1) بحار ج 43 ص 10 ح 1. دلائل الامامة ص 10. (2) بحار ج 43 ص 12 - 13 - ح 3 - 4 - 8 - 9 - 18 وايضا ص 65 ح 58 وايضا علل الشرايع ج 1 ص 178 - 179. (3) بحار ج 43 ص 15 - 16 - 19 - 20. (*)

[ 25 ]

وسميت الزهراء لأنها تزهر لأمير المؤمنين عليه السلام في النهار ثلاث مرات بالنور (4). روي عن أبي هاشم الجعفري قال: سئلت صاحب العسكر عليه السلام لم سميت فاطمة الزهراء ؟ فقال: كان وجهها يزهر لأمير المؤمنين عليه السلام من أول النهار كالشمس الضاحية. وعند الزوال كالقمر المنير، وعند غروب الشمس كالكوكب الدري (5). وروي الصدوق عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث، قال: كانت فاطمة عليها السلام إذا طلع هلال شهر رمضان يغلب نورها الهلال، ويخفى فإذا غابت عنه ظهر (6). وعن الصادق عليه السلام، قال: سميت الزهراء، لأن لها في الجنة قبة من يا قوتة حمراء، إرتفاعها في الهواء، مسيرة سنة، معلقة بقدرة الجبار لا علاقة لها من فوقها، فتمسكها ولا دعامة لها من تحتها، فتلزمها لها مأة ألف باب على كل باب ألف من الملائكة، يريها أهل الجنة كما يرى أحدكم الكوكب الدري الزاهر في أفق السماء فيقولون هذه الزهراء لفاطمة صلوات الله عليها (7). وروي في خبر أيضا إنه لما أراد الله عزوجل أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحابا من ظلمة، وكانت الملائكة لا تنظر أولها من آخرها ولا آخرها من أولها، فسئلن الله سبحانه أن يكشف عنهن، فاستجاب الله تعالى لهن فخلق نور فاطمة الزهراء يومئذ كالقنديل، وعلقه في قرطاء العرش، فزهرت السموات السبع والأرضون السبع فمن أجل ذلك سميت الزهراء. فكانت الملائكة تسبح الله وتقدسه، فقال الله: وعزتي


(4) علل الشرايع ص 180. (5) بحار ج 43 ص 16. (6) بحار ج 43 ص 56. (7) بحار ج 43 ص 16. (*)

[ 26 ]

وجلالي لأجعلن ثواب تسبيحكم، وتقديسكم إلى يوم القيمة لمحبي هذه المرئة، وأبيها، وبعلها، وبنيها (8). ومن أسمائها أيضا الحصان، الحرة، السيدة، العذراء، الحوراء، مريم الكبرى، والبتول (9). وروي في معنى البتول، أنها التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض، وبها سميت مريم أم عيسى عليهما السلام، وقيل البتل القطع، وسميت فاطمة البتول، لإنقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا، وقيل لإنقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى وقيل لأنها بتلت عن النظير (10). وقال ابن شهر آشوب في مناقب: وصح في الأخبار، لفاطمة عشرون إسما كل إسم يدل على فضيلة، ذكرها إبن بابويه في كتاب مولد فاطمة عليها السلام (11). [ فصل في كناها ] وإما كناها صلوات الله عليها، فأم الحسن وأم الحسين وأم المحسن وأم الائمة وأم أبيها وأم المؤمنين وهذه الكنية تكون في زيارتها وفي المناقب يقال لها في السماء: النورية، السماوية، الحانية. أقول: الحانية المشفقة على زوجها وأولادها. أما شفقتها على زوجها، فيكفى في ذلك أن ما وصل إليها من الضرب والإهانة وكسر الضلع وأثر السوط على عضدها كالدملج مما يجئ تفصيلها إنشاء الله تعالى.


(1) ارشاد ص 403 - بحار ج 43 ص 17. (9) بحار ج 43 ص 16. (10) بحار ج 43 ص 15 - 16. (11) مناقب ص 360. (*)

[ 27 ]

كل ذلك كان في حماية زوجها الى أن ماتت شهيدة، ومع ذلك لما حضرتها الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: يا سيدتي ما يبكيك ؟ قالت: أبكي لما تلقي بعدي، قال لها: لا تبكي فو الله ان ذلك لصغير عندي في ذات الله تعالى. (12) وروي الشيخ المفيد في الإرشاد، إنه لما بعث النبي أمير المؤمنين عليهما السلام، إلى غزوة ذات الرمل التي تسمى بغزوة ذات السلسلة أيضا، كانت لأمير المؤمنين عليه السلام عصابة لا يتعصب بها حتى يبعثه النبي صلى الله عليه وآله في وجه شديد، فمضى إلى منزل فاطمة عليها السلام، فالتمس العصابة منها، فقالت: أين تريد وأين بعثك أبي ؟ قال: إلى واد الرمل، فبكت إشفاقا عليه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله وهي على تلك الحال، فقال لها: ما لك تبكين ؟ أتخافين أن يقتل بعلك ؟ كلا انشاء الله، فقال له علي عليه السلام: لا تنفس علي بالجنة يا رسول الله (13). وأما شفقتها على أولادها فيكفي في ذلك، ما رواه الصدوق عن حماد عن الصادق عليه السلام قال: لا يحل لاحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة عليها السلام، ان ذلك يبلغها فيشق عليها، قلت يبلغها، قال: اي والله (14). وقال صاحب عمدة الطالب في طي أحوال بني داود بن موسى الحسني ولبني داود بن موسى حكاية جليلة مشهورة بين النسا بين وغيرهم مسندة وهي مذكورة في ديوان إبن عنين: وهي إن أبا المحاسن نصر الله بن عنين الدمشقي الشاعر توجه إلى مكة، شرفها الله تعالى، ومعه مال وأقمشة، فخرج عليه بعض بني داود، فأخذوا ما كان معه وسلبوه وجرحوه، فكتب الى الملك العزيز ابن أيوب


(12) بحار ج 43 ص 218. (13) ارشاد ص 60 - 61 قوله (ع) لا تنفس علي بالجنة: اي لا تبخل - يعنى دعني حتى أقتل في سبيل الله واستشهد. (14) وسائل ج 14 ص 378 باب 40. (*)

[ 28 ]

صاحب اليمن وقد كان أخوه الملك الناصر أرسل إليه يطلبه ليقيم بالساحل المفتتح من أيدي الافرنج، فزهده إبن عنين في الساحل، ورغبه في اليمن، وحرضه على الاشراف الذين فعلوا به ما فعلوا أول القصيدة: عيت صفات نداك المصقع اللسنا وجزت في الجود حد الحسن والحسنا ولا تقل ساحل الأفرنج أفتحه فما تساوي إذا قايسته عدنا وأن أردت جهادا فارق سيفك من قوم أضاعوا فروض الله والسننا طهر بسيفك بيت الله من دنس ومن خساسة أقوام به وخنا ولا تقل إنهم أولاد فاطمة لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا قال: فلما قال هذه القصيدة رأى في النوم فاطمة الزهراء عليها السلام وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع، وتذلل وسئل عن ذنبه الذي أوجب عدم سلامه، فأنشدته الزهراء عليها السلام. حاشا بني فاطمة كلهم من خسة تعرض، أو من خنا وإنما الأيام في عذرها وفعلها السوء أسائت بنا أين أسا من ولدي واحد جعلت كل السب عمدا لنا

[ 29 ]

فتب الله، فمن يقترف ذنبا بنا، يغفر له ما جنى أكرم لعين المصطفى، جدهم ولاتهن، من آله أعينا فكلما نالك منهم، عنا تلقى به، في الحشر منا هنا قال أبو المحاسن نصر الله بن عنين: فانتبهت من منامي فزعا مرعوبا وقد أكمل الله عافيتي من الجرح والمرض، فكتبت هذه الابيات، وحفظتها، وتبت إلى الله تعالى مما قلت وقطعت تلك القصيدة. عذرا إلى، بنت نبي الهدى تصفح عن ذنب مسيئ جنا وتوبة تقبلها، من أخي مقالة، توقعه في العنا والله لو قطعني واحد منهم، بسيف البغي أو بالقنا لم أر ما يفعله سيئا بل أره في الفعل قد أحسنا (15)


(15) عمدة الطالب ص 131 - 133. (*)

[ 30 ]

الباب الثاني في فضلها وجلالها وزهدها وعبادتها وعلمها ومكارم أخلاقها وحب النبي صلى الله عليه وآله إياها فصل كانت فاطمة صلوات الله عليها من أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير وافتخر جبرئيل بكونه منهم وشهد الله لهم بالصدق ولها أمومة الائمة عليهم السلام وعقب الرسول صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة وهي سيدة نساء العالمين، من الأولين والآخرين. وكانت أشبه الناس كلاما وحديثا برسول الله صلى الله عليه وآله تحكى شيمتها شيمته وما تخرم مشيتها مشيته وكانت إذا دخلت عليه، رحب بها وقبل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبلت يديه. وكان النبي صلى الله عليه وآله يكثر تقبيلها وكلما اشتاق إلى رائحة الجنه يشم رائحتها وكان يقول: " فاطمة بضعة مني من سرها فقد سرني ومن سائها فقد سائني، فاطمة أعز الناس الي " (1) الى غير ذلك مما يكشف عن كثرة محبته صلى الله عليه وآله


(1) بحار ج 43 ص 23 ح 17. (*)

[ 31 ]

لها، كندائه إيها ب‍ " يا حبيبة أبيها ". كما روى الطبري الإمامي عن جفعر بن محمد عن آبائه عليهم السلام، عن فاطمة عليها السلام قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا حبيبة أبيها كل مسكر حرام وكل مسكر خمر (2)، وليعلم أنه قد حقق في محله أن محبة المقربين لأولادهم وأقربائهم واحبائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية والشهوات البشرية، بل تجردوا عن جميع ذلك، وأخلصوا حبهم، وإرادتهم لله، فهم ما يحبون سوى الله تعالى، وحبهم لغيره تعالى: إنما يرجع إلى حبهم له. ولذا لم يحب يعقوب عليه السلام من سائر أولاده مثل ما أحب يوسف عليه السلام وهم لجهلهم بسبب حبه نسبوه إلى الضلال وقالوا: نحن عصبة ونحن أحق بأن نكون محبوبين له لأنا أقوياء على تمشية ما يريده من أمور الدنيا، ففرط حبه ليوسف إنما كان لحب الله تعالى له وإصطفائه إياه، ومحبوب المحبوب محبوب. روى الشيخ الكليني عطر الله مرقده عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت إختلاف الشيعة، فقال يا محمد: إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة صلوات الله عليهم فمكثوا الف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤن [ ويحرمون ما يشاؤون ] ولن يشاؤا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: " يا محمد هذه الديانة من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد " (3). اقول: فظهر من هذا الحديث الشريف، إن فاطمة صلوات الله عليها ممن فوض الله تعالى أمور جميع الاشياء إليهم، فهي تحل ما تشاء وتحرم ما تشاء.


(2) دلائل الامامة ص 3. (3) الكافي ج 1 ص 441 ح 5 بحار ج 25 ص 340. (*)

[ 32 ]

ورد في الروايات الكثيرة عن الائمة عليهم السلام " إن عندهم مصحف فاطمة صلوات الله عليها ". ففي الصافي عن بصائر الدرجات، قال: وخلفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن ولكنه كلام من كلام الله أنزله، عليها إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط امير المؤمنين علي عليه السلام (4). وعن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك، اني أريد أن أسئلك عن مسألة [ جعلت فداك ليس ] هيهنا أحد يسمع كلامي، قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك، قال: قلت جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون إن رسول الله صلى الله عليه وآله، علم عليا عليه السلام بابا يفتح له ألف باب ! قال: فقال يا ابا محمد: " علم والله رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام ألف باب، يفتح له من كل باب ألف باب " قال: فقلت له هذا والله العلم ! قال: فنكت ساعة في الأرض، ثم قال إنه لعلم وما هو بذلك، قال: ثم قال يا ابا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه (5)، وخط علي عليه السلام بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شئ يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش وضرب بيده إلي وقال: تأذن لي يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك، فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده إلي، وقال: حتى أرش هذا كأنه مغضب، قال: قلت: جعلت فداك


(4) بصائر ص 156 ح 14. (5) اي شق فيه. (*)

[ 33 ]

هذا والله العلم ! قال: إنه لعلم وليس بذلك. ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر، قال: قلت وما الجفر ؟ قال وعاء من أدم احمر، فيه علم النبيين، والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل، قال: قلت إن هذا هو العلم، قال إنه لعلم وليس بذلك. ثم سكت ساعة، ثم قال: " وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام " قال: قلت وما مصحف فاطمة عليها السلام ؟ قال مصحف: فيه مثل قرآنكم هذا، ثلث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد [ إنما شئ أملاها الله واوحى إليها ] قال: قلت هذا والله العلم ؟ قال: إنه لعلم وما هو بذلك. ثم سكت ساعة، ثم قال: " إن عندنا لعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة " قال: قلت: جعلت فداك، هذا والله هو العلم ! قال: إنه لعلم وليس بذك. قال: قلت جعلت فداك، فأي شئ هو العلم ؟ قال: " ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر، والشئ بعد الشئ إلى يوم القيامة " (6). وفي جملة من الروايات إنها سلام الله عليها إحدى الركبان الأربعة يوم القيامة تركب ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله العضباء (7). روى ابن شهر آشوب إنه لما حضر النبي صلى الله عليه وآله الوفاة، قالت الناقة: لمن توصي بي بعدك ؟ قال: يا عضباء بارك الله فيك، أنت لابنتي فاطمة " صلوات الله عليها "، تركبك في الدنيا والآخرة، فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله أتت إلى فاطمة عليها السلام ليلا فقالت: السلام عليك يا بنت رسول الله قد حان فراقي الدنيا، والله ما تهنأت بعلف ولا شراب بعد رسول الله صلى الله


(6) بصائر ص 152 ح 1 ص 239. (7) خصال الصدوق ره ص. 186. (*)

[ 34 ]

عليه وآله، وماتت بعد النبي صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام (8). وعن تفسير فرات بن إبراهيم، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم على فاطمة عليها السلام وهي حزينة، فقال لها: وساق الحديث في احوال القيامة، إلى أن قال: فإذا بلغت باب الجنة تلقتك إثنا عشر ألف حوراء لم يتلقين أحدا قبلك ولا يتلقين أحدا بعدك بأيديهم حراب من نور، على نجائب من نور حائلها (جلها خ ل) من الذهب الاصفر والياقوت الاحمر، أزمتها من لؤلؤ رطب، على كل نجيب أبرقة من سندس منضود، فإذا دخلت الجنة تباشر بها أهلها، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على عمد من نور، فيأكلون منها والناس في الحساب وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، وإذا إستقر أولياء الله في الجنة زارك آدم، ومن دونه من النبيين، الخبر (9). وروي عنها سلام الله عليها، قالت: لما نزلت " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا "، هبت رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقول له يا أبه، فكنت اقول يا رسول الله، فأعرض عني مرة أو ثنتين أو ثلثا ثم أقبل علي، فقال يا فاطمة، إنها لم تنزل فيك، ولا في أهلك، ولا نسلك، وأنت مني وأنا منك، إنما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش، أصحاب البذخ والكبر، قولي يا أبه، فإنها احيى للقلب، وأرضى للرب (10). وعن مصباح الانوار، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن فاطمة سلام الله عليها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " من صلى عليك غفر الله تعالى له، وألحقه بي حيث كنت من الجنة " (11).


(8) مناقب ج 1 ص 98. (9) تفسير فرات ص 172 - 171. (10) تفسير نور الثقلين ج 3 ص 629 البرهان ج 3 ص 154. (11) بحار الانوار ج 43 ص 55. (*)

[ 35 ]

الكليني، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يريد فاطمة عليها السلام، وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه، ثم قال " السلام عليكم " فقالت فاطمة عليها السلام: عليك السلام يا رسول الله قال: أدخل ؟ قالت: ادخل يا رسول الله، قال: أدخل أنا ومن معي ؟ فقالت: يا رسول الله ليس علي قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنعي به رأسك ففعلت، ثم قال: السلام عليكم، فقالت: وعليك السلام يا رسول الله قال: أدخل ؟ قالت: نعم، يا رسول الله، قال: أنا ومن معي ؟ قالت: أنت ومن معك، قال جابر: فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخلت أنا، وإذا وجه فاطمة عليها السلام أصفر، كأنه بطن جرادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله مالي أرى وجهك أصفر ؟ قالت: يا رسول الله الجوع، فقال: " أللهم مشبع الجوعة، ودافع الضيعة، أشبع فاطمة بنت محمد الخ " (12). وعن أبي سعيد الخدري، قال: أصبح علي بن ابي طالب عليه السلام ذات يوم ساغبا، فقال: يا فاطمة، هل عندك شئ تغذينيه، قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية، ما أصبح الغداة عندي شئ، وما كان شئ أطعمناه مذ يومين إلا شئ كنت أو ثرك به على نفسي، وعلى ابني هذين الحسن والحسين، فقال علي عليه السلام يا فاطمة ألا كنت أعلمتني، فأبغيكم شيئا، فقالت يا أبا الحسن: إني لأستحي من إلهي ان أكلف نفسك ما لا تقدر عليه (13). وعن قرب الاسناد، عن ابي عبد الله، عن أبيه عليه السلام قال: تقاضا علي وفاطمة صلوات الله عليهما، الى رسول الله صلى الله عليه وآله في الخدمة،


(12) الكافي ج 5 ص 528 كتاب النكاح. (13) بحار ج 43 ص 59 نقلا عن تفسير الفرات. (*)

[ 36 ]

فقضى صلى الله عليه وآله على فاطمة عليها السلام بخدمة ما دون الباب، وقضي على علي عليه السلام بما خلفه، قال: فقالت فاطمة صلوات الله عليها: فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله صلى الله عليه وآله تحمل رقاب الرجال (14). عن الخرائج روى أن سلمان رضي الله عنه، قال: كانت فاطمة عليها السلام جالسة قدامها رحى، تطحن بها الشعير وعلى عمود الرحى دم سائل، والحسين عليه السلام في ناحية الدار، يتضور من الجوع، فقلت: يا بنت رسول الله دبرت كفاك وهذه فضة، فقالت عليها السلام: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله أن تكون الخدمة لها يوما فكان أمس يوم خدمتها، قال سلمان: قلت إني مولى عتاقه إما أنا أطحن الشعير أو أسكت الحسين عليه السلام لك ؟ فقالت: أنا بتسكينة أرفق، وأنت تطحن الشعير، فطحنت شيئا من الشعير، فإذا أنا بالإقامة، فمضيت وصليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فرغت، قلت لعلي عليه السلام ما رأيت، فبكى وخرج، ثم عاد، فتبسم، فسأله عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: دخلت على فاطمة، وهي مستلقية لقفاها والحسين نائم على صدرها وقدامها رحى تدور من غير يد فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال " يا علي، اما علمت إن لله ملائكة سيارة في الأرض يخدمون محمدا وآل محمد إلى أن تقوم الساعة " (15). وروي أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام، فوجده هو وفاطمة عليها السلام يطحنان في الجاروس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أيكما أعيى ؟ فقال علي عليه السلام فاطمة يا رسول الله، فقال لها: قومي يا بنية، فقامت


(14) قرب الاسناد ص 25. (15) البحار ج 43 ص 28 الخرائج ج 2 ص 530. (*)

[ 37 ]

وجلس النبي صلى الله عليه وآله موضعها مع علي عليه السلام فواساه في الطحن (16). وعن بعض كتب المناقب، عن جابر بن عبد الله: إن النبي صلى الله عليه وآله أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه، وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة عليها السلام فقال: يا بنية هل عندك شئ آكله فإني جائع ؟ فقالت: لا والله بابي أنت وأمي، فلما خرج من عندها بعث إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها ووضعته في جفنة لها، وغطت عليها وقالت: لأوثرن بها رسول الله صلى الله عليه وآله على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعث حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إليها فقالت: بأبي أنت وامي قد أتانا الله بشي فخبأته، قال: هلمي، فأتته، فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملؤة خبزا ولحما، فلما نظرت إليه بهتت، فعرفت أنها كرامة من الله عز وجل، فحمدت الله، وصلت على نبيه فقال: صلى الله عليه وآله من أين لك هذا يا بنية ؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله عزوجل وقال الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء العالمين في نساء بني اسرائيل في وقتهم فانها كانت إذا رزقها الله تعالى فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام ثم أكل رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته جميعا وشبعوا وبقيت الجفنة كما هي، قالت فاطمة عليها السلام فأوسعت منها على جميع جيراني وجعل الله فيها البركة والخير كما فعل الله بمريم (17).


(16) البحار ج 43 ص 50. (17) البحار ج 43 ص 27 ص 68. (*)

[ 38 ]

فصل [ في كثرة عبادتها ] قال الحسن البصري: ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة عليها السلام كانت تقوم حتى تورم قدماها (1). وقال النبي صلى الله عليه وآله لها: أي شئ خير للمرئة ؟ قالت: " أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل " فضمها إليه وقال ذرية بعضها من بعض (2). وقال الحسن بن علي عليه السلام: رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشئ، فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟ فقالت: يا بني، الجار ثم الدار (3). وروي الصدوق عن فاطمة صلوات الله عليها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسئل الله عز وجل فيها خيرا إلا أعطاه إياه، قالت: فقلت يا رسول الله أية ساعة هي ؟ قال: إذا تدلى نصف عين الشمس للغروب، قال: فكانت فاطمة عليها السلام تقول لغلامها: اصعد على الضراب، فإذا رأيت نصف عين الشمس تدلى للغروب فاعلمني حتى أدعو (4). وروي أنها سلام الله عليها، كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الارض (5).


(1) (2) المناقب ج 3 ص 341. (3) علل الشرايع ج 1 ص 182 البحار ج 43 ص 82. (4) وسائل الشيعة ج 3 ابواب صلاة الجمعة وآدابها ص 69 الضراب الجبل الصغير ولعل المراد هنا المكان المرتفع منه. (5) علل الشرايع ص 180. (*)

[ 39 ]

وروى الصدوق رحمه الله، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لرجل من بني سعد: ألا أحدثك عني وعن فاطمة إنها كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه وأنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد. فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حر [ ضر - خ ] ما أنت فيه من هذا العمل، فأتت النبي صلى الله عليه وآله فوجدت عنده حداثا فاستحت فانصرفت. قال: فعلم النبي صلى الله عليه وآله أنها جائت لحاجة قال فغدا علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في لفاعنا. فقال: السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم، فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك، يسلم ثلثا فان اذن له وإلا انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله ادخل، فلم يعد أن جلس عند رؤسنا، فقال يا فاطمة: ما كانت حاجتك أمس عند محمد صلى الله عليه وآله. قال عليه السلام: فخشيت إن لم نجبه أن يقوم، قال: فأخرجت رأسي، فقلت أنا والله أخبرك يا رسول الله إنها استقت بالقربة حتى اثرت في صدرها، وجرت بالرحى حنى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حر [ ضر - خ - البحار ] ما أنت فيه من هذا العمل. قال صلى الله عليه وآله: أفلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ إذا أخذتما منامكما، فسبحنا ثلثا وثلثين، واحمدا ثلثا وثلثين وكبرا أربعا وثلاثين، قال: فأخرجت عليها السلام رأسها، فقالت: رضيت عن الله ورسوله ثلث دفعات (6).


(6) علل الشرايع ص 366 بحار ج 43 ص 82 مجلت يدها: أي ثخن جلدها في العمل. دكن الثوب إذا اتسخ واغبر لونه. اللفاغ: ثوب يجلل به الجسد حداثا أي جماعة يتحدثون. ولم يعد أن جلس: أي لم يتجاوز عن الجلوس. (*)

[ 40 ]

المناقب، عن كتاب الشيرازي، إنها عليها السلام لما ذكرت حالها وسئلت جارية، بكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا فاطمة: والذي بعثني بالحق إن في المسجد أربعمأة رجل، ما لهم طعام ولا ثياب، ولولا خشيتي خصلة لأعطيتك ما سئلت، يا فاطمة إني لا اريد أن ينفك عنك أجرك إلى الجارية الخ (7). تفسير الثعلبي، عن جعفر بن محمد عليهما السلام، وتفسير القشيري، عن جابر الانصاري، انه رأى النبي صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقالت: " يا رسول الله الحمد لله على نعمائه والشكر الله على آلائه (8)


(7 - 8) المناقب ج 3 ص 342. (*)

[ 41 ]

[ فصل ] " في فضل فضة خادمها " أبو القاسم القشيري في كتابه، قال بعضهم: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت إمرأة، فقلت لها: من أنت ؟ فقالت: وقل * (سلام فسوف تعلمون) * فسلمت عليها، فقلت: ما تصنعين هيهنا ؟ قالت: * (من يهدي الله فلا مضل له) *، فقلت: أمن الجن أنت أم من الإنس ؟ قالت: * (يا بني آدم خذوا زينتكم) *، فقلت: من أين أقبلت ؟ قالت: * (ينادون من مكان بعيد) *، فقلت: أين تقصدين ؟ قالت: * (ولله على الناس حج البيت) *، فقلت: متى انقطعت ؟ قالت: * (ولقد خلقنا السماوات والأرض في ستة أيام) *، فقلت: أتشتهين طعاما ؟ فقالت: * (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) *، فأطعمتها. ثم قلت: هر ولي وتعجلي قالت: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فقلت: أردفك ؟ فقالت: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) *، فنزلت فأركبتها، فقالت: * (سبحان الذي سخر لنا هذا) *، فلما أدركنا القافلة، قلت: ألك أحد فيها ؟ قالت: * (يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض) *، * (وما محمد إلا رسول) *، * (يا يحيى خذ الكتاب) *، * (يا موسى إني أنا الله) *، فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجهين نحوها، فقلت: من هؤلاء منك ؟ قالت: * (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) *، فلما أتوها، قالت: * (يا أبتا استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) *، فكافوني بأشياء، فقالت * (والله يضاعف لمن يشاء) *، فزادوا علي، فسألتهم عنها ؟ فقالوا هذه أمنا فضة جارية الزهراء عليها السلام، ما تكلمت منذ عشرين سنة الا بالقرآن (9)


(9) المناقب ج 3 ص 343. (*)

[ 42 ]

[ فصل ] (في فضيلتها وفضيلة شيعتها) روى الشيخ الأجل عماد الدين، أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي الطبري في بشارة المصطفى بأسناده عن همام أبي علي، قال: قلت لكعب الحبر: ما تقول في هذه الشيعة، شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ قال يا همام: إني لأجد صفتهم في كتاب الله المنزل، إنهم حزب الله، وأنصار دينه، وشيعة وليه، وهم خاصة الله من عباده، ونجبائه من خلقه. إصطفاهم لدينه، وخلقهم لجنته، مسكنهم الجنة إلى الفردوس الأعلى في خيام الدر، وغرف [ غرفهم خ م ] اللؤلؤ وهم في المقربين الأبرار، يشربون من الرحيق المختوم، وتلك عين يقال لها تسنيم، لا يشرب منها غيرهم، وإن تسنيما (10) عين وهبها الله لفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله زوجة علي بن أبي طالب عليهم السلام، تخرج من تحت قائمة قبتها على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك، ثم تسيل، فيشرب منها شيعتها وأحبائها، وإن لقبتها أربع قوائم، قائمة من لؤلؤ بيضاء تخرج من تحتها عين، [ تسيل في سبل أهل الجنة يقال لها السلسبيل وقائمة من درة صفراء تخرج من تحتها عين ] يقال لها طهور، [ وهي التي قال الله تعالى في كتابه * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * ] وقائمة من زمردة خضراء تخرج من تحتها عينان نضاختان من خمر وعسل، فكل عين منها تسيل الى أسفل الجنان، إلا التسنيم فإنها تسيل إلى عليين، فيشرب منها خاصة أهل الجنة وهم شيعة علي عليه السلام وأحبائه، وتلك قول الله عزوجل في كتابه * (يسقون من رحيق مختوم إلى قوله المقربون) *، فهنيئا لهم، ثم قال كعب: والله لا يحبهم إلا من أخذ الله عزوجل منه الميثاق. ثم قال المصنف قدس الله روحه: قال محمد بن ابي القاسم لحرى أن تكتب الشيعة هذا الخبر بالذهب لانمائه (11) وتحفظه وتعمل بما فيه بما تدرك به هذه الدرجات


(10) فإن التسنيم خ م. (11) لإيمانهم خ م. (*)

[ 43 ]

العظيمة، لا سيما رواية روتها العامة فتكون أبلغ في الحجة، وأوضح في الصحة، رزقنا الله العلم والعمل بما أدوا إلينا الهداة الائمة عليهم الصلوة والسلام (نقلته من البحار) (12). وفيه أيضا عن كنز بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه، قال رأيت سلمان وبلالا يقبلان الى النبي صلى الله عليه وآله إذ انكب سلمان على قدم رسول الله يقبلها، فزجره النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك ثم قال له: يا سلمان لا تصنع بي ما تصنع الأعاجم بملوكها أنا عبد من عبيد الله آكل كما يأكل العبد، وأقعد كما يقعد العبد، فقال له سلمان: يا مولاي سألتك بالله إلا أخبرتني بفضل فاطمة يوم القيامة ؟ قال: فأقبل النبي صلى الله عليه وآله عليه ضاحكا مستبشرا، ثم قال: " والذي نفسي بيده، إنها الجارية التي تجوز في عرصة القيامة على ناقة رأسها من خشية الله، وعيناها من نور الله " إلى أن قال: جبرئيل عن يمينها وميكائيل عن شمالها، وعلي أمامها، والحسن والحسين ورائها، والله يكلأها ويحفظها فيجوزون في عرصة القيامة فإذا النداء من قبل الله جل جلاله: معاشر الخلايق، غضوا أبصاركم ونكسوا رؤسكم، هذه فاطمة بنت محمد نبيكم، زوجة علي إمامكم، أم الحسن والحسين، فتجوز الصراط، وعليها ريطتان بيضاوان، فإذا دخلت الجنة ونظرت إلى ما أعد الله لها من الكرامة، قرأت: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب "، قال: فيوحي الله عزوجل إليها: يا فاطمة سليني أعطك وتمني علي أرضك. فتقول: إلهي أنت المنى وفوق المنى، أسئلك أن لا تعذب محبي ومحبي عترتي بالنار، فيوحي الله إليها: " يا فاطمة وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السموات والأرض بألفي عام، أن لا أعذب محبيك ومحبي عترتك بالنار " (13).


(12) بشارة المصطفى ص 50. (13) تفسير البرهان ج 3 ص 365. (*)

[ 44 ]

فصل [ في زهدها عليها السلام ] السيد بن طاوس من كتاب زهد النبي صلى الله عليه وآله لأبي جعفر أحمد القمي، أنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله، * (وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) * بكى النبي صلى الله عليه وآله بكاء شديدا وبكت صحابته لبكائه، ولم يدروا ما نزل به جبرئيل ولم يستطع أحد من صحابته أن يكلمه، وكان النبي صلى الله عليه وآله، إذا رأى فاطمة (عليها السلام) فرح بها، فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيرا وهي تطحن فيه وتقول: * (وما عند الله خير وأبقى) * فسلم عليها، وأخبرها بخبر النبي صلى الله عليه وآله وبكائه فنهضت والتفت بشملة لها خلقة قد خيطت في إثني عشر مكانا بسعف النخل، فلما خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة وبكى وقال: واحزناه ان بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير وإبنة محمد صلى الله عليه وآله عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في إثني عشر مكانا ؟ فلما دخلت فاطمة عليها السلام على النبي صلى الله عليه وآله قالت: يا رسول الله، إن سلمان تعجب من لباسي فو الذي بعثك بالحق، مالي وعلي عليه السلام منذ خمس سنين إلا مسك كبش نعلف عليه بالنهار بعيرنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف، فقال النبي صلى الله عليه وآله يا سلمان إن ابنتي لفي الخيل السوابق. ثم قالت: يا أبتاه فديتك ما الذي أبكاك ؟ فذكر لها ما نزل به جبرئيل من الآيتين المتقدمتين، قال: فسقطت فاطمة عليها السلام على وجهها وهي تقول: " الويل ثم الويل لمن دخل النار " فسمع سلمان، فقال: يا ليتني كنت كبشا لأهلي، فأكلوا لحمي ومزقوا جلدي، ولم أسمع بذكر النار، وقال أبو ذر: يا ليت أمي كانت عاقرا ولم تلدني ولم أسمع بذكر النار، وقال مقداد: يا ليتني كنت طائرا في القفار، ولم يكن علي حساب

[ 45 ]

ولا عقاب ولم أسمع بذكر النار وقال علي عليه السلام يا ليت السباع مزقت لحمي، وليت أمي لم تلدني ولم أسمع بذكر النار. ثم وضع يده على رأسه وجعل يبكي ويقول: وابعد سفراه واقلة زاداه في سفر القيامة، يذهبون في النار ويتخطفون، مرضى لا يعاد سقيمهم، وجرحى لا يداوي جريحهم، وأسرى لا يفك أسرهم من النار، يأكلون، ومنها يشربون وبين أطباقها يتقلبون، وبعد لبس القطن مقطعات النار يلبسون، وبعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرنون (1). كشف الغمة من مسند أحمد بن حنبل، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سافر آخر عهده بانسان من أهله فاطمة عليها السلام، وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام، قال: فقدم من غزاة فأتاها، فإذا هو بمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين عليهما السلام قلبين من فضة (2)، فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك ظنت أنه لم يدخل عليها من أجل ما رآى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يبكيان، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله منهما، وقال: يا ثوبان إذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج " فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن ياكلوا طيباتهم في حيوتهم الدنيا " (3). روى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في الدلائل بإسناده الى إبن مسعود، إنه جاء رجل إلى فاطمة عليها السلام فقال: يا ابنة رسول الله هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله عندك شيئا تطرفينيه ؟ فقالت سلام الله عليها: يا


(1) بحار ج 3 ص 87 تفسير البرهان ج 2 ص 364. (2) القلب بالضم: السوار. (3) بحار ج 34 ص 89. (*)

[ 46 ]

جارية هات (هاتي ظ) تلك الجريدة، فطلبتها فلم تجدها فقالت سلام الله عليها: ويحك اطلبيها فانها تعدل عندي حسنا وحسينا فطلبتها فإذا هي قد قممتها في قمامتها فإذا فيها. قال محمد النبي صلى الله عليه وآله: ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت، إن الله تعالى يحب الخير الحليم المتعفف ويبغض الفاحش البذاء السئال الملحف، إن الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، وإن الفحش من البذاء والبذاء في النار (4).


(4) دلائل الامامة ص 1. (*)

[ 47 ]

فصل روى الشيخ الصدوق عن ابن عباس، في خبر طويل في إخبار النبي صلى الله عليه وآله بظلم أهل البيت فمما أخبر به أن قال: وأما إبنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الإنسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض ويقول الله عز وجل لملائكته " يا ملائكتي أنظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها إلى عبادتي، أشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار ". أقول: ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها وغصب حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يا محمداه فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، تتذكر إنقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في إيام أبيها عزيزة، فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: " يا فاطمة إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة أقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ".

[ 48 ]

ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها فتقول عند ذلك: يا رب إني قد سئمت الحياة وتبرمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي فيلحقها الله عز وجل بي فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة مكروبة مغمومة، مغصوبة، مقتولة فأقول عند ذلك: " أللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنينها حتى ألقت ولدها " فتقول الملائكة عند ذلك آمين (1).


الامالي للصدوق ص 113. (*)

[ 49 ]

فصل [ حديث تزويج فاطمة لعلي عليه السلام ] في البحار عن امالي الشيخ بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام عليا عليه السلام دخل عليها وهي تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فو الله لو كان في أهل بيتي خير منه زوجتك، وما أنا زوجتك، ولكن الله زوجك وأصدق عنك الخمس ما دامت السموات والأرض. قال علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قم فبع الدرع، فقمت فبعته وأخذت الثمن ودخلت على رسول الله صلى الله عليه آله، فسكبت الدراهم في حجره، فلم يسئلني كم هي ولا أنا أخبرته، ثم قبض قبضة ودعا بلالا فأعطاه فقال: إبتع لفاطمة طيبا، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله من الدراهم بكلتا يديه فأعطاه أبا بكر وقال إبتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وأردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه. فحضروا السوق فكانوا يعترضون الشيئ مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على ابي بكر، فإن إستصلحه إشتروه، فكان مما اشتروه، قميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة دراهم وقطيفة سوداء خيبرية، وسرير مزمل (1) بشريط، وفراشين من خيش مصر، حشو أحدهما ليف وحشو الآخر من جز الغنم، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها أذخر، وستر من صوف وحصير هجري (2) ورحى لليد، ومخضب (3) من


(1) مزمل اي ملفوف، والشريط خوص مفتول يشرط به السرير، الخيش: ثياب في نسجها رقة وخيوطها غلاظ. قوله: من جز الغنم اي من الصوف الذي جز من الغنم. (2) هجر محركة بلدة باليمن، وقرية كانت قرب المدينة راجع هامش البحار. (3) المخصب كمنبر: المركن. (*)

[ 50 ]

نحاس، وسقاء من أدم، وقعب (4) للبن، وشن للماء، ومطهرة مزفته، وجرة خضراء، وكيزان خزف حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع وحمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا معه الباقي، فلما عرض المتاع على رسول الله صلى الله عليه وآله جعل يقلبه بيده ويقول: بارك الله لأهل البيت. قال علي عليه السلام: فأقمت بعد ذلك شهرا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأرجع الى منزلي ولا أذكر شيئا من أمر فاطمة عليها السلام، ثم قلن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله ألا نطلب لك من رسول الله صلى الله عليه وآله دخول فاطمة عليها السلام عليك، فقلت: إفعلن فدخلن عليه صلى الله عليه وآله فقالت أم أيمن: يارسول الله لو أن خديجة باقية لقرت عينها بزفاف فاطمة. وأن عليا يريد أهله، فقر عين فاطمة ببعلها وأجمع شملها، وقر عيوننا بذلك فقال: ما بال علي لا يطلب مني زوجته، فقد كنا نتوقع ذلك منه قال علي عليه السلام: فقلت الحياء يمنعني يا رسول الله. فالتفت إلى النساء فقال: من هيهنا، فقالت أم سلمة: أنا أم سلمة: وهذه زينب وهذه فلانة وفلانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هيئن لإبنتي وابن عمي في حجري بيتا، فقالت أم سلمة: في أي حجرة يا رسول الله ؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله في حجرتك، وأمر نسائه أن يزين ويصلحن من شأنها. قالت أم سلمة: فسألت فاطمة هل عندك طيب إدخرتيه لنفسك ؟ قالت: نعم، فأتت بقارورة فسكبت منها في راحتي، فشممت منها رائحة ما شممت مثلها قط، فقلت: ما هذا ؟ فقالت: كان يدخل دحية الكلبي على رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول لي: يا فاطمة هات الوسادة فاطرحيها لعمك، فأطرح له الوسادة فيجلس عليها، فإذا نهض سقط من بين ثيابه شئ فيأمرني بجمعه، فسئل علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك ؟ فقال هو عنبر يسقط من أجنحة جبرئيل.


(4) القعب: قدح من خشب. (*)

[ 51 ]

قال علي عليه السلام: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي إصنع لأهلك طعاما فاضلا، ثم قال: من عندنا اللحم والخبز، وعليك التمر والسمن، فاشتريت تمرا وسمنا، فحسر رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذراعه وجعل يشدخ (5) التمر في السمن حتى اتخذه حيسا (6)، وبعث إلينا كبشا سمينا فذبح وخبز لنا خبز كثير. ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: أدع من أحببت، فأتيت المسجد وهو مشحن بالصحابة، فحييت أن أشخص قوما وأدع قوما، ثم صعدت على ربوة هناك وناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة، فأقبل الناس ارسالا فاستحييت من كثرة الناس وقلة الطعام، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله ما تداخلني، فقال: يا علي إني سأدعو الله بالبركة. قال علي عليه السلام: فأكل القوم عن آخرهم طعامي وشربوا شرابي، ودعوا لي بالبركة وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل ولم ينقص من الطعام شئ. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بالصحاف فملئت ووجه بها إلى منازل أزواجه، ثم أخذ صحفة وجعل فيها طعاما وقال: هذا لفاطمة وبعلها حتى إذا انصرفت الشمس للغروب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم سلمة هلمي فاطمة فانطلقت فأتت بها وهي تسحب أذيالها، وقد تصببت عرقا حياء من رسول الله صلى الله عليه وآله فعثرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقالك الله العثرة في الدنيا والآخرة، فلما وقفت بين يديه كشف الرداء عن وجهها حتى رآها علي عليه السلام، ثم أخذ يدها فوضعها في يد علي عليه السلام وقال: بارك الله لك في إبنة رسول الله، يا علي نعم الزوجة فاطمة، ويا فاطمة نعم البعل علي، انطلقا إلى منزلكما ولا تحدثا أمرا حتى آتيكما.


(5) الشدخ: كسر الشئ. (6) الحيس هو تمر يخلط بسمن وأقط. (*)

[ 52 ]

قال علي عليه السلام: فأخذت بيد فاطمة عليها السلام وانطلقت بها حتى جلست في جانب الصفة وجلست في جانبها وهي مطرقة إلى الأرض حياء مني وأنا مطرق إلى الأرض حياء منها. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: من هيهنا ؟ فقلنا ادخل يا رسول الله مرحبا بك زائرا وداخلا، فدخل فأجلس فاطمة من جانبه، ثم قال: يا فاطمة إيتيني بماء فقامت إلى قعب في البيت فملأته ماء ثم أتته به، فأخذ جرعة فتمضمض بها، ثم مجها في القعب ثم صب منها على رأسها، ثم قال: أقبلي، فلما أقبلت نضح منه بين ثدييها، ثم قال: أدبري، فأدبرت، فنضح منه بين كتفيها، ثم قال: " أللهم هذه إبنتي وأحب الخلق الي، أللهم وهذا أخي وأحب الخلق إلي، أللهم اجعله لك وليا وبك حفيا وبارك له في أهله، ثم قال: يا علي ادخل بأهلك بارك الله تعالى لك ورحمة الله وبركاته عليكم إنه حميد مجيد " (7). وفي رواية اخرى، قال علي عليه السلام: ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك ثلثا لا يدخل علينا، فلما كان في صبيحة اليوم الرابع جاءنا ليدخل علينا، فصادف في حجرتنا أسماء بنت عميس الخثعمية، فقال لها: ما يقفك هيهنا وفي الحجرة رجل ؟ فقالت: فداك أبي وأمي، إن الفتاة إذا زفت إلى زوجها تحتاج إلى إمرئة تتعاهدها وتقوم بحوائجها، فأقمت هيهنا لأقضي حوائج فاطمة عليها السلام، [ وأقوم بأمرها فتغرغر عينا رسول الله صلى الله عليه وآله بالدموع ]، قال: يا أسما قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة. قال علي عليه السلام: وكان غداة قرة (8) وكنت أنا وفاطمة تحت العباء، فلما سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله لأسماء ذهبنا لنقوم فقال: بحقي عليكما، لا تفترقا حتى أدخل عليكما، فرجعنا إلى حالنا ودخل صلى الله عليه وآله وجلس عند


(7) امالي الشيخ ج 1 ص 39 بحار ج 43 ص 94. (8) يوم قر اي بارد القر بالضم البرد. (*)

[ 53 ]

رؤوسنا وأدخل رجليه فيما بيننا، وأخذت رجله اليمنى فضممتها إلى صدري، وأخذت فاطمة عليها السلام رجله اليسرى فضممتها إلى صدرها، وجلعنا ند فئ رجليه (9) من القر حتى إذا دفئتا قال: يا علي إئتني بكوز من ماء فأتيته فتفل فيه، ثلثا وقرء فيه آيات من كتاب الله، ثم قال: يا علي إشربه واترك فيه قليلا، ففعلت ذلك، فرش باقي الماء على رأسي وصدري، وقال: أذهب الله عنك الرجس يا أبا الحسن وطهرك تطهيرا. وقال صلى الله عليه وآله: إيتني بماء جديد، فأتيته به ففعل كما فعل وسلمه إلى أبنته وقال لها: إشربي واتركي منه قليلا. ففعلت فرشه على رأسه وصدرها وقال: أذهب الله عنك الرجس وطهرك تطهيرا. وأمرني بالخروج من البيت وخلا بابنته وقال: كيف أنت يا بنية ؟ وكيف رأيت زوجك ؟ قالت له: يا أبة خير زوج إلا أنه دخل علي نساء من قريش وقلن لي: زوجك رسول الله صلى الله عليه وآله من فقير لا مال له، فقال لها يا بنية ما أبوك بفقير ولا بعلك بفقير ولقد عرضت علي خزائن الأرض من الذهب والفضة، فاخترت ما عند ربي عز وجل يا بنية: لو تعلمين ما علم أبوك لسمجت الدنيا في عينيك (10)، والله يا بنية ما ألوتك نصحا (11)، ان زوجتك أقدمهم سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما، يا بنية: إن الله عز وجل إطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار من أهلها رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك يا بنية: نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمرا. ثم صاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: ادخل بيتك والطف بزوجتك وارفق بها، " فإن فاطمة بضعة مني، يؤلمني ما يؤلمها، ويسرني ما يسرها، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما ". قال على عليه السلام: " فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها


(9) ادفئه اي أسخنه من البرد. (10) سمج: أي قبح. (11) اي ما نقصت النصح لك. (*)

[ 54 ]

الله عز وجل إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي امرا، ولقد كنت أنظر إليها فيكشف عني الهموم والأحزان ". قال علي عليه السلام: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله لينصرف، فقالت له فاطمة عليها السلام: يا أبة لا طاقة لي بخدمة البيت فأخدمني خادما تخدمني وتعينني على أمر البيت فقال لها: يا فاطمة أولا تريدين خيرا من الخادم ؟ فقال علي عليه السلام: قولي: بلى قالت: يا أبة خيرا من الخادم ! فقال: تسبحين الله عز وجل في كل يوم ثلثا وثلثين مرة وتحمدينه ثلثا وثلثين مرة وتكبرينه أربعا وثلثين مرة، فذلك مأة باللسان وألف حسنة في الميزان، يا فاطمة إنك إن قلتها في صبيحة كل يوم كفاك الله ما أهمك من أمر الدنيا والآخرة (12). قال في المصباح: في أول يوم من ذي الحجة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام من أمير المؤمنين عليه السلام، وروى انه كان في يوم السادس (13).


(12) كشف الغمة ج 1 ص 362 البحار ج 43 ص 132. (13) بحار الانوار ج 43 ص 92. (*)

[ 55 ]

الباب الثالث في أخبار السقيفة وما جرى عليها صلوات الله عليها بعد وفات أبيها من الظلم والأذى فصل قال الشيخ في تلخيص الشافي والطبرسي في الاحتجاج، وابن أبي الحديد في شرح النهج، عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري ما ملخصه: إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، إجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخرجوا سعد بن عبادة ليولوه الخلافة وكان مريضا فخطبهم ودعاهم إلى إعطائه الرياسة والخلافة، فأجابوه بأجمعهم، ثم ترادوا الكلام فقالوا: [ إن أبت مهاجرة قريش فقالوا ] نحن المهاجرون وصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله الأولون وعشيرته وأوليائه فعلام تنازعوننا الأمر من بعده ؟ قالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير. ولن نرضى بدون هذا أبدا. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن. وسمع عمر الخبر، فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلى، فأرسل إليه أني مشتغل. فأرسل عمر ثانيا إليه أن قد حدث أمر لا بد لك من حضوره، فخرج إليه فقال: أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: منا أمير ومنكم أمير. ففزع أبو بكر أشد

[ 56 ]

الفزع وخرجا مسرعين إلى السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح، فجاؤا وفي السقيفة خلق كثير، فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد كنت زودت كلاما أردت أن أقوم به فيهم، فلما اندفعت إليهم ذهبت لأبتدء المنطق فقال لي أبو بكر: رويدا حتى أتكلم. ثم انطق بعد بما أحببت فنطق، فقال عمر: فما شئ كنت أريد أن أقول به إلا وقد أتى به فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله بعث محمدا رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليبعدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنها لمن عبدها شافعة ولهم نافعة ! وإنما هي من حجر منحوت، وخشب منجور، ثم قرء: * (يعبدون من دون الله ما لا يضرهم الآية) * فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، والأيمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياه، فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أوليائه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك الامر إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الاسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، وليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ! ! ! لا نقتات عليكم (1) بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الانصار املكوا عليكم أمركم، فان الناس في ظلكم، ولن يجترء مجترء على خلافكم، ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم، وأنتم أهل العزة، والمنعة، وأولوا العدد والكثرة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فان أبى هؤلاء إلا ما سمعتم: فمنا أمير ومنهم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولا تمنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة


(1) اقتات عليه: إذا تفرد برأيه دونه في التصرف. منه ره. (*)

[ 57 ]

منهم من ينازعنا سلطان محمد صلى الله عليه وآله ونحن أوليائه ! ! وعشريته ! فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الانصار، املكو أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فان أبوا عليكم فاجلوهم من هذا البلاد، فأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، انا أبو شبل في عريسه الأسد، والله ان شئتم لنعيدها جذعة، فقال عمر: إذن يقتلك الله فقال: إياك يقتل (2. فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل أو غير. فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار ألا أن محمدا (ص) من قريش وقومه أولى به وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولي هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلوة وهي أفضل الدين ! ! ! أبسط يدك، فلما بسط يده ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير عفتك عفاة (عقتك عقاق خ) أنفست على ابن عمك الإمارة (3). فقال أسيد بن حضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، فقاموا، فبايعوا أبا بكر، فانكسر على سعد بن عبادة والخزرج ما اجتمعوا عليه، وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كل جانب وتكاثروا على


(2) الجذل: عود ينصب للأبل الجربي تحتك به فتستشفى والمحكك: الذي كثر به الاحتكاك حتى صار مملسا. والعذق بالفتح: النخلة والمرجب: المدعوم بالرجبة وهي خشبة ذات شعبتين وذلك إذا طال وكثر حمله. والمعنى إني ذو راي يستشفى بالاستضاءة به كصيرا في مثل هذه الحادثة وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الاحوال فيها وفي أمثالها ومصادرها كالنخلة الكثيرة الحمل. وملخص المراد من هذا الكلام: اننى الذي يؤخذ برأيه " البحار ". (3) والله ما أضطرك الى هذا الأمر إلا الحسد لابن عمك خ ابن أبي الحديد. (*)

[ 58 ]

ذلك وتزاحموا، فجعلوا يطأون سعدا من شدة الزحمة وهو بينهم على فراشه مريض، فقال: قتلتموني قال عمر: اقتلوا سعدا قتله الله، فوثب قيس بن سعد فأخذ بلحية عمر وقال: والله يا بن صهاك، الجبان في الحروب الفرار، الليث في الملاء والأمن، لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة (4). فقال أبو بكر: مهلا يا عمر، فإن الرفق أبلغ وأفضل، فقال: سعد: يا بن صهاك، وكانت جدة عمر حبشية، أما والله لو أن لي قوة على النهوض لسمعتما مني في سككها زئيرا يزعجك وأصحابك منها، ولألحقتكما بقوم كنتم فيهم أذنابا أذلاء تابعين غير متبوعين لقد إجتر أتما يا آل الخزرج إحملوني من مكان الفتنة. فحملوه فأدخلوه منزله، فلما كان بعد ذلك، بعث إليه أبو بكر أن قد بايع الناس فبايع، فقال: والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما أقلت يدي فأقاتلكم بمن تبعني من أهل بيتي وعشيرتي وأيم الله لو اجتمع الجن والأنس علي ما بايعتكما أيها العاصيان " الغاصبان خ " حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي فلما جاءهم كلامه، قال عمر: لابد من بيعته. فقال بشير بن سعد: إنه قد أبى ولج وليس بمبايع أو يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه الخزرج والأوس فاتركوه وليس تركه بضائر، فقبلوا قوله وتركوا سعدا وكان سعد لا يصلي بصلوتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو أجد أعوانا لصال بهم ولقاتلهم، فلم يزل كذلك في ولاية ابي بكر حتى هلك أبو بكر، ثم ولى عمر فكان كذلك، فخشي سعد غائلة عمر فخرج إلى الشام فمات بحوران (5) في ولاية عمر ولم يبايع أحدا، وكان سبب موته أن رمي بسهم في الليل فقتله وزعم ان الجن رموه (6). وعن ابن عبد البر وابن حجر العسقلاني، انهما قالا: إن سعدا لم يبايع أحدا


(4) الواضحة: الاسنان التي تبدوا عند الضحك. (5) حوران بالفتح: كورة واسعة من اعمال دمشق ذات قرى كثيرة. (6) شرح ابن ابي الحديد ج 6 ص 5 - 11 الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 89 - 112. (*)

[ 59 ]

من أبي بكر وعمر ولم يقدروا على إلزامه كإلزامهم لغيره لكثرة أقوامه من الخزرج فاحترزوا عن فتنتهم ولما وصل حكومة أهل الاسلام إلى عمر مر ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر وقال له: ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد. فقال سعد: حرام علي أن أكون في بلد أنت أميره، ثم خرج من المدينة إلى الشام وكانت له قبيلة كثيرة في نواحي دمشق، كان يعيش في كل اسبوع عند طائفة منهم، ففي تلك الأيام كان يذهب يوما من قرية إلى أخرى فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقتل. إنتهى. وعن البلاذري، إن عمر بن الخطاب أشار الى خالد بن الوليد ومحمد بن مسلمة الانصاري بقتله، فرماه كل منهم بسهم فقتل، ثم أوقعوا في أوهام الناس ان الجن قتلوه، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرمينا بسهمين فلم نخطأ فؤاده وروى إبن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز، بإسناده عن القسم ابن محمد قال: لما توفى النبي صلى الله عليه وآله إجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، أنا والله لأتنفس هذا الامر عليكم أيها الرهط، ولكنا نساف (نخاف خ) أن يليه بعدكم من قتلنا أبنائهم وآبائهم وإخوانهم. الخبر. قال إبن أبي الحديد: قرأت هذا الخبر على أبي جعفر يحيى بن جعفر العلوي قال: لقد صدقت فراسة الحباب بن المنذر، فإن الذي خافه وقع يوم الحرة وأخذ من الأنصار ثار المشركين يوم بدر. ثم قال لي رحمه الله: ومن هذا خاف أيضا رسول الله صلى الله عليه وآله على ذريته وأهله، فإنه صلى الله عليه وآله كان قد وتر الناس وعلم أنه إن مات وترك إبنته وولدها سوقة ورعية تحت أيدي الولاة كانوا بعرض خطر عظيم، فما زال يقرر لابن

[ 60 ]

عمه قاعدة الأمر بعده حفظا لدمه ولدم أهل بيته، فإنهم إذا كانوا ولاة الأمر كانت دمائهم أقرب إلى الصيانة والعصمة مما إذا كانوا سوقة تحت يد وال من غيرهم فلم يساعده القضاء والقدر، وكان من الأمر ما كان، ثم أفضى أمر ذريته فيما بعد إلى أن علمت.. (7).


(7) شرح ابن الحديد ج 2 ص 53. (*)

[ 61 ]

فصل [ " في طرف مما جرى في السقيفة " ]. قال شيخنا المفيد في الإرشاد: واغتنم القوم الفرصة لشغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله وانقطاع بني هاشم عنهم بمصابهم برسول الله صلى الله عليه وآله، فتبادروا إلى ولاية الأمر واتفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهية الطلقاء والمؤلفة قلوبهم من تأخر الأمر حتى يفرغ (فرغ خ م) بنو هاشم فيستقر الأمر مقره، فيبايعوا ابا بكر لحضوره المكان، وكانت أسباب معروفة تيسر للقوم منها ما راموه، وليس هذا الكتاب موضع ذكرها، فنشرح القول فيها على التفصيل. وقد جائت الرواية: أنه لما تم لابي بكر ما تم وبايعه من بايع: جاء رجل إلى إمير المؤمنين عليه السلام وهو يسوي قبر رسول الله (ص) بمسحاة في يده، فقال له: إن القوم قد بايعوا أبا بكر ووقعت الخذلة للأنصار لإختلافهم وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر، فوضع عليه السلام طرف المسحاة على الأرض ويده عليها، ثم قال: * (بسم الله الرحمن الرحيم، ألم أحسب الناس أن يتركوا، الى قوله تعالى ما يحكمون) * (1)، وقد كان جاء أبو سفيان إلى باب رسول الله (ص) وعلي عليه السلام


(1) سورة العنكبوت آية 2. (*)

[ 62 ]

والعباس متوافران على النظر في أمره فنادى: بني هاشم: لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدى فما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي ابا حسن فاشدد بها كف حازم فإنك بالأمر الذي ترتجي ملي ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل ! أما والله لو شئتم لأملأنها عليهم خيلا ورجلا، فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: إرجع يا أبا سفيان فو الله ما تريد الله بما تقول وما زلت تكيد الاسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله (ص) وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب (2). فانصرف أبو سفيان الى المسجد، فوجد بني أمية مجتمعين فيه، فحرضهم على الأمر ولم ينهضوا له، وكانت فتنة عمت، وبلية شملت، وأسباب سوء إتفقت، تمكن بها الشيطان وتعاون فيها أهل الإفك والعدوان، فتخاذل في إنكارها أهل الايمان، وكان ذلك تأويل قول الله عزوجل * (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * (3) (4).


(2) احتقب: اكتسب. (3) الانفال آية 26. (4) الارشاد ص 101. (*)

[ 63 ]

فصل قال الشيخ الامام الفاضل العالم الأجل الأقدم عبيد الله بن عبد الله أسد آبادي رحمه الله في كتاب المقنع في الإمامة. فصل، فيه طرف مما جرى في أمر السقيفة ليعلم أيضا كيف بنى القوم أمرهم على دفع ولي الأمر وصاحب الحق عن حقه. أجمع أصحاب السير أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله إشتغل أمير المؤمنين عليه السلام بغسله وتجهيزه، وكان المهاجرون والأنصار وغيرهم من قريش ينتظرون ما يكون من أمير المؤمنين عليه السلام فتصور لهم إبليس لعنه الله في صورة المغيرة بن شعبة أعور ثقيف، وقال لهم: ما تنتظرون ؟ قالوا: ما يكون من بني هاشم، فقال لهم: امضوا ووسعوها يتسع، فو الله لئن وقفتم الى فراغهم لتصيرن فيهم ويصير قيصرانية وكسروية، هذا وقد كان نفر من قريش من قبل ذلك، كتبوا صحيفة بيعتهم [ بينهم خ ] وأودعوها أبا عبيدة بن الجراح، وضمنوها بأنه إن قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أو قتل، عدل بالإمامة عن بني هاشم حتى لا تجمع لهم النبوة والخلافة. ثم جاء إبليس لعنه الله وحثهم وزين لهم ما أتوه فنهضوا إلى سقيفة بني ساعدة وساق كلامه إلى أن قال: وأنا أشرح بمشيئة الله تعالى وعونه طرفا مما جرى في السقيفة لابد منه ولا غنى عنه، حتى يعلم كيف استهانوا بالدين وكيف خولف صاحب الشرع صلوات الله عليه وآله.

[ 64 ]

أخبرني أبو الحسن بن زنجي اللغوي البصري في سنة ثلث وثلثين وأربعمأة عن أبي عبد الله النمري، عن إبن دريد الأزدي، وأخبرني أبو الحسين علي بن المظفر العلامة البندينجيني (1) بها، عن أبي أحمد بن عبيد الله بن سعيد العسكري عن ابن دريد الازدي، عن أبي حاتم السجستاني، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء. إنه قال: قال أبو ذويب الهذلي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله عليل، فأوجسنا ذلك خيفة وأشعرنا جزعا وغما، فبت بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناء، لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها، فصرت أقاسي طولها ولا أفارق غولها، حتى إذا كان دون المسفر وقرب السحر، هتف هاتف، فقال: خطب جليل فت في الاسلام * بين النخيل ومعقد الاصنام قبض النبي محمد، فعيوننا * تذري الدموع عليه بالأسجام (2) قال أبو ذويب: فوثبت من نومي مزئورا، فنظرت الى السماء فلم أر إلا سعدا الذابح (3) فتفألت، وقلت: ذبحا وقتلا يقع في العرب، فعلمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبض أو هو مقبوض في علته تلك، فركبت ناقتي وسرت حتى إذا أصبحت طلبت شيئا أرجر عليه فعن لي شيهم (4) قد لزم على صل (5) وهو يتلوى والشيهم يقضمه حتى أكله فتفألت ذلك شيئاهما وقلت تلوى الصل إنفتال الناس عن الحق إلى القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم تأولت قضم الشيهم قضمه الأمر


(1) البندينجين بلدة مشهورة في طرف النهروان من ناحية الجبل بين أعمال بغداد. (2) اذراء: اشك ريختن اسجام: روان كردن اشك. (3) سعد الذابح: هما كوكبان نيران بينهما قدر ذراع وفي نحر أحدهما نجم صغير لقربه منه كأنه يذبحه وهو من منازل القمر: منه ره. (4) شيهم: خارپشت بزرگ خار. (5) الصل حية صفراء. (*)

[ 65 ]

وضمه إليه، فحثثت راحلتي حتى قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام. فقلت: مه ؟ فقيل: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا وأتيت بيت رسول الله فأصبت بابه مرتجا وقيل: هومسجي وقد خلا به أهله فقلت: أين الناس ؟ ! ! فقيل هم في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الانصار، فجئت الى السقيفة، فأصبت أبا بكر وعمر والمغيرة بن شعبة وابا عبيدة الجراح وجماعة من قريش ورأيت الأنصار فيهم سعد بن دلهم (6) ومعه شعراؤهم وامامهم حسان بن ثابت، فأويت إلى قريش وتكلمت الأنصار، فأطالوا، ولم يأتوا بالصواب، ثم بايع الناس أبا بكر في كلام طويل. قال: ثم انصرف أبو ذويب إلى باديته ومات في أيام عثمان بن عفان. وبهذا الاسناد إن النابغة الجعدي خرج من منزله وسئل عن حال الناس، فلقيه عمران بن حصين وقيس بن صرمة وقد عادا من السقيفة، فقال: ما وراكما فقال عمران ابن حصين: إن كنت أدري فعلي بدنة * من كثرة التخليط اني من أنا قال قيس بن صرمة: أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك فيهم قد غدا لمن غلب قد قلت قولا صادقا غير كذب * إن غدا يهلك أعلام العرب فقال النابغة: فما فعل أبو حسن علي عليه السلام ؟ فقيل: مشغول بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله فقال:


(6) سعد بن عباده خ ل. (*)

[ 66 ]

قولا لأصلع هاشم إن أنتما لا قيتماه لقد حللت أرومها وإذا قريش بالفخار تساجلت كنت الجدير به، وكنت زعيمها وعليك سلمت الغداة بإمرة للمؤمنين فما رعت تسليمها نكثت بنو تيم بن مرة عهدها فتبوئت نيرانها وجحيمها وتخاصمت يوم السقيفة والذي فيه الخصام غدا يكون خصيمها وفي هذا اليوم قال النعمان بن زيد، صاحب راية الانصار، يبكي على الاسلام وعلى خلافهم النبي صلى الله عليه وآله. يا ناعي الاسلام قم وانعه قد مات عرف وأتى منكر ما لقريش لا على كعبها من قدموا اليوم، ومن أخروا مثل علي من خفي أمره عليهم، والشمس لا تستر وليس يطوي علم باهر سام يد الله له ينشر حتى يزيلوا صدع ملمومة والصدع في الصخرة لا يجبر كبش قريش في وغا حربها فاروقها صديقها الأكبر

[ 67 ]

وكاشف الكرب إذا خطبه أعيى على واردها المصدر كبر لله وصلى وما صلى ذوو العيث ولا كبروا تدبيرهم أدى إلى ما أتوا تبا لهم يا بئس ما دبروا وقال العباس بن عبد المطلب: عجبت لقوم أمروا غير هاشم على هاشم رهط النبي محمد وليس بأكفاء لهم في عظيمة ولا نظراء في فعال وسؤدد وقال عتبة بن أبي سفيان بن عبد المطلب: وكان ولي الأمر من بعد أحمد علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا وعنهم (7) وأول من صلى ومن لان جانبه وقال عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب: تولت بنو تيم على هاشم ظلما وزادو عليا عن إمارته قدما


(7) وصهره خ ل. (*)

[ 68 ]

ولم يحفظوا قربى نبي قريبه ولم ينفسوا فيمن تولاهم علما وقال عبادة بن الصامت يوم السقيفة: ما للرجال أخروا عليا عن رتبة كان لها مرضيا أليس كان دونهم وصيا (في أبيات) وقال عبد الرحمن حنبل حليف بني جمح: لعمري لئن بايعتم ذا حفيظة على الدين معروف العفاف موفقا عفيفا عن الفحشاء أبيض ما جد صدوقا وللجبار قدما مصدقا أبا حسن فارضوا به وتبايعوا فليس كمن فيه لذي العيب مرتقا عليا وصي المصطفى ووزيره وأول من صلى لذي العرش واتقى رجعتم إلى نهج الهدى بعد زيغكم وجمعتم من شمله ما تمزقا وكان أمير المؤمنين بن فاطم بكم إن عرى خطب أبر وأرفقا وقال زفر بن الحارث بن حذيفة الأنصاري: فحوطوا عليا وانصروه فإنه وصي وفي الإسلام أول أول

[ 69 ]

فإن تخذلوه والحوادث جمة فليس لكم في الأرض من متحول وقال أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية يوم السقيفة: بني هاشم ما بال ميراث أحمد تنقل عنكم في لقيط وحابل (8) أعبد مناف كيف ترضون ما أرى وفيكم صدور المرهفات الأواصل فدى لكم أمي اثبتوا وثقوا بنا وبالنصر منا قبل فوت المخاتل متى كانت الأحساب تغدوا ببالكم متى قرنت تيم بكم في المحافل يحاذي بها تيم عديا وأنتم أحق وأولى بالأمور الأوائل وقال ايضا: وأضحت قريش بعد عز ومنعة حضوعا لتيم لا بضرب القواضب فيا لهف نفسي للذي ظفرت به وما زال فيها فائز بالرغائب قال أيضا: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدى


(8) خمل - خ. (*)

[ 70 ]

فيما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم فانك بالأمر الذي ترتجى ملئ وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين رضى الله عنه يوم السقيفة: ما كنت أحسب هذا الأمر منتقلا عن هاشم، ثم منها، عن أبي حسن أليس أول من صلى بقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي، ومن جبريل عونا له في الغسل والكفن ما ذا الذي ردكم عنه فنعرفه ها أن بيعتكم من أغبن الغبن وقد نسب هذه الأبيات إلى عتبة بن أبي لهب عبد المطلب. ولخزيمة إيضا يخاطب عايشه بنت أبي بكر: أعائش خلى عن علي، وعتبه بما ليس فيه انما أنت والدة وصي رسول الله من دون أهله وأنت على ما كان من ذاك شاهدة وقال النعمان بن عجلان الأنصاري في يوم السقيفة ويعرض بعمرو بن العاص: وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم عتيق ابن عمرو كان خلا أبا بكر

[ 71 ]

فأهل أبا بكر لها خير قائم وإن عليا كان أجدر بالامر فكان هو انا في علي وإنه لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري قال: لما استوثق الأمر لأبي بكر ونزل من السقيفة على الصفة التي نزلها، تكلم عمرو بن العاص في الانصار، قادحا فيهم، وواضعا منهم، ومصغرا لأمرهم، وأظهر ما كان يكتمه في نفسه ويستره من بعضهم في حيوة رسول الله صلى الله عليه وآله: فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فدخل المسجد وصعد المنبر، وذكر فضل الأنصار وما أنزله الله تعالى فيهم من القرآن، وما يجب على المسلمين من إكرامهم، ومعرفة حقوقهم، فقالوا لحسان بن ثابت: يجب أن تذكر فضل علي عليه السلام وسبقته وندموا على ما كان منهم يوم السقيفة، فقال حسان: جزى الله خيرا والجزاء بكفه ابا حسن عنا، ومن كأبي حسن سبقت قريشا بالذي أنت أهله فصدرك مشروح، وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش أعزة مكانك، هيهات الهزال من السمن وأنت من الاسلام في كل موطن بمنزلة الدلو البطى من الرسن غضبت لنا إذ قام عمرو بخصلة أمات بها التقوى، وأحيى بها الإحن وكنت المرجى من لوى بن غالب لما كان فيه، والذي بعد لم يكن

[ 72 ]

حفظت رسول الله فينا وعهده إليك، ومن أولى بها منك من ومن ألست أخاه في الهدى، ووصيه وأعلم قهرا بالكتاب، وبالسنن ثم ساق صاحب المقنع الكلام إلى أن قال: وروى أصحاب السير عن أبي الاسود الدئلي، إنه قال: حدثني من سمع أم أيمن رضي الله عنها، تقول: سمعت في الليلة التي بويع فيها أبو بكر هاتفا يقول ولا أرى شخصه: لقد ضعضع الاسلام فقدان أحمد وأبكى عليه فيكم كل مسلم واحزنه حزنا تمالوا صحبة الغواة، علي الهادي الرضى المكرم وصي رسول الله أول مسلم وأعلم من صلى وزكى بدرهم أخي المصطفى دون الذين تأمروا عليه، وأن بزوه فضل التقدم قد أوردنا نظما ونثرا ما يستدل به العاقل على أن القوم عاملوا أمير المؤمنين عليه السلام بما عمل بنو اسرائيل بهارون أخي موسى خذو النعل بالنعل فصار حكم أمير المؤمنين عليه السلام وحكم هارون واحدا. وما أحسن قول محمد بن نصر بن بسام الكاتب: إن عليا لم يزل محنة لرابح الدين ومغبون

[ 73 ]

أنزله من نفسه المصطفى منزلة علم تلت (9) بالدون صيره هارون في قومه لعاجل الدنيا والدين فارجع إلى الأعراف حتى ترى ما فعل القوم بهارون


(1) لم تك - خ. (*)

[ 74 ]

[ فصل ] [ " فيما كتب أبو بكر الى أسامة بن زيد وجوابه " ] ومما يدل على صحة دعوى من يقول: إن امير المؤمنين عليه السلام مغصوب حقه من إمامته، رسالة ابي بكر الى أسامة بن زيد، لما نزل من السقيفة، من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أسامة بن زيد: أما بعد فإن المسلمين فزعوا إلى واستخلفوني وأمروني عليهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ! في كلام طويل، فإذا قرأت كتابي هذا فادخل فيما دخل فيه المسلمون وأذن لعمر بن الخطاب في خلفه (تخلفه خ) عنك، فإنه لا غنى بي عنه، وتوجه إلى الوجه الذي وجهك رسول الله صلى الله عليه وآله. فكتب إليه أسامة: من أسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ابي بكر بن أبي قحافة، أما بعد فقد أتاني كتاب منك ينقض آخره أوله، ذكرت في أول كتابك أنك خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قلت: إن المسلمين استخلفوك، وفزعوا إليك وأمروك عليهم، ولو كان ذاك كذلك لكانت بيعتهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله لا في سقيفة بني ساعدة ! ! ! وسألت ان آذن لعمر بن الخطاب في تخلفه عنى لحاجتك إليه، فقد أذن لنفسه قبل أن آذن له، ولا لأحد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالشخوص معي إلى من أشخصني إليه، وما أمرك في تخلفك، وأمره عمر في تخلفه إلا واحد، وليس بينك وبينه

[ 75 ]

فرق، ومن عصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته فهو بمنزلة من عصاه في حياته وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرك وأمر عمر بالمسير معي ورأيه لكما خير من رأيكما لأنفسكما، وما خفي عليه موضعكما، وقد ولاني عليكما، ولم يولكما علي وعصيانه نفاق في كلام أضربت عنه هيهنا، وأوردته مستوفي في كتابي الموسم بعيون البلاغة في أنس الحاضر ونقلة المسافر، وانتهى (1).


(1) نقل تمامه السيد هبة الدين في المجموع الرائق في الباب الخامس منه ص 104 - 107 والنسخة مخطوطة راجع مكتبة آية الله النجفي (ره). (*)

[ 76 ]

فصل [ في عدم حضور أكثر الناس دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ] قال إبن عبد البر في محكي الإستيعاب: بويع لأبي بكر بالخلافة اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش، إنتهى. وقال شيخنا المفيد في الإرشاد: ولم يحضر دفن رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، (وفات) أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة عليها السلام تنادي: واسوء صباحاه، فسمعها أبو بكر فقال لها: إن صباحك لصباح سوء، إنتهى (1). وقال السيد ابن طاوس في كشف المحجة لولده: ومن أعجب ما رأيته في كتاب المخالفين، وقد ذكر الطبري في تاريخه وما معناه: ان النبي صلى الله عليه وآله توفي يوم الأثنين، وما دفن إلى ليلة الأربعاء وفي رواية: أنه بقي ثلاثة حتى دفن. وذكر إبراهيم الثقفي في كتاب المعرفة في الجزء الرابع: تحقيقا أن النبي صلى


(1) الارشاد ص 101. (*)

[ 77 ]

الله عليه وآله بقي ثلاثة أيام حتى دفن لاشتغالهم بولاية أبي بكر والمنازعات فيها وما كان يقدر أبوك علي عليه السلام أن يفارقه ولا ان يدفنه قبل صلاتهم عليه، ولا كان يؤمن أن يقتلوه إن فعل ذلك، أو ينبشوا النبي صلى الله عليه وآله ويخرجوه ويذكروا أنه دفنه في غير وقت دفنه، أو في غير الموضع الذي يدفن فيه، فأبعد الله جل جلاله من رحمته وعنايته نفوسا تركته على فراش منيته واشتغلت بولاية كان هو أصلها بنبوته ورسالته لتخرجها من أهل بيته وعترته، والله يا ولدي ما أدي كيف سمحت عقولهم ومروتهم ونفوسهم وصحبتهم مع شفقته عليهم وإحسانه إليهم بهذا التهوين. ولقد قال زيد بن مولانا زين العابدين عليه السلام (2): والله لو تمكن القوم أن طلبوا الملك بغير التعلق باسم رسالته كانوا قد عدلوا عن نبوته وبالله المستعان. وقال السيد أيضا: وكان من جملة حقوقه صلى الله عليه وآله بعد وفاته وخاصة يوم الممات، أن يجلس المسلمون كلهم على التراب، بل على الرماة، ويلبسوا أفضل ما يلبسه أهل المصاب من السواد، ويشتغلوا ذلك اليوم خاصة عن الطعام والشراب، ويشترك في النياحة والبكاء والمصائب، الرجال والنساء، ويكون يوما ما كان يوم مثله في الدنيا، ولا يكون، إنتهى (3).


(2) ولقد قال مولانا زين العابدين عليه السلام في المصدر. (3) كشف المحجة ص 71 - 72. (*)

[ 78 ]

فصل [ " فيما أخذ عمر من بيعة الناس لأبي بكر " ] روى إبن أبي الحديد وسليم بن قيس عن البراء بن عازب، قال: لم أزل لبني هاشم محبا، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لو فات رسول الله صلى الله عليه وآله، فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش، فإني لكذلك إذ فقدت ابا بكر وعمر، وإذا قائل يقول: القوم في سقيفة بني ساعدة وإذا قائل آخر يقول: وقد بويغ أبو بكر فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد اقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية، لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد ابي بكر يبايعه، شاء ذلك أو أبى فأنكرت عقلي وخرجت اشتد حتى أتيت بني هاشم (1) والباب مغلق عنهم، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا، وقلت قد بايع الناس لابي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس: تربت أيديكم الى آخر الدهر (2). قال صاحب الاحتجاج، وابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة وغيرهما:


(1) حتى انتهيت الى بني هاشم خ م. (2) شرح ابن ابي الحديد ج 1 ص 219 تربت أيديكم - أي أفتقرت ولا أصابت خيرا. (*)

[ 79 ]

فلما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله جلس في المسجد حزينا كئيبا من فراق رسول الله صلى الله عليه وآله، فاجتمع إليه بنو هاشم ومعه زبير بن العوام واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان، وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين إذ أقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا مالنا نريكم حلقا شتى، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الأنصار والناس فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا، وانصرف علي عليه السلام وبنو هاشم إلى منزل علي (عليه السلام) ومعهم الزبير، قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة فألفوهم مجتمعين فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، فوثب الزبير إلى سيفه فقال: عمر: عليكم بالكلب العقور فاكفونا شره، فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده، فأخذه عمر، فضرب به الأرض فكسره، واحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم ومضوا بجماعتهم إلى ابي بكر فلما حضروا، قالوا: بايعوا ابا بكر فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف، فلما رأى ذلك بنو هاشم، اقبل رجل رجل فجعل يبايع الخ (3). وروى صاحب الاحتجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن انه قال: ثم ان عمر إحتزم بازاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن ابا بكر قد بويع له فهلموا الى البيعة، فينثال (4) الناس فيبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم ويحضرهم في المسجد فيبايعون، حتى إذا مضت إيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فطالبه بالخروج فأبي فدعا عمر بحطب ونار. وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فيه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وولد رسول الله


(3) الاحتجاج ج 1 ص 94. (4) انثال الناس: انصبوا واجتمعوا. (*)

[ 80 ]

صلى الله عليه وآله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله، فيه فانكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك، إنما أردت التهويل فراسلهم علي عليه السلام: أن ليس إلى خروجي حيلة، لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أضع ردائي على عاتقي، حتى أجمع القرآن. قال: وخرجت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما وآلهما إليهم، فوقفت على الباب (5)، ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم، فلم توامرونا (6) ولم تروا لنا حقنا ؟ (7) كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والاخرة (8).


(5) فوقفت خلف الباب ح م. (6) ولم تؤمرونا - خ المصدر. (7) ولم تروا لنا حقا. في المصدر. (8) الاحتجاج ج 1 ص 105. (*)

[ 81 ]

فصل (في امتناع علي عليه السلام بيعة ابي بكر) قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وهو من أعاظم علماء الجمهور وكان في الغيبة الصغرى وتوفي سنة إثنتين وعشرين بعد ثلثمأة، في كتاب الإمامة والسياسة ما هذا لفظه: إبائه علي كرم الله وجهه عن بيعة أبي بكر رضى الله عنهما، ثم إن عليا كرم الله وجهه أتى به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله فقيل له: بايع ابا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار إنكم أولى بهذا الأمر منكم، لما كان محمد صلى الله عليه وآله منكم، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، فأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار: نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله حيا وميتا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي عليه السلام: احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم يردده عليك غدا، ثم قال: والله يا عمر لا أقبل قولك، ولا ابايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك فقال أبو عبيدة بن الجراح: لعلي عليه السلام يابن عم إنك حديث السن

[ 82 ]

وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى ابا بكر إلا أقوى: على هذا الأمر منك، وأشد إحتمالا واستطلاعا (1) فسلم لابي بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك وسابقتك، ونسبك وصهرك، فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه وآله في العرب عن داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه (2). فو الله يا معشر المهاجرين: لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم، وساق الكلام إلى أن قال وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل ابي بكر ما عد لنا به. فيقول علي كرم الله وجهه، أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته، لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم. ثم قال ابن قتيبة: كيف كانت بيعة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه قال: وإن ابا بكر رضي الله عنه، تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي " عليه السلام " فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب. وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج، ولا أضع ثوبي على عاتقي، حتى أجمع القرآن فوقفت فاطمة


(1) واضطلاعا به خ المصدر. (2) ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه - خ المصدر. (*)

[ 83 ]

عليها السلام على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوء محضرا منكم تركتم رسول الله صلى الله عليه وآله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقا، فأتى عمر ابا بكر فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له: إذهب فادع لي عليا، قال: فذهب إلى علي فقال له ما حاجتك ؟ فقال: يدعوك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ! ! ! فقال علي عليه السلام لسريع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله، فرجع، فأبلغ الرسالة قال: فبكى أبو بكر طويلا ! ! ! فقال عمر الثانية: أن لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ: عد إليه فقل له: أمير المؤمنين (3) يدعوك لتبايع، فجائه قنفذ، فأدى ما أمر به، فرفع علي " عليه السلام " صوته فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له، فرجع القنفذ فأدى الرسالة (4)، فبكى أبو بكر طويلا ! ! ! ثم قام عمر فمشى مع جماعة حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. فلما سمع القوم صوتها وبكائها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع فقال: إن أنا لم افعل فمه قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم ! ! وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك ؟ فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه. فلحق علي " عليه السلام " بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله يصيح ويبكي وينادي: " يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني "، فقال عمر لابي بكر: إنطلق


(3) خليفة رسول الله خ المصدر. (4) فابلغ الرسالة. خ المصدر. (*)

[ 84 ]

بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة " عليها السلام " فلم تأذن لهما، فأتيا عليا " عليه السلام " فكلماه فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله، والله ان قرابة رسول الله أحب الي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة إبنتي، ولوددت يوم مات أبوك إني مت ولا أبقى بعده ! ! أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا نورث ! ! ! ما تركناه فهو صدقة. فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله تعرفانه وتفعلان به. قالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة إبنتي أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه، فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ! ! وهي تقول: والله لادعون الله عليك في كل صلوة أصليها، ثم خرج باكيا ! ! فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي، قالوا: يا خليفة رسول الله إن هذا الأمر لا يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك ! ! ! إنه ان كان هذا لم يقم لله دين فقال: والله لو ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت من فاطمة، قال: فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة رضي الله عنها، ولم تمكث بعد أبيها الا خمسا وسبعين ليلة، إنتهى موضع الحاجة

[ 85 ]

من كلام ابن قتيبة (5). وقال أبو عمرو أحمد بن محمد الغرطبي المرواني المالكي المشهور بابن عبد ربه الأندلسي المتوفى سنة ثمانية وعشرين بعد ثلثمأة وهو من أكابر علماء السنة في المجلد الثاني من كتاب العقد الفريد وهو من الكتب الممتعة ما هذا لفظه: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر، فأما علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة " عليها السلام " حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة " عليها السلام "، فقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة " عليها السلام " فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا: قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة، فخرج علي " عليه السلام " حتى دخل علي أبي بكر فبايعه، إنتهى (6). وذكر المسعودي في مروج الذهب في أخبار عبد الله بن الزبير انه عمد الى من بمكة من بني هاشم، فحصرهم في الشعب وجمع لهم حطبا عظيما، لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن الحنفية، ثم ذكر مجئ أبي عبد الله الجدلي في أربعة آلاف من الكوفة من قبل المختار واستخراجهم بني هاشم من الشعب. قال المسعودي: وحدث النوفلي في كتابه في الاخبار عن إبن عائشة عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول: إنما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته كما ارهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت واخبارهم المترجم بكتاب حدائق الاذهان، إنتهى (7).


(5) الامامة والسياسة ص 12 - 13 - 14 ط - 1388. (6) العقد ج 3 ص 64 ط المصر. (7) مروج الذهب ج 2 ص 100 ط - المصر. (*)

[ 86 ]

قال سيدنا المرتضى علم الهدى قدس سره في الشافي في رد كلام قاضي القضاة في خبر الاحراق ما هذا لفظه عليه الرحمة: خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممن لا يتهم على القوم، وإن دفع الروايات من غير حجة لا يجدي شيئا (8). فروى البلاذري وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروفة عن المدائني، عن سلمة بن محارب، عن سلمان الليثي (9)، عن ابن عون: إن أبا بكر أرسل علي عليه السلام، يريده الجبر على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس، فلقيته فاطمة على الباب، فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي داري ؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك وجاء علي فبايع (10). وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وانما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة. وروى ابراهيم بن سعيد الثقفي باسناده، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي عليه السلام حتى رأى الدخان قد دخل بيته (11). وقال السيد ابن طاوس في كشف المحجة في ذكر أبي بكر وتخلفه عن جيش أسامة: وغصبه الخلافة يوم السقيفة، وأقول: وما كفاه ذلك حتى بعث عمر إلى باب أبيك علي وأمك فاطمة عليهما السلام، وعندهما العباس وجماعة من بني هاشم وهم مشغولون بموت جدك محمد صلى الله عليه وآله والماتم والمصائب العظام فأمر أن يحرقوا بالنار إن لم يخرجوا للبيعة على ما ذكره صاحب كتاب العقد الفريد في الجزء الرابع منه وجماعة ممن لا يتهم في روايتهم وهو شئ لم يبلغ إليه أحد فيما أعلم قبله ولا بعده، من الأنبياء والأوصياء ولا الملوك المعروفين بالقوة والجفاء ولا ملوك الكفار، أنهم بعثوا من يحرقوا الذين تأخروا عن بيعتهم بحريق النار مضافا الى تهديد القتل


(8) شافي ص 240 ط القديم ط الجديد ج 4 ص 112. (9) عن سليمان التيمي - في البحار. (10) البحار ج 28 ص 411. (11) البحار ج 28 ص 411. (*)

[ 87 ]

والضرب. أقول: ولا بلغنا أن أحدا من الملوك كان لهم نبي أو ملك كان لهم سلطان قد أغناهم بعد الفقر، وخلصهم من الذل والضر ودلهم على سعادة الدنيا والآخرة وفتح عليهم بنبوته بلاد الجبابرة ثم مات وخلف فيهم بنتا واحدة من ظهره، وقال لهم: إنها سيدة نساء العالمين، وطفلين معها منها لهما دون سبع سنين أو قريب من ذلك، فتكون مجازاة ذلك النبي أو الملك من رعيته، أنهم ينفذون نارا ليحرقوا ولديه ونفس إبنته وهما في مقام روحه ومهجته، إنتهى (12). روى الصاحب الإحتجاج عن أحمد بن همام، قال: أتيت عبادة بن الصامت في ولاية ابي بكر، فقلت يا ابا عمارة (13) كان الناس على تفضيل ابي بكر قبل أن يستخلف ؟ فقال: يا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاستكوا ولا تبحثوا (14)، فو الله لعلي بن ابي طالب كان أحق بالخلافة من ابي بكر كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل، قال: وأزيدك، إنا كنا ذات يوم عند رسول الله، فجاء علي وابو بكر وعمر إلى باب رسول الله، فدخل أبو بكر، ثم دخل عمر، ثم دخل علي عليه السلام على أثرهما فكأنما سفي (15) على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله الرماد، ثم قال: يا علي أيتقدمانك هذان وقد أمرك الله عليهما، قال أبو بكر: نسيت يا رسول الله، وقال عمر: سهوت يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما نسيتما ولا سهوتما، وكأني بكما قد استلبتما ملكه وتحاربتما عليه وأعانكما على ذلك أعداء الله وأعداء رسوله، وكأني بكما قد تركتما المهاجرين والأنصار بعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف على الدنيا. ولكأني بأهل بيتي وهم المقهورون المتشتتون في أقطارها وذلك لأمر قد قضي،


(12) كشف المحجة: ص 67. (13) يا عبادة: خ الاحتجاج. (14) ولا تبحثونا - خ م. (15) سفت الريح التراب: إذا ذرته. (*)

[ 88 ]

ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سالت دموعه، ثم قال: يا علي الصبر الصبر حتى ينزل الأمر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن لك من الأجر في كل يوم ما لا يحصيه كاتباك، فإذا أمكنك الأمر، فالسيف السيف، فالقتل القتل، حتى يفيئوا إلى أمر الله وأمر رسوله، فإنك على الحق، ومن ناواك على الباطل، وكذلك ذريتك من بعدك إلى يوم القيامة (16).


(1) الاحتجاج ج 1 ص 291. (*)

[ 89 ]

فصل (في كلام: قاله امير المؤمنين عليه السلام لابن عباس رضى الله عنه) روى الشيخ الصدوق بسنده عن إبن عباس، فقال: ذكرت الخلافة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: والله لقد تقمصها، أخو تيم الخطبة ونحن نوردها بما في نهج البلاغة: قال علي عليه السلام: أما والله لقد تقمصها فلان، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قدى وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده (1)، ثم تمثل بقول الأعشى: شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا.


(1) هكذا في النسختين من الكتاب لكن في نهج البلاغة المطبوع: إلى ابن الخطاب بعده. (*)

[ 90 ]

ضرعيها: فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والإعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، وما الآخر لصهره، مع هن وهن. إلى ان قام ثالث القوم نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته. فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلى، ينثالون علي من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه حيث يقول: * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين) * بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها. أما والذي فلق الحبة، وبرء النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولأفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز. قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل بنظر فيه، فلما فرغ من قرائته، قال له ابن عباس " رحمه الله ": يا

[ 91 ]

أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت، قال: هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت، قال ابن عباس: فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد (2). قال ابن ابي الحديد: وأما قول ابن عباس ما أسفت على كلام الخ، فحدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمأة، قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بإبن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا، لقلت له: وهل بقي في نفس إبن عمك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد، والله ما رجع عن الأولين ولا عن الأخرين (3). وفي البحار، عن كشف اليقين، عن ابن عباس، قال: كنت أتتبع غضب أمير المؤمنين عليه السلام إذا ذكر شيئا، أوهاجه خبر، فلما كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام يذكر في كتابه أن معاوية، وعمرو بن العاص، وعتبة بن ابي سفيان، والوليد بن عقبة، ومروان، إجتمعوا عند معاوية فذكروا أمير المؤمنين عليه السلام فعابوه، وألقوا في أفواه الناس إنه ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويذكر كل واحد منهم ما هو أهله. وذلك لما أمر عليه السلام أصحابه بالانتظار له بالنخيلة فدخلوا الكوفة وتركوه، فغلظ ذلك عليه. وجاء هذا الخبر فأتيت بابه في الليل، فقلت: يا قنبر، أي شئ خبر أمير المؤمنين عليه السلام قال: هو نائم فسمع عليه السلام كلامي، فقال: من هذا ؟ قال ابن عباس يا أمير المؤمنين قال: ادخل، فدخلت فإذا هو قاعد ناحية عن فراشه في ثوب جالس، كهيئة المهموم فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين الليلة ؟ فقال: ويحك يا ابن عباس وكيف


(2) نهج البلاغة ص 37 - 44 ج 1 نهج البلاغة صبحي ص 48. (3) شرح ابن ابي الحديد ج ص 205. (*)

[ 92 ]

تنام عينا قلب مشغول، يا ابن عباس ملك جوارحك قلبلك، فإذا أرهبه طار النوم عنه، ها أنا ذاكما ترى مذ أول الليل إعتراني الفكر والسهر لما تقدم من نقض عهد أول هذه الأمة المقدر عليها نقض عهدها. إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر من أمر أصحابه بالسلام علي في حياته بإمرة المؤمنين فكنت أؤكد أن أكون كذلك بعد وفاته، يا ابن عباس أنا أولى الناس بالناس بعده، ولكن أمور إجتمعت على رغبة الناس في الدنيا وأمرها ونهيها، وصرف قلوب أهلها عني. أقول: وساق كلامه عليه السلام في الشكاية عمن تقدمه إلى أن قال عليه السلام: فألآن يا ابن عباس قرنت بابن آكلة الأكباد، وعمرو، وعتبة، والوليد، ومروان، وأتباعهم، فمتى اختلج في صدري، وألقي في روعي، أن الأمر منقاد إلى دنيا يكون هولاء فيها رؤوسا يطاعون، فهم في ذكر أولياء الرحمن يثلبونهم (4) ويرمونهم بعظائم الأمور من إفك مختلق وحقد قد سبق. وقد علم المستحفظون ممن بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إن عامة أعدائي ممن أجاب الشيطان علي، وزهر الناس في، وأطاع هواه فيما يضره في آخرته وبالله عزوجل الغني وهو الموفق للرشاد والسداد، يا بن عباس، ويل لمن ظلمني ودفع حقي وأذهب عظيم منزلتي، أين كانوا أولئك ؟ وأنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا، لم يكتب علي صلوة، وهم عبدة الأوثان وعصاة الرحمن وبهم توقد النيران. فلما قرب أصعار الخدود (5) وأتعاس الجدود، أسلموا كرها وأبطنوا غير ما أظهروا طمعا في أن يطفئوا نور الله وتربصوا إنقضاء أمر الرسول، وفناء مدته، لما


(4) ثلبه: تنقصه. (5) صعر خده تصعيرا وصاعره وأصعره: أماله عن النظر الى الناس تهاونا. التعس: الهلاك. والجدود جمع الجد بالفتح وهو الحظ. (*)

[ 93 ]

أطعموا أنفسهم في قتله ومشورتهم في دار ندوتهم قال الله عزوجل: * (ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين) * (6) وقال: * (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون) * (7). يا بن عباس، ندبهم رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته بوحي من الله يأمرهم بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم مما حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له، فخرج من روح الله ورضوانه وألزم اللعنة لحسده لولي الله، وماذاك بضاري إنشاء الله شيئا، يا ابن عباس أراد كل امرء أن يكون رأسا مطاعا يميل إليه الدنيا وإلى أقاربه فحمله هواه، ولذة دنياه، واتباع الناس إليه أن يغضب ما جعل لي ولولا إتقائي على الثقل الأصغر أن ينبذ فينقطع شجرة العلم وزهرة الدنيا وحبل الله المتين، وحصنه الأمين، وولد رسول رب العالمين لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزوجل عندي من شربة من ظمآن ونوم وسنان، ولكني صبرت وفي الصدر بلابل، وفي النفس وساوس " فصبر جميلا والله المستعان على ما تصفون ". ولقديما ظلم الأنبياء وقتل الأولياء إلى أن قال: " وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار " وأذن المؤذن فقال: الصلوة يا بن عباس لاتفت، أأستغفر الله لي ولك وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، قال ابن عباس: فغمني انقطاع الليل وتلهفت على ذهابه (8).


(6) آل عمران. آية 47. (7) الصف آية 9. (8) بحار الانوار كتاب الفتن والمحن ط القديم ص 162 (مكالمة ابن عباس مع أمير المؤمنين عليه السلام). (*)

[ 94 ]

فصل [ إنكار إثني عشر رجلا من المهاجرين والأنصار على أبي بكر ما جرى بعده ] روى جماعة من أصحابنا في مصنفاتهم إنه لما استتم الأمر لأبي بكر وصعد المنبر، وجلس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر ذلك على أبي بكر إثني عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وهم خالد بن سعيد بن العاص وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، وستة من الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التيهان، وسهل وعثمان إبنا حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وابي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري. قال: فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض، والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله صلى عليه وآله وقال الآخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذا لأعنتم على أنفسكم، وقد قال الله عزوجل: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (1)، فانطلقوا بنا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لنستشيره ونستطلع رأيه، فانطلق القوم إلى أمير المؤمنين عليه السلام بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين تركت حقا أنت أحق به وأولى به لأن سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:


(1) البقرة: 195. (*)

[ 95 ]

علي مع الحق والحق مع علي، يميل مع الحق كيف مال ولقد هممنا أن نصير إليه فننزله عن منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام وأيم الله لو فعلتم ذلك ما كنتم إلا حربا لهم، ولا كنتم إلا كالكحل في العين أو كالملح في الزاد، وقد اتفقت عليه الأمة، التاركة لقول نبيها، والكاذبة على ربها، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي فأبوا إلا السكوت لما يعلمون من وغر (1) صدور القوم وبغضهم لله عزوجل ولأهل بيت نبيه، وإنهم يطالبون بثارات الجاهلية، إلى أن قال عليه السلام: ولكن ائتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم، ولا تدعوه في الشبهة من أمره ليكون ذلك أعظم للحجة عليه، وأبلغ في عقوبته إذا أتى ربه وقد عصى نبيه، وخالف أمره، فانطلقوا حتى حفوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة. فلما صعد أبو بكر المنبر ذكر كل واحد منهم كلاما في حق علي عليه السلام وفي فضله وما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، طوينا كشحا عن ذكره روما للاختصار، وأول من بدئهم بالقول خالد بن سعيد بن العاص، ثم باقي المهاجرين ثم من بعدهم الأنصار، فروي أنهم لما فرغوا من مقالتهم أفحم أبو بكر على المنبر حتى لم يحرجوا باثم قال: وليتكم ولست بخيركم، أقيلوني أقيلوني، فقال عمر بن الخطاب: أنزل عنها يا لكع، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش لم أقمت نفسك هذا المقام، والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة، قال: فنزل ثم أخذ بيده وانطلق إلى منزله، وبقوا ثلثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما كان في اليوم الرابع، جائهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل، وقال لهم: ما جلوسكم ؟ فقد طمع فيها والله بنو هاشم، وجائهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف


(1) الوغر: الحقد والعداوة.

[ 96 ]

رجل، وجائهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين أسيافهم، يقدمهم عمر بن الخطاب حتى وقفوا بمسجد النبي صلى الله عليه وآله فقال عمر: والله يا صحابة علي لئن ذهب الرجل منكم يتكلم بالذي تكلم به بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه. فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددونا أم بجمعكم تفزعونا ؟ والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم، وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم أن طاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي ولجاهدتكم في الله إلى أن أبلى عذري (2)، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إجلس يا خالد، فقد عرف الله مقامك وشكر لك سعيك، فجلس. وقام إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال: الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا صمتا يقول: بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه، إذ يكبسه جماعة من كلاب أهل النار يريدون قتله وقتل من معه ولست أشك ألا وإنكم هم، فهم به عمر بن الخطاب، فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه، ثم جلد به الأرض، ثم قال: يا ابن صهاك الحبشية لولا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم، لأريتك أينا أضعف ناصرا وأقل عددا، ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لادخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون إذ قال له أصحابه: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون " والله لا أدخل إلا لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله أو لقضية أقضيها، فإنه لا يجوز لحجة أقامة رسول الله صلى الله عليه وآله أن يترك الناس في حيرة (3).


(2) أبلاه عذرا: اي أداه إليه. (3) الاحتجاج: ج 1 ص 97 بحار الانوار ج 28 ص 189. (*)

[ 97 ]

فصل (في ذكر خطبة خطبها للناس) روى الشيخ الكليني في الروضة باسناده عن أبي الهيثم التيهان، أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف ولم يكن له كان فذكر كلامه عليه السلام في التحميد لله، والصلوة على رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن قال مخاطبا للناس: أما والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه، وشربتم الماء بعذوبته، وادخرتم الخير من موضعه، وأخذتم من الطريق واضحه، وسلكتم من الحق نهجه لنهجت (1) بكم السبل وبدت لكم الأعلام، وأضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغدا، وما عال فيكم عائل، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها (2)، وسدت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين الله بغير علم، واتبعتم الغواة فأغوتكم، وتركتم الأئمة فتركوكم فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سئلتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه، فيكف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه، رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم وتجدون وخيم ما اجترمتم


(1) نهج: أي وضح. (2) الرحب بالضم: السعة. (*)

[ 98 ]

وما أجلبتم. والذي فلق الحبة وبرء النسمة لقد علمتم أني صاحبكم، والذي به أمرتم وأني عالمكم، والذي بعلمه نجاتكم ووصي نبيكم صلى الله عليه وآله وخيرة ربكم ولسان نوركم، والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم وما نزل بالأمم قبلكم، وسيسئلكم الله عزوجل عن أئمتكم معهم تحشرون وإلى الله عزوجل غدا تصيرون. أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعدادكم [ أعداؤكم خ م ] لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا الى الحق، وتنيبوا للصدق، فكان أرتق للفتق وآخذ الرفق، أللهم فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال: ثم خرج عليه السلام من المسجد فمر بصيرة (3) فيها نحو من ثلثين شاة، فقال: والله لو أن لي رجالا ينصحون لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله بعدد هذه الشياة لأزلت إبن أكلة الذبان (4) عن ملكه. قال: فلما أمسى بايعه ثلثمأة وستون رجلا على الموت، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام اغدوا بنا الى أحجار الزيت (5) محلقين، وحلق أمير المؤمنين عليه السلام فما وافى من القوم محلقا إلا أبو ذر، والمقداد، وحذيفة اليمان، وعمار بن ياسر وجاء سلمان في آخر القوم. فرفع عليه السلام يديه إلى السماء فقال: أللهم إن القوم استضعفوني كما استضعف بنو إسرائيل هارون، أللهم فإنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى عليك شئ في الأرض ولا في السماء توفني مسلما وألحقني بالصالحين، أما والبيت والمفضي (6)


(3) الصيرة: حظيرة تتخذ من الحجارة واغصان الشجر للغنم والبقر. (4) الذبان بالكسر والتشديد: جمع ذباب وكنى بابن آكلتها عن سلطان الوقت فانهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كل خبيث نالوه. (5) أحجار الزيت: موضع داخل المدينة. (6) والمفضى الى البيت: اي ماسه بيده.

[ 99 ]

الى البيت، وفي نسخة، والمزدلفة والخفاف الى التجمير، لولا عهد عهده إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله لأوردت المخالفين خليج المنية ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت وعن قليل سيعلمون (7).


(7) الكافي: ج 8 ص 31. (*)

[ 100 ]

فصل (في " رواية رواها إبن أبي الحديد ") روى ابن أبي الحديد من كتاب السقيفة باسناده إلى أبي جعفر باقر عليه السلام أن عليا حمل فاطمة صلوات الله عليهما على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار يسئلهم النصرة وتسئلهم فاطمة الإنتصار، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان إبن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلناه به فقال علي عليه السلام: أكنت أترك رسول الله صلى الله عليه وآله ميتا في بيته لا أجهزة وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه، وقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه (1)، وقال ايضا: ومن كلام معوية، المشهور إلى علي عليه السلام: وعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي إبنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك، واستنفرتهم (2) على صاحب رسول الله ! ! ! فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا لأجابوك، ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا يعرف،


(1) شرح النهج: ج 6 ص 13 بحار الانوار ج 28 ص 352. (2) نسخة النهج: واستنصرتهم. (*)

[ 101 ]

ورمت ما لا يدرك ومهما نسيت فلا أنسي قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم لنا هضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد (3).


(3) شرح النهج ج 2 ص 47. (*)

[ 102 ]

فصل (فيما قاله مالك بن نويرة لأبي بكر وما خدع خالد) قال بعض المحققين فيما لخصه من كتاب إلتهاب نيران الأحزان ما هذا لفظه: فلما بويع لأبي بكر، دخل مالك بن نويرة المدينة لينظر من قام بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يوم الجمعة، فلما دخل المسجد وجد أبا بكر يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر إليه قال: هذا أخو تيم ؟ ! قالوا: نعم، قال: فما فعل وصي رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله باتباعه وموالاته، فقال له المغيرة بن شعبة: إنك غبت وشهدنا والأمر يحدث بعده الأمر، فقال مالك والله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله ورسوله. ثم تقدم إلى أبي بكر، فقال يا أبا بكر: لماذا رقيت منبر رسول الله صلى الله عليه وآله ووصي رسول الله عليه السلام جالس ؟ فقال أبو بكر: أخرجوا الأعرابي البوال على عقبيه من المسجد، فقام إليه عمر وخالد وقنفذ، فلم يزالوا يكزون في ظهره حتى أخرجوه من المسجد كرها بعد إهانة وضرب، فركب مالك راحلته وهو ينشد ويقول أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر

[ 103 ]

إذا مات بكر قام بكر مكانه (1) فتلك وبيت الله قاصمة الظهر يدب ويغشاه العشار (2) كأنما يجاهد جما (3) أو يقوم على قبري فلو قام بالأمر الوصي عليهم (4) أقمنا ولو كان القيام على الجمر قال الراوي: فلما توطأ الأمر لأبي بكر، بعث خالد بن الوليد في جيش وقال له: وقد علمت ما قال إبن نويرة في المسجد على رؤس الأشهاد وما أنشد من شعره، ولسنا نأمن أن ينفتق علينا منه فتق لا يلتام، والرأي أنك تخدعه وتقتله وتقتل من كان يبارزك دونه، وتسبي حريمهم فإنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة. فسار خالد إليهم، فلما رآى مالك بن نويرة الجيش قد أقبل نحوه لبس لامة حربه واستوى على متن جواده، وكان مالك شجاعا من شجعان العرب يعد بمأة فارس، فلما رآه خالد قد برز، خاف منه وهابه وأعطاه العهود والمواثيق على الأمان، فلم يركن إليه، فحلف له بالأيمان المغلظة أنه لا يغدر به، فرجع مالك ونزع لامة حربه واضافهم تلك الليلة. فلما نام القوم دخل خالد بمن معه على مالك في بيته وقتله غدرا ودخل بإمرأته في ليلته، وأخذ رأسه فوضع في قدر فيه لحم جزور لوليمة العرس، وأمر أصحابه بأكله، ثم سباهم وسماهم أهل الردة إفتراء على الله وعلى رسوله (5).


(1) إذا مات بكر قام عمر وأمامه. في البحار. (2) العشار بالكسر: جمع العشرا وهي الناقة التي مضى لحملها عشر أشهر ولعل تشبيه القوم بالعشار لما أكلوا من الأحوال المحرمة وطمعوا من الولايات الباطلة ونفى كونها جما تهديد بانه وقومه كاملوا الارادة والسلاح. بحار الانوار. (3) والجم جمع الجماء وهي الشاة التي لا قرن لها والاجم الرجل بلا رمح. (4) فلو طاف فينا من قريش عصابة (خ ل). (5) بحار الانوار ج 8 ط القديم ص 230. (*)

[ 104 ]

فلما سمع أمير المؤمنين عليه السلام قتل مالك بن نويرة وسبي حريمه اغتم لذلك غما شديدا وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. اصبر قليلا فبعد العسر تيسير وكل امر له وقت وتقدير وللمهيمن في حالاتنا نظر وفوق تدبيرنا لله تدبير (تقدير خ ل) انتهى (6) أقول: وهذه القصة مما نقلها المخالف والمؤالف، وروي أنه لما قتل خالد مالكا ونكح إمرأته، كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري، فركب فرسه ولحق بأبي بكر وحلف أن لا يسير في جيش تحت لواء خالد أبدا، فقص على أبي أبي بكر القصة، فقال أبو بكر: لقد فتنت الغنائم العرب وترك خالد ما أمرته، وإن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: إن القصاص قد وجب عليه، فلما أقبل خالد بن الوليد غافلا، دخل المسجد وعليه قباء له عليه صداء الحديد معتجرا بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها. ثم قال: يا عدي نفسه أعدوت على إمرء مسلم فقتلته ثم نزوت على إمرأته والله لنرجمنك بأحجارك وخالد لا يكلمه، ولا يظن إلا أن رأي أبو بكر مثل رأي عمر فيه، حتى دخل إلى أبي بكر واعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم الي يا ابن أم شملة فعرف عمر أن ابا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته. قال العلامة المجلسي قدس سره: إن معاتبة عمر وغيظه على خالد في قتل مالك بن نويره، لم يكن مراقبة للدين ورعاية لشريعة سيد المرسلين وإنما تألم من قتله لأنه كان حليفا له في الجاهلية وقد عفى عن خالد لما علم أنه هو قاتل سعد بن


(6) علم اليقين ج 2 ص 683 الى 685. (*)

[ 105 ]

عبادة (7). روي عن بعض اصحابنا عن أهل البيت عليهم السلام: إن عمر إستقبل في خلافته خالد بن الوليد يوما في بعض حيطان المدينة، فقال له يا خالد أنت الذي قتل مالكا ؟ قال يا أمير المؤمنين: إن كنت قتلت مالك بن نويره لهنات كانت بيني وبينه فقد قتلت لكم سعد بن عباده لهنات كانت بينكم وبينه، فأعجب عمر قوله وضمه الى صدره وقال له: أنت سيف الله وسيف رسوله، انتهى (8).


(7) بحار الانوار كتاب الفتن والمحن ص 257. (8) بحار الانوار ج 8 ص 257. (*)

[ 106 ]

فصل [ في عرضه عليه السلام القرآن على الناس وما قالوا في جوابه ] روى سليم بن قيس عن سلمان حديث السقيفة، وساق الكلام إلى أن قال: فلما أن رآى علي عليه السلام غدرهم وقلة وفائهم له، لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه وكان في الصحف والشظاظ والأكتاف والرقاع فلما جمعه كله وكتبه بيده تنزيله وتأويله، والناسخ منه والمنسوخ بعث إليه أبو بكر اخرج فبايع، فبعث إليه علي عليه السلام: إني لمشغول وقد آليت على نفسي يمينا أن لا أرتدي برداء إلا للصلوة، حتى أؤلف القران وأجمعه، فسكتوا عنه أياما فجمعه في ثوب واحد وختمه (1). وروي عن غيره أنه عليه السلام جاء به الى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فتركه وصلى ركعتين وسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم خرج الى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى علي عليه السلام بأعلى صوته: أيها الناس، إني لم أزل منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مشغولا بغسله، ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب الواحد، فلم ينزل الله على رسوله آية منه إلا وقد جمعتها، وليست منه آية إلا وقد إقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) سليم بن قيس ص 81. (*)

[ 107 ]

وعلمني تأويلها، ثم قال علي عليه السلام: لئلا تقولوا غدا إنا كنا عن هذا غافلين، ثم قال لهم علي عليه السلام: لا تقولوا يوم القيامة إني لم أدعكم إلى نصرتي، ولم اذكر كم حقي، ولم أدعكم إلى كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته فقال له عمر: ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه (2). وفي رواية أخرى فقال عمر: اتركه وامض لشأنك، فقال عليه السلام لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أوصاكم فقال: إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فإن قبلتموه قاقبلوني معه أحكم بينكم بما أنزل الله فيه، فإني أعلم منكم بتأويله وبناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وحلاله وحرامه فقال عمر: فانصرف به معك حتى لا يفارقك ولا تفارقه، فلا حاجة لنا فيه ولا فيك. فانصرف عليه السلام إلى بيته والقرآن معه، فجلس عليه السلام على مصلاه ووضع القرآن في حجره وجعل يتلوه، وعيناه تهملان بالدموع، فدخل عليه أخوه عقيل ابن أبي طالب فرآه يبكي، فقال يا أخي: مالك تبكي ؟ لا أبكي الله عينيك، فقال عليه السلام: يا أخي بكائي والله من أمر قريش وتركاضهم في ضلال وتجاولهم (تجوالهم خ ل) في الشقاق وجماحهم في التيه، فانهم قد أجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي فجزت قريشا على الجوازي (3)، فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان إبن عمي، ثم انتحب باكيا، ثم استرجع وقال متمثلا: فان تسئليني كيف أنت فإنني صبور على ريب الزمان صليب


(2) بحار الأنوار ج 8 ص 51 ط ق. (3) فجزت قريش عن الجوازي. خ علم اليقين. (*)

[ 108 ]

يعز علي أن ترى بي كآبة فيشمت عاد أو يساء حبيب (4) رجعنا الى رواية سليم، ثم دخل علي عليه السلام بيته وقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع، فإنا لسنا في شئ حتى يبايع، ولو قد بايع أمناه، فأرسل إليه أبو بكر: أجب خليفة رسول الله، فأتاه الرسول، فقال له ذلك فقال له علي عليه السلام: سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري. وذهب الرسول فأخبره بما قال له، فقال: اذهب فقل له: أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بما قال، فقال علي عليه السلام سبحان الله ما والله طال العهد فينسى، والله إنه ليعلم أن هذا الأسم لا يصلح إلا لي، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وهو سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهم هو وصاحبه من بين سبعة فقالا: أمن الله ورسوله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: " نعم حقا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله عزوجل يوم القيامة على الصراط، فيدخل أوليائه الجنة وأعدائه النار " فانطلق الرسول فأخبره بما قال عليه السلام، فسكتوا عنه يومهم ذلك. قال: فلما كان الليل حمل علي عليه السلام فاطمة عليها السلام على حمار وأخذ بيد إبنيه الحسن والحسين عليهما السلام، فلم يدع أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أتاه في منزله، فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته، فما استجاب منهم رجل غيرنا أربعة، هم سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام (5) فانا حلقنا رؤسنا وبذلنا له نصرتنا، وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته.


(4) علم اليقين للمحدث الكاشاين (ره) ص 686 ج 2. (5) أقول: لعل جملة هم سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام بيان من المصيف (ره) وإلا نسخة نسخة المصدر والبحار خالية عنها. (*)

[ 109 ]

فصل (إضرام النار على بيت فاطمة عليها السلام) فلما أن رأى علي عليه السلام خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة، وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورا والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر: من نرسل إليه ؟ فقال عمر: نرسل إليه قنفذا فهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعوانا وانطلق فاستأذن على علي عليه السلام فأبى أن يأذن لهم، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد، والناس حولهما فقالوا: لم يؤذن لنا فقال عمر: إذهبوا فان أذن لكم وإلا فادخلوا بغير إذن. فانطلقوا فاستأذنوا، فقالت فاطمة عليها السلام أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن، فرجعوا وثبت قنفذ الملعون، فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن، فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء، ثم أمر أناسا حوله بتحصيل الحطب، وحملوا الحطب وحمل معهم عمر، فجعلوه حول منزل علي وفيه علي وفاطمة وابناهما عليهم السلام، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا وفاطمة عليهما السلام. والله لتخرجن يا علي ولتبايعن خليفة رسول الله وإلا أضرمت عليك النار فقامت فاطمة عليها السلام فقالت: يا عمر ما لنا ولك ؟ فقال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر أما تتقي الله تدخل على بيتي، فأبى أن ينصرف ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت يا أبتاه يا رسول الله فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت

[ 110 ]

يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذراعها، فنادت يا رسول الله: لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر. فوثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيبه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاه به، فقال: والذي كرم محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة يا بن صهاك، لولا كتاب من الله سبق وعهد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله لعلمت أنك لا تدخل بيتي، فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي عليه السلام بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته، فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع فان خرج وإلا فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فأضرم على بيتهم النار، فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه، فألقوا في عنقه حبلا، وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت وان في عضدها مثل الدملج من ضربته لعنه الله. ثم انطلقوا بعلي عليه السلام يتل (6) حتى انتهى به أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه، وخالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبو حذيفة ومعاذ بن جبل، والمغيرة بن شعبة، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح (7). [ إحتجاج فاطمة عليها السلام مع أبي بكر ] وفي رواية العياشي فخرجت فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر أتريد أن


(6) في المصدر: يعتل عتلا يعني يجذب جذبا. واتله: أي أوثقه وجره. (7) كتاب سليم بن قيس ص 83 - 84 بحار الانوار ج 28 ص 269. (*)

[ 111 ]

ترملني من زوجي ؟ والله لئن لم تكف عنه لأنشرن شعري ولأشقن جيبي ولآتين قبر ابي ولأصيحن إلى ربي، فأخذت بيد الحسن والحسين وخرجت تريد قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال علي عليه السلام لسلمان: أدرك إبنة محمد صلى الله عليه وآله فاني أرى جنبتى المدينة تكفئان (8)، والله إن نشرت شعرها، وشقت جيبها وأتت قبر أبيها وصاحت إلى ربها لا يناظر بالمدينة أن يخسف بها وبمن فيها، فأدركها سلمان رضي الله عنه فقال: يا بنت محمد إن الله انما بعث أباك رحمة فارجعي، فقالت: يا سلمان يريدون قتل علي عليه السلام وما علي صبر، فدعني حتى آتي قبر أبي، فأنشر شعري وأشق جيبي وأصيح إلى ربي فقال سلمان: إني أخاف أن يخسف بالمدينة وعلي بعثني إليك يأمرك أن ترجعي له إلى بيتك وتنصر في فقالت عليها السلام: إذا أرجع وأصبر واسمع له وأطيع (9). الاحتياج: روى عن الصادق عليه السلام انه قال: لما استخرج أمير المؤمنين عليه السلام من منزله، خرجت فاطمة عليها السلام فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر، فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي، فو الذي بعث محمدا بالحق، لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ولأضعن قميص رسول الله صلى الله عليه وآله على رأسي ولأصرخن إلى الله تبارك وتعالى، فما صالح باكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان " رضي الله عنه ": كنت قريبا منها فرأيت والله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها، فقلت: يا سيدتي ومولاتي، إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة فرجعت، ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا (1).


(8) قوله تكفئان: أي تضطربان وتنقلبان. (9) العياشي: ج 2 ص 67 وبحار الانوار ج 28 ص 227. (10) الاحتجاج ج 1 ص 113. (*)

[ 112 ]

وروى الشيخ الكليني قدس سره عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن فاطمة عليها لما أن كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت: أما والله يا بن الخطاب، لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني سأقسم على الله، ثم أجده سريع الإجابة (11). وروى أيضا انه: لما أخرج بعلي عليه السلام خرجت فاطمة صلوات الله عليها واضعة قميص رسول الله عليه رأسها، آخذة بيدي إبنيها، فقالت: مالي ولك يا أبا بكر ؟ تريد أن تؤتم ابني وترملني من زوجي ؟ والله لولا أن يكون سيئة، لنشرت شعري، ولصرخت إلى ربي، فقال رجل من القوم: ما تريد إلى هذا ؟ ثم أخذت بيده فانطلقت به (12). وفي رواية أخرى، عن أبي جعفر عليه السلام قال: والله نشرت شعرها ماتوا طرا (13). [ في أن عمر وخالدا أتيا بعلي (ع) والزبير للبيعة. ] روى ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة للجوهري، باسناده عن الشعبي قال: قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد ؟ قال هو هذا، فقال: إنطلقا إليهما يعني عليا والزبير، فأتياني بهما، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج فقال عمر للزبير: ما هذا السيف ؟ قال: أعددته لأبايع عليا، قال: وكان في البيت ناس كثير منهم المقداد ابن الأسود وجمهور الهاشميين، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه، ثم دفعه فأخرجه، وقال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد وكان في خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر


(11) الكافي ج 1 ص 460. (12) روضة الكافي ص 237. (13) روضة الكافي ص 238. (*)

[ 113 ]

ردءا لهما، ثم دخل عمر فقال لعلي عليه السلام قم فبايع، فتلكأ واحتبس، فأخذه بيده فقال: قم، فأبى أن يقوم فحمله ودفعه كما دفع الزبير ثم أمسكهما خالد وساقهما عمر ومن معه سوقا عنيفا، واجتمع الناس ينظرون وامتلأت شوارع المدينة بالرجال. ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع عمر فصرخت وولولت واجتمعت معها نسوة كثيرة من الهاشميات وغيرهن، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت يا أبا بكر: ما أسرع ما اغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا اكلمه حتى ألقى الله، قال فلما بايع علي عليه السلام والزبير وهدأت تلك الفورة مشى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر وطلب إليها فرضيت عنه. قال ابن أبي الحديد: والصحيح عندي، إنها ماتت وهي واجدة علي أبي بكر وعمر، وإنها أوصت أن لا يصليا عليها وذلك عند أصحابنا من الصغائر (14) المغفورة لهما، وكان الأولى بهما إكرامها وإحترام منزلتها لكنهما خافا الفرقة واشفقا من الفتنة، ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما وكان (كانا - ل) من الدين وقوة اليقين بمكان مكين، ومثل هذا لو ثبت كونه خطأ لم تكن كبيرة، بل كان من باب الصغائر التي لا يقتضي التبري، ولا يوجب التولي، إنتهى كلام ابن أبي الحديد عليه ما يستحقه ويريد (15).


(14) من الأمور - خ م. (15) شرح النهج ج 6 ص 49 - 50. (*)

[ 114 ]

فصل [ قصة بيت فاطمة عليها السلام وضربها وإلقاء جنينها ] قال العلامة المجلسي في البحار: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش عنه، عن سلمان وعبد الله بن العباس، قالا: توفى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم توفي فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس وأرتدوا، واجتمعوا على الخلاف، واشتغل علي بن أبي طالب عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته. ثم أقبل عليه السلام على تأليف القرآن، وشغل عنهم بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر لابي بكر: يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته وهؤلاء النفر فابعث إليه، فبعث إليه إبن عم لعمر يقال له قنفذ فقال له: يا قنفذ إنطلق إلى علي: فقل له: أجب خليفة رسول الله، فبعثا مرارا وأبى علي عليه أن يأتيهم، فوثب عمر غضبان، ونادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرهما أن يحملا حطبا ونارا، ثم أقبل حتى إنتهى إلى باب علي وفاطمة عليهما السلام، وفاطمة عليها السلام قاعدة خلف الباب: قد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفات رسول الله صلى الله عليه وآله. فأقبل عمر حتى ضرب الباب، ثم نادى: يا ابن أبي طالب إفتح الباب فقالت فاطمة عليها السلام يا عمر ما لنا ولك لا تدعنا وما نحن فيه قال: افتحي الباب وإلا

[ 115 ]

أحرقنا عليكم، فقالت: يا عمر أما تتقي الله عز وجل تدخل علي بيتي وتهجم علي داري ؟ فأبى أن ينصرف، ثم دعى عمر بالنار فاضرمها في الباب، فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة عليها السلام وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله فرفع عمر السيف وهو في غمده، فوجأ به جنبها، فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت: يا أبتاه، فوثب علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بتلابيب عمر، ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وما أوصاه به من الصبر والطاعة. فقال: " والذي كرم محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة، يا ابن صهاك لو لا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي " فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنقه حبلا فحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله، فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلوات الله عليها من ذلك شهيدة (1). أقول: وروي أيضا عن كتاب سليم، انه أغرم عمر بن الخطاب في بعض سنين جميع عماله انصاف أموالهم سوى قنفذ، قال سليم: إنتهيت إلى حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ليس فيها إلا هاشمي غير سلمان، وأبي ذر، والمقداد ومحمد بن أبي بكر، وعمر بن أبي سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة فقال العباس لعلي عليه السلام: ما تري عمر منعه أن يغرم قنفذا كما غرم جميع عماله ؟ فنظر علي عليه السلام إلى من حوله ثم إغرورقت عيناه، ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة عليها السلام بالسوط فماتت وإن في عضدها أثره كأنه الدملج (2).


(1) بحار الانوار ج 28 ص 297 - 299 وايضا 270. (2) كتاب سليم ص 134. (*)

[ 116 ]

روى في الاحتجاج: إحتجاج الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية وأصحابه في حديث طويل إنه قال لمغيرة بن شعبة في جواب إفترائه على أمير المؤمنين عليه السلام ووقوعه فيه سلام الله عليه: وأما أنت يا مغيرة بن شعبة فإنك لله عدو ولكتابه نابذ ولنبيه مكذب الى أن قال له: وأنت ضربت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أدميتها وألقت ما في بطنها إستذلالا منك لرسول الله صلى الله عليه وآله ومخالفة منك لأمره وانتهاكا لحرمته وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا فاطمة أنت سيدة نساء أهل الجنة " والله مصيرك إلى النار وجاعل وبال ما نطقت به عليك (3).


(3) الاحتجاح ج 1 ص 414. (*)

[ 117 ]

فصل [ إقبال فاطمة عليها السلام إلى قبر أبيها وما قالت ] قال صاحب كتاب علم اليقين، نقلا من كتاب إلتهاب نيران الأحزان ما هذا لفظه: ثم إن عمر جمع جماعة من الطلقاء والمنافقين وأتى بهم إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام فوافوا بابه مغلق، فصاحوا به: أخرج يا علي فإن خليفة رسول الله يدعوك فلم يفتح لهم الباب. فأتوه بحطب فوضعوه على الباب وجاؤا بالنار ليضرموه فصاح عمر وقال: والله لئن لم تفتحوا لنضر منه بالنار، فلما عرفت فاطمة عليها السلام إنهم يحرقون منزلها قامت وفتحت الباب، فدفعوها القوم قبل أن تتوارى عنهم، فاختبت فاطمة عليها السلام وراء الباب فدفعها عمر حتى ضغطها بين الباب والحايط، ثم إنهم تواثبوا على أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس على فراشه، واجتمعوا عليه حتى أخرجوه سحبا من داره ملببا بثوبه يجرونه الى المسجد، فحالت فاطمة عليها السلام بينهم وبين بعلها، وقالت: والله لا أدعكم تجرون ابن عمي ظلما. ويلكم ما أسرع ما خنتم الله ورسوله فينا أهل البيت، وقد أوصاكم رسول الله صلى الله عليه وآله باتباعنا ومودتنا والتمسك بنا، فقال الله تعالى: * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربي) * قال: فتركه أكثر القوم لأجلها، فأمر عمر قنفذا ابن عمه أن يضربها بسوطه فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها وجنبيها إلى أن أنهكها

[ 118 ]

وأثر في جسمها الشريف، وكان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله سماه محسنا، وجعلوا يقودون أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد حتى أوقفوه بين يدي أبي بكر فلحقته فاطمة عليها السلام الى المسجد لتخلصه فلم تتمكن من ذلك، فعدلت إلى قبر أبيها، فاشارت إليه بحرقة ونحيب وهي تقول: نفسي على زفراتها محبوسة * يا ليتها خرجت مع الزفرات لا خير بعدك في الحياة، وإنما * أبكي، مخافة أن تطول حياتي ثم قالت: وا أسفاه عليك يا أبتاه واثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن وأبو سبطيك الحسن والحسين، ومن ربيته صغيرا وواخيته كبيرا، وأجل أحبائك لديك، وأحب أصحابك إليك أولهم سبقا إلى الإسلام، ومهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير. ثم أنها أنت أنه، وقالت: وامحمداه، واحبيباه، واأباه، واأبا القاسماه، واأحمداه، واقلة ناصراه، واغوثاه، واطول كربتاه، واحزناه، وامصيبتاه واسوء صباحاه، وخرت مغشية عليها، فضج الناس بالكباء والنحيب، وصار المسجد مأتما، ثم إنهم أوقفوا أمير المؤمنين عليه السلام بين يدي أبي بكر وقالوا له: مد يدك فبايع ! ! ! فقال: والله لا أبايع، والبيعة لي في رقابكم. فروى عن عدي بن حاتم، إنه قال: والله ما رحمت احدا قط رحمتي على علي ابن أبي طالب عليه السلام حين أتي به ملببا بثوبه، يقودونه إلى أبي بكر، وقالوا: بايع ! ! قال: فان لم أفعل ؟ قالوا: نضرب الذي فيه عيناك، قال: فرفع رأسه الى السماء، وقال: " اللهم إني أشهدك إنهم أتوا أن يقتلوني، فاني عبد الله وأخي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: مد يدك فبايع ! ! ! فأبى عليهم فمدوا يده كرها فقبض عليه السلام على أنامله، فراموا بأجمعها فتحها فلم يقدروا فمسح عليها أبو بكر وهي مضمومة، وهو

[ 119 ]

عليه السلام يقول وينظر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا بن عم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني ". قال الراوي: ان عليا عليه السلام خاطب أبا بكر بهذين البيتين: فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنبي وأقرب وكان عليه السلام كثيرا ما يقول: " واعجبا تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالقرابة والصحابة " انتهى (1).


(1) علم اليقين ج 2 ص 686 - 688. (*)

[ 120 ]

فصل [ ما قاله عمر في كتاب عهد إلى معاوية ] في كتاب عهد عمر إلى معاوية: فأتيت داره مستشيرا لإخراجه منها، فقالت الأمة فضة، وقد قلت لها قولي لعلي يخرج إلى بيعة أبي بكر، فقد اجتمع عليه المسلمون، فقالت: إن أمير المؤمنين عليا مشغول: فقلت: خلي عنك هذا وقولي له: يخرج وإلا دخلنا عليه وأخرجناه كرها فخرجت فاطمة فوقفت من وراء الباب فقالت: أيها الضالون المكذبون ماذا تقولون ؟ وأي شئ تريدون ؟ فقلت يا فاطمة، فقالت ما تشاء يا عمر ؟ فقلت: ما بال إبن عمك قد أوردك للجواب وجلس من وراء الحجاب ؟ فقالت: لي: طغيانك يا شقى أخرجني وألزمك الحجة وكل ضال غوي، فقلت: دعي عنك الأباطيل وأساطير النساء وقولي لعلي: يخرج، فقالت: لا حب ولا كرامة، أبحزب الشيطان تخوفني يا عمر ؟ وكان حزب الشيطان ضعيفا، فقلت: إن لم يخرج جئت بالحطب الجزل وأضرمتها نارا على أهل هذا البيت، وأحرق من فيه، أو يقاد علي إلى البيعة، واخذت سوط قنفذ فضربتها وقلت لخالد بن الوليد: أنت ورجالنا هلموا في جمع الحطب فقلت: إني مضرمها، فقالت: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين فضربت فاطمة يديها من الباب تمنعني من فتحه، فرمته، فتصعب علي، فضربت كفيها

[ 121 ]

بالسوط فآلمها، فسمعت لها زفيرا وبكاء فكدت أن ألين وانقلب عن الباب. فذكرت أحقاد علي، وولوعه في دماء صناديد العرب، وكيد محمد وسحره، فركلت الباب، وقد ألصقت أحشائها بالباب تترسه وسمعتها، وقد صرخت صرخة حسبتها قد جعلت أعلى المدينة أسفلها وقالت: يا أبتاه يا رسول الله هكذا كان يفعل بحبيبتك وابنتك، آه يا فضة إليك فخذيني، فقد والله قتل ما في أحشائي من حمل، وسمعتها تمخض وهي مستندة الى الجدار، فدفعت الباب ودخلت، فأقبلت إلي بوجه أغشى بصري، فصفقت صفقة على خديها من ظاهر الخمار فانقطع قرطها وتناثرت إلى الأرض، الخبر بطوله (1). وعن إرشاد القلوب عنها عليها السلام قالت: فجمعوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار، ليحرقوه ويحرقونا، فوقفت بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي أن يكفوا عنا وينصرونا، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر، فضرب به عضدي فالتوى السوط على عضدي حتى صار كالدملج وركل الباب برجله، فرده علي وأنا حامل فسقطت لوجهي، والنار تسعر وتسفع وجهي، فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني، وجائني المخاض، فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم.


(1) بحار الانوار ج 8 ط القديمة ص 222 بحار الأنوار ج 8 ط القديم ص 231. (*)

[ 122 ]

فصل [ ما أخبر الله تعالى ليلة المعراج نبيه بظلم إبنته وأخذ حقها ] وكان مما أخبر الله تعالى نبيه ليلة المعراج أن قال: وأما إبنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها، وتضرب وهي حامل ويدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هو ان وذل، ثم لا تجد مانعا، وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب، قال النبي صلى الله عليه وآله إنا لله وإنا إليه راجعون قبلت يا رب وسلمت ومنك التوفيق والصبر (1). وروي إن أول ما يحكم فيه محسن بن علي عليهما السلام في قاتله ثم في قنفذ، فيؤتيان هو وصاحبه فيضربان بسياط من نار، لو وقع سوط منها على البحار لغلت من مشرقها إلى مغربها ولو وضعت على جبال الدنيا لذابت حتى تصير رمادا فيضربان بها (2). وروى المفضل بن عمر عن الصادق عليه السلام في خبر طويل: ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت أسد أم أمير المومنين عليه السلام وهن صارخات وامه فاطمة صلوات الله عليها تقول: * (هذا يومكم الذي كنتم توعدون (3)


(1) بحار الانوار ج 28 ص 62. (2) بحار الانوار ج 28 ص 64. (3) الانبياء: 103. (*)

[ 123 ]

اليوم تجد كل نفس ما عملت) * الاية (4) قال: فبكى الصادق عليه السلام حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: لاقرت عين لا تبكي عند هذا الذكر (5). قال الشيخ الصدوق في معنى قول النبي لعلي عليهما السلام: إن لك كنزا في الجنة أنت ذو قرينها، سمعت بعض المشايخ يذكر أن هذا الكنز هو ولده المحسن وهو السقط الذي ألقته فاطمة صلوات الله عليها لما ضغطت بين البابين واحتج على ذلك بما روي عن السقط إنه يكون محبنطا على باب الجنة، يقال له: ادخل الجنة، فيقول: لا، حتى يدخل أبواي قبلي، الخ (6). ذكر السيد الأجل مولانا المير حامد حسين الهندي عطر الله مرقده في عبقات الأنوار، عن الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي، إنه ذكر في ترجمة النظام إستاد الجاحظ انه قال النظام: نص النبي صلى الله عليه وآله على أن الإمام علي عليه السلام وعينه وعرفت الصحابة ذلك ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما وقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها، إنتهى (7). [ مقولة إبن أبي الحديد في شرح النهج ] وذكر إبن أبي الحديد في شرح النهج خبر هبار بن الأسود: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دمه يوم فتح مكة، لأنه روع زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملا، فرأت دما وطرحت ذا بطنها، قال: قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر، فقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبار، لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظاهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها، فقلت: أروي عنك ما يقوله قوم: أن فاطمة روعت


(4) آل عمران 30. (5) بحار الانوار ج 53 ص 23. (6) معاني الاخبار ص 198. (7) الوافي با الوفيات ج 6 ص 17. (*)

[ 124 ]

فألقت المحسن ؟ فقال: لا تروه عني ولا ترو عني بطلانه، فإني متوقف في هذا الموضع لبعض الأخبار عندي فيه (8). قلت: ولنعلم ما قال السيد الجزوعي: جرعاها من بعد والداها الغيظ * مرارا فبئس ما جرعاها أغضباها وأغضبا عند ذاك * الله رب السماء إذ أغضباها بنت من ام من حليلة من * ويل لمن سن ظلمها وأذاها [ ذكر ما تأسفوا وتأثروا عليهم السلام على مصيبة فاطمة (ع) ] روي عن دلائل الطبري بسنده عن زكريا بن آدم عليه الرحمة قال: إني لعند الرضا عليه السلام إذ جئ بأبي جعفر عليه السلام وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيده الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي فلم طال فكرك ؟ فقال عليه السلام: فيما صنع بأمي فاطمة عليها السلام، أما والله لأخرجنهما، ثم لأحرقنهما، ثم لأذرينهما، ثم لأنسفنهما في اليم نسفا، فاستدناه وقبل عينيه ثم قال: بأبي انت وأمي انت لها يعني الإمامة (9). وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام إنه إذا وعك إستعان بالماء البارد، ثم ينادي حتى يسمع صوته على باب الدار: يا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله (10). قال العلامة المجلسي رحمه الله: لعل الندا كان استشفاعا بها صلوات الله عليها للشفاء. (8) شرح النهج ج 14 ص 192. (9) دلائل الامامة ص 212. (10) روضة الكافي ص 19 بحار الانوار ج 62 ص 102. (*)

[ 125 ]

أقول: إني أحتمل قويا كما أنه أثر الحمى في جسده اللطيف، كذلك أثر كتمان حزنه على أمه المظلومة في قلبه الشريف، فكما أنه يطفي حرارة جسده بالماء يطفي لوعه وجده بذكر إسم فاطمة سيدة النساء، وذلك مثل ما يظهر من الحزين المهموم من تنفس الصعداء، فان تأثير مصيبتها صلوات الله عليها على قلوب أولادها الأئمة الاطهار ألم من حز الشفار وأحر من جمرة النار، فإنهم صلوات الله عليهم من باب التقية لما كانوا بانين على كتمانها غير قادرين على إظهارها، فإذا ذكرت فاطمة صلوات الله عليها يبدو منهم سلام الله عليهم مما كتموه ما يستدل به الأريب الفطن بما في قلوبهم الشريفة من الحزن والمحن. كما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام إنه قال للسكوني وكان قد رزقه الله تعالى بنتا ما سميتها ؟ قال قلت فاطمة قال: آه آه، ثم وضع يده على جبهته الخ (11). وذكرت سابقا إن العباس لما قال لأمير المومنين عليه السلام: ما منع عمر من أن يغرم قنفذا كما غرم جميع عماله ؟ فنظر علي عليه السلام إلى من حوله، ثم اغر ورقت عيناه، ثم قال: شكر له ضربة ضربها فاطمة عليها السلام بالسوط فماتت وإن في عضدها أثره كأنه الدملج (12). ومن تأمل فيما حكي عنهم من شفقتهم ورأفتهم ورقة قلوبهم الشريفة ورحمته يصدق ما ذكرت. أنظر إلى ما رواه المشايخ عن بشار المكاري، إنه قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام بالكوفة وقد قدم له طبق رطب طبر زد وهو يأكل، فقال لي: يا بشار أدن فكل، قلت: هنأك الله وجعلني فداك قد أخذتني الغيرة من شئ رأيته في طريقي أوجع


(11) كافي ج 6 ص 49. (12) سليم بن قيس ص 134. والدملج كقنفذ: شئ يشبه السواد تلبسه المرأة في عضدها. (*)

[ 126 ]

قلبي وبلغ مني فقال لي: بحقي لما دنوت فأكلت، قال: فدنوت فأكلت، فقال لي: حديثك، قلت: رأيت جلوازا (13) يضرب رأس أمرأة يسوقها إلى الحبس وهي تنادي بأعلى صوتها: المستغاث بالله ورسوله، ولا يغيثها أحد قال عليه السلام: ولم فعل بها ذاك ؟ قال: سمعت الناس يقولون إنها عثرت فقالت: لعن الله ظالميك يا فاطمة، فارتكب منها ما ارتكب، قال: فقطع عليه السلام الأكل ولم يزل يبكي حتى ابتل منديله ولحيته وصدره بالدموع، ثم قال: يا بشار قم بنا الى مسجد السهلة فندعو الله ونسئله خلاص هذه المرأة، الخ (14). فإذا كان حال الصادق عليه السلام كذلك عند استماع واقعة جرت علي إمرأة من شيعة فاطمة عليها السلام فكيف يكون حاله عليه السلام إذا حكى هو ما جرى على أمه فاطمة عليها السلام ؟ ويقول: ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في اذنها حين نقف أي كسر من اللطم. ومما ذكرنا ظهر شدة مصيبة أمير المؤمنين عليه السلام وعظم صبره، بل يمكن أن يقال: إن بعض مصائبه أعظم مما يقابله من مصيبة ولده الحسين عليه السلام الذي يصغر عند مصيبته المصائب. فقد ذكرت في كتابي المترجم بنفس المهموم في وقايع عاشوراء عن الطبري: انه حمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين عليه السلام برمحه ونادى علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله، قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، فصاح به الحسين عليه السلام يا ابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي ؟ أحرقك الله بالنار. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن سبحان الله إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك


(13) جلواز: الشرطي. (14) بحار الانوار ج 100 ص 441. (*)

[ 127 ]

خصلتين ؟ تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك، قال: فقال من أنت، قلت لا أخبرك من أنا قال: وخشيت والله لو أن عرفني أن يضرني عند السلطان، قال: فجاء رجل كان أطوع له منى شبث بن ربعي، فقال: ما رأيت مقالا أسوء من قولك ولا موقفا أقبح من موقفك أمر عبا للنساء صرت قال: فأشهد انه إستحيى فذهب لينصرف (15). أقول: هذا شمر مع انه كان جلفا جافا قليل الحياء إستحيى من قول شبث ثم انصرف ! ! وأما الذي جاء إلى باب أمير المؤمنين وأهل بيته عليهما السلام وهددهم بتحريقهم وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه، فقيل له: إن فيه فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله (16)، فاشهد انه لا يستحي ولم ينصرف بل فعل ما فعل. ولم يكن لأمير المؤمنين عليه السلام من ينصره ويذب عنه إلا ما روي عن الزبير إنه لما رأى القوم أخرجوا عليا عليه السلام من منزله ملببا أقبل مخترطا سيفه وهو يقول: يا معشر بني عبد المطلب، أيفعل هذا بعلي وأنتم أحياء وشد على عمر ليضربه بالسيف فرماه خالد بن الوليد بصخرة، فاصابت قفاه وسقط السيف من يده، فأخذه عمر وضربه على صخرة فانكسر (17). وروى الشيخ الكليني عن سدير قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام، فقال رجل من القوم: أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام ومن كان بقي من بني هاشم، إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام، عباس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما


(15) مقتل أبي مخنف ص 141. (16) الاحتجاج ج 1 ص 105. (17) بحار ج 28 ص 229. (*)

[ 128 ]

والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما، ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما (18)، فلذلك روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنه لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: " ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه " (19). وقال مسيب بن نجية قال: بينما علي عليه السلام يخطب وأعرابي يقول: وامظلمتاه، فقال علي عليه السلام: ادن فدنا، فقال: لقد ظلمت عدد المدر والوبر (20). وجاء أعرابي يتخطا، فنادى: يا أمير المؤمنين مظلوم قال علي عليه السلام: ويحك وأنا مظلوم ظلمت عدد المدر والوبر (21). وكان أبو ذر يعبر عنه عليه السلام بالشيخ المظلوم المضطهد حقه (22). وروي الكليني فيما يقال عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: يقول: " السلام عليك يا ولي الله، أنت أول مظلوم وأول من غصب حقه، صبرت واحتسبت حتى أتاك اليقين، فأشهد أنك لقيت الله وأنت شهيد، عذب الله قاتلك بأنواع العذاب وجدد عليه العذاب (23). أقول: وهذه نفثة مصدور ونبذ من الرزايا التي تذوب منها الصخور، ولنختم الكلام بأشعار الشيخ صالح الحلي رحمه الله: أشعار الشيخ صالح الحلي (ره) الواثبين بظلم آل ومحمد * ومحمد ملقى بلا تكفين والقائلين لفاطم آذيتنا * في طول نوح دائم وحنين والقاطعين أراكة كيما تقيل * بظلم أوراق لهم وغصون


(18) الكافي ج 8 ص 189. (19) بحار ج 8 ط القديم ص 70. (20) و (21) إيضا ص 70. (22) ايضا ص 70. (23) الكافي ج 4 ص 569. (*)

[ 129 ]

ومجمعي حطب على البيت الذي * لم يجتمع لولاه شمل الدين والهاجمين على البتول ببيتها * والمسقطين لها أعز جنين والفائدين أمامهم بنجاده * والطهر تدعو خلفه برنين خلوا ابن عمي أو لأكشف في الدعا * رأسي وأشكو للإله شجوني ما كان ناقة صالح وفصيلها * بالفضل عند الله إلا دوني ورنت إلى القبر الشريف بمقلة * عبرى وقلب مكمد محزون قالت وأظفار المصاب بقلبها * غوثاه قل على العداة معيني أبتاه هذا السامري وعجله * تبعا ومال الناس عن هارون اي الرزايا أتقي بتجلدي * هو في النوائب مذحييت قريني فقدي أبي أم غصب بعلي حقه * أم كسر ضلعي أم سقوط جنيني أم أخذهم إرثى وفاضل نحلتي * أم جهلهم حقي وقد عرفوني قهروا يتيميك الحسين وصنوه * وسئلتهم حقي وقد نهروني

[ 130 ]

فصل [ نقل كلام المسعودي في كتاب إثبات الوصية ] قال المسعودي في كتاب إثبات الوصية: قام أمير المؤمنين عليه السلام بأمر الله جل وعلا وعمره خمس وثلثون سنة، واتبعه المؤمنون، وقعد عنه المنافقون، ونصبوا للملك وأمر الدنيا رجلا اختاروه لأنفسهم دون من اختاره الله عز وجل ورسول الله صلى الله عليه وآله فروي أن العباس رحمه الله صار إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: امدد يدك أبايعك، فقال: ومن يطلب هذا الأمر ؟ ومن يصلح له غيرنا ؟ وصار إليه ناس من المسلمين منهم [ فيهم ] الزبير وأبو سفيان صخر بن حرب فأبى، واختلف المهاجرون والانصار، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال قوم من المهاجرين، سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الخلافة في قريش فسلمت الأنصار لقريش بعد أن داسوا [ ديس ] سعد بن عبادة، ووطئوا بطنه وبايع عمر بن الخطاب أبا بكر وصفق على يديه ثم بايعه قوم ممن قدم المدينة ذلك الوقت من الأعراب والمؤلفة قلوبهم وتابعهم على ذلك غيرهم. واتصل الخبر بأمير المؤمنين عليه السلام بعد فراغه من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتحنيطه وتكفينه، وتجهيزه ودفنه بعد الصلوة عليه مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته مثل سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وحذيفة، وأبي بن كعب

[ 131 ]

وجماعة نحو أربعين رجلا، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن كانت الأمامة في قريش فأنا أحق [ من ] قريش بها، وإن لا تكن في القريش، فالأنصار على دعويهم، ثم اعتزلهم ودخل بيته فأقام فيه ومن ابتعه من المسلمين. وقال: إن لي في خمسة من النبيين أسوة، نوح إذ قال: * (اني مغلوب فانتصر) * (1) وابراهيم إذ قال: * (واعتزلكم وما تدعون من دون الله) * (2) ولوط إذ قال: * (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) * (3) وموسى إذ قال: * (ففررت منكم لما ختفكم) * (4) وهارون إذ قال: * (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) * (5). ثم ألف عليه السلام القران وخرج إلى الناس، وقد حمله في إزار معه وهو ينط (6) من تحته. فقال لهم: هذا كتاب الله قد ألفته كما أمرني وأوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله كما أنزل، فقال له بعضهم: أتركه وامض، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لكم: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فإن قبلتموه فاقبلوني معه أحكم بينكم بما فيه من أحكام الله، فقالوا: لا حاجة لنا فيه ولا فيك فانصرف به معك لا تفارقه ولا يفارقك، فانصرف عنهم، فأقام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من شيعته في منازلهم [ منزله ] بما عهده إليه رسول الله صلى الله عليه وآله. فوجهوا إلى منزله، فهجموا عليه وأحرقوا بابه واستخرجوه منه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا، وأخذوه بالبيعة فامتنع وقال: لا أفعل،


(1) القمر - 10. (2) مريم 48. (3) هود 80. (4) الشعراء 21. (5) الاعراف 5. (6) نطه: أي مده. (*)

[ 132 ]

فقالوا: نقتلك، فقال إن تقتلوني فإني عبد الله وأخو رسوله وبسطوا يده فقبضها وعسر عليهم فتحها، فمسحوا عليها وهي مضمومة. ثم لقى أمير المؤمنين عليه السلام بعد هذا الفعل بأيام أحد القوم فناشده الله وذكره بأيام الله وقال له: هل لك أن أجمع بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يأمرك وينهاك فقال له: نعم، فخرجا إلى مسجد قبا فأراه رسول الله صلى الله عليه وآله قاعدا فيه، فقال له: يا فلان، على هذا عاهدتموني في تسليم الأمر إلى علي عليه السلام وهو أمير المؤمنين، فرجع وقدهم بتسليم الأمر إليه، فمنعه صاحبه من ذلك، فقال: هذا سحر مبين، معروف من سحر بني هاشم، أو ما تذكر يوما كنا مع إبن أبي كبشه ؟ فأمر شجرتين فالتقتا فقضى حاجته خلفهما، ثم أمرهما فتفرقتا وعادتا إلى حالهما. فقال له: أما إن ذكرتني هذا، فقد كنت معه في الكهف فمسح يده على وجهي، ثم أهوى برجله فأراني البحر، ثم أراني جعفرا وأصحابه في سفينة تعوم في البحر، فرجع عما كان عزم عليه، وهموا بقتل أمير المؤمنين عليه السلام وتواصوا وتواعدوا بذلك، وأن يتولى قتله خالد بن الوليد فبعثت أسماء بنت عميس إلى أمير المؤمنين عليه السلام بجارية لها، فاخذت بعضادتي الباب ونادت: " إن الملاء يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين " (7) فخرج مشتملا بسيفه، وكان الوعد في قتله أن يسلم إمامهم (8)، فيقوم خالد إليه بسيفه، فأحسوا بأسه، فقال الإمام قبل أن يسلم: لا تفعلن خالد ما أمرت به، ثم كان من أقاصيصهم ما رواه الناس.


(7) القصص - 20. (8) [ ينتهي إمامهم من صلاته بالتسليم ] خ م المطبوع. (9) إثبات الوصية ص 142 - 144. (*)

[ 133 ]

فصل [ بعث أبي بكر في إخراج وكيل فاطمة (ع) من فدك ] روى صاحب الإحتجاج والشيخ الأجل علي بن ابراهيم القمي، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله [ منها ]. فجائت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخرجت وكيلي من فدك، وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى فقال: هاتي على ذلك بشهود، فجائت بأم أيمن، فقالت: لا أشهد يا أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، [ فقالت ] انشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله قال: إن أم أيمن إمرأة من أهل الجنة ؟ فقال: بلى، قالت: فأشهد أن الله عز وجل أوحى الى رسول الله صلى الله عليه وآله * (فلت ذا القربى حقه) * (1) فجعل فدك لفاطمة بأمر الله وجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتابا ودفعه إليها. فدخل عمر، فقال: ما هذا الكتاب ؟ فقال: [ أبو بكر ]: إن فاطمة عليها السلام


(1) الروم 38. (*)

[ 134 ]

ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي فكتبته (2)، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزقه وقال: هذا فيئ المسلمين، وقال: أوس بن الحدثنان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فإن عليا عليه السلام زوجها يجر إلى نفسه، وأم أيمن فهي إمرأة صالحة، لو كان معها غيرها لنظرنا فيه: [ احتجاج علي عليه السلام مع أبي بكر في أمر فدك ] فخرجت فاطمة صلوات الله عليها من عندهما باكية حزينة، فلما كان بعد ذلك [ هذا ] جاء علي عليه السلام إلى ابي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال: يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال أبو بكر: هذا فئ للمسلمين، فإن أقامت شهودا ان رسول الله صلى الله عليه وآله جعله لها، وإلا فلا حق لها فيه، فقال: أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟ قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ثم ادعيت أنا فيه، من تسئل البينة ؟ قال: إياك كنت أسئل البينة، قال: فما بال فاطمة عليها السلام سئلتها البينة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده ولم تسئل المسلمين البينة على ما ادعوها شهودا كما سئلتني على ما ادعيت عليهم، فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك فإنا لا نقوي على حجتك، فأن أتيت بشهود عدول وإلا فهو فئ للمسلمين لاحق لك ولا لفاطمة فيه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام يا أبا بكر تقرء كتاب الله ؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قول الله عز وجل: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت


(2) فكتبت لها بفدك خ م. (*)

[ 135 ]

ويطهركم تطهيرا) * (3) فينا نزلت أم في غيرنا ؟ قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة، ما كنت صانعا بها ؟ قال: كنت أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر نساء المسلمين، قال: إذا كنت عند الله من الكافرين قال: ولم ؟ قال: لأنك رددت شهادت الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسول الله إذ جعل لها فدك وقبضته (4) في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها وأخذت منها فدك وزعمت أنه فئ للمسلمين. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فرددت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه قال: فدمدم الناس وأنكر بعضهم (5) وقالوا: صدق والله علي، ورجع علي عليه السلام إلى منزله، قال: ودخلت فاطمة عليها السلام المسجد فطافت على قبر أبيها وهي تقول: قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب - الابيات [ التوطئة لقتل علي عليه السلام ] قال: فرجع أبو بكر وعمر إلى منزلهما، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه، ثم قال له: أما رأيت مجلس علي منا في هذا اليوم، لئن قعد مقعدا مثله ليفسدن أمرنا فما الرأي ؟ قال عمر: الرأي أن تأمر بقتله، قال فمن يقتله ؟ قال: خالد بن الوليد.


(3) الاحزاب 33. (3) قد قبضته خ ج. (5) في الاحتجاج: فدمدم الناس فانكروا ونظر بعضهم الى بعض. (*)

[ 136 ]

فبعثا إلى خالد فأتاهم. فقالا له: نريد أن نحملك على أمر عظيم، فقال: احملوني على ما شئتم ولو على قتل علي بن ابي طالب، قالا: فهو ذاك قال خالد: متى أقتله ؟ قال أبو بكر: احضر المسجد وقم بجنبه في الصلوة، فإذا سلمت قم إليه واضرب عنقه، قال: نعم. فسمعت أسماء بنت عميس وكانت تحت أبي بكر، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل علي وفاطمة عليهما السلام واقرأيهما السلام وقولي لعلي عليه السلام: * (إن الملاء يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) * (6)، فجائت الجارية إليهما، فقالت لعلي عليه السلام: إن أسماء بنت عميس تقرء عليك السلام وتقول: إن الملاء يأتمرون، " الآية " فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قولي لها: " إن الله يحول بينهم وبين ما يريدون ". ثم قام وتهيا للصلوة وحضر المسجد وصلى لنفسه خلف أبي بكر وخالد بن الوليد [ يصلي ] بجنبه ومعه لا سيف، فلما جلس أبو بكر للتشهد، ندم على ما قال وخاف الفتنة، وعرف شدة علي عليه السلام وبأسه، فلم يزل متفكرا لا يجسر أن يسلم حتى ظن الناس أنه سهى، ثم التفت إلى خالد، وقال: يا خالد لا تفعلن ما أمرتك [ به ] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال امير المؤمنين عليه السلام: يا خالد ما الذي أمرك به ؟ قال: أمرني بضرب عنقك، قال: أو كنت فاعلا ؟ قال: أي والله، لو لا أنه قال لي: لا تفعله قبل التسليم لقتلتك. قال: فأخذه علي عليه السلام فجلد به الأرض، فاجتمع الناس عليه، فقال عمر: يقتله ورب الكعبة، فقال الناس: يا أبا الحسن ألله ألله بحق صاحب القبر فخلى عنه (7).


(6) القصص: 20. (7) تفسير القمي ج 2 - 155 - 159 الاحتجاج ج 1 ص 119 - 127. (*)

[ 137 ]

ورواية أبي ذر رحمه الله: إن أمير المؤمنين عليه السلام أخذ خالدا باصبعيه السبابة والوسطي في ذلك الوقت فعصره عصرا، فصاح خالد صيحة منكرة ففزع الناس وهمتهم أنفسهم، وأحدث خالد في ثيابه، وجعل يضرب برجليه ولا يتكلم فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأني كنت أنظر إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا، وكلما دنا أحد ليخلصه من يده عليه السلام لحظة لحظة تنحى عنه راجعا فبعث أبو بكر عمر إلى العباس، فجاء تشفع إليه وأقسم عليه، فقال: بحق القبر ومن فيه، وبحق ولديه وأمهما إلا تركته، ففعل ذلك، وقبل العباس بين عينيه (8). وفي رواية أخرى: ثم إن عليا عليه السلام قام إلى عمر وأخذ بتلابيبه وقال: يا ابن صهاك الحبشية، لو لا كتاب من الله سبق وعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله لعلمت أينا أضعف ناصرا وأقل عددا، وحال الحاضرون بينه عليه السلام وبين القوم وخلصوا عمر من يد أمير المؤمنين عليه السلام فعندنا قام وتقدم العباس إلى أبي بكر وقال: أما والله لو قتلتموه ما تركنا تيميا يمشي على وجه الأرض (9). في البحار، قال إبن أبي الحديد، سئلت النقيب أبا جعفر يحيى بن زيد، فقلت له إني لأعجب من علي عليه السلام كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله: وكيف ما اغتيل وفتك في جوف منزله مع تلظي الأكباد عليه، فقال: لو لا أنه أرغم أنفه بالتراب ووضع خده في حضيض الأرض لقتل، ولكنه أخمل نفسه واشتغل بالعبادة والصلوة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي الأول وذلك الشعار ونسي السيف وصار كالفاتك، يتوب ويصير سايحا في الأرض أو راهبا في الجبال، فلما أطاع القوم الذين ولوا الأمر وصار أذل لهم من الحذاء تركوه وسكتوا عنه، ولم تكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطاة من متولي الأمر وباطن في السر منه، فلما لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع الأمساك عنه، ولولا ذلك لقتل، ثم الأجل


(8) بحار ج 8 ط القديمة ص 93. (9) علم اليقين للمحدث الكاشاني (ره) ج 2 ص 698. (*)

[ 138 ]

بعد معقل حصين. فقلت: أحق ما يقال في حديث خالد، فقال: إن قوما من العلوية يذكرون ذلك، وقد روي أن رجلا جاء إلى زفرين الهذيل صاحب أبي حنيفة، فسأله عما يقول أبو حنيفة في جواز الخروج من الصلوة بأمر غير التسليم، نحو الكلام والفعل الكثير أو الحدث، فقال: إنه جائز قد قال أبو بكر في تشهده، [ ما قال ] فقال الرجل: وما الذي قاله أبو بكر ؟ قال: لا عليك، قال: فأعاد عليه السؤال ثانية وثالثة فقال: أخرجوه أخرجوه قد كنت أحدث أنه من أصحاب ابي الخطاب قلت: فما الذي تقوله أنت ؟ قال: أنا أستبعد ذلك وأنه روته الإمامية، الخ (10). [ رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلي ابي بكر ] الإحتجاج، رسالة أمير المومنين عليه السلام إلى أبي بكر، لما بلغ عنه كلام بعد منع الزهراء عليها السلام فدك، شقوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن النجاة، وحطوا تيجان أهل الفخر بجمع أهل الغدر واستضيئوا بنور الأنوار، واقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار، واحتقبوا ثقل الأوزاء بغصبهم نحلة النبي المختار، فكأني بكم تترددون في العمى كما (11) يتردد البعير في الطاحونة. أما والله لو أذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤسكم عن أجسادكم كحب الحصيد بقواضب من حديد، ولقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به إماقكم وأوحش به محالكم، فإني منذ عرفتموني مردي العساكر ومفني الجحافل ومبيد خضرائكم ومخمد ضوضائكم وجزار الدوارين، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون وإني لصاحبكم بالأمس لعمر أبي وأمي لن تحبوا أن تكون فينا الخلافة والنبوة وأنتم تذكرون أحقاد بدر وثارات


(10) بحار ج 8 ط القديمة ص 93 - 94. (11) احتقبوا: اي حملوا على ظهورهم. (*)

[ 139 ]

أحد. أما والله لو قلت ما سبق من الله فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحا، فان نطقت تقولون: حسد، وان سكت فيقال: جزع ابن أبي طالب من الموت، هيهات هيهات أنا الساعة يقال لي هذا وأنا الموت المميت (12)، خواض المنيات في جوف ليل خامد (13) حامل السيفين الثقيلين والرمحين الطويلين ومكسر الرايات في غطامط (14) الغمرات (ومفرج الكربات عن وجه خيرة البريات إيهنوا. فو الله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل إلى محالب أمه، هبلتكم الهوابل لو بحت لما أنزل الله فيكم في كتابه لاضطربتم إضطراب الأرشية في الطوى البعيدة ولخرجتم من بيوتكم هاربين وعلى وجوهكم هائمين، ولكني أهون وجدي حتى ألقي ربي بيد جذاء، صفراء من لذاتكم، خلوا من طحنائكم، فما مثل دنياكم عندي إلا كمثل غيم، علا فاستعلى، ثم استغلظ فاستوى، ثم تمزق فانجلى رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل (15)، فتجدون (16) ثمر فعلكم مرا، أم تحصدون غرس أيديكم ذعاقا (17) ممزقا (18) وسما قاتلا وكفي بالله حكما وبرسوله خصيما وبالقيامة موقفا، ولا أبعد الله فيها سواكم ولا أتعس فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى. فلما أن قرء أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا، وقال: يا سبحان الله ما أجرأه علي وأنكله على (19) غيري.


(12) في المصدر: وأنا المميت المائت خواض المنايا. (13) (حالك خ م). (14) غطامط: عظيم الأمواج. (15) القسطل: الغبار الساطع في الحرب. (16) فتجنون خ م. (17) الذعاق السم الذي يقتل من ساعته. (18) نسخة المصدر ممقرا: وهو المر. (19) عن غيري خ م. (*)

[ 140 ]

معاشر المهاجرين والأنصار، تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلتم: إن الأنبياء لا يورثون وإن هذه أموال يجب أن تضاف إلى مال الفيئ وتصرف في ثمن الكراع والسلاح وأبواب الجهاد ومصالح الثغور، فأمضينا رأيكم ولم يمضه من يدعيه وهو ذا يبرق وعيدا ويرعد تهديدا إيلاء بحق نبيه أن يمضخها دما ذعاقا. والله لقد استقلت منها فلم أقل، واستعزلتها عن نفسي فلم أعزل، كل ذلك إحترازا من كراهية ابن أبي طالب وهربا من نزاعه، ومالي لابن أبي طالب هل نازعه أحد ففلج عليه ؟. فقال عمر: أبيت أن تقول إلا هكذا، فأنت ابن من لم يكن مقداما في الحروب، ولا سخيا في الجدوب، سبحان الله ما أهلع (20) فؤادك وأصغر نفسك ! ! ! صفيت لك سجالا (21) لتشربها، فأبيت إلا أن تظمأ كظمائك، وأنخت لك رقاب العرب، وثبت لك إمارة أهل الإشارة والتدبير. ولو لا ذلك، لكان ابن أبي طالب قد صير عظامك رميما، فاحمد الله على ما قد وهب لك مني واشكره على ذلك، فإنه من رقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله كان حقيقا عليه أن يحدث لله شكرا، وهذا علي بن أبي طالب، الصخرة الصماء التي لا ينفجر مائها إلا بعد كسرها، والحية الرقشاء التي لا تجيب إلا بالرقي، والشجرة المرة التي لو طليت بالعسل لم تنبت الا مرا، قتل سادات قريش فابادهم وألزم آخرهم العار ففضحهم فطب نفسا، فلا تغرنك صواعقه ولا يهولنك رواعده وبوارقه فاني أسد بابه قبل أن يسد بابك، فقال له أبو بكر: ناشدتك الله يا عمر لما أن تركتني من أغاليطك وتربيدك. فو الله لو هم [ ابن ابي طالب ] بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ما


(20) الهلع: الجبن. (21) السجال: دلو عظيم. (*)

[ 141 ]

ينجينا منه الا ثلاث خصار، احديها: انه واحد لا ناصر له، والثانية: انه يتبع (22) فينا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثالثة: فما من هذه القبائل أحد إلا وهو يتخضمه كتخضم ثنية الإبل أوان الربيع، فتعلم لو لا ذلك لرجع الأمر إليه ولو كنا له كارهين، أما إن هذه الدنيا أهون علي من لقاء أحدنا الموت الخ (23). (ذكر خطبة فاطمة الزهرا عليها السلام) الأحتجاج، روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه عليهم السلام إنه: لما أجمع أبو بكر [ وعمر ] على منع فاطمة عليها السلام فدكا وبلغها ذلك، لاثت (24) خمارها على رأسها، أو اشتملت بجلبابها (25) وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها وتطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم. فنطيت (26) دونها ملائه، فجلست، ثم أنت انة أجهش (27) القوم لها بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم إفتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلوة على رسول الله صلى الله عليه وآله فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت صلوات الله عليها: الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم


(22) ينتهج خ م. (23) الاحتجاج ج 1 ص 127 - 131 - 145 وايضا أخرجه العلامة المجلسي (ره) في البحار ج 8 ط ق ص 94 مع مزيد بيان منه في عباراته فراجع هناك. (24) لاثت خمارها: أي لفته. (25) والجلباب: الرداء والازار. (26) نيطت: علقت والملاءة: الازار. (27) اجهش القوم: أي تهيئوا. (*)

[ 142 ]

إبتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جم عن الإحصاء عددها ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لإستزادتها بالشكر لإتصالها، وأستحمد إلى الخلائق بأجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها. وأشهد أن لا اله لا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، إبتدع الأشياء لامن شئ كان قبلها، وأنشاها بلا احتذاء أمثلة إمتثلها إلى أن قالت سلام الله عليها: أيها الناس: أعلموا أني فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله، أقول عودا وبدوا، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا، * (لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) * (28)، فان تعزوه وتعرفوه: تجدوه أبي دون نسائكم وأخا إبن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه صلى الله عليه وآله. فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة (29) المشركين، ضاربا ثبجهم (30)، آخذا بأكظامهم (31)، داعيا الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام وينكث الإلهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفري (32) الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين وخرست شقاشق (33) الشياطين، وطاح وشيظ النفاق (34) وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهمتم بكلمة الإخلاص في


(28) التوبة 128. (29) المدرجة المدرجة: المسلك والمذهب. (30) الثبج: معظم الشئ (31) الكظم بالتحريك مخرج النفس من الحلق. (32) تفري الليل: اي إنشق حتى ظهر وجه الصباح. (33) شقاشق: جمع شقشقة وهي شئ كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج. (34) طاح: هلك. والوشيظ: السفلة والرزل من الناس. (*)

[ 143 ]

نفر من البيض الخماص (35) وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع (36) وقبسته العجلان وموطئي الأقدام، تشربون الطرق (37) وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي وبعد أن مني ببهم (38) الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفاها الله أو نجم قرن للشيطان وفغرب فاغرة (39) من المشركين، قذف أخاه في لهواتها (40)، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه (41) ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، مشمرا ناصحا مجدا كادحا، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون (42) فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار (43)، وتنكصون عند النزال وتفرون عند القتال. فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق وسمل (44) جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق (45) المبطلين، فخطر في عرصاتكم واطلع الشيطان رأسه من مغرزة هاتفا بكم، فألقاكم


(35) البيض الخماص: المراد بهم أهل البيت عليهم السلام. (36) مذقة الشارب: شربته: نهزة الطامع: الفرصة اي محل نهزته وفرصته. (37) الطرق: بالفتح ماء السماء الذي تبول فيه الابل. (38) بهم الرجال: اي شجعانهم. (39) فغرفاه أي فتحه. (40) واللهوات: جمع لهات: وهي اللحمة التي في أقصى شفة الفم. (41) بنكفأ: يرجع. والاخمص: ما لا يصيب الأرض من باطن القدم. (42) وادعون: ساكتون. (43) أي تتوقعون. (44) حسيكة النفاق: اي عداوته. سمل: اي صار خلق. (45) الهدير: ترديد البعير صوته في حنجرته والفنيق: الفحل المكرم من الابل. (*)

[ 144 ]

لدعوته مستجيبين وللعزة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا وأحمشكم (46) فألقاكم غضابا، فوسمتم غير ابلكم وأوردتم غير شربكم. هذا، والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر ابتدارا زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين. فهيهات منكم وكيف بكم وأنى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة وزواجره لايحة وأوامره واضحة قد خلفتموه وراء ظهوركم أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. ثم لم تلبثوا الا ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي واطفاء أنوار الدين الجلي وإهماد سنن النبي الصفي، تسرون حسوا في ارتغاء (47) وتمشون لاهله وولده في الخمرة والضراء ويصير منكم على مثل حز المدى (48) ووخز السنان (49) في الحشاء، وأنتم ألآن تزعمون: أن لا أرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ ! ! فلا تعلمون ؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته أيها المسلمون أأغلب على أرثه. يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ؟، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: * (وورث سليمان داود) * (50)، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: رب


(46) احمشكم: اي حملكم. (47) والارتغاء هو شرب الرغوة وهي اللبن المشوب بالماء يضرب به مثلا والحسو: هو الشرب شيئا بعد شئ. (48) الحز: القطع. والمدى: السكين. (49) ووخز السنان: اي جراحته في الحشاء. (50) النمل: 4. (*)

[ 145 ]

* (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) * (51) وقال: * (اولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * (52) وقال: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (53) وقال: * (ان ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا على المتقين) * (54) وزعمتم ان لا حظوة (55) لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي صلى الله عليه وآله أم هل تقولون عن أهل ملتين لا يتوارثان ولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أم انتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ فدونكها مخطومة مرحولة (56) تلقاك يوم حشرك. فنعم الحكم الله والزعيم محمد " صلى الله عليه وآله " والموعد القيامة وعند الساعة ما تخسرون ولا ينفعكم إذ تندمون ولكل نباء مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم، ثم رنت سلام الله عليها بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معشر الفتية وأعضاد الملة وأنصار الاسلام ما هذه الغميزة في حقي والسنة (57) عن ظلامتي ؟ ! أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أبي يقول: " المرء يحفظ في ولده " سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة (58) ولكم طاقة بما أحاول وقوة على ما أطلب وأزاول. وساقت سلام الله عليها الخطبة الشريفة الى قولها: ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالجذلة (59) التي خامرتكم والغدرة التي


(51) مريم: 6. (52) الانفال: 75. (53) النساء: 11. (54) البقرة: 180. (55) الخطوة: المكانة. (56) مخطومة: من الخطام بالكسر وهو كل ما يدخل في أنف البعير ليقاد به. والرحل بالفتح هو للناقة كالسرج للبعير. (57) السنة: النوم الحفيف. (58) وسرعان ذا إهالة: مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشئ قبل وقته. (59) الجذلة: ترك النصر. خامرتكم: خالطتكم. (*)

[ 146 ]

استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس ونفثة الغيظ وخور القناة (60) وبثة الصدر وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار موسومة بغضب الله وشنار الابد موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وأنا إبنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فأعملوا إنا عاملون وإنتظروا إنا منتظرون (61). ولقد أجاد الشيخ الأزري رحمه الله في هذا المقام في قوله: لقد نقضوا عهد أحمد في أخيه * وأذاقوا البتول مأشجاها يوم جائت إلى عدي وتيم * ومن الوجد ما أطال بكاها فدنت واشتكت الى الله شكوى * والرواسي تهتز من شكواها لست أدري إذ روعت وهي حسري * عاند القوم بعلها وأباها تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها هذه الكتب فاسئلوها تروها * بالمواريث ناطقا فحويها وبمعنى يوصيكم الله أمر * شامل للأنام في قرباها فاطمأنت لها القلوب وكادت * أن تزول الأحقاد ممن طويها أيها القوم راغبوا الله فينا * نحن من روضة الجليل جناها واعلموا أننا مشاعر دين الله * فيكم فأكرموا مثويها ولنا من خزائن الغيب فيض * ترد المهتدون منه هداها أيها الناس أي بنت نبي * عن مواريثه أبوها زواها كيف يزوي عنى تراثي لعين * بأحاديث من لدنه افتراها كيف لم يوصنا بذلك مولانا * وتيما من دوننا أوصاها


(60) الخور: الضعف، والقناة: والسنان. (61) الاحتجاج ج 1 ص 131 - الى 149. (*)

[ 147 ]

هل رآنا لا نستحق اهتداء * واستحقت تيم الهدى فهداها أم تراه أضلنا في البرايا * بعد علم لكي نصيب خطاها أنصفوني من جائرين أضاعا * حرمة المصطفى وما رعياها عود إلى بدء فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان، فقال: يا بنت رسول الله لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما وعقابا عظيما، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء وأخا لبعلك دون الأخلاء (62) (الاخاء خ ل) آثره على كل حميم وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا كل سعيد ولا يبغضكم إلا كل شقي، فأنتم عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، الطيبون والخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا وإلى الجنة مسالكنا وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك ولا مصدودة عن صدقك. ووالله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عملت إلا بإذنه وإن الرائد لا يكذب أهله ! ! وإني أشهد الله وكفى به شهيدا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا، وإنما نورث الكتب (والكتاب خ ل) والحكمة والعلم والنبوة. وما كان لنا من طعمة فلو لي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع (63) والسلاح يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفار ويجالدون المردة الفجار وذلك بإجماع من المسلمين ! ! لم أنفرد به وحدي ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي وهذه حالي ومالي، هي لك وبين يديك ! ! ! لا نزوي عنك ولا


(62) وأخا إلفك دون الاخلاء - خ م. (63) الكراع: الأنعام مثل الابل والفرس والبغل. (*)

[ 148 ]

ندخر دونك وأنت سيدة أمة أبيك والشجرة الطيبة لبنيك، لا يدفع مالك من فضلك ولا يوضع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيها ملكت يداي ! ! ! فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله. فقالت عليها السلام: سبحان الله ما كان أبي رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفا ولا لأحكامه مخالفا بل كان يتبع أثره ويقفوا سوره أفتجمعون إلى العذر [ الغدر ] إعتلا لا عليه بالزور وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكما عدلا وناطقا فصلا يقول: * (يرثني ويرث من آل يعقوب) * (64)، ويقول: * (وورث سليمان داود) * (65) فبين عزوجل فيما وزع عليه من الأقساط وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح به علة المبطلين وازال التظني والشبهات في الغابرين، كلا بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. فقال أبو بكر: صدق الله وصدق رسوله وصدقت إبنته، أنت معدن الحكمة وموطن الهداى والرحمة وركن الدين وعين الحجة، لا أبعد صوابك ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة صلوات الله عليها [ إلى الناس ] وقالت: معاشر الناس المسرعة إلى قيل باطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم فأخذ بسمعكم وأبصاركم ولبئس ما تأولتم وساء ما به أشرتم


(64) مريم: 6. (65) النمل: 16. (*)

[ 149 ]

وشر ما منه اغتصبتم، لتجدن والله محمله ثقيلا وغبه وبيلا إذا كشف لكم الغطاء وبان ما ورائه الضراء وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون وخسر هناك المبطلون. ثم عطف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا وكل أهل له قربى ومنزلة * عند الإله على الأدنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الأرض مغتصب وكنت نورا وبدرا يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزة الكتب وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * فقد فقدت وكل الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكتب إنا رزئنا بما لم يرزء ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب (66) وفي الدر النظيم، قال: ووصلت ذلك بأن قالت: قد كنت ذا حمية ما عشت لي * أعشى البراح وأنت كنت جناحي فاليوم أخضع للذليل واتقي * منه وأدفع ظالمي بالراح وإذا بكت قمرية شجنا لها * ليلا على غصن بكيت صباحي وروى الشيخ بسنده، عن زينب بنت علي بن ابي طالب عليه السلام، قالت:


(66) الاحتجاج ج 1 ص 145. (*)

[ 150 ]

لما اجتمع رأي أبي بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك والعوالي وأيست عن إجابته لها عدلت إلى قبر أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله فألقت نفسها عليه وشكت إليا ما فعله القوم بها وبكت حتى بلت تربته عليه السلام بدموعها وندبته، ثم قالت في آخر ندبا: قد كان بعدك أنباء وهنبثة، الأبيات (67). وفي رواية الاحتجاج، ثم انكفأت عليها السلام وأمير المؤمنين صلوات الله عليه يتوقع رجوعها إليه ويطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار قالت لأمير المؤمن عليه السلام: يا بن أبي طالب اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين (68) نقضت قادمة الأجدل (69)، فخانك ريش الأعزل، هذا إبن ابي قحافة يبتزني نحلة أبي وبلغة إبني لقد أجهر [ الجهد خ ] في خصامي وألفتيه ألد في كلامي حتى حبستني قيلة (70) نصرها والمهاجرة وصلها وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع. خرجت كاظمة وعدت راغمة، أضرعت (71) خدك يوم أضعت حدك [ يوم اغصب حقك خ ] إفترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلا ولا أغنيت باطلا (طائلا - خ ل) ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي ودون ذلتي عذيري الله منك عاديا (72) ومنك حاميا، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العمد ووهت العضد، شكواي إلى أبي وعدواي إلى ربي، أللهم أنت أشد قوة وحولا وأشد بأسا وتنكيلا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل عليك بل، الويل لشانئك، نهنهى عن


(67) الأمالي للشيخ المفيد ره ص 40 ط الغفاري. (68) قال العلامة المجلسي (ره): والمعنى: اختفيت عن الناس كالجنين وقعدت عن طلب الحق ونزلت منزلة الخائف المتهم. (69) الاجدل: الصقر. والأعزل من الطير: ما لا يقدر على الطيران. (70) قيلة نصرها: أسم قبيلة، للأنصار ينسبون إلى أمهم قيلة. (71) ضرع: خضع وذل. (72) العذير: بمعنى العاذر أي الله قابل عذري عاديا ومتجاوزا. (*)

[ 151 ]

وجدك (73)، يا ابنة الصفوة وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون وكفيلك مأمون وما أعدلك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله، فقالت: حسبي الله وأمسكت (74).


(73) نهنهى عن وجدك: أي كفى عن حزنك. (74) الاحتجاج ج 1 ص 145 - 144. (*)

[ 152 ]

فصل [ كلام ابي بكر للناس بعد مقولة فاطمة (عليها السلام) ] روى إبن أبي الحديد في سياق أخبار فدك، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، إن أبا بكر لما سمع خطبة فاطمة عليها السلام في فدك شق عليه مقالتها فصعد المنبر فقال: أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة: أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ألا من سمع فليقل ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيدة ذنبه، مرب لكل فتنة، هو الذي يقول كروها جذعة بعدما هرمت تستعينون بالضعفة وتستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي، ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت إني ساكت ما تركت، ثم التفت إلى الأنصار، فقال: قد بلغني يا معاشر الأنصار مقالة سفهائكم وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنتم فقد جائكم فآويتم ونصرتم، ألا وإني لست باسطا يدا ولسانا على من لم يستحق ذلك منا ثم نزل، فانصرفت فاطمة عليها السلام الى منزلها. ثم قال إبن أبي الحديد: قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى بن ابي زيد البصري فقلت له: بمن يعرض ؟ فقال: بل يصرح، قلت: لو صرح لم أسئلك فضحك وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام قلت: أهذا الكلام كله لعلي عليه السلام يقوله قال: نعم إنه الملك يا بني قلت: فما مقالة الأنصار ؟ قال:

[ 153 ]

هتفوا بذكر علي عليه السلام فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم، فسئلته عن غريبة ؟ فقال أما الرعة بالتخفيف أي الاستماع والاصغاء والقالة القول، وثعالة اسم للثعلب علم غير مصروف مثل ذو ألة للذئب، وشهيده ذنبه أي لا شاهد له على ما يدعي إلا بعضه وجزء منه، وأصله مثل قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب فقال: إنه أكل الشاة التي كنت أعددتها لنفسك وكنت حاضرا، قال: فمن يشهد بذلك ؟ فرفع ذنبه وعليه دم وكان الأسد قد افتقد الشاة فقبل شهادته وقتل الذئب ومرب ملازم أرب لازم بالمكان وكروها جذعه، أعيدوها إلى الحال الأولي يعني الفتنة والهرج، وأم طحال امرأة بغي في الجاهلية ويضرب بها المثل، يقال: ازنى من أم طحال، إنتهى (1). أقول: وفي كتاب الدر النظيم لجمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي تلميذ المحقق الحلي إنه قال: قالت أم سلمة حيث سمعت ما جرى لفاطمة عليها السلام المثل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله يقال: هذا القول: هي والله الحوراء بين الإنس والنفس للنفس، ربيت في حجور الأتقياء وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير نشاء وربيت خير مربي. أتزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله حرم عليها ميراثه ولم يعلمها ؟ ! ! ! وقد قال الله تعالى: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * (2) أفأنذرها وخالفت متطلبة ؟ وهي خيرة النسوان وأم سادة الشبان وعديلة ابنة عمران، تمت بأبيها رسالات ربه، فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر والقر، ويوشدها (3) بيمينه ويلحفها بشماله رويدا، ورسول الله صلى الله عليه وآله بمرأى منكم وعلى الله تردون واها لكم فسوف تعلمون فحرمت أم سلمة عطاها في تلك السنة، إنتهى.


(1) شرح النهج ج 16 ص 214 - 215. (2) الشعراء: 214. (3) أقول: في كلا النسختين يوشدها. والظاهر الصحيح يوسدها بيمينه، يعني يجعل يمينه وسادة لها. (*)

[ 154 ]

وروى ابن ابي الحديد ايضا عن احمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة عليها السلام لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك، فقال لها: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من رسول الله أبيك ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوما مات أبوك ! ! ! والله لئن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري ! ! أتراني أعطي الأسود والأحمر والأبيض حقه وأظلمك حقك ! ! وأنت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وإنما كان مالا من اموال المسلمين يحمل النبي صلى الله عليه وآله به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وليته كما كان يليه. قالت: والله لا كلمتك أبدا، قال: والله لاهجرتك أبدا، قالت: والله لأدعون الله عليك، قال: والله لأدعون لك، فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها، فدفنت ليلا وصلى عليها العباس بن عبد المطلب وكان بين وفاتها ووفات ابيها إثنتان وسبعون ليله (4). [ نقل كلام للجاحظ ] أقول: قال أبو عثمان الجاحظ على ما حكي عنه علم الهدى المرتضى رضي الله عنه: وقد زعم ناس أن الدليل على صدق خبرهما يعني أبا بكر وعمر في منع الميراث وبرائة ساحتهما تر ك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله النكير عليهما ثم قال: فيقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، ليكونن ترك النكير على المتظلمين منها والمحتجين عليهما والمطالبين لهما [ بدليل ]، دليلا على صدق دعواهم وإستحسان مقالتهم، ولا سيما وقد طالت المشاحات (المحاجات - خ م) وكثرت المراجعة والملاحاة وظهرت الشكيمة واشتدت الموجدة وقد بلغ ذلك من فاطمة عليها السلام، حتى أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر.


(4) شرح النهج ج 16 ص 214. (*)

[ 155 ]

ولقد كانت قالت له، حين أتته طالبة بحقها ومحتجة برهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت ؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وآله، فلما منعها ميراثها وبخسها حقها واعتل عليها وخلج في أمرها، وعاينت التهضم وأيست من النزوع ووجدت مس الضعف وقلة الناصر قالت والله لأدعون الله عليك، قال: والله لأدعون الله لك قالت: والله لا اكلمك أبدا، قال: والله لا أهجرك أبدا. فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعه كان في ترك النكير على فاطمة عليها السلام دليلا على صواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت وتذكيرها ما نسيت وصرفها عن الخطاء ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجرا أو تجور عادلا أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا، فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع الى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم. ثم قال: فإن قالوا كيف يظن بأبي بكر ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازداد فاطمة عليها السلام عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: والله لا اكلمك أبدا فيقول: والله لا أهجرك أبدا ثم تقول: والله لأدعون عليك، فيقول: والله لادعون الله لك. ثم يحتمل هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة، مع حاجة الخلافة الى البهاء والرفعة، وما يجب لها من التنويه والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال متعذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها والصاين لوجهها والمتحنن عليها، ما أحد أعز علي منك فقرا ولا أحب إلي منك غنا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة. قيل لهم: أليس ذلك بدليل على البرائة من الظلم والسلامة من الجور (العمد - خ م) وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتاد أن يظهر كلام لمظلوم وذلة المنتصف وجدة [ وحدب ] الوامق المحق، إنتهى كلام الجاحظ (5)


(5) الشافي ج 1 ص 233 ط الحجري. (*)

[ 156 ]

روى الطبري والثقفي إنهما قالا في تاريخيهما: إنه جائت عائشة إلى عثمان فقالت: أعطني ما كان يعطيني أبي وعمر قال: لا أجد له موضعا في الكتاب ولا في السنة ولكن كان أبوك وعمر يعطيانك عن طيبة أنفسهما وأنا لا أفعل قالت: فأعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أو لم تجئ فاطمة تطلب ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فشهدت أنت ومالك بن أوس البصري: أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث وأبطلت حق فاطمة عليها السلام وجئت تطلبينه ؟ لا أفعل. وزاد الطبري وكان عثمان متكأ فاستوى جالسا وقال: ستعلم فاطمة اي إبن عم لها مني اليوم ألست وأعرابي يتوضأ ببوله، شهدت عند أبيك، قالا جميعا في تاريخيهما (6).


(6) بحار ج 8 ط ق ص 320. (*)

[ 157 ]

فصل [ " إقامة الشهود لطلب حقها عليها السلام " ] عن الإختصاص، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وجلس أبو بكر مجلسه، بعث أبو بكر الى وكيل فاطمة عليها السلام فأخرجه من فدك، فأتته فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر ادعيت أنك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنت بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك وقد تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله صدق بها علي وأن لي بذلك شهودا، فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث. فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته فقال: ارجعي إليه وقولي له: زعمت أن النبي لا يورث وورث سليمان داود، وورث يحيى زكريا وكيف لا أرث أنا أبي فقال عمر: أنت معلمة قالت: وإن كنت معلمة فانما علمني إبن عمي وبعلي فقال أبو بكر: فإن عائشة تشهد وعمر أنهما سمعا ! ! ! رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول النبي لا يورث، فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها في الإسلام. ثم قالت: فإن فدك إنما صدق بها علي رسول الله صلى الله عليه وآله ولي بذلك بينة، فقال لها: هلمي بينتك. قال: فجاءت بأم أيمن وعلي عليه السلام فقال أبو بكر: يا أم أيمن إنك سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في فاطمة ؟ فقالا: سمعنا رسول الله

[ 158 ]

صلى الله عليه وآله يقول: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيده نساء أهل الجنة تدعي ما ليس لها وأنا إمرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهد بما لم أكن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر: دعينا يا أم أيمن [ من ] هذه القصص بأي شئ تشهدين ؟ فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة عليها السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس حتى نزل جبرئيل فقال: يا محمد قم، فإن الله تبارك وتعالى أمرني أن اخط لك فدكا بجناحي، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مع جبرئيل فما لبث أن رجع فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبة أين ذهبت ؟ فقال خط جبرئيل (عليه السلام) لي فدكا بجناحه وحد لي حدودها فقالت: يا أبة إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدق بها علي فقال: هي صدقة عليك فقبضتها. قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أم إيمن اشهدي ويا علي اشهد فقال عمر: أنت إمرأة ولا نجيز شهادة إمرأة وحدها، وأما علي فيجر إلى نفسه، قال: فقامت مغضبة، وقالت: أللهم إنهما ظلما إبنة نبيك حقها فاشدد وطأتك عليهما، ثم خرجت، وحملها علي عليه السلام على إتان عليه كساء له خمل (1) فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين معها وهي تقول يا معشر المهاجرين والأنصار: انصروا الله وابنة نبيكم إلى أن قال: فقال علي عليه السلام لها: إيتي أبا بكر وحده فإنه أرق من الآخر وقولي له: ادعيت مجلس أبي وإنك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي، فلما أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت قال فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك، فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك ؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إلي، فأبت أن تدفعه


(1) الخمل بالتحريك: هدب القطيفة ونحوها. (*)

[ 159 ]

إليه، فرفسها برجله فكانت حاملة بابن إسمه المحسن فأسقطت المحسن عليه السلام من بطنها ثم لطمها فكأني أنظر الى قرط في أذنها حين نقف [ نقفت ] (2)، ثم أخذ الكتاب فخرقه فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر ثم قبضت. فلما حضرتها الوفاة دعت عليا صلوات الله عليه، فقالت: إما تضمن وإلا أوصيت إلى ابن الزبير، فقال علي عليه السلام: أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد، قالت: سئلتك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنا مت أن لا يشهداني ولا يصليا علي، قال: فلك ذلك، فلما قبضت صلوات الله عليها دفنها ليلا في بيتها، الخ (3). أقول: هذا الخبر ليس عندي في درجة إعتبار سائر الأخبار المذكورة إلا أنه لما كان العلامة المجلسي رحمه الله نقله في البحار أحببت أن لا أخلي كتابي منه فاقتديت به ونقلته منه وقولها صلوات الله عليها وإلا أوصيت إلى ابن الزبير أظن ان لفظة إبن زيد من النساخ وكان الأصل أوصيت إلى الزبير، هذا إذ صدق الظن، وأما إذ كان لفظ ابن صحيحا فالمراد به عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب أحد التسعة الهاشمية الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حنين وفر جميع أصحابه ولم يبق منه سوى هؤلاء وأيمن بن ام أيمن وكان عاشرهم، فقتل أيمن وبقي هؤلاء التسعة حتى تاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، من كان إنهزم وكان رحمه الله شجاعا جريئا، قتل يوم أجنادين في خلافة أبي بكر. وأما عبد الله بن زبير بن العوام فليس المراد به قطعا لأنه كان طفلا صغيرا غير قابل للاشارة والتوجه إليه فضلا عن أن توصي فاطمة صلوات الله عليها إليه، فانه كانت ولادته في السنة الاولى من الهجرة وقيل في السنة الثانية في شوال كما قال ابن الأثير مع أنه كان منحرفا عن أهل البيت عليهم السلام، قال أمير المؤمنين عليه السلام ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشوم (4)، والله العالم.


(2) قوله حين نقف: على بناء المجهول أي كسر من لطم اللعين: البحار. (3) الاختصاص ص 179 - 180. (4) بهجة الآمال في شرح زبدة المقال ج 5 ص 227. (*)

[ 160 ]

فصل [ بعث زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فداء لأبي العاص زوجها ] روي عن أرباب السير ونقلة الآثار، إنه لما سارت قريش إلى بدر، سار أبو العاص ابن اخت خديجة زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله معهم، فأصيب في الأسرى يوم بدر فأتي به النبي صلى الله عليه وآله فكان عنده مع الأسارى، فلما بعث أهل مكة في فداء أساريهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال وكان فيما بعثت به قلادة كانت لخديجة أمها رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رق لها رقة شديدة وقال للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله نفديك بأنفسنا وأموالنا، فردوا عليها ما بعثت به وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء (1). قال ابن ابي الحديد: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد ؟ ! ! أما كان يقتضي التكرم والإحسان أن يطيب قلب فاطمة عليها السلام بفدك ويستوهب لها من المسلمين ؟ أتقصر منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وآله من منزلة زينب أختها ؟ ! !


(1) بحار الانوار ج 19 ص 349. (*)

[ 161 ]

وهي سيدة نساء العالمين ! ! ! هذا إذا لم يثبت لها حق لا بالنحلة ولا بالإرث. فقلت له: فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقا من حقوق المسلمين فلم يجز له أن يأخذه منهم فقال: وفداء أبي العاص قد صار حقا من حقوق المسلمين وقد أخذه رسول الله منهم، فقلت: رسول الله صاحب الشريعة والحكم حكمه وليس أبو بكر كذلك. فقال: ما قلت هلا أخذه أبو بكر من المسلمين قهرا فدفعه إلى فاطمة عليها السلام وإنما قلت هلا استنزل المسلمين عنه واستوهب منهم لها كما استوهب رسول الله صلى الله عليه وآله فداء أبي العاص، أتراه لو قال هذه بنت نبيكم صلى الله عليه وآله قد حضرت تطلب هذه النخلات، أفتطيبون عنها نفسا كانوا منعوها ذلك ؟ فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو ذلك، قال: إنهما لم يأتيا بحسن في شرع التكرم وان كان ما أتياه حسنا في الدين، إنتهى (2). ولنعم ما قال السيد الجذوعي ولله دره: وأتت فاطمة تطالب بالإرث * من المصطفى فما ورثاها ليت شعري لم خالفا سنن * القرآن فيها والله قد أبداها نسخت آية المواريث منها * أم هما بعد فرضها بدلاها أم ترى آية المودة لم * تأت بود الزهراء في قرباها ثم قالا أبوك جاء بهذا * حجة من عنادهم نصباها قال للأنبياء حكم بأن لا * يورثوا في القديم وانتهراها أفبنت النبي لم تدر أن كا * ن نبي الهدى بذلك فاها بضعة من محمد خالفت ما * قال حاشا مولاتنا حاشاها سمعته يقول ذاك وجاءت * تطلب الأرث ضلة وسفاها


(2) شرح النهج: ج 14 ص 190 - 191 بحار الأنوار: ج 19 ص 349. (*)

[ 162 ]

هي كانت لله أتقى وكانت * أفضل الخلق عفة ونزاها سل بإبطال قولهم سورة النمل * وسل مريم التي قبل طه فيهما ينبأن عن أرث يحيى * وسليمان من أراد إنتباها فدعت واشتكت إلى الله من ذا * ك وفاضت بدمعها مقلتاها ثم قالت فنحلة من وا * لدي المصطفى ولم ينحلاها فاقامت بها بشهودا فقالوا * بعلها شاهد لها وابناها لم يجيزوا شهادة إبني رسول * الله هادي الأنام إذ ناصباها لم يكن صادقا علي ولا فا * طمة عندهم ولا ولداها أهل بيت لم يعرفوا سنن الجور * إلتباسا عليهم وإشتباها كان أتقى الله منهم عتيق * قبح القائل المحال وشاها جرعاها من بعد والدها * الغيض مرار فبئس ما جرعاها ليت شعري ما كان ضرهما * حفظا لعهد النبي لو حفظاها كان إكرام خاتم الرسل الها * دي البشير النذير لو اكرماها ولكان الجميل أن يعطياها * فدكا لا جميع أن يقطعها أترى المسلمين كانوا يلوموا * نهما في العطاء لو أعطياها كان تحت الخضراء بنت نبي * صادق ناطق أمين سواها بنت من أم من حليلة من * ويل لمن سن ظلمها وأذاها

[ 163 ]

الباب الرابع في كثرة حزنها وبكائها على أبيها (صلى الله عليه وآله) وعليها وبدء مرضها ومدة مكثها في الدنيا بعد أبيها وإخفاء أمير المؤمنين (عليه السلام) قبرها بوصية منها سلام الله عليها فصل لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله افتجع له الصغير والكبير والرجال والنساء وكثر عليه العويل والبكاء، فصارت المدينة ضجة واحدة تذري الدموع عليه بالأسجام (1) ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أذا أهلوا بالإحرام فلم يكن إلا باك وباكية ونادب ونادبة وعظم رزؤه على أهل بيته الطيبين سيما علي ابن عمه وأخيه أمير المؤمنين عليه السلام، فنزل به من وفات رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن يظن الجبال لو حملته كانت تنهض به وكان أهل بيته ما بين جازع لا يملك جزعه ولا يضبط نفسه ولا يقوي على حمل فادح ما نزل به. قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والإستماع، وساير الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، ولم يكن بين الجميع أشد حزنا من مولاتنا فاطمة الزهراء


(1) سجم: أي سال. (*)

[ 164 ]

صلوات الله عليها، فقد دخلت عليها من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عزوجل وكان حزنها يتجدد وبكائها يشتد، فلا يهدأ لها أنين ولا يسكن منها الحنين، وكل يوم جاء كان بكائها أكثر من اليوم الأول. قال الراوي: فجلست سبعة أيام فلما كان اليوم الثامن خرجت لزيارة قبر أبيها فأقبلت نادبة وهي تعثر في أذيالها وهي لا تبصر شئ من عبرتها ومن تواتر دمعتها حتى دنت من القبر الشريف فأغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها. قالت: رفعت قوتي وخانني جلدي وشمت بي عدوي والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتي وانقطع ظهري، وتنغص عيشي وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي ولا رادا لدمعتي، ثم نادت يا أبتاه: إن حزني عليك حزن جديد * وفؤادي والله صب عنيد كل يوم يزيد فيه شجوني * واكتيابي عليك ليس يبيد يا ابتاه من للأرامل والمساكين * ومن الأمة إلى يوم الدين يا ابتاه أمسينا بعدك من المستضعفين * يا أبتاه اصبحت الناس عنا معرضين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل و * أي حزن بعدك لا يتصل وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل * رميت يا أبتاه بالخطب الجليل ولم يكن الرزية بالقليل، فمنبرك بعدك مستوحش ومحرابك خال من مناجاتك وقبرك فرح بموازاتك، فوا اسفاه عليك إلى أن اقدم عليك، ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج، ثم قالت: قل صبري وبان عني عزائي * بعد فقدي لخاتم الأنبياء عين يا عين اسكبي الدمع سحا (2) * ويك لا تبخلي بفيض الدماء


(2) السح الصب الكثير. (*)

[ 165 ]

يا رسول الإله يا خيرة الله * وكهف الأيتام والضعفاء لو ترى المنبر الذي كنت تعلو * ه علاه الظلام بعد الضياء يا الهي عجل وفاتي سريعا * قد تنغصت الحياة يا مولائي قال الراوي: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها وهي لا ترقأ دمعتها ولا تهدئ زفرتها، فاجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: يا ابا الحسن إن فاطمة تبكي الليل والنهار، فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فراشنا ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا وإنا نخبرك أن تسئلها إما أن تبكي ليلا أو نهارا فقال عليه السلام حبا وكرامة. فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام حتى دخل على فاطمة صلوات الله عليها وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء، فلما رأته سكنت هنيئة له فقال لها: يا بنت رسول الله إن شيوخ المدينة يسئلونني أن أسئلك إما تبكين أباك ليلا وإما نهارا فقالت يا ابا الحسن: ما اقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فو الله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها علي عليه السلام: إفعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك، ثم إنه عليه السلام بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى " بيت الاحزان " وكانت عليها السلام إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها وخرجت إلى البقيع باكية، فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها (3).


(3) البحار الأنوار ج 43 ص 175 - 178. (*)

[ 166 ]

فصل [ اشعارها عند قبر أبيها (صلى الله عليه وآله) ] روي أنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ونال فاطمة عليها السلام من القوم ما نالها لزمت الفراش ونحل جسمها وذاب لحمها وجف جلدها على عظمها وصارت كالخيال (1). وروي أيضا إنها صلى الله عليها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الركن، باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة وتقول لو لديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما ؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما (2). فكانت سلام الله عليها كما اخبر أبوها عن يومها ذلك محزونة مكروبة باكية، تتذكر إنقطاع الوحي عن بيتها مرة وتتذكر فراق والدها أخرى، وتستوحش إذاجنها الليل لفقد صوته الذي كانت تسمع إليه إذا تهجد بالقرآن ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة.


(1) والخيال: ما تشبه لك في اليقظة والحلم من صورة، وكساء أسود ينصب على عود يخيل به للبهائم. (2) المناقب: ج 3 ص 362. (*)

[ 167 ]

وكانت ترثي أباها وتقول: ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا (3) وتقول أيضا: إذا مات يوما ميت قل ذكره * وذكر أبي مذ مات والله أزيد تذكرت لما فرق الموت بيننا * فعزيت نفسي بالنبي محمد فقلت لها أن المماة سبيلنا * ومن لم يمت في يومه مات في غد وتقول أيضا: إذا اشتد شوقي زرت قبرك باكيا * أنوح وأشكو لا أراك مجاوبي فياساكن الصحراء (الغبراء - خ ل) علمتني البكاء وذكرك أنساني جميع المصائب فإن كنت عني في التراب مغيبا فما كنت عن قلبي الحزين بغائب وكان أمير المؤمنين عليه السلام اغتسل النبي صلى الله عليه وآله في قميصه فكانت فاطمة عليها السلام تقول: أرني القميص، فإذا شمته غشي عليها، فلما رأى


(3) وفي هامش نسخة المطبوع من الكتاب عن المؤلف (ره): قال قال المحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى روى أنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي صلى الله عليه وآله فوضعته على عينها وقالت: ماذا الخ. (*)

[ 168 ]

ذلك أمير المؤمنين عليه السلام غيبه (4). [ بكاؤها عند استماع ذكر أبيها (صلى الله عليه وآله) في الأذان ] وروي أنها قالت ذات يوم: إني اشتهي أسمع صوت مؤذن أبي بالأذان فبلغ ذلك بلالا وكان امتنع من الأذان بعد النبي صلى الله عليه وآله، فأخذ في الأذان، فلما قال: الله اكبر، الله اكبر، ذكرت أباها وإيامه فلم تتمالك من البكاء، فلما بلغ إلى قوله: " أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله " شهقت فاطمة عليها السلام وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: أمسك يا بلال، فقد فارقت إبنة رسول الله الدنيا وظنوا أنها قد ماتت، فقطع أذانه ولم يتمه فأفاقت فاطمة صلى الله عليها فسألته أن يتم الأذان فلم يفعل وقال لها: يا سيدة النسوان إني أخشي عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان، فاعفته عن ذلك (5). وعن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: عاشت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما، لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الأثنين والخميس، فتقول: هيهنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وهيهنا كان المشركون (6). وفي رواية أخرى: كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت صلوات الله عليها (7) وروي عن محمود بن لبيد قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله كانت فاطمة عليها السلام تأتي قبور الشهداء وتأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلما كان في بعض الأيام أتيت قبر حمزة (ره) فوجدتها تبكي هناك، فأمهلتها حتى سكنت، فأتيتها


(4) البحار ج 43 ص 157. (5) البحار ج 43 ص 157. (6) الكافي ج 3 ص 228. (7) البحار ج 43 ص 195. (*)

[ 169 ]

وسلمت عليها وقلت: يا سيدة النسوان قد والله قطعت أنياط قلبي (8) من بكائك فقالت: يا ابا عمر، ويحق لي البكاء فلقد أصبته بخير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله واشوقاه إلى رسول الله ثم أنشات تقول: إذا مات يوما ميت قل ذكره * وذكر أبي مذ مات والله اكثر (9) وعن أبي جعفر عليه السلام قال: إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستين يوما ثم مرضت فاشتد علتها، فكان من دعائها في شكواها: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني، أللهم زحزحني عن النار وأدخلني الجنة وألحقني بأبي محمد صلى الله عليه وآله، فكان أمير المؤمنين عليه السلام يقول لها: يعافيك الله ويبقيك، فتقول: يا أبا الحسن ما أسرع اللحاق بالله وأوصته أن يتزوج أمامة بنت ابي العاص وقالت: بنت أختي وتحني [ وتحنن في البحار ] على ولدي (10). [ وصيتها لعلي عليهما السلام ] وفي رواية أخرى قالت لأمير المؤمنين عليه السلام: إن لي إليك حاجة يا أبا الحسن، قال: تقضى يا بنت رسول الله، فقالت نشدتك بالله وبحق محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يصلي علي أبو بكر وعمر، فاني لاكتمتك حديثا فقالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة إنك أول من يلحق بي من أهل بيتي فكنت


(8) نياط: عرق غليظ ينط به القلب. (9) كفاية الأثر ص 198. (10) البحار ج 43 ص 217. (*)

[ 170 ]

أكره أن أسوءك (11). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: بدو مرض فاطمة عليها السلام بعد خمسين ليلة من وفات رسول الله صلى الله عليه وآله فعلمت أنها الوفاة، فاجتمعت لذلك تأمر عليا عليه السلام بأمرها وتوصيه بوصيتها وتعهد إليه عهودها، وأمير المؤمنين عليه السلام يجزع لذلك ويطيعها في جميع ما تأمره، فقالت: يا أبا الحسن إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي وحدثني أني أول أهله لحوقا به ولابد مما لابد منه، فاصبر لأمر الله وارض بقضائه قال: وأوصته بغسلها وجهازها ودفنها ليلا، ففعل (12). وعن ابن عباس، قال: رأت فاطمة عليها السلام في منامها النبي صلى الله عليه وآله قالت: فشكوته إليه من نالنا من بعده قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله لكم الدار الآخرة التي أعدت للمتقين وأنك قادمة علي عن قريب (13).


(11) البحار ج 8 ط ق ص 90. (12) البحار ج 43 ص 201 (13) البحار ج 43 ص 218. (*)

[ 171 ]

فصل [ " إستيذان الشيخين لعيادتها عليها السلام " ] لما مرضت فاطمة عليها السلام مرضها الذي ماتت فيه، وصت إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحدا بمرضها ففعل سلام الله عليه ذلك، وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استسرار بذلك كما وصت به (1) وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله عن مرضها ذلك، وقال بعد أن ذكر ما يصيبها من الظلم والضيم، ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، الخبر (2). فلما ثقلت وعلم الرجلان بذلك أتياها عايدين واستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما، فأتى عمر عليا عليه السلام فقال له: إن أبا بكر شيخ رقيق القلب وقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار فله صحبته وقد أتيناها غير هذه المرة مرارا نريد الإذن عليها وهي تأبى أن تأذن لنا فان رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل، قال: نعم، فدخل علي عليه السلام على فاطمة عليها السلام فقال يا بنت رسول الله قد كان


(1) امالي المفيد: ص 281 البحار ج 43 ص 211. (2) امالي الصدوق: ص 114 ط الاسلامية. (*).

[ 172 ]

من هذين الرجلين ما قد رأيت وقد ترددا مرارا كثيرة ورددتهما ولم تأذني لهما وقد سئلاني أن أستاذن لهما عليك. فقالت: والله لا آذن لهما ولا أكلمهما كلمة من رأسي حتى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه مني، قال علي عليه السلام: فإني ضمنت لهما ذلك قالت: إن كنت قد ضمنت لهما شيئا، فالبيت بيتك والنساء تتبع الرجال لا أخالف عليك بشئ فأذن لمن أحببت، فخرج عليه السلام فأذن لهما. فلما وقع نظرهما على فاطمة صلوات الله عليها، سلما عليها فلم ترد عليهما فحولت وجهها عنهما، فتحولا واستقبلا وجهها حتى فعلت مرارا وقالت: يا علي جاف الثوب وقالت لنسوة حولها حولن وجهي، فلما حولن وجهها حولا إليها وسئلا أنت ترضى عنهما وتصفح عما كان منهما إليها فقالت فاطمة عليه السلام: أنشدكما بالله أتذكر ان أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخرجكما في جوف الليل بشئ كان حدث من أمر علي عليه السلام فقالا: أللهم نعم، فقالت: أنشدكما بالله هل سمعتما النبي صلى الله عليه وآله يقول: فاطمة بضعة مني وأنا منها من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذاها بعد موتي كمن آذاها في حياتي ومن آذاها في حياتي آذاها بعد موتي، قالا: أللهم نعم فقالت: الحمد لله، ثم قالت: أللهم إني أشهدك فاشهدوا يا من حضرني، أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي، والله لا أكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقي ربي فأشكوكما إليه بما صنعتما بي وارتكبتما مني (3). وفي رواية أخرى فرفعت يدها إلى السماء فقالت: أللهم إنهما قد آذياني فأشكوهما إليك وإلى رسولك لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما، قال: فعند ذلك دعا أبو


(3) البحار ج 43 ص 203 - 204. (*)

[ 173 ]

بكر بالويل والثبور وقال: ليت أمي لم تلدني (4). فقال عمر: عجبا للناس كيف ولوك أمورهم ! وأنت شيخ قد خرفت تجزع لغضب إمرأة وتفرح برضاها وما لمن غضب امرأة وقاما وخرجا (5). فلما خرجا قالت فاطمة عليها السلام لامير المؤمنين عليه السلام: قد صنعت ما أردت ؟ قال: نعم، قالت: فهل أنت صانع ما آمرك ؟ قال: نعم، قالت: فإني أنشدك الله أن يصليا على جنازتي ولا يقوما على قبري (6). وروي إنها قالت لأسماء بنت عميس: إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرئة الثوب فيصفها لمن رأى وقالت: إني نحلت وذهب لحمي ألا تجعلين لي شيئا يسترني، قالت أسماء: إني إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئا، أفلا اصنع لك فإن أعجبك أصنع لك ؟ قالت: نعم، فدعت بسرير فاكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدته على قوائمه ثم جللته ثوبا، فقالت هكذا رأيتهم يصنعون، فقالت سلام الله عليها: اصنعي لي مثله أستريني، سترك الله من النار (7). وروي أنها لما رأت ما صورته أسماء تبسمت، وما رؤيت متبسمة إلا يومئذ وقالت: ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرئة من الرجل (8). [ عيادة نساء المهاجرين والأنصار لها وما قالت في جوابهن ] في الاحتجاج قال سويد بن غفلة: لما مرضت سيدتنا فاطمة عليها السلام المرضة التي توفيت فيها، دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار ليعدنها فقلن لها:


(4) ايضا ج 43 ص 199. (5) البحار ج 43 ص 204. (6) لم يوجد في البحار والعوالم عبارة المتن بعينها ولكن مضمونه موجود متواتر (7) العوالم ج 6 ص 291. البحار ج 43 ص 213. (8) كشف الغمة ج 1 ص 53 - 54. (*)

[ 174 ]

كيف أصبحت من علتك يا ابنة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فحمدت الله وصلت على أبيها وقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكن قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد واللعب بعد الجد وقرع الصفات وصدع القناة وخطل الآراء وزلل الأهواء وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم أوقتها وشنت عليهم غاراتها فجدعا وسحقا وعقرا وبعدا للقوم الظالمين، ويحهم أنى زعزعوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبط الوحي (خ) والروح الأمين والطببن بأمور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله. وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها وحملهم عليها ولساريهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه ولأوردهم منهلا نميرا صافيا رويا تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه الى ان قالت سلام الله عليها: استبدلوا والله الذنا بي بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا الا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون) *، أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا ملاء القعب دما عبيطا وذعاقا مبيدا، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون، غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن دنياكم أنفسا وأطمأنوا للفتن جأشا، وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وحرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وانتم لها كارهون. قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها على رجالهن، فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين وقالوا: يا سيدة النساء، لو كان أبو الحسن عليه

[ 175 ]

السلام ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ونحكم العقد لما عدلنا عنه الى غيره فقالت عليها السلام: إليكم عني فلا عذر بعد تعذيركم ولا أمر بعد تقصيركم (9). وفي البحار عن العياشي قال دخلت أم سلمة على فاطمة عليها السلام فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله ؟ قالت: أصبحت بين كمد وكرب، فقد النبي وظلم الوصي، هتك والله حجابه من أصبحت بين كمد وكرب، فقد النبي وظلم الوصي، هتك والله حجابه من أصبحت إمامته مقيضة (10) على غير ما شرع الله في التنزيل وسنها النبي صلى الله عليه وآله في التأويل، ولكنها أحقاد بدرية وترات أحدية كانت عليها قلوب النفاق مكمنة [ مكتمنة ] لامكان الوشاة فلما استهدف الأمر أرسلت علينا شآبيب الآثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الإيمان من قسي صدورها، ولبئس على ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين، أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا بعد استنصار ممن فتك بآبائهم في مواطن الكرب ومنازل الشهادات (11).


(9) الاحتجاج ج 1 ص 147. (10) في البحار مقبضة [ مقتبضة ]. (11) البحار ج 43 ص 156 عوالم العلوم ج 6 ص 250 والحديث موجود في المناقب ج 2 ص 203 قولها عليها السلام: " عائفة " أي كارهة. و " القالية ": المبغضة " لفظتهم " أي رميتهم وطرحتهم. " والعجم ": العض. " وشنأه ": كمنعه أبغضه. و " سبرتهم " أي اختبرتهم. و " الفلول " بالضم: جمع فل بالفتح وهو الثلمة والكسر في حد السيف. و " الخور " بالفتح: الضعف. و " القناة " الرمح. و " الخطل ": المنطق الفاسد " وقرع الصفاة ": الصفاة الحجر الأملس أي جعلتم أنفسكم مقرعا لخصامكم حتى قرعوا صفاتكم. " وصدع. القناة ": شقها. " الأوق ": الثقل " شنت ": أي فرقت. الجدع: قطع الأنف. العقر: الجرح والطبين: الفطن الحاذق. والسجح بضمتين: الليل السهل. والكلم: الجرح. والخشاش بالكسر: ما يجعل في أنف البعير، النمير: الماء النامي في الحشد يعني عين لا ينقطع ماؤها، وضفتا النهر: جانباه. وتطفح: أي تمتلئ حتى تفيض. والترنوق: الطين الذي في الأنهار والمسيل والمعنى أنه لا ينقص الماء حتى يظهر الطين والحمأ من جانبي النهر. الذنابي: ذنب الطائر. ذعاق: داء قاتل غب ما أسس الأولون: يعني عاقبته. الجأش: الارتفاع والاضطراب غشم: أي ظلم. أقول: توضيح الكلمات الغامضة في كلامها عليها السلام أكثرها من البحار للعلامة المجلسي (ره). (*)

[ 176 ]

فصل [ " وصيتها لعلي عليهما السلام لإخفاء قبرها " ] عن روضة الواعظين وغيره، مرضت فاطمة (س) مرضا شديدا ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها، فلما نعيت إليها نفسها، دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس ووجهت خلف علي عليه السلام وأحضرته، فقالت: يا ابن عم إنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لا أرى ما بي إلا أنني لا حق بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي: قال لها علي عليه السلام أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال: معاذ الله أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله أن أوبخك بمخالفتي قد عز علي مفارقتك وتفقدك (فقدك - خ ل) إلا أنه أمر لا بد منه، والله جددت علي مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عظمته وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء لها ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعا ساعة وأخذ علي عليه السلام رأسها وضمها إلى صدره، ثم قال: أوصيني بما شئت فإنك تجديني أمضي فيها كما أمرتني به واختار أمرك على أمري،

[ 177 ]

ثم قالت: جزاك الله عني خير الجزاء يا بن عم رسول الله (1). ثم أوصته بأن يتزوج بعدها أمامة بنت أختها زينب، وأن يتخذ لها نعشا، وأن لا يشهد أحد جنازتها من الذين ظلموا وأخذوا حقها، وأن لا يصلي عليها أحد منهم ولا من أتباعهم وأن يدفنها بالليل إذا هدئت العيون ونامت الأبصار. وعن مصباح الأنوار، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: إن فاطمة عليها السلام لما حضرت أوصت عليا عليه السلام فقالت: إذا أنامت فتول أنت غسلي وجهزني وصل علي وأنزلني في قبري وألحدني وسو التراب علي واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء فإنها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أنس الاحياء وأنا أستودعك الله تعالى وأوصيت في ولدي خيرا، ثم ضمت إليها أم كلثوم فقالت له: إذا بلغت فلها ما في المنزل ثم الله لها، فلما توفيته فعل ذلك امير المؤمنين عليه السلام، الخ (2). وروي إنها قالت لأمير المؤمنين عليه السلام: إذا توفيت لا تعلم أحدا إلا أم سلمة وأم أيمن وفضة ومن الرجال ابني والعباس [ وعبد الله بن عباس خ ل ] وسلمان وعمار والمقداد وأبا ذر وحذيفة، وقالت: إني قد احللتك من أن تراني بعد موتي فكن مع النسوة فيمن يغسلنني ولا تدفني إلا ليلا ولا تعلم أحدا قبري (3). وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: لما حضرت فاطمة الوفاة بكت فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام يا سيدتي ما يبكيك ؟ قالت: أبكي لما تلقى بعدي قال لها لا تبكي، فو الله إن ذلك لصغير عندي في ذات الله، قال: وأوصته أن لا يؤذن بها الشيخين ففعل (4). وروى الشيخ الطائفة، إنه لما ثقلت فاطمة عليها السلام جائها العباس بن عبد


(1) البحار ج 43 ص 191 روضة الواعظين ج 1 ص 151 عوالم العلوم ج 6 ص 274. (2) البحار ج 82 ص 27. (3) ذلائل الامامة: ص 44. (4) البحار ج 43 ص 218. (*).

[ 178 ]

المطلب عائدا. فقيل له: إنها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد، فانصرف إلى داره وأرسل إلى علي عليه السلام فقال لرسوله: قل له يا ابن أخ، عمك يقرئك السلام ويقول لك: لله قد فجأني من الغم بشكاة حبيبة رسول الله وقرة عينيه وعيني فاطمة عليها السلام ما هدني وإني، لأظنها أولنا لحوقا برسول الله صلى الله عليه وآله والله يختار لها ويحبوها ويزلفها لديه، فان كان من أمرها مالا بد منه فأجمع أنا لك الفداء المهاجرين والأنصار حتى يصيبوا الأجر في حضورها والصلوة عليها، وفي ذلك جمال للدين. فقال علي عليه السلام لرسوله قال الراوي وهو عمار أنا حاضر عنده: أبلغ عمي السلام وقل: لا عدمت إشفاقك وتحننك وقد عرفت مشورتك ولرأيك فضله إن فاطمة بنت رسول الله لم تزل مظلومة، من حقها ممنوعة وعن ميراثها مدفوعة لم تحفظ فيها وصية رسول الله صلى الله عليه وآله ولا رعي فيها حقه ولا حق الله عزوجل وكفى بالله حاكما ومن الظالمين منتقما، وأنا أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به فإنها وصتني بستر أمرها. الخ (5). وروى الفريقان عن أم سلمى إمرأة أبي رافع، قالت: اشتكت فاطمة عليها السلام شكواها التي قبضت فيها وكنت أمرضها، فأصبحت يوما أسكن ما كانت فخرج علي عليه السلام إلى بعض حوائجه، فقالت: اسكبي لي غسلا فسكبت فقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل، ثم لبست أثوابها الجدد، ثم قالت: افرش لي فراشي وسط البيت، ثم استقبلت القبلة ونامت وقالت: أنا مقبوضة وقد اغتسلت، فلا يكشفني أحد، ثم وضعت خدها على يدها وماتت صلوات الله عليها (6). [ سلامها سلام الله عليها على جبرئيل والنبي صلى الله عليه وآله حين نزلا عليها ] وروي أنها ماتت ما بين المغرب والعشا وأنها لما احتضرت نظرت نظرا حادا ثم


(5) أمالي الشيخ ج 1 ص 155 البحار ج 43 ص 209. (6) عوالم العلوم فاطمة الزهراء ج 6 ص 276 البحار ج 43 ص 183. (*)

[ 179 ]

قالت: السلام على جبرئيل، السلام على رسول الله، أللهم مع رسولك، أللهم في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام، ثم قالت: أترون ما أرى ؟ فقيل لها: ما ترى ؟ قالت: هذه مواكب أهل السموات، وهذا جبرئيل، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: يا بنية أقدمي فما أمامك خير لك (7). وعن زيد بن علي، أنها سلام الله عليها لما احتضرت، سلمت على جبرئيل وعلى النبي صلى الله عليه وآله وعلى ملك الموت وسمعوا حس الملائكة ووجدوا رائحة طيب كأطيب ما يكون الطيب (8). وعن أسماء بنت عميس، قالت: لما حضرت فاطمة عليها السلام الوفاة قالت لي: إن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وآله لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسمه أثلاثا، ثلثا لنفسه وثلثا لعلي عليه السلام وثلثا لي وكان أربعين درهما، فقالت: يا أسماء إيتيني ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا فضعيه عن رأسي ثم تسجت بثوبها وقالت: انتظريني هنيهة ثم ادعني فإن أجبتك وإلا فاعلمي أني قد قدمت على أبي (ربي - خ ل). قال الراوي: فانتظرتها أسماء هنيهة، ثم نادتها فلم تجبها، فنادت يا بنت محمد المصطفى، يا بنت أكرم من حملته النساء يا بنت خير من وطأ الحصى، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى قال فلم تجبها، فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا، فوقعت عليها تقبلها وهي تقول: يا فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله فاقرأيه عن أسماء بنت عميس السلام، ثم شقت أسماء جيبها وخرجت فتلقاها الحسن والحسين عليهما السلام فقال: أين أمنا فسكتت فدخلا البيت فإذا هي ممتدة فحركها الحسين عليه السلام فإذا هي ميتة، فقال: يا أخاه آجرك الله فيه هي ممتدة فحركها الحسين عليه السلام فإذا هي ميتة، فقال: يا أخاه آجرك الله في الوالدة، فوقع عليها الحسن عليه السلام يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلميني قبل أن


(7) البحار ج 43 ص 200. (8) أيضا ص 200. (*)

[ 180 ]

يفارق روحي بدني، قالت: واقبل الحسسين عليه السلام فاخبراه بموت يقبل رجليها، ويقول: يا اماه أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت، قالت لهما أسماء: يا بني رسول الله انطلقا إلى أبيكما علي عليه السلام فاخبراه بموت أمكما، فخرجا يناديان: يا محمداه يا أحمداه اليوم جدد لنا موتك إذ مات أمنا ثم أخبرا عليا عليه السلام وهو في المسجد فغشى عليه حتى رش عليه الماء ثم أفاق، وكان عليه السلام يقول بمن العزاء يا بنت محمد ؟ كنت بك أتعزي، ففيم العزاء من بعدك ؟ (9). قال المسعودي: ولما قبضت عليها السلام جزع علي عليه السلام جزعا شديدا واشتد بكائه وظهر أنينه وحنينه وقال في ذلك: لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات (الفراق - خ ل) قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد (فاطمة بعد أحمد - خ ل) دليل على أن لا يدوم خليل قال الراوي: فحمل علي عليه السلام الحسنين عليهما السلام حتى أدخلهما بيت فاطمة عليها السلام وعند رأسها أسماء تبكي وتقول: وايتامي محمد صلى الله عليه وآله، كنا نتعزي بعدك، فكشف علي عليه السلام عن وجهها فإذا برقعة عند رأسها، فنظر فيها، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أوصت وهي تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، وان الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، يا علي أنا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله زوجني الله منك لأكون ذلك في الدنيا والآخرة، أنت أولى بي من غيري، حنطني وغسلني وكفنني بالليل وصل علي وادفني بالليل ولا تعلم أحدا واستودعك الله واقرء على ولدي السلام إلى


(9) كشف الغمة: ص 500 البحار ج 43 ص 214 - 186 - 187. (*)

[ 181 ]

يوم القيامة (10). كفنها وغسلها عليها السلام ليلا قال الراوي: فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة ان تتزعزع لصراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول الله وأقبل الناس مثل عرف الفرس الى علي عليه السلام وهو جالس والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة بردائها عليها نشيجها [ تسبجها خ ] (11) وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله الآن حقا فقدناك فقدا، لا لقاء بعده أبدا، واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها، فخرج أبو ذر (ره) وقال: انصرفوا فان ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا فلما جن الليل غسلها أمير المؤمنين عليه السلام ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس رحمة الله عليهما (12). وقالت اسماء: أوصت الي فاطمة عليها السلام أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلي عليه السلام، فأعنت عليا على غسلها (13). وروي أن امير المؤمنين عليه السلام يقول حين غسل فاطمة عليها السلام: أللهم إنها أمتك وابنة رسولك وصفيك وخيرتك من خلقك، أللهم لقنها حجتها وأعظم برهانها وأعل درجتها واجمع بينها وبين أبيها محمد صلى الله عليه


(10) البحار ج 43 ص 214 عوالم العلوم ج 6 ص 278. (11) تسبج الرجل بالسبجة: لبسها والسبجة كساء أسود وفي العوالم: تسحبها. (12) البحار ج 43 ص 171 - 192. (13) البحار ج 43 ص 184. (*)

[ 182 ]

وآله. وروي أنها نشفت بالبردة التي نشف بها رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما غسلها علي عليه السلام وضعها على السرير وقال للحسن عليه السلام: أدعي لي أبا ذر فدعاه فحملاه إلى المصلى ومعه الحسن والحسين فصلى عليها (14). وفي رواية ورقة قال علي عليه السلام: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها، فو الله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله وكفنتها وأدرجتها في أكفانها، فلما هممت أن أعقد الرداء ناديث: يا أم كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضة يا حسن يا حسين هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة، فاقبل الحسن والحسين عليهما السلام، وهما يناديان: واحسرتا لا تنطفي أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء، يا أم الحسن يا أم الحسين إذ لقيت جدنا محمد المصطفى فاقرأيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا، فقال أمير المؤمن علي عليه السلام: إني أشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السموات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب قال عليه السلام: فرفعتهما عن صدرها (15). وروي أن كثير بن عباس كتب في أطراف كفن سيدة النساء: " فاطمة عليها السلام ": تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله (16).


(14) البحار ج 43 ص 215. (15) البحار ج 43 ص 179. (16) البحار ج 81 ص 335. (*)

[ 183 ]

ويظهر من رواية مصباح الأنوار، أن أثواب كفنها كانت غلاظا خشنة فإنه روي أن لما حضرت فاطمة عليها السلام الوفاة دعت بماء فاغتسلت ثم دعت بطيب فتحنطت به، ثم دعت بأثواب كفنها فأتيت بأثواب غلاظ خشنة فتلفقت بها، الخ (17). وروي إيضا أنها كفنت في سبعة أثواب (18). في رواية روضة الواعظين قال: فلما أن هدئت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام وعمار والمقداد والعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه، صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها (19). وعن مصباح الأنوار، عن جعفر بن محمد عليهم السلام انه سئل كم كبر أمير المؤمنين على فاطمة عليها السلام ؟ فقاتل: كان يكبر أمير المؤمنين تكبيرة فيكبر جبرئيل تكبيرة والملائكة المقربون إلى أن كبر أمير المؤمنين عليه السلام خمسا، فقيل له: وأين كان يصلي عليها ؟ قال: في دارها ثم أخرجها (20). [ إرجاع علي (عليه السلام) الوديعة وشكواه عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) ] وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله أن أمير المؤمنين عليه السلام لما دفن فاطمة صلوات الله عليها وعفى موضع قبرها ونفذ يده من تراب القبر هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من إبنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك


(17) البحار ج 81 ص 335. (18) البحار ج 81 ص 335. (19) روضة الواعظين ج 1 ص 152. (20) البحار ج 81 ص 390. (*)

[ 184 ]

والبائتة في الثرى ببقعتك [ ببقيعك ] المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وضعف عن سيدة النساء تجلدي، إلا أن في التأسي لي بسنتك والحزن الذي حل بي لفراقك لموضع التعزي ولقد وسدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري وغمضتك بيدي وتوليت أمرك بنفسي. نعم وفي كتاب الله أنعم القبول إنا لله وإنا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله، أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد، لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم كمد (21) مقيح وهم مهيج، سرعان ما فرق الله بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك إبنتك بتظافر أمتك علي وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول: * (ويحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين) *. سلام عليك يا رسول الله، سلام مودع لا سأم ولا قال فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، الصبر أيمن وأجمل، ولو لا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاما والتلبث عنده معكوفا ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين الله تدفن بنتك سرا ويهتضم حقها قهرا ويمنع إرثها جهرا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر، وإلى [ فإلى ] الله يا رسول الله المشتكى وفيك أجمل العزاء صلى الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته (22). ولقد أجاد من قال: ولأي الأمور تدفن سرا * بضعة المصطفى ويعفى ثراها فمضت وهي أعظم الناس شجوا * في فم الدهر غصة [ عضة ] من حواها وثوت لا ترى لها الناس * مثوى أي قدس يضمه مثواها


(21) كمد مقيح: أي مرض مع قيح، قيح الجرح صار ذا قيح. (22) أمالي الشيخ ج 1 ص 107. (*)

[ 185 ]

وعن مصباح الأنوار، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لما وضع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما وآلهما في القبر قال: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله صلى عليه وآله، سلمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني ورضيت لك بما رضي الله تعالى لك، ثم قرء * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) *، فلما سوى عليها التراب أمر بقبرها فرش عليه الماء، ثم جلس عند قبرها باكيا حزينا، فأخذ العباس بيده فانصرف به (23). [ مناقشة عمر مع علي عليه السلام ] قال الراوي: وأصبح البقيع ليلة دفنت " سلام الله عليها " وفيه أربعون قبرا جددا وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلوة عليها ولا تعرفوا قبرها، ثم قال ولاة الأمر منهم: هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها. فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام، فخرج مغضبا قد احمرت عيناه ودرت أوداجه وعليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة وهو متكأ على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع فسار الى الناس النذير وقالوا: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حول من هذه القبر حجر ليضعن السيف على غابر الآخر. فتلقاه عمر ومن معه من أصحابه وقال له: ما لك يا أبا الحسن ؟ والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها، فضرب علي عليه السلام بيده إلى جوامع ثوبه فهزه ثم ضرب


(23) بحار الانوار ج 82 ص 28. (*)

[ 186 ]

به الأرض وقال له: يابن السوداء اما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة عليها السلام فو الذي نفس علي بيده لئن رمت واصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم فان شئت فأعرض يا عمر، فتلقاه أبو بكر فقال: يا ابا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه قال فخلا عنه وتفرق الناس ولم يعودوا إلى ذلك (24). وفي الصافي المروي من علل الشرايع، بعد أن ذكر أنه أخرج علي عليه السلام الجنازة واشتعل النار في جريد النخل ومشى مع الجنازة بالنار حتى صلى عليها ودفنها بالليل: قال: فلما أصبح أبو بكر وعمر عاودا عايدين لفاطمة عليها السلام فلقيا رجلا من قريش فقالا له: من أين أقبلت ؟ قال: عزيت عليا بفاطمة قالا: وقد ماتت ؟ قال: نعم ودفنت في جوف الليل، فجزعا جزعا شديدا ثم أقبلا إلى علي عليه السلام فلقياه وقالا له: والله ما تركت شيئا من غوائلنا ومسائتنا وما هذا إلا من شئ في صدرك علينا هل هذا إلا كما غسلت رسول الله دوننا ولمن تدخلنا معك وكما علمت إبنك أن يصيح بأبي بكر أن إنزل عن منبر أبي. فقال لهما علي عليه السلام أتصدقاني إن حلفت لكما ؟ قالا: نعم فحلف فادخلهما علي عليه السلام المسجد فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أوصاني وقد تقدم إلي أنه لا يطلع على عورته أحد إلا إبن عمه، فكنت أغسله والملائكة تقلبه والفضل بن العباس يناولني الماء وهو مربوط العينين بالخرقة، ولقد أردت أن أنزع القميص فصاح بي صائح عن البيت سمعت الصوت ولم أر الصورة، لا تنزع قميص رسول الله صلى الله عليه وآله ولقد سمعت الصوت يكرره علي فدخلت يدي من بين القميص فغسلته ثم قدم إلي الكفن فكفنته ثم نزعت القميص بعد ما كفنته. واما الحسن إبني فقد تعلمان ويعلم أهل المدينة إنه كان يتخطى الصفوف حتى يأتي النبي صلى الله عليه وآله وهو ساجد فيركب على ظهره فيقوم النبي صلى الله


(24) البحار ج 43 ص 171. (*)

[ 187 ]

عليه وآله ويده على ظهر الحسن والآخر على ركبته حتى يتم الصلوة قالا: نعم قد علمنا ذلك ثم قال: تعلمان ويعلم أهل المدينة أن الحسن كان يسعى إلى النبي صلى الله عليه وآله ويركب على رقبته ويدلي الحسن رجليه على صدر النبي صلى الله عليه وآله حتى يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد والنبي صلى الله عليه وآله يخطب ولا يزال على رقبته حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وآله من خطبته والحسن على رقبته، فلما رأى الصبي على منبر أبيه غيره شق عليه ذلك، والله ما أمرته بذلك ولا فعله عن أمري. وأما فاطمة فهي المرئة التي استاذنت لكما عليها فقد رأيتما ما كان من كلامها لكما، والله لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها ولا الصلوة عليها وما كنت الذي أخالف أمرها ووصيتها إلي فيكما، فقال عمر: دع عنك هذه الهمهمة أنا أمضي إلى المقابر فانبشها حتى أصلي عليها. فقال له علي عليه السلام: والله لو ذهبت تروم من ذلك شيئا وعلمت أنك لا تصل إلى ذلك حتى يندر عنك الذي فيه عيناك، فإني كنت لا اعاملك إلا بالسيف قبل أن تصل إلى شئ من ذلك، فوقع بين علي وعمر كلام حتى تلاحيا واستبا واجتمع المهاجرون والأنصار فقالوا والله ما نرضى بهذا أن يقال في ابن عم رسول الله وأخيه ووصيه وكادت أن تقع فتنة، فتفرقا (25). عن علي بن عيسى الإربلي، قال: أنشدني بعض الأصحاب للقاضي أبي بكر قريعة: يا من يسائل دائبا * عن كل معضلة صخيفة لا تكشفن مغطاه * فلربما كشفت جيفة ولرب مستور بذا * كالطبل من تحت القطيفة أن الجواب لحاضر * لكنني أخفيه خيفة


(25) علل الشرايع ج 1 ص 188. (*)

[ 188 ]

لولا اعتداء رعية * ألقى سياستها الخليفة وسيوف أعداء بها * ها ماتنا أبدا نقيفة (26) لنشرت من أسرار آل محمد * جملا طريفة تغنيكم عما رواه * مالك وأبو حنيفة وأريتكم (27) أن الحسين * أصيب في يوم السقيفة ولإي حال لحدت * بالليل فاطمة الشريفة ولما حمت شيخيكم * عن وطي حجرتها المنيفة أوه لبنت محمد * ماتت بغصتها أسيفة (28) روى الشيخ الكليني قدس سره عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ألا أقرئك وصية فاطمة عليها السلام قال: قلت: بلى، فأخرج حقا (29) أو سفطا فأخرج منه كتاب، فقرئه، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد رسول الله صلى عليه وآله أوصت بحوائطها السبعة العواف، والدلال، والبرقة، والميثب، والحسنى، والصافية، وما لأم إبراهيم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فإن مضى علي عليه السلام فإلى الحسن، فإن مضى الحسن فإلى الحسين، فإن مضى الحسين فإلى الأكبر من ولدي، شهد الله على ذلك والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام، وكتب علي بن أبي طالب عليه السلام (30). قال السيد ابن طاوس في كشف المحجة في كلام له في أن النبي وأمير المؤمنين


(26) نقيفة: من نقف هامة الرجل كسرها عن الدماغ. (27) وأريكم - خ م. (28) كشف الغمة: ج 1 ص 505. (29) الحق: نوع من الوعاء. (30) الكافي ج 7 ص 48. (*)

[ 189 ]

عليهما السلام لم يكونا فقيرين وأن الزهد لا يشترط فيه أن يكون مع الفقر ما هذا لفظه: وقد وهب جدك محمد صلى الله عليه وآله أمك فاطمة عليها السلام فدكا والعوالي من جملة مواهبه وكان دخلها في رواية الشيخ عبد الله بن حماد الأنصاري أربعة وعشرون ألف دينار في كل السنة، وفي رواية غيره سبعون ألف دينار، إنتهى (31). [ مدة مكثها عليها السلام بعد أبيها ] أقول: اختلف الأقوال في مدة مكث فاطمة صلوات الله عليه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فالمكثر يقول: ستة أشهر والمقلل يقول: أربعين يوما والذي أختاره إنها مكثت بعد أبيها صلوات الله عليهما وآلهما خمسة وتسعين يوما وقبضت في ثالث جمادي الآخرة. وروى محمد بن جرير الطبري الامامي بسند معتبر عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قبضت فاطمة عليها السلام في جمادي الآخرة يوم الثلاثاء لثلث خلون منه سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان سبب وفاتها أن قنفذ مولى عمر نكزها (32) بنعل السيف أمره فأسقطت محسنا ومرضت من ذلك مرضا شديدا ولم تدع (27) وأريكم - خ م. (28) كشف الغمة: ج 1 ص 505. (29) الحق: نوع من الوعاء. (30) الكافي ج 7 ص 48. (*)

[ 189 ]

عليهما السلام لم يكونا فقيرين وأن الزهد لا يشترط فيه أن يكون مع الفقر ما هذا لفظه: وقد وهب جدك محمد صلى الله عليه وآله أمك فاطمة عليها السلام فدكا والعوالي من جملة مواهبه وكان دخلها في رواية الشيخ عبد الله بن حماد الأنصاري أربعة وعشرون ألف دينار في كل السنة، وفي رواية غيره سبعون ألف دينار، إنتهى (31). [ مدة مكثها عليها السلام بعد أبيها ] أقول: اختلف الأقوال في مدة مكث فاطمة صلوات الله عليه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فالمكثر يقول: ستة أشهر والمقلل يقول: أربعين يوما والذي أختاره إنها مكثت بعد أبيها صلوات الله عليهما وآلهما خمسة وتسعين يوما وقبضت في ثالث جمادي الآخرة. وروى محمد بن جرير الطبري الامامي بسند معتبر عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قبضت فاطمة عليها السلام في جمادي الآخرة يوم الثلاثاء لثلث خلون منه سنة إحدى عشرة من الهجرة، وكان سبب وفاتها أن قنفذ مولى عمر نكزها (32) بنعل السيف أمره فأسقطت محسنا ومرضت من ذلك مرضا شديدا ولم تدع أحد ممن آذاها يدخل عليها، الخ (33).


(31) كشف المحجة: ص 124. (32) في المصدر: لكزها وهو أيضا بمعنى ضربها. (33) دلائل الامامة: ص 45. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية