الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




النزاع والتخاصم- المقريزي

النزاع والتخاصم

المقريزي


[ 1 ]

النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم تأليف تقي الدين أحمد بن علي المقريزي 766 ه‍ - 845 ه‍ تحقيق السيد علي عاشور

[ 7 ]

تقديم وتعليق كتاب النزاع والتخاصم للمقريزي، هو الكتاب الذي نقدمه للقراء الكرام، نظرا لأهميته التاريخية، وقيمته الدينية فمؤلفه هو: أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن ابراهيم بن تميم بن عبد الصمد بن أبي الحسن بن عبد الصمد بن تميم التقي بن العلاء بن المحيوي الحسيني العبيدي البعلبكي الأصل، القاهري المولد، أبو العباس، المعروف بالمقريزي نسبة لحارة في بعلبك، تعرف بحارة المقارزة. انتقلت عائلة المقريزي إلى القاهرة من بعلبك في حياة أبيه علي بن عبد القادر، الذي اشغل بعض الوظائف المتعلقة بالقضاء، ثم بالكتابة في ديوان الأنشاء بالعاصمة. ولد أبو العباس المقريزي على الأرجح سنة 766 ه‍، فقد ذكر السخاوي بأن: (مولده حسبما كان يخبر به، ويكتبه بخطه بعد الستين). وقال السخاوي: (قال شيخنا (ابن حجر) إنه رأى بخطه ما يدل على تعيينه في سنة 766 ه‍، وذلك بالقاهرة (1)). وإلى هذا ذهب كل من ابن العماد الحنبلي، والشوكاني (2) حيث أيد السخاوي في رأيه بأنه ولد عام 766 ه‍. ويرى ابن تغري بردي، وعلي مبارك: بأنه ولد بعد سنة ستين وسبعمائة بسنوات (3). وهناك من يذهب إلى أنه هو نفسه قد ذكر بأن ولادته بعد سنة ستين وسبعمائة (4)، ولقد كانت ولادته في القاهرة، ونشأ بها، فقد تكفل تعليمه الابتدائي، وحفظه القرآن جده لامه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الحنفي، المعروف بسبط ابن الصائغ. مشايخة:


(1) - الضوء اللامع: 2 / 21. (2) - شذرات الذهب: 7 / 254، والبدر الطالع: 1 / 29 ترجمته. (*)

[ 8 ]

الشيخ برهان الدين ابراهيم بن أحمد بن عبد الواحد النسائي المتوفى عام 800 ه‍، والحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي الشافعي المتوفى 807 ه‍ كما له اجازة من بهاء الدين أبي البقاء احمد بن علي السبكي وشهاب الدين أحمد بن حمدان بن أحمد الأذرعي الشافعي وغيرهما. وقال السخاوي: (وإن شيوخه بلغت ستمائة نفس) (1). ومن أجل طلب العلم رحل إلى مكة مرتين، وظل مقيما بها في المرة الثانية حتى سنة 839 ه‍، كما سافر إلى الشام، واتصل بعدد من الأعلام وأمضى بقية حياته بعد ذلك في القاهرة منصرفا الى الدراسة العميقة والتأليف في مختلف علوم


(1) - المنهل الصافي: 1 / 394، والخطط التوفيقية: 9 / 69. (2) - مقدمة النزاع والتخاصم طبعة النجف 1368 ه‍. (3) - الضوء اللامع: 2 / 21 - 24. (*)

[ 9 ]

عصره، وكان من المكثرين المجيدين (1). ولقد جمع إلى جانب معلوماته العلمية والتاريخية والأدبية، خبرة واسعة (2). واستمر مع الأيام يرتفع فيها صيته، ويشتهر ذكره، حتى أصبح علما من الأعلام وشاخصا في المؤرخين، معظما في الدول، تضرب به الأمثال (3). مذهبه: وبالنسبة لمذهبه فتؤكد لنا المصادر بأنه انحدر من أب حنبلي وأن جده لأبيه كان فقيها حنبليا، وحجة في الحديث، وأما جده لامه - وهو ابن الصائغ - فقد كان فقيها حنفيا. ولكن المقريزي تفقه في شبابه على المذهب الحنفي تبعا لجده لأمه وحفظ مختصرا، ثم لما ترعرع - وذلك بعد وفاة والده في سنة 786 ه‍، وهو حينئذ قد جاوز العشرين، تحول شافعيا، واستقر عليه أمره، ولكنه كان مائلا إلى المذهب الظاهري، ولذلك قال السخاوي: (قال شيخنا - ويقصد ابن حجر - أنه أحب الحديث فواظب على ذلك، وحتى كان يتهم بمذهب ابن حزم، ولكنه كان لا يعرفه) (4).


(1) - دراسة عن المقريزي في مجلة الرسالة المصرية: س 1 ع 19 ص 16. (2) - الضوء اللامع: 2 / 23. (3) - شذرات الذهب: 2 / 254. (4) - الضوء اللامع: 2 / 22. (*)

[ 10 ]

ويقول ابن العماد: (وكان كثير التعصب على السادة الحنفية وغيرهم، لميله إلى المذهب الظاهر) (1). وقال ابن تغري بردي في هذا الصدد: (وتفقه على مذهب الحنفية وهو مذهب جده لأمه، ثم تحول شافعيا بعد مدة طويلة لسبب من الأسباب ذكره لي) (1). أما المصادر الحديثة فيقول الدكتور محمد مصطفى زيادة: (وكفل تعليم الصبي جده لأمه فأخذ بتنشئته على أصول المذهب الحنفي، ولما مات أبوه عام 786 ه‍ ترك المذهب الحنفي وانتقل إلى الشافعية، ودرس الفقه دراسة واسعة، وأخذ بعدئذ يهاجم الحنفية في عنف، استجلب لوم معاصريه له) (2). مؤلفاته: 1 - المواعظ والأعتبار بذكر الخطط والاثار: ويعرف (بخطط المقريزي) ويقع الكتاب في أربعة أجزاء، ويشتمل على تاريخ مصر بصورة مفصلة وقد طبع عدة طبعات. 2 - السلوك لمعرفة دول الملوك: وهو تاريخ مصر من سنة 577 إلى سنة 844 ه‍، قال جرجي زيدان: (ذكر فيه أنه لما أكمل كتاب (عقد جواهر


(1) - شذرات الذهب: 2 / 255. (2) - المنهل الصافي: 1 / 394. (2) - المؤرخون في مصر: مجلة الثقافة س 1 ع 19 ص 15. (*)

[ 11 ]

الأسفاط) وكتاب (اتعاظ الحنفا) وهما يشتملان على من ملك مصر من الأمراء والخلفاء، وما كان في أيامهم من الحوادث منذ فتحت إلى أن زالت دولة الفاطميين، أراد أن يصل ذلك بذكر من ملك مصر بعدهم، من الأكراد، والأتراك، والجراكسة، غير مقيد فيه بالتراجم والوفيات، فألف هذا الكتاب، رتبه على السنين بذكر حوادث السنة، ثم يترجم من مات فيها من الأعيان ترجمة مختصرة، وإنما يطيل في الحوادث) (1). نشر هذا الكتاب الدكتور محمد مصطفى زيادة في عدة أجزاء في القاهرة. 3 - المقفى أو التاريخ الكبير: وصف فيه معيشة الامراء والمشاهير الذين أقاموا بمصر، رتبه على الحروف الأبجدية، وقدر أنه يستغرق ثمانين مجلدا لم يظهر منه إلا 16 مجلدا، منها ثلاثة مجلدات في ليدن، ومجلد في باريس كلها بخط المؤلف. 4 - درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة: وهو معجم لتراجم الأعيان من معاصريه في ثلاثة مجلدات، منه قطعة في حرف الألف وأخرى في حرف العين بخط المؤلف في غوطا. 5 - اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلفا: وهو تاريخ الدولة الفاطمية، منه نسخة في غوطا بخط المؤلف، عني المستشرق بونز بنشرها سنة 1911 م في غوتنجن، ولايبزك 1909 م صفحة: 151 وهذه النسخة طبعت بمطبعة دار الأيتام السورية بالقدس الشريف، كما نشرها الدكتور جمال الدين الشيال في القاهرة. 6 - البيان والأعراب عما في أرض مصر من الأعراب: منها نسخة في فينا،


(1) - تاريخ آداب اللغة العربية: 3 / 191. (*)

[ 12 ]

وباريس، ودار الكتب المصرية، وقد ترجمها وستنفيلد إلى الألمانية، ونشرها في غوتنجن سنة 1847 م في ثلاثة أجزاء. 7 - عقد جواهر الأسفاط في أخبار الفسطاط: قال جرجي زيدان لم نقف على خبره (1). 8 - إغاثة الامة بكشف الغمة: وهو تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور حتى سنة 808 ه‍، وهو العام الذي وضع المؤلف فيه كتابه المذكور وقد نشره الأستاذان: زيادة والشيال بالقاهرة 1940. 9 - تاريخ الأقباط، أو أخبار قبط مصر: قال سركيس: (وهذا الكتاب مستخرج من كتاب المواعظ والأعتبار (الخطط) وقد طبع مرتين: الاولى: باسم (دخول قبط مصر في دين النصرانية) ومعه ترجمة لاتينية باعتناء الاستاذ ونزر في سالباشي 1828 م، ص 24 و 215. والثانية: باسم (أخبار قبط مصر) باعتناء العلامة وستنفيلد في غوتا 1845 ص 172 و 70 وباعتناء الاستاذ هماكر في امستردام سنة 1824 م) (2). 10 - الدرر المضية في تاريخ الدولة الأسلامية: من مقتل عثمان إلى المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، نسخة منه في كمبريدج. 11 - إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع: في ستة مجلدات حدث به في مكة والمدينة، منه نسخ في غوطا وكوبرلي، ودار الكتب


(1) - تاريخ آداب اللغة العربية: 3 / 197. (2) - معجم المطبوعات العربية: 2 / 1780. (*)

[ 13 ]

المصرية طبع مؤخرا. 12 - نبذة العقود في امور النقود (أو شذور العقود): يشتمل على تاريخ النقود العربية، تكلم عن النقود القديمة عند الفرس والروم واجزائها، ثم النقود الأسلامية، وتاريخها في الجاهلية، وما كان ينقش عليها، ثم تكلم عن نقود مصر في أيامه، منها نسخ في برلين وليدن والاسكوريال، ونقلت إلى الايطالية، وطبعت في روستك سنة 1797 م بهمة الاستاذ تيكس وترجمها دي ساسي الى الفرنسية ونشرت في باريس سنة 1797، وقد طبعت في مصر سنة 1298 ه‍، كما طبعها الأب إنستاس في ضمن كتاب النقود العربية وعلم النميات سنة 1939 في القاهرة وطبعت في النجف الأشرف في المطبعة الحيدرية قبل 25 عاما تقريبا. 13 - المكاييل والموازين الشرعية: رسالة تبحث في المكاييل والموازين العربية بالنظر إلى الشرع والعرف العام، منها نسخة في ليدن واخرى في دار الكتب المصرية في 18 صفحة، وقد ترجمت إلى الايطالية وطبعت في روستك سنة 1800 ص 20 و 80، باعتناء الأستاذ رنك. 14 - مقالة لطيفة وتحفة سنية شريفة: في حرص النفوس الفاضلة على بقاء الذكر والرسالة في المتحف البريطاني. 15 - ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري: في المتحف البريطاني. 16 - النحل عبر النحل: في النحل ومملكته، والعسل وأسمائه وما يتصل بذلك في علم الحيوان والنبات، نسخة منه في كمبريدج ونشرها جمال الدين الشيال سنة 1946 م بمصر. 17 - الطريقة الغربية في أخبار حضر موت العجيبة (أو الطرفة الغريبة):

[ 14 ]

رسالة في إرشاد الحاج لطريق مكة. في كمبريدج، وقد طبعت في بون، مصورة ومشروحة سنة 1866 م، باعتناء الاستاذ سكوي عربي ولاتيني. 18 - الألمام بمن في أرض الحبشة من ملوك الأسلام: كتاب صغير طبع في بتافيا مع ترجمة فرنسية سنة 1790 م، وفي مصر سنة 1895 م مطبعة التأليف صفحة 27، ومطبعة الموسوعات. 19 - معرفة ما يجب لال البيت الشريف من الحق على من عداهم منه نسخة في فينا وطبع بمصر وهو ما تقدم باسم فضل آل البيت عليهم السلام. 20 - الذهب المسبوك في معرفة من حج من الملوك: ذكر فيه 26 نفرا، أولهم الرسول فالخلفاء الراشدون، ومن بعدهم إلى أيامه في خمسة أجزاء، ومنه نسخة في كمبريدج. 21 - الأشارة والأسماء إلى حل لغز الماء: في دار الكتب المصرية. 22 - إزالة التعب والعناء في معرفة حال الغناء: في باريس. 23 - ذكر ما ورد في بني أمية وبني العباس من الأقوال: منه نسخة في فينا. 24 - كتاب الخبر عن البشر: وهو كبير في ستة أجزاء، ذكر فيه القبائل وأنساب الرسول، منه نسخ في أياصوفيا، وفي خزانة الفاتح وفي ستراسبورج. وقال جرجي زيدان: ونقلت عنه مجلة المشرق فصلا في تاريخ الكتابة العربية في الأسلام (سنة 10 صفحة 478) (1).


(1) - تاريخ آداب اللغة العربية: 3 / 194. (*)

[ 15 ]

25 - تراجم ملوك الغرب: فيه أخبار أبي حمو، ومن خلفه على تلمسان، منها نسخة في ليدن، وفينا في جملة مجموعة، فيها بضعة عشر مؤلفا من مؤلفات المقريزي التي تقدم ذكرها. 26 - البيان المفيد في الفرق بين التوحيد والتلحيد: وفي بعض المصادر ورد اسمه (تجريد التوحيد المفيد) نسخة منه في دار الكتب المصرية، وورد ذكره في فهرست مخطوطات مكتبة جسر بتي ليدن 451 برقم 1496. 27 - جني الأزهار من الروض المعطار: ذكره جرجي زيدان وقال: (منه نسخة في دار الكتب المصرية في 116 صفحة ذكر فيها أنه خلاصة (الروض المعطار في عجائب الأقطار) وفيه وصف أهم الأقاليم ومساحاتها، وفي صدر هذه النسخة سمي المؤلف شهاب الدين المقريزي فإذا صحت التسمية، كان المؤلف أحد أعقاب تقي الدين المقريزي، لأن الروض المعطار الذي لخصه، تأليف أبي عبد الله الحميري المتوفى سنة 900 أي بعد تقي الدين المقريزي بنصف قرن) (1). 28 - تاريخ الجراكسة: قال جرجي زيدان: (لعله مقتطف من كتاب (واسطة السلوك في دول الملوك)) (2). 29 - مجمع الفرائد ومنبع الفوائد: ويشمل على علمي العقل والنقل المحتوي على فني الجد والهزل، بلغت مجلداته نحو المائة، هكذا نقل السخاوي (3).


(1) - تاريخ آداب اللغة العربية: 3 / 194. (3) - نفس المصدر: 3 / 192. (4) - انفرد بذكر هذا الكتاب والكتب التي تليه السخاوي في الضوء اللامع: 2 / 22 - 24 مقتصرا على ذكر الأسم. (*)

[ 16 ]

30 - ما شاهده وسمعه ما لم ينقل في كتاب. 31 - المقاصد السنية في معرفة الأجسام المعدنية. 32 - السير في سؤال خاتمة الخير. 33 - الأشارة والكلام ببناء الكعبة بيت الله الحرام، ومختصره. 34 - الأخبار عن الأعذار. 35 - شارع النجاة: اشتمل على ما اختلف فيه البشر من أصول دياناتهم وفروعها مع بيان أدلتها، وتوجيه الحق فيها. 36 - النزاع والتخاصم فيما بين بني امية وبني هاشم: وهو الكتاب الذي نحن نقدمه للقراء الكرام، وقد نصت عليه كل المصادر التي تترجم للمقريزي. طبعات الكتاب: 1 - طبعة ليدن: وقد طبعت في عام 1888 م بمدينة ليدن، ووضع لها الاستاذ جيرار دوس قوس مقدمة باللغة الألمانية، وجاء الكتاب النص العربي منه في 72 صفحة وينتهي في الصفحة 71، أما الصفحة الأخرة فقد جاء فيها ما يلي: (تم هذا الكتاب والحمد لله أولا وآخرا، وقد نقلته من نسخة موجودة عند حضرة علي بك فهمي نجل المرحوم رفاعة بك رافع الطهطاني وبها نقص في وسطها تركت له بياضا على قدره، وكتبها عبد العزيز اسماعيل الأنصاري الطهطاني في شهر جمادى الثانية سنة 1295 ه‍.

[ 17 ]

تم كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم تأليف الشيخ الأمام العالم العلامة العمدة حافظ العصر ومؤرخ الوقت أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن تميم المقريزي الشافعي تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جنته، وأعاد علينا من فوائد علومه وبركته وجعله رفيقا مع النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين على التمام والكمال ونعوذ بالله من الزيادة والأختلال، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه والتابعين، نقلت هذه النسخة من نسخة نقلت من خط المؤلف في خامس عشر ذي القعدة سنة 1131 ه‍ واحد وثلاثين ومائة وألف. كتبه الفقير علي ابن السيد محمد الشيلاوي، غفر الله له ولوالديه، ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين). وفي النسخة بعض الشروح البسيطة، وتوجد نسخة من هذه الطبعة في مكتبة آية الله الحكيم العامة في النجف الأشرف. 2 - طبعة مصر: وتاريخ هذه الطبعة يعود إلى عام 1937 م في أول أغسطس في المطبعة الابراهيمية في مصر، وقد قدم الكتاب الشيخ محمود عرنوس القاضي بالمحاكم الشرعية المصرية، عرف فيها المؤلف والكتاب بصورة مختصرة، وتقع في 6 صفحات قطع الربع، وأهدى الناشر إبراهيم يوسف صاحب مكتبة الاهرام الكتاب إلى الدكتور علي زكي العرابي باشا. وجاء في المقدمة المذكورة: (وكتاب التخاصم بين بني أمية وبني هاشم وهو الذي تقدم له هذه المقدمة، وهو معتبر من فلسفة علم التاريخ ككتاب السخاوي المسمى الأعلام بالتوبيخ، فكلاهما كتاب فلسفي يدل على مقدرة مؤلفه).

[ 18 ]

والظاهر أن الناشر اعتمد على نفس النسخة التي اعتمد عليها الناشر لطبعة ليدن، إذ جاءت نفس الفقرات التي مرت في نهاية طبعة ليدن، ويقع في 90 صفحة. وألحق الناشر بهذا الكتاب رسالة للجاحظ في بني أمية، وتقع في 12 صفحة وقد ضمنها نقد معاوية ومن والاه. 3 - طبعة النجف: وتاريخ هذه الطبعة عام 1368 ه‍ وقامت بطبعها المطبعة العلمية في النجف الأشرف، وعني بتصحيحها الاستاذ الخطيب السيد علي الهاشمي - عضو جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف - وقد صدرها بترجمة موجزة للمؤلف تقع في صفحتين، ويقع الكتاب في 62 صفحة قطع الربع وألحق بها رسالة الجاحظ في بني أمية المتقدمة الذكر، وتقع في 9 صفحات وجاء في مقدمة طبع المطبعة العلمية ما يلي: (رأت المطبعة العلمية من المستحسن إعادة طبع كتاب (النزاع والتخاصم) للمؤرخ الشهير المقريزي لندرته واحتياج الكثيرين إليه، مع العلم أن لدى صاحب المطبعة نسخة خطية ذات شأن، فكلفت آنئذ الاستاذ الخطيب السيد علي الهاشمي أن يقف على طبعه وتصحيحه، فلبى السيد الهاشمي هذا الطلب، وصار يقابل النسخة الخطية على النسخة المطبوعة في القاهرة، والتي نشرها - السيد إبراهيم يوسف - صاحب مكتبة الاهرام فطبعت هذه النسخة القيمة مع المحافظة على تعليقات صاحب الفضيلة الاستاذ محمود عرنوس القاضي، فللاءستاذين القاضي، والهاشمي جزيل الشكر والموفقية / 15 رجب - 1368 ه‍.

[ 19 ]

النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم تأليف تقي الدين أحمد بن علي المقريزي 766 ه‍ - 845 ه‍ تحقيق العلامة السيد علي عاشور

[ 21 ]

تاريخ النزاع الحمد لله المعطي ما شاء من شاء لا مانع لعطائه، ولا راد لمراده وقضائه، أحمده بما هو أهله من المحامد، وأشكره على فضله المتزايد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معاند، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيه وخليله. اللهم صل عليه وعلى آله وصحابته ومحبيه، وأهل طاعته، وسلم، وشرف، وكرم. أما بعد: فإني كثيرا ما كنت أتعجب من تطاول بني أمية إلى الخلافة مع بعدهم من جذم (1) رسول الله وقرب بني هاشم وأقول: كيف حدثتهم أنفسهم بذلك وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه (2) من هذا الحديث مع تحكم العداوة بين بني أمية وبني هاشم في أيام جاهليتهما (3).


(1) - جذم كل شئ: أصله والجمع: أجذام وجذوم، عن لسان العرب. (2) - تطهير الجنان لابن حجر: 74 - 84، وكنز العمال: 11 / 363 ح 31753، والفتوح لابن أعثم: 1 / 223، والمطالب العالية: 4 / 329 الى 333 ح 4521. (3) - نموذج من ذلك: فضائح بني أمية أخرج ابن أعثم عن هشام بن عبد الملك قصته مع شيخ الكوفة والتي قام الشيخ بذكر تاريخ بني أمية قال الشيخ لهشام: مرحبا بك يا أخا بني أمية، سليت ورب الكعبة غمي، وفرجت عني كربي، كنتم والله يا بني أمية في الجاهلية تربون في التجارة وفي الاسلام عاصين لاهل الطهارة، سيدكم خمار، وأميركم جبار، ان قللتم عن الاربعين لم تدركوا بثار، وان بلغتموها كنتم بشهادة الرسول من اهل النار، رجالكم يتقلبون في النسبة، ونساؤكم على نساء الانام سبة، وفيكم الباكي على معلليه، ومنكم مؤوي الطرداء، ونافي الاخيار السعداء الذي اختار القرابة على الصحابة، وصرف المال على اهل النجابة، وفيكم صاحب الراية يوم القليب، = (*)

[ 22 ]

[... ] =


وأبو اللعينة ذات العيوب، ومنكم صخر بن حرب فكان في الجاهلية خمارا، وعلى رسول الله مجهزا كفارا، وفي اسلامه رديا منافقا والى كل السوءات سابقا، وابنه معاوية لعنه رسول الله لعنات سبعة، منعه الله عز وجل ان ينال بدعوته عليه شبعة، منع اباه من الاسلام وحثه على عبادة الاصنام، ثم قال في الشعر الذي بعث به الى ابيه يقول: يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحا بعد الذين ببدر اصبحوا فرقا خالي وجدي وعم الام ثالثهم والمرء حنظلة المهدي لنا الأرقا لا تركنن الى امر تقلدنا والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول النساء لناخلا ابن حرب عن العتبى كذا فرقا ثم انه بعد ذلك عادى النبي وقاتل الوصي وألحق زيادا الدعي وعهد الى ابنه الفاسق الردي، وبدل مكان كل سنة بدعة، وجعل لابنه يزيد في اراقة الدماء فسحة وسعة، ونبش قبر حمزة سيد الشهداء، وأجرى فيه الماء عداوة وبغضا، ألحق زياد بن عبيد اللعين بابي سفيان الخمار، وأزواجه من نسائه ذوات القلائد والخمار، وقد قال النبي: الولد للفراش وللعاهر الحجر... وسلطه على شيعة علي بن أبي طالب ولم يخفق من سوء العواقب. ومنكم عقبة ابن ابي معيط نفاه رسول الله من قريش وسائر العرب وضرب عنقه بين ديه علي ذو الحسب، والبسكم بقتله من بني قريش العار، فقبلتم نسبه فيكم وأزوجتموه وهو علج من أهل صفورية، فادعيتموه وابنه الوليد المحدود في الخمر، صلى بالناس أربعا في الفجر، والظهر في مساجد الله وهو سكران، وقرب اهل الخيانة والغدر فسماه الله في كتابه فاسقا وجعله في الدرك الاسفل منافقا. ومنكم يا بني امية الحكم بن أبي العاص الملقب الحياص نفاه رسول الله بعد لعنه اياه وأردفه بابنه وباللعنة ثناه، وفيكم عبد الملك غصب الابرار واستعان بالفجار، وتهاون بالاخيار، فالحجاج أفضل حسناته والغدر والبحور أقل سيئاته، ثم بقوة الجبابرة في الاسلام ابناء اللعنة والجور في الاحكام، منهم سليمان والوليد وهشام وقبله يزيد، لا نذكر احدا منهم برأي سديد ومالهم في اللعنة من مزيد خونة غدرة، رموا بيت الله الحرام بالحجارة والعذرة = (*)

[ 23 ]

ثم شدة عداوة بني أمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبمبالغتهم في أذاه، وتماديهم على تكذيبه فيما جاء به منذ بعثه الله عز وجل بالهدى ودين الحق إلى أن فتح مكة شرفها الله تعالى (1)، فدخل من دخل منهم في الأسلام كما هو معروف مشهور (2)، وأردد قول القائل: كم من بعيد الدار نال مراده وآخر داني الدار وهو بعيد فلعمري، لا بعد أبعد مما كان بين بني أمية وبين هذا الأمر إذ ليس لبني أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب إلا أن يقولوا: (إنا من قريش) فيساوون في هذا الاسم قريش الظواهر، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (الائمة من قريش) (3) واقع على


= وقتلوا قبل ذلك عشرة العشرة البررة. وفي نسائكم آكلة الاكباد ومظهرة الفساد والعناد وصويحباتها الناقرات يوم احد بالدفوق المغنيات وقد دنت الزحوف، فانتم يا بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن لا ينكر ذلك انس ولا جان ولا احد من أهل الايمان، فاولكم ردئ وأوسطكم ذرئ وشريفكم دنئ وآخركم مسئ. ألا فخذها يا اخا أمية يكن في قلبك منها كية لا تفخرن بعدها عليه ما تركت فخرا لكم سمية (الفتوم: 1 / 223 - 225 خبر هشام). (1) - راجع الكامل في التاريخ: 1 / 457 ذكر نسب رسول الله. (2) - كما يأتي مفصلا. (3) - تواترت الاحاديث على كون الائمة من قريش وقد جمعناها في كتابنا أنواع النصوص. وليراجع على سبيل الاختصار: صحيح مسلم: 3 / 1452 كتاب الامارة ح 3392 - 3396، وصحيح البخاري: 8 / 105 - 127 كتاب المناقب باب مناقب قريش وباب قوله تعالى (يا أيها الناس) وكتاب الاحكام باب الامراة من قريش، وفتح الباري: 6 / 661 - 652 ح = (*)

[ 24 ]

كل قرشي. ومع ذلك فأسباب الخلافة معروفة، وما يدعيه كل جيل معلوم، وإلى كل ذلك قد ذهب الناس: فمنهم من ادعاها لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم (1).


= 3496 - 3501 و 13 / 142 ح 7140، ومسند احمد: 5 / 92 ط. م و 6 / 97 ح 20349 ط. ب، ومنتخب كنز العمال: 5 / 310، ومسند أحمد: 5 / 93 - 96 - 99 ط. م، و 6 / 103 و 109 ط. ب، والمعجم الكبير: 2 / 195 و 199 و 208 ح 1808 - 1849 - 171، وصحيح أبي داود: 4 / 106 كتاب المهدي ح 4279، وكنز العمال: 12 / 33 ح 33855 ذكر القبائل - قريش، والصواعق المحرقة: 21 ط. مصر، وط. بيروت: 34 الفصل الثالث من الباب الأول. (1) - الذين ادعوا الخلافة لعلي عليه السلام إنما ادعوها بالنص واستدلوا على ذلك بأخبار منها: نصوص النبي صلى الله عليه وآله على أمير المؤمنين عليه السلام الخبر الاول - أخرج الطبراني وعبد الرزاق بسند في المصنف رجاله ثقات عن أبيه عن ميناء عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، قال: فتنفس فقلت: ما شأنك يا رسول الله ؟ قال: (نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود !). قال: قلت: فاستخلف. قال: (من ؟) قلت: أبو بكر، قال: فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفس، قال: فقلت: ما شأنك ؟ قال: (نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود). قال: قلت: فاستخلف. قال: (من ؟) قلت: عمر، قال: فسكت ثم مضى ساعة ثم تنفس. = (*)

[ 25 ]

[... ] = (هامش) * = قال: فقلت: ما شأنك ؟ قال: (نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود !). قال: قلت: فاستخلف. قال: (من ؟) قلت: علي بن أبي طالب. قال: (أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين اكتعين) (المصنف: 11 / 317 - 318 ح 20646 باب في ذكر علي بن أبي طالب، وفرائد السمطين: 1 / 267 ح 209، ومناقب الخوارزمي: 114 ح 124 فصل 9. والمعجم الكبير: 10 / 67 ح 9970 ترجمة ابن مسعود - ذكر ليلة الجن، ومجمع الزوائد وقال: رجاله ثقات وميناء وثقه بن حبان: 9 / 22 ط. مصر. وبغية الرائد تحقيق مجمع الزوائد: 8 / 590 ح 14239. الخبر الثاني - وأخرجه الطبراني بسند آخر قال: (وما أظن أجلي إلا قد اقترب). قلت: يا رسول الله ألا تستخلف أبا بكر ؟ فأعرض عني فرأيت انه لم يوافقه. فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عمر ؟ فأعرض عني فرأيت أنه لم يوافقه. فقلت: يا رسول الله ألا تستخلف عليا ؟ قال: (ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنة أجمعين) (المعجم الكبير: 1 / 67 ح 9969 ترجمة ابن مسعود ليلة الجن، ومجمع الزوائد: 8 / 315 ط. مصر). الخبر الثالث - وأخرج أبو جعفر الاسكافي وابن أبي الحديد عن أبي مخنف لوط بن يحيى: جاءت عائشة إلى ام سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان - وساق الحديث إلى أن قال - قالت - ام سلمة -: واذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل شجرة، وجاء أبوك ومعه عمر، فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحادثانه فيما أراد، ثم قالا: يا رسول الله انا لا ندري قد ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا ؟. = (*)

[ 26 ]

[... ]


= فقال لهما: (اما اني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون ابن عمران). فسكتا ثم خرجا. فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له - وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال: (خاصف النعل). فنظرنا فلم نر أحدا إلا عليا، فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا عليا. فقال: (هو ذاك). فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك. فقالت أم سلمة: أي خروج تخرجين بعد هذا ؟ (شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 217 - 218 شرح المختار 79 قوله: معاشر الناس ان النساء.. ط. دار احياء الكتب العربية بمصر للحلبي و 2 / 77 ط. مصر القديمة، والمعيار والموازنة للاسكافي: 27 - 28 - 29).. الخبر الرابع: وأخرج الخطيب عن وهب بن كعب عن سلمان انه قال: يا رسول الله انه ليس من نبي إلا وله وصي وشيطان فمن وصيك وشيطانك ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرجع إليه شيئا. فلما صلى رسول الله الظهر قال: (إدن يا سلمان سألتني عن شئ لم يأتني فيه أمر، وقد أتاني: ان الله تعالى بعث أربعة آلاف نبي وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف شيطان، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ووصيي خير الوصيين، وشيطاني خير الشياطين) (اللالئ المصنوعة: 1 / 360 مناقب الخلفاء الأربعة، والكامل لابن عدي: 1 / 130 رقم الترجمة 161). الخبر الخامس: وأخرج العقيلي عن أبي هريرة عن سلمان بلفظ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ق‍ قال: (لا). ثم سألته بعد ذلك. = (*)

[ 27 ]

[... ]


= فقال: (نعم علي بن أبي طالب) (اللالئ المصنوعة: 1 / 356 - 357).. الخبر السادس: وأخرج ابن اسحاق والخطيب البغدادي في تلخيص المتشابه عن سلمان انه سأل رسول الله فقال: يا رسول الله انه ليس من نبي إلا وله وصي وسبطان فمن وصيك ومن سبطانك (وسبطاك) ؟. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجع شيئا، فانصرف سلمان يقول: يا ويله كلما لقيه ناس من المسلمين، قالوا: مالك سلمان الخير ؟ فيقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فلم يرد علي، فخفت أن يكون من غضب. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، قال: (ادن يا سلمان). فجعل يدنو ويقول: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسول الله. فقال: (سألتني عن شئ لم يأتني فيه أمر وقد أتاني. ان الله تعالى عزوجل قد بعث أربعة آلاف نبي، وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير النبيين ووصيي خير الوصيين، وسبطي (سبطاي) خير الأسباط) (تلخيص المتشابه في الرسم: 1 / 544 رقم 915 الفصل الثاني باب الخلاف في ثلاثة أحرف، وسيرة ابن إسحاق: 124 - 125 ذيل حديث بنيان الكعبة وما بين المعقودين منه). الخبر السابع: وعن ابن عمر قال: مر سلمان الفارسي وهو يريد أن يعود رجلا ونحن جلوس في حلقة وفينا رجل يقول: (لو شئت لأنبأتكم بأفضل هذه الامة بعد نبيها، وأفضل من هذين الرجلين أبي بكر وعمر). فسئل سلمان فقال: (أما والله لو شئت لأنبأتكم بأفضل هذه الامة بعد نبيها، وأفضل من هذين الرجلين أبي بكر وعمر) ثم مضى سلمان. فقيل له: يا أبا عبد الله ما قلت ؟ قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غمرات الموت فقلت: يا رسول الله هل أوصيت ؟ قال: (يا سلمان أتدري من الأوصياء ؟). قلت: الله ورسوله أعلم. = (*)

[ 28 ]

فإن كان الأمر كذلك فليس لبني أمية في شئ من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة. وإن كانت إنما تنال الخلافة بالوراثة، وتستحق بالقرابة، وتستوجب بحق العصبة، فليس لبني أمية في ذلك متعلق عند أحد من المسلمين. وإن كانت لا تنال إلا بالسابقة (1)، فليس لهم في السابقة قديم مذكور، ولا


= قال: (آدم وكان وصيه شيث وكان أفضل من تركه بعده من ولده، وكان وصي نوح سام، وكان أفضل من تركه بعده، وكان وصي موسى يوشع وكان أفضل من تركه بعده، وكان وصي عيسى شمعون وكان أفضل من تركه بعده، واني أوصيت إلى علي وهو أفضل من أتركه من بعدي) (ينابيع المودة: 253 ط. تركيا و 301 ط. النجف ذيل الباب 56). الخبر الثامن: وأخرج الأمام زيد في مسنده وعلي بن حميد عن مجموع الفقه بسنده إلى علي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: قال لي ربي عزوجل ليلة اسري بي: (من خلفت على امتك يا محمد ؟). قلت: (أنت يا رب أعلم). قال: (يا محمد انني اجتبيتك برسالتي واصطفيتك بنفسي وأنت نبيي وخيرتي من خلقي، ثم الصديق الأكبر الطاهر المطهر الذي خلقته من طينتك وجعلته وزيرك وأبا سبطيك السيدين الشهيدين الطاهرين سيدي شباب أهل الجنة، وزوجته خير نساء العالمين) مسند شمس الأخبار: 89 باب 5 عن البقال البغدادي في المجموع الفقهي.، ومسند الأمام زيد: 362 باب فضل العلماء. (1) - الناس في السابقة والفضيلة التي هي شرط الخلافة على طوائف فاليك نموذج منه: الافضلية شرط الخلافة ب قال السيد المرتضى وابن أبي الحديد: الأفضل من كان اكثر ثوابا من غيره والاجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة (شرح النهج: 1 / 9، و 13 / 281، ورسائل السيد المرتضى: 1 / = (*)

[ 29 ]

[... ]


= 301 مسألة 58، الصواعق: 321. ب وقال الامام أبو زرعة: ان المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر (لوامع الانوار البهية: 2 / 356 فصل في ذكر الصحابة الكرام - التنبيه الرابع). ب وقال العز بن عبد السلام: الجواهر والاجسام كلها متساوية من جهة ذواتها، وانما يفضل بعضها على بعض بصفاتها وأعراضها وانتسابها الى الاوصاف الشريفة في التفاضل النفيسة (لوامع الانوار البهية: 2 / 410 فصل في المفاضلة - التنبيه الخامس. ب وفصل كلام ابن عبد السلام تلميذه القرفي في كتابه أنوار الفروق (أنوار الفروق: 2 / 234) قال: فأوصل الصفات والاعراض التي يتفاضل على أساسها الى عشرين قاعدة، وهذا ملخصها. - القاعدة الاولى: تفضيل المعلوم على غيره بذاته دون سبب يعرض له يوجب التفضيل له على غيره، كذات الله وصفاته، والعلم فانه حسن لذاته. - القاعدة الثانية: التفضيل بالصفات الحقيقية كتفضيل العالم على الجاهل. - القاعدة الثالثة: التفضيل بطاعة الله تعالى، كتفضيل المؤمن على الكافر، وكتفضيل الاولياء بينهم بكثرة الطاعة، فمن كان أكثر تقربا الى الله تعالى كانت رتبته في الولاية أعظم. - القاعدة الرابعة: التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل كالايمان أفضل من جميع الاعمال، وكصلاة الجماعة أفضل من الفرد. - القاعدة الخامسة: التفضيل لشرف الموصوف، كصفات الله تعالى، وصفات الرسول صلى الله عليه وسلم. - القاعدة السادسة: التفضيل بشرف الصدور، كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الالفاظ لكون الرب هو المتولي لرصفه ونظامه. - القاعدة السابعة: التفضيل بشرف المدلول، كتفضيل الايات المتعلقة بالله على المتعلقة بأبي لهب. - القاعدة الثامنة: التفضيل بشرف الدلالة، كشرف الحروف الدالة على الاوصاف الدالة على = (*)

[ 30 ]

[... ]


= كلام الله تعالى. - القاعدة التاسعة: التفضيل بشرف التعلق، كتفضيل العلم على الحياة فإن الحياة لا تتعلق بشئ. - القاعدة العاشرة: التفضيل بشرف المتعلق، كتفضيل العلم المتعلق بذات الله على غيره من العلوم. - القاعدة الحادية عشر: التفضيل بكثرة التعلق، كتفضيل علم الله على قدرته. - القاعدة الثانية عشر: التفضيل بالمجاورة، كتفضيل جلد المصحف على غيره. - القاعدة الثالثة عشر: التفضيل بالحلول، كتفضيل قبره صلى الله عليه وسلم على جميع بقاع الأرض. - القاعدة الرابعة عشر: التفضيل بسبب الاضافة، كقوله تعالى: أولئك حزب الله. - القاعدة الخامسة عشر: التفضيل بالانساب والاسباب، كتفضيل ذريته على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم. - القاعدة السادسة عشر: التفضيل بالثمرة والجدوى، كتفضيل العالم على العابد. - القاعدة السابعة عشر: التفضيل بأكثرية الثمرة، كثمرة علم الفقه على غيره. - القاعدة الثامنة عشر: التفضيل بالتأثير، كقدرة الله تعالى على العلم والكلام. - القاعدة التاسعة عشر: التفضيل بوجود البنية والتركيب، كتفضيل الملائكة على الجان. - القاعدة العشرون: التفضيل باختيار الله تعالى لمن يشاء على من يشاء، ولما يشاء على ما يشاء، فيفضل أحد المتساويين على الاخر من كل وجه، كتفضيل شاة الزكاة على التطوع (لوامع الانوار البهية: 2 / 410 - 416 فصل في المفاضلة - التنبيه الخامس). ب أقول: لا بد من التعليق والتوضيح لبعض مطالبه: ب أولا: في ما ذكره من الامثلة تساهل واضح، ولا تشاح في ذلك. ب ثانيا: ان بعض هذه القواعد خارج عن بحثنا ذكرته لاتمام الفائدة. ب ثالثا: ان بعض هذه القواعد صحيحة إذا كانت للتفاضل بين صفات الذوات المتحدة، أما إذا كان التفاضل بين صفات الذواة غير المتحدة، أو بين نفس الذوات المتحدة، فانه لا يرجع = (*)

[ 31 ]

[... ]


= الى محصل. ومثال الاول: التفاضل بين عامة البشر الذين لا يمتلكون ذواة ملكوتية خاصة من الله عز وجل والذي منه التفاضل بين الصحابة على مبنى أكثر العامة، الذين لا يعتقدون بوجود العصمة المطلقة لأهل البيت عليهم السلام، بل قد يقال - على مبنى القوم - بشمول التفاضل للانبياء عليهم السلام اما لافعالهم قبل البعثة أو في غير التبليغ بل حتى في التبليغ، إذ النبي الذي يسهى في صلاته لا يفضل من ناحية الصفات على الشخص العادي الذي لا يسهى، وكذا النبي الذي يرتكب المكروه قبل البعثة لا يفضل على غير مرتكبه، وهذا مدلل على بطلان قولهم في العصمة والتفاضل معا. ومثال الثاني: التفاضل بين الصحابة وعامة بني البشر وبين المعصومين كالملائكة والانبياء وأهل البيت عليهم السلام. ومثال الثالث: التفاضل بين نفس المعصومين أنفسهم، كالتفاضل بين الملائكة والائمة من أهل البيت والانبياء عليهم السلام. وما نحن بصدد الكلام عنه هو التفاضل بين الصحابة وبين أهل البيت عليهم السلام. وعليه فعلى مبنانا لا وجه للتفاضل بينهم، إذ ذوات أهل البيت المتصفة بالعصمة من الله المنان، مختلفة عن ذوات الصحابة غير المتصفة بذلك، فلا معنى للبحث في التفاضل في الصفات. وقد تقدم ما يدل على ذلك في بحث آية التطهير الدالة على عصمتهم (في كتاب فضل آل البيت للمقريزي)، وأنها من الله منذ الازل وإن شئت فعبر تكوينا بارادته التكوينية. ولكن على مبنى القوم لا بد من هذا البحث، ونغض الطرف عن اختلاف الذوات. أما التفاضل بين أهل البيت والانبياء عليهم السلام فيأتي في الكتاب التاسع. ب رابعا: اننا إذا رجعنا الى بعض الايات القرآنية وجدناها تفضل على اساس الصفات الحميدة التي يكتسبها الشخص قال تعالى: نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم يوسف: 76 هل يستوي من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (النحل: 76).. = (*)

[ 32 ]

[... ] (هامش) * = هل يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل اولائك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد (الحديد: 10). فمن يتصف بالعدل والانفاق والعلم والشجاعة، أفضل ممن لا يتصف بذلك، والناس في ذلك درجات عند ربهم. والايات والروايات صريحة في ذلك، ويكفي قصة آدم والملائكة وكيف ان آدم فضل على الملائكة بالعلم الذي اعطاه الله اياه بقوله: وعلم آدام الاسماء (البقرة: 28).. والتفضيل - كما بات واضحا - يشمل الثواب في الاخرة وزيادة الأجر، وكذلك يشمل المنزلة والرفعة في الحياة الدنيا وعدم الاستواء. - وان شئت قلت: ان الانسان إذا تصف بالشجاعة والعلم والزهد... فانه يصح ان يقال عنه: فلان شجاع أو عالم، فإذا كان علمه أو شجاعته اكثر من غيره فانه نقول: فلان أشجع وأعلم، فإذا قيل ذلك صح ان يقال: ان فلان أفضل من غيره في الشجاعة والعلم ونحوهما. وعليه: وبما ان اتصاف الانسان بالشجاعة والعلم والزهد ونحوهم سوف يستتبع عملا خارجيا يجسده صاحبه، فإن ذلك بنفسه يستلزم زيادة الثواب والاجر عند الله تعالى. فمثلا إذا كان فلان اشجع اهل زمانه، فانه سوف ينصر دين الله بهذه الشجاعة، وسوف يبلي بلاء حسنا في سبيل الله، ويدافع عن الاسلام اكثر من غيره، وهذا معنى زيادة الثواب لعمله. وأوضح منه من كان أعبد اهل زمانه، فإن أجره وثوابه مضاعف عمن دونه من العبادة للاعمال التي يقوم بها، ولصدق نيته الخالصة لله تعالى. ب خامسا: أن الأفضل هل من يمتلك الحظ الأوفر في كل المزايا ام في قسم منها ؟ ومن الواضح كون الأفضل أفضل في كل شئ، لأن الأفضل إذا كان افضلا في بعض الامور وفي البعض الاخر مفضولا لكان غيره فيها أفضل منه وهو خلف. فالقانون الاساسي الذي يتحكم بالافضلية، هو كل المزايا والصفات الحميدة التي يحملها أو يحل بها أو يتصف بها، أو الاعمال التي يقوم بها على طبق عمله المستتبع للثواب. = (*)

[ 33 ]

[.... ]


= وعليه فلا مانع من وجود من يكون أفضل من بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يملك صفات أفضل ومزايا اعظم. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (الزلزلة: 7).. وهذا لا يلغي فضل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا المعيار ليس هو مجرد الصحبة وإلا لكان من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو منافق، أو ارتد فيما بعد، أفضل من المؤمن العابد الزاهد والمطيع لله تعالى في كل اموره. قال تعالى: فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين ايطمع كل امرئ منهم ان يدخل جنة نعيم (المعارج: 36).. وقال امير المؤمنين: (خيرنا اتبعنا لهذا الدين) (ترجمة علي من تاريخ دمشق: 3 / 87 ح 1118، وشرح النهج: 20 / 28 قصار الجمل).. واخرج الطبراني عن جبير عن أبي جمعة الانصاري لأصحابه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة فقلنا: يا رسول الله هل من قوم اعظم منا أجرا آمنا بك واتبعناك ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين اظهركم ياتيكم الوحي من السماء، بلى قوم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه اولائك اعظم منكم اجرا اولائك اعظم منكم اجرا) (المعجم الكبير: 4 / 23 ح 3540 ترجمة حبيب بن سباع أبو جمعة، ويقال جنيد بن سبع). هذا اضافة الى الروايات في فضل الامام المهدي قائم آل محمد على عيسى وكثير من الصحابة. (راجع البيان للكنجي: 111 - 112، والصواعق المحرقة: 254، والرسائل العشرة: 241، وتاريخ الخميس: 2 / 288 - 289). سادسا: أننا إذا أردنا أن نطبق هذه القواعد المذكورة على أمير المؤمنين عليه السلام فاننا نجدها موافقة له دون غيره من الصحابة، ومن تأملها مع الصفات المتقدمة له يدرك ذلك. - القاعدة الاولى: فبعلي عليه السلام توسل الانبياء قبل خلقه وقبل اتصافه بصفة معينة (راجع مناقب ابن المغازلي: 63 ح 89، وصلح الاخوان: 86، وكنز العمال: 2 / 359 ح 4237، = (*)

[ 34 ]

[... ]


= والفردوس: 3 / 151 ح 4409). 2 - وعلي عليه السلام المتصف بالعصمة الحقيقية وهي صفة ذاتية أزلية. 3 - وعلي عليه السلام سيد المؤمنين (مناقب الخوارزمي: 328، وتاريخ أصفهان: 2 / 200، وغرر البهاء الضوي: 298). 4 - وعلي عليه السلام بضربة الخندق حصل ثواب الثقلين (مناقب الخوارزمي: 107، والمستدرك: 3 / 23، والفردوس 3 / 455 ح 5406). 5 - وعلي عليه السلام بالصفات التي اتصف بها لم تكن لاحد، ويكفي أنه اخو رسول الله صلى الله عليه وآله، كما في حديث الموأخاة (الطبقات الكبرى: 3 / 16، وذخائر العقبى: 66، وكنز العمال: 13 / 140 ح 36440). 6 - وعلي عليه السلام صدر من محمد ومبثته، هو رباه وعلمه ورتبه وهذبه. 7 - وعلي عليه السلام يدل على محمد لانه نفسه، فمدلول علي محمد (فضائل الصحابة لاحمد: 2 / 572، ومصنف ابن أبي شيبة: 6 / 377 ح 32128). 8 - وعلي عليه السلام حروفه تدل على الله، فالله هو العلي. 10 - وعلي عليه السلام أعلمهم، فعلمه تعلق بأعلى مرتبة من علم الله أو علم رسوله كما يأتي. 11 - وعلي عليه السلام تعلقت به ذرية محمد والائمة من بعده، والذي منهم مهدي هذه الامة عليه السلام. 12 - وعلي عليه السلام جاور محمدا صلى الله عليه وآله حول العرش وعلى باب الجنة وعلى جناج جبرائل، وقبل البعثة وبعدها، وفي كل حروبه سوى تبوك، وبيته كما تعلم، وقصره في الجنة كذلك (مناقب الخوارزمي: 144 - 148، وذخائر العقبى: 66، ومنتخب كنز العمال: 5 / 35 - 46، وكنز العمال: 11 / 624 ح 33043). 13 - وعلي حل حب محمد في قلبه، لانه أحب الخلق إليه (ذخائر العقبى: 45 - 62، وكنز العمال: 11 / 334 ح 31670، والمستدرك: 3 / 154 - 157). 14 - وعلي عليه السلام اضيف اسمه الى اسم رسول الله في مواطن، كحديث المؤاخاة وما تقدم من كتابة اسمهما على العرش وباب الجنة وجناج جبرائيل، وكونه صهر محمد وحبيب محمد = (*)

[ 35 ]

يوم مشهور، بل لو كانوا إذ لم تكن لهم سابقة ولم يكن فيهم ما يستحقون به


= ونفس محمد. 15 - وعلي عليه السلام ابن عم رسول الله وصهره وأبو ذريته. 16 - وعلي عليه السلام نفعه أكثر من غيره، ففي زمن النبي صلى الله عليه وآله قام الدين على سيفه، وفي زمن الخلفاء كانوا يرجعون إليه ولم يرجع الى أحد منهم، والفائدة التي حصلت منه أعظم من جميع الصحابة، وعنه جميع العلوم أخذت وحتى يومنا هذا (كما ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج: 1 / 17 الى 30)، ويكفي أن منه مهدي هذه الامة الذي يملاء الأرض قسطا وعدلا. 17 - ينظر السادسة عشرة. 18 - وعلي عليه السلام تأثيره أوسع، فقد شمل علمه علم التصوف والنحو والفقه والقضاء (شرح النهج: 1 / 18) وعاش في الاسلام أكثر من غيره فتأثيره أوسع لرجوعهم إليه دون العكس. 19 - وعلي عليه السلام خلق من نور الله أو من نور محمد فبنيته كبنية محمد (ينابيع المودة: 1 / 10 - 11 - 14 - 59، والفردوس: 2 / 191 ح 2952، ونزهة المجالس: 2 / 320). 20 - وعلي عليه السلام اختاره الله صهرا لمحمد وأخا له، وناجاه دون غيره (اسد الغابة: 4 / 27، وذخائر العقبى: 85). فهذه بعض تطبيقات هذه القواعد على صفات أمير المؤمنين عليه السلام. هذا: قال المسعودي: والاشياء التي استحق بها اصحاب رسول الله الفضل هي: السبق الى الايمان، والهجرة، والنصرة لرسول الله، والقربى منه، والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه، والعلم، وكل ذلك لعلي عليه السلام منه النصيب الاوفر والحظ الاكبر (مروج الذهب: 2 / 425 ذكر لمع من كلامه - فضائله -). وبذلك تبين أن الأفضل المستحق للخلافة هو من يمتلك هذه الفضائل والصفات ومعلوم أن الأفضل يقدم على غيره. (*)

[ 36 ]

الخلافة، لم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع كان أهون وكان الأمر عليهم أيسر، فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوته النبي صلى الله عليه وسلم وفي محاربته وفي اجلابه عليه وفي غزوه إياه، وعرفنا إسلامه كيف أسلم (1)، وخلاصه كيف خلص، على أنه إنما أسلم على يد العباس رضي الله عنه، والعباس هو الذي منع الناس من قتله وجاء به رديفا الى النبي صلى الله عليه وسلم وسأل أن يشرفه وان يكرمه وينوه به، وتلك‍ يد بيضاء ونعمة غراء، ومقام مشهور، وخبر غير منكور (2). فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا عليا (3)، وسموا الحسن (4)، وقتلوا الحسين (5)، وحملوا النساء على الأقتاب حواسر (6)، وأرادوا الكشف عن عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه، كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة. وبعث معاوية بن أبي سفيان إلى اليمن بسر بن أرطاة، فقتل ابني عبيد الله بن


(1) - كما يأتي التصريح به من المصنف وراجع: ربيع الابرار: 1 / 559، وسنن البيهقي: 8 / 178، والمطالب العالية: 4 / 246 ح 4362. (2) - راجع تاريخ الطبري: 2 / 331 فتح مكة. (3) - في صفين كما هو مشهور. (4) - فقد روي ان معاوية هو الذي سم الحسن راجع تذكرة الخواص: 192، وانساب الاشراف: 3 / 48 - 55، وربيع الابرار: 4 / 208، ولوا مع انوار الكوكب: 2 / 59. (5) - كما هو معروف في معركة كربلاء. (6) - راجع ترجمة الحسين لابن سعد: 78، ومقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 64، وأهل البيت: 107، والتذكرة الحمدونية: 6 / 262 و 264 ح 631. (*)

[ 37 ]

العباس، وهما غلامان لم يبلغا الحلم (1)، فقالت أمهما عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان بن الديان ترثيهما: يا من أحس بابني الذين هما كالدرتين تشظى عنهما الصدف أنحى على ودجي طفلي مرهفة مطرورة وعظيم الأثم يقترف وقتلوا لصلب علي بن أبي طالب تسعة، وصلب عقيل بن أبي طالب تسعة، ولذلك قالت نائحتهم: عين جودي بعبرة وعويل واندبي إن ندبت آل الرسول تسعة منهم لصلب علي قد أصيبوا وتسعة لعقيل (2). هذا وهم يزعمون أن عقيلا أعان معاوية على علي (3)، فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكذب، وإن كانوا صادقين فما جازوه خيرا إذ ضربوا عنق مسلم بن عقيل صبرا وقتلوا معه هانئ بن عروة لأنه آواه ونصره (1). قال الشاعر: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل ترى بطلا قد هشم السيف رأسه وآخر يرمى من طمار قتيل


(1) - تاريخ الطبري: 4 / 107 سنة 40 ه‍. (2) - في واقعة الطف كربلاء راجع مقاتل الطالبيين: 84. (3) - مع ان المروي عكس ذلك راجع شرح النهج: 2 / 124 - 125 شرح الخطبة 29، والالمام: 2 / 298. (4) - الرد على المتعصب العنيد لابن الجوزي: 35، وتاريخ ابن حبان: 555. (*)

[ 38 ]

وأكلت هند كبد حمزة، فمنهم آكلة الأكباد (1). ومنهم كهف النفاق (2) ونقروا بالقضيب بين ثنيتي الحسين (3). ونبشوا زيدا وصلبوه وألقوا رأسه في عرصة الدار تطأه الأقدام وتنقر دماغه الدجاج حتى قال القرشي: أطردوا الديك عن ذؤابة زيد طال ما كان لا تطاه الدجاج وقال شاعر بني أمية: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم نر مهديا على الجذع يصلب (4) وقتلوا يحيى بن زيد وسموا قاتله ثائر آل مروان وناصر الدين (5). وضربوا علي بن عبد الله بن العباس بالسياط مرتين على أن تزوج بنت عمه الجعفرية التي كانت عند عبد الملك بن مروان. وعلى أن نحلوه قتل سليط وسموا أبا هاشم بن محمد بن علي.


(1) - الفتوح لابن أعثم: 1 / 225. (2) - وهو معاوية كما وصفه ابن عباس راجع التذكرة الحمدونية: 4 / 202 ح 731. (3) - راجع تاريخ ابن حبان: 561، وأخبار الدول: 109، ومجمع الزوائد: 9 / 195 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 313 ح 15148. (4) - راجع عمدة الطالب: 256. (5) - مقاتل الطالبيين: 145، وتاريخ الطبري: 5 / 535 سنة 125. (*)

[ 39 ]

وضرب سليمان بن حبيب بن المهلب ابا جعفر المنصور بالسياط قبل الخلافة. وقتل مروان الحمار الامام ابراهيم بن محمد بن علي أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات (1). وقتلوا يوم الحرة عون بن عبد الله بن جعفر (2). وقتلوا يوم الطف مع الحسين أبا بكر بن عبد الله بن جعفر (3). وقتلوا يوم الحرة الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب وعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (4). ومع ذلك كله فإن عبد الملك بن مروان أبو الخلفاء من بني مروان أعرق الناس في الكفر لأن جده لأبيه الحكم بن أبي العاص لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده (5) وجده لامه معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي طرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قتله علي وعمار صبرا (6). ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالايمان وأقدمهم فيه.


(1) - مقاتل الطالبيين: 299، وتاريخ الطبري: 6 / 91. (2) - مقاتل الطالبيين: 123. (3) - مقاتل الطالبيين: 95. (4) - راجع المستدرك: 3 / 520، وكتاب المحن: 159. (5) - المعجم الكبير: 12 / 115، والصواعق المحرقة: 275، ومجمع الزوائد: 5 / 242 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 436 ح 9239. (6) - في صفين. (*)

[ 40 ]

هذا وبنو أمية قد هدموا الكعبة (1). وجعلوا الرسول دون الخليفة (2). وختموا في أعناق الصحابة، وغيروا أوقات الصلاة (3). ونقشوا أكف المسلمين، ومنهم من أكل وشرب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهبت الحرم ووطئت المسلمات في دار الاسلام بالبقيع في ايامه (4). وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكر ملوك بني أمية قال: كان عبد الملك جبارا لا يألى ما صنع، وكان الوليد مجنونا، وكان سليمان همه بطنه وفرجه، وكان عمر أعور بين عميان، فإذا قيل عدل قال: إن من عدله أن لا يقبلها ممن لم يكن لها أهلا، ويتولاها بغير استحقاق، وكان رجلهم هشام، وقد صدق أبو جعفر. وكان يقال لهشام: الأحول السراق لأنه ما زال يدخل عطاء الجند شهرا في شهر حتى أخذ لنفسه مقدار أرزاق سنة، فلذلك قالوا: الأحول السراق، وقال خاله ابراهيم بن هشام المخزومي ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين، فإن الحادي حدا به مرة فقال: عليك أيها البختي أكرم من تمشي به المطي


(1) - مروج الذهب: 2 / 96 ط. مصر و 3 / 71 ط. بيروت، وأخبار الدول: 130، وتاريخ الخميس: 2 / 203، وقصص الانبياء للثعلبي: 90. (2) - كما يأتي عن الحجاج. (3) - فقد صلى معاوية الجمعة يوم الاربعاء راجع تذكرة الخواص: 93، وصلى من دون البسملة فاعترض عليه راجع مصنف عبد الرزاق: 2 / 92 ح 2818. (4) - كما تقدم في واقعة الحرة. (*)

[ 41 ]

فقال صدق قولك. وقال مرة: والله لأشكون سليمان بن عبد الملك إلى أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان. وهذا ضعف شديد وجهل عظيم. وكان هشام يقول: (والله لأستحي من الله أن أعطي رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم). وقدم هشام ابنه سعيدا على حمص فرمي بالنساء فكتب أبو الجعد الطائي إلى هشام مع خصي وأعطاه فرسا على أن يبلغ الكتاب وفيه: أبلغ لديك أمير المؤمنين فقد أمددتنا بأمير ليس عنينا طورا يخالف عمرا في حليلته وعند راحة يبغي الأجر والدينا فعزله وقال: يا ابن الخبيثة تزني وأنت ابن أمير المؤمنين، أعجزت أن تفجر فجور قريش قبل هذا وأخذ مالي، هذا لا يلي لي عملا أبدا. وحسبك من عبد الملك بن مروان قيامه على منبر الخلافة وهو يقول: (ما أنا بالخليفة المستضعف، ولا بالخليفة المداهن، ولا بالخليفة المأفون) (1). وهؤلاء هم سلفه وأئمته، وبشفعتهم قام ذلك المقام وبتأسيسهم وتقدمهم نال تلك الرياسة، ولولا العادة المتقدمة والأجناد المجندة والصنائع القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام، فالمستضعف عنده عثمان بن عفان، والمداهن عنده


(1) - ذكره بطوله السيوطي في تاريخه: 218 خلافة عبد الملك بن مروان. (*)

[ 42 ]

معاوية، والمأفون عنده يزيد بن معاوية، والضعيف لا يكون خليفة لأنه الذي ينال القوي منه عند انتشار الأمر عليه، والمداهن لا يكون إماما، ولا يوثق منه بعقد، ولا بوفاء عهد، ولا بضمير صحيح ولا بغيب كريم، والمأفون لا يكون إماما، وهذا الكلام نقض لسلطانه، وعداوة لأهله، وإفساد لقلوب شيعته، وقرة عين عدوه، وعجز في رأيه، فانه لم يقدر على إظهار قوته، إلا بأن يظهر عجز أئمته (1).


(1) - تفصيل كلام المصنف: ما ورد في صفات الخليفة قال ابن عباس لعمر: (لا تصلح الخلافة إلا لمن اجتمعت فيه خمس خصال مع تقوى الله والعقل والعلم واللب والحلم والفطنة، وهو من جمع هذا المال من باب حله ووضعه في مواضعه على علم ومعرفة ثم عف عنه من بعد ما جمعه من باب حله، يعني لم ينفقه اسرافا فيما لا يحل، الشديد من غير عنف ولا ضجرة، واللين من غير ضعف) (بدء الاسلام ووقائع الدين: 102 - 103 قصة اخلاف الستة، ط صادر / بيروت 1406 ه‍.). وقال عمر: (لا ينبغي ان يلي هذا الامر إلا رجل فيه اربع خصال: اللين في غير ضعف والشدة في غير عنف والامساك في غير بخل والسماحة في غير سرف فإن سقطت واحدة منهن فسدت الثلاث) (كنز العمال: 5 / 765 ح 14319 كتاب الخلافة - آدب الامارة).. وعن امير المؤمنين عليه السلام: (ثلاثة من كن فيه من الائمة صلح ان يكون اماما اضطلع بأمانته: إذ عدل في حكمه ولم يحتجب دون رعيته، واقام كتاب الله تعالى في القريب والبعيد) (كنز العمال: 5 / 764 ح 14315 كتاب الخلافة - آداب الامارة).. وعنه عليه السلام: (على المسلمين بعدما يموت امامهم... ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يبدؤا بشئ قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما، عفيفا ورعا عارفا بالقضاء والسنة يجمع امرهم ويحكم بينهم، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقه ويحفط اطرافهم) (كتاب السقيفة: 182). وعنه صلوات الله عليه: (إذا كان عليكم امام يعدل في الرعية ويقسم بالسوية اسمعوا له واطيعوا) (كنز العمال: 5 / 780 ح 14368 كتاب الخلافة - اطاعة الامير).. = (*)

[ 43 ]

[... ]


= وقال عليه السلام: (حق على الامام ان يحكم بما انزل الله وان يؤدي الامانة فإذا فعل فحق على الناس ان يسمعوا له وان يطيعوا وان يجيبوا إذا دعوا) (كنز العمال: 5 / 764 ح 14313 كتاب الخلافة - آداب الامارة). وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (الا ان الامراء من قريش - ثلاث مرات - ما اقاموا بثلاث: ما حكموا فعدلوا وما عاهدوا فوفوا وما استرحموا فرحموا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين) (المطالب العالية: 2 / 205 ح 2055، و 2056 باب الخلافة في قريش اخرجه أبو يعلى، وفي هامشه: عزاه البوصيري للطيالسي، واحمد ابن أبي شيبة، والبزاز). ب وعن سبط ابن الجوزي بسنده الى عبد الله العجلي قال: خطب امير المؤمنين علي عليه السلام يوما على منبر الكوفة فقال: (اللهم انك تعلم انه لم يكن الذي كان مني منافسة في سلطان ولا التماس فضول الحطام، ولكن لأرد المعالم من دينك واظهر الصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك. اللهم انك تعلم اني اول من اناب وسمع فأجاب لم يسبقني إلا رسولك. اللهم لا ينبغي ان يكون على الدماء والفروج والمغانم والاحكام ومعالم الحلال والحرام وامامة المسلمين وامور المؤمنين البخيل لان نهمته في جميع الاموال، ولا الجاهل فيدلهم بجهل‍ ه على الضلال، ولا الجافي فينفرهم بجفائه، ولا الخايف فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ولا المعطل للسنن فيؤدي ذلك الى الفجور ولا الباغي فيدحض الحق، ولا الفاسق فيشين الشرع) (تذكرة الخواص: 114 الباب السادس في المختار من كلامه - خطبة المنبرية -).. وفي كلام الامير هذا مواطن للتأمل لانها اشارات الى امور سبقت وتجديد لامور اندرست فلاحظ قوله: لأرد المعالم من دينك واظهر الصلاح في بلادك ! وقوله: اني اول من اناب وسمع ! وقوله: فيدلهم بجهله على الضلال ! فينفرهم بجفائه ! فيتخذ قوما دون قوم ! فيذهب بالحقوق فيؤدي ذلك الى الفجور ! فيدحض الحق - فيشين الشرع !. = (*)

[ 44 ]

[... ]


= لا حظ ذلك وقارنه بجهل الخلفاء بالسنن، وتعطيلهم لبعض الحدود، وفجور خالد بإمر أة مالك ابن النويرة، ففيه اشارات خفية لمن تتبع سيرة الخلفاء وحكامهم. - وعنه عليه السلام ([ ان الله فرض ] على ائمة الحق ان يتاسوا بأضعف رعيتهم حا لا في الاكل واللباس، ولا يتميزون عليهم بشئ لا يقدرون عليه، ليراهم الفقير فيرضى عن الله ب‍ ما هو فيه ويراهم الغني فيزداد شكرا وتواضفا) (تذكرة الخواص: 106، و 107 الباب الخا مس، ورعه، وزهده).. وقال عليه السلام: (لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان) (تذكرة الخواص: 106، و 107 الباب الخامس، ورعه، وزهده).. - وكتب الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز: اعلم يا امير المؤمنين ان الله جعل الامام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. الامام العادل... كالاب الحاني على ولده يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا... كالام السفيقة البرة الرفيقة بولدها... وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم... هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر الى الله ويريهم وينقاد الى الله ويقودهم.... تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده... لا تحكم يا امير المؤمنين بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين. (العقد الفريد: 1 / 44 كتاب اللؤلؤة في السلطان - صفة الامام العادل).. - وعن جعفر بن محمد الصادق عن ابائه عليهم السلام (ان عليا سأل ابا بكر عن الذي يستحق هذا الامر بما يستحقه ؟ قال أبو بكر: بالنصيحة والوفاء ودفع المداهنة وحسن السيرة واظهار العدل والعلم بالكتاب = (*)

[ 45 ]

[... ]


= والسنة وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا، وقلة الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبيعد، ثم سكت. فقال علي عليه السلام: والسابقة والقرابة ؟ فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة. فقال علي عليه السلام: انشدك بالله ابا بكر أفي نفسك تجد هذه الخصال أو في ؟ فقال أبو بكر: بل فيك يا ابا الحسن). ثم يأخذ الامام ويحتج على أبي بكر في فضائله فيذكر ثلاثة وثلاثين منقبة تدل على اتصا ف الامير عليه السلام بالصفات المتقدمة - ثم يقول له: (فبهذا وشبهه تستحق القيام بأمور امة محمد، فما الذي غرك عن الله وعن رسوله ود ينه وانت خلو مما يحتاج إليه اهل دينه ؟) (الاحتجاج: 1 / 113 - 129 ذيل احتجاج الامير على ابي بكر). وعن انس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الامراء من قريش ما رحموا ا ذا استرحموا وقسطوا وعدلوا إذا حكموا [ وما عاهدوا فوفوا ]) (كنز العمال: 6 / 48 ح 14790 كتاب الامارة.، و 14 / 76 ح 37980، والمعجم الكبير: 1 / 252 ح 725 ترجمة انس ما اسند انس).. وعن أبي هريرة: (ان لقريش عليكم حقا ما حكموا فعدلوا وائتمنوا فأدوا واسترحموا فرحموا) (مسند أحمد: 2 / 529 ط. بيرت، و 2 / 270 ط. ميمنة).. - وقال الحسن عليه السلام لمعاوية: (ان الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله صلى الل‍ ه عليه وآله وسيرة صاحبيه وعمل بطاعة الله وليست الخلافة لمن عمل بالجور وعطل الحدود) (ربيع الابرار: 2 / 8 37 باب الظلم وذكر الظلمة (48).. وعن طلحة: (يا ابا الحسن انت اولى بهذه الامر واحق به مني لفضلك وقرابتك وسابقتك) (الفتوح لابن اعثم: 1 / 76 ذكر بيعة علي). وقال بشر بن عمرو لمعاوية: (ان صاحبي ليس مثلك انه احق لهذا الامر منك للفضل في الدين والسابقة في الاسلام) (الفتوح لابن أعثم: 1 / 244 ذكر الواقع الثانية بصفين، وتاريخ = (*)

[ 46 ]

[... ]


= الطبري: 5 / 243، والكامل في التاريخ: 3 / 122 عنهما الغدير: 10 / 307).. وقال أبو موسى لمعاوية: (ان هذا الامر لا يكون بالشرف وغيره مما ذكرت وانما يكون لأهل الدين والفضل والشدة في امر الله، مع اني لو اعطيته اعظم قريش شرفا اعطيته عليا) (3) ا وقال أبو هريرة وابو الدرداء: (يا معاوية علام تقاتل علي بن أبي طالب وهو احق به‍ ذا الامر منك لسابقته في الدين وفضيلته في الاسلام، وهو رجل من المهاجرين السابقين وانت رجل طليق، وكان أبوك من الاحزاب) (الفتوح لابن أعثم: 1 / 284، واقعة صفين - حديث سودة مع معاوية). ب اقول: من كلام طلحة وبشر وابو هريرة وابو الدرداء وابو موسى يتضح ان مسألة تقدي‍ م الأفضل كانت مسلمة لا نزاع فيها ولا معترض. وعن الحسن عن ابيه عليه السلام في الرد على معاوية: (فوثب فيها من ليس مثلي، لا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي ولا سابقة كسابقتي وكنت احق بها منه) (كنز العمال: 11 / 329 ح 31649، وقعة الجمل). وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وقد سئل عن علي عليه السلام: (افضلكم علي واقدمكم اسلاما واوفركم ايمانا واكثركم علما وارجحكم حلما واشدكم في الله غضبا علمته علمي واستودعته سري ووكلته فهو خليفتي في اهلي وأميني في امتي) (شواهد التنزيل: 2 / 356 - 357 ح 1002 و 1003). - هذه هي صفات الخلفاء والشروط التي لابد ان تتوفر فيهم: اللين والرأفة في الرعية، الشدة والشجاعة، الكرم وسماحة الكف، السماحة والحلم، الامانة والعدل، اقامة الكتاب على الجميع، القسمة بالسوية والسهر على الرعية، اعلمهم، وأفضلهم وافقههم في دين ال‍ له، ابصرهم بالطريق واهداهم للصراط، واصحهم دينا وافضلهم يقينا، اقومهم بامر الله واوفاهم بعهده، اعلمهم بالقضية واوفرهم ايمانا.... وهل الفاضل الا صاحب هذه الصفات ؟ !. فأين بني أمية وغيرهم من هذه الصفات ؟ ! = (*)

[ 47 ]

وقد كانت المنافرة لا تزال بين بني هاشم وبنى عبد شمس (1) بحيث أنه يقال إن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين فخرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم وقد لصقت أصبع احدهما بجبهة الاخر فلما نزعت دمي المكان، فقيل سيكون بينهما أو بين ولديهما دم، فكان كذلك. ويقال: إن عبد شمس وهاشما كانا يوم ولدا في بطن واحد كانت جباههما ملصقة بعضها ببعض، فأخذ السيف ففرق بين جباههما بالسيف، فقال بعض العرب: ألا فرق ذلك بالدرهم فإنه لا يزال السيف بينهم وفي أولادهم إلى الأبد (2). وكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف بن قصي وبين ابن اخيه أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وسببها: أن هاشما كانت إليه الرفادة (3) - التي سنها ج‍ ده قصي بن كلاب بن مرة - والسقاية وذلك أن أخاه عبد شمس كان يسافر وقلما يقيم بمكة، وكان رجلا مقلا وله ولد كثير فاصطلحت قريش على أن ولي هاشم السقاية والرفادة، وكان هاشم رجلا موسرا، وكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال: (يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنكم ياتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته، وهم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم به، حفظ (4) منكم أفضل ما حفظه جار من جاره، فأكرموا


(1) - راجع شرج النهج: 15 / 198. (2) - المنتظم لابن الجوزي: 2 / 11 ذكر أباء النبي، وراجع الكامل في التاريخ: 1 / 457 نسب رسول الله - ابن هاشم. (3) - الرفادة: هي من الرفد وهو الاعانة، رفده يرفده رفدا أعطاه. (4) - بهامش الأصل (حفظه). (*)

[ 48 ]

ضيفه وزواره، فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر (5)، كالقداح (6)، وقد أزحفوا (7) وتفلوا وقملوا وأرملوا فاقروهم واغنوهم وأعينوهم). فكانت قريش ترافد على ذلك حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشئ اليسير على قدرهم، فيضمه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس، فإن عجز كمله، وكان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا وكان قوم من قريش يترافدون، فكانوا أهل يسار فكان كل إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية (8). وكان هاشم يأمر بحياض من ادم فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر زمزم، ثم يستقي فيها من الابار التي بمكة فيشرب الحاج. وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة ويطعمهم بمنى وبعرفة وبجمع، فكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسمن والسويق، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء حتى يتفرق الناس لبلادهم، وكان هاشم يسمى عمرا وإنما قيل له (هاشم) لهشمه الثريد (1).


(1) - الضوامر: جمع ضامر هو الجمل الذي هزل. (2) - القداح: واحدها قدح بكسر القاف وهي السهام وقيل العود إذا قطع مقدار الن‍ بل. (3) - يقال أزحف الرجل إذا أعيت إبله، وتفل إذا ترك الطيب. وقمل كثر قمله، وأرملوا احتاجوا، يقال: رجل أرمل وامرأة ارملة اي محتاجة. (4) - الطبقات الكبرى: 1 / 62 - 63 ذكر هشام بن عبد مناف، والمنتظم لابن الج‍ وزي: 2 / 212. (5) - راجع تاريخ الطبري: 2 / 12 ذكر نسب رسول الله، والطبقات الكبرى: 1 / 62 ذكر هشام بن عبد مناف. (*)

[ 49 ]

وهو أول من أطعم الثريد بمكة وكان امية بن عبد شمس ذا مال فتكلف أن يفعل كما فعل هاشم من إطعام قريش فعجز عن ذلك فشمت به ناس من قريش وعابوه، فغضب ونافر (1) هاشما على خمسين ناقة سود الحدث تنحر بمكة وعلى جلاء (2) عشر سنين وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي جد عمرو بن الحمق (3). وكان منزله عسفان وخرج مع أمية أبو همهمة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك الفهري (4) فقال الكاهن: (والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أول منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر) (5). فأخذ هاشم الأبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكان هذا أول عداوة وقعت في بني هاشم وبني أمية (6).


(1) - نافر الرجل: منافرة ونفارا، حاكم. قال أبو علي الفارسي: المنافرة، الم‍ حاكمة، نافرت فلانا إلى فلان، فنفرني عليه - أي غلبني - وكأن المنافرة كانت أولا انهم يسألون أي‍ نا أعز نفرا. (2) - جلا القوم عن الموضع: رحلوا: يقال: جلوا وأجلوا من الخوف. (3) - هو عمرو بن الحمق بن كاهن بن حبيب الخزاعي، وهو سعد (من بني سعد) بن كع‍ ب أحد الصحابة مات سنة خمسين. (4) - عند ابن الكلبي أنه أبو همهمة واسمه عمرو بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة ابن الحارث بن محمد وأمه وأم إخواته طريف وسلامان وجابر: قلابة بنت عبد مناف ب‍ ن قصي، وابو همهمة جد حرب بن أمية بن عبد شمس أبو أمه. (5) - رجل خابر وخبير عالم بالخبر. (6) - ذكره بطوله الطبري في التاريخ: 2 / 13 ذكر نسب الرسول، والكامل في ال‍ تاريخ: 1 / = (*)

[ 50 ]

ولم يكن أمية في نفسه هناك وإنما رفعه أبوه وبنوه وكان مضعوفا، وكان صاحب عهار يدل على ذلك قول نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدامه عليه وقال: أبوك معاهر وأبوه عف وذاد الفيل عن بلد حرام وذلك أن أمية كان يعرض لامرأة من بني زهرة فضربه رجل منهم ضربة بالسيف واراد بنو أمية ومن تابعهم إخراج زهرة من مكة، فقام دونهم قيس بن عدي السهمي وكانوا أخواله وكان منيع الجانب شديد العارضة حمي الأنف أبي النفس، فقام دونهم وقال وصاح (أصبح ليل) فذهبت مثلا ونادى (ألا إن الضاعن مقيم) ففي هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة: مهلا أمي فإن البغي مهلكة لا يكسبنك ثوبا شره ذكر تبدواكواكبه والشمس طالعة يصب في الكأس منه الصاب والمقر وصنع أمية في الجاهلية شيئا لم يصنعه أحد من العرب: زوج ابنه أبا عمرو ابن أمية امرأته في حياة منه، والمقتيون في الأسلام هم الذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهم، وأما ان يتزوجها في حياته ويبني عليها وهو يراه فإن هذا لم يكن قط. وأمية قد جاوز هذا المعنى ولم يرض بهذا المقدار حتى نزل عنها له وزوجها منه، وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين، ثم نافر حرب بن 457، والطبقات الكبرى: 1 / 62 ذكر هشام بن عبد مناف.


= 457، والطبقات الكبرى: 1 / 62 ذكر هشام بن عبد مناف. (*)

[ 51 ]

أمية عبد المطلب بن هاشم من أجل يهودي كان في جوار عبد المطلب فما زال أمية يغري به حتى قتل وأخذ ماله في خبر طويل. وتمادت العداوة بين البيتين حتى قام سيد بني هاشم أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يدعو قريشا إلى توحيد الله تعالى جلت قدرته، وترك ما كانت تعبد من دون الله، فانتدب لعدواته صلى الله عليه وسلم ج‍ في أول سنة من الهجرة أو في سنة اثنين وهو يحاد الله ورسوله (1). ب ومنهم عقبة بن أبي معيط أبان بن عمرو بن امية، وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإدا إلى أن قاتل يوم بدر فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسر فأمر بضرب عنقه فجعل يقول: يا ويلتي علام أقتل يا معشر قريش أأقتل من بين هؤلاء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعدواتك لله ولرسوله. محمد من للصبية ؟ قال: النار، وضرب عنقه (2).


(1) - توفي بالطائف في السنة الاولى على ما ذكره الطبري في التاريخ: 2 / 117، وذكر ابن أبي الدنيا أنه قتل يوم الفجار أما العاص بن سعيد وأخيه ففي بدر. راجع الاشراف على مناقب الاشراف: 143 ح 274. (2) - صحيح أبي داود: 3 / 60 ح 2686 كتاب الجهاد باب قتل الاسير صبرا، والمحبر: 157. (*)

[ 52 ]

وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به فصلب، فكان أول مصلوب في الأس‍ لام، وقال عطاء عن الشعبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعقبة بن أبي معيط يو م بدر: والله لأقتلنك. فقيل أتقتله من بين قريش ؟ قال: نعم إنه وطئ على عنقي وأنا ساجد، فما رفعت حتى ظننت ان عيني قد سقطتا، وجاء يوما وأنا ساجد بسلي شاة فألقاها على رأسي، فأنا قاتله (1). ب ومنهم الحكم بن أبي العاصي بن أمية وكان عارا في الأسلام وكان مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يشتمه ويسمعه ما يكره، فلما كان فتح مكة أظ هر الأسلام خوفا من القتل. فلم يحسن إسلامه وكان مغموصا (2) عليه في دينه، ثم قدم المدينة فنزل على عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية (3)، وكان يطالع الأعراب والكفار بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ذات يوم مشى الحكم خلفه فجعل يختلج بأنفه وفمه كأنه يحاكي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتف‍ كك ويتمايل فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه، فقال له: كن كذلك، فما زال بقية عمره على ذلك. واطلع يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجرة بعض نسائه فخرج إليه بعنزة فقال: من عذيري من هذا الوزغة لو أدركته لفقأت عينه (4).


(1) - صحيح مسلم بتفاوت: كتاب الجهاد والسير ح 3350، والمواهب اللدنية: 1 / 119، وجامع الاصول: 11 / 365. (2) - غمصه يغمصه غمصا: حقره: ورجل مغموص عليه في دينه، أي مطعون. (3) - راجع شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 199. (4) - ذكره ابن حبيب من جملة المؤذين للنبي راجع المحبر: 157 وراجع الطبقات ا لكبري: = (*)

[ 53 ]

وقال زهير بن محمد عن صالح بن أبي صالح قال: حدثني نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر الحكم بن أبي العاصي فقا ل النبي صلى الله عليه وسلم: ويل لأمتي مما في صلب هذا (1). ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لعنه وما ولد وغربه عن المدينة، فلم يزل خارجا ع‍ نها بقية حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وعمر، فلما استخلف عثمان رده إلى المدينة وولده فكان ذلك مما انكره الناس على عثمان (1). وكان أعظم الناس شؤما على عثمان فإنهم جعلوا إدخاله المدينة بعد طرد النبي إياه وبعد امتناع أبي بكر وعمر من ذلك، أكبر الحجج على عثمان ومات في خلافته فضرب على قبره فسطاطا. وقد قالت عائشة رضي الله عنها لمروان بن الحكم: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ل‍ وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لمروان بن الحكم: إن اللعين أباك فارم عظامه إن ترم ترم مخلجا مجنونا يضحى خميص البطن من عمل التقى ويظل من عمل الخبيث بطينا وكان الحكم هذا يقال له: طريد رسول الله ولعينه، وهو والد مروان بن


= 1 / 157 ذكر دعاء الرسول الناس للاسلام، وكذا ابن الجوزي في المنتظم: 3 / 49 سنة 1 ه‍. (1) - المعجم الاوسط: 2 / 312، والمطالب العالية: 4 / 330 ح 4525. (2) - مجمع الزوائد: 5 / 242 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 436 ح 9239. (3) - الاستيعاب: 1 / 318، والاصابة: 1 / 346، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 150. (*)

[ 54 ]

الحكم الذي صارت الخلافة إليه بالغلبة وتوارثها بنوه من بعده، وكان رجلا لا فقه له، ولا يعرف بالزهد، ولا برواية الاثار، ولا بصحبة، ولا ببعد همة، وإنما ولي رستاقا من رساتيق داربجرد لابن عامر، ثم ولي البحرين لمعاوية، وقد كان جمع أصحابه ومن تابعه ليبايع ابن الزبير حتى رده عبيد الله بن زياد وقال يوم مرج راهط والرؤوس تنبذ عن كواهلها. وماذا لهم غير حين النفوس أي غلامي قريش غلب (1) وهذا كلام من لا يستحق أن يلي ربعا من الأرباع ولا خمسا من الاخماس. فكان مروان أول من شق عصا للأسلام بغير تأويل. وقال لخالد بن يزيد بن معاوية وام خالد يومئذ عنده: اسكت يا ابن الرطبة، فكان حتفه في هذه الكلمة (2). وكتب عبد الملك بن مروان إلى محمد بن الحنفية: من عبد الملك أمير المؤمنين إلى محمد بن الحنفية، فلما نظر إلى عنوان الصحيفة استرجع وقال: الطلقاء ولعناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الناس والذي نفسي بيده إنها لأمور لا يقر قرارها. ب ومنهم (3): عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن امية أحد من عادى الله ورسوله إلى أن قتل ببدر كافرا قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه (4)، وعت‍ بة هذا هو أبو هند بنت عتبة التي أكلت كبد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ثم


(1) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 156. (2) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 156 شرح الخطبة 72. (3) - راجع تاريخ الطبري: 2 / 72، والطبقات: 1 / 157 ذكر دعاء الرسول الناس للاسلام. (4) - الطبقات الكبرى: 2 / 12 غزوة بدر. (*)

[ 55 ]

لفظتها واتخذت مما قطعت منه مسكين ومعضدين وخدمتين (1) وأعطت وحشيا (2) قاتل حمزة، حليا كان عليها من ورق وجزع وخواتيم ورق كانت في أصابع رجليها، كل ذلك شماتة بحمزة رضي الله عنه من أجل أنه قتل أباها عتبة رأس الكفر في يوم بدر، وقيل بل قتله عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وانشدت هند: عيني جودا بدمع سرب على خير خندف لم ينقلب تداعى به رهطه قصرة (3) بنو هاشم وبنو المطلب (4) وقيل: إن عليا لما فرغ من الوليد بن عتبة مال مع عبيدة على عتبة فقتلاه جميعا (5). وهند هذه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بقتلها فأسلمت، ولما حض‍ رت مع النساء لتبايع بيعة الأسلام كان مما قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تقتلن أولادكن. فقالت: ربيناهم يا محمد صغارا وقتلتهم كبارا (6).


(1) - المسك بفتح الميم الأسورة، والمعضد ما عمل في العضد من الخرز، والخدمة الخلخال. (2) - وحشي بن حرب الحبشي أحد سودان مكة مولى طعيمة بن عدي وقيل مولى جبير بن مطعم بن عدي. (3) - وفي نسخة (تداع له رهطه غدوة). (4) - الطبقات الكبرى: 3 / 6 - 7 ذكر حمزة، واسد الغابة: 5 / 562 و 2 / 46 ذك‍ ر حمزة. (5) - راجع الطبقات الكبرى: 2 / 12 غزوة بدر. (6) - اسد الغابة: 5 / 562، ترجمة هند بنت عتبة. (*)

[ 56 ]

وهي ام معاوية بن أبي سفيان (1) الذي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخذ الخلافة من الحسن بن علي رضي الله عنه واستلحق (2) زياد بن سمية من زنية واستخلف على الامة ابنه يزيد القرود ويزيد الخمور (3). ب ومنهم (4): الوليد بن عتبة بن ربيعة، وقتل ببدر كافرا قتله علي رضي الله عنه (5)، والوليد هذا هو خال معاوية. ب ومنهم (6): شيبة بن ربيعة بن عبد شمس عم هند ام معاوية، وكان يجتمع مع قريش فيما تكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى وقتله الله يوم بدر ف‍ يمن قتل من أعدائه (7). ب ومنهم (8): أبو سفيان صخر بن حرب بن امية قائد الأحزاب الذي قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد، وقتل من خيار أصحابه سبعين ما بين مهاجر ي


(1) - راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6 / 290 - 289. (2) - بالاصل استخلف الصواب ما أثبتناه. (3) - قوله يزيد القرود سمي بذلك لأنه كان له قرد يلعب معه الشطرنج وكان يسمي‍ ه أبا قيس، وبالخمور لانه كان يشرب الخمر أمام الناس. (4) - الطبقات الكبرى: 1 / 157 ذكر دعاء الرسول الناس للاسلام. (5) - الطبقات الكبرى: 2 / 12 غزوة بدر. (6) - الطبقات الكبرى: 1 / 157 ذكر دعاء الرسول الناس للاسلام. (7) - الطبقات الكبرى: 2 / 12 غزوة بدر. (8) - راجع المنتظم لابن الجوزي: 5 / 27 سنة 32 ه‍، وشرح نهج البلاغة لابن أبي ا لحديد: 6 / 290 - 289. (*)

[ 57 ]

وأنصاري، منهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب بن هاشم (1). وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الخندق أيضا وكتب إليه: (باسمك اللهم أحلف باللات والعزى وساف ونائلة وهبل لقد سرت إليك أريد استئصالكم فأراك قد اعتصمت بالخندق فكرهت لقاءنا ولك مني كيوم احد). وبعث بالكتاب مع أبي اسامة الجشمي فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي الله عنه. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أتاني كتابك وقديما غرك يا أحمق بني غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل لنا العاقبة، وليأ تين عليك يوم اكسر فيه اللات والعزى وساف ونائلة وهبل يا سفيه بني غالب (2). ولم يزل يحاد الله ورسوله حتى سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة فأتى ا لعباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أردفه، وذلك أ نه كان صديقه ونديمه في الجاهلية، فلما دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يؤم‍ نه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ويلك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله الا الله ؟ ! فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأجملك وأكرمك ! والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا. فقال: يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟


(1) - راجع الطبقات الكبرى: 2 / 28 - 32 غزوة احد. (2) - الطبقات الكبرى: 2 / 50 غزوة الاحزاب. (*)

[ 58 ]

فقال: بأبي أنت وامي ما أوصلك وأجملك وأكرمك ! أما هذه ففي النفس منها شئ. فقال له العباس: ويلك إشهد بشهادة الحق قبل أن تضرب عنقك، فشهد وأسلم، فهذا حديث إسلامه كما ترى (1). واختلف في حسن إسلامه فقيل: إنه شهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأزلام معه يستقسم بها، وكان كهفا للمنافقين وإنه كان في الجاهلية زنديقا. وفي خبر عبد الله بن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان: وبنو الاصفر الملوك ملوك الروم لم يبق منهم مذكور (2) فحدث به ابن الزبير أباه فلما فتح الله على المسلمين، فقال الزبير: قتله الله يأبى إلا نفاقا أو لسنا خيرا له من بني الأصفر (3). وذكره عبد الرزاق عن ابن المبارك عن مالك بن مغول - بالغين - عن ابن أبجر (4) قال: لما بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان إلى علي رضي الله عنه فقال:


(1) - يراجع المطالب العالية: 4 / 246 ح 4362، وسنن البيهقي: 8 / 178، وتاري‍ خ الطبري: 2 / 331 فتح مكة، والمنتظم لابن الجوزي: 5 / 29 - 28 سنة 32 ه‍. (2) - هذا البيت من جملة ابيات للنعمان بن امرئ القيس بن اوس بن قلابة احد ملوك الحيرة ذكرت بكاملها في شرح النهج لابن أبي الحديد: 11 / 171 شرح الخطبة 216. (3) - راجع وفاء الوفا: 1 / 289. (4) - ابن أبجر هو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر. (*)

[ 59 ]

أغلبك على هذا الأمر أقل بيت في قريش، أما والله لأملأنها خيلا ورجالا إن شئت ؟ فقال علي: ما زلت عدوا للأسلام وأهله. فما ضر ذلك الأسلام وأهله شيئا (1). وذكر المدائني عن أبي زكريا العجلاني عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: حج أبو بكر ومعه أبو سفيان بن حرب فكلم أبو بكر أبا سفيان فرفع صوته، فقال أبو قحافة: إخفض صوتك يا أبا بكر عن ابن حرب، فقال أبو بكر: يا أبا قحافة إن الله بنى بالأسلام بيوتا كانت غير مبنية وهدم به بيوتا كانت في الجاهلية مبني‍ ة، وبيت أبي سفيان مما هدم (2). فليت شعري بعد هذا بأي وجه يبنى بيت أبي سفيان بعد ما هدمه الله ؟ ! وروي عن الحسن: أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه فقال: (صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة (1) واجعل أوتادها بني أمية،


(1) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 40 و 2 / 45، والاخبار الموفقيات للزبير بن بكار: 577، ومصنف عبد الرزاق: 5 / 451 ح 9767، والاستيعاب: 4 / 87 و 2 / 254 ترجمة أبو بكر، والثقات لابن حبان: 2 / 287، وأنساب الاشراف: 2 / 271 امر السقيفة ط. دار الفكر. (2) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 222، وروى ابن شبة قريب هذه القصة مع عمر راجع تاريخ المدينة: 2 / 684. (3) - وفي رواية: فتزقفوها تزقف الكرة، وفي نسخة فترفقوها ترفق الكرة، وفي ب‍ عضها وهو الصحيح: فتلقفوها تلقف الكرة. (*)

[ 60 ]

فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار. فصاح به عثمان قم عني فعل الله بك وفعل (1). وأبو سفيان هذا هو أبو معاوية ولم يزل بعد إسلامه هو وابنه معاوية من المؤلفة. ب ومنهم: معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي جدع أنف حمزة ومثل به فيمن مثل، فلما انهزم يوم احد دخل على عثمان بن عفان ليجيره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بطلبه فأخرج من دار عثمان واتي به رسو ل الله صلى الله عليه وسلم ف‍ وسار في اليوم الرابع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ فاطلبوه واقتلوه، فأصابوه فأخذه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر فقتلاه. وقيل: بل قتله علي رضي الله عنه (2). ومعاوية هذا هو أبو عائشة أم عبد الملك بن مروان، فعبد الملك بن مروان أعرق الناس في الكفر، لأن أحد أبويه الحكم بن أبي العاصي لعين رسول الله صلى ال‍ له عليه وسلم وطريده (3). والاخر معاوية بن المغيرة.


(1) - التذكرة الحمدونية: 9 / 171 ح 380، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 2 / 44 و 9 / 53 و 15 / 175. (2) - راجع الطبقات الكبرى: 3 / 8 - 9 ذكر حمزة، واسد الغابة: 2 / 46. (3) - كما تقدم. (*)

[ 61 ]

ب ومنهم: حمالة الحطب واسمها ام جميل بنت حرب بن أمية كانت تحمل أغصان العضاة (1) والشوك فتطرحها على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قاله الضحاك عن ابن عباس، فقال مجاهد: حمالة النميمة تحطب على ظهرها وإياها عنى الله تعالى بقوله في سورة تبت: تبت يدا أبي لهب وتب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. قيل: عنى أن في جيدها سلسلة من نار، أي من سلاسل جهنم، والجيد: العنق، ولما نزلت سورة تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد قالت امرأة أبي لهب: قد هجاني محمد والله لأهجونه، فقالت: مذمما قلينا ودينه أبينا وأمره (2) عصينا (3). وأخذت فهرا لتضربه به فأغشى الله عينها عنه وردها بغيظها، ولم تزل على كفرها حتى هلكت (4). وما أحد من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم إلا وقد بذل جهده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغ في أذى من اتبعه وآمن به، ونالوا منهم من الشتم وأنواع العذاب حتى فروا منهم مهاجرين إلى بلاد الحبشة، ثم إلى المدينة، واغلقت أبوابهم بمكة فباع أبو سفيان بن حرب بعض دورهم وقضى من ثمنها دينا عليه.


(1) - العضاة: كل شجرة شوك. (2) - في تفسير النيسابوري: وحكمه. (3) - ذكره النيسابوري في تفسير: 30 / 199 - 200 مورد الاية بهامش تفسير الطبري. (4) - الدر المنثور: 6 / 409. (*)

[ 62 ]

وهموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة وتناظروا في أمره ليخرجوه من مكة أو يقيدوه ويحبسوه حتى يهلك أو يندبوا لقتله من كل قبيلة رجلا حتى يتفرق دمه في القبائل (1). وبالغ كل أحد منهم في ذلك بنفسه وماله وأهله وعشيرته، ونصب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحبائل بكل طريق سرا وجهرا ليقتله، فلما أذن الله له في الهجرة وخرج من مكة ومعه صاحبه أبو بكر الصديق إلى غار ثور، جعلوا لمن جاء بهما أو قتلهما ديتهما ويقال: جعلوا له مائة بعير، ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها (2). كل ذلك حسدا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغيا ويأبى الله إلا تأييد رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته حتى صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وظهر أمر الله وهم كارهون - كما ذكرت ذلك ذكرا شافيا في كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول صلى الله عليه وسلم من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع ولله در من قال: عبد شمس قد أضرمت لبني هاشم حربا يشيب منها الوليد فابن حرب للمصطفى وابن هند لعلي وللحسين يزيد وما الأمر إلا كما قال الأخطل: إن العداوة تلقاها وإن قدمت كالعر يكمن أحيانا وينتشر (3)


(1) - راجع تاريخ الطبري: 2 / 98 - 80. (2) - راجع الطبقات الكبرى: 1 / 175 ذكر هجرة الرسول، وتاريخ الطبري: 2 / 101 - 106. (4) - العر: بفتح العين وضمها: الجرب. (*)

[ 63 ]

وأقول: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ابعد بني أمية عنه وأخرجهم من ذوي قرباه - كما خرجه الامام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب فرض الخمس من الجامع الصحيح - فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وه‍ م منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شئ وا حد) (1). وقال الليث: حدثني يونس وزاد قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل. قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم عاتكة بنت مرة وكان نوفل أخاهم لأبيهم. وذكره البخاري في مناقب قريش أيضا وقال في غزوة خيبر: حدثنا يحيى ابن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير ابن مطعم أخبره قال: أتيت أنا وعثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: أعطي‍ ت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك. فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد.


(1) - كنز العمال: 12 / 70 ح 34042، والمغازي للواقدي: 2 / 696، ومسند الشافعي: 324، وسنن أبي داود: 3 / 135. (*)

[ 64 ]

قال جبير: ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا (1). (2) وقد خرج أبو داود هذا الحديث من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: حدثني جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا من الخمس، كما قسم لبني هاشم ولبني المطلب (3). قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه ل‍ م يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يعطيهم رسول الله صلى الله علي‍ ه وسلم. وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منه (4). واعلم أن قوله عن أبي بكر: إنه لم يكن يعطي ذوي القربى كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم إنما هو مما كان صلى الله عليه وسلم يعود به عل‍ يهم من سهمهم، وكانت حاجة المسلمين أيام أبي بكر أشد، لا أنه منعهم الحق المفروض لهم الذي سماه الله تعالى وسوله صلى الله عليه وسلم لهم فقد اعاذه الله من ذلك.


(1) - سنن أبي داود: 3 / 145 ح 2978 كتاب الخرائج والامارة، وتاريخ المدينة: 2 / 644، ومسند أبي يعلي: 13 / 396 ح 7399. (2) - صحيح البخاري: 5 / 16 كتاب المناقب - مناقب قريش. (3) - سنن أبي داود: 3 / 145 ح 2978. (4) - سنن أبي داود: 3 / 135 ح 2978 كتاب الخرائج والامارة، ومسند أحمد: 4 / 83 ط. م و 5 / 40 ح 16327 ط. م، والسنن الكبرى للبيهقي: 6 / 342، والمعجم الاوسط: 7 / 427. روي عن ابن عباس أن عمر أيضا كان يمنع من تسليم كل الخمس نعم قبل تزويج فتيانهم منه فرفضوا راجع، مسند أبي يعلى: 4 / 424 ح 2550، ومسند أبي عوانة: 4 / 330، وتا ريخ المدينة: 2 / 646، وسنن البيهقي: 6 / 345 باب سهم ذي القربى. (*)

[ 65 ]

وخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني جبير بن مطعم قال: فلما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوف‍ ل وبني عبد شمس فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شئ واحد. وشبك بين أصابعه (1). وخرجه إسحاق بن راهويه عن الزهري عن ابن المسيب عن جبير مثل ما تقدم، وفيه قال: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم خمس الخمس من القمح والتمر والنوى. وقال الحسن بن صالح عن السدي في ذي القربى: هم بنو عبد المطلب (2). وخرج النسائي من حديث سفيان عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن ابن محمد عن قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه فقال: هذا مفتاح كلام ولله الدنيا والاخرة. (3) قال: اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: سهم الرسول،


(1) - سنن أبي داود: 3 / 146 ح 2980 كتاب الخرائج والامارة باب صفايا الرسول، وتاريخ المدينة: 2 / 645. (2) - اخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 6 / 521 ح 33442. (3) - السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 338 كتاب قسم الفئ باب سهم الله وسهم رسوله. (*)

[ 66 ]

وسهم ذي القربى، فقال قائل: سهم الرسول للخليفة من بعده، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الرسول، وقال قائل سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر (1). وقد روي عن بعض طرق ابن إسحاق عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان وجبير بن مطعم كلما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهم ذي القربى وقالا: قسمته بين بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف ونحن وبنو المطلب إليكم في النسب سواء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا وهم لم نزل في الجاهلية شيئا واحدا وك‍ انوا معنا في الشعب كذا) وشبك أصابعه (2). وكان من حديث الشعب على ما ذكر محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة، فذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مضى على الذي بعث به وقامت بن‍ وهاشم وبنو عبد المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه، فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش ألا سبيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، معهم أجم‍ عوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب ألا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة. ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم وأشتد البلاء عليهم وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا.


(1) - راجع السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 342 باب سهم ذي القربى من كتاب قسم ال‍ فئ. (2) - السنن الكبرى البيهقي: 6 / 341. (*)

[ 67 ]

وقال ابن عقبة: واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع المشركون م‍ ن قريش وأجمع رأيهم: ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا مواثي‍ ق: أن لا يقبلوا من بني هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا تركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وذكر ابن إسحاق القصة في دخولهم الشعب، وما بلغوا من الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهتهم لصحيفتهم الظالمة. قال موسى بن عقبة: فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي، ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق، وأجمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه، وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي


(1) - راجع الطبقات الكبرى: 1 / 162 ذكر حصر قريش رسول الله، وسيرة ابن هشا م: 1 / 296، وتاريخ ابن كثير: 1 / 504. (*)

[ 68 ]

المكر فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم الارضة فلحست كلما كان فيها من عهد ميثاق، فلم تترك اسما لله عز وجل فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم. وأطلع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، وانطلق يمشي عصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من البلاء فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فأنما قطعه بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخي قد أخبرني فلم يكذبني أن الله عز وجل برئ من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحى كل اسم له فيها وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا فوالله لا نسلمنه أبدا حتى يموت من عند آخرنا، وإن كان قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق

[ 69 ]

المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها. فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحرا عن صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين والقيام بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب: إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون وإنا نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا، ولولا انكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس الله ما فيها من اسم له. وما كان من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم ؟ فقال النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة (1) وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو، وكانت الصحيفة عنده في رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما في هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل. قال موسى بن عقبة: فلما أفسد الله صحيفة مكرهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه فعاشروا (2) وخالطوا الناس (2).


(1) - المغيرة بن زمعة. (2) - في نسخة: فعاشوا. (3) - راجع تاريخ الذهبي: 1 / 221، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 31، ولوا مع أنوار الكوكب الدري: 1 / 149، والطبقات الكبرى: 1 / 263. (*)

[ 70 ]

فانظر رحمك الله كيف لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القرابة في النسب وحدها قرابة معتبرة في أحكام الله عز وجل ما لم تقترن بها القرابة الدينية، فإنه كماقد رأيت أخرج بني أمية من ذوي القربى مع كونهم بني ابيه عبد مناف بن قصي، لما كان من عداوتهم له في دين الله تعالى وتكذيبهم لما جاء به من النبوة والرسالة، وكيف جعل بني المطلب بن عبد مناف من ذوي القربى لأجل مسالمتهم له في الجاهلية وتسرعهم إلى مناصرته ومؤازرته وموالاته ومعاضدته وأنهم لم يربؤوا بأنفسهم عن نفسه، بل أمدوه بأنفسهم حيث تخلى عنه الناس ودخلوا معه الشعب مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا والكافر حمية، وتأمل ذلك يظهر لك منه فائدتان إحداهما: أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة الطين. والثانية: أن مجرد القرابة ليس بشئ، وقد قيل اقرب الوسائل المودة وأبعد النسب البغضاء قال: وأرى القرابة لا تقرب قاطعا وأرى المودة أكبر الأسباب وقال الأعشى: ولا تطلبن الود من متباعد ولا تأمنن ذي بغضة إن تقربا فإن القريب من يقرب نفسه لعمر أبيك الخير لا من تنسبا فإذا أقرب الوسائل المودة، وأبعد النسب العقوق، وقد قال تعالى: إنما المؤمنون إخوة (1) فقاربت (2) ولاية الأسلام بين الغرباء.


(1) - الحجرات: 10. (2) - في نسخة: فقارنت. (*)

[ 71 ]

وقال تعالى: إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح (1) فباعد به بين القرابة. ثم إني أقول يا عجبا كيف يستحق خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم على امته شرع‍ ا من لم يجعل له حقا في سهم ذي القربى، أم كيف يقيم دين الله من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونابذه وكايده وبذل جهده في قتله ؟ ! وليت إذ ولي بنو أمية الخلافة عدلوا وأنصفوا، بل جاروا في الحكم وعسفوا واستأثروا بالفئ كله وحرموه بني هاشم جملة، وزادوا في العتو والتعدي حتى قالوا إنما ذو القربى قرابة الخليفة منهم، وحتى قرروا عند أهل الشام أنه لا قرابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرثونه إلا بني أمية، فلما قام بالأمر أبو العباس‍ عبد الله بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس المنعوت بالسفاح، وقتل مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم آخر خلائف بني أمية وأزال دولتهم دخل عليه مشيخة من أهل الشام، فقالوا والله ما علمنا أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة يرثونه إلا بني أمي‍ ة حتى وليتم فقال إبراهيم بن مهاجر: أيها الناس اسمعوا اخبركم عجبا زاد على كل عجب عجبا من عبد شمس إنهم فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا دون عباس وعبد المطلب كذبوا والله ما نعلمه يحرز الميراث إلا من قرب وحتى صعد الحجاج بن يوسف يوما أعواد منبره وقال على رؤوس


(1) هود: 46. (*)

[ 72 ]

الأشهاد: أرسولك أفضل أم خليفتك ؟ يعرض بأن عبد الملك بن مروان بن الحكم أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فل‍ ما سمعه جبلة بن زحر قال: لله علي ألا أصلي خلفه أبدا، وإن رأيت من يجاهده لأجاهدنه معه، فخرج مع عبد الرحمن بن الأشعث وقتل معه. ولقد اقتدى بعدو الله الحجاج في كفره ابن شفى (1) الحميري: فإنه قام بمجلس هشام بن عبد الملك، وقال أمير المؤمنين خليفة الله وهو أكرم على الله من رسوله فأنت خليفة ومحمد رسول الله. وحتى أن يوسف بن عمر عامل هشام قال في خطبته يوم الجمعة: إن أول من فتح على الناس باب الفتنة وسفك الدماء علي وصاحبه الزنجي، يعني عمار بن ياسر رضي الله عنه. فهذا كما ترى وإلى الله المشتكى. وقد خرج الحاكم من حديث سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو ذي مر عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه في قوله عز وجل: واحلوا قومهم دار البوار (2) قال: هما الافجران من قريش بنوا أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغي‍ رة فقد قطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. قال الحاكم: هذا حديث صحيح (3).


(1) - في نسخة: ابن شقي، بالقاف. (2) - ابراهيم: 28. (3) - المستدرك: 2 / 352. (*)

[ 73 ]

وسئل علي رضي الله عنه عن بني أمية وبني هاشم فقال: هم أكثر وأنكر وأمكر، ونحن أفصح وأصبح وأسمح (1). وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حشرج بن نباته قال حدثني سعد بن جمهان قلت لسفينة ان بني أمية يزعمون ان الخلافة فيهم. فقال: كذب بنو الزرقاة بل هم ملوك من اشد أشد الملوك وأول الملوك معاوية (2). وما زلت طول الاعوام الكثيرة اعمل فكري في هذا وأشباهه التي يطول ذكرها، واذاكر به من ادركت من مشيخة العلم ومن لقيت من حملة الاثار ونقلة الاخبار، فلا اجد في طول عمري سوى رجلين: إما رجل عراه ما عراني وساءه ما قد دهاني فهو يحذو في المقال حذوي ويشكو من الالم شكواي. وإما رجل يرتع في ميدان تقليده ويجول في عرصات تهوره وتفنيده، فلا يزيدني على التهويل والهدر الطويل، إلى أن اتضح لي والحمد لله وحده سبب أخذ بني أمية الخلافة ومنعها بني هاشم، وذلك ان اعجاز الامور لا تزال ابدا تالية لصدورها، والاسافل من كل شئ تابعة لأعاليها، وكل أمر كان خافيا إذا انكشف سببه زال التعجب منه، وما بعد على من بعد سبب اخذ بني أمية الخلافة وتقدمهم فيها على بني هاشم إلا من اجل الاعراض عن الاعتناء بتعرف أوائل


(1) - عيون الأخبار لابن قتيبة: 4 / 25. (2) - المصنف لابن أبي شيبة: 7 / 270، ح 35994، والالمام: 1 / 268. (*)

[ 74 ]

ذلك، وقلة البحث عن غوامضه، وان الشئ لم يوضع في مواضعه وإنما سلك فيه الكافة - إلا قليلا - مذهب التعصب، الواجب على العاقل بعد معرفة ما خفي من السبب الاذعان والتسليم وترك الاعتراض فماذا بعد الحق إلا الضلال. وذلك انه لا خلاف بين ائمة الحديث ونقاد الاخبار وعلماء السير والاثار، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وعامله على مكة (1) أبو عبد الرحمن عتاب‍ بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الاموي، أحد من اسلم يوم فتح مكة، وانه لم يزل على مكة منذ فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم عام ثمان من ال‍ هجرة إلى أن توفاه الله عز وجل، فأقر أبو بكر الصديق رضي الله عنه عتابا حتى ماتا في يوم واحد، وكان صلى الله عليه وسلم قسم اليمن بين خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنع‍ اء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضر موت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبا موسى الاشعري على زبيد ورمع وعدن. فكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنعاء اليمن كما تقدم خالد بن سعيد ب‍ ن العاص بن أمية بن عبد شمس بعثه صلى الله عليه وسلم إليها سنة عشر من الهجرة، وقد مات باذام ليكون على صدقات اليمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالد على ا ليمن (2). وكان أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على البحرين برها وبحرها منذ عزل العلاء بن الحضرمي حليف بني أمية (3)، وقيل بل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلاء


(1) - أسد الغابة: 3 / 358 ترجمة عتاب. (2) - ذكر ابن أبي الدنيا أنه قتل يوم مرج الصفر. راجع الاشراف على مناقب الاشراف: 143 ح 274. (3) - أسد الغابة: 1 / 36 ترجمة أبان. (*)

[ 75 ]

على البحرين. وكان عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية على تيماء وخيبر وتبوك وفدك، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع خالد بن سعيد وأبا عمرو عن عمالتهم، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه مالكم رجعتم عن عمالتكم ما احد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا نحن بنو أبي احيحة لا نعمل لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدا، ث‍ م مضوا إلى الشام وقاتلوا فقتلوا في مغازيها، فيقال ما فتحت بالشام كورة من كور الشام إلا وجد عندها رجل من بني سعيد بن العاص ميتا. وكان أبو سفيان بن حرب بن أمية على نجران فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وه‍ و عليها، وقيل بل كان على نجران لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حز م بن زيد ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الانصاري (1). قال الواقدي عن ابراهيم بن جعفر عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأربعة من بني أمية عماله: عت‍ اب بن اسيد على مكة، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين وخالد بن سعيد على صنعاء، وأبو سفيان بن حرب على نجران (2). قال الواقدي: اصحابنا مجمعون على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وأبو سف‍ يان حاضر (3).


(1) - الطبقات الكبرى: 3 / 12 ترجمة أبو سفيان. (2) - راجع اسد الغابة: 3 / 358 و 1 / 36 ترجمة أبان، و 2 / 83 ترجمة خالد. (3) - الطبقات الكبرى: 3 / 12 ترجمته. (*)

[ 76 ]

وقال ابن الكلبي: كان أبو سفيان غائبا فلما قدم قال: كيف رضيتم يا بني عبد مناف ان يلى امركم غيركم. وقوم يقولون: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى أبا سفيان صدقات خولان ونخلة وولى يزيد بن أبي سفيان على نجران والله أعلم (1). وكان على جرش سعيد (2) بن القشب الازدي حليف بني أمية، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها. وكان المهاجر (3) بن أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم المخزومي أخو أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها على صدقات كندة والصدف، ثم ولاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه اليمن. وكان عمرو (4) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم السهمي حين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمان بعد ما بعثه النبي صلى الله عل‍ يه وسلم على سرية نحو الشام إلى اخوال أبيه العاصي بن وائل من بلى يدعوهم إلى الاسلام ويستنفرهم إلى الجهاد، ثم امده رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبي‍ دة بن الجراح رضي الله عنهم فصلوا خلفه، ثم عمل عمرو بن العاصي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.


(1) - ذكر في أسد الغابة: 5 / 112 ان ابا بكر استعمله. ولم يذكر ان النبي استعم‍ له وكذا من الطبقات: 7 / 284 ترجمته. (2) - اسد الغابة: 2 / 315 ترجمته. (3) - اسد الغابة: 4 / 423 ترجمته. (4) - أسد الغابة: 4 / 116 - 117 ترجمته. (*)

[ 77 ]

وكان على الطائف عثمان (1) بن أبي العاصي بن بشر بن عبد دهمان الثقفي، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها. فإذا كان رسول الله قد أسس هذا الاساس واظهر بني أمية لجميع الناس بتوليتهم اعماله فيما فتح الله عليه من البلاد كيف لا يقوى ظنهم ولا ينبسط رجاؤهم ولا يحتد في الولاية املهم. أم كيف لا يضعف أمل بني هاشم وينقبض رجاؤهم ويقصر أملهم وكبيرهم العباس بن عبد المطلب وابن أخيه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يريد احدهما استعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته عن هذا الأمر هل هو فيهم أم في غيرهم ويأبى الاخر ذلك، كما أخرج البخاري من حديث الزهري قال أخبرني عبد الله ابن كعب بن مالك الانصاري أن عبد الله بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا واني والله لأرى رسول الله صلى الله عل‍ يه وسلم يتوفى من وجعه هذا، وإني لاعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله في هذا الامر إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس


(1) - أسد الغابة: 3 / 373 ترجمته. (*)

[ 78 ]

بعده واني والله لا اسألها من رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). ورواه محمد بن اسحاق عن الزهري إلا انه لم يذكر ما قال في العصا، وزاد في آخره فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى من ذلك اليوم (2). وفي رواية: وخلا العباس بعلي، فقال له: هل تعلم ان رسول الله صلى الله عليه وس‍ لم أ فقال علي: اللهم لا. فخرج العباس على بغلة له حتى أتى عسكر أسامة بن زيد فلقي أبا بكر وعمر وغيرهما، فقال: هل أوصاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ ؟. قالوا: لا. فرجع إلى علي فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبوض فامدد يدك أبايعك، فيقال عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع ابن عم رسول الله ويبايعك أهل بيتك، فإن مثل هذا الأمر لا يؤخر. فقال: يرحمك الله ومن يطلب هذا الأمر غيرنا يا عم ؟ (3). وفي رواية: ان العباس قال لعلي هلم يدك أبايعك. فقال: إن لي برسول الله شغلا ومن ذاك الذي ينازعنا هذا الأمر ؟ (4).


(1) - فتح الباري: 8 / 180 ح 4447. (2) - ذكره بطوله في الطبقات الكبرى: 2 / 189 ومرض النبي. (3) - أنساب الاشراف: 2 / 265، والطبقات: 2 / 189. (4) - الطبقات الكبرى: 2 / 190، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 18. (*)

[ 79 ]

ورواية البخاري وعبد الرزاق اثبت. وقال ابن سعد أخبرنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله بن أخي الزهري، قال سمعت عبد الله بن حسن يحدث عمي الزهري يقول حدثتني فاطمة بنت الحسين قالت: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس: يا علي قم حتى ابايعك ومن حضر فإن هذا الأمر إذا كان لم يرد مثله، والأمر في أيدينا. فقال علي: وأحد يطمع فيه غيرنا. فقال العباس: أظن والله سيكون (1). فلما بويع لأبي بكر ورجعوا إلى المسجد سمع علي التكبير، فقال: ما هذا ؟ فقال العباس: هذا ما دعوتك إليه فابيت علي ؟ فقال علي: أيكون هذا ؟ فقال العباس ما رد مثل هذا قط (2). فقال محمد بن عمر: قد خرج أبو بكر من عند النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي وت‍ خلف عنده علي والعباس والزبير، فذلك حين قال العباس هذه المقالة. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بمعناه، قال عبد الرزاق: وكان معمر يقول لنا: أيهما كان اصوب عندكم رأيا فنقول: العباس فيأبى، ثم قال معمر: لو أن عليا سأله عنها فاعطاه إياها فمنعه الناس كانوا قد كفروا (3).


(1) - ذكره ابن حجر في فتح الباري: 8 / 180 ذيل الحديث 4447. (2) - الطبقات الكبرى: 2 / 190 مرض النبي. (3) - ذكره ابن حجر في فتح الباري: 8 / 181 ذيل الحديث 4447. (*)

[ 80 ]

قال عبد الرزاق فحدثت به ابن عيينة فقال: قال الشعبي: لو ان عليا سأله عنها كان خيرا له من ماله وولده (1) (2). وروى إسماعيل بن خالد عن الشعبي قال: قال العباس لعلي رضي الله عنهما حين مرض النبي صلى الله عليه وسلم إني أكاد أعرف في وجه رسول الله صلى الله ع‍ ليه وسلم الموت فانطلق بنا إليه نسأله من يستخلف فإن استخلف منا فذاك وإلا أوصى بنا، فقال علي للعباس: كلمة فيها جفاء فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي: أبسط يدك‍ فلنبايعك فقبض يده. قال الشعبي: لو ان عليا اطاع العباس كان خير له من حمر النعم (3). وقد رويت مع هذا الحديث أحاديث أخرى ان كانت صحيحة فلا سبيل إلى ردها، وان كانت مفتعلة فقد صارت داعية إلى الأمر الذي وقع النزاع فيه وطال الخصام عليه، منها ما رواه ابن الكلبي عن الحكم بن هشام الثقفي قال مات عبيد الله بن جحش عن أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت معه بأرض الحبشة فخطبها صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فدعا بالقريشيين، فقال: من أولاكم بأمر هذ ه المرأة ؟ فقال خالد بن سعيد بن العاصي: انا أولاهم بها. قال: فزوج نبيكم، قال: فزوجه ومهر عنه النجاشي اربعمائة دينار،


(1) - ذكره ابن حجر في فتح الباري: 8 / 181 ذيل الحديث 4447. (2) - قلت: لا داعي للسؤال بعد نص الرسول على علي في اكثر من موضع والتي منها ما رواها عبد الرزاق نفسه كما تقدم. (3) - فتح الباري: 8 / 181 ذيل الحديث 4447، وذكره ابن سعد في الطبقات بحذف‍ قول الشعبي: 2 / 189 - 190 مرض النبي ذكر ما قال العباس. (*)

[ 81 ]

فكانت أول امرأة مهرت اربعمائة دينار وحملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومع‍ ها الحكم بن أبي العاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكثر النظر إليه، فقيل: يا رسول ا لله إنك لتكثر النظر إلى هذا الشاب. فقال: أليس ابن المخزومية ؟ قالوا: بلى. قال: إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم (1). وكان مروان بن الحكم إذا جرى بينه وبين معاوية بن أبي سفيان كلام قال لمعاوية: إني والله لأبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة وما بقي إلا عشرة حتى يكون الأمر في. فيقول معاوية: أخذها والله من عين صافية (2). فهذا الحديث كما تسمع، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة من حديث عبد الله ابن عمير، قال: قال معاوية: ما زلت اطمع في الخلافة مذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ملكت يا معاوية فأحسن (3). قال وكيع عن الأعمش عن أبي صالح قال: كان الحادي يحدو بعثمان رضي


(1) - رواه في كنز العمال: 11 / 72 ح 31058، وراجع مستدرك الحاكم: 4 / 479. والثابت في الاحاديث: إذا بلغ بنو أبي العاص أو بنو أبي الحكم اربعين أو ثلاثين اتخذوا مال الله دخلا و...) راجع دلائل النبوة للبيهقي: 6 / 507 و 508، والمطالب العالية: 4 / 332 ح 4531 وبالهامش رواه أبو يعلى بسند صحيح. (2) - مجمع الزوائد: 5 / 243 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 437 ح 9242. (3) - تطهير الجنان: 18 ط. بيروت و 15 ط. مصر. (*)

[ 82 ]

الله عنه ويقول: ان الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي (1) فقال كعب الاحبار: بل هو صاحب البغلة الشهباء، يعني معاوية، فبلغ ذلك معاوية فأتاه، فقال يا أبا إسحاق ما تقول هذا وها هنا علي والزبير وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال: أنت صاحبها. وقد جاء من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت في النوم بني الحكم أو بني أبي العاص ينزون على منبري كما تنزوا القردة) قال: فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي (2). وعن سعيد بن المسيب قال: رأي النبي صلى الله عليه وسلم بني أمية على منابرهم فس‍ اءه ذلك فأوحى إليه: إنما هي دنيا اعطوها فقرت عينه وهي قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي اريناك إلا فتنة للناس يعني بلاء للناس (3). وقد روي أن رجلا قام إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: يا مسود وجوه المؤمنين. فقال: لا تؤنبني رحمك الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى بني أمية يخط بون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت إنا أعطيناك الكوثر - والكوثر نهر


(1) - في نسخة: وفي الزبير خلف الوصي. (2) - مسند أبي يعلى: 11 / 348 ح 6461 صحيح، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 13. (3) - تاريخ بغداد: 9 / 45، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: 13. (*)

[ 83 ]

في الجنة - ونزلت إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القد ر خير من ألف شهر يعني تملك بني أمية، فحسب ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص (1). وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا بلغ بنو ابي العاصي اربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا (2) عباد الله خولا وما الله دولا (3). قال الزبير بن بكار: قال عمي مصعب عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير أو غير عبد الله، وحدثنيه محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه ان عمرو بن عثمان بن عفان اشتكى وكان العواد يدخلون عليه فيخرجون وتخلف مروان بن الحكم عنده فيطيل، فانكرت رملة بنت معاوية ذلك وهي امرأة عمرو بن عثمان فخرقت كوة واستمعت على مروان فإذا هو يقول لعمرو: ما أخذ هؤلاء الخلافة إلا باسم أبيك فما يمنعك ان تنهض بحقك فنحن اكثر منهم رجالا: منا فلان ومنم فلان ومنا فلان ومنهم فلان حتى عدد رجالا. ثم قال: ومنا فلان وهو فضل وفلان وهو فضل حتى يعدد فضول رجال بني أبي العاص على بني حرب، فلما برأ عمرو تجهز للحج وتجهزت رملة في جهازه، فلما خرج عمرو إلى الحج خرجت رملة إلى أبيها فقدمت عليه الشام فقال لها


(1) - تاريخ الخلفاء للسيوطي: 13. (2) - بهامش الاصل: دخلا. (3) - راجع دلائل النبوة للبيهقي: 6 / 507، ومجمع الزوائد: 5 / 241 ط. مصر وبغي‍ ة الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 434 ح 9231، والمطالب العالية: 4 / 332 ح 4531، وكنز العمال: 11 / 53 ح 30846. (*)

[ 84 ]

معاوية: وا سوأتاه وما للحرة تطلق، طلقك عمرو ؟ فأخبرته الخبر. وقالت: وما زال يعد فضل رجال بني أبي العاص على بني حرب حتى إبني عثمان وخالد بن عمرو فتمنيت انهما ماتا، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم: أواضع رجل فوق اخرى تعدنا عديد الحصى ما ان تزال تكاثر وامكم تزجي توأما لبعلها وام اخيكم نزرة الولد عاقر وأشهد يا مروان اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ودين الله دخلا وعباد الله خولا. فكتب إليه مروان: أما بعد، يا معاوية فاني أبو عشرة وعم عشرة والسلام (1). وروي عن معاوية أنه قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: انشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا - يعني مروان بن ال‍ حكم - فقال أبو الجبابرة الاربعة. فقال ابن عباس: اللهم نعم (2). وقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في ولاية الاعمال أبو بكر الصديق، فإنه ل‍ ما استخلف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب قطع رضي الله عنه البع‍ وث وعقد


(1) - مجمع الزوائد: 5 / 243 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 5 / 437 ح 9242، ودلائل النبوة: 6 / 508 وتاريخ دمشق: 46 / 297 ترجمة عمرو بن عثمان بن عفان. (2) - مجمع الزوائد: 5 / 243 ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 5 / 437 ح 9242. (*)

[ 85 ]

أحد عشر لواء على أحد عشر جندا، فعقد لخالد بن الوليد المخزومي وبعثه لقتال طليحة بن خويلد الأسدي ثم مالك بن نويرة، وعقد لعكرمة بن أبي جهل المخزومي وبعثه لقتال مسيلمة بن ثمامة بن المطوم بن ربيعة بن الحارث، وعقد للماجر بن أبي أمية المخزومي وبعثه لقتال جنود الاسود بن كعب بن عوف العنسي ومعونة الابناء على قيس بن المكشوح، وعقد لخالد بن سعيد العاصي بن أمية وبعثه إلى مشارف الشام، وعقد إلى عمرو بن العاص وبعثه إلى قضاعة. وعقد لحذيفة بن محصن العلقاني من علقان بن شرحبيل بن عمرو بن مالك ابن يزيد ذي الكلاع وبعثه إلى أهل دبا، وهي مدينة قديمة من مدن عمان. وعقد لعرفجة بن هرثمة وبعثه إلى مهرة وبعث شرحبيل بن حسنة في اثر عكرمة بن أبي جهل فإذا فرغ من اليمامة لحق قضاعة. وعقد لطريفة بن حاجم (1) وبعثه إلى بني سليم ومن معهم من هوازن. وعقد لسويد بن مقرن بن عائذ المزني، وبعثه إلى تهامة اليمن. وعقد للعلاء بن الحضرمي وبعثه إلى البحرين، فلحق كل أمير بجنده حتى انقضت حروب الردة، فبعث أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد لفتح العراق واردفه بغيلان بن غنم بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة هلال بن وهيب الفهري وامدهما بالقعقاع بن عمرو، وجهز الجنود إلى الشام فبعث خالد بن سعيد بن العاصي وأردفه بذي الكلاع وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص والوليد بن عقبة.


(1) - عند ابن الاثير: ابن حاجز. (*)

[ 86 ]

وعقد ليزيد (1) بن أبي سفيان بن حرب على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه وجهزه عوضا عن خالد بن الوليد. وعقد لابي عبيدة بن الجراح وبعثه إلى حمص، وأمد يزيد بن أبي سفيان بأخيه معاوية بن أبي سفيان ومعه جيش فنزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة الاردن، وقيل بصرى. ونزل عمرو بن العاص القريات (2). ولما مات أبو بكر واستخلف من بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كانت عماله على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص ابن أمية، ثم سفيان بن أبي عبد الله الثقفي. وعلى اليمن يعلى بن منبه (3) وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن. وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، ثم عثمان بن أبي العاص. وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، ثم المغيرة بن شعبة، ثم عمار بن ياسر، ثم أبو موسى الاشعري. وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، ثم أبو موسى الاشعري. وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، ثم يزيد بن أبي سفيان، ثم معاوية بن أبي سفيان.


(1) - في هامش النسخة: رضي الله عنه كان خيرا من أخيه. (2) - في معجم ما استعجم يسميها: العريات، بالعين المهملة. (3) - بالهامش (منية). (*)

[ 87 ]

وعلى الجزيرة عياض بن غنم. وعلى مصر عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين. فانظر كيف لم يكن في عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ولا في عمال أبي ب‍ كر وعمر رضي الله عنهما أحد من بني هاشم (2). فهذا وشبهه هو الذي حدد أنياب بني أمية وفتح أبوابهم وأترع كاسهم وفتل أمراسهم حتى لقد وقف أبو سفيان بن حرب على قبر حمزة رضي الله عنه فقال: رحمك الله أبا عمارة لقد قاتلتنا على أمر صار الينا (3). وروي أن الامر لما أفضى إلى عثمان بن عفان أتى أبو سفيان قبر حمزة فركله برجله، ثم قال: يا حمزة إن الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليو م وكنا أحق به من تيم وعدي (4). قال كاتبه: وما هي إلا الدنيا وإن الدين لعارض فيها والعاجلة محبوبة، وبهذا ارتفعت رؤوس وضعفت نفوس، فإن دلائل الامور تسبق وتباشير الخير


(1) - قد استعمل النبي حمزة وجعله قائدا عاما على جيشه، واستعمل علي بن أبي طا لب وكان وزيره ونائبه في كل الامور حتى يوم وفاته ! ! (2) - ذكرنا ان النبي كان يستعين ببني هاشم اما أبو بكر وعمر فانهما لم يستعملا احدا منهم لاحد سببين: 1 - اما لان بني هاشم لم يرضوا بذلك لانهم كانوا مخالفين لهما. وأما ل‍ لمشاكل والنفور الذي كان بينهم وبين بني أمية. وقيل: إنما لم يجعلوا بني هاشم عمالا لشرفهم إذ الشريف لا يشارف وإنما يبقى ليشا ور في الامور المعضلة. (3) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 136. (4) - شرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 136. (*)

[ 88 ]

تعرف ولله في خلقه قضاء يمضيه (1). ويأبى الله أن يتم شئ من أمر الدنيا إلا ويعتريه النقص. لما كانت بنو هاشم من قريش اختصها الله سبحانه بهذا الأمر أعني الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، فحازت بذلك الشرف الباقي (2)، وكانت أحوال


(1) - في هامش النسخة: يقضيه. (2) - تأييد للمصنف: انحصار القطبية والخلافة الباطنية بأهل البيت عليهم السلام قال أبو بكر الحضرمي: بل ذهب بعض العلماء الى ان المجدد الذي يبعث على رأس ك‍ ل مائة سنة لا يكون إلا من أهل البيت مستدلا بحديث أحمد بن حنبل الاتي. وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي قدس الله سره في منظومة له ذكر فيها المجددين قال: (وان يكون في حديث قد روي من أهل بيت المصطفى وهو قوي، والحديث المذكور هو ما أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما قال: سمعت أب‍ ي يقول: رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (يقيض الله في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي يعلم امتي الدين). وأخرج أبو سعيد الهروي من طريق حميد ابن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله يمن على أهل دينه في ر أس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم) (حلية الاولياء: 9 / 97 ترجمة الشافعي بسن‍ ده الى أحمد، والمشرع الروي: 1 / 20 عن أحمد). وقال الحافظ جلال الدين المذكور: وأقول: ان الرواية المقيدة بقوله: (من أهل بي‍ تي) وان كانت غير معروفة السند، فإن أحمد أوردها بغير اسناد، ولم يوقف على اسنادها في شئ من الكتب ولا الاحاديث، إلا انها في غاية الظهور من حيث المعنى، فإن القائم في هذا المنصب الشريف جدير بان يكون من أهل البيت النبوي، وهو نظير قول من اشترط في القطب ان يكون من أهل البيت. = (*)

[ 89 ]

[... ]


= إلا ان القطب من شأنه غالبا الخفاء وعدم الظهور، فإذا لم يوجد في الظاهر من أهل البيت من يصلح للاتصاف حمل على انه قام بذلك رجل منهم في الباطن. واما القائم بتجديد الدين فلابد ان يكون ظاهرا حتى يسير عمله في الافاق وينشر في الا قطار، ولا يمكن ان يقال في المئات السابقة: لعل رجلا من أهل البيت قام بذلك في الباطن، لان ذلك غير مقصود الحديث. والحاصل ان الاوجه من حيث المعنى ان المناصب الثلاثة لا يقوم بها إلا رجل من أهل ال‍ بيت: - منصب الخلافة الظاهرة وهي القيام بامر الأمام. - ومنصب الخلافة الباطنة وهي القطبية. - ومنصب تجديد الدين على رأس كل مائة سنة. ولكن يبقى النظر في تحرير المراد بأهل البيت، فإن اراد صلى الله عليه وسلم بقول‍ ه: (رجل من أهل بيتي) أي من قريش، كما هو المراد في الخلافة الظاهرة اتسع الامر وسهل، وحينئذ فلا يعدم واحد من المذكورين ان يكون قرشيا) (رشفة الصادي 126). وأخرج علي بن حميد في مسنده عن أمالي أبي طالب بسنده الى علي قال: قال النبي: (عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الايمان وليا من أهل بيتي موكلا يذب عنه الحق وينور ه ويرد عنه كيد الكائدين، فاعتبروا يا أولي الابصار وتوكلوا على الله). مسند شمس الاخبار: 1 / 133 الباب السادس عشر. أقول: ذكر انحصار القطبية بهم كل من السمهودي والسفاريني وابن حجر والعلامة الصبا ن والقطب الشعراني. جواهر العقدين: 206، واسعاف الراغبين: 192 بهامش نور الابص‍ ار، ولوا مع انوار الكوكب: 2 / 71، والاتحاف بحب الاشراف: 20، ودرر الغواص للشع‍ راني: 96 المطبوع بهامش كتاب الابريز ط. مصر 1306 الاولى. ب قال الامام الفاروقي مجدد الالف الثاني: القطبية لم تكن على سبيل الاصالة الا لائم‍ ة أهل البيت المشهورين، ثم انها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة... فإذا جاء ال‍ مهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الائمة. تفسير روح المعاني: 12 / 28 مورد اية التطهير. = (*)

[ 90 ]

الدنيا من الخلافة والملك ونحوه زائلة، لهذا أزواها الله تعالى عنهم تنبيها على شرفهم وعلو مقدارهم، فإن ذلك هو خيرة الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما ث‍ بت أنه صلى الله عليه وسلم لما خير اختار ان يكون نبيا عبدا ولم يختر ان يكون نبيا ملكا (1) وسأل مثل ذلك لاله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا (2).


= ب وقال العلامة الالوسي: قطب الاقطاب لا يكون الا منهم لانهم أزكى الناس اصلا وأوفره‍ م فضلا، وأن من ينال هذه الرتبة منهم لا ينالها الا على سبيل الاصالة دون النيابة والو كالة، وأنا لا اتعقل النيابة في ذلك المقام - تفسير روح المعاني: 12 / 28 مورد اية الت‍ طهير. ب وقال الحكيم الترمذي:... وقوله (أهل بيتي أمان لامتي) فأهل بيته من خلفه من بعده على منهاجه، وهم الصديقون والابدال.... فإذا ماتوا فسدت الأرض وخربت الدنيا....، فعلم أن المراد به من به تقوم الدنيا، وهم أعلامه وأدلة الهدى في كل وقت، فإذا تفانوا ل‍ م يبق للأرض حرمة، فعمهم بالبلاء. نوادر الاصول للحكيم الترمذي: 3 / 63 - 66 الاصل الثاني والعشرون والمائتان. ب وقال الشيخ الرفاعي: شاع وذاع في سائر البقاع من أن أكابر الاولياء والاقطاب وا لاوتاد والانجاب والافراد والاحباب من آل هذا النبي الاواب، واتفقت كلمتهم قديما وحديثا أن رئيس الاقطاب الملقب بالغوث لا يكون إلا من الال بلا ريب ولا اشكال، ولا شك في أن الغوث هو الذي يتلقى خلعة الولاية من رسول الله ويوصلها الى من اختاره الله - ضوء الشمس: 1 / 119. (1) - راجع حلية الأولياء: 8 / 133. (2) - فتح الباري شرح البخاري: 6 / 340 ح 6460 كتاب الرقاق باب 17، ورواه م‍ سلم في الزهد ح 5272، والمحاسن والمساوئ: 272، ومسند اسحاق بن راهويه: 1 / 219 ح 175. (*)

[ 91 ]

وروى أبو عيسى الترمذي من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرض ع‍ لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا قلت لا يا رب ولكن اشبع يوما وأجوع يوما - أو قال ثلاثا نحو هذا - فإذا جعت تضرعت اليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. وقال الترمذي: هذا حديث حسن (1). وأخرج البخاري من حديث ابن أبي ليلى حدثنا علي رضي الله عنه ان فاطمة عليها السلام اشتكت ما تلقى من الرحى مما تطحن فبلغها أن رسول الله صلى ا لله عليه وسلم أتي بسبي فأتته تسأله خادما فلم توافه فذكرت لعائشة رضي الله عنها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك عائشة له فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم، فقال على مكانكما فقعد بيننا (2) حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا ادلكما على خير مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما، فكبرا أربعا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين فإن ذلك خير لكما مما سألتما (3). وأخرجه مسلم أيضا (4).


(3) - صحيح الترمذي: 4 / 575 ح 347، ومسند أحمد: 5 / 254 ط. م و 6 / 339 ح 21686 ط. ب. (4) - فقعد بيننا - هذه الجملة لم تكن في النسخة المنوقل عنها لكنها واردة في ص‍ حيح البخاري وغيره. (5) - صحيح البخاري: 5 / 81، ح 224 كتاب الفضائل و: 4 / 511 ح 1284 كتاب الخمس‍، وفتح الباري: 6 / 265 ح 3113 كتاب الخمس باب 6 باب 842. (6) - أخرجه في الذكر والدعاء: ح 4906. (*)

[ 92 ]

ولأبي داود من حديث أبي الورد عن علي بن أعبد قال: قال لي علي رضي الله عنه: ألا احدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت من أحب أهله إليه. قلت: بلى. قال: فإنها جرت بالرحى حتى أثر في يدها، واستقت بالقربة حتى أثر في نحرها وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خدم فقل‍ ت: لو اتيت أباك فسألتيه خادما ؟ فأتته فوجدت عنده حداثا فرجعت فأتاها من الغد فقال: ما كان حاجتك فسكتت، فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله، جرت الرحى حتى أثرت في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما تقيها حر ما هي فيه. فقال: اتقي الله يا فاطمة وأدي فريضة ربك واعملي عمل أهلك، فإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين فهي خير لك من خادم. قالت: رضيت عن الله وعن رسوله (1). (1) - هذا هو المسمى ب‍ (تسبيح فاطمة عليها السلام) وقد استفاضت الروايات علي‍ ه راجع صحيح البخاري: 7 / 149، ومسند البزار: 2 / 174 و 217 و 223 و 228 ح 548 - 606 - 619 - 625، والطبقات: 8 / 21 ذكر بناته، ومسند أحمد: 1 / 80 و 96 و 107 و 136 و 144 ط. م 129 و 154 و 171 و 219 و 233 ط. ب، والمستدرك: 3 / 151، والمعجم الاوسط: 1 / 207، وفضائل الصحابة: 2 / 706، ومسند اسحاق بن راهويه: 5 / 11 - = (*)

[ 93 ]

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عامر بن سعد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ا وجهه (1). وفي رواية: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي اقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، فأكل اقواما الى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير (2). ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فا ني اعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم. (3). وروى ابن وهب من عمرو بن الحارث ان بكر بن سوادة (4) حدثه أن أبا سالم الجيشاني حدثه عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: كيف ترى جعيلا (5).


12 ح 2107 - 2108، والمنتخب من مسند عبد بن حميد: 51 ح 63، وصحيح ابن حبان: 9 / 39 ح 6882، وسنن أبي داود السجستاني: 3 / 150، وتاريخ اصبهان: 1 / 134، وحلية الاولياء: 1 / 69، وذيل تاريخ بغداد: 17 / 57. (1) - فتح الباري: 3 / 434 ح 3113 كتاب الزكاة باب 53، ورواه مسلم في كتاب الايمان ح 214، وتفسير ابن كثير: 7 / 267 و 4 / 107. (2) - فتح الباري: 2 / 512 ح 923 كتاب الجمعة باب 29، ومسند أحمد: 5 / 69 ط. م و 6 / 64 ح 20149. (3) - فتح الباري: 8 / 65 ح 4331 كتاب المغازي باب 57، ورواه مسلم في كتاب الزكاة ح 1753، ودلائل النبوة للبيهقي: 5 / 176، والسنن الكبرى للبيهقي: 7 / 18. * (4) - في هامش النسخة: ابن جنادة. (5) - هو جعيل بن سراقة الغفاري وقيل الضميري. (*)

[ 94 ]

قال: قلت كشكله من الناس. قال: فكيف ترى فلانا ؟ قلت: سيدا من سادات الناس. قال: فجعيل خير من مل ء الأرض ذهبا أو ألفا - ونحو ذلك - من فلان. قال: قلت يا رسول الله ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع. قال: إنه رأس قومه وأنا أتألفهم به (1). قال جامعه: وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يربأ ببني هاشم من ولاية الاعمال كما ثبت في صحيح مسلم وغ‍ يره من حديث مالك عن ابن شهاب أن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه ان عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين (قال لي وللفضل بن العباس) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات فأد يا ما يؤدي الناس وأصابا مما يصيب الناس. قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوقف عليهما فذكرا له ذلك، فقال: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل فانتحاه (2) ربيعة بن الحارث، فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة (3) منك علينا فوالله لقد نلت صهر رسول


(1) - حلية الاولياء: 1 / 353. (2) - انتحاه يعني عرض له وقصده. (3) - نفاسة يعني حسدا، فما نفسناه عليك أي حسدناك عليه. (*)

[ 95 ]

الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك. قال علي: أرسلوهما. فانطلقا واضطجع، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: أخرجا ما تسران، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم احدنا، فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح - أي الحل - فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا حتى اردنا ان نكلمه وجعلت زينب تلمع (1) إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لال محمد إنما هي أوساخ الناس أدعوا إلي محمية، وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فجاءا، فقال لمحمية (2): انكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك لي فانكحني، وقال لمحمية اصدق عنهما من الخمس كذا وكذا (3).


(1) - تلمع يعني تشير بثوبها أو بيدها. (2) - في البعض المصادر: لمحمئة. (3) - مسند أحمد: 4 / 166 ط. م و 5 / 173 ح 17065، ورواه مسلم في كتاب الزكاة ح 1784، وسنن أبي داود: 3 / 147 ح 2985، والسنن الكبرى للبيهقي: 7 / 31، وشرح معاني الاثار: 2 / 7. (*)

[ 96 ]

فهذا أعزك الله وإن كان إنما فيه منع بني هاشم من تناول الصدقة لأنها محرمة عليهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانت أعماله التي يستعمل عليها عم‍ اله على قسمين: أما للحرب أو على الصدقات، فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم من ال‍ عمل على الصدقة بنصيب العامل وهو الصحيح أنهم لا يستعملون عليها تنزيها لهم ولبني المطلب عن أوساخ الناس لكرامتهم. وقد كان غير واحد من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن آل البيت أرفع قدرا عند الله من ان يبتليهم باعمال الدنيا منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لما خرج الحسين بن علي رضي الله عنهما يريد العراق وقد كتبت إليه شيعته بالبيعة وحثوه على مسيره إليهم ليقوم بأمر الأمة بدل يزيد بن معاوية لحقه عبد الله على مسيرة ليلتين، وقال: اين تريد ؟ قال: العراق. قال: لا تأتهم. قال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال: ان الله عز وجل خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الاخرة والدنيا فاختار الاخ‍ رة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، والله لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فارجع فأبى الحسين وقال: هذه كتبهم * - هامش) * (1) - اعلم أن الحديث عن ابن عمر ان صح فهو جهل إذ انه اقامة حكم الله وازالة الفساد وطرد المفسدين امثال يزيد من أمور الاخرة. والا لما قام به رسول البشرية ولما اخرجهم من الظلمات الى النور، الا إذا كان يعتقد ابن عمر ان القيام بخلافة الناس من امور ا لدنيا فذاك إليه. (*)

[ 97 ]

وبيعتهم فاعتنقه عبد الله بن عمر وقال: استودعك الله من قتيل (1) فكان كما قال ابن عمر. وكذلك (2) قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للحسين، والله يا ابن أخي ما كان الله ليجمع لكم بين النبوة والخلافة (3). وهذا من فقههما. وقد أشار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى ذلك في خطبته لما ترك الخلافة (4) التي صارت إليه بعد أبيه، وتنزه عنها وترفع عن منازعه معاوية فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسن فيخطب الناس ظنا منه أنه يعيا فخطب معاوية، ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام فحمد الله ثم قال: (أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول، وإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (5). فلما قالها قال معاوية: أجلس، وحقدها على عمرو، وقال: هذا من رأيك


(1) - ذكرها الخوارزمي في مقتل الحسين: 2 / 321 الفصل الحادي عشر. (2) - المعروف ان الحادثة مع ابن عباس وهناك قصة شبيهة مع ابن الزبير راجع مقتل الحسين للخوارزمي: 217 - 219 الفصل العاشر (3) - ذكره الخوارزمي عن المغيرة راجع مقتل الحسين: 1 / 115. (4) - الامام الحسن بن علي عليهما السلام صالح معاوية لمصلحة الدين والمسلمين كما صرح بذلك في خطبته قبل الصلح، وتعبير المصنف ب‍ (ترك الخلافة) فيه مسامحة لان الخلافة كما قال عثمان قميص ألبسه الله لا يمكن خلعه ! ! (5) - الانبياء: 111. (*)

[ 98 ]

فصدق الحسن عليه السلام فيما قاله (1). ذهب بعضهم إلى أن السر في خروج الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي ابن أبي طالب إلى أبي بكر وعمر ثم عثمان ان عليا لو ولي الخلافة حينئذ وهو أبو الحسنين لأوشك أن يقول قائل ويتخيل متخيل أنه ملك متوارث لا يكون إلا في أهل البيت كما تزعمه الرافضة، فصان الله العقائد من هذه الشبهة كما صانها من شبهة قول القائل عن النبي صلى الله عليه وسلم هو رجل يطلب ملك أبيه وهو معنى حسن (2).


(1) - ربيع الابرار: 2 / 837، وكتاب المجتنى: 23. (2) - أقول: لا يستقيم هذا المعنى لان قسم الصحابة بعد وفاة كان هواهم مع علي وقد صرحوا بذلك كما هو معروف في كتب التاريخ واليك نموذج من ذلك: تصريح الصحابة بأحقية علي عليه السلام تصريح الأمام حسن بن علي عليه السلام: أخرجه أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين، قال في رسالته لمعاوية: (فلما توفي صلى الله عليه وسلم تنا قريشا بمثل ما حاجت به العرب فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها... واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الولي النصير. وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان نبينا صلى الله عليه وسلم وان كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الأسلام فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله) (مقاتل الطالبيين: 65 ذكر الخبر في بيعة الحسن بعد وفاة أمير المؤمنين، وأهل البيت لتوفيق أبي علم: 313 رسالة الأمام إلى معاوية). ب أقول: وللأمام الحسن مقولة مشهورة لأبي بكر: (انزل عن منبر أبي) (السقيفة: 66، وشرح النهج: 6 / 42 الخطبة 66، وأنساب الأشراف: 3 / 27، ومقتل الخوارزمي: = (*)

[ 99 ]

[... ]


= 1 / 93، وكنز العمال: 5 / 616 ح 14085 و 13 / 654 ح 37662، وكفاية الطالب: 424). تصريح الحسين بن علي عليهما السلام وذلك في قوله لعمر: (انزل عن منبر أبي) (تاريخ دمشق: 14 / 175 ترجمة الحسين عليه السلام، وكنز العمال: 5 / 616 ح 14085 و 13 / 654 ح 37662). تصريح فاطمة بنت محمد عليها السلام كانت فاطمة بنت محمد المدافع الاول عن نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم عن خلافته التي قضى عمره الشريف في تبليغ الاسلام وبالخلافة يحفظ الاسلام، فكانت صلوات الله عليها تخرج مع علي عليه السلام تدعو لنصرته (الأمامة والسياسة: 1 / 29). وقد أبرزت ذلك بقولها في مواقف عدة من ذلك ما قالته صلوات الله عليها في خطبتها في مجلس أبي بكر بعد وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله جاء فيها: (... حتى إذا اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دار أنبيائه ظهرت حسكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين، ونبع خامل الافلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، واطلع الشيطان رأسه صارخا بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة ملاحظين، ثم استنهضكم، فوجدكم خفافا وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب ؟ ! والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، بماذا زعمتم: خوف الفتنة ؟ ألا في الفتنة سقطوا...) (التذكرة الحمدونية: 6 / 257 ح 628، وبلاغات النساء: 25 كلام فاطمة، وأهل البيت لتوفيق أبي علم: 159، ومقتل الحسين للخوارزمي: 78 الفصل الخامس). وقالت عليها رضوان الله تعالى: (... ونحن بقية استخلفنا عليكم ومعنا كتاب الله بينة بصائره، وآي فينا، منكشفة سرائره وبرهان منجلية ظواهره..) (بلاغات النساء: 28 كلام = (*)

[ 100 ]

[... ]


= فاطمة عليها السلام). - وقالت عليها السلام في مرض وفاتها للنساء الذين دخلن عليها: (... ويحهم انى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الروح الأمين الطبن بأمور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا والله منه نكير سيفه وشدة وطأته، ونكال وقعته وتنمره في ذات الله، ويا لله لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسار بهم سيرا سجحا (سهلا)، لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا رويا... ولفتحت عليهم بركات من السماء.. إلى أي لجأ لجأوا وأسندوا، وبأي عروة تمسكوا، ولبئس المولى ولبئس العشير، استبدلوا والله الذنابي بالقوادم والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا إلا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ويحكم: أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون... انلزمكموها وأنتم لها كارهون) (بلاغات النساء: 32 - 33 كلام فاطمة، والسقيفة للجوهري: 117 - 118، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 233 كتاب 45، وأهل البيت لتوفيق أبي علم: 176 - 177). ومنه ما قالته عليها السلام في مجلس الأنصار: (ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس ونفثة الغيظ وبثة الصدر ومعذرة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر ناقبة الخف، باقية العار، موسومة بشنار الأبد..) (التذكرة الحمدونية: 6 / 259 ح 628، وبلاغات النساء: 31 كلام فاطمة، والسقيفة للجوهري: 100، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 211 كتاب 45). وزاد الجوهري: (... افتأخرتم بعد الاقدام ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون) (السقيفة: 100، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 16 / 211 كتاب 45). = (*)

[ 101 ]

[... ]


= وزاد الطبري الأمامي من طريق أهل البيت عليهم السلام: (... فما جعل الله لأحد بعد غدير خم من حجة ولا عذر) (دلائل الأمامة: 38). وأخرج الجزري بسنده عن فاطمة عليها السلام انها قالت لهم: (أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ !). وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام). وقال: وهكذا أخرجه الحافظ الكبير أبو موسى المديني في كتابه المسلسل بالأسماء (أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب: 33 ح 5). ب أقول: هذه جملة ما وصل إلينا من تصريحات فاطمة عليها السلام، وقد ذكر أصحابنا الكثير منها، أغمضنا عن ذكرها لأن الفضل ما شهدت به غيرنا (راجع دلائل الأمامة: 38 - 40، والاحتجاج: 1 / 97 إلى 109). تصريح أبو بكر بن أبي قحافة أخرجه الجوهري عن المغيرة قال: مر المغيرة بأبي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبي حين قبض، فقال: وما يقعدكما ؟ قالا: ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه، يعنيان عليا. فقال: أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت وسموها في قريش تتسع. قال: فقاما إلى سقيفة بني ساعدة، أو كلاما هذا معناه (السقيفة: 68، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 43 الخطبة 66). تصريح عمر بن الخطاب قال في أثناء حواره لابن عباس: أما والله ان كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله إلا انا خفناه على اثنتين حداثة سنه وحبه بني عبد المطلب (السقيفة: 52 و 73 و 129، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 2 / 57 الخطبة 27، و 6 / 50 الخطبة 66). وقال له يوما: يابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوما. فقلت: يا أمير المؤمنين عليه السلام فاردد عليه ظلامته. = (*)

[ 102 ]

[... ]


= فانتزع يده من يدي. يا بن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك الا انهم استصغروه. فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ براءة من أبي بكر (السقيفة: 70، وشرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 45 خطبة 66). وقال له يوما: يابن عباس ما يمنع قومكم منكم وأنتم أهل البيت خاصة ؟ قلت: لا أدري. قال: لكني أدري، انكم فضلتموهم بالنبوة فقالوا ان فضلوا بالخلافة مع النبوة لم يبقوا لنا شيئا (العقد الفريد: 4 / 265 كتاب الخلفاء - أمر الشورى). تصريح عثمان بن عفان ذلك ما قد يستفاد من ضمن حواره مع ابن عباس حول الخلافة حيث قال: اني أعوذ بالله منكم يا بني عبد المطلب ان كان لكم حق تزعمون انكم غلبتم عليه فقد تركتموه في يدي من فعل ذلك بكم، وأنا أقرب إليكم رحما منه (تاريخ المدينة لابن شبة: 3 / 1046 حياة عثمان). تصريح معاوية قال معاوية في رد رسالة محمد بن أبي بكر: (فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم فبايع وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضا وانقضى أمرهما. إلى أن قال: أبوك مهد مهاده وبنى ملكه وشاده، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله، وان يك جورا فأبوك أسسه، ونحن شركاؤه وبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فإحتذينا بمثاله جرأينا أباك فعل ما فعل فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله فعب أباك ما بدا لك أو دع والسلام على من أناب ورجع عن غوايته وتاب (وقعة صفين لنصر بن مزاحم: 120 - 121 الجزء الثاني - كتاب = (*)

[ 103 ]


= معاوية إلى محمد بن أبي بكر، ومروج الذهب: 3 / 12 - 13 ذكر خلافة معاوية). وأخرجه نصر بن مزاحم والمسعودي والبلاذري بطوله مع تفاوت في بعض الألفاظ (أنساب الأشراف: 3 / 165 - 166 أمر مصر في خلافة علي ط. دار الفكر). ب أقول: اعترف عمر بمضمون كلام معاوية عندما قال لابن عباس: اما والله ان كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم... ان أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر. (شرح النهج: 2 / 57 خطبة 26). تصريح سلمان الفارسي أنبأنا علي بن عبد الله أنبأنا أبو زرعة عبد الكريم بن إسحاق بن سهلويه أنبأنا أبو بكر الدينوري اجازة سمعت أبا منصور عبد الله بن علي الأصبهاني ببروجرد سمعت أبا القاسم الطبراني، حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة عن أشياخه قال: لما كان يوم السقيفة اجتمعت الصحابة على سلمان الفارسي فقالوا: يا أبا عبد الله ان لك سنك ودينك وعملك وصحبتك من رسول الله (فقل في هذا الأمر قولا يخلد عنك فقال: (گويم أگر شنويد). ثم غدا عليهم فقالوا: ما صنعت أبا عبد الله فقال: (گفتم اگر بكار بريد) ثم أنشأ يقول: ما كنت أحسب أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منهم عن أبي الحسن أو ليس أول من صلى لقبلته وأعلم بالقول بالأحكام والسنن ما فيهم من صنوف الفضل يجمعها وليس في القوم ما فيه من الحسن يقال ليس لسلمان غير هذه الأبيات (التدوين في أخبار قزوين: 1 / 78 - 79 القول في بيان من ورد قزوين من الصحابة - سلمان). أقول: سوف أذكر ان هذه الأبيات من تصريح ابن أبي لهب والعباس. وأخرج البلاذري وابن أبي شيبة والفظ للأول: (كردان ونا كردان) أي عملتم وما عملتم، لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم (أنساب الأشراف: 1 / 587 ح 1188 ط. مصر و 2 / 274 ط. دار الفكر، أمر السقيفة). ولفظ الثاني: أخطأتم وأصبتم أما لو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لأكلتموها رغدا (المصنف: = (*)

[ 104 ]


= 7 / 443 ح 37083 كتاب المغازي - خلافة علي -). وذكره سبط ابن الجوزي بلفظ: (كردي نكردي) أي فعلتموها فوجئت عنقه (تذكرة الخواص: 63 الباب الرابع). وأخرجها الجوهري بلفظ ابن أبي شيبة (السقيفة: 43، وشرح النهج: 2 / 49 خطبة 26 و 6 / 43 خطبة 66). وأخرج عنه أيضا قوله: (أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن) (السقيفة: 67، وشرح النهج: 6 / 43 خطبة 66). تصريح العباس أخرج الحموي عن علي قال: قال العباس بن عبد المطلب حين بويع لأبي بكر: ما كنت أحسب ان الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالاثار والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما في جميع الناس كلهم وليس في الناس ما فيه من الحسن ماذا الذي ردكم عنه فنعرفه ها إن بيعتكم من أول الفتن (فرائد السمطين: 2 / 82 ح 401). وأخرج ابن شبة قوله لعلي: (واحذر هؤلاء الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا) (تاريخ المدينة: 3 / 926 تفصيل عمر لصفات الصحابة). وفي رواية قال: (ما أحد أولى بمقام رسول الله منه (علي) (أهل البيت لتوفيق أبي علم: 236). أقول: أخرج الطبري الأمامي كلاما للعباس عندما استسقى عمر به وتوسل: = (*)

[ 105 ]


= (يستسقون بنا ويتقدمونا، فإذا قحطوا استسقوا بهم، وإذا ذكروا الخلافة تمنوا سالما مولى أبي حذيفة والجارود العبدي) (المسترشد للطبري: 692 ح 359). تصريح أبو سفيان أخرج عبد الرزاق وابن المبارك وابن عبد البر والبلاذري وابن أبي شيبة واليعقوبي وغيرهم قول أبي سفيان: غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش، اما والله لأملأنها خيلا ورجالا (المصنف لعبد الرزاق: 5 / 451 ح 9767 بيعة أبي بكر، والاستيعاب: 2 / 254 ترجمة أبو بكر و 4 / 87 ترجمة أبو سفيان، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 126 خبر السقيفة، والثقات لابن حبان: 2 / 287 ترجمة، وشرح النهج: 2 / 45 خطبة 26 عن الجوهري و 6 / 40 عنه أيضا خطبة 66، وأنساب الأشراف: 2 / 271 أمر السقيفة ط. دار الفكر.). وقال يوم السقيفة أيضا:... فاما علي بن أبي طالب فأهل والله أن يسود على قريش وتطيعه الأنصار (الأخبار الموفقيات: 585 ح 382). وزاد البلاذري في لفظ: اني لأرى فتقا لا يرتقه إلا الدم (أنساب الأشراف: 2 / 271 أمر السقيفة ط. دار الفكر). وأنشد يوم السقيفة: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم وليس لها إلا أبو حسن علي (تاريخ اليعقوبي: 2 / 126 خبر السقيفة، والاخبار الموفقيات: 577 ح 376، وشرح النهج: 6 / 17 خطبة 66). تصريح عبد الله بن عباس أخرجه ابن قتيبة في العيون قال: قال ابن عباس لمعاوية: ندعي هذا الأمر بحق من لولا حقه لم تقعد مقعدك هذا، ونقول كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقا ضيعوه وحظا = (*)

[ 106 ]

[... ]


= حرموه... اما الذي منعنا من طلب هذا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهد منه إلينا قبلنا فيه قوله ودنا بتأويله، ولو أمرنا أن تأخذه على الوجه الذي نهانا عنه لأخذناه أو أعذرنا فيه، ولا يعاب أحد على ترك حقه، انما المعيب من يطلب ما ليس له، وكل صواب نافع وليس كل خطأ ضارا (عيون الأخبار لابن قتيبة: 1 / 6 كتاب السلطان - محل السلطان وسيرته وسياسته). وله تصريحات اخرى وهي المحاورات التي جرت بينه وبين عمر حتى قال له عمر يوما: ان أول من راثكم عن هذا الأمر أبو بكر. فأجابه ابن عباس: اما قولك يا أمير المؤمنين اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووف‍ قت، فلو ان قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود (شرح النهج لابن أبي الحديد: 20 / 160 عن الجوهري، والسقيفة: 129). وقال له عمر يوما آخر: لعلك ترى صاحبك لها ؟ فقلت: القربى في قرابته وصهره وسابقته أهلها ؟ قال: بلى ولكنه امرؤ فيه دعابة (تاريخ المدينة لابن شبة: 3 / 880 مقتل عمر). وقال عمر له يوما ثالثا: أترى صاحبكم لها موضعا ؟ قال: فقلت: وأين يبتعد من ذلك مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه ؟ قال: هو كما ذكرت، ولو وليهم تحملهم على منهج الطريق فأخذ المحجة الواضحة، إلا ان فيه خصالا: الدعابة في المجلس واستبداد الرأي والتبكيت للناس مع حداثة السن. قال: قلت: يا أمير المؤمنين هلا استحدثتم سنه يوم الخندق إذ خرج عمرو ابن عبد الود وقد كعم عنه الأبطال وتأخرت عنه الأشياخ ؟ ! ويوم بدر إذ كان يقط الأقران قطا، ولا سبقتموه بالأسلام إذ كان جعلته الشعب وقريش يستوفيكم ؟ ! (تاريخ اليعقوبي: 2 / 158 - 159 ذيل أيام عمر). تصريح المقداد أخرجه ابن أبي الحديد عن الجوهري بلفظ: واعجبا من قريش واستئثارهم بهذا الأمر على = (*)

[ 107 ]

[... ]


= أهل هذا البيت، معدن الفضل ونجوم الأرض ونور البلاد، والله ان فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى منه بالحق ولا أقضى بالعدل (شرح النهج: 9 / 2 1 خطبة 135، والسقيفة: 81). وبلفظ آخر له: واني لأعجب من قريش وتطاولهم على الناس بفضل رسول الله ثم انتزاعهم سلطانه من أهله (شرح النهج: 9 / 49 - 58 خطبة 135، والسقيفة للجوهري: 89). وأخرجه ابن شبة بألفاظ قريبة (تاريخ المدينة: 3 / 931 ذيل أخبار عمر). تصريح عمار بن ياسر قال: يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه هاهنا مرة وهاهنا مرة، وما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله (شرح النهج لابن أبي الحديد: 9 / 49 - 58 خطبة 135 عن الجوهري، السقيفة: 90). وذكر في العقد الفريد باختصار ولكن أوله: فأنى تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم (العقد الفريد: 4 / 264 كتاب الخلفاء - أمر الشورى). هذا تصريح عمار الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق) (جامع الأحاديث: 1 / 149 ح 904). وقال صلى الله عليه وآله: (عمار ما خير بين أمرين إلا اختار أرشدهما) (جامع الأحاديث: 1 / 46 ح 175). تصريح أبو ذر قال أبو ذر لما توفي النبي وبويع لأبي بكر: أصبتم قناعه وتركتم قرابه، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان (شرح النهج: 6 / 13 خطبة 66 عن الجوهري، والسقيفة: 62). وأخرج اليعقوبي قوله: أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها اما لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر = (*)

[ 108 ]

[... ]


= الله، وأقررتم للولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم (تاريخ اليعقوبي: 2 / 171 أيام عثمان، وأهل البيت للشرقاوي: 145). تصريح عبد الله بن جعفر قال لمعاوية:... ايم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه، ولا طيع الرحمن وعصي الشيطان وما اختلف في الامة سيفان (الأمامة والسياسة: 1 / 195 حرب صفين ط. بيروت. و 149 ط. مصر 1378، وأهل البيت لتوفيق: 399). تصريح عتبة بن أبي لهب أخرج ابن سيد الناس في المدح واليعقوبي والزبير بن بكار وغيرهم قوله: ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن أليس أول من صلى لقبلته (لقبلتكم) وأعلم الناس بالقرآن والسنن (اقرب) وآخر الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه ها ان ذا غبننا من أعظم الغبن (منح المدح: 287 ذكر ابن أبي لهب، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 124 خبر السقيفة، وشرح النهج 6 / 21 شرح خطبة 66، واسد الغابة: 4 / 40 ترجمته، والمواهب اللدنية: 1 / 242 ط. مصر، وشرح النهج: 6 / 21 خطبة 66، والاخبار الموفقيات للزبير: 580 ح 380 ط. بغداد، وتاريخ أبي الفداء: 1 / 156 أخبار أبي بكر، والجوهرة: 122). ب أقول: تقدمت هذه الأبيات ونسبت تصريحا لسلمان وأيضا للعباس، وهنا لعتبة، والمهم أنها صدرت منهم جميعا أو رددوا هذه الكلمات فصح كونها تصريحا لهم، وأيضا يأتي عن ابن = (*)

[ 109 ]

[... ]


= عبد البر نسبتها إلى والد عتبة وهو الفضل بن عباس. تصريح الفضل بن عباس قال: يا معشر قريش انه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم. هذا لفظ اليعقوبي. وذكره ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار بلفظ: يا معشر قريش وخصوصا يا بني تيم انكم انما أخذتم الخلافة بالنبوة ونحن أهلها دونكم.. وانا لنعلم ان عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه (الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار: 580 ح 380، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 124 خبر السقيفة، وشرح النهج: 6 / 21 شرح خطبة 66). ب أقول: وفي الاستيعاب والجوهرة نسب الأبيات المتقدمة إليه (الاستيعاب بهامش الأصابة: 3 / 67 ذيل ترجمة علي، والجوهرة: 122). تصريح حسان بن ثابت قال يوم السقيفة: جزى الله خيرا والجزاء بكفه أبا حسن عنا ومن كأبي حسن سبقت قريشا بالذي أنت أهله فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش أعزة مكانك هيهات الهزال من السمن وكنت المرجى من لؤي بن غالب لما كان منه جمنهم ج والذي بعد لم يكن حفظت رسول الله فينا وعهده إليك ومن أولى به منك من ومن ألست أخاه في الأخا ووصيه وأعلم فهر منهم بالكتاب والسنن (تاريخ اليعقوبي: 2 / 128 أيام أبي بكر، والاخبار الموفقيات: 598 ح 388 وما بين المعكوفين منه). = (*)

[ 110 ]

[... ]


= تصريح البراء بن عازب قال: لم أزل لبني هاشم محبا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم خفت أن تتمالأ قريش على اخراج هذا الأمر عنهم. (شرح النهج: 1 / 219 الخطبة الثالثة عن الجوهري، والسقيفة: 46). تصريح زيد بن أرقم قال يوم السقيفة: انا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن.. انا لنعلم ان ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد: علي بن أبي طالب (شرح النهج لابن أبي الحديد: 6 / 20 شرح خطبة 66، والأخبار الموفقيات للزبير بن بكار: 579 ح 378، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 125 خبر السقيفة عن المنذر بن أرقم). تصريح النعمان بن العجلان الزرقي الأنصاري قال: وأهل أبو بكر لها خير قائم وان عليا كان أخلق للأمر وكانا هوانا في علي وانه لأهل لها من حيث ندري ولا ندري ورواه الزبير بلفظ: لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري (الاستيعاب: 3 / 550 ترجمته، والاخبار الموفقيات للزبير بن بكار: 593 ح 384 وما بين المعكوفين منه). تصريح خالد بن سعيد أخرج الطبري وعبد الرزاق وابن عساكر والبلاذري قوله: لما قدم خالد من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تربص ببيعته شهرين ولقي علي بن أبي طالب وعثمان وقال: يا بني عبد مناف لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم. فأما أبو بكر فلم يحضى بها، واما عمر فاضطغنها عليه فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميرا على ربع من أرباع الشام فجعل عمر يقول: أبو مرة وقد قال ما قال. فلم يزل بأبي بكر حتى عزله وولى يزيد بن أبي سفيان (الاستيعاب: 2 / 255 ترجمة أبو بكر، = (*)

[ 111 ]

[... ]


= وانساب الأشراف: 2 / 270 أمر السقيفة ط. دار الفكر، وتاريخ الطبري: 2 / 586 سنة 13، والمصنف لعبد الرزاق: 5 / 454 ح 9770، وتاريخ دمشق: 16 / 78 رقم الترجمة: 188). وأخرج اليعقوبي عنه قوله لعلي عليه السلام: هلم ابايعك فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك (تاريخ اليعقوبي: 2 / 126 خبر سقيفة بني ساعدة، وتاريخ دمشق: 16 / 78 رقم الترجمة 1880). تصريح هزيل بن شرحبيل أخرجه البزار والحميدي وابن ماجه وأبو نعيم وأحمد، قال: كان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ود أبو بكر لو وجد من رسول الله في ذلك عهدا فخرم أنفه بخرامه (مسند البزار: 8 / 298 ح 3370 وبالهامش أخرجه ابن ماجة: 2 / 900 ح 2696، والحميدي: 2 / 315). وأخرجه أبو نعيم صححه وأحمد بلفظ: لو وجد مع رسول الله - فخزم أنفه بخزامة (مسند أحمد: 4 / 382 ط. م و 5 / 516 ح 18918 ط. ب، وحلية الأولياء: 5 / 21 ترجمة طلحة بن مصرف رقم 285). تصريح الخليفة المأمون وذلك ضمن مناظرته المشهورة في فضل علي عليه السلام وتفضيله على الصحابة بحضور فقهاء عصره جاء فيها: ان أمير المؤمنين يدين الله على ان علي بن أبي طالب خير الخلق بعد رسوله صلى الله عليه وسلم و والبرامكة - احتجاج المأمون). تصريح داود بن علي خطب في أول خلافة أبو العباس فقال: والله قسما برا لا اريد إلا الله به، ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق به من علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فليظن ظانكم وليهمس هامسكم (عيون الأخبار لابن قتيبة: 2 / 252 كتاب العلم والبيان - الخطب). = (*)

[ 112 ]

ولهذا السر جعل صلى الله عليه وسلم الخلافة لعامة قريش ولم يخص بها أهل بيته، بل ولا بني هاشم حتى لا يتخيل انه ملك متوارث والله أعلم (1). وقد ظهر لي ان ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية الاعمال كانت إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى أن الأمر سيصير إليهم، ولي بحمد الله في هذا النحو خير سلف وأجل قدوة منهم: سعيد بن المسيب رحمه الله قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في حديث جلوس رسول الله على بئر اريس ودخول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وجلوسهما عن يمينه وشماله معه صلى الله عليه وسلم في


= تصريح يزيد بن معاوية أخرج البلاذري في تاريخه قال: لما قتل الحسين بن علي كتب عبد الله ابن عمر إلى يزيد بن معاوية: اما بعد فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الأسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم الحسين. فكتب إليه يزيد: يا أحمق انا جئنا إلى بيوت منجدة، وفرش ممهدة، ووسائد منضدة فقاتلنا عنها، فإن يكن الحق لنا فعن حقنا، وان يكن لغيرنا فأبوك أول من سن هذا وابتزه واستأثر بالحق على أهله (الأنوار النعمانية: 1 / 53 عن البلاذري). ب - أقول: هذه جملة من تصريحات الصحابة من كتب القوم، وهناك تصريحات اخرى من كتب أصحابنا لم نذكرها (الاحتجاج: 1 / 76 إلى 79 و 87 إلى 89، ومناقب آل أبي طالب: 2 / 252). (1) - عجيب على أن الاشكال يقع على كون الخلفاء من قريش فإن المتوهم كما يتوهم الوراثة والملك في بني هاشم كذلك يتوهم الملك والوراثة في قوم الرسول خاصة أن بعضهم ظلمة وفسقة على العكس في أهل بيت النبي عليهم السلام ! ثم ما حال سليمان وداود وموسى وهارون ويوسف ويعقوب هلا ابطلنا نبوة الانبياء لكي لا يتوهم المنافقون انها ملك يورث ؟ !

[ 113 ]

القبر ودخول عثمان بن عفان رضي الله عنه وجلوسه تجاههم من الشق الاخر وان سعيد بن المسيب قال: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت ها هنا وانفرد قبر عثمان رضي الله عنه (1). وثبت من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر في حجته التي يقال لها حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة (2). فكان في نحره هذا العدد من البدن إشارة إلى أن مدة حياته صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة. وثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال: إن أأمن الناس علي في صحبته وماله وأبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا إلا خلة الاسلام لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر (3). فكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبقاء خوخة أبي بكر رضي الله عنه في المسجد مع منع الناس كلهم من ذلك إشارة ودليل على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).


(1) - فتح الباري شرح البخاري: 7 / 25 ح 3674 كتاب فضائل أصحابه باب 5، ورواه مسلم في فضائل الصحابة ح 4417. (2) - سنن ابن ماجة: 2 / 1027 ح 3076، ورواه مسلم في كتاب الحج ح 2137. (3) - الطبقات الكبرى: 2 / 25 ترجمته، وتذكرة الموضوعات: 1 / 367. (4) - عجيب مصادر العامة مليئة بأن النبي سد الابواب الا باب علي واليك نموذجه: مصادر سد الابواب: نزل الابرار: 50 - 71 الى 73 عن عمرو بن ميمون وزيد وسعد وابن عمر الباب الاول، وجواهر المطالب: 1 / 185 باب 27 عن ابن عباس وزيد وابن عمر وعمر، والمعجم = (*)

[ 114 ]

[... ]


= الاوسط: 4 / 553 ح 3942 عن سعد، وكتاب الاربعين للخزاعي: 35 ح 4 و 62 عن ابن عباس وجابر، ومجمع الزوائد: 9 / 111 و 112 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد 9 / 148 الى 151 و 160 ح 14671 وما بعده و 14699 عن زيد بن أرقم و عبد الله الكناني وسعد بن مالك وعلي وابن عمر وجابر بن سمرة وابن عباس والصادق وعمر، وفضائل الصحابة: 2 / 567 ح 955 عن ابن عمر و 581 ح 985 عن زيد، والفردوس: 2 / 309 ح 3396 عن ابن عباس، ومسند الشاشي: 1 / 126 - 146 ح 63 - 82 عن سعد، ومسند أبي يعلى: 9 / 453 ح 5601 ابن عمر، ومسند شمس الاخبار: 1 / 98 عن جابر والبراء، ومسند البزار: 4 / 36 ح 1197 سعد و 3 / 368 ح 1169 علي و 2 / 318 - 144 ح 506 و 750 علي، وحلية الاولياء: 4 / 153، والمقصد العلي: 3 / 184 ح 1327 عن سعد وابن عمر وعمر، وتاريخ اصبهان: 1 / 328 و 2 / 181 رقم 1412، وتاريخ بغداد: 2 / 388 و 389 سعد و 7 / 214، والتاريخ الكبير: 1 / 408 ح 1304 عن ام سلمة وعائشة، ولطائف المعارف: 107، وامالي الشجري: 1 / 42 عن علي 18 - 22 وجابر ح 2، ومشكاة المصابيح: 3 / 1723 ح 16096 عن ابن عباس. ونظم المتناثر من الحديث المتواتر: 203 ح 229، ومسند أبي يعلى: 2 / 61 ح 703 عن سعد بن أبي وقاص، وتذكرة الخواص: 46 الباب الثاني عن زيد وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وجابر، والمعجم الاوسط: 2 / 98 ح 1188 عن ابن عمر، مناقب ابن المغازلي: 167 الى 170 ط. بيروت وط. طهران: 117 - 253 الى 255 - 260 ح 303 الى 309 - 115 عن حذيفة وسعد بن أبي وقاص والبراء بن عازب وابن عباس ونافع ومولى ابن عمر، ومناقب الخوارزمي: 301 - 315 - 327 الفصل التاسع عشر و 127 الفصل 12 ح 140 عن ابن عباس وابو ذر عن علي وواثلة عنه وزيد، ومنتخب كنز العمال: 5 / 29 - 39 - 55. وكنوز الحقائق: 433، والصواعق المحرقة: 191، وذخائر العقبى: 76 - 77 عن زيد وابن عمر وعمر، وخصائص النسائي: 55 - 58 ح 37 عن زيد و 49 عن سعد و 40 عن ابن = (*)

[ 115 ]

[... ]


= عباس، وكفاية الطالب: 200 - 203 - 286 - 243 الباب 50 - 70 عن جابر وابن عباس وزيد وسعد، ووفاء الوفاء: 2 / 474 الى 479 الباب الرابع الفصل الحادي عشر عن سعد وابن عباس وزيد وابن عمر وجابر بن سمرة ومسلم الهلالي عن اخيه وعلي وسعد وبن مالك، ومستدرك الصحيحين: 3 / 125 - 116 عن عمرو سعد بن مالك باب مناقب علي، واسد الغابة: 3 / 214 عن ابن عمر - ترجمة أبي بكر - فضائله، وينابيع المودة: 1 / 210 ط. اسلامبول 1301 ه‍ و 248 ط. النجف باب 6 عن عمر وزيد 99 من طرق الباب 17. والحاوي للفتاوى: 2 / 57 - 58 رسالة شد الاثواب في سد الابواب عن زيد بن أرقم وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وعلي وجابر بن سمرة وابن عمر. والقول المسدد: 17 - 32 عن زيد ابن ارقم ومحمد بن جعفر، وابن عباس، ويحي بن اسماعيل، ومصعب بن سعد عن أبيه، وجابر بن سمرة، وابن عمر، وأبي سعيد، والمطلب ابن حنطب، وعلي، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 204 ح 250 عن ابن عباس و 235 ح 278 عن سعد و 244 ح 283 عن ابن عمر و 275 الى 296 ح 323 وما بعده عن ابن عباس وزيد والبراء وسعد وابن عمر وجابر وابي سعيد وام سلمة وابي رافع. وكنز العمال: 13 / 175 ح 36521 عن علي و 110 ح 36359 عن ابن عمر و 137 ح 36432 عن جابر و 11 / 618 ح 33004 عن زيد و 5 / 723 و 726 ح 14242 - 14243 خلافة عثمان. والمعجم الكبير: 12 / 78 - 114 ح 12594 - 12722 ترجمة ابن عباس ما روى عنه عمرو ابن ميمون و 2 / 246 ترجمة جابر بن سمرة ما روى ناصح عن سماك عنه ح 2031، وصحيح الترمذي: 5 / 641 ط. دار الحديث و 2 / 301 ط. بولاق 1292 و 13 / 173 ط. الصاوي بمصر عن ابن عباس، ومسند أحمد: 2 / 26 ط. م و 1 / 331 - 175 ط. م عن ابن عباس وسعد بن مالك و 1 / 28 5 - 545 ط. ب و 4 / 369 ط. م و 5 / 496 ح 18801 عن زيد بن أرقم، واللالئ المصنوعة للسيوطي: 1 / 182 الطبعة الاولى - بولاق - عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة، و 181 عن المطلب بن عبد الله بن حنطب وعن انس بن مالك وعن = (*)

[ 116 ]

[... ]


= عبد الله بن مسعود وعن الملائي عن علي. واسمى المناقب: 69 عن عمر، والمستدرك: 3 / 117 مناقب الامير عن سعد بن مالك. و 125 عن زيد و 134 عن ابن عباس، وفرائد السمطين: 1 / 205 - 207 باب 41 عن بريدة وابن عباس وابن عمر. بعض نصوص حديث سد الابواب الا باب علي اخرج الطبراني واحمد والحاكم وابن عساكر والنسائي والذهبي وغيرهم عن ابن عباس من ضمن احتجاجه على قوم:. وسد رسول الله أبواب المسجد غير باب علي فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره (المعجم الكبير: 12 / 78 ح 12593 - 12594 ترجمة ابن عباس ما روي عمرو بن ميمون عنه، ومستدرك الصحيحين: 3 / 132 - 125 وصصحه ووافقه الذهبي، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 206 ح 250 - 251، ومسند احمد: 1 / 331 ط. م و 545 ط. ب ورجاله رجال الصحيح الا أبي بلج وهو ثقة فيه لين على ما قال الهيتمي مجمع الزوائد: 9 / 120 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 159 ح 14696، ومناقب الخوارزمي: 127 ح 140 الفصل 12، وخصائص النسائي: 58 ح 42). واخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال: (امر رسول الله بسد أبواب المسجد كلها غير باب علي رضي الله عنه. فقال العباس: يا رسول الله قدر ما ادخل انا وحدي واخرج ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما امرت بشئ من ذلك، فسدها كلها غير باب علي وربما مر وهو جنب) (المعجم الكبير: 2 / 246 ح 2031 ترجمة ابن سمرة ما روي ناصح أبو عبد الله عن سماك بن حرب عنه). واخرج احمد وأبو يعلى وغيرهما عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: (رسول الله خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر، ولقد اوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن احب الي من حمر النعم: زوجه رسول الله ابنته وولدت له، وسد الابواب الا بابه في = (*)

[ 117 ]

[... ]


= المسجد واعطاه الراية يوم خيبر) اسناده حسن (مسند احمد: 2 / 26 ط. م و 104 ط. ب ح 4782، ومسند أبي يعلى: 9 / 453 ح 5601 مسند ابن عمر مع تفاوت بسيط وبالهامش: اسناده حسن، وذخائر العقبى: 77 مع حذف المطلع، واسد الغابة: 3 / 214 ترجمة أبي بكر - فضائله، وترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 243 ح 283، وفرائد السمطين: 1 / 208 الباب 41). وأخرج البزار عن امير المؤمنين عليه السلام قال: اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: (ان موسى سأل ربه ان يطهر مسجده بهارون واني سألت ربي ان يطهر مسجدي بك وبذريتك، ثم ارسل الى ابي بكر سد بابك فاسترجع ثم قال: سمع وطاعة فسد بابه، ثم ارسل الى عمر ثم ارسل الى ابن عباس مثل ذلك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما انا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ولكن الله فتح باب علي وسد ابوابكم) (وفاء الوفاء: 2 / 478، ومجمع الزوائد: 9 / 114 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 149 ح 14673 كتاب المناقب، وكنز العمال: 6 / 408 ط. دكن 1312، ومنتخب الكنز: 5 / 55، والحاوي للفتاوى: 2 / 57 رسالة شد الاثواب في سد الابواب، واللالئ المصنوعة: 1 / 351 مناقب الخلفاء الاربعة). وعن جابر بن سمرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سدوا أبواب المسجد الا باب علي). فقال رجل: اترك لي قدر ما اخرج وادخل ؟. فقال رسول الله: (لم أومر بذلك). قال: اترك بقدر ما اخرج صدري يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم اومر بذلك)، وانصرف. قال رجل: فبقدر راسي يا رسول الله ؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم أومر بذلك). وانصرف واجدا باكيا حزينا. فقال رسول الله: (لم اومر بذلك سدوا أبواب المسجد الا باب علي) (وفاء الوفاء: 2 / 480، = (*)

[ 118 ]

[... ]


= وتاريخ المدينة للسمهودي: 1 / 340 ط. مصر مع تفاوت يسير، والحاوي للفتاوى: 2 / 57 رسالة شد الاثواب في سد الابواب بتفاوت عن الطبراني). واخرج أبو نعيم وابن مردويه عن أبي الحمراء وحبة العرني قالا: امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تسد الابواب التي في المسجد فشق عليهم، قال حبة: اني لأنظر الى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفإن وهو يقول: اخرجت عمك وابا بكر وعمر والعباس واسكنت ابن عمك فقال رجل يومئذ: ما يألو برفع ابن عمه. قال: فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قد شق عليهم فدعا الصلاة فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قط كان أبلغ منها تمجيدا وتوحيدا، فلما فرغ قال: (يا أيها الناس ما انا سددتها ولا انا فتحتها ولا انا أخرجتكم واسكنته ثم قرأ: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى) (تفسير الدر المنثور: 6 / 122 ذيل مورد الاية - النجم - 1، واللالئ المصنوعة: 1 / 351 مناقب الخلفاء الاربعة). وأخرج البزار عن مصعب بن سعد عن ابيه ان النبي قال: (سدوا كل خوخة في المسجد الا خوخة علي) (لسان العرب: 2 / 14 باب الخاء مادة خوخ، ونظم درر السمطين 108 ط. مطبعة القضاء بمصر عن البزار برقم 2556). صحة وتواتر حديث سد الابواب اجمع الحفاظ على صحة حديث سد الابواب في امير المؤمنين علي. وكما علمت مفصلا فقد روي عن أكثر من بضع وعشرين طريقا عن اجلاء الصحابة اكثرها حسان وبعضها صحاح، وجل رواتها ثقاة كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني القول المسدد: 17 - 20، وفتح الباري: 7 / 12 - 11 ط. مصر و 7 / 18 ح 3654. ب وقد صرح السيوطي وغيره بتواتره في علي اتحاف ذوي الفضائل: 167 ح 213، ونظم المتناثر: 203 ح 229. ب وقال في القول المسدد: هو حديث مشهور له طرق متعددة كل طريق منها على انفراده لا = (*)

[ 119 ]

وأن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبها للناس بأن أبا بكر رضي الله عنه يصير إمام المسلمين ويخرج من بيته إلى المسجد كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج، ذكره ابن بطال (1).


= تقصر عن رتبه الحسن ومجموعها مما يقطع بصحته. وقال: فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح دلالة قوية القول المسدد: 17 - 18 - 21 ط. حيدر آباد سنة 1319 ه‍ الطبعة الاولى، و 1400 ه‍ الطبعة الثالثة، وفتح الملك العلي عنه: 61. وقال: هذه الاحاديث تقوي بعضها بعضا وكل طريق منها صالحة للاحتجاج فضلا عن مجموعها. وقد اخطأ [ ابن الجوزي ] في ذلك خطأ شنيعا فانه سلك رد الاحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع ان الجمع بين القصتين ممكن وفاء الوفاء: 2 / 476 الباب الرابع الفصل 12، وفتح الباري: 7 / 12 ط. مصر و 7 / 18 ح 3654 ط. دار الكتب العلمية. وقال في أجوبته على المصابيح: وقد ورد من طرق كثيرة صحيحة أن النبي لما أمر بسد الابواب الشارعة في المسجد الا باب علي، فشق على بعض الصحابة، فأجابهم بعذره في ذلك أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني عن أحاديث المصابيح المطبوع بذيل مشكاة المصابيح: 3 / 1790. ويشهد لصحته احتجاج سعد: أخرجه الشاشي قال سعد لمروان لما سب عليا: أخبرك بأربع سبق لعلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أحد منا ينتحلهن، دخل علينا رسول الله المسجد ونحن رقود فينا أبو بكر وعمر فجعل يوقضنا رجلا رجلا ويقول: (لا ترقدوا في المسجد ارقدوا في بيوتكم) حتى انتهى الى علي فقال: (يا علي أما أنت فنم فانه يحل لك فيه ما يحل لي) مسند الشاشي: 1 / 146 ح 82 مسند سعد - بقية حديث ابراهيم بن سعد. (1) - وفاء الوفاء: 2 / 472 الباب 4 الفصل 12، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان: 9 / 5 ذيل ح 6821 كتاب المناقب. دلالة الحديث وجمع ابن حجر وعلى حد كلامه كلام الخطابي وابن رجب الحنبلي والحافظ ابن حجر والطحاوي والقاضي = (*)

[ 120 ]

[... ]


= المالكي والكلاباذي ومن قال بقولهم (راجع الحاوي للفتاوى للسيوطي: 2 / 59 رسالة شد الاثواب بسد الابواب ولطائف المعارف: 107 المجلس الثالث في ذكر وفاة رسول الله). ولذا حاولوا الجمع بين هذه الاحاديث لصحتها جميعا عندهم. - قال الحافظ ابن حجر: ومحصل الجمع ان الامر بسد الابواب وقع مرتين، ففي الاولى استثنى عليا لما ذكره من كون بابه كان الى المسجد ولم يكن له غيره، وفي الاخرى استثنى ابا بكر. ولكن لا يتم ذلك الا بأن يحمل ما في قصة علي على الباب الحقيقي وما في قصة ابي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكانهم لما امروا بسد الابواب سدوها واحدثوا خوخا يستقربون الدخول الى المسجد منها فامروا بعد ذلك بسدها. - وبها جمع بينهما الطحاوي في مشكل الاثار والكلاباذي في معاني الاخبار (فتح الباري: 7 / 12 - 20 ط. مصر و 7 / 18 ح 3654 ط. دار الكتب العلمية، والقول المسدد: 17 - 18 ط. حيدر آباد سنة 1319 ه‍ الطبعة الاولى، و 1400 ه‍ الطبعة الثالثة). قولنا في دلالة الحديث واما على رأي ابن حجر والعسقلاني والطحاوي والكلاباذي ومن وافق قولهم كالسمهودي وغيره القائلين بصحة حديث الابواب في علي على الحقيقة وفي أبي بكر على المجاز، فهم عندهم الحديث يدل على خلافة علي عليه السلام بالحقيقة وعلى خلافة أبي بكر بالمجاز !. ذلك أن الخطابي وابن بطال وابن حبان والمقريزي وغيرهم افادوا دلالة الحديث على الخلافة ودعواها. وهذا جمع بين القولين. واما جمعهم فيرده امور: ب الامر الاول: ان النبي في بادئ الامر لم يامر فقط بسد الابواب بل امر بسد كل ثقب في المسجد من باب وخوخة أو ما ينظر منه أو كوة، بل ومثل ثقب الايرة كما تقدم في رواية عمر وبن سهل وجابر بن سمرة وبريدة وعلي. = (*)

[ 121 ]

[... ]


= فالروايات مصرحة بهذا المنع فلا معنى للاستثناء، الا على القول بمعصية أجلاء الصحابة في أمره، مع قوله في بعض طرقه: (سدوا قبل أن ينزل العذاب). خاصة ان القول بتكرار القصة دعوى لا دليل عليها في الروايات سوى تأييد قول البكرية في وضعهم لحديث سد الابواب الا باب أبي بكر. ب الامر الثاني: ان هذا الجمع ان اريد منه أن الرسول سد الابواب الا باب علي، ثم سد الخوخات الا خوة أبي بكر فانه ينافي الكثير من الروايات المصرحة - والتي منها رواية البخاري في الصحيح - بان الرسول استثنى باب أبي بكر لا خوخته، التي رويت عن أبي سعيد وأيوب بن بشير ومعاوية وأنس وعائشة ويحى بن سعد وحكيم بن عمير وأبي الحويرث. وفي المقابل الروايات المعبرة بالخوخة ليست الا رواية ابن عمر وابن عباس (يراجع الحاوي للفتاوى للسيوطي: 2 / 54 - 55 - 56 - 72 رسالة شد الاثواب بسد الابواب، واللالئ المصنوعة: 1 / 352 مناقب الخلفاء الاربعة). هذا بناء على ان المراد من الخوخة الكوة لا الباب كما فهمه القاضي المالكي في أحكامه والكلاباذي في معانيه والطحاوي في المشكل. ب وقال السيوطي: قد ثبت بالاحاديث السابقة وقرر العلماء أن أبا بكر لم يؤذن له في فتح الباب، بل أمر بسد بابه، وانما اذن له في خوخة صغيرة وهي المراد من حديث البخاري (الحاوي للفتاوى للسيوطي: 2 / 80 ذيل رسالة شد الاثواب بسد الابواب). على أنه في ذلك الازمان لم يكن متعارف سوى الابواب والنوافذ ولا ثالث. ويشهد له ما تقدم في الاحاديث من طمع الصحابة ببقاء كوة أو مقدار الابرة وما شابهه، ولا قائل منهم ببقاء الخوخة اما لعدم الفرق بينها وبين الباب، واما لعدم وجودها أصلا، فسد النبي صلى الله عليه وآله الابواب والنوافذ والكوة وما شابه ذلك جميعا، فكيف يصح بعدها أمرهم بسد الخوخات أو النوافذ، وهل هو الا تحصيل للحاصل ! ! هذا مع أنه منافي لما روي أن الرسول سد كل الخوخات الا خوخة علي (لسان العرب: 3 / 14 = (*)

[ 122 ]

[... ]


= باب الخاء مادة خوخ، ونظم درر السمطين: 108 ط. مطبعة القضاء بمصر). وان اريد منه ان الخوخة شبيه الباب أو نفسه - كما هو نص أكثر الروايات كما تقدم، فهذا ما منع منه رسول الله اولا، وهو المرور والدخول من الدور الى المسجد والروايات مصرحة بذلك. فلا معنى للاستثناء مرة أخرى لابي بكر مع عدم وجود المستثنى منه، إذ المفروض أن الصحابة جميعا التزموا بالأمر وسدوا الابواب والذي منهم أبو بكر كما تقدم التصريح به، فلا معنى للحديث مع الاستثناء، نعم لو وضع البكرية الحديث بنحو: (يا أبا بكر افتح بابك المغلق دون الصحابة) لكان له وجه، لعدم تنافيه مع أحاديث سد الابواب من الاول، إذ يقال أنه النبي في اخر عمره فتح باب أبي بكر الذي كان مسدودا، ولكن يد التزوير كانت ناقصة ! !. نعم يبتلى بأنه يعارض بقاء باب علي مفتوحا مع ان المتفق عليه بقاء بابه مفتوحا بعد وفاة النبي، إذ النبي لم يستثني من الصحابة - في أحاديث فتح باب أبي بكر - باب علي. بل أصل أحاديث الباب في أبي بكر لا تصح لانها لم تستثني باب علي المفتوح. على أن الهدف من السد هو إلغاء المرور لمن ليس أهلا له لا مجرد اغلاق الابواب. نقل المقريزي في كتابه امتاع الاسماع: (سدوا هذه الابواب الشوارع الى المسجد، فقال عمر دعني يا رسول الله أفتح كوة أنظر اليك تخرج الى الصلاة !. فقال: لا (اسماع الامتاع: 1 / 545 - وفاة الرسول - ذيل الكتاب). فلاحظ أولا: أن المأمور به سد نفس الابواب لا الكوة. وثانيا: من هذا الحديث يعلم أن الرسول لم يأمرهم بسد شئ قبل ذلك لان عمر كان بابه مفتوح، وكذلك بقية الصحابة، فمتى سد باب أبو بكر ؟ !. وهذا دليل على عدم امكان الجمع، ثم على بطلان أحاديث السد في حق الخليفة الاول، وأنه من وضع البكرية كما قال ابن أبي الحديد، أو بخصوصيته لعلي كما قال الجصاص. ب الامر الثالث: ان علة سد الابواب - والتي صرح الرسول في كثير من طرقها بان الله هو الذي سد أبوابكم وفتح باب علي أو اخرجكم وادخله - هي طهارة علي واهل بيته ونجاسة غيره، كما صرحت بذلك رواية امير المؤمنين المتقدمة واحتجاجه يوم الشورى، ورواية ابن زبالة = (*)

[ 123 ]

[... ]


= عن رجل من اصحاب الرسول صلى الله عليه وآله، وكذلك رواية أنس وابن عباس والهلالي التي نص بها النبي صلى الله عليه وآله أنه دعا الله أن يطهر مسجده بعلي وبذريته من بعده كما فعل موسى عليه السلام، ويأتي أن البزار أخرجه عن علي عليه السلام (وفاء الوفاء: 2 / 478 - 479 - الفصل 12 من الباب الرابع). - ويؤيده بل هو نص فيه، ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس والبزار عن محمد ابن علي الباقر بسند جيد من التعبير بالخروج من المسجد لا بعنوان سد الابواب (مجمع الزوائد: 9 / 11 5 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 151 ح 14677 - 14678 كتاب المناقب). وعليه فلا معنى لاستثناء باب أو خوخة أبي بكر، لان أبي بكر كعمر وعثمان والعباس وحمزة من هذه الناحية، أعني ناحية عدم الطهارة، الا أن يقال أن أبا بكر طهر في اخر حياته ! ولو كان لابد من الاستثناء لاستثنى خوخة لعميه. ويؤيده ما روي عن ابن عباس وغيره كما تقدم ان علي كان يمر بالمسجد وهو جنب. وقوله صلى الله عليه وآله: (سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك). أخرجه البزار. (مسند البزار: 2 / 144 ح 506) بل هناك كثير من الروايات صرحت بانه لا يحل لغير النبي وعلي الجماع وعرك النساء في المسجد، كما اخرجها ابن مردويه، والترمذي وحسنه، والنووي وقال: حسنه الترمذي لشواهد، والبيهقي في السنن، وابن منيع في مسنده عن جابر، وابن أبي شيبة في مسنده عن أم سلمة، وأبي يعلى في مسنده والقاضي اسماعيل في أحكام القرآن عن ابن حنطب، وأبي يعلى في المسند عن أبي سعيد، وابن عساكر في التاريخ من طرق. (ترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 292 ح 331 رواه من طرق، واللالئ المصنوعة: 1 / 350 - 353 مناقب الخلفاء الاربعة، والفوائد المجموعة: 366 - 367 مناقب علي ح 56، ومناقب آل أبي طالب: 2 / 194 فصل في الجوار، والسنن الكبرى: 2 / 442 باب الجنب يمر في المسجد، وج 7 / 65 باب دخول المسجد جنبا، ومسند أبي يعلى: 2 / 311 ح 1042 مسند أبي سعد وبالهامش (أخرجه الترمذي وقال حسن غريب). = (*)

[ 124 ]

[... ]


= منها: ما أخرجه ابن عساكر وابن أبي شيبة في مسنده عن ام سلمة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته حتى انتهى الى صرح المسجد فنادى بأعلى صوته: (انه لا يحل المسجد لجنب ولا لحائض الا لمحمد وازواجه وعلي وفاطمة بنت محمد ألا هل بينت لكم الأسماء ان تضلوا) (ترجمة علي من تاريخ دمشق: 1 / 294 ح 333، واللالئ المصنوعة: 1 / 353 مناقب الخلفاء الاربعة عن ابن أبي شيبة). وأخرجه البيهقي بلفظ: (ألا لا يحل المسجد لجنب وحائض إلا لرسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين) (السنن الكبرى: 7 / 65 باب دخول المسجد جنبا، واللالئ المصنوعة: 1 / 354 مناقب الخلفاء الاربعة). وأخرج ابن راهويه في مسنده والبيهقي في السنن عن عائشة: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فاني لا أحل المسجد لحائض وجنب الا لمحمد وآل محمد) (السنن الكبرى: 2 / 442 باب الجنب يمر في المسجد، ومسند اسحاق ابن راهويه: 3 / 1032 ح 1783 من مسند عائشة). وأخرج البزار عن علي قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: (ان موسى سأل ربه أن يطهر مسجدي بهارون وأني سألت ربي أن يطهر مسجدي بك وبذريتك). ثم أرسل الى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع !. ثم قال سمع وطاعة، ثم أرسل الى عمر.) (وفاء الوفاء: 2 / 477، ومجمع الزوائد: 9 / 115 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 149 ح 14673 كتاب المناقب عن البزار برقم 2552، وكنز العمال: 6 / 408 ط. دكن 1312، ومنتخب الكنز: 5 / 55. وما بين المعقودين من المجمع). واستشهد ابن عباس وعلي كما تقدم بحديث سد الابواب لحلية دخول المسجد لعلي ولطهارته كما طهر هارون. وكذا الرواية عن ابن عمر وعلي وأبي رافع المصرحة بذلك (مجمع الزوائد: 9 / 115 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 149 ح 14672 كتاب المناقب، وبحار = (*)

[ 125 ]

[... ]


= الانوار: 39 / 33 باب 72، ومناقب آل أبي طالب: 2 / 194 فصل في الجوار) وتقدم كلام سبط ابن الجوزي في تأييد حديث سد الابواب برواية حرمة الدخول المسجد لغير علي، وكذا فعل الحافظ ابن حجر في القول المسدد (القول المسدد: 21 ط. حيدر آباد سنة 1319 ه‍ الطبعة الاولى، و 1400 ه‍ الطبعة الثالثة). ب وأما ما تقدم أن علة فتح باب أبي بكر هي احتياجه كخليفة الى الدخول والخروج للمسجد، فمردودة بما تقدم من أن العلة الطهارة. على أنه كان لابد من فتح باب لعمر وعثمان لخلافتهما ولو عند توسعة المسجد، والتي مدتها أطول من خلافة الاول فالحاجة أكثر. بل حتى في خلافته كان دخول عمر للمسجد أكثر، وقد قال البعض لابي بكر: (أنت الخليفة أم هو ؟ !. فقال أبو بكر: بل هو ولو شاء كان). قال البوصيري بعد الحديث: رجاله ثقات (شرح النهج: 3 / 108 ط. مصر الاولى، والدر المنثور: 3 / 252 ذيل قوله (انما الصدقات للفقراء) من سورة التوبة، وكنز العمال: 2 / 189 ط. دكن 1312، والمطالب العالية: 2 / 219 ح 2073 باب الوزراء ورد الوزير امر الامير، ويراجع هامش المطالب العالية أيضا). هذا مضافا الى أن العلماء صرحوا أن المعيار في فتح باب أبي بكر هو اجازة النبي قال السيوطي: لو بقيت دار أبي بكر واتفق هدمها واعادتها أعيدت بتلك الخوخة كما كانت بلا مرية، فلا تجوز الزيادة فيها بالتوسعة ولا جعلها في موضع أخر من المسجد، اقتصارا على ما ورد الاذن من الشارع الواقف فيه (الحاوي للفتاوى للسيوطي: 2 / 80 ذيل رسالة شد الاثواب بسد الابواب). ب الامر الرابع: ما ورد من بعض الطرق المتقدمة ان النبي سد كل خوخة الا خوخة علي عليه السلام و وفي بعضها مصرح بان النبي امر بسد باب أبي بكر بالاسم لا خوخته، كما تقدم في رواية أمير = (*)

[ 126 ]

[... ]


= المؤمنين وكذا رواية ابن زبالة (وفاء الوفاء: 2 / 477). ب الامر الخامس: ما تقدم في احتجاج الصحابة بالحديث وانه لم يفتح غير بابه مع سد كل الابواب، ولم يعترض أحد عليه وأن أبا بكر كان له بابا كما كان لك. فلو صحة أحاديث أبي بكر لقال له: فتح النبي بابي كما فتح بابك ؟ ! ب الامر السادس: أنه على رأي ابن حبان والخطابي وابن بطال القائلين بدلالة الحديث على الخلافة يستحيل الجمع إلا على القول بتعدد الخليفة !. ب الامر السابع: ان بعض الروايات التي تقول ان العباس أو حمزة اعترضا على رسول الله في ذلك نحو ما روى عن الهلالي: (يا رسول الله اخرجت عمك واسكنت ابن عمك) وفاء الوفاء: 2 / 477.، فكان الاولى من العباس الاعتراض على ترك باب أبي بكر لا الاعتراض على باب علي المطهر بآية التطهير والذي بيته في المسجد وان كان بعد استشهاد حمزة لاعترض العباس. ومن ذلك يعلم بطلان اصل حديث سد الابواب إلا باب أبو بكر كما صرح بذلك ابن أبي الحديد قال: ان سد الابواب كان لعلي فقلبته البكرية الى أبي بكر (شرح النهج: 11 / 49 شرح الخطبة 203). ب الامر الثامن: قال الجصاص: فاخبر في هذا الحديث بحظر النبي (الاجتياز كما حظر عليهم القعود، وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه صحيح. وانما كانت الخصوصية فيه لعلي دون غيره. فثبت بذلك ان سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين (احكام القرآن: 2 / 248). ب الامر التاسع: أنه من المسلم به وجود عمر وأبي بكر في جيش اسامة وذلك قبيل وفاة النبي الاعظم (راجع تاريخ ابن الاثير: 2 / 5 ذكر أحداث سنة 11، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 113 ذكر الوفاة، وشرح النهج: 1 / 159 شرح الخطبة الثالثة) وهذا بنفسه خير دليل على: 1 - بطلان أصل حديث سد الابواب في أبي بكر لانه لم يكن حاضرا عند وفاة النبي: أما قبل الوفاة بايام فالمفروض أنه في جيش اسامة والنبي لعن من تخلف عنه. = (*)

[ 127 ]

[... ]


= وأما قبيل الوفاة فقد كان في منزله بالسنخ (فتح الباري شرح صحيح البخاري: 3 / 1 47 ح 1242 كتاب الجنائز باب 3 و 7 / 23 ح 3670 كتاب الفضائل باب 5. والسنخ موضع قرب المدينة. 2 - ولو سلم فلا يدل على الخلافة لان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله كان يعلم بوفاته - كما تقدم في الكتاب الثاني مفصلا - فكيف يعقل ابعاده عن الخلافة، ثم سد بابه الدال على الخلافة ! ؟. نموذج من سرقة فضائل امير المؤمنين عليه السلام ب ليس من الغريب تحريف حديث سد الابواب: أخرج أحمد في المناقب وابن راهويه في المسند وعبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: سألت الزهري من كان كاتب الكتاب يوم الحديبية ؟ فضحك وقال: علي، ولو سألت هؤلاء قالوا: عثمان. يعني بني أمية (فضائل الصحابة لاحمد: 2 / 591 ح 1002 مناقب علي وراجع الهامش، والمطالب العالية: 4 / 234 ح 4346 باب الحديبية، والمصنف لعبد الرزاق: 5 / 343 ح 9722). - وفي حديث المنزلة المتواتر في علي من طرقهم فضلا عن طرقنا، وكيف رووا انه في أبي بكر وعمر (لسان الميزان: 4 / 252 ترجمة علي بن الحسن رقم 5783 بلفظ: أبو بكر مني بمنزلة هارون من موسى) ووصفه ابن حجر بالخبر الكذب). - وكذلك حديث المباهلة قالوا ان النبي جمع أبو بكر وعمر واهل بيته (كنز العمال: 2 / 379 ح 4306 الكتاب الثاني - التفسير - تفسير البقرة). - وكذلك حديث مدينة العلم المستفيض في علي عليه السلام قال ابن حجر في الفتاوي: حديث انا مدينة العلم وعلي بابها رواه جماعة وصححه الحاكم وحسنه الحافظان العلائي وابن حجر الفتاوي الحديثة: 123 ط. مصر الاولى 1353 ه‍ فرووا عن اسماعيل بن علي بن المثنى الاسترابادي: انا مدينة العلم وابو بكر اساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعلي بابها. = (*)

[ 128 ]

[... ]


= فسألوه ان يخرج لهم اسناده فوعدهم به وفي هذا الرجل يقول ابن السمعاني في الانساب كان يقول له: كذاب ابن كذاب، ويقول النخبثي: كان يقص ويكذب (فتح الملك العلي: 155 - 156 عن لسان الميزان: 1 / 422 ترجمة اسماعيل بن علي أبو سعيد). - وكحديث خلق علي ومحمد من طينة واحدة (الفتوح لابن الاعثم: 1 / 269 ذيل ذكر الوقعة الثانية بصفين - عن معاوية، وأخرجه الطبراني بلفظ (ان عليا مني وأنا منه خلق من طينتي) المعجم الاوسط: 7 / 50 ح 6082. فرووه في أبي بكر وعمر (كنز العمال: 11 / 567 ح 3283 فضل الصحابة اجمالا - ذكر أبي بكر، والفوائد المجموعة: 339 باب مناقب الخلفاء الاربعة ح 28، ونقل بطلانه ووضعه عن الحفاظ، واللالئ المصنوعة: 1 / 309 مناقب الخلفاء الاربعة ونقل ضعفه وعدم صحته عن ابن الجوزي). - وكتحريف آية: (وصالح المؤمنين) النازلة في علي عليه السلام (كنز العمال: 2 / 539 ح 4675، وتفسير ابن كثير: 4 / 411، والتعريف والاعلام للسهيلي: 133 مورد الاية، وشواهد التنزيل: 2 / 341 ح 981 مورد الاية، ومجمع الزوائد: 9 / 194 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 311 ح 115143 كتاب المناقب). فرووا انه أبو بكر وعمر معا وفي رواية في عمر خاصة (المحاسن والمساوي للبيهقي: 38 محاسن عمر، ومجمع الزوائد: 9 / 52 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 38 ح 14349 كتاب المناقب وضعف بعض رواته). - وحديث: ان الله ليكره في السماء أن يخطأ علي في الارض - أخرجه الديلمي في الفردوس (الفردوس بمأثور الخطاب: 1 / 159 ح 587 ط. دار الكتب العلمية وحرف في ط. دار الكتاب العربي: 1 / 201 ح 591). فروي في حق أبي بكر وقال ابن الجوزي موضوع اللالئ المصنوعة: 1 / 300 مناقب الخلفاء الاربعة. - وكحديث ان احب الخلق الى الرسول علي وفاطمة كما تقدم، فرووا عن عمرو بن العاص = (*)

[ 129 ]

[... ]


= قال: يا رسول الله اي الناس احب اليك ؟ قال: عائشة، قال: من الرجال ؟ قال: أبو بكر. (المعجم الكبير: 23 / 43 ح 13190 ترجمة عائشة - باب نظر عائشة الى جبرائيل). - وحديث: اول من تنشق عنه الارض المروي في علي قال النبي: أعطاني فيك أن أول من ينشق عنه الارض يوم القيامة أنا وأنت) (التدوين في أخبار قزوين: 2 / 126 ترجمة ابراهيم بن محمد بن عبيد الله بن جهينة - وأخرج أيضا عنه: أنا أول من تنشق عنه الارض وأنت معي.) ج 3 / 419 ترجمة علي بن محمد البياري). وأخرجه البغدادي بلفظ: أنت أول من تنشق الارض عنه يوم القيامة) تاريخ بغداد: 5 / 100. وأخرجه أبو نعيم بلفظ: علي أول من ينفض عن رأسه الغبار يوم القيامة. تاريخ أصبهان: 1 / 362. وقال: (أبشر يا علي انك تكسى إذا كسيت وتدعي إذا دعيت وتحيا إذا حييت) فضائل الصحابة لأحمد: 2 / 664 ح 1131 مناقب علي، وعن عمر: (يا علي يدك في يدي تدخل معي الجنة يوم القيامة حيث أدخل) تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب: 1 / 37 رقم 27 الفصل الاول. وأخرج البغدادي: هذا أول من يصافحني) تاريخ بغداد: 9 / 460. فرووه في أبي بكر وعمر (المعجم الكبير: 12 / 235 ترجمة ابن عمر - ما اسنده سالم عنه). - حتى حديث: الحق مع علي وعلي مع الحق، رووه في حق عمر: (الحق بعدي مع عمر حيث كان) (المعجم الكبير: 8 / 281 ترجمة الفضل بن العباس ما روى عطاء عن ابن عباس عنه). - وحديث كون علي وفاطمة في درجة الرسول يوم القيامة (كنز العمال: 13 / 639 ح 37612 فضائل اهل البيت، ومجمع الزوائد: 9 / 169 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 268 - 269 - 271 - 276 ح 14991 - 15004 - 15022 كتاب المناقب). = (*)

[ 130 ]

[... ]


= فروه في أبي بكر (حلية الاولياء: 2 / 33 ترجمة أبو بكر، وتاريخ الخميس: 1 / 327 الفصل الاول من الموطن الاول من الركن الثالث). - وكحديث: أن علي أول من يدخل الجنة عن عمر: (يا علي يدك في يدي تدخل معي الجنة يوم القايمة حيث أدخل) (تلخيص المتشابه في الرسم للخطيب: 1 / 37 رقم 27 الفصل الاول). فجعلوه في أبي بكر (لوامع الانوار البهية: 2 / 316 فصل في ذكر الصحابة - تفضيل الصديق). - وكحديث وضوء علي من قدح الذهب والمنديل الذي جاء به جبرائيل (مناقب ابن المغازلي: 79 ط. بيروت و 94 ح 139 ط. النجف). فرووه في أبي بكر (الفوائد المجموعة: 331 باب مناقب الخلفاء الاربعة ح 2، وقال: هو حديث موضوع، واللالئ المصنوعة: 1 / 289 مناقب الخلفاء الاربعة ونقل وضعه عن الحفاظ). - وكحديث نصب الكرسي على العرش لعلي بين ابراهيم ومحمد (ذخائر العقبى: 90 ذكر قصره في الجنة). فرووه في أبي بكر (الفوائد المجموعة: 333 باب مناقب الخلفاء الاربعة ح 11، ونقل بطلانه، واللالئ المصنوعة: 1 / 295 - 296 مناقب الخلفاء الاربعة ونقل وضعه وضعفه عن الحفاظ). - وكحديث التفاحة التي خرجت منها الجارية لعلي (مسند شمس الاخبار: 1 / 88 الباب الخامس باسناده الى عبد الوهاب). فرووه في عثمان (الفوائد المجموعة: 340 باب مناقب الخلفاء الاربعة ح 31، ونقل بطلانه ووضعه، واللالئ المصنوعة: 1 / 312 - 314 مناقب الخلفاء الاربعة ونقل عدم صحته عن ابن الجوزي - وقال ابن حجر في الميزان: موضوع - وقال ابن حبان: لا أصل له). - وكحديث سؤال الله للنبي عن من خلفه لامته فقال: تركت عليا (مناقب الخوارزمي: 303 ح 299). = (*)

[ 131 ]

[... ]


= فرووه في أبي بكر (الفردوس بمأثور الخطاب: 3 / 429 ح 5314 ط. دار الكتب العلمية). - وحديث عدم معاتبة الله لعلي في شئ ومعاتبة بقية الاصحاب (مجمع الزوائد: 9 / 112 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 144 ح 14660 كتاب المناقب عن الطبراني، وفضائل الصحابة لأحمد: 2 / 654 ح 1114 مناقب علي). فرووه في أبي بكر شرح الشمائل المحمدية: 2 / 227 باب ما جاء في وفاة النبي. - وحديث قتل علي لمرحبة أخرجه مسلم والحاكم وقال: الاخبار متواترة على أن قاتل مرحبة علي صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قردة ح 1807 والمستدرك: 3 / 436 مناقب محمد بن مسلمة من كتاب المعرفة). فرووه في محمد بن سلمة (المستدرك: 3 / 436 مناقب محمد بن مسلمة من كتاب المعرفة، ومسند أبي يعلى: 3 / 385 ح 1816). - وآية: (والذي جاء بالصدق وصدق به) النازلة في علي (الشفا: 1 / 23.) قالوا أنه أبو بكرلوامع الانوار البهية: 2 / 313 فصل في ذكر الصحابة - تفضيل الصديق.، روي عن موسى بن عمير وهو واه كما قال الذهبي تلخيص المستدرك: 3 / 70 كتاب معرفة الصحابة مناقب أبي بكر). - وكحديث الحديقة أو القصر التي رأها النبي في الجنة لعلي (المصنف لابن أبي شيبة: 6 / 374 ح 32102 كتاب الفضائل - فضائل علي، ومسند البزار: 2 / 293 ح 716 وبالهامش صححه الحاكم والذهبي، ومجمع الزوائد: 9 / 118 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 9 / 155 ح 14690 كتاب المناقب، وفضائل الصحابة لأحمد: 2 / 651 ح 1109 مناقب علي، ومسند أبي يعلى: 1 / 427 ح 565 مسند علي وبالهامش رجاله ثقات سوى الفضل القيسي وثقه ابن حبان، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: 3 / 139 كتاب المعرفة - مناقب علي، والمقصد العلي: 3 / 180 ح 3121 والمطالب العالية: 4 / 60، وتاريخ بغداد: 12 / 394) رووها في عمر (ذيل تاريخ بغداد: 19 / 50 ترجمة ابن المغازلي رقم 855). = (*)

[ 132 ]

وقد جعل جمهور الصحابة رضي الله عنهم استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا


= - وحديث أن أهل البيت في قبة من ياقوتة تحت العرش (الفردوس: 4 / 162 ح 4284 فرووه في أبي بكر من طريق الذراع الكذاب الدجال كما يقول الدارقطني، وقال ابن الجوزي والخطيب: الحديث باطل - موضوع لا أصل له (آفة أصحاب الحديث لابي الفرج بن الجوزي: 125 الباب السادس، واللالئ المصنوعة: 1 / 292 مناقب الخلفاء الاربعة). - وكحديث معرفة الامام علي لصوت الخضر عليه السلام عندما جاء يعزي أهل البيت بموت النبي أخرجه البيهقي في الدلائل والغزالي في الاحياء عن ابن عمر وابن أبي الدنيا عن أنس والحاكم (راجع مشارق الانوار للحمزاوي: 77 الفصل الاول من الباب الاول - الخاتمة، والذخائر المحمدية: 394 عن البيهقي، ورسالة الزهر النضر: 216، وأنساب الاشراف: 1 / 564 ح 1145 ط. مصر و 2 / 239 المحمودي، والاصابة: 1 / 442، والمواهب اللدنية: 3 / 387، المطالب العالية: 4 / 259، وقصص الانبياء: 43) فرووه في أبي بكر (راجع ترجمته من تاريخ دمشق). - وحديث المودة المستفيض في حق علي وفاطمة والحسنين، رووه في حق أبي بكر (تفسير اية المودة: 56). - وحديث أهل بيتي أمان لامتي أخرج الحاكم عن المكندر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ضمن حديثه عن الصلاة قال: ثم رفع رأسه الى السماء فقال: (النجوم أمان لاهل السماء فإن طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون، وأنا أمان لاصحابي فإذا قبضت أتى أصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لامتي فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون) (مستدرك الصحيحين: 3 / 457 ذكر مناقب المكندر، ونوادر الاصول باختصار: 3 / 66 الاصل 222). فرووه مع قصة الصلاة ورفع رأس النبي الى السماء بلفظ: (وأصحابي أمنة لامتي.) (مسند أحمد: 4 / 399 ط. م و 5 / 543 ح 19072 ط. بيروت). - ومن ذلك سرقة رثاء فاطمة للنبي المشهور: (ماذا على من شم تربة أحمد) حيث نسبوه لعائشة (شرح الشمائل المحمدية: 2 / 231 ذيل باب ما جاء في وفاة النبي). (*)

[ 133 ]

بكر رضي الله عنه في الصلاة وهو مريض دليلا وإشارة إلى أنه الخليفة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: قد رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا (1). وثبت في الصحيح من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع اشياخ بدر، فقال بعضهم لم تدخل (2) هذا الفتى معنا ولنا ابناء مثله ؟ فقال: انه ممن قد علمتم.


(1) - الروايات متعارضة من طرقهم في الصلاة فالاكثر أن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي صلى راجع السنن الكبرى: 3 / 80 إلى 83، والمعجم الكبير: 2 / 89 ح 12634 ترجمة ابن عباس ما روى أبو عمر يحي بن عبيد عنه، والوفا بأحوال المصطفى: 793، وانساب الاشراف: 1 / 557 ح 1131 ط. مصر، وتاريخ الخميس: 2 / 163 - 164 بيعة أبي بكر من المواطن 11، وآفة أصحاب الحديث: 58 إلى 61). ورأي احمد ومذهب الشافعي ومالك ان الأمام كان النبي صلى الله عليه وآله وان ابا بكر مأموم (آفة أصحاب الحديث: 62). وبعضها على ان الرسول امر أبا بكر. وبعضها ان عائشة، وبعضها ان بلال عرضها على أبي بكر. وبعضها أن صلاته لم تكن عن طلب النبي صلى الله عليه وآله (المطالب العالية: 4 / 33). وبعضها أنه صلى عشرة أيام، مع أنهم روى انقطاع النبي عن الصلاة ثلاثة أيام. (الوفا بأحوال المصطفى: 792، ويؤيده بدء مرضه في 28 صفر ووفاته في 2 ربيع الاول (راجع تاريخ الطبري: 2 / 442، والوفا: 783 - 784). وقيل أن صلاة أبي بكر كانت مرة ويوما واحدا (آفة أصحاب الحديث: 57). ومن أراد مزيد بيان في ذلك فليرجع إلى ما كتبه ابن الجوزي في كتابه الموسوم ب‍ (آفة أصحاب الحديث: 75) فقد أبطل صلاة أبي بكر بالناس بأدلة محكمة. (2) - في نسخة: لم يدخل. (*)

[ 134 ]

قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني فقال: ما تقولون في إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا حتى ختم السورة، فقال بعضهم: امرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل شيئا، فقال لي: يا ابن عباس أكذا هو ؟ قلت: لا. قال: فما تقول ؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، يقول: إذا جاء نصر الله والفتح: فتح مكة، فذلك علامة اجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (1). فهذا فهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين وهم القدوة وبهم الاسوة. وفقنا الله لأتباعهم. إياك والاعتراض على ما تقدم بأخذ بني العباس بن عبد المطلب بن هاشم الخلافة وأنهم أقاموا خلفاء نيفا على خمسمائة وعشرين سنة فإن الخلافة إنما صارت إليهم بعدما ضعف أمر الدين وتخلخلت اركانه وتداول الناس أمر الأمة بالغلبة، فأخذها حينئذ بنو العباس بأيدي عجم أهل خراسان ونالوها بالقوة (2)


(1) - فتح الباري شرح البخاري: 8 / 24 ح 3627 و 6 / 779 ح 4294 كتاب المغازي باب 52 وكتاب المناقب باب 25، والمستدرك: 3 / 539 و 1 / 438. (2) - عجيب ومعاوية ألم يأخذها بالقوة والسيف ؟ ! ويزيد الفجور ؟ !.

[ 135 ]

ومناهضة الدول ومشاورة الملوك حتى ازالوا بعجم خراسان دولة بني أمية وتناولوا العز كيف كان، فما وصل أمر الأمة إلى أهل العدالة والطهارة ولا وليهم ذوو الزهادة والعبادة ولا ساسهم ارباب الورع والامانة بل استحالت الخلافة كسروية وقيصرية، بحيث أن ابراهيم الأمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لما وجه أبا مسلم الخراساني إلى دعاته بخراسان ووصاهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال له: إنك رجل منا أهل البيت احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم واسكن بين اظهرهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة في امرهم، وأما مضر فأنهم العدو القريب الدار واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله (1). فأين أعزك الله هذه الوصية من وصايا الخلفاء الراشدين لعمالهم (2). وتالله لو توجه أبو مسلم إلى أرض الحرب ليغزوا أهل الشرك بالله لما جاز أن يوصي بهذا، فكيف وإنما توجه إلى دار الاسلام وقتال ابناء المهاجرين والانصار وغيرهم من العرب، لينتزع (3) من أيديهم ما فتحه آباؤهم من أرض الشرك ليتخذ مال الله دولا وعبيده خولا، فعمل أبو مسلم بوصية ابراهيم الأمام حتى غلب على ممالك خراسان وتخطت عساكره إلى العراق، فيقال إنه قتل ستمائة


(1) - تاريخ الطبري: 6 / 22 - 28 حوادث سنة 129 ه‍. و 122 حوادث سنة 137 ه‍. (2) - إذا أراد الانسان أن يذكر كل ما وجد في التاريخ فحال كثير من الخلفاء سواء، إذ هدد بيت فاطمة بالاحراق وكسر سيف الزبير وقيد علي وضرب عمار وأبو ذر وغيرهم من بعض الخلفاء الراشدين أنفسهم ! ! (3) - في نسخة: لينزع. (*)

[ 136 ]

ألف انسان وسار في الناس بالعسف والجبرية. فمن سئ سيرته أنه لما قوي أمره وصار في عسكر ودخل مرو في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائة واستولى عليها اراد الغدر بنصر بن سيار وقد آنسه وبسطه وضمن له أن يكف عنه ويقوم بشأنه عند الامام، فبعث إليه مع لاهز بن قريط وسليمان بن كثير وعمران بن اسماعيل وداود بن كراز يعلمه أن كتابا اتاه من الامام يعده فيه ويمنيه ويضمن له الكرامة ويقول له إني أريد مشافهته، وقرأ كتاب الأمام عليه، يريد بذلك انه إذا أتاه قبض عليه، فلما أتته الرسل تلا لاهز قول الله تعالى: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك (1). فتنبه نصر على ما أراد من تحذيره، فقال: انا (2) صائر معكم إلى الأمير أبي مسلم، ودخل بستانا له كأنه يريد أن يلبس ثيابه ويركب دابته وهرب إلى الري، وسأل أبو مسلم عنه فأخبر بتلاوة لاهز الاية، فقال له: يا لاهز أعصبية في الدين ؟ قوما فاضربا عنقه، فضربت عنق لاهز. وكان سليمان بن كثير الخزاعي أحد نقباء الدعوة فقتله أبو مسلم، لأنه كره سيرته وأخذ عنقود عنب، فقال: اللهم سود وجه أبي مسلم كما سودت هذا العنقود واسقني دمه. وقال أيضا: حفرنا نهرا بأيدينا، فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء - يعني أبا مسلم.


(1) - القصص: 20. (2) - في نسخة: إني صائر معكم.

[ 137 ]

وقتل زياد بن صالح من أجل أنه بلغه عنه أنه يقول إنما بايعنا على اقامة العدل واحياء السنن، وهذا جائر ظالم يسير بسير الجبابرة وانه مخالف. وكان لزياد بلاء حسن في إقامة الدولة فلم يرع له، فغضب عيسى بن ماهان مولى خزاعة لقتل زياد ودعا لحرب أبي مسلم سرا، فاحتال عليه بأن دس إلى بعث ثقاته بقتله فكتب إليه أن رسول أمير المؤمنين - يعني السفاح - قد قدم على الأمير بخلع وبر له وللأولياء فسر الينا لتشركنا في أمرنا، فقدم عليه فأخذه وأدخله جوالق وضربه بالخشب حتى قتل. وكان افلح بن مالك بن اسماء بن خارجة الفزاري بخراسان وكان صديقا لأبي مسلم يلاعبه الشطرنج ويؤانسه وكان ذا قدر بخراسان فلما ظهرت الدعوة قدم على أبي مسلم وقال: قل للأمير أمين الامام (1) وصي وصي وصي وصي أتيتك لا طالبا حاجة ومالي في ارضكم من كفي فكان أبو مسلم يبره ويكرمه، ثم أمر بقتله فقيل له صديقك وأنيسك، فقال: رأيته ذا همة وابهة فقتلته مخافة أن يحدث حدثا، وكان لا يقعد على الأرض إذا قعدت على السرير، ولقد كان علي كريما وكنت له محبا، فعير أبو جعفر المنصور أبا مسلم بقتله فيما عيره به لما عزم على قتله (2). وكان أبو مسلم يخدم يونس بن عاصم فابتاعه منه بكير بن ماهان باربعمائة


(1) - في نسخة: قل للأمير أمين الانام. (2) - تاريخ الطبري: 6 / 127 سنة 137 ه‍. (*)

[ 138 ]

درهم وبعث به إلى ابراهيم الامام فلما ملك أبو مسلم مرو قدم عليه يونس بن عاصم فأكرمه غاية الاكرام، ثم دس إليه رجلا، فقال: سله عن حاله عندي ولم اكرمته ؟ فسأله فقال: كنت قهرمانا له ناصحا، فقال له: أبو مسلم أبيت إلا كرما، فقال: يا ابن اللخناء أردت أن أقول إنك كنت لي خادما فتقتلني، فبالله اسألك لو لم اقلب المعنى ما كنت فاعلا ؟ قال: قد كنت قدرت موضع خشبتك. قال: أكان هذا جزائي ؟ قال: ومن جازيناه بجزائه ؟ وضعت سيفي فلم يبق بر ولا فاجر إلا قتلته. ومثل هذا كثير وما زال يسعى بجهده حتى ازال دولة بني أمية، وأقيم عبيد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح فبعث عمه عبد الله بن علي لقتال مروان بن محمد فقتله (1). وبطش في أهل الشام بطش الجبارين وسار من الجور سيرة لم يسرها أحد قبله، وذلك انه لما هزم مروان بالزاب وغلب على بلاد الشام، وقتل أهل دمشق وهدم سورها، وسار إلى فلسطين نادى وهو على نهر ابن فطرس في بني أمية بالامان فاجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم. وقتل عبد الله جماعة منهم ومن اشياعهم وامر بنبش قبر معاوية بن أبي


(1) - الكامل في التاريخ: 3 / 497 حوادث 132 ه‍. (*)

[ 139 ]

سفيان فما وجد منه خط (1). ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد منه سلاميات رجله، ووجد من عبد الملك بن مروان بعض شؤون رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان ابني عبد الملك إلا رفات، ووجد هشام صحيحا إلا شيئا من أنفه وشيئا من صدغه فضرب عدة سياط وصلب، ووجدت جمجمة مسلمة بن عبد الملك فاتخذت غرضا حتى تناثرت، ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز، وجمع ما وجد في القبور وأحرق. وخطب عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، زوج هشام ابن عبد الملك بن مروان فأبت عليه التزويج فأمر بها فبقرت بطنها وجعلت حين أتى بها ليبقر بطنها وتقتل، تنشد: فقل للشامتين بنا افيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا (2) فهذه سيرة عبد الله بن علي (3). وولى السفاح ابن اخيه ابراهيم بن يحى بن محمد بن علي بن عبد الله سنة ثلاث وثلاثين ومائة الموصل فدخلها في اثني عشر ألفا فأول ما بدأ به أن دعا أهل الموصل فقتل منهم اثني عشر رجلا فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فنادى من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون إليه فأقام الرجال على أبواب الجامع وقتل الناس فيه قتلا ذريعا تجاوز فيه الحد وأسرف في المقدار، فيقال انه قتل احد عشر ألف انسان ممن له خاتم سوى من ليس في يده خاتم وهم عدد كثير جدا


(1) - وفي نسخة: خيط. (2) - ذكره ابن أبي الحديد باختصار في شرح النهج: 7 / 131. (3) - راجع تاريخ الطبري: 6 / 78 سنة 132 ه‍. خلافة أبي العباس، ومقاتل الطالبيين: 162. (*)

[ 140 ]

بحيث لم ينج من رجال الموصل من كثرتهم إلا نحو اربعمائة رجل صدموا الجند فأفرجوا لهم، فلما كان الليل سمع صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن فأمر من الغد بقتلهن، فاقام رجاله ثلاثة أيام يقتلون النساء والصبيان، وكان في عسكره قائد معه اربعة آلاف عبد زنجي، فأخذوا النساء قهرا، فلما فرغ ابراهيم من قتل الناس في اليوم الثالث ركب في اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فأخذت امرأة بلجام دابته فاراد أصحابه قتلها فكفهم عنها، فقالت له: ألست من بني هاشم، ألست ابن عم رسول الله ؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنوج، فلم يجبها وبعث معها من بلغها مأمنها، ثم جمع من الغد الزنوج للعطاء وقتلهم عن آخرهم، ثم أمر بان لا يترك في الموصل ديك إلا ذبح ولا كلب إلا عقر، فنفذ ذلك، فكانت هذه الفعلة لم نسمع بأقبح منها (1). إلا ما كان من السفاح فإن زوجته أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة بن عبد بن عمر بن مخزوم المخزومية قالت له: يا أمير المؤمنين لأي شئ استعرض ابن اخيك أهل الموصل بالسيف ؟ فقال لها: وحياتك ما ادري. ولم يكن عنده من انكار هذا الأمر الفظيع سوى هذا، ولعمري لقد فاق فرعون في فساده وأربى عليه في عتوه وعناده، وأن السفاح بما فعله ابن اخيه قد صار يسوم أمة محمد صلى الله عليه وسلم من سوء العذاب أشد وأقبح ما كان فرعون يسوم بني


(1) - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15 / 287 شرح كتابه الى معاوية رقم 28. (*)

[ 141 ]

اسرائيل منه. فكيف بها إذا ضمت مع ما حكاه البلاذري، قال: كان أبو العباس - يعني السفاح - يسمع الغناء فإذا قال للمغني أحسنت لم ينصرف من عنده إلا بجائزة وكسوة، فقيل له أن الخلافة جليلة فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ فاحتجب عنهم وكانت صلاته قائمة لهم. فأين هذا من الهدي النبوي وسير أئمة الهدى ؟ فما أبعده عن هداهم. ولله در القائل: نزلوا بمكة في قبائل نوفل ونزلت بالبيداء أبعد منزل وأما أبو جعفر عبد الله بن محمد المنصور (1) فأنه تزيا بزي الاكاسرة وجعل ابناء فارس رجالات دولتهم كبني برمك وبني نوبخت، واحدث تقيل الأرض وتحجب عن الرعية وترفع عليهم بحيث أن عقال بن شبة قال له: أحمد الله فقد جزت مدى (2) الخلفاء، فغضب المنصور فقال: كبرت يا عقال وكبر (3) كلامك. ففطن وقال: أجل لقد أحزن سهلي واضطرب عقلي وانكرني أهلي ولا أقوم هذا المقام بعد يومي، فلم يعش المنصور بعد ذلك إلا شهرين وأياما.


(1) - راجع تاريخ الطبري: 6 / 121 سنة 136 ه‍. خلافة أبي جعفر، ومقاتل الطالبيين: 166، والكامل في التاريخ: 3 / 521 حوادث 136 ه‍. (2) - في نسخه: هدى الخلفاء. (3) - في نسخة: وكثير كلامك. (*)

[ 142 ]

وحتى أن الربيع حاجبه ضرب رجلا شمت المنصور عند العطسة، فلما شكا ذلك إلى المنصور. قال: أصاب الرجل السنة، وأخطأ الادب. فأين قول أبي جعفر هذا من حديث النبوة الناطقة والامامة الصادقة، ووالله ما الادب كله إلا في السنة النبوية، فإنها هي الجامعة للادب النبوي والأمر الالهي، لكنه غلب على القوم الجبروت ودخلت النعرة في آنافهم وظهرت الخنزوانية بينهم، فسموا عوائد العجم أدبا وقدموها على السنة التي هي ثمرة النبوة فزادهم ذلك جفاء وقسوة. حتى أن أبا جعفر كان ممن بايع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ليلة تشاور بنو هاشم فيمن يعقدون له الامامة، وذلك حين اضطربت أمور بني أمية، فلما أقيم أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح في الخلافة وعهد بها عند وفاته لاخيه أبي جعفر عبد الله بن محمد المنصور وقام من بعده بالأمر أهمه أمر محمد بن عبد الله وأخيه ابراهيم وألح على أبيهما عبد الله بن الحسن أن يحضرهما إليه لما حج، وكان قد شردهما خوف جوره، ثم حبس عبد الله وعدة من بني الحسن ومعهم الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب، وجعل القيود والاغلال في أرجلهم وأعناقهم، وأركبهم محامل بغير وطاء وسار بهم كذلك من المدينة النبوية وطنهم ووطن آبائهم حتى قدموا عليه وهو بالربذة، فأمر بالديباج فشقت عنه ثيابه وضرب خمسين ومائة سوط فاصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك اكفف عن وجهي فإن له حرمة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 143 ]

فقال المنصور للجلاد: الرأس الرأس، فضرب على رأسه نحوا من ثلاثين سوطا فاصابا احدى عينيه سوط منها فسالت على خده ثم قتله (1). ومضى ببني حسن إلى الكوفة فسجنهم (2) بقصر بن هبيرة وأحضر محمد بن ابراهيم بن حسن واقامه، ثم بنى عليه اسطوانة وهو حي وتركه حتى مات جوعا وعطشا. ثم قتل أكثر من معه من بني حسن (3). وكان ابراهيم الغمر (4) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فيمن حمل مصفدا بالحديد من المدينة إلى الانبار. وكان يقول لأخوته عبد الله والحسن: أعوذ بالله من مناطيهن منايا تمنينا ذهاب سلطان بني أمية واستبشرنا بسلطان بني العباس ولم يكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه. وقد قتل أبو جعفر أيضا اسماعيل الديباج بن ابراهيم الغمر ومحمد بن ابراهيم، قيل دفنه حيا (5).


(1) - راجع مقاتل الطالبيين: 227 و 229 و 162، والكامل في التاريخ: 3 / 579 - 58 7 حوادث 145 ه‍.. (2) - الكامل في التاريخ: 3 / 562 و 559 حوادث 144 ه‍. (3) - مقاتل الطالبيين: 244. (4) - وفي نسخة: ابراهيم القمر. (5) - راجع مقاتل الطالبيين: 180 - 181 فقد ذكر انه دفن محمد بن ابراهيم حيا ولم يذكر عن اسماعيل. (*)

[ 144 ]

وكان لأبي القاسم الرسي بن ابراهيم طباطبا بن اسماعيل الديباج ضيعة بالمدينة يقال لها الرأس فلم يسمح له أبو جعفر بالمقام بها حتى طلبه، ففر إلى السند وقال: لم يروه ما أراق البغي من دمنافي كل أرض فلم يقصر من الطلب وليس يشفي غليلا في حشاه سوى أن لا يرى فوقها ابن لبنت نبي (1) وكتب صاحب السند إلى أبي جعفر انه وجد في خان بالمولتان مكتوبا: يقول: القاسم بن ابراهيم طباطبا العلوي انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن انتعلت الدم من المشي، وقد قلت: عسى منهل يصفو فتروى ظمئة اطال صداها المشرب المتكدر عسى جابر العظم الكسير بلطفه سيرتاح للعظم الكسير فيجبر عسى صور أمسى لها الجور حاقناسيبعثها عدل بحي فتظهر عسى الله لا تيأس عن الله انه ييسر منه ما يعز ويعسر فكتب إليه: قد فهمت كتابك وأنا وعلي وأهله كما قيل: نحاول اذلال العزيز لانه بدانا بظلم واستمرت مرائره واستحلف ريطة امرأة ابنه محمد المهدي أن لا تفتح بيتا عرضه عليها إلا مع المهدي بعد وفاته، ففتحته مع المهدي فإذا فيه من قتل من الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وفيهم أطفال فأمر المهدي فحفرت لهم حفرة ودفنوا فيها.


(1) - في نسخة: أن لا يرى فوقها ابنا لبنت نبي. (*)

[ 145 ]

فأين هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمدية وسيرة ائمة الهدى ؟ وأين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من النبوة ؟ (1). وتالله ما هذا من الدين في شئ، بل هو من باب قول الله سبحانه: فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (2). وكان أبو الجهم بن عطية مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وأعظمهم غناء وهو الذي أخرج أبا العباس السفاح من موضعه الذي أخفاه فيه أبو سلمة حفص ابن سليمان الخلال وحرسه، وقام بأمره حتى بويع بالخلافة فكان أبو العباس يعرف له ذلك وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه، فلما استخلف أبو جعفر المنصور وجار في احكامه قال أبو الجهم: ما على هذا بايعناهم إنما بايعناهم على العدل، فأسرها أبو جعفر في نفسه، ودعاه ذات يوم فتغدى عنده، ثم سقاه شربة من سويق لوز. فلما وقعت في جوفه هاج به وجع فتوهم أنه قد سم، فوثب فقال له المنصور: إلى أين يا أبا جهم ؟ فقال: إلى حيث أرسلتني، ومات بعد يوم أو يومين فقال: احذر سويق اللوز لا تشر بنه فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم وأما غدره بأبي مسلم فغير خاف على رواة الاخبار (3).


(1) - كل ذلك لا يقاس بقتل ابن رسول الله الحسين وأهل بيته عليهم السلام. (2) - محمد: 22. (3) - راجع الكامل في التاريخ: 3 / 526 حوادث 136 ه‍. (*)

[ 146 ]

وكان أشد ما يحقده عليه كتابه إليه: (أما بعد فاني اتخذت اخاك إماما وكان في قرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم ومحله من العلم على ما كان، ثم استخف بالقرآن وحرفه طمعا في قليل من الدنيا، قد نعاه الله لاهله ومثلت له ضلالته على صورة العدل، فأمرني أن اجرد السيف وآخذ بالظنة ولا أقبل معذرة، وأن أسقم البرئ، وأبرئ السقيم، وأتر أهل الدين في دينهم، وأوطأني في غيركم من أهل بيتكم العشوة بالافك والعدوان، ثم أن الله حمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكره إلي الحوبة، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه، وإن يعاقب فبذنوبي وما الله بظلام للعبيد) (1). فكتب إليه أبو جعفر: (قد فهمت كتابك وللمدل على أهل بيته بطاعته ونصرته ومحاماته وجميع بلائه مقال، ولم يرك الله في طاعتنا إلا ما تحب، فراجع أحسن نيتك وعملك ولا يدعونك ما انكرته إلى التجني، فإن المغيظ ربما تعدى في القول فاخبر بما لا يعلم، والله ولي توفيقك وتسديدك فاقدم رحمك الله مبسوط اليد في أمرنا، محكما فيما هويت الحكم فيه ولا تشمت الاعداء بك وبنا إن شاء الله). فقدم عليه وقتله (2). فانظر أعزك الله إلى كتاب أبي مسلم يفصح لك عن سيرة القوم ولن تجد أخبر بهم منه، ثم انظر إلى كتاب أبي جعفر جوابا له، كيف لم ينكر عليه ما رماهم به ولا كذبه في دعواه، ذلك يحقق عندك صدقه ولا يوحشنك هذا من أخبارهم. بل ضمه إلى وصية ابراهيم الامام تجدهما قد خرجا من آل واحد، وكان


(1) - الكامل في التاريخ: 3 / 528. (2) - الكامل في التاريخ: 3 / 532. (*)

[ 147 ]

عبد الله بن دادبه وهو المقفع قد كتب لعبد الله بن علي أمانا حين اجاب أبو جعفر إلى أمانه، فكان فيه فإن عبد الله (ابن) (1) عبد الله أمير المؤمنين لم يف بما جعل لعبد الله بن علي فقد خلع نفسه والناس في حل وسعة من نقض بيعته، فانكر أبو جعفر ذلك واكبره واشتد له غيظه على ابن المقفع، وكتب إلى أبي سفيان بن معاوية عامله على البصرة: اكفني ابن المقفع. ويقال انه شافهه بذلك عند توديعه إياه، فجاءه ابن المقفع يوما فأدخله حجرة، ثم سجر له تنورا فألقاه فيه وهو يصيح: يا أعوان الظلمة، وقيل انه ألقي في بئر وأطبق عليه حجر وقيل ادخل حماما فلم يزل فيه حتى مات، وقيل دقت عنقه وقطع عضوا عضوا، وألقيت اعضاؤه في النار وهو يراه، ويصيح صياحا شديدا، وقيل ألقي في بئر النورة في الحمام وأطبق عليه صخرة فمات. وشكا بنو علي بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى أبي جعفر المنصور، فأمر بحمل سفيان إليه، فلما جئ به وجاء عيسى بن علي وغيره ليشهدوا عليه أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج وصرفت دوابه وغلمانه يصرخون وينعونه، وجاء عيسى بتاجرين يثبتون الشهادة على قتله، فقال لهم المنصور: أرأيتكم أن اخرجت ابن المقفع اليكم ماذا تقولون ؟ فانكسروا عن الشهادة وكف عيسى عن الطلب بدم ابن المقفع (2). وكان سديف بن ميمون ومولى آل أبي لهب (3) مائلا إلى أبي جعفر، فلما


(1) - كلمة: ابن، ليست في الاصل. (2) - المنتظم لابن الجوزي: 8 / 56 - 57 سنة 144 ه‍ ذكر عبد الله بن المقفع رقم 759. (3) - بهامش الاصل مكتوب: آل المهلب. (*)

[ 148 ]

استخلف وصله بالف دينار، ثم انه اتصل بمحمد وابراهيم ابني عبد الله بن حسن حتى قتلا، فاختفى حتى آمنه عبد الصمد بن علي والي المدينة، فلما قدمها أبو جعفر جد في طلبه حتى ظفر به، فجعله في جوالق وضرب حتى كسر، ثم رمي في بئر وبه رمق حتى مات. فهذا وأمثاله من سيرته خلاف سنن الهدى. وكان الفضل بن الربيع يمنع عائد الخليفة أن يسأل عن شئ يقتضي جوابا ويقول اجعلوا عيادتكم دعاء فإذا اردت أن تقول: كيف أصبح الأمير، فقل: صبح الله الأمير بالكرامة، وإن أردت السؤال عن حاله، فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب، وإن لم يجبك اشتد عليك، وإن أجابك اشتد عليه، وكانت الخلفاء إذا عطست شمتت، فعطس هارون الرشيد فشمته رجل. فقال له الفضل: لا تعد أتكلف أمير المؤمنين ردا وجوابا، فجروا على ذلك فيما بعد. وهذا المأمون (1) عبد الله بن هارون الرشيد قد أثر في الاسلام اقبح أثر وهو أنه عرب كتب الفلسفة حتى كاد بها أهل الزيغ والالحاد الاسلام وأهله، وحمل مع ذلك الناس كافة على القول بخلق القرآن (2) وامتحنهم فيه اشد محنة، وأكثر من شراء الاتراك وتغالى في أثمانهم حتى كان يشتري المملوك منهم بمائتي ألف درهم.


(1) - راجع الكامل في التاريخ: 4 / 118 وما بعدها حوادث 196 ه‍، وتاريخ الطبري: 7 / 116 حوادث 198 ه‍. (2) - راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي: 308. (*)

[ 149 ]

واقتدى به اخوه أبو اسحاق المعتصم فاشتد على الناس في امتحانهم بالقول بخلق القرآن وانتهك اعراضهم وبرح بالضرب الشديد أبشارهم وأخرج العرب قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أقام الله بهم دين الاسلام من الديوان وأسقط عطاءهم، فسقط ولم يفرض لهم بعده عطاء وأقام بدلهم الاتراك، وخلع لباس العرب وزيهم، ولبس التاج وتزيا بزي العجم الذين بعث الله نبيه محمد بقتلهم وقتالهم فزالت به وعلى يديه الدولة العربية، وتحكم منذ عهده وأيام دولته الاتراك الذين أنذر الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فغلبوا من بعده على الممالك وسلطهم الله على ابنه جعفر المتوكل فقتلوه، ثم قتلوا ابن ابنه احمد المستعين وتلاعبوا بدين الله وتغلبوا على الاطراف كلها. وفعل المتوكل (1) جعفر بن المعتصم في خلافته من الانهماك في الترف المنهي عنه ما يقبح مثله من آحاد الرعية، وجهر بالسوء من القول في أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى قتله الله بيد أعوانه وأنصار دولته. فقام من بعده ابنه محمد المنتصر (2) فاتى بطامة لم يسمع في الجور نظيرها وهو أنه كتب إلى الافاق بأن لا يقبل علوي ضيعة ولا يركب فرسا إلى طرفة من الاطراف، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد، إلا العبد الواحد، ومن كان بينه وبين احد من الطالبيين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه ولم يطلب بينة، وقرئ هذا الكتاب على منبر مصر. فبالله هل سمع في اخبار الجائرين أهل العناد والشقاق بمثل ما أمر به هذا


(1) - تاريخ الطبري: 7 / 341 حوادث سنة 232 ه‍، والكامل في التاريخ: 4 / 305. (2) - تاريخ الطبري: 7 / 400 حوادث سنة 247 ه‍، والكامل في التاريخ: 4 / 347. (*)

[ 150 ]

الجائر، لا جرم أن الله اخذه ولم يمهله فكانت دولته ستة اشهر. وما زالت أمور الاسلام تتلاشى والدولة تضعف، إلى أن انتقل الملك والدولة في آخر أيام المتقي ابراهيم بن جعفر المقتدر، وأول أيام خلافة المستكفي (1) عبد الله بن المكتفي من بني العباس إلى بني بويه الديلمي (2). فلم يبق بيد بني العباس من الخلافة إلا اسمها فقط، من غير تصرف في ملك بحيث صار الخليفة منهم في مدة الدولة البويهية، ثم في الدولة السلجوقية إنما هو كأنه رئيس الاسلام، لا انه ملك ولا حاكم، تتحكم فيه الديلم ثم السلجوقية كتحكم المالك في مملوكه كما هو معروف في كتب التاريخ. وما زالت ضعفة بني العباس مع الديلم ومع الاتراك منذ استولى معز الدولة أحمد بن بويه ببغداد في جمادى الاولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة تحت الحكم إلى أن قتلوا عن آخرهم وسبي حريمهم وهدمت قصورهم وهلكت رعاياهم على يد عدو الله هولاكو (3). وكانوا هم السبب في ذلك كما قد ذكر في سيرة الناصر احمد بن المستضئ (4). وقد ثبت في الصحيح في حديث معاوية انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا اكبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين (5).


(1) - الكامل في التاريخ: 5 / 250 حوادث 332. (2) - في نسخة: الديلم. (3) - الكامل في التاريخ: 5 / 267 حوادث 334 ه‍. (4) - راجع الكامل في التاريخ: 7 / 212 حوادث سنة 566 ه‍. (5) - فتح الباري شرح البخاري: 6 / 661 ح 3500 كتاب المناقب باب 2، المعجم الصغير: 1 / 80، والمعجم الكبير: 19 / 338، وكنز العمال: 5 / 596 ح 14059. (*)

[ 151 ]

وروى وكيع عن كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر قريش إن هذا الأمر لا يزال فيكم حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه، فإذا فعلتم ذلك سلك الله عليكم شر خلقه، فالتحوكم كما يلتحي القضيب (1). وهو حديث مرسل وعبيد الله هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو عبد الله الهذلي المدني الاعمى، احد الفقهاء السبعة، مات سنة تسع وتسعين. وقد اتفق في الخلافة الاسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذة بالقذة. وذلك أن العرب كلها ترجع إلى قحطان وعدنان، فيقال لسائر قحطان اليمن، ويقال لسائر بني عدنان المضرية والنزارية وهي قيس، والعرب كلها على ست طبقات شعوب وقبائل وعمائر وبطون وأفخاذ وفصائل وما بينهما من الاباء يعرفها أهلها، قال جلت قدرته يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (2). فالشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أكبر من القبيلة، وقيل الشعب هو الحي العظيم، مثل ربيعة ومضر والاوس والخزرج سموا بذلك لتشعبهم واجتماعهم كتشعب أغصان الشجر، وقيل الشعب القبيلة نفسها (3). وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم حتى قيل لمحتقر أمر العرب


(1) - المعجم الاوسط: 4 / 103. (2) - الحجرات: 13. (3) - لسان العرب: 1 / 497 - 498 لفظة شعب من حرف الباء. (*)

[ 152 ]

شعوبي. والقبائل جمع قبيلة، والقبيلة من الناس بنو أب واحد وهي دون الشعب، كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، وقيل القبيلة الجماعة التي تكون من واحد، ويقال لكل جمع على شئ واحد قبيل (1). قال تعالى: انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم (2). واشتقت القبيلة من قبائل الشجر وهي اغصانها، وقيل اخذت من قبائل الرأس وهي أطباقها الاربع، لأن العمائر تقابل عليها والعمائر واحدها عمارة وهي اصغر من القبيلة، وقيل العمارة هي الحي العظيم الذي يقوم بنفسه فدودان (3) (4) ابن اسد عمارة، فالشعب يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطون واحدها بطن (5) وهو دون القبيلة، وقيل دون الفخذ وفوق العمارة فالبطن يجمع الافخاذ. وفخذ الرجل حيه من أقرب عشيرته إليه، ثم الفخذ يجمع الفصائل (6). وفصيلة الرجل عشيرته ورهطه الادنون، وقيل الفصيلة أقرب آباء الرجل إليه، فكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن وهاشم فخذ، وبنو العباس


(1) - لسان العرب: 5 / 540 حرف اللام لفظه قبل. (2) - الاعراف: 27. (3) - لسان العرب: 5 / 541. (4) - في نسخة: ذودان. (5) - لسان العرب: 6 / 54 حرف النون لفظة بطن. (6) - لسان العرب: 2 / 501 - 502 حرف الذال لفظة فخذ. (*) (*)

[ 153 ]

فصيلة (1). كما أن الله جعل العرب شعوبا وقبائل فقد جعل بني اسرائيل اسباطا فالسبط من بني اسرائيل كالقبيلة من العرب وبنو اسرائيل وهو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل صلوات الله عليهم إثنا عشرة سبطا، وهم يوسف النبي، وبنيامين، وكاد، ويهوذا، ونفتالى، وزبولون، وشمعون، وروبين، ويساخار، ولاوي، وذان، وياشر، فكل ولد من هؤلاء الاثني عشر يقال له سبط، ومنهم كلهم سائر بني اسرائيل. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن موسى صلوات الله عليه هو موسى بن عمران ابن قاهت بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم فهو من سبط لاوي، فلما مات لم يخلفه في اسرائيل احد من سبط لاوي الذين هم قرابته القريبة، وإنما خلفه يوشع وهو سبط افرائم بن يوسف وهو بعيد من سبط لاوي، وذلك انه يوشع بن نون بن اليشماع بن عميهود بن لعدان بن تالح بن راشف بن بريعا بن افرائم بن يوسف النبي بن يعقوب عليهما السلام، وهكذا وقع في الاسلام. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد بني هاشم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بلا خلاف في ذلك (2)، ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يخلفه في أمته


(1) - لسان العرب: 5 / 522 حرف اللام لفظة فصل. (2) - راجع تاريخ الطبري: 2 / 13 ذكر نسب رسول الله، والكامل في التاريخ: 1 / 457. (*)

[ 154 ]

أحد من بني هاشم الذين هم أقرب العرب إليه، بل خلفه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو من بني تيم بن مرة بن كعب، فانه أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، فانظر كيف كان أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البعد من جذم (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم كبعد يوشع من أصل موسى عليه السلام. فإن أبا بكر رضي الله عنه إنما يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب بن لؤي بعد عدة آباء، وكذلك يوشع إنما يلتقي مع موسى في يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم صلى الله عليه وسلم بعد عدة آباء. وكما أنه قام بأمر بني اسرائيل بعد يوشع خليفة موسى جماعة مختلفوا الانساب بعضهم من سبط يهوذا وبعضهم من سبط يساخار، وبعضهم من سبط بنيامين، وبعضهم من سبط منشابن يوسف وبعضهم من سبط غاث (2) وبعضهم من سبط ذان، كذلك قام بالخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه جماعة مختلفة أنسابهم، بعضهم من بني عدي وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح (3) بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب. وبعضهم من بني أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص.


(1) - الجذم: الاصل. (2) - في نسخة: كاد. (3) - في نسخة: رباح بالباء الموحدة. (*)

[ 155 ]

وبعضهم من بني هاشم وهما علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وابنه الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي. وبعضهم من بني أمية بن عبد شمس وهم معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية وابنه يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وبعضهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب وهو عبد الله بن الزبير بن العوام بن أسد بن عبد العزى. وبعضهم من بني الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهم مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وبنوه. وكما أن بني اسرائيل استقر أمرهم بعد من ذكرنا في يهوذا كذلك استقرت الخلافة بعد من ذكرنا في بني العباس، وكما أن يهوذا عم موسى عليه السلام، كذلك العباس ابن عبد المطلب بن هاشم وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما أن يهوذا قدمه يعقوب على اخوته وبشره ومدحه، كذلك العباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ي‍ وكما أن أمر بني اسرائيل افترق في دولة بني يهوذا وصار بعد موت سليمان ابن داود عليهما السلام فرقتين فرقة بالقدس مع ابنه رحبعم بن سليمان وهم يهوذا وسبط بنيامين، وفرقة بشمرون مع يربعان بن نباط، وهم بقية الاسباط. كذلك لما صارت الخلافة في بني العباس افترق أمر الامة فصار في الانبار،

[ 156 ]

ثم في بغداد بنو العباس، وفي الاندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم وبنوه من بعده، فلم تدخل الاندلس تحت طاعة بني العباس، كما لم تدخل شمرون تحت حكم سبط يهوذا، وكما أن مدينة القدس التي هي دار ملك بني يهوذا كانت تدعى أورشليم ومعناه دار السلام، كذلك بغداد دار ملك بني العباس كان يقال لها دار السلام. وكما أن دولة يربعام من بعده بشمرون التي عرفت اليوم بنابلس إنقرضت قبل دولة بني يهوذا بالقدس فإنها لم تقم غير مائتين واحدى وستين سنة، فكذلك دولة بني أمية بالاندلس فإنها انقرضت قبل انقراض دولة بني العباس فكانت مدتهم مائتين وسبع وستين سنة. وكما أن دولة بني يهوذا بالقدس أقامت من عهد داود عليه السلام وهو أول من ملك منهم إلى أن انقرضت نحوا من خمسمائة سنة، فإنها أقامت أربع مائة وعشر سنين، كذلك بنو العباس اقامت خلافتهم منذ أبي العباس عبد الله السفاح أول قائم منهم إلى أن انقرضت أيامهم خمسمائة وأربعا وعشرين سنة. وكما أن دولة بني يهوذا انقرضت على يد بخت نصر فانه سار إليهم من بلاد المشرق وقاتلهم وهدم مدينة القدس دار ملكهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم، فكذلك زالت دولة بني العباس على يد هولاكو لما قدم إلى بغداد من بلاد المشرق فقتل الرجال وسبى النساء. وكما أن أمر بني اسرائيل لم يجتمع بعد زوال دولتهم لواحد يقوم بدينهم كذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تجتمع بعد انقراض خلافة بني العباس لواحد بل صار في

[ 157 ]

كل قطر ملك. وكما عاد لبني اسرائيل بعد ازالة بخت نصر دولتهم ملك كانوا فيه تحت يد اليونان وغيرهم مدة عمارة بيت المقدس بعد عودهم من الجالية، كذلك أقام الاتراك ملوك مصر رجلا من بني العباس جعلوه خليفة وليس له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة. وكما أن بني اسرائيل قوم موسى عليه السلام قطعهم الله في الأرض أمما، كذلك قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في أقطار الأرض وصاروا رعية ورعايا ليس لهم ملك ولا دولة. وكما أن انساب بني إسرائيل جهلت باسرها إلا بعض بني يهوذا فإن نسبهم يتصل بداود عليه السلام، كذلك قريش جهلت في هذه الايام انساب جميع بطونها إلا ما كان من بني حسن وحسين، فإن أنساب كثير منهم متصلة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1). فانظر أعزك الله كيف تشابه أمر هذه الأمة المحمدية بامر الأمة الموسوية، وقد انذر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا من أعلام نبوته كما بينته في كتاب


(1) - الحديث عن انقطاع الانساب الا نسب النبي متواتر راجع مسند البزار: 1 / 397 ح 274، وتاريخ اصبهان: 1 / 241، وفضائل الصحابة: 2 / 625 - 626، والمستدرك: 3 / 142، وكنز العمال: 11 / 409 ح 31914 و 13 / 624 ح 37586، وتلخيص الحبير: 3 / 143 ح 1477 رواه عن ابن عمر وعمر والمسور وابن عباس وعبد بن الزبير وقال: اخرجه البزار والحاكم والطبراني والدارقطني في العلل وابن اسحاق وابن السكن في صحاحه والبيهقي وابو نعيم. (*)

[ 158 ]

إمتاع الاسماع بما للرسول من الابناء والاحوال والحفدة والمتاع صلى الله عليه وسلم. ثبت في غير موضع من الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم). قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال فمن ؟ هذا لفظ مسلم (1). ولفظ البخاري: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراعا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم)، الحديث بمثله (2). وفي لفظ له: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه). قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ (3)


(1) - صحيح مسلم كتاب العلم باب 3 ح 4822. (2) - فتح الباري شرح البخاري: 13 / 371 ح 3720 كتاب المناقب باب 2، والمستدرك: 1 / 37، وتفسير الطبري: 10 / 122. (3) - فتح الباري شرح البخاري: 6 / 613 ح 3456 كتاب أحاديث الانبياء باب 50، والمستدرك: 1 / 37، وتفسير ابن كثير: 4 / 144. (*)

[ 159 ]

دخلوا جحر ضب تبعتموهم)، الحديث بمثله (2). وفي لفظ له: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه). قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ (3)


(1) - صحيح مسلم كتاب العلم باب 3 ح 4822. (2) - فتح الباري شرح البخاري: 13 / 371 ح 3720 كتاب المناقب باب 2، والمستدرك: 1 / 37، وتفسير الطبري: 10 / 122. (3) - فتح الباري شرح البخاري: 6 / 613 ح 3456 كتاب أحاديث الانبياء باب 50، والمستدرك: 1 / 37، وتفسير ابن كثير: 4 / 144. (*)

[ 159 ]

ولبقي ابن مخلد من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم باعا بباع وذراعا بذراع وشبرا بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم معهم). قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن (1). والله أعلم. (تم وكمل بحمد الله وبعونه وصلى الله على سيدنا محمد) (وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين)


(1) - سنن ابن ماجة 2 / 1322 ح 3994 كتاب الفتن باب افتراق الامم، وتهذيب تاريخ دمشق: 4 / 389. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية