الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ج 9

سبل الهدى والرشاد

الصالحي الشامي ج 9


[ 1 ]

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للامام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 ه‍ تحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء التاسع دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الاولى 1414 ه‍ - 1993 م دار الكتب العلمية بيروت لبنان ص. ب: 9424 / 11 - تلكس: هاتف: 366135 - 602133 - 868051 - 815573 فاكس: 4781373 / 1212 / 00 - 602133 / 9611 /..

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في المعاملات وما يلتحق بها الباب الاول في الكلام على النقود التي كانت تستعمل في زمانه - صلى الله عليه وسلم - قال الامام أبو سليمان أحمد بن الخطابي - رحمه الله تعالى -: كان أهل المدينة يتعاملون بالدرهم عددا وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قول عائشة - رضي الله عنها - في قصة شرائها بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فقلت تريد الدراهم (1) التي هي ثمنها فأرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى الوزن وجعل العيار وزن أهل مكة، وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانق وهو درهم الاسلام في جميع البلدان، وكانت الدراهم قبل الاسلام مختلفة الاوزان في البلدان، فمنها البغلي، وهو ثمانية دوانق، والطبري وهو أربعة دوانق، وكانوا يستعملونها (مناصفة) (2) مائة بغلية ومائة طبرية، فكان في المائتين منها خمسة دراهم زكاة، فلما كان زمن بني أمية، قالوا إن ضربنا البغلية ظن الناس أنها التي تعتبر للزكاة ضد الفقراء، وإن ضربنا الطبرية، ضر أرباب الاموال، فجمعوا الدراهم البغلي والطبري وجعلوهما درهمين، كل درهم ستة دوانق، وأما الدنانير: فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال ثمان وعشرون قيراطا إلا حبة بالشامي وأن كل عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل فضربها. انتهى كلام الخطابي. قال الماوردي (في الاحكام السلطانية): استقر في الاسلام وزن الدرهم ستة دوانق، كل عشرة سبعة مثاقيل، واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن، فقيل كانت في الفرس ثلاثة أوزان، منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا، ودرهم اثنا عشر، ودرهم عشرة فلما احتيج في الاسلام إلى تقدير، أخذ الوسط من جميع الاوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطا من قيراط المثقال وقيل: إن عمر بن الخطاب رأى الدراهم مختلفة، منها البغلي ثمانية دوانق، والطبري أربعة دوانق، واليمني دانق واحد، فقال: انظروا أغلب ما يتعامل الناس به من أعلاها وأدناها، فكان البغلي والطبري، فجمعهما فكانا اثني عشر دانقا، فأخذ نصفهما، فكان ستة


(1) انظر معالم السنن 3 / 61 وما بعدها. (2) سقط في ج‍. (*)

[ 4 ]

دوانق، فجعله درهم الاسلام، واختلف في أول من ضربها في الاسلام، فحكي عن سعيد بن المسيب أن أول من ضربها في الاسلام عبد الملك بن مروان. قال أبو الزناد: أمر عبد الملك الحجاج بضربها في العراق سنة أربعة وسبعين من الهجرة. وقال المدايني: بل ضربها في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقال: وقيل أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الاكاسرة، ثم غيرها الحجاج انتهى كلام الماوردي. وقال القاضي عياض: لا يصح أن تكون الاوقية والدرهم مجهولة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها المبايعات والانكحة كما ثبت في الاحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبين في الاحاديث أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وأن جعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق قول باطل، وأن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شئ من ضرب الاسلام، وعلى صفة لا تختلف بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فزاد صرفها في الاسلام ونقصها وتصييرها وزنا واحدا أو أعيانا يستغنى بها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم. وقال الرافعي: أجمع أهل العصر الاول على التقدير على هذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الاسلام. وقال النووي في [ شرح ] المهذب الصحيح: الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معلومة الوزن معروفة المقدار، وهي السابقة إلى الافهام عند الاطلاق، وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر، فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم الدراهم محمول على المفهوم عند الاطلاق، وهو كل درهم ستة دوانق، كل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الاول فمن بعدهم إلى يومنا هذا على هذا. ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وأما مقدار الدراهم والدنانير فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق في كتاب (الاحكام): قال ابن حزم: بحثت غاية البحث عن من وثقت بتمييزه، فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق، والدراهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة وستة

[ 5 ]

أعشار حبة، والرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة، هذا كلام ابن حزم. قال النووي - بعد إيراده - في شرح المهذب: وقال غير هؤلاء: وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا انتهى. قال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة خمسة وسبعين " وهو أول من أحدث ضربها، ونقش عليها ". وفي (الاوائل) للعسكري: أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحميدي عن سفيان، قال: سمعت أبي يقول: أول من وضع وزن سبعة الحارث بن ربيعة، يعني: العشرة عدها سبعة وزنا. وأخرج ابن عساكر عن مغيرة، وقال: أول من ضرب الدراهم الزيوق عبيد الله بن زياد، وهو قاتل الحسين، وفي تاريخ الذهبي: أول من ضرب الدراهم في بلاد العرب عبد الرحمن بن الحكم الاموي القائم بالاندلس في القرن الثالث، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم المشرق، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر، قال: القنطار خمسة عشر ألفا مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وأخرج ابن جرير في تفسيره عن السدي في قوله تعالى: (والقناطير المقنطرة) (آل عمران / 14). يعني المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم (1) انهى. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الوزن: بواو مفتوحة فزاي ساكنة. الدانق: بدال مهملة فألف فنون فقاف سدس الدينار. والدرهم البغلية: بموحدة مفتوحة فعين معجمة ساكنة فلام فتحتية فتاء تأنيث قيل: إنها ضرب ملك يسمى رأس البغل. الطبرية: (هي من الدراهم الخفاق كل درهم منها أربعة دوانيق). القيراط: الحبة بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين - الحنطة والشعير وغيرهما. المثقال: بميم مكسورة فمثلثة ساكنة فقاف.


(1) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره 6 / 250. (6727). (*)

[ 6 ]

الباب الثاني في شرائه وبيعه - صلى الله عليه وسلم - وفيه أنواع: الاول: في بيعه: روى البخاري عن جابر - رضي الله عنه - قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل ثمنه إليه (1). وروى مسلم والاربعة عنه، قال: جاء عبد فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر صلى الله عليه وسلم أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد ذلك حتى يسأله " أعبد هو " ؟ (2). وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه والدراقطني عن عبد المجيد بن وهب - رحمه الله تعالى - قال: قال لي العداء بن خالد - رضي الله تعالى عنه - ألا أقرؤك كتابا كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم (3). الثاني: في ذكر من اشتراه صلى الله عليه وسلم: روى الاربعة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس - رضي الله تعالى عنه - قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي برا من هجر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فساومنا من شراء سراويل وعندنا وزان يزن بالاجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان زن وأرجح (4). وروى الامام أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي عن أبي صفوان مالك بن عميرة - رضي الله تعالى عنه - قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر، فاشترى مني رجل سراويل فأرجح لي. وروى الطبري برجال ثقات والامام أحمد وأبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى عيرا قدمت فربح فيها أوقية فتصدق بها على أرامل بني


(1) أخرجه البخاري 11 / 362 (6716) ومسلم 3 / 1289 (58 / 997). (2) أخرجه مسلم 3 / 1225 (123 / 1602). (3) أخرجه الترمذي 3 / 520 في البيوع (1216) وقال حسن غريب لا نعرف إلا من حديث عياد بن ليث وابن ماجه 2 / 756 في التجارات باب شراء الرقيق (2251) والبخاري تعليقا 4 / 309 في كتاب البيوع باب إذا بين البيعان وقال قتادة الغائلة الزنا والسرقة والاباق وابن سعد 7 / 36 والدراقطني 3 / 77 والبيهقي 5 / 328. (4) أخرجه أبو داود (3336) (3337) والترمذي (1305) وابن ماجه (2220) وأحمد (4 / 352) والدارمي 2 / 260 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1440) والحاكم 2 / 30، 4 / 192 والبخاري في التاريخ 4 / 142. (*)

[ 7 ]

عبد المطلب وقال: " لا أشتري شيئا ليس عندي ثمنه " (1) وروى ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر، ويرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: " بعنيه "، قال: هو لك يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعنيه "، فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت " (2). وروي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت على جمل (3) (لي قد أعيا، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فضربه، فسار سيرا ليس يسير مثله)، ثم قال: " بعنيه بوقية "، قال: فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمت المدينة أتيته بالجمل ونقدني ثمنه (3)). وروى الامام أحمد بإسناد صحيح وعبد بن حميد والحاكم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل من الاعراب جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة والذخرة العجوة، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فقال له يا عبد الله، إنا قد ابتعنا منك جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذخرة فالتمسنا فلم نجد، قال: فقال الاعرابي، واغدراه واغدراه ! فتهمه الناس وقالوا: قاتلك الله ! أيغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ بل أنت يا عدو الله أغدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، ثم دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عبد الله، إنا ابتعنا جزائرك، ونحن نظن عندنا ما سمينا لك فالتمسناه فلم نجده، فقال الاعرابي واغدراه، فتهمه الناس، وقالوا: قاتلك الله ! أيغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا فلما رآه لا يفقه عنه، قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية، فقل لها: رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك إن كان عندك وسق تمر من تمر الذخرة - فأسلفيناه، حتى نؤديه إليك إن شاء الله، فذهب إليها الرجل، ثم رجع الرجل، فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول الله، فابعث من يقبضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل اذهب فأوفه الذي له قال فذهب به، فأوفاه الذي له، قالت فمر الاعرابي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، فقال: جزاك الله خيرا فقد أوفيت وأعطيت وأطيبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خيار عباد الله عند الله الموفون المطيبون (4).


(1) أخرجه أبو داود 2 / 267 (3344) وأحمد 1 / 235، 323. (2) أخرجه البخاري 4 / 312 (2115). (3) أخرجه البخاري 5 / 314 في الشروط (2718) ومسلم 3 / 1221 (109 / 715). (4) أخرجه أحمد في المسند 2 / 416، 6 / 268 والبيهقي 5 / 351، 6 / 20، 21، 52 وعبد الرزاق (15358). ومن حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 4 / 483 (2306) ومسلم 3 / 1225 (120 / 1601). (*)

[ 8 ]

الثالث: في اختياره صلى الله عليه وسلم موضع السوق: روى الطبراني من طريق الحسن بن علي بن الحسن بن أبي الحسن البراد يحرر حاله عن أبي أسيد - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، إني قد رأيت موضعا للسوق، أولا تنظر إليه ؟ قال: بلى، فقام معه حين جاء موضع السوق فلما جاءه أعجبه، وركضه، برجله، وقال: نعم سوقكم، فلا ينقض ولا يضربن عليكم خراج (1). ورواه ابن ماجة بلفظ: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق النبيط فنظر إليه، وقال ليس لكم هذا بسوق، ثم ذهب إلى سوق، فقال: هذا ليس لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه، ثم قال: هذا سوقكم، فلا ينتقض ولا يضرب عليه خراج (2). الرابع: في دخوله صلى الله عليه وسلم السوق، وما كان يقوله إذا دخله ووعظه أهله: وروى أبو بكر أحمد بن عمر وابن أبي عاصم في كتاب البيوع والحاكم في المستدرك والطبراني عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق، قال: " بسم الله " وفي لفظ إذا خرج إلى السوق، قال: " اللهم إني أسألك من خير هذا السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرا وصفقة خاسرة " (3). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى جماعة من التجار، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا له وأمدوا أعناقهم، فقال: " إن الله تعالى باعثكم يوم القيامة، فجارا إلا من صدق وبر وأدى الامانة " (4). وروى الطبراني برجال ثقات إلا محمد بن إسحاق الغنوي فيحرر حاله عن واثلة بن الاسقع - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلينا وكنا تجارا، وكان يقول يا معشر التجار، إياكم والكذب (5). وروى الطبراني عن طريق محمد بن أبان الحنفي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه -


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 19 / 265 وانطر المجمع 4 / 76 وكنز العمال (34877). (2) أخرجه ابن ماجه (2233) وضعفه البوصيري في الزوائد. (3) أخرجه ابن السني 177 وانظر المجمع 4 / 77. (4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5 / 226 والطبراني في الكبير 12 / 68 وانظر المجمع 4 / 78 وانظر الكنز (9336، 9869). (5) ذكره المنذري في الترغيب 2 / 590. (*)

[ 9 ]

قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى السوق قال: " اللهم إني أسألك من خير هذه السوق وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة " (1)، وفي رواية: اللهم إني أعوذ بك من شر هذه السوق، وأعوذ بك من الكفر والفسوق. وروى ابن ماجه والترمذي، وقال حسن صحيح عن رفاعة بن رافع - رضي الله تعالى عنه - قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فإذا الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: التجار يبعثون يوم القيامة، فجارا إلا من اتقى الله عز وجل وبر وصدق (2). وروى الامام أحمد والاربعة عن قيس بن أبي غرة البجلي - رضي الله عنه - قال: كنا نبتاع بالمدينة، وكنا نسمى السماسرة، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن، وفي لفظ: فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع، فقال: " يا معشر التجار " فسمانا بأحسن أسمائنا: إن البيع يحضره الحق والكذب، وفي لفظ: إن الشيطان والاثم يحضران السوق، وفي لفظ: إن هذه السوق يخالطها اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة (3). الخامس: في تعاهده صلى الله عليه وسلم السوق ودخوله لحاجة وإنكاره على من غش: وروى الطبراني برجال ثقات عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السوق فرأى طعاما مصبرا، فأدخل يده فيه، فأخرج طعاما رطبا قد أصابته السماء، فقال لصاحبه: ما حملك على هذا ؟ قال: والذي بعثك بالحق، أنه لطعام واحد، قال أفلا عزلت الرطب على حدته، واليابس على حدته، فيبتاعون ما يعرفون، من غشنا فليس منا (4). وروى الطبراني عن أبي موسى رضي الله عنه قال -: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق البقيع، فأدخل يده في غرارة، فأخرج طعاما مختلفا أو قال مغشوشا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من غشنا (5). وروى ابن ماجه عن أبي الحمراء - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجنبات رجل عنده طعام في وعاء فأدخل يده فيه، وقال: لعلك غششت، من غشنا فليس


(1) انظر المجمع 4 / 77 وقال رواه الطبراني في الاوسط وفيه محمد بن إبان الجعفي وهو ضعيف. (2) أخرجه الدارمي 2 / 247 والترمذي 3 / 515 (1210) وقال حسن صحيح وابن ماجه 2 / 726 (2145). (3) أخرجه أبو داود 3 / 620 (3326) والترمذي 3 / 514 وقال حديث صحيح والنسائي 7 / 14 - 15 وابن ماجه 2 / 726 (2145). (4) انظر المجمع 4 / 79 والمطالب (2206) وعبد الرزاق (17932). (5) انظر المجمع 4 / 79. وقال رواه الطبراني في الكبير والاوسط وفيه يحيى بن عقبة وقد قيل أنه يفتعل الحديث. (*)

[ 10 ]

منا (1). وروى الترمزي مرفوعا عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحاب الكيل والميزان: إنكم قد وليتم أمرا هلكت فيه الامم السالفة قبلكم، ورواه عنه بسند صحيح موقوفا (2) وروى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق على صبرة طعام، فسأله كيف تبتاع ؟ فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول، فقال: " ما هذا يا صاحب الطعام " ؟ فقال: يا رسول الله، أصابته السماء، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا " (3). وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام قد حسنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا هو طعام ردئ، فقال: " بع هذا على حدة وهذا على حدة، فمن غشنا فليس منا " (4). وروى البخاري والترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما دعوت هذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي " (5). وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى أتى سوق بني قينقاع ثم انصرف... الحديث (6). السادس في اشترائه الحيوان متفاضلا وامتناعهم من التفسير: روى أبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى عبدا بعبدين (7). وقد روى مسلم وابن ماجه والامام أحمد وأبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي (8).


(1) أخرجه ابن ماجه (2225) والدولابي في الكنى 1 / 25. قال البوصيري: في سنده أبو داود وهو نفيع بن الحارث الاعمى أحد الضعفاء والمتروكين. (2) أخرجه الترمذي 3 / 521 (1217) والحاكم 2 / 31 وابن كثير في التفسير 3 / 358. (3) أخرجه مسلم 1 / 99 (164 / 102) وأبو عوانة 1 / 157) والحاكم 2 / 9 والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 320. (4) أخرجه أحمد 2 / 50 والمجمع 4 / 78 والترغيب 2 / 572. (5) أخرجه البخاري 4 / 339 (2120) واللفظ له ومسلم 3 / 1682 (1 / 2131). (6) أخرجه البخاري 4 / 397، 398 (2122)، (5884) ومسلم 4 / 1882 (57 / 2421). (7) أخرجه الترمذي 3 / 540 (1239). (8) أخرجه مسلم 2 / 1045 - 1046 (87 / 1365). (*)

[ 11 ]

وروى الامام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن أبي سعيد والطبراني برجال الصحيح، وأبو داود عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عباس والبزار عن علي والطبراني عن أبي جحيفة والطبراني عن فضلة والامام أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهم - قالوا: غلا السعر بالمدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أما تسعر لنا ؟ وفي رواية: قوم لنا سعرنا وفي رواية: فقال الناس: يا رسول الله، سعر، وفي رواية: إن رجلا جاء، فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال، يا رسول الله، هلا تسعر لنا ! وفي رواية: أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل ادعوا، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، سعر، وفي رواية: لو قومت لنا السعر فقال إن الله تعالى هو المسعر القابض الباسط، وفي رواية: بل الله يرفع ويخفض، وفي رواية إن الله هو المقوم والمسعر، إني لا أريد أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في عرض وفي رواية ولا نفس ولا مال وفي رواية لا يسألني الله تعالى عن سنة أحدثتها عليكم لم يأمرني بها ولكن أسأل الله تعالى من فضله (1). تنبيهات الاول: قال في زاد المعاد: باع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترى وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب المدبر غلام أبي مذكور وشراؤه عبدا أسود بعبدين وأما شراؤه فكثير. الثاني: في بيان غريب ما سبق: داء: (بدال مهملة مفتوحة فألف فهمز) المعيب. الغائلة: (أي ولا فجور، وقيل المراد الاباق). الخبثة: (بخاء معجمة مكسورة فموحدة ساكنة بعد هاء مثلثة أي سبيا). سامني: (سين مهملة فألف فميم مفتوحة فنون فتحتية من المساومة). تمر الذخرة: (تقدم تفسيره). الاواقي: (بهمزة فواو مفتوحتين فألف فقاف). وسق: (بواو مفتوحة فسين مهملة ساكنة فقاف).


(1) من حديث أنس أخرجه أحمد 3 / 156، 286 والدارمي 2 / 249 وأبو داود 3 / 731 (3451) والترمذي 3 / 605 (1314) وقال حسن صحيح وابن ماجه 2 / 741 (2200) والبيهقي في الكبرى 6 / 29 والطبراني في الصغير 2 / 7 والطبري في التفسير 2 / 372 وانظر المجمع 4 / 99، 100 ونصب الراية 4 / 263 والتلخيص 3 / 14. (*)

[ 12 ]

ركضه برجله: (ضربه). الخراج: (بخاء معجمة فراء مفتوحتين فجيم ما يجعل من غلة). السوق: (بسين مهملة فواو ساكنة يؤنث ويذكر، وسميت به لقيام الناس فيها على سوقهم). الفاجرة: (بفاء فألف فجيم مكسورة فراء فتاء تأنيث الكاذبة). الصفقة: (بصاد مهملة مفتوحة ففاء ساكنة فقاف فتاء العقدة الخاسرة). البر: (بكسر الموحدة وبالراء الصلة). السماسرة: (جمع سمسار، وهو القيم بالامر الحافظ له). البقيع: (بموحدة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية فعين مهملة المكان المتسع من الارض). الغرار: الغش: (بغين معجمة مكسورة فشين معجمة ضد النصح). الصبرة: (بصاد مهملة مضمومة فموحدة ساكنة فراء فتاء تأنيث الطعام).

[ 13 ]

الباب الثالث في إيجاره - صلى الله عليه وسلم - واستئجاره وفيه أنواع: الاول: في إيجاره نفسه صلى الله عليه وسلم قال في زاد المعاد: أجر رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأجر واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يحفظ عنه أنه أجر نفسه الكريمة قبل النبوة في رعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفره بما لها إلى الشام. وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم، فقال الصحابة وأنت ؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لاهل مكة (1). وروى الحاكم عن طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير عن جابر، قال: أجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش كل سفرة (2) بقلوص. قلت: الربيع ضعيف، قال ابن العربي: إن صح الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام. قال في النهاية: جرش بضم الميم وفتح الراء من مخاليف اليمن وهو بفتحها بلد في الشام. الثاني: في استئجاره صلى الله عليه وسلم: روى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - في حديث العجوة قالت: واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني الديل (3). الثالث: في مساقاته صلى الله عليه وسلم: روى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - وأحمد وأبو داود وابن ماجه والدراقطني عن ابن عباس وابن ماجه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل خيبر، أراد إجلاء يهود منها، وكانت الارض حين ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم لله ورسوله وللمسلمين، وأراد إخراج يهود منها، فسألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها على أن يكفوا أهلها، ولهم النصف، وفي لفظ فعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر وزرع، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نقركم بها على ذلك ما شئنا وفي لفظ ما أقركم الله فقروا بها حتى أجلاهم عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - (4).


(1) أخرجه البخاري 4 / 441 (2262) والقيراط = 2125 و 0 جراما بالذهب. (2) البيهقي في الدلائل 2 / 66 وإسناده ضعيف لضعف الربيع بن بدر. (3) سقط في ج. (4) أخرجه البخاري 4 / 462 (2285) من حديث ابن عمر (5 / 26) (2338). (*)

[ 14 ]

الباب الرابع في استعارته - صلى الله عليه وسلم - وإعارته وفيه نوعان: الاول: في استعارته صلى الله عليه وسلم: روى الامام أحمد وأبو داود والنسائي: والدارقطني عن صفوان بن أمية - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد ؟ فقال: بل عارية مضمونة فضاع بعضها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن شئت غرمتها، قال: لا، إن قلبي من الاسلام اليوم غير ما كان يومئذ (1). وروى أبو داود عن أناس من آل عبد الله بن صفوان ومسدد وابن أبي شيبة عن عطاء بن رباح عن أناس عن عبد الله بن صفوان قال: استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية سلاحا وفي لفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا صفوان، هل عندك من سلاح ؟ فقال له صفوان: أعارية أم غصب ؟ قال: بل عارية، فأعاره ما بين ثلاثين إلى أربعين درعا، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فلما هزم الله المشركين جمعوا، وفي لفظ: جمعت أدراع صفوان، ففقد من أدراعه وفي لفظ: " منها أدراعا "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا صفوان، إن شئت غرمناها لك "، وفي لفظ: " بل نغرم لك " فقال: يا رسول الله، إن في قلبي من الايمان، وفي لفظ: " اليوم ما لم يكن حينئذ " (2). وروى الترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار قصعة فضاعت فضمنها لهم (3). وروى الشيخان عنه قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة يقال له مندوب فركبه فلما رجع، قال: ما رأينا من شئ وإن وجدناه لبحرا (4) وروى عنه البخاري أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة، وكان يقطف أو كان به قطاف، فلما رجع قال وجدنا فرسكم هذا بحرا فكان بعد ذلك لا يجاري (5). وروى الامام أحمد عن صفوان بن يعلى عن أبيه - - رضي الله تعالى عنه - قال: قال لي


(1) أخرجه أحمد 3 / 401، 6 / 465 وأبو داود (3562) والحاكم (2 / 47) وانظر نصب الراية 3 / 377 والتلخيص 3 / 52. (2) أخرجه أبو داود (3563) وابن أبي شيبة 6 / 144 والدارقطني 3 / 40 والبيهقي 6 / 89، 7 / 18 وانظر نصب الراية 4 / 116. (3) أخرجه الترمذي 3 / 641 (1360). (4) أخرجه البخاري 5 / 240 (2627) (2928) ومسلم 4 / 1803 (49 / 2307). (5) البخاري 6 / 83 (2867). (*)

[ 15 ]

النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا "، قال: فقلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة ؟ قال: " بل مؤداة " (1). الثاني في إعارته صلى الله عليه وسلم: تنبيه في بيان غريب ما سبق. الدرع: تقدم تفسيره وكذلك القصعة. مندوبا: من قوله ندبه لامر انتدبه له، دعاه له فأجاب، ويقال: فرس ندب بسكون الدال أي ماض، ورجل ندب أي خفيف في الحاجة. القطوف: من الدواب البطئ الشئ، وقيل: الضيق الشئ، قطفت الدابة تقطف قطفا والاسم القطاف. (يجارى): بضم المثناة التحتية وفتح الراء يساير.


(1) أخرجه أبو داود (3566) وأحمد 4 / 222 والدارقطني 3 / 29 وانظر نصب الراية 3 / 377، 4 / 117. (*)

[ 16 ]

الباب الخامس في مشاركته - صلى الله عليه وسلم - روى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن السائب بن أبي السائب - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح جاءه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مرحبا بأخي وشريكي، كان لا يداري ولا يماري، يا سائب قد كنت تعمل أعمالا في الجاهلية، لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك وكان ذا سيف وصلة " (1). وروى أبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد تمرتين، فأخذ تمرة وأعطاني تمرة (2). وروى الطبراني برجال الصحيح غير عبد الله بن الامام أحمد وهو ثقة مأمون عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى تمرة عائرة فأخذها فناولها سائلا، فقال: " إنك لو لم تأتها لا تأتك ". (بيان الغريب) مرحبا: بميم مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة فموحدة مفتوحة أي لتأتي رحبا وسعة. لا يداري: بالهمزة من المدارة، وهي مدافعة الحق فإن ترك الهمزة صارت من المداراة وهي الدفع بالتي هي أحسن. لا يماري: من المماراة وهي المجادلة بغير حق. العائرة: بعين مهملة مفتوحة فهمزة مكسورة فراء فتاء تأنيث، الساقطة.


(1) أخرجه أبو داود 4 / 260 (4836) والحاكم 2 / 61 صححه ووافقه الذهبي. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 173 وقال رواه البزار وأبو يعلى وفيه عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي وهو ثقة وفيه ضعف. (*)

[ 17 ]

الباب السادس في وكالته وتوكيله - صلى الله عليه وسلم - قال في زاد المعاد: وكان توكيله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من توكله. وروى الامام أحمد والترمذي وأبو داود والدارقطني عن عروة البارقي - رضي الله تعالى عنه - قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا، وقال: " أي عروة ائت الجلب، فاشتر لنا شاة "، فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما، أو قال أقودهما، فلقيني رجل فساومني فبايعته شاة بدينار فجئت بالدينار وجئت بالشاة، فقلت يا رسول الله هذا ديناركم، وهذه شاتكم، قال وصنعت كيف ؟ قال: فحدثته الحديث، فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه، فقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي، زاد أحمد وكان يشتري الجواري ويبيع، زاد الترمذي فيربح الربح العظيم، وكان من أكثر أهل الكوفة مالا، زاد الامام أحمد والبخاري في رواية: فكان لو اشترى التراب لربح فيه (1). وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حكيم بن حزام يشتري له أضحية بدينار، فاشتراها بدينار،. وباعها بدينارين فاشترى أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضح بالشاة، وتصدق بالدينار، ودعا له أن يبارك له في تجارته (2). وروى البخاري تعليقا عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان (3). وروى أبو داود عن جابر قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، وقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته (4). وروى الامام أحمد في رواية حميد الشامي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الجلب: بجيم فلام مفتوحتين فموحدة ما يجلب من مكان إلى آخر. الترقوة: (العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق).


(1) أخرجه البخاري 6 / 632 في المناقب (3642) وأبو داود 3 / 256 (3384) والترمذي 3 / 559 (1258) وابن ماجه 2 / 803 (2402) وأحمد في المسند 4 / 375، 376. (2) أخرجه الترمذي (1257). (3) أخرجه البخاري 8 / 672 (5010). (4) أخرجه أبو داود 4 / 47، 48 (3632). (*)

[ 18 ]

الباب السابع في شرائه - صلى الله عليه وسلم - وروى الامام أحمد والشيخان والنسائي، وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي وأعطاه درعه رهنا وفي رواية: رهنه درعا من حديد (1). وروى الامام أحمد والبخاري والبزار عن أنس قال: لقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعا له من يهودي بالمدينة وأخذ منه عشرين صاعا من طعام، وفي لفظ " من شعير " لاهله (2). وروى الامام أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن درعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله (3). وروى الامام الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي (4). وروى الامام أحمد وابن ماجه عن أسماء بنت يزيد قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم توفي ودرعه مرهون عند رجل من يهود قريش من شعبة (5). وروى الحارث عن أبي زرعة بن عمر وابن جرير أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه تمرا، فاستنظره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن ينتظره، فانتهره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخرج عليك أن أخرج من المدينة وأنا أطلبك منه بشئ، فإني والله لا أرجع إلى أرضي حتى ينتهب منها أكثر مما أطلبك به فأرسل إلى امرأة من بني سليم يقال لها جدامة، يستلفها تمرا، فقالت اذهب فاكتل واستوفه، ثم قال: هو كان إلى نصرتكم أحوج وأنا إلى ما أمر به ربي بارا أمانتي أحوج إن الله لا يقدس أمة لا ينصر ضعيفها، أو قال: لا يقوى قويها. وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له أخرج عليك إن قضيتني،


(1) أخرجه البخاري 4 / 302 (2068) ومسلم 3 / 1226 (126 / 1603) والنسائي 7 / 288 وابن ماجه 2 / 815 (2436). (2) أخرجه البخاري (4 / 354) (2068) وهو عند البخاري 6 / 99 (2916) (4467). (3) أخرجه ابن ماجه 2 / 815 (2439). (4) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 163 (565). (5) أخرجه ابن ماجه (2438). ابن أبي شيبة 6 / 575 والبيهقي 6 / 37 في الدلائل 7 / 274. (*)

[ 19 ]

فانتهره أصحابه، وقالوا ويحك أتدري من تكلم ؟ قال: إني أطلب حقي ! فقال صلى الله عليه وسلم " هلا مع صاحب الحق كنتم " ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها: " إن كان عندك تمر فأقرضينا تمرنا فنقضيك " فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول الله، فأقرضته، فقضى الاعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت أوفى الله لك، فقال: " أولئك خيار الناس لا قدمت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع " (1).


(1) أخرجه ابن ماجه (2426) وقد تقدم. (*)

[ 20 ]

الباب الثامن في استدانته - صلى الله عليه وسلم - برهن وبغيره وحسن وفائه وروى إسحاق وابن أبي شيبة والطبراني والبزار عن أبي رافع - رضي الله عنه - قال: نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف، فبعثني إلى يهودي، فقال: قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بعني أو أسلفني إلى رجب، فأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله، لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: والله، لو باعني أو أسلفني إني لامين في السماء، أمين في الارض، اذهب بدرع الحديد إليه، قال: فنزلت هذه الاية فيه، تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) (1). وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي حميد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل تمر لون، فلما جاء يتقاضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عندنا اليوم من شئ، فلو تأخرت عنا حتى يأتينا شئ، فنقضيك، فقال الرجل: واغدراه ! فقام له عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه يا عمر فإن لصاحب الحق مقالا "، انطلق إلى خولة بنت حكيم الانصارية، فالتمسوا عندها تمرا، فانطلقوا، فقالت يا رسول الله، ما عندنا إلا تمر الذخيرة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا فاقضوا فلما قضوه، أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: استوفيت ؟ قال: نعم، أوفيت وأطيبت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن خيار عباد الله من هذه الامة الموفون الطيبون " (2). وروى الامام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين ألفا أو أربعين ألفا وفي لفظ أحمد: ثمانين ألفا أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاها إياه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد ورواه ابن أبي عمر، وابن أبي شيبة عن إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف (3)... فذكره. وروى الامامان الشافعي وأحمد والشيخان والاربعة إلا أبا داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دينار وفي لفظ سن من الابل، فجاءه يتعاطاه، فأغلظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هم به وفي لفظ: فهم به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " دعوه فإن لصاحب الحق مقالا "، فأعطوه فطلبوا سنا فلم يجدوا إلا سنا فوقها وفي لفظ " خيرا


(1) انظر الدر المنثور (4 / 313) وعزاه لابن أبي شيبة وابن راهويه وابن أبي حاتم وابن مردويه. (2) تقدم. (3) أخرجه النسائي 6 / 437 وابن ماجه (2424) وأحمد 4 / 36 وابن السني 272 وأبو نعيم في الحية 7 / 8 111 / 375 والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 335 والبخاري في التاريخ 5 / 10. (*)

[ 21 ]

منها " قال: فاشتروه فأعطوه فإن من خياركم أحسنكم قضاء، وفي لفظ: " فأمر له بأفضل من سنه، فقال: أوفيتني، أوفاك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خياركم أحسنكم قضاء " (1). وروى البخاري وأبو جعفر عن جرير وأحمد وأبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: كان لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين فقضاني وزادني (2). وروى البزار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه وقد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقا، فقال: نصف وسق لك، ونصف وسق لك منا (3). وروى البزار برجال ثقات عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل أربعين صاعا فاحتاج الانصاري فأتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما جاءنا شئ " فقال الرجل: وأراد أن يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقل إلا خيرا، فأنا خير من تسلف " فأعطاه أربعين وأربعين لسلفه، فأعطاه ثمانين (4). وروى ابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل يطلب نبي الله صلى الله عليه وسلم بدين أو بحق فتكلم ببعض الكلام، فهم به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن صاحب الدين له سلطان على صاحبه حتى يقضيه " (5). وروى الامام أحمد وأبو يعلى عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم حليق النصراني ليبعث له أثوابا إلى الميسرة فأتيته فقال: ما الميسرة ؟ والله ما لمحمد ثاغية ولا داعية، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كذب عدو الله، أنا خير من باع، لان يلبس أحدكم من رقاع شتى خير له من أن يأخذ بأمانته ما ليس عنده " (6). وروى الطبراني عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنهما - قالت كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسق من تمر لرجل من بني ساعدة فأتاه يقتضيه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الانصار أن يقتضيه، فقضاه إياه تمرا دون تمره فأبى أن يقبله، فقال: أترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال، نعم، ومن أحق بالعدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتحلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدموعه، ثم قال: صدق، من أحق بالعدل مني، لاقدس الله أمة لا يأخذ


(1) أخرجه البخاري 5 / 72 (2393) ومسلم 3 / 1225 (120 - 1601). (2) أخرجه البخاري في الصحيح من حديث جابر 5 / 72 (2394) وأبو داود 2 / 268 (3347). (3) انظر المجمع 4 / 141 والبيهقي 5 / 351 قال الهيثمي: رواه البزار وفيه أبو صالح الفراد ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. (4) انظر المجمع 4 / 141. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار وهو ثقة. (5) أخرجه ابن ماجه (242) وانظر الترغيب 2 / 565 والكنز (15482) وضعفه البوصيري في الزوائد. (6) أحمد 3 / 244 والحاكم 3 / 572 انظر المجمع 4 / 125، 126. (*)

[ 22 ]

ضعيفها حقه من قويها ولا يتعتعه يا خولة عديه وأذهبيه واقضيه (1). وروى الامام مالك عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي الرجل بكرا، فقلت: لم أجد في الابل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء " (2). وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الله بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل يهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه تمرا فأغلظ للرسول صلى الله عليه وسلم فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما قدس الله، أو ما يرحم الله أمة لا يأخذون للضعيف منهم حقه غير متعتع " ثم أرسل إلى خولة بنت حكيم، فاستقرضها تمرا، فقضاه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذلك يفعل عباد الله الموفون، أما إنه قد كان عنده تمر لكنه كان خيرا " (3). وروى النسائي وابن ماجه عن العرباض بن سارية - رضي الله تعالى عنه - قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعرابي: اقضني بكري فأعطاه بعيرا مسنا، فقال الاعرابي: يا رسول الله، هذا أسن من بعيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس خيرهم قضاء (4). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: التعزية: بفوقية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فزاي مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث، الحمل على الناس والصبر. لون، بلام مفتوحة فواو ساكنة فنون: نزع. ثاغية: بمثلثة فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث أي ليس لها شئ من الغنم. واغدراه: (...). راغية: براء فألف فغين معجمة فتحتية فتاء تأنيث. البكر: بفتح الموحدة وسكون الكاف وبالراء، الناقة والفتي منها إلى أن يجزع إلى أن يثنى وابن اللبون أو الذي لم ينزل. الخيار: من الخيرة بخاء معجمة مكسورة فتحتية فراء فتاء تأنيث أي ليس له شئ من الغنم. الرباعي: براء فموحدة مفتوحتين فعين مهملة يقال للذكر من الابل إذا طلعت رباعيته رباع، والانثى رباعية إذا دخلا في السنة السابعة.


(1) انظر المجمع 4 / 140. (2) وأخرجه مسلم 3 / 1224 (118) (1600) وأبو داود 3 / 247 (3346) والترمذي 3 / 609 (1318) والنسائي 7 / 291 وابن ماجه 2 / 767 (2285). (3) انظر المجمع 4 / 131، 141 والترغيب 2 / 610 والكنز (5590، 5591) ورجاله رجال الصحيح. (4) أخرجه النسائي (4619) وابن ماجه (2286). (*)

[ 23 ]

الباب التاسع في ضمانه - صلى الله عليه وسلم - وفيه أنواع: الاول: في ضمانه صلى الله عليه وسلم ضمانا خاصا عن ربه تبارك وتعالى على أعمال من أعمال أمته: وروى أبو داود عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " (1). وروى الطبراني بسند جيد عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اضمنوا ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم " (2). وروى الامام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطها إياه بنخلة في الجنة "، فأبى، فأتاه أبو الدحداح فقال بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إني ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها له فقد أعطيتكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عذق راح لابي الدحداح، قالها مرارا فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد ابتعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع أو كلمة تشبهها (3). الثاني: في ضمانه - صلى الله عليه وسلم - دين بعض الصحابة: روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير، فقال: والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني تحميل اجره الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتاه بقدر ما وعده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من اين اصبت هذا ؟ ! قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، خير فقضاها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).


(1) اخرجه أبو داود (4800) والطبراني في الكبير 8 / 117 والدولابي في الكنز 2 / 13329 والبيهقي 10 / 241 وانظر المجمع 1 / 157، 8 / 23. (2) واخرجه احمد 5 / 323 والحاكم 4 / 358. (3) اخرجه احمد 3 / 146. (4) اخرجه أبو داود (2 / 262 (3328) وصححه الحاكم 2 / 10 ووافقه الذهبي. (*)

[ 24 ]

الثالث: في ضمائه صلى الله عليه وسلم عن مات وعليه دين ولم يترك وفاء (1): روى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتى بالرجل المتوفي عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه قضاء ؟ فان محدث انه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: صلو على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: انا اولى بالمؤمنين من انفسهم: فمن توفي من المؤمنين فترك فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته. تنبيه، في بيان غريب ما سبق: ربض الجنة: براء فموحدة مفتوحتين معجمة، ما حولها خارجا عنها. المراء: بميم مكسورة فراء فالف فهمزة الجذال. غضوا ابصاركم بغين وبضاد معجمتين مضومتين احفظوها. العدق: بعين مهلمة مفتوحة فذال معجمة ساكنة، النخلة وبكسر العين العرجون. الحائط: بحاء مهملة فالف فهمزة مكسورة فطاء مهملة البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فذال مهملة فنون، الموضع الذي يستخرج منه جواهر الارض الذهب والفضة.


لم يذكر المصنف شيئا من الحديث وذكر الحديث في الاصل تتميما للفائدة والحديث اخرجه البخاري 4 / 477 (2298) ومسلم 3 / 1237 (14 / 1619). (*)

[ 25 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الهدايا والعطايا والاقطاعات الباب الاول في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الهدية وفيه أنواع: الاول: في أمره صلى الله عليه وسلم بالتهادي: روى إبراهيم الحربي وأبو بكر أحمد بن أبي عاصم في (كتاب الاموال) عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الهدية تذهب وحر الصدر (1). الثاني: في قوله صلى الله عليه وسلم الهدية ولو قلت وإثابته عليها: روى الامام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها (2). وروى الامام أحمد والترمذي وصححه ابن سعد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: لو أهدي الي كراع لقبلت ولو دعيت عليه لأجبت وفي لفظ (إذا دعيت الى ذراع) وفي لفظ (الى كراع لأجبت) ورواه البخاري عن أبي هريرة (3). وروى الامام أحمد والطبراني برجال الصحيح وابن سعد عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: كانت أمي وفي لفظ (أختي) تبعثني بالهدية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ بالشئ فيقبلها مني وروى الطبراني عنه قال: بعثني أمي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطف من عنب فأكلته، فقالت أمي: هل أتاك عبد الله بقطف ؟ قال: لا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآني قال: (غدر غدر) ورواه تمام بن محمد الرازي بلفظ: بقطف من العنب، فناولت منه فأكلته قبل أن أبلغه الى النبي صلى الله عليه وسلم فلما جئته مسح على رأسي، وقال: (يا غدر !) (5)


(1): أخرجه أبو داود الطيالسي ص 307 (2333) وأحمد 2 / 405 والترمذي 4 / 441 (2130) وفيه أبو معشر المدني ضعيف تفرد به. (2) أخرجه البخاري 5 / 210 (2585) وأبو داود (3536) والترمذي (1953) وأحمد 6 / 90 وابن أبي شيبة 6 / 551 والبيهقي 6 / 180. (3): أخرجه البخاري من رواية أبي هريرة (5 / 236) (2568). (4) انظر المجمع 4 / 147. (5) البخاري في التاريخ 2 / 339 وانظر المجمع 4 / 147 (*).

[ 26 ]

وروى الامام أحمد عن عبد اله بن سرجس - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت أختي ربما تبعثني بالشئ الى النبي صلى الله عليه وسلم تطرقه إياه فيقبله مني (1). وروى الامام أخمد والبزار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن أعرابيا أهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فأثابه عليها، قال، أرضيت ؟، قال: لا، فزاده، قال: أرضيت ؟ قال: لا، فزاده، قال: أرضيت ؟ قال: نعم (2). وروى أبو يعلى برجال الصحيح وأبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم بسند صحيح عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا كان يلقب حمارا وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السمن والعكة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله، أعط هذا ثمن متاعه فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبتسم أو يأمر به فيعطى (3). وروى الطبراني عن أم سلمة والامام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى والبزار عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت أم سنبلة أتيت رسول الله بهدية وقالت عائشة: أهدت أم سنبلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبنا فلم تجده، فقلت لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا أن نأكل من طعام الاعراب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه، فقال: (ما هذا معك يا أم سنبلة) فقالت: لبنا أهديته لك يا رسول الله، فقال: (اسكبي، أم سنبلة) فسكبت فنادى عائشة، فناولها فشربت فقال: (اسكبي أم سنبلة) فسكبت فناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب، فقالت عائشة: فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لبن أسلم، ثم قالت: قد كنت حدثت أنك قد نهيت عن طعام الاعراب، فقال: يا عائشة، هم ليسوا بأعراب، هم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا بأعراب، زاد الطبراني: وأعطاها كذا وكذا واديا وزود فاشترى عبد الله بن حسن الوادي منهم (4). وروى الطبراني برجال الصحيح عن عياض بن عبد الله عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى له رجل عكة من عسل فقبلها وقال إحم شعبي فحماه وكتب له كتابا (5).


(1): أحمد 4 / 189 وانظر المجمع 4 / 147. (2): المجمع 4 / 148 قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (3) المجمع 4 / 148. المطالب للحافظ ابن حجر - 1429). (4): أخرجه أحمد 6 / 133 وانظر المجمع 4 / 149. (5): المجمع (4 / 152) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (*)

[ 27 ]

وروى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم مرسلا قال: لقي النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تخرج من عند عائشة، ومعها شئ تحمله، فقال لها: طعاما هذا ؟ قالت: أهديت لعائشة، فأبت أن تقبله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا قبلته منها مرة واحدة ؟) قالت: يا رسول الله، إنها محتاجة وإنها كانت أحوج إليه مني، قال: (فهلا قبلته منها وأعطيتها خيرا) (1). وروى الامام أحمد وابن حبان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه) (2). وروى ابن أبي شيبة عن الربيع بنت معوذ - رضي الله تعالى عنها - قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب وآخر من ذغب فأكل منها، وأعطاني مل ء كفي حليا أو ذهبا، وقال: تحلي (3) به وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن الحجاج بن غلاط السلمي أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذات الفقار ودحية أهدى له بغلة شهباء (4). وروى أبو يعلى عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فبعث له امرأة مع ابن لها بشاة، فحلب ثم قال: انطلق به الى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء بشاة أخرى فحلب ثم شرب (5). الثالث: في قبوله صلى الله عليه وسلم جرة من جماعة من ملوك أهل الكتاب: وروى الامام أحمد والترمذي وحسنه عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل منه، وأهدى له الملوك فقبل منهم. وروى ابن أبي شيبة والامام أحمد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جرة من من فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي أصحابه منها قطعة قطعة وأعطى جابرا قطعة ثم عاد، فأعطاه قطعة أخرى، فقال: يا رسول الله، لقد أعطيتني، فقال: هذا لبنات عبد الله يعني أخواته (6).


(1) أخرجه البغوي في شرح السنة 8 / 302 والكنز (14482). (2) أحمد 3 / 161 وعبد الرزاق (19688) والترمذي في الشمائل (121، 122) والبيهقي 6 / 196. (3) أخرجه ابن أبي شيبة 8 / 278. (4) انظر المجمع 5 / 45، 4 / 156. قال الهيثمي: فيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة، وهو متروك. (5): أخرجه ابن سعد 1 / 123 وانظر المجمع 4 / 147، 5 / 83 والمطالب (2388). (6): أخرجه أحمد 3 / 122 والحاكم في المستدرك 4 / 135. (*)

[ 28 ]

وروى أحمد ومسلم عن البراء بن عازب قال: أهدى البدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا (1). وروى الحارث بن أبي أسامة والبزار والطبراني وابن خزيمة وإبراهيم الحربي وأبو بكر أحمد بن عمر بن أبي شيبة بسند صحيح عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: أهدى أمير القيط الى النبي صلى الله عليه وسلم جاريتين أختين، وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة واتخذ إحدى الجاريتين لنفسه، فولدت له إبراهيم، ووهب الاخرى لحسان بن ثابت، فولدت له محمدا (2). وروى البزار عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن ملك ذي يزن أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جرة من من فقبلها (3). وروى الطبراني برجال ثقات عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت أهدى المقوقس ملك القيط الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة عيدان شامية ومرآة ومشطا (4). وروى البزار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أهدى المقوقس لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدح قوارير (5). وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من حلة السيراء أهداها له فيروز (6). وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا وكتب له ببحرهم (7). ورواه مسلم بلفظ: جاء رسول صاحب أيلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له بردا. وروى إبراهيم الحربي في كتاب هدي الاموال عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: أهدى يوحنا بن رؤبة - الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء. وروى أبو داود عن أنس - رضي الله


(1): أخرجه البخاري 7 / 122 (3802) ومسلم 4 / 1916 (126 / 2468). (2) المجمع 4 / 153 وعزاه للطبراني والبزار قال الهيثمي ورجال البزار رجال الصحيح. (3) انظر المجمع 4 / 153. (4) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 153 وقال: رواه في الاوسط ورجاله ثقات. (5) انظر المجمع 4 / 153. (6) المجمع 5 / 121 أخرجه ابن أبي شيبة 8 / 165 والمجمع 5 / 123. (7) البخاري (6 / 308) (3161). (*)

[ 29 ]

عنه أن ملك الروم أهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من سندس كما تقدم في رواية أحمد ومسلم أو شقية فليحرر. الرابع: في رده صلى الله عليه وسلم الهدية وسيرته في هدية الامراء وعدم قبوله الصدقة: وروى الامامان الشافعي وأحمد والشيخان عن الصعب بن جثامة - رضي الله تعالى عنه - أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالابراء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه، وفي رواية ما في وجهي من الكراهة قال: (ليس بنا رد عليك) وفي رواية (إنا لم نرده) اليك إلا أنا حرم) (1). وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنه - أنه قد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشيقة ظبي، ولم يأكلها (2). وروى الشيخان عن أبي حميد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الازد يقال له ابن اللتبية فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي الي، قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر ثم رفع يديه حتى رأينا غفرة إبطيه: اللهم هل بلغت ثلاثا (3). وروى ابن سعد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - وعون بن عبد الله عن حبيب بن عبيد الرجي ورشيد بن مالك، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام أو غيره، قال: صدقة أم هدية فإن قيل من صدقة صرفها الى أهل الصدقة، أو قال: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية أمر بها، فوضعت ثم أهدى أهل الصدقة منها ولفظ أبي هريرة قبل الهدية ولم يقبل الصدقة (4). وتقدمت قصة سلمان في أوائل الكتاب. الخامس في رده صلى الله عليه وسلم هدية المشركين: وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وأبو بكر وأحمد بن عمر بن أبي عاصم في كتاب (الهدايا) عن عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله تعالى عنه - وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة قبل أن يبعث فلما بعث أهدى إليه هدية أحسبها إبلا فأبى أن يقبلها، وقال: إنا لا نقبل زبد المشركين، قال: قلت: وما زبد المشركين ؟ قال: وفدهم هديتهم


(1): أخرجه البخاري 4 / 31 (1825، 2573 ومسلم 2 / 850 (50 / 1193 وقد تقدم. (2): ذكره الهيثمي في المجمع 3 / 233 وعزاه لاحمد وأبي يعلى وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح. (3): أخرجه البخاري 5 / 220 (2597) ومسلم 3 / 1463 (26 / 1832). (4): مجمع الزوائد (8 / 268) وابن سعد (6 / 117).

[ 30 ]

وفي لفظ أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة أو هدية فقال لي: أسلمت ؟ قلت: لا قال: إني نهيت أن أقبل زبد المشركين (1). وروى موسى بن عقبة - رضي الله تعالى عنه - بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ورجاله من أهل الكتاب مرسلا أن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الاسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك فأهدى له فقال: إني لا أقبل هدية المشركين (2). وروى البزار عن عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الاسنة - رضي الله تعالى عنه - قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية فقال: إنا لا نقبل هدية المشرك (3). وروى الامام أحمد والطبراني برجال ثقات عن عراك بن مالك أن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - قال: كان محمدا أحب رجل في الناس إلي في الجاهلية، فلما تنبأ وخرج إلى المدينة شهد حكيم بن حزام الموسم وهو كافر، فوجد حلة لذي يزن تباع فاشتراها بخمسين دينارا ليهديها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم بها عليه المدينة فأراده على قبضها هدية فأبى، قال عبيد الله حسبت أنه قال إنا لا نقبل شيئا من المشركين ولكن إن شئت أخذناها بالثمن، فأعطيته إياها حين أبى الهدية زاد الطبراني، فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة، أنت تلبس حلة ذي يزن فقال نعم، والله لانا خير من ذي يزن ولابي خير من أبيه، فانطلقت إلى أهل مكة أعجبهم بقول أسامة (4). السادس: في امتناعه من قبول الهدية من غير قريش والانصار وثقيف ودوس وأسلم وأمره - صلى الله عليه وسلم بعد قصة الشاة المسمومة من أهدى له هدية ولم يثق به أن يأكل منها وسؤاله بعض أصحابه أن يهب له دابة أو رقيقا: روى الامام أحمد والترمذي والحارث ابن أبي أسامة والبخاري في الادب عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: أهدى رجل من بني فزارة، وفي لفظ أن أعرابيا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة " وفي لفظ بكرة فعوضه، فسخطه وفي لفظ فعوضه منها ست بكرات فسخطه " فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن فلانا أهدى إلي ناقة


(1) أحمد 4 / 162 وابن أبي شيبة 12 / 469. (2) أخرجه عبد الرزاق 9741، 19658 والطبراني في الكبير 19 / 70، 71 والبيهقي في الدلائل 3 / 343 وانظر المجمع 6 / 127. (3) انظر المصادر السابقة. (4) أخرجه أحمد 3 / 403. (*)

[ 31 ]

أعرفها كما أعرف (بعض) (1) أهلي ذهبت مني يوم زغابات فعوضته ست بكرات، فظل ساخطا، لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي وفي لفظ: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول " يهدي أحدكم فأعوضه بقدر ما عندي ثم يسخطه وايم الله لا أقبل بعد عامي هذا هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي " ورواه أبو داود والنسائي مختصرا (1). وروى أبو يعلى عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا أقبل هدية من أعرابي " فجاءته أم سنبلة الاعرابية، الحديث المتقدم أول الباب. وروى الامام أحمد والطبراني وابن أبي شيبة عن يعلى بن مرة الثقفي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " هب لي هذا البعير أو بعنيه " قال: هو لك يا رسول الله، فوسمه سمة الصدقة ثم بعث به (2). تنبيهات الاول: عياض، بكسر العين المهملة وتخفيف المثناة التحتية وبضاد معجمة، ابن حمار، - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم - في رده صلى الله عليه وسلم هديته مع قبوله لهدية غيره من الكفار مخالفة، قال الخطابي: يشبه أن يكون الحديث منسوخا، لانه قبل هدية غير واحد من المشركين، وأهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له البدر دومة فقبل منهما، فقيل إنما رد هديته، ليغيظه بردها، فيحمله على الاسلام وقيل: ردها لان المهدى موضعا من القلب وقد روي. تهادوا تحابوا، ولا يجوز عليه الصلاة والسلام - أن يميل بقلبه إلى مشرك فردها قطعا لسبب الميل وليس ذلك مخالفا لقبوله هدية المقوقس والبدر ومارية ودومة ونحوهما، لانهم أهل كتاب وليسوا بمشركين، وقد أبيح له طعام أهل الكتاب ونكاحهم، وذلك خلاف حكم أهل الشرك، وقال البيهقي: يحتمل رد هديته التحريم ويحتمل قصد به التنزيه، والاخبار في قبول هداياهم أصح وأكثر، وقال الحافظ: جمع الطبري بين هذه الاحاديث بأن الامتناع فيما أهدى له خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين وفيه نظر، لان جملة أدلة الجواز ما وقفت الهدية له خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الاسلام، وهذا أقوى من الاول، وقيل: يحمل القبول في حق من كان من أهل الكتاب والرد على من كان من أهل الاوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من


(1) أخرجه أبو داود 3 / 807 (3537) والترمذي 5 / 730 (3945) والنسائي 6 / 280 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1145) وأحمد 2 / 292. (2) انظر المجمع 4 / 156. (*)

[ 32 ]

الامراء وإن ذلك من خصائصه، وادعى بعضهم نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم من عكس، وهذه الاوجه الثلاثة ضعيفة فالنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا التخصيص. الثاني: في بيان غريب ما سبق: " كراع " بكاف فراء فألف فعين مهملة، قيل هو اسم مكان ولا يثبت ويرده حديث أنس الاتي بعده. " القطف " بقاف مكسورة فطاء مهملة ساكنة ففاء، العنقود. " غدر " بغين معجمة مضمومة فدال مهملة مفتوحة، معدول عن غادر للمبالغة وللانثى، غدار كقطام وهما مختصان بالنداء في الغالب. " العكة " بعين مهملة مضمومة فكاف مفتوحة فتاء تأنيث وعاء من جلد مختص بالسمن والعسل. " البادية " الصحراء وقد تقدم تفسيرها مرارا. " الحاضرة " بحاء مهملة فألف معجمة مكسورة فراء فتاء تأنيث، خلاف البادية. " الاعراب " بفتح الهمزة وسكون العين والراء وألف وآخره موحدة، ساكنة البادية لا واحد له وجمعه أعاريب. " القناع " بقاف مكسورة فنون فألف فعين مهملة الطبق الذي يؤكل عليه ويقال له قنع بالكسر والضم. " الزغب " بزاي مضمومة فغين معجمة ساكنة فموحدة صغار القثاء. " الجرة " بجيم مفتوحة فراء مشددة فتاء تأنيث، إناء من خزف والجمح جرار. " المن " بميم مفتوحة فنون، العسل العفو الذي ينزل من السماء عفوا بلا علاج. " السندس " بسين مهملة مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة فسين مهملة، ما رق من الديباج ورقع المنديل. " القيط " بقاف مكسورة فموحدة ساكنة وطاء مهملة أهل مصر. " القدح " بقاف فدال مفتوحتين فحاء مهملتين. " القوارير " (إناء من زجاج رقيق). الحلة - بحاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة فتاء تأنيث، برود اليمن، ولا يسمى حلة إلا أن يكون لونين من جنس واحد.

[ 33 ]

السيراء: - بسين مهملة مكسورة فتحتية مفتوحة فراء مفتوحة فألف فهمزة، نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور وهو فعلاء من السير، يقال: حلة سيراء على الاضافة. أيلة: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، بلد معروف بساحل البحر بطريقة المسافرين إلى مكة وهي الان خراب. " يحرهم " أي يملدهم تقدم معناه مرارا. وكذلك ودان: (هي موضع قريب من الجحفة). وشيق ظبي (الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلا ولا ينضج ويحمل في الاسفار). الرغاء: - براء مضمومة فغين معجمة فألف فهمزة - صوت الابل. الخوار: - بخاء معجمة مضمومة فواو فألف فراء - صوت البقر. " زبد المشركين " بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة، الرفد والعطاء. البكرة: الفتى من الابل تقدمت.

[ 34 ]

الباب الثاني في العطايا وفيه أنواع: الاول: في وعظه من أعطاه شيئا فرده: والثاني: في إعطائه صلى الله عليه وسلم شيئا لقوم يتألفهم للايمان وتركه الاخرين لوثوقه بإيمانهم: عن عمرو بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بشئ فقسمه فأعطى رجلا وترك رجلا فبلغه. الثالث: في إهدائه صلى الله عليه وسلم لجماعة من أصحابه وغيرهم: وروى الامام أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة، قال لها: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك " فكان كما قال صلى الله عليه وسلم وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة، ورواه مسدود والامام أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - (1).


(1) أخرجه أحمد 6 / 404 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1144) والبيهقي 6 / 26. (*)

[ 35 ]

الباب الثالث في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الاقطاع وفيه أنواع: الاول: في إقطاعه صلى الله عليه وسلم جماعة: وروى الامام أحمد والترمذي وأبو داود عن وائل بن حجر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا، بحضرموت وأرسل معه معاوية، ليقتطعه إياها، فقال له معاوية: أردفني خلفك، قال لست من إرداف الملوك، فقلت، أعطني نعلك، فقلت: انتعل ظل ناقتي فلما استخلف معاوية أتيته فأقعدني معه على البساط (1). وروى الامام الشافعي عن يحيى بن جعدة - رحمه الله تعالى - قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقطع الناس الدور، فقال حي من بني زهرة يقال لهم بنو عبد زهرة نكب عنا ابن أم عبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم ابتعثني الله إذن ؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه (2). وروى البخاري عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالت الانصار حتى تقطع لاخواننا المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، فلم يكن ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني " (3). وروى الطبراني عن بلال بن الحارث - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه هذه القطعة وكتب له بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن القبلية غوريها وجلسيها عشبة وذات النصب وحيث يصلح الزرع من قدس إن كان صادقا وكتب معاوية (4). وروى الامام أحمد عن عمر بن عوف المزني وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبيلة جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يقطعه حق مسلم (5).


(1) أخرجه أحمد 6 / 399 وأبو داود الطيالسي ص 137 (1017) وأبو داود 3 / 443 (3058) والترمذي 3 / 665 (1381) والبيهقي 6 / 144 وانظر التلخيص 4 / 64. (2) الشافعي 2 / 133 (435) والطبراني في الكبير 11 / 274 (10534) والبغوي في شرح السنة 8 / 271 وابن حجر في المطالب (3290) وابن سعد 3 / 1 / 108. (3) أخرجه البخاري (5 / 59) (2377). (4) الحديث عن أبي داود (3063). (5) وانظر التمهيد لابن عبد البر 3 / 237، 7 / 33. (*)

[ 36 ]

وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبلية غوريها وحيث يصلح الزرع من قدس " (1) (وكتب إلى أبي بن كعب). وروى الامام مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبيلة وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة (2). وروى أبو يعلى عن يحيى بن عمرو بن يحيى بن سلمة الهمداني عن أبيه عن جده عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيس بن مالك: " سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته أما بعد، فإني استعملتك على قومك عربيهم وجمهورهم، ومواليهم وحواشيهم وأعطيتك من ذرة بسار مائتي صاع من زبيب خيران، مائتي صاع جاري ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدا أبدا، أحب إلي أن لا أرجو أن يبقى عقبي أبدا، عربهم أهل البادية وجمهورهم أهل القرس " (3). وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه بأرض يقال لها داوي، فأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه ثم قال أعطوه من حيث بلغ السوط (4). وروى إسحاق بن راهويه برجال ثقات منقطعا عن أبي جعفر - رحمه الله تعالى - قال: جاء العباس إلى عمر - رضي الله عنهما - فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعني البحرين، قال: من يشهد لك ؟ قال: المغيرة بن شعبة. وروى أبو داود عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير نخلا (5). وروى الشيخان عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضا من أموال بني النضير وهي على ثلاثة فراسخ (6). وروى البخاري عن عروة - رحمه الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضا من أرض بني النضير (7).


(1) سقط في ج. (2) انظر التمهيد 3 / 32. (3) مجمع (3 / 87) قال الهيمني: رواه أبو يعلى وفيه عمرو بن يحيى بن سلمة وهو ضعيف. (4) أخرجه أحمد 2 / 6 156 / 144 والطبراني في الكبير 12 / 263 وأبو داود (3072). (5) أخرجه أبو عبيدة في الاموال ص 347 (678) وأبو داود 3 / 451 (3069) وأبو يوسف في الحزانة ص 61 والشافعي في المسند 2 / 133 (436) والبخاري معلقا 6 / 252 في كتاب فرض الخمس باب ما كان النبي (ص) يعطي المؤلف. (6) أخرجه البخاري (6 / 290) (3151) وابن أبي شيبة 12 / 354. (7) البخاري (6 / 290) (3151) معلقا. (*)

[ 37 ]

وروى أيضا عن عمرو بن حريث - رضي الله تعالى عنه - قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قوس، وقال: أزيدك أزيدك (1). وروى الطبراني والبغوي برجال الثقات عن مجاعة بن مرارة - رضي الله تعالى عنه - قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاعة بن مرارة أرضا باليمامة يقال لها العوذة وكتب له بذلك كتابا: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجاعة بن مرارة من بني سلمى إني قد أعطيتك العوذة فمن خالفني فيها فالنار، وكتب يزيد (2). وروى ابن أبي حاتم والطبراني وسماه عن عثير بمثلثة، ويقال بالفوقية مصغر ويقال عسير بضم العين المهملة وتشديد السين المهملة أي لبيد العدوي - رضي الله تعالى عنه - أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا بوادي القرى فأقطعه إياها فهي إلى الان تسمى بويرة عثير (3). وروى الطبراني عن أبي السائب عن جدته - رضي الله تعالى عنها - وكانت من المهاجرات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعها بئرا بالعقيق (4). وروى الطبراني وابن مرة عن أوفى بن موله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأقطعني العميم، وشرط علي ابن السبيل أول ريان، وأقطع ساعدة رجل منا بئرا بالفلاة يقال لها: الجعوبية وهي بئر يخبأ فيها المال، وليست بالماء العذب، وأقطع الناس معادة العرى، وهي دون اليمامة، وكنا أتيناه جميعا، وكتب لكل رجل منا بذلك في أديم (5). وروى البخاري عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة - رحمه الله تعالى - أن بني صهيب مولى بني جدعان ادعوا ببيتين وحجرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى ذلك صهيبا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك ؟ فقالوا: ابن عمر فدعاه فشهد لعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبا بيتين وحجرة فقضى مروان بشهادته لهم. وروى الامام أحمد عن ربيعة الاسلمي - رضي الله عنه - قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى أبا بكر أرضا. وروى أبو داود عن سبذة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج إلى


(1) أبو داود (3060) والطبراني في الكبير 3 / 230. (2) انظر المجمع 6 / 9 والكنز (3 / 1113) وقال: رواه الطبراني في الاوسط ورجاله ثقات. (3) انظر مجمع الزوائد (6 / 12) ووقع في المجمع عتير. (4) مجمع الزوائد (6 / 12) قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه أبو السائب قال الذهبي مجهول. (5) مجمع الزوائد (6 / 12). (*)

[ 38 ]

تبوك وإن جهينة لحقوه بالرحبة فقال لهم: من أهل ذي المروة ؟ فقالوا: بنو رفاعة بن جهينة، فقال لهم: قد أقطعتها لبني رفاعة فاقتسموها فمنهم من باع ومنهم من أمسك (1). وروى أبو بكر أحمد بن عمر بن عاصم النبيل بن مجاعة بن مرارة من بني سلمة اليماني - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقطعني الغورة وعوانة والجبل وكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم إني أقطعتك العورة والعوانة والجبل فمن حاجك فإلي ثم أتيت أبا بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقطعني الغواة ثم أتيت عمر بن أبي بكر فأقطعني. وروى أيضا عن سراج بن هلال بن سراج بن مجاعة قال: وفدت على عمر بن عبد العزيز فأخرجت إليه هذا الكتاب فقبله ووضعه على عينيه (2). الثاني: في ارتجاعه صلى الله عليه وسلم بعد ما أقطعه إذا تبين له أنه لا يقطع: وروى الباوردي عن أبيض بن حمال - رضي الله تعالى عنه - أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فاستقطعه الملح الذي يقال له شدا بمأرب فأقطعه له فلما ولى قال الاقرع بن حابس: يا رسول الله، إني قد وردت الملح في الجاهلية، وهي بأرض ليس بها ماء ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العذب فانتزعه منه وفي رواية واستقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض بن حمال في قطيعته في الملح، فقال: لقد أقلتك منه على أن تجعله صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو منك صدقة وهو مثل العد " (3) وهو مثل الماء العذب من ورده أخذه فقطع له النبي صلى الله عليه وسلم أرضا وغيلا بالجوف جوف مراد حين أقاله منه. وروى الدارمي وأبو داود والترمذي وقال غريب والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والطبراني في الكبير وابن أبي عاصم والباوردي وابن قانع وأبو نعيم في الصحابة عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح الذي بمأرب فقطعه له فلما أن ولى، قال رجل من المجلس: أتدري ما أقطعت له الماء العد فانتزع منه ؟ قال وسأله عن ما يحمى من الاراك، قال: ما لم تنله خفاف الابل ورواه البغوي إلى قوله " العد " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إذن. وروى أبو داود عن محمد بن الحسن المخزومي " ما لا تنله أخفاف الابل - يعني أن الابل تأكل منتهى رؤوسها ويحمى ما فوقه ".


(1) أخرجه أبو داود (3068) والبيهقي 6 / 149. (2) مجمع الزوائد (6 / 12) ورجاله ثقات. (3) أبو داود (3064) الترمذي 606 وابن أبي شيبة 7 / 519 مالك في الموطأ 412، 413. أخرجه ابن حبان (1140، 1642) (114) والطبراني في الكبير 1 / 254. (*)

[ 39 ]

الثالث: في إقطاعه صلى الله عليه وسلم ما لم يفتحه قبل فتحه: وروى الامام أحمد برجال الصحيح عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله تعالى عنه - قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله اكتب لي بكذا وكذا الارض من الشام لم يظهر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو ثعلبة: والذي نفسي بيده ليظهرن عليها، قال فكتب لي بها الحديث. وروى الطبراني برجال ثقات عن تميم الداري - رضي الله تعالى عنه - قال استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا بالشام قبل أن تفتح فأعطانيها فاستفتحها عمر في زمانه فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني أرضا من كذا فجعل عمر - رضي الله تعالى عنه - ثلثها لابن السبيل وثلثها لعماريها وثلثها لنا. الرابع: في بعض ما حمى لله: روى الطبراني والبزار برجال الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حمى إلا لله ولرسوله " (1). وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى البقيع لخيل المسلمين (2). وروى الطبراني برجال الصحيح عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى الربذة لابل الصدقة (3). تنبيهات الاول: قال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي: قال الصاحب الامام سفير الخلافة أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي الحسن البادرائي - رحمه الله تعالى -، قلت وهو صاحب المدرسة البادرائية العظيمة بدمشق: إنه شاهد صورة بخط أمير المؤمنين علي - رضي الله تعالى عنه - الذي كتبه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما أعطى محمد رسول الله تميما الداري وأخواته (4)، عيرون والمرطوم وبنت عينون وبنت إبراهيم وما فيهن عطية البيت برمتهم، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولاعقابهم، فمن أذاهم أذاه الله، ومن أذاهم لعنه الله شهد عتيق بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علي بن أبي طالب وشهدت، قلت (أبو) في الموضعين بالواو على الحكاية.


(1) أخرجه أحمد 4 / 73271 وابن أبي شيبة 7 / 303 والطبراني في الكبير 8 / 95 والدارقطني 4 / 238 وانظر المجمع 4 / 158. (2) مجمع الزوائد (4 / 161). الخطيب في التاريخ 3 / 22. (3) انظر المجمع 4 / 158 ورجاله رجال الصحيح. (4) انظر جمع الجوامع 2 / 704 وابن عساكر كما في التهذيب 3 / 354، 355، 357، 10 / 465. (*)

[ 40 ]

الثاني قد تواردت الحكايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع تميما وأخاه نعيما وأصحابهما وذريتهم قرى بأرض بيت المقدس وكتب لهم بذلك كتابا، ولعن فيه من عارضهم ولم يزل هذا الكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا، وقد ألف الحافظ أبو الفضل بن حجر والحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي وشيخنا الحافظ أبو الفضل جلال الدين السيوطي في صحة ذلك مؤلفا وفي كل ما ليس في الاخر، ومن أراد الزيادة على ما هنا فليراجع ذلك. الثالث: نازع بعض الظلمة من زمن الامام الغزالي لما كان بدمشق ذرية تميم الداري في ذلك وأراد نزعه منهم فأفتى الامام الغزالي بكفره. الرابع: في بيان غريب ما سبق: البساط: (ضرب من الفرش ينسج من الصوف ونحوه). نكب: - بنون فكاف فموحدة مفتوحات - عدل. البحرين: تقدم تفسيره. الاثرة: بهمزة فمثلثة فراء مفتوحات فتاء تأنيث - الاسم من آثر يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفئ. معادن: جمع معدن قد تقدم. القبلية: بقاف فموحدة مفتوحتين فلام فتحتية مشددة فتاء تأنيث موضع من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام. غوريها: بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فراء مكسورة فتحتية من الغور ما ارتفع من الارض. ذات النصب: بنون فصاد مهملتين مضمومتين فموحدة موضع على أربعة برد من المدينة. قدس: بقاف مضمومة فدال ساكنة فسين مهملتين. الفرع: بفاء مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة موضع معروف بين مكة والمدينة. الارحى: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فحاء مهملة مفتوحة جبل معروف، وقيل: هي الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة. الحضر: بحاء مهملة مضمومة فضاد معجمة ساكنة فراء العدد. الفرسخ: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فسين مهملة مفتوحة فخاء معجمة.

[ 41 ]

اليمامة: بتحتية فميمين بينهما ألف مفتوحات فتاء تأنيث الموضع المعروف شرقي الحجاز، ومدينتها العظمى حجر اليمامة. العوزة: وادي، القرى والعقيق، تقدم الكلام عليها. الغميم: بغين معجمة فميمين بينهما مثناة تحتية موضع رابع. الرحبة: حركة ناحية بين المدينة والشام. ثعلبة: بمثلثة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فلام فموحدة فتاء تأنيث. الخشف: بخاء معجمة مضمومة فشين معجمة ساكنة. الحمى: بحاء مهملة في اللغة الموضع الذي فيه كلا يحمى والله أعلم.

[ 42 ]

جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في النكاح والطلاق والايلاء الباب الاول في آداب متفرقة وفيه أنواع: الاول في حثه صلى الله عليه وسلم على النكاح ونهيه عن التبتل: روى ابن أبي الدنيا عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سنن المسلمين الحياء والنكاح والتعطر والسواك " رواه ابن عدي عن جابر وعن ابن عباس بلفظ من سنن المرسلين الحلم والحياة والتعطر وكثرة الازواج (1). وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (2). الثاني: في أمره صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى المخطوبة وصرفه وجهه من نظر إلى غير زوجته ومحارمه: وروى الامام أحمد وأبو داود، والعقيلي في الضعفاء والطحاوي والحاكم والبيهقي والضياء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه من نكاحها فليفعل " (3). وروى أبو داود عن جابر والامام أحمد والطبراني عن أبي حميد الساعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته وإن كانت لا تعلم " (4). وروى الدبلي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا خطب أحدكم المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن جمالها، فإن الشعر أحد الجمالين " (5). وروى عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا خطب


(1) انظر تلخيص الجسر 1 / 66. (2) أخرجه البخاري 9 / 117 (5073) ومسلم 2 / 1020 (6 / 1402). (3) أحمد 3 / 334 وأبو داود 2 / 565 (2082) والحاكم 2 / 165 والبيهقي 7 / 85 والمجمع 4 / 276 ونصب الراية 4 / 241 والتلخيص 3 / 147. (4) انظر مجمع الزوائد 4 / 276. (5) انظر كنز العمال (44528) وكشف الخفاء 2 / 13. (*)

[ 43 ]

أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فليعلمها أنه يخضب " (1). وروى الامام أحمد والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي والدارقطني عن المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ولا تنظر إلا إلى وجهها وكفيها " (2). وروى الامام أحمد برجال ثقات والبزار عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى أم سليم تنظر إلى جارية، فقال: شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبيها (3). وروى الطبراني عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد خطبة امرأة بعث أم سليم تنظر إليها فشمت أعقابها وبطون عراقيبها. وروى الائمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان الفضل بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الاخر، وفي رواية فجعل الفضل يلاحظ النساء، وينظر إليهن، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا وجعل الفضل يلحظ إليهن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخي، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه، غفر له (4). الثالث: في حكمه صلى الله عليه وسلم في الخطبة: روى الائمة إلا الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " (5). الرابع: في خطبته صلى الله عليه وسلم في النكاح: روى أبو يعلى والطبراني برجال الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وروى الائمة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة فيقول: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن


(1) انظر الكنز (44529). (2) أخرجه أحمد 4 / 246 والدارمي 2 / 134 والترمذي 3 / 397 (1087) وابن ماجه 1 / 599 (1865) والنسائي 6 / 69 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 303 (1236). (3) أحمد 3 / 231 والحاكم 2 / 166 والبيهقي 7 / 87. (4) تقدم وهو عند البخاري 3 / 442 (1513). (5) أخرجه البخاري 4 / 352 (2139، 5142) ومسلم 2 / 1032 (50 / 1412). (*)

[ 44 ]

سيدنا محمدا عبده ورسوله، قال أبو عبيدة: وسمعت من أبي موسى يقول: فإن شئت أن تسأل أتيتك بآي من القرآن تقول: (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (آل عمران / 102) (اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا) (النساء / 1) (اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) (الاحزاب / 70، 71) أما بعد، ثم تكلم بحاجتك (1). وروى أبو داود والامام أحمد والنسائي والترمذي والبيهقي عن ابن معسود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد (ذكر نحوه، وقال بعد قوله " ورسوله " " أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا " (2). وروى الامام أحمد عن أبي أيوب الانصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اكتم الخطبة " (3). الخامس: فيما كان يقوله صلى الله عليه وسلم إذا رأى امرأة: روى الامام أحمد والطبراني برجال ثقات والحكيم الترمذي عن أبي كبشة الانصاري - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه، وفي لفظ كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل وخرج واغتسل فقلنا: يا رسول الله، قد كان شئ ؟ قال: " نعم نعم، مرت بي فلانة فوقع في قلبي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها فكذلك فافعلوا فإنه من أمانات أعمالكم إتيان الحلال "، وفي لفظ: " فدخل منزله ثم خرج إلينا قد اغتسل، قلنا نرى أنه قد كان شئ يا رسول الله، قال مرت فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فقمت إلى بعض أهلي فوضعت شهوتي فيها، وكذلك فافعلوا، فإنه لمن أماثل أعمالكم إتيان الحلال " (4). وروى الطبراني في كتاب العشرة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند سودة بنت زمعة فإذا امرأة مشوقة قاعدة على الطريق رجاء أن يتزوجها - فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى زوجته سودة فقضى حاجته ثم اغتسل، فخرج إلى


(1) أخرجه الدارمي 2 / 142 أخرجه أبو داود الطيالسي ص 45 عقب حديث (338) وأبو داود 2 / 591 (2118) والبيهقي 7 / 146 وأخرجه الترمذي 3 / 413 (1105) والنسائي 6 / 89 وابن ماجه 1 / 609. (2) أخرجه أبو داود (2119). (3) أحمد 5 / 423 والطبراني في الكبير 4 / 159 وابن خزيمة (1220) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (685) والحاكم 1 / 314، 2 / 165 وانظر نصيب الراية 1 / 71. (4) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2 / 20 وانظر المجمع 4 / 292 وعزاه لاحمد والطبراني وقال: ورجال أحمد ثقات. (*)

[ 45 ]

أصحابه، فقال: إنما حبسني عنكم امرأة عرضت لي في الطريق قد تشوقت رجاء أن أتزوجها فلما رأيتها، رجعت إلى سودة فقضيت حاجتي، فمن رأى منكم امرأة تعجبه فليرجع إلى زوجته، فإن الذي مع زوجته مثل الذي معها. السادس: في سيرته صلى الله عليه وسلم في نكاح المتعة: روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا شغار في الاسلام " (2) وأيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار (3). الثامن: في هديه صلى الله عليه وسلم نكاح الجاهلية (4): التاسع: في رده - صلى الله عليه وسلم - بالعيب في النكاح: روى سعيد بن منصور عن كعب بن زيد أو زيد بن كعب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار وفي لفظ: من بني بياضة فوجد بكشحها بياضا فردها فقال: دلستم علي فلما دخل عليها ودفع ثوبه وقعد على الفراش، أبصر بكشحها بياضا فانحاز عن الفراش ثم قال: خذي عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا (5). العاشر: فيما كان يقوله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج أحد من أصحابه: روى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ما هذا ؟ فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: بارك الله أولم ولم بشاة (6). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الانسان تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك


(1) لم يذكر المصنف شيئا هنا وذكرنا ذلك تتميما للفائدة والحديث أخرجه البخاري 7 / 481 (4216) ومسلم 2 / 1027 (29 / 1407). (2) أخرجه مسلم 2 / 1035 (60 / 1415). (3) أخرجه البخاري 9 / 162 (5112) ومسلم 2 / 1034 (57 / 1415). والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الاخر ابنته ليس بينهما صداق وأبو داود 2 / 227 (2074) والترمذي 3 / 431 (1124) والنسائي 6 / 110 وابن ماجه 1 / 606 (1883). (4) ذكره المصنف رحمه الله هذا لم يذكر شيئا من الاحاديث والاثار كأنه اكتفى بنكاح المتعة والشغار باعتبارهما ضرب من ضروب الجاهلية. (5) أخرجه أحمد 3 / 493 وانظر المجمع 4 / 300 والبيهقي 7 / 256. (6) أخرجه البخاري 9 / 204 (5148) ومسلم 2 / 1042 (79 / 1427). (*)

[ 46 ]

عليك وجمع بينكما في خير (1). الحادي عشر: فيما يحرم من النسب والصهر والرضاع: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " (2). وروى البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة " (3). الثاني عشر: في الاولياء والشهود والاستئذان والاخبار بحكم البكر والثيب في ذلك والكفارة: روى الامامان الشافعي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل " (4). وروى الامام أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي والدارقطني عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل " (5). وروى الامام أحمد والاربعة عن سمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما امرأة يزوجها وليها فهي للاول منهما " (6). وروى أبو داود عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " أترضى أن أزوجك فلانة ؟ " قال: نعم، وقال للمرأة " أترضين أن أزوجك فلانا " قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل بها (7).


(1) أخرجه الدارمي 2 / 134 وأبو داود (1320) والترمذي (1091) وأحمد 3 / 451 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1284) وسعيد بن منصور (522) الحاكم 2 / 183 والبيهقي 7 / 148 وابن السني 596 والخطيب 11 / 42 وانظر التلخيص 3 / 152. (2) لم يذكر المصنف هنا شيئا وأتممنا ذلك للفائدة والحديث أخرجه البخاري 9 / 160 (5109) ومسلم 2 / 1028 (33 / 1408). (3) البخاري 9 / 139 (5099) ومسلم 2 / 1068 (2 / 1444). (4) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 11 (19) وأحمد 6 / 66 والدارمي 2 / 137 وأبو داود 2 / 566 (2083) والترمذي 3 / 407 (1102) وابن ماجه 1 / 605 (1879) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 305 (1248) والحاكم 2 / 168. (5) أخرجه أحمد 4 / 394 والدارمي 2 / 137 وأبو داود 2 / 568 (2085) والترمذي 3 / 407 (1101) وابن ماجه 1 / 605 (1881) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 304 (1243) والحاكم 2 / 169. (6) أخرجه أحمد 5 / 8 والدارمي 2 / 139 وأبو داود 2 / 571 (2088) والترمذي 3 / 418 (1110) والنسائي 7 / 314 وابن ماجه 2 / 738 (2190). (7) أخرجه أبو داود (2117) والحاكم 2 / 181. (*)

[ 47 ]

وروى الامام أحمد وأبو يعلى عن عائشة، والبزار برجال ثقات عن أبي هريرة، والطبراني في الاوسط عن أنس والطبراني عن ابن عباس والطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب إليه بعض بناته جلس إلى خدرها، فقال: " إن فلانا يخطب فلانة "، يسميها ويسمي الرجل الذي خطبها فإن طعنت في الخدر لم يزوجها وإن سكتت كان سكوتها رضاها (1). وروى الائمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الايم أحق من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها " (2). وروى الستة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " (3). وروى الامام أحمد والشيخان والنسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، إن البكر تستحي قال " رضاها صمتها " (4). وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم (5). وروى الترمذي والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد كبير " وقال الترمذي حسن غريب (6) والبيهقي عن أبي حاتم المزني وقال غيره إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد عريض " (7). وروى الحاكم في تاريخه والديلمي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا جاءكم الاكفاء فأنكحوهن ولا تربصوا بهن الحدثان " (8).


(1) أحمد 6 / 78 وعبد الرزاق (10379) والطبراني 11 / 355 وابن أبي شيبة 4 / 136 والمجمع 4 / 278. (2) مسلم 2 / 1037 (67 / 4121) وأخرجه من حديث أبي هريرة البخاري 12 / 355 (9968) ومسلم (64 / 1419) وأبو داود 2 / 231 (2092) والترمذي 3 / 415 (1107) والنسائي 6 / 85 وابن ماجه 1 / 601 (1871). (3) أخرجه ابن ماجه 1 / 606 (1882) والدارقطني 3 / 227 (25) والبيهقي 7 / 110 وانظر تحفة المحتاج 2 / 364. (4) أخرجه البخاري 9 / 98 (5137). (5) أخرجه أبو داود 2 / 232 (2096). (6) أخرجه الترمذي 3 / 394 (1084) وابن ماجه 1 / 632 (1967) والحاكم 2 / 164 وعبد الرزاق (10325) والدولابي في الكني 1 / 25. (7) أخرجه البيهقي 7 / 82. (8) ذكره السيوطي في جميع الجوامع (1603) وعزاه للحاكم في التاريخ والديلمي وذكره في الصغير (547) ورمز له بالضعف والحدثان بالتحريك أو بكسر فسكون الليل والنهار أي نوائب الدهر وحوادثه. (*)

[ 48 ]

الباب الثاني في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الصداق روى مسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - قال: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: كان صداقه لزوجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، وقالت: تدري ما النش ؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لازواجه (1). وروى الامام أحمد والاربعة والترمذي وقال حسن غريب عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا نكح شيئا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية (2). وروى سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق - رحمه الله تعالى - أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: أيها الناس ما أكثركم في صداق النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك (3). وذكر الحديث وسيأتي بتمامه في مناقب عمر - رضي الله تعالى عنه -. وروى الطبراني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم على متاع يساوي أربعين درهما (4). وروى أبو يعلى والطبراني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - والطبراني عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنهما - قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة على متاع بيت قيمته عشرة دراهم (5). وروى الامام أحمد والشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطفى صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه وخيرها بين أن يكون زوجها أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها، وجعل عتقها صداقها (6).


(1) أخرجه مسلم 2 / 1042 (78 / 1426). (2) أخرجه عبد الرزاق 6 / 175 (10399) وأحمد 1 / 40 والدارمي 2 / 141 وأبو داود 2 / 582 (2106) والترمذي 3 / 422 (1114) وقال حسن صحيح والنسائي 6 / 117 وابن ماجه 1 / 607 (1887) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (307) حديث (1259) والحاكم في المستدرك 2 / 176. (3) ابن مجمع الزوائد 3 / 286 سعيد بن منصور 1 / 96. (4) انظر المجمع 4 / 282. (5) انظر المجمع 4 / 282 وابن عدي في الكامل 5 / 1785. (6) أخرجه البخاري 9 / 232 (5169) ومسلم 2 / 1043 (84 / 1365). (*)

[ 49 ]

وروى الائمة عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قال جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك فقامت طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال: هل عندك من شئ تصدقها ؟ قال ما عندي إلا إزاري هذا... الحديث (1). وروى الدارقطني عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، رأ في رأيك فقال: من ينكح هذه ؟ فقام رجل عليه بردة عاقدها في عنقه، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ألك مال ؟ قال: لا، يا رسول الله، قال: اجلس، ثم جاءت مرة أخرى، فقالت: يا رسول، رأ في رأيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ينكح هذه " ؟ فقام ذلك الرجل، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ألك مال ؟ قال لا يا رسول الله فقال: اجلس، ثم جاءت الثالثة فقالت يا رسول الله... رأ في رأيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينكح هذه ؟ فقام ذلك الرجل، فقال: أنا يا رسول الله، فقال ألك مال ؟ قال: لا، يا رسول الله، قال: فهل تقرأ من القرآن شيئا ؟ قال: نعم، سورة البقرة وسورة فصلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله تعالى عرضتها فتزوجها الرجل على ذلك. وروى الامام أحمد والترمذي والبيهقي عن عامر بن ربيعة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من بني فزارة (أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه امرأة له فقال: إني تزوجتها بنعلين، فقال لها: أرضيت ؟ فقالت: نعم، ولو لم يعطني لرضيت قال شأنك وشأنها) (2). تنبيه: في غريب ما سبق: التعطر - بفوقية فعين مهملة مفتوحتين فطاء مهملة فراء - اتخاذ العطر وهو الطيب. العوارض - بعين مهملة فواو مفتوحتين فألف فراء مكسورة فضاد معجمة - الاسنان التي في عرض الفم، وهي التي بين الثنايا والاضراس وأحدها عارض. العرقوب - بعين مهملة مضمومة فراء ساكنة فقاف فواو فموحدة عصب غليظ فوق عقب الانسان من الدابة في رجلها بمنزلة الركبة. الاعطاف - بهمزة مفتوحة فعين مهملة فطاء فألف ففاء نواحي العنق -.


(1) أخرجه البخاري 9 / 190 (5135) ومسلم 2 / 1040 (76 / 1425). (2) ما بين المعكوفتين سقط من أ، ب، ج، وأثبتناها من المراجع الحديثية والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي ص 156 (1143) وأحمد 3 / 445 والترمذي 3 / 420 (1113) وقال حسن صحيح وابن ماجه 1 / 608 (1888). (*)

[ 50 ]

الكشح - بكاف مفتوحة فشين معجمة فحاء مهملة ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي. النش - بنون فشين معجمة، نصف أوقية وهو عشرون درهما. الخدر - بخاء معجمة مكسورة فدال مهملة ساكنة فراء، ناحية من البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر. الايم - بهمزة مفتوحة فتحتية مكسورة مشددة فميم - أنثى لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا مطلقة كانت أو متوفى عنها. (رأ) أمر من (رأى) والحديث عند غيره براء واحدة مفتوحية (ر).

[ 51 ]

الباب الثالث في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الولائم وفيه أنواع: الاول: في أمره صلى الله عليه وسلم في إجابة الدعوة: روى مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم، وإن شاء ترك ". الثاني: في أمره صلى الله عليه وسلم بإكرام الضيف: روى البخاري ومسمل عن أبي شريح الكعبي - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يخرجه ". الثالث: في استئذانه صلى الله عليه وسلم: روى البخاري في الادب وأبو داود عن عبد الله بن بشر - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الايمن أو الايسر، ويقول: السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها ستور (1). وروى الامام أحمد والشيخان والطبراني والترمذي عن أبي مسعود البدري الانصاري والامام أحمد عن جابر - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رجل من الانصار يكنى أبا شعيب، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه الجوع، فأتيت غلاما لي، قصابا فأمرته أن يصنع طعاما لخمسة رجال ثم دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء خامس خمسة وتبعهم رجل، فلما بلغ الباب، قال: هذا تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإلا رجع فأذنت له، رواه الطبراني برجال الصحيح عن أبي شعيب نفسه (2). وروى مسند برجال ثقات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فقال: أتأذن لي في سعد ؟ فأذن له، ثم صنع طعاما، فقال أتأذن لي في سعد ؟ فأذن له ثم صنع طعاما، فقال أتأذن لي في سعد فأنت صاحبه (3).


(1) أخرجه أبو داود (5186) وانظر الدر المنثور 5 / 39 والكنز (18495) وابن كثير في التفسير 6 / 37. (2) أخرجه البخاري 4 / 312 (2081) (2456، 5434، 5461) ومسلم 3 / 1608 (138 / 2036). (3) ذكره الحافظ في المطالب (2383). (*)

[ 52 ]

الرابع في أمره صلى الله عليه وسلم أن لا يقطع دارا ولا نسلا: روى الامام أحمد عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمدت إلى عنز لاذبحها فثغت فسمع ثغوتها، فقال: يا جابر، لا تقطع دارا ولا نسلا فقلت يا رسول الله، إنما هي عتودة علفتها البلح والرطبة، حتى سمنت (1). الخامس: في أمره صلى الله عليه وسلم بإعلان النكاح والضرب عليه بالدف وكراهته لنكاح السر (2): وروى الطبراني من طريق داود بن الجراح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما فعلت فلانة ليتيمة كانت عندها " فقالت: أهديناها إلى زوجها، فقال: هلا بعتم معها جارية، تضرف بالدف وتغني، قالت: تقول ماذا ؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الذهب الاحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ما شمت عذاريكم وروى الطبراني عن السائب بن يزيد - رضي الله عنه - قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوار يلغين، يقلن: فحيونا نحييكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى، ثم دعاهن، فقال: لا تقلن هكذا ولكن قلن أحيانا، وإياكم (3). وروى الامام أحمد والبزار برجال ثقات عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: " أهديتم الجارية إلى بيتها ؟ قالت: نعم، قال: فهل بعثتم معها من يغنيهم يقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم، فإن الانصار قوم فيهم غزل (4). وروى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند عن عمرو بن يحيى المازني عن جده أبي الحسن - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره نكاح السر حتى يضرب عليه بدف، ويقال. أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم (5). وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها زفت امرأة إلى رجل من الانصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة، ما كان معكم لهو ؟ فإن الانصار يعجبهم اللهو " (6).


(1) أخرجه أحمد في المسند 3 / 396. (2) انظر المجمع 4 / 289 وعزاه للطبراني في الاوسط. (3) انظر المجمع 4 / 290. (4) أحمد 3 / 391 والمجمع 4 / 4 289 / 289 وابن الجوزي في التلبيس (225). (5) أخرجه أحمد 4 / 78 والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 290 وانظر المجمع 4 / 288. (6) أخرجه البخاري 9 / 225 (5162). (*)

[ 53 ]

وروى أيضا عن الربيع بنت معوذ بن عفراء - رضي الله تعالى عنها - قالت جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل حين بنى علي فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، وقالت له إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين (1). وروى ابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أنكحت عائشة ذات قرابة من الانصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أهديتم الفتاة ؟ قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني ؟ قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الانصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم (2). السادس: في إجابته صلى الله عليه وسلم الدعوة في أي وقت كان على أي شئ كان: وروى الامام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وأبو يعلي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت إليه لاجبت " (3). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو دعيت إلى ذراع أو كراع لاجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت (4). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو دعيت إلى كراع لاجبت. وروى ابن ماجه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوه المملوك (5). وروى الامام أحمد وابن سعد وابن شيبة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن يهوديا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه (6). وروى مسدد مرسلا برجال ثقات عن مجاهد - رحمه الله تعالى - قال: إن كان الرجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم شطر - وفي لفظ " نصف " الليل على خبز الشعير فيجيبه ورواه الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - (7).


(1) أخرجه البخاري 9 / 202 (5147). (2) أخرجه ابن ماجه (1900) والطحاوي في الشكل (4 / 297) والبيهقي 7 / 289. (3) تقدم. (4) تقدم. (5) أخرجه ابن ماجه (2296) وابن أبي شيبة 3 / 164 وأبو نعيم في الجلية 7 / 312 وابن سعد 1 / 2 / 2 95 / 66 وانظر المجمع 9 / 20. (6) تقدم وهو عند أحمد 3 / 210. (7) تقدم. (*)

[ 54 ]

وروي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه فذهب معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا من شعير، ومرقا فيه دباء، الحديث (1). وروى الشيخان عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: لما عرس أبو أسيد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد بلت ثلاث ثمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته تتحقه بذلك (2). السابع: في اشتراطه صلى الله عليه وسلم حضور بعض أصحابه: روى الطبراني بسند جيد رجاله رجال الصحيح. وفيه انقطاع، عن صهيب - رضي الله تعالى عنه - قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأتيته وهو في نفر جالس، فقمت حياله فأومأت إليه فأومأ إلي، وهؤلاء، قلت: لا، فسكت، فقمت مكاني، فلما نظر إلي أومأت إليه، فقال: وهؤلاء، قلت: مرتين يفعل ذلك أو ثلاثا، فقلت: نعم، وهؤلاء وإنما كان شيئا يسيرا صنعته له، فجاؤوا معه فأكلوا حسية قال وفضل منه. وروى الامام أحمد ومسلم والنسائي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيا وكان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه لعائشة، فقالا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فعاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه قال: لا، قال رسول الله: لا، ثم عاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه قال: نعم، في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله (3). الثامن: في امتناعه صلى الله عليه وسلم من الدخول في محل الضيافة لامر شرعي: وروى النسائي وابن ماجه عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: صنعت طعاما فدعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فرأى في البيت سترا فيه تصاوير فرجع، وقال: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير (4). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي عن أبي عبد الرحمن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا أضاف علي بن أبي طالب، فصنع له طعاما، فقالت فاطمة: لو دعونا


(1) تقدم. (2) أخرجه البخاري 7 / 43 (5182) ومسلم 3 / 1590 (86 / 2006). (3) أخرجه مسلم في كتاب الاشربة (139) وأحمد 3 / 123. (4) أخرجه ابن ماجه (3650). (*)

[ 55 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معنا، فأرسل فجاء فوضع يده على عضادتي الباب، فإذا قداما قد ضرب في ناحية البيت، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع فقالت فاطمة لعلي: اتبعه فقل له: ما رجعك ؟ قال: فتبعته، فقال: ما رجعك يا رسول الله ؟ فقال: إنه ليس لنبي أو ليس لنبي أن يدخل بيتا مزوقا (1). وروى البخاري وأبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بيت فاطمة فوجد على بابها سترا مؤشيا (2)... الحديث. وروى الامام أحمد والدارقطني من طريق عيسى بن المسيب، قال الدارقطني: صالح الحديث حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي دار قوم من الانصار. ودونهم دور لا يأتيهم فشق ذلك عليهم، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في داركم كلبا " قالوا فإن في دارهم سنورا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السنور سبع " (3). التاسع: في وليمته - صلى الله عليه وسلم - على بعض نسائه: وروى البخاري في رواية كريمة وأبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بمدين من شعير (4). وروى الطبراني من طريق جدول بن جيفل قال الذهبي: صدوق وقال ابن المديني: له مناكير عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم على بعض نسائه بقدر من هريس (5). وروى الطبراني برجال ثقات عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على أم سلمة بتمر وسمن (6). وروى الامام أحمد والطبراني وابن ماجه بسند جيد عن أسماء بنت يزيد بن السكن - رضي الله تعالى عنها - قالت: قينت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئته فدعوته لجلوتها فجلس إلى جنبها بعس لبن ثم ناولها، فخفقت رأسها، واستحيت فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد


(1) أخرجه أحمد 5 / 221، 222 وأحمد في الزهد (7) وأبو داود (3755، 3756) والحاكم 2 / 186 وابن ماجه (3360) وابن عبد البر، في التمهيد 10 / 181. (2) أخرجه أبو داود 2 / 470 (4149). (3) أخرجه الدارقطني 1 / 63 والطحاوي في المشكل 3 / 272 والحاكم 1 / 183 وانظر المجمع 1 / 278. (4) أخرجه البخاري 9 / 146 (5172). (5) المجمع 4 / 53. (6) انظر المجمع (4 / 53). (*)

[ 56 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فشربت شيئا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعطي تربك فقلت: يا رسول الله بل خذه فاشرب منه ثم ناولنيه فأخذه فشرب منه ثم ناولنيه، قالت: فجلست ثم وضعته على ركبتي ثم طفقت أديره، وأتبعه بشفتي لاصيب منه مشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لنسوة عندي: ناوليهن، فقلن: لا نشتهيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجمعن جوعا وكذبا " (1). وروى الامام مالك في الموطأ عن يحي بن سعيد أنه قال: قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يولم بالوليمة ما فيها خبز ولا لحم، ووصله النسائي وقاسم بن أصبغ من طريق سعيد بن عفير عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس، وزاد: قلت: بأي شئ، يا أبا حمزة قال: تمر وسويق (2). وروى الطبراني عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قال أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق (3). عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: لما دخلت صفية بنت حيي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسطاطه حضرنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عن أمكم فلما كان من العشي حضرنا ونحن نرى أن ثم قسما فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي طرف ردائه نحو من مد ونصف من تمر عجوة، فقال: كلوا من وليمة أمكم (4). وروى البخاري عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة، ورواه مسلم بلفظ: ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه أكثر وأفضل مما أولم على زينب، فقال ثابت: بم أولم ؟ قال: أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه (5). وروى الشيخان وأبو يعلى عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاثا بيني عليه بصفية بنت حيي، فقال من كان عنده فضل زاد فليأتنا به، فجعل الرجل يأتي بفضل التمر، وفضل السويق حتى جعلوا من ذلك سوادا حبسا وفحصت الارض أفاحيص، وجئ بالانطاع فوضعت فيها، وجئ بالاقط والسمن، فشبع الناس من ذلك الحين وشربوا من حياض إلى جنبهم من ماء السماء وفي لفظ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليمة


(1) أخرجه أحمد 6 / 438، 453 وابن ماجه (3298) وانظر المجمع 4 / 51 والحميدي (367). (2) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 546 (48) وابن ماجه في السنن (1910). (3) من حديث أنس أخرجه أحمد 3 / 110 وأبو داود 4 / 126 (3744) والترمذي 3 / 403 (1095) والنسائي ذكر المزي في التحفة 1 / 377 وابن ماجه 1 / 615 (1909) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1062). (4) أخرجه أحمد 3 / 333 وابن سعد 8 / 89 وانظر المجمع 4 / 49. (5) البخاري 9 / 232 (5168) و 8 / 528 (2794) ومسلم 2 / 1049 (90 / 1428).

[ 57 ]

على صفية ثلاثة أيام وبسط نطعا جاءت به أم سليم عليه أقطا وتمرا، وأطعم الناس ثلاثة أيام (1). العاشر: في حضوره صلى الله عليه وسلم أملاك رجال من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -: وروى الطبراني برجال ثقات غير حازم مولى بني هاشم عن لمازة وليس بابن زياد عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - قال: شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ملاك رجل من أصحابه، فقال على الخير والبركة والالفة والطائر الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم دفوا على رأسه فجئ بالدف، فضرب فأقبلت الاطباق عليها فاكهة وسكر، فنشر عليه، وكف الناس أيديهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا تنتهبون ؟ قالوا: يا رسول الله، أولم تنه عن النهبة ؟ قال: إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، فأما العرسات فلا، فجاذبهم وجاذبوه (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الولائم - بواو فلام مفتوحتين فهمزة مكسورة فميم جمع وليمة، الطعام الذي يصنع عند العرس. الستر - بسين مهملة مكسورة ففوقية ساكنة فراء - كل ما ستر ما وراءه وصانه. الدر - بدال مهملة مفتوحة فراء اللبن إذا كثر وسال. النسل - بنون مفتوحة فسين مهملة ساكنة فلام: الذرية. ثغت - بمثلثة فغين معجمة مفتوحتين فتاء تأنيث بالغنم صاحت (الثغوة) مرة مع الثغاء وهو الصياح. عتودة - بعين مهملة مفتوحة ففوقية مضمومة فواو فدال مهملة - الصغير من أولاد المعز إذا قوى ورعى وأتى عليه سنة والذكر عتود والجمع أعتدة. الدف - بدال مهملة تضم وتفتح ففاء - معروف من آلات الملاهي يضرب به في النكاح. الحنطة - القمح، وقد تقدم. الفتاة - بفاء فمثناتين فوقيتين بينهما ألف - الجارية.


(1) أخرجه البخاري 7 / 479 (4213) ومسلم 2 / 1047 (88 / 1365). (2) ذكره السيوطي في اللائي 2 / 91 وأخرجه الطحاوي في المعاني 3 / 50 وأخرجه البيهقي 7 / 288 وذكره الشوكاني في الفوائد (124) وابن الجوزي في الموضوعات 2 / 265، 266 وابن حجر في اللسان 2 / 66 والذهبي في الميزان (1181). (*)

[ 58 ]

الكراع تقدم. الاهالة السنخة - تقدم الكلام عليها في جماع أبواب صفاته المعنوية. الثلمة - بمثلثة مفتوحة فلام ساكنة فميم فتاء تأنيث موضع الكسر ونهي عن الشرب منها، لانه لا ينالها التنظيف التام. عضادتي الباب - بعين مهملة فضاد معجمة فألف فدال مهملة فتاء تأنيث - جانباه الذي بهما يتقوى. القرام - بقاف مكسورة فراء فألف فميم: الستر الرقيق الموشى. الفشطاط: تقدم. الطائر - بطاء مهملة فألف فهمز فراء الحظ. والميمونة - بميم مفتوحة فتحتية ساكنة فميم فواو فنون، المباركة ويجوز أن يكون من الطير السانح والبارح.

[ 59 ]

الباب الرابع في طلاقه - صلى الله عليه وسلم - ورجعته وإيلائه وهجره نساءه والعدة والاستبراء وفيه أنواع: الاول: في طلاقه ورجعته: روى أبو يعلى والبزار والحاكم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلق حفصة أمر أن يراجعها فراجعها (1). روى أبو يعلى والبزار برجال ثقات عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: دخل عمر على حفصة، وهي تبكي، فقال: ما يبكيك ؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم - طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا (2). وروى الطبراني بسند فيه ضعف عن الهيثم أو أبي الهيثم أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق سودة بنت زمعة تطليقة فجلست في طريقه فلما مر سألته الرجعة، وأن تهب قسمها لاي أزواجه شاء رجاء أن تبعث يوم القيامة زوجته فراجعها وقبل ذلك منها (3). وروى الطبراني برجال ثقات إلا عمر بن صالح الحضرمي فيحرر رجاله عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فوضع التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ الله بك يا ابن الخطاب بعدها. فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة ثم راجعها رحمة بعمر (4). وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة (ثم راجعها) (5). الثاني: في إيلائه صلى الله عليه وسلم من نسائه وهجره لهن: روى البخاري والنسائي عن أنس والامام أحمد والشيخان والترمذي عن أم سلمة ومسلم عن جابر والبخاري والنسائي عن ابن عباس. والامام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن الزهري وابن ماجه عن عائشة والامام أحمد عن ابن عمر.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 336 وقال رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 336 وقال رواه أبو يعلى والبزار. (3) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 249 وقال رواه الطبراني وفي إسناده ضعف. (4) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 337 وقال رواه الطبراني وفيه عمرو بن صالح الحضرمي ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. (5) أخرجه أبو داود 1 / 695 (2283) وابن ماجه 1 / 650 (2016) والنسائي 6 / 213. (*)

[ 60 ]

روى الطبراني من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال ابن عباس: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول الله - عز وجل - (وإن تظاهرا عليه) (التحريم / 4)، فكنت أهابه حتى حججنا معه حجة، فقلت لان لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله فلما قضينا (حجنا) أدركناه، وهو ببطن مروقد تخلف لبعض حاجاته، فقال: مرحبا بك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتك ؟ قلت: شئ كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين، فكنت أهابك فقال سلني عما شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئا حين تعلمنا، فقلت: أخبرني عن قول الله تعالى: " وإن تظاهرا عليه " من هما ؟ قال: لا تسأل أحدا أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا يكلم أحدنا امرأته، إنما هي خادم البيت، فإن كان له حاجة سفع برجليها فقضى حاجته، فلما قدمنا المدينة، تعلمنا من نساء الانصار، فجعلن يكلمننا ويراجعننا وإني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا، فقمت إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبا لك، يا بن الخطاب ! تريد أن لا تكلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمه نساؤه فخرجت فدخلت على حفصة، فقلت ؟ يا بنية، انظري لا تكلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عنده دينار ولا درهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، وإنها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف أو من مكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يسلم عليها حبسته حتى تلعقه منها أو تسقيه منها، وأن عائشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خضراء إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبتها، فأخبرتهن، وقالت إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح معافير ثم إنه دخل على عائشة فقالت: يا رسول الله، أطعمت شيئا منذ اليوم فإني أجد منك ريح مغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد شئ عليه أن يوجد منه ريح شئ، فقال: هو عسل، والله لا أطعمه أبدا حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله، إني لي حاجة إلى إن نفقت لي عنده، فأذن لي أن آتيه فأذن لها، ثم وإنه أرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع ووجهه يقطر عرقا، وحفصة تبكي، فقال: ما يبكيك ؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله ما يحل لك هذا يا رسول الله، فقال: والله، ما صدقت: أليس هي جاريتي، قد أحلها الله تعالى لي، أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري لا تخبري بذلك امرأة منهن، فهي عندك أمانة، فلما خرج

[ 61 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت ألا أبشري، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم أمته، فقد أراحنا الله منها، فقالت عائشة أما والله، إنه كان يريبني أنه كان يقبل من أجلها، فأنزل الله تعالى: (يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) (التحريم / 1) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن تظاهرا عليه " فهي عائشة وحفصة، وزعموا أنهما كانتا لا تكتم إحداهما للاخرى شيئا، وكان لي أخ من الانصار إذا حضرت، وغاب في بعض ضيعته، حدثته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا غبت في بعض ضيعتي، حدثني فأتاني يوما وقد كنا نتخوف جبلة بن الايهم الغساني. فقال: ما دريت ما كان ؟ فقلت: وما ذاك ؟ لعله جبلة بن الايهم الغساني، تذكر قال: لا ولكنه أشد من ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح، فلم يجلس كما كان يجلس، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، وقد اعتزل في مسربته، وقد ترك الناس يموجون ولا يدرون ما شأنه، فأتيت والناس في المسجد يموجون ولا يدرون فقال: يا أيها الناس كما أنتم، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسربته قد جعلت له عجلة، فرقى عليها، فقال لغلام له أسود وكان يحجبه استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي فدخلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسربته فيها حصير وأهب معلقة وقد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفا، فلما رأيته بكيت، قال: ما يبكيك ؟ قلت يا رسول الله، فارس والروم أحدهم يضطجع في الديباج والحرير فقال: إنهم عجلت لهم طيباتهم، والاخرة لنا، ثم قلت يا رسول الله، ما شأنك ؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك فقال: اعتزلهن ؟ فقال: لا، ولكن كان بيني وبين أزواجي شئ فأحببت ألا أدخل عليهن شهرا، ثم خرجت على الناس، فقلت يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أزواجه شئ فأحب أن يعتزل، فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنتي، أتكلمين رسول الله وتغيظينه وتغارين عليه ؟ فقالت: لا أكلمه بعد بشئ يكرهه، ثم دخلت على أم سلمة وكانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة، فقالت: عجبا لك يا عمر بن الخطاب، كل شئ تكلمت فيه، حتى تريد أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجكم يغرن عليكم، فأنزل الله تعالى (يأيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) (الاحزاب / 28) حتى فرغ منها (1).


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 13 من طريق عبد الله بن صالح وعزاه للطبراني في الاوسط وهو في الصحيحين من حديث عائشة 8 / 656 (4912) (6691) ومسلم 2 / 1100 (20 / 1474). (*)

[ 62 ]

وروى الطبراني وأبو داود بسند جيد واللفظ له عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وفي رواية " حجة الوداع "، ونحن معه، فاعتل بعير لصفية وكان مع زينب فضل فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بعير صفية قد اعتل فلو أعطيتها بعيرا لك ! قالت: أنا أعطي هذه اليهودية ؟ ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرها بقية ذي الحجة ومحرم وصفر وأياما من ربيع الاول حتى رفعت متاعها وسريرها فظنت أنه لا حاجة له فيها فبينما هي ذات يوم قاعدة نصف النهار، إذ رأت ظله قد أقبل فأعادت سريرها ومتاعها (1). وروى الامام أحمد بسند لا بأس به عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه قال شعبة أحسبه قال شهرا فأتاه عمر بن الخطاب وهو في غرفة وهو على حصير قد أثر الحصير بظهره، فقال: يا رسول الله كسرى يشربون في الذهب والفضة وأنت هكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم قال رسول الله الشهر هكذا وهكذا وهكذا وكسر في الثالثة الابهام (2). وروى الحاكم والبيهقي والحارث واللفظ عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحفصة، قيل له: من أمهات المؤمنين أم من غير أمهات المؤمنين ؟ قال: من أمهات المؤمنين. تنبيهات الاول: سبب نزول قوله تعالى (يأيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا) (الاحزاب / 28): إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه في عرض الدنيا ومتاعها أشياء وطلبن منه زيادة في النفقة وأذينه بغيرة بعضهن بعضا فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أي حلف لا يقربهن شهرا ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه وكانوا يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: لاعلمن لكم شأنه، فاستأذن عليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم. الثاني: قال في (زاد المعاد): وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراجع، وآلى إيلاء مؤقتا بشهر ولم يظاهر أبدا، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأ عظيما، وإنما ذكر هنا تنبيها على ذكر خطائه ونسبته إليه ما أمره الله تعالى به.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 326 وقال رواه أبو داود مختصرا، والطبراني في الاوسط. (2) أخرجه أحمد 2 / 298 وانظر المجمع 6 / 7، 10 / 327. (*)

[ 63 ]

الثالث: في بيان غريب ما سبق: سفع برجلها: بسين فعين مهملتين بينهما فاء مفتوحات. أخذ القضيب: بقاف مفتوحة فضاد معجمة فمثناة تحتية فموحدة، الغصن والجمع قضبان بضم القاف وكسرها. العكة: إناء من جلد للسمن والعسل. تلعقه: بفوقية مفتوحة فلام ساكنة فعين مهملة مفتوحة فقاف فهاء: تلحسه. ريح مغافير: (...). ضيعتي: بضاد معجمة مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة فتاء تأنيث: ما يكون معه معايش الرجل كالصنعة والزراعة وغير ذلك. جبلة: بجيم فموحدة فلام مفتوحات فتاء تأنيث. الايهم: بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فهاء فميم. عرجون: بعين مهملة مضمومة فراء ساكنة فجيم فواو فنون: العود الاصفر الذي يكون فيه شماريخ العذق من الانعراج وهو الانعطاف (1).


(1) ثبت في قوله " وهذا عصيب في القصة، يموجون: من ماج فعدل في الشرح عنه، وكتب يعوجون ولعله من فهم الكتاب لا المؤلف ". (*)

[ 64 ]

الباب الخامس في محبته - صلى الله عليه وسلم - للنساء روى النسائي والطبراني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ورواه عبد الله بن الامام أحمد في زوائد الزهد وزاد " وأصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن " وفي لفظ " الجائع يشبع والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساء " (1). وروى الامام أحمد في الزهد وابن سعد عن معقل بن يسار - رضي الله تعالى عنه - قال: لم يكن شئ أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل ثم قال غفرانك بل النساء (2). وروى الامام أحمد وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء الطعام والنساء والطيب، ولم يصب الطعام، وقال ابن سعد: أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن رجل حدثه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ثلاثة أشياء النساء والطيب والطعام فأصاب اثنتين ولم يصب واحدة أصاب النساء والطيب ولم يصب الطعام. وروى أيضا عن سلمة بن كهيل قال: لم يصب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الدنيا أحب إليه من النساء والطيب. وروى أيضا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحببت من عيش الدنيا إلا الطيب والنساء (3). تنبيه: وقع في بعض الكتب حبب إلي من دنياكم ثلاث، قال الحافظ ابن القيم والزركشي والحافظ في تخريج أحاديث الكشاف وأبو زرعة العراقي في أماليه والشيخ أن لفظ (ثلاث) لم يقع في شئ من طرق الحديث، وإنها زيادة مفسرة للمعنى، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا.


(1) تقدم. (2) انظر المجمع 4 / 258. (3) أخرجه ابن سعد 1 / 1 / 112 وانظر الكنز (17346). (*)

[ 65 ]

الباب السادس في عدله - صلى الله عليه وسلم - بين نسائه وقسمه لهن وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني القلب (1). وروى الامام أحمد وأبو داود عنها أيضا قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، يومي لعائشة فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منها (2). وروى الشيخان عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا وفي لفظ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، زاد البخاري: وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تبتغي بذلك رضا الرسول صلى الله عليه وسلم (3). وروى الشيخان عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه أين أنا غدا ؟ أين أنا غدا ؟ مرتين، يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة: مات في اليوم الذي كان يدور عليهم فيه في بيتي (4). وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فكان إذا أقسم بينهن لا ينتهي إلا المرأة الاولى إلا في تسع فكن يجتمعن في بيت التي يأتيها فكان في بيت عائشة فجاءت زينب، فمد يده إليها، فقالت: هذه زينب، فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فتقاولتا حتى استخبتا وأقيمتت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما، فقال: اخرج يا رسول الله، إلى الصلاة واحث في أفواههن التراب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم،


(1) أخرجه أحمد 6 / 144 والدارمي 2 / 144 وأبو داود 2 / 601 (2134) والترمذي 3 / 446 (1140) والنسائي 7 / 63 وابن ماجه 1 / 633 (1971) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1305) والحاكم 2 / 187. (2) أخرجه أبو داود (2315) والحاكم 2 / 189 والبيهقي 7 / 74231. (3) أخرجه البخاري 5 / 293 (2688) ومسلم 4 / 2129 (56 / 2770). (4) أخرجه البخاري 9 / 317 (5217) ومسلم (4 / 1894) (84 / 2443). (*)

[ 66 ]

فقالت عائشة: الان يقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، فيجئ أبو بكر، فيفعل بي ويفعل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، أتاها أبو بكر، فقال لها قولا شديدا وقال: أتصنعين هذا (1). وروى الشيخان عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن وفي لفظ " فيدنو منهن ". وروى أبو يعلى والطبراني بسند جيد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قرع بين نسائه، فأصابت القرعة عائشة في غزوة بني المصطلق (2). وروى مسدد برجال ثقات عن جعفر بن محمد - رحمه الله تعالى - عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل إلى نسائه وهو مريض فيعدل بينهن في القسم (3). وروى محمد بن يحي بن أبي عمر بن أبي سلمة بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى بأم سلمة قال: إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي (4). وروى الامام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج البكر أقام عندها ثلاثا (5). وروى الامام أحمد وأبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا إذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا (6). وروى مسلم عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثا، وقال: إنك ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن شئت سبعت لنسائي وإن شئت ثلاثة ثم ردت قالت ثلاثة (7). وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن سودة بنت زمعة - رضي الله


(1) أخرجه مسلم 2 / 1084 (46 / 1462). (2) انظر الدر المنثور 5 / 27 والبيهقي في الدلائل 4 / 63. (3) ذكره الحافظ في المطالب (1016). (4) أخرجه ابن سعد 8 / 66265 وابن أبي شيبة 4 / 277 وأحمد 6 / 38 والشافي في المسند (261) والطحاوي في المعاني 3 / 28 وأبو داود (1 / 646) (2122). (5) أخرجه أحمد (2 / 178). (6) أخرجه أحمد 3 / 99 وأبو داود 1 / 646 (2124) والترمذي 3 / 445 (1139) وهو ينحوه عند البخاري ومسلم فالبخاري 9 / 314 (5214) ومسلم 2 / 1084 (44 / 1461). (7) أخرجه مسلم 2 / 1083 (42 / 1460). (*)

[ 67 ]

تعالى عنها - وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (1). وروى الامام أحمد عن صفية بنت حيي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج بنسائه حتى إذا كان ببعض الطريق نزل رجل فساق بهن يعني النساء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذلك سوقك بالقوارير، يعني بالنساء، فبينما هم يسيرون برك بصفية جملها، وكانت من أحسنهن ظهرا، فبكت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها فلما أكثرت زجرها وانتهرها، وأمر الناس فنزلوا، ولم يكن يريد أن ينزل قالت: فنزلوا، وكان يومي فلما نزلوا ضرب خباء النبي صلى الله عليه وسلم ودخل فيه فلم أدر علام اهجم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخشيت أن يكون في نفسه شئ فانطلقت إلى عائشة، فقلت لها: تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ أبدا، وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، قالت: نعم، قالت: فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران ورشته بالماء لتزكي ريحه، ثم لبست ثيابها ثم انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت طرف الخباء فقال لها: مالك يا عائشة، إن هذا ليس يومك، قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقال مع أهله، فلما كان عند الرواح، قالت لزينب بنت جحش، أفقري لاختك صفية جملا وكانت من أكثرهن ظهرا، فقالت: أنا أفقر يهوديتك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى من سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها فأيست منه فلما كان شهر ربيع الاول دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأت ظله، فقالت: إن هذا الظل ظل رجل وما يدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذا ؟ فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأته، قالت: رسول الله ! ما أدري ما أصنع حين دخلت علي وكانت لها جارية تخبئها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: فلانة لك، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سرير زينب وكان قد رفع فوضعه بيده، ثم أصاب أهله، وتقدم بعضه في باب طلاقه (2). تنبيهات الاول: قال في (زاد المعاد): كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره وأباح الله تعالى له في ذلك ما لم يبحه إلى أحد من أمته وكان يقسم بينهن في المبيت والايواء والنفقة وأما المحبة فكان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك، قيل: هو الحب والجماع ولا تجب التسوية في ذلك، لانه فيما لا يملك.


(1) أخرجه البخاري 9 / 312 (5212) ومسلم 2 / 1085 (47 / 1463). (2) أخرجه أحمد 6 / 338 وانظر المجمع 4 / 32. (*)

[ 68 ]

الثاني: قال في (زاد المعاد): هل كان القسم واجبا عليه وكان له مباشرتهن بغير قسم على قولين للفقهاء، فهو صلى الله عليه وسلم أكثر الامة نساء قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - تزوجوا، فإن خير هذه الامة أكثرها نساء. الثالث: قال في (زاد المعاد): وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة ووقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن التي لم يقسم لها هي صفية بنت حيي، وهو غلط من عطاء - رحمه الله تعالى - وإنما هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت نوبتها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، وسبب هذا الوهم - والله تعالى أعلم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وجد على صفية في شئ، فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عني وأهب لك يومي، قالت: نعم، فقعدت عائشة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صفية فقال: إليك عني يا عائشة، فإنه ليس يومك، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأخبرته بالخبر فرضي عنها، وإنما كانت قد وهبت لها ذلك اليوم وتلك النوبة الخاصة لذلك، ولا يكون القسم لسبع منهن وهو خلاف الصحيح الذي لا ريب فيه أن القسم كان لثمان، والله تعالى أعلم. الرابع: في بيان غريب ما سبق. أسنت: بهمزة فسين مهملة مفتوحات كبرت. فرقت - بفاء مفتوحة فراء مكسورة فقاف فتاء تأنيث - فزعت أشد الفزع. تقاولتا: تفاوضتا. استخبتا: - بهمز فسين مهملة ساكنة ففوقية رفعتا صوتيهما. احث: - بهمز مضمومة فحاء مهملة ساكنة فمثلثة: ارم. القوارير - تقدمت. زرها - بزاي فموحدة فراء فهاء مفتوحات فألف. انتهرها - بغلظ في القول والرد بردته. الخباء: بمعجمة مكسورة فموحدة فألف ممدودة: أحد بيوت العرب من وبر وصوف لا شعر ويكون على عمودين أو ثلاثة والجمع أخبية.

[ 69 ]

الباب السابع في حسن خلقه صلى الله عليه وسلم معهن ومداراته لهن وحثه على برهن والصبر عليهن ومحادثته لهن وصبره معهن - رضي الله تعالى عنهن - وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أم سلمة أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحفة أو في قصعة وهو في بيت عائشة وفي رواية: فضربت عائشة يد الخادم فسقطت ورمت الصحفة بقهر فانفلقت فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام التي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم مرتين ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة، فبعثها إلى أم سلمة، وأعطى صحفة أم سلمة عائشة (1). وروى الشيخان والترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى، وفي لفظ أيام منى، وعندي جاريتان يغنيان بما تقالت الانصار يوم بعاث، قالت، وليستا بمغنيتين تدفقان فاضطجع على فراشي، وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان، وفي رواية أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما لكل قوم عيد، وهذا عيدنا، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فأما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإما قال: " تشتهين تنظرين " ؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، ويقول: دونكم يا بني أرفدة فزجرهم عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمنا يا بني أرفدة حتى إذا مللت "، قال: حسبك، قلت: نعم، قال: فاذهبي، قالت: فاقدروا قدر الجارية العربية الحديثة السن (2). روى ابن أبي أسامة والخرائطي وابن عساكر وأبو الحسن بن الضحاك عن عمرة بنت عبد الرحمن - رحمهما الله - قالت: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا مع نسائه، قالت: كان كرجل من رجالكم، إلا أنه كان أكرم الناس وأحسن الناس خلقا كان ضحاكا بساما صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود والطيالسي والامام أحمد وابن عساكر عن أبي عبد الله الجدلي - رحمه الله تعالى - قال: قلت لعائشة - رضي الله تعالى عنها -: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في


(1) أخرجه البخاري 9 / 320 (2225) وأحمد 3 / 263، أبو داود (3567) وابن ماجه (2334) والطبراني في الصغير 1 / 206 والطحاوي في المشكل 4 / 316 والبيهقي في السنن الكبرى 6 / 96. (2) أخرجه البخاري 1 / 445 (952) (987) ومسلم 2 / 607 (16 - 17 / 892) والنسائي 3 / 197 والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 92، 10 / 224. (*)

[ 70 ]

أهله، قالت: كان أحسن الناس خلقا، لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح (1). وروى النسائي وأبو بكر الشافعي وأبو يعلى وسنده حسن عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: زارتنا سودة يوما، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها فأتيت بحريرة فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لتأكلين وإلا لطخت وجهك، فأبت، فأخذت من القصعة شيئا، فلطخت به وجهها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع رجله من حجرها، وقال الطخي وجهها فأخذت شيئا من القصعة فلطخت به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فمر عمر فنادى، يا عبد الله يا عبد الله فظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل فقال: قوما فاغسلا وجوهكما قالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). وروى ابن سعد عن ميمونة - رضي الله تعالى عنها - قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة من عندي فأغلقت دونه الباب فجاء يستفتح الباب فأبيت أن أفتح له قال: أقسمت عليك إلا فتحت لي، فقلت له تذهب إلى بعض نسائك في ليلتي فقال ما فعلت ولكن وجدت حقنا من بول (3). وروى الطبراني وابن مردويه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: نزل عذري من السماء، وكادت الامة تهلك بسببي فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج الملك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي: اذهب إلى ابنتك فأخبرها أن الله تبارك وتعالى قد أنزل عذرها، قال، فأتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر، فقال: أبشري يا بنية، إن الله عز وجل قد أنزل عذرك من السماء، قلت نحمد الله لا نحمدك، ولا نحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول ذراعي، فقلت بيده هكذا، فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني به فضحك فمنعه وضحك، وقال أقسمت عليك لا تفعل (4). وروى الامام أحمد واللفظ له وأبو داود برجال ثقات عنها قالت بعثت صفية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام قد صنعته له وهو عندي فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتى استقبلتني أفكل فضربت القصعة فرميت بها فعرفت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أعوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلنني اليوم (5).


(1) أخرجه أحمد 3 / 212، 270، 6 / 236 وابن عساكر كما في التهذيب 1 / 338. (2) تقدم وانظر المجمع 4 / 316 وحريرة: حساء مطبوخ من الدقيق والدسم والماء. (3) أخرجه الحاكم 4 / 32 والسيوطي في الدر 6 / 251. (4) ذكره السيوطي في الدر المنثور 5 / 31. (5) أخرجه أحمد 6 / 277. (*)

[ 71 ]

وروى الطبراني بسند حسن عن عمرو بن حريث - رضي الله تعالى عنه - قال: كان زنج يلعبون بالمدينة فوضعت عائشة منكبها على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت تنظر إليهم (1). وروى أبو يعلى بسند لا بأس به وأبو الشيخ بن حيان بسند جيد قوي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت كان في متاعي خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل، وكان على جمل ثقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حولوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب "، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم عبد الله، إن متاعك فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل، فأبطأ الركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقالت: ألست تزعم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أوفي شك ؟ أنت يا أم المؤمنين يا أم عبد الله، قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلا عدلت وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي حدة، فأقبل علي فلطم وجهي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مهلا يا أبا بكر "، فقال: يا رسول الله، أما سمعت ما قالت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه، ورواه الامام أحمد بسند لا بأس به عن صفية - رضي الله تعالى عنها - " (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الصحفة - بصاد مفتوحة فحاء ساكنة مهملتين ففاء فتاء تأنيث - إناء دون الجفنة. الفهر - بفاء مكسورة فهاء ساكنة فراء - الحجر مل ء الكف. القصعة، بقاف مفتوحة فصاد ساكنة فعين مهملة مفتوحة فتاء تأنيث: الصحفة. مغنيتين -.... مزمارة الشيطان - بميم مكسورة فزاي ساكنة فميم فألف فراء فتاء تأنيث: الالة التي يزمر بها السودان. بني أرفدة - بهمزة مفتوحة فراء ساكنة ففاء فدال مهملة. الرعدة - بكسر الراء وسكون العين وبالدال المهملتين - الاضطراب. المنكب - بميم فنون فكاف فموحدة - (مجتمع رأس) الكتف والعضد.


(1) انظر المجمع 4 / 316 وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. (2) انظر المجمع 4 / 322 والمطالب (1540، 1927) قوله: أي بطئ ثقيل. (*)

[ 72 ]

الباب الثامن في آدابه - صلى الله عليه وسلم - عند النكاح والجماع وقوته على كثرة الوطء وفيه أنواع: الاول: في حياته صلى الله عليه وسلم: روى ابن أبي شيبة والقاضي أبو بكر المروزي في مسند عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه إلا متقنعا رأسه حياء، وما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأى مني. وروى البيهقي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه (1). وروى الامام أحمد وبقي بن مخلد وابن أبي شيبة وأبو الحسن بن الضحاك عنها، قالت: ما رأيت عورة رسول الله وفي لفظ فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط (2). وروى الخطيب في تاريخه عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى امرأة من نسائه غطى رأسه وخفض صوته، وقال للمرأة عليك بالسكينة والوقار (3). وروى ابن الاعرابي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أهله غطى رأسه. وروى الطبراني وتمام الرازي وابن عساكر عن معروف أبو الخطاب عن واثلة بن الاسقع عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بعض أهله قنع رأسه ويقول للمرأة التي تحته عليك بالسكينة والوقار (4). الثاني: في قوته صلى الله عليه وسلم على كثرة الوطء: وروى الطبراني والاسماعيلي في معجمه وابن عساكر عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال:


(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 1 / 96 وأبو نعيم في الحلبة 7 / 139 وابن عدي 6 / 2295. (2) أخرجه ابن عدي في الكامل 2 / 479. (3) أخرجه الخطيب في التاريخ 5 / 162 وابن سعد 1 / 2 / 58 وانظر المجمع 4 / 295. (4) انظر المجمع 4 / 195 وانظر كنزل العمال (45886) وجمع الجوامع 2 / 762. (*)

[ 73 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضلت على الناس بأربع بالسخاء والشجاعة وكثرة الجماع، وشدة البطش " (1). وروى ابن سعيد وابن أبي أسامة عن طاوس ومجاهد، قالا: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا في الجماع (2)، وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أعطي النبي صلى الله عليه وسلم قوة بضع (وستين) شابا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) (النساء / 54)، وروى ابن سعد عن مجاهد وطاوس قالا: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة أربعين في الجماع (3). وروى عبد الرزاق عن طاوس قال: أعطي النبي صلى الله عليه وسلم قوة خمسة وأربعين في الجماع وروي مثله عن سعيد بن المسيب. وروى الحارث بن أبي أسامة عن مجاهد وطاوس قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة بضع وأربعين رجلا، كل رجل من أهل الجنة. وروى الامام أحمد والنسائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الاكل والشرب والجماع والشهوة " (4). روى البخاري والنسائي وأبو بكر الاسماعيلي عن قتادة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور وفي لفظ " يطوف " على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال قتادة: قلت لانس: أكان يطيقها وفي لفظ " هل كان يطيق ذلك " ؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية عند الاسماعيلي: " أربعين في الساعة الواحدة " (5)، وفي رواية أخرى " في الليلة الواحدة ". كذا في نسختين من مجمع الزوائد لم يذكر من روده، وقال ورجاله رجال الصحيح خلا عبد السلام بن عاصم الرازي، وهو ثقة. وروي عن جابر بن عبد الله قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفيت، قيل للحسن وما الكفيت ؟ قال: البضاع (6) ورواه عبد الرزاق في المصنف عن أنس ولم يذكر الحسن بل قال: قيل: وما الكفيت ؟ قال: البضاع.


(1) أخرجه الخطيب في التاريخ 1 / 169 وابن عساكر كما في التهذيب 4 / 347 وانظر المجمع 8 / 269، 9 / 13. (2) انظر المجمع 4 / 293، 8 / 269 والمطالب العالية (3869، 3870). (3) انظر المجمع 4 / 293 والمطالب (3869). (4) أخرجه أبو نعيم في الحلبة 8 / 116 وأحمد (4 / 367). (5) أخرجه البخاري 1 / 126 (268) ومسلم 1 / 249 (28 / 309). (6) انظر مجمع الزوائد 4 / 293. (*)

[ 74 ]

وروى الطبراني عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أعطيت قوة أربعين في البطش والنكاح " (1). وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي محمد عن عبد الله بن علي أبا جدي أبو عمرو بن عبد البر حدثنا خلف بن القاسم بن أبي القاسم إلياس بن محمد بن إلياس المصري العطار حدثنا أبو بكر بن جعفر بن الامام حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبي عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل بقدر يقال له الكفيت فأكلت منها أكلة فأعطيت قوة أربعين رجلا (2). ورواه ابن سعد من طريق عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم وروى البخاري والاسماعيلي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: لقد رأيتني أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وله يومئذ تسع نسوة (3). وروى ابن عدي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في كل ليلة فإذا جاء التي هو يومها أقام عندها. وروى أبو داود والحارث بن أبي أسامة عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه فجعل يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلا واحدا ؟ قال: هو أزكى وأطيب وأطهر (4). وروى النسائي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وفي رواية في غسل واحد في اليوم الواحد ولا يغتسل (5). وروى ابن عدي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على تسع نسوة في ضحوة (6). تنبيهات الاول: قال ابن أبي أسامة إسماعيل بن أبي إسماعيل عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن سعد بن مسعود الليثي أن عثمان بن مظعون قال: يا رسول


(1) انظر المجع (1 / 269). (2) انظر جمع الجوامع 266، 267 وكنز العمال (31797، 31896، 31897). (3) تقدم. (4) أخرجه ابن ماجه (590) وأبو داود (1 / 106) (219). (5) النسائي 1 / 144 (264). (6) أخرجه أحمد 3 / 239 وابن عدي في الكامل 6 / 2220 وانظر كنز العمال (18690). (*)

[ 75 ]

الله، إني لا أحب أن أنظر إلى عورة امرأتي ولا أحب أن ترى ذلك مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولم ذلك ؟ إن الله تعالى جعلك لباسا لها، وجعلها لباسا لك، وإني أرى ذلك من أهلي ويرونه مني "، قال فمن يعدل بك يا رسول الله، ثم ولى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابن مظعون حيى ستير، في سنده عبيد بن أبي إسماعيل وهو ضعيف وإسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين وعبد الرحمن بن زياد ضعيف ليس بشامي (1). الثاني: جمع ابن حيان بين حديثي طوافه على إحدى عشرة وتسع بأن حمل ذلك على حالتين. الثالث: قال الحافظ ضياء الدين المقدسي: لم يجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة إلا أن يكون بالجواري. الرابع: روى الترمذي وصححه عن أنس مرفوعا: يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع، قلت: يا رسول الله، أيطيق ذلك ؟ قال: يعطى قوة مائة انتهى (2). فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف وبهذا يندفع ما استشكل من كونه صلى الله عليه وسلم أعطي قوة أربعين فقط، وأعطي سليمان بن داود قوة مائة رجل أو ألف، على ما ورد وسيأتي لهذا وما بعده مزيد بيان في الخصائص. الخامس: للانبياء من ذلك ما ليس لغيرهم فقد قال الحكيم الترمذي في نوادره: الانبياء - عليهم الصلاة والسلام - زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم وذلك أن النور إلا امتلا الصدر منه ففاض في العروق التذت النفس والعروق فأثارت الشهوة وقواه. ثم روى عن سعيد بن المسيب قال: إن الانبياء يفضلون بكثرة الجماع على الناس وذلك لما فيه من اللذة. وروى الحافظ في (الفتح) قال: كل من كان أتقى لله كان أشد شهوة، قال القاضي أبو بكر بن العربي في (سراج المريدين) قد آتى الله تعالى رسوله خصيصة عظمي وهي قلة الامل والقدرة على الجماع فكان أقنع الناس في إلفه وتقنعه العلقة، وتشبعه الحزة، وكان أقوى الناس على الوطء، وقال القاضي عياض النكاح متفق على التمدح بكثرته والفخر بوفوره شرعا وعادة، فإنه دليل الكمال وصحة الذكور به، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمدح به سيرة ماضية وأما في الشرع فسنة مأثورة، حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد، وسأل بلال بن أبي


(1) ذكره الحافظ في المطالب (1567) يراجع السند. (2) أخرجه الترمذي (2536) وانظر تفسير ابن كثير 8 / 11. (*)

[ 76 ]

بردة محمد بن واسع: ما بال القرى أغلم الناس ؟ قال: لا نهم لا يزنون، رواه ثعلب في " أماليه ". وقيل لرقية بن مسلمة ما بال القرى أكثر شئ نهمة وأكثر شئ غلمة ؟ قال: أما النهمة فإنهم يصومون، وأما الغلمة فإنهم لا يزنون. وقال الغزالي: أنكر بعض الناس حال الصوفية، فقال له بعض ذوي الدين: ما الذي تنكر منهم ؟ قال: يأكلون كثيرا، قال: وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لاكلت كما يأكلون، قال: ينكحون كثيرا، قال: وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كثيرا كما ينكحون. وقال الجنيد: يقول ولن يحتاج إلى النكاح كما يحتاج إلى القوت ؟ قلت: فالزوجة على التحقيق سبب طهارة القلب. السادس: في بيان غريب ما سبق: المتقنع - بميم مضمومة ففوقية فقاف مفتوحتين فنون فعين مهملة - الذي يتغشى بثوب. الخلاء - بخاء معجمة فلام مفتوحتين فألف ممدودة - المراد به ها هنا قضاء الحاجة. العورة - بعين مهملة مفتوحة فواو ساكنة فراء فتاء تأنيث - كل ما يستحى منه إذا ذكر. الوقار - بواو مفتوحة فقاف فألف فراء - الحلم والرزانة. السكينة - بسين مهملة مفتوحة فكاف مكسورة فتحتية فنون فتاء تأنيث - والمراد به ها هنا الوقار والسكون. الجماع - بجيم مكسورة فميم فألف فعين مهملة: المراد به ها هنا الوطء وأصله ما جمع عددا. البطش - بموحدة مفتوحة فطاء ساكنة فشين معجمة، الاخذ القوي الشديد. البضع - بموحدة مكسورة فضاد معجمة ساكنة فعين مهملة: من العدد ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة وهو المراد هنا، وبضم الموحدة: يطلق على النكاح والعقد معا وقيل: الفرج، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 77 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الصيد والذبائح الباب الاول في آدابه - صلى الله عليه وسلم - في الذبائح وما أرشد إليه منها روى أبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة (1)، وروي عن عبد الرحمن بن سابط - رحمه الله تعالى - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، ورواه أبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه -، وعن أبي الزبير عنه (2). وروي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بغلام يذبح شاة وما يحسن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم... وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: أفلا قتل هذا أتريد أن تميتها ميتتين (3). وروى ابن ماجه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح أضحية بيده واضعا قدمه على صفاحها (4). وروى الامام أحمد برجال الصحيح عن رجل من الانصار - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجع أضحيته ليذبحها، فقال له: أعني على ضحيتي فأعانه (5). وروي عن النعمان بن أبي فاطمة أنه اشترى كبشا أقرن أعين وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال كأن هذا الكبش الذي ذبح إبراهيم فعمد رجل من الانصار فاشترى للنبي صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فضحى به (6).


(1) أبو داود (3747). (2) أبو داود (1 / 549) (1767). (3) انظر المجمع 4 / 33 والبيهقي في السنن الكبرى 9 / 280. (4) أخرجه ابن ماجه 2 / 1054 (3155). (5) أخرجه أحمد 5 / 373 والمجمع 4 / 25 وفتح الباري 10 / 19. (6) انظر المجمع 4 / 23. (*)

[ 78 ]

الباب الثاني في صيد البر والبحر والسهم والحيوان روى ابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وابن أبي شيبة، وابن ماجه عن أبي هريرة وعبد الرزاق عن أنس وعن سليمان بن موسى مرسلا وعن يحيى بن أبي كثير بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البحر زكي وماؤه طهور "، وفي لفظ " البحر طهور ماؤه حلال ميتته " وفي لفظ " الطهور ماؤه الحل ميتته " (1). وروى أبو داود وضعفه ابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الجراد من صيد البحر (2). وروى ابن ماجه عن أنس وجابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، الجراد نثرة الحوت في البحر (3). وروى أبو يعلى عن القاسم بن مخول البهزي، قال: سمعت أبي يقول: نصبت حبائل لي بالابواء، فوقع في حبل منها ظبي، فأفلت بالحبل فخرجت أقفوه، فإذا رجل قد سبقني إليه، فأخذه فاختصمنا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالابواء تحت شجرة يستظل بنطع، فجعله صلى الله عليه وسلم بيننا نصفين فقلت هذا حبلي في رجله يا رسول الله، قال: هو ذاك (4). وروى الشيخان عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل، فكل وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر، قال: فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر " (5). وروى الامام أحمد والخمسة والنسائي عن أبي قعلبة الخشيني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت وسميت، فكل مما أمسكه عليك كلبك المعلم وإن قتل، وإن أرسلت كلبك الذي بمكلب وأدركت ذكاته فكل وكل ما رد عليك سهمك وإن قتل وسم الله (6).


(1) أخرجه مالك في الموطأ 1 / 22 (12) والشافي في الام 1 / 3 وأحمد في المسند 2 / 361 والدارمي 1 / 185 وأبو داود 1 / 64 (83) والترمذي 1 / 100 (69) والنسائي 1 / 50 وابن ماجه 1 / 136 (386). (2) أخرجه أبو داود (1853) والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 207 والعقيلي في الضعفاء 4 / 384. (3) أخرجه ابن ماجه 2 / 1073 (3221). (4) انظر المجمع 4 / 164، 5 / 201، 9 / 56 والبيهفي في الدلائل 6 / 390 والسيوطي في الدر 6 / 180. (5) أخرجه البخاري 1 / 279 (175، 5483، 5484، 5486) ومسلم 3 / 1531 (6 / 1929). (6) أحمد 4 / 195، 377، 380 النسائي 7 / 182، 183 والحديث في الصحيحين البخاري (5478) ومسلم 3 / 1532 (8 / 1930). (*)

[ 79 ]

وروى الستة عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسلت الكلب وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك وإن قتل إلا أن يكون الكلب أكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل (1). وروى مسلم والنسائي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميته بسهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا اثر سهمك فكل إن شئت وإن وجدته غرقا في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك (2). وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسلت كلبك فأكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه وإن أرسلته وقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسك على صاحبه. وروى مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عدي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رميت الصيد بسهمك وغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن (3).


(1) أخرجه البخاري (175، 5483، 5484، 5486) ومسلم 3 / 1531 (6 / 1929). (2) أخرجه مسلم 3 / 1531 (6، 7 / 715) والنسائي الصيد (18). (3) مسلم 3 / 1523 (8 / 1930). (*)

[ 80 ]

الباب الثالث في إباحته - صلى الله عليه وسلم - اقتناء كلب الصيد والحراسة روى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضار نقص من عمله كل يوم قيراطان " (1). وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط " (2).


(1) لم يذكر المصنف تحت هذا الباب شيئا وذكرنا هذه تتميما للفائدة والحديث أخرجه البخاري 9 / 608 (5480) ومسلم 3 / 1201 (50 / 1574). (2) أخرجه البخاري 5 / 5 (2322) ومسلم 3 / 1203 (58 / 1575). (*)

[ 81 ]

الباب الرابع فيما أباح - صلى الله عليه وسلم - قتله من الحيوانات وما نهى عن قتله وروى الحاكم والطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة " (1). وروى الامام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات ذو الطفيتين والابتر فإنهما يطمسان البصر ويستسقطان الحمل " (2). وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا ذا الطفيتين، فإنه يطمس البصر ويصيب الحبل (3). وروى الطبراني عن إبراهيم بن جرير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات كلها من تركها خشية ثأرها فليس منا " (4). وروى مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات والكلاب واقتلوا ذا الطفيتين والابتر، فإنهما يلتمسان البصر ويستسقطان الحبالى " (5). وروى ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الاسودين في الصلاة، الحية والعقرب " (6). وروى أبو داود والنسائي عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني " (7). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الوزع ولو في جوف الكعبة " (8).


(1) أخرجه أحمد في الزهد 295 والحاكم 4 / 270 والبيهقي 7 / 272 والعقيلي في الضعفاء 1 / 4 170 / 340 وانظر نصب الراية 2 / 100، 3 / 62. (2) أخرجه البخاري 6 / 347 (3297، 3298) ومسلم 4 / 1752 (128، 129 / 2233). (3) أخرجه البخاري 6 / 404 (3308). (4) الطبراني في الكبير 2 / 10 2382 / 211 وانظر المجمع 4 / 47426. (5) مسلم 4 / 1752. (6) أخرجه أبو داود (921) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (528) والحاكم 4 / 270 والعقيلي في الضعفاء 2 / 237 وانظر نصب الراية 2 / 100299. (7) أخرجه أبو داود (5249) والنسائي 6 / 51. (8) أخرجه أحمد 6 / 200 والطبراني في الكبير 11 / 202 وانظر المجمع 3 / 229، 4 / 47. (*)

[ 82 ]

وروى الطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات فمن وجد ذا الطفيتين والابتر فمن لم يقتلهما فليس منا، فإنهما اللذان يخطفان البصر ويسقطان ما في بطون النساء " (1). وروى الطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات فإنا ما سالمناهن منذ حاربناهن " (2). وروى الحاكم والطبراني عن سراء بنت نبهان الغنوية - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها "، قال: " قال من قتلها من أمتي كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا " (3). وروى عبد الرزاق عن الحسن مرسلا - رحمه الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اقتلوا الحية والعقرب على كل حال " (4).


(1) المجمع 4 / 46 انظر كنز العمال (40026). (2) انظر كنز العمال (4005) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 50 من رواية الطبراني عن أبي هريرة. (3) الطبراني في الكبير 5 / 20، 81 وانظر كنز العمال (40010). (4) انظر نصب الراية 2 / 32100 / 62. (*)

[ 83 ]

الباب الخامس في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الهدي وفيه أنواع: الاول: في إشعاره صلى الله عليه وسلم وتقليده هديه وما أهداه: وروى الامامان الشافعي وأحمد ومسلم والاربعة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا في حجة الوداع بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الايمن، وسلت الدم عنها بيده، وفي لفظ بأصبعه وقلدها نعلين (1). وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى البيت غنما فقلدها (2). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية هدية فيها جمل أحمر لابي جهل في أنفه برة من فضة ليغيط بذلك المشركين (3). وروى الامام أحمد برجال ثقات عن جابر - رضي الله عنه - قال: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم غنما (4). وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علينا يوم النحر في حجة الوداع بلحم بقر فقلت ما هذا ؟ فقيل: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر (5). وروى مسلم والامام أحمد والترمذي عن جابر - رضي الله عنه - قال: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة بقر يوم النحر (6). وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي عن عائشة ومسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى وفي لفظ نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة (7).


(1) أخرجه مسلم 2 / 912 (205 / 1243). (2) البخاري 3 / 547 (1701) ومسلم 2 / 958 (367). (3) أخرجه أبو داود 2 / 360 (1749) وأحمد 1 / 234، 261، 269، 273 وابن ماجه 2 / 1035 (3100). (4) تقدم. (5) تقدم. (6) أخرجه مسلم 2 / 956 (356 / 1319). (7) تقدم. (*)

[ 84 ]

وروى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن (1). وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها، ثم بعث بها إلى البيت ثم أقام بالمدينة فما حرم عليه شئ كان له حلال (2). وروى الشيخان عنها - رضي الله تعالى عنها - قالت: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ أحله الله له حتى نحر الهدي (3). وروى ابن ماجه والترمذي وصحح وقفه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى هديه من قديد (4). الثاني: في أمره صلى الله عليه وسلم بركوب الهدي: يروي الامامان مالك وأحمد عن أبي هريرة والستة إلا أبا داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، قال: اركبها ثلاثا، وقال في الثالثة أو الرابعة: اركبها ويلك أو قال ويحك، قال أبو هريرة: فلقد رأيته راكبها يساير بها النبي صلى الله عليه وسلم (5). الثالث: في سيرته صلى الله عليه وسلم فيما يقطعه من الهدي ومن كان على هديه زاده الله تعالى شرفا وفضلا: وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ست عشرة بدنة من بدنه مع رجل سماه في رواية أبي ذؤيب " أبا قبيصة " وفي لفظ كان يبعث بالبدن، ثم يقول: إن عطب منها شئ، فخشيت عليها موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها ولا تطعمها أنت، وفي رواية ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك (6).


(1) تقدم. (2) أخرجه البخاري 3 / 542 (1696) ومسلم (2 / 362 957 / 1321). (3) أخرجه البخاري (1700) ومسلم 2 / 959 (369 / 1321). (4) أخرجه الترمذي 3 / 251 (907) وابن ماجه 2 / 1035 (3102). (5) أخرجه البخاري 3 / 536 (1689) ومسلم (2 / 960) (371 / 1322). (6) أخرجه مسلم 2 / 962 (377 / 1325). (*)

[ 85 ]

وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه عن ناجية الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - وفي لفظ: وكان صاحب بدن وفي لفظ: هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: كيف أصنع بما عطب من البدن ؟ قال: انحرها واغمس نعلها في دمها، واضرب به صفحتها، وخل بين الناس وبينها فليأكلوها (1). وروى الامام أحمد والاربعة عن ناجية الاسلمي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي، فقال: إن عطب فانحره ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس، وروى الامام أحمد عن عمرو بن خارجة الثمالي - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم معي هديا وقال: إذا عطب منها شئ فانحره، ثم اضرب نعله في دمه، ثم اضرب به صفحته ولا تأكل أنت ولا أهل رفقتك (2). الرابع: في إرساله صلى الله عليه وسلم الهدي وهو مقيم بالمدينة: وروى الامامان مالك وأحمد والستة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأقتل قلائد هديه من عهن كان عندنا، ولا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم يأتي ما يأتي الحلال من أهله (3). وروى الامام أحمد برجال ثقات والبزار عن جابر والامام أحمد برجال الصحيح عن عطاء بن يسار عن نفر من بني أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا فقد، ولفي لفظ عطاء: " فشق " قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، قال جابر فينظر القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر اليوم على ماء كذا وكذا، فلبست قميصا ونسيت فلم أكن أخرج قميصي من رأسي وكان بعث ببدنة وأقام ". الخامس: في نحره صلى الله عليه وسلم بيده (4): وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أهدى مائة بدنة ينحر منها ثلاثين بدن بيده، ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها، وقال: اقسم لحومها وجلالها وجلودها بين الناس ولا تعطين جزارا منها شيئا، وخذ لنا من كل بعير


(1) أخرجه أحمد 4 / 334 والترمذي 3 / 253 (910) وابن ماجه 2 / 1036 (3106) ومن حديث ناجية الاسلمي الدارمي 2 / 65 وأبو داود (2 / 368) (1762) ومالك مرسلا في الموطأ 1 / 380 (148). (2) الطبراني في الكبير 42 17 / 272 4 وانظر التلخيص 2 / 293. (3) البخاري 3 / 548 (1705) ومسلم 2 / 958 (364 / 1321). (4) أخرجه الطحاوي في معاني الاثار 2 / 138، 264 وأحمد 3 / 400 وانظر المجمع 3 / 227. (*)

[ 86 ]

حذية من لحم، ثم اجعلها في قدر واحدة، حتى نأكل منها ونحسو من مرقها ففعل (1). وروى أبو داود عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نحر بدنا نحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الاشعار: تقدم. صفحة السنام: (هي جانبه). البرة بموحدة مضمومة فراء مفتوحة فتاء تأنيث: حلقة تجعل في لحم الانف، وربما كان من شعر. العهن - بعين مهملة مكسورة ساكنة فنون - الصوف. البدن - بموحدة مضمومة فدال مهملة ساكنة فنون -: جمع بدنة وهي العظيمة من الابل. قديد: كزبير اسم موضع (بين مكة والمدينة).


(1) أخرجه أحمد 1 / 260 والطبراني في الكبير 11 / 95 وانظر المجمع 3 / 225 وأصله في الصحيحين البخاري 3 / 556 (1717) ومسلم 2 / 954 (348 / 1317). (*)

[ 87 ]

الباب السادس في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الاضحية وفيه أنواع: الاول: في مداومته صلى الله عليه وسلم على فعلها وحثه عليها: روى الترمذي وصححه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي (1)، (ورواه ابن سعد بلفظ: قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي) كل عام ولا يحلق ولا يقصر. وروى الامام أحمد وابن ماجه والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا (2). وروى البخاري عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب، ومن ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم عجله لاهله ليس من النسك في شئ (3). الثاني: فيما ضحى به صلى الله عليه وسلم وما استحبه في صفاتها: روى الامام أحمد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين هذا ضحى عني وعمن لم يضح من أمتي فرأيته واضعا قدمه على صفاحها يسمي ويكبر فذبحهما بيده. وروى الامام والبيهقي عن أنس - رضي الله عنه - قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين. وروى الاربعة وصححه الترمذي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبش أقرن فجعل ينظر في سواد ويأكل في سواد ويمشي في سواد (4). وروى الامام أحمد عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أجدعين موجوءين (5).


(1) أخرجه الترمذي 4 / 78 (1507). (2) أخرجه ابن ماجه (3133) والخطيب في التاريخ 8 / 338 وانظر نصب الراية 4 / 207. (3) أخرجه البخاري 2 / 456 (968) ومسلم 3 / 1553 (7 / 1961). (4) أخرجه أبو داود 3 / 231 (2796) والترمذي 4 / 85 (1496) والنسائي 7 / 220 وابن ماجه 2 / 1046 (3128). (5) أخرجه من حديث جابر أحمد 3 / 375. (*)

[ 88 ]

وروى ابن أبي شيبة والامام أحمد وأبو يعلى عنه قال: أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كبشان أملحان أجدعان فضحى بهما (3). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دم عفراء أحب إلى الله تعالى من دم سوداوين (4). وروى الطبراني بسند جيد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف بين نسائه في بقرة في الاضحى (5). وروى البيهقي من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالمدينة بالجزور أحيانا وبالكبش إذا لم يجد جزورا (6). وروى الطبراني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين أحدهما عنه وعن أهل بيته والاخر عنه وعن من لم يضح من أمته (7). وروى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين أملحين يضع رجله على صفاحهما، إذا أراد أن يذبح، ويقول: " اللهم منك ولك اللهم تقبل من محمد، وأمته " (8). الثالث: فيما كرهه صلى الله عليه وسلم من صفاتها: وروى عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: " أربع لا تجوز في الاضاحي: العوراء بين عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ظلعها، والكسير التي لا تنقي ". قال: فإني أكره أن يكون في السن نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد (9).


(3) ابن عدي في الكامل 7 / 2543. (4) أخرجه أحمد 2 / 417 والحاكم 4 / 227 والبيهقي 9 / 273 وانظر المجمع 4 / 18 والتلخيص 4 / 142 والبخاري في التاريخ 4 / 198. (5) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 23 وقال رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وحديث حسن. (6) البيهقي 9 / 272 وابن عدي 4 / 1482. (7) انظر المجمع 4 / 25. (8) أخرجه أبو داود (2794) وابن ماجه (3120، 3121) والبيهقي وانظر مجمع الزوائد 4 / 23، 360. (9) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 482 (1) وأحمد 4 / 289 والدارمي 2 / 76 وأبو داود 3 / 235 (2802) والترمذي 4 / 85 (1497) والنسائي 7 / 214 وابن ماجه 2 / 1050 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 258 (1046). (*)

[ 89 ]

الرابع: في أي مكان كان صلى الله عليه وسلم يذبح أضحيته وبيانه لوقتها: روى البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذبح أضحيته ويبين وقتها ولفظ البخاري: كان يذبح وينحر بالمصلى (1). وروى الامام أحمد والترمذي والدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الاضحية بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل عن منبره فأتى بكبش، فذبحه بيده، وقال " بسم الله، والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " (2). وروى ابن ماجه عن سعد القرظي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح أضحيته عند الزقاق طريق بني زريق بيده بشفرة (3). الخامس: في أكله صلى الله عليه وسلم من الاضحية بعد ثلاث وترخيصه في ذلك: روى الشيخان والنسائي عن عياش بن ربيعة قال: قلت لعائشة - رضي الله عنها - أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤكل لحوم الاضاحي فوق ثلاث، قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني والفقير، وإن كنا لنرفع الكراع فنأكل بعد خمسة عشر ليلة، قلت: وما اضطركم إليه، فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد من خبز ما دون ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل (4). السادس: في وصيته صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه يضحي عنه بعد موته: روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن حسن - رحمه الله تعالى - قال: رأيت عليا - رضي الله تعالى عنه - ضحى بكبشين، وقال: أحدهما عني والاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: ما هذا ؟ فقال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضحي عنه (5). وروى ابن أبي شيبة عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضحي عنه بكبشين فأنا أفعله.


(1) أخرجه البخاري 2 / 471 (982). (2) أخرجه أبو داود (2، 5) والدارقطني 544 وأحمد 3 / 362. (3) أخرجه ابن ماجه 2 / 1054 (3156). (4) تقدم. (5) أحمد 1 / 150. (*)

[ 90 ]

السابع: في تضحيته صلى الله عليه وسلم عن أمته: روى ابن ماجه وعبد الرزاق عن عائشة أو أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين سمينين عظيمين أقرنين أملحين موجوءين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد له بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ وذبح الاخر عن محمد وعن آل محمد (1). وروى أبو يعلى وابن أبي شيبة والطبراني عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين، فقال عند ذبح الاول: عن محمد وآل محمد، وقال عند ذبح الثاني: عن من آمن بي وصدقني من أمتي (2). وروى أبو يعلى والامام أحمد والحاكم بسند حسن عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين موجوءين خصيين، فإذا صلى وخطب أتى بأحدهما وهو في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدينة، قال اللهم هذا عن أمتي لمن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالثاني وهو في المصلى، فيذبحه بنفسه ثم يقول: اللهم هذا عن محمد وآل بيته فيطعمها جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما (3). وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بكبشين أملحين أقرنين عظيمين موجوءين فأضجع أحدهما، فقال: بسم الله، والله أكبر (اللهم هذا عن محمد وآل محمد ثم اضجع الاخر فقال: بسم الله والله أكبر عن محمد وأمته من شهد له بالتوحيد ولي بالبلاغ (4)) (5). وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرب كبشين أملحين فيذبح أحدهما فيقول: اللهم إن هذا عن أمتي لمن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ. ثم اضجع الاخر فقال: بسم الله، اللهم منك وإليك، هذا عن محمد وآل بيته، وقرب الاخر وقال: بسم الله، اللهم منك وبك، هذا عمن وحدك من أمتي (6). وروى أبو يعلى والطبراني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى


(1) أخرجه ابن ماجه (3122) وأحمد 6 / 225 وانظر فتح الباري 10 / 10. (2) انظر المجمع 4 / 22. (3) أخرجه البيهقي 9 / 256 وانظر المجمع 4 / 23. (4) انظر المجمع 4 / 25. (5) سقط في أ. (6) بنحوه أخرجه أحمد 3 / 356، 392 وانظر المجمع 4 / 26. (*)

[ 91 ]

بكبشين أقرنين أملحين فقرب أحدهما فقال: بسم الله اللهم منك وإليك هذا عن من وحدك من أمتي (1). الثامن في تفريقه صلى الله عليه وسلم الضحايا على أصحابه وشرائه هديه في الطريق واستقامته على ضحيته: وروى الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ضحايا، وفي لفظ: إنه أعطاه غنما يقسمها على صحابته فبقي عتود، وفي لفظ جذع، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به أنت (2). وروى الامام أحمد وأبو داود عن زيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنه - قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ضحايا فأعطاني عتودا جذعا من المعز فجئته به، فقلت: يا رسول الله، جذع، فقال ضح به أنت فضحيت به (3). وروى الترمذي عن أبي بكرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حزيمة من الغنم فقسمها فينا. وروى الامام أحمد برجال الصحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنما يوم النحر في أصحابه، وقال: اذبحوا لعمرتكم، فإنها تجزئ عنكم فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا (4). وروى الطبراني برجال الصحيح عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى سعد بن أبي وقاص بغنم فقسمها بين أصحابه، وكانوا يتمتعون فنقى منها تيسا فضحى به سعد في تمتعه (5). وروى الطبراني عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى سعد بن أبي وقاص جذعا من المعز وأمره أن يضحي به (6). روى الامام أحمد برجال الصحيح عن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنحر هو ورجل من الانصار فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحايا فلم يصبه ولا صحابه شئ، وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه وأعطاه فقسم منه على رجاله وقلم أظفاره،


(1) أخرجه أبو يعلى 5 / 427 (363 / 3118). (2) أخرجه البخاري 10 / 9 (5555) (5547) ومسلم 3 / 1556 (15، 16 / 1965). (3) انظر التخريج السابق وأبو داود (2 / 105) (2798). (4) انظر المجمع (3 / 226) ورجاله رجال الصحيح. (5) المجمع (4 / 22) ورجاله رجال الصحيح. (6) المجمع (4 / 23). (*)

[ 92 ]

فأعطى صاحبه من شعره وإنه عندنا لمخضوب بالحناء والكتم (1). وروى ابن ماجه والترمذي وصحح وقفه على ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى هديه من قديد. وروى الامام أحمد والطبراني برجال الصحيح عن أبي الخير عن رجل من الانصار - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجع أضحية ليذبحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل أعني على أضحيتي، فأعانه (2). تنبيهات الاول: اختلف في اختيار الصفة في الاحاديث السابقة قيل لحسن منظره وقيل لشحمه وكثرة لحمه. الثاني: المراد بقوله في حديث البراء فقد فعل سنتنا، السنة: الطريقة لا السنة التي تقابل الوجوب، والطريقة أعم من أن تكون للندب أو الوجوب، فإذا لم يقم دليل على الوجوب بقي الندب. الثالث: في بيان غريب ما سبق: الاملح، بالمهملة: الذي فيه سواد وبياض، والبياض أكثر، ويقال هو الاغبر، وهو قول الاصمعي، وزاد الخطابي: هو الابيض الذي في قلال صوفه طاقان سود، ويقال: الابيض الخالص. الكبش الموجوء - بضم الجيم والهمز: منزوع الانثيين والوجا: الخصا. الجذع - بجيم فذال معجمة مفتوحتين فعين مهملة - من الابل: ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز: ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة والضأن بما أوفى سنة، وقيل أقل منها، ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير. العتود - بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية فواو فدال مهملة: هو الصغير من ولد الماعز. التيس: (الذكر من المعز).


(1) المجمع (4 / 22). (2) أخرجه أحمد 5 / 373 وانظر المجمع 4 / 25 وقد تقدم. (*)

[ 93 ]

الباب السابع في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة وفيه أنواع: الاول: كراهيته صلى الله عليه وسلم اسم العقيقة إن صح الخبر: روى الامامان مالك وأحمد عن زيد بن أسلم - رحمه الله تعالى - عن رجل من بني ضمرة عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال: لا أحب العقوق وكأنه كره الاسم، وقال: من ولد له مولود وأحب أن ينسك عنه فليفعل (1). الثاني: في عقه صلى الله عليه وسلم نفسه: روى أبو يعلى والترمذي والبزار والطبراني (2) برجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة، وشيخ الطبراني أحمد بن مسعود الخياط المقدسي فيحرر رجاله عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما بعث نبيا (3). الثالث: في عقه صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين ومحسن - رضي الله تعالى عنهم -: روى أبو يعلى والطبراني برجال الصحيح عن أنس عن علي وعن بريدة، وأبو يعلى والطبراني عن جابر، وأبو يعلى برجال الصحيح خلا شيخه إسحاق وابن أبي شيبة وأبو يعلى والامام أحمد بإسناد حسن عن جابر والطبراني بسند جيد من طريق آخر عنه وأبو داود وابن أبي شيبة والامام أحمد وأبو يعلى والنسائي في الكبرى عن بريدة بن الحصيب وأبو يعلى والبزار بسند صحيح عن أنس بن مالك والنسائي عن أبي عباس والحاكم عن ابن عمر وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عائشة وابن أبي شيبة وأحمد عن ابن رافع - رضي الله عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين، قالت عائشة وابن عباس: بكبشين مثليين متكافئين، زادت عائشة، كما عند ابن أبي شيبة: يوم السابع وأمر أن يماط عن رؤوسهما الاذى، وقال: اذبحوا على اسمه، وقولوا: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك هذه عقيقة فلان، وكانوا في الجاهلية تؤخذ قطنة، فتجعل في دم العقيقة ثم توضع على رأسه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكان الدم خلوقا، قال أبو رافع: لما ولدت فاطمة حسنا قالت: لا أعق عن ابني بدم، قال: لا، لكن احلقي رأسه، ثم تصدقي بوزنه من وزن في سبيل الله.


(1) أخرجه أحمد 2 / 52194 / 430369 والطحاوي في المشكل 1 / 461 وابن أبي شيبة 8 / 50 وابن عبد البر في التمهيد 4 / 304، 317 والحاكم 4 / 238 والبيهقي 9 / 312. (2) سقط في ج. (3) انظر المجمع (4 / 59). (*)

[ 94 ]

زاد الطبراني عن جابر وختنهما لسبعة أيام (1). وروى الطبراني عن طريق عطية العوفي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: أما حسن وحسين ومحسن فإنما أسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعق عنهم وحلق رؤوسهم، وتصدق عنهم بوزنها وأمر بهم فسروا وختنوا (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العقيقة: نسك (يماط). الختن - بخاء معجمة مفتوحة فمثناة فوقية ساكنة فنون قطع الجلدة الساترة للحشفة وهي على رأس الذكر.


(1) المجمع (4 / 60) وابن عبد البر في التمهيد 4 / 314 وابن أبي شيبة 8 / 46، 47، 14 / 222 والنسائي 7 / 166 وأبو داود (2841) والبيهقي 9 / 299 وانظر المجمع 4 / 57، 58، 59. (2) المجمع (4 / 62). (*)

[ 95 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الايمان والنذور الباب الاول في ألفاظ حلف بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيره بها وتحذيره - صلى الله عليه وسلم - الحالف من اليمين الفاجرة، وألفاظ حلف هو بها وما نهى عن الحلف به وفيه أنواع: الاول: في ألفاظ حلف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره بها: روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل، احلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عندك شئ يعني للمدعي (1). وروي عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رجاله من علماء اليهود، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى - صلى الله عليه وسلم - الحديث (2). الثاني: في تحذيره صلى الله عليه وسلم من اليمين الفاجرة: روى الامام أحمد وأبو داود عن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين كاذبة مصبورة متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (3). الثالث: فيما كان صلى الله عليه وسلم يحلف به: روى الامام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلف، لا، ومقلب القلوب، ولفظ ابن ماجه والنسائي لا ومفرق القلوب (4). وروى الامام أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول


(1) أخرجه البيهقي 10 / 180 والطحاوي في المشكل 1 / 184 وأبو داود 3621 وعبد الرزاق 15924 (3، 1327 / 1700). (2) أخرجه مسلم في كتاب الحدود باب (6) وأحمد 5 / 411 وابن ماجه (2558) والبيهقي 8 / 246 وانظر المجمع 8 / 234. (3) أخرجه أبو داود في كتاب النذور باب (1) وابن أبي شيبة 7 / 5 وأبو نعيم في الحلية 6 / 277 والطبراني في الصغير 1 / 56 والحاكم 4 / 294. (4) أخرجه البخاري 13 / 513 (7391). (*)

[ 96 ]

الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اجتهد في اليمين، قال: لا، والذي نفس أبي القاسم بيده (1). وروى أبو داود وابن ماجه عن رفاعة الجهني قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلف قال: والذي نفس محمد بيده (2). وروى أبو داود وابن ماجه قال: كان يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا، واستغفر الله. ورواه الامام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - (3). وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أمة محمد، والله لو تعلمون، ما أعلم، لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا " (4). وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، وأمر عليهم أسامة، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل وايم الله، إن كان لخليفا للامارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي من بعده (5). الرابع: فيما نهى عن الحلف به: روى الامام أحمد والشيخان والثلاثة عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني أنهاكم أن تحلفوا بآبائكم " (6). ورواه ابن ماجه، ولفظه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف بأبيه، فقال: " لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله، فليرض ومن لم يرض بالله فليس من الله " (7). وروى الامام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم (8).


(1) أخرجه أحمد 3 / 48 وأبو داود 3 / 577 (3264). (2) أخرجه أبو داود 3 / 577 (3264). (3) أحمد 2 / 288 وأبو داود 3 / 577 (32665) وابن ماجه 1 / 677 (2093). (4) تقدم. (5) أخرجه البخاري 7 / 86 (3730) ومسلم 4 / 1884 (63 / 2426). (6) أخرجه البخاري 11 / 530 (6646) ومسلم 3 / 1266 (3 / 1646) وعبد الرزاق (15925) وأحمد 1 / 17، 19، 20. (7) أخرجه ابن ماجه 2101. (8) أخرجه مسلم 3 / 1268 (6 / 1648) وأخرجه ابن ماجه (2095) والنسائي في الايمان والنذور باب (10). (*)

[ 97 ]

وروى الامام أحمد وأبو داود عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف بالامانة فليس منا " (1). وروى الامام أحمد والستة عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على ملة سوى الاسلام كاذبا وفي لفظ: متعمدا فهو كما قال " (2). وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف فقال إني برئ من الاسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يرجع إلى الاسلام سالما " (3). وروى ابن ماجه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: أنا إذا يهودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت (4). تنبيهات الاول: قال في (زاد المعاد): حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله تعالى بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق) (يونس / 53) وقال تبارك وتعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير) (التغابن / 7)، وقال عز وجل: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا، قل بلى وربي لتأتينكم) (سبأ / 3)، وكان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة ويمضي فيها تارة. الثاني: روى أبو داود في قصة الاعرابي، قال صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه (5)، إن صدق قال العلماء قال السهيلي - رحمه الله -: رب كلمة ترك أصلها، واستعملت كالمثل في ما وضعت له، كما إذا جاؤوا بلفظ القسم إذا أرادوا تعجبا واستعظاما لامر، ومحال أن يقصد صلى الله عليه وسلم القسم بغير الله


(1) أخرجه أحمد 5 / 352 وأبو داود 3 / 571 (3253) والبيهقي 10 / 30 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1318). (2) اخرجه البخاري 10 / 464 (6047) ومسلم 1 / 104 (176 / 110). (3) أخرجه أحمد 5 / 355 وأبو داود 3 / 574 (3258) والنسائي 7 / 6 وابن ماجه 1 / 679 (2100). (4) أخرجه ابن ماجه (2099) وأحمد 1 / 22، 54، 466، 2 / 261، 3 / 197 وابن أبي شيبة 3 / 367 والطبراني في الكبير 7 / 25 وأبو نعيم في الحلبة 2 / 197. (5) أخرجه أبو داود (392، 3252) وهو عند البخاري ومسلم والنسائي 1 / 228، 8 / 119 وابن خزيمة (306) وانظر تلخيص الجبير 4 / 168. (*)

[ 98 ]

تعالى، ولا سيما برجل مات على الكفر وإنما هو تعجب من قول الاعرابي، والمتعجب منه مستعظم، ولفظ القسم في أصل وضعه لما يعظم فاتسع في اللفظة حتى قيل على هذا الوجه، وقال الشاعر: فإن تلك ليلى استودعتني أمانة فلا وأبي أعدائها لا أخونها لم يرد أن يقسم بأبي أعدائها، ولكنه ضرب من التعجب قال: وقد ذهب إليه أكثر شراح الحديث. الثالث: في بيان غريب ما سبق: أنشدك بالله، - بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فمعجمة مفتوحة ودال: أسألك. فليتبوأ - بتحتية ففوقية فموحدة فواو مفتوحات فهمزة ساكنة - يلتزم. ايم الله خليقا - بخاء معجمة مفتوحة فلام فتحتية فقاف - جدير وحقيق. الطواغي - بطاء مهملة فواو مفتوحتين فألف فغين معجمة -: جمع طاغية، وهو ما كانوا يعبدونه من الاصنام ونحوها. الملة - بميم مكسورة فلام مفوحة فتاء تأنيث -: الدين كملة الاسلام واليهودية والنصارنية، وقيل: هو معظم الدين وجملة ما يجئ به الرسل.

[ 99 ]

الباب الثاني في استثنائه - صلى الله عليه وسلم - في يمينه ونقضه يمينه ورجوعه عنها وكفارته وفيه نوعان: الاول: في استثنائه صلى الله عليه وسلم في يمينه: روى أبو داود والطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما " والله، لاغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله "، ثم قال: " والله لا غزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله " (1). وروي عن أبي موسى الاشعري - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الاشعريين (2). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نيست) (الكهف: 24) الاستثناء فاستثنى إذا ذكرت، قال: هي خاصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لاحدنا أن يستثنى إلا في صلة يمينه. الثاني: في أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حلف على يمين فرأى خيرا منها كفر عن يمينه وأتى التي هي خير: وروى البزار والامام أحمد ورجاله ثقات عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أبا موسى استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق منه شغلا، فقال: والله، لا أحملك، فلما قفا، دعاه فحمله، فقال: يا رسول الله، إنك حلفت ألا تحملني، قال: فأنا أحلف لاحملنك (3). وروى الطبراني عن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستحمله في نفر من قومي، قال: والله، لا أحملك والله ما عندي ما أحملك عليه، مرتين، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحمال غر الذرى، فأرسل إلينا فحملنا، فلما مضينا قلت لاصحابي: ما أراه مبارك لنا فيها، قد حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحملنا، ثم حملنا، فرجعنا


(1) أخرجه أبو داود الايمان والنذور (2 / 250) رقم (3286). (2) أخرجه البخاري 11 / 60 (6718) ومسلم (3 / 1269، 7 / 1649) " في ما أنا حملتكم بل الله حملكم إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ". (3) أحمد 3 / 108، 435. (*)

[ 100 ]

إليه، فأخبرناه يمينه، فقال: لم أنس يميني، ولكني إذا حلفت فرأيت غيرها خيرا منها فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الرهط - براء مفتوحة فهاء ساكنة فطاء مهملة -: من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الاربعين، ولا يكون فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه. قفا: - بقاف ففاء مشددة - ذهب. غر - بغين معجمة مضمومة فراء - أبيض سمان. الذرى - بذال معجمة فراء: جمع ذروة، وهي أعلى السنام أي بيض الاسنمة سمانها.


(1) الطبراني في الكبير 18 / 158 والمجمع 8 / 184. (*)

[ 101 ]

الباب الثالث في آداب جامعة تتعلق بالايمان وفيه أنواع: الاول: في حكمه صلى الله عليه وسلم في النية في اليمين وأنها على نية الحلف: روى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يمينك على ما يصدقك عليك صاحبك (1)، ولمسلم وابن ماجه: اليمين على نية المستحلف، زاد ابن ماجه إنما اليمين (2). الثاني: في أمره صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم: وروى الامام أحمد برجال الصحيح والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: أهدت إلي امرأة ثمرا في طبق فأكلت بعضه، فقالت: أقسمت عليك إلا أكلت بقيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بريها، فإن الاثم على المحنث " (3). وروى ابن ماجه عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم (4). وروى الطبراني عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم (5). الثالث: في حكمه صلى الله عليه وسلم أن المكره لا حنث عليه: روى البيهقي عن واثلة بن الاسقع وابن أمامة - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس على المقهور يمين (6).


(1) أخرجه مسلم 3 / 1274 (20 / 1653). (2) انظر المصدر السابق (21 / 1653). (3) أخرجه الدارقطني 4 / 143. (4) أخرجه الطحاوي في المعاني (4 / 271). (5) انظر المجمع (4 / 186). (6) الدارقطني 1 / 377 وانظر التلخيص 4 / 171. (*)

[ 102 ]

الباب الرابع في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في النذور وفيه أنواع: الاول: في نهيه صلى الله عليه وسلم عن النذور: روى الامام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذور، وقال: إنه لا يقدم شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل وفي لفظ من اللئيم (1). وروى مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج من البخيل " (2). الثاني: في سيرته صلى الله عليه وسلم في نذر الطاعات والمباحات: روى الحارث بسند ضعيف عن فاطمة بنت قيس - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا، فقال: " إن أتاني منه خبر صالح، لاحمدن الله حق حمده "، فأتاه منهم خبر صالح، فقال: " اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا "، فقال له عمر: إنك قلت لان أتاني منهم خبر صالح لاحمدن الله حق حمده، قال: قد قلت: " اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ورواه الطبراني عن كعب بن عجرة بذلك " (3). وروى الطبراني عن أنس النواس بن سمعان - رضي الله تعالى عنه - قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لئن ردها الله علي لاشكرن ربي عز وجل "، فوقعت في حي من أحياء العرب فيه امرأة مسلمة، فكانت الابل إذا سرحت سرحت متوحدة فإذا بركت الابل بركت متوحدة، واضعة بجرانها، فركبتها وقدمت بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها قال: الحمد لله، فانتظرنا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوما أو صلاة فظنوا أنه قد نسي، قالوا: يا رسول الله، إنك قلت: لئن ردها الله علي لاشكرن الله تعالى، فقال: أولم أقل: الحمد لله (4).


(1) أخرجه البخاري 11 / 508 (6608، 6692، 6693) ومسلم 3 / 1261 (2، 3، 4 / 1639) وأبو داود 3 / 231 (3287) والنسائي 7 / 16 وابن ماجه 1 / 686 (2122). (2) أخرجه مسلم (3 / 1261) (5) والترمذي (1538) والنسائي 7 / 16 وأبو نعيم في الحلبة 9 / 24 وابن أبي عاصم 1 / 137 المطالب (1746). (3) الطبراني في الكبير 19 / 145 وابن أبي الدنيا في الشكر (51) وانظر المجمع 4 / 185 والدر المنثور 1 / 12. (4) انظر المجمع 4 / 187 والسيوطي في الدر المنثور 1 / 11. (*)

[ 103 ]

وروى أبو داود عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال أوفي بنذرك (1). وروى أبو داود والامام أحمد واللفظ له عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس قريب من المقام، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله على النبي وعلى المسلمين مكة لاصلين في بيت المقدس، وإني قد وجدت رجلا من أهل الشام ههنا في نفر يمشي مقبلا معي ومدبرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل "، فقال الرجل قوله ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل "، ثم قالها الرابعة مقالته هذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فصل فيه فوالذي بعث محمدا بالحق، لو صليت ههنا لقضى عنك كل صلاة صليتها بيت المقدس " (2). الثالث في سيرته صلى الله عليه وسلم في نذر المعاصي: روى البخاري وأبو داود والدراقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر النهار، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليستظل وليقعد وليتكلم، وليتم صومه (3). وروى الائمة إلا مالكا والدراقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ويصوم ولا يفطر بنهار، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليستظل، وليقعد، وليتكلم، وليتم صومه (4). وروى الائمة إلا مالكا والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن عمر قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف يوما، وفي رواية: ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك (5). وروى الجماعة عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: نذرت أختي أن تمشي إلى البيت الحرام حافية غير مختمرة، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته، فقال:


(1) أبو داود 3 / 606 (3312) والبيهقي 10 / 77. (2) أخرجه أحمد في المسند 3 / 363 والدارمي 3 / 184 وأبو داود 3 / 602 (3305). (3) أخرجه البخاري 11 / 586 (6704). (4) أخرجه البخاري (11 / 594) (6704). (5) أخرجه البخاري 59011 (6697) ومسلم 3 / 1277 (27 / 1656) وأبو داود 3 / 42 (3325) والترمذي 4 / 99 (1539) وقال حسن صحيح. (*)

[ 104 ]

لتمش ولتركب ولتخمر ولتصم ثلاثة أيام، إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها فلتركب ولتهد بدنة. ورواه أبو داود عن ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أن أخته نذرت أن تحج إلى البيت ماشية فشكى إليه ضعفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لغني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة " (1). وروى الامام أحمد والخمسة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادي بين ابنيه، فقال: ما بال هذا ؟ قالوا نذر أن يمشي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله - عز وجل - غني عن تعذيب هذا نفسه فليركب " (2). وروى أبو داود عن ثابت بن الضحاك وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا نذر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد، قالوا لا، قال: هل كان فيها عيدا من أعيادهم، قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أوف بنذرك "، فإنه لا وفاء في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم (3). وروى الامام أحمد عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إني نذرت ناقتي وكيت وكيت، فقال: أما ناقتك فانحرها، وأما كيت وكيت فمن الشيطان ". وروى الامام أحمد والاربعة عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين " (4). وروى الامام أحمد عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى أعرابي قائما في الشمس، وهو يخطب، قال: ما شأنك ؟ قال: نذرت يا رسول الله، أن لا أزال في الشمس حتى تفرغ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس هذا بنذر، إنما النذر ما ابتغي به وجه الله " (5).


(1) أما حديث ابن عباس أخرجه أحمد في المسند 1 / 253 والدارمي 2 / 183 وأبو داود 3 / 598 (3297) وحديث عقبة بن عامر عند أحمد 4 / 149 والدارمي 2 / 183 وأبو داود (3293) والترمذي 4 / 116 (1544) والنسائي 7 / 20 وابن ماجه 1 / 689 (2134). (2) أخرجه البخاري 4 / 78 (1865) ومسلم 3 / 1263 (9 / 1642). (3) أخرجه أبو داود 3 / 607) 3313) والطبراني في الكبير 2 / 68 (1341). (4) أخرجه أحمد 6 / 247 وأبو داود 3 (595 (3292) والترمذي 4 / 103 (1525) والنسائي 7 / 26. (5) أخرجه أحمد 2 / 211 وأخرجه الخطيب في التاريخ 6 / 48. (*)

[ 105 ]

وروى الامامان الشافعي وأحمد والستة إلا مسلما عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نذر أن يطيع الله فليوف به وفي لفظ: فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يف به " (1). وروى النسائي عن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " (2). وروى الدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نذر إلا فيما أطيع الله عز وجل فيه ولا يمين في غضب ولا عتاق فيما لا يملك " (3). وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جعل لله عليه نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين " (4). وروى الامام أحمد ومسلم والنسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفارة النذر كفارة اليمين (5)، والله أعلم.


(1) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 476 (8) والبخاري 11 / 581 (6696) والدارمي 2 / 184 وأحمد 6 / 36 وأبو داود (3289) والترمذي (1526) والنسائي 7 / 17 وابن ماجه (1216) والشافعي كما في البدائع (1217) والطحاوي في المعاني 3 / 133 والمشكل 1 / 470، 3 / 37، 43. (2) أخرجه النسائي 7 / 28 وعبد الرزاق (15815) وأحمد 4 / 433 والحاكم 4 / 305 والبيهقي 10 / 70 والطحاوي في المعاني 3 / 129. (3) أخرجه الدارقطني 4 / 19، 159 والطبراني في الكبير 11 / 27 وانظر المجمع 4 / 186 ونصب الراية 3 / 278. (4) أخرجه الدارقطني 4 / 160. (5) أخرجه مسلم 3 / 1262 (8 / 1641). (*)

[ 106 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد الباب الاول في آداب متفرقة تتعلق به وفيه أنواع: الاول: في عرضه صلى الله عليه وسلم المقاتلة ورده من لم يصلح للقتال: روى الطبراني برجال ثقات وهو مرسل عن عبد الحميد بن جعفر - رحمه الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض غلمان الانصار في كل عام، فمن بلغ منهم بعثه، فعرضهم ذات عمر فمر به غلام فبعثه في البعث وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال سمرة يا رسول الله، أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني لصرعته، فقال: فدونك فصارعه، فصارعته فأجازني في البعث (1). وروى الطبراني عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: جئت أنا وعمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد بدرا، فقلت يا رسول الله، إني أريد أن أخرجه معك، فجعل يقبض يده، ويقول: إني أستصغرك ولا أدري ماذا تصنع إذا لاقيت القوم ؟ فقلت أتعلم أني أرمي من رمى، فردني، فلم أشهد بدرا (2). وروى الائمة إلا مالكا، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني (3). الثاني: في رده صلى الله عليه وسلم من لم يستأذن أبويه: وروى أبو داود عن أبي سعيد بن مالك الخدري - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال: هل لك أحد ممن باليمن فقال: أبواي ؟ فقال: أذنا لك ؟ قال: لا، قال: ارجع إليهما، فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما (4). وروى الامام أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى رسول


(1) انظر المجمع 5 / 319. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 4 / 283، 332 وانظر المجمع 5 / 319. (3) أخرجه البخاري 5 / 276 (2664) ومسلم 3 / 1490 (91 / 1868). (4) أخرجه أبو داود (2530) وسعيد بن منصور (2334) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1622) والبيهقي 9 / 26. (*)

[ 107 ]

الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال، هل لك من أم ؟ قال: نعم، فقال: الزمها، فإن الجنة تحت رجليها (1). وروى البخاري والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك ؟ قال: نعم، فقال: ففيهما فجاهد (2). وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أريد أن أبايعك على الجهاد، فقال: أحي والداك ؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد (3). وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان الغزو على باب البيت فلا تذهب إلا بإذن أبويك ". الثالث: في أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الغزو إلى موضع ورى بغيره (4): وروى الشيخان عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا أو مغازا واستقبل غزو عدو كثير فجلى المسلمين أمر هذه، ليتهابوا أهبة غزوهم وأخبرهم بوجه الذي يريده (5). ورواه ابن ماجه عنه بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ناحية ورى بغيرها (6). الرابع: في آدابه صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز بنفسه: روى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، ثم قال: انطلقوا على اسم الله، ثم قال اللهم أعنهم (7) يعني النفر الذين وجههم إلى كعب بن الاشرف. وروى الامام أحمد والبيهقي عن سهل بن معاذ عن أبيه - رضي الله تعالى عنهما - أن


(1) أخرجه النسائي 6 / 11 وأحمد 3 / 429 وعبد الرزاق (9290) والطحاوي في المشكل 3 / 30 وابن سعد 4 / 2 / 17 والبيهقي 9 / 26. (2) أخرجه البخاري 6 / 140 (3004) ومسلم 4 / 1975 (5 / 2549). (3) المجمع 5 / 322. (4) المجمع 5 / 325. (5) تقدم. (6) تقدم. (7) أخرجه أحمد 1 / 266 والطبراني في الكبير 11 / 221 والبيهقي في الدلائل 3 / 200. (*)

[ 108 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لان أشيع غازيا، فأكفه على رحله غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها " (1). وروى الامام أحمد برجال ثقات والطبراني عن جبلة بن حارثة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز أعطى سلاحه عليا وأسامة (2). وروى الامام أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه، قال: " اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا لا تمثلوا ولا تغلوا ولا تقتلوا الولدان "، وفي لفظ: " وليدا ولا شيخا ولا أصحاب الصوامع " (3). وروى البزار برجال ثقات عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية أمره عليها، فأصبح قد اعتم بعمامة كرابيس سوداء، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقضها فعمه، فأرسل من خلفه أربع أصابع، فقال: هكذا يا ابن عوف فاعتم، فإن أعرب وأحسن، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يدفع إليه اللواء، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منتشر فيكم. (4). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر من قلة (5). الخامس: في اتخاذه صلى الله عليه وسلم الرايات والالوية: وروى الطبراني برجال ثقات غير حيان بن عبيد الله فيحرر رجاله عن ابن عباس وبريدة - رضي الله تعالى عنهم - أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء، ولواءه كان أبيض (6). وروى الطبراني برجال الصحيح خلا حيان السابق عن ابن عباس - رضي الله تعالى


(1) أخرجه ابن ماجه (2824) وأحمد 3 / 440 والحاكم 2 / 95 والبيهقي 9 / 173. (2) أخرجه ابن عساكر كما في التهذيب 2 / 399 وأبو نعيم في التاريخ 2 / 222 وانظر المجمع 5 / 283. (3) انظر 5 / 316. (4) انظر المجمع 5 / 120 وانظر البداية والنهاية 5 / 220. (5) أخرجه أبو داود (2611) وأحمد 1 / 294 والترمذي (1555) وعبد الرزاق (9699) وابن خزيمة (2538) والحاكم 1 / 443، 2 / 101. (6) البغوي في شرح السنة 10 / 404 وابن أبي شيبة 12 / 512 وانظر المجمع 5 / 321 وابن ماجه (2818) والبيهقي 6 / 362. (*)

[ 109 ]

عنهما - قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض مكتوبا عليه لا إله إلا الله، محمد رسول الله (1). وروى الطبراني برجال ثقات غير شريك النخعي، وثقه النسائي وغيره وفيه ضعف عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ورواه عن جابر وقال: كانت بيضاء (2). وروى الطبراني برجال ثقات غير محمد بن الليث الهداري، فيحرر رجاله، عن مزيدة العبدي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد رايات الانصار فجعلهن صفراء (3). وروى الطبراني عن كريز بن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد راية بني سليم حمراء (4). وروى الامام أحمد برجال الصحيح غير عثمان بن الشامي وهو ثقة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء كانت تكون مع علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -، وراية الانصار مع سعد بن عبادة، وكان إذا استحر القتال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكون تحت راية الانصار (5). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حبش غريب عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - قال: " كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء مربعة من نمرة " (6). وروى الترمذي والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض (7). وروى الاربعة عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ولواؤه أبيض (8). وروى أبو داود عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم قال: رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء (9).


(1) تقدم. (2) تقدم. (3) انظر المجمع 5 / 321. (4) انظر المجمع 5 / 321. (5) المجمع 5 / 124. (6) أخرجه أحمد 4 / 297 وأبو داود 3 / 71 (2591) والترمذي 4 / 196 (1680). (7) أخرجه الترمذي 4 / 196 (1681) وابن ماجه 2 / 941 (2818). (8) أبو داود (2592) والترمذي (1679) والنسائي 5 / 200 وابن ماجه 2 / 941 (2817). (9) أبو داود (2 / 36) حديث (2593). (*)

[ 110 ]

وروى الامام أحمد والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي الحارث بن حسان البكري قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف وإذا راية سوداء فسألت: ما هذه الرايات ؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من الغزاة، وفي لفظ: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها ". فائدة: روى الطبراني برجال ثقات عن محارب بن دثار قال: كتب معاوية إلى زياد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن العدو لا يظهر على قوم ولواؤهم، أو قال ورايتهم مع رجل من بني بكر بن وائل " (1). السادس: في مشاورته صلى الله عليه وسلم في الحرب: وروى الطبراني برجال وثقوا عن عبد الله بن عبيد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور في الحرب فعليك به (2). وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - فقال: إيانا تريد يا رسول الله، والله لو أمرتنا أن نخيضها البحر لاخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا (3)... الحديث. وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. السابع: في مبايعته صلى الله عليه وسلم عن الحرب: روى الشيخان عن يزيد بن عبيد - رحمه الله تعالى - عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: يا ابن الاكوع، ألا تبايع قال: قلت يا رسول الله، قد بايعت، قال: وأيضا قد بايعته الثانية، فقلت: يا أبا مسلم، على أي شئ كنتم تبايعون ؟ قال على الموت (4). وروى الشيخان عن مجاشع بن مسعود الاسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال أتيت


(1) انظر المجمع 5 / 322 ورجاله ثقات. (2) المجمع 5 / 319. (3) مسلم (3 / 1403) (1779) وابن أبي شيبة 14 / 377، 378. (4) تقدم. (*)

[ 111 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أبايعه على الهجرة فقال: إن الهجرة قد مضت لاهلها، ولكن على الاسلام والجهاد والخير (1). وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال كانت الانصار يوم الخندق تقول: (2) نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا... الحديث وروى البخاري عن جويرية عن نافع: قال ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - رجعنا إلى العام المقبل ما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله فسألت نافعا، على أي شئ بايعهم ؟ قال: بايعهم على الموت، قال: لا بل بايعهم على الصبر (3). وروى مسلم عن جابر عن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت (4). وروى مسلم عن معقل بن يسار - رضي الله تعالى عنه - قال: لقد رأيتني تحت الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها على رأسه، وتحتها أربع عشرة ومائة. قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر (5). الثامن: في بعثه صلى الله عليه وسلم العيون: وروى الامام أحمد والطبراني عن عمرو بن أمية الضمري - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأتيني بخبر القوم ؟ يعني بني قريظة يوم الاحزاب قال الزبير: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لكل نبي حواري وحواري الزبير " (6). وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان... الحديث (7).


(1) تقدم. (2) أخرجه البخاري 6 / 46 في الجهاد (2835) ومسلم 3 / 1432 (130 / 1805) ويجيبهم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة فاغفر للانصار والمهاجره (3) تقدم. (4) تقدم. (5) تقدم. (6) مجمع (5 / 324). (7) أخرجه البخاري 6 / 52 (2846) ومسلم 4 / 1879 (48 / 2415). (8) مسلم (3 / 1510) (1901). (*)

[ 112 ]

التاسع: في استصحابه صلى الله عليه وسلم بعض النساء لمصلحة المرضى والجرحى والخدمة ومنعه من ذلك بعض الاوقات: وروى الطبراني عن ليلى الغفارية - رضي الله تعالى عنها - قالت: كنت أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أداوي الجرحى (1). وروى الطبراني برجال الصحيح عن أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو معه النسوة من الانصار لسقي المرضى وتداوي الجرحى (2). وروى الطبراني في الكبير والاوسط ورجالهما رجال الصحيح عن أم كبشة امرأة من عذرة - عذرة بني قضاعة - رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله، ائذن لي أن أخرج في جيش كذا وكذا، قال: لا، قالت: يا رسول الله، إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجرحى، وأسقي المرضى، قال: لولا أن يكون سنة، ويقال: إن فلانة خرجت لاذنت لك ولكن اجلسي (3). وروى الامامان الشافعي وأحمد ومسلم والثلاثة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوا بالنساء فيداوين الجرحى، ويسقين الماء ويحزين من الغنيمة (4). وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الانصار يسقين الماء ويداوين الجرحى (5). وروى الامام أحمد والبخاري عن الربيع - بضم الراء وتشديد الياء - بنت معوذ قالت: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة (6). وروى أبو يعلى برجال ثقات عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يدلجن بالقرب يسقين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) يعني في الجهاد.


(1) المجمع 5 / 327. (2) المجمع (5 / 327) ورجاله رجال الصحيح. (3) أخرجه ابن أبي شيبة 1 / 407 وانظر المجمع 5 / 323. (4) مسلم في الجهاد باب 48 (137) والشافعي كما في البدائع 1128 والترمذي (1556) وأحمد 1 / 308. (5) أخرجه مسلم 3 / 1443 (135 / 1810) وأخرجه أبو داود (2531) والترمذي (1575) وأبو نعيم في الحلبة 10 / 211 والبيهقي 9 / 30. (6) البخاري (6 / 94) (2883) أحمد 6 / 358 والتمهيد 1 / 232. (7) المجمع 3 / 133. (*)

[ 113 ]

العاشر: فيما كان يقوله صلى الله عليه وسلم إذا غزا وفي مسيره: وروى أبو داود والترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، وبك أقاتل، ورواه الحارث بسند حسن عن ابن مجلز مرسلا بلفظ: إذا لقي العدو (1). وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك. الحادي عشر: في أي وقت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يقاتل فيه، والاوقات التي أمسك على القتال فيها: روى الامام أحمد عن عبيد الله بن أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس (2). وروى الطبراني بسند جيد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يلق العدو من أول النهار، أخر حتى تهب الريح، ويكون عند مواقيت الصلاة وكان يقول: " اللهم بك أجول وبك أصول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " (3). وروى الطبراني عن عتبة بن غزوان - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا نشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، فإذا زالت الشمس، قال لنا: احملوا فحملنا (4). وروى الامام أحمد وأبو داود عن النعمان بن مقرن - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال، فكان إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال، حتى تزول الشمس، وتهب الرياح وينزل النصر (5). وروى البخاري عنه قال: شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الرياح وتحضر الصلاة (6). وروى البخاري عن عبد الله بن أوفى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في


(1) أخرجه أحمد 3 / 184 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1661) وابن أبي شيبة 10 / 351، 12 / 263. (2) أحمد 4 / 356 وانظر المجمع 5 / 325. (3) أخرجه أحمد 4 / 332، 6 / 16 والدارمي 2 / 216 وابن السني (114) والعقيلي في الضعفاء 3 / 299. (4) أخرجه الطبراني في الكبير 17 / 117 وانظر المجمع 5 / 326. (5) أخرجه أحمد 5 / 444 وأبو داود 3 / 113 (2655) والترمذي 4 / 160 (1613) وقال حسن صحيح والحاكم 2 / 116 ومحمد وافقه الذهبي. (6) أخرجه البخاري 6 / 258 (3160). (*)

[ 114 ]

بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال: أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن اسألوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا (1). وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح فإذا سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح، زاد مسلم فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفطرة ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار (2). وروى الطبراني عن خالد بن معبد - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: من لقيت من العرب فسمعت فيهم الاذان، فلا تعرض له، ومن لم تسمع فيهم الاذان فادعهم إلى الاسلام (3). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، عن النعمان بن مقرن - رضي الله تعالى عنه - قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوات، فكان إذا طلع الفجر أمسك عن القتال حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل فإذا انتصف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي العصر، ثم قاتل وكان يقول عند هذه الاوقات تهيج رياح النصر ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم (4). وروى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يغير إذا طلع الفجر وكان يسمع الاذان فإن سمع الاذان أمسك، وإلا أغار. ويروي الامامان مالك والشافعي والشيخان عنه - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى خيبر، أتاها ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل لم يغز حتى يصبح، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار حتى يصبح، فلما أصبح ركب وركب المسلمون، وذكر الحديث (5). وروى الامام أحمد والحارث عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ (6).


(1) أخرجه البخاري 6 / 120 (2965، 2966) ومسلم 3 / 1362 (20 / 1742). (2) أخرجه البخاري 2 / 89 (610، 2991) ومسلم 3 / 1426 (120 / 1365). (3) انظر المجمع 5 / 307. (4) أخرجه الترمذي 4 / 159 (1612). (5) تقدم. (6) انظر المجمع 6 / 66. (*)

[ 115 ]

الثاني عشر: في دعائه صلى الله عليه وسلم إلى القتال وما جاء في تركه: روى الامام أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد رجاله أحدهما رجال الصحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم (1). وروى الطبراني برجال الصحيح غير عثمان بن يحيى القرقساني وهو ثقة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إلى قوم يقاتلهم ثم بعث إليه رجلا فقال: لا تدعه من خلفه، وقل له لا يقاتلهم حتى يدعوهم (2). وروى الامام أحمد والترمذي وحسنه عن أبي البختري - رحمه الله تعالى - أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان، حاصروا قصرا من قصور فارس، وفي لفظ: " حصنا أو مدينة " فقال المسلمون: ألا نشهد إليهم فقال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فأتاهم فقال: إنما أنا رجل فارسي منكم، فهداني الله - عز وجل - للاسلام وترون العرب يطيعوني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه، وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، ورطن بالفارسية وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين، قالوا: ما نحن بالذي نعطي الجزية ولكنا نقاتلكم، قالوا: يا أبا عبد الله، ألا نشهد إليهم، قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا، فلما كان اليوم الرابع قال للناس: انهضوا إليهم ففتحوا القصر (3). الثالث عشر: في لبسه صلى الله عليه وسلم الدرع والمغفر وسيفه والبيضة ودرقته وقبيعته وقوسه وجحفته: وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبته: اللهم إن أنشدك عهدك ووعدك، الحديث وفيه: فخرج وهو في الدرع، وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر / 45) (4). وروى الامام أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي في الشمائل وأبو داود عن السائب بن يزيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين يوم أحد (5).


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 15 والبيهقي 9 / 107 وانظر المجمع 5 / 304 والتمهيد 2 / 217. (2) ذكره الرازي في العلل (903) وانظر المجمع (5 / 308). (3) أخرجه أحمد (5 / 440). (4) تقدم. (5) أحمد 3 / 449 أخرجه أبو داود (2590) وابن ماجه: 2 / 938 (2806) وانظر المجمع 6 / 108. (*)

[ 116 ]

وروى الترمذي وقال حسن غريب عن الزبير بن العوام - رضي الله تعالى عنه - قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم درعان يوم أحد.... الحديث. وروى الشيخان عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، الحديث (1). وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح على رأسه المغفر، الحديث (2). وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة فخرجوا نحو العيون فاستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر وهو على فرس عري وفي عنقه السيف، وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، ثم قال: وجدناه لبحرا وإنه لبحر (3). وروى أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب والنسائي وقال: منكر عنه - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة (4). وروى الامام أحمد والترمذي عن ابن سيرين - رحمه الله تعالى - قال: صنعت سيفي سمرة على سيف يعنى بن جندب، وزعم سمرة أنه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حنيفا (5). وروى الترمذي وقال: حسن غريب عن مزيدة العصري - رضي الله تعالى عنه - قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة، فسئل عن الفضة فقال: كان قبيعة السيف فضة (6). وروى الامام أحمد والترمذي وقال: حسن غريب والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنصل سيفه ذو الفقار يوم بدر (7). وروى الامام أحمد موصولا عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول


(1) تقدم. (2) تقدم. (3) تقدم. (4) تقدم. (5) أخرجه الترمذي (4 / 170) (1683) وفي الشمائل (88). (6) تقدم. (7) تقدم. (*)

[ 117 ]

الله صلى الله عليه وسلم " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تبارك وتعالى لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم " ورواه البخاري تعليقا بلفظ: ويذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: جعل رزقي تحت ظل رمحي، الحديث (1). وروى البيهقي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كان بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس عربية، فرأى رجلا بيده قوس فارسية، فقال: ما هذه ؟ ألقها وعليكم بهذه وأشباهها، ورماح القنا " فإنهما يزيد الله لكم بهما في الدين، ويمكن لكم في البلاد ". وروى الطبراني عن عبد الله بن بسر - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال على كتفه اليسرى ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الجيش وهو متوكئ على قوس، فذكر نحو الذي قبله (2). وروى مسلم عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية عزلا يعني ليس معه سلاح، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم جحفة أو درقة (3). الرابع عشر: في ترتيبه صلى الله عليه وسلم الصفوف والتعبئة عند القتال: وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب أثنا عشر ألفا من قلة " (4). وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قال: عبانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ليلا (5). وروى الامام أحمد عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: صففنا يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: معي معي (6). وروى الامام أحمد عن عمار بن ياسر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه (7).


(1) تقدم. (2) تقدم. (3) مسلم (3 / 1434) (1807). (4) تقدم. (5) أخرجه الترمذي 4 / 194 (1677). (6) أخرجه أحمد 5 / 420 والطبراني في الكبير 4 / 209 وانظر المجمع (5 / 326، 6 / 74. (7) أخرجه أحمد 4 / 263 وانظر المجمع 5 / 326. (*)

[ 118 ]

الخامس عشر: فيما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ووعظه العسكر: روى ابن أبي شيبة عن أيوب - رحمه الله تعالى - قال: حدثني رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل العسفاء والوصفاء (1). وروى أبو داود عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الصوت عند القتال (2). وروى أبو داود عن قيس بن عباد - رضي الله تعالى عنه - قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال (3). وروى الامام عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده (4). وروى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: وجدت امرأة مقتولة في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان، وفي لفظ: " فنهى " (5). وروى الامام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه، قال: اخرجوا بسم الله فقاتلوا في سبيل الله، من كفر بالله ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع (6). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي، وقال حسن صحيح غريب عن سمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم " (7). وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي عن صفوان بن عثمان - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: " سيروا بسم الله وفي سبيل الله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا " (8). وروى الامام أحمد عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في


(1) مجمع (5 / 318). والوصيف: العبد. (2) أخرجه أبو داود (2 / 56) (2656، 2657) وانظر الدر المنثور 3 / 189. (3) أخرجه أبو داود 3 / 113 (2656) والحاكم 2 / 116 والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 74. (4) أخرجه ابن أبي شيبة 9 / 38، 12 / 522 مجمع (8 / 107). (5) أخرجه البخاري 6 / 148 (3015) ومسلم 3 / 1364 (25 / 1744). (6) تقدم. (7) أخرجه أحمد 5 / 12 وأبو داود 3 / 122 (2670) والترمذي 4 / 145 (1583) قال حسن صحيح غريب. (8) أخرجه أحمد 4 / 240 والترمذي (2857) وابن ماجه (2857). (*)

[ 119 ]

من قتل صغيرا أو حرق نخلا أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة لاهابها لم يرجع كفافا (1). وروى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع أشجارهم (2). وروى أبو داود والبيهقي عن أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إليه قال: أغر على أبنى صباحا وحرق (3). وروى الامام أحمد عن كثير بن السائب - رحمه الله تعالى - قال: حدثني ابنا قريظة أنهم عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن قريظة، فمن كان منهم محتلما أو نبتت عانته قتل، وإلا فلا (4). وروى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير (5). وروى الامام أحمد وأبو داود عن أبي ثعلبة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان الناس إذا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فعسكر، تفرقوا عنه في الشعاب والاودية، فقام فيهم، فقال: إنما تفرقتم في الشعاب والاودية، إنما ذلك من الشيطان، قال: فكانوا بعد ذلك إذا نزلوا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال إنك لو بسطت عليهم ثوب لعمهم أو نحو ذلك (6). وروى أبو داود عن سمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنه - قال: أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى خيلنا خيل الله إذا فزعنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا فزعنا بالجماعة، والصبر والسكينة إذا قاتلنا (7). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإنه لا يعذب بالنار إلا الله - عز وجل - (8).


(1) أحمد 5 / 276 وانظر المجمع 5 / 317. (2) أخرجه البخاري 7 / 329 (4031 - 4032) ومسلم 3 / 1365 (30 / 1746). (3) أخرجه أحمد 5 / 205 وأبو داود (2616) وابن ماجه 2 / 948 (2843). (4) تقدم. (5) انظر المجمع 5 / 329 والبيهقي في الدلائل 3 / 357. (6) أخرجه أحمد 4 / 193 وأبو داود 3 / 94 (2628) والحاكم 2 / 115. (7) أخرجه أبو داود (2560). (8) تقدم البخاري (6 / 172) 3016. (*)

[ 120 ]

السادس عشر: في استنصاره صلى الله عليه وسلم ضعفة المسلمين عند القتال ودعائه وامتناعه من قتال المشركين معه واستعانته به وقتاله عن أهل الذمة: وروى الطبراني عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقى العدو فسمعته يقول: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، قال: فلقد رأيت الرجال تصرع تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها (1). وروى الطبراني برجال الصحيح عن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المسلمين (2). وروى الطبراني عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما ينصر الله المسلمين بدعاء المستضعفين "، وهو في الصحيح بلفظ: " إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم " (3). وروى مسلم عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ابغوني في ضعفائكم " (4). وروى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على الاحزاب، " اللهم، منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم، اهزمهم وزلزلهم " (5). وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحابه صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه، قال صلى الله عليه وسلم: " لم جئت ؟ " فقال: جئت لاتبعك وأصيب معك، فقال له صلى الله عليه وسلم: " تؤمن بالله ورسوله "، قال: لا، قال: " فارجع، فلن أستعين بمشرك "، ثم أدركه بالشجرة، فقال له كما قال أول مرة، ثم قال له في الثالثة: أتؤمن بالله ورسوله، فقال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق (6).


(1) انظر المجمع (5 / 331). (2) أخرجه الطبراني في الكبير 1 / 269 والبغوي في التفسير 7 / 62 وانظر الترغيب والترهيب 4 / 144 وأبو عبيد الهروي في الغريب 1 / 248 م فتح والمجمع 10 / 262. (3) انظر المجمع 5 / 329. (4) أخرجه أحمد 5 / 198 وأبو داود 3 / 73 (2594) والترمذي 4 / 206 (1702) وقال حسن صحيح والنسائي 6 / 45 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1620) والحاكم 2 / 106. (5) أخرجه مسلم (3 / 1363) وأخرجه أحمد 4 / 353، 355، 382 وابن ماجه (2796) وعبد الرزاق (9516) وأبو نعيم في الحلية 8 / 256 وفي التاريخ 1 / 318 والبيهقي في الدلائل 3 / 356 وابن خزيمة (2775) والحميدي (719). (6) أخرجه مسلم (3 / 1450) (1817). (*)

[ 121 ]

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) (1) (القمر / 45، 46). وروى ابن أبي شيبة وابن جرير عن البراء - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل يوم حنين ودعا واستنصر وهو يقول: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب "، وقال: " اللهم أنزل نصرك " (2). وروى الامام أحمد والترمذي وقال حسن غريب والنسائي في عمل اليوم والليلة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو، قال: " اللهم، أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أقاتل " (3). وروى الامام أحمد والطبراني برجال ثقات عن خبيب بن يساف - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوا لنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم، قال أولو أسلمتما قلنا: لا، قال إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت رجلا، وضربني ضربة، فتزوجت بابنته، فكانت تقول: لا عدمت رجلا، وشحك هذا الوشاح، فأقول: لا عدمت رجلا عجل أباك إلى النار (4). وروى الطبراني عن أبي حميد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة خشنة فقال: من هؤلاء ؟ قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود من بني قنيقاع، فقال: وقد أسلموا ؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: مروهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين (5). وروى أبو داود في مراسيله عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم (6). روى البزار عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقاتل عن أحد من أهل الشرك إلا أهل الذمة (7).


(1) تقدم. (2) تقدم. (3) تقدم. (4) أخرجه ابن أبي شيبة 12 / 394 وابن سعد 2 / 1 / 34، 3 / 2 / 86 وأبو نعيم في تاريخ أصفهان 2 / 272 وانظر المجمع 5 / 303. (5) أخرجه ابن أبي شيبة 12 / 397 والمجمع 5 / 303 وانظر الكنز (11294، 30048). (6) أخرجه سعيد بن منصور (2790) والبيهقي في السنن الكبرى 9 / 53 وأبو داود في المراسيل (281). (7) انظر المجمع 6 / 13. (*)

[ 122 ]

السابع عشر: في سيرته صلى الله عليه وسلم في الشعار في الحرب: روى أبو يعلى بسند جيد عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم يأكل خير (1). وروى الطبراني عن عتبة بن فرقد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا، فنادى يا أصحاب سورة البقرة (2). وروى أبو داود عن سمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنه - قال: كان شعار المهاجرين عبد الله، وشعار الانصار عبد الرحمن (3). وروى مسلم والامام وأحمد وأبو داود والترمذي عن المهلب بن أبي صفرة - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أبيتم فليكن شعاركم " حم لا ينصرون " (4). وروى الامام أحمد وابن عدي عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستلقون العدو غدا، فإن شعاركم " حم لا ينصرون " (5). وروى الامام أحمد وأبو داود عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: غزونا مع أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شعارنا أمت أمت مرتين (6). وروى أبو الحسن بن الضحاك عن رجل من جهينة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما يقولون في شعارهم: يا حرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا حلال " (7). وروى النسائي عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق: إني لا أرى القوم إلا ميتيكم الليلة، وإن شعاركم " حم لا ينصرون " (8). الثامن عشر: في سيرته صلى الله عليه وسلم في رسل الكفار واستحبابه - صلى الله عليه وسلم - الاقامة في موضع النصر ثلاثا، وسيرته في العتق وإتيان بعض أمرائه - صلى الله عليه وسلم - برؤوس بعض أكابر القتلى، وامتناعه من بيع جسد المشرك: وروى الامام أحمد برجال ثقات وابن مغيث يحرر رجاله عن معير السعدي - رحمه الله


(1) انظر المجمع (5 / 330). (2) أخرجه ابن أبي شيبة 14 / 524 وعبد الرزاق (9465) وانظر المجمع 6 / 180 والمطالب العالية (4373). (3) أخرجه أبو داود 3 / 73 (2595). (4) أخرجه أحمد 4 / 65 وأبو داود 3 / 74 (2597) والترمذي 4 / 197 (1682) والحاكم 2 / 107. (5) أحمد (4 / 289) وأبو نعيم في التاريخ 1 / 201. (6) أخرجه أحمد 6 / 46 والدارمي 2 / 219 وأبو داود 3 / 100 (2638) والحاكم 1 / 107. (7) أخرجه أحمد 3 / 471 وابن أبي شيبة 12 / 503 والحاكم 2 / 108 والبيهقي 6 / 362. (8) أخرجه ابن سعد 2 / 1 / 52. (*)

[ 123 ]

تعالى - قال: مررت بمسجد بني حنيفة، وهم يقولون: إن مسيلمة رسول الله، فأتيت ابن مسعود، فأخبرته فاستتابهم، فتابوا، فخلى سبيلهم، وضرب عنق ابن النواحة فقالوا أخذت قوما في أمر واحد، فقتلت بعضهم وتركت بعضهم، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وفد عليه هذا وابن أثال بن حجر، فقال: أتشهدان أني رسول الله، فقالا تشهد أنت أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله: آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلا وفدا لقتلتكما، قال: فلذلك قتلته (1). وروى الامام أحمد وأبو داود عن سلمة بن نعيم عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة ما تقولان أنتما ؟ قالا: نقول: كما قال، قال: أما والله، لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما (2). وروى الامام أحمد والبزار وأبو يعلى بسند حسن ومسدد وابن منيع، وابن حبان ورواه أبو داود مختصرا عن أبي وائل - رحمه الله تعالى - قال: قال عبد الله بن مسعود حين قتل ابن النواحة إن هذا وابن أثال كانا أتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين لمسيلمة الكذاب، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشهدان أني رسول الله ؟ " قالا: لا، نشهد أن مسيلمة رسول الله، قال: لو كنت قاتلا وفدا لضربت أعناقكما، قال: فجرت السنة أن الرسل لا تقتل، فأما ابن أثال فكفاناه الله - عز وجل -، وأما هذا فلم يزل ذلك فيه حتى أمكن الله منه (3). وروى الامام أحمد والبزار والشيخان عن أنس بن مالك عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا ورواه أبو داود (4) بلفظ: " إذا غاب قوما أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثا ". وروى الامام أحمد والطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين، وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف: " من خرج إلينا من العبيد فهو حر "، فخرج إليه عبيد فيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الطبراني برجال الصحيح عن أبي بكر


(1) أخرجه أحمد 1 / 396، 404. (2) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب (165) والبيهقي 9 / 211 وانظر البداية والنهاية 5 / 51 والدارمي 2 / 235 والطحاوي في المشكل 4 / 61 وفي المعاني 3 / 212. (3) أخرجه أحمد 1 / 396 وعبد الرزاق (18708). (4) أخرجه البخاري في المغازي باب (8) والترمذي (970) (1551) وأحمد 3 / 145 وانظر المجمع 6 / 91 وابن أبي شيبة 12 / 352 وأبو داود (2695). (*)

[ 124 ]

- رضي الله تعالى عنه - أنه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر أهل الطائف بثلاثة وعشرين عبدا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث (1). وروى الطبراني بسند جيد عن غيلان بن سلمة الثقفي - رضي الله تعالى عنه - أن نافعا كان عبدا لغيلان ففر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيلان مشرك، فأسلم غيلان، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاء نافع إليه (2). وروى الطبراني عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلام يقال له يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه (3). وروى البزار برجال ثقات عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن عبدا أسلم فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خشي أهله أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فقيدوه، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك قد علمت بإسلامي، فسيرني، أو خلصني، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر على بعير، وقال: لعلكم تجدون في دار من يعينكم، فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم (4). وروى الطبراني برجال ثقات عن فيروز الديلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم برأس أسود العنسي. وحديث ابن عمر: ما حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس قط (5)، رواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح وهو ضعيف، وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر والبيهقي والترمذي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: لما كان يوم الاحزاب قتل رجل من عظماء المشركين فبعثوا إلى رسول الله أن ابعثوا إلينا بجسده ولكم اثنا عشر ألفا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خير في جسده، ولا في ثمنه (6). وروى الامام أحمد والترمذي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم (7). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: المفازة - بميم ففاء فزاي والمفازة: البرية.


(1) أخرجه 1 / 236 وسعيد بن منصور (2807) وابن أبي شيبة 12 / 511 وانظر المجمع 4 / 245. (2) المجمع (4 / 234). (3) انظر المجمع 3 / 242، 6 / 294. (4) انظر المجمع 4 / 241. (5) انظر المجمع (5 / 330). (6) أخرجه البيهقي 9 / 133 انظر البداية والنهاية 4 / 107. (7) الترمذي (4 / 186) (1715). (*)

[ 125 ]

جلى - بجيم فلام مفتوحتين فتحتية: كشف. الغدوة - بغين معجمة فدال مهملة فواو فتاء تأنيث - المرة من العدو وهو سير أول النهار، نقيض الرواح. الروحة - براء مفتوحة فواو ساكنة فحاء مهملة مفتوحة فتاء تأنيث - المرة من الرواح. استحر القتال - بهمزة فسين مهملة ساكنة ففوقية فحاء مهملة فراء مفتوحات كثر واشتد. كرابيس - بكاف فراء مفتوحتين فألف فموحدة فتحتية فسين مهملة جمع كرباس، وهو القطن. النمرة - بنون مفتوحة فميم مكسورة فراء فتاء تأنيث - شملة مخططة. برك الغماد - بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فكاف، والغماد - بمعجمة مكسورة وبفتح وبضم فميم فألف فدال مهملة - موضع أو هو أقصى معمور الارض. الحواري - بحاء مهملة فواو مفتوحتين فألف فراء فتحتية مشددة - الخاصة والانصار والاصحاب. أجول - بهمزة مفتوحة فجيم مضمومة فواو - اذهب وأجئ. الدرع والمغفر والقبيعة تقدم الكلام عليها. الصعاليك: (جمع صعلوك وهو الفقير). العرصة: (هي كل موضع واسع لا بناء فيه).

[ 126 ]

الباب الثاني في مصالحته - صلى الله عليه وسلم - المحاربين وهديته وأمانته ووفائه بالعهد والذمة لهم روى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر، والنصف في رجب، يردونهما إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم، إن كان باليمن كيد على ألا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا على دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا (1). وروى أبو يعلى عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح نصارى بني تغلب على أن ينصروا أبناءهم، فإن فعلوا فقد برئت منهم الذمة، وإنهم قد نقضوا، وإنه إن يتم لي الامر، لاقتلن المقاتلة ولاسبين الذرية (2). وروى الامام أحمد وأبو داود عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع الاسلام في قلبي، فقلت: يا رسول الله والله لا أرجع إليهم أبدا، فقال: إني لا أخيس بالعهد ولا أخيس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان الذي في قلبك الذي فيه الان فارجع، فذهبت إليهم، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت (3). وروى الامام مالك والخمسة عن أم هانئ بنت أبي طالب - رضي الله تعالى عنها - قالت: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه فقال: " من هذه ؟ " فقلت أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: " مرحبا بأم هانئ "، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلا قد أجرته، فلان بن هبيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت أم هانئ: وذلك ضحى (4). وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذمة المسلمين واحدة، فإن أجارت عليهم امرأة فلا تحقروها، فإن لكل غادر لواء يوم القيامة " (5).


(1) أخرجه أبو داود (3041). (2) أبو يعلى (1 / 273). (3) أخرجه أبو داود في الجهاد باب (162) وأحمد 6 / 8 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1631) والحاكم 30 / 598. (4) والحديث أخرجه البخاري 6 / 273 (3171) ومسلم 1 / 498 (82 / 336). (5) أخرجه الحاكم 2 / 141 وانظر المجمع 5 / 329، 330. (*)

[ 127 ]

وروى الطبراني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارت العاص بن الربيع، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارها، وأن أم هانئ أجارت أخاها عقيلا فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم جوارها (1). وروى الطبراني بسند جيد عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا استأذنت أبا العاص بن الربيع زوجها أن تذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها، فقدمت عليه، ثم إن أبا العاص لحق بالمدينة، فأرسل إليها أن خذي لي أمانا من أبيك، فخرجت فاطلعت برأسها من باب حجرته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبح يصلي بالناس، فقالت: يا أيها الناس، إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني قد أجرت العاص، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال: إني لم أعلم بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم (2). وروى عبد عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجل من المشركين (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: البيعة - بموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة فتاء تأنيث - المعاقدة والمعاهدة كأن كل واحد باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. أخس - بهمزة مفتوحة فخاء معجمة مكسورة فتحتية فسين مهملة - أي لا أنقض. البرد - بموحدة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة - جمع بريد وهو الرسول، مخفف من برد بالضم كرسل مخفف من رسل، وإنما خففه ها هنا ليزاوج العهد. تخفروها: خفرته أي أجرته وحفظته.


(1) المجمع (5 / 332). (2) المجمع (5 / 333). (3) الدارمي (2 / 223) والترمذي (4 / 115) (1568). (*)

[ 128 ]

الباب الثالث في قسمته - صلى الله عليه وسلم - الغنائم بين الغانمين وتنفيله بعضهم وفيه أنواع: روى الامام أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني عن العرباض بن سارية - رضي الله تعالى عنه - قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرة من الفئ، فقال: ما لي منه إلا مثل ما لا حدكم إلا الخمس وهو مردود فيكم، فأدوا الخيط والمخيط فما فوقها وإياكم والغلول، فإنه عار ونار، وشنار على صاحبه يوم القيامة (1). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني عن مجمع بن جارية الانصاري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على أهل الحديبية وكانوا ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فقسمها على ثمانية عشر سهما، فأعطى الفارس سهمان، والراجل سهما (2). وروى أبو داود عن ابن شهاب - رحمه الله تعالى - قال: خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها، ومن غلب عنها من أهل الحديبية (3). وروى الامام أحمد بسند جيد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: رأيت الغنيمة تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له يتخير (4). وروى الطبراني برجال ثقات غير كثير مولى ابن مخزوم فيحرر رجاله عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم لثمانين فرسا يوم حنين سهمين سهمين سهمين (5). وروى الامامان الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم للفرس سهمين وللرجل سهما (6). وروى أبو داود عن ابن شهاب مرسلا قال: خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ثم قسم


(1) أخرجه أحمد 4 / 128 والطبراني في الكبير 18 / 260 وانظر المجمع 5 / 337. (2) أخرجه ابن أبي شيبة 2 / 400 (15031) وأحمد 3 / 420 وأبو داود 3 / 174 (2736) والدارقطني 4 / 105 والطبراني في الكبير 19 / 445 (1082) والحاكم 2 / 131 والبيهقي 6 / 325. (3) أبو داود (3019). (4) انظر المجمع 5 / 340. (5) انظر المجمع 5 / 341. (6) أبو داود (2 / 84) (2734) والترمذي (4 / 104) (1554) وهو عند البخاري ومسلم البخاري 6 / 67 (2863) ومسلم 3 / 1382 (57 / 1762) وابن أبي شيبة 12 / 397. (*)

[ 129 ]

سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية. وروى الامام أحمد برجال ثقات عن جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير سهما وأمه سهما وفرسه سهمين، ورواه أيضا عن الزبير (1). وروى أبو داود عن زيد بن أسلم - رضي الله تعالى عنه - أن ابن عمر دخل على معاوية، فقال: ما حاجتك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: عطاء المحررين، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما جاءه شئ بدأ بالمحررين. وروى الامام أحمد وأبو داود عن عمر مولى آبي اللحم - رضي الله تعالى عنهما - قال: غزوت مع مولاي خيبر وأنا مملوك، فلم يقسم لي من الغنيمة، وأعطيت من خرثي المتاع سيفا فكنت أجره إذا تقلدته (2). وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش (3). وروى الترمذي عن الزهري مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه الثالث في النفل. وروى أبو داود عن حبيب بن مسلمة الفهري - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل (الثلثين) بعد الخمس، وفي أخرى كان ينفل الربع بعد الخمس، وفي أخرى إذا قفل. ورواه الامام أحمد بلفظ: نفل الربع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (4). وروى الامام أحمد عن أبي موسى الاشعري - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل في مغازيه (5). وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: نفلني رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) انظر مشاة المصابيح (4058) والمجمع (5 / 345) ووقع فيه أمه بدلا من ابنه. (2) أخرجه أحمد 5 / 223 والدارمي 2 / 226 وأبو داود 3 / 171 (2730) والترمذي 4 / 127 (557) وابن ماجه 2 / 952 (2855) والحاكم 2 / 131. (3) أخرجه أحمد 1 / 319، 352 وبنحوه أخرجه سعيد بن منصور (2789). (4) أخرجه سعيد بن منصور 2 / 62 (2702) وأحمد 4 / 160 وأبو داود 3 / 182 (2749، 2750) وابن ماجه 2 / 951 (2851، 2853) والحاكم 2 / 133. (5) أخرجه أحمد 4 / 402 وانظر المجمع 6 / 7. (*)

[ 130 ]

يوم بدر سيف أبي جهل (1). وروى الامام أحمد والطبراني عن أبي هوس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في مغازيه (2). وروى الطبراني عن السائب بن يزيد عن أبيه - رضي الله تعالى عنهما - قال نفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفلا سوى نصيب من الخمس فأصابني شارف (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خرثي - بخاء مضمومة فراء ساكنة مهملة فمثلثة فتحتية - أثاث البيت ومتاعه. المتاع: تقدم. النفل: (أي: العطية).


(1) أخرجه أبو داود (2722). (2) تقدم. (3) المجمع (6 / 10) وبنحوه عند مسلم 3 / 1369 (38 / 1750) والشارف المسن الكبير (أي ناقة مسنة). (*)

[ 131 ]

الباب الرابع في صرفه - صلى الله عليه وسلم - الفئ والخمس: وروى أبو داود عن عمرو بن عبسة - رضي الله تعالى عنه - قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، فلما صلى أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: " ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم " (1)، ورواه الامام أحمد والنسائي وأبو يعلى بسند ضعيف عن عبادة بن الصامت وروى الامامان الشافعي وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - قال: لما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى في بني هاشم والمطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم، لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وصفك الله به، فما بال إخوتنا بني عبد المطلب أعطيتهم من الخمس وتركتنا وقرابتنا واحدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنا وبنو عبد المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم كشئ واحد وشبك بين أصابعه " (2). وروى الامام أحمد برجال الصحيح عن عوف بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الفئ قسمه في يومه، فأعطى الاهل حظين، والعزب حظا، فدعينا وكنت أدعى قبل عمارا فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل ثم دعي عمار بن ياسر فأعطاه حظا واحدا (3). وروى الطبراني بسند لا بأس به عن ثابت بن الحرث الانصاري - رضي الله تعالى عنه - قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لسهلة بنت عاصم ولا بنة لها ولدت (4). وروى الطبراني برجال الصحيح عن زينب امرأة عبد الله الثقفية - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها بخيبر خمسين وسقا تمرا وعشريسن وسقا شعيرا بالمدينة (5). وروى الامام أحمد عن أبي الزبير - رحمه الله تعالى - قال: سئل جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بالخمس ؟ قال: كان يحمل الرجل منه في سبيل الله ثم الرجل ثم الرجل (6).


(1) أخرجه أبو داود 3 / 188 (2755) والحاكم 3 / 616 والبيهقي 6 / 339. (2) تقدم. (3) أخرجه أحمد 6 / 29 وسعيد بن منصور (2356) وأبو داود (2953) والخطيب في التاريخ 5 / 152. (4) مجمع (6 / 10). (5) أخرجه ابن أبي شيبة 6 / 279 وانظر المجمع (6 / 10). (6) أحمد 3 / 365 وانظر المجمع 5 / 340. (*)

[ 132 ]

الباب الخامس في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الغلول وتركه أخذ المغلول من الغال إذا جاء به بعد القسمة وتركه الصلاة على الغال، وإحراقه متاع الغال وإكفائه قدورا لانها أنهبت من الغنيمة وفيه أنواع: الاول: في نهيه عن الغلول وإخباره صلى الله عليه وسلم بأن الغال في النار: روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - قال: كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو في النار، فوجدوا عباءة قد غلها " (1). وروى مسلم عن عدي بن عمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يؤتى به يوم القيامة، فقام إليه رجل أسود من الانصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: وما لك ؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، وأنا أقوله الان من استعملناه منكم على عمل فيجئ بقليله وكثيره فما أوتى منه أخذ وما نهي عنه انتهى (2). وروى أيضا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما كان خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد فقال النبي صلى الله عليه وسلم " كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، وروى أن الشملة التي غلها يوم أحد لتلتهب عليه نارا " (3). الثاني: في إحراقه صلى الله عليه وسلم متاع الغال: روى أبو داود عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه ". الثالث: في إكفائه صلى الله عليه وسلم قدورهم: روى أبو داود عن عاصم عن أبيه عن رجل من الانصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أخرجه البخاري 6 / 187 (3074). (2) أخرجه مسلم في كتاب الامامة (30) وأحمد 4 / 192 وابن أبي شيبة 6 / 548 والبيهقي 4 / 158 والحميد (894) والطبراني في الكبير 17 / 107. (3) أخرجه أحمد 1 / 30، 3 / 151 ومسلم في كتاب الايمان باب 48 (182) وأبو عوانة 1 / 48 وابن أبي شيبة 14 / 461 والدارمي 2 / 231. (*)

[ 133 ]

في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدرونا لتغلي إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال " إن النهبة ليست بأحل من الميتة ". الباب السادس في أخذه - صلى الله عليه وسلم - الجزية ممن أبى الاسلام: روى الطبراني برجال الصحيح غير الحسين بن سلمة بن أبي كبشة وهو ضعيف عن السائب بن يزيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وأخذها عمر من مجوس فارس، فأخذها عثمان بن بربر (1) والله أعلم.


(1) المجمع (6 / 15). (*)

[ 134 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في العلم وذكر بعض مروياته وفتاويه الباب الاول في آدابه - صلى الله عليه وسلم - في العلم وفيه أنواع: الاول: في قوله صلى الله عليه وسلم (لا أدري). (والله أعلم) (إذا سئل عن شئ لا يعلمه): وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى والامام أحمد عن جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي البلاد شر ؟ فقال: لا أدري، فلما أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل، أي البلاد شر ؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي تبارك وتعالى، فانطلق جبريل، فمكث ما شاء الله ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أي البلاد شر، قلت: لا أدري، وإني سألت ربي تبارك وتعالى، فقلت: أي البلاد شر ؟ فقال: أسواقها. وروى أبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي البقاع خير ؟ قال: " لا أدري "، أو سكت، فأتاه جبريل، فسأله، فقال: لا أدري، فقال: سل ربك، قال: ما أسأله عن شئ وانتفض انتفاضة كاد يصعق منها صلى الله عليه وسلم فلما صعد جبريل صلى الله عليه وسلم قال الله - عز وجل: سألك محمد: أي البقاع خير ؟ فقلت: لا أدري، قال: نعم، قال، فحدثه أن خير البقاع المساجد، وأن شر البقاع الاسواق (1). وروى الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا ؟ وما أدري الحدود كفارات لاهلها أم لا (2). وروى أبو داود وبسند صحيح عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أدري تبع مسلم هو أم لا، وما أدري عزير نبي هو أم لا ". وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين عمن يموت منهم، وهو صغير، فقال، الله أعلم بما كانوا عاملين (3).


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 1 / 89، 80، 2 / 7 وانظر المجمع 4 / 76 المطالب العالية (500). (2) أخرجه البيهقي 8 / 329 وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2 / 50) والحاكم (2 / 450) والحاكم 1 / 36، 2 / 450 وابن الجوزي والبيهقي 1 / 329 ذاد المسير 7 / 347 وانظر كنز العمال (34086) (34087). (3) أخرجه البخاري 3 / 245 (1384) ومسلم 4 / 2049 (26 / 2659). (*)

[ 135 ]

تنبيه: الاول: أعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارات وأن تبعا مسلم كما روى الامام أحمد والبخاري والدارقطني عن خزيمة بن ثابت مرفوعا بإسناد حسن، وروى أحمد والطبراني بسند حسن عن سهل بن سعد مرفوعا: لا تسبوا تبعا، فإنه قد أسلم (1). الثاني: في تعقيبه صلى الله عليه وسلم الفطر إلى من سأل عن شئ أعجبه: وروى الامام أحمد والطبراني برجال ثقات عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بما يحل لي، وما يحرم علي، قال: فصعد المنبر، وأخذ يصوب في النظر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والاثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون (2). الثالث: في طرحه صلى الله عليه وسلم المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم: وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بجماد، فقال: أن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها وفي لفظ: وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر الوادي، وفي لفظ: البادية، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا، وفي لفظ: حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال: " هي النخلة "، قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لان تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا (3). الرابع: في تخوله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الموعظة والعلم كي لا ينفروا: وروى البخاري عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا (4). الخامس: في فتياه صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الدابة وغيرها: وروى البخاري عن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح ؟ فقال: اذبح، ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ؟ فقال ارم ولا حرج، فما


(1) أخرجه أحمد 5 / 340 والطبراني في الكبير 6 / 250 و 11 / 296 والخطيب في التاريخ 3 / 205 وانظر الدر المنثور 6 / 31 والبداية والنهاية 2 / 166 والمجمع 8 / 76. (2) أخرجه أحمد 4 / 194 وأبو نعيم في الحلية 8 / 172 والخطيب في التاريخ 8 / 445 وانظر المجمع 1 / 175. (3) أخرجه البخاري 1 / 36 رقم (72) ومسلم 4 / 2165 وابن عبد البر في جامع فضل العلم 1 / 119 والطبري في التفسير 13 / 137. (4) أخرجه البخاري 1 / 188 (68) عن ابن مسعود. (*)

[ 136 ]

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج (1). السادس: في إجابته صلى الله عليه وسلم بإشارة اليد والرأس: عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل في حجة الوداع، فقال: ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده وقال: لا حرج وقال: حلقت قبل أن أذبح وأومأ بيده ولا حرج (2) وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج "، قيل: يا رسول الله، وما الهرج، فقال بيده فحرفها كأنه يريد القتل رواهما البخاري (3). السابع: في ترجيعه صلى الله عليه وسلم بمن قعد عليه يطلب الخير: وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن وفد قيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من الوفد أو من القوم ربيعة ؟ فقال: مرحبا بالوفد أو بالقوم غير خزايا ولا ندامى الحديث، وتقدم بتمامه في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفود. الثامن: في غضبه صلى الله عليه وسلم في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكرهه: روى البخاري عن أبي مسعود الانصاري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة أشد غضبا منه يومئذ، فقال: أيها الناس، إنكم منفرون وفي رواية: " إن منكم منفرين "، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة. وعن زيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة، فقال: اعرف وكاها أو قال وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه، قال: فضالة الابل، فغضب حتى احمرت وجنتاه أو قال: احمر وجهه، فقال: ما لك ولها وفي لفظ: فما لك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر قدرها حتى يلقاها ربها، قال فضالة الغنم، قال: لك ولاخيك أو لذئب (4). وعن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثروا عليه غضب، ثم قال للناس: سلوني عما شئتم، قال رجل: من أبي قال: أبو حذافة، فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله ؟ فقال: أبوك سالم مولى شيبة، فلما رأى عمر ما في وجهه برك على ركبتيه، وقال: رضينا بالله ربا


(1) تقدم. (2) تقدم. (3) وأخرجه البخاري 1 / 182 وأحمد 2 / 261، 288 وابن عبد البر في الجامع 1 / 152. (4) أخرجه البخاري 5 / 84 (2429، 2436) ومسلم 3 / 1346 (1 / 1722). (*)

[ 137 ]

وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، يا رسول الله، إنا نتوب إلى الله - عز وجل - فسكت رواه البخاري (1). وروى مسدد وإسحاق وابن أبي شيبة عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا نبي الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان أم في غير رمضان ؟ قال: بل هي في رمضان، قلت: تكون مع الانبياء إذا كانوا، فإذا قبضوا رفعت، قال: بل هي إلى يوم القيامة، قلت: في أي رمضان ؟ قال: التمسوها في العشر الاوسط والعشر الاواخر ولا تسألوني عن شئ بعدها، ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت بحقي عليك لما أخبرتني في عشر أي هي، فغضب غضبا ما رأيته غضب مثله، فقال: التمسوها في السبع الاواخر الباقين ولا تسألني عن شئ بعدها (2). التاسع في إعادته صلى الله عليه وسلم الحديث ثلاثا ليفهم عنه. عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا: وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، حتى نفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم يسلم عليهم ثلاثا (3)، وعن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهفتنا الصلاة، صلاة العصر ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: ويل للاعقاب من النار مرتين أو ثلاثا رواه البخاري (4). العاشر: في جعله صلى الله عليه وسلم يوما للنساء على حقه في العلم: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار، فقالت امرأة: أو اثنين فقال: واثنين وفي لفظة أو ثلاثة لم يبلغوا الحنث رواه البخاري.


(1) أخرجه البخاري 1 / 34، 143، 9 / 117، 118 ومسلم في كتاب الايمان باب (1) حديث (7) وفي الفضائل باب 37 (136، 137، 138) وأحمد 1 / 278 وابن سعد 1 / 1 / 115 والطبراني في الكبير 5 / 55، 12 / 246. (2) ذكره الحافظ في المطالب (1038) وابن أبي شيبة 3 / 76 والمجمع 3 / 177 وابن كثير في التفسير 8 / 467 وبنحوه أخرجه عبد الرزاق (7709) وأحمد 5 / 171 والحاكم 1 / 433، 437 والبيهقي 4 / 307 والطحاوي في المعاني 3 / 85 وابن عبد البر في التمهيد 2 / 213. (3) تقدم. (4) أخرجه البخاري 1 / 143 (60) ومسلم 1 / 214 (26 / 241). (*)

[ 138 ]

الحادي عشر: في تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا: عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل فقال: يا معاذ بن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك وسعديك ثلاثا، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صدقا من قبله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال: إذن يتكلوا، وأخبر بها عند موته تأثما، وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، قال: ألا أبشر الناس ؟ قال، لا، إني أخاف أن يتكلوا. رواه البخاري (1). الثاني عشر: في إجابته صلى الله عليه وسلم السائل بأكثر مما سأله: عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم ؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا العمامة ولا السراويل والبرس ولا ثوبا مسه الورس أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين، رواه البخاري (2). الثالث عشر: في أخذه صلى الله عليه وسلم بيده بعض من سأله: روى الحارث وابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي قتادة وأبي الدهماء، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فجعل يعلمني مما علمه الله، فكان مما حفظت أن قال: لا تدع شيئا اتقاء الله الا أبدلك الله خيرا منه (3). الرابع عشر: في قعوده لاستماع قاص يقص عليه: روى الامام أحمد وأبو يعلى عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة لهم قاص يقص، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قص، ثم قال: لان أقعد هذا المقعد غدوة حتى تشرق الشمس أحب إلي من أعتق أربع رقاب (4). الخامس عشر: في اتخاذه صلى الله عليه وسلم ممليا ليعبر عنه: روى مسدد برجال ثقات عن هلال بن عامر المزني عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعلي - رضي الله عنه - أمامه


(1) أخرجه البخاري 1 / 226 (128) 6 / 58 (2856) (5967) ومسلم 1 / 58 (48، 49 / 30) (53 / 32). (2) تقدم. (3) ابن حجر في المطالب (3301). (4) أخرجه أحمد 5 / 261 والطبراني في الكبير 8 / 312 وانظر المجمع 1 / 190. (*)

[ 139 ]

يعبر عنه ما يقول، فجئت حتى دخلت بين شراك النبي صلى الله عليه وسلم وقدمه، فجعلت أعجب من بردها (1). روى أحمد وأبو داود مختصرا والطبراني برجال ثقات عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته، وكان رجلا صيتا، فقال: اصرخ، أيها الناس، أتدرون أي شهر هذا ؟ فصرخ، فقال الناس: الشهر الحرام، فقال: اصرخ، أي بلد هذا ؟ قالوا: البلد الحرام، قال: اصرخ، أي يوم هذا ؟ قالوا: الحج الاكبر، فقال: اصرخ، فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا وكحرمة بلدكم هذا... الحديث (2). السادس عشر: في إجابته صلى الله عليه وسلم الاول من السائلين: روى سعيد بن منصور وابن حبان عن ابن عمر وأبو الوليد الازرقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من الانصار جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كلمات أسأل عنهن قال: اجلس، وجاء آخر من ثقيف فقال: يا رسول الله، كلمات أسأل عنهن، فقال صلى الله عليه وسلم: " سبقك الانصاري "، فقال الانصاري: إنه رجل غريب، وإنه للغريب حقا فابدأ به، فأقبل على الثقفي فقال إن شئت أنبأتك عما كنت تسألني، وإن شئت تسألني وأخبرك فقال: يا رسول الله، أجبني عما كنت أسألك، قال: جئت تسألني عن الركوع والسجود والصلاة والصوم، فقال: لا، والذي بعثك بالحق، ما أخطأت، مما كان في نفسي شيئا فذكر الحديث ويأتي بطوله في المعجزات (3). السابع عشر: في إدنائه السائل إليه صلى الله عليه وسلم: وروى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال جاء شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، علمني دعاء أصيب به خيرا، قال: ادنه فدنا حتى كادت ركبته تمس ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل: اللهم اعف عني فإنك عفو تحب العفو، وأنت عفو كريم (4). تنبيهات الاول: قال الحافظ: وجه التشبيه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق، ما رواه الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه قال: كنا عند


(1) وأبو داود (4073). (2) أخرجه الطبراني في الكبير 5 / 64، 11 / 172 وانظر المجمع 3 / 270، 271. (3) أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (963). (4) تقدم. (*)

[ 140 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال " أن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة، أتدرون ما هي ؟ " قالوا: لا، قال: " هي النخلة، لا تسقط لها أنملة، ولا يسقط للمؤمن دعوة " (1). ووقع عند المصنف في باب الاطعمة من طريق الاعمش، قال: حدثني مجاهد عن ابن عمر، قال: بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بجمار فقال: إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم وهذا أعم من الذي قبله، وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس، يؤكل أنواعا ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال وغير ذلك، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الاحوال وغيرها، ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته ثم قال: قال القرطبي: موقع التشبيه بينهما من جهة أن دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للارواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورا بدينه، وأنه ينتفع بكل ما صدر منه حيا وميتا انتهى، وقال غيره: والمراد بكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله، وروى البزار من طريق سفيان بن حسن عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن مثل النخلة، ما أتاك منها نفعك، هكذا أورده (2)، وإسناده صحيح، وقد أفصح بالمقصود بأوجز عبارة، وأما من زعم أن موقع التشبيه من جهة كون النخلة إذا وقع رأسها ماتت، أو أنها لا تحمل حين تلقح، أو أنها تموت إذا غرقت، أو لان لطلعها رائحة مني الادميين، أو لكونها تعشق، أو لكونها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة، لان جميع ذلك من المتشابهات مشترك بالادميين، لا يختص بالمسلم، وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خلقت من فضلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، وقول سيدنا عمر أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا، زاد ابن حبان في صحيحه: أحسبه قال: حمر النعم، وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى من تبليغه لهم إن لم يفهموه. وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاغلوطات (3)، قال الاوزاعي أحد رواته: هي صعاب المسائل، إن ذلك محمول على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنت المسؤول أو تعجيزه وفيه التحريض على الفهم في العلم، وفيه دليل على بركة النخلة وما تثمره، وفيه دليل على أن بيع الجمار جائز، لان كل ما جاز أكله جاز بيعه وفيه دليل على جواز تجمير النخل، وفيه ضرب من الامثال، والاشباه لزيادة الافهام وتصوير المعاني لترسخ في الذهن ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة، وفيه إشارة أن من تشبيه


(1) ذكره الحافظ في المطالب (2419). (2) انظر المجمع 1 / 83 والمطالب (2891) والبخاري في التاريخ 7 / 248 والحاكم 1 / 75، 4 / 513. (3) وأخرجه سعيد بن منصور في السنن (1179) والطبراني في الكبير 19 / 389. (*)

[ 141 ]

الشئ بالشئ لا يلزم أن يكون نظيره في جميع وجوهه، فإن المؤمن، لا يماثله شئ من الجمادات ولا يعادله، وفيه توقير الكبير وتقدم الصغير إياه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه وإن ظن أنه الصواب، وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه، لان العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء واستدل به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير لا يقدح فيها إذا كان أصلها الله وذلك مستفاد من تمني عمر المذكور، ووجه تمني عمر ما طبع الانسان عليه من محبة الخير لنفسه ولولده، وليظهر فضيلة الولد في الفهم في صغره، وليزداد من النبي صلى الله عليه وسلم حظوة، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم وفيه الاشارة إلى حقارة الدنيا في عين عمر، لانه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحمر النعم، مع عظم مقدارها وغلاء ثمنها. انتهى كلام الحافظ مع تقديم وتأخير. الثاني: قوله " يتخولنا " بالخاء المعجمة أي يتعهدنا. والموعظة: النصح والتذكير، قال الحافظ: قال الخطابي: الخائل: بالخاء المعجمة هو القائم المتعهد للمال، يقال خال يخوله تخولا إذا تعهده وأصلحه، والمعنى كان يراعي الاوقات في تذكيره، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا نمل، والتخون بالنون أيضا وحكى الهروي في الغربيين يتحولنا - بالحاء المهملة أي يتطلب أحوالنا التي ننشط فيها للموعظة، قلت: والصواب من حيث الرواية الاول. وقوله " علينا " أي الطارئة علينا أو ضمن السآمة معنى المشقة فعداها بعلى، والصلة محذوفة، والتقدير من الموعظة (1). الثالث: قوله: " الفتيا " قال الحافظ: (بضم الفاء)، فإن قلت: الفتوى فتحتها، والمصادر الاتية فوزن فتيا قليلة مثل تقيا ورجعى، وقوله: فجاءه رجل لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده، والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدا لكثرة من سأل إذ ذاك، وقوله " ولا حرج " أي لا شئ عليك من الاثم لا في الترتيب ولا في ترك الفدية، هذا ظاهر، وقول بعض الفقهاء: المراد في الاثم فقط، وفيه نظر لان في بعض الروايات الصحيحة: ولم يأمر بكفارة. الرابع: قوله " لا أكاد أدرك الصلاة " قال الحافظ: قال القاضي عياض: ظاهره مشكل، إذ


(1) ذكر المصنف قوله وهي نقلا عن الحافظ من حديث. عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " لما كانت النذارة هي في ابتداء التعليم توجب النفرة، قوبلت البشارة بالتنفير، والمراد تأليف من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، كما أن الزجر عن المعاصي يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لان الشئ إذا كان في ابتداؤه سهلا حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف قصده انتهى.

[ 142 ]

التطويل يقتضي الادارك لا عدمه، قال: فكأن الالف زيدت بعد " لا " قلت: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية. وقال أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كان به ضعف وكان إذا طول به الامام في القيام لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة قلت: وهو معنى حسن، لكن رواه المصنف عن الفريابي عن سفيان بهذا الاسناد بلفظ: " إني لاتأخر عن الصلاة " أي لا أقرب من الصلاة في الجماعة بل أتأخر أحيانا من أجل التطويل. الخامس: قوله " لم يبلغوا الحنث " قال الحافظ: المعنى أنهم قد ماتوا قبل أن يبلغوا، لان الاثم إنما يكتب بعد البلوغ فكأن السر فيه إنما أنه لا ينسب إليهم إذ ذاك عقوق فيكون الحزن عليهم، وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعاليم من أمور دينهم، وجواز كلام النساء مع الرجال في ذلك، وفيه جواز الوعد، وأن أطفال المسلمين في الجنة، وإن من له ولد إن حجباه من النار، ولا اختصاص لذلك بالنساء انتهى وكذلك لم يبلغ الحنث. السادس: قوله " صدقا " قال الحافظ، احتراز من شهادة المنافق قال الطيبي: " صدقا " هنا أقيم مقام الاستقامة، لان الصدق يعبر عنه قولا من مطابقة القول المخبر عنه، ويعبر به فعلا عن تحري الاخلاق المرضية، كقوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (الزمر / 33) أي خفف ما أورده قولا بما تحراه فعلا انتهى، وأراد بهذا التقرير رفع الاشكال عن ظاهر الخبر، لانه يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن دلت الادلة القطعية عند أهل السنة على أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون، ثم يخرجون من النار بالشفاعة، فعلم أن ظاهرة غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مقيد بمن عمل الاعمال الصالحة، ولاجل خفاء ذلك لم يؤذن في التبشير به. وقد أجاب العلماء عن الاشكال أيضا بأجوبة أخرى منها: أن مطلقه مقيد بمن قالها تاما ثم مات على ذلك، ومنها إن ذلك كان قبل نزول أكثر الفرائض، وفيه نظر، لان مثل هذا الحديث وقع لابي هريرة، كما رواه مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا أورد نحوه من حديث أبي موسى رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة. ومنها أنه خرج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة، ويجتنب المعصية. ومنها أن المراد بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا أصل دخولها. ومنها أن المراد بالنار التي أعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين.

[ 143 ]

ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته، لان (المراد) أن النار لا تأكل موضع السجود من المسلم، كما ثبت في حديث الشفاعة أن ذلك محرم عليها، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد والعلم عند الله. وقوله: " إذا يتكلوا " - بتشديد المثناة المفتوحة وكسر الكاف - وهو جواب وجزاء، أي إن أخبرتهم يتكلوا، وللاصيلي وللكشميني " ينكلوا " بإسكان النون وضم الكاف أي يمتنعوا من العمل اعتمادا على ما يتبادر من ظاهره. وروى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر، فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله، أنت أفضل رأيا، إن الناس إذا سمعود ذلك اتكلوا عليها قال: فرده (1)، وهذا معدود من موافقات عمر - رضي الله تعالى عنه -، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله عليه وسلم واستدل بعض متكلمي الاشاعرة، من قوله " يتكلوا " على أن للعبد اختيارا كما سبق في علم الله. وقوله " تأثما " هو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة أي خشية الوقوع في الاثم الحاصل في كتمان العلم، ودل صنع معاذ على أن النهي في التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلا لما كان يخبر به أصلا، أو عرف أن النهي مقيد بالاشكال، وأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وإذا زال القيد زال المقيد، والاول أوجه، لكونه أخر ذلك إلى وقت موته، وقال القاضي عياض: لعل مراد " معاذ " لم يفهم النهي، لكن كسر عزمه كما عرض له من تبشيرهم. قلت: والرواية الاتية صريحة في النهي، فالاولى ما تقدم، وفي الحديث جواز الارداف وإثبات تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة معاذ بن جبل من العلم، لانه خصه بما ذكر، وفيه جواز استفسار الطالب عما تردد فيه واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده. وقوله " من لقي الله " أي من لقي الاجل الذي قدره الله يعني الموت وقوله " لا يشرك به " اقتصر على نفي الاشراك لانه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسول الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك. انتهى. السابع: قوله: " لا يلبس " قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد، في الحديث: العدول عما لا ينحصر إلى ما ينحصر طلبا للايجار، لان السائل سأل عما يلبس فأجيب بما لا يلبس، إذ الاصل الاباحة، ولو عدد له ما يلبس لطال، بل كان لا يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه فيظن اختصاصه بالمحرم.


(1) انظر كشف الاستار 1 / 12. (*)

[ 144 ]

الثامن: في بيان غريب ما سبق: مكث - بتثليث الميم وسكون الكاف وبالمثلثة - اللبث. البلاد - جمع بلد وهو كل قطعة من الارض مستحيزة عامرة أو غير عامرة. البقاع - جمع بقعة وهي بضم الموحدة وتفتح وقاف ساكنة فعين مهملة فتاء تأنيث القطعة من الارض على غير هيئة التي بجنبها. الاسواق - جمع سوق وقد تقدم. كاد - قرب. يصعق - يموت. صوب النظر: (وجهه). البوادي: جمع بادية. مرحبا: تقدم تفسيره في الوفود في باب وفودهم عليه صلى الله عليه وسلم. الوكا - بالواو مكسورة ثم كاف - ما يربط به. والعفاص - بكسر العين المهملة وبالفاء والصاد المهملة - هو الوعاء - بكسر الواو. سقاؤها - بكسر أوله المراد به أجوافها أنها تشرب فتكتفي بذلك أياما. حذاؤها - بكسر المهملة ثم ذال ومعجمة - المراد به ها هنا خفها. ارهقتنا - أي أدركتنا. الورس - بواو مفتوحة فراء ساكنة - نبت طيب الرائحة في اليمن كان يصبغ به كالزعفران.

[ 145 ]

الباب الثاني في بعض ما فسره - صلى الله عليه وسلم - من القرآن قال شيخنا - رحمه الله تعالى - في (الاتقان). ولنختمه بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفاسير المصرح برفعها إليه غير ما ورد من أسباب النزول لتستفاد فإنها من المهمات وها أنا ذاكر خلاصة ما ذكره هنا. روى الامام أحمد والترمذي، وحسنه وابن حبان في صحيحه عن عدي بن حيان - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المغضوب عليهم هم اليهود وإن الضالين هم النصارى " (1). وروى ابن مردويه عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين: قال: النصارى (2). وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل لبني إسرائيل: (ادخلو الباب سجدا وقولوا حطة) (البقرة / 58) فدخلوا يزحفون على أستاهم، وقالوا حبة في شعيرة ؟ فيه تفسير قوله: " قولا غير الذي قيل لهم " (3). وروى الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ويل " واد في جهنم يهوي فيه الكافر، أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره (4). وروى الامام أحمد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة " (5). وروى الامام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (البقرة / 143).


(1) أحمد 4 / 378 والطبراني في الكبير 17 / 100 والترمذي (2954) وأخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1715) وانظر المجمع 1 / 48 والطبري في التفسير 1 / 61 والسيوطي في الدر المنثور 1 / 16 وابن كثير 1 / 46 والبغوي في التفسير 1 / 61. (2) ذكره السيوطي في الاتقان (4 / 214) وانظر الحاكم 1 / 263. (3) أخرجه البخاري 8 / 164 ومسلم في التفسير (1) وأحمد 2 / 318 والخطيب في التاريخ 2 / 266 والبغوي في التفسير 1 / 64 وابن كثير 1 / 141 والقرطبي 1 / 411 والدر المنثور 1 / 71. (4) أخرجه الترمذي (2383) وابن ماجه (256). (5) أخرجه أحمد 4 / 75 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1723) والطبراني في التفسير 2 / 353، 3 / 182 وابن كثير 1 / 231، 2 / 33، 6 / 317 وانظر المجمع 6 / 320. (*)

[ 146 ]

قال: الوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم (1). وروى أبو الشيخ (والديلمي) عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (فاذكروني أذكركم) (البقرة / 152) يقول: " اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي " (2). وروى الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) (البقرة / 159) قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (3). وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود والامام أحمد والترمذي وصححه عن سمرة وابن جرير عن أبي هريرة وعن أبي مالك الاشعري - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الصلاة الوسطى صلاة العصر " (4). وروى الامام أحمد وغيره عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (فأما الذين في قولبهم زيغ) (آل عمران / 7) قال: هم الخوارج، وفي قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (آل عمران / 106) قال: هم الخوارج (5). وروى الحاكم: وصححه عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (اتقو الله حق تقاته) (آل عمران / 102) أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى (6). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله: " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه " فيقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الاية (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) (آل عمران / 180) الاية (7). وروى الحاكم وصححه عن عياض الاشعري قال: لما نزلت (فسوف يأتي الله بقوم


(1) انظر الاتقان للسيوطي 4 / 215 وبمعناه أخرجه البخاري 6 / 371 (3339) (7349). (2) انظر الدر المنثور 1 / 148 والاتقان (1). (3) انظر المجمع 3 / 218، 6 / 318 وهو عند الخطيب في التاريخ 5 / 63 وأبو نعيم في تاريخ اصفهان 1 / 120. (4) أخرجه الترمذي 1 / 340 (181) وقال حسن صحيح. ومن حديث علي أخرجه البخاري 8 / 195 (4533) ومسلم 1 / 437 (205 / 627). (5) أخرجه أحمد 5 / 262 والطبراني في الكبير 325 وانظر المجمع 6 / 233، 327 والسيوطي في الدر المنثور 2 / 5، 66. (6) انظر المجمع 6 / 326 وابن الجوزي في زاد المسير 1 / 431 والسيوطي في الدر 2 / 59 وابن كثير في التفسير 2 / 72. (7) أخرجه البخاري 3 / 268 (1403). (*)

[ 147 ]

يحبهم ويحبونه) (المائدة / 54) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم قوم هذا (1). وروى الطبراني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله (أو كسوتهم) (المائدة / 89) قال: عباءة لكل مسكين (2). وروى الامام أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: لما نزلت هذه الاية (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الانعام / 82) شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه ؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ؟: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان / 13) إنما هو الشرك (3). وروى ابن مردويه والنحاس في تاريخه عن ابي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) (الانعام / 141) قال: ما سقط من السنبل (4). وروى الطبراني وغيره بسند جيد عن عمر بن الخطاب والطبراني بسند صحيح عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) (الانعام / 159) أهل البدع والاهواء من هذه الامة (5). وروى الامام أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر العبد الكافر إذا قبضت روحه، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملا من الملائكة، إلا وقالوا: ما هذا الروح الخبيث ؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تفتح لهم أبواب السماء) (الاعراف / 40) فيقول الله: " اكتبوا كتابه في سجين في الارض السفلى، فيطرح روحه طرحا "، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (6) (الحج / 31). وروى أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده، قال: الالواح التي أنزلت


(1) أخرجه ابن أبي شيبة 12 / 123 والطبراني في الكبير 17 / 371 وابن مسعود 4 / 1 / 79 وأبو نعيم في التاريخ 1 / 59 وابن حجر في المطالب (3598) وانظر المجمع 7 / 16 وابن الجوزي في الزاد 2 / 381 والسيوطي الدر 2 / 292. (2) ابن كثير في التفسير 3 / 167. (3) انظر الاتقان 4 / 221 والبخاري 8 / 144 (4629). (4) السيوطي في الدر المنثور 3 / 49 وابن كثير في التفسير 3 / 242 والاتقان 2214. (5) انظر الاتقان 3 / 223. (6) انظر الاتقان 4 / 223. (*)

[ 148 ]

على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثني عشر ذراعا (1). وروى أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس) (الانفال / 26) قيل يا رسول الله، ومن الناس ؟ قال: أهل فارس (2). وروى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (الانفال / 60) ألا وإن القوة الرمي (3). وروى أبو الشيخ من طريق أبي المهدي عن أبيه عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم والطبراني من حديث يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده مرفوعا في قوله (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم) (الانفال / 60) قال: هم الجن (4). وروى ابن جرير عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " السائحون: الصائمون " (5). وروى مسلم عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (يونس / 26) الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى ربهم (6). وروى ابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (يونس / 26) الحسنى شهادة أن لا إله إلا الله، الحسنى: الجنة، وزيادة: النظر إلى الله (7). وروى أبو الشيخ وغيره عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (قل بفضل الله وبرحمته) (يونس / 58) قال: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله (8). وروى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله بن وثاب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) (الرعد / 39) قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الاجل ويزيد فيه (9).


(1) الدر المنثور 3 / 120 والاتقان (4 / 224). (2) السيوطي في الدر 3 / 177 وانظر كنز العمال (34138). (3) أخرجه مسلم 3 / 1522 (167 / 1917). (4) ابن حجر في المطالب (3630) الاتقان 4 / 226 وابن الجوزي في زاد المسير 3 / 375 والسيوطي في الدر 3 / 198. (5) أخرجه الطبراني 11 / 38 والسيوطي في الدر 3 / 281 وابن كثير 4 / 157 وانظر الكنز (2904) والمجمع 7 / 34. (6) أخرجه مسلم 1 / 163 (297، 298 / 181). (7) أخرجه الطبراني في التفسير 11 / 75 وأبو نعيم في الحلية 5 / 204 وابن كثير في التفسير 4 / 199، 439 وانظر الدر المنثور 3 / 305. (8) انظر المجمع 10 / 407 وانظر الاتقان (4 / 227). (9) انظر الدر المنثور 4 / 66 وابن سعد 3 / 2 / 114 وابن كثير 4 / 391 والاتقان 4 / 231. (*)

[ 149 ]

وروى الترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان وغيرهم عن أنس والامام أحمد وابن مردويه بسند جيد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة) (إبراهيم / 24) قال: هي النخلة، وفي لفظ: هي التي لا ينقص ورقها في النخلة وفي لفظ: " ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة " قال: هي الحنظل (1). وروى الائمة أي الستة عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم إذا سئل في القبر (يشهد) (1) أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فذلك (قوله) (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة) (2) (إبراهيم / 27). وروى الطبراني في الاوسط والبزار وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول الله: (يوم تبدل الارض غير الارض) (إبراهيم / 48) قال أرضا بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة (3). وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " (4). وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (الحجر / 92 - 93) قال: عن قول لا إله إلا الله (5). وروى الحاكم في التاريخ والديلمي عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) (الاسراء / 70) قال: الكرامة الاكل بالاصابع (6). وروى ابن مردويه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم) قال: الكرامة الاكل بالاصابع (7). وروى ابن مردويه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله


(1) أخرجه الترمذي (2867، 1319) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1748) والحاكم 2 / 352 وانظر الدر المنثور 3 / 312. (2) أخرجه البخاري 3 / 231 (1369، 4699) ومسلم 4 / 2201 (73، 74 / 2871). (3) أخرجه الطبراني في الكبير 10 / 199 وانظر المجمع 7 / 45، 10 / 345 وأبو نعيم في الحلية 4 / 348 وانظر الدر المنثور 4 / 90 وابن كثير 4 / 438. (4) انظر الاتقان 4 / 233 وأخرجه من حديث أبي سعيد الخدري البخاري في التفسير 8 / 156 (4474) (4703) (5006) وانظر تفسير ابن كثير 4 / 465 والطبري 14 / 40. (5) أخرجه الترمذي (3126) وأبو نعيم في الحلية 3 / 95 والقرطبي في التفسير 10 / 60. (6) السيوطي في الدر المنثور 4 / 193 الاتقان 4 / 234. (7) انظر المصدرين السابقين. (*)

[ 150 ]

تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (الاسراء / 71) قال لزوال الشمس (1). وروى البزار وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دلوك الشمس زوالها " (2). وروى الامام أحمد والترمذي وصححه والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إن قرآن الفجر كان مشهودا) (الاسراء / 78) قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (3). وروى الامام أحمد وغيره عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (الاسراء / 79) قال: هو المقام الذي أشفع فيه لامتي، وفي لفظ: هو الشفاعة (4). وروى الامام أحمد والترمذي عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (بماء كالمهل) (الكهف / 29) قال: كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه (5). وروى الامام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الباقيات الصالحات) (الكهف / 46) التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله (6). وروى الامام أحمد عن النعمان بن بشير مرفوعا، سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله هي الباقيات الصالحات (7). وروى البزار بسند جيد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (فإن له معيشة ضنكا) (طه / 124) قال: عذاب القبر (8). وروى الامام أحمد والترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله (وهم فيها كالحون) (المؤمنون / 104) قال: تشوبه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته (9).


(1) انظر الاتقان (4 / 234). (2) انظر المجمع 7 / 51. (3) أخرجه أحمد 2 / 474 والترمذي 5 / 302 (3135) وابن ماجه 1 / 220 (670) ومثله أخرجه البخاري 2 / 137 (648). (4) أخرجه أحمد 2 / 441، والسيوطي في الدر المنثور 4 / 197. ومن حديث أنس أخرجه البخاري 11 / 417 (6565) ومسلم 1 / 180 (322 / 193). (5) أخرجه الترمذي (2581، 2584، 2322) والحاكم 2 / 501، 4 / 604. (6) انظر الدر المنثور 4 / 225. (7) أحمد 5 / 10، 11. (8) انظر المجمع 3 / 55 وانظر الاتقان. (8) انظر المجمع 3 / 88 والترمذي 4 / 708 (2587) (3176) وقال حسن صحيح وأخرجه أبو يعلى في المسند 2 / 516 (393 / 1367) والحاكم 2 / 246، 395. (*)

[ 151 ]

وروى ابن جرير عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) (السجدة / 16) قال: قيام العبد من الليل (1). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) (السجدة / 23) قال: جعلنا موسى هدى لبني إسرائيل في قوله: (فلا تكن في مرية من لقائه) (السجدة / 23) قال: من لقاء موسى ربه (2). وروى الترمذي عن معاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طلحة ممن قضى نحبه (3). وروى الامام أحمد وغيره عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) (فاطر / 32) قال فأما الذين سبقوا: فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا: فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذين يحاسبون في طول المحشر، ثم هم الذين تلقاهم اللهم برحمته، فهم الذين يقولون (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن...) (فاطر / 34) (4). وروى الطبراني وابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم القيامة، قيل: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله: (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) (فاطر / 37) (5). وروى النسائي والبزار وأبو يعلى وغيرهم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا هذه الاية (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (فصلت / 30) قد قالها ناس من الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت، فهو من استقام عليها (6). وروى الامام أحمد وغيره عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ؟ وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فما أصابكم من مصيبة فبما كسبت


(1) أخرجه أحمد 5 / 232، 342 وانظر المجمع 7 / 90 والدر المنثور 2 / 221، 5 / 170 وذاد المسير 6 / 337 والاتقان 4 / 240. (2) انظر الاتقان 4 / 240. (3) أخرجه الترمذي (3302) (3740) وابن ماجه (127) وابن سعد 3 / 1 / 156 وابن أبي عاصم 2 / 613 والطبراني في الكبير 19 / 325 وانظر الدر المنثور 5 / 191. (4) انظر المجمع 7 / 95. (5) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3 / 270 والسيوطي في الدر المنثور 5 / 254 وابن كثير في التفسير 6 / 539. (6) أخرجه الطبري في التفسير 24 / 73 وابن عاصم 1 / 15 والسيوطي في الدر 5 / 363 والقرطبي 5 / 357. (*)

[ 152 ]

أيديكم ويعفو عن كثير) (الشورى / 30) وسأفسرها لك يا علي، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة في الاخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه (1). وروى ابن جرير عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات مؤمن في غربة، غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والارض ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (فما بكت عليهم السماء والارض) (الدخان / 29) قال: إنهما لا يبكيان على كافر (2). وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله (أو أثارة من علم) (الاحقاف / 4) قال: الخط (3). وروى الترمذي وابن جرير عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله (وألزمهم كلمة التقوى) (الفتح / 26) قال: لا إله إلا الله (4). وروى البزار عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال (والذاريات ذروا) (الذاريات / 1) وهي الرياح (فالجاريات يسرا) (الذاريات / 3) هن السفن، (فالقسمات أمرا) (الذاريات / 4) هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قتله (5). وروى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار "، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) (6) (الطور / 21). وروى ابن أبي حاتم والبخاري في التاريخ وابن ماجه وابن أبي عاصم والبزار وابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) (الرحمن / 29) قال: من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين (7). وروى الحسن بن سفيان وأبو داود والامام أحمد وابن جرير عن عبد الله بن منيب قال: تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية: (كل يوم هو في شأن) فقلنا: يا رسول الله، وما


(1) أخرجه أحمد 1 / 85 والاتقان 4 / 244. (2) انظر تفسير ابن كثير 7 / 239 والدر المنثور 6 / 30 والاتقان 4 / 245. (3) الاتقان 4 / 245. (4) الترمذي (3232، 3265). (5) انظر المجمع 7 / 113 والسيوطي في الدر 6 / 111 والاتقان 4 / 245. (6) الاتقان 4 / 246. (7) انظر المجمع 7 / 117 وابن كثير 7 / 470. (*)

[ 153 ]

ذلك الشأن ؟ قال: " يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين " (1). روى الشيخان عن أبي موسى الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما " (2). وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن في الجنة شجرة يسير في ظلها الراكب مائة عام، لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم (وظل ممدود) (3) (الواقعة / 30). وروى الترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وفرش مرفوعة) (الواقعة / 34) قال: ارتفاعها كما بين السماء ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام (4). وروى ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عربا ": كلامهن عربي (5). وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (ولا يعصينك في معروف) (الممتحنة / 12) قال: النوح (6). وروى الامام أحمد والترمذي عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصعود جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي به كذلك (7). وروى الامام أحمد والترمذي وحسنه والنسائي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (أهل التقوى وأهل المغفرة) (المدثر / 56) فقال: قال ربكم: " أنا أهل أن أتقى فلا تجعل معي إلها غيري فمن اتقى أن يجعل معي إلها غيري كان أهلا أن أغفر له " (8). وروى الامام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن


(1) انظر المصدار السابقة. (2) أخرجه البخاري 6 / 181، 182 ومسلم في كتاب الايمان (296) وابن ماجه (186) وابن أبي عاصم 1 / 272 والدولابي 2 / 70 وانظر الدر المنثور 6 / 146 وزاد المسير 5 / 199، 8 / 120 وابن كثير 4 / 115. (3) أخرجه الدارمي 2 / 338 وأحمد 2 / 404، 438 وعبد الرزاق (20876) والحميدي (1138). (4) أخرجه أحمد 3 / 75 والترمذي 4 / 679 (2540) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 653 (2628). (5) انظر الاتقان (4 / 248). (6) أخرجه ابن ماجه (1579) وأحمد 6 / 320 وابن حجر في المطالب 3775 وانظر المجمع 70 / 123 في قوله تعالى في سورة المدثر " سأرهق صعودا ". (7) أخرجه الترمذي (5 / 400) وانظر الاتقان 4 / 251. (8) أخرجه أحمد 3 / 42 والدارمي 2 / 303 والبغوي في التفسير 7 / 181 وابن الجوزي في زاد المسير 8 / 414 والخطيب في التاريخ 5 / 52 والسيوطي في الدر 6 / 287 وابن كثير 8 / 299. (*)

[ 154 ]

تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (1) (المطففين / 4). وروى ابن جرير عن أبي مالك الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اليوم الموعود: يوم القيامة، وشاهد: يوم الجمعة، ومشهود: يوم عرفة، وله شواهد " (2). وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور الله، فيه من كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، يفعل ما يشاء " (3). وروى البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (قد أفلح من تزكى) (الاعلى / 14) قال: من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الانداد، وشهد أني رسول الله، (وذكر اسم ربه فصلى) (الاعلى / 15) قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها (4). وروى البزار عن ابن عباس قال: لما نزلت (إن هذا لفي الصحف الاولى) (الاعلى / 18) قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كان هذا أو كل هذا في صحف إبراهيم وموسى " (5). وروى الترمذي عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، قال: " الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر " (6). وروى ابن أبي حاتم من طريق جرير بن الضحاك عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: (قد أفلح من زكاها) (الشمس / 9) أفلحت نفس زكاها الله (7). وروى ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قوله (إن الانسان لربه لكنود) (العاديات / 6) الكنود: الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده (8). وروى عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألهاكم التكاثر) (التكاثر / 1) عن الطاعة (حتى زرتم المقابر) (التكاثر / 2) حتى يأتيكم الموت (9).


(1) أخرجه أحمد 2 / 297 والترمذي 5 / 434 (3334) وقال حسن صحيح وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (418) وابن ماجه (4244) والطبري 30 / 62 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2448) والحاكم 2 / 517. (2) وأخرجه من حديث أبي هريرة أحمد 2 / 298، 299 والترمذي 5 / 436 (3339) والطبراني في الكبير 3 / 338 وأخرجه الطبري في التفسير 30 / 82 وانظر الدر المنثور 6 / 331، 332. (3) الطبراني في الكبير 12 / 72 وانظر تفسير ابن كثير 8 / 394 واللالئ المصنوع 1 / 11. (4) انظر المجمع 7 / 137 وانظر تفسير ابن كثير 8 / 403 والقرطبي 20 / 22. (5) الاتقان 4 / 254. (6) أخرجه أحمد 4 / 437 والاتقان 4 / 254. (7) ذكره السيوطي في الدر 6 / 357 وابن كثير 8 / 435. (8) أخرجه الطبراني في الكبير 8 / 222، 292 والسيوطي في الدر 9 / 209 وانظر فتح الباري 8 / 727 والقرطبي 20 / 160 وابن كثير 1 / 30، 3 / 313، 8 / 488. (9) السيوطي في الدر المنثور 6 / 387 والاتقان عن ابن أبي حاتم 4 / 255. (*)

[ 155 ]

وروى الامام أحمد عن جابر بن عبد الله، قال: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطبا، وشربوا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من النعيم الذي تسألون عنه (1). وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (لتسألن يومئذ عن النعيم) (التكاثر / 8) قال: الامن والصحة (2). وروى ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إنها عليهم مؤصدة) (الهمزة / 8) قال مطبقة (3). وروى الامام أحمد والترمذي وصححه والنسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأراني القمر حين طلع، وقال: تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب (4). وروى أبو يعلى عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله: " إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم "، قال: " فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس، الخناس " (5). تنبيه: قال الشيخ: صرح ابن تيمية أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر لاصحابه جميع القرآن أو غالبه ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر أنه قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها (6)، دل فحوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كل ما ينزل، وأنه إنما لم يفسر هذه الاية لسرعة موته بعد نزولها وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه، وأما ما أخرجه البزار عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعد أن علمه إياهن جبريل (7)، فهو حديث منكر كما قاله ابن كثير وأوله ابن جرير على أنها أشارت إلى آيات مشكلات أشكلت عليه، فسأل الله علمهن، فأنزل الله عليه على لسان جبريل عليه السلام.


(1) أخرجه النسائي في الوصايا باب 4 وأخرجه أحمد 3 / 338، 351، 391 وابن حبان الهيثمي في الموارد (2531) والطحاوي في المشكل 1 / 195 والطبراني في الصغير 1 / 69 والبيهقي في الدلائل 1 / 362 والطبراني في التفسير 30 / 185. (2) انظر الاتقان (4 / 255). (3) الاتقان 4 / 256. (4) أخرجه أحمد 6 / 61، 206 وابن السني (632) والطبري 30 / 227 وابن كثير 8 / 555. (5) أخرجه ابن عدي في الكامل 3 / 1044 وذكره الحافظ في المطالب (3384) وانظر المجمع 7 / 149 والسيوطي في الدر 6 / 420 وابن كثير 8 / 588 والقرطبي 20 / 262. (6) انظر الاتقان 4 / 258. (7) انظر الاتقان (4 / 258). (*)

[ 156 ]

الباب الثالث في بعض مروياته عن ربه - عز وجل - وتسمى الاحاديث القدسية الاول: روى الامام أحمد وهناد والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا به عمى، فقال: أبشر، فإن الله تعالى يقول: " هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا فتكون حظه من النار يوم القيامة " (1). الثاني: روى الامام أحمد وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أبشروا يا معشر المسلمين، أبشروا هذا ربكم، قد فتح عليكم بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة "، يقول: " انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى " (2). الثالث: روى الطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: " يا بن آدم، اضمن لي ركعتين من أول النهار أكفك آخره " (3). ورواه الامام أحمد وأبو داود عن نعيم بن همار والطبراني في الكبير عن النواس بلفظ: " لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " ورواه الامام أحمد عن كثير بن مرة والترمذي عن أبي الدرداء بلفظ: " يا بن آدم، صل أربع ركعات " (4). الرابع: روى عبد الرزاق وأحمد وعبد ابن حميد والترمذي والطبراني عن معاذ بن جبل والطبراني وابن مردويه عن أبي لبابة والطبراني وابن مردويه عن أبي رافع والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب والطبراني في السنة وابن مردويه عن جابر بن سمرة والحكيم الترمذي والطبراني في السنة، والخطيب عن أبي عبيدة عامر بن الجراح والحكيم والطبراني عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي والامام أحمد عنه عن بعض الصحابة والحكيم والبزار والطبراني في السنة عن ثوبان قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتاني ربي - تبارك وتعالى - في أحسن صورة، أحسبه قال في المنام "، فقال: يا محمد، انظر فيما يختصم الملا الاعلى، قلت لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات والارض، فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملا الاعلى ؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات،


(1) أخرجه الترمذي (2088) وابن ماجه (3470) والحاكم 1 / 345 وأبو نعيم في الحلية 6 / 86. (2) أخرجه أحمد 2 / 186، 187، 208 وأبو نعيم 6 / 54 وابن ماجه (801) وقال البوصيري في الزوائد إسناده ورجاله ثقات. (3) تقدم. (4) تقدم وانظر أحمد 4 / 53 / 55 / 286. (*)

[ 157 ]

والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الاقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على المكاره، قال: صدقت يا محمد، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد، إذا صليت، فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة، فأقبضني إليك غير مفتون، قال: والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام (1). الخامس: روى الامام أحمد والطبراني عن أبي واقد الليثي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله - عز وجل قال: " إن أنزلنا المال لاقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لاحب أن يكون له ثان، ولو كان له واديان لاحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب " (2). السادس: روى الطبراني عن أبي مالك الاشعري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: من انتدب خارجا في سبيلي غازيا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانا برسلي، فهو ضامن على الله - عز وجل - إما أن يتوفاه في الجيش بأي حتف شاء، فيدخله الجنة، وإما يسبح في ضمان الله - عز وجل - وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر وغنيمة " (3). السابع: روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله الذي يمشي بها، وإن سألني لاعطينه وإن استعاذني لاعيذنه ". الثامن: روى أيضا عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه - عز وجل - قال: " إذا تقرب إلي العبد شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة " (1).


(1) أخرجه أحمد 1 / 368 و 375، 4 / 66 وابن أبي عاصم 1 / 204 والطبري 7 / 162 والترمذي (3234) والطبراني في الكبير 8 / 349 والسيوطي في الدر 5 / 319 وابن كثير 7 / 425 وانظر الكنز (4431) والمجروحين لابن حبان 3 / 135. (2) أخرجه أحمد 5 / 219، 3 / 247 والطبراني في الكبير 5 / 208 وفي الصغير 5 / 208 وفي الصغير 1 / 139 وانظر المجمع 10 / 243. (3) تقدم وانظر الحلية 5 / 190. (1) تقدم. (*)

[ 158 ]

التاسع: روى البزار بسند لا بأس والبيهقي والخطيب في المتفق والمفترق عن الضحاك بن قيس، قال الحافظ المنذري: لكن الضحاك مختلف في صحبته، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله - تبارك وتعالى - يقول: " أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي. يأيها الناس، أخلصوا أعمالكم، فإن الله تعالى لا يقبل من الاعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله، وهذا للرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شئ، ولا تقولوا هذا لله، ولوجوهكم، فليس لله فيها شئ " ورواه البغوي والدارقطني وابن عساكر والضياء (1). العاشر: وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة، فلم يعملها كتبها الله تعالى عنده حسنة كاملة، فإذا هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى ستمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة واحدة، فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن عملها كتبها الله سيئة واحدة "، زاد في رواية: " ومحاها " " ولا يهلك على الله إلا هالك " (2). روى الشيخان عن أبي هريرة وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله عز وجل: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة، فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة "، وفي لفظ لمسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتب له إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة له تكتب عليه، وإن عملها كتبت " وفي لفظ له: قال عن محمد صلى الله عليه وسلم قال الله - عز وجل -: " إذا تحدث عبدي أن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له عشر أمثالها، وإذا تحدث أن يعمل سيئة، فأنا أغفر له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها فإن تركها فأنا أكتبها له حسنة " (3). الحادي عشر: روى البيهقي في الشعب وابن النجار عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: " إني لاهم بأهل الارض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في والمستغفرين بالاسحار صرفت عذابي عنهم " (4).


(1) انظر المجمع 10 / 122. (2) أخرجه البخاري 8 / 128 ومسلم في كتاب الايمان (208) وأحمد 1 / 310، 360 وانظر تفسير ابن كثير 1 / 504. (3) انظر صحيح مسلم 1 / 145 (259 / 162) وأحمد 1 / 279، 361، 411، 2 / 234 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (31) وأبو عوانة (1 / 84، 128) والطبراني في الكبير 12 / 161 وأبو نعيم في الحلية 10 / 394. (4) أخرجه ابن عدي في الكامل 4 / 1379 وانظر جمع الجوامع (5292) والقرطبي 4 / 39. (*)

[ 159 ]

وروى حمزة والسهمي في معجمه وابن النجار عن المهاجر بن حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: " إني لست على كلام الحكيم أقبل ولكن أقبل على همه وهواه، فإن كان همه وهواه فيما يحب الله ويرضى جعلت همته لله ووقارا وإن لم يتكلم " (1). الثاني عشر: روى ابن النجار عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: " لا إله إلا أنا خلقت الخير وقدرته، فطوبى لمن خلقته للخير، وخلقت الخير له، وأجريت الخير على يديه، أنا الله الذي لا إله إلا أنا خلقت الشر وقدرته، فويل لمن خلقته للشر، وخلقت الشر له، وأجريت الشر على يديه " (2). الثالث عشر: روى الطبراني عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول: يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، وضعيف إلا من قويته، وفقير إلا من أغنيته، فسلوني أعطكم فلو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى عبد من عبادي، ما زاد في ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب فاجر رجل ما نقص من ملكي جناح بعوضة، ذلك أني واحد، عذابي كلام، ورحمتي كلام، فمن أيقن بقدرتي على المغفرة لم يتعاظم في نفسي أن أغفر له ذنوبه ولو كثرت المعاصي " (3). الرابع عشر: روى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله - عز وجل - يقول: يا عبدي، ما عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي، إذا لقيتني بقراب الارض خطيئة ما لم تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة " (4). الخامس عشر: روى الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن واثلة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرا فخير، وإن شرا فشر " (5). السادس عشر: روى ابن عساكر عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: أحب عبادة عبدي إلي النصيحة (6).


(1) انظر جمع الجوامع (5293) والمهاجر قال المناوي لم أره في الصحابة وفي المعجم الصغير للطبراني " صمته " بدلا من همته. (2) انظر جمع الجوامع (5294) والكنز (587). (3) انظر المجمع 10 / 150 وجمع الجوامع (5295) والكنز (43599). (4) أخرجه أحمد 5 / 154 وجمع الجوامع (5298) والسيوطي في الدر 2 / 170 وابن كثير 2 / 287. (5) أخرجه أبو نعيم في الحلية 9 / 306 وهو عند مسلم في الذكر والدعاء (19) وأحمد 2 / 391 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2393، 2394) وانظر جمع الجوامع (5300). (6) انظر جمع الجوامع (5299). (*)

[ 160 ]

السابع عشر: روى ابن عساكر عن مكحول مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: " يا بن آدم قد أنعمت عليك، إن جعلت لك عينين، تبصر بهما، وجعلت لهما غطاء، فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، فإن رأيت ما حرصت عليكم فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك لسانا، وجعلت له غلاقا فانطلق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض لك ما حرمت عليك، فأغلق عليك لسانك، وجعلت لك فرجا، وجعلت لك سترا فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عرض لك ما حرمته عليك فأرخ عليك سترك، ابن آدم، إنك لا تتحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي " (1). وروى الامام أحمد عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: يا بن آدم، اكفني أول النهار أربع ركعات أكفك بهن آخر يومك (2). وروى البيهقي في الشعب عن الحسن مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: أودع من كنزك عندي ولا حرق ولا غرق ولا سرق، أوفك أحوج ما تكون إليه (3). وروى نعيم بن حماد في الفتن عن عروة بن رويم مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: أنا أرحب الارض لعبادي في خيرها فمن قبضت فيها من المؤمنين، كانت له رحمة، وكانت آجالهم التي كتبت عليهم، ومن قبضت من الكافرين كانت عذابا لهم، فكانت آجالهم التي كتبت عليهم (4). الثامن عشر: روى الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن أبي مالك الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول: " ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل سوءا أبدا، لو كشفت غطائي، فرآني حتى يستيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أمتهم، وقبضت السماوات بيدي ثم قبضت الارض، ثم الارضين، ثم قلت أنا الملك، من ذا الذي له الملك من دوني ؟ ثم أريهم الجنة، وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنونها وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنونها، ولكن عمدا ذلك غيبته عنهم، لا علم كيف يعملون وقد بينته لهم " (5) والله أعلم. التاسع عشر: روى الامام أحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن خزيمة عن أبي هريرة وأبي سعيد معا والنسائي عن علي والنسائي عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن


(1) انظر جمع الجوامع (5301). (2) أخرجه أحمد 4 / 153 وانظر المجمع 2 / 325 وجمع الجوامع 5325. (3) انظر جمع الجوامع (5325) والكنز (16021). (4) انظر جمع الجوامع (5330) والكنز (588). (5) انظر جمع الجوامع (5303) والكنز (29858). (*)

[ 161 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول إن الصوم لي وأنا أجزي به الحديث " (1). العشرون: روى أبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خانه خرجت من بينهما " (2). الحادي والعشرون: روى الترمذي وقال حسن غريب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة. ورواه الطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة وابن عساكر عن أبي أمامة بلفظ: " يا بن آدم، إني إذا أخذت كريمتك، فاصبر واحتسب عن الصدمة الاولى - لم أرض لك ثوابا إلا الجنة " (3). الثاني والعشرون: روى الامام أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " (4). الثالث والعشرون: روى أبو سعيد والترمذي وضعفه والطبراني والبيهقي في الشعب عن عمارة بن زكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: إن كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه - يعني - عند القتال (5). الرابع والعشرون: روى أبو سعيد والترمذي وضعفه والطبراني والبيهقي في الشعب وأبو يعلى عن خباب وأبو يعلى والسراج والبيهقي وابن حبان والضياء عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى قال: إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في الرزق "، وفي لفظ: " ووسعت عليه في معيشته "، فأتى عليه خمس حجج، لا يأتي إلي فيهم، وفي لفظ " تمضي عليه خمسة أعوام لا يغدو إلى المحرم " (6). الخامس والعشرون: روى الطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى للملائكة: انطلقوا إلى عبدي فصبوا عليه البلاء صبا فيأتونه فيصبوا عليه


(1) تقدم. (2) أخرجه أبو داود 3 / 256 (3383) وقال الحافظ وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان وقد ذكره ابن حبان في الثقات وانظر جمع الجوامع (5305) والكنز (9295). (3) أخرجه ابن السني (623) وجمع الجوامع (5308) وانظر المجمع 2 / 309. (4) أخرجه أحمد 2 / 540 والحاكم 1 / 496 وجمع الجوامع (5313) وابن ماجه (3792) وانظر در المنثور 1 / 149. (5) جمع الجوامع (5316) وسعيد بن منصور (2878) والدولابي في الكنى 1 / 23. (6) انظر جمع الجوامع (5317) (5319) والمطالب (1065) والدر المنثور 1 / 212 والمجمع 3 / 206 وذكره ابن الجوزي في العلل 2 / 75 وابن عدي في الكامل 3 / 933. (*)

[ 162 ]

البلاء فيحمد الله، فيرجعون فيقولون يا ربنا صببنا عليه البلاء صبا كما أمرتنا، فيقول: ارجعوا، فإني أحب أن أسمع صوته " (1). السادس والعشرون: روى الطبراني وأبو نعيم في الطلب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى يقول: من أهان لي وليا فقد بارزني بالعداوة، ابن آدم، لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون أنا سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته، وإذا نصرني نصرته، وأحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي (2). السابع والعشرون: روى الطبراني عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى يقول: أن العزة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيها عذبته " (3). الثامن والعشرون: روى الامام أحمد والبيهقي في " الشعب " عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يقول: إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير بحمدي، وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه " (4). تنبيهات الاول: قوله " أتاني ربي " وقوله " فوضع يده "، وأمثال ذلك فيه مذهبان، فمذهب السلف: الايمان به كما ورد وتفويض أمره إلى الله تعالى، ومذهب الخلف: التأويل بما يليق به تعالى مع اتفاقهم على استحالة ظاهرها عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فيتأولون الاتيان بمجئ أمره ونهيه، واليد بالنعمة، وما أشبه ذلك من التأويلات اللائقة به تعالى. الثاني: قوله تعالى " إلى ستمائة " وفي لفظ " إلى سبعمائة ضعف " المضاعفة التكثير، قال الجوهري وذكر الخليل أن التضعيف أن يزاد على أصل الشئ فيجعل مثلين، والحسنة ما يحمد بها الانسان شرعا، والمراد بمضاعفتها مضاعفة جزائها في الاخرة لمن جاء بها خالصة مقبولة، لان الله تعالى قال: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " ولم يقل: " من عمل حسنة " وقد تكون الحسنة لا مضاعفة فيها، كمن نوى حسنة ولم يفعلها وكان رجوعه عنها العذر، لا لرغبة عنها.


(1) الطبراني 8 / 195 وجمع الجوامع (5318) انظر كنز العمال (6821) وشرح السنن 5 / 236 وقال السيوطي في سنده عفير بن معدان ضعفوه. (2) انظر جمع الجوامع (5320) والكنز (1155) والعلل للرازي (1872) وانظر الحاوي للسيوطي 1 / 562، 563. (3) انظر المجمع 1 / 99 والعلل للرازي (1795) والطبراني في الصغير 1 / 119. (4) أخرجه أحمد 2 / 341 والمجمع 10 / 96 وجمع الجوامع (5424). (*)

[ 163 ]

وللمضاعفة مراتب. الاولى: إلى مثليه وهو من أدرك نبيين فآمن بهما جميعا، وعبد أطاع الله ونصح سيده، وامرأة أطاعت الله وأحسنت عشرة زوجها. الثانية: لمن عمل حسنة. الثالثة: إلى خمسة عشر، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: " صم يومين، ولك ما بقي من الشهر " (1) فالحسنة بخمسة عشر. الرابعة: إلى ثلاثين ففي الحديث نفسه: " صم يوما ولك بها ما بقي من الشهر " فالحسنة بثلاثين. الخامسة: إلى خمسين ففي الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: من قرأ القرآن، فاعتبر به، فله بكل حرف خمسون لا أقول: الم حرف، ولكن الالف حرف واللام حرف، والميم حرف. السادسة: إلى سبعمائة وهي النفقة في سبيل الله، قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) (البقرة / 261). السابعة: إلا ما لا يتناهى، وهو الصوم، لقوله - عليه الصلاة والسلام - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصبر، لقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر / 10) وهو يتعدد إلى الصبر على الطاعة، وإلى الصبر على المصعية، وإلى الصبر على المصيبة. (فإن الصلاة مثلا مشتملة على أنواع من العبادات كالقراءة والتسبيح والخشوع وغير ذلك وإنما المراد). الثالث: ليس المراد بالحسنة أجزاء العبادات، أن الصلاة بكمالها حسنة فمن أتى ببعض صلاته لم يدخل في هذا. الرابع: في بيان غريب ما سبق: الملا - بميم فلام مفتوحتين فهمزة مضمومة - الاشراف والغلبة والجماعة. الثدي - بمثلثة مفتوحة. إسباغ الوضوء - بسين مهملة وآخره معجمة - إتمامه. الجوف - بجيم مفتوحة فواو ساكنة ففاء البطن. آذنته: أعلمته أني محارب له. استعاذني - يروى بالنون والياء والله تعالى أعلم.


(1) تقدم. (*)

[ 164 ]

الباب الرابع في روايته عن أبيه إبراهيم الخليل عليه السلام روى البخاري وغيره عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال (رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أو لم تؤمن ؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) ". الباب الخامس في روايته عن بعض أصحابه قصة مشاهدة الدجال والدابة روى الترمذي عن فاطمة بنت قيس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فضحك فقال: إن تميما الداري حدثني بحديث ففرحت، فأحببت أن أحدثكم، حدثني أن ناسا من أهل فلسطين ركبوا سفينة في البحر فجالت بهم حتى قذفتهم في جزيرة من جزائر البحر، فإذا هم بدابة لباسة ناشرة شعرها فقالوا: ما أنت ؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: فأخبرينا، قالت: لا أخبركم، ولا أستخبركم ولكن ائتوا أقصى القرية فإن ثم من يخبركم ويستخبركم، فأتينا أقصى القرية فإذا رجل موثق بسلسلة، فقال: أخبروني عن عين زعر قلنا ملاى تدفق. قال: أخبروني عن البحيرة ؟ قلنا: ملاى تدفق، قال: أخبروني عن نخل بيسان الذي بين الاردن وفلسطين هل أطعم ؟ قلنا: نعم، قال: أخبروني عن النبي هل بعث ؟ قلنا: نعم، قال: أخبروني كيف الناس إليه ؟ قلنا: سراع، قال: فنز نزوة حتى كاد، قلنا: فما أنت ؟ قال: إنه الدجال، وإنه يدخل الامصار كلها إلا طيبة. وطيبة: المدينة. قال أبو عيسى: وهذا حديث صحيح غريب من حديث قتادة عن الشعبي، وقد رواه غير واحد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس.

[ 165 ]

جماع أبواب أحكامه - صلى الله عليه وسلم - وأقضيته وفتاويه ليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم وكيف كانت سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الحكم بين الناس. الباب الاول في أحكامه - صلى الله عليه وسلم - وأقضيته في المعاملات وما يتعلق بها وفيه أنواع: الاول: في تحذيره صلى الله عليه وسلم من القضاء بين اثنين: روى الامام أحمد والدارقطني والاربعة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين " (1). وروى الامام أحمد والبيهقي في السنن عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال الله تعالى ألقه ألقاه في مهواه أربعين خريفا " (2). وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقبض بين اثنين في تمرة قط " (3). وروى الامام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله تعالى ملكا يسدده " (4). الثاني: في تقسيمه القضاء إلى ثلاثة أقسام: روى أبو داود والبيهقي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " القضاء ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق


(1) أخرجه أحمد 2 / 230 وأبو داود 4 / 5 (3572) والترمذي 3 / 614 (1325) وابن ماجه 2 / 774 (2308) والحاكم 4 / 91. (2) أخرجه الدارقطني 4 / 205 والبيهقي في السنن الكبرى 10 / 97، وابن ماجه (2311). (3) أخرجه أحمد 6 / 75 وانظر الترغيب 3 / 157 والكنز (14989). (4) أخرجه أبو داود 4 / 8 (3578) والترمذي 3 / 614 (1324) وابن ماجه 2 / 774 (2309). (*)

[ 166 ]

فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار " (1). الثالث: في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحكم في حال الغضب والجوع: وروى البخاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان " (2). وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان " (3). الرابع: في وعظه صلى الله عليه وسلم الخصمين: روى الطبراني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما أنا بشر مثلكم إنما أقضى بينكم بما أسمع منكم ولعل بعضكم (4) أن يكون ألحن بحجته من أخيه، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار. وروى الائمة عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصمين بباب حجرته فخرج إليهما فقال: " إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم وفي لفظ - وإنه ليأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا " وفي لفظ: " بحق أخيه فلا يأخذه فأنا أقطع له قطعة من النار " فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما لصاحبه: حقي لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما إذا فعلتما ذلك فاقتسماه وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحللا " (5). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قطعت له من حق أخيه قطعة فإنما أقطع له قطعة من النار " (6).


(1) أخرجه أبو داود 4 / 5 (3573) والترمذي 3 / 613 (1322) والنسائي كما في التحفة 2 / 94 (2009) وابن ماجه 2 / 776 (2315) والحاكم 4 / 90 والبيهقي 10 / 117. (2) البخاري 13 / 136 وبنحوه أيضا أخرجه البخاري من حديث أبي بكرة 13 / 136 (7158) ومسلم 3 / 1342 (16 / 1717). أخرجه أبو داود 3 / 302 (3589) والترمذي 3 / 620 (1334) والنسائي 8 / 237 وابن ماجه 2 / 776 (2316) والطحاوي في المشكل 1 / 260. (3) أخرجه الدارقطني 4 / 206 والبيهقي 10 / 106 والخطيب في التاريخ 6 / 277 وابن حجر في المطالب (2127) وانظر المجمع 4 / 195 والتلخيص 4 / 189. (4) انظر المجمع 4 / 198. (5) أخرجه من حديث عائشة البخاري 5 / 106 (2457) ومسلم 4 / 2054 (5 / 2668) من حديث أم سلمة البخاري. (6) أخرجه أحمد 2 / 332، 6 / 307، 308، 320 وابن أبي شيبة 7 / 235. (*)

[ 167 ]

وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ظلم قيد شبر من الارض طوقه الله من سبع أرضيين " (1). الخامس: في حبسه صلى الله عليه وسلم في تهمة: روى أبو داود، والحاكم عن معاوية بن حيده - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة (2). وروى النسائي والترمذي وزاد ثم خلا عنه سنده صحيح (3). وروى أبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة يوما وليلة استظهارا واحتياطا ورواه الطبراني ولم يقل: " يوما وليلة " (4). وروى الطبراني عن نبيشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة (5). وروى ابن أبي شيبة عن الحاكم مرسلا عن أبي مجلز - رحمه الله تعالى - أن عبدا بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع فيه غنيمته له (6). وروى أبو داود عن معاوية بن حيدة أن أخاه أو عمه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال جيراني بما أخذوا فأعرض عنه ثم ذكر شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلوا له عن جيرانه " (7). السادس: في أمره صلى الله عليه وسلم رجلا في ملازمة غريمه: روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنه - قال أتيت (8) رسول الله صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي: " الزمه "، ثم مر بي آخر النهار فقال ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي لفظ: " ما فعل أسيرك ". السابع: في نفيه صلى الله عليه وسلم أهل المعاصي: روى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال " ما بال هذا ؟ " فقالوا يا رسول الله يتشبه بالنساء


(1) من حديث سعيد بن زيد أخرجه البخاري 6 / 293 (3198) ومسلم (3 / 1231) حديث (140 / 1610). (2) أخرجه أبو داود (3630). (3) النسائي (8 / 67). (4) أخرجه الحاكم 4 / 102 والعقيلي في الضعفاء 1 / 52. (5) انظر المجمع 4 / 203. (6) أخرجه ابن أبي شيبة 6 / 486. (7) أخرجه أبو داود (3631) وأحمد 5 / 2، 4. (8) أخرجه أبو داود (3629) وابن ماجه (2428) والبخاري في التاريخ 8 / 247 والرازي في العلل (1424). (*)

[ 168 ]

فأمر به فنفي إلى النقيع، قالوا: يا رسول الله ألا تقتله، قال: إني نهيت عن قتل المصلين (1). النقيع بالنون ناحية من المدينة وليس البقيع بالباء. الثامن: في امتناعه صلى الله عليه وسلم عن كلام المجرمين وأهل المعاصي: روى البخاري مختصرا عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أنه لما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك... فذكر الحديث قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا. التاسع: في سيرته صلى الله عليه وسلم في التحكيم (2): روى الطبراني بسند ضعيف عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام فقال: " أجعل بيني وبينك عمرا " فقلت: لا، فقال: " اجعل بيني وبينك أباك " قلت: نعم (3). العاشر: في حجره صلى الله عليه وسلم على المفلس: روى الطبراني عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ بن جبل ماله وباعه بدين كان عليه (4). وروى ابن أبي عمر عن عدي بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على إنسان لم يوجد وفاء ووجد بعض غرمائه سلعته عنده وأقره، وقضى بأن يأخذ متاعه إن وجده. وروى الامام مالك عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء. وهو مرسل هنا، وقد وصله أبو داود عن إسماعيل بن عباس الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة والزبيدي هو محمد بن الوليد أبو الهذيل وحديث إسماعيل عن الشاميين صحيح " (5). وروى أبو داود عن عمرو بن خلدة قال: أتينا إلى أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - في صاحب لنا أفلس قال: لاقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه فهو أحق به " (6).


(1) أخرجه أبو داود في كتابه الادب باب (60) رقم (4928) والدارقطني 2 / 55 وانظر الفتح 9 / 335 واللسان (3 / 1001) وابن الجوزي في العلل 2 / 296 والميزان للذهبي (4084). (2) تقدم. (3) مجمع (4 / 199) ورجاله ثقات. (4) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 58، 4 / 101. (5) ذكره ابن عبد البر في التمهيد 8 / 405 مالك في الموطأ (678) وأبو داود (3520). (6) أخرجه البخاري 5 / 62 (2402) ومسلم 3 / 1194 (24 / 1194). (*)

[ 169 ]

وروى الطبراني من طرق عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال كان معاذ بن جبل شابا جميلا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى أدان دينا أغلق ماله وفي لفظ " أحاط ذلك بماله فقال معاذ: يا رسول الله ما جعلت في نفسي حين أسلمت أن أبخل بمال ملكته وإني أنفقت مالي في أمر الاسلام والمسلمين فأبقى ذلك علي دينا عظيما، فادع غرمائي فاسترفقهم فإن أرفقوني فسبيل ذلك فإن أبوا فاجعلني لهم من مالي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه فعرض عليهم أن يرفقوا به فقالوا: نحن نحب أموالنا، وفي لفظ: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم غرمائه فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبرح حتى باع ماله كله وقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له، فلما حج بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. وفي لفظ: حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ بن جبل وباعه بدين كان عليه (1). الحادي عشر: في سيرته في المعاملات: روى الامام أحمد وأبو داود عن رجل من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلا والنار " (2). وروى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نقع بئر وقضى بين أهل البادية أن لا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلا (3). وروى الامام أحمد وابن ماجه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع نقع البئر (4). وروى مسدد مرسلا برجال ثقات عن ابن المسيب - رحمه الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حريم قليب البئر العادية خمسون ذراعا، وحريم البدئ خمسة وعشرون ذراعا قال سعيد: ولم يرفعه وحريم قليب الزرع ثلثمائة ذراع " (5). وروى ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حريم النخلة " (6) مد جريدها.


(1) أخرجه عبد الرزاق 8 / 268 (15177) وأبو داود في المراسيل (152) وذكره الحافظ في المطالب 1 / 416 (1389) والبيهقي 6 / 48. (2) أخرجه من طريق أبي خداش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحمد 5 / 364 وأبو داود 3 / 750 (3477) ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه 2 / 826 (2472) وابن السكن كما في التلخيص 3 / 65 وفي إسناده عبد الله بن خداش متروك ولكبر الحديث طرق أخرى يقوي بعضها بعض. (3) أحمد 2 / 273، 6 / 112، 252 والحميدي (1124) والحاكم 2 / 61 والبيهقي 6 / 152. (4) أخرجه أحم 3 / 39، 268 وابن أبي شيبة 6 / 258 والبيهقي 6 / 152. (5) أخرجه الحاكم 4 / 97 وانظر نصب الراية 4 / 393 وابن حجر في المطالب (1399). (6) ابن ماجه (2489). (*)

[ 170 ]

وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها " (1). وروى الشيخان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها، لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " (2). وروى الامام مالك عن أبي سلمة عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن أعمر عمرى، فهي له بتلة لا يجوز للمعطي منها شرط ولا ثنيا قال أبو سلمة: لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، فقطعت الميراث شرطه (3). وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حريم نخلة (4). في حديث أحدهما: فأمر بها فذرعت فوجد سبعة أذرع وفي حديث الاخر خمسة أذرع فقضى بذلك. وروى النسائي عن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرف ظالم حق " وللبخاري نحوه (5). وروى أبو داود عن عروة بن الزبير قال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الارض أرض الله والعباد عباد الله من أحيا مواتا فهو أحق به جاءنا بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم الذين جاءوا بالصلوات عنه (6). وروى ابن ماجه عن ثعلبة بن أبي مالك - رضي الله تعالى عنه - وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو وابن ماجه عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنهم - قالوا: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيل مهذور الاعلى فوق الاسفل يسقى الاعلى إلى الكعبين، ثم يرسل إلى من هو أسفل منه وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء. وروى البخاري عن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلا خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون فيها النخل فقال الانصاري: سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما إلى النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فغضب الانصاري فقال: يا رسول الله


(1) أحمد (2 / 494). (2) أخرجه مسلم 5 / 238 (2625) ومسلم 3 / 1245 (20 / 1625). (3) أخرجه النسائي 6 / 276. (4) وأبو داود (2 / 340) (3640). (5) أخرجه أبو داود 3 / 453 (3073) والترمذي 3 / 662 (1378). (6) أخرجه أبو داود 4 / 3 (3639) وابن ماجه 2 / 830 (2482) والبيهقي 6 / 154. (*)

[ 171 ]

إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال " يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر "، قال ابن الزبير: والله إني لاحسب أن هذه الاية نزلت في ذلك (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (1). وروى الامامان الشافعي وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي والدارقطني عن الصعب بن جثامة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع، وقال: " لا حمى إلا الله ولرسوله " (2). وروى أبو داود والنسائي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة " وفي رواية عكسه (3). وروى البخاري تعليقا وأسنده الدارقطني عن عثمان - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل " (4). وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري (5). وروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن (6). وروى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " (7). وروى ابن ماجه عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل بيع ما ليس عندك ولا ربح ما لم يضمن " (8). وروى الائمة والشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وفي لفظ: حتى تزهى، قيل: يا رسول الله، ما تزهى ؟ قال: تحمر،


(1) أخرجه البخاري 5 / 34 (2359) وفي التفسير (4585) ومسلم 4 / 1829 (129 / 2357). (2) أخرجه البخاري 5 / 44 (2370). (3) أخرجه أبو داود 3 / 633 (3340) والنسائي (5 / 54) و 7 / 284 والهيثمي في الموارد ص 271 (1105). (4) أخرجه البخاري معلقا 3 / 88 وفي التاريخ 8 / 18. (5) أخرجه ابن ماجه (2228) والدارقطني 3 / 8 وابن أبي شيبة 7 / 197 والبيهقي 5 / 316. (6) من حديث أبي مسعود الانصاري أخرجه البخاري 4 / 426 (2237) ومسلم 3 / 1198 (39 / 1567). (7) أخرجه البخاري 4 / 344 (2126) ومسلم 3 / 1160 (32 / 1526). (8) أخرجه الطيالسي في المسند 298 (2257) وأحمد 2 / 178 وأبو داود 3 / 769 (3504) والترمذي 3 / 535 (1234) والنسائي 7 / 288 وابن ماجه (2188). (*)

[ 172 ]

نهى البائع والمشتري، ولفظ البخاري: عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشتري عن بيعه (1). روى ابن ماجه وعبد الله ابن الامام أحمد في زوائد المسند عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من ابتاع نخلا قد أبرت، فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع. ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشرط المبتاع " (2). وروي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، وأرخص في العرايا بخرصها تمرا ما دون خمسة أوسق من حديث مالك (3). وروى البخاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر قال: " تلك المزابنة " (4). وروى البخاري عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الحوائج (5). وروى أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو بعت من أخيك تمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا وبم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ " (6). وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمرة النخل لمن أبرها إلا أن يشرط المبتاع. وروى الترمذي واستغربه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد (7). وروى مسلم عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء (8).


(1) أخرجه البخاري 4 / 394 (2194) ومسلم 3 / 1165 (49، 50 / 1534، 1535). (2) وهو عند البخاري 5 / 49 (2379) ومسلم 3 / 1173 (80 / 1543). (3) من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 4 / 387 (2190) (2382) ومسلم 3 / 1171 (71 / 1541) ومن حديث جابر مسلم 3 / 1175 (85 / 1536). (4) البخاري 4 / 403 (2205) ومسلم 3 / 1172 (76 / 1542). (5) أخرجه مسلم 3 / 1178 (101 / 1536) (17 / 1554) والشافعي في المسند 2 / 151 (522). (6) أخرجه مسلم 3 / 1190 (14 / 1554). (7) أخرجه أحمد 3 / 221، 250 والترمذي 3 / 530 (1228) وأبو داود 3 / 668 (3371) والحاكم 2 / 19 وابن ماجه 2 / 447 (2217). (8) أخرجه مسلم 3 / 1219 (106 / 1598). (*)

[ 173 ]

وروى الامامان مالك وأبو داود في مراسيله عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان (1). وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين ولبستين ونهى عن الملامسة والمنابذة في البيع والملامسة لمس الرجل ثوب الاخر بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الاخر إليه ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض هكذا في مسلم وفي البخاري الملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه، والمنابذة طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى آخر قبيل أن يقلبه أو ينظر إليه (2). وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل أو في لفظ عسيب الفحل مثله الدارقطني عن أبي سعيد وزاد فيه وعن قفيز الطحان (3). وروى مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ضراب الفحل وفي لفظ الجمل (5). وروى النسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ثمن الكلب وعسيب الفحل (5). وروى الترمذي وقال حسن غرب عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من كلاب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسيب الفحل فنهاه عن ذلك فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص (6) له في الكرامة. وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة (7).


(1) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 655 (64، 65، 66). وروى من طريق الحسن عن سحرة عند أحمد 5 / 12، 19 والدارمي 2 / 254 وأبو داود 3 / 652 (3356) والترمذي 3 / 538 (1237) والنسائي 7 / 292 وابن ماجه 2 / 763 (3270). (2) أخرجه البخاري 10 / 278 (5820) ومسلم 3 / 1152 (3 / 1512). (3) أخرجه البخاري 4 / 461 (2284) والترمذي (1273) والنسائي 7 / 310، 311 والدارمي 2 / 273 وابن أبي شيبة 7 / 145 والدارقطني 4 / 47 وأبو نعيم في الحلية 9 / 61 والبيهقي 5 / 339. (4) أخرجه مسلم 3 / 1197 (35 / 1565). (5) أخرجه النسائي 7 / 311 وابن ماجه (2160). (6) أخرجه الترمذي 3 / 573 (1274) وقال حسن غريب. (7) أخرجه الترمذي 3 / 533 (1231) والنسائي 7 / 295 وأبو داود بنحوه 3 / 738 (3461). (*)

[ 174 ]

وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة واحدة قال سماك: هو الرجل يبيع البيع فيقول ينسأ بكذا أو كذا وهو ينقد بكذا وكذا (1). وروى أيضا عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبيعن بيعتين في بيعة واحدة " (2). وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (3). وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر " (4). وروى أبو بكر بن عاصم بن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما في ضروع الماشية، قبل أن تحلب وعن بيع الجنين في بطون الانعام وعن بيع السمك في الماء وعن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة (5). وروى الشيخان عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة وحبل الحبلة أن ينتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (6). وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنائم حتى تقسم وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن وعن كل ذي ناب من السباع (7). وروى الدارقطني عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع ثمر، حتى تطعم أو صوف على ظهر أو لبن في ضرع أو سمن في لبن (8).


(1) المجمع (4 / 87). (2) مجمع (4 / 134). (3) أخرجه مسلم 3 / 1153 (4 / 1513). (4) أحمد (1 / 388) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5 / 340 والطبراني في الكبير 10 / 258 وأبو نعيم في الحلية 8 / 214 والخطيب في التاريخ 5 / 369. (5) أخرجه البيهقي 5 / 338 من حديث ابن عباس 5 / 340. (6) أخرجه البخاري 4 / 356 (2143) ومسلم 3 / 1153 (5 / 1514) (6 / 1514). (7) النسائي 7 / 301 وأحمد 2 / 458، 472 والبيهقي 5 / 339 والحاكم 2 / 40 وسعيد بن منصور (2815) وابن أبي شيبة 12 / 436، 437. (8) أخرجه الدارقطني 30 / 15 وابن أبي شيبة 6 / 535. (*)

[ 175 ]

وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، والمزابنة: أن يبيع ثمر النخل بالثمر كيلا وبيع الزبيب بالعنب كيلا وعن كل تمر يخرصه، وفي رواية عن بيع الزرع بالحنطة (1). وروى الامامان مالك وأحمد - رحمهما الله - وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان قال مالك وذلك فيما نرى والله أعلم أن يشترى الرجل العبد أو يتكارى الدابة ثم يقول أعطيك دينارا على أني إن تركت السلعة فما أعطيت لك (2). وروى الامام أحمد وأبو داود عن سالم بن أبي أمية أبي النضر قال جلس إلي شيخ من بني تميم في مسجد البصرة قال: قدمت المدينة مع أبي، وأنا غلام شاب بإبل لنا نبيعها، وكان أبي صديقا لطلحة بن عبد الله التيمي، فنزلنا عليه، فقال أبي: اخرج معي فبع لي إبلي هذه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يبيع حاضر لباد (3). وروى عبد الرزاق عن الاسلمي عن عبد الله بن دينار قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ وهو الدين بالدين لكن قال عبد الحق الاسلمي هو: إبراهيم بن محمد بن يحيى وهو متروك كان يرمى بالكذب وقال بعضهم: رواه الدارقطني من حديث موسى بن عقبة بن عبد الله بن دينار أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ وموسى بن عقبه مولى الزبير ثقة وروى الجميع وفي رواية عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ (4). وروى الترمذي وقال حسن غريب والامام أحمد والحاكم عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبائه يوم القيامة (5). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الابل، فمن ابتاعها فهو يخير النظر من بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعا من تمر "، وفي لفظ: من اشترى شاة مصراه فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها معها صاعا من


(1) البخاري 4 / 403 (2205). (2) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 609 (1) وأبو داود 3 / 768 (3502) وابن ماجه 2 / 738 (2192 و 2193). (3) أحمد في المسند 1 / 2 263 / 153، 238، 154. (4) أخرجه ابن عدي في الكامل 6 / 2335 والدارقطني 3 / 71 والحاكم 2 / 57. (5) أخرجه الترمذي (1283) والدارمي 2 / 228 وأحمد 5 / 414 والحاكم 2 / 55 والطبراني في الكبير 4 / 217 والدارقطني 3 / 67، 68 والبيهقي 9 / 126 وانظر التلخيص 3 / 15. (*)

[ 176 ]

طعام لا سمراء (1). وروى مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ". النجش: بنون وجيم معجمة: أن يزيد في سلعة ينادي عليها لا رغبة له فيها ليغري غيره (2). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتلقى الركبان للبيع " (3). وروى مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، إذا أتى سيده السوق فهو بالخيار " (4). وروى الامامان مالك وأحمد والخمسة عن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البيعان، وفي لفظ: المتعاقدان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " (5). وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه (6). وروى عنه قال كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله عن مكانه (7). وروى الامام أحمد والنسائي والبيهقي وابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه، زاد أبو داود: إلا ما كان من شركة أو تولية (8). وروى النسائي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركا (9). وروى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يسلفون في الثمار، فقال:


(1) أخرجه البخاري 4 / 361 (2150) ومسلم 3 / 1155 (11 / 1515). (2) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة باب 10 (32) وأحمد 2 / 277. (3) البخاري 4 / 361 (2150) ومسلم 3 / 1155 (11 / 1515). (4) أخرجه مسلم 3 / 1157 (17 / 1519). (5) أخرجه البخاري 4 / 309 (2079) ومسلم 3 / 1164 (47 / 1532). (6) أخرجه أبو داود (3495) وهو بنحوه البخاري 4 / 344 (2126) ومسلم 3 / 1160 (32 / 1526). (7) أخرجه البخاري 4 / 375 (2167) ومسلم 3 / 1160 (33 / 1527). (8) أخرجه البخاري (2126) ومسلم 3 / 1160 (32 / 1526). (9) النسائي 7 / 302 والدارقطني 3 / 21 ابن ماجه (2186) وانظر نصب الراية 4 / 105 والتلخيص 3 / 30. (*)

[ 177 ]

اسلفوا في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم، وفي رواية: فليسلم في كيل معلوم (1). وروى أبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عندك (2). وروى البخاري أن كعب بن مالك، كان له على عبد الله بن أبي حدرد دين فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع الشطر ففعل (3) وأحاديث الصلح كثيرة. وروى عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: جعل، وفي لفظ: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (4). وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة بين الشركاء (5). وروى أبو يعلى الموصلي وابن أبي الدنيا والبزار بسند ضعيف في " العزلة " والبيهقي عن القاسم بن مخول البهزي السلمي، قال: سمت أبي وقد كان أدرك الجاهلية والاسلام، نصب حبائل لي بالابواء، فوقع في حبل منها ظبي، قلت: فخرجت في أثره، فوجدت رجلا قد أخذه فتنازعنا فيه فتساوقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدناه نازلا بالابواء تحت شجرة مستظل بنطع فاختصمنا إليه، فقضى فيه بيننا شطرين، الحديث (6). وروى عن عائشة - رضي الله تعالى عنه - قالت: إن رجلا اشترى غلاما، فاستعمله، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده بالعيب، فقال البائع استغل عبدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الغلة "، وفي لفظ: " الخراج بالضمان " (7). وروى الامام الشافعي والترمذي وابن ماجه، واللفظ له، والدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من رجل من الاعراب حمل خبط، فلما وجب البيع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اختبر " فقال الاعرابي: عمرك الله بيعا من أنت، قال: رجل من قريش (8).


(1) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس 4 / 428 (2239) (2240، 2241) ومسلم 3 / 1227 (127 / 1604). (2) أخرجه أبو داود (3503). (3) أخرجه البخاري 1 / 551 (457، 471) ومسلم 3 / 1192 (20 / 1558). (4) أخرجه البخاري 4 / 407 (2213) (2214، 2257). (5) انظر المجمع 4 / 162. (6) انظر المجمع 7 / 307. (7) أخرجه أحمد في المسند 6 / 80، 116 والحاكم في المستدرك 2 / 15 ولفظ الخراج. أخرجه أحمد 6 / 49، 237 وأبو داود (35008) (3509) (3510) ابن ماجه (2343) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1126) والبيهقي في السنن (5 / 322 321 والحاكم 2 / 150 وانظر التلخيص 3 / 22. (8) أخرجه ابن ماجه (2184) والدارقطني 3 / 21 وعبد الرزاق (14261) والطبري في التفسير 5 / 22 والحاكم 2 / 48. (*)

[ 178 ]

وروى الائمة الثلاثة والشيخان والنسائي، وابن ماجه عن أبي سعيد والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وأحمد والبخاري عن ابن عباس والائمة الثلاثة والستة والدارقطني عن ابن عمر قالوا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة (1) والمزابنة بيع، وفي لفظ: اشتراء التمر في رؤوس النخل والمحاقلة كراء الارض. وروى الامام مالك: عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة. وروى الامام مالك مرسلا أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل من الانصار فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (2). وروى الائمة عن حرام بن محيصة عن أبيه (3) أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته عليهم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الاموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل. وروى الدارقطني عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أصابت الابل بالليل ضمن أهلها وما أصاب النهار فلا شئ فيه، وما أصابت الغنم بالليل والنهار غرمه أهلها والضواري يتقدم إلى أهلها ثلاث مرات ثم تعقر بعد ذلك ". تنبيهات الاول: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا للزبير: " اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ "، لانه - عليه الصلاة والسلام - ندب الزبير أولا إلى إسقاط بعض حقه رعيا للمجاورة، وليس على وجه الحكم، فلما تكلم الانصاري بما تكلم استوفى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير، حقه فقضى - عليه الصلاة والسلام - أن يمسك الاهل الماء إلى الكعبين، ثم يرسله إلى الاسفل. الثاني: إنما " نهى عن عسيب الفحل "، لانه إجارة مجهول إذ قد تحمل في زمن قريب فيغبن صاحب الانثى، وقد تحمل فيغبن صاحب الذكر واختلف في العسيب والعسب، فقال القاضي عياض: عسيب الفحل المنهي عنه إنما هو كراء ضرابه والعسيب نفسه هو الضراب قاله أبو عبيدة، وقال غيره: لا يكون العسيب إلا الضراب بالكراء عليه، وقيل: العسيب ماؤه


(1) أخرجه البخاري 4 / 403 (2205) ومسلم 3 / 1172 (76 / 1542) ومسلم من حديث جابر 3 / 1175 (85 / 1536). (2) أخرجه مالك في الموطأ حديث (1431). (3) أخرجه الدارقطني 3 / 113. (*)

[ 179 ]

وقال الجوهري: العسيب الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال عسب فحله يعسبه أي أكراه وعسب أيضا ضرابه، وقيل، ماؤه، والعسيب يقال بالياء مع الباء الموحدة ويقال بالباء الموحدة فقط. الثالث: المراد " ببيعتين في بيعة " أن يبيعها بعشرة نقدا وعشرين إلى أجل أو أن يبيع سلعتين مختلفتين بثمن واحد على سبيل اللزوم. الرابع: قال الماوردي في السلم: اختلف في تفسير بيع الحصاة فقيل: المراد أن يبيع من أرضه قدر ما انتهت إليه رمي الحصاة. وقيل معناه: أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع وقيل معناه: متى وقعت الحصاة وجب البيع. وقيل معناه: ارم الحصاة فما خرج فلك بعدده دراهم أو دنانير. الخامس: قال في الموطأ " المضامين " بيع ما في بطون إناث الابل. والملاقيح ما في ظهور الفحول. وصل الحبلة. بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة. السادس: قوله " أن يبيع حاضر لباد "، لان سلعهم ليس لها غالبا عليهم مشقة وهم جاهلون في الاسعار وقد قال عليه الصلاة والسلام: " دع الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض ". السابع: الكلا مهموز من الكلاة بالكسر وهي الحفظ وإطلاق هذا الاسم على الدين مجاز، لانه يكلؤ الاكالئ وإنما الكالئ صاحبه لان كلا من المتبايعين يكلا صاحبه أي يحرضه لاجل ماله قبله ولهذا وقع النهي عنه، لانه يؤدي إلى كثرة المنازعة والمشاجرة وقد ورد فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى (من ماء دافق) (الطارق / 6) أي مدفوق ويحتمل أن يكون المجاز في الاسناد إلى ملابس الفعل أي كالئ صاحبه (كعيشة راضية) (القارعة / 7) ويقدر الاضمار في الحديث أي نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع مال الكالئ بمال الكالئ. وحقيقته أن يكون لشخص على آخر دين فيطالبه به فلا يجد معه شيئا أو يجد معه ولكن يبيعه به شيئا يتأخر قبضه كان يبيعه دارا غائبة أو أن يبيع الدين بمنافع دابة معينة ونحوها أو أن يبيع ماله من الدين لشخص بدين لذلك الشخص على آخر وبدين على ذلك الشخص نفسه، أو أن يؤخر شخص رأس مال السلم بشرط أكثر من ثلاثة أيام. الثامن: إنما خص التفرقة بين الام، لان الولد لا يستغني عنها في أكله وشربه وقيامه وهو خاص بالادميات وينتهي زمن الاسفار ومنتهاه عشر سنين.

[ 180 ]

التاسع: اختلف في علة النهي عن التلقي فقال الشافعي لحق الطالب. وقال مالك: الحق منه لاهل السوق. وقال ابن العربي: لهما. واختلف في حد القدر المنهى عنه إذا زاد عليه في البعد لا يتناوله النهي عن التلقي. فقيل: لاحد في القرب والبعد لا في الزمان ولا في المكان. وقيل: الميل. وقيل: الفرسخان. وقيل: اليومان. النجش: الزيادة ليغري غيره. العاشر: في بيان غريب ما سبق: " المخنث " بميم مضمومة فمعجمة مفتوحة فنون فمثلثة المتعطف. " حريم البئر " بحاء مهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية. " القليب " بقاف مفتوحة فلام مكسورة. " رشاء " براء فشين معجمة مفتوحتين ممدودا الذي يتوصل به إلى الماء. " الكعب " كل مفصل والعظم الناشئ فوق القدم والناشرات من جانبها. " المزابنة " بميم مضمومة فزاي فألف فموحدة فنون فتاء تأنيث هي بيع الرطب باليابس في رؤوس النخل من الزبن، وهو الرفع كأن كل واحد من المتبايعين يزين صاحبه عن حقه، بما يزداد منه، وإنما نهى عنها لما يقع منها من الغبن والجهالة. " الملاقيح " كمفاعيل الامهات وما في بطونها. " الجزور " بجيم مفتوحة فزاي فواو فراء البعير أو خاص بالناقة المجزورة والجزور القطع.

[ 181 ]

الباب الثاني في أحكامه واقضيته - صلى الله عليه وسلم - في الوصايا والفرائض روى الطبراني عن عمران بن الحصين وسمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة (1). وروى الطبراني عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: أعتق رجل في وصيته ستة رؤوس ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ عليه ثم أسهم، وأخرج ثلثهم وروى الامام أحمد برجال ثقات عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم (2). وروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من وجع أشرفت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة فأتصدق بثلثي ما لي قال: لا قال: الثلث قال والثلث كثير أو كبير الحديث (3).


(1) (1) تقدم. (2) انظر المجمع 4 / 230. (3) أخرجه البخاري 5 / 363 (2742 (67 33) ومسلم 3 / 1250 (5 / 1628) (8 / 1628). (*)

[ 182 ]

الباب الثالث في أحكامه وأقضيته في النكاح والطلاق والخلع والرجعة والايلاء والظهار واللعان وإلحاق الولد وغير ذلك مما يذكر وفيه أنواع: الاول: في النكاح: روى البيهقي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال " (1). وروى الامام أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم وأبو نعيم في " الحلية والبيهقي والضياء عن ابن الزبير - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اعلنوا النكاح (2). وروى البيهقي وضعفه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، وإذا خطب أحدكم امرأة وقد خضب بالسواد فليعلمها لا يغر بها " (3). وروى الترمذي، وقال حسن غريب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف " (4). وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة قال: ما هذا ؟ قال يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال: " بارك الله لك أولم ولو بشاة " (5). وروى الامام مالك عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " (6). وروى البخاري عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار أن قوله تعالى (فلا تعضلوهن) نزلت فيه قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى انقضت عدتها فجاء يخطبها فقلت له: زوجتك وقربتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها ! لا والله لا تعود إليك


(1) البيهقي في السنن الكبرى 7 / 290 وانظر نصب الراية 3 / 168. (2) أحمد 4 / 5 والبيهقي 7 / 288. أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1285) وأبو نعيم في الحلية 8 / 328 وانظر المجمع 4 / 289. (3) انظر السنن الكبرى (7 / 290) وقال عيسى بن ميمون ضعيف. (4) أخرجه البخاري 3 / 398 (1089) وابن ماجه (1895) والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 290. (5) أخرجه البخاري 9 / 204 (5148) ومسلم 2 / 1042 (79 / 1427). (6) تقدم. (*)

[ 183 ]

أبدا فأنزل الله الاية (فلا تعضلوهن) فقلت الان أفعل يا رسول الله قال فزوجتها إياه، زاد البزار " فأمرني أن أكفر عن يميني وأزوجها " (1). وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " (2). وروى أبو داود وأحمد وابن شيبة والترمذي وابن حبان والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نكاح إلا بولي " وفي رواية " وصداق، وشاهدي عدل " (3). وروى أبو يعلى والخطيب والضياء المقدسي عن جابر ورواه ابن ماجه عن ابن عباس والطبراني عن أبي أمامة وابن عساكر عن أبي هريرة ورواه الطبراني عن أبي موسى بلفظ " لا نكاح إلا بإذن ولي " (4). وعن أبي بكر الذهبي في جزئه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - بلفظ " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فمن تزوج بغير ولي وشاهدي عدل أبطلنا نكاحه ". وروى أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن عساكر والخطيب عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". وروى أحمد والطبراني عن ابن عباس لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له. وروى سمويه من فوائده: " لا نكاح إلا بولي فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ". وروى البيهقي عن عائشة " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ". وروى ابن حبان عن عائشة " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فإن تشاجروا فإن السلطان ولي من لا ولي له ". والبيهقي عن ابن عباس لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل. والخطيب والبيهقي عن أبي هريرة " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل والسلطان ولي من لا ولي له ".


(1) أخرجه البخاري 8 / 40 (45 29). (2) تقدم. (3) تقدم. (4) أخرجه الدارقطني 3 / 229 والبيهقي في السنن الكبرى 7 / 124 وانظر المجمع 4 / 286. (*)

[ 184 ]

روى الطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين والبيهقي والخطيب عن عائشة لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل. والطبراني عن ابن عباس لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلية، ولا مستهزئ بكتاب الله تعالى ما لم يذق العسيلة. والبيهقي عن عائشة " لا نكاح إلا بولي فإن لم كن ولي فاشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ". والبيهقي عن ابن عباس " لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد أو سلطان " والديلمي عن أبي هريرة " لا نكاح إلا بولي والزانية هي التي تنكح نفسها بغير ولي ". والحاكم في تاريخه عن أبي هريرة " لا نكاح إلا بإذن الرجل والمرأة ". وروى الامام أحمد وعائشة - رضي الله تعالى عنها - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يزوج بنتا من بناته جلس إلى خدرها، فقال: إن فلانا يذكر فلانة يسميها ويسمى الرجل الذي يذكرها فإن هي سكتت زوجها، وإن هي كرهت نقرت الستر، فإذا نقرته لم يزوجها وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " البكر يستأمرها أبوها ". وروى البخاري عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الثيب أحق بنفسها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها ". وروى أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " تستأمر اليتيمة فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها ". وروى البخاري عن عثمان - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينكح المحرم ولا يخطب ". وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأبى أن يتزوجها أينكح ابنتها أو يتبع الابنة حراما فقال: " لا يحرم الحلال الحرام إنما يحرم ما كان بنكاح حلال " (1). وروى أيضا عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحرم الحرام الحلال " ((2) وروى عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة في الجاهلية


(1) ذكره ابن القيسراني في الموضوعات (1010). (2) أخرجه ابن ماجه (2015) والدارقطني 3 / 26 والبيهقي 7 / 168، 169 وعبد الرزاق (12766) وانظر المجمع 4 / 268 وابن عدي في الكامل 5 / 1808 والخطيب في التاريخ 7 / 182 وأبو نعيم في التاريخ 1 / 163 وذكره ابن الجوزي في العلل 2 / 136. (*)

[ 185 ]

فأسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن. الاكثرون على ضعفه ومنهم من صححه. وروى أبو داود بسند ضعيف عن الحارث بن قيس قال أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال اختر منهن أربعا (1). وروى الامام مالك والشيخان عن عائشة أن رفاعة طلق زوجته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فاعترض ولم يمسها ففارقها وأرادت الرجوع إلى رفاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " (2). وروى الترمذي أن فيروز الديلمي أسلم على أختين، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار واحدة (3). وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار (4). ويروى أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا شغار في الاسلام " (5). وروى النسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ملعون من أتى امرأة في دبرها " (6). وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة في دبرها " (7). الثاني: في الطلاق: روى أبو داود والبيهقي والحاكم وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله


(1) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 16 (43) والترمذي 3 / 435 (1128) وأحمد 2 / 44 وابن ماجه (1953) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1277) والدارقطني 3 / 269 والحاكم 2 / 192 والبيهقي 7 / 181. (2) تقدم. (3) أخرجه أبو داود 2 / 678 (2234) والترمذي 3 / 436 (1130) وابن ماجه 1 / 627 (1951) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 310 (1276) والدارقطني 3 / 273 والبيهقي 7 / 184. (4) تقدم. (5) تقدم. (6) أخرجه أحمد 2 / 444 وأبو داود 2 / 618 (2162) والنسائي ذكره المزي في التحفة 9 / 312 وابن ماجه 1 / 619 (1923). (7) أخرجه ابن أبي شيبة 4 / 25 والنسائي كما في التحفة 5 / 210 وأبو يعلى في المسند 4 / 266 (51 / 2378) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1302). (*)

[ 186 ]

تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " (1). روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " (2). وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: النكاح والطلاق والرجعة " وفي لفظ " العتق " (3). وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا طلاق إلا فيما تملك " وفي لفظ أبي داود " إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذر إلا فيما تملك " (4). وروى البخاري عن ابن عباس والدارقطني - رضي الله تعالى عنهما - قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطلاق بعد النكاح. وروى عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل منهما عسيلة صاحبه " (5). وروى الدارقطني عن الحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهما - وابن عساكر عنه عن أبيه - رضي الله تعالى عنهما - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الاقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره " (6). وروى الدارقطني وضعفه عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا طلق امرأته ألبتة فغضب، وقال: " يتخذون آيات الله هزوا ولعبا من طلق امرأته ألبتة ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره " (7).


(1) أخرجه أبو داود 2 / 631 (2178) وابن ماجه 1 / 650 (2018) والحاكم 2 / 196 وانظر الدر المنثور 1 / 288. (2) أخرجه أحمد 5 / 277 والدارمي 2 / 162 وأبو داود 2 / 667 (2226) والترمذي 3 / 493 (1187) وابن ماجه 1 / 662 (2055) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 321 والحاكم 2 / 200. (3) أخرجه أبو داود 2 / 643 (2194) والترمذي 3 / 490 (1184) وابن ماجه 1 / 658 (2039) والدارقطني 4 / 18 والحاكم 2 / 197. (4) أخرجه أحمد 2 / 190 وأبو داود (2190) والترمذي 3 / 486 (1181) والنسائي 7 / 12 وابن ماجه 1 / 660 (2047) والحاكم 2 / 204. (5) أخرجه الدارقطني 4 / 33 وانظر المجمع 4 / 339. (6) أخرجه ابن عساكر ما في التهذيب 4 / 219 والسيوطي في الدر 1 / 279 وانظر جمع الجوامع (9439) والمجمع (4 / 342). (7) أخرجه الدارقطني 4 / 20 وانظر القرطبي 3 / 156. (*)

[ 187 ]

وروى أيضا مرفوعا وموقوفا عن ابن عباس وقال إنه أصح وضعف الاول عن عكرمة عن ابن عباس عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الحرام يمينا. وروى الائمة عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمسكها حتى تطهر من حيضتها قال: فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " وفي رواية لمسلم " فراجعها فحسبت لها التطليقة وعند البخاري وحسبت علي تطليقة، وما رواه أبو داود عن الزبير أنه سمع ابن عمر قال: فردها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا (1) قال عقبة والاحاديث على خلافه. وروى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله " (2). وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وابن ماجه والحاكم عن عائشة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاث عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم " ورواه الامام أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر بلفظ " عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ". وروى البيهقي عن أبي ذر والطبراني والبيهقي والدارقطني في الافراد والحاكم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثا الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (3). وروى الطبراني عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما أكرهوا عليه ". وروى الامام أحمد والبخاري والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم " (4).


(1) أخرجه البخاري 8 / 653 (4908) ومسلم 2 / 1093 (1 / 1471) (5 / 1471). (2) أخرجه الترمذي (1191) وابن عدي في الكامل 5 / 2003 وذكره ابن الجوزي في العلل 2 / 178. (3) البيهقي 7 / 356 والدارقطني 4 / 171 والطبراني في الصغير 1 / 270 وأخرجه ابن عدي في الكامل 3 / 1172، وانظر المشاة (6284) وبلفظ رفع القلم عن ثلاث. أخرجه أحمد 1 / 140، 155 والبيهقي 1 / 56، 57 وابن أبي شيبة 5 / 268 وابن خزيمة (3048) والطحاوي 2 / 74 وأبو داود (4402) والنسائي 6 / 156 وسعيد بن منصور (2080، 2081، 2082) والدارقطني 3 / 139 وانظر تلخيص الحبير 1 / 183. (4) أخرجه البخاري 5 / 160 (2528، 6664) ومسلم 1 / 116 (201 / 127 و (202 / 127). (*)

[ 188 ]

وروى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى تجاوز لامتي عن النسيان وما أكرهوا عليه ". وروى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني وابن عساكر وابن ماجه عن عمران بن حصين والعقيلي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به أو تعمل " وروى ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله تعالى تجاوز لامتي عما توسوس به صدورهم ما لم تعمل أو تتكلم به وما استكرهوا عليه ". وروى الامام أحمد وابن ماجه والدارقطني مرفوعا وأبو داود موقوفا عن صفية بنت شيبة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (1). وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني وضعف واستنكر عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " طلاق الامة تطليقتان وقرؤها حيضتان " (2). وروى ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طلاق الامة اثنتان وعدتها حيضتان " (3). وروى البيهقي والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما فقال: كذبت ليس عليك بحرام، عليك أغلظ الكفارات ثم تلا: (يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) (التحريم / 1). وروى الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ادعت المرأة " (4) طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف فإن حلف بطلت شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه. وروى الدارقطني عن المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر " (5) وفي لفظ البيان. وروى الطبراني برجال الصحيح وأبو داود مختصرا عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال كان زوج بربرة عبدا أسود يقال له مغيث كنت أراه في سكك المدينة يعصر عينيه


(1) أخرجه أحمد 6 / 276، وأبو داود 2 / 642 (2193) وابن ماجه 1 / 660 (2046) والدارقطني 4 / 36 والحاكم 2 / 198 وانظر التلخيص 3 / 210. (2) أخرجه الدارمي 2 / 170 وأبو 2 / 639 (2189) والترمذي 3 / 488 (1182) وابن ماجه 1 / 672 (2080). (3) ابن ماجه 1 / 672 (2080). (4) أخرجه ابن ماجه (2038) والدارقطني 4 / 64، 166 والخطيب في التاريخ 2 / 45. (5) الدارقطني 3 / 312 ونصب الرابة 3 / 473 وجمع الجوامع (4403). (*)

[ 189 ]

فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعتق وخيرها فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد وتصدق عليها بصدقة فأهدت إلى عائشة منها فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هو عليها صدقة ولنا هدية " (1). وروى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها ". الثالث: في الخلع: روى البخاري والنسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس والائمة الثلاثة وأبو داود والنسائي عن حبيبة بنت سهل وأبو داود عن عائشة والامام أحمد عن سهل بن أبي خيثمة وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس فقال عليه الصلاة والسلام " من هذه ؟ " فقالت أنا حبيبة بنت سهل يا رسول الله فقال: " ما شأنك ؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حبيبة بنت سهل فذكرت ما شاء الله أن تذكر فقالت حبيبة يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذ منها " فأخذ منها وجلست في أهلها وفي رواية عكرمة قال لها عليه الصلاة والسلام " أتردين عليه حديقته ؟ " قالت نعم (2). الرابع: في الرجعة: روى الامام مالك أن بريدة عتقت فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختارت نفسها فقال لها - عليه الصلاة والسلام - " لو راجعتيه " قالت يا رسول الله أبأمر منك ؟ قال: " لا، إنما أنا شافع " فقالت: لا حاجة لي به (3). وروى الامام مالك والشيخان أن رفاعة طلق زوجته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فنكحت عبد الرحمن بن الزبير فأعرض عنها ولم يمسها ففارقها وأرادت الرجوع إلى رفاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " (4).


(1) انظر المجمع 4 / 342. (2) أخرجه البخاري 9 / 359 (5273) وأحمد 6 / 434 (436) وأبو داود (2227) وابن ماجه (2056) (2057) (4238) وأحمد 4 / 3 وانظر المجمع 5 / 4 والدارقطني 3 / 255 والبيهقي 7 / 313 وانظر نصب الراية 3 / 244، 245 والنسائي 6 / 169 وعبد الرزاق (11759) وأحمد 4 / 3. (3) أخرجه مالك في الموطأ (1) وانظر اتحاف السادة المتقين 6 / 274. (4) أخرجه البخاري 5 / 249 (2639) ومسلم 2 / 1055 (111 / 1433). (*)

[ 190 ]

وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل منهم عسيلة صاحبه، وتقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم فليراجعها. الخامس: في الايلاء: ولا يقع منه صلى الله عليه وسلم لما فيه من إثم... وقال سليمان بن يسار " أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: يوقف المولى ". السادس: في الظهار: روى أبو داود والامام أحمد عن خولة بنت ثعلبة ويقال: بنت مالك بن ثعلبة أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها وتقول: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت وجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لها: اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) (المجادلة / 1) الاية: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليعتق رقبة " قالت لا يجد، قال: " فيصوم شهرين متتابعين " قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال " فيطعم ستين مسكينا " قالت ما عنده من شئ يتصدق به قال فإني سأعينه بعرق من تمر، قلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر قال: قد أحسنت فاذهبي فأطعمي ستين مسكينا وأرجعي ابن عمك ويروى في حديثها أنها قالت: إنه أكل شبابي وفرشت له بطني، فلما كبر سني ظاهر مني، ولي صبية صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا " (1). وروى الاربعة والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال: رأيت بياض ساقيها في القمر، قال: " فاعتزلها حتى تكفر عنك ". وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي والدارقطني عن سلمة بن صخر البياضي - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت رجلا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتايع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شئ فلم ألبث أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا، والله، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " أنت بذاك يا سلمة ؟ "


(1) أخرجه أحمد في المسند 6 / 411 وانظر نصب الراية 3 / 247. (*)

[ 191 ]

قلت: أنا بذاك يا رسول الله، مرتين، وأنا صابر لامر الله - عز وجل - فاحكم في بما أراك الله، قال: " حرر رقبة " قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي قال: " فصم شهرين متتابعين " قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ؟ قال: " فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا " قلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال: " فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها " فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وقد أمر بي أو أمرني بصدقتكم (1). السابع: (في اللعان): روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن بين عويمر العجلاني وزوجته وبين هلال بن أمية وزوجته أيضا حين رماها بشريك بن سمحاء وفرق بين الزوجين فيهما وألحق الولد بأمه (2). وروى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا آية اللعان على الملاعن ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها (3). وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده عند الخامسة على فيه وقال: إنها موجبة (4). وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: ذهبت لتلعن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبت فلعنت (5). الثامن: في إلحاق الولد وغير ذلك: روى ابن ماجه عن ابن عمر والنسائي عن ابن مسعود والشافعي وأحمد والستة إلا أبا داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - والائمة إلا الترمذي عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " (6).


(1) أخرجه أبو داود 1 / 672 (2213). (2) أخرجه البخاري 9 / 460 (5315) ومسلم 2 / 1132 (8 / 1494). (3) مسلم 2 / 1130 (4 / 1493). (4) أخرجه النسائي 6 / 175 وأبو داود (2254) والطبراني في الكبير 11 / 324 والشافعي في المسند 9 / 26 والبيهقي 7 / 405 وانظر المطالب (2842). (5) أخرجه مسلم في كتاب اللعان (10). (6) أخرجه البخاري من حديث عائشة 5 / 371 (2745) ومسلم 2 / 1080 (36 / 1457) وانظر أحمد 2 / 409 وسعيد بن منصور (425) وعبد الرزاق (7277) وابن أبي شيبة 4 / 415 والطحاوي في المعاني 3 / 114 وأبو داود (2273) والترمذي (2273) وابن ماجه (2006، 2007). (*)

[ 192 ]

وروى الامامان الشافعي والحميدي وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي والطحاوي والضياء عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش (1). وروى الائمة إلا الترمذي عن عائشة والامام أحمد والنسائي والدارقطني عن عبد الله بن الزبير قال: قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال: إنه ابن أخي، وقال: عبد بن زمعة: إنه أخي، فتساوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي كان عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر (2). وروى الائمة إلا الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ولدي غلام أسود وهو يعرض بأن ينفيه فلم يرخص له في الانتفاء، فقال: " هل لك من إبل ؟ " قال: نعم (3)، قال: " ما ألوانها " قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق " قال: نعم، قال: " فأنى تراه " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: " وهذا عسى أن يكون نزعه عرق ". وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قام رجل، فقال: يا رسول الله، إن فلانا ابني عاهر بأمة في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا دعوة في الاسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر " (4). وروى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا مساعاة في الاسلام " (5). وروى الستة والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهما مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: " أي عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رأسيهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الاقدام بعضها فوق بعض " (6).


(1) انظر مجمع الزوائد 5 / 13 وانظر تلخيص الحبير 4 / 3. (2) أخرجه البخاري (2745) ومسلم 36 / 1457. (3) أخرجه البخاري 13 / 296 (7314) ومسلم 2 / 1137 (18 / 1500) وأبو داود (2260) والترمذي (2128) والنسائي 6 / 178 وابن ماجه (2002) (2003) وأحمد 2 / 239، 409، 3 / 14 والبيهقي 4 / 186. (4) أخرجه أبو داود (2274) وأحمد 2 / 207 وانظر المجمع 6 / 178 ونصب الراية 3 / 236 والتمهيد 8 / 182 وفتح الباري 2 / 34. (5) أخرجه أبو داود (1 / 688) حديث (2264). (6) أخرجه البخاري 12 / 56 (6771) ومسلم 2 / 1082 (38 / 1459). (*)

[ 193 ]

وروي عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له أدعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث شئ، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة. وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن رافع بن سنان أنه عندما أسلم أبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهة، وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية " قال: وأقعد، الصبية بينهما، ثم قال: " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهدها " فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها. وروى الشافعي وأحمد والاربعة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من عذب الماء وفي لفظ من بئر أبي عنبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا غلام، هذا أبوك، وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت " فأخذ بيد أمه فانطلقت به (1). وروى الشيخان عن أم عطية - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوبا عصبا، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط وأظفار "، وفي لفظ " لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الاخر تحد على ميت إلا على زوج " (2). وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة والامام أحمد ومسلم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: " ألا توطأ حامل، حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض " (3). وروى الامام أحمد والبيهقي وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".


(1) أخرجه عبد الرزاق 7 / 157 (12611) والدارمي 2 / 170 وأبو داود 2 / 708 (2277) والنسائي 6 / 185 وابن ماجه 2 / 787 (2351) والبيهقي 8 / 3. (2) أخرجه البخاري 9 / 492 (5342) ومسلم 2 / 1127 (66 / 938). (3) أخرجه أحمد 3 / 62 والدارمي 2 / 170 وأبو داود 2 / 614 (2157) والحاكم 2 / 195. (*)

[ 194 ]

وروى البخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لابي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال عقبة: لا أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فأرسل إلى آل أبي إهاب، فاسألهم، فقالوا: ما علمنا أنها أرضعت صاحبتنا فركبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسألته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف وقد قيل ؟ ففارقها فنكحت زوجا غيره " وفي لفظ: " إنها كاذبة "، قال: " كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك " (1). وروى الامام مالك وأحمد عنه ومسلم والاربعة عن جدامة بنت وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم " (2). وروى الشيخان عن هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف " (3). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ابدأ من تعول، المرأة تقول: إما أن تعطيني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني أو بعني ويقول الولد أطعمني إلى من تدعني "، قالوا: يا أبا هريرة، هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته قال: " لا هذا من كيس أبي هريرة " (4). ورواه النسائي: ابدأ بما تعول فقيل: من أعول يا رسول الله ؟ قال: " امرأتك تقول: أطعمني أو فارقني، وخادمك يقول: أطعمني أو بعني، وولدك يقول: إلى من تتركني ". تنبيه: في بيان غريب ما سبق: " فلا تعضلوهن " تمنعوهن. " الخدر " بخاء معجمة مكسورة فدال مهملة ساكنة فراء ناحية من البيت عليها ستر فتكون فيه الجارية.


(1) أخرجه البخاري 5 / 251 (2640). (2) أخرجه مسلم في كتاب النكاح (140، 141) وأبو داود (3882) والترمذي (2077) والنسائي 6 / 107 وأحمد 6 / 361، 434 والبيهقي 7 / 231، 465 ومالك (608). (3) تقدم وانظر البخاري (5364) ومسلم (7 / 1714). (4) أخرجه البخاري 2 / 139 ومسلم في كتاب الزكاة 95، 97، 106 والنسائي 5 / 95 وأحمد 2 / 4، 94، 152، 230، 245، 278 وابن أبي شيبة 3 / 212 والدارمي 1 / 389 والطبراني في الكبير 3 / 228، 10 / 161، 230 والحميدي (1058) والهيثمي في الموارد (826) وابن خزيمة (2436، 439) (2444) والبيهقي 1 / 1998، 4 / 180، 182. (*)

[ 195 ]

" الشغار " بشين مكسورة فغين معجمتين فألف فراء قال القاضي عياض: هو في اللغة الرفع من قولهن شغر الكلب برجله إذا رفعها ليبول ثم استعملوه فيما يشبهه فقالوا اشغر الرجل المرأة إذا فعل ذلك للجماع وشغرت هي أيضا إذا فعلته ثم استعملوه في النكاح بغير مهر. " البتة " بموحدة ثم مثناتين من فوق من البت وهو القطع لقطعة العصمة. " الحديقة " بحاء مفتوحة فدال مكسورة مهملتين فتحتية فقاف فتاء تأنيث كلما أحاط به البناء من البساتين وغيرهما، ويقال للقطعة من النخل حديقة وإن لم يكن محاط بها. " العسيلة " بعين مهملة مضمومة فسين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية فسره مالك بالايلاج. " العاهر " بعين مهملة وآخره راء الزاني. " النبذة ": بضم النون وسكون الموحدة وبالذال المعجمة القطعة (1)... " سبايا " بسين مهملة فموحدة مفتوحتين فألف فتحتية فألف جمع سبية المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة. " الغيلة " بغين معجمة مكسورة فمثناة تحتية وطئ المرضع وقيل إرضاع الحامل.


(1) كلمتان غير واضحتان في الاصل. (*)

[ 196 ]

الباب الرابع في أحكامه وأقضيته - صلى الله عليه وسلم - في الحدود وفيه أنواع: الاول:.....: الثاني: في الشفاعة في الحدود: روى الامام أحمد والستة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت (1) قالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشفع في حد من حدود الله "، ثم قام فاختطب ثم قال: " إنما هلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيه الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " وفي رواية: " فقد ضاد الله ". وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد حارب الله تعالى " (2). وروى الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي والدارقطني عن صفوان بن أمية - رضي الله تعالى عنه - أنه توسد رداءه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتي به (3). وروى أبو داود والنسائي والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ادرءوا الحدود ما وجدتم له مدفعا ". الثالث: في درئه الحدود وسترها إذا أقيم الحد على الزاني كان كفارة له قال: روى أبو داود والنسائي والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب " (4).


(1) أخرجه البخاري 6 / 13 (3475) ومسلم 3 / 1315 (8 / 1688). (2) أخرجه أحمد في المسند 2 / 70 وأبو داود 4 / 23 (3597) والطبراني في الكبير 12 / 270 (13084) والحاكم 4 / 383 والبيهقي 8 / 332. (3) أخرجه مالك في الموطأ 2 / 834 (28) والشافعي 2 / 84 (278) وأحمد 3 / 401 وابن ماجه 2 / 865 (2595) والدارمي 2 / 172 وأبو داود 4 / 53 (4394) والنسائي 8 / 69 - 70 والحاكم 4 / 380. (4) أخرجه أبو داود 4 / 540 (4376) والنسائي 7 / 70 والحاكم 4 / 383 وصححه ووافقه الذهبي. (*)

[ 197 ]

وروى الترمذي والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا " (1). وروى الامام مالك عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم، يقال له: " هزال، " يا هزال، لو سترته بردائك كان خيرا لك " (2). وروى مسلم عن عمران بن الحصين الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله، أصبت حدا، فأقمه علي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني، ففعل، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر، تصلي عليها يا رسول الله، وقد زنت ؟ ! قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل (3). وروى أبو داود عن يزيد بن نعيم عن أبيه أن ماغرا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه وقال لهزال (4) الحديث. روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والاخرة " (5). وروى ابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته، حتى يفضحه بها في بيته " (6). وروى الترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أصاب في الدنيا ذنبا عوقب فيه فالله أعدل أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا فستره الله تعالى عليه في الدنيا فالله تعالى أكرم أن يعود في شئ قد عفا عنه "، وقال عبادة: فأمره إلى الله - عز وجل - (7).


(1) ابن ماجه (2545). (2) أخرجه مالك مرسلا في الموطأ 2 / 821 (3) وأخرجه موصلا أحمد في المسند 5 / 217 وأبو داود (4377) والحاكم 4 / 363. (3) أخرجه مسلم في كتابه الحدود (24) وأبو داود والنسائي 4 / 66 والطحاوي في المشكل 1 / 177. (4) تقدم. (5) أخرجه ابن ماجه (2544) من حديث أبي هريرة. (6) ابن ماجه (2546) من حديث ابن عباس. (7) ابن ماجه (2604) والحاكم 4 / 262. (*)

[ 198 ]

الرابع في حكمه صلى الله عليه وسلم في التعزير: روى الامام أحمد والنسائي ومسلم وأبو داود عن أبي بردة بن نيار - رضي الله تعالى عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله " (1). وروى ابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تعزروا فوق عشرة أسواط " (2). الخامس: في نهيه صلى الله عليه وسلم عن إقامة الحدود في المساجد: روى الامام أحمد وأبو داود والدارقطني عن حكيم بن حزام وابن ماجه عن ابن عباس وابن ماجه عن عمر - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقام الحدود في المساجد " (3). السادس: فيمن ذكر صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل عليه حد: روى الامام أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتى عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسا فأمر بها عمر أن ترجم بها على علي بن أبي طالب - رضي الله عليه - فقال: ما شأن هذه ؟ قالوا: مجنونة من بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم. قال: فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل، قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم قال: لا شئ، قال: فأرسلها، قال: فجعل يكبر (4). وروى الامام أحمد والاربعة عن عطية القرظي - رضي الله تعالى عنه - قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي (5).


(1) أخرجه مسلم في الحدود باب 9 حديث (40) والترمذي (1463) وأبو داود (4491) (4492) أحمد 4 / 45 والدارقطني 3 / 208 وابن أبي شيبة 10 / 17 والحاكم 4 / 369 والطحاوي في المشكل 3 / 164. (2) أخرجه ابن ماجه (2602) وانظر فتح الباري 12 / 178. (3) أخرجه الترمذي (1401) وابن ماجه (2599) والدارمي 2 / 190 وابن أبي شيبة 10 / 42 والطبراني في الكبير 2 / 147 وانظر المجمع 2 / 25 والحاكم 4 / 369 وعبد الرزاق (1710، 18234) وأبو نعيم في الحلية 4 / 18 وانظر التلخيص 4 / 77. (4) أخرجه أبو داود (2 / 545) (4399). (5) أخرجه أحمد 4 / 383 والدارمي 2 / 223 وأبو داود 4 / 561 (4404) والترمذي 4 / 145 (1584) والنسائي 6 / 155 وابن ماجه 2 / 849 (2541). (*)

[ 199 ]

وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلي حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر ". السابع: في كيفية إقامته صلى الله عليه وسلم الحد على الضعيف: روى أحمد بن منيع والنسائي وابن ماجه عن أبي أمامة عن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة الانصاري قال: كان بين أبياتنا رجل محدج ضعيف سقيم يجذم، فلم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك الرويجل مسلما، فقال صلى الله عليه وسلم: " خذوا له عثكالا فيه مائة شمروخ فاضربوه به "، ففعلوا (1). الثامن: في إشارته صلى الله عليه وسلم لمن أتى ما يوجب الحد بالرجوع عن الاقرار والانكار: روى الامام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فاعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أخالك سرقت " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع وجئ به فقال: " استغفر الله " وتب إليه، فقال: استغفر الله وأتوب إليه فقال " اللهم تب عليه " ثلاثا (2). وروى البزار عن أبي هريرة ومسدد مرسلا بسند صحيح وأبو داود في المراسيل ورواه البزار والدارقطني والبيهقي مرفوعا عن محمد بن عبد الرحمن بن توبان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال: سرقت، ما نخالك سرقت فقال: بلى، يا رسول الله، قال اذهبوا به، فاقطعوا يده ثم احسموه ثم ائتوني به فذهبوا به فقطعوه، ثم حسموه ثم أتوه به فقال: تب إلى الله تعالى فقال قد تبت إلى الله قال: اللهم تب عليه (3). التاسع: في عدم إقامته حدا على من اعترف به ولم يذكر ما سبب الحد: روي عن ابن أبي شيبة برجال ثقات عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله تعالى عنه - قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال له رجل: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقم علي الحد، وأقيمت الصلاة، ثم خرج، فتبعه الرجل وتبعته فقال: يا رسول الله، أقم علي حدي، فإني


(1) أخرجه أحمد 5 / 222 وابن ماجه 2 / 859 (2574). (2) أخرجه أحمد 5 / 293 وأبو داود (4380) والنسائي 8 / 67 وابن ماجه (2597) والدارمي 2 / 173 والدولابي 1 / 14 والبخاري في التاريخ 9 / 3 والطحاوي في المعاني 4 / 323 وانظر نصب الراية 4 / 76. (3) أخرجه عبد الرزاق (13583) والدارقطني 3 / 102 وانظر نصب الراية 3 / 371 والدولابي في الكنى 1 / 14. (*)

[ 200 ]

أصبته، قال: أليس خرجت من منزلك فتوضأت، فأحسنت الوضوء، وشهدت معنا الصلاة ؟ قال نعم قال: أن الله تعالى قد غفر لك ذنبك أو حدك (1). العاشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في المحاربين والمرتدين: روى الائمة إلا مالكا والشافعي عن أنس وأبو داود والنسائي عن ابن عمر والنسائي وابن ماجه عن عائشة - رضي الله تعالى عنهم - وأبو داود عن أبي الزناد - بنون - رحمه الله تعالى - مرسلا والنسائي عن ابن المسيب - رحمه الله تعالى - أن أناسا من عرينة كان بهم سقم، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وتكلموا بالاسلام، فقالوا: يا رسول الله، آونا وأطعمنا، فلما أصبحوا حضروا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف وشكوا حمى المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وأمرهم أن يخرجوا من المدينة وفي لفظ: أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى كانوا أمام بيت من ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقوا الزود فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول النهار فبعث الطالب في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جئ بهم فسمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وفي لفظ. وسمر أعينهم زاد مسلم في رواية أنس وسملوا أعين الرعاة وتركهم من ناحية الحرة يعضون الحجارة حتى ماتوا وفي لفظ: رأيت الرجل يكدم الارض بلسانه، حتى يموت يستسقون، فلا يسقون حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة، وينهي عن المثلة، قال قتادة: وحدثني ابن سيرين أن ذلك قبل أن تنزل الحدود وقال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا أو قتلوا أو كفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله (2). وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد - رحمه الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله - عز وجل - في ذلك فأنزل الله - تبارك وتعالى - (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) (3) (المائدة / 33). وروى الدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: ارتدت امرأة من الاسلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرضوا عليها والاسلام، فإن أسلمت وإلا قتلت فعرض عليها الاسلام، فأبت أن تسلم، فقتلت (4).


(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 252. (2) أخرجه البخاري 12 / 109 (6813) ومسلم 3 / 1296 (9 / 1671) وأحمد 3 / 98. (3) أخرجه أبو داود (4370) والنسائي 7 / 100. (4) أخرجه الدارقطني 3 / 119 والبيهقي 8 / 203. (*)

[ 201 ]

وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استتاب رجلا ارتد عن الاسلام أربع مرات (1). وروى النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من بدل دينه فاقتلوه " (2). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، ثم أرسل معاذ بن جبل بعد ذلك (3). فلما قدم عليه وجد عنده رجلا موثقا، قال: ما هذا ؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل. الحادي عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في الزاني روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن نفي عام وإقامة الحد عليه (4). وروى الامام أحمد عن سلمة بن المحبق والشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي أعرضنا عنه وتربد وجهه لذلك وكرب وأنزل الله عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال: خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (5). وروى الائمة والنسائي والدارقطني عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ورجمناه بعده. وروى الائمة إلا النسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - والامام أحمد وابن ماجه


(1) أبو يعلى (3 / 320). (2) أحمد 1 / 217، 282، 283، 323، 5 / 231 أبو داود (4351) والترمذي (1458) ومن علي أخرجه البخاري 12 / 267 (6922) والنسائي 7 / 104، 105، وابن ماجه (2535) والطبراني في الكبير 10 / 330 والشافعي كما في البدائع (1483) وابن أبي شيبة 10 / 139 والدارقطني 3 / 113 وانظر التلخيص 3 / 173، 4 / 48. (3) البخاري (7 / 660) (4345). (4) أخرجه البخاري 10 / 523 (6633) ومسلم 3 / 1324 (25 / 1697 - 1698). (5) أخرجه مسلم 3 / 1316 (12 / 1690) وأبو داود (4415) وأحمد 5 / 313، 317، 3 / 376 وانظر المجمع 6 / 264 والشافعي كما في البدائع (1492) والطحاوي في المعاني 3 / 134، 138 وابن أبي شيبة 10 / 8، 14 والدارمي 2 / 181 والبيهقي 8 / 210، 222. (*)

[ 202 ]

عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - والدارقطني عن عباد بن تميم عن عمه والامام أحمد عن عبد الله بن مالك الاوسي - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الامة زنت ولم تحصن فقال صلى الله عليه وسلم: " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليحدها " - وفي رواية فليحدها الحد - ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليحدها، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل، وفي لفظ صغير من شعر. وفي لفظ إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم بيعوها (1). وروى الامام أحمد والثلاثة والدارقطني عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، وفي لفظ: أن أقيم عليها الحد فقال علي: وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم (2). الثاني عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في المكره: روى الامام أحمد والاربعة والدارقطني عن وائل حجر - رضي الله تعالى عنه - قال: " استكرهت امرأة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فدرأ عنها الحد وأقامه على الذي أصابها... " (3). الثالث عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم وطء الشبهة: روى عن حبيب بن سالم قال: رفع إلى النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنه - وهو أمير الكوفة فقال: لاقضين بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلده مائة. الرابع عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه: روى ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن حبان والامام أحمد والاربعة والدارقطني عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: رأيت خالي أبا بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين ؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه وآتي برأسه (4). الخامس عشر: في الذين حدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني عن بريدة بن الحصيب وأحمد وأبو داود والنسائي عن نعيم بن هزال عن أبيه والشيخان وأبو داود والترمذي


(1) أخرجه البخاري 4 / 421 (2234) ومسلم 3 / 1328 (30 / 1703). (2) أخرجه أبو داود 4 / 617 (4473) والنسائي في الكبرى كما في التحفة 7 / 448. (3) أخرجه أحمد 4 / 318 والترمذي 4 / 55 وابن ماجه 2 / 886 (2598). (4) أخرجه أحمد 4 / 292 وأبو داود 4 / 602 (4456) والترمذي 3 / 643 (1362) والنسائي 6 / 109 وابن ماجه 2 / 869 والحاكم 2 / 191 والدارمي 2 / 153. (*)

[ 203 ]

والدارقطني عن ابن عباس والامام أحمد عن أبي بكر الصديق وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنهم - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أني زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الثالثة، فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، ثم أتاه الرابعة، فقال يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك قد قلتها أربع مرات فيمن " قال بفلانة، قال: هل ضاجعتها ؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها ؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها ؟ قال: نعم، قال فأمر به أن يرجم، قال: فأخرج به إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع، فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد أعجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، قال: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: " هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه ". وروى أبو داود والدارقطني عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا زنى بامرأة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن (1) فأمر به فرجم. روى الامام أحمد والاربعة والدارقطني عن عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنه - قال: إن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنها زنت وهي حبلى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليا لها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها " فلما أن وضعت جاء بها فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها، فقال عمر: يا رسول الله، تصلي عليها وقد زنت ؟ قال: " والذي نفسي بيده، لقد تاب توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها ؟ ". وروى الدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاعترف بالزنا فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أبك جنون ؟ " قال: لا، قال: " أحصنت ؟ " قال: نعم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك، فرجم حتى مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خيرا، ولم يصل عليه. وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة. روى الائمة عن زيد بن خالد وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنهما أخبراه أن رجلين


(1) أخرجه أبو داود من حديث جابر 4 / 586 (4438). (*)

[ 204 ]

اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، وقال الاخر: وكان أفقههما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي أن أتكلم، قال: " تكلم " قال: إن ابني كان عسيفا على هذا - والعسيف: الاجير - فزنى بامرأته، فأخبروني أن ما على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجل على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده، لاقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد إليك "، وجلد ابنه مائة وغر به عاما، وأمر أنيسا الاسلمي أن يأتي امرأة الاخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها. وروى الامام وأبو داود والنسائي عن خالد بن اللجلاج عن أبيه: أنه كان قاعدا يعتمل في السوق، فمرت امرأة تحمل صبيا، فثار الناس معها وثرت فيمن ثار، وانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " من أبو هذا معك ؟ " فسكتت، فقال شاب حذوها: أنا أبوه يا رسول الله، فأقبل عليها فقال: " من أبو هذا معك ؟ " فقال الفتى: أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض من حوله يسألهم عنه فقالوا: ما علمنا إلا خيرا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أحصنت " قال: نعم، فأمر به فرجم قال: فخرجنا به، فحفرنا له حتى أمكنا ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ، فجاء رجل يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: هذا جاء يسأل عن الخبيث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لهو أطيب عند الله من ريح المسك " فإذا هو أبوه، فأعناه على غسله وتكفينه ودفنه، وما أدري قال: والصلاة عليه أم لا. السادس عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم بمن عمل عمل قوم لوط: روى الامام أحمد والاربعة والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - وروى أبو داود والترمذي والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (1). السابع عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في القذف: روى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا من بني ليث أتى النبي فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات وكان بكرا، فجلده مائة جلدة ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب يا رسول الله، فجلد حد القذف ثمانين (2).


(1) أخرجه من حديث ابن عباس أحمد 1 / 300 وأبو داود 4 / 607 (4462) والترمذي 4 / 57 (1456) وابن ماجه 2 / 856 (2561) والحاكم 4 / 355 والبيهقي 8 / 232. (2) أخرجه أبو داود 4 / 618 (4474) والترمذي 5 / 336 (3181) وابن ماجه 2 / 857 (2567). (*)

[ 205 ]

الثامن عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في حد السرقة: روى الامام أحمد والشيخان والاربعة والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق، في ربع دينار فصاعدا (1). وروى الشيخان والنسائي عنها قالت: لم تقطع يد سارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ترس أو جحفة، وكان كل واحد منهما ذا ثمن (2). وروى الائمة عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق في مجن قيمته وفي رواية ثمنه ثلاثة دراهم (3). وروى الامام أحمد والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في قيمة خمسة دراهم. وروى الثلاثة عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق ؟ قال: " من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع " (4). وروى النسائي عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا قطع في كثر ولا ثمر " (5). وروى الامام مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما يبلغ ثمن المجن " (6). وروى الامامان الشافعي وأحمد والترمذي والدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا قطع في ثمر معلق فإذا آواه الجرين ففيه القطع " (7). وروى الطبراني والامامان والشافعي وأحمد والاربعة ومحمد بن يحيى وابن حبان - رحمه الله تعالى - أن عبدا سرق وديا من حائط رجل فغرسه في حائط سيده فخرج صاحب الودي يلتمس وديه، فوجده، فاستعدى على العبد مروان بن الحكم فسجن العبد وأراد قطع


(1) أخرجه البخاري 12 / 96 (6789) ومسلم 3 / 1312 (2 / 1684). (2) البخاري (12 / 99) (6794). (3) أخرجه البخاري 12 / 97 (6798) ومسلم 3 / 1313 (6 / 1686). (4) أخرجه أحمد 2 / 207 وأبو داود 2 / 335 (1710) والنسائي 8 / 84. (5) أخرجه مالك 2 / 839 (32) والشافعي في المسند 2 / 83 (275) وأحمد 3 / 463 والدارمي 2 / 174 وأبو داود 4 / 549 (4388) والترمذي 4 / 52 (1449) والنسائي 8 / 87 وابن ماجه 2 / 865 (2593) والهيثمي في الموارد (1505) والبيهقي 8 / 263. (6) أخرجه مالك 2 / 831 (22) وقال ابن البر " لم يختلف رواة الموطأ في إرساله ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمر قلت وحديث عبد الله قد تقدم. (7) أخرجه الشافعي كما في البدائع (1517) والبيهقي 8 / 263 - 266. (*)

[ 206 ]

يده فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج، فأخبره عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (1). وروى أبو داود والنسائي والدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقال: " اقتلوه "، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: " اقطعوه " فقطعوه ثم أتى به في الثانية فقال: " اقتلوه "، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق فقال: " اقطعوه "، فقطعوه. ثم أتى به في الثالثة والرابعة، ففعل به كذلك، فأتى به في الخامسة فقال " اقتلوه " قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد الغنم، فاستلقى على ظهره ثم كشر بيده ورجله، فانصدعت الابل ثم حملوا عليه الثانية، ففعلوا به مثل ذلك ثم حملوا عليه الثالثة، فرميناه بالحجارة ثم ألقيناه في بئر ثم رمينا عليه بالحجارة. قالوا وهذا الحديث لا يصح وكذا أحاديث قتل السارق (2). وروى البيهقي والحارث بن أبي أسامة عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وابن سابط الاحول - رحمهما الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعبد قيل: هذا سرق، وقامت عليه البينة ووجدت معه سرقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا عبد لا يتام ليس لهم مالك غيره فتركه ثم أتى به الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة فتركه أربع مرات ثم أتى به الخامسة فقطع يده ثم أتى به السادسة فقطع رجله ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله قال الحارث أربع بأربع عافاه مع أربع وعاقبه أربع " قال البيهقي: كأنه لم ير بلوغه في المراتب الاربع أو لم ير سرقته بلغت ما يوجب القطع ثم رآه توجبه في المرات الاخيرة (3). روى أبو يعلى والنسائي عن الحارث بن الحاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق فقال اقتلوه، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: اقطعوا يده، قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة فقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: " اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الامارة "، فقال: أمروني عليكم فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه (4).


(1) البيهقي (8 / 266). (2) أخرجه أبو داود 4 / 565 (4410) والدارقطني 3 / 181 وقال المنذري بعده أن عزاه للنسائي " وهذا منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث ". (3) أخرجه البيهقي (8 / 273). (4) النسائي (8 / 90). (*)

[ 207 ]

وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سرق السارق، فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله. روى الحميدي وأبو يعلى عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: أول من قطع في الاسلام - أو من المسلمين - رجل من الانصار أتتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، إنه، سارق، فقال: اقطعوه، فكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذر عليه رمادا فقيل: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه، قال: وما يمنعني، لا تكونوا من أعوان الشيطان، إن الله عفو يحب العفو، إنه لا ينبغي لولي أن يولى بحد إلا أقامه (1). وروى أبو يعلى عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد سرق فأمر بقطعه، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، تبكي فقال: " وكيف لا أبكي وأمتي تقطع بين أظهركم " ؟ قالوا: يا رسول الله، ألا عفوت عنه، قال: ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود، ولكن تعافوا بينكم (2). وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سرق العبد فبعه ولو بنش " (3). وروى ابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال: " مال الله تعالى سرق بعضه بعضا " (4). وروى أبو داود عن أزهر بن عبد الله الحرازي عن النعمان بن بشير أنه رفع إليه نفر من الكلاعين أن حاكة سرقوا متاعا، فحبسهم أياما، ثم خلى سبيلهم، فأتوه فقالوا: خليت سبيل هؤلاء بلا امتحان ولا ضرب فقال النعمان: ما شئتم إن شئتم أضربهم، فإن أخرج الله متاعكم فذاك وإلا أخذت من ظهوركم مثله قالوا هذا حكمك قال: هذا حكم الله - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم. وروى النسائي والدارقطني عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد " (5).


(1) انظر المجمع 6 / 278. (2) مجمع الزوائد (6 / 262) وعزاه لابي يعلى انظر فتح الباري 12 / 87. (3) أخرجه أحمد 2 / 337 وأبو داود 4 / 568 (4412) والنسائي 8 / 91 وابن ماجه (2 / 864) (19 / 25). (4) أخرجه ابن ماجه (2590) وعبد الرزاق (18873) والبيهقي 8 / 282، 9 / 100 وانظر نصب الراية 3 / 368. (5) أخرجه النسائي 8 / 93 والدارقطني 3 / 182 وأبو نعيم في الحلية 8 / 322 انظر نصب الراية 3 / 375، 376. (*)

[ 208 ]

وروى الاربعة والدارقطني عن فضالة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه (1). وروى الامام أحمد والنسائي والدارقطني عن أسيد بن الحضير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنه إذا وجدناه يعني السرقة في يد الرجل غير المتهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء أتبع سارقه وقضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم. وروى أبو داود والنسائي عن جنادة بن أبي أمية قال: كنا مع بسر بن أرطأة في البحر فأتى بسارق يقال له: مصدر، قد سرق بختية، فقال: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تقطع الايدي في السفر " ولولا ذلك لقطعته ". وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج فيبيعهم في أرض أخرى فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يده. التاسع عشر: في حد السكران: روى أبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين، فلما ولى عمر دعا الناس من الريف فقالل: ما ترون في حد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال: فجلد عمر ثمانين. وروى أن الذي أشار عليه بذلك علي ففعل عمر (2). وروى الامام أحمد عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى برجل في شراب فضربه بنعلين أربعين. وروى نحوه الترمذي وحسنه. وروى الامام أحمد عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل نشوان قال: إني لم أشرب خمرا إنما شربت زبيبا وتمرا في دباءة، فقال فأمر به فنهز بالايدي، وخفق بالنعال ونهى عن الدباء وعن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا (3). روى البيهقي والامام وأبو داود والدارقطني عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة الفتح إذ أتى برجل قد شرب الخمر، فقال الناس: اضربوه، فمنهم من ضربه


(1) أخرجه أحمد 6 / 19 وأبو داود 4 / 576 (4411) والترمذي (1447) والنسائي 8 / 92 وابن ماجه 2 / 863 (2587). (2) أخرجه البخاري 12 / 63 (6773) ومسلم 3 / 1331 (36، 37 / 1706). (3) أخرجه أحمد 3 / 46، 4 / 87. (*)

[ 209 ]

بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالسوط، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابا من الارض فرمى به في وجهه (1). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن معاوية والامام أحمد عن ابن عمر وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد وابن إدريس والشافعي وأبو داود عن قبيصة بن ذؤيب - رضي الله تعالى عنهم - قال: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد، فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه (2). وروى الامامان الشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي والدارقطني عن حصين بن المنذر الرقاشي " هو أبو ساسان " قال شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد بن عقبة، فشهد عليه حمران ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه رآه شربها يعني الخمر، وشهد الاخر أن رآه يتقيئها، فقال: عثمان إنه لم يتقيئها حتى شربها فقال لعلي - رضي الله تعالى عنه -: أقم عليه الحد، فقال علي للحسن: أقم عليه الحد، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارسها، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، قال: فأخذ السوط فجلده وعلي يعد فلما بلغ أربعين، أحسبه، قال: وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدة نحو أربعين (3). وروى البخاري عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم، العنه، ما أكثر ما يؤتى به ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله ". وروى البخاري وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسكران فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف، قال رجل: ما له، أخزاه الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ". وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: رسول


(1) أخرجه الشافعي في المسند 2 / 90 (292) وأحمد 4 / 88 وابن أبي حاتم في العلل (1344) وأبو داود 4 / 628 (4489) والنسائي كما في التحفة 7 / 191 والحاكم 4 / 375. (2) أخرجه أبو داود (4485) والشافعي في المسند (164) والطبراني في الكبير 19 / 334 والطحاوي في المعاني 3 / 161 وابن سعد 7 / 146 والدر المنثور 2 / 325. (3) أخرجه أبو داود (2 / 596) (4480) وابن ماجه (2571) 190 أخرجه البخاري 12 / 66 (6779). (*)

[ 210 ]

الله صلى الله عليه وسلم لم يفت في الخمر حدا قال ابن عباس: شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال أفعلها ؟ ولم يأمر فيه بشئ (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العشكان (...). " الشمراخ ": بشين معجمة مكسورة فميم ساكنة فراء فألف فخاء معجمة - الغصن الذي عليه البسر. أجووها: بهمزة فجيم ساكنة فواوين أولهما مفتوحة فهاء فألف أصابهم الجواء وهو المرض وداء الجوى إذا تطاول، إذا لم يوافقهم هواؤها. سمل أعينهم: بسين مهملة فميم فلام مفتوحة (أي فقأها بحديدة محماة أو غيرها). الحرة: أرض ذات حجارة سوداء. تدبر: بمثناة فموحدة فدال مهملة تغير إلى الغبرة، وقيل: المدبرة لون بين السواد والغبرة. سراء: بسين مهملة مضمومة فراء مكسورة فتحتية كشف الصغير. الضرية: الشقرة. احسموا: بهمزة فحاء ساكنة فسين مكسورة مهملتين فميم فواو، فألف أي اكووه ليتقطع الدم. الضرع: (.....). الذود: بذال معجمة مفتوحة فواو ساكنة فدال مهملة ثلاثة أبعرة إلى عشرة أو خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين وما بين الثنتين إلى التسع، مؤنثة ولا واحد لها من لفظها كالنعم. الريف: براء مكسورة فتحتية ساكنة ففاء، أرض فيها زرع ونخل وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها. المجن: بميم مكسورة فجيم مفتوحة فنون: الترس لانه بوادي جامعة الترس. الجرين: الكثر. الحريسة: بحاء مهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية فسين فتاء تأنيث، فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها وقيل السرقة نفسها. المراح: المربد كثير الجرين.


(1) (1) أخرجه أحمد 6 / 322 وأبو داود (4476) والنسائي كما في التحفة 5 / 167. (*)

[ 211 ]

الباب الخامس في أحكامه وأقضيته - صلى الله عليه وسلم - في الجنايات والقصاص والديات والجراحات وفيه أنواع: الاول: في أمره صلى الله عليه وسلم بالعفو عن القصاص: روى أبو يعلى عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرفع إليه قصاص إلا أمر فيه بالعفو. وروى الشيخان عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل له قتيل فإما أن يودى، وإما أن يقاد " (1). الثاني: في أمره صلى الله عليه وسلم بالاحسان في استيفاء القصاص: الثالث: في نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقتص من الجاني قبل برء المجني عليه وأن يقتص بالسيف ورضخه رأس اليهودي ولكل خطأ أرش: وروى الدارقطني عن مسلم بن خالد الزنجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقتص من الجرح حتى ينتهي (2). وروى ابن ماجه عن النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا قود إلا بالسيف ولكل خطأ أرش " (3). وروى عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا قود إلا بالسيف " (4). وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " رضخ رأس اليهودي الذي رضخ رأس المرأة " (5). الرابع: في حكمه صلى الله عليه وسلم في العهد والخطأ: وروى عن ابن شريح خويلد بن عمرو الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول


(1) مسلم في الحج (447، 448) والترمذي (1405) وأبو داود (4505) والنسائي 8 / 38 وابن ماجه (2624). (2) أخرجه الدارقطني 3 / 88، 188. (3) أخرجه ابن ماجه (2667، 2668) وابن أبي شيبة 9 / 354 والطبراني في الكبير 10 / 109 والدارقطني 3 / 7 والبيهقي 8 / 62، 63 وانظر التلخيص 4 / 19. (4) انظر المصادر السابقة. (5) أخرجه البخاري 12 / 213 (6884) ومسلم 3 / 1299 (15 / 1672). (*)

[ 212 ]

الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أصيب بدم أو خبل - الخبل الجراج - فهو بالخيار بين أحدى ثلاث، إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك، ثم عدا بعد فقتل فله النار خالدا فيها مخلدا ". وروى مسدد بسند ضعيف عن مجالد قال: حدثني عريف لجهينة أن ناسا من جهينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسير في الشتاء، فقال: اذهبوا به فأدفوه قال وكان الدف ء بلسانهم القتل فذهبوا به فقتلوه، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أمرتنا أن نقتله، فقتلناه قال: كيف قلت لكم ؟ قالوا قلت لنا: اذهبوا به فادفوه قال قد شركتكم إذا أعقلوه، وأنا شريككم (1). الخامس: في حكمه صلى الله عليه وسلم أن لا يقتل مسلم بكافر ولا حرب بعبد: روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل مسلم بكافر " (2). وروى البيهقي في السنن عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل حر بعبد " (3). السادس: في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن شتمه: روى أبو داود عن الشعبي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن يهودية كانت تشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها (4). وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن أعمى كانت له أم ولد تشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فنهاها فلم تنته... الحديث (5). السابع: في حكمه صلى الله عليه وسلم في القتل بالمثقل والسم: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تردى من جبل، فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " (6).


(1) أخرجه ابن أبي شيبة 9 / 459. (2) أخرجه الترمذي (1412، 1413) وابن ماجه (2659، 2660). (3) أخرجه الدارقطني 3 / 133 والبيهقي 8 / 35 وانظر التلخيص 4 / 16. (4) أخرجه أبو داود 4 / 129 (4362). (5) أخرجه أبو داود 4 / 129 (4361). (6) أخرجه البخاري 10 / 247 (5778) ومسلم 1 / 103 (175 / 109). (*)

[ 213 ]

الثامن: في حكمه صلى الله عليه وسلم في الدية من الاربعة الذين سقطوا في بئر فتعلق بعضهم ببعض فهلكوا: روى البيهقي في السنن الكبرى وغيره عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زبية للاسد، فازدحم الناس على الزبية، ووقع فيها الاسد فوقع فيها رجل وتعلق برجل، وتعلق الاخر بآخر حتى صاروا أربعة فجرحهم الاسد فيها، فهلكوا، وحمل القوم السلاح فكاد أن يكون بينهم قتال، قال: فأتيتهم، فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس، تعالوا، أقضي بينكم بقضاء فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن أبيتم رفعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحق بالقضاء، قال: فجعل للاول ربع الدية وجعل للثاني ثلث الدية وجعل للثالث نصف الدية وجعل للرابع الدية وجعل الديات على من حضر الزبية على القبائل الاربعة فسخط بعضهم ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة فقال: أنا أقضي بينكم، فقال قائل فإن عليا - رضي الله تعالى عنه - قد قضى بيننا فأخبره بما قضي علي - رضي الله تعالى عنه - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء كما يقضي علي. التاسع: في حكمه صلى الله عليه وسلم في قصاص الاطراف والجراح: روى أبو داود عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الاصابع سواء عشر عشر من الابل ". وروى عن ابن عباس أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الاصابع سواء والاسنان سواء الثنية، والضرس سواء هذه وهذه سواء ". العاشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في الديات وفيه مسائل: الاولى: في حكمه في دية الحر المسلم الذكر: روى أبو داود عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن فحاض ذكر (1). الثانية: في دية المرأة والعبد والمكاتب والمعاهد والكافر والذمي: روى النسائي عن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها ".


(1) أخرجه أبو داود 4 / 680 (4545) والترمذي 4 / 10 (1386) والنسائي 8 / 43 وأخرجه ابن ماجه 2 / 879 (2631) والدارقطني 3 / 175 والبيهقي 8 / 75. (*)

[ 214 ]

وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا. ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الموضحة ". الثالثة: في حكمه صلى الله عليه وسلم في دية الاعضاء والجراح: روى أبو داود والنسائي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الاسنان خمس من الابل (2). وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي في السنن عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الانف إذا أجدع الدية كاملة مائة من الابل، وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون، وفي العين خمسون، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث العقل، وفي المنقلة خمس عشرة وفي الموضحة خمس وفي السن خمس، وفي كل أصبع عشر من الابل. وروى البيهقي في السنن عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في السمع مائة من الابل، وفي العقل مائة من الابل (3). وروى ابن عدي والبيهقي في السنن عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في اللسان الدية، إذا منع الكلام، وفي الذكر الدية، إذا قطعت الحشفة، وفي الشفتين الدية (4). وروى الامام أحمد والاربعة عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " في المواضح خمس (5) خمس ". والنسائي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الاصابع عشر عشر (6). الرابعة: في حكمه في دية الجنين: روى البخاري وغيره عن المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - أن ضرتين رمت


(1) أخرجه النسائي 8 / 44، 45 (4805) وعبد الرزاق (17756) والدارقطني 3 / 91 وانظر التلخيص 4 / 25. (2) أبو داود (4566) وأحمد 2 / 215 والدارمي 2 / 194 والترمذي 4 / 13 (1390) وابن ماجه 2 / 886 (2655) والنسائي 8 / 57. (3) انظر كنز العمال (40082) غليل 7 / 321. (4) أخرجه الدارمي 2 / 193 والبيهقي 8 / 89. (5) أخرجه أبو داود (4566) والترمذي (1390) والنسائي 8 / 57 وأحمد 2 / 178، 207، 215 وابن ماجه (2655) والبيهقي 8 / 81، 92. (6) أخرجه عبد الرزاق (17695، 17696) والنسائي 8 / 56 وأبو داود (4562) وأحمد 4 / 178، 189، 404 وابن أبي شيبة 9 / 129. (*)

[ 215 ]

إحداهما الاخرى بعمود فسطاط، فألقت جنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين غرة: عبدا أو أمة، وجعلها على عاقلة المرأة (1). الخامسة: في تقويمه صلى الله عليه وسلم بالدنانير والدراهم: روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه جعل الدية اثني عشر ألفا ". الحادي عشر: في شفاعته صلى الله عليه وسلم إلى من استحق القصاص بأخذ الدية بالصبر ببعضها إلى ميسرة من هي عليه: روى البيهقي في السنن الكبرى عن علقمة بن وائل أن أباه أخبره، قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل في عنقه تسعة، فلما انتتهى إليه، قال: إن هذا وأخي كانا في جب يحفرانها، فرفع المنقار، فضرب به رأس أخي فقتله قال: اعف عنه فأبى، قال: فخذ الدية فأبى... الحديث. الثاني عشر في أحكام متفرقة: روى البخاري عنه أنه جئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهودية التي سمته في لحم الشاة التي صنعتها له، فسألها عن ذلك فقالت: فعلته لاقتلك فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك وقال علي: ألا نقتلها قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). وروى أبو داود عن أبي سلمة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها وإن بشر بن البراء ممن أكل من لحم تلك الشاة، فمات (3). الثالث عشر: في حكمه - صلى الله عليه وسلم - في القسامة: روى الامام مالك والترمذي عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره رجال من كبراء قومه، أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح من فقير بئر أو عين فأتى يهود، فقالوا: أنتم والله قتلتموه، فقالوا: والله، ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه، وعبد الرحمن فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " كبر كبر " يريد السن فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب " فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكتبوا إنا والله


(1) أخرجه الدارمي 2 / 192 وأبو داود 4 / 681 (4546) والترمذي 4 / 12 (1388) والنسائي 8 / 44 وابن ماجه 2 / 879 (2632). (2) تقدم. (3) تقدم. (*)

[ 216 ]

ما قتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ؟ " فقالوا: لا، قال " أفتحلف لكم يهود ؟ " قالوا: ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: لقد ركضتني منها ناقة حمراء. الرابع عشر: في حكمه صلى الله عليه وسلم في قتل الوالد ولده والسيد عبده وبالعكس: روى الامام مالك عنه أن رجلا من بني مدلج، يقال له، قتادة حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فنزي في جرحه فمات فقدم سراقة بن جشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له فقال عمر اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر أخذ من تلك الابل ثلاثين حقه وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة ثم قال أين أخو المقتول ؟ فقال: هأنذا فقال: خذها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس لقاتل شئ " وفي رواية غيره ثم دعا بأم المقتول وأخيه، فدفعا إليهما، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يرث القاتل شيئا ممن قتله " (1).


(1) أخرجه مالك في الموطأ (2 / 867) حديث (10). (*)

[ 217 ]

الباب السادس في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الدعاوى والبينات وفصل الخصومات: روى الامام أحمد والطبراني في الكبير برجال ثقات عن عمارة بن حزم والطبراني برجال ثقات عن بلال بن الحارث والطبراني بسند جيد عن زيد بن ثابت والطبراني عن أبي سعيد والطبراني عن عبد الله بن عمر والامامان وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن علي، والدارقطني عن ابن عباس والشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن أبي هريرة والشافعي وأحمد والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر والدارقطني عن علي والدارقطني عن ابن عمر وابن ماجه عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد مع اليمين (1). روى الترمذي والدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: " البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه " (2). وروى الائمة إلا مالكا عن ابن عباس وابن جرير عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " (3). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذو غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لاهل البيت وتجوز شهادتهم لغيرهم " (4). وروى الترمذي والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة " (5).


(1) أخرجه من حديث ابن عباس مسلم 3 / 1337 (3 / 1712) والترمذي (1344 و 1344) وابن ماجه (2368) والتمهيد لابن عبد البر 2 / 134، 135 وانظر المجمع 4 / 202. (2) أخرجه الدارقطني 4 / 157، 218. (3) أخرجه البخاري 8 / 213 (4552) ومسلم 3 / 1336 والبيهقي 10 / 252. (4) أخرجه عبد الرزاق 8 / 320 (15364) وأحمد 2 / 181 وأبو داود 4 / 24 (3600، 3601) وابن ماجه 2 / 792 (2366) والدارقطني (4 / 244). (5) أخرجه الترمذي 5 / 545 (2298) وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، وابن عدي 7 / 2714 والدراقطني 4 / 244 (145). (*)

[ 218 ]

وروى أبو داود والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية " (1). وروى أبو سعيد النقاش في القضاء عن ابن عباس أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: " هل ترى الشمس " قال: نعم، قال: " على مثلها فاشهد أو دع " (2). وروى الدارقطني والطبراني في الاوسط عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة. وروى الشيخان والدارقطني عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة رجل وامرأتين في النكاح. وروى ابن ماجه عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل وامرأتين من أهل الكتاب لبعضهم من بعض. وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تصدقوا أهل الكتاب فيما يحدثونكم عن كتاب الله ولا تكذبوهم " وقولوا: " آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم " (3). وروى الطبراني برجال الصحيح عن عدي بن عدي الكندي - رضي الله تعالى عنه - أنه أخبرهم قال: جاء رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يختصمان في أرض، فقال أحدهما: هي أرضي وقال الاخر: هي أرض حزتها فأقبضتها، أو قال وقبضتها، فأحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بيده الارض (4). وروى الامام أحمد وأبو داود وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن ماجه والنسائي والبيهقي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رجلين تنازعا في أرض أحدهما من حضرموت، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمين أحدهما فضج الاخر وقال: إنه إذا يذهب بأرضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هو اقتطع بيمينه ظلما كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم "، فقال الاخر: لا أبالي وتورع الاخر عن اليمين (5). وروى عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اقتطع حق


(1) أخرجه أبو داود 4 / 26 (3602) وابن ماجه 2 / 793 (2366) والبيهقي 10 / 250. (2) أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 18 وانظر كنز العمال (17782). (3) أخرجه البخاري 13 / 516 (7542). (4) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 206 وقال رواه الطبراني في ورجال أحدهما رجال الصحيح. (5) أخرجه أحمد 4 / 394 وانظر المجمع 4 / 178 والسيوطي في الدر المنثور 2 / 45. (*)

[ 219 ]

امرئ مسلم بيمينه أوجب له النار وحرم عليه الجنة "، فقال: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال: " وإن كان قضيبا من أراك " (1). وروى الامام أحمد والطبراني في الكبير عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن صاحب الدابة أحق بصدرها " (2). وروى الطبراني بسند ضعيف عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى كل واحد منهما بشهود عدول وفي عدة واحدة فساهم بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم اقض بينهما ". وروى الطبراني عن سمرة أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعير فأقام كل واحد منها بينة أنه له، فقضى به بينهما (3). وروى البيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اليمين على طالب الحق ". وروى أحمد بن منيع والطبراني برجال ثقات عن موسى بن عمير - رضي الله تعالى عنه - قال: كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي: " بينتك وإلا قسمته "، فقال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف يمينا كاذبة ليقطع في حق أخيه لقي الله، وهو عليه غضبان "، فقال امرؤ القيس من تركها وهو يعلم أنها حق قال: فأشهد أني قد تركتها (4). وروى الطبراني برجال ثقات عن خزيمة بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من سوار بن الحارث فجحده فشهد له خزيمة بن ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضرا " فقال: صدقك لما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه " (5). وروى البخاري من طريق عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البينة أوحد في


(1) أخرجه مالك في الموطأ (727) والطبراني في الكبير 1 / 249 والسيوطي في الدر المنثور 2 / 45. (2) انظر المجمع 4 / 203 ونصب الراية 4 / 108. (3) انظر المجمع 4 / 206 وقال رواه الطبراني في الكبير وفيه يسين الزيات وهو متروك. (4) المجمع 9 / 323. (5) أخرجه الحاكم 2 / 18 والطبراني في الكبير 4 / 101 وانظر المجمع 9 / 320 والبيهقي 10 / 320. (*)

[ 220 ]

ظهرك " فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق فيلتمس البينة "، فأنزل الله تعالى (والذين يرمون أزواجهم) فقرأ حتى بلغ (إن كان من الصادقين) (1) (النور / 6 - 9). وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من لعب بالنرد شبرا، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه " (2). وروى أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: " شيطان يتبع شيطانة " (3). تنبيه: الخائن: (....). ذي غمر: (أي حقد). القانع: (الاجير التابع مثل الاجير الخاص).


(1) أخرجه البخاري 8 / 449 (4747). (2) أخرجه مسلم 4 / 1770 (10 / 2260). (3) أخرجه أبو داود (4940) وابن ماجه (3764 / 367) وأحمد 2 / 345 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2006) والبخاري في الادب (1300) وعبد الرزاق (19731) وابن المبارك في الزهد (310) وانظر الدر المنثور 2 / 320 والبيهقي 10 / 19، 213 وأبو نعيم في تاريخ أصفهان 2 / 77. (*)

[ 221 ]

الباب السابع في قضايا شتى غير ما سبق: روى أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم عن عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السلاح في الفتنة (1). روى البخاري عن معن بن يزيد، قال: كان أبي يزيد خرج بدنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله، ما إياك أردت بها فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " لك ما نويت يا يزيد، ولك يا معن ما أخذت " (2). وروى البزار بسند وحسنه الحافظ أبو الحسن الهيثمي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف في النخل، فجعل الناس يقولون: فيها وسق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: " كذا وكذا "، فقال: صدق الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا بشر مثلكم، فما حدثتكم عن الله، فهو حق، وما قلت من قبل نفسي فإنما أن بشر أصيب وأخطئ " (3). روى عبد الله ابن الامام أحمد عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن المعدن جبار والبئر جبار والعجماء جرحها جبار " والعجماء: البهيمة من الانعام وغيرها. والجبار هو الهدر الذي لا يغرم وقضى في الركاز الخمس وقضى أن تمرة النخل لمن أبرها، إلا أن يشترط المبتاع وقضى أن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع، وقضى أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وقضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين، والدور، وقضى لحمل بن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الاخرى، وقضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو أمة قال: فورثها بعلها وبنوها قال: وكان له من امرأتيه كلتيهما ولد فقال أبو القاتلة المقضي عليه يا رسول الله، كيف أغرم من لا صاح ولا استهل، ولا شرب ولا أكل، فمثل ذلك بطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا من الكهان من أجل سجعه الذي سجع، قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطريق لم يرد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبعة أذرع قال: وكانت تلك الطريق تسمى الميتاء، وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أن في كل نخلة من أولئك مبلغ جريدتها حيز لها، وقضى في شرب


(1) أخرجه البيهقي 5 / 327 والطبراني في الكبير 18 / 137 والخطيب في التاريخ 3 / 278 وانظر المجمع 4 / 87، 108، 7 / 290 وابن عدي في الكامل (6 / 2269) والعقيلي في الضعفاء 4 / 139. (2) البخاري 2 / 138 والطبراني في الكبير 19 / 441 والبيهقي 7 / 34. (3) انظر مجمع الزوائد 1 / 178. (*)

[ 222 ]

النخل من السبيل، أن الاعلى يشرب قبل الاسفل، ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الاسفل الذي يليه، فكذلك ينقضي حوائط أو يفنى الماء، وقضى أن المرأة لا تعطى من ماله شيئا إلا بإذن زوجها، وقضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء، وقضى أن من أعتق شركاء في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال وقضى أن لا ضرر ولا ضرار، وقضى أنه ليس لعرق ظالم حق، وقضى بين أهل المدينة في النخل لا يمنع نفع بئر وقضى بين أهل المدينة أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل الكلا، وقضى في الدية الكبرى المغلظة ثلاثين بنت لبون وثلاثين حقة وأربعين خلفة وقضى في الدية الصغرى ثلاثين بنت لبون، وثلاثين حقة، وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكورا ثم غلت الابل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهانت الدراهم فقوم عمر - رضي الله تعالى عنه - إبل المدينة ستة آلاف درهم حساب أوقية لكل بعير ثم غلت، وهانت الورق فزاد عمر - رضي الله تعالى عنه - ألفين حساب أوقيتين لكل بعير، ثم غلت الابل وهانت الدراهم فأتمها عمر - رضي الله تعالى عنه - اثني عشر ألفا حساب ثلاث أواق لكل بعير، فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام، وثلث آخر في البلد الحرام، قال: فتمت دية الحرمين عشرين ألفا، قال: فكان يقال يؤخذ من أهل البادية من ماشيتهم، ولا يكلفون الورق ولا الذهب، ويؤخذ من كل قوم ما لهم قيمة العدل من أموالهم. تنبيهات الاول: قوله صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أصيب وأخطئ: الثاني: تنبيه في بيان غريب ما سبق: المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة فنون الموضع الذي يستخرج منه جواهر الارض كالذهب والفضة. الجبار: بجيم مضمومة فموحدة فألف فراء أي هدر. العجماء: بعين مهملة مفتوحة فجيم ساكنة فميم فألف الدابة. الركاز: براء مكسورة فكاف فألف فزاي عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الارض وعند أهل العراق المعادن والقولان تحتملها اللغة لان كلا منهما مركوز في الارض، أي ثابت. الحقة: بحاء مهملة مكسورة فقاف مفتوحة فتاء تأنيث من الابل ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها سمى ذلك لانه استحق التحميل والركوب. بنت مخاض: هي ما لها حول وطعنت في الثانية سميت بذلك لان أمها تمخض بولد آخر.

[ 223 ]

الباب الثامن في فتاويه - صلى الله عليه وسلم - الاول: في نهي الصحابة عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وروى مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فبينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ دخل رجل على جمل ثم أناخه في المسجد، ثم عقله ثم قال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك ؟ قال: " صدق " قال: فمن خلق السماء ؟ قال: " الله "، قال: فمن خلق الارض ؟ قال: " الله " قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعله ؟ قال: " الله "، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الارض، ونصب هذه الجبال، الله أرسلك ؟ قال: " نعم " قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: " صدق " قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا ؟ قال: " نعم "، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا قال: " صدق "، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا ؟ قال: " نعم "، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: " صدق "، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا ؟ قال: " نعم "، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال: " صدق " قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لئن صدق ليدخلن الجنة " (1). الثاني في مسائل شتى عن ما بعث به صلى الله عليه وسلم وعن حدود الاحكام: روى عبد الرزاق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: والله، ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي هذه ألا أتبعك، ولا أتبع دينك، وإني أتيت امرا لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بالله بما بعثك ربك إلينا ؟ فقال: اجلس، ثم قال: للاسلام، ثم بالاسلام، فقلت: ما آية الاسلام ؟ فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتفارق الشرك، وأن كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يضل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملا: إن ربي داعي وسائلي هل بلغت عباده ؟ فليبلغ شاهدكم غائبكم، وإنكم تدعون مفدم على أفواههم بالفدام فأول ما ينبئ عن أحدكم فخذه وكفه قال: فقلت يا رسول الله، فهذا ديننا ؟ قال: نعم وأين ما تحسن يكفك، وإنكم تحشرون وإنكم تحشرون على وجوهكم، وعلى أقدامكم، وركبانا (2). وروى مسلم عن


(1) مسلم (1 / 41) (10 - 12). (2) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (20115). (*)

[ 224 ]

جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الموجبتان فقال " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار ". وروى البخاري عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، ما المسلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (1). وروى البيهقي في الشعب عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، ما المسلم ؟ وأي شئ أحب في الاسلام عند الله ؟ قال: الصلوات لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا ولي له، والصلاة عماد الدين (2). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المسلمون خير ؟ فقال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده " (3). وروى الشيخان والنسائي وأبو داود وابن ماجه: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المسلمين خير ؟ فقال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده "، أي الاسلام خير ؟ قال: " تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " (4). وروى الامام أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الاسماء وابن حبان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شئ، قال: كل نبي خلق من ماء، قلت: انبئني عن أمر إن عملت به دخلت الجنة، قال: أفش السالم، وأطعم الطعام، وصل الارحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام (5). وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم ؟ قال: " أكرمهم عند الله أتقاهم "، قال: ليس عن هذه نسألك، قال: " فعن معادن


(1) أخرجه البخاري 1 / 10 ومسلم في كتاب الايمان (66) والترمذي (2504) (2627، 2628) والنسائي 8 / 107 وأحمد 2 / 191، 206، 215، 3 / 391، 4 / 385، 6 / 22 والدارمي 2 / 299 والحاكم 3 / 626 والطبراني في الكبير 8 / 1315، 17 / 49 وفي الصغير 1 / 253 والبيهقي 10 / 243 وابن أبي شيبة 9 / 64 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (94) وأبو نعيم في الحلية 3 / 357 وانظر المطالب (2859) والمجمع 1 / 54، 56، 61، 3 / 268، 5 / 261. (2) انظر الدر المنثور 1 / 296. (3) أخرجه البخاري 1 / 53 (10) ومسلم 1 / 65 (64 / 40). (4) أخرجه البخاري 1 / 10، 14، 8 / 65 ومسلم في الايمان (63) (65) وأبو داود (5194) والنسائي في الايمان باب (12) وابن ماجه (3253) والخطيب في التاريخ 13 / 326 وأبو نعيم في الحلية 1 / 287، 3 / 424، والبخاري في الادب (1013). (5) أخرجه أحمد 2 / 295، 323 والحاكم 4 / 129، 160 والطبراني في الكبير 8 / 273. (*)

[ 225 ]

العرب تسألون " قالوا نعم، قال خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا (1). وروى الامام أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الايمان قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن، قال: فالاثم ؟ قال: إذا حك في نفسك شئ فدعه (2). وروى الامام أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " جئت تسأل عن البر والاثم " ؟ قلت: نعم، قال: " استفت قلبك "، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والاثم ما حاك في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك (3). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارز يوما للناس، فآتاه جبريل، فقال: ما الايمان ؟ قال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث "، قال: ما الاسلام ؟ قال: " أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان "، قال: ما الاحسان ؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك "، قال: ما الساعة ؟ قال: " ما المسؤول بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الامة رتبها، إذا تطاول رعاة الابل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله عنده علم الساعة... الاية " ثم أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا شيئا، فقال: " هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم " (4). وروى مسلم عن النواس بنون مشددة فواو مشددة فألف فسين مهملة ابن سمعان - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " البر حسن الخلق، والاثم ما حاك في القلب والصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس " (5). وروى الشيخان عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن يغفر لمن لا يشرك به شيئا قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس ؟ فقال: " لا تبشرهم فيتكلوا " (6).


(1) أخرجه البخاري 6 / 525 (3493 و 3496) ومسلم 4 / 1958 (199 / 2526). (2) أخرجه أحمد 5 / 252 والطبراني في الكبير 8 / 138 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (103) والحاكم 1 / 14، 2 / 13 وانظر المجمع 1 / 86. (3) أخرجه أحمد 4 / 228 والدارمي 2 / 245 وأبو يعلى في المسند 3 / 60 (1 / 1586) (2 / 1587). (4) أخرجه البخاري 1 / 114 (50) ومسلم 1 / 40 (7 / 10). (5) أخرجه مسلم 4 / 1980 (14 / 2553). (6) تقدم. (*)

[ 226 ]

وروى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، فقالوا إنا لنجد في أنفسنا شيئا، لان يكون لاحدنا مهمة أو يخر من السماء إلى الارض أحب من أن يتكلم به، فقال: ذاك محض الايمان (1). وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشئ، لان أخر من السماء أحب إلي من أتكلم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، الحمد لله، الذي رد كيده إلى الوسوسة " (2). وروى الامام أحمد والشيخان عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ فقال: أما من حسن في الاسلام فلا يؤخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الاسلام أخذ بالاول، والاخر (3). وروى مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء سراقة بن مالك بن جشم، فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الان فما العمل اليوم أفيما جفت به الاقلام، وجرت به المقادير (4). وروى الامام أحمد عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أنعمل على أمر قد فرغ منه أو على أمر لم يفرغ منه ؟ قال: بل على أمر قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فكل ميسر، فإن كان من أهل السعادة، فإنه يعمل بالسعادة، وإن كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل بالشقاء. ورواه الشافعي ومسدد إلى قوله " فرغ منه " ورواه عبد الرزاق والبيهقي، وزاد: فيم العمل ؟ قال: لا يقال إلا بالعمل قلت: أن يجتهد (5). وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي وسعيد بن منصور، قال: قال رجل من مزينة أو جهينة يا رسول الله ففيم نعمل في شئ قد خلا ومضى، أو شئ مستأنف الان ؟ قال: في شئ قد خلا ومضى، فقال الرجل، أو بعض القوم ؟ ففيم العمل ؟ قال: إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار (6).


(1) أخرجه أحمد 2 / 456، 6 / 106 وأبو عوانة 1 / 79 وابن أبي عاصم 1 / 295 والطبراني في الكبير 10 / 101. (2) وانظر المجمع 1 / 33، 34 والنسائي في عمل اليوم والليلة (667) وانظر البداية 1 / 60. (3) البخاري (12 / 277) (6921). (4) أخرجه مسلم 4 / 2040 (8 - 2648). (5) أخرجه أحمد 1 / 6 والترمذي (3111) وابن أبي عاصم 1 / 71، 74 والطبراني في الكبير 1 / 17 وأبو نعيم في الحلية 5 / 351 والمجمع 7 / 194. (6) أخرجه أبو داود (4696) وأحمد 1 / 27 وانظر التمهيد 6 / 7. (*)

[ 227 ]

وروى الشيخان عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين (1). وروى الامام أحمد والترمذي عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله: أخبرني عن عمل يدخلني الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصل الرحم (2). وروى الامام أحمد عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بما هو أفضل الايمان ؟ قال: يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك (3). وروى مسلم عن النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن أعمل عملا بعد الاسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الاسلام. إلا أن أعمر المسجد الحرام، قال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله - عز وجل -: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر) (4) (التوبة / 19). وروى البخاري عن مالك بن أنس عن عمه سهيل بن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة فقال: هل علي غيرهن ؟ فقال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيام رمضان، قال: هل على غيره ؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها ؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول والله، لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح إن صدق " (5).


(1) تقدم. (2) أخرجه الترمذي (2616). (3) انظر المجمع 8 / 188 والترغيب 3 / 342 وابن كثير في التفسير 3 / 536، 8 / 546. (4) أخرجه مسلم (3 / 1498) (111 / 1879). (5) تقدم. (*)

[ 228 ]

وروى ابن منده وابن عساكر عن ابن مرة أن مرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله وأديت الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممن أنا ؟ قال: من الصديقين والشهداء. وروى ابن أبي شيبة والامام أحمد ونعيم بن حماد والطبراني في الكبير والحاكم وابن عساكر عن كرز بن علقمة الخزاعي ؟ قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل للاسلام من منتهى ؟ قال: نعم أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرا أدخل عليهم الاسلام قال: ثم تقع الفتن كأنها الظلل، قال: كلا والله إن شاء الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض فأفضل الناس يومئذ مقتول في شعب من الشعاب يتقي ربه تبارك ويدع الناس من شره (1). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له: إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المساكين، وامسح رأس اليتيم (2). وروى الامام أحمد عن عبد الله بن حبشي الخثعمي - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الاعمال أفضل ؟ قال: " طول القيام "، قال: فأي الصدقة أفضل ؟ قال " جهد المقل " (3). وروى الامام أحمد والشيخان عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الاعمال أحب إلى الله ؟ قال: " الصلاة لوقتها "، قلت: ثم أي ؟ قال: " بر الوالدين " قلت: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، حدثني بهن ولو استزدته لزادني (4). وروى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين أتصدق وليس لي مال ؟ قال: إن من ثواب الصدقة التكبير والتسبيح، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، واستغفر الله. وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل، فيستره فإذا أطلع عليه أعجبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجران أجر السر، وأجر العلانية ". قال:


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 19 / 199 وأحمد في المسند 3 / 477. (2) أخرجه أحمد 2 / 263 والبيهقي 4 / 60، 61. (3) أخرجه أبو داود (1325 و 1449) والبيهقي 3 / 9، 4 / 180 والطحاوي في المعاني 1 / 476. (4) أخرجه البخاري 2 / 9 (527) ومسلم 1 / 90 (139 / 85). (*)

[ 229 ]

فقد فسر بعض أهل العلم الحديث إذا اطلع عليه فأعجبه، إنما معناه يعجبه ثناء الناس عليه بهذا. وروى ابن ماجه عن كلثوم الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت، وإذا أسأت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قال جيرانك قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا قال جيرانك قد أسأت، فقد أسأت " (1). وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت، وإذا أسأت ؟ قال: " إذا سمعتهم يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت ". الثالث: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الطهارة وما يتعلق بها: روى الامام الشافعي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ومعنا القليل من الماء، إن توضأنا به عطشنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". وروى أبو داود والترمذي والامام أحمد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب ؟ قال: " الماء الطهور لا ينجسه شئ ". وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة، فقيل له: إن السباع والكلاب ترد عليها ؟ فقال: " لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي طهور ". وروى ابن ماجه عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والمر وعن الطهارة بها، فقال: " لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي طهور ". روى الامام الشافعي والدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عما أفضلته الحمر أنتوضأ بما أفضلته الحمر ؟ قال: " نعم، وبما أفضلت السباع ". وروى الامام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول


(1) أخرجه ابن ماجه (4222) والبيهقي 10 / 125. (*)

[ 230 ]

الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة من الارض، وفي لفظ بأرض فلاة، وما ينوبه من الدواب والسباع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ". وروى الشيخان عن عبد الله بن زيد الانصاري - رضي الله تعالى عنه - قال: شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخيل أو يجد الشئ في الصلاة قال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا ". وروى أبو داود عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت المقداد بن الاسود، فسأله فقال: فيه الوضوء، وفي رواية " توضأ واغسل ذكرك ". وروى الامام الشافعي والبيهقي عن المقداد - رضي الله تعالى عنه - أن عليا - رضي الله تعالى عنه - أمره أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم إذا دنا الرجل من امرأته فخرج منه المذي ماذا عليه ؟ فقال: ينضح الماء على فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة. وروى الامام أحمد والترمذي عن سهل بن حنيف - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناء وكنت أكثر - وفي لفظ - فأكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنما يجزيك من ذلك الوضوء "، فقال: يا رسول الله، فكيف ما يصيب ثوبي منه ؟ فقال: " إنما يكفيك كف من ماء تنضح به من ثوبك ". وروى البخاري عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة، فلم ينزل قال: " يغسل ما مسته المرأة منه، ثم يتوضأ " وفي رواية سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يصيب المرأة، ثم يكسل قال: " يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ، ويصلي ". وروى الامام أحمد عن أسيد بن حضير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن لحوم الابل، فقال: " توضأ من لحومها، وسئل عن لحوم الغنم "، فقال: لا تتوضأ من لحومها. وروى الترمذي وصححه عن خزيمة بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن مسح الخفين، فقال: " للمسافر ثلاثة أيام، والمقيم يوم وليلة ". وروى ابن أبي شيبة وأبو داود عن أبي عمارة - رضي الله تعالى عنه - قال: يا رسول الله، المسح على الخفين، قال: " نعم يوما ويومين "، قال: وثلاثة قال: " نعم ".

[ 231 ]

وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فيكون النفساء والحائض والجنب فما ترى ؟ قال: " عليك بالتراب ". وروى ابن أبي شيبة والشيخان والنسائي عن عمران بن الحصين أن رجلا قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: " عليك بالصعيد، فإنه يكفيك ". وروى الدارقطني وعبد الرزاق ابن أبي شيبة عن عمار بن ياسر - رضي الله تعالى عنه - قال أجنبت وأنا في الابواب فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنما يكفيك في ذلك التيمم ". وروى ابن ماجه والدارقطني عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر. وروى أبو داود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد البلل ولا يذكر احتلاما، قال: يغتسل، وعن الرجل يرى أنه أحتلم، ولا يجد بللا، قال: " لا غسل عليه "، قالت أم سلمة فالمرأة ترى ذلك أعليها غسل ؟ قال: " نعم، إن النساء شقائق الرجال ". وروى الشيخان عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم، إذا رأت الماء ". وروى أبو داود وابن أبي شيبة عن أبي ثعلبة الخشني - بالخاء والشين المعجمتين - - رضي الله تعالى عنه - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نغزو إلى أرض العدو فنحتاج إلى آنيتهم، قال: " استغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها واشربوا ". وروى الامام أحمد والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قدور المجوس، فقال: " اتقوها غسلا واطبخوا فيها ". وروى أحمد والترمذي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن امرأة من بني عبد الاشهل قالت: قلت: يا رسول الله، إن بيني وبين المسجد طريقا قذرا، قال: " أفبعدها طريق أنظف " ؟ قالت: نعم، قال: " هذه بهذه ". وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل: يا رسول الله (....). وروى أبو الشيخ في كتاب الفرائض عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - قال:

[ 232 ]

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: ما خلا الولد والوالد. وروى الطبراني وغيره عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، قال من برئت يمينه وصدق لسانه، واستقام قلبه وعف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم. وروى الحاكم وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القناطير المقنطرة قال: " القنطار ألف أوقية " (1). وروى الامام أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القنطار اثنا عشر ألف أوقية " (2). وروى الترمذي وصححه عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقال: كيف نصنع بهذه الاية ؟ قال: أي آية، قلت: قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (المائدة / 105) قال: أما والله، لقد سألت عنها خبيرا قال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهو متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام " (3). روى الامام أحمد والطبراني وغيرهما عن أبي عامر الاشعري: قال: إنه كان فيهم شئ فاحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما حسبك " قال: قرأت هذه الاية: (يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (المائدة / 105) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم " (4) (المائدة / 105). وروى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: " أولئك أصحاب الاعراف ". وروى الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور وغيرهم عن عبد الرحمن المدني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الاعراف ؟ قال: هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم


(1) أخرجه الحاكم 2 / 178. (2) أخرجه ابن ماجه (3360) وأحمد (36312) وابن حبان ذكره الهيثمي (663) والطبري في التفسير 3 / 33. (3) أخرجه الترمذي (3058) وأبو داود (3441) وابن ماجه (4041) وأبو نعيم في الحلية 2 / 30 والبيهقي 10 / 92 والبغوي في التفسير 2 / 101 وانظر الدر المنثور 2 / 339. (4) انظر مجمع الزوائد 7 / 19 والسيوطي في الدر 2 / 339. (*)

[ 233 ]

فمنعتهم الجنة، بمعصية آبائهم، ومنعتهم النار قتلهم في سبيل الله (1). وروى ابن المبارك في الزهد والطبراني والبيهقي في الشعب عن عمران بن الحصين، وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - قالا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاية: (ومساكن طيبة في جنات عدن) (الصف / 12) قال: قصر من لؤلؤ في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن في كل غداة من القوة، ما يأتي على ذلك كله (2). وروى مسلم وغيره عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الاخر: مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك، فقال: " هو مسجدي " (3). وروى ابن مردويه - رضي الله تعالى عنه - عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (يونس / 62). قال: الذين تحابوا في الله. وروى مثله في حديث جابر بن عبد الله. وروى الامام أحمد وسعيد بن منصور والترمذي وغيرهم عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل عن هذه الاية (لهم البشرى في الحياة الدنيا) (يونس / 64) قال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له فهي بشارة في الحياة الدنيا بشارة في الاخرة وله طرق كثيرة (4). وروى ابن جبير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدراقطني والبيهقي في " الرؤية " عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (يونس / 26) قال: " الذين أحسنوا التوحيد، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ".


(1) انظر تخريخ هذا مطولا في تحقيقنا على وسيط الواحدي. (2) ابن المبارك في الزهد (550) والطبري في التفسير 10 / 124 والسيوطي في الالئ 2 / 245 وابن عراق في تنزيه الشريعة 2 / 382 وابن الجوزي في الموضوعات 3 / 252 وانظر القرطبي 18 / 88. (3) أخرجه مسلم في الحج (514) والترمذي (3099) وأحمد 3 / 8، 89 والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 246 وابن أبي شيبة 2 / 372 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1037) الطبراني في الكبير 5 / 145، 6 / 254 وانظر زاد المسير 3 / 501 والدر المنثور 3 / 7. (4) أخرجه أحمد 6 / 452 والحاكم 2 / 340 والترمذي (2273). (*)

[ 234 ]

وروى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت يا رسول الله، أوصني، قال: " إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها "، قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله ؟ قال: " هي أفضل الحسنات ". وروى سعيد بن منصور وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي في " الدلائل " عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ساجدة له، وما أسماؤها ؟ فلم يجبه بشئ، حتى أتاه جبريل فأخبره، فأرسل إلى البستاني اليهودي، فقال: " هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها ؟ " قال: نعم، قال: " حرتان والطارق والذيال وذو الكفتان والفريخ ودنان وهودان وقابس والضروح والمصبح والفيلق والضياء "، والنور يعني: أباه وأمه رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قص رؤياه على أبيه، قال: أرى أمرا مشتتا يجمعه الله تعالى فقال اليهودي: إي والله، إنها لاسماؤها (1). وروى الامام أحمد والترمذي وصححه النسائي عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو ؟ قال: " ملك من ملائكة الله تعالى موكل بالسحاب، بيده مخاريق من نار يزجر بها السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى " قال: فما هذا الصوت الذي نسمعه ؟ قال: صوته (2). وروى الترمذي وقال: حسن غريب وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما نزلت (فمنهم شقي وسعيد) (هود / 105) سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله، فعلى ما نعمل على شئ قد فرغ منه، أو على شئ لم يفرغ منه، قال: " بل على شئ قد فرغ منه، وجرت به الاقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له " (3). وروى ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد / 39). قال: ذلك كل ليلة قد يرفع ويجبر ويرزق، غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة، فإن ذلك لا يبدل (4).


(1) انظر الدر المنثور للسيوطي 4 / 4 وانظر الكلام على ذلك مفصلا في: البحر المحيط لابي حيان. (2) أخرجه الترمذي (3117) وأحمد 1 / 274 والطبراني في الكبير 12 / 46 وانظر المجمع 7 / 242 والدر المنثور 4 / 50. (3) تقدم. (4) انظر الدر المنثور 4 / 66. (*)

[ 235 ]

وروى عن علي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاية: فقال: " لا قرن عينك بتفسيرها، ولاقرن عين أمتي من بعدي بتفسيرها، الصدق على وجهها، وبر الوالدين واصطناع المعروف يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر (1). وروى مسلم عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين الناس يوم تبدل الارض غير الارض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهم في الظلمة دون الجسر " (2). وروى مسلم والترمذي وابن حبان وابن ماجه وغيرهم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاية قلت: أين الناس يومئذ ؟ قال: " هم على الصراط " (3). وروى ابن مردويه عن البراء - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله تعالى: (زدناهم عذابا فوق العذاب) (النحل / 88) قال: عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم (4). وروى البيهقي في الدلائل عن سعيد المصري أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر، فقال: كانا شمسين فقال الله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) (الاسراء / 12) فالسواد الذي رأيت هو المحو. وروى الشيخان وغيرهما عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أنبئني عن كل شئ قال: " كل شئ خلق من الماء ". وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: يا رسول الله (الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (المؤمنون / 60) والذي يسرق ويزني ويشرب وهو يخاف الله قال: لا يأتيه الصديق الذي يصلي، ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله. وروى ابن أبي حاتم عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله، هذا


(1) الدر المنثور 4 / 66. (2) مسلم في كتاب الحيض (34) وأبو عوانة 1 / 294 والطبراني في الكبير 2 / 88 وأبو نعيم في الحلية 1 / 351 والبيهقي 1 / 169. (3) مسلم في كتاب صفات المنافقين (29) وأحمد 6 / 251، 134 والدارمي 2 / 329 والترمذي (3121) (3242). (4) الدر المنثور 4 / 127. (*)

[ 236 ]

السلام فما الاستئناس ؟ قال: " يتكلم الرجل بتسبيحه وتكبيره وتحميده ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت " (1). وروى ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد ويرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن قوله تعالى: (وإذا لقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) (الفرقان / 13) قال: " والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما استكره الوتد في الحائط " (2). وروى البزار بسند ضعيف وله شواهد موصولة ومرسلة عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الاجلين قضى موسى ؟ قال: أوفاها وأبرهما قال: وإن سئلت أي المرأتين تزوج، فقل: " الصغرى منهما " (3). وروى الامام أحمد والبزار والترمذي وحسنه وغيرهما عن أم هانئ - رضي الله تعالى عنها - قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر) (العنكبوت / 29) كانوا يحذفون أهل الطريق، ويسخرون منهم فهو المنكر الذي كانوا يأتون (4). وروى الشيخان عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) (يس / 38) قال: " مستقرها تحت العرش "، وروي عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: يا أبا ذر، أتدري أين تغرب الشمس قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: (والشمس تجري لمستقر لها) (5) (يس / 38). وروى ابن جرير عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قوله تعالى: (حور عين) (الواقعة / 22) قال: " العين الضخام العيون شفر الحوراء كمثل جناح النسر " قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله تعالى (كأنهن بيض مكنون) (الصافات / 49) قال: " رقتهن كرقة الجلدة التي داخل البيضة التي تلي القشرة " (6). وروى البغوي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (هل جزاء


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 4 / 213 وابن ماجه (3707) وابن أبي شيبة 8 / 19 والسيوطي في الدر 5 / 38 وابن كثير في التفسير 6 / 41. وإسناد ابن ماجه ضعيف. (2) انظر الدر المنثور 5 / 64. (3) انظر المجمع 1 / 88 والطبري 2 / 44 والدر المنثور 5 / 127. (4) أخرجه أحمد 1 / 341، 324 والطبري 20 / 93 والبغوي 5 / 192 والقرطبي 13 / 342. (5) أخرجه البخاري 6 / 297 (3199، 4802، 4803) ومسلم 1 / 138 (250، 251 / 159). (6) أخرجه الطبري 23 / 27 والدر المنثور 6 / 150. (*)

[ 237 ]

الاحسان إلا الاحسان) (الرحمن / 60) وقال ربكم: " هل تدرون ما قال ربكم ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: " ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة " (1). وروى أبو بكر بن النجار عن سليم بن عامر قال أقبل أعرابي، فقال: يا رسول الله، ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها قال: وماهي ؟ قال: " السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أليس يقول الله تعالى في (سدر مخضود) (الواقعة / 28) يخضده الله من شوكه فيجعل له مكان كل شوكة ثمرة إنها تنبت ثمرا يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لونا من الطعام، ما فيها لون يشبه الاخر " (2). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب البعث عن عتبة بن عبيد السملي ورواه الطبراني عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله تعالى (حور عين) (الواقعة / 22) قال: " حور بيض عين ضخام العيون شفر الحوراء منزلة جناح النسر "، قلت: أخبرني عن قوله تعالى (فيهن خيرات حسان) (الرحمن / 70) قال: خيرات الاخلاق، حسان الوجوه، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: (كأنهن بيض مكنون) (الصافات / 49) قال: " رقتهن كرقة الجلد المتداني في داخل البيضة مما يلى القشرة "، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: (عربا أترابا) (الواقعة / 37) قال: " كأنهن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر، فجعلهن عذارى عربا متعشقات متحببات على ميلاد واحد " (3). وروى الترمذي عن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) (الصافات / 147) قال: " يزيدون عشرين ألفا " (4). وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة ؟ قال: " ذكرك أخاك بما يكره "، قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " (5). وروى الامام أحمد عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (المعارج / 5) ما أطول هذا اليوم ؟ فقال: " والذي


(1) البغوي في التفسير 7 / 26. (2) انظر الدر المنثور 6 / 156. (3) أخرجه العقيلي في الضعفاء 2 / 138 وانظر المجمع 7 / 119، 10 / 417 وانظر تفسير ابن كثير 8 / 10 والحاوي للسيوطي 2 / 180. (4) السيوطي في الدر 5 / 291 وابن كثير 7 / 35 والكنز (4571). (5) أخرجه مسلم 4 / 2001 (70 / 2589). (*)

[ 238 ]

نفسي بيده، إنه يخفف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " (1). وروى الامام أحمد والشيخان وغيرهما عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نوقش الحساب عذب " وفي الضياء وعند ابن جرير " ليس يحاسب أحد إلا عذب " قلت: أليس يقول (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) (الحاقة / 8) فقال: " ليس ذلك بالحساب ولكن ذاك العرض " (2). وروى الامام أحمد عنها قالت: قلتت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الحساب اليسير ؟ قال: " أن ينظر في كتابه، فيتجاوز له عنه إن من نوقش الحساب يومئذ هلك ". وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية (يومئذ تحدث أخبارها) (الزلزلة / 4) قال: " أتدرون ما أخبارها " ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ؟ قال: " إن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها وأن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا " (3). وروى ابن جرير وأبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) (الماعون / 5) قال: " الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ". وروى ابن ماجه عن زينب بنت أم سلمة والطبراني في الاوسط عن سهلة بنت سهيل، وعن أبي هريرة والنسائي عن خولة بنت حكيم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ؟ قال: " إذا رأت الماء فلتغتسل ". وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها، ما يرى الرجل ؟ قال: " إذا رأت ذلك فأنزلت، فعليها الغسل "، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أيكون هذا ؟ قال: " نعم "، قال: " ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ". وروى الامام أحمد وأبو يعلى عن أم سلمة قال: جاءت أم سليم فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل ؟ فقال: " الغسل "، فقلت لها: " تربت يمينك فضجت


(1) أخرجه أحمد 3 / 75 وانظر المجمع 10 / 337 والدر المنثور 6 / 265. (2) أخرجه البخاري 1 / 196 (103) (2536، 6537) ومسلم 4 / 2204 (79 / 2876). (3) أخرجه أحمد 2 / 374 والترمذي (3353) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2586) والحاكم 2 / 256 وانظر الدر 6 / 380. (*)

[ 239 ]

النساء، وهل تحتلم المرأة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها ". وروى الامام أحمد والطبراني في الكبير عن أم سلمة، قالت أم سليم: يا رسول الله، المرأة تحتلم ؟ قال: " إذا رأت الماء الاصفر، فلتغتسل ". وروى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاءت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة ماذا تصنع به ؟ قال: " تحثه ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه ". وروى الشيخان وأبو داود عن أسماء قالت: يا رسول الله، نحيض في الثوب كيف نصنع ؟ قال: تحثينه ثم تقرضيه بالماء، ثم تنضحيه ثم تصلين فيه ". وروى عبد الرزاق والامام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أم قيس بنت محصن - بكسر الميم - - رضي الله تعالى عنها - قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب ؟ قال: " حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر ". وروى الدارقطني عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في السمن والزيت ؟ قال: " استصبحوا به ولا تأكلوا ". وروى البخاري عن ميمونة - رضي الله تعالى عنها - إنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فأرة سقطت في سمن جامد ؟ فقال: " ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم ". وروى الدارقطني وابن جرير عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن فأرة وقعت في ودك لنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وكلوا ودككم " قالوا: يا رسول الله، إن كان مائعا، قال: " فلا تقربوه ". روى الدارقطني وحسنه عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطاعة ؟ فقال: " أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجران للصفحتين، وحجر للمسربة ". وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: مر سراقة بن مالك المدلجي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح، وأن يستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع أو ثلاثة أعواد أو ثلاثة حثيات من تراب. التغوط: قضاء الحاجة. يتنكب القبلة: أي لا يستقبلها ولا يستدبرها.

[ 240 ]

الرجيع: الروث والعذرة تسمى رجيعا، لانه صار الذي رجع إليه بعد أن كان طعاما أو علفا نجسا. وروى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن لقيط بن صبرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أسألك عن الصلاة، قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الاصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. وروى أبو داود عن عمرو وبن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطهور ؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبابتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: " هكذا الوضوء ! فمن زاد على هذا، أو نقص، فقد أساء وظلم). وروى الامام أحمد وأبو داود وابن أبي شيبة عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا، فقلت: يا رسول الله، لو اغتسلت غسلا واحدا قال: هذا أطيب وأطهر وأنظف. وروى البيهقي وابن ماجه عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الصبح، فرأيت قدر موضع الظفر لم تمسه الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك ". وروى مسلم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة واللفظ لهما عن عائشة - رضي الله تعالى عنهما - قالت: دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا تطهرت من الحيض، قال: تأخذ سدرها وماءها فتتوضأ وتغسل بدنها ورأسها، حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض الماء على جسدها، ثم تأخذ فرصتها فتتطهر بها فقلت: يا رسول الله، كيف أتطهر بها قال: سبحان الله تطهري بها ؟ فاجتذبتها إلي فقلت: تتبعي بها أثر الدم. وروى عبد الرزاق والامام أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض قال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب الماء على رأسها، فتدلكه دلكا شديدا، حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها ثم تأخذ فرصة ممسكة فتتطهر بها. وروى الامام مالك مرسلا عن زيد بن أرقم - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي ؟ وهي حائض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها ".

[ 241 ]

وروى أبو نعيم في الحلية عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواكلة الحائض، قال: واكلها. وروى الامام الشافعي والبخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن أم حبيبة - رضي الله تعالى عنها - استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو عرق، وليست بالحيضة، فأمرها أن تغتسل وتصلي، وكانت تغتسل وتصلي، وكانت تغتسل لكل صلاة وتجلس في المركن فيعلو الدم. وروى البخاري عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإن أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي، وفي لفظ عند ابن أبي شيبة وليست بالحيض، اجتنبي الصلاة أيام حيضتك ثم اغتسلي وتوضأي لكل صلاة، ثم صلي ولو بسط الدم على الحصير. وروى النسائي والحاكم عن عائشة أن أم حبيبة استحيضت فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة، فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة ". وروى مسلم والنسائي عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت: يا رسول الله، إني لا أطهر، أفأدع الصلاة فقال: " إنما ذلك عرق فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي ". وروى أبو داود والنسائي بلفظ: أنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم فقال: " إنما ذلك عرق، انظري إذا أتى قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء ". وروى الدارقطني عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تجلس المرأة إذا ولدت ؟ قال: " تجلس أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ". وروى أيضا عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - نحوه. الرابع: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الصلاة وما يتعلق بها. روى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الاعمال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصلاة قال ثم مه ؟ قال: الصلاة، قال: ثم مه ؟ قال: الصلاة، قال: فلما غلب عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجهاد في سبيل الله، قال الرجل: فإن لي والدين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمرك بالوالدين خيرا "... وساق الحديث.

[ 242 ]

وروى البيهقي في شعب الايمان عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي شئ أحب في الاسلام عند الله ؟ قال: " الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين ". وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل ؟ قال: الصلاة لميقاتها قلت ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني. وروى الدارقطني عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل ؟ قال: " الصلاة لميقاتها الاول " ورواه أيضا عن ابن عباس. وروى مسلم عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا فأقمه علي، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإعاد فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم تبعه الرجل واتبعته أنظر، ماذا يرد عليه ؟ فقال له: أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال ثم شهدت الصلاة معنا. قال: نعم، يا رسول الله، قال: فإن الله تعالى قد غفر لك حدك، أو قال ذنبك. وروى الشيخان نحوه عن أنس. قال النووي قوله: " أصبت حدا " معناه معصية خ توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا والخمر وغيرها، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للامام تركها. وروى الامام أحمد عن سمرة بن جندب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة الوسطى، قال: هي العصر. وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سأل صفوان بن المعطل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني سائلك عن ساعات الليل والنهار وهل فيها شئ يكره فيه الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم ". وروى الامام أحمد وأبو داود وابن شيبة عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الابل، فقال: لا تصلوا فيها، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها، فإنها بركة. وروى الترمذي عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصلي في معاطن الابل ؟ قال: لا، قال:

[ 243 ]

أفنصلي في مرابض الغنم ؟ قال: نعم ورواه ابن أبي شيبة بلفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في مرابض الغنم ي ولا نصلي في أعطان الابل، وفي لفظ: كنا نصلي في مرابض الغنم، ولا نصلي في أعطان الابل. وروى الامام أحمد والبخاري عن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت بي بواسير فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعدا فقال: " إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد ". وروى أبو داود وعبد الرزاق واللفظ له عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن، فماذا يجزؤني ؟ قال: تقول: سبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، العلي العظيم، فقال الرجل هكذا، أو جمع أصابعه الخمس، قال: هذا لله، فما لي قال: تقول اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني، وقبض الرجل كفه جميعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد ملا يديه من الخير. وروى الدارقطني وضعف إسناده عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أأقرأ خلف الامام أو أنصت ؟ قال: بل أنصت، فإنه يكفيك. وروى ابن عدي والبيهقي في كتاب " الغزاة " عن أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسول الله أفي كل صلاة قراءة ؟ قال: " نعم، ذلك واجب ". وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده - رضوان الله عليهم - قال: جاءت الحطابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا لا نزال سفرا فكيف نصنع بالصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (....). وروى الشيخان عن كعب بن عجرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، قد علمتنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك ؟ قال: قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. وروى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشر بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا، أنه لم يسأله ثم قال صلى الله عليه وسلم: قولوا: " اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ".

[ 244 ]

وروى الامام أحمد ومسلم وعبد الرزاق وابن أبي شية عن عثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي، فقال: ذلك شيطان، يقال له خنزب، فإذا أحسست به فاتفل على يسارك ثلاثا، وتعوذ بالله من شره. وروى الامام أحمد عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رجلا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي ؟ قال: نعم، إلا أن ترى فيه شيئا تغسله. وروى عبد الرزاق والامام أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن معاوية بن حيدة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال: احفظ عليك عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله فإذا كان بعضنا ينظر في بعض، قال: إذا استطعت أن لا تنظر الارض إلى عورتك، فافعل، قلت: أرأيت إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال: الله أحق أن تستحي منه من الناس، ووضع يده على فرجه. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد، قال: أو كلكم يجد ثوبين. وروى الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: إن كان واحدا فليضمه، وإن كان عاجزا فليأتزر به. وروى ابن أبي شيبة والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال أو كلكم يجد ثوبين ؟ ورواه الامام أحمد وأبو داود وابن حبان والطبراني في الكبير عن قيس بن طلق عن أبيه، وابن أبي شيبة والامام أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء عن سلمة بن الاكوع. قال: قلت: يا رسول الله، أكون أحيانا في الصيد أفأصلي في قميص واحد ؟ فقال: زره عليك ولو بشوكة. وروى الامام أحمد عن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت جالسا مع عبد الرحمن بن أبي ليلى. وروى الدارقطني وأبو داود والحاكم عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار ؟ قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدمها.

[ 245 ]

وروى الدارقطني عن سلمة بن الاكوع قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في القوس والقرن، قال: اطرح القرن وصل في القوس. القرن بالتحريك: هو الجعبة يجعل فيها الثياب وإنما أمره بطرحها لاحتمال أن يكون من جلد غير مذكى ولا مدبوغ ولا تصح الصلاة مع حملها، لانها نجسة، والقوس معروف. وروى الشيخان عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الارض قال: " المسجد الحرام " قلت ثم أي ؟ قال: المسجد الاقصى ؟ قلت كم بينهما ؟ قال: أربعون عاما، ثم الارض لك مسجدا، فحيث أدركت الصلاة فهو مسجد. وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد في الارض أول ؟ قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي ؟ قال: المسجد الاقصى، قلت: كم بينهما ؟ قال: أربعون سنة قال: حيثما أدركت الصلاة فصل، فهو مسجد (1). وروى الدارقطني وضعفه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، قال يا رسول الله، أصلي في السفينة ؟ قال: صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق. وروى الشيخان وعبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلا، ولفظ عبد الرزاق: فلما جئت من أرض الحبشة سلمت عليه فلم يرد علينا أحد في ما تقدم وما تأخر، ثم انتظرته، فلما قضى صلاته ذكرت ذلك له، فقال: إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد قضى، أو قال: أحدث أن لا تكلموا في الصلاة. وروى الامام أحمد عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شئ حتى سألته عن مس الحصى فقال: واحدة أو دع. وروى عبد الرزاق والامام أحمد وابن خزيمة عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كل شئ حتى سألته عن مس الحصى، فقال: واحدة أو دع. وروى جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الحصى، فقال: واحدة، فلان تمسك عنها خير لك من مائة نافلة، كلها سود الحدق.


(1) سقط في أ. (*)

[ 246 ]

وروى الترمذي عن معيقب - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الحصى في الصلاة، فقال: إن كان لابد فاعلا مرة واحدة. وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قثالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وروى عبد الله بن أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل أخرة الرجل، فإذا لم يكن بين يديه مثل أخرة الرجل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الاسود "، قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الاسود من الكلب الاحمر من الكلب الاصفر ؟ قال: يا بن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: " الكلب الاسود شيطان ". وروى أبو داود عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: سأله رجل فقال: يصلي أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة فأصلي معهم، فأجد في نفسي من ذلك شيئا، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " فذلك له سهم جمع ". وروى البيهقي في " الغزاة " عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تقرأون القرآن معي وأنا في الصلاة ؟ قالوا: نعم، يا رسول الله، نهذه هذا، أو قال ندرسه درسا، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن سرا في أنفسكم. وروى عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني صليت، فلم أدر أشفعت أم أوترت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم وأن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم، من صلى منكم فلم يدر أشفع أم أوتر فليسجد سجدتين فإنهما إتمام صلاته ". وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاي شئ سميت يوم الجمعة ؟ قال: " لان فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله - عز وجل - فيها استجيب له ". وروى الترمذي وحسنه عن عمرو بن عوف - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة ساعة لا يسأل الله - عز وجل - العبد فيها شيئا إلا أتاه الله، قالوا: يا رسول الله، أي الساعة ؟ قال: " هي من حين تقام الصلاة إلى الانصراف ". وروى الامام الشافعي وأحمد عن سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من الانصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن يوم الجمعة ما فيها من الخير ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيه خمس خلال، فيه خلق آدم، وفيه هبط عليه السلام إلى

[ 247 ]

الارض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال "، زاد أحمد: ولا حجر إلا وهو يشفق من يوم الجمعة. وروى الديلمي وابن عساكر عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم، قال ذلك فعل أهل الكتاب وكرهه. وروى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح، فأوتر بواحدة ". وروى الترمذي واستغربه عن عمران بن حصين - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: " هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر ". وروى الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر، فقال: افصل بين الثنتين والواحدة بالسلام. وروى أبو داود عن عبد الله بن وحشي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الاعمال أفضل ؟ قال: " طول القنوت " القنوت هنا: القيام في الصلاة. روى الامام أحمد والنسائي عن أبي مسلم قال: قلت لابي ذر: أي صلاة الليل أفضل ؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " نصف الليل وقليل فاعله ". وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، من أسلم معك ؟ قال: حر وعبد، قال: هل من ساعة أقرب إلى الله تعالى من الاخرى ؟ قال: نعم، جوف الليل الاوسط. وروى مسلم عن ربيعة بن كعب الاسلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وبحاجته، فقال سلني، فقلت إني أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك ؟ قلت: هو ذلك، قال: " فأعني عن نفسك بكثرة السجود ". وروى مسلم عن معدان بن أبي طلحة قال: لقيني ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الجنة، أو قلت: بأحب الاعمال إلى الله تعالى فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عليك بكثرة السجود لله - عز وجل -، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله تعالى بها درجة وحط عنك خطيئة قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء - رضي الله تعالى عنه - فسألته، فقال مثل ما قال لي ثوبان.

[ 248 ]

وروى البيهقي عن عبد الله بن سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما الاعمال أفضل ؟ قال: الصلاة في أول وقتها... الحديث. وروى ابن ماجه عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) عن صلاة الرجل في بيته، فقال: " أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا قبوركم ". وروى عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، كم فرض الله تعالى على عباده من الصلوات ؟ قال: افترض الله تعالى على عباده خمس صلوات... الحديث. وروى الامام أحمد وأبو داود عن فضالة بن عبيد الله - رضي الله تعالى عنه - قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز تباع وهي من الغنائم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: الذهب بالذهب وزنا بوزن. وروى أبو داود عن معاذ بن عبد الله بن حبيب الجهني - رضي الله تعالى عنه - أنه قال لامرأته: متى يصلي الصبي ؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك، فقال: إذا عرف يمينه من شماله، فمروه بالصلاة. وروى أبو داود والدارقطني (...). وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فملت معه، فقال: انظر فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة، حتى صرنا سبعة، فقال: " احفظوا علينا صلاتنا " يعني صلاة الفجر، فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هنيهة، ثم نزلوا فتوضأوا وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر وركبوا، فقال بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة، فإذا سها أحدكم عن صلاة، فليصلها حين يذكرها ومن الغير للوقت ". وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغمى عليه (...). وروى مسلم عن بريدة بن الخصيب - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلوات، فقال له: صل معنا هذين اليومين.


(1) سقط في أ. (*)

[ 249 ]

وروى ابن أبي شيبة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الفجر، فأمر بلالا، فأذن حين طلع الفجر، ثم من الغد حين أسفر، ثم قال: أين السائل قال: الوقت ما بين هذين الوقتين. وروى ابن أبي شيبة أيضا عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء ابن أم مكتوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رجل ضرير شاسع الدار، وليس لي قائد يلازمني فهل لي من رخصة أن لا آتي إلى المسجد قال: لا. وروى الامام أحمد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ". وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موت الفجأة، قال: راحة للمؤمن وأخذة أسيف للفاجر. وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدار، أو حائط مائل، فأسرع المشي فقيل له، فقال: إني أكره موت الفوات وموت الفوات هو موت الفجأة من قولك فاتني فلان، أي سبقني. روى الشيخان عن أنس - رضي الله عنه -: " دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين - وكان ظئرا لابراهيم - فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشحمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله تبكي ؟ فقال: يا بن عوف، إنها رحمة... الحديث. وروى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تعدون الرقوب فيكم ؟ " قلنا: الذي لا مولد له، قال: " ليس ذلك بالرقوب، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا " (1). الرقوب: بفتح الراء قال أبو عبيد: معناه في كلامهم فقد الاولاد في الدنيا، فجعل الله تعالى فقدهم في الاخرة، فكأنه حول الموضع إلى غيره، وقال في النهاية: هو الرجل والمرأة إذا لم يعش لهما ولد، لانه يرقب موته ويرصده خوفا عليه فنقله صلى الله عليه وسلم إلى الذي لم يقدم من الولد شيئا، أي يموت قبله تعريفا أن الاجر والثواب لمن قدم شيئا من الاولاد وأن الاعتداد به أكثر، والنفع به أعظم، وأن فقدهم وإن كان في الدنيا عظيما، فإن فقد الاجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الاخرة أعظم، وأن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه واحتسبه، ومن لم


(1) أخرجه مسلم 4 / 2014 (106 / 2608). (*)

[ 250 ]

يرزق من ذلك فهو الذي لا يولد له ولم يقله صلى الله عليه وسلم إبطالا لتفسيره اللغوي، وهذا كقوله: إنما المحروب من حرب دينه. ونقله كما قال الحافظ الدمياطي ما تعدون المفلس ؟ قالوا: الذي لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وقد شتم هذا، وقذف هذا من الالفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز، والسائل: الفقير فنقله صلى الله عليه وسلم أيضا. وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تمر بنا جنازة الكافر، فنقوم ؟ قال: نعم، فإنكم لستم تقومون لها، إنما تقومون إعظاما للذي خلق النفوس. وروى الشيخان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: مرت جنازة، فقام لها رسول الله، فقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله، إنها يهودية، فقال: " إن للموت فزعا، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا ". وروى الامام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحولت عنه فقمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عدو الله تصلي ؟ عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا، والقائل يوم كذا وكذا، أعدد أيامه الخبيثة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى أكثرت عليه، فقال: أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت قد قيل لي " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم وإن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " (التوبة / 80) فلو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت، ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه فتعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الايتان " ولا تصل على أحد منهم مات أبد ولا تقم على قبره " (التوبة / 84) فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله - عز وجل -. وروى تمام وابن عساكر عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي أصابها حمل فلم تفطر حتى ماتت قال: " اذهب فصل عليها فإن أمك قتلت نفسها ". وروى الامام أحمد والنسائي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: (سمعت) رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان. وروى أبو داود عن أبي أسيد - بضم الهمزة وفتح السين - هو مالك بن ربيعة الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني

[ 251 ]

سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شئ أبرهما به بعد موتهما ؟ قال: " نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما (1) وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما ". وروى الامام أحمد عن أبي سعيد - رحمه الله تعالى - عن رجل شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وروى أبو داود والنسائي عن الشريد بن سويد - رضي الله تعالى عنه - أن أمه أوصت أن يعتق رقبة مؤمنة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: عندي جارية سوداء أو نوبية فأعتقها ؟ فقال: ائت بها فدعوتها فجاءت، فقال لها: من ربك ؟ قالت: الله، قال: من أنا ؟ فقالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأعتقها، فإنها مؤمنة. روى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتان القبور، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: أترد علينا عقولنا، يا رسول الله ؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم، كهيئتكم اليوم، فقال عمر: بفيه الحجر. وروى الترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخلت على امرأة من اليهود، فقالت: إن أكثر عذاب القبر من البول. الخامس: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالزكاة. عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، ناشدتك بالله، أنه أمرك أن تأخذ الصدقة من الاغنياء، وتعطيها للفقراء ؟ قال: اللهم، نعم. رواه الامام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - وهو طرف من حديث ضمام بن ثعلبة. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره "... الحديث. وروى الدارقطني عن عطاء - رحمه الله تعالى - قال: بلغني أن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - كانت تلبس أوضاحا من ذهب، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أكنز هو ؟ فقال: إذا أديت زكاته فليس بكنز. وروى الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال قال الدارقطني أبو بكر الهذلي متروك.


(1) سقط في أ. (*)

[ 252 ]

وروى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: لما نزلت هذه الاية " الذين يكنزون الذهب والفضة " (التوبة / 34) كبر ذلك على المسلمين فقال: يا نبي الله (إنه كبر على أصحابك هذه الاية فقال: إنه ما فرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم فكبر عمر، ثم قال: ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة.... روى الدارقطني عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي حليا، وإن زوجي خفيف ذات اليد، وإن لي ابن أخ أفيجزي عني أن أجعل زكاة الحلي فيهم ؟ قال: نعم. وروى الدارقطني عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله كم (...). وروى ابن ماجه عن أبي سيارة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نخلا قال: أد العشر، قلت: يا رسول الله، احمها لي، فحماها لي. وروى الامام أحمد وأبو داود عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أن العباس - رضي الله تعالى عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته قبل أن يحول الحول فرخص له في ذلك. روى أبو داود عن أبيض بن حمال - رضي الله تعالى عنه - أنه كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة حين وفد عليه، فقال: يا أخا سبأ، لابد من صدقة فقال إنما زرعنا القطن يا رسول الله وقد تبددت سبأ ولم يبق إلا قليل بمأرب فصالح نبي الله صلى الله عليه وسلم على سبعين حلة بز من قيمة وفاء فلم يزالوا يؤدونها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن العمال انتفضوا عليهم بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صالح أبيض بن حمال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلل السبعين فرد ذلك أبو بكر على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات أبو بكر - رضي الله عنه - فلما مات أبو بكر انتقض ذلك وصارت على الصدقة. وروى الدارقطني عن علي - رضي الله تعالى عنه - أن بعض البادية جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل علينا زكاة الفطر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي على كل مسلم صغير أو كبير حر أو عبد: صاعا من تمر أو شعير أو أقط. وروى الشافعي والبيهقي عن طاوس - رحمه الله تعالى - مرسلا والطبراني وابن عساكر عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فقال: اتق الله تعالى، يا أبا الوليد، لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر لها نواح.

[ 253 ]

فقال: يا رسول الله، وإن ذلك لكذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إي والذي نفسي بيده، إلا من رجم الله "، قال: والذي بعثك بالحق، لا أعمل على شئ أبدا. وروى أبو داود عن بشر بن الخصاصية - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ؟ فقال: لا. وروى الامام أحمد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى رجل من بني تميم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل أقرباءك، وتعرف حق المسكين، والجار والسائل "، فقال: يا رسول الله، أقلل لي، فقال: آت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ولا تبذر تبذيرا، فقال: يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك، فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، ولك أجرها وإثمها على من بدلها ". وروى الامام أحمد عن يزيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي - رحمه الله تعالى - قال: قلت للحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهما - ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أذكر أني أخذت ثمرة من ثمر الصدقة، فألقيتها في فمي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعبها من فمي فألقاها في التمر، فقال رجل ما عليك لو أكل هذه الثمرة ؟ فقال: إنا لا نأكل الصدقة.. الحديث. وروى الامام أحمد عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمس صدقة ". وروى النسائي عن عبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنه - أنه تصدق بحائط له على أبويه ثم توفيا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده إليه ميراثا. وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به ؟ قال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول، قال ابن سيرين: غير مأثل مالا. وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل ؟ قال: أن تتصدق، وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى،

[ 254 ]

وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان. وروى أبو داود والعسكري في الامثال عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل ؟ قال: جهد المقل وابدأ بمن تعول. وروى الامام أحمد والبيهقي عن سراقة بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضالة من الابل تغشى حياضنا، هل من أجر ؟ ولفظ العسكري قال: قيل: يا رسول الله (...). وروى أبو داود عن المسيب أن سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أحب إليك ؟ قال: الماء. وروى الشيخان عن زينب امرأة ابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن "، قالت: فرجعت إلى عبد الله ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فقلت أنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى عويمر فقال عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - بل ائتيه أنت فانطلقت فإذا امرأة من الانصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتها مثل حاجتي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ؟ ولا تخبره من نحن، فدخل بلال - رضي الله تعالى عنه - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الزيانب قال: امرأة عبد الله بن مسعود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لها أجران أجر القرابة، وأجر الصدقة. وروى البخاري عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: " يا رسول الله، هل لي أجر في عيال سلمة أن أنفق عليهم ؟ فقال: أنفقي عليهم، فلك أجر ما أنفقت عليهم ". وروى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - قالت: قلت: يا رسول الله، مالي مال إلا ما أدخل على الزبير، أفأتصدق ؟ قال: تصدقي ولا توعي فيوعى عليك، وفي لفظ أنفقي أو أنفحي أو أنضحي، ولا تحصي فيحصى عليك ولا توعي فيوعى الله تعالى عليك. وروى مسلم عن عمير مولى أبي اللحم - رضي الله تعالى عنهما - قال: كنت مملوكا، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتصدق من مال موالي بشئ ؟ قال: نعم، والاجر بينكما نصفان. وروى الامام أحمد من طريق أبي تميمة الهبيني عن رجل من قومه - رضي الله تعالى

[ 255 ]

عنه - قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة الشريفة، فسألته عن المعروف وعليه إزار من قطن منتثر الحاشية فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: إن " عليك السلام " تحية الموتى، إن " عليك السلام " تحية الموتى، إن " عليك السلام " تحية الموتى، سلام عليكم، سلام عليكم مرتين أو ثلاثا، هكذا قال: سألت عن الازار، فقلت: أين أتزر، فأقنع ظهره بعظم ساقه، وقال: ههنا اتزر، فإن أبيت فههنا أسفل من ذلك، فإن أبيت فإن الله - عز وجل - لا يحب كل مختال فخور قال: وسألته عن المعروف، فقال لا تخفرن من المعروف شيئا لو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل ولو انتزع، ولو أن انتزع من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تنحي الشئ من طريق الناس يؤذهم ولو أن تلقى أخاك ووجهك إلى منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الارض، وإن سبك رجل بشئ يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه، فلا تسبه فيكون أجره لك ووزره عليه، وما سر أذنك أن تسمعه فاعمل به وما تساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه. وروى الشيخان عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: حملت على فرس في سبيل الله تعالى فرأيته يباع، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أشتريته ؟ قال: لا تشتره ولا تعد في صدقتك، وفي لفظ: فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تشتره إن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. وروى البخاري عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا ؟ وإنما هم بني، فقال: نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم. وروى الشافعي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت صدقتك، وهو لك بميراثك. وروى مسلم عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتت امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك وردها عليك الميراث. وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها نذر ؟ فقال: اقضه عنها، وفي لفظ توفيت أمه، وهو غائب عنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها فهل ينفعها شئ، إن تصدقت عنها ؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المجراف صدقة عليها. وروى ابن خزيمة عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة،

[ 256 ]

فقالت: أريد أن أتصدق عن أمي، وقد توفيت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرتك بذلك ؟ قالت: لا، قال: فأمسكي عليك مالك، فهو خير لك، وفي لفظ: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي توفيت وتركت حليا، ولم توص فهل ينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال احبس عليك مالك. وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها ؟ قال: نعم، تصدق عنها. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات، ولم يوص أفينفعه، أن أتصدق عنه، قال: نعم. وروى الشيخان عن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أمور كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة، هل كان لي فيها من أجر ؟ قال حكيم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما سلف من خير. وروى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه ؟ قال: لا، يا عائشة، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس، وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال: خمسون درهما... وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - والامام مالك عن عطاء ابن يسار - رضي الله تعالى عنه - كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول أعطه أفقر مني، فقال: خذه فتموله وتصدق به... الحديث. السادس: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الصيام، وما يتعلق به. روى الترمذي واستغربه وابن شاهين في الترغيب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل ؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان، قال: فأي الصدقة أفضل ؟ قال صدقة رمضان. وروى الامام أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة، قال: الصلاة في جوف الليل، قال: فأي الصيام أفضل بعد رمضان ؟ قال: شهر الله الذي تدعونه المحرم.

[ 257 ]

وروى النسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شئ ؟ قلنا: لا، قال: " فإني صائم ". وروى الامام أحمد عن أم هانئ - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بشراب فشرب ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر ". وروى الدارقطني عن إبراهيم بن عبيد، قال: صنع أبو سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صنع لك أخوك، وتكلف لك أخوك، أفطر وصم يوما مكانه ". وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت أهديت لحفصة شاة، ونحن صائمتان ففطرتني فكانت ابنة أبيها فلما دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له، فقال: " أبد لا يوما مكانه " وروى البيهقي والدارقطني عن فضالة بن عبيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صائما فقاء، فأفطر، فسئل عن ذلك فقال: إني قئت. وروى الدارقطني عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في غير رمضان، فأصابه، غم آذاه فتقيأ فقاء، فدعا بوضوء فتوضأ ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله، أفريضة الوضوء من القئ ؟ قال: لو كان فريضة لوجدته في القرآن، قال: ثم صام رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد، فسمعته يقول: " هذا مكان إفطاري أمس " عتبة بن السكن متروك الحديث. وروى الترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم ؟ قال: نعم. وروى مسلم عن عمر بن أبي سلمة - رضي الله تعالى عنهما - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل هذه " لام سلمة " فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك... وروى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: هششت يوما فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما وأنا صائم، قال: أرأيت لو تمضمضت بالماء، وأنت صائم ؟ قلت: لا بأس به قال: " فمه ".

[ 258 ]

وروى ابن النجار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن شيخا وشابا سألا رسول الله عن القبلة للصائم فنهى الشاب ورخص للشيخ. وروى أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب ". وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -. وروى ابن النجار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني كنت صائما فأكلت وشربت ناسيا فقال: أطعمك الله وسقاك. وروى الامام أحمد عن أم إسحاق الغنوية - رضي الله تعالى عنها - قالت: إنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بقصعة فأكلت معه، ومعه ذو اليدين فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرقا فقال: يا أم إسحق، أصيبي من هذا، فذكرت أنها كانت صائمة، فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مالك ؟ قالت: كنت صائمة فنسيت، فقال ذو اليدين: الان بعد ما شبعت ؟ فقال النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك. روى البخاري والنسائي عن عدي بن حاتم - رضي الله تعالى عنه - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى " حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " (البقرة / 87) أي الخيطان قال: إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين ثم قال: لا بل إنهما سواد الليل، وبياض النهار. وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى. وروى أبو داود الطيالسي والامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني من طرق حمزة بن عمرو الاسلمي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر فقال: إن شئت صم، وإن شئت فافطر. وروى أبو داود والحاكم عن حمزة بن محمد بن حمزة بن عمرو الاسلمي عن أبيه عن حمزة عن جده قال: قلت: يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأكر به وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجد بأن أصوم يا رسول الله، أهون علي من أن أؤخره، فيكون دينا، أفأصوم يا رسول الله، أعظم لا جري أو أفطر ؟ قال " أي ذلك شئت يا حمزة ". وروى الامام مالك والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة - رضي الله

[ 259 ]

تعالى عنها - أن حمزة بن عمرو الاسلمي قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر ؟ وكان كثير الصيام، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر. وروى الامام أحمد والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: " ادن فكل " فقلت: إني صائم، فقال " ادن أحدثك عن الصوم، أو الصيام. إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام. وروى الدارقطني وابن أبي شيبة والبيهقي عن محمد بن المنكدر - رحمه الله تعالى - قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان، فقال: أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضاه الدرهم والدرهمين حتى يقضيه هل كان قضاء للدين ؟ قالوا: نعم، قال: فذلك نحوه. ورواه الدارقطني عن جابر قال الدارقطني: إسناده حسن إلا أنه مرسل، وهو أصح من المرسل ورواه البيهقي عن صالح بن كيسان. وروى الدارقطني وضعفه عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قضاء رمضان فقال: يقضيه متتابعا، فإن فرقه أجزأه. وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، فقال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها ؟ قالت: نعم، وفي لفظ للبخاري: جاء رجل إلى النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر أفأقضيه ؟ قال: نعم، وفي لفظ: خمسة عشر يوما وفي لفظ: إن أختي ماتت... الحديث. وروى أبو داود الطيالسي ومسلم والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: أرأيت لو كان على أمك دين، أفأنت قاضيه عنها ؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى. وروى الطبراني وأبو داود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كنت وحفصة صائمتين، فأهدي لها طعام، فأفطرنا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فسألته إحداهما أحسبه قال حفصة، قال: اقضيا يوما مكانه. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك ؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تجد رقبة تعتقها ؟ " قال: لا، قال: " فهل تجد

[ 260 ]

إطعام ستين مسكينا ؟ " قال: لا، قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينما نحن كذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر. والعرق: المكتل قال: أين السائل ؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله، ووالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك. وروى ابن شاهين في الترغيب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصيام، فقال: صيام شعبان تعظيما لرمضان، قيل: فأي الصدقة أفضل ؟ قال: صدقة في رمضان. وروى الامام أحمد والترمذي عن النعمان بن سعد قال: قال رجل لعلي - رضي الله تعالى عنه -: يا أمير المؤمنين، أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان ؟ قال له: ما سمعت أحدا يسأل عن هذا إلا رجلا سمعته يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد، فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان ؟ قال: " إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله فيه يوم تاب على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين ". وروى الامام أحمد والنسائي وابن زنجويه وأبو يعلى وابن أبي عاصم والباوردي والضياء عن أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - قال: قلت: يا رسول الله، ما رأيتك تصوم شهرا من الشهور، ما تصوم من شعبان ؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الاعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي أنا صائم. وروى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين ؟ فقال: " فيه ولدت، وفيه أنزل علي ". وروى الامام أحمد والنسائي وابن زنجويه وسعيد بن منصور عن أسامة بن زيد فقال: قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: أي يومين ؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس قال: ذاك يومان تعرضان فيهما الاعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم. وروى مسلم والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. وروى مسلم عن أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى عمر - رضي الله عنه - غضبه قال: رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وبيعتنا بيعة قال: فسئل عن صيام الدهر ؟ فقال: " لا صام ولا

[ 261 ]

أفطر (أو ما صام وما أفطر) " قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم ؟ قال: " ومن يطيق ذلك " ؟ قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم ؟ قال: " ذاك صوم أخي داود (عليه السلام) " قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعث (أو أنزل علي فيه) قال: فقال: " صوم ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان صوم الدهر " قال: وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: " يكفر السنة الماضية والباقية " قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال: يكفر السنة الماضية. وروى الامام أحمد عن بشر بن الخصاصية - رضي الله تعالى عنه - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصوم يوم الجمعة ؟ قال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها. السابع: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف وليلة القدر. روى الشيخان والترمذي والنسائي والدارقطني عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك. وروى الامام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن أنيس - رضي الله تعالى عنه - قال: " قلت: يا رسول الله، إن لي دين أكون فيها، وأنا أصلي فيها بحمد الله، فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى هذا المسجد قال: انزل ليلة ثلاث وعشرين قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد، فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح. وروى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وأنا أسمع فقال: هي في كل رمضان. وروى الامام أحمد والترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: " قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ". الثامن: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة. روى الامام أحمد والبخاري والترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل ؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا ؟ قال: " حج مبرور ". وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ورواه الامام أحمد عن جابر وزاد قالوا: يا رسول الله، ما بر الحج ؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام.

[ 262 ]

وروى الدارمي والترمذي وقال: غريب وابن ماجه وابن خزيمة والدارقطني في العلل والطبراني في الاوسط والحاكم والبيهقي والضياء عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الحج، قال: الحج والثج. وروى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة. وروى أبو داود عن أبي أمامة - التيمي - رضي الله تعالى عنه قال: كنت رجلا أكري في هذا الوجه، وكان ناس يقولون لي: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكري في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون لي: إنه ليس لك حج فقال ابن عمر: أليس تحرم، وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار ؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن لك حجا. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الاية (وليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) (البقرة / 198) فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه هذه الاية، وقال: لك حج. وروى الامام الشافعي والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحج ؟ قال الشعث التفل، فقام آخر فقال: يا رسول الله، أي الحج أفضل ؟ فقال: " العج والثج، فقام آخر، فقال: يا رسول الله، ما السبيل ؟ فقال: زاد وراحلة ". وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يأيها الناس، قد فرض الله - عز وجل - عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكرم عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم. وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن الاقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم: الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ فقال: بل مرة واحدة، فمن زاد فقد تطوع. وروى الامام أحمد والدارقطني عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول (ولله على الناس حج البيت) (آل عمران / 97) الاية. وروى البيهقي والحاكم وصححه عن أنس. وروى الدارقطني عن علي وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل

[ 263 ]

ما السبيل إلى الحج ؟ فقال: الزاد والراحلة، وفي لفظ أن تجد ظهر بعير. وروى الترمذي وحسنه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج ؟ قال: الزاد والراحلة. وروى الدارقطني مثله عن ابن عمر. وروى الامام أحمد والترمذي والدارقطني عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الحج، أذن في الناس، فاجتمعوا فلما أتى البيداء أحرم. وروى البخاري عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قام في المسجد، فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نهل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يهل أهل المدينة من ذي الخليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن، وقال ابن عمر: تزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم، وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عن ابن الزبير - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب، وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ أن أحج عنه قال: أنت أكبر ولده ؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه ؟ قال: نعم، قال: فحج عنه. وروى الامام أحمد والنسائي عن الفضل بن العباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة النحر فأتته امرأة من خثعم فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله - عز وجل - في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يركب إلا معترضا، أفأحج عنه ؟ قال: نعم، حجي عنه، فإنه لو كان عليه دين قضيته. وروى الطبراني في الكبير عن حصين بن عوف قال: قلت: يا رسول الله، أأحج عن أبي ؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه ؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يقضى. وروى أبو داود الطيالسي والامام أحمد والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن حبان وابن ماجة والبيهقي عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن، فقال: حج عن أبيك واعتمر. وروى ابن جرير عن ابن عباس أن رجلا من خثعم، قال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير وإنه لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال: نعم، وفي لفظ عطاء عنه أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم

[ 264 ]

فقال: إن أبي شيخ كبير أفأحج عنه ؟ فقال: لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه ؟ قال: نعم، قال: فحج عنه. روى الطبراني في الكبير عن الفضل بن عباس قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة النحر فأتت امرأة من خثعم، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يركب أفأحج عنه ؟ قال: نعم، حجي عن أبيك. وروى مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح عن بريدة قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج فقال: حجي عن أمك. ورواه ابن جرير بلفظ، ولم تحج حجة الاسلام، أفأحج عنها ؟ قال: نعم، فحجي عنها، وفي لفظ أفيجزئ أن أحج عنها ؟ قال: أرأيت إن كان على أمك دين فقضيته عنها أكان يجزئ عنها ؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى. وروى ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال: يا نبي الله، إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه ؟ قال: نعم، قال: فحق الله أحق. وروى الترمذي والامام الشافعي والبيهقي عن علي بلفظ: إن أبي شيخ كبير قد أدرك فريضة الله على عباده في الحج لا يستطيع أداءها أفيجزئ عنه أن أؤديها عنه ؟ قال: نعم، ورواه ابن جرير عن سليمان بن يسار عن ابن عباس بلفظ إنها سألته في حجة الوداع، والفضل بن عباس رديفه، فقالت: يا رسول الله، فريضة الله في الحج على عباده، أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي أن أحج عنه ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم حجي عن أبيك، أرأيت إن كان عليه دين فقضيته عنه، ألا ترين أنك قد أديت عنه ؟ قالت: نعم، قال: فحق الله أحق. وروى أيضا عن سعيد بن جبير. وروى عنه قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من خثعم فقالت: إني امرأة من خثعم، يا رسول الله، أمي ماتت، ولم تحج أفأحج عنها ؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت تقضيه ؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى. وروى الدارقطني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلك أبي ولم يحج قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أيتقبل منه ؟ قال: نعم، قال: فاحجج عنه.

[ 265 ]

وروى عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج عن أبيه قال: احجج عنه ألا ترى أنه لو كان عليه دين فقضيته عنه، إن ذلك يجزئ عنه ؟ قال: بلى، قال: حق الله أحق. وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن امرأة رفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صبيا، فقالت: ألهذا حج ؟ قال: " نعم، ولك أجر ". وروى الشيخان والامام أحمد وأبو داود والطيالسي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم فقال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرانس، ولا ثوبا مسه الورد والزعفران، ولا الخفان إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكون تحت الكعبين، وفي لفظ " من أسفل ". وروى الامام الشافعي والشيخان عن يعلى بن أمية - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة إذا جاءه رجل أعرابي عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق. فقال: يا رسول الله، إني حرمت بالعمرة وهذه علي. فقال: أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك. وروي عن أبي قتادة الحارث بن ربعي أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون، وهو غير محرم فرأوا حمارا، وحشيا قبل أن يراه فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة فركب فرسا له فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا، فتناوله فحمل عليه فعقره، ثم أكل فأكل فندموا، فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه قال: هل معكم منه شئ ؟ قالوا: معنا رجله فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فأكلها، وفي لفظ فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل منمك واحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها. وروى عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ". وروى النسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، ألا أدخل البيت، قال: ادخلي الحجر فإنه من البيت. وروي عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف - يعني بجمع - قلت: جئت يا رسول الله، من جبل طئ أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه ".

[ 266 ]

وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قدمت بمكة وأنا حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم: افعلي بفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. وروى الامام أحمد والشيخان والترمذي والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس، يسألونه، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: إذبح ولا حرج فجاءه آخر، وقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل‍ النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. وروى الطبراني في الكبير وأبو داود الطيالسي والامامان وابن ماجه وأبو يعلى والضياء عن جابر والامام أحمد وابن أبي شيبة والشيخان وابن ماجة عن سعد أن رجلا قال: يا رسول الله، نحرت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج. وروى ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رجل: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر قال: انحر ولا حرج. وروى ابن جرير عنه قال: يا رسول الله، ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج، وقال رجل: يا رسول الله، طفت بالبيت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وفي لفظ: أنه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر، ثم قصد الناس، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أنحر قال: لا حرج ثم جاءه آخر فقال: حلفت قبل أن أرمي، فقال: لا حرج، فما سئل شئ إلا قال: لا حرج، لا حرج. وروى ابن جرير وأبو نعيم في تاريخه وابن النجار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن قدم من نسكه شيئا قبل شئ، فجعل يقول: لا حرج ولا حرج. وروى ابن جرير عنه أيضا قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: زرت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، قال: يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج. وروى الدارقطني وأبو داود عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا، فكان يقول: " لا حرج، لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك ". وروى الشيخان عن كعب بن عجرة - رضي الله تعالى عنه - " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة، وهو محرم وهو يوقد تحت قدر والقمل يتهافت على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك ؟ قال: نعم، قال: فاحلق رأسك، وأطعم فرقا بين ستة مساكين - والفرق ثلاثة آصع - أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة ".

[ 267 ]

وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها. فقال: إنها بدنة قال: اركبها، فقال: إنها بدنة. قال: اركبها، ويلك في الثانية أو الثالثة ". وروى الامام أحمد والترمذي وقال صحيح وابن حبان عن ناجية الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - وكان صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من البدن ؟ قال: انحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها فيأكلوها. وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن عمر أهدي بختيا فأعطى بها ثلثمائة دينار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أهديت بختية لي أعطيت بها ثلثمائة دينار، فأنحرها أو أشتري بثمنها بدنا قال: لا، ولكن انحرها إياها. التاسع: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الاضحى والاضاحي. وروى الترمذي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الاكبر، فقال: هو يوم النحر. وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: أي يوم هذا ؟ فقالوا: يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الاكبر. وروى الامام أحمد والبيهقي وابن ماجة عن زيد بن أرقم - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ما هذه الاضاحي ؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم قالوا: فما لنا فيها ؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا: يا رسول الله، فالصوف ؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة. وروى الامام أحمد والحاكم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت بيوم الاضحى عيدا جعله الله تعالى لهذه الامة قال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحي بها ؟ قال: " لا " ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك، فتلك تمام أضحيتك عند الله - عز وجل -. وروى الامام أحمد عن أبي الاسد السلمي عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا فجمع لكل منا درهما فاشترينا أضحية بسبعة الدراهم، فقلنا: يا رسول الله، لقد أغلينا بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها "، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رجلا برجل ورجلا برجل ورجلا بيد ورجلا بيد ورجلا بقرن ورجلا بقرن وذبح السابع وكبرنا عليها جميعا.

[ 268 ]

وروى الديلمي وابن عساكر عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الناس في العيدين: تقبل الله منا ومنكم، قال: ذلك فعل أهل الكتاب وكرهه. وروى الامام أحمد والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله، إن علي بدنة، وأنا موسر بها ولا أجدها فأشتريها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن. وروى الامام أحمد وأبو داود عن زيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنه - قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه غنما للضحايا فأعطاني جذعا عتودا من المعز، فجئت به، فقلت: يا رسول الله، إنه جذع، فقال: ضح به، فضحيت به وحديث عقبة - رضي الله تعالى عنه - ذكر في باب سيرته صلى الله عليه وسلم في الضحايا. وروى الامام أحمد عن البراء عن خاله أبي بردة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، إن عجلنا شاة لحم لنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقبل الصلاة ؟ قال: نعم، تلك شاة لحم، قال: يا رسول الله، عندي عناق جذعة، هي أحب إلينا من مسنة قال: تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحد بعدك. وفي رواية عن أبي بردة، قال: إنه ذبح قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد، قال: عندي عناق جذعة، هي أحب إلي من مسنتين، قال: اذبحها. وروى الامام أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: اشتريت كبشا أضحي به فعدا الذئب فأخذ أليته، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به. العاشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم بالمساجد. وروى الامام أحمد عن الارقم بن أبي الارقم - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تريد فقال: أردت يا رسول الله ههنا، وأشار إلى بيت المقدس قال: ما يخرجك إليك أتجارة ؟ قلت: لا، ولكن أردت الصلاة فيه، قال: فالصلاة ههنا، وأومأ بيده إلى مكة خير من ألف صلاة. وروى الشيخان عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع للناس في الارض، قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي ؟ قال: المسجد الاقصى، قلت: كم بينهما، قال: أربعون عاما ثم الارض لك مسجدا، فحيث أدركت الصلاة فصل.

[ 269 ]

وروى الشيخان عن أبي ذر عن سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الاخر، هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: هو مسجدي. الحادي عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالقرآن. روى الامام أحمد عن عبد الله بن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء فقلت: السلام عليك يا رسول الله فلم يرد علي، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد علي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا خلفه حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، وجلست كئيبا حزينا، فخرج علي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تطهر فقال: " عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته "، ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: " اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها ". وروى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، وهو ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنا، فقال: ما معك يا فلان ؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة قال: أمعك سورة البقرة ؟ قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم، فقال رجل من أشرافهم: والله يا رسول الله، ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا القرآن، فاقرأوه وأقرئوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مشكا يفوح بريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكئ على مسك. وروى أبو داود عن واثلة بن الاسقع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) (البقرة / 255). وروى مسلم عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر، أتدري أي آية في كتاب الله تعالى معك أعظم ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: قلت: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال: فضرب صدري وقال: " والله ليهنك العلم أبا المنذر ". وروى الترمذي، وقال: حديث حسن وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -

[ 270 ]

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة تبارك الذي بيده الملك. وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئني يا رسول الله، فقال: " اقرأ ثلاثا من ذوات " آلر " فقال: كبرت سني واشتد قلبي وغلظ لساني قال: " فاقرأ ثلاثا من ذوات حاميم " فقال مثل مقالته، فقال " اقرأ ثلاثا من المسبحات " فقال مثل مقالته، فقال الرجل: يا رسول الله، أقرئني سورة جامعة، فأقرأه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زلزلت الارض زلزالها) (الزلزلة / 1) حتى فرغ منها فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أفلح الرويجل " مرتين. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا استمع رجلا يقرأ (قل هو الله أحد) (الاخلاص / 1) ويرددها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ". وفي رواية عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن، وفي رواية عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله، فقال: " الله الواحد الصمد " ثلث القرآن وفي رواية (قل هو الله أحد) (الاخلاص / 1) تعدل ثلث القرآن. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في " قل هو الله أحد " إنها تعدل ثلث القرآن " قوله: " تعدل ثلث القرآن " قال بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى إن القرآن ثلاثة أقسام قسم توحيد لله تعالى ومعرفة صفاته، وقسم قصص الماضي، وقسم تشريع وأحكام، ففيها التوحيد وليس فيها قصص ولا تشريع فصارت تعدل ثلث القرآن. وروى ابن ماجه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحب هذه السورة " قل هو الله أحد " قال: " إن حبها أدخلك الجنة " ورواه البخاري تعليقا. وروى النسائي عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب فوضعت يدي على قدمه، وقلت: اقرأ سورة هود أو سورة يوسف ؟ فقال: لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله تعالى من (قل أعوذ برب الفلق) (الفلق / 1) و (قل أعوذ برب الناس) (الناس / 1) وفي رواية قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الجحفة والابواء إذ غشينا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ ب‍ (قل أعوذ برب الفلق) (الفلق / 1) و (قل أعوذ برب الناس) (الناس / 1) ويقول: يا عقبة، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلها. وروى مسلم عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألم تر

[ 271 ]

آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ؟ " (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس). وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بشرار هذه الامة ؟ الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون، أفلا أنبئكم بخيارهم ؟ أحاسنهم أخلاقا. وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير البرية ؟ رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى، ألا أخبركم بالذي يليه ؟ رجل في بلة من غم يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ألا أخبركم بشر البرية، الذي يسأل بالله تعالى، ولا يعطي به. وروى الامام أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخياركم ؟ قالوا: بلى، قال: فخياركم الذين، إذا رؤوا ذكر الله تعالى، ألا أخبركم بشراركم، قالوا: بلى، قال: " فشراركم المفسدون بين الاحبة المشاءون بالنميمة الباغون البراء العنت ". وروى الامام أحمد عن أبي أمامة قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدرني، فأخذ بيدي، ثم قال " يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين له قلبي ". وروى الامام أحمد عن الحسين - رحمه الله تعالى - عن شيخ أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر برجل يقرأ (قل يا أيها الكافرون) (الكافرون / 1) قال: أما هذا فقد برئ من الشرك، قال: وإذا آخر يقرأ (قل هو الله أحد) (الاخلاص / 1) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وجبت له الجنة ". وروى الرامهرمزي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الاعمال أفضل ؟ قال: عليك بالحال المرتحل قال: وما الحال المرتحل ؟ قال " صاحب القرآن، يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ويضرب في آخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل " (1). وروى الشيخان عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فغشيته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: " تلك السكينة تنزلت بالقرآن ". وروى الامام أحمد والبيهقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:


(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 6 / 174 وقال غريب وهو عند الترمذي من حديث ابن عباس 5 / 181 (2948). (*)

[ 272 ]

إن لله - عز وجل - أهلين من الناس فقيل من أهل الله منهم ؟ قال: " أهل القرآن هم أهل الله تعالى وخاصته " (1). وروى الامام أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قلت: يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن ؟ قال: " اختمه في شهر "، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك قال: " اختمه في عشرين "، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: " اختمه في خمسة عشر " قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: " اختمه في عشر "، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: " اختمه في خمس "، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: " فما رخص لي " (2). وروى الشيخان عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرسله، اقرأ يا هشام "، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذلك أنزلت "، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت للقراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه ". الثاني عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الذكر والدعاء وما يتعلق بهما. روى الامام أحمد عن أبي ذر قال، قلت: يا رسول الله إذا عملت سيئة فأتبعها بالحسنة تمحها قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله قال: " هي أفضل الحسنات " (3). وروى الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب، والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ " قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى، فقال معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه -: ما شئ أنجى من عذاب الله من ذكر الله (4).


(1) ابن ماجه (215) وأحمد 3 / 127، 128 والدارمي 2 / 433 والحاكم 1 / 556. (2) الترمذي 5 / 180 (2946). (3) أخرجه أحمد 5 / 169 والمجمع 10 / 81 والسيوطي في الدر 3 / 354 وأبو نعيم في تاريخ أصفهان 1 / 94. (4) أخرجه الترمذي (3377) وأحمد 5 / 195 وابن ماجه (3790) والحاكم 1 / 496. (*)

[ 273 ]

وروى الامام أحمد عن معاذ بن أنس الجهني - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المجاهدين أعظم أجرا ؟ قال: " أكثرهم لله - تبارك وتعالى - ذكرا "، قال: فأي الصائمين أعظم أجرا ؟ قال: " أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا " فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: لعمر - رضي الله عنه -: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل ". وروى الترمذي وقال غريب والعقيلي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم ؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم فيدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم " (1). وروى الامام أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن من خير الناس في سبيل الله تعالى رجلا على ظهر فرسه، أو ظهر بعيره، أو على قدمه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا، يقرأ كتاب الله تعالى فلا يرعوي إلى شئ منه " (2). وروى العقيلي والبيهقي في الشعب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم عن الاجود ؟ الاجود الله وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علما، فنشر علمه حتى يبعث يوم القيامة أمة واحدة ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى يقتل " (3). وروى عبد بن حميد وابن زنجويه والحاكم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بخياركم ؟ خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا ". وروى الترمذي وقال حسن غريب والطبراني وابن حبان عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار ؟ تحرم على كل قريب من الناس هين سهل " (4).


(1) أخرجه الترمذي (2264) والكنز (14641). (2) البيهقي 9 / 160 والمجمع 10 / 34. (3) ابن حجر في المطالب (3077 / 3828) وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1 / 123 وانظر المجمع 1 / 166 وابن حبان في المجروين 2 / 301. (4) الطبراني في الكبير 10 / 285 والترمذي (2488) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1097). (*)

[ 274 ]

وروى العقيلي والضياء عن جابر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا ؟ على كل هين لين قريب سهل ". وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قلت: يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر ؟ قال: " غنيمة مجالس الذكر الجنة " (1). وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا قبل نجد فغنموا... وروى الامام أحمد والبيهقي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية والحكيم والترمذي عن أسماء بنت زيد - رضي الله تعالى عنهما - أنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا أنبئكم بخياركم ؟ خياركم الذين إذا رؤا، ذكر الله - عز وجل - ألا أخبركم بشراركم ؟ " قالوا: بلى، قال: " فشراركم المفسدون بين الاحبة المشاؤون بالنميمة، الباغون البراء العنت " (2). وروى العقيلي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - والطبراني عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بخياركم ؟ خياركم أطولكم أعمارا في الاسلام، إذا سددوا ". وروى الحاكم والبيهقي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بخياركم ؟ خياركم أحاسنكم أخلاقا " (3). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بخياركم من شراركم ؟ خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أخلاقا ولمسلم: أطولكم أعمارا ". وروي عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بشراركم ؟ شراركم الثرثارون المتشدقون، وألا أنبئكم بخياركم ؟ أحاسنكم أخلاقا ". وروى الخرايطي في مكارم الاخلاق عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بخياركم أحاسنكم أخلاقا ". وروى الامام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أنبئكم بخياركم خياركم أطولكم أعمارا. وأحسنكم أخلاقا ".


(1) أخرجه أحمد 2 / 177، 190 وانظر المجمع 10 / 78 والدر المنثور 1 / 152. (2) أخرجه أحمد 6 / 459 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1919) والبخاري في الادب (323) وأبو نعيم في الحلية 1 / 6 وانظر المطالب (3974) والمجمع 7 / 234، 8 / 93 والدر المنثور 3 / 110. (3) ابن ماجه (4119) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2465) وانظر المجمع 8 / 21، 22 والبيهقي 10 / 246 والترغيب 4 / 254 والدر 2 / 74. (*)

[ 275 ]

وروى الامام أحمد، والترمذي، وقال: حسن غريب والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ألا أخبركم بخير الناس منزلة ؟ رجل تمسك بعنان فرسه في سبيل الله، حتى يموت أو يقتل، ألا أخبركم بالذي يتلوه ؟ رجل معتزل في شعب الجبال يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس وفي لفظ: رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله تعالى فيها، ألا أخبركم بشر الناس ؟ رجل يسأل بالله تعالى ولا يعطي به (1). وروى الامام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح وابن حبان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بخيركم من شركم ؟ خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره " (2). وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم (3). وروى الترمذي وحسنه عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء بين الاذان والاقامة لا يرد " قالوا: فما تقول يا رسول الله ؟ قال: " اسألوا الله تعالى العافية في الدنيا والاخرة ". وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والامام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن خزيمة والبيهقي والضياء عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء لا يرد بين الاذان والاقامة ". وروى ابن أبي شيبة وابن حبان والعقيلي وابن السني عن أنس - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء لا يرد بين الاذان والاقامة ". وروى الحاكم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء لا يرد بين الاذان والاقامة ". وروى الحاكم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الدعاء مستجاب ما بين النداء والاقامة ". وروي عن أبي زهير النميري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأقمنا على


(1) أخرجه الترمذي (1652) والدارمي 2 / 201 والحاكم 2 / 67 وابن أبي شيبة 5 / 294 والسيوطي في الدر 1 / 246. (2) أخرجه الترمذي (2263) وأحمد 2 / 368، 378 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2068). (3) أخرجه أحمد من حديث جابر 3 / 360 والترمذي 5 / 462 (3381). (*)

[ 276 ]

رجل في خيمة قد ألحف في المسألة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه، فقال: أوجب إن ختم، فقال له رجل من القوم: بأي شئ يختم ؟ قال: بآمين، فأنه إن ختم بآمين، فقد أوجب فانصرف الرجل الذي سمعه فأتى الرجل فقال: اختم بآمين يا فلان في كل شئ وأبشر. وروى البيهقي عن أبي موسى الاشعري - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول (...). وروى الترمذي وحسنه عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو، يقول: اللهم، إني أسألك تمام النعمة، فقال: أي شئ تمام النعمة ؟ قال: دعوة دعوت بها أرجو بها الخير، قال: فإن تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يستجاب لاحدكم ما لم يعجل "، يقول: قد دعوت ربي، فلم يستجب وفي لفظ لمسلم: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال ؟ قال يقول: قد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عن ذلك، ويدع الدعاء الحسر: أي يستنكف عن الدعاء والسؤال، وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف يعني أن الداعي إذا دعا وتأخرت إجابته تضجر، ومل وترك الدعاء واستنكف عنه. " وقطيعة الرحم " الهجران للاهل والاقارب. وروى الترمذي والبيهقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، ورجل قد صلى وهو يدعو ويقول في دعائه اللهم، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والارض ذا الجلال والاكرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " تدرون بم دعا الله ؟ دعا الله باسمه الاعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ". وروي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أكثروا من الباقيات الصالحات " قيل: وما هن يا رسول الله ؟ قال: " التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ". وروى مسلم عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علمني كلاما أقوله قال: قل: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله، العزيز الحكيم " قال: فهؤلاء لربي فما لي ؟ قال: قل: " اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني ". وروى مسلم عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل ؟ قال: ما اصطفى الله تعالى لملائكته، سبحان الله وبحمده، وفي رواية قال: قال

[ 277 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله - عز وجل - ؟ إن أحب الكلام إلى الله - عز وجل - " سبحان الله وبحمده "، وفي رواية: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله - عز وجل - " سبحان الله وبحمده ". وروى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إنه غريب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررتم برياض الجنة، فارتعوا " قيل: يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال: المساجد، قيل: وما الرتع ؟ قال: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". وروى الامام أحمد، والترمذي وقال: حسن غريب والعقيلي في الضعفاء وابن شاهين في الترغيب والبيهقي في الشعب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا "، قالوا: وما رياض الجنة ؟ قال: " مجالس العلم ". وروى الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا "، قالوا: يا رسول الله، ما رياض الجنة ؟ قال: " مجالس العلم ". وروى ابن شاهين عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مررتم برياض الجنة فاجلسوا إليهم "، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة ؟ قال: " أهل الذكر ". وروى أبو داود عن ابن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه، فقال: قل: " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "، قال: يا رسول الله، هذا لله عز وجل فما لي ؟ قال: قل: " اللهم ارحمني وازرقني وعافني واهدني " فلما قدم، قال: هكذا بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما هذا فقد ملا يده من الخير ". وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يفرش عرسا (...). وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة ؟ ". فسأل سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة ؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة. وروى النسائي عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجلست إليه، فقال: تعوذ بالله من شياطين الانس والجن، قلت: أو

[ 278 ]

للانس شياطين ؟ قال: نعم، شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول عزورا. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما لقيت البارحة من عقرب لدغتني قال: " أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك ". وروى الترمذي عن شكل بن حميد - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، علمني تعوذا أتعوذ به فأخذ بكفي، وقال: قل: " اللهم، إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شرهن " ورواه النسائي وقال: " ومنيي ". وروى الامام أحمد والنسائي وابن سعد وسمويه والبغوي والباوردي وابن قانع والطبراني في الكبير عن زيد بن خارجة - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة عليك، قال: صلوا واجتهدوا، ثم قالوا: " اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ". وروى الشيخان عن ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - قال: لقيني كعب بن عجرة - رضي الله تعالى عنه - فقال: ألا أهدي لك هدية ؟ فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك ؟ قال: " قولوا اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". الثالث عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الكسب والمعاش. روى الامام أحمد عن رافع بن خديج - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكسب أفضل ؟ قال: " عمل الرجل بيده، وكل عمل مبرور " (1). وروى البيهقي عن معاذ بن عبد الله بن حبيب عن أبيه عن عمه - رضي الله عنه - قال: كنا في مجلس فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه أثر ماء وهو طيب النفس قال: فظننا أنه ألم بأهله، فقلنا: يا رسول الله، نراك أصبحت طيب النفس، قال: " أجل، والحمد لله "، قال: ثم ذكر الغنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم ".


(1) أخرجه أحمد 4 / 141 والحاكم 2 / 20 والطبراني في الكبير 4 / 330 وانظر المجمع 4 / 60 والتلخيص 3 / 3 والعلل للرازي (1172، 2337). (*)

[ 279 ]

وروى ابن ماجة عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي ولدا ومالا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي قال: " أنت ومالك لابيك ". وروى الامام أحمد وابن ماجة عن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتى أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يجتاح مالي، فقال: " أنت ومالك لابيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئا ". وروى البزار والدارقطني في الافراد عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يريد أن يأخذ مالي، فقال: " أنت ومالك لابيك ". وروى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة جليلة كانت من نساء مضر، فقالت: يا رسول الله، أنأكل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم ؟ قال: " الرطب تأكلنه وتهدينه ". وروى البخاري والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مروا بماء فيهم لديغ - أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق ؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، وأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله - عز وجل - لاتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاسألنه فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، قال: " إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها ". وروى ابن ماجة عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: علمت رجلا القرآن، فأهدى إلي قوسا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن أخذتها قوسا من نار ". وروى الامام أحمد عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم أموال السلطان، قال: آتاك الله تعالى منها من غير مسألة ولا إشراف نفس، فكله وتموله. وروى الامامان الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن محيصة بن مسعود الانصاري - رضي الله تعالى عنه - أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها فلم يزل يسأله، ويستأذنه حتى أمره " أن اعلف ناضحك وأطعمه ورقيقك ".

[ 280 ]

وروى الامام أحمد عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن كسب الحجام فقال: " اعلفه ناضحك ". وروى الترمذي عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إياكم والقسامة " قلنا: وما القسامة ؟ قال: " الشئ يكون بين الناس فيجئ فينقص منه "، وفي رواية ونحوه " الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا " (1). وروى البيهقي عن صفوان بن أمية - رضي الله تعالى عنه - قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه عرفطة فقال: يا رسول الله، قد كنت على شفوة فما أراني أرزق إلا من دفي وكفي فأذن لي فيه قال أحله. الرابع عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في البيوع والمعاملات، وما يتعلق بها. روى الامام أحمد عن جبير بن مطعم - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي البقاع شر ؟ فقال: لا أدري فلما أتاه جبريل عليه السلام قال يا جبريل، أي البلدان شر ؟ قال: لا أدري حتى أسأل ربي - عز وجل - فانطلق جبريل - عليه السلام - ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم جاء فقال: يا محمد، إنك سألتني أي البلدان شر ؟ فقلت: لا أدري، وإني سألت ربي - عز وجل - أي البلدان شر ؟ فقال: أسواقها. وروى الشيخان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل: يا رسول الله، أرأيتت شحوم الميتة، فإنه (...). وروى أبو داود والطيالسي وعبد بن حميد والامامان مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إني أخدع في البيع فقال له: " فقل من بايعت لا خلابة ". وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا ؟ قال: لا (2). وروى الامام أحمد والترمذي، وحسنه عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: إنه ليتيم، قال: " أهريقوه ". وروى الامام أحمد والترمذي وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان عندنا خمر ليتيم قال: أهرقه.


(1) أخرجه أبو داود (2783، 2784). (2) أخرجه أحمد 3 / 119 والدارمي 2 / 118 وأبو داود 4 / 82 (3675) والدارقطني 4 / 265. (*)

[ 281 ]

وروى أبو داود والترمذي عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرا لايتام في حجري فقال: " أهرق الخمر واكسر الدنان ". وروى الامام أحمد والترمذي والثلاثة وحسنه عن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إن الرجل ليأتيني فيريد مني البيع، وليس عندي ما يطلب، فأبتاع له من السوق ؟ قال: " لا تبع ما ليس عندك ". وروى الامام أحمد والدارقطني عن حكيم بن حزام - رضي الله تعالى عنه - قال: ابتعت طعاما من طعام الصدقة، وربحت فيه قبل ما قبضته، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل لي منها، وما يحرم علي منها، قال: " يا بن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه ". وروى الشيخان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تباع الثمرة حتى تشقح قيل: وما تشقح، قال: تحمار وتصفار ويؤكل منها (1). وروى أبو داود عن امرأة يقال لها بهيسة عن أبيها - رضي الله تعالى عنه - قال: استأذن أبي النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم، ثم قال: يا رسول اللله، حدثني بالشئ الذي لا يحل منعه قال: الماء، قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما الشئ الذي لا يحل منعه قال: " الملح " قال: يا نبي الله، ما الشئ الذي لا يحل منعه ؟ قال: " أن تفعل الخير خير لك ". وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله، ما الشئ الذي لا يحل منعه ؟ قال: (الماء...). وروى الامام أحمد والترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتاع، وكان في عقله ضعف فأتى أهله النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه، فدعاه نبي الله صلى الله عليه وسلم فنهاه، فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع، فقال: إذا بايعت، فقل: هاء وهاء ولا خلابة. وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: إن رجلا ابتاع غلاما له... وروى البيهقي عن قيلة أم بني أنمار - رضي الله تعالى عنها - قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أبيع وأشتري فربما أردت أن أشتري السلعة فأعطى بها أقل مما أريد أن آخذها به ثم زدت ثم زدت حتى آخذها بالذي أريد أن آخذها به، ربما أردت أن أبيع السلعة فاستمت بها أكثر مما أريد أن أبيعها به ثم نقصت ثم


(1) انظر سنن أبي داود (3370) وقد تقدم. (*)

[ 282 ]

نقصت حتى أبيعها بالذي أريد أن أبيعها به، فقال لي رسول الله: " لا تفعلي هكذا يا قيلة، ولكن إذا أردت أن تشتري شيئا فأعطي به الذي تريدين أن تبيعيه، أعطيت أو منعت ". وروي عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء بلال - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال من أين هذا يا بلال ؟ فقال: كان عندنا تمر ردئ، فبعث صاعين بصاع فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتريه ". وروي عن أبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب فقال: أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال لا تفعل بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا. وروى مسلم وعبد الرزاق عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - وزيد بن أرقم قالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف، فقال: " إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئا فلا يصلح " وفي لفظ فلا يصلح نسيئة ورواه البخاري بلفظ: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: " إن كان يدا بيد فلا بأس... ". وروى مسلم عن قصالة بن عبيد - رضي الله تعالى عنه - قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدتها أكثر من اثني عشر، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " لا تباع حتى تفضل ". وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخوف عليكم الرما، والرما هو الربا " فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالافراس والنجيبة بالابل ؟ قال: " لا بأس إذا كان يدا بيد ". وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: كنت أبيع الابل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم فقال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين. وروى زيد بن عياش - رضي الله تعالى عنه - أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال: أيتها أفضل ؟ قال: البيضاء، قال: فنهاه عن ذلك وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال عليه السلام: " أينقص الرطب إذا يبس ؟ قال: نعم، فنهاه عن ذلك. وروى البيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أسلف في نخل قبل أن

[ 283 ]

يطلع ؟ قال: لا، قلت: لم ؟ فقال: لان رجلا أسلم في حديقة نخل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يطلع النخل، فلم تطلع النخل شيئا ذلك العام، فقال المشتري: هو لي حتى يطلع، وقال البائع، إنما بعتك النخل هذه السنة، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للبائع: " أخذ من نخلك شيئا ؟ " قال: لا، قال: " لم تستحل ماله ؟ اردد عليه ما أخذت منه ؟ ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه ". وروي عن محمد بن عبد الله بن جحش - رضي الله تعالى عنه - عن أبيه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن جهدت بنفسي ومالي، فماذا لي ؟ قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدين سارني به جبريل - عليه السلام - آنفا. وروى الامام أحمد عن عبد الله بن جحش - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ماذا لي إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل ؟ قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدين سارني به جبريل، - عليه السلام - آنفا. وروى الامام أحمد عن جابر بن عبد الله أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت أن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أدخل الجنة قال: نعم فأعاد ذلك مرتين أو ثلاثا قال: نعم إن لم يكن عليك دين ليس عندك وفاؤه. وروى الامام أحمد عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أعوذ بالله من الكفر والدين "، فقال رجل: يا رسول الله، أيعدل الدين بالكفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وروى الامام أحمد عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة فقالوا: يا نبي الله، صل عليها، قال: هل ترك شيئا ؟ قالوا: لا، قال: هل ترك عليه دينا ؟ قالوا: ألا نصلي عليه ؟ ثم أتي بجنازة بعد ذلك، فقال: هل ترك عليه من دين ؟ قالوا: لا، قال: هل ترك من شئ ؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: ثلاث كيات، قال: فأتى بالثالثة، فقال: هل ترك عليه من دين، قالوا: نعم قال: هل ترك من شئ ؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فقال رجل من الانصار يقال له أبو قتادة: يا رسول الله، علي دينه فصل عليه. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه فضلا ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من توفي وعليه دين، فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته. وروى البيهقي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ليلة أسرى بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر... ".

[ 284 ]

قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الابل، فجاءه يتقاضاه، فقال صلى الله عليه وسلم: " أعطوه ". فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: " أعطوه ". فقال أوفيتني أوفى الله بك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن خياركم أحسنكم قضاء ". وروى الامام أحمد والنسائي عن العرياض بن سارية - رضي الله تعالى عنه - قال: بعت من النبي صلى الله عليه وسلم بكرا، فأتيته أتقاضاه، فقلت: يا رسول الله، أقضني ثمن بكري ؟ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جملا قد أسن، فقال: يا رسول الله، هذا خير من بكري قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن خير القوم أحسنهم قضاء ". وروى الامام أحمد والبيهقي عن سعد بن الاطول أن أخاه مات وترك ثلثمائة دينار وترك عيالا فأردت أن أنفق عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه " قال: فذهبت فقضيت عنه ثم جئت، فقلت: يا رسول الله قد قضيت عنه، ولم يبق إلا امرأة تدعي دينارين، وليست لها بينة قال: " أعطها فإنها صدقة ". وروى الامام أحمد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت، فقال: " إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لارجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ". وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، سعر، فقال: " إن الله تعالى يسعر ويخفض ويرفع، ولكن أرجو أن ألقى الله وليس لاحد عندي مظلمة "، وفي لفظ: بل الله يخفض ويرفع وإني لارجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بظلمة بدم ولا مال. وروى الامام أحمد عن الشريد بن سويد - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، أرض ليس لاحد فيها شراك ولا قسم ولا استئجار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجار أحق بسقبه ". وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الظلم أعظم ؟ قال: " ذراع من الارض ينتقصه من حق أخيه، فليست حصاة من الارض أخذها إلا طوقها يوم القيامة، إلى قعر الارض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها " (1).


(1) أخرجه أحمد 1 / 396. (*)

[ 285 ]

وروى أبو داود عن رجل من مزينة - رضي الله تعالى عنه - قال: صنعت امرأة من المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما (....). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قالت: الانصار - رضي الله تعالى عنهم - يا رسول الله، أقسم بيننا، وبين إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفوننا المئونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا. وروى الشيخان عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أرض تهتز زرعا، فقال: لمن هذا ؟ قالوا: اكتراها فلان، فقال: " أما إنه لو منحها إياه كان خيرا له من أن يأخذ عليها أجرا معلوما ". الخامس عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في اللقطة واللقيط والهبة والهدية والوصية. وروى الامامان مالك وأحمد وابن ماجة وأبو داود والشيخان، عن زيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: " اعرف وكاءها "، أو قال: وعاها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها فأدها إليه، قال: فضالة الابل ؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه أو قال: احمر وجهه، فقال مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها، قال: فضالة الغنم، قال: هي لك أو لاخيك أو للذئب، وقيل: فضالة الابل ؟ قال: مالك ولها، معها سقاؤها، وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يلقاها ربها. وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة قال: " لا تحل اللقطة، من التقط شيئا، فليعرفه، فإن جاء صاحبها فليردها إليه، فإن لم يأت فليتصدق بها، فإن جاء فليخيره بين الاجر وبين الذي له ". وروى البيهقي وأبو داود عن المقداد بن عمرو أنه خرج ذات يوم لحاجة، وكان الناس لا يذهب أحدهم في حاجة إلا لليومين والثلاثة (...). وروى الامام أحمد عن عياض بن حمار - رضي الله تعالى عنه - وكان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة قبل أن يبعث فلما بعث أهدى له هدية - أحسبها إبلا - فأبى أن يقبلها، وقال: " إني لا أقبل زبد المشركين "، قلت: وما زبد المشركين ؟ قال: " رفدهم هديتهم ". وروى البخاري عن النعمان بن بشير - رضي الله تعالى عنهما - قال: إن أباه أتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما، فقال: " أكل ولدك نحلت ومثله ؟ " قال: لا، قال: " فارجعه " وفي رواية: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال: " ألك ولد سواه ؟ " قال: نعم، قال فأراه، قال: لا تشهدني على جور.

[ 286 ]

وفي رواية: لا أشهد على جور. وروى عبد بن حميد والامام أحمد والبخاري وأبو داود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال: " إلى أقربهما منك بابا ". وروى مسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة خير وأفضل وأعظم أجرا ؟ قال: " أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا أو لفلان كذا وقد كان لفلان ". وروى الامام أحمد عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدري أي الصدقة أفضل ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " المنيحة أن يمنح أحدكم أخاه الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة ". وروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني في عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بمالي كله ؟ قال: لا، قلت فثلثي مالي ؟ قال: لا، قلت فالشطر يا رسول الله ؟ قال: لا، قلت: فالثلث ؟ قال: " الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة وإنما تأكل امرأتك من مالك صدقة وإنك أن تدع أهلك بخير خير لك من أن تدعهم يتكففون الناس ". وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهما - أن جده العاص بن وائل أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق عنه ابنه هشام خمسين رقبة فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية: فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى بعتق مائة رقبة، وإن هشاما أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ". وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير، وليس لي شئ ولي يتيم، قال فقال: " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل ". السادس عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الفرائض والمواريث. روى الامام أحمد والدارقطني عن عمران بن الحصين - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا

[ 287 ]

أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني مات فما لي من ميراثه ؟ فلما أدبر قال: لك السدس فلما أدبر قال: لك سدس آخر فلما ولى دعاه، قال: إن السدس الاخر طعمة. وروى الطبراني في الاوسط وأبو الشيخ في الفرائض عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قسم الجدة ؟ قال: " ما سؤالك عن ذلك يا عمر ؟ إني أظنك أن تموت قبل أن تعلم ذلك "، قال: سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى عليه - فمات قبل أن يعلم ذلك. وروى ابن راهويه وابن مردويه قال الشيخ وهو صحيح عن ابن المسيب أن عمر - رضي الله تعالى عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة ؟ فقال: أو ليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قال: (وإن كان رجل يورث كلالة) (النساء / 12) إلى آخرها، فكأن عمر لم يفهم فأنزل الله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (النساء / 176) إلى آخر الاية، فكأن عمر لم يفهم فقال: لحفصة - رضي الله تعالى عنها - إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فاسأليه عنها، فرأيت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: أبوك ذكر لك هذا ما أرى أباك يعلمها أبدا فكان يقول: ما أراني أعلمها أبدا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قال. وروى أبو الشيخ في كتاب الفرائض عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: " ما خلا الولد والوالد ". وروي عن زيد بن أسلم - رضي الله تعالى عنه - مثله. وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة، فقال: " لا أدري حتى يأتيني جبريل "، ثم قال: أين السائل عن ميراث العمة والخالة ؟ فأتى الرجل، فقال: سارني جبريل أنه لا شئ لهما، لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف والصواب مرسل. وروى أبو داود والترمذي عن تميم الداري - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله: ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين قال: " هو أولى الناس بمحياه ومماته ". وروى أبو داود والترمذي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة، وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة قال: " قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث ". روى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله عنهما - أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أعطيت أمي حديقة في حياتها. وإنها توفيت ولم تدع وارثا غيري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

[ 288 ]

أحسبه قال: إن الله - تبارك وتعالى - رد عليك حديقتك وقبل صدقتك. السابع عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في العتق، وما يتعلق به. روى ابن ماجة والبيهقي عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الرقاب أفضل ؟ قال: أنفسها عند أهلها (1) وأغلاها ثمنا، ولفظ الامام أحمد والشيخان والنسائي وابن حبان أفضل الاعمال إيمان بالله تعالى، وجهاد في سبيل الله تعالى، قيل: فأي الرقاب أفضل ؟ قال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا قيل: فإن لم أجد ؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لاخرق، قال: فإن لم أستطع ؟ قال: كف أذاك عن الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك. قوله أنفسها عند العلماء: النفيس الجيد من كل شئ المرغوب فيه وحقيقة الشئ الذي يتنافس فيه الناس. يعين صانعا أي ذو أتباع من فقر أو عيال، والخرق ضد الرفق يقال: رجل أخرق إذا لم يتقن ما يحاول فعله والصانع بصاد مهملة فنون، وهو المشهور وروى ضائعا بالعجمة أي ذا ضياع من فقر وعيال ونحو ذلك. وروى الشيخان عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الاعمال أفضل ؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله، قلت: فأي الرقاب أفضل ؟ قال: أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا قال: فإن لم أفعل ؟ قال: تعين صانعا، أو تصنع لاخرق، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل، قال: تكف أذاك عن الناس. وروى الامام أحمد عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، قال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة ؟ قال: " لا، إن عتق النسمة تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين على عتقها " (2). وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما نهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: " إن هذه الصلاة لا


(1) أخرجه البخاري 5 / 148 (2518) ومسلم 1 / 89 (136 / 84). (2) أخرجه أحمد 4 / 299 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص 294 (12009) والبيهقي 10 / 272. (*)

[ 289 ]

يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. وروى الشيخان عن ميمونة - رضي الله تعالى عنها - أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أعتقت وليدتي ؟ قال: أو فعلت ؟ قالت: نعم، قال أما لو أنك أعطيتها أخوالك كان أعظم لاجرك. وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم ؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال " اعف عنه في كل يوم سبعين مرة ". وروى الامام أحمد وأبو داود والبيهقي عن عمر - رضي الله تعالى عنهما - والبيهقي عن ميمونة بنت سعد مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (....). وروى الطبراني والامام أحمد عن سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي ماتت وعليها (1) نذر لم تقضه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقضه عنها ". وروى الامام الشافعي والشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها أرادت أن تشتري بريرة فتعتقها فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق ". الثامن عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في النكاح وما يتعلق به. روى الامام أحمد والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي النساء خير ؟ قال: " التي تسره إذا نظر وتطيعه، إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها أو ماله " (2). وروى ابن النجار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي النساء أفضل ؟ قال: " التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها وماله فيما يكره ". وروى الترمذي عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: لو علمنا أي المال خير فنتخذه، قال أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه.


(1) سقط في أ. (2) أخرجه النسائي 6 / 68 وأحمد 2 / 432 والبيهقي 7 / 72 وانظر المشاة (3272). (*)

[ 290 ]

وروى أبو داود بسند حسن عن معاوية بن حيدة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتست ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت (1). وروى أبو داود عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، ما تقول في نسائنا: قال: أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن (2). وروى الطبراني عن سعد بن مسعود الليثي قال: أتى عثمان بن مظعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني لاحب أن ترى امرأتي عورتي، فقال: إن الله تعالى جعلها لك لباسا، وجعلك لها لباسا وأهلي يرون عورتي وأنا أرى ذلك منهم. وروى عن معقل بن يسار - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها ؟ قال: " لا " ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الامم ". وروى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي أن أختصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خصاء أمتي الصيام والقيام ". وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب وأخاف العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت له مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر ". وروى مسلم عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وفي بضع أحدكم صدقة "، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: " أرأيت لو وضعها في حرام ؟ أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " (3). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: عكاف بن بشر التيمي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عكاف، هل لك من زوجة ؟ " قال لا، قال: " ولا جارية ؟ " قال: لا، قال: " وأنت موسر بخير ؟ " قال، وأنا موسر بخير، قال: " أنت إذن من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا


(1) أخرجه الترمذي 4 / 464 وأبو داود 2 / 606 (2142) والنسائي كما في التحفة 8 / 432 وابن ماجه 1 / 593 (1850). (2) أخرجه أبو داود (2144). (3) أخرجه مسلم في الزكاة (53) وأحمد 5 / 167، 168 والبيهقي 4 / 188. (*)

[ 291 ]

النكاح، شراركم عزابكم، والاذل موتاكم والاذل موتاكم عزابكم، أبا لشياطين تمرسون، ما للشياطين سلاح أبلغ، وفي الصالحين من النساء إلا المتزوجين، أولئك المطهرون المبرؤون من الخنا، ويحك يا عكاف، إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف " قال له بشر بن عطية: من كرسف يا رسول الله ؟ قال " رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلثمائة عام يصوم النهار، ويقوم الليل، ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة الله - عز وجل - ثم استدركه الله - عز وجل - ببعض، ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف تزوج، وإلا فأنت من المذبذبين " قال: زوجني يا رسول الله، قال: " زوجتك كريمة بنت كلثوم الحميري ". وروى أبو داود الطيالسي والامام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي عن أبي بن زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة ؟ فأمرني أن أصرف بصري (1). وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنظرت إليها ؟ " قال: لا، قال: " فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الانصار شيئا " يعني حولا. وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم تستأمر " قلت: فإنها تستحي. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنكح الايم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن " قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها قال: " تسكت " ورواه ابن ماجة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - مرفوعا. وروى الدارقطني عن عبد الله بن معقل - رضي الله تعالى عنه - قال: تزوج رجل من الانصار امرأة في مرضه، فقالوا: لا يجوز، هذا من الثلث، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " النكاح جائز، ولا يكون من الثلث " (2). (وروى الدارقطني عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صداق المرأة النساء، قال: هو ما اصطلح عليه أهلوهم (3)) (4).


(1) أخرجه مسلم 3 / 1699 (45 / 2159). (2) أخرجه الدارقطني 3 / 250 والخطيب في التاريخ 11 / 184 والكنز (44770). (3) أخرجه البيهقي 7 / 239. (4) سقط في أ. (*)

[ 292 ]

وروى الدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنكحوا اليتامى ثلاثا " قيل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم ؟ قال: " ما تراضى عليه الاهلون، ولو قضيب من أراك " (1). وروى الامام أحمد عن أبي حدرد الاسلمي - رضي الله تعالى عنه - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتيه في مهر امرأة فقال: أمهرها، قال: مائتان قال: " لو كنتم تغترفون من ماء بطحاء ما زدتم " (2). وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل تزوج امرأة، وفرض لها هل يدخل بها ولم يعطها شيئا ؟ فقال: " لا يدخل بها حتى يعطيها شيئا ولو نعليه ". وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب، فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بالذي صنعت " فأمرني أن آذن له ". وروى مسلم عن أم الفضل - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي، فقال: يا نبي الله ! إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الاولى، أنها أرضعت امرأتي الحدثى، رضعة أو رضعتين فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحرم الاملاجة ولا الاملاجتان ". وروى عبد الرزاق عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سالما كان يدعى لابي حذيفة، وإن الله تعالى قد أنزل في كتابه العزيز (ادعوهم لابائهم) (الاحزاب / 5) وكان يدخل علي، وأنا فضل ونحن في (مسوب) (3) ضيق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرضعيه تحرمي عليه " (4)، قال الزهري: قال بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدرون لعل هذه كانت رخصة لسالم خاصة، قال الزهري: - رحمه الله تعالى -: كانت عائشة - - رضي الله تعالى عنها - تفتي بأن الرضاع يحرم بعد الفصال، حتى ماتت وعنها أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان بدريا، وكان قد تبنى سالما الذي يقال له


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 12 / 239 والطبري 2 / 299 وانظر المجمع 4 / 280. (2) أخرجه سعيد بن منصور (604) والحاكم 2 / 178 والدولابي 1 / 25 والبيهقي 7 / 235 وانظر المجمع 4 / 282 وابن سعد 4 / 2 / 42. (3) في أ تنور. (4) عبد الرزاق في المصنف (13345) (13884) (13885) ومسلم في كتاب الرضاع (27، 28) وأحمد 1 / 201 والحاكم 3 / 226 والطبراني في الكبير 7 / 69، 70 وانظر المجمع 4 / 260. (*)

[ 293 ]

مولى أبي حذيفة كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا وأنكحه فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه فأنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة وهي من المهاجرات الاول، وهي يومئذ أفضل أيامي قريش، فلما أنزل الله تعالى (ادعوهم لابائهم) (الاحزاب / 5) الاية رد كل واحد من أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه رد إلى مواليه، فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما وليدا أو كان يدخل علي، وأنا فضل وليس لنا إلا بيت واحد، فما ترى ؟ قال الزهري: فقال لها فيما بلغنا: أرضعيه، والله تعالى أعلم. وروي عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الانصار كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث ميراثه، حتى أنزل الله - عز وجل - في ذلك: " ادعوهم لابائهم " إلى قوله (فإخوانكم في الدين ومواليكم) (الاحزاب / 5) فردوا إلى آبائهم، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالما ولدا، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني مقتلا، وقد أنزل الله - عز وجل - فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " أرضعيه " فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها، ويدخل عليها، وإن كان كبيرا خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت أم سلمة، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهم بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلت لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رضعة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس. وروى الامام أحمد والبخاري وأبو داود عن عقبة بن الحارث - رضي الله تعالى عنه - أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: إني أرضعتكما، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولفظ البخاري أنه تزوج ابنة لابي إهاب بن عزيز فأتت امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة، والذي تزوج بها فقال لها عقبة: لا أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ! فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل ؟ ! ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره. وروى الامام أحمد والترمذي وصححه عن حجاج بن حجاج الاسلمي عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ما يذهب عني مذمة الرضاع ؟ قال: " غرة عبد أو أمة ".

[ 294 ]

وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع ؟ فقال: " رجل وامرأة ". وروى الدارقطني وضعفه عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنهاه عنها، وقال: " إنها لا تحصنك ". وروى الامام الشافعي وأبو داود وابن ماجة عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت، وتحتي أختان، قال: " طلق أيتهما شئت ". وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: طلق رجل زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره، فطلقها قبل أن يدخل بها فأراد زوجها، الاول أن يتزوجها فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا حتى يذوق الاخر من عسيلتها ما ذاق الاول ". وروى النسائي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يطلق أمرأته، فيتزوجها الرجل، ويغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها قال: " لا تحل للاول حتى يجامعها الاخير " (1). وروى ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل قال: " لا نكاح رغبة ولا نكاح ولا استهزاء بكتاب الله - تعالى - حتى يذوق العسيلة ". وروى ابن ماجة والدارقطني عن علقمة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " هو المحلل ثم لعن المحلل والمحلل له " (2). وروى الامام الشافعي وأبو داود والدارقطني والطحاوي والبغوي وابن قانع عن الحارث - رضي الله تعالى عنه - قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن ". وروى الامام الشافعي عن نوفل بن معاوية الرملي - رضي الله تعالى عنه - قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " فارق واحدة وأمسك أربعا " فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقرا منذ ستين سنة ففارقتها. وروى الامام أحمد والترمذي، وصححه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن


(1) النسائي في الطلاق باب 12. (2) أخرجه ابن ماجه (1936) والطبراني في الكبير 17 / 299 والدارقطني 3 / 251. (*)

[ 295 ]

رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رجلا قال: يا رسول إن امرأتي لا ترد يد لا مس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " طلقها "، فقال: إني أحبها، قال: " فأمسكها إذن " (1). وروى الامام الشافعي عن خزيمة بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن أو عن إتيان الرجل امرأته في دبرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم حلال فلما ولى الرجل دعاه أو أمر به، فدعي فقال: كيف قلت في أي الخرقين أو في أي الخرزتين، أو في الحصفتين أمن دبرها في قبلها، فنعم أم من دبرها، في دبرها، فلا، فإن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. وروى الترمذي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال جاء عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: " وما أهلكك ؟ " قال: حولت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال: فأوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية: (نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم أنى شئتم) (البقرة / 223) أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة (2). وروى الامام أحمد عن أسماء بنت يزيد - رضي الله تعالى عنها - أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعود عنده فقال: " لعل الرجل يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها فارم القوم " فقلت: أي والله يا رسول الله، إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون قال: " فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون ". وروى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، ولفظ أحمد: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل، فقال: " اصنعوا ما بدا لكم فما قضى الله - تعالى - فهو كائن، وليس كل الماء يكون الولد " (3). وروى عبد الرزاق والترمذي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء ناس من


(1) من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود 2 / 541 (2049) والنسائي 6 / 169 والبيهقي 7 / 154 وابن أبي شيبة 4 / 184 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2024) والمطالب (1626) والطبراني في الكبير 19 / 216 والمجمع 4 / 335. (2) الترمذي (2980). (3) أخرجه أحمد 3 / 26، 47. (*)

[ 296 ]

المسلمين، فقالوا: يارسول الله، أفيكون لنا الاماء فنعزل عنهن ؟ وزعمت يهود أنها الموءودة الصغرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كبت يهود، ولو أراد الله تعالى أن يخلقه لم يرده "، وفي لفظ عند عبد الرزاق، جاء رجل من الانصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي جارية وأنا أعزل عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يقدر يكن "، فما لبثت أن حملت فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن حملت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما قضى الله لنفس أن تخرج إلا هي كائنة " (1). وروى الامام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل، فقال: " لا عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله تعالى كتب من هو خالق إلى يوم القيامة " (2). وروى الامام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن - رضي الله تعالى عنها - قالت: مر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في نسوة فسلم علينا وقال: إياكن وكفر المنعمين قال: لعل إحداكن أن تطول إقامتها بين أبويها، وتعنس فيرزقها الله - عز وجل - زوجا، ويرزقها منه مالا وولدا فتغضب الغضبة فراحت تقول: ما رأيت منه يوما خيرا قط وقال: مرة خيرا قط. وروى الامام الشافعي والشيخان والدارقطني عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن هند بنت عتبة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم ؟ فقال: " خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف ". وروى البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال جاء رجل، فقال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: " أنفقه على نفسك "، قال: عندي آخر قال: " أنفقه على ولدك "، قال: عندي آخر ؟ قال: " أنفقه على أهلك ". وروى الامام أحمد عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنها - وكانت امرأة صناعا، وكانت تبيع وتصدق، فقالت لعبد الله يوما: لقد شغلتني أنت وولدك، فما أستطيع أن أتصدق معكم، فقال: ما أحب إن لم يكن في ذلك أجر أن تفعلي فسألا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لك أجر ما أنفقت عليهم ".


(1) أخرجه أحمد 3 / 53 وابن أبي شيبة 4 / 222 وعبد الرزاق (4924) والطحاوي في المعاني 3 / 31 وابن أبي عاصم 1 / 160 وأبو داود (2171) والترمذي (1136). (2) أحمد 3 / 72 ومسلم في النكاح (129) (130، 131). (*)

[ 297 ]

التاسع عشر: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في " الطلاق " و " الخلع " و " الايلاء " " والظهار " " واللعان " " وإلحاق الولد " " والعدة " وما يتعلق بذلك. روى أبو داود والترمذي والدارقطني عن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني طلقت امرأتي ألبتة ووالله، ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله، ما أردت إلا واحدة ؟ " فقال ركانة: والله، ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان. وروى الدارقطني عن عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه - قال: طلق بعض الانصار امرأته ألفا فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق أمنا ألفا، فهل له من مخرج ؟ فقال: " إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثما في عنقه " وقال الدارقطني: رواته مجهولون، وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي. وروى الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه طلق امرأته، وهي حائض، فذكر ذلك عمر - رضي الله تعالى عنه - لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه، ثم قال: " ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر وإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (الطلاق / 1) أي قبل عدتهن. وروى الدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو، أن مولاه زوجه، وهو يريد أن يفرق بينه وبين امرأته، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه ثم قال: " ما بال قوم يزوجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون أن يفرقوا بينهم ؟ ألا، إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق. وروى الامام أحمد وغيره عن أبي ذر والدارقطني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: (الطلاق مرتان) (البقرة / 229) فأين الثالثة قال: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (البقرة / 229). وروى الشيخان عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لا يدخل على بعض أهله شهرا، فلما مضى تسعة وعشرون يوما - غدا عليهن أو راح - فقيل له: يا نبي الله، حلفت أن لا تدخل علينا شهرا، فقال: " إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما ".

[ 298 ]

وروى البيهقي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قال: أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل على نسائه شهرا... الحديث. وروى الترمذي والبيهقي والدارقطني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظاهر من امرأته، فوقع عليها فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر، فقال: " وما حملك على ذلك، يرحمك الله " ؟ قال: رأيت خلخلها في ضوء القمر. قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به ". وروى ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من الانصار جاء فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، فتكلم جلدتموه أو قال: قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ والله لاسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه أو قال: قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ، فقال: " اللهم افتح " وجعل يدعو، فنزلت آيتي اللعان: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) (النور / 6) هذه الايات فابتلى به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مه " فأبت، فلعنت فلما أدبرا قال " لعلها أن تجئ به أسود جعدا " فجاءت به أسود جعدا. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، وإني أنكرته ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل لك من إبل ؟ " قال: نعم، قال: " فما ألوانها ؟ " قال: حمر، قال: " هل فيها من أوراق ؟ " قال: إن فيها لورقا، قال: " فأنى ترى ذلك جاءها ؟ " قال: عرق نزعها، قال: " ولعل هذا عرق نزعه " ! ولم يرخص له في الانتفاء منه. وروى الامام أحمد عن مولى آل الزبير قال: إن بنت زمعة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبي زمعة مات، وترك أم ولد له وإنا كنا نظنها برجل، وإنها ولدت فخرج ولدها يشبه الرجل الذي ظنناها به، قال: فقال لها: " أما أنت فاحتجبي منه، فليس بأخيك وله الميراث ". وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، إن فلانا ابني عاهر بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا دعوة في الاسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر ". العاهر يعني الزاني والمعنى، أنه لاحظ للزاني في الولد وإنما هو لصاحب الفراش وهو الزوج أو السيد، ولها الحجر أي ترجم بالحجارة، أو ليس لها إلا الحجارة أي ليس له ولا لها

[ 299 ]

إلا الخيبة ولحوق الولد، وذكره صلى الله عليه وسلم للحجر استعارة عن الرجم. وروى الامام أحمد وأبو داود عن رافع بن سنان - رضي الله تعالى عنه - أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي، وهي فطيم أو شبهه وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية " قال: وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: " ادعواها " فمالت الصبية إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهدها " فمالت الصبية إلى أبيها فأخذها. وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي ". وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة. وروى الامامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة - رضي الله تعالى عنه - أن سبيعة الاسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النبي، فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت. وروى الامامان الشافعي وأحمد والبخاري عن المسور بن مخرمة - رضي الله تعالى عنه - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذوات الاحمال قال: " أجلهن أن يضعن حملهن ". وروى مسلم عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بامرأة مجح على باب فسطاط فقال: " لعله يريد أن يلم بها " فقالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره. كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ كيف يستخدمه، وهو لا يحل له ؟ ". وتحجج بالجيم والحاء المهملة المشددة الحامل التي دنت ولادتها. وروى البيهقي عن الزبير - رضي الله تعالى عنه - أنه كان عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له، وهي حامل إني أحب أن تطيب نفسي بتطليق ففعل، فذهب إلى إلمسجد فجاء وقد وضعت ما في بطنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما صنع، فقال: " بلغ الكتاب أجله، فاخطبها إلى نفسها "، فقال خدعتني، خدعها الله. وروى مسلم عن سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس

[ 300 ]

أخبرته، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد في نفر. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليست لها نفقة، وعليها العدة " وأرسل إليها " أن لا تسبقيني بنفسك " وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها " أن أم شريك يأتيها المهاجرون الاولون. فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الاعمى، فإنك إذا وضعت خمارك، لم يرك " فانطلقت إليه. فلما مضت عدتها أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله يقول: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها: فزجرها رجل أن تخرج. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " بلى فجدي نخلك. فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا ". وروى البيهقي عن زينب بنت كعب بن عجرة - رضي الله تعالى عنهما - وكانت تحت سعيد أن أخته الفريعة بنت مالك كانت مع زوجها في قرية من قرى المدينة فتبع أعلاجا، فقتلوه فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت الوحشة في منزله، وذكرت أنها في منزل ليس لها، واستأذنت أن تأتي منزل إخوتها بالمدينة، فأذن لها، ثم دعا أو دعيت له، فقال: " اسكني في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله ". وروى الشيخان عن زينب بنت أبي سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ". وروى الشيخان والبيهقي عن زينب أنها سمعت أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن بنتا لها توفي عنها زوجها، فاشتكت عينها، فهي تريد أن تكحلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة عند رأس الحول، وإنما هي أربعة أشهر وعشر ". وروى أبو داود عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا، فقال: " ما هذا يا أم سلمة ؟ " فقلت: إنما هوم صبر ليس فيه طيب، قال: " إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل

[ 301 ]

وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب "، قلت: بأي شئ أمتشط يا رسول الله ؟ قال: " بالسدر تغلفين به رأسك ". العشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الجنايات والحدود. روى الامام أحمد عن مربد بن عبد الله عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامر والقاتل قال: " قسمت النار سبعين جزءا فللامر تسع وستون وللقاتل جزء وحسبه ". وروى الشيخان عن عدي بن الخيار قال: إن المقداد بن عمرو الكندي أخبره أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها ؟ قال: " لا تقتله " فقال: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال " أي إباحة الدم، لان الكافر قبل أن يسلم مباح الدم، فإذا أسلم فقتله أحد فإن قاتله مباح الدم. بحق القصاص، لانه بمنزلته في الكفر. وروى النسائي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذا قتل أخي، قال: " اذهب، فاقتله كما قتل أخاك "، فقال له الرجل: اتق الله، واعف عني، فإنه أعظم لاجرك، وخير لك ولاخيك يوم القيامة، قال: " فخلى عنه "، قال: فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره بما قال له قال: فأعنفه أما إنه كان خيرا مما هو صانع بك يوم القيامة يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني. وروى البيهقي عن ابن حارثة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا ضرب رجلا على ساعده. وروى الامام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - وزيد بن خالد الجهني قالا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الامة إذا زنت ولم تحصن ؟ قال: " إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ". ثم بيعوها ولو بضفير. وروى الامام أحمد عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه زنى بامرأة سماها فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها فسألها عما قال فأنكرت فحده وتركها. وروى مسلم عن بريدة بن الحصيب - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: " ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه "، قال:

[ 302 ]

فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله: " مم أطهرك ؟ " قال: من الزنا، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبه جنون ؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرا ؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال: أزنيت ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم، فلبثوا يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " استغفروا لماعز بن مالك، لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم "، ثم جاءته امرأة من غامد من الازد فقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال: " ويحك ارجعي، فاستغفري الله وتوبي إليه "، فقالت: تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، إنها حبلى من الزنا ! فقال: أنت ؟ قالت: نعم، قال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الانصار حتى وضعت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: " إذن لا نرجمها، وندع ولدها صغيرا، ليس له من ترضعه ؟ " فقام رجل من الانصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله، قال فرجمها ". وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنه -: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم " قال: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. إنه لغيور وأنا أغير منه. والله أغير مني ". وروى الشيخان عن سهل بن سعد، قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي - رضي الله تعالى عنه - فقال: أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال إنه قد أنزل القرآن فيك وفي صاحبتك، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها، ثم قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها، فطلقها فكانت سنة لمن بعدهما في المتلاعبين ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الاليتين خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه. وروى الشيخان عن زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال: يا رسول الله، اقض بكتاب الله فقام خصمه فقال: صدق، أقض له يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فزعموا إن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام. فقال: والذي نفسي بيده، لاقضين بينكما بكتاب الله،

[ 303 ]

أما الغنم والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس، فاغد على امرأة هذا، فارجمها فغدا أنيس فرجمها. وروى أبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهما قد زنيا فقال: " ائتوني بأعلم رجلين منكم " فأتوه بابني صوريا، فنشدهما كيف أمر هذين في التوراة ؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة رجما، قال: " فما يمنعكما أن ترجموهما ؟ " قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما. وروى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا من بكر بن ليث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر بأنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرا، ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة، وكان بكرا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم حد الفرية ثمانين. وروى الامام أحمد عن أبي أمية المخزومي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فاعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت ؟ قال: بلى، مرتين أو ثلاثا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعوه، ثم جاءوا به قال فقطعوه، ثم جاءوا به، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل: أستغفر الله، وأتوب إليه قال: أستغفر الله، وأتوب إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم، تب عليه. وروى الامام أحمد والبيهقي عن مسعود بن الاسود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المخزومية التي سرقت قطيفة: يفديها يعني بأربعين أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لان تطهر خير لها، فأمر بها، فقطعت يدها، وهي من بني عبد الاسد. وروى الامام أحمد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كم تقطع يد السارق، قال: لا تقطع في ثمرة معلقة، فإذا ضمه الجرين قطع في ثمن مجن ولا تقطع في حريسة الجبل فإذا ضمها المراح قطعت في ثمن مجن. وروى أبو داود والنسائي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق ؟ قال: من سرق شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. وروى الامام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن صفوان بن أمية - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا أنا راقد إذ جاء سارق، فأخذ ثوبي فرفعناه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه، فقلت: يا

[ 304 ]

رسول الله، أفي حميصة ثمن ثلاثين درهما أنا أهبها له أو أبيعها له قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به. وروى أبو داود والنسائي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار أنه اشتكى رجل حتى أضنى فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة. وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن قوما قتلوا، فأكثروا وزنوا فأكثروا وانتهكوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إن الذي تقول وتدعونا إليه حسن لو تخبرنا أن لما عملنا فأنزل الله عز وجل (والذين لا يدعون مع الله إلها) (الفرقان / 68) إلى آخر.. إلى (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) (الفرقان / 70) قال يبدل الله شركهم إيمانا، وزناهم إحصانا ونزلت (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) (الزمر / 53) الاية. الحادي والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الايمان والنذور. روى الامام أحمد والنسائي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: حلفت باللات والعزى فقال: أصحابي قد قلت هجرا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، واتفل عن يسارك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد. وروى مسلم عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اقتطع حق مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار، قالوا: وإن كان شيئا يسيرا، قال: وإن كان قضيبا من أراك. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: أعتم رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله (فوجد الصبية قد ناموا) فأتاه أهله بطعام فحلف لا يأكل من أجل الصبية، ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه ". وروى النسائي عن أبي الاحوص الجشمي عن أبيه مالك بن نضلة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت ابن عم لي أتيته أسأله فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج

[ 305 ]

إلي فيأتيني، فيسألني وقد حلفت أن لا أعطيه، ولا أصله ؟ فأمرني أن آتي الذي هو خير، وأكفر عن يميني. وروى الامام أحمد وأبو داود عن سويد بن حنظلة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج الناس أن يحلفوا، وحلفت إنه أخي فخلى عنه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم. وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البينة، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوب فحلف بالله تعالى الذي لا إله إلا هو ما فعلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد فعلت، لكن الله قد غفر لك بإخلاص قول لا إله إلا الله. وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه ؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ". وروى الشيخان عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما أو قال: ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك. وروى ابن أبي شيبة عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: نذرت نذرا في الجاهلية فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت فأمرني أن أفي بنذري. وروى الشيخان والامام أحمد والنسائي عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير معتمرة، فأمرتني أن أستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته، فقال: مر أختك فلتركب، ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام. وروى البغوي وضعفه والاسماعيلي وابن قانع وأبو نعيم عن بشير الثقفي - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني نذرت في الجاهلية نذرا أن لا آكل لحم الجزور ولا أشرب الخمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما لحوم الابل فكلها وأما الخمر فلا تشرب ". وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن أخت عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنها لا تطيق ذلك، فقال: إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة. وروى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر،

[ 306 ]

وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، قال: ما شأنك ؟ قال: قد نذرت يا رسول الله أن لا أزال في الشمس حتى تفرغ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هذا بنذر، إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله - عز وجل -. وروي عن ابن عمرو أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين مقرنين يمشيان إلى البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال القرآن ؟ قالا: يا رسول الله، نذرنا بأن نمشي إلى البيت مقترنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هذا نذرا، فقطع قرانهما، قال سريج في حديثه: إنما النذر ما ابتغي به وجه الله - عز وجل -. وروى البيهقي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي توفيت (...). وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: أوف بنذرك. الثاني والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الصيد والذبائح. روى الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم، فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، فقلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر، قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على كلب آخر. وروى الامام أحمد والدارقطني عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرمي بسهمي فأصيب، فلا أقدر عليه، إلا بعد يوم أو يومين، فقال: إذا قدرت عليه، وليس فيه أثر ولا خدش إلا رميتك، فكل، وإن وجدت فيه أثر غير رميتك فلا تأكله، أو قال: لا تطعمه، فإنك لا تدري أنت فعلته أو غيرك، وإذا أرسلت كلبك، فأخذ، فأدركته فذكه، وإن وجدته قد أخذ، ولم يأكل شيئا منه فكله، وإن وجدته قد قتله، فأكل منه فلا تأكل منه شيئا أو قال: لا تأكله، فإنما أمسك على نفسه، قال عدي: فإني أرسل كلابي، وأذكر اسم الله، فتختلط بكلاب غيري، فيأخذن الصيد فيقتلنه، قال: لا تأكله، فإنك لا تدري أكلابك قتلته، أو كلاب غيرك ؟. وروى البخاري عن أبي ثعلبة الخشفي - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي ؟ قال: أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك

[ 307 ]

فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله، فكل وما صدت بكلبك غير معلم، فأدركت ذكاته فكل. وروى الترمذي والنسائي وأبو داود عن عدي بن حاتم - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله - عز وجل - فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء، ولا تدري الماء قتله أو سهمك. وروى الامام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الخشيني أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال: إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك، فقال: يا رسول الله، ذكي وغير ذكي ؟ قال: ذكي وغير ذكي قال: وإن أكل منه ؟ قال: وإن أكل منه، قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي، قال: كل ما أمسكت عليك قوسك، قال: ذكي وغير ذكي ؟ قال: ذكي وغير ذكي، قال: وإن تغيب عني ؟ قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل يعني يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك، قال: يا رسول الله، أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء واطحنوا فيها. وروى الامام أحمد وأبو داود عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟ قال: لو طعنت في فخذها لاجزأ عنك. وروى الامام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنين يكون في بطن أمه أنلقيه، أم نأكله ؟ قال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه. وروى الامام الشافعي عن رافع بن خديج - رضي الله تعالى عنهما - قال: قلنا: يا رسول الله، إنا ملاقوا العدو غدا، وليست معنا مدى أنذكي بالليط فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله تعالى، فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر، فإن السن عظم من الانسان والظفر هذا من مدى الحبش ". وروى الامام أحمد وأبو داود عن عدي بن حاتم - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إن أحدنا أصاب صيدا، وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا ؟ فقال: أمرر الدم بما شئت ؟ واذكر اسم الله. وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليها، أم لم يذكروا، أنأكل منها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سموا الله وكلوا " وكانوا حديثي عهد بكفر. وروى الدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سأل رجل

[ 308 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الله على كل مسلم. وروى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله ؟ فأنزل الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) (الانعام / 121) إلى آخر الاية. وروى الترمذي عن خزيمة بن جزء - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: أو يأكل الضبع أحد ؟ وسألته عن أكل الذئب، فقال: أو يأكل الذئب أحد فيه خير. وروى ابن جرير عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر عن الضب، فقال: لا أحله ولا أحرمه. وروى الامام أحمد والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي واقد أن رجلا قال: يا رسول الله، أنا بأرض تصيبنا بها مخمصة فماذا يصلح لنا من الميتة ؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو لم تغتبقوا ولم تحتفوا فشأنكم بها. وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: دخلت أنا، وخالد بن الوليد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة فأتي بضب محنوذ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الضب، فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلي. روي أيضا بلفظ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا آمر به ولا أنهي عنه، أو قال: لا أحله ولا أحرمه. وروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم فأنزل الله تعالى (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) (المائدة / 87، 88). وروى مسلم عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي وإنه بعث إلي يوما بفضلة لم يأكل منها، لان فيها ثوما. فسألته: أحرام هو ؟ قال: " لا ولكني أكرهه من أجل ريحه ". وروى الامام أحمد عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها بصل فقال: كلوا وأبى أن يأكل، وقال: إني لست كمثلكم.

[ 309 ]

وروى ابن ماجة عن سلمان - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله تعالى في كتابه، والحرام ما حرم الله تعالى في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه. وروى الامام أحمد وأبو داود عن قبيصة بن هلب عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وسأله رجل فقال: إن من الطعام طعام أتحرج منه فقال: طعام لا يختلجن في نفسك شئ ضارعت فيه النصرانية. المضارعة المشابهة والمقاربة، وذلك أنه سأله على طعام النصارى، فكأنه أراد أن لا يحركن في نفسك شك، أن ما شبهت فيه النصارى حرام أو مكروه. وروى البخاري والترمذي عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فيه ؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم فأمر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف. وروى الترمذي عن عوف بن مالك الجشمي - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن مررت برجل، فلم يقرني ولم يضفني، ثم مر بي بعد ذلك أقريه أم أجزيه ؟ قال: بل أقره. وروى الامامان مالك وأحمد عن رجل من ضمرة عن أبيه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، قال: لا أحب العقوق، وكأنه كره الاسم، وقال: من ولد له مولود فأحب أن ينسك عنه، فليفعل. وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال: لا يحب الله تعالى العقوق، كأنه كره الاسم. وقال: " من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين مكافئتين، وعن الجارية شاة " وسئل عن الفرع قال: " والفرع حق وأن تتركوه حتى يكون بكرا شغزبا ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه، فيلزق لحمه بوبره، وتكفئ إناءك وتوله ناقتك ". الثالث والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الاشربة، وما يحل منها وما يحرم. روى الطبراني والترمذي عن أبي المثنى الجهني قال: كنت عند مروان بن الحكم فدخل عليه أبو سعيد، فقال له مروان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الاناء ؟ قال أهرقها قال: فإني لا أروي من نفس واحد ؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك.

[ 310 ]

وروى الشيخان عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام. البتع - بكسر الموحدة وسكون المثناة الفوقية - شراب يتخد من العسل وفتحها لغة يمنية. ورى الشيخان عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذا إلى اليمن فقال ادعوا الناس فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر، وشراب من العسل: البتع. فقال: كل مسكر حرام، فانطلقنا، فقال معاذ لابي موسى: كيف تقرأ القرآن ؟ قال: قائما وقاعدا وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب راحلتي، وأتفوقه تفوقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وضربا فسطاطا فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق فقال: ما هذا ؟ فقال: أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد فقال معاذ: لاضربن عنقه. (جوامع الكلم: أراد بجوامع الكلم الايجاز والبلاغة، فتكون ألفاظه قليلة ومعاني كلامه كثيرة، وكذلك كانت ألفاظه صلى الله عليه وسلم) (1). روى مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أو مسكر هو ؟ " قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مسكر حرام، إن على الله - عز وجل - عهدا، لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال " قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال: " عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار ". وروى الامام أحمد عن طلق بن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء عبد القيس فقال: مالكم قد اصفرت ألوانكم وعظمت بطونكم، وظهرت عروقكم قالوا: أتاك سيدنا، فسألك عن شراب كان لنا موافقا، فنهيته عنه وكنا بأرض وبيئة وخمة، قال: فاشربوا ما بدا لكم (2). وروى الامام أحمد ومسلم والبيهقي عن طارق بن سويد - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها، فنشرب منها قال: لا فعاودته فقال لا، فقلت إنا نستشفي بها للمريض، فقال: إن ذاك ليس شفاء ولكنه داء.


(1) سقط في أ. (2) لم أجده في المسند ولكن أخرجه الطبراني كما في المجمع 5 / 68 وفيه عجيبة بن عبد الحميد قال الذهبي لا يكاد يعرف وبقية رجاله ثقات. (*)

[ 311 ]

وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر أتتخذ خلا قال: لا. وروى الامام أحمد عنه أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها، قال: أفلا نجعلها خلا ؟ قال: لا. وروى الدارقطني عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال جاء قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إننا ننبذ النبيذ، فنشربه على غذائنا وعشائنا، قال: اشربوا، وكل مسكر حرام، فقالوا: يا رسول الله، إنا نكسره بالماء، فقال: " حرام قليل ما أسكر كثيره ". وروى الامام أحمد والنسائي عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا أصحاب أعناب وكرم، وقد نزل تحريم الخمر، فما نصنع بها قال: تتخذونه زبيبا قال فنصنع بالزبيب ماذا ؟ قال: تنفقونه على غذائكم وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غذائكم قال: قلت: يا رسول الله، نحن من قد علمت، ونحن نزول بين ظهراني من قد علمت فمن ولينا، قال: الله ورسوله قال: قلت: حسبي يا رسول الله. الرابع والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الامارة وما يتعلق بها. وروى الامام أحمد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود ويكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب، وتقشعر منهم الجلود، قالوا: أفلا نقتلهم ؟ قال: لا ما أقاموا الصلاة. وروى مسلم عن عوف بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خياركم أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم، ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة إلا ما أقاموا فيكم الصلاة ! ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة الله. وروى مسلم عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، من كره فقد برئ، ومن أنكر، فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم ؟ قال: لا، ما صلوا. أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. وروى الترمذي عن وائل بن بحر - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ورجل سأله فقال: أرأيت إن قامت علينا أمراء يمنعوننا حقنا، يسألوننا حقهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.

[ 312 ]

وروى الامام أحمد والبخاري عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا ؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم. وروى الامام أحمد وأبو يعلى وابن ماجة عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قيل: يا رسول الله، متى ندع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إذا ظهر فيكم مثل، ما ظهر في بني إسرائيل، قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في بني إسرائيل ؟ قال: إذا كانت الفاحشة في كبارهم، والملك في صغارهم والعلم في رذالتكم ولفظ أبي يعلى - رحمه الله تعالى - إذا ظهر الادهان في خياركم والفاحشة في أشراركم، وتحول الملك في صغاركم والفقه في رذالكم. الخامس والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزو وما يتعلق بذلك. روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده، ثم قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم، ولا تفطر، فقال: ومن يستطيع ذلك ؟ قال: أبو هريرة، إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له حسنات. وروى البخاري عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل ؟ قال: أن يجاهد الرجل نفسه وهواه (1). وروى الشيخان عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي ؟ قال: الجهاد في سبيل الله تعالى. وروى الشيخان وأبو داود والترمذي وأبو سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل ؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قالوا: ثم من ؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره. وروى أبو داود الطيالسي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده قبض من الناس، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير عند الله منزلة يوم القيامة بعد أنبيائه وأصفيائه ؟ قال: المجاهد في سبيل الله بنفسه، وماله حتى يأتيه دعوة الله، وهو على متن فرسه آخذا بعنانه فقال: ثم من ؟ قال: امرؤ بناحية أحسن عبادة الله تعالى، وترك


(1) لم أجده في مظانه من الصحيح. (*)

[ 313 ]

الناس من شره، قال: يا رسول الله، فأي الناس شر منزلة عند الله تعالى يوم القيامة ؟ قال: المشرك، قال: ثم من ؟ قال: إمام جائر يحول عن الحق، وقد بان له، وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألغين، فقال اسألوني ولا تسألوني عن شئ إلا أنبأتكم به، فقلت: رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبك نبيا وحسبنا ما أتانا فسري عنه. روى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فذكر الايمان بالله تعالى، والجهاد في سبيل الله من أفضل عند الله قال: فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله مقبلا غير مدبر كفر الله عني خطاياي ؟ قال: نعم، إلا الدين فإن جبريل سارني بذلك. وروى النسائي عن أبي بن سعد - رضي الله تعالى عنه - عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. وروى الامام أحمد عن نعيم بن همار وقيل: هباء وقيل غير ذلك - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل ؟ قال: الذين إن يلقوا في الصف يلفتوا وجوههم، حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه. وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا، فهو في سبيل الله. وروى أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا أجر له " فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعلك لم تفهمه فقال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا قال: " لا أجر له " فقال للرجل: عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: له الثالثة فقال له: " لا أجر له ". وروى النسائي عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ماله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له، فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شئ له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغي به وجهه.

[ 314 ]

وروى الامام عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله تغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميزان، فأنزل الله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) (النساء / 32). وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: " إن شهداء أمتي إذا لقليل " قالوا: فمن هم ؟ يا رسول الله، قال: " من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد ". قال ابن مقسم: أشهد على أبيك في هذا الحديث، أنه قال: " والغريق شهيد ". السادس والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الحب في الله تعالى والتضحية ومخالطة الناس. وروى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون أي الاعمال أحب إلى الله تعالى ؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال: إن أحب الاعمال إلى الله - عز وجل - الحب في الله والبغض في الله. وروى الامام أحمد وأبو داود عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يحب القوم، ولا يستطيع أن يعمل بأعمالهم، قال: أنت يا أبا ذر مع من أحببت، قال: قلت: فإني أحب الله ورسوله، فقال: إنك مع من أحببت يعيدها مرتين. وروى الشيخان عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما، ولم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب. وروى الترمذي وصححه عن صفوان بن عسال - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي جهوري الصوت، فقال: يا محمد، الرجل يحب القوم، ولم يلحق بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب. وروى الامام أحمد وأبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت جالسا في المسجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر رجل فقال رجل من القوم: يا رسول الله، إني أحب هذا، قال: هل أعلمته بذلك ؟ قال: لا، قال: قم، فأعلمه، فقام إليه، فقال: يا هذا، والله إني لاحبك في الله قال: أحبك الذي أحببتني له.

[ 315 ]

وروى العسكري في الامثال عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال قيل: يا رسول الله، من نجالس ؟ وأي جلسائنا خير ؟ قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالاخرة عمله (1). وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة تذكر من كثرة صيامها وصلاتها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها. قال: هي في النار، قال: يا رسول الله، فإن فلانة تذكر من قلة صيامها وصلاتها، وإنها تصدق بالاثوار من الاقط ولا تؤذي بلسانها، قال: هي في الجنة. وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله لي جارات فإلى أيهما أهدي ؟ قال: إلى أقربهما منك بابا. وروى الامام أحمد والترمذي وصححه عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة بنت الحارث فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فدخل علينا، فقال: احتجبا فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصر، ولا يعرفنا ؟ قال: أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه. وروى مسلم عن جرير - رضي الله تعالى عنه - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك. وروى الامام أحمد عن أبي شريح بن عمرو الخزاعي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس على الصعدات، فمن جلس منكم على الصعيد فليعله حقه، قلنا: يا رسول الله، وما حقه ؟ قال: غض البصر، وأداء التحية، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر (2). وروى الشيخان عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ؟ قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال: غض البصر، وكف الاذى، ورد السلام، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وروى أبو داود والحاكم والبزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا


(1) انظر المجمع 10 / 226 والمطالب (2773) (3233) والترغيب 1 / 112 والدر المنثور 3 / 310. (2) ضعيف انظر المجمع 8 / 64. (*)

[ 316 ]

رسول الله ؟ قال: " غض البصر، وكف الاذى، ورد السلام، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. زاد في رواية " وإرشاد السبيل " وفي رواية " وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال " فهذه ثمانية آداب. وزاد في حديث الحاكم - رحمه الله تعالى - " وتشميت العاطس إذا حمد ". وفي حديث البزار " وأعينوا على الحمولة ". وفي حديث الطبراني وأعينوا المظلوم، واذكروا الله كثيرا فتحصل من ذلك ثلاث عشر أدبا، وقد جمعها الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في قوله: جمعت آداب من رام الجلوس على الطريق من قول خير الخلق إنسانا أفش السلام وأحسن في الكلام تفز وشمت العاطس الحماد إيمانا في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث لهفان رد سلاما واهد حيرانا وأمر بمعروف إنه عن نكر وكف أذى وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا وروي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أبوك، وفي رواية أمك، قال: ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك فأدناك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، من أبر ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أبوك، قال: ثم من ؟ قال الادنى فالادنى. وروى أبو داود والبغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي عن كليب بن منفعة عن جده بكر بن الحارث الانصاري - رضي الله تعالى عنه - إنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أبر ؟ قال: أمك وأبوك وأختك وأخوك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة. وروى أبو داود والشيخان عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله، ألي أجر أن أنفق على بني أبي سلمة ؟ إنما هم بني. فقال: أنفقي عليهم فلك أجر ما أنفقت عليهم (1). وروى أبو داود عن معاوية بن حيدة، قال: قلت: يا رسول الله، من أبر ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك ثم الاقرب فالاقرب.


(1) سقط في أ. (*)

[ 317 ]

وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي مالا وولدا، وإن أبي يحتاج مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك وإن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم. وروى الامام الشافعي مرسلا عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي عيالا، وإن لابي مالا وعيالا، وإنه يريد أن يأخذ مالي فيطعمه عياله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لابيك. وروى مسلم عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الاجر من الله - تعالى - فقال: هل من والديك أحد حي ؟ نعم كلاهما حي، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. وروى البيهقي عن معاوية بن جاهمة السلمي - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه الله تعالى، والدار والاخرة قال: ويحك أحية أمك ؟ قال نعم، يا رسول الله، قال: " ويحك ! الزم رجلها، فثم الجنة ". وروى الشيخان وأبو داود عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنها - قال: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي، وهي راغبة، أفأصلها قال: نعم، صليها. وروى الامام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شئ بعد موتهما أبرهما به ؟ قال: نعم، خصال أربعة، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما. وروى ابن ماجه عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، ما حق الوالد على الولد ؟ قال: هما جنتك ونارك يعني يوصيه بالاحسان إليهما، وكف الاساءة عنهما، فإنه إذا أحسن إليهما دخل الجنة، وإن أساء إليهما دخل النار. وروى الامام أحمد عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام أصل، و يقطعون وأعفو ويظلمون وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم ؟ قال: لا إذن تتركون جميعا ولكن خذ الفضل، وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله - عز وجل - ما كنت على ذلك.

[ 318 ]

وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعون، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال " لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. وروى ابن ماجه وأبو داود عن معاوية بن حيدة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حق الزوجة على الزوج ؟ قال: يطعمها إذا طعم ويكسيها إذا اكتسى ؟ ولا يضرب لها وجها، ولا يقبح ولا يهجر البيت. وروى أبو داود عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذي لب منكن قالت: وما نقصان الدين والعقل ؟ قال أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين شهادة رجل، وأما نقصان الدين فإن إحداكن تفطر رمضان وتقيم أياما لا تصلي. وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصبح يوما، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن فقال: يا معشر النساء، ما رأيت من نواقص عقل ولا دين أذهب لقلوب ذوي الالباب منكن، وإني قد رأيتكن أكثر أهل النار يوم القيامة فتقربن إلى الله ما استطعتن وكان في النساء امرأة عبد الله ابن مسعود فأتت إلى عبد الله بن مسعود، فأخبرته بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت حليا لها، فقال ابن مسعود: فأين تذهبين ؟ فقالت: أتقرب به إلى الله - عز وجل - ورسوله، لعل الله لا يجعلني من أهل النار، فقال: ويلك، هلمي فتصدقي به علي، وعلى ولدي، فإنا له موضع، فقالت: لا، والله، حتى أذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت تستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: هذه زينب، تستأذن يا رسول الله، فقال: أي الزيانب هي ؟ فقالوا: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: إئذنوا لها، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود، فحدثته، وأخذت حليا أتقرب به إلى الله وإليك، رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار، فقال لي ابن مسعود: تصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تصدقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع، ثم قالت: يا رسول الله، ما سمعت منك حين وقفت علينا ما رأيت من نواقص العقول قط ولا دين أذهب بقلوب ذوي الالباب منكن، قالت: يا رسول الله، فما نقصان ديننا وعقولنا، فقال: أما ما ذكرت من نقصان دينكم فالحيضة التي تمكث إحداكن ما يشاء الله أن تمكث لا تصلي ولا تصوم فذلك من نقصان دينكن، وأما ما ذكرت من نقصان عقولكن وشهادتكن إنما شهادة المرأة على نصف شهادة الرجل.

[ 319 ]

وروى الامام مالك عن عطاء بن يسار - رحمه الله تعالى - أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أستأذن على أمي ؟ قال: نعم، فقال الرجل إني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها فقال الرجل: إني أخدمها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة " قال: لا، قال: " فاستأذن عليها ". وروى ابن ماجه عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام فما الاستئذان ؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح، ويؤذن أهل البيت. وروى الامام أحمد والبخاري في الادب وابن حبان، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: عطس رجلان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما أشرف من الاخر، فعطس الشريف، فلم يحمد الله تعالى، فلم يشمته وعطس الاخر، فحمد الله، فشمته النبي صلى الله عليه وسلم فقال الشريف: عطست عندك، فلم تشمتني، وعطس هذا فشمته ؟ فقال: إن هذا ذكر الله - عز وجل - فذكرته، وأنت نسيت الله تعالى فنسيتك. وروى الشيخان أبو داود والترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: عطس رجلان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما، ولم يشمت الاخر، فقيل له فقال: هذا حمد الله تعالى، وهذا لم يحمد الله تعالى. وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: عطس رجلان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قل: الحمد لله، قال القوم: ما نقول له يا رسول الله ؟ قال: قولوا له: يرحمك الله، قال: ما أقول لهم يا رسول الله ؟ قال: قل لهم: يهديكم الله، ويصلح بالكم والله تعالى أعلم. السابع والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في المرض والطب وما يتعلق بهما. روى الامام أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الانبياء ثم الصالحون. وروى الحكيم الترمذي والطبراني في الكبير عن سراء بنت نبهان الغنوية - رضي الله تعالى عنها -: سأل غلام النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحيات ما نقتله منها ؟ قالت: فسمعته يقول اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها أبيضها وأسودها، فإن من قتلها من أمتي كانت فله فداء من النار، ومن قتله كان شهيدا.

[ 320 ]

وروى أبو داود والطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن حيات البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن نوح أنشدكن العهد الذي أخذ عليكن سليمان، أن لا تؤذونا فإن عدن فاقتلوهن. وروى البيهقي عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وعك، فوضعت يدي (1) فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " قال: فقلت: ذلك، أن لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أجل " ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ". وروى الامام أحمد عن زينب بنت كعب بن عجرة عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت هذه الامراض التي تصيبنا ؟ قال كفارات قال أبي: وإن قلت ؟ قال: وإن شوكة فما فوقها، قال: فدعا أبي على نفسه ألا يفارقه الوعك حتى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات. وروى الطبراني في الاوسط وقال: حسن، وابن عساكر عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله ما جزاء الحمى ؟ قال تجدي الحسنات على صاحبها، ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق، فقال أبي: - رضي الله تعالى عنه - اللهم، إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك، ولا خروجا إلى بيتك، ولا إلى مسجد نبيك. وروى الامام أحمد - رحمه الله تعالى - عن ذكوان عن رجل من الانصار قال: عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا به جرح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي طبيب بني فلان، قال: فدعوه فجاءه، فقالوا: يا رسول الله، أو يغني الدواء شيئا فقال: سبحان الله، وهل أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الارض إلا جعل له شفاءا. وروى الامام أحمد والبيهقي عن أبي خزامة عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به ؟ ورقى نسترقي بها، واتقاء نتقيها هل يرد ذلك من قدر الله من شئ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من قدر الله.


(1) سقط في أ. (*)

[ 321 ]

وروى الشيخان والترمذي عن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي - رضي الله تعالى عنه - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء. وروى مسلم عن عوف بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك ؟ فقال: " اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ". وروى مسلم عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابرا - رضي الله تعالى عنه - يقول: لدغت رجلا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: يا رسول الله أرقي ؟ قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، ورواه الامام أحمد بلفظ كان خالي يرقى من العقرب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وإني أرقي من العقرب، فقال: من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل. وروى الامام أحمد وابن ماجه عن عبيد الله بن رفاعة الزرقي - رضي الله تعالى عنه - أن أسماء بنت عميس - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله، إون ولد جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم ؟ قال: نعم، فإنه لو كان شئ سابق القدر لسبقته العين. وروى الامام مالك عن حميد بن قبيس قال: دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما: مالي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنه تسرع إليهما العين. ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استرقوا لهما، فإنه لو سبق شئ القدر لسبقته العين. وروى الامام أحمد وأبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة، فقال: هي من عمل الشيطان النشرة حل السحر للمسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وقد قال الحسن - رضي الله تعالى عنه -: لا يطلق السحر إلا ساحر، فلا يجوز فعل ذلك وقد بسطت الكلام على ذلك في موضعه فيما تقدم. وروى ابن أبي شيبة عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام، كأن رأسي قطع فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدثن به الناس. وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن

[ 322 ]

الطاعون، فقال: كان عذابا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد، يكون فيه ويمكث فيه، لا يخرج من البلد صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه، إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد. وروى الامام أحمد، وأبو داود عن فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله، عندنا أرض يقال لها أبين، وهي أرض رفقتنا وميراثنا وإنها وبئة أو قال: إن بها وباءا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها عنك فإن القرف التلف. وروى الشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل ؟ قال: كلمة طيبة. وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى ولا طيرة، وخيرها الفأل، قيل: يا رسول الله، وما الفأل ؟ قال الكلمة الطيبة. وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل قال: قيل: وما الفأل قال: الكلمة الطيبة. وروى ابن عساكر عن النعمان بن الرازية - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله إنا كنا نتغاول في الجاهلية، وقد جاء الله تعالى بالاسلام فما تأمرنا يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفى الاسلام أحد من يتغول ولكن لا يمنعن أحدكم من سفر الفأل، هو مثل أن يكون مريضا فيسمع آخر يقول: يا سالم أو يكون طالب فيسمع يا واجد فيستبشر بذلك الكلام، فالفأل ترجى الخيرة، والطيرة ترجى الشر ووقوعه. وروى الامام أحمد وابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت البعير يكون فيه الجرب فتجرب به الابل ؟ قال: ذلك القدر فمن أجرب الاول. وروى ابن النجار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، النقبة تكون بمشفر البعير أو بعجمه فتشمل الابل كلها جربا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما أعدى الاول ثم قال: لا عدوى ولا هامة ولا صفر، خلق الله تعالى كل نفس فكتب حياتها ومصيباتها ورزقها. وروى الامام مالك مرسلا عن يحيى بن سعيد الانصاري - رحمه الله تعالى - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: دار سكناها والعدد كثير والمال كثير وافر فقل العدد، وذهب المال فقال: دعوها ذميمة.

[ 323 ]

وروى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك ؟ قال: أن يقول: اللهم، لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، والله تعالى أعلم. الثامن والعشرون: في بعض فتاويه صلى الله عليه وسلم في الرقاق، وما يلتحق بها وغير ذلك. روى الامام أحمد والترمذي وصححه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة ؟ قال: هل لك من أم ؟ قال: لا، فهل لك من خالة ؟ قال: نعم، قال: فبرها. وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رجل من الانصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم ندم فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هل له من توبة ؟ فنزلت: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) (آل عمران / 86) إلى قوله تعالى " غفور رحيم " فأرسل إليه، فأسلم. وروى ابن أبي الدنيا في التوبة عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل كم للمؤمنين من ستر ؟ قال: هي أكثر من أن يحصى، ولكن المؤمن إذا عمل خطيئة هتك منها سترا، فإذا تاب رجع إليه الستر وتسعة معه، وإذا لم يتب هتك عنه منها ستر واحد حتى إذا لم يبق عليه منها شئ قال الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: إن بني آدم يعيرون ولا يغفرون، فحفوه بأجنحتكم، فيفعلون به ذلك، فإن تاب رجعت إليه الاستار كلها، وإن لم يتب عجبت منه الملائكة، فيقول الله لهم، أسلموه، فيسلموه حتى لا يستر منه عورة. وروى الطبراني والبزار عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، أحدنا يذنب قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه، ويتوب، قال: يغفر له، ويتاب عليه، قال: فيعوذ فيذنب، قال: فيكتب عليه قال ثم يستغفر منه ويتوب. قال: يغفر له ويتاب عليه ولا يمل الله حتى تملوا. وروى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا ؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حري - إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا ؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من مل ء الارض من مثل هذا.

[ 324 ]

وروى الامام أحمد عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: انظر أرفع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه حلة، قال: قلت هذا، قال: انظر أوضع رجل في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهذا عند الله أخير يوم القيامة من مل ء الارض من مثل هذا. وروى الترمذي عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - قال: لما نزلت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) (التوبة / 34) قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره. فقال بعض أصحابه: أنزل في الذهب والفضة ما أنزل، لو علمنا أي المال خير فنتخذه ؟ فقال: أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه. وروى ابن النجار عن ثوبان - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا، قال: ما سد جوعتك ووارى عورتك، فإن كان لك بيت يظلك فذاك وإن كانت لك دابة تركبها فبخ. وروى الترمذي وقال: حسن وابن أبي الدنيا في العزلة والبيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة ؟ قال: أملك عليك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك. وروى أبو نعيم عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده أن رجلا من الانصار، قال: يا رسول الله أوصني وأوجز قال: عليك بالاياس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر، وصل صلاتك، وأنت مودع، وإياك وما تعتذر منه. وروى ابن ماجه بسند حسن عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل في الجنة خيل ؟ قال: إن يدخلك الله الجنة فلا تشأ أن تركب على فرس من ياقوتة حمراء، يطير بك في الجنة، حيث شئت، فجاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله، هل في الجنة إبل، فلم يقل: له مثل الذي قال لصاحبه، قال: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها، ما اشتهت نفسك ولذت عينك. وروى الامام أحمد عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبي للغرباء، فقيل: من الغرباء يا رسول الله ؟ قال: ناس صالحون قليل من ناس سوء كثير من بعصيهم أكثر ممن يطيعهم.

[ 325 ]

وروى الامام أحمد عن عبد الله بن عمرو كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلعت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي ناس من أمتي يوم القيامة نورهم كضوء الشمس، قلنا: من أولئك يا رسول الله ؟ فقال: فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره يموت أحدهم، وحاجته في صدره يحشرون من أقطار الارض. وروى الترمذي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى للذي كان فيه من النعمة، والذي هو اليوم فيه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة، وراح في حلة، ووضعت بين يديه صحفة ورفعت أخرى وسترتهم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟ قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خير منا اليوم نتفرغ للعبادة، ونكفى المؤنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لانتم اليوم خير منكم يومئذ. وروى الترمذي وابن النجار عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قلنا: يا رسول الله، مالنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا في الدنيا، ورغبنا في الاخرة، فقال: لو تكونون على الحال التي تكونون عندي لزارتكم الملائكة، ولصافحتكم في الطرقات، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون حتى تبلغ خطاياهم عنان السماء، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم على ما إذا كان منهم ولا يبالي. وروى الترمذي واستغربه عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة واجتهاد وذكر آخر بورعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعدل بالرعة. وروى عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: إنما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر فسكت، فقيل له: ما شأنك تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك، ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عن الرخصاء، فقال: أين السائل، وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل أو يسلم الاكلة الخضر فإنها أكلت حتى امتلات خاصرتها، ثم استقبلت عين الشمس فبالت وتلطت وارتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم مال المسلم هو لمن أعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة. وروى الترمذي واستغربه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال: اعقلها وتوكل.

[ 326 ]

وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل ؟ قال: " كل مخموم القلب صدوق اللسان ". قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب ؟ قال: " هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ". وروى ابن عساكر عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن أبا ريحانة قال: يا رسول الله، إني لاحب الجمال، حتى إني أجعله في شراك نعلي وعلاق سوطي أفمن الكبر ذاك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده. وروى الامام أحمد والترمذي وصححه عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، أي الناس خير ؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله، قال: فأي الناس شر ؟ قال: من طال عمره، وساء عمله. وروى ابن ماجة عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لاعرف آية لو أخذتم بها لكفتكم، قالوا: يا رسول الله، أي آية ؟ قال: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) (الطلاق / 2). وروى مسلم وأبو داود عن تميم الداري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدين النصيحة، زاد أبو داود: الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله، ولائمة المسلمين، وعامتهم. وروى الترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (المؤمنون / 60) هم الذين يشربون الخمر ويسرقون، قال: لا، يا بنت الصديق، ولكن هم الذين يصومون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات. وروى سعيد وابن أبي شيبة عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أي الانبياء أول ؟ قال: آدم قلت: أو كان نبيا ؟ قال: نعم، نبي مكلم قلت: فكم المرسلون ؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر. وروى الامام أحمد، والترمذي والبخاري في التاريخ عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استحيوا من الله حق الحياء، فإن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم. وروى الامام أحمد والترمذي، وقال: غريب والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب

[ 327 ]

عن ابن مسعود والخرائطي في مكارم الاخلاق عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استحيوا من الله حق الحياء قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي، والحمد لله، قال: ليس من استحيا من الله حق الحياء ذلك ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الاخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. وروى الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن الحكم بن عمير - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استحيوا من الله حق الحياء، احفظوا الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، واذكروا الموت والبلى فمن فعل ذلك، ثوابه جنة المأوى. وروى الطحاوي والدارقطني عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استحيوا، فإن الله لا يستحي من الحق. وروى الامام أحمد عن أسامة بن شريك - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده، وعليهم السكينة كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت فجاءت الاعراب من ها هنا، ومن ها هنا يسألونه، فقالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي الناس ؟ قال: حسن الخلق. وروى الامام أحمد عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، وهو يقول: اللهم، إني أسألك الصبر، قال: سألت البلاء فسل الله تعالى العافية ومر برجل، وهو يقول: يا ذا الجلال والاكرام، قال: قد استجيب لك فسل. وروى الامام أحمد عن محمود بن لبيد - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر، قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ؟. وروى الامام أحمد والطبراني عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا ذات يوم، فقال: أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل قالوا: وكيف نتقيه، يا رسول الله ؟ قال: قولوا: اللهم، إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. وروي عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فجلست فقال: يا أبا ذر، هل صليت، فقلت: لا، قال: قم، فصل قال: فقمت،

[ 328 ]

فصليت، ثم جلست، فقال: يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الانس والجن، قال: قلت: يا رسول الله، أو للانس شياطين ؟ قال: نعم، قلت: يا رسول الله، الصلاة، قال: خير موضوع من شاء أقل، ومن شاء أكثر، قال: قلت: يا رسول الله، فالصوم ؟ قال: فرض مجزي وعند الله مزيد، قال: قلت: يا رسول الله، الصدقة ؟ قال: أضعاف مضاعفة قال: قلت، فأيها أفضل ؟ قال: جهد من مقل أو سر إلى فقير، قلت: يا رسول الله، أي الانبياء كان أول ؟ قال: آدم، قلت: يا رسول الله، ونبيا كان ؟ قال: نعم، نبي مكرم، قلت: يا رسول الله، كم المرسلون ؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر جما غفيرا أو قال مرة خمسة عشر، قلت: يا رسول الله، آدم نبي، قال: نعم، مكلم قال: قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم، قال: آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (البقرة / 255). وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث، أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي من قال " لا إله إلا الله " مخلصا من قلبه أو نفسه. الباب التاسع والعشرون: في بعض فتاويه - صلى الله عليه وسلم - في التفسير: أخرج ابن مردويه عن أبي ذر: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين ؟ قال: النصارى. وأخرج ابن مردويه والحاكم في مستدركه وصححه من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ولهم فيها أزواج مطهرة...) (البقرة / 25) قال: " من الحيض والغائط، والنخامة والبراق ". وأخرج الطبراني وغيره عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم ". وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ذلك أدنى ألا تقولوا) (النساء / 23) قال: ألا تجوروا، وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف. وأخرج أبو الشيخ في الفرائض عن البراء سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: ما عدا الولد والوالد.

[ 329 ]

وأخرج الحاكم، وصححه عن عياض الاشعري، قال: لما نزلت (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) (المائدة / 54). وأخرج أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الاية (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) (الانعام / 82) شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه ! قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان / 13) ! إنما هو الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند ضعيف، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (لا تدركه الابصار) (الانعام / 103)، قال: لو أن الجن والانس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا، ما أحاطوا بالله أبدا. أخرج ابن مردويه وغيره بسند ضعيف، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (الاعراف / 31) قال: " صلوا في نعالكم " له شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي الشيخ. وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر العبد الكافر إذا قبضت روحه، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون على ملا من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث ؟ حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تفتح لهم أبواب السماء) (الاعراف / 40)، فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الارض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (الحج / 31). وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن استوت حسناته وسيئاته، فقال: " أولئك أصحاب الاعراف " له شواهد. وأخرج الطبراني والبيهقي وسعيد بن منصور وغيرهم، عن عبد الرحمن المزني، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الاعراف، فقال: " هم أناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله ". له شاهد من حديث أبي هريرة عند البيهقي، ومن حديث أبي سعيد عند الطبراني. وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أنس مرفوعا أنهم مؤمنوا الجن. وأخرج ابن جرير عن عائشة، قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطوفان الموت ". وأخرج أحمد والترمذي والحاكم - وصححه عن أنس - أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (فلما تجلى

[ 330 ]

ربه للجبل جعله دكا) (الاعراف / 143)، قال: هكذا، وأشار بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، فساخ الجبل، وخر موسى صعقا. وأخرجه أبو الشيخ بلفظ " وأشار بالخنصر، فمن نورها جعله دكا ". وأخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الالواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثني عشر ذراعا ". وأخرج أحمد والنسائي والحاكم - وصححه عن ابن عباس - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة "، فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرها بين يديه، ثم كلمهم، فقال: " ألست بربكم ؟ " قالوا بلى. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس) (الانفال / 26)، قيل: يا رسول الله، ومن الناس ؟ قال: " أهل فارس ". وأخرج الترمذي - وضعفه - عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنزل الله علي أمانين لامتي: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (الانفال / 33)، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ". وأخرج مسلم وغيره عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو على المنبر: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (الانفال / 60)، إلا وإن القوة الرمي. أخرج مسلم عن صهيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (يونس / 26) الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى ربهم. وفي الباب عن أبي بن كعب وأبي موسى الاشعري وكعب بن عجرة وأنس وأبي هريرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للذين أحسنوا) (الانفال 1 / 60) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، الحسنى: الجنة، وزيادة النظر إلى الله تعالى. وأخرج أبو الشيخ وغيره عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (قل بفضل الله) (يونس / 58)، قال: القرآن، (وبرحمته)، أن جعلكم من أهله. أخرج ابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عمر، قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (هود / 7)، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله ؟ قال: " أيكم أحسن عملا، وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم الله تعالى، وأعملكم بطاعة الله تعالى ".

[ 331 ]

وأخرج الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم أر شيئا أحسن طلبا، ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لسيئة قديمة، (إن الحسنات يذهبن السيئات) (هود / 114). وأخرج أحمد عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: " إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها "، قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات " لا إله إلا الله " ؟ قال: " هي من أفضل الحسنات ". وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن جرير بن عبد الله، قال: لما نزلت (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) (هود / 17)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأهلها ينصف بعضهم بعضا ". أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى والحاكم - وصححه - والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ساجدة له، ما أسماؤها ؟ فلم يجبه بشئ، حتى أتاه جبريل، فأخبره، فأرسل إلى اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بها ؟ قال: نعم، فقال: خرثان وطارق والذيال وذو الكيعان وذو الفرع ووثاب وعمودان وقابس والضروح والمصبح والفيلق والضياء والنور - يعني أباه وأمه - رآها في أفق السماء ساجدة له فلما قص رؤياه على أبيه، قال: أرى أمرا متشتتا يجمعه الله. وأخرج ابن مردويه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما قال يوسف: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) (يوسف / 52)، قال له جبريل: يا يوسف، اذكر همك، قال: (وما أبرئ نفسي) (يوسف / 53). أخرج الترمذي - وحسنه - والحاكم - وصححه - عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ونفضل بعضها على بعض في الاكل) (الرعد / 4)، قال: الدقل والفارسي والحلو والحامض. وأخرج أحمد والترمذي - وصححه - والنسائي، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو ؟ قال: " ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله "، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع ؟ قال: " صوته ". وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن بجاد الاشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الرعد ملك يزجر السحاب، والبرق طرف ملك يقال له روفيل ".

[ 332 ]

أخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أعطى الشكر لم يحرم الزيادة، لان الله تعالى يقول: (لئن شكرتم لازيدنكم) (إبراهيم / 7). وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم - وصححه - وغيرهم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ويسقى من ماء صديد يتجرعه) (إبراهيم / 17)، قال يقرب إليه فيتكرهه، فإذا أدنى منه شوي وجهه، ووقع فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: (وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم) (محمد / 15) وقال تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا كالمهل يشوي الوجوه) (الكهف / 29). أخرج الطبراني وابن مردويه وابن حبان عن أبي سعيد الخدري أنه سئل: هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الاية: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) (الحجر / 2)، قال: نعم، سمعته يقول: يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعد ما يأخذ نقمته منهم، لما أدخلهم النار مع المشركين قال لهم المشركون: تدعون بأنكم أولياء الله في الدنيا، فما بالكم معنا في النار ! فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله تعالى، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم، فذلك قول الله: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين). (الحجر / 2) وله شاهد من حديث أبي موسى الاشعري وجابر بن عبد الله وعلي. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (لكل باب منهم جزء مقسوم) (الحجر / 44) قال: جزء أشركوا، وجزء شكوا في الله تعالى، وجزء غفلوا عن الله تعالى. وأخرج البخاري والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أم القرآن هي السبع ا لمثاني والقرآن العظيم ". أخرج ابن مردويه، عن البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: (زدناهم عذابا فوق العذاب) (النحل / 88)، قال: عقارب أمثال النخل الطوال، ينهشونهم في جهنم. أخرج البيهقي في الدلائل، عن سعيد المقبري، أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السواد الذي في القمر، فقال: كانا شمسين، فقال الله: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) (الاسراء / 12)، فالسواد الذي رأيت هو المحو. وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولقد كرمنا بني آدم) (الاسراء / 7)، قال: الكرامة الاكل بالاصابع. وأخرج ابن مردويه عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: (يوم ندعو كل

[ 333 ]

أناس بإمامهم) (الاسراء / 70)، قال: يدعى كل قوم بإمام لهم وكتاب ربهم. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) (الاسراء / 71)، قال: لزوال الشمس. أخرج أحمد والترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لسرداق النار أربعة أجدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة ". وأخرجا عنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (بماء كالمهل) (الكهف / 29) قال: " كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه ". وأخرج أحمد عنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الباقيات الصالحات) (الكهف / 46)، التكبير والتهليل والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أخرج مسلم وغيره عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون: (يا أخت هرون) (مريم / 28)، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ! فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا أخبرتكم أنهم كانوا يسمون بالانبياء والصالحين قبلهم ". أخرج ابن أبي حاتم والترمذي عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا وجدتم الساحر فاقتلوه "، ثم قرأ: (ولا يفلح الساحر حيث أتى) (طه / 69)، قال: " لا يؤمن حيث وجد ". وأخرج البزار بسند جيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (فإن له معيشة ضنكا) (طه / 124)، قال: عذاب القبر. أخرج أحمد عن أبي هريرة، قال قلت: يا رسول الله، أنبئني عن كل شئ، قال: " كل شئ خلق من الماء ". أخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن أمية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " احتكار الطعام بمكة إلحاد ". أخرج ابن أبي حاتم، عن مرة البهزي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرجل: " إنك تموت بالربوة فمات با لرملة "، قال ابن كثير: غريب جدا. وأخرج أحمد عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله (والذين يوءتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (المؤمنون / 60)، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله ؟ قال: " لا يا

[ 334 ]

بنت الصديق، ولكنه الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف الله ". أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سورة ابن أخي أيوب، قال: قلت: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس ؟ قال: يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح فيؤذن أهل البيت. أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد برفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين) (الفرقان / 13)، قال: " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط ". أخرج البزار عن أبي ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الاجلين قضى موسى ؟ قا: " أوفاهما وأبرهما "، قال: وإن سئلت، أي المرأتين تزوج ؟ فقل: الصغرى منهما ". إسناده ضعيف، ولكن له شواهد موصولة ومرسلة. أخرج أحمد والترمذي - وحسنه - وغيرهما عن أم هانئ، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: (وتأتون في ناديكم المنكر) (العنكبوت / 29)، قال: كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فهو المنكر الذي كانوا يأتون. أخرج الترمذي وغيره عن أبي أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام "، في مثل هذا أنزلت: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله..) السجدة / 7) الاية إسناده ضعيف. أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قله: " أحسن كل شئ خلقه "، قال: " أما إن است القردة ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها ". وأخرج الترمذي عن معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " طلحة ممن قضى نحبه ". أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ، أرجل هو، أم امرأة أم أرض ؟ فقال: " بل هو رجل، ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة ". أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في هذه الاية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) (فاطر / 32)، قال: هؤلاء كلهم منزلة واحدة، وكلهم في الجنة. وأخرج أحمد وغيره عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم

[ 335 ]

سابق بالخيرات)، (فاطر / 32) فأما الذي سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن...) الاية (فاطر / 34). أخرج الشيخان، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: (والشمس تجري لمستقر لها) (يس / 38)، قال: " مستقرها تحت العرش ". أخرج ابن جرير عن أم سلمة، قالت: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قوله: (وحور عين) الواقعة / 22)، قال: " العين: الضخام العيون شفر الحوراء، مثل جناح النسر "، قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: (كأنهن بيض مكنون) (الصافات / 9)، قال: " رقتهن كرقة الجلدة التي في داخل البيضة التي تلي القشر ". أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم، عن عثمان بن عفان، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير (له مقاليد السموات والارض) (الزمر / 63)، فقال: تفسيرها: " لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الاول والاخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيى ويميت ". الحديث غريب وفيه نكارة شديدة. أخرج أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر / 60). أخرج النسائي والبزار وأبو يعلى وغيرهم عن أنس، قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (فصلت / 30)، قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها. أخرج أحمد وغيره عن علي، قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله، وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (الشورى / 30)، " وسأفسرها لك يا علي، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الاخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه ". أخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل "، ثم تلى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) (الزخرف / 58).

[ 336 ]

أخرج الطبراني وابن جرير بسند جيد، عن أبي مالك الاشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسلم منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال ". له شواهد. أخرج أحمد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم (أو أثارة من علم) (الاحقاف / 40) قال: الخط. أخرج الترمذي وابن جرير، عن أبي بن كعب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (وألزمهم كلمة التقوى) (الفتح / 26) قال: لا إله إلا الله. أخرج أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله ما الغيبة ؟ قال: " ذكرك أخاك بما يكره "، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ". أخرج البخاري عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يلقى في النار وتقول: هل من مزيد، حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط ". أخرج البزار عن عمر بن الخطاب، قال: (الذاريات ذروا) (الذاريات / 1) هي الرياح، (فالجاريات يسرا) (الذاريات / 3) هي السفن، (فالمقسمات أمرا) هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم...) (الطور: 21) الاية. وأخرجا عن معاذ بن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله (الذي وفى) ؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون...) (الروم / 17) حتى ختم الاية. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (كل يوم هو في شان) (الرحمن / 29)، قال: من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين. أخرج أبو بكر النجار، عن سليم بن عامر، قال: أقبل أعرابي فقال: يا رسول الله، ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، قال: وما هي ؟ قال: السدر، فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أليس يقول الله: (في سدر مخضود) (الواقعة / 28) ؟ خضد الله شوكه،

[ 337 ]

فجعل مكان كل شوكة ثمرة ". وله شواهد من حديث عتبة بن عبد السلمي أخرجه ابن أبي داود في البعث. أخرج الترمذي - وحسنه - وابن جرير عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (ولا يعصينك في معروف) (الممتحنة / 12) قال: النوح. أخرج الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول ما خلق الله القلم والحوت "، قال: اكتب: قال ما أكتب ؟ قال: كل شئ كائن يوم القيامة، ثم قرأ (ن والقلم) (ن / 1) والنون الحوت، والقلم القلم. أخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (المعارج / 4) ما أطول هذا اليوم ! فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا. أخرج الطبراني عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم (فاقرؤوا ما تيسر منه) (المزمل / 20)، قال: مائة آية، قال ابن كثير: غريب جدا. أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك ". أخرج البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابا، والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما مما تعدون ". أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي بريد بن أبي مريم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: (إذا الشمس كورت) (التكوير / 1 - 3) قال: كورت في جهنم (وإذا النجوم انكدرت) (التكوير / 2)، قال: في جهنم، أخرج ابن جرير والطبراني بسند ضعيف، من طريق موسى بن علي بن رباح، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " ما ولد لك ؟ " قال: ما عسى أن يولد لي ! إما غلام أو جارية ! قال: " فمن يشبه ؟ " قال: من عسى أنى يشبه ! إما أباه وإما أمه ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " مه لا تقولن هذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم، أما قرأت: (في أي صورة ما شاء ركبك) (الانفطار / 8) قال: سلكك ". أخرج الشيخان عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) (المطففين / 6)، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.

[ 338 ]

أخرج أحمد والشيخان وغيرهما عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نوقش الحساب عذب "، وفي لفظ عند ابن جرير: " ليس يحاسب أحد إلا عذب " قلت: أليس يقول الله: (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) (الانشقاق / 8) ؟ قال: " ليس ذلك بالحساب ولكن ذاك العرض ". أخرج ابن جرير عن أبي مالك الاشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اليوم الموعود يوم القيامة وشاهد يوم الجمعة، ومشهود يوم عرفة ". له شواهد. أخرج البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من تزكى) (الاعلى / 14 - 15)، قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الانداد، وشهد أني رسول الله، (وذكر اسم ربه فصلى) (الاعلى / 18)، قال: هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها. وأخرج أحمد والترمذي عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: " الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر ". أخرج أحمد عن البراء، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني عملا يدخلني الجنة قال: " عتق النسمة، وفك الرقبة "، قال: أو ليستا بواحدة ؟ قال: إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها. أخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قول الله: (قد أفلح من زكاها) (الشمس / 9) أفلحت نفس زكاها الله تعالى. أخرج أبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي ". أخرج أحمد عن أبي هريرة، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية (يومئذ تحدث أخبارها) (الزلزلة / 4)، قال: أتدرون، ما " أخبارها " ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا ". أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الانسان لربه لكنود) (العاديات / 6) قال: " الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده ".

[ 339 ]

أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مرسلا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألهاكم التكاثر عن الطاعة، حتى زرتم المقابر حتى يأتيكم الموت ". أخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنها عليهم مؤصدة) (الهمزة / 8) قال: مطبقة. أخرج ابن جرير وأبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) (الماعون / 2)، قال: " هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ". أخرج أحمد ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الكوثر نهر أعطانيه ربي في الجنة " له طرق لا تحصى. أخرج أحمد عن ابن عباس قال: لما نزلت " إذا جاء نصر الله والفتح "، (الفتح / 1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعيت إلي نفسي ". أخرج ابن جرير عن بريدة لا أعلمه إلا رفعه، قال: " الصمد الذي لا جوف له ". وأخرج أحمد والترمذي، وصححه النسائي عن عائشة، قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأراني القمر حين طلع، وقال: " تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب ". أخرج أبو يعلى عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس أي سكن، وإن نسى التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس ". تنبيهات الاول: قوله صلى الله عليه وسلم فيمن سره أن يطلع على عمله له أجران أجر لسر وأجر لعلانية قال الترمذي: قد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، إذا اطلع عليه، وأعجبه إنما معناه يعجبه ثناء الناس عليه بالخير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنتم شهداء الله تعالى في الارض " فيعجبه ثناء الناس عليه بهذا، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير فيكرم ويعظم على ذلك فهو رياء. وقال بعض أهل العلم: إذا طلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل به من الخير، فيكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضا. انتهى. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم فيمن جامع ولم ينزل " يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ " قال العلماء رحمهم الله تعالى إنه منسوخ بحديث التقاء الختانين. الثالث: قول الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم " أصبت حدا " قال النووي - رحمه الله تعالى -

[ 340 ]

معناه معصية توجب التعزير وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا والخمر وغيرهما، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للامام تركها. الرابع: الرقوب براء مفتوحة فقاف فواو موحدة قال أبو عبيد: معناه في كلامهم إنما هو على فقد الاولاد في الدنيا فجعل الله تعالى فقدهم في الاخرة فكأنه حول الموضع إلى غيره. قال في النهاية: هو الرجل والمرأة، إذا لم يعش لهما ولد، لانه يرقب موته ويرصده خوفا عليه فنقله صلى الله عليه وسلم إلى الذي لم يقدم من الولد شيئا: أي يموت قبله، تعريفا أن الاجر والثواب لمن قدم شيئا من الاولاد، وأن الاعتداد به أكثر والنفع به أعظم، وأن فقدهم وإن كان في الدنيا عظيما، فإن فقد الاجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الاخرة أعظم، وأن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه، واحتسبه، ومن لم يرزق ذلك فهو كالذي لا ولد له، ولم يقله صلى الله عليه وسلم إبطالا لتفسيره اللغوي كما قال: إنما المحروب من حرب دينه. ومثله كما قال الحافظ الدمياطي رحمه الله تعالى: " ما تعدون المفلس ؟ قالوا: الذي لا درهم له ولامتاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأخذ مال هذا ". وهذا ومن الالفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز. والعائل: الفقير، فنقله صلى الله عليه وسلم أيضا (1). الخامس: أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة منسوخ بما تقدم في جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في المريض والمحتضرين. السادس: قوله صلى الله عليه وسلم في " قل هو الله أحد " (الاخلاص / 1) إنها تعدل ثلث القرآن قال بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى: إن القرآن ثلاثة أقسام: قسم توحيد الله تعالى ومعرفة صفاته، وقسم قصص الماضيين، وقسم تشريع وأحكام، فهي قسم التوحيد وليس فيها قصص ولا تشريع، فصارت تعدل ثلث القرآن. السابع: قوله صلى الله عليه وسلم في المعتدة ترمي بالبعرة إلى آخره " كانت المرأة المتوفى عنها زوجها في الجاهلية تدخل بيتا مظلما ضيفا، وتلب شر ثياب ولا تمس طيبا حتى يمر عليها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم ترجع بعدها فتضع من طيب أو غيره ". الثامن: في قوله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل من قال لا إله إلا الله بعد ما أسلم فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته، قبل أن يقول كلمته التي قال: أي في إباحة الدم، لان الكافر قبل أن يسلم مباح الدم فإذا أسلم، فقتله أحد فإن قاتله مباح الدم بحق القصاص فكأنه بمنزلته في الكفر.


(1) أعاد المصنف هذا الكلام برمته في موضع سابق قريب. (*)

[ 341 ]

التاسع: في قوله " يعجبه الفأل " هو مثل أن يكون مريضا، فيسمع آخر يقول: يا سالم أو يكون طالب ضالة، فيسمع من يقول: يا واجد، فيستبشر بذلك الكلام، فالفأل يرجي الخير، والطيرة ترجي الشر ووقوعه. العاشر: قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى في الجمع بين حديثي سهل بن سعد وأبي ذر (1): إن الحديث الذي تقدم فيه سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه والجواب، وهذا الحديث يقصد ذلك، فإن بعض الناس يقول: إن ذلك الغني كان كافرا فهؤلاء كانوا في المسجد، ولا يجلس في المسجد إلا المسلم، قلت: الظاهر والله تعالى أعلم أن من قال كان كافرا أراد به أنه كان منافقا والله أعلم. الحادي عشر: في بيان غريب ما سبق: البهم بموحدة مضمومة فهاء ساكنة فميم جمع بهيم (وهو في الاصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، قال الخطابي - رحمه الله تعالى -: أراد برعاة الابل والبهم الاعراب، وأهل البوادي وجاء في رواية البهم - بضم الموحدة والهاء - على الرعاة وهم السود والبهم جمع البهم) (2) وهو المجهول الذي لا يعرف. الحممة: بحاء مهملة فميمين مفتوحات الفحمة. جهد المقل - بجيم مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة - أي قدر ما يحتمله حال القليل المال. غير - بغين معجمة فموحدة فراء - أي بقي. كسل: بكاف فسين مهملة فلام إذا جامع أدركه الفتور ولم ينزل ومعناه صار ذا كسل (3). الاستطابة - بهمزة مكسورة فسين مهملة فمثناة ففوقى فطاء فألف فموحدة الاستنجاء فإن الانسان إذا فعل ذلك طابت نفسه. التغوط - بمثناة ففوقية فغين معجمة فواو فطاء مهملة: قضاء الحاجة. يتنكب القبلة - أي لا يستقبلها ولا يستدبرها. الرجيع - براء فجيم فمثناة تحتية فعين مهملة - الروث والعذرة سمي رجيعا، لانه صار للذي رجع إليه بعد أن كان طعاما أو علفا.


(1) هما حديثا أبي ذر وسهل في باب الرقائق (الثامن والعشرون). (2) سقط في أ. (3) ثبت في الاصل تقرضه، ضلع السرية تقدمت. (*)

[ 342 ]

الحيضة - بحاء مهملة فتحتية ساكنة فضاد معجمة مفتوحة فتاء تأنيث - المرة من الحيض وبكسر الحاء الاسم من الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب. المركن - بميم مكسورة فراء ساكنة فكاف فنون - الاجانة التي يغسل فيها الثياب، والميم زائدة. الدرع - بدال وعين مهملتين بينهما راء القميص. القرن - بقاف فراء مفتوحتين فنون: الجعبة يجعل فيها النشاب، وإنما أمره بطرحها لاحتمال أن تكون من جلد غير مزكي ولا مدبوغ، فلا تصح الصلاة مع حملها لانها نجسة والقوس معروف. الحدق - بحاء فدال مهملتين مفتوحتين - فقاف: جمع حدقة، وهي العين. الاختلاس - بخاء معجمة فمثناة وآخره سين مهملة سلب الشئ بسرعة. الخلال - بخاء معجمة مكسورة فلامين بينهما ألف أولاهما مفتوحة - الخصلة. الشفع - بشين معجمة ففاء فعين مهملة الزوج، والوتر الفرد الواحد. القنوت - بقاف فنون فواو آخره مثناة ففوقية - المراد به هنا القيام في الصلاة. الفجاءة بفاء مضمومة فجيم مفتوحة فألف فهمزة فتاء تأنيث: الهجوم على غفلة. الفوات - بفاء فواو فألف وآخره تاء مثناة ففوقية هو موت الفجأة، من قولك فاتني فلان بكذا، أي سبقني به. انفحي: بالحاء المهملة، وانفحي بمعني أنفقي المنيحه - بميم فنون مكسورة فتحتية - هي الشاة التي تقاد لينتفع بلبنها، وتعاد إلى صاحبها، إذا طلبها، وهذا هو المراد، ولها معنى آخر أن يهب له أصلها فيملكه إياها. العتود: بعين مهملة ففوقية فواو فدال مهملة: الشاب من أولاد المعز وقد دخل في السنة الثانية. أوجب - أي عمل عملا توجب له به الجنة والله تعالى أعلم. يستحسر: أي يستنكف عن السؤال، وأصله من حسر الطرف إذا كل وضعف يعني أن الداعي إذا دعا وتأخرت إجابته، تضجر ومل، وترك الدعاء، واستنكف عنه. وقطيعة الرحم: الهجران، للاهل، والاقارب.

[ 343 ]

رياض الجنة - براء مكسورة فتحتية مفتوحة فألف فضاد معجمة - المراد به الذكر. ارتعوا: بهمزة فراء ساكنة فمثناة فوقية فعين مهملة فواو خوضوا شبه الخوض بالرتع في الخصب وهو الطواف حوله والاشباع منه. " الهن " - بفتح الهاء وتخفيف النون - من ألفاظ الكنايات، وأكثر ما يطلق على ما يستحي من التلفظ به هنا الفرج، ولذا قال مني يريد به النطفة. مبرور: مقبول ليس فيه إثم يقال بر وإثم. يحتاج - يهلك ويتلف في الانفاق. الاشراف: بالشين المعجمة التطلع إلى العطاء والرغبة فيه. القسامة - بضم القاف - ما يأخذه القسام من رأس المال عن أجرته لنفسه كما يأخذ السماسرة رسما مرسوما، لا أجرا معلوما، وقيل: إنما هو من يأخذ سهم من ولي عليه بغير إذنه، فيستأمر به عليه (1). التعيل: أريد به القوى على الشئ وقطع الارض والسقاء. أهويت بيدك أي: مددت يدك إليه والمعنى: أنه لو فعل ذلك كان قد صار ذلك ركازا لا يكون قد أخذه بشئ من فعله، فحينئذ كان يجب فيه الخمس وإنما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم اللقطة لما لم يباشر الحجر بيده، والحجر هو الثقب وترك أخذ الزكاة منها، لانه لم يكن نصابا، ولو كان نصابا لم يكن حال عليها الحول. الحلقوم - بحاء مهملة مضمومة فلام ساكنة فقاف مضمومة فواو - فميم الخلق المبادر. المنابل - بميم الذي يدخر المال ويقنيه، أنفسها عند أهلها، النفيس الجيد من كل شئ المرغوب فيه، وحقيقته الشئ الذي يتنافس فيه الناس. قوله " يعين ضائعا " أي: ذا ضياع من فقر وعيال، أو نحو ذلك أو حال فقير عن القيام به، والخرق ضد الرفق، يقال: رجل أخرق إذا لم يتيقن ما يحاول. والصنائع - بصاد مهملة فنون - هو المشهور. وروي " ضايعا " بالمعجمة أي ذا ضياع من فقر وعيال ونحو ذلك.


(1) ثبت في الاصل الوضية الحذاء بحاء مهملة مكسورة فذال معجمة مفتوحة فألف مهدوة. (*)

[ 344 ]

الوليدة: الامة والحديث محمول على أن أخوالها كان بهم حاجة شديدة إلى الخادم، وهم فقراء البضع. الغصن: الاراك. العلائق - بعين مهملة وآخره قاف المهور واحدها علاقة. مذمة الرضاع - بتثليث الذال المعجمة وبالكسر من الذمام وبالضم من الذم والمذمة الحق والحرمة التي يذم مضيعها، والمراد بمذمة الرضاع الحق اللازم بسبب الرضاع، أو حق ذات الرضاع فحذف المضاف، قال النخعي: - رحمه الله تعالى - كانوا يستحبون أن يعطوا عند فصال الصبي للمرضعة شيئا سوى الاجرة. الغرة: خيار المال وأصله غرة الوجه، فكنى بالغرة عن الذات فكأنه قال: عبد أو أمة. التيس - بمثناة فوقية فمثناة تحتية فسين مهملة - معروف في المعز، يقال: العاهر بعين مهملة وآخره راء الزاني، والمعنى أنه لاحظ للزاني في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش، وهو الزوج والسيد وله الحجر أي يرجم بالحجارة، أو ليس له إلا الحجارة أو ليس له شئ، ولا له إلا الخيبة من لحوق الولد من لعنه وذكر الحجر ستعارة أي لا منفعه له فيه. يسلم بها: أي يطأها. الجح - بالجيم والحاء المهملة المشددة هي الحامل التي دنت ولادتها. " تجد " بمثناة فجيم فدال مهملة يقطع ويجني. أعلاج: جمع علج الرجال من كبار العجم. القدوم: بالتشديد موضع بينه وبين المدينة ستة أميال. النعي: بنون فعين مهملة النداء على الميت وإخبار الناس بموته. المجس: تقدم الحريسة: تقدمت. أعتم: أظلم الليل عليه، ومضى منه طائفة. الدف: تقدم. المروة: حجر أبيض يبرق والمراد به جنس الحجر أي بأي حجر كان إذا كان حد يذبح، وكذلك شق العصا.

[ 345 ]

المضارعة: بالضاد المعجمة المشابهة والمقاربة، وذلك أنه سأله عن طعام النصارى فكأنه أراد لا يتحركن في نفسك شك، أن ما شبهت فيه النصارى حرام، ومكروه. جوامع الكلم: أي لا يجاوز البلاغة فتكون ألفاظه قليلة ومعاني كلامه كثيرة، وكذلك كانت ألفاظه صلى الله عليه وسلم. الصعدات: (...). إنفاذ عهدهما: أي إمضاء وصيتهما، وما عهد إليه قبل موتهما. المل - بفتح الميم وتشديد اللام الحجارة التي تخير عليها العرب، أي تلقي في أفواههم. تقبح: أي تقول قبحك الله. الحرج: الاثم والضيق والجناح الاثم والميل. والهرم: الضعف من كبر السن. النشرة: بنون مضمومة فشين معجمة ساكنة فراء حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر، وقد قال الحسن: - رحمه الله تعالى - لا يطلق السحر إلا ساحر، فلا يجوز فعل ذلك، ولهذا نهى عنه، وقد بسطت الكلام على ذلك في " لا عدوى ولا طيرة ". طوبى - بطاء مهملة فواو فموحدة الطيب وجمع الطيبة، وتأنيث الاطيب - والحسنى والخير والخيرة شجرة في الجنة والجنة بالهندية. الرعة: بكسر الراء مع الورع، وهو الكف. مخموم: بالخاء المعجمة، وذكر تفسيره في الحديث، وأصله من خميت البيت إذا كنسته، ونظفته. النصيحة: تفعيلة نصح له، أخلص له، ولم يغشه. عاجلته بالسيف: ضربته، وهو من المعالجة، وهي مزاولة الشئ ومحاولته والله تعالى أعلم.

[ 346 ]

جماع أبواب سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الشعر الباب الاول في مدحه - صلى الله عليه وسلم - لحسن الشعر وذمه لقبيحه وتنفيره من الاكثار منه روى الامام الشافعي وأبو يعلى عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - والامام الشافعي عن عروة مرسلا والدارقطني مرسلا بذكر عائشة قالت: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر فقال: كلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح. وروى البخاري في الادب والدارقطني عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام ". وروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل من أهل اليمن عن رجل من هذيل عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أن هذا الشعر جزل من كلام العرب، به يعطي السائل، وبه يكظم الغيظ، وبه يتبلغ القوم في ناديهم ". وروى الامام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن أبي بن كعب وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من الشعر لحكمة ". وروى الامام أحمد وأبو داود عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلام بين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة. وروى البخاري عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من الشعر لحكمة ". وروى مسدد والدارقطني عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - والامام أحمد والبخاري عن ابن عمر والامام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص، والامام أحمد ومسلم عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا ". وروى الامام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " امرؤ القيس صاحب لواء الشعر إلى النار ".

[ 347 ]

وروى إسحاق بن راهويه بسند حسن عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم بعض القوم بكلام " فيه شبه " الرجز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قم يا سلمة ". وروى أبو الحسن بن الضحاك وابن جرير عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، ماذا ترى في الشعر ؟ فقال: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ". وروى أبو الحسن بن الضحاك عن مالك بن عمير - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح وخيبر والطائف، فقلت: يا رسول الله إني امرؤ شاعر فأفتني في الشعر فقال: " لان يمتلئ ما بين لبتك إلى عاتقك قيحا خير لك من أن يمتلئ شعرا " قال: قلت: يا رسول الله، فامسح عني الخطيئة، قال: فوضع يده على رأسي ثم أمرها على كبدي، ثم على بطني، حتى إني لا حتشم من مبلغ يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " إن أتاك منه شئ فشبب بامرأتك، وامدح راحلتك "، قال: فما قلت شيئا بعد ذاك ومالك الذي يقول: ومن ينتزع ما ليس من شوس نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها فشاب بن مالك رأسه ولحيته غير موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 348 ]

الباب الثاني في استماعه - صلى الله عليه وسلم - لشعر أصحابه في المسجد وخارجه روى الامام أحمد والترمذي وصححه وأبو بكر بن أبي خيثمة عن سماك بن حرب - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت لجابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه -: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم كان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون شيئا من أمر الجاهلية، وهو ساكت وربما تبسم معهم. وروى الامام أحمد والشيخان عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - يذكرون عنده الشعر، وأشياء من أمورهم فيضحكون، وربما تبسم. وروي أيضا عنه قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر، وأشياء من الجاهلية، فربما تبسم معهم. وروى الامام أحمد وأبو داود موصولا عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن عمر - رضي الله تعالى عنه - مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه شرارا فقال: قد كنت أنشد الشعر فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس، قال: اللهم نعم. وروى الامام أحمد والنسائي عن الاسود بن سريع - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني حمدت ربي - عز وجل - بمحامد ومد وإياك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن ربك يحب المدح، هات ما حمدت به ربك تعالى، قال: فجعلت أنشده وذكر الحديث ويأتي بتمامه في مناقب عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن الحسن بن عبيد الله، قال: حدثني من سمع النابغة الجعدي، يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدني قولي: وإنا لقوم ما نعود خيلنا إذا ما التقينا أن نحيد وتنفرا وننكر يوم الروع ألوان خيلنا من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إلى أين ؟ " قلت: إلى الجنة، قال: " نعم ! إن شاء الله " قال: فأنشدته:

[ 349 ]

ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له أريب إذا ما أورد الامر أصدرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يفضض الله فاك " قال: فكان أحسن الناس ثغرا، فكان إذا سقطت له سن نبت له مكانها أخرى. وروى البيهقي من طريق يعلى بن الاشدق، قال: سمعت النابغة الجعدي يقول: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قلت الجنة، قال: أجل إن شاء الله تعالى ثم قال: ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوة أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الامر أصدرا فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يفضض الله فاك مرتين ". وروى أبو يعلى بسند صحيح عن الاعشى المازني - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته: يا مالك الناس وديان العرب إني لقيت ذربة من الذرب غدوت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني بنزاع وحرب إخلفت العهد ولطت بالذنب وهن شر غالب لمن غلب فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتمثلها ويقول: " وهن شر غالب لمن غلب ". وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخا لكم لا يقول الرفث - يعني بذلك ابن رواحة - قال: فينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

[ 350 ]

الباب الثالث في أمره - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه بهجاء المشركين روى الامام أحمد والشيخان عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم قريظة لحسان - رضي الله تعالى عنه -: اهج المشركين وفي لفظ: هاجهم وجبريل معكم وفي لفظ: فإنه روح القدس معك. وروى ابن سعد عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يحمي أعراض المسلمين ؟ فقال عبد الله بن رواحة: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك لا تحسن الشعر "، فقال حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه -، أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اهجهم، فإن روح القدس سيعينك ". وروى ابن سعد عن ابن سيرين مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم، فألسنتهم أحق " فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنا، فقال: لست هناك، فجلس فقام آخر فقال: يا رسول الله أنا، فقال بيده: يعني لا أجلس فقام حسان - رضي الله تعالى عنه - فقال: يا رسول الله، ما يسرني به مقولا بين صنعاء وبصرى، وإنك والله، ما سببت قوما قط هو أشد عليهم من شئ يعرفونه فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني فأمر به إلى أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -. وروى مسلم والبرقاني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع حسان بن ثابت يتشهد بأبي هريرة، أنشدك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا حسان أجب عني، اللهم، أيده بروح القدس ؟ قال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه -: نعم. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن حسان - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حارب أصحابي بالسلاح، فحارب أنت بلسانك ". وروى الامام أحمد عن عمار بن ياسر - رضي الله تعالى عنه - قال: لما هجانا المشركون شكونا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قولوا لهم كما يقولون لكم " قال: فلقد رأيتنا تعمله إماء أهل المدينة. وروى أبو الحسن بن الضحاك وقال هذا غريب من حديث يسار من مسند حسان بن ثابت ورجاله ثقات، والمحفوظ أنه من مسند البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: سمعت حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اهجهم، أو هاجمهم يعني المشركين، وجبريل - عليه السلام - معك ".

[ 351 ]

وروى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشق النبل " فأرسل إلى ابن رواحة، قال: اهجهم فهاجهم، فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم إرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه حسان، قال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الاسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لافرينهم بلساني فري الاديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي " فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: يا رسول الله، قد محص لي نسبك، والذي بعثك بالحق، لاسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها - فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه -: " إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله " قالت: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هجاهم حسان فشفى وأشفى قال حسان - رضي الله تعالى عنه -: هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء وروى ابن وهب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - أن قريشا لما هجت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى ابن رواحة فذكر نحو ما تقدم وزاد، فان لا يحسن إلا في الحرب فهجاهم، فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرسل إلى حسان، وكان يكره أن يرسل إليه، فما جاء إلرسول، قال: " أما والله لافرينهم بلساني فري الاديم " فقالت عائشة: - رضي الله تعالى عنهما - فأخرج لسانه كأنه لسان حية على طرف خال أسود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف لي بهم " فقال: والذي نفسي بيده، لاسلنك منهم سل الشعرة من العجين، وذكر نحو ما تقدم. وروى مسدد وابن أبي شيبة والنسائي في السنن الكبرى عن الاسود بن سريع - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: يا رسول الله، إني مدحت الله - عز وجل - مدحة ومدحتك بأخرى، فقال: " هات وابدأ بمدحة الله عز وجل ". وروى مسدد عن محمد بن علي - رحمه الله تعالى - أن رجلا مدح الله تعالى، ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه لمدحه الله تعالى الذي خلقه، ولم يعطه لمدحه نفسه، والله تعالى أعلم.

[ 352 ]

الباب الرابع فيما تمثل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشعر روى الامام أحمد والشيخان والطبراني عن جندب بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال أصابت أصبع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فدميت، وفي لفظ قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض المشاهد إذ أصابه حجر فعثر فدميت أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وروى بن سعد عن الحسن البصري - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا:.................... كفى بالاسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - يا رسول اللله إنما قال الشاعر:....................... كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كفى بالاسلام والشيب للمرء ناهيا " فقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - أشهد أنك رسول الله ما علمك الله الشعر وما ينبغي لك. وروى الامام أحمد والترمذي وصححه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - والطبراني في الاوسط عن عكرمة قال: سئلت عائشة - رضي الله عنها - هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل شعرا قط ؟ قالت: كان أحيانا إذا دخل بيته وفي لفظ إذا استراث الخبر تمثل فيه ببيت طرفة.................... ويأتيك بالاخبار من لم تزود وروى أنشد " من لم تزوده الاخبار ". رواه البزار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -. وروى الامام أحمد وابن ماجة والشيخان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شئ ما خلا الله باطل....................... وللشيخين وللترمذي أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد. ألا كل شئ ما خلا الله باطل (1).......................... وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. وروى الامام أحمد وابن السكن عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن

[ 353 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشد قول أمية بن أبي الصلت: زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للاخرى وليث موصد فقال: صدق هذا. صفة حمله العرش فقال: والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء يصبح لونها يتورد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق. وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:... الحديث. الباب الخامس فيما طلب إنشاده من غيره - صلى الله عليه وسلم - روى الامام أحمد والبخاري في الادب ومسلم وابن ماجة عن الشريد بن سويد الثقفي - رضي الله تعالى عنه - قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خلفه فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت ؟ قلت: نعم قال أنشدني فأنشدته بيتا فقال: هيه فلم يزل يقول هيه حتى أنشدته مائة بيت وفي لفظ مائة قافية، فقال: لقد كاد أن يسلم، والله أعلم.

[ 354 ]

جماع أبواب هديه - صلى الله عليه وسلم - وسمته ودله غير ما سبق الباب الاول في استحبابه - صلى الله عليه وسلم - التيامن روى الجماعة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وفي شأنه كله، وفي رواية كان يحب التيمن ما استطاع وذكر بعضهم " وفي سواكه ". وروى ابن الجوزي عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ شيئا أخذ بيمينه، وإذا أعطى شيئا أعطاه بيمينه، ويبدأ بميامينه في كل شئ. وروى أبو داود عنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه، وما به من أذى.

[ 355 ]

الباب الثاني في محبته - صلى الله عليه وسلم - للفأل الحسن وتركه الطيرة روى الامام أحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتطير من شئ، ولكنه كان إذا أراد أن يأتي أرضا سأل عن اسمها، فإن كان حسنا فرح به، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه، فكان إذا بعث رجلا وفي لفظ عاملا سأل عن اسمه فإن كان حسن فرح له، ورؤي البشر في وجهه، وإن كان قبيحا رؤي كراهية ذلك في وجهه (1). وروى الامام أحمد عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفأل ولا يتطير، ويعجبه كل اسم حسن. وروى أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته فقال: " أخذنا فألك من فيك ". وروى الترمذي وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع يا راشد، يا نجيح. وروى البخاري في الادب عن أبي حدرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يسوق إبلنا هذه ؟ أو قال: من يبلغ هذه ؟ قال رجل: أنا فقال ما اسمك ؟ قال: فلان. قال: اجلس ثم قام آخر، فقال فلان فقال اجلس ثم قام آخر، فقال: ما اسمك ؟ قال: ناجية، قال: أنت لها فسقها. وروى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن الحضرمي بن لاحق والبزار عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أبردتم بريدا، فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم ". وروى الطبراني - رحمه الله تعالى - برجال ثقات غير سعيد بن أسد بن موسى فيحرر حاله عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يبلغنا من لقاحنا ؟ " فقام رجل، فقال: أنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ قال: صخر أو جندل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلس، ثم قال: " من يبلغنا من لقاحنا ؟ " فقام رجل آخر، فقال: أنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ قال: يعيش، قال: " بلغنا من لقاحنا ". وروى الامام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد موقوفا عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ناقة يوما فقال من يحلب هذه ؟ فقام رجل، فقال: أنا فقال له: ما اسمك ؟ فقال الرجل: مرة فقال له: اجلس، ثم قال: " من يحلب هذه ؟ " فقال رجل آخر: أنا، فقال: " ما اسمك ؟ " فقال:

[ 356 ]

جمرة، فقال له: اجلس، ثم قال: " من يحل هذه ؟ " فقال رجل: أنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ فقال: يعيش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " احلبها ". وروى الحكيم الترمذي والقاسم بن أصبع عن عبد الله بن بريدة نحوه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتطير ولكن يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الابل لمن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توجه إلى المدينة، فرد إليهم، فركب بريدة في سبعين راكبا من قريش، فتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له نبي الله: من أنت ؟ قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - قال: يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح قال وممن أنت ؟ قال: من أسلم، فقال لابي بكر: سلمنا، قال: وممن ؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمك، فأسلم بريدة، وأسلم الذين معه، وتقدمت القصة في حديث الهجرة. وروى الطبراني برجال ثقات غير كثير بن عبد الله ضعيف، وحسن له الترمذي عن عمرو بن عوف المزني - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: هاكها خضرة، فقال رسول الله: " يا لبيك، نحن أخذنا ذلك من فيك اخرجوا بنا إلى خضرة "، فخرجوا إليها فما سل فيها سيف ورواه أبو نعيم في الطب من حديث عبد الله بن كثير المزني عن أبيه عن جده. وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والكلمة الطيبة ". تنبيهات الاول: قال ابن القيم في المفتاح في قوله " لا عدوى " هذا يحتمل أن يكون نفيا وأن يكون نها أي: لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث " لا عدوى ولا صفر ولا هامة يدل على أن المراد النهي وإبطال هذه الامور التي كانت الجاهلية تعنيها، والنفي في هذا أبلغ، لان النفي يدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره، والنهي يدل على المنع منه انتهى. وروي: والفأل الصالح أي هو من تتمة الحديث المرفوع، وليس مدرجا بذلك الاثر قاله الخطابي وابن الاثير. قال الخطابي: قد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الفأل هو أن يسمع الانسان الكلمة الحسنة، فيفأل بها أي يتبرك بها، ويتأولها على المعنى الذي يطابق اسمها وأن الطيرة بخلافها، وإنما أخذت من اسم الطير، وذلك أن العرب كانت تتشاءم ببروح الطير إذا في سفر أو مسير


(1) سقط في أ. (*)

[ 357 ]

ومنهم من كان يتطير بسنوحها فيصدهم ذلك عن المسير ويردهم عن بلوغ ما يتمونه من مقاصدهم، فأبطل ذلك صلى الله عليه وسلم أن يكون لشئ منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها من ناحية حسن الظن بالله - عز وجل -. وروى عن الاصمعي - رحمه الله تعالى عليه - أنه قال: سألت بن عون عن الفأل فقال: هوم أن تكون مريضا، فتسمع يا سالم أو تكون طالب ضالة، فتسمع يا نجيح، أو يا واجد قال: في النهاية: فيقع في ظنه أن يبرأ من مرضه وأنه يجد ضالته قال: وإنما أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفأل، لان الناس إذا أملوا فائدة من الله تعالى ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي، فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء لهم خير، فإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله تعالى كان ذلك من الشر. وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله تعالى وتوقع البلاء. الثاني في بيان غريب ما سبق: " الفأل " بالهمزة وتركه من تفاءلت بالشئ. وتفألت على التخفيف والقلب: استعمل فيما يسر ويسوء.

[ 358 ]

الباب الثالث في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الاسماء والكنى وتسميته بعض أولاد أصحابه وتغييره الاسم القبيح وفيه أنواع: الاول: في دعائه الرجل بأحب أسمائه إليه. روى البخاري في الادب وأبو نعيم عن حنظلة بن حذيم - بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح التحتانية - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدعى الرجل بأحب أسمائه إليه وأحب كناه. الثاني: في تغييره الاسم إلى اسم آخر. روى الترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير الاسم القبيح، إلى ما هو أحسن منه. وروى الامام أحمد والبخاري في الادب ومسلم وأبو داود والترمذي، وابن أبي شيبة وابن سعد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن بنتا لعمر كانت: يقال لها عاصية فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة. وروى الشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: إن زينب بنت أبي سلمة كان اسمها برة، فقال: تزكي نفسها، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب. وروى مسلم عن زينب بنت أم سلمة أن زينب بنت جحش دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمها برة فسماها زينب. وروى البخاري في الادب ومسلم عن سعد وابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان اسم جويرية بنت الحارث برة، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها إلى جويرية وكان يكره أن يقال خرج من عند برة. وروى البخاري في الادب عن محمد بن عمرو بن عطاء - رحمهم الله تعالى - أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فسألته عن اسم أخت له عنده، فقال: اسمها برة، قالت: غير اسمها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح زينب بنت جحش، واسمها برة بغير اسمها إلى زينب فدخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة فسمعها تدعوني برة فقال: لا تزكوا أنفسكم، فإن الله تعالى هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سميها زينب، فقلت لها: اسمي فقالت: غير إلى ما غير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماها زينب.

[ 359 ]

وروى البخاري في الادب وابن أبي شيبة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان اسم ميمونة برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة. وروى الامام أحمد والبخاري في الادب عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: لما ولد الحسن فقال: أروني ابني، ما سميتموه ؟ قلنا: حربا قال: بل هو حسن فلما ولد الحسين سميته حربا قال: هو حسين فلما ولد محسنا سميته حربا، قال: هو محسن، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني سميت بني هؤلاء بتسمية هرون بنيه شبر وشبير ومشبر "، وفي رواية أخرى لما ولد الحسن سماه جعفرا فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أمرت أن أغير اسم هذين فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما حسنا وحسينا. وروى البخاري - رحمه الله تعالى - في الادب وأبو داود وابن الكسن والطبراني والحاكم وابن أبي شيبة عن أسامة بن أخدري - رضي الله تعالى عنه - أنه ابتاع عبدا حبشيا، فقال: يا رسول الله، سمه وادع له، قال: ما اسمك ؟ قال: أحرم قال: بل زرعة. وقال لمولاه: فما تريده ؟ قال: راعيا، فقبض أصابعه، وفي لفظ: وقبض كفه وقال: هو عاصم. وروى الامام أحمد والشيخان وأبو داود وابن سعد عن سعيد بن المسيب والبخاري عن الزهري عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - عن أبيه أن جده حزنا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك ؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي، السهل يوطأ ويمتهن قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة. وفي لفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لجدي حزن، أنت سهل قال: يا رسول الله اسم سماني به أبواي فعرفت به في الناس قال: فسكت عنه النبي عليه السلام فتعرف فينا الحزونة. وروى الامام أحمد عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ما اسمك ؟ قال: شهاب قال: " أنت هشام ". وروى الامام أحمد وابن سعد وابن أبي شيبة عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة أن أباه عبد الرحمن ذهب مع جده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسم ابنك ؟ قال: عزيز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسمه عزيزا، ولكن سمه عبد الرحمن "، قال: خير الاسماء عبد الله وعبد الرحمن، وفي لفظ قال: لا عزيز إلا الله. وروى الامام أحمد والبخاري في الادب وفي تاريخه وابن أبي شيبة عن بشير ابن الخصاصية - رضي الله تعالى عنه - وكان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه زحم " فسماه النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا ".

[ 360 ]

وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال " أتى بالمنذر بن أبي أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين ولد فوضعه على فخذه فقال: ما اسمه ؟ قال: فلان، قال: لكن اسمه المنذر ". وروى الامام أحمد عن سعيد بن جهمان قال: لقيت سفينة ببطن مخلة فقلت له: ما اسمك ؟ قال: ما أنا بمخبرك عن اسمي، سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة قلت: ولم سماك سفينة ؟ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم، فقال: ابسط رداءك فبسطه، فحطوا فيه متاعهم، ثم حملوه علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احمل، فإنما أنت سفينة، فلو حملت يومئذ، وقر بعير وبعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي. وروى البزار بسند حسن عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فكان كلما بقي شئ حمله علي وسماني الزاملة. وروى البخاري في الادب وأبو يعلى والبزار عن رائطة بنت مسلم عن أبيها - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فقال: ما اسمك ؟ قلت: غراب، قال: لا بل اسمك مسلم. وروى البخاري في الادب والامام أحمد برجال ثقات وابن أبي شيبة عن مطيع بن الاسود - رضي الله تعالى عنه - قال: كان اسمي العاص فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا. وروى الطبراني عن زياد عن جده مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه مطاعا وقال: يا مطاع، أنت مطاع في قومك وحمله على فرس أبلق وأعطاه الراية، وقال: يا مطاع امض إلى أصحابك، فمن دخل تحت رايتي هذه، فقد أمن من العذاب (1). وروى محمد بن أبي عمر برجال ثقات عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أمة لعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كان لها اسم من أسماء العجم، فسماها عمر - رضي الله تعالى عنه - جميلة فقال عمر: بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أنت جميلة، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: خذيها على رغم أنفك. وروى الطبراني بسند ضعيف عن عبد الرحمن بن أبي سبرة قال: دخلت أنا وأبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابي: هذا ابنك ؟ قال: نعم، قال: ما اسمه ؟ قال: الحباب، قال: " لا تسمه الحباب، فإن الحباب شيطان، ولكن هو عبد الرحمن "، الحديث. وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء جماعة: منهم عبد الله بن أبي بن سلول وكان يسمى الحباب وقال: حباب اسم شيطان رواه ابن سعد، والحصين بن سلام الحبر عالم أهل الكتاب سماه عبد الله رواه ابن أبي شيبة، والحكم بن سعيد بن العاص سماه عبد الله، وعبد الحجر سماه عبد الله رواه البخاري في الادب ورواه الامام أحمد والبخاري في تاريخه، وجبار بن

[ 361 ]

الحارث سماه عبد الجبار رواه أبو نعيم في المعرفة، وعبد عمرو ويقال عبد الكعبة أحد العشرة سماه عبد الرحمن رواه ابن سعد وابن منده، وغراب سماه مسلما رواه ابن أبي شيبة، وعبد شر من ذوي ظليم سماه عبد خير رواه أبو نعيم، وأبو الحكم بن هانئ بن يزيد سماه أبا شريح بأكبر أولاده رواه ابن أبي شيبة، وحرب سماه مسلما، والمضجع سماه المنبعث. وروى أبو يعلى برجال ثقات عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأرض، يقال لها غدرة فسماها خضرة. وشعب الضلالة: شعب الهدى وبني الزينة: بني الرشدة. وبني مغوية - بالمعجمة - بني رشدة رواها أبو داود. وأرضا تسمى بجدبة مخضرة رواه بقي بن مخلد عن عائشة. الثالث: في تسميته صلى الله عليه وسلم بعض أولاد أصحابه. روى الطبراني عن ياسر بن سويد الجهني - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه في خيل أو سرية وامرأته حامل، فولدت مولودا فحملته أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد ولد هذا المولود، وأبوه في الخيل فسمه فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر يده عليه وقال: " اللهم، أكثر رجالهم، وأقل إياماهم، ولا تحوجهم، ولاتر أحدا منهم خصاصة "، فقال: سميه مسرعا قد أسرع في الاسلام فهو مسرع بني ياسر. وروى الترمذي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بيت الزبير صياحا، فقال: يا عائشة (1) ما أرى أسماء إلا قد نفست، فلا تسموه حتى أسمه فسماه عبد الله، وحنكه بتمر بيده. وروى الشيخان عن أبي موسى الاشعري - رضي الله تعالى عنه - قال: ولد لي غلام فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمر، ودعا له بالبركة ودفعه إلي، وكان أكبر ولد أبي موسى. وروى مسلم وأبو داود عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان، فيدعو لهم بالبركة، ويحنكهم. وروى الامام أحمد والشيخان وأبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أمة ولدت غلاما من أبي طلحة، فقال أبو طلحة: احتمله حتى تأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث معه


(1) الطبراني في الصغير والاوسط وقال الهيثمي وفي اسناده من لم أعرفهم. (*)

[ 362 ]

بتمرات فقال: أمعه شئ ؟ فقلت: نعم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها في فيه، فجعلها في في الصبي، ثم حنكه، وسماه عبد الله وفي لفظ ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ولد والنبي صلى الله عليه وسلم في عباءة يهنأ بعيرا له فقال: أمعك تمرات ؟ قلت: نعم، فناولته تمرات فألقاهن في فيه فلاكهن ثم فغرنا الصبي فمجه في فيه فجعل الصبي يتلمظه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الانصار وسماه عبد الله. وروى الامام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنهما - قال أجلسني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، ومسح على رأسي، وسماني يوسف. الرابع: في سيرته صلى الله عليه وسلم في الكنى. روى البخاري في الادب عن هانئ بن يزيد - رضي الله تعالى عنه - أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه قومه فمسعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يكنونه بأبي الحكم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم كله، فلم تكنيت بأبي الحكم ؟ قال: لا، ولكن قومي إذا اختلفوا في شئ فأتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، قال: ما أحسن هذا ثم قال مالك من الولد، قلت له: شريح وعبد الله ومسلم بنو هانئ فقال: من أكبرهم ؟ قلت: شريح، قال: فأنت أبو شريح، ودعا له ولولده، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمون رجلا منهم عبد الحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اسمك ؟ فقال عبد الحجر قال: لا أنت عبد الله. قال شريح: وإن هانئ لما حضر رجوعه إلا بلاده أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني أي شئ يوجب لي الجنة، قال: عليك بحسن الكلام، وبذل الطعام. وروى الشيخان عن أبي حازم أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - فقال: هذا فلان، لامير المدينة يذكر عليا عند المنبر، فقال: فماذا يقول. قال: يقول، أبو تراب، فضحك وقال: والله ما سماه به إلا النبي صلى الله عليه وسلم وذكره بتمامه في مناقب سيدنا علي - رضي الله تعالى عنه -. وروى البخاري في الادب عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قال: إن كان أحب أسماء علي إليه لابا تراب، وكان ليفرح أن يدعى بها، وما كناه أبا تراب، إلا النبي صلى الله عليه وسلم غاضب يوما فاطمة فاضطجع إلى جدار المسجد، وجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه فقال: هوذا مضطجع في الجدار فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد امتلا ظهره ترابا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح


(1) سقط في أ. (*)

[ 363 ]

التراب عن ظهره ويقول: اجلس أبا تراب. وروى أبو داود عن المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناه (بأبي عيسى) (1). وروى أحمد والترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حمزة ببقلة كنت أجتنيها. وروى ابن ماجة عن صهيب - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناه بأبي يحيى. وروى الامام أحمد عن حمزة بن صهيب - رضي الله تعالى عنه - أن صهيبا كان يكنى أبا يحيى فقال عمر بن الخطاب، - رضي الله تعالى عنه -: يا صهيب، مالك تكنى أبا يحيى، وليس لك ولد، فقال صهيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني بأبي يحيى. وروى البخاري في الادب عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علينا، ولي أخ صغير، يكنى أبا عمير، وكانت له نغر يلعب به، فمات فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فرآه حزينا، فقال: ما شأنه ؟ فقال: مات نغيرة، فقال: يا أبا عمير، ما فعل النغير ؟. وروى البخاري في الادب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله كنيت نساءك، وما كنيتني ؟ فقال: تكني بابن أختك عبد الله يعني ابن الزبير، وكانت تكنى بأم عبد الله. وروى البزار برجال ثقات غير أبي المنهال البكراوي فيحرر رجاله عن أبي بكرة - رضي الله تعالى عنه - قال: لما كان يوم الطائف، تدليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببكرة فقال: أنت أبو بكرة. روى البخاري عن أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية، وأردف أسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة قبل واقعة بدر، فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعباد الاوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه قال: لا تغيروا علينا. فسلم النبي صلى الله عليه وسلم ووقف ونزل، فدعاهم إلى الله، فقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي: يأيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا، فلا تؤذنايه في مجالسنا وارجع إلى

[ 364 ]

رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه. قال ابن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، فركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله ابن أبي - قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه، واصفح، فلقد أعطاك الله ما أعطاك ولقد اجتمع أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه، فلما رد ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذللك، فذلك الذي فعل به ما رأيت. الخامس: في اختصاره صلى الله عليه وسلم بعض أسماء أصحابه. روى البخاري في الادب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا عائش، هذا جبريل، يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته (1). وروى البخاري في الادب عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان - رضي الله تعالى عنه - اكتب يا عثم (2).


(1) في أ أبي يحيى.

[ 365 ]

الباب الرابع في آدابه - صلى الله عليه وسلم - عند العطاس والبزاق والتثاؤب روى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس وضع يده، أو ثوبه على وجهه وخفض، أو قال: غض بها صوته. ورواه ابن سعد بلفظ " إذا عطس غض صوته، وغطى وجهه ". وروى الامام أحمد عن عبد الله بن جعفر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عطس حمد الله تعالى، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وروى الترمذي والبخاري في الادب ومسلم وأبو داود عن سلمة بن الاكوع - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا عطس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: " يرحمك الله " ثم عطس أخرى، فقال له: " يرحمك الله " ثم عطس أخرى، فقال: " الرجل مزكوم " وعند غير الترمذي أنه قال له " ذلك في الثانية ". وروى البخاري في الادب وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي موسيى - رضي الله تعالى عنه - قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول " يهديكم الله، ويصلح بالكم ". وروى البخاري في الادب وأبو نعيم عن الحارث بن عامر السهمي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمنى أو بعرفات، فذهب يبزق فقام بيده فأخذ بها بزاقه، فمسح بها نعله كراهة أن يصيب أحدا من إخوانه. وروى بن سعد عن يزيد بن الاصم قال ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم متثائبا في صلاة قط. وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب "، الحديث. وفيه أن التثاؤب إنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب يضحك منه الشيطان. وروى مسلم والامام أحمد والبيهقي وأبو داود عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في التثاؤب: " إذا تثاءب أحدكم، فليضع يده على فمه، فإن الشيطان يدخل ".


(1) أخرجه مسلم 4 / 1896، وأحمد 6 / 88 والبخاري في الادب المفرد (827، 1036). (2) أخرجه البخاري في الادب (828) وانظر المجمع 9 / 86. (*)

[ 366 ]

وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حدث حديثا، فعطس فهو حق ". تنبيهات الاول: الظاهر أن اليهود كانوا يحمدون وإلا لما شمتهم النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: قال النووي: - رحمه الله تعالى - يستحب وضع اليد على الفم إذا حصل التثاؤب في الصلاة، أو خارجها، وإنما يكره للمصلي وضع يده على فمه إذا لم يكن حاجته لها كالتثاؤب ونحوه. الثالث: قوله " فإن الشيطان يدخل ": قال الحافظ: يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، ويحتمل أن يراد بالدخول: التمكن منه. الرابع: قال ابن بطال: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضى والارادة أي: أن الشيطان يحب أن يرى الانسان متثائبا، لانها حالة تتغير فيها صورته، فيضحك منه إلا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قد بينا أن كل فعل مكروه أضافه الشرع إلى الشيطان، لانه واسطة، وأن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك، لانه واسطة، قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك. وقال النووي: - رحمه الله تعالى - أضيف التثاؤب إلى الشيطان، لانه يدعو إلى الشهوات إذ يكون عن ثقل البدن، واسترخائه وامتلائه، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد عنه ذلك، وهو التوسع في المآكل. قال العلماء: ومعنى " إن الله يحب العطاس " أن سببه محمود، وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الاخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه، لانه يضعف الشهوة، ويسهل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك، وفي فتاوى شيخنا - رحمه الله تعالى - الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم " العطاس في الصلاة والنعاس والتثاؤب من الشيطان " كما رواه الترمذي وحديث " إن الله يحب العطاس في الصلاة " رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - موقوفا بسند ضعيف بأن المقام مقامان مقام إطلاق ومقام نسبي، فأما مقام الاطلاق، فإن التثاؤب والعطاس في الصلاة كلاهما من الشيطان، وعليه يحمل حديث الترمذي الاول، وأما المقام النسبي، فإذا وقعا في الصلاة مع كونهما من الشيطان فالعطاس أحب إلى الله تعالى من التثاؤب، والتثاؤب

[ 367 ]

فيها أكره إلى الله تعالى من العطاس فيها، وعلى هذا يحمل أثر ابن أبي شيبة، فهو راجع إلى تفاوت رتب بعض المكروه على بعض، هذا على تقدير ثبوت لفظ في الصلاة في الاثر. الخامس: قال الحافظ أبو الفضل العراقي: أكثر الروايات فيها أن التثاؤب من الشيطان، ووقع في رواية تقيدها بحالة الصلاة فيحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الامر لا في النهي، ويحتمل أن يكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن لا يكره في غير حالة الصلاة، ويؤكد ذلك كونه من الشيطان، وقد صرح النووي - رحمه الله تعالى - في " التحقيق " بكراهة التثاؤب أيضا في غير الصلاة ويؤيد ذلك لكونه من الشيطان. السادس: قال القاضي أبو بكر بن العربي: ينبغي كظم التثاؤب في كل حال ما استطاع وإنما خص الصلاة، لانها أولى الاحوال بدفعه لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخلقة انتتهى. السابع: قال الحافظ أبو الفضل العراقي: قد جاء في الاثر نسب الشيطان في التثاؤب للمصلي. روى ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد أحد التابعين عن كعب قال: نبئت أن للشيطان قارورة يشمها القوم في الصلاة كي يتثاءبوا، وفي رواية قال: إن للشيطان قارورة فيها تفوح، فإذا قاموا للصلاة تنشقوها، فأمروا عند ذلك بالانتشار. الثامن: من الخصائص النبوية عدم التثاؤب. روى البخاري في الادب وفي التاريخ وابن أبي شيبة في مصنفه عن يزيد بن الاصم - رضي الله تعالى عنه - قال: " ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط ". وروى الخطابي عن سلمة بن عبد الملك بن مروان وقد أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق " ما تثاءب نبي قط ". التاسع: في بيان غريب ما سبق. يكظم: - بفتح الياء التحتية، وكسر الظاء المعجمة - أي: يحبسه ما أمكنه.

[ 368 ]

الباب الخامس في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في الاطفال ومحبته لهم ومداعبته إياهم وسيرته في النساء غير نسائه وفيه أنواع: الاول: في سيرته صلى الله عليه وسلم في المولود. روى الطبراني عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن والحسين حين ولدا وأمر به. وروى الطبراني عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: أما حسن وحسين ومحسن، فإنما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعق عنهم، وحلق رؤوسهم وتصدق بوزنها وأمر بهم فسروا وختنوا. وروى الطبراني والبزار بسند جيد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برأس الحسن والحسين يوم سابعة أن يحلق ويتصدق بوزنه فضة وسبق لهذا مزيد بيان في باب سيرته صلى الله عليه وسلم في العقيقة. الثاني: في سيرته صلى الله عليه وسلم في الاطفال. روى البخاري في الادب المفرد عن البراء - رضي الله تعالى عنه - قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه وهو يقول: " اللهم، إني أحبه فأحبه ". وروى أحمد بن منيع برجال ثقات عن الحسن بن علي أو الحسين بن علي قال حدثتنا امرأة من أهلي، قالت: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا على ظهره يلاعب صبيا على صدره، إذ بال فقامت لتأخذه فقال: دعوه... الحديث. وروى ابن أبي شيبة عن أبي ليلى - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسن، والحسين فبال: فرأيت بوله أساريع فقمت إليه فقال: دعوا ابني، فلا تفزعوه. وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبلون صبيانكم ؟ فقال: فما نقبلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أو أملك أن أنزع الله من قلبك الرحمة ". وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي - رضي الله تعالى عنه - وعنده الاقرع بن حابس التيمي، فقال الاقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدا منهم فنظر إليه صلى الله عليه وسلم ثم قال: " إن من لا يرحم ولا يرحم ".

[ 369 ]

وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيديه جميعا بكفي الحسن والحسين وقدماهما على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ارق فرقى الغلام " حتى وضع الغلام قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتح فاك، ثم قبله ثم قال: " اللهم، أحبه، فإني أحبه " رواه البخاري في الادب. وروى الامام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن محمد بن الربيع - رضي الله تعالى عنه - قال: عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو، وفي لفظ: " بئر " في دارنا وأنا ابن خمس سنين. روى الطبراني عن موسى بن طلحة - رضي الله تعالى عنهما - قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وعلقمة معي، فوجدناه يأكل تمرا في قناع، ومعه ناس من أصحابه فقبض لنا من ذلك قبضة، ومسح على رؤوسنا، وروى الطبراني عن كثير بن العباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمعنا أنا وعبد الله وعبيد الله فيفرج يديه هكذا يمد باعه ويقول: " من سبق إلي فله كذاوكذا ". وروى الامام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن الحارث - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله، وكثير بن العباس ثم يقول " من سبق إلي فله كذا وكذا " فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم. وروى البخاري في الادب المفرد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رأيت حسنا - رضي الله تعالى عنه - إلا فاضت عيناي دموعا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فوجدني في المسجد فأخذ بيدي، فانطلقت معه فما كلمني حتى جئنا سوق بني قينقاع فطاف فيه ونظر ثم انصرف وأنا معه حتى جئنا المسجد فجلس فينا، فقال: أين لكاع، ادع لي لكاع فجاء حسن يشتد، فوقع في حجره، ثم أدخل يده في لحيته، ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فاه فيدخل فاه في فيه ثم قال: " اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ". وروى البخاري عن أم خالد - رضي الله تعالى عنهما - قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص أصفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنه سنه. وهي بالحبشية: حسنة حسنة قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي " قال عبد الله: فبقيت حتى ذكر. وروى البخاري في الادب عن يعلى بن مرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعينا إلى طعام فإذا بحسين يلعب في الطريق، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام

[ 370 ]

القوم ثم بسط يديه، فجعل يمره مرا هاهنا، مرة هاهنا يضحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه، والاخرى بين رأسه ثم اعتنقه فقبله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسين مني وأنا منه، أحب الله من أحب الحسين، والحسن والحسين سبطان من الاسباط ". وروى الطبراني بسند حسن عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت لي ذؤابة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدها، ويأخذ منها. وروى أبو يعلى بسند حسن عن أبي يحيى الكلاعي، قال: أتيت المقدام بن معد يكرب في المسجد، فقلت له: يا أبا كريمة إن الناس يزعمون أنك لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سبحان الله ! لقد رأيته وإني لامشي مع عم لي فأخذ بأذني هذه، وقال لعمي: أترى هذا يذكر أمه وأباه ؟ الحديث. وروى مسلم عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمر بصبيان، فيسلم عليهم. وروى النسائي عنه أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الانصار فيسلم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، ويدعو لهم. وروى الامام أحمد وأبو داود عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم. وروى ابن مردويه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر، خرج حسين بن علي فوطئ في ثوب كان عليه فسقط، فبكى فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر، فلما رآه الناس سعوا إلى الحسين يتعاطونه بعطية بعضهم بعضا، حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده، ما دريت أني نزلت عن منبري ". وروى ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الولد فتنة، لقد قمت إليه، وما أعقل ". الثالث: في سيرته صلى الله عليه وسلم مع النساء غير زوجاته. روى الترمذي عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم، وأشار عبد الحميد بيده. وروى الحميدي عنها قالت: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في نسوة، فسلم علينا. وروى ابن أبي شيبة ومسلم والبرقاني عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة أتت

[ 371 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقلها شئ فقالت: إن لي إليك حاجة، فال: يا أم فلان، انظري أي الطريق شئت قومي فيه، حتى أقوم معك فقام معها، فناجاها حتى قضى حاجتها وروى البخاري عنه أيضا قال: إن كانت الامة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الارملة والمسكين في قضاء الحاجة. وروى عبد بن حميد عن عدي بن حاتم - رضي الله تعالى عنه - قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجب بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كنت قبل ذلك لا أرجو أن يجعل الله تعالى يده في يدي، قال: فقام إلى بيته فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن بنا إليك حاجة فقام معها، حتى قضى حاجتها. وروى النسائي عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وامرأة بين يديه، فقلت: الطريق للنبي صلى الله عليه وسلم قالت: الطريق معترض إن شاء أخذ يمينا، وإن شاء أخذ شمالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعها فإنها جبارة " انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 372 ]

الباب السادس في سيرته - صلى الله عليه وسلم - عند الغضب وفيه أنواع: الاول: فيما يقال ويفعل. روي عن سليمان بن صرد - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب وقد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فقال: " إني لاعلم كلمة لو قالها لذهب عنه، " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فقام رجل إلى ذلك الرجل، فقال: أتدري ما قال ؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل: أمجنونا تراني ؟. وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " علموا ويسروا، علموا ويسروا " قالها: ثلاثا، وإذا غضبت فاسكت رواهما البخاري في الادب. وروى أبو داود وابن حبان عن أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ". وروى أبو داود عن ابن المسيب - رحمه الله تعالى - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، ومع أصحابه، وقع رجل بأبي بكر فأذاه، فصمت عنه أبو بكر. ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت علي يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان فلم أكن لاجلس، إذ وقع الشيطان ".

[ 373 ]

الباب السابع في شفاعته - صلى الله عليه وسلم - والشفاعة إليه وفيه أنواع: الاول: في رد بريرة - رضي الله تعالى عنها - بشفاعته وعدم غضبه عليها، وعدم مؤاخذته لها. الثاني: في أمره بالشفاعة إليه صلى الله عليه وسلم. روى مسدد عن معاوية - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اشفعوا تؤجروا، فإني لاريد الامر فأؤخره كيما تشفعوا فتؤجروا ". الثالث: في شفاعته صلى الله عليه وسلم. روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى ادان دينا أغلق ماله قال: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئا، فلو ترك لاحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرج حتى باع ماله وقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له فما حج بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ليجبر قال وكان أول من بحر في هذا المال معاذ فقدم على أبي من اليمن وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.


(1) سقط في أ. (*)

[ 374 ]

الباب الثامن في زيارته - صلى الله عليه وسلم - لاصحابه وإصلاحه بينهم روى الامام أحمد وأبو داود عن قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله تعالى عنهما - قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا..... وتقدم بتمامه في أبواب هديه في الاستئذان. وروى أبو إسحاق وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. وروى الامام أحمد وأبو داود عن جابر - رضي الله تعالى عنه - فقال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرا في منزلنا... وذكر الحديث. وروى الامام أحمد والنسائي عن أبي رافع - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر اذهب إلى بني عبد الاشهل فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب. وروى أبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور أم سليم فتدركه الصلاة، فيصلي أحيانا على بساط لنا، وهو حصير لنا ننضحه بالماء. وروى الامام أحمد والنسائي والدارقطني وأبو داود عن الفضل بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: زار رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس في بادية له، الحديث. وروى الامام أحمد وأبو داود والدارقطني عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: " قري في بيتك، فإن الله - عز وجل - يرزقك الشهادة " قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فأستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها قال: وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أو مصلوب بالمدينة. وروى ابن أبي شيبة عن أم بشر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وهي تطبح حشيشا، الحديث. وروى البخاري عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه - أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اذهبوا بنا نصلح بينهم ".

[ 375 ]

الباب التاسع في سؤاله الدعاء من بعض أصحابه وتأمينه على دعاء بعضهم - صلى الله عليه وسلم - روى الحاكم في المستدرك عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ادعوا فدعوت أنا، وصاحبي وأمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعا أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - فقال: " اللهم، إني أسألك مثل ما سألك صاحبي، وأسألك علما لا ينسى " فأمن النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله، قال: سبقكما الغلام الدوسي. الباب العاشر في تهنئته - صلى الله عليه وسلم - وفيه أنواع: الاول: في تمنيه صلى الله عليه وسلم الشهادة. روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغود في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ". الثاني: في قوله صلى الله عليه وسلم: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ". روى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وأهللت مع الناس ". الثالث: في قوله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ليت رجلا من أصحابي يحرسني الليلة قال: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح فقال: من هذا قال: أنا سعد يا رسول الله، جئت أحرسك فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه.

[ 376 ]

الباب الحادي عشر في سيرته - صلى الله عليه وسلم - في العذر والاعتذار وفيه أنواع: الاول: في تحذيره صلى الله عليه وسلم من عدم قبول العذر. روى ابن ماجة عن جوذان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اعتذر إلى أخيه بمعذرة، فلم يقبلها، كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس ". والثاني: في اعتذاره صلى الله عليه وسلم إلى بعض أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -. وروى الشيخان عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فلم يرد عليه فما انصرف، قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي. الثالث: في قبوله صلى الله عليه وسلم عذر من اعتذر إليه. (روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي. قال: سمعت بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال: كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط. إلا في غزوة تبوك. غير أني قد تخلفت في غزوة بدر. ولم يعاتب أحدا تخلف عنه. دنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش. حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير معاذ. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة. حتى تواثقنا على الاسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله ! ما جمعت قبلها راحلتين قط. حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد. واستقبل سفرا بعيدا ومفازا. واستقبل عدوا كثيرا. فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير. ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان. قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. فأنا إليها أصعر. فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه. وطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم. فأرجع ولم أقص شيئا. وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا. ثم غدوت

[ 377 ]

فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو. فهممت أن أرتحل فأدركهم، فياليتني فعلت. ثم لم يقدر ذلك لي. فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة. إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق. أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك ؟ " قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله ! حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله ! يا رسول الله ! ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كن أبا خيثمة " فإذا هو أبو خيثمة الانصاري. وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي. فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشئ أبدا. فأجمعت صدقه. وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما. وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم. ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئت، فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: " تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " قال قلت: يا رسول الله ! إني، والله ! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا. ولكني، والله ! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لارجو فيه عقبى الله. والله ! ما كان لي غدر. والله ! ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما هذا، فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك " فقمت. وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله ! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأكذب نفسي. قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد ؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان. قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية

[ 378 ]

الواقفي. قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا. فيهما أسوة. قال فمضيت حين ذكروهما لي. قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه. قال، فاجتنبنا الناس. وقال، تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الارض. فما هي بالارض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباى فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة. فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي. وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فو الله ! ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة ! أنشدك بالله ! هل تعلمن أني أحب الله ورسوله ؟ قال فسكت. فعدت فناشدته. فسكت فعدت فناشدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال فطفق الناس يشيرون له إلي. حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان. وكنت كاتبا. فقرأته فإذا فيه أما بعد. فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء. فتياممت بها التنور فسجرتها بها. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: لا. بل اعتزلها. فلا تقربنها. قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر. قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت له: يا رسول الله ! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه ؟ قال " لا. ولكن لا يقربنك " فقالت: إنه، والله ! ما به حركة إلى شئ. ووالله ! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان. إلى يومه هذا. قال فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك ؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها. وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على

[ 379 ]

ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا. قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الارض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ! أبشر. قال فخررت ساجدا. وعرفت أن قد جاء فرج. قال فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا. فذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض رجل إلي فرسا. وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل. فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني. فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله ! ما أملك غيرهما يومئذ،. واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، وحوله الناس. فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله ! ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قال فقلت: أمن عندك ؟ يا رسول الله ! أم من عند الله ؟ فقال: " لا. بل من عند الله " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه. كأن وجهه قطعة قمر. قال وكنا نعرف ذلك. قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله ! إن من توبتني أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمسك بعض مالك. فهو خير لك " قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول اله ! إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال فوالله ! ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله ! ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا. وإني لارجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجل (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) (التوبة / 117 و 118) حتى بلغ (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (التوبة / 119).

[ 380 ]

قال كعب: والله ! ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إن هداني الله للاسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كبذبوا. إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لاحد. وقال الله: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأويهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرض عن القوم الفاسقين) (التوبة / 95 و 96). قال كعب: كنا خلفنا، أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له. فبايعهم واستغفر لهم. وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو. وإنما هو تخليفة إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.

[ 381 ]

الباب الثاني عشر في صفة دخوله بيته وخروجه منه ومخالطته الناس وحدث أصحابه بين يديه واستماعه لهم وحديثه معهم وسمره - صلى الله عليه وسلم - وفيه أنواع: الاول: في سيرته صلى الله عليه وسلم وسلم - في دخلوه بيته وخروجه منه. روى الترمذي والبيهقي عن الحسن بن علي - رضي الله تعالى عنهما - قال: سألت أبي عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان مدخله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزءا لله تعالى، وجزءا لاهله، وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة جزءا لله تعالى، وجزءا لاهله، وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته صلى الله عليه وسلم في جزء الامة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والامة من مساءلتهم عنه وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب وبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي عن حاجته وفي لفظ " إبلاغها " " فإن من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت تالله تعالى قدميه يوم القيامة " لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة يعني على الخير وفي لفظ يعني فقها. وقوله: " فيرد ذلك على العامة والخاصة أراد أن العامة كانت لا تصل إليه في هذا الوقت، وكانت الخاصة غير العامة بما سمعت منه فكأنه أوصل الفوائد إلى العامة بالخاصة. وقيل: إن الباء في " بالخاصة " بمعنى من أي: فجعل وقت الخاصة بعد وقت العامة، وبدلا منهم. والرواد: جمع روائد، وهو الذي يتقدم القوم يكشف لهم حال الماء والمرعى قبل وصولهم لهم ويخرجون أدلة أي: يدلون الناس بما قد علموه منه وعرفوه، يريد أنهم يخرجون من عنده فقهاء. ومن قال: " أذلة " بذال معجمة جمع ذليل أي: يخرجون من عنده متواضعين. وقوله: " ولا يتفرقون من عنده إلا عن ذواق " ضرب الذواق مثالا لما ينالون عنده من

[ 382 ]

الخير أي لا يتفرقون إلا عن علم يتعلمونه يقوم لهم مقام الطعام والشراب، لانه يحفظ الارواح كما يحفظ الاجسام. وروى الطبراني عن زيد بن عبد الله بن خصيفة عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: " بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله توكلت عليه الله، حسبي الله ونعم الوكيل ". روى الطبراني عن ميمونة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء، فقال: " اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أجهل أو يجهل علي أو أظلم أو أظلم ". وروى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه بمشقص أو بمشاقص، وجعل يختله ليطعنه. وروي عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه - فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينيك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الاذن من قبل البصر ". الثاني: في مخاطبته صلى الله عليه وسلم للناس. وروى أبو داود وأبو الشيخ عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليهم، وأنا سليم الصدر ". ورواه الترمذي وزاد " قال عبد الله: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم فانتهيت إلى رجلين جالسين وهما يقولان: ما أراد محمد بالقسمة التي قسمها، وجه الله تعالى، ولا الدار الاخرة فتثبت حين سمعتها فأتيته فأخبرته فقال: " دعني عنك فقد أوذى موسى بأكثر من ذلك فصبر ". وروى البيهقي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس كفا وأصدقهم لهجة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم. وروى الترمذي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن لسانه إلا فيما يعنيه دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكثار، وما لا يغنيه.

[ 383 ]

وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، وكأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول " إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيه فيقطعه بنهي أو قيام " ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه معتدل الامر غير مختلف، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة لا يقوم من مجلسه إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ولا يوطن المواطن وينهى عن إيطانها، يعطي كل جلسائه بنصيبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الاصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته متعادلين، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب ". وروى الامام أحمد وابن سعد عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، وكان أصحابه يتناشدون الاشعار في المسجد وأشياء من أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وروى ابن سعد والترمذي في الشمائل عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وروى الامام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من قريش، فذكروا النساء فتحدثوا فيهن، فتحدث معهم حتى أحببت أن يسكت. وروى الخرائطي عن أبي حازم وحفص بن عبد الله بن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه عن أمر الاخرة، فإذا رآهم قد كسلوا عرف ذلك فيهم

[ 384 ]

حدثهم في بعض أحاديث الدنيا، حتى إذا نشطوا أقبل يحدثهم في حديث الاخرة. (شرح غريب ما سبق). البشر: بكسر الباء الموحدة طلاقة الوجه وبشاشته. الصخاب: من الصخب وهو الضجة، واختلاط الاصوات للخصام. الفحاش والعياب: فعال من الفحش في القول وعيب الناس والوقعية فيهم. تؤبن: بضم المثناة الفوقية وبهمزة ساكنة وموحدة ونون أي لا يقذف، ولا يرمي بعيب. الحرم: جمع حرمة وهي المرأة. لا تنثى فلتاته: بضم المثناة الفوقية ونون فمثلة أي لا يتحدث بهفوة أو نزلة كانت في مجلسه من بعض القوم، يقال: نثوت الحديث أنثوه نثوا إذا ادعيته والفلتات جمع فلتة، وهو ها هنا السقطة والزلة. وقوله: كأنما على رؤسهم الطير يريد أنهم يسكنون ولا يتحركون ويغضون أبصارهم، والطير لا تسقط إلا على ساكن. وقوله: " لا يقبل الثناء إلا من مكافئ " إلى آخره يريد أنه إذا ابتدأ بثناء ومدح عرف ذلك إذا اصطنع معروفا فاثنى عليه مثن، وشكر له قبل ثناء وانكر ابن الاعرابي هذا التأويل، وقال: المعنى لا يقبل الثناء عليه ممن يعرف حقيقة إسلامه، ويكون من المنافقين الذين يقولون بأفواههم، ما ليس في قلوبهم. وقال الازهري: معناه لا يقبل إلا من مقارب غير مجاوز حد مثله، ولا يقتصر عما دفعه الله تعالى إليه. والمكافأة: المجاوزة على الشئ. وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصبحت ؟ قال: " بخير من رجل لم يصبح صائما، ولم يعد سقيما ". الثالث: في حديث أصحابه بين يديه واستماعه لهم صلى الله عليه وسلم. روى ابن أبي شيبة وأبو الحسن بن الضحاك عن سماك بن حرب - رحمه الله تعالى - قال قلت: لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم كثيرا: كان يطيل الصمت، وكان يصلي الصبح، فيجلس ونجلس معه، فيتذاكرون الشعر وأمر الجاهلية فيضحكون، ويتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم ورواه الامام أحمد وابن سعد عن جابر. وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو الحسن بن الضحاك عن خارجة بن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال: دخل نفر على أبي زيد بن ثابت، فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق

[ 385 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنت جاره، وكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فأكتب الوحي، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الاخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه ابن سعد والترمذي عن زيد مختصرا. وروى الامام أحمد عن عمران بن حصين والبزار عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ليلة عامة عن بني إسرائيل حتى يصبح، لا يقوم فيها إلا لعظم صلاة. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أنه كان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني مالك فأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له بين المسجد وأهله، فكان يختلف إليهم فيحدثهم، بعد العشاء الاخرة. وروى أبو داود الطيالسي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا فيحدثنا بعد عشاء الاخرة، فاحتبس عنا ليلة عن الوقت الذي كان، يأتينا فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فأحببت أن لا أخرج حتى أقرأه "، أو قال أقضيه.. الحديث. وروى أبو سعيد بن الاعرابي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يحدثنا هذا الحديث، عن امرأة كانت ترضع صبيا لها على سفح جبل، فقال: يا أمه من خلقك ؟ قالت: الله ؟ قال: فمن خلق أبي ؟ قالت: الله: فمن خلق السماء ؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الارض ؟ قالت: الله، قال: فمن خلق الجبل ؟ قالت: الله، قال: فمن خلق البقر ؟ قالت: الله قال: فمن خلق الغنم ؟ قالت: الله، قال الطفل: إني لا أسمع لله شأنا فألقى نفسه من الجبل فتقطع انتهى.

[ 386 ]

الباب الثالث عشر في وفائه بالعهد والوعد - صلى الله عليه وسلم - روى البخاري عن أبي سفيان بن حرب - رضي الله تعالى عنه - أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش... الحديث، وفيه: وسألتك: هل يغدر ؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وروى ابن أبي خيثمة وأبو داود والخرائطي عن عبد الله بن أبي الحسماء - رضي الله تعالى عنه - قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو مكانه فقال: يا أخي وفي لفظ يا فتى " لقد شفقت علي أنا ها هنا من منذ ثلاث أنتظرك ". وروى ابن العربي والحاكم، وقال على شرطهما وأقره الذهبي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندي، فقال لها: من أنت ؟ فقالت: أنا جثامة المزنية، قال: " بل أنت حسانة المزنية كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا ؟ " قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الاقبال ؟ فقال: " إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الايمان ". وروى الشيخان والترمذي عنها قالت: ما غرت على أحد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها ولقد هلكت قبل أن يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها، وفي لفظ " وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها " وقد أمره ربه - تبارك وتعالى - أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها، وفي لفظ: " في صدائقها "، وفي لفظ: " فيتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهن " فربما قلت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد فأغضبته يوما فقلت: " لقد أبلغك الله " وفي لفظ " لقد أعقبك الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الاول، قالت: فتغير وجهه ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي وإذا رأى مخيلة الرعد حين ينظر أرحمة هي أم عذاب ؟ وفي لفظ: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أحسن الثناء عليها فقلت: ما تريحني منها، وقد أبد لك الله خيرا منها، قال صلى الله عليه وسلم: " ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بما لها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الله الولد، إذ لم يكن لي من غيرها ".

[ 387 ]

وروى الحاكم وصححه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى بشئ يقول: " اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة خديجة اذهبوا به إلى فلانة فإنها كانت تحب خديجة ". " وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد " (1) - أخت خديجة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف النبي صلى الله عليه وسلم استئذان خديجة، فارتاع لذلك، وفي لفظ " فارتاح لذلك " فقال: اللهم، هالة بنت خويلد قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها.

[ 388 ]

الباب الرابع عشر في إكرامه - صلى الله عليه وسلم - من يستحق إكرامه وتألفه أهل الشرف روى الامام أحمد برجال الصحيح عن حميد بن هلال، قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا يأتي على الحي، فحدثهم قال: أتيت المدينة مع عير لنا، فبعنا بضاعتنا، ثم قلت: لانطلق إلى هذا الرجل فلاتين من بعدي بخبره فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يريني بيتا قال: إن امرأة كانت فيه فخرجت تفي سرية من المسلمين، وتركت اثنتي عشرة عنزا لها وصيصتها كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزا من غنمها وصيصتها، فقالت: يا رب، إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصتي، وإني أنشدك عنزي وصيصتي، قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها لربها - تبارك وتعالى - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأصبحتت عنزها ومثلها وصيصيتها ومثلها وهاتيك فائتها فاسألها إن شئت قال: قلت: بل أصدقك. وروى أبو الحسن بن الضحاك وأبو الشيخ والخرائطي عن جرير بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيت لابايعه، قال: ما جاء بك يا جرير، قلت: لاسلم على يديك، قال: فألقى إلي كساء، ثم أقبل على أصحابه فقال: " إن أتاكم كريم قوم فأكرموه " ورواه أبو الشيخ والخرائطي عنه، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض بيوته فامتلا البيت فقعد جرير خارج البيت، فأبصره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ ثوبه ورمى به إليه، وقال: اجلس على هذا فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبله. وروى ابن سعد عن أشياخ من طيئ قالوا: إن عدي بن حاتم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، وهو في المسجد، فقال: من الرجل ؟ قال عدي بن حاتم: فانطلق به إلى بيته وألقى إليه وسادة محشوة بليف، وقال: " اجلس عليها " فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الارض، وعرض عليه السلام، فأسلم عدي، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه. وروى الترمذي عن عكرمة بن أبي جهل - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم جئته: " مرحبا بالراكب المهاجر " وذكر الرشاطي إن أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الاصبحي الحميري، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرش له رداءه، وكان يعد من الحكماء.


(1) سقط في أ. (*)

[ 389 ]

وروى الامام أحمد والترمذي وابن جرير في التهذيب وأبو يعلى وابن منده وابن عساكر عن صفوان بن أمية، قال: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لاحب الناس إلي قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في التحقيق: أعلم أن من المؤلفة قلوبهم ما تألفوا في بدء إسلامهم ثم تمكن الاسلام من قولبهم، فخرجوا بذلك عن حد المؤلفة،، وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة باعتبار ابتداء أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن إسلامه والظاهر بقاؤه على حال الناس، ولا يمكننا أن نفرق بين من حسن إسلامه وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننا به الشر على خلاف ذلك، وأن الانسان قد يتغير حاله، ولا ينقل إلينا أمره فالواجب أن نظن بكل من سمعنا عنه الاسلام خيرا، ومما يقوي ما ذكرت ما رواه الامام أحمد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم لشئ يعطاه من الدنيا، فلا يمشي حتى يكون الاسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها، قال: وأسماء من بلغنا منهم. الاقرع بن حابس التميمي. والمجاشعي جبير بن مطعم بن عدي. المجد بن قيس السهمي والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي. وحويطب بن عبد العزى. حكيم بن حزام بن خويلد. حكيم بن طليق بن سفيان. خالد بن قيس السهمي. سعيد بن يربوع بن عنكشة. سهيل بن عمرو وأبو سفيان العباس بن مرداس السلمي. عبد الرحمن بن يربوع من بني مالك. علقمة بن علاثة. عمير بن وهبة الجمحي. عمرو بن مرداس السلمي. عمرو بن بعكك أبو السنابل، ويقال اسمه: لبيد. عيينة بن حصن الفزاري. قيس بن عدي السهمي.

[ 390 ]

قيس بن مخرمة. مالك بن عوف البصري. مخرمة بن نوفل الزهري. معاوية بن أبي سفيان. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب واسمه المغيرة والنضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة. هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحرث بن حنيف بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.

[ 391 ]

الباب الخامس عشر في ربطه - صلى الله عليه وسلم - الخيط في خاتمه وأصبعه إذا أراد أن يتذكر حاجة إن صح الخبر وروى ابن سعد وابن أبي أسامة وأبو سعيد بن الاعرابي وابن عدي وأبو يعلى من طريق عقبة بن عبد الرحمن وابن عمر والطبراني عن رافع بن خديج وابن عدي عن واثلة بن الاسقع وأبو سعيد بن الاعرابي وابن عدي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قالوا: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشفق من الحاجة أن ينساها ربط في خنصره أو في خاتمه خيطا وسندها ضعيف كما اقتصر عليه الحافظ في تخريج أحاديث الاحياء ففي سند حديث ابن عمر، وفي سند حديث واثلة بن الاسقع، وفي سند حديث رافع غياث بن إبراهيم وهو ضعيف جدا.

[ 392 ]

الباب السادس عشر في احتياطه - صلى الله عليه وسلم - في نفي التهمة عنه روى الامام أحمد عن حبة وسواء خالد ابني الخزاعي - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمل عملا أو يبني بناء، فأعناه فلما فرغ دعا بنا، وقال: " لا تيأسا من الخير ما تهززت رؤوسكم إن الانسان ولدته أمه أحمر ليس عليه قشر، ثم يرزقه الله عز وجل ". وروى الشيخان عن صفية بنت حيي قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيت أزوره ليلا فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي يقبلني، وكان مسكنها في دار أم أسامة بن زيد فمر رجلان من الانصار، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلكما، إنها لصفية بنت حيي "، فقالا: سبحان الله ! يا رسول الله وكبر عليهما فقال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو شيئا ". وروى الامام أحمد ومسلم والبخاري في الادب وأبو الحسن بن الضحاك عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امرأة من نسائه إذ مر به رجل فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا فلان هذه زوجتي فلانة " قال: من كنت أظن به، فلم أظن بك قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". وروى البخاري عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الاية بقول الله تعالى: (يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن) إلى قوله (غفور رحيم) (الممتحنة / 12) فمن أقرت بهذا الشرط من المؤمنات (قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد بايعتك كلاما ولا والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك "). وروى أبو الحسن بن الضحاك بسند ضعيف عن الشعبي مرسلا - رحمه الله تعالى - قال: وفد عبد قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهره.

[ 393 ]

الباب السابع عشر في خروجه - صلى الله عليه وسلم - لبساتين بعض أصحابه ومحبته لرؤية الخضرة وإعجابه روى ابن السني وابن عدي وأبو نعيم عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان أحب الالوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن. وروى ابن السني وأبو نعيم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان أحب الالوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضرة، وكان يعجبه النظر إلى الخضرة، والماء الجاري والوجه الحسن. وروى أبو نعيم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه النظر إلى الخضرة. وروى الطبراني وابن السني وأبو نعيم عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: يا خضرة فقال: لبيك أخذنا فألنا من فيك. وروى أبو داود الطيالسي والترمذي عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه، وفي لفظ " يستحب " الصلاة في الحيطان قال أبو داود: يعني: البساتين. وروى البخاري في الادب عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عن البدو قلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو ؟ قالت: نعم، كان يبدو إلى هؤلاء التلاع. وروى الامام مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء ماشيا وراكبا. قال أبو عمر - رحمه الله في التمهيد: قيل كان يأتي يتفرج في حيطانها، ويستريح عندهم. لطيفة: قال بعض العلماء: رحمهم الله تعالى -: إن الطبيعة لتمل الشئ الواحد إذا دام عليها، ولذلك اتخذت ألوان الاطعمة وأصناف الشراب وأنواع الطيب وأطلق التزويج بأربع نسوة ورسم البيت ويتحول من مكان إلى مكان، والاستكثار من الاخوان والتفنن في الادب والجمع بين الجد والهزل والزهد واللهو، وقيل: لابي سليمان الدارني - رحمه الله -: ما بالكم يعجبكم الخضرة ؟ فقال: لان القلوب إذا غاصت في بحار الفكرة غشيت الابصار فإذا نظرت

[ 394 ]

إلى الخضرة عاد إليها نسيم الحياة. رواه أبو نعيم وقال ابن المقري في فوائده: حدثنا عبد الصمد بن سعيد بن العباس بن السعدي، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا أبو الطاهر حدثنا الموقري عن الزهري عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " روحوا القلوب ساعة فساعة " وقال وهب بن منبه من حكم آل داود: حق على العاقل أن يشتغل بأربع ساعات: ساعة يناجي ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يجبرونه ويعينونه وينفسوا عن نفسه، وساعة يخلى بين نفسه ولذاتها فيما يحل فإن هذه الساعة عون على باقي الساعات وإجمام للقلوب، حق على العاقل أن لا يطعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم رواه البيهقي في الشعب وفي وصية بعض الحكماء: فراغ العلماء إنما يكون في إجمام أنفسهم، إذا كلت خواطرهم، وضاق ذرعهم في استخراج دقائق الحكمة، فحينذ يروح العالم قلبه بالنزهة، حتى يعود نشاطه ويجتمع رأيه، ويصفو فكره. وقال أبو عبيدة: ليس شئ أحسن عند العرب من الرياض في المعيشة، ولا أطيب ريحا قال الاعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذا دنا الاصل وقال بعضهم: ما استدعى عن شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف والمكان الخضر الخالي.

[ 395 ]

الباب الثامن عشر في إعجابه بالاترج والحمام الاحمر إن صح الخبر روى الطبراني بسند ضعيف عن أبي كبشة الانماري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه النظر إلى الاترج، وكان يعجبه النظر إلى الحمام الاحمر (1). وروى أبو القاسم البغوي وقاسم بن أصبع وأبو بكر بن أبي خيثمة والدارقطني في غرائب مالك عن أبي كبشة الانماري - رضي الله تعالى عنه - قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب وفي لفظ " كان يعجبه " النظر إلى الاترج وإلى الحمام الاحمر. وهذه الاسانيد ضعيفة جدا. وروى الطبراني وابن قانع وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي بسند ضعيف عن حبيب بن عبيد الله عن أبي كبشة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه النظر إلى الاترج ويعجبه النظر إلى الحمام الاحمر (1). وروى الحاكم في التاريخ وأبو نعيم في الطب النبوي بسند ضعيف عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الحمام الاحمر. وروى ابن حبان في الضعفاء وابن السني وأبو نعيم معا في الطب عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه النظر إلى الحمام وإلى الاترج. (شرح غريب ما سبق). التلاع: بمثناة ففوقية فلام فألف وعين مهملة مسائل الماء من علو إلى أسفل واحدها تلعة، وقيل: هو من الاضداد، يقع على ما انحدر من الارض، وأشرف منها. الاترج - بهمزة مضمومة ومثناة ساكنة وراء وجيم - والاترج والترنجة والترنج معروف.

[ 396 ]

الباب التاسع عشر في عومه - صلى الله عليه وسلم - وروى ابن سعد عن الزهري عن عاصم بن عمر بن قتادة عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين خرجت به أمه إلى أخوالهم من بني عدي بن النجار بالمدينة يزورهم ومعه أم أيمن، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار فقال: " ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار ". وورى أبو القاسم البغوي حدثنا أبو داود عمرو حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غدير ماء، فقال: يسبح كل رجل إلى صاحبه، فسبح كل رجل منهم إلى صاحبه، حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى اعتنقه، وقال: لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى الله - عز وجل - لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه صاحبي. تابعه وكيع عن عبد الجبار رواه ابن عساكر في تاريخه وعبد الجبار ثقة، وكذا شيخه إلا أنه مرسل، وقد روي موصولا قال ابن شاهين: في السنة: حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا محمد بن عثمان حدثنا عبد الله بن مروان بن معاوية حدثنا أبي حدثنا سليمان بن جرير عن عكرمة عن ابن عباس به نحوه، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز بن مروان بن معاوية الفزاري (حدثني ابن أبي غريب بن حديرية) (1) وقال: في آخره إلى صاحبي.


(1) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات 3 / 9 والسيوطي في اللالئ 2 / 124 وانظر المجمع 4 / 67 والعقيلي في الضعفاء 4 / 413 والدولابي في الكنى 1 / 50 وابن القيسراني (558). (*)

[ 397 ]

الباب العشرون في مسابقته - صلى الله عليه وسلم - بنفسه على الاقدام روى النسائي عن أنس بن مالك قال: سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فسبقه فكأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدوا في أنفسهم من ذلك، فقيل له في ذلك: فقال " حق على الله أن لا يرفع شئ نفسه في الدنيا إلا وضعه الله ". الباب الحادي والعشرون في جلوسه - صلى الله عليه وسلم - على شفير البئر وثدليته رجليه وكشف عن فخذيه روى الشيخان عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، - وقد قتل زوجها، وكانت عروسا - فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الروحاء حلت، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال لي: آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراء بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. وروى مسلم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه وساقيه. وروى الامام أحمد عن حفصة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر يستأذن فأذن له. وروى البخاري عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه، فلما دخل عثمان غطاهما. وروى عبد الله بن عمور - رضي الله تعالى عنهما - قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع من رجع وعقب من عقب.


(1) في أ حدثني أبي عن سليمان بن حويرية. (*)

[ 398 ]

الباب الثاني والعشرون في آداب متفرقة صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - غير ما تقدم وفيه أنواع: الاول: روي عن مشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه قال تعالى: (وشاورهم في الامر) الاية (آل عمران 159). وروى سعيد بن منصور ابن المنذر عن الحسن في الاية قال: قد علم الله أن ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد ليستن به من بعده. وروى ابن جرير وابن أبي خيثمة عن قتادة قال: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - في الامور، وهو يأتيه الوحي من السماء - لانه أطيب لانفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضا، وأرادوا بذلك وجه الله تعالى عزم عليهم على أرشده. وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك قال: ما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة لما فيها من الفضل والبركة. وروى ابن أبي حاتم والخرائطي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رأيت من الناس أحدا أكثر مشورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الطبراني بسند جيد عن عمر، وقال كتب أبو بكر الصديق إلى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور في الحرب فعليك به. وقد تقدم في باب الجهاد شئ من ذلك. وروى ابن سعد عن يحيى بن سعد - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس يوم بدر، فقام الحباب بن المنذر، فقال: نحن أهل الحرب أرى أن تعور المياه إلا ماءا واحدا نلقاهم عليه قال: واستشارهم يوم قريظة والنضير، فقام الحباب بن المنذر فقال: أرى أن ننزل بين القصور، فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله. وروى الحاكم عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كنت مستخلفا أحدا من غير مشورة لا ستخلفت ابن أم عبد ". قال العلامة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المرسي، الامور الممكنة على ضربين الضرب الاول: ما جعل الله فيه عادة مطردة لا تنخرم، فهذا ما لا يستشار فيه بل من علم السيادة كان أعلم ممن لا يعلمها.

[ 399 ]

والضرب الثاني: ما كانت العادة فيه أكثرية، فهذا الذي يستشار فيه، فإن من حاول تلك الامور أكثر كان عليه بها أكثر ورأيه فيها صواب، ألا ترى أن من حاول التجارة علم وقت رخصها وغلائها وما يصلح منها للنشر وما لا يصلح فهذا يستشار فيها، لان علمه بها أكثر. الثاني: في أنه صلى الله عليه وسلم كان كثير الصمت، كثير الذكر، قليل اللغو. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة والبيهقي عن هند بن أبي هالة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان دائم الذكر، ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت. وروى مسلم والبيهقي عن سماك بن حرب - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، قليل الضحاك انتهى. وروى الامام أحمد والشيخان عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت، قليل الضحك. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقلل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الارملة والمسكين. الثالث: في عدم مواجهته أحدا بما يكره وأدابه مع خدمه وما كان يقوله، ويفعله إذا اهتم، وما يطرأ عليه من السرور عند فرحه، وأنه كان يلمح الاشياء بمؤخر عينه، ولا يلتفت ولا يصرف وجهه عن أحد إذا استقبله، وصافحه، وأنه لا يبث بصره في وجه أحد، ومصافحته، وما كان يقوله إذا أراد دخول قرية وغير ذلك غير ما سبق. روى النسائي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يواجه أحدا بشئ يكرهه، ودخل عليه رجل يوما، وعليه أثر خلوف، فلما خرج الرجل قال: لو أمرتم هذا بغسله. وروى ابن عدي عن محمد بن سلمة - رضي الله تعالى عنه - قال: قدمت من سفر فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فما ترك يدي حتى تركت يده. وروى أبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رأيت أحدا التقم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحى رأسه حتى يكون الرجل، هو الذي ينحى رأسه، وما رأيت رجلا أخذ بيده فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده. وروى عنه أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح الرجل من ينزع يده حتى يكون

[ 400 ]

الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف وجهه. روى الطيالسي والنسائي في الكبير وابن حبان عن ابن مسعود وابن أبي شيبة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطا هكذا أمامه فقال: " هذا سبيل الله - عز وجل - ثم خط خطوطا "، ولقط جابر وخط عن يمينه وخط عن شماله فقال: " هذا سبيل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم وضع يده في الخط الاوسط ثم تلا هذه الاية (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) ذكره أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلمح بمؤخرة عينه، ولا يلتفت. وروى عبد الله بن المبارك عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقبل الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع ولا يصرف وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس. وروى الطبراني بسند جيد عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى قرية يريد دخولها، قال: " اللهم بارك لنا فيها " ثلاثا " اللهم ارزقنا حياها وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا ". وروى الطبراني بسند جيد عن أبي لبابة بن عبد المنذر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول قرية لم يدخلها، حتى يقول: " اللهم، رب السموات السبع وما أظلت ورب الارضين السبع وما أقلت ورب الرياح وما أذرت ورب الشياطين وما أضلت إني أسألك خيرها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرهخا وشر ما فيها ". وروى النسائي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: والله ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة ولا خادما ولا ضرب بيده شيئا قط. ورواه الخلعي وزاد " إلا أن يجاهد في سبيل الله ". وروى الترمذي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع: وفي لفظ عشر سنين فما قال لي أف، وما قال لشئ صنعته: لم صنعته ولا بئس ما صنعت وفي لفظ " ما قال لي: لم فعلت ؟ وألا فعلت هذا ". وروى أبو داود عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قابض بقفاي من ورائي فنظرت إليه، وهو

[ 401 ]

يضحك، فقال: يا أنس، اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم يا رسول الله. وروى الشيخان عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أنسا غلاما كيسا، فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر فوالله، ما قال لي لشئ قد صنعته: لم صنعت كذا ؟ ولا لشئ لم أصنعه لم لم تصنع هذا. هكذا رواه الامام أحمد بلفظ " أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا ابني وهو غلام يخدمك قال: فخدمته تسع سنين، فما قال لي لشئ قط صنعته، أسأت أو بئس ما صنعت. وروى أبو ذر الهروي وأبو الحسن بن الضحاك عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيفة له فأبطأت عليه، فقال: " لولا مخافة القصاص لاوجعتك بهذا السواك ". وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اهتم أكثر من مس لحيته وفي رواية: يقبض عليها أو يخللها. وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اهتم أكثر من مس لحيته، وفي رواية " يقبض عليها أو يخللها ". وروي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اهتم أكثر، أدخل يده في لحيته. وروى أبو بكر بن أبي شيبة والبزار والحسن بن عرفة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: شهدتت مع المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلي من مل ء الارض من شئ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب احمرت وجنتاه فجأة وهو على تلك الحال، فقال: يا رسول الله، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن، والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، أو يفتح الله لك فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق بذلك. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجدا لله تعالى. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الرجل مغير الخلق خر ساجدا وإذا رأى القرد خر ساجدا وإذا قام من منامه خر ساجدا شكرا لله تعالى.

[ 402 ]

وروى النسائي عن كعب بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر استنار وجهه كأنه قطعة من القمر. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحب قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات " وإذا رأى ما يكره قال: " الحمد لله على كل حال ". وروى ابن أبي خيثمة وأبو الحسن بن الضحاك عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شئ، وكان إذا بعث عاملا سأله عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسما رؤي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه. وروى الطبراني بسند جيد عن أبي أيوب - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، فسقطتت على لحيته ريشة، فابتدر إليه أبو أيوب فأخذها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " نزع الله عنك ما تكره ". وروى الامام أحمد عن نافع أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - سمع مزمار راع، فوضع اصبعيه في أذنيه وعدل براحلته عن الطريق " وهو يقول: يا نافع، هل تسمع شيئا فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت ت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق " (1) وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع مزمار راع ففعل مثل هذا، رواه أبو داود وزاد الترمذي، قال: نافع وكنت إذ ذاك صغيرا. وروى أبو الحسن بن الضحاك عن محمد بن عجلان قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب قدمه شوكة أو شئ، فاسترجع لذلك، فقال له بعض أصحابه، ما هذا يا رسول الله ؟ قال: " إن الله إذا أراد أن يكبر الصغير كبر ". وروى الامام أحمد عن عمير بن إسحق قال: كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال: اكشف لي عن بطنك حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك فقال فكشف له عن بطنه فقبله. وروى مسدد وابن أبي شيبة وأبو يعلى والامام أحمد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو الوليد أنه ضربها فقال: " ارجعي، فقولي له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارني " قال: فانطلقت فمكثت ساعة، ثم جاءت فقالت: يا رسول الله، ما أقلع عني، قالت: فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم هدبة من ثوبه

[ 403 ]

فأعطاها إياها، فقال: " قولي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجارني، هذه هدبة من ثوبه " فمكثت ساعة، ثم إنها رجعت ت، فقالت: يا رسول الله ما زادني إلا ضربا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: " اللهم عليك بالوليد مرتين أو ثلاثا ". وروى الطبراني برجال ثقات عن واثلة بن الاسقع - رضي الله تعالى عنه - قال: خرجت مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس من بين خارج وقائم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى جالسا إلا دنا إليه فسأله " هل لك من حاج " وبدأ بالصف الاول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى دنا إلي فقال: " هل لك من حاجة " فقلت: نعم، يا رسول الله، قال: " وما حاجتك " ؟ قلت: الاسلام، قال: " هو خير لك "... الحديث والله سبحانه وتعالى أعلم.


(1) سقط في أ. (*)

[ 404 ]

جماع أبواب معجزاته - صلى الله عليه وسلم - السماوية الباب الاول وفيه فصول الاول: في الكلام على المعجرة والكرامة والسحر قال القاضي - رحمه الله تعالى -: إذا تأمل المصنف ما قدمناه من جميل أثره وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله، وجملة كمالاته وجميع خصاله المرضية وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة نبوته وصدق دعوته الخلق إلى الحق، وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والايمان يبه، روى الترمذي وابن قانع عن عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه - قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لانظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. وعن أبي رمثة - رضي الله تعالى عنه - قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي فأريته فلما رأيته قلت: هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن عسد قال ذلك لما ظهر عليه من ملابس الصدق، وعلامات الحق. وروى مسلم وغيره أن ضمادا لما وفد عليه فقال له صلى الله عليه وسلم - وقد سمع بعض قريش وفي لفظ " بعض الكفار " يقول: محمد منجنون فقال: يا محمد، إني راق هل بك شئ أرقيك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم نفيا لما نسب إليه: " إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله "، قال له: أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغني قاموس البحر، هات يدك أبايعك، قال ذلك تعجبا من بلاغتها، وإيرادها مطابقة لمقتض الحال. وروى البيهقي عن جامع بن شداد، قال: كان رجلا منافقا يقال له: طارق، فأخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هل معكم شئ تبيعونه ؟ " فقلنا هذا البعير قال: بكم ؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا من تمر، فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة فقلنا بعنا من رجل، ما ندري من هو ومعنا ظعينة، فقالت: أنا ضامنة لمنث البعير، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيص فيكم، فأصبحنا، فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر، وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا انتهى. قالت ذلك لما ظهر لها عليه من مخائل الصدق، وملابس الوفاء. وروى ابن موسى في كتاب الردة عن ابن إسحاق في خبر الجلندى ملك عمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام، فقال الجلندى: والله لقد دلني على هذا النبي

[ 405 ]

الامي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى ع شئ إلا كان أؤول تارك له وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يفجر، ويفي بالعهد وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي جملته هذه المحاسن، فتأمله لها على الاقرار بنبوته. وقال نفطويه في قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) (النور / 35) هذا مثل ضربة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول: يكاد منظره يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة - رضي الله تعالى عنه -. لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر قال المحققون: المعجزة هي الامر الخارق المقرون بالتحدي الدال على صدق الانبياء - عليهم الصلاة والسلام - الواقع على وفق دعوى المتحدي بها مع أمن المعارضة وسميت معجزة لعجز البشر عن الاتيتان بمثلها فعلم أن لها شروطا: أحدها: أن تكون خارقة للعادة كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين الاصابع، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، فخرج غير الخارق للعادة كطلوع الشمس كل يوم. الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، ولم يشترط بعضهم التحدي، قال: لان أكثر الخوارق الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم خالية من التحدي، وعلى القول بالتحدي يسمى معجزة وذلك باطل، وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم لما ادعى النبوة استجيب على هذا الخارق دعوى النبوة من حين ابتداء الدعوة فكلما وقع له من الخوارق كان معجزة لاقترانه بدعوى النبوة حكما وكأنه يقول في كل وقت أنا رسول الله إلى الخلق، وأن نه يقول ف كل وقت وقع فيه الخارق للعادة هذا دليل صدقي ذكره الشيخ كمال الدين بن الهمام في المسايرة وتلميذ الشيخ كمال الدين بن أبي شريف في شرحهما. الثالث: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي مع أمن المعارضة، وهو أحسن من التعبير بعدم المعارضة، لانه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها، والشرط إنما هو عدم إمكانها وخرج بقيد " التحدي " الخارق من غير تحد، وهو الكراهة للولي، وبالمقارنة الخارق المتقدم على التحدي كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل دعوى الرسالة، وكلام عيسى صلى الله عليه وسلم في المهد، فإنها ليست معجزات وإنما هي كرامات ظهورها على الاولياء جائز، والانبياء قبل نبوتهم لا يقتصرون عن درجة الانبياء فيجوز ظهورها عليهم أيضا، وحينئذ يسمى إرهاصا أي تأسيسا للنبوة، وخرج أيضا بالمقارن المتأخر عن التحدي بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما رؤي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من نطق بعض الموتى بالشهادتين، بما تواترت به الاخبار.

[ 406 ]

وخرج أيضا بأمن المعارضة، السحر المقرون بالتحدي، فإنه تمكن معارضتته بمثله من المرسل إليهم. الرابع: أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة آية نبوتي أن تنطق يدي أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه، فقالت: كذب وليس هو نبي، فإن الكلام الذي خلقه الله - عز وجل - دال على كذب ذلك المدعي، لان ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعوى المدعي كما روي أن مسلمة الكذاب لعنه الله تعالى، تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت، وذهب ما فيها من الماء. فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم تكن معجزة، ولا يقال: قضية ما قلتم أن ما توفرت فيه الشروط الاربعة من المعجزات، لا يظهر إلا على أيدي العارفين، وليس كذلك أن المسيح الدجال يظهر على يديه من الايات العظام ما هو مشهو كما وردت به الاخبار الصحيحة، لان ما ذكره فيمن يدعي، الرسالة، وهذا يدعي الربوبية وقد قام الدليل العقلي على أن بعثته بعض الخلق غير مستحيل، فلم يبعد أن يقيم الله - عز وجل - الادلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة ودلتت القواطع على كذب المسيخ الدجال فيما يدعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الاوصاف التي تليق بالمحدثات، ويتعالى عنها رب البريات - سبحانه وتعالى - وها هنا فصول من كلام القاضي - رحمه الله تعالى -. الفصل الاول ويؤخر هذا عنه الفصل الثاني. قال القاضي - رحمه الله تعالى -: اعلم أن الله - عز وجل - قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده، والعلم بذاته أي كونها موجودة وأسمائه الحسنى الدالة على أحسن المعاني، وصفاته وجميع تكليفاته التي ألزمها عباده، فيعلمون أن لهم ربا موجودا ذا أسماء وصفة كمال ابتداء دون واسطة، لو شاء خلق ذلك فيهم ابتداء بلا مرشد إليه ومبين لهم إياه كما حكي عن سنة بعض الانبياء إذ خلق فيهم ذلك إلهاما أو إلقاءا في الروع أو رؤيا، كما رأى ابراهيم مناما يذبح ولده ورؤياهم وحي وذكره بعض أهل التفسير في قوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) (الشورى 51) أي وحي إلهام أو رؤيا بشهادة (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) أي يلقيه في قلبها دون واسطة وكما هو تعالى قادر على خلق ما ذكر في قلوبهم ابتداء بدون واسطة جائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم ما أمر بتبليغه إليهم مما يدل على ذلك من كلام يهدى إليه، ويكون ذلك الواسطة، إما بغير البشر كالملائكة مع الانبياء - عليهم السلام - يوحون إليهم ما أرسلوا به أو من جنسهم كالانبياء مع الامم ينبئونهم ما أنزل إليهم، ولا مانع لهذا الذي ذكر يمنع وصوله إلى عباده بواحدة من حالتي

[ 407 ]

الابتداء والواسطة من دليل العقل بتجويزه إياه إذا جاز هذا ولم يستحل، وجاءت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بما دل على صدقهم من معجزات وجب على المرسل إليهم تصديقهم في جميع ما أتوا به مما كلفوا بتبليغه لان المعجزة مع التحدي من النبي قائم مقام قول الله: صدق عبدي فأطيعوه وأتبعوه وشاهد على صدقه فيما يقوله من دعواه النبوة والرسالة إلى من أرسل إليهم، وهذا كان في قضائه بإمكان ما ذكر وأن المعجز مؤذن بصدق النبي صلى الله عليه وسلم لقيامه مقام إخبار الله تعالى بأنه صادق تجري عادته في خلق العلم بصدقهم علما ضروريا. الفصل الثالث قال القاضي - رحمه الله تعالى -: اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الانبياء من الايات الخارقة للعادة معجزة هو أن الخلق عجزوا عن الاتيان بمثلها، فكان عجزهم عنها سببا لتسميتها معجزة من العجز المقابل للقدرة، وحقيقة الاعجاز إثبات عجز المرسل إليهم، استعير لاظهار عجزهم ثم استند إلى ما هو سبب لاظهاره من الخوارق، والمعجزة على ضربين: من حيث كونها مقدورة للبشر وغيره مقدورة، وله ضرب وهو من نوع ما يمكن دخوله تتحت قدرة البشر ويمكنهم الاتيان به فعجزوا عنه فتعجيز الله إياهم عنه فعل لله تعالى دل على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم لانه كصريح قوله: صدق عبدي في دعواه الرسالة لجري العادة بخلقه تعالى علما ضروريا بصدقه كمن قال لجمع أنا رسول الله - تعالى - إليكم ثم نتق فوقهم جبلا، ثم قال: إن كذبتموني وقع عليكم وإلا انصرف عنكم فكلما هموا بتصديقه بعد عنهم أو تكذيبهم قرب منهم، فإنهم يعلمون ضرورة صدقه مع قضاء العادة بامتناع صدور ذلك من الكاذب منهم، كصرف اليهود عن تمني الموت إذ يعجزهم عن تمنيه مع إمكانه فيعلمون ضرورة أنه صادق. وضرب من المعجزة وهو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الاتيان بمثله كإحياء الموتى، إذ ليس من جنس أفعالهم وأما إحياؤهم على يد عيسى صلى الله عليه وسلم معجزة له، فكأنما كان من الله تعالى لامته شهادة، وإحياء الموتى بإذن الله تتعالى " وأن تخرج الموتى بإذني " وقلب العصا حية تسمى معجزة لموسى صلى الله عليه وسلم، وإخراج ناقة من صخرة بلا واسطة وأسباب معهودة معجزة لصالح صلى الله عليه وسلم، وكلام الشجرة، ونبع الماء من بين الاصابع وانشقاق القمر معجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى حقيقة وتحديه من يكذبه إن طلب منه أن يأتي بمثله تعجيز له عن ذلك. واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا أي لما هو من نوع قدرة البشر، وما هو خارج عنها، وهو صلى الله عليه وسلم أكثر الانبياء معجزة، وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا، وهي مع كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها وهو

[ 408 ]

القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر لان النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجزوا عنها قال أهل العلم: وأقصر سور القرآن (إنا أعطيناك الكوثر) (الكوثر / 1) لانها ثلاث آيات حروفها أقل من حروف آيات سورة هي ثلاث مثل (قل هو الله أحد) (الاخلاص / 1) وكل آية منه طويلة بعدد آياتها كلمات وحروفا أو آيات منه بعدد آيات وحروف كلمات معجزة لا تتعارض موازاة ومداناة ثم في سورة الكوثر نفسها معجزات على ما سنفصله فيما اشتمل عليه القرآن من المعجزات التي فاقت الحصر. الفصل الرابع قال القاضي - رحمه الله تعالى - أيضا: معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين. الاول: ما علم قطعا، ونقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية ولا خلاف في مجئ النبي صلى الله عليه وسلم به وظهوره من قبله واستدلاله به على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم وكونه رسولا إلى الناس كافة ونحو ذلك، وإن أنكر مجيئه به وظهوره من قبله واستدلاله به معاند حائر عن منهج القصد باغ يرد الحق مع علمه جاحد له منكر، فإنكاره كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وإنما جاء اعتراض الجاحدين في كونه حجة صلى الله عليه وسلم كما ورد في كونه كلام الله إذ قالوا: " أساطير الاولين " " ما أنزل على بشر من شئ " " هذا سحر مبين " فالقرآن في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة، وكما شهدت به الاعداء كالوليد بن المغيرة، إذ قال حين تلي عليه منه: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله مغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو من كلام البشر. ووجه إعجازه معلوم ضرورة بجزالة لفظه، وفخامة تأليفه، وبلوغه أقصى درجات مراتب البلاغة والفصاحة وحسن التئام كلماته ونظم آياته وبراعة إيجازه وغرابة فنونه وفصاحة وجوه فواتحه وخواتمه، فلا يحتاج العلم به إلى دليل. قال بعض الائمة - رحمهم الله تعالى -: ويجري هذا القسم من معجزاتته الذي علم قطعا ونقل إلينا متواترا أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان جميع معانيها على يديه صلى الله عليه وسلم ناطقة بصدقه شاهدة بنبوته، ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه قد جرت على يديه صلى الله عليه وسلم عجائب، وإنما صدر خلاف المعاند في كون العجائب فائضة من قبل الله تعالى من حيث إن ذلك المعجز مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة قوله تعالى: يا عبدي، صدقت فيما تدعيه من الرسالة ! فقد علم وقوع مثل هذا من نبينا صلى الله عليه وسلم ضرورة لا تفاق معانيها في كونها خوارق عادت مفحم من تصدى لمعارضتها كما يعلم ضرورة جود حاتم الطائي وشجاعة عنترة العبسي وحلم أحنف بن قيس - رضي الله تعالى عنه - لاتفاق الاخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم

[ 409 ]

حاتم وشجاعة عنترة وحلم أحنف، وإن كان كل خبر من أخبارهم الثلالثة لا ويجب العلم، ولا يقطع بصحته لعدم تواتر كل واحد منها منفردا في كل عصر. القسم الثاني من معجزاته صلى الله عليه وسلم لم يبلغ مبلغ الضرورة ولاقطع وهو على نوعين: الاول: ما اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير، وشاع ا لخبر به عند المحدثين والرواة، ونقلته السير والاخبار كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وتكثير الطعام. الثاني: ما لم يشتهر ولا ينتشر اختص به الواحد والاثنان ورواه العدد اليسير واشتهر اشتهار غيره لكنه إذا جمع إلى مثله، اتفقا في المعنى المقصود به الاعجاز، واتفقا على الاتيان بالمعجزة كما قدمنا من أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه، وأنه إذا انضم بعضها إلى بعض أفاد القطع. تنبيهات الاول: قال ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - في " فتاويه ": انتدب بعض العلماء لاستقصاء معجزاته صلى الله عليه وسلم فجمع منها ألف معجزة، وعددناه مقصرا إذ هي فوق ذلك بأضعاف لا تحصى فإنها ليستت محصورة على ما وجدناه منها في عصره صلى الله عليه وسلم بل لم تزل تتجدد بعده صلى الله عليه وسلم على تعاقب العصور وتتلاحق كراماتت الاولياء من أمته وإجابات المتوسلين به في حربهم ومعوناتهم عقب توسلهم به في شدائد براهين له قواطع ومعجزات له سواطع لا يعدها عاد ولا يحصرها حاصر. الثاني: فرق جماعة بين المعجزة والسحر والكرامة قال الامام المازري: الفرق بينهما أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا، أما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي، ونقل إمام الحرمين الاجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق. ونقل النووي في زياداتت الروضة عن المتولي نحو ذلك، وينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه، فإن كان متمسكا بالشريعة متجنبا للموبقات فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر، لانه ينشأ عن أحد أنواعه كإعانة الشياطين غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الاشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون (وجاؤوا بسحر عظيم) (الاعراف / 116) مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا، ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء

[ 410 ]

الخير والشر، وفي الابدان بالالم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك. وقال القرطبي: السحر حبل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب. الثالث: التحدي بطلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهري: تحديت فلانا إذا باريتته في فعل ونازعته الغلبة وحدأ حدوا هو حادي الابل، وأحدى بها حداء إذا عنى، ومن المجاز: تحدى أقرانه إذا باراهم ونازعهم الغلبة، وأصله في الحدا يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان فيتحدى كل واحد منهما صاحبه أي طلب حداه، وفي حواشي الكشاف: كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين العطار، وحاد عن يساره يتحدى كل واحد منهما صاحبه المعنى يمتحديه أي يطلب منه حداه ثم اتسع فيه، حتى استعمل في كل مباراة ذكره الامام الطيبي - رحمه الله تعالى -. الرابع: الهاء في المعجزة للمبالغة وتوكيد الصفة، كما في علامة ونسابة، وأضيفت الهاء لهذا المعنى دون باقي الحروف، لانها كما قال السهيلي في روضه: غاية الصوتت ومنتهاه، لانها من أقصى الحلق، إما قبلها أو معها أو بعدها، وقبل الالف أو معها أو بعدها أيضا كما هو مذهب سيبوبه، ومن ثم لا يكسر لما هي فيه فلا يقال في علامة ونسابة ع، علاليم ونساسيب لئلا يذهب اللفظ الدال على المبالغة كما لم يكسر المصغر لذلك، وقيل: الهاء فيه للنقل من الوضعية كما في الحقيقة، لانها مأخوذة من العجز وجعل الدلالة. الخامس: قال بعضهم: إن كبار الائمة يسمون معجزات الانبياء دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد في القرآن ولا في السنة لفظ المعجزة، وإنما فيهما لفظ الاية والبينة والبرهان، فأما لفظ الاية فكثير ولفظ المعجزة إذا أطلق لا يدل على كون ذلك آية إلا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، والحاكم في توجيه ذلك وتصنيف التعيين بالمعجزة. قلت: لفظ المعجزة وضعه المتكلمون على ما اشتمل على الشروط الاربعة السابقة من آيات الانبياء صللى الله عليهم وسلم ولا صيغة لذلك خلافا للما زعمه والتعيين بالاية والبرهان والبينة لا ينافس ذلك. وكل معجزة آية وبرهان وبينة ولا عكس كما يظهر في الكلام على حد المعجزة. السادس: أنه صلى الله عليه وسلم كون الحمد لله في خبر ضماد بأن اسمية الجملة التي هي في الاصل إخبارية أريد بها الانشاء تنزيلا للسلامة منزلة المذكر كونه " الحمد لله " بالذات لله إزالة لما عسى يكون عنده من الانكار وأردف صلى الله عليه وسلم بكل الجملة بجملة فعلية تلويحا بأنه مقام تجديد نعم يؤذن الحمد بازديادها، فناسب أن يورد ما يدل على تجدد، والحدوث أو حمد الله - تبارك وتعالى - بهما مبالغة من حمده لما مر عليه من شرائف النعم وكرائم التتميم أو حملا

[ 411 ]

للاولى على الخبر، وهذه على الانشاء، وهي بكون العظمة إخطار لملزومها الذي هو ما أنعم عليه ربه به، تعظيما وتبجيلا امتثالا لقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) (الضحى / 11) فلم يقل وشهد ليجري على ما قبله تفننا من الكلام، فإنه نقله من أسلوب إلى آخر يزيده حسن نظرته، أي إحداثا وتجديدا لنشاط السامع وإيقاظا لاصغائه أكثر. السابع: في بيان غريب ما سبق: آثر وجمع أثره - بفتح الهمزة والمثلثة - وتقدم تفسيرها. برع: بموحدة وراء وعين مهملتين فاق أقرانه. رجاحة:.. لم يمتر:... أبو رمثة: براء مكسورة فميم ساكنة فمثلة فتاء تأنيث اسم. ضماد: بضاد معجمة مكسورة فميم فألف فدال مهملة أصله الشد. قابوس البحر: وسطه والجنة. الوسق: بفتح الواو وكسرها ستون صاعا. الخطام: بكسر الخاء المعجمة وبالطاء المهملة ما يقاد به البعير. الظعينة: بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالنون وتاء التأنيث. الجلندى: بضم الجيم وفتح اللام والدال المهملة بينهما نون ساكنة. عمان: بفتح العين المهملة وتشتديد الميم مدينة قديمة بالشام في أرض البلقاء فأما عمان: بالضم والتخفيف فموضع عند البحرين. لا يبطر: لا يبغي إذا انتصر عليهم بل يسلك فيهم ما أمر به. لا يفجر: لا ينهي عن شئ من مكروه ببنيته بالبناء للفاعلية أو المفعولية.

[ 412 ]

الباب الثاني في إعجاز القرآن واعتراف مشركي قريش بإعجازه، وأنه لا يشبه شيئا من كلام البشر، ومن أسلم لذلك قال الله سبحانه وتعالى (قل لئن اجتمعت الانس والجن) (الاسراء / 88) منهم العرب العاربة وأرباب البيان وتفانوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن من بلاغته وحسن نظمه وقوله (لا يأتون بمثله) (الاسراء: 88) جواب قسم محذوف (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (الاسراء: 88) معينا على الاتيان بمثله، ولم يدرج الملائكة في الفريقين مع عجزهم أيضا عنه، لانهما هما المتحديان، ومن ثم تعجبت الجن من حسن نظمنه وبلاغته البالغة أقصى درجاتها، فقالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به) (الجن: 21) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من الانبياء نبي إلا أعطى من الايات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله - عز وجل - فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا " رواه الشيخان. قال الحافظ - رحمه الله - قوله: " ما من الانبياء نبي إلا أعطى " هذا دال على أن النبي صلى الله عليه وسلم لابد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة قال ابن قرقول: " من " الاولى بيانية والثانية زائدة، و " ما " موصولة أو نكرة موصوفة، ووقعت مفعولا ثانيا " لاعطى " و " مثله " مبتدأ آمن خبره، والجملة صفة للنكرة صلة الموصول والراجع إلى الموصول ضمير المجرور في " عليه " أي مغلوبا عليه في التحدي والمباراة، والمراد بالايات المعجزات وموقع المثل هنا موقعه في قوله (فأتوا بسورة من مثله) (البقرة / 23) أي مما يبين عليه صفتته في البيان وعلو الطبقة في حسن النظم، والمثل يطلق ويراد به عين الشئ وما يساويه، والمعنى أن كل نبي من الانبياء قد أعطاه الله تعالى من المعجزات الدالة على نبوته الشئ الذي من صفته، أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الايمان به. وتحريره: أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خوارق العادات حسب زمانه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة فكانت تلقف ما صنعوا كقلب العصا ثعبانا في زمن موسى فخص كل نبي بما أثبت به دعواه من خوارق العاداتت المناسبة لحال قومه، وإخراج اليد بيضاء وإنما كان كذلك، لانه الغالب في زمانه السحر، إذ كان ماشيا عند فرعون فأتاهم بما هو فوقه فاضطرهم إلى الايمان به ولم يقع ذلك لغيره، وفي زمن عيسى الطب، فجاءهم بما هو أعلى منه من إبرائ‍ الاكمه والابرص بما ليس في قدرة بشر وهو إحياء الميت، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فأرسله في العرب العرباء أصل الفصاحة والبلاغة وتأليف الكلام على أعلى طبقاتها ومحاسن بدايتها باسم القرآن فأعجزهم عن الاتيان بأقصر سورة منه وقوله " امن " وقع في رواية حكاها ابن قرقول

[ 413 ]

" أو من " بضم الهمزة ثم واو وقوله " عليه " هنا بمعنى اللام أو الباء الموحدة والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكنه قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما) (النمل / 14) وقال الطيبي: المجرور في " عليه " حال، أي مقلوبا عليه في التحدي، وموقع المثل موقعه من قوله: (فأتوا بسورة من مثله) (البقرة / 23) أي من صفته من البيان وعلو الطبقة في البلاغة، وقوله: " وإنما كان الذي أوتيته وحيا " الخ معناه معظم الذي أوتيته وإلا فقد أوتي من المعجزات مالا ينحصر والمراد به القرآن وقد تقدم أنه المعجزة الباقية على وجه الدوام إلى يوم القيامة لبلوغه أعلى طبقات البلاغة وأقصى غايات الاعجاز، فلا يتأتي لاحد أن يأتي بأقصر سورة منه لجزالة تركيبه، وفخامة ترتيبه الخارج عن طوق البشر، وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه، المراد به المعجزة العظمى التي اختصه بها دون غيره، لان كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، ولذلك رتب على قوله: " وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " يريد لاضطرار الناس إلى الايمان به إلى يوم القيامة وذكر ذلك على وجه الرجاء لعدم العلم بما في الاقدار السابقة وقيل المعنى أن معجزات الانبياء انقرضت بانقراض أعمارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرق العادة في اسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الاعصار إلا ويظهر فيه شئ مما أخبر أنه سيكون يدل على صحة دعواه، ولهذا قال " وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". قال الحافظ: هذا أقوى المحتملات وتكميله في الذي بعده. وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالابصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة مرة فيكون من يتبعه لاجلها أكثر، لان الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل يشاهده كل من جاء بعد الاول مستمرا، قال الحافظ - رحمه الله تعالى -: ويمكن نظم هذه الاقوال كلها في كلام واحد، فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا، رتب صلى الله عليه وسلم قوله: " فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والاخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك وهذه الرجوى قد تحققت فيه فإنه أكثر الانبياء تابعا ولا خلاف بين الفقهاء أن كتاب الله - عز وجل - معجز لم يقدر أحد على معارضته مع تحديهم بذلك قال تعالى (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (التوبة / 6) فلولا

[ 414 ]

أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة وإلا فهو معجزة. وقال الله تعالى: وقالوا: (لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الايات عند الله، وإنما أنا نذير مبين) (العنكبوت / 50) (أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (العنكبوت / 51) فأخبر أن الكتاب آية من آياته كان في الدلالة قائم مقام معجزات غيره، وآيات من سواه من الانبياء وقد جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا ثم تحداهم بعشر سور منه، ثم تحداهم بسورة، فلما عجزوا عن معارضته والاتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، هذا وهم الفصحاء الذين كانوا أحرص شئ علبى إطفاء نوره، وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهخم أن حدث نفسه بشئ من ذلك ولا رامه بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: " سخر " للطافته، وتارة قالوا: " سحر " لحسن نظمه وفصاحته، وقال آخرون إنه أساطير الاولين، لاستغرابهم معانيه، وقال آخرون: " قول الكهنة " لتحيرهم فيه، كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا انف شئ وأشده حمية، فلو علموا أن الاتيان بمثله من قدرتهم لبادروا إليه، لانه كان أهو عليهم. وقال بعض العلماء: الذي أورده صلى الله عليه وسلم على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الاتيان بمثله أعجب في الاية وأوضح في الدلالة من فلق البحر وإحياء الموتى وإبراء الاكمه، النه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورواد البيان والمتقدمة في اللغز بكلام مفهوم المعنى وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد عسى صلى الله عليه وسلم عند إحياء الموتى لانهم كانوا لا يطمعون فيه، ولا في إبراء الاكمه والابرص ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، وقال القاضي: معجزات الرسل كانت واردة على أيديهم بقدر أحوال أهل زمانهم، وكانت بحسب المعنى الذي علا واشتهر فيه، فلما كان زمن موسى صلى الله عليه وسلم غاية علم أهل السحر بعث إليهم بمعجزة العصا حية واليد السمراء يدا بيضاء من غير سوء لم يكن ذلك المعجز في قدرتهم، وقد أبطل ما جاءهم منها بسحرهم، وكذلك زمن عيسى صلى الله عليه وسلم كان انتهاء ما كان عليه أهل الطب، وأوفر ما كان في أهله فجاءهم على يديه صلى الله عليه وسلم أمر لا يقدرون عليه لاستحالة إتيانهم كغيرهم به وأتتاهم بما لم يخطر لهم ببال من إحياء الموتى وإبراء الاكمه الذي ولد ممسوح العين والابرص، وهو الذي بيده بياض فكان يأتيه من أطاق

[ 415 ]

الاتيان، ومن لم يطق ذهب به إليه فربما اجتمع عنده الالفان يظهر لهم ذلك، فيداويهم من دون معالجة، وذلك بالدعاء، وهكذا سائر معجزات الانبياء بقدر علم أهل زمانهم، فإن كان نبي مرسل إلى قومه بمعجزة من جنس ما عاينوه من علم وصناعة وغيرها. ثم بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، وجملة معارف العرب وعلومها أربعة: البلاغة: وهي ملكة يبلغ بها المتكلم من تأدية المعاني حدا يوزن بتوفيته خاصية كل تركيب حقها. والشعر: وهو كلام موزون مقفى مراد به الوزن. والخبر والكهانة: الخبر عن الكائنات وادعاء معرفة الاسرار كان متفشيا فأنزل الله سبحانه عليه القرآن الخارق لهذه الاربعة الفصول من أجل الفصاحة والايجاز والبلاغة الخارجة عن نوعه وطريقته، وكان العرب بالفصاحة، ويتباهون في تحبير الشعر والبلاغة، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، فأنزله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قرآنا عربيا مبينا يشتمل على مذاهب لغة العرب، فتلا عليهم كلاما متشابه الرصف متجانس الوصف، سهل الموضوع، عذب المسموع، خارجا عن موضوع القريض والاسماع مستعذبا لافهام الاسماع فلما سمعوه استبعدوه فقالوا فيه ما قالوا، فتحداهم على أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور من مثله فعجزوا، ثم تحداهم بسورة من مثله، فألوا عند العجز إلى القتل والقتال، وسبقوا العصور إلى الجحود والجدال، فملا عدلوا عن معارضته التي لو تمت كان يدل على كذبه إلى قتاله الذي لو تم موضعهم فيه لم يدل على كذبه كان الاعجاز باديا ظاهرا وعجزهم عن معارضته وانتحاله معلوم، فالقرآن أفضل المعجزات لبقائه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق معجز غيره بعد وفاته، آمنا به، ولان الاحكام الشرعية مستنبطة منه ولم تستنبط من معجز سواه، فالقرآن بحر لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وحكى أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقول (فاصدع بما تؤمر) (الحجر: 94) ضحك وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام، وسمع رجلا آخر يقرأ (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) (يوسف: 80) فقال: أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وحكى الاصمعي: أنه سمع كلام جارية، وهي تقول: أستغفر الله من ذنوبي، فقلت لها: لم تستغفرين، ولم يجر عليك القلم ؟ قال: فقالت: أستغفر الله لذنبي كله: قتلت إنسانا لغير حله مثل غزال نائم في دله، انتصف الليل ولم أصله فقلت لها: لماذا تبكي، ما أفصحك، فقالت: أو يعد هذا فصاحة، بعد قوله تعالى (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)

[ 416 ]

(القصص: 7) فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين وبشارتين، والاثار في هذا النوع كثيرة. وقال القاضي - رحمه الله تعالى -: وحقا، إن العرب قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الامم وأتوا من ذرابة اللسان منا لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الالباب عن أن تلهج بتراكيب صناعتهم وتبهيج أساليب صياغتهم أفانين الكلام، فجعل الله - تعالى - ذلك لهم طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديهة في المقاماتت شديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون به إلى ما يررمونه من نجاح مأربهم، ويتوصلون به إلى الفوز بمطالبهم، ويرفعون ويضعون من أرادوا، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال الذي انسجم لفظه، ولطف معناه في مواسمهم ومقاصدهم، ويطوقون من أوصافهم الحميدة وسماتهم الحميدة ما رأوه أهلا من أوصافهم أجمل سمط اللال، فيخدعون الالباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الاحن، ويهجون الرتن ويجرئون الجبان، ويبسطون الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل والكلام الفخم، والطبع الجوهري والمنزع القوي، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والالفاظ التابعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول، القليل الكلفة الكثير الروق، الرقيق الحاشية وكلا البابين لهما في ا لبلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقدح الفالج، والميع الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، يتصرفون في معاني أفانين الكلام، فيقلدون بجوز الاذهان روائع طرائفه، ويسترقون الاسماع ببدائع عوارفه، وقد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين وتفاولوا في القل والكثير وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعهم إلا رسول كريم منهم، بكتاب عزيز بلسانهم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظاهر إيجازه، وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه، ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه، وبدائعه واعتدل مع إيجازه، حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده، مختار لفظه أزلا لله تعالى، فارقا لعلومهم الاربعة، من الفصاحة والايجاز والبلاغة الخارجة عن نوع كلامهم، ومن النظم الغريب، والاسلوب العجيب، الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقته، ولا علموا في أساليب الكلام والاوزان مثلا، ومن الاخبار عن الكوائن والحوادث والاسرار والمجنات والضمائر، فيوجد على ما كانت عليه ويعترف المخبر عنها نصحه ذلك وصدقه، وإن كان أعدى العدو

[ 417 ]

إذا أبطل الكهانة الذي تصدق مرة وتكذب عشرا، ثم ليجتثها من أصلها برجم الشهب ورسل النجوم، وجاء من القرآن من الاخبار عن القرون السالفة، عن الانبياء والامم البائدة من الحوادث الماضية ما ينجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في الخطابة رجالا، وأكثر في السجع والشعر سجالا، وأوسع في اللغة والغريب مقالا، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يناضلون صارخين بها في كل حين ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رءوس أشرافهم ورؤسائهم أجمعين، فتحداهم أولا بكل القرآن، ثم تحداهم بعشر سور، فقال تعالى: (أم يقولون: افتراه) (يونس: 38) أي بل يقولون اختلقه، والهمزة إشارة لقولهم، أو تقرير لالزام الحجة عليهم، وهما متقاربان، لان مالهما واحد وهو إبطال ولهم وتثبيت التقرير بما يؤذن به قل على سبيل التهكم عليهم، والتقريع لهم، والمناداة على كمال عجزهم، وإلزام الحجة عليهم، إن كان الامر كما زعمتم على وجه الافتراء بعشر سور مثله في البيان وحسن النظم مفتريات مختلفات من عند أنفسكم، " وادعوا من استطعتم من دون الله " أي استعينوا بغير الله ممن يمكن استعانتكم به على الاتيان بذلك، لانه تعالى هو القادر عليه وحده " إن كنتم صادقين " في أنه افتراه، فعجزوا عن ذلك فتحداهم بسورة واحدة منها، كما قر عليهم، فقال الله - عز وجل -: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) (البقرة / 23) أي مما ثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم (وادعوا شهداءكم من دون الله) (البقرة / 23) أي استظهروا لمعارضته من حضركم، أو ارجوا معونة غير الله تعالى، فإنه هو القادر عليه إن كنتم صادقين في أنا لم ننزله عليه، فلما عجزوا عن معارضته والاتيان بسورة تشهد عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن، وكانوا أحرص شئ على إخفاء نوره، فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجة، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم، ويستبيح أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم بالتشغيب، والتكذيب، والاغراء بالافتراء، كقولهم (إن هذا إلا سحر يؤثر) (المدثر / 24) (سحر مستمر) (القمر / 2) (إفك افتراه) (الفرقان / 4) وأساطير الاولين والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم (قلوبنا غلق) (البقرة / 88) (في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) (فصلت / 5)، لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه بخرافات وسواقط الكلم رافعين أصواتكم بها، تشويشا على قارئه، والادعاء مع العجز بقولهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) (الانفال / 31) وقاحة وفرحا وعنادا وإلا فما منعكم لو ساعدتهم الاستطاعة إن شاءوا ذلك أن تحداهم وقرعهم بالعجز ليفوزوا للغلبة فرحا بأنفسهم واستنكافهم أن يغلبوا فيها في باب البيان وقد قال تعالى (ولن تفعلوا) (البقرة / 24) فما فعلوا،

[ 418 ]

وما قدروا على أن يأتوا بمقدار سورة توازيه وتدانيه، مع علمهم في مضادته ومضارعته. فصل: لما أثبت كون القرآن معجزة لنبينا صلى الله عليه وسلم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الاعجاز، وقد خاض الناس في ذلك كثيرا بين محسن ومسئ فزعم قوم أن التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات وأن العرب كلفت في ذلك ما لا يطاق، وبه وقع عجزها وهو مردود، لان مالا يمكن الوقوف عليه لا يتصور التحدي به والصواب ما قاله الجمهور أنه واقع بالدال على القديم الذي يوصف به الذات، وأن العرب كلفت في ذلك مالا يطاق، وهو الالفاظ، ثم زعم النظام من " المعتزلة " أن إعجازه بالصرفة أي أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات، وهذا قول فاسد، بدليل (قل لئن اجتمعت الانس والجن) (الاسراء / 88) الاية، فإنه على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم لمنزلة منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحتفل بذكره، مع أن الاجماع منعقد على أن الاضافة للاعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا، وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى، حيث سلبهم القدرة على التيان بمثله، وأيضا فيلزم من القول بالصرفة زوال الاعجاز بزوال زمان التحدي وخلوا القرآن من الاعجاز، وفي ذلك خرق إجماع الامة، فإن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم العظمى باقية ولا معجزة له باقية سوى القرآن، قال قاضي أهل الحق أبو بكر الباقلاني: ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع عنها الصرف لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه قال: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أن الكل قادرون على الاتيان بمثله، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجه ترتيبه، ولو تعلموه لوصلوا إليه به، ولا أعجب من قول آخرين أن العجز وقع منهم، وأما من بعدهم ففي قدرته الاتيان بمثله، وكل هذا لا يعتد به، ومن الاول قول القاضي أبي بكر: وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لاساليب خطاباتهم، قال: ولهذا لم يمكنهم معارضته. قال: ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من أصناف البديع التي أودعوها في الشعر، لانه ليس مما يخرق العادة، بل يمكن استدراكه بالعلم والتدريب والتصنع به، كقول الشاعر ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة، وله طريق تسلك، فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، ونحن نعتقد أن الاعجاز في بعض القرآن أظهر، وفي بعض أدق وأغمض. وقال الامام الرازي: وجه الاعجاز الفصاحة، وغرابة الاسلوب، والسلامة من جميع العيوب.

[ 419 ]

وقال الزملكاني: وجه الاعجاز راجع إلى التأليف الخاص به، لا مطلق التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة وعلت مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى. وقال حازم في " منهاج البلغاء ": وجه الاعجاز في القرآن، من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشئ اليسير المعدود ثم تعرض الفترات الانسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريقه وأجزاء منه. وقال ابن عطية الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه، أنه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه، وذلك بأنه - عز وجل - أحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الاولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الاتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا ثم ينظر فيها فيغير فيها، وهلم جرا، وكتاب ا لله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة، وقامت الحجة على العالم بالعرب، إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة، وفي معجزة عيسى بالاطباء، فإن الله - عز وجل - إنما جعل معجزات الانبياء بالوجه الشهر أبرع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته، وكذلك الطب في زمن عيسى، والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الخطابي: ذهب الاكثرون من علماء النظر إلى أن وجه الاعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا فيه إلى حكم الذوق، قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح الغريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، فالاول أعلاها، والثاني أوسطها، والثالث أدناها وأقربها، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الاوصاف نمط من الكلام،

[ 420 ]

بجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما على الانفراد في نعوتهما، كالمتضادين، لان العذوبة تتابع السهولة، والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الزعوره، فكان اجتماع الامرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما على الاخر فضيلة خص بها القرآن، ليكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله لامور. منها: أن علمه لا يحيط بجميع أسماء ا للغة العربية، وأوضاعها التي هي ظروف المعاني ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض فيتوصلوا باختيار الافضل من الاحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة، لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا، وأشد تلاؤما، وتشاكلا من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاثة، على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا، لانه جاء بأفصح الالفاظ في أحسن نظوم التآليف مضمنا أصح المعاني، من توحيد الله تعالى، وتنزيهه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم وحضر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بالمعروف، ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الاخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شئ منها موضعه الذي لا يرى شيئا أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أليق به منه مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل منه مثلات الله تعالى بمن مضى وعاند منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الاتية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أكبر للزوم ما دعا عليه وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى عنه، ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الامور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، وفزعا في النفوس يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم، يقولون (أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (الفرقان: 5) مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك، من الامور التي أوجبها العناد والجهل والعجز، ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس، وهو صنيعه في

[ 421 ]

القلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما، ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال آخر، ما يخل منه إليه قال الله - سبحانه وتعالى - (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) (الحشر: 21) وقال (نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) (الزمر / 23). وقال ابن سراقة اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره. فقال قوم: هو الايجاز مع ا لبلاغة. وقال آخرون: هو البيان والفصاحة. وقال آخرون: هو الرصف والنظم وقال آخرون: فهو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميز عن أجناس خطابهم، حتى إن من اقتصر على معانيه، وغير حروفه، أذهب رونقه، من اقتصر على حروفه وغير معانيه، أبطل فائدته، فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه، وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكل، وسامعه لا يمل، وإن تكررت عليه تلاوته. وقال آخرون: هو ما فيه من الاخبار عن الامور الماضية. وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب، والحكم على الامور بالقطع. وقال آخرون: هو كونه جامعا لعلوم يطول شرحها ويشق حصرها. قال الزركشي في " البرهان ": أجمع أهل التحقيق على أن الاعجاز وقع بجميع ما سبق من الاقوال لا بكل واحد على انفراده، فإنه جمع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الروعة التي له في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقر والجاحد، ومنها: أنه لم يزل ولا يزال غضا طريا في أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين، ومنها: جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبا في كلام البشر. ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره، وجعل غيره نم الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه، كما قال سبحانه وتعالى (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) (النمل / 76) وقال القاضي وغيره من العلماء: (........) اختلف الناس في الوجه الذي وقع به إعجاز القرآن على أقوال حاصلها: أنه وقع بعده وجوه منها: يخص حسن تأليفه، ومنها: التئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه، من قصر وحذف جزء جملة مضاف أو موصوف أو صفة في نحو " واسأل القرية " أي أهلها ومنادون أي برجال، و " يأخذ كل

[ 422 ]

سفينة غصبا " أي سفينة صالحة وغير ذلك مما استدل عليه من جوه الاعجاز، وبلاغته الخارقة لعادة العرب في عجائب تراكيبهم ومنها صورة نظمه العجيب، والاسلوب الغريب المخالف لاساليب كلام العرب، ومنهاج نظمها ونثرها، الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ومنها: ما انطوى عليه من الاخبار بالمغيبات، وما لم يكن موجودا فوجد كما ورد. ومنها إنباؤه عن أخباره الماضية والامم البائدة والشرائع السالفة ما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجهه، ويأتي به على نصه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. ومنها: ما تضمنه عن الاخبار بالضمائر كقوله تعالى (إذ همت طائفتان منكم) (آل عمران / 122) وقوله: (يقولون في أنفسهم لو يعذبنا بما نقول) (المجادلة: 8). ومنها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك كقوله في اليهود: (ولن يتمنوه أبدا) (البقرة / 95). ومنها ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة. ومنها: الروعة التي تلحق قلوب سامعه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب والطور، فلما بلغ هذه الاية (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) إلى قوله " المسيطرون " (الطور / 35 - 37) كاد قلبي (...) أن يطير، قال: ذلك أول ما وقر الاسلام في قلبي، وقد سمع غير واحد آيات منه، فمات لوقته، وألف بعضهم كتابا فيمن قتله القرآن. ومنها: أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الاكباب على تلاوته، يزيده حلاوة. وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد، ويمل مع ا لترديد، ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة " الترداد ". ومنها: كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله عز وجل بحفظه، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ولا أحاط بعلمها أحد، في كلمات قليلة، وأحرف معدودة. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا. ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره، وجعل غيره من الكتب قد يحتاج إليه كما قال

[ 423 ]

تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) (النمل / 76) قال القاضي: والوجوه الاربعة الاول هي المعتمد عليها في الاعجاز والباقي يعد في خصائصه، وبقي من خصائصه كونه نزل على سبعة أحرف، وكونه نزل مفرقا منجما، وكونه ميسرا للحفظ، وسائر الكتب بخلاف ذلك في الثلاثة. قال القاضي: وإذ عرفت ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت أنه لا تحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر، لانه صلى الله عليه وسلم قد تحدى به بسورة منه فعجزوا عنها. قال أهل العلم: وأقصر الصور " إنا أعطيناك الكوثر " فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق. قال الشيخ - رحمه الله تعالى ورضي الله عنه - وإذا أعددت كلمات سورة الكوثر وجدتها بضع عشرة كلمة، وقد عد قوم كلمات القرآن سبعا وسبعين ألفا كلمة وتسعمائة وأربعا وثلاثين تقريبا فالقدر المعجز منه يكون في العدد نحو: سبعة آلاف تقريبا تضرب في ثمانية أوجه الاولان، والسابع والثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر تبلغ ستة وخمسين ألف معجزة، ثم تضم إلى ذلك ما في بعضه من الثالث، والرابع، والخامس، والسادس جملة وافرة فتصل معجزات القرآن بذلك إلى ستين ألف معجزة أو أكثر. انتهى. وقال القاضي أيضا: معجزات الرسل، ويرحم الله سيدي محمد وفا حيث قال: له معجز القرآن في غير جمعه جوامع آيات بها أفصح الرشد حديث ثرية عن حدوث منزه قديم صفات الذات ليس له ضد بلاغ بلاغ للبلاغة معجز له معجزات لا يعد لها حد تحلت بروح الوحي لت نسجه عقود اعتقاد لا يحل لها عقد وغاية أرباب البلاغة عجزهم لديد وإن كانوا هم الالسن اللد ورحم الله السرقسطي حيث قال: عجزت بالوحي أرباب البلاغة في عصر البيان فضلت أوجه الحيل سألتهم سورة في مثل حكمته قتلهم عنه العجز حين تلي ورام رجس كذوب أن يعارضه بغي عييي فلم يحسن ولم يطل مشيح بركيك الافك ملتبس ملهج بذوي الزور والخطل يمج أول حرف سمع سامعه ويعتريه كلال العجز والملل كأن منطق أنورها شد به لبس من الخيل أو مس من الخبل أمرت البين وأعوزت محبته فيها وأعمى بصير العين بالنقل

[ 424 ]

وأبيض الدرع من شؤم راحته من بعد إرساله رسل منه منهل برئت من دين قوم لا قوام له عقولهم من وقاف الفي في عقل يستخبرون فتى الغيب من حجر صلد ويرجون غوث النصر من هبل الاولى: اختلف في قدر المعجزة من القرآن فذهبت بعض المعتزلة إلى أنه يتعلق بجميع القرآن، والايتان السابقتان ترده. وقال القاضي أبو بكر: يتعلق الاعجاز بسورة طويلة كانت أو قصيرة، تشبثا بظاهر قوله: " بسورة ". وقال في موضع آخر: يتعلق بسورة أو قدرها من الكلام، بحيث يتبين فيه تفاضل قوى البلاغة. قال: فإذا كانت آية بقدر حرف سورة، وإن كانت سورة كسورة الكوثر، فذلك معجز قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. قال قوم: لا يحصل الاعجاز بآية بل يشترط الايات الكثيرة. وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) (الطور / 34) قال القاضي أبو بكر: ولا دلالة في الاية، لان الحديث التام لا يتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. الثانية: اختلف في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة. قال القاضي: فذهب الشيخ أبو الحسن الاشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ضرورة وكونه معجزا يعلم بالاستدلال، قال: والذي تقوله: أن الاعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك من ليس ببليغ، فأما البليغ الذي قد أحاط بمذاهب العرب، وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الاتيان بمثله. الثالثة: اختلف في تفاوت ا لقرآن في مراتب الفصاحة، بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشد تناسبا ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وأن كل كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا، وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض، واختار أبو النصر القشيرى وغيره التفاوت، فقال: لا ندعي أن كل ما في القرآن على أرفع الدرجات في الفصاحة وكذا قال غيره: في القرآن الافصح والفصيح، وإلى هنا نحا الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ثم أورد سؤالا، وهو أنه لم يأت القرآن جميعه

[ 425 ]

بالافصح ؟، وأجاب عنه الصدر موهوب الجزري بما حاصله أنه لوجاء القرآن على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام اعرب من الجمع بين الافصح والفصيح، فلا تتم الحجة في الاعجاز فجاء على نمط كلامهم المعتاد، ليتم ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلا أتيت بما لا قدرة لنا عليه أو على جنسه كما لا يصح للبصير أن يقول للاعمى: قد غلبتك بنظري، لانه يقول له: إنما تتم لك الغلبة، لو كنت قادرا على النظر، وكان نظرك أقوى من نظري، فأما إذا فقد أصل النظر، فكيف يصح من المعارضة والله أعلم. الرابعة: قيل: الحكمة من تنزيه القرآن عن الشعر الموزون، مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره، أن القرآن منبع الحق ومجمع الصدق، وقصارى أمر الشاعر التخييل، بتصوير الباطل في صورة الحق والافراط في الاطراء والمبالغة في الذم والايذاء دون إظهار الحق وإثبات الصدق، ولهذا نزه الله - سبحانه وتعالى - نبيه عنه، ولاجل شهرة الشعر بالكذبه سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الامر إلى البطلان والكذب شعرية. وقال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللهجة مغلقا في شعره، وأما ما وجد في القرآن مما صورته صورة الموزون، فالجواب عنه أن ذلك لا يسمى شعرا، لان شرط الشعر القصد، ولو كان شعرا لكان كل من اتفق في كلامه شئ موزون شاعرا، ولكان الناس كلهم شعراء، لانه قل أن يخلو كلام أحد عن ذلك، وقد ورد ذلك على الفصحاء، فلو اعتقدوه شعرا لبادروا إلى معارضته والطعن عليه، لانهم كانوا أحرص شئ على ذلك، وإنما يقع ذلك لبلوغ الكلام الغاية القصوى في الانسجام. وقيل: البيت الواحد وما كان على وزنه لا يسمى شعرا، وأقل الشعر بيتان فصاعدا. وقيل: الرجز لانه لا يسمى شعرا أصلا، وقيل: أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال. الخامسة: قال بعضهم: التحدي إنما وقع للانس دون الجن، لانهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه وإنما ذكروا في قوله (قل لئن اجتمعت الانس والجن) (النساء: 82) تعظيما لاعجازه، لان للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للافراد فإذا فرض اجتماع الثقلين فيه، وظاهر بعضهم بعضا وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز. وقال غيره: بل وقع للجن والملائكة منويون في الاية، لانهم لا يقدرون أيضا على الاتيان بمثل هذا القرآن.

[ 426 ]

وقال الكرماني في " غرائب التفسير ": إنما اقتصر في الاية على ذكر الانس والجن، لانه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة، قلت: وسيأتي بسط الكلام عن ذلك في الخصائص. السادسة: قال القاضي أبو بكر: فإن قيل هل تقولون: إن غير القرآن من كلام الله تعالى معجز كالتوراة والانجيل ؟ قلنا: ليس شئ من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الاخبار بالغيوب وإنما لم يكن معجزا، لان الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولانا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه، كما وقع في القرآن، ولان ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الاعجاز. وقد ذكر ابن جني في " الخاطريات " في قوله تعالى: (يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى) (طه: 65) إن العدول عن قوله " إما أن تلقي " لغرض أحدهما: لفظي وهو المزاوجة لرؤوس الاي، والاخر معنوي، وهو أنه سبحانه أراد أن يخبر عن قوة نفس السحرة، واستهانتهم على موسى فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه إسنادهم الفعل إليه، ثم أورد سؤالا، وهو أنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان، فيذهب هذا المذهب من صنعه الكلام، وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) (طه: 63) أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم. السابعة: سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء / 82). فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدعوى، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا، وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله منزه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله وآخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين، وكلام الادميين تتطرق إليه هذه الاختلافات إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا قيس عليه، وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة،

[ 427 ]

حتى يشتمل على الغث والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والاشعار على أغراض مختلفة، لان الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها صرامة، وتارة يذمونها ويسمونها تهورا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه ا لاختلافات، لان منشأها اختلاف الاغراض والاحوال، والانسان تختلف أغراضه، فيميل إلى الشئ مرة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة - وهي مدة نزول القرآن - فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بشرا تختلف أحواله. فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. الثامنة: قال البارزي في أول كتابه " أنوار التحصيل في أسرار التنزيل ": اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة، قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الاخر، ولابد من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الالفاظ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها، واستحضار هذا متعذر آعلى البشر في أكثر الاحوال، وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والافصح، والمليح والاملح، ولذلك أمثلة، منها قوله تعالى: (وجنى الجنتين دان)، (الرحمن / 54) لو قال مكانه: " وثمر الجنتين قريب "، لم يقم مقامه من جهة الجناس بين الجني والجنتين، ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل. ومنها قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) (العنكبوت / 48)، أحسن من التعبير ب‍ " تقرأ " لثقله بالهمزة. ومنها (لا ريب فيه) (البقرة / 2) أحسن من " لا شك فيه " لثقل الادعام، ولهذا كثر ذكر الريب منها. (ولا تهنوا) (آل عمران / 139)، أحسن من " ولا تضعفوا " لخفته. و (وهن العظم مني) (مريم / 4) أحسن من " ضعف " لان الفتحة أخف من الضمة. ومنها (آمن) أخف من " صدق "، ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق و (آثرك الله) (يوسف / 91) أخف من " فضلك " و (آنى) أخف من " أعطى ". و (أنذر) (يس / 6) أخف من " خوف ". و (خير لكم) (البقرة / 54) أخف من " أفضل لكم "، والمصدر في نحو (هذا خلق الله) (لقمان / 11)، (يؤمنون بالغيب) (البقرة / 3)، أخف من " مخلوق " و " الغائب "، و (تنكح) (البقرة / 230) أخف من " تتزوج "، لان " تفعل " أخف من " تفعل "، ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.

[ 428 ]

التاسع في بيان غريب ما سبق. الخطباء: بالمد جمع خطيب وهو الحسن الخطبة من الكلام المنثور. الرصف: براء مفتوحة فصاد مهملة ساكنة ففاء: الشد والضم. العذبة: القريض وهو الشعر. ذرابة اللسان: من ذرب ككتف حدته. الالباب: جمع لب بضم اللام والموحدة العقل. المآرب: كفاعل جمع مأرب الحاجة. أنسجم: بهمزة فنون ساكنة فسين مهملة فجيم فميم مفتوحات. سمط اللال: أصل السمط السلك ما دام فيه الخرز. إحن: بهمزة مكسورة فحاء مهملة مفتوحة فنون جمع إحنة وهي الحقد. الدمن: بدال مهملة مكسورة فميم مفتوحة فنون جمع دمنة وهي مبارك الابل وهي في الاصل ما في مبارك الابل من بعرها المتلبد. الجعد: بجيم مفتوحة فعين مهملة فدال للمجتمع. البنان: بموحدة تنوين بينهما ألف الاصابع، وقيل: أطرافها وواحدها بنان. الجزل: بجيم مفتوحة فراء ساكنة الكلام التام القوي الشديد. الرونق: الحسن واللطافة. الدامغة: بدال مهملة وألف فميم مكسورة غير معجمة فتاء تأنيث المهلك من دمغة إذا أصاب دماغه. ألهمه: ما ألقى في روعه. بدايع - بموحدة فدال مهملة مفتوحتين فألف فتحتية فعين مهملة - أي نجائهم بغتة من غير موعد ومعرفة فراعهم ذلك وأفزعهم. المجال... الاتجال... التوبيخ.... الاحجام: بهمزة مكسورة فحاء مهملة ساكنة فجيم فألف فميم التأخر عن الشئ والهيبة من أخذه.

[ 429 ]

بهرت - بموحدة فهاء فراء مفتوحات فتاء تأنيث - غلبت بلاغتها. ناكصون:.... تلهم - بمثناة فوقية فلام مفتوحتين فهاء فميم - التهمه. حين - بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية - الهلاك. الرجز: براء مكسورة فجيم ساكنة فمهملة كالنجس. بعي - بعين مهملة مكسورة - العجز. الغي - بغين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية مشددة. يزرى - بزاء فراء التحقير. الخطل - بخاء معجمة فطاء مهملة مفتوحتين فلام - المنطق الفاسد. الكلال: العي والتعب. الورهاء - بواو مفتوحة فراء ساكنة فهاء ممدودة ذا الخرقاء. شذيه - بشين وذال معجمتين فموحدة - فرقه ونقبه. لبس - بلام مفتوحة فموحدة ساكنة فسين مهملة اختلاط. الخبل - بخاء معجمة وموحدة ساكنة - الفساد وبفتحها الجنون. أمرت - بهمزة وميم مفتوحتين وراء شدت أي صار ماؤها مر أو أعمى بصير العين. والتفل: بمثناة مفتوحة وفاء محركة: هو البصاق.

[ 430 ]

في سؤال قريش - رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر قال الله - سبحانه وتعالى -: (اقتربت الساعة وانشق القمر) (القمر / 1) أي وقع انشقاقه ويؤيده قول الله - سبحانه وتعالى - بعد ذلك بآية: (يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) (القمر / 2)، فإن ذلك ظاهر في أن المراد وقوع انشقاقه، لان الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا تبين أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا يتبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالاية التي زعموا أنها سحر. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود، وكان يقول: خمس قد مضين: الروم، واللزوم والبطشة، والدخان، والقمر، وقد وردت قصة انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الامام أحمد والشيخان والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن ابن عمر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جبير بن مطعم ورواه الامام أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس ورواه الامام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق وأنس بن مالك ورواه الامام أحمد والشيخان وأبو نعيم من طرق متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض عن أهل مكة قال ابن عباس رضي الله عنهما كما عند أبي نعيم اجتمع المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل هشام والعاصي ابن وائل والاسود بن حبر يغوث والاسود بن عبد المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، وقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان وفي لفظ: حتى راوحوا من بينهما قدر ما بين العصر إلى الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشهدوا "، فنظر الكفار ثم مالوا بأبصارهم فمحوها ثم أعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا فقالوا: سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم لبعض: لئن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فانظروا إلى السفار، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم، فقد صدق فكانوا يلتقون الركب فيخبرونهم أنهم رأوا مثل ما رأوا فيكذبونهم فأنزل الله عز وجل " اقتربت الساعة ". تنبيهات الاول: لم ينشق القمر لاحد غير نبينا صلى الله عليه وسلم. الثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بمكة مرتين رواه الامام أحمد ومسلم.

[ 431 ]

قال الحافظ ابن كثير: في ذلك نظر، والظاهر أنه أراد فرقتين وتكلم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الافعال تارة والاعيان أخرى والاول أكثر ومن الثاني " انشق القمر مرتين " أي شقتين وفرقتين، وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، لانه لم يقع إلا مرة واحدة وقال البيهقي: قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة وهم سعيد بن أبي عروبة ومعمر بن راشد، وشعبة لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شئ من طرق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنما فيه " فرقتين أو فلقتين " بالراء أو اللام كذا في حديث ابن عمر " فلقتين " وفي حديث جبير بن مطعم " فرقتين " وفي لفظ عنه " فانشق باثنتين " وفي رواية عن ابن عباس عن أبي نعيم في " الدلائل " " فصار قمرين " وفي لفظ: " شقتين " وعند الطبراني من حديثه " حتى رأوا شقين " قال: ووقع في النظم لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانشق مرتين بالاجماع، ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يتعرض لذلك أحد من شراح الصحيحين ثم ذكر كلام ابن القيم وابن كثير قال: وهذا لا يتجه غيره جمعا بين الروايات قال: ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه: فصار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين بالاجماع والنص والتواتر السماع فجمع بين قوله " فرقتين " وبين قوله " مرتين " فيمكن أن يتعلق قوله بالاجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدد، ووقع في بعض الروايات عن ابن مسعود " وانشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى جزأين " وهذا لا يعارض قول أنس أنه كان بمكة، لانه لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلته بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة، فلا تعارض وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله عنه قال " فرأيته فرقتين ". قال الحافظ: وإنما قال انشق القمر بمكة يعني أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود " انشق القمر نصفين نصفا على جبل أبي قبيس ونصفا على قعيقعان. قال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرت، وكذا ما وقع في غير هذه الرواية ومثله روايته عن عبد الله بن مسعود وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود وقال: " انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة فوضح أن مراده بذكر مكة الاشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ونحرر أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى.

[ 432 ]

وقال في موضع آخر في الكلام على الجمع بين روايتي ابن مسعود والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمنى وتارة بمكة إما باعتبار التعدد إن ثبت، وإما بالجمل على أنه كان بمنى ومن قال كان بمكة لا ينافيه لان من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها: " ونحن بمنى "، والرواية التي فيها " مكة " لم يقل فيها ونحن وإنما قال: " انشق بمكة " يعني أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود رضي الله عنه انشق القمر نصفين نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان وأن لفظ السويد قال الحافظ: كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض، وقد وقع عند الطبراني من طريق ذر بن حبيش عن ابن مسعود قال: " انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين، وفي لفظ " السويداء " قال الحافظ: يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمنى كأن يكون على جبل مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، قال: ويحتمل أن يكون القمر استمر منشقا حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك وفيه بعد، والذي يقتضيه غالب الروايات أن الانشقاق كان قرب غروبه يؤيد ذلك إسنادهم الرواية إلى جهة الجبل ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الانشقاق وقع أول طلوعه فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، أو التعبير بأبي قبيس من تغيير الرواة، لان الفرض ثبوت رؤيته منشقا إحدى الشقتين على جبل والاخرى على جبل آخر ولا يغير ذلك قول الراوي الاخر " رأيت الجبل بينهما " أي بين الفرقتين، لانه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلا صدق أن بينهما أي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنها عليه أيضا. قال: وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين أن الايات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الاسراء إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك وجواب هؤلاء إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الاسلام ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض ولا سبيل إلى انكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أجاب القدماء عن ذلك فقال أبو إسحاق الزجاج في المعاني: انكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا انكار للعقل فيه، لان القمر مخلوق له يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه، وأما قول بعضهم لو وقع لجاء متواترا واشترك أهل الارض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة فصوابه أن ذلك وقع ليلا وأكثر الناس نيام وقل من يراصد السماء إلا النادر وقد يقع بالمشاهدة في العادة أي ينكشف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا

[ 433 ]

يشاهدها إلا الاحاد فكذلك الانشاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها. قال ذهب بعض أهل العلم من القدماء إلى أن المراد بقوله تعالى " وانشق القمر " أي سينشق. كما قال تعالى (أتى أمر الله) (النحل / 1) أي سيأتي والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع الذي ذهب إليه الجمهور اصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) (القمر / 2) كما تقدم تقريره في أول الباب، وذكر الامام الحليمي أن القمر انشق في عصره وأنه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقا نصفين عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتصل فصار في شكل أترجه إلى أن غاب.

[ 434 ]

الباب الرابع حبس الشمس له - صلى الله عليه وسلم - روى الطبراني وحسنه الحافظ أبو الحسن الهيثمي في " مجمع الزوائد " وأبو الفضل بن حجر في فتح الباري وأبو زرعة العراقي في شرح تقريب والده عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الشمس أن تتأخر ساعة في النهار فتأخرت ساعة من النهار. روى البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: " لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير، قالوا فمتى يجئ قال: يوم الاربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم يجئ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس فلم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة فلما أدبرت الشمس فخاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه فدعا الله فرد عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم " وقد قال الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس في قصيدة من كتابه " بشرى البيب بذكرى الحبيب ". وقفت له شمس النهار كرامة كما وقفت شمس النهار ليوشعا وروت عليه الشمس بعد غروبها وهذا من الاتقان أعظم موقعا والعلامة بهاء الدين بن السبكي رحمهما الله تعالى في قصيدته المسماة بهدية المسافر إلى الفور المسافر فقال شعرا: وشمس الضحى طاعته وقت مغيبها فما غربت بل وافقتك بوقفة وردت عليك الشمس بعد مغيبها كما أنها قدما ليوشع ردت

[ 435 ]

الباب الخامس في رد الشمس بعد غروبها ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في " معجمه الكبير " حدثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الجرادي بالموصل حدثنا علي بن المنذر حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين بن علي عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الوحي يكاد يغشى عليه فأنزل عليه يما ورأسه في حجر علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صليت العصر يا علي قال: لا يا رسول الله فدعى اله عز وجل فرد عليه الشمس حتى صلى العصر قالت: فرأيت الشمس طلعت بعدها غابت حين ردت حتى صلى العصر. قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي ورجاله رجال الصحيح غير إراهيم بن الحسن وهو ثقة وثقه ابن حبان، قلت: وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه حرجا وأورده الذهبي في المغنى في الضعفاء وقال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة بزوائد رجال الائمة الاربعة " ولم يذكر لذكره فيه مستندا قلت: إنما ذكره لاجل الحديث ولم ينفرد به إبراهيم بل تابعه عليه عروة بن عبد الله بن قشير عن فاطمة بنت علي كما سيأتي وقال الهيثمي وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لا أعرفها قلت: فاطمة هذه روى لها النسائي وابن ماجه في التفسير ووثقها الحافظ ابن حجر في " تقريب التهذيب " وتابعها أبو جعفر بن محمد وجعفر بن أبي طالب، وقال الطبراني حدثنا الحسين بن اسحاق التستري حدثنا عثمان بن أبي شيبة (ح) وحدثنا عبيد بن سنام حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا عبيد الله بن أبي موسى بن فضيل بن مرزوق عن ابراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه الحسين بن إسحاق قال الذهبي في تاريخ الاسلام: محدث ثقة، وعبيد بن غنام وهو ابن حفص بن غياث وثقه مسلم بن قاسم، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة من رجال الصحيحين، وعبيد الله بن موسى من رجال الصحيحين وثقوه، وفضيل بن مرزوق روى له مسلم والاربعة. قال الحافظ ابن حجر في تقريبه صدوق بهم، وإبراهيم بن الحسن ثقة وأن ابن حبان وثقه وفاطمة بنت الحسين روى لها أبو داود في المراسيل وثقها الحافظ في التقريب. تنبيه قال في الرواية السابقة عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت علي عن أسماء وفي هذه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها وقد جمع كل من فاطمة بنت علي وفاطمة بنت الحسين عن

[ 436 ]

أسماء وفاطمة بنت الحسين هي أم إبراهيم بن الحسن بن الراوي عنهما فكأنه سمعه من أمه وعمته فاطمة بنت علي فرواه مرة عن أمه ومرة عن عمتها وقد عد ذاك ابن الجوزي وغيره اضطرابا وليس كذلك. وقال الطبراني: حدثنا اسماعيل بن الحسن الخفاف حدثنا شاذان بن الفضل حدثنا أبو الفضل محمد بن عبيد الله القصار بمصر حدثنا يحيى بن أيوب العلاف قال حدثنا أحمد بن صالح عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني محمد بن محمد بن موسى القطري عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه. وقال شاذان حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمير حدثنا أحمد بن الوليد بن برد الانطاكي حدثنا محمد بن اسماعيل بن أبي فديك به عن اسماعيل بن الحسن بن الخفاف وثقه ابن يونس، ويحيى بن أيوب من رجال النسائي قال الحافظ في " التقريب ": صدوق وأحمد بن صالح من رجال البخاري وأبو داود، وقال في التقريب ثقة حافظ، تكلم فيه النسائي بلا حجة، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء وثقه الطبراني وقال أبو علي الحافظ: كان ركنا من أركان الحديث. واماما من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة وقال الحافظ في الكشاف: صدوق وقال الدارقطني: ليس بالقوي، قال الذهبي في " تاريخ الاسلام هو ثقه ليست له غرائب فما للضعف عليه من علة. علة أحمد بن الوليد بن برد وثقه ابن حبان وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه حرجا وقال كتب عن أبي محمد بن اسماعيل بن أبي فديك نعم القاص روى عنه الائمة والاربعة وذكره البخاري في التاريخ ولم يخرجه، وقال الحافظ في التقريب صدوقا رمي بالتشيع. وعون بن محمد بن علي بن أبي طالب وثقه ابن حبان وذكره البخاري في " التاريخ " ولم يضعفه وأم جعفر ويقال لها أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب من رجال ابن ماجة قال في " التقريب " مقبولة ولهذا أورد الذهبي هذا الطريق في مختصر الموضوعات وابن الجوزي قال غريب عجيب تفرد به ابن أبي فديك وهو صدوق، شيخه القطري صدوق واعترض على هذا فذكر حديث " لم تحبس الشمس لاحد إلا ليوشع بن نون " وسيأتي الجواب عنه ولم يذكر علة غير ذلك. وقال شاذان الفضلي حدثنا أبو الحسن علي بن ابراهيم بن إسماعيل بن كعب الدقاق بالموصل ثنا علي بن جابر الاودي حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثنا أبي حدثنا عروة بن قشير دخلت على فاطمة بنت علي الاكبر فقالت حدثتني أسماء بنت عميس فذكره.

[ 437 ]

علي بن ابراهيم وثقه الازدي نقله الخطيب في التاريخ وعلي بن جابر الاودي بفتح الالف وسكون الواو ودال مهملة وثقه ابن حبان وعبد الرحمن بن شريك روى له البخاري في الادب المفرد قال الحافظ في التقريب صدوق وأبوه من رجال مسلم والاربعة، وروى له البخاري تعليقا قال في " التقريب " صدوق يخطئ كثيرا، وعروة بن قشير: بضم القاف وفتح الشين المعجمة من رجال أبي داود والترمذي في الشمائل ووثقه الحافظ في التقريب، وفاطمة بنت علي تقدمت ولهذا الحديث طرق أخرى عن أسماء أوردت بعضها في كتابي " مزيل اللبس عن حديث رد الشمس " وورد من حديث علي ورواه شاذان ومن حديث ابن الحسين بن علي رواه الدولابي في " الذرية الطاهرة " والخطيب في " تلخيص المتشابه " ومن حديث أبي سعيد رواه الحافظ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن حسكان بمهملتين وفتح أوله الفقيه الحنفي القاضي النيسابوري فيما أملاه من طرق هذا الحديث نقله الذهبي في موضوعات ابن الجوزي من حديث أبي هريرة وابن مردويه وابن شاهين وابن منده وحسنه شيخنا في " الدر المنتثرة في الاحاديث المشتهرة " وقد سبقت أحاديثهم وتكلمت على رجالها في كتابي " مزيل اللبس من حديث رد الشمس " وحديثا مما رواه الطحاوي من طريقين في كتابه " مشكل الاثار " وقال هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، ونقله عن القاضي عياض في الشفاء والحافظ به سير الناس في كتابه " بشرى اللبيب ". وقال في قصيدة ذكرها في شعره. ورد عليه الشمس بعد غروبها وهذا من الايقان أعظم موقعا والحافظ علاء الدين بن مغلطاي في كتابه " الزهر الباسم " واللاذري في " توثيقه عرى الايمان " والنووي في " شرح مسلم " في باب حل الغنائم لهذه الامة ونقله عنه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي في باب الاذان كما في النسخ المعتمدة وأقره وصححه الحافظ أبو الفتح الازدي ونقله ابن العديم في تواريخ حلب وحسنه الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي في تكملته لشرح تقريب والده وقال الامام أحمد وناهيك ولا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حديث اسماء لانه من أجل علامات النبوة رواه الطحاوي فقد انكر الحفاظ على ابن الجوزي إيراده لهذا الحديث في الموضوعات فقال الحافظ ابن حجر: في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " أحلت لكم الغنائم " من " فتح الباري " بعد أن أورد الحديث أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات انتهى. ومن خطه نقلت وقال الحافظ مغلطاي في الزهر الباسم بعد أن أورد الحديث من عند جماعة لا يلتفت إليهم لما أغل به ابن الجوزي من حيث أنه لم يقع له الاسناد الذي وقع لهؤلاء وقال شيخنا في مختصر الموضوعات افرط بايراده له هنا.

[ 438 ]

تنبيهات الاول: نقل ابن كثير عن الامام أحمد وجماعة من الحفاظ أنهم صرحوا بوضع هذا الحديث. قلت: والظاهر أنه وقع له من طريق بعض الكذابين ولم يقع له من الطرق السابقة وإلا فالطرق السابقة يتعذر معها الحكم عليه بالضعف فضلا عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لا عترفوا بأن للحديث أصلا وليس هو بموضوع وما مهدوه من القواعد وذكر جماعة من الحفاظ في كتبهم المعتمدة أو تقوية من قواه كما تقدم ويرد على من حكم عليها بالوضع. التنبيه الثاني: قد علمت رحمني الله وإياك ما أسلفنا من كلام الحفاظ في حكم هذا الحديث وتبين لك ثقات رجاله وأنه ليس فيهم متهم ولا من أجمع على تركه تركه ولاح لك ثبوت الحديث وعدم بطلانه فلم يبق إلا الجواب عما أعل به وقد أعل بأمور. الامر الاول: من جهة بعض جال طرقه فرواه ابن الجوزي من طريق فضيل بن مروزق وأعله به ثم نقل عنه ابن معين تضعيفه وان ابن حبان قال فيه كان يخطئ على الثقات ويأتي بالموضوعات انتهى، وفضيل من رجال مسلم ووثقه السفيانيين وابن معين كما نقله عن ابن أبي خيثمة وقال عبد الخالق من منصور أنه قال فيه صالح الحديث، وقال الامام أحمد لا أعلم إلا خيرا وقال العجلي جائز الحديث صدوق. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وذكره البخاري في التاريخ ولم يضعفه وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيرا نقل جميع ذلك شيخ الاسلام ابن حجر في " تهذيب التهذيب " ومن قيل فيه ذلك لا يحكم على حديثه بالوضع ثم ذكر ابن الجوزي ان ابن شاهين رواه عن شيخه ابن عبده من طريق عبد الرحمن شريك قال وعبد الرحمن قال فيه أبو حاتم واهي الحديث انتهى، وعبد الرحمن هذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ، وقال الحافظ ابن حجر في " التقريب " صدوق ثم قال ابن الجوزي وأنالا أتهم بهذا إلا ابن عقدة أنه كان رافضيا انتهى، فإن كان يتهمه بأصل الحديث فالحديث معروف قبل وجود ابن عقدة وقال الذهبي في مختصر منهاج الاعتدال لشيخه ابن تيمية لا ريب أن ابن شريك حدث به وجاء من وجه آخر قوي عنه انتهى. أراد الطريق الذي رواه ابن شاهين منه فابن عقدة لم ينفرد به بل تابعه غيره، قال شاذان: حدثنا أبو الحسن علي بن سعيد بن كعب الدقاق بالموصل حدثنا علي بن جابر الاودي حدثنا عبد الرحمن بن شريك به حدثنا علي بن سعيد، وعلي بن سعيد، وعلي بن جابر ثقتان، وثق الاول أبو الفتح الاسدي، والثاني ابن حبان. الامر الثاني: قال الجوزقاني وابن الجوزي وغيرهما يقدح في صحة هذا الحديث ما في الاحاديث الصحيحة أن الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون. انتهى.

[ 439 ]

وأجاب الطحاوي في مشكل الاثار، وأقرها ابن رشد في مختصره بأن حسبها غير ما في حديث أسماء من ردها بعد الغروب، وقال الحافظ: في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " أحلت لكم الغنائم " من " فتح الباري " بعد أن أورد حديث حبس الشمس صبح ليلة الاسراء ولا يعارضه ما رواه أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة " لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون " إلى آخره، ووجه الجمع أن لمصر محمول على ما معنى للانبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، وقوله: " لم تحبس الشمس إلا ليوشع بن نون فيه نفي، إنما قد تحبس بعد ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم ". الامر الثالث: في الاضطراب، وتقدم رد ذلك في التنبيه المتقدم أول الكتاب. الامر الرابع: قال الجوزقاني ومن تبعه لو ردت الشمس لكان ردها يوم الخندق للنبي صلى الله عليه وسلم بطريق الاولى. قلت: رد الشمس لعلي إنما كان بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجئ في خبر قط أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في واقعة الخندق أن ترد فلم ترد بل لم يدع على أن القاضي عياض ذكر في ا لاكمال أن الشمس ردت على النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة الخندق فالله أعلم، وقد بينت ضعفه في كتاب " مزيل اللبس ". الامر الخامس: أعل ابن تيمية حديث أسماء بأنها كانت مع زوجها بالحبشة وقلت: هو وهم بلا شك، وبلا أدنى خلاف أن جعفر قدم من الحبشة هو وامرأته اسماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد فتحها، وقسم لها ولاصحاب سفينتهما. الامر السادس: قال ابن الجوزي: ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضيلة ولم يتلمح إلى عدم الفائدة فإن صلاة العصر لغيبوبة الشمس صارت قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى. قلت: لثبوت الحديث على أن الصلاة وقعت أداء بذلك صرح القرطبي في التذكرة قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه ذكره في باب " ما يذكر الموت والاخرة " من أوائل التذكرة ووجهه أن الشمس لما عادت كأنها لم تغب والله سبحانه وتعالى أعلم. التنبيه الثالث: ليحذر من يقف على كلامي هنا أن يظن بي أني أميل إلى التشيع والله يعلم أن الامر ليس كذلك والحامل لي على هذا الكلام أن الذهبي ذكر في ترجمة الحافظ الجسكاني أنه كان يميل إلى التشيع، لانه أملى جزءا في طرق حديث رد الشمس وهذا الرجل ترجمه تلميذه الحافظ عبد الغفار بن اسماعيل الفارسي في " ذيل تاريخ نيسابور " فلم يسعفه بذلك بل أثنى عليه ثناء حسنا وكذلك غيره من المؤرخين نسأل الله تعالى السلامة من الخوض في أعراض الناس بما نعلم وبما لا نعلم.

[ 440 ]

الباب السادس في استسقائه - صلى الله عليه وسلم - ربه - عز وجل - للامته حين تأخر عنهم المطر وكذلك استصحاؤه - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل رواه البخاري وابن ماجة وقال أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل فادع الله عز وجل أن يغيثنا قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم اغثنا اللهم اغثنا مرتين قال أنس وايم الله لا نرى في السماء من سحاب ولا قزحة وما بينا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة كامثال الجبال ثم لم ينزل عن المنبر حتى رأيت الماء يتحادر على لحيته متوالية وما رأيت الشمس صبحا وما زالت تمطر إلى الجمعة المقبلة ثم دخل ذلك الرجل من ذلك الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب واستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما وقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل ادع الله عز وجل أن يمسكها قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الاكام والجبال والظراب وبطون الاودية ومنابت الشجر فما جعل يسير إلى ناحية من السحاب إلا تمزقت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة حتى سال الوادي شهرا ولم يجئ أحد إلا حدث بالجود رواه الامام أحمد والشيخان من طرق. قصة أخرى. قال أنس: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصيح وأنشد: أتيناك والعذراء يدمى لبانها وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الصبي استكانة من الجوع ضعفا ما يمر وما يحلي ولا شئ مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل القامي والعلهز الغسل وليس لنا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد المنبر ثم رفع يديه فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار تملا به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الارض بعد موتها وكذلك تخرجون فوالله ما رد يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأردافها وجاء أهل

[ 441 ]

الوطابة يضجون يا رسول الله الغرق فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب من المدينة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه فقال علي كأنك أردت يا رسول الله قوله. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل وقام رجل من كنانة فقال: لك الحمد والحمد لمن شكر سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة إليه وأشخص منه البصر أغاث به الله عليا مضر وهذا العيان لذاك الخبر فلم تك إلا ككف الردا وأسرع حتى رأينا الدرر وكان كما قال عمه أبو طالب: أبيض ذو غرر. به الله يسقي صوب الغمام ومن يكفر الله يلقى الغير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن يك شاعرا يحسن فقد أحسنت رواه البيهقي وابن عساكر. قصة أخرى. قال أبو أمامة - رضي الله تعالى عنه - قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى في المسجد فكبر ثلاث تكبيرات ثم قال: اللهم ارزقنا سمنا ولبنا وشحما ولحما وما نرى في السماء من سحاب فثارت ريح وغبرة ثم اجتمع السحاب فصبت السماء فصاح أهل الاسواق ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم فسالت في الطرق فما رأيت عاما كان أكثر لبنا وسمنا وشحما ولحما منه إن هو إلا في الطرق ما يشتريه أحد رواه أبو نعيم والبيهقي. قصة أخرى. قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: بنا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره إذا احتاج الناس إلي فالتمسوا في الركب ماء فلم يجدوا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمطرت حتى استقى الناس وسقوا رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قالت عائشة: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فخرج إلى المصلى وقعد على المنبر ورفع يديه حتى رأى بياض إبطيه فأنشأ الله سبحانه وتعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت فلم يأت المسجد حتى سالت السيول فقال: أشهد أن الله على كل شئ قدير وأني عبد الله ورسوله. رواه أبو نعيم.

[ 442 ]

قصة أخرى. قال كعب بن مرة أو مرة بن كعب البهزي: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر فأتاه أبو سفيان فقال: إن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا طبقا مريعا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، فما لبثنا إلا جمعة حتى مطرنا فأتوه فشكو إليه المطر فقالوا: لقد تهدمت البيوت فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا رواه ابن ماجة والبيهقي. قصة أخرى. روى أبو الشيخ عن يزيد بن عبيد الله السلمي والبيهقي بإسناد حسن عن أبي لبابة بن عبد المنذر الانصاري: أن وفد بني فزارة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فصل من غزوة تبوك مقرين بالاسلام، وقدموا على إبل ضعاف عجاف فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدبت جنانا، وعزر عيالنا، وهلكت مواشينا فادع الله لنا أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله ! ! ويلك أن اشفع إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه لا إله إلا الله العلي العظيم، وسع كرسيه السموات والارض، تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الحديد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليضحك من شعثكم، وقرب غياثكم "، فقال الاعرابي: أو يضحك ربنا يا رسول الله قال: نعم فقال الاعرابي: لن نعدم من رب يضحك خيرا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر وتكلم بكلمات، ورفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه قال: " اللهم اسق بلدك وبهائمك وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت. اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار. اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء " فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الانصاري فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التمر في المرابد ثلاث مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره قال فلا والله ما في السماء سحاب ولا قزعة وما بين المسجد وبين سلع من بناء ولا دار فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت فوالله ما رأوا الشمس ستا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه مدا حتى رؤي بياض إبطيه ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الاكام والظراب وبطون الاودية ومنابت الشجر " فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب.

[ 443 ]

قصة أخرى. قال ابن عباس: جاء اعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يحصد لهم فحل فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا طبقا مريعا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من وجوه إلا قالوا أحينا رواه ابن ماجه. قصة أخرى. قال عمر بن الخطاب خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال أتحب ذلك قال نعم فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعها حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت فملاوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. رواه ابن خزيمة وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه. قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ومثلها من الخيل وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة. قصة أخرى. روى ابن سعيد وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن إبراهيم المزي عن أشياخهم قالوا قدم وفد بني مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف البلاد قالوا: والله إنا لمسنتون وما في المال مخ فادع الله لنا فقال اللهم اسقهم الغيث فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه قادم وهو متجهز لحجة الوداع فقال: يا رسول الله: رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا لذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمسة عشرة مطيرة جودا وقد رأيت الابل تأكل وهي برك وإن غنمنا ما توارى من أبياتها، فترجع، فتقيل في أهلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي هو صنع ذلك " رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال ابن عباس: إن ناسا من مضر أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يدعو الله أن يسقيهم فقال: " اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا طبقا نافعا غير ضار عاجلا غير رائث فأطبقت عليهم حتى مطروا سبعا " رواه أبو نعيم.

[ 444 ]

قصة أخرى. روى أبو نعيم عن محمد بن عمر الاسلمي عن أشياخه: أن وفد سلامان قدموا في شوال سنة عشر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف البلاد عندكم ؟ قالوا: مجدبة فادع الله أن يسقينا في أوطاننا فقال: " اللهم اسقهم الغيث في بلادهم " فقالوا: يا رسول الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب فتبسم ورفع يديه حتى بدا بياض إبطيه ثم رجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة وفي هذا الباب أحاديث كثيرة، وفيما ذكر كفاية ويرحم الله - عز وجل - السرقسطي فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام الحل مبتهلا أفديك بالخلق من داع ومبتهل صعدت كفيك إذ كف الغمام فما صوبت إلا بصوب الواكف الهطل أراق بالارض شجا صوب ريقته فحل بالارض شجا رائق الحلل زهو من النور حلت روض أرضهم زهرا من النور صافي النبت مكتمل من كل عصر نضير مورق خضر وكل نور نضيد موثق خضل تحية أحيت الاحياء من مضر بعد المضرة تروي السبل بالسيل دامت على الارض سبعا غير مقلعة لولا دعاؤك بالاقبال لم تزل تنبيه في غريب ما سبق. السبل: بسين مهملة فموحدة فلام مضمومات جمع سبيل، وهو في الاصل الطريق الموصل إلى المراد من كل شئ، والمراد به هنا طريق التقرب إلى الله تعالى. وأيم الله:... القزعة: بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات واحده القزع، وهي قطع من السحاب دقيقة، وقيل: هي السحاب المتفرق. سلع الاكام: بهمزة مكسورة فكاف فألف فميم جمع أكمه وهي الرابية. الظراب: جمع ظرب ككتف ما اقنا من الحجارة، وحد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير. الجوبة: بجيم مفتوحة بواو ساكنة فموحدة فتاء تأنيث: الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتح بلا بناء أي حتى صار الغيم والسحاب محيطا بآفاق المدينة. الجود: بجيم مفتوحة فواو ساكنة فدال مهملة المطر الغزير.

[ 445 ]

يئط: بمثناة تحتية مفتوحة فهمزة مكسورة فطاء أي تصوت. وأطيط الابل: صوتها وحنينها. العذراء تدمى لبانها: أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة، لا تجد ما تعطيه من يحذنها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللبان موضع اللبيب ثم استعير الناس. وقوله " وما يجر وما يحلى ": أي ما ينطق بخير ولا شر ومن الجوع والضعف. وقوله: " سوى الحنظل العاص " نسبة إلى العام لانه يتخذ في عام الجدب كما قالوا للجدب سنة. انتهى. الاستكانة: بهمزة فسين مهملة ساكنة ففوقية مكسورة فكاف فنون فتاء تأنيث: الخضوع. العلهز: بالكسر طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر الابل في سني المجاعة. الغياسة: بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة واللام الرذل. الدرر: بدال مكسورة فراءين أولاهما مفتوحة. غير رائث: براء مفتوحة فهمزة مكسورة فمثلثة غير محبوس ولا متفرق. اسنت بلادنا: بهمزة مفتوحة فمهملة ساكنة فنون فتاء تأنيث أي أجدبت. أجدبت جنانا: بهمزة فجيم فدال مهملة فموحدة فتاء تأنيث. الفرث: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فمثلثة المسرجين من الكرش. مسنتون: مجدبون. الابتهال: بهمزة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية فهاء فألف فلام التضرع والمبالغة في السؤال، والمراد به كل مد اليدين جميعا لذلك. صعدت بكفيك: رفعتهما. صوبت: جاءت بالمطر كمجئ السماء بالمطر. الواكف: (...). الهطل: (...). الثج: بمثلثة مفتوحة فجيم أي سائلا كثيرا. الزهر: بزاي مضمومة فهاء ساكنة فراء جمع أزهر وهو الابيض المستنير. النور الزهر: بفتح الزاي والزهرة الحسن والبهجة وكثرة الخير.

[ 446 ]

الخضل: بخاء معجمة مفتوحة فضاد معجمة مكسورة فلام. السبل: جمع سبيل، السبل: بسين مهملة فموحدة مفتوحتين فلام المراد به هنا المطر الهاطل الغزير والسبل الثياب المسبلة.

[ 447 ]

جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في المياه وعذوبة ما كان منها مالحا الباب الاول في نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم وهو أشرف المياه كما قال البلقيني في " التدريب " قال: قال أبو العباس القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه (1) - صلى الله عليه وسلم - تكررت منه في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ووردت عنه من طرق كثيرة يفيد عمومها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، قال: ولم يسمع بمثل هذه المعجزة العظيمة من غير نبينا - صلى الله عليه وسلم - حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه. ونقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى - صلى الله عليه وسلم - بالعصا (2) فتفجرت منه المياه، لان خروج (الماء) (3) من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم. قال قتادة وغيره عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزوراء وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوا ماء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بوضوء، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الاناء فحين بسط يده فيه فضم أصابعه فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأوا من عند آخرهم. قال قتادة: قلت لانس: كم كنتم ؟ قال: كنا زهاء ثلثمائة رواه الشيخان (4). قصة أخرى. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا ماء، فقال: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتى بماء فوضعه في إناء، فوضع يده فيه، فجعل الماء يجري، وفي لفظ يخرج من بين أصابعه، ثم قال: " حي على الطهور المبارك، البركة من الله " فتوضأوا


(1) في ج أصابع النبي صلى الله عليه وسلم. (2) سقط في ج. (3) في ج المياه. (4) أخرجه البخاري 6 / 580 (3572) ومسلم 4 / 1783 (7 / 2279). (*)

[ 448 ]

وشربوا، قال عبد الله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل رواه النسائي والبيهقي وابن مردويه (1). قصة أخرى. روى الحسن البصري: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لبعض مخارجه، معه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ماء يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله: والله ما نجد ماء نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ منه ثم مد أصابعه الاربع في القدح ثم قال: " هلموا فتوضأوا " فتوضأ القوم حتى بلغوا ما يريدون، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا ؟ قال: سبعين أو ثمانين رواه الامام أحمد والشيخان (2). قصة أخرى. قال زياد بن الحارث: إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال له: " هل معك من ماء ؟ " فقلت: لا إلا شئ قليل لا يكفيك، فقال: " اجعله في إناء وائتني به "، ففعلت فوضع كفه في الماء، فرأيت الماء بين أصبعين من أصابعه عينا تفور، فقال: " ناد في أصحابي من كان له حاجة في الماء "، فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم رواه الحارث بن أبي أسامة والطبراني (3) وأبو نعيم والبيهقي. قصة أخرى. روى الشيخان من طريق سالم بن أبي الجعد ومن طريق الاعمش عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان الذي بين يديه ركوة يتوضأ منها وجهش الناس نحوه، قال: " مالكم ؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قال سالم: قلت لجابر: كم كنتم ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة (4)، قال بعضهم: وحديث جابر هذا مخالف لما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ماء فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) أخرجه الدارمي 1 / 15 والنسائي 1 / 60 وابن أبي شيبة 11 / 474 وأبو نعيم في الدلائل (144) وأحمد 1 / 460 وابن عبد البر في التمهيد 1 / 219 والطحاوي في المشكل 4 / 332 والبيهقي في الدلائل 4 / 129، 6 / 62. (2) أخرجه أحمد في المسند 3 / 216 والبيهقي في الدلائل 4 / 124. (3) أخرجه أحمد 4 / 244، 250 والبيهقي 1 / 58. (4) أخرجه البخاري 6 / 581 (3576) (4152) ومسلم 3 / 1484 (73 / 1856). (*)

[ 449 ]

فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فمضمض وبخ في البئر، فمكث غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وصررنا ركائبنا (1) وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك في وقتين. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الماء لما انفجر من بين أصابعه ويده في الركوة وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر، فتكاثر الماء فيها. وفي صحيح البخاري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الحديبية الطويل فعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمد قليل الماء يتربص الماء تربصا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، وأمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. والجمع بينه وبين حديث البراء بأن الامرين وقعا معا. وقد روى الواقدي من طريق أوس بن خولي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها وانتزع السهم، فوضعه فيها هكذا ذكر أبو الاسود في روايته عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو، وصبه في البئر، ونزع سهما من كنانته، فألقاه فيها ودعا ففارت، زاد ابن سعد " حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر " كذا في رواية الاسود عن عروة. قال الحافظ: وهذه القصة غير حديث جابر وكان ذلك قبل قصة البئر. قصة أخرى. قال أبو قتادة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسير في الجيش إذ لحقهم عطش كاد يقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا فدعا بركوة فيها ماء فوضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه، فاستقى الناس، وفاض الماء حتى رووا خيلهم وركابهم، وكان من العسكر اثنا عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل اثنا عشر ألف فرس رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال ابن عباس رضي الله عنه: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وليس في العسكر ماء، فقال رجل: يا رسول الله، ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شئ ؟ قال: نعم فأتي بإناء فيه شئ من ماء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الاناء وفتح أصابعه، قال: فرأيت العيون تنبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا ينادي في الناس بالوضوء المبارك. رواه الامام أحمد والبزار وروى الدرامي وأبو نعيم عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا،


(1) أخرجه البخاري 6 / 581 (3577، 4150، 4151). (*)

[ 450 ]

فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت. قال: " هل من شئ ؟ " فأتاه بشئ فبسط كفه فيه، فأنبعث تحت يده عين فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ (1). قصة أخرى. قال أبو ليلى الانصاري: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصابنا عطش فشكونا إليه، فأمره بحفرة فوضع عليها نطعا ووضع يده عليها، وقال: " هل من ماء ؟ " فأتي بماء، فقال لصاحب الاداوة: " صب الماء على كفي واذكر اسم الله "، ففعل. قال أبو ليلى: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم حتى روى القوم وسقى ركابهم رواه الطبراني وأبو نعيم (2). قصة أخرى. قال جابر أيضا: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضع عشرة ماء فحضرت الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وهل في القوم من ماء ؟ " فجاءه ماء وعبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء ثم قال: " سبحان الله "، ثم قال: " أسبغوا الوضوء " قال جابر: والذي ابتلاني ببصري، فلقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فما رفعهما حتى توضأوا أجمعون رواه الامام أحمد والشيخان (3). قال الحافظ ابن كثير: وظاهره أنها قصة أخرى غير ما تقدم. قصة أخرى. قال أبو رافع: إنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: " يا قوم كل رجل يلتمس من إداوته "، فلم يجدوا غير واحد في إناء ثم قال: " توضئوا " فنظرت إلى الماء وهو يفور من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم حتى توضأ الركب أجمعون ثم جمع كفيه فما خلتها إلا النطفة التي صب أول مرة رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال: أبو عمرة الانصاري رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وأصاب الناس مخمصة ثم دعا بركوة فوضعت بين يديه، ثم دعا بماء، وصبه فيها، ثم مسح فيها بما شاء الله أن يتكلم، ثم أدخل خنصره فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع النبي صلى الله عليه وسلم


(1) أخرجه أحمد 5 / 426 والمجمع 8 / 10. (2) انظر المجمع 1 / 217، 320. (3) أخرجه أحمد في المسند 3 / 292 والبيهقي في الدلائل 4 / 117 والدارمي 1 / 13. (*)

[ 451 ]

تفجر ماء مع الماء، ثم أمر الناس فشربوا وملاوا قربهم وإداوتهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله لا يلقى الله بهما أحد يوم القيامة إلا دخل الجنة " رواه أبو نعيم. قصة أخرى. قال جابر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في غزوة ذات الرقاع: " يا جابر، ناد بوضوء "، فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، قلت: يا رسول الله، ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الانصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء، فقال لي: " انطلق إلى فلان الانصاري فانظر هل في أشجابه من شئ " فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة من عزلاء شجب منها لو أني أفرغه لشربة يابسة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: " إذهب فأتيني به، فذهبت فأتيته به فأخذه بيده فجعل يتكلم بشئ لا ادري ما هو ويغمزه بيده، ثم أعطانيه، فقال: " يا جابر، ناد بجفنة الركب " فقلت يا جفنة الركب فأتيته بها فوضعت بين يدي رسول الله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة هكذا، فبسطها في الجفنة وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: " خذ يا جابر، فصب علي، وقل: بسم الله "، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ففارت الجفنة، ودارت حتى إمتلات، فقال: " يا جابر، ناد من كانت له حاجة بماء " فأتى الناس فاستقوا حتى رووا ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملاى رواه مسلم والبيهقي وأبو نعيم (1). روي عن حبان - وهو بكسر المهملة وفتح الباء المشددة - ابن بح - بضم الباء الموحدة وتشديد الحاء - الصدائي قال: كفر قومي، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم جهز جيشا لهم، فأتيته، فقلت: إن قومي على الاسلام، قال: كذلك، قلت: نعم، واتبعته ليلتي إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما أصبحت وأعطاني إناء فتوضأت منه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه في الاناء فنبع عيون، فقال: " من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ "، فتوضأت وصليت فأمرني عليهم وأعطاني صدقتهم، فقال رجل: يا رسول الله إن فلانا ظلمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا خير في الامارة لرجل مسلم "، ثم جاء رجل يسأل الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الصدقة صداع في الرأس وحريق في البطن أو داء " فأعطيته صحيفتي أو صحيفة أمرتي وصدقني، فقال: " ما شأنك ؟ " فقلت: كيف أقبلها وقد سمعت منك ما سمعت فقال: " هو ما سمعت (2) ".


(1) أخرجه مسلم في كتاب الزهد (74) وابن ماجه (3549). (2) أخرجه أحمد 4 / 169 والطبراني في الكبير 4 / 42 والطبراني 4 / 542 / 203 والبيهقي في 10 / 86 وفي الدلائل 5 / 356 وانظر المجمع 5 / 204. (*)

[ 452 ]

تنبيهان الاول: حديث نبع الماء جاء من حديث ابن عباس رواه الامام أحمد والطبراني من طريقين، ومن حديث ابن مسعود رواه البخاري والترمذي، ومن حديث أبي ليلى والد عبد الرحمن رواه الطبراني، وجابر بن عبد الله عن قصة الحديبية رواه مسلم وحبان رواه الامام أحمد وأبي رافع رواه أبو نعيم، وأبي عمرة الانصاري رواه أبو نعيم وتقدمت أحاديثهم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الزوراء - بزاي فواو فراء -: موضع بالمدينة قرب المسجد. حانت الصلاة بحاء مهملة فألف فنون: قربت أي قرب وقتها، ودخل إذ الحين: القوت. من عند آخرهم: أي جميعهم. زهاء ثلثمائة (بزاي مضمومة فهاء فهمزة ممدودة): قدر، من زهوت القوم إذا حذرتهم وهو ملازم البناء للمفعول ك‍ (دعى). بينما نحن: بين بالنون زيدت عليها " ما " عوضا عن المضاف إليه أي أوقات أو أحيان. حالون منبع بتثليث الباء، أي جميعهم. الثمد: بفتح المثلثة والميم: أي حفرة فيها ماء قليل وقوله " قليل الماء " تأكيد، لدفع توهم أنه يراد لغة من يقول: إن الثمد الماء الكثير قيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء، ويذهب في الصيف، وقوله: " فيتربصنه الناس " (بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة) هو الاخذ قليلا قليلا،، وقوله: " فلم تلبث " (بضم أوله وسكون اللام) من الالباث، وقال ابن التين (بفتح التاء وكسر الموحدة) أي لم يتركوه، ويلبث: أي يقيم وقوله: " يجش " (بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة) أي: يفور، وقوله: " بالري " بكسر الراء ويجوز فتحها وقوله: " صدروا عنه " أي نهلوا بعد ورودهم. الركاب: ككتاب لا واحد له من لفظه، وواحده راحلة. " الركوة " (براء مهملة مثلثة فكاف فواو) وروف صغير إذا الانياب والتي تلي الانياب أو الاضراس كلها واحدها ناجذ إذا جعلته قيد. وفي رواية قال لابي قتادة: احفظ علي مضابك، فإنه سيكون لها شأن.

[ 453 ]

" نفث " بنون ففاء فمثلثة حذفت همزته تخفيفا وحى وألقى من النفث بالفم، وهو أقل من التفل، لان التفل لا يكون إلا معه شئ من الريق. " النبأ " بنون فموحدة الخبر العظيم. " الاداوة ": بهمزة مكسورة فمهملة فألف فواو المطهرة. " المخمصة ": (بميم فمعجمة فميم فمهملة: المجاعة. " الخنصر " (بفتح الصاد) الاصبع الصغرى أو الوسطى. " النواجذ " (بنون فواو فألف فجيم فدال معجمة) أقصى (الاسنان): " أشجابه " جمع شجب (بفتح المعجمة وسكون الجيم) سقاء يقطع نصفه، فيتخذ أسفله دلوا. عزلاء (بعين مهملة فزاي فلام فألف ممدودة كجفنة). " الشربة " (بشين معجمة مفتوحة فراء ساكنة فموحدة) شئ يسقى به. " جفنة الركب " (بجيم مفتوحة ففاء فنون) القصعة.

[ 454 ]

الباب الثاني في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء الميضاء والقدح روى الامام أحمد والشيخان وأبو محمد بن جرير الطبري (عن أبي قتادة والبيهقي عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فقال لابي قتادة: " أمعكم ماء ؟ " قلت: نعم، في ميضاة فيها شئ من ماء، قال: " ائت بها " قال: فأتيته بها فقال لاصحابه: " تعالوا مسوا منها فتوضئوا "، وجعل يصب عليهم، فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: " يا أبا قتادة، احفظها، فإنها ستكون لها نبأ " فذكر الحديث إلى أن قال: فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشنا، انقطعت الاعناق، فقال: " لا هلك عليكم " ثم قال: " يا أبا قتادة، ائت بالميضاة " فأتيته بها، فقال: " أطلقوا لي غمري " - يعني قدحي - فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس (1) أحسنوا الملا، فكلكم سيروى "، فشرب القوم، وسقوا دوابهم وركابهم وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة حتى لم يبق غيري وغيره، قال: " اشرب يا أبا قتادة "، قلت: اشرب أنت يا رسول الله، قال: " ساقي القوم آخرهم شربا " فشربت، وشرب بعدي، وبقي في الميضاة نحو مما كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة (2). قصة أخرى. روي عن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فأصابنا جهد شديد فأتى بشئ من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر حتى تطهرنا جميعا، وفي لفظ: فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة وكنا أربع عشرة مائة (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الميضاة: بكسر الميم والقصر وقد تمد وزنها مفعلة ومفعال وميمها زائدة: مطهرة كبيرة. الجرعة: بجيم مضمومة فراء ساكنة فعين مهملة: الاسم من الشرب اليسير وبفتح الجيم المرة الواحدة منه. غمري: بضم الغين المعجمة أي احلل لي قدحي.


(1) سقط في ب. (2) مسلم 1 / 472 (311 / 681) وأبو داود في الادب باب (130) والنسائي 1 / 76 وأحمد 1 / 398 والدارمي 1 / 358. (3) الدلائل للبيهقي (4 / 119). (*)

[ 455 ]

المل ء: بفتح الميم وكسرها وسكون اللام والهمز. نطفة: بنون مهملة ففاء شئ يسير من الماء وقد يقال للكثير. ودغفقة: بمعجمة ففاء فقاف يدفعه ويصبه صبا كثيرا. سيصدر: سيرجع. المزادة: بميم فزاي مفتوحة فألف فدال وعاء الزاد.

[ 456 ]

الباب الثالث في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء عين تبوك روى مسلم عن جابر والامامان مالك وأحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة تبوك: " إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي " فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشئ من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله ع‍ ليه وسلم: " هل مسيتما من مائها شيئا ؟ " قالا: نعم، فسبهما وقال لهما: " ما شاء الله أن يقول "، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شئ، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ماء ههنا قد ملئ جنانا " (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: شراك: بكسر المعجمة ثم راء فكاف أحد سور النعل التي تكون على وجهه شبه به لقلته لا للتحديد. تبض: بمثناة فوقية فموحدة فمعجمة: تقطر وتسيل. يوشك: أي يسرع ويدنو ويقرب، والوشيك السريع القريب (2). الجنان: بجيم مكسورة جمع جنة وهي البستان الكثير الاشجار من الاجتنان وهو الستر أو لتكاثر أشجارها وتظليلها لاتفاق أصولها وأغصانها، سميت جنة.


(1) أحمد (5 / 237، 238). (2) في د التقرب. (*)

[ 457 ]

الباب الرابع في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء بئر بقباء روى ابن (1) سعد والبيهقي عن يحيى بن سعيد (2) أن أنس بن مالك آتاهم بقباء، فسأله عن بئر هناك قال: فدللته عليها فقال: لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على حماره فتنزح، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذنوب فسقى فإما أن يكون توضأ منه وإما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر فما نزحت بعد. وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزحت بعد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. نزح: بفتح النون والزاي: فني أي لم يفنى بعد. الباب الخامس في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء بئر باليمن روى الحارث بن أبي أسامة وأبو نعيم البيهقي عن زياد بن الحارث الصدائي قال: قلت: يا رسول الله، إن بئرنا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان في الصيف قل ماؤها وتفرقنا عن مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا لنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسقينا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق فدعا بسبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: " اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله عز وجل "، قال: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا أن ننظر إلى قعرها - يعني البئر - (3).


(1) في د أبو والصواب ما ذكر. (2) سقطت في د. (3) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 127، 5 / 357 وابن كثير في البداية 5 / 84. (*)

[ 458 ]

الباب السادس في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء قطيعة برهاط باليمن روى أبو نعيم عن راشد بن عبد ربه السلمي قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة قال: فأرسلتني بنو ظفر بهدية إليه فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه العجب كل العجب من خروج نبي من بني عبد المطلب يحرم الزنا والربا والذبح للاصنام وحرست السماء ورمينا بالشهب، ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضماد وكان يعبد خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصلة للارحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي نبي يخبر بما سبق، وما يكون في غد، قال راشد: فألقيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى له ثم يعرجان عليه ببولهما فعند ذلك أقول في ذلك: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فخرج راشد حتى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلم وبايعه، ثم طلب منه قطيعة برهاط فأقطعه إياها وأعطاة إداوة مملوءة من ماء، وتفل فيها، وقال له: " أفرغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضولها " ففعل فجاء الماء عينا جمة إلى اليوم فغرس عليها النخل ويقال: إن رهاط كلها تشرب منه وسماه الناس ماء الرسول وأهل رهاط يغتسلون منه ويستقون به (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. القطيعة: طائفة من أرض الخراج. رهاط: اسم موضع.


(1) أبو نعيم في الدلائل (81). (*)

[ 459 ]

الباب السابع في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء بئر أنس بن مالك رضي الله عنه روى أبو نعيم والبزار عن أنس رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلنا فسقيناه من بئر كانت لنا في دارنا وكانت تسمى في الجاهلية " النزور " فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد. الباب الثامن في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء بئر الحديبية روى البخاري عن البراء ومسلم عن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية ونحن أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفيرها، قال البراء: وأتي بدلو فيه ماء فبصق ودعا. ثم قال: " دعوها ساعة " وقال سلمة: فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم بالماء فسقينا واستقينا. وفي غير هاتين الروايتين من طريق ابن شهاب فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قليب بئر ليس فيه ماء فروى الناس حتى ضربوا بعطن خيامها. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. خيامها: بالفتح ما حول البئر، وبالكسرة جميع ما فيها من الماء. فجاشت: بجيم معجمة: فارت وارتفعت. القليب: بئر لم تطو تذكر وتؤنث. العطن: بفتح المهملتين مبرك الابل حول الماء فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا (1). وروى الدارمي في مسنده عن أنس عن جابر مثله وقد تقدم في غزوتها بأبسط مما هنا.


(1) في د وأسقينا. (*)

[ 460 ]

الباب التاسع في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء بئر غرس روى ابن سعد عن سعيد بن رقيش عن أنس رضي الله عنه قال: جئنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فانتهى إلى بئر غرس وإنه ليستقى منه على حمار ثم نقوم عامة النهار ما نجد فيها ماء فمضمض في الدلو ورده فجاشت بالرواء. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. بئر غرس: بغين معجمة فراء ساكنة فسين مهملة: بئر بالمدينة.

[ 461 ]

الباب العاشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم ماء المزادتين روى الامام أحمد والشيخان (1) والطبراني والبيهقي عن عمران بن حصين رضي الله عنه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فاشتكى إليه الناس العطش، فنزل ثم دعا عليا، ورجلا آخر وفي رواية: وعمران بن حصين، فقال: " اذهبا فابغيا الماء فإنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا معها بعير عليه مزادتان فأتيا بها " فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء ؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة. فقالا لها: انطلقي إذا، قالت: إلى أين ؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: الذي يقال له الصابئ ؟ قالا: هو الذي تعنين، فانطلقا فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدثاه بالحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء، فأفرغ فيه من أفواه المزادتين فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين وأوكأ أفواههما وأطلق الغرارتين ونودي في الناس اسقوا واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء وملانا كل قربة معنا وإداوة وهي قائمة تنظر ما يفعل بمائها وأيم الله، لقد أقلع عنها وإنها ليخيل إليها أنها أشد ملئة منها حيث ابتدأ فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجمعوا لها طعاما " فجمعوا لها ما بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها وقالوا لها: تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذي أسقانا الحديث وفيه أنها أسلمت وقومها بعد ذلك. تنبيهات الاول: في قول سيدنا علي ورفيقه لها لما قالت: الصابئ: (هو الذي تعنين) أدب حسن ولو قالا لها: لا، لفات المقصود أو نعم لما يحسن بهما إذ فيه طلب تقرير ذلك فتخلصا أحسن تخليص. الثاني: قال بعض العلماء: إنما أخذوها واستجازوا أخذ ما بها لانها كانت كافرة حربية وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم إما المملوك لغيره على عوض وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شئ على سبيل الوجوب. الثالث: في بيان غريب ما سبق:. ابغيا: بغين معجمة: اطلبا.


(1) تقدم. (*)

[ 462 ]

المزادتان: بفتح الميم والزاي تثنية مزادة وهي قربة كبيرة يزاد فيه جلد من غيرها ويسمى أيضا السطيحة والمراد بها الراوية. البعير: بموحدة فمهملة فتحتية فراء يطلق على الذكر والانثى وجمعه أبرعة وبعران. أمس: خبر المبتدأ. الساعة: بالنصب على الظرفية. النفر: ما دون العشرة وعن كراع الناس قال الحافظ وهو اللاتي هنا، لانها أرادت أن رجالها تخلفوا لطلب الماء. الخلوف: بضم المعجمة واللام جمع خالف قال ابن فارس: الخالف المستقي ويقال أيضا غاب ولعله المراد هنا أي أن رجالها غابوا عن الحي (1) ويكون قولها معربا خلوف جملة مستقلة زائدة على جواب السؤال. الصابئ: بلا همز المائل وبالهمز من صبا يصبو إذ خرج من دين إلى دين. أوكأ: أي ربط. أطلق: فتح. العزالى: بفتح المهملة والزاي ؟ ؟ ؟ ؟ جوز فتحها: جمع عزلا بإسكان الزاي هي مصب الماء من الراوية ولكل مزادة عزلا و ؟ ؟ ؟ ؟ لها. أشد ملئه: بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة أي إنهم يظنون أن ما بقي من الماء أكثر مما كان أولا. تعلمي: بفتح أوله وثانيه وتشديد اللام: أي اعلمي. ما رزأنا: بفتح الراء وكسر الزاي ويجوز فتحها وبعدها همزة ساكنة أي نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من ماء زاده الله تعالى، وأوجده وأنه لم يختلط فيه شئ من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلطا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله: " ولكن الله سقانا " ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مائك شيئا.

[ 463 ]

الباب الحادي عشر في عذوبة ماء بئر باليمن ببركته صلى الله عليه وسلم روى ابن السكن عن همام بن نقيد السعدي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: حفرنا لنا بئرا فخرجت مالحة فدفع إلي إداوة فيها ماء، فقال: " صبه "، فصببته فيها، فعذبت فهي أعذب ماء بئر باليمن. الباب الثاني عشر في نبع الماء من الارض له صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن عمرو بن سعيد قال: قال أبو طالب: إن أول ما أنكرت من ابن أخي أنا كنا بذي المجاز في إبلنا، وكان رديفي في يوم صائف فأصابني عطش شديد فقلت له: يا ابن أخي أذاني العطش فثنى رجله، فقال: " يا عم، أتريد ماء ؟ " قلت: نعم، فقال: " انزل " فنزلت، فانتهيت إلى صخرة فركضها برجله، وقال شيئا فانبعت ماء لم أر مثله فشربت حتى رويت فقال: " أرويت "، قلت: نعم، فركضها ثانية فعادة كما كانت (2). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن خديج بن سدرة بن علي السلمي من أهل قباء عن أبيه عن جده قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا القاحة وهي التي تسمى اليوم السقيا، لم يكن بها ماء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مياه بني غفار على ميل من القاحة ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الوادي واضطجع بعض أصحابه ببطن الوادي فبحث بيده في البطحاء فنديت فجلس ففحص، فانبعث عليه الماء، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فسقى واستقى جميع من معه حتى اكتفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه سقيا سقاكموها الله عز وجل " فسميت السقيا. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. ذو المجاز: بفتح الميم فجيم فألف فزاي سوق على فرسخ من عرفة. يوم صائف: بصاد مهملة فهمزة مكسورة ففاء: حار. ركضها: براء فكاف فضاد معجمة فهاء مفتوحات: ضربها برجله.


(1) في د أبو سعيد. (2) أخرجه الديلمي (6955) وانظر جمع الجوامع 2 / 572. (*)

[ 464 ]

القاحة: بقاف فألف فحاء مهملة. الميل: بميم مكسورة فتحتية ساكنة فلام: مد البصر ومسافة من الارض متراخية بلا حد أو مائة ألف أصبع إلا أربعة آلاف أصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو ستة آلاف كل أصبع ذراع بذراع القدم أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين. بحث: بموحدة فمهملة مفتوحتين فمثلثة: نبش. فحص: بفاء فحاء فصاد مهملتين مفتوحتين: بحث. السقيا: تقدمت.

[ 465 ]

جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الاطعمة الباب الاول في تكثيره صلى الله عليه وسلم اللبن في القدح روى الامام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لاعتمد بكبدي على الارض من الجوع وإني كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون فيه فمر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فمر ولم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فمر ولم يفعل، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: " يا أبا هر " فقلت: لبيك يا رسول الله، فقال: " الحق " ومضى فتبعته، فدخل واستأذنت فأذن لي، فدخلت فوجدت لبنا في قدح، فقال: " من أين هذا اللبن ؟ " فقالوا: أهدى ذلك فلان أو فلانة، فقال: " يا أبا هر "، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " الحق بأهل الصفة فادعهم لي " وقال: وأهل الصفة أضياف الاسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، وإني لرسول فإذا جاءوا أمرني أن أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: " يا أبا هر "، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح أعطيه الاخر فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي وتبسم، وقال: " يا أبا هر "، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " بقيت أنا وأنت "، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: " اقعد فاشرب " فشربت فقال: " اشرب "، فشربت حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا فأعطيته القدح فحمد الله عز وجل وشرب الفضلة (1).


(1) البيهقي 7 / 83، 88، 8 / 55 والحاكم 3 / 15 والبيهقي في الدلائل 6 / 101 وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 466 ]

الباب الثاني في تكثيره صلى الله عليه وسلم لبن الشاة روى الامام أحمد وأبو داود الطيالسي وابن سعد والطبراني عن ابنة خباب بن الارث قالت: خرج خباب في سرية فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهدنا حتى كان يحلب عنزا لنا، فكان يحلبها في جفنة لنا فتمتلئ فلما قدم خباب حلبها، فعاد حلابها كما كان، فقالت أمي: أفسدت علينا شاتنا، قال: وما ذاك ؟ قالت: إن كانت لتحلب مل ء هذه الجفنة، قال: ومن كان يحلبها ؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقد عدلتيني به ؟ هو والله أعظم بركة (1). قصة أخرى. روى البيهقي عن نضلة بن عمر والغفاري أنه حلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إناء فشرب ثم شرب نضلة فامتلا، فقال: يا رسول الله، إني كنت لاشرب السقية فما أمتلئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن ليشرب في معاء واحد، وإن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء " (2). قصة أخرى. روى البيهقي عن أبي العالية قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه التسع يطلب طعاما، وعنده ناس من أصحابه، فلم يوجد، فنظر إلى عناق في الدار ما نتجت (3) قط فمسح مكان الضرع، قال: فدفعت بضرع ملئ بين رجليها فدعى بقف فحلب فيه فبعث إلى أبياته بعثا ثم حلب فشرب وشربوا. تنبيهان الاول: معنى قوله: إن الكافر ليشرب في سبعة أمعاء. الثاني: في بيان غريب ما سبق:. الجفنة: بجيم ففاء ساكنة فنون فتاء تأنيث (القصعة). المعا: (هذا مثل ضربه للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها وليس معناه كثرة الاكل دون الاتساع في الدنيا). الضرع: (تقدم).


(1) أخرجه أحمد 5 / 111 والمجمع 8 / 312. (2) مسلم (3 / 1632). (3) والبيهقي في الشعب 5 / 23. (*)

[ 467 ]

الباب الثالث في معجزاته صلى الله عليه وسلم في عكة أم سليم وأم أوس البهزية وأم شريك الدوسية ونحي حمزة الاسلمي وأم مالك البهزية الانصارية رضي الله عنهم. روى أبو يعلى والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن أم أنس رضي الله عنهما، قالت: كانت لنا شاة فجمعت من سمنها في عكة فملاتها العكة وبعثت بها مع الجارية فقالت: أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم، قال: " فرغوا لها عكتها " ففرغت العكة فدفعت إليها فانطلقت وجاءت أم سليم، فرأت العكة ممتلئة تقطر فقالت أم سليم: أليس قد أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: قد فعلت فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت أم سليم، فقالت: يا رسول الله إني بعثت إليك بعكة سمن قال: " قد فعلت جاءت بها "، قالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي "، فجاءت إلى البيت، ففتت لنا كذا وكذا وتركت فيها ما ائتدمنا شهرا أو شهرين (1). قصة أخرى. روى الطبراني والبيهقي عن أم أوس البهزية رضي الله عنها قالت: سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وترك في العكة قليلا ونفخ فيه، ودعا بالبركة، ثم قال: " ردوا عليها عكتها " فردوها عليها وهي ممتلئة سمنا، قالت: فظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبلها فجاءت ولها صراخ فقالت: يا رسول الله إنما سليته لك لتأكله فعلم أنه قد استجيب له، فقال: " اذهبوا فقولوا لها لتأكل سمنها وتدعو بالبركة "، فأكلت بقية عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وولاية عمر وولاية عثمان حتى كان من أمر علي ومعاوية ما كان (2). قصة أخرى. روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت رجلا من اليهود، فقال: تعالي


(1) المجمع (8 / 311) انظر البداية والنهاية 6 / 120 وأبو نعيم في الدلائل 148 والكنز (35444). (2) ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 120. (*)

[ 468 ]

أنا أصحبك، قالت: انظرني حتى أملا سقائي ماء، قال: معي ماء فانطلقت معه، فساروا حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته وتعشى، وقال: يا أم شريك، تعالي إلى العشاء، قالت: اسقني، فإني عطشى ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، قال: لا أسقيك قطرة حتى تهودي، قالت: والله لا أتهود أبدا فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته، قالت: فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني فرفعت رأسي فنظرت إلى الماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فشربت حتى رويت ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملاته ثم رفع بين يدي وأنا أنظر حتى توارى مني في السماء فلما أصبحت جاء اليهودي، فقال: يا أم شريك قلت: والله قد سقاني الله. قال: من أين ؟ أنزل عليك من السماء ماء ؟ قالت: نعم، والله لقد أنزل علي من السماء ماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: " كلوا ولا تكيلوا "، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت فأخذوها، فأفرغوها، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ردتها أن تعلقها ولا توكئها فدخلت أم شريك فوجدتها ملاى، فقالت للجارية: ألم آمرك أن تذهبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: قد فعلت ثم أقبلت بها ما ينظر منها شئ، ولكنه قال: " علقوها ولا توكئوها "، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يوكئوها، فلم تزل حتى أوكأتها أم شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شئ. قصة أخرى. روى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن محمد بن عمرو بن حمزة الاسلمي عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وخرجت على خدمته ذلك السفر، فنظرت إلى نحي السمن قد قل ما فيه وهيأت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ووضعت السمن في الشمس ونمت فانتبهت بخرير النحي فقمت فأخذت برأسه بيدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تركته لسال واديا سمنا " (1). قصة أخرى. روى الامام أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: إن البهزية أم مالك كانت تهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنا، فيأتيها بنوها يسألونها عن إدام وليس عندها شئ فعمدت إلى العكة التي كانت تهدي فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت فيها سمنا فما زال يقيم لها إدام بنيها


(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (155) وانظر المجمع (6 / 194). (*)

[ 469 ]

حتى عصرته فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أعصرتيها ؟ " قالت: نعم، قال: " لو تركتها ما زال قائما " (1). قصة أخرى. روى ابن أبي شيبة عن رجل عن أم مالك الانصارية قالت: جاءت أم مالك بعكة سمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا بعصرها، ثم دفعها إليه فرجعت فإذا هي مملوءة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، نزل في شئ ؟ قال: " وما ذاك يا أم مالك ؟ " قالت: رددت هديتي فدعا بلالا، فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هنيئا لك يا أم مالك، هذه بركة عجل الله تعالى لك ثوابها ". الحديث (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العكة: بمهملة مضمومة فكاف مشددة: إناء من جلد. الوتد: بفتح الواو والمثناة الفوقية ودال مهملة ككتف: بارز في الارض والحائط من خشب.


(1) أخرجه مسلم 4 / 1784 (8 / 2280). (2) ابن أبي شيبة 11 / 495 وانظر المجمع 10 / 102. (*)

[ 470 ]

الباب الرابع في تكثيره صلى الله عليه وسلم الشعير روى الامام أحمد ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال يأكل منه هو وامرأته ومن ضيفهما حتى كالوه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لم تكله لاكلتم منه ولقام لكم " (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. شطر: بمعجمة فمهملة نصف، والوسق بفتح الواو: ستون صاعا ثلاثمائة وعشرون رطلا حجازية وأربعمائة وثمانون رطلا عراقية على اختلافهم في قدر زنة الصاع والمد. قصة أخرى. روى الحاكم والبيهقي عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناه عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه، كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لو لم تكله لاكلت منه ما عشت " (2). قصة أخرى. روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شئ يأكله ذو كبد إلا شطر وسق من شعير في رف فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني (3). وتقدمت قصة أم شريك في الباب قبله. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. الشطر: بشين معجمة مفتوحة فطاء ساكنة فراء: الشطر النصف. والوسق: بواو مفتوحة فسين مهملة ساكنة فقاف: ستون صاعا أو حمل البعير. الرف: براء ففاء مفتوحتين: خشب يرفع عن الارض إلى جنب الجدار يرقى له ما يوضع عليه، وجمعه رفوف ورفاف.


(1) أخرجه أحمد في المسند 3 / 337، 347 ومسلم في الفضائل باب (3) حديث (9) والبيهقي في الدلائل 6 / 114. (2) الحاكم في المستدرك 3 / 346 والبيهقي في الدلائل 6 / 114. (3) تقدم. (*)

[ 471 ]

الباب الخامس في تكثيره صلى الله عليه وسلم التمر روى الامام أحمد وابن سعد والترمذي وابن حبان والبيهقي من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل عثمان، والمزود قال زيد بن أبي منصور عن أبيه: فقلت: وما المزود يا أبا هريرة ؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: " يا أبا هريرة عندك شئ ؟ " قلت: شئ من تمر في مزود لي قال: " جئ به " قال فجئت بالمزود، قال: " هات نطعا "، فجئت بالنطع فبسطته، فأدخلل يده فقبض على التمر، فإذا هو إحدى وعشرون تمرة فجعل يضع كل تمرة ويسمي الله عز وجل حتى أتى على التمر، فقال به هكذا فجمعه فقال: " ادع عشرة "، فدعوت عشرة، فأكلوا حتى شبعوا وكذلك حتى أكل الجيش كله وفضل تمرات، فقلت: يا رسول الله، ادع لي فيهن بالبركة فقال: فقبضهن ثم دعا فيهن بالبركة ثم قال: " خذهن فاجعلهن في المزود، وإذا أردت أن تأخذ منهن شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفأ فيكفأ عليك " قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه، ولقد حملت منه خمسين وسقا في سبيل الله، ونأكل ونطعم منه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وحياة عثمان وكان معلقا خلف رحلي فلما قتل عثمان انتهب ما في بيتي وانتهب المزود وفي رواية فلم نزل نأكل منه حتى كان آخر إصابة أهل الشام حين غاروا بالمدينة ألا أخبركم كم أكلت منه أكثر من مائتي وسق (1). قصة أخرى. روى أبو نعيم وابن عساكر عن العرباص بن سارية رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فقال ليلة لبلال: " هل من عشاء ؟ " فقال: والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جرابنا، قال: " انظر عسى تجد شيئا "، فأخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا. فتقع التمرة والتمرتان حتى رأيت في يده سبع تمرات ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها ثم وضع يده على التمرات وقال: " كلوا باسم الله " فأكلنا ثلاثة أنفس فأحصيته أربعا وخمسين تمرة أعدها عدا ونواها في يدي الاخرى وصاحبي يصنعان كذلك فشبعنا ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن فقال: " يا بلال ارفعهن، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل منها شبعا " فلما كان من الغد دعا بلالا بالتمرات فوضع يده عليها ثم قال " كلوا باسم الله "، فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 110. (*)

[ 472 ]

وإذا التمرات كما هي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا أني مستح من ربي لاكلنا من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا " فأعطاهن غلاما فولى يلوكهن (1). قصة أخرى. روى أبو نعيم معضلا عن محمد بن عمرو الاسلمي قال: قال رجل من بني سعد: جئت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه وهو سابعهم، فأسلمت، فقال: " يا بلال، أطعمنا "، فبسط نطعا ثم جعل يخرج شيئا له فأخرج شيئا من تمر معجون بالسمن والاقط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا " فأكلنا حتى شبعنا فقلت: يا رسول الله، إني كنت آكل هذا وحدي، ثم جئته من الغد، فإذا عشرة نفر حوله فقال: " أطعمنا يا بلال "، فجل يخرج من جراب تمرا بكفه قبضه قبضة، فقال: " أخرج ولا تخف من ذي العرش إقلالا " فجاء بالجراب فنثره فحزرته مدين فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على التمر ثم قال: " كلوا باسم الله "، فأكل القوم، وأكلت معهم حتى ما أجد له مسلكا وبقي على النطع مثل الذي جاء به كأنا لم نأكل منه تمرة واحدة ثم غدونا من الغد وعاد نفر عشرة يزيدون رجلا أو رجلين، فقال: " يا بلال، أطعمنا " فجاء بذلك الجراب بعينه فنثره فوضع يده عليه، وقال: " كلوا باسم الله " فأكلنا، ثم رفع مثل الذي صب ففعل ذلك ثلاثة أيام (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد وأبو داود وابن حبان عن دلين بن سعيد الخثعمي والنعمان بن مقرن قالا: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: " قم فأعطهم "، فقال: يا رسول الله، ما عندي إلا ما يقيظني والصبية، قال: " قم فأعطهم "، قال: يا رسول الله، سمعا وطاعة، فقام عمر وقمنا معه وصعد بنا إلى غرفة له فإذا فيها من التمر مثل الفصيل الرابض قال: شأنكم. فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء قال: وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة (3). قصة أخرى. روى الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر بسند لا بأس به عن أبي رجاء قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الانصار فإذا هو يسنو فيه فقال: " ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا "، قال: إني أجهد أن أرويه فلا أطيق ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تجعل


(1) انظر الجامع الكبير للسيوطي 2 / 566 والبداية والنهاية (6 / 122 - 123). (2) انظر جمع الجوامع 2 / 566 والكنز (16189) وانظر المجمع 3 / 126، 10 / 241 وكشف الخفاء 1 / 243. (3) أخرجه البخاري في التاريخ 3 / 255. (*)

[ 473 ]

لي مائة تمرة أختارها من تمرك " قال: نعم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الترب فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت على حائطي فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمره مائة تمرة، قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة كما أخذها (1). قصة أخرى. روى الامام أحمد والشيخان من طرق وألفاظه متقاربة هذا حاصلها عن جابر رضي الله عنه أن أباه توفي وعليه ديون ليهودي منها ثلاثون وسقا فاستعنت بالنبي صلى الله عليه وسلم على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب إليهم فلم يفعلوا فاستنظرهم فلم يفعلوا فعرضت عليهم أن يأخذوا تمري كله فأبوا ولم يروا أن فيه وفاء، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخل ودعا في تمره بالبركة، ثم قال: " إذا جددته فوضعته في المربد فاجعله أصنافا، العجوة على حدة، وعذق ابن زيد على حدة "، ثم أرسل إلي " ففعلت فما وضعته في المربد أرسلت إليه فجاء أبو بكر وعمر فطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ودعا بالبركة ثم قال: " ادع غرماءك فأوفهم " فما تركت أحدا له علي دين إلا قضيته وأنا أرضى أن يرد الله عز وجل أمانة والدي ولا أرجع إلى إخوتي منه بتمرة فسلم والله البيادر كلها، حتى أني لا نظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه لم تنقص منه تمرة واحدة فقلت: يا رسول الله ألا ترى أني كلت لغريمي تمره فوفاه الله عز وجل وفضل من التمر كذا وكذا فقال ابن عمر بن الخطاب: فجاء يهرول فقال: سل جابر بن عبد الله عن غريمه وغيره، فقال: ما أنا بسائله قد علمت أن الله عز وجل سوف يوفيه إذا أجزت فيه فكرر عليه الكلمة ثلاث مرات كل ذلك يقول: ما أنا بسائله، وكان لا يراجع بعد المرة الثالثة، فقال: " يا جابر، ما فعل غريمك وتمرتك "، قال: قلت: وفاه الله عز وجل وفضل لنا من التمر كذا وكذا (2). قصة أخرى. روى ابن سعد عن ابنة بشير بن سعد قالت: دعتني أمي فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: يا بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بغدائهما، قالت: فأخذته ثم انطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تعالي ما معك ؟ " فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال: " هاتيه "، فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملاها ثم أمر بثوب فبسط ثم دعا بالتمر فصبه فوق الثوب ثم قال لانسان


(1) الطبراني في الكبير 18 / 244 والمجمع 8 / 301 والبداية لابن كثير 6 / 141. (2) أخرجه البخاري 4 / 344 (2127، 2709، (2781، 4053) والنسائي 6 / 46، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2152) وابن عساكر كما في التهذيب 3 / 391. (*)

[ 474 ]

عنده: " اخرج في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب (1). قصة أخرى. روى ابن سعد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجت يوما من بيتي إلى المسجد لم يخرجني إلا الجوع فوجدت نفرا قالوا: ما أخرجنا إلا الجوع فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر فأعطى كل رجل منا تمرتين فقال: " كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا " (2). قصة أخرى. روى البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه غلام فقال: بأبي أنت يا رسول الله غلام يتيم وأخت له يتيمة وأم له أرملة أطعمنا أطعمك الله مما عنده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انطلق إلى أهلنا فأتنا بما وجدت عندهم " فأتى بواحدة وعشرين تمرة فوضعها في كف النبي صلى الله عليه وسلم فأشار النبي صلى الله عليه وسلم بكفه إلى فيه، ونحن نرى أنه يدعو بالبركة ثم قال: " يا غلام، سبعا لك وسبعا لامك، وسبعا لاختك فتعشى بتمرة وتغدى بأخرى " (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: المزود: بميم مكسورة فزاي فواو مفتوحة وعاء من جلد يجعل فيه الزاد. البيدر: بموحدة فمثناة تحتية فمهملة فراء الموضع الذي يداس فيه الطعام ليخلص من تينه. القبضة: بقاف مفتوحة فموحدة ساكنة فمعجمة مفتوحة: المقبوضة كالفرقة بمعنى المفروقة وهو الاخذ بجميع الكف وبالضم اسم للمقبوض. يلوكهن: من اللوك بفتح اللام وسكون الواو: أهون المضغ أو مضغ صلب أو علك نيئ. النطع: بكسر النون وفتح الطاء. جربا: بجيم فراء مضمومة فموحدة فألف جمع جراب. الصحفة: بصاد مفتوحة فحاء مهملتين ساكنة ففاء دون الجفنة وفوق الكيلة.


(1) ابن كثير في البداية 6 / 133. (2) ابن سعد 4 / 2 / 552. (3) وانظر المجمع (8 / 164. (*)

[ 475 ]

الاقفار: بهمزة مكسورة فقاف ساكنة ففاء فألف فراء: ذهاب الطعام. حزرته: بحاء مهملة فزاي مفتوحتين فراء: قدرته. الفصيل: بفاء مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية فلام: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. الرابض: براء فألف فموحدة فضاد معجمة: الجالس المقيم. شأنكم: بشين معجمة فألف فنون الحضر من الامر والحال. نرزأ: بنون مفتوحة فمهملة ساكنة فزاي فهمزة ساكنة: ننقص. جذذته: بجيم فذالين معجمتين: قطعته. المربد: بميم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة مفتوحة فدال مهملة: الجرين. العجوة: ضرب من التمر. عذق زيد: بعين مهملة مكسورة فذال معجمة ساكنة فقاف: نوع من التمر وأطم بالمدينة لبني أمية بن زيد.

[ 476 ]

الباب الساس في تكثيره صلى الله عليه وسلم البيض روى أبو نعيم عن جابر رضي الله عنهما قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو ذات الرقاع جاء له علبه زيد بثلاث بيضات أداحي، فقال: يا رسول الله، وجدت هذه البيضات في مفحص نعام، فقال: " دونك يا جابر، فاعمل هذه البيضات " فعملتهن ثم جئت بهن في قصعة، فجعلت أطلب خبزا فلا أجده، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى إلى حاجته، والبيض في القصعة كما هو ثم قام فأكل منه عامة أصحابه ثم رحلنا مبردين قال ابن سعد: وكانوا أربعمائة ويقال: سبعمائة. الباب السابع في تكثيره صلى الله عليه وسلم اللحم روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وأبو نعيم من طرق عن علي وابن مردويه وأبو نعيم عن البراء رضي الله عنهما أن الله تعالى لما أنزل (وأنذر عشيرتك الاقربين) (سورة الشعراء 26) جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا يأكلون المسنة ويشربون العس فأمر عليا أن يصنع لهم طعاما وأن يجعل عليه رجل شاة فصنعها ثم قربها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ منها بضعة فأكل منها ثم تتبع بها جوانب القصعة ثم قال: " ادنوا باسم الله " فدنا القوم فأكلوا عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا ما نرى إلا أثر أصابعهم، والله إن كان الرجل ليأكل مثل ما قدم لجميعهم، ثم قال: " يا علي، اسق القوم " فجاءهم بذلك العس فشرب منه ثم ناولهم، وقال: " اشربوا باسم الله " فشربوا حتى رووا عن آخرهم، وايم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فذكر الحديث (1). قصة أخرى. روى الحسن بن سفيان والنسائي في الكنى والطبراني والبيهقي عن خالد بن عبد العزى بن سلامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجزره شاة وكان عيال خالد كثيرا يذبح الشاة فلا يبد عياله عظما عظما وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها ثم قال: " أرني دلوك يا أبا حباش " فوضع فيه فضلة الشاة، ثم قال: " اللهم بارك لابي حباش " فانقلب به، فنثره لهم، وقال: " تواسوا فيه فأكل منه عياله وأفضلوا (2).


(1) السيوطي في الدر المنثور 5 / 97. (2) أخرجه الدولابي في الكنز 1 / 68 والبيهقي في الدلائل 6 / 116 وانظر الكنز (35687). (*)

[ 477 ]

قصة أخرى. روى الطبراني عن مسعود بن خالد، قال: بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة ثم ذهبت في حاجة فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شطرها فرجعت فإذا لحم فقلت: يا أم خناس ما هذا اللحم ؟ قالت: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة التي بعثت بها إليه شطرها، قلت: مالك لا تطعمينه عيالك، قالت: هذا سؤرهم، وكلهم قد أطعمت، وكانوا يذبحون الشاتين والثلاثة فلا تجزئهم (1). قصة أخرى. روى الحاكم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما قتل أبي ترك دينا... الحديث وفيه: فقلت لامرأتي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب النوم نصف النهار فدخلت وفرشت له فنام فذبحت له عناقا فلما استيقظ وضعتها بين يديه، فقال: " ادع أبا بكر "، ثم دعا الذين كانوا معه، فدخلوا فأكلوا حتى شبعوا وفضل منا لحم كثير (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العس: بمهملتين الاولى مضمومة: قدح كبير من خشب. القصعة: بفتح القاف ولا تكسر.


(1) انظر المجمع (8 / 313. (2) تقدم. (*)

[ 478 ]

الباب الثامن في تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه - روى الامام أحمد والشيخان وأبو يعلى والبغوي من طرق كثيرة متواترة عن مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أنه كان شاهد أبا طلحة قال لام سليم: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عنك من شئ ؟ فقالت: ما عندنا إلا نحو من مد شعير، قال: فاعجنيه وأصلحيه، عسى أن ندعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل عندنا، قالت: فعجنته وخبزته، فجاء قرصا، فقال: ادع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، قال مبارك بن فضالة، فأحسبه قال: بضعة وثمانون، فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أرسلك أبو طلحة ؟ " فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: " قوموا " فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: فضحتنا، قلت: إني لم أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا، فتلقاه أبو طلحة فدهش لمن أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى جنبه، فقال: يا رسول الله، إنما هو قرص فقال: " إن الله عز وجلل سيبارك فيه "، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لهم: " اقعدوا " ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرص، ودعا بجفنة فوضعه فيها، وقال: " هل من سمن " قال أبو طلحة: قد كان في العكة شئ قال: فجاء بها فجعل هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعصرانها حتى خرج شئ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ، وقال: " باسم الله " فانتفخ فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة ثم قال: " ادع عشرة من أصحابي "، فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسط القرص، وقال: " كلوا باسم الله "، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا فلم يزل يدعو عشرة بعشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا، وإن وسط القرص حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كما هو، وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا وفضلت فضلة أهديناها لجيران لنا (1).


(1) أخرجه البخاري 1 / 115، 7 / 89 ومسلم في كتاب الاشربة (142) والترمذي (3630) والبيهقي 7 / 273 وفي الدلائل 6 / 89 وأبو نعيم في الدلائل 147 ومالك في الموطأ 927. (*)

[ 479 ]

الباب التاسع في تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما روى الامام أحمد والبخاري والاسماعيلي والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا يوم الخندق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية من الجبل عرضت فقال: " أنا نازل " ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعادت كثيبا مهيلا. فقلت يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت، فأذن لي فقلت لامرأتي: إني رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا ما في ذلك صبر فعندك شئ ؟ فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا عناق فذبحتها وطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها والعجين قد انكسر والبرمة بين الاثافي قد كادت أن تنضج ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: اطعم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال " كم هو ؟ " فذكرت له، قال: " كثير طيب "، قل لها: لا تنزع البرمة والخبز من التنور حتى آتيكم واستعر صحافا " ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أهل الخندق إن جابرا صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم "، فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقلت: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم فقالت: هل سألك ؟ قلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فكشفت عني غما شديدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ادخلوا ولا تضاعفوا فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك ثم قال: " يا جابر، ادع خبازة فلتخبز معك واقدح من برمتكم ولا تنزلوها " وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملا ما كانا فكلما فرغ قوم جاء قوم حتى صدر أهل الخندق وهم ألف حتى تركوه، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليختبز كما هو ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلي وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة " فلم نزل نأكل ونهدي يومنا (1). تنبيهان الاول: وقوله " وهم ألف " كذا في الصحيح وفي غيره تسعمائة أو ثمانمائة أو ثلاثمائة، قال الحافظ والحكم الزائد لمزيد علمه ولان القصة متحدة.


(1) أخرجه البخاري 7 / 395 والبغوي في الشرح 14 / 5 وابن كثير في البداية 4 / 97. (*)

[ 480 ]

الثاني: في بيان غريب ما سبق:. كدية: بضم الكاف وهي القطعة الصلبة الصماء. الذواق: بذال معجمة مفتوحة فواو فألف فقاف: أي ما ذيق منها. المعول: كبير الحديدة ينقر بها في الجبال. كثيبا مهيلا: رملا سائلا. والعجين قد انكسر أي لان ورطب وتمكن من الخبز. البرمة: بموحدة فراء فميم إناء من حجر أو مدر يطبخ فيه الطعام. الاثافي: بمثلثة وفاء: الحجارة التي توضع عليها القدر. سورا: بضم السين المهملة وسكون الواو بغير همزة هو هاهنا ما يصنع بالحيسة. فحيهلا بكم: كلمة استدعاء فيها حث أي هلموا مسرعين بك وبك. ولا تضاغطوا: بضاء وغين معجمتين وطاء مهملة مشالة أي لا تزدحموا. اقدحي: اغرفي والمقدحة: المغرفة. خمر البرمة: غطاها. انحرفوا: أي مالوا عن الطعام. تغط: بكسر الغين المعجمة وتشديد الطاء أي تغلي وتفور.

[ 481 ]

الباب العاشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم حيس أم سليم رضي الله تعالى عنها روى أبو يعلى وأبو نعيم وابن عساكر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت حجش قالت لي أمي: يا أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح عروسا ولا أدري أصح له (غذاء) فهلم تلك العكة فأتيتها بالعكة وبتمر فجعلت منه حيسا فقالت: يا أنس: اذهب بهذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وامرأته، فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: " دعه ناحية البيت وادع أبا بكر، وعمر وعليا وعثمان ونفرا من أصحابه ثم ادع لي أهل المسجد ومن رأيت في الطريق " فجعلت أتعجب من قلة الطعام وكثرة ما يأمرني أن أدعو الناس وكرهت أن أعصيه حتى امتلا البيت والحجرة، فقال: " هات ذلك التور " فجئت به فوضعه قدامه فعمس ثلاث أصابع في التور فجعل التمر يربو فجعلوا يتغدون ويخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون، وبقي في التور نحو ما جئت به، فقال: " ضعه قدام زينب "، قال ثابت: يا حمزة، كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور ؟ قال: واحدا وسبعين أو اثنين وسبعين (1). الحيس - بمهملة فمثناة تحتية فمهملة - سمن وأقط وربما جعل عوض الاقط دقيق. التور: بمثناة فوقية إناء من مدر أو حجارة.


(1) ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 127. (*)

[ 482 ]

الباب الحادي عشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام أبي أيوب روى جعفر الفريابي والبيهقي وأبو نعيم عن أبي أيوب الانصاري رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر طعاما قدر ما يكفيهما، فأتيتهما به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فادع ثلاثين من أشراف الانصار، " قال: فشق ذلك علي، وقلت: ما عندي شئ أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: " اذهب فأدع لي ثلاثين من أشراف الانصار (1) " فدعوتهم فجاؤوا، فقال: اطعموا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال: إذهب فادع لي ستين من أشراف الانصار، قال أبو أيوب: فوالله لانا بالستين أجود مني بالثلاثين، قال: فدعوتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اطعموا فأكلوا حتى صدروا " ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا، ثم قال: " اذهب فادع لي تسعين من الانصار فلانا أجود بالتسعين مني بالثلاثين "، قال: فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه قبل أن يخرجوا فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الانصار (2).


(1) هذه الزيادة سقطت من د. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 4 / 221، 222 والبيهقي في الدلائل 6 / 94 وابن عبد البر في التمهيد 1 / 294 وابن كثير في البداية 6 / 127. (*)

[ 483 ]

الباب الثاني عشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم طعام ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها روى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة، فقال: " يا بنية، هل عندك شئ آكله، فإني جائع " فقالت: لا والله، فلما خرج من عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وغطت عليها، وقالت: والله، لاوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي فكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له: قد أتى الله بشئ فخبأته لك، قال: " هلمي يا بنية "، فشكفت عن الجفنة، فإذا هي مملؤة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله عز وجل، فحمدت الله عز وجل وصلت على نبيه - صلى الله عليه وسلم وقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه حمد الله عز وجل، وقال: " من أين لك هذا يا بنية ؟ " قالت: يا أبت، هذا من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: " الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله عز وجل شيئا فسئلت عنه قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، " فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته حتى شبعوا وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله عز وجل فيها بركة وخيرا كثيرا (1).


(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 20 وابن كثير في التفسير 2 / 29. (*)

[ 484 ]

الباب الثالث عشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم فضلة أزواد أصحابه رضي الله تعالى عنهم روى الشيخان عن سلمة بن الاكوع والامام أحمد ومسلم عن أبي هريرة وأحمد عن أبي الحسين الغفاري وابن سعد والحاكم وصححه عن أبي عمرة الانصاري والبزار والطبراني والبيهقي عن أبي الحسين العبدي وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى وأبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - قالوا:. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة بتبوك فأصاب الناس مخمصة شديدة، فاستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر بعض ظهورهم، وقالوا يبلغنا الله عز وجل فأذن لهم، فأخبر عمر رضي الله عنه - فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، ماذا صنعت ؟ أمرت الناس أن ينحروا ظهورهم فعلى ماذا يركبون ؟ قال: " فما ترى يا ابن الخطاب ؟ " قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب، ثم تدعو الله عز وجل بالبركة، فإن الله عز وجل سيبلغنا بدعوتك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك فكان أعلاهم من جاء بالصاع من التمر، فجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب ثم دعا لهم، ثم قال: " ائتوني بأوعيتكم " فملا كل إنسان وعاءه ولم يبق في الجيش وعاء إلا ملؤوه حتى أن الرجل ليعقد قميصه فيأخذ فيه وبقي مثله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله لا يلقى الله عبد مؤمن بها إلا حجبت عنه النار (1) ". قصة أخرى. روى الطبراني عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: " هل عندك شئ فإني جائع "، قلت لا، إلا مدين من طحين قال: " فاسخنيه " فجعلته في القدر وأنضجته، فقلت: قد نضج ثم دعا ينحي لس فيه إلا القليل فعصر حافتيه في القدر موضع يده فقال: " بسم الله ادعي أخواتك، فإني أعلم أنهن يجدن مثل ما أجد " فدعوتهن فأكلنا حتى شبعنا ثم جاء أبو بكر فدخل ثم عمر ثم جاء رجل فأكلوا حتى شبعوا وفضل عنهم (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزل


(1) تقدم انظر الدر المنثور 2 / 20 وابن كثير في التفسير 2 / 29. (2) انظرر مجمع الزوائد 8 / 309. (*)

[ 485 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران في عمرته بلغ أصحابه أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهورنا، فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقة لاصبحنا غدا ندخل على القوم وبنا جمامة فقال: " لا تفعلوا ولكن إجمعوا لي من أزوادكم " فجمعوا له وبسطوا الانطاع، فأكلوا حتى تولوا وحثا كل واحد منهم في جرابه (1).


(1) أخرجه أحمد 1 / 305 وانظر المجمع 3 / 278 والبداية لابن كثير 4 / 231. (*)

[ 486 ]

الباب الرابع عشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم أطعمة مختلفة غير ما تقدم روى أبو جعفر الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي أصحابك فجعلت أتتبعهم رجلا رجلا، فجئنا باب النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا، قال أبو هريرة فوضعت بين أيدينا صحفة صنيع قدر مد من شعير فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها يده وقال: " كلوا بإسم الله " فأكلنا ما شئنا وكنا ما بين السبعين إلى الثمانين، ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت الصحفة: " والذي نفسي بيده ما أمسى لال محمد طعام ". قيل لانس: كم كانت حين فرغتم منها ؟ قال مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الاصابع (1). قصة أخرى. روى الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم وابن عساكر عن واثلة بن الاسقع، قال: بعثني أهل الصفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون الجوع فالتفت في بيته، فقال: " هل من شئ ؟ " قالوا: نعم، كسرة أو كسرتين وشئ من لبن فأتي به ففتوه فتا دقيقا، ثم صب عليه اللبن ثم حلبه بيده حتى جعله كالثريد ثم قال: " يا واثلة، إدع عشرة من أصحابك " ففعلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا باسم الله من حواليها، وأبقوا رأسها فإن البركة تأتيها من فوقها وإنها تمد " فرأيتهم يأكلون ويتخللون أصابعه حتى تمثلوا شبعا ثم ذهبوا، فقال: " جئ بعشرة "، فقال لهم مثل ذلك، فأكلوا حتى شبعوا ثم قال: " هل بقي أحد "، قلت: نعم، عشرة، قال: " جئ بهم "، فقال لهم مثل ما قال لمن قبلهم فأكلوا حتى شبعوا، وحتى انتهوا وإن فيها فضلة، فقمت متعجبا مما رأيت (2). قصة أخرى. روى ابن سعد عن علي رضي الله عنه قال: نمنا ليلة بغير عشاء فأصبحت فالتمست فأصبت ما أشتري به طعاما ولحما بدرهم ثم أتيت به فاطمة فخبزت وطبخت فلما فرغت، قالت: لو أتيت أبي، فدعوته، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " أعوذ بالله من الجوع ضجيعا "، فقلت: يا رسول الله، عندنا طعام فهلم، فجاءوا والقدر تفور، فقال: " اغرفي لعائشة في صحفة " حتى غرفت لجميع نسائه، ثم قال: " اغرفي لابيك وزوجك "، فغرفت، فقال: " اغرفي فكلي، "، فغرفت ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض فأكلنا منها ما شاء الله عز وجل (3).


(1) أخرجه ابن أبي شيبة 11 / 470 وابن سعد 1 / 2 / 13. (2) أبو نعيم في الحلية 2 / 23 وفي الدلائل 150 وانظر جمع الجوامع 2 / 619. (3) أخرجه ابن سعد 1 / 1 / 124. (*)

[ 487 ]

قصة أخرى. روى الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن حمزة بن عمرو الاسلمي، قال: عملت طعاما للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهبت به فتحرك به النحي فأهريق ما فيه فقلت: على يدي أهريق طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادنه " فقلت: يا رسول الله لا استطيع فرجعت مكاني فإذا النحي يقول قب قب، فقلت: مه قد أهريق فضلة فضلت فيه، فاجتذبته، فإذا هو قد ملي إلى يديه فأوكيته ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: " أما إنك لو تركته لملئ إلى فيه ثم أوكى (1) ". قصة أخرى. روى الطبراني بسند حسن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: صنعت أمي طعاما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ادعه، فجئت فساررته، فقال لاصحابه: " قوموا "، فقام معه خمسون رجلا، فقال: " ادخلوا عشرة عشرة " فأكلوا حتى شبعوا وفضل نحو ما كان (2). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن صهيب رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقمت حياله، فلما نظر إلي أومأت إليه، فقال: " وهؤلاء " قلت لا مرتين يفعل ذلك أو ثلاثا فقلت: نعم، وهؤلاء وإنما كان شيئا يسيرا صنعته لك فأكلوا وفضل منهم (3). قصة أخرى. روى ابن سعد عن أم عامر أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجدنا المغرب، فجئت إلى منزلي فجئته بعرق وأرغفة فقلت: بأبي وأمي تعش، فقال: لاصحابه: " كلوا بإسم الله "، فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضرا من أهل الدار، فو الذي نفسي بيده (4) لرأيت بعض العرق لم يتعرقه وعامة الخبز وإن القوم أربعون رجلا. قصة أخرى. روى الامام أحمد وابن سعد وأبو نعيم عن عبد الله بن طهفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمع الضيفان قال: " لينقلب كل رجل مع جليسه "، فكنت أنا ممن انقلب مع


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 313 وقال رواه الطبراني. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 310 وقال رواه الطبراني في الاوسط ورجاله وثقوا. (3) ذكره الهيثمي في المجمع 4 / 58 وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح إلا أن ضريب بن نضير لم يسمع من صهيب. (4) ابن سعد 1 / 2 / 110. (*)

[ 488 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عائشة، هل من شئ " قالت: حويسة كنت أعددتها لافطارك، فأتي بها في قعبة فأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قدمها إلينا ثم قال: " بسم الله كلوا " فأكلنا منها حتى والله ما ننظر إليها، ثم قال: " هل من شراب ؟ " فقالت لبينة: أعددتها لافطارك، فجاءت بها فشرب منها شيئا، ثم قال: " باسم الله اشربوا "، فشربنا حتى والله ما ننظر إليها (1). قصة أخرى. روى الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فانطلق إلى المنزل فقال: " هلموا إلى الطعام الذي عندكم فأعطوني صحفة فيها عصيدة بتمر " فأتيته بها، فقال: " ادع أهل المسجد " فقلت في نفسي: الويل لي مما أرى من قلة الطعام والويل لي من المعصية، فدعوتهم، فاجتمعوا، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه فيها وغمز نواحيها وقال: " كلوا بسم الله " فأكلوا حتى شبعوا وأكلت حتى شبعت ورفعتها فإذا هي كهيئتها حين وضعتها إلا أن فيها أثر الاصابع (2). قصة أخرى. روى ابن عساكر عن عبد الله بن مغيث أبي بردة الانصاري قال: أرسلت أم عامر الاشهلية بقصعة فيها حيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبته وعنده أم سلمة فأكلت أم سلمة حاجتها ثم خرجت بالقعبة، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائه فأكل أهل الخندق وهي كما هي. قصة أخرى. روى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم فجئت أريد الصفة فجعلت أسقط فجعل الصبيان يقولون: جن أبو هريرة: قال فجعلت أناديهم، وأقول: بل وأنتم المجانين حتى انتهينا ألى الصفة، فوافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قام القوم وليس في القصعة إلا شئ في نواحي القصعة، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت لقمة فوضعه على أصابعه، فقال لي: " كل باسم الله "، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت (3). قصة أخرى. روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته جالسا


(1) أخرجه أحمد 5 / 526 وأبو نعيم في الدلائل (153) وانظر المجمع 8 / 101. (2) الطبراني في الكبير 18 / 138 وانظر المجمع 8 / 311. (3) أخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2148) والسيوطي في الدر المنثور 4 / 216. (*)

[ 489 ]

مع أصحابه يحدثهم قد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أمي فقال: هل من شئ ؟ قالت: نعم عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه وإن جاء معه بأحد قل عنهم، فقال لي أبو طلحة: قم قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه، فقل: أبي يدعوك، ففعلت ذلك، فلما قلت: أبي يدعوك، قال لاصحابه: " يا هؤلاء تعالوا " ثم أخذ بيدي فشدها، ثم أقبل بأصحابه حتى إذا دنونا من بيتنا أرسل يدي فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء به، فقلت: يا أبتاه، قد قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قلت لي فدعا أصحابه، وقد جاء بهم، فخرج أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك، فدخلت فقال: " اجمعوا ما عندكم ثم قربوه " فقربنا ما كان عندنا من خبز وتمر، فجعلناه على حصير فدعا فيه بالبركة، فقال: " يدخل علي ثمانية " فأدخلت عليه ثمانية، فجعل كفه فوق الطعام، فقال: " كلوا وسموا الله عز وجل " فأكلوا من بين أصابعه حتى شبعوا، ثم أمرني أن أدخل عليه ثمانية فما زال ذلك أمره حتى دخل عليه ثمانون رجلا كلهم يأكل حتى يشبع، ثم دعاني وأمي وأبا طلحة، فقال: " كلوا "، فأكلنا حتى شبعنا، ثم رفع يده، فقال: يا أم سليم، أين هذا من طعامك حين قدمتيه ؟ فقالت: بأبي أنت وأمي، لولا أني رأيتهم يأكلون لقلت: ما نقص من طعامنا شئ (1). قصة أخرى. روى الامام أحمد في الزهد والبزار والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله عن شئ فدخل يطلب له فأصابه لقمة في بعض حجره، فأخذها، ففتها أجزاء، ووضع يده عليها ثم قال: " كل "، فأكل الاعرابي حتى شبع وفضلت منه فضلة فجعل الاعرابي ينظر إليه ويقول: إنك لرجل صالح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسلم " فجعل يأبي الاسلام ويقول إنك لرجل صالح (2). تنبيه في بيان غريب ما سبق: العرق (....). الارغفة (قطعة من العجين تخبز).


(1) أخرجه مسلم (143 / 2040) والبيهقي في الدلائل 1 / 963 وأبو نعيم في الدلائل 148 وانظر المجمع 8 / 306. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 313، 314 وقال رواه البزار وفيه السري بن عاصم وهو كذاب. (*)

[ 490 ]

الباب الخامس عشر في قصة الذراع روى الامام أحمد وأبو يعلى من طرق عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أهديت لنا شاة، فجعلتها في قدر، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذا يا أبا رافع ؟ فقلت: شاة أهديت لنا، فطبختها في القدر، فقال: " ناولني الذراع " فناولته ثم قال: " ناولني الذراع يا أبا رافع "، فناولته ثم قال: " ناولني الذراع الاخر " فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنك لو مسكت لناولتني ذراعا ما دعوت به (1) ". قصة أخرى. روى الامام أحمد وأبو نيعم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن شاة طبخت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعطني الذراع "، فناولته إياه، ثم قال: " الذراع " زاد أبو نعيم من وجه آخر فناولته إياه، ثم دعا بذراع آخر، فقلت: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان، قال " أما إنك لو التمستها لوجدتها " (2). قصة أخرى. روى أبو يعلى وأبو نعيم بسند حسنه الحافظ ابن حجر عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن امرأة جاءت بابن لها فذكر الحديث وفيه: فأهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مشوية، فقال: " خذ الشاة منها "، ثم قال: " ناولني ذراعها "، فناولته ثم قال: " ناولني ذراعها "، فقلت يا رسول الله إنما هما ذراعان، وقد ناولتك فقال: " والذي نفسي بيده، لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما قلت لك ناولني ذراعا (3) ". قصة أخرى. روى الامام أحمد والدارمي عن أبي عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه طبخ للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا فيه لحم، فقال: " ناولني ذراعها " فناوله ثم قال: " ناولني ذراعها " فناوله، ثم قال: ناولني ذراعها "، فقلت: يا رسول الله، كم للشاة من ذراع، فقال: والذي نفسي بيده، لو سكت لاعطتك ذراعا ما دعوت به " (4).


(1) أخرجه أحمد 6 / 392 وانظر المجمع 8 / 311 والمشكلة (327). (2) أحمد في المسند 2 / 517 وابن كثير في البداية 6 / 140. (3) انظر المجمع 8 / 314. (4) أحمد 3 / 484، 485 وانظر المجمع 8 / 311 وابن كثير في البداية 5 / 322. (*)

[ 491 ]

الباب السادس عشر في تكثيره صلى الله عليه وسلم سواد البطن روى الشيخان عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة فقال: " هل مع أحد منكم من طعام ؟ " فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فاشترى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فصنعت، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له رسول الله صلى الله عليه وسلم حزة حزة من سواد بطنها. إن كان شاهدا أعطاه، وإن كان غائبا خبأ له، وجعل منها قصعتين فأكلنا منها أجمعون، وشبعنا وفضل في القصعتين، فحملته على البعير (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. سواد البطن: بسين مهملة فواو مخففة: الكبد، وقيل حشوه كله. مشعان: بضم أوله وسكون الشين المعجمة بعدها مهملة وآخره نون: فسره البخاري بأنه الطويل جدا فوق الطول ونحوه زاد غيره: مع إفراط في الطول، شعث في الرأس قال الحافظ: ويحتمل أن قوله أقوى لان في الاطعمة من وجه آخر بلفظ مشعان طويل، وقال القزاز: المشعان: الطويل الجافي الثائر الرأس.


(1) البخاري 3 / 14، 213 ومسلم في الاشربة (175) وأحمد 1 / 197، 198 والبيهقي في الكبرى 9 / 215 وفي الدلائل 6 / 95. (*)

[ 492 ]

الباب السابع عشر في الطعام الذي أتاه صلى الله عليه وسلم من السماء روى الامام أحمد والنسائي والدارمي والحاكم وصححه، وقال الذهبي في مختصر المستدرك: إنه من غرائب الصحاح عن أبي سلمة بن نفيل السكوني رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال له قائل: يا رسول الله هل أتيت بطعام من السماء، وفي لفظ: من الجنة ؟ قال: " نعم "، قال: وبماذا ؟ قال: " بطعام مسخنة "، قالوا: فهل كان فيها فضل عنك ؟ قال: " نعم "، قال: فما فعل به ؟ قال: " رفع إلى السماء " (1). وروى ابن عساكر عن الحراث بن عجد حدثني يقال له أبو سعيد، قال: قدمت المدينة، فسمعت رجلا يقول لصاحبه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرى الليلة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله بلغني أنك قريت الليلة، قال: " أجل "، قلت: وما ذاك ؟ قال: " طعام فيه مسخنة "، قلت: فما جعل في فضله ؟ قال: " رفع " (2). وروى الامام أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه والذهبي عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون، ويجئ قوم فيتعاقبونه. فقال له رجل: هل كانت تمد بطعام ؟ قال: أما من الارض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء (3). تنبيهان الاول: خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقرئك السلام، وأرسلني إليك بهذا القطف لتأكله، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن عساكر من طريق حفص بن عمر الدمشقي عرف بصاحب القطف، قال البخاري: لا يتابع عليه، وقال الذهبي: خبر منكر، وأما خبر حوط بن مرة، قيل: يا رسول اللله هل أتيت من طعام الجنة بشئ ؟ قال: " نعم، أتاني جبريل بخبيصة من خبيص الجنة فأكلتها "، قال الحافظ بن حجر في الاصابة: هذا حديث موضوع.


(1) أخرجه أحمد 4 / 104. (2) أخرجه ابن عساكر كما في التهذيب 3 / 464 والبخاري في التاريخ 9 / 34 والكنز (31379. (3) أخرجه الدارمي 1 / 30 والترمذي 5 / 553 (3625) وقال حسن صحيح وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (2149) والحاكم 2 / 618. (*)

[ 493 ]

الثاني: في بيان غريب ما سبق: مسخنة: وهي قدر كالتور يسخن فيها الطعام. قريت الليلة: قريت الضيف قرا أي أحسنت إليه. الباب الثامن عشر في تسبيح الطعام والشراب بين يديه صلى الله عليه وسلم روى الشيخان والترمذي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل (1). وروى أبو الشيخ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بطعام ثريد، فقال: " إن هذا الطعام يسبح "، قالوا: يا رسول الله، وتفقه تسبيحه، قال: " نعم "، ثم قال لرجل: " ادن هذه القصعة من هذا الرجل "، فأدناها منه فقال: نعم، يا رسول الله، هذا الطعام يسبح فقال: " ادنها من آخر " وأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح ثم قال: " ردها " فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعا، فقال: " لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا: من ذنب ردها "، فردها، وروى أبو الشيخ عن خيثمة قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدرا، فوقعت على وجهها فجعلت تسبح (2). وروى البيهقي وأبو نعيم عن قيس، قال بينا: أبو الدرداء وسلمان يأكلان من صحفة إذ سبحت وما فيها. وروى النسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب، الحديث وتقدم في باب نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم.


(1) تقدم. (2) ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 / 185. (*)

[ 494 ]

جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الاشجار الباب الاول في حنين الجذع شوقا إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام الشافعي حنين الجذع أكبر من إحياء الموتى، زاد البيهقي (ما أعطى الله - عز وجل - نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذاك) وسيأتي توجيهه في الخصائص إن شاء الله تعالى. وقد روى القصعة أبي بن كعب رواه الامام الشافعي وأحمد وابن ماجه والبغوي وابن عساكر وأنس بن مالك رواه الامام أحمد والترمذي وصححه وأبو يعلى والبزار وابن ماجه وأبو نعيم من طرق على شرط مسلم وبريدة، رواه الدارمي، وجابر بن عبد الله، رواه الامام أحمد والبخاري والترمذي، والمطلب بن أبي وداعة، رواه الزبير بن بكار، وأبو سعيد الخدري، رواه عبد بن حميد وابن أبي شيبة، وأبو يعلى وأبو نعيم بسند على شرط مسلم، وعائشة رواه الطبراني والبيهقي، وأم سلمة رواه أبو نعيم والبيهقي بإسناد جيد بألفاظ متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع نخلة، فاتخذ له منبر، فلما فارق الجذع، وغدا إلى المنبر الذي صنع له جزع الجذع، فحن له كما تحن الناقة، وفي لفظ: فخار كخوار الثور، وفي لفظ: فصاحت النخلة صياح الصبي حتى تصدع وانشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن فسكن وقال: " اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها وعيونها، فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك الصالحون " فاختار الاخرة على الدنيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة "، وقال: لا تلوموه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارق شيئا إلا وجد (1)، ولقد أبدع من قال: وألقى له الرحمن في الجمد حبه فكانت لاهداء السلام له تهدا وفارق جذعا كان يخاطب عنده فأن أنين الام إذ تجد الفقدا


(1) أخرجه من حديث جابر البخاري 2 / 397 (918، 2095، 3584، 3585) وأخرجه الدارمي 1 / 16، 19 وأحمد 1 / 249، 267، 363 وابن ماجة (1415) والبخاري في التاريخ 7 / 26 والطبراني في الكبير 12 / 187 وأبو نعيم في الدلائل (142) وانظر البداية والنهاية 6 / 145، 147، 148 والكنز (31784، 32084). (*)

[ 495 ]

يحن إليه الجذع يا قوم هكذا أما نحن أولى أن نحن له وجدا إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة فليس وفاء أن نطيق له بعدا

[ 496 ]

الباب الثاني في انقياد الشجر له صلى الله عليه وسلم روى مسلم وأبو نعيم والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: " انقادي علي بإذن الله " فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى إلى الشجرة الاخرى فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: " انقادي علي بإذن الله تعالى "، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لام بينهما يعني جمعهما: فقال: " التئما علي بإذن الله "، فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربي فيبتعد وقال محمد ابن عباد فيتبعد فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا. فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف وقفة، فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا (1). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فأراد أن يتبرز، فقال: " يا عبد الله، انظر هل ترى شيئا "، فنظرت فإذا شجرة واحدة، فأخبرته، فقال: " انظر هل ترى شيئا ؟ " فنظرت شجرة أخرى متباعدة عن صاحبتها فأخبرته، فقال: " قل لهما: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركما أن تجتمعا "، فقلت لهما، فاجتمعتا ثم أتاهما فاستتر بهما ثم قام فانطلقت كل واحدة منهما إلى مكانها. رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد وابن سعد وابن أبي شيبة برجال ثقات والحاكم وصححه عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزل منزلا فقال لي: " ائت تلك الاشاءتين (يعني نخلتين) فقل لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركما أن تجتمعا "، فأتيتهما، فقلت لهما ذلك، فوثبت إحداهما إلى الاخرى، فاجتمعتا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستتر بهما فقضى حاجته ثم وثبت كل واحدة منهما إلى مكانها (3).


(1) أخرجه مسلم 4 / 2306 (74 / 3012) والبيهقي في السنن 1 / 94 وفي الدلائل 6 / 8 وأبو نعيم في الدلائل (139) وابن عبد البر في التمهيد 1 / 222. (2) البداية والنهاية 6 / 159. (3) أخرجه أحمد 4 / 172 وابن ماجة (339) وابن سعد 1 / 1 / 112 وانظر المجمع 9 / 6. (*)

[ 497 ]

قصة أخرى. روى أبو نعيم وابن عساكر عن غيلان بن سلمة الثقفي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا منه عجبا، مررنا بأرض فيها إشات متفرق فقال: " يا غلام، ائت هاتين الاشاءتين فمر إحداهما تنضم إلى صاحبتها "، فانطلقت، فقمت بينهما، فقلت: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحداكما أن تنضم إلى صاحبتها فنزل فتوضأ خلفهما ثم ركب وعادت تخد في الارض إلى موضعها (1). قصة أخرى. روى أبو يعلى وأبو نعيم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: " انظر هل ترى من نخل أو حجارة ؟ " فقلت: رأيت شجرات متفرقات ورضخا من حجارة، قال: " انطلق إلى النخلات فقل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تدانين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك "، فأتيتهن، فقلت لهن ذلك، فوالذي بعثه بالحق لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن الارض خدا حتى اجتمعن وإلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رضخا خلف النخلات، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، وانصرف قال: " عد للنخلات والحجارة، فقل لهن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن " (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد والدارمي والبيهقي واللفظ له ورجاله ثقات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الارض ليس فيها علم ولا شجر ولا حجر، فقال لي: " يا جابر، خذ الاداوة وانطلق بنا " فملات الاداوة ماء وانطلقنا، فمشينا حتى لا نكاد نرى فإذا شجرتان بينهما أربعة أذرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انطلق، فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما "، ففعلت فرجفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما حتى قضى حاجته ثم رجعتا إلى مكانهما (3).


(1) انظر جمع الجوامع 2 / 587. (2) جمع الجوامع 2 / 349. (3) تقدم وانظر البيهقي 1 / 93 وأبو داود حديث (2) والبداية والنهاية 6 / 160. (*)

[ 498 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. الاداوة: إناء صغير يحمل فيه الماء. شاطئ الوادي: بمعجمة فألف فطاء طرفه وجانبه. الغصن: ما شب من ساق الشجرة دقيقه وغليظه. البعير المخشوش: بخاء معجمة ومعجمتين بينهما واو: جعل في أنفه خشاش، وهو عود يجعل في أنفه ويشتد به الزمام لينقاد بسهولة.

[ 499 ]

الباب الثالث في نزول العذق من الشجرة ومشي شجرة أخرى إليه وشهادتهما له بالرسالة صلى الله عليه وسلم روى البخاري في التاريخ والترمذي وصححه وأبو يعلى وابن حبان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بم أعرف أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: " أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: نعم، فدعا العذق، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط على الارض، فأقبل إليه، وهو يسجد ويرفع ويسجد ويرفع حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: " ارجع " فرجع إلى مكانه، فقال: والله لا أكذبك بشئ تقوله بعد أبدا أشهد أنك رسول الله وآمن (1). قصة أخرى. روى الامام أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححاه وأبو نعيم عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإني من أطيب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أريك آية ؟ " قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة، فقال: ادع ذلك العذق، قال: فدعاه، فأقبل يخد الارض ويسجد ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجع " فرجع إلى مكانه فقال: أشهد أنك رسول الله وآمن (2). قصة أخرى. روى الدارمي وابن حبان والحاكم وصححاه وقال الذهبي إسناده جيد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين تريد ؟ " قال: إلى أهلي، قال: " هل لك في خير ؟ " قال: وما هو ؟ قال: " تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله "، قال: هل لك من شاهد على ما تقول ؟ قال: " هذه الشجرة "، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الارض خدا فقامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الاعرابي إلى قومه، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يتبعوني آتك بهم، وإلا رجعت إليك فكنت معك (3).


(1) أخرجه الترمذي 5 / 554 (3628) والحاكم في المستدرك 2 / 620 ابن كثير في البداية 6 / 143، 311 وابن سعد 1 / 1 / 121. (2) أخرجه أحمد 1 / 223 والدارمي 1 / 13 وابن كثير في البداية 6 / 142. (3) أخرجه الطبراني في الكبير 12 / 432 والطحاوي في المعاني 3 / 21 وانظر المطالب (3836) والمجمع 8 / 295. (*)

[ 500 ]

قصة أخرى. روى البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله تعالى من تكذيب قومه إياه، فقال: " يا رب، أرني ما أطمئن إليه ويذهب عني هذا الغم " فأوحى الله عز وجل ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت، قال: فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خد الارض حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجع إلى مكانك " فرجع الغصن فخد في الارض حتى استوى كما كان فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وطابت نفسه (1). قصة أخرى. روى البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الحجون كئيبا لما آذاه المشركون، فقال: " اللهم أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها "، فأمر فنادى شجرة من قبل الوادي، فأقبلت تخد الارض حتى انتهيت إليه ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، فقال: " ما أبالي من كذبني بعد هذا من قومي " (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء ضربه بعض أهل مكة، فقال له: مالك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فعل بي هؤلاء وفعلوا " فقال له جبريل: كم تحب أن أريك آية ؟ فقال: " نعم "، فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع، فأمرها، فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حسبي "، ورواه ابن سعد عن عمر وفيه: فسلمت عليه (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العذق: العرجون بما فيه من الشماريخ.


(1) البداية لابن كثير 6 / 142. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 13 وابن سعد 1 / 1 / 112 وانظر المطالب (3837). (3) أخرجه ابن ماجه (4028) وأحمد 3 / 113 وابن كثير في البداية 6 / 142. (*)

[ 501 ]

الباب الرابع في إعلام الشجرة بمجئ الجن إليه وسلام شجرة أخرى عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه روى الشيخان عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: سألت مسروقا من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن، فقال: حدثني أبوك، قال: آذنته بهم شجرة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. آذنته: بهمزة ممدودة: أعلمته. قصة أخرى. روى الامام أحمد والبيهقي وأبو نعيم عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت شجرة استأذنت تشق الارض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له ذلك، فقال: " هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم علي فأذن لها " (1). قصة أخرى. روى البزار وأبو نعيم عن بريدة رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد أسلمت فأرني شيئا أزداد به يقينا، قال: " ما الذي تريد ؟ " قال: ادع تلك الشجرة، فلتأتك، قال: " اذهب فادعها "، فأتاها الاعرابي، فقال: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت على جانب من جوانبها، فقطعت عروقها، ثم مالت على الجانب الاخر فقطعت عروقها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقالت: " بم تشهدين، يا شجرة ؟ " قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، قال: " صدقت "، فقال الاعرابي: حسبي حسبي، مرها فلترجع إلى مكانها، فقال: " ارجعي إلى مكانك، وكوني كما كنت "، فرجعت إلى حفرتها، فجلست على عروقها في الحفرة، فوقع كل عرق مكانه الذي كان فيه، ثم التأمت عليها الارض، فقال الاعرابي: أتأذن لي يا رسول الله أن أقبل رأسك ورجليك، ففعل، ثم قال: أتأذن لي أن أسجد لك ؟ فقال: " لا يسجد أحد لاحد " (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. آذنته: بهمزة ممدودة: أعلمته. غشيته: غطيته.


(1) أخرجه أحمد 4 / 173 وأبو نعيم في الدلائل 139 وانظر المجمع 9 / 6 والبداية 6 / 158. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (138). (*)

[ 502 ]

فمالت. (....) حسبي حسبي. (...) الباب الخامس في الاية في النخل الذي غرسه لسلمان رضي الله تعالى عنه لما كاتب سيده عليه روى البيهقي عن أبي يزيد عن أبيه أن سلمان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " لمن أنت ؟ " قال: لقوم، قال: " فاطلب إليهم أن يكاتبوك "، قال: فكاتبوني على كذا وكذا نخلة أغرسها لهم، وأقوم عليها حتى تطعم، قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فغرس النخل كله إلا نخلة واحدة غرسها عمر ابن الخطاب فأطعم النخل من سنته إلا تلك النخلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من غرسها ؟ " قالوا: عمر ابن الخطاب، فغرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فحملت من عامها وقد تقدم مبسوطا في أول الكتاب والاحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكر كفاية لمن وفق (1) ويرحم الله الشيخ شرف الدين البوصيري حيث قال: جاءت لدعوته الاشجار ساجدة تمشي إليه على ساق بلا قدم كأنما سطرت سطرا لما كتبت حروفها من بديع الخط في اللقم تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. اللقم: بفتح اللام والقاف: وسط الطريق.


(1) انظر المجمع 9 / 46 والبيهقي 10 / 351. (*)

[ 503 ]

جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الجمادات الباب الاول في تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم روى الطبراني والبيهقي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات أو قال: تسع حصيات، فأخذهن في كفه، فسبحن، حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذه خلافة النبوة " (1). ورواه البزار والطبراني والبيهقي ورواه محمد بن يحيى الذهبي والبيهقي وابن عساكر عن أنس نحوه. قصة أخرى. روى أبو نعيم والحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم ملوك حضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم الاشعث بن قيس، فقالوا إنا قد خبأنا لك خبأ فما هو ؟ قال: " سبحان الله ! إنما يفعل هذا الكاهن والكهانة في النار "، فقالوا: فكيف نعلم أنك رسول الله عز وجل فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى، فقال: " هذا يشهد أني رسول الله " فسبح الحصى في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول الله عز وجل (2). قصة أخرى. روى ابن عساكر عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: تناول النبي صلى الله عليه وسلم من الارض سبع حصيات، فسبحن في يده، ثم ناولهن أبا بكر فسبحن كما سبحن في يد النبي صلى الله عليه وسلم ثم ناولهن النبي صلى الله عليه وسلم عمر فسبحن في يده كما سبحن في يد أبي بكر، ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه كما سبحن في يد أبي بكر وعمر.


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 65 وانظر الكنز (35409) والبداية 6 / 151، 7 / 206. (2) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1 / 78 وانظر الدر المنثور 4 / 201، 5 / 270. (*)

[ 504 ]

قصة أخرى. روي عن ثابت البناني عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حصيات في يده فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في أيدينا رجلا رجلا فما سبحت حصاة منهن. الباب الثاني في تكثيره صلى الله عليه وسلم الذهب الذي دفعه لسلمان روى الامام أحمد وابن سعد والحاكم من طرق عن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل من بعض المعادن بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذ هذه يا سلمان، فأد بها ما عليك "، فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه مما علي ؟ فقلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسانه ثم قذفها إلي، ثم قال: " انطلق بها، فإن الله سيؤدي بها عنك، فو الذي نفسي بيده، ولو وزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وبقي عندي مثل ما أعطيتهم "، الحديث (1). وتقدم في قصة إسلامه أول الكتاب في باب ما أخبرته الاحبار والرهبان والكهان بأنه النبي المبعوث آخر الزمان.


(1) أخرجه أحمد 5 / 444 والطبراني في الكبير 6 / 277 أخرجه البيهقي 10 / 322 والخطيب في التاريخ 6 / 169 وابن عساكر كما في التهذيب 6 / 197 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 89 وابن سعد 1 / 1 / 123 وانظر المجمع 9 / 336. (*)

[ 505 ]

الباب الثالث في تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه صلى الله عليه وسلم روى البيهقي وأبو نعيم عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: " يا أبا الفضل، لاترم منزلك غدا أنت وبنوك حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة "، فانتظروه، حتى جاء بعدما أضحى، فدخل عليهم، فقال: " السلام عليكم " فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال لهم: " تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض " حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته وقال: " يا رب، هذا عمي وصفوا أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه "، قال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين (1). ورواه ابن ماجه مختصرا وليس في سنده متهم. ورواه أبو نعيم من حديث عبد الله بن الغسيل. تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. ملاءته: ملحفته. صفو أبي: مثل أبي. أسكفة الباب: عتبته.


(1) ابن عساكر كما في التهذيب 7 / 238 والبيهقي في الدلائل 6 / 71 وابن كثير في البداية 6 / 153. (*)

[ 506 ]

الباب الرابع في تحرك الجبل فرحا به صلى الله عليه وسلم روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه النبي صلى الله عليه وسلم برجله وقال: " اثبت، عليك نبي وصديق وشهيدان " (1). وروى أبو يعلى والبيهقي من حديث سهل بن سعد بلفظ أحد فقط، وروى مسلم من حديث أبي هريرة مثله، وزاد (وعلي وطلحة والزبير) فقال: " اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد " رواه أحمد من حديث بريدة بلفظ حراء فقط (2). وروى أبو نعيم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حراء فتحرك فضربه برجله، ثم قال: " اسكن حراء، فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد "، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأنا (3).


(1) أخرجه البخاري 7 / 42 (3686). (2) أخرجه مسلم في الفضائل (50) وأحمد 2 / 419 والترمذي (3696) والبيهقي في الدلائل 6 / 352 والبغوي في التفسير 1 / 74 وانظر الكنز (33098، 36719). (3) أخرجه البيهقي 6 / 167 والدارقطني 4 / 198 والبخاري في التاريخ 8 / 105 وابن عساكر كما في التهذيب 5 / 363، 7 / 80، 435، 6 / 102 وانظر البداية والنهاية 7 / 179. (*)

[ 507 ]

الباب الخامس في تنكيس الاصنام حين أشار إليها صلى الله عليه وسلم روى الشيخان عن ابن مسعود والامام أحمد وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس وابن إسحاق والبيهقي عن علي وأبو نعيم والبيهقي من طريق نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلثمائة وستين صنما فأشار إلى كل صنم بعصا، فقال: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (1) (سورة الاسراء 81) جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد فكان لا يشير إلى صنم إلا سقط من غير أن يمسه بعصا وفي لفظ: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنما فأخذ بقوسه فجعل يهودي إلى صنم صنم وهو يهوي حتى مر عليها كلها وفي ذلك يقول تميم بن أسد الخزاعي: وفي الاصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا وأخرجه ابن منده من وجه ثالث عن ابن عباس وقال: حديث غريب تفرد به يعقوب بن محمد الزهري. قال البيهقي في حديث ابن عمر إسناده إن كان ضعيفا فحديث ابن عباس يؤكده.


(1) تقدم. (*)

[ 508 ]

الباب السادس في تحرك المنبر حين أمعن في وعظ الناس عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه روى الامام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده ثم يقول: أنا الجبار، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ " ويعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن يساره حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شئ منه حتى أني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وروى الحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاية: (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) (الزمر 67) قال: " يقول أنا الجبار، ويمجد الرب نفسه "، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم منبره حتى قلنا: ليخرن (2). وروى البزار وابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الاية على المنبر: (وما قدروا الله حق قدره) حتى بلغ: (عما يشركون) (الزمر 67) فقال المنبر هكذا فجاء وذهب ثلاث مرات. الباب السابع في إلانة الصخرة التي عجز الناس عنها له صلى الله عليه وسلم روى البخاري عن جابر بن عبد الله، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمر، والبيهقي وأبو نعيم عن البراء بن عازب، وابن سعد وابن جرير والبيهقي وأبو نعيم عن كثير بن عبد الله بن عمر وابن عوف عن أبيه عن جده، وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنهم قالوا: عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنا نازل "، ثم قال: فلما رآها أخذ المعول وقال: " باسم الله " وضربها ضربة تكسر ثلثها وبرقت برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى كأن مصباحا في جوف ليلة مظلمة، فقال: " الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لابصر قصر المدائن الابيض " ثم ضربه التالية فقطع بقية الحجر، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فقال " الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لابصر صنعاء من مكاني الساعة " (3).


(1) أخرجه مسلم 4 / 2148، 2149 والطبراني في الكبير 12 / 355. (2) أخرجه أحمد 2 / 88. (3) أخرجه البخاري 7 / 395 والبغوي في الشرح 14 / 5 وابن كثير في البداية 4 / 97 وأخرجه أحمد 4 / 303 وابن أبي شيبة 4 / 422 والبيهقي في الدلائل 3 / 421 والخطيب في التاريخ 1 / 131، 131. (*)

[ 509 ]

الباب الثامن في سلام الاحجار عليه زاده الله فضلا وشرفا لديه روى مسلم والامام أحمد عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني لاعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لاعرف الان (1) "، وروى الترمذي، وحسنه عن علي رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك، يا رسول الله (2). وروى أبو نعيم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " لما كانت ليالي بعثت ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك، يا رسول الله، " وتقدم ذلك مبسوطا في أبواب البعثة.


(1) أخرجه مسلم 4 / 1782 وأحمد 5 / 89، 95 والطبراني في الكبير 2 / 257 وفي الصغير 1 / 6 وأبو نعيم في الدلائل (142) والبيهقي في الدلائل 2 / 153 وابن أبي شيبة 11 / 464. (3) الدارمي 1 / 12 والترمذي 5 / 593 (3626) والحاكم 2 / 65 والبيهقي في الدلائل 2 / 153. (*)

[ 510 ]

جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم في الحيوانات الباب الاول في انقياد الابل له صلى الله عليه وسلم روى الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء قوم من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن لنا بعيرا فطم في حائط فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " تعال "، فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه، وأعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، كأنه علم أنك نبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أني نبي إلا كفرة الانس والجن (1) ". وروى الامام أحمد عن حماد بن سلمة، قال: سمعت شيخا من قيس يحدث عن أبيه، قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا بكرة صعبة لا نقدر عليها، فدنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ضرعها فاحتفل فحلب. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط بني النجار إذا فيه جمل لا يدخل أحد إلا شد عليه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير، فجاء واضعا مشفره إلى الارض حتى برك بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هاتوا خطامه "، ودفعه إلى صاحبه ثم التفت إلى الناس، فقال: " إنه ليس شئ بين السماء والارض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الانس والجن (2) ". وروى أبو بكر بن أبي شيبة برجال ثقات والامام أحمد وعبد الله بن حميد والبزار عنه، قال: أقبلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار إذا فيه جمل هائج لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الحائط، فدعا البعير فجاءه ووضع مشفره في الارض حتى برك بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هاتوا خطامه " فخطمه ودفعه إلى أصحابه ثم التفت إلى الناس، فقال: " ليس شئ بين السماء والارض إلا يعلم أني رسول الله غير عصاة الجن والانس (3) ".


(1) انظر المجمع 9 / 4. (2) أخرجه الدارمي 1 / 11 وأحمد 3 / 310 وأبو نعيم في الدلائل (135) وابن كثير في البداية 6 / 155 وانظر المجمع 7 / 9، 9 / 7. (3) انظر المجمع 7 / 9، 9 / 7. (*)

[ 511 ]

الباب الثاني في سجود الابل له وشكواها إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام أحمد والنسائي بسند جيد عن أنس رضي الله عنه قال: كان أهل بيت من الانصار، لهم جمل يستقون عليه الماء، وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الانصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نستقي عليه، وإنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " قوموا "، فقاموا فدخل الحائط، والجمل من ناحية، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه فقال الانصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب، وإنما نخاف عليك صولته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس علي منه بأس "، فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط حتى أدخله في العمل، فقال أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل، تسجد ؟ أحق أن نسجد لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو صح لبشر أن يسجد لبشر لامرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها، والذي نفسي بيده، لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه (1) ". قصة أخرى. روى الامام أحمد والبيهقي واللفظ له، ورجاله ثقات، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن جملا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منه خر الجمل ساجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس، من صاحب هذا الجمل ؟ " فقال فتية من الانصار: هو لنا يا رسول الله، قال: " فما شأنه ؟ " قالو: سنونا عليه عشرين سنة فلما كبرت سنه، أردنا نحره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تبيعونه ؟ " فقالوا: هو لك يا رسول الله فقال: " أحسنوا إليه حتى يأتيه أجله "، فقالوا يا رسول الله، نحن أحق أن نسجد لك من البهائم، فقال: " لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان النساء لازواجهن " (2). قصة أخرى. روى الامام أحمد وأبو نعيم والطبراني بسند جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم في نفر فجاء بعير فسجد له، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، قال: " اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها ".. الحديث (3).


(1) أخرجه أحمد 3 / 150 وأبو نعيم في الدلائل (137) وانظر المجمع 9 / 4 والبداية 6 / 155. (2) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 1 / 224 انظر البداية والنهاية 1 / 261. (3) أخرجه أحمد 6 / 76 وانظر المجمع 4 / 310، 9 / 9. (*)

[ 512 ]

قصة أخرى. روى البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا فجاء بعير فسجد.... الحديث. قصة أخرى. روى الامام أحمد والبيهقي، وقال الذهبي: على " شرط " مسلم عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا من حيطان الانصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأسه إلى سنامه وزفر له فسكن، فقال: " من صاحب هذا الجمل ؟ " فجاء فتى من الانصار قال: هو لي يا رسول الله، قال: " أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكتها، إنه شكى لي أنك تجيعه وتدئبه " (1). قصة أخرى. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا من الانصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا، فسد عليها الباب، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يدعو له، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد معه نفر من الانصار فقال: يا رسول الله، إني جئت في حاجة، وإن فحلين لي اغتلما، وإني أدخلتهما حائطا، وسددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " قوموا معنا " فذهب حتى أتى الباب، فقال: " إفتح "، فأشفق الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " افتح "، ففتح، فإذا أحد الفحلين قريب من الباب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ائتني بشئ أشد به رأسه وأمكنك منه "، فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الاخر، فلما رآه وقع ساجدا له، فقال للرجل: " ائتني بشئ أشد به رأسه "، فشد رأسه وأمكنه منه، فقال: " اذهب فإنهما لا يعصيانك " (2). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلا من الانصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لنا جملا صؤولا في الدار وليس أحد منا يستطيع أن يقربه فقام معه النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، فأتى ذلك الباب ففتحه فلما رآه الجمل جاء إليه فسجد له ووضع جرانه فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه فمسحه ثم دعا بالخطام فخطمه ثم دفعه إلى صاحبه، فقال له أبو بكر، وعمر


(1) أحمد في المسند 1 / 204 وابن كثير في البداية 6 / 157. (2) الطبراني في الكبير 11 / 356 وانظر المجمع 9 / 4. (*)

[ 513 ]

وقد عرفك، يا رسول الله، إنك نبي، قال: " ليس شئ إلا يعرف أني رسول اله غير كفرة الجن والانس (1) ". قصة أخرى. روى الامام أحمد أبو عبد الله محمد بن حامد الفقيه في كتابه (الدلائل) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فأشرفنا على حائط فإذا نحن بناضح فلما أقبل الناضح، رفع رأسه فأبصر بالنبي صلى الله عليه وسلم فوضع جرانه على الارض، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال: " سبحان الله أدون الله ؟ ما ينبغي لاحد أن يسجد لشئ دون الله عز وجل، ولو أمرت أحدا أن يسجد لشئ من دون الله عز وجل لامرت المرأة أن تسجد لزوجها ". قصة أخرى. روى أبو نعيم عن ثعلبة بن أبي مالك قال: اشترى انسان من بني سلمة جملا ينضح عليه، فأدخله في مربد فجرد كيما يحمل عليه فلم يقدر أحد أن يدخل عليه إلا يخبطه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: " افتحوا عنه "، فقالوا: إنا نخشى عليك منه، قال: " إفتحوا عنه "، ففتحوا فلما رآه الجمل خبر ساجدا، فسبح القوم، فقالوا: يا رسول الله، كنا أحق بالسجود من هذه البهيمة، قال: " لو ينبغي لشئ من الخلق أن يسجد لشئ دون الله لا نبغى للمرأة أن تسجد لزوجها (2) ". قصة أخرى. روى الطبراني عن عصمة رضي الله عنه قال: شرد علينا بعير ليتيم من الانصار فلم يقدر على أخذه فذكرنا ذلك له فقام معنا حتى جاء الحائط الذي فيه البعير فلما رأى البعير رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل حتى سجد له فقلنا: يا رسول الله، لو أمرتنا أن نسجد لك كما يسجد للملوك ! فقال: " ليس ذاك في أمتي، لو كنت فاعلا لامرت النساء أن تسجد لازواجهن (3) ". قصة أخرى. روى الامام أحمد والبيهقي من طرق عن يعلى بن مرة قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ جاء جمل يرغو حتى ضرب بين يديه ثم ذرفت عيناه حتى بل ما حوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما يقول البعير ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره "، ثم قال: " ويحك أنظر لمن هذا الجمل " فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الانصار


(1) تقدم. (2) أبو نعيم في الدلائل (136). (3) انظر المجمع 4 / 311. (*)

[ 514 ]

فدعوته إليه، فقال: " ما لبعيرك يشكوك زعم أنك أفنيت شبابه حتى إذا كبر تريد أن تنحره ؟ " قال: صدقت والذي بعثك بالحق لقد هممنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: " فلا تفعل هبه لي أو بعنيه "، فقال يا رسول الله، مالي مال أحب إلي منه "، قال: " فاستوصي به خيرا "، فقال لا جرم، لا أكرم مالا لي كرامته يا رسول الله، وفي رواية: أنه وهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوسمه بسمة الصدقة ثم بعث به (1). قصة أخرى. روى ابن سعد عن علي بن محمد عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده (2) إذا أقبل جمل ناد حتى وضع رأسه في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وجرجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه: " إن هذا الجمل يزعم أنه لرجل وأنه يريد أن ينحره في طعام عن أبيه الان فجاء يستغيث " فقال رجل: يا رسول الله هذا جمل فلان، وقد أراد ذلك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل فسأله عن ذلك فأخبره أنه أراد ذلك، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ينحره ففعل (3). قصة أخرى. روى البزار والطبراني عن جابر رضي الله عنه قال: لما رجعنا من غزوة ذات الرقاع حتى إذا كنا بمهبط الحرة، أقبل جمل يرغم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما قال هذا الجمل هذا جمل يستعديني على سيده يزعم أنه يحرث عليه منذ سنين، وأنه أراد أن ينحره، إذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به "، فقلت: لا أعرفه قال: " إنه سيدلك عليه " فخرج بين يديه مقنعا حتى وقف على صاحبه فجئت به... " الحديث. قصة أخرى. روى البيهقي وأبو نعيم عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: بينا نحن قعود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه آت، فقال: إنا ناضح آل فلان قد أبق عليهم، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضنا معه فقلنا يا رسول الله، لا تقربه، فإنا نخافه عليك، فدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من البعير فلما رآه البعير سجد ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح في غرة البعير من الماء ثم ضربه ودعا له ووضع يده على رأسه، فقال: " هاتوا السفار "، فجئ بالسفار فوضعه في رأسه وقال: " ادعوا لي صاحب البعير "، فدعي، فقال: " أحسن علفه ولا تشق عليه في العمل (4) ".


(1) أخرجه أحمد 4 / 172 وانظر المجمع 9 / 6. (2) في مجلسه في المسجد. (3) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 124. (4) أبو نعيم في الدلائل (137). (*)

[ 515 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: مفرق رأسه: حيث يفرق الشعر. القيح (....). الصديد (....). جرجر: من الجرجرة وهي صوت البعير عند الضجر. ذرفت عيناه (...). مقنعا: المستور وجهه. السفار. الزمام والحديدة: التي يخطم بها البعير ليذل وينقاد. الباب الثالث في بركته صلى الله عليه وسلم في جمل جابر وناقة الحكم بن أيوب وناقة رجل آخر روى الشيخان وأبو نعيم عن جابر رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاحق بي وتحتي ناضح أعيا ولا يكاد يسير حتى ذهب الناس فجعلت أرقيه ويهمني شأنه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الناس فقال لي: " ما لبعيرك ؟ " قلت: عليل فمسح في نحره من الماء ثم ضربه ودعا له، فوثب ثم قال: " اركب باسم الله "، قلت: إني أرضى أن يساق معنا قال: " اركب " فركبت، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتني وإني لاكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إرادة ألا يسبقه فما ركبت دابة قبله ولا بعده أوسع ولا أوطأ منه، وما زال بين الابل يسير قدامها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف ترى بعيرك ؟ " قلت: بخير، قد أصابته بركتك (1). قصة أخرى. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا فأتاه، فقال: يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة والذي نفسي بيده، لقد رأيتها تسبق القائد. وروى ابن حبان في تاريخه والحسن بن سفيان والطبراني عن الحكم بن أيوب، ويقال ابن الحارث السلمي، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ حلب ناقتي فرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمت الركاب.


(1) تقدم وانظر البخاري 4 / 320 (2097، 2718، 2967) ومسلم 3 / 1221 (110 / 715). (*)

[ 516 ]

الباب الرابع في بركته صلى الله عليه وسلم في ظهر المسلمين في غزوة تبوك روى الطبراني بسند صحيح عن فضالة بن عبيد، قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فجهد الظهر جهدا شديدا فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم رجالا لا يزجون ظهرهم، فوقف في مضيق، والناس يمرون فيه فنفخ فيها نفخا وقال: " اللهم بارك فيها واحمل عليها في سبيلك، فإنك تحمل على القوي والضعيف والرطب واليابس في البر والبحر "، فاستمرت فما دخلت المدينة إلا وهي تنازعنا أزمتها (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: يزجون: بزاي وجيم: يسرقون. الباب الخامس في سجود الغنم له صلى الله عليه وسلم - ذكرنا ذلك - روى أبو نعيم وأبو عبد الله بن حامد الفقيه عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا للانصار ومعه أبو بكر وعمر، ورجل من الانصار وفي الحائط غنم فسجدت له... الحديث.


(1) الطبراني في الكبير 11 / 376 وانظر المجمع 6 / 196 وفيه يرحون من يزجون. (*)

[ 517 ]

الباب السادس في شهادة الذئب له صلى الله عليه وسلم بالرسالة روى الامام أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أبي سعيد والبيهقي عن ابن عمر، وأبو نعيم عن أنس وابن مسعود، والامام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنهم بينما أعرابي ببعض نواحي المدينة في غنم له إذ عدا ذئب على شاة، فأخذها، فطلبها الراعي، فاستنقذها منه فصعد الذئب على تل فاقع واستقر، وقال: ألا تتقي الله عز وجل، تنزع مني رزقا ساقه الله عز وجل إلي ؟ فقال: يا عجبا لذئب يقع على ذئبه مستذفر ذنبه يتكلم ! فقال الذئب: والله إنك تصادف أعجب من هذا، وفي لفظ: أنا أخبرك بأعجب من كلامي، قال: وماذا أعجب من هذا ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخلات بين الحرتين يحدث الناس عن نبأ ما سبق وما يكون بعد ذلك، وفي لفظ: يدعو الناس إلى الهدى، وإلى دين الحق وهم يكذبونه، فأقبل الراعي يسوق حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زوايا المدينة، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره وفي حديث أبي هريرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا صليت الصبح معنا غدا فأخبر الناس بما رأيت "، فلما أصبح الرجل وصلى الصبح فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للاعرابي: " أخبرهم "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يخرج من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله من بعده ". روى ابن عساكر عن محمد بن جعفر بن خالد الدمشقي، قال رافع بن عمير الطائي فيما يزعمون: كلمة الئب وهو في ضأن له يرعاها، فدعاه الذئب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره باللحوق بالنبي صلى الله عليه وسلم وله شعر قاله في ذلك يرحمه الله تعالى آمين: دعيت الضأن أجمعها بكلبي من اللص الخفي وكل ذيب فلما أن سمعت الذئب نادى يبشرني بأحمد من قريب سعيت إليه قد شمرت ثوبي على الساقين في الوفد الركيب فألفيت النبي يقول قولا صدوقا ليس بالقول الكذوب فبشرني بدين الحق حتى تبينت الشريعة للمنيب وأبصرت الضياء يضئ حولي أمامي إن سعيت وعن جنوبي ألا بلغ بني عمرو بن عوف وأخبرهم جديدا أن أجيبي دعاء المصطفى لاشك فيه فإنك إن أجبت فلن تجيبي

[ 518 ]

قصة أخرى. قال القاضي في الشفاء روى ابن وهب مثل هذا أنه جرى لابي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا، فدخل الظبي الحرم، فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك، قال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدين يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار ؟ فقال: واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: التل. الزاوية: الركن. اللص (...). حديدا (....). الباب السابع في خشية الوحش الداجن إياه صلى الله عليه وسلم روى الامام أحمد والترمذي ومسدد وأبو يعلى والبزار والط براني بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش، وفي لفظ: داجن فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول ا لله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه. تنبيه: في ب‍ يان غريب ما سبق:. الداجن: بمهملة فألف فجيم ما يألف البيوت من الحشرات كالشاة والطير.


(1) أخرجه أحمد في المسند 6 / 112 والبيهقي في الدلائل 6 / 31. (*)

[ 519 ]

الباب الثامن في خدمة الاسد لسفينة مولاه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد وأبو يعلى والبزار والحاكم وصححه والبيهقي عن سفينة مولى رسول الله صلى الل‍ ه عليه وسلم قال: ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا منها، فأخرجني إلى أجمة فيها أسد فأقبل الاسد، فلما رأيته قلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله صلى ا لله عليه وسلم فأقبل إلي فدفعني بمنكبه حتى ضربني بجنبه كأنا سمعت صوتا أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلي‍ جنبي حراقا حتى أقامني على الطريق ثم همهم ساعة فرأيت أنه يودعني (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. الاجمة: الشجر الكثيف الملتف. الباب التاسع في استجارة الغزالة به وشهادتها له بالرسالة صلى الله عليه وسلم روى الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن زيد بن أرقم والبيهقي من طريق علي بن قادم وأبو العلاء خالد بن طهمان بن عطية عن أبي سعيد الخدري، والطبراني وأبو نعيم عن أم سلمة، وأبو نعيم عن أنس بن مالك وهو غريب، ورجاله خرج لهم في الكتب الستة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قوم قد اصطادوا، ولفظ أنس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة فمررن‍ ا بخبأ أعرابي وإذا بظبية مشدودة إلى الخباء، فقالت: يا رسول الله، إن هذا الاعرابي اصطادني. وفي لفظ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم صادوا ظبية فشدوها على عمود فشطاط فقالت: يا رسول الله أخذت ولي خشفان في البرية، وقد انعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا يدعني، فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسل‍ م: " إن تركتك ترجعين ؟ " قالت: نعم، وإلا عذبني الله عذابا أليما، وفي لفظ: فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم، قال: " وتفعلين ؟ " قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فقال: " أين صاحب هذه ؟ " فقال القوم: نحن يا رسول الله، قال: " خلوا عنها حتى تأتي خشفها ترضعها وترجع إليكم "، فقالوا: من لنا بذلك ؟ قال: " أنا "، فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أين صاحب هذه ؟ " قالوا:


(1) انظر المجمع 9 / 369. (*)

[ 520 ]

هوذا نحن يا رسول الله، قال: " تبيعونها ؟ " فقالوا: هي لك يا رسول الله، فقال: " خلوا عنها " وأطلقوها، فذهبت، وهي تضرب برجلها فرحا وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (1)، قال القطب الحضرمي في خصائصه: هذا الحديث ضعفه بعض الحفاظ لكن طرقه يتقوى بعضها ببعض، انتهى. وقال الشيخ: لهذا الحديث طرق كثيرة تشهد أن للقصة أصلا، انتهى. وقال الحافظ في أماليه على مختصر ابن المهلب بعد أن أورده من حديث أبي سعيد حديث غريب وعلي بن قادم، وشيخه وشيخ شيوخه كوفيون فيهم مقال، وأشدهم ضعفا عطية ولو توبع حكمت بحسنه. تنبيهان الاول: تسليم الغزالة على النبي صلى الله عليه وسلم مشهور على ا لالسنة، وفي المدائح ولم أقف لخصوص السلام على سندوإنما ورد الكلام في الجملة. الثاني: في بيان غريب ما سبق:. الظبية. الخشفان: بكسر الشين بعيران. الباب العاشر في شهادة الضب له بالرسالة صلى الله عليه وسلم روى البيهقي عن عمر بن الخطاب، أن أعرابيا صا د ضبا فقال: لا آمنت بك حتى يؤمن هذا الضب، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الضب، فقال: " يا ضب "، قال: لبيك وسعديك يا رسول الله يا زين من وافى القيامة، قال: " من تعبد ؟ " قال: الذي في السماء عرشه وفي الارض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: " من أنا ؟ " قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك، فقال الاعرابي: والله لا أبتغي أثرا بعد عين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (2). قال البيهقي وروي في ذلك عن عائشة وأبي هريرة وما ذكرناه هو أمثل أسانيده، وهو


(1) انظر المجمع 8 / 294. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 37 وأبو نعيم في الدلائل (134). (*)

[ 521 ]

أيضا ضعيف والحمل فيه على محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري، قال الذهبي: صدق والله البيهقي فإنه خبر باطل، وقال المزني: لا يصح إسنادا ولا متنا، وبالغ رفيقه ابن تيمية، فقال: وضعه بعض قصاص البصرة، ولفظه متبين عليه شواهد الوضع. قال الحيضري: رجال أسانيده وطرقه ليس فيهم من يتهم بالوضع، وأما الضعف ففيهم، ومثل ذلك لا يتجاسر على دعوى الوضع فيه، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة فيها ما هو أبلغ من هذا، فليس فيه ما ينكر شرعا خصوصا مع رواية الائمة له فيها، وهو ضعيف لا ينتهي إلى درجة الوضع. انتهى. ولحديث عمر طريق آخر ليس في السلمي رواه أبو نعيم وقد ورد أيضا مثله من حديث علي، رواه ابن عساكر ومن حديث ابن عباس رواه ابن الجوزي. الباب الحادي عشر في شكوى الحمزة إليه صلى الله عليه وسلم روى أبو داود الطيالسي وأبو نعيم وأبو الشيخ في كتاب العظمة والبيهقي واللفظ له عن ابن مسعود، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخان لحمرة، فأخذناهما، فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقرس يعني تقرب من الارض وترفرف بجناحها، فقال: " من فجع هذه بفرخيها ؟ " قال: فقلنا: نحن، قال: " ردوهما " فرددناهما إلى موضعهما، فلم ترجع (1) انتهى.


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 33 والحاكم 4 / 239. (*)

[ 522 ]

الباب الثاني عشر في مجئ الشاة في البرية إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد والب‍ يهقي وأبو نعيم وابن السكن وغيرهم عن نافع بن الحارث بن كلدة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكنا زهاء أربعمائة، فنزلنا منزلا في موضع ليس فيه ماء فشق على أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءت شاة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلبها، فشرب حتى روي وسقى أصحابه حتى رووا ثم قال: " يا نافع احفظها الليلة وما أراك تملكها "، قال: فأخذتها فوتدت لها في الارض ثم أخذت رباطا فربطتها فاستوثقت منها، ثم قمت بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ذهب بها الذي جاء بها " (1). قصة أخرى. روى الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن سعد مولى أبي بكر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منز لا، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سعد احلب تلك العنز "، قال: وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه فجئته، فإذا بعنز حافل فاحتلبتها لا أدري كم مرة واحتفظت بالعنز وأوصيت بها فاشتغلنا بالرحلة ففقدت العنز، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذهب بها ربها " انتهى. الباب الثالث عشر في قصة الكلب الاسود روى ابن عدي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: عدا كلب أسود على رجل من أهل الذمة فدخل البحر، فمكث الكلب قائما عليه ينتظره، فلما أبطأ عليه، قال: يا كلب، إني في ذمة محمد صلى الله عليه وسلم فولى الكلب يعدو.


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 211 والبيهقي في الدلائل 6 / 137 وابن كثير في البداية 6 / 119. (*)

[ 523 ]

الباب الرابع عشر في بركته صلى الله عليه وسلم في فرس جعيل وفرس أبي طلحة روى النسائي في الكب‍ رى والطبراني برجال ثقات والبيهقي بسند صحيح عن جعيل الاشجعي رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة فكنت في آخر الناس، فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع مخفقة فضربها بها وقال: " اللهم، بارك فيها "، قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسها أن أتقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا (1). قصة أخرى. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لابي طلحة كان يقطف به أو به قطاف. وفي رواية بطيئا فلما رجع، قال: " وجدنا فرسك بحرا "، فكان بعد لا يجارى (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. جعيل: بجيم مضمومة فمهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة: الاشجعي. مخفقة: بميم مكسورة فمعجمة ساكنة ففاء فقاف مفتوحتين: درة. يقطف: يقارب خطاه والقطاف بكسر القاف. يبطأ: بمثناة تحتية مضمومة فموحدة فمهملة مشددة مفتوحتين فهمزة: أي يضيق الخطا.


(1) ابن سعد 1 / 2 / 39 والطبراني في الكبير 11 / 376. (2) تقدم. (*)

[ 524 ]

الباب الخامس عشر في بركته صلى الله عليه وسلم حماري عصيمة بن مالك وأبي طلحة رضي الله عنهما روى الطبراني عن عصمة بن مالك الخطمي قال: زارنا رسول الله صل‍ ى الله عليه وسلم إلى قباء فلما أراد أن يرجع جئناه بحمار يتجافى قطوف فركبه، ورده علينا فهو هملاج ما يساير (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. الهملجة: سرعة السير شبه الهرولة فارسي ويسمى الان رهوانا. قصة أخرى. روى ابن سعد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: زار رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا، فقال عنده فلما برد جاؤوا بحمار قطوف فوطئوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقطيفة عليه، فركب، فرده، وهو هملاج فزيع لا يساير (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. هملاج: الهملجة سرعة السير فارسي معرب ويسمى الان رهوانا. فزيغ: بفاء وغين معجمة أي واسع المشي.


(1) تقدم. (2) تقدم. (*)

[ 525 ]

الباب السادس عشر في قصة الطائر الذي حلق بإحدى خفيه صلى الله عليه وسلم روى الطبراني، وأبو نعيم والبيهقي والخرائطي في المكارم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بخفي‍ ه فلبس إحداهما فجاء طائر أخضر فأخذ الخف الاخر فحلق به في السماء فاستلب أسود سالخ، فقال رسول الله صل‍ ى الله عليه وسلم: " هذه كرامة أكرمني الله عز وجل بها " زاد الخرائطي: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما يمشي على أربع " (1). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفيه، فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الاخر فرمى به فخرجت منه حية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخ‍ ر، فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما " (2). الباب السابع عشر

[ 525 ]

الباب السادس عشر في قصة الطائر الذي حلق بإحدى خفيه صلى الله عليه وسلم روى الطبراني، وأبو نعيم والبيهقي والخرائطي في المكارم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بخفي‍ ه فلبس إحداهما فجاء طائر أخضر فأخذ الخف الاخر فحلق به في السماء فاستلب أسود سالخ، فقال رسول الله صل‍ ى الله عليه وسلم: " هذه كرامة أكرمني الله عز وجل بها " زاد الخرائطي: " اللهم إني أعوذ بك من شر ما يمشي على أربع " (1). قصة أخرى. روى أبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفيه، فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الاخر فرمى به فخرجت منه حية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخ‍ ر، فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما " (2). الباب السابع عشر في ازدلاف البدنات لما أراد نحرهن إليه صلى الله عليه وسلم روى أبو داود والنسائي وأبو مسلم (الكجي) عن عبد الل‍ ه بن قرط رضي الله عنه قال: قرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس أو ست بدنات ينحرهن يوم عيد فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن (3) يبدأ، فلما وجبت جنوبها، قال: فتكلم بكلمة لم أفهمها، فسألت الذي يليه فقال: قال: " من شاء فليقتطع ". تنبيه: في بيان غريب ما سبق:. يزدلفن: أي يقربن.


(1) انظر المجمع 1 / 203 والبداية والنهاية 6 / 173. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 8 / 162 والمجمع 5 / 140. (3) أخرجه أبو داود 2 / 369 (1765) والنسائي في الكبير كما في التحفة 6 / 405. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية